تلخيصُ التَمهيد
موجز دراسات مبسّطة عن مختلف شؤون القرآن الكريم
تمتاز هذه الطبعة بإضافات ذوات أهمّية كبيرة وتنقيح كثير
تأليف:
محمّد هادي معرفة
الجزء الأوّل
مؤسّسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة
تلخيصُ التَمهيد
(ج 1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلْقه محمّد الأمين، وعلى آله الطاهرين المنتجبين.
وبعد، لا يخفى على أُولي البصائر والأذهان اشتمال كتاب الله الكريم، ومعجزة الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على كنوز المعارف الإلهية، وجواهر العلوم الربّانية التي أركعت أرباب العقول المتوقّدة من الحكماء والعلماء في مختلف الفنون والمعارف أمام عظمتها وسِعتها، فقد انطوت آيات الكتاب الحكيم على الرموز والإشارات واللطائف والحِكم ما لا تحويه عقول البشر، مضافاً إلى التشريعات والقوانين وقصص الأنبياء والصالحين وأخبار الأمم من الغابرين وعلوم المبدأ والمعاد، بحيث ما من مرتبة من مراتب العلم الحسّي والمعنوي يرتقي إليها المحقّقون والمكتشفون، إلاّ وتجد القرآن قد سبقهم إليها وأشار إليها من قريب أو بعيد، فهو بحقّ الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه تبيان كلّ شيء ورحمة وشفاء لمَا في الصدور.
ومنذ الأيام الأُولى لنزول القرآن، اهتمّ المسلمون بدراسة شؤون وملابسات الآيات القرآنية، وما يتعلّق بها من علوم ومعارف أعمّ من شأن النزول، ومعرفة المعاني والمحكَم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، مضافاً إلى القراءات والنكات الأدبية والبلاغية وغيرها، ولكن كانت بشكلٍ بدائيّ، وأخذت بمرور الزمن تتطوّر
وتزداد سعةً وعمقاً، حتّى صار البحث في هذه العلوم منضوياً تحت علمٍ مستقلّ أُطلق عليه بـ (علوم القرآن)، فكُتبت العشرات من الكتُب في مسائله المتنوّعة، وتضاربت الآراء، وطُرحت النظريات المتعدّدة والدراسات المختلفة على اختلاف مذاهب أصحابها.
ولأهمّية هذه العلوم لم يغفل علماء الشيعة عنها، فلم يمرّوا بباب من أبوابها إلاّ وأشبعوه بحثاً واستدلالاً، فصنّفوا وأتقنوا، وكان كتاب (التمهيد في علوم القرآن) للأستاذ المحقق الشيخ محمّد هادي معرفة (أيّده الله)، يمثّل أصدق نتاج في هذا المضمار، ولمّا كان البحث فيه بشكلٍ موسَّع ومبسوط رأى المؤلّف - ونزولاً عند رغبة مديرية الحوزة العلمية في قم المشرّفة - أن يُلخّص ما جاء فيه من الأبحاث بشكلٍ يناسب ومستوى الدراسة في المعاهد الإسلامية والحوزات العلمية في مراتبها الأوّلية، فجمعَ كلَّ ما ورد في أصل الكتاب في جِلدين بأسلوب جزلٍ واختصارٍ غير مخلٍّ.
والطبعة الماثلة بين يديك - عزيزنا القارئ - هي طبعة منقّحة وأُدخلت عليها بعض الإضافات، وحُذف البعض الآخر بقلم المؤلّف، وبذلك سدّ ما كان في الطبعة الأولى للتلخيص من فجوات وثغور فجاء كاملاً، ولبلوغ الغاية ونيل المطلوب موصّلاً إن شاء الله.
ونحنُ إذ نُقدِم على طبع هذا الكتاب بحلّته الجديدة، لا يفوتنا أن نتقدّم بخالص دعائنا لسماحة الشيخ المؤلّف، وأن يمدّ في عُمره وينفع به أمّته، ونتقدّم كذلك بشكرنا للإخوة الذين شاركونا في تنظيم هذا الكتاب، نخصّ بالذِكر فضيلة الأخ الحاج كمال الكاتب حفظه الله وزاد في توفيقه.
اللّهم نوّر قلوبنا بالقرآن، ووفّقنا للعمل به وبيّض وجوهنا يوم نلقاك، وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
مؤسّسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة
مقدمة المؤلّف
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه وآله وعلى رواة سُنّته، وحَمَلة أحاديثه وحَفظة كلِمه.
وبعد، كانت دراستنا لعلوم القرآن - سواء في الأجزاء المطبوعة من التمهيد أمْ غير المطبوعة، وهي تربو على ستّة مجلّدات - دراسة مستوعبة فيها تفصيل وتبسيط شامل، كان يتناسب والتحقيق في المسائل القرآنيَّة، شأن أيِّ موضوع ذي أهمّية بالغة، ولكنَّه كان فوق الحدّ اللازم للدراسات الرتيبة في المعاهد العلمية.
ومن ثَمَّ كنت قد قصدت من أوّل الأمر أن أُلخّصها في دروس متناسبة مع المستويات الدراسية في المعاهد، لولا أنَّ متابعة البحوث المتتالية كانت تعوقني عن إنجاز هذه المهمَّة، وفي هذا الأخير قد طلبَتْ منّي مديرية شؤون الحوزة العلميَّة بقم المقدَّسة تحقيق هذا المهمّ؛ لاستدعاء ضرورة الدراسات الطلاّبية ذلك، فوعدتهم بالإنجاز بعونه تعالى، فاغتنمت فرصة العطلة الصيفية لهذا العام (1409هـ) في قرية (فردو - من مصايف قم)؛ لإنجاز الوعد وتحقيق تلك الأُمنية القديمة، فجاءت بحمد الله كاملة ووافية بأصول البحث وفروعه بما يشبع نَهَم المتعلّمين في شؤون القرآن الكريم، فله الشكر على هذا التوفيق، جعله الله خير رفيق.
قم المقدّسة
محمّد هادي معرفة
ذو الحجّة الحرام 1409هـ
الوحي والقرآن
1 - ظاهرة الوحي.
2 - نزول القرآن.
3 - معرفة أسباب النزول.
4 - كُتّابُ الوحي.
1 - ظاهرةُ الوحي
- الوحي في اللّغة.
- الوحي في القرآن.
- إمكان الوحي.
- الوحي عند فلاسفة الغرب.
- أنحاء الوحي الرسالي.
- موقف النبي (صلّى الله عليه وآله) من الوحي.
- النبوَّة مقرونة بدلائل نيِّرة.
- قصَّة ورقة بن نوفل.
- الوحي لا يَحتمل التباساً.
- أُسطورة الغرانيق.
ظاهرةُ الوَحي
الوَحي في اللغة:
الوَحي: إعلام سريع خفيّ، سواء أكان بإيماءة أو همسة أو كتابة في سرّ، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك في سرعة خاطفة حتى فَهِمه فهو وحيٌ، قال الشاعر:
نظرتُ إليها نظرة فتحيَّرتْ |
دقائق فكري في بديع صفاتها |
|
فأوحى إليها الطَرْف أنّي أُحبها |
فأثَّر ذاك الوحي في وَجَناتها |
وقال تعالى عن زكريّا (عليه السلام): ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْـرَةً وَعَشِيّـاً ) (1) ، أي أشار إليهم على سبيل الرمز والإيماء.
قال الراغب : أصل الوحي، الإشارة السريعة، ولتضمّن السرعة قيل: أمرٌ وحِيٌّ (أي سريع)، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرّد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة (2) .
وقال ابن فارس : و، ح، ي، أصل يدلّ على إلقاء علم في إخفاء أو غيره، والوحي: الإشارة، والوحي: الكتاب والرسالة، وكلّ ما ألقيتَه إلى غيرك حتّى
____________________
(1) مريم: 11.
(2) المفردات للإصبهاني: ص515.
عِلمه فهو وحي، كيف كان (1) .
ولعلَّ هذا التعميم في مفهوم الوحي - عند ابن فارس - كان في أصل وضْعه، غير أنّ الاستعمال جاء فيما كان خفيّـاً.
قال أبو إسحاق: أصل الوحي في اللغة كلّها: إعلام في خَفاء؛ ولذلك سُمّي الإلهام وحياً.
وقال ابن بري: وحى إليه وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحى وأوحى: أومأ، قال الشاعر:
فأوحت إلينا والأنامل رُسُلها (2) أي: أشارت بأناملها.
الوحي في القرآن:
واستعمله القرآن في معانٍ أربعة:
1 - نفس المعنى اللُغَوي: الإيماءة الخفية، وقد مرّ في آية مريم.
2 - تركيز غريزيّ فطريّ، وهو تكوين طبيعيّ مجعول في جِبلَّة الأشياء، استعارة من إعلام قوليّ لإعلام ذاتيّ، بجامع الخفاء في كيفية الإلقاء والتلقّي، فبما أنَّ الوحي إعلام سرّي، ناسب استعارته لكلّ شعور باطنيّ فطريّ، ومنه قوله تعالى: ( وَأَوْحَى رَبّكَ إِلَى النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً ) (3) ، فهي تنتهج وفْق فطرتها، وتستوحي من باطن غريزتها، مذلَّلة لِما أُودع فيها من غريزة العمل المنتظم، ومن ثَمَّ فهي لا تحيد عن تلك السبيل.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ( وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) (4) أي: قدّر، وقد استوحى العجاج هذا المعنى من القرآن في قوله:
أوحى لها القرار فاستقرَّت |
وشدَّها بالراسيات الثُبَّت (5) |
____________________
(1) معجم مقاييس اللغة: ج6، ص93.
(2) لسان العرب لابن منظور.
(3) النحل: 68 و69.
(4) فصّلت: 12.
(5) لسان العرب لابن منظور.
3 - إلهامٌ نفسيّ، وهو شعور في الباطن، يحسّ به الإنسان إحساساً يخفى عليه مصدره أحياناً، وأحياناً يُلهم أنَّه من الله، وقد يكون من غيره تعالى.
وهذا المعنى هو المعروف عند الروحيّين بظاهرة (التلباثي: التخاطر من بعيد)، وهو خطور باطنيّ آنيّ لا يُعرف مصدره، قالوا: إنَّها فكرة تنتقل من ذهن إنسان إلى آخر، والمسافة بينهما شاسعة، أو إلقاء روحي من قِبل أرواح عالية أو سافلة (1) ، وقيل: إنَّها فكرة رحمانيّة تُوحيها الملائكة، تنفثها في رَوع إنسان يريد الله هدايته، أو وسوسة شيطانية تُلقيها أبالسة الجِنّ؛ لغرض غوايته.
* * *
ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنّا رَادّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (2) .
قال الأزهري: الوحي هنا: إلقاء الله في قَلْبها، قال: وما بعد هذا يدلّ - والله أعلم - على أنّه وحي من الله على جهة الإعلام، للضمان لها ( إِنّا رَادّوهُ إِلَيْكِ ) ، وقيل: إنَّ معنى الوحي هنا: الإلهام، قال: وجائز أن يُلقي الله في قلبها أنَّه مردود إليها وأنَّه يكون مرسلاً، ولكنَّ الإعلام أبيَن في معنى الوحي هنا (3) .
والشيخ المفيد (قدّس سرّه) أخذ الوحي هنا بمعنى الإعلام الخفيّ في كتابه (أوائل المقالات)، لكنَّه في كتابه (تصحيح الاعتقاد) جعله بمعنى رؤيا أو كلام سمعته أُمّ موسى في المنام.
وقال - بصدد إيضاح معنى الوحي -: أصل الوحي هو الكلام الخفيّ، ثُمَّ قد يُطلق على كلّ شيء قُصد به إفهام المخاطب على السرّ له عن غيره (4) .
وأمّا التعبير بالوحي عن وسواس الشيطان وتسويله خواطر الشرّ والفساد،
____________________
(1) راجع مفصّل الإنسان روح لا جسد لرؤوف عبيد: ج1، ص542.
(2) القصص: 7.
(3) لسان العرب لابن منظور.
(4) راجع أوائل المقالات: ص39، وتصحيح الاعتقاد: ص56.
فجاء في قوله تعالى: ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) (1) ، وقال: ( وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ) (2) ، ويفسّره قوله: ( مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنّاسِ * الّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ ) (3) .
كما جاء التعبير عمّا يُلقيه الله إلى الملائكة من أمره؛ ليفعلوه من فورهم، بالوحي أيضاً في قوله تعالى: ( إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا ) (4) .
وأمّا التعبير بالوحي عمّا يلقيه الله إلى نبيّ من أنبيائه بواسطة مَلك، أو بغير واسطة؛ لأجل تبليغ رسالة الله، فهو معنى رابع استعمله القرآن وهو موضوع بحثنا في الفصل التالي.
4 - الوحي الرسالي، وهو معنى رابع استعمله القرآن في أكثر من سبعين موضعاً، معبِّراً عن القرآن أيضاً بأنّه وحي أُلقي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله): ( نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) (5) ، ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنذِرَ أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ) (6) ، ( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ ) (7) .
وظاهرة الوحي بشأن رسالة الله، هي أُولى سمات الأنبياء، امتازوا بها على سائر الزعماء والمصلحين، أصحاب العبقريّات الملهَمين، ولم يكن النبيّ محمَّد (صلّى الله عليه وآله) بِدعاً من الرسل في هذا الاختصاص النبويّ، ولا أوَّل مَن خاطب الناس باسم الوحي السماوي، ومن ثَمَّ فلا عجب في هذا الاصطفاء ما دام ركْب البشريَّة - منذ بداية سيرها - لم تزل يرافقها رجال إصلاحيّون يهتفون بهذا النداء
____________________
(1) الأنعام: 112.
(2) الأنعام: 121.
(3) الناس: 4 - 6.
(4) الأنفال: 12.
(5) يوسف: 3.
(6) الشورى: 7.
(7) العنكبوت: 45.
الروحي، ويدعون إلى الله باسم الوحي وتبليغ رسالة الله:
( أَكَانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّاسَ وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا أَنّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنّ هذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ) (1) .
ودفعاً لهذا الاستنكار الغريب قال: ( إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنّبِيّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسى وَأَيّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * لكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً * إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلّوا ضَلاَلاً بَعِيداً ) (2) .
والوحي الرسالي لا يعدو مفهومه اللغوي بكثير، بعد أن كان إعلاماً خفياً، وهو اتّصال غيبيّ بين الله ورسوله، يتحقّق على أنحاء ثلاثة، كما جاءت في الآية الكريمة: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ ) (3).
فالصورة الأولى: إلقاء في القلب ونفْثٌ في الرَوع.
والثانية: تكليم من وراء حجاب، بخلْق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولا يرى شخص المتكلّم.
والثالثة: إرسال مَلك الوحي فيبلّغه إلى النبي، إمّا عياناً يراه، أو لا يراه ولكن يستمع إلى رسالته.
إذاً فالفارق بين الوحي الرسالي وسائر الإيحاءات المعروفة، هو جانب مصدره الغيبي اتّصالاً بما وراء المادَّة، فهو إيحاءٌ من عالَمٍ فوق، الأمر الذي دعا بأولئك الذين لا يروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادّي، أن يجعلوا
____________________
(1) يونس: 2.
(2) النساء: 163 - 167.
(3) الشورى: 51.
من الوحي الرسالي سبيله إلى الإنكار، أو تأويله إلى وجدان باطني ينتشئ من عبقريَّة واجدِه، وسنبحث عن ذلك في فصل قادم.
إمكان الوحي:
قد يتشبّث البعض - ذريعة لإنكار النبوّات - بتباعد ما بين العالَم العُلوي والعالَم السُفلي، ذاك متشعشع روحيّ لطيـف، وهذا متكدّر مادّي كثيف، وإذ لا واسطة بين الجانبين، فلا عُلقة تربط أحد العالَمَين بالآخر.
هذه شبهة مَن يرى من عالم الدنيا مادّياً محضاً، لا تناسُب بينه وبين عالَم الملَكوت الأعلى.
لكن إذا ما عرفنا من هذا الإنسان وجوداً برزخياً ذا جانبين - هو من أحدهما جسمانيّ كثيف، وفيه خصائص المادَّة السفلى، ومن جانبه الآخر روحاني لطيف، وهو ملَكوتي رفيع - لم يكن موقع لهذه الشبهة رأساً.
الإنسان وراء شخصيَّته هذه الظاهرة شخصيَّة أخرى باطنة، هي التي تؤهِّله - أحياناً - للارتباط مع عالم روحاني أعلى، إذ كان مبدأه منه، وإليه منتهاه: ( إِنّا للّهِِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ ) (1) ، هذا هو واقع الإنسان الحقيقي ذو التركيب المزدوج من روح وجسم، ومن ثَمَّ فهو برزخ بين عالَمي المادّة وما وراء المادَّة، فمن جهة هو مرتبط بالسماء، ومن أخرى مستوثق بالأرض، قال تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ) ، إلى هنا تكتمل خِلقة الإنسان الماديّة، ثمَّ يقول: ( ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (2) .
وهذا الخلْق الآخر هو وجود الإنسان الروحي، وهو وجوده الأصيل الذي
____________________
(1) البقرة: 156.
(2) المؤمنون: 12 - 14.
أشارت إليه آية أخرى: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ) (1) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ الله خلقَ خلْقاً وخلَق روحاً، ثمَّ أمر مَلكاً فنفخ فيه...) (2) .
فهذا هو الإنسان، مخلوق متركّب من جسم هو مادّي، وروح هو لا مادّي، فبوجوده المادّي خَلْق، وبوجوده اللامادّي خَلقٌ آخر، وبوجوده هذا الآخَر يستأهل الاتّصال بالملأ الأعلى، لا بوجوده ذاك المادّي الكثيف.
* * *
نعم، جاءت فكرة إنكار الوحي نتيجةً للنظرة المادّية البحتة إلى هذا الإنسان، وهي نظرة قاصرة بشأن الإنسان، سادت أوروبا في عصر نشوء الفكرة الماديّة عن الحياة، والتي جعلت تتقدَّم وتتوسَّع كلَّما تقدَّمت العلوم الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأخذت المقاييس المعنويَّة في الحياة تتدهور تراجعاً إلى الوراء، وكادت الموجة تطبّق العالم أجمع، لولا أن انتهضت الفكرة الروحية في أمريكا ومنها سرت إلى أوروبا كلّها، فجعلت مسألة الوحي تَحيى من جديد.
قال الأستاذ وجدي: كان الغربيّون - إلى القرن السادس عشر - كجميع الأمم المتديّنة يقولون بالوحي، وكانت كتُبهم مشحونة بأخبار الأنبياء، فلمَّا جاء العلم الجديد بشكوكه وماديّاته، ذهبت الفلسفة الغربية إلى أنّ مسألة الوحي هي من بقايا الخرافات القديمة، وتغالَت حتّى أنكرت الخالق والروح معاً، وعلَّلت ما ورد عن الوحي في الكتب القديمة بأنّه: إمّا اختلاق من المتنبّئة أنفسهم لجذْب الناس إليهم وتسخيرهم لمشيئتهم، وإمّا هذَيان مَرَضي يعتري بعض العصبيين، فيُخيَّل إليهم يرون أشباحاً تكلّمهم، وهُم لا يرون في الواقع شيئاً.
____________________
(1) السجدة: 7 - 9.
(2) بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي: ج61، ص32.
راج هذا التعليل في العالم الغربي، حتّى صار مذهب العِلم الرسمي.
فلمّا ظهرت آية الروح في أمريكا سنة 1846م، وسرَت منها إلى أوروبا كلّها، وأثبت الناس بدليل محسوس وجود عالَم روحاني آهِل بالعقول الكبيرة والأفكار الثاقبة، تغيّر وجه النظر في المسائل الروحانية، وحيِيَت مسألة الوحي بعد أن كانت في عِداد الأضاليل القديمة، وأعاد العلماء البحث فيها على قاعدة العلم التجريبيّ المقرَّر، لا على أسلوب التقليد الديني، ولا من طريق الضرب في مهامّ الخيالات، فتأدَّوا إلى نتائج، وإن كانت غير ما قرّره علماء الدين الإسلامي، إلاّ أنّها خطوة كبيرة في سبيل إثبات أمر عظيم كان قد أُحيل إلى عالَم الأمور الخرافية (1) .
خلاصة الكلام: إنَّ الإنسان يملك في وجوده جانبَين: هو من أحدهما جسماني ، ومن الآخر روحاني ، فلا غَروَ أن يتَّصل أحياناً بعالَم وراء المادَّة، ويكون هذا الاتّصال مرتبطاً بجانبه الروحي الباطن، وهو اتّصال خفيّ، الأمر الذي يشكّل ظاهرة الوحي.
الوحي ظاهرة روحيَّة قد توجد في آحاد من الناس، يمتازون بخصائص روحيَّة تؤهّلهم للاتّصال بالمَلأ الأعلى، إمّا مكاشفةً في باطن النفس أو قرْعاً على مسامع، يحسّ به الموحى إليه إحساساً مفاجئاً يأتيه من خارج وجوده، وليس منبعثاً من داخل الضمير، ومن ثمَّ لا يكون الوحي ظاهرة فكرية تقوم بها نفوس العباقرة - كما يزعمه ناكروا الوحي - كلاّ، بل إلقاء روحانّي صادر من محلٍّ أرفع إلى مهبطٍ صالحٍ أمين.
قال تعالى: ( أَكَانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النّاسَ ) (2) .
نعم، شيء واحد لا نستطيع إدراكه، وإن كنّا نعتبره واقعاً حقّاً، ونؤمن به إيماناً
____________________
(1) دائرة معارف القرن العشرين لمحمّد فريد وجدي: ج10، ص713.
(2) يونس: 2.
صادقاً، وهو: كيف يقع هذا الاتّصال الروحي؟ هذا شيء يخفى علينا إذا كنّا نحاول إدراكه بأحاسيسنا المادّية، أو نريد التعبير عنه بمقاييسنا اللفظية الكلامية، إنَّها ألفاظ وُضِعت لمفاهيم لا تعدو الحسّ أو لا تكاد، وكلّ ما باستطاعتنا إنَّما هو التعبير عنه على نحو التشبيه والاستعارة، أو المجاز والكناية لا أكثر، فهو ممّا يُدرك ولا يوصف.
فالوحي ظاهرة روحية يدركها مَن يصلُح لها، ولا يستطيع غيره أن يصِفها وصفاً بالكُنه، ما عدا التعبير عنها بالآثار والعوارض هذا فحسب.
الوحي عند فلاسفة الغرب:
أشرنا فيما سبَق أنّ فلاسفة أوروبا - بعد أن عادوا إلى الاعتراف بوجود شخصيّة باطنة للإنسان تسمّى بالروح، وعلموا أنَّها هي التي كوَّنت جسمه في الرحِم، وهي التي تُحرِّك جميع عضلاته وأعضائه التي ليست تحت إرادته: كالكبـد، والقلب، والمعدة، وغيرها، فهو إنسان بها لا بهذه الشخصية العادية - عادوا يعترفون أيضاً بالوحي، الوحي الذي يدَّعيه الأنبياء مِلأ كتبهم النازلة المنسوبة إلى السماء.
ولكن فسَّروه تفسيراً يختلف عمّا قرَّره علماء الدين الإسلامي، على ما سبق تعريفه بأنَّه: إلقاء من خارج الوجود إمّا قذفاً في قلْب، أو قرعاً في سمْع.
قالوا: الوحي عبارة عن إلهامات روحية تنبعث من داخل الوجود، أي الروح الواعية هي التي تعطينا تلكم الإلهامات الطيّبة الفُجائية في ظروفٍ حرِجة، وهي التي تنفُث في رَوع الأنبياء ما يعتبرونه وحياً من الله، وقد تظهر نفس تلك الروح المتقبّعة وراء جسمهم، متجسّدة خارجاً، فيحسبونها من ملائكة الله هبطت عليهم من السماء، وما هي إلاّ تجلّي شخصيّتهم الباطنة، فتُعلّمهم ما لم يكونوا يعلمونه من قبْل، وتهديهم إلى خير الطُرق؛ لهداية أنفسهم وترقية أمّتهم، وليس بنزول مَلك من السماء ليلقي عليهم كلاماً من عند الله.
هذا ما يراه العلم الأوروبي التجريبي الحديث في مسألة الوحي.
ودليلهم على ذلك: أنَّ الله أجلّ وأعلى من أن يقابله بشَر أو يتَّصل به مخلوق، وأنَّ الملائكة مهما قيل في روحانيّتهم وتجرّدهم عن المادَّة، فلا يعقل أنَّهم يقابلون الله أو يستمعون إلى كلامه؛ لأنَّ هذا كلَّه يقتضي تحيّزاً في جانبه تعالى، ويستدعي عدم التنزيه المطلق اللائق بشأنه جلَّ شأنه؛ ولأنَّ الملائكة مهما ارتقَوا فلا يكونون أعلى من الروح الإنساني التي هي من روح الله نفسه، فمثَلهم ومثَلها سواء.
وبهذه النظرية حاولوا حلّ ما عسى أن يصادفوه في بعض الكتب السماوية، من أنواع المعارف المناقضة للعلم الصحيح طبيعياً وإلهياً، فهم لا يقولون بأنَّ تلك الكتب قد حرِّفت عن أصلها الصحيح النازل من عند الله، ولكنَّهم يقولون بأنَّ الشخصية الباطنة لكلّ رسول إنّما تؤتي صاحبها بالمعلومات على قدَر درجة تجلّيها وعبقريَّتها، وعلى قدر استعداده لقبول آثارها، ومن ثمَّ قد تختلط معارفها العالية بمعارف باطلة آتية من قِبل شخصيَّته العادية، فيقع في الوحي خلْطٌ كثير بين الغثّ والسمين، فترى بجانب الأصول العالية التي لم يعرفها البشر إلى ذلك الحين، أصولاً أخرى عامّية اصطلح عليها الناس إلى ذلك الزمان (1) .
* * *
وبعد، فإذا ما أخضعَتْهم الحقيقة العلمية على طريقة تجريبيَّة قاطعة، بأنَّ وجود الإنسان الحقيقي هو شخصيَّته الثانية القابعة وراء هذا الجسد، وأنَّه يبقى خالداً بعد فناء الجسد، فما عساهم امتنعوا من الاعتراف بحقيقة الوحي كما هي عند المسلمين!؟ لا شكَّ أنّ ما وصلوا إليه خطوة كبيرة نحو الواقعية، لا نزال نقدِّرها تقديراً علمياً، لكنَّها بلا موجب توقَّفت أثناء المسير ودون أن تنتهي إلى الشوط الأخير.
إنَّ منار العلم وضوء الحقيقة قد هَدَياهم إلى الدرب اللائح، وكادوا يلمسون
____________________
(1) راجع دائرة معارف القرن العشرين: ج10، ص715 فيما نقله عن العلاّمة (ميرس - Myers ) من كتابه (الشخصية الإنسانية)، ص77 فما بعد.
الحقيقة مكشوفة بعيان، فوجدوا وراء هذا العالم عالَماً آخر مليئاً بالعقول، ووجدوا من واقع الإنسان شخصيةً أخرى وراء شخصيَّته الظاهرة، فهاتان مقدّمتان أذعنوا لهما، وقد أشرفتا بهم على الاستنتاج الصحيح، وصاروا منه قاب قوسين أو أدنى، لكنَّهم بلا موجب توقّفوا، وأنكروا حقيقة كانوا على وَشَك لمْسها.
فعلى ضوء هاتين المقدَّمتين، لا مبرّر لعدم فهْم حقيقة اتّصال روحيّ خفيّ يتحقَّق بين مَلأ أعلى وجانب روحانيّة هذا الإنسان، فيتلقّى بروحه إفاضات تأتيه من ملَكوت السماء، وإشراقات نورية تشعّ على نفسه من عالَم وراء هذا العالم المادّي، وليس اتّصالاً أو تقارباً مكانيّاً؛ لكي يستلزم تحيّزاً في جانبه تعالى. وأظنّهم قاسُوا من أمور ذاك العالم غير المادّي بمقاييس تخصّ العالم المادّي، مع العلم أنّ الألفاظ هي التي تكون قاصرة عن أداء الواقع، وأنَّ التعبير بنزول الوحي أو المَلَك تعبير مجازي، وليس سوى إشراق وإفاضة قدسية ملَكوتية يجدها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حاضرة نفسه، مُلقاة عليه من خارج روحه الكريمة، وليست منبعثة من داخل كيانه هو.
هذا هو حقيقة الوحي الذي نعترف به، من غير أن يقتضي تحيّزاً في ذاته تعالى.
أمّا التعليل الذي يعلّلون به ظاهرة الوحي، فهو في واقعِه إنكار للوحي وتكذيب ملتوٍ للأنبياء بصورة عامّة، كما هم فسَّروا معجزة إبراء الأكمَه والأبرص بظاهرة الهبنو توزم (المغناطيسية الحيوانية)، فجعلوا من المسيح (عليه السلام) إنساناً مشعوذاً - حاشاه - يَستغلّ من عقول البسطاء مجالاً متّسعاً لترويج دعوته، بأساليب خدّاعة ينسبها إلى البارئ تعالى!.
ونحن نقدّس ساحة الأنبياء من أيّ مراوغة أو احتيال مسلَكي، وحاشاهم من ذلك، وما هي إلاّ واقعية بنَوا عليها دعوتهم الإصلاحية العامّة، واقعية يعترف بها العلم سواء في مراحله القديمة أو الجديدة الحاضرة، إذاً لا مبرّر لتأويل ما جاء في كتب الأنبياء من ظاهرة الوحي، اتّصالاً حقيقيّاً بمبدءٍ أعلى.
أو في صورة دحية بن خليفة، وأخرى لا يراه، وإنَّما ينزل بالوحي على قلْبه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ... ) (1) .
قال تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) : جبرائيل، مثال قدرته تعالى: ( ذُو مِرّةٍ ) أي: ذو عقلية جبّارة ( فَاسْتَوَى ) : استقام على صورته الأصليّة، وهذا هو المرَّة الأُولى في بدْء الوحي ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ) : سدَّ ما بين الشرق والغرب ( ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى ) : فجعل يقترب من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى ) الله بواسطة جبرائيل ( إِلَى عَبْدِهِ ) محمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ ) : فؤاد محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( مَا رَأَى ) ، فكان قلْبه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصدّق بصره فيما يرى أنّه حقٌّ ( أَفَتُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) : مرَّة ثانية في مرتبة أنزَل من الأُولى ( عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (2) فكان الذي يراه حقيقة واقعة، ليس وهْماً ولا خيالاً.
وقال: ( إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) : جبرائيل ( ذِي قُوّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم ) : محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ( بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ ) : رأى جبرائيل في صورة الأصليـة ( بِالأُفُـقِ الْمُبِيـنِ ) (3) ، إشارة إلى المرّة الأُولى أيضاً.
قال ابن مسعود: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يرَ جبرائيل في صورته إلاّ مرّتين، إحداهما: أنَّه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسدَّ الأفُق، وأمّا الثانية: فحيث صعد به ليلة المعراج، فذلك قوله: ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ) (4) .
والصحيح: أنَّ المرَّتين كانت إحداهما: في بدْء الوحي بحراء، ظهر له جبرائيل في صورته التي خلَقه الله عليها، مالئاً أُفق السماء من المشرق والمغرب، فتهيَّبه
____________________
(1) الشعراء: 193 - 194.
(2) النجم: 3 - 17.
(3) التكوير: 19 - 23.
(4) الدرّ المنثور: ج6، ص123.
النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تهيّباً بالغاً، فنزل عليه جبرائيل في صورة الآدميّين فضمَّه إلى صدره، فكان لا ينزل عليه بعد ذلك إلاّ في صورة بشَر جميل.
والثانية: كانت باستدعائه الذي جاءت به الروايات: (كان لا يزال يأتيه جبرائيل في صورة الآدميين)، فسأله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يُريَه نفسه مرّة أخرى على صورته التي خلَقه الله، فأراه صورته فسدّ الأفُـق، فقوله تعالى: ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ) كان المرّة الأُولى، وقوله: ( نَزْلَةً أُخْرَى ) كان المرَّة الثانية (1) .
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وأحياناً يتمثّل لي المَلك رجلاً، فيكلّمني فأعي ما يقول) (2) .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنَّ جبرائيل كان إذا أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعدَ بين يديه قعدة العبد) (3) .
هذا، وكان جبرائيل (عليه السلام) عندما يتمثَّل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يبدو في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وبتعبيرٍ أصحَّ: يبدو في صورة شبيهة بدحية.
كما جاء في تعبير ابن شهاب: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُشَبِّه دحية الكلبي بجبرائيل، حينما يتصوّر بصورة بشَر (4) .
وذلك لأنَّ دحية كان أجمل إنسان في المدينة، كان إذا قدم البلد خرجت الفتَيات ينظرْنَ إليه (5) .
والسبب في ذلك: أنَّ جبرائيل كان حينما يتمثّل بشراً، يتمثَّل صورة إنسان خلَقَه الله على الفطرة الأُولى، والإنسان في أصل خِلْقته جميل، فكان يتمثّل جبرائيل في أجمل صورة إنسانية، وبما أنَّ دحية كان أجمل إنسان في المدينة
____________________
(1) مجمع البيان للطبرسي: ج9، ص173 و175، وج10، ص446 / تفسير الصافي: ج2، ص618.
(2) البخاري: ج1، ص3.
(3) كمال الدين للشيخ الصدوق: ص85.
(4) الاستيعاب (بهامش الإصابة): ج1، ص474.
(5) الإصابة لابن حجر: ج1، ص473.
كان الناس يزعمون من جبرائيل - وهو يتمثَّل بشَراً - أنَّه دحية الكلبي، ومن ثَمَّ كان العكس هو الصحيح.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي)، وكان دحية رجُلاً جميلاً.
والظاهر أنَّ الجملة الأخيرة هي من كلام أنَس، راوي الحديث (1) أي: على صورة تشبهها صورة دحية، وكان الصحابة يزعمونه دحية حقيقة، ومن ثمَّ نهاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يدخلوا عليه إذا وجدوا دحية عنده، قال: (إذا رأيتم دحية الكلبي عندي فلا يدخلنَّ عليَّ أحد) (2) .
وكان جبرائيل قد يتمثّل للصحابة أيضاً بصورة دحية، كما في غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة، شاهده الصحابة على بُلغة بيضاء (3) .
وشاهده أيضاً علي (عليه السلام) دفعات بمحضر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتكلَّم معه، والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راقد (4) .
وأمّا نزول المَلك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضاً، إمّا إلقاء على مسامعه وهو يصغي إليه، أو إلهاماً في قلبه فيعِيَه بقوَّة، قال تعالى: ( وَإِنّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُبِينٍ ) (5).
كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوائل نزول المَلك عليه بالوحي يخشى أن يفوته اللفظ، ومن ثَمَّ كان يحرِّك لسانه وشفتَيه؛ ليستذكره ولا ينساه، فكان يتابع جبرائيل في كلِّ
____________________
(1) الإصابة: ج1، ص473 / أُسد الغابة: ج2، ص130.
(2) بحار الأنوار: ج37، ص326 عن كتاب حجَّة التفصيل لابن الأثير.
(3) سيرة ابن هشام: ج3، ص245.
(4) بحار الأنوار: ج20، ص210 و ج22، ص332 / المجمع: ج8، ص351.
(5) الشعراء: 192 - 195.
حرفٍ يلقيه عليه، فنهاه تعالى عن ذلك ووعَده بالحِفظ والرعاية من جانبه تعالى، قال: ( لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (1) .
وربّما كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقرأ على أصحابه فَور قراءة جبرائيل عليه، وقبل أن يستكمل الوحي أو تنتهي الآيات النازلة؛ حرصاً على ضبْطه وثبْته، فنهاه تعالى أيضاً وقال: ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبّ زِدْنِي عِلْماً ) (2) ، فطمأنه تعالى بالحِفظ والرعاية الكاملة، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه (3) ، قال تعالى: ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ) (4).
وإشارة إلى هذا النحو من الوحي الذي هو نكْتٌ في القلب، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ روح القدس نفث في رَوعي) (5) وهو سواد القلب، كناية عن السرّ الباطن، والمقصود روحه الكريمة.
3 - الوحي المباشر:
ولعلَّ أكثرية الوحي كان مباشرياً لا يتوسَّطه مَلك، على ما جاء في وصف الصحابة حالته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ساعة نزول الوحي عليه، كان ذا وطئٍ شديد على نفسه الكريمة، يجهد من قواه وتعتريه غشاوة مُنهكة، فكان ينكّس رأسه ويتربَّد وجهه ويتصبَّب عرَقاً، وتسطو على الحضور هيبة رهيبة، ينكّسون رؤوسهم صموداً من رَوعة المنظر الرهيب، قال تعالى: ( إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) (6) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كان ذلك إذا جاءه الوحي وليس بينه وبين الله مَلك).
____________________
(1) القيامة: 16 - 19.
(2) طه: 114.
(3) طبقات ابن سعد: ج1، ص132.
(4) الأعلى: 6.
(5) الإتقان: ج1، ص44.
(6) المزّمّل: 5.
فكان تصيبه تلك السبتة (1) ويغشاه ما يغشاه لثقل الوحي عليه، أمّا إذا أتاه جبرائيل بالوحي، فكان يقول: (هو ذا جبرائيل، أو قال لي جبرائيل...) (2) .
قال الشيخ أبو جعفر الصدوق: إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه وهو يتصابًُّ عرَقاً، فإذا أفاق قال: (قال الله تعالى كذا وكذا، وأمركم بكذا ونهاكم عن كذا)، قال: وكان يزعم أكثر مخالفينا أنّ ذلك كان عند نزول جبرائيل، فسُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أكانت عند هبوط جبرائيل؟ فقال: (لا، إنّ جبرائيل كان إذا أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعَد بين يديه قعدة العبد، وإنّما ذاك عند مخاطبة الله عزّ وجلّ إيّاه بغير ترجمان وواسطة) (3) .
موقف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الوحي:
هنا موضوعان لهما أهميّة كبيرة بشأن رسالة الأنبياء وصدْق دعوتهم إلى الله، لابدّ من معالجتهما بصورة علمية مقبولة، وقد تكلَّم فيهما عامّة أهل السنّة بطريقة غير مألوفة، وربّما لا يستسيغها العقل الفطري في شيء.
أمّا علماؤنا الإمامية، فتكلّموا فيهما بطريقة عقلية على أساس الاستدلال البرهاني مدعماً بالنقل المأثور عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
الأوّل: كيف عرف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه مبعوث؟ ولِمَ لم يشكّ في أنَّ الذي أتاه شيطان، واطمأنّ أنَّه جبرائيل (عليه السلام)؟؟.
الثاني: هل يجوز على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يخطأ فيما يوحى إليه، فيلتبس عليه تخيّلات باطلة في نفسه لتبدو له بصورة وحي، أو يُلقي عليه إبليس ما يظنُّه وحياً من الله؟.
____________________
(1) هي إغماءة تشبه النعْسة.
(2) المحاسن للبرقي: ص338 / أمالي الشيخ: ص31 / بحار الأنوار: ج18، ص271، وص268.
(3) كمال الدين: ص85 / البحار: ج18، ص260.
نعم، إنّ ما بقي بأيدي الناس من كتُب منسوبة إلى الأنبياء - غير القرآن - لم تبقَ سالمة من تطاول أيدي المحرِّفيـن، ومن ثمّ ففيها من الغثّ والسمين الشيء الكثير، ونحن نرْبأ بعلماء محقّقين أن يجعلوا من موضوع دراستهم لشؤون الأنبياء (عليهم السلام) تلكم الكتُب المحرّفة.
أنحاء الوحي الرسالي:
قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً ) أي: إلهاماً وقذفاً في روعه، وهو إلقاء في الباطن، يحسّ به الموحى إليه كأنّما كُتب في ضميره صفحة لامعة، أو رؤيا في منام، ( أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) أي: يكلّمه تكليماً يسمع صوته ولا يرى شخصه، كما كلَّم موسى (عليه السلام) بخلْق الصوت في الهواء يخرق مسامعه، ويأتيه من كلِّ مكان، وكما كلَّم نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليلة المعراج.
والتكليم من وراء حجاب كناية أو تشبيه بمن يتكلّم محتجباً، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي؛ لبُعد الفاصلة بين كمال الواجب ونقص الممكن.
( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ) مَلكاً من الملائكة ( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) ، إمّا إلقاءً على السمع، أو نقراً في القلب ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) .
( وَكَذَلِكَ ) أي على هذه الأنحاء الثلاثة: إلهاماً، وتكليماً، وإرسال مَلك (1) ، ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً ) هي: الشريعة أو القرآن ( مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (2) .
هذه أنحاء الوحي بوجه عامّ وبصورة إجمالية، أمّا بالنسبة إلى نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكان يأتيه الوحي تارةً في المنام، وهذا أكثريّاً كان في بدْء نبوَّته،
____________________
(1) راجع بحار الأنوار: ج18، ص246.
(2) الشورى: 51 و52.
وأخرى وحياً مباشريّاً من جانب الله بلا توسيط مَلك، وثالثة مع توسيط جبرائيل (عليه السلام)، غير أنّ الوحي القرآني كان يخصّ الأخيرَين إمّا مباشرةً أو على يد مَلك، وإليك بعض التفصيل:
1 - الرؤيا الصادقة:
كان أوّل ما بُدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلَق الصبح، وهو كناية عن تشعشع نورانيّ كان ينكشف لروحه المقدّسة؛ تمهيداً لإفاضة روح القدُس عليه (صلوات الله عليه وآله)، ثمّ حُبِّب إليه الخلأ، فكان يخلو بغارِ حراء يتحنَّث فيه (1) الليالي أُولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمِثلها (2) حتّى فجَأه الحقّ، وهو في غار حراء: جاءه المَلك فقال: ( اقْرَأْ.. ) (3).
قال علي بن إبراهيم القمّي: إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنّ آتياً يأتيه فيقول: يا رسول الله، ومضت عليه بُرهة من الزمن وهو على ذلك يكتمُه، وإذا هو في بعض الأيّام يرعى غنماً لأبي طالب في شُعَب الجبال إذ رأى شخصاً يقول له: (يا رسول الله، فقال له: مَن أنت؟ قال: أنا جبرائيل أرسلني الله إليك ليتّخذك رسولاً...) (4) .
قال الإمام الباقر (عليه السلام): (وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام)، ونحو ما كان رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أسباب النبوّة قبل الوحي،
____________________
(1) التحنّث: التحنّف، وهو المَيل إلى الحنيفيّة، كناية عن التعبّد الذي هو مطهرةٌ للعبد، قال ابن هشام: تقول العرب: التحنّث والتحنّف، فيبدلون الفاء من الثاء، كما في جدث وجدف أي: القبر، قال: وحدّثني أبو عبيدة أنّ العرب تقول: فمَّ في موضوع ثمَّ (راجع السيرة: ج1، ص 251).
(2) التزوّد: استصحاب الزاد.
(3) صحيح البخاري: ج 1، ص 3 / صحيح مسلم: ج1، ص 97 / تاريخ الطبري: ج2، ص 298.
(4) بحار الأنوار: ج 18، ص 184 و 194.
حتّى أتاه جبرائيل (عليه السلام) من عند الله بالرسالة...) (1) .
قوله: (قبْل الوحي) أي قبل الوحي الرساليّ المأمور بتبليغه؛ لأنّ هذا البيان تفسير لمفهوم (النبيّ) قبل أن يكون رسولاً، وهو إنسان أُوحيَ إليه من غير أن يكون مأموراً بتبليغه، فهو يتّصل بالمَلأ الأعلى اتّصالاً روحيّاً، وينكشف له الملكوت كما حصل لنبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قُبيل بِعثته المباركة.
قال صدر الدين الشيرازي: يعني أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اتّصفت ذاته المقدّسة بصفة النبوّة، وجاءته الرسالة من عند الله باطناً وسرّاً، قبل أن يتَّصف بصفة الرسالة، أو ينزل عليه جبرائيل معايناً محسوساً بالكلام المنزل المسموع، وإنّما جاءه جبرائيل معايناً حين جمعَ له من أسباب النبوَّة ما جمع للأنبياء الكاملين - كإبراهيم - من الرؤيا الصادقة، والإعلامات المتتالية بحقائق العلوم والإيحاءات بالمغيّبات.
والحاصل: أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استكمل باطنه وسرّه قبل أن يتعدّى صفة الباطن منه إلى الظاهر، فاتّصف القالَب بصفة القلْب محاكياً له، والأوَّل نهاية السفر من الخلْق إلى الحقّ، والثاني نهاية السفر من الحقّ بالحقّ إلى الخلْق (2) .
* * *
نعم، ربّما كانت الرؤيا الصادقة سبيل الوحي إليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيُلقى إليه العلم أحياناً في المنام، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (رؤيا الأنبياء وحي) (3) ، ولكن لم يكن شيء من ذلك قرآناً، إذ لم يعهد نزول قرآن عليه في المنام، نعم، وإن كانت بعض رؤاه أسباباً لنزول القرآن، كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللّهُ... ) (4) ، فقد رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك عام
____________________
(1) الكافي للكليني: ج1، ص176 / بحار الأنوار: ج18، ص266.
(2) شرح أصول الكافي لصدر المتألّهين: كتاب الحجَّة، الحديث الثالث ص 454.
(3) أمالي الشيخ الطوسي: ص215 / البحار: ج11، ص64.
(4) الفتح: 27.
الحديبيَّة (1) ، وصَدقت عام الفتح (2) .
وكما في قوله: ( وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لّلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ... ) (3) .
فقد أخرج: ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب، قال: رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بَني أُميّة على المنابر، فسائه ذلك، فأوحى الله إليه: (إنّما هي دنيا أُعطوها)، وهي قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا... ) يعني بلاءً للناس (4) .
هذا، وقد ذكر بعضهم أنَّ سورة الكوثر نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام؛ لرواية أنس بن مالك، قال: بَينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أظْهُرِنا إذ أُغفيَ إغفاءة، ثمَّ رفع رأسه متبسّماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله!؟ فقال: (أُنزلت عليَّ آنفاً سورة) ، فقرأ: ( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ... ) إلخ (5) .
قال الرافعي: إنَّهم فهِموا من ذلك أنَّ السورة نزلت في تلك الإغفاءة، لكنَّ الأشبه أنَّه خطَر له في النوم سورة الكوثر المنزَلة عليه قبل ذلك، فقرأها عليهم وفسَّرها لهم، قال: وقد يُحمَل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نـزول الوحـي، ويقال لها: برحاء الوحي، وهي سبتة شِبه النعاس كانت تعرضه من ثقْل الوحي.
قال جلال الدين: الذي قاله الرافعي في غاية الاتّجاه، والتأويل الأخير أصحّ من الأوَّل؛ لأنَّ قوله (آنفاً) يدفع كونها نزلت قبْل ذلك، بل نزلت في تلك الحالة، ولم يكن الإغفاء إغفاء نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي (6)، وآنف بمعنى قُبيل هذا الوقت.
أقول: لا شكَّ أنَّ سورة الكوثر مكّية، وهذا هو المشهور بين المفسِّرين شهرةً تكاد تبلغ التواتر.
قالوا: نزلت بمكَّة عندما عابَه المشركون بأنَّه أبتَر لا عَقِب له، أو
____________________
(1) وهي سنة السِتّ من الهجرة.
(2) وهي سنة الثمان.
(3) الإسراء: 60.
(4) الدرّ المنثور للسيوطي: ج4، ص191 / تفسير الطبري: ج15، ص77.
(5) الدرّ المنثور: ج6، ص401.
(6) الإتقان: ج1، ص23.
أنَّه مبتور من قومه منبوذ.
وهكذا لمّا مات ابنه عبد الله مشَت قريش بعضهم إلى بعض متباشرين، فقالوا: إنّ هذا الصابي قد بُتر الليلة.
قال ابن عباس: دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من باب الصفا وخرج من باب المروة، فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: مَن استقبلك يا أبا عمرو آنفاً؟ قال: ذلك الأبتر - يريد به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - فأنزل الله جلَّ جلاله سورة الكوثر؛ تسليةً لنفس نبيّه الزكية (1) .
هذا، وأنس عند وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يبلغ العشرين، إذ كان عند مَقدمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المدينة طفلاً لم يتجاوز التسْع، وقيل: ثماني سنوات (2) ، فكيف نثِق بحديث منه يخالف إطباق الأمّة على خلافـه، وأنّها نزلت بمكّة في قصّة جازت حدّ التواتر؟! الأمر الذي يرجّح الوجه الأوَّل من اختيار الإمام الرافعي، أو نجعل من رواية أنَس حبْلَها على غاربِها!.
نعم، أخرج مسلم والبيهقي هذه الرواية من وجه آخر، ليس فيه (أُنزلت عليّ)، قال: أُغفيَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إغفاءة، ثمّ رفع رأسه فقرأ: ( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ... ) إلخ، ثمّ فسّرها بنَهَر في الجنَّة.
قال البيهقي: وهذا اللفظ أَولى، حيث لا يتنافى وما عليه أهل التفاسير والمغازي من نزول سورة الكوثـر بمكّـة... (3) .
2 - نزول جبرائيل (عليه السلام):
كان المَلك الذي ينزل على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالوحي هو: جبرائيل (عليه السلام)، فكان يلقيه على مسامعه الشريفة، فتارةً يراه إمّا في صورته الأصليَّة - وهذا حصل مرَّتين -
____________________
(1) راجع أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين: ج2، ص142 / والدرّ المنثور: ج6، ص401.
(2) أُسد الغابة لابن الأثير: ج1، ص127.
(3) الدرّ المنثور: ج6، ص401.
والأكثر في الموضوع الأوّل جعلوا من النبي (صلّى الله عليه وآله) مرتاعاً في أوَّل أمره، خائفاً على نفسه من مسّ جنون، عائذاً إلى أحضان زوجته الوفية؛ لتستنجد هي بدورها إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، فيُطَمْئنه هذا بأنَّه نبيّ، ويؤكِّد عليه ذلك حتّى يطمئنّ ويستريح بالَه.
أمّا الموضوع الثاني، فقد أجازوا لإبليس أن يتلاعب بوحي السماء، فيُلقي على النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يظنّه وحياً - كما في حديث الغرانيق - لولا أن يتداركه جبرائيل فيُذهب بكَيد الشيطان.
وقد ذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في كِلا الموضوعين مذهباً نزيهاً، وجعلوا من النبي (صلّى الله عليه وآله) أكرم على الله من أن يتركه إلى إنسانٍ غيرَه، ولا ينير عليه الدلائل الواضحة على نبوَّته الكريمة في تلك الساعة الحرجة، كما لا يدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم: ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ ) (1) .
هذا، ويجدر بنا ونحن نحاول تنزيه جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ممّا ألصقوه بكرامته، أن نتكلم في كِلا المجالين بصورة مستوفاة، كلاًّ على حِدة.
النبوَّة مقرونة بدلائل نيِّرة:
يجب على الله - وجوباً منبعثاً من مقام لُطفه ورأفته بعباده - أن يقرِن تنبيئه إنساناً بدلائل نيّرة، لا تدَع لمسارب الشكّ مجالاً في نفسه، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض؛ ليكون من الموقِنين (2) ، وكما ( نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنّي أَنَا رَبّكَ ) (3) ، ( يَا مُوسَى إِنّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *... يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنّي
____________________
(1) الطور: 48.
(2) مقتبس من الآية 75 من سورة الأنعام.
(3) طه: 11 و12.
لاَ يَخَافُ لَدَيّ الْمُرْسَلُونَ ) (1) .
هذا هو مقتضى قاعدة اللطف، وقد بحث عنها علماء الكلام (2) ، وتتلخّص في تمهيد سبيل الطاعة، فواجب عليه تعالى أن يُمهِّد لعباده جميع ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعّدهم عن المعصية، وهذا الوجوب منبعث من مقام حكمته تعالى، إذا كان يريد من عِباده الانقياد، وإلاّ كان نقضاً لغرضه من التكليف، ومن ثَمّ وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأمم ما ينير لهم درب الحياة، إمّا إلى سعادة فباختيارهم، أو إلى شقاء فباختيارهم أيضاً (3) .
وطبقاً لهذه القاعدة لا يدع تعالى مجالاً لتدليس أهل الزَيغ والباطل، إلاّ ويفضحهم من فورهم ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (4) ، فالحقّ دائماً يعلو ولا يُعلى عليه، والحقّ والباطل دائماً على وضَح الجلاء، لا يكدِّر وجه الحقّ غبار الباطل أبداً ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) (5) ، ( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) (6) وهذا إنّما هو نصر واعتلاء مبدئيّ، فالحقّ دائماً ظاهر منصور، وإنَّ رسالة الأنبياء دائماً تكون هي الغالبة الظافرة ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ ) (7) نعم ( إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (8) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أبى الله أن يعرِّف باطلاً حقّاً، أبى الله أن يجعل الحقَّ
____________________
(1) النمل: 9 و10.
(2) عِلم منشعب عن الفلسفة الحِكَمية، يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد في ضوء العقل وإرشاد الشريعة.
(3) راجع شرح تجريد الاعتقاد للعلاّمة الحلّي: ص181.
(4) الحاقّة: 44 - 46.
(5) الأنبياء: 18.
(6) غافر: 51.
(7) الصافّات: 171 - 173.
(8) النساء: 76.
في قلب المؤمن باطلاً لا شكَّ فيه، وأبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّاً لا شكّ فيه، ولو لم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقٌّ من باطل) (1).
وقال (عليه السلام): (ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ، إلاّ غلَب الحقُّ الباطلَ، وذلك قوله تعالى: ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) ) (2) .
هذا، وقد سأل زرارة بن أعين الإمام أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن نفس الموضوع، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف لم يخفْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما يأتيه من قِبل الله أن يكون ممّا ينزغ به الشيطان؟ فقال (عليه السلام): (إنّ الله إذا اتّخذ عبداً رسولا أنزل عليه السكينة والوقار - أي الطمأنينة والاتّزان الفكري - فكان الذي يأتيه من قِبل الله مثل الذي يراه بعينه) (3) أي: يجعله في وضَح الحقّ، لا غبار عليه أبداً، فيرى الواقع ناصعاً جلياً لا يشكّ ولا يضطرب في رأيه ولا في عقله).
وقد أوضح الإمام (عليه السلام) ذلك في حديث آخر، سُئل (عليه السلام): كيف عَلمت الرسُل أنَّها رسُل؟ قال: (كُشف عنهم الغطاء) (4) .
قال العلاّمة الطبرسي: (إنّ الله لا يوحي إلى رسوله إلاّ بالبراهين النيِّرة والآيات البيِّنة، الدالَّة على أنَّ ما يوحى إليه إنَّما هو من الله تعالى، فلا يحتاج إلى شيء سواها، ولا يفزع ولا يُفزَّع ولا يَفرق) (5) .
وقال القاضي عيّاض: لا يصحّ - أي في حكمته تعالى، وهو إشارة إلى قاعدة اللطف - أن يتصوّر له الشيطان في صورة المَلك، ويلبس عليه الأمر، لا في أوَّل الرسالة ولا بعدها، والاعتماد - أي اطمئنان النبيّ - في ذلك دليل المعجزة، بل لا يشكّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنَّ ما يأتيه من الله هو المَلك ورسوله الحقيقي، إمّا بعلم
____________________
(1) المحاسن للبرقي: كتاب مصابيح الظلم حديث 394، ص222.
(2) نفس المصدر: حديث 395.
(3) تفسير العيّاشي: ج2، ص201 / والبحار: ج18، ص262.
(4) بحار الأنوار: ج11، ص56.
(5) مجمع البيان: ج10، ص384.
ضروريّ يخلُقه الله له، أو ببرهان جليّ يظهره الله لديه؛ لتتمّ كلمة ربِّك صِدقاً وعدلاً لا مبدِّل لكلمات الله (1) .
إذاً فلابدَّ أن يكون النبي (صلّى الله عليه وآله) حين انبعاثه نبيّاً على عِلم يقين، بل عين يقين من أمْره، لا يشكّ ولا يضطرب، مستيقناً مطمئنّاً باله، مَرعيّاً بعناية الله تعالى ولُطفه الخاصّ، منصوراً مؤيَّداً، ولاسيَّما في بدْء البعثة، فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصِراح معايَناً مشهوداً، وهي موقعية حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها، أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب: ( إِنّي لاَ يَخَافُ لَدَيّ الْمُرْسَلُونَ ) (3) .
* * *
وأيضاً فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يخترْه الله لنبوَّته إلاّ بعد أن أكمل عقله وأدَّبه فأحسن تأديبه، وعرَّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض ما يستأهله للقيام بمهمَّة السفارة وتبليغ رسالة الله إلى العالمين، كما فَعل بإبراهيم الخليل (عليه السلام).
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولقد قرَنَ الله به من لدُن أن كان فطيماً أعظم مَلك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره..) (3) .
وقال الإمام العسكري (عليه السلام): (إنّ الله وجدَ قلب محمّد (صلّى الله عليه وآله) أفضل القلوب وأوعاها، فاختاره لنبوَّته..) (4) .
قال العلاّمة المجلسي (رحمه الله): منذ أن أكمل الله عقله لم يزل مؤيَّداً بروح القدُس، يكلّمه ويسمع صوته ويرى الرؤيا الصادقة، حتّى بعثه الله نبيّاً رسولاً (5) .
والدلائل على أنَّه (صلّى الله عليه وآله) منذ بدايته كان مورد لُطفه تعالى وعنايته الخاصَّة كثيرة، وقد عرَف قومه فيه النبوغ والجدارة الذاتية، ولمَسوا فيه الصدْق والأمانة
____________________
(1) رسالة الشفا: ج2، ص112.
(2) النمل: 10.
(3) نهج البلاغة: ج1، ص392، الخطبة القاصعة.
(4) بحار الأنوار: ج18، ص206.
(5) بحار الأنوار: ج18، ص277.
والذكاء والفطنة، فوجدوه مزيجاً من الاستقامة وحصافة العقل، حتّى حُبِّب إلى الناس جميعاً، ولقّبوه بالصادق الأمين، أميناً في رأيه، وأميناً في سلوكه.
وكان قُبيل بعثته تظهر له علائم النبوَّة، فقد ظهرت آياتها قبل ثلاث سنوات من بعثته وهو في سِنِّ السابعة والثلاثين - كما في رواية عليِّ بن إبراهيم القمّي (1) - فكان يرى الرؤيا الصادقة، وكان يختلي بنفسه في غار حراء، متفكّراً في أسرار الملكوت، متعمِّقاً في ذات الله، متطلِّعاً سرَّ الخليقة، حتّى فاجأه الحقُّ وقد بلغ سِنَّ الأربعين، فقد كان ممهِّداً نفسه لذلك، عارفاً بسِمات أمر قد أشرفَت طلائعه منذ حين، وهكذا إنسان لا يفزع ولا يَفرق ولا يظنّ بنفسه الجِنَّة أو عارضة سوء؛ ليلتجئ إلى امرأة لا عهد لها بأسرار النبوّات، أو رجُل (2) كان حظّه من العلم أن قرأ كتُباً محرَّفة وآثاراً بائدة، لم يثبت آنذاك أنَّه لمَسَ حقائق ومعارف من المَلك والملكوت، كانت موجودة فيها لحدّ ذاك غير ممسوخة عن فطرتها الأُولى.
على أنَّ النبيّ محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) كان أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين وخاتم سفراء ربِّ العالمين، فكان أكرم عليه تعالى من أن يتركه ونفسه يتلوّى في أحضان القلق والاضطراب، خائفاً على نفسه مَسَّ جنون أو الاستحواذ على عقله الكريم، على ما جاءت في روايات آتية لا قيمة لها عندنا.
إذاً فقد كان موقف النبي (صلّى الله عليه وآله) تجاه نزول الحقِّ عليه - في بدء البعثة - موقف إنسان واعٍ بجليِّ الأمر، عارف بحقيقة الحقّ النازل عليه، في اطمئنان بالغ وسكون نفس وانشراح صدر، لم يتردَّد ولم يشكَّ ولم يضطرب، كما لم يفزع ولم يَفْرق، وسنذكر قصَّة بدء البعثة على ما جاءت في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وهي تشرح جوانب من موقف النبي (صلّى الله عليه وآله) آنذاك مِلؤها عَظمة وإكبار وأُبّهة وجلال.
____________________
(1) راجع ص22 من هذا الكتاب.
(2) هو ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة، تأتي قصّته في الصفحة القادمة.
قصّة وَرَقة بن نوفل:
تلك كانت قصَّة البِعثة، وفق ما جاءت في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وهُم أدرى بما في البيت، وإليك الآن حديثاً آخر عن بعثة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) على ما جاءت في روايات غيرهم:
روى البخاري، ومسلم، وابن هشام، والطبري وأضرابهم: بينما كان النبي (صلّى الله عليه وآله) مختلياً بنفسه في غار حراء، إذ سمع هاتفاً يدعوه، فأخذه الرَوع ورفع رأسه وإذا صورة رهيبة هي التي تناديه، فزاد به الفزع وأوقفه الرُعب مكانه، وجعل يصرف وجهه عمَّا يرى، فإذا هو يراه في آفاق السماء جميعاً ويتقدَّم ويتأخَّر، فلا تنصرف الصورة من كلِّ وجه يتَّجه إليه، وأقام على ذلك زمناً، ذاهلاً عن نفسه، وكاد أن يطرح بنفسه من حالق من جبل، من شدّة ما ألَمّ به من روعة المنظر الرهيب.
وكانت خديجة قد بعثت أثنائه مَن يلتمس النبي (صلّى الله عليه وآله) في الغار فلا يجده، حتّى إذا انصرفت الصورة عاد هو راجعاً وقلبه مضطرب ممتلئاً رُعباً وهلَعاً، حتّى دخل على خديجة وهو يرتعد فرِقاً كأنَّ به الحمّى، فنظر إلى زوجه نظرة العائذ المستنجد، قائلاً: يا خديجة: ما لي؟! وحدَّثها بما رأى، وأفْضى إليها بمخاوفه أن تخدعه بصيرته، قال: لقد أشفقتُ على نفسي، وما أراني إلاّ قد عرَض لي (1) ، وقال: إنَّ الأبعد - يعني نفسه الكريمة - لكاهن أو مجنون!
فرَنت إليه زوجه الوفيَّة بنظرة الإشفاق، وقالت: كلاّ يا ابن عمّ، أبشِر واثبت، والله لا يخزيك أبداً، فو الذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمّة، إنّك لتصِل الرحِم، وتصدُق الحديث، وتُقري الضيف، وتُعين على النوائب، وما أوتِيت بفاحشة قطّ، وهكذا طمأنَته بحديثها المرهَف.
____________________
(1) قال ابن الأثير: أي أصابني مسّ من الجِنّ.
ثمَّ قامت بتجربة ناجحة، قالت: يا ابن عمّ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه المَلك كما كان يأتيه، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا خديجة، هذا هو قد جاءنـي، فقالت: نعم، فقم يا بن عمّ واجلس على فخِذي اليسرى، فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجلس عليهـا، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوَّل واقعد على فخذي اليمنى، فتحوَّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجلس عليها، فتحوَّل وجلس في حِجرها، ثمَّ تحسَّرت (1) وألقت خمارها، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس في حِجرها، فقالت: هل تراه يا بن عمّ؟ قال: لا، فقالت: يا بن عمّ، أبشِر واثبت، فو الله إنَّه لمَلك وما هو بشيطان.
ثمَّ توكيداً لِمَا استنتجتْه من تجربتها، انطلقت إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل، وكان متنصِّراً قارئاً للكتُب، فقصَّت عليه خبر ابن عمِّها محمَّد (صلّى الله عليه وآله)، فقال ورقة: قدّوس قدّوس، لئن كنتِ صدقتني يا خديجة، فقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، فقولي له: فليثبت، وإنَّه لنبيُّ هذه الأمّة، ولوددتُ أن أُدرِك أيَّامه فأؤمن به وأنصره، فعادت خديجة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخبرته بما قال، فعند ذلك اطمأنَّ بالُه، وذهبت رَوعتـه، وأيقن أنَّه نبيّ (2) .
* * *
قلت: لا شكَّ أنَّ قصّة ارتياع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بتلك الصورة الفظيعة، أسطورة خرافة حاكَتها عقول ساذجة جاهلة بمقام أنبياء الله الكرام، ومن ثمَّ فهي إزراء بشأنهم الرفيع، وحطٍّ من منزلتهم الشامخة، إن لم تكن ضعضعة بأقوى دعامة رسالة الله!.
أوّلاً: النبي (صلّى الله عليه وآله) أكرم على الله من أن يروِّعه في ساعة حرجة، هي نقطة حاسمة في حياة رسوله الكريم، هي نقطة تحوّلٍ عظيم، من إنسان كامل كان
____________________
(1) أي: كشفَتْ عن نفسها.
(2) راجع سيرة ابن هشام: ج1، ص252 - 255 / صحيح البخاري: ج1، ص3 - 4 / صحيح مسلم: ج1، ص97 - 99 / تاريخ الطبري: ج2، ص298 - 303 / تفسيره: ج30، ص161 / حياة محمّد لهيكل: ص95 - 96.
مسؤول نفسه، إلى إنسان رسول هو مسؤول أُمَّة بأجمعها، كان قبل أن يصل إلى موقفه هذا العصيب يسير قدُماً إلى قمَّة الاكتمال الإنسانيّ الأعلى، في سفرة خطرة كان مبدأُها الخَلْق ومنتهاها الحقّ تعالى، فكان يسير من الخلْق إلى الحقّ، والآن وقد وصل القمَّة، فعاد من الحقّ، حاملاً للحقّ إلى الخلْق (1) .
فساعة البِعثة هي الفترة الحاسمة، وهي الحلقة الواصلة بين السفرتين الذاهبة والراجعة، وهي موقف حرِج، حاشا لله أن يترك حبيبه يكابِد الأمَرَّين حينما بلغ قمَّة اللقاء، والآن يريد أن يختاره رسولاً إلى الناس، فيتركه يتلوّى في هواجس مخطرة، ويروّعه بتلك الصورة الفظيعة التي تكاد تُذهب بنفسه الكريمة، أو تستحوذ على عقله روعةُ المنظر الرهيب!!
أليس محمّد (صلّى الله عليه وآله) أكرم على الله من إبراهيم الخليل، وموسى الكليم وغيرهما من أنبياء عِظام، لم يتركهم في ساعة العُسرة؛ ليلتجئوا إلى إنسانٍ غيره، حاشاه من ربٍّ رؤوفٍ رحيم!!.
ثانياً: إنَّا لنربأ بعلماء - هُم أهل تحقيق وتمحيص - أن يفضِّلوا عقليَّة امرأة لا شأن لها وأسرار النبوّات، على عقليَّة إنسان كامل كان قد بلَغ القمَّة التي استأهلته لحمْل رسالة الله، ثمَّ تقوم هي بتجربة حاسمة يجهلها رسول ربِّ العالمين؛ ليطمئنَّ إلى قَولتها، أو قولة رجُل كان شأنه أن كان قارئاً للكتُب، وليس لذلك العهد كُتب فيها حقائق ومعارف غير محرَّفة قطعياً، ولم نعرف ما الذي وجده رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قَولتِهما، فكان منشأ اطمئنانه لم يجده في الحقِّ النازل عليه من عند الله العزيز الحكيم.
ألم تكن الرؤى الصادقة التي سبقت البِعثة، ولم يكن تسليم المَلك النازل عليه حينها: السلام عليك يا رسول الله، وتسليم الشجر والحجَر كلَّما مرَّ بهما في طريقه
____________________
(1) على ما جاء في تعبير الفيلسوف الإلهي الحكيم صدر الدين الشيرازي، تقدّم كلامه في ص 25 فراجع.
راجعاً إلى بيت خديجة، ولم يكن عِرفانه الذاتي الذي كان يتعمَّقه مدَّة اختلائه بِحراء، كلّ ذلك لم يستوجب استيقانه بالأمـر، ليستيقن من طَمْأنة امرأة أو رجل متنصّر؟! إنّ هذا إلاّ إزراء فظيع بمقام رسالة الله، إن لم يكن مسّاً شنيعاً بكرامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المنيعة.
ثالثاً: اختلاف سرد القصَّة، بما لا يلتئم مع بعضها البعض؛ لَدليلٌ على كِذبها رأساً.
ففي رواية: (انطلقت خديجة لوَحدها إلى ورَقة، فأخبرته بما جرى).
وفي أخرى: (انطلقت بي إلى ورقة وقالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته، فقال: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى).
وفي ثالثة: (لقيَه ورَقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنَّك لنبيُّ هذه الأمّة، ولئن أدركتُ ذلك لأنصرنَّ الله نصراً يعلمه).
وفي رابعة: (عن ابن عبّاس، عن ورَقة بن نوفل قال: قلت: يا محمّد، أخبرني عن هذا الذي يأتيك - يعني جبرائيل (عليه السلام) -؟ فقال: يأتيني من السماء، جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر) (1) ، وهذا ليس في روايات خديجة مع ورَقة، على ما جاءت في الصحاح المتقدّمة.
وفي خامسة: (إنَّ أبا بكر دخل على خديجة، فقالت: انطلق بمحمَّد إلى ورَقة، فانطلقنا، فقصّا عليه...) (2) .
ثمَّ لو صحَّت القصَّة، فلماذا لم يؤمن به ورَقة حينذاك وقد علم أنَّه نبيّ مبعوث؟! فقد صحَّ أنَّه مات كافراً لم يؤمن بـه، وقضيَّة رؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله): (كان ورَقة في ثياب بيض) أيضاً مكذوبة وسنَدها مقطوع، وإلاّ لسُجِّل اسمه فيمن آمن به، قال ابن عساكر: لا أعرف أحداً قال إنَّه أسلَم (3) .
هذا، وقد عاش ورقة إلى زمن بعد البعثة، فقد روي أنَّه مرَّ ببلال وهو يُعذَّب (4) .
____________________
(1) أُسد الغابة لابن الأثير: ج5، ص88، والرواية ضعيفة بروح بن مسافر، ولم يدرك ابنُ عباس ورَقة.
(2) الإتقان: ج1، ص24.
(3 و4) الإصابة: ج3، ص633.
قال ابن حجر: وهذا يدلّ على أنَّه عاش حتَّى ظهرت دعوته (صلّى الله عليه وآله)، ودَعا بلالاً فأسلم، إذاً فلِم بقي على كُفره ولم يُسلم كما أسلم الآخرون؟ ولِمَ لم ينصره كما نصره آخرون؟ وقد خالف عهده كما جاء في الأسطورة.
الوحي لا يحتمل التباساً:
هذا هو الموضوع الثاني - فيما أشرنا سابقاً -: النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يخطأ فيما يوحى إليه، ولا يلتبس عليه الأمر قطّ، النبي كان عندما يوحى إليه يُكشف عن عينه الغطاء، فيرى الواقعية فيما يتَّصل بجانب روحه الملكوتي، منقطعاً عن صوارف المادَّة، إنَّه (صلّى الله عليه وآله) حينذاك يلمس تجلّيات وإشراقات نورية تغشاه من عالم الملكـوت؛ لينصرف بكلّيته إلى لقاء روح الله وتلقّي كلماته، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعورٍ واعٍ وبصيرةٍ نافذة، كمَن يرى الشمس في وضَح النهار، لا يحتمل خطأً في إبصاره ولا التباساً فيما يعِيه.
وهكذا الوحي، إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير؛ ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها، أو إبصاراً من بعيد؛ ليتحمَّل التباساً في الانطباق (1) ، بل هي مشاهدةُ حقيقةٍ حاضرة بعَين نافذة، فاحتمال الخطأ فيه مستحيل.
____________________
(1) الخطأ إنّما يُحتمَل في مجالَين: إمّا في مجال التفكير، أو في مجال الإبصار الخارجي - مثلاً -؛ وذلك لأنّ للاستنتاج الفكري شرائط وأحكاماً، إذا ما أهملها المتفكّر فسوف يقع في خطأ التفكير، وكذلك إبصار العين الخارجية إذا كان من بعيد، فربّما يقع الخطأ فيه من ناحية تطبيق ما عند النفس من مرتكزات ومعلومات على خصوصيات يراها موجودة في العين الخارجية، فالخطأ إنَّما هو في هذا التطبيق النفسي لا في العين المشاهِدة؛ لأنّ الإبصار عبارة عن انطباع صورة الخارج - وهي واقعية لا تتغيّر - في الشبكية العصبية خلف بؤرة العين، وهذه ظاهرة طبيعية تتحقّق ذاتياً إذا ما تحقّقت شرائطها، نعم، كانت النفس هي التي تحكُم على ما شاهدتْه العين بأنّه كذا وكذا، والخطأ إنّما هو في هذا الحكم لا في ذاك الإبصار الطبيعي.
إذاً فبما أنّ الوحي خارج عن الأمرين، لا تفكير ولا إبصار من بعيد - مثلاً - وإنّما هو لمْس حقيقة حاضرة، فلا موقع للخطأ فيه أصلاً.
تلك طريقة علمية فلسفية (1) تهدينا إلى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبداً، ومن ثَمَّ فإنَّ شريعة الله النازلة على أيدي رسُله الأُمناء مصونة عن احتمال الخطأ رأساً.
وهناك طريقة أخرى عقلية تُحتّم لزوم عصمة الأنبياء فيما يبلِّغون من شرائع الله، يفصِّلها علماء الكلام، وتتلخَّص: في أنَّ النبي المبلِّغ عن الله يجب - في ضوء قاعدة اللطف - أن يَنعُم بصحَّة كاملة في أجهزة إحساسه، وسلامة تامَّة في قوى مشاعره، وفي مقدرته العقليّة، فيكون مستقيماً في آرائه ونظرياته، معتدلاً في خُلُقه وسيرته، مستوياً في خِلقته وصورته، وبكلمة جامعة: يجب أن يختار الله لرسالته إنساناً كاملاً في خَلْقه وخُلُقه؛ كي لا يتنفَّر الناس من معاشرته، ويطمئنّوا إلى ما يبلِّغه عن الله، وإلاّ كان نقضاً لغرض التشريع.
فالنبيّ معصوم من الخطأ والنسيان، ولاسيَّما فيما يخصّ تبليغ أحكام الشريعة، وهذا إجماع من المسلمين ومن غيرهم من عقلاء أذعنوا برسالة الأنبياء؛ ولولاه لكان الالتزام بشرائع الدين سفَهاً يأباه العقل (2) .
* * *
هذا مضافاً إلى ما عهد الله لنبيّه بالرعاية والحِفظ: ( سَنُقرِئُكَ فلا تَنسى ) (3)، كان (صلّى الله عليه وآله) في بدء نزول القرآن يخشى أن يفوته شيء، فكان يساوق جبرائيل فيما يلقي عليه كلمة بكلمة، فنهى عن ذلك: ( لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنّ عَلَيْنَا
____________________
(1) راجع ما كتبه الأستاذ العلاّمة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي (وحي يا شعور مرموز): ص104.
(2) راجع مباحث العصمة من شرح تجريد الاعتقاد: المسألة الثالثة من المقصد الرابع من مباحث النبوّة العامّة ص195.
(3) الأعلى: 6.
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَاْنَاهُ فَاتّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (1) ، ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبّ زِدْنِي عِلْماً ) (2) .
قال ابن عباس: (فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له، فإذا انطلق قرأ كما أقرأه) (3) .
وأخيراً فإنَّ قوله تعالى: ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (4) ، يقطع أيّ احتمال الدسّ والتزوير في نصوص القرآن الكريم.
وأمّا احتمال تلبيس إبليس ليتدخّل فيما يوحى إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويجعل من تسويلاته الشيطانية في صورة وحي، ويُلبسه على النبي (صلّى الله عليه وآله) ليزعمه وحياً من الله، فهو أمرٌ مستحيل؛ لأنَّ الشيطان لا يستطيع الاستحواذ على عقلية رسُل الله وعباده المكرَمين: ( إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) (5) ، ومتنافٍ مع قوله تعالى: ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ) (6) وقوله تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (7) ، وقد قال الشيطان: ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (8) ، ومتنافٍ مع قاعدة اللطف الآنفة، ومتناقض مع حكمته تعالى في بعْث الأنبياء في شرحٍ سبَق تفصيله.
نعم، ذهب أصحاب الحديث من العامَّة إلى إمكان استحواذ الشيطان على عقلية الرسول (صلّى الله عليه وآله)، كما جاءت رواياتهم لقصَّة الغرانيق (9)، الأمر الَّذي نراه
____________________
(1) القيامة: 16 - 19.
(2) طه: 114.
(3) طبقات ابن سعد: ج1، ص132.
(4) الحجر: 9.
(5) الإسراء: 65.
(6) الحاقّة: 44 - 45.
(7) النجم: 3 - 5.
(8) إبراهيم: 22.
(9) الغرانيق: جمع الغرنوق، وهو الشابّ الناعم الأبيض، وفي الأصل: اسم لطير الماء (مالك الحزين)، وهو تشبيه آلهة المشركين بطيور بيض محلّقة في أجواء السماء، كناية عن قُربهم من الله.
مستحيلاً إطلاقاً، ومن ثمَّ فهي أسطورة وضَعها مَن يريد الامتهان بمقام الرسالة؛ ليعبّر بها على عقول البسطاء، فكانت غنيمة بأيدي أعداء الإسلام، وإليك نصُّ الأسطورة ونقدها تباعاً:
أُسطورة الغرانيق:
روى ابن جرير الطبري بإسناد زعمها صحيحة، عن محمَّد بن كعب، ومحمَّد بن قيس، وسعيد بن جبير، وابن عبّاس، وغيرهم: أنَّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) كان في حشد من مشركي قريش بفِناء الكعبة، أو في نادٍ من أنديتهم، وكانت تساوره نفسه لو يأتيه شيء من القرآن يقارب بينه وبين قومه الألدّاء، إذ كان يتألّم من مباعدتهم، وكان يرجو الائتلاف معهم مهما كلَّف الأمر، وإذا نزلت عليه سورة النجم، فجعل يتلوها حتّى إذا بلغ: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ) (1) ألقى عليه الشيطان: (تلك الغرانيق العُلى وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى) فَحسبها وحياً، فقرأها على مَلأ من قريش، ثمَّ مضى وقرأ بقية السورة، حتّى إذا أكملها سجد وسجد المسلمون، وسجد المشركون أيضاً، تقديراً بما وافقَهم محمَّد (صلّى الله عليه وآله) في تعظيم آلهتهم ورجاء شفاعتهم.
وطار هذا النبأ حتّى بلغ مهاجري الحبشة، فجعلوا يرجعون إلى بلدهم مكَّة فرِحين بهذا التوافق المفاجئ، كما فرح النَّبي (صلّى الله عليه وآله) أيضاً بتحقيق أُمنيَته القديمة على ائتلاف قومه.
ويقال: إنَّ شيطاناً أبيض هو الذي تمثَّل للنبي في صورة جبرائيل وألقى عليه تَينك الكلِمتين.
ويقال: كان النّبي (صلّى الله عليه وآله) يصلّي عند المقام، إذ نعسَ نعسةً، فجرَت على لسانه هاتان الكلمتان من غير شعور بهما.
ويقال: إنّ النّبي (صلّى الله عليه وآله) هو الذي تكلَّم بهما من تلقاء نفسه؛ حرصاً على ائتلاف
____________________
(1) النجم: 19 و20.
قلوب المشركين، ثمَّ ندم من فِعله هذا الذي كان افتراءً على الله! ويقال: إنَّ الشيطان أجبره على النطق بهذا الكلام... إلخ.
ثمَّ لمّا أمسى الليل أتاه جبرائيل، فقال له: اعرِض علَيَّ السورة، فجعل النبي (صلّى الله عليه وآله) يقرأها عليه، حتّى إذا بلغ الكلمتين قال جبرائيل: مه، من أين جئت بهاتين الكلمتين؟ فتندَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: لقد افتريتُ على الله، وقلت على الله ما لم يقُل! فحزن حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً كبيراً.
ويقال: إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لجبرائيل: إنَّه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني، فقال جبرائيل: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا... فاشتدّ ذلك على رسول الله، فنزلت: ( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَتّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) (1) .
فاشتدّ حُزن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على هذه البادرة المباغتة، ولم يزل مغموماً مهموماً حتّى نزلت عليه ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشّيْطَانُ فِي أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (2) ، وكانت تسليةً لقلبه الحزين، فعند ذلك سرى عنه الهمّ وطابت نفسه (3) .
نقد الحديث سنَداً:
تلك أسطورة الغرانيق مفتراةٌ على النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله)، وقد أُولع المستشرقون والطاعنون في الدين الإسلامي الحنيف بهذه الأسطورة المصطنعة، وأذاعوها وأثاروا حولها عَجاجةً من القول البذيء (4) ، في حين أنّها أُكذوبة مفتعلة،
____________________
(1) الإسراء: 73 - 75.
(2) الحج: 52.
(3) تفسير الطبري: ج17، ص131 - 134 / الدرّ المنثور: ج4، ص194 وص 366 - 368 / فتح الباري بشرح البخاري: ج8، ص333.
(4) انظر تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان: ص34.
صنعتها قرائح القصّاصين، ونسبوها إلى بعض التابعين ومن الصحابة إلى ابن عبّاس، ودلائل الكذِب والافتراء بادية على محيّاها القذِر.
أوّلاً: لم يتَّصل تسلسل سند الحديث إلى صحابيّ إطلاقاً، وإنَّما أُسند إلى جماعة من التابعين، ومَن لم يدرك حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ وعليه فالحديث مرسَل غير موصول السند إلى مَن شاهد القضيَّة - فرضاً -.
وأمّا النسبة إلى ابن عبّاس، فلا تقلّ عن غيرها، بعد أن كانت ولادة ابن عباس في السنة الثالثة قبل الهجرة، فلم يشهد القصَّة بتاتاً، وإنّما نُقلت إليه.
فالرواية من جميع وجوهها، غير موصولة الإسناد إلى شهود القصة، لو صحّت الواقعة.
وقواعد فنّ التمحيص في إسناد الروايات تأبى جواز الاحتجاج بمثل هذا الحديث المرسَل.
ثانياً: شهادة جلّ أئمّة الحديث بكِذب هذا الخبر، وأنَّ الطُرق إليه ضعاف واهية، فهو فيما يشتمل عليه من السند أيضاً ساقط في نظر الفنّ.
قال ابن حجَر: وجميع الطُرق إلى هذه القصَّة - سوى طريق ابن جبير - إمّا ضعيف (يكون الراوي غير موثوق به، أو مرمياً بالوضع والكذِب)، أو منقطع (أي كانت حلقة الوصْل بين الراوي الأوّل والراوي الأخير مفقودة) (1) . وسنذكر أنَّ بلاء طريق ابن جبير هو الإرسال والضعف أيضاً.
وقال أحمد بن الحسين البيهقي - أكبر أئمّة الشافعيَّة، مشهوراً بدقَّة النقد والتمحيص -: هذا الحديث من جهة النقل، غير ثابت ورُواته مطعونٌ فيهم (2) .
وقال أبو بكر ابن العربي: كلّ ما يرويه الطبري في ذلك باطل لا أصل له (3) .
وصنَّف محمَّد بن إسحاق بن خزيمة رسالةً فنَّد فيها هذا الحديث المفتعَل،
____________________
(1) فتح الباري بشرح البخاري: ج8، ص333.
(2) تفسير الرازي: ج23، ص50.
(3) فتح الباري: ج8، ص333.
ونسَبه إلى وضْع الزنادقة (1) .
وقال القاضي عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحَّة، ولا رواه ثقة بسنَدٍ سليم متَّصل، وإنَّما أُولع به وبمِثله المفسِّرون والمؤرِّخون المولَعون بكلِّ غريب، المتلقّفون من الصحُف كلَّ صحيح وسقيم، وقال: وصدقَ القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بُلي المسلمون ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلَّق بذلك الملحدون، مع ضعف نَقَلَته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته (2) .
وأمّا طريق ابن جبير، فذكر أبو بكر البزّاز: أنَّ هذا الحديث لم يسنده عن شُعبة إلاّ أُميّة بن خالد وغيره، يُرسله عن سعيد بن جبير، وإنّما يُعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، ثمّ يذكر شكَّه في صحّة الإسناد إلى ابن عباس أيضاً فيما أُسند إلى ابن جبير (3) .
وأمّا طريق الكلبي إلى ابن عبّاس عن طريق أبي صالح، فموهونٌ بالاتّفاق، قال جلال الدين السيوطي: هي أَوهى الطُرق (4) .
ثالثاً: اتّفاق كلمة المحقّقين من علماء الإسلام قديماً وحديثاً على أنّه حديث مفترى، وحكموا عليه بالكذِب الفاضح، غير آبهين بجانب السند، متّصل أمْ منقطع، صحيح أمْ سقيم؛ لأنّه قبل كلّ شيء متناقض مع صريح القرآن الَّذي ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (5) ، وهادم لأقوى أُسُس الشريعة وأقوم دعامته الرصينة.
قال الشريف المرتضى (رحمه الله): فأمّا الأحاديث المرويَّة في هذا الباب فلا يُلتفت إليها، من حيث إنَّها تضمَّنت ما قد نزّهت العقول الرُّسل عنه، هذا لو لم تكن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث، وكيف يُجيز ذلك على النبي (صلّى الله عليه وآله) مَن يسمع قول الله تعالى: ( كَذلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) (6) ، وقوله: ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ
____________________
(1) تفسير الرازي: ج23، ص50.
(2) الشفا للقاضي عياض: ص117.
(3) نفس المصدر: ص118.
(4) الإتقان: ج2، ص189.
(5) فصّلت: 42.
(6) الفرقان: 32.
الأَقَاوِيلِ ) (1) ، قوله: ( سَنُقرئك فلا تَنسى ) (2) ... ثمَّ أخذ في توضيح الاستدلال (3).
وقال الإمام الفخر: هذه رواية عامَّة المفسِّرين الظاهريّين، وأمّا أهل التحقيق فيرونها باطلة موضوعة، واحتجّوا عليها بوجوه من العقل والنقل (4) .
وقال السيِّد الطباطبائي: الأدلَّة القطعية على عصمة النبي (صلّى الله عليه وآله) تُكذِّب متْن الحديث، وإن فُرضت صحَّة إسناده. فمن الواجب تنزيه جانب قُدسية النبي (صلّى الله عليه وآله) عن أمثال هذه الرذائل التي تمسّ كرامة الأنبياء (5) .
وتكلَّم القاضي عياض في تفنيد هذا الحديث بوجوه عديدة اقتبسنا منها فصولاً في هذا العَرْض. وأخيراً أخذ الدكتور حسين هيكل في تفنيد القصَّة بأُسلوب حديث لخَّصناه في نهاية المقال.
نقْد الحديث مدلولاً:
هذا الحديث فضلاً عن سنده الموهون، فإنَّ مضمونه باطلٌ على كلِّ تقدير:
أوّلاً: مناقضته الصريحة مع كثير من نصوص القرآن الكريم في شتّى الجهات.
ثانياً: منافاته الظاهرة مع مقام عصمة الأنبياء، الثابتة بدليل العقل والنقل المتواتر والإجماع.
ثالثاً: عدم إمكان التِئامه مع سائر آيات السورة نفسها لحناً وأسلوباً، بحيث لا يمكن التباس هذا الجانب على مَن يعرف أساليب الكلام الفصيح، وبالأحرى أن لا يلتبس الأمر على أفصح مَن نطق بالضاد، وعلى أولئك الحضور، وهم صناديد قريش وأفلاذ العرب.
وتوضيحاً لهذه الجوانب الثلاثة الخطيرة نستعرض ما يلي:
____________________
(1) الحاقّة: 44.
(2) الأعلى: 6.
(3) تنزيه الأنبياء: ص107 - 109.
(4) التفسير الكبير: ج23، ص50.
(5) تفسير الميزان: ج14، ص435.
1 - مناقضته مع القرآن:
إنّا لَنَربأ بمسلم نابَه - فضلاً عن ناقدٍ خبير كابن حجَر - أن يتسلَّم صدْق هذا الحديث المفتعَل؛ نظراً لمَا زعمه من صحَّة إسناده المراسيل، ثمَّ لا يتدبَّر في متْنه الفاسد، الظاهر التنافي مع كثير من نصوص الكتاب العزيز، وإليك طرَفاً من ذلك:
أ - تبدأ السورة بقوله تعالى: ( وَالنّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (1) ، وهي شهادة صريحة من الله بأنَّ محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) لا يضلّ، ولا يغوى، ولا ينطق إلاّ عن وحي من الله، يعلِّمه الروح الأمين.
فلو صحّ ما ذكروه في رأس الآية العشرين؛ لكان تكذيباً فاضحاً لهذه الشهادة، وتغليباً لجانب الشيطان على جانب الرحمان، وهو القائل تعالى: ( إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (2) ، والقائل: ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنّ أَنَا وَرُسُلِي إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ ) (3) .
فكيف - يا تُرى - يتغلّب إبليس على ضمان يضمنه الله تعالى، فيبطله صريحاً قبل أن يفرغ من كلامه عزَّ شأنه؟! وهل يتغلّب ضعيف في كَيده على قويّ في إرادته؟! وهل هذا إلاّ تهافت باهت وكلام فارغ لا يستطيع عاقل تصديقه؟!.
ب - وأيضاً فإنّه تعالى يقول: ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (4) كناية عن أنّ أحداً لا يستطيع التقوّل على الله تلبيساً للحقيقة إلاّ ويُهلكه الله من فوره، الأمر الذي تقتضيه حكمته تعالى جرْياً مع قاعدة اللطف، وقد سبقت الإشارة إليها.
أفهل ترى - بعد هذا التأكيد - يستطيع إبليس، وهو صاحب الكيد الضعيف، أن يتقوَّل على الله، ويُلبِّس الأمر على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما يحسبه وحياً آتياً به
____________________
(1) النجم: 1 - 5.
(2) النساء: 76.
(3) المجادلة: 21.
(4) الحاقة: 44 - 46.
جبرائيل الأمين؟! إذاً فأين الضمان الذي ضمِنَه الله تعالى الغالب على أمره، وتعهَّده على نفسه في الآية المذكورة؟!.
ج - وقال تعالى: ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) ، فقد ضمِن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين، وحِفظه عن دسائس المعاندين، أفهل يُعقل - بعد ذلك - أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذِكر الحكيم فور نزوله على رسوله الكريم؟! وهل هذا إلاّ تهافت في الرأي وإبطال لضمان الله؟! ومعه لا تبقى ثقة بما وعَد الله المؤمنين من النصر والغلَبة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً!!.
د - وقال تعالى: ( إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ) (2) ، وقال: ( إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبّكَ وَكِيلاً ) (3) فكيف نجوِّز - بعد هذا الضمان الصريح المؤكَّد - أن يتسلَّط إبليس على أخلص عباد الله المكرَمين، فيلبِّس عليه ناموس الكبرياء، وفي أمَسِّ شؤون رسالته المضمونة؟!.
على أنَّ القرآن يصرِّح أن لا سلطة لإبليس على أحد إطلاقاً، سوى وسوسته الخدّاعة ودعوته إلى الشرور، أمّا التدخّل عملياً في شؤون الخلْق أو الخالق فهذا لا سبيل لإبليس إليه إطلاقاً، وقد حكى الله سبحانه عن لسان إبليس: ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (4) .
2 - منافاته لمقام العصمة:
قال القاضي عياض: وقد قامت الحجَّة وأجْمعَت الأمّة على عصمته (صلّى الله عليه وآله) ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إمّا تمنّيه أن ينزل عليه مثل هذا - من مدح آلهة غير الله - وهو كُفر، أو أنّ تسوَّر عليه الشيطان ويشبِّه عليه القرآن، حتّى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي (صلّى الله عليه وآله) أنَّ من القرآن ما ليس منه حتى ينبّهه جبرائيل، وذلك
____________________
(1) الحجر: 9.
(2) النحل: 99.
(3) الإسراء: 65.
(4) إبراهيم: 22.
كلّه ممتنع في حقّه (صلّى الله عليه وآله).
أو يقول النبي ذلك من قِبل نفسه عمْداً وذلك كُفر، أو سهواً وهو معصوم من هذا كلِّه.
وقد قرَّرنا بالبراهين والإجماع عصمته (صلّى الله عليه وآله) من جريان الكُفر على قلْبه أو لسانه، لا عمداً ولا سهواً.
أو أن يتشبَّه عليه ما يُلقيه المَلك ممّا يُلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو يتقوَّل على الله ما لم ينزل عليه، وقد قال تعالى: ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ... ) (1) ، وقال تعالى: ( إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ... ) (2) (3) .
وأيضاً فلولا العصمة الملحوظة في أداء رسالة الله؛ لزالَت الثقة بالدين، ولأخَذَت الشكوك مواضعها من أحكام وتكاليف وشرائع يبلِّغها النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الله تعالى.
وامتداداً لجانب عصمته (صلّى الله عليه وآله)، وأن لا سبيل لإبليس إلى شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة الله تعالى، قال: (مَن رآني فقد رآني؛ فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي) (4) .
وقد فَهِم العلماء من هذا الحديث قاعدة كلّية: لا يستطيع إبليس التمثّل بأيِّ وليٍّ من أولياء الله (العباد المخلصين)، وبالأحرى عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل، مَلك الوحي المقرَّب الأمين.
إذاً فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء، أو أن ينتحل صورة رسول من رُسل الله الأكرَمين؟ كلاّ، ( لاّ يَسّمّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى ويُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ ) (5) .
3 - تهافته مع آي السورة:
قال القاضي عياض أيضاً: ووجْه ثانٍ، وهو استحالة هذه القصَّة نظراً وعُرفاً؛
____________________
(1) الحاقّة: 44.
(2) الإسراء: 75.
(3) الشفا للقاضي عياض: ج2، ص118 - 119.
(4) صحيح مسلم: ج7، ص57.
(5) الصافّات: 8.
وذلك أنَّ هذا الكلام لو كان - كما روي - لكانَ بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذمّ، متخاذل التأليف والنَظم، ولَمَا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا مَن بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممَّن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمّل، فكيف بمَن رَجُح حلمُه واتَّسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام عِلمه؟! (1) .
أفهل يُتصوَّر بشأن النبيّ محمَّد (صلّى الله عليه وآله) - وهو العارف بمواقع الكلام، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء - أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط، لا يتناسب وسائر جُمَل وآيات كانت تنزل عليه حينذاك؟! أمْ كيف ينسجم ما ذكروه مع قوله تعالى: ( إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) (2) ؟!.
أمْ كيف يقتنع المشركون - وهُم أهل نقْد وفصاحة - بتلك المجاملة المفضوحة، يقترن مدحٌ مشكوك، بذلك القَدْح الصارم؛ ليأخذوه تقارباً مبدئياً بين إشراكهم، والدعوة التي قام بها محمَّد (صلّى الله عليه وآله)، والتي قامت على محْق الشِرك وإخلاص الدين الحنيف، ولاسيَّما مع تعقيبها بقوله أيضاً:
( وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السّماوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً ) (3) ، أفهل يلتئم هذا الكلام التوحيديّ الخالص مع تلك الأكذوبة: (وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى)!؟.
* * *
وأخيراً، فلو صحَّت الحكاية؛ لَشاعت وذاعت، ولأخذها المشركون مُستَمسكاً في وجه المسلمين طول الدعوة، ولم يصدِّقوا النبي (صلّى الله عليه وآله) في دعواه النَسْخ مهما كلّف الأمر، هذا في حين أنَّ التاريخ لم يضبط من تلك الأقصوصة المفتعلة سوى حكايتها عن أُناس تأخَّروا عن ظرْفها بزمانٍ بعيدٍ، ولم يسجِّل التاريخ مَن يقول: حَضرتُها! الأمر الذي يجعلنا قاطعين بكِذبها، ولعلَّها من الإسرائيليات المفضوحة التي
____________________
(1) الشفا: ج2، ص119.
(2) النجم: 23.
(3) النجم: 26.
نسجَتها أيدي النُكاة بالإسلام، في عهد سطوّ المظالم على أرجاء البلاد الإسلامية، في ظلّ حكومة بني أميّة أعداء الدين والقرآن، وهذا هو الأرجح في نظرنا، وفي فصول هذا الكتاب الآتية يتّضح موقف هذه الفئة الباغية على الإسلام أكثر.
* * *
قال الأستاذ هيكل: حديث الغرانيق حديث ظاهر التهافت، ينقضه قليل من التمحيص، وهو بعد حديث ينقض ما لكلّ نبيٍّ من العصمة في تبليغ رسالات ربِّه.
فمن عجَبٍ أن يأخذ به بعضُ كُتّاب السيرة وبعض المفسِّرين المسلمين؛ ولذلك لم يتردَّد ابن إسحاق حين سُئل عنه في أن قال: إنَّه من وضْع الزنادقة، لكنّ بعض الذين أخذوا به حاولوا تبرير أخْذهم هذا، فاستندوا إلى قوله تعالى: ( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) (1) ، وإلى قوله ( إِلاّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشّيْطَانُ ) (2) .
ويضيف (سير وليم موير) : إنَّ مرجع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة - بعد ثلاثة أشهر من إقامتهم هناك - لدليلٌ قاطع على صحَّة هذه القصّة.
وهذه الحُجج التي يسوقُها القائل بصحَّة حديث الغرانيق، حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص، أمّا رجوع المسلمين؛ فكان سببُه اضطراباً سياسيّاً عمَّ أرجاء الحبشة على أثر ثورة جديدة قامت فيها.
أمّا الاحتجاج بالآيات، فاحتجاجٌ مقلوب؛ لأنَّ الآية الأُولى لا تَشي بوقوع الأمْر: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ) (3) ، فالآية تقول: إنَّ الله ثبَّته فلمْ يفعل.
وأمّا آية التمنّي، فلا صِلة لها بحديث الغرانيق، وقد تقدَّم شأنها.
ودليل آخر أقوى وأقطع: سياق السورة وعدم احتماله لمسألة الغرانيق، فإنّها ذمٌّ صريح، ولَهْجةُ تقريع لا ينسجم وإدراج هكذا جُملة، الأمر الذي لا يكاد يخفى
____________________
(1) الإسراء: 73.
(2) الحج: 52.
(3) الإسراء: 74.
على العرب آنذاك.
وأيضاً فإنّ وصف آلهة قريش بالغرانيق لم يأتِ في نظمهم هُم، ولا في خُطَبهم، ولا شيء من معنى الغرنوق يلائم معنى الآلهة التي وصَفها العرب - كما قاله الشيخ محمَّد عبده -.
وبقيت حجَّة قاطعة نسوقُها للدلالة على استحالة قصَّة الغرانيق هذه، من حياة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) نفسه، فهو منذ طفولته وصِباه وشبابه لم يجرّب عليه الكذِب قطّ، حتّى سمّيَ الأمين، وكان صدْقه أمراً مسلَّماً به من الناس جميعاً، فكيف يصدِّق إنسان أنَّه يقول على ربِّه ما لم يقُل؟! ويخشى الناس والله أحقّ أن يخشاه! هذا أمرٌ مستحيل، يدرك استحالته الذين درَسوا هذه النفوس القوية الممتازة التي تعرف الصلابة في الحقّ، ولا تداجي فيه لأيِّ اعتبار (1) .
* * *
أمّا الآية من سورة الإسراء: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) فهي - كما أشار إليه هيكل - صريحة في أنَّه (صلّى الله عليه وآله) لم يفعل؛ بدليل (لولا) الامتناعية، فهي إن دلَّت فإنَّما تدلّ على أنَّ مقام عصمته (صلّى الله عليه وآله) - التي هي عناية من الله خاصَّة بأوليائه المنتجَبين - هي التي تحُول دائماً دون ارتكاب أيَّة رذيلة مهما كانت صغيرة أو كبيرة.
وكم حاول أهل الزَيغ والفساد أن يميلوا بمنهج الإسلام المستقيم، سواء بدسائسهم حال حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أمْ بعد وفاته، ولكن ( أَنّى لَهُمُ التّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) (2) ، ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) .
فالآية تضمين بسلامة هذه الشريعة دون تحريف المبطلين، و(كاف) الخطاب إنّما وردت من باب (إيّاك أعني واسمعي يا جارة) كما ورد في التفسير، وليكون
____________________
(1) حياة محمّد، لمحمّد حسنين هيكل: ص 124 - 129.
(2) سبأ: 52.
(3) الحجر: 9.
ذلك اعتباراً لأولياء المسلمين طول عهد التاريخ أبداً...
وكذا الآية من سورة الحج: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشّيْطَانُ فِي أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ ) (1) لا مَساس لها بقصَّة الغرانيق، بعد أن كانت تشير إلى ظاهرة طبيعية كانت تخالج نفوس كِبار المصلحين أبداً، وهي: تحكيم مباني دعوتهم الإصلاحية، وتدعيم أُسُسها وقوائمها دون تضعضع أو ضياع أو فساد، وأن تُطبّق شريعة الله عامَّة الخلائق وكافَّة الأمم، وأن تزدهر معالمها وتزهو أنوارها في أرجاء العالم المعمور، هذه هي أُمنية كلِّ رسول أو نبي، بل وكلّ قائم بالإصلاح خالصاً مخلصاً له الدين.
غير أنَّ دسائس أهل الزيغ والفساد قد تحُول دون تحقّق هذه الأُمنية، لكنَّه حؤول لا قرار له..؛ لأنَّه من كيد الشيطان، و ( إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (2) ، وقد ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنّ أَنَا وَرُسُلِي ) (3) ، ( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) (4) ، ( إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ ) (5) ، ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) (6)، ( فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) (7) ، فهذه الآية أيضاً ضمان لبقاء هذا الدين وسلامته عن تطاول أيدي المحرِّفين ( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (8) .
* * *
____________________
(1) الحج: 52.
(2) النساء: 76.
(3) المجادلة: 21.
(4) غافر: 51.
(5) الحديد: 25، المجادلة 21.
(6) الأنبياء: 18.
(7) الرعد: 17.
(8) الحجر: 9.
2 - نزول القرآن
- بدْء نزول الوحي.
- بدْء نزول القرآن.
- فترة ثلاث سنوات.
- آراء وتأويلات.
- أوّل ما نزل من القرآن.
- آخِر ما نزل من القرآن.
- التعريف بالمكّيّ والمدنيّ.
- ترتيب النزول.
- آيات مُستثنيات.
نزولُ القرآن
هناك مسألة ذات أهمّية تمسّ جانب نزول الوحي قرآناً، وارتباطه مع بدء الرسالة، حيث اقترنت البعثة - وكانت في شهر رجب - بنزول شيء من القرآن (خمس آيات من أوّل سورة العلَق)، في حين تصريح القرآن بنزوله في ليلة القدر من شهر رمضان، فما وجْه العلاج؟ وهكذا تعيين المدّة التي نزل القرآن خلالها تدريجاً، والسوَر التي نزلت قبل الهجرة لتكون مكّية - اصطلاحاً - والتي نزلت بعدها لتكون مدنية، وهل هناك استثناء لآيات على خلاف السوَر التي ثبتت فيها؟ والأرجح أن لا استثناء، وأنّ السورة إذا كانت مكّية فجميع آيها مكّية، وهكذا السوَر المدنيّات، إذ لا دليل على الاستثناء على ما سنبيّن، وإليك تفصيل هذه الجوانب:
بدْء نزول الوحي:
قال الشيخ الجليل الثقة عليّ بن إبراهيم القمّي: إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة، كان يرى في منامه كأنَّ آتياً يأتيه، فيقول: يا رسول الله! ومضت عليه بُرهة من الزمان وهو على ذلك يكتُمه، وإذا هو في بعض الأيّام يرعى غنماً لأبي
طالب في شُعَب الجبال، إذ رأى شخصاً يقول له: (يا رسول الله! فقال له: مَن أنت؟ قال: أنا جبرائيل، أرسلني الله إليك ليتَّخذك رسولاً، فجعل يعلِّمه الوضوء والصلاة، وذلك عندما تمَّ له أربعون سنة، فدخل عليّ (عليه السلام) وهو يصلّي، قال: يا أبا القاسم ما هذا؟ قال: هذه الصلاة التي أمَرني الله بها) فجعل يصلّي معه، وكانت خديجة ثالثتهما، فكان عليّ (عليه السلام) يصلّي إلى جناح رسول الله الأيمن، وخديجة خلْفه، فأمَر أبو طالب ابنه جعفر أن يصلّي إلى جناح رسول الله الأيسر.
وكان زيد بن حارثة - عتيق رسول الله (1) - قد أسلم عندما نُبّئ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فكان يصلّي معهم أيضاً، وبهذا الجمْع انعقدت نطفة الإسلام (2) .
وفي تفسير الإمام: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يغدو كلَّ يوم إلى حراء، وينظر إلى آثار رحمة الله، متعمّقاً في ملكوت السماوات والأرض، ويعبد الله حقّ عبادته، حتّى استكمل سنَّ الأربعين، ووجد الله قلبه الكريم أفضل القلوب وأجلَّها وأطوَعها وأخشعها، فأذِن لأبواب السماء ففُتحت، وأذِن للملائكة فنزلوا، ومحمَّد (صلّى الله عليه وآله) ينظر إلى ذلك، فنزلت عليه الرحمة من لدُن ساق العرش، ونظر إلى الروح الأمين جبرائيل مطوّقاً بالنور، هبط إليه وأخذ بضِبْعه وهزَّه، فقال: يا محمَّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمّد ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (3) .
ثمَّ أوحى إليه ما أوحى وصعد جبرائيل إلى ربِّه، ونزل محمَّد (صلّى الله عليه وآله) من الجبل وقد غشيَه من عظمة الله وجلال أُبّهته ما ركِبَه الحمّى النافضة (4) ، وقد اشتدَّ عليه ما
____________________
(1) قيل: اشتراه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لخديجة، فلمّا تزوَّجها وهبَته له، فأعتَقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وقيل: استوهبته خديجة من ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد، عندما قدِم مكة برقيق فيهم زيد وصيف أي غلام لم يراهق، فقال لها: يا عمّة، اختاري أيّ هؤلاء الغِلمان شئت، فاختارت زيداً، ثمّ وهبته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأعتقه رسول الله وتبنّاه.
(2) بحار الأنوار: ج18، ص184 و194.
(3) العلق: 1 - 5.
(4) وهي الشديدة.
كان يخافه من تكذيب قريش ونِسبته إلى الجنون، وقد كان أعقل خلْق الله وأكرم بريَّته، وكان أبغَض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين، فأراد الله أن يشجِّع قلبه ويشرح صدره، فجعل كلَّما يمرُّ بحجَرٍ وشجَرٍ ناداه: السلام عليك يا رسول الله) (1) .
وفي شرح النهْج: إنَّ بعض أصحاب أبي جعفر محمَّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) سأله عن قوله الله عزَّ وجلّ: ( إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) (2) ، فقال: (يوكِّل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يُحصون أعمالهم، ويؤدّون إليه تبليغهم الرسالة، ووُكِّل بمحمِّد (صلّى الله عليه وآله) مَلكاً عظيماً منذ فُصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق، ويصدّه عن الشرِّ ومساوئ الأخلاق، وهو الذي كان يناديه: السلام عليك يا محمّد يا رسول الله، وهو شابٌّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد، فيظنّ أنَّ ذلك من الحجَر والأرض، فيتأمّل فلا يرى شيئاً) (3) .
وفي تاريخ الطبري: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - من قبل أن يظهر له جبرائيل (عليه السلام) برسالة الله إليه - يرى ويُعاين آثاراً وأسباباً، من آثار مَن يريد الله إكرامه واختصاصه
____________________
(1) تفسير الإمام: ص157 وهو منسوب إلى الإمام الحادي عشر الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)، وقد طعن بعض المحقّقين في نِسبته إلى الإمام (عليه السلام)؛ لِمَا فيه من مناكير.
لكن لو كان المقصود أنَّه من تأليف الإمام بقلمه وإنشائه الخاصّ، فهذا شيء لا يمكن قبوله بتاتاً، وأمّا إذا كانت النسبة بملاحظة أنّ الراوي كان يحضر مجلس الإمام ويسأله عن أشياء ممّا يتعلّق بتفسير آي القرآن، ثمَّ عندما يرجع إلى داره يسجِّله حسب ما حفظه ووعاه، وربَّما يزيد عليه أشياء أو ينقص، وفْق معلوماته الخاصَّة أيضاً، فهذا شيء لا سبيل إلى إنكاره. ونحن نقول بذلك، ومن ثمَّ نعتمد على كثير ممّا جاء في هذا التفسير، ممّا يوافق سائر الآثار الصحيحة. وراجع أيضاً بحار الأنوار: ج18، ص206 / وتفسير البرهان: ج2، ص478.
(2) الجن: 27.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج13، ص207. وراجع الخطبة القاصعة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الشأن، وقد نقلنا فيما سبق شطراً منها، وهي الخطبة رقم: 238 في شرح النهج لابن أبي الحديد.
بفضله، فكان من ذلك ما مضى من خبره عن المَلكين اللذَين أتَياه فشقّا بطنه (1) ، واستخرجا ما فيه من الغِلّ والدنَس، وهو عند أمّه من الرضاعة حليمة، ومن ذلك أنَّه كان إذا مَرَّ في طريق لا يمرّ بشجرٍ ولا حجرٍ إلاّ سلَّم عليه.
وهكذا كان إذا خرج لحاجة بَعُدَ حتّى لا يرى بيتاً، ويفضي إلى الشِعاب وبطون الأودية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلاّ قال: السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلْفه فلا يرى أحداً (2) .
قال اليعقوبي: كان جبرائيل يظهر له ويكلِّمه، أو ربّما ناداه من السماء ومن الشجر ومن الجبل، ثمَّ قال له: (إنَّ ربّك يأمرك أن تجتنب الرجْس من الأوثان)، فكان أوَّل أمْره، فكان رسول الله يأتي خديجة بنت خويلد ويقول لها ما سمع وتكلَّم به، فتقول له: استُر يا بن عمّ، فو الله إنّي لأرجو أن يصنع الله بك خيراً (3) .
* * *
وكان (صلّى الله عليه وآله) يوم بُعث قد استكمل الأربعين، لعشرين مضَين من مُلك كسرى أبرويز هرمز بن أنوشروان (4) .
قال اليعقوبي: كان مبعثه (صلّى الله عليه وآله) في شهر ربيع الأوَّل، وقيل: في رمضان، ومن شهور العجم: في شباط، قال: وأتاه جبرائيل ليلة السبت وليلة الأحد، ثمَّ ظهر له بالرسالة يوم الاثنين (5) .
قال ابن سعد: نزل المَلَك على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بِحَراء، يوم الاثنين لسبع عشرة خلَت من شهر رمضان (6) .
____________________
(1) لم يرِد بهذا المعنى حديث من طريق أهل البيت (عليهم السلام).
(2) تاريخ الطبري: ج2، ص294 - 295.
(3) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص17، طبعة النجف الثانية.
(4) الكامل لابن الأثير: ج2، ص31.
(5) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص17 - 18.
(6) طبقات ابن سعد: ج1، ص129.
قال أبو جعفر الطبري: وهذا - أي نزول الوحي عليه بالرسالة يوم الاثنين - ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنَّما اختلفوا في أيّ الأثانين كان ذلك؟ فقال بعضهم: نزل القرآن على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لثماني عشرة خلَت من شهر رمضان، وقال آخرون: لأربع وعشرين خلت منه، وقال آخرون: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، واستشهدوا لذلك بقوله تعالى:
( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) (1) ، وذلك ملتقى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والمشركين ببدْر، وكان صبيحة سبع عشرة من رمضان (2) .
لكن لا دلالة في الآية على أنَّ مبعثَه كان مصادفاً لذلك اليوم:
أوّلاً: لأنّ المقصود ما أُنزل عليه ذلك اليوم من دلائل الحقّ وآيات النصر، لا القرآن كلّه ولا مبدأ نزوله.
وثانياً: سوف نذكر أنَّ مبدأ نزول القرآن - بعنوان كونه كتاباً سماوياً - كان متأخّراً عن يوم مبعثه بالرسالة، فقد بُعث (صلّى الله عليه وآله) رسولاً إلى الناس في 27 رجب، وأُنزل عليه القرآن في شهر رمضان ليلة القدر، وربَّما كان بعد فترة ثلاث سنين كما سيأتي.
وثالثاً: معنى يوم الفُرقان، اليوم الذي فُرِّق بين الحقّ والباطل، وغلب الحقّ على الباطل فكان زهوقاً، وكان يوماً حاسماً في حياة المسلمين، وقد يئِس الشيطان فيه أن يُعبد أو يُطاع إلى الأبد (3) .
قال المسعودي: أوّل ما نزل عليه (صلّى الله عليه وآله) من القرآن: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ) ، وأتاه جبرائيل في ليلة السبت، ثمَّ في ليلة الأحد، وخاطبه بالرسالة يوم الاثنين وذلك بِحراء، وهو أوّل موضع نزل فيه القرآن، وخاطبه بأوَّل السورة إلى قوله: ( عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ونزل تمامها بعد ذلك.
____________________
(1) الأنفال: 41.
(2) تاريخ الطبري: ج2، ص294.
(3) راجع تفسير شبَّر: ص195.
وكان ذلك بعد بناء الكعبة بخمس سنين، على رأس عشرين سنة من مُلك كسرى أبرويز، وعلى رأس مئتي سنة من يوم التحالف بالربذة (1) .
وكانت سنة ستّمئة وتسع من تاريخ ميلاد المسيح (عليه السلام) (2) .
* * *
والصحيح عندنا في تعيين يوم مبعثه (صلّى الله عليه وآله): أنَّه اليوم السابع والعشرون من شهر رجب الأصبّ، على ما جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، ويستحبّ صيامه والقيام بآداب وعبادات تخصّه، تلتزم بها الشيعة الإمامية كلَّ عام؛ تقديساً لهذا اليوم المبارك، الذي أُنزلت الرحمة فيه على الناس جميعاً، وافتُتحت أبواب البركة العامّة على أهل الأرض، إذ بُعث النبي (صلّى الله عليه وآله) رحمةً للعالمين، فيا له من يوم مبارك.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (في اليوم السابع والعشرين من رجب نزلت النبوَّة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (3) .
وقال: (لا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب؛ فإنَّه اليوم الذي نزلت فيه النبوَّة على محمّد (صلّى الله عليه وآله)) (4) .
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (بعث الله عزَّ وجلَّ محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) رحمةً للعالمين في سبع وعشرين من رجب، فمَن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستّين شهراً) (5) .
والروايات بهذا الشأن من طُرق أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة (6).
وهكذا وردت روايات من طُرق أهل السنَّة، بتعيين نفس اليوم.
____________________
(1) مروج الذهب للمسعودي: ج2، ص282.
(2) تاريخ التمدّن الإسلامي لجرجي زيدان: ج1، ص43.
(3) أمالي ابن الشيخ: ص28 / بحار الأنوار: ج18، ص189.
(4 و5) الكافي: ج4، ص149.
(6) راجع وسائل الشيعة للشيخ الحرّ العاملي: كتاب الصوم باب 15 من أبواب الصوم المندوب.
أورد الحافظ الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة، قال: مَن صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله تعالى له صيام ستّين شهراً، وهو اليوم الذي نزل فيه جبرائيل على النبي (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة، وأوّل يوم هبط فيه جبرائيل (1) .
وروى البيهقي في شُعَب الإيمان، عن سلمان الفارسي، قال: في رجب يوم وليلة، مَن صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمَن صام مئة سنة وقام مئة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه بَعث الله محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) (2) .
وروى صاحب المناقب عن ابن عبّاس، وأنس بن مالك، أنَّهما قالا: أوحى الله إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله) يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب، وله من العُمر أربعون سنة (3) .
* * *
قال العلاّمة المجلسي (قدّس سرّه): اختلفوا في اليوم الذي بُعث فيه النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) على خمسة أقوال:
الأوّل: سابع عشر شهر رمضان.
الثاني: ثامن عشر شهر رمضان.
الثالث: أربع وعشرون شهر رمضان.
الرابع: ثاني عشر ربيع الأوّل.
الخامس: سابع وعشرون شهر رجب.
قال: وعلى الأخير اتّفاق الإمامية (4) .
أقول: وهناك قول سادس: ثامن ربيع الأوّل. وقول سابع: ثالث ربيع الأوّل.
____________________
(1) السيرة الحلبية: ج1، ص238.
(2) منتخب كنز العمّال (بهامش المسند): ج3، ص362.
(3) المناقب لابن شهرآشوب: ج1، ص150 / البحار: ج18، ص204.
(4) بحار الأنوار: ج18، ص190.
ذكرهما ابن برهان الحلبي في سيرته، ثمّ ذكر القول بأنّه الثاني عشر من ربيع الأوّل، يوم مولده الشريف؛ ليوافق القول بأنّه بُعث على رأس تمام الأربعين (1).
وسنذكر أنّ أكثريَّة القائلين ببِعْثته (صلّى الله عليه وآله) في شهر رمضان، لعلّه قد اشتبه عليهم مبدأ حادث النبوَّة بمبدأ حادث نزول القرآن كتاباً فيه تبيان كلِّ شيء، وهذا الاشتباه يبدو من استدلالهم على تعيين يوم البعثة، بما دلَّ على أنَّ القرآن نزل في ليلة القدر من شهر رمضان.
وسنتحقَّق أن لا صلة بين الحادثَين، فقد بُعث (صلّى الله عليه وآله) في 27 رجب، ولكنَّ القرآن بسِمَته كتاباً مفصّلاً بدأ نزوله على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في شهر رمضان ليلة القدر، بعد ثلاث سنين من نبوَّته (صلّى الله عليه وآله)، فكانت مدّة نبوَّته (صلّى الله عليه وآله) ثلاثاً وعشرين سنة، ولكن فترة نزول القرآن مفرَّقاً استغرقت عشرين عاماً، بدأت بدخول السنة الرابعة من البِعثة، وخُتمت في عاشر الهجرة بوفاته (صلّى الله عليه وآله).
بدْء نزول القرآن:
لا شكَّ أنّ القرآن نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك، لقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (2) ، وقوله: ( إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (3) ، وقوله: ( إِنّا أنزَلنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (4) .
وليلة القدر عندنا مردَّدة بين ليلتين في العشر الأخير من شهر رمضان المبارك: إحدى وعشرين، أمْ ثالثة وعشرين، والأرجح أنَّها الثانية، لحديث الجهني (5) . وقال الصدوق (رحمه الله): اتَّفق مشايخنا على أنَّها ليلة ثلاث وعشرين (6) .
والكلام في تعيين ليلة القدر ليس من مبحثنا الآن، وإنَّما يهمّنا التعرّض
____________________
(1) السيرة الحلبية: ج1، ص238.
(2) البقرة: 185.
(3) الدخان: 3.
(4) القدر: 1.
(5) راجع وسائل الشيعة: باب 32 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث 16، ج7، ص262.
(6) الخصال للشيخ الصدوق: ج2، ص102.
لجوانب من هذا التحديد، أي نزول القرآن في ليلةٍ واحدة - هي ليلة القدر - من شهر رمضان:
أوّلاً: منافاته - ظاهراً - مع ما أسلفناه من اتّفاق الإمامية وعدد من أحاديث غيرهم، على أنَّ البعثة كانت في رجب، ولا شكَّ أنَّ البعثة كانت مقرونة بنزول آيٍ من القرآن، خمس آيات من أوّل سورة العلَق، فكيف يتمّ ذلك مع القول بنزول القرآن - كلّه أو بدْء نزوله - في شهر رمضان في ليلة القدر؟.
ثانياً: ماذا يكون المقصود من نزول القرآن في ليلة واحدة هي ليلة القدر؟ هل نزل القرآن كلُّه جملة واحدة تلك الليلة؟ مع العلم أنَّ القرآن نزل نجوماً لفترة عشرين أو ثلاثة وعشرين عاماً، حسب المناسبات والظروف المختلفة، ودُعيت باسم (أسباب النزول)، فكيف ذلك؟.
ثالثاً: ما هي أوَّل آية أو سورة نزلت من القرآن؟ فإن كانت هي سورة العلَق أو آيٍ منها، فلِمَ سُمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب؟ إذ ليس المعنى أنَّها كتُبت في بدْء المصحف؛ لأنَّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو لا أقلّ في عهد متأخّر من حياته - فرضاً - في حين أنّها كانت تسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها: (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب) (1) حديث مأثور عن لسان النبي (صلّى الله عليه وآله).
وللإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة - بصورة إجمالية - نقول:
إنَّ بدْء البعثة يختلف عن بدء نزول القرآن ككتاب سماوي؛ لأنَّه (صلّى الله عليه وآله) نُبِّئ ولم يؤمَر بالتبليغ العامّ إلاّ بعد ثلاث سنوات، كان خلالها يدعو في اختفاء حتّى نزلت آية ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (2) ، ومن هذا الحين جُعل القرآن ينزل تِباعاً، بسِمة كونه كتاباً أُنزل من السماء، وكان يُسجَّل على العَسْب واللخاف، يكتبه مَن كان يعرف الكتابة من المؤمنين، وهُم عدد قليل، خلال عشرين عاماً.
____________________
(1) صحيح مسلم: ج2، ص9، منتخب كنز العمّال (بهامش المسند): ج3، ص180.
(2) الحجر: 94.
وقد كان بدْء نزول القرآن - بعد تلك الفترة - في ليلة القدر من شهر رمضان؛ وبهذا الاعتبار صحَّ التعبير بأنَّ القرآن نزل في ليلة القدر، وإن كان نزوله تِباعاً استغرق عشرين عاماً؛ إذ كلّ حدَث خطير تكون له مدَّة وامتداد، فإنَّ تاريخه يسجَّل حسب مبدأ شروعه، كما سنفصّل الكلام عنه.
أمّا أوَّل آية نزلت فهي الآيات الخمس من أوَّل سورة العلَق، ونزلت بقيَّتها في فترة متأخرّة، غير أنَّ أوّل سورة كاملة نزلت من القرآن هي سورة الحمد، ومن ثمَّ سمّيت بفاتحة الكتاب.
هذا إجمال الكلام حول هذه المواضيع الثلاثة، وأمّا التفصيل فهو كما يلي:
فترة ثلاث سنوات:
ولنفرض أنَّ البِعثة كانت في رجب، حسب رواية أهل البيت (عليهم السلام) ولفيف من غيرهم، لكنَّ القرآن - بسِمة كونه كتاباً سماويّاً ودستوراً إلهيّاً خالداً - لم ينزل عليه إلاّ بعد فترة ثلاث سنين، كان النبي (صلّى الله عليه وآله) خلالها يكتُم أمْره من مَلأ الناس، ويدعو إلى الله سرّاً، ومن ثَمَّ لم يكن المشركون يتعرّضون أذاه، سوى طعنات لِسَانية، حيث لا يرون من شأنه ما يُخشى على دينهم.
وكان يصلّي إذ ذاك مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعة: عليّ، وجعفر، وزيد، وخديجة ، وكلّما مرَّ بهم مَلأ من قريش سخِروا منهم.
قال عليّ بن إبراهيم القمّي: فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين، أنزل الله عليه: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) قال: وكان ذلك بعد أن نُبّئ بثلاث سنين (1) .
وقال اليعقوبي: وأقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمكّة ثلاث سنين يكتم أمْره (2) .
____________________
(1) الحجر: 94 -95.
(2) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص19.
وقال محمَّد بن إسحاق: وبعد ثلاث سنين من مبعثه نزل ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ، فأُمِر أن يجْهر بالدعوة ويعمَّ الإنذار (1) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (مكث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمكَّة بعدما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنين مختفياً خائفاً لا يُظهر أمْره، حتّى أمَره الله أن يصدع بما أُمر به، فأظهر حينئذٍ الدعوة) (2) .
وهذه الروايات إذا لاحظناها مع روايات قائلة: إنَّ فترة نزول القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله) استغرقت عشرين عاماً، تُعطينا أنَّ مبدأ نزول القرآن كان متأخّراً عن البعثة بثلاث سنوات، إذ لا شكّ أنَّ القرآن كان ينزل عليه (صلّى الله عليه وآله) حتّى عام وفاته؛ وبذلك يلتئم القول بأنَّ بدْء نزول القرآن كان في شهر رمضان، ليلة القدر، كما نصَّ عليه القرآن الكريم.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (ثمَّ نزل القرآن عشرين عاماً) كما جاء في رواية الكليني (3) ، والعيّاشي (4) ، وأشار إليه الصدوق (5) ، والمجلسي (6) . والنصّ على تحديد فترة نزول القرآن بعشرين عاماً كثير (7) .
وإلى هذا المعنى تشير الرواية عن سعيد بن المسيّب، قال: أُنزل على النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وأربعين (8) ، أي أُنزل عليه القرآن عند ذلك، إذ لا شكّ أنَّ النبوّة نزلت عليه (صلّى الله عليه وآله) عند اكتمال الأربعين، وهذا إجماع الأمّة، وعليه اتّفاق
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج1، ص280 / المناقب لابن شهرآشوب، ج1، ص40 / البحار: ج18، ص194.
(2) الغيبة للشيخ الطوسي: ص217 / كمال الدين للشيخ الصدوق: ص197 / البحار: ج18، ص177.
(3) الكافي: ج2، ص629.
(4) تفسير العيّاشي، ج1، ص80.
(5) الاعتقادات: ص101.
(6) بحار الأنوار: ج18، ص250 و253.
(7) راجع الإتقان: ج1، ص40 / وتفسير شبّر: ص350، عند تفسير آية 32 من سورة الفرقان.
(8) مستدرك الحاكم: ج2، ص610.
كلمتهم، فكيف يخفى على مثل سعيد؟!.
وأوضح من ذلك ما رواه الإمام أحمد بسند متَّصل إلى عامر الشعبي: أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نزلت عليه النبوَّة وهو ابن أربعين سنة، فقُرن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلِّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلمّا مضت ثلاث سنين، قُرن بنبوَّته جبرائيل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشراً بمكَّة وعشراً بالمدينة، فمات (صلّى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وستّين سنة. قال ابن كثير: وهو إسناد صحيح إلى الشعبي (1) .
وهذه الرواية وإن كانت فيها أشياء لا نعرفها - ولعلَّها من اجتهاد الشعبي الخاصّ - لكنَّ الذي نريده من هذه الرواية هو: جانب تحديد نزول القرآن في مدَّة عشرين عاماً، وإنَّ نزوله تأخَّر عن البعثة بثلاث سنين، وهذا شيء متَّفق عليه.
آراء وتأويلات:
وأمّا تأويل نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان - مع العلم أنَّ القرآن نزل منجَّماً طول عشرين، أو ثلاثة وعشرين عاماً في فترات ومناسبات خاصَّة، تُدعى بأسباب النزول - فللعلماء في ذلك آراء وتأويلات:
1 - إنَّ بدْء نزوله كان في ليلة القدر من شهر رمضان.
وهذا اختيار محمَّد بن إسحاق (2) ، والشعبي (3)، قال الإمام الرازي: وذلك لأنَّ مبادئ المِلل والدوَل هي التي تؤرَّخ بها؛ لكونها أشرف الأوقات؛ ولأنَّها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة (4) . وهكذا فسَّر الزمخشري الآية بذلك، قال: ابتدأ فيه إنزاله (5) .
____________________
(1) البداية والنهاية لابن كثير: 6، ج3، ص4 / الإتقان: ج1، ص45 / الطبقات: ج1، ص127 / تاريخ اليعقوبي: ج2، ص18.
(2) مجمع البيان: ج2، ص276.
(3) الإتقان: ج1، ص40.
(4) التفسير الكبير: ج5، ص85.
(5) الكشّاف: ج1، ص227.
وهو الذي نرتأيه؛ نظراً لأنّ كل حادث خطير إذا كانت له مدَّة وامتداد زمني، فإنَّ بدْء شروعه هو الذي يسجَّل تاريخياً، كما إذا سئل عن تاريخ دولة أو مؤسَّسة أو تشكيل حزبي، أو إذا سُئل عن تاريخ دراسة طالب عِلم أو تلبّسه الخاص وأمثال ذلك، فإنَّ الجواب هو تعيين مبدأ الشروع أو التأسيس لا غير.
وأيضاً فإنّ قوله تعالى: ( أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) والآيات الأُخَر، حكاية عن أمرٍ سابق لا يشمل نفس هذا الكلام الحاكي، وإلاّ لكان اللفظ بصيغة المضارع أو الوصف، فنفس هذا الكلام دليل على أنَّ من القرآن ما نزل متأخّراً عن ليلة القدر، اللهمّ إلاّ بضربٍ من التأويل غير المستند، على ما سيأتي.
كما أنّ اختلاف مناسبات الآيات - حسب الظروف والدواعي - أكبر دليل على اختلاف مواقع نزولها، إذ يربط ذلك كلّ آية بحادثة في قَيد وقتها، وهذا في كلّ آية نزلت بشأن حدَث أو واقعة وقعت في وقتها الخاصّ، وجاءت آية تعالجها في نفس الوقت، كلّ ذلك دليل على أنَّ القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإلاّ لَمَا كان موقع لقولة المشركين: ( لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) قال تعالى - ردّاً على هذا الاعتراض -: ( كَذلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) (1) أي: كان نزول القرآن تِباعاً وفي فترات مناسبة أدعَم لاطمئنان قلْبك، حيث الشعور بعناية الله المتواصلة في كلِّ آونة ومناسبة (2) .
وذهب إلى هذا الرأي أيضاً ابن شهرآشوب في المناقب، قال: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) أي: ابتدأ نزوله (3) .
وقال في متشابهات القرآن: والصحيح أنَّ القرآن في هذا الموضع لا يفيد العموم، وإنّما يفيد الجنس، فأيّ شيء نزل فيه فقد طابق الظاهر (4) .
ويبدو من الشيخ المفيد (قدّس سرّه) من آخِر كلامه، ردّاً على أبي جعفر الصدوق (عليه الرحمة)
____________________
(1) الفرقان: 32.
(2) راجع الإتقان: ج1، ص41.
(3) مناقب آل أبي طالب: ج1، ص150.
(4) متشابهات القرآن: ج1، ص63.
- فيما يأتي - اختيار هذا القول أيضاً، قال: وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملةً في ليلة القدر، أنّه نزلت جملةٌ منه ليلة القدر، ثمَّ تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأمّا أن يكون نزَل بأسْره وجميعه في ليلة القدر، فهو بعيد عمَّا يقتضيه ظاهر القرآن، والمتواتر من الأخبار، وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء (1) .
* * *
2 - كان ينزل على النبي (صلّى الله عليه وآله) في كلّ ليلة قدر من كلّ عام ، ما كان يحتاج إليه الناس في تلك السنة من القرآن، ثمّ يُنزّله جبرائيل حسب مواقع الحاجة شيئاً فشيئاً بما يأمره الله تعالى، فيكون المقصود من شهر رمضان هو النوع، لا رمضان خاصّ - وهو احتمال الإمام الرازي أيضاً - (2) .
وهذا اختيار ابن جريح (3) ، والسدّي، وأسنده الأخير إلى ابن عبّاس أيضاً (4) ، ونقلة القرطبي عن مقاتل بن حيّان، ووافقه الحليمي والماوردي وغيرهما (5).
غير أنَّ هذا الاختيار يخالفه ظاهر قوله تعالى: ( أُنْزِلَ فِيهِ ) ، أو ( أنزَلنَاهُ ) حكاية عن حدث سابق، فلو صحّ هذا القول؛ لكان المناسب يقول: (نُنزله) صفة للحال!.
وأيضاً يردّه ما استبعدناه على الرأي الخامس الآتي: ما هي الفائدة المتوخّاة من نزول القرآن قبل الحاجة إليه، ولاسيَّما في صيغة جملة الماضي أو الحال، المستدعية كونها نزلت لمناسبة وقتية، لا موقع لنزولها قبل ذلك، حسب التعبير اللفظي؟!.
* * *
3 - شهر رمضان الذي نزل في شأنه القرآن، أي في فرْض صيامه، كما يقال:
____________________
(1) شرح عقائد الصدوق: ص58. وسيأتيك ردّ الشيخ المفيد عليه في ص 75.
(2) التفسير الكبير: ج5، ص85.
(3) الدرّ المنثور: ج1، ص189.
(4) مجمع البيان: ج2، ص276.
(5) الإتقان: ج1، ص40.
نزل في فلان، أو في مناسبة كذا قرآن، والمراد من القرآن آية أو آيات منه (1) .
قال الضحّاك: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) أي الذي أُنزل صَومُه في القرآن (2) .
قال سفيان بن عيينة: معناه: أُنزل في فضْله القرآن، واختاره الحسين بن الفضل وابن الأنباري (3) .
لكنّ هذا الوجه يخصّ آية البقرة، ولا يجري في آيتَي الدخان والقدر، كما لا يخفى، فضلاً عن أنَّه تأويل في اللفظ لا مبرِّر له ولا مستند.
* * *
4 - إنَّ معظمه نزل في أشهر رمضان، ومن ثَمَّ صحَّت نسبة الجميع إليه.
وهذا احتمال ثانٍ احتملهما سيّد قطب، قال: الشَهر الذي أُنزل فيه القرآن، إمّا بمعنى أنّ بدْء نزوله كان في رمضان، أو أنّ معظمه نزل في أشهر رمضان (4) .
لكن لا دليل على أنَّ معظم آيات القرآن نزلت في أشهر رمضان وفي ليلة القدر بالخصوص، ولعلَّ الواقعية تأبى هذا الاحتمال رأساً.
* * *
5 - القرآن نزل جملةً واحدةً في ليلةٍ واحدةٍ هي ليلة القدر ، إلى بيت العِزَّة أو البيت المعمور، ثمَّ نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في فتَرات ومناسبات، طول عشرين أو ثلاثة وعشرين عاماً.
ذهب إلى هذا القول جماعة من أرباب الحديث، نظراً لظاهر أحاديث رُويت في ذلك:
قال الشيخ الصدوق (عليه الرحمة): نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر،
____________________
(1) مجمع البيان: ج1، ص276. الكشّاف: ج1، ص227.
(2) الدرّ المنثور: ج1، 190.
(3) التفسير الكبير: ج5، ص80.
(4) في ظلال القرآن لسيّد قطب: ج2، ص79.
جملةً واحدةً إلى البيت المعمور في السماء الرابعة، ثمَّ نزل من البيت المعمور في مدَّة عشرين سنة، وأنَّ الله أعطى نبيَّه العلم جملةً واحدةً، ثمَّ قال له: ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (1) .
قال العلاَّمة المجلسي - تعقيباً على هذا الكلام -: قد دلَّت الآيات على نزول القرآن في ليلة القدر، والظاهر نزوله جميعاً فيها، ودلَّت الآثار والأخبار على نزول القرآن في عشرين (2) أو ثلاث وعشرين سنة (3) .
وورد في بعض الروايات أنَّ القرآن نزل في أوّل ليلة من شهر رمضان (4) ، ودلّ بعضها على أنّ ابتداء نزوله في المبعث (5) ، فيُجمع بينها بأنَّ: في ليلة القدر نزل القرآن جملةً من اللَوح المحفوظ إلى السماء الرابعة (البيت المعمور)، لينزل من السماء الرابعة إلى الأرض تدريجاً.
ونزل في أوَّل ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ لِيعلَمه هو ولا يتْلوه على الناس، ثمَّ ابتدأ نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره؛ ليتْلوه على الناس (6) .
وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عبّاس، قال: أُنزل القرآن ليلة القدر جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا، ووضِع في بيت العزَّة، ثم أُنزل نجوماً على النبي (صلّى الله عليه وآله) في عشرين سنة.
قال جلال الدين: وهذا هو أصحُّ الأقوال وأشهرها. وروى في ذلك روايات كثيرة، حُكِمَ على أكثرها بالصحَّة، رواها عن: الحاكم، والطبراني، والبيهقي،
____________________
(1) الاعتقادات: ص101. والآية 114 من سورة طه.
(2) الكافي: كتاب فضل القرآن ج2، ص629.
(3) هي مدّة نبوّته (صلّى الله عليه وآله)؛ بناءً على ابتداء نزول القرآن بيوم مبعثه واختتامه بوفاته (صلّى الله عليه وآله).
(4) الكافي: كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان ج4، ص66.
(5) وهي روايات دلّت على أنَّ أوَّل سورة نزلت هي سورة العلق، نزلت في بدء البعثة في يوم 27 رجب. راجع بحار الأنوار: ج92، ص39، وج18، ص206.
(6) بحار الأنوار: ج18، ص253 - 254.
والنسائي وغيرهم (1) .
وروى الطبري بسنده عن واثلة بن الأسقع عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (أُنزلت صحُف إبراهيم أوَّل ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لستٍّ مضَين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلَت منه، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان) (2) .
وفيه عن السدّي عن ابن عبّاس، قال: شهر رمضان، والليلة المباركة ليلة القدر؛ فإنَّ ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان، نزل القرآن جملةً واحدةً من الزُبر إلى البيت المعمور، وهي مواقع النُجوم في السماء الدنيا، حيث وقع القرآن، ثمَّ نزل على محمَّد (صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسْلاً (3) .
وكان عطيَّة بن الأسود قد وقع في نفسه الشكّ من هذه الآية، وقد نزل القرآن في جميع شهور السنة، فسأل ابن عبّاس عن ذلك، فأجابه بما تقدَّم (4) .
وهكذا روى جلال الدين بسنده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله عليه) قال: أنزلَ الله صحُف إبراهيم أوَّل ليلة من رمضان، وأنزل التوراة على موسى لستٍّ خلَون من رمضان، وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة خلت من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمَّد (صلّى الله عليه وآله) لأربع وعشرين خلَت من شهر رمضان (5).
ومن طُرقنا روى العيّاشي عن إبراهيم، أنَّه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (6) كيف أُنزل فيه القرآن، وإنَّما أُنزل القرآن في طول عشرين سنة، من أوَّله إلى آخِره؟! فقال الإمام (عليه السلام): (نزل القرآن جملةً واحدةً في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمَّ أُنزل من البيت المعمور في طول عشرين سنة، ثمَّ قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (نزلت صحُف إبراهيم في أوّل ليلة من
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص39 - 40.
(2) تفسير الطبري: ج2، ص84.
(3) تفسير الطبري: ج2، ص85.
(4) الدرّ المنثور: ج1، ص189.
(5) الدرّ المنثور: ج1، ص189.
(6) البقرة: 185.
شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لستٍّ مضين من شهر رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وأُنزل الزبور لثماني عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان) (1) .
وجاء الحديث في الكافي، إلاّ أنّ في آخِره: (وأُنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان)، والرواية عن الحفص بن غياث (2).
وفي التهذيب جاء قِسم من الحديث برواية أبي بصير، وفي آخِره: (وأُنزل الفُرقان في ليلة القدر) (3) .
هذه جملة من روايات مأثورة، تفسِّر نزول القرآن جملةً واحدةً في ليلة واحدة، إمّا إلى البيت المعمور في السماء الرابعة - كما في روايات الخاصّة - أو إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا، كما في بعض روايات العامَّة، ثمَّ منها نزلت آياته مفرَّقة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسب الظروف والمناسبات رسْلاً رسْلاً.
وقد أخذ الظاهريون من أصحاب الحديث بظاهر هذه الروايات، مستريحين بأنفسهم إلى مدلولها الظاهري تعبُّداً محضاً.
أمّا المحقِّقون من العلماء، فلم يرِقْهم الأخْذ بما لا يمكن تعقّله، ولا مقتضى للتعبّد بما لا يرجع إلى أصول العباديات، ومن ثمَّ أخذوا ينقدون هذه الأحاديث نقداً علمياً متسائلين: ما هي الفائدة الملحوظة من وراء نزول القرآن جملةً واحدةً في إحدى السماوات العُلى، ثمَّ ينزل تدريجياً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!.
* * *
وإجابةً على هذا السؤال، قال الفخر الرازي: ويُحتمل أن يكون ذلك تسهيلاً على جبرائيل، أو لمصلحة النبي (صلّى الله عليه وآله) في توقّع الوحي من أقرب الجهات (4) .
وهذا الجواب غاية في الوهْن والسقوط، مضافاً إلى أنَّه تخرّص بالغيب،
____________________
(1) تفسير العيّاشي: ج1، ص80.
(2) الكافي: ج2، ص629.
(3) تهذيب الأحكام: ج4، ص194.
(4) تفسير الرازي: ج5، ص85.
ونستغرب صدور مثل هذا الكلام الفارغ من مثل هذا الرجل المضطلع بالتحقيق!!.
وقال المولى الفيض الكاشاني: وكأنّه أُريد بذلك نزول معناه على قلْب النبي (صلّى الله عليه وآله)، كما قال تعالى: ( نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ ) (1)، ثمَّ نزل طول عشرين سنة نجوماً من باطن قلْبه إلى ظاهر لسانه، كلّما أتاه جبرائيل (عليه السلام) بالوحي وقرأه عليه بألفاظه (2) .
فقد أوَّل (رحمه الله) البيت المعمور إلى قلْب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وربَّما أراد الصدوق (رحمه الله) أيضاً هذا المعنى من قوله: وأعطى نبيَّه العِلم جملةً واحدةً.
وهكذا وقع اختيار الشيخ أبي عبد الله الزنجاني في تأويل هذه الرواية، قال: ويمكن أن نقول بأنَّ روح القرآن - وهي أغراضه الكلّية التي يرمي إليها - تجلَّت لقلْبه الشريف في تلك الليلة ( نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ ) ، ثمّ ظهرت بلسانه الأطهر مفرَّقة في طول سنين ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ) (3) ... (4) .
وقد أخذ العلاّمة الطباطبائي (دام ظلّه) هذا التأويل وزاد عليه تحقيقاً، قال: إنَّ الكتاب ذو حقيقة أخرى وراء ما نفْهمه بالفهْم العادي، وهي حقيقة ذات وحدة متماسكة لا تقبل تفصيلاً ولا تجزئة؛ لرجوعها إلى معنىً واحدٍ لا أجزاء فيه ولا فصول، وإنَّما هذا التفصيل المشاهَد في الكتاب طرأ عليه بعد ذلك الإحكام، قال تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (5) ، وقال تعالى: ( إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ ) (6) ، وقال: ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ ) (7) ، إذاً فالمراد بإنزال القرآن في ليلة القدر:
____________________
(1) الشعراء: 193 و194.
(2) تفسير الصافي للفيض الكاشاني: ج1، ص42 المقدّمة التاسعة.
(3) الإسراء: 106.
(4) تاريخ القرآن: ص10.
(5) هود: 1.
(6) الواقعة: 77 - 79.
(7) الأعراف: 52.
إنزال حقيقة الكتاب المتوحّدة إلى قلْب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دفعةً، كما أُنزل القرآن المفصَّل في فواصل وظروف على قلْبه (صلّى الله عليه وآله) أيضاً تدريجاً في مدَّة الدعوة النبوية (1) .
أقول: سامح الله التأويل، ما أسهله طريقاً إلى التخلّص عن مآزق البحوث النظرية، ونحن إذ لا نرى مبرِّراً لهكذا تأويلات غير مستندة إلى دليل، نسأل هؤلاء الأعلام: بِمَ أوَّلتم البيت المعمور الذي هو في السماء الرابعة (حسب روايات الخاصَّة)، أو بيت العزَّة (حسب روايات العامَّة) إلى قلْب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟! ولِمَ هذا التعبير جاء في هذا اللفظ؟! وسوف نناقش السيّد العلاّمة في اختيار وجودٍ آخَر للقرآن بسيط، وراء هذا الوجود المفصَّل، أخذَه عن أحمد بن عبد الحليم وحقَّقه تحقيقاً دقيقاً، ولكنّا رفَضْناه رأساً، وسيأتي ذلك في فصل قادم إن شاء الله.
تحقيقٌ مفيد:
قال المحقّق العلاّمة الشيخ أبو عبد الله المفيد: الذي ذهب إليه أبو جعفر (2) (رحمه الله) في هذا الباب، أصله حديث واحد - أي ليس من المتواتر المقطوع به - لا يوجب عِلماً ولا عملاً، ونزول القرآن على الأسباب الحادثة حالاً فحالاً يدلّ على خلاف ما تضمَّنه هذا الحديث؛ وذلك أنَّ القرآن قد تضمّن حُكم ما حدَث وذِكر ما جرى على وجهه، وذلك لا يكون على الحقيقة إلاّ لوقت حدوثه عند السَبب.
مثلاً قوله تعالى: ( قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) (3) ، نزلت هذه الآية بشأن خولة بنت خويلد جاءت تشتكي زوجها أوس بن الصامت الذي كان قد ظاهرَها، وكان ذلك طلاقاً في الجاهلية (4) .
____________________
(1) الميزان: ج2، ص15، 16.
(2) نقلنا كلامه سابقاً في ص 69، وكلام المفيد هنا ردّ عليه وعلى كلّ مَن ذهب مذهبه، من اختيار ظاهر تلكم الأحاديث.
(3) المجادلة: 1.
(4) مجمع البيان: ج9، ص246.
وقوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً ) (1) .
وقوله: ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) .
وكثير في القرآن لفظة: (قالوا) و(قال) و(جاؤوا) و(جاء) - بلفظ الماضي - كما أنّ فيه ناسخاً ومنسوخاً... كلّ ذلك لا يتناسب ونزوله جملةً واحدةً في وقتٍ لم يحدث شيء من ذلك.
قال (رحمه الله): ولو تتبَّعنا قُصص القرآن لجاء ممّا ذكرناه كثيراً لا يتّسع به المقال.
وما أشبه ما جاء به هذا الحديث بمذهب المُشبِّهة، الذين زعموا أنَّ الله سبحانه لم يزل متكلّماً بالقرآن - أي القول بقِدم القرآن - ومخبراً عمّا سيكون بلفظ كان، وقد ردّ عليهم أهل التوحيد بنحوِ ما ذكرناه.
قال: وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملةً في ليلة القدر أنّه نزلت جملة منه ليلة القدر، ثمَّ تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأمّا أن يكون نزل بأسْره وجميعه في ليلة القدر، فهو بعيد عمَّا يقتضيه ظاهر القرآن، والمتواتر من الأخبار، وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء... (3) ، أضف إلى ذلك ما ذكرناه في اختيار الوجه الأوّل....
أوّل ما نزلَ من القرآن:
اختلف الباحثون في شؤون القرآن، في أنَّ أيَّ آياته أو سوَره نزلت قبْل؟ والأقوال في ذلك ثلاثة:
1 - سورة العلَق: لأنَّ نبوّته (صلّى الله عليه وآله) بدأت بنزول ثلاث أو خمس آيات من أوّل سورة العلَق، وذلك حينما فجأه الحقّ وهو في غار حراء، فقال له المَلَك: (اقرأ،
____________________
(1) الجمعة: 11.
(2) الأحزاب: 23.
(3) شرح عقائد الصدوق (تصحيح الاعتقاد): ص58.
فقال: ما أنا بقارئ فغطّه غطّاً، ثمَّ قال له: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ) (2) .
وفي تفسير الإمام: (هبطَ إليه جبرائيل وأخذ بضبْعه وهزَّه، فقال: يا محمَّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمَّد ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأَكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (3) .
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أوّل ما نزلَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ) ، وآخِر ما نزل عليه: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ ) ) (4) .
2 - سورة المدّثّر: لِمَا روي عن ابن سلمة، قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري: أيّ القرآن أُنزل قبْل؟ قال: ( يا أيّها المدّثّر ) ، قلت: أو ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ) ؟ قال: أُحدثكم ما حدَّثنا به رسول الله، قال (صلّى الله عليه وآله): (إنّي جاورت بِحراء، فلمّا قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي - ولعلّه سمع هاتفاً - ثمّ نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني جبرائيل - فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثّروني) ، فأنزل الله: ( يا أيّها المُدَّثِّر * قُم فأنذِر ) (5).
هذا، ولعلَّ جابراً اجتهد من نفسه أنَّها أوَّل سورة نزلت، إذ ليس في كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دلالة على ذلك، والأرجح أنَّ ما ذكره جابر كان بعد فترة انقطاع الوحي، فظنَّه جابر بدْء الوحي (6). وإليك حديث فترة انقطاع الوحي برواية
____________________
(1) صحيح البخاري: ج1، ص3.
(2) صحيح مسلم: ج1، ص97.
(3) تفسير الإمام: ص157 / وراجع أيضاً: بحار الأنوار: ج18، ص206 / وتفسير البرهان: ج2، ص478 / والآيات 1 - 5 من سورة العلق.
(4) الكافي: ج2، ص628 / عيون أخبار الرضا: ج2، ص6 / البحار: ج2، ص39 / البرهان: ج1، ص29.
(5) صحيح مسلم: ج1، ص99.
(6) راجع البرهان لبدر الدين الزركشي: ج1، ص206.
جابر أيضاً:
قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحدّث عن فترة الوحي، قال: فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفاً من السماء، فرفعت رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بِحراء جالساً على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجُئثت منه فرِقاً - أي فزعتُ - فرجعت، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني فدثَّروني، فأنزل الله تبارك وتعالى: ( يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ * وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ ) وهي الأوثان، قال (صلّى الله عليه وآله): ثمَّ تتابع الوحي (1) .
3 - سورة الفاتحة: قال الزمخشري: أكثر المفسِّرين على أنَّ الفاتحة أوَّل ما نزل (2) .
وروى العلاّمة الطبرسي عن الأستاذ أحمد الزاهد في كتابه (الإيضاح) بإسناده عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: (سألت النبي (صلّى الله عليه وآله) عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء، فأوَّل ما نزل عليه بمكَّة: فاتحة الكتاب، ثمّ: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ ) ، ثمَّ: ( ن وَالْقَلَمِ ) . ..) (3) .
وروى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا خُلّي وحده سمع نداء فيفزع له، وللمرّة الأخيرة ناداه المَلَك: (يا محمّد ، قال: لبَّيك، قال: قل: ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ... ) ، حتّى بلغ: ( وَلاَ الضَّالِّينَ ) ) (4) .
قلت: لا شكّ أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يصلّي منذ بِعثته، وكان يصلّي معه عليّ
____________________
(1) صحيح مسلم: ج1، ص98 / صحيح البخاري: ج1، ص4، وفيه (فحمى الوحي وتتابع).
(2) الكشّاف: ج4، ص775. وناقشه ابن حجر مناقشة سطحية لا مجال لها، بعد توضيحنا الآتي في وجه الجمع بين الأقوال الثلاثة / راجع فتح الباري: ج8، ص548.
(3) مجمع البيان: ج10، ص405.
(4) أسباب النزول للواحدي: ص11.
وجعفر، وزيد بن حارثة، وخديجة (1) ، ولا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (2) ، فقد ورد في الأثر: (أوّل ما بدأ به جبرائيل أن علَّمه الوضوء والصلاة) (3) ، فلابدّ أنَّ سورة الفاتحة كانت مقرونة بالبعثة، قال جلال الدين السيوطي: لم يحفظ أنَّه كان في الإسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب (4) .
* * *
وبعد، فلا نرى تنافياً جوهريّاً بين الأقوال الثلاثة؛ نظراً لأنّ الآيات الثلاث أو الخَمس من أوّل سورة العلَق، إنَّما نزلت تبشيراً بنبوَّته (صلّى الله عليه وآله)، وهذا إجماع أهل المِلَّة، ثمَّ بعد فترة جاءته آيات أيضاً من أوَّل سورة المدَّثِّر، كما جاء في حديث جابر ثانياً.
أمّا سورة الفاتحة فهي أوّل سورة نزلت بصورة كاملة؛ وبسِمة كونها سورة من القرآن كتاباً سماوياً للمسلمين، فهي أوّل قرآن نزل عليه (صلّى الله عليه وآله) بهذا العنوان الخاصّ، وأمّا آيات غيرها سبقتها نزولاً، فهي إنَّما نزلت لغايات أخرى، وإن سُجِّلت بعدئذٍ قرآناً ضمن آياته وسوَره.
ومن هنا صحَّ التعبير عن سورة الحمد بسورة الفاتحة، أي أوَّل سورة كاملة نزلت بهذه السِمة الخاصّة، هذا الاهتمام البالغ بشأنها في بدء الرسالة، واختصاص فَرْضها في الصلوات جميعاً، جَعلها - في الفضيلة - عِدلاً للقرآن العظيم: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (5) ، فقد امتنَّ الله على رسوله بهذا النزول الخاصّ تجاه سائر القرآن.
نعم، لو اعتبرنا السوَر باعتبار مفتتحها، فسورة الحمد تقع الخامسة، كما جاء في رواية جابر بن زيد (6) الآتية.
____________________
(1) راجع تفسير القمّي: ص353.
(2) مستدرك الحاكم: ج1، ص238 و239 / صحيح مسلم: ج2، ص9.
(3) سيرة ابن هشام: ج1، ص260 و261 / البحار: ج18، ص184 و194.
(4) الإتقان: ج1، ص12، من الطبعة الأُولى، ومن الثانية: ص30.
(5) الحجر: 87.
(6) الإتقان: ج1، ص25.
آخِر ما نزل من القرآن:
جاء في رواياتنا أنَّ آخِر ما نزل هي سورة النصر، روي أنّها لمّا نزلت وقرأها (صلّى الله عليه وآله) على أصحابه فرحوا واستبشروا، سوى العباس بن عبد المطلب فإنَّه بكى، قال (صلّى الله عليه وآله): (ما يبكيك يا عمّ؟ قال: أظنُّ أنَّه قد نُعيت إليك نفسك يا رسول الله، فقال: إنَّه لَكما تقول)، فعاش (صلّى الله عليه وآله) بعدها سنتين (1) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (وآخِر سورة نزلت: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ ) ) (2) .
وأخرج مسلم عن ابن عبّاس، قال آخِر سورة نزلت: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ ) (3) .
وروي أنّ آخِر سورة نزلت براءة، نزلت في السنة التاسعة بعد عام الفتْح، عند مرجعه (صلّى الله عليه وآله) من غزوة تبوك، نزلت آيات من أوّلها، فبعث بها النبي مع عليّ (عليهما السلام)؛ ليقرأها على مَلأ من المشركين (4) .
وروي أنّ آخِر آية نزلت: ( وَاتّقُوْا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّى كُلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) (5) ، نزل بها جبرائيل، وقال: (ضعْها في رأس المئتين والثمانين من سورة البقرة)، وعاش الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيّام (6) .
قال ابن واضح اليعقوبي: وقد قيل: إنَّ آخِر ما نزل عليه (صلّى الله عليه وآله): ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (7) قال: وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة،
____________________
(1) مجمع البيان للطبرسي: ج10، ص554.
(2) تفسير البرهان للبحراني: ج1، ص29.
(3) الإتقان: ج1، ص27.
(4) تفسير الصافي للفيض: ج1، ص680.
(5) البقرة: 281.
(6) تفسير شبّر: ص83.
(7) المائدة: 3.
وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بغدير خمّ (1) .
أقول: لا شكّ أنّ سورة النصر نزلت قبل براءة؛ لأنّها كانت بشارة بالفتح، أو بمكَّة عام الفتح (2) ، وبراءة نزلت بعد الفتح بسنة.
فطريق الجمْع بين هذه الروايات: أنَّ آخِر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر، فقال (صلّى الله عليه وآله): (أمَا إنَّ نفسي نُعيَت إليَّ) (3) ، وآخِر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة.
وأمّا آية: ( وَاتّقُوْا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ) فإن صحَّ أنّها نزلت بمِنى يوم النحْر في حجَّة الوداع، كما جاء في رواية الماوردي (4) ، فآخِر آية نزلت هي: آية الإكمال ، كما ذكرها اليعقوبي؛ لأنَّها نزلت في مرجعه (صلّى الله عليه وآله) من حجَّة الوداع ثامن عشر ذي الحجّة، وإلاّ فلو صحَّ أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) عاش بعد آية ( وَاتّقُوْا.. ) أحداً وعشرين يوماً، أو سبعة، أو تسعة أيام، فهذه هي آخر آية نزلت عليه (صلّى الله عليه وآله).
والأرجح عندنا: هو ما ذهب إليه اليعقوبي؛ نظراً لأنَّها آية الإعلام بكمال الدِين، فكان إنذاراً بانتهاء الوحي عليه (صلّى الله عليه وآله) بالبلاغ والأداء، فلعلَّ تلك الآية كانت آخِر آيات الأحكام، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقاً.
وهناك أقوال وآراء أُخر لا قيمة لها، إنَّها غير مستندة إلى نصّ معصوم.
قال القاضي أبو بكر - في الانتصار -: وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رُفع إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ويجوز أن يكون قاله قائلُه بضربٍ من الاجتهاد وتغليب الظنّ، وليس العلم بذلك من فرائض الدين؛ حتَّى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط، ويُحتمل أنَّ كُلاًّ منهم أخبر عن آخِر ما سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وغيره سمِع منه بعد ذلك.
ويحتمل أيضاً أن تنزل الآية التي هي آخِر آية تلاها الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع آيات نزلت معها، فيؤمَر برسم ما نزل معها، وتلاوتها عليهم بعد
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص35.
(2) أسباب النزول بهامش الجلالين: ج2، ص145.
(3) مجمع البيان: ج2، ص394.
(4) البرهان للزركشي: ج1، ص187.
رسم ما نزل آخراً وتلاوته، فيظنّ سامع ذلك أنَّه آخِر ما نزل في الترتيب (1) .
المكّي والمدَني:
لمعرفة المكّي من المدَني - سواء أكانت سورة أمْ آية - فائدة كبيرة تمسّ جوانب أسباب النزول، وتمدّ المفسِّر والفقيه في تعيين اتّجاه الآية، وفي مجال معرفة الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والقيد من الإطلاق، وما أشبه، ومن ثمَّ حاول العلماء جهدهم في تعيين المكّيات من المدَنيات، ووقع إجماعهم على قِسم كبير، واختلفوا في البقية، كما استثنوا آيات مدَنية في سوَر مكّية أو بالعكس، ولذلك تفصيلٌ ذكرناه في تفصيل التمهيد.
واليك بعض فوائد معرفة المكّي عن المدنيّ.
فوائد معرفة المكّي عن المدَني:
لمعرفة السوَر المكّية عن المدنية فوائد جمّة نشير إلى بعضها:
أوّلاً: الجهة التاريخية لنزول الآيات، ووجه الخطاب فيها، والبيئة التي أحاطت نزولها في كلّ حين، هي غاية تاريخية يبتغيها روّاد العلم والمعرفة في جميع القضايا التاريخية، ولاسيّما المهمّة منها، ومن أهمّها: قضية نزول السوَر وآيات القرآن، وتترتّب على معرفة الحوادث زمنياً فوائد متصاعدة يعرفها أهل العلم بالتاريخ.
ثانياً: تأثيره في فهْم محتوى الآيات، ولاسيّما في مجالات الفقاهة والاستنباط، فربّما كان ظاهر الآية في شيء ويترتّب عليه حكم شرعي، لولا إرادة خلاف هذا الظاهر البدائي بعد التعمّق في محتوى الآية، ولاسيّما تاريخ نزولها.
____________________
(1) البرهان للزركشي: ج1، ص210.
مثلاً: كانت مسألة تكليف الكفّار بالفروع، ممّا أثار البحث والجدل العريض بين الفقهاء، فمِن مُثبِتٍ وآخَر نافٍ، والمُثبِت ربّما استدلّ بظاهر قوله تعالى: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) (1)، فإنّها عتاب للمشرِك حيث لا يؤدّي زكاة مالِه، ولا عتاب إلاّ بعد تكليف.
لكنّ الشيء المغفول عنه هنا هو: أنَّ الآية في سورة مكّية ولم يستثنِها أحد، والزكاة لم تكن مفروضة على المسلمين آنذاك فكيف بالمشركين؟!.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أترى أنّ الله عزّ وجلّ طلبَ من المشركين زكاة أموالهم وهُم يشركون به، حيث يقول: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) ؟! فقال: إنّما دعا الله تعالى العباد إلى الإيمان به، فإذا آمنوا بالله وبرسوله افترضَ عليهم الفرائض) .
قال المحقّق الفيض الكاشاني: هذا الحديث - وهو صحيح الإسناد - يدلّ على ما هو التحقيق من أنّ الكفّار غير مكلّفين بالأحكام الشرعيّة ماداموا على الكفر (2) .
ومن ثُمّ فقد أُوِّلت الآية تأويلات: (منها) : ما عن ابن عبّاس أنّها زكاة النفس، أي: لا يُطهّرون أنفسهم من دَرن الشِرك. (ومنها) : أنّ المقصود بالزكاة مطلق الصدقات والقُربات لوجه الله، حيث الكافر بالله لا يستطيع - وهو على كفره - أن يتصدّق بقُرْبة. (ومنها): أنّ المراد حرمان أنفسهم من تكاليف الشريعة التي هي بمجموعتها تطهير للنفوس؛ وذلك بسبب بقائهم على الكُفر والجحود.
ثالثاً: فائدة كلامية، ولاسيّما في بحث الإمامة والاستنادات الواقعة كثيراً في كثير من الآيات، وهي موقوفة في الأغلب على معرفة المكيّ عن المدنيّ.
مثلاً: سورة الدهر فيها الآيات بشأن فضيلةٍ من أكبر فضائل أهل بيت النبوّة، قضية النَذْر لشفاء الحسنَين (عليهما السلام) .
ذكر الطبرسي: أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) مرِضا، فعادهما جدُّهما (صلّى الله عليه وآله) في
____________________
(1) فصّلت: 6 - 7.
(2) تفسير الصافي: ج2، ص494.
نفر من وجوه العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذَرت على ولَديك نذْراً، فنذَر صوم ثلاثة أيّام، ونذرَت فاطمة كذلك.. فبرِئا، فأخذ عليّ (عليه السلام) أصْوعاً من الشعير وجاء بها إلى فاطمة؛ لتهيّئها خبزاً لإفطارهم.. فلمّا كان مساء اليوم الأول أتاهم مسكين يسألهم طعاماً فأعطوه الخبز، وكذلك في اليوم الثاني أتاهم يتيم، وفي الثالث أسير، فلمّا كان اليوم الرابع وقضوا نذورهم أتوا النبي (صلّى الله عليه وآله) وبهم ضعف، فلمّا رآهم النبي على تلك الحالة رقّ لهم قلْبه، ونزل جبرئيل حينذاك بسورة هل أتى (1) .
وذكر الطبرسي روايات أُخَر بمختلف الطُرق والمضامين، كلّها تشير إلى سبب نزول السورة بشأن أهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا الحاكم الحسكاني، وغيرهما من الأعلام.
كما جاء الطبرسي هنا - بصدد إثبات كون السورة مدَنية - بروايات الترتيب عن أُمّهات المصادر الأُولى المعتمدة، بحيث ينفى كلّ رَيب في الموضوع، وقد صرّح مجاهد، وقتادة، وغيرهما من أعلام المفسّرين بكون السورة مدنيّة.. (2) .
نعم، كان مثل عبد الله بن الزبير - ممّن يحمل العداء لآل بيت الرسول - يَعتبر السورة مكّية (3) . وهكذا سيّد قطب؛ نظراً لِلَحْن السورة وسياقها حسب نظره (4) .
رابعاً: في كثير من المباحث القرآنية نرى تمام الاستدلال موقوفاً على معرفة السورة مكّيةً أمْ مدنيّة، ويكون ذلك حلاًّ فاصلاً في البحث.
من ذلك مسألة نسْخ القرآن بالقرآن، وقد أفرَط فيها جماعات، فأنهَوا الآيات المنسوخة إلى أكثر من مئتي آية منسوخة في القرآن، وهذا إفراطٌ مبالَغ فيه.
وفي تجاه هؤلاء مَن كاد ينكر أصل النسْخ في القرآن؛ نظراً للتهافت البائن
____________________
(1) مجمع البيان: ج10، ص404 - 405 / شواهد التنزيل: ص299 - 315 / وراجع التمهيد: ج1، ص154 - 155.
(2) مجمع البيان: ج10، ص404 - 405 / شواهد التنزيل: ص299 - 315 / وراجع التمهيد: ج1، ص154 - 155.
(3) الدرّ المنثور: ج6، ص297.
(4) في ظلال القرآن: ج29، ص215.
بين الناسخ والمنسوخ، المتنافي مع قوله تعالى: ( أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (1) .
أمّا السائرون في الوسط، فيرَون النسْخ قليلاً في القرآن في بِضع آيات، ذكرناها في الجزء الثاني من التمهيد.
ومن الآيات التي زعمها الإفراطيون منسوخة: آية الاستمتاع (2) ، زعموها منسوخة بآية حِفظ الفَرْج دون الأزواج والإماء.
قال محمّد بن إدريس الشافعي: إنّ آية الاستمتاع نَسَخَتها آية حِفظ الفروج (3) .
ولكن يقال: إنّ المتمتَع بها زوجة، ولكنّها منقطعة في مقابلة الزوجة الدائمة، فهي زوجة وإن اختلفت في بعض أحكامها.
وأيضاً، قد غفل القائل بكون الناسخ آية الحِفْظ، فإنّها مكّية، ولم يقل أحد باستثناء هذه الآية، في حين أنّ آية الاستمتاع مدنيّة، فكيف يتقدّم الناسخ على المنسوخ بأعوام؟! (4) .
والمِلاك في تعيين المكّي والمدَني مختلِف حسب اختلاف الآراء والأنظار في ذلك، وفيما يلي ثلاث نظريات جاءت مشهورة:
الأوَّل: اعتبار ذلك بهجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ووصوله إلى المدينة المنوَّرة، فما نزلَ قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة، فهو مكّي، وما نزل بعد ذلك فهو مدَني.
____________________
(1) النساء: 82.
(2) قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ ) (النساء: 24).
(3) قال سبحانه: ( وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (المؤمنون: 5 - 7)، راجع التمهيد: ج2، ص335.
(4) راجع التمهيد: ج1، ص198 - 199، رقم 15.
والمِلاك على هذا الاعتبار ملاكٌ زمَني، فما نزل قبل وقت الهجرة ولو في غير مكَّة فهو مكّي، وما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة - حتّى ولو نزل في مكَّة عام الفتح، أو في حجَّة الوداع - فهو مدَني باعتبار نزوله بعد الهجرة، وعلى هذا الاصطلاح؛ فجميع الآيات النازلة في الحروب وفي أسفاره (صلّى الله عليه وآله) - بما أنَّها نزلت بعد الهجرة - كلُّها مدَنيات.
قال يحيى بن سلام: ما نزل بمكَّة أو في طريق المدينة قبل أن يبلغ (صلّى الله عليه وآله) فهو مكّي، وما نزل بعدما قدِم (صلّى الله عليه وآله) المدينة، أو في بعض أسفاره وحروبه فهو مدَني.
قال جلال الدين: وهذا أثر لطيف يؤخَذ منه أنّ ما نزل في سفَر الهجرة مكّي اصطلاحاً (1) .
وذلك كقوله تعالى: ( إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادّكَ إِلَى مَعَادٍ ) (2) قيل: نزلت بالجحفة والنبي (صلّى الله عليه وآله) في طريق هجرته إلى المدينة (3) .
الثاني: ما نزل بمكّة وحوالَيها ولو بعد الهجرة فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدَني، وما نزل خارج البلدَين بعيداً عنهما فهو لا مكّي ولا مدَني، كقوله تعالى: ( كَذلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبّي لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) (4) قيل: نزلت بالحديبية حينما صالح النبي (صلّى الله عليه وآله) مشركي قريش، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل بن عمرو وسائر المشركين: ما نعرف الرحمان إلاّ صاحب اليمامة - يعنون مسيلمة الكذّاب - فنزلت الآية (5) .
وهكذا آية الأنفال (6) نزلت في بدْر عندما اختصم المسلمون في تقسيم الغنائم (7) لا مكّية ولا مدنيّة، على هذا الاصطلاح.
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص9.
(2) القصص: 85.
(3) البرهان للزركشي: ج1، ص197.
(4) الرعد: 30.
(5) مجمع البيان: ج6، ص293.
(6) قوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للّهِِ وَالرّسُولِ... ) (الأنفال: 1).
(7) راجع السيرة لابن هشام: ج2، ص322.
الثالث: ما كان خطاباً لأهل مكّة فهو مكّي، وما كان خطاباً لأهل المدينة فهو مدَني، وهذا الاصطلاح مأخوذ من كلام ابن مسعود: كلّ شيء نزل فيه ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) فهو بمكّة، وكلّ شيء نزل فيه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) فهو بالمدينة (1) . قال الزركشي: لأنَّ الغالب على أهل مكَّة الكُفر، والغالب على أهل المدينة الإيمان (2) .
* * *
وهذا الاختلاف في تحديد المكّي والمدَني، أوجب اختلافاً في كثير من آيات وسوَر أنّها مكّية أمْ مدَنية (3) ، غير أنّ المعتمد من هذه المصطلحات هو الأوّل، وهو المشهور الذي جرى عليه أكثرية أهل العلم (4) ، وكان تحديدنا الآتي في نَظْم السِوَر - حسب ترتيب نزولها - معتمداً على هذا الاصطلاح.
نعم، الطريق إلى معرفة مواقع النزول أنّها كانت بمكّة أو بالمدينة أو بغيرهما قليل جدّاً؛ لأنّ الأوائل لم يُعيروا هذه الناحية المهمّة اهتماماً معتدّاً به، سوى ما ذكروه في عَرَض الكلام استطراداً، وهي استفادة ضئيلة للغاية، ومن ثمّ يجب لمعرفة ذلك ملاحظة شواهد وقرائن من لفظ الآية، أو استفادة من لهجة الكلام خطاباً مع نوعيّة موقف الموجّه إليهم، أكان في حرب أم في سلم، وعْدٌ أمْ وعيد، إرشاد أو تكليف، فيما إذا أوجب ذلك علماً أو حلاًّ قطعياً لمشكلة في لفظ الآية، كما في قوله: ( فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطّوّفَ بِهِمَا ) (5) ، فإنّ مشكلة دلالتها على مطلق الترخيص دون الإلزام والإيجاب، تنحلّ بما أُثر في سبب نزولها (6) ، الأمر الذي يوجب الثقة بصحّة الأثر، مع غضّ النظر عن ملاحظة
____________________
(1) مستدرك الحاكم: ج 3 ص 18.
(2) البرهان للزركشي: ج 1 ص 187.
(3) كما في آية الأمانات من سورة النساء: 58، زعمها النحّاس مكّية لرواية ابن جريح. (راجع مجمع البيان: ج 3 ص 63).
(4) راجع البرهان للزركشي: ج 1 ص 187 / والإتقان: ج1، ص 9.
(5) البقرة: 158.
(6) كان المسلمون يتحرّجون السعي بين الصفا والمروة، زعماً أنّها عادة جاهلية تكريماً بمقام أساف ونائلة، فنزلت الآية دفعاً لهذا الوهْم. (راجع مجمع البيان: ج1، ص240).
السنَد، ومن ثمّ فهي مدنيّة.
قال الجعبري: لمعرفة المكّي والمدَني طريقان: سماعي، وقياسي.
فالسماعي: ما وصل إلينا نزوله بأحدهما. والقياسي: قال علقمة، عن ابن مسعود: كلّ سورة فيها (يا أيها الناس) فقط، أو (كلاّ)، أو أوّلها حروف تهجّي سوى الزهراوين: (البقرة، وآل عمران)، والرعد - في وجه -، أو فيها قصّة آدم وإبليس سوى الطولي (البقرة)، أو فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية، فهي مكّية. وكلّ سورة فيها حدّ أو فريضة، فهي مدَنية، وفي رواية: وكلّ سورة فيها (يا أيّها الذين آمنوا) فهي مدنيّة.
قال الزركشي: وهذا القول الأخير إن أُخذ على إطلاقه ففيه نظر؛ فإنّ سورة البقرة مدنية وفيها: ( يَا أَيّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ ) (1) ، وفيها: ( يَا أَيّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيّباً ) (2) ، وسورة النساء مدنيّة وفيها: ( يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ ) (3) ، وفيها: ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النّاسُ ) (4) فإن أراد المفسّرون أنّ الغالب ذلك، فهو صحيح؛ ولذا قال مكّي بن حموش: هذا إنّما هو في الأكثر وليس بعامّ، وفي كثير في سوَر مكّيّة ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) (5) .
وقال القاضي أبو بكر: كانت العادة تقضي بحِفظ الصحابة ذلك، غير أنّه لم يكن من النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك قول، ولا ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: ما نزل بمكّة كذا وبالمدينة كذا، وإنّما لم يفعله؛ لأنّه لم يؤمَر به، ولم يجعل الله عِلم ذلك من فرائض
____________________
(1) البقرة: 21.
(2) البقرة: 168.
(3) النساء: 1.
(4) النساء: 133.
(5) لم نجد في سورة مكّية ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) نعم، فيها كثير ذِكر (الذين آمنوا) بلا خطاب، كما في سورة: ص، والزمر، وغافر، وفصّلت وغيرها.
نعم، ذكر الزركشي مثالاً لذلك قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) سورة الحجّ: 77، فزعمها مكّية، لكنّ الصحيح أنّها مدَنية.
الأمّة.
وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم - لمّا لم يعتبروا ذلك من فرائض الدِين - لم تتوفّر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذلك على أسماعهم، وإذا كان الأمر على ذلك ساغ أن يختلف مَن جاء بعدهم في بعض القرآن: هل هو مكّي أو مدَني؟ وأن يعملوا في القول بذلك ضرْباً من الرأي والاجتهاد... (1) .
ترتيب النزول:
اعتمدنا في هذا العَرْض على عدّة روايات متّفق عليها، وثقَ بها العلماء أكثرياً، وعَمدتها رواية ابن عبّاس بطُرق وأسانيد اعترف بها أئمّة الفنّ (2) .
قال الإمام بدر الدين الزركشي: وعلى هذا الترتيب استقرّت الرواية من الثقات (3).
وقد أخذناها الأصل الأوّل في هذا العرْض، وأكملنا ما سقط منها على رواية جابر بن زيد وغيره، وكذا نصوص تاريخية معتمدة (4) ، نعم، كان بينها بعض الاختلاف إمّا للاختلاف في تحديد المكّي والمدَني، أو في عدد المكّيات من المدَنيات، ومن ثَمّ جاء اختلافهم في نيّف وثلاثين سورة أنّها مكّيات أمْ مدَنيات.
والنظر في هذا العرض كان إلى مفتتح السوَر، فالسورة إذا نزلت من أوّلها بضْع آيات، ثمّ نزلت أخرى، وبعدها اكتملت الأُولى، كانت الأُولى متقدّمة على الثانية في ترتيب النزول، حسب هذا المصطلح.
وإليك قائمة السوَر المكّية، وعددها: ستّ وثمانون سورة ، متقدّمة على السوَر المدنيّة، وعددها: ثمان وعشرون سورة ، مع غضّ النظر عن سوَر مختلَفٌ فيها.
____________________
(1) راجع البرهان للزركشي: ج1 ص 190 - 192.
(2) راجع مجمع البيان للعلاّمة الطبرسي: ج10، ص 405 و 406 / والإتقان لجلال الدين السيوطي: ج1 ص10 و 11 و 25.
(3) البرهان للزركشي: ج1 ص 193 - 194.(4) راجع الفهرست لابن النديم: ص 28 / وتاريخ اليعقوبي: ج2، ص 28.
السور المكّية (86)
آيات مُستَثْنيات:
تعرّض الأوائل لاستثناء آيات من سوَر تُخالفها في النزول، فربّ سورة مكّية فيها آيات مدَنية أو بالعكس، واستقصى ذلك جلال الدين السيوطي في (الإتقان) مستوعباً، غير أنّه اعتمد في الأكثر على روايات ونقول ضعيفة، ثمّ جاء المتأخّرون ليأخذوا بذلك تقليداً من غير تحقيق (1) ، في حين أنّ غالبية القائلين بهذه الاستثناءات قالوا بها عن حدَس أو اجتهادٍ في الرأي، من غير أن يستندوا إلى نصٍّ صحيح مأثور.
قال ابن الحصار: إنّ من الناس مَن اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل (2) .
ونحن إذ نستطرق هذا الباب، نضرب عن كلّ ما قالوه بهذا الشأن صفحاً إذا لم
____________________
(1) جاءت في المصحف الأميريّ - المطبوع بالقاهرة بإذن مشيخة الأزهر، وبإشراف لجنة مراقبة البحوث الإسلامية - استثناءات بأرقام كبيرة، لكنّه تقليد محض لا أصل لأكثريتها الساحقة، وهكذا سجّلها من غير تحقيق الشيخ أبو عبد الله الزنجاني في تاريخ قرآنه.
أضف إلى ذلك تناقضات جاءت في هكذا اختيارات تقليدية.
مثلاً: جاء في المصحف الأميريّ: أنّ سورة ألم تنزيل (السجدة) نزلت بعد سورة المؤمن، وأنّ سورة حم تنزيل (فصّلت) نزلت بعد سورة غافر، في حين أنّ المؤمن وغافر اسمان لسورة واحدة! وأثبت أبو عبد الله في تاريخ قرآنه قائمتين بشأن ترتيب نزول السورة، فذكر في القائمة الأُولى: أنّ سورة الأنعام نزلت بعد الحِجر، وفي الثانية أنّها نزلت بعد الكهف! كما ذكر في الأُولى أنّ الأعراف نزلت بعد ص، وفي الثانية نزلت بعد الأنفال! وذكر أنّ السوَر المكّيّة: 85، والسوَر المدنية: 28، ولم يلتفت أنّها تنقص مجموع سوَر القرآن بواحدة! وأظنّه في ذلك قلّد الإمام بدر الدين الزركشي!!.
كما جاء في مصحف مطبوع على عهد القاجارية قائمتان: الأُولى تُسجّل عام نزول كلّ سورة، والثانية تُسجّل ترتيب النزول، فجاء في الأُولى: نزلت الصافّات في العام الخامس من البعثة، ونزلت الأنعام في العام الثالث عشر، ثمّ جاء في القائمة الثانية: أنّ الصافات نزلت بعد الأنعام!! وأمثال هذا التناقض كثير.
(2) الإتقان: ج1 ص 14.
يكن مستنداً إلى دليل مقبول، إذ لا شكّ أنّ الآيات كانت تُسجّل تِباعاً في كلّ سورة بعد نزول بسمَلتِها - واحدة تلو الأخرى - ترتيباً طبيعياً حسب النزول، أمّا أن تبقى آية مكّية غير مسجّلة في سورة حتّى تنزل سورة بالمدينة ثمّ تسجّل فيها، فهذا أمر غريب خارج عن طريقة الثبْت المعروف، كما أنّ آية مدنية تسجّل في سورة مكّية بحاجة إلى نصّ صريح خاصّ، وليس بالأمر الذي يتدخّل فيه الحدَس أو الاجتهاد النظري!.
قال ابن حجَر: وأمّا نزول شيء من سورة بمكّة، ثمّ يتأخّر نزول أصل السورة إلى المدينة، فلم أرَه إلاّ نادراً، فقد اتّفقوا على أنّ الأنفال مدَنية، لكن قيل: إنّ قوله تعالى: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا ) (1) نزلت بمكّة، ثمّ نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جدّاً (2) .
وقد استوفينا الكلام عن ذلك، وأبدَينا رأينا في إنكار مزعومة الاستثناء رأساً؛ حيث لا دليل عليه البتّة، وإليك نماذج منها:
* مثلاً قالوا - في سورة البقرة المدَنية - في قوله تعالى: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ) (3) : إنّها نزلت بمكّة بشأن المشركين أيام كان المسلمون ضعفاء، لكن صدر الآية: ( وَدّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ... ) شاهد نزولها بشأن أهل الكتاب في أوائل الهجرة، حيث لم تقوَ شوكة المسلمين آنذاك، ثمّ نُسخت بقوله تعالى: ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ - إلى قوله - مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (4) (5) .
* وهكذا قالوا في قوله تعالى: ( وَاتّقُوْا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ... ) (6) : هي
____________________
(1) الأنفال: 30.
(2) فتح الباري بشرح البخاري: ج 9 ص 38.
(3) البقرة: 109.
(4) التوبة: 29.
(5) راجع مجمع البيان: ج 1 ص 184 - 185 / والدرّ المنثور: ج1، ص 107.
(6) البقرة: 281.
آخِر آية نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو بمِنى في حجّة الوداع (1) .
غير أنّ هذا القول مبتنٍ على كون المكان معياراً للوصف بالمكّية والمدَنية، وقد أسبقنا أنّ المعيار هو زمان الهجرة، فما نزلت بعدها فهي مدَنية وإن نزلت بمكّة أو غيرها.
* كما أنّ زَعْم بعضهم: أنّ الآية: ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (2) نزلت بمكّة بعد الفتح، فهي مكّية في سورة مدَنية (3) ، أيضاً مردود بعد كون المعيار زمان الهجرة.
* وقوله تعالى: ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) (4) .
جاء في المجمع: أنّها مكّية ولم يذكر السبب (5) . غير أنّ لهجة الآية ومحتواها شاهِدَتا صدقٍ على كونها نزلت بالمدينة؛ لأنّها من آيات الأحكام بشأن المواريث.
* وقوله تعالى: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (6) .
زعم أبو عبد الله الزنجاني أنّها نزلت بعَرَفات في حجّة الوداع (7) .
لكنّ أبا عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (نزلت الآية بعد أن نصّب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) عَلماً للأمّة يوم غدير خمّ، مُنصرَفهُ عن حجّة الوداع) (8) .
وهكذا سجّلها ابن واضح اليعقوبي في تاريخه، قال: وكان نزولها يوم النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بغدير خمّ، قال: وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة (9)، وقد ذكرها الحافظ الحسكاني بعدّة طُرق (10) .
____________________
(1) الدرّ المنثور: ج1 ص 370.
(2) النساء: 58.
(3) مجمع البيان: ج3 ص 63.
(4) النساء: 176.
(5) مجمع البيان: ج3 ص 149.
(6) المائدة: 3.
(7) تاريخ القرآن للزنجاني: ص 27.
(8) راجع تفسير التبيان للشيخ الطوسي: ج 3 ص 435.
(9) تاريخ اليعقوبي: ج2 ص 35.
(10) شواهد التنزيل: ج1 ص 156 - 160.
على أنّ النزول بعرَفات كان بعد الهجرة، فهي مدَنية أيضاً في المصطلح كما عرفت.
* وقوله تعالى: ( مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى - إلى قوله -: ... إِنّ إِبْرَاهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ ) (1) .
قالوا: نزلت بشأن أبي طالب (عليه السلام) عندما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعنده بعض أشراف قريش، فقال النبي: أي عمّ، قل: لا إله إلاّ الله، أُحاجّ لك بها عند الله، فقال بعض الحضور: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ قالوا: فأبى أبو طالب أن يذكر الشهادة، فقال النبي عند ذلك: لأستغفرنّ لك. فنزلت الآية... فهي مكّية مستثناة من سورة مدَنية (2) .
كما قالوا: إنّها نزلت بشأن والدَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أراد أن يستغفر لأبيه، وهكذا استجاز ربّه في زيارة قبر أمّه فأجازه، ثمّ بدا لله في ذلك، فأنزل الله الآية، فما رُئيَ رسول الله أكثر باكياً من يومه ذاك (3) .
أقول: قاتل الله العصبية، عصبية الجاهلية الأُولى، لم تزَلْ متمكّنة في قلوب أذناب قريش ومواليهم حتّى اليوم.
وقد ثبتَ في الصحيح: أنّ أبا طالب مات مسلماً (4) ، كما أنّ قوله تعالى: ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) (5) تصريح بطهارة آباء رسول الله وأمّهاته، ففي حديث ابن عبّاس: (لم يزَل الله ينقلُني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّىً مهذّباً) (6) .
وهو المروي - صحيحاً - عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) قالا: (في أصلاب النبيّين نبيّ بعد نبيّ حتّى أخرجه من صُلب أبيه، من نكاح غير سفاح من
____________________
(1) التوبة: 113 و 114.
(2) راجع الدرّ المنثور: ج 3 ص 282 / وصحيح البخاري: ج 2 ص 119، وج 6 ص 87.
(3) جامع البيان للطبري: ج 11 ص 31.
(4) راجع التمهيد: ج 1 ص 230.
(5) الشعراء: 219.
(6) الدرّ المنثور: ج 3 ص 294.
لدُن آدم (عليه السلام)) (1) .
وفي زيارة الوارث لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام): (أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، لم تُنجّسك الجاهليةُ بأنجاسها، ولم تُلبسك من مُدلهمّات ثيابها...) (2) .
والصحيح في سبب نزول تلك الآية - على ما ذكره أبو علي الطبرسي -: أنّ المسلمين جاؤوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يطلبون إليه الاستغفار لموتاهم الذين مضَوا على الكُفر أو النفاق، قالوا: ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية؟! فنزلت الآية (3) .
راجع التفصيل في التمهيد (4) .
* * *
____________________
(1) راجع الدرّ المنثور: ج 5 ص 98 / ومجمع البيان: ج 7 ص 207.
(2) الزيارة السابعة من الزيارات المطلقة لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
(3) مجمع البيان: ج 5 ص 76.
(4) التمهيد: ج 1 ص 229 - 232.
3 - معرفةُ أسباب النزول
- قيمة هذه المعرفة وفائدتها.
- الاهتداء إلى معرفة أسباب النزول.
- الفَرْق بين سبب النزول وشأن النزول.
- معنى قولهم: نزلت الآية في كذا.
- الفرْق بين التنزيل والتأويل.
- هل يُشترط في ناقل السبب حضوره المشهد؟
- العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد.
- نزلَ القرآن بـ (إيّاك أعني واسمعي يا جارة).
- القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر.
- كيف الاهتداء إلى معالم القرآن؟
معرفةُ أسباب النزول
وإذ كان القرآن ينزل نجوماً، وفي فترات متفاصلة بعضها عن بعض، ولمناسبات شتّى كانت تستدعي نزول آية أو آيات تعالج شأنها؛ فقد اصطلحوا على تسمية تلكم المناسبات بأسباب النزول أو شأن النزول - على فرْق بينهما - وهو عِلمٌ شريف، وفي نفس الوقت خطير يمسّ التنزيل في صميم معناه، ويهدي المفسّر المسترشد والفقيه المستنبط إلى حيث سواء السبيل.
واستيفاء هذا البحث يقتضي النظر في مسائل: قيمة هذه المعرفة وفائدتها في مجال الفقاهة والتفسير؟ وكيف الاهتداء إلى معرفة أسباب النزول؟ وهل هناك فرْق بين قولهم: سبب النزول، أو شأن النزول؟ والفرْق بين التنزيل والتأويل، وكذا ظَهْر الآية وبطْنها في مصطلح السلَف؟ وما معنى قولهم: نزلت الآية في كذا؟ وهل يجب في الناقل الأوّل للسبب أن يكون حاضر المشهد؟ وأنّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد؟ وأنّ القرآن نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة؟ وأنّه يجري كما تجري الشمس والقمر؟ وكيف الاهتداء إلى معالم القرآن؟ وما هي الوسائل المستعملة في هذا السبيل؟ ونحو ذلك من أبحاث عامّة وشاملة.
قال: هذا تقرير ما صدَر عن عمَر، مع ما عُرف من شدّة صلابته في الدين! (1) .
يا للعجَب من عقلية ابن حجَر، كيف يتصوّر من عمَر عملاقاً في فَهْم قضايا الدين والوقوف على مزايا اللغة، ممّا غفَل عنه مثل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي هو مبلِّغ الشريعة وأفصح مَن نطقَ بالضاد؟!.
أمثل مَن لا يَعرف الأَبَّ مِن القَتّ (2) ، ويجهل الكثير من الآداب والسُنن (3) ، يقوم بتأنيب ناموس الشريعة وصميم العربية الفصحاء؟! إنْ هذا إلاّ وهْمٌ ناشئ عن عصبية عمياء، أعاذنا الله منها!.
* * *
وبعد، فإذ قد عرفت قيمة ما أُسند من روايات أسباب النزول الواردة في أهمّ الكتُب الحديثية، فكيف بالمقطوع، والمرسَل، والمجهول... الأمر الذي يُنْبئك عن أصالة ما لدينا من صحاح الروايات في هذا الباب، وقد صحّ كلام الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل معتمَد: المغازي، والملاحم، والتفسير.
هذا السيوطي يُخرّج لقوله تعالى: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) (4) خمسة أوجه:
الأوّل: إنّه في تحويل القِبلة وارتياب اليهود في ذلك. عن ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
____________________
(1) فتح الباري: ج 8 ص 252.
(2) أخرج الطبري في تفسيره (ج 30 ص 38) عن أنس قال: قرأ عمَر سورة عبَس، فلمّا أتى على هذه الآية ( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) قال: عرفنا الفاكهة فما الأبّ؟.. ثمّ قال: إنّ هذا لهو التكلّف!. وأورده ابن كثير في تفسيره (ج4 ص 473) وصحّحه، ثمّ تعجّب من عدم فَهْم عمَر معنى الأبّ؛ لأنّ الكلّ يعلم أنّه من نبات الأرض ممّا يقتات به البهائم، لقوله تعالى بعد ذلك: ( مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ) فالأبّ علَف الدوابّ كالقَت.
(3) راجع نوادر الأثر في علم عُمَر (الغدير: ج 6 ص 83).
(4) البقرة: 115.
الثاني: أن تصلّي حيثما توجّهتْ به راحلتك. أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمَر.
الثالث: إنّه كان في سفَر ليلةٍ ظلماء، فصلّى كلّ رجُل على حياله لا يدرون أين وجه القِبلة. أخرجه الترمذي من حديث عامر بن ربيعة، وكذا الدارقطني من حديث جابر.
الرابع: لمّا نزلت ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (1) قالوا: إلى أين؟ فنزلت. أخرجه ابن جرير عن مجاهد.
الخامس: عن قتادة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (إنّ أخاً لكم قد مات فصلّوا عليه) ، فقالوا: إنّه كان لا يصلّي إلى القِبلة، فنزلت.
قال السيوطي - تعقيباً على ذلك -: فهذه خمسة أسباب مختلفة، وأضعفها الأخير لإعضاله، ثمّ ما قبله لإرساله، ثمّ الثالث لضعف رُواته، والثاني صحيح لكنّه قال: قد أُنزلت في كذا، ولم يُصرّح بالسبب، والأوّل صحيح الإسناد، وصُرّح فيه بذِكر السبب فهو المعتمَد (2) .
* * *
سبب النزول أو شأن النزول:
ما هو الفارق بين قولهم: (سبب النزول) أو (شأن النزول) ؟.
إن كانت هناك مشكلة حاضرة - سواء أكانت حادثة أُبهم أمرُها، أمْ مسألة خفِيَ وجه صوابها، أو واقعة ضلّ سبيل مَخرجِها - فنزلت الآية لتعالج شأنها وتضع حلاً لمشكلتها، فتلك هي أسباب النزول، أي السبب الداعي والعلّة الموجِبة لنزول قرآن بشأنها.
وهذا أخصّ من قولهم: (شأن النزول)؛ لأنّ الشأن أعمّ مورداً من السبب
____________________
(1) غافر: 60.
(2) الإتقان: ج1، ص93.
- في مصطلحهم - بعد أن كان الشأن يعني: الأمر الذي نزل القرآن - آيةً أو سورة - ليعالج شأنه بياناً وشرحاً، أو اعتباراً بمواضع اعتباره، كما في أكثرية قصص الماضين والإخبار عن أُمم سالِفين، أو عن مواقف أنبياء وقدّيسين كانت مشوّهة، وكادت تمسّ من كرامتهم أو تحطّ من قدسيّتهم؛ فنزل القرآن ليعالج هذا الجانب، ويبيّن الصحيح من حكاية حالهم والواقع من سيرتهم بما يرفع الإشكال والإبهام، وينزّه ساحة قُدس أولياء الله الكرام.
وعليه: فالفارق بين السبب والشأن - اصطلاحاً - أنّ الأوّل يعني مشكلة حاضرة لحادثة عارضة، والثاني مشكلة أمرٍ واقع، سواء أكانت حاضرة أمْ غابرة، وهذا اصطلاح ولا مشاحّة فيه.
* * *
وقولهم: (نزلت في كذا) أعمّ، قد يراد السبب العارض، وقد يراد شأنُ أمرٍ واقع في الغابر، وأحياناً يراد بيان حُكم وتكليف شرعي دائم.
قال الزركشي: وقد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنّه يريد بذلك أنّ هذه الآية تتضمّن هذا الحُكم، لا أنّ هذا كان السبب في نزولها (1) .
إلاّ أنّ السيوطي خصّ أسباب النزول بالنوع الأوّل، ورفض أن يكون بيانه قصّة سالفة لنزول سورة أو آية قرآنية، ومن ثمّ اعترض على الواحدي - في أسباب النزول - قوله: نزلت سورة الفيل في قصّة أصحاب أبْرهة الذي جاء لهدْم الكعبة (2) .
قال: والذي يتحرّر في سبب النزول أنّه ما نزلت الآية أيام وقوعه؛ ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أنّ سببها قصّة قدوم الحبشة، فإنّ ذلك ليس من
____________________
(1) البرهان للزركشي: ج1، ص31 - 32.
(2) أسباب النزول للواحدي: ص259.
أسباب النزول في شيء، بل هو باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذِكر قصّة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك (1) ، مع أنّ الواحدي لم يصرّح بالسبب، بل ذَكر أنّها نزلت في قصّة أصحاب الفيل.
ولا وجه لِمَا تضايق السيوطي على نفسه وعلى الآخرين، بعد أن كان المصطلح على دواعي النزول هي المناسبات المقتضية لنزول قرآن، سواء أكانت حادثة واقعة، أمْ اختلافاً في مسألة شرعية فرعية أو عقائدية، أمْ قصّة غابرة كانت ذات عِبرة أو موضع اختلاف، فأراد الله تعالى تحريرها وتهذيبها وتطهير ساحة قُدس أوليائه الكرام.
التنزيل والتأويل:
سأل الفُضَيل بن يسار الإمام أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن الحديث المعروف: (ما في القرآن آية إلاّ ولَها ظَهْر وبطْن، فقال (عليه السلام): ظهْره تنزيله وبطْنه تأويله، منه ما قد مضى ومنه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر) (2) .
وقال (عليه السلام): (ظَهْر القرآن الذين نزل فيهم، وبطْنه الذين عملوا بمِثل أعمالهم) (3) .
ذلك أنّ للآية وجهاً مرتبطاً بالحادثة الواقعة - التي استدعَت نزولها - ووجهاً آخر عامّاً، تكون الآية بذلك دستوراً كلّياً يجري عليه المسلمون أبَدياً، وكما أنّ الآية عالجت - بوجهها الخاصّ - مشكلة حاضرة، فإنّها - بوجهها العامّ - سوف تعالج مشاكل الأمّة على مَرّ الأيام.
قال الإمام أبو جعفر (عليه السلام): (ولو أنّ الآية نزلت في قوم، ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية؛ لَمَا بقي من القرآن شيء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخِره ما دامت السماوات والأرض، ولكلّ قومٍ آية يتلونها هُم من خير أو شرّ) (4) .
____________________
(1) لباب النقول بهامش الجلالين: ج1، ص5.
(2) بصائر الدرجات: ص196، ح7.
(3) تفسير العيّاشي: ج1، ص11، ح4.
(4) تفسير العيّاشي: ج1، ص10، ح7.
نعم، إنّ الحكمة في نزول آية أو سورة ليست بالتي تقتصر على معالجة مشاكل حاضرة، وليست دواءً وقتيّاً لداءٍ عارضٍ وقتيّ، إذاً تنتفي فائدتها بتبدّل الأحوال والأوضاع، بل القرآن - في جميع آياتهِ وسوَرهِ - نزل علاجاً لمشاكل أُمّة بكاملها في طول الزمان وعَرْضه، وإلى ذلك يشير قولهم (عليهم السلام): (نزلَ القرآن بإيّاك أعني واسمعي يا جارة) (1) .
وهذا الوجه العامّ للآية: هو ناموسها الأكبر الكامن وراء ذلك الوجه الخاصّ، وإنّما يلقي بأضوائه على الآفاق من وراء ذلك الستار الظاهري، وتنبعث أنواره من ذلك البطن الكامن وراء هذا الظهْر.
وهذا من اختصاص القرآن في بيان مقاصده من الوجهين الخاصّ والعامّ، ومن ثمّ فإنّ له تنزيلاً (الذين نزل فيهم)، وتأويلاً (الذين عملوا بمثل أعمالهم)، وذلك ظهْره وهذا بطْنه.
غير أنّ الوقوف على تأويل القرآن وفهْم بطون الآيات، إنّما هو من اختصاص الراسخين في العلم، ممّن ثبتوا على الطريقة، فسقاهم ربّهم ماءً غَدَقاً (2) .
ومن ثمّ قال الإمام أبو جعفر - بعد أن تلا الآية -: (نحن نعلمه) أي التأويل (3) ، وفي رواية أخرى: (تعرفه الأئمّة) (4) .
* * *
قال تعالى: ( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (5) .
هذه الآية نموذج من الآيات ذوات الوجهَين، لها تنزيل ولها تأويل، ظهْرٌ وبطْنٌ، وإنّّما يَعلم سرّها الكامن العامّ أُولوا البصائر في الدين الأئمّة
____________________
(1) تفسير العيّاشي: ج1، ص10، ح4.
(2) راجع آية 16 من سورة الجنّ.
(3) بصائر الدرجات: ص196، ح7.
(4) بصائر الدرجات: ص196، ح8.
(5) البقرة: 115.
المعصومون (عليهم السلام).
هذه الآية تبدو - في ظاهرها - متعارضة مع آيات توجِب التوجّه في الصلاة شطْر المسجد الحرام (1) ، ولكن مع ملاحظة سبب النزول، وأنّه دفعٌ لشُبهة اليهود ورفعٌ لارتيابهم في تحويل القِبلة، يتبيّن أن لا معارضة، ويرتفع الإبهام عن وجه الآية؛ ذلك أنّ الاستقبال في الصلاة والعبادات أمرٌ اعتباريّ محض، ينوط باعتبار صاحب الشريعة في مصالح يراها مقتضية حسب الأحوال والأوضاع، وليس وجه الله محصوراً في زاوية القُدس الشريف أو الكعبة المكرّمة.
وبذلك تنحلّ مشكلة الآية ويرتفع إبهامها، وأن ليس ترخيصاً في الاتّجاه بسائر الجهات.
هذا، وقد فهِم الأئمة (عليهم السلام) أمراً آخر أيضاً، استخرجوه من باطن الآية، حيث تأويلها المستمرّ، وأنّها تعني جواز التطوّع بالنوافل إلى حيث توجَّهت به راحلتك... أو اشتبهت القِبلة، فتصلّي إلى أيّ الجهات شئت، هكذا وجدنا صراحة الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) (2) .
قال سيّدنا الطباطبائي (قدّس سرّه): إنّك إذا تصفّحت كلمات الأئمّة (عليهم السلام) في عموم القرآن وخصوصه ومطلقه ومقيّده؛ لوجدت كثيراً ما استفادةَ حُكمٍ من عموم الآية، ثمّ استفادة حكمٍ آخر مع ملاحظة خصوصها، فقد يستفاد (الاستحباب) من الآية من وجه عمومها، (الوجوب) من وجهها الخاصّ، وهكذا (الحرمة) و(الكراهة) من الوجهين للآية بذاتها.
قال: وعلى هذا المقياس تجد أصولاً هي مفاتيح لكثير من مغالق الآيات، إنّما تجدها في كلماتهم (عليهم السلام) لا غيرهم، قال: ومن هنا يمكنك أن تَستخرج من
____________________
(1) البقرة: 144 و149 و150.
(2) راج وسائل الشيعة: باب 8 و 15 من أبواب القِبلة ج3، ص225 - 239 / وتفسير العيّاشي: ج1، ص56 - 57.
لُباب كلامهم في المعارف القرآنية قاعدتين أساسيّتين:
الأُولى: أنّ كلّ عبارة من عبارات الآية الواحدة، فإنّها لوحدها تفيد معنى وتلقي ضوءً على حُكمٍ من أحكام الشريعة، ثمّ هي مع العبارة التالية لها تفيد حكماً آخر، ومع الثالثة حكماً ثالثاً، وهكذا دواليك.
مثلاً قوله تعالى: ( قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) (1) فقوله: ( قُلِ اللّهُ ) جملة تامّة الإفادة وهي مع قوله: ( ثُمَّ ذَرْهُم ) أيضاً كلام آخر هو تامّ، ومع ( في خوْضِهِمْ ) ، وكذا مع ( يَلْعَبُونَ ) كُلاًّ كلامٌ ذو فائدةٍ تامّة.
واعتبِر نظير ذلك في كلّ آية شئت من آيات القرآن..
الثانية: أنّ القصّتين أو المعنيَين إذا اشتركا في جملة أو نحوها، فهما راجعان إلى مرجعٍ واحد.
قال: وهذان سِرّان، تحتهما أسرار، والله الهادي (2) .
* * *
وقوله تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) (3) .
قيل: نزلت بشأن الجِنّ استأذنوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يشهدوا مسجده، وقد كان صعباً عليهم وهم منتشرون في فِجاج الأرض، فنزلت: أنّ كلّ موضع من الأرض فهو مسجد لله يجوز التعبّد فيه، سوى أنّه يجب الإخلاص في العبادة في أيّ مكان كانت (4) ، وهكذا روي عن سعيد بن جبير.
هذا إذا أُخذت (المساجد) بمعنى (المعابد): أمكنة العبادة.
وربّما فُسّرت بمعنى المصدر، وأنّ العبادات بأسْرها خاصّة بالله تعالى لا يجوز السجود لغيره، روي ذلك عن الحسن.
____________________
(1) الأنعام: 119.
(2) تفسير الميزان: ج1، ص262.
(3) الجنّ: 18.
(4) لباب النقول بهامش الجلالين: ج2، ص121.
وقال جمْع من المفسّرين كسعيد بن جبير، والزجّاج، والفرّاء: إنّها المواضع السبعة حالة السجود، وهي لله، إذ هو خالقها والذي أنعم بها على الإنسان، فلا ينبغي أن يسجد بها لأحد سوى الله تعالى (1) .
وبهذا المعنى الأخير أخذ الإمام أبو جعفر محمّد بن علي الجواد (عليه السلام)، حينما سأله المعتصم العباسي عن هذه الآية، فقال: (هي الأعضاء السبعة التي يُسجَد عليها) (2) .
وكان هذا الحادث في قصّة سارق جيء به إلى مجلس المعتصم، فاختلف الفقهاء الحضور في موضع القطع من يده، فكان من رأي الإمام (عليه السلام) أن يُقطع من مفصل الأصابع، ولمّا سأله المعتصم عن السبب أجاب بأنّ: (راحة الكفّ هي إحدى مواضع السجود السبعة، وأنّ المساجد لله، فلا تُقطع) (3) .
وهكذا، وبهذا الأُسلوب البديع استنبط (عليه السلام) من تعبير القرآن دليلاً على حكم شرعيّ، كان حلاًّ قاطعاً لمشكلة الفقهاء حلاًّ أبديّاً.
وهذا من بطن القرآن وتأويله الساري مع كلّ زمان، تعرفه الأئمة، إمام كلّ عصر حسب حاجة ذلك العصر.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ للقرآن تأويلاً، فمنه ما قد جاء ومنه ما لم يجئ، فإذا وقع التأويل في زمان إمام من الأئمّة عرَفَه إمام ذلك الزمان) (4) .
قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء) (5) .
____________________
(1) وهكذا فسّرها الأئمة من أهل البيت فيما ورد من التفسير المأثور (راجع مجمع البيان: ج10، ص372 / وتفسير البرهان: ج4، ص394 - 395).
(2) مجمع البيان: ج10، ص372.
(3) وسائل الشيعة: باب 4، من أبواب حدّ السرقة ح5، ج18، ص490.
(4) بصائر الدرجات: ص195، ح5.
(5) الكافي: ج1، ص228، ح2.
وقال الصادق (عليه السلام): (والله، إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخِره كأنّه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، فيه تبيان كلّ شيء، كما قال تعالى) (1) .
هل يجب حضور ناقل السبب؟
ذكر الواحدي أنّه لا يحلّ القول في أسباب النزول، إلاّ بالرواية والسماع ممّن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن عِلمها (2).
وهذا الاشتراط إنّما هو من أجل الاستيثاق بأنّ ما ينقله حكاية عن حسٍّ مشهود، لا أنّه من اجتهاد أو تخرّص بالغيب، ومن ثمَّ مَن عرفناه صادقاً في لهجته، ثقةً في إخباره، حذراً واعياً يتجنّب الحدَس والتخمين، ولا يخبر إلاّ عن علم، ولا يروي إلاّ عن يقين، فإنّ مِثلَه مُصدَّق ولو كان غائب المشهد، ومن ثمّ نعتمد قول خيار الصحابة ولو لم يصرّح بحضوره المشهد، وكذا إخبار التابعين لهم بإحسان، ومَن بعدهم من أئمّةٍ صادقين.
ولنفس السبب نعتمد أقوال أئمّتنا المعصومين بشأن تفسير القرآن، تنزيله وتأويله؛ لأنّهم أعرَف الخلْق بعلوم القرآن ظاهره وباطنه، سوى أنّ المهمّ هو العلم بصحّة الإسناد إليهم أو تواتر النقل، وقليلٌ ما هو.
العِبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص المورد:
هذه قاعدة أصولية مطّردة في جميع أحكام الشريعة المقدّسة، فما يصدر من منابع الوحي والرسالة بشأن بيان أحكام الله وتكاليفه للعباد، ليس يخصّ مورداً دون مورد، ولم يأتِ الشرع لمعالجة حوادث معاصرة، وإنّما هو شرع للجميع،
____________________
(1) الكافي: ج1، ص229، ح4 / والآية 89 من سورة النحل: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) .
(2) أسباب النزول للواحدي: ص4.
الأمر الذي دعا بالفقهاء إلى إلغاء الخصوصيات المَوردية والأخْذ بإطلاق الحكم، لفظيّاً أو مقاميّاً، حسب المصطلح.
هذا بالنسبة إلى كافّة أحكام الشريعة، سنّةً وكتاباً، وإن كان في الكتاب آكَد، وقد عرفتَ صريح الروايات بهذا العموم في آيات القرآن، فكلّ ما في القرآن من أحكام وتكاليف واردة في الآيات الكريمة، فإنّما ينظر إليها الفقهاء من الوجه العامّ، ولا يأبهون بخصوص المورد إطلاقاً.
نعم، هناك بعض الخطابات مع فئات معهودة، صدرت على نحو القضية الخارجية (1) ، فإنّها لا تعمّ بلفْظها، وإن كانت قد تعمّ بمِلاكها، إذا كان قد أُحرز يقيناً، وفي القرآن منه كثير.
قال تعالى: ( الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (2) .
نزلت الآية بشأن المؤمنين بعد منصرفهم من وقعة (أُحُد) وقد أصابهم القرْح الشديد، وكان أبو سفيان حاول الكرّة وتندّم على انصرافه عن القتال، وبلغ الخبر للمسلمين، وكان الذي أشاع الخبر هو نعيم بن مسعود الأشجعي، كما في الحديث عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) ، وقيل: الركْب الذي دسّه أبو سفيان للإرجاف بالمؤمنين، وقيل: هم المنافقون بالمدينة.
لكنّ المؤمنين الصادقين صمدوا على الثبات والإيمان، وعزموا على مجابهة العدوّ بكلّ مجهودهم، وانتدبهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قصداً لإرهاب المشركين، وفي مقدّمة المنتدَبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
____________________
(1) من مصطلح عِلم الميزان (المنطق): وهو عبارة عن معهودية الموضوع في القضية، كقولك: أكرِم مَن في المسجد أو في المدرسة، تريد مَن هو في مسجد البلد، أو مدرسته في الحال الحاضر، وليس في كلّ الأزمان، وكلّ المساجد والمدارس على الإطلاق.
(2) آل عمران: 172 و173.
(3) مجمع البيان: ج2، ص541.
والشاهد في قوله تعالى: ( قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ) إشارة إلى أُناس معهودين أو فردٍ معهود، والمقصود من (الناس) الذين جمعوا لهم، هم: أصحاب أبي سفيان.
نعم، مجموعة هذه الحادثة تفيدنا مسألة الثبات على الإيمان، وأن لا نَهاب عدوّاً، ولا تجمّع الناس ضدّ الحقّ، مادام الله ناصرنا وكافلنا، نِعم المولى ونِعم النصير.
* * *
وقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) (1) .
إنّما يعني الذين كفروا على عهده (صلّى الله عليه وآله) وعاندوا وأصرّوا على اللُجاج، بعد وضوح الحقّ وسطوع البرهان، وليس مطلق الكفّار على مرّ الزمان، وهذا تيئيس للنبي (صلّى الله عليه وآله)، فلا تذهب نفسه عليهم حسرات.
قال العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه): ولا يبعد أن يكون المراد هم الكفّار من صناديد قريش وكُبَراء مكّة، الذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك؛ إذ لا يمكن استطراد هذا التعبير في حقّ جميع الكفّار، وإلاّ لانسدّ باب الهداية، فالأشبه أن يكون المراد من ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) هاهنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى هم: كفّار مكّة في أوّل البعثة، إلاّ أن تقوم قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله: ( الَّذينَ آمَنُوا ) - فيما أُطلق في القرآن من غير قرينة على إرادة الإطلاق - هم: السابقون الأوّلون من المؤمنين، خُصّوا بهذا الخطاب تشريفاً (2) .
وهكذا قال (رحمه الله) في تفسير سورة (الكافرون): هؤلاء قوم معهودون لا كلّ كافر، ويدلّ عليه: أمرُهُ (صلّى الله عليه وآله) أن يخاطبهم ببراءته من دِينهم وامتناعهم من دِينه (3) .
____________________
(1) البقرة: 6 - 7.
(2) تفسير الميزان: ج1، ص50.
(3) تفسير الميزان: ج20، ص526.
وبذلك تنحلّ مشكلة كثير من الآيات جاءت بهذا التعبير وأشباهه.
نعم، هذا الحكم يسري فيمن شابَه أولئك في العناد واللجاج مع الحقّ بعد الوضوح.
نزلَ القرآن بإيّاك أعْني واسمعي يا جارة:
هكذا روى أبو النضر محمّد بن مسعود العيّاشي بإسناده عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، فيما رواه عنه عبد الله بن بكير، قال: (نزلَ القرآن بإيّاك أعْني واسمعي يا جارة) (1) ، وهذا مَثلٌ يُضرَب لمَن يخاطب شخصاً أو يتكلّم عن أمرٍ وهو يريد غيره، على سبيل الكناية أو التعريض.
وروى بإسناده عن ابن أبي عمير عمّن حدّثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما عاتبَ الله نبيّه فهو يعني به مَن قد مضى في القرآن، مثل قوله: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) (2) عَنى بذلك غيره (صلّى الله عليه وآله)) (3) .
قوله: (مَن قد مضى في القرآن) أي: مضى ذِكره إشارةً أو تلويحاً وربّما نصّاً.
والأكثر أن يراد أُمّته (صلّى الله عليه وآله) بالعتاب، ولاسيّما المؤمنون صدْر الإسلام، كانوا على قلق واضطراب في مواضعهم مع الكفّار.
وبهذا المعنى ورد قولهم (عليهم السلام)، فيما رواه محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (يا محمّد، إذا سمعتَ الله ذَكر أحداً من هذه الأمّة بخير فنحن هُم، وإذا سمعتَ الله ذكر قوماً بسوء ممّن مضى فهُم عدوّنا) (4) .
(لأنّ القرآن يجري أوّله على آخِره مادامت السماوات والأرض، ولكلّ قومٍ آية يتلونها هُم منها من خير أو شرّ) (5) .
قال (عليه السلام): (ظهْرُ القرآن الذين نزل فيهم،
____________________
(1) تفسير العيّاشي: ج1، ص10، ح4.
(2) الإسراء: 74.
(3) تفسير العيّاشي: ج1، ص10، ح5.
(4) تفسير العيّاشي: ج1، ص13، ح3.
(5) راجع المصدر السابق: ص10، ح7.
وبطْنُه الذين عملوا بمِثل أعمالهم) (1) .
كيف الاهتداء إلى معالم القرآن؟
ما في القرآن آية إلاّ ولها ظهْرٌ وبطنٌ، وربّما بطون (2) ، هي حقائقها الراهنة، السارية الجارية مع مختلف الأحوال ومتقلّبات الأزمان، يعرفها الراسخون في العلم، الذين ثبَتوا على الطريقة، فسقاهم ربُّهم شراباً غَدَقاً (3) .
وخير وسيلة لفتح مغالق القرآن هو: اللجوء إلى أبواب رحمة الله ومنابع فَيضه القُدسي، أهل بيت الوحي، الذين هم أدرى بما في البيت؛ فإنّ بيدهم مقاليد هذه المغالق ومفاتيح هذه الأبواب.
فإنّهم عِدل القرآن وأحد الثقلَين، الذين أوصى بهما الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله)، وفي كلماتهم الكثير من الإرشادات إلى معالم القرآن وفَهْم حقائقه الناصعة، وممّا لا تجده في كلام غيرهم على الإطلاق.
من ذلك ما ورد بشأن قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) (4) .
وقوله - في آية أخرى -: ( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) (5) .
وهذا تهديد ووعيد بالهلاك والدمار إن لم يرضخوا لناموس الشريعة الغرّاء، ولكن كيف هذا التهديد؟ وبمَ كان هذا الوعيد؟.
وقد فسّرها جُلّ المفسّرين بغلَبة الإسلام والتضايق على بلاد الكُفر والإلحاد، قال الثعالبي: إنّا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك، فننقصها بما يدخل في دينك من
____________________
(1) المصدر السابق: ص11، ح4.
(2) راجع تفسير البرهان: ج1، ص20.
(3) راجع آية 16 من سورة الجنّ.
(4) الرعد: 41.
(5) الأنبياء: 44.
القبائل والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمّنهم أن نمكنّك منهم أيضاً (1) .
وهكذا رجّحه ابن كثير قال: وهو ظهور الإسلام على الشِرك قريةً بعد قرية، كقوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى ) (2) ، وهذا اختيار ابن جرير (3) .
وقد ذهب ابن كثير وغيره - حتى سيّد قطب - إلى أنّ السورة مكّية، ولم يذكر أحدٌ استثناء هذه الآية منها، وسورة الأنبياء مكيّة بلا خلاف ولم يذكروا سنداً لاستثناء الآية منها، الأمر الذي يلتئم مع هذا الاختيار في معنى الآية.
ثمّ الآية صريحة في نقصان أطراف الأرض، ولم يُعهَد اختصاص اسم الأرض بمكّة المكرّمة.
نعم، فتَح هذا المغلاق في وجه الآية، وفسّرها تفسيراً جليّاً، ما جاء في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) فيما رواه ابن بابويه الصدوق، قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية؟ فقال: (فقْدُ العلماء) (4).
وذلك: أنّ الأرض يراد بها المعمورة منها في أكثر الأحيان، كما في قوله تعالى: ( أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ) (5) ، وقد فهِم منه الفقهاء - في حدّ المحاربين - نفْيَهم من عمارة الأرض، فلا يدخلوا بلداً ولا يحلّوا دياراً إلاّ أُخرجوا.
وإذا كانت عمارة الأرض هي حصيلة جهود العلماء والاختصاصيّين من أهل العلم، فعفوك أنّ خرابها بفقْد العلماء وذهاب الخيار من الصلحاء، فعند ذلك تفسد البلاد وتهلك العباد، والروايات بهذا المعنى كثيرة عن الأئمة (6) .
وقد تنبّه لذلك بعض الأقدَمين، فيما روي عن ابن عبّاس: تُخرّب قرية ويكون العمران في ناحية، والنقصان نقصان أهلها وبركتها... وقال الشعبي: تنقص الأنفس والثمرات. وفي رواية عن ابن عبّاس أيضاً: خرابها بموت علمائها
____________________
(1) تفسير الثعالبي: ج2، ص274.
(2) الأحقاف: 27.
(3) تفسير ابن كثير: ج2، ص520 - 521.
(4) تفسير البرهان: ج2، ص302، ح5.
(5) المائدة: 33.
(6) تفسير البرهان: ج2، ص301 - 302.
وفُقهائها وأهل الخير منها. قال مجاهد: هو موت العلماء (1) .
قال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (2) .
* * *
وقوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ) (3).
فقد أُشكل على المفسّرين وجه هذا السجود والأمر به، ولا تجوز العبادة لغير الله! ومن ثمّ اختلفوا هل أنّه كان بوضع الجِباه على الأرض، وأنّهم جعلوا آدم قبلةً يسجدون لله تعالى؟.
نعم، ورد الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان لآدم سجود طاعة، ولله سجود عبادة (4) ، وهو كناية عن قيامهم بمصالح الإنسان عِبر الحياة، فإنّ قوى الطبيعة بأسرها مسخّرة لهذا الإنسان خاضعة تحت إرادته... والسجود هو الخضوع التامّ، قال الشاعر:
ترى الأُكَم فيها سُجّداً للحوافر
أي: التلال مذلّلة لحوافر الخيول (5).
وهذا نظير قوله تعالى - بشأن يوسف وإخوته -: ( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ) (6) أي: وقَعوا على الأرض خضوعاً له - على وجه -.
* * *
____________________
(1) مجمع البيان: ج6، ص300 / تفسير ابن كثير: ج2، ص520.
(2) الأعراف: 96.
(3) البقرة: 34.
(4) عيون الأخبار: ج1، ص263، قطعة من ح 22 / بحار الأنوار: ج11، ص140، ح6.
(5) بحار الأنوار: ج11، ص140.
(6) يوسف: 100.
وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) (1) .
فلولا الامتناعية دلّت على أنّ الهمّ من يوسف لم يقع. سوى أنّ الذي منعَه وعَصَمه من هَمّ المعصية ماذا كان؟ فقيل: إنّه رأى صورة أبيه عاضّاً على إصبعه، وقيل غير ذلك - ممّا يتنافى وعصمة مقام النبوّة -.
والصحيح: ما هدانا إليه الأئمّة الراشدون، أنّه الإيمان الصادق الذي هو منشأ العصمة في أنبياء الله (عليهم السلام)؛ بدليل تعقيبه بقوله: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) إشارة إلى مقام عصمة الأنبياء (2) .
* * *
____________________
(1) يوسف: 24.
(2) راجع تفسير الميزان: ج11، ص141 و 181.
4 - كُتّابُ الوحي
- أوّل مَن كتَب بمكّة.
- أوّل مَن كتَب بالمدينة.
- ثلاثة هُم كتَبَة الوحي الرسميّون.
- سائر الكُتّاب غير الرسميّين.
- كيف كُتب القرآن على عهده (صلّى الله عليه وآله)؟
كُتّابُ الوحي
كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب (1) ، وكان في ذلك مصلحة إعجاز القرآن: ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (2) ، والآية تدلّ: على أنّه لم يتعارف منه (صلّى الله عليه وآله) قراءةً ولا كتابة، ولم يُعهَد منه ذلك، ولعلّه (صلّى الله عليه وآله) كان يتظاهر بالأمّية؛ حِفظاً على سلامة القرآن من التشكيك فيه، ودعماً لموضع إعجازه، حيث صدر على يد أُمّي لم يُعهَد منه كتابةً ولا قراءة.
إذاً، كان (صلّى الله عليه وآله) بحاجة إلى مَن يكتُب له رسائله إلى جنْب كتابة الوحي القرآني
____________________
(1) لا يستدعي هذا التعبير أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يعرف ذلك، وإنّما المقصود أنّه لم يتحقّق منه قراءةً ولا كتابة، لا قبْل بِعثته ولا بعدها، وذلك في حِكمة القرآن كي لا يرتاب المبطلون.
قال الطوسي: قال المفسّرون: لم يكن يُحسن الكتابة، قال: والآية لا تدلّ على ذلك، بل فيها أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يكتب الكتاب، وقد لا يكتب الكتاب مَن يُحسنه، كما لا يكتب مَن لا يُحسنه. (التبيان ج8، ص193)؛ ذلك لأنّ القدرة على الكتابة والقراءة كمال، ولا يخلو النبيّ من الكمال، كما أنّ الأمّية عيّ ونقص يتحاشاه مقام النبوّة الكريم. وفي تفسير الميزان (ج16، ص145): ظاهر التعبير، نفي العادة، وهو الأنسب بالنسبة إلى سياق الحجّة.
(2) العنكبوت: 48 و 49.
النازل عليه، ومن ثمّ استخدم مَن كان بمكّة آنذاك ممّن يعرف الكتابة، وهكذا بعدما هاجر إلى المدينة.
وأوّل مَن كتَب له بمكّة وأدامها له مدّة حياته الكريمة هو: الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) حريصاً على أن لا يفوت عليّاً شيءٌ من القرآن، فكان إذا نزل عليه الوحي - أحياناً - وهو غائب، دعا بعض كُتّابه ليكتبه، ثمّ إذا حضر عليٌّ أعاده عليه ليكتبه أيضاً، ومن ثمّ لم يكن مِن كتَبَة القرآن أجمع ولا أحفظ من عليّ (عليه السلام).
قال سُليم بن قيس الهلالي - وقد عدّه النجاشي من الطبقة الأُولى (1) من زمرة السلَف الصالح -: جلست إلى عليّ (عليه السلام) بالكوفة في المسجد والناس حوله، فقال: (سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فو الله ما نزلت آية من كتاب الله إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلّمَني تأويلها، فقال ابن الكوّاء (2) : فما كان ينزل عليه وأنت غائب؟ فقال (عليه السلام): بلى، يحفظ عليَّ ما غبتُ عنه، فإذا قدمتُ عليه قال لي: يا عليّ، أنزلَ الله بعدك كذا وكذا، فيقرأنيه، وتأويله كذا وكذا فيعلّمنيه..) (3) ، والتأويل هنا تفسير مواضع إبهام الآية.
وأوّل مَن كتب الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند مَقدمه المدينة هو: أُبَي بن كعب، الصحابي الجليل، قال ابن سعد: كان أُبَي يكتب في الجاهلية قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) (4).
قال ابن عبد البرّ: أوّل مَن كتَب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند مَقدمه المدينة أُبَي بن كعب، وهو أوّل مَن كتَب في آخِر الكتاب: وكتب فلان (5) .
____________________
(1) رجال النجاشي: ص6 في ذكر الطبقة الأُولى.
(2) هو عبد الله بن عمرو اليشكري، عالِم نسّابة، ومساءلته لأمير المؤمنين (عليه السلام) معروفة.
(3) كتاب سُليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي البصري التابعي: ص213 - 214.
(4) الطبقات لابن سعد: ج3، ق2، ص59، طبع ليدن.
(5) الإصابة لابن حجر: ج1، ص19. الاستيعاب بهامشه، ج1، ص50 و51.
وهو الذي أمر الله رسوله أن يقرأ عليه القرآن ويعرضه عليه، وكان ممّن عُرضت عليه الفرصة الأخيرة، ومن ثمّ تولّى المرجعية الأعلى لِلِجْنة توحيد المصاحف على عهد عثمان، كان هو المُملي عليهم، وكان إذا تدارؤوا في شيء يُصحّحه لهم، وغير ذلك ممّا شرحناه في الجزء الأوّل من التمهيد (1) .
وكان زيد جاراً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة، كان إذا لم يحضر أُبيّ دعاه ليكتب له، ولاسيّما رسائله بالعِبرية، ثمّ تداوم هو وأُبيّ الكتابة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).
قال ابن عبد البرّ: كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويكتبان كُتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك، قال: وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان يكتب كثيراً من الرسائل (2) .
أخرج ابن داود السجستاني بإسناده إلى ثابت عن زيد بن ثابت قال، قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (أتُحسن السريانية، فإنّها تأتيني كتُب؟) قلت: لا، قال: فتعلّمتها...
وأخرج ابن سعد: أنّه قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا قدِم المدينة: (تعلّم كتاب اليهود، فإنّي والله ما آمِن اليهود على كتابي)، قال: فتعلّمته في أقلّ من نصف شهر. وفي حديثه الآخر: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يأتيني كتُب من أُناس لا أحبّ أن يقرأها أحد، فهل تستطيع أن تتعلَّم كتاب العبرانية، أو قال: السريانية؟) فقلت: نعم، قال: فتعلّمتها في سبع عشرة ليلة - أو في تسعة عشر يوماً - (3) .
والظاهر أنّ الصحيح هي العِبرية؛ لأنّها كانت لغة اليهود الدارجة، وبها كانت كتاباتهم آنذاك.
* * *
____________________
(1) راجع التمهيد: ج1، ص340 و348 / والمصاحف السجستاني: ص30.
(2) أُسد الغابة لابن الأثير: ج1، ص50 / الاستيعاب بهامش الإصابة: ج1، ص50.
(3) راجع المصاحف للسجستاني: ص3. والطبقات لابن سعد: ج2، ق2، ص115.
والظاهر أنّ تلك المدّة القليلة مُبالغ فيها، أو لعلّه كانت له إلمامة بتلك اللغة فأتقنها في تلك المدّة القصيرة.
وهؤلاء الثلاثة - عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأُبَي بن كعب، وزيد بن ثابت - كانوا هم العمدة في كتابة الوحي، وكانوا حضوره (صلّى الله عليه وآله) في جميع أيّامه أو يتناوَبون.
أمّا غيرهم ممّن عدُّوهم في كُتّاب الوحي، فلم يكونوا بتلك المرتبة.
قال ابن الأثير: وكان من المواظبين على كتابة الرسائل: عبد الله بن الأرقم الزهري.
وكان الكاتب لعهود رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا عاهدَ، وصُلحه إذا صالح: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
قال: وممّن كتب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): الخلفاء الثلاثة، والزبير بن العوّام، وخالد، وأبان ابنا سعيد بن العاص، وحنظلة الأسيدي، والعلاء بن الحضرمي، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن رواحة، ومحمّد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي سلول، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وجهم - أو جهيم - بن الصلت، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وشرحبيل بن حسنة، وهكذا ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب (1) .
والظاهر أنّ هؤلاء كانوا أهل قراءة وكتابة في العرب آنذاك، فكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يستخدمهم أحياناً لكتاباته إذا لم يحضر كُتّابه الرسميّون.
وقد عدّ أبو عبد الله الزنجاني أكثر من أربعين شخصاً كانوا يكتبون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) (2) ، والظاهر أنّهم من هذا القبيل.
قال ابن الأثير: وأوّل مَن كتب له (صلّى الله عليه وآله) من قريش: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثمّ ارتدّ ورجع إلى مكّة، فنزل فيه: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ) (3) .
____________________
(1) أُسد الغابة لأبن الأثير: ج1، ص50 / الاستيعاب بهامش الإصابة: ج1، ص50.
(2) تاريخ القرآن للزنجاني: ص20 - 21.
(3) أُسد الغابة: ج1، ص50 / والآية 93 من سورة الأنعام.
يقال: إنّه (صلّى الله عليه وآله) أمْلى عليه ذات يوم: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ - إلى قوله - ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) فجرى على لسان عبد الله بن سعد: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (1) فأمْلاه النبي (صلّى الله عليه وآله) كذلك، وقال: هكذا أُنزل، فارتدّ عدوّ الله وشكّ في الأمر، زاعماً أنّه ينزل عليه الوحي كما ينزل على النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهدرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دمه.
فلمّا كان يوم الفتح جاء به عثمان - وهو أخوه من الرضاعة - مستعفياً له، فسكت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأعاد عليه فسكت، لعلّه مَن ينتدب فيقتله، حتّى أعفاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعثمان، فلمّا مضَيا قال لأصحابه: (ألم أقُل مَن رآه فليقتله؟ فقال عبّاد بن بشر: كانت عيني إليك يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تشير إليّ فأقتله، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): الأنبياء لا يقتلون بالإشارة)، وهكذا في الرواية عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (نزلت في ابن أبي سرح) (2) .
كان الكتَبة على عهده (صلّى الله عليه وآله) يكتبون ما نزل من القرآن على ما تيسّر لهم الكتابة عليه، من: العُسُب (3) ، واللِّخاف (4) ، والرقاع (5) ، وقطع الأديم (6) ، وعظام الأكتاف والأضلاع، وأحيانا القراطيس المهيّأة لهم ذلك العهد.
ثمّ يوضع المكتوب - أيّاً كان - في بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهكذا انقضى العهد النبويّ السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، بيد أنّه لم يُكتب تماماً في صُحف ولا رُتّب في مصاحف، بل كُتب منثوراً على الرقاع وقِطَع الأديم والقراطيس، ممّا ذكرنا.
____________________
(1) المؤمنون: 12 - 14.
(2) راجع مجمع البيان: ج4، ص335 الطبعة الإسلامية.
(3) العُسُب - بضمّتين -: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشفون الخوص و يكتبون في الطرف العريض.
(4) اللِخاف - بكسر اللام -: جمع لَخفة - بفتح اللام وسكون الخاء - وهي الحجارة الرقيقة، أو هي صفائح الحجارة.
(5) الرقاع: جمع رقعة، تكون من جِلد، أو ورق، أو كاغد.
(6) الأديم: الجِلْد.
قال زيد بن ثابت: كنّا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأُلِّف القرآن من الرقاع (1) ، أي نجمعه في مكان أو في وعاء، وهكذا الصحابة قد يستنسخ بعضهم سورة أو سوَراً من القرآن، ويجعلها في وعاء كان يسمّى الصُحف ويعلّقه في بيته.. كلّ ذلك من غير مراعاة ترتيب بين السوَر كما هو الآن (2) .
نعم، كان التأليف آنذاك - أيّام حياته (صلّى الله عليه وآله) - عبارة عن ترتيب الآيات ضمن السوَر، إمّا حسب النزول - كما هو الأغلب - أو حسب إرشاد النبي (صلّى الله عليه وآله) بتوقيف من جبرائيل، كان يقول: (ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا).
أمّا الصحابة يومذاك، فكانوا يستنسخون القرآن حسبما تيسّر لهم في قرطاس، أو كِنْف، أو عَظْم، أو نحو ذلك بالمقدار الذي يبلغهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو حسبما يريدونه، وكان الأكثر يعتمدون على حِفْظهم، فلا يُكتب جرياً على عادة العرب في حفظ آثارها وأشعارها وخُطَبها ونحو ذلك (3) .
قال سيّدنا الطباطبائي (رحمه الله): لم يكن القرآن مؤلّفاً في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يكن منه سوى سِوَر وآيات متفرّقة في أيدي الناس (4) .
* * *
____________________
(1) مناهل العرفان للزرقاني: ج1، ص247.
(2) راجع التمهيد: ج1، ص288.
(3) راجع المناهل: ج1، ص247 و248.
(4) تفسير الميزان: ج3، ص78 و79.
تاريخ القرآن
1 - تأليف القرآن.
2 - توحيد المصاحف.
1 - تأليف القرآن
- نظْمُ كلماته ضمن الآيات.
- تأليف آياته ضمن السوَر.
- ترتيب سوَره بين الدفّتين.
- تمحيص الرأي المعارض.
- جمْع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
- وصف مصحف عليّ (عليه السلام) وأمَده.
- جمع زيد بن ثابت.
- منهج زيد في جمع القرآن.
- شكوك واعتراضات.
- مصاحف أخرى للصحابة، أمَدُها ووصفها.
- وصف مصحف ابن مسعود.
- وصف مصحف أُبيّ بن كعب.
تأليفُ القرآن
تأليف القرآن في شكله الحاضر - في نظْم آياته وترتيب سوَره، وكذلك في تشكيله وتنقيطه وتفصيله إلى أجزاء ومقاطع - لم يكن وليدَ عاملٍ واحد، ولم يكتمل في فترة الوحي الأُولى، فقد مرّت عليه أدوار وأطوار، ابتدأت بالعهد الرسالي، وانتهت بدَور توحيد المصاحف على عهد عثمان، ثمَّ إلى عهد الخليل بن أحمد النحويّ الذي أكمل تشكيله بالوضع الموجود.
وهو بحث أشبه بمعالجة قضية تاريخية مذيَّلة عن أحوال وأوضاع مرَّت على هذا الكتاب السماويّ الخالد، غير أنَّ مهمَّتنا الآن هي: العناية بدراسة القرآن من زاوية جمْعه وتأليفه مصحفاً بين دفَّتين، والبحث عن الفترة التي حصل فيها هذا الجمْع والتأليف، وعن العوامل التي لعِبَت هذا الدَور الخطير، ومن ثمَّ سنفصِّل الكلام عن القرآن في عهده الأوَّل الذي لم يتجاوز نصف قرن، ثمَّ نوجز الكلام في أحوال مرّت عليه في أدوار متأخِّرة، والبحث الحاضر يكتمل في ثلاث مراحل أساسية:
أوّلاً: نظْم كلمات القرآن بصورة جُمَل و تراكيب كلامية ضمن الآيات.
ثانياً: تأليف الآيات ضمن السوَر قصيرة أمْ طويلة.
ثالثاً: ترتيب السوَر بين دفَّتين على صورة مصحَف كامل.
ونحن إذ نسير على هذا المنهج لا نتغافل صعوبة المسلك الذي نسلكه بهذا الصدد، إنَّه بحث ذو جوانب خطيرة عن كتاب سماويّ احتفظ على أصالته في ذمّة الخلود، وكفَّل سعادةً عُليا للبشريّة كافَّة إذا ما سارت على ضوء برامجه الحكيمة، وتمسَّكت بعُرى حبْلِه الوثيق، ومن ثمَّ فإنَّ الزلَّة في سبيل الوصول إلى حقائقه ومعارفه خطيرة ومخطرة في نفس الوقت، ونسأله تعالى أن يمدَّنا بتوفيقه ويهدينا إلى طريق الحقِّ والصواب، إنَّه قريبٌ مجيب.
نَظْمُ كلماته:
لا شكَّ أنَّ العامل في نظْم كلمات القرآن وصياغتها جُمَلاً وتراكيب كلامية بديعة هو: الوحي السماويّ المعجز، لم يتدخَّل فيه أيّ يد بشرية إطلاقاً، كما ولم يحدث في هذا النظْم الكلِمي أيّ تغيير أو تحريف عِبر العصور: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) إذ في ذلك يتجسَّد سرّ ذلك الإعجاز الخالد، الذي لا يزال يتحدّى به القرآن الكريم، ولمزيد التوضيح نعرض ما يلي:
أوّلاً: إسناد الكلام إلى متكلِّم خاصّ، يستدعي أن يكون هو العامل في تنظيم كلماته وتنسيق أسلوبه التعبيري الخاصّ، أمّا إذا كان هو مُنْتقِياً كلمات مفردة، وجاء آخَر فنظّمها في أسلوب كلاميّ خاصّ، فإنَّ هذا الكلام ينسب إلى الثاني لا الأوَّل.
وهكذا القرآن المجيد هو كلام الله العزيز الحميد، فلابدَّ أن يكون الوحي هو العامل الوحيد في تنظيم كلماته جُمَلاً وتراكيب كلامية بديعة، أمّا نفس الكلمات - من غير اعتبار التركيب والتأليف - فكان العرب يتداولونها ليل نهار، إنَّما الإعجاز في نَظْمها جاء مِن قِبل وحي السماء.
____________________
(1) الحجر: 9.
ثانياً: كان القِسط الأوفر من إعجاز القرآن كامناً وراء هذا النَظْم البديع وفي أسلوبه هذا التعبيريّ الرائع، من تناسب نغميّ مرِن، وتناسق شِعريّ عجيب، وقد تحدّى القرآن فُصحاء العرب وأرباب البيان - بصورة عامَّة - لو يأتوا بمِثل هذا القرآن، و ( لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (1) ، فلو جوَّزنا - محالاً - إمكان تدخّل يد بشرية في نظْم القرآن كان بمعنى إبطال ذاك التحدّي الصارخ.
ومن ثمَّ كان ما يُنسَب إلى ابن مسعود: جواز تبديل العِهْن بالصوف في الآية الكريمة (2) ، أو قراءة أبي بكر: (وجاءت سَكْرة الحقّ بالموت) (3) مكذوباً، أو هو اعتبارٌ شخصيٌّ لا يتّسم بالقرآنية في شيء.
ثالثاً: اتّفاق كلمة الأُمّة في جميع أدوار التاريخ: على أنَّ النظْم الموجود والأسلوب القائم في جُمَل وتراكيب الآيات الكريمة، هو من صُنع الوحي السماويّ لا غيره، الأمر الذي التزمت به جميع الطوائف الإسلامية على مختلف نزعاتهم وآرائهم في سائر المواضيع، ومن ثمَّ لم يتردَّد أحد من علماء الأدب والبيان في آية قرآنية جاءت مخالفة لقواعد رَسموها، في أخْذ الآية حجَّة قاطعة على تلك القاعدة وتأويلها إلى ما يلتئم وتركيب الآية، وذلك عِلماً منهم بأنَّ النظْم الموجود في الآية وحي لا يتسرَّب إليه خطأ البتَّة، وإنَّما الخطأ في فهْمِهم هُم، وفيما استنبطوه من قواعد مرسومة.
مثال ذلك قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ ) (4) فزعموا أنَّ الحال لا تتقدَّم على صاحبها المجرور بحرف، والآية جاءت مخالفة لهذه القاعدة، ومن ثمَّ وقع بينهم جدل عريض، ودار بينهم كلام في صحّة تلك القاعدة وسُقْمها (5) .
____________________
(1) الإسراء: 88.
(2) القارعة: 5 / راجع تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ص19.
(3) ق: 19 / راجع تفسير الطبري: ج26، ص100، وأصل الآية ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) .
(4) سبأ: 28.
(5) راجع شرح التوضيح لخالد الأزهري، والكشّاف للزمخشري.
ولجَأ ابن مالك أخيراً إلى نبذ القاعدة بحجَّة أنَّها مخالفة للآية، قال:
وسَبقُ حالٍ ما بحرف جرٍّ قد |
أبَوا ولا أمنعه فقد ورَد |
تأليف الآيات:
وأمّا تأليف الآيات ضمن كلِّ سورة - على الترتيب الموجود - فهذا قد تحقَّق في الأكثر الساحق وفْق ترتيب نزولها، كانت السورة تبتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فتُسجَّل الآيات التي تنزل بعدها من نفس هذه السورة، واحدة تلو الأُخرى تدريجيّاً حسب النزول، حتَّى تنزل بسْملة أُخرى، فيُعرَف أنَّ السورة قد انتهت وابتدأت سورة أُخرى.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (كان يُعرَف انقضاء سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداءً لأخرى) (1) .
قال ابن عباس: كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يعرِف فصْل سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم، فيعرف أنَّ السورة قد خُتمت وابتدأت سورة أُخرى (2) .
كان كتَبة الوحي يعرفون بوجوب تسجيل الآيات ضمن السورة التي نزلت بسْمَلَتُها، حسب ترتيب نزولها واحدة تلو الأُخرى كما تنزل، من غير حاجة إلى تصريح خاصّ بشأن كلِّ آيةٍ آية.
هكذا ترتَّبت آيات السوَر وفْق ترتيب نزولها، على عهد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وهذا ما نسمّيه بـ (الترتيب الطبيعي) ، وهو العامل الأوَّل الأساسي للترتيب الموجود بين الآيات في الأكثرية الغالبة.
والمعروف أنَّ مُصحف عليّ (عليه السلام) وُضِع على دِقَّة كاملة من هذا الترتيب
____________________
(1) تفسير العيّاشي: ج1، ص19.
(2) المستدرك للحاكم: كتاب الصلاة، ج1، ص231. تاريخ اليعقوبي: ج2، ص27، طبع الحيدري.
الطبيعي للنزول، الأمر الذي تخلَّفت عنه مصاحف سائر الصحابة، على ما سنشير.
* * *
وهناك عامل آخر عمل في نظْم قِسم من الآيات على خلاف ترتيب نزولها، وذلك بنصٍّ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتعيينه الخاصّ، كان يأمر - أحياناً - بثبْت آية في موضعٍ خاصّ من سورة سابقة كانت قد خُتمت من قبْل، ولا شكَّ أنَّه (صلّى الله عليه وآله) كان يرى المناسبة القريبة بين هذه الآية النازلة والآيات التي سبَقَ نزولها، فيأمر بثبْتها معها بإذن الله تعالى.
وهذا جانب استثنائي للخروج عن ترتيب النزول، كان بحاجة إلى تصريح خاصّ: روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ شخَصَ ببصرِه ثمَّ صوَّبه، ثمَّ قال: (أتاني جبرائيل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ) ) (1) فجُعلت في سورة النَحْل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد (2) .
وروي أنَّ آخِر آية نزلت قولُهُ تعالى: ( وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللّهِ ) (3) فأشار جبرائيل أن توضع بين آيتَي الرِبا والدَين من سورة البقرة (4) .
وعن ابن عبّاس والسدّي: أنَّها آخِر ما نزلت من القرآن، قال جبرائيل: (ضعْها في رأس الثمانين والمئتين) (5).
وعن ابن عبّاس أيضاً قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السوَر ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب
____________________
(1) النحل: 90.
(2) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ج1، ص62.
(3) البقرة: 281.
(4) الإتقان: ج1، ص62.
(5) مجمع البيان للطبرسي: ج2، ص394.
فيقول: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) (1) .
هذا ممّا لا خلاف فيه، كما صرَّح بذلك أبو جعفر بن الزبير (2) .
ترتيب السِوَر:
وأمّا جمْع السوَر هو ترتيبها بصورة مصحف مؤلَّف بين دفَّتين، فهذا قد حصل بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله).
انقضى العهد النبوي والقرآن منثور على العُسُب، واللِخاف، والرقاع، وقِطَع الأديم (3) ، وعِظام الأكتاف والأضلاع، وبعض الحرير والقراطيس، وفي صدور الرجال.
كانت السِوَر مكتملة على عهده (صلّى الله عليه وآله) مرتَّبة آياتها وأسماؤها، غير أنَّ جمعها بين دفَّتين لم يكن حصل بعد؛ نظراً لترقّب نزول قرآن على عهده (صلّى الله عليه وآله)، فما دام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السوَر مصحفاً، إلاّ بعد الاكتمال وانقطاع الوحي، الأمر الذي لم يكن يتحقّق إلاّ بانقضاء عهد النبوَّة واكتمال الوحي.
قال جلال الدين السيوطي: كان القرآن كُتب كلّه في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتَّب السوَر (4) .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ، القرآن خلف فِراشي في الصحُف والحرير والقراطيس، فخُذوه واجمَعوه ولا تضيِّعوه) (5) .
وأوَّل مَن قام بجمْع القرآن بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة وبوصيّةٍ منه هو:
____________________
(1) أخرجه الترمذي بطريقٍ حسَن والحاكم بطريقٍ صحيح. (راجع البرهان للزركشي: ج1، ص 241. وتاريخ اليعقوبي: ج2، ص36، طبع الحيدري).
(2) الإتقان: ج1، ص60.
(3) العسيب: جريدة النخل إذا كشط خُوصها، واللخف: حجارة بيض رقاق، والأديم: الجِلد المدبوغ، وهكذا ذهب السيد الطباطبائي إلى أنّه لم يُجمع القرآن على عهده (صلّى الله عليه وآله). (راجع الميزان: ج3، ص78).
(4) الإتقان: ج1، ص57. مناهل العرفان للزرقاني: ج1، ص240.
(5) بحار الأنوار: ج92، ص48.
الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، ثمَّ قام بجمْعه زيد بن ثابت بأمرٍ من أبي بكر، كما قام بجمْعه كلّ من: ابن مسعود، وأُبَي بن كعب، وأبي موسى الأشعري وغيرهم، حتّى انتهى الأمر إلى دَور عثمان، فقام بتوحيد المصاحف وإرسال نُسَخ موحَّدة إلى أطراف البلاد، وحملَ الناس على قراءتها وترْك ما سواها - على ما سنذكر -.
كان جمعُ عليّ (عليه السلام) وفْق ترتيب النزول: المكّي مقدَّم على المدَني، والمنسوخ مقدَّم على الناسخ، مع الإشارة إلى مواقع نزولها ومناسبات النزول.
قال الكلبي: لمّا توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قعد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في بيته، فجمَعه على ترتيب نزوله، ولو وُجِد مصحفُه لكان فيه عِلمٌ كبير (1) .
وقال عكرمة: لو اجتمعت الإنْس والجِنّ على أن يؤلّفوه كتأليف عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ما استطاعوا (2) .
وأمّا جمْع غيره من الصحابة فكان على ترتيبٍ آخر: قدَّموا السوَر الطِوال على القِصار، فقد أثبتوا السبْع الطوال : (البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس) قبل المئين : (الأنفال، براءة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الإسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافّات)، ثمَّ المثاني : (هي التي تقلّ آياتها عن مئة، وهي عشرون سورة تقريباً)، ثمَّ الحواميم : (السور التي افتُتحت بـ حم)، ثمَّ ا لمفصَّلات : (ذوات الآيات القِصار) لكثرة فواصلها، وهي السوَر الأخيرة في القرآن.
وهذا يقرب نوعاً ما من الترتيب الموجود الآن - على ما سيأتي -.
نعم، لم يكن جمْع زيد مرتّباً ولا منتظماً كمُصحف، وإنَّما كان الاهتمام في ذلك الوقت على جمع القرآن عن الضياع، وضبط آياته وسوَره حذراً عن التلف بموت حامِليه، فدوّنت في صُحف وجُعلت في إضبارة، وأُودعت عند أبي بكر
____________________
(1) التسهيل لعلوم التنزيل: ج1، ص4.
(2) الإتقان: ج1، ص57.
مدَّة حياته، ثمَّ عند عُمَر بن الخطّاب حتّى توفّاه الله، فصارت عند ابنته حفْصة، وهي النُسخة التي أخذَها عثمان لمقابلة المصاحف عليها، ثمَّ ردّها عليها، وكانت عندها إلى أن ماتت، فاستلَبها مروان من ورَثَتها حينما كان والياً على المدينة من قِبل معاوية، فأمَر بها فشُقَّت، وسنذكر كلَّ ذلك بتفصيل.
تمحيص الرأي المعارض:
ما قدَّمنا هو المعروف عن رواة الآثار، وعند الباحثين عن شؤون القرآن، منذ الصدر الأوَّل فإلى يومنا هذا، ويوشك أن يتَّفق عليه كلمة أرباب السِيَر والتواريخ، ولكن مع ذلك نجد مَن ينكر ذاك التفصيل في جمع القرآن، ويرى أنَّ القرآن بنَظْمه القائم وترتيبه الحاضر، كان قد حصل في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من علماء السلَف: كالقاضي، وابن الأنباري، والكرماني، والطيّبي (1) ، ووافَقهم عَلَم الهدى السيّد المرتضى (قدّس سرّه)، قال: كان القرآن على عهده (صلّى الله عليه وآله) مجموعاً مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، واستدلّ على ذلك: بأنَّ القرآن كان يُدَرَّس ويُحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عُيّن جماعة من الصحابة في حفظِهم له، وأنّه كان يُعرَض على النبي (صلّى الله عليه وآله) ويُتلى عليه، وأنّ جماعة من الصحابة مثل: عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبي - (صلّى الله عليه وآله) - عدَّة ختْمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث (2) .
لكن حِفظ القرآن: هو بمعنى حِفظ جميع سوَره التي اكتملت آياتها، سواء أكان بين السوَر ترتيب أمْ لا، وهكذا ختمُ القرآن: هو بمعنى قراءة جميع سوَره من غير لحاظ ترتيب خاصّ بينها، أو الحِفظ كان بمعنى الاحتفاظ على جميع القرآن
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص62.
(2) مجمع البيان: ج1، ص15.
النازل لحدّ ذاك، والتحفّظ عليه دون الضياع والتفرقة، الأمر الذي لا يدلّ على وجود ترتيب خاصّ كان بين سوَره كما هو الآن.
هذا، وقد ذهب إلى ترجيح هذا الرأي أيضاً سيدّنا الأستاذ الإمام الخوئي (رحمه الله) نظراً إلى الأمور التالية:
أوّلاً: أحاديث جمْع القرآن بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بنفسها متناقضة، تتضارب مع بعضها البعض، ففي بعضها تحديد زمن الجمع بعهد أبي بكر، وفي آخر بعهد عمَر، وفي ثالث بعهد عثمان، كما أنَّ البعض ينصّ على أنَّ أوّل مَن جمَع القرآن هو زيد بن ثابت، وآخر ينصّ على أنَّه أبو بكر، وفي ثالث أنَّه عمَر، إلى أمثال ذلك من تناقضات ظاهرة.
ثانياً: معارضتها بأحاديث دلَّت على أنَّ القرآن كان قد جُمع على عهده (صلّى الله عليه وآله)، منها حديث الشعبي، قال: جَمَع القرآن على عهده ستَّة: أُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد. وفي حديث أنَس أنَّهم أربعة: أُبَي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، وأمثال ذلك.
ثالثاً: منافاتها مع آيات التحدّي، التي هي دالَّة على اكتمال سوَر القرآن وتمايز بعضها عن بعض، ومتنافية أيضاً مع إطلاق لفظ الكتاب على القرآن في لسانه (صلّى الله عليه وآله)، الظاهر في كونه مؤلَّفاً كتاباً مجموعاً بين دفَّتين.
رابعاً: مخالفة ذلك مع حُكم العقل بوجوب اهتمام النبي (صلّى الله عليه وآله) بجمْعه وضبطه عن الضياع والإهمال.
خامساً: مخالفته مع إجماع المسلمين، حيث يَعتبرون النصَّ القرآني متواتراً عن النبيّ نفسه، في حين أنَّ بعض هذه الروايات تشير إلى اكتفاء الجامِعين بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) بشهادة رجُلين أو رجُل واحد!.
سادساً: استلزام ذلك تحريفاً في نصوص الكتاب العزيز، حيث طبيعة الجمْع المتأخّر تستدعي وقوع نقص أو زيادة في القرآن، وهذا مخالف لضرورة
الدِين (1) .
وزاد بعضهم: أنَّ في المناسبة الموجودة بين كلِّ سورة مع سابقتها ولاحِقتها، لدليلاً على أنَّ نظْمها وترتيبها كان بأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله)، إذ لا يَعرِف المناسبة بهذا الشكل المبدع البالغ حدَّ الإعجاز غيرُه (صلّى الله عليه وآله).
* * *
لكن يجب أن يُعلَم: أنَّ قضيَّة جمْع القرآن حدَثٌ من أحداث التاريخ، وليست مسألة عقلانية قابلة للبحث والجدل فيها، وعليه فيجب مراجعة النصوص التاريخية المستندة من غير أن يكون مجال لتجوال الفِكر فيها على أيَّة حال!.
وقد سبَق اتّفاق كلمة المؤرِّخين، ونصوص أرباب السِيَر وأخبار الأمم، ووافَقهم أصحاب الحديث طرّاً، على أنَّ ترتيب السوَر شيء حصل بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولم يكن بالترتيب الذي نزلتْ عليه السوَر.
وبعد، فلا نرى أيَّ مناقضة بين روايات جمْع القرآن، إذ لا شكَّ أنَّ عمَر هو الذي أشار على أبي بكر بجمْع القرآن، وهذا الأخير أمَر زيداً أن يتصدّى القضية من قِبَلِه، فيصحّ إسناد الجمْع الأوَّل إلى كلٍّ من الثَلاثة بهذا الاعتبار.
نعم، نسبة الجمْع إلى عثمان كانت باعتبار توحيده للمصاحف ونَسْخها في صورة موحَّدة، وأمّا نسبة توحيد المصاحف إلى عُمَر فهو من اشتباه الراوي قطعاً؛ لأنَّ الذي فعَل ذلك هو عثمان بإجماع المؤرِّخين.
وحديث ستَّة أو أربعة جمعوا القرآن على عهده (صلّى الله عليه وآله) فمعناه: الحِفظ عن ظَهْر القلب، حفظوا جميع الآيات النازلة لحدّ ذاك الوقت، أمّا الدلالة على وجود نَظْم كان بين سوَره فلا.
وأمّا حديث التحدّي فكان بنفس الآيات والسوَر، وكلُّ آية أو سورة قرآن، ولم يكن التحدّي يوماً ما بالترتيب القائم بين السوَر؛ كي يتوجَّه الاستدلال المذكور! ز
____________________
(1) راجع البيان في تفسير القرآن للإمام الخوئي: ص257 - 278.
على أنَّ التحدّي وقَع في سوَر مكّية (1) أيضاً، ولم يُجمَع القرآن قبل الهجرة قطعاً.
واهتمام النبي (صلّى الله عليه وآله) بشأن القرآن، شيء لا ينكَر، ومن ثمَّ كان حريصاً على ثبْت الآيات ضمن سوَرها فور نزولها، وقد حصل النَظْم بين آيات كلِّ سورة في حياته (صلّى الله عليه وآله).
أمّا الجمْع بين السوَر وترتيبها كمصحف موحَّد فلم يحصل حينذاك؛ نظراً لترقّب نزول قرآن عليه، فما لم ينقطع الوحي لا يصحّ جمع القرآن بين دفَّتين ككتاب، ومن ثمَّ لمّا أيقن بانقطاع الوحي بوفاته (صلّى الله عليه وآله) أوصى إلى عليّ (عليه السلام) بجمْعه.
ومعنى تواتر النصّ القرآني هو: القطع بكونه وحْياً، الأمر الذي يحصل من كلّ مستند وثيق، وليس التواتر - هنا - بمعناه المصطلح عند الأصوليين.
وأمّا استلزام تأخّر الجمْع تحريفاً في كتاب الله، فهو احتمال مجرَّد لا سنَد له، بعد معرفتنا بضبط الجامِعين وقُرب عهدهم بنزول الآيات، وشدَّة احتياطهم على الوحي، بما لا يدَع مجالاً لتسرّب احتمال زيادة أو نقصان.
وأخيراً، فإنّ قولة البعض الأخيرة فهي لا تعدو خيالاً فارغاً، إذ لا مناسبة ذاتية بين كلِّ سورة وسابقتها أو تالِيَتها، سوى ما زعَمه بعض المفسِّرين المتكلِّفين، وهو تمحّل باطل بعد إجماع الأمّة على أنَّ ترتيب السوَر كان على خلاف ترتيب النزول بلا شكّ.
إذاً لا يملك معارضونا دليلاً يُثنينا عن الذي عزَمْنا عليه من تفصيل حديث الجمْع، وإليك:
جمعُ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):
أوَّل مَن تصدّى لجمْع القرآن بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة وبوصيّةٍ منه (2) هو
____________________
(1) في سورة يونس: 38، وسورة هود: 13، وهما مكّيَّتان.
(2) راجع تفسير القمّي: ص745. وبحار الأنوار: ج92، ص48 و52.
عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قعَد في بيته مشتغلاً بجمْع القرآن وترتيبه على ما نزل، مع شروح وتفاسير لمواضع مبهمة من الآيات، وبيان أسباب النزول ومواقع النزول بتفصيل حتّى أكمله على هذا النمط البديع.
قال ابن النديم - بسنَدٍ يذكره -: إنَّ عليّاً (عليه السلام) رأى من الناس طَيرة عند وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأقسَم أن لا يضع رداءه حتّى يجمَع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيّام (1) حتّى جمَع القرآن، فهو أوّل مُصحف جمع فيه القرآن من قلْبِه (2) ، وكان هذا المصحف عند آل جعفر.
قال: ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني (رحمه الله) مصحفاً قد سقط منه أوراق، بخطّ عليّ بن أبي طالب، يتوارثه بنو حسَن (3) .
وهكذا روى أحمد بن فارس عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ (عليه السلام) (4) .
وروى محمَّد بن سيرين عن عكرمة، قال: لمّا كان بدْء خلافة أبي بكر، قعَد عليّ بن أبي طالب في بيته يجمع القرآن، قال: قلت لعكرمة: هل كان تأليف غيره كما أُنزل الأوَّل فالأوَّل؟ قال: لو اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يؤلِّفوه هذا التأليف ما استطاعوا.
قال ابن سيرين: تطلَّبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه (5) .
قال ابن جزي الكلبي: كان القرآن على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مفرَّقاً في
____________________
(1) ولعلّه سهو من الراوي؛ لأنّ الصحيح أنّه (عليه السلام) أكمل جمع القرآن لمدّة ستة أشهر، كان لا يرتدي خلالها إلاّ للصلاة (راجع المناقب: ج2، ص40).
(2) قال ابن عبّاس: فجمع الله القرآن في قلْب عليّ، وجمعه عليّ بعد موت رسول الله (صلّى الله عليهما وآلهما) بستّة أشهر (نفس المصدر السابق).
(3) الفهرست: ص47 - 48.
(4) في كتابة (الصاحبي): ص169. هامش تأويل مشكل القرآن: ص275 الطبعة الثانية.
(5) الإتقان: ج1، ص57. وراجع الطبقات: ج2، ق2، ص101. والاستيعاب بهامش الإصابة: ج2، ص253.
الصحُف وفي صدور الرجال، فلمّا توفّي جَمَعه عليّ بن أبي طالب على ترتيب نزوله، ولو وجِد مصحفه لكان فيه عِلم كبير، ولكنَّه لم يوجد (1) .
قال الإمام الباقر (عليه السلام): (ما من أحد من الناس يقول إنَّه جَمع القرآن كلَّه كما أنزلَ الله إلاّ كذّاب، وما جمَعه وما حَفظه كما أنزل الله إلاّ عليّ بن أبي طالب) (2) .
قال الشيخ المفيد - في المسائل السروية -: وقد جمَع أمير المؤمنين (عليه السلام) القرآن المُنزَل من أوَّله إلى آخِره، وألَّفه بحسَب ما وجب تأليفه، فقدَّم المكّي على المدَني، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كلَّ شيء منه في حقّه (3) .
وقال العلاّمة البلاغي: من المعلوم عند الشيعة أنَّ عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام) - بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - لم يرتدِ برداء إلاّ للصلاة حتّى جمَع القرآن على ترتيب نزوله، وتقدُّم منسوخه على ناسِخه.
وأخرج ابن سعد، وابن عبد البرّ في الاستيعاب عن محمَّد بن سيرين، قال: نُبِّئت أنَّ عليّاً أبطأ عن بيعة أبي بكر، فقال: أكرهتَ إمارتي؟ فقال: (آليت بيميني أن لا أرتدي برداء إلاّ للصلاة حتّى أجمع القرآن)، قال: فزعموا أنَّه كتبه على تنزيله. قال محمّد: فلو أصبتُ ذلك الكتاب كان فيه عِلم (4) .
قال ابن حجر: وقد ورد أنَّ عليّاً جمَع القرآن على ترتيب النزول عقِب موت النبي (صلّى الله عليه وآله). أخرجه ابن أبي داود (5) .
قال ابن شهرآشوب: ومن عجَب أمرِه في هذا الباب، أنَّه لا شيء من العلوم إلاّ وأهلُه يجعلون عليّاً قُدوة، فصار قوله قِبلةً في الشريعة، فمنه سُمع القرآن.
ذكَر الشيرازي في نزول القرآن عن ابن عبّاس قال: ضمِنَ الله محمَّداً أن يجمَع القرآن
____________________
(1) التسهيل لعلوم التنزيل: ج1، ص4.
(2) بحار الأنوار: ج92، ص88.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) آلاء الرحمان: ج1، ص18 بالهامش. وراجع الطبقات: ج2، ق2، ص101. والاستيعاب بهامش الإصابة: ج2، ص253.
(5) الإتقان: ج1، ص71 - 72.
بعده عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). قال: فجمَع الله القرآن في قلْب عليّ، وجمَعه عليّ بعد موت رسول الله بستَّة أشهر.
قال: وفي أخبار أبي رافع: أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفّي فيه لعليّ: (يا عليّ، هذا كتاب الله خُذه إليك)، فجمَعه عليّ في ثوبٍ و مضى إلى منزله، فلمّا قُبض النبي (صلّى الله عليه وآله) جلَس عليّ فألّفه كما أنزل الله، وكان به عالماً.
قال: و حدّثني أبو العلاء العطّار، والموفَّق خطيب خوارزم في كتابيهما بالإسناد عن عليّ بن رباح: أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أمر عليّاً بتأليف القرآن فألّفه وكتَبه.
وروى أبو نعيم في الحلية، والخطيب في الأربعين بالإسناد عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ (عليه السلام) قال: (لمّا قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أقسمتُ أن لا أضع ردائي على ظهري حتّى أجمع ما بين اللوحَين، فما وضعت ردائي حتّى جمعت القرآن).
قال: وفي أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنَّه (عليه السلام): (آلى على نفسه أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ للصلاة حتّى يؤلِّف القرآن ويجمَعه، فانقطع عنهم مدَّة إلى أن جمَعَه، ثمَّ خرج إليهم به في إزار يحمِلُه وهم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع الإلْبة، فقالوا: لأمرٍ مّا جاء أبو الحسن، فلمّا توسَّطهم وضعَ الكتاب بينهم، ثمَّ قال: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إنّي مخلِّف فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وهذا الكتاب، وأنا العترة. فقام إليه الثاني وقال له: إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا فيكما. فحمل (عليه السلام) الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجَّة).
وفي خبر طويل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه: (حمَلهُ وولّى راجعاً نحو حُجرته، وهو يقول: ( فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) ) (1) .
____________________
(1) مناقب ابن شهرآشوب: ج2، ص40 - 41. وراجع بحار الأنوار: ج92، ص51 - 52. والآية 187 من سورة آل عمران.
وصفُ مُصحف عليّ (عليه السلام):
امتاز مُصحفُه (عليه السلام):
أوّلاً: بترتيبه الموضوع على ترتيب النزول، الأوَّل فالأوّل في دِقَّة فائقة.
ثانياً: إثبات نصوص الكتاب كما هي من غير تحوير أو تغيير، أو أن تشذّ منه كلمة أو آية.
ثالثاً: إثبات قراءته كما قرأه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حرْفاً بحَرْف.
رابعاً: اشتماله على توضيحات - على الهامش طبعاً - وبيان المناسَبة التي استدعَت نزول الآية، والمكان الذي نزلت فيه، والساعة التي نزلت فيها، والأشخاص الذين نزلت فيهم.
خامساً: اشتماله على الجوانب العامَّة من الآيات، بحيث لا تخصّ زماناً ولا مكاناً ولا شخصاً خاصّاً، فهي تجري كما تجري الشمس والقمر. وهذا هو المقصود من التأويل في قوله (عليه السلام): (ولقد جئتُهم بالكتاب مشتملاً على التنزيل والتأويل) (1) .
فالتنزيل هو: المناسَبة الوقتية التي استدعَت النزول، والتأويل هو: بيان المجرى العامّ.
كان مصحف عليّ (عليه السلام) مشتملاً على كلّ هذه الدقائق التي أخذَها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، من غير أن ينسى منها شيئاً أو يشتبه عليه شيء.
قال (عليه السلام): (ما نزلت آية على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أقرأَنيها وأمْلاها عليَّ، فأكتبها بخطّي، وعلَّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومُحكَمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلِّمني فهْمها وحِفظها، فما نسيت آية من كتاب الله،
____________________
(1) آلاء الرحمان: ج1، ص257.
ولا عِلماً أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي ما دعا) (1) .
وعن الأصبغ بن نباتة، قال: قَدِم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة، صلَّى بهم أربعين صباحاً يقرأ بهم (سبّح اسم ربِّك الأعلى)، فقال المنافقون: لا والله ما يُحسن ابن أبي طالب أن يقرأ القرآن، ولو أحسن أن يقرأ القرآن لقرأ بنا غير هذه السورة! قال: فبلَغ ذلك عليّاً (عليه السلام) فقال: (ويلٌ لهم، إنّي لأعرِفُ ناسِخه من منسوخه، ومحكَمه من متشابهه، وفصْله من فِصاله، وحروفه من معانيه، والله ما من حرفٍ نزل على محمَّد (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أنّي أعرف فيمن أُنزل، وفي أيِّ يوم وفي أيِّ موضع، ويلٌ لهم أما يقرأون: ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) (2) ؟ والله عندي، ورثتهما من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد أنهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من إبراهيم وموسى (عليهما السلام)، ويلٌ لهم والله أنا الذي أنزلَ الله فيَّ: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (3) ، فإنَّما كنّا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيُخبرنا بالوحي فأعيَه أنا ومَن يعيَه، فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفاً؟) (4) .
هذا، ولليعقوبي وصف غريب عن مصحف عليّ (عليه السلام)، قال: يجزّئه سبعة أجزاء، كلّ جزء يحتوي على ستّ عشرة أو خمس عشرة سورة، لتكون مجموع السور مئة وإحدى عشرة سورة! وكلّ جزء لابدَّ أن تبلغ آياته ثمانمئة وستّاً وثمانين آية، فيكون مجموع آيات المصحف ستَّة آلاف واثنتين ومئتي آية.
ويجعل مبدأ الجزء الأوَّل: سورة البقرة، ثم سورة يوسف، ثمَّ العنكبوت، وينتهي إلى سورة الأعلى والبيّنة، ويسمّيه (جزء البقرة).
ويجعل مبدأ الجزء الثاني: آل عمران، ثمَّ هود، والحجّ، وينتهي إلى سورة الفيل، وقريش، ويسمّيه (جزء آل عمران).
ويجعل مبدأ الجزء الثالث: سورة النساء، وآخِره النَمل، ويسمّيه (جزء النساء).
____________________
(1) تفسير البرهان: ج1، ص16.
(2) الأعلى: 18 و19.
(3) الحاقّة: 12.
(4) تفسير العيّاشي: ج1، ص14.
ومبدأ الجزء الرابع: المائدة، وآخره الكافرون.
ومبدأ الجزء الخامس: الأنعام، ومنتهاه التكاثر.
ومبدأ الجزء السادس: الأعراف، ومنتهاه النصر.
ومبدأ الجزء السابع: الأنفال، وآخره الناس.
وهكذا يوزِّع السوَر الطوال على مبادئ الأجزاء السبعة ويتدرَّج إلى القِصار، ويسمّي كلَّ جزء باسم السورة التي بدأ بها (1) .
وهذا الوصف يخالف تماماً وصف الآخرين: أنّه كان مرتَّباً حسب النزول.
قال جلال الدين: كان أوَّل مصحف عليٍّ (عليه السلام) سورة اقرأ، ثمَّ سورة المدَّثر، ثمَّ نون، ثمَّ المزَّمِّل، ثمَّ تبَّت، ثمَّ التكوير، وهكذا إلى آخر ترتيب السوَر حسب نزولها (2) ، ومن ثمَّ فهذا الوصف مخالف لإجماع أرباب السيَر والتاريخ.
ومن الغريب أنَّه جعلَ: ألم تنزيل والسجدة سورتين، وحم والمؤمن سورتين، وطس والنمل سورتين، وطسم والشعراء سورتين، في حين أنَّ كلاًّ منهما سورة واحدة، وعبَّر عن سورة الأنبياء بسورة اقتربت، في حين أنَّها تبتدئ بقوله تعالى: ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ) .
وهذه الغفلة من مثل أحمد بن الواضح الكاتب الإخباري غريبة جدّاً!.
* * *
وأمّا مصحف عليّ (عليه السلام)، فقد روى سُليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال: لمّا رأى أمير المؤمنين صلوات الله عليه غَدْر الناس به لزِم بيته، وأقبل على القرآن يؤلِّفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتّى جمَعَه، وكان في الصحُف، والشظاظ، والاشار، والرقاع (3) .
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص113.
(2) الإتقان: ج1، ص62.
(3) الصُحف: جمع صحيفة، وهي الورقة من كتاب أو قرطاس. والشظاظ: خشبة محدَّدة يُجمع على أشظة. والاشار: خشبة أو صفحة أو عَظْمة مرقَّقة مصقولة. والرقاع: جمْع رُقعة، وهي القطعة من الورق يكتَب عليه.
وبعثَ القوم إليه ليبايع فاعتذر باشتغاله بجمْع القرآن، فسكتوا عنه أيّاماً حتّى جمعه في ثوب واحد وختَمه، ثمَّ خرج إلى الناس - وفي رواية اليعقوبي: حمَلهُ على جَمَل وأتى به إلى القوم (1) - وهم مجتمعون حول أبي بكر في المسجد، وخاطبهم قائلاً: (إنّي لم أزل منذ قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مشغولاً بغُسله وتجهيزه، ثمَّ بالقرآن حتّى جمَعته كلَّه في هذا الثوب الواحد، ولم يُنزل الله على نبيِّه آية من القرآن إلاّ وقد جمعتها، وليس منه آية إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلَّمني تأويلها؛ لئلاّ تقولوا غداً: ( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) )!.
فقام إليه رجُل من كِبار القوم - وفي روايةِ أبي ذر: فنظر فيه فلان وإذا فيه أشياء (2) - فقال: يا عليّ، اردُده فلا حاجة لنا فيه، ما أغنانا بما معَنا من القرآن عمّا تدعونا إليه، فدخل عليّ (عليه السلام) بيته (3) .
وفي رواية: قال علي (عليه السلام): (أمَا والله، ما ترَونه بعد يومكم هذا أبداً، إنّما كان عَليّ أن أُخبركم حين جمعتُه لتقرأوه) (4) .
وقد تقدَّم كلام ابن النديم: كان مصحف عليّ يتوارثه بنو الحسن (5) ، والصحيح عندنا: أنَّ مصحفه (عليه السلام) يتوارثه أوصياؤه الأئمَّة من بعده، واحداً بعد واحد لا يُرونه لأحد (6) .
وفي عهد عثمان - حيث اختلفت المصاحف وأثارت ضجَّة بين المسلمين - سأل طلحة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لو يُخرج للناس مصحفَه الذي جمعَه بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأتى به إلى القوم فرفضوه، قال: وما يمنعك يرحمك الله أن تُخرج كتاب الله إلى الناس؟! فكفَّ (عليه السلام) عن الجواب أوّلاً، فكرَّر طلحة السؤال فقال: لا
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص113.
(2) احتجاج الطبرسي: ص82.
(3) كتاب سليم بن قيس: ص72.
(4) تفسير الصافي: ج1، ص25.
(5) الفهرست: ص48.
(6) بحار الأنوار: ج92، ص42 و43.
أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمْر القرآن أن لا تظهره للناس؟.
قال (عليه السلام): (يا طلحة، عمداً كففتُ على جوابك، فأخبِرني عمّا كتَبه القوم أقرآن كلّه أمْ فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كلّه، قال (عليه السلام): إن أخذتم بما فيه نجَوتم من النار ودخلتم الجنَّة...)، قال طلحة: حَسبي، أمّا إذا كان قرآناً فحَسبي (1).
هكذا حرص الإمام وأوصياؤه (عليهم السلام) على حِفظ وحدة الأمّة، فلا تختلف بعد اجتماعها على ما هو قرآن كلُّه.
جمْعُ زيد بن ثابت:
كان ذاك الرفْض القاسي لمصحف عليّ (عليه السلام) يستدعي التفكير في القيام بمهمَّة جمْع القرآن مهما كلّف الأمر، بعد أن أحسّ الناس بضرورة جمْع القرآن في مكان، ولاسيَّما كانت وصيَّة نبيِّهم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بجمْعه؛ لئلاّ يضيع، كما ضيَّعت اليهود تَوراتَهم (2).
هذا، والقرآن هو المرجع الأوَّل للتشريع الإسلامي، والأساس الركين لبناية صرح الحياة الاجتماعية في كافَّة شؤونها المختلفة آنذاك، ولا يصحّ أن يبقى مفرَّقاً على العُسُب واللِخاف أو في صدور الرجال، ولاسيَّما وقد استحرّ القتل بكثير من حامِليه، ويوشك أن يذهب القرآن بذهاب حامِليه، فقد قتل منهم سبعون في واقعة اليمامة، وفي رواية: أربعمئة (3) .
وهذه الفكرة أبداها عمَر بن الخطّاب، واقترح على أبي بكر - وهو وليّ
____________________
(1) سُليم بن قيس: ص110. بحار الأنوار: ج92، ص42.
(2) تفسير القمّي: ص745.
(3) القسطلاني على البخاري: ج7، ص447. وفي تاريخ الطبري: ج3، ص 296: قُتلَ من المهاجرين والأنصار من قصبة المدينة يومئذٍ ثلاثمئة وستّون، ومن المهاجرين من غير أهل المدينة ثلاثمئة، ومن التابعين ثلاثمئة. وفي كتاب أبي بكر إلى خالد ص 300: دم ألف ومئتي رجُل من المسلمين لم يُجفَّف بعد.
المسلمين يوم ذاك - أن ينتدب لذلك مَن تتوفّر فيه شرائط القيام بهذه المهمَّة الخطيرة، فوقع اختيارهم على زيد بن ثابت، وهو شابّ حدَث فيه مرونة حداثة السِنّ، وله سابقة كتابة الوحي أيضاً، فقد مَلك الجدارة الذاتية من غير أن يُخشى منه على جوانب الخلافة الفتيّة في شيء، كما كان يُخشى من غيره من كِبار الصحابة، وفيهم شيء من المناعة والجموح وعدم الانقياد التامّ لميول السلطة واتّجاهاتها آنذاك.
قال زيد: أرسلَ إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة - وعُمَر جالس عنده - قال: إنَّ هذا - وأشار إلى عُمَر - أتاني وقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقُرّاء القرآن، وأخاف أن يستحرّ بهم القتْل في سائر المَواطِن فيذهب كثير من القرآن، وأشار عليَّ بجمْع القرآن، فقلت لعُمَر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني عُمَر حتّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عُمَر!.
قال زيد: قال لي أبو بكر: إنَّك شابٌّ عاقل لا نتَّهمُك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فَتتبَّع القرآن واجمعهُ.
قال زيد: فو الله لو كلَّفوني نقل جبَل من مكانه لم يكن أثقل عليَّ ممّا كلَّفوني به، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فلم يزل أبو بكر وعُمَر يلحّان علَيَّ حتّى شرح الله صدري للَّذي شرح له صدر أبي بكر و عُمَر.
قال زيد: فقمت أتتبّع القرآن أجمعه من العُسُب، واللِخاف، وصدور الرجال (1) .
منهجُ زيد في جمْع القرآن:
قام زيد بتنفيذ الفكرة، فجمَع القرآن من العسُب، واللِخاف، والأدم، والقراطيس، وكانت متفرّقة على أيدي الصحابة أو في صدورهم، وعاوَنه على ذلك جماعة.
____________________
(1) صحيح البخاري: ج6، ص225. مصاحف السجستاني: ص6. والكامل في التاريخ: ج3، ص56، وج2، ص247. والبرهان للزركشي: ج1، ص233.
وأوَّل عمل قام به أن وجَّه نداءً عاماً إلى مَلأ الناس: مَن كان تلقّى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً من القرآن فليأتِ به.
وألَّف لِجنة من خمسة وعشرين عضواً - كما جاء في رواية اليعقوبي (1) - وكان عُمَر يُشرف عليهم بنفسه.
وكان اجتماعهم على باب المسجد يومياً، والناس يأتونهم بآيِ القرآن وسوَره، كلٌّ حسَب ما عنده من القرآن.
وكانوا لا يقبلون من أحد شيئاً حتّى يأتي بشاهدَين يشهدان بصحَّة ما عنده من قرآن، سوى خزيمة بن ثابت أتى بآيتَي آخِر سورة براءة، فقبلوهما منه من غير استشهاد؛ لأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اعتبر شهادته وحدَه شهادتين (2) .
قال زيد: ووجدت آخِر سورة براءة مع [ أبي ] خزيمة الأنصاري، لم أجده مع أحد غيره (3) . وسنتكلّم عمّا جاء بين المعقوفتَين (4) .
ومن غريب الأمْر: أنَّ عُمَر جاء بآية الرجْم وزعمها من القرآن: (الشيخ والشيخة إذا زنَيا فارجموهما البتَّة نكالاً من الله) لكنَّه وُوجِهَ بالرفض، ولم تُقبَل منه؛ لأنَّه لم يستطع أن يُقيم على ذلك شاهدَين (5)، وبقي أثر ذلك في نفس عُمَر فكان يقول - أيّام خلافته -: لولا أن يقول الناس زاد عُمَر في كتاب الله لكتبتُها بيدي - يعني آية الرجْم - (6) .
* * *
ثمَّ إنَّ زيداً لم يُنظِّم سوَر القرآن ولم يُرَتّبهنَّ كمُصحف، وإنَّما جمَع القرآن في
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص113.
(2) راجع أُسد الغابة لابن الأثير: ج2، ص114. ومصاحف السجستاني: ص6 - 9.
(3) البخاري: ج6، ص225.
(4) راجع صفحة 159 و160 من هذا الجزء.
(5) تفسير ابن كثير: ج3، ص261. البرهان للزركشي: ج2، ص35. الإتقان: ج2، ص26.
(6) تفسير ابن كثير: ج3، ص261. البرهان للزركشي: ج2، ص35. الإتقان: ج2، ص26.
صُحف، أي أودعَ الآيات والسوَر في صحُف وجعلها في إضبارة، فكان جمْعاً عن التفرقة والضياع، ومن ثمَّ لم يسمَّ جمْعه مصحفاً.
قال المحاسبي: كان القرآن مفرَّقاً في الرقاع، والأكتاف، والعسُب، وإنّما أمرَ الصدّيق بنَسْخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنزلة أوراق فيها القرآن منتشراً، فجمَعها جامع وربطها بخيط؛ حتَّى لا يضيع منها شيء (1) .
وقال ابن حجر: (والفرْق بين الصحُف - التي جاءت في رواية جمْع زيد - والمصحف: أنَّ الصحُف هي الأوراق المجرَّدة التي جُمِع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سوَراً مفرَّقة، كلُّ سورة مرتَّبة بآياتها على حِدة، لكن لم يرتّب بعضها إثر بعض، فلمّا نُسخت ورتِّب بعضها إثر بعض صارت مصحفاً) (2) .
وقال أحمد أمين: وفي عهد أبي بكر أمر بجمع القرآن، لكن لا في مصحفٍ واحد، بل جُمعت الصُّحف المختلفة التي فيها آيات القرآن وسوَره، وأُودِعَت الصحُف الكثيرة التي فيها القرآن عند أبي بكر (3) .
وقال الزرقاني: صحُف أبي بكر كانت مرتَّبة الآيات دون السوَر (4) .
* * *
وهذه الصحُف أُودِعت عند أبي بكر، فكانت عنده مدَّة حياته، ثمَّ صارت عند عمَر، وبعده كانت عند ابنته حفصة، وفي أيّام توحيد المصاحف استعارها عثمان منها ليقابل بها النُسَخ، ثمَّ ردَّها إليها، فلمّا توفّيت أخذَها مروان - يوم كان والياً على المدينة من قِبل معاوية - من ورثتها وأمرَ بها فشُقَّت (5) .
* * *
جاء في نصِّ البخاري: ووجدت آخِر سورة براءة مع أبي خزيمة... ومن ثمَّ يتساءل البعض: مَن هو أبو خزيمة؟
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص59.
(2) فتح الباري: ج9، ص16.
(3) فجر الإسلام: ص195.
(4) مناهل العرفان: ج1، ص254.
(5) القسطلاني بشرح البخاري: ج7، ص449.
قال القسطلاني: هو ابن أَوس بن يزيد بن حزام، المشهور بكُنيته من غير أن يُعرَف اسمُه (1) .
واحتمل ابن حجر أنَّه الحرث بن خزيمة، كما جاء في رواية أبي داود (2) .
والصحيح: أنَّه من زيادة الراوي أو الناسخ خطأً، وإنَّما هو خزيمة من غير إضافة الأب إليه؛ بدليل أنَّ زيداً قُبِلت شهادته مكان شهادتين، وليس في الصحابة مَن يتَّسم بهذه السِمة الخاصَّة سواه (3) ، وهكذا جزَم الإمام بدر الدين الزركشي أنَّه خزيمة الذي جعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شهادته بشهادة رجُلين (4) ، ومن ثمَّ أدرجه في النصّ هكذا بلا إضافة الأب (5) .
أو يقال: إنَّ أبا خزيمة هو خزيمة بن ثابت، كان يقال له: أبو خزيمة أيضاً، كما جاء في نصِّ ابن أشتة: أبو خزيمة بن ثابت (6) .
وفي سائر الروايات - غير رواية البخاري - خزيمة بن ثابت، بلا إضافة الأب (7) ، ومن ثمَّ رجَّحنا خطأ النُسخة.
* * *
وسؤال آخر: ماذا كان يعني بالشاهدَين في جَعلهما شرط قبول النصّ القرآني، كما جاء في نصِّ ابن داود بإسنادٍ معتبَر، وتلقَّته أئمّة الفنِّ بالقبول (8) ؟
قال ابن حجر: (وكأنَّ المراد بالشاهدَين: الحِفظ والكتابة) (9).
وقال السخاوي: شاهدان يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو المراد أنَّهما يشهدان بصحَّة قراءتها، وأنَّها من الوجوه التي نزل بها القرآن.
____________________
(1) شرح البخاري: ج7، ص447.
(2) فتح الباري: ج9، ص12.
(3) راجع الطبقات لابن سعد: ج4، ق2، ص90.
(4) البرهان للزركشي: ج1، ص234.
(5) نفس المصدر: ص239.
(6) الإتقان: ج1، ص58.
(7) راجع الدرّ المنثور: ج3، ص296.
(8) راجع الإتقان: ج1، ص58.
(9) فتح الباري: ج9، ص12.
قال أبو شامة: وكأنَّ الغرض من ذلك أن لا يكتب إلاّ من عَين ما كُتب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لا من مجرَّد الحفظ.
قال جلال الدين: أو المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك ممّا عُرِض على النبي (صلّى الله عليه وآله) عام وَفاتِه، وكانت هي القراءة الأخيرة التي اتَّفق عليها الصحابة، ويقرأها الناس اليوم (1) .
قلت: المراد أنَّ شاهدَين عَدْلين - أحدهما الذي أتى بالآية وعَدْل آخَر - يشهدان بسماعهما قرآناً من النبي (صلّى الله عليه وآله)، بدليل قبول شهادة خزيمة بن ثابت - الّذي جاء بآخِر سورة براءة - مكان شهادة رجُلين، وهكذا جاء في نصِّ ابن أشتة، أخرجه في المصاحف عن الليث بن سعد، قال: وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلاّ بشاهدَي عدلٍ، وإنَّ آخر سورة براءة لم يجدها إلاّ مع أبي خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، فقال: اكتبوها؛ فإنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جعل شهادته بشهادة رجُلين فكُتب، وإنَّ عمَر أتى بآية الرجْم فلم يكتُبها؛ لأنَّه كان وحدَه (2) .
شكوكٌ واعتراضات:
يقول بلاشير: لماذا اختار أبو بكر لهذه المهمَّة الخطيرة مثل زيد، وهو شابّ حدَث لم يتجاوز العشرين، في حين وجود ذوي الكفاءات من كِبار الصحابة؟ ولنفرض عكورة المورد حالت دون اللجوء إلى شخصيَّة كبيرة مثل عليّ بن أبي طالب، فلماذا أغفلوا سائر فُضلاء الصحابة ممَّن لهم سابقة وعهد قديم بنزول القرآن وصُحبة الرسول؟ وهل أنَّ واقعة اليمامة أطاحت بجميع قرّاء الصحابة القدامى، ولم يبقَ سوى زيد وهو حديث العهد بالقراءة وبالقرآن؟ الأمر الذي يثير شكوكنا في القضية، ولا نكاد نصدِّق بأنَّ زيداً هو الذي جمَع القرآن.
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص58، وراجع أيضاً ص50.
(2) الإتقان: ج1، ص58.
أضِف إلى ذلك: أنَّ التاريخ لم يحدِّد بالضبط بدْء قيامه بهذا العمل، ومتى انتهى منه، فلو صحَّ أنَّه قام بجمع القرآن بعد واقعة اليمامة؛ لكان بقيَ من عُمْر أبي بكر خمسة عشر شهراً، وهذه فترة تضيق بإنجاز هكذا عمل خطير، الذي يتطلّب جهوداً واسعة لجمْع المصادر والالتقاء مع رجال كانت عندهم آيات أو سوَر، وكانوا قد انتشروا في البلاد، فإنَّ هذا وذاك يتطلَّبان وقتاً أوسع وأعواناً كثيرين، ممّا لا يمكن إنجازه في تلك المدَّة القصيرة.
هذا والرواية تقول: إنَّ زيداً جمَع القرآن في صحُف وأودَعها عند أبي بكر، ثمَّ صارت عند عُمَر، ثمَّ ورثتها ابنته حفصة!.
فإذا كانت الغاية من جمْع القرآن هي ملاحظة المصلحة العامَّة - كما ينبِّه على ذلك أنَّ ورثة أبي بكر لم يختصّوا بتلك الصحُف، وإنَّما انتقلت إلى عُمَر، الخليفة بعده - فلماذا خصَّصها عُمَر بابنته حفصة ولم يجعلها في متناول المسلمين عامّاً؟ كما أنّه لِمَ صارت الصحُف وديعة اختصاصية عند أبي بكر من غير أن تُجعَل في مكان هو معرَض عام؟.
وهكذا اعترض المستشرق شفالي على قضيَّة جمْع زيد للقرآن.
والذي يستنتجه بلاشير من شكوكه هذه: أنَّ كبار الصحابة هم الذين قاموا بجمْع القرآن بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ورتَّبوه ورتَّبوا سوَره، الأمر الذي كانت وظيفة الخلافة الإسلامية أن تقوم به ولكنَّها غفلَت عنه، وربَّما أدَّت هذه الغفلة إلى الطعْن في القائمين بأعضادها، ومن ثمَّ أوعَزت إلى شابّ حدَث لا يتَّهموه، أن ينسَخ عن بعض مصاحف الصحابة مصحفاً يمتاز به الخليفة أيضاً، أمّا أصل القيام بجمْع القرآن فلا (1) .
* * *
قلت: إذا كانت شرائط إنجاز عمل - مهما كان ضخماً - متوفّرة وفي المتناول
____________________
(1) مترجَم وملخّص عن مجلّة (خواندنيها) الفارسية في سنتها الثامنة العدد 44، بتاريخ 13 بهمن 1326هـ.ش - طهران.
القريب، فإنَّ انجازه يتحقّق في أقرب وقتٍ ممكن، ولاسيَّما إذا كان العمل فوتيّاً يحاول المتصدّون إنجازه في أقرب فرصة ممكنة، وهكذا كانت قضية جمع القرآن في الصدر الأوَّل.
أمّا المصادر الأوَّلية فكانت متوفِّرة في نفس المدينة، محفوظة على أيدي الصحابة الأُمناء، وكان حَمَلة القرآن وحفظته موجودين لا يفارقون مسجد سيِّدهم الذي ارتحل من بينهم في عهدٍ قريب، ليل نهار، والاتِّصال بهم سهل التناول، لاسيَّما وسوَر القرآن كانت مكتملة، وبقي جمْعها في مكان لا أكثر، إذاً فقد كانت الأسباب مؤاتية والظُّروف مساعدة، أضف إليها أنَّ السلطة - وبيدها القدرة - إذا حاولت إنجاز هكذا عمل متهيّئ الأسباب، فإنَّه لا يستدعي طولاً في مدَّة العمل بعد توفّر هذه الشروط.
هذا، وزيد لم يعمل سوى جمْع القرآن في مكان وحِفظه عن الضياع والانبثاث، ولم يعمل فيه نَظماً ولا ترتيباً، ولا أيّ عمل فكريّ آخَر، فإنَّ هكذا عمل بسيط لا يتطلَّب جهوداً طويلة ولا فراغاً واسعاً.
نعم، كانت الغاية من ذلك هي: مراعاة المصلحة العامَّة (حفظ القرآن عن الضياع)، الأمر الذي تحقَّق بإيداع الصُحف المشتملة على تمام القرآن في مكان أمين، ولم يكن يومذاك احتياج إلى مراجعة تلك الصُحف بعد أن كان حفَظَة القرآن وحامِلوه منتشرين بين أظهر الناس بكثرة، والناس يومذاك حافظون لجُلّ آيات ترتبط والحياة المعيشية والسياسية وما أشبه.
هذا، وفي أواخر عهد عُمَر أصبحت نُسَخ المصاحف - المحتوية على جميع آيِ القرآن وسوَره - كثيرة، ومجموعة على أيدي كبار الصحابة الموثوق بهم، فرأى أنَّ الحاجة العامَّة إلى تلك الصحُف المودَعة عنده هبطت إلى درجة نازلة جدّاً، ومن ثمَّ تملّكها هو، ولم تعد حاجة إليها سوى في دَور توحيد المصاحف على عهد عثمان.
مصاحف أُخرى:
في الفترة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، قامت جماعة من كبار الصحابة بتأليف القرآن وجمع سوَره بين دفَّتين، كلّ بنَظمٍ وترتيب خاصّ، وكان يسمّى (مصحفاً).
يقال: أوَّل مَن جمَع القرآن في مُصحف - أي رتَّب سوَره ككتاب منظَّم - هو: سالم مولى أبي حذيفة، فائتمروا في ما يسمّونه؟ فقال بعضهم: سمّوه السِفر، فقال سالم: ذلك تسمية اليهود، فكرهوه، فقال: رأيت مثله في الحبشة يسمَّى (المصحف)، فاجتمع رأيهم على أن يسمُّوه (المصحف) . أخرجه ابن أشتة في كتاب المصاحف (1) .
وهكذا قام بجمع القرآن: ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وكان سمّى مصحفه (لُباب القلوب) (2) ، والمقداد بن الأسود، ومعاذ بن جبل.
ويبدو من حديث العراقي الذي جاء إلى عائشة يطلب إليها أن تُريَه مصحفها، أنَّ لها أيضاً مصحفاً كان يخصّها، وروى البخاري عن ابن ماهك، قال: إنّي عند عائشة إذ جاءها عراقيٌّ فسألها عن مسائل منها: أنّه طلب أن تُريَه مصحفها، قال: يا أمَّ المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لِمَ؟ قال: لعلّي أُؤلِّف القرآن عليه، فإنَّه يُقرأ غير مؤلَّف - أي غير مرتَّب ولا منظَّم، أو لاختلاف الناس في نظْم آيِهِ وعدَدها (3) - قالت: وما يضرّك أيَّهُ قرأت؟... إلى أن قال: فأخرجَت له مصحفاً وأملَت عليه آيِ السوَر (4) أي: عدد آيِها.
وحاز بعض هذه المصاحف مقاماً رفيعاً في المجتمع الإسلامي آنذاك، فكان أهل الكوفة يقرأون على مصحف عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرأون على مصحف أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على مصحف أُبَي بن كعب، وأهل
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص58. وراجع المصاحف للسجستاني: ص11 - 14.
(2) الكامل في التاريخ: ج3، ص55.
(3) احتمله ابن حجر في فتح الباري: ج9، ص36.
(4) صحيح البخاري: ج6، ص228.
دمشق خاصَّة على مصحف المقداد بن الأسود، وفي رواية الكامل: إنَّ أهل حمْص كانوا على قراءة المقداد (1) .
أمَدُ هذه المصاحف:
كان أمَدُ هذه المصاحف قصيراً جدّاً، انتهى بدَور توحيد المصاحف على عهد عثمان، فذهبت مصاحف الصحابة عُرضَة التمزيق والحرْق.
قال أنس بن مالك: أرسل عثمان إلى كلّ أُفقٍ بمصحف ممّا نسَخوا، وأمَر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرَق (2) .
نعم، حظِيت بعض هذه المصاحف عُمْراً أطول، كالصُحف التي كانت عند حفصة، طلبها عثمان ليقابل بها نُسَخ المصاحف، فأبت أن تدفعها إليه حتّى عاهدها ليردَّنّها عليها (3) ، ومن ثمَّ ردَّها وبقيت عندها حتّى توفّيت، فأمر بها مروان فشُقَّت.
ويبدو من رواية أبي بكر بن أبي داود: أنَّ وُلد أُبَي بن كعب كانوا قد احتفظوا بنُسخة من مصحف أبيهم بعيداً عن آخرين، قال: قدِم أُناس من العراق يريدون محمَّد بن أُبَي، فطلبوا إليه أن يُخرج لهم مصحف أبيه! فقال: قد قبَضه عثمان، فألحُّوا عليه ولكن من غير جدوى، الأمر الذي كان يدلّ على مبلَغ خوفه من الحُكم القائم، فلم يخرجه للعراقيين (4) .
وفي رواية الطبري: أنَّ ابن عبّاس دفع مصحفاً إلى أبي ثابت، ووصفه بأنَّه على قراءة أُبَيّ بن كعب، وبقي إلى أن انتقل إلى نصير بن أبي الأشعث الأسدي
____________________
(1) الكامل في التاريخ: ج3، ص55. وراجع البخاري: ج6، ص225. والمصاحف لابن أبي داود السجستاني: ص11 - 14. والبرهان للزركشي: ج1، ص239 - 243.
(2) البخاري: ج6، ص226.
(3) مصاحف السجستاني: ص9.
(4) نفس المصدر: ص25.
الكوفي، فأتاه يحيى بن عيسى الفاخوري يوماً وقرأ فيه: (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجَل مسمّى) (1) الأمر الذي يدلّ على أنَّ هذا المصحف عاش حتّى أواخر القرن الثاني؛ لأنَّ يحيى بن عيسى توفّي عام 201هـ (2).
قال الفضل بن شاذان: أخبرنا الثقة من أصحابنا، قال: كان تأليف السوَر في قراءة أُبيّ بن كعب بالبصرة في قرية يقال لها (قرية الأنصار)، على رأس فرسخين عند محمَّد بن عبد الملك الأنصاري (توفّي سنة 150 هـ)، أخرج إلينا مصحفاً قال: هو مصحف أُبيّ، رويناه عن آبائنا، فنظرت فيه، فاستخرجت أوائل السوَر وخواتيم الرُسل وعدد الآي... (3) .
وجاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) قول الصادق (عليه السلام): (أمّا نحن فنقرأ على قراءة أُبيّ - أي ابن كعب -) (4).
* * *
أمّا ابن مسعود، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى رسول الخليفة، وظلَّ محتفظاً به في صرامة بالِغة أدَّت إلى مشاجرة عنيفة جرت بينه وبين عثمان، كان فيها إبعاده عن عمله وأخيراً حَتْفه.
عندما جاء رسول الخليفة إلى الكوفة لأخذ المصاحف، قام ابن مسعود خطيباً قائلاً: أيُّها الناس إنّي غالّ مصحفي، ومَن استطاع أن يغلّ مصحفاً فليغلُل؛ فإنَّه مَن غلَّ يأت يوم القيامة بما غلَّ ونِعمَ الغلّ المصحف (5) .
وهكذا كان يحرِّض الناس على مخالفة الحُكم القائم، الأمر الذي جرَّ عليه الوَيلات، فأشخَصه الخليفة إلى المدينة، وجرى بينهما كلام عنيف انتهى إلى ضربه
____________________
(1) تفسير الطبري: ج5، ص9.
(2) تهذيب التهذيب: ج11، ص263.
(3) فهرست ابن النديم: ص29.
(4) وسائل الشيعة: ج4، ص821 (الطبعة الإسلامية).
(5) المصاحف للسجستاني: ص15.
وكسر أضلاعه، وإخراجه من المسجد بصورة مزرية.
روى الواقدي بإسناده وغيره: أنَّ ابن مسعود لمّا استقدم المدينة دخلها ليلاً، وكانت ليلة جمعة، فلمّا علم عثمان بدخوله، قال: أيُّها الناس إنَّه قد طرقكم الليلة دُوَيبة، مَن تمشي على طعامه يقيء ويسلُحْ.
قال ابن مسعود: لستُ كذلك ولكنَّني صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدْر، وصاحبه يوم أُحُد، وصاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين....
وصاحت عائشة: يا عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله؟! فقال عثمان: اُسكتي.
ثمَّ قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود: أخرِجه إخراجاً عنيفاً! فأخذه ابن زمعة، فاحتمله حتّى جاء به باب المسجد، فضرب به الأرض، فكسَر ضِلعاً من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلَني ابن زمعة الكافر بأمْر عثمان.
قال الراوي: فكأنّي أنظر إلى حموشة ساقَي عبد الله بن مسعود، ورجلاه تختلفان على عُنُق مولى عثمان، حتّى أُخرج من المسجد، وهو يقول: أُنشدك الله أن لا تُخرجني من مسجد خليلي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (1) .
قيل: واعتلّ ابن مسعود فأتاه عثمان يعوده، فقال له: ما كلام بلَغَني عنك؟ قال: ذكرتُ الذي فعلتَه بي، إنّك أمرتَ بي فَوِطئ جَوفي فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر، ومنعتَني عَطائي، قال عثمان: فإنّي أُقيدُك من نفسي، فافعل بي مثل الذي فُعل بك... وهذا عطاؤك فخُذه.
قال ابن مسعود: منعتنيه وأنا محتاجٌ إليه، وتعطيني وأنا غنيّ عنه! لا حاجة لي به، فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان حتّى توفّي، وصلّى عليه عمّار بن ياسر
____________________
(1) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج3، ص43 - 44.
في ستْرٍ من عثمان، وهكذا لمّا مات المقداد صلَّى عليه عمّار بوصيَّة منه، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار، وقال: ويلي على ابن السوداء، أمَا لقد كنت به عليماً! (1).
* * *
هذا، ورغم ذلك كلّه فقد بقي مصحفه متداولاً إلى أيّام متأخّرة.
يقول ابن النديم (297 - 385هـ): رأيت عدَّة مصاحف ذكرَ نسّاخها أنّها مصحف عبد الله بن مسعود، وقد كُتب بعضها منذ مئتي سنة (2) .
وهكذا يبدو من الزمخشري: أنَّ هذا المصحف كان معروفاً حتّى القرن السادس؛ لأنَّه يقول: (وفي مصحف ابن مسعود كذا...)، وظاهر هذه العبارة أنَّه هو وجدها في نفس المصحف، لا أنَّه منقول إليه (3) .
وصفٌ عامٌّ عن مصاحف الصحابة:
كان الطابع العامّ الذي كانت المصاحف آنذاك تتَّسم به هو: تقديم السوَر الطوال على القِصار نوعاً ما في ترتيب منهجيّ خاصّ:
1 - ابتداء من السبْع الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، الأعراف، الأنعام، المائدة، يونس (4) .
2 - ثمَّ المئين: وهي السوَر تربو آياتها على المئة، وهي ما تقرب اثنتي عشرة سورة.
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج23، ص160، طبع نجف.
(2) الفهرست: ص46.
(3) راجع الكشّاف: ج2، ص410، آية 71 من سورة هود. وج4، ص490، آية 7 من سورة المجادلة.
(4) تلك السبع الطوال في مصاحف الصحابة، غير أنّ عثمان عمَد إلى تقديم سورة الأنفال فزعمها مع سورة البراءة سورة واحدة، جعلهما من السبع الطوال، وسيأتي الكلام في ذلك (راجع: الإتقان: ج1، ص60. ومستدرك الحاكم: ج2، ص221).
3 - ثمَّ المثاني: وهي السوَر لا تبلغ آياتها المئة، وهي ما تقرب عشرين سورة، وسمِّيت مثاني؛ لأنّها تُثنّى، أي تكرّر قراءتها أكثر ممّا تقرأ غيرها من الطوال والمئين.
4 - ثمَّ الحواميم: وهي السور بَُدئت بـ (حم)، سبْع سوَر.
5 - ثمَّ الممتحنات: وهي تقرب من عشرين سورة.
6 - ثمّ المفصَّلات: تُبتَدأ من سورة الرحمن إلى آخِر القرآن.
وسمِّيت بذلك لقُرب فواصلها وكثرة فصولها.
هذا هو الطابع العامّ لمصاحف الصحابة، والنظر في الأكثر إلى مصحف ابن مسعود، وإن كانت المصاحف تختلف مع بعضها في تقديم بعض السوَر على بعض وتأخيرها عنها، أو يزيد عدد سوَر بعضها على بعض، على تفصيل يأتي.
وصفُ مصحف ابن مسعود:
كان تأليف مصحف عبد الله بن مسعود وفْق الترتيب التالي (1) :
1 - السبع الطوال: البقرة، النساء، آل عمران، الأعراف، الأنعام، المائدة، يونس.
2 - المِئين: براءة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الإسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافّات.
3 - المثاني: الأحزاب، الحجّ، القصص، النمل، النور، الأنفال، مريم، العنكبوت، الروم، يس، الفرقان، الحجر، الرعد، سبأ، فاطر، إبراهيم، ص، محمّد (صلّى الله عليه وآله)، لقمان، الزمر.
4 - الحواميم: المؤمن، الزخرف، فصِّلت، الشورى، الأحقاف، الجاثية، الدُخان.
____________________
(1) على ما جاء في نصّ ابن أشتة (الإتقان: ج1، ص64)، وأكملنا ما سقط منه على نصّ ابن النديم (الفهرست ص46)، وأرمزنا له بعلامة (ن).
5 - المُمتحنات: الفتح، الحديد (ن)، الحشر، السجدة، ق (ن)، الطلاق، القلم، الحجُرات، المُلك، التغابن، المنافقون، الجمعة، الصفّ، الجنّ، نوح، المجادلة، الممتحنة، التحريم.
6 - المفصَّلات: الرحمن، النجم، الطور، الذاريات، القمر، الحاقَّة (ن)، الواقعة، النازعات، المعارج، المدَّثِّر، المزمل، المطفّفين، عبس، الإنسان، المرسلات، القيامة، النبأ، التكوير، الانفطار، الغاشية، الأعلى، الليل، الفجر، البروج، الانشقاق، العلق، البلد، الضحى، الطارق، العاديات، الماعون، القارعة، البيِّنة، الشمس، التين، الهُمزة، الفيل، قريش، التكاثر، القدر، الزلزلة، العصر، النصر، الكوثر، الكافرون، المسَد، التوحيد، الانشراح.
تلك مئة وإحدى عشرة سورة، بإسقاط سورة الفاتحة وسورتَي المعوَّذتين، على ما سنذكر.
* * *
(جهة أخرى) - اختصَّ بها مصحف ابن مسعود -: إسقاطه سورة الفاتحة، لا اعتقاداً أنَّها ليست من القرآن؛ بل لأنَّ الثبْت في المصحف كان قيداً للسوَر دون الضياع، وهذه السورة (الفاتحة) مأمونة عن الضياع بذاتها، لا يزال المسلمون يقرأونها كلّ يوم عشر مرّات أو أكثر، ذكره ابن قتيبة فيما يأتي.
أو لعلَّه رآها عِدلاً للقرآن في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (1) والسبع المثاني هي: سورة الفاتحة.
وعلى أيِّ تقدير فقد اتَّفق أئمَّة الفنّ على خلوّ مصحفه من سورة الحمْد. نقل ذلك ابن النديم عن الفضل بن شاذان، وقال: إنَّه أحد الأئمَّة في القرآن والروايات، ومن ثمَّ يرجِّح ما ذكره الفضْل على ما شهده بنفسه (2) .
____________________
(1) الحِجر: 87.
(2) الفهرست لابن النديم: ص46.
وقال جلال الدين السيوطي: وأمّا إسقاطه الفاتحة، فقد أخرجه أبو عبيد بسندٍ صحيح (1) ، وكان قد ذكر الرواية قبل ذلك (2) .
وقال ابن قتيبة: وأمّا إسقاطه الفاتحة من مصحفة، فليس لجهله بأنَّها من القرآن، كيف وهو أشدّ الصحابة عناية بالقرآن، ولم يزل يسمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يؤمّ بها، ويقول: (لا صلاة إلاّ بسورة الحمد، وهي السبع المثاني وأُمُّ الكتاب)، لكنَّه ذهب - فيما يظنّ أهل النظر (المحقّقون) - إلى أنَّ القرآن إنَّما كُتب وجُمع بين اللوحين (الدفّتين)، مخافة الشكّ والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أنَّ ذلك مأمون على سورة الحمد؛ لقصرها، ولأنَّها تُثنّى في كلِّ صلاة، ولوجوب تعلّمها على كلِّ مسلم، فلمّا أمِن عليها العلَّة التي من أجْلها كُتب المصحف، ترك كتابتها وهو يعلم أنَّها من القرآن (3) .
* * *
(جهة ثالثة): إسقاطه سورَتي المعوَّذتين: (الفلَق والناس)؛ اعتقاداً منه أنَّهما عوذة يُتَعوَّذ بهما لدفع العَين أو السحر، كما ورد أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) تعوَّذ بهما من سحر اليهود، وقال: (ما تعوَّذ معوذٍ بأفضل من ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) ) (4) .
وقد صحَّ الإسناد إلى ابن مسعود أنَّه كان يحكّ المعوَّذتين من المصاحف، ويقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه، إنَّهما ليستا من كتاب الله، إنَّما أمَر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يتعوَّذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما في صلاته (5) .
هذا، وقد أنكر بعضهم صحَّة هذه النسبة إلى ابن مسعود: كالرازي، وابن حزم
____________________
(1) الإتقان للسيوطي: ج1، ص80.
(2) نفس المصدر السابق ص65.
(3) تأويل مشكل القرآن: ص48 الطبعة الثانية.
(4) الدّر المنثور: ج6، ص416.
(5) فتح الباري لابن حجر: ج8، ص571. الدرّ المنثور: ج6، ص416.
فيما نقَل عنهما ابن حجر وردَّ عليهما بصحّة إسناد الرواية، قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يُقبل، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل (1) .
وأخذ الباقلاني في بيان هذا التأويل، قال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنَّما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنَّه كان يرى أن لا يُكتب في المصحف شيئاً، إلاّ إن كان النبي (صلّى الله عليه وآله) أذِن في كتابته فيه، وكأنَّه لم يبلغه الإذن في ذلك، فهذا تأويل منه وليس جَحداً لكونهما قرآناً....
وقال ابن حجر: وهذا تأويل حسَن، إلاّ أنَّ الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها: ويقول: أنَّهما ليسَتا من كتاب الله، نعم، يمكن حمْل لفظ (كتاب الله) على المصحف، فيتمشّى التأويل المذكور (2) .
قلت: هذا التأويل الأخير أيضاً لا يلتئم مع قوله: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه (3) .
ملحوظة: قد يزعم البعض أنَّ ما نُسب إلى ابن مسعود يناقض القول بتواتر النصّ القرآني!.
لكن غير خفيّ أنّ ابن مسعود لم ينكر كونهما وَحْياً - بالمعنى العامّ - وإنَّما أنكَر كونهما وحْياً قرآنياً - بسِمة كونهما من كتاب الله -، فالاتّفاق على أنَّ المعوَّذتين وحيٌ من الله حاصل من الجميع، وإنّما الاختلاف جاء في وصفهما الخاصّ: هل هما من كتاب الله (القرآن) أمْ لا؟ وهذا لا يضرّ بعد الاتّفاق المذكور.
* * *
(جهة رابعة): قال صاحب الإقناع: كانت البسملة ثابتة لبراءة في مصحف ابن مسعود، قال: ولا يؤخَذ بهذا (4).
ويعني بكلامه الأخير: أنَّ ابن مسعود كانت له مخالفات شاذَّة، نبذَها الصحابة
____________________
(1) فتح الباري: ج8، ص571.
(2) المصدر السابق.
(3) الدرّ المنثور: ج6، ص416.
(4) الإتقان: ج1، ص65.
و التابعون، و لعلَّها كانت اجتهادات شخصية خطَّأه الآخرون عليها، كمذهبه في التطبيق (1).
قال ابن حزم: و التطبيق في الصلاة لا يجوز؛ لأنَّه منسوخ، و كان ابن مسعود يفعله، و كان يضرب الأيدي على ترْكه، و كذلك كان أصحابه يفعلونه.
وفي ذلك قال ابن مسعود - فيما روَينا عنه -: علَّمنا رسول اللّه الصلاة، فكبَّر فلمّا أراد أن يركع طبَّق يديه بين ركبتيه وركع، فبلغ ذلك سعد بن أبي وقّاص، فقال: صدق أخي، قد كنّا نفعل هذا، ثمَّ أُمِرنا بهذا: أي الإمساك بالرُكب (2) .
قال الإمام الرازي - بشأن مخالفات ابن مسعود -: يجب علينا إحسان الظنّ به، وأن نقول: إنَّه رجع عن هذه المذاهب (3) .
* * *
(جهة خامسة): اختلاف قراءته مع النصّ المشهور في كثير من الآي، وهذا الاختلاف كان يرجع إلى تبديل كلمة إلى مرادفتها في النصّ، وكان ذلك غالبيّاً؛ لغرض الإيضاح والإفهام.
والمعروف من مذهب ابن مسعود توسيعه في قراءة ألفاظ القرآن، فكان يجوِّز أن تُبدَّل كلمة إلى أُخرى مرادفتها، إذا كانت الثانية أوضح، ولا تُغيِّر شيئاً من المعنى الأصلي.
قال: لقد سمعت القرّاء ووجدت أنَّهم متقاربون، فاقرأوا كما عُلّمتم - أي كيفما علَّمكم القارئ الأستاذ - فهو كقولكم: هلمَّ وتعال (4) .
____________________
(1) هو: تطبيق بطن الكفَّين إحداهما على الأخرى وجعلهما بين الركبتين حالة الركوع.
(2) المحلّى: ج3، ص274، المسألة رقم 375. وراجع لسان العرب مادة (ط ب ق).
(3) التفسير الكبير: ج1، ص213.
(4) معجم الأدباء لياقوت الحموي: ج 4، ص193، رقم 33 في ترجمة أحمد بن محمَّد بن يزداد ابن رستم، طبع دار المأمون، وفي طبعة مرجليوث: ج2، ص60، رقم 24. وراجع أيضاً النشر في القراءات العشر: ج1، ص21. والإتقان: ج1، ص47.
وكان يُعلِّم رجُلاً أعجميّاً القرآن، فقال: ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ ) (1) ، فكان يقول الرجُل: طعام اليتيم، ولم يستطع أن يقول: الأثيم، فقال له ابن مسعود: قل: طعام الفاجر، ثمَّ قال ابن مسعود: إنَّه ليس من الخطأ في القرآن أن يقرأ مكان (العليم) (الحكيم)، بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب (2) .
ومن هذا القبيل ما رواه الطبري: كان ابن مسعود يقول إلياس هو إدريس، فقرأ (وإنّ إدريس لمِن المرسلين)، وقرأ: سلام على إدراسين (3) .
وذكر ابن قتيبة: أنّ ابن مسعود كان يقرأ: (وتكون الجبال كالصوف المنفوش) (4) بدل (العِهن المنفوش)؛ لأنّ العِهن هو الصوف، وهذا أوضح وآنَس للأفهام.
* * *
هذا، ومن ثمَّ تعوَّد بعض المفسِّرين القدامى إذا أُشكل عليهم فَهْم كلمة غريبة في النصّ القرآني، أن يراجعوا قراءة ابن مسعود في ذلك، فلابدَّ أنَّه أبدلها بكلمة أخرى مرادفة لها أوضح وأبيَن للمقصود الأصلي.
قال مجاهد: كنّا لا ندري ما الزُخرُف، حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب (5) .
وفسَّر الزمخشري اليدَين في قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) (6) باليمينَين؛ لأنَّ ابن مسعود قرأ: (فاقطعوا أيْمانهما) (7) .
وذكر الغزالي من آداب البيع: إقامة لسان الميزان، فإنَّ النقصان والرجحان يظهر بمَيلِه، واستشهد بقراءة ابن مسعود: (وأقيمُوا الوزنَ باللِسان ولا تُخسِروا الميزانَ) قال: لأنَّ القِسط - في القراءة المشهورة - إنَّما يقوم بلسان الميزان (8) .
____________________
(1) الدخان: 43 و 44.
(2) تفسير الإمام الرازي: ج1، ص213.
(3) جامع البيان: ج23، ص96.
(4) تأويل مشكل القرآن: ص24، راجع الآية 5 من سورة القارعة.
(5) تفسير الطبري: ج15، ص163، راجع الآية 93 من سورة الإسراء.
(6) المائدة: 38.
(7) الكشّاف: ج1، ص459.
(8) إحياء العلوم: ج2، ص 77، راجع الآية 9 من سورة الرحمن.
وفي بعض طبعات (إحياء العلوم) صحَّحوه وفْق النصّ المشهور، ففاتَهم غَرَض استشهاد المؤلّف.
وهكذا قرأ: (إنّي نذرت للرحمن صمتاً فلن أُكلِّم اليوم إنسيّاً) (1) بدل (صوماً)؛ لأنَّ الصوم المنذور كان صوم صمت.
وقرأ: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للَّذين آمنوا أمهلونا نقتبس من نوركم) (2) بدل (انظرونا)؛ لأنَّ المقصود هو الإمهال.
وقرأ: (إِن كانت إلاّ زقية واحدة) (3) بدل ( صَيْحَةً وَاحِدَةً ) .
قال العلاّمة الطبرسي: هو من زقى الطير: إذا صاح، وكأنَّ ابن مسعود استعمل هنا صياح الديك تنبيهاً على أنّ البعث - بما فيه من عظيم القدرة واستثارة الموتى من القبور - سهل على الله تعالى كزيقيةٍ زقاها طائر، فهو كقوله تعالى: ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) .
* * *
ملحوظة: قد يأخذ البعض من هذا الاختلاف في قراءة النصّ القرآني ذريعة للطعن عليه، كما جاء في كلام المستشرق الألماني العلاّمة جولد تسيهر، في كتابه (مذاهب التفسير الإسلامي) الذي وضعه لهذا الغرض.
لكنَّها محاولة فاشلة بعد أن علمنا أنَّ الاختلاف كان في مجرَّد القراءة خارج النصّ الثابت في المصحف، فالنصُّ القرآني شيء لم يختلف فيه اثنان، وهو المثبَت في المصحف الشريف منذ العهد الأوَّل الإسلامي حتّى العصر الحاضر، ومن ثمَّ لم يمسّوه حتّى لإصلاح أخطائه الإملائية، تحفّظاً على نصِّ الوحي يبقى بلا تحوير.
نعم، جاءت قضية مراعاة جانب التسهيل على الأمّة من بعض السلَف؛ لتجوز
____________________
(1) تذكرة الحفّاظ: ج1، ص340، راجع الآية 26 من سورة مريم.
(2) الإتقان: ج1، ص47، راجع الآية 13 من سورة الحديد.
(3) سورة يس: 29 و 53.
(4) مجمع البيان: ج8، ص421. والآية 28 من سورة لقمان.
القراءة بأيّ نحوٍ كانت، ما دامت تؤدّي نفس المعنى الأصلي من غير تحريف فيه، الأمر الذي يكون خارج النصّ المثبَت قطعيّاً.
ومن ثمَّ أجاز ابن مسعود أن ينطق ذلك الأعجمي بدل (طعام الأثيم): (طعام الفاجر) (1) ، فاستبدل من النصّ الصعب التلفّظ بالنسبة إليه لفظاً أسهل، لكنَّه لم يُثبته في المصحف كنصٍّ قرآني، ولم يكن ذلك منه تجويز التبديل في نصِّ الوحي، حاشاه!.
وهكذا كان تجويز عائشة لذلك العراقي: وما يضرّك أيَّه قرأتَ (2) ؟ توسعةً في مقام القراءة فقط، لا توسعة في ثبْت النصّ القرآني الذي هو وحي السماء في المصحف، ولا شكَّ أنَّ مصحفها كان ذا ثبْتٍ واحد قطعاً.
* * *
(جهة سادسة) : ربَّما كان ابن مسعود يزيد في لفظ النصّ زيادات تفسيرية، كانت أشبَه بتعليقات إيضاحية أُدرجت ضمن النصّ الأصلي.
وهذا أيضاً كان مبنيّاً على مذهبه (التوسعة في اللفظ)؛ لغرض الإيضاح، مع التحفّظ على نفس المعنى الأصيل.
وهكذا اعتبر أئمَّة الفنّ هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود تفسيرات، ولم يعتبروها نصّاً قرآنيّاً منسوباً إلى ابن مسعود؛ ليكون اختلافاً بين السلَف في نصّ الوحي.
نعم، كانت هذه التوسعة من ابن مسعود محاباة غير مستحسَنة بالنصِّ القرآني، ربَّما كانت تؤدّي بالنصّ الأصلي وتجعله عُرضة للتحريف والتغيير، الأمر الذي كان يتنافى تماماً مع تلك الحيطة والحذر على نصّ القرآن النازل من السماء، وقد تمسَّك بعض الأغبياء بذلك وجعله دليلاً على جواز إدخال ما ليس من القرآن في القرآن، إذا كان الغرض هو التفسير والإيضاح (3) ، لكنّه تفريع على أصلٍ باطل.
____________________
(1) تقدَّم في صفحة: 174.
(2) راجع صحيح البخاري: ج6، ص228.
(3) راجع الزرقاني على الموطّأ: ج1، ص255.
وصفُ مصحف أُبَيّ بن كعب:
كان ترتيب مصحف أُبيّ قريباً من مصحف ابن مسعود، غير أنَّه قدَّم سورة الأنفال وجعلها بعد سورة يونس وقبل سورة براءة، وقدَّم سورة مريم والشعراء والحجّ على سورة يوسف، وهكذا، ممّا سيتبيّن في الجدول الآتي.
وقد اشتمل مصحفه على مئة وخمس عشرة سورة، جعل سورتَي الفيل وقريش سورة واحدة، وزاد سورتَي الخَلْع والحفد، وسنذكرهما.
وكان مصحفه مفتتحاً بسورة الحمد ومختتماً بالمعوَّذتين كمصحفنا اليوم (1) .
(جهة أخرى): اشتمال مصحفه على دعاءَي القنوت، باعتبارهما سورتَين فيما زعم. أمّا الخلْع فهي: (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إنّا نستعين ونستغفرك ونُثني عليك الخير * ولا نكفرك * ونخلَع ونترك مَن يفجرك). وأمّا الحفْد فهي: (بسم الله الرحمن الرحيم * اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد * وإليك نسعى ونحفد * نخشى عذابك ونرجو رحمتك * إنّ عذابك بالكفّار ملحَق) (2) .
(جهة ثالثة): كان قد ترك البسملة بين سورتَي الفيل وقريش باعتبارهما سورة واحدة (3) ، وقد ورد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً أنَّهما سورة واحدة، ولكن مع فصْل البسملة بينهما، فإذا قرأ المصلّي: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ) يجب أن يقرأ: ( لإِيلافِ قُرَيْشٍ ) ، فهما سورة واحدة قراءةً، ولكنّّهما سورتان ثبْتاً، على عكس ما في مصحف أُبيّ.
روى العيّاشي عن أبي العبّاس، عن أحدهما (الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)) قال: (ألم ترَ كيف فعل ربّك، ولإيلاف قريش، سورة واحدة).
وهكذا رُوينا بشأن سورتي الضحى والانشراح: أنَّهما سورة واحدة (4).
وقد أفتى بذلك علماؤنا الأعلام.
قال المحقّق الحلّي (قدّس سرّه): روى أصحابنا أنّ
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص64 و 65.
(2) نفس المصدر السابق: ص65.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) راجع وسائل الشيعة: ج4، ص743.
الضحى وألَم نشرح سورة واحدة، وكذا الفيل ولإيلاف، ولا يجوز إفراد إحداهما عن صاحبتها في كلِّ ركعة (1) .
وفي مجمع البيان: روي أنَّ أُبيّ بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه (2) .
(جهة رابعة): كان افتتح سورة الزمَر في مصحفه بـ (حم)، فيكون عدد الحواميم عنده ثمانية. أخرجه ابن أشتة في كتاب المصاحف، قال: ثمَّ الزمَر أوّلها حم (3) .
(جهة خامسة): اختلاف قراءته مع النصّ المشهور على نحو اختلاف قراءة ابن مسعود، وإليك نماذج من قراءاته الشاذَّّة.
قرأ: ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن (هبَّنا) مِن مَّرْقَدِنَا ) بدل ( مَن بَعَثَنَا ) (4) .
وقرأ: ( كُلَّمَا أَضَاء لَهُم (مرّوا) فِيهِ ) ، وقرأ - أيضاً - (سعوا فيه) - بدل (مشوا فيه) (5).
وقرأ: ( فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (متتابعات) فِي الْحَجِّ ) (6) ؛ نظراً لأنَّه يجب التتابع فيها، فأوضحها بهذه الزيادة!
وقرأ: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ (إلى أجل مسمّى) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (7) للتنصيص على أنَّها متعة النكاح.
وقرأ: ( إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا (من نفسي فكيف أُظهركم عليها)) (8) شرح وتفسير للآية.
وقرأ: ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ (ولو حَميتم كما حَموا لفسدَ المسجد الحرام) فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (9) .
____________________
(1) راجع جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج 10، ص20.
(2) مجمع البيان، الطبرسي: ج10، ص544.
(3) الإتقان: ج1، ص64.
(4) يس: 52. مجمع البيان: ج8، ص428.
(5) البقرة: 20. الإتقان: ج1، ص47.
(6) البقرة: 196. الكشّاف: ج1، ص242.
(7) النساء: 24. جامع البيان للطبري: ج5، ص9.
(8) طه: 15. تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ص25 الطبعة الثانية.
(9) الفتح: 26. عبقات الأنوار: مجلّد حديث مدينة العلم ص 518 طبعة الهند.
2 - توحيد المصاحف
- اختلاف المصاحف.
- نماذج من اختلاف العامَّة.
- عثمان يأتمر صحابة الرسول.
- عقد لِجنة توحيد المصاحف.
- موقف الصحابة تجاه المشروع.
- عام تأسيس اللجْنة.
- منجزات المشروع المصاحفي.
- عدد المصاحف العثمانية.
- تعريف عامّ بهذه المصاحف.
1 - الترتيب.
2 - النُقَط والتشكيل.
3 - مخالفات في رسم الخطّ.
4 - اختلاف المصاحف.
- القرآن في أطوار الأناقة والتجويد.
توحيد المصاحف
سبقَ أنَّ الفترة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت فترة جمْع القرآن، فقد اهتمَّ كبار الصحابة بتأليف سوَر القرآن وجمْع آياته، حسب ما أُوتوا من عِلم وكفاءة، كلٌّ في مصحف يخصّه، وآخرون أعوزتهم الكفاءة فلجأوا إلى غيرهم؛ ليستنسخوا لهم مصاحف أو يجمعوا لهم آيات وسوَراً في صحُف، وهكذا أخذت نُسَخ المصاحف تتزايد، اطّراداً مع اتّساع رقعة الإسلام.
كان المسلمون - وهم في كثرة مطَّردة، ومنتشرون في أطراف البلاد المترامية - قد أحسّوا بحاجتهم القريبة إلى نُسَخ من كتاب الله، حيث كان الدستور السماوي الوحيد الذي كان المسلمون يُنَظِّمون عليه معالم حياتهم العامَّة في جميع جوانبها، فهو مصدرهم في الأحكام والتشريعات والتنظيمات.
وقد أحرز بعض هذه المصاحف في العالم الإسلامي آنذاك مقاماً رفيعاً حسب انتسابه إلى جامِعِه، كمصحف عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل كان مرجع أهل الكوفة، وهو بلد العِلم ومعهد الدراسات الإسلامية العليا، ومصحف أُبَي بن كعب في الأقطار الشامية، ومصحف أبي موسى الأشعري في البصرة، ومصحف المقداد بن الأسود في دمشق، وهكذا.
اختلافُ المصاحف:
ولمّا كان جامِعوا المصاحف متعدّدين ومتباعدين، ومختلفين بحسب الكفاءة والمقدرة والاستعداد، وكان كلُّ نسخة منها تشتمل على ما جمعه صاحبها، وما جمعه واحد لا يتّفق تماماً مع ما جمعه آخرون، كانت طبيعة الحال تقضي باختلاف في تأليف تلكم المصاحف، أُسلوباً وترتيباً وقراءةً وغيرها، وقد تقدَّم حديث ما بين مصاحف السلَف من اختلاف.
وهذا الاختلاف في المصاحف وفي القراءات كان بلا شكٍّ يستدعي اختلافاً بين الناس، عندما تجمعَهُم ندوةٌ أو مناسَبة، على مختلف نزعاتهم واتّجاهاتهم يومذاك، فربَّما كان المسلمون يجتمعون في غزوة أو احتفال، وهم من أقطار متباعدة، فيقع بينهم نزاع وجدل، وإنكار أحدهم على الآخر، فيما يتعصَّبون له من مذهب أو عقيدة أو رأي.
نماذج من اختلاف العامَّة:
وفيما يلي عَرضٌ موجز عن نماذج من اختلاف العامَّة على المصاحف، فيما تعصَّبوا له من قراءات أصحابها:
1 - في غزْو مرج أرمينية: بعدما قفل حذيفة راجعاً من غزو الباب (مرج أرمينية - آذربيجان) قال لسعيد بن العاص وكان بصحبته: لقد رأيت في سفري هذا أمراً لئن تُرك؛ ليختلفنَّ في القرآن، ثمَّ لا يقومون عليه أبداً! قال سعيد: وما ذاك؟ قال: رأيت أُناساً من أهل حمْص يزعمون أنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، وأنَّهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إنَّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وأنَّهم قرأوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وأنَّهم قرأوا على أبي موسى الأشعري
ويسمّون مصحفه (لُباب القلوب) .
فلمّا وصل ركْب حذيفة وسعيد إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذَّرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكثير من التابعين.
وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تُنكر، ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟!.
فغضب حذيفة ومَن وافَقه، وقالوا: إنَّما أنتم أعراب فاسكتوا، فإنَّكم على خطأ، وقال حذيفة: والله لئن عشتُ لآتيَنّ أمير المؤمنين - يعني عثمان - ولأُشيرنَّ عليه أن يحُول بين الناس وبين ذلك.
فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرّق الناس، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان... (1) .
2 - في مسجد الكوفة: عن يزيد النخعي قال: إنّي لفي المسجد (مسجد الكوفة) زمن الوليد بن عقبة - وكان والياً على الكوفة من قِبل عثمان - في حلَقة فيها حذيفة بن اليمان، وليس إذ ذاك حجَزة ولا جلاوزة - أي لم يكن للمسجد آنذاك سَدَنة وحفَظَة - إذ هتف هاتف: مَن كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأتِ الزاوية التي عند باب كندة، ومَن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، فليأتِ الزاوية التي عند دار عبد الله، واختلفا في آية من سورة البقرة، قرأ هذا: (وأتمّوا الحجَّ والعمرة للبيت)، وقرأ هذا: ( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) !
فغضب حذيفة واحمرّت عيناه، ثمَّ قام ففرز قميصه في حُجزته وهو في المسجد، فقال: إمّا أن يُركَب إلى أمير المؤمنين وإمّا أن أركب، فهكذا كان من قبلكم.
وفي رواية أبي الشعثاء: فقال حذيفة: قراءة ابن أُمّ عبد! وقراءة أبي موسى الأشعري! والله، إن بقيتُ حتّى آتي أمير المؤمنين لآمرنّهُ بجعْلها قراءة واحدة.
____________________
(1) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج3، ص55.
فغضب عبد الله، فقال كلمة شديدة، فسكت حذيفة، وفي رواية ثالثة: قال حذيفة: يقول أهل الكوفة: قراءة عبد الله! ويقول أهل البصرة: قراءة أبي موسى! والله لئن قدمتُ على أمير المؤمنين لآمرنَّه بغرْق هذه المصاحف! فقال له عبد الله: أمَا والله لئن فعلت ليغرقنَّك الله في غير ماء - يعني سقَر - (1).
وروى ابن حجر: أنَّ ابن مسعود قال لحذيفة: بلَغني عنك كذا، قال: نعم، كرهت أن يقال قراءة فلان وقراءة فلان، فيختلفون كما اختلف أهل الكتاب (2) .
3 - في نفس المدينة: أخرج ابن أشتة عن أنس بن مالك، قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان، جعل المعلِّم يُعلِّم قراءة الرجُل (أحد أصحاب المصاحف)، والمعلِّم يعلِّم قراءة الرجل (آخر من أصحاب المصاحف)، فكان الغِلمان يلتقون فيختلفون، حتّى ارتفع ذلك إلى المعلّمين، فجعل يكفُر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان بن عفّان، فقال: عندي تكذِّبون به وتُلحنون فيه، فمَن نأى عنّي كان أشدَّ تكذيباً ولَحناً (3) .
وعن محمَّد بن سيرين، قال: كان الرجُل يقرأ حتّى يقول الرجُل لصاحبه: كفرتَ بما تقول. فرُفع ذلك إلى عثمان فتعاظم في نفسه، فجمَع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار (4) .
وعن بكير الأشجّ قال: إنَّ أُناساً بالعراق كان يسأل أحدهم عن الآية، فإذا قرأها قال - أي السائل -: ألا إنّي أكفر بهذه القراءة. ففشا ذلك في الناس، فتكلَّم بعضهم مع عثمان في ذلك (5) .
____________________
(1) المصاحف لابن أبي داود السجستاني: ص11 - 14.
(2) فتح الباري بشرح البخاري: ج9، ص15.
(3) الإتقان: ج1، ص59. المصاحف: ص21.
(4) طبقات ابن سعد: ج3، ق2، ص62. المصاحف: ص25.
(5) فتح الباري: ج9، ص16.
وهكذا وقعت حوادث حول اختلاف قراءة القرآن كانت تُنذر بسوء ووقوع فِتَن، ربَّما لا تُحمَد عُقباها لولا تدارُكها من قِبل رجال نابهين أمثال: حذيفة بن اليمان وأضرابه رضوان الله عليهم.
قدوم حذيفة المدينة:
عندما رجع حذيفة من غزو أرمينية ناقماً اختلاف الناس في القرآن، استشار مَن كان بالكوفة من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بشأن معالجة القضية قبل تفاقم الأمر، فكان رأيه حمْل عثمان على أن يقوم بتوحيد نُسَخ المصاحف، وإلجاء الناس على قراءة واحدة، فاتَّفقت كلمة الصحابة على صواب هذا الرأي (1) سوى عبد الله بن مسعود، ومن ثمَّ أزمع في الأمر وسار إلى المدينة يستحثّ عثمان على إدراك أُمَّة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) قبل تفرّقها، قال: يا أمير المؤمنين، أنا النذير العريان أدرِك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. قال عثمان: وما ذاك؟ قال: غزوت مرج أرمينية، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أُبَي بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفِّر بعضهم بعضاً (2) .
عثمان يأتمِر الصحابة:
تلك حوادث وأضرابها كانت وخيمةِ المآل؛ دعت بعثمان أن يهتمَّ بالأمر ويقوم بساعد الجدّ، لولا أن تهيَّبَتْه القضية وهي فاجئة مباغتة، لم يسبقه إليها غيره ممَّن تقدَّمه، مضافاً إلى ما كان يراه من صعوبة العمل في مرحلة تنفيذه، حيث انتشار نُسَخ المصاحف في البلاد، ومن ورائها رجال من كِبار الصحابة لا يستهان
____________________
(1) الكامل في التاريخ: ج3، ص55.
(2) صحيح البخاري: ج6، ص225. المصاحف: ص19 - 20. الكامل: ج3، ص55.
بشأنهم في المجتمع الإسلامي آنذاك، فربَّما يقومون بحمايتها والدفاع عنها، فيشكِّلون عرقلة عويصة تسدُّ وجه الطريق.
ومن ثمَّ جمعَ أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله) مَن كان حاضراً بالمدينة، واستشارهم في الأمر، فلم يكن منهم سوى اتِّفاقهم على ضرورة القيام به مهما كلّف الأمر.
قال ابن الأثير: فجمَع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة (1) .
لُجْنة توحيد المصاحف:
وأخيراً أزمع عثمان على تنفيذ الفكرة، فوجَّه - أوّلاً - نداءه إلى عامَّة الصحابة: يا أصحاب محمَّد، اجتمِعوا فاكتُبوا للناس إماماً (2) ، ثمَّ ندب نفراً يخصّونه، وهم أربعة: زيد بن ثابت (وهو أنصاري)، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام (وهم قرشيّون).
وهؤلاء الأربعة أعضاء أوَّلية انعقدت بهم لُجْنة توحيد المصاحف (3) ، وكانت لزيد سِمةُ رئاسةٍ على الآخرين، كما يظهر من تذمّر ابن مسعود واستنكاره استئمار زيد لهذا المنصب.
قال: يا معشر المسلمين، أأُعزل عن نَسْخ المصاحف ويتولاّها رجُل، والله لقد أسلمتُ وإنَّه لفي صُلب رجُل كافر - يريد زيد بن ثابت - (4) ؟! وكان عثمان هو يتعاهدهم بنفسه (5) .
لكنّ هؤلاء الأربعة لم يستطيعوا القيام بصميم الأمر، وكانت تعوزهم الكفاءة لهكذا عمل خطير، ومن ثمَّ استعانوا: بأُبيّ بن كعب، ومالك بن أبي عامر، وكثير بن
____________________
(1) الكامل في التاريخ: ج3، ص55.
(2) الإتقان: ج1، ص59 عن مصاحف ابن أشتة. وراجع مصاحف ابن أبي داود: ص 21.
(3) صحيح البخاري: ج6، ص226.
(4) فتح الباري: ج9، ص17. المصاحف: ص15.
(5) المصاحف: ص25.
أفلج، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عبّاس، ومصعب بن سعد (1) ، وعبد الله بن فطيمة (2) إلى تمام الاثني عشر، على ما جاء في رواية ابن سيرين وابن سعد وغيرهما (3) .
وفي هذا الدَور كانت الرئاسة مع أُبيّ بن كعب، فكان هو يُملي عليهم ويكتب الآخرون، قال أبو العالية: إنَّهم جمعوا القرآن من مصحف أُبيّ بن كعب، فكان رجال يكتبون، يُملي عليهم أُبيّ بن كعب (4) .
قال ابن حجر: وكأنَّ ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد، حيث سأل عثمان: مَن أكتَبُ الناس؟ قالوا: زيد، ثمَّ قال: فأيُّ الناس أفصح؟ قالوا: سعيد، فقال: فليُملِ سعيد، وليكتُب زيد (5) .
قال: ثمَّ احتاجوا إلى مَن يساعدهم في الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التي تُرسَل إلى الآفاق، فأضافوا إلى زيد مَن ذُكِر، ثمَّ استظهروا بأُبَيّ بن كعب في الإملاء (6) .
موقف الصحابة تجاه المشروع المصاحفي:
سبق أنَّ حذيفة بن اليمان كان أوَّل مَن فكَّر في توحيد المصاحف، وحلفَ ليأتينَّ الخليفة وليأمرنَّه بجعلها قراءة واحدة (7) ، كما استشار هو مَن كان بالكوفة
____________________
(1) إرشاد الساري بشرح البخاري للقسطلاني: ج7، ص449.
(2) المصاحف: ص33.
(3) المصاحف: ص25. وراجع الطبقات لابن سعد: ج3، ق2، ص62.
(4) المصاحف: ص30.
(5) فتح الباري: ج9، ص16. جاء ذلك في رواية مصعب بن سعد، لكن في صحَّة ما تضمَّنته الرواية من فحوى كلام ونقاش.
(6) نفس المصدر السابق. وراجع الطبقات لابن سعد: ج3، ق2، ص62. وتهذيب التهذيب: ج1، ص187.
(7) فتح الباري: ج9، ص15.
من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فوافَقوه على ما عزَم، سوى ابن مسعود (1) .
وجمعَ عثمان مَن كان بالمدينة من الصحابة فائتمرهم في ذلك، فهبّوا جميعاً يوافقون فكرة توحيد المصاحف. قال ابن الأثير: فجمع الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة (2) .
وهكذا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أبدى رأيه موافقاً للمشروع ذاتياً، أخرج ابن أبي داود عن سويد بن غفلة، قال: قال عليّ (عليه السلام): (فو الله ما فعَل عثمان الذي فعَل في المصاحف إلاّ عن مَلأ منّا، استشارنا في أمر القراءات، وقال: بلَغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كُفراً، قلنا: فماذا رأيت؟ قال: أرى أن يُجمَع الناس على مصحفٍ واحد فلا تكون فُرْقة ولا اختلاف. قلنا: فنِعمَ ما رأيت) (3) .
وفي رواية أخرى قال: (لو ولّيتُ في المصاحف ما وُلّي عثمان، لفعلت كما فعل) (4) .
* * *
وكان (عليه السلام) - بعدما تولّى الخلافة - أحرص الناس على الالتزام بالمرسوم المصحفي، حتّى ولو كانت فيه أخطاء إملائية، حِفظاً على كتاب الله من أن تمسَّه يد التحريف فيما بعد باسم الإصلاح، قال (عليه السلام) بهذا الصدد: (لا يهاج القرآن بعد اليوم) (5) .
ذكروا: أنَّه قرأ رجل بمسمع الإمام: ( وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ) (6) فجعل الإمام يترنّم
____________________
(1) الكامل في التاريخ: ج3، ص55.
(2) الكامل في التاريخ: ج3، ص55.
(3) قال جلال الدين: والسند صحيح (الإتقان: ج1، ص59).
(4) النشر في القراءات العشر: ج1، ص8.
(5) تفسير الطبري: ج27، ص 104. مجمع البيان: ج9، ص218.
(6) الواقعة: 29. وقد احتار المفسرون في توجيه معنى الطلْح هنا.
في نفسه: ما شأن الطلح؟ إنما هو طلعٌ كما في قوله تعالى: ( لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) (1) ، ولم يكن ذلك اعتراضاً من الإمام على القارئ، ولا دعوة إلى تغيير الكلمة، بل كان مجرَّد حديث نفس ترنَّم به الإمام (عليه السلام).
ولكنَّ أُناساً سمعوا كلامه فهبّوا يسألونه: ألا تغيّره؟ فانبرى الإمام (عليه السلام) مستغرباً هذا الطلب، وقال كلمته الحاسمة الخالدة: (إنَّ القرآن لا يهاج اليوم ولا يحوَّل) (2) .
وهكذا سار على منهجه (عليه السلام) الأئمّة من وُلده.
قرأ رجل عند الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال له الإمام: (مه مه، كُفَّ عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس).
وقال (عليه السلام) في جواب مَن سأله عن الترتيل في القرآن: (اقرأوا كما عُلِّمتم) (3) .
ومن ثمَّ وقع إجماع أصحابنا الإمامية على أنّ ما بأيدينا هو قرآن كلّه (4) ، لم تمسَّه يدُ تحريفٍ أصلاً، وأنَّ القراءة المشهورة هي القراءة الصحيحة التي تجوز القراءة بها في الصلاة، وغيرها من أحكام أجروها على النصِّ الموجود، واعتبروه هو القرآن الذي أُوحيَ إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يعتبروا شيئاً سواه.
* * *
وأمّا ابن مسعود، فلا أظنّ مخالفته كانت جوهريَّة، وإنَّما أغضبه انتداب أشخاص غير أكفّاء لهكذا مشروع جليل كان أمثاله جديرين بالانتداب له، كان يقول: إنَّ رجالاً لم يؤذَن لهم قد تصرّفوا في القرآن من تلقاء أنفسهم (5) ، ومن ثمَّ
____________________
(1) ق: 10.
(2) تفسير الطبري: ج27، ص104. مجمع البيان: ج9، ص218.
(3) وسائل الشيعة: ج4، ص821.
(4) راجع حديث طلحة مع الإمام في بحار الأنوار: ج92، ص41 - 42.
(5) طبقات ابن سعد: ج3، ص270.
أبى إباءً شديداً أن يدفع مصحفه إلى رسول الخليفة.
قال أبو ميسرة: أتاني رجُل وأنا أُصلّي فقال: أراك تصلّي وقد أُمِر بكتاب الله أن يمزَّق كلَّ ممزَّق! فتجوَّزت في صلاتي وكنت أجلس، فدخلت الدار ولم أجلس، ورقيت فلم أجلس، فإذا أنا بالأشعري وحذيفة وابن مسعود يتقاولان، وحذيفة يقول لابن مسعود: ادفع إليهم المصحف، قال: والله، لا أدفعه إليهم، أقرأني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بضعاً وسبعين سورة ثمَّ أدفعه إليهم؟! والله، لا أدفعه إليهم (1) .
عام تأسيس المشروع:
قال ابن حجر: كانت هذه القصَّة في سنة خمس وعشرين، في السنة الثالثة أو الثانية (2) من خلافة عثمان، قال: وغفل بعض مَن أدركناه فزعم أنَّ ذلك كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر لذلك مستنداً (3) .
وعدَّها ابن الأثير - وتبعه بعض مَن تأخَّر عنه من غير تحقيق - من حوادث سنة ثلاثين قال: وفي هذه السنة غزا حذيفة الباب مدداً لعبد الرحمان بن ربيعة، وفيها رأى حذيفة اختلافاً كثيراً بين الناس في القرآن، فلمّا رجع أشار على عثمان بجمْع القرآن، ففَعل (4) .
وأظنّ ابن الأثير متوهّماً في هذا التحديد:
____________________
(1) مستدرك الحاكم: ج2، ص228.
(2) هذا الترديد ينظر إلى الاختلاف في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل: في العشر الأخير من ذي الحجَّة عام 23هـ، وعليه فعام تأسيس اللجنة يقع في صدر السنة الثالثة من خلافته، وقيل: في العشر الأوَّل من محرّم عام 24هـ، وعليه فيكون تأسيس اللجنة واقعاً في مؤخَّرة السنة الثانية.
(راجع تاريخ الطبري: ج3، ص304، أو ج4، ص 242 طبعة دار المعارف).
(3) فتح الباري: ج9، ص15.
(4) الكامل: ج3، ص55. الفتوحات الإسلامية: ج1، ص175.
أوَّلاً: كانت غزوة آذربيجان وأرمينية سنة 24هـ في رواية أبي مخنف، ذكرها الطبري. غزاها الوليد بن عقبة؛ لأنَّهم حبسوا ما صالحوا عليه حذيفة اليمان عندما غزاهم سنة 22هـ أيّام عمر بن الخطّاب (1) .
وقال ابن حجر: أرمينية فُتحت في خلافة عثمان، وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان قد أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام في ذلك العسكر حبيب بن سلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة مَن غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق.
ثمَّ قال: سنة خمس وعشرين هو الوقت الذي ذكر أهل التاريخ أنَّ أرمينية فُتحت فيه، أوّل ولاية الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة من قِبل عثمان (2) .
ثانياً: كانت الغزوة التي غزاها عبد الرحمان بن ربيعة هي في سنة اثنتين وعشرين، وكان الذي بصحبته حذيفة بن أُسيد الغفاري، لا حذيفة بن اليمان العنسي (3) .
ثالثاً: في سنة ثلاثين عيِّن سعيد حاكماً على الكوفة مكان الوليد، وفي نفس الوقت تهيَّأ لغزو طبرستان، وصَحِبه في الغزو ابن الزبير، وابن عبّاس، وحذيفة (4)، ولم يرجع سعيد إلى المدينة حتّى سنة 34هـ، وفي السنة التالية كان مقتل عثمان (5) .
كلّ ذلك لا يلتئم وكون سعيد عضواً ثانياً لِلّجْنة، إذا كانت تأسَّست عام 30هـ، وهكذا ابن الزبير وابن عبّاس على ما تقدّم.
رابعاً: ذكر الذهبي فيمن توفّي عام ثلاثين (أُبَي بن كعب)، قال: وقال الواقدي: هو أثبَت الأقاويل عندنا (6)، مع العلم أنَّ أُبيّاً كان مُملياً على الأعضاء،
____________________
(1) الطبري: ج4، ص246 - 247 دار المعارف.
(2) فتح الباري: ج9، ص13 - 14.
(3) تاريخ الطبري: ج4، ص155 دار المعارف.
(4) تاريخ الطبري: ج4، ص 269 - 271.
(5) المصدر السابق: ص330 و ص 365.
(6) ميزان الاعتدال: ج2، ص84. وراجع: الطبقات: ج3، ق2، ص62.
وكان مرجعهم الأعلى في النَسْخ والمقابلة.
خامساً: في حديث يزيد النخعي الآنف: إنّي لفي المسجد زمن الوليد... إلخ (1) .
الأمر الذي يدلّ على وقوع القصَّة قبل سنة ثلاثين.
وفي لفظ ابن حجر: إنَّه كان في بدْء ولاية الوليد على الكوفة (2) ، ولابدَّ أنَّه كذلك، إذ كان تَعيّن الوليد على الكوفة في مفتتح سنة 26هـ، وفي رواية سيف: إنَّها كانت سنة 25هـ (3) .
سادساً: وربَّما هو أقوى دليل: روى ابن أبي داود عن مصعب بن سعد، قال: خطَب عثمان - بدء قيامه بجمْع القرآن - فقال: إنَّما قُبض نبيّكم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتم في القرآن! عزمت على مَن عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا أتاني به (4) .
هذه الخطبة تحدِّد بالضبط بدْء تأسيس المشروع المصاحفي، وأنَّه كان عام 25 بعد الهجرة.
وأخيراً: فابن الأثير متفرّد عن الطبري في سرد قضيَّة حذيفة، ضمن حوادث سنة ثلاثين، ولاسيَّما والتَفصيل الذي أتى عليه في تاريخه، جاء في صورة لا نكاد نصدِّقها مأخوذة عن مستند تاريخي، وأغلب الظنَّ أنّها مجموعة روايات منضّمة بعضها إلى بعض زعَمها مقترنة، فأوردها ضمن حوادث تلك السنة!.
ملحوظة: لا يعتمد الطبري نفسه على التحديدات الزمنية التي يذكرها هو قيداً للحوادث، فهو يتردَّد أحياناً في حادثة، بين وقوعها سنة 18 أو سنة 21هـ، كواقعة نهاوند (5) - مثلاً - فلابدَّ إذاً لمعرفة تأريخ كلِّ حادثة من البحث عن ملابساتها والتحقيق عن مناشئها وأسبابها، دون الاعتماد السريع على ما يذكره المؤرِّخون من توقيت.
____________________
(1) تقدّم في صفحة: 182.
(2) فتح الباري: ج9، ص13 - 14.
(3) تاريخ الطبري: ج4، ص251.
(4) المصاحف: ص24.
(5) يصرّح الطبري بترديده بشأن واقعة نهاوند: ج4، ص114 في حوادث سنة 21هـ.
منجزات المشروع:
اجتازت اللجْنة المصاحفية في عملها ثلاث مراحل أساسية:
1 - جمع المصاحف أو الصحُف التي فيها قرآن من أطراف البلاد الإسلامية وإمحائها.
2 - البحث عن مستندات ومنابع صحيحة؛ لغرض النسْخ عليها مصاحف متحدة، وبثّها بين المسلمين.
3 - مقابلة هذه المصاحف الموحَّدة؛ لغرض التأكّد من صحَّتها أوّلاً، وعدم وجود اختلاف بينها ثانياً.
وأخيراً إلزام المسلمين كافَّة على قراءتها، ومنْع غيرها من قراءات.
واللجْنة وإن اجتازت هذه المراحل، ولكنَّها في شيء من التساهل وإهمال جانب الدقَّة الكاملة، ولاسيَّما في المرحلة الثالثة التي كانت بحاجة شديدة إلى اهتمام أكثر.
ففي مرحلة جمع المصاحف وإمحائها، فقد أرسل عثمان إلى كلِّ أُفُق مَن يجمع المصاحف أو الصحف التي فيها قرآن، وأمر بها أن تُحرَق (1) .
قال اليعقوبي: وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتّى جُمعت، ثمَّ سلَقها بالماء الحار والخلّ، وقيل: أحرَقها، فلم يبقَ مصحف إلاّ فعل به ذلك، خَلا مصحف ابن مسعود، فامتنع أن يدفع مصحفَه إلى عبد الله بن عامر، فكتب إليه عثمان أن أشخِصه. فدخل ابن مسعود المسجد وعثمان يخطب، فقال عثمان: إنَّه قد قَدِمت عليكم دابَّة سوء، فكلَّم ابن مسعود بكلام غليظ، فأمَر به عثمان فجُرّ برِجْله حتّى كُسرَ له ضلعان، فتكلَّمت عائشة وقالت قولاً كثيراً (2) .
* * *
____________________
(1) صحيح البخاري: ج6، ص226.
(2) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص159 - 160.
وفي المرحلة الثانية، كان عثمان في بدء الأمر زعَمها هيِّنة، ومن ثمَّ اختار لها جماعة غير أكفّاء، ثمَّ لجأ أخيراً إلى جماعة آخرين وفيهم الأكفّاء مثل: سيِّد القرّاء (1) الصحابي الكبير أُبَي بن كعب، كما وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت حفْصة، وهي الصحُف التي جُمِع فيها القرآن أيّام أبي بكر، فطلبها؛ لتكون سنَداً وثيقاً للمقابلة عليها والاستنساخ منها، فأبَت حفصة لأوَّل أمرها أن تدفعها إليه، ولعلَّها خافت أن تأخذ مصيرها إلى الحرْق والتمزيق كسائر المصاحف، حتّى عاهدها عثمان ليردَّنَّها، فبعثت بها إليه (2) .
وهكذا وجَّه نداءً عامّاً إلى كافَّة المسلمين: عزمتُ على مَن عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمَا أتاني به (3) .
فجعل الرجل يأتيه باللوح، والكتف، والعسيب فيه القرآن، وربَّما كانوا ينتظرون أُناساً كانوا أحدَثَهم بالعَرْضة الأخيرة، حتّى يأتوهم بالقرآن.
قال ابن سيرين: كانوا إذا تدارأوا في شيء - أي اختلفوا في آية - أخَّروه، قال بعضهم: ولعلَّهم كانوا يؤخِّرونه؛ لينظروا أحدَثَهم عهداً بالعرضة الأخيرة، فيكتبونها على قوله (4) .
وقال أنس بن مالك: كنت فيمَن أُمْلي عليهم، فربَّما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقّاها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولعلَّه يكون غائباً أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبل الآية وما بعدها، ويدَعون موضعها حتّى يجيء الرجُل أو يُرسَل إليه (5) .
هذا، وربَّما كان أُبَي بن كعب يُملي عليهم القرآن فيكتبونه، أو يرسلون إليه
____________________
(1) تهذيب التهذيب: ج1، ص187.، الطبقات: ج3، ق 2، ص62.
(2) مصاحف السجستاني: ص9. البخاري: ج6، ص226.
(3) المصاحف: ص24.
(4) نفس المصدر: ص25.
(5) نفس المصدر: ص21.
فيصحّح لهم ما اشتبهت عليهم قراءتها.
جاء في حديث أبي العالية: إنَّهم جمعوا القرآن من مصحف أُبيّ، فكان رجال يكتبون يُملي عليهم أُبيّ بن كعب (1) .
وقال عبد الله بن هانئ البربري - مولى عثمان -: كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف - أي يقابلون النُسَخ مع بعضها البعض - فأرسلني بكتِف شاة إلى أُبيّ بن كعب فيها: (لم يتسنَّ)، وفيها: (لا تبديل للخلق الله)، وفيها: (فأمهل الكافرين)، فدعا أُبَي بدواة فمَحا اللامَين وكتب (لخلْق الله)، ومحا (فأمهل) وكتب (فمهّل)، وكتب (لم يتسنَّه) فألحَقَ فيها الهاء (2) .
* * *
أمّا المرحلة الثالثة، فكان التساهل فيها أوضح، حسب ما أُودِعت في المصحف العثماني من أخطاء ومناقضات إملائية بما لا يستهان بها، كما ولم تتَّحد نُسَخ المصاحف مع بعضها البعض، فكان بين المصاحف المرسَلة إلى الآفاق اختلاف؛ الأمر الذي يؤخَذ على أعضاء اللجْنة، ولاسيَّما عثمان نفسه، الذي عثَر على تلك الأخطاء وأهملها تساهلاً بالأمر!
يحدِّثنا ابن أبي داود عن بعض أهل الشام، كان يقول: مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفَظ من مصحف أهل الكوفة؛ لأنَّ عثمان لمّا كتب المصاحف بلَغه قراءة أهل الكوفة على حرف عبد الله، فبعث إليهم بالمصحف قبل أن يُعرَض - أي قبل مقابلته على سائر النُسَخ - وعرَض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث بهما (3) .
وهو تسريع في إرسال المصحف إلى قُطرٍ كبير قبل مقابلته بدقَّة.
____________________
(1) المصاحف: ص30.
(2) الإتقان: ج1، ص 183.
(3) المصاحف: ص35.
كما وأنَّ وجود اختلاف بين مصاحف الأمصار - على ما يحدِّثنا ابن أبي داود أيضاً (1) - لَدليل على مدى الإهمال الذي سمحوا به في ناحية المقابلة والإتقان من صحَّة النُسَخ.
وجانب أفضح من هذا التساهل الغريب، ما روى ابن أبي داود أيضاً: أنَّهم عندما فرغوا من نَسْخ المصاحف أتَوا به إلى عثمان، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لَحْن! لكن ستُقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: لو كان المُملي من هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا! (2) .
قلت: ما هذا الاتّكال الغريب، والفرصة في قدرته؟! ألم يكن كتاب الله العزيز الحميد جديراً بالاهتمام به ليكون خلواً من كلِّ خطأ أو لحْن؟ ثمَّ ما هذا التمنّي الكاذب، وفي استطاعته بدء الأمر أن يختار مُملياً من هُذَيل وكَتَبة من ثقيف، وهو يعلم أنَّ فيهم الجدارة والكفاءة، الأمر الذي كان يعوزه مَن انتدبهم من بِطانته حينذاك!.
نعم، كانت مغبَّة هذا التساهل أن حصلت اختلافات في القراءة فيما بعد، وكان كرّاً على ما فرّوا منه، وسنفصِّل كلَّ ذلك في فصول قادمة.
عدد المصاحف العثمانية:
اختلف المؤرِّخون في عدد المصاحف الموحّدة التي أُرسلت إلى الآفاق، قال ابن أبي داود: (كانت ستَّة حسب الأمصار المهمَّة ذوات المركزية الخاصة: مكَّة، والكوفة، والبصرة، والشام، والبحرين، واليمن). وحَبسَ السابعة - وكانت تسمّى الأمّ أو الإمام - بالمدينة (3) ، وزاد اليعقوبي: مصر، والجزيرة (4).
____________________
(1) نفس المصدر: ص39 - 49. وسنذكره في فصل قادم إن شاء الله.
(2) المصاحف: ص 32 - 33.
(3) نفس المصدر: ص34.
(4) تاريخ اليعقوبي: ج2، ص160.
إذاً فعدد المصاحف التي نسخَتها لُجْنة توحيد المصاحف هي تسعة، واحدة هي الأمّ أو الإمام، كانت بالمدينة، والبقيَّة أُرسلت إلى مراكز البلاد الإسلامية آنذاك.
وكان المصحف المبعوث إلى كلِّ قُطرٍ يحتفظ عليه في مركز القُطْر، يُستنسَخ عليه، ويُرجع إليه عند اختلاف القراءة، ويكون هو حجَّة، والقراءة التي توافقها تكون هي الرسمية، وكلُّ نسخة أو قراءة تخالفها تعدُّ غير رسمية وممنوعة يعاقب عليها.
أمّا مصحف المدينة (الإمام)، فكان مرجعاً للجميع بصورة عامَّة، حتّى إذا كان اختلاف بين مصاحف الأمصار، فإنَّ الحجَّة هو مصحف الإمام بالمدينة، فيجب أن يصحَّح عليه.
وروي: أنَّ عثمان بعث مع كلِّ مصحف قارئاً يُقرئ الناس على قراءة ذلك المصحف، فبعث مع المصحف المكّي - مثلاً - عبد الله بن السائب، ومع المصحف الشامي المغيرة بن شهاب، ومع المصحف الكوفي أبا عبد الرحمان السلمي، ومع المصحف البصري عامر بن عبد القيس... وهكذا، وكان قارئ المدينة والمقرئ من قِبل الخليفة هو: زيد بن ثابت (1) .
هذا، وكانت شدَّة الاهتمام بهذه المصاحف والتحفّظ عليها من قِبل السلطات، وشدَّة حرص الناس على محافظتها ودراستها، تستدعي بقاءها مع الخلود، غير أنَّ تطوّرات حصلت عليها فيما بعد من: تنقيط، وتشكيل، وتحزيب، وأخيراً تغيير الخطّ من الكوفيّ البدائي - الذي كُتبت به المصاحف على عهد عثمان - إلى الكوفيّ المعروف، وبعده إلى خطّ النسخ العربي الجميل، وخطوط أُخرى تداولت فيما بعد، كلُّ ذلك جعلَ من المصاحف العثمانية الأُولى على مدرَج النسيان، فأمست مهجورة ولم يعُد لها أثر في الوجود.
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص396 - 397.
هذا، وذكر ياقوت الحموي (توفّي سنة 626هـ): أنَّ في جامع دمشق مصحف عثمان بن عفّان. قالوا: إنَّه خطَّه بيده (1) .
وهذا المصحف رآه ابن فضل الله العمري (توفّي سنة 749هـ) قال: وإلى الجانب الأيسر من جامع دمشق المصحف العثماني بخطّ عثمان بن عفّان (2).
ولم يُحفظ لعثمان أنَّه خطَّ مصحفاً بيده، فلعلَّه مصحف الشام بقي لذلك العهد.
وهذا المصحف يذكره ابن كثير (توفّي سنة 774هـ) من غير أن ينسبه إلى خطّ عثمان، قال: وأمّا المصاحف العثمانية فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الرُكن شرقيّ المقصورة، وقد كان قديماً بمدينة طبريَّة، ثمَّ نُقل منها إلى دمشق في حدود سنة 518 هـ، وقد رأيته كتاباً ضخماً بخطٍّ حسَن مبين قويّ، بحِبر محكَم، في رقٍّ أظنُّه من جلود الإبل (3) .
وقال الرحّالة ابن بطوطة (توفّي سنة 779هـ): وفي الركن الشرقي من المسجد إزاء المحراب، خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجَّهه عثمان بن عفان إلى الشام، وتُفتح تلك الخزانة كلَّ يوم جمعة بعد الصلاة، فيزدحم الناس على لثْم ذلك المصحف الكريم، وهناك يُحلِّف الناس غرماءهم ومَن ادّعوا عليه شيئاً (4) .
ويقال: إنَّ هذا المصحف بقي في مسجد دمشق حتّى احترق فيه سنة 1310هـ (5) .
قال الدكتور صبحي الصالح: وقد ذكر لي زميلي الأستاذ الدكتور يوسف العش: أنَّ القاضي عبد المحسن الاسطواني أخبره بأنَّه قد رأى المصحف الشامي
____________________
(1) معجم البلدان: ج2، ص469.
(2) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: ج1، ص195.
(3) فضائل القرآن لابن كثير: ص49.
(4) رحلة ابن بطوطة: ج1، ص54.
(5) انظر خطط الشام: ج5، ص279.
قبل احتراقه، وكان محفوظاً بالمقصورة وله بيت خشب (1) .
قال الأستاذ الزرقاني: ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن فضلاً عن تعيين أمكنتها.
أمّا المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتُب المصرية - ويقال عنها إنَّها مصاحف عثمانية - فإنَّنا نشكّ كثيراً في صحَّة هذه النسبة؛ لأنَّ بها زركشة ونقوشاً موضوعة كعلامات للفصل بين السوَر، ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أنَّ المصاحف العثمانية كانت خالية من كلِّ هذا ومن النُقَط والشكل.
نعم، في خزانة المشهد الحسيني مصحف منسوب إلى عثمان، مكتوب بالخطِّ الكوفيّ القديم، مع تجويف حروفه وسعة حجمه جدّاً، ورسمُه يوافق رسم المصحف المدَني أو الشامي، حيث رُسم فيه كلمة (مَن يرتدد) من سورة المائدة بدالَين مع الفكّ، فأكبر الظنّ أنَّ هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها (2) .
* * *
وهكذا نُسب إلى خطّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مصحفٌ بعض أوراقه محفوظة بالخزانة العلويَّة في النجف الأشرف، بخطٍّ كوفيّ قديم، كُتب على آخره: كتَبه عليّ بن أبي طالب في سنة أربعين من الهجرة.
قال الأستاذ أبو عبد الله الزنجاني: ورأيت في شهر ذي الحجَّة سنة 1353هـ - في دار الكتب العلويَّة في النجف - مصحفاً بالخطِّ الكوفيّ كُتب على آخره: كتبه عليّ بن أبي طالب في سنة أربعين من الهجرة؛ ولتشابه (أبي) و(أبو) في رسم الخطّ الكوفيّ، قد يظُنّ مَن لا خبرة له أنَّه كُتب عليّ بن أبو طالب (بالواو) (3) .
وفي خزانة الآثار بالمسجد الحسيني بالقاهرة، أيضاً مصحف يقال: إنَّ عليّ بن
____________________
(1) مباحث في علوم القرآن: ص89 بالهامش.
(2) مناهل العرفان: ج1، ص397 - 398.
(3) تاريخ القرآن: ص46.
أبي طالب كتبَه بخطّه، وهو مكتوب بخطّ كوفيّ قديم.
قال الأستاذ الزرقاني: من الجائز أن يكون كاتبه عليّاً، أو يكون قد أمَر بكتابته في الكوفة (1) .
* * *
ويذكر ابن بطوطة: أنّ في مسجد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بالبصرة المصحف الكريم، الذي كان عثمان يقرأ فيه لمّا قُتل، وأثّر تغيير الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (2) وهو غريب!.
* * *
وروى السمهودي عن محرز بن ثابت، قال: بلغَني أنَّ مصحف عثمان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان، فلمّا استخلف المهدي (العباسي) بعث بمصحف إلى المدينة، فهو الذي يُقرأ فيه اليوم، وعزلَ مصحف الحجّاج، فهو في الصندوق الذي دون المنبر.
وقال ابن زبالة: حدَّثني مالك بن أنس أنَّ الحجّاج أرسل إلى أمّهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف كبير، وكان هذا المصحف في صندوق عن يمين الاسطوانة التي عُملت عَلماً لمقام النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكان يُفتَح في يوم الجمعة والخميس، فبعث المهديّ بمصاحف لها أثمان فجُعلت في صندوق، ونحّى عنها مصحف الحجّاج.
قال السمهودي: ولا ذِكر لهذا المصحف الموجود اليوم بالقبَّة التي بوسط المسجد المنسوب لعثمان، في كلام أحد من متقدّمي المؤرِّخين.
وفي كلام ابن النجّار - وهو أوّل مَن ترجم مصاحف المسجد -: إنَّ المصاحف الأوّلية قد دُثرت على طول الزمان، وتفرَّقت أوراقها فلم تبقَ لها باقية
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص398.
(2) الرحلة: ج1، ص116. والآية 137 من سورة البقرة.
بعد ذلك (1) .
تعريف عامّ بالمصاحف العثمانية:
كانت المصاحف العثمانية - بصورة عامَّة - ذات ترتيب خاصّ يقرب من ترتيب مصاحف الصحابة - في أصل المنهج الذي سارت عليه - بتقديم الطوال على القِصار، مع اختلاف يسير.
وكانت خالية عن كلِّ علامة تشير إلى إعجام الحرف، أو تشكيله، أو إلى تجزئته من أحزاب وأعشار وأخماس.
وكانت مليئة بأخطاء إملائية ومناقضات في رسم الخطّ، ويرجع السبب إلى بداءة الخطّ الذي كان يعرفه الصحابة آنذاك.
تلك أوصاف عامَّة جرت عليها تلكمُ المصاحف نفصِّلها فيما يلي:
1 - الترتيب:
تقدَّم الكلام عن ترتيب المصحف العثماني، هو الترتيب الحاضر في المصحف الكريم، وهو الترتيب الذي جرت عليه مصاحف الصحابة حينذاك، ولاسيَّما مصحف أُبَي بن كعب، لكنَّه خالفها في موارد يسيرة.
من ذلك: أنَّ الصحابة كانوا يعدّون سورة يونس من السبع الطوال، فكانت هي السورة السابعة (2) ، أو الثامنة (3) في ترتيب مصاحفهم.
لكنّ عثمان عمَد إلى سورة الأنفال فجعلَها هي وسورة براءة سابعة السبع الطوال، زعمَهما سورة واحدة وأخَّر سورة يونس إلى سورة المئين، الأمر الذي
____________________
(1) راجع وفاء الوفاء: ج2، ص667 - 668.
(2) في مصحف ابن مسعود.
(3) في مصحف أُبَيّ بن كعب.
أثار ابن عبّاس (1) ليعترض على عثمان، قائلاً: ما حَملَكم على أن عمَدتم إلى الأنفال وهي من المثاني (2) ، وإلى براءة وهي من المئين، فقرَنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم (3) ، ووضعتموهما في السبع الطوال؟!.
قال عثمان: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: (ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا)، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصّتها شبيهة بقصَّتها، فظننتُ أنَّها منها، فقُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يبيِّن لنا أنَّها منها؛ فمن أجْل ذلك قرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطوال)، قال الحاكم: (والحديث صحيح على شرط الشيخين) (4) .
وهذا يدلّ على اجتهاد الصحابة في ترتيب المصحف، فكان عثمان يعرف أنَّ آيات من سوَر ربَّما كان يتأخّر نزولها، فيأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن توضع موضعها من السورة المتقدِّمة، فزعم عثمان أنَّ سورة براءة هي من تتمَّة سورة الأنفال (5) ؛ لتشابه ما بينهما في السياق العامّ: تعنيف بمناوئي الإسلام من كافرين ومنافقين، وتحريض بالمؤمنين على الثبات والكفاح؛ لتثبيت كلمة الله في الأرض، وحيث لم
____________________
(1) سبقَ أنّ عضويَّته في لجْنة توحيد المصاحف كانت متأخّرة.
(2) لعلّه ينظر إلى مصحف ابن مسعود الذي جعلها من المثاني، أمّا في مصحف أُبَي بن كعب فهي من المئين.
(3) أيضاً ينظر إلى مصحف ابن مسعود الذي أثبت فيه البسملة لسورة براءة.
(4) مستدرك الحاكم: ج2، ص221 و330.
(5) وهكذا روى العيّاشي (ج1، ص73) بسنده عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (الأنفال وسورة براءة واحدة).
وهناك اختلاف بين العلماء في أنَّهما سورة واحدة أم اثنتان؟ (راجع مجمع البيان: ج5، ص2)، وربَّما كان يرجّح القول بأنَّهما سورة واحدة ما ورد: (إنَّما كان يُعرَف إنقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداءً للأُخرى). (العياشي: ج1، ص19).
يرِد نقل بشأنهما، فقرَن بينهما، وجعلهما سورة واحدة هي سابعة الطوال.
ولعلَّه لم يتنبَّه أنَّ سورة براءة نقمة بالكافرين، ومن ثمَّ لم تنزل معها التسمية التي هي رحمة، حيث لا يتناسب بدْء نقمة برحمة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف) (1) .
وهكذا اختلافات يسيرة جاءت في المصحف العثماني مع بقيَّة المصاحف، لا في أُصول منهج الترتيب العام، بل في سوَر كلِّ نوع من التنويع المتقدّم، وكان الجدول السابق كفَل بيان هذا الاختلاف.
2 - النقط والتشكيل:
كانت المصاحف العثمانية خلْواً عن كلِّ علامة مائزة بين الحروف المعجمة والحروف المهملة، وفْق طبيعة الخطّ الذي كان دارجاً عند العرب آنذاك، فلا تمييز بين الباء والتاء، ولا بين الياء والثاء، ولا بين الجيم والحاء والخاء، وهكذا كان مجرَّداً عن الحركة والإعراب، وكان على القارئ بنفسه أن يميِّز بينهما عند القراءة حسب ما يبدو له من قرائن، كما كان عليه أن يعرِف هو بنفسه وزن الكلمة وكيفية إعرابها أيضاً.
ومن ثمَّ كانت قراءة القرآن في الصدر الأوَّل موقوفة على مجرَّد السماع والنقل فحسب، ولولا الإسماع والإقراء كانت القراءة في نفس المصحف الشريف ممتنعة تقريباً.
مثلاً: لم تكن كلمة (تبلو) تفترق في المصحف عن كلمة (نبلو)، أو (نتلو)، أو (تتلو)، أو (يتلو)، وكذا كلمة (يعلمه) لم تكن تتميَّز عن كلمة (تعلمه)، أو (نعلمه)، أو (بعلمه).
____________________
(1) مستدرك الحاكم: ج2، ص 330. الإتقان: ج1، ص65. مجمع البيان: ج5، ص2.
وهكذا قوله: ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (1) ربّما قرأه بعضهم: لِمن خلقك.
وفيما يلي أمثلة واقعية، اختلفت القراءة فيها، مغبَّة خلوّ المصاحف من النُقَط:
في سورة البقرة: 259 ( ننشزها ) ، (ننشرها) (تنشرها) (2) .
في سورة آل عمران: 48 ( يعلمه ) ، (نعلمه) (3) .
في سورة يونس: 30 ( تبلو ) ، (تتلو) (4) .
في سورة يونس: 92 ( ننجّيك ) ، (ننحّيك) (5) .
في سورة العنكبوت: 58 ( لنبوئنّهم ) ، (لنبوينَّهم) (6) .
في سورة سبأ: 17 ( تجازي ) ، (يجازي) (7) .
في سورة الحجرات: 6 ( فتبيَّنوا ) ، (فتثبَّتوا) (8) .
إلى غيرها من أمثلة، وهي كثيرة.
* * *
هذا، وخلوّ المصاحف الأوَّليَّة من علائم فارقة، كان عُمدة السبب في اختلاف القراءات فيما بعد، إذ كان الاعتماد على الحفْظ والسماع، وبطول الزمان ربَّما كان يحصل اشتباه في النقل أو خلْط في السماع، ما دام الإنسان هو عُرضة للنسيان، والاشتباه حليفه مهما دقَّق في الحِفظ، لو لم يقيِّده بالكتابة، ومن ثمَّ قيل: (ما حُفظ فرَّ، وما كُتب قرَّ) .
أضف إلى ذلك: تخلخل الأُمم غير العربية في الجزيرة، وتضخّم جانبهم مطّرداً مع التوسعة في القطر الإسلامي العريض، فكان على أعضاء المشروع المصاحفي في وقته أن يفكّروا في مستقبل الأمّة الإسلامية، ويضعوا علاجاً لِمَا يُحتمل الخلل
____________________
(1) يونس: 92.
(2) راجع: مجمع البيان: ج2، ص368.
(3) راجع نفس المصدر: ج2، ص444.
(4) راجع نفس المصدر: ج5، ص105.
(5) راجع نفس المصدر: ج5، ص130.
(6) راجع: مجمع البيان: ج8، ص290.
(7) راجع نفس المصدر: ج8، ص384.
(8) راجع نفس المصدر: ج3، ص94، وج 9، ص131.
في قراءة القرآن قبل وقوعه، ولكن أنّى وروح الإهمال والتساهل كان مسيطراً تماماً على المسؤولين آنذاك.
هذا، وقد أغرب ابن الجزري، فزعم أنَّ المسؤولين آنذاك تركوا وضع العلائم عن عمدٍ وعن قصدٍ لحكمة! قال: وذلك ليحتمل الخطّ ما صحّ نقله وثبتت تلاوته عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، إذ كان الاعتماد على الحفْظ والسماع لا على مجرَّد الخطّ (1) .
ووافقه الزرقاني على هذا التبرير المفضوح، قال: كانوا يرسمونه بصورة واحدة خالية من النقَُط والشكل؛ تحقيقاً لهذا الاحتمال (2) .
لكن لا مجال لهذا التبرير، بعد أن نعلم أنَّ الخطَّ عند العرب حينذاك كان بذاته خالياً عن كلِّ علامة مائزة، وكان العرب هم في بداءة معرفتهم بالخطّ والكتابة، فلم يكونوا يعرفون من شؤون الإعجام والتشكيل وسائر العلائم شيئاً لحدّ ذاك الوقت.
نشأة الخطّ العربي:
ليس في آثار العرب بالحجاز ما يدلّ على معرفتهم بالكتابة إلاّ قبَيل الإسلام؛ والسبب في ذلك أنَّ العرب كان قد غلبَ على طباعهم البداوة، فكانوا في تِرحالٍ وارتحال، أو حروب وغارات، وكانت تَصرِفهم عن التفكّر في شؤون الصناعات، والكتابة من الصناعات الحَضرية.
لكن بعض العرب ممّن رحلوا إلى الشام والعراق في تجارة أو سفارة، جعلوا يتخلَّقون بأخلاق تلكمُ الأُمم المتحضّرة، فاقتبسوا منهم الكتابة والخطّ على سبيل الاستعارة، فعادوا وبعضهم يكتب بالخطّ النبَطي أو الخطّ السرياني، وظلّ الخطّان معروفَين عند العرب إلى ما بعد الفتح الإسلامي.
____________________
(1) النشر في القراءات العشر: ج1، ص7.
(2) مناهل العرفان: ج1، ص251.
وقد تخلّف عن الخطّ النبطي الخطّ النسْخي - وهو المعروف اليوم - وتخلَّف عن الخطّ السرياني الخطّ الكوفي، وكان يسمّى الخطّ الحِيري، نسبة إلى الحيرة - مدينة عربية قديمة بجوار الكوفة اليوم -؛ لأنَّ هذا التحوّل حصل فيها، ثمَّ بعد بناء الكوفة وانتقال الحضارة العربية إليها تحوَّل اسم هذا الخطّ إلى الخطِّ الكوفي، وظلَّ هذا الخطّ هو المعروف والمتداول بين العرب في فترة طويلة.
والخطّ النبطي - المتحوّل إلى الخطّ النسخي - تعلَّمَته العرب من حوران، أثناء تجارتهم إلى الشام، أمّا الخطّ الحيري أو الكوفي، فقد تعلَّموه من العراق، فكانوا يستخدمون القلَمين جميعاً: الأوَّل في المراسلات والكتابات الاعتيادية، والثاني للكتابات ذوات الشأن: كالقرآن، والحديث.
ودليلاً على تخلّف الخطّ الكوفي عن السريانية: أنَّهم كتبوا في القرآن (الكتب) بدل (الكتاب)، و (الرحمن) بدل (الرحمان)، وتلك قاعدة مطَّردة في الخطّ السرياني، يحذفون الألفات الممدودة في أثناء الكلمة.
جاء الإسلام والخطّ غير معروف عند العرب الحجازّيين، فلم يكن يعرف الكتابة إلاّ بضعة عشر رجلاً، واستخدمهم النبي (صلّى الله عليه وآله) لكتابة الوحي، لكنَّه جَعل يُحرِّض المسلمين على تعلّم الخطّ حتّى نَمَوا وكثُروا.
لكن بقي الخطّان - النسخ والكوفي - هما المعروفين بين المسلمين، يعملون في تطويرهما وتحسينهما، حتّى نبغ ابن مُقلة في مفتتح القرن الرابع الهجري، وأدخلَ في خطّ النسْخ تحسينات فائقة، وهكذا بلغ الخطّ النسخيّ العربيّ ذروَته في الكمال على نحو ما هو عليه الآن.
وظلّ الخطّ الكوفي - على عكس ازدهار الخطّ النسخيّ وتقدّمه - يتدهور إلى أن هُجِر تماماً، وكُتبت المصاحف بعدئذٍ بالخطّ النسخيّ الجميل، وقد كانت
تُكتب بالخطّ الكوفي نحو قرْنَين أو أكثر (1) .
أوَّل مَن نقَّط المصحف:
كان الخطُّ عندما اقتبسته العرب من السريان والأنباط خالياً من النقَط، ولا تزال الخطوط السريانية بلا نُقَط إلى اليوم، وهكذا جرت عليه العرب يكتبون بلا نُقط حتّى منتصف القرن الأوَّل، وبعده بقليل جعل الخطّ العربي ينتقل إلى دَوره الجديد، دَور تشكيل الخطّ وتنقيطه، وسيأتي الكلام عن التشكيل.
وفي ولاية الحجّاج بن يوسف الثقفي على العراق من قِبل عبد الملك بن مروان (75 - 86هـ)، تعرَّف الناس على نُقَط الحروف المعجمة وامتيازها عن الحروف المهملة، وذلك على يد يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، تلميذَي أبي الأسود الدؤلي (2) .
والسبب في ذلك: أنَّ المَوالي في هذا العهد قد كثروا، وازدحم القُطر الإسلامي بأجانب عن اللغة العربية، وكان منهم العلماء والقرّاء، والعربية ليست لُغتهم، فكان لابدّ أن يقع في تلفّظهم لحْن، ومن ثمَّ كثُر التصحيف في القراءات، وهالَ المسلمين ذلك.
حكى أبو أحمد العسكري (3) : أنَّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان نيّفاً وأربعين سنة إلى أيّام عبد الملك بن مروان، ثمَّ كثُر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجّاج بن يوسف إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبَهة
____________________
(1) راجع: دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: ج3، ص621، وتاريخ التمدّن الإسلامي لجرجي زيدان: ج3، ص58 - 60، والمقدّمة لابن خلدون: ص417 - 421، وأصل الخطّ العربي لخليل يحيى نامي: المجلّد الثالث، والخطّ العربيّ الإسلامي، لتركي عطية ص 22، وانتشار الخطّ العربي لعبد الفتاح عبادة: ص13 - 15، ومصوُّر الخطّ العربي لناجي المصرف: ص338، وتاريخ الخطّ العربي لمحمّد طاهر الكردي: ص 54.
(2) دائرة معارف القرن العشرين: ج3، ص722. مناهل العرفان: ج1، ص399 - 400. تاريخ القرآن للزنجاني: ص68.
(3) في كتاب التصحيف: ص13.
علامات، فيقال: إنَّ نصر بن عاصم قام بذلك فوضع النُقَط أفراداً وأزواجاً، وخالف بين أماكنها... (1) .
وقال الأستاذ الزرقاني: أوّل مَن نقَّط المصحف هو: يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، تليمذا أبي الأسود الدؤلي (2) .
أوَّل مَن شكّل المصحف:
وهكذا كان الخطّ العربي آنذاك مجرَّداً عن التشكيل (علائم حركة الكلمة وإعرابها)، وبطبيعة الحال كان المصحف الشريف خلواً عن كلِّ علامة تشير إلى حركة الكلمة أو إعرابها.
بيْد أنَّ القرآن في الصدر الأوّل كان محفوظاً في صدور الرجال ومأموناً عليه من الخطأ واللحن؛ بسبب أنَّ العرب كانت تقرأه صحيحاً حسب سليقتها الفطرية التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت، أضف إلى ذلك: شدَّة عنايتهم بالأخذ والتلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوَّة، فقد توفَّرت الدواعي على حفْظه وضبطه صحيحاً حينذاك.
أمّا وبعد منتصف القرن الأوَّل - حيث كثر الدُخَلاء وهم أجانب عن اللغة - فإنَّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ حاجة إلى وضع علائم ودلالات تؤمِّن عليهم الخطأ واللحْن.
مثلاً: لفظة (كتبَ) كانت العرب تعرف بسليقتها الذاتيَّة، أنَّها في قوله تعالى: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (3) تُقرأ مبنيّاً للفاعل، وفي قوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) مبنيّاً للمفعول، أمّا الرجُل الأعجميُّ فكان يشتبه عليه قراءتها معلومة أو مجهولة.
____________________
(1) ابن خلّكان: ج2، ص32 في ترجمة الحجّاج.
(2) مناهل العرفان: ج1، ص399.
(3) الأنعام: 54.
كما أنَّ أبا الأسود سمع قارئاً يقرأ: ( أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (1) - بكسر اللام [في رسوله] - فقال: ما ظننت أنَّ أمر الناس آلَ إلى هذا، فرجع إلى زياد بن أبيه - وكان والياً على الكوفة (50 - 53هـ)، وكان قد طلب إليه أن يصنع شيئاً يكون للناس إماماً، ويُعرَف به كتاب الله، فاستعفاه أبو الأسود، حتّى سمع بنفسه هذا اللحن في كلام الله، فعند ذلك عزم على إنجاز ما طلبه زياد (2) - فقال: أفعل ما أمر به الأمير فليبغِ لي كاتباً مجيداً يفعل ما أقول، فأتوه بكاتب من عبد قيس فلم يرْضَه، فأتَوه بآخر وكان واعياً فاستحسنه.
قال أبو الأسود للكاتب: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فأنقط نقطة فوقه من أعلاه، وإن ضممت فمي فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف (3) . وفي لفظ ابن عياض زيادة قوله: فإذا أتبعت ذلك غُنَّة فاجعل النقطة نقطتين، ففَعل (4) .
وظلّ الناس بعد ذلك يستعملون هذه النقَط علائم للحركات، غير أنَّهم - في الأغلب - كانوا يكتبونها بلون غير لون خطِّ المصحف، والأكثر يكتبونها بلونٍ أحمر.
والظاهر أنَّ تبديل النقط السود إلى نُقَط ملوَّنة، حدث بعد وضع الإعجام على يد نصر بن عاصم الآنف، للفرْق بين النقطة التي هي علامة الحركة والتي هي علامة الإعجام.
قال جرجي زيدان: وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفاً كوفياً منقَّطاً
____________________
(1) التوبة: 3.
(2) يقال: إنّ زياداً هو الذي دبَّر هذه الطريقة ليجبر بها أبا الأسود على قبول ما طلبه منه، فأوعز إلى رجُل من أتباعه أن يقعد في طريق أبي الأسود ويتعمَّد اللحْن في القراءة. (الخطّ العربي الإسلامي لتركي عطية: ص26، الخطّ الكوفي ليوسف أحمد: ص23).
(3) الفهرست لابن النديم: ص46 الفَن الأوّل من المقالة الثانية.
(4) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر: ص52.
على هذه الكيفية، وجَدوه في جامع عمرو بن العاص بجوار القاهرة، وهو من أقدم مصاحف العالم ومكتوب على رقوق كبيرة بمِدادٍ أسود وفيه نُقَط حمراء اللون، فالنقطة من فوق الحرف فتحة وتحتها كسرة وبين يديها ضمَّة، كما وصفها أبو الأسود (1) .
وقد جرى بالأندلس استعمال أربعة ألوان للمصاحف هي: اللون الأسود للحروف، واللون الأحمر للشَكل بطريقة النقَط، واللون الأصفر للهمزات، واللون الأخضر لألِفات الوصل (2) .
تحسينات متأخّرة:
قال جلال الدين: كان الشَكل في الصدر الأوَّل نُقَطاً، فالفتحة نقطة على أوَّل الحرف، والضمَّة على آخره، والكسرةُ تحت أوَّله، وعليه مشى أبو عمرو الداني. والذي اشتهر الآن: الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي (3) ، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضمّ واو صغيرة فوقه، والتنوين زيادة مثلها، قال: وأوَّل مَن وضع الهمز والتشديد والرَوم والإشمام الخليل أيضاً (4) .
وهكذا كلّما امتدّ الزمان بالناس ازدادت عنايتهم بالقرآن وتيسير رسمه من طَور إلى طَور، حتّى إذا كانت نهاية القرن الثالث الهجري، بلغ الرسم ذروَته في الجودة والحُسن، وأصبح الناس يتنافسون في اختيار الخطوط الجميلة وابتكار العلامات المميّزة، حتَّى جعلوا لسكون الحرف رأس خاء، ومعناها: أنَّ الحرف
____________________
(1) تاريخ التمدّن الإسلامي: ج3، ص61.
(2) الخطّ العربي الإسلامي لتركي عطية: ص27 نقلاً عن عثمان بن سعيد الداني في كتابة (المقنع)، تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني: ص68.
(3) هو أوّل مَن صنّف النُقط ورسمه في كتاب وذكر عِلَله (المحكم: 9).
(4) الإتقان: ج2، ص171. كتاب النُقَط لأبي عمرو الداني: ص133.
المسكَّن أخفّ من الحرف المتحرّك، أو برأس ميم، ومعناه: أنَّ الحرف مسكَّن فلا تحرِّكه، وعلامة التشديد ثلاث سنايات، ومعناها: شدّ الحرف شديداً، ووضعوا لألِفات الوصْل رأس صاد، ومعناه: صِل هذا الحرف، وهكذا لطفت صناعة رسم الخطّ لطفاً، ورقّت حاشيته تهذيباً حسناً وظرفاً (1) .
وأمّا وضع الأعشار، والأخماس، وغيرهما من علائم التحزيب والتجزئة، فقيل: إنَّ المأمون العبّاسي هو الذي أمَر بذلك.
وقيل: إنَّ الحجّاج فعل ذلك، قال أحمد بن الحسين: بعث الحجّاج إلى قرّاء البصرة فجمَعهم واختار منهم جماعة، وقال: عِدّوا حروف القرآن، فجعلوا يعدُّونها أربعة أشهر، وإذا هي: 77439 كلمة و323015 حرفاً، وفي رواية: 340740 حرفاً، وينتصف القرآن على الفاء من قوله: ( وليتلطَّف ) سورة الكهف: 19، وعدد آياته في قولةِ عليّ (عليه السلام) 6218 آية.
وقد اشتهر تحزيب القرآن وتجزئته إلى ثلاثين جزءاً لقراءته في المدارس وغيرها.
وأطول سورة في القرآن هي البقرة، وأقصرها الكوثر .
وأطول آية في القرآن: آية الدَّين (2) تحتوي على 128 كلمة وهي 540 حرفاً، وأقصر آية: (والضُّحى) ثمَّ (والفجر)، حروفها: 5 لفظاً و6 رسماً.
وأطول كلمة في القرآن: (فأسقيناكُمُوه) (3) أحد عشر حرفاً لفظاً ورسماً (4) .
وأخرج أحمد في مسنده عن أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كانوا أسلموا من ثقيف من بني مالك فأنزلَنا في قبَّة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلَّى العشاء الآخِرة انصرف إلينا
____________________
(1) المصباح لسلامية بن عياص (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص52).
(2) البقرة: 282.
(3) الحجر: 22.
(4) راجع البرهان للزركشي: ج1، ص249 - 252.
يُحدِّثنا ما لقيَ من قومه بمكَّة وبعد المهاجرة إلى المدينة، فمكث عنّا ليلة لم يأتنا حتّى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنّا يا رسول الله؟ قال: (طرأ عليّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتّى أقضيه)، فسألنا أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أصبحنا: كيف تحزِّبون القرآن؟ قالوا: نحزِّبه خمس سوَر وستّ سوَر وسبع سوَر وتسع سوَر وإحدى عشرة سورة. وحزب المفصّل من سورة ق حتّى تختم (1) .
والظاهر أنَّ الجملة الأخيرة هي من كلام أوس نفسه، تفريعاً على ما ذكره أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنَّ القرآن لم يؤلَّف حينذاك مصحفاً بين دفَّتين، وإنَّما كانت السوَر مكتملة، فكانوا يقسِّمون السوَر إلى أعداد متساوية؛ لتسهل قراءتها حسب تقسيم الأيّام أو الأوقات.
3 - مخالفات في رسم الخطّ:
لا شكَّ أنَّ الخطَّ وضِع ليعبِّر عن المعنى بنفس اللفظ الذي ينطق به، فالكتابة في الحقيقة قيد للَّفظ المعبِّر عن المعنى المقصود، وعليه فيجب أن تكون الكتابة مطابقة للَّفظ المنطوق به تماماً؛ ليكون الخطّ مقياساً للّفظ من غير زيادة عليه أو نقصان.
غير أنَّ أساليب الإنشاء والكتابة تختلف عن هذه القاعدة بكثير، ولكن لا بأس بذلك ما دام الاصطلاح العامّ جارياً عليه، فلا يسبِّب اشتباهاً أو التباساً في المراد.
هذا، ورسم الخطّ في المصحف الشريف تخلَّف حتّى عن المصطلح العامّ، ففيه الكثير من الأخطاء الإملائية وتناقضات في رسْم الكلمات، بحيث إذا لم
____________________
(1) مسند أحمد بن حنبل: ج4، ص343.
يكن سماع وتواتر في قراءة القرآن، ولا يزال المسلمون يتوارثونها جيلاً بعد جيل في دقَّة وعناية بالغة؛ لولا ذلك لأصبح قراءة كثير من كلمات القرآن - قراءة صحيحة - مستحيلة.
ويرجع السبب - كما تقدَّم - إلى عدم اضطلاع العرب بفنون الخطّ وأساليب الكتابة ذلك العهد، بل ولم يكونوا يعرفون الكتابة غير عدد قليل، خطّاً بدائيّاً رديئاً للغاية، كما يبدو على خطوط باقية من الصدر الأوَّل (1) .
كما ويبدو أنَّ الذين انتدبهم عثمان لكتابة المصحف كانوا غاية في رداءة الخطّ وجهلاً بأساليب الكتابة، حتّى ولو كانت بدائية آنذاك.
يحدِّثنا ابن أبي داود - كما سبق -: أنَّهم بعدما أكملوا نُسَخ المصاحف رفعوا إلى عثمان مصحفاً، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لحْن ستقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: أمّا لو كان المُملي من هُذَيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا (2) .
يبدو من هذه الرواية: أنَّ عثمان كان يعلم من هُذيل معرفتها بأسلوب الإنشاء ذلك الوقت، ومن ثقيف حُسن كتابتها وجودة خطِّها، الأمر الذي فَقَده في المصحف الذي رُفع إليه، ومن ثمَّ يؤخَذ عليه انتدابه الأوَّل الذي تمَّ من غير فحص ولا عناية!.
وروى الثعلبي في تفسيره - عند قوله تعالى: ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (3) - أنَّ عثمان قال: إنَّ في المصحف لحْناً ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيِّره - أي ألا تصحِّحه -؟ فقال - عن تكاسل أو تساهل -: دعُوه؛ فإنَّه لا يحلِّل حراماً ولا يحرِّم حلالاً (4) .
____________________
(1) راجع المقدّمة لابن خلدون: ص419 و438.
(2) المصاحف: ص32 - 33.
(3) طه: 63.
(4) دلائل الصدق للمظفّر: ج3، ص196.
هذا، ولابن روزبهان - هنا - محاولة فاشلة، قال: وأمّا عدم تصحيح لفظ القرآن؛ لأنَّه كان يجب عليه (على عثمان) متابعة صورة الخطّ، وهكذا كان مكتوباً في المصاحف، ولم يكن له التغيير جائزاً، فتركه؛ لأنَّه لُغة بعض العرب! (1).
ما ندري ماذا يعني بقوله: (كان مكتوباً في المصاحف) أيّ مصاحف؟ وكيف يُجمع بين قوله هذا وقوله أخيراً: (لأنَّه لغة بعض العرب)؟!
وعلى أيّ تقدير، فإنَّ تساهل المسؤولين ذلك العهد أعقب على الأمّة - مع الأبد - مكابدة أخطاء ومناقضات جاءت في المصحف الشريف، من غير أن تجْرؤ العرب أو غيرهم على إقامتها عِبر العصور.
نعم، لم يمسُّوا القرآن بيَد إصلاحٍ بعد ذلك قطّ لحكمةٍ، هي خشية أن يقع القرآن عُرضة تحريف أهل الباطل بعدئذٍ؛ بحجَّة إصلاح خطئه أو إقامة أَوْده، فيصبح كتاب الله معرَضاً خصباً لتلاعب أيدي المُغرضين من أهل الأهواء.
وقد قال علي (عليه السلام) كلمته الخالدة: (إنَّ القرآن لا يُهاج اليوم ولا يحوَّل) (2)، فأصبحت مرسوماً قانونياً التزم به المسلمون مع الأبد.
* * *
ملحوظة: ليس وجود المخالفة لرسم الخطّ في المصحف الشريف بالذي يمسّ كرامة القرآن:
أوَّلاً: القرآن - في واقعه - هو الذي يُقرأ، لا الذي يُكتب، فلتكن الكتابة بأيِّ أسلوب، فإنَّها لا تضرّ شيئاً مادامت القراءة باقية على سلامتها الأُولى، التي كانت تُقرأ على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وصحابته الأكرمين.
ولا شكَّ أنَّ المسلمين احتفظوا على نصِّ القرآن بلفظه المقروء صحيحاً، منذ الصدر الأوَّل فإلى الآن، وسيبقى مع الخلود في تواتر قطعيّ.
____________________
(1) نفس المصدر: ص197.
(2) تفسير الطبري: ج27، ص104.
ثانياً: تخطئة الكتابة هي استنكار على الكتَبة الأوائل جهْلهم أو تساهلهم، وليس قدحاً في نفس الكتاب الذي ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (1) .
ثالثاً: إنّ وجود أخطاء ظلَّت باقية لم تتبدَّل، يفيد المسلمين في ناحية احتجاجهم بها على سلامة كتابهم من التحريف عِبر القرون، إذ إنّ أخطاء إملائية لا شأن لها، وكان جديراً أن تُمدّ إليها يد الإصلاح، ومع ذلك بقيت سليمة عن التغيير؛ تكريماً بمقام السلف فيما كتبوه، فأجدر بنصِّ الكتاب العزيز أن يبقى بعيداً عن احتمال التحريف والتبديل رأساً.
وقلنا - آنفاً -: إنَّ الحكمة في الإبقاء على تلكمُ الأخطاء كانت هي الحذر على نفس الكتاب أن لا تمسَّه يد سوء بحجَّة الإصلاح، ومن ثمَّ أصبحت سدّاً منيعاً دون أطماع المغرضين؛ وبذلك بقي كتاب الله يشقّ طريقه إلى الأبدية بسلام.
نماذج من مخالفات الرسم:
وربَّما نرسم جدولاً يستوعب الأخطاء الواقعة في الرسم العثماني مستقصاة، ونشير هنا - الآن - إلى أهمّ أخطاء وقعت فيه كنماذج بارزة:
1 - (واختلف الليل والنَّهار) البقرة: 164، والصَحيح: واختلاف اللَّيل ...
2 - (علّم الغيوب) المائدة: 109، والصحيح: علاّم .
3 - (يأتيهم أنبؤا) الأنعام: 5، والصحيح: أنباء .
4 - (وينؤن عنه) الأنعام: 26، والصحيح: ينأون عنه .
5 - (بالغداوة) الأنعام: 52، والصحيح: بالغداة ، والواو زائدة في الرسم بلا سبب معروف.
____________________
(1) فصّلت: 42.
6 - (فيكم شركؤا) الأنعام: 94، والصحيح: شركاء.
7 - (ما نشؤا) هود: 87، والصحيح: ما نشاؤا .
8 - (إنَّه لا يايئس) يوسف: 87، والصحيح: لا ييأس .
9 - (ألم يأتكم نبؤا) إبراهيم: 9، والصحيح: نبأ .
10 - (فقال الضُّعفؤا) إبراهيم: 21، والصحيح: الضعفاء .
11 - (ولا تقولنَّ لشايء) الكهف: 23، والصحيح: لشيء .
12 - (لو شئت لتخذت) الكهف: 77، والصحيح: لاتَّخذت .
13 - (قال يبنؤمَّ) طه: 94، والصحيح: يا ابن أُمَّ.
14 - (أو لأاذبحنَّه) النمل: 21، والصحيح: لأذبحنّه، وقد زيدت ألف في الرسم بلا سبب معقول.
15 - (يا أيّها الملؤا) النمل: 29، والصحيح: الملأ.
16 - (شفعؤا) الروم: 13، والصحيح: شفعاء .
17 - (لهو البلؤ المبين) الصافات: 106، والصحيح: البلاء.
18 - (وأصحاب لئيكة) ص: 13، والصحيح: الأيكة .
19 - (وجاىء بالنبيّين) الزمر: 96، والصحيح: وجيء .
20 - (وما دعؤا الكافرين) غافر: 50، والصحيح: وما دعاء .
تلك نماذج عشرون كان اللحن فيها عجيباً جداً، ولاسيَّما إذا علمنا أنَّ المصاحف آنذاك كانت مجرَّدة عن كلِّ علامة تشير إلى إعجام الحرف، أو إلى حركة الكلمة، أو هجاها الصحيح، مثلاً: من أين يعرف قارئ المصحف أنَّ (لتّخذت) مشدَّدة التاء، وأيُّ فرْق بينها وبين (لتخذت) مخفّفة بلام تأكيد؟ أو كيف يعرف أنَّ ألف (لأاذبحنّه) زائدة لا تقرأ؟ أو أنَّ إحدى اليائين زائدة في
قوله: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ) (1) ، وكذلك لا يدري في (نشؤا) - بلا علامة - أنَّ الواو زائدة، والألف ممدودة، والهمزة تُلفظ بعد الألف، إذ ليس في اللفظ ما يشير إلى ذلك بتاتاً وهكذا...!.
مناقضات الرسم العثماني:
والشيء الأغرب وجود مناقضات في رسم المصحف، بينما الكلمة مثبتة في موضع برسم خاصّ، وإذا هي بذاتها مرسومة في موضعٍ آخر بما يخالفها، الأمر الذي يثير العجَب، ويبعث على الاعتقاد بأنَّ الكَتَبة الأوائل كانوا أبعد شيء عن معرفة أصول الكتابة، أو الإتقان من وحدة الرسم على الأقلّ.
وإليك نموذجاً من ذلك التناقض الغريب:
* * *
____________________
(1) الذاريات: 47.
تلك - أيضاً - أمثلة عشرون اخترناها من التناقض الموجود في الرسم العثماني، وربّما تزداد غرابتك - أيّها القارئ - إذا ما لاحظت التناقض في إملاء سورة واحدة، كالمثال رقم 18 سورة الكهف، ورقم 19 سورة المؤمنون، كما رسموا (بسطة) في البقرة 247 بالسين، وفي الأعراف 69 بالصاد، وكذلك (يبسط) في الرعد 26 بالسين، وفي البقرة 245 بالصاد، وهذا أيضاً من التناقض في سورة واحدة... إلى غير ذلك وهو كثير.
4 - اختلاف المصاحف:
كانت الغاية من إرسال مصاحف إلى الآفاق هي: رعاية جانب وحدة الكلمة؛ لئلاّ تختلف، وليجتمع المسلمون على قراءةٍ واحدة ونبْذ ما سواها، فكان يجب أن تكون هذه المصاحف مستنسخة على نمطٍ واحد، وأن تكون موحَّدة من جميع الوجوه، ومن ثمَّ كان يجب على أعضاء المشروع أن يتحقَّقوا من وحدتها ويقابلوا النُسخ مع بعضها في دقّة كاملة.
غير أنَّ الواقعية بدَت بوجه آخر، وجاءت المصاحف يختلف مع بعضها البعض، كان المصحف المدَني يختلف عن المصحف المكّي، والمصحف المكّي يختلف عن الشامي، وهذا عن البصري والكوفي وهكذا، الأمر الذي يدلّ بوضوح أنَّ اللجْنة تساهلت في أمر المقابلة أيضاً، فلم يأخذوا بالدقَّة الكاملة في جانب توحيد المصاحف المرسَلة إلى الآفاق.
وصار هذا الاختلاف في المصاحف من أهمّ أسباب نشوء الاختلاف القرائي فيما بعد، وفتح باب جديد لاختلاف القراءات في حياة المسلمين.
كان قارئ كلِّ مِصر ومُقريها يلتزم طبعاً بقراءة ما في مصحفهم من نصٍّ، وكان عليه أيضاً أن يختار نوع الحرف والشكل حسب ما يبدو له من ظاهر الكلمة المثبتة في المصحف بلا نُقَط ولا تشكيل، ومن ثمَّ كانت السلايق والمذاويق،
وكذلك الأنظار والأفهام تختلف في هذا الاختيار.
أمّا الرواية والسماع عن الشيخ، فهي لا تنضبط تماماً وفي جميع الوجوه إذا لم تكن مثبتة في سجلٍّ، أو في نصِّ المصحف ذاته، فلابدَّ أن يقع فيها خلط أو اشتباه من جانب النقل أو السماع، ولاسيَّما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأوَّل والقارئ الأخير.
ومن ثمَّ ظهرت: قراءة مكَّة، وقراءة المدينة، وقراءة البصرة، وقراءة الكوفة، وقراءة الشام وهكذا، الأمر الذي كان كرّاً على ما فرّوا منه.
وزعم الزرقاني أنَّ هذا الاختلاف في النصّ كان عن عمْدٍ منهم وعن قصْد، لحكمةِ تحمُّل اللفظ كلَّ قراءة ممكنة، قال: وكتبوها متفاوتة في إثباتٍ وحذفٍ وبدَل وغيرها؛ لأنَّ عثمان قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، فكانت بعض الكلمات يُقرأ رسمها بأكثر من وجه نحو (فتبيَّنوا) و(ننشزها).
أمّا الكلمات التي لا تَحتمل أكثر من قراءة، فإنَّهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم، وفي بعض آخر برسم آخَر، كـ(وصّى) بالتضعيف، و(أوصى) بالهمز، وكذلك (تحتها الأنهار) في مصحف، و(من تحتها الأنهار) بزيادة (من) في مصحف آخَر... (1) .
قلت: هذا تعليل عليل، بعد أن كان الغرض من نَسْخ المصاحف وتوحيدها، هو رفع الاختلاف في القراءات، كان أحدهم يقول: قراءتنا خير من قراءتكم.
فلئلاّ يقع مثل هذا الجدل المرير تأسَّس المشروع المصاحفي باتّفاق من آراء الصحابة، أمّا وبعد أن أَنجزت اللجْنة مهمَّتها، وإذا بدواعي الاختلاف - الاختلاف في القراءة ذاتها - موجودة.
أمّا قضيَّة الأحرف السبعة المفسَّرة إلى القراءات السبْع، فحديث مشتبه ربَّما
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص251.
بلغ تفسيره إلى أربعين معنى (1) ، وأوهَن المعاني هو: تفسيره بالقراءات، إذ لم يثبت أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأ القرآن على سبعة وجوه، كما أنَّ لاختلاف القرّاء في قراءتهم عِللاً وأسباباً تخصّهم هم، وقد فصَّلها أبو محمَّد مكّي بن أبي طالب في كتابه (الكشف عن وجوه القراءات وعِللها وحُججها) فراجع، وقد تكلَّمنا عن حديث الأحرف السبعة في فصل خاصّ يأتي إن شاء الله.
هذا، وأمّا الأستاذ الأبياري فإنَّه يرى أنَّ هذا الاختلاف إنَّما كان بين مصاحف سبقت مصحف عثمان، وجاء هذا الأخير ليرفع تلكم الاختلافات (2) .
لكنَّها نظرةٌ تخالف النصَّ القائل: بأنَّ الاختلاف كان في نفس مصاحف عثمان (3) .
وعلى أيّة حال، فإنَّ الاختلاف بين المصاحف المبعوثة إلى الآفاق شيء واقع ويؤسف عليه، وكانت البذرة التي انبثق منها اختلاف القراءات فيما بعد.
وفيما يلي عرض نموذجي عن اختلاف مصاحف الآفاق، اعتمدنا فيه على نصّ ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) (4) .
ملحوظة: مصحفنا اليوم يتوافق أكثريّاً مع مصحف الكوفة، سوى مواضع نرمز إليها في الجدول التالي بعلامة (*).
غير أنَّ مصحف البصرة كان أدقَّ من سائر المصاحف - كما أشار إليه حديث الشامي الآنف (5) -.
تدلّنا على ذلك الآية 87 من سورة المؤمنون، إنَّها في مصحف البصرة: (قل مَن ربّ السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله) ، وهي في مصحف الكوفة وغيرها: (سيقولون لله).
____________________
(1) راجع الإتقان: ج1، ص45.
(2) تاريخ القرآن لإبراهيم الأبياري: ص99.
(3) راجع المصاحف: ص39.
(4) المصدر السابق.
(5) تقدم في صفحة: 194.
وكذلك الآية 89 من نفس السورة، والآية 33 من سورة فاطر، مثبتة في مصحف البصرة: (من ذهبٍ ولؤلؤ) ، وفي غيره: (ولؤلؤاً).
وهكذا الآية 16 من سورة الإنسان في مصحف البصرة: (قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّة ٍ) ، وفي غيره: (قواريراً * قواريراً من فضة) . .. إلى غير ذلك.
وإليك جدولاً نموذجيّاً يعيِّن مواضع الاختلاف من مصاحف الآفاق: الشام، الكوفة، البصرة، مكّة، أهمّ البلاد التي أُرسلت إليها المصاحف، ومقارنتها مع المصحف الإمام (مصحف المدينة):
* * *
القرآن في أطوار الأناقة والتجويد:
لم يزل القرآن - منذ الصدر الأوَّل - في طور التجويد والتحسين، لاسيَّما في ناحية كتابته وتجميل خطَّه من جميل إلى أجمل، وقد أسهم الخطّاطون الكبار في تجويد خطِّ المصاحف وتحسين كتابتها.
وأوَّل مَن تنوَّق في كتابة المصاحف وتجويد خطِّها هو: خالد بن أبي الهياج المتوفّى حدود 100 هـ، صاحب أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وكان مشهوراً بجمال خطِّه وأناقة ذوقه، ويقال: إنَّ سعداً - مولى الوليد وحاجبه - اختاره لكتابة المصاحف والشِعر والأخبار للوليد بن عبد الملك (86 - 96هـ)، فكان هو الذي خطَّ قِبلة المسجد النبوي بالمدينة بالذهب من سورة الشمس إلى آخر القرآن، وكان قد جدَّد بناءه وأوسعه عمَر بن عبد العزيز والياً على المدينة من قِبل الوليد وبأمرٍ منه، وفرغ من بنائه سنة 90 هـ (1) .
وطلب إليه عمَر بن عبد العزيز أن يكتب له مصحفاً على هذا المثال، فكتب له مصحفاً تنوَّق فيه، فأقبل عمَر يقلِّبه ويستحسنه، ولكنَّه استكثر من ثمنه فردَّه عليه، والظاهر أنَّ ذلك كان أيّام خلافته (99 - 101هـ) التي كان قد تزهَّد فيها.
قال محمَّد بن إسحاق - ابن النديم -: رأيت مصحفاً بخطِّ خالد بن أبي الهياج، صاحب علي (عليه السلام)، وكان في مجموعة خطوط أثرية عند محمَّد بن الحسين المعروف بابن أبي بعرة، ثمَّ صار إلى أبي عبد الله بن حاني (رحمه الله) (2) .
وقد ظلَّ الخطّاطون يكتبون المصاحف بالخطِّ الكوفي حتّى أواخر القرن الثالث الهجري، ثمَّ حلَّ محلَّه خطُّ النَسْخ الجميل في أوائل القرن الرابع على يد الخطّاط الشهير محمَّد بن عليّ بن الحسين بن مقلة (272 - 328هـ).
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي: ج3، ص30 و36.
(2) الفهرست: الفنّ الأوّل من المقالة الأُولى ص9، والفنَّ الأوّل من المقالة الثانية ص46.
قيل: إنَّه أوَّل مَن كتب خطَّ الثلث والنسْخ، وأوَّل مَن هَندس الحروف - إذ كان بارعاً في علم الهندسة - ووضع قواعدها وأصول رسمها، واتَّفق الباحثون أنَّ الفضل الأكبر في تطوير وتحسين الخطِّ العربيّ الإسلامي وتنويعه، يرجع إلى هذا الخطّاط الماهر الذي لم تنجب الأمّة الإسلامية لحدِّ الآن خطّاطاً بارعاً مثله.
وقد نُسب عدد من المخطوطات الأثريَّة إليه، كالمصحف الموجود في متحف هراة بأفغانستان، ويقال: إنَّه كتبَ القرآن مرَّتين (1) .
وقد بلغ خطّ النسخ العربي ذروَته في الجودة والحُسن في القرن السابع على يد الخطَّاط المستعصمي، ياقوت بن عبد الله الموصلي (ت 689هـ)، كتب سبعة مصاحف بخطِّه الرائع الذي كان يُجيده إجادة تامَّة، ويكتب بأنواعه المختلفة حتّى صار مثلاً يُقتدى به (2) .
وهكذا صارت المصاحف تُكتَب على أسلوب خطِّ ياقوت حتّى القرن الحادي عشر، ومنذ مفتتح القرن الثاني عشر اهتمَّ الأتراك العثمانيِّون عنايتهم بالخطِّ العربيِّ الإسلامي، لاسيَّما بعد فتح سلطان سليم مصر وزوال حكم المماليك عنها، فجعل الخطّ العربي يتطوَّر على أيدي الخطّاطين الفُرس الذين استخدمهم العثمانيّون في إمبراطوريتهم.
وقد نقل السلطان سليم جميع الخطّاطين والرسّامين والفنّانين إلى عاصمته، وأضافوا للخطِّ العربي أنواع جديدة، لازالت تُستعمل في الكتابات الدارجة: كالخطِّ الرقعي، والخطِّ الديواني، والخطّ الطغرائي، والخط الإسلامبولي وغيرها.
ومن الخطّاطين العثمانيّين الذين ذاع صِيتهم: الحافظ عثمان (ت 1110هـ)، والسيد عبد الله أفندي (ت 1144هـ)، والأستاذ راسم (ت1169هـ)، وأبو بكر ممتاز بك مصطفى أفندي الذي اخترع خطّ الرقعة، وهو أسهل الخطوط العربيَّة
____________________
(1) الخطّ العربي الإسلامي لتركي عطية: ص155. والخطّاط البغدادي ص16.
(2) الخطّ العربي الإسلامي: ص171. مصوَّر الخطّ العربي لناجي المصرف: ص92.
وأبسطها استعمالاً، وقد وضع قواعده وكتب به لأوَّل مرّة في عهد السلطان عبد المجيد خان سنة 1280هـ (1) .
أمّا طباعة المصحف الشريف فقد مرَّت - ككتابته خطّاً - بأطوار التجويد والتحسين، فلأوَّل مرَّة ظهر القرآن مطبوعاً في البندقية في حدود سنة 950هـ = 1530م، لكنَّ السلطات الكنيسيّة أصدرت أمراً بإعدامه حال ظهوره.
ثمَّ قام (هنلكمان) بطبع القرآن في مدينة (هانبورغ) - ألمانيا - سنة 1104هـ = 1694م، ثمَّ تلاه (مراكى) بطبعه في (بادو) سنة 1108هـ = 1698م.
وقام مولاي عثمان بطبع القرآن بطبعةٍ إسلامية خالصة في مدينة (سانت بتر سبورغ) - روسيا - سنة 1200هـ = 1787م، وظهر مثلها في (قازان).
وقام (فلوجل) بطبعته الخاصَّة للقرآن في مدينة (لينزبورغ) سنة 1252هـ = 1834م، فتلقّاها الأوروبيون بحماسة منقطعة النظير؛ بسبب إملائها السهل، ولكنَّها - كسائر الطبعات الأوربية - لم تنجح في العالم الإسلامي.
وأوَّل دولة إسلامية قامت بطبع القرآن - فكان نصيبها النجاح - هي: إيران (2) ، طبعت طبعتين حجريَّتين جميلتين ومنقَّحتين في حجم كبير، مع ترجمة موضوعة تحت كلِّ سطر من القرآن، ومفهرستين بعدَّة فهارس: إحداهما كانت في طهران سنة 1243هـ = 1828م، والأخرى في تبريز 1248هـ = 1833م.
وظهرت في الهند - في هذا العهد - أيضاً عدَّة طبعات.
ثمَّ عُنيت الأستانة - تركيا العثمانية - ابتداءً من سنة 1294هـ = 1877م بطبع القرآن طبَعات أنيقة ومتقنة جدّاً.
وقامت روسيا المَلكية عام 1323هـ = 1905م بطبع قرآن كُتب بخطٍّ كوفي
____________________
(1) الخط العربي الإسلامي: ص123.
(2) مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي صالح: ص99. وينقل عن المستشرق (بلاشير) معلومات هامَّة بهذا الصدد اعتمدناها في هذا العَرْض.
قديم، في حجم كبير، يُظنَّ أنّه أحد المصاحف العثمانيَّة الأُولى، خالٍ عن النُقَط والتشكيل، سقطت من أوَّله ورقات، وناقص من آخره أيضاً، يبتدئ من قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) (1) وينتهي إلى قوله: ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (2) عثروا عليه في سمرقند، فامتلكته المكتبة الملَكيَّة في بتر سبورغ، ثمَّ تولّى طبعه معهد الآثار في طشقند طبعة فوتوغرافية على نفس الرسم والحجم في خمسين نسخة، وأهداها إلى أهمّ جامعات البلاد الإسلامية، ومنها نسخة في مكتبة جامعة طهران مسجَّلة برقم المطبوعات (14403 DSS ).
وأخيراً قامت مصر بطبعة ممتازة للمصحف الشريف سنة 1342هـ = 1923م، تحت إشراف مشيخة الأزهر، وبإقرار لجْنةٍ عيَّنتها وزارة الأوقاف، وقد تلقّى العالم الإسلامي هذه الطَبعة بالقبول، وجرت عليها سائر الطبعات.
كما ظهرت في العراق سنة 1370هـ = 1950م طبعة بارزة أنيقة للقرآن، وهكذا اهتمّت الأُمم الإسلامية في مختلف الأقطار بطبع هذا الكتاب ونشْره على أحسن أسلوب وأجمل طراز، ولا تزال.
* * *
____________________
(1) البقرة: 8.
(2) الزخرف: 4.
القراءات في نشأتها وتطوّرها
القراءات في نشأتها الأُولى.
عوامل نشوء الاختلاف.
- بداءة الخطّ.
- خُلوّه عن النُقَط.
- تجريده عن الشكل.
- إسقاط الألِفات.
- تأثير اللهجة.
- تحكيم الرأي والاجتهاد.
القراءات في نشأتها وتطوّرها
القراءات في نشأتها الأُولى:
القراءة - وتعني وجهاً من محتملات النصّ القرآني -: مصطلح قديم يرجع عهدها إلى عهد الصحابة الأوَّلين، حيث عمَد جماعة من كبار صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته إلى جمْع القرآن في مصاحف: كعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، والمقداد بن الأسود وأضرابهم، وربَّما اختلفوا في ثبْت النصّ أو في كيفية قراءته، ومن ثمَّ اختلفت مصاحف الصحابة الأُولى، وكان كلُّ قُطرٍ من أقطار البلاد الإسلامية تقرأ حسب المصحف الذي جمعَه الصحابيّ النازل عندهم.
كان أهل الكوفة يقرأون على قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة على قراءة أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على قراءة أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على قراءة أُبَي بن كعب، وهكذا حسبما تقدَّم تفصيله.
واستمرَّ الحال إلى عهد عثمان، حيث تفاقم أمر الاختلاف، ففزع لذلك لفيف من نبهاء الأمّة أمثال: حذيفة بن اليمان، فأشاروا على عثمان أن يقوم بتوحيد المصاحف قبل أن يذهب كتاب الله عُرْضة الاختلاف والتمزيق.
فالذي كان من عثمان: أن أمرَ جماعة بنَسْخ مصاحف موحَّدة وإرسالها إلى الأمصار، وإلجاء المسلمين على قراءتها ونبْذ ما سواها من مصاحف وقراءات أخرى.
لكنَّ الجماعة الذين انتدبهم عثمان كانت تعوزهم كفاءة هذا الأمر الخطير، ومن ثمَّ وقعت في نفس تلك المصاحف أخطاء إملائية ومناقضات وبعض الاختلاف، الأمر الَّذي أعاد على المسلمين اختلافهم في قراءة القرآن.
كان عثمان قد بعث مع كلِّ مصحف مَن يُقرئ الناس على الثبْت الموحَّد في تلك المصاحف - على حساب أنَّها موحَّدة - فبعث مع المصحف المكّي عبد الله بن السائب، ومع الشامي المغيرة بن شهاب، ومع الكوفي أبا عبد الرحمن السلمي، ومع البصري عامر بن قيس، وهكذا (1) .
وكان هؤلاء المبعوثون يقرأون الناس في كلِّ قُطر على حسب المصحف المرسَل إليهم، ومن ثمَّ عاد محذور الاختلاف؛ نظراً لوجود اختلاف في ثبْت تلكم المصاحف (2) ، مضافاً إلى عوامل أخرى ساعدت على هذا الاختلاف (3) ، فكان أهل كلِّ قطر يلتزمون بما في مصحفهم من ثبْت، ومن هنا نشأ اختلاف قراءة الأمصار، بدلاً من اختلاف القرّاء الَّذي كان قبل ذاك. كانت القراءة قبل هذا الحادث تُنسب إلى جامعي المصاحف، أمّا الآن فتنسب إلى المِصر الَّذي بُعث إليه المصحف العثماني - غير الموحَّد تماماً - فكانوا يقولون: قراءة مكَّة، قراءة الشام، قراءة المدينة، قراءة الكوفة، قراءة البصرة، وهكذا.
ومن ثمَّ فإنَّ الغاية الَّتي بُذلت من أجلها جهود - وثارت في سبيل تحقّقها ضجَّة جماعات كأصحاب عبد الله بن مسعود وغيره - لم تنجح تماماً، وبقيت عوامل التفرقة والاختلاف تتفشى مع طول الزمان، كلّ ذلك مغبَّة تساهل الخليفة في أمر
____________________
(1) راجع تهذيب الأسماء للنووي: ق1، ص257. شرح مورد الظمآن للمارغني: ص16.
(2) تقدَّم تفصيل ذلك في ص218.
(3) سوف نشرحها في فصل قادم.
توحيد المصاحف، ولم يأخذ بساف الجدِّ في هكذا أمرٍ خطير يمسُّ ركيزة حياة المسلمين في طول تاريخهم الخالد.
وقد لمَس الخليفة نفسه هذا الخلل في المصحف الَّذي رُفع إليه (1) ، لكنَّه لم يكترث به وأبدى تساهله بشأن الإصلاح، الأمر الَّذي يؤخذ عليه شديداً، هذا فضلاً عن دلالة الأمر على عدم كفاءة الأشخاص الَّذين انتدبهم عثمان لهذا الأمر الجلل، وعدم جدارتهم للقيام بهكذا عمل خطير، ومع ذلك فإنَّ الخليفة لم يُعِد النظر في أمْر القرآن، ولعلَّه كان تسرّعاً في الأمر بلا مبرِّر معقول.
يحدِّثنا ابن أبي داود: أنَّهم بعدما أكملوا نَسْخ المصاحف رفعوا إلى عثمان مصحفاً، فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئاً من لحْن ستقيمه العرب بألسنتها، ثمَّ قال: أمّا لو كان المُملي من هُذيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا (2) ، ما ندري لِمَ هذا التَساهل بشأن كتاب الله العزيز الحميد!.
ولعلَّ معترضاً يقول: هبْ أنَّ الخليفة عثمان تساهل بشأن الخلل الَّذي لمِسَه في مرسوم خطِّ المصحف، فلماذا تساهل الخلفاء من بعده بهذا الشأن، ولاسيَّما مثل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الَّذي كان أعلم الصحابة بالقرآن، وأحرصهم على حفْظه وجمْعه؟.
قلنا: سبق منّا الإجابة على ذلك، وأنَّه لم يكن من مصلحة الأمّة مساس القرآن - بعد ذلك - بيد إصلاح قطّ، وإلاّ لاتَّخذها أهل الأهواء والبِدَع ذريعة إلى تحريف القرآن والتلاعب بنصِّه الكريم، بحجَّة إصلاح أخطائه، فكان يقع القرآن الكريم عُرْضة الأطماع والسياسات المتبدّلة حسب تطوّر الزمان.
وأوَّل مَن أحسَّ بهذا الخطر الرهيب هو: الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقام في وجه هذا الباب وأغلقه غلقاً مع الأبد.
____________________
(1) راجع ص212.
(2) المصاحف لابن أبي داود: ص32 - 33.
ذكروا أنّ رجُلاً قرأ بمسمع الإمام (عليه السلام): ( وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ) (1) فجعل الإمام يترنَّم لدى نفسه: ما شأن الطلح؟ إنَّما هو طلْع، كما جاء في قوله تعالى: ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) (2) ، ولم يكن ذلك من الإمام اعتراضاً على القارئ، ولا دعوة إلى تغيير الكلمة، بل كان مجرَّد حديث نفس ترنَّم (عليه السلام) به، لكنَّ أُناساً سمعوا كلامه، فهبّوا يسألونه: ألا تغيِّره؟ فانبرى الإمام مستغرباً هذا الاقتراح الخطير، وقال كلمته الخالدة: (لا يُهاج القرآن بعد اليوم ولا يحوَّل) (3) .
وأصبح موقف الإمام (عليه السلام) هذا مرسوماً إسلاميّاً مع الأبَد، لا يحقّ لمسلم أن يمدّ يدَ إصلاحٍ إلى أخطاء القرآن، مهما كانت نيَّته صادقة أمْ كاذبة؛ وبذلك حلّ القرآن الكريم وسط إطار من التحفُّظ الكامل على نصِّه الأصيل، وسلِمَ من التحريف والتبديل أبديّاً.
ملحوظة: لأبي بكر ابن الأنباري هنا تعليقة، أظنُّها قد فَرَطت منه لا شعوريّاً، قال - بعد أن نقل الحديث عن الإمام (عليه السلام) - ومعنى هذا أنَّه رجع إلى ما في المصحف، وعلِم أنَّه الصواب، وأبطل الذي كان فَرُط من قوله (4) .
ولا شكَّ أنَّ مثل هذا الاحتمال بالنسبة إلى مثل الإمام (عليه السلام) فضول ينمّ عن جهْلِ قائله بموضع الإمام من القرآن، الَّذي كان أعلم الصحابة بمواقع آيِ القرآن متى نزلت، وأين نزلت، وفيم نزلت (5) ، وكان يرى نور الوحي ويشمّ ريح النبوَّة، وقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله): (إنَّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ أنَّك لست بنبيّ) (6) ، فكان باب مدينة عِلمه الَّذي منه يؤتى (7) ، ومن ثمَّ كان الصحابة يرجعون إليه فيما
____________________
(1) الواقعة: 29.
(2) ق: 10.
(3) تفسير الطبري: ج27، ص104. مجمع البيان: ج9، ص218.
(4) تفسير القرطبي: ج17، ص209 نقلاً عن كتابه (المصاحف) الَّذي وضعه للردّ على مَن خالف مصحف عثمان. (انظر الإتقان: ج1، ص7).
(5) انظر تفسير البرهان للبحراني، ج1، ص16، حديث 13.
(6) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة، ج1، ص392 - 393.
(7) مستدرك الحاكم: ج3، ص126، قال: حديث صحيح الإسناد.
أُشكل عليهم ولا يرجع إلى أحدٍ منهم (1) ، ينحدر عنه السَيل ولا يرقى إليه الطير (2).
أفي شأن مثل هذه الشخصية اللامعة في أُفُق العِلم والإسلام يُحتمل هكذا احتمالات ساقطة؟! اللهمّ إلاّ أن يكون في قلوبهم مرض ( فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (3) ، ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (4) .
عوامل نشوء الاختلاف:
لا شكَّ أنَّ اختلاف مصاحف الأمصار كان أهمَّ عوامل نشوء الاختلاف القرائي، كان أهل كلِّ مِصر ملتزمين بالقراءة وفْق مصحفهم، وعلى إقراء مُقريهم الخاصّ، وهكذا قرأ ابن عامر - وهو مقرئ الشام -: (جاءوا بالبينات وبالزبر) (5) - بالباء -؛ لأنَّ مصحف الشام كان كذلك، وقرأ الباقون بغير باء (6) .
وقرأ نافع وابن عامر: (سارعوا إلى مغفرة من ربّكم) (7) - بلا واو -؛ لأنَّ مصحف المدينة ومصحف الشام كانا خلواً عنها، ونافع مدَني، وابن عامر شامي، وقرأ الباقون بالواو؛ لأنَّ مصاحفهم كانت مشتملة عليها (8) .
وهناك أيضاً عوامل أخرى ساعدت على هذا الاختلاف، نذكر منها ما يلي:
1 - بداءة الخطّ:
كان الخطّ عند العرب آنذاك في مرحلة بدائية، ومن ثمَّ لم تستحكم أُصوله، ولم تتعرَّف العرب إلى فنونه والإتقان من رسْمه وكتابته الصحيحة، وكثيراً ما كانت
____________________
(1) انظر فضائل الخمسة للفيروزآبادي: ج2، ص271 - 308.
(2) نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية: ج1، ص31.
(3) محمّد: 23.
(4) الحجّ: 46.
(5) آل عمران: 184، وفيه ( والزُبر ) .
(6) الكشف: ج1، ص370. والمجمع: ج2، ص548.
(7) آل عمران: 133.
(8) الكشف: ج1، ص356. والتحبير: ص99.
الكلمة تُكتب على غير قياس النُطق بها، ولا زال بقي شيء من ذلك في رسم الخطّ الراهن، كانوا يكتبون الكلمة وفيها تشابه واحتمال وجوه: فالنون الأخيرة كانت تُكتب بشكل لا يفترق عن الراء، وكذا الواو عن الياء، وربّما كتبوا الميم الأخيرة على شكل الواو، والدال على صورة الكاف الكوفية، والعين الوسط كالهاء.
كما ربّما كانوا يفكِّكون بين حروف كلمة واحدة، فيكتبون الياء منفصلة عنها، كما في (يستحي ي) و(نُحي ي) و (اُحي ي)، أو يحذفونها رأساً كما في (إيلافهم) كتبوها (إلا فِهم) بلا ياء، الأمر الَّذي أُشكل على بعض القرّاء فقرأها وفْق الرسم بلا ياء، قرأ ذلك أبو جعفر (1) فقد قرأ (ليلاف قريش) بحذف الهمزة وإثبات الياء، و (إلافهم رحلة الشتاء والصيف) بإثبات الهمزة وحذف الياء.
وقرأ ابن فليح (إلْفهم) بالهمز وسكون اللاّم، وهكذا اختلف القرّاء في هذه الكلمة اختلافاً غريباً من جرّاء عدم ضبط الكلمة في مرسوم الخطِّ تماماً.
وربَّما رسموا التنوين نوناً في الكلمة (2) ، كما كتبوا النون ألفاً في كثير من المواضع، منها: ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) (3) و ( لَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ ) (4) ، وهاتان النونان نون تأكيد خفيفة كتبوها بألف التنوين، و ( وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً ) (5) كتبوا (إذاً) بدل (إذن) تشبيهاً بالتنوين المنصوب (6).
وهكذا حذفوا واوات أو ياءات بلا سبب معقول، فكان من أهمّ عوامل الإبهام، والإشكال في القراءة بل في التفسير أيضاً، كما في قوله تعالى: (وصالحوا المؤمنين) (7) فلم يكتبوا الواو هكذا: ( وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، ومن ثمَّ وقع الاشتباه أنَّه
____________________
(1) مجمع البيان: ج1، ص544. شرح مورد الظمآن: ص143.
(2) كما في (كأيّن)، راجع شرح مورد الظمآن: ص186.
(3) العلق: 15.
(4) يوسف: 32.
(5) النساء: 67.
(6) شرح مورد الظمآن: ص186.
(7) التحريم: 4.
مفرد أُريد به الجِنس أو جمْع مضاف (1) .
وحذفوا الألف من ( عَاداً الأُولَى ) هكذا: (عاد الأولى)، فربَّما اشتبه مشتبه أنَّه فِعل أو اسم (2)، وزادوا ألفاً في (جاءنا) (3) هكذا (جاءانا)، والكلمة مفردة فربّما ظنَّها الجاهل مثنّى (4) .
كما رسموا ألفاً بعد كثير من واوات زعموهنَّ واوات جمع، وعلى العكس حذفوا كثيراً من ألفات واو الجمع، فمن الأوَّل قوله: (إنَّما أشكوا بثّي) (5) ، و (فلا يربوا) (6) ، و (نبلوا أخباركم) (7) ، و (ما تتلوا الشياطين) (8) ، ومن الثاني قوله: (فاؤ) (9) ، و (جاؤ) (10) ، و (فباؤ) (11) ، و (تبوَّؤ الدار) (12) ، (سعو) (13) ، و (عتو) (14)، وغير ذلك كثير.
ومن ثمَّ ربَّما كان الأوائل يتّهمون كَتَبة المصاحف فيرون الصحيح غير ما كتبوه، كما روي عن ابن عبّاس أنَّه قرأ (ووصّى ربُّك أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه) فقيل له: إنَّه في المصحف ( وقَضَى رَبُّكَ ) (15) فقال: التصقت أحد الواوين فقرأ الناس (وقضى)، ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد.
وفي لفظ ابن أشتة: استمدّ الكاتب مداداً كثيراً فالتصقت الواو بالصاد (16) .
وروي أيضاً عنه أنَّه قرأ (أفلم يتبيَّن الَّذين آمنوا) فقيل له: في المصحف
____________________
(1) راجع المجمع: ج1، ص316. وشرح مورد الظمآن: ص47.
(2) شرح مورد الظمآن: ص125. والآية 50 من سورة النجم.
(3) الزخرف: 38.
(4) شرح مورد الظمآن: ص128.
(5) يوسف: 86.
(6) الروم: 39.
(7) محمّد: 31.
(8) البقرة: 102.
(9) البقرة: 226.
(10) في تسع موارد من القرآن الكريم.
(11) في ثلاث موارد من القرآن الكريم.
(12) الحشر: 9.
(13) الحجّ: 51. سبأ: 5.
(14) في أربع موارد من القرآن الكريم.
(15) الإسراء: 23.
(16) الإتقان: ج1، ص180. الدرّ المنثور: ج4، ص170.
( أفلَم يَيأس ) (1) فقال: أظنّ الكاتب كتبها وهو ناعس (2) .
وقد صحَّح ابن حجر إسناد هذه الروايات (3) ، لكنَّ الصحيح عندنا - على فرْض صحَّة الإسناد - أنَّها مؤوَّلة إلى غير ما يبدو من ظاهرها.
2 - الخلوُّ عن النُقط:
كان الحرف المعجم يُكتب كالحرف المهمل بلا نُقَط مائزة بين الإعجام والإهمام، فلا يُفرّق بين السين والشين في الكتابة، ولا بين العين والغين، أو الراء والزاي والباء والتاء والثاء والياء، أو الفاء عن القاف، أو الجيم والحاء والخاء، والدال عن الذال، أو الصاد عن الضاد، أو الطاء عن الظاء، فكان على القارئ نفسه أن يميِّز بحسب القرائن الموجودة أنَّها باء أو ياء، جيم أو حاء، وهكذا.
من ذلك قراءة الكسائي: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبّتوا) وقرأ الباقون: ( فتبيَّنوا ) (4) .
وقرأ ابن عامر والكوفيون: (ننشرها) ، وقرأ الباقون: ( ننشزها ) (5) .
وقرأ ابن عامر وحفص: (ويكفّر عنكم)، وقرأ الباقون: ( نكفّر ) (6) .
وقرأ ابن السميقع (فاليوم ننحّيك ببدنك) ، والباقون: ( ننجّيك ) (7) .
وقرأ الكوفيّون غير عاصم (لنثويَّنهم من الجنة غرفاً) ، والباقون: ( لنبوّئنَّهم ) (8) .
____________________
(1) الرعد: 31.
(2) تفسير الطبري: ج13، ص 104. الإتقان: ج1، ص185.
(3) فتح الباري: ج8، ص282 - 283.
(4) المكرّر لأبي حفص الأنصاري: ص141. والآية 6 من سورة الحجرات.
(5) الكشف: ج1، ص310. والآية 259 من سورة البقرة.
(6) نفس المصدر: ص316. والآية 271 من سورة البقرة.
(7) مجمع البيان: ج5، ص130. القرطبي: ج8، ص379. والآية 92 من سورة يونس.
(8) مجمع البيان: ج8، ص290. والآية 58 من سورة العنكبوت.
وأمثلة هذا النوع كثيرة جدّاً.
3 - التجريد عن الشكل:
كانت الكلمة تُكتب عارية عن علائم الحركات القياسية في وزنها وفي إعرابها، وربَّما يحتار القارئ في وزن الكلمة وفي حركتها فيما إذا كانت الكلمة محتلمة لوجوه، مثلاً لم يكن يدري (اعلم) أمرٌ أمْ فِعل مضارع متكلّم، فقد قرأ حمزة والكسائي (قال اعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير) بصيغة الأمر، وقرأ الباقون بصيغة المتكلّم (1) ، كما قرأ نافع قوله تعالى: (وَلاَ تسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) بصيغة النَّهي، وقرأ الباقون بصيغة المضارع المجهول (2) ، وقرأ حمزة والكسائي: (مَن يطّوع) بالياء وتشديد الطاء مضارعاً مجزوماً، وقرأ الباقون بالتاء وفتح الطاء ماضياً (3) ، إلى غير ذلك من الشواهد المتوفّرة في المصحف الأوَّل.
قال ابن أبي هاشم: إنَّ السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها: أنَّ الجهات الَّتي وجِّهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة مَن حمَل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل... قال: فمِن ثمَّ نشأ الاختلاف بين قرّاء الأمصار (4) .
وقال سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (دام ظلّه): إنَّ القراءات لم يتَّضح كونها رواية، فلعلَّها اجتهادات من القرّاء، وتؤيِّد هذا الاحتمال بعض الأعلام بذلك، بل إذا لاحظنا السبب الَّذي من أجله اختلف القرّاء في قراءاتهم، وهو خلوّ المصاحف المرسلة إلى الجهات من النقَط والشكل، فإنَّه يقوى هذا الاحتمال (5) .
____________________
(1) الكشف: ج1، ص312، والآية 259 من سورة البقرة.
(2) نفس المصدر: ص262، والآية 119 من سورة البقرة.
(3) المصدر: 268، والآية 158 من سورة البقرة.
(4) التبيان: ص86.
(5) البيان: ص181.
4 - إسقاط الألِفات:
كان الخطّ العربي الكوفي منحدراً عن خطِّ السريان، وكانوا لا يكتبون الألِفات الممدودة في ثنايا الكلِم (1) ، وقد كتبوا القرآن بالخطِّ الكوفي على نفس المنهج، الأمر الَّذي أوقع الاشتباه في كثير من الكلمات، فقد قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: (وما يخادعون إلاّ أنفسهم) بدل (وما يخدعون)؛ نظراً لأنّ (2) (يخادعون الله) في صدر الآية قد كُتبت بلا ألف فزعموهما من باب واحد (3).
وهكذا كتبوا ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) (4) - وحَرَم - بلا ألف، ومن ثمَّ قرأ حمزة والكسائي وشعبة (وحِرْم) بكسر الحاء وسكون الراء (5) .
وقرأ الكوفيّون (ألم نجعل الأرض مهداً) بدل (مهاداً) (6) ؛ لأنَّها كُتبت في المصحف بلا ألف (7) .
وقرأ أبو جعفر والبصريّون: (وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (8) بلا ألف، وكذا في سورتي الأعراف وطه (9) ؛ لأنَّها هكذا كُتبت، وقرأ الباقون (وإذ واعدنا) (10) .
وقرأ أبو عمرو وابن كثير (بل أدرك)، وقرأ الباقون ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) (11) ؛ وسبب الاختلاف أنّها كُتِبت في المصحف بلا ألف، فقرأ كلّ حسب نظره فيما رآه مناسباً (12) .
وقرأ نافع (في غيابات الجبّ)، وقرأ الباقون ( فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ) (13) ؛ نظراً لأنَّ
____________________
(1) راجع ص183 - 184.
(2) البقرة: 9.
(3) الكشف: ج1، ص224.
(4) الأنبياء: 95.
(5) شرح مورد الظمآن: ص126.
(6) النبأ: 6.
(7) نفس المصدر: ص127.
(8) البقرة: 51.
(9) الأعراف: 142، طه: 80.
(10) مجمع البيان: ج1، ص108.
(11) النمل: 66.
(12) الكشف: ج2، ص164.
(13) الكشف: ج2، ص 5، والآية 10 من سورة يوسف.
المصحف كان مجرَّداً عن الألف هكذا: (غيبت)، فاجتهد نافع فزعمه جمْعاً، واجتهد الآخرون فرأوه مفرداً، والمفروض أنَّ رسم المصحف كان خلواً من الألف مع مدِّ التاء مطلقاً غالبياً، ومن ثمَّ هذا الاشتباه والاختلاف.
* * *
تلك وأشباهها عوامل أوَّلية لاشتباه قراءة النصّ، وكان فاقداً لأيِّ علامة مائزة، وخالياً من النقَط والشكل، ومشوَّشاً في رسم خطِّه بحذف أو زيادة، فكان ذلك لا محالة موجباً للتشويش على القارئ، فلم يكن يدري - مثلاً - أنَّ قوله تعالى ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (1) أنَّها بالفاء أو بالقاف، أو أنَّ قوله: ( تَبْلُو ) (2) أنَّها (تتلو) بتائين، أو (نتلو) بنون ثمَّ تاء، أو (يتلو) بياء ثمَّ تاء، أو أنَّ قوله: (يعلمه) أنَّها (نعلمه)، أو (تعلمه)، أو (بعلمه).
أضف إلى ذلك: بعض الزيادات المخلّة بالمقصود، إذا لم يكن القارئ عارفاً بأصل النصّ من سماعٍ خارج، كما في قوله: ( لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ) (3) فزادوا ألفاً أثناء كلمة واحدة (4) (لأاذبحنَّه)، فربَّما يحسب القارئ الجاهل بالواقع أنَّها (لا النافية)، في حين أنَّها لام تأكيد، والهمزة حرف المتكلّم والألف زائدة.
وكذلك كلمة (لشائ) (5) في قوله: ( وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ) (6) زادوا بين الشين والياء ألفاً لا عن سبب معقول، وكلمة (تايئسوا) في قوله: ( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (7) زادوا ألفاً بعد حرف المضارع، والفعل في الموضعين (تايئسوا) و(يايئس) بلا موجب (8) .
* * *
____________________
(1) يونس: 92.
(2) يونس: 30.
(3) النمل: 21.
(4) شرح مورد الظمآن: ص181.
(5) نفس المصدر: ص183.
(6) الكهف: 23.
(7) يوسف: 87.
(8) شرح مورد الظمآن: ص182.
وعلى أيّ تقدير، فإنَّ عدم انتظام خطِّ المصحف الأوَّل كان أوَّل عامل في نشوء اختلاف قراءة القرّاء.
كان على القارئ نفسه أن يختار نوع الحرف والشكل وتمييز الكلمة في حركتها القياسية ونوعيَّة إعرابها، فضلاً عن إعجامها وتشكيلها، حسب ما يبدو له من قرائن وأحوال وشواهد ونظائر، ومناسبة المعنى واللفظ، فكان عليه - لا محالة - أن يلاحظ جميع هذه الملاحظات، ثمَّ يختار القراءة الَّتي يراها وفْق الاعتبار الصحيح في نظرِه.
ولا شكَّ أنَّ المذاويق والسلايق وكذلك الأنظار والدلائل، تختلف حسب عقليّات الأشخاص وسابقة إلمامهم بالأمر، ومبلغ ممارستهم للموضوع، ومن ثمَّ وقع الاختلاف في قراءة القرآن حسب تفاوت الاجتهادات النظرية، فقد استند كلُّ قارئٍ إلى عِلل وحُجج ربَّما تختلف عن حُجج الآخرين.
وقد صنَّف كثير من العلماء في مستندات القراءات المختلفة وذكروا عِللها وحُججها، منهم: أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي في كتابه (الحجَّة في عِلل القراءات السبْع)، ومنهم أبو محمَّد مكّي بن أبي طالب القيسي في كتابه (الكشف عن وجوه القراءات السبْع وعِللها وحُججها) وسنذكر نماذج من كلامهما. والتصنيف في تعليل القراءات كثير.
هذا، وأمّا الرواية أو السماع من الشيخ فلم يكن ينضبط تماماً إذا كانت تعتمد على مجرَّد الحِفظ، ومن غير أن تتقيَّد بالثبْت في سجِلاّت خاصَّة، أو في نفس المصحف الشريف برسم علائم مثلاً، فلا محالة كان يقع فيها خلط أو اشتباه كثير، لاسيَّما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأوَّل والقارئ الأخير.
تلك أهمّ أسباب الاختلاف في القراءات، مضافة إلى اجتهادات نظرية واعتبارات كان القارئ يلاحظها ويستند إليها في قراءته، وسنفصّل هذا الجانب في الفصل التالي.
5 - تأثير اللهجة:
لا شكَّ أنَّ كلَّ أُمَّة - وإن كانت ذات لُغة واحدة - فإنَّ لهجاتها تختلف حسب تعدّد القبائل والأفخاذ المنشعبة منها، وهكذا كانت القبائل العربية تختلف مع بعضها في اللهجة وفي التعبير والأداء.
من ذلك اختلافهم في الحركات، مثل: (نستعين) - فتح النون وكسرها - قال الفرّاء: هي مفتوحة في لغة قيس وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون (1) واختلافهم في الحركة والسكون، مثل قولهم: (معكم) - بفتح العين وسكونها - قال الشاعر:
ومَن يتَّقِ فإنَّ الله معه |
ورزق الله مؤتاب وغاد (2) |
واختلافهم في إبدال الحروف، نحو: أولئك وأولالك، أنشد الفرّاء:
اُلالكَ قَومي لم يكونوا أشابة |
وهل يعِظ الضَّليل إلاّ الالكا (3) |
واختلافهم في الهمز والتليين، نحو: مستهزؤن ومستهزون.
واختلافهم في التقديم والتأخير، قال المبرّد: تقول العرب: صاعقة وصواعق وهو مذهب أهل الحجاز، وبه نزل القرآن، وبنو تميم يقولون: صاقعة وصواقع (4) .
واختلافهم في الإثبات والحذف، نحو: استحيت واستحييت، أو تبديل حرف صحيح معتلاًّ، نحو: أمّا زيد وأيما زيد (5) .
واختلافهم في الإمالة والتفخيم في مثل: قضى ورمى، واختلافهم في تحريك الحرف الساكن بالكسر أو الضمّ، فيقولون: اشتروا الضلالة - بكسر الواو وضمّها -
____________________
(1) انظر كتاب سيبويه: ج2، ص257.
(2) أورده في اللسان، مادة (اوب).
(3) الصاحبي لأحمد بن فارس: ص48.
(4) الكامل: ج2، ص198، باب 51.
(5) الصاحبي: ص49.
واختلافهم في التذكير والتأنيث، فإنَّ من العرب مَن يقول: هذه البقَر، ومنهم مَن يقول: هذا البقَر، وهذه النخيل وهذا النخيل.
واختلافهم في الإدغام، نحو: مهتدون ومهدّون - بتشديد الدال في الثانية - واختلافهم في الإعراب، نحو: ما زيد قائماً، وما زيد قائم، فإنّ (ما) عند تميم غير عاملة، وعند الحجازيّين عاملة عمل ليس.
وكذا قولهم: إنَّ هذين، وإنَّ هذان، وهي بالألف لُغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: في كلّ ياء ساكنة انفتح ما قبلها ذلك، ومن ذلك قول قائلهم - هو برّ الحارثي - (1) .
تزوَّد منّا بين أُذناه طعنة |
دعته إلى هابي التراب عقيم |
وعلّل بعض أهل الأدب ذلك تعليلاً يستدعي الاطّراد (2) .
واختلافهم في صورة الجمع، نحو: أسرى وأُسارى.
واختلافهم في التحقيق - أي المبالغة في إظهار الحرف أو حركته - والاختلاس، نحو: ( يَأْمُرُكُمْ ) (3) فحقَّق ضمَّة الراء بعضهم واختلسها بعض آخر، ونحو: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ) (4) فحقَّق كسرة الفاء بعض واختلسها آخر.
واختلافهم في الوقف على هاء التأنيث، مثل: هذه أُمَّه - بالوقف هاء - وأُمَّت - بالوقف على تاء ساكنة -.
واختلافهم في الإشباع إلى حدّ توليد حرف، نحو: (أنظور) في (أنظر)، أنشد الفرّاء:
الله يعلم أنّا فـي تلفّتنا |
يوم الفراق إلى جيراننا صور |
____________________
(1) نسبه إليه في لسان العرب، غير أنّه روى: بين أُذنيه.
(2) الصاحبي لابن فارس: 49 - 50.
(3) البقرة: 67.
(4) البقرة 178.
وأنّني حيث ما يُثني الهوى بصَري |
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور |
قال أبو الحسين أحمد بن فارس: كلُّ هذه اللغات مسمّاة منسوبة إلى أصحابها، لكن هذا موضع اختصار، وهي وإن كانت لقوم دون قوم، فإنَّها لمّا انتَشرَت تعاورها الكلّ (1) .
ومن ذلك أيضاً: مبالغتهم في إظهار الهمزة المفتوحة فتتبدَّل إلى العين، وهي لُغة دارجة في تميم وبني قيس بن عيلان - كما قال الفرّاء - وتسمّى (عنعنة تميم)، فيقولون: (أشهد عنَّك رسول الله)، قال ذو الرمّة:
أعن ترسَّمت من خرقاء منزلة |
ماء الصبابة من عينيك مسجوم |
أراد: (أأن)، وذو الرمّة شاعر إسلامي بدويّ مجيد.
لكنَّها لُغة مذمومة، ومن ثمَّ قال أحمد بن فارس - بصدد الإشادة بلُغة قريش -: ألا ترى أنَّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الَّذي تسمعه من أسد وقيس، مثل: تعلمون ونعلم - بكسر التاء والنون - ومثل: شعير وبعير - بكسر الشين والباء - (2) .
6 - تحكيم الرأي والاجتهاد:
وهذا أكبر العوامل تأثيراً في اختيارات القرّاء، كان لكلِّ قارئ رأي يعتمده في القراءة الَّتي يختارها، وكانوا - أحياناً - مستبدّين بآرائهم ولو خالفهم الجمهور أو أهل التحقيق.
وسيأتي حديث نبر الكسائي بالهمز في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإنكار أهل المدينة عليه (3) .
____________________
(1) الصاحبي: 50 - 51.
(2) الصاحبي: ص53. والوجيز ص101.
(3) نقلاً عن نهاية ابن الأثير: ج5، ص7.
كما أنكروا على حمزة كثيراً من قراءاته، ولم يكن يعبَاً بهم لقوَّة ما كان يراه من حُجج (1) .
وهكذا استبدَّ ابن شنبوذ بما يراه صحيحاً وإن كان على خلاف المرسوم العثماني، فعُقِد لاستِتابته مجلس بحضرة الوزير ابن مُقلة، فأغلظ في الكلام عليهم أوّلاً، حتّى أمَر الوزير بضربه سياطاً ألجأته إلى إعلان توبته مقهوراً عليه (2) .
وانعقد مجلس آخر لأبي بكر ابن مقسم، الَّذي كان يختار من القراءات ما بدا له أصحّ في العربية، ولو خالف النقل، أو رسم المصحف (3) .
نعم، لم يكن إنكارهم على أمثال هؤلاء لجانب تحكيمهم للآراء والأذواق الاجتهادية، بل لجانب خروجهم عن موافقة مرسوم الخطّ، فالقراءة إذا كانت متوافقة مع ظاهر الرسم فلا تُعَدُّ منكَرة.
وقد كانت مِيزة القرّاء السبعة وغيرهم من المشهورين المعتمدين هو التزامهم بموافقة الرسم خطّاً، كما يحدِّثنا أبو محمَّد مكّي: بأنَّ حفصاً قرأ (كفواً) بالواو، فخفَّف الهمزة واواً، وكان حقّه أن ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبْلها، فيقول: كُفاً، لكنَّه رفض ذلك لئلاّ يخالف الخطّ، فأعمل الضمَّة الأصليَّة.
ومن ثمَّ تلك المحاولات لتوجيه القراءات الشاذَّة، بل لمطلق القراءات إذا كانت موافقة للرسم.
انظر كيف يوجِّه الدمياطي قراءة حمزة: ( وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) (4) بجرِّ الأرحام عطفاً على الضمير المجرور بالحرف وفْق مذهب الكوفيّين (5) ، ويوجِّه قراءة ابن عامر: ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
____________________
(1) تهذيب التهذيب: ج3، ص27.
(2) طبقات القرّاء: ج2، ص52.
(3) الإتقان: ج1، ص77. والطبقات: ج2، ص54.
(4) النساء: 1.
(5) إتحاف فضلاء البشَر: ص185.
أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ ) (1) قرأ (قتل) مرفوعاً نائب فاعل لـ(زُيِّن) الَّتي قرأها مبنيَّة للمفعول، ونصْب (أولادهم) على أنَّه مفعول به للمصدر، وجرَّ (شركاؤهم) على إضافة المصدر إليه مع الفصل (2) ، وأمثال ذلك كثيرة في توجيه القراءات الشاذَّة.
والكتُب في توجيه القراءات - ولاسيَّما الشاذَّة وذِكر عِلَلها وحُججها - كثيرة، منها: الحجَّة لأبي علي الفارسي، والمحتسب لابن جنّي، وإملاء ما مَنَّ به الرحمان لأبي البقاء، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكّي بن أبي طالب، وغير ذلك ممّا يطول.
* * *
____________________
(1) الأنعام: 137، والقراءة المشهورة (شركاؤهم).
(2) المصدر: ص217.
وقفةٌ
عند مسألة تواتر القراءات
1 - تصريحات أئمّة الفنّ.
2 - أدلّة في وجه زاعمي التواتر.
1 - تصريحات أئمّة الفنّ
- كلام الإمام بدر الدين الزركشي.
- كلام الشيخ شهاب الدين (أبو شامة).
- كلام الحافظ ابن الجزري.
- كلام جلال الدين السيوطي.
- كلام الإمام الفخر الرازي.
- كلام الحجّة الإمام البلاغي.
- كلام سيّدنا الإمام الخوئي.
- كلام الشيخ طاهر الجزائري.
- كلام العلاّمة الزمخشري.
تصريحاتُ أئمّة الفنّ
تلك الَّتي قدَّمناها - في الفصل السابق - كانت عوامل نشوء الاختلاف بين القرّاء، وكانت وافية بالدلالة على أنَّ اختياراتهم كانت اجتهادية، مستندة إلى حُجج وتعاليل فصّلتها كتُب القراءات، الأمر الَّذي يكفي للرَّدِّ على زاعِمي تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، فلا يكون هو الذي قرأها بهذه الوجوه الَّتي لم يتنبَّه لها سوى قرّاء سبعة أو عشرة، جاؤوا في عصور متأخِّرة؟!.
وإنَّ تواتراً هذا شأنه، لجديرٌ بأن يُرمى قائله بالشطَط في الرأي، غير أنَّ جماعات تغلَّبت عليهم العامّية، وراقَتهم تحمّسات عاطفيّة في كلِّ شأن يرجع إلى شؤون المقدَّسات الدينية، لا يزالون يزمِّرون ويطبِّلون حول حديث (تواتر القراءات)، وربَّما يرمون مُنكرِها بالكفر والجحود، ومن ثمَّ فإنَّ الحقيقة أصبحت مهجورة ومطمورة في ثنايا هذا الغوغاء والعجاج العارم.
لكنّ الحقّ أحقُّ أن يُتَّبع، وأنَّ الحقيقة في ضوء البراهين القاطعة أَولى بالاتّباع.
ونحن إذ نوافيك بأدلّة كافلة لإثبات (عدم تواتر القراءات)، وعدم مساسه بمسألة (تواتر القرآن) الثابت قطعيّاً، نقدّم تصريحات ضافية من أئمَّة الفن تدليلاً
على إنكار العلماء المحقِّقين طرّاً لحديث تواتر القراءات، مع اعترافهم بتواتر القرآن وأن لا ملازمة بين المسألتين.
كلام الإمام بدر الدين الزركشي:
قال الإمام بدر الدين الزركشي: اعلم أنَّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن : هو الوحي المنزَل على محمّد (صلّى الله عليه وآله) للبيان والإعجاز، والقراءات : هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور، في كتابة الحروف أو كيفيَّتها.
ثمَّ قال: والقراءات السبْع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل مشهورة... والتحقيق: أنَّها متواترة عن الأئمَّة السبعة.
أمّا تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ففيه نظَر؛ فإنَّ إسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتُب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تكمل شروط التواتر، في استواء الطرفين والواسطة، وهذا شيء موجود في كتُبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو الشامة في كتابه (المرشد الوجيز) إلى شيء من ذلك (1) .
كلام الشيخ شهاب الدين (أبو شامة):
وقال الشيخ شهاب الدين (أبو شامة): وأمّا مَن يهوّل في عبارته قائلاً: إنَّ القراءات السبع متواترة؛ لأنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فخطاؤه ظاهر؛ لأنَّ الأحرف السبعة المراد بها غير القراءات السبع، على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدِّمة (2).
قال: ولو سُئل هذا القائل عن القراءات السبع الَّتي ذكرها لم يعرفها ولم يهتدِ إلى حصرها، وإنَّما هو شيء طرَقَ سمعه فقاله، غير مفكِّر في صحَّته، وغايته - إن
____________________
(1) البرهان للزركشي: ج1، ص318 - 319.
(2) راجع المرشد الوجيز: ص146 الباب الرابع.
كان من أهل هذا العلم - أن يجيب بما في الكتاب الذي حفِظه.
والكتُب في ذلك - كما ذكرنا - مختلفة، ولاسيَّما كُتب المغاربة والمشارقة، فبين كتُب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة قد أُنكرت، وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما سُطِرت، على أنَّه لو عرَف (شروط التواتر) لم يجْسُر على إطلاقه هذه العبارة في كلِّ حرف من حروف القراءة.
فالحاصل: أنّا لسنا ممّن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلَف فيها بين القرّاء، بل القراءات كلّها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بيّن لِمَن أنصَف وعرَف، وتصفَّح القراءات وطرَقها.
وغاية ما يُبديه مدَّعي تواتر المشهور منها - كإدغام أبي عمرو، ونقل الحركة لورش، وصِلة ميم الجمْع وهاء الكناية لابن كثير - أنَّه متواتر عن ذلك الإمام الذي نُسبت القراءة إليه، بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة، إلاّ أنّه بقيَ عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) في كلِّ فردٍ فرد من ذلك، وهنالك تُسكب العبَرات، فإنَّها من ثمَّ لم تُنقل إلاّ آحاداً، إلاّ اليسير منها، وقد حقَّقنا هذا الفصل - أيضاً - في كتاب البسملة الكبير، ونقلنا فيه من كلام الحُذّاق من الأئمَّة المُتْقنين ما تلاشى عنده شُبَه المشنِّعين، وبالله التوفيق (1) .
كلام الحافظ ابن الجزري:
وقال الحافظ ابن الجزري: (كلُّ قراءة وافقَت العربية - ولو بوجه - ووافقَت أحد المصاحف العثمانية - ولو احتمالاً - وصحَّ سنَدها فهي القراءة الصحيحة، سواء كانت عن الأئمَّة السبعة، أمْ عن العشرة، أمْ عن غيرهم من الأئمَّة المقبولين، ومتى اختلّ رُكن من هذه الثلاثة أُطلق عليها: (ضعيفة)، أو (شاذَّة)، أو (باطلة) سواء كانت
____________________
(1) المرشد الوجيز: ص177 - 178.
عن السبعة، أمْ عمَّن هو أكبر منهم.
قال: هذا هو الصحيح عند أئمَّة التحقيق من السلَف والخلَف، صرَّح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونصّ عليه - في غير موضع - الإمام أبو محمّد مكّي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العبّاس أحمد بن عمار المهدوي، وحقَّقه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن إسماعيل المعروف بـ (أبي شامة)، وهو مذهب السلَف الّذي لا يُعرَف عن أحدٍ منهم خلافه (1) .
قال: وقد شرط بعض المتأخّرين التواتر في هذا الرُكن، ولم يكتفِ بصحَّة السنَد، وزعم أنَّ القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر، وأنَّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبُت به قرآن، وهذا ممّا لا يخفى ما فيه، فإنَّ التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الرُكنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وجَب قبوله وقُطِع بكونه قرآناً، سواء وافَق الرسم أمْ خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كلِّ حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمَّة السبعة وغيرهم.
قال: ولقد كنت - قبل - أجنَح إلى هذا القول، ثمَّ ظهر فساده، وموافقة أئمَّة السلَف والخلَف (2) .
كلام جلال الدين السيوطي:
وقال جلال الدين السيوطي: اعلم أنَّ القاضي جلال الدين البلقيني قال: القراءة تنقسم إلى: متواتر، وآحاد، وشاذّ، فالمتواتر: قراءات السبع المشهورة. والآحاد: قراءات الثلاثة، وتُلحق بها قراءة الصحابة. والشاذّ: قراءة التابعين، كالأعمش، ويحيى بن وثّاب، وابن جبير ونحوهم.
قال السيوطي: وهذا الكلام فيه نظَر، يُعرف ممّا سنذكره، وأحسن مَن تكلَّم في
____________________
(1) النشر: ج1، ص9.
(2) النشر: ج1، ص13.
هذا النوع إمام القرّاء في زمانه شيخ شيوخنا، أبو الخير ابن الجزري - ثمَّ نقل كلامه بطوله وعقَّبه بما يلي: قلت: أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدّاً... (1) .
كلام الإمام الفخر الرازي:
وقال الإمام الرازي: اتَّفق الأكثرون على أنَّ القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر، وفيه إشكال؛ وذلك لأنّا نقول: هذه القراءات المشهورة، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون، فإن كان الأوَّل، فحينئذٍ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله قد خيّر المكلّفين بين هذه القراءات وسوّى بينها في الجواز، وإن كان ذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعاً على خلاف الحُكم الثابت بالتواتر، فوجَب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير.
لكنّا نرى أنَّ كلّ واحد من هؤلاء القرّاء يختصُّ بنوع معيَّن من القراءة، ويحمِل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها، فوجب أن يلزم في حقّهم ما ذكرنا.
وأمّا إن قلنا: إنَّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد، فحينئذٍ يخرج القرآن عن كونه مفيداً للجزْم والقطْع واليقين، وذلك باطل بالإجماع.
ولقائل أن يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر ولا خلاف بين الأمّة فيه، وفي تجويز القراءة بكلِّ واحدةٍ منها، وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليَّته عن كونه قطعيّاً، والله أعلم (2) .
قلت: قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات، ومن ثمَّ وقع في المأزق الأخير، وسنبيّن أنَّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر، فلا موقع للشقّ الأخير من الإشكال.
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص75 - 77، النوع: 22 - 27.
(2) التفسير الكبير: ج1، ص63.
كلام الحجّة الإمام البلاغي:
وقال الحجّة البلاغي: وأنَّ القراءات السبع - فضلاً عن العشر - إنَّما هي في صورة بعض الكلمات، لا بزيادة كلمة أو نقصها، ومع ذلك ما هي إلاّ روايات آحاد عن آحاد، لا توجب اطمئناناً ولا وثوقاً، فضلاً عن وهْنها بالتعارض، ومخالفتها للرَسم المتداول، المتواتر بين عامَّة المسلمين في السنين المتطاولة.
وأنَّ كلاًّ من القرّاء وهو واحد - لم تثبت عدالته ولا وثاقته - يروي عن آحاد، ويروي عنه آحاد وكثيراً ما يختلفون في الرواية عنه، فكم اختلف حفْص وشعبة في الرواية عن عاصم، وكذا قالون وورَش في الرواية عن نافع... وهكذا، مع أنَّ أسانيد هذه القراءات الآحادية لا يتَّصف واحد منها بالصحّة في مصطلح أهل السُنَّة في الأسناد، فضلاً عن الإماميّة، كما لا يخفى على مَن جاسَ خلال الديار.
فيا للعجب ممّن يصف هذه القراءات السبع بأنَّها متواترة!! هذا، وكلُّ واحد من هؤلاء القرّاء يوافق بقراءته في الغالب ما هو المرسوم المتداول بين المسلمين، وربَّما يشذّ عنه عاصم في رواية شُعبة (1) .
كلام سيّدنا الإمام الخوئي:
وقال سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (دام ظلّه): المعروف عند الشيعة الإمامية أنّها غير متواترة، بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد، وقد اختار هذا القول جماعة من المحقّقين من أهل السُنَّة، وغير بعيد أن يكون هذا هو المشهور بينهم (2) - ثمَّ برهن على ذلك بما حاصله -:
1 - إنَّ استقراء حال القرّاء يورِث القطع بأنَّ القراءات نُقلت إلينا بأخبار الآحاد.
2 - وإنَّ التأمُّل في الطُرُق التي أخَذ القرّاء عنها، يدلّ بالقطع على أنَّها إنَّما نُقلت
____________________
(1) آلاء الرحمان: ج1، ص29 - 30 الفصل الثالث من المقدّمات.
(2) البيان: ص137.
إليهم بطريق الآحاد.
3 - وإنَّ اتّصال الأسانيد بهم أنفسهم يقطع التواتر، حتّى لو كان متحقّقاً في جميع الطبقات، فإنَّ كلّ قارئ إنّما ينقل قراءته بنفسه.
4 - وإنَّ احتجاج كلِّ قارئ على صحَّة قراءته وإعراضه عن قراءة غيره؛ دليل قطعيّ على إسنادها إلى اجتهادهم دون التواتر عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإلاّ لم يُحتَج إلى الاحتجاج.
5 - أضف إلى ذلك إنكار جملة من الأعلام على جملة من القراءات.
ولو كانت متواترة لمَا صحَّ هذا الإنكار (1) .
كلام الشيخ طاهر الجزائري:
وذكر الشيخ طاهر الجزائري: إنَّه لم يقع لأحد من الأئمَّة الأصوليين تصريح بتواتر القراءات، وقد صرَّح بعضهم (2) بأنَّ التحقيق أنّ القراءات السبع متواترة عن الأئمّة السبعة، أمّا تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ففيه نظر؛ فإنَّ إسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات موجود في الكتُب، وهي نقل الواحد عن الواحد (3) .
كلام العلاّمة الزمخشري:
وقال الزمخشري: إنّ القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّما هي في صفتها، وإنّما هي واحدة، والمصلّي لا تبرأ ذمّته من الصلاة إلاّ إذا قرأ فيما وقع فيه الاختلاف على كلّ الوجوه، كـ(مَلك ومالك) و(صراط وسراط) وغير ذلك...
... قال السيّد العاملي: وكلامه هذا إمّا مسوق لإنكار التواتر إليه (صلّى الله عليه وآله)، أو إنكار لأصله (4) .
____________________
(1) البيان: ص165.
(2) لعلّه يقصد الإمام بدر الدين الزركشي وقد تقدَّم كلامه. راجع البرهان: ج1، ص318 - 319.
(3) التبيان: ص 105 طبعة المنار 1334 هـ. البيان: ص170.
(4) مفتاح الكرامة: ج2، ص392 - 393.
2 - أدلّة في وجه زاعِمي التواتر
- مصطلح التواتر.
- أسانيد تشريفية.
- آحاد لا تواتر.
- إنكارات على القرّاء.
- قراءات شاذَّة من السبعة.
- تعاليل وحجج اجتهادية.
- تناقض في القراءات.
- القرآن والقراءات شيئان.
- حديث السبعة والقراءات السبع.
- تلخيص البحث في سطور.
أدلّة في وجه زاعِمي التواتر
مصطلح التواتر:
التواتر مصطلح فنّ (معرفة الحديث)، حيث يقسّم إلى: متواتر، ومشهور، ومستفيض، وآحاد، وصحيح، وحسَن، ومرسَل، وضعيف.
والحديث المتواتر: ما بلغَ رجال إسناده في جميع الطبقات حدّاً في الكثرة والانتشار، بحيث يؤمَن قطعيّاً تواطؤهم على مصانعة الكذِب، ومن ثمَّ يجب في الحديث المتواتر توفّر الشُّروط التالية:
1 - اتّصال الإسناد من الراوي الأخير إلى مصدر الحديث الأوّل اتّصالاً تامّاً.
2 - يبلغ عدد الرواة والناقلين حدّاً من الكثرة والانتشار فوق الاستفاضة والاشتهار بما يؤمَن تواطؤهم على الكذِب.
3 - أن يحتفظ بنفس الحجم من كثرة النقَلة في كلِّ دَور وطبَقة، فالكثرة تَنقل عن الكثرة وهكذا إلى المصدر الأوَّل.
وعليه فلو تضاءل حجم العدد في طبقة من هذه الطبقات أو انتهت إلى واحد، ثمَّ أخذ أيضاً في الانتشار والتضخّم، فإنَّ هذا لا يسمّى متواتراً في الاصطلاح، ويدخل في أخبار الآحاد.
وحديث (تواتر القراءات) - إن تسلَّمناه - فمن النمط الأخير، إنَّها متواترة عن القرّاء أنفسهم، أمّا من قبلهم فإلى طبقة الصحابة وعهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلا تعدو أخباراً آحاداً لو كان هناك إسناد، وإلاّ فالأمر أفضح، ممّا سيبدو من خلال بحوثنا التالية.
أسانيد تشريفية:
اصطلح المؤلِّفون في القراءات على ذِكر إسناد القرّاء، ولاسيَّما السبعة، متّصلاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهذا شيء التزموه مهما استدعى تكلّفاً ظاهراً، في حين أنَّ القرّاء أنفسهم لم يكونوا يلتزمون بذلك في غالب اختياراتهم، وإنَّما يذكرون لها حُججاً وتعاليل، ذكرَتها كتُب القراءات بتفصيل.
والأرجح أنَّ الأسانيد المذكورة في بعض كتب القراءات - كالتيسير، والتحبير، والمكرَّر - أسانيد تشريفيَّة، محاولة لنسبتها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) تفخيماً بشأن القراءة، وهي من شؤون القرآن الكريم، وإلاّ فأدنى تمحيص بشأن هذه الأسانيد يكشف عن واقعية مفضوحة.
مثلاً: نجد عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118هـ) - أقرب القرّاء السبعة إلى عهد الصحابة - لا سنَد له متّصلاً إلى أحد الصحابة الاختصاصيّين بقراءة القرآن.
فقد ذكر ابن الجزري في إسناده تسعة أقوال، وأخيراً يرجِّح أنَّه قرأ على المغيرة ابن أبي شهاب المخزومي، وهذا قرأ على عثمان بن عفّان، وعثمان قرأ على النبي (صلّى الله عليه وآله)، ثمَّ يُنقل عن بعضهم: أنَّه لا يدري على مَن قرأ ابن عامر؟ (1).
ثمَّ نتساءل: مَن هذا المغيرة المخزومي الَّذي قرأ عليه ابن عامر؟ يقول الذهبي: وأحسَبه كان يُقرئ بدمشق في دولة معاوية، ولا يكاد يُعرَف إلاّ من قِبل
____________________
(1) طبقات القرّاء: ج1، ص404.
قراءة ابن عامر عليه! (1) .
انظر إلى هذا التهافت الباهت والدَور الفاضح، يُعزى إسناد قراءة ابن عامر إلى شيخٍ مجهول لا يُعرف إلاّ من قِبله؟!
ثمَّ من أين عرفوا أنَّ المغيرة هذا قرأ على عثمان؟ وبأيِّ سند أثبتوا هذه التلمذة المصطنعة؟ ومتى تصدّى عثمان لإقراء الناس؟ أفي زمان خلافته المضطرب أمْ قبله؟ ومَن الّذي وصف عثمان بشيخ القراءة أو الإقراء، سواء في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أمْ بعد وفاته؟!.
نعم، هكذا إسناد مفضوح لا يستدعي تحمّساً ولا تعصّباً أعمى، فضلاً عن نعته بالتواتر المكذوب!.
آحاد لا تواتر:
ثمَّ على فرض ثبوت إسناد بين القارئ وأحد الصحابة الأوَّلين، فهو إسناد آحاد لا يبلغ حدّ التواتر، ولا يتوفّر فيه شروطه أصلاً.
هذا عبد الله بن كثير (ت 120هـ) - ثاني القرّاء قُرباً إلى عهد الصحابة - لم يذكروا في رجاله سوى ثلاثة: عبد الله ابن السائب، ومجاهد بن جبير، ودرباس مولى ابن عبّاس.
وكذا عاصم بن أبي النجود (ت 128هـ) - ثالث القرّاء قُرباً - رجاله اثنان: أبو عبد الرحمان السلمي، وزرّ بن حبيش.
وأبعد القرّاء زماناً من الصحابة هو: الكسائي (ت189هـ) ذكروا له ثلاثة رجال: حمزة بن حبيب، وعيسى بن عمرو، ومحمّد بن أبي ليلى، وهل يثبت التواتر - في هذا الطول من الزمان - بطُرق ثلاثة أو اثنين؟.
____________________
(1) معرفة القرّاء الكِبار: ج1، ص43.
نعم، ذكروا لنافع خمسة رجال، ولحمزة سبعة، ولأبي عمرو اثني عشر، وذلك أيضاً لا يُثبِت التواتر؛ لأنَّها آحاد في مصطلح الفنّ كما لا يخفى.
هذا مع الغضِّ عن الخدشة في رجالات هذه الأسانيد، ممَّن كان يعوزهم صلاحية الإقراء، أو ليس من شأنهم التصدّي لإقراء الناس! مثلاً ذكروا من شيوخ حمزة (الإمام جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام))، وإنَّ مقام إمامته الكبرى لتشغله عن التصدّي لهكذا أُمور صغيرة، كما لم نرَ أثراً من قراءة الإمام (عليه السلام) في قراءة حمزة، ولا هو نسَبها إلى الإمام (عليه السلام).
ومن ثمَّ قال أبو شامة: وغاية ما يُبديه مُدَّعيّ التواتر... أنّه متواتر إلى ذلك الإمام الَّذي نُسِبت القراءة إليه، بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة، إلاّ أنَّه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)... وهنالك تُسكب العَبرات... (1) .
قلت: بل ودون إثباته خَرْط القَتاد.
على أنّ مسارب الشكّ في صحَّة تلكم الطُرق ملموسة، بعد أن لم يكن لها أثر في كتب الأوائل، وإنّما هو شيء صُنع متأخِّراً في القرن الثالث، يوم أصبحت القراءة والإحاطة بفنونها صنعة رائجة، ولم يُنقل بنقل صحيح أنَّ أحداً من القرّاء أسند قراءته إلى السماع، أو النقل المتواتر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قطُّ.
وشيء آخر: إنَّه يجب في التواتر استواء الطرفين والواسطة في عدد الرجالات الناقلين، في حين أنَّ النقل المتواتر المتأخِّر عن القارئ ينتهي إليه وحده، وهو الَّذي ينقل لنا أنَّه سمعها متواتراً - فرَضاً - عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أو أحد الصحابة، وهنا ينقطع التواتر؛ لأنَّ الواسطة أصبح واحداً.
ومن ثمَّ قال سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه): اتّصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم
____________________
(1) المرشد الوجيز: ص178.
يقطع تواتر الأسانيد، حتّى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممَّن يمتنع تواطؤهم على الكذِب؛ فإنَّ كلَّ قارئ إنَّما ينقل قراءته بنفسه (1) .
إنكارات على القرّاء:
وأقوى دليل يرشدنا إلى عدم اعتراف الأئمَّة السلَف بتواتر القراءات تلك: استنكارهم على قراءات كثير من القرّاء المشهورين، وحتّى السبعة، وكيف يجْرؤ مسلم محافظ أن يُنكر قراءةً يرى تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله)؟!.
هذا الإمام أحمد بن حنبل كان يُنكر على حمزة كثيراً من قراءاته، وكان يكره أن يصلّي خلف مَن يقرأ بقراءة حمزة، يا تُرى إذا كانت قراءة حمزة - وهو من السبعة - متواترة عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الّذي قرأها ونُقلت إلى حمزة متواترة قطعية، فما الذي يدعو إلى كراهتها؟ أفهل يكره مسلم قراءةً قرأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!.
وكان أبو بكر بن عيّاش يقول: قراءة حمزة عندنا بِدعة. وقال ابن دريد: إنّي لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة. وكان ابن المهدي يقول: لو كان لي سلطان على مَن يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهْرَه وبطنه. وكان يزيد بن هارون يكره قراءة حمزة كراهة شديدة (2) .
وتقدَّم تلحين أئمَّة النحو والأدب كثيراً من قراءات القرّاء الكِبار، وقد أنكر المبرِّد قراءةَ حمزة: (والأرحام) - بالخفْض - و(مصرخيّ) بكسر الياء -، وأنكر مغاربة النُحاة كابن عصفور قراءة ابن عامر: (قتلُ أولادهم شركائهم) - برفع (قتل)، ونصب (أولادهم)، وخفض (شركائهم) - (3) وخطَّأ الفارسي قراءة ابن
____________________
(1) البيان: ص165.
(2) تهذيب التهذيب لابن حجر: ج3، ص27 - 28.
(3) البرهان: ج1، ص319.
عامر: (أرجئه) (1) وتقدَّم تفصيل ذلك.
وهل يجْرُؤ مسلم أن يُخطِّئ أو يُنكر قراءةً هي متواترة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟! فإن دلَّ ذلك فإنَّما يدلّ على أنّ ما أنكروه شيء منسوب إلى نفس القرّاء، إنكاراً عليهم، لا إنكاراً لشيء ثبَت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قطعيّاً؛ تدلّنا على ذلك التعليلات الواردة في هذه المناسبات تبريراً للإنكارات المزبورة، فقد أنكر أبو العبّاس المبرِّد قراءة أهل المدينة: ( هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) (2) قال: هو لحنٌ فاحش، وإنَّما هي قراءة ابن مروان، ولم يكن له عِلم بالعربية (3) وأمثال ذلك كثير.
وقد عقد ابن قتيبة باباً جمَع فيه نماذج من غلَط القرّاء المشهورين وفيهم من السبعة: حمزة، ونافع، قال: وما أقلَّ مَن سلِم من هذه الطبقة في حرْفِه من الغلط والوهْم (4) ، كما جمَع محمَّد عضيمة كثيراً من موارد خطَّأَ النُحاة فيها القرّاء، ونسبوهم إلى قلَّة المعرفة وضعف الدراية، ونُقل عن ابن جنّي وصفه للقرّاء - بصورة عامّة - في كتابه (الخصائص) بضعف الدراية، وفي كتابه المصنّف بالسهْو والغلَط، إذ ليس لهم قياس يرجعون إليه (5) ، وغير ذلك ما يطول.
وجاء في (المرشد الوجيز) باب ممّا نُسب إلى القرّاء وفيه إنكارات من أهل اللغة وغيرهم، منها: الجمْع بين الساكنَين في تاءات البزّي، كان يشدِّد التاء في أوائل الأفعال المستقبلة في حال الوصل، في أحد وثلاثين موضعاً من القرآن، نحو: ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ ) (6) . ومنها: إدغام أبي عمرو، كان يُدغم أوَّل حرفَين مثْلين اجتمعا من كلمتين سواء سكَن ما قبلَه أو تحرَّك، في جميع القرآن، نحو: ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) و ( ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ ) (7) ، ومنها: قراءة حمزة ( فَمَا اسْطَاعُوا )
____________________
(1) البحر المحيط: ج4، ص360.
(2) هود: 78 بنصب (أطهر) وهي قراءة شاذَّة.
(3) المقتضب: ج4، ص105.
(4) تأويل مشكل القرآن: ص61.
(5) دراسات لأسلوب القرآن: ج1، ص32 فما بعد.
(6) راجع التيسير: ص83. والآية 267 من سورة البقرة.
(7) راجع التيسير: ص20. والآية الأُولى 185 من سورة البقرة. والآية الثانية 7 من سورة الأنفال، وسيأتي في ص266.
قرأ بتشديد الطاء، مُدغِماً التاء في الطاء، وجمع بين الساكنَين وصلاً (1) ، يعدّد كثيراً من الأمثلة خطّأوهم فيها، ونسَبوهم إلى الوهْم وضعف الدراية (2) .
* * *
أضف إلى ذلك: إنكارات العامَّة على كثير من قراءات السبعة، وربَّما كانوا يضطرُّونهم إلى النزول وفْق الرأي العامّ، ممّا يدلّ على أنَّ اختيارهم الأوَّل كان عن اجتهاد لا غير.
جاء في نهاية ابن الأثير، قال: ولمّا حجَّ المهدي قدّم الكسائي يُصلّي بالمدينة، فهمَز فأنكر عليه أهل المدينة، وقالوا: إنّه يُنبر في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرآن.
والنبْر: همْز الحرف، ولم تكن قريش تهمِز في كلامها، قال رجُل: يا نبئ الله، فنهرَه النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال: (إنّا معشر قريش لا نُنبر)، وفي رواية: (لا تنبر باسمي) (3) .
قال ابن مجاهد: قال لي قنبل (أحد راويي ابن كثير): قال القواس في سنة 237 هـ: اِلق هذا الرجُل (يعني البزّي، الراوي الآخر لابن كثير) فقل له: هذا الحرف ليس من قراءتنا، يعني ( وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) (4) مخفّفاً، وإنَّما يخفَّف من الميِّت مَن قد مات، وأمّا مَن لم يمُت فهو مشدَّد، فلقيت البزّي فأخبرته، فقال: قد رجعت عنه... (5) .
ولولا أنَّ اختياره الأوَّل كان عن اجتهاد لمَا صحَّ له الرجوع، ولمَا جاز الإنكار عليه.
وأيضاً قال محمّد بن صالح: سمعت رجلاً يقول لأبي عمرو بن العلاء: كيف تقرأ ( لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) (6) ؟ فقال: (لا يعذِّب) - بكسر
____________________
(1) راجع التيسير: ص146. والآية 97 من سورة الكهف.
(2) في المرشد الوجيز لأبي شامة: ص174 فما بعد.
(3) النهاية: ج5، ص7.
(4) إبراهيم: 17.
(5) مناهل العرفان: ج1، ص452 عن منجد المقرئين لابن الجزري.
(6) الفجر: 25 و26.
الذال المشدَّدة -، فقال له الرجُل: كيف وقد جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله) (لا يعذَّب) - بالفتح -؟ فقال أبو عمرو: لو سمعت الرجل الَّذي قال سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) ما أخذتُه عنه، أوَ تدري ما ذاك؟ لأنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامَّة (1) .
انظر إلى كلام أبي عمرو هنا، إنَّه يعتمد في قراءته على تسالم عامَّة المسلمين (وهو أحد مقاييسنا في اختيار القراءة الصحيحة فيما سيأتي)، ويترك رواية الواحد إلى جانب ولا يعبأ بها.
هذا، في حين أنَّ الفتح هي قراءة الكسائي من السبعة، ويعقوب من العشرة، والحسَن من الأربعة (2) .
أفهل يُعقل وجود رواية متواترة بلغَت الكسائي وهو في مؤخَّرة القرن الثاني ولم تبلغ أبا عمرو، وهو في مقدَّمة هذا القرن؟!.
* * *
وذكر ابن الجزري: أنَّ من القراءات ما نقلَه ثقة، ولا وجه له في العربية، وهذا لا يُقبَل وإن وافَق خطَّ المصحف، ولا يصدر مثل هذا إلاّ على وجه السهو والغلط وعدم الضبط، ويعرفه الأئمَّة المحقِّقون والحفّاظ الضابطون، وهو قليل جدّاً، بل لا يكاد يوجد.
وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن (نافع): (معائش) بالهمز.
وما رواه ابن بكار عن أيّوب عن يحيى عن ابن عامر: (أدري أقريب) بفتح الياء مع إثبات الهمز.
وما رواه أبو علي العطّار عن العبّاس عن أبي عمرو: (ساحران تظّاهرا) بتشديد الظاء.
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص452 عن مُنجد المُقرئين.
(2) إتحاف فضلاء البشر: ص439.
وما ذكره بعض شرّاح الشاطبيَّة في وقف (حمزة) على نحو: (أسمايهم) و(أُوليك) بياء خالصة، ونحو: (شركاوهم) و(أحبّاوه) بواو خالصة، ونحو: (بداكم) و(واخاه) (1) بألف خالصة.
ونحو: (را) في (رأى)، و(ترا) في (تراءى)، و(اشمزّت) في (اشمأزت)، و(فادّارتم) في (فادّارأتم) بالحذف في ذلك كلِّه ممّا يسمّونه (التخفيف الرسمي)، ولا يجوز في وجه من وجوه العربية.
قال: فهذا وإن كان منقولاً عن ثقة، إلاّ أنَّه لا يُقبَل، إذ لا وجه له (2) .
قلت: وهو أقوى شاهد على أنّ ليس كلّ ما ثبت عن السبعة متواتراً عن النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ وإلاّ لمَا صحَّ ردّه ولوَجب قبوله إطلاقاً.
قراءات شاذَّة من السبعة:
لدينا - مضافة إلى ما سبق - قراءات من السبعة رُميت بالشذوذ؛ لمخالفتها القياس، أو وقوعها موضع إنكار عامَّة المسلمين، ممّا يدل على أنَّها اختيارات اجتهادية رآها أصحابها خطأً، أو لقلَّة المعرفة بمقاييس الكلام الصحيح، ومن ثمَّ رفَضَها الأئمَّة المحقِّقون والحفّاظ الضابطون، فاتَّسمت بالشذوذ، ومَنعَ الفقهاء من القراءة بها في الصلاة أو في غيرها بسِمة كونها قرآناً.
من ذلك: الجمْع بين الساكنَين في تاءات البزّي صاحب قراءة ابن كثير من السبعة، كان يشدّد التاء التي تكون في أوائل الأفعال المستقبلة في حال الوصل، في أحد وثلاثين موضعاً من القرآن نحو ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ ) (3) .
ومن ذلك أيضاً: إدغام أبي عمرو إذا اجتمع مِثلان، أمّا في كلمة واحدة ففي
____________________
(1) في موضعين: (الأعراف: 111، والشعراء: 36) فإنّه خفّف الهمزة المفتوحة فيهما ألفاً.
(2) النشر: ج1، ص16 - 17.
(3) الكشف: ج1، ص314، وتقدّم في ص 263، والآية 267 من سورة البقرة.
موضعين: أحدهما ( مَّنَاسِكَكُمْ ) (1)، والثاني ( مَا سَلَكَكُمْ ) (2) .
وأمّا إذا كانا في كلمتين فإنَّه كان يدغم الأوَّل في الثاني سواء سكَن ما قبْله، أو تحرَّك في جميع القرآن، نحو قوله: ( فِيهِ هُدًى ) (3) ، ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) (4) ، ( أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ ) (5) ، ( لاَ أَبْرَحُ حَتَّى ) (6) ، ( يَشْفَعُ عِنْدَهُ ) (7) (8) .
وقراءة حمزة: ( فَمَا اسْطَاعُوا ) (9) ، حيث قلَب التاء طاء وأسكنها فأدغمها في الطاء مع سكون السين أيضاً، وهي قراءة شاذَّة (10) .
وقراءة أبي عمرو: (بَارِئِكُمْ) (11) بسكون الهمزة، و(يأمركم) و(تأمرهم) و(يأمرهم) و(ينصركم) و(يشعركم)، حيث وقع في القرآن كلّ ذلك باختلاس ضمَّة الراء، وهي قراءة شاذَّة (12) .
وقراءة ابن كثير: (يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ) (13) بسكون الياء (14).
وقراءة قنبل - صاحب قراءة ابن كثير: (سَبأ) (15) بسكون الهمزة (16) .
وقراءة حمزة: (مَكرُ السيىء) (17) بإسكان الهمز في الوصل (18) .
وقراءة قنبل: (يرتعي) (19) بإثبات الياء بعد العين (20) .
وقراءته: (يتّقي ويصبر) (21) بإثبات الياء بعد القاف (22) .
____________________
(1) البقرة: 200. (2) المدثر: 42.
(3) البقرة: 2. (4) البقرة: 185.
(5) البقرة: 254. (6) الكهف: 60.
(7) البقرة: 255. (8) التيسير للداني: ص20 وتقدّم في ص263.
(9) الكهف: 97. (10) الكشف: ج2، ص80.
(11) البقرة: 54. (12) النشر: ج2، ص212.
(13) لقمان: 13. (14) التيسير: ص176.
(15) النمل: 22. (16) التيسير: ص176.
(17) فاطر: 43. (18) التيسير: ص182.
(19) يوسف: 12. (20) التيسير: ص131.
(21) يوسف: 90. (22) التيسير: ص131.
وقراءة هشام - صاحب قراءة ابن عامر -: (أفئيدةً من الناس) (1) بإثبات الياء بعد الهمزة (2) .
وقراءة نافع وابن كثير وابن عامر (ليكة) (3) بلام مفتوحة - من غير همز بعدها ولا ألف قبلها - وفتح التاء، وقرأ الباقون (الأيكة) بالألف واللام مع الهمزة وخفْض التاء (4) .
وقرأ قنبل: (سأقيها) (5) بهمزة ساكنة بعد السين بدل الألف (6).
وقرأ حمزة: (والأرحام) (7) بالخفْض (8) .
وقرأ ابن عامر: (كن فيكون) (9) بالنصب، وتابعه الكسائي في النحْل ويس فقط (10) .
وقرأ حمزة - أيضاً - كما مرَّ: (قتل أولادهم) (11) بالفصل بين المضافين (12) .
هذه وأمثالها كثير يجدها الباحث في كتُب القراءات (13) ، فكم للسبعة ورُواتهم من شواذّ خرجت عن ضابطة القراءة الصحيحة المقبولة، فكانت موضع إنكار العلماء قاطبة، فلا يصحّ كونها قرآناً كما لا تجوز قراءتها في الصلاة.
* * *
____________________
(1) إبراهيم: 37.
(2) التيسير: ص135.
(3) الشعراء: 176، ص: 13.
(4) الإتحاف: ص333.
(5) النمل: 44.
(6) النشر: ج2، ص338.
(7) النساء: 1.
(8) التيسير: ص 93.
(9) البقرة: 117، آل عمران: 47 و59، الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68.
(10) التيسير: ص76.
(11) الأنعام 137، والقراءة المشهورة (شركاؤهم)....
(12) النشر: ج2، ص 263.
(13) كالتيسير لأبي عمرو الداني، والنشر لابن الجزري (راجع بالخصوص: ج1، ص10 منه)، والكشف لمكّي بن أبي طالب، وإتحاف فضلاء البشر للدمياطي، وأمثالها، وراجع تصريح أبي شامة على شذوذ هذه القراءات في كتابه (المرشد الوجيز): ص174 - 176.
تعاليل وحُجج اجتهادية:
ذكر أبو محمّد مكّي بن أبي طالب في كتابه الكبير (الكشف عن وجوه القراءات السبع)، حُججاً وتعاليل لمختلف القراءات (1) بصورة مستوعبة، كان اعتمدَها القرّاء في اختياراتهم، كلٌّ حسب اجتهاده الخاصّ وملاحظته الخاصَّة من غير اعتبار نقلٍ أو سماع، نذكر منها نماذج:
1 - قوله تعالى: ( آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (2) ، قرأه ابن كثير بالتوحيد (آية للسائلين)، جعل شأن يوسف كلَّه آية واحدة على الجملة، وإن كان في التفصيل آيات كما قال: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (3) فوحّد، وإن كان شأنهما التفصيل.
وقرأ الباقون بالجمْع؛ لاختلاف أحوال يوسف، ولانتقاله من حال إلى حال، ففي كلِّ حالة جرَت عليه آية، فجمع لذلك.
قال أبو محمّد: وهو الاختيار؛ لأنَّ الجماعة عليه (4).
2 - قوله تعالى: ( فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ) (5) ، قرأ نافع وحده بالجمْع (غيابات الجبّ)؛ لأنَّ كلَّ ما غاب عن النظر من الجبّ فهو غيابة، فقد أُلقي في غيابات من الجبّ، وقرأ الباقون بالتوحيد؛ لأنَّ يوسف لم يُلقَ إلاّ في غيابةٍ واحدة.
3 - قوله تعالى: ( يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) (6) ، قرأ الكوفيّون ونافع بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالنون، وعن ابن كثير أنَّه قرأ (نرتع) بالنون و(يلعب) بالياء، وكسر الحرميّان العين من (يرتع) وأسكَنها الباقون.
وحجَّة مَن قرأ بالياء أنَّه أسند الفعل إلى يوسف، وحُسن الإخبار عنه باللعب
____________________
(1) وهكذا أبو علي الفارسي في كتابه المبسَّط (الحجّة في عِلل القراءات السبع) في جزأين وغيره.
(2) يوسف: 7.
(3) المؤمنون: 50.
(4) الكشف: ج2، ص5.
(5) يوسف: 10.
(6) يوسف: 12.
لصغره؛ لأنَّه مرفوع عنه، فيه اللّوم.
وحجَّة مَن قرأ بالنّون أنَّه حمَله على الإخبار من إخوة يوسف عن أنفسهم، إذ لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، واللعب بغير الباطل جائز.
وحجَّة ابن كثير أنَّ (يلعب) مُسنَد إلى يوسف، و(نرتع) إلى إخوته.
وحجَّة مَن قرأ بإسكان العين أنَّه جعله من (رتع يرتع) إذا رعى، فأسكَن العين للجزْم جواباً للطلب في قوله: ( أَرْسِلْهُ مَعَنَا ) .
وحجَّة مَن كسر العين أنّه جعله من (رعى يرعي)، فإنَّ لامَه ياء فكان حذفها علامة للجزْم (1) .
4 - قوله تعالى: ( الْمُخْلَصِينَ ) (2) ، قرأ نافع وأهل الكوفة بفتح اللام، حيث وقع فيما فيه ألف ولام مبنيّاً للمفعول؛ لأنَّ الله أخلصهم، أي اختارهم لعبادته، وقرأ الباقون بكسر اللام مبنيّاً؛ لأنَّهم هم أخلصوا أنفسهم للعبادة.
قال أبو محمَّد: وفتح اللام أحبُّ إليّ؛ لأنَّهم لم يخلصوا أنفسهم لعبادة الله، إلاّ من بعد أن اختارهم الله لذلك وأخلصهم (3) .
5 - قوله تعالى: ( وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ) (4) قرأ حفص، وابن كثير، وأبو عمرو بالرفع في الكلمات الأربع، عطفاً على (قطع)، وقرأ الباقون بالخفْض عطفاً على (أعناب) فهو أقرب إليه من (قطع) (5) .
6 - قال أبو علي: حجَّة مَن فتح الياء في مثل: ( وَتَدْعُونَنِي إلى النَّارِ ) (6) أنَّ أصل هذه الياء الحرَكة؛ لأنَّها بإزاء الكاف للمخاطَب، فكما فُتحت الكاف كذلك تُفتَح الياء، وحجَّة مَن أسكَن: أنَّ الفتحة مع الياء قد كُرهت في الكلام كما كُرهت الحركتان الأُخرَيان فيها... (7) .
____________________
(1) الكشف: ج2، ص5 - 7.
(2) يوسف: 24.
(3) الكشف: ج2، ص9 - 10.
(4) الرعد: 4.
(5) الكشف: ج2، ص19.
(6) غافر: 41.
(7) الحجّة لأبي علي: ج1، ص314 - 315.
7 - قوله تعالى: ( تَنبُتُ بِالدُّهْنِ ) (1) ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمّ التاء وكسر الباء، وقرأ الباقون بفتح التاء وضمّ الباء.
قال أبو محمّد: حجّة مَن ضمّ التاء أنّه جعله رباعياً، وجعل الباء في (بالدُهن) زائدة، لكن دلَّت الباء على ملازمة الإنبات للدُهن، كما قال: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) (2) ، وحجَّة مَن فتح التاء أنَّه جعله ثلاثياً، والباء في (بالدُهن) للتعدية، قال: والاختيار الفتح؛ لأنّ الجماعة عليه (3) .
تلك نماذج سبعة كافية للدلالة على مبلغ مداخلة الاجتهاد في اختيار القراءات، وقلّما نجد استنادهم إلى سماعٍ أو نقْل.
وتقدّم حديث البزّي في رجوعه عن قراءة (ميت) مخفَّفاً، لمّا تبيَّن له أنَّه مخطئ في الاختيار (4) ؛ ولولا اعتماده على الاجتهاد لمَا صحَّ له الرجوع.
تناقضٌ في القراءات:
في القراءات المضبوطة عن أئمَّة السبعة وغيرهم كثير من مناقضات ومباينات، بحيث لا تجتمع على معنى واحد، الأمر الَّذي يتنافى ونصَّ الوحي الَّذي لا يحتمل اختلافاً أصلاً: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (5) ، هذا هو المقياس لمعرفة وحي السماء، ومن ثمَّ لا يصحّ إسناد هذا الاختلاف إلى النبي (صلّى الله عليه وآله).
ومن ثمَّ استغرب الإمام بدر الدين الزركشي توجيه هكذا قراءات بجعْل القراءتين بمنزلة آيتين، إذ فَرضُ آيتين متناقضتين في القرآن مستحيل إطلاقاً (6) .
من ذلك اختلافهم في قراءة: ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ) (7) ، قرأ حمزة والكسائي:
____________________
(1) المؤمنون: 20.
(2) العلق: 1.
(3) الكشف: ج2، ص127.
(4) راجع الصفحة: 264.
(5) النساء: 82.
(6) راجع البرهان: ج1، ص326.
(7) النساء: 43.
(أو لمستم)، والباقون: (أو لامستم)، وقد بنى الفقهاء نقْض وضوء اللامِس وعدمه على هذا الاختلاف (1) .
وكذلك اختلافهم في جواز وطْء الحائض عند انقطاع الدم وعدمه قبل الاغتسال، ينظر إلى اختلاف قراءة: ( حَتَّىَ يَطْهُرْنَ ) (2) بالتشديد - هي قراءة حمزة والكسائي -، أو بالتخفيف - هي قراءة الباقين - (3) .
ومن ذلك قراءة الكسائي وأبي جعفر: ( أَلاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) (4) بتخفيف (ألا) - استفتاحية - فتدلّ على وجوب السجدة، وقرأ الباقون بالتشديد، قال الفرّاء: فلا تدلّ على الوجوب (5) .
ومن ذلك قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) (6) منصوباً، عطفاً على (أيديكم) دليلاً على وجوب الغَسل، وقرأ الباقون بالخفْض عطفاً على (رؤوسكم) دليلاً على وجوب المسْح (7).
ومن ذلك: ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) (8) أي بعد حين، أو (بعد أمه) أي بعد نسيان.
وكذلك: ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) (9) فعلاً ماضياً؛ ليكون إخباراً عن ماضٍ سبَق، أو فعلِ أمرٍ؛ ليكون طلباً لحصوله بعد ذلك (10) .
وقوله: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ) (11) بتشديد القاف المفتوحة، بمعنى تقبلونه، أو (تلقونه) بكسر اللام وضمّ القاف مخفَّفة، من (وَلق) إذا كذَب (12) .
____________________
(1) البرهان: ج1، ص326. القرطبي: ج5، ص223. الكشف: ج1، 391.
(2) البقرة: 222.
(3) القرطبي: ج3، ص88. الكشف: ج1، ص293.
(4) النمل: 25.
(5) البرهان: ج1، ص326.
(6) المائدة: 6.
(7) الإتحاف: ص198. الكشف: ج1، ص406.
(8) يوسف: 45.
(9) سبأ: 19.
(10) الإتحاف: ص359.
(11) النور: 15.
(12) راجع المرشد الوجيز: ص180.
وقرأ نافع وابن عامر: ( وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (1) بفتح الخاء ماضياً إخباراً عمّا سبق، وقرأ الباقون بصيغة الأمر، إيجاباً على هذه الأمّة (2) .
وقرأ الكسائي: (هل تستطيع ربّك) (3) بتاء الخطاب ونصب (ربّك) بحذف مضاف أي سؤال ربّك، وقرأ الباقون بالياء ورفع (ربّك) فاعلاً (4) ، والقراءتان بظاهرهما متنافيتان.
وقرأ ابن كثير: ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ) (5) بتخفيف الصاد والعين، وقرأ الباقون بالتشديد فيهما، وفي الأُولى محاولة الصعود بلا تكلّف، وفي الثانية تكلّف في الصعود، كأنَّه تكلّف ما لا يطيق شيئاً بعد شيء، وهما متنافيان (6) .
وقرأ ابن عامر: ( زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) (زيِّنَ) مبنيّاً للمفعول، و(قتل) مرفوعاً نائب فاعل، و(أولادهم) منصوباً مفعول المصدر المضاف (قتل)، و(شركاؤهم) بالخفْض مضافاً إليه للمصدر، وهي قراءة ضعيفة، للفصل بين المضافين، وهي لُغة رديئة.
وقرأ الباقون: (زيَّن) مبنيّاً للفاعل، و(قتل) منصوباً مفعولاً به مضافاً إلى (أولادهم) و(شركاؤهم) مرفوعاً فاعل (زيَّن) (7) .
ففي القراءة الأُولى يكون (شركاؤهم) فاعلاً للقتل، وفي الثانية فاعلاً للتزيين، ويكون المشركون هم القاتلين، فكم بينهما من فرق؟.
وقرأ الكوفيّون: ( قَدْ كُذِبُواْ ) (8) بالتخفيف، أي أنَّ المرسَل إليهم ظنُّوا أنَّهم قد كُذبوا فيما أتتهم به الرسُل، وقرأ الباقون بالتشديد، أي ظنَّ الرسُل أنَّ قومهم قد كذَّبوهم، ولا يجتمع المعنَيان (9) .
____________________
(1) البقرة: 125.
(2) الكشف: ج1، ص263.
(3) المائدة: 112، وفي الكتاب العزيز (يستطيع).
(4) الكشف: ج1، ص422.
(5) الأنعام: 125.
(6) الكشف: ج1، ص451.
(7) الكشف: ج2، ص453.
(8) يوسف: 110.
(9) الكشف: ج2، ص15.
القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان:
قال القاضي أبو سعيد فرج بن لب الأندلسي: مَن زعم أنَّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كُفر؛ لأنَّه يؤدّي إلى عدم تواتر القرآن (1) .
هذا كلامه المبالَغ فيه من غير أن يوافقه عليه أحد من المحقِّقين؛ نظراً لعدم تلازم بين الأمرَين، وقد تقدَّم كلام الإمام الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمَّد (صلّى الله عليه وآله)، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفيَّتها (2) .
ولم يشكَّ أحد من المسلمين في تواتر القرآن، في حين أنّه لم يلتزم بتواتر القراءات سوى القليل، وتقدَّم كلام أئمَّة الفنّ في ذلك.
قال الشيخ الزرقاني: الدليل الّذي اعتمده أبو سعيد لا يُسلّم له... للفرْق بين القرآن والقراءات السبع، بحيث يصحّ أن يكون القرآن متواتراً في غير القراءات السبع، أو في القدر الَّذي اتَّفق عليه القرّاء، أو في القدر الذي اتّفق عليه عدد يؤمَن تواطؤهم على الكذِب، قرّاء كانوا أمْ غير قرّاء، بينما تكون القراءات السبع غير متواترة (3) .
قال سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (دام ظله): إنَّ تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات؛ لأنّ الاختلاف في كيفيّة تعبير الكلمة لا ينافي الاتّفاق على أصلها، كما أنَّ الاختلاف في خصوصيات حدَث تاريخيّ - كالهجرة مثلاً - لا ينافي تواتر نفس الحدّ على أنَّ الواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنَّما هو خصوصيّات قراءاتهم، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين، وبنقْل الخلَف عن السلَف، وتحفُّظهم عليه في الصدور وفي الكتابات، ولا دخْل للقرّاء - بخصوصهم - في ذلك أصلاً؛ ولذلك فإنَّ القرآن ثابت التواتر حتّى لو فرضنا أنّ هؤلاء القرّاء
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص435.
(2) البرهان: ج1، ص318.
(3) مناهل العرفان: ج1، ص435.
السبعة، أو العشرة لم يكونوا في عالَم الوجود أصلاً.
إنَّ عظَمة القرآن ورِفعة مقامه أعلى من أن تتوقَّف على نقل أولئك النفَر المحصورين (1) .
وفي كلام سيّدنا الأستاذ - أخيراً - الحجَّة القاطعة على أولئك الَّذين يرون تواتر القرآن من زاوية القراءات السبع فحسب، فيُقصرون النصّ القرآني - الّذي هو كتاب المسلمين قاطبة - في إطار هؤلاء النفَر النزر اليسير، فيا لها من نظرة قاصرة وقصيرة المدى!.
لا شكّ أنَّ القرآن - وهو نصّ الوحي الإلهي الحكيم - متواتر بين المسلمين تواتراً قطعياً، في جميع سوَره وآيهِ وكلماته، كلمة كلمة، بحيث لو أبدلنا كلمة من القرآن أو أبدَلناها من مكانها إلى آخر لاستنكرها المسلمون، ووجدوها شيئاً غريباً عن أسلوب كلام الله العزيز الحميد.
ومن ثمّ فإنّ القراءات الّتي كانت لا توافق نصّ المصحف كانت مستنكَرة لدى المسلمين، العامّة والعلماء، وعدّوها شاذّة منبوذة، وقد تقدّم في الفصل السابق إنكار جماعة من كبار العلماء على قرّاء قرأوا خارج المتعارف، وكذا إنكارات من عامّة المسلمين على قرّاء معروفين كبار، كما لم يُجِز الفقهاء القراءة بها في الصلاة ولا اعتبروها قرآناً من كلام الله المجيد.
وستأتي - في فصل اختيار القراءة الصحيحة - شروط التعرّف إلى القرآن المتواتر، المتسالَم لدى عامّة المسلمين.
* * *
بقي هنا اعتراض: إنّ القراءات إذا لم تكن متواترة جميعاً، فإنّ القرآن يصبح في بعض آيهِ - وهو الّذي اختلفت القراءة فيه - غير متواتر، كما في (مالِكِ)
____________________
(1) البيان: ص173.
و(مَلِك) وقد قُرئ بالوجهين، فأيّهما النصّ؟.
وقد استدلّ ابن الحاجب - في مختصر أصوله - بذلك؛ لإثبات تواتر القراءات السبع (1) ، قال: وإلاّ فيلزم أن يكون بعض القرآن غير متواتر، إذ لو اختلف القرّاء في كلمة، كما في مثل: (غيابة) أو (غيابات)، ومثل: (آية) أو (آيات)، و(ملك) أو (مالك)، ونحو ذلك ممّا قُرئ بوجهين أو بأكثر، فإن التزمنا بتواتر القراءات جميعاً فهو، وإلاّ فأيّ القراءتين تكون قرآناً لتكون الأخرى غير قرآن، وإذا تردَّدنا في ذلك فإنّ معناه الترديد في النصّ الأصلي، وهذا لا يلتئم والقول بتواتر النصّ القرآني.
والجواب: أنّ النصّ الأصلي هو ما ثبَت في المصحف الكريم، والذي أجمعَت الأمّة عليه نصّاً واحداً، إنّما جاء الاختلاف في كيفية قراءته وفي أسلوب التعبير، الأمر الذي لا يتنافى وثبوت تواتر الأصل، كما في كثير من أشعار الشعراء القُدامى، حيث أصل البيت أو القصيدة ثابتة له بالتواتر، وإن كان الرواة مختلفين في بعض الكلمات أو الحركات.
ويزيدنا وضوحاً ما قدَّمناه سابقاً: أنّ اختلاف القرّاء كان عن اجتهاد منهم في تحقيق الكلمة تعبيراً، في حين وحدة النصّ الثابت في المصحف؛ وذلك لأنّ اختلافهم جاء من قِبل عراء المصحف الأوّل عن أي علامة مائزة، وعن الأشكال والنُقَط، بل وعن الألِفات، وربّما زيادات خارجة عن أسلوب الخطّ الصحيح؛ لمكان جهل العرب الأوائل بأصول الكتابة المُتقنة.
فقد كتبوا (مَلك) بميم ولام وكاف، ولكن بما أنّ عادتهم كانت على حذْف الألِفات جرْياً مع مرسوم خطّ السِريان، ومن ثمّ اجتهد بعض القرّاء زاعماً أنّ الكلمة مرسومة على نفس النمط، فقرأها (مالك) بالألف، مستنداً في ذلك إلى
____________________
(1) نقلاً عن البيان: ص174.
تعاليل وحُجج تؤيّد اختياره، فقد قرأ عاصم والكسائي بالألف محتّجين بقوله تعالى: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ) (1) ، وأدلّة أخرى سرَدها أبو محمد بتفصيل (2).
وقرأ الباقون (مَلك) بلا ألف جرياً مع ظاهر الرسم، محتجّين بقوله تعالى: ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ) (3) ، وأدلّة أخرى.
وهكذا كلمة: ( غَيَابَةِ الْجُبِّ ) (4) كان مرسومة هكذا (غيبت الجبّ) قرأها نافع بالألف جمعاً، زاعماً أنّها مرسومة محذوفة الألف في كِلا الموضعين بعد الياء وبعد الباء فقرأها (غيابات)؛ وعللّها بأنّ كلّ ما غاب عن النظر من الجبّ غيابة، وقرأ الباقون مفرداً (غيابة) على ظاهر الخطّ؛ مُعلّلين بأنّ يوسف لم يُلقَ إلاّ في غيابةٍ واحدة (5) .
كما أنّ ( آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (6) كانت مكتوبة (آيت) بلا ألف، ومن ثمّ قرأها ابن كثير بالتوحيد جرياً مع ظاهر الخطّ؛ محتجّاً بأنّ شأن يوسف كلَّه آية واحدة، كما في قوله: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) (7)، وقرأ الباقون (آيات)؛ اعتماداً على أنّ الألف محذوفة، ولانتقال يوسف من حالٍ إلى حال، ففي كلّ حال جرت عليه آية (8).
إذاً فليس اختلاف القراءة بالّذي يضرّ بوحدة النصّ الأصل، الثابت في المصحف الأوّل، ممّا تسالَمت عليه الأمّة عِبر التاريخ.
وقد أخرج ابن أشتة في كتاب (المصاحف)، وابن أبي شيبة في (فضائل القرآن)، من طريق ابن سيرين عن عبيدة السلماني، قال: القراءة الّتي عُرضَت
____________________
(1) آل عمران: 26.
(2) راجع الكشف في القراءات السبع: ج 1، ص25 - 26.
(3) الحشر: 23.
(4) يوسف: 10.
(5) الكشف: ج2، ص5.
(6) يوسف: 7.
(7) المؤمنون: 50.
(8) الكشف: ج2، ص5.
على النبي (صلّى الله عليه وآله) في العام الّذي قُبض فيه، هي القراءة الّتي يقرأها الناس اليوم (1) .
وإلى ذلك أيضاً أشار الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: (القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قِبل الرواة) (2) .
* * *
ولك أن تسأل: إذا اختلفت القراءة في نصّ واحد، فمِن أين يُعرَف النصّ الأصل بعد احتمال الخطّ لكِلتا القراءتين؟.
قلنا: سنشرح - في فصل قادم - شروط اختيار القراءة الصحيحة، الموافِقة للنصّ الأصل، وهي القراءة المشهورة المعروفة بين الناس وتلقَّتها الأمّة بالقبول في جميع أدوارها، ومن ثمّ فإنّ القراءات التي كانت تخرج عن محدودة العُرف العام كانت تقع موضع إنكارهم، وتقدّمت أمثلة على ذلك (3) .
* * *
وسؤال آخر: هل لا يقدح اختلاف مصاحف الأمصار الأوّلية في تواتر النصّ الأصل الواحد؟.
قلت: كلاّ، فإنّ الثبْت الأصل أيضاً من بين تلكُم المصاحف، هو ما أجمَعت عليه الأمّة ووقع موضع اتّفاقهم، وشاع وذاع عِبر التاريخ، وكان ثبْت غيره في سائر المصاحف مهجوراً، ومن ثمّ فهو شاذّ منبوذ.
مثلاً: اختلف مصحف الشام مع مصحف الكوفة، فكان ثبْت الشام: (وأوصى بها إبراهيم). وكان ثبت الكوفة: ( وَوَصَّى ) (4) ، لكنّ الأمّة اعترفت بالثاني ونبذَت الأوّل، وهو دليل قاطع على أنّ الصحيح هو ذاك دون الآخر، ومن ثمّ لا تجوز القراءة وفْق المأثور عن مصحف الشام في خصوص هذه الآية.
وجاء في مصحف المدينة والشام: (سارعوا) بلا واو، وفي مصحف الكوفة
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص50.
(2) الكشف: ج2، ص5.
(3) راجع: ص266.
(4) البقرة: 132.
والبصرة: ( وَسَارِعُواْ ) (1) ، ووقع إجماع الأمّة على الثاني.
وجاء في مصحف المدينة والشام: ( قَالَ الْمَلأُ ) (2) بلا واو، وفي مصحف العراقَين: (وقال الملأ)، ولكن وقع إجماع الأمّة على الأوّل.
وجاء في مصحف المدينة والشام: (هو الّذي ينشركم)، وفي مصحف العراقَين: ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ) (3) ، والإجماع على الثاني، وهكذا... (4).
والخلاصة: إنّ طريقنا إلى معرفة النصّ الأصل هو:إجماع الأمّة في مختلف عصورها وعلى تباين نزعاتها، لكنّها اتّفقت على كتابها الكريم، كلام الله العزيز الحميد، فاحتفظت بنصِّه الأصل متغلّبة على كافّة عوامل الاختلاف في هذا المجال، وما هي إلاّ معجزة قرآنية باهرة: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (5) أي بين أظْهرِكم لا في اللوح المحفوظ، فلم يزل ولا يزال هذا الكتاب الإلهيّ الخالد يشقّ طريقه إلى الأمام، مع الأبدَية بسلام.
الأحرف السبعة والقراءات السبع:
لم نجد من علماء الفنّ مَن يرى أيّ صِلة بين حديث (أُنزلَ القرآن على سبعة أحرف) و(القراءات السبع) المعروفة، نعم، سوى تداوله على ألسِنة العَوام وغوغاء الناس، لا عن مستند معروف، وقد ردّ على هذه المزعومة الشائعة كثير من الأئمّة النقّاد: كابن الجزري، وأبي شامة، والزركشي، وأبي محمد مكّي، وابن تيمية وأضرابهم، ونسبَ ابن الجزري هذا الوهْم إلى الجهَلة العوام ومَن لا عِلمَ له من الغوغاء الطغام (6) .
قال أبو محمد مكّي: فأمّا مَن ظنّ أنّ قراءة كلّ واحد من هؤلاء القرّاء أحد
____________________
(1) آل عمران: 133.
(2) الأعراف: 75.
(3) يونس: 22.
(4) راجع: ص232.
(5) الحجر: 9.
(6) تحبير التيسير: ص 10.
الأحرف السبعة الّتي نصّ النبي (صلّى الله عليه وآله) عليه، فذلك منه غلط عظيم، إذ يجب أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء متروكاً، إذ قد استولَوا على الأحرف السبعة الّتي عند النبي (صلّى الله عليه وآله)، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده (1) .
وقال أبو شامة: ظنّ قوم أنّ القراءات السبع الموجودة الآن هي الّتي أُرديت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنّما يظنّ ذلك بعض أهل الجَهل (2) .
قال: وقد ظنّ جماعة - ممّن لا خبرة له بأصول هذا العِلم - أنّ قراءة هؤلاء الأئمّة السبعة هي الّتي عبّر عنها النبي (صلّى الله عليه وآله) بقوله: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف)، فقراءة كلّ واحد من هؤلاء حرف من تلك الأحرف، ولقد أخطأ مَن نسَب هذا إلى ابن مجاهد (3) .
وقال ابن تيمية: لا نزاع بين العلماء المعتبَرين أنّ الأحرف السبعة - الّتي ذكرها النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ القرآن أُنزل عليها - ليست قراءات القرّاء السبعة المشهورة، بل أوّل مَن جمعَ ذلك ابن مجاهد؛ ليكون ذلك موافقاً لعدد الأحرف التي أُنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء: أنّ القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أنّ هؤلاء السبعة المعيَّنين هم الّذين لا يجوز أن يُقرأ بغير قراءتهم (4) .
ويزيد هذا الوهْم شناعة: أنّه يستدعي أن تبقى الأحرف السبعة التي أجاز النبي (صلّى الله عليه وآله) قراءتها - في المفروض - قابعة في زاوية الخمول مجهولة، حتى ينبُغ من القرّاء هؤلاء السبعة بالخصوص في عصور متأخّرة تدريجيّاً، ثمّ تبقى الأحرف السبعة الّتي أجازها النبي (صلّى الله عليه وآله) لجميع الأمّة في احتكار سبعة من القرّاء فقط.
في حين وجود قرّاء هم أكبر من هؤلاء السبعة قدراً وأعظم شأناً، فلم تسعْهم الأحرف السبعة، وكأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أوصى إلى ابن مجاهد - الّذي جاء في مطلع
____________________
(1) الإبانة لأبي محمّد مكي: ص3. المرشد الوجيز: ص151.
(2) الإتقان: ج1، ص80.
(3) المرشد الوجيز: ص146.
(4) في فتوى له سجَّلها ابن الجزري في النشر: ج1،
القرن الرابع - ليخصِّص هؤلاء السبعة فقط بتلك الأحرف ويحرم الآخرين، سواء السابقين واللاحقين!.
قال أبو محمد الهروي: ولا يتوهّم انصراف حديث السبعة إلى قراءة سبعة من القرّاء يولَدون في عصرٍ متأخّر بسنين؛ لأنّه يؤدّي إلى أن يكون الخبر متعرّياً عن فائدة إلى أن يحدثوا، ويؤدّي إلى أنّه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأوا إلاّ بما علِموا أنّ السبعة من القرّاء يختارونه، قال: وإنّما ذكرناه؛ لأنّ قوماً من العامّة يتعلَّقون به (1) .
وبهذه المناسبة رأينا من الأفضل تخصيص الفصل التالي للتكلّم عن حديث (أُنزل القرآن على سبعة أحرف)؛ استيضاحاً لجانب مدلوله، الذي يبدو مجملاً، قد بلَغت الاحتمالات فيه أربعين وجهاً. أمّا من ناحية السند فلم يثبت عندنا.
تلخيص البحث:
وتلخصّ من مجموع بحوثنا المتقدّمة: أنّ إثبات تواتر القراءات عن النبي (صلّى الله عليه وآله) شيء يبدو مستحيلاً.
أوّلاً: لا دليل على ذلك، ودون إثباته تُسكَب العبَرات على حدّ تعبير أبي شامة (2) .
وثانياً: إنَّ لاختلاف القراءات عوامل ذاتية - شرحناها في فصلٍ سابق - كانت هي السبب لنشوء الخلاف بين القرّاء.
وثالثاً: إنّ أسانيد القرّاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) أسانيد آحاد موجودة في كتُب القراءات، ولم يكن شيء منها متواتراً حسب المصطلح.
هذا، فضلاً عن الشكّ في أكثرية هذه الأسانيد الّتي يبدو عليها أثَر الوضْع والاختلاق، ولعلّها أسانيد تشريفية مصطنعة من غير أن يكون لها واقع.
____________________
(1) في كتابه (الكافي). راجع البرهان: ج1، ص330.
(2) المرشد الوجيز: ص178.
ورابعاً: إنكارات علماء الأمّة وزعماء الملّة على قراءات كثير من القرّاء المرموقين؛ لدليلٌ على أنّها ليست متواترة عندهم، وإلاّ فكيف يجرُؤ مسلم أن يردّ قراءةً هي متواترة عن النبي (صلّى الله عليه وآله)؟!.
وخامساً: وجود قراءات شاذّة عن السبعة ينفي تواتر قراءاتهم فرداً فرداً.
وسادساً: استناد القرّاء إلى حُجج وتعاليل اعتباريّة نظرية؛ لدليلٌ على أنّ اختياراتهم كانت اجتهادات، وإلاّ فلو ثبتت قراءاتهم بالتواتر لم يكن حاجة إلى تعليل اعتباري.
وسابعاً: وجود التناقض بين القراءات ينفي تواترها عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، إذ نصّ الوحي لا يحتمل اختلافاً.
وثامناً: لا ملازمة بين مسألة (تواتر القرآن) المعترف بها لدى الجميع، وبين مسألة (تواتر القراءات) التي لم يلهج بها سوى المقلّدة الرعاع.
وتاسعاً: لا علاقة بين حديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) وقراءة القرّاء السبعة، وإنّما هي شُبهة وقع فيها بعض العوام الأغبياء - على حدّ تعبير الإمام أبي الفضل الرازي - (1) ، والحمد لله أوّلاً وأخيراً.
وإليك الآن البحث عن حديث الأحرف السبعة:
* * *
____________________
(1) راجع النشر: ج1، ص43.
حديثُ الأحرف السبعة
- الحديث في روايات أهل البيت (عليهم السلام).
- الحديث في روايات أهل السنّة.
- مناقشة إجمالية في مدلول الحديث.
- اختيار تفسير (الأحرف) باللهجات.
حديثُ الأحرُف السبْعة
الحديث في روايات أهل البيت (عليهم السلام):
1 - روى أبو جعفر الصدوق بسندٍ فيه محمّد بن يحيى الصيرفي - وهو مجهول - عن حمّاد بن عثمان عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه) (1) .
وفسَّر العلماء الأحرف في هذا الحديث بمعنى البطون، أي كلّ آية تحتمِل وجوهاً من المعنى، وإن كانت ربّما تخفى على العامّة، لكنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) يعرفها، فيفتي عليها.
2 - وروى أيضاً بسنَدٍ آخر، فيه: أحمد بن هلال - وهو غالٍ متَّهم في دينه - عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن آبائه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أتاني آتٍ من الله فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحد، فقلت: يا ربّ، وسِّع على أمّتي، فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف) (2) .
والأحرف في هذا الحديث هي اللهجات العربية المختلفة، كما يأتي في
____________________
(1) الخصال: باب السبعة رقم 43، ج2، ص358.
(2) المصدر السابق.
أحاديث أهل السنّة بنفس المضمون، مراداً بها نفس المعنى، فقد وسّع الله على هذه الأمّة أن تقرأ القرآن بلهجاتها المختلفة على ما سنذكر.
3 - وروى محمّد بن الحسن الصفّار، بسند فيه ترديد، هكذا: عن ابن أبي عمير أو غيره، عن جميل بن درّاج عن زرارة عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (تفسير القرآن على سبعة أحرف، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، ذلك تعرفه الأئمَّة) (1).
وهذا الحديث كالحديث الأوّل، مراداً بالأحرف هي الوجوه الّتي تحتملها الآية الواحدة، المعبّر عنها بالبطون في سائر الأحاديث.
4 - وروى أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني مرسلاً عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (أُنزل القرآن على سبعة أقسام، كلّ منها شافٍ كافٍ، وهي: أمْرٌ، وزجْرٌ، وترغيب، وترهيب، وجدَل، ومَثل، وقصص...) (2) .
هذا الحديث تفسير للأحرف السبعة بفنون من الكلام اشتمل عليها القرآن الكريم، كما جاء التصريح به أيضاً في حديث ابن مسعود وأبي قلابة الآتي.
قال المحدّث الفيض الكاشاني: والتوفيق بين هذه الروايات أن يقال: إنّ للقرآن سبعة أقسام من الآيات، وسبعة بطون من المعاني، لكلّ آية، ونزل على سبع لُغات - أي لهجات -) (3) .
تلك أحاديث (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) مروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، لكن بأسانيد لم تثبت وثاقتها، كما نبّه عليه سيّدنا الأستاذ، ومن قبْله شيخه الحجّة البلاغي، وغيرهما.
* * *
____________________
(1) بصائر الدرجات: ص196.
(2) رسالة النعماني - في صنوف آي القرآن - ونُسبت أيضاً إلى سعد بن عبد الله الأشعري والشريف المرتضى. (راجع بحار الأنوار: ج93، ص4 و97).
(3) تفسير الصافي: ج1، ص40 المقدّمة الثامنة.
الحديث في روايات أهل السُنّة:
وأمّا من طُرُق الجماعة فأحسن مَن جمَع مختلف أحاديثها هو: الإمام شهاب الدين أبو شامة المقدسي، ذكرها في الباب الثالث من كتابه (المرشد الوجيز) .
قال: الفصل الأوّل في سرْد الأحاديث في ذلك:
1 - ففي الصحيحَين عن ابن شهاب قال: حدّثني عبيد الله بن عبد الله، أنّ عبد الله بن عبّاس حدّثه أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (أقرأني جبرائيل (عليه السلام) على حرفٍ واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف) (1) .
2 - وفيهما عن ابن شهاب أيضاً أنّ: عُمَر سمع هشام بن الحكم يقرأ في صلاته على حروف لم يكن يعرفها، فأتى به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: (كذلك أُنزلت، إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسّر منه) (2) .
3 - وعن أُبيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتُها، فدخلنا جميعاً على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودخل ثالث، فقرأ كلّ واحد منّا غير قراءة صاحبه، فجعل النبي (صلّى الله عليه وآله) يُحسّن الجميع، فدخلَني من ذلك شكّ، ولمّا رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) ما قد غشيَني ضربَ في صدري، ففضْتُ عرَقاً (3) فقال: (يا أُبيّ، إنّ ربّي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، فرددتُ إليه أن هوِّن على أُمّتي، فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددتُ إليه، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف) (4) .
4 - وعن أُبيّ بن كعب أيضاً قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يا أُبيّ، إنّي أقرأت
____________________
(1) هذا الحديث رواه البخاري: ج6، ص227، ومسلم: ج2، ص202.
(2) البخاري: ج6، ص228. مسلم: ج2، ص202.
(3) وفي رواية: فوجدتُ في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمرّ وجهي، فعرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وجهي فضرب في صدري (تفسير الطبري: ج1، ص14).
(4) صحيح مسلم: ج2، ص203. مسند أحمد: ج5، ص127.
القرآن على حرف وحرفين وثلاث حتّى بلغَت سبعة أحرف)، ثمّ قال: ليس منها إلاّ شافٍ كافٍ، إن قلت: سميعاً عليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تُختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (1) .
5 - وعنه أيضاً: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقيَ جبرئيل فقال له: (إنّي بُعثت إلى أُمّة أُمّيّين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قطّ، قال: يا محمد، إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف) (2) .
6 - وعن أبي جهيم الأنصاري: أنّ رجُلين اختلفا في آية من القرآن، فمشيا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: (إنّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا فيه؛ فإنّ مراء في القرآن كفر) (3) .
7 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (نزل القرآن على سبعة أحرف، عليماً حكيماً، غفوراً رحيماً) (4) .
8 - وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أُنزل القرآن على سبعة أحرف، لكلّ حرف منها ظَهْر وبطْن، ولكلّ حرف حدّ، ولكلّ حدّ مطلع) (5).
9 - وعنه أيضاً قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أُنزل القرآن على سبعة أحرف، فالمراء فيه كفر - بثلاث مرّات - فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردّوه إلى عالِمه) (6) .
10 - وعن زيد بن أرقم قال: جاء رجُل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود، وزيد، وأُبيّ فاختلفت قراءتهم، بقراءة أيّهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: وعلي (عليه السلام) إلى جنْبه، فقال علي: (ليقرأ كلُّ إنسان كما عُلّم، كلّ
____________________
(1) سُنن أبي داود: ج2، ص102.
(2) سُنن الترمذي: ج5، ص194، رقم 2944.
(3) سنن البيهقي: ج1، ص372، في شعب الإيمان. مسند أحمد: ج4، ص169.
(4) المصنّف: ج2، ص61.
(5) تفسير الطبري: ج1، ص9.
(6) نفس المصدر السابق.
حسَن جميل) (1) .
وفي حديث عبد الله: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أسرّ إلى عليّ (عليه السلام)، فقال عليّ: (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمركم أن يقرأ كلّ رجُل منكم كما عُلّم). فانطلقنا وكلّ رجل منّا يقرأ حروفاً لا يقرأها صاحبه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد (2) .
11 - وروي عن ابن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زجرٌ، وأمرٌ، وحلال، وحرام، ومحكَم، ومتشابه، وأمثال...) (3) .
12 - وعن أبي قلابة قال: بلغني أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (أُنزل القرآن على سبعة أحرف: أمرٌ، وزجرٌ، وترغيب، وترهيب، وجدَل، وقصص، ومثَل) (4) .
مناقشة إجمالية في مدلول الحديث:
تلك جُلّ أحاديث الجماعة، ادّعوا تواترها (5) ، لكنّها مختلفة المدلول بما لا يلتئم ومصطلح التواتر، الذي عمَدته وحدة المضمون في الجميع، ومن ثمّ فإنّ الأحاديث المذكورة تنقسم إلى أربع طوائف:
الأُولى: تعني اختلاف اللهجات في التعبير والأداء، وهي الأحاديث رقم: 1 و2 و3 و 5 و6 و 10.
الثانية: تعني جواز تبديل الكلمات المترادفة بعضها مكان بعض، كالحديث رقم: 4 و 7.
الثالثة: تعني اختلاف معاني الآيات، فكلّ آية تحتمل معاني، بعضها ظَهْر وبعضها بطْن، كالحديث رقم: 8 و 9.
____________________
(1) تفسير الطبري: ج1، ص10.
(2) المستدرك: ج2، ص223 - 224.
(3) تفسير الطبري: ج1، ص23.
(4) المصدر السابق: ص24.
(5) راجع النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ج1، ص21.
الرابعة: تعني تنوّع الآيات إلى أبواب سبعة كالحديث رقم: 11 و 12.
غير أنّ الكثرة مع الطائفة الأُولى، وإليها انصرفت وجْهة نظر العلماء بشأن الأحرف السبعة الّتي أجاز النبي (صلّى الله عليه وآله) قراءة القرآن بها، أمّا الطوائف الأُخَر فشاذّة أو باطلة رفَضها أئمّة التحقيق.
وأحسن مَن تكلّم في هذا الموضوع هو: الإمام ابن الجزري، تكلّم عن أحاديث السبعة في عشرة وجوه، استوعب الكلام فيها بإسهاب (1) ، والأجدر هو البحث عن أحاديث السبعة بالتكلّم في كلّ طائفة بما يخصّها من كلام وتمحيص، وإليك إجماليّاً.
اختيار تفسير الأحرُف باللَهْجات:
أمّا الطائفة الأُولى - وتعني اختلاف اللهجات - فتوسعة على الأمّة في قراءة القرآن، فإنّ البَدَوي لا يستطيع النُطق كالحضري، ولا الأمّي يتمكّن في تعبيره كالمثقّف الفاضل، ولا الصغير كالكبير، ولا الشيخ كالشابّ، فضلاً عن اختلاف لهجات القبائل في تعبير كلمة واحدة، بما تعجز كلّ قبيلة عن النُطق بغير ما تعوّدت عليه في حياتها، وهكذا اختلاف أُمم غير عربية في القدرة على النطق بالألفاظ العربية، فلو كانت الأمّة الإسلامية على مختلف شعوبها مكلّفة بالنطق على حدٍّ سواء؛ لكان ذلك من التكليف بغير المستطاع، و ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) (2) .
وقد روى الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (إنّ الرجل الأعجميّ من أمّتي ليقرأ القرآن بعجميّته، فترفَعه الملائكة على عربيّته) (3) .
وهذا هو معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): (إنّي بُعثت إلى أُمّة أُمّيّين، منهم العجوز، والشيخ
____________________
(1) راجع النشر: ج1، ص21 - 54.
(2) البقرة: 286.
(3) وسائل الشيعة: ج4، ص866.
الكبير، والغلام، والجارية، والرجُل الذي لم يقرأ كتاباً قطّ) (1)، فرخّص لأُمّته أن يقرأوا القرآن على سبعة أحرف، على اختلاف لهجاتهم، لا يُكلَّفون لهْجة خاصّة هم عاجزون عنها.
وقوله في رواية أخرى: (فاقرأوا كيف شئتم - أي كيفما استطعتم - أو قوله: يقرأ كلّ رجُل منكم كما عُلّم) - أي كما يُحسِنه حسب معرفته ومقدرته في التعبير والأداء - ( 2) .
ومن ذلك ما رواه أبو العالية قال: قرأ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من كلّ خمسٍ رجُل، فاختلفوا في اللغة - أي في اللهجة - فرضيَ قراءتهم كلّهم فكان بنو تميم أعرَب القوم (3) .
قال ابن قتيبة: فكان من تيسيره تعالى أن أمَره (صلّى الله عليه وآله) بأن يُقرئ كلّ قوم بلُغتهم وما جرت عليه عادتهم:
فالهذلي يقرأ (عتّى حين) يريد ( حَتَّى حِينٍ ) (4) ؛ لأنّه هكذا يلفظ بها ويستعملها.
والأسدي يقرأ: (تعلمون) و(تعلم) بكسر تاء المضارعة، و ( وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) (5) بكسر التاء، و ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ) (6) بكسر الهمزة في (أعهد).
والتميمي يهمز، والقرَشي لا يهمز، والآخر يقرأ ( قِيلَ ) (7) و ( غِيضَ ) (8) بإشمام الضمّ مع الكسر، و ( رُدَّتْ ) (9) بإشمام الكسر مع الضمّ، و ( مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا ) (10) بإشمام الضمّ مع الإدغام، وهذا ما لا يُطوّع به كلُّ لسان.
____________________
(1) سُنن الترمذي: ج5، ص194، رقم 2944.
(2) راجع تأويل مشكل القرآن: ص34.
(3) تفسير الطبري: ج1، ص15.
(4) المؤمنون: 54.
(5) آل عمران: 106.
(6) يس: 60.
(7) البقرة: 11.
(8) هود: 44.
(9) يوسف: 65.
(10) يوسف: 11.
ولو أنّ كلّ فريق من هؤلاء أُمر أن يزول عن لُغته وما جرى عليه اعتياده - طفلاً، وناشئاً، وكهلاً - لاشتدّ ذلك عليه وعظُمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلاّ بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليلٍ للّسان، وقطعٍ للعادة. فأراد الله برحمته ولُطفه أن يجعل لهم متّسعاً في اللغات ومتصرّفاً في الحرَكات، كتيسيره عليهم في الدِين (1) .
قال ابن يزداد الأهوازي: وجاء عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وابن عبّاس، أنّهما قالا: نزل القرآن بلُغة كلّ حيٍّ من أحياء العرب.
وفي رواية عن ابن عباس: أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يُقرئ الناس بلُغة واحدة، فاشتدّ ذلك عليهم، فنزل جبرائيل، فقال: (يا محمّد، أقرئ كلّ قوم بلُغَتهم).
قال أبو شامة: هذا هو الحقّ؛ لأنّه أُبيح أن يقرأ بغير لسان قريش توسعةً على العرب، فلا ينبغي أن يوسّع على قوم دون قوم، فلا يكلّف أحد إلاّ قدر استطاعته، فمَن كانت لُغَتُه الإمالة، أو تخفيف الهمز، أو الإدغام، أو ضمّ ميم الجمْع، أو صِلة هاء الكناية، أو نحو ذلك، فكيف يكلّف غيره؟ وكذا كلّ مَن كان من لُغته أن ينطق بالشين الّتي كالجيم في نحو: أشدق، والصاد التي كالزاي في نحو: مصدر، والكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، ونحو ذلك، فهم في ذلك بمنزلة الألثغ (2) والأرتّ (3) لا يُكلَّف ما ليس في وسْعه، وعليه أن يتعلّم ويجتهد (4) .
هذا ما نختاره في تفسير الأحرف السبعة، باختلاف لُغات العرب أي لهجاتهم في التعبير والأداء، وقد مرّ تفسير السيوطي (اللّغة) بكيفية النُطق بالتلاوة، من: إظهار، وإدغام، وتفخيم، وترقيق، وإمالة وإشباع، ومدّ، وقصر، وتشديد، وتليين، وتحقيق، ونحو ذلك (5) .
والحرف - في اللغة -: الطرَف، والناحية، والشفير، قال ابن
____________________
(1) تأويل مشكل القرآن: ص39 - 40.
(2) الألثغ: مَن كان بلسانه لثغة، أي قلبَ السين ثاء أو الراء غيناً.
(3) الأرتّ: مَن كان في لسانه رتّة، أي: عُجمة وعدم إفصاح.
(4) المرشد الوجيز: ص96 - 97.
(5) الإتقان: ج1، ص46.
سيدة: فلان على حرفٍ من أمره، أي ناحية منه، إذا رأى شيئاً لا يعجبه عَدَل عنه، وفي التنزيل العزيز: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) (1) ، أي إذا لم يرَ ما يحبّ انقلب على وجهه.
وروى الأزهري عن أبي الهيثم، قال: أمّا تسميَتهم الحرف حرفاً، فحرف كلّ شيء ناحيته: كحرف الجبل، والنهر، والسيف وغيره.
فالكلمة إذا كانت تُعبّر بوجوه فكلّ وجه لها حرف؛ لأنّ وجه الشيء طرَفه وجانبه الّذي يبدو منه، وبما أنّ القراءة - وهي كيفية في تعبير الكلمة - وجه من وجوه تعبير اللفظ فهي حرف، والجمع أحرُف.
وروى الأزهري أيضاً عن أبي العبّاس أنّه سُئل عن قوله (صلّى الله عليه وآله): (نزل القرآن على سبعة أحرف)، فقال: ما هي إلاّ لُغات. قال الأزهر: فأبو العبّاس النحوي - وهو واحد عصره - قد ارتضى ما ذهب إليه أبو عبيد واستصوَبه (2) .
واللغات: هي لغات العرب، أي لهجاتهم في كيفية التعبير والأداء.
قال البغوي: أظهر الأقاويل وأصحّها وأشبهها بظاهر الحديث: أنّ المراد من هذه الحروف اللُغات، وهو أن يقرأ كلُّ قوم من العرب بلُغَتهم وما جرت عليه عادتهم، من: الإدغام، والإظهار، والإمالة، والتفخيم، والإشمام، والإتمام، والهمز، والتليين، وغير ذلك من وجوه اللغات، إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة (3) .
* * *
أمّا الأحاديث من الطّائفة الثانية: فتعني جواز تبديل الكلمة إلى مرادفتها على شريطة التحفّظ على صُلب المراد، ولا تتبدّل آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة.
وقد عُرف ابن مسعود - وكذا أُبيّ بن كعب - بذهابه إلى جواز هذا التبديل.
____________________
(1) الحجّ: 11.
(2) لسان العرب: مادة (حرف).
(3) شرح السنّة: ص140. وراجع المرشد الوجيز: ص134.
قال: لقد سمعت القرّاء ووجدتهم متقاربين، فاقرأوا كما عُلّمتم، فهو كقولكم: هلمّ وتعال (1) .
وكان ابن مسعود يعلِّم رجلاً أعجميّاً القرآن، فقال: ( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ ) (2) فكان الرجل يقول: (طعام اليتيم) ولم يستطع أن يقول: (الأثيم)، فقال له ابن مسعود: قُل: طعام الفاجر، ثمّ قال: إنّه ليس من الخطأ في القرآن أن يُقرأ مكان (العليم) (الحكيم)، بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب (3) .
وكان يستبدل من إلياس إدريس، ويقرأ: (سلام على إدراسين) (4) .
وقرأ: (أو يكون لك بيت من ذهب) بدل ( مِّن زُخْرُفٍ ) (5) .
وقرأ: (كالصوف المنقوش) بدل ( كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) (6) .
وقرأ: (إني نذرت للرحمان صمتاً) بدل ( صَوْماً ) (7).
وهكذا قرأ أُبيّ بن كعب: (كلّما أضاء لهم مرّوا فيه) و(سعوا فيه) بدل ( مَّشَوْاْ فِيهِ ) (8) ، وكان يقول: إن قلت: غفوراً رحيماً أو قلت: سميعاً عليماً أو عليماً سميعاً، فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب (9) .
وتبِعَهما في ذلك أنس وأبو هريرة أيضاً، قرأ أنس: (إنَّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأً وأصوب قيلاً)، فقيل له: يا أبا حمزة، إنّما هي ( وَأَقْوَمُ قِيلاً ) ، فقال: (أقوم) و(أصوب) و(أهدى) واحد (10) ، وكان أبو هريرة يجوِّز تبديل (عليماً حكيماً)
____________________
(1) مُعجَم الأُدَباء: ج4، ص193، رقم 33، وقد تقدّم في ص173.
(2) الدخان: 43 و44.
(3) تفسير الرازي: ج2، ص213.
(4) تفسير الطبري: ج23، ص96، والمقصود آية 130 من سورة الصافّات.
(5) المصدر السابق، والمقصود آية 93 من سورة الإسراء.
(6) تأويل مشكل القرآن، ص19، والمقصود آية 5 من سورة القارعة.
(7) تذكرة الحفّاظ: ج1، ص340، والمقصود آية 26 من سورة مريم.
(8) الإتقان: ج1، ص47، والمقصود آية 20 من سورة البقرة.
(9) البلاغي في مقدّمة تفسير شبّر: ص 20 نقلاً من كنز العمّال.
(10) تفسير الطبري: ج1، ص18، والآية 6 من سورة المزّمّل.
إلى (غفوراً رحيماً) (1) .
هذا، ولكنّه مذهب فاسد في رأي المحقّقين، ومن ثمّ رفَضه جمهور المسلمين طول التاريخ؛ إذ لكلّ كلمة موقعية خاصّة لا تناسبها كلمة أخرى، حتى ولو كانت مرادفة لها، فضلاً عن غير المرادفة، إذ موضع استعمال (العليم الحكيم) مثلاً يختلف عن موضع استعمال (الغفور الرحيم).
وهكذا جميع الكلمات المترادفة في لغة العرب، لكلِّ واحدة منها موقعية خاصّة، إذا لاحظها المتكلّم كان كلامه بديعاً، وبذلك يُعرف الفصيح عن غير الفصيح، وقد بلَغ القرآن في هذه الناحية حدّ الإعجاز، فإنّه فاقَ الفُصحاء العرب في تعيين مواقع الكلمات المتناسبة، بما أعجزهم وأخضعهم للاعتراف ببلاغته الخارقة.
إذاً فيكف نجيز لآحاد المسلمين أن يستبدلوا من كلمات القرآن بما يترادف معها من سائر الكلمات، وهل يعرف أحد - كحدّ معرفته تعالى - بموقعية الكلمات بعضها من بعض البالغة حدَّ الإعجاز؟!.
قال سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه): فهذا الاحتمال - أي احتمال جواز تبديل كلمات القرآن إلى مرادفاتها - يوجب هدْم أساس القرآن، المعجزة الأبدية والحُجَّة على جميع البشَر، ولا يشكّ عاقل في أنّ ذلك يقتضي هجْر القرآن المُنزَل وعدم الاعتناء بشأنه، وهل يتوهّم عاقل ترخيص النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يقرأ القارئ (يس والذِكر العظيم، إنّك لمِن الأنبياء، على طريق سويّ، إنزال الحميد الكريم؛ لتخوِّف قوماً ما خوِّف أسلافهم فهم ساهون)...! فلتقرّ عيون المجوِّزين لذلك! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وروي أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علَّم براء بن عازب دعاءً كان فيه: (ونبيّك الذي أرسلتَ)،
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص47.
فقرأ براء: (ورسولك الّذي أرسلت) فأمره (صلّى الله عليه وآله) أن لا يضع الرسول موضع النبيّ، قال سيّدنا الأستاذ: فإذا كان هذا شأن الدعاء فما بالُك بالقرآن، وهو كلام الله المنزَل الخالد... (1) .
ولعلّ إنكار الإمام الصادق (عليه السلام) لحديث السبعة، ناظر إلى تفسيره بهذا المعنى المخرِج للقرآن عن نصِّه الأصل المعجِز، فقد سأل الفضيل بن يسار الإمام (عليه السلام)، عن هذا الحديث، فقال: (كذَبوا أعداء الله، ولكنَّه نزل على حرفٍ واحد من عند الواحد) (2) .
* * *
أمّا الطائفة الثالثة والرابعة: فلا بأس بهما ذاتيّاً لو صحّت أسانيدهما، غير أنّ الأصحّ حسب الظاهر هي الطائفة الأُولى، الَّتي عنَت من الأحرف اختلاف لهجات العرب في التعبير والأداء.
والمقصود من السبعة هي: الكثرة النسبية كما في قوله تعالى: ( وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) (3) ، وكالسبعين في قوله تعالى: ( إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) (4) .
ملحوظة: اختلاف اللهجة في تعبير الكلمة إذا لم يصل إلى حدّ اللَحْن في المقياس العامّ فجائز، اللهمّ إلاّ للعاجز عن النُطق بالصحيح، أمّا المتمكّن - ولو بالتعلّم - فلا تجوز له القراءة الملحونة.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (تعلَّموا القرآن بعربيَّته، وإيّاكم والنبْز فيه) (5) .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (تعلَّموا العربيّة؛ فإنّها كلام الله الّذي كلّم به خلْقه،
____________________
(1) البيان: ص197 - 198.
(2) الكافي: ج2، ص630.
(3) لقمان: 27.
(4) التوبة: 80.
(5) وسائل الشيعة: ج4، ص865، وسيجيء في صفحة 392 أنّ الصحيح هو النبْر بالراء المهملة.
ونطقَ به في الماضين) (1) .
وقال الإمام الجواد (عليه السلام): (ما استوى رجُلان في حسَب ودِين قطّ إلاّ كان أفضلهما عند الله عزّ وجلّ أأدبهما، قيل له: قد علِمنا فضْله عند الناس في النادي والمجلس فما فضله عند الله؟ قال: بقراءة القرآن كما أُنزل، ودعائه من حيث لا يُلحِن، فإنّ الدعاء الملحون لا يَصعد إلى الله) (2) .
وأمّا العاجز فيكفيه ما يُحسنه، ولا يكلِّف الله نفساً إلاّ وسْعها، وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) - يرويه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) -: (إنّ الرجُل الأعجميّ من أُمّتي لَيقرأ القرآن بعجميَّته، فترفعه الملائكة على عربيَّته) (3) .
* * *
____________________
(1) وسائل الشيعة: ج4، ص865.
(2) المصدر السابق: ص866.
(3) المصدر السابق: ص866.
القراءات
- أنواع اختلاف القراءات.
- تدوين القراءات المشهورة.
- حصْر القراءات في السبع.
- استنكارات لموقف ابن مجاهد.
- القرّاء السبعة ورُواتهم.
- ملحوظات قصيرة.
- حفْص وقراءتنا الحاضرة.
- صِلة الشيعة بالقرآن الوثيقة.
القراءات
أنواع اختلاف القراءات:
أنواع اختلاف القراءات ربَّما تفوق الحصْر: كالاختلاف في الحرَكات الإعرابية والبنائية، والتقديم والتأخير، والزيادة والنقصان، والمدِّ والقصْر، والتخفيف والتشديد، والترقيق والتفخيم، والإخفاء والإظهار، والفكِّ والإدغام، والإمالة والرَوم، والإشمام على اختلاف أنواعه، وغير ذلك ممّا فصّلتها كتب القراءات، وحصل الاختلاف فيها بين أئمَّة القرّاء، السلَف والخلَف.
وبعض المؤلّفين حاول حصرها في سبعة أنواع، لا عقيدةً بأنَّها الأحرف السبعة التي جاءت في الحديث، ولعلَّه تيمَّن بهذا العدد الذي جاء في كلام الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لكنّه تكلّفٌ ظاهر، ونحن نذكر نموذجاً من تِلكُم المحاولات، حيث الاطِّلاع عليها لا يخلو عن فائدة.
قال ابن قتيبة: وقد تدبَّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
الأوَّل: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يُزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغيِّر معناها، نحو قوله تعالى: ( هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ
لَكُمْ ) (1) برفع (أطهر) ونصبه (2) .
وقوله تعالى: ( وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ ) (3) و(هل يجازي) بياء الغائب مبنيّاً للمفعول (4) .
وقوله تعالى: ( وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) (5) بضمّ الباء وسكون الخاء، و(البخل) بفتح الباء والخاء (6) .
وقوله تعالى: ( فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) (7) بفتح السين، و(ميسرة) بضمّ السين (8) .
الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغيِّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، نحو قوله تعالى: ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) (9) فِعل طلَب، وقرأ يعقوب: (ربُّنا باعد) فِعل ماض (10) .
وقوله تعالى: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ) (11) بتشديد القاف، و(تلقونه) بالتخفيف (12) .
____________________
(1) هود: 78.
(2) الثانية قراءة الحسن، ويراها سيبويه لحناً. (راجع كتاب سيبويه: ج1، ص397، والقراءات الشاذة لابن خالويه، ص 60، والبحر المحيط، ج5، ص247، والقرطبي: ج9، ص76)، وقد مرّ في ص 263 أنّها قراءة مروان.
(3) سبأ: 17، بنون المتكلّم مع الغير مبنياً للفاعل، هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي (الإتحاف: ص359).
(4) هي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. (الإتحاف: ص359).
(5) النساء: 37.
(6) هي قراءة حمزة والكسائي، والأُولى قراءة الباقين. (الإتحاف: ص190).
(7) البقرة: 280.
(8) الثانية قراءة نافع، والأُولى قراءة الباقين. (الإتحاف: ص166، وانظر القراءات الشاذّة لابن خالويه: ص17، والكشّاف: ج1، ص168).
(9) سبأ: 19.
(10) الإتحاف: ص331. والقراءات الشاذّة: ص121.
(11) النور: 15.
(12) الثانية قراءة ابن السميقع. (القرطبي: ج12 ص 204، القراءات الشاذّة: ص100).
وقوله: ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) (1) وقرئ: (أَمَه) بهمزة وميم مفتوحتين ثالثهما هاء (2) .
الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يغيِّر معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: ( وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ) (3) و(ننشرها) (4) .
وقوله: ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) (5) و(إذا فرغ) (6).
وقوله: ( يَقُصُّ الْحَقَّ ) (7) و(يقضي الحقّ) (8).
الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها، نحو قوله: ( إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ) (9) و(زقِيةً واحدة) (10).
وقوله: ( كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) (11) و(كالصوف المنفوش) (12) .
الخامس: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها، نحو قوله: ( وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ) (13) و(طلعٍ منضود) (14) .
____________________
(1) يوسف: 45.
(2) الثانية منسوبة إلى ابن عبّاس. (القرطبي: ج9، ص201، القراءات الشاذّة: ص64).
(3) البقرة: 259.
(4) الأُولى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي، والثانية قراءة الباقين (الإتحاف: ص162).
(5) سبأ: 23.
(6) الثانية قراءة الحسَن. (القراءات الشاذّة: ص122، الإتحاف: ص360).
(7) الأنعام: 57.
(8) الأُولى قراءة نافع وابن كثير وعاصم، والثانية قراءة الباقين. (القرطبي: ج6، ص439)، وهذه الفقرة ذكرها الزركشي، ولم تكن في لفظ ابن قتيبة. (راجع البرهان: ج1، ص335).
(9) يس: 29.
(10) الثانية قراءة ابن مسعود. (الكشّاف: ج2، ص251).
(11) القارعة: 5.
(12) الثانية قراءة ابن مسعود. (الكشّاف: ج2، ص558).
(13) الواقعة: 29.
(14) الثانية منسوبة إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). (القراءات الشاذّة: ص151، وراجع القرطبي: ج17، ص208. ومرّت في ص216).
السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو قوله: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) (1) و(جاءت سكرة الحقّ بالموت) (2) .
السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) (3) و(ما عملت أيديهم) (4) .
وقوله تعالى: ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (5) و(فإنَّ الله الغنيّ الحميد) (6) .
وقوله: ( إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ ) (7) بزيادة (أُنثى) (8) .
وقوله: ( إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ) (9) بزيادة (من نفسي فكيف أُظهركم عليها) (10) .
وقوله: ( تَجْرِي تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (11) و(تجري من تحتها الأنهار) (12) .
____________________
(1) ق: 19.
(2) الثانية قراءة أبي بكر عندما حضرته الوفاة، في قصّة مع ابنته عائشة. (راجع القرطبي: ج17، ص 12 - 13، والقراءات الشاذّة، ص 144).
(3) يس: 35.
(4) الثانية في مصاحف أهل الكوفة. (راجع الكشّاف: ج2، ص252).
(5) الحديد: 24.
(6) الثانية قراءة نافع، وفْق مصاحف أهل المدينة والشام. (الكشّاف: ج2، ص437).
(7) ص: 23.
(8) هي قراءة الحسن َ، وتنسب إلى ابن مسعود أيضاً. (راجع القراءات الشاذّة لابن خالويه: ص 130، وتفسير الطبري: ج23، ص91، والكشّاف: ج2 ص281).
(9) طه: 15.
(10) قال ابن خالويه في القراءات الشاذّة: هي قراءة أُبي بنَ كعب (إلى هنا ينتهي ما أورده ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: ص 36 - 38).
(11) التوبة: 100.
(12) الثانية قراءة ابن كثير. (الإتحاف: ص244)، وهذه الزيادة من الزركشي. (راجع البرهان: ج1، ص336).
وأورد ذلك كلّه الإمام بدر الدين الزركشي في برهان (1) ، بلا ذِكر المصدر الأصل، والقرطبي في تفسيره عن القاضي ابن الطيّب مختزلاً (2) ، وابن الجزري في النشر تأييداً لِمَا ذكره قريباً منه، قال: (ثمّ وقفت على كلام ابن قتيبة وقد حاول ما حاولنا بنحوٍ آخر...) (3) .
وأخذ ابن الجزري على ابن قتيبة تمثيله بطلعٍ وطلحٍ؛ لأنّ ذلك لا تعلّق له باختلاف القراءات.
قلت: ولعلّ ابن الجزري نظر في ذلك إلى رواية الطبري: قرأ رجُل عند علي (عليه السلام): ( وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ) (4) ، فقال (عليه السلام): (ما شان الطلح، إنّما هو طلع، ثمّ قرأ (عليه السلام): ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) (5) ، أو قرأ: ( وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ) (6) فقيل له: ألا تحوّلها؟ فقال: إنّ القرآن لا يُهاج اليوم ولا يُحوّل) (7) .
فالرواية لا تذكر أنّ الإمام (عليه السلام) قرأ ذلك.
لكن ذكَر ابن خالويه في القراءات الشاذّة: (وطلع) - بالعين - قرأها علي بن أبي طالب على المنبر، فقيل له: أفلا نغيّره في المصحف؟ قال: (ما ينبغي للقرآن أن يُهاج)، أي لا يُغيّر (8) .
قال ابن الجزري أيضاً: ولو مثّل ابن قتيبة عوَض ذلك بقوله تعالى: ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) (9) وقرئ (بظنين) (10) ، وقوله: ( أَشَدَّ مِنكُمْ ) و(أشدّ منهم) (11) ... لاستقام وطلعَ حُسن بدْره في تمام.
____________________
(1) البرهان للزركشي: ج1، ص336.
(2) تفسير القرطبي: ج1، ص45.
(3) النشر في القراءات العشر: ج1، ص27.
(4) الواقعة: 29.
(5) ق: 10.
(6) الشعراء: 148.
(7) تفسير الطبري: ج27، ص104.
(8) القراءات الشاذّة: ص151.
(9) التكوير: 24.
(10) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة، فعيل بمعنى مفعول، من ظننت فلاناً، اتّهمته، ويتعدّى لواحد، والباقون بالضاد بمعنى بخيل. (الإتحاف: ص434).
(11) قرأ ابن عامر بالكاف موضع الهاء التفاتاً إلى الخطاب، والباقون منهم بضمير الغيب لقوله: ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا ) . (الإتحاف: ص378)، والآية 21 من سورة غافر.
على أنّه قد فاته - كما فات غيره - أكثر أصول القراءات: كالإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإمالة، والتفخيم، والمدّ، والقصر، وبعض أحكام الهمز، كذلك الرَوم، والإشمام على اختلاف أنواعه، وكلّ ذلك من اختلاف القراءة وتغاير الألفاظ ممّا اختلف فيه أئمّة القرّاء... (1).
* * *
وقال ابن الجزري: إنّي تتبّعت القراءات صحيحها وشاذّها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف:
1 - إمّا في الحركات بلا تغيّر في المعنى والصورة، نحو (البخل) بأربعة أوجه (2) ، و(يحسب) على وجهين (3) .
2 - أو بتغيّر في المعنى فقط، نحو: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) (4) ، و ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) و(بعد أمه) (5) .
3 - وإمّا في الحروف بتغيّر المعنى لا الصورة، نحو: ( تَبْلُو ) (6) و(تتلو).
____________________
(1) ابن الجزري في النشر: ج1، ص28.
(2) النساء: 37. قرأ حمزة والكسائي بفتحتين، وقرأ الباقون بضمّ الباء وإسكان الخاء، وهما لغتان مشهورتان، وفيه لغةٍ ثالثة وهي فتح الباء وإسكان الخاء. (الكشف عن وجوه القراءات السبع: ج1، ص389)، وفيه لغة رابعة وهي بضمّتين (إملاء ما مَنّ به الرحمان للعكبري: ج1، ص179).
(3) القيامة: 3. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بكسر السين، والباقون بالفتح. (الإتحاف: ص428).
(4) البقرة: 37. قرأه ابن كثير بنصب (آدم) ورفع (كلمات). والباقون برفع (آدم) ونصب (كلمات). (الكشف: ج1، ص237).
(5) يوسف: 45. المعروف من قراءة ابن عباس: (بعد أمه) بالهاء وتخفيف الميم المفتوحة، أي بعد نسيان، والقراءة المشهورة بالتاء وتشديد الميم، أي بعد حين. (راجع القرطبي: ج9، ص201).
(6) يونس: 30. قرأ حمزة والكسائي وخلَف بتاءين، أي تَطلب وتتبَع ما أسلفْتَه من أعمال، والباقون بالتاء والباء، من البلاء، أي تَختبر ما قدّمت من عمل. (الإتحاف: ص249).
و ( نُنَجِّيكَ ) (1) و(ننحّيك).
4 - أو عكس ذلك، نحو: (بصطة) و ( بَسْطَةً ) (2) ، و ( الصِّرَاطَ ) (3) و(السراط).
5 - أو تغيّرهما، نحو ( أَشَدَّ مِنكُمْ ) و(أشدّ منهم) (4) ، و ( يَأْتَلِ ) (5) و(يتألّ)، و(فامضوا إلى ذكر الله) (6) .
6 - وإمّا في التقديم والتأخير، نحو: ( فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) (7) ، و(جاءت سكرة الحقّ بالموت) (8) .
7 - أو في الزيادة والنقصان، نحو: (وأوصى) و ( وَصَّى ) (9) ... و ( الذَّكَرَ وَالأُنثَى ) (10).
____________________
(1) يونس: 92. قرأ اليزيدي وابن السميقع: (ننحّيك) بالحاء من التنحية. (القرطبي: ج8، ص349).
(2) البقرة: 247. قرأ أبو عمرو وحمزة بالسين، والباقون بالصاد. (الكشف: ج1، ص302).
(3) الفاتحة: 6. السين قراءة قنبل عن ابن كثير. الكشف: ج1، ص34.
(4) تقدّم ذلك في ص 302.
(5) النور: 23. قرأ أبو جعفر (يتألّ) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام المشدّدة مضارع (تألّى) بمعنى حلَف، والباقون (يأتل) بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام مخفّفة، من (ألوت) بمعنى (قصرت)، أو مضارع (ائتلى) افتعل من الإلية وهي الحلف أيضاً. (الإتحاف: ص 323).
(6) الجمعة: 9. هي قراءة عُمَر بن الخطاب، ومن القرّاء ابن شهاب. (القرطبي: ج18، ص102)، والقراءة المشهورة هي: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) .
(7) التوبة: 111. قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل، وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول. (القرطبي: ج8، ص268).
(8) ق: 19. هكذا قرأها أبو بكر عند موته، البرهان للزركشي: ج1، ص235، والقراءة المشهورة هي: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) .
(9) البقرة: 132. وهي زيادة في الخطّ، قرأ نافع وابن عامر بهمزة من باب الأفعال، والباقون بتشديد الصاد بلا همزة من باب التفعيل. (الكشف: ج1، ص265).
(10) الليل: 3. بإسقاط قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقَ ) ، قراءة منسوبة إلى ابن مسعود: (والنهار إذا تجلّى * والذّكر والأنثى). (القرطبي: ج20، ص81).
فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها.
وأمّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام، والرَوم والإشمام، والتفخيم والترقيق، والمدّ والقصْر، والإمالة والفتح، والتحقيق والتسهيل، والإبدال، والنقل ممّا يُعبَّر عنه بالأصول، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ والمعنى؛ لأنّ هذه الصفات المتنوّعة في أدائه لا تُخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً، ولئن فُرض فيكون من الأوّل (1) .
قلت: إن كان حديث السبعة أحرُف ناظراً إلى تنوّع لُغات العرب في التعبير والأداء - كما رجّحناه واختاره المحقّقون السلَف - فإنّ ما ذكره أخيراً هي العمدة في اختلاف القراءة، أمّا ما ذكره من الوجوه السبعة، فلا يدخل أكثرها في الرخصة المستفادة من الحديث، ولا أظنّ بمِثله أن يرخّصها كما لم يرخّصها سائر العلماء المحقّقين، فكيف يُنزَّل الحديث عليها؟!.
قال الأستاذ الزرقاني: إنّ هذا العُذر الذي قدّمه ابن قتيبة لإهمال هذا الوجه لا يسوّغ ذلك الإهمال؛ فإنّ المسألة ليست مسألة أسماء وعناوين يترتّب عليها: أنّ اختلاف اللهْجات في اللفظ الواحد تخرجه عن أن يكون واحداً أو لا تخرجه، بل المسألة مسألة رعاية أمْرٍ واقع تختلف به القراءات فعلاً.
وأمرٌ آخر: هو أنّ التيسير على الأمّة لا يتحقّق على الوجه الأكمل إلاّ بحسبان هذا الوجه الذي نوّه به الرازي - سنذكره قريباً - وهو اختلاف اللهجات، بل هذا قد يكون أَولى بالحُسبان وأحرى بالرعاية في باب التخفيف والتيسير؛ لأنّه قد يسهُل على المرْء أن ينطق بكلمة من غير لُغته في جوهرها، ولا يسهل عليه أن ينطق بكلمة من لُغته نفسها بلهجةٍ غير لهجته، وطريقة الأداء غير طريقته؛ ذلك لأنّ الترقيق، والتفخيم، والهمز، والتسهيل، والإظهار، والإدغام، والفتح، والإمالة ونحوها
____________________
(1) النشر: ج1، ص26 - 27. وسنشرح من كلام الرازي ما هو أوفى.
أمور دقيقة، وكيفيات مكتنفة بشيء من الغموض والعُسر في النُطق على مَن لم يتعوّدها ولم ينشأ عليها.
واختلاف القبائل العربيّة يدور على اللهْجات في كثير من الحالات، وكذلك اختلاف الشعوب الإسلامية، وأقاليم الشعب الواحد منها يدور في كثير من الحالات على اختلاف اللهجات (1) .
* * *
وللإمام أبي الفضل الرازي محاولة أخرى في حصر أوجه القراءات في سبعة، قال: إنّ الكلام لا يَخرُج اختلافه عن سبعة أوجه:
الأوّل: اختلاف الأسماء من الإفراد، والتثنية، والجمع (2) ، والتذكير، والتأنيث (3) ، والمبالغة (4) وغيرها.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، وما يسند إليه من نحْوٍ: الماضي، والمضارع، والأمر، والإسناد إلى المذكَّر، والمؤنّث، والمتكلّم، والمخاطَب، والفاعل، والمفعول به (5) .
____________________
(1) مناهل العرفان: ج1، ص162.
(2) في قوله تعالى: ( بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ) الأعراف: 144، قرأ الحرميان بالتوحيد، والباقون بالجمع. (الكشف: ج1، ص 476).
وقوله: ( إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) التوبة: 103، قرأ حمزة وحفص والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع.
وفي قوله تعالى: ( لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً ) الكهف: 36، قرأ الحرميان وابن عامر على التثنية (منهما)، وقرأ الباقون (منها) مفرداً. (الكشف: ج2، ص60).
(3) في قوله تعالى: ( فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ) آل عمران: 39، قرأ حمزة والكسائي وخلف (فناداه الملائكة) بالتذكير، وقرأ الباقون (فنادته) بالتأنيث. (النشر: ج2، ص239).
(4) في قوله تعالى: ( بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ) الأعراف: 112، قرأ حمزة والكسائي (سحّار) بصيغة المبالغة، وقرأ الباقون (ساحر). (الكشف: ج1، ص471).
(5) في قوله تعالى: ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) سبأ: 19، قرأ يعقوب (باعد) فعلاً ماضياً، وقرأ الباقون فعل أمر. (الإتحاف: ص359).
وقوله: ( وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) البقرة: 125. قرأ نافع وابن عامر ماضياً، وقرأ الباقون بصيغة الأمر. (الكشف: ج1، ص263).
وفي قوله تعالى: ( وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ ) سبأ: 17. قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنون وكسر الزاي مبنيّاً للفاعل، وقرأ الباقون وفتح الزاي مبنيّاً للمفعول. (الكشف: ج2، ص206).
الثالث: وجوه الإعراب (1) .
الرابع: الزيادة والنقص (2) .
الخامس: التقديم والتأخير (3) .
السادس: القَلْب والإبدال في كلمة بأخرى (4) ، وفي حرف بآخر (5).
____________________
(1) في قوله تعالى: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) المائدة: 6. قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بالنصب والباقون بالخفْض. (الإتحاف: ص198).
وقوله: ( تِجَارَةً حَاضِرَةً ) البقرة: 282. قرأ عاصم بالنصب، والباقون بالرفع. (الكشف: ج1، ص321).
(2) في قوله تعالى: ( تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ) التوبة: 100. قرأ ابن كثير (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من)، وقرأ الباقون بغير (من). (الكشف: ج1، ص505).
وقوله: ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) الحديد: 24. قرأ نافع وابن عامر بإسقاط (هو)، وقرأ الباقون بإثبات (هو). (الكشف: ج2، ص312).
(3) في قوله تعالى: ( وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ ) آل عمران: 195. قرأه حمزة والكسائي (وقتلوا وقاتلوا)، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول. (الكشف: ج1، ص373).
وقوله: ( فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) التوبة: 111. قرأ حمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول. (القرطبي: ج8، ص268).
(4) في قوله تعالى: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) الجمعة: 9. قرأ ابن الخطّاب وكذلك ابن شهاب (فامضوا إلى ذكر الله). (القرطبي: ج18، ص102).
وقوله: ( كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) القارعة: 5. قرأ ابن مسعود (كالصوف المنفوش). (تأويل مشكل القرآن: ص24).
(5) في قوله تعالى: ( كَيْفَ نُنشِزُهَا ) البقرة: 259. قرأ ابن عامر والكوفيّون بالزاي، والباقون بالراء. (الكشف: ج1، ص310).
وقوله: ( الصِّرَاطَ ) الفاتحة: 6. قرأ ابن كثير - برواية قنبل - بالسين، وقرأ حمزة - برواية خلف - بين الصاد والزاي، وقرأ الباقون بالصاد محضاً. (الكشف: ج1، ص34).
السابع: اختلاف اللغات من فتحٍ وإمالة، وترقيقٍ وتفخيم، وتحقيقٍ وتسهيل، وإدغام وإظهار، ونحو ذلك (1) .
انظر إلى هذا الإمام، جعل من اختلاف اللغات - اللهجات - وجهاً من وجوه السبعة، وقد تركها ابن قتيبة، زاعماً أنّه وافقه في المحاولة (2) .
والصحيح - كما قدّمنا -: أن اختلاف اللهجات هي العمدة في ملحوظ حديث السبعة أحرُف - لو صحّ السند - وعليه فيصبح معنى الحديث أنّه (صلّى الله عليه وآله) رخّص للأمّة عند قراءة القرآن أن يقرأوه على ما تُطاوعُه ألسِنتُهم ولهْجاتهم في التعبير والأداء.
تدوين القراءات المشهورة:
كان المسلمون في العهد الأوّل يقرأون القرآن كما يتلقّونه من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومن بعدهم من التابعين، ممّن حلّ في بلدهم من الأئمّة الكِبار:
فممّن كان بالمدينة: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله العدوي، ومعاذ بن الحارث، وعبد الرحمان بن هرمز، ومحمد بن مسلم بن شهاب، ومسلم بن جندب، زيد بن أسلم.
وبمكّة: عبيد بن عمير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وعبد الله بن أبي ملكة.
وبالكوفة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمان السلمي، وزرّ بن حبيش، وعبيد بن نضيلة، وأبو زرعة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم
____________________
(1) أمثلة ذلك كثيرة جدّاً.
(2) النشر: ج1، ص27.
النخعي، والشعبي.
وبالبصرة: عامر بن عبد قيس، وأبو العالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن زيد.
وبالشّام: ابن أبي شهاب، وخليد بن سعيد - صاحب أبي الدرداء -.
* * *
هؤلاء وأضرابهم كانوا علماء الأمّة في البلاد ومَراجع المسلمين في شتّى نواحي المعارف الإسلامية آنذاك، ولكن من غير ما اختصاص بفنّ أو بثقافة خاصّة من أنحاء الثقافات المعروفة ذلك العهد.
ثمّ تجرّد قوم لفنِّ القراءة، والأخْذ والتلقّي والإقراء، سِمة اختصاصيّة، واعتنوا بذلك أتمّ عناية واشتهروا في قراءة القرآن وإقرائه، حتّى صاروا في ذلك أئمّة يُقتدى بهم ويُرحَل إليهم ويؤخَذ عنهم.
وهكذا أجمَع المسلمون من أهل البلاد، وكان أهل كلّ بلد يأخذون من القارئ الذي حلّ بينهم، ويتلقَّون قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم اثنان؛ ولتصدّيهم للقراءة نُسبت إليهم.
وممّن اشتهر منهم بالمدينة: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثمّ شيبة بن نصاح، ثمّ نافع بن أبي نعيم.
وبمكّة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس، ومحمّد بن محيصن.
وبالكوفة: يحيى بن وثّاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، ثمّ حمزة، ثمّ الكسائي.
وبالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء ثمّ عاصم الجحدري، ثمّ يعقوب الحضرمي.
وبالشام: عبد الله بن عامر، وعطيّة بن قيس، وعبد الله بن المهاجر، ثمّ يحيى بن الحارث الذماري، ثمّ شريح بن يزيد الحضرمي.
* * *
والقرّاء بعد هؤلاء كثروا وتفرّقوا في البلاد وانتشروا، وخلَفتْهم أُممٌ بعد أُمَم، واختلفت صفاتهم وسيرتهم في الأخذ والتلقّي والقراءة والإقراء، فكان منهم المُتقِن للتلاوة، مشهوراً بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصْفٍ من هذه الأوصاف، وكثُر بينهم لذلك الاختلاف، وقلّ الضبط، واتّسع الخرْق، وكاد الباطل يلتبس بالحقّ - على حدّ تعبير ابن الجزري - (1) ، فقام جهابذة علماء الأمّة وكبار الأئمّة، فبالغوا جهدهم في التمحيص، وتمييز الصحيح عن السقيم، والمشهور عن الشاذّ، بأصولٍ أصّلوها، وقواعد رصَفوها، وأصبحت القراءة بذلك فنّاً من الفنون، له قواعد مُتقَنة وأصولٍ محكَمة، وفيه الاجتهاد والاختيار، وقد شرحنا طرفاً من ذلك في فصلٍ سابق.
* * *
وأوّل إمام معتبر تصدّى لضبط ما صحَّ من القراءات، وجمْعها في كتابٍ بشكلٍ مبسّط وبتفصيل هو: أبو عبيد القاسم بن سلام الأنصاري (ت224هـ) تلميذ الكسائي، قال ابن الجزري (2) : وجعلهم - فيما أحسب - خمسة وعشرين قارئاً، بما فيهم السبعة الّذين اشتهروا فيما بعد.
وجاء بعده أحمد بن جبير بن محمد أبو جعفر الكوفي نزيل أنطاكية (ت 258هـ)، جمَع كتاباً في القراءات الخمسة، من كلّ مِصرٍ واحداً.
ثمّ القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت 282 هـ) صاحب قالون ألّف كتاباً في القراءات، جمَع فيه قراءة عشرين إماماً.
وبعده الإمام أبو جعفر الطبري (ت 310هـ)، جمع كتاباً حافلاً سمّاه (الجامع) في نيّف وعشرون قراءة.
وبعده - بقليل - ألّف أبو بكر محمّد بن أحمد الداجوني (ت 324 هـ) كتاباً في القراءات، وأدخل معهم أبا جعفر، أحد العشرة.
____________________
(1) راجع النشر في القراءات العشر: ج1، ص9.
(2) المصدر السابق: ص34.
وكان في إثره أبو بكر أحمد بن موسى (ابن مجاهد) (ت 324هـ)، أوّل مَن اقتصر على القراءات السبعة فقط.
وقام الناس في زمانه وبعده فألّفوا على منواله: كأحمد بن نصر الشذائي (ت370هـ)، وأحمد بن الحسين بن مهران (ت381هـ)، وزاد على السبعة بقيّة العشرة، ومحمّد بن جعفر الخزاعي (ت408هـ) مؤلّف (المنتهى) ، جمعَ فيه ما لم يجمعه مَن قبْلَه، وانتدب الناس لتأليف الكتُب في القراءات بحسب ما وصل إليهم وصحّ لديهم.
* * *
هذا، ولم يكن بالأندلس ولا ببلاد المغرب شيء من هذه القراءات، إلى أواخر المئة الرابعة، فرحل منهم مَن روى القراءات بمِصر، وكان أبو عمَر أحمد بن محمّد الطلمنكي (ت429هـ) - مؤلّف (الروضة) - أوّل مَن أدخلَ القراءات إلى الأندلس.
ثمّ تبعهُ أبو محمد مكّي بن أبي طالب القيسي (ت437هـ)، مؤلِّف: (التبصرة) و (الكشف عن وجوه القراءات السبع) وغير ذلك.
ثمّ الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت444هـ)، مؤلّف: (التيسير) و (جامع البيان) وغير ذلك.
وفي دمشق ألّف الأستاذ أبو علي الحسن بن علي الأهوازي (ت446هـ) كتباً في القراءات والطُرق إليها.
وفي هذه الحدود، رحل من المغرب أبو القاسم يوسف بن علي الهذلي (ت465هـ) إلى المشرق وطاف البلاد، وروى عن أئمّة القراءة، حتّى انتهى إلى ما وراء النهر، وقرأ بغزنة وغيرها، ألّف كتابه (الكامل) جمعَ فيه خمسين قراءة عن الأئمّة المعروفين، و1459 رواية وطريقاً إليهم، قال: وجملة مَن لقيتُ في هذا العلم 365 شيخاً من آخِر المغرب إلى باب فرغانة يميناً وشمالاً، وجبلاً وبحراً.
ثمّ كان أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري بمكّة (ت478هـ)، مؤلّف كتاب (التلخيص) في القراءات الثمان، و (سوق العروس) وفيه 1550 رواية وطريقاً.
قال ابن الجزري: وهذان الرجُلان أكثر مَن عَلِمنا جمعاً في القراءات، لا نعلم أحداً بعدهما جمَعَ أكثر منهما إلاّ أبا القاسم عيسى بن عبد العزيز الأسكندري (ت629هـ)، فإنَّه ألّف كتاباً سمّاه (الجامع الأكبر والبحر الأزخر) يحتوي على 7000 رواية وطريق.
قال: ولا زال الناس يؤلِّفون في كثير القراءات وقليلها، ويرْوون شاذّها وصحيحها بحسب ما وصل إليهم أو صحّ لديهم، ولا ينكر أحد عليهم، بل هم متّبعون في ذلك سبيل السلَف، حيث القراءة سُنَّة متَّبعة يأخذها الآخِر عن الأوَّل، ويقرأون بما جاء في: (الكامل) للهذلي، أو (سوق العروس) للطبري، أو (الإقناع) للأهوازي، أو كفاية أبي العزّ، أو مبهج سبط الخيّاط، أو روضة المالكي، ونحو ذلك، على ما فيه من ضعيف وشاذّ، عن السبعة والعشرة وغيرهم، فلا نعلم أحداً أنكر ذلك، ولا زعم أنّه مخالف لشيء من الأحرُف المأثورة (1) .
حصرُ القراءات في السبع:
كان العرض المتقدِّم نموذجاً كافياً عن اعتناء المسلمين في عامّة أدوارهم بالقراءات المعروفة عن الأئمّة الكبار وحفظها وتدوينها والقراءة بها أجمَع، غير أنّ أهل كلّ بلد كانت عنايتهم بمَن حلّ في بلدهم من الأئمّة أكثر من غيرهم، ولم يكن من أحد من العامَّة والخاصَّة نكير على هذه السيرة المستمرَّة، كما تقدّم في كلام ابن الجزري أخيراً.
وهكذا كانت اختيارات القرّاء واجتهاداتهم في الأخْذ والتمحيص موضع
____________________
(1) النشر في القراءات العشر: ج1، ص36.
عناية كافّة المسلمين، يتلقّونها ويقرأون بها، نعم، في إطار من محدوديّة شروط خاصّة تقدَّمت أيضاً.
لقد جرت هذه السيرة المستمرَّة في كِلا جانبَي القراءة والإقراء، حتّى مطالع القرن الرابع، حيث نبغ نابغة بغداد - في اجتلاب قلوب العامّة والنفوذ في عقول الأمراء - أبو بكر (ابن مجاهد)، كان قد تصدَّر كرسيّ شيخ القرّاء رسميّاً من قِبل الدولة، واجتمعت عليه عامّة الناس في غوغاء وضوضاء، وكان له منافسون أفضل نَبلاً وقدَماً في القرآن، وكانوا يستصغرونه لضآلة عِلمه وقلّة روايته عن الشيوخ وعدم رِحلته في طلب العِلم، وضعف مقدرته في فنون القراءة وأنواعها المأثورة عن الأئمّة الكبار.
يقول المعافي أبو الفرج: دخلتُ يوماً على ابن شنبوذ (1) ، وهو جالس وبين يديه خزانة الكتُب، فقال لي: يا معافي، افتح الخزانة، ففتحتها وفيها رفوف عليها كتُب، وكلُّ رفٍّ في فنٍّ من العلم، فما كنت آخذ مجلَّداً وأفتحه إلاّ وابن شنبوذ يهذُّه كما يقرأ الفاتحة (2) ، ثمَّ قال: يا معافي، والله ما أغلقتها حتّى دَخلت معي إلى الحمّام هذا، والسوق للعطشي (3) .
قال ابن الجزري: وكان قد وقع بين ابن شنبوذ وابن مجاهد تنافس على عادة الأقران، حتّى كان ابن شنبوذ لا يُقرئ مَن يقرأ على ابن مجاهد، وكان يقول: هذا العطشي - يعني ابن مجاهد - لم تُغبَّر قدَماه في هذا العِلم.
قال العلاّف: سألت أبا طاهر: أيُّ الرجُلين أفضل، أبو بكر بن مجاهد، أو أبو الحسن بن شنبوذ؟ قال: فقال لي أبو طاهر: أبو بكر بن مجاهد عقله فوق عِلمه،
____________________
(1) محمّد بن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ. (راجع غاية النهاية: ج2، ص52).
(2) يقال: هذّ الحديث يهذّه - بتشديد الذال - أي: قرأه سريعاً.
(3) السوق كناية عن رواج الأمر، والعطشي: لقب ابن مجاهد؛ لأنّه وُلد بحارة سوق العطش في بغداد، فنُسب إليها.
وأبو الحسن ابن شنبوذ عِلمه فوق عقله (1) .
* * *
كان ابن مجاهد حريصاً على التزمّت، والأخْذ بتقليد السلَف فيما قرأوا، قال عبد الواحد بن أبي هاشم: سأل رجُل ابن مجاهد: لِمَ لا يختار الشيخ لنفسه حرفاً يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نُعمل أنفسنا في حفْظ ما مضى عليه أئمّتنا، أحوج منّا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا (2) .
وهو الّذي أشار على الوزير ابن مُقلة بإحضار ابن شنبوذ وابن مقسم (3) في مجلسين، ومحاكمة كلِّ واحد منهما بمَلأ من الفقهاء، للضرب على يد الاختيار رأساً.
قال الدكتور صبحي الصالح: وقد انعقد المجلسان بأمر شيخ القرّاء ابن مجاهد، الّذي عرفنا أنّه أوّل مَن جمع القراءات السبع، وكان ابن مجاهد قد أخَذ القراءة عن ابن شاذان الرّازي، الّذي أخذ عنه أيضاً كلّ من ابن مقسم وابن شنبوذ، ولكن اشتراك الثلاثة في التلقّي عن شيخ واحد لم يمنع ابن مجاهد من التشدّد مع زميلَيه (4) .
وكان اعتراض ابن شنبوذ لموقف ابن مجاهد هذا شديداً حسبما ذكَرنا بعض كلامه، وهكذا اعترض ابن مقسم على سدِّ باب الاختيار في القراءة، قال: لمّا كان لخلَف بن هشام، وأبي عبيد، وابن سعدان أن يختاروا، وكان ذلك مباحاً لهم غير منكَر، كان لِمَن بعدهم أيضاً مباحاً (5) .
وهكذا جاهدَ ابن مجاهد قصارى جهده في سدِّ باب الاختيار في القراءة، وقد توفّق لذلك نسبيّاً، حيث وافقَته الظروف القاسية الّتي كانت تمرّ برَكْب الإسلام
____________________
(1) غاية النهاية في طبقات القرّاء: ج2، ص54 - 56.
(2) معرفة القرّاء الكبار للذهبي: ج1، ص217.
(3) محمّد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مقسم. (راجع غاية النهاية: ج2، ص123).
(4) مباحث في علوم القرآن: ص251 - 252. وراجع معرفة القرّاء الكبار: ج1، ص221 و247.
(5) معرفة القرّاء: ج1، ص249.
ذلك القرن المضطرب بالشغَب والدسائس وتفشّي الفساد في أرجاء البلاد.
* * *
أمّا قضية حصْر القراءات في السبع المشهورة، فهو أيضاً من صُنع ابن مجاهد، ويعود أكثر لَومه عليه.
قال الدكتور صبحي الصالح: ويقع أكبر قِسط من اللوم في هذا الإيهام - إيهام انحصار القراءات في السبع - على عاتق الإمام الكبير أبي بكر أحمد بن موسى بن العبّاس المشهور بـ(ابن مجاهد)، الّذي قام على رأس الثلاثمئة للهجرة في بغداد بجمْع سبع قراءات لسبعةٍ من أئمّة الحرَمين والعراقَين والشام، واشتهروا بالثقة والأمانة والضبط وملازمة القراءة، وجاء جمْعه لها محْض مصادفة واتّفاق، إذ كان في أئمّة القرّاء مَن هُم أجلّ منهم قدراً، وكان عددهم لا يُستهان به (1) .
هذا، وعبارة (القراءات السبع) لم تكن معروفة في الأمصار الإسلامية حين بدأ العلماء يؤلّفون في القراءات: كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي جعفر الطبري، وأبي حاتم السجستاني، وغيرهم، فقد ذكروا في مؤلّفاتهم أضعاف تلك القراءات، وإنّما بدأت هذه العبارة تشتهر على رأس المئة الرابعة من لدُن (ابن مجاهد)، ولم يكن متّسِع الرواية والرِحلة (2) ، وتوهّم الكثير - من عوام الناس وغوغائهم - أنّها هي المرادة من الأحرُف السبعة الّتي جاءت في الحديث النبوي.
ومن ثَمّ هبَّ الأئمَّة النقّاد في توجيه مَلامتهم الحادَّة إلى موقف ابن مجاهد هذا الموهِم، الأمر الّذي حطَّ من كرامة أئمَّة آخرين هم أكبر شأناً وأعظم قدراً من هؤلاء السبعة.
* * *
____________________
(1) مباحث في علوم القرآن: ص247 - 248.
(2) راجع البرهان للزركشي: ج1، ص327.
استنكارات لموقف ابن مجاهد:
هذا الإمام - المقرئ المفسِّر - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي يلوم ابن مجاهد في عبارة قاسية جدّاً، يقول: لقد فعل مُسبِّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأُشكل الأمر على العامة بإيهامه كلّ مَن قلّ نظَره أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، ولَيته إذ اقتصر نقَص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضاً في اقتصاره عن كلّ إمام على راوِيَين أنّه صار مَن سمع قراءة راوٍ ثالث غيرهما أبطلَها، وقد تكون هي أشهر و أصحّ وأظهَر، وربّما بالَغ مَن لا يفهم فخطّأ وكفّر (1) .
وقال أبو بكر بن العربي: (ليست هذه السبعة متعيِّنة للجواز، حتّى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش ونحوهم، فإنّ هؤلاء مثْلهم أو فوقهم).
قال جلال الدين السيوطي: وكذا قال غير واحد، منهم: أبو محمّد مكّي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمذاني، وآخرون من أئمّة القرّاء (2) .
وقال أثير الدين أبو حيّان الأندلسي: ليس في كتاب ابن مجاهد ومَن تبِعَه من القراءات المشهورة إلاّ النزْر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راوياً - ثمّ ساق أسماءهم - واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي، واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفُس، فكيف يقتصر على السوسي والدوري، وليس لهما مزيَّة على غيرهما؛ لأنّ الجميع مشتركون في الضبْط والإتقان والاشتراك في الأخْذ، قال: ولا أعرف لهذا سبباً إلاّ ما قضى من نقص العلم (3) .
وقال الإمام الأستاذ إسماعيل بن إبراهيم بن القراب في أوّل كتابه (الشافي): ثمّ التمسّك بقراءة سبعة من القرّاء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سُنّة، وإنّما هو من جمْع بعض المتأخّرين - يريد ابن مجاهد - لم يكن قرأ بأكثر من
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص80، وفي طبعة 1387: ج1، ص223.
(2) الإتقان: ج1، ص80.
(3) الإتقان: ج1، ص80.
السبْع، فصنّف كتاباً وسمّاه (السبعة) فانتشر ذلك في العامَّة، وتوهّموا أنَّه لا تجوز الزيادة على ما ذكره في ذلك الكتاب لاشتهار ذِكر مصنِّفه، وقد صنَّف غيره كتُباً في القراءات وبعده، وذكر لكلِّ إمام من هؤلاء الأئمَّة روايات كثيرة وأنواعاً من الاختلاف، ولم يقُل أحد إنّه لا تجوز القراءة بتلك الروايات من أجل أنّها غير مذكورة في كتاب ذلك المصنِّف - يريد ابن مجاهد -... (1) .
وقال أبو الحسن علي بن محمّد - شيخ أبي شامة -: لمّا كان العصر الرابع سنة ثلاثمئة وما قاربها، كان أبو بكر بن مجاهد قد انتهت إليه الرئاسة في القراءة، مقدّماً على أهل عصره، اختار من القراءات ما وافَق خطَّ المصحف، ومن القرّاء مَن اشتهرت قراءته، ورأى أن يكونوا سبعة تأسّياً بعدَّة المصاحف الّتي بعثَها عثمان إلى الآفاق، وبقول النبي (صلّى الله عليه وآله): (نزلَ القرآن على سبعة أحرف)، فاختار هؤلاء السبعة أئمّة الأمصار، فكان أبو بكر بن مجاهد أوّل مَن اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنَّف كتابه في قراءتهم، واتَّبعه الناس على ذلك، ولم يسبقه أحد إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة (2) .
وقال أبو محمّد مكّي بن أبي طالب: وهذه القراءات كلّها جزء من الأحرُف السبعة الّتي نزل بها القرآن، وأمّا مَن ظنّ أنّ قراءة كلّ واحد من هؤلاء القرّاء السبعة هي أحد الأحرف السبعة فذلك منه غلَط عظيم، إذ يجب أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكاً، إذ قد استولَوا على الأحرف السبعة، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة، ويجب أن لا تُروى قراءةٌ عن ثامن فما فوق!.
قال: وقد ذكر الناس من الأئمّة في كتُبهم أكثر من سبعين ممّن هو أعلى رتبة وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة، على أنّه قد ترك جماعة من العلماء في كتُبهم في القراءات ذِكر بعض هؤلاء السبعة وأَطْرُحِهم.
فقد ترك أبو حاتم وغيره ذِكر حمزة،
____________________
(1) النشر في القراءات العشر: ج1، ص46.
(2) جمال القرّاء: ص111، وراجع المرشد الوجيز: ص160.
والكسائي، وابن عامر، وزاد نحو عشرين رجلاً من الأئمّة ممّن هو فوق هؤلاء السبعة، وكذلك زاد الطبري في كتاب القراءات على السبعة نحو خمسة عشر رجلاً، وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي.
قال: فكيف يجوز أن يظنّ ظانّ أنّ قراءات هؤلاء السبعة المتأخّرين هي الأحرف السبعة؟! هذا تخلّف عظيم، أكان ذلك بنصِّ النبي (صلّى الله عليه وآله)، أم كيف ذلك؟!.
قال: (وكيف يكون ذلك والكسائي إنّما أُلحق بالسبعة بالأمْس في أيام المأمون، وقد كان السابع يعقوب الحضرمي، فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمئة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب)؟.
وأطال الكلام في ذلك بإسهاب (1) .
وقال الحافظ ابن الجزري: بلغَنا عن بعض مَن لا عِلم له أنّ القراءات الصحيحة هي الّتي عن هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهّال أنَّ الصحيحة هي الّتي في الشاطبية والتيسير (2) ، وحتّى أنَّ بعضهم يَطلق على ما ليس فيهما، أو لم يكن عن هؤلاء السبعة، اسم الشاذّ، وربّما كان كثير ممّا لم يكن فيهما، أو لم يكن عن السبعة أصحّ ممّا فيهما أو ممّا عنهم، وإنّما أوقعَ هؤلاء في الشُبهة أنّهم سمعوا نزول القرآن على سبعة أحرف، وسمعوا قراءات السبعة، فظنّوا أنّها هي المشار إليها في الحديث.
قال: وكذلك كرِه كثير من الأئمّة المتقدّمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القرّاء، وخطّأوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بيَّن مراده؛ ليخلّص مَن لا يعلم من هذه الشبهة (3) .
قال جلال الدين السيوطي: وقد اشتدّ إنكار أئمّة هذا الشأن على مَن ظنَّ
____________________
(1) راجع الإبانة: ص2 - 10، وراجع أيضاً المرشد الوجيز: ص151 - 153.
(2) هما كتابان: الأوّل منهما لأبي محمّد القاسم بن ضيرة الشاطبي، والثاني لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني.
(3) النشر في القراءات العشر: ج1، ص36.
انحصار القراءات المشهورة في مثل ما في التيسير والشاطبية، وآخر مَن صرَّح بذلك هو: الشيخ تقي الدين السبكي (1) .
تلك استنكارات الأئمّة موجّهة إلى ابن مجاهد، باعتباره أوّل مَن جمَع القراءات في السبع واقتصر عليها، أمّا هل أثَّرت تلكم الاستنكارات؟.
أمّا العامَّة، فجرَوا على سيرتهم الأُولى منذ مطلع القرن الرابع، مقتصرين على القرّاء السبعة في تقليد أعمى محْض.
وأمّا العلماء والمصنِّفون الَّذين جاءوا بعد، فلم يستطيعوا الحياد عن مجرى العامَّة فنسجوا على منوالِهم القصير، وجرَوا معهم في مهبط المسيل.
فهذا أبو محمّد مكّي بن أبي طالب (ت437هـ) - أشدّ المشنِّعين على الحصْر في السبع - صنَّف كتابه (الكشف عن وجوه القراءات السبع) فحسْب.
وهذا الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444 هـ)، ألّف كتابه (التيسير) في القراءات السبع.
والإمام أبو عبد الله محمّد بن شريح الاشبيلي (ت476هـ)، ألّف كتابه (الكافي) في السبعة ورُواتهم.
والإمام أبو حفص عمَر بن القاسم الأنصاري الأندلسي صنَّف كتابه (المكرَّر فيما تواتر من القراءات السَبع وتحرَّر) .
والإمام أبو محمّد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت 590هـ)، نظّم قصيدته الشاطبية المسمّاة بـ (حِرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السَبع) ، وذكر لكلِّ قارئ راوِيَين، كما جرت عليه العامَّة تقليداً إلزامياً لابن مجاهد.
وهكذا غيرهم من مؤلِّفين وغيرها من مؤلَّفات، جروا وجرت على نفس المنوال في حصر محصور.
* * *
____________________
(1) الإتقان: ج1، ص81، وفي طبعة 1387هـ: ج1، ص225.
نعم، زاد بعض المتأخّرين ثلاثة تتميماً للعشرة، وذكر لكلّ واحد منهم راويَين أيضاً، تقليداً لِمَا فعَله ابن مجاهد في السبعة.
من هؤلاء: الإمام شمس الدين أبو الخير ابن الجزري (ت833هـ)، صنَّف كتابه الكبير (النشر في القراءات العشر) ، ثمَّ (التحبير في قراءات الأئمّة العشرة)، ونظّم قصيدة على نفس النمط أسماها (طيبة النشر في القراءات العشر) .
وجرى مجراه مَن جاء بعده، حتّى العصر الأخير، كـ (المهذّب في القراءات العشر) تأليف المعاصر محمّد سالم محيسن أستاذ في معهد القراءات بالأزهر.
واختار بعضهم من قارئي الشواذّ أربعة؛ ليضيفوهم على العشرة، ليصبح عدد القرّاء المعتمَدين - حسب تقديرهم - أربعة عشر، وجاء كتاب (إتحاف فضلاء البشر في قراءات الأربعة عشر) تأليف أحمد بن محمد الدمياطي (ت1117هـ) على هذا النمط المبتدع.
أمّا نحن - معاشر الإماميّة أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - فلا نملِك دليلاً يسعنا في هذا الشطط من الرأي والاختيار غير المستند، سوى ما ثبتت لنا صحَّته وفْق الشروط الّتي تأتي، وهي قراءة واحدة؛ لأنّ القرآن واحد نزَل من عند الواحد، والاختلاف إنّما جاء من قِبل الرواة - أي القرّاء - حسب اجتهاداتهم الخاصّة، ولا عِبرة بهم ذاتياً سوى الكشف عن القراءة الصحيحة الّتي هي الأصل، وذلك إذا اتّفق القرّاء عليها، أو كانت الأغلبية معها، مع توفّر باقي الشروط.
القرّاء السبعة ورُواتهم:
ذكرنا أنّ حصر القراءات في الأئمّة السبعة كان محْض مصادفة واتّفاق، على أثر جمْع ابن مجاهد واقتصاره على ما وصل إليه من القراءات السبع، ولم يكن
متّسِع الرواية والرِحلة - كما علَّله الإمام الزركشي (1) -، أو لم يكن له سبب سوى نقْص العلم وقلَّة معرفته بقراءات الأئمّة الكِبار غيرهم - كما عللّه أبو حيّان الأندلسي (2) -، أو لم يكن قرأ بأكثر من السبع - كما عليه الإمام القراب (3) - ونحو ذلك من تعاليل تنمّ عن قصور ابن مجاهد في هذا الشأن.
فكان من ثمّ تقصير وإزراء بحقِّ آخرين، ممّن هو أعلى رتبةً وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة، كما جاء في كلام أبي محمّد مكّي (4) ناقماً على مُسبِّع السبعة.
وذكر مكّي في تعليل ذلك: أنّ ابن جبير صنّف قبل ابن مجاهد كتاباً في القراءات واقتصر على خمسة، اختار من كلّ مِصر إماماً واحداً، باعتبار أنّ المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار الخمسة، ويقال: إنَّه وَجّه بسبعة، هذه الخمسة، واليمن والبحرين، لكن لمّا لم يُسمع لهذَين المُصحفَين خبر، وأراد ابن مجاهد مراعاة عدد المصاحف السبعة، استبدل من غير البلدين قارئَين، فاختارهما من الكوفة أيضاً، فصادف بذلك موافقة العدد الّذي ورد به حديث الأحرُف السبعة.
قال: وكان أحد السبعة المعروفين يعقوب الحضرمي، فأثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب (5) .
قلت: وهو تعليل غريب، وعلى أيّة حال فإنّ القراءات المعروفة عِبر العصور - بعد حادث ابن مجاهد - هي السبع، وغيرها هُجرت تدريجياً، وأوشكت أن تذهب أدراج الرياح، وما ذاك إلاّ أثرٌ سيّئ من تلك المأساة الّتي قام بها ابن مجاهد.
____________________
(1) البرهان في علوم القرآن: ج1، ص327.
(2) الإتقان لجلال الدين السيوطي: ج1، ص224، طبعة 1387هـ.
(3) هو الإمام إسماعيل بن إبراهيم بن القراب صاحب كتاب (الشافي). (راجع النشر في القراءات العشر لابن الجزري: ج1، ص46).
(4) راجع الإبانة: ص5 - 8. والمرشد الوجيز: ص151. والإتقان: ج1، ص224.
(5) راجع الإبانة ص 5 - 8. والمرشد الوجيز: ص151. والإتقان: ج1، ص224.
ومن ثمّ فإنّا في هذا العصر نجد أنفسنا مضطرّين تجاه هذه السبع لا غيرها، فالواجب هو التحفّظ عليها ومدارستها وممارستها؛ لئلاّ تضيع كما ضاعت أخواتها من قبل.
* * *
أمّا القرّاء السبعة الذين قرأوا بهذه القراءات الباقية، فإليك فهرس أسمائهم وأسماء راوِيَين من رُواتهم، حسب ما جاء في كتاب (السبعة) لابن مجاهد، وإلاّ فالرواة عنهم أكثر من ذلك:
1 - عبد الله بن عامر اليحصبي، قارئ الشام (ت118هـ).
وراوِياه هما: هشام بن عمّار، وابن ذكوان، ولم يُدركاه؛ لأنّ هشاماً ولِد عام 153 هـ ومات 245 هـ، وابن ذكوان ولِد عام 173هـ ومات 242هـ، ومن ثمّ لم يُعرَف السبب في اختيار ابن مجاهد هذين للرواية عن ابن عامر؟!.
2 - عبد الله بن كثير الداري، قارئ مكّة (ت120هـ).
وراوياه هما: البزي، وقنبل ولم يدركاه أيضاً؛ لأنّ الأوّل ولِد سنة 170 هـ ومات 250هـ، والثاني ولِد 195هـ ومات 291 هـ.
3 - عاصم بن أبي النجود الأسدي، قارئ الكوفة (ت128هـ).
وراوِياه هما: حفص بن سليمان (ربيبه) (90هـ - 180هـ)، وأبو بكر شعبة بن عيّاش (95هـ - 193هـ)، وكان حفص أضبط بقراءة عاصم.
4 - أبو عمرو زبان بن العلاء المازني، قارئ البصرة (ت154هـ).
وراوِياه هما: حفص بن عمَر الدوري (ت 246هـ)، وصالح بن زياد السوسي (ت261هـ)، ولم يُدركاه، وإنّما روَيا عن اليزيدي عنه.
5 - حمزة بن حبيب الزيّات ، قارئ الكوفة أيضاً (ت156هـ).
وراوِياه هما: خلَف بن هشام البزّار (150هـ - 229هـ)، وخلاّد بن خالد الشيباني (ت220هـ)، رَويا عنه بالواسطة.
6 - نافع بن عبد الرحمان الليثي، قارئ المدينة (ت169هـ).
وراوِياه هما: (قالون) ربيب نافع، واسمه عيسى بن ميناء (120هـ - 220هـ)، و(ورش) عثمان بن سعيد (110هـ - 197هـ).
7 - علي بن حمزة الكسائي، قارئ الكوفة أيضاً (ت189هـ).
وراوِياه هما: الليث بن خالد البغدادي (ت240هـ)، و(الدّوري) حفص بن عمَر الدوري (ت246هـ)، راوي أبي عمرو المازني أيضاً.
* * *
وزاد المتأخّرون ثلاثة، تتميماً للعشرة، وهم:
8 - خلف بن هشام - راوي حمزة الزيّات - وقارئ بغداد (229هـ).
وراوِياه هما: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم المروزي (ت286هـ) ورّاق خلَف، وأبو الحسن إدريس بن عبد الكريم (ت292هـ).
9 - يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قارئ البصرة (ت205هـ).
وراوِياه هما: (رويس) محمّد بن المتوكّل اللؤلؤي (ت238هـ)، وروح بن عبد المؤمن الهذلي (ت235هـ).
10 - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي، قارئ المدينة (ت130هـ).
وراوِياه هما: (ابن وردان) عيسى الحذّاء (ت160هـ)، و(ابن جمّاز) سليمان بن مسلم الزهري (ت170هـ).
* * *
ولحقَ هؤلاء أربعة، قرأوا بالشواذّ، وقد اعتُبرت قراءاتهم، وقَبِلَتها العامّة، وهم:
11 - (الحسن البصري) ابن يسار، قارئ البصرة (ت110هـ).
وراوِياه: شجاع بن أبي نصر البلخي (120هـ - 190هـ)، وحفص بن عمَر الدوري (ت246هـ). روَيا عنه بالإسناد.
12 - (ابن محيصن) محمّد بن عبد الرحمان، قارئ مكَّة مع ابن كثير (ت123هـ).
وراوِياه هما: أحمد بن محمّد البزّي (170هـ - 250هـ)، ومحمّد بن أحمد بن أيّوب بن شنبوذ (ت328هـ)، روَيا عنه بالإسناد.
وراوِياه هما: سليمان بن الحكَم الخياط (ت235هـ)، وأحمد بن فرج الضرير (ت303هـ) روى عن الدوري عنه.
14 - (الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي، قارئ الكوفة (ت148هـ).
وراوِياه هما: محمّد بن أحمد الشنبوذي البغدادي (300هـ - 388هـ)، والحسن بن سعيد المطوّعي البصري (ت371هـ)، روَيا عنه بالواسطة.
هؤلاء أربعة عشر قارئاً وثمانية وعشرون راوياً، ذكرناهم تبعاً لِمَا ذكَره القوم، ولمسيس الحاجة إلى معرفتهم بالذات، في خصوص القراءات الدارجة الموجودة اليوم.
ملحوظات قصيرة:
1 - قال أبو عمرو الداني: ليس في القرّاء السبعة من العرب سوى اثنين: عبد الله بن عامر اليحصبي قارئ دمشق، وأبي عمرو زبان بن العلاء المازني قارئ البصرة (1).
قلت: أمّا ابن عامر فكان يزعم أنّه من حِميَر، غير أنّ ابن حجر ذكر أنّه ممّن يُغمَز في نسَبه (2) .
وكذا أبو عمرو زبان بن العلاء قيل: إنّه من مازن تميم، لكن حكى القاضي أسد
____________________
(1) التيسير في القراءات السبع: ص6.
(2) تهذيب التهذيب، ج5، ص274، رقم 470.
اليزيدي أنّه من (فارس) - شيراز - من قرية يقال لها (كازرون) وهي معمورة اليوم (1) .
* * *
2 - أربعة من القرّاء السبعة هم من شيعة آل البيت (عليهم السلام) بالتصريح، ومن المحافظين الثُقات: عاصم بن أبي النجود، وأبو عمرو زبان بن العلاء، وحمزة بن حبيب، وعلي بن حمزة الكسائي (2) ، وواحد من أشياع معاوية، وهو ابن عامر، كان لا يتورَّع الكذِب والفسوق (3) واثنان - هما: ابن كثير المكّي، ونافع المدني - مستورا الحال، لكن نسبتهما إلى (فارس) بالخصوص (4) ربّما تنمّ عن موقفهما من مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنّهم أسبق مَن عرف الحقّ ولَمِسَه في هذا الاتّجاه.
* * *
3 - قال أبو محمّد مكّي بن أبي طالب: وأصحّ القراءات سنداً نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي (5) .
وقال ابن خلّكان: كان عاصم المشار إليه في القراءات (6) .
____________________
(1) غاية النهاية في طبقات القرّاء: ج1، ص288.
(2) راجع تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص346.
(3) فقد كذب في سنة ولادته، وفي انتسابه إلى حميَر، وفي إسناد قراءته إلى شيوخ لم يلتقِ بهم، أو إلى أُناس لم يكونوا مقرئين: كعثمان، ومعاوية، قال: قرأت على معاوية..! (راجع القرّاء الكبار: ج1، ص67).
ومن ثُمّ بعث سليمان بن عبد الملك مهاجراً لينحّيه عن إمامة المسجد بدمشق ويقول له: تأخّر فلن يتقدّم منّا دعيّ! (راجع المصدر السابق: ص68).
(4) فإنّ ابن كثير ينتهي نسَبه إلى زاذان بن فيروزان بن هرمز، من أبناء فارس الذين بعثَهم كسرى في أسطول بحري لإنقاذ صنعاء من الأحباش، فطردوهم عنها وأقاموا هناك مرابطين، وكان نافع أصله من إصبهان. (راجع التيسير: ص4، وغاية النهاية: ج2، ص330 وج1، ص 443).
(5) الإتقان: ج1، ص225 طبعة 1387هـ.
(6) وفيات الأعيان: ج3، ص9.
وقال أحمد بن حنبل: كان أهل الكوفة يختارون قراءة عاصم، وأنا أختارها (1) .
وقال الخوانساري: وظلَّت قراءته هي الدارجة بين المسلمين، وكانت تُكتَب بالسواد، وباقي القراءات تكتَب بألوان أُخَر للتميّز (2) .
قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة الَّتي رُوَيت من قراءة عاصم هي رواية حفْص (3) .
قلت: ومن ثمّ فالقراءة المعروفة عن عاصم في جميع الأعصار هي الّتي برواية حفْص، وهو موضوع بحثنا في الفصل التالي.
حَفْص وقراءتنا الحاضرة:
كانت ولا تزال القراءة الدارجة بين المسلمين - منذ العهد الأوّل حتّى عصرنا الحاضر - هي القراءة الَّتي تتوافق مع قراءة عاصم برواية حفْص، وكان لذلك سببان:
الأوَّل: ما أشرنا إليه سابقاً: أنّ قراءة حفْص كانت هي قراءةَ عامَّة المسلمين، وأنّ النِسبة مقلوبة، حيث كان حفْص وشيخه عاصم حريصَين على الالتزام بما وافَق قراءة العامّة والرواية الصحيحة المتواترة بين المسلمين، وهي القراءة الّتي أخذَها عاصم عن شيخه أبي عبد الرحمان السلمي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يكن علي (عليه السلام) يقرأ إلاّ بما وافَق نصّ الوحي الأصل المتواتر بين المسلمين.
وهذه القراءة أقرأها عاصم لتلميذه حَفْص، ومن ثمّ اعتمدها المسلمون في عامّة أدوارهم؛ نظراً إلى هذا التوافق والوئام، وكانت نسبتها إلى حفْص نسبة رمزية، تعييناً لهذه القراءة. فمعنى اختيار قراءة حفْص: اختيار قراءةٍ اختارها
____________________
(1) تهذيب التهذيب: ج5، ص39.
(2) روضات الجنّات: ج5، ص4 طبعة 1395هـ.
(3) النشر في القراءات العشر: ج1، ص156.
حفْص؛ لأنَّها قراءة متواترة بين المسلمين منذ الأوَّل.
الثاني: أنّ عاصماً بين القرّاء المعروفين كان فريداً بسِماتٍ وخصائص، جَعلته عَلماً يُشار إليه بالبَنان، فقد كان ضابطاً مُتقناً للغاية، شديد الحذر والاحتياط فيمن يأخذ عنه القرآن متثبّتاً، ومن ثمّ لم يأخذ القراءة أخذاً إلاّ من أبي عبد الرحمان السلمي، عن علي (عليه السلام) وكان يعرضها على زرِّ بن حبيش عن ابن مسعود.
قال ابن عيّاش: قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفاً إلاّ أبو عبد الرحمان، وكان أبو عبد الرحمان قد قرأ على عليّ (عليه السلام)، فكنت أرجع من عنده فأعرض على زرٍّ، وكان زرّ قد قرأ على عبد الله، فقلت لعاصم: لقد استوثقت (1) . الأمْر الّذي جعله مشاراً إليه في القراءات، على حدِّ تعبير ابن خلِّكان (2) .
وهكذا في جميع أدوار التاريخ كانت قراءة عاصم هي القراءة المفضَّلة الَّتي راجَت بين عامَّة المسلمين، واتَّجهوا إليها في صورة جماعية.
هذا القاسم بن أحمد الخيّاط الحاذق الثقة (ت ح292هـ) كان إماماً في قراءة عاصم، ومن ثمّ كان إجماع الناس على تفضيله في قراءته (3).
وكان في حلَقة ابن مجاهد - مقرئ بغداد على رأس المئة الرابعة - خمسة عشر رجلاً خصّيصاً بقراءة عاصم، فكان الشيخ يُقريهم بهذه القراءة فقط، دون غيرها من قراءات (4) .
وكان نفطويه إبراهيم بن محمّد (ت 323هـ) إذا جلس للإقراء - وكان قد جلس أكثر من خمسين عاماً - يبتدئ بشيء من القرآن المجيد على قراءة عاصم فحسْب، ثمّ يُقرئ بغيرها (5) .
____________________
(1) معرفة القرّاء الكِبار للذهبي: ج1، ص75.
(2) وفيّات الأعيان: ج3، ص9 و315.
(3) الطبقات لابن الجزري: ج2، ص17.
(4) معرفة القرّاء الكبار للذهبي: ج1، ص217.
(5) لسان الميزان لابن حجر: ج1، ص109.
وهكذا اختار الإمام أحمد بن حنبل قراءة عصام على قراءة غيره؛ لأنّ أهل الكوفة - وهم أهل علم وفضيلة - اختاروا قراءته (1)، وفي لفظ الذهبي: قال أحمد بن حنبل: كان عاصم ثقة، أنا أختار قراءته (2) .
وقد حاول الأئمَّة اتّصال أسانيدهم إلى عاصم برواية حفْص بالخصوص، قال الإمام شمس الدين الذهبي: وأعلى ما يقع لنا القرآن العظيم فهو من جهة عاصم، ثمَّ ذكر إسناده متَّصلاً إلى حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمان السلمي عن علي (عليه السلام)، وعن زرِّ عن عبد الله، كلاهما عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرائيل (عليه السلام)، عن الله عزّ وجلّ (3).
* * *
هذا من جانب، ومن جانب آخر كان حفص هو الّذي أشاع قراءة عاصم في البلاد، وكان معروفاً بالضبط والإتقان، ومن ثمَّ أقبل جمهور المسلمين إلى أخذ قراءة عاصم منه بالخصوص.
هذا فضلاً عن أنَّ حفصاً كان أعلم أصحاب عاصم بقراءته، ومفضّلاً على زميله أبي بكر بن عيّاش في الحفظ وضبط حروف عاصم.
قال أبو عمرو الداني: حفْص هو الّذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة، ونزل بغداد فأقرأ بها، وجاور بمكّة فأقرأ بها (4) .
قال ابن المنادي: كان الأوَّلون يعدّون حفصاً في الحِفظ فوق ابن عيّاش، ويصفونه بضبط الحروف الّتي قرأها على عاصم (5) .
قال الشاطبي: وبالإتقان كان مُفضّلاً (6) .
____________________
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر: ج5، ص39.
(2) ميزان الاعتدال للذهبي: ج2، ص358.
(3) معرفة القرّاء الكبار: ج1، ص77.
(4) الطبقات لابن الجزري: ج1، ص254.
(5) النشر في القراءات العشر: ج1، ص156.
(6) شرح الشاطبية (سراج القاري): ص14.
أمّا أهل النقْد والتمحيص، فيرون من رواية حفْص عن عاصم هي الرواية الصحيحة، قال ابن معين: الرواية الصحيحة الّتي رُوَيت من قراءة عاصم هي رواية حفص بن سليمان (1) .
ومن ثمَّ فإنَّ القراءة الّتي راجَت بين المسلمين قاطبة، هي قراءة عاصم من طريق حفْص فقط.
* * *
هذا فضلاً عن أنَّ إسناد حفْص إلى شيخه إلى علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، إسناد ذهبيّ عالٍ لا نظير له في القراءات.
أوّلاً: إنّ عاصماً لم يقرأ القراءة التامَّة على أحد سوى شيخه أبي عبد الرحمان السلمي، الرجل العظيم نُبلاً ووجاهةً، وإنَّما كان يعرض قراءته على غيره لغرض الإتقان فحسْب.
قال ابن عيّاش: قال لي عاصم: ما أقرأني أحد حرفاً إلاّ أبو عبد الرحمان السلمي، وكان قد قرأ على علي (عليه السلام)، وكنت أرجع من عنده فأعرض على زرٍّ، وكان قد قرأ على عبد الله (2) .
ثانياً: إنَّه لم يُخطِّئ شيخه السلمي في شيء من حروفه، عِلماً منه أنَّ شيخه لم يخطِّئ عليّاً (عليه السلام) في شيء من قراءته.
قال: لم أُخالف أبا عبد الرحمان السلمي في شيء من قراءته، فإنَّ أبا عبد الرحمان لم يُخالف عليّاً في شيء من قراءته (3) .
ثالثاً: إنَّ عاصماً خَصَّ بهذا الإسناد الذهبي الرفيع ربيبه حفْصاً دون غيره، وهي فضيلة كبرى امتاز بها حفْص على سائر القرّاء إطلاقاً، وهي الّتي أهّلته لإقبال
____________________
(1) النشر في القراءات العشر: ج1، ص156.
(2) معرفة القرّاء الكبار للذهبي: ج1، ص75.
(3) المصدر السابق، الطبقات: ج1، ص348.
عامّة المسلمين على قراءته فحسب.
قال حفص: قال لي عاصم: ما كان من القراءة الّتي أقرأتك بها، فهي القراءة الّتي قرأت بها على أبي عبد الرحمان السلمي عن علي (عليه السلام)، وما كان من القراءة الّتي أقرأتها أبا بكر ابن عيّاش، فهي القراءة الّتي كنت أعرضها على زرّ بن حبيش عن ابن مسعود (1) .
* * *
وهل خالف حفْص شيخه عاصماً في شيء من قراءته؟.
قال ابن الجزري: وذكَر حفص أنَّه لم يخالف عاصماً في شيء من قراءته إلاّ في حرف الروم: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ.. ) قرأه بالضمِّ وقرأه عاصم بالفتح (2) .
قال أبو محمّد مكّي: قرأ أبو بكر وحمزة بفتح الضاد في الثلاثة (3) ، وقد ذكر عن حفص أنَّه رواه عن عاصم، واختار هو الضمّ لرواية ابن عمَر، قال: قرأت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (من ضَعف) بالفتح، قال: فردَّ عليّ النبي (صلّى الله عليه وآله) (من ضُعف) بالضمّ في الثلاثة.
قال مكّي: وروي عن حفْص أنّه قال: ما خالفت عاصماً في شيء ممّا قرأت به عليه، إلاّ في ضمّ هذه الثلاث كلمات (4) .
لكنَّ الصحيح أنَّ هذه النسبة غير ثابتة، ومن ثمَّ لم يبتّ مكّي في إسناد ذلك إلى حفْص، وإنّما ذكَره عن ترديد وشكٍّ بلفْظة المجهول: (ذُكر عن حفص) و(روي عن حفص)، كأنَّه لم تثبت عنده صحَّة ذلك قطعيّاً، وهذا هو الّذي نرجِّحه نحن؛ نظراً لأنَّ وثوق مثل حفص بابن عمر الهائم في مذاهبه، لم يكن بمرتبة توجِب ترجيحه على الوثوق بشيخه الضابط الأمين، إذ كانت قراءة عاصم ترتفع
____________________
(1) طبقات القرّاء لابن الجزري: ج 1، ص348.
(2) المصدر السابق: ص254، والآية 54 من سورة الروم.
(3) كلمة (ضعف) مكرَّرة في الآية ثلاث مرّات.
(4) الكشف عن وجوه القراءات: ج2، ص186.
إلى مِثل عليّ (عليه السلام) في سلسلة إسناد ذهبيّ رفيع، وقد أتقَنه عاصم إتقاناً، فأودعه ربيبه وثِقته حفْصاً، الأمر الَّذي لا ينبغي الارتياب فيه لمجرَّد روايةٍ رَواها رجُل غير موثوق به إطلاقاً.
إذ كيف يخفى مثل هذا الأمر - في قراءة آية قرآنيّة - على سائر الصحابة الكِبار الأُمَناء، ويُبديه النبي (صلّى الله عليه وآله) لابن عمَر اختصاصاً به؟!.
وهل يُعقل أن يترك حفْص قراءةً ضمْن شيخه الثقة أنّها قراءة علي (عليه السلام) في جميع حروفها كاملة، أخذها عن شيخه السلمي في إخلاص وأمانة لمجرّد رواية لم تثبت صحَّتها؟!.
وإذ كنّا نعرف مبلغ تدقيق الكوفيّين - ولاسيَّما في عصر التابعين - ومدى ولائهم لآل البيت (عليهم السلام)، واتّهامهم لأمثال ابن عُمَر المتفكِّك الشخصية، نقطع بكذِب الإسناد المذكور، وأنّ حفصاً لم يخالف شيخه عاصماً في شيء من حروفه إطلاقاً، كما لم يخالف عاصم شيخه السلمي في شيء من قراءته؛ لأنّ السلمي لم يخالف عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام). هذا هو الصحيح عندنا.
فالصحيح: أنّ حفصاً لم يقرأ بالضمّ ولم يخالِف شيخه عاصماً إطلاقاً.
صلةُ الشيعة بالقرآن الوثيقة:
لم يبعثْنا على عقد هذا الفصل سوى أنّا وجدنا في كلمات بعض مَن تعوزُهم الحرّية في التفكير، ويفضَّلون تقليد أسلافهم في الحقْد على أُمَّة كبيرة من المسلمين لا ذنب لهم، سوى تمسّكهم بولاء آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ عمَلاً بوصيَّته (1)، وإجابةً لدعوة القرآن الكريم (2) .
فقد وجَّهوا إلى الشيعة تُهَماً كثيرة إفكاً وزوراً هم منها بُراء، منها: نسْبة مصحف
____________________
(1) كما في حديث الثقلَين، وحديث السفينة وغيرهما.
(2) كما في قوله تعالى: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) الشورى: 23.
خاصٍّ إليهم أطلقوا عليه اسم (المصحف الشيعي) (1)، في حين أنَّ الشيعة أنفسهم لم يسمعوا بهكذا مصحف في جميع أدوار تاريخهم المجيد.
وقد واجه هذه النسبة بالإنكار الشديد جماعة من الباحثين المتأخّرين (2) ، ومن أهمّهم: جولد تسيهر الّذي عالج علاقة الشيعة الخاصّة بالنصّ القرآني الرسمي الموجود بأيدينا (3) .
واستيضاحاً لهذا الجانب - مدى صِلة الشيعة بالنصّ الموجود - نعرض ما يلي:
نحن إذا عرضنا تاريخ القرآن المجيد والأدوار التي مرّت عليه جيلاً بعد جيل، وجدنا أنّ هذا النصّ الموجود بهذا الوضع الراهن هو صنيع جهود الشيعة بالذات، وهم الذين سهروا على حِفْظه وضبْطه وإتقانه، وعملوا في تحسينه وتشكيله وتطويره من جميل إلى أجمل في عمل مستمرّ، فالحقيقة - إن كان هناك مصحف شيعي - تقضي بأن يُطلَق هذا الاسم على المصحف الموجود، نسبة إلى أئمَّة الشيعة وقرّائهم وحفّاظهم وفنّانيهم عِبر التاريخ، وإليك بإيجاز:
كان عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أوّل مَن أبدى فكرة جمْع القرآن بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مباشرة، وإن كان جمْعه هو رُفض، لكن فكرة الجمع أثّرت أثرها في نفس الوقت، ولم يكن الاختلاف بين الجمْعَين في ذات القرآن.
وكانت المصاحف الرئيسية الّتي جُمع فيها القرآن كلّه على ذلك العهد - قبل توحيدها - هي: ما جمعه عبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وأبو الدرداء، والمقداد
____________________
(1) راجع القرآن وعلومه في مِصر للدكتور عبد الله خورشيد: ص81، فإنّه عالج ما بين الشيعة وهذه النسبة من صِلة، وفنّدها على أساسٍ تاريخي.
(2) راجع تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي: ج2، ص15 - 16، ومقدّمة حياة محمد لموير: ص 35 - 36، وتاريخ المساجد الأثرية لحسن عبد الوهاب: ص92، وهامش فضائل القرآن لابن كثير بقلم رشيد رضا: ص48، رقم 2 و3.
(3) راجع مذاهب التفسير لجولد تسيهر: ص293.
ابن الأسود، ممّن عُرفوا بالوَلاء الخاصّ للبيت النبويّ الرفيع، ولم يكن سائر المصاحف بذلك الاعتبار، وكانت صحف أبي بكر غير منتظمة بين دفَّتين.
وأوّل مَن جاء بفكرة توحيد المصاحف على عهد عثمان هو: حذيفة بن اليمان في قصّة سلَفَت، وكان أُبَي بن كعب هو الذي تصدّى إملاء القرآن على لجْنة استنساخ المصاحف الموحَّدة، وكانوا يراجعونه فيما أشكل عليهم من ثبْت الكلمات.
وكان تشكيل المصحف وتنقيطه على يد أبي الأسود الدؤلي وتلميذيه: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وأوّل مَن تنوّق في كتابة المصحف وتجويد خطِّه هو: خالد بن أبي الهياج صاحب علي (عليه السلام)، ثمَّ كان ضبط الحرَكات على الشكل الحاضر على يد الأستاذ الكبير خليل بن أحمد الفراهيدي، وكان هو أوّل مَن وضَع الهمْز والتشديد والرَوم والإشمام.
* * *
أمّا القراءات: فإنّ الشيعة هم الّذين درسوا أصولها وأحكموا قواعدها، وأبدعوا في فنونها وأطوارها في أمانة وإخلاص.
كان أربعة - إن لم نقل ستَّة - من القرّاء السبعة شيعة، فضلاً عن غيرهم من أئمةٍ قرّاءٍ كِبار: كابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، والمقداد، وابن عبّاس، وأبي الأسود، وعلقمة، وابن السائب، والسلمي، وزرِّ بن حبيش، وسعيد بن جبير، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعاصم بن أبي النجود، وحمران بن أعين، وأبان بن تغلب، والأعمش، وأبي عمرو بن العلاء، وحمزة، والكسائي، وابن عيّاش، وحفص بن سليمان، ونظرائهم من أئمَّة كبار، هم رؤوس في القراءة والإقراء في الأمصار والأعصار.
* * *
أمّا القراءة الحاضرة - قراءة حفْص - فهي قراءة شيعيَّة خالصة، رواها حفْص وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) (1) عن شيخه عاصم، وهو من أعيان شيعة الكوفة الأعلام (2) عن شيخه السلمي (3) - وكان من خواصّ علي (عليه السلام) - عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن الله عزَّ وجلّ.
* * *
____________________
(1) ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وقال: أُسند عنه. (راجع الرجال: ص 176).
(2) ذكره مؤلّف نقض الفضائح شيخ ابن شهرآشوب وأبي الفتوح الرازي. (راجع التأسيس للصدر: ص346، والمجالس للقاضي: ج1، ص548).
(3) ذكره ابن قتيبة في أصحاب علي (عليه السلام)، وممَّن حمَل عنه الفقه. (راجع المعارف: ص230)، وعدّه البرقي في رجاله من خواص الإمام (عليه السلام) من مُضَر. (راجع التأسيس: ص342).
القراءاتُ بين الصحّة والشذوذ
- ضابط قبول القراءة.
- تحقيق الأركان الثلاثة.
- مناقشة هذه الأركان.
- اختيارنا في ضابط القبول.
- تواتر القرآن.
- مِلاك اختيار القراءة.
- القراءة المختارة.
- نصوص ضافية.
القراءات بين الصحّة والشذوذ
ضابط قبول القراءة:
ذكَر أئمَّة الفنّ لقبول القراءة شروطاً ثلاثة:
1 - صحَّة السنَد.
2 - موافقة الرسم.
3 - استقامة وجهها في العربية.
وإذا فُقد أحد هذه الشروط تصبح القراءة شاذَّة، لا تصحّ القراءة بها، لا في صلاة ولا في غيرها، وتسقط عن اعتبارها قرآناً رأساً، سواء كانت من السبعة أمْ من غيرهم.
قال مكّي بن أبي طالب: إذا اجتمع في القراءة ثلاثة أشياء: قوَّة وجه العربية، وموافقة المصحف، واجتماع العامَّة عليه - والعامَّة هم: أهل المدينة، وأهل الكوفة - فذلك عندهم حجَّة قوية توجب الاختيار.
وربّما أُريد من العامَّة أهل الحرَمين: مكَّة، والمدينة، وربَّما جعلوا الاعتبار بما اتَّفق عليه نافع وعاصم، فقراءتهما أُولى القراءات وأصحّها سنداً وأفصحها في
العربيَّة، ويتلوها في الفصاحة خاصَّة قراءة أبي عمرو والكسائي (1) .
وقال أبو شامة: كلّ قراءة ساعدها خطّ المصحف مع صحَّة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، فهي قراءة صحيحة معتبرة، فإن اختلفت هذه الأركان الثلاثة أُطلق على تلك القراءة أنَّها شاذَّة وضعيفة، أشار إلى ذلك كلام الأئمَّة المتقدّمين، ونصَّ عليه الشيخ المقرئ أبو محمّد مكّي بن أبي طالب القيرواني في كتاب مفرد - هو كتاب (الإبانة) -.
وقد ذكره شيخنا أبو الحسن في كتابه (جمال القرّاء) (2) قال: ولا يُلتزم فيه تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة (3) ، وتقدَّم قوله: وهنالك - أي دون إثبات تواتر كلِّ فرد فرد من القراءات إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) - تُسكب العبرات، فإنَّها من ثمَّ لم تُنقل إلاّ أحاداً، إلاّ اليسير منها (4) .
وقال الحافظ الضابط، إمام القرّاء المتأخِّرين، أبو الخير محمَّد بن محمَّد ابن الجزري: كلُّ قراءة وافقَت العربية - ولو بوجه - ووافَقت أحد المصاحف العثمانية - ولو احتمالاً - وصحّ سنَدها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردُّها ولا يحلّ إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزَل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمَّة السبعة، أمْ عن العشرة، أمْ عن غيرهم من الأئمَّة المقبولين، ومتى اختلّ ركن من هذه الأركان الثلاثة، أُطلق عليها ضعيفة أو شاذَّة أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة، أمْ عمَّن هو أكبر منهم.
قال: هذا هو الصحيح عند أئمَّة التحقيق من السلَف والخلَف، صرَّح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونصَّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمَّد مكّي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العبّاس أحمد بن عمّار المهدوي، وحقَّقه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمان بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلَف الذي لا يُعرف عن أحد منهم خلافه (5) .
____________________
(1) البرهان للزركشي: ج1، ص321.
(2) المرشد الوجيز: ص171 - 172.
(3) نفس المصدر: ص171.
(4) نفس المصدر: ص178.
(5) النشر في القراءات العشر: ج1، ص9.
هذه شروط ثلاثة عبَّروا عنها بالأركان إذا توفَّرت في قراءة، فهي صحيحة ومقبولة، وإذا اختلّ أحدها، فهي شاذَّة مردودة.
ورأيت التصريح بها في كلام أئمَّة الفنّ ممَّن يرجع إليهم في هذا الشأن، ومع ذلك فإنَّ بعض المؤلّفين غير الاختصاصيّين أخذ اعتبار التواتر بدل شرط صحَّة السند.
هكذا جاء في كلام الشيخ أبي قاسم النويري، قال: عدم اشتراط التواتر قول حادث، مخالف لإجماع الفقهاء والمحدِّثين.
وقد ردَّ عليه الإمام شهاب الدين القسطلاني بأنَّ: التواتر إذا ثبت لا يحتاج إلى الركنَين الآخَرين، من الرسم والعربية؛ لأنَّ ما ثبت متواتراً قُطع بكونه قرآناً، سواء وافق الرسم أمْ خالفه (1) .
قلت: ولعلّ مُشترط التواتر قد خلط عليه مسألة (تواتر القرآن) بمسألة (تواتر القراءات)، وقد تقدَّم أنّهما حقيقتان متغايرتان (2) .
وهكذا جعل الأستاذ محمّد سالم محيسن - وهو مدرِّس بمعهد القراءات بالأزهر - شرط التواتر بدل صحَّة السند (3)، مخالفاً في ذلك تصريحات الأئمَّة المحقّقين، ويُعذر أمثال هؤلاء بعدم الاضطلاع بأصول الفنِّ، ولم يدركوا أنَّ اشتراط التواتر في كلِّ فرد فرد من أحرف الخلاف يذهب بكثير من القراءات الثابتة عن السبعة وغيرهم. صرَّح بذلك الإمام القسطلاني (4) .
تحقيق الأركان الثلاثة:
قال ابن الجزري: وقولنا - في الضابط - (ولو بوجه) نريد وجهاً من وجوه النحْو، سواء كان أفصح أمْ فصيحاً، مُجمَعاً عليه أمْ مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله
____________________
(1) لطائف الإشارة لفنون القراءة للقسطلاني: ج1، ص69.
(2) البرهان في علوم القرآن للزركشي: ج1، ص318، وراجع صفحة: 274 من هذا الكتاب.
(3) المهذّب في القراءات العشر: ج1، ص27.
(4) اللطائف: ج1، ص70.
إذا كانت القراءة ممّا شاع وذاع، وتلقّاه الأئمَّة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحقِّقين في ركن موافقة العربية.
فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحْو أو كثير منهم ولم يُعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمّة المقتدى بهم من السلَف على قبولها؟ كإسكان ( بَارِئِكُمْ ) (1) و ( يَأْمُرُكُمْ ) (2) ، ونحو: ( سَبَإٍ ) (3) و ( يَا بُنَيَّ ) (4) و ( وَمَكْرَ السَّيِّئِ ) (5) و ( نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) في الأنبياء (6) ، والجمع بين الساكنين في تاءات البزّي، وإدغام أبي عمرو (7) و ( اسْطَاعُوا ) (8) لحمزة (9) ، وإسكان ( فَنِعِمَّا ) (10) و ( يَهْدِي ) (11) ، وإشباع الياء في (يرتعي) (12) و(يتّقي ويصبر) (13) و ( أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ ) (14) ، وضمّ ( لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ ) (15) ، ونصب ( كُنْ فَيَكُونُ ) (16) ، وخفْض ( وَالأَرْحَامَ ) (17) ، ونصب
____________________
(1) البقرة: 54.
(2) جاءت في سبع موارد من القرآن، وقد فصّلها في الجزء الثاني من النشر: ص12 - 13، وتقدَّم في فصل (قراءات شاذّة من السبعة) ص266.
(3) النمل: 22، سبأ: 15.
(4) جاءت في ستة موارد من القرآن.
(5) فاطر: 43.
(6) آية: 8، قرأ ابن عامر بنون واحدة وتشديد الجيم مبنيّاً للمفعول ونصب المؤمنين. (الكشف: ج 2، ص113).
(7) تقدّم في ص 266.
(8) الكهف: 97.
(9) أيضاً تقدّم في ص 267.
(10) البقرة: 271، النساء: 58، قرأ أبو جعفر بإسكان العين، ووافقه اليزيدي والحسن. (إتحاف فضلاء البشر: ص165)، وبما أنَّ الميم مشدَّدة عند الكلّ فيجتمع ساكنان على غير حده.
(11) يونس: 35، قرأ أبو جعفر - أيضاً - بإسكان الهاء مع تشديد الدال، وبذلك يجتمع ساكنان على غير حده. (الإتحاف: ص249).
(12) يوسف: 12.
(13) يوسف: 90.
(14) إبراهيم: 37، تقدّم في ص268.
(15) قرأ أبو جعفر بضمّ التاء وصلاً (الإتحاف: ص134).
(16) جاءت في ثمانية موارد من القرآن، وقد تقدّم في ص 268.
(17) النساء: 1، وقد تقدّم في ص 268.
( لِيَجْزِيَ قَوْماً ) (1) ، والفصل بين المضافَين في الأنعام (2) ، وهمز (سأقيها) (3) ، ووصل ( وَإِنَّ إِلْيَاسَ ) (4) ، وألف ( إِنْ هَذَانِ ) (5) وتخفيف ( وَلاَ تَتَّبِعَانِّ ) (6) ، وقراءة (ليكة) (7) في الشعراء وص، وغير ذلك (8) .
قلت: انظر إلى هذا التناقض في كلام هذا الرجُل المحقِّق المضطلع بأصول الفنّ، كيف يحابي بحقائق علميَّة هنا، ويعترف بها في موضعٍ آخَر؟ إذ كلّ ما ذكره هنا إنَّما هي قراءات شاذَّة، لا يجوِّز هو ولا غيره من الأئمَّة قراءتها في الصلاة، ومع ذلك فقد استشهد بها تدليلاً على تقديم ما صحَّ سنده عن القارئ، على قواعد اللغة المقرَّرة، وسنتعرَّض لذلك.
* * *
قال ابن الجزري: ونعني بموافقة أحد المصاحف: ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض، كقراءة ابن عامر: (َقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً) (9) بغير واو، و (بِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (10) بزيادة الباء في الاسمين، ونحو ذلك، فإنَّ ذلك ثابت في المصحف الشامي (11) .
____________________
(1) الجاثية: 14، وقد قرأ أبو جعفر مبنياً للمفعول ونصب (قوماً). (الإتحاف: ص390).
(2) الأنعام: 137، وقد تقدّم ذلك في ص 268.
(3) النمل: 44، تقدّم ص 268.
(4) الصافّات: 123، وقد قرأ ا بن عامر بوصل همزة (إلياس) في حين أنَّ الكلمة أعجمية وهمزتها قطع. (الإتحاف: ص370).
(5) طه: 63. (راجع تفسير الفخر: ج22، ص74).
(6) يونس: 89، قرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي. (القرطبي: ج8، 376)، وهذه محاولة لتوجيه القراءة، وإلاّ فظاهر السياق كون (لا) ناهية، وعليه فإن كانت النون نون رفع فيجب إسقاطها للجزم، وأمّا نون التأكيد الخفيفة فلا تَلحق الفعل المثنّى وجماعة النساء.
(7) الشعراء: 176، ص: 13، تقدّم ذلك في ص 268.
(8) راجع النشر في القراءات العشر: ج1، ص10.
(9) البقرة: 116.
(10) آل عمران: 184.
(11) وابن عامر شامي أيضاً، راجع ص 222 من هذا الجزء.
وكقراءة ابن كثير: ( جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ) (1) بزيادة (من)، فإنَّ ذلك ثابت في المصحف المكّي (2).
وكذلك ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (3) بحذف (هو) (4) .
وكذا ( سَارِعُواْ ) (5) بحذف الواو (6) .
وكذا ( مِّنْهَا مُنقَلَباً ) (7) بتثنية الضمير (8) .
إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن، اختلفت المصاحف فيها، فوردت القراءة عن أئمَّة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية؛ لكانت القراءة بذلك شاذَّة، لمخالفتها الرسم المجمع عليه.
قال: وقولنا بعد ذلك (ولو احتمالاً) نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديراً، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقاً وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديراً وهو الموافقة احتمالاً، فإنَّه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعاً، نحو: (السموات)، و(الصلحت) (9) ، و(الَّيل) (10) ، و(الصلوة)، و(الزكوة) (11)، و(الربوا) (12) ، ونحو (لنظر كيف تعملون) (13) ، و(جايء) (14) في الموضعين (15) .
وقد توافِق بعض القراءات الرسم تحقيقاً، ويوافقه بعضها تقديراً، نحو: (مَلك يوم الدين) فإنَّه كُتب بغير ألف في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله تحقيقاً، كما كُتب (مَلك الناس) وقراءة الألف محتملة تقديراً، كما كُتب (مالك
____________________
(1) التوبة: 100. (2) وابن كثير مكّي أيضاً، راجع ص223.
(3) الحديد: 24. (4) في مصحف المدينة والشام، راجع ص 224.
(5) آل عمران: 133. (6) في مصحف المدينة والشام، راجع ص222.
(7) الكهف: 36. (8) في مصحف المدينة والشام، راجع ص 223.
(9) فقد رُسمت بلا ألف، وقُرئت بألف. (10) فقد رُسمت بلام واحدة، وتقرأ بلامَين.
(11) رُسمت بواو، وتقرأ بألف. (12) رُسمت بواو وألف، ولا تقرأ الواو.
(13) رُسمت بنون واحدة، وتقرأ بنونين ( لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) يونس: 14.
(14) رُسمت بألف بعد الجيم، والصحيح: ( وَجِيءَ ) ماضٍ مبني للمفعول.
(15) الزمر: 69، الفجر: 23.
الملك) فتكون الألف حُذفت اختصاراً.
وكذلك (النشأة) (1) حيث كُتبت بالألف وافَقت قراءة المدّ تحقيقاً، ووافقَت قراءة القصْر تقديراً، إذ يحتمل أن تكون الألف صورة الهمز على غير القياس، كما كتب ( مَوْئِلاً ) (2) .
وقد توافِق اختلافات القراءات الرسم تحقيقاً، نحو: ( أَنصَارَ اللَّهِ ) (3) ، و ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ) (4) ، و ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) (5) ، و ( يَعْمَلُونَ ) (6)، و ( هَيْتَ لَكَ ) (7) ، ونحو ذلك (8).
* * *
قال: وقولنا: (وصحَّ سنَدها)، فإنّا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، وهكذا حتّى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمَّة هذا الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط، أو ممّا شذَّ بها بعضهم.
قال: وقد شرط بعض المتأخّرين (التواتر)، وأنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا ممّا لا يخفى ما فيه، فإنّ التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين
____________________
(1) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالمدّ والهمز بعد الألف: (النشآءة) - كالكآبة -، وقرأ الباقون بغير مدّ ولا ألف (النشأ) - كالرأفة -. (الكشف: ج2، ص178).
(2) الكهف: 58، أي كما كُتبت الهمزة في صورة ياء.
(3) آل عمران: 52، الصف: 14. (راجع النشر: ج2، ص240).
(4) آل عمران: 39، قرأ حمزة والكسائي وخلف (فناديه الملائكة) بألف ممالة بعد الدال، وتكتب بصورة ياء، وقرأ الباقون (فنادته الملائكة) بتاء التأنيث، والخط يحتمل كلتا القراءتين. (النشر: ج2، ص239).
(5) آل عمران: 31، يقرأ بالنون وبالياء.
(6) البقرة: 96، يقرأ بالياء وبالتاء.
(7) يوسف: 23، قرأ نافع وابن عامر (هيت) بكسر الهاء وفتح التاء وياء ساكنة في الوسط، وقرأ هشام بهمزة ساكنة في الوسط، وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء من غير همز، وابن كثير بضمِّ التاء، كلّ ذلك يحتمله الخطّ العاري عن النقَط والتشكيل. (الكشف: ج2، ص8).
(8) النشر في القراءات العشر: ج1، ص11 - 12.
الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرُف الخلاف متواتراً عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وجب قبوله، وقُطِع بكونه قرآناً، سواء وافَق الرسم أمْ خالفه.
وإذا اشترطنا التواتر في كلِّ حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرُف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمَّة السَبعة وغيرهم، ولقد كنت - قبل - أجنح إلى هذا القول، ثمَّ ظهر فساده، وموافقة أئمَّة السلَف والخلَف (1) .
* * *
هذا جُلّ ما ذكره القوم بشأن تحقيق الأركان الثلاثة لقبول القراءة ووصفها بالصّحة، وقد نقلنا كلام ابن الجزري بِطوله، فإنَّ تحقيقه كان هو الفصل الحاسم، المعروف بين أئمَّة الفنّ خلَفاً عن سلَف، ولم يزد على تحقيقه أحد فيما أعلم، وقد تلقَّته العلماء بالقبول عِبر العصور.
وإنَّ مناقشتنا التالية لهذه الأركان سوف تدور على بنود ذكَرها هذا الإمام المحقِّق، كمقياسٍ أساسيٍّ لملاحظتها وتحقيقها في ضوء الواقعية الراهنة، الَّتي ترفض المحاباة في مجال البحث والتمحيص.
مناقشة هذه الأركان:
تلك شروط ثلاثة: (السنَد، والرسم، والعربية) ذكرها السلَف وتبِعهم عليها الخلَف تقليدياً، من غير ما تحقيق عن واقع الأمر، وهل تصلح هذه الأركان حلاًّ لمشكلة (اختلاف القراءات)؟.
إنَّها مشكلة لا تنحلّ بهكذا مسائل شكلية لا واقع لها، إذا ما جاس الباحث خلال الديار، وقد لمَس الأئمَّة القدامى قصور هذه الأركان عن التعريف بصحيح القراءة، ومن ثمَّ أخذوا في تحريفها وتحويرها يمنةً ويسرة، ولكن من غير
____________________
(1) النشر: ج1، ص13.
جدوى، فاستبدلوا من شرط (التواتر) - الذي كان رائجاً على ألسِنة غوغاء الناس - كفاية صحَّة الإسناد، ولكن إذا لم يوجد لبعض القرّاء إسناد فماذا؟.
وكذلك شرط (موافقة الرسم)، رسم أيِّ مصحف؟ أهو مصحف عثمان (الأُمّ)؟ فلم يكن بمعرض العامَّة، أمْ هي المصاحف الأُولى المبعوثة إلى الآفاق؟ فلم يُعَدّ لها وجود منذ عام 74 هـ، حيث جمعَها الحجّاج بأمر عبد الملك بن مروان في مرسوم سلطانيّ عام، وقد حاول بعض الأئمَّة (الإمام مالك) العثور على نُسخة منها فلم يستطع.
ثمَّ إنَّ قيد (ولو احتمالاً) يذهب بأثر هذا الاشتراط رأساً.
وأمّا شرط (العربية) فقُيّد (ولو بوجه) أبطَل أثره نهائيّاً، إذ ما من قراءة شاذَّة إلاّ ولها وجه في العربية ولو بعيداً.
هذا إجمال مناقشتنا في هذه البنود التي اعتبروها شروطاً أساسية لمعرفة صحيح القراءة عن ضعيفها، وإليك التفصيل:
* * *
أمّا موافقة (الرسم) - وهو عمدة الشروط - فالمصحف الأُمّ مصحف عثمان المختصّ به، أو مصحف المدينة المودَع في مسجدها، فإنَّه لم يكن بمعرض العموم، فضلاً عن أنَّ المعتمَد في تصريح الجماعة هو مطلق المصاحف العثمانية الأُولى، لا خصوص المصحف الأُمّ.
قال الإمام شهاب الدين القسطلاني: وأمّا قول القائل: (ووافَق لفظه خطَّ المصحف، المصحف الإمام) ففيه نظر، من جهة تقييده بالإمام، وهو مصحف عثمان الذي أمسكه لنفسه؛ لأنَّ المعتمَد موافقة أحد المصاحف العثمانية، كما في النشر وغيره (1) .
____________________
(1) لطائف الإشارات لفنون القراءات: ج1، ص68.
ودليلاً على ذلك: أنَّهم اكتفوا بموافقة سائر المصاحف كمصحف الشام ومكَّة وغيرهما، فقد أجازوا قراءة ابن كثير - قارئ مكَّة -: (تجري من تحتها الأنهار) بزيادة (من)؛ لأنّ مصحف مكَّة كان مشتملاً عليها (1) وإن كان مصحف المدينة خالياً عن ذلك ( تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ) (2) .
وقرأ ابن عامر - قارئ الشام -: (ولدار الآخرة) بلام واحدة؛ لأنَّ مصحف الشام كان هكذا (3) ، وقرأ الباقون بلامين ( وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ ) (4) .
فلم يكن مقياس (موافقة المصحف) هو المصحف الإمام، بل جميع المصاحف العثمانية - الخمسة أو السبعة - المبعوثة إلى الآفاق.
ولكن كيف الحصول على موافقتها؟ ولم يَعُد لها وجود، قبل أن ينتهي القرن الأوَّل، إذ لم يمضِ على حياتها أقلّ من نصف قرن إلاّ وقد أكل عليها الزمان وشرب، ولم يبقَ لها أثر على صفة الوجود.
وذلك منذ أن تحوَّل الخطّ (خطّ المصحف بالخصوص) من حالته البدائية الأُولى إلى مراحل جديدة - أيّام ولاية الحجّاج بن يوسف الثقفيّ على العراق، ابتداءً من سنة 74هـ فما بعد - فقد أخذت المصاحف في تطوّر وتحسّن في خطِّها ونُقَطها وتشكيلها وسائر المحسّنات.
وقد بعث الحجّاج بمصاحف من الطراز الحديث إلى الآفاق، وأمر بجمْع سائر المصاحف، ومنها المصاحف العثمانية الأُولى، وحتّى أنَّ المصحف الإمام - وكان محتفظاً به في وعاء في المسجد النبوي (صلّى الله عليه وآله) - أخفاه آل عثمان ضنّاً به.
حكى أبو أحمد العسكري في كتاب (التصحيف) : أنَّ الناس غبروا يقرأون في مصحف عثمان بن عفّان نيّفاً وأربعين سنة، إلى أيّام عبد الملك بن مروان، ثمَّ كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع الحجّاج بن يوسف إلى كُتّابه وسألهم أن
____________________
(1) الكشف: ج1، ص505.
(2) التوبة: 100، راجع ص223 من الكتاب.
(3) راجع ص 222.
(4) الأنعام: 32، راجع الكشف: ج1، ص429.
يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات... (1) .
ويحدّثنا محرز بن ثابت - مولى سلمة بن عبد الملك - عن أبيه، قال: كنت في حرس الحجّاج بن يوسف، فكتب الحجّاج المصاحف (منقَّطة، ومشكَّلة، ومخمَّسة، ومعشَّرة) على يد نصر بن عاصم الليثي وصاحبه يحيى بن يعمر، تلميذَي أبي الأسود الدؤلي (2) ، ثمَّ بعث بها إلى الأمصار، وبعث بمصحف إلى المدينة، فكرِه ذلك آل عثمان، فقيل لهم: أخرِجوا مصحف عثمان ليُقرأ، فقالوا - ضنّاً به -: أُصيب المصحف يوم مقتل عثمان.
قال محرز: وبَلَغني أنَّ مصحف عثمان صار إلى خالد بن عمرو بن عثمان.
قال: فلمّا استخلف المهديّ العبّاسي بعث بمصحف إلى المدينة، فهو الذي يُقرأ فيه اليوم، وعزَل مصحف الحجّاج، فهو في الصندوق الذي دون المنبر.
قال ابن زبالة: حدَّثني مالك بن أنس - إمام المالكية - (93هـ - 179هـ) قال: أرسلَ الحجّاج إلى أمّهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير، وهو أوَّل مَن أرسل بالمصاحف إلى القرى، وكان هذا المصحف في صندوق عن يمين الاسطوانة التي عُملَت علَماً لمقام النبي (صلّى الله عليه وآله)، وكان يُفتح في يوم الجمعة والخميس، ويُقرأ فيه إذا صلّيت الصبح، فبعث المهدي بمصاحف لها أثمان، فجُعلت في صندوق، ونحّى عنها مصحف الحجّاج، فوضِعت عن يسار السارية، ووضِعت لها منابر كانت تقرأ عليها، وحمل مصحف الحجّاج في صندوقه، فجُعل عند الاسطوانة التي عن يمين المنبر (3) .
قال ابن وهب: سألت مالكاً عن مصحف عثمان، فقال: ذَهَب (4) .
____________________
(1) التصحيف: ص 13. (راجع ابن خلّكان - في ترجمة الحجّاج -: ج2، ص32).
(2) معرفة القرّاء الكبار الذهبي: ج1، ص58.
(3) وفاء الوفاء للسمهودي: ج2، ص667 - 668.
(4) البرهان في علوم القرآن: ج1، ص222.
ويروي الشاطبي عن مالِك أنَّه قال: (إنَّ مصحف عثمان تغيَّب فلم نجد له خبراً بين الأشياخ) (1) . وفي كلامه هذا أنَّه حاول العثور عليه فلم يستطع، الأمر الَّذي يدلّ على انقطاع أثره من صفحة الوجود بالكلّية، وإلاّ فلو كان له وجود لمَا كان يختفي عن مِثل مالِك.
تلك حالة المصاحف العثمانية الأُولى لم يعُد لها أثر في الوجود، أمّا سائر المصاحف فلا تصلُح مقياساً لموافقتها أو مخالفتها؛ لأنَّ قيمة تلكمُ المصاحف الأُولى كانت باعتبار انتمائها إلى الصحابة الأوَّلين، أمّا غيرها فلم يثبت لها هذا الاعتبار.
ولعلَّك تقول: يحتمَل أنَّ تلكمُ المصاحف المتأخِّرة كُتبت على نفس كتابة المصاحف الأُولى حرفيّاً، قلت: هذا احتمال، ولا يمكننا أن نعتمد احتمالاً نحتمله ما لم نستوثق من تحقّقه واقعاً قطعيّاً، هذا فضلاً عن التصريح بأنّها كُتبت على أسلوبٍ حديث كان يختلف عن أسلوب المصاحف الأُولى بكثير، وإلاّ لم تعُد حاجة إلى جمْعها، فكانت تُنقَّط وتُشكَّل فحسب، أمّا إبعادها عن صفحة الوجود فلا سبب له سوى التغيير الجذري الحاصل فيما بعد.
نعم، أصل إملاء الخطّ في صورته البدائية بقيَ محفوظاً نسبياً، لم يمسّوه بيد إصلاح، حسب ما قدَّمنا (2) وسجَّل جزئيّاته أرباب المصاحف: كابن الأنباري، وابن أبي داود وغيرهما، وكانوا هم حلقة الاتّصال بيننا وبين المصاحف الأُولى بعض الشيء، الأمر الَّذي لا نستطيع الاستيثاق بكلّيته تماماً.
وأخيراً، فإنَّ إضافة قيد (ولو احتمالاً) ذهبت بفائدة هذا الاشتراط، حيث أكثر القراءات الشاذّة بل والمرفوضة بالإجماع أيضاً، يمكن توفيقها مع ظاهر الرسم، حيث لا نُقَط ولا تشكيل ولا ألِفات، ولا غير ذلك من علائم فارقة حسبما تقدَّم.
____________________
(1) وفاء الوفاء: ج2، ص669.
(2) راجع ص213.
مثلاً قراءة ابن مقسم: (خلصوا نجباً) بالباء (1) يحتملها الخطّ، وكذا قراءة ابن محيصن ( فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء ) بفتح تاء المضارعة (2) ، وقراءة أبي حنيفة ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ - بالرفع - مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء - بالنّصب) (3) ، وقراءة الحسن (لا ريباً فيه) بالنصب والتنوين (4) ، وقراءته (ظلمات) بسكون اللام حيثما وقع في القرآن (5) وقراءته ( يَخْطَفُ ) بكسر الياء والخاء والطاء مع تشديدها (6) ، وقراءته ( وَعَلَّمَ آدَمَ ) بالبناء للمجهول (7)، وقراءة المطوعي (يسمعون كلم الله) بلا ألف وكسر اللام (8)، وقراءة ابن السميقع (ننحّيك) بالحاء (9) .
وقراءة الحسن: (أو تنسها) بتاء الخطاب (10) ، وقراءة ابن محيصن ( فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ ) بضمّ هاء الضمير (11) ، وقراءة قتادة (فأقيلوا أنفسكن) بالياء (12) ، وقراءة ابن زيد ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) بضمِّ التاء (13) ، وقراءة الحسن (فرغ عن قلوبهم) بالراء المهملة والغين المعجمة (14)، كلّ ذلك يحتمله الخطّ العاري عن النُقَط والتشكيل.
____________________
(1) إعجاز القرآن للرافعي. قانون التفسير ص 170، والآية هكذا: ( خَلَصُواْ نَجِيّاً ) يوسف: 80.
(2) إتحاف فضلاء البشر: ص 231. تأويل مشكل القرآن: ص61، والآية 150 من سورة الأعراف.
(3) تفسير القرطبي: ج14، ص344، والآية 28 من سورة فاطر.
(4) القراءات الشاذّة لعبد الفتاح: ص23، وجاءت في عشرة موارد من القرآن هكذا ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) .
(5) المصدر السابق: ص24، والكلمة جاءت في ثلاثة وعشرين مورداً من القرآن.
(6) المصدر السابق: ص 25، والآية 20 من سورة البقرة.
(7) المصدر السابق: ص 26، والآية 31 من سورة البقرة.
(8) المصدر السابق: وفي الآية هكذا: ( يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ) البقرة: 75.
(9) تفسير القرطبي: ج8، ص379، وجاءت في القرآن ( نُنَجِّيكَ ) يونس: 92.
(10) القراءات الشاذّة: ص 29، وجاءت في القرآن ( نُنسِهَا ) البقرة: 106.
(11) المصدر السابق: ص 31، وجاء في أربع موارد من القرآن.
(12) تفسير القرطبي: ج4، ص252، وجاء في القرآن ( فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ) البقرة: 54.
(13) المصدر السابق: والآية 159 من سورة آل عمران.
(14) إتحاف فضلاء البشر: ص360، والقراءة المأثورة: ( فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) سبأ: 23.
وغير ذلك ممّا يطول، راجع كتُب القراءات الشاذَّة تجد غالبيَّة تلكُم القراءات يمكن توفيقها مع ظاهر الرسم الأوَّل، فأين (موافقة الرسم) من صلاحية كونها دليلاً على تعيين القراءة الصحيحة عن الشاذَّة؟!.
* * *
أمّا شرط (السنَد) لتكون القراءات بأسْرها متّصلة الإسناد إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فهذا شيء لا نستطيع تعقّله، فضلاً عن إمكان إثباته.
أوّلاً: القرّاء مختلفون في القراءات، وكلّ قارئ له أسلوب خاصّ ومنهج يختصّ به دون مَن سواه، وله في كلِّ آية فنون من أنواع القراءة، بل في كلِّ كلمة يقرأها على أساليب يبتدعها كفنٍّ.
أفهل يصحّ أن ننسب كلَّ هذه القراءات المتنوّعة من كلِّ قارئ قارئ في جميع آي القرآن إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)؟!.
أفهل نستطيع أن ننسب مثل: تاءات البزّي (1) ، وإدغام أبي عمرو (2) ، وإسكان حمزة (3) ، ونبر الكسائي (4) ، ومَدَّة ورش (5) وغير ذلك من مبتدعات القرّاء المستنكَرة،
____________________
(1) هو صاحب قراءة ابن كثير من السبعة، توفّي 250 هـ، كان يشدِّد التاء التي تكون في أوائل الأفعال المستقبلة حالة الوصل، نحو: ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ ) البقرة: 267، وهي لغة غريبة عن متعارف العرب إطلاقاً. (انظر التيسير: ص 83، والنشر: ج2، ص232، والكشف: ج1، ص 314).
(2) هو أحد السبعة، توفّي 154 هـ، كان يُدغم المِثلين إذا كان من كلمتين، سواء سكن ما قبله أو تحرّك، نحو: ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) البقرة: 185، وهو من الجمع بين ساكنين على غير حده. (انظر التيسير: ص20).
(3) في قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَطَاعُوا ) الكهف: 97، قرأها (فَمَا اسْطَاعُوا) بإدغام التاء في الطاء مع سكون السين. (انظر التيسير: ص 146، والنشر: ج2، ص316).
(4) كان ينبر بالحرف، أي يهمزه، وقريش لم تكن تهمز في كلامها، فلا تقول في (النبي): (النبئّ). (انظر النهاية: ج5، ص7) وقد تقدَّم ذلك.
(5) هو صاحب قراءة نافع من السبعة، توفّي 197 هـ، كان هو وحمزة أطول القرّاء مَدّاً (راجع التيسير: ص30، والإتحاف: ص37).
إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟.
قال ابن قتيبة: ولا يُجعل لحْن اللاحنين من القرّاء المتأخِّرين حجَّة على الكتاب، وقد كان الناس قديماً - على بداوتهم - يقرأون بلُغاتهم وفْق لهْجاتهم الفطريَّة.
ثمَّ خلَف قوم بعد قوم من أهل الأمصار المتحضّرين وأبناء العجَم (1) ، ليس لهم طبع اللغة (لم تكن اللغة من فِطْرتهم)، ولا علم التكلّف (لم يتقنوا علم العربية)، فهفَوا في كثير من الحروف (القراءات) وزلّوا وقرأوا بالشاذّ وأخلّوا.
منهم رجُل (حمزة) ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، لم أرَ أكثر تخليطاً وأشدّ اضطراباً منه (2) ، نبذ في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه في المَدّ والهمز والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وقد شغف بقراءته العوام (3) ، رأَوه عند قراءته مائل الشدْقَين، دارّ الوريدَين، راشح الجبينين، فتوهَّموا أنَّ ذلك لفضيلة وحذَق بها.
____________________
(1) يريد غالبيَّة القرّاء المعروفين، وهم من أبناء العجم، قال الداني: وليس في القرّاء السبعة من العرب غير ابن عامر وأبي عمرو، والباقون هُم مَوال. (التيسير: ص6).
(2) كان يستعمل في الحرف ما يدَعه في نظيره، ثمّ يؤصّل أصلاً ويخالف إلى غيره لغير ما علّة قرأ ( وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ ) فاطر: 43، أسكنَ الهمز والياء في (السيئ) الأوّل، وأعرب الثاني. (تأويل المشكل: ص 63)، وأصل إسكان جميع الياءات التي اختلف فيها القرّاء إلاّ ياء (محياي)، فإنّه فتحها وكسرَ ياء (بمصرخي) وليست بياء إضافة. (الكشف: ج1، ص328).
وطعنَ كثير من النُحاة في هذه القراءة، قال الفرّاء: لعلّها من وَهم القرّاء، فإنّه قلّ مَن سلمَ منهم من الوهْم، ولعلّه ظنَّ أنَّ الباء في (بمصرخي) خافضة للّفظ كلِّه، والياء للمتكلم خارجة من ذلك. وقال الأخفش: ما سمعت هذا من أحد من العرب ولا من النحويّين. (راجع البحر المحيط: ج5، ص419).
(3) لكن ظاهر الأئمّة قبول قراءاته إطلاقاً، فهذا مكّي أشبع كتابه بقراءات حمزة محتجّاً بها، وكذا غيره من أئمة القراءات الذين دوّنوا قراءات السبعة أو العشرة وغيرهم، قال الذهبي: قد انعقد الإجماع بآخره على تلقّي قراءة حمزة بالقبول والإنكار على مَن تكلّم فيها. (ميزان الاعتدال: ج1، ص605).
وليس هكذا كانت قراءة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا خيار السلَف، ولا التابعين.
قال: وما أقلَّ مَن سلِمَ من هذه الطبقة من الغلط والوهْم، فقد قرأ بعض المتقدّمين (يريد الحسن البصري) (1) : (ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به) (2) فهمز، وإنّما هو من (دريت بكذا وكذا).
وقرأ (أي الحسن أيضاً): (وما تنزلّت به الشياطون) توهّم أنَّه جمْعٌ بالواو والنون (3).
وقرأ آخر (يريد ابن محيصن) (4) : ( فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء ) (5) بفتح التاء وكسر الميم ونصب (الأعداء)، وإنّما هو من أشمت الله العدوّ فهو يشمته، ولا يقال: شمت الله العدوّ.
وقرأ الأعمش (6) : ( وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) (7) بكسر الياء، كأنَّه ظنَّ أنَّ الباء تخفِض الحرف كلَّه، واتَّبعه على ذلك حمزة (8) .
وجعل يسرد من أمثال هذه القراءات الغريبة من أئمَّة السلَف، ممّا لا يمكن استنادها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قطعيّاً.
وبعد، كيف يصحّ لنا أن ننسب أمثال هذه الغرائب - باسم القراءات السبع أو الحروف السبعة - إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟! وهل ذاك إلاّ جفاء وظلم بساحة قُدسه
____________________
(1) راجع القراءات الشاذّة لابن خالويه: ص 46، والبحر المحيط: ج 5 ص 133.
(2) والقراءة المعروفة هكذا ( مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ ) يونس: 16.
(3) راجع القراءات الشاذّة: ص 108. والكشّاف: ج 3 ص 129. والبحر المحيط: ج 7 ص 46. وتفسير القرطبي: ج 13 ص 142، وجاءت الآية في القرآن هكذا: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) الشعراء: 210.
(4) راجع البحر المحيط: ج 4 ص 296.
(5) الأعراف: 150.
(6) راجع البحر: ج 5 ص 419. والإتحاف: ص 272. والكشّاف: ج 2 ص 300.
(7) إبراهيم: 22.
(8) تأويل مشكل القرآن: ص 58 - 64.
الشّريف؟!.
نعم، غاية ما هناك أنّ أرباب كتُب القراءات لفّقوا لكلّ قارئ إسناداً متّصلاً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهذا لا يعني إسناد جميع قراءاته وأفنانها وتنوّعاتها إليه (صلّى الله عليه وآله).
هذا فضلاً عن أنّها أسانيد تشريفية مصطنعة، كما لم يُعرف لبعض القرّاء إسناد ظاهر كابن عامر مثلاً، حسبما تقدّم.
ثانياً: كيف خفيَت رواية تلك القراءة عِبر عشرات السنين حتّى ظهرت على يد أحد هؤلاء القرّاء؟ فهذا الكسائي (توفّي سنة 198 هـ) له قراءات خاصّة، وبعضها مستنكرة، كيف خفيَت على مَن تقدّمه لمدّة قرن ونصف، ثمّ ظهرت على لسانه هو؟.
ثالثاً: ما تلك الاستنكارات على كثير من القراءات السبعة، إن كانت قراءاتهم جميعاً مأثورة بالأثَر الصحيح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟.
وما تلك التعاليل والحُجج الاجتهادية لتوجيه القراءات؟ إذ لم تعُد حاجة إلى تعاليل لو كانت منقولة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) بسند صحيح! وقد تقدّم توضيح ذلك جميعاً.
* * *
أمّا اشتراط (موافقة العربية) ، فقد حطّ من قيمته، أو ألغى أثره بالمرّة، إضافة قيد (ولو بوَجه)، ولاسيّما مع تعميم القسطلاني: (سواء كان راجحاً أمْ مرجوحاً) (1) .
إذ ما من قراءة مهما كانت شاذّة فإنّ لها توجيهاً في العربية، بعد أن كانت قواعدها ذات مطاطية قابلة للانعطاف مع مختلف الوجوه.
نعم، لابدّ لهم من إضافة هذا القيد، بعد أن كانت القراءات - ولاسيّما السبع - ذات طابع تحميلي، فيجب قبولها، ومن ثمّ يجب توجيهها حسب الإمكان.
إنّ هذه الأركان وُضِعت على ضوء التسالم على القراءات السبع أو العشر، ومن
____________________
(1) راجع لطائف الإشارات: ج 1 ص 67.
ثمّ يجب تحويرها بما يتّفق معها، فهي علاج للقضية بعد وقوعها، فاللازم هو التصرّف في الشرائط بما يتلاءم ووجوه القراءات، وليست القراءات هي التي تناقش على ضوء هذه الأركان.
ولذلك تجدهم يعالجون حدود هذه الشرائط حسب ما ورد من قراءات هؤلاء السبعة أو العشرة، ولم نرَهم يناقشون قراءة مأثورة عن هؤلاء على ضوء الأركان المذكورة.
قال الداني - بعد حكاية إنكار سيبويه لإسكان أبي عمرو في مثل: (بارئكم) و(يأمركم) -: والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء، وهو الذي أختاره وأخذ به.
قال: وأئمّة القرّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيَس في العربيّة، بل على الأثبت في الأثر والأصحّ في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فُشُوّ لُغة؛ لأنّ القراءة سُنّة متّبعة يلزم قبولها والمصير إليها (1) .
انظر إلى هذا التزمّت والاختيار التقليدي المحض، وإن دلّ فإنّما يدلّ على مبلغ ضغط التحميل المذكور.
وسنبحث عن مناشئ هذا التحميل الّذي تحقّق على يد قارئ بغداد الرسمي (ابن مجاهد) على رأس القرن الرابع، كما أنّ المذاهب الفقهية انحصرت - في نفس الوقت - في أربعة، وأُغلق باب الاجتهاد وحرّية اختيار المذهب خارج الأربعة.
يقول ابن الجزري: وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد وجهاً من وجوه النحْو، سواء كان أفصح أو فصيحاً، مُجمَعاً عليه أمْ مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله إذا كانت القراءة ممّا شاع وذاع، وتلقّاه الأئمّة بالإسناد الصحيح، إذ هو (أي
____________________
(1) نقلاً عن كتابه (جامع البيان)، النشر: ج 1 ص 10.
الإسناد الصحيح إلى القارئ) الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحقّقين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحْو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمّة المقتدى بهم من السلَف على قبولها؟ (1) ... ثمّ يذكر أمثلة من قراءات أنكرها أئمّة النحْو، لكنّها وقعت مورد القبول؛ لأنّها مأثورة عن القرّاء بالإسناد الصحيح (2) .
وهكذا يقول القسطلاني: والمراد باستقامة وجهه في العربية، سواء كان راجحاً أمْ مرجوحاً، كقراءة حمزة: (والأرحام) بالجرّ، وقراءة أبي جعفر: (ليجزى قوماً) بالبناء للمفعول ونصب (قوماً)، والفصل بين المضافَين في قوله: ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ... الآية ) (3) .
انظر إلى هذا التهافت في الاختيار، تراهم لا يتجاوزون حدود تقليد مفروض عليهم، ويزعمونه تحقيقاً في البحث وحرّية في الاختيار.
إنّ أكثر القراءات الّتي جاءت في كلام ابن الجزري وغيره، هي من الشواذّ المخالفة لقواعد اللغة رأساً، ولا يُجيز الفقهاء قراءتها في صلاة ولا في غيرها، وقد تقدّم إنكار أحمد بن حنبل كثيراً من قراءات حمزة، وكذلك غيره، ومع ذلك فإنّ بعضهم يقف من هذه القراءات موقف المتحمّس الحادّ من غير مبرّر معقول.
يقول ابن السبكي: القراءات السبع - الّتي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاثة الّتي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلَف - متواترة، معلوم من الدين بالضرورة، وأنّها منزّلة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لا يكابر في شيء من ذلك إلاّ جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصوراً على مَن قرأ بالروايات، بل هو متواتر عند كلّ مسلم يشهد الشهادتين، وحظّ كلّ مسلم وحقّه أن يدين الله تعالى ويجزم يقينه بأنّ ما ذكرنا متواتر معلوم باليقين، لا تتطرّق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه.
____________________
(1) النشر: ج 1 ص 10.
(2) راجع ص 338 - 340 من هذا الجزء.
(3) لطائف الإشارات: ج 1 ص 67، وراجع ص 339 و 340 من كتابنا هذا.
ويتعقّبه القسطلاني: فقد عُلم أنّ السبع متواترة اتّفاقاً، وكذا الثلاث، وأنّ الأربع بعدها شاذّة اتّفاقاً (1) .
انظر إلى هذا التحمّس الأعمى الّذي يبدو عليه أثر التحميل بوضوح، وإلاّ فما وجه الانحصار في هؤلاء السبعة؟ وفي غيرهم مَن هو أفضل منهم وأتقَن وأَولى.
* * *
وفيما يلي عَرْض موجز عن قراءات شاذّة يمكن توجيهها وفْق وجه من وجوه العربية، الأمر الّذي يكفيك دليلاً على سقوط هذا الاشتراط، وعدم صلاحه لتمييز القراءة الصحيحة المقبولة، عن الشاذّة المرفوضة:
* قرأ أبو حنيفة وعمَر بن عبد العزيز: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) برفع اسم الجلالة ونصب العلماء (2) .
ويمكن توجيه هذه القراءة بتفسير (الخشية) - هنا - بمعنى الإجلال والتعظيم لا الخوف (3) .
* وقرأ الحسن: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ) بفتح الواو المشدّدة والراء.
وتُوجّه بتقدير (المصوّر) مفعولاً به للباري، مراداً به المخلوق (4) .
* وقرأ الأعمش والحسَن: ( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ) على بناء الفعل الأوّل
____________________
(1) المصدر السابق: ص 76، ويشبه ذلك أيضاً اعتذار ابن مطرف في كتاب (القرطَين): ج 2 ص 15 - الّذي اختصره عن تأويل مشكل القرآن - حيث يطوي الكلام على حمزة قائلاً: وباقي الباب لم أكتبه لِمَا فيه من الطعن على حمزة، وكان أورع أهل زمانه.
ويعلّق السيد أحمد صفر على هذا الاعتذار الخاطئ فيقول: هكذا قال ابن مطرف، وهو قول يدلّ على عصبية مضلّة، وغفلة عن قيمة الحقائق العلمية، وأيّ فائدة أعظم من أن يبيّن ابن قتيبة في باقي الباب أوهام القرّاء التي وهموا فيها وسجّلها عليهم العلماء الأثبات وبيّنوا خطأهم فيها؟ وهل طعنُ ابن قتيبة في حمزة بغير الحقّ؟ (هامش تأويل مشكل القرآن: ص 59).
(2) القرطبي: ج 14 ص 344، والآية 28 من سورة فاطر.
(3) راجع البرهان: ج 1 ص 341.
(4) القراءات الشاذّة لعبد الفتاح: ص 89، والآية 24 من سورة الحشر.
للمفعول، والثاني للفاعل، وتأويل الضمير في (وهو) بإرجاعه إلى (وليّاً) (1) .
* وقرأ جابر بن زيد: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ) بضم تاء (عزمت) على تأويل: فإذا أرشدتك إليه وجعلتك قاصداً له (2) ، ونُسبت هذه القراءة إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أيضاً، لكنّها لم تثبت عندنا.
* وقرأ الحسَن: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ) بكسر (إنّ) على إجراء (شهد) مجرى (قال) (3) .
* وقرأ الحسَن وابن السميقع: (وما تنزّلت به الشياطون) (4) . قال الفرّاء: غلط الشيخ. وقال النحّاس: هذا غلط عند جميع النحويّين. وقال محمّد بن يزيد: هذا غلط عند العلماء، وقد رأى الحسن في آخره ياء ونوناً فاشتبه عليه بالجمْع السالم فغلَط.
هذا، ويمكن توجيه قراءته أيضاً ولو بعيداً، قال المورج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما: (الحسن، وابن السميقع) وجه، وقال يونس بن حبيب: سمعت أعرابيّاً يقول: دخلنا بساتين من ورائها بساتون (5) .
فإن كان التوجيه في العربية - ولو بوجه بعيد أو مرجوح - كافياً في تصحيح القراءة فهذه القراءة - الّتي هي أشذّ القراءات الشاذّة - أصبحت ذات وجه في العربية قياساً وسماعاً!.
***
* ومن السبعة قرأ حمزة: ( وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) بخفْض
____________________
(1) البرهان: ج 1 ص 341، والآية 14 من سورة الأنعام.
(2) المصدر السابق. وراجع القرطبي: ج 4 ص 252. ومجمع البيان: ج 2 ص 526. والآية 159 من سورة آل عمران.
(3) إتحاف فضلاء البشر: ص 172. والآية 18 من سورة آل عمران.
(4) والقراءة المأثورة: ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) الشعراء: 210.
(5) راجع القرطبي: ج 13 ص 142.
(الأرحام) عطفاً على الضمير في (به) (1) ، والعطف على الضمير وإن كان قبيح عند البصريّين، لكنّه جاء في أشعار العرب، وقد أجازه الكوفيّون على ضعف (2) .
* وقرأ ابن عامر: ( فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (3) بنصب (فيكون)، ووافقه الكسائي على النصب في سورة النحل: 40 ويس: 82، وهو مشكل ضعيف (4) ، لكنّه وُجِّه في العربيّة، ومن ثمّ قرأ به الكسائي.
* وقرأ ابن عامر أيضاً: ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) (5) (زيّن) مبنيّاً للمفعول، و(قتل) مرفوعاً، و(أولادهم) منصوباً، و(شركائهم) بالخفْض.
فقد فصل بين المضافَين، وقدّم المفعول على الفاعل المضاف إليه، وهذه القراءة فيها ضعف، للتفريق بين المضاف والمضاف إليه، وهذا إنّما يجوز في الشِعر، وأكثر ما يجوز في الشِعر مع الظروف لاتّساعهم فيها، وهو مع المفعول به في الشِعر بعيد، فإجازتُه في القرآن أبعد (6) .
* وقرأ نافع: ( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) بكسر النون، وغلّطه أبو حاتم (7) ؛ لأنّ نون الرفع لا تُكسر لئلاّ تصير تابعة، وقد جاء ذلك في الشِعر (8) .
* وقرأ أبو جعفر - هو من العشرة -: ( لِيَجْزِيَ قَوْماً ) (9) بالياء المضمومة وفتح الزاي مبنيّاً للمفعول، مع نصب (قوماً)، وتأويل ذلك: أن يُجعل المصدر نائباً عن الفاعل، أي يُجزى الجزاء، وهو ضعيف، لاسيّما مع ذكر المفعول به، قاله القاضي (10) .
____________________
(1) الكشف: ج1، ص 375، والآية 1 من سورة النساء.
(2) إملاء أبي البقاء: ج1، ص 165.
(3) البقرة: 117.
(4) الكشف: ج1، ص 261.
(5) الأنعام: 137.
(6) الكشف: ج1، ص 454.
(7) البحر المحيط: ج 5، ص 458. والآية 54 من سورة الحجر.
(8) إملاء أبي البقاء: ج2، ص 76.
(9) الجاثية: 14.
(10) الإتحاف: ص 390.
والقراءات من هذا النمط كثيرة، والمحاولات في توجيههنّ أكثر، ولقد كان الاهتمام بشأن القراءات وتوجيههنّ وفْق القواعد العربية صنعة أقوى من توجيه القراءة المشهورة.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: وتوجيه القراءة الشاذّة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة، ومن أحسن ما وضِع فيه كتاب (المحتسب) لأبي الفتح، إلاّ أنّه لم يستوفِ، وأوسع منه كتاب أبي البقاء العكبري، وقد يستبشع ظاهر الشاذّ بادئ الرأي فيدفعه التأويل (1) . ثمّ جَعل يسرد أمثلة ممّا قدّمنا.
قلت: فما موقعيّة اشتراط (موافقة العربية) معياراً لتعيين القراءة الصحيحة عن الشاذّة؟! وكلّ قراءة مهما شذّت فإنّ لها تأويلاً ممكناً يتوافق مع وجه من وجوه العربية ولو بعيداً، كما تقدّم.
وقد وضع كثير من القدامى والمتأخّرين رسائل لمعالجة القراءات الشاذّة وتوجيهها من لغة العرب، الأمر الّذي يجعل من اشتراط العربية لغْواً محضاً.
* * *
ولعلّ معترضاً يقول: هَب أنّ كلّ واحد من الأركان الثلاثة لا يفي بتعيين القراءة الصحيحة، لكنّها جميعاً صالحة للإيفاء بذلك، حيث لا يمكن اجتماعها إلاّ في قراءة صحيحة.
قلنا: أمّا اشتراط السنَد فاقرأه عنّي السلام، إذ لا نملك لآحاد القراءات إسناداً متّصلاً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) واحدة واحدة، فكيف بصحّته أو تواتره؟ إذ غاية ما هناك أنّ لكلّ قارئ شيخاً، ولشيخه أيضاً شيخ، وهكذا، أمّا أنّ آحاد قراءاته جميعاً مأخوذة من شيخه ذاك فهذا أمر لا يمكن إثباته، حيث كانت اجتهادات القرّاء أنفسهم هي من أكبر العوامل لاختياراتهم في القراءات، فهذا الكسائي مثلاً لم يكن يحسب لمشيخته فيما كان يختاره من وجه حساباً، وكذا غيره من القرّاء، ولاسيّما
____________________
(1) البرهان: ج 1 ص 341.
النحويّين منهم، كما سيأتي (1) .
هذا فضلاً عن الشكّ في أصل تلكم الأسانيد، ولعلّها مصطنعة تشريفيّاً حسبما تقدّم.
وبقي الشرطان الآخران - موافقة الرسم والعربية -، غير أنّ قيد: (ولو احتمالاً) و(ولو بوجه) أبطلَ أثرهما، بعد إمكان التوفيق بين القراءات الشاذّة ومرسوم الخطّ والعربية ولو بعيداً.
فالصحيح: أنّ هذه الشروط الثلاثة لا تفي علاجاً بالموضوع، وإنّما ذكَرها مَن ذكَرها ظاهريّاً، وتبِعهُ غيره تقليديّاً من غير تحقيق.
اختيارنا في ضابط القبول:
ونحن إذ كنّا نعتبر القرآن ذا حقيقة ثابتة ومستقلاًّ بذاته متغايراً عن القراءات جملةً، فإنّ مسألة (اختيار القراءة الصحيحة) عندنا مُنحلّة، وهي الّتي تتوافق مع النصّ المتواتر بين المسلمين، منذ الصدر الأوّل فإلى الآن، ولم يكن اختلاف القراءات سوى الاختلاف في كيفية التعبير عن هذا النصّ حسب اجتهادات القرّاء، ولا عِبرة بهم إطلاقاً، وإنّما الاعتبار بالنصّ الأصل المحفوظ كاملاً على يد الأمّة عِبر الأجيال.
وقد تقدّم كلام الإمام بدر الدين الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان... إلخ (2) .
وكلام سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (دام ظلّه): تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات؛ لأنّ الاختلاف في كيفية (أداء) الكلمة لا ينافي الاتّفاق على أصلها... إلخ (3) .
وهكذا تعاهد المسلمون نصّ القرآن أُمّة عن أُمّة، نقلاً متواتراً في جميع
____________________
(1) وراجع معرفة القرّاء: ج1، ص 100.
(2) في صفحة 251، وراجع البرهان: ج1، ص 318.
(3) في صفحة 274، وراجع البيان: ص 173.
خصوصيّاته الموجودة، نَظماً وترتيباً، ورسماً وقراءة، بكلّ أمانة وإخلاص عِبر العصور، معجزة قرآنيّة خالدة: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) أي على يد هذه الأمّة مع الأبديّة.
وعليه: فالقراءة الصحيحة هي الّتي تتوافق مع هذا النصّ المتّفق عليه لدى عامّة المسلمين، وغيرها شاذّة غير جائزة إطلاقاً، ولاسيّما إذا كانت تخالفه جوهريّاً، فباطلة بالإجماع.
وتوضيحاً لهذا الإجمال لابدّ من تمهيد مقدّمة، نستوضح فيها مسألة (تواتر النصّ القرآني)، ثمّ التعرّج إلى مسألة (اختيار القراءة الصحيحة)؛ نظراً للعلاقة القريبة بين المسألتين في صميم هذا البحث، وإليك بإيجاز:
تواتر القرآن:
ممّا يبعث على اعتزاز جانب هذه الأمّة هو: تحفّظهم على كتاب الله نصّاً واحداً كما أُنزل على النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) طول التاريخ.
المسلمون - على اختلاف نزعاتهم وتباين آرائهم ومذاهبهم - اتّفقوا كلمة واحدة منذ الصدر الأوّل عهد الصحابة الأوّلين، وهكذا عِبر الأجيال أمّة بعد أمّة حتى العصر الحاضر، وسيبقى مع الدهر على نصّ القرآن الأصيل في جميع حروفه وكلماته، ونَظْمه وترتيبه وقراءته، تلقّوه من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وتوارثوه يداً بيد في حِيطةٍ كاملة وحذَرٍ فائق.
وما نقرأه اليوم هو الذي كان يقرأه المسلمون في العهد الأوّل، وما نجده اليوم من النصّ المثبَت بين الدفّتين هو الّذي أثبته السلَف الصالح، كما أخذوه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بلا تحوير ولا تحريف قطّ.
حدّث محمّد بن سيرين (ت 110 هـ) عن عبيدة السلماني (ت 73 هـ) قال:
____________________
(1) الحِجر: 9.
القراءة الّتي عُرضت على النبي (صلّى الله عليه وآله) في العام الّذي قُبض فيه، هي القراءة الّتي يقرأها الناس اليوم (1) .
وقال خلاّد بن يزيد الباهلي (ت 220 هـ): قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة (ت 173 هـ): إنّ نافعاً حدّثني عن أبيك عن عائشة أنّها كانت تقرأ: (إذ تلِقُونه) - بكسر اللام وضمّ القاف (2) - وتقول: إنّها من وَلق الكذِب! فقال يحيى: ما يضرّك أن لا تكون سمعته عن عائشة، وما يسرّني أني قرأتها هكذا، ولي كذا وكذا! قلت: ولِمَ؟ وأنت تزعم أنّها قد قرأت! قال: لأنّه غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا رجُلاً يقرأ بما ليس بين اللَوحَين ما كان بيننا وبينه إلاّ التوبة أو نضرب عُنقه، نجيء به نحن عن الأمّة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) عن جبرائيل عن الله عزّ وجل، وتقولون أنتم: حدّثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى أنّ ابن مسعود يقرأ ما بين اللوحَين، ما أدري ماذا؟ إنّما هو والله ضرب العنُق أو التوبة (3) .
انظر إلى هذا الوصف الجميل عن تواتر النصّ وأصالته، يرويه أمّة عن أمّة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لا فلان عن فلان!.
ويجعل المعيار لمعرفة القراءة الصحيحة هي: (قراءة الناس)، ويجعل غيرها شاذّة لا تجوز قراءته بتاتاً أو يضرب عنُق قاريها، وليس سوى أنّه خارج عن قراءة الناس!.
قال هارون بن موسى الأزدي صاحب القراءات (ت ح 200 هـ): ذكرتُ ذلك لأبي عمرو ابن العلاء (ت 154 هـ) - أي القراءة المعزوّة إلى عائشة - فقال: قد سمعت هذا قبل أن تولَد - خطاباً إلى هارون - ولكنّا لا نأخذ به. وفي رواية أخرى قال أبو عمرو: إنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامّة (4) .
____________________
(1) الإتقان: ج 1 ص 50.
(2) والقراءة المشهورة: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ) بفتح اللام والقاف المشدّدة. (النور: 15).
(3) المرشد الوجيز: ص 180.
(4) المرشد الوجيز: ص 181.
فقد جعل أبو عمرو من (رواية العامّة) مقياساً لمعرفة القراءة الصحيحة الجائزة، وأمّا غيرها فمردود وغير جائز الأخذ إطلاقاً.
وقال محمّد بن صالح (ت 168 هـ): سمعت رجلاً يقول لأبي عمرو ابن العلاء: كيف تقرأ ( فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) (1) ؟ فقال: (لا يعذِّب) بالكسر، فقال له الرجل: كيف؟ وقد جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله) (لا يعذَّب) بالفتح! فقال له أبو عمرو: لو سمعت الرجُل الّذي قال سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله)، ما أخذت عنه، أو تدري ما ذاك؟ لأنّي أتّهم الواحد الشاذّ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامّة (2) .
هذه الرواية كسابقتها في جعْل (ما جاءت به العامّة) معياراً لمعرفة القراءة الصحيحة عن الشاذّة.
وقال ابن قتيبة (ت 276 هـ): كلّ ما كان من القراءات موافقاً لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه، جاز لنا أن نقرأ به، وليس لنا ذلك فيما خالفه؛ لأنّ المتقدّمين من الصحابة والتابعين قرأوا بلُغاتهم وجرَوا على عادتهم وخلّوا أنفسهم وسوم طبائعهم، فكان ذلك جائزاً لهم، ولقومٍ من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل عارفين بالتأويل، فأمّا نحن معشر المتكلّفين فقد جمعَنا الله بحُسن اختيار السلَف لنا على مصحف هو آخر العَرْض، وليس لنا أن نعْدُوه، كما كان لهم أن يفسّروه وليس لنا أن نفسّره، ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا؛ لجاز لنا أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرِهَه لنا الأئمّة الموفّقون (3) .
هذا كلام إمامٍ محقّق، يجعل من (مصحفنا) - معشر المسلمين - مقياساً لمعرفة القراءة الصحيحة، وينبّه على أنّ اختيار السلَف (هو آخِر العَرْض) الّذي لا يمكن
____________________
(1) الفجر: 25 و 26.
(2) مناهل العرفان: ج 1 ص 452 نقلاً عن منجد المقرئين لابن الجزري.
(3) تأويل مشكل القرآن: ص 42.
تغييره بتاتاً (وليس لنا أن نعدوه).
وقال الحجّة البلاغي: ومن أجْل تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل، استمرّت مادّته وصورته وقراءته المتداولة على نحوٍ واحد، فلم يؤثّر شيئاً على مادّته وصورته ما يروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السبعة المعروفين وغيرهم، فلم تسيطر على صورته قراءة أحدهم اتّباعاً له ولو في بعض النُسَخ، ولم يسيطر عليه أيضاً ما روي من كثرة القراءات المخالفة له، ممّا انتشرت روايته في الكتُب: كجامع البخاري، ومستدرك الحاكم.
وإنّ القراءات السبع - فضلاً عن العشر - إنّما هي في صورة بعض الكلمات لا بزيادة كلمة أو نقْصها، ومع ذلك ما هي إلاّ روايات آحاد عن آحاد لا توجب اطمئناناً ولا وثوقاً، فضلاً عن وهْنها بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول المتواتر بين عامّة المسلمين في السنين المتطاولة.
إذاً فلا يَحسُن أن يُعدَل في القراءة - عمّا هو المتداول في الرسم والمعمول عليه بين عامّة المسلمين في أجيالهم - إلى خصوصيّات هذه القراءات، مضافاً إلى أنّا - معاشر الشيعة الإمامية - قد أُمِرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس، أي نوع المسلمين وعامّتهم (1)، وكلام شيخنا الإمام البلاغي هو الحَكَم الفصْل في هذا المضمار، وسوف نبني عليه اختيارنا في هذا المجال، قدّس الله نفسه الشريفة.
ويدلّك أيضاً على تواتر النصّ الموجود - من غير أن يؤثّر عليه شيء من اختلاف القراءات - تلك المخالفات في رسم الخطّ، وربّما كُتبت وفْق قراءة العامّة وثبتت رغم تقلّبات الدهور ومرّ العصور، فلم تغيّرها قراءة قارئ أو ريشة قلم كاتب.
من ذلك قوله تعالى: ( لَمْ يَتَسَنَّهْ ) (2) الهاء زائدة للوقْف، كُتبت وقُرئت هكذا
____________________
(1) آلاء الرحمان: ج 1 ص 30 الفصل الثالث من مقدّمة التفسير.
(2) البقرة: 259.
منذ العهد الأوّل وثبتت على مرّ الدهور، قال عبد الله بن هانئ البربري - مولى عثمان -: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتِف شاة إلى أبيّ ابن كعب فيها: (لم يتسنّ)، وفيها: (لا تبديل للخلق الله)، وفيها: (فأمهل الكافرين)، فدعا بدَواة فمَحا اللامَين وكتَب (لخلْق الله)، ومحا (فأمهل) وكتب (فمهّل)، وكتب (لم يتسنّه) فألحَق فيها الهاء (1) .
ولولا أنّه السماع من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يكتبها أُبيّ بالهاء، كما أنّ اختلاف القرّاء فيما بعد وتطوّر الكتابة والخطّ كِليهما لم يؤثّرا على تغيير الكلمة عمّا كتَبها الأوائل وقرأها السلَف، ومن ورائهم عامّة المسلمين عِبر الأجيال.
وكذلك ( بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ) (2) ، و ( وَمَا أَنسَانِيهُ ) (3) بضمّ هاء الضمير في هذَين الموضعَين فحسِب دون ما سواهما من القرآن (4) لا لعلّة مفهومة لنا، ولولا أنّه المأثور خَلَفاً عن سَلَف لم يكن ما يدعو إلى التزام المسلمين به طول التاريخ.
ومثله: ( سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) (5) بإسقاط الواو في جميع المصاحف قديماً وحديثاً، وقوله: ( أَكْرَمَنِ ) و ( أَهَانَنِ ) (6) بإسقاط ياء المتكلّم لفظاً وخطّاً في جميع المصاحف.
وقوله: ( إِنْ هَذَانِ ) هكذا ثبتت في المصاحف وقرأها المسلمون منذ الصدر الأوّل فإلى الآن، لم يجرُؤ أحد على تغييرها وإن زعم الزاعمون أنّها لحْن (7) ، حتّى أنّ أبا عمرو قال: إنّي لأستحي أن أقرأ ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (8) . ولكن أنّى له بتغييرها استحيى أمْ لم يستحيِ، وقد قرأها المسلمون هكذا في جميع الأعصار والأمصار، الأمر الذي يدلّنا بوضوح أنّ للقرآن بذاته حقيقة ثابتة احتفظ عليها
____________________
(1) الإتقان: ج 1 ص 183. وراجع ص 172.
(2) الفتح: 10.
(3) الكهف: 63.
(4) راجع الكشف: ج 2 ص 66.
(5) العلق: 18.
(6) الفجر: 15 و 16.
(7) تأويل مشكل القرآن: ص 25.
(8) تفسير الرازي: ج 22 ص 74. والآية 63 من سورة طه.
المسلمون بعيداً عن متناول القرّاء.
وهكذا قوله: ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (1) بحذف الياء من (الداع) مع كونه معرّفاً باللام، وكذلك حذف ياء المتكلّم من (دعان)، قرأها المسلمون هكذا عِبر العصور، وكذلك أثبتوها في مصاحفهم، وهل يجرؤ أحد على تغييرها، فليفعل فاعل إن استطاع!!.
وكذا قوله: ( كِتَابِيهْ ) و ( حِسَابِيهْ ) و ( مَالِيهْ ) و ( سُلْطَانِيهْ ) (2) بإثبات هاء السكت لفظاً وخطّاً، وفتح ياء المتكلّم كذلك، من غير أن تكون للقرّاء في ذلك يَد، وإنّما هي متابعة محْضة لعامّة المسلمين ورِثوها كذلك من السلَف الأوّل، فلا يمكن تغييرها أبداً، وأمثال ذلك كثير في القرآن الكريم.
وأيضاً فإنّ قضية تشكيل المصحف على يد أبي الأسود وتنقيطه على يد تلميذَيه: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر (3) ؛ لدليلٌ حاسم على أنّ القرآن كان ذا حقيقة ثابتة في صدور المسلمين، فجاء تقييدها في المصحف على يد زعماء الأمّة، خشية تحريف مَن لا عهْد له بالقرآن.
وها تلك المصاحف المرسومة وفْق المصطلح الأوّل باقية، لا تختلف في إعرابها وحرَكاتها ومرسوم كلماتها عمّا بأيدينا من المصاحف الحاضرة.
ويزيدك وضوحاً: وجود قُطَع قرآنية جاءت في كلمات السلَف؛ لغرض الاستشهاد أو التفسير أو نحو ذلك، لا تختلف عن النصّ الموجود، الأمر الذي يدلّ على ذلك التعاهد العامّ على نصٍّ واحد للقرآن، تعاهده المسلمون في جميع العصور.
كما أنّ مخالفات جرَت على ألسُن بعض السلَف، وقعت موضع إنكار العامّة وعُرفت منذ العهد الأوّل أنّها غير نصّ الوحي، وسجّلها التاريخ بعنوان الشذوذ أو الخطأ المحْض.
____________________
(1) البقرة: 186.
(2) الحاقّة: 19 و 20 و 25 و 26 و 28 و 29.
(3) راجع: ص 206 - 209 من هذا الجزء.
من ذلك قراءة أبي بكر لمّا احتضر: (وجاءت سكرة الحقّ بالموت) (1) قال أبو بكر الأنباري: لمّا احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة، فلمّا دخلت عليه قالت: هذا كما قال الشاعر:
لعمرك ما يغني الثراء ولا الغنى |
إذا حشرجَت يوماً وضاق بها الصدر |
فقال أبو بكر: هلاّ قلتِ كما قال الله: (وجاءت سكرة الحقّ بالموت ذلك ما كنت منه تحِيد) (2) .
ومنذ ذلك العهْد هبّ أرباب التاريخ والمفسّرون والمحدّثون يرمون قراءته هذه بالشذوذ المخالف للرسم (3) ، فلولا أنّ للقرآن حقيقة ثابتة معهودة عند الجميع لَمَا كان لهذا الغوغاء سبب واضح، وقرأ عُمَر بن الخطّاب ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ) برفْع (الأنصار)، وبإسقاط الواو من (والذين اتّبعوهم) (4) لزعمٍ زعَمه، فهبّ زيد بن ثابت يجادله في قراءته هذه الخارجة عن متعاهد العامّة، فلم يتنازل عُمَر لكلام زيد حتّى حاكمه إلى أُبيّ بن كعب، فجعل أُبيّ يستشهد بآيات أخرى حتّى قَبِل (5) .
وهكذا قراءة أبي حنيفة: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) (6) برفع اسم الجلالة ونصب العلماء (7) .
وأنت إذا لاحظت المصاحف الأثريّة القديمة وقارنتها مع المصاحف الحاضرة المخطوطة والمطبوعة، فإنّك تجدها جميعاً متّحدة في الأسلوب والخطّ وثبْت الكلمات في بُنيتها وصورتها وما إلى ذلك، أمّا اختلاف الحركات فسوف
____________________
(1) والقراءة المأثورة: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) ق: 19.
(2) تفسير القرطبي: ج 17 ص 12 - 13، في أشهر الروايتين.
(3) راجع البرهان: ج 1 ص 335، والنشر: ج 1 ص 26 - 28.
(4) التوبة: 100.
(5) القرطبي: ج 8، ص 238.
(6) فاطر: 28.
(7) وتُنسب إلى عمَر بن عبد العزيز أيضاً. (راجع تفسير القرطبي: ج 14 ص 344).
نتعرّض له.
كلّ ذلك دليل واضح على تلك الوحدة المتّفق عليها عند المسلمين جميعاً في جميع الأدوار، الأمر الّذي يكشف عن حِرص هذه الأمّة الشديد على حراسة كتابها المجيد؛ تحقيقاً لمعجزة هذا الكتاب السماوي الخالد ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) أي على يد هذه الأمّة على مرّ الدهور وكرّ العصور، فلم يزل ولا يزال باقياً ومحفوظاً عن كلّ تغيير أو تبديل حتّى يوم النشور.
وإنّ اختلاف القرّاء طول التاريخ لم يستطع تغييراً لا في لفْظه ولا في خطّه، فيا لها من معجزة خالدة، تبعث على اعتزاز هذه الأمّة بكتابها المحتفِظ على نصّ الوحي الإلهي عِبر الأجيال.
وعليه: فالمعيار لتعيين القراءة هي موافقتها مع النصّ الأصل المحفوظ لدى عامّة المسلمين، بشروط نعرضها في الفصل التالي، وهناك نعالج مسألة تعارض الرواية أو اللغة مع القراءة المأثورة.
وهنا سؤال: إذا كانت القراءة الحاضرة هي ما تعاهده المسلمون أمّة عن أمّة فما وجه نسبتها إلى حفْص؟ وسنتعرّض للإجابة على ذلك، بأنّها نسبة مقلوبة، وأنّ حفْص هو الّذي حاول موافقة قراءة العامّة، ومن ثمّ قال أرباب التراجم: إنّ قراءة حفْص عن عاصم ترتفع إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (2) . ولا شكّ أنّ قراءته (عليه السلام) هي قراءة عامّة المسلمين المتواترة منذ العهد الأوّل، وسيوافيك تفصيل حلّ هذا الإشكال في فصل قادم.
مِلاك صحّة القراءة:
وبعد، فإذ قد تبيّن حديث تواتر القرآن، وثبات نصّه الأصل مدى الأجيال، فإنّ مِلاك صحّة القراءة هي: موافقة ذاك النصّ المحفوظ لدى عامّة المسلمين.
____________________
(1) الحجر: 9.
(2) معرفة القرّاء الكبار: ج1، ص 117.
وتتحقّق هذه الموافقة في كلّ قراءة إذا ما توفّرت فيها الشروط التالية:
أوّلاً: موافقتها مع الثبْت المعروف بين عامّة المسلمين، في مادّة الكلمة وصورتها وموضعها من النَظم القائم، حسب تعاهد المسلمين خَلَفاً عن سلَف.
ثانياً: موافقتها مع الأفصح في اللغة والأفشى في العربية، ويُعرف ذلك بالمقارنة مع القواعد الثابتة يقيناً من لغة العرب الفصحى.
ثالثاً: أن لا يعارضها دليل قطعي، سواء أكان برهاناً عقلياً، أم سُنّة متواترة، أمْ رواية صحيحة الإسناد مقبولة عند الأئمّة.
فإذا اجتمعت في قراءة هذه الشروط جميعاً فإنّها هي القراءة المختارة، الجائزة في الصلاة وغيرها، أمّا الفاقدة لجميعها أو لبعضها فإنّها تصبح شاذّة، ولا أقلّ من الشكّ في ثبوتها قرآناً، فلا تجوز قراءتها في صلاة ولا في غيرها بعنوان أنّها قرآن.
وتوضيحاً لهذه البنود الثلاثة نعرض ما يلي:
* * *
أمّا موافقة الثبْت المعروف ففي أمور ثلاثة حسبما أشرنا:
1 - في مادّة الكلمة الأصلية: ففي مثل قوله تعالى: ( فَتَبَيَّنُوا ) من التبيّن، أو هي (فتثبّتوا) من التثبّت (1) أيّهما النصّ الأصل؟.
وكذا قوله: ( نُنشِزُهَا ) بالزاي، أو (ننشرها) بالراء (2) .
وقوله: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ) بفتح اللام والقاف المشدّدة من التلقّي بمعنى الأخْذ، أو (تلِقُونه) بكسر اللام وضمّ القاف من وَلقَ الكذِب (3) .
____________________
(1) الحجرات: 6، قرأ حمزة والكسائي بالثاء، وقرأ الباقون بالباء. (الكشف: ج 1 ص 394).
(2) البقرة: 259، قرأ الكوفيّون وابن عامر بالزاي، وقرأ الباقون بالراء. (الكشف: ج 1 ص 310).
(3) النور: 15، الثانية قراءة محمّد بن السميقع، والأُولى قراءة الباقين. (القرطبي: ج 12 ص 204).
وقوله: ( ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) بضمّ الهمز وتشديد الميم المفتوحة بمعنى المُدّة، أو (بعد أمَه) بفتح الهمز وتخفيف الميم المفتوحة والهاء بمعنى السفَه (1) .
وقوله: ( فُزِّعَ ) بالزاي والعين من التفزيع وهو إزالة الفزع بمعنى الخوف، أو وقوله: ( يَقُصُّ الْحَقَّ ) بالصاد، أو (يقضي الحقّ) بالضاد مع الياء (2) .
وقوله: ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) بالضاد بمعنى (بخيل)، أو بالظاء بمعنى (متّهم) (3) .
وقوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ ) بتقديم الهمز على التاء وتخفيف اللام بمعنى القصور، أو (يتألّ) بتقديم التاء على الهمز وتشديد اللام بمعنى الحَلْف (4) .
وقوله: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) أو (فامضوا إلى ذكر الله) (5) .
ومن هذا الباب القراءة بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) أو ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) بزيادة هاء الضمير (6) .
وقوله: ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) أو (إنّ الله الغنيّ الحميد) بإسقاط ضمير الفصل (7) .
____________________
(1) يوسف: 45، الثانية منسوبة إلى ابن عبّاس، والأُولى قراءة الباقين. (القرطبي: ج 9 ص 201).
(2) الأنعام: 57، الأُولى قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، والثانية قراءة الباقين. (القرطبي: ج 6 ص 439).
(3) التكوير: 24، الثانية قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، والأُولى قراءة الباقين. (الإتحاف: ص 434).
(4) النور: 22، الثانية قراءة أبي جعفر. (الإتحاف: ص 323).
(5) الجمعة: 9، الثانية قراءة ابن الخطّاب وابن شهاب. (القرطبي: ج 18 ص 102).
(6) يس: 35، الثانية هي المعروفة وعليها ثبت مصحف الكوفة. (الكشّاف: ج 2 ص 437).
والأُولى قراءة حمزة، والكسائي، وأبي بكر. (الكشف: ج 2 ص 216).
(7) الحديد: 24، الثانية قراءة نافع، وابن عامر، وكذلك ثبَت إسقاطها في مصاحف المدينة والشام، والأُولى قراءة الباقين، وكذلك مصاحف الكوفة والبصرة ومكّة. (الكشف: ج 2 ص 312).
وقوله: ( تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ ) أو (من تحتها الأنهار) بزيادة (من) (1) .
وتقدّمت أمثلة كثيرة على ذلك (2) .
لا شكّ أنّ الصحيح في مثل ذلك: هي إحدى القراءتين وتكون الأخرى باطلة؛ لأنّ المصحف أوّل ما شُكّل ونُقّط كان تشكيله وتنقيطه على أحد الأمرين، وهو الّذي كان معروفاً ومتعاهداً بين عامّة المسلمين، ولم يكن أبو الأسود ولا تلميذاه متردّدين في وضع العلائم المذكورة، وثبت الكلمات والحروف وفْق مرتكزهم العامّ، كما تلقّوها يداً بيد من غير ترديد أصلاً.
وإنّما الاختلاف جاء من قِبل اجتهاد القرّاء المتأخّرين، شيئاً خارجاً عن النصّ الأصل المعروف عند عامّة الناس.
ومن ثمّ لمّا سأل الفضيل بن يسار الإمام الصادق (عليه السلام) عن حديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) قال: (كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد) (3) .
ثمّ لتعيين هذا الحرف الواحد جعل الإمام (عليه السلام) المقياس معهود عامّة المسلمين قال: (اقرأ كما يقرأ الناس)، وفي رواية أخرى: (اقرأوا كما عُلّمتم) (4) .
فجعل المقياس (كما يقرأ الناس) أي عامّة المسلمين، ولم يَعتبر من قراءة القرّاء شيئاً، والرواية الأخرى أصرح (كما عُلّمتم) أي تعاهدتموه جيلاً عن جيل وأمّة عن أمّة، لا قراءة أفراد وآحاد.
وعلى ضوء هذا المقياس فقراءة (ننشزها) بالزاي هي الصحيحة؛ لأنّ ثبْت المصحف قديماً وحديثاً - والّذي تعاهدته الأمّة - هو بالزاي.
وهكذا الصحيح: (فتبيّنوا)، و(بعد أمّة)، و(فُزّع)، و(يقصّ) وهكذا، لنفس التعليل، والقراءة الأخرى ساقطة عندنا وغير جائزة إطلاقاً.
____________________
(1) التوبة: 100، الثانية قراءة ابن كثير وفْق ثبْت مصحف مكّة بالإثبات. (الإتحاف: ص 244).
(2) راجع: ص 298 فما بعد.
(3) الكافي: ج 2 ص 630.
(4) راجع وسائل الشيعة: ج 4 ص 821 - 822.
أمّا الجماعة فحيث وجدوا أنفسهم تجاه أمر واقع، وهو حجّية القراءات - ولاسيّما السبع - جميعاً، ومن ثمّ جعلوا يؤوّلون بركن (موافقة المصحف) بزيادة قيد (ولو احتمالاً).
وما ذاك إلاّ تعليل بعد الوقوع، وتطبيق للمقياس على القراءات، لا عَرْض القراءات على المقياس.
ونحن في فُسحة عن هذا المأزق، بعد أن لا نرى من حجيّة القراءات سوى واحدة، وهي الّتي وافقَت ثبْت المصحف المعروف، وغيرها ساقطة رأساً.
* * *
2 - في صورة الكلمة: ونعني بها بُنية الكلمة الاشتقاقية، ففي مثل قوله تعالى: ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) بصيغة الطلب، أو (باعدَ) بصيغة الماضي (1) ، حيث المادّة واحدة، والاختلاف في بُنية الكلمة الاشتقاقية، يتردّد الأمر - لا محالة - في اختيار إحدى القراءتين.
وكذا قوله: ( قَالَ أَعْلَمُ ) بصيغة المتكلّم، أو بصيغة الأمر (2) .
وقوله: ( وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ ) بصيغة المتكلّم المعلوم، أو (يُجازى) بصيغة الغائب المجهول (3) .
وقوله: ( حَتَّىَ يَطْهُرْنَ ) ثلاثياً بمعنى انقطاع الدم، أو (يطّهّرن) مزيداً فيه من باب التفعّل على معنى التطهّر بالماء (4) .
____________________
(1) سبأ: 19، الثانية قراءة يعقوب من العشرة، والأُولى قراءة الباقين. (الإتحاف: ص 331).
(2) البقرة: 259، الثانية قراءة حمزة والكسائي، والأُولى قراءة الباقين. (الكشف: ج 1 ص 412).
(3) سبأ: 17، الثانية قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر، وأبي جعفر، والأُولى قراءة الباقين. (الإتحاف: ص 359).
(4) البقرة: 222، قرأه الحرَميان، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفْص مضموم الهاء مخفّفاً، وقرأ الباقون بفتح الهاء مشدّداً. (الكشف: ج 1 ص 294).
وقوله: ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ) من باب المفاعلة كناية عن الجماع، أو (لمَستم) بمعنى مطلق الإمساس (1) .
ومن هذا القبيل: اختلاف إعراب الكلمة بما يؤدّي إلى اختلاف المعنى، كقوله: ( وَأَرْجُلَكُمْ ) بالخفْض فيجب المسْح، أو بالنصب فيجب الغَسل (2) على احتمال مرجوح - عطفاً على مدخول (فاغسلوا) - زيّفه الشيخ أبو جعفر الطوسي بإيفاء وتفصيل (3) ، وأمّا النصب عطفاً على المحلّ من مدخول (وامسحوا)، فهو الصحيح المختار حسبما يأتي.
وقوله: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) برفع (آدم) فاعلاً، ونصب (كلمات) مفعولاً به، أو بنصب (آدم) ورفع (كلمات) بمعنى أنّ الكلمات استنقذت آدم من سخط ربّه (4) .
وقوله: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) برفع اسم الجلالة ونصب العلماء، أو بالعكس (5) .
وفي مثل هذا الاختلاف أيضاً تكون أحدى القراءتين صحيحة والأخرى باطلة، على أصولنا حسبما تقدّم.
لكن وجه الاختيار هنا يختلف عن صورة اختلاف المادّة، فقد يكون وجه الاختيار هو العُرف العامّ كما هناك، وقد يكون بالاعتبار القطعي، وقد يكون بمرجّح رواية صحيحة الإسناد، أو نحو ذلك ممّا سنتعرّض له.
____________________
(1) النساء: 43، الثانية قراءة حمزة والكسائي، والأُولى قراءة الباقين. (الكشف: ج 1 ص 391).
(2) المائدة: 6، الثانية قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص، والأُولى قراءة الباقين. (الكشف: ج 1 ص 406).
(3) راجع التهذيب: ج 1 ص 66 - 75.
(4) البقرة: 37، الثانية قراءة ابن كثير، والأُولى قراءة الباقين. (الكشف: ج 1 ص 237).
(5) فاطر: 28، الثانية قراءة أبي حنيفة. (تفسير القرطبي: ج 14 ص 344).
ففي مثل: (باعِد) نختار صيغة الطلب لإجماع القرّاء المعروفين، وإجماعهم طريق إلى معرفة النصّ الأصل المعروف بين عامّة المسلمين.
وفي: (أعلم) نختار صيغة المتكلّم؛ حيث قراءة الأكثريّة، ولاعتبار عدم وجود مَن يَطلب منه العلم سوى نفسه.
وفي: (نجازي) نرجّح قراءة النّون بقرينة صدر الآية: ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاّ الْكَفُورَ ) .
وفي: (يطهُرن) نرجّح التخفيف؛ نظراً لأنّ شرط جواز إتيانهنّ بلا كراهة أمران: انقطاع الدم، والاغتسال، وأمّا على قراءة التشديد فيبقى أمر انقطاع الدم مسكوتاً عنه.
وفي: (لامَستم) يكون الترجيح مع الألف؛ لأنّه إجماع المحقّقين من الفقهاء، وعليه روايات أهل البيت (عليهم السلام).
وفي: (أرجلَكم) نختار النصب؛ لأنّ وجه الخفْض عطفاً على لفظ المجرور يتنافى والنظرة الفقهية القائلة بوجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولاً؛ نظراً لبيان حَدَّي الممسوح في الآية، على ما يأتي في نهاية المقال، مضافاً إلى ورود روايات أهل البيت (عليهم السلام) بذلك، وهم أدرى بما في البيت.
وأمّا قراءة نصب (آدم) ورفع (كلمات)، فيستبشعها الذوق السليم، فضلاً عن مخالفتها لمتبادر أذهان العموم في أمثال هذه التراكيب، ومثلها قراءة أبي حنيفة المستنكَرة.
نعم، ليس الاختلاف في مثل قراءة: (كفواً)، أو (هزءاً)، أو (هيت لك) (1) ، أو (أُفّ) (2) ، أو في مثل الإمالة، والإشباع، والتخفيف، والتحقيق، والإشمام، والرَوم وأمثال
____________________
(1) قُرئ بكسر الهاء وفتح التاء، وبفتح الهاء وضمّ التاء، وبفتحهما، وبالهمز بدل الياء مع ضمّ التاء، وبفتح الهاء وكسر التاء، وبالجمع بين الياء والهاء. (مجمع البيان: ج 5 ص 222).
(2) قُرئ بضمّ الهمز وفتح الفاء المشدّدة من غير تنوين، وبكسر الفاء منوّنة وبالكسر من غير تنوين، وبضمّ الفاء من غير تنوين، وبتخفيف الفاء أيضاً. (مجمع البيان: ج 6 ص 408).
ذلك من هذا الباب، إذ إنّها اختلافات في اللهجات وفي الأداء والتعبير، وقد أجاز النبي (صلّى الله عليه وآله) للعرب أن تقرأ القرآن بلهجاتها المختلفة، حسبما فسّرنا حديث (أُنزل القرآن على سبعة أحرف) بذلك، كما ورد قوله (صلّى الله عليه وآله): (فاقرأوا كيف شئتم) (1) .
وعليه: فبأيّها قُرئت كانت صحيحة، اللّهمّ إلاّ إذا خرجت عن متعارف العامّة إلى حدٍّ يُستبشَع منه، كما في أكثر إدغامات أبي عمرو والمَدّ الزائد والتحقيق البالغ والنبْر ونحو ذلك، فإنّها غير جائزة ولا تصحّ القراءة بها في الصلاة إطلاقاً.
* * *
3 - في موضع الكلمة: فالقراءة بالتقديم والتأخير باطلة؛ لأنّها خارجة عن الرسم المعهود بين المسلمين، كما في قوله تعالى: ( فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) (2) ، قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول، والثانية هي المشهورة (3) وكقراءة أبي بكر: (وجاءت سكرة الحقّ بالموت)، والقراءة المأثورة هي: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) (4) .
ولا شكّ أنّ الترجيح في مثل هذا الاختلاف أيضاً مع المشهورة والأخرى باطلة، لمخالفتها الرسم والمتعاهَد بين عامّة المسلمين جميعاً.
* * *
وأمّا موافقة الأفصح في اللغة والأفشى في العربيّة؛ فلأنّ القرآن نزل على درجة أعلى من البلاغة، ويستحيل أن يستعمل كلمة يمجّها الذوق العربيّ السليم، أو يخالف قياساً تسلّمته العرب الفصحى عادة طبيعية متعارفة؛ وإلاّ لكانت العرب تستغرب من القرآن في بدْء أمرِه، أو تستنكر منه ما يبطل به التحدّي الّذي يصرخ به
____________________
(1) راجع تأويل مشكل القرآن: ص 34.
(2) التوبة: 111.
(3) تفسير القرطبي، ج 8 ص 268.
(4) نفس المصدر: ج 17 ص 12، والآية 19 من سورة ق.
القرآن علانية على رؤوس الأشهاد.
إنّ إجازة القراءات الضعيفة وإسنادها إلى العهد الأوّل، إجرام بشأن القرآن الكريم وحطّ من عظمته الغالية.
إنّنا لا نجيز مثل: تاءات البزّي (1) ، وإدغامات أبي عمرو (2) ، ونبْرات الكسائي (3) ، ومَدّات حمزة، وكثير من تكلّفات ابتدعها القرّاء تفنّناً بالقرآن وابتعاداً عن مألوف العرب الّذين نزل القرآن على لُغتهم، وعلى أساليب كلامهم الدارج الفصيح.
وقد قال تعالى: ( قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) (4) ، ( وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ) (5) ، ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (6) ، فقد شاء الله أن لا يكون في القرآن عِوَج، ولكنّ القرّاء تكلّفوا فاعوجّوا بكثير من كلماته المستقيمة!!.
وفي ضوء هذا البيان نُخطّئ - صريحاً - كثيراً من قراءات القرّاء المعروفين
____________________
(1) تقدّم ذلك في صفحة: 263، كان يشدّد التاء الواقعة في أوائل الأفعال في حالة الوصل في مثل قوله تعالى: ( وَلا تَنَابَزُوا ) ، و ( فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ ) ، و ( لِتَعَارَفُوا ) ... إلى أحد وثلاثين موضعاً في القرآن، وهو من الجمع بين الساكنَين على غير حده، وهو تكلّف محض خارج عن قانون لغة العرب في سهولة التعبير والأداء. (راجع التيسير: ص 83، والنشر: ج 2 ص 232، والمرشد الوجيز: ص 174).
(2) كان أبو عمرو لا يدغم المِثْلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة، نحو: (جباههم)، و(بشركِكم)، و(أتعدانني)، سوى موضعَين: أحدهما في البقرة آية 200 ( مَّنَاسِكَكُمْ ) ، والثاني في المدّثر آية 42 ( مَا سَلَكَكُمْ ) فأدغم الكاف في الكاف.
أمّا إذا كان المِثلان من كلمتين فكان يدغم الأوّل في الثاني، سواء سكَن ما قبله أو تحرّك في جميع القرآن، نحو: ( لاَ أَبْرَحُ حَتَّى ) ، و ( يَشْفَعُ عِنْدَهُ ) ، و ( قِيلَ لَهُمْ ) ، و ( نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ) ، و ( النَّاسَ سُكَارَى ) ، و ( خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ) ، وهو من الجمع بين الساكنَين، وإسقاط لحركة الكلمة الإعرابية أو الحركة القياسية من غير سبب معروف عند العرب. (راجع التيسير: ص 20).
(3) تقدّم في صفحة 264، وقد نهى النبي (صلّى الله عليه وآله) عنه، فضلاً عن كونه كالمتقيئ ممّا يستبشعه الذوق وينفر منه الطبع. (راجع النهاية: ج 5 ص 7، واللطائف: ج 1 ص 67 - 68).
(4) الزمر: 28.
(5) الأحقاف: 12.
(6) فصّلت: 3.
جاءت على خلاف أساليب لُغة العرب الفصحى، فإنّ رعاية كتاب - هو لأمّةٍ كبيرة - أَولى من رعاية نفَر كانت تعوزهم المعرفة بأساليب الكلام الفصيح، وقد طعن ابن قتيبة في قرّاء لَحَنوا في القراءة، ممّن ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلّف، فهفَوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرأوا بالشاذّ وأخلّوا (1) .
فقراءة الحسن - وهو من الأربعة -: (وما تنزّلت به الشياطون) غلط بلا ريب (2) .
وكذلك قراءة ابن عامر - وهو من السبعة -: (قتل أولادَهم شركائهم) (3) بإضافة (قتل) إلى (شركائهم)، وفصل (أولادهم) - وهو مفعول به - بين المضاف العامل والمضاف إليه الفاعل.
قال أبو البركات ابن الأنباري: وأمّا نصب (أولادهم) وجرّ (شركائهم)، فهو ضعيف في القياس جدّاً... ومثل هذا لا يكون في اختيار الكلام بالإجماع، واختلفوا في ضرورة الشِعر، فأجازه الكوفيّون وأباهُ البصريّون، وهذه القراءة ضعيفة في القياس بالإجماع (4) .
وهكذا قراءة حمزة - من السبعة -: ( وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) (5) ، بخفْض (الأرحام) عطفاً على العائد المجرور. قال أبو محمّد: وهو قبيح عند البصريّين، قليل في الاستعمال، بعيد في القياس؛ لأنّ المضمر في (به) عوَض من التنوين، ولأنّ المضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف ولا يقع بعد حرف العطف، ولأنّ المعطوف والمعطوف عليه شريكان، فكما لا يجوز (واتّقوا
____________________
(1) راجع تأويل مشكل القرآن: ص 58 - 63.
(2) راجع البحر المحيط: ج 7 ص 46، والكشّاف: ج 3 ص 129، والقراءة المأثورة ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) الشعراء: 210.
(3) والقراءة المشهورة: ( قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) الأنعام: 137.
(4) البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1 ص 243 - 342.
(5) النساء: 1.
الله الّذي تساءلون بالأرحام)، فكذلك لا يجوز الخفْض عطفاً (1) ؛ لأنّ الضمير المعطوف عليه - على هذا التقدير - عائد، ولا يصلح المعطوف أن يحلّ محلّ العائد.
وقراءة قنبل - صاحب قراءة ابن كثير -: (أرسِله معنا غداً يرتعي ويلعب) بإثبات الياء في (يرتعي) وإسكان الباء في (يلعب) (2) ، في حين أنّه يجب الجزم في جواب الطلب، فَرفعُ (يرتعي) وجزم (يلعب) ممّا يدلّ على أنّ لا معرفة له بأصول العربية إطلاقاً، كما قال ابن قتيبة: وما أقلّ مَن سَلِم من هذه الطبقة في حرفه من الغلط والوهْم (3) .
وكذا قراءته: (إنّه مَن يتّقي ويصبر) بإثبات الياء في الفعل الأوّل وإسكان الثاني (4) ، ولا وجه لهذا الافتراق في حين أنّهما معاً في حيّز (من) الجازمة، بدليل الفاء بعدها.
وقد تقدّم كثير من قراءات وقعت موضع إنكار أئمّة العربيّة، كانت مخالفة لقواعد اللغة التي تجري عليها لغة العرب الفصحى (5) .
وإنّا لنُحكّم قواعد العربية الفصحى على قراءات القرّاء، حيث لا نأتمن وقوفهم على أصول اللغة، ولا معرفتهم التامّة بأساليب الكلام البليغ الفصيح (6) .
دفاع مثلوم:
قرأ أبو عمرو بن العلاء: (بارئكم)، و(يأمركم)، و(ينصركم)، و(يشعركم)
____________________
(1) الكشف عن وجوه القراءات السبع: ج 1 ص 375 - 376.
(2) التيسير: ص 131، المرشد الوجيز: ص 175، القراءة المأثورة ( يَرْتَعْ ) يوسف: 12.
(3) تأويل المشكل: ص 61.
(4) المرشد الوجيز: ص 175، والقراءة المعروفة ( يَتَّقِ ) يوسف: 90.
(5) راجع ص 262 - 268 من هذا الجزء.
(6) راجع تأويل المشكِل لابن قتيبة: ص 61. والمرشد الوجيز: ص 174.
ونحو ذلك بالإسكان، حيث وقع في القرآن (1) ، وهو إسقاط لحركة إعرابية من غير سبب معروف؛ وعُلِّل بأنّه شبَّه حركة الإعراب بحركة البناء، فأسكنَ حركة الإعراب استخفافاً لتوالي الحركات، تقول العرب: (أراك منتفخاً) بسكون الفاء.
قال أبو محمّد: وهو ضعيف مكروه، قال: فإنّه فرّق بين حركة الإعراب التي تدلّ على معنى، وبين حركة البناء التي لا تدلّ على معنى، وأيضاً فإنّ حركة الإعراب تتغيّر حسب تغيّر المعنى، فلم يجز أن يلحقها تغييرٌ آخَر، وحركة البناء ثابتة، فجاز أن تتغيّر بالإسكان استخفافاً، وإسكان حرف الإعراب بعيد ضعيف، وإسكان حركة البناء إذا استثقلت مستعمل كثير، قال: والاختيار تمام الحركات؛ لأنّه الأصل، وعليه جماعة القرّاء، ولأنّ الإسكان إخلال بالكلام وتغيير للإعراب (2) ، وقد أنكر سيبويه قراءة الإسكان، ورآها باطلة في مذهب العرب الأصيل (3) .
هذه قراءة أبي عمرو الرديئة، وهذا كلام جهابذة الفنّ وأساطين العربية المعترَف بهم لدى الأئمّة أجمَع.
ولكنّ أبا عمرو الداني - في كتابه (جامع البيان) - بعد أن ذكر إسكان (بارئكم) و(يأمركم) في قراءة أبي عمرو، وبعد حكاية إنكار سيبويه لذلك، قال: والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء، وهو الّذي أختارُه وآخُذ به - إلى أن قال: - وأئمّة القرّاء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصحّ في النقل، والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردّها قياس عربية ولا فُشُوّ لُغة؛ لأنّ القراءة سُنّة متّبعه يلزم قبولها والمصير إليها.
____________________
(1) النشر: ج 2 ص 212.
(2) الكشف: ج 1 ص 241.
(3) راجع كتاب سيبويه: ج 2 ص 308.
قال الزرقاني - تعقيباً على هذا الكلام -: وهذا كلام وجيه؛ فإنّ علماء النحو إنّما استمدّوا قواعده من كتاب الله وسنّة رسوله وكلام العرب، فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة كان القرآن هو الحكَم على علماء النحْو وما قعّدوا من قواعد، ووجب أن يرجعوا هم بقواعدهم إليه، لا أن نرجع نحن بالقرآن إلى قواعدهم المخالفة نُحكّمها فيه، وإلاّ كان ذلك عكساً للآية، وإهمالاً للأصل في وجوب الرعاية (1) .
قلت: عدم اعتماد القرّاء على الأفشى في اللّغة والأقيس في العربية، إنّما هو لضآلة معرفتهم بأصول الكلام الفصيح، ومن ثمّ خلطوا وخبَطوا، كما خلَط أبو عمرو الداني مسألة (أصالة القرآن) بمسألة (القراءات)، وتبِعه في هذا التخليط الغريب الأستاذ الزرقاني تقليداً من غير تفكير.
إذ المتّبع هو نصّ القرآن الأصل المتواتر بين المسلمين، وعليه اعتمد أئمّة العربية في استقاء القواعد العامّة المعتمد عليها. أمّا القراءات فشيء يرجع إلى اجتهادات القرّاء، واللحن متفشٍّ بينهم، وما أقلّ مَن سَلِم من هذه الطبقة من الغلط والوهْم، ولا يجعل لحْن اللاحنين حجّة على الكتاب، على حدّ تعبير ابن قتيبة (2) .
إنّا إذا وجدنا لحناً في قراءة قارئ نقوم في وجهه دفاعاً عن سلامة القرآن عن الاعوجاج، عِلماً بأنّ القرآن نزل على الصحيح الأفصح ( قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) (3) .
ويُعذَر القوم حيث حسِبوا من أنفسهم تجاه أمر واقع، ومن ثمّ زعموا من كلّ قراءة أنّها متّبعة، وفاتَهم أن لا مستند لهذا التعبّد الأعمى، ولا تثبُت قرآنيّة القرآن بقراءةٍ رُويت عن فلان أو فلان، وقد أوضحنا أن لا سنَد لآحاد القراءات متّصلاً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا مَساس لها بمسألة (تواتر القرآن) إطلاقاً.
إذاً فتحكيم القواعد على القراءات ليس تحكيماً لها على القرآن، بل تحكيماً
____________________
(1) مناهل العرفان: ج 1 ص 422.
(2) تأويل المشكل: ص 58 و 61.
(3) الزمر: 28.
للتوصّل إلى واقع القرآن، فكلّ قراءة وافقَت الأفصح في اللغة والأفشى في العربية، وتوفّرت فيها سائر الشرائط، نعتبرها صحيحة ونتسلّمها قرآناً، بكاشف هذا التوافق.
والقواعد - الّتي نعتبرها مقاييس لمعرفة القرآن - هي المعترف بها لدى الجميع، والّتي تسالَمت عليها علماء اللّغة والأدب، المستقاة من كلام العرب الأصيل، الأمر الّذي يوجد عند نُحاة البصرة أكثر وأدقّ ممّا عند الكوفيّين، ومن ثمّ فإنّ وقْفة مثل (الداني) المغربي في وجه مثل (سيبويه) غريبة جدّاً.
ونتساءل القوم: بماذا أنكر الإمام أحمد على حمزة قراءاته، لولا أنّه وجدها خارجة عن أساليب التعبير العربيّ الأصيل في مَدّاته، وتوالي سكَناته وما إلى ذلك؟!.
وهل نتسلّم قراءة مَن قرأ: (قل لو شاء الله ما تلَوته عليكم ولا أدرأتكم به) بالهمز لمجرّد أنّها قراءة بعض المتقدّمين (1) ؟ في حين أنّها تقلِب معنى الآية؛ لأنّها من (درى) بمعنى عَلِم، لا من (دَرأ) بمعنى دفَع.
وقراءته أيضاً: (وما تنزّلت به الشياطون) وهي غلط محض (2) .
وقراءة ابن محيصن: ( فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء ) (3) بفتح تاء المضارعة ونصب (الأعداء)، وإنّما هو من أشمت الله العدوّ، ولا يقال: شمت الله العدوّ (4) .
وقراءة ابن عامر: ( كُن فَيَكُونُ ) (5) بالنصب، ومن الغريب أنّ مثل الكسائي تابعَه في النحل ويس (6) .
وقد أجمع المحقّقون على أنّ النصب هنا ضعيف، كما اتّفق باقي القرّاء على
____________________
(1) هي قراءة الحسن. (راجع البحر المحيط: ج 4 ص 133)، والقراءة المأثورة: ( وَلاَ أَدْرَاكُم ) يونس: 16.
(2) انظر تفسير القرطبي: ج 13 ص 142، والقراءة المأثورة: ( الشَّيَاطِينُ ) الشعراء: 210.
(3) الأعراف: 150.
(4) تأويل المشكل لابن قتيبة: ص 61، وانظر البحر المحيط: ج 4 ص 296.
(5) البقرة: 117، آل عمران: 47 و 59، الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68.
(6) انظر التيسير: ص 76.
الرفع؛ لأنّ (كن) ليس أمراً على حقيقته، لأنّه ليس خطاباً لموجود، وإنّما معناه: فإنّما يكوِّنه فيكون (1) .
وهكذا قراءات ضعيفة - تقدّم بعضها - من السبعة وغيرهم تَشي بضَعف مقدرة قُرّائها، وأنكرها المحقّقون من العلماء النقّاد، سواء في مجال الفقاهة أمْ في حقل الأدب الرفيع، فكيف نوافق على قرآنيّتها ونضرب بجميع الأصول والقواعد عَرْض الجدار؟! فالّذي تقتضيه قواعد التمحيص هو النظر في منشأ القراءة، فإن كانت عن مستند وثيق وعن دراية صحيحة الأصول تُقبَل ويُعترَف بقرآنيّتها أيضاً، وكلّ قراءة خالفَت أصول التمحيص الصحيح فهي ضعيفة شاذّة يجب نبذها رأساً، سواء أكانت عن السبعة أمْ عن غيرهم، وتقدّم كلام أئمة التحقيق في ذلك.
* * *
وأمّا عدم المعارضة بالأقوى حجّة؛ فلأنّ القراءة إنّما تكون حجّة إذا لم يعارضها حجّة أقوى، حسب قانون (التعادل والترجيح) في باب الأصول.
فمثل: (أرجلكم) قراءةً بالخفْض، وإن قرأ بها بعض كِبار القرّاء، لكنّها حيث كانت معارضة للدليل الأقوى فهي مرفوضة كما رفضَها جمهور المسلمين، وكانت علامة الثبْت الأُولى، والَّتي كان عليها ثبْت المصاحف هي علامة النصب.
أمّا الدليل الأقوى الذي يرجِّح النصب على الخفْض فهو: اعتبار الاستيعاب - طولاً - في مسْح الأرجُل؛ نظراً لذِكر الحدّ - بدءً ومنتهى - في الآية الكريمة (من رؤوس أصابع الأقدام إلى الكعبين).
ولتوضيح هذا الجانب من المسألة الفقهيَّة المستنبطة من الآية الكريمة لابدَّ من تمهيد مقدَّمة، هي:
أنَّ مادَّة (مسَح) يتعدّى بنفسه إلى المفعول به، ولا يحتاج في تعدِيَته إلى
____________________
(1) راجع التفصيل في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: ج1، ص119 - 120، والكشف: ج1، ص261.
إضافة حرف في مدخوله، لكن زيادة الباء في هذا الموضع من الآية كانت لنُكتةٍ، وهي: أنَّها لو لم تُزَد هنا لاستدعى إضافة الفعل (مسَح) إلى متعلّقِه، استيعاب المسح لمحلّه استدعاءً بالطبع.. كما في كلِّ فعلٍ أُطلق بالنسبة إلى متعلَّقِه، كما في ( فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ) (1) استدعى استيعاب الغَسل لجميع صفحة الوجه طولاً وعرضاً، ومن ثمَّ لو لم يقيَّد الغَسل في اليدين بقوله (إلى المرافق)، لاستدعى استيعاب جميع اليد حتّى المِنكَب.
وعليه: فلو لم تُزَد الباء، وقيل: (وامسحوا رؤوسكم) لاستدعى مسح الرأس كلِّه، نظير الوجه، حرفاً بحرف، فزِيدت؛ لتكون دليلاً على كفاية مجرَّد المَسْح الملصَق بالرأس، فلو وضَع المتوضّئ رأس إصبعه على رأسه وجرَّها جرّاً خفيفاً، فقد صدق (لصوق المَسْح بالرأس)، والامتثال يقتضي الإجزاء - كما في الأصول - ولا امتثال عقيب الامتثال.
هذا في الرأس، أمّا في الرِجْل، فلمّا جاء ذِكر الحدّ للمَسْح كان ذلك دليلاً على إرادة استيعاب ما بين الحدّين (رؤوس أصابع القدَم - الكَعْبان) طولاً، ومن ثمَّ فإنَّه معطوف على مدخول (وامسحوا) بلا زيادة الباء، أي محلّ المجرور ظاهريّاً، وهو النَصب.
* * *
نعم، ليس النصب عطفاً على مدخول (فاغسلوا)، كما زعمه القائل بغَسل الأرجُل؛ استناداً إلى قراءة النصب في الآية، وهو فهمٌ مخطئ واستنباط معوَجّ، بعد ملاحظة أنَّ العطف مع الفصل بالأجنبي مرفوض أو مرجوح في اللغة، ولا يُحمَل عليه القرآن الكريم.
* * *
____________________
(1) المائدة: 6.
أمّا الروايات الواردة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، التي تمسَّك بها الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (1) دليلاً على ترجيح قراءة الخفْض، فالصحيح منها لا دلالة فيها على ذلك؛ لأنّها وردَت بلفظ بأنَّ (القرآن نزل بالمَسْح) (2) ، وهي تلتئم مع قراءة النصب على ما أوضحنا بيانه، ولا دليل فيها على إرادة قراءة الخفْض.
نعم، وردت رواية ضعيفة - لا حجّية في سنَدها بعد وجود الضِعاف فيه - بأنَّها بالخفْض (3) ، وهي لا تصلُح مستنداً لتأويل الآية على غير وجهها، فتدبَّر.
وهذا من إفادات شيخنا الراحل العلاّمة الشيخ محمّد رضا الأصفهاني (طاب ثراه).
القراءة المختارة:
أمّا القراءة التي نختارها - والتي تجمَّعت فيها شرائط القبول أجمع - فهي قراءة عاصم برواية حفْص بالخصوص؛ وذلك لأنَّها القراءة الَّتي كانت عليها جماهير المسلمين وتلقَّوها يداً بيد منذ الصدر الأوّل حتّى توالي العصور، وستأتي مزايا أُخرى حوَتها هذه القراءة بالذات دون غيرها من سائر القراءات، ولم تزَل هذه القراءة موضع عناية العلماء والقرّاء في جميع أدوار التاريخ، ومن ورائهم عامَّة المسلمين في كافَّة الأقطار الإسلامية المترامية.
هذا، ولكنَّ الشائع بين الفقهاء هو جواز القراءة بالسبع في الصلاة وغيرها، الأمر الَّذي يمكن توجيهه على مشارب فقهاء السنَّة، إمّا لأجل تواترها عندهم - كما يراه البعض -، أو لانطباق حديث السبعة أحرُف عليها، حسبما زعمه آخرون، لكنَّ الأمر يَشكُل على مباني فقهائنا الإمامية الذين يرون من القرآن واحداً نزل من عند الواحد!.
____________________
(1) في التهذيب: ج1، ص70. والخلاف: ج1، ص16 - كتاب الطهارة - المسألة رقم 39.
(2) وسائل الشيعة: ج1، ص294 - 297.
(3) تهذيب الأحكام: ج1، ص70، رقم 188.
إذاً فما وجه تجويزهم القراءة بالسبع وغيرها؟ ولنذكر كلماتهم أوَّلاً، ثمّ دلائلهم بهذا الشَّأن:
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: إنَّ المعروف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم: أنَّ القرآن نزل بحرف واحد على نبيّ واحد، غير أنَّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وأنَّ الإنسان مخيَّر بأيّ قراءةٍ شاء قرأ (1) .
وقال الشهيد الأوَّل: وتجوز القراءة بالسبع والعَشْر لا الشواذّ، ومنَع بعض الأصحاب من العَشْر (2) .
وقال العلاَّمة: يجب أن يُقرأ بالمتواتر من القراءات وهي السبعة، ولا يجوز أن يُقرأ بالشواذِّ ولا بالعشرة (3).
وهكذا غيرهم من علمائنا الأعلام، ووافقهم على جواز القراءة بإحدى السبع صاحب (الجواهر)، في كلامٍ طويل له بشأن إبطال دعوى تواتر القراءات السبع أو العَشْر، قال: أقصى ما يمكن تسليمه جواز العمل بها، أمّا تعيين ذلك وحُرمة التعدّي عنه فمحلّ منْع (4) .
ومن ثمَّ قال صاحب العروة: الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي، وإن كانت مخالِفة لهم في حركة بُنيةٍ أو إعراب (5).
وعلَّق عليه سيّدنا الحكيم باشتراط التوافق مع إحدى القراءات المتداولة في عصر الأئمَّة (عليهم السلام)، وهو تعليق متين.
وهكذا سيّدنا الأُستاذ الخوئي (دام ظلّه) قال: الظاهر جواز الاكتفاء بكلِّ قراءة متعارفة عند الناس، ولو كانت من غير السبع.
____________________
(1) التبيان: ج1، ص7.
(2) الدروس: ص35.
(3) تذكرة الفقهاء: ج1، ص115.
(4) جواهر الكلام: ج9، ص298.
(5) العروة الوثقى: فصل 24 في القراءة، المسألة 50.
ووافق السيّدُ الاصبهاني في (الوسيلة) صاحب (العروة) ، إلاّ أنَّ سيِّدنا الأستاذ الراحل الإمام الخميني (قدّس سرّه) في (التحرير) ، زاد عليه: بأنَّ الأحوط عدم التخلّف عمّا في المصاحف الكريمة الموجودة فيما بأيدي المسلمين (1) . وهذا التقييد أيضاً متين.
هذه خلاصة كلمات الأصحاب تُنبئُك عن دقَّة في الاختيار.
ولننظر في دلائل هذا الاختيار:
قد يقال: إنَّ الوجه في ذلك هو اعتقاد تواتر القراءات ولاسيَّما السبع، كما تقدَّم عن الشهيد الثاني، الأمر الَّذي لا يلتئم مع وهْن قضيَّة تواتر القراءات السبع عند علمائنا الإمامية، بل وسائر المحقّقين من علماء الإسلام أجمع، وقد رجع عنه الشهيد أيضاً، وأوَّل كلامه إلى إرادة وجود المتواتر فيما بأيدينا من القراءات الآن.
لكنَّه أيضاً تأويل بعيد، إذ لازِمه الاحتياط في القراءة بكلِّ الوجوه؛ لإحراز الواقع المعلوم، كما نبَّه عليه العلاّمة جار الله الزمخشري في كلامه الآنف (2): و المصلّي لا تبرأ ذمَّته من الصلاة إلاّ إذا قرأ - فيما وقع فيه الاختلاف - على كلِّ الوجوه.
هذا فضلاً عمَّا يرِد على هذا الاحتمال من الإشكال: وهو عدم إمكان اشتباه المتواتر بغيره، كما أورده عليه سِبطه، وأورده أيضاً صاحب (المفتاح) (3) .
والمعروف في وجه هذا الاختيار ما أشار إليه الشيخ في كلامه المتقدِّم هو: انعقاد إجماع الأصحاب على القبول واتّفاقُ رواياتهم عليه.
قال السيد الجواد العاملي: الدليل على وجوب الاقتصار عليها: أنَّ يقين البراءة إنَّما يحصل بذلك؛ لاتّفاق المسلمين على جواز الأخْذ بها، إلاّ ما عُلم رفْضه وشذوذه، وغيرها مختلَفٌ فيه، ومن المعلوم أنَّها المتداولة بين الناس، وقد نطقت أخبارنا بالأمر بذلك، وانعقدت إجماعات أصحابنا على الأخذ به، كما سمعته عن
____________________
(1) تحرير الوسيلة: المسألة 14 من بحث القراءة والذِكر ج1، ص167 - 168.
(2) راجع صفحة 256.
(3) مفتاح الكرامة: ج2، ص392 - 393.
(التبيان) ، ومثله (مجمع البيان) وكذا (المنتهى) ، فجواز الأخذ بغيرها يحتاج إلى دليل، قال: ولولا ذلك لقلنا - كما قال الزمخشري -: لا تبرأ ذمَّة المصلّي إلاّ إذا قرأ بما وقع الاختلاف فيه على كلِّ الوجوه (1) .
هذه هي عمدة الاستدلال على جواز الأخذ بالقراءات المعروفة، وتتلخّص في:
1 - سيرة المسلمين على الأخْذ بها.
2 - إجماع الفقهاء على جواز ذلك.
3 - تضافر النصوص الواردة عن الأئمَّة (عليهم السلام) في الأمر بالعمل بما عند الناس والمعروف لدى المسلمين.
وناقش سيّدنا الحكيم (رحمه الله) - في هذه الوجوه -: بأنَّ المقطوع به من سيرة المسلمين منذُ الصدر الأوَّل هو: الأخذ بأيِّ قراءة صحَّت لديهم، وليست من السبعة فحسب، ولاسيَّما وتأخُّر السبعة المعروفة عن العهد الأوَّل.
وأمّا الإجماع فمستنده الرواية، وهي لا تعني خصوص هذه السبع الَّتي تأخّرت معروفيَّتها عن زمن الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وهما مصدر تلك النصوص، نعم، مقتضاهنّ جواز العمل بكلِّ قراءة كانت معروفة على عهدهم (عليهم السلام) لا غير، فيَشكُل شمولها لبعض القراءات السبع ممّا لم تكن متداولة ذلك العهد، أو حدثت متأخّراً (2) .
والمناقشة متينة، سوى أنَّ حمْل النصوص على إرادة القراءات المتداولة لدى القرّاء - والَّتي كانت مستنداتها في الأغلب تعاليل اجتهادية، وترجيحاتٍ نظرية أو استحسانية - بعيدٌ للغاية.
ومن طريف الأمر: أنَّ جماعة من محدّثي الفقهاء حمَلوا تلك النصوص على الاستصلاح والمجاراة مع العامَّة.
____________________
(1) مفتاح الكرامة: ج2، ص394.
(2) مستمسك العروة: ج6، ص 243 - 245.
قال المولى محسن الفيض: إذا كان اختلاف القراءة ممّا لا يسري إلى اختلاف المعنى، فهذا موسَّع علينا بالقراءات المعروفة، وإلاّ فيحمَل على أنَّهم (عليهم السلام) لمّا لم يتمكنَّوا من حمْل الناس على القراءة الصحيحة جوَّزوا القراءة بغيرها، كما يشير إليه قولهم: (اقرأوا كما تعلّمتم فسيجيئكم مَن يعلِّمكم).
قال: وعلى أيّ التقديرَين فنحن في سِعة منها جميعاً، وقد اشتهر بين الفقهاء وجوب الالتزام بعدم الخروج عن القراءات السبع أو العَشْر المعروفة؛ لتواترها وشذوذ غيرها، والحقّ: أنَّ المتواتر من القرآن اليوم ليس إلاّ القدَر المشترك بين القراءات جميعاً دون خصوص آحادها؛ إذ المقطوع به ليس إلاّ ذاك، إذ المتواتر لا يشتبه بغيره (1) .
وكلامه هذا الأخير متناقض أو يزيد في إبهام الأمر، إذ لو كان المتواتر من القراءات هي المواضع الَّتي توافَقت عليها القرّاء، فالمواضع الَّتي اختلفوا فيها ماذا يكون التكليف فيها، هل المكلَّف مخيَّر فيها أمْ يجب عليه الاحتياط؟.
ثمَّ إنَّ لازم كلامه أنَّ المواضع المختلف فيها ليست من القرآن المتواتر!.
وإن كان مراده أنَّ المتواتر موجود في هذه السبع من غير تعيين، فهذا يتناقض مع قوله: (إنَّ المتواتر لا يشتبه بغيره)!، ومن ثَمَّ فكلامه هنا مبهمٌ للغاية.
ووافَقه على هذا الحَمْل المحدِّث البحراني، قال: الَّذي يظهر من الأخبار هو وجوب القراءة بهذه القراءات المشهورة، لا من حيث ما ذكروه من ثبوتها وتواترها عنه (صلّى الله عليه وآله)، بل من حيث الاستصلاح والتقية (2) .
قلت: الواجب حينئذٍ النظر في النصوص الَّتي هي عمدة الباب - وسنذكرها ضمن النصوص الضافية الآتية - وهي وردت بتعبيرَين:
1 - الأمر بالقراءة على ما يقرأه الناس.
____________________
(1) مقدّمة تفسير الصافي: ج1، ص41، رقم 8.
(2) الحدائق الناضرة: ج8، ص99 - 100.
2 - الأمر بها كما تعلَّموه.
وهذا لا يعني سوى الأمر بالقراءة على ما تداوله جمهور المسلمين؛ لأنَّهم المعنيّون بالناس لا خصوص القُرّاء، إذ لا وجه لهذا الاختصاص، ولاسيَّما بعدما عرفتَ أنَّ القرآن شيء والقراءات شيء آخر، والأوَّل سبيله مجرى التواتر، والثاني هي الاجتهادات النظرية، فلابدّ أنَّ المراد من قراءة الناس هي القراءة المتواترة المحتفظة لدى عامَّة المسلمين، والَّتي توارثوها يداً بيد وجيلاً بعد جيل.
وبذلك أيضاً تبيَّن أنّ المقصود من التعلّم هو: التلقّي الجماهيري سواء في البيوت على يد الآباء والأمّهات، أمْ في الكتاتيب على يد المشايخ والمعلِّمين، أمْ في سائر الأوساط العامّة التي يتداول فيها القرآن على المسرح العام.
أمّا ما هي هذه القراءة التي تداولتها العامَّة وتوارثها المسلمون أُمَّةً بعد أُمَّةٍ؟ فذكرنا أنَّها هي القراءة المتوافقة مع ثبْت النصّ الحاضر حرفيّاً، وهي الَّتي قرأ بها عاصم بن أبي النجود برواية حفْص بن سليمان، وقد توافَقت عليها الأمّة؛ لميّزاتٍ وجدوها في قراءته، أشرنا إليها آنفاً.
فذلكةُ البحث:
والذي يتمخَّض من بحوثنا السالفة بشأن مِلاك اختيار القراءة الصحيحة هو ما يلي:
1 - مراجعة ثبْت المصحف المتواتر خَلَفاً عن سَلَف، في مادّة الكلمة وصورتها وموضعها الخاصّ.
2 - وعند احتمال وجهين أو وجوه، فالمرجّح هي قراءة عامَّة المسلمين أُمَّة عن أُمَّة، وهي محفوظة في الصدور، وفي عامَّة المصاحف القديمة والحديثة.
3 - ومن الطُرُق إلى معرفة قراءة العامَّة هو: إجماع القرّاء المعروفين، أو اتّفاق أكثريَّتهم الغالبة.
4 - وإذا تكافأ الاحتمالان أو استوت اَلقراءتان، فالترجيح مع الأوفق بالعربية والأفصح والأفشى في اللغة.
5 - وأخيراً فإذا قام دليل قطعي على اتّباع قراءة، فتكون هي الأفصح والأقوى سنداً لا محالة.
هذه زبدة مِلاك اختيار القراءة وتمييز المقبول عن المرفوض، كما تبيَّن أن لا شأن للقراءات عندنا بالذات سوى أنَّها طُرُق إلى معرفة القرآن المتواتر عند عامَّة المسلمين، وذلك إذا توفَّرت فيها شروط القبول.
ومن ثمَّ فإنّ القراءة المختارة عندنا هي قراءة عاصم برواية حفص؛ لأنّها هي القراءة المعروفة لدى المسلمين وتلقّاها العلماء بالقبول.
نصوص ضافية:
ورَد من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) نصوص ضافية (1) بشأن القرآن الكريم تشير إلى أهمّ مواضيع بحوثنا الآنفة، وتَشي بعُمق نظر، ودقَّة تحقيق راعَتها الأئمَّة (عليهم السلام) بشأن هذا الكتاب الخالد، ومدى اهتمامهم بحراسة نصِّه بعيداً عن التحريف والتأويل:
1 - قال محمَّد بن الورّاق: عرضتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) كتاباً فيه قرآن مختَم مُعشّر بالذهب، وكُتب في آخِره سورة من ذهَب، فأريته إيّاه فلم يعِب فيه شيئاً إلاّ كتابة القرآن بالذهَب، وقال: (لا يُعجبني أن يُكتب القرآن إلاّ بالسواد كما كُتب أوَّل مرّة).
انظر إلى هذه الدقَّة والحرص الشديد على سلامة القرآن؛ ليبقى محفوظاً كما كُتب أوّل مرّة، حتى في لون الخط؛ لئلاّ يشتبه بغيره من الزوائد والتحسينات المتأخّرة.
2 - وقال الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): (القرآن واحد نزل من عند واحد،
____________________
(1) مستخرجة من الكافي الشريف لثقة الإسلام الكليني (قدّس سرّه): ج2، ص627، كتاب فضل القرآن باب النوادر رقم 8 و12 و13 و15 و23 و27.
ولكن الاختلاف يجيء من قِبل الرواة).
يعني: قراءة واحدة؛ فإنّ القرآن نزل بنصّ واحد، وإنّما الاختلاف في رواية ذلك النصّ حسب اجتهادات القرّاء.
وقد أوضحه الحديث التالي:
3 - وقال الإمام جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام): (ولكنَّه نزل على حرفٍ واحد من عند الواحد).
عنى (عليه السلام) نفيِ القراءات المتداولة الَّتي كان الناس يزعمونها متواترة عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأنكر ذلك، حيث القرآن نزل بنصٍّ واحد، أمّا اختلاف اللهجات - حسبما فسَّرنا بها الحروف السبعة - فلا ينفيها الإمام (عليه السلام)، كما جاء في روايات أُخرى (1) .
4 - قال سالم بن سلمة: قرأ رجل على أبي عبد الله (عليه السلام) وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها النّاس، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (كُفَّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس).
لعلَّ الرجل كان يقرأ حسب تفنّن القرّاء بأوجه متنوِّعة، فنهرَه الإمام (عليه السلام)؛ حيث يؤول ذلك إلى التلاعب بنصّ القرآن الكريم، وأمره أن يلازم القراءة المعروفة الَّتي يقرأها الناس، أي عامَّة المسلمين، فالقراءة الصَّحيحة المأمور بها في الشريعة هي الَّتي توارثتها الأمّة عن الأمّة، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرائيل (عليه السلام)، عن الله عزّ وجلّ، ولا عِبرة بخصوص القرّاء الذين احترفوا فنَّ القراءة كصنعة مبتدعة، سوى التي توافق قراءة العامَّة.
5 - قال سفيان بن السمط: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تنزيل القرآن، قال: (اقرأوا كما عُلِّمتم).
سأل عن أصل النصِّ الذي نزل عليه القرآن لأوَّل مرَّة، حيث وجد القرّاء
____________________
(1) تقدّمت في صفحة 289 - 296.
مختلفين فيه، فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنَّه هو الَّذي يتعاهده المسلمون اليوم، فقوله: (اقرأوا كما عُلّمتم) أي يجب عليكم - خطاباً إلى عامَّة المسلمين - أن تقرأوا القرآن كما ورثتموه خَلفاً عن سَلف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
6 - قال عليّ بن الحكم: حدَّثني عبد الله بن فرقد والمعلّى بن خنيس قالا: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ومعنا ربيعة الرأي، فذكرنا فضْل القرآن، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالّ، فقال ربيعة: ضالّ؟ فقال (عليه السلام): نعم، ضالّ، ثمَّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): أمّا نحن، فنقرأ على قراءة أُبَيّ).
لعلَّهم تذاكروا شيئاً من قراءات ابن مسعود غير المتعارفة، فنبّههم الإمام (عليه السلام) أنَّها غير جائزة، وأنَّ الصحيح هي قراءة عامَّة المسلمين، ومَن خرج عن المعهود العامّ فهو ضالّ؛ لأنَّه أخطأ طريقة المسلمين التي توارثوها كابراً عن كابر عن نبيِّهم العظيم، فلو كان ابن مسعود يقرأ القرآن على خلاف طريقة المسلمين - على تقدير صحَّة النسبة - فهو ضالُّ؛ لأنَّ الطريق الوسط هو الَّذي مشى عليه جماعة المسلمين، والحائد عن الجادّة الوسطى ضالّ لا محالة أيّاً كان.
أمّا قوله: (أمّا نحن، فنقرأ على قراءة أُبيّ) أي أُبيّ بن كعب، فإشارة إلى حادث توحيد المصاحف على عهد عثمان، حيث كان المُملي أُبَيّاً، والجماعة يكتبون على إملائه، ويرجعون إليه في تعيين النصِّ الأصل عند الاختلاف (1) ، فالمصحف الموجود الَّذي عليه عامَّة المسلمين هو من إملاء أُبيّ، فالقراءة وفق قراءة أُبيّ كناية عن الالتزام بما عليه عامَّة المسلمين الآن.
7 - روى الصدوق عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (تعلَّموا القرآن بعربيَّته، وإيّاكم والنبْر فيه - يعني الهمْز -).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الهمْز زيادة في القرآن، إلاّ الهمْز الأصلي مثل قوله:
____________________
(1) راجع ص193 و194 من هذا الجزء.
( أَلاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) (1) ، وقوله: ( لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) (2) ، وقوله: ( فَادَّارَأْتُمْ )) (3) (4) .
جاء في النُسخ: (النبز) بالزاي، وهو خطأ هنا، وإنَّما هو (النبر) بالراء كما تقدَّم عن نهاية ابن الأثير، وإنَّ الكسائي كان ينبر بالقرآن (5) .
والأمر بقراءة القرآن عربية خالصة، كثير في أحاديث أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) (6)؛ حرصاً منهم على محافظة لُغة القرآن الأصيلة، هي لغة العرب الفصحى ولهْجتهم الأفشى، فلا يتسرَّب إليه لحْن ولا يلحقه تغيير.
* * *
____________________
(1) النمل: 25.
(2) النحل: 5.
(3) البقرة: 72.
(4) معاني الأخبار: ص98.
(5) تقدّم في الصفحة 264.
(6) راجع وسائل الشيعة: ج4، ص865، باب 30 من أبواب قراءة القرآن.
مقارنة نموذجية بين قراءة حفص وقراءات تخالفها
كانت ولا تزال قراءة عاصم - برواية حفص - هي القراءة المفضّلة، والتي تقبّلها جمهور المسلمين في جميع الأدوار والأعصار، وفي جميع البلدان والأمصار؛ وذلك لميّزات كانت فيها.
الميّزات
أهمّها:
إنّ عاصماً جمعَ بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد... الأمر الذي خُصَّ به الوصفُ في كتُب تراجم القرّاء (1) ... كما اختصّ بعلوّ الإسناد وارتفاعه إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بواسطة واحدة، هو التابعيّ الكبير أبو عبد الرحمان عبد الله بن حبيب السلمي... وكانت قراءة الإمام هي قراءة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بلا شكّ، عن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ، فكانت هي الحجّة المعتبرة.
وحفصٌ كان أتقن أصحاب عاصم وأعلمهم بقراءته... قال ابن معين: الرواية الصحيحة التي رُويت من قراءة عاصم، رواية حفص بن سليمان (2).
____________________
(1) راجع ابن الجزري في شرح طيبة النشر: ص 9، والمكرّر لسراج الدين الأنصاري: ص5.
(2) المصدرين السابقين.
قال الشاطبي: . .. وحفصٌ... وبالإتقان كان مفضّلاً (1) .
وفي العَرْض التالي مقارنة نموذجيّة بين هذه القراءة وسائر القراءات التي تخالفها؛ ليتبيّن مدى قوّتها وإتقانها حسب المقاييس أيضاً، فضلاً عن قوّة السند وإتقان المأخذ كما عرفت.
ملتقطات في هذه المقارنة
وإليك ملتقطات من ذلك حسب ترتيب السوَر:
فمِن سورة الفاتحة:
( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (2).
قرأ عاصم والكسائي: (مالك) بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف.
وهكذا روى العيّاشي بإسناده إلى الحلبي: أنّ الإمام أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) كان يقرأ ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) . والظاهر أنّه (عليه السلام) كان ذلك دأبه، نعم، كان كثيراً ما يقرأ بغير ألف أيضاً؛ لِمَا رواه العيّاشي بإسناده عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقرأ ما لا أُحصي (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) بغير ألف (3) .
غير أنّ في نسبة (مَلك) بغير ألف إلى الإمام (عليه السلام) نوع خفاء، إذ لعلّه كان يميل بالألف، كما هي عادة العرب في اللهج بالألِفات المشالة غير المقلوبة عن الواو أن يتلفّظوا ممالةً إلى الياء تقريباً، بحيث ربّما لا يُحسُّ بقراءة الألف عند السامع، فحسب الراوي أنّه (عليه السلام) قرأ بغير ألف.
والظاهر جواز القراءة بالوجهين، وإن كان الأرجح قراءة الألف؛ لكونها هي المحفوظة في صدور المسلمين عامّتهم وخاصّتهم، ممّا يدلّ على أنّها هي الأصل المأثور متواتراً... ولأنّ الإمام (عليه السلام) كان يتداوم عليها، وإن كان قد يقرأ بغير ألف أحياناً، ولعلّ الثانية كانت للموافقة مع قرّاء الحجاز (مكّة والمدينة) آنذاك (4) .
____________________
(1) سراج القارئ (شرح الشاطبية): ص 14.
(2) الفاتحة: 4.
(3) تفسير العيّاشي: ج1، ص22 - 23.
(4) ابن كثير قارئ مكّة من السبعة مات سنة (120هـ)، ونافع قارئ المدينة مات سنة (169 هـ)، وعاش الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) (83 - 148هـ).
وقد رجّح الأخفش قراءة الألف؛ لأنّ (مالكاً) يضاف في اللّفظ إلى سائر المخلوقات (أي جميعها) يقال: مالك الناس والجنّ والحيوان، ومالك الرياح والطير وسائر الأشياء، ولا يقال مَلك... قال: فلمّا كان ذلك كذلك كان الوصف بالمِلك - بكسر الميم - أعمّ من الوصف بالمُلك - بضمّ الميم -؛ لأنّه يملك جميع ما ذكرنا وتحيط به قدرته.
قال أبو زرعة - تعقيباً على هذا الكلام -: قال علماؤنا: إنّما يكون المِلك - بالكسر - أبلغ في المدح فيما أُضيف إلى الله، ممّا أُضيف إلى المخلوقين؛ لأنّ أحدهم إنّما يملك شيئاً دون شيء، والله يملك كلّ شيء (1) .
قلت: المُلك - بالضمّ - هو السلطة، والأكثر كونها في السياسة الإداريّة لأُمّة أو رقعة من الأرض، ومن ثمّ كان ملكوت السماوات والأرض بيده تعالى ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (2) .
والمِلك - بالكسر - أعمّ وأشمل، وهو أساس المُلك - بالضمّ - ومنشأُه الأوّل، وهو في المخلوق عرضيّ اعتباريّ، وفيه تعالى أصيل حقيقيّ؛ لأنّه تعالى إنّما مَلك الأشياء كلّها مُلكاً حقيقياً، وفي غيره اعتباريّ محْض.
قال الراغب: المُلك - بالضمّ - ضبط الشيء المتصرّف فيه بالحُكم، والمِلك - بالكسر - كالجنس للمُلك - بالضمّ - فكلّ مُلكٍ مِلكٌ، وليس كلُّ مِلكٍ مُلكاً، قال تعالى: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء ) (3) ، ( وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً ) (4) ، وقال: ( أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ ) (5) ، ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ) (6) ، وفي غيرها من الآيات.
____________________
(1) حجّة القراءات: ص79.
(2) جاءت في عشرة مواضع من القرآن.
(3) آل عمران: 26.
(4) الفرقان: 3.
(5) يونس: 31.
(6) الأعراف: 188.
ورُجّح (مالِك) على (مَلِك) بوجوه:
قال تغلب: إنّ مالكاً أبلغ من مَلِك؛ لأنّه قد يكون المُلك على مَن لا يُملَك، كما يقال مَلِك الروم وإن كان لا يملِكهم، ولا يكون مالكاً إلاّ على ما يُملَك.
وقال آخر: إنَّ مالكاً أبلغ في المدح للخالق من مَلِك، أبلغ في مدح المخلوقين من مالك؛ لأنّ مالكاً من المخلوقين يكون غير مَلك إلاّ واحداً في كثير، وإذا كان الله مالكاً فهو مَلِك إطلاقاً.
قال الشيخ: والأقوى أن يكون (مالِك) أبلغ في المدح فيه تعالى؛ لأنّه ينفرد بالمِلك ويملك جميع الأشياء فكان أبلغ (1) .
وقال أبو علي الفارسي: يشهد لِمن قرأ (مالك) من التنزيل قوله تعالى: ( يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) (2) ؛ لأنّ قولك: (الأمر له) و(هو مالك الأمر) بمعنى، ألا ترى أنّ لام الجرّ معناها المِلك والاستحقاق (3) .
ومن سورة البقرة:
( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) (4) .
قرأ نافع وراوِياه: (قالون، وورش)، وابن كثير، وأبو عمرو ( وَمَا يخادعُونَ ) ، واحتجّ أبو عمرو بأنّ الرجُل إنّما يخادع نفسه ولا يخدعها، أي يحاول ذلك ولا يتحقّق منه.
وقرأ عاصم وراوِياه: (شعبة، وحفْص) وسائر الكوفيّين وغيرهم: ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) ، وحجّتهم في ذلك: أنّ الله أخبر عن المنافقين أنّهم يخادعون الله والذين آمنوا... بقولهم: ( آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) (5) فأثبتَ لهم مخادعتهم الله والمؤمنين.
____________________
(1) تفسير التبيان: ج1، ص35.
(2) الانفطار: 19.
(3) مجمع البيان: ج1، ص24.
(4) البقرة: 9.
(5) البقرة: 8.
فلو كان عقَّبه بأنّهم لا يخادعون الله والمؤمنين، وإنّما يخادعون أنفسهم كان ذلك تنافياً في الكلام، إذ كان قد نفى في آخر الكلام ما أثبته لهم في أوّله.
أمّا لو قُرئ بغير ألف كان قد أخبر أنّ المخادعة من فِعلهم، لكنّ الخدع إنّما يحيق بهم خاصّة دون غيرهم من المؤمنين (1) .
توضيح ذلك: إنّ المخادعة هي محاولة الخدْع، يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع، قال تعالى: ( وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ ) (2) ، أمّا الخدع فهو تعبير عن تحقّقه ووقوع تأثير الخداع، الأمر الذي ينفيه تعالى بالإضافة إلى نفسه والمؤمنين، وإنّما يحيق المكر السيّئ بأهله.
وبذلك يتبيّن وَهْن احتجاج أبي عمرو؛ لأنّهم لم يحاولوا خداع أنفسهم، وإنّما وقع تأثير الخداع بأنفسهم من غير أن يكونوا أرادوه، قال تعالى: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ ) (3) .
قال مكّي بن أبي طالب: وقراءة مَن قرأ بغير ألف أقوى في نفسي؛ لأنّ الخِداع فِعل أنفسهم قد يقع وقد لا يقع، والخدع فِعل وقع بلا شكّ، فإذا قرأت: (وما يخدعون) أخبرتَ عن فِعلٍ وقع بهم بلا شكّ، وأمّا إذا قرأت: (وما يخادعون) جاز أن يكون لم تقع بهم المخادعة، فـ(يخدعون) أمكَن في المعنى....
قال أبو حاتم: العامّة عندنا على قراءة (وما يخدعون) (4) .
***
( وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (5) .
قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (يكذبون) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد.
وقراءة التخفيف هي الأشبه بسياق الآية؛ لأنّهم إنّما عوتبوا على كِذبهم
____________________
(1) حجّة القراءات: ص 87.
(2) الأنفال: 62.
(3) فاطر: 43.
(4) الكشف: ج 1 ص 225 - 227.
(5) البقرة: 10.
ونِفاقهم، ولم يكن ثمّة تكذيب في ظاهر الكلام ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) (1) ، فقد صحّت قراءة التخفيف؛ ليكون الكلام على نظام واحد (2) .
* * *
( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (3) .
قرأ نافع وراوِياه (قالون، وورش): (النبيئين) بالهمز... وهو من النبْر في القرآن المنهيّ صريحاً عن النبي (صلّى الله عليه وآله).
روي أنّ رجلاً قال للنبي (صلّى الله عليه وآله): يا نبيء الله، فنهرَه وقال: (لست نبيء الله ولكنّي نبيّ الله)، وفي رواية: (إنّا معشر قريش لا ننبر).
ولمّا حجّ المهديّ العبّاسيّ قدّم الكسائي يصلّي بالناس، فهمَز، فأنكر عليه أهل المدينة وقالوا: إنّه ينبُر في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرآن!! (4) .
وقد روى الصدوق بإسناده عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): تعلّموا القرآن بعربيّته، وإيّاكم والنبْر فيه - يعني الهمْز -) (5) .
قال الصادق (عليه السلام): الهمز زيادة في القرآن، إلاّ الهمز الأصلي مثل قوله تعالى: ( أَلاّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) (6) وقوله: ( لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) (7) وقوله: ( فَادَّارَأْتُمْ )) (8) (9) .
وقرأ عاصم وسائر القرّاء: (النبيّين) على الأصل المعهود من لُغة قريش.
____________________
(1) المنافقون: 1.
(2) راجع حجّة القراءات: ص 89، والكشف: ج 1 ص 228.
(3) البقرة: 61.
(4) نهاية ابن الأثير: ج 5 ص 7. وراجع التمهيد: ج 2 ص 69 الطبعة الثانية.
(5) في نسخة الوسائل (النبز) بالزاي، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه بالراء المهملة.
(6) النمل: 25.
(7) النحل: 5.
(8) البقرة: 72.
(9) وسائل الشيعة: باب 30 من أبواب قراءة القرآن ح 1، ج 4، ص 865.
قال أبو محمّد مكّي بن أبي طالب: قرأ نافع وحده: النبئ، والنبوءة، والأنبئاء، والنبيئين - بالهمز - في جميع القرآن، إلاّ في موضعين من سورة الأحزاب (1)، فإنّ قالون لم يهمزهما (2)، وهذا الكلام يستدعي أنّ ورشاً تتبّع نافعاً في الهمز بالجميع.
وهذا غريب، كيف أنّ نافعاً قارئ المدينة يخالف رأي نبيّها وأهلها والمسلمين في النبْر في القرآن؟!.
قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلاّ ويقول: تنبّأ مسيلمة، بالهمز، غير أنّهم تركوا الهمز في النبيّ كما تركوه في الذرّية والبرية والخابية، إلاّ أهل مكّة فإنّهم يهمزون هذه الأحرف الثلاثة ولا يهمزون غيرها، ويخالفون العرب في ذلك (3).
إذاً كانت قراءة عاصم وفْق لُغة قريش الذين نزل القرآن بلُغتهم، كما كانت متوافقة مع الفصيح من لغة العرب جميعاً، وقد نزل القرآن عربيّاً وعلى لُغتهم ولهْجتهم،... سوى أنّ (ورشاً) وشيخه (نافعاً) خالفا قريشاً وسائر العرب أجمعين.
وقد قال تعالى: ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) (4) .
* * *
( قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) (5) .
قرأ نافع (هُزْء) والباقون (هُزُء)، وقرأ حفص (هزواً) بغير همز وضمّتين؛ لأنّه كره الهمز بعد ضمّتين في كلمة واحدة فليّنها، وهي المتوافقة مع لغة العرب الفصحى السَلِسة، وهي القراءة المعروفة عند عامّة المسلمين.
قال مكّي: (هزواً، وكفواً، وجزءً) قرأ حمزة بإسكان الزاي والفاء، وضمّها الباقون، وكلّهم همزَ إلاّ (حفْصاً)، فإنّه أبدلَ من الهمزة واواً مفتوحةً على أصل
____________________
(1) الآية: 50 و 53.
(2) الكشف: ج 1 ص 243 - 244.
(3) نهاية ابن الأثير: ج 5 ص 4.
(4) الشعراء: 193 - 195.
(5) البقرة: 67.
التخفيف (1) .
* * *
( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) (2) .
قرأ نافع (ولا تَسأل) نهْياً... ولا وجه له... إلاّ على مذهب فاسد تركناه (3) .
وقرأ عاصم والباقون (ولا تُسأل) أي لست مسؤولاً عنهم، كما في قوله تعالى: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) (4)، ونظيرها من آيات نزلت تسلية لخاطره (صلّى الله عليه وآله)، كانت نفسه الكريمة تذهب عليهم حسرات أن لا يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً... ولعلّه (صلّى الله عليه وآله) كان يخشى المسؤوليّة التي جاءت الإشارة إليها في قوله تعالى: ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) (5) .
* * *
( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ) (6) .
قرأ نافع وابن عامر (ولو ترى) خطاباً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وعليه فجواب الشرط محذوف مقدّر، أي لرأيت أمراً فظيعاً... وهكذا يبقى (أنّ القوّة...) بلا محلّ للإعراب، إلاّ بتقدير (لأنّ القوّة...)،... وهذا كلّه تكلّف (7) .
وقرأ عاصم والباقون (ولو يرى) جرْياً مع ظاهر الكلام من غير تكلّفِ تقدير.
* * *
( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (8) .
قرأ ورش عن نافع (الداعي) بالياء؛ لأنّه الأصل (9) .
____________________
(1) راجع الكشف: ج 1 ص 247. وحجّة القراءات: ص 101.
(2) البقرة: 119.
(3) راجع حجّة القراءات: ص 111.
(4) الغاشية: 21 - 22.
(5) الأعراف: 6.
(6) البقرة: 165.
(7) راجع حجّة القراءات: ص 119.
(8) البقرة: 186.
(9) راجع حجّة القراءة: ص 127.
وقرأ عاصم والباقون (الداع) بغير ياء، وحجّتهم: أنّ ذلك في المصحف كذلك بغير ياء، فلا ينبغي أن يخالف رسم المصحف (1) .
* * *
( وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ... ) (2) .
قرأ نافع (حتّى يقولُ) بالرفع، زعماً أنّها بمعنى (قال) على الماضي (3) .
وقرأ عاصم والباقون بالنصب على الأصل؛ لأنّ مدخول (حتّى) غاية للزلزال، وتكون (حتّى) هنا بمعنى (إلى أن).
* * *
( قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ) (4) .
قرأ نافع (هل عسِيتم) بكسر السين، لغة رديئة، وقرأ عاصم والباقون بالفتح، لغة فصحى.
قال أبو عبيد: القراءة عندنا هي الفتح؛ لأنّها أعرف اللغَتين، ولو كان الكسر صحيحاً لقُرئ (عَسَى رَبُّنَا...) (5) بكسر السين، وقد أجمعوا هناك على الفتح لا غير...
قال مكّي : والفتح في السين هي اللغة الفاشية، وعليها أجمع القرّاء، ونافع معهم في غير ما هنا....
قال: وهو الاختيار؛ لإجماع القرّاء عليه مع المضمر والمظهر، وإنّما خالفهم نافع وحده مع المضمر. وقد قال أبو حاتم: ليس للكسر وجه (6) .
* * *
____________________
(1) راجع حجّة القراءات: ص 127.
(2) البقرة: 214.
(3) حجّة القراءات: ص 131.
(4) البقرة: 246.
(5) القلم: 32.
(6) راجع حجّة القراءات: ص 140. والكشف: ج 1 ص 303.
( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا ) (1) .
قرأ عاصم (تجارةً) بالنصب خبراً، والاسم مضمر، والمعنى: (إلاّ أن تكون المعاملة تجارة حاضرة)، وقرأ الباقون (تجارةٌ) بالرفع، على أن تكون (كان) تامّة، قياساً على قوله: ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ) قبلها (2).
لكنّ الرفع هناك كان لأجل الدلالة على عموم الحُكم، يشمل كلّ مُعسر، وليس مخصوصاً بالمتبايعَين فحسب، ومن ثمّ أجمعوا على الرفع هناك، فلا موضع للقياس عليه (3) .
* * *
( وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ) (4) .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (فرُهُن) بضمّ الراء والهاء، جمع رَهن، مثل: سَقف وسُقُف، وقرأ عاصم والباقون (فرهان)؛ لأنّ جَمع فَعْل على فِعال أقيَس في العربيّة، نحو: بحر وبِحار وعبد وعِباد، وكعب وكِعاب، ونعل و نِعال.
قال مكّي: جمع فَعْل على فِعال كثير، وجمع فَعل على فُعُل قليل، وإنّما أتى منه أشياء نوادر في الكلام... فيحمل القرآن على الكثير الفاشي وهو فعال، وهو الاختيار (5) .
ومن سورة آل عمران:
( فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) (6) .
وقرأ نافع (ترونهم) بالتاء بناء منه على أنّ الخطاب مع اليهود (7) ، وقرأ عاصم
____________________
(1) البقرة: 282.
(2) البقرة: 280.
(3) الكشف: ج 1 ص 322.
(4) البقرة: 283.
(5) الكشف: ج 1 ص 323.
(6) آل عمران: 13.
(7) حجّة القراءات: ص 154.
والباقون بالياء، قال أبو عمرو: لو كانت بالتاء لكانت (مثلَيكم)، قال مكّي: وقد كان يَلزم مَن قرأ بالتاء أن يقرأ (مثليكم) وذلك لا يجوز، لمخالفة الخطّ (1) .
* * *
( فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) (2) .
قرأ نافع وأبو عمرو (ومَن اتّبعني) بالياء على خلاف مرسوم الخط، وقرأ عاصم والباقون وفْق رسم خطّ المصحف الشريف (3) .
* * *
( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ) (4) .
قرأ ابن عامر (بما وضعتُ) بضمّ التاء وقرأ عاصم - برواية حفْص والباقون - بسكون التاء، إذ لو كان ذلك من كلامها لكان الأليَق أن يكون: ربّ إنّي وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعتُ (5) .
ومن سورة النساء:
( نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً ) (6) .
قرأ نافع (مَدخلاً) بفتح الميم مصدراً ثلاثياً (7) .
وقرأ عاصم والباقون بالضمّ؛ ليتوافق المصدر مع الفعل، كما في سورة الإسراء ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ) (8) مصدراً مزيداً باتّفاق القرّاء.
* * *
____________________
(1) الكشف: ج 1 ص 436.
(2) آل عمران: 20.
(3) حجّة القراءات: ص 158.
(4) آل عمران: 36.
(5) حجّة القراءات: ص 161.
(6) النساء: 31.
(7) حجّة القراءات: ص 199.
(8) الإسراء: 80.
( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ ) (1) .
قرأ حمزة والكسائي (أو لمَستم...) بغير ألف، وقرأ عاصم والباقون بالألف، وحجّتهم: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ( ( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ) أي جامعتم، ولكنّ الله يُكنّي) (2) .
ومن سورة المائدة:
( وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ ) (3).
قرأ عاصم برواية حفص (أرجُلَكم) بالنصب، وهكذا قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي.
وقرأ برواية شعبة بالخفْض، وهكذا ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة (4) .
وقد تكلّمنا عن قراءة النصب وكونها هي المختارة وفْق المذهب الصحيح في مسْح الأرجُل (5) .
ومن سورة الأنعام:
( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (6) .
قرأ حمزة والكسائي (اقتَدِ)، وقرأ عاصم والباقون (اقتده) بهاء السكت وصلاً، وحجّتهم: أنّها مثبتة في المصحف، فكرهوا إسقاط حرف من المصاحف (7) .
* * *
( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) (8) .
____________________
(1) النساء: 43.
(2) حجّة القراءات: ص 205.
(3) المائدة: 6.
(4) حجّة القراءات: ص 223.
(5) راجع صفحة 381 - 383.
(6) الأنعام: 90.
(7) حجّة القراءات: ص 260.
(8) الأنعام: 137.
قرأ ابن عامر (شركائهم) بإضافة القتْل إلى الشركاء مع فصل المفعول به، وقد خطّأه الأئمّة وسائر العلماء.
وقرأ عاصم والباقون (شركاؤهم) بإضافة القتْل إلى الأولاد، ورفْع الشركاء فاعلاً للمصدر، وقد بحثنا عن ذلك سابقاً (1) .
ومن سورة الأعراف:
( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) (2) .
(بُشراً) بالباء، وكذا في سورَتي: الفرقان (3)، والنمل (4) ، هذه هي قراءة عاصم وحده. قال أبو زرعة: وحجّته قوله تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ) (5) ، وذلك أنّ الريح تبشّر بالمطر. قال: وكان عاصم يُنكر أن تكون الريح تنشر، وكان يقول: المطر ينشر، أي يُحيي الأرض بعد موتها، يقال: نشرَ وأنشر إذا أحيى (6) .
وقرأ حمزة، والكسائي (نَشْراً)، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (نُشُراً)، وقرأ ابن عامر (نُشْراً)، ودلائلهم في ذلك غير وافية (7) .
ومن سورة هود:
( يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ) (8) .
قرأ عاصم وحده (يا بنيّ) بفتح الياء، وقرأ الباقون بالكسر، ويأتي نظيره في سورة لقمان.
____________________
(1) راجع صفحة: 246 و 268 و 357 و 376 من هذا الجزء.
(2) الأعراف: 57.
(3) الفرقان: 48.
(4) النمل: 63.
(5) الروم: 46.
(6) حجّة القراءات: ص 286.
(7) راجع الكشف: ج 1 ص 465.
(8) هود: 42.
ومن سورة النحل:
( إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ) (1) .
قرأ عاصم وحمزة والكسائي (لا يَهدي) بفتح ياء المضارعة وكسر الدال، وقرأ نافع والباقون (لا يُهدى) بضمّ الياء وفتح الدال، بمعنى أنّ الذي أضلّه الله فلا هادي له (2) ، لكن يبقى ربط الكلام غير منسجم!.
ومن سورة الكهف:
( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ) (3) .
( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) (4) .
قرأ عاصم وحده (ثَمر) (بثَمَره) (5) بفتحتين، وقرأ أبو عمَر (ثُمر) (بثُمره) بالضمّ فسكون، وقرأ الباقون (ثُمُر) (بثُمُره) بضمّتين.
والقياس مع عاصم بدليل ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا... ) (6) والأكل هو الثمر (7) ، فضلاً عن موافقة جمهور المسلمين.
* * *
( وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ) (8) .
قرأ حفص وحده (لِمَهلِكهم) على وزان مجلس بكسر اللام، وقرأ شعبة بفتح اللام، وقرأ نافع والباقون (لمُهلَكهم) بضم الميم وفتح اللام (9) .
____________________
(1) النحل: 37.
(2) حجّة القراءات: ص 340.
(3) الكهف: 34.
(4) الكهف: 42.
(5) الكهف: 34.
(6) الكهف: 32.
(7) حجّة القراءات: ص 388.
(8) الكهف: 59.
(9) حجّة القراءات: ص 416.
ومن سورة مريم:
( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) (1).
قرأ نافع والكسائي (يكاد) بالياء، وقرأ عاصم والباقون (تكاد) بالتاء (2) ، وهو الأنسب؛ لأنّ الاسم جمع مؤنث سالم بالألف والتاء، ولاسيّما وضمير الجمع المؤنّث العائد عليها، ولا كذلك لو كان جمع مكسّر ولو كان مؤنثاً حقيقيّاً، كما في ( وَقَالَ نِسْوَةٌ ) (3) .
ومن سورة طه:
( طه ) (4) .
قرأ أبو عمرو (طاء هِـ) بكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي (طِ، هـِ) بالكسر فيهما، وقرأ حفص والباقون (طا، ها). قال أبو زرعة: وهو الأصل؛ لأنّ العرب تقول: طاء، هاء.. (5) .
* * *
( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) (6) .
وقرأ أبو عمرو (هذين) بالتشديد والياء، وقرأ عاصم والباقون (هذان) بالتخفيف والألف؛ لأنّه الموافق لرسم المصحف الإمام (7) .
وقد تكلّمنا عن تفصيل ذلك في مجاله (8) . ولأبي زرعة أيضاً كلام حول ذلك فراجع.
____________________
(1) مريم: 90.
(2) حجّة القراءات: ص 421.
(3) يوسف: 30.
(4) طه: 1.
(5) حجّة القراءات: ص 450.
(6) طه: 63.
(7) حجّة القراءات: ص 454.
(8) راجع ص 364 من هذا الجزء.
ومن سورة الأنبياء:
( وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .
قال الفرّاء: القرّاء يقرأونها بنونَين، وكتابتها بنون واحدة؛ وذلك أنّ النون الأُولى متحرّكة والثانية ساكنة، فلا تظهر الساكنة على اللسان، فلمّا خَفيت حُذفت (2) .
فقد قرأ عاصم برواية حفص، وكذلك سائر القرّاء، بنونَين مع إخفاء الثانية، وفْق المعهود من لهجة العرب عند النُطق بالنون الساكنة في الحالة السادسة، ممّا ذكره أئمّة القراءة، منهم: مكّي بن أبي طالب فراجع (3) .
هذا، ولكن ابن عامر وكذا شعبة قرأ (نُجّي) بتشديد الجيم وسكون الياء.
قال الفرّاء: ولا نعلم لها جهة إلاّ احتمال اللَحن؛ لأنّ ما لم يسمّ فاعله إذا خلا باسم، رَفَعَهُ. قال أبو زرعة: وقالوا أيضاً: (نجّي) فعل لم يسمّ فاعله وكان الواجب أن تكون الياء مفتوحة كما في (عُزيّ وقُضي) (4) .
قال مكيّ بن أبي طالب: وحجّة مَن قرأ بنون واحدة أنّه بنى الفعل للمفعول فأضمر المصدر (أي نُجّي النجاء المؤمنين)؛ ليقوم المصدر مقام الفاعل، ونصب (المؤمنين) على أنّه مفعول به، قال: وفيه بُعدٌ من وجهين:
أحدهما: أنّ الأصل أن يقوم المفعول مقام الفاعل دون المصدر، فكان يجب رفع (المؤمنين)، وذلك مخالف للخطّ.
والوجه الثاني: أنه كان يجب أن تفتح الياء من (نجّي)؛ لأنّه فعل ماضٍ، كما تقول: (رمى) و(كلّم) فأسكن الياء وحقّها الفتح، فهذا الوجه بعيد في الجواز.
____________________
(1) الأنبياء: 88.
(2) أي فلمّا خفيَت لسانا حذفت خطّاً، وذلك في العهد الأوّل عندما الخطّ عند العرب في بدايته.
(3) الكشف: ج 1 ص 166.
(4) راجع معاني القرآن للفرّاء: ج 2 ص 210، وحجّة القراءات لأبي زرعة: ص 469 - 470.
قيل: إنّ هذه القراءة على طريق إخفاء النون الثانية في الجيم، قال مكّي: وهذا أيضاً بعيد؛ لأنّ الرواية بتشديد الجيم والإخفاء لا يكون معه تشديد.
وقيل: أُدغم النون في الجيم، قال: وهذا أيضاً لا نظير له، لا تُدغم النون في الجيم في شيء من كلام العرب لبُعد ما بينهما.
قال: وإنّما تعلّق مَن قرأ هذه القراءة أنّ هذه اللفظة في أكثر المصاحف بنون واحدة، فهذه القراءة إذا قُرئت (بتشديد الجيم، وضمّ النون، وإسكان الياء) غير متمكّنة في العربية (1) .
ومن سورة الشعراء:
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ) (2) .
قرأ حفص، وأبو عمرو، وابن كثير، ونافع (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) بتخفيف (نزل) ورفع (الروح).
وقرأ الباقون (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الأَمِينُ) بالتشديد والنصب (3) ، أي نزّل الله الروح بالقرآن، ولا يخفى ما فيه من التعسّف؟!.
ومن سورة الروم:
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) (4) .
قرأ حفص وحده (للعالمين) بكسر اللام، أي العلماء جمع العالِم، وهي القراءة المعروفة لدى الجمهور. قال أبو زرعة: وهو المتناسب مع ما قبل الآية ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (5) وما بعدها: ( لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (6) (7) .
____________________
(1) الكشف: ج 2 ص 113.
(2) الشعراء: 193.
(3) حجّة القراءات: ص 520.
(4) الروم: 22.
(5) الروم: 21.
(6) الروم: 24.
(7) حجّة القراءات: ص 558.
ومن سورة لقمان:
( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ) (1) .
قرأ حفص وحده (يا بنيّ) بفتح الياء في جميع القرآن (2) ، وقرأ الباقون بكسرها في الجميع أيضاً.
وأراد حفص (يا بنيّاه) فرخّم... وهو الأصوب في لسان العرب، والأسلس تعبيراً في الكلام (3) .
ومن سورة الصافّات:
( وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ) (4) .
قرأ ابن عامر بغير همْز في (الياس)؛ زعماً منه أنّ اسمه كان (ياس) فدخلت عليه الألف واللام (5) .
والصحيح: قراءة الباقين بالهمز؛ بدليل ما بعدها ( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) (6) . (7).
ومن سورة النجم:
( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى ) (8).
قرأ نافع وأبو عمرو (عاد لُوّلَى) فأدغم نون التنوين من (عاداً) في اللام من (الأُولى).
قال أبو عثمان المازني: أساء عندي أبو عمرو في قراءته؛ لأنّه أدغمَ النون في لام المعرفة،
____________________
(1) لقمان: 13.
(2) وجاءت في ستّة مواضع من القرآن.
(3) راجع الحجّة في القراءات لأبي زرعة: ص 564، وأيضاً: ص 340.
(4) الصافّات: 123.
(5) معاني القرآن: ج 2 ص 392.
(6) الصافّات: 130.
(7) حجّة القراءات: ص 610.
(8) النجم: 50.
واللام إنّما تحرّكت بحركة الهمزة وليس بحركة لازمة (أي ليست هي متحرّكة بذاتها) (1) .
ومن سورة الواقعة:
( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ - إلى قوله - وَحُورٌ عِينٌ ) (2) .
قرأ حمزة والكسائي (وحورٍ عينٍ) بالخفْض، وقرأ عاصم والباقون بالرفْع، قال الزجّاج: الرفْع أحسن الوجهين.
وقد اختلف الأئمّة في وجه إعراب ذلك خفْضاً ورفْعاً، ولهم في ذلك تفصيل عريض، فليراجع (3) .
ومن سورة المعارج:
( كَلاّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ) (4) .
قرأ حفص وحده (نزّاعةً) بالنصب، وقرأ الباقون (نزّاعةٌ) بالرفع:
فالنصب على أنّه حال، وهو ظاهر معروف.
أمّا الرفع فقد اختلفوا فيه، قال الفرّاء: إنّه بدل من (لظى). وقال الزجّاج: إنّه خبر بعد خبر بلا فصل عاطف، كما تقول: إنّه حلوٌ حامض (5) .
وقد ذكر مكّي للرفع وجوهاً خمسة (6) ، الأمر الذي يُنبئك عن ضعفه.
* * *
____________________
(1) حجّة القراءات: ص 687.
(2) الواقعة: 17 - 22.
(3) مجمع البيان: ج 9 ص 216. والكشف: ج 2 ص 304. وحجّة القراءات: ص 695.
(4) المعارج: 15 - 16.
(5) حجّة القراءات: ص 723 - 724.
(6) الكشف: ج 2 ص 336.
ومن سورة المدّثّر:
( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (1) .
قرأ حفص وحده (والرُجز) بضمّ الراء، يعني الصنم.
وقرأ الباقون (الرِجز) بالكسر، يعني العذاب (2) أي موجِبه، وهو تكلّف.
ومن سورة القيامة:
( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (3) .
قرأ ابن كثير (لأقسِمُ) بلام تأكيد، وعليه فيبقى عطف ( وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) عطف نفي على إثبات، وهو كما ترى؟!.
وقرأ عاصم والباقون (لا أُقسم...) كما هو المعروف (4) .
* * *
( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) (5) .
وقرأ حفص وحده (مَن راق) بإظهار النون، إعلاماً بانفصالها من الراء... وقرأ الباقون بالإدغام.
* * *
( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ) (6) .
قرأ حفص وحده (يُمنى) بالياء؛ لأنّ الضمير يعود على المنيّ، وقرأ الباقون بالتاء بالعود على النطفة، وهو بعيد (7) .
____________________
(1) المدّثّر: 5.
(2) حجّة القراءات: ص 733. والكشف: ج 2 ص 347.
(3) القيامة: 1.
(4) حجّة القراءات: ص 735.
(5) القيامة: 27.
(6) القيامة: 37.
(7) حجّة القراءات: ص 737.
ومن سورة المطفّفين:
( كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (1) .
قرأ حفص وحده (بل ران) بإظهار اللام؛ لأنّها من كلمة، و (ران) كلمة أخرى، وعليه قراءة الجمهور، وأدغمَ الباقون (2) .
* * *
( وَإِذَا انقَلَبُواْ إلى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ) (3) .
وأيضاً قرأ حفص وحده (فكهين)، وقرأ الباقون (فاكهين).
لكن قياس باب فَعِل يَفعل - كفرِح يفرح - لازماً، هو مجيء الصفة على فَعِل مكسور العين كفَرِح، ولا يقاس على (حَذِر وحاذَر)، أو (طمِع وطامع) (4)؛ لأنّهما متعدّيان.
ومن سورة المَسد:
( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) (5) .
قرأ عاصم وحده بنصب (حمّالةَ) قطعاً على الذمّ؛ لأنّها نكرة لا تقع وصفاً للمعرفة - كما قاله الفرّاء - (6).
وقرأ الباقون بالرفع خبراً أو نعتاً، وفيه ضعف وبحاجة إلى تكلّف، فراجع.
* * *
____________________
(1) المطفّفين: 14.
(2) حجّة القراءات: ص 754.
(3) المطفّفين: 31.
(4) راجع معاني القرآن: ج 3 ص 249. والكشف: ج 2 ص 366، وحجّة القراءات: ص 755.
(5) المسد: 4.
(6) معاني القرآن: ج 3 ص 298.
ومن سورة الإخلاص:
( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (1) .
قرأ حفص وحده (كُفُواً) بضمّتين فالواو المفتوحة، وقرأ حمزة (كُفئا) بالضمّ فالسكون مهموزاً، وقرأ الباقون (كُفُئاً) بضمّتين مع الهمز.
وقراءة حفص هي المتوافقة مع خطّ المصحف الشريف بالواو (2) ، فضلاً عن موافقة الجمهور.
قال أبو زرعة: وتبع في ذلك قول العرب: (ليس لفلان كفوٌ، ولا مِثل، ولا نظير)، والله جلّ وعزّ لا نظير له ولا مِثل (3) .
هذا آخر ما أردنا ثبْته في هذا المجال، ولم تكن الغاية الاستقصاء، والحمد لله وسلام على رسوله والأئمّة الميامين.
* * *
____________________
(1) الإخلاص: 4.
(2) التيسير: ص 226.
(3) حجّة القراءات: ص 777.
الناسخُ والمنسوخ في القرآن
- النَسْخ والإصلاحات التشريعية.
- سلسلة تدوين هذا العلم.
- خطورة معرفة الناسخ عن المنسوخ.
- التعريف بالنسْخ المصطلح.
- حقيقة النسْخ في التشريع.
- الفرْق بين النسْخ والبَداء.
- الفرْق بين النسْخ والتخصيص.
- شروط النسْخ الخمسة.
- صنوف النسْخ في القرآن.
- شُبهات حول النسْخ في القرآن.
- عَرْضُ آيات منسوخة.
الناسخُ والمنسوخ في القرآن
النسْخُ والإصلاحات التشريعية:
من طبيعة الحركة الإصلاحية الآخذة إلى التقدّم بوجه عامّ: أن يتوارد على تشريعاتها نسْخٌ متتابع حسب تَدرّجها التصاعدي نحو قمّة الكمال، تلك طبيعة الحركة الإصلاحية محتّمة، ولاسيّما إذا كانت الأمّة - الّتي انبعثت فيها هذه النهضة التقدّمية - أمّة متوغّلة في الضلال وبعيدة عن معالم الحضارة إلى حدٍّ كبير، حيث الانتشال بها من واقعها السحيق والانسجام مع سجيّتها المتوحّشة، لممّا يبدو متعذّراً ويتطلّب طيّ عقَبات ومراحل متلاحقة.
وهكذا استدعَت التشريعات الإسلامية نسْخاً متتالياً منذ أن ظهرت الدعوة في مكّة المكرّمة، وحتّى إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة، وقد انتهت شريعة النَسْخ - فيما يخصّ آي الذكر الحكيم - بوفاته (صلّى الله عليه وآله) حيث انقطاع الوحي.
وكانت ظاهرة النسْخ أمراً لابدّ منه في كلّ تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق، والأخذ بيد أمّة جاهلة إلى مستوى عال من الحضارة الراقية، الأمر الّذي لا يتناسب مع الطفرة المستحيلة، لولا الأناة والسَير التدريجي المستمرّ خطوة بعد خطوة.
ومن ثمّ فإنّ النَسْخ ضرورة واقعية تتطلّبها مصلحة الأمّة ذاتها، ولم يكد ينكر
ما لهذه الظاهرة الدينية من فائدة وعوائد تعود على الأمّة، وأعظِمْ بها من حِكمة إلهيّة بالغة.
سلسلةُ تدوين هذا العِلم:
ولم يخفَ على العلماء ما لظاهرة النسْخ من حِكمة واقعية وحقيقة ثابتة لا محيص عنها، ومن ثمّ احتفلوا بشأنها وبذلوا عنايتهم البالغة نحو الاهتمام بها، وأخذوا في دراستها والتحقيق من جميع جوانبها المتنوّعة.
وأوّل مَن عالجَ الموضوع ودرَسه دراسة فنّية وجمَع أصوله في تدوينٍ جامع هو: أبو محمّد عبد الله بن عبد الرحمان الأصمّ المسمعي ، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، له رسالة في الناسخ والمنسوخ.
ثمّ تصدّى جماعة من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) للبحث عن ذلك، وثبْت نتائج بحوثهم في رسائل، منهم: دارم بن قبيصة التميمي الدارمي، وأحمد بن محمّد بن عيسى القمّي، والحسن بن عليّ بن فضّال.
وفي القرن الثالث: قام المفسّر الإماميّ الكبير عليّ بن إبراهيم القمّي بتدوين رسالة خاصّة بشأن الناسخ والمنسوخ في القرآن، وكذا محمّد بن العبّاس المعروف بابن الحجّام، وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت 225 هـ)، وجعفر بن مبشّر الثقفي (ت 235 هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، وسعد بن إبراهيم الأشعري القمّي (ت 301 هـ).
وفي القرن الرابع: أحمد بن جعفر البغدادي المعروف بابن المنادي (ت 334 هـ)، وأبو جعفر أحمد بن محمّد النحّاس (ت 338 هـ)، ومحمّد بن محمّد النيسابوري (ت 368 هـ)، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي (ت 368 هـ)، ومحمّد بن الحسن الشيباني الإمامي، أدرجه في مقدّمة تفسيره (نهج البيان عن كشف معاني القرآن) ، ومحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي الشهير
بالصدوق (ت 381 هـ).
وفي القرن الخامس: هبة الله بن سلامة (ت 410 هـ)، وعبد القاهر البغدادي (ت 429 هـ)، ومكّي بن أبي طالب (ت 437 هـ)، وعليّ بن أحمد بن حزم الأندلسي (ت 456 هـ).
وفي القرن السادس: محمّد بن بركات بن هلال السعيدي (ت 520 هـ) صاحب (الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه) ، ومحمّد بن عبد الله المعروف بابن العربي (ت 543 هـ)، وأبو الفرج عبن الرحمان ابن الجوزي (ت 597 هـ).
وفي القرن الثامن: يحيى بن عبد الله الواسطي (ت 738 هـ)، وعبد الرحمان بن محمّد العتائقي (ت ح 770 هـ)، ومحمّد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ) ضمن كتابه (البرهان) .
وفي القرن التاسع: أحمد بن المتوّج البحراني (ت 836 هـ)، وأحمد بن إسماعيل الابشيطي (ت 883 هـ).
وفي القرن العاشر: عبد الرحمان جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) ضمن كتاب (الإتقان) ، ومحمّد بن عبد الله الاسفراييني.
وفي القرن الثاني عشر: عطيّة الله بن عطيّة الاجهوري (1190 هـ).
وفي هذا القرن الأخير الرابع عشر: كتب سماحة سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي (دام ظلّه) في الناسخ والمنسوخ في دراسة عميقة وافية ضمن مؤلّفه القيّم (البيان) ، وكتب الأستاذ مصطفى زيد (النسْخ في القرآن الكريم) ، والأستاذ علي حسن العريض (فتح المنّان في نسْخ القرآن) ، وغيرهم ممّا يطول.
خطورةُ معرفة الناسخ عن المنسوخ:
فإن دلّ ذلك، فإنّما يدلّ على مبلغ اهتمام علماء الأمّة بشأن وقوع النسْخ في القرآن، وتمييز الناسخ عن المنسوخ بشكل قاطع، علماً منهم بأنّ ذلك هو أُولى مقدّمات فهْم التشريع الإسلامي الثابت المستمرّ، ولا يمكن استنباط حكم شرعيّ
ما لم يُعرف الناسخ عن المنسوخ، والثابت الباقي عن الزائل المتروك.
وروى أبو عبد الرحمان السلمي أنّ عليّاً (عليه السلام) مرّ على قاضٍ فقال له: (هل تعرف الناسخ عن المنسوخ؟ فقال: لا، فقال: هلكتَ وأهلكتَ، تأويل كلّ حرف من القرآن على وجوه) (1) .
ولعلّ هذا القاضي هو أبو يحيى المعرّف، كما جاء في حديث سعيد بن أبي الحسن، أنّه لقي أبا يحيى هذا فقال له: اعرفوني اعرفوني يا سعيد، إنّي أنا هو، قال سعيد: ما عرفت أنّك هو، قال: فإنّي أنا هو، مرّ بي علي (عليه السلام) وأنا أقضي بالكوفة فقال لي: (مَن أنت؟ فقلت: أنا أبو يحيى، فقال: لست بأبي يحيى، ولكنّك تقول: اعرفوني، ثمّ قال: هل علمتَ بالناسخ والمنسوخ؟ قلت: لا، قال: هلكت وأهلكت)، فما عدتُ بعد ذلك أقضي على أحد، أنافِعُك ذلك يا سعيد (2) ؟
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) لبعض متفقِّهةِ أهل الكوفة: (أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم، قال: فبِم تُفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيّه، فقال له الإمام (عليه السلام): أتعرف كتاب الله حقّ معرفته؟ وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم، قال: لقد ادّعيت عِلماً، ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهله...) (3) .
وفي حديث احتجاجه (عليه السلام) على الصوفية: (ألكُم عِلمٌ بناسخ القرآن ومنسوخه؟ - إلى أن قال: - وكونوا في طلب ناسخ القرآن من منسوخه، ومُحكَمه من متشابهه، وما أحلّ الله فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل، دعُوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل، وقد قال تعالى: ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )) (4) .
* * *
____________________
(1) تفسير العيّاشي: ج 1 ص 12 رقم: 9، الإتقان: ج 2 ص 20 الطبعة الأُولى.
(2) رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم (بهامش الجلالين): ج 2 ص 150.
(3) تفسير الصافي: المقدّمة الثانية ج 1 ص 13.
(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 135 - 136، والآية 76 من سورة يوسف.
وقد أصبح البحث عن النسْخ في القرآن في هذا العصر مثار جدَلٍ عنيف، من جرّاء طعون وجّهها أعداء الإسلام إلى هذا الكتاب السماوي الخالد: كيف توجد فيه آيات منسوخة الحُكم لا فائدة في ثبْتها سوى القراءة المجرّدة؟ وهم غفَلوا أو تغافلوا عن أنّ الثبْت القرآني لم يقُم على أساس التشريع فحسب، إذ ليس في القرآن من آيات الأحكام سوى ما يقرب من خمسمئة آية، من بضع وستّة آلاف آية، وسنشرح هذه الناحية في حقل ردّ الشُبهات.
وربّما وقف بعض الكتّاب الإسلاميّين عن ردّ هذه الشبهة وأمثالها، فأنكر وجود آية منسوخة في القرآن - على ما نبحث -، ومن ثمّ كان من ضرورة الباحث الإسلامي أن يعالج هذه المسألة معالجة فنّية على أساليب النقد الراهن، بعد أن كانت المسألة ممّا يمسّ أخطر جانب من حياة المسلمين وهو كتابهم المعجز الخالد، فيقوم في وجه المعاندين سدّاً منيعاً، ومدافعاً عن كتاب الله المجيد الّذي ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (1) و ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (2) .
وليكن بحثنا الحاضر مقتصراً على مسألة (النسْخ في القرآن) بصنوفه وشرائطه، وليس بحثاً عن مطلق النسْخ في الشريعة، الّذي هو بحث عام أصولي، خارج - بعض الشيء - عن صبغة البحث القرآني الذي هو موضوع كتابنا هذا، ومن الله التوفيق.
التعريف بالنسْخ:
جاءت تعاريف العلماء للنسْخ مختلفة وفاءً وقصوراً لهذه الظاهرة الدينية، غير أنّها جميعاً تشير إلى حقيقة واحدة نلخّصها فيما يلي:
(هو رفع تشريع سابق - كان يقتضي الدوام حسب ظاهره - بتشريعٍ لاحِق، بحيث لا يمكن اجتماعهما معاً، إمّا ذاتاً إذا كان التنافي بينهما بيّناً، أو بدليل خاصّ من إجماعٍ أو نصٍّ صريح) .
____________________
(1) وردت في عشر مواضع من القرآن.
(2) فصّلت: 42.
بأنْ نسَخَ الله ذلك بعدَه، وألّف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنّه هو الحافظ لِمَا أنزلهُ على رسوله؛ وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسْخ شيء منه بعد وفاته، وما يُنقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها.
قال: وحديث عائشة لا يكاد يصحّ؛ لأنّه (أي الراوي) قال في ذلك الحديث: وكانت الصحيفة تحت السرير، فاشتغلنا بدفْن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فدخل داجن البيت فأكله. ومعلوم أنّ بهذا لا ينعدم حفْظه من القلوب، ولا يتعذّر عليهم إثباته في صحيفة أخرى، فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث (1) .
قلت: في كلام هذا المحقّق كفاية في إبطال هذا الزعم، وأن لا حجّية في خبر واحد في هذا الشأن، ولاسيّما جانب مساسه بكرامة القرآن، واستلزام التلاعب بآيه الكريمة بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله)، الأمر الّذي تبطله آية الحفظ وضمانه تعالى في حفْظ كتابه عن التحريف والزيادة والنقص؛ لأنّه كلامه المجيد يجب أن يبقى معجزة خالدة لدين الإسلام الخالد مع الأبديّة.
قال الجزيري - ردّاً على الزعم المذكور -: إنّ المسلمين قد أجمعوا على أنّ القرآن هو ما تواتر نقْله، فكيف يمكن الحكم بكون هذا قرآناً، فمن المشكل الواضح ما يذكره المحدّثون من روايات الآحاد المشتملة على أنّ آية كذا كانت قرآناً ونُسخت، على أنّ مثل هذه الروايات قد مهّدت لأعداء الإسلام إدخال ما يوجب الشكّ في كتاب الله من الروايات الفاسدة، فهذه وأمثاله - إشارة إلى حديث عائشة - من الروايات الّتي فيها الحكم على القرآن المتواتر بأخبار الآحاد - فضلاً عن كونه ضارّاً بالدين - فيه تناقض ظاهر (2) .
وقال الأستاذ السايس: ما رواه مالِك وغيره عن عائشة أنّها قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات... إلخ حديث لا يصحّ الاستدلال به؛ لاتّفاق
____________________
(1) أصول السرخسي: ج 2 ص 78 - 80.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة: ج 3 ص 257.
الجميع على أنّه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله)، وهذا هو الخطأ الصراح (1) .
وقال تلميذه الأستاذ العريض: وهذا هو الصواب الّذي نعتقده وندين الله عليه، حتّى نقفل الباب على الطاعنين في كتاب الله تعالى، من الملاحدة والكافرين، الّذين وجدوا من هذا الباب نقرة يلِجون منها إلى الطعن في القرآن الكريم، وحتّى ننزّه كتاب الله تعالى عن شُبهة الحذف والزيادة بأخبار الآحاد، فما لم يتواتر في شأن القرآن إثباتاً وحذفاً لا اعتداد به، ومن هذا الباب نسْخ القرآن بالسنّة الآحادية، بل حتّى المتواترة عند بعضهم، ونرفض كلّ ما ورد من الروايات في هذا الباب، وما أكثرها، كما ورد في بعض الأقوال عن سورة الأحزاب وبراءة وغيرها (2) .
2 - نسْخ التلاوة دون الحُكم:
بأن تسقط آية من القرآن الحكيم، كانت تقرأ، وكانت ذات حكم تشريعي، ثمّ نُسيت ومُحيَت هي عن صفحة الوجود، لكن حكمها بقي مستمرّاً غير منسوخ.
وهذا النوع من النسْخ أيضاً عندنا مرفوض على غرار النوع الأوّل بلا فرْق؛ لأنّ القائل بذلك إنّما يتمسّك بأخبار آحاد زعَمها صحيحة الإسناد، متغفّلاً عن أنّ نسْخ آية محكَمة شيء لا يمكن إثباته بأخبار آحاد لا تفيد سوى الظنّ، وإنّ الظَنّ لا يُغني عن الحقّ شيئاً.
هذا فضلاً عن منافاته لمصلحة نزول نفس الآية أو الآيات، إذ لو كانت المصلحة الّتي كانت تقتضي نزولها هي اشتمالها على حكم تشريعيّ ثابت، فلماذا تُرفع الآية وحدها، في حين اقتضاء المصلحة بقاءها لتكون سنداً للحكم الشرعيّ
____________________
(1) فتح المنّان لعلي حسن العريض: ص 216 - 217.
(2) المصدر السابق: ص 219.
المذكور.
ومن ثمّ فإنّ القول بذلك استدعى تشنيع أعداء الإسلام وتعييرهم على المسلمين في كتابهم المجيد.
وأخيراً فإنّ الالتزام بذلك - حسب منطوق تلك الروايات - التزام صريح بتحريف القرآن الكريم، وحاشاه من كتاب إلهيّ خالد، مضمون بالحفْظ مع الخلود.
ولذلك فإنّ هذا القول باطل عندنا - معاشر الإمامية - رأساً، لا مبرّر له إطلاقاً، فضلاً عن مساسه بقداسة القرآن المجيد.
قال سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه): أجمع المسلمون على أنّ النسْخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به؛ وذلك لأنّ الأمور المهمّة الّتي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذِب الراوي أو خطئه، وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أنّ آية الرجْم من القرآن وأنّها نُسخت؟! نعم، جاء عُمَر بآية الرجْم وادّعى أنّها من القرآن، لكنّ المسلمين لم يقبلوا منه؛ لأنّ نقْلها كان منحصراً به، فلم يُثبتوها في المصاحف، لكنّ المتأخّرين التزموا بأنّها كانت آية منسوخة التلاوة باقية الحُكم (1) .
هذا، ولكن جُلّ علماء أهل السنّة - بما فيهم من فقهاء كبار وأئمّة محقّقين - التزموا بهذا القول المستند إلى لفيف من أخبار آحاد زعموها صحيحة الإسناد، وهذا إيثار لكرامة القرآن على حساب روايات لا حجّية فيها في هذا المجال، وإن فُرضت صحيحة الإسناد في مصطلحهم، إذ صحّة السنَد إنّما تُجدي في فروع مسائل فقهية، لا إذا كانت تمسّ كرامة القرآن وتمهّد السبيل لإدخال الشكوك على كتاب المسلمين.
____________________
(1) البيان، ص 304.
هذا الإمام السرخسي - المحقّق الأصوليّ الفقيه - بينما شدّد النكير على القائل بالنسْخ من النوع الأوّل، إذا هو يلتزم به في هذا النوع، في حين عدم فرْق بينهما فيما ذكره من استدلال لبطلان الأوّل.
قال: وأمّا نسْخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه - فيما قال علماؤنا -: أنّ صوم كفّارة اليمين ثلاثة أيّام متتابعة، بقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيّام متتابعات) ، وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة، ولكن لم يوجد فيها النقل المتواتر الّذي يثبت بمثله القرآن، وابن مسعود لا يُشكّ في عدالته وإتقانه، فلا وجه لذلك إلاّ أن نقول: كان ذلك ممّا يتلى في القرآن - كما حَفظَه ابن مسعود - ثمّ انتسخت تلاوته في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بصرْف القلوب عن حفْظها إلاّ قلْب ابن مسعود ليكون الحُكم باقياً بنقْله، فإنّ خبر الواحد موجِب للعمل به، وقراءته لا تكون دون روايته، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسْخ التلاوة بهذا الطريق (1) .
قلت: غير خفيّ سخافة هذا الاستدلال وبشاعة هذا التأويل!.
* * *
وفيما يلي عَرْض لِمَا أسهبه ابن حزم الأندلسي بهذا الشأن، وهو الإمام المحقّق صاحب مذهب واختيار، ومن ثمّ فإنّ ذلك منه غريب جدّاً.
قال: فأمّا قول مَن لا يرى الرجْم أصلاً فقول مرغوب عنه؛ لأنّه خلاف الثابت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد كان نزل به قرآن، ولكنّه نُسِخ لفظُه وبقي حكمُه، ثمّ يروي عن سفيان عن عاصم عن زرّ قال، قال لي أُبيّ بن كعب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: إمّا ثلاثاً وسبعين آية أو أربعاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتقارن سورة البقرة أو لهي أطول منها، وإن كان فيها لآية الرجْم، قلت: أبا المنذر، وما آية الرجْم؟ قال: (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم).
____________________
(1) أصول السرخسي: ج 2 ص 81.
قال: هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه.
ثمّ روى بطريق آخر عن منصور عن عاصم عن زرّ، وقال: فهذا سفيان الثوري ومنصور شَهدا على عاصم وما كذَبا، فهما الثقتان الإمامان البدران، وما كذبَ عاصم على زرّ، ولا كذبَ زرّ على أُبَيّ.
قال أبو محمّد: ولكنّها نُسِخ لفظُها وبقي حكمُها، ولو لم يُنسخ لفظُها لأقرأها أُبيّ بن كعب زرّاً بلا شكّ، ولكنّه أخبره بأنّها كانت تعدل سورة البقرة ولم يقل له: إنّها تعدل الآن، فصحّ نسْخ لفْظِها.
ثمّ يروي آية الرجْم عن زيد وابن الخطّاب، ويقول: إسناد جيّد.
ويروي عن عائشة، قالت: لقد نزلت آية الرجْم والرضاعة، فكانتا في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها. قال: وهذا حديث صحيح. وليس هو على ما ظنّوا؛ لأنّ آية الرجْم إذا نزلت حُذفت وعُرفت وعمَل بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إلاّ أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف، ولا أثبتوا لفْظها في القرآن، وقد سأله عُمَر بن الخطاب ذلك فلم يُجِبه، فصحّ نسْخ لفظها، وبقيت الصحيفة الّتي كُتبت فيها كما قالت عائشة، فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها (1) .
قلت: وإنّي لأستغرب هذا التمحّل الفاضح في كلام مثل هذا الرجُل المعروف بالتحقيق، ودقّة النظر والاختيار.
كيف يقول: لا حاجة إليها وهي سنَد حكمٍ تشريعيّ ثابت! ثمّ كيف لا يعلم بالآية أحد من كتَبة الوحي ولم يكتبوها، سوى أنّها كُتبت في صحيفة وأُودعت عند عائشة فحسب، وكيف أنّها تركتها تحت سريرها ليأكلها داجن البيت؟! كلّ ذلك لغريب يستبعده العقل السليم.
____________________
(1) المحلّى: ج 11 ص 234 - 236.
والّذي غرّ هؤلاء: أنّها أحاديث جاءت في الصحاح الستّة وغيرها (1) ، ولابدّ لهم - وهم متعبّدون بما جاء فيها - أن يتقبّلوها على عِلّتها مهما خالفت أساليب النقد والتحقيق.
هذا، وقد أكثر جلال الدين السيوطي من نقل هكذا روايات ساقطة (2)، ومن قبْله شيخه بدر الدين الزركشي، ولكن مع شيء من الترديد (3) ، وقد أخذها بعض الكاتبين المحدّثين أدلّة قاطعة من غير تحقيق، قال - متشدّقاً -: وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى ثبَت جوازهما؛ لأنّ الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرّر، وإذاً بطَل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع كأبي مسلم ومَن لفّ لفّه، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة شذّ عن الجماعة، فزعم أنّ هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلاً (4) .
قلت: ما أشرف حكم العقل لولا أنّ أمثال الزرقاني حصروه في أصحاب الاعتزال، وجعلوا من أنفسهم بمعزل عن نور العقل الحكيم.
وأمّا الأستاذ العريض، فقد ذهب هنا مذهباً تحقيقياً وأسهب في الردّ على هذا القول الفاسد دفاعاً عن كرامة القرآن، ونقل عن جماعة من معاصريه مواكبَته على هذا الرأي السديد (5) .
* * *
____________________
(1) راجع صحيح البخاري: ج 8 ص 209 - 210. وصحيح مسلم: ج 5 ص 116 و: ج 4 ص 167. والمستدرك: ج 4 ص 359. ومسند أحمد: ج 1 ص 23 و: ج 2 ص 43. وسنن الترمذي: ج 4 ص 39 و: ج 3 ص 456.
(2) راجع الإتقان: ج 3 ص 72 - 75. وراجع الدرّ المنثور: ج 4 ص 366 في تفسير آية من سورة الحجّ.
(3) راجع البرهان: ج 2 ص 35 - 37.
(4) راجع مناهل العرفان للزرقاني: ج 2 ص 215 - 216.
(5) راجع فتح المنّان: ص 224 - 230.
3 - نسْخ الحُكم دون التلاوة:
بأن تبقى الآية ثابتة في الكتاب يقرأها المسلمون عِبر العصور، سوى أنّها من ناحية مفادها التشريعي منسوخة، لا يجوز العمل بها بعد مجيء الناسخ القاطع لحُكمها.
هذا النوع من النسْخ هو المعروف بين العلماء والمفسّرين، واتّفق الجميع على جوازه إمكاناً، وعلى تحقّقه بالفعل أيضاً، حيث توجد في القرآن الحاضر آيات منسوخة وآيات ناسخة.
نعم، كانت لهذا النوع من النسْخ أنحاء ثلاثة، وقع الكلام في إمكان بعضها، نعرضها فيما يلي:
الأوّل: أن يُنسَخ مفاد آية كريمة بسُنّة قطعية أو إجماع محقّق، كآية الإمتاع إلى الحَول بشأن المتوفّى عنها زوجها (1) ؛ فإنّها - بظاهرها - لا تتنافى وآية العِدد والمواريث، غير أنّ السُنّة القطعية وإجماع المسلمين أثبتا نسخها بآية العدد والمواريث.
واستشكل بعضهم نسْخ القرآن بالسنّة؛ نظراً لأنّ الأوّل قطعي، والثانية ظنيّة. والجواب: أنّ مفروض الكلام ما إذا كانت السنّة متواترة وقطعية الصدور أيضاً، ودَعمها إجماع الأمّة في جميع العصور.
الثاني: أن يُنسخ مفاد آية بآية أخرى، بحيث تكون الثانية ناظرة إلى مفاد الأُولى ورافعة لحُكمها بالتنصيص، ولولا ذلك لم يكن موقع لنزول الثانية وكانت لغواً، وهذا كآية النجوى (2) أوجبت التصدّق بين يدي مناجاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ونَسخَتها آية الإشفاق: ( أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ) (3) .
____________________
(1) البقرة: 240.
(2) المجادلة: 12.
(3) المجادلة: 13.
وهذا النحو من النسْخ لم يختلف فيه أحد.
الثالث: أن تُنسخ آية بأخرى من غير أن تكون إحداهما ناظرة إلى الأخرى، سوى أنّهم وجدوا التنافي بين الآيتين، بحيث لم يمكن الجمْع بينهما تشريعياً، ومن ثمّ أخذوا من الثانية المتأخّرة نزولاً ناسخة للأُولى.
ويجب أن يكون التنافي بين الآيتين كلّياً - على وجه التباين الكلّي - لا جزئيّاً وفي بعض الوجوه؛ لأنّ الأخير أشبه بالتخصيص منه إلى النسْخ المصطلح، وقد تسامح بعض الباحثين، فأخذ من ظاهر التنافي - ولو جزئيّاً - دليلاً على النسْخ، فقال بنسْخ العامّ بالخاصّ ونسْخ الإطلاق بالتقييد، ولكن عمدة عُذره هبوط مستواه العلمي في مبادئ علم الأصول.
ملحوظة: يشترط في هذا القسم الثالث، وجود نصٍّ صحيح وأثر قطعيّ صريح يدعمه إجماع القدامى، إذ من الصعب جدّاً الوقوف على تاريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها، ولا عِبرة بثبْت آية قبل أخرى في المصحف، إذ كثير من آيات ناسخة هي متقدّمة في ثبْتها على المنسوخة، كما في آية العِدد (1) وهي ناسخة لآية الإمتاع إلى الحول (2) ، وهذا إجماع.
كما أنّ التنافي - على الوجه الكلّي - لا يمكن القطع به بين آيتين قرآنيّتين سوى عن نصّ معصوم؛ لأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكَماً ومتشابهاً، وليس من السهل الوقوف على كُنه آية مهما كانت محكَمة.
هذا، وقد أخذ سيّدنا الأستاذ (دام ظلّه) من هذا الأخير مستمسكاً لنكران هذا النحو الثالث من النسْخ، قال: والتحقيق أنّ هذا القسم من النسْخ غير واقع في القرآن، كيف وقد قال الله عزّ وجلّ: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (3) .
____________________
(1) البقرة: 234.
(2) البقرة: 240.
(3) راجع البيان: ص 306، الطبعة الثانية. والآية 82 من سورة النساء.
لكن سنبيّن: أن لا تنافي بين الناسخ والمنسوخ في متْن الواقع، وإنّما هو تنافٍ ظاهري، إذ الحكم المنسوخ هو في الحقيقة حكم محدود في عِلم الله من أوّل تشريعه، غير أنّ ظاهره الدوام، ومن ثمّ كان التنافي بينه وبين الناسخ المتأخّر شكلياً محْضاً، وسيبدو ذلك بتوضيح أكثر عند الجواب عن الشُبهة الثالثة الآتية.
شُبهات حول النسْخ في القرآن:
وفي وقوع النسْخ في القرآن شُبهات قد تختلج بالبال، أو يُثيرها أصحاب التشكيك في محكَمات الشريعة الطاهرة، منها: شُبهات أوردها ناكروا النسْخ مطلقاً، فزعموا عدم إمكان النسخ في شريعة الله، وبالتالي عدم وقوعه في القرآن الكريم، وهي شُبهات متنوّعة ومختلفة المستوى، غير أنّا نذكر منها الأهمّ:
الأُولى: أنّ النسخ في التشريع كالبَداء في التكوين مستحيل بشأنه تعالى؛ لأنّهما عبارة عن نشأة رأيٍ جديد، وعثور على مصلحة كانت خافية في بدْء الأمر، والحال أنّ عِلمه تعالى أزليّ، لا يتبدّل له رأي ولا يتجدّد له علم، فلا يُعقل وقوفه تعالى على خطئه في تشريعٍ قديم لينسخه بتشريع جديد.
الجواب: أنّ النسْخ كالبَداء ليس على معناه الحقيقي الّذي هو عبارة عن نشأة رأيٍ جديد، وإنّما هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم؛ لمصلحة في هذا الإخفاء في بدْء الأمر، حسبما تقدّم تحقيقه.
فالشارع تعالى يشرّع حكماً يكون بظاهره الدوام والاستمرار، حسبما ألِفه الناس من دوام الأحكام المطلقة، لكنّه في الواقع كان من الأوّل محدوداً بأمَد، معلوم لديه تعالى، ولم يظهره للناس إلاّ بعد انتهاء الأمَد المذكور؛ لمصلحة في ذلك الإخفاء وفي هذا الإظهار المتأخّر.
ولعلّ معترضاً يقول: لماذا كان تحديد في الأحكام، فإذا كانت في أصل تشريع الحُكم مصلحة فلتقتضِ الدوام، وإن لم تكن مصلحة فلا مقتضى لأصل التشريع.
قلنا: إنّ المصالح تختلف حسب الظروف والأحوال، كوَصفات طبيبٍ حاذق تختلف حسب اعتوار أحوال المريض واختلاف بيئته والمحيط الّذي يعيش فيه، فربّ مصلحة تستدعي تشريعاً متناسباً مع بيئة خاصّة وفي مستوى خاصّ، فإذا تغيّرت الواقعية فإنّ المصلحة تستدعي تبديل تشريع سابق إلى تشريع لاحِق يلتئم مع هذا الأخير.
وأمّا لماذا لم ينبّه الشارع تعالى على هذا التحديد من أوّل الأمر؟ فلعلّ هناك مصلحة مستدعية لهذا الإخفاء، منها: توطين نفوس مؤمنة وترويضها على الطاعة والانقياد، ولاسيّما إذا كان التشريع الأوّل أشدّ وأصعب، فيتبدّل إلى تشريع أسهل وأخفّ؛ تسهيلاً على الأمّة وتخفيفاً عليهم، رحمة من الله.
الشبهة الثانية: إنّ وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب اشتباه المكلّفين، فيظنّونها آية محكَمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها، الأمر الّذي يكون إغراء الجهْل، وهو قبيح.
الجواب: إنّ مضاعفات جهل كلّ إنسان تعود إلى نفسه، ولم يكن الجهل يوماً ما عُذراً مقبولاً لدى العقلاء، فإذا كانت المصلحة تستدعي نسْخ تشريع سابق بتشريع لاحِق، فعلى المكلّفين أن يتنبّهوا هم إلى هذا الاحتمال في التشريع، ولاسيّما إذا كان التشريع في بدْء حركة إصلاحية آخذة في التدرّج نحو الكمال.
وهكذا كان في القرآن: ناسخ ومنسوخ، وعامّ وخاصّ، وإطلاق وتقييد، ومحكَم ومتشابه، وليس لأحد التسرّع إلى الأخذ بآية حتّى يعرف نوعيّتها، كما ورد التنبيه على ذلك في أحاديث مستفيضة عن أئمّة الدين، قال علي (عليه السلام) لقاضٍ مرّ عليه: (هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال القاضي: لا، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذاً هلكتَ وأهلكت) (1) .
____________________
(1) الإتقان: ج 2 ص 20. المناهل: ج 2 ص 70. البحار: ج 92 ص 95.
المُحكم والمُتشابه
حقيقةُ الإحكام والتشابُه:
الإحكام: هو الإتقان، يوصف به الكلام إذا كان ذا دلالة واضحة، بحيث لا يحتمل وجوهاً من المعاني، مأخوذ من الحَكَم (بالفتح) بمعنى المنع والسدّ، ومنه حَكَمة اللجام (بفتحات): ما أحاط بحنَكَي الفرس، سُمّيت بذلك؛ لأنّها تمنعه من الجَرْيِ الشديد، قاله ابن فارس.
فإحكام الكلام: إتقانه تعبيراً وأداءً بالمقصود، وهذا كأكثر آيات التشريع والمواعظ والآداب.
والتشابه: مأخوذ من تشابه الوجوه، أي تماثُلَ بعضها مع البعض، بحيث يَحتمل وجوهاً من المعاني، ومن ثمّ كان خفاء في وجه المقصود، ومنه قوله تعالى: ( إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ) (1) .
قال الراغب: المحكَم ما لا تعرُض فيه شُبهة، لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، والمتشابه ما لا يُنبئ ظاهره عن المراد.
هذا هو تعريف المتشابه بوجهٍ عام، ومن ثمَّ قد يتَّحد مع المبهم الَّذي يكشفه التفسير، في حين أنَّ المتشابه بحاجة إلى التأويل، كأكثر آيات الخلْق والتقدير والصفات والأفعال.
____________________
(1) البقرة: 70.
وعليه: فالمتشابه - حسَب المصطلح القرآني -: هو اللفظ المحتمِل لوجوه من المعاني، وكان موضع رَيبٍ وشُبهة، ومن ثمَّ فهو كما يصلح للتأويل إلى وجه صحيح يصلُح للتأويل إلى وجهٍ فاسد؛ ولأجل هذا الاحتمال وقع مطمع أهل الزَيغ والفساد، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلى ما يتوافق وأهدافهم الضالَّة.
ما بين المتشابه والمبْهَم من نِسبة:
النسبة بين المتشابه والمبهم هو العموم المطلق؛ لأنّ كل متشابه مبهَم في معناه، وليس كلّ مبهَم متشابهاً، فقوله تعالى: ( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ) (1) إنّها من المتشابهات، وقد عَلَتها طبقة من الإبهام أيضاً.
أمّا التشابه فمِن جهة نِسبة الإضلال إليه سُبحانه، وأمّا الإبهام فمِن جهة كيفية حصول ذلك الانشراح والضِيق، ولاسيّما وجه الشبَه في قوله: ( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ) ، كيف أنّ الضالّ يشبه مَن يحاول الصعود في أعماق السماء؟.
وسوف نشرح في مجاله الآتي هذه الموارد ونجيب على هذه الأمثلة إن شاء الله تعالى.
وقد لا تكون الآية المبهمة من المتشابهات، فهي إلى التفسير أحوَج منها إلى التأويل، كقوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء ) (2) ، فالآية بأمسّ حاجة إلى تفسير يجيب على عِدة أسئلة يبعثها إبهام في ظاهر الآية.
أوّلاً: كيف تحقّق هذا التعليم الَّذي باهى الله به ملائكته؟.
ثانياً: ما هي الأسماء الَّتي يعود عليها ضمير التأنيث تارةً وضمير الجمْع المذكَّر أخرى؟.
____________________
(1) الأنعام: 125.
(2) البقرة: 31.
وثالثاً: كيف استسلمت الملائكة لهذه المباهاة واعترفت بعجْزها وقصورها مع الأبد؟.
إذاً لا تلازم بين الإبهام والتشابه كلّياً، وعليه فتفترق موارد الحاجة إلى التفسير عن موارد الاحتياج إلى التأويل، فالتفسير: هو كشف القناع عن اللفظ المشكل، أي المبهَم، سواء أكان متشابهاً أمْ لم يكن. والتأويل: هو إرجاع الكلام إلى أحد محتملاته العقلانية، ولو كان في ظاهره واضح المدلول.
ما بين عوامل التشابه والإبهام من فَرْق:
ولتوضيح ما بين المتشابه والمبهم من فرْق، نذكر من عوامل التشابه الَّتي تختلف تماماً عن عوامل الإبهام.
يعود الفرْق بين تشابه الآية وإبهامها إلى ما بين عوامل الأمرَين من اختلاف، حيث من أهمّ عوامل التشابه هو: دقَّة المعنى وسموّ مستواه عن المستوى العامّ، مضافاً إلى رقّة التعبير وجزالة الأداء، كما في قوله تعالى: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ) (1) ، إذ لا يخفى لُطف هذا التعبير الرقيق عن مفهوم هو من أدقّ المفاهيم الإسلامية في الأمر بين الأمرين (لا جبْر ولا تفويض) ، ومن ثمّ خفيَ على غالبية الناس إدراك حقيقته الأصلية، من عدا أولئك الراسخين في العِلم، الَّذين استسهلوا الصعاب بفضْل جهودهم في سبيل اكتساب المعالي.
ومن هذا القبيل أيضاً قوله تعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (2) ، فقد وقع فيها تشبيه ذاته المقدَّسة بالنور، وهو أدقّ تعبير في تقريب ذاته المقدّسة إلى أفهام العامّة، إذ لو قيل للجمهور: أن لا ماهيّة له تعالى، ولا هو جسم، ولا فيه خواصّ الجسم، لم يقتنعوا في الجواب عن موجود وقع الاعتراف به، كيف لا ماهيَّة له ولا هو جسم؟ فإذا قيل لهم: إنّه نور اقتنعوا، في حين أنّ نفس الإجابة صحيحة يعرفها
____________________
(1) الأنفال: 17.
(2) النور: 35.
الراسخون في العِلم، إذ كما أنَّ النور في المحسوس غير قابل للإدراك ذاتاً، وإنّما يُحسّ به من قِبل إنارته للأشياء، كذلك وجوده تعالى في غير المحسوس لا يُدرك هو، وإنَّما يُدرك بإفاضته الوجود على الموجودات، فالله تبارك وتعالى يتجلّى من خلال كلّ موجود وليس يُدرك ذاتاً، كالنور سبب لإدراك الأشياء وتعجز الأبصار عن إدراكه بالذات (1) .
وأمّا عوامل الإبهام المحوجة إلى التفسير، فتعود إلى جهات أُخَر:
منها: غرابة الكلمة عن المألوف العامّ؛ نظراً لاختصاص استعمالها ببعض القبائل دون بعض، فجاء القرآن ليوحِّد اللغة باستعمال جميع لغات العرب، من ذلك: (صَلداً) بمعنى (نقيّاً) في لُغة هذَيل، و (الإملاق) بمعنى (الجوع) في لُغة لخْم، و (المنسأة) بمعنى (العصا) في لغة حضرموت، و (الودق) بمعنى (المطر) في لغة جَرْهُم، و (بُسَّت) بمعنى (تفتَّتت) في لغة كندة، وهلمّ جرّاً، الأمر الذي دُوّنت لأجْله كُتب غريب القرآن، وهي كثيرة.
ومنها: إشارات عابرة جاءت في عَرْض الكلام، بحيث يحتاج فهْمها إلى درس عادات ومراجعة تاريخ، كالنسيء في سورة التوبة (2) ، والنهي عن إتيان البيوت من ظهورها في سورة البقرة (3) ، أو تعابير إجمالية يحتاج الوقوف على تفاصيلها إلى مراجعة السُنَّة وأقوال السلَف، كقوله تعالى: ( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) (4) ، و ( وَآتُواْ الزَّكَاةَ ) (5) ، و ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (6) وأمثال ذلك.
ومنها: تعابير عامّة صالحة لمعانٍ لا يُعرَف المقصود منها إلاّ بمراجعة ذوي الاختصاص، كالدابَّة من سورة النمل: ( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ) (7) ،
____________________
(1) راجع الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد: ص92 - 93.
(2) آية 37.
(3) آية 189.
(4) وردت في اثنتي عشرة موضعاً من القرآن.
(5) وردت في سبعة مواضع من القرآن.
(6) آل عمران: 97.
(7) النمل: 82.
والبرهان في سورة يوسف: ( لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) (1) ، والكوثر في: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) (2) ، والروح في: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ ) (3) ، وأمثال ذلك.
ومنها: استعارات بعيدة الأغوار، يحتاج البلوغ إليها إلى سبْرٍ وتعمّق كثير، كقوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) (4) ، وقوله: ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) (5)، ونحو ذلك.
ومن ثمَّ قال الراغب (6) : التفسير إمّا أن يُستعمل في غريب الألفاظ، نحو: البحيرة، والسائبة، والوصيلة (7) ، أو في وجيز كلام مبيّن بشرح، نحو: ( وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ) (8) ، وإمّا في كلام متضمّن لقصَّة لا يمكن تصويره إلاّ بمعرفتها، كقوله تعالى: ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) (9) ، وقوله: ( لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ) (10) .
هذه نماذج من عوامل الإبهام المحوجة إلى تفسير كاشف، وقد تبيَّن أنّها تختلف تماماً عن عوامل التشابه المستدعية لتأويل مقبول، وعليه فلا يشتبه مورد أحدهما بالآخر، وإن كانا يشتركان في خفاء المراد بالنظر إلى ذات اللفظ.
هل في القرآن متشابه؟
لا شكَّ أنّ القرآن - كما هو مشتمل على آيات محكَمات في أكثريَّة غالبة - مشتمل على آيات متشابهات في عدد قليل، قال تعالى: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (11) ، ونسبة عدد
____________________
(1) يوسف: 24.
(2) الكوثر: 1.
(3) النبأ: 38.
(4) الرعد: 41.
(5) يس: 65.
(6) بنقل الإتقان: ج2، ص173 الطبعة الأولى.
(7) المائدة: 103.
(8) وردت في سبعة مواضع من القرآن.
(9) التوبة: 37.
(10) البقرة: 189.
(11) آل عمران: 7.
المتشابهات إلى المحكَمات نسبة هابطة جدّاً، فلو اعتبرنا من مجموع آي القرآن الحكيم ما يربو على ستَّة آلاف آية، فإنّ المتشابهات لا تبلغ المئتين لو أخذنا بالتدقيق وحذْف المكرّرات حسبما يوافيك نماذج منها، وعليه فالمجال أمام مراجعة الكتاب العزيز والارتواء من مناهله العذبة واسع جدّاً.
وقد حاول البعض إنكار وجود آيٍ متشابهة بالذات في القرآن، بحجَّة أنّه كتاب هداية عامّة ( هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ) (1) ، وقد قال تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (2) .
ومن ثمّ فالتّعبير بالتشابه في آيِ القرآن، إنّما يعني التشابه بالنسبة إلى أُولئك الزائغين الَّذين يحاولون تحريف الكلِم عن مواضعه.
غير أنّ الإنكار لا يصلح علاجاً لواقعيةٍ لا محيص عنها، نعم، لا يصطدم وجود المتشابه في القرآن مع كونه هداية عموم.
أوّلاً: ضآلة جانب المتشابه، بحيث كان الطريق أمام المستهدين بهدى القرآن الكريم فسيحاً جداً.
ثانياً: هداية الكتاب تعني كونه المصدر الأوّل للتشريع وتنظيم الحياة العامَّة، وهذا لا يعني إمكان مراجعة الأفراد بالذّات للقرآن في جميع أحكامه وتشريعاته، إذ لمثل ذلك اختصاصيّون يَعرفون من الكتاب ما لا تعرفه العامَّة، وهم يشكِّلون قيادة الأُمّة على هدى الكتاب؛ وبذلك أصبح القرآن مصباحاً ينير درب الحياة على ركب الإنسانية بشكل عامٍّ.
أمّا الإحكام في سورة هود، فيعني الإتقان والسداد، حيث القرآن ذو أساس مكين لا يتضعضع، وذو مشعل وضّاء لا ينطفئ مع الأبديّة، قال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) .
____________________
(1) آل عمران: 138.
(2) هود: 1.
(3) الحجر: 9.
وسنعرض فيما يأتي أنّ من الآيِ المتشابهة ما هي متشابهة بالذات، وإنّما يَعرف الراسخون في العلم تأويلها الصحيح، بفضْل جهودهم وتعمّقهم في أغوار هذا الدين؛ ليستنبطوا من كنوزه المستورة لآلئ وهّاجة تبهر العقول.
* * *
وحاول بعضهم في اتّجاه معاكس، زاعماً أنّ جميع آي القرآن متشابهة، ومن ثمَّ لا يجوز مسّها إلاّ بدلالة نصّ معصوم؛ وبذلك أسقط ظواهر الكتاب عن صلاحية الاستدلال بها أو الاستنباط منها لحُكم شرعي، نظراً لقوله تعالى: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ) (1) ، وبما ورد: (إنّما يَعرف القرآن مَن خوطبَ به) (2) .
وهذا قصور وجفاء، حيث يقول تعالى: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (3) ، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (فإذا التبسَت عليكم الفِتَن كقِطَع الليل المظلم فعليكم بالقرآن)، كيف الرجوع إلى القرآن لوضح الملتبسات إذا كان هو ملتبساً؟ وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجْلِ جالٍ بصَره ويفتح للضياء نظَرَه، فإنَّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظّلمات بالنور)، وقد ورد أيضاً: (إنَّ القرآن فيه تفصيل، وبيان، وتحصيل)، و(هو الفصْل ليس بالهزْل)، (ظاهره أنيق، وباطنه عميق)، (ظاهره حُكم، وباطنه علم) (4) .
أمّا آية الزمر، فتعني تناسق آي القرآن في الإجادة والإيفاء وقوَّة التعبير ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (5) .
____________________
(1) الزمر: 23.
(2) تفسير البرهان للمحدّث البحراني: ج1، ص18.
(3) محمّد: 24.
(4) الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف: ج2، ص599 - 600.
(5) النساء: 82.
لماذا في القرآن متشابه؟
ولعلَّ معترضاً يقول: هلاّ كانت جميع آي القرآن محكَمات، فكان ذلك أسلم من الالتباس وأقرب إلى طُرُق الاهتداء العامّ!.
قال الإمام الرازي: من الملاحدة مَن طعنَ في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، إذ كيف يكون القرآن مرجع الناس في جميع العصور مع وفْرة دواعي الاختلاف فيه، حيث يجد صاحب كلَِّ مذهب مأربه في القرآن؛ بسبب اختلاف آياته في الدلالة والردّ، الأمر الذي لا يليق بالحكيم تعالى أن يجعل كتابه المبين معرّضاً للجدل وتضارب الآراء، فلو كان جعله نقيّاً من المتشابهات المثيرة للشُبهات كان أقرب إلى حصول الغرَض والمقصود من الهداية العامَّة (1) .
وقد عالجَ ابن رشد الأندلسي - الفيلسوف العظيم - هذه الناحية معالجة دقيقة، صنّف فيها الناس إلى ثلاثة أصناف: صِنف العلماء، وعنى بهم مَن في طبقته من أرباب الحكمة العالية، وصِنف الجمهور ، وهم عامَّة الناس ممّن لم يحظوا بحُليّ العلم شيئاً، وصِنف بين بين ، لا هم في مستوى العلماء ولا مع العامَّة، وعنى بهم أرباب المذاهب الكلامية من الأشاعرة وأصحاب الاعتزال.
قال: وهذا الصِنف الأخير هم الَّذين يوجد في حقِّهم التشابه في الشرع، وهم الّذين ذمّهم الله تعالى، وأمّا عند العلماء فليس في الشرع تشابه؛ لأنَّهم يعرفون من كلّ آية وجه تخريجها الصحيح الذي قصده الشرع، والجمهور لا يشعرون بالشكوك العارضة، بعد أن كانوا أخذوا بالظواهر واستراحوا إليها من غير ترديد.
قال: إنّ التعليم الشرعي هو كالغذاء النافع لأكثر الأبدان، نافع للأكثر وربّما ضرّ بالأقلّ؛ ولهذا جاءت الإشارة بقوله تعالى: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ) (2) .
وهذا إنّما يعرض في الأقلّ من الآيات لأقلّ الناس، وهي الآيات الَّتي تضمَّنت
____________________
(1) التفسير الكبير: ج7، ص171.
(2) البقرة: 26.
الإعلام عن الأشياء المتغيّبة عن الحسّ، ليس لها مثال في المحسوس، فجاء التعبير عنها بالشاهد الَّذي هو أقرب الموجودات إلى تلك الغائبات وأكثرها شبَهاً بها، فربّما عرَضَ لبعض الناس أن يأخذ ذاته لتلزمه الحَيرة والشكّ.
وهذا هو الذي سُمّي في الشرع متشابهاً، الأمر الَّذي لا يعرض للعلماء ولا للجمهور؛ لأنّ هؤلاء هم الأصحّاء الَّذين يلائمهم الغذاء النافع الذي يوافق أبدان الأصحّاء، أمّا غير هذين الصنفين فمرضى، والمرضى هم الأقلّ من الناس، ولذلك قال تعالى: ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ) (1) وهؤلاء هم أهل الجدل والمذاهب الكلامية.
قال: وقد سلَك الشرع في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكاً ينتفع به الجمهور ويخضع له العلماء، ومن ثمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصِنفين: الجمهور يأخذون بظاهر المثال فيتصوّرون عن الممثَّل له ما يشاكل الممثّل به ويقتنعون بذلك، والعلماء يعرفون الحقيقة الَّتي جاءت في طيّ المثال.
مثلاً: لمّا كان أرفع الموجودات في الحسِّ هو النور ضُرب به المثال، وبهذا النحْو من التصوّر أمكن للجمهور أن يفهموا من الموجودات فيما وراء الحسِّ ممّا مثِّل لهم بأمور متخيَّلة محسوسة، فمتى أخَذَ الشرع في أوصاف الله تعالى على ظاهرها، لم تعرضْ للجمهور شكٌّ في ذلك، فإذا قيل: الله نور، وأنَّ له حجاباً من نور، وأنَّ المؤمنين يرونه في الآخرة كالشمس في رائعة النهار، لم تعرض للجمهور شُبهة في حقيقة هذه التعابير، وكذلك العلماء لا تعرض لهم شُبهة في ذلك، حيث قد تبرْهَن عندهم أنَّ تلك الحالة هي مزيد عِلم ويقين.
لكن إذا ما صُرِّح بذلك للجمهور بطُلَت عندهم الشريعة كلَّها، وربَّما كفروا بما صُرِّح لهم؛ لأنَّ الجمهور يرون من كلِّ موجود هو المتخيِّل المحسوس، وأنَّ ما ليس بمتخيَّل ولا محسوس فهو عَدَمٌ عندهم.
____________________
(1) آل عمران: 7.
فإذا قيل: إنّ هناك موجوداً ليس بجسم ولا فيه شيء ممّا يرونه لازم الجسميَّة، ارتفع عنهم التخيُّل وصار عندهم من قبيل المعدوم، ولاسيّما إذا قيل لهم: إنّه لا خارج العالَم، ولا داخله، ولا فوق، ولا أسفل، ومن ثمَّ لم يصرِّح الشرع بأنّه ليس بجسم، وإنَّما اكتفى بقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (1) ، وقوله: ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (2) .
قال: وأنت إذا تأمّلت الشرع وجدته - مع أنَّه قد ضُرب للجمهور في هذه المعاني المثالات، التي لم يمكنهم تصورّها إلاّ بذلك - قد نبَّه العلماء على تلك المعاني بحقائقها، فيجب أن يوقَف عند حدّ الشرع في نهْج التعليم الذي خصّ به صِنفاً صِنفاً من الناس، وأن لا يخلط التعليمان فتفسد الحكمة الشرعية النبوية؛ ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله): (إنّا معشر الأنبياء أُمِرنا أن نُنزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدَر عقولهم) (3) .
وقد انتهج الإمام الرازي نفس المنهج، قال: والسبب الأقوى في هذا الباب: أنّ القرآن كتابٌ مشتملٌ على دعوة الخواصّ والعوامّ جميعاً، وطبائع العوامّ تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمَن سمع من العوام في أوَّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم، ولا متحيّز، ولا مُشار إليه، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع التعطيل، فكان الأصلح أن يُخاطَبوا بألفاظ دالَّة على بعض ما يناسب ما يتوهَّمونه ويتخيّلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدلّ على الحقِّ الصريح، فالقسم الأوّل - وهو الذي يخاطَبون به في أوَّل الأمر - يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني - وهو الذي يُكشَف لهم في آخِر الأمر - هي المحكَمات (4) .
* * *
____________________
(1) الشورى: 11.
(2) الأنعام: 103.
(3) الكشف عن مناهج الأدلّة لابن رشد: ص 89 و96 و97 و107.
(4) التفسير الكبير: ج7، ص172، وهو خامس وجه ذكرها بهذا الصدد.
وهذا المنهج الَّذي انتهجه الفيلسوفان في توجيه وجود المتشابه في القرآن، معالجة للقضية في بعض جوانبها، وهي الآيات المتشابهة المرتبطة مع مسألة المبدأ والمعاد، وليس علاجاً حاسماً للمادَّة من جذورها، إذ تبقى آيات الخلْق والتقدير، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، والعدل والعصمة، وما شاكل، خارجة عن إطار هذا العلاج.
أمّا العلاج الحاسم لمادّة الإشكال في كلّ جوانب المسألة فهو: أنّ وقوع التشابه في مثل القرآن - الكتاب السماوي الخالد - شيء كان لا محيص عنه، ما دام كان يجري في تعابيره الرقيقة مع أساليب القوم، في حين سُمُوّ فحواه عن مستواهم الهابط.
القرآن جاء بمفاهيم حديثة كانت غريبة عن طبيعة المجتمع البشري آنذاك، ولاسيّما جزيرة العرب القاحلة عن أنحاء الثقافات، في حين التزامه في تعبيراته الكلامية نفس الأساليب الّتي كانت دارجة ذلك العهد، الأمر الّذي ضاق بتلك الألفاظ، وهي موضوعة لمعانٍ مبتذلة وهابطة إلى مستوى سحيق من أن تحيط بمفاهيم هي في درجة راقية وبعيدة الآفاق.
كانت الألفاظ والكلمات الَّتي كانت العرب تستعملها في محاوراتها محدودة في نطاق ضيِّق، حسبما كانت العرب تألَفه من معانٍ محسوسة، أو قريبة من الحسّ ومبتذلة إلى حدٍّ ما، فجاء استعمالها من قِبل القرآن - الكتاب الَّذي جاء للبشريَّة على مختلف مستوياتهم مع الأبديّة - غريباً عن المألوف العام.
ومن ثمَّ قصُرَت أفهامهم عن إدراك حقائقها ما عدا ظواهر اللفظ والتعبير، إذ كانت الألفاظ تقصُر بالذات عن أداء مفاهيم لم تكن تطابقها، ومن ثمَّ كان اللجوء إلى صنوف المجاز وأنواع الاستعارات، أو الإيفاء بالكناية ودقائق الإشارات، الأمر الذي قرَّب المفاهيم القرآنية إلى مستوى أفهام العامَّة من جهة، وبعَّدها من جهةٍ أخرى، قرَّبها من جهة إخضاعها لقوالبَ لفظية كانت مألوفة لدى العرب،
وبعَّدها حيث سموّ المعنى، كان يأبى الخضوع لقوالب لم تكن موضوعةً لمِثله، كما كان يأبى النزول مع المستوى الهابط مهما بولِغَ في إخضاعه، إذ اللفظ يقصر عن أداء مفهوم لا يكون قالباً له ولا يتطابقه تماماً؛ هذا هو السبب الأقوى لوقوع التشابه في تعبيرات القرآن بالذات، كما مرّ من مسألة الأمْر بين الأمرَين، وغيرها من مسائل كلامية غامضة تبحث عن شؤون المبدأ تعالى والمعاد، ومسائل شؤون الخليقة وما انطوت عليه من أسرار وغوامض خافية على غالبية الناس.
مثلاً قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (1) تعبيرٌ رمزيّ عن شأن الإنسان - بصورة عامَّة - في الأرض، إنّه ذلك الموجود العجيب الَّذي يملِك في ذاته قدرة جبّارة، يضيق عنها الفضاء وتخضع لها قوى الأرض والسماء ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) (2) .
كلّ ذلك بفضْل نبوغه واستعداده الخارق الَّذي يمنحه القدرة على الخلْق والإبداع؛ على أثر تفكيره وجهاده في الوصول إلى درجة الكمال، وليتمثّل مظهريّته تعالى، فهو الموجود النموذجي لمظهرية ذي الجلال والإكرام، ومن ثمَّ كان خليفته في الأرض يومذاك؛ ليصبح خليفته في عالم الوجود إطلاقاً.
لم تكن العرب تستطيع إدراك هكذا تصوّر عن الإنسان، ولا كان يخطر بِبالها أنَّ لهذا الإنسان شأناً في عالَم الوجود، سوى أنّه الموجود الضعيف الذي تتألَّب عليه الضواري، ولا يقتات إلاّ على لحوم بَني جِلدته سَلباً ونَهباً، وإراقةً للدماء والفساد في الأرض.
ومن ثمَّ لمّا جاء التعبير عن شان آدم بهذا التعبير - ممّا ينمّ عن عظَمةٍ وإكبار - حسَبوه (المتصرّف في الأرض) عن جانب الله القابع في زاوية السماء، أو فسَّروه - كما في عصرٍ متأخّر - بأنَّه الخلَف عن مخلوق كان قبل آدم، الجِنّ أو النَسناس.
____________________
(1) البقرة: 30.
(2) الجاثية: 13.
وهكذا الانجذاب بالآية يمنةً ويسرة، ما دام لم يعرفوا من حقيقة الإنسان ولا أدركوا من شأنه الخطير.
* * *
وهكذا جاء التعبير المجازي في آيتَين لا تختلفان من حيث الأداء والتعبير، غير أنّ إحداهما لمّا كانت تعبِّر عن معنى هو فوق مستوى العامّة حصل فيها التشابه، أمّا الأخرى فكانت تعبيراً عن معنىً محسوس، ومن ثمَّ لم يقع فيها إشكال، فقوله تعالى: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (1) فيها مجاز الحذْف، أي إلى رحمة ربّها، كما في آية أخرى نظيرتها: ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) (2) أي أهل القرية، غير أنّ الأُولى صارت متشابهة لقصور أفْهام العامَّة عن إدراك مقام الإلوهية، فحسبوا منها جواز رؤيته تعالى، أمّا الآية الثانية فلم تتوقَّف في فهْم حقيقتها؛ لأنّها في معنىً محسوس.
ونظير ذلك قوله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ) (3) دعا جهْل العامَّة بصفاته تعالى إلى فهْم ساقٍ له سبحانه، في حين أنَّ استعارة الساق للشدَّة عند العرب كان أمراً دارجاً، قال شاعرهم: (وقامت الحرب على ساق) (4) أي أخذَت في شدّتها، فهم عندما يستمعون إلى هذا الشِعر لا يتردَّدون في فهْم الحقيقة، إذ يعلمون أن لا رِجْل للحرب ولا ساق، أمّا في الآية الكريمة فيذهب وهْمُهم إلى وجود رِجْل له تعالى وساق، ومن ثمَّ ذهب بعضهم إلى عقيدة التجسيم - تعالى الله عن ذلك -.
* * *
وقد ذهب سيِّدنا الطباطبائي (قدّس سرّه) أيضاً إلى هذا الرأي، وذكر أنَّ سبب وقوع التشابه في القرآن يعود إلى خضوع القرآن - في إلقاء معارفه العالية - لألفاظ وأساليب دارجة، هي لم تكن موضوعة لسوى معانٍ محسوسة أو قريبة منها، ومن
____________________
(1) القيامة: 23.
(2) يوسف: 82.
(3) القلم: 42.
(4) البرهان للزركشي: ج2، ص84.
ثمَّ لم تكن تفي بتمام المقصود، فوقع التشابه فيها وخفيَ وجه المطلوب.
نعم، إلاّ على أولئك الَّذين نفذَت بصيرتهم وكانوا على مستوىً رفيع، قال تعالى: ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً - إلى قوله - كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ) (1) . وهكذا القرآن تحتمله الأفهام على قدَر استعداداتها، وفيه من المتشابهات ما تزول بتعميق النظَر وإجادة التفكير، فيبقى القرآن كلّه محكَماً مع الأبَد بسلام (2) .
وهكذا قال الشيخ محمَّد عبده: إنَّ الأنبياء بُعثوا إلى جميع أصناف الناس من: دانٍ وشريف، وعالمٍ وجاهل، وذكيّ وبليد، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة يفهمها كلّ أحد، ففيها من المعاني العالية، والحِكَم الدقيقة ما يفهمه الخاصَّة، ولو بطريق الكناية والتعريض، ويؤمَر العامَّة بتفويض الأمر فيه إلى الله، والوقوف عند حدِّ المحكَم، فيكون لكلٍّ نصيبه على قدَر استعداده (3) .
وهناك عاملٌ آخَر كان ذا أثر في إيجاد التشابه في غالبية الآيات الكريمة، إذ لم تكن متشابهة من ذي قبل، وإنّما حدَث التشابه فيها على أثر ظهور مذاهب جدَلية، بعد انقضاء القرن الأوّل الَّذي مضى بسلام، إذ كانت العرب أوَّل عهدها بنزول القرآن تستذوقه بمذاويقها البدائية الساذجة، حلواً بديعاً سهلاً بليغاً، أمّا وبعدما احتبكت وشائج الجدَل بين أرباب المذاهب الكلامية منذ مطلع القرن الثاني، فقد راج التشبّث بظواهر آياتٍ تحريفاً بمواضع الكَلِم، ومن ثمَّ غمّها نوع من الإبهام والغموض الاصطناعيَين، وأخذت كلّ طائفة تتشبّث بما يروقها من آيات؛ لغرض تأويلها إلى ما تَدعَم به مذهبَها.
____________________
(1) الرعد: 17.
(2) تفسير الميزان: ج3، ص58 - 62 بتلخيص واختزال.
(3) تفسير المنار: ج3، ص170 وهو ثالث وجه ذكرها بهذا الصدد.
ولا ريب أنّ القرآن حمّال ذو وجوه - كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) -؛ لأنّه كما ذكرنا معتمد في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه، فأكسبه ذلك خاصّية قبول الانعطاف في غالبية آياته الكريمة، ومن ثمَّ نهى الإمام (عليه السلام) عن الاحتجاج بالقرآن تجاه أهل البِدع والأهواء؛ لأنَّهم يعمدون إلى تأويله بلا هوادة، قال (عليه السلام) لابن عبّاس - لمّا بعَثه للاحتجاج على الخوارج -: (لا تخاصمهم بالقرآن؛ فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجِجهم بالسُنَّة فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصاً) (1) .
انظر إلى هذه الآية الكريمة: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (2) .
ربّما لم تكن العرب تخطر بِبالها إرادة الرؤية بالعين، كما قال الزمخشري: سمعت مستجْدِية بمكَّة - بعدما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة - تقول: عُيَينَتي نوَيظِرة إلى الله وإليكم (3) ، ولم يختلِج بِبال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق إلى الله سبحانه، وإنَّما كان قصدُها الانقطاع إليه وتوقّع فضْله ورحمته تعالى، وهكذا في الآية الكريمة نظراً إلى موقعيّة الحصْر فيها. لكنَّ الأشاعرة وأذنابهم من مشبِّهة ومجسِّمة جمَدوا على ظاهر الآية البِدائي، وأصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتَين العينَين اللتَين في الوجه (4).
وهكذا لمّا سَمِعت العرب قوله تعالى: ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) (5) ، ربَّما لم تَفْهم منه سوى استقلاله تعالى بملَكوت السماوات والأرض وتدبيره لشؤون هذا العالَم، نظير قول شاعرهم:
____________________
(1) نهج البلاغة: ج2، ص136 من الكتب والوصايا رقم 70.
(2) القيامة: 22 و23.
(3) راجع الكشّاف: ذيل الآية 23 من سورة القيامة. وأساس البلاغة: مادة (نظر).
(4) راجع الإبانة لأبي الحسن الأشعري: ص 11 طبعة حيد آباد الدكن.
(5) يونس: 3.
ثمّ استوى بشَرٌ على العراق |
من غير سيفٍ ودم مِهراق |
وقال آخر:
فلمّا علَونا واستوَينا عليهم |
تركناهم صرعى لنِسرٍ وكاسرِ |
لكنَّ الأشاعرة ومن ورائهم سائر أهل التشبيه، أبَوا إلاّ تفسيره بالاستقرار على العرْش جلوساً متربِّعاً فوق السماوات العُلى، وقد ينزل إلى السماء الدنيا؛ ليطَّلع على شؤون خلْقه فيغفر لهم ويجيب دعاءهم، إذ لا يمكنه ذلك وهو متربِّع على كرسيّه فوق السماوات (1) .
وعلى هذا السبيل، لمّا نزلت الآية: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (2) ، لا نظنّ أنّ العرب فهمَت منها الجوارح والأعضاء، نظير قوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) (3) ، لا يعني الجارحة المخصوصة كما زعَمته المشبِّهة من أصحاب الحشْو، وإنّما عنَى يد القدرة ونفْيَ العجْز عن التصرّف فيما يشاء تعالى.
أمّا الأشعري ومَن حَذا حذْوَه، فإنَّهم قد انحرفوا في فَهْم هذا المعنى الظاهر، فأوَّلوه إلى الجارحة، وقالوا: إنّ لله يداً ورجْلاً وعيناً ووجْهاً وما إلى ذلك؛ وقوفاً مع ظاهر الكلمة في القرآن (4) .
* * *
____________________
(1) راجع الإبانة: ص35 فما بعد، ورسالة الردّ على الجهْمية للدارمي: ص13 فما بعد.
(2) المائدة: 64.
(3) الإسراء: 29.
(4) راجع الإبانة: ص39 فما بعد، وغيرها من كتُب القوم وهي كثيرة.
حقيقةُ التأويل
- ما بين التأويل والتفسير من فَرْق.
- المعاني الأربعة للتأويل.
- هل يَعلم التأويل إلاّ الله؟
- شكوك واعتراضات.
- مزعومة المنكِرين.
- مَن هُم الراسخون في العِلم؟
حقيقةُ التأويل
ما بين التأويل والتفسير من فَرْق:
التأويل يُستعمل بمعنى توجيه المتشابه، وهو تفعيل من الأوّل بمعنى الرجوع؛ لأنّ المؤوِّل عندما يُخرِّج للمتشابه وجهاً معقولاً، هو آخِذٌ بزمام اللفظ ليعطِفه إلى الجهة الّتي يحاول التخريج إليها، ومن ثمَّ يستعمل في تبرير العمل المتشابه أيضاً، كما في قصَّة الخِضْر (عليه السلام)، قال لصاحبه: ( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ) (1) أي سأُطلِعُك على السرِّ المبرّر لأعمالٍ أثارَت شكوكك ودَعتْك إلى الاعتراض.
إذاً فكلّ لفْظ أو عمل متشابه - أي مثير للرَيب - إذا كان له توجيه صحيح، فهذا التوجيه تأويله لا محالة، وعليه فالفَرْق بين التفسير والتأويل: هو أنّ الأوّل توضيح ما لجانب اللفظ من إبهام، والثاني توجيه ما فيه من مَثار الرَيب، وقد سبق ما بين عوامل الإبهام والتشابه من فَرْق.
هذا، وقد اصطلحوا أيضاً على استعمال التأويل في معنىً ثانوي للآية، فيما لم تكن بحسَب ذاتها ظاهرة فيه، وإنَّما يتوصّل إليه بدليل خارج، ومن ثمَّ يعبَّر عنه
____________________
(1) الكهف: 78.
بالبَطْن، كما يعبَّر عن تفسيرها الأوَّلي بالظَهْر، فيقال: تفسير كلّ آية ظهْرها، وتأويلها بطْنها.
والتأويل بهذا المعنى الأخير عامٌّ لجميع آيِ القرآن، كما في الأثر: (ما في القرآن آية إلاّ ولَها ظهْرٌ وبطْن)، وقد سُئل الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: (ظهْرُه تنزيلُه، وبطْنُه تأويلُه، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما يجري الشمس والقمر) (1) ، وقال (عليه السلام) أيضاً: (ظَهْر القرآن الَّذين نزل فيهم، وبطْنه الَّذين عملوا بمثل أعمالهم) (2) ، فقد جاء التنزيل في كلامه (عليه السلام) بمعنى التفسير، أي أنّ للآية مورد نزول يكشف عن مدلولها الأوَّلي المنصرم، ويعبَّر عنه بسبب النزول، ولا غنى للمفسِّر عن معرفة أسباب النزول في كشْف إبهام الآية، كما في: آية النسيء (3) ، وآية نفي الجُناح عن السعي بين الصفا والمروة (4) ، وآية النهي عن دخول البيوت من ظهورها (5) ، ونحوها كثير.
نعم، هناك عموم ثابت أبديّ تنطوي عليه الآية، وبذلك تشمل عامَّة المكلَّفين مع الأبديَّة، وهو بطْنها وتأويلها الَّذي يعرفه الراسخون في العلم؛ ولولا ذلك لبطلت الآية، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (ولو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية لَمَا بقيَ من القرآن شيء، ولكنَّ القرآن يجري أوَّله على آخِره ما دامت السماوات والأرض من خيرٍ أو شرٍّ) (6).
وقد صحّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (إنَّ فيكم مَن يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلتُ على تنزيله، وهو عليُّ بن أبي طالب) (7) ، فقد قاتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على تطبيق القرآن الخاصّ حسب مورد نزوله، وقاتل عليٌّ (عليه السلام) على تطبيقه العامّ على مشابه القوم.
____________________
(1) بصائر الدرجات: ص195. البحار: ج92 ص97 رقم 64.
(2) تفسير العيّاشي: ج1، ص11. البحار: ج92، ص94، رقم 46.
(3) التوبة: 37.
(4) البقرة: 158.
(5) البقرة: 189.
(6) تفسير العيّاشي: ج1، ص10. الصافي: ج1، ص14.
(7) تفسير العيّاشي: ج1، ص15 - 16.
فقوله تعالى: ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) نزلت رادعة لعادةٍ جاهلية، كان الرجُل إذا أحرم نقبَ في مؤخّر بيته نقْباً، منه يدخل ومنه يخرج، وهذه العادة أصبحت لا وجود لها بعد أن بادَ أهلُها، غير أنَّ الآية لم تمُت بذلك، وإنَّما بقي عموم ردْعها عن إتيان الأمور من غير وجوهها بصورة عامَّة (2) ، فهذا تأويلها المنطوي عليه الآية، يُعمَل بها مع الأبد.
وقوله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ ) (3) تفسيرها: إنَّ الله هو الَّذي ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ) (4) ، وهذا معنىً ظاهريّ يدلّ عليه ظاهر اللفظ.
وجاء في تأويلها: إذا فقدتُم حجَّة من حُجج الله الّذين كنتم ترتَوون من عَذْب نميرهم، فمَن الَّذي يأتيكم بحجَّة أخرى يواصل هدْيكم في ركْب الحياة (5) ، وهذا المعنى يعبَّر عنه بالبطْن، لا يجرؤ أحد على بيانه إلاّ بنصّ معصوم، واستعارة ينبوع الماء لمصدر الهداية الربّانية شيء متناسب، فكما أنّ الماء هو أصل الحياة المادّية، كذلك الهداية الإلهية هي أصل الحياة العُليا السعيدة.
المعاني الأربعة للتأويل:
ويتلخّص الكلام في حقيقة التأويل أنّه يُستعمل في موردَين:
الأوَّل: في توجيه المتشابه، سواء أكان كلاماً متشابهاً، أمْ عملاً مثيراً للرَيب، والتأويل بهذا المعنى خاصّ بالآي المتشابه فحسب.
الثاني: في المعنى الثانويّ للكلام المعبَّر عنه بالبطْن، تجاه المعنى الأوّلي
____________________
(1) البقرة: 189.
(2) راجع تفسير شبّر: ص67 طبعة الكشميري.
(3) المُلك: 30.
(4) الزمر: 21.
(5) راجع تفسير الصافي: ج2، ص727.
المعبَّر عنه بالظَهْر، والتأويل بهذا المعنى عام لجميع آي القرآن؛ فإنّ للقرآن ظهْراً وبطْناً، وربَّما إلى سبعة بطون.
وقد تبيَّن أنَّ التأويل - بكِلا الاصطلاحين -: هو من قبيل المعنى والمفهوم الخافي عن ظاهر الكلام، وبحاجة إلى دلالة صريحة من خارج ذات اللفظ.
وقد شذَّ ابن تيمية فيما زعَم أنّ معرفة تأويل الشيء إنّما هو بمعرفة وجوده العَيني، قال: فإنّ للشيء وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان، والكلام لفظ له معنى في القلب ويُكتَب بالخطّ، فإذا عُرِف الكلام وتُصوِّر معناه في القلب وعُبِّر عنه باللسان، فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج، مثال ذلك: أنّ أهل الكتاب يعلمون ما في كتُبهم من صفة محمَّد (صلّى الله عليه وآله) وخَبَره ونعْته، وهذا هو معرفة الكلام ومعناه وتفسيره، وتأويل ذلك هو نفس محمّد (صلّى الله عليه وآله) المبعوث، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام، وكذلك إذا عرف الإنسان الحجَّ والمشاعر وفهْم معنى ذلك، ولا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها فتكون تأويل ما عرفه أوّلاً (1) .
وهكذا ذهب سيّدنا العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) إلى أنّ التأويل ليس من مداليل الألفاظ، وإنَّما هو عين خارجية، وهي الواقعية الَّتي جاء الكلام اللفظي تعبيراً عنها، قال: الحقُّ في تفسير التأويل أنَّه الحقيقة الواقعية الَّتي تستند إليها البيانات القرآنية من: تشريع، وموعظة، وحِكمة، وأنَّه موجود لجميع آي القرآن، وليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هي الأمور العينية المتعالية من أن تحيط بها شبَكات الألفاظ، وأنّ وراء ما نقرأه ونتعقّله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، والمتمثّل من المثال، وليس من سِنْخ الألفاظ ولا المعاني، وهو المعبَّر عنه بالكتاب الحكيم، وهذا بعينه هو التَّأويل، ومن ثمَّ لا يمسُّه إلاّ المطهَّرون، قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2) ، وقال: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (3) ، وقال: ( إنّا
____________________
(1) بنقل رشيد رضا في تفسير المنار: ج3، ص195 في تفسير سورة التوحيد.
(2) الواقعة: 77 و 79.
(3) البروج: 21 و22.
جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1).
فهذه الآيات تدلّ على أنَّ القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصيل، لكنَّه تعالى عنايَة بعباده جعلَه كتاباً مقروءاً وألبَسه لباس العربيَّة؛ لعلّهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله ومعرفته ما دام في أمّ الكتاب، قال تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (2) ، فالإحكام: هو كونه عند الله لا ثُلمة فيه ولا تفصيل، والتفصيل هو جعْله فصلاً فصلاً وآيةً آية، وتنزيله على النبي (صلّى الله عليه وآله) (3) .
* * *
ولعلَّ ما زعَمه ابن تيميَّة ناجم عن خلْط أمرِ المصداق بأمْر التأويل، إذ لم يُعهَد إطلاق اسم (التأويل) على الوجود العَيني، وإنّما يطلق عليه اسم (المصداق) حسب مصطلح الفنّ، فإنّ كلَّ لفظة لها مفهوم هو ما يتصوَّره الذهن من دلالة ذلك اللفظ، ولها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجاً، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوّريّ الذهني، ولها مصداق هو وجودها العينيّ الخارجي، ذو الآثار والخواصّ الطبيعية، ولم يُعهَد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفاحة أصلاً.
ومنشأ الاشتباه أخذُ التأويل من أصل اشتقاقه اللُغَوي بمعنى (مآل الأمْر)، أي ما يؤول إليه أمْر الشيء، كما في قوله تعالى: ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء ) (4) ، أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤول أمر هذا الدين، ويوشك أن يأتي اليوم الَّذي ينتظرونه، غير أنَّ الفرصة قد فاتتْهم ولات
____________________
(1) الزخرف: 3 و4.
(2) هود: 1.
(3) راجع الميزان: ج5، ص25 و 45 و49 و54 و55.
(4) الأعراف: 53.
الساعة ساعة مندم.
وأمّا تأويل الرؤيا، فمأخوذ من المعنى الثاني المتقدِّم؛ لأنّه معنى خفيّ باطن لا يعرفه سوى الذين أُوتوا العِلم، وقد استُعمل في تعبير الرؤيا في القرآن في ثمانية مواضع (1) ، واستُعمل بمعنى (مآل الأمر) في خمسة مواضع (2) ، وبمعنى (توجيه المتشابه) في أربع مواضع (3) ، أمّا استعماله بمعنى (البطْن) فقد جاء في الآثار - حسبما تقدَّم - وقد أُخذ منه تعبير الرؤيا كما نبَّهنا.
فهذه أربعة معانٍ للتأويل استُعملت في سبعة عشر موضعاً من القرآن، ولم يكن واحد منها بمعنى العين الخارجية إطلاقاً.
* * *
أمّا رأي سيِّدنا الطباطبائي فلا يعدو توجيهاً لطيفاً للمزعومة المتقدِّمة، وتبدو عليه مسْحة عرفانية غير مستندة، ومن ثمّ فهي غريبة شذّت عنه (قدّس سرّه)، وقبل أن نتكلَّم في وجه تفنيدها يجب أن نعرف أن ليس اللوح المحفوظ شيئاً ذا وجود بذاته، كوعاء أو لَوحة أو مكان خاصّ، مادّياً أو معنوياً، كلاّ، وإنّما هو كناية عن عِلمه تعالى الأزليّ الّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وهو المعبّر عنه بالكتاب المكنون وأُمّ الكتاب أيضاً، وغيرهما من تعابير لا تعني سوى عِلمه تعالى المكنون الّذي لا يطّلع عليه أحد إطلاقاً.
وبعد، فقوله تعالى: ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (4) ، لا يعني أنّ للقرآن وجوداً آخر في وعاء (أُمّ الكتاب)، وإنّما جاءت هذه الاستفادة الخاطئة من توهّم المكان من قوله: ( لَدَيْنَا ) ، بل المقصود: أنّ لهذا القرآن شأناً عظيماً عند
____________________
(1) يوسف: 6 و21 و36 و44 و45 و100 و101.
(2) النساء: 59، الأعراف: 53 (مكرّرة)، يونس: 39، الإسراء: 35.
(3) آل عمران: 7 (مكرّرة)، الكهف: 78 و82.
(4) الزخرف: 4.
الله في سابق عِلمه الأزليّ، والتعبير بأُمِّ الكتاب كان بمناسبة أنّ عِلمَه تعالى هو مصدر الكتاب وأصْله المتفرّع منه.
وقوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (1) ، يعني نفس هذا القرآن الّذي بأيدي الناس، فهو من كتابٍ مكنون، أي قُدِّر له البقاء في عِلمه تعالى الأزليّ، وجاء هذا المعنى صريحاً بتعبير آخر: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) ، وقوله: ( لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (3) ، يعني لا يدرِك كُنْهَ معناه ولا يبلغ الاهتداء به على الحقيقة، إلاّ الذين طُهِّرت نفوسهم عن الزَيغ والانحراف ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) (4) .
وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (5) أي قُدّر في عِلمه أنّه يبقى محفوظاً عن كيد الخائنين وتحريف المُبطلين، لا يمسّوه بسوء أبداً.
هذا، ولعلّنا أوجَزنا الكلام عن آياتٍ تمسّكوا بها في المقام؛ لأنّا أجَّلنا البحث عن دلائلها إلى مجال التفسير إن شاء الله.
* * *
ثمّ لنفرض أنّ وراء هذا القرآن الَّذي بأيدينا قرآناً آخر، ذا وجود مستقلٍّ فما هي الفائدة المتوخّاة من ذلك؟ وهل هناك مَن يعمل به؟ أو أنّه مذخور ليومٍ آخَر، كالطعام يُدَّخر لأيّام الجَدْب، أو المال يُكنَز ليوم الحاجة والافتقار؟! وأخيراً، فما الّذي دعا هؤلاء إلى تسمية ذلك القرآن المذخور - فرَضاً - تأويلاً ووجوداً عينيّاً لهذا القرآن الحاضر؟ وهل يصحّ - إذا كان للشيء وجودان، وجود مبذول ووجود محفوظ - أن يُطلَق على وجوده الآخَر عنوان التأويل لهذا الوجود؟!.
إنْ هذا إلاّ كلام منبعث عن ذوق عرفاني، بعيد عن مجالات الجدَل
____________________
(1) الواقعة: 77 و 79.
(2) الحجر: 9.
(3) الواقعة: 79.
(4) البقرة: 2.
(5) البروج: 21 و22.
والاستدلال، نعم، سوى استحسان عقلانيّ مجرَّد!.
هل يعلم التأويل إلاّ الله؟
هنا سؤال ذو جانبين، أحدهما عامّ: هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات؟ بل وعلى تأويل آي القرآن كلِّه؟ والثاني خاصّ: ماذا يستفاد من الآية ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) (1) بالذات؟ هل الواو للتشريك أو الاستئناف؟.
وللإجابة على الجانب الأوّل للسؤال نقول: لا شكَّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكَمات مشتمل على آيات متشابهات، ولا محالة يقصده أهل الأهواء والأطماع الفاسدة؛ سعياً وراء المتشابهات ابتغاء تأويلها وانحرافها إلى ما يلتئم وأهدافهم الباطلة، وقد جاء التصريح بذلك في نفس الآية: ( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ) (2) ؛ فلولا وجود علماء ربّانيّين في كلَّ عصْرٍ ومِصر ينفون عنه تأويل المبطلين - كما في الحديث الشريف (3) - لأصبح القرآن معرَضاً خصباً للشغَب والفساد في الدين، فيجب - بقاعدة اللطف - وجود علماء عارفين بتأويل المتشابهات على وجهها الصحيح؛ ليقفوا سدّاً منيعاً في وجه أهل الزَيغ والباطل دفاعاً عن الدين وعن تشويه آي الذِكر الحكيم.
وأيضاً لو كانت الآي المتشابهة ممّا لا يَعرف تأويلها إلاّ الله؛ لأصبح قِسط كبير من آي القرآن لا فائدة في تنزيلها سوى ترداد قراءتها، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ويلٌ لِمن لاكَها بين لحْيَيه ثمَّ لم يتدبَّرها)، وقال تعالى: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (4) .
____________________
(1) آل عمران: 7.
(2) آل عمران: 7.
(3) راجع سفينة البحار: ج1، ص55.
(4) ص 29.
ولنفرض أنّ الأمّة - عندما وقفَت على آية متشابهة - راجعت علماءها في فَهْم تلك الآية، فأبدَوا عجْزهم عن معرفتها، فذهبوا والعلماء معهم إلى أحد الأئمّة خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فكان الجواب: اختصاص عِلمها بالله تعالى، لكنَّهم لم يقتنعوا بهذا الجواب، فهبّوا جميعاً إلى حضرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ضارعين سائلين: ما تفسير آية أنزلها الله إليك لنتدبَّرها؟ فإذا النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يفترق عن آحاد أُمَّته في الجهْل بكتاب الله العزيز الحميد!.
أوَ ليست الأُمم تسخَر من أُمّة عمَّها وعلماءها وأئمّتها ونبيَّها الجهْل بكتابها الذي هو أساس دينها مع الخلود؟!.
اللهمَّ إن هذا إلاّ زعْمٌ فاسد وحطٌّ من كرامة هذه الأُمّة المفضَّلة على سائر الأُمم بنبيِّها العظيم وكتابها الكريم.
أوَ ليس النبي (صلّى الله عليه وآله) هو الَّذي أرجعَ أُمَّته إلى القرآن إذا ما التبست عليهم الأمور كقِطع الليل المظلم (1) ؟ فبماذا يرجعون إذا التبس عليهم القرآن ذاته؟!.
وأخيراً، فإنّا لم نجد من علماء الأُمّة - منذ العهد الأوّل فإلى الآن - مَن توقَّف في تفسير آية قرآنيَّة بحجّة أنّها من المتشابهات لا يعلم تأويلها إلاّ الله، وهذه كتُب التفسير القديمة والحديثة طافحة بأقوال المفسِّرين في جميع آي القرآن بصورة عامَّة، سوى أنَّ أهل الظاهر يأخذون بظاهر المتشابه، أمّا أهل التمحيص والنظر فيتعمَّقون فيه ويستخرجون تأويله الصحيح، حسبما يوافقه العقل والنقْل الصريح.
قال الشيخ أبو علي الطبرسي: وممّا يؤيّد هذا القول - أي إنَّ الراسخين يعلمون التأويل - إنَّ الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرَهُم توقَّفوا على شيءٍ منه لم يفسِّروه، بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلاّ الله (2) .
وقال الإمام بدر الدين الزركشي: إنَّ الله لم يُنزل شيئاً من القرآن إلاّ لينتفع به عِباده، وليدلّ به على معنىً أراده، ولا يسوغ لأحد أن يقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم
____________________
(1) راجع الكافي الشريف: ج2، ص599.
(2) مجمع البيان: ج2، ص410.
يعلمْ المتشابه.
فإذا جاز أن يعرفه الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع قوله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ ) ، جاز أن يعرفه الربّانيون من صحابته، والمفسِّرون من أُمَّته، ألا ترى أنّ ابن عبّاس كان يقول: أنا مِن الراسخين في العِلم. ولو لم يكن للراسخين في العِلم حظّ من المتشابه إلاّ أن يقولوا: (آمَنّا)، لم يكن لهم فضْل على الجاهل؛ لأنّ الكلّ قائلون ذلك.
قال: ونحن لم نرَ المفسِّرين إلى هذه الغاية توقَّفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلم تأويله إلاّ الله، بل أمَرُّوه على التفسير حتّى فسَّروا الحروف المقطَّعة (1) .
ماذا يُستفاد من الآية بصورة خاصّة؟
أمّا بالنظر إلى ذات الآية فلعلّ دلالتها على التشريك واضحة، إذ من الضروري لزوم رعاية المناسبة القريبة بين عنوان (المسنَد إليه) وفحوى مدلول (المسنَد)، وذلك فيما إذا تعنْوَنَ المسنَد إليه بوصْفٍ خاصّ، فإنّه يجب حينذاك من مراعاة ما بين هذه الصفة، والحُكم المترتِّب على ذي الصفة من علاقة سببية أو شِبهها، وهي الَّتي لاحظَها علماء الفنّ فيما أُثِر منهم: (مناسبة الحُكم والموضوع)، وهذا كقولنا: (العلماء باقون ما بقي الدَّهر) ، حيث كانت صفة العلم وآثاره البنّاءة هي الَّتي تستدعي الخلود للعلماء.
ومن ثمَّ قد يُستشمّ نوعيّة الخبر من نفس عنوان الموضوع، قبل أن ينطق بالمُخبَر به، كما في قول الشاعر:
إنَّ الَّذي سمَك السماء بنى لنا |
بيتاً دعائمه أعزُّ وأرفع |
فقد لمَسنا عظَمة المخبَر به ورِفْعة شأنه من عنوان (سامك السماء) الَّذي جاء في الموضوع.
____________________
(1) البرهان في علوم القرآن: ج2، ص 72 - 73.
وعليه: فعنوان (الراسخون في العلم) بنفسه يستدعي أن يكون المنسوب إليهم من جِنْس ما يتناسب والمعرفة الكاملة، أمّا الإيمان الأعمى فلا مناسبة بينه وبين الرسوخ في العلم.
وعليه فرعاية هذه المناسبة هي الَّتي تستدعي وجوب التشريك؛ ليكون الراسخون في العلم - أيضاً - عالِمين بتأويل المتشابهات.
شكوك واعتراضات:
واعتُرضَ بأنّ مقتضى التشريك هو: تساوي العلماء مع الله ولو في هذه الجهة الخاصَّة، وقد قال تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) .
وأُجيب بأنّ شرَف العِلم هو الَّذي رفعَها إلى هذه المنزلة المنيعة، كما في آية أُخرى: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ ) (2) .
واعتراض آخَر: ماذا تكون موقعية قوله: ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ... ) ، إذا ما اعتبَرنا (والراسخون) عطفاً على (إلاّ الله)؟
والجواب: إنّها جملة حالية موضعها النَصْب حالاً توضيحاً من الراسخين، قال الزمخشري: و(يقولون) كلام مستأنف موضّح لحال الراسخين (3) ، ومقصوده من الاستيناف: نفي رابطة الإسناد الخبَري بينه وبين الراسخين، وهكذا صرّح ابن قتيبة (4) ، وأبو البقاء العكبري (5) ، والشريف المرتضى (6) ، والزركشي (7) ، والعلاّمة الطبرسي (8) ، والشيخ محمَّد عبده (9)، وغيرهم من أقطاب العلم والأدب القدامى والمحدّثين.
____________________
(1) الشورى: 11.
(2) آل عمران: 18.
(3) الكشّاف: ج1، ص338 طبعة بيروت.
(4) تأويل مشكل القرآن، ص 72.
(5) إملاء ما مَنّ به الرحمان: ج1 ص124.
(6) أمالي الشريف المرتضى: ج1، ص431 - 442 المجلس 33.
(7) البرهان في علوم القرآن: ج2، ص73.
(8) مجمع البيان: ج2، ص410.
(9) تفسير المنار: ج3، ص167.
وللآية نظائر كثيرة في القرآن، وفي الشِعر القديم، جاء في سورة الحشر - في بيان مصرف الغنائم - قوله تعالى: ( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - إلى قوله - لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ - إلى قوله - وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ - إلى قوله - وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) (1) فجملة (يقولون...) كلام مستأنَف حال من (والَّذين جاؤوا...) المعطوف على ما قبله؛ للتشريك معهم في استحقاق غنائم دار الحرب.
وكذلك قوله تعالى: ( وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (2) فالمنصوب حال من (المَلك) المعطوف على (ربُّك).
وقال يزيد بن المفرغ الحميري - يهجو عبّاد بن زياد -:
أصرمتَ حَبْلك في أمامة |
مـن بعد أيام برامة |
|
فالريح تبكي شـجْوها |
والبـرق يلمع في غمامة (3) |
قوله: (والبرق) عطف على (فالريح) للتشريك معه في البكاء، و(يلمع) حال من المعطوف، أي ويبكي البَرْق أيضاً في حال كونه لامعاً.
إذاً فلا غَرْو أن تكون ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ... ) جملة حاليّة موضّحة لحال الراسخين، وسنذكر فائدة هذه الحال هنا.
واعتراض ثالث - هو أقوى حجَّة اعتمدها الإمام الرازي - قال: (إنَّ الله مدَح الراسخين في العلم بأنَّهم يقولون: آمنّا به، وقال في أوَّل سورة البقرة: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) (4)، فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالِمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل، لَمَا كان لهم في الإيمان به مَدح؛ لأنَّ كلَّ مَن عرفَ
____________________
(1) الحشر: 7 و 10.
(2) الفجر: 22.
(3) راجع الأغاني لأبي الفرج: ج17، ص112 طبع بيروت وص 55 طبع الساسي. وابن خلّكان، ج6، ص346 رقم 821. وغرر الفوائد للشريف المرتضى: ج1، ص440.
(4) البقرة: 26.
شيئاً على سبيل التَّفصيل، فإنّه لابدّ أن يؤمن به، إنَّما الراسخون في العلم هم الّذين علِموا بالدلائل القطعية أنّ الله تعالى عالمٌ بالمعلومات الَّتي لا نهاية لها، وعلموا أنَّ القرآن كلام الله تعالى، وعلموا أنَّه لا يتكلَّم بالباطل والعبَث، فإذا سمعوا آية ودلَّت الدلائل القطعية على أنَّه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراداً لله تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثمَّ فوّضوا تعيين ذلك المراد إلى عِلمه، وقطعوا بأنَّ ذلك المعنى - أيّ شيء كان - فهو الحقّ والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله، حيث لم يزعزعهم قطْعُهم بترْك الظاهر، ولا عدم عِلمهم بالمراد على التعيين، عن الإيمان بالله والجزم بصحَّة القرآن) (1) .
قلت: ليس كلّ مَن عرَف الحقّ اعترف به وأذعنَ له، قال تعالى: ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ) (2) ، هذا، والمدح على الإيمان عن بصيرة أَولى من المدح على إيمانٍ أعمى.
قال الإمام البيضاوي: مدحَ الراسخين في العلم بجَودة الذهن وحُسن النظر، وإشارة إلى ما استعدّوا للاهتداء به إلى تأويله، وهو تجرّد العقل عن غواشي الحِسّ (3) .
والتقييد بالجملة الحالية هنا جاء للإشارة إلى نكتة دقيقة هي: أنّ المتشابه متشابه على كلٍّ من العالِم والجاهل جميعاً، سوى أنّ العالِم بفضل عِلمه بمقام حِكمته تعالى يجعل من المتشابه موضع تأمّله ودقيق نظره؛ وبذلك يتوصّل إلى معرفة تأويله الصحيح في نهاية المطاف.
توضيح ذلك: إنّ الناس تجاه المتشابه ثلاث فِرَق: فِرقة تستريح إلى ظاهره، وهم غالبية العامَّة ممّن لا معرفة له بأُصول معارف الإسلام الجليلة. وفِرقة تعمَد إلى المتشابه عن قصد التمويه؛ لغرض تأويله إلى أهداف باطلة ذريعة إلى تشويه الحقيقة، وهُم أهل الزَيغ والانحراف ممَّن يبغي الفساد بين العباد. وفِرقة ثالثة - هم
____________________
(1) التفسير الكبير: ج7، ص177.
(2) النحل: 83.
(3) أنوار التنزيل: ج2، ص5.
الراسخون في العلم المؤمنون حقّاً - يقِفون عند المتشابه يتأمّلونه بدقيق النظر - ولسان حالهم: أنّ هذا المتشابه - كأخيه المحكَم - صادر عن مقام الحكمة تعالى وتقدَّس، فلابدّ أنّ وراء ظاهره المتشابه حقيقة راهنة تكون هي المقصودة بالذّات، وهذه الفكرة عن المتشابه هي الَّتي تدعو المؤمنين حقّاً الراسخين في العلم إلى البحث والتحقيق عن تخريجه الصحيح.
والباحث الصادق أمام المتشابه لا يضطرب اضطراب الجاهل، الذي وضَع إيمانه على حَرْف ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ) (1) ، ولا يتروَّغ مراوغة المعاند الغاشم؛ ليجعل من المتشابه ذريعة للعَيث والفساد في الأرض ( أَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ) (2) .
وإنّما يقف عنده وقْفة المتأمّل الفاحص عن جليّ الأمر، ولا شكّ أنَّه سوف يحتضن مطلوبه بفضل استقامته وثباته على إيمانه الصادق، وقد جرت سُنَّة الله في خلْقه أنّ: مَن جدَّ وجَد ومَن لجَّ وَلج، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .
والخلاصة: إنَّ الراسخين في العلم - بفضْل ثَباتهم على العقيدة الصادقة - سوف يهتدون إلى معرفة تأويل المتشابه كما أراده الله، ويكون قولهم: ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) ؛ تمهيداً لطلب الحقيقة، ونقطة باعثة نحوَ البحث عن طريق التحقيق والفحْص.
وهكذا قال الشيخ محمّد عبده: وأمّا دلالة قولهم ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) على التسليم المحْض، فهو لا ينافي العلم، فإنّهم إنّما سلَّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم؛ لعِلمهم باتّفاقه مع المحكَم، فهُم لرسوخهم في العلم ووقوفهم
____________________
(1) الحجّ: 11.
(2) آل عمران: 7.
(3) العنكبوت: 69.
على حقِّ اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون، بل يؤمنون بهذا وبذاك على حدٍّ سواء؛ لأنَّ كُلاًّ منهما من عند الله ربّنا، ولا غَرْو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومَن اطّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري، فهو يعرف الحقّ بذاته، ويرجع كلّ قول إليه، قائلاً: ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) (1) .
بقي هنا شيء وهو: أنّ الإمام الرازي - تأكيداً لاختياره الاختصاص - استمدّ بالأدب الرفيع! وقال: إنّ العطف بعيد عن ذوق الفصاحة، ولو أُريد العطف لكان الأَولى أن يقال: وهم يقولون آمنّا به، أو يقال: ويقولون آمنّا به (2) .
ووافَقه على هذا الذوق الأدبي سيّدنا العلاّمة الطباطبائي! قائلاً: (وظاهر الحصْر كون العِلم بالتأويل مقصوراً عليه تعالى، وظاهر الكلام أنّ الواو في (والراسخون) للاستيناف؛ لكونه طرفاً للترديد الواقع في صدر الآية ( فَأَمَّا الَّذِينَ.. ) ، ولو كان للعطف الدالّ على التشريك؛ لكان من أفضل الراسخين حينذاك هو الرسول الأعظم، فكان من حقّه أن يُفرَد بالذِكر؛ تشريفاً بمقامه كما في قوله تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (3)، وقوله: ( ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (4) ، وقوله: ( وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ) (5).
قلت: إن كنّا نرى لهذين العَلَمين منزلتهما الشامخة في مجال الحِكمة والعلوم العقليّة، فإنّ ذلك - بنفس المرتبة - أبعدَهما عن عالَم الأدب اللَسِني والعلوم النقلية، لاسيّما وأنّهما لم يذكرا سبب تلك الاستذاقة الغريبة! وقد أسلفنا نقل كلام أئمّة الأدب في ترجيح العطف على الاستيناف (6) .
هذا، وقد ذهب عن الإمام الرازي أنّ الجملة الحالية إذا صُدِّرت بالفعل المضارع يجب تجريدها عن الواو البتَّة، قال ابن مالك في باب الحال من ألفيَّته في
____________________
(1) تفسير المنار: ج3، ص167.
(2) التفسير الكبير: ج7، ص177.
(3) البقرة: 285.
(4) التوبة: 26.
(5) آل عمران: 68.
(6) تقدّم في صفحة: 468.
النحْو:
حَوَت ضميراً ومن الواو خَلت |
وذات بدْء بمضارع ثَبت |
كما ذهب عن سيِّدنا الطباطبائي أنّ في القرآن كثيراً من عمومات تشمل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يقيناً، ولم يُفرَد بالذِكر، منها قوله تعالى: ( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ ) (1) ، وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) (2) ، وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) (3) ، وقوله: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) (4) وغيرهنّ من آيات كثيرة جدّاً.
مزعومةُ المنكِرين:
نَسَب جلال الدين السيوطي القول باختصاص معرفة التأويل به تعالى إلى أكثرية السلَف خصوصاً أهل السُنَّة، قال: وأمّا الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم - خصوصاً أهل السنَّة - فذهبوا إلى الثاني، أي القول بأنّ التأويل لا يعلمه إلاّ الله (5) .
وأظنُّه مُبالِغاً في هذه النِسبة، ولاسيّما بعد مراجعتنا لأقوال السلَف اتَّضح عدم صحَّة النسبة، قال ابن تيمية: قول القائل: إنّ أكثر السلَف على أنَّ التأويل لا يعلمه إلاّ الله قول بلا عِلم (6)؛ فإنَّه لم يثبت عن أحد من الصحابة أنّه قال: إنَّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، بل الثابت عن الصحابة أنَّ المتشابه يعلَمُه الراسخون.
وقال - قبل ذلك -: إنّ السلَف قد قال كثير منهم: إنَّهم يعلمون تأويله، منهم:
____________________
(1) آل عمران: 18.
(2) فصّلت: 30.
(3) الحجّ: 38.
(4) فاطر: 28.
(5) الإتقان: ج2، ص3 الطبعة الأُولى، وص5 - 6 الطبعة الثانية.
(6) ويلٌ لِمَن كفَّره نمرود.
مجاهد مع جلالة قدْره، والربيع بن أنس، ومحمّد بن جعفر بن الزبير، وابن عبّاس،... وقد تكلَّم أحمد بن حنبل في تأويل كثير من آيات متشابهة إلى أن يقول: وهذا القول اختيار كثير من أهل السُنّة، منهم: ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي (1) .
وقال أبو جعفر الطبري: إنّ جميع ما أنزل الله من آي القرآن على رسوله (صلّى الله عليه وآله)، فإنَّما أنزله عليه بياناً له ولأُمَّته وهدىً للعالَمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة، ثمَّ لا يكون لهم إلى عِلمِ تأويله سبيل (2).
وقال مجاهد: عرضتُ المصحف على ابن عبّاس من أوَّله إلى آخِره، أُوقِفُه عند كلٍّ آية وأسأله عنها، وكان يقول: أنا من الراسخين في العلم الَّذين يعلمون تأويله (3) .
وقال الراغب - في مقدَّمة تفسيره -: وذهب عامّة المتكلّمين إلى أنَّ كلَّ القرآن يجب أن يكون معلوماً؛ وإلاّ لأدّى إلى إبطال فائدة الانتفاع به، وحملوا قوله: ( وَالرَّاسِخُونَ ) بالعطف على قوله: ( إِلاَّ اللّهُ ) وقوله: ( يَقُولُونَ ) جملة حالية (4) .
وذهب أبو الحسن الأشعري - شيخ الأشاعرة - إلى وجوب الوقْف على ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ؛ لأنّهم تأويل المتشابه. وقد أوضح هذا الرأي وانتصر له أبو إسحاق الشيرازي بقوله: ليس شيء استأثر الله بعِلمه، بل وقف العلماء عليه؛ لأنّ الله تعالى أورَد هذا مدحاً للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامّة (5) .
وفيما نقلنا هنا من أقوال الأعلام كفاية في تزييف ما نَسبه جلال الدين إلى السَلَف، ولعلّ الباحث يجد من أقوال الأئمَّة أكثر.
والعمدة: أنَّ منكري العطف استندوا إلى مزعومة مفضوحة، قالوا: لأنَّ
____________________
(1) بنقل تفسير المنار: ج3، ص174 - 175.
(2) جامع البيان للطبري: ج3، ص116.
(3) تفسير المنار: ج3، ص182.
(4) البرهان للزركشي: ج2، ص74.
(5) المباحث لصبحي الصالح: ص282.
المتشابه هو ما لم يكن لأحد إلى عِلمه سبيل، ممّا استأثر الله بعِلمه دون خلْقه، وذلك نحو الخبر عن وقْت مخرج عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك، فإنّ ذلك لا يعلمه أحد) (1) .
وقالوا في تفسير الآية: يعني جلّ ثناؤه بذلك: وما يعلم وقت قيام الساعة وانقضاء مُدّة أجَل محمّد وأُمّته، وما هو كائن، إلاّ الله، دون مَن سواه من البشر، الذين أمّلوا إدراك عِلم ذلك من قِبل الحساب والتنجيم والكهانة، وأمّا الراسخون في العلم فيقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا لا يعلمون ذلك، ولكن فضْل عِلمهم في ذلك على غيرهم: العِلم بأنّ الله هو العالِم بذلك دون مَن سواه من خلْقه (2) .
ولعلّ هؤلاء قد غشيَتهم غفلة، فذهب عنهم أنّ آية آل عمران تقصد تنويع آي القرآن إلى محكَمات ومتشابهات، وأنَّ المحكَمات هنّ مراجع الأمّة بالذات، أمّا الآيات المتشابهات فيَعمَد إلى تأويلها الباطل أهلُ الأهواء الفاسدة، ولا يعلم تأويلها الصحيح سوى الله والراسخين في العلم، هذا هو فحوى الآية الكريمة، الأمر الّذي لا يرتبط والأُمور السبعة التي استأثر الله بعِلمها من نحو: خروج الدجّال، ونزول المسيح، وطلوع الشمس من المغرب، إنَّها من أشراط الساعة، ولا مَساس لها بموضوع آية آل عمران، إنَّها غفلة غريبة لا ندري كيف خفيَ عليهم ذلك ولم يتنبَّهوا إلى هذا الفضح الواضح؟!.
مَن هُم الراسخون في العلم؟
الراسخون في العلم: هم مَن لمَسوا من المتشابه وجه التشابه فيه أوّلاً، ثمّ تمكّنوا من الوصول إلى وجه تخريجه الصحيح في نهاية الأمر؛ لأنَّ فَهْم السؤال نصف الجواب كما قيل.
____________________
(1) راجع جامع البيان للطبري: ج3، ص116.
(2) المصدر السابق: ص122. مجمع البيان: ج2، ص410. البيضاوي: ج2، ص5.
إذ الراسخون في العلم هم مَن عرفوا من قواعد الدين أُسُسها المتينة، ودرسوا من واقع الشريعة أُصول مبانيها الرصينة، ومن ثمّ إذا ما جوبهوا بما يخالفها في ظاهر اللفظ عرفوا أنّ له تأويلاً صحيحاً، يجب التوصّل إليه في ضوء تلكم المعارف الأوّلية، ومَن جدّ في طلب شيء وكان من أهله تحصَّله في نهاية المطاف، أمّا الجاهل الأعمى فلا يعرف من الدين شيئاً سوى ظواهره، من غير أن يميِّز بين مُحكَماته والمتشابهات.
والخلاصة: أنَّ العلماء الصادقين - بما أنَّهم واقفون على قواعد الشريعة وعارفون بموازين الشرع ومقاييسه الدقيقة - إذا ما عُرضَت عليهم متشابكات الأُمور، هم قادرون على استنباط حقائقها وعلى أوجه تخريجاتها الصحيحة.
ومن ثمَّ فإنَّهم يعلمون تأويل المتشابهات بفضْل رسوخهم في فَهْم حقيقة الدين بعناية ربّ العالمين ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (1) ، ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) (2) ، ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) (3) ، وقد قال تعالى: ( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً ) (4) ، أوَ ليس العلم بحقائق الشريعة البيضاء من الماء الغدَق أنّها شربة حياة العِلم، يُفيضها الإله تعالى على مَن يشاء من عباده المؤمنين، ويُطلِعهم على أسرار المُلك والملَكوت في العالمين.
وأوَّل الراسخين في العلم هو: رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال الإمام محمَّد بن عليّ الباقر (عليه السلام): (أفضل الراسخين في العلم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قد علِمَ جميع ما أنزلَ الله في القرآن من التنزيل والتأويل، وما كان الله ليُنزل عليه شيئاً لم يُعلِّمه تأويله) (5) ثُمَّ باب مدينة عِلمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين.
____________________
(1) العنكبوت: 99.
(2) مريم: 76.
(3) فصّلت: 30.
(4) الجنّ: 16.
(5) بحار الأنوار: ج92، ص78.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (إنَّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل، فعلّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً وعلّمنا، والله) (1) .
وهكذا استمرّ بين أظهر المسلمين عِبر العصور رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فثبتوا واستقاموا على الطريقة فسقاهم ربّهم ماءً غدَقاً، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يَحمل هذا الدين في كلّ قَرن عُدول ينفون عنه تأويل المبطلين) (2) .
وقد جاء التعبير عن علماء أهل الكتاب الربّانيّين بالراسخين في العلم ( لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ ) (3) ؛ دليلاً على أنّ العلماء العاملين - الّذين ساروا على منهج الدين القويم، وكَمُلَت معرفتهم بحقائق الشريعة الطاهرة - هم راسخون في العلم ويعلمون التأويل.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (نحن الراسخون في العلم، فنحن نعلم تأويله) (4) ، وعن ابن عبّاس تلميذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أنا ممَّن يعلم تأويله) (5) .
وفي وصيَّة النبي (صلّى الله عليه وآله): (فما اشتبه عليكم فاسألوا عنه أهل العلم يخبرونكم) (6) ، فلولا أنّ في أُمَّته علماء عارفين بتأويل المتشابهات؛ لَمَا أوصى (صلّى الله عليه وآله) بمراجعتهم في حلّ متشابكات الأُمور.
و ( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ) (7)، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
* * *
____________________
(1) مرآة الأنوار ص15.
(2) سفينة البحار: ج1، ص55.
(3) النساء: 162.
(4) تفسير البرهان للبحراني: ج1، ص271.
(5) الدر المنثور للسيوطي: ج2، ص7.
(6) آلاء الرحمان للبلاغي: ج1، ص258.
(7) الأعراف: 43.
الفهرس
مقدمة المؤلّف ..5
الوحي والقرآن 7
ظاهرةُ الوَحي 10
نزولُ القرآن 56
معرفةُ أسباب النزول 100
كُتّابُ الوحي 118
تاريخ القرآن 125
تأليفُ القرآن 128
توحيد المصاحف 170
القراءات في نشأتها وتطوّرها 220
حديثُ الأحرُف السبْعة 274
القراءات 287
القراءات بين الصحّة والشذوذ 326
مقارنة نموذجية بين قراءة حفص وقراءات تخالفها 383
الناسخُ والمنسوخ في القرآن 405
المُحكم والمُتشابه 421