بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة السادسة عشرة:
مسئولية الوالدين في تربية الطفل - الوفاء بالعهد
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) (1) .
الوفاء بالعهد من الصفات الحميدة التي تملك جذوراً فطرية في بناء الإنسان. إن الطفل من حين إدراكه معنى العهد والميثاق، يدرك لزوم الوفاء به أيضاً بفطرته. وعلى المربي القدير أن يستغل هذا الإلهام الطبيعي عند الطفل، وينمّي فيه هذه الموهبة الفطرية بحيث يجد في الوفاء بالعهد - من أولى أدوار طفولته - جزءً من سلوكه، ويجد في خلاف ذلك عملاً قبيحاً.
لقد اعتبر الوفاء بالعهد من علائم الإيمان في تعاليم الإسلام، وعليه فإن ركائز ذلك يجب أن تُصبّ من أولى أدوار الطفولة. وسيدور بحثنا في هذه المحاضرة حول هذا الموضوع، ذاكرين الأحاديث التي تتصل بالبحث في الأثناء. ولكن لما كانت تنشئة الطفل على الأخلاق الفاضلة والوفاء بالعهد تقع في الدرجة الأولى على عاتق القائمين بتربيته، فإن من الضروري أن نمهّد للموضوع بمقدّمة عن مسئولية الوالدين في هذا المجال.
ضمان معيشة الأطفال:
كلنا نعلم أن الأطفال تجب نفقتهم على آبائهم، فعلى الأب القادر أن يضمن لأطفاله ما يحتاجون إليه من غذاء ولباس ومسكن، وأن يهيِّئ لهم وسائل العيش
____________________
(1) سورة الإسراء: 34.
المناسب.
لقد احتلت إدارة معيشة الأطفال والحفاظ على سمعتهم وشخصيتهم منزلة سامية من اهتمام الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) إلى درجة أنه ورد في الحديث. أن رجلاً من الأنصار توفّي، وخلّف أطفالاً صغاراً، وكان قد صرف ما يملكه من أموال قبيل موته بقصد العبادة وجلب رضى الله مما أدى بأطفاله إلى أن يمدّوا يد العوز والحاجة يوم وفاته، وعندما بلغ هذا النبأ إلى النبي (ص )... قال لقومه: (ما صنعتم به؟) قالوا: دَفَنّاه. فقال: (أما إني لو علمته، ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام! تَركَ وُلده يتكفّفون الناس) (1) .
لا تنحصر مسئولية الآباء في إدارة المعيشة المادية للأطفال، بل إن عليهم أن يقوموا بتربيتهم تربية إيمانية صالحة، فإن تأديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما نَحَل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (2) . وعنه (عليه السلام): (لا ميراث كالأدب) (3) .
وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): (وأما حق ولدك، فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسئول عما ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عزََّ وجَلَّ، والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقَب على الإساءة إليه) (4) .
تربية الطفل فريضة دينية:
ليست تربية الأطفال تربية صحيحة واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة، وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه. لقد وجدنا في هذا
____________________
(1) قرب الإسناد ص 31.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|625.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 831 - ط. إيران.
(4) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 232.
الحديث أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرّح بمسئولية الأبوين في تربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يعرّض الآباء إلى العقاب.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (وتجب للولد على والده ثلاث خصال: اختياره لوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه) (1) . من هذا يفهم أن تأديب الولد حق واجب في عاتق أبيه.
وموقف رائع يبيّن فيه الإمام زين العابدين (عليه السلام) أهمية تأديب الأولاد، استمداده من الله (عَزَّ وجَلَّ) في قيامه بذلك: (وأعنِّي على تربيتهم وتأديبهم وبرَّهم) (2) .
ما أكثر الأمهات اللائي يعودن أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر، فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم.
وما أكثر الآباء المجرمين الذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية، ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم النافذة، وبذلك ينشأ الأطفال نشأة فاسدة... كما أن بعضهم يحملونهم على الإجرام بجسارة شديدة.
الأب الخائن:
قبل حوالي خمسة عشر عاماً، وفي وقت متأخر من الليل كنت واقفاً في موقف الباص منتظراً مجيء السيارة، وكان هناك عدة من الأشخاص واقفين في الموقف أيضاً. كان من بين الواقفين رجل أمسك بيده يد طفل لا يتجاوز السادسة
____________________
(1) تحف العقول ص 322.
(2) الصحيفة السجادية - دعاؤه لولده.
من عمره. كان الطفل في حالة غير اعتيادية، وأخيراً جلس على جانب الشارع واستفرغ، فسأل أحد الواقفين أباه ما هو المرض الذي أصيب به ابنك؟ فأجاب: إنه ليس مريضاً لقد اصطحبته الليلة إلى جلسة عند بعض الأصدقاء وهناك ناولته خمراً! أي خيانة أعظم من أن يأخذ أب ابنه الذي لا يتجاوز السادسة من عمره إلى مجلس للشراب، ويناوله خمراً فيجر عليه وسائل الشقاء؟! ألا يجب أن يعاقب هذا الأب؟! ألا يحق لهذا الطفل أن يلعن أباه المجرم؟! قال رسول الله (ص): (يا علي، لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما) (1) .
إن الآباء والأمهات المؤمنين والملتزمين بالتعاليم السماوية قادرون على أن يربّوا أطفالهم تربية لائقة وصحيحة، وأن يبذروا فيهم بذور الإيمان والاطمئنان إلى رحمة الله الواسعة.
(ليس عمل الأم كالرسم حيث يظهر مظاهر الجمال واللطافة على اللوحة، ولا يشبه النحت الذي يخرج من قطعة من الرخام تمثالاً. إنها ليست كالكاتب الذي يصب أفكاره المنزهة في قالب من الألفاظ، بل أنها موظفة على أن تظهر - بمعونة من الله - صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية).
(إن عبارة (بمعونة من الله) في النص المتقدم مهمة جدا ً، فإن الأم حين تحس بالعجز تشعر في الغالب بأنها في حاجة إلى الاستناد إلى قوة أعلى وأقدر من طاقتها الفردية).
(لقد جعل كوموله سو بحثه في كتابه يدور حول أمٍ تحمل بين جوانحها كثيراً من الواقعية. هذا الأستاذ القدير في التربية عندما كان يعد تقريراً لإلقائه في المؤتمر الرابع لشئون الزواج التقى بامرأة استطاعة بعد موت زوجها أن تربي أطفالها العشرة بموفقية تامة).
____________________
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 5|115.
تدور بين الأستاذ والمرأة عدة أسئلة وأجوبة. والمرأة تتحدث في أجوبتها عن الله والدعاء والإيمان، وتجد أن نجاحها في تربية أطفالها بصورة صحيحة يستند إلى ثرواتها الإيمانية والمعنوية وفي الختام يسأل الأستاذ:
(فماذا فعلت لأطفالك)؟
(لم أفعل شيئاً آخر... لقد عملت على اعتقاداتي النفسية، وعمل الله عليها).
(بهذه الصورة سلكت هذه المرأة طريق تكاملها في ظل قوة الإيمان والعقيدة، في حين أنه كان يساير هذا الموجود السالك نحو التعالي والتقدم، شخصية مربٍ فقير، مزوّد بالقوى والقابليات اللازمة للقيام بعبء مهمة خطيرة).
(لقد استطاعت هذه المرأة بسلوكها الممتاز أن ترقى إلى درجة الأشخاص الذين يعملون لإظهار صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية بمعونة الله) (1) .
في العصر الحديث... العصر الذي يوجه أكثر الناس اهتمامهم فيه إلى الشئون المادية، تعتبر تنمية المواهب الروحية التي هي أساس الفضيلة ورصيد السعادة الحقيقية ذات أهمية بالغة في نظر العلماء والمحققين. إنهم ينظرون إلى مثل هذه الأمور نظرة التكريم والتقدير.
تنمية الإيمان:
يجب على الآباء والأمهات أن ينتبهوا إلى مسئوليتهم الشرعية، ويهتموا بتنمية بذور الإيمان والأخلاق في نفوس أطفالهم. في الوقت الذي يضمنون لهم سلامة الجسم وقوة العقل وطلب العلم، عليهم أن يجعلوا منهم أفراداً مؤمنين مخلصين ومستقيمين في سلوكهم... وإن القيام بهذا الواجب المقدس لا يكون إلا في ظل استقامة الوالدين والمربي. إن تربية الطفل من المسائل الدينية والعلمية
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 18.
المهمة، وعلى الوالدين أن يستوعبا واجباتهما في تربيته ويطبقاها في مقام العمل حتى يصلا إلى المستوى اللائق الذي يجلب الخير له ولهما.
يجب أن تخضع مسموعات الطفل ومبصراته التي ترد إلى مخه عن طريق العين والأذان لرقابة مضبوطة. إن كلمة بذئية، أو منظراً شاذاً، يكفي لأن ينحرف بالطفل عن الصراط المستقيم ويلوّث أذياله إلى الأبد.
(إن تقنية تعليم الأخلاق والعقائد تختلف كثيراً عن التعليم الفكري؛ ذلك إن معرفة الخير والشر، والقدرة على مِلك زمام النفس، وحب الجمال، والإيمان بالله يختلف كثيراً عن تعلّم اللغات أو التأريخ أو الحساب. هذا التعليم التطبيقي لأصول الحياة لا يمكن أن يحصل إلا في محيط تربوي خاص. كيف يمكن أيجاد محيط كهذا؟ إن هذا الأمر عسير جداً بالنسبة إلى الانحطاط الخلقي الذي نعيشه في عصرنا).
(إن انسجام البيئة الاجتماعية مع أساسيات التعليم والتربية يستلزم في المرحلة الأولى القيام بعملية تصفية واسعة النطاق، بحيث تعد الرقابة على الأفلام والإذاعة، وغلق كثير من محلات الرقص وشرب الخمر، والتغيير الجذري في عالم المطبوعات التي توضع تحت متناول الأطفال والشبان جزءً من تلك العملية).
(إن المعلمين والآباء والأمهات يحسنون الظن في الغالب ولكنهم - لجهلهم - يخطئون في الغالب. يجب أن يتعرف آباء المستقبل وأمهاته من جهة، ومعلمو الغد من جهة أخرى، من الآن على الأسلوب التربوي الصحي للطفل. إن تربية الأغنام والدواجن أسهل من تربية الأطفال بكثير، ومع ذلك فان الذي يريد أن يتخصص في تربية الدواجن لا بد أن يقضي فترة من الزمن في القرية أو المعهد الزراعي، ولا يوجد فرد عاقل يعد نفسه لهذا العمل بواسطة مطالعة المجلات أو قراءة كتاب في الحساب أو الفلسفة... ومع هذا فإننا نرى أن هذا العمل الجنوني ترتكبه الفتيات الشابات - أي أمهات. المستقبل - وفي الحين الذي يجهلن
كل شيء خارج المنهج الدراسي يقدمن على الحياة الزوجية).
(إن البناء الجسمي والروحي للمرأة والرجل ليس متماثلا وإن اتخاذ أسلوب تربوي واحد للأولاد والفتيات نظرية قديمة تافهة، وهي من مخلفات الفترة غير العلمية التي سبقت تاريخ البشرية) (1) .
لقد كان غرضنا من هذه المقدمة الموجزة أن نجلب انتباه الآباء والأمهات إلى مسئوليتهم الخطيرة في تربية الأطفال. وأملنا وطيد في أن يعمل الآباء بواجباتهم ويستمدوا العون من الله العلي القدير في القيام بتربية أطفالهم تربية صحيحة، فيجعلوا منهم أفراداً صالحين وأعضاء نافعين للمجتمع.
نقض العهد:
إن جميع أفراد البشر من أي أمة كانوا، وإلى أي عنصر انتموا يدركون بصورة فطرية ضرورة الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد. كل فرد يدرك أنه إذا تعاهد مع شخص آخر فهو ملزم بأن يفي به، فلو تخلف عنه كان قد ارتكب خطأ، ويحس في ضميره الباطن بالخجل والندم. وكذلك إذا كان قد تعاهد معه شخص فإنه ينتظر بصورة طبيعية أن يفي له بالوعد، فلو تخلف عن ذلك فإنه يحس بأن ذلك الشخص قد ارتكب فعلاً قبيحاً.
إن الطفل يدر بفطرته الطبيعية لزوم الوفاء بالعهد في الوقت الذي لا يدرك المائل العلمية والعقلية. وعندما يعده أبوه بأن يجلب له عند عودته إلى البيت شيئاً من وسائل اللعب، فإنه يتوقع بصورة طبيعية أن يفي أبوه بوعده ويطمئن إلى هذا التوقع الفطري. فما دام الأب لم يعد، يمني نفسه باللُعبة، وعندما يسمع الجرس يرن ويدخل الأب يتقدم لتناول لعبته، وينظر إلى يد أبيه، فإن لم يكن الأب قد وفى بوعده يتأذى الطفل، ويحس بأن حادثة على خلاف ما كان يتوقع قد وقعت... إن هذا العمل يعتبر سيئاً عند بقية الأطفال أيضاً.
____________________
(1) راه ورسم زندكى، تأليف: إلكسيس كارل ص 164.
لقد جاء الأنبياء ورسل السماء يؤكدون طوال القرون المتمادية حسن الوفاء بالعهد وقبح نقض الميثاق، وأخذوا يربون البشر على هذا الإدراك الفطري، ويغرسون بذور هذه السجية الفاضلة في نفوس الناس، فهذا العمل موافق للوجدان الأخلاقي الفطري من ناحية، ومنسجم مع الوجدان الأخلاقي التربوي من ناحية أخرى.
الوفاء بالعهد واجب:
لقد اعتبر الوفاء بالعهد بالعهد واجباً شرعياً في الإسلام على جميع المسلمين في مختلف الأمور الفردية والاجتماعية، وقد جاءت نصوص كثيرة تؤكد على هذا الموضوع، واليكم بعضاً منها:
1 - قال تعالى: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) (1) .
2 - وقال أيضاً: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) (2) .
3 - عن موسى بن جعفر عن آبائه، قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): لا دين لمَن لا عهد له) (3) .
4 - سمعت أبا عبد الله يقول: (عِدَة المؤمن أخاه نذرٌ لا كفّارة له) (4) .
5 - قال رسول الله (ص): (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفِ إذا وعد) (5) .
6 - وقال رسول الله (ص): (أقربكم مني غداً في الموقف أصدقكم في
____________________
(1) سورة المؤمنون: 8.
(2) سورة الإسراء: 34.
(3) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 16|144.
(4) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج 2|363.
(5) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج 2|364.
الحديث، وأدآكم للأمان، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس) (1) .
7 - وفي الحديث: (يجب على المؤمن الوفاء بالمواعيد والصدق فيها) (2) .
8 - قال علي (عليه السلام): (وفاءٌ بالذّمم زينة الكرم) (3) .
ولأجل أن لا يلوّث المسلم نفسه بذميمة نقض العهد عليه أن يقيس قدرته على الوفاء عندما يلتزم بشيء، فإن وجد نفسه عاجزاً عن القيام بعبء ما، عليه أن لا يتعهد به حتى لا يضطر إلى التخلف عنه. وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تعد ما تعجز عن الوفاء. لا تضمن ما لا تقدر على الوفاء به) (4) .
الحقوق الإسلامية والحقوق البشرية:
توجد في الإسلام مجموعة من القوانين والأنظمة التي تخص الأمة الإسلامية، فالمسلمون في العالم مكلفون بها وعليهم أن يطبقوها في العلاقات التي تقوم بينهم. لقد روعيت الحدود والحقوق العادلة بالنسبة إلى جميع الناس في تلك القوانين، بحيث يأمن المجتمع بتطبيقها جميع المشاكل والمآسي الناشئة من تجاوز البعض على حقوق الآخرين. هذه القوانين يمكن تسميتها بالحقوق الإسلامية.
في قبال هذه القوانين توجد مجموعة أخرى من الأحكام لا تخص المسلمين، بل إنها تمتاز بكونها عامة وشاملة، وعلى المسلمين أن يطبقوها حتى في العلاقات التي تقوم بينهم وبين بقية الأفراد الذين ينتمون إلى مذاهب وأديان أخرى. هذه الطائفة من الأحكام يمكن تسميتها بالحقوق البشرية (5) ، ومن جملتها قانون لزوم الوفاء
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي ج 2|60.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|85.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 780.
(4) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 801.
(5) يصطلح على الأحكام الإسلامية التي تنظم سلوك المسلمين تجاه غيرهم في المعاملات والمنازعات التي تقوم بينهم، باسم أحكام الذميين والمستأمنين. ولو نقلنا هذا التعبير إلى المصطلح =
بالعهد. فالمسلمون ليسوا مكلفين باحترام العهود والمواثيق فيما بينهم فقط، بل عليهم أن يراعوا مواثيقهم تجاه غير المسلمين من أي أمة كانوا، عليهم أن لا يتسامحوا في ذلك قيد شعرة ولا يتماهلوا في أدائها أبداً.
قال رسول الله (ص): (ثلاثة ليس لأحد فيهن رخصة: الوفاء لمسلم كان أو كافراً، وبر الوالدين مسلمين كانا أو كافرين، وأداء الأمانة لمسلم كان أو كافراً) (1) .
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برَّين كانا أو فاجرين) (2) .
العهد مع العدو:
في العهد الذي بعث به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى واليه على مصر - مالك الأشتر -: (وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمَّة، فَحُط عهدك بالوفاء، وارعَ ذمتك بالأمانة)؛ ويعلل ذلك بقوله (عليه السلام): (فانه ليس من فرائض الله شيء، الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود) (3) .
إن الإنسان يحب نفسه وما يعود عليه بالنفع قبل كل شيء، وبما أن الوقوف عند العهد والالتزام به قد يتصادم مع المصالح الشخصية والميول النفسية، فإنه يرغب في الخروج على ذلك والفرار من عبء الميثاق. وبالرغم من أن الأفراد يدركون بفطرتهم ضرورة الوفاء بالعهد ويتحدثون عن قيمة ذلك وأهميته، لكنهم في
____________________
القانوني لوجدنا اصطلاح (القانون الدولي الخاص) منطبقاً على هذه المجموعة من الأحكام. وفي قبال ذلك (القانون الدولي العام) الذي ينظم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى.
(1) مجموعة ورَّام ج2|121.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|162.
(3) نهج البلاغة، شرح محمد عبده ج3|117.
مقام العمل إذا وجدوا منفذاً أو قدرة تذرعوا بها لنقض مواثيقهم. يقول الإمام علي (عليه السلام): (الحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف) (1) .
في عصرنا الحاضر يتحدث القادة والزعماء عن العدالة والحرية، يملئون الإذاعات والصحف بالألفاظ الخلابة والعبارات الجذابة التي تحكي عن الحق والإنصاف. أما في مقام العمل، فغالباً ما يكون النافذ هو القوة والضغط، في حين أن الاهتمام بالحق والإنصاف أقل. يستغل الزعماء الأقوياء سلطاتهم في أيامٍ الحرب أو الأوقات الاعتيادية ويعتدون على حقوق الشعوب الضعيفة ويثبتون عملياً تخلّفهم عن عهودهم التي قطعوها على أنفسهم. أما الشعوب فلضعفها تغضي على الظلم والاضطهاد.
الوفاء بالعهد:
إن من أهم مميزات الرجال الإلهيين أنهم لا يسيئون استغلال سلطاتهم، ولا يتجاوزون على حقوق الآخرين مهما كانوا ضعفاء. في صدر الإسلام عندما كانت تزحف جحافل المسلمين لإعلاء راية الحق والحرية ودحض أساس الشرك والإلحاد، وعندما كان الفاتحون يفتحون المدن الكبيرة واحدة بعد الأخرى، كان شعارهم الوفاء بالعهود والمواثيق. كان الناس في ذلك العصر يدركون أنهم ملتزمون بهذه الخصلة الحميدة، وكانوا مطمئنين إلى عهود المسلمين تجاههم، واثقين إلى أن من المستحيل أن ينقضوا عهودهم مهما كانا يملكون قوة الخروج عليها.
إذا صدر أمان من قبل المسلمين في ساحة الحرب إلى العدو، كان الجيش الإسلامي مكلفاً برعاية ذلك الأمان والوقوف عنده. والأمر الذي يجلب الانتباه في هذا الصدد أنه لم يكن إصدار الأمان خاصاً بقائد الجيش، بل إن النظام العسكري في الإسلام يعطي الأمان إلى العدو تحريرياً أو شفوياً، وعند ذلك يجب على جميع الضباط والجنود أن يلتزموا بذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الموضوع.
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 672.
1 - عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا أومأ أحدٌ من المسلمين أو أشار إلى أحد من المشركين، فنزل على ذلك فهو في أمان) (1) .
2 - عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا أومأ أحد من المسلمين إلى أحد من أهل الحرب فهو أمان) (2) .
3 - عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) (3) .
أمان من جندي:
خرج فضيل بن زيد الرقاشي مع جنوده لمحاصرة قلعة تسمى بـ (سهرياج) في أيام عبد الله بن عامر بن كريز، وقد سار إلى فارس فافتتحها، وكان الجيش قد صمم على أن يفتح القلعة في يوم واحد، يقول فضيل في ذلك:
(... كنا قد ضمنّا أن نفتحها في يومنا، وقاتلنا أهلها ذات يوم فرجعنا إلى معسكرنا، وتخلّف عبد مملوك منا، فراطنوه، فكتب لهم أماناً ورمى به في سهم، قال: فرحنا إلى القتال وقد خرجوا من حصنهم وقالوا: هذا أمانكم).
لم يكن إعطاء الأمان من مسلم إلى الكفار بالأمر المستبعد في نظر الجيش، ولكنهم شكّوا في كون الأمان الصادر من العبد كالأمان الصادر من الحر...
(فكتبنا بذلك إلى عمر، فكتب إلينا: أن العبد المسلم من المسلمين، ذمته كذمتكم، فلينفذ أمانه... فأنفذناه) (4) .
إن الوفاء بالعهد واجب لا يمكن التخلف عنه في الشريعة الإسلامية المقدسة، سواء في الحرب والسلم، كان العهد مع مسلم أو كافر.
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2| 250.
(2) المصدر السابق ج2|250.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|250.
(4) معجم البلدان للحموي ج3|290.
للوفاء بالعهود والمواثيق اثر حاسم في جميع الشئون الداخلية والخارجية لكل دولة، وكلما روعيت هذه الخصلة الحميدة في الدولة وجرى الناس على الالتزام بعهودهم، ارتفع مستوى الحياة والتقدم عندهم وارتفعت مكانة الدولة بين الدول الأخرى.
الاتفاقيات الاقتصادية:
تشكل الاتفاقيات الاقتصادية والمواثيق المالية أحد الأركان المهمة للمجتمع في جميع دول العالم. ففي الدولة التي يعتبر أفرادها الوفاء بالعهد واجباً من واجباتهم الدينية والأخلاقية، ويهتمون بمراعاة ذلك اهتماماً بالغاً تجري الأمور المالية في تلك الدولة على أساس الثقة المبادلة وتنضبط المعاملات على أساس من الصحة والدقة، يدفع المدين دينه في الموعد المقرر ويسلم البائع البضاعة حسب ما اتفق عليه مع المشتري. وبصورة موجزة ينال الوفاء بالعهد احتراماً تاماً لدى الجميع وتلتزم جميع الطبقات بذلك. في مثل هذه الحالة يكون التعهد الناشىء من شرف النفس وفضيلة الأخلاق أغلى من أي سند رسمي، وأعظم من أي متاع نفيس.
سند العشرة آلاف درهم:
لقد حصل أحد موالي الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) الذين أعتقهم على ثروة لا بأس بها نتيجة لجهوده ونشاطه، وفي بعض الأيام أصيب الإمام (عليه السلام) بضائقة مالية شديدة، فطلب من مولاه الذي أعتقه يقرضه مبلغاً قدره عشرة آلاف درهم، يدفعه إليه عند الاستطاعة، فطلب من الإمام سنداً أو وثيقة. مدّ الإمام يده إلى طرف رداءه واستخرج هدبة (خيطاً) منه، وقال له: (خذ فهذه وثيقتي عندك إلى أن أردّ إليك مالك). لقد ثقل على المقرض أن يوافق على وثيقة كهذه، ولكنه للنظر إلى شخصية الإمام (عليه السلام) سلّم إليه المال وأخذ الهدبة ووضعها في علبة صغيرة. ثم صادف أن الإمام تيسرت أموره بعد فترة قصيرة فردّ المبلغ إلى صاحبه، (ثم قال له: (قد أحضرت مالك فهات وثيقتي). فقال له: جعلت فداك ضيّعتها. قال: إذا لا تأخذ مالك مني، ليس مثلي يُستخف بذمّته.
قال: فأخرج الرجل الحُق فإذا فيه الهدبة، فأعطاه علي بن الحسين (عليه السلام) الدراهم، وأخذ الهدبة فرمى بها وانصرف) (1) .
إن خيطاً من رداء لا قيمة له، ولكن عندما يكون الخيط رمزاً لتعهد صادر من شخص شريف، فإن قيمته ترتفع إلى أن يصبح وثيقة لدين عن عشرات الآلاف من الدراهم والدنانير، ويتقبّله الدائن بكل ثقة واطمئنان.
إن الوفاء بالعهد من صفات الله عزَّ وجلَّ، فالله يصرح بذلك في القرآن الكريم: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (2) . والإنسان الذي لا يخلف وعده يكون متصفاً بإحدى الصفات الإلهية، وهذا هو علامة لمرتبة من مراتب الكمال والفضيلة.
المتهم البريء:
ظهر بعد واقعة صفين حزب جديد باسم الخوارج، ضمّ رجالاً متهورين وجهلاء بحقيقة العلم والدين، قاموا بجرائم عظيمة طوال سنين طويلة. ولقد قامت السلطات الزمنية بمكافحة هذا الحزب بصور مختلفة. وفي زمن الحجاج الثقفي اتّهم جماعة بالانتماء إلى هذا الحزب، فأحضروا إلى مجلس الحجاج ليعاقبهم على ذلك، فتحقق عن وضع كل منهم وعيّن لكل عقوبته، وعندما وصل إلى آخر رجل منهم قام المؤذن للأذان معلناً دخول وقت الصلاة، فقام الحجاج وسلّم المتهم إلى أحد الحاضرين واسمه (عنبسة) وقال له: خذه معك إلى البيت وأحضره لي غداً حتى أقرر عقوبته، فنفّذ عنبسة الأمر وخرج معه من قصر الإمارة. وفي الطريق قال له المتهم: هل يرجى منك خير؟ فقال له عنسبة: حدثني بما تريد فلعلِّيَ أوفَّق لأعمل لك خيراً. فقال المتهم: والله لست خارجياٌ، لم أخرج على مسلم، ولم أشهر سيفي على أحد، وأنا بريء من هذه التهمة المنسوبة إلي، وبالرغم من أنهم قبضوا علي وأنا بريء فإن أملي برحمة الله العظيم وطيد، وأعلم أن فضله سيشملني ولا أعذّب
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 11|42.
(2) سورة الرعد|31.
من دون ذنب، ولكن أرجوك أن تسمح لي بالذهاب إلى أهلي هذه الليلة لأودعهم وأوصيهم بوصاياي واؤدي حقوق الناس وسأحضر عندك غداً صباحاً. يقول عنبسة: لقد استغربت من هذا الطلب الذي توجه به المتهم فلم أجبه، فكرّر عليّ السؤال، حتى أثر كلامه في نفسي، وخطر ببالي أن أتوكل على الله وأنزل عند رغبته فصممت على ذلك وقلت له: اذهب ولكن يجب أن تعاهدني على الرجوع غداً، فقال الرجل: عاهدتك على أن أحضر غداً صباحاً وأشهد الله على هذا العهد، ثم ذهب حتى غاب عن عيني. ولكن ما إن رجعت إلى نفسي حتى اضطربت اضطراباً شديداً، وندمت على ما فعلت، فقد عرّضت نفسي لغضب الحجاج من دون سبب، ولازمني الاضطراب حتى ذهابي إلى البيت فذكرت ذلك لأهلي فلاموني... ولكن لات حين لوم.
لم أنم تلك الليلة، كنت أتململ كالسليم، وأتقلّب كالثكلى، وعند الصباح وفى الرجل بعهده فتعجّبت من مجيئه وقلت له: لماذا حضرت؟ قال: من آمن بالله واعتقد قدرته وعظمته وعاهد على أمر وجعل الله شهيداً على عهده فلا يخلف عهده. فأخذته إلى قصر الإمارة في الساعة المقررة وذكرت للحجاج ما جرى بيني وبينه الليلة السابقة، فتعجب من إيمان الرجل ووفاءه بعهده، ثم قال لعنبسة: أتريد أن أعفو عنه لأجلك فقال: لو تتكرم عليّ بذلك فلك المنة العظيمة، فعفا الحجاج عن المتهم وأخرجه عنبسة من دار الإمارة وقال له بكل لطف ولين: اذهب فأنت حر.
فذهب الرجل دون أن يشكر لعنبسة جميل صنعه ويقابل إحسانه بالإحسان. فتألم عنبسة من هذه البرودة، وهذا التنكر للحق، وقال في نفسه: لعله مجنون.
وفي اليوم الثاني حدث ما لم يكن بالحسبان فقد حضر الرجل عند عنبسة وشكره على إنقاذه من الورطة التي وقع فيها. ثم قال له: إن المنقذ الحقيقي هو الله تعالى وكنت أنت الواسطة في ذلك. فلو كنت أشكرك بالأمس على إحسانك كنت قد أشركتك بالله في النعمة التي أنعم بها عليّ وهذا ليس بمستحسن، فرأيت من اللازم أن أذهب لأداء واجب الشكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً، ثم أحضر لتوجيه الشكر لك. ثم شكر لعنبسة جميل صنعه وإحسانه واعتذر منه كثيراً وانصرف (1) .
____________________
(1) جوامع الحكايات ج1|71.
أثر الوفاء بالعهد:
الوفاء بالعهد أحد الأركان المهمة للسعادة الإنسانيّة، الوفاء بالعهد أحد الفضائل الخلقية العالية للإنسان، الوفاء بالعهد قادر على أن يردع شخصاً سفاحاً مثل الحجاج عن إراقة دم شخص بريء.
الحياة على أساس الفضيلة:
في الدولة التي يلتزم الأفراد فيها بعهودهم ويقفون عندها تجري الأمور الاقتصادية والاجتماعية والعائلية على أساس صحيح... هناك تقوم الحياة على أساس الفضيلة الإنسانية. وعلى العكس، فإن المجتمع الذي يتّسم بتهرّب الأفراد فيه من عهودهم والإفلات عن تعهداتهم، من دون شعور بالمسئولية تجاها، تخرج الأمور عن مجراها الطبيعي وتحيط بهم المآسي والمشاكل بشتى صورها، وعند ذاك تقوم المحاكم القضائية والسلطات التنفيذية بمراقبة تنفيذ الالتزامات... الأخلاق والشعور بالمسئولية تخلي مكانها لقاعات المحاكم، وتتمثل المخالفات بصورة إضبارات مدنية وجنائية، وهكذا تستنزف الطاقات الإنسانية والمالية ويضطر المتنازعون إلى الرجوع إلى الوسائل التنفيذية من حجز وسجن وما شاكل ذلك.
يذكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر في العهد الذي بعث به إليه، أن احذر نقض العهود، ويقول في علة ذلك: (والخلف يوجب المقت عند الله والناس) (1) .
مما لا شك فيه أن نقض العهد يحطم شخصية الإنسان. ومهما كان الشخص الناقض للعهد عظيماً في المجتمع، ويمتاز باحترام الناس له وتقديرهم إياه، فإنه ينحط في أعين الناس على إثر نقضه للعهد. كل فرد يدرك بصورة طبيعية أن الشخص الناقض للعهد يرتكب عملاً قبيحاً... الفقير والغني، الكبير والصغير، كل الناس يرون أنّ لهم أن يلوموا الشخص الذي لا يلتزم بعهوده، وهذا يدلنا على أن الإنسان
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح محمد عبده ج3|120.
يدرك ضرورة الوفاء بالعهد بفطرته، ويرى أن التخلف عنه تخّلف عن قانون الفطرة.
تنمية الوفاء بالعهد عند الطفل:
لأجل أن يحيا الوفاء بالعهد في المجتمع، وتلتزم جميع الطبقات بهذا الواجب الإنساني، يجب أن تبذر بذور هذه الخصلة الحميدة في نفوس الأطفال من أولى أدوار الطفولة، ومن حين إدراكهم لمعنى (العهد). يجب أن يتلّقوا هذا الدرس القيم نظرياً وعملياً حتى يستقر في نفوسهم بصورة ملكه ثابتة مستقرة. يجب أن يربّى الأطفال بصورة يجدون معها الوفاء بالعهد من واجباتهم القطعية والضرورية، وليس فقط لا ينقضون عهودهم، بل ولا يسمحون لهذه الفكرة الفاسدة أن تمر بخواطرهم، وهذه التربية لا تحصل إلا في المحيط الطاهر والسليم الذي أعدّ للطفل. المحيط الذي لا يعرف نقض العهد والخداع.
إن الطفل يتخذ من كل كلام يسمعه أو عمل يشاهده، صالحاً كان أو فاسداً، قدوة له يجري عليها في حياته، وفي محيط الأسرة يخضع قبل كل شيء لسلوك الوالدين. ففي الأسرة التي يلتزم الأبوان فيه بعهودهما، ولا يخلفان مواعيدهما، ولا يخدعان الطفل... ينشأ الأطفال على هذه الفضائل الحميدة، ويلتزمون بعهودهم أيضاً. أما الأبوان اللذان يرتكبان الأفعال الفاسدة، فإن طفلهما يتأثر بأفعالهما وينشأ على تلك الأساليب المنحرفة.
(لأجل أن يكون الإطاعة لقوانين الحياة تامة، يجب أن تظهر (إن الشخص الذي اعتاد منذ بداية حياته على معرفة الخير والشر، يسهل عليه اختيار الفضيلة والاجتناب عن الرذيلة في جميع أيام عمره، وكما يبتعد عن النار يتجنّب الاقتراب من الرذائل. فنقض العهد والكذب والخيانة لا تعدّ أعمالاً قبيحة في نظره، بل تعدّ مستحيلة عنده، ولإيجاد ردود الفعل هذه في الفرد يجب توفر محيط يعني فيه بالفضائل عناية بالغة. إن الإنسان يميل - كالقرد - إلى التقليد بغريزته، ولكنه تقليد الشر أسهل من الخير. وهكذا يقتبس الطفل سلوك الأفراد الذين يعرفهم أو يسمع تاريخ حياتهم
أو يقرأه، ولهذا فإنه يتخذ من الأصدقاء والأساتذة، الأب والأم، وبصورة خاصة نجوم السينما، والشخصيات الحقيقية أو الخيالية التي يقرأها في المجلات والصحف... قدوة له في حياته. وكما يقول (فلتون) فإن الأطفال لو سلّموا في منزلق تقليدهم للغير إلى أفراد بعيدين عن الفضيلة، نشأت من ذلك نقائض كبيرة في سلوكهم. إن المربي الجيد هو الذي يعتقد بما يقول ويطبّقه على نفسه) (1) .
المدرسة الأولى للطفل:
تعتبر الأسرة بمثابة المدرسة الأولى للطفل وعلى الوالدين أن يهيِّآ الظروف المناسبة في محيط الأسرة. ولهذا فقد جاءت الروايات الإسلامية تؤكد على المسئولية العظمى للوالدين في تربية الأطفال، وتسدي لهما النصائح المفيدة في هذا المجال لقد تحدّث الإسلام عن كل خصلة من الخصال الحميدة والملكات الفاضلة بصورة مستقلة، ومن ذلك الوفاء بالعهد:
1 - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (ص): (أحبوا الصبيان وارحموهم، وإذا وعدتموهم فوفّوا لهم، فإنهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم) (2) .
2 - عن كليب الصيداوي قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): (إذا وعدتم الصبيان فوفوا لهم، فإنهم يرون أنكم الذين ترزقونهم. إن الله عَزَّ وجَلَّ ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان) (3) .
____________________
(1) راه ورسم زندكى ص 162.
(2) الوسائل للحر العاملي ج5|126.
(3) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|50.
3 - عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز) (1) .
4 - عن علي (عليه السلام)، قال: (لا يصلح الكذب جدُُّ ولا هزل، ولا أن يَعِد أحدكم صبيه ثم لا يفي له) (2) .
تنمية الفطريات عند الطفل:
إن الفطريات الأولية للإنسان تشكل الثروات التي أودعها الخالق العظيم لضمان سعادة الإنسانية في نفس كل طفل وخلقه مع تلك الثروات. فإن جوبهت الفطريات عند الطفل بالتنمية الصحيحة والحماية العلمية وخرجت من عالم القوة إلى حيّز الفعل كانت الأساس لسعادته، وبقيت الضمان الحقيقي لرقيه طيلة أيام حياته. وعلى العكس لو أهمل المربي قيمة الفطريات ولم يعتن بها، بل قام بتربية الطفل طبقاً للأساليب الخاطئة، فإنه يتطبّع على الانحراف والفساد ويفقد ثرواته الفطرية بالتدريج، ويكون في النهاية عضواً فاسداً في المجتمع.
ومن الفطريات عند الإنسان إدراك لزوم الوفاء بالعهد. وكما أن حب الذات، والغريزة الجنسية، والحاجة إلى الغذاء والمأوى... من المقومات الضرورية للحياة، خلقها الله تعالى بصورة غرائز في طبيعة الإنسان فإن الوفاء بالعهد من المقومات الضرورية لسعادة المجتمع، وقد جعل الله تعالى إدراك حسنه وضرورته في باطن كل إنسان.
الإدراك الفطري للوفاء بالعهد بذرة غرسها الله تعالى في تربة قلب الطفل، والأساليب التربوية الصحيحة التي يستخدمها الوالدان بمنزلة سقي تلك البذرة لإنباتها. فإن لم يُخدع الطفل في العهود والمواعيد التي تمنح إياه، فإن هذه البذرة الفطرية تضرب بجذورها في قلبه، ويلتزم بعهوده فينشأ إنساناً وفياً دون أن يفكر في نقض العهد. أما إذا كان الوالدان ينقضان عهودهما، ويخدعان الطفل، يعدانه ثم
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|232.
لا يفيان له، أو يلتزمان أمامه لشخص آخر بشيء ثم لا ينفذان ما التزما به، فإن الطفل ينشأ نقاضاً للعهود وخداعاً، لا يشعر بمسئولية تجاه وعوده. إن الوالدين الناقضين لعهودهما يلقّنان الطفل بسلوكهما المنحرف درس الخروج عن العهد والتخلّف عنه، ويعلّمانه أن الإنسان يستطيع أن يكذب، أن يخدع الناس، أن ينقض العهد.
(لاحظوا أننا عندما نعجز عن تهدئة الطفل وإسكاته بالطرق الاعتيادية والطبيعية نلجأ إلى الخديعة، نتشبث بالوعود الزائفة، ونركن إلى التهديد والتوعيد. ما أكثر الأمهات اللائي يعجزن عن إسكات أطفالهن عندما يردن الخروج من البيت فيعمدان إلى أن يعدنهم بشراء بعض الفواكه أو الدمى عند العودة، بينما يراهن الأطفال عند عودتهن إلى البيت صفرات اليد. ما أكثر الأمهات للائي يكذبن على الطفل عندما يردن أن يناولنه دواء مراً فيقلن له: إنه حلو. هذه الأمثلة كثيرة إلى درجة أننا نتمكن - مع الأسف - أن نملأ الصحائف الطوال عن هذا الموضوع، كثيراً ما نعد الأطفال المساكين بوعود زائفة بحيث يمكن ذكر آلاف الأمثلة بهذا الصدد).
(السيارة مستعدة، والأب يريد أن يرجع من المصيف إلى المدينة، في اللحظة التي يريد الركوب يركض طفله الصغير نحوه ويرجوه أن يصحبه معه إلى المدينة يصر كثيراً، ويلح، وبما أنه لم يعوّد أن يرى في (كلا) جواباً قطعياً لا يقبل النقض لا يكف عن الإلحاح، عندما يحس الأب أن صرف الطفل عن فكرته هذه ليس بالأمر اليسير يلجأ إلى الطريقة التالية: يقول له: عزيزي، لا يمكن أن أصحبك معي إلى المدينة بهذه الصورة، اذهب والبس ملابسه الأنيقة، يذهب الطفل وملؤه اعتماد على أبيه لتبديل ملابسه، ولكنه
عندما يعود لا يجد في نهاية الشارع غير الغبار المتصاعد وراء سيارة أبيه. ينظر إلى هذه الحيلة، يستمر في مكانه، يجزع يصيح: إنك خدّاع كذاب. إنه يصدق فقد كذب عليه أبوه، وإن فرصة تعوّده على الكذب حتمية) (1) .
في جميع الدول الغريبة والشرقية في العالم آباء وأمهات كثيرون غافلون عن التربية الصحيحة لأطفالهم، يلوثونهم - عن علم أو جهل - بالصفات الذميمية. فالآباء والأمهات الذين يكذبون وينقضون عهدوهم، ويخدعون أطفالهم، ولا يفون بوعودهم تجاههم، يعلّمونهم دروس الانحراف، ويجرمون في حقهم وحق المجتمع الذي يقوم عليهم.
إن قلب الطفل كعدسة تصوير، يلتقط الصور المختلفة من أفعال والديه وأقوالهما، وتعتبر مشاهداته ومسموعاته في دور الطفولة منهاجاً لحياته المقبلة، وهكذا يجب أن نهتم بالتعاليم الصالحة وغير الصالحة التي يتلقاها الطفل من والديه أو معلّميه، فقد يتأثر الطفل بمشاهدة عمل ما أو سماع كلام ما إلى درجة أنها تبعث أعمق الجذور في نفسه، ولا تزول آثار ذلك مدى الحياة، وربما أدت إلى قلب مجرى الحياة بصورة تامة.
التهم الباطلة:
يركن بعض الزعماء في نشاطاتهم السياسية، وفي الحرب الباردة التي يشنونها ضد رقبائهم إلى أسلوب الدجل والافتراء وإلصاق التهم الباطلة بمعارضيهم. ومما يؤسف له أن هذا الأسلوب المنحرف كان موجوداً في العصور السابقة وعصرنا هذا، وقد وقعت فيه الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، قليلاً أو كثيراً.
لقد أقدم على هذا الأسلوب المنحرف معاوية بن أبي سفيان، بغية الحفاظ على
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص67.
كرسي الخلافة الإسلامية لبضعة أيام، ولغرض الوصول إلى الإمارة على الناس... فأخذ يلصق التهم الباطلة بالمثل الأعلى للإيمان والإنسانية علي بن أبي طالب (عليه السلام).
لقد سحق معاوية الأصول الإنسانية والإسلامية، واتهم علياً بترك الفرائض والانحراف عن الطريق المستقيم، وصرف في سبيل ذلك قسطاً عظيماً من بيت مال المسلمين. أمر جميع الموظفين والعسكريين أن يشتموا علياً في خطبهم بعد حمد الله والثناء على نبيه. الخطباء على منابرهم، والمعلمون في مدارسهم. وأكثر الناس في أنديتهم ومجالسهم أخذوا يعتبرون سبَّ عليٍّ من واجباتهم اليومية، وكانت هذه الخطة المشئومة قدوة لجميع الرعية.
كان في أرجاء الدولة رجال شرفاء ومؤمنون يعرفون علياً حق المعرفة وكانوا على علم واسع بمكائد معاوية وأساليبه في الدعاية، ولكنهم كانوا يفضلون السكوت خوفاً على أرواحهم من أن تزهق، وعلى دمائهم أن تراق. وإذا صادف أن صرّح بعضهم بما يحمله من شعور تجاه ذلك الإمام العظيم في بعض الظروف والمناسبات، فقد كان يلاقي مصيره الأسود على يد معاوية أو جلاوزته! (1) .
هذه البدعة الخائنة كانت قد بعثت بجذورها في قلوب مختلف الطبقات إلى درجة أنها ظلت عالقة بأذيال الناس حتى بعد موت معاوية بسنوات طوال، فقد كان سبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) متمثَّلاً بصورة واجب ديني عندهم.
وعندما تولّى عمر بن عبد العزيز زمام الأمر، وجلس على كرسي الخلافة، قام بكل عزم وقوة لاقتلاع جذور هذه الوصمة التاريخية الكبيرة، فبدأ - بأسلوب حكيم - يجلب شعور وزرائه وقواده الكبار إلى جانبه وتحمل في سبيل ذلك صعوبة بالغة، ثم أمر جميع ولاته على الأمصار بأن يقاوموا كل حركة تحاول أن تذكر الإمام
____________________
(1) في التاريخ شواهد ناصعة على الصراحة التي اتبعها ثلة من المؤمنين بحقيقة الإسلام بالنسبة إلى تفنيد التهم الباطلة التي كان يلصقها أعداؤه إلى أعظم قائد من قادة المسلمين، وأول إمام من أئمتهم. إن فات المؤرِّخين حصرها، فلم يفتهم تدوين طرف من أخبار تلك الثلة الخيّرة أمثال: ميثم التمّار وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ورشيد الهَجَري وغيرهم.
علياً (عليه السلام) بسوء، وحثّهم على معاقبة من يخالف هذا الأمر. وتوفق بعد جهد طويل إلى استئصال جذور هذه الوصمة من أذيال المجتمع الإسلامي، وبهذا استطاع من أن يكسب شعبية منقطعة النظير، واستمرت الندوات والمجالس تذكره بخير وتمجّد فعلته تلك.
تأثير كلام المعلم:
هذا الكفاح المقدس الذي غير وجه الأمة الإسلامية، وحول مجرى السياسة العامة للدولة آنذاك، كان مستنداً إلى عزم الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو نفسه يعزو السبب في ذلك إلى أيام طفولته، وإلى كلمة سمعها من أستاذه. والآن إليكم القضية كما يحكيها لنا بنفسه:
(كنت بالمدينة أتعلم العلم، وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوماً وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه. فلما فرغ من صلاته، التفت إلي فقال لي:
ـ متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟
ـ قلت لم أسمع ذلك!
ـ قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟!
ـ فقلت: معذرة إلى الله وإليك. وتركت ما كنت عليه) (1) .
الحوار الذي جرى بين الأستاذ والتلميذ في المدينة كان قصيراً جداً، ولم يكن أحد منهما يتصور أن هذه الجمل ستكون منشأ لانقلاب عظيم في الأمة الإسلامية.
____________________
(1) الكامل لأبن الاثيرج 5/17.
ولكن كلام الأستاذ في ذلك اليوم أثر في قلب الطفل تأثيراً بالغاً... ومرت الأعوام وإذا بالطفل يشب ويصبح في عداد الرجال البارزين في المجتمع، ثم تقع الحوادث المفاجئة وتحدث تحولات عظيمة في الدولة، ويجلس طفل الأمس على كرسي الخلافة ويأخذ بزمام الملايين من الناس!
كان كلام المعلم بمنزلة البذرة التي بُذرت في قلب الطفل آنذاك، ثم جاءت عوامل الرئاسة والسلطة فعملت على تنمية تلك البذرة، وأخيراً ظهرت بصورة حقل كبير للسعادة، واستفاد ملايين الناس من ذلك وتخلصوا من البدعة الجائرة المتمثلة في سب علي بن أبي طالب (عليه السلام).
يستفاد من هذه القضية وقضايا مماثلة لها أن الواردات الفكرية للأطفال تمثل المنهاج العام لحياتهم الاجتماعية، وإن الخواطر الصالحة أو الفاسدة التي تستقر في ذهن الطفل لا تمحى، بل تظهر آثارها الخيّرة أو الشريرة في دور الشباب.
يجب على الآباء والأمهات أن يتنبهوا إلى المسئولية الخطيرة الملقاة على عواتقهم، ويحذروا من الكلام أو السلوك البذيء أمام الأطفال، ويربّوا أفلاذ أكبادهم منذ البداية على الطهارة والصدق، ويؤدّوا واجبهم الديني المقدس من هذا الطريق.
يجب على المعلمين والمدرسين أن يلتفتوا في الصف إلى ما يقولون ويفعلون، وعليهم أن يحذروا من كل ما يشين، فكما أن الكلمة الفاضلة والمناسبة التي صدرت من معلم لائق استطاعت أن تؤثر في نفس عمر بن عبد العزيز عندما كان طفلاً، وظهرت ثمار ذلك بعد عدة أعوام في إنقاذ ملايين الناس مما كان أصابهم من انحراف. كذلك الكلمة الشريرة تستطيع أن توجد انحرافاً في فكر الطفل وتؤدي إلى مآس عظيمة لا تجبر، له وللمجتمع الذي يعيش فيه.
المحاضرة السابعة عشرة:
تدريب الطفل على الصدق
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( ... وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً... ) (1) .
الصدق:
الصدق من الصفات الحميدة التي تنسجم والطبيعة الإنسانية. كل إنسان يميل بفطرته إلى الصدق، وإلى أن يعتبر الكلام الذي يسمعه من الآخرين صادقاً، فالكذب انحراف عن صراط الفطرة المستقيم.
إذا كسر طفل نافذة في أثناء اللعب ولم يصبه خوف شديد وارتباك زائد من جراء ذلك، فعندما يسأل: من الذي كسر النافذة؟ فإنه سيشرح الحادثة بكل هدوء واتزان، ويجيب على الأسئلة دون أي اضطراب ذاكراً كيف كسرت النافذة في أثناء اللعب. أما عندما يخاف الطفل، فإنه يحاول أن يستعين لإثبات براءته بالكذب، حينئذٍ يكون الوضع الشاذ للطفل واضحاً تماماً، فالحركات غير المتزنة للعين، واضطراب الهندام، وجفاف الفم، وسرعة النبض، والكلمات المتقطعة والغامضة... كل ذلك يدل على كذب الطفل وعمله المنافي للفطرة.
لقد جاء الأنبياء، والقسم الأهم من واجباتهم يتمثل في إحياء الفطريات عند الإنسان، يدعون الناس إلى الصدق، ويحذرونهم من الكذب بشدة. إن الإسلام يعتبر الكذب عاملاً هدَّاماً للإيمان، ويعده أفظع من كثير من المعاصي الكبيرة.
____________________
(1) سورة المنافقين | 1 - 2.
1 - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إن الكذب هو خراب الإيمان) (1) .
2 - قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لا يجد عبدٌ طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده) (2) .
3 - وعن الرسول الأعظم (ص): قال رجلٌ له (صلّى الله عليه وآله): المؤمن يزني؟ قال: (قد يكون ذلك). قال: المؤمن يسرق؟ قال: (قد يكون ذلك). قال: يا رسول الله، المؤمن يكذب؟ قال: (لا، قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) ) (3) .
4 - وعن الإمام الرضا (عليه السلام): (سئل رسول الله: يكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم. قيل: ويكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: ويكون كذَّاباً؟ قال: لا) (4) .
أسوأ من كل سوء:
5 - عن الإمام الصادق (عليه السلام): (قال أمير المؤمنين: ولا سوءة أسوأ من الكذب) (5) يفهم من هذا أنه مهما اشتد قبح الشيء فلا يبلغ قبح الكذب.
مما لا شك فيه أن الكذب مخالف للوجدان الأخلاقي الفطري، وكذلك مخالف للوجدان الأخلاقي التربوي. فالكذب قبيح في نظر جميع الشعوب والأمم في العالم، وفي تعاليم رسل السماء كافة.
ومما يبعث على الأسف أن هذا الداء الوبيل لا يختص بالكبار، بل إن الأطفال الصغار يقعون في أسر هذا المرض الهدام أيضاً، فيعتادون على الكذب من الصغر،
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|339.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|340.
(3) سفينة البحار للقمي ص 473. مادة (كذب).
(4) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|232.
(5) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
وقد يستأنسون بهذه الصفة الذميمة إلى درجة أنهم يتلذذون باختلاق كذبة، ويرتاحون كثيراً عندما يرون أن الغير قد خُدع بأكاذيبهم.
مفتاح الجرائم:
إن الكذب يقرّب الإنسان إلى سائر الذنوب فيقدم الكذّاب على المعاصي الأخر، وعندما يُسأل منه فإنه يكذّب ذلك بكل وقاحة ويظهر نفسه بمظهر البريء، ولكنه في الواقع جعل الكذب والخديعة ملجأ لفراره من الجرائم. عن أبي محمد العسكري (عليه السلام) قال: (حُطت الخبائث في بيت، وجُعل مفتاحه الكذب) (1) : (الكذب أحد النقائض التي لا يخفى قبحها، فإن الكذب هو الذي يجر وراءه سلسلة من الرذائل الأخر ويفتح باباً على الجرائم الباقية. إن عجزنا عن الوقاية من انتشار هذه الصفة، وضعفنا عن مقاومتها، جريمة لا تغتفر) (2) .
شرب الخمر والكذب:
إن شرب الخمر عامل كبير في ارتكاب الجرائم. ما أكثر الناس الذين لا يرتكبون بعض الذنوب في الحالات الاعتيادية، ولكنهم يفقدون عقولهم في حالة السكر، فلا يتورّعون عن القيام بأي جريمة خطيرة وأي عمل مناف للعفة (3) .
____________________
(1) المصدر السابق.
(2) ما وفرزندان ما ص 59.
(3) أحطت - وأنا أعدّ هذه المسودات للمطبعة - بحادثة أليمة رأيت من المناسب ذكرها هنا:
توفِّي أحد الأشراف في النجف الأشرف عن زوجة وولد وبنت، وكانت الزوجة ثرية قد ورثت مالاً عظيماً من أبيها، وبعد عدة سنين توفِّي ولدها الشاب وهو في مقتبل دراسته الجامعية، وبقيت الأم المسكينة تندب حظها العاثر، وخصت ابنتها الوحيدة بكل حبها وحنانها حتى إنها تنازلت عن جميع أملاكها لها =
إن أثر الظُلمة التي يوجدها الكذب في عقل الإنسان وروحه أشد بكثير من أثر الظلمة التي يوجدها شرب الخمر! فالشخص المعتاد على الكذب أشد استهتاراً من شارب الخمر ولا يتورع من أي جريمة. فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (إن الله عَزَّ وجَلَّ جعل للشر أقفالاً وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب) (1) .
وكما أن الكذب يلوّث الإنسان بكثير من الذنوب، فإن التوبة الحقيقية عنه تعصم الإنسان عن كثير من الذنوب أيضاً.
(أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله رجلٌ، فقال: إني رجل لا أصلي وأنا أزني واكذب، فمن أي شيء أتوب؟! قال: (من الكذب). فاستقبله فعهد أن لا يكذب. فلما أنصرف وأراد الزنا، فقال في نفسه: إن قال لي رسول الله (ص): هل زنيت بعدما عاهدت؟ فان قلت: لا، كذبت. وإن قلت: نعم، يضربني الحد) (2) .
وفي حديث آخر نجد ترك الكذب داعياً إلى ترك بقية المعاصي. قال رجل لرسول الله (ص): يا رسول الله، دلّني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى. فقال: (لا تكذب). فكان ذلك سبباً لاجتنابه كل معصية لله لأنه لم يقصد وجهاً من وجوه
____________________
بلغت الفتاة مبلغ الزواج فتقدم لخطبتها الكثيرون، وأخيراً تم الزواج بينها وبين شاب مدمن على الخمرة. وتقرَّر أن يسافر العروسان إلى البصرة لقضاء شهر العسل هناك.
وفي البصرة استأجرا غرفة في فندق فخم، وجلسا يتسامران، وقام الزوج ليتناول الخمر كعادته وقدّم شيئاً من ذلك لزوجته التي لم تكن قد ذاقت طعم الخمر، فتغيّر حالها وأحسّت بحاجة إلى القذف... خرجت إلى المرافق الصحية وهي بكامل زينتها لتقذف، أظلمت الدنيا في عينها فلم تعد تحس بشيء، حاولت أن تعود إلى الغرفة، والزوج الغرّ جالس في مكانه، وفتحت - وهي فاقدة الوعي - باب غرفة فدخلت وألقت بنفسها في حضن شاب كان قد استأجر غرفة مجاورة لغرفتهم... وجد هذا الشاب في العروس لقمة سائغة فنال منها وطره... ولم تستيقظ إلا عند الصباح حيث الشرف المهدور ونظرات الاتهام والريبة من الزوج وتنكّره لها... وعادت إلى أمها تندب حظها العاثر وشبابها الزائل وكرامتها المهدورة.
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|232.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|101.
المعاصي إلاَّ وجد فيه كذباً، أو ما يدعو إلى الكذب، فزال عنه ذلك من وجوه المعاصي) (1) .
تنمية الصدق في الحديث:
إن من أهم واجبات الوالدين في تربية الطفل هو تنمية فطرة الصدق المودعة عنده. على الوالدين أن يسلكا في محيط الأسرة سلوكاً يجعل الأطفال يعتادون على الصدق والاستقامة، ولا ينحرفون إلى طريق الكذب والتزوير والدجل، وهذا الأمر أصعب من تنمية كثير من الصفات في الأطفال، وللوصول إلى هذه الغاية لا بد من ابتاع كثير من الرقابات العلمية والعملية!
(يبدو لي أن الوالدين لا يملكان تلك السلطة التي يملكانها في مكافحة الكسل والخروج على النظام بالنسبة إلى الكذب. والخلاصة: أن من بين العيوب التي نسعى إلى اقتلاعها من كيان الأطفال يمتاز الكذب بأنه أكثرها إغضاباً وإزعاجاً لنا، والسبب في ذلك يعود إلى أن من الصعب أن يتصور الإنسان تصوراً صحيحاً وواقعياً عن الكذب والكاذب).
(يجب أن لا نعتبر الكذب للأطفال عملاً بسيطاً، لأنه في الحالات الاعتيادية وعند الأطفال السالمين - على الأقل - يجب أن ينعدم الكذب. إن فشلنا وعجزنا وخطأنا في مكافحة الكذب ينشأ من أننا نحكم على هذا العمل من زاوية نفسه، دون أن ننظر إلى علة الكذب والغاية منه، ونوعه، وحالة الكذاب، وأوضاعه) (2) .
أساس داء الكذب:
إن أول طريق لمكافحة الكذب هو معرفة أساس هذا الداء الوبيل. مما لا
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
(2) ما وفرزندان ما ص 59.
شك فيه أن حالة نفسيّة خاصة توجد في باطن الشخص الذي يكذب مما يدفعه إلى هذا العمل، وما لم تقتلع جذور هذه الحالة النفسية العارضة لا يمكن معالجة الكذب.
الخوف، الضعف، العجز، الإحساس بالحقارة، عقد الحقارة، أو بعض الحالات النفسية المشابهة لذلك، تستطيع أن تنحرف بالإنسان عن الطريق المستقيم المتمثل في الصدق، وتبعثه على الكذب، عن النبي صلّى الله عليه وآله: (لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه) (1) .
الضعف والظلم:
الكذب أحد أنواع الظلم، والظلم من الناحية النفسية معلول لضعف الظالم. إن الشخص الذي يهرق الدماء البريئة، والذي يظلم الناس بسبّهم وشتمهم، والذي يتجاوز على أموال الناس، وبصورة موجزة كل من يمد يداً للجور والظلم، فلا شك في أن ذلك للنقص الذي في باطنه والضعف الذي يحسّ به. يقول الإمام السجاد (عليه السلام) في بعض أدعيته: (وقد علمتُ أنه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف. وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علواً كبيراً) (2) .
الحقارة والكذب:
إن المدين العاجز عن وفاء مبلغ الدين يجلس في البيت ويقول لولده - كذباً - أن يقول للدائن: إن أبي ليس في البيت. والجاهل الذي يحس بالحقارة في مجلس العلماء ويجد نفسه عاجزاً عن الدخول في البحث والمناقشة يدّعي كذباً أن حالته الصحية لا تساعد على ذلك. والموظف الذي تغيب عن واجبه بلا عذر مشروع
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
(2) الصحيفة السجادية - دعاؤه يوم الأضحى والجمعة.
يلتجأ إلى الكذب خوفاً من العقوبة أو الغرامة، فيدّعي أن أخاه قد مات وكان مشغولاً بتجهيزه. والخلاصة: أن الكذابين يلجئون إلى الكذب بسبب الحقارة والعجز اللذين يحسّون بهما ليدرءوا التهم عن أنفسهم.
لقد عظم أمر المسلمين في المدينة، وبلغ المؤمنون غاية عزهم ومجدهم. كانت الفتوحات المتتالية تعود لصالحهم يوماً بعد يوم. أما غير المؤمنين، فقد كان ينظر إليهم بنظر الاحتقار في المجتمع، وهذا ما أدى إلى إضعاف روحياتهم، فأخذوا يحسون بالحقارة والضعفة من جهة، ومن جهة أخرى كانوا يمتنعون عن الإيمان. فاضطروا إلى أن يظهروا خلاف ما يبطنون، ويتظاهروا بالإيمان حتى يجبروا حقارتهم بذلك. وجاء القرآن الكريم كاشفاً عن سرائرهم وفاضحاً نواياهم حيث قال: ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً... ) (1) .
الكذب عبارة عن ردّ فعل لعقدة الحقارة أو الخوف أو الحالات النفسية الأخرى. وبعبارة أخرى: فإن هذه العقد النفسية والانهيارات الداخلية للناس هي التي تظهر بمظهر الكذب في الصور المختلفة.
كلما كانت عقدة الحقارة في حياة الفرد أو الأسرة أو الأمة أشد، كان رواج الكذب فيهم أكثر. إن مَن يصاب بالفشل في القضايا السياسية أو الاقتصادية وتنحط منزلته في أنظار الناس يكون الدافع إليه نحو الكذب أقوى، والأسرة التي تسوء سمعتها لانحراف خلقي أو لسبب آخر فتصبح مبغوضة في نظر المجتمع، ويحس أفرادها بالحقارة والضعة في نفوسهم، تلجأ إلى الكذب لتدارك النقائص التي أصابتها. وفي الدول التي تنعدم فيها العدالة والحرية ويديرها الحكّام بنظام استبدادي مطلق، ويتملك الناس فيها خوف ورعب شديدان تروج سوق الكذب. وكذلك الأمم التي خضعت لسنين طوال إلى الظلم والاضطهاد ولم تذق طعم الاستقلال يكون تلوثها بالكذب أكثر... وبصورة موجزة: فإن الكذابين لا يكذبون إلاَّ للحقارة التي يحسون بها، كما صرح بذلك الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) حين قال: (لا يكذب الكاذب إلاَّ من مهانة نفسه).
____________________
(1) سورة المنافقين / 1 - 2.
داء الكذب:
الكذب مرض خطير يمكن أن يصيب الإنسان من أولى أدوار حياته ويظل مصاباً به حتى نهاية العمر. ومما يؤسف له أن بعض الأسر تنظر إلى هذا الداء الخطير نظرة عارية من أي اهتمام. إذا أصيب الطفل بحمى في ليلة من الليالي أو أخذ يعطس أكثر من المعتاد يتألمون لذلك كثيراً، ولكنهم لا يعيرون أي اهتمام لكذبة الطفل. وهناك أناس آخرون يعرفون - إنْ قليلاً أو كثيراً - خطورة الكذب، ويتألمون إذا وجدوا الطفل يكذب، ولكنهم يجهلون طريق معالجة ذلك، وتكون النتيجة أن يلوث الكذب أغلب الأسر، ويظل الجميع يئنون من ويلات هذا الداء الفتّاك.
عوامل ظهور الداء:
لأجل أن يهتم أولياء الأطفال في سبيل تربيتهم بهذا الموضوع الحساس ويعوّدوا أفلاذ أكبادهم على الصدق والاستقامة، نتكلم في هذه المحاضرة عن عوامل ظهور هذا الداء في الأطفال راجين أن تكون مفيدة للجميع.
أساليب وقائية:
1 - (عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (ص): رحم الله مَن أعان ولده على بره.
قال: قلت: كيف يعينه على بره؟
قال: يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به) (1) .
إن من علل كذب الأطفال، ثقل عبء الواجبات التي يكلفون بأدائها. إن تشديد الأولياء وتوقعاتهم الشاذة التي هي فوق طاقة الأطفال يقودهم إلى الكذب
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|50.
ويوقظ فيهم هذه الصفة الرذيلة.
(يقول ديموند بيج: أعرف فتاة شابة تأصّل الكذب في نفسها بحيث لا يقبل العلاج. إنها عندما كانت في السن السابعة كانت تذهب كل يوم إلى المدرسة وكان عدد الطالبات التي يدرسن معها لا يتجاوز الـ 25. كان لها مربية تأخذها إلى المدرسة كل يوم، وتأتي بعدها انتهاء الدرس لأخذها إلى البيت. كانت هذه المربية مكلفة بمراقبة الطفلة في واجباتها ودراستها، وبصورة موجزة كانت مسئولة عن تربيتها بصورة تامة. في تلك العصور كان الأسلوب المتداول - الذي تعده التربية الحديثة فاشلاً تماماً - يقضي بأن يصنّف الطلاب كل يوم على حسب الدرجات التي حصلوا عليها في الامتحانات التحريرية، وهكذا كان يعين الطالب الأول والثاني والثالث. كانت الطفلة بمجرد أن تخرج من الصف حاملة حقيبتها بيدها تقابل بالسؤال الرتيب للمربية التي كانت تقول: (ما هي مرتبتك في الصف)؟ فإن قالت: (الأولى) أو (الثانية) كان الأمر يجري على ما يرام. ولكن صادف مرة أن كانت مرتبتها الثالثة لثلاث مرات على التوالي، وبالرغم من أن الحصول على المرتبة الثالثة بين 25 طالبة أمر مستحسن، فإن المربية لم تكن تفهم ذلك. لقد حاولت أن تهدئ على نفسها في المرة الأولى والثانية، ولكنها في المرة الثالثة لم تستطع أن تتمالك على نفسها، ففي الوقت الذي كانت الطفلة قد تملكتها الحيرة والذهول صاحت بوجهها: ألا ينتهي حصولك على المرتبة الثالثة؟ يجب أن تكوني الأولى غداً هل تسمعين؟ الأولى... يجب أن تصبحي الأولى!
لقد أشغل هذا الأمر الصعب والجاد بال الطفلة طوال اليوم، وفي اليوم الثاني كانت فريسة العب والتفكير، بذلت كل عنايتها ودقتها في أداء واجباتها، كانت العمليات الحسابية التي أجرتها صحيحة، وأجابت على الأسئلة بنجاح، وكانت نتائجها مرضية إلى قبيل الظهر عندما حان درس الإملاء، فقد وقعت لها أربعة أخطاء في امتحان الإملاء، وأخيراً حازت على المرتبة الثالثة في
ذلك اليوم أيضاً... وكانت هذه هي الطامة الكبرى.
عندما رنّ جرس الدرس الأخير كانت المربية واقفة بباب الصف منتظرة الطفلة، وما أن وقعت عينها عليها حتى صاحت: ما الخبر؟
كانت الطفلة مذهولة لا تستطيع بيان الحقيقة، فقالت: (صرت الأولى). وهكذا بدأت تكذب.
كثيرون هم الآباء والأمهات الذين يسلكون مثل هذا السلوك، وبهذه الصورة يتحملون مسئولية انحراف الأطفال وإصابتهم بداء الكذب) (1) .
الاعتدال في العبادة:
من تعاليم الإسلام الاعتدال في العبادة. إن علماء الحديث يوردون في هذا الصدد روايات كثيرة نذكر هنا بعضها:
1 - (عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله (ص): أن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله) (2) .
2 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة) (3) .
3 - عن الإمام الصادق أيضاً: (اجتهدت في العبادة وأنا شاب فقال لي أبي: يا بنيّ، دون ما أراك تصنع، فإن الله إذا أحب عبداً رضي عنه باليسير) (4) .
4 - قال رسول الله (صلّى عليه وآله): (يا علي، هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربك) (5) .
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 61.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|86.
(3) المصدر السابق ج2|86.
(4) المصدر السابق ج2|87.
(5) المصدر السابق ج2|87.
5 - عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن للقلوب إقبالاً وإدباراً: فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض) (1) .
يظن بعض الآباء والأمهات الجهلاء أن عليهم في سبيل تربية أطفالهم تربية دينية أن يحملوهم فوق طاقتهم، ويكلفوهم بأداء النوافل، ويوصونهم بإحياء الليل وقراءة القرآن والأدعية المأثورة، ويتصورون أنهم يحسنون صنعاً بذلك. يقولون له: لا تنس قراءة جزء من القرآن بعد صلاة الصبح! لا تترك دعاء كميل في ليالي الجمعة! اقرأ الذكر الفلاني ألف مرة يومياً... وأمثال ذلك.
إن هؤلاء غافلون عن أن هذه التكاليف الشديدة ليست مرغوباً فيها في الإسلام فقط، بل إنهم بعملهم هذا يجعلون الولد ينظر إلى الدين نظرة ملؤها التشاؤم، ويؤججون نار البعد عن الإسلام في قلبه. هذا مضافاً إلى أن الولد سيقع في مأزق حرج، فإنّ الإتيان بجميع تلك النوافل والعبادات المستحبة بصورة مستمرة مما لا يُتحمّل عادة. ومن جهة أخرى فإنه يخاف من استياء والديه ويحذر من إزعاجهما، ولذلك فإنه يلجأ إلى الكذب، فبينما ينام الليل إلى الصباح يحاول إرضاء والديه فيدعي كذباً أنه أحيي الليلة حتى الصباح، وصلى كذا ركعات، وقرأ كذا من القرآن... إلخ.
لو كان الوالدان يعملان بنصيحة الرسول الأعظم (ص) حيث يقول: (يقبل ميسوره، ويتجاوز من معسوره) ولم يكونا يحمّلان الولد فوق طاقته من العبادات؛ لم ينشأ على الكذب والتشاؤم نحو الدين.
يجب على الآباء والأمهات - بالإضافة إلى العناية بالنواحي العلمية والدينية - أن يقيسوا القابليات الوسطى للأطفال، ولا يحملوهم فوق ما يطيقون، لأن الطفل يخاف من إغضاب والديه، ويحاول أن لا يعرفه المربي بالكسل وعدم الكفاءة. وعندما يعجز عن أداء العمل الذي يفوق طاقته ومقدرته يلجأ في سبيل الحفاظ على شخصيته إلى الكذب، ويتكرر هذه الحالات ينشأ كذاباً. نستنتج مما تقدم أن أحد العوامل المؤثرة في تعود الطفل على الكذب هو تكليفه بالأعمال التي تفوق مقدرته وإجباره على أداء ما لا يطيق.
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 251.
تحقير الطفل:
2 - والعامل الآخر من العوامل النفسية التي تؤدي إلى تعوّد الطفل على الكذب إحساسه بالإهانة والتحقير. يجب على الآباء والأمهات حسب التعاليم الدينية والعلمية أن يحترموا شخصية الأطفال، وهذا الموضوع أحد المسائل المهمة في البحوث التربوية. إن الأطفال الذين يهمَلون من قبل أفراد الأسرة ولا يحترمون من قبل الناس، يسخرون بهم أو يخدعونهم تارة، ويؤنبونهم بلا مبرر تارة أخرى. وبصورة موجزة: يسلك معهم بحيث يحس الأطفال بالحقارة، ويدركون بأن أفراد الأسرة يحتقرونهم ولا يحسبون لهم حساباً. هؤلاء يفكّرون في الثأر لكرامتهم، ولذلك تظهر فيهم صفات ذميمة بالتدريج فيقدمون على أعمال مضرّة.
(توجد الانحرافات المكتسبة عقيب الإخفاقات، والخدع والأحقاد وفي الغالب عقيب الضربات العاطفية التي تخدر الطفل، هذا كله دون أن يقف الطفل على حقيقة ما وقع. وأحياناً يكتسب الطفل سلوكاً جديداً وطبعاً ثانوياً، قد يقضي على الطبع الأولى له.
(يتحول قلب الطفل على إثر الصدمات التي تؤلمه إلى قلب مريض ومنكسر. إن الشخص المنحرف يزري نفسه قبل أي شخص صغيراً وحقيراً، علم بذلك أم لم يعلم. وهكذا يكتسب الطفل أو المراهق الذي يتأثر لإحساسه بالحقارة عادات غريبة وسلوكاً جديداً. يمكن اعتبارها ردود الفعل لتلك الحالة النفسية) (1) .
رد الفعل للحقارة:
إن الطفل الذي يقع موقع السخرية والاحتقار وتهتضم شخصيته، يسعى لإظهار نفسه بأي طريقة كانت، أن يعمل عملاً يلفت أنظار أعضاء الأسرة -
____________________
(1) چه ميدانيم اطفال دشوار ص 51.
والآخرين أحياناً - إلى نفسه، أن يدخلوه في حسابهم، ويعترفوا بشخصيته... وهكذا يستغل الفرص المختلفة للوصول إلى هدفه.
عندما يكون الوالدان مشغولين بإكرام بعض الضيوف المحترمين، ويصرفان كل اهتمامها إلى العناية بهم غافلين عن الطفل. يقدم الطفل على الأعمال غير الاعتيادية، يطرق الباب بقوة، يقلب إناء الفواكه، ويبعثر الفواكه على الأرض، يصيح بأعلى صوته، يضرب أمه، وبصورة موجزة يقوم بأعمال تجلب انتباه الوالدين والضيوف إليه. إن الطفل لا يقصد من هذه الأعمال غير جلب انتباه الآخرين، إنه يحتاج إلى إظهار نفسه وإبراز شخصيته، يريد أن يقول: أنا أيضاً موجود، انتبهوا لي، أحسبوا لي حساباً.
الطفل يريد أن ينفذ إلى قلوب الآخرين. وعندما لا يستجيب الوالدان لمتطلباته الطبيعية المتمثلة في احترام شخصيته، يسلك طريقاً معوجاً، وينفذ إلى قلوب الآخرين بالفوضى والشغب والإيذاء.
من الأعمال الخطيرة التي يقدم عليها أمثال هؤلاء الأطفال: الكذب. الطفل الذي لم يلاق احتراماً في الأسرة ولم يُعتن بشخصيته، الطفل الذي يُهمل ويُحتقر ويعيش حياة ملؤها الحرمان والإخفاق، تكون لذته العظمى إظهار شخصيته وجلب انتباه الآخرين. إنه لا يستطيع أن يجلب اهتمام الناس نحوه بالصدق وبيان الحقائق، فيضطر إلى الكذب، واختلاق قضايا مدهشة، وكذبات تحير الأذهان لعدة دقائق، وتبعث القلق والحيرة في أعضاء الأسرة. يتصنع الاضطراب والذهول فيصيح: التهمت النيران دار عمي! سقطت أختي في الساحة القريبة من بيتنا تحت عجلات السيارة!
عندما يركض أعضاء الأسرة - رجالاً ونساءً - نحو الحادث وقد علاهم الارتباك والاضطراب، ينتعش الطفل الكذاب، يتلذذ لأن كلامه أوجد هذا الاضطراب، والاهتمام... إنه يفرح لأنه خدع أعضاء الأسرة وشفى قلبه مما كان يلاقيه منهم من احتقار وسخرية.
إن السلوك السيئ للوالدين هو الذي يدعو الطفل إلى الكذب، وإن الأعمال التافهة لهما هي التي تؤدي إلى هذا الانحراف.
يجب على الآباء والأمهات الذين يرغبون في تربية أطفالهم على الاستقامة وتدريبهم على الصدق في الحديث أن يحترموا شخصيتهم منذ البداية بصورة معقولة، ويحذروا من احتقارهم الذي يؤدي إلى انحرافهم. عليهم أن يتذكروا نصيحة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: (ولا يرهقه ولا يخرق به).
إن الأطفال الذين يحسون بالحقارة والصّغار على أثر إهمال الآباء لهم قد يلجئون إلى الكذب لتدارك ذلك ويصابون بهذا الداء الخطير، فيظلون يتجرعون المآسي والمشاكل ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتجاوزهم الأضرار إلى الآخرين أيضاً.
الخوف من العقوبة:
3 - والعامل الثالث من عوامل الكذب عند الأطفال هو الخوف من العقوبة. فعندما نسأل الطفل: أنت كسرت النافذة؟ وعلم أن اعترافه يستلزم العقاب الشديد، فإن غريزة صيانة الذات تدفعه إلى أن يقول كذباً: لم أكسرها. إنه يجد نفسه ضعيفاً أمام صفعات الأم والأب ولحفظ نفسه لا يجد مفراً إلا بالالتجاء إلى الكذب وإنكار كل شيء. وبديهي أنه كلما كانت العقوبة أشد، كان إصرار الطفل على الكذب أكثر.
وكما أن الناس في الحكومات الاستبدادية يكثرون من الكذب خوفاً من العقوبات الشديدة والأعمال غير الإنسانية الصادرة من الحكام، كذلك الأطفال في الأسر التي يشدّد الآباء والأمهات فيها العقوبة فإن كذبهم يكثر.
إن علاج هذه الكذبات ينحصر في لين أولياء الأطفال في تربيتهم. فإن كان الآباء والأمهات يربون أولادهم على أساس الحب والحنان، وإن كانت الأسرة مثالاً للرأفة والعطف، وإن كان الأولياء منصفين وعارفين بواجباتهم الشرعية في تربية الأطفال دون أن يلجئوا إلى العصا والضرب الذي يستوجب الدية، فإن الأطفال إذا كسروا نافذة أو قاموا بمخالفة النظام لا يدفعهم ذلك إلى الكذب ولا ينشئون كذابين.
يلاحظ الطفل أن أباه أو أمه قد يغفل فيسكر النافذة ولا يحاسبه أحد على
ذلك. إنه يرى أخاه الأكبر لا يتعرض لعقوبة أو توبيخ عندما يسقط كأس من يده فيتحطم، بينما يجد أنه إذا كسر النافذة أو سقط الكأس من يده يُعاقب بشدّة ويحاسب حساباً عسيراً، فيثأر لكرامته ويلجأ إلى الكذب للفرار من العقوبة.
إسداء النصيحة للطفل:
عندما يتخلى الأبوان عن التشديد على الطفل ويعتبر أنه مثلهما إنساناً يجب أن تصان كرامته، ويصادف أنه يكسر النافذة في أثناء اللعب في الغرفة، فسيبادران إلى إسداء النصح له ويقولان له: الغرفة ليست محلا للعّب، حاول أن لا تتكرر منك أمثال هذه الفعلة. بهذا الأسلوب يكون الطفل قد عوقب بمقدار خجله، مضافاً إلى أنه لم يكذب... في حين أن من المحتمل أن لا يتكرر منه هذا العمل بعد ذلك.
هنا قد يتصور السادة المستمعون أننا نريد القول بأن الرقابة التربوية الصحيحة في الأسرة يجب أن تكون على درجة من الدقة بحيث يتربى الطفل على أن لا يكذب حتى مرة واحدة طيلة أيام عمره، ومثل هذا قد يكون مستحيلاً بالنسبة إلى الإنسان الاعتيادي. غير أن الغاية من بحثنا هذا هو أن ننبه الآباء والأمهات الذين يريدون تدريب الطفل على الصدق والاستقامة إلى ضرورة الاهتمام بواجباتهم الشرعية والعلمية في إرساء قواعد الأسرة منذ البداية على أساس الفضيلة والاستقامة حتى يكونوا بهذا الطريق قد أدوا ما عليهم تجاه أطفالهم.
وبعبارة أوضح: فإن الكذب - سواء كان قليلاً أم كثيراً - يعد معصية عظيمة، ولكن هناك فرق عظيم بين من تصدر منه كذبة أو عدة كذبات على أثر الغفلة أو بعض الظروف الحرجة في الحياة، وبين من بين كيانه على أساس الكذب والخديعة ونشأ (كذّاباً). إن الخطر العظيم والداء الوبيل يتوجه نحو الصنف الثاني، إن هدف التربية الصحيحة هو أن لا ينشأ الأطفال وأن لا يضرب هذا الداء الفتاك بجذوره في أرواحهم.
هذا المسألة التربوية والنفسية تعرضت لها الروايات والأحاديث الإسلامية ويهتم لها العلماء المعاصرون أيضاً، ولمزيد الاطلاع نعرض على المستمعين الكرام نماذج من كلا الصنفين.
1 - قال ابن مسعود: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (لا يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّاباً) (1) .
2 - عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): الكذاب هو الذي يكذب في الشيءٌ؟ قال: (لا، ما من أحد إلاّ أن يكون ذلك منه، ولكن المطبوع على الكذب) (2) .
3 - عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن العبد ليكذب حتى يكتب من الكذّابين) (3) .
الكاذب والكذّاب:
يستفاد من هذه الأحاديث الثلاثة أن هناك فرقاً بين الكاذب والكذاب. الكاذب هو الذي تصدر منه كذبة أو كذبات على أثر الغفلة أو الحوادث المختلفة، وجميع الناس قد يصدر منهم ذلك. أما الكذّاب فهو تركز الكذب في مخه، ونفذ هذا الداء الفتاك إلى أعماقه.
أما العلماء المعاصرون فإنهم يشيرون إلى هذا المعنى أيضاً في كتبهم، وها أنا ذا أقرأ لكم عبارة مقتبسة من أحدها.
فن الخديعة:
(وهذا أمر بسيط وطبيعي جداً، ذلك أن الأطفال يكذبون على أثر الضعف الذي يحسون به في مقابل الكبار دون أن يكون هناك انحراف أو تخطيط أو تفكير سابق. إنهم يكذبون ليصونوا أنفسهم من الحملات المباشرة التي يتنبئون لها، فإن الكذب والخديعة يستلزمان تخطيطاً سابقاً، وتفكيراً في تورط الآخرين، ولا يكفي
____________________
(1) المحجة البيضاء في إحياء الأحياء، للفيض الكاشاني ج5|239.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|340.
(3) الوسائل للشيخ الحر العاملي ج2|232.
أن يكذب شخص في مورد ما مترسّلاً ونحكم عليه بالانحراف).
(يتكامل علم الكذب (أو فن الكذب على الأرجح) بالممارسة والتدرب على الكذب. إذن، نستنتج من ذلك أن جهود الوالدين أو القائمين على شئون التربية يجب أن تنصرف إلى عدم فسح المجال للأطفال في التعلّق بالكذب، ويجب أن لا يكون سلوكنا على نحو يضطرهم إلى الالتجاء إلى الكذب).
(يجب أن نعرف الكاذب الحقيقي أولاً، أي يجب أن نميّز بين مَن يكذب على أثر تطبّعه على الحيلة والخديعة، وبين مَن يكذب عفواً. إن الكاذب العفوي لأجل أن يتخلص من عقوبة العمل الذي عده ذنباً في نفسه يعمد إلى أول كذبة تمر بخاطره وتجري على لسانه. إنه لا يفكّر في عواقب ذلك، في حين أن صدقه الذاتي والطبيعي غالباً ما يخونه دون علم منه... الصوت الفاقد للتطامن، والوجه المحمر، والنظرات الزائغة، كل ذلك علائم تفضح أمر مثل هذا الكاذب).
(الحقيقة تعلن عن نفسها من خلال الكلمات التي يجريها على لسانه. إنها تحرق شفتيه، فلا يستطيع أن يلقي حجاباً ساتراً على الحقيقة التي تفصح عن واقعها. إن من السهولة بمكان أن نستكشف من مثل هذا الشخص أنه لم يصبح كذاباً بعد، بل يستطيع أن يصنع بعض الكذبات المفضوحة، غاية ما هناك أنه لكي يتقن هذا العمل، ولكي يصبح ماهراً في فن الكذب، يكفي أن يوضع في محيط فاسد أو يقابل مربيّاً دون مستوى المسئولية، لأجل أن ننقذ مثل هذا الطفل من الغرق والوقوع في هذه الهوة السحيقة يجب أن نوجّه وجدانه نحو الصدق والشهامة، وعندئذ لا يستطيع الكذب أن ينشر جذوره في نفسه ولا يصبح داء مزمناً عنده).
(أما بالنسبة إلى الكذاب الأصيل فالأمر ليس كذلك. هذا الشخص الذي يمتهن التزوير والاحتيال وإن بدأ عمله بكذبات
تافهة ومفضوحة، لكنه استمر على ذلك فترة طويلة حتى أصبح الآن يكذب بسهولة، يصوّر الباطل في لباس من الحقيقة، وهنا يجب أن نهتم بالأمر. إنه لا يصدر عن الكذب بصورة عفوية، بل يفكّر ويخطّط ويصمّم لما يريد إطاراً جميلاً، يغيّر في الموضوع كيف يشاء، ويظهره بالمظهر الذي يريده من جمال أو قبح، لأنه يعلم أنه إذا ألبس الباطل لباساً جميلاً من التبريرات والاحتيالات كان ذلك عاملاً مساعداً على عدم انفضاح سره) (1) .
الكذّابون الماهرون:
كان إخوة الصديق يوسف كذّابين ماهرين. فإنهم عندما رموا به في البئر جاءوا إلى أبيهم يبكون، يذرفون الدموع الحارة، وقد حملوا معهم ثوباً ملطّخاً بالدم، وهكذا كانوا قد صمموا للحادثة تصميماً مضبوطاً يخيّل للناظر معه أن ذلك هو الحقيقة، وأن الذئب هو الذي أكل يوسف. هذه الكذبات خطيرة جداً، ولذلك فإن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يستعمل كلمة (الكذاب) في حقهم:
(لا تلقّنوا الكذّاب فتكذبوا؛ فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الإنسان حتى لقنَّهم أبوهم) (2 ).
إن الآباء والأمهات الذين يربّون أطفالهم تربية صحيحة ويدربونهم على الصفات الفاضلة والسجايا الحميدة، يستطيعون أن يقفوا أمام الزلَّات المحتملة لهم بالنصح والإرشاد، وبذلك يمنعونهم من التلوث ببعض الكذبات التي يمكن أن تلوث أذيالهم.
عن أبي جعفر (عليه السلام). قال:(كان علي بن الحسين يقول لولده: اتقوا
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 62.
(2) سفينة البحار للقمي - مادة كذب - ص 474.
الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير) (1) .
المحيط التربوي:
4 - من أهم العوامل المؤثرة في تنمية فطرة الصدق عند الأطفال المحيط التربوي الذي يعيشون فيه، فعندما يكون الوالدان ملتزمين بالصدق بعيدين عن الكذب والاحتيال، فإن الطفل ينساق تلقائياً إلى طريق الصدق والاستقامة، ومن السهل جداً إزالة العوائق التي تقف في طريقه من الناحية النفسية. وعلى العكس من ذلك فإن الوالدين اللذين لا يتورّعان عن الكذب، يعوّدان الطفل على هذه الصفة الذميمة من حيث لا يشعران، في أسرة كهذه يصبح الاهتمام بالظروف والعوامل النفسية للوقاية من الكذب عقيماً. إن المحيط التربوي أهم العوامل الصانعة لكيان الطفل، ولا يمكن مقايسة أي من العوامل النفسية به، ذلك أن الطفل ينسجم مع المحيط الذي ينشأ فيه بصورة لا شعورية، وتنطبع في ذهنه صور الأشياء التي يشاهدها أو يسمعها.
(إن محيط الصدق والشهامة المطلقة أهم عوامل الكفاح ضد الكذب. فإذا كانت الاستقامة مسيطرة على جو الأسرة أو المدرسة لم يقترب الطفل من الكذب، وإذا صادف أن جرت كذبة على لسانه فإن التجارب تثبت أن هذه الكذبة لا تصل إلى حد الخيانة والإجرام ولا تبعث بجذورها في قلبه).
(إن الضمائر الحية لهؤلاء الأحداث تشبه الأعشاب الربيعية في النعومة واللطافة، فلأجل أن تلاقي تنمية مناسبة ومتكافئة يجب أن تبقى في مأمن من هبوب الرياح الشديدة والميول التي قد تدحرها إلى الأبد، ومن المؤسف أن نجد أن هذه الفسائل الغضة كثيراً ما تجابه بالرياح الهوجاء).
(كثيراً ما يصادف وجود أخاديد واسعة بين أفعالنا ونصائحنا.
____________________
(1) الوسائل للشيخ الحر العاملي ج 3|232.
هناك بون شاسع بين ما يلاحظه الطفل في أفعالنا ويدركه من سلوكنا، وبين الأوامر والنصائح التي نصدرها في تقبيح عمل معين وذمه!).
(قد اعتاد الكثيرون على أن يقولوا للأطفال: (افعل ما أقوله لك! لا تلتفت إلى ما أفعل) في حين أنهم يجهلون أن هذه النصيحة تستتبع مأساة عظيمة. إن الطفل لا يخضع للنصيحة التي لا يعيرها الوالدان أهمية ما. وعلى فرض أنه استطاع أن يتوصل من عمل الكبار إلى أن السلوك المفضل للأطفال يختلف عن السلوك المفضل للكبار، فإنه سيحطم تلك القيود في أول فرصة يدرك فيها الحرية، ويخرج على تلك التعاليم التي وجهت إليه في صباه) (1) .
إن محيط الأسرةّ هو المدرسة الأولى للطفل، وإن سلوك الوالدين يمكن أن يصبح مقياساً لازدهار الأسرة أو انحطاطها. إن امرأة أو رجلاً، بغض النظر عن عنوان الأمومة أو الأبوة، عندما تصدر منه كذبة يكون قد ارتكب معصية كبيرة واستحق بذلك عقوبة. أما عندما يكون هذا الرجل أباًً، أو عندما تكون المرأة أماً، فإن الكذبة الصادرة منه أمام عيني الطفل النافذتين، وأذنيه الواعيتين، لا يمكن أن تعد ذنباً واحداً. ففي هذه الصورة يكون ذنب آخر غير ذنب الكذب قد ارتكب... ذلك هو ذنب التعويد على الكذب وهذا أعظم بكثير من الذنب الأول.
داء الكذب:
إن الأطفال أمانة الله عزّ وجل في أعناق الوالدين، فهما إن قصّرا في أداء واجبهما نحوهم كانا خائنين للأمانة. إن ما لا شك فيه هو أن الكذب أحد الأمراض الاجتماعية الكبيرة، ومن المؤسف أن أغلب الناس مصابون بهذا الداء الفتاك، إن قليلاً أو كثيراً. هذا الخلق الذميم يوجب شقاء الدنيا وعذاب الآخرة. إن جميع الصفات الذميمة تعد أمراضاً نفسية من وجهة نظر العلم والدين، ولكن الكذب
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 65.
أشدها. ففي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن: (وعلة الكذب أقبح علة) (1) .
إن الكذب يزلزل الكيان الخلقي والاقتصادي والقانوني في المجتمع؛ لأن الشخص الكاذب يجعل الناس يسيء بعضهم الظن إلى الآخر، ويسلب الاعتماد منهم. إن الكذب يحرق جذور الفضيلة ويميت الروح الإنسانية.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن أبي حدّثني عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أقل الناس مروءة من كان كاذباً) (2) .
يتصوّر البعض أحياناً أن الكذب هو الوسيلة الوحيدة للنجاح، في حين أن النبي (ص) يفنّد هذا التصور ويعتبر هذا النوع من النجاح المزعوم فشلاً وإخفاقاً. فقد قال (صلّى الله عليه وآله): (اجتنبوا الكذب وان رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة) (3) .
وفي حديث آخر يقول الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لهشام: (يا هشام، إن العاقل لا يكذب وان كان فيه هواه) (4) .
الصدق والنجاة:
ما أكثر الأفراد الذين التزموا الصدق في المواقع الحرجة والمآزق الشديدة وكان ذلك سبب خلاصهم. لا يجهل أحد مدى الجرائم التي قام بها الحجاج بن يوسف الثقفي والدماء التي أراقها من غير حق. في يوم من الأيام جيء بجماعة من أصحاب عبد الرحمن مأسورين وكان قد صمّم على قتلهم جميعاً. فقام أحدهم واستأذن الأمير في الكلام
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
(2) المصدر السابق ح2|100.
(3) المصدر السابق ج2|100.
(4) تحف العقول ص 391.
ـ إن لي عليك حقاً! فأنقذني وفاء لذلك الحق.
قال الحجاج: وما هوٌ؟
قال: كان عبد الرحمن يسبّك في بعض الأيام، فقمت ودافعت عنك.
قال الحجاج: ألك شهود؟
فقام أحد الأسرى وأيّد دعوى ذلك الرجل. فأطلقه الحجاج، ثم التفت إلى الشاهد، وقال له: ولماذا لم تدافع عني في ذلك المجلس؟!
أجاب الشاهد في أتم الصراحة: لأني كنت أكرهك.
فقال الحجاج: أطلقوا سراحه لصدقه (1) .
(وخطب الحجاج ذات مرة فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك. فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله فقال:
ـ إن أقرّ بالجنون خلّيته.
فقيل له، فقال: معاذ الله، لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج، فعفا عنه لصدقه) (2) .
* * *
وكما أن الصدق يجلب العزة والكرامة، فإن الكذب يسبب الذلة والصغار لصاحبه. يقول الرسول الأعظم: (إياك والكذب، فإنه يسود الوجه) (3) .
بلغ المنصور الدوانيقي أن مبلغاً ضخماً من أموال بني أمية مودعة عند رجل، فأمر الربيع بإحضاره. يقول الربيع: فأحضرت الرجل وأخذته إلى مجلس
____________________
(1) قاموس دهخدا الفارسي - حرف الحاء.
(2) المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ج2|7.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
المنصور. فقال له المنصور: بلغني أن أموال بني أمية مودعة عندك، فيجب أن تسلمني إياها بأجمعها.
فقال له الرجل: هل الخليفة وارث الأمويين؟!
فأجاب: كلا.
فقال: هل الخليفة وصي الأمويين؟!
فأجاب: كلا.
فقال الرجل: فكيف تطالبني بأموال بني أمية؟!
فأطرق المنصور برهة ثم قال: إن الأمويين ظلموا المسلمين وانتهكوا حقوقهم وغصبوا أموالهم، وأنا الآن خليفة المسلمين ووليهم، أريد أن استرد أموال المسلمين وأودعها في بيت المال.
فقال الرجل: إن الأمويين امتلكوا أموالاً كثيرة كانت خاصة بهم، وعلى الخليفة أن يقيم شاهداً عدلاً على أن الأموال التي في يدي لبني أمية إنما هي من الأموال التي غصبوها وابتزوها من غير حق.
ففكر المنصور ساعة، ثم قال للربيع: إن الرجل يصدق، فابتسم بوجهه وقال له: ألك حاجة؟!
قال الرجل: لي حاجتان. الأولى: أن تأمر بإيصال هذه الرسالة إلى أهلي بأسرع وقت، حتى يهدأ اضطرابهم ويذهب روعهم. والثانية: أن تأمر بإحضار من أبلغك بهذا الخبر، فو الله لا توجد عندي لبني أمية وديعة أصلاً. وعندما أحضرت بين يدي الخليفة وعلمت بالأمر تصورت أني لو تكلمت بهذه الصورة كان خلاصي أسهل. فأمر المنصور الربيع بإحضار المخبر، وعندما حضر نظر إليه الرجل نظرة ثم قال: إنه عبدي سرق مني ثلاثة آلاف دينار وهرب. فأغلظ المنصور في الحديث مع الغلام وأيّد الغلام كلام سيده في أتم الخجل وقال: إنّي اختلقت هذه التهمة لأنجو من القبض علي. هنا رق قلب المنصور لحال العبد وطلب من سيده أن يعفو عنه، فقال الرجل: عفوت عنه وسأعطيه ثلاثة آلاف أخرى.
فتعجب المنصور من كرامة الرجل وعظمته، وكلما ذكر اسمه كان يقول: لم أر مثل هذا الرجل) (1) .
____________________
(1) ثمرات الأوراق، لابن حجة الحموي ص 233.
المحاضرة الثامنة عشرة:
احترام شخصية الناس – احترام شخصية الطفل
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1) .
غريزة حب الذات:
حب الذات من الغرائز الفطرية التي أودعها الله تعالى في باطن كل إنسان بالقضاء الإلهي الحكيم، كل فرد يحب نفسه قبل كل شيء وكل شخص، ولا شيء في نظر الإنسان أغلى وأهم من ذاته.
إن حب الذات أحد الركائز المهمة والأساسية الثابتة في تربية الطفل والمربي الكفء، يستطيع أن يستغل هذه الثروة الفطرية استغلالاً طيباً وينمّي في الطفل كثيراً من الفضائل والصفات الخيرة في ظل غريزة حب الذات.
هذه الغريزة تشكل قوة عظيمة في مزاج الطفل، فلو استغلت بصورة معقولة وتبعاً لأساليب صحيحة، كانت أساس سعادته، وإن أسيء التصرف فيها عادت عليه بالويل والشقاء.
إن من طرق إرضاء غريزة حب الذات، تكريم الأطفال والاهتمام بشخصيتهم. إن الطفل الذي يتلقّى قدراً كافياً من الاحترام في الأسرة، وتلبي غريزة حبه للذات بالمقدار المناسب، يملك روحاً سليمة، ولذلك يمكن أن نتوقع من هذا الطفل سلوكاً مفضلاً وأخلاقاً حميدة. وعلى العكس، فإن الطفل الذي لا يلاقي احتراماً وتكريماً من والديه، ولم يلاق استجابة فعلية لهذه الرغبة الطبيعية، يحس بالحقارة والذلة في نفسه، ويملك روحاً مندحرة ونفساً مخفقة، فمما لا شك
____________________
(1) الإسراء: 53.
فيه أن هذه الحالة النفسية تكشف عن نفسها خلال أقوال الطفل وأفعاله بصورة غير مرضيه، وطفل كهذا يكون معرّضاً لأخطار كثيرة. إن احترام الشخصية ليس ركناً من الأركان الأساسية لتربية الطفل في محيط الأسرة فحسب، بل إن هذا السلوك المفضل يشكل أساساً من أسس النظام الاجتماعي الصالح، وهو بعد ذلك واجب ديني مقدس. ولأجل أن يتبين المستمعون الكرام منهج أئمة الإسلام وقادته في احترام شخصية الناس، نخصّص قسماً من بحثنا في هذه المحاضرة لهذا الموضوع.
احترام الناس:
كان احترام الناس في جميع الأحيان جزء من النهج الثابت للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في معاشراته، ويمكن أن نقول، ولم نكن في ذلك مبالغين: إن هذا السلوك المفضل كان من أهم عوامل تقدّمه ونجاحه. كان الرسول الأعظم (ص) يهتم بجميع الدقائق النفسية للناس في سبيل احترامهم، ولم يكن ليتخلى عن أبسط الوظائف. (كان يكرم مَن يدخل عليه، حتى ربَّما بسط ثوبه، ويؤثر الداخل بالوسادة التي تحته) (1) وفي هذا مثال فذّ للتواضع واحترام الناس.
ومثال آخر نجده في القصة التالية: دخل رجل المسجد وهو (أي النبي) جالس وحده، فتزحزح له. فقال الرجل: في المكان سعة يا رسول الله. فقال (ص): (إن حق المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له) (2) .
(وكان إذا لقيه واحد من أصحابه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل ينصرف عنه. وإذا لقيه أحد من أصحابه يتناول يده ناولها إياه، فلم ينزع عنه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع عنه) (3) أي أنه كان لا يسحب يده من المصافحة حتى
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|151.
(2) المصدر السابق ج6|153.
(3) المصدر السابق ج6|152.
يسحب الآخر يده، وفي ذلك معنى سامٍ من معاني الإسلام العظيمة، (وكان رسول الله يقسِّم لحظاته بين أصحابه ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية) (1) ،
كما ورد في صفاته (ص): (إن رسول الله لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتى يحمله معه، فإن أبى قال: تقدم أمامي وأدركني في المكان الذي تريد) (2) .
غضب الأنصار:
كان يصادف في بعض الموارد أن العمل الصادر من النبي (صلَّى الله عليه وآله) - وإن استند إلى المصلحة والواقعية - يوجد ردّ فعل غير مرغوب فيه في قلوب بعض الناس، فكانوا يحملون عمله على قصد الاحتقار والإيذاء. ولذلك فإن النبي (ص) كان يعمد إلى رفع تلك الغشاوة عن أبصارهم بتوضيح أعماق الموضوع وأبعاده مظهراً ما يكنّه لهم من احترام وتقدير.
لقد وزع رسول الله (ص) غنائم حنين تبعاً لمصالح معينة على المهاجرين فقط، ولم يعط الأنصار سهماً واحداً. ولما كان الأنصار قد بذلوا جهوداً عظيمة في رفع لواء الإسلام، وخدمات جليلة في نصرة هذا الدين، فقد غضب بعضهم من هذا التصرف وحملوه على التحقير والإهانة. فبلغ الخبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فأمر بأن يجمع الأنصار في مكان ما وأن لا يشترك معهم غيرهم في ذلك المجلس. ثم حضر هو وعلي (عليه السلام) وجلسا في وسط الأنصار. ثم قال النبي (ص) لهم: (إني سائلكم عن أمر فأجيبوني عنه)، فقالوا: قل يا رسول الله. قال: (ألستم كنتم ضالين فهداكم الله بي؟)، قالوا: بلى، فلله المنة ولرسوله.
____________________
(1) روضة الكافي لثقة الإسلام الكليني ص 268.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|153.
قال: (ألم تكونوا على شفا حفرة من النار، فأنقذكم الله بي؟)، قالوا: بلى، فلله المنة ولرسوله. قال: (ألم تكونوا قليلاً فكثّركم الله بي؟)، قالوا: بلى، فلله المنة ولرسوله. قال: (ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟) قالوا: بلى، فلله المنة ولرسوله. ثم سكت النبي (صلَّى الله عليه وآله) هنيهة، ثم قال: (ألا تجيبوني بما عندكم؟).. قال: (ألم تكونوا على شفا حفرة من الهلاك والدمار، والله أنقذكم بي؟) قالوا: بم نجيبك فداك آباؤنا وأمهاتنا، قد أجبناك بأن لك الفضل والمَن والطَول علينا. قال: (أم لو شئتم لقلتم: وأنت قد كنت جئتنا طريدا فآويناك، وجئتنا خائفا فآمناك، وجئتنا مكذَّباً فصدّقناك).
هذه الكلمات الصادرة من الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أفهمت الأنصار أنه لا ينكر فضلهم ولا ينسى جهودهم، ولم يكن ما صدر منه تجاههم صادراً عن احتقار أو إهانة... ولذلك فقد أثر فيهم هذا الكلام تأثيراً بالغاً وارتفعت أصواتهم بالبكاء. ثم قالوا له: هذه أموالنا بين يديك، فإن شئت فاقسمها على قومك. وبهذا أظهروا ندمهم على غضبهم واستغفروه. فقال النبي (ص): (اللَّهُم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) (1) .
رعاية العواطف:
من هذا الحديث ندرك مدى اهتمام قادة الإسلام برعاية عواطف الناس، وعدم جرح شعورهم. وفي حديث آخر مشابه: أتى النبي بشيء فقسمه، فلم يسع أهل الصفة جميعاً، فخص به أناساً منهم. فخاف رسول الله أن يكون قد دخل قلوب الآخرين شيء. فخرج إليهم فقال: (معذرة إلى الله عزّ وجل وإليكم. يا أهل الصفة، إنّا أوتينا بشيء فأردنا أن نقسّمه بينكم فلم يسعكم فخصصت به أناساً منكم خشينا جزعهم وهلعهم) (2) .
____________________
(1) الإرشاد للشيخ المفيد ص 67.
(2) f بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|160.
قد كان احترام الناس وتكريمهم مهماً في نظر الرسول الأكرم إلى درجة أنه كان يحاسب كل مَن يتخلّف عن أداء هذا الواجب المقدس. ففي إحدى الغزوات كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يصلي في معسكره فمّر بالمعسكر عدة رجال من المسلمين، فتوقّفوا لحظة وسألوا بعض الصحابة عن حال النبي (ص) ودعوا له، ثم اعتذروا من عدم تمكنهم من انتظار النبي حتى يفرغ من الصلاة فيسلموا عليه لأنهم كانوا على أمر عاجل ومضوا إلى سبيلهم (فانفتل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مغضباً، ثم قال لهم: (يقف عليكم الركب ويسألونكم عني ويبغلوني السلام ولا تعرضون عليه الغذاء؟!) (1) ، ثم أخذ يتحدث عن جعفر الطيّار وعظمة نفسه وكمال أدبه واحترامه للآخرين...
آداب الصحبة:
ليست فضيلة احترام الناس وتكريمهم في الشريعة الإسلامية الغراء خاصة بالمسلمين فيما بينهم، فإن غير المسلمين أيضاً كانوا ينالون هذا الاحترام والتكريم من المسلمين، فقد تصاحب الإمام أمير المؤمنين (ع) مع رجل ذمي خارج الكوفة في أيام حكومته. وكان الذمي لا يعرف الإمام فقال له: أين تريد يا عبد الله؟
قال الإمام علي (عليه السلام): (أريد الكوفة). ثم وصلا إلى مفترق طريقين فتوجّه الذمي إلى الطريق الذي يريده وانفصل عن الإمام (عليه السلام)... ولكنه لم يكن قد خطا أكثر من بضع خطوات حتى شاهد أمراً غريباً، فقد رأى رفيقه الذي كان قاصداً الكوفة ترك طريقه وأخذ يتبعه. فسأله: ألست زعمت أنك تريد الكوفة؟
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|159.
فقال له الإمام (عليه السلام): (بلى). فقال له الذمي: فقد تركت الطريق؟ فقال له: (قد علمت)، قال: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ): (هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا (صلَّى الله عليه وآله) ). فقال له الذمي: هكذا قال؟ قال: (نعم). قال الذمي: لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة. ثم ترك طريقه الذي كان يقصده وتوجه مع الإمام (عليه السلام) إلى الكوفة وأخذا يتحدثان عن الإسلام وتعاليمه العظيمة فأسلم الرجل (1) .
سلوك قادة الإسلام:
إن سلوك قادة الإسلام مع الناس واحترامهم لهم، أحد العوامل المهمة في تقدم هذا الدين العظيم وانتشاره. وعلى المسلمين أيضاً أن يلتزموا بواجب احترام الناس في أحاديثهم وسلوكهم وأن لا يصدر منهم ما يوجب تحقير الآخرين. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (2) . عن الإمام عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم) (3) . وكما أن الرجل منا يستاء للكلمات السيئة والمستهجنة الصادرة من الآخرين أيضاً.
كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: (عظّموا أصحابكم ووقّروهم، ولا يهجم بعضكم على بعض) (4) .
____________________
(1) سفينة البحار للقمي - مادة خلق ص 416.
(2) سورة الإسراء: 53.
(3) الوسائل للحر العاملي ج4|93.
(4) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|173.
وبهذا الصدد يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (من أتاه أخوه المسلم فأكرمه فإنما أكرم الله عَزَّ وجَلَّ) (1) .
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله (ص): (من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطِّفه بها وفرَّج عنه كربته، لم يزل في ظل الله المدود عليه الرحمة ما كان في ذلك) (2) .
كما ورد النهي عن تحقير الناس في كثير من الروايات كقوله (ع): (لا تحقرنَّ أحداً من المسلمين فإن صغيرهم عند الله كبير) (3) .
هذه نبذة يسيرة من تعاليم الإسلام القيمة بشأن احترام شخصية الناس وتكريمهم نكتفي بها، لننتقل بعد ذلك إلى مسألتنا الأساسية وهي احترام شخصية الطفل.
إحياء شخصية الطفل:
إن سلوك جميع أفراد البشر وأساليب معاشرتهم مع الناس إنما هو خلاصة للأساليب التربوية التي اتخذت معهم في دور الطفولة من قبل الآباء أو الأمهات في الأسرة، أو من قبل المعلمين في المدرسة. فكل خير أو شر لقنوه إياهم في أيام الطفولة يظهر على سلوكهم عند الكبر، وعندما يصبحون أعضاء في هذا المجتمع الإنساني الكبير. وبعبارة أخرى: فإن الوضع الروحي والخلقي والسلوكي للناس في كل عصر إنما هو حصيلة البذور التربوية التي نثرت في أدمغتهم أيام الطفولة.
الشخصية وحرية الإرادة والاعتماد على النفس.. وكذلك الحقارة، والاعتماد على الغير، والخسة، صفات تصب ركائزهم في حجر الأم وحضن الأب. فعلى الآباء والأمهات الذين يرغبون في تنشئة أطفال ذوي شخصية أن يهتموا بذلك منذ الأدوار الأولى من حياتهم، وينمّوا هذا الخصلة الطيبة في نفوسهم منذ البداية. إن
____________________
(1) الوسائل للحر العاملي ج4|97.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج16: 84.
(3) مجموعة ورَّام 1|31.
الطفل الذي نشأ في الأسرة على الخسة والحقارة، ولم يعامله أبواه معاملة إنسان، ولم يعترفا به كعضو محترم من أعضاء الأسرة، لا يستطيع في الكبر أن يبدي الاستقلال في تصرفاته والرصانة في شخصيته. إنه لا يرى نفسه كفؤاً للاضطلاع بالمسئوليات التي تلقى على عاتقه، ولا يرى لنفسه شخصية أصلاً. إنه موجود شقي نشأ على الخسة منذ البداية، ومن الصعب جداً أن تستأصل جذور ذلك من كيانه.
إن التربية الصحيحة وتنمية الصفات الفاضلة عند الطفل تتوفر في ظل الأساليب العلمية والتطبيقية الصحيحة فقط، على الوالدين أن يستوعبا ذلك، وأن يتابعا حركات الطفل خطوة خطوة، محاولين تطبيق تلك الأساليب عليه. أما الأُسر التي تهمل هذا الجانب فإنها تعجز عن أن تقوم بتربية صالحة لأطفالها.
التكامل النفسي للطفل:
(ليس التكامل النفسي والعصبي للطفل أمراً يحدث بالصدفة، بل إنه يحصل وفقاً لقواعد معينة، ويجب أن لا نتهاون في مقاومة اندحار أحد القوى النفسية التي تقوم كيانه، بل يجب أن نعتبر النقص العصبي والنفسي الحادث عنده مرضا فنخضعه إلى رقابة خاصة. إن الطفل يتعلم منذ الصغر كيف يستخدم جهازه العصبي، وإن الرضيع ليس إلا مجموعة من الانعكاسات، ثم يأخذ في المشي بالتدريج، يتكلم، يدرك، يقفز، ويحصل على معلومات سمعية وبصرية، وفي هذه الحالة يمكن أن يقال: إنه قد تولد واقعاً).
(كثير من الآباء والأمهات يتركون أطفالهم لوحدهم بمجرد أن يجدوهم قد أصبحوا قادرين على المشي والتكلم، فيكون الطفل في هذه الصورة كساعة مكوّكة تسمع دقاتها ولكنها لا تملك عقارب) (1) .
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربية أطفال دشوار ص 65.
إن إيجاد الشخصية والاعتماد على النفس عند الطفل من الواجبات التربوية للآباء والأمهات، وظهور هذه الحالة النفسية عند الأطفال يسير وفق منهج منظم، بحيث لو طُبق بصورة صحيحة أدى إلى نتائج مرضية، ونشأ الطفل ذا شخصية فذة، أما إهماله فإنه يؤدي إلى تعود الطفل على الخسة والحقارة.
كما إن احترام الطفل وحسن معاشرة الوالدين معه من أهم العوامل الأساسية لبناء الشخصية الرصينة. إن نبي الإسلام العظيم يوضح هذا المنهج الضخم بعبارة قصيرة ويأمر الناس بإتباعه فيقول: (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم) (1) .
إن احترام الطفل وتكريمه، أو إهانته وتحقيره، لا يختص بأسلوب معين، بل إن الوالدين يستطيعان أن يحترما أطفالهما بطرق مختلفة، كما يقدران على أهانتهما بصورة متعددة. وهنا لا بأس بالتعرض إلى بعض الأساليب والصور التي بها يحترم الطفل أو يهان، مع بيان النتائج المفيدة أو المضرة التي تترتب على ذلك.
الطفل إنسان واقعي:
إن الشرط الأول للتربية الصحيحة وتنمية الشخصية والاستقلال عند الطفل أن يعرف الوالدان حقيقة طفلهما ولا يتجاهلا قيمته الواقعية. أن يعتقدا بأن طفلهما ليس شاة أو دجاجة تحتاج إلى الطعام واللعب والنوم. إنه إنسان صغير، إنسان واقعي ولكنه ضعيف، إنسان حقيقي يملك من الذخائر الفطرية ما يجب أن تبرز من يجب أن تبرز من عالم القوة إلى حيز الطفل.
(يحس الطفل طيلة أدوار نموه بالحقارة في قبال والديه وجميع الناس. هذا الإحساس في جميع شئون الطفل وليد عدم القدرة الأولية للأعضاء وعدم الاطمئنان به وفقدانه للاستقلال، وكذلك ينتج على أثر الاحتياج إلى الغير، والاعتماد على شيء أقوى منه، والخضوع لسيطرة المحيط. وهذا الإحساس بالحقارة هو الذي يوجد في الطفل نشاطاً دائماً، واحتياجاً إلى
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|114.
الانشغال، والاهتمام يلعب دور بارز في الحياة. إنه يسير في حالة ضخمة من الآمال والأماني المستقبلة والاستعداد الجسمي والعقلاني لتحقيقها. وإن الرغبة في التفوق على الآخرين هي التي تدفعه إلى أن يثبت لنفسه شخصية، فيقلل بذلك من حدة الحقارة المستولية عليه) (1) .
الرشد المعنوي للطفل:
إن الآباء والأمهات الذين يفسحون المجال في الأسرة للأطفال كي يمارسوا نشاطاتهم الفطرية، ولا يسخرون منهم في الأفعال التي تصدر منهم ولا يحاولون تحقيرهم أبداً، يتوفقون إلى الرشد المعنوي بسرعة وينالون شخصية كاملة. وعلى العكس، فإن الآباء والأمهات المستبدين في الأسرة الذين يسلكون تجاه أطفالهم بالشدة والحدة ويملئون جو الأسرة رعباً وهلعاً، يكتبون القابليات والاستعدادات الباطنية للأطفال، ويمنعون من الرشد الطبيعي لهم فينشئون وهم فاقدون للشخصية.
إن أحد أسباب الإحساس بالحقارة عند الأطفال هو المظاهر الشديدة لقدرة (الكبار) وضغطهم. لا شيء يطفئ جذوة الرغبة في التعالي والتكامل والاعتماد على النفس عند الطفل مثل الإهانة والتحقير الذي يلاقيه في قبال الضغط والشدة، خصوصاً عندما يؤكد الوالدان شدتهما بعبارة: (إنك لا تستطيع القيام بهذا العمل)... (لا تحاول عبثاً).
ومما يزيد في الطين بلَّة أنهما لا يكتفيان بذلك، بل يبعثان السأم والملل في نفس الطفل بعبارات من أمثال: (لماذا تريد أن تفعل هذا أيها الأحمق... ألا ترى أنك لا تستطيع ذلك؟!). من النادر جداً أن لا يوجِد سلوك كهذا عقدة الإحساس بالحقارة في الأطفال. وقد يكون وجود أب
____________________
(1) چه ميدانيم تربيت اطفال دشوار ص 16.
متزمّت ومتنفذ كافياً في أن يقف حاجزاً دون ظهور الصفات الفاضلة في نفس الطفل) (1) .
وإذا عدنا إلى الحديث الذي سبق شرحه في المحاضرة السابقة، وجدنا أن الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) يقول: (ولا يرهقه ولا يخرق به)... أي لا يقول له: أنت سفيه، حقير، بليد، أبله، كذاب لأن كل واحدة من هذه الكلمات تحمل من أمارات الإهانة والتحقير تجاه الطفل ما يكفي للوقوف أمام تكامل قواه المعنوية.
غريزة اللعب عند الطفل:
من الميول التي أودعها الله تعالى في باطن الأطفال: الرغبة في اللعب. إن الطفل يميل إلى اللعب بفطرته، فتارة يجري وقفز، وأخرى ينظم ويقفز، وأخرى ينظم لُعَبه ودُماه. هذه الأعمال التي تبدو للنظرة البسيطة تافهة وعابثة هي أساس تكامل جسد الطفل وروحه. إن اللعب يبعث القوة في عضلاته والمتانة في عظامه، كما انه ينمي فيه القدرة على الابتكار ويخرج قابلياته الكامنة إلى حيز الفعل. وهكذا فاللعب يشغل شطراً كبيراً من حياة الأطفال ولم يفت الأئمة المعصومين أمر التنبيه على هذه النقطة. فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين) (2) . وعنه أيضاً: (دع ابنك يلعب سبع سنين) (3) .
اللعب وحس الابتكار:
من فوائد اللعب تدريب الطفل على الاستقلال في الإرادة، وإحياء حس
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 57.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|47.
(3) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|47.
الابتكار فيه. عندما يحفر الطفل على كومة من التراب بئراً، أو يبني غرفة صغيرة فإن قواه العقلية تعمل كما يعمل المهندس المعمار فيتلذذ لنجاحه وعندما يلاقي بعض الموانع في عمله فتنهدم البئر أو تنهار الغرفة، يحاول تدارك ذلك بالبحث عن علاج فوري. هذه النشاطات تساعد على الرشد الفكري وتكامل الشخصية عند الطفل، فإذا سخر الأب أو الأم منه، ونسبوا أفعاله إلى العبث والسفه كان في ذلك إهانة وتحقير له، وكبت لمواهبه وقابلياته.
(إذا حاول الأطفال رسم برنامج خاص لهم في أعمالهم فلا تمنعوهم من ذلك، لأن مواصلة تطبيق خطة مرسومة دون وقوف العوائق في طريق ذلك عامل فعال في تكوين الشخصية عندهم).
(لا يلتزم الكبار في الأفعال الاعتيادية اليومية التي يؤدونها بنظام معين، في حين أن الأطفال يميلون - على العكس من الكبار - إلى أن يسيروا حسب خطة معينة ولكن هل إننا ندعهم أحراراً في تنفيذ خططهم؟! كلا. إذا كان الأطفال يلعبون فإننا نمنعهم عن اللعب لنصحبهم معنا إلى النزهة، وإذا كان الطفل يملأ سطلاً من الرمل، أو يلبس العروسة بدلة، فإننا نأخذ بيده إلى أن يأتي ويسلم على الضيف).
(هذه الأمور تدعو الطفل إلى أن يعتقد بأن حقارة خاصة تكتنفه مما تجعله دون مستوى الآخرين، وعندئذ يدرك الطفل أن جميع أفعاله فاقدة للمعنى، وأنه موجود تافه، وفي مثل هذه الحالة كيف تستطيعون أن تلقنوا هذا الموجود الصغير معاني المسئولية والاعتماد على النفس؟!) (1) .
لا تغفلوا عن كلام النبي (ص) حيث يقول: (أكرموا أولادكم) ولا تنسوا قوله: (ولا يرقه ولا يخرق به).
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 56.
إرشاد الطفل:
لا ريب في أن الطفل يحتاج لمعرفة الخير والشر إلى إرشاد أبويه. فعليهما أن يعلماه موارد الخير ويحثاه على العمل به، ويبصراه بالشر ويحذراه منه. إن مجموعة الأوامر والنواهي الصادرة من الوالدين إلى أطفالهما تمثّل تنفيذاً لواجب تربوي مقدس، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن هذه الأوامر والنواهي يجب أن لا تتجاوز الحد المعقول، ولا تصل إلى حد الإهانة وجرح شعور الطفل الذي يؤدي بدوره إلى نتيجة عكسية.
هناك بعض الآباء يتدخلون في سلوك أطفالهم بدرجة كبيرة، ظناً منهم بأنهم يحسنون تربيتهم بذلك، فيتجاوزون بأوامرهم نواهيهم الحد المعقول، ويسببون الجزع والملل لهم ولأطفالهم، في حين أن الطفل يزداد انحرافاً يوماً بعد آخر.
إذا كان للطفل سلوك غير محبّذ فعلى الوالدين أن يرشداه إلى الطريق الصحيح بأسلوب هادئ لا يصيب شخصيته بإهانة أو تحقير. ذلك أن الإكثار من توبيخ الطفل وتوجيه اللوم والتقريع نحوه والإصرار على هذا العمل المقترن بالإهانة وتحطيم الشخصية، لا ينتج النتيجة المطلوبة من إصلاح الطفل فحسب، بل يؤدي إلى إصراره وعناده والاستمرار في أفعاله الفاسدة رغم أنف والديه وفي هذا يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (الإفراط في الملامة يشبُّ نيران اللجاج) (1) .
____________________
(1) تحف العقول: 84.
قد اندحر في الميدان تماماً، يصمم على مقاومة أبويه فيثبت شخصيته بالاستمرار في العمل الفاسد الذي كان قد ارتكبه.
(إذا كان سلوك الطفل فاسداً وشريراً بصورة خاصة فيجب اتباع المعارضة يقابل بالفشل، لأن كل حاجز يحث الإنسان لي اجتيازه. إن ألف (لا تفعل) ولا تفعل الصادرة من الوالدين تفتح أمام الطفل عالماً من (الممكنات). إن الطفل يفكر في نفسه قائلاً: (يجب أن لا أفعل هذا؟ إذن أستطيع أن أفعله، والآن أقدر عليه أيضاً) فسلوك كهذا يوجد في الطفل على ما يكون سبباً في قيامه بذلك العمل. علينا أن نرشده إلى ما ينبغي أن يؤديه، أن لا نجرح عواطفه، ولكن لا يعني هذا أن نتركه وشأنه. يجب في هذا السبيل أن نعيّن له ميولاً أخرى تحل محل الميول السابقة، نوجهه نحو أهداف مفيدة ومساعدة على ظهور شخصيته) (1) .
الطغيان الناشىء من التحقير:
إن الآباء والأمهات الذين يسيئون إلى أطفالهم بسوء إدراكهم ويحطمون شخصيتهم يدفعونهم إلى المخالفة والطغيان والفوضى ويبذرون في نفوسهم بذور العناد والخروج على القواعد الاجتماعية. وهذا ما يجرّ وراءه سلسلة من المآسي والمشاكل، وبهذا الصدد يقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (جرأة الولد على والده في صغره، تدعو إلى العقوق في كبره) (2) .
الآباء والأمهات الذين يحترمون أطفالهم، ويكبرون فيهم معنوياتهم، ويسايرونهم بالأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة يستطيعون أن يربوهم على صفات
____________________
(1) چه ميدانيم؟ اطفال دشوار ص 77.
(2) تحف العقول ص 489.
الحميدة، وإذا صادف أن ظهر في سلوكهم ما يؤدي إلى الانحراف فإن من السهل عليهم أن يكافحوا ذلك.
الطفل كالكبار في أنه يحب ذاته، فعندما يفهم أن العمل الفاسد يسيء. ويحطم شخصيته، ويقلل من منزلته في أنظار الناس، ويؤدي إلى احتقاره في محيط الأسرة، يترك ذلك فوراً حفظاً على مقامه ويقوم بإصلاح نفسه بصورة تلقائية. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته) (1) . وعنه (عليه السلام) أيضاً: (من شرفت نفسه نزهها عن ذلَّة المطالب) (2) .
وبهذا المضمون وردت روايات كثيرة، منها:
عن علي (عليه السلام): (من كرمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية) (3) .
وعن الإمام علي بن الحسين ((عليهما السلام)): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا) (4) .
شرف النفس والاستقامة:
يستفاد من هذه الأحاديث أن شرف النفس لا يتلاءم مع الانحرافات والمعاصي. أن من يحس في نفسه بالكرامة والشرف، ويرغب في الحفاظ على هذه الجوهرة الثمينة في خزانه روحه بصورة دائمة لا يحوم حول الذنب والانحراف أبداً. إن من يرغب في أن تكون له شخصية لا معه وسمعة طيبة يجب أن يمتنع عن الكذب، ومن يحب في أن يتلمس آثار الشرف والعدالة والاستقامة في نفسه لا يستطيع أن يرتشي، ومن عرف في المجتمع بالأمانة ويرغب في الإبقاء على ذلك لا يقوم على الخيانة.
أما من لا يملك شرف النفس وحسن السمعة، ويعتبر تافهاً في نظر المجتمع،
____________________
(1) سفينة البحار للقمي - مادة شها، ص 726.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 669.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 677.
(4) تحف العقول ص 278.
ويحس بالحقارة في نفسه أيضاً. ويكون خطراً على المجتمع الذي يعيش فيه فلا يتورع عن الإجرام والتلوث بالذنوب والمعاصي.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من هانت عليه نفسه فلا ترجُ خيره) (1) .
وعن الإمام علي الهادي (عليه السلام): (من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره) (2) .
وفي حديث عن الإمام أمير المؤمنين (ع): (هانت عليه نفسه من أمّر عليه لسانَه) (3) فالشخص الذي يطلق العنان للسانه بالسب والشتم والغيبة والفحش في القول يكشف عن حقارة نفسه وخسة طبعه.
لكي يؤدي الوالدان الدين التربوي الذي في عاتقهما تجاه الطفل، ويربّياه على الرغبة في الخير من دون ضغط أو تهديد، ويوجد فيه شخصية متكاملة، عليهما أن يحترماه ويسلكا معه بحيث يفهم أنه عضو مستقل في الأسرة وله من الاحترام والتكريم ما للآخرين.
(يكفي للمربين وللأولياء أن يحترموا هذا العالم المعقد والمبهم (أي الطفل) ولا يحكموا على عالمه المعقد بشيء. يجب عليهم أن يدفعوا الطفل إلى النشاط والعمل بمحركاته لا بواسطة محركاتهم، وبهذه الطريقة يستطيعون أن يوجدوا جوا التفاهم ويبذروا فيه بذور الاعتماد على النفس والاستقلال).
(لا نعني من هذا أن للطفل أن يمارس ما يشاء من رغبات وميول غير مناسبة. ولكن عندما يدرك الطفل أنهم فهموه وعرفوا حقيقته، فلا يسيء التصرف إلى قابلياته. إنه يدرك حدوده وحدودنا. إنكم قد علمتموه القواعد والآداب والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية. إنه يحس بأن هذه الآداب والقواعد تسهل ارتباطه بالمحيط الذي يعيش فيه دون الإضرار بحريته. إذن،
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 712.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|214.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1079.
فهو ينقاد لها بكل رغبة وارتياح: إن احترموه فهو يستمر على احترامهم أيضاً).
(وإذا وجد أنكم لا تسخرون منه عندما يصارحكم بأفكاره ويتباحث معكم بشأنه، ولا تعترضون عليه في كل آن، فلا يملك دليلاً على تخلفه ومن النادر أن يخرج على تعاليمكم ).
(ولأجل هذا النظام فإنه يحترم الآخرين ويجعل نفسه محترماً في نظر الآخرين، وتكون له روابط طيبة مع كل أحد؛ لأنه يعطي كل شخص حقه حتى يستطيع أن يطالب بحقه) (1) .
إن الآباء والأمهات الذين يتذكرون كلام رسول الله دائماً حيث يقول: (أكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابكم) ويطبّقونه في كل حين، يستطيعون تربية أطفال شرفاء ذوي شخصية، وتدريبهم على الصفات الفاضلة والسلوك المحبذ.
تحقير الطفل:
يجب أن نعترف - بكل أسف - بما يجري في بلادنا تجاه الأطفال من التحقير على خلاف تعالي الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله. فإن أكثر الآباء لا يهتمون برعاية احترام أطفالهم، ويوجدون في نفوسهم عقدة الحقارة من حيث يعلمون أو لا يعلمون. وعلى سبيل المثال أذكر لكم بعض النماذج التي شاهدتها من قريب، وربما لاحظها السادة الحاضرون أيضاً.
1 - من المتداول في الحفلات والمجالس أن تبعث بطاقات للكبار فقط. بعض الآباء يصحبون معهم أولادهم الذين في السن الثامنة أو العاشرة - وهؤلاء يملكون نفوساً حساسة - من دون دعوة، وبهذا العمل فإنهم يلقنونهم الذلة والحقارة، ويفهمونهم بصورة غير مباشرة أنهم لا يليقون للدعوة. لا بد أنكم لاحظتم ما يحدثه إرسال صاحب البيت بطاقة خاصة للصبي الذي يملك من العمر
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 71.
عشر سنين من أثر عظيم في روح الطفل، فيحضر الحفلة بعزة وفخار، شاعراً بالاستقلال والاحترام!
2 - عندما يجلس الكبار على المائدة يوضع أمام كل منهم صحن وملعقة وشوكة. وقد لاحظت مراراً أن الأطفال لم تخصص لهم صحون، فيأخذون بالنظر إلى حولهم بانكسار إلى أن يرق قلب الأب أو أحد الحاضرين فيفرغ للصبي صحن الخضروات الصغير ويناوله إياه. إن هذا تحقير صريح للطفل أمام ذلك الجمع الكبير، وهو ضربة قاصمة ترد على شخصيته وربما تلازمه مدى العمر.
3 - يحين وقت النوم، فيخصص لكل من الضيوف الكبار سرير خاص أو فراش معين، ويبقى الصبي الصغير حائراً دون أن يفكر في أمره أحد، كأنهم لم يعتبروه إنساناً و لم يخصصوا له سريراً، وأخيراً يلجأ مع الإحساس بالفشل والانهيار إلى فراش أبيه أو أحد أقربائه!
4 - الأب جالس مع الضيوف في غرفة الاستقبال وهم يتحدثون. يدخل الصبي في العاشرة إلى الغرفة يقوم الضيوف احتراماً له، من المناسب في هذه الحالة أن يسكت الأب حتى يقوم الصبي نفسه بتوجيه الشكر لهم، أو أنه إذا لم يستطع ذلك يقول له الأب: اشكر السادة. ويقول هو: شكراً لكم. لقد شاهدت مراراً أنه بمجرد أن يحترم الضيوف الصبي، يظهر الأب خجله من ذلك فيقول لهم وكأن عملاً سيئاً قد وقع: استريحوا، تفضلوا، وبهذا العمل يستسغ التحقير لولده... وهنا يحس الصبي بأن أباه يريد أن يقول للضيوف: إن ابني لا يليق بالاحترام والتكريم، لا تعتنوا به ولا تقوموا له.
5 - كثيراً ما يشاهد أن الآباء لا يحجزون في بعض السفرات القصيرة مقاعد لأطفالهم لغرض الاقتصاد في الصرف. فيقف الطفل طول الطريق، وعندما يتعب يجلس في حجر الأب. هنا يحس الطفل بأنه لا يملك من المنزلة والاحترام ما يستوجب أن يحجز له مقعد خاص حتى يجلس كالآخرين. خصوصاً إذا كان هناك طفل في سنه قد حجز له أبوه مقعداً، إن الأب يحاول أن يقتصد بعض الشيء، ولكنه يوجه ضربة قاصمة نحو شخصية الطفل ويهينه بعمله هذا.
رد الفعل:
قد يظهر الطفل أمام هذه الإهانات رد فعل فوري، فيغضب، أو يتحسّر ويتألم، أو يبكي، وقد يتفاقم ذلك فيظهر بصورة أعمال استفزازية منكرة. إن تكرار الأعمال التي تتضمن التحقير والإهانة يوجد في ضميره عقدة نفسية، ويجعله إنساناً تافهاً، ويقتل فيه قابلية الاعتماد على النفس واستقلال الشخصية وتلازمه ويلات ذلك كله مدى العمر.
يستفاد من بحوث علماء الغرب أن بعض الأسر الأوروبية أيضاً لا تهتهم باحترام الأطفال وتقوم بتحقيرهم مما يجعل الأطفال المساكين يئنون من ذلك ويتألمون من الإهانات التي يلاقونها.
(الإحساس بالحقارة - كلنا نعرف رجالاً ونساءً يعيشون في حالة من عقدة الحقارة. إن عدد هؤلاء ضخم جداً، وإن 90 بالمائة من عوامل هذه الحالة النفسية يجب أن نبحث عنها في أدوار الطفولة. وعلى هذا الإحساس تظهر حالة من انهيار شخصية الطفل في الوقت الذي تبدأ غرائزه الاجتماعية بالتفتح. إن من الممكن أن تعمل عوامل أخرى على تقوية هذه الإحساس لكن نشوءه يرجع إلى دور الطفولة بلا شك).
(تصوروا أما ترى طفلها يرفع أصيصاً جميلاً من مكانه فتتصور أن الأصيص ربما يكسر بهذا العمل فتتألم لذلك، ولأجل أن لا يحدث مثل هذا الموضوع الخطير في نظرها في المستقبل تمنع الطفل من لمس ذلك الأصيص، في حين أن المربية تلمس الأصيص الظريف بكل حرية، وإذا صادف أن أحد الضيوف كسره عن غير عمد تحاول الأم أن تعلن بكلمات براقة وعبارات ظريفة أن أمراً مهماً لم يقع وأن الأصيص لا يساوي شيئاً , هذا الحادث المخفق يوصل الطفل إلى هذه النتيجة وهي أنه وحده الموجود
الخطر الذي يخشى منه على الأصيص وسائر الأثاث، إذن فهو موجود أحقر وأحط من الآخرين) (1) .
الشعور بالاستقلال:
تبين لكم مما تقدم معنى احترام الطفل ونتائجه المفيدة في المنهج التربوي، والآثار السيئة التي تنشأ من إهانة الطفل وتحقيره. إن احترام الطفل يجعله ينشأ على الاستقلال والاعتماد على النفس، وزرع فيه بذور الشخصية والتعالي.
لقد عمل أئمة الإسلام بالإضافة إلى تفهيم الناس بالأساليب التربوية الصحيحة، على تطبيق ذلك وتعليمهم إياها بصورة عملية، فقاموا بتربية أولادهم وفقاً لأحسن الصفات الفاضلة. ولأجل إيضاح الموضوع وإكمال البحث لا بأس باستعراض بعض الأساليب العملية للرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في إحياء شخصية الأطفال:
تربّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) منذ الصغر في حجر النبي العطوف واستوعب جميع الصفات الفاضلة والسجايا الحميدة من قائد الإسلام العظيم، وإن حياته النيّرة وسلوكه العظيم أحسن شاهد على حسن تربيته في دور الطفولة.
تربّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) منذ الصغر في حجر النبي المعطاء واستوعب جميع الصفات الفاضلة السجايا الحميدة من قائد الإسلام العظيم، وإن حياته النيرة وسلوكه العظيم أحسن شاهد على حسن تربيته في دور الطفولة.
ومن الصفات البارزة للإمام علي (عليه السلام) رصانة شخصيته، واستقلال إرادته. وبالرغم من أن علياً (عليه السلام) لم يكن طفلاً عادياً من حيث الروح والجسد - فقد كانت مواهب وقابليات خاصة أودعت في كيانه الممتاز - لكن الإشراف المباشر من الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله كان له اكبر الأثر في إبراز تلك المواهب والقابليات.
عندما بعث النبي (ص) كان علي (ع) صبياً لا يتجاوز العاشرة، ولكنه كان
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 56.
يملك شخصية إنسان كامل. لقد عرض الرسول الأعظم (ص) الإسلام عليه ودعاه إلى اعتناق هذا الدين السماوي فأكد على كفاءته وعظمة شخصيته بهذا العمل المهم. وما كان من علي (عليه السلام) إلا أن يستجيب لدعوة النبي عن بصيرة وإيمان ووعي.
إن الصعوبات والمشاكل التي نوجه الرجال في حياتهم غالباً ما تحطم شخصيتهم، فيخسرون المعركة ويصابون بعقدة الحقارة... في حين أن العواصف الشديدة التي هددت كيان الإسلام في الفترة التي سبقت الهجرة وبعثت الذعر. والقلق في نفوس المسلمين لم تستطع أن تزحزح من عزم الإمام علي بن أبي طالب ذلك القائد العظيم، ولم تقدر على أن تؤثر فيه قيد شعرة.
هذا الثبات، وهذه الاستقامة - بغض النظر عن الاستعداد الفطري للإمام (عليه السلام) - يرجع إلى التربية الفذة التي لقيها من مربيه العظيم الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، الذي قوّى من شخصيته ومنحه الكثير من علمه وحكمته وسيرته.
وكذلك الحسن والحسين (عليهما السلام) فإنهما تلقيّا تربية ناجحة، ونالا جميع الكمالات في الصغر على يد جدهما العظيم وأبويهما القديرين. حتى لقد قال المأمون العباسي عنهما أمام ملأ من رجاله: (وبايع الحسن والحسين (عليهما السلام)، وهما ابنا دون الست سنين، ولم يبايع صبياً غيرهما) (1) فمبايعة النبي (ص) للحسنين (عليهما السلام) وهما لم يبلغا الست سنين، دليل على أنهما حازا على مواهب عالية وتربية فذة، فاستطاعا بذلك أن ينالا هذه المرتبة العظيمة.
ومن خلال الحديث التالي نتبيّن عظمة شخصية أبناء رسول الله صلّى الله عليه وآله: (زيد بن علي، عن أبيه: أن الحسين بن علي (عليهما السلام) أتى عمر وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال: (انزل عن منبر أبي). فبكى عمر، ثم قال: صدقت يا بُني، منبر أبيك لا منبر أبي. وقام علي (ع) وقال: (ما هو والله عن رأيي). قال: صدقت، والله ما اتهمتك يا أبا الحسن) (2) فهذا دليل على
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج12|119.
(2) مجموعة ورام ج2|88.
أن عمر أيضاً كان يعرف أن الحسين ذو شخصية ممتازة وله إرادة مستقلة وليس كلامه هذا صادراً عن تلقين من أبيه بل هو نتاج فكره.
هذا وأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يسأل أولاده بحضور من الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب على أسئلة الناس إليهم. ومن النتائج المهمة لهذا العمل، احترام الأولاد وإحياء الشخصية فيهم.
وفي يوم من الأيام سأل الإمام (عليه السلام) من الحسن والحسين بعض الأسئلة، فأجاب كل منهما أجوبة حكمية بعبارات قصيرة... (ثم التفت إلى الحارث الأعور فقال: (يا حارث، علموا هذه الحكم أولادكم فإنها زيادة في العقل والحزم والرأي) (1) . إن الأب الذي يسلك مع أولاده هذا السلوك الممتاز ويجعل الكلمات الصادرة منهم قدوة لبقية أولاد المجتمع يكون قد احترمهم بأحسن صورة وأحيي فيهم الشخصية الفذة الكاملة.
هناك نموذج فذ للشخصية الرصينة نجده في الحوار التالي بين الإمام محمد الجواد (عليه السلام) والمأمون العباسي. ذلك أن المأمون قصد بغداد بعد وفاة الإمام الرضا (عليه السلام)، وخرج يوماً للصيد فمرّ في أثناء الطريق برهط من الأطفال يلعبون، ومحمد بن علي واقف معهم وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها... فلما رآه الأطفال فروا، بينما وقف الجواد (عليه السلام) في مكانه ولم يفر. هذا الأمر أثار تعجب المأمون فسأله:
ـ لماذا لم تلحق بالأطفال حين هربوا.
فقال له: (يا أمير المؤمنين، لم يكن بالطريق ضيقٌ لأوسّعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها، وظني بك حسنٌ، أنك لا تضر من لا ذنب له فوقفت).
لقد تعجب المأمون من هذه الكلمات الحكمية والمنطق الموزون والنبرات المتزنة للطفل. فسأله: ما أسمك؟
قال: (محمد).
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|144.
قال: محمد ابن من؟
قال: (ابن علي الرضا).
عند ذاك ترحّم المأمون على الرضا (عليه السلام) ثم ذهب لشأنه (1) .
لقد تربّى الإمام الجواد (عليه السلام) في حجر والده الرضا (ع) وتعلّم دروس الشخصية والفضيلة من مربيّة العظيم.
وهكذا شأن بنات أهل البيت ونسائهم، فقد كانوا على جانب عظيم من التربية الفاضلة والسلوك الممتاز. تلقوا ذلك كله من آبائهم وأمهاتهم الطاهرين. لقد عملت الحوادث والمآسي التي جرت على أهل البيت (عليهم السلام) بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، على إظهار عظمتهم ورصانة شخصيتهم ومستواهم المعنوي، وتفوقهم الروحي من خلال أفعالهم وأقوالهم. إن خطب الصديقة الزهراء في مسجد رسول الله بحضور الخليفة والحشد الغفير من المهاجرين والأنصار، وكذلك كلمات بضعتها الحوراء زينب، وخطب السيدة سكينة بنت الحسين (عليه السلام) أصدق شاهد على ما قلنا، فهي توضح عظمة منزلة نساء أهل البيت.
ولكي يقوي الوالدان من معنوية الأطفال ويحييا شخصياتهم، عليهما أن يعوّداهم على الاحترام والتكريم، ويحذرا من توجيه اللوم والتقريع والإهانة إليهم ويتذكّرا قولة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله): (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم).
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج12|122.
المحاضرة التاسعة عشرة:
الإسلام وتكريم الطفل
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) (1) .
لقد توصلنا في المحاضرة السابقة إلى النتيجة التالية، وهي: أن الأطفال لو قوبلوا بالتكريم والاحترام من الوالدين في محيط الأسرة فلا ينشئون حقراء أذلاء، ولا يحسون في أنفسهم بالخسة والضعة. وفي هذه المحاضرة نبدأ من حيث انتهينا أمس لبحث تتمة الموضوع، وقبل ذلك لا بأس بذكر أمرين:
الأطفال المعقدون:
الأول: أن بحثنا التربوي هذا يدور حول الأطفال العاديين، لا المعقّدين أو الأطفال المصابين بالجنون والبلادة الموروثة. وبعبارة أوضح: فإن بعض الأطفال يتولدون مجانين أو حمقى، ويكون لهذه النقيصة الوراثية جذور عميقة في كيانهم، وهؤلاء يستحيل أن يصبحوا عقلاء أو أذكياء في يوم ما، وليس في مقدور المربّي القدير أن يحوّلهم إلى أفراد أكفّاء.
كما أن هناك أطفالاً ليسوا بالمجانين ولكن سلوكهم ليس عادياً، إنهم مشاغبون وفوضويون، هؤلاء يطلق عليهم اسم الأطفال المعقدين في البحوث التربوية.
(إن عنوان الأطفال المعقدين يشتمل على معان كثيرة في الحقيقة. فهو يطلق بالدرجة الأولى على الأطفال المشاغبين، أي الصبيان
____________________
(1) سورة الإسراء | 84.
الذين تنظر إليهم التربية المعاصرة نظرة التحقير والاستغراب. هؤلاء الأطفال يتسببون في كثير من المفاسد والتخريبات بواسطة القوى التي يستخدمونها للوصول إلى مقاصدهم) (1) .
هناك عوامل عديدة تفسّر بموجبها هذه الحركات الشاذة للأطفال، فيجب أن تعرف معرفة دقيقة حتى يتسنى العمل على إزالتها. في بعض الأحيان يكون الدافع إلى الأعمال الشاذة والحركات الضارة للطفل المعقد وجود العاهات أو النقائص العضوية أو التشويهات في بدنه، في هذه الحالة يكون الطفل مريضاً فهو بحاجة إلى علاج.
(كما إن الطفل المريض لا يُرسل إلى المدرسة، كذلك يجب أن لا نخضع الطفل الذي ليس سليما من الناحية الفسيولوجية إلى تربية جديدة. كل طفل معقد يجب أن يخضع قبل تربيته، أو إعادة تربيته، إلى فحص دقيق. وفائدة هذا العمل أن جهود المربى لا تصرف عندئذٍ في سبيل تربية طفل يحتاج إلى رعاية صحية أو روحية فقط).
(فمثلا تعتبر التربية بوحدها عقيمة في فحص حالات الحقد التي ترتبط بداء الصرع. والسرقات الحاصلة في دور المراهقة والتي تحصل على أثر الاختلالات لحادثة في الغدة النخاعية، وأعمال الشغب الناشئة من تخلف النمو العصبي، وحالات العصاب المتصلة بآثار الالتهابات الدماغية، والكسل الذي يولد من قلة إفرازات الغدد الثايرويدية، والإخلالات الحاصلة من ثلة من الأمراض الروحية الموروثة) (2) .
هؤلاء الأطفال يجب أن يخضعوا لأساليب تربوية خاصة من قبل المتخصصين في التربية النفسية والعلاج الروحي والعصبي، وأن المناهج التربوية الاعتيادية لا تعود عليهم بالنفع أو الأثر أصلاً.
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 9.
(2) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 17.
إن بحثنا يختص بتربية الأطفال الاعتياديين والطبيعيين، الأطفال المتولدين من آباء وأمهات أصحّاء في ظروف طبيعية. ذلك أن استعمال الأساليب التربوية في حق هؤلاء يتضمن فوائد عظيمة وآثاراً مهمة. فإذا تنبه الآباء والأمهات في هذه الحالة إلى المسئولية العظيمة الملقاة على عواتقهم واهتموا بإيجاد جو مناسب للتربية الصالحة في الأسرة والتزموا الصدق في الحديث والاستقامة في السلوك مع أطفالهم، وطبقوا المناهج التربوية في كل خطوة ومرحلة، فإنهم يستطيعون تربية أطفال مهذبين وأكفاء من كل جهة، ويكونون بذلك قد نفذوا الأوامر الإلهية وأدوا ما عليهم تجاه أطفالهم تجاه المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه.
أهمية تربية الطفل:
الثاني: أن مسألة تربية الطفل تشغل مكانة مرموقة من المسائل الاجتماعية في العصر الحديث، فهي من أهم أركان السعادة البشرية. لقد بحث العلماء كثيراً حول مختلف الجوانب النفسية والتربوية للطفل وألفوا الكتب العديدة في هذا ا لمجال. ولذلك فإن الدول العظمى تنشىء المؤسسات والمنظمات العظيمة لغرض تنشئة الطفل تنشئة سليمة من حيث الروح والجسد فيخضعون الأطفال في سبيل ذلك إلى رقابة عملية وتطبيقية مشددة. وبصورة موجزة فإن (الطفل) يشغل مجالاً مهماً من مجالات التفكير الحديث.
أما الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فقد ظهر قبل أربعة عشر قرناً، وفي عصر يعمه الجهل والضلال، في المجتمع الحجازي المتأخر. وأخذ يبدي اهتماماً بالغاً إلى قيمة تربية الطفل، وبدأ يرشد أتباعه إلى التعاليم اللازمة في هذا الصدد. لقد عالج الإسلام جميع القضايا التي ترتبط بالعلاقة الزوجية، وشروط الرجل والمرأة من حيث طهارة النسل المنحدر عنهما، وكذلك شروط الرضاع، وتنشئة الطفل خطوة خطوة.
هناك حقائق نفسية وتربوية كثيرة حول منهج تربية الطفل يذكرها العلماء المعاصرون في كتبهم وأبحاثهم في حين سبقهم إلى التصريح بها أئمة الإسلام وقادة المسلمين (عليهم السلام) في القرون الماضية. وما أكثر المسائل العلمية التي ذكرها
أئمتنا (عليهم السلام) حول تربية الطفل وسائر الموضوعات ولكنها لم تصل إليها لصعوبة التدوين والكتابة!
إن الهدف من تربية الطفل في هذه المحاضرات أمران: الأمر الأول أن يدرك المستمعون الكرام - والطبقة المثقفة منهم بالخصوص - إلى عظمة التعاليم الإسلامية ومدى شمولها لمختلف جوانب الحياة، ويطلعوا على القيمة العلمية لهذه الحقائق فيتبعوها بإيمان أعمق واعتقاد أقوى. و الأمر الثاني هو أن يتنبه أولياء أمور الأطفال إلى المسئولية الدينية والوطنية الخطيرة الملقاة على عواتقهم بالنسبة إلى تربية الصبيان المودعين بأيديهم، ويقوموا بواجبهم هذا خير قيام.
مما لا ريب فيه أن شطراً كبيراً من المآسي والمشاكل الاجتماعية، وجانباً مهماً من الانحرافات الخلقية لشبابنا، يعود إلى سقم الأساليب التربوية المتبعة بحقهم في أيام الطفولة. ولسوء التربية في الأسرة جذور مختلفة بحسب المستوى الذي يبلغه الآباء والأمهات من حيث التكامل الروحي أو الانحطاط المعنوي.
مضار التربية الفاسدة:
يتميز بعض الآباء والأمهات بكونهم فاسدين وذوي أخلاق سيئة، فهؤلاء لا يربون أولادهم إلا على الفساد والانحراف، لأن الأطفال يتعلمون دروس الانحراف وسوء الخلق من آبائهم وأمهاتهم فينشئون على ذلك السلوك المتطرف، ومن البديهي أن هذا السلوك لا يعكس في المجتمع إلا آثاراً فاسدة.
كما يتميز بعض الآباء والأمهات بأنهم يصرفون جل اهتمامهم إلى ضمان الغذاء واللباس والمأوى لأطفالهم، ولعدم توفر النضج العقلي الكافي فيهم فإنهم يهملون الجوانب التربوية والخلقية للطفل، وحتى لو حاولوا أن يقوموا بهذا الواجب العظيم فإنهم لا يعلمون ماذا يفعلون؟ وماذا يقولون؟ وكيف يرشدون الطفل؟ لأنهم لم يفكروا يوماً ما في أمر استيعاب المناهجٍ التربوية الصالحة، ولم يحاولوا أن يفهموا واجبهم في هذا المجال.
تهاون بعض الآباء:
أما طائفة أخرى من الآباء والأمهات، فهم يعرفون معنى التربية الخلقية والتنشئة الروحية للطفل إلى درجة ما، ويعرفون السبل إلى تحقيق ذلك، ولكنهم يتهرّبون عن واجبهم بصورة عملية، ولا يجدون مسئولية ما على عواتقهم في هذا المجال. وكأن هؤلاء يتصوّرون أن النمو النفسي للطفل يخضع للحوادث الفجائية وللصدقة، فيتركونه بيد الأقدار توجهه كيفما تشاء مهملين واجبهم المقدس. في حين أنه لا يمضي وقت طويل حتى يجني الآباء الثمار السيئة لذلك الإهمال والتهاون. هؤلاء الأطفال يخضعون لتأثير العوامل الهدامة والمضللة بسرعة؛ لأنهم يفقدون الشخصية الخلقية المستقلة ولا يملكون القوة النفسية التامة، فينحرفون عن الصراط المستقيم، ويقدمون على مختلف أنواع الجرائم والمعاصي، والوزر في ذلك كله يعود على الوالدين.
إن دور الطفولة يحتل الأهمية العظمى في تقرير أساس الحياة. وإن السلوك المفضّل أو الفاسد للأفراد يعود إلى الأساليب التربوية الصالحة أو الفاسدة المتخذة في حقهم. إن الفرد يسير طيلة أيام عمره على طبق الخلقيات الخاصة به، وإن أساس الخلقيات ينشأ في أدوار بالطفولة. وبهذا الصدد يذكر القرآن الكريم: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) وشاكلته: أي خلقه وطبيعته. إذن، فالآية الكريمة تصرح بأن أفعال كل فرد وأقواله إنما تسير حسب خلقه وطبيعته التي نشأ عليها.
(إن الحقيقة التي تتضح يوماً بعد يوم هي أن الإدراكات الحاصلة في دور الطفولة والحوادث والتجارب الواقعة في تلك الفترة تأثيراً قاطعاً على حياة الإنسان، إذ نستطيع القول بصراحة بأن هذه الإدراكات والتجارب تعتبر الأساس لسلامة الأفراد وسقمهم، وسعادتهم وشقائهم طيلة أيام العمر).
(إن الطفل يصنع في الأعوام الأولى من حياته سدى حياته ولحمتها، وبمجرد أنه يترك المهد ويأخذ في المشي يكون قد تقرر ما ينبغي أن يقع وما لا ينبغي).
(تصب ركائز مشاعر الطفل وأحاسيسه من أولى أيام الرضاع،
أي أن العالم الخارجي إما أن يبدو أمراً منسجماً وباعثاً على الأمل في نظره، أو أنه يفهم منذ ذلك اليوم أنه عبارة عن مجموعة من اليأس والعذاب. إما أن يفهم منذ البداية أنه يجب التغلب على المحيط الخارجي بالبكاء والعويل، أو يذعن بأن هناك من يفهم وضعه بصورة جيدة ويهيئ له العوامل المساعدة. هذه الحقائق وحقائق أخرى تترك أثراً كبيراً على تفكير الطفل الرضيع، بحيث تلازم شخصيته طيلة أيام الطفولة والمراهقة والشيخوخة) (1) .
إننا نأمل أن يهتم الآباء والأمهات المسلمون بأداء واجباتهم في سبيل تربية أطفالهم، ويستمدوا العون من الله العلي القدير في الوصول إلى هذا الهدف المقدس. أما بحثنا هذا اليوم:
إحياء شخصية الطفل:
لقد ذكرنا في المحاضرة السابقة أن تكوين شخصية الطفل من الفصول الأساسية في التربية، ولكي ينشأ الأطفال على الاستقلال، ويعتادوا الاعتماد على النفس، ولا يصابوا بالحقارة والضعة، يجب على الآباء والأمهات أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً بالغاً منذ الطفولة فيحاولوا أن ينموا مقومات الشخصية في أفلاذ أكبادهم بحديثهم وسلوكهم، يجب عليهم أن يسلكوا معهم بصورة يعتقد الأطفال معها أنهم ذوو شخصية مستقلة وأنهم أعضاء حقيقيون في الأسرة. إن من أسلم الطرق وأفضلها في إحياء شخصية الطفل احترامه والامتناع عن تحقيره وإهانته، وقد صرح بهذا الموضوع في الحديث الذي ذكرناه ضمن المحاضرة السابقة حيث يقول النبي (صلّى الله عليه وآله): (أكرموا أولادكم). وقد أشار العلماء المعاصرون في الكتب النفسية والتربوية إلى هذين الأمرين، أعني: احترام الطفل، وعدم تحقيره.
____________________
(1) عقده حقارت ص 9.
على الوالدين أن يسعيا للنفوذ إلى أعماق قلب طفلهما حتى يرى المسائل بالشكل الذي يريانه. قد يسمع الأطفال أن حديثاً يدور حولهم، وأن الحديث يتناول ذمهم وذكر معايبهم، وتأويل سذاجتهم إلى شيء من البلادة والحمق... عند ذاك يدركون أن الكبار يحتقرونهم، ويوجهون اللوم والتقريع نحوهم دون أن يفهموا روحياتهم، في حين أن هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يعلمون السبب في توبيخهم وتأنيبهم. أو أنهم يجبرون على سلوك معين في حين يجهلون العلة الصحيحة والمنطقية لذلك... بهذه الصورة ينفصل عالمهم عن عالم الكبار في حين أنهم توصلوا تلقائياً إلى هذه النتيجة، وهي أن الكبار موجودات تختلف عنهم، وأن عليهم أن يتسلّحوا بالسلاح الكافي للدفاع عن حقوقهم تجاههم).
(يجب عليهم أن يحاولوا أن لا ترتفع أصواتهم مع الأطفال أكثر مما هو الحال عند الحديث مع زميل أو صديق لهم. أما الإرشادات فعندما تصبح ضرورية يجب أن تساق بالهدوء واللين بحيث لا تُوجد حاجزاً بينهم وبين الأطفال، أو تُؤدي إلى نفورة وحقد.
فإذا سار السلوك مع الأطفال على هذا النحو نشئوا ذوي شخصية ممتازة، واعتادوا على الاعتماد على النفس).
(يجب إفهام الطفل بأنه عضو فعال في الأسرة، وأن عليه مسئولية معينة يجب أن يلتزمها ويقوم بأدائها) (1) .
مشاعر الطفل الرضيع:
إن النكتة الجديرة بالاهتمام من قبل أولياء الأطفال هي أن ركائز شخصية الطفل تصب في وقت مبكر جداً. فمنذ الأسابيع الأولى، ومن حين
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 31.
الرضاع... حيث الطفل يعيش في المهد، تبدأ مشاعر الطفل بالعمل وفي حين أنه لا يتكلم، ولا يستطيع المشي، ولا يقدر على قبض شيء بأصابعه الضعيفة. وبعبارة موجزة: لا يعدو أن يكون قطعة من اللحم المتحرك القابع في زاوية، لكنه يتأثر بالحدة والغلظة، أو اللين والحنان، وتنعكس في روحه النتائج الطيبة أو السيئة لأفعال الآخرين.
على الوالدين أن يدركا الطفل منذ ذلك الحين، ويقوما بواجباتهما التربوية في سبيل تنمية روحه وإحياء شخصيته.
(تنفذ [سلوكيات] المربي إلى أنسجة الطفل وأعصابه وروحه كما ينفذ الماء في الأرض الرملية. يجب على المربي أن يتجنب الاهتمام إلى بعض العوامل فقط، ذلك أن العوامل الخلقية مثلاً لا تقل أهمية عن العوامل الكيمياوية والفسيولوجية في ضمان قابلية العضلات على المقاومة، وأن التكامل النفسي لا يمكن بدون الاستعانة بجميع عوامل النمو الأخرى. إذ المهم أن هذه العوامل يجب أن تستأثر باهتمام المربي بصورة مستمرة، وفي الواقع فإنه يجب تطبيقها منذ اليوم الثاني من الولادة).
(ولهذا فإن الأم يجب أن تكون أعرف بميكانيكية تربية الطفل وطريقة استعمالها من المعلم. إن الطفل يدرك بسهولة أن بعض الأفعال لا يرتاح لها الأب أو الأم، وان مدح الآخرين أو تأنيبهم يؤثر فيه تأثيراً كبيراً) (1) .
أسلوب النبي في تربية الطفل:
لقد عمل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، مضافاً إلى توصية أتباعه الاهتمام بتربية الأطفال وبذل العناية البالغة بإحياء الشخصية فيهم، على تطبيق
____________________
(1) راه ورسم زندكى، تأليف: إلكسيس كارل، ترجمه [للفارسية]: برويز دبيري ص 168.
جميع النكات والدقائق اللازمة بالنسبة إلى أولاده، فقد بعث فيهم الشخصية الكاملة منذ الصغر. لقد كان (صلّى الله عليه وآله) يراقب أطفاله منذ الأيام الأولى للولادة، فالرضاع، فالأدوار الأخرى خطوة خطوة، ويرشدهم إلى الفضائل العليا والقيم المثلى، يحترمهم ويكرمهم حسب ما يليق بهم من درجة تكاملهم الروحي. وأهم من ذلك أنه كان لا يقصر اهتمامه على أطفاله فقط، بل كان يهتم بتربية أطفال الآخرين أيضاً. فقد كان - في الواقع - مربياً عظيماً وأباً عطوفاً لأطفال المسلمين أيضاً، وكان يسعى لإحياء الشخصية الفاضلة فيهم قدر المستطاع.
وعلى سبيل الشاهد نذكر نماذج من سلوكه (ص) في تربية أولاده وأولاد المسلمين أيضاً:
روي عن أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب - مرضعة الحسين (عليه السلام) - قالت: (أخذ مني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسيناً أيام رضاعه فحمله، فأراق ماءً على ثوبه، فأخذته بعنف حتى بكى. فقال (صلّى الله عليه وآله): (مهلاً يا أم الفضل، إن هذه الإراقة الماءُ يطهّرها، فأي شيء يزيل هذا الغبار عن قلب الحسين؟!) (1) .
إن مرضعة الحسين (عليه السلام) ترى في البلل الذي أحدثه على ثوب جده - شأنه في ذلك شأن سائر الأطفال - عملاً منافياً، ولذلك فهي تأخذه من يد رسول الله (ص) بعنف، في حين أن ذلك يخالف سلوك النبي (ص) مع الأطفال، ومع فلذة كبده الحسين بصورة خاصة.
فالطفل الرضيع يدرك العطف والحنان، كما يدرك الحدة والغلظة بالرغم من ضعف روحه وجسده، ولذلك فهو يرتاح للحنان ويتألم من الغلظة والخشونة. إن الآثار التي تتركها خشونة المربي في قلب الطفل وخيمة جداً بحيث إنها تؤدي إلى تحقيره وتحطيم شخصيته، وإن إزالة هذه الحالة النفسية من الصعوبة بمكان. ولذلك فإن الرسول الأعظم (ص) يقول لمرضعة الحسين (ع): إن ثوبي يطهره الماء، ولكن أي شيء يزيل غبار الكدر وعقدة الحقارة من قلب ولدي؟
____________________
(1) هدية الأحباب ص 176.
الرسول الأعظم وأطفال الناس:
هذه الرعاية التربوية نفسها كانت تنال أطفال المسلمين بصورة عامة، فقد كان ينبّه الآباء إلى واجباتهم في الحالات المناسبة، فقد جاء في الحديث: (وكان (صلّى الله عليه وآله) يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسميّه. فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله. فربّما بال الصبي عليه، فيصيح بعض مَن رآه حين بال. فيقول (ص): (لا تزرموا بالصبي) فيدعه حتى يقضي بوله، ثم يفرغ من دعائه أو تسميته. فيبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم، فإذا انصرفوا غسل ثوبه) (1) .
في هذا الحديث ثلاث نقاط جديرة بالملاحظة:
ا لأولى: أن الرسول الأعظم كان يستغل جميع الأساليب والوسائل لاحترام المسلمين وتكريمهم، ومن ذلك احتضان أطفالهم الرضع بكل حنان وعطف ومعاملتهم بالشفقة، فأحد أهداف النبي في عمله هذا هو تكريم أولياء الأطفال كما ورد التصريح بذلك في الحديث... (تكرمة لأهله).
الثانية: أن الطفل يبول طبقاً لحاجته الطبيعية وأداءً لعمل فطري، ولا يدرك في عمله هذا استحسان المجتمع أو استياءه. ولذلك فإن الرسول (صلّى الله عليه وآله) يقول: لا تغلظوا معه ولا تمنعوه من التبول، دعوه حراً. ولا شك في أن إجبار الطفل على إمساك ما تبقى من بوله يخالف القواعد الصحية.
الثالثة: أن خشونة الوالدين وغلظتهما تؤدي إلى تحقير الطفل وإيذاءه، وأن الانهيار النفسي للطفل يؤدي إلى نتائج سيئة طيلة أيام العمر. فعلى الراغبين في تنشئة أطفالهم بصورة صحيحة أن يحذروا من إثارة غبار التألم والاستياء في الضمير الباطن لهم.
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|153.
الرسول الأعظم والحسن (عليه السلام):
يتجلى مدى اهتمام الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بتكريم أولاده من الرواية التالية. يقول الراوي: (دعي النبي (ص) إلى صلاة والحسن متعلق به، فوضعه النبي (ص) مقابل جنبه وصلى. فلما سجد أطال السجود، فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلما سلم قال له القوم: يا رسول، لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، كأنما يوحى إليك. فقال: (لم يوح إلي، ولكن ابني كان على كتفي، فكرهت أن أعجله حتى نزل) (1) .
هذا العمل من النبي (ص) تجاه ولد الصغير أمام ملأ من الناس نموذج بارز من سلوكه في تكريم الطفل. إن الرسول (ص) عمل أقصى ما يمكن من احترام الطفل.
لقد كان أطفال الناس أيضاً يحوزون احتراماً وتكريماً من قائد الإسلام العظيم، وكان يبذل لهم من العناية بمشاعرهم الروحية وعواطفهم ما يبذله لأولاده. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (صلّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالناس الظهر فخفف في الركعتين الأخيرتين. فلما انصرف قال له الناس: هل حدث في الصلاة حدثٌ؟ قال: وما ذاك ٌ؟! قالوا: خفّفت في الركعتين الأخيرتين. فقال لهم: أما سمعتم صراخ الصبي؟!) (2) .
وهكذا نجد النبي العظيم يطيل في سجدته تكريماً للطفل تارة، ويخفّف في صلاته تكريماً للطفل أيضاً تارة أخرى، وهو في كلتا الصورتين يريد التأكيد في احترام شخصية الصبي وتعليم المسلمين طريق ذلك.
ومثل هذا نجده في الحديث الآتي: (عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه كان جالساً، فأقبل الحسن والحسين. فلما رآهما النبي قام لهما، واستبطأ بلوغهما إليه
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج10|82.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|48.
فاستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال: (نِعم المطيّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما) (1) .
في هذا الحديث نجد أن النبي (ص) يكرم سبطيه بشتى الصور: يقوم لهما، وينتظرهما، ويستقبلهما، ويجلسهما على كتفيه، هذا من الناحية العملية. وأما قولاً، فهو يقول في حقهما: (نعم الراكبان أنتما). إن ما يجلب الانتباه هو أن احترام الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) لسبطيه كان على مرأى ومسمع من المسلمين في الغالب، ولهذا الأمر فائدتان: الأولى: أن جذور شخصية السبطين كانت تقوى وتستحكم بفضل احترام النبي لهما أمام الناس. و الثانية: أن الرسول (ص) كان يعلّم الناس طريق تربية الأطفال بصورة تطبيقية. لقد كان أطفال المسلمين أيضاً متمتعين بهذا الاحترام والعطف من النبي أيضاً.
(كان (صلّى الله عليه وآله) يقدم من السفر، فيتلقاه الصبيان فيقف لهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم. فربما يتفاخر الصبيان بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله (ص) بين يديه، وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم) (2) .
مما سبق يظهر حالياً أن الأطفال كانوا يتمتعون بهذه المناظرة السارة، وكانوا يفرحون كثيراً لهذا السلوك الممتاز فلا ينسون تلك الخواطر الطيبة، بل كانوا يتحدثون عنها فيما بعد ويتفاخرون بتقدم رتبة بعضهم على بعض بمقدار تكريم النبي لهم.
يقولون: إن الأطفال يستأثرون باهتمام العصر الحاضر، وان تربيتهم تشغل مجالاً واسعاً من تفكير الحكومة والشعب. أفهل يمكن أن يبلغ اهتمامهم بالأطفال، الدرجة التي بلغها اهتمام الرسول الأعظم بهم وتكريمه لهم؟!
يقولون: إن الزعماء والقادة في الدولة المتمدنة يزورون رياض الأطفال ودور
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ح10|80.
(2) المحجة البيضاء في إحياء الإحياء للفيض الكاشاني ج3|366.
الأيتام ويقضون ساعة أو ساعتين مع الأطفال، فيحتضنونهم ويلتقطون صور معهم، ثم ينشرونها في الصحف ويكتبون المقالات المطولة حول ذلك، ومن هذا الطريق يفهمون الرأي العام بمدى عطفهم واحترامهم تجاه الأطفال من استقبالهم على أتم البساطة والعطف في الطرق والشوارع وحملهم على كتفه؟!
وبصورة أساسية: فإن الرسول الأعظم (ص) كان يعامل جميع الأطفال، سواء كانوا أبناءه أو أبناء غيره، بالشفقة والعطف والحنان. وقد جاء في الحديث: (والتلطف بالصبيان من عادة الرسول) (1) .
إرضاء حب الذات عند الأطفال:
لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يهدف معاملة الأطفال بالعطف والحنان بغض النظر عن إرشاد الناس بصورة تطبيقية إلى كيفية تربية الأطفال، إلى غرضين لامعين:
الأول: تنشئة الأطفال على الاستقلال والاعتماد على النفس، فإن أعظم ثروة لقائد حكومة قانونية وحرة وجود شعب حر وقوي الشخصية.
الثاني: إن عطف النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يؤدي إلى تشديد أواصر الحب والإخلاص بينه وبين الأطفال، فيرسخ حبه في قلوبهم وينشئون منذ البداية محبين لقائدهم العظيم. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (جبُلت القلوب على حب من نفعها وبغض من ضرها) (2) . وعنه أيضاً: (طبعت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها) (3) .
ندرك من هذا أن احترام الناس أحسن الوسائل لإرضاء غريزة حب الذات فيهم، الصغار والكبار، الرجال والنساء، كلهم يتلذّذون مَن احترامهم ويحبون مَن يحترمهم. كما أن القادة يستطيعون النفوذ إلى قلوب الشعب عن طريق
____________________
(1) المصدر السابق.
(2) و (3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج4|74.
احترامهم، وفي ذلك أعظم الأثر في حملهم على الطاعة والانقياد.
وإذا كان الطفل يقابل بالاحترام في محيط الأسرة، فإن خروجه على أوامر الوالدين سيكون أقل، كما أن تحقير الناس من أهم أسباب إثارة الفتنة والعداوة. يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (وأجمل معاشرتك مع الصغير والكبير) (1) ، وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) (2) .
(لا يوجد في العالم غير وسيلة واحدة يمكن بواسطتها إجبار شخص على القيام بعمل. هل فكرتم في هذه الوسيلة قط؟ وسيلة واحدة فقط، وهي عبارة: عن إيجاد الرغبة فيه للقيام بالعمل).
(إنك تستطيع أن تعترض عابراً في طريقه وتشهر عليه المسدس قائلاً له: انزع ساعتك وأعطني إياها! كما تستطيع أن تدفع العامل إلى العمل بواسطة إنذاره بالطرد... ولكن هذا كله ما لم تول ظهرك عنه. تستطيع أن تجبر طفلاً على الانقياد لأوامرك بالسوط، ولكن هذه الأساليب المؤلمة تتضمن نتائج وخيمة).
(يرى الفيلسوف الحاذق (جون ديوي) أن أهم الحوافز في النفس الإنسانية (حب الحيازة على الأهمية)... تذكّروا هذا دائماً: (حب أن يكون مهماً) فهناك عالم عظيم منطوٍ في هذه اللفظة).
(إن التاريخ مليء بالشواهد والأمثلة عن أحوال رجال عظماء كانوا يسعون لإظهار أهميتهم. لقد كان جورج واشنطن يرغب في أن يدعي باسم (سيادة رئيس جمهورية الولايات المتحدة). وكان كريستوف كلومبوس يرغب في تسميته باسم (بطل المحيطات ووصي الهند). لقد لوحظ أن بعض الأشخاص يتمارضون
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ح2|67.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 139.
لكي يكسبوا عطف من حولهم أكثر وبهذا الأسلوب يدركون ما لهم من الأهمية بصورة واضحة) (1) .
بذر الفضائل في نفس الطفل:
إن المربي القدير هو الذي يوجه غريزة حب الذات عند الطفل بصورة صحيحة، ويرضي هذا الميل النفسي بالطرق المناسبة، ويبذر الفضائل والملكات الحميدة في ظل هذه الغريزة في نفسه فينقذه من الأخطار التي ربما تعترض طريقه.
من طرق الاحترام وتكريم شخصية الطفل: السلام. فهناك عبارات وأساليب مختلفة في جميع نقاط العالم خاصة بالتحية حيث يؤديها الناس في أول لقاء بينهم. والسلام أحد السنن المؤكدة في تعاليم الإسلام الخلقية، فعندما يلتقي مسلمان يجب عليهما قبل كل شيء أن يسلم أحدهما على الآخر.
(عن الحسين بن علي (عليهما السلام) أنه قال له رجل: كيف أنت عافاك الله؟ فقال له: (السلام قبل الكلام، عافاك الله). ثم قال: (لا تأذنوا لأحد حتى يسلم) ) (2) .
إن الطفل يدرك في محيط الأسرة هذا الواجب الأدبي عن طريقين: الأول: عن طريق تقليد الوالدين والكبار، و الثاني: عن طريق تعليم المربي إياه وتأكيده على ضرورة أداء السلام للكبار. وكلما اُحترم الطفل في الأسرة واهتم الوالدان بشخصيته، كانت إطاعته لأوامرهما وانقياده لإرشاداتهما أكثر؛ ولذلك فهو يقابل الآخرين بالاحترام والأدب دائم.
(إن الطفل الذي أحسنت تربيته وعُومل بالين والعطف الذي يستحقه يندر أن يخرج على السلوك الذي يتوقّع منه).
____________________
(1) آئين دوست يابى تأليف: ديل كارنيجي ص 30 - 34.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ح2|68.
(3) ما وفرزندان ما ص 30.
رد السلام إلى الطفل:
إذا سلّم الطفل على الكبار فعليهم أن يردّوا تحيته بمنتهى اللين ويحترموا شخصيته بهذه الصورة. أما إذا لم يعتنوا به، ولم يردّوا سلامه، فإنهم يكونون قد أهانوه واحتقروه، وسيتألم لهذه الإهانة، ويستاء كثير.
بدء الأطفال بالسلام:
لقد تجاوز الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في سبيل تكريم الأطفال حد رد السلام، فكان هو يبدأ السلام معهم على ما هو عليه من عظم الشخصية، وبذلك كان يحترم شخصيتهم. هذا العمل الفريد من نوعه دعاء علماء الحديث إلى أن يوردوا أحاديث (استحباب التسليم على الصبيان) في باب خاص. وهذه نبذة من تلك الروايات:
1 - عن أنس بن مالك قال: (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرّ على صبيان فسلم عليهم وهو مُغِذٍّ) (1) .
2 - وذكر بعضهم في تعداد صفات النبي (ص): (إنه كان يسلم على الصغير والكبير) (2) .
3 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (خمس لست بتاركهن حتى الممات... وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي) (3) .
لبدء الطفل بالسلام أثران نفسيان: فهو يقوي في نفس المسلم صفة التواضع وخصلة الخلق الفاضل، ويحيي في الطفل الشخصية الرصينة والإرادة المستقلة. إن الطفل الذي يجد الكبار يسلمون عليه ويحترمونه بهذا الأسلوب يصدق بكفاءته
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|69. ومغذّ: أي مسرعُ في السير.
(2) المصدر السابق.
(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|209.
وأهليته للاحترام، ويطمئن منذ الصغر إلى أن المجتمع يعتبره إنساناً ويعيره الناس اهتماماً لا بأس به.
على الراغبين في اتباع سنة الرسول الأعظم (ص) أن يبدءوا الأطفال بالسلام، كي يركّزوا في نفوسهم خصلة التواضع، ويحيوا شخصيات الأطفال ويدفعوهم إلى طريق التربية السليمة.
المساواة بين الأطفال:
من الوجبات المهمة التي لا بد أن يلتزم بها أولياء الأطفال، في سبيل تربيتهم تربية صالحة، مراعاة التوازن والمساواة بينهم، على الآباء والأمهات الذين يملكون عدة أطفال أن يسلكوا مع كل منهم سلوكاً لا يُغفل شأن الباقين... عليهم أن ينظروا إليهم جميعاً بعين واحدة ويعاملوهم بالعدالة والمساواة.
(عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه نظر إلى رجل له ابنان، فقبّل أحدهما وترك الآخر. فقال النبي (صّلى الله عليه وآله): (فهلا ساويت بينهما؟!) (1) . وفي حديث آخر: (اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم) (2) .
أمل الطفل:
إن الأمل الوحيد للطفل ومبعث فرحه ونشاطه هو عطف الوالدين وحنانهم. ولا يوجد عامل يهدِّئ خاطر الطفل ويبعث فيه الاطمئنان والسكينة مثل عطف الوالدين، كما لا يوجد عامل يبعث فيه القلق والاضطراب مثل فقدان جزء من حنان الوالدين أو جميعه.
(إن حسد الولد تجاه أخيه الصغير الذي ولد حديثاً لا غرابة فيه؛ لأنه يحس بأن قسماً من العناية التي كانت مخصّصة له قد
____________________
(1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 113.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|113.
سُلبت منه، والآن لا يستأثر باهتمام الوالدين، بل إن الحب والحنان يجب أن يتوزّع عليه وعلى أخيه الأصغر) (1) .
إن الآباء والأمهات الذين لا يراعون العدالة والمساواة في التظاهر بالحب والحنان بالنسبة إلى أطفالهم، ويرجّحون واحداً منهم على الآخرين، يحطمون شخصياتهم ويفهمونهم بصورة عملية أن أخاهم (فلان) هو الجدير بالاحترام والتوقير فقط. أما هم فلا توجد فيهم الكفاءة والجدارة لكل ذلك، ومما لا شك فيه أن هذا السلوك غير العادل يتضمن نتائج غير مرغوب فيه.
من الآثار السيئة لهذا الاختلاف في معاملة الأطفال بالحب والحنان، ظهور عقدة الحقارة في نفوسهم. إن الأطفال الذين يشاهدون أحد إخوتهم يعامل في الأسرة بحب وحنان يفوقان ما يعاملون به يتأملون كثيراً ويحسون بالحقارة والضعة في نفوسهم، وأن تكرار هذا العمل يقوي الإحساس بالحقارة في ضمائرهم. ويضرب بجذوره في أرواحهم، مما يؤدي إلى ظهور آثاره الوخيمة من خلال تصرفاتهم يوماً بعد يوم.
(تشمل عقدة الحقارة جميع مظاهر عدم الثقة بالنفس والإحساس بالفشل، وعدم الجدارة، وفقدان الإرادة. وهناك آلاف العوامل التي تتسبب في ظهوره. قد يصاب الطفل بهذه العقدة فلا تتركه إلى دور البلوغ فقط، بل تلازمه إلى نهاية عمره. وعندما يكبر هذا الطفل يتخذ سلوكاً انزوائياً، أو يحس على الأقل بالغربة والبعد تجاه قرنائه).
(إن الذي ينزوي عن أقاربه وأقرانه يعبّر عن العذاب الذي يعيشه من حس الحقارة التي درج عليها منذ الصغر، ولهذا فإن كل خاطرة أو حادثة تضعف عزة النفس والغرور الذاتي عند الشخص تعتبر - حسب الأسس النفسية - عاملا لاتساع عقدة
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص27.
الحقارة، عاملاً لجعله في عداد الأفراد القلقين وضعاف النفوس في المجتمع) (1) .
انتقام الطفل:
والأثر الآخر من الآثار السيئة للاختلاف في معاملة الأطفال بالحب والحنان، إثارة الحسد وحب الانتقام في نفوس الأطفال المهملين تجاه الطفل المستأثر بحنان الوالدين دونهم. هؤلاء الأطفال الذين نالوا حظاً أدنى من عواطف الوالدين يتأملون، ويجدون أن العامل الوحيد لحرمانهم هو وجود أخيهم المدلل، فيحسدونه على ذلك الحب، وينظرون إليه بنظر العداوة والحقد. ولأجل أن يثأروا لكرامتهم وينتقموا منه فيجبروا بذلك حرمانهم يحاولون إيذاءه والانتقاص منه في كل فرصة يحصلون عليه. في بعض الأحيان يكون تأثير اختصاص الوالدين أحد أولادهما بالعطف والمحبة في زرع بذور الحقد والحسد في نفوس الآخرين شديداً إلى درجة تحملهم على التفكير في انتقام مخطط ومدبّر، والقيام بأعمال خطيرة لا تجبر، ولا شك أن المنشأ النفسي لهذه الجرائم يمكن معرفته في تفريق الوالدين بين أطفالها في نسبة الحب والحنان.
وقد يمتاز أحد الأطفال في الأسرة بجمال مفرط وخصائص فطرية ومنح إلهية أكثر من الباقين. في هذه الحالة مهما حاول الوالدان مراعاة العدالة والمساواة بينهم، فإن ذلك الطفل لا يسلم من حسد الآخرين، لأنهم بمشاهدتهم للامتيازات الظاهرية والنفسية التي يختص بها أخوهم يحسون بالحقارة والنقص في أنفسهم. يشعرون بأنهم دونه في المستوى والمنزلة. ولذلك فهم يحاولون إيذاءه والانتقام منه.
هذه الظاهرة نلمسها بوضوح في (يوسف الصديق) وإخوته الأحد عشر. ولا ريب في أن النبي يعقوب لم يكن شخصاً يخص بعض أولاده بالعطف والمحبة أكثر من الآخرين، مضافاً إلى أنه كان يوصي ولده (يوسف) بالنصائح اللازمة لعدم
____________________
(1) عقده حقارت ص 6.
إثارة حوافز الحسد والحقد في نفوس إخوته. فمثلاً عندما رأى الرؤيا التي تبشر بعظمته ورقيه أوصاه بأن لا يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له كيداً. مع هذا كله فإن الأخوة تذرّعوا بحب أبيهم ليوسف أكثر من حبه لهم، وزجوا بأخيهم الصغير في خضم من المشاكل والمصائب المؤلمة.
تدارك المشاكل:
ينبغي للآباء والأمهات الذين يملكون طفلاً ممتازاً من بين أطفالهم ويحذرون أن يثير ذلك فيهم الشعور بالانتقام، أن يتخذوا بعض التدابير الخاصة في منهاجهم التربوي فيحاولوا تدارك ما ينشأ في نفوسهم من الإحساس بالحقارة بالوسائل المناسبة. من تلك التدابير ما ورد في حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): (قال جعفر بن محمد (عليهما السلام): قال والدي: والله لأصانع بعض ولدي وأجلسه على فخذي، وأكثر له المحبة، وأكثر له الشكر. وإن الحق لغيره من ولدي، ولكن محفظة عليه منه ومن غيره لئلَّا يصنعوا به ما فعل بيوسف إخوته. وما أنزلت سورة يوسف إلا أمثالاً لكيلا يحسد بعضنا بعضاً كما حسد يوسفّ إخوته وبَغوا عليه) (1) .
يستفاد من هذا الحديث بصورة جيدة أن أحد أولاد الإمام الباقر (عليه السلام) كان يمتاز على الباقين ببعض الصفات، فكان الوالد يخاف عليه من حسدهم، وفي نفس الوقت كان يرغب في أن لا يخدش عواطفهم، فكان يحترم غيره احتراماً بالغاً ليمنع بذلك من إحساسهم بالحقارة ومحاولة الانتقام.
مشاركة الطفل في لعبه:
من وسائل إحياء شخصية الطفل مشاركة الكبير إياه في اللعب. إن الطفل يميل إلى تقليد الكبار في كل خطوة يخطونها؛ وذلك بسبب من شعوره بالضعف الذي
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|626.
فيه والقوة التي في الكبار من جهة، ولرغبته في التعالي والتكامل بصورة فطرية من جهة أخرى. إن التقليد والاقتباس من الثروات العظيمة لتكامل الإنسان وتقدمه، وقد أودع الله تعالى هذا الأمر الغريزي فيه منذ الطفولة.
عندما يتنازل الوالد الوالدة إلى مشاركة الطفل في لعبه، ومساعدته في أعماله، يطفح قلب الصغير بالفرح والبشر، ويحس في باطنه بأن أفعاله الصبيانية مهمة إلى درجة أنها تدعو الوالدين إلى المساهمة معه وجعل أنفسهما في مستواه. هذا الإحساس يحيي شخصية الطفل ويركز فيه الشعور بالاستقلال والثقة بالنفس.
إن المناهج التربوية الحديثة تهتم بمشاركة الكبار مع الأطفال في ألعابهم اهتماماً بالغاً، فإن علماء النفس يرون في ذلك واجباً من الواجبات التربوية للوالدين، ويؤكدون على هذا الأمر في كتبهم:
(من الضروري أن يشترك الأب في ألعاب أولاده ونزهاتهم. إن هذا يعبّر عن تفاهم وطيد. يشترك الأب في ألعاب الأطفال حسب أعمارهم، وحسب المكان، والفصل. لا شك في أن الوقت الذي يستطيع أن يخصصه لهذا العمل ضيق جداً، لكن بالنظر إلى المزايا التي يتضمنها من أن نزول الأب إلى مستوى أولاده يؤدي إلى ارتفاعهم إلى مستواه بدرجة كبيرة... هذه المزايا تدعو الآباء إلى تخصيص مجال - ولو ضيق - لهذا الأمر) (1) .
(يقول موريس تى يش في كتابه (دروس للوالدين): يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء، أن تعملوا معهم، أن تشاركوهم في اللعب، أن تقرءوا لهم القصص، أن تتحدثوا معهم بعبارات الود والصدقة. وبصورة خاصة فإن الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل نفسه بمستوى الأطفال ويتكلم بلغة يفهمونها).
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 22.
(إنكم إذا كلفتم أنفسكم هذا العناء... فحدثتم أطفالكم حول شئونهم الخاصة، وأفكارهم وآمالهم، وما ينوون القيام به، فطالما حصلتم على معلومات نافعة وقيّمة).
(هذا الاستئناس بروح الطفل، مضافاً إلى أنه يمنعكم من اتخاذ قرارات عاجلة وأحكام غير مدروسة في حقهم، يسمح لكم أن تحلوا كثيراً من المسائل المهمة في حياة الأحداث) (1) .
استحباب اللعب مع الطفل:
لقد اهتم أئمة الإسلام بهذا الأمر التربوي العظيم وأوصوا المسلمين بإرشادات مهمة في هذا الصدد. إن اللعب مع الأطفال من الأمور المستحبة في الشريعة الإسلامية، وقد أورد علماء الحديث نصوصاً كثيراً في كتبهم تحت عنوان (استحباب التصابي مع الولد وملاعبته) نذكر هنا نبذة منها:
1 - قال النبي (صلّى الله عليه وأله): (من كان عنده صبي فليتصاب له) (2) .
2 - عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من كان له ولد صبا) (3) .
3 - قال النبي (صلّى الله عليه وأله): (رحم الله عبداً أعان ولده على بره، بالإحسان إليه، والتألّف له، وتعليمه، وتأديبه) (4) .
وإذا نظرنا إلى طائفة أخرى من الروايات وجدنا أنها تؤكد على استحباب إدخال السرور على قلب الطفل بشتى الوسائل: باللعب معه، جلب الملابس الجديدة له، وأخذه للنزهة وما شاكل ذلك.
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 45.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|126.
(3) المصدر السابق.
(4) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|626.
4 - عن ابن عباس قال: قال النبي (ص): (من فرّح ابنته فكأنّما أعتق رقبة من وُلد إسماعيل، ومن أقرّ عين ابنه فكأنما بكى من خشية الله) (1) .
5 - عن يعلى العامري أنه خرج من عند رسول الله (ص) إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين (ع) يلعب مع الصبيان، فاستقبله النبي (صلّى الله عليه وأله) أمام القوم، ثم بسط يديه، فطفر الصبي ها هنا مرة وها هنا مرة، وجعل رسول الله (ص) يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه، ووضع فاه على فيه وقبّله) (2) .
إن قائد الإسلام العظيم يعامل سبطه بهذه المعاملة أمام الناس لكي يرشد الناس إلى ضرورة إدخال السرور على قلوب الأطفال وأهمية اللعب معهم في سبيل تربيتهم، مضافاً إلى قيامه هو بواجب تربوي عظيم.
إدراك نفسية الطفل:
إن أفعال الصبيان حين اللعب وكذلك أقوالهم التي يتكلمون بها تحكي عن أسلوب تفكيرهم وتكشف عن نفسياتهم ومستوى شخصيتهم الروحية. إن الكبار يستطيعون الوصول في أثناء اللعب إلى درجة ذكاء الطفل ومقدار كفاءته وثقافته.
عن أبي رافع قال: (كنت ألاعب الحسن بن علي (عليهما السلام) - وهو صبي - بالمداحي. فإذا أصابت مدحاتي مدحاته قلت: أحملني. فيقول: (ويحك! أتركب ظهراً حمله رسول الله (ص)؟!) فاتركه. فإذا أصابت مدحاته مدحاتي قلت: لا أحملك كما لا تحملني. فيقول: (أو ما ترضى أن تحمل بدناً حمله رسول الله (ص)؟!) فأحمله) (3) .
من هذا الحديث يظهر جلياً إباء هذا الطفل وعزة نفسه وعظم شخصيته.
____________________
(1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 114.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|626.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2| 517. والمدحاة: الكرة.
إن الطفل الذي يربيّه نبي الإسلام في حجره ويحيي شخصيته النفسية، يعتقد بسمّو مقامه ولا يرضى التكلم بذلة وحقارة.
استغلال الفرص:
نستخلص من مجموع الأحاديث المتقدمة أنّ على الآباء والأمهات من الناحية الدينية والعلمية أن يستغلوا جميع الفرص في سبيل احترام الأطفال وإحياء شخصياتهم، ويحذروا القيام بما من شأنه تحقيرهم وتحطيم شخصياتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لأن احتقار الأطفال يؤدي إلى إصابتهم بعقدة الحقارة التي قد تلازمهم مدى العمر، وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم فيقدمون على الأعمال الإجرامية المختلفة.
كسب قلوب اليتامى:
واليوم هو التاسع عشر من شهر رمضان، وهو يوم علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولا بأس بأن نختم حديثنا هذا بذكر مثلٍ من سلوك ذلك الإمام العظيم تجاه اليتامى وكسب قلوبهم.
نظر علي (عليه السلام) إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها، فقالت: بعث علي بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل، وترك عليَّ صبياناً يتامى، وليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس. فانصرف وبات ليلته قلقاً. فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: (من يحمل وزري عني يوم القيامة؟!) فأتى وقرع الباب، فقالت: من هذا؟
قال: (أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإن معي شيئا للصبيان).
فقالت: رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب.
فدخل وقال: (إني أحببت اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجنين وتخبزين وبين أن تعلِّلين الصبيان لأخبز أنا).
فقالت: أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلِّلهم حتى أفرغ من الخبز.
قالت: فعمدت إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي (عليه السلام) إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره. فكلما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له: (يا بني، اجعل علي بن أبي طالب في حل مما أمر في أمرك).
فلما اختمر العجين قالت: يا عبد الله، أسجر التنور. فبادر لسجره. فلما أشعله ولفح في وجهه جعل يقول: (ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الأرامل واليتامى). فرأته امرأة تعرفه فقالت: ويحكِ هذا أمير المؤمنين. قال [الراوي]: فبادرت المرأة وهي تقول: واحيائي منك يا أمير المؤمنين، فقال: (بل واحيائي منك يا أمة الله فيما قصرت في أمرك) (1) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج9|520.
المحاضرة العشرون:
العقل والعواطف - تنمية عواطف الطفل
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) (1) .
العواطف:
تمثّل العواطف والمشاعر أهم الفطريات الإنسانية التي رُشت بذورها الأولى في طبائع جميع الناس بالقدرة الإلهية. والميول العاطفية تبدأ بالظهور منذ الأسابيع الأولى بصور متفاوتة وتستمر كذلك حتى نهاية العمر. إن العواطف والمشاعر تسيطر على جميع شئون الإنسان مدى عمره. وبالإمكان معرفة درجة رقي الأمة وتقدّمها أو انحطاطها وتخلفها عن طريق مشاعر تلك الأمة. فهناك إلى جانب العقل طاقة جبارة أخرى هي العواطف والمشاعر، والتي بإمكانها أن تطفئ جذوة العقل وتدحره بالرغم مما هو عليه من قوة وسطه.
(إن النشاط العقلي ظاهر وغير ظاهر في وقت واحد. في الكومة المتفقة لحالاتنا الشعورية الأخرى. إنه وسيلة من كياننا، وهو متغير مثلنا أيضاً ويمكننا أن نقارنه بشريط سينمائي يسجّل المراحل المتعاقبة لقصة على سطح يختلف في درجة حساسيته من نقطة لأخرى. بل إنه أكثر ترادفاً للوديان والتلال التي تحدثها موجات المحيط العاتية والتي تعكس بطريقة مختلفة السحب التي تعبر السماء. فالعقل يبرز مرئياته فوق الشاشة الدائمة التغيير لحالاتنا المتأثرة لآلامنا ومباهجنا، لحبنا
____________________
(1) النحل: 90.
وبغضنا، ولكي ندرس هذه الناحية من أنفسنا فإننا نفصلها صناعياً عن الكل غير المنظور. وفي الحقيقة أن الشخص الذي يفكر ويلاحظ ويتعقل يكون في وقت واحد، سعيداً أو تعساً، مضطرباً أو مطمئناً، منتعشاً أو منقبض الصدر، بوساطة شهواته وبغضائه ورغباته. ومن ثم تتخذ الدنيا مظهراً مختلفاً في نظره تبعاً للحالات المؤثرة والفسيولوجية التي تتحرك في مؤخرة الشعور في أثناء النشاط العقلي. إن كل إنسان يعرف أن الحب والكراهية والغضب والخوف تستطيع أن تشيع الاضطراب حتى في المنطق... ولكي تظهر هذه الحالات الشعورية نفسها فإنها تحتاج إلى إحداث تعديلات معينة في المبادلات الكيميائية , وكلما ازدادت شدة الاضطرابات العاطفية أصبحت هذه المبادلات أكثر نشاط. ونحن نعرف أن المبادلات الكيميائية على العكس من ذلك، أي لا ينتابها أي تعديل بسبب العمل العقلي، والوظائف المؤثرة ليست شديدة القرب من الوظائف الفسيولوجية، أنها تمنح كل مخلوق حي مزاجه. ويتغير المزاج من شخص لآخر. إنه مزيج من الخصائص العقلية والفسيولوجية والتكوينية. إنه الإنسان ذاته، وهو مسئول عن ضعفه أو اعتداله أو قوته) (1) .
الفرق بين العقل والعاطفة:
يختلف العقل عن العاطفة في جوانب عديدة، ويقع على عاتق كل منهما دور معين في ضمان سعادة الإنسان. ها نحن نتعرض في هذه المحاضرة إلى بعض جوانب الاختلاف بينهما بصورة موجزة.
يعتبر العقل بمثابة قاضٍ عادل وعالم، جالس في غرفة مغلقة، ومحيط هادئ، يطالع الأضابير بدقة ويتفهم محتوياتها بصورة متقنة، ويقيس جميع جوانب القضية ثم يصدر الحكم. أما العواطف فهي تمثل الجهاز التنفيذي للسلطة القضائية. ليس
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول، تأليف: إلكسيس كارل، تعريب: عادل شفيق، ص 104.
واجب الجهاز التنفيذي تمحيص الأدلة والبيّنات، بل على العواطف أن تنفذ الأحكام العقلية عندما تكون منقادة للعقل.
إن أحكام العقل قائمة على أساس الاستدلال والبرهنة. وإن موافقته أو مخالفته، ونقضه أو إبرامه. كل ذلك يعتمد على المحاسبة الدقيقة والاستدلال المنطقي. أما العواطف فلا شأن لها بالمحاسبة، ولا تفهم المنطق ولا تركن إلى الاستدلال. العواطف عبارة عن العشق فقط، الاندفاع والثورة وحسب. إن قلب الأم يطفح بحب الولد، فحبه نافذ إلى أعماق روحها، وترى ولدها قطعة من كبدها، وتعتبر حياته حياتها، وأبسط حادثة مؤلمة له تعدّ مصيبة عظيمة لها، ولكن الأم لا تملك في حبها هذا وحنانها ذاك دليلاً عقلياً أو عملياً، إن حنانها لا يستند إلى المنطق والتفكير، إنّها أمّ وحسب، وتحب ولدها بعاطفة الأمومة. كذلك حب العاشق وولهه لا يستند إلى الاستدلال العلمي والمحاسبة المنطقية، إنه لم يعشق على طبق معادلات رياضية أو استنتاجات عقلية، إن الحديث معه في طريق الحب عن العلم والمنطق والدليل خطأ فظيع. إذا أن العاشق لا يفهم دليلاً، ولا يدرك عقلاً ولا منطقاً، إنه عاشق. إنه ولهان. إن روحه تحترق بنار الحب. يأوي إلى الفراش على أمل الحبيب، وينهض من فراشه على رجاء لقائه.
إن العقل على ما هو عليه من الأهمية والقيمة في طريق التقدم والرقي يشبه العلم والعدالة في أنه باهت وقاسٍ. أما العواطف فهي ينبوع الاندفاعات والحوافز، وبركان الحرارات والإشعاعات، وأساس الصداقات والعداوات. يستطيع الإنسان بعقله وفكره أن يسيطر على العالم ويسخر الكون، ويستخدم البحر والصحراء والجو، والمعدن والنبات والحيوان لصالحه وتسهيل سبل العيش لنفسه. إن أعظم الطاقات التي تفصل بين الإنسان وجميع الحيوانات وتمنحه هذه المنزلة من العظمة والشموخ هو العقل فالعقل هو المشعل الوضاء والمرشد القدير الذي يميز للإنسان الخير من الشر، والطريق الصحيح عن المتاهة. لكن الطاقة التي تحرك الإنسان في الطريق الصحيح أو المتاهة، والقوة التي تحفّز في نفس الإنسان دوافع الخير أو الشر هي العواطف، وأن التحركات الاجتماعية تنبع من المشاعر الداخلية للناس. فجميع مظاهر الشدة واللين، والحروب والجرائم، التضحية والإيثار تنشأ من العواطف أو المشاعر.
(يستخدم العقل المعلومات الواصلة إليه عن العالم الخارجي بواسطة الحواس ويهيئ لنا وسائل عملنا في هذه الدنيء. إنه يزيد في قوة إدراكنا وشدة سيطرتنا بصورة عجيبة بفضل ما يمنحنا من اكتشافات جديدة. إنه يصنع لنا التلسكوبات العظيمة في كاليفورينا وجبل ولسن، التي تطلعنا على عوالم تبعد عنا ملايين السنين الضوئية، ومن جهة أخرى يمدنا بالميكرسكوبات الالكترونية التي يمكننا بواسطتها البحث عن عالم اللامرئيات، هذا مضافاً إلى الآلات التي يمدّنا بها في العمل على أشياء متناهية في الكبر، وأشياء متناهية في الصغر، وفي تهديم العمارات الضخمة التي تمثل عظمة التقدم الفني والمعماري خلال بضع دقائق، وفي إجراء العمليات الجراحية على الخلايا المعزولة، وتحطيم الذرة).
(العقل صانع العلم والفلسفة فعندما يكون متزناً يصبح مرشداً جيداً، ولكنه لا يمنحنا الشعور بالحياة والقدرة على العيش فهو لا يعدو أن يكون مظهراً من مظاهر النشاطات النفسية فإذا نما لوحده، بعيداً عن العواطف أدّى إلى تفريق الأفراد وإخراجهم من حيز الإنسانية).
(إن المشاعر والأحاسيس غالباً ما تنشأ من الغدد الداخلية وأعصاب السمباثيك والقلب، وقلّما تستمد رصيدها من المخ. إن الشوق والشجاعة والحب والحقد عوامل تدعونا إلى تنفيذ الخطة التي رسمها العقل. وكذا الخوف والجبن والغضب فإنها تكشف عن مدى الجرأة على الإقدام عند الشخص، وأي تؤثر بواسطة أعصاب السمباثيك على الغدد وهذه بدورها تقوم بإفرازات توجد فينا الحوافز المختلفة للدفاع أو الفرار أو الهجوم. وهكذا تعمل الهيبوفيزوثايروئيد والغدد الجنسية وفوق الكلوية لتحقيق الحب، أو الحقد، أو الإيمان، أو الجحود في نفس الشخص. وهذا الأعضاء هي التي تضمن بقاء الجماعات البشرية بواسطة النشاطات التي تصدره. إن المنطق وحده لا يكفي لاتحاد الأفراد ولا يستطع دفع الإنسان نحو الحب أو إثارة نائرة الحقد فيه).
(إن العقل ينظر إلى الحياة الظاهرية، أما الأحاسيس
فإنها على العكس من ذلك تهتم بالحياة الباطنية. وكما يقول (باسكال) فإن للقلب دلائل وبراهين لا يفهمهما المنطق. إن النشاط غير العقلائي للروح المتمثل في العواطف هو الذي يمنحنا الطاقة والفرح، ويهب بعض الأفراد القابلية على الخروج من إطارهم المحدود للاتصال بالآخرين، وتوثيق العلاقات معهم، والتضحية في سبيلهم) (1) .
العدل والإحسان:
لا شك في أن كلا من هاتين الطاقتين العظيمتين: العقل والعاطفة يلعب دوراً فعالاً ومستقلاً في ضمان سعادة الإنسان ورفاهه. إن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال للائق به متى ما استفاد من هاتين الطاقتين العظيمتين معاً بصورة صحيحة وحسب مقياس سليم: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) .
في هذه الآية الكريمة قارن الله تعالى بين إقامة العدل، والإحسان في جملة واحدة وأمر الناس بها بصيغة واحدة. العدل وليد العقل، والإحسان وليد العواطف.
إذا كان مجتمع ما يحكمه العدل فقط ولا يوجد فيه أثر للحب والعطف فإن الحياة تصبح باهتة وهامدة. لا أثر هناك للصداقة والمحبة، والسخاء والعفو، والرأفة والرحمة، ولا تشمّ من ذلك المجتمع رائحة للتعالي الروحي والتكامل النفسي، ولا حسنات الأخلاق والعواطف. الحياة في مثل هذا المجتمع تصبح جحيماً لا يطاق. يستحيل في هذه الظروف أن ينال الأفراد الكمال اللائق بهم، لأن العواطف تشكل جانباً مهماً من الفطريات الإنسانية، ويجب أن تنال حصتها من التنمية والعناية كسائر الذخائر الطبيعية وذلك حسب شروط وعوامل معينة.
وإذا كان مجتمع ما تحكمه العواطف فقط، ولا أثر فيه للعدالة والقانون فإن الحياة تتحول إلى فوضى وشغب. وتصبح جحيماً لا يطاق أيضاً. في مثل هذا المحيط تصبح ميول الأقوياء وشهواتهم هي الحاكمة المطلقة، وتكون حياة الأفراد أشبه بحياة الوحوش
____________________
(1) راه ورسم زندكى، تأليف: إلكسيس كارل ص 130.
والبهائم. الأقوياء يتجاوزون على حقوق الضعفاء، وعلى الناس أن يتوطّنوا لكل ذلة وهوان في سبيل تحقيق أهواء المالكين بزمام الأمر.
على المجتمع أن يستفيد من العقل والعواطف، والعدل والإحسان جنباً إلى جنب فيستخدم كلام في محله. وعلى سبيل الشاهد نذكر المثال التالي:
العدالة وجزاء المعتدي:
العقل يستنكر التصرف العدواني لشخص على حقوق الآخرين. ولضمان الاستقرار المالي للدولة تضع الحكومة قوانين خاصة تعاقب المعتدين بموجبه. والقاضي الشريف والعادل هو الذي يراقب القانون في مقام القضاء فلا تؤثِّر فيه الرقة والرحمة، ولا تدفعه العواطف والوساطات نحو الانحراف عن الصراط المستقيم الذي خطته العدالة.
يتساوى الرجل الثري والقوي الذي يتصرف في أملاك الناس بصورة عدوانية، والأرملة التي تدخل دار غيرها في فصل الشتاء فراراً من سياط البرد اللاذعة بغية الحفاظ على أطفالها الأيتام، في نظر القانون وأمام محكمة القضاء. فالقاضي يعتبرهما معتدين وغاصبين ويخرجهما من الدار المغصوبة. عندما يخرج القانون هذه الأرملة وأطفالها الصغار من الدار ويُسلّمهم إلى البرد القارص تظهر صورة مؤلمة للعيان فتثور عواطف المارّة، ويتألمون لهم، وربما أخذوهم إلى بيوتهم واعتنوا بهم. إن العدالة هي التي أخرجت المرأة المسكينة وأطفالها من الدار، والعاطفة هي التي آوتهم واعتنت بهم. العدالة جافة وباهتة، لا تملك عاطفة ولا تفهم معنى للرقة والرحمة، تفقد الدموع والآهات، والأنين والاستغاثة أثرها في حريم القضاء. إن القاضي الناجح هو الذي يراقب تطبيق القانون وحسب. ولكن العواطف هي التي تمنحنا الدفء والحنان، وتفيض بالرقة والرحمة، هي التي تحتضن الأطفال، وتقبلهم، وتشمهم، وتناغيهم، وتذرف الدموع، وتشعر باللذة في السهر عليهم.
عندما تنعدم العدالة والقانون في المجتمع، ويفقد القاضي عنصر الصراحة والجد في تطبيق القانون، تمدّ أيدي الظالمين نحو حقوق الناس، ويتزلزل أساس العدالة والأمن. وعندما تنعدم العاطفة والرأفة في المجتمع، ويتجاهل الناس معنى الرقة والرحمة، يحرم المساكين من الحنان وينهزم الضعفاء أمام حوادث الدهر. والمجتمع
السعيد هو الذي ينال حظه الوافر من كلتا الطاقتين ويستفيد من العقل والعاطفة معاً حسب المقياس الصحيح والمقدار الملائم.
العلم والعواطف:
العلم كالعدل في أنه وليد العقل. العلم يشبه الماء العذب الذي ينبع من ينبوع العقل ليسقي الحياة الروحية بالرواء. العلم أساس تكامل الإنسان ورقيه وهو من أهم أركان سعادته. وبالإمكان قياس رقيّ كل أمة بمستوى التقدم العلمي فيها. وكلما كثر العلم والعلماء في دولة عظم أمرها من الناحية المعنوية وكانت في عداد الدولة الراقية، ولكن يجب أن لا ننسى أن العلم كالعدل في كونه جافاً وباهتاً، لأنه يستند إلى المنطق والاستدلال، ولا أثر للعاطفة والرأفة في حريم المنطق والاستدلال.
العلم وحده لا يقنع الإنسان، ولا يمكن ضمان سعادته بواسطة العلم فقط. إن جانباً مهماً من الميول الفطرية للناس تتمثل في حوافزهم العاطفية التي يجب أن تخضع لرقابة مضبوطة منذ البداية، يجب أن يساير التقدم العلمي والتنمية العقلية استجابة لنداء المشاعر والميول العاطفية بصورة صحيحة ومفيدة، وعلى سبيل الشاهد نأتي بمثال على ذلك:
يتمرّض شخص فيؤخذ إلى المستشفى. يعمل جميع الأفراد المتخصصين في تمريضه ومعالجته.. كل حسب اختصاصه. تستخدم جميع الأدوات والوسائل الموجودة في المستشفى لعلاجه، تؤخذ له أشعة متعددة، بُحلّل دمه وبوله من جهات عديدة، ويشخصّ الداء أخيراً ويقرّر القيام بعملية جراحية معينة. يبدأ العمل، تعقم الأدوات والوسائل اللازمة في العملية حسب الأساليب العلمية، ويكون بعد ذلك التخدير، وضخ الدم والقطع، والخياطة، والتعقيم، والتضميد، والتمريض الصحيح، والعقاقير اللازمة، والأطعمة المناسبة. وبصورة موجزة: جميع الشروط والحاجات التي يقررها آخر ما توصل إليه العلم.. وبانتهاء ذلك كله يكون شفاء المريض وبرؤه.
إرضاء عواطف المريض:
عندما يكون المريض خاضعاً للعناية الطبية والعلمية من كل ناحية ولا يوجد أي اضطراب في أسلوب معالجته، يحس في ضميره الباطن، وفي زوايا روحه بأنه يفتقد
شيئاً. إنه يثبت عينيه نحو باب الغرفة عسى ينال ما يريد. إن ما يريد ليس مما يتعلق بالدواء أو الغذاء أو ضبط الأساليب العلمية المتبعة معه، بل إنه يفكر في إرضاء عواطفه. إنه ظمآن إلى العطف والحنان. إنه يتوقع أن يعوده شخص، أن يجلب له باقة زهور، أن يصافحه على جانب سرير المستشفى ويبتسم له، ويُذهب عنه ما به من انكماش.
عندما يحفّ به عدة أشخاص من أصدقائه الخلّص، ويسألون عن حاله، يستأنس بهم ويرتاح كثيراً، تنفتح أساريره، ويستعيد نشاطه، ويحس بالحياة تدبّ في عروقه من جديد. هذا الارتياح والفرح والاستيناس يساعد في أمر شفائه كثيراً.
إن علم الجراحة قاسٍ وشديد، في حين أن العيادة تطفح بالمحبة والدفء. إن العلم الباهت والقاسي للجراح ومباضعه وأدويته، أساس علاج المريض، ولكن يجب أن يساير كل ذلك حنان ومحبة ورعاية حتى يستطيع العلم والمشاعر أن يسيرا جنباً إلى جنب لإرضاء عواطف المريض.
قيمة الطبيب:
لم تهمل تعاليم الإسلام القيمة أهمية علم الطب واستشارة الطبيب التي هي الأساس في شفاء المريض، كما لم تغفل شأن عيادة المرضى التي هي العامل الأهم لإرضاء عواطفهم. وقد وردت نصوص كثيرة بشأن كل من الموضوعين. أما بالنسبة إلى أهمية الطبيب ودوره في بناء الكيان الاجتماعي فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً: فقيه عالم ورع، وأمير خير مطاع، وطبيب بصير ثقة) (1) .
في هذا الحديث نجد أن الإمام (عليه السلام) يعتبر الطبيب الحاذق أحد أركان المدنية، وثالثة الأثافي بالنسبة إلى الحياة الإنسانية.
وأما في موضوع استشارة الطبيب، فقد قال الإمام أمير المؤمنين (ع): (من كتم الأطباء مرضه خان بدنه) (2) .
وبهذين الحديثين نكتفي كشاهد على ما قلناه.
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 321.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 663.
عيادة المريض:
لقد وردت نصوص كثيرة في شأن عيادة المرضى، وقد أكد الأئمة (عليهم السلام) على هذا الأمر وبيان استحبابه كثير.
1 - عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (من أحسن الحسنات عيادة المريض) (1) .
2 - وأما النبي صلّى الله عليه وآله فلم يكن ليكتفي بإرضاء عواطف المرضى من المسلمين بعيادتهم، بل كان غير المسلمين ينالون هذا الحظ العظيم منه أيضاً، فعن الإمام علي (عليه السلام): (إن النبي (ص) عاد يهودياً في مرضه) (2) .
لا شك في أن العائدين للمريض كلما أكثروا من ملاطفته وإرضاء عواطفه كان ذلك أكثر أثراً في نفسه. لقد وصفت الروايات العيادة الكاملة بوضع اليد على جبهة المريض برفق، أو مصافحته، وبأخذ بعض الهدايا له.
3 - قال علي (عليه السلام): (من تمام العيادة أن يضع العائد إحدى يديه على يدي المريض أو على جبهته) (3) .
4 - قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده عليه ويسأله: كيف أنت؟ كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وتمام تحيتكم المصافحة) (4) .
5 - وعن (ص) أيضاً: (من تمام عيادة المريض إذا دخلت عليه أن تضع يدك على رأسه وتقول له: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟) (5) .
6 - عن الإمام الصادق (عليه السلام): (تمام العيادة للمريض أن تضع يدك على
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ح1|83.
(2) المصدر السابق.
(3) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 197.
(4) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 196.
(5) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج18| 145.
ذراعه، وتعجل القيام من عنده. فإن عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه) (1) .
7 - كان يريد بعض الشيعة الذهاب إلى عيادة مريض، فصادفهم الإمام الصادق (عليه السلام) في بعض الطريق وقال لهم: (أين تريدون؟)، قالوا: نريد فلاناً نعوده. قال: (هل معكم فاكهة أو طيب تأخذونه له؟)، قالوا: ليس معنا شيء. فقال: (أما تعلمون أن المريض يستريح إلى كل ما أدخل عليه؟!) (2) .
إن من يذهب لعيادة المريض فيقف في جانبه ويسأله عن حاله، ليس مؤدياً حق العيادة. فالعيادة الكاملة والمفرحة تكون عندما يقترب من المريض ويضع يده برفق على يد المريض، أو رأسه، أو جبهته، أو يصطحب معه هدية فيكشف بذلك عن حبه للمريض، وفي نفس الوقت يرضي عواطفه.
قيمة الأخلاق:
لا تقلّ السجايا الخلقية والملكات الفاضلة أهمية عن العلم في ضمان سعادة الإنسان. إن إرضاء العواطف بصورة صحيحة يساوق تنمية العقل واتباعه أهمية، وإن خطأ المدنية الحديثة يكمن في أنها وجّهت جميع الطاقات والإمكانات لتحقيق التقدم العلمي واكتشاف أسرار الطبيعة، وتركت الاهتمام بالفضائل والمثل التي هي من الأركان الأساسية للسعادة. إن مشاعر الغالبية من الناس تصرف في سبيل الشهوات الدنيئة والأعمال اللاخُلقية، ولهذا السبب ذاته فإن الجرائم تتسع بصورة موحشة يوماً بعد يوم، وينجرف الشباب في الدولة المتمدنة نحو الفساد والهاوية.
إن منهاج الحياة الإنسانية يجب أن يتماشى مع الفطرة. فهناك قوتان مهمتان في
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج3|118.
فطرة الإنسان: إحداهما العقل، والأخرى العواطف. هاتان القوتان اللتان هما أساس سعادة الإنسان، يجب أن تسيرا جنباً إلى جنباً في ظل رقابة ورعاية لازمتين لضمان العيش الأفضل للإنسانية جمعاء.
(الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة وعادات الحياة والتفكير التي يفرضها عليه المجتمع العصري. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في جسمه وشعوره، وعرفنا أنه لا يستطيع تكييف نفسه للبيئة التي خلقتها التكنولوجيا، وأن مثل هذه البيئة تؤدي إلى انحلاله، وأن العالم والميكانيكا ليسا مسئولين عن حالته الراهنة، وإنما نحن وحدنا المسئولون. لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع. لقد نقضنا القوانين الطبيعية فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى، الخطيئة التي يعاقب مرتكبها دائماً) (1) .
(ألم تهبط الحياة العصرية بمستوى ذكاء الشعب كله وأخلاقه؟ لماذا يجب أن ندفع ملايين الدولارات كل عام لنطارد المجرمين؟ لماذا يستمر رجال العصابات في مهاجمة المصارف بنجاح، وقتل رجال الشرطة، واختطاف الناس وارتهانهم، أو قتل الأطفال على الرغم من المبالغ الضخمة التي تنفق في مقاومتهم؟ لماذا يوجد مثل هذا العدد الكبير من المجانين وضعاف العقول بين القوم المتحضّرين؟ ألا تتوقف الأزمة العالمية على الفرد والعوامل الاجتماعية التي هي أكثر أهمية من العوامل الاقتصادية؟ من المأمول أن يضطرنا منظر الحضارة في بداية تداعيها إلى أن نتحقق: هل أسباب الكارثة غير كامنة في أنفسنا ومعاهدنا؟ وأن ندرك إدراكاً تاماً أن لا مناص من تجديد أنفسنا) (1) .
(يجب أن لا ينشر العلم لذاته فقط، ولا لرشاقة وسائله ولا لتألق جماله. وإنما يجب أن يكون هدفه فائدة الإنسان المادية والروحية. كما
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول، إلكسيس كارل، ص 210.
(1) المصدر السابق ص 212.
يجب أن نعطي الإحساسات أهمية تعادل أهمية علم الحركة. ولا مفر من أن يضم تفكيرنا جميع جوانب الحقيقة) (1) .
رعاية العواطف:
إن رعاية عواطف الناس أحد الفصول المهمة في التربية الإسلامية. فهناك مئات الآيات والأحاديث في موضوع الأخلاق الفاضلة والبذيئة في الإسلام، ورعاية عواطف الناس وحب بعضهم لبعض من المسائل التي أكد الأئمة (عليهم السلام) عليها كثيراً. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض) (2) .
وفي حديث آخر عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (تواصلوا، وتبارّوا، وتراحموا، وتعاطفوا) (3) .
هناك ميول مختلفة مودعة في قوام الإنسان: روحه وجسده، ولكل منها دور فعال في ضمان سعادته. ومن الضروري أن تلبّى جميع الميول بالصورة الصحيحة حتى يصل الإنسان إلى الكمال للائق به. إنه لا ينبغي حصر الإنسان في واحد أو طائفة من الميول الخاصة، وتجاهل سائر الاحتياجات الفطرية. الإنسان بميل طبيعياً إلى الغذاء ويجب إشباع هذا الميل ولكن سعادة الإنسان لا تنحصر في الغذاء، والإنسان يميل بفطرته إلى الجنس ويجب إشباع هذه الغريزة ولكن قوام الإنسان لا يقوم على الجنس فقط، والإنسان يملك ثروة العقل العظيمة ويجب تنميتها وصيانتها عن طريق التفكير والتعلم ولكن الإنسان ليس عقلاً فقط، وكذلك العواطف والمشاعر فإنها من الثروات الفطرية للإنسان، ورعايتها بالصورة الصحيحة من أهم أسس سعادته، ولكن ليس الإنسان مكوَّناً من العواطف والمشاعر فقط.
(إن هدف الحياة هو أن يصنع من كل فرد نموذجاً صالحاً للإنسانية،
____________________
(1) المصدر السابق ص 215.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|175.
(3) نفس المصدر.
ويجب أن تنمّي جميع الإمكانات الجسدية والفكرية والمعنوية في سبيل القيام بالواجبات الإنسانية. إن قمة تكامل الفرد والأمة تكون عند التعالي النفسي الحاصل. إذن فنحن مدعوون إلى تنمية جميع نشاطاتنا الجسدية والروحية وهذا واجب مفروض على الجميع، وعلى الفقير والغني، المريض والسالم، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، اتباع ذلك. لكل فرد - مهما كان جنسه وعمره ومنزلته الاجتماعية - حاجات عاطفية وفكرية وجسدية يعتبر إرضاؤها ضرورياً لأداء واجبه) (1) .
بالرغم من أن كلاً من الثروات الفطرية والميول الطبيعية المودعة في باطن كل إنسان، يلعب دوراً خاصاً في التخطيط لسعادة الإنسان وشقائه، فإن مالا مجال للشك فيه هو أنها ليست متساوية الأثر في تحقيق لسعادة أو الشقاء، إذ قد تختلف الآثار الطيبة أو الشريرة لكل منه.
إن العواطف والمشاعر من الأمور الفطرية التي تتسع دائرة تأثيرها في حياة الإنسان وتكون لنتائجها الخيرة أو الشريرة أهمية فائقة، ذلك أن أعظم القوى المحركة في عالم الإنسان، وأقوى العوامل المحفزة للفرد والمجتمع، عبارة عن العواطف والمشاعر. إن أكثر الحوادث العظيمة التي وقعت في العالم على مر القرون تعود في جذورها إلى مشاعر الناس، فالحروب الدامية والمطاحنات المتواصلة، والجرائم المذهلة، والأعمال اللاإنسانية تنبع من المشاعر في الغالب. وكذلك تضحيات الأبطال والمخلصين في سبيل أهدافهم، ومظاهر الإحسان والكرم، ومساعدة الفقراء، ورعاية الأيتام، تملك جذوراً عاطفية أيضاً.
توجيه المشاعر:
لو توجّه مشاعر الناس وعواطفهم في بلدٍ ما توجيها صحيحاً، فإن ذلك البلد يصبح كالنعيم الخالد مهداً للسعادة والرخاء، فيكون بلد العطف والمحبة، وبؤرة
____________________
(1) راه ورسم زندگى ص 124.
الوفاء والود. وعلى العكس، فإن عدم توجه مشاعر الناس في بلد آخر نحو الأهداف الخيرة والغايات الإنسانية، يؤدي إلى نشوء بركان من النقمة والفوضى، وانتشار العداوة والفساد بين الجميع، حيث الشقاء في أبشع صوره، وحيث الجحيم الذي لا يطاق.
إن من أهم الواجبات الدينية والعلمية والوطنية للوالدين، الاهتمام الشديد بتوجيه مشاعر الأطفال ومراقبة تنمية عواطفهم يستيقظ الشعور العاطفي عند الأطفال في وقت مبكر. ففي الوقت الذي يكون سراج العقل غير مشتعل بعد عند الطفل، وفي الحين الذي لا يدرك شيئاً عن الاستدلال والمنطق، ولا يملك طاقة بدنية كاملة، نجد أن الشعور العاطفي يستيقظ فيه ويكون قابلاً للتوجيه والضبط. وإن غفلة الوالدين في هذا الوقت الحاسم تؤدي إلى آثر سيئة في روح الطفل.
اختلاف عواطف الناس:
والنكتة الجديرة بالملاحظة هنا أن العوامل الوراثية المختلفة تؤدي إلى اختلاف في البناء العقلي والعاطفي للأطفال. وكما أن الناس يختلفون في الهندام ولون الشعر وبصمات الأصابع، كذلك يختلفون في العواطف والأفكار والحالات النفسية والعصيبة. هذه الاختلافات الوراثية إنما هي إحدى آيات الله الحكيمة في الخلق، وتعود إلى قانون الوراثة المضبوط. وقد ورد بهذا الصدد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فمن كان له في الجاهلية أصلٌ فله في الإسلام أصل) (1) . وبعبارة أخرى: فإن قانون الوراثة ينقل صفات الآباء في الجاهلية إلى الأبناء في الإسلام.
قد يعمل قانون الوراثة في ظروف خاصة وأوضاع مجهولة على إحداث اختلافات شديدة من الناحية العقلية والنفسية والعصبية بين أطفال أسرة واحدة، وبعبارة أخرى: فإن أباً وأماً ينجبان على طول الفترة الزوجية عدة أطفال يختلفون فيما بينهم اختلافات بيّنة في ذكائه وعقلهم وحالاتهم النفسية والعصبية.
(إن الأطفال الذين يولدون لأبوين واحدين، وينشئون معاً وبطريقة
____________________
(1) روضة الكافي لثقة الإسلام الكليني ص 177.
واحدة يختلفون اختلافاً ظاهراً من حيث الشكل والقوام والتكوين العصبي والاستعداد العقلي والصفات الأدبية. ومن الواضح أن هذه الاختلافات لا يرجع أصلها إلى الأسلاف. وتتصرف الحيوانات بطريقة مماثلة، ولنضرب لذلك مثلاً بكلاب صغيرة جداً من فصيلة حراس الأغنام. إن كلاً من الكلاب التسعة أو العشرة يبدي صفات واضحة فبعضها يفزع من الضوضاء المفاجئة، أو طلقة مسدس، ويكون رد فعله لذلك أن ينكمش على الأرض، في حين يكون رد الفعل مغايراً في فريق آخر منها فيقف على مؤخريه أو يتقدم نحو مصدر الصوت. وقد ينتهز فريق ثالث الفرصة فينصرف إلى الرضاعة من ثدي أمه، وقد يستسلّم بعضها لدفع إخوتها إياها بعيداً عن أمها. وثم فريق آخر يبتعد عن أمه ليستكشف المنطقة المجاورة لبيته في حين يبقى معها آخرون. وقد يزمجر بعض هذه الكلاب الصغيرة إذا لمسها أحد. وفي حين يظل البعض صامتاً. فحينما تنشأ الكلاب معاً في أحوال متماثلة إلى أن تكبر، فإن صفاتها لا تتغير بالنمو، إذ تظل الكلاب الخجولة والجبانة خجولة وجبانة طوال حياتها. أما الشجاعة النشيطة فقد تفقد هذه الصفات أحياناً حينما تتقدم في السن ولكنها تكون عادة أكثر جرأة ونشاطاً) (1) .
اختلاف طبائع الأطفال:
والمشاعر والعواطف من الصفات التي تخضع للعوامل الوراثية بصورة فائقة. ولهذا فإن الأطفال يختلفون فيما بينهم في الصفات العاطفية اختلافً بيّناً. فهناك بعض الأطفال ينشئون منذ البداية شجعاناً ومتهورين، والبعض ينشأ جباناً وضعيفاً. قسم منهم ينشأ محبّاً للاستقلال والقيادة، والقسم الآخر يميل إلى أن يكون عالة على غيره ومنقاداً. طائفة منهم تميل إلى الإيذاء والإفساد، وأخرى تمتاز بسلامة النفس وصفاء
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول ص 195.
الضمير. ثلة منهم تتسم بالسخاء والكرم، وثلة أخرى تتميز بالبخل والتقشف. والخلاصة أن البناء الطبيعي لمشاعر أطفال المجتمع وعواطفهم - وأحياناً الأطفال المنحدرين من أب واحد وأم واحدة أيضاً - يختلف اختلافاً كبيراً وكما قال الإمام الصادق (عليه السلام) يشبه اختلاف المعادن فيما بينها.
(من الواضح الإحساس الأدبي مثل النشاط العقلي يعتمد على حالات تركيبية ووظيفية معينة للجسم، وهذه الحالات تنتج من التركيب الداخلي لأنسجتنا وعقولنا. وكذلك من عوامل أثرت فينا إبان نمونا. ولقد أعرب (شوبنهور) عن رأيه في المحاضرة التي ألقاها عن أصل الأخلاق بالجمعية الملكية للعلوم بكوبنهاجن، من أن أساس المبدأ الأدبي موجود في طبيعتنا. وبعبارة أخرى: أن الجنس البشري يولد وبه ميل فطري نحو الأنانية والضعة أو العطف. وهذا الميل يظهر في مرحلة مبكرة جداً من الحياة، ويراه الملاحظ المدقق بوضوح. وقد ذكر (جالافاردبن) أن هناك أنانيين لا يأبهون مطلقاً بسعادة أترابهم من بني الإنسان أو تعاستهم. وهناك الحقودون الذين يشعرون باللذة وهم يشاهدون نكبات الآخرين وآلامهم، بل حتى حينما يتسببون في إحداث هذه النكبات والآلام، وهناك قوم يستشعرون الألم حينما يستشعره أترابهم، وتولد قوة العطف هذه، الرحمة وفعل الخير والأعمال التي توحي بها هاتان الفضيلتان والقدرة على الإحساس بآلام الآخرين صفة لازمة للإنسان الذي يحاول تخفيف أعباء الحياة وآلامها عن إخوته في الإنسانية...) (1) .
المشاعر الشاذة:
لمعرفة الطباع الفطرية للطفل، وتمييز مشاعره الطيبة عن الفاسدة يجب على الوالدين أن يراقباه منذ الصغر مراقبة مضبوطة ويتتبعا حركاته بدقة. فإذا كان الطف
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول ص 105 - 106.
يملك مشاعر شاذة فلا شك في أنها تظهر من خلال أفعاله وأقواله. إن الوالدين الفطنين يستطيعان إدراك الحوافز النفسية والدوافع العاطفية للطفل من وضع حركاته وسكناته. فإذا وجدا في ذلك انحرافاً واعوجاجاً حاولاً إصلاحه، وتوجيه تلك الحوافز والدوافع نحو الطريق الصحيح والصفات الفاضلة.
(قبل أن يستطيع الطفل الوقوف على قدميه والأخذ في المشي يجب أن يدير رأسه عندما يناديه أحد. فإذا رأيتم أنه يتخلف عن ذلك فاعلموا أنه يطمح في الاستقلال، وأن عمله هذا يدل دلالة واضحة على خُلُق يجب أن يعدّل. فليس هذا الطموح في الاستقلال ولا ذلك الخلق بالأمر المستحسن؛ إذ الطفل يجب أن يدير رأسه، ولكنه إذا كان يطمح في الاستقلال فإنه سيكشف عن ذلك فيما بعد).
(يضرب الأرض برجله، يثور. فإذا لم يكن في حاجة إلى شيء أي أنه شبعان وقد نال حصة كافية من النوم، فاعلموا أن ذلك كله يدل على حالة عصبية يجب أن تقتلع جذورها. في مثل هذه الحالات يكفي إهماله وعدم الاعتناء به لبضع دقائق. إنكم تقولون: إن هذه الحالة العصبية نموذج لشخصيته البارزة. ولكن الأمر ليس كذلك. يجب إزالة هذه الحالة وإذا كان يملك شخصية بارزة فاعتقدوا بأنها ستظهر إن قريباً أو بعد فترة) (1) .
الحب حجاب العقل:
لا يخفى أن هناك سداً كبيراً وحاجزاً مهماً في سبيل معرفة العيوب العاطفية للأطفال من قبل الوالدين وحنانهما. إن أكثر الرجال والنساء يعرفون الصفات السيئة لأطفال الناس بصورة جيدة، ولكنهم يغفلون عن رؤية الصفات السيئة في أطفالهم. والسبب في ذلك
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 173.
يعود إلى أن منظارهم الذي ينظرون به إلى سلوك أطفال الآخرين ناصع ومتقن، بينما يقف الحب حاجزاً بين منظار عقلهم ورؤية عيوب أطفالهم.
إن أفضل الآباء والأمهات هم الذين يبعدون حب أطفالهم عن حساب التربية، يحبونهم حباً خالصاً، ولكنهم في الوقت نفسه ينظرون بعين البصيرة والدقة إلى عيوبهم ويحاولون بصورة جدية اقتلاعها وإزالتها وإحلال الفضائل والمثل محلها. فإذا كان الأطفال يملكون صفات وراثية وفطرية فاضلة وتوجد في أعماقهم مشاعر وأحاسيس طيبة، فإن تربيتهم سهلة وبالإمكان أن يستوعبوا الفضائل والكمالات والمثل بسرعة فينشئوا أفراداً بارزين. أما إذا كانوا متطبعين على صفات وراثية بذيئة وكان بناؤهم العاطفي مشوباً بالرذائل والأحاسيس الممقوتة فإنهم بحاجة إلى رعاية أدق وعناية أكثر. يجب على الوالدين حينئذ أن يتخذا الأساليب التربوية المفضلة في حقهم. فيعملان على دحر المشاعر الشاذة والصفات البذيئة في الطفل من جهة، ويعوّدانه على الفضائل والملكات الحميدة من جهة أخرى حتى تنشأ فيه من التكرار والاستمرارية طبيعة ثانوية تستقر في روحه وضميره، وتختفي عواطفه الفطرية غير المحبذة بالتدريج.
لا شك في أن التنمية السليمة لعواطف الطفل وتوجيهها الوجهة الصحيحة تشكل أحد الفصول التربوية الأساسية، وتعتبر من الواجبات المهمة للوالدين. فالطفل الذي ليس مجنوناً بالولادة ولا توجد اختلالات أساسية في مخه يكون قابلاً للتربية وبالإمكان توجيه عواطفه إلى طريق الفضيلة وجعله يتمتع بالملكات الحميدة والسجايا الطيبة.
مناغاة الطفل:
من أفضل وسائل تنمية عواطف الطفل مناغاته ومعاملته بالرفق والحنان. فكما أن الطفل يحتاج إلى الطعام والماء والهواء والنوم بفطرته، كذلك يحتاج إلى العطف والحنان. فالعطف أطيب الأطعمة النفسية للطفل إنه يتلذذ من تقبيله وشمّه ومناغاته واحتضانه ورعاية عواطفه ويُسّر لذلك كثيراً.
الحب أساس البناء الخلقي والفضائل. إن حب الله للناس، وحب الناس لله، حب النبي والإمام للأمة، وحب الأمة للنبي والإمام، حب المسلمين تجاه بعضهم البعض أساس الدين الإسلامي. وقد ورد التأكيد على الحب في القرآن الكريم
والروايات بدرجة كبيرة، حتى إن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: (هل الدين إلاَّ الحب؟) (1) .
إن جميع الجهود التي بذلها الأنبياء في تبليغ رسالاتهم إلى الناس، وجميع التضحيات التي تحملها المجاهدون في ميادين الحرب، وجميع العبادات والمساعدات التي يقوم بها المحسنون تنبع من ينبوع واحد ألا هو الحب.. حب الله.. حب دين الله.
الحب هو الذي يحيل المرارة إلى حلاوة.
والحب هو الذي يهدِّئ الآلام.
والحب هو الذي يحوّل الأشواك إلى أزهار.
والحب هو الذي يجعل من السجن روضة.
والحب هو الذي يحوّل النار نوراً.
والحب هو الذي يزيل المآسي.
والحب هو الذي يجعل من الصفعة دغدغة.
والحب هو الذي يحيي الموتى.
والحب هو الذي يجعل الملك عبداً (2) .
العطف على الصغير:
إن الطفل الذي يتلقى مقداراً كافياً من العطف والحنان من أبويه، ويروى من ينبوع الحب يملك روحاً غضة ونشطة. إنه لا يحس بالحرمان في باطنه ولا يصاب بالعقد النفسية، تتفتح أزاهير الفضائل في قلبه بسهولة وإذا لم تعتوره العراقيل في أثناء طريقه، فإنه ينشأ إنساناً عطوفاً وفاضلاً يكنّ الخير والصلاح للجميع
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 23| 122.
(2) وردت في الأصل الفارسي تسعة أبيات من العشر ترجمتها نثراً ولكن أبقيت كلاً منها في سطر مستقل حفاظاً على المعنى الاستقلالي لكل بيت.
لقد ورد التأكيد على العطف على الصغار في الأحاديث بصورة كثيرة وها نحن نقرأ بعضاً منها:
1 - عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، في خطبة له حول واجبات المسلمين في شهر رمضان: (وقّروا كباركم وارحموا صغاركم) (1) .
2 - وقال (صلّى الله عليه وآله): (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقّر كبيرنا) (2) .
3 - في ما أوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) عند وفاته: (وارحم من أهلك الصغير ووقّر الكبير) (3) .
4 - عن علي (عليه السلام): (لِيتأسَّ صغيركم بكبيركم، وليرأفْ كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية) (4) .
5 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله عز وجل لَيرحُم الرجل لشدة حبه لولده) (5) .
6 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أحبّوا الصبيان وارحموهم) (6) .
7 - وجاء بيان صفاته (ص): (وكان النبي إذا أصبح مسح على رءوس ولده) (7) .
تقبيل الطفل:
1 - عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (ص): من قبل ولده
____________________
(1) عيون أخبار الرضا: 163.
(2) مجموعة ورام ج1|134.
(3) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ح16|154.
(4) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص531.
(5) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 113.
(6) وسائل الشيعة للحر العاملي ح5|126.
(7) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|114.
كتب الله عَزَّ وجَلَّ له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة) (1) .
2 - وقال (عليه السلام): (اكثروا من قُبلة أولادكم فإن لكم بكل قبلة درجة) (2) .
3 - وفي الحديث: قبّل رسول الله الحسن والحسين. فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم. فقال: (ما عليّ أن نزع الله الرحمة منك) (3) .
4 - قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قُبلة الولد رحمة، وقُبلة المرأة شهوة، وقُبلة الوالدين عبادة، وقُبلة الرجل أخاه دين) (4) .
العطف في ظل الإيمان:
ورد في الحديث أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يصلي يوماً في فئة، والحسين صغير بالقرب منه. فكان النبي إذا سجد جاء الحسين (ع)، فركب ظهره ثم حرّك رجليه فقال: (حَلْ، حَلْ!) . فإذا أراد رسول الله (ص) أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه. فإذا سجد عاد على ظهره، وقال: (حَلْ، حَلْ!) فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي من صلاته.
فقال يهودي: يا محمد، إنكم لتفعلون بالصبيان شيئاً ما نفعله نحن.
فقال النبي (ص): (أما لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله لرحمتم الصبيان).
قال: فإني أؤمن بالله وبرسوله. فأسلم لمّا رأى كرمه مع عظم قدره (5) .
يستفاد من هذا الحديث والأحاديث المتقدمة عليه مدى أهمية الحب والعطف في أسلوب تربية الطفل. فعلى المسلمين جميعاً أن يترحموا على جميع الأطفال بصورة عامة،
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|49.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|126.
(3) مكارم الأخلاق للطبرسي: 113.
(4) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ح23|113.
(5) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ح10|83.
وعلى أطفالهم بصورة خاصة. فالحياة السليمة والطبيعية عبارة عن الاتباع الصحيح لقوانين الفطرة. ومن يتخلف عن القوانين الفطرية التي هي سنة الله عز وجل في هذا الكون يلاق جزاءه الصارم بلا شك. إن الحاجة إلى الطعام أمر فطري للإنسان، والامتناع عن تلبية هذه الحاجة الفطرية يؤدي إلى الضعف والعجز. وفي صورة الاستمرار على ذلك يؤدي إلى الموت. والحاجة إلى النوم فطرية للإنسان أيضاً. وإن كل محاولة للاستغناء عنها تتضمن خطر الانهيار الصحيح، وإذا استمر ذلك كان الموت بالمرصاد. الميل الجنسي أمر طبيعي بالنسبة إلى الإنسان السليم وكبت هذا الميل يستتبع مشاكل نفسية متعددة وربما أدّى إلى الجنون.
الحاجة إلى العطف فطرية:
من الميول الفطرية للإنسان، والتي تظهر في فترة الطفولة الحاجة إلى العطف والحنان. إن الاستجابة لهذا الميل الطبيعي وإشباع هذه الحاجة جزء من المنهاج الفطري. إذا نال الطفل حظاً وافراً من العطف والحنان في أيام طفولته، كان ذا روح مطمئنة ونفس وديعة، وكان سلوكه طبيعياً طيلة أدوار حياته. أما الأطفال المحرومون من الحب العائلي وعطف الوالدين، فإنهم يملكون أرواحاً ملؤها اليأس والتشاؤم، ويكونون على شفا جرف من الانحراف.
(الأسرة التي لا يشع فيها نور العطف، والبيت الذي يُحرم من روح التفاهم والتسامح، يساعدنا على البحث عن كثير من الآلام الروحية والأضرار الاجتماعية. عندئدٍ يجب أن يبذل الاهتمام الكافي لحماية القلوب المندحرة ومعالجة الحرمان الذي أصاب أصحابها بصورة معقولة).
(هؤلاء ينشئون على خواطر مرة علقت بأذهانهم من سلوك الوالدين تجاههم منذ الطفولة، وفي الغالب يكونون معرّضين للوقع في شَرَك اليأس، والتشاؤم، وعدم الانسجام، والنفور، والانتحار، والإجرام، والأمراض الروحية والعصبية) (1) .
____________________
(1) روح بشر ص 103.
حرمان اليتيم من العطف:
إن الأطفال الأيتام الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم مصابون بمشكلتين: الأولى هي العوز المادي، و الثانية هي الحرمان من العطف. إن الاحتياجات المادية لليتيم تشبع في جميع البلدان بنسب مختلفة، ولكن قلَّما يصادف أن يعيش اليتيم في أسرة ينعم فيها - بالإضافة إلى إشباع الحاجات المادية - بالعطف والحنان، بحيث يجد رب الأسرة نفسه بمنزلة الأب لذلك الطفل فيراعي عواطفه ويحن عليه كما يحن على أولاده.
تهتم المؤسسات الخيرية في الدول المتمدنة بضمان حياة الأيتام، وتقوم بإعداد وسائل الثقافة والتعليم لهم بالإضافة إلى ضمان الطعام والكساء والمأوى.. لكن يبقى هؤلاء محرومين من حنان الوالدين، هذا الحرمان يجر وراءه سلسلة من الآثار والنتائج السيئة التي تظهر تدريجياً في أقوال اليتيم وأفعاله عندما يشب.
(يضمن اليتيم نتائج وخيمة للفرد والمجتمع، سواء كان حاصلاً بفقد الأب أو موت الأم. لقد لاحظ علماء النفس والتربية بصورة عامة في التحقيقات التي أجروها في هذا المجال أن اليتم أحد العوامل المهمة للتشرد والتخلف العلمي والاجتماعي، والإجرام والفوضى).
(يذكر أحد علماء النفس الألمان ضمن بحوثه التي أجراها على أثر اليتم في التحصيل العلمي، أن من بين التلاميذ الراسبين في المدارس 44% محرومين من الآباء، و 33% محرومين من الأمهات، أي 77% من الراسبين كانوا أيتاماً. وهكذا فإن تحقيقاً مشابهاً أجري في أمريكا حول مشاكل التربية فوجد أن 25% من الأطفال المعقدين في إحدى مدارس نيويورك كانوا أيتاماً. كما أن تحقيقاً آخر حول الأطفال والراشدين المجرمين أجري في ألمانيا فكانت النتيجة أن من بين 2704 شاباً مجرماً كان 1171 شاباً منهم، وهذه النسبة تعني أكثر من 43% من المجموع. لقد أجري تحقيق آخر في أمريكا حول المساجين فوجد أن 60% من الذين أجري التحقيق معهم كانوا يرجعون إلى أسر منهارة بموت الأب أو الأم، كما توصل عالم ألماني إلى نتيجة خطيرة وهي أن من بين
الفتيات اللاتي ارتكبن السرقة 38% يتيمات، ومن بين الفتيات اللاتي أنشأن علاقات جنسية غير مشروعة أو خضعن للاعتداء الجنسي 40% منهم يتيمات. وفي إحدى التحقيقات الاجتماعية والنفسية التي أجريت في الولايات المتحدة نجد أن 70% من الفتيات التي يقضين حياتهن في مدارس التأديب التابعة لمحكمة الأحداث كن يتيمات: إمّا يتماً منفرداً أو مزدوجاً، أي فاقدات للأب أو الأم فقط، أو فاقدات لهما معاً) (1) .
أمارة الإنسانية:
إن حب الناس والعطف عليهم أبرز سمات العاطفة الإنسانية. من الضروري أن يتربى كل فرد من أي أمة كان، وإلى أي عنصر انتمى، على حب الخير للجميع. فحب الناس أحد الأركان الأساسية للسلام العالمي والسعادة البشرية، وهو بعد رمز للتكامل الروحي الذي يحرزه الفرد.
عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (إن أهل الأرض لمرحومون ما تحابّوا، وأدّوا الأمانة، وعملوا الحقّ) (2) .
يجب أن يتلقى الفرد درس حب الخير للجميع منذ الصغر. إن الوالدين اللذين يبذلان العطف والحنان لطفلهما يستطيعان أن يفهماه كيف يحب الآخرين. أما الطفل الذي لم ير عطفاً من أحد أبداً ولم يذق طعم الحنان، فإنه لا يفهم معنى للحب ولا يدرك هذه الحقيقة الروحية الطيبة أصلاً. إنه وجد في الحياة برودة وجفاء، وتزمتاً وعقاباً... ولذلك فهو يسلك مع الناس بتلك الصورة أيضاً، ولذلك فلا يجب أن ننتظر من فرد كهذا أن يكون محباً للناس.
إن العطف والحنان في الأسرة أساس التنمية الصحيحة لعواطف الطفل. وفي ظل المشاعر والعواطف فقط يمكن هدايته إلى الطريق المستقيم والحياة السعيدة. أما الطفل
____________________
(1) روح بشر: 93.
(2) مجموعة ورَّام ج1|12.
الذي حُرم من العطف والحنان، فإن مشاعره تسير نحو طريق منحرف فيصاب بالقسوة والشدة، ويشعر بالتشاؤم والاستياء، وتشب في نفسه نيران الحقد والبغضاء، وعشرات من الصفات الذميمة الأخرى.
المحاضرة الحادية والعشرون:
تنمية الإيمان في الطفل
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) (1) .
اليوم هو الحادي والعشرون من شهر رمضان، ويصادف استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نعزّي المسلمين كافة بهذه الفاجعة العظمى والمصيبة الفادحة.
لقد ذكرنا في المحاضرة السابقة العقل والعواطف طاقتان إلهيتان عظيمتان، وثروتان فطريتان. ويجب الاستفادة من هاتين الطاقتين معاً في سبيل تحقيق السعادة. وكما أن العلم والعدالة، والمنطق والاستدلال، والتفكير والتعقل، ضروري للتكامل البشري، كذلك الأخلاق والفضيلة، الحب والعطف، فإنه لا يستغنى عنها. وهكذا انتهينا إلى أن الوالدين مسئولان عن رعاية عواطف الطفل وعقله في سبيل تربته، وعليهما أن يهتما بتنمية كل منهما بأسلوب دقيق.
تنمية الإيمان:
من واجبات الوالدين في القيام بالمهمة التربوية تنمية المشاعر الإيمانية والخلقية في نفس الطفل. يجب على الآباء والأمهات المسلمين - حسبما تصرّح به الأحاديث - أن يربّوا أطفالهم على الإيمان، ويوقظوا فيهم فطرة عبادة الله بواسطة العبادات التمرينية، فيشجعوهم على إتباع الأوامر الإلهية، والارتباط بالخالق العظيم.
____________________
(1) سورة آل عمران | 17.
الحقائق غير القابلة للقياس:
ينبغي أن نقدّم أمام البحث تمهيداً ييسّر لنا الدخول إلى صلب الموضوع:
إن الحقائق التي توجد في العالم يمكن تقسيمها تقسيماً علمياً إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: وتشمل الموجودات التي استطاع العلماء من قياسها بالوسائل والآلات الدقيقة والقوية في ظل التقدم العلمي الذي يحرزه الإنسان يوماً بعد يوم، وإخراج نتائج تلك الموازنات بصورة أرقام مضبوطة أو تقريبية.
و الطائفة الثانية: تشمل الحقائق الموجودة الأخرى التي لا يملك العلم البشري مقدرة علمية تجريبية عليها، فهي لا تخضع للقياس، ولا يستطيع العلماء من مقايستها بواسطة مقاييس مضبوطة. إن عدد الحقائق التي لا تقبل القياس العلمي في جميع الموجودات بصورة عامة، وفي تكوين الإنسان بصورة خاصة، كبيرة جداً. ويرى العلماء والباحثون أن تلك الحقائق أهم بكثير من الحقائق القابلة للقياس.
ولقد جلب الكم، المعبر عنه بـ: اللغة الحسابية ، العلمَ للإنسانية، في حين أهمل النوع. ولقد كان تجريد الأشياء من صفاتها الأولية أمراً مشروعاً، ولكن التغاضي عن الصفات الثانوية لم يكن كذلك. فالأشياء غير القابلة للقياس في الإنسان أكثر أهمية من تلك التي يمكن قياسه. فوجود التفكير هام جداً مثل التعادل الطبيعي - الكيميائي لمصل الدم) (1) .
فالسل والسرطان مثلاً مرضان خطيران، وداءان وبيلان للإنسان. كل واحد منهما يكفي لإضعاف المصاب به، ونحول جسده، وتدمير حياته. لقد اكتشف الأطباء جميع الأعراض المميزة لهذين المرضين بالأدوات والوسائل العلمية، وتوصّلوا إلى طرق الوقاية منهما في المختبرات بفضل الأجهزة الدقيقة، فاستطاعوا من معرفة انتشار المرض، والظروف المساعدة لذلك، والخسائر التي يتضمنها، وكلّ ما يرتبط به بصورة مضبوطة.
والحسد أيضاً داء خطير كالسل والسرطان، وربما كان الضرر الناشىء منه أشد من الأضرار الناشئة من ذينك المرضين بكثير، إذ إنه يترك آثاراً سيئة على جسد المصاب به
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول ص 214.
وروحه. إنه يفسد العقل، ويقتل الإنسانية، ويبعث الإنسان على الإجرام والخيانة. يُذهب بالصفاء والنشاط، ويسلب الراحة والنوم، ويؤدي إلى تسمم الجسم في نهاية المطاف.. فيدمر حياة صاحبه. هذا المرض ليس قابلاً للفحص والقياس في المختبرات، إنه لا يملك ميكروباً خاصاً، ولا يمكن مشاهدته تحت المجاهر القوية. الحسد عبارة عن حالة نفسية، وإحساس باطني. إنه حقيقة لا تقبل الإنكار، تتضمن عشرات العوارض على جسد المصاب به وروحه، ومع ذلك فلا يمكن قياس ذلك بواسطة الآلات والأجهزة العلمية.
إن حوادث الإخفاق والفشل، والانهيار الروحي، والعقد النفسية، ومظاهر القلق والاضطراب، تضعف الجسم كمرض الملاريا، وتتضمن عشرات العوارض المختلفة. إن مرض الملاريا يمكن فحصه ومعرفته بواسطة الأجهزة العلمية. أما الإخفاقات والعقد النفسية، فإنها ليست قابلة للفحص بالوسائل العلمية المادية.
الجماليات:
تصوروا غصناً جميلاً من الورد يتباهى في زاوية الحديقة، ويُعجب الناظرين، ويبعث اللذّة والسرور في نفوسهم من مشاهدته، ويبهرهم جماله ولطافته. للوردة حساب خاص ولجمالها حساب آخر. الوردة من الموضوعات العلمية وجمالها من المسائل العاطفية. يستطيع العلماء المتخصصون من قياس الوردة، ومعرفة مكوناتها وعناصرها الطبيعية، وإعطاء أرقام صحيحة ومضبوطة عنه. أما جمال الوردة، فلا يخضع للقياس. تلك الحقيقة المدهشة، والجاذبية الخاصة التي تجمع الناس حول الوردة وتبعثهم على استلطافها والتلذذ برؤيتها، لا يمكن أن تخضع لفحوص العلماء في المختبرات. الجمال تفهمه عواطف الإنسان، وتحسّه مشاعر بني البشر، فلا يدركه العقل أو العلم، ولا الفحص والاختبار. إن المسائل العلمية هي التي تكون قابلة للفحص والقياس، وعواطف الإنسان ومشاعره تخرج من ميدان العلوم التجريبية، ولا يمكن للأجهزة والوسائل العلمية ضبطها.
ومقال آخر نلاحظه في لوحة رسّام ماهر أجادت يد الفن صنعها ورسمها. إنها تُقدَّر بآلاف الدنانير، وربما تصرف آلاف الساعات من العمر الثمين للأشخاص في مشاهدة تلك اللوحة والاستمتاع بجماله. إن ما يخضع للقياس والنظر العلمي من هذه
اللوحة لا يزيد على 10 غرامات من اللون الأحمر، و 100 غرام من اللون الأخضر، و50 غرام من اللون الأزرق ممزوجة حسب مقادير معينة، وشيء من القماش والخشب. وكلّ ذلك لا يساوي أكثر من بضعة دراهم، غير أن في هذه اللوحة الثمينة عنصراً آخر يجعل ثمنها يرتفع إلى آلاف الدنانير، هذا العنصر ليس علمياً أو عقلياً، وليس عنصراً كيمياوياً أو مختبرياً، إنه لا يقاس بالأجهزة والأدوات العلمية. إنه عنصر الجمال واللطافة، وهذا يجب أن يعرض في سوق الذوق، والطلب عليه يتمثل في العواطف والمشاعر. إن العناصر الكيمياوية والمواد الطبيعية للوحة قابلة للقياس والحساب العلمي. أما جمالها، فلا يقاس في المختبرات.
إن حقيقة الإيمان الساطعة، والأخلاق الفاضلة كالإيثار، والشجاعة، والكرم، والعفة، والرأفة، والمحبة وأمثالها، وكذلك السيئات الخلقية كالحسد، والتكبر، والحقد، والجشع ونظائرها من المسائل النفسية، وترتبط بمشاعر الناس وعواطفهم. إن السجايا الفاضلة والبذيئة حقائق تترك آثارها الطيبة أو الخبيثة على روح الإنسان وجسده، ومع ذلك فهي غير قابلة للقياس بالوسائل المادية والأجهزة العلمية. إن وجود حقيقةٍ ما يختلف عن إمكان قياسها، يجب أن ننظر إلى هذه الحقائق بعين البصيرة ونعترف بوجودها وإن عجزت الوسائل العلمية عن قياسها وضبطه.
(تبدو الوسيلة العلمية للنظرة الأولى غير قابلة للتطبيق على تحليل جميع وجوه نشاطنا، ومن الواضع أننا نحن المراقبين غير قادرين على تتبع الشخصية البشرية في كل منطقة تمتد إليها، لأن فنوننا لا تفهم الأشياء التي لا أبعاد لها ولا وزن، وإنما هي تصل فقط للمناطق التي تقع في الاتساع والزمن. إنها غير قادرة على قياس الغرور والحقد والحب والجمال أو أحلام العالم وإلهام الشاعر، ولكنها تسجل بسهولة النواحي الفسيولوجية النتائجَ المادية لهذه الحالات النفسانية. إن النشاط العقلي والروحي يعبّران عن نفسيهما بتصرف معين، أو عمل معين، أو موقف معين، نحو إخواننا في البشرية حينما يلعبان دوراً هاماً في حياتنا. ولكن من المحقق أن اتسام الأشياء بالمراوغة ليس معناه عدم وجودها) (1) .
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول: 41.
(ليس من الضروري أن تكون الحقيقة واضحة بسيطة. بل إنه ليس من المحقق أن نكون دائماً غير قادرين على فهمه. وعلاوة على ذلك فإنها تفترض آراء مختلفة لا حدود له. إن حالة الشعور، وعظمة الكتف، والجرح، هي أيضاً أشياء حقيقية. كما أن الظاهرة لا تدين بأهميتها إلى سهولة تطبيق الفنون العملية حين دراسته. وإنما يجب أن ترى وهي تؤدي وظيفتها، لا بالنسبة للمراقب ووسائله وإنما بالنسبة للكائن الحي. فحزن الأم التي فقدت طفلها، وجزع النفس الحائرة في (الليل البهيم) وعذاب مريض السرطان، كل أولئك حقائق واضحة على الرغم من أنها غير قابلة للقياس) (1) .
الانتصارات العلمية:
يتميز عصرنا هذا بالاكتشافات العلمية الدقيقة، والتوصل إلى رفع الستار عن الأسرار الكونية المودعة في الطبيعة. فقد فحص العلماء الذرّات الصغيرة الأرضية، والأجرام السماوية العظيمة، ووقفوا على حلّ كثير من الرموز التي كانت مجهولة لدى السابقين. في المدنية العصرية خرج العلم من مرحلة التصور والتخيل إلى مرحلة التجربة والحسن، وأخذت المختبرات العلمية تجيب عن مواليد الطبيعة بلغة الأرقام المضبوطة.
لقد أحدث العلم الحديث انقلاباً عظيماً في جميع شئون الحياة، وأرسى أسس المدنية المعاصرة. فاستطاع الإنسان أن يتغلب بسلاح العلم على الطبيعة، ويكشف النقاب عن المجهولات واحدة تلو الأخرى، ويطلع على زوايا الطبيعة المظلمة وأسرارها تدريجياً. لقد عرف الإنسان بسائط هذا العالم ومركباته، وعن طريق معرفة العلل والمعلولات استكشف دور كل منها في العالم الحي والميت. لقد عَبَر الحدود المحرَّمة للذرة، وفجّر نواتها، واستغل طاقتها الهائلة. وتغلّب على مدار جاذبية الأرض وقذف بصواريخه إلى خارج ذلك المدار. إنه يفكر في تسخير الأجرام السماوية، ويأمل في أن يأتي اليوم الذي يجد نفسه فيه مسيطراً على الكرات الفلكية بقوة العلم.
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول: 39.
هذه الانتصارات جميعها، استطاع الإنسان من إحرازها عن طريق العلم، العلم المستنِد إلى التجربة، العلم المحسوس، العلم المختبري، العلم الذي يستند إلى المحاسبة والقياس. لقد سيطرت العلوم التجريبية - بفضل التقدم الذي أحرزته - على أفكار الناس وعقولهم، ودعتهم إلى إنشاء الجامعات على أساس هذه العلوم. وشيئاً فشيئاً قصرت عقول الناس على الحقائق القابلة للقياس، وتُركت الحقائق غير القابلة للقياس بيد النسيان والإهمال. لقد سيطرت العلوم التجريبية على عقول بعض البسطاء وغرّتهم إلى درجة أنهم أنكروا جميع الحقائق التي لا تخضع للحسّ، فأنكروا وجود الله، وسخروا من الإيمان به وبالأنبياء، وزهدوا بأمر التكامل الروحي والتعالي المعنوي، وهذا هو نقص كبير في المدينة المعاصرة.
قصور العلم:
لقد اعترف مؤسِّسو المدنية الحديثة بصورة صريحة بأن المعلومات البشرية في هذا العالم الفسيخ ضئيلة ومحدودة جداً، وأن العلماء المعاصرين يذعنون إلى قصور العلم عن معرفة ملايين الحقائق الخفية والمودعة في وجود الإنسان والكون.
(يقول أديسون: إن من بين 1% من مجموع الحقائق لا تعرف سوى جزء من المليون جزء منه. وأما نيوتن فقد قال: إن العلم العام يشبه خليجاً لم ألتقط أنا وزملائي سوى بعض الحصى الظريفة من ساحله المترامي) (1) .
ولو فرضنا جدلاً أن الإنسان استطاع في يوم ما أن يدرك بفضل التقدم العلمي الهائل جميع الحقائق العقلائية التي تتصل به وبالكون الفسيح، وتمكن من إخضاعها لمقاييس ثابتة، فيجب أن نقول إنه أدرك جانباً واحداً من حقائق الكون والإنسان ولا يزال يجهل كل شيء عن الجانب الآخر، لأن الحقائق لا تنحصر في المسائل العقلائية، ولا يمكن معرفة جميع الأشياء بالاستدلال العقلي، والمنطق العلمي. إن المسائل العاطفية والحقائق غير العقلائية تشكل ركيزة مهمة من كيان الإنسان، ولا طريق للعقل
____________________
(1) راه ورسم زندكي ص 101.
والمحاسبات العلمية إليها. وعلى الرجال المثقفين والواعين أن يخلّصوا أنفسهم من أسْر الغرور العلمي إذا أرادوا أن يدركوا الحقيقة كما هي، وأن يعيروا أهمية تذكر للحقائق الإشراقية والواقعيات النفسية غير القابلة للقياس إلى جانب اهتمامهم بالحقائق العلمية والقياسية؛ حتى يستفيدوا الفائدة القصوى من هاتين الطاقتين العظيمتين في سبيل تحقيق التكامل الفردي والاجتماعي.
(في حياة العلماء والأبطال والعظماء صورة لا تقبل النفاذ من الطاقة المعنوية. هؤلاء الأفراد يشبهون القمم العالية وسط الوديان، وهم يرشدوننا إلى المستوى الذي نستطيع بلوغه من التكامل، ويشيرون إلى عظمة الهدف الذي يرغب الشعور الإنساني في تحقيقه. هؤلاء فقط يستطيعون أن يعدّوا لنا الغداء المعنوي الذي نحتاجه لحياتنا الباطنية)
(توجد في النفس الإنسانية عوامل لا يمكن وصفها بعبارات وألفاظ، وهي عبارة عن الإشراق والميول الغريزية، والإحساس الميتافيزيقي. إن المقدرة الفردية والوطنية قد تنبع من هذه الثروات المعنوية. هذه الطاقات المعنوية التي لا توصف تنعدم في الأمم التي تريد أن تصف كل شيء بمعادلات واضحة، وهي منعدمة في فرنسا في الوقت الحاضر، لأنّ الفرنسيين يرفضون كل ما هو خارج عن الحدود العقلائية، ويجهلون حقيقة الأشياء التي تعجز الكلمات عن بيانها).
(إن الذين يرغبون في إحراز الكمال المحدّد للإنسان يجب عليهم أن يتخلوا عن الغرور الفكري، ويهتموا بتنمية الشعور الجمالي والحس الديني في نفوسهم. إن حب الجمال وحب الخالق لا يمكن الوصول إليه عن طريق معادلة رياضية، ذلك أن الشعور الجمالي لا يحصل إلا بالجمال نفسه. إن حب الجمال يرفع صاحبه إلى مستوى عال جداً، لأنه يجذب قلوبنا نحو الشجاعة والاستقامة والجمال المطلق والله تعالى. وعلى أجنحة المعرفة فقط تستطيع النفس الإنسانية أن تصل إلى التكامل المنشود) (1) .
____________________
(1) راه ورسم زندكى: 101.
الإيمان بالله:
لقد اهتم الإسلام في تعاليمه القيمة إلى جميع الجوانب العقلائية والعاطفية للبشر. فدعا الناس من جهة إلى التعقل والتفكير، وحثهم على العلم والمنطق. ومن جهة أخرى تحدّث عن تزكية النفس والتكامل الروحي. إن الدين الإسلامي يطفح بالقوانين والنظم العقلية القائمة على الاستدلال والبرهان، ولكن ليس الإسلام يطفح بالقوانين والنظم العقلية القائمة على الاستدلال والبرهان، ولكن ليس الإسلام كله عبارة عن المسائل العقلائية والحقائق الخاضعة للقياس. إن روح الإسلام أسمى من العقل، وأعلى من المحاسبات العلمية.
إن الإيمان بالله الذي هو الركيزة الأولى لدين الله الذي يحصل بسلوك مرحلتين: الأولى عقلية وهي إثبات وجود الله، والثانية أسمى من الأولى وهي الإيمان بالله. في المرحلة الأولى يستفيد القرآن الكريم من قوة العقل، ويدعو الناس إلى التفكر في خلق الله وفي النظام الدقيق الذي يسود الكون؛ كي يصلوا من هذا الطريق إلى وجود الخالق الحكيم العالم، مستخدمين في ذلك الأدلة والبراهين العقلية والعلمية. أما الإيمان بالله، فإنه لا يحصل بمجرد النظر في قانون العلّية بمنظار العقل فحسب، بل يجب أن يسمو هذا الحساب العلمي إلى درجة أرقى، وينفذ من العقل إلى الروح ويستقر في القلب. عند ذاك تخرج هذه الحقيقة من صورة الاستدلال العقلي الجاف إلى حالة من الشوق والاندفاع. إلى الحب الإلهي الذي ينفذ في جميع ذرّات وجود الإنسان. يجب أن يتكامل ذلك المنطق العقلي في الضمير الباطن ويتحول إلى إيمان حقيقي وإذعان لا يوصف.
وكتطبيق للفكرة المارّة الذكر نمثّل بالصلاة:
الصلاة والاستقرار النفسي:
الصلاة من الفرائض الإسلامية المهمة، وتشتمل على الجانبين العقلي والإشراقي. أما الجانب العقلي المنظم فيتمثل في: الغسل، الوضوء، السواك، المضمضة، الاستنشاق (من حيث النظافة)، إباحة ماء الوضوء واللباس، ومكان الصلاة (من حيث النظام المالي في المجتمع)، الترتيب بين أجزاء الصلاة (من حيث
التعوّد على النظام)، عقد الجماعة (من حيث تشديد أواصر الصفاء بين أفراد المجتمع)، القيام، القعود، الركوع السجود (من حيث الحركات الرياضية المتزنة)، قراءة الفاتحة والسورة وسائر الأذكار (من حيث الحركات الرياضية المتزنة)، قراءة الفاتحة والسورة وسائر الأذكار (من حيث الإيحاءات النفسية). وأمور أخرى مشابهة لها يجمعها كونها أمور محسوسة وظاهرة للعيان وقابلة للحساب العلمي.
أما روح الصلاة وحقيقتها، فلا تدرك بالمحاسبة العلمية. إن روح الصلاة تتمثل في القرب من الله والارتباط الروحي بالخالق. الصلاة معراج المؤمن ومدعاة الصفاء الباطن، تبعث الاستقرار والهدوء النفسي في نفس المصلي. إنها أفضل الملاجئ المعنوية للمصلّين الخاضعين الخاشعين. وإن الحالة الوجدانية والسمو النفسي الذي يحصل للمصلي لا يوصف بلسان العقل، ولا يخضع للمحاسبة العلمية. وحقيقة الصلاة التي لا توصف هي التي تطهّر الضمير الباطن من كل انحراف أو إجرام، ( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (1) .
إن طاقة الإيمان الجبارة، والقدرة التي توجدها في نفس المصلي المؤمن عظيمة إلى درجة أنها تستطيع أن تسيطر على الغرائز الثائرة، وأن تقف أمام الإفراط في الميول، وتطهر الإنسان من الرجس والدنس، وتمنعه من الانحراف حتى في الحالات التي لا يوجد أحد يراقبه.
المناجاة:
إن الحالة الروحية للرجال الأصفياء، والثورة الباطنية للعارفين، ومناجاتهم بين يدي الله تعالى في ظلمة الليل البهيم حقائق لا توصف ولا تقاس، ولكنها أساس أعظم التحولات الروحية والكمالات النفسية. فالشجاعة وضبط النفس، وصفاء القلب، وحب الخير، والتضحية. كل ذلك يحصل في ظل الإيمان وبواسطة الإشعاع النفسي: ( الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) (2) .
(تظهر الحاجة إلى الله تعالى في صورة الدعاء والمناجاة، فالدعاء عبارة عن
____________________
(1) سورة العنكبوت | 45.
(2) سورة آل عمران | 17.
استغاثة ملهوفٍ، واستعانة متأزمٍ، ونشيد للحب، وليس عبارة عن عبارات لا نفهم معانيها. إن أثر الدعاء إيجابي في الغالب. وكأن الله يستمع لنداء الإنسان ويجيبه بصورة مباشرة. تقع حوادث فجائية، يعود التعادل الروحي إلى توازنه، تفقد الحياة وجهها الخشن الظالم وتلين، تنبع قدرة عجيبة من أعماقنا وتتصاعد. إن الدعاء يمنح الإنسان مقدرة لتحمل الآلام والمصائب وعندما تنعدم الكلمات المنطقية لتهدئة الإنسان، فإنه هو الذي يبرز ليبعث التضامن في نفسه، ويمنحه القوة للوقوف أمام الحوادث).
(تختلف دنيا العلم عن دنيا الدعاء ولكنهما لا تتباينان، كما أن الأمور العقلائية لا تتباين مع الأمور غير العقلائية، هذه المظاهر منهما خفيت عن الإدراك فإننا يجب أن نعترف بوجودها) (1) .
لقد ورد التعبير في القرآن الكريم عن الحقائق الدينية غير المشهودة والتي لا تقبل القياس بكلمة (الغيب) ويجب على المؤمنين أن ينصاعوا لها: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (2) .
لا شك في أن الشطر الأكبر من الأنظمة الدينية من عبادات ومعاملات وعقوبات قابل للإدراك العقلي والمحاسبة العلمية. أما القسم الأصغر من الحقائق الدينية فهو فوق مستوى العقل. في حين أن قيمة جميع الأمور القياسية في الدين ترتكز على أساس الجانب غير القياسي. إن الأساس الأول والأهم للدين يتمثل في الإيمان بالله، وبديهي أن ذات الله تعالى، والحالة النفسية التي تظهر في الإيمان به كلتاهما من (الغيب).. وهما تسموان عن القياس، وترتفعان عن مستوى العقل. وكذلك أساس النبوة فإنه يرتكز على الوحي، والوحي أيضاً حقيقة غير قياسية. كذلك المعاد يوم القيامة فإنه من أركان الإيمان في حين أن أعماقه وأبعاده لا تقاس.
إن من يحاول أن ينظر إلى الدين من زواية العقل فقط، ويرغب في أن يقيس جميع العقائد والأحكام الإسلامية بالمعايير العلمية البحث، لم يدرك حقيقة الدين ولم يفهم شيئاً
____________________
(1) رواه ورسم زندكى ص 137.
(2) سورة البقرة: 3.
عن الروحانية الإلهية والهدف الإسلامي المقدس. فكما أن الجمال الحقيقي للوحة زيتية فاخرة لا يمكن أن يقاس بالأصباغ المكونة لها، أو التحليل الكيمياوي لمكوناتها، كذلك الجمال الروحي للدين و نور الإيمان الباهر لا يمكن أن يخضع للتحليل العلمي.
أما بحثنا اليوم [ فهو ]:
مشعل الإيمان الوضاء:
تبرز الفطرة التوحيدية والمشاعر الخلقية في ضمير الطفل قبل أن يكمل عقله وينضج لاستيعاب المسائل العلمية، ويكون مستعداً لتقبل الأساليب التربوية. على الوالدين أن يهتما بقيمة هذه الفرصة المناسبة ويستغلا تفتّح مشاعر الطفل ويقظة فطرته الإيمانية، فيعملا منذ الطفولة على تنمية الإيمان بالله في نفسه، هذا الأمر يجعل الطفل متجهاً في طريق الطهارة والإيمان قبل أن يتفتح عقله وينضج لاستيعاب الحقائق العقلانية وإدراك المسائل العلمية.
إن الإنسان يتجه إلى خالق الكون بفطرته قبل أن يستخدم الأدلة العقلية لإثبات وجود الله. إنه لا حاجة للأدلة العقلية المحكمة في إيجاد الحسّ الإيماني في الطفل؛ فالمعرفة الفطرية المودعة فيه تكفي لتوجيهه نحو الإيمان بالخالق العظيم. ومن السهولة بمكان جعله إنساناً مؤمناً بالاستناد إلى طبيعته الفطرية. وما يقال عن عدم حاجة تنمية الإيمان في نفس الطفل إلى الأدلة العقلية، يقال عن عدم حاجة تنمية الصفات الفاضلة فيه كالصدق والاستقامة، والحنان وأداء الواجب، والإنصاف ومساعدة الآخرين. فبالإمكان تعويده على تلك السجايا الحميدة بمجرد توجيهه في طريقها.
إن التنمية الصحيحة للمشاعر أساس التكامل النفسي، والوصول إلى السعادة والكمال المحدّد للإنسان لا يكون بدون تنمية الإيمان والفضائل. علماً بأن ركائز ذلك يجب أن تصب في أيام الطفولة.
(يجب أن يتنبه الآباء والمربون إلى أن الدين أعظم العوامل المساعدة في سبيل تربية الطفل، وأن الإيمان مشعل وضاء ينير أحلك الطرق، ويوقظ الضمائر ويعدل الانحرافات) (1) .
____________________
(1) ما و فرزندان ما ص 76.
(أن ما يدفع الإنسان إلى مصيره النهائي يكمن في المشاعر لا العقل، فالنفس تقبل التكامل بواسطة الألم والشوق أكثر من مساعدة العقل. وفي هذا السير العنيف عندما يصبح العقل حملاً ثقيلاً تلجأ النفس إلى الجوهرة الثمينة التي تنطوي عليها، وهي عبارة عن الحب).
(إن كثيراً من الأشخاص المعاصرين يقتربون إلى الحياة الحيوانية إلى درجة أنهم يحصرون اهتمامهم بالقيم المادية، ولذلك فإن حياتهم أخس من حياة الحيوانات، لأن القيم المعنوية فقط هي التي تستطيع أن تمنحنا النور والسرور) (1) .
(ليس المبدأ الأول عبارة عن تنمية القوى العقلانية، بل البناء العاطفي الذي تستند إليه جميع العوامل النفسية. ليست ضرورة الشعور الخلقي بأقل من ضرورة السمع والبصر. يجب أن نتعوّد على أن نميِّز بين الخير والشر بنفس الدقة التي نميِّز بها بين النور والظلمة، والصوت عن السكوت. ومن ثم يجب علينا أن نعمل الخير ونحذر الشر).
(إن النمو القياسي للروح والجسد لا يحصل بغير تزكية النفس. هذا الوضع الفسيولوجي والنفسي وإن بدا غريباً في نظر علماء التربية والاجتماع المعاصرين، لكنه يصنع الركن الضروري للشخصية، وفي نفس الوقت فهو المطار الذي تحلق منه النفس) (2) .
دَيْن تجاه الأطفال:
إن تنمية الإيمان والفضائل في نفس الطفل حق له على عاتق أبيه، وقد وردت روايات كثيرة في هذا الصدد:
____________________
(1) راه ورسم زندگي ص64.
(2) راه ورسم زندگي ص99.
1 - يقول الإمام السجاد (عليه السلام): (وإنك مسئول عما ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربه) (1) .
2 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (حق الولد على والده - إذا كان ذكراً - أن يستفرِه أمّه، ويستحسن اسمه، ويعلمه كتاب الله ويطهره) (2) .
3 - وعن النبي (ص) أيضاً: (إن المعلم إذا قال للصبي: بسم الله. كتب الله له وللصبي ولوالديه براءة من النار) (3) .
4 - وفي الحديث عن الإمام العسكري (عليه السلام) أن الله تعالى يجزي الوالدين ثواباً عظيماً، (فيقولان: يا ربنا، أنَّى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا؟... فيقال: هذه بتعليمكما ولدكما القرآن وبتبصيركما إياه بدين الإسلام) (4) .
حق المعلم:
5 - كان عبد الرحمن السلمي يعلّم ولداً للإمام الحسين (عليه السلام) سورة الحمد، فعندما قرأ الطفل السورة كاملة أمام والده، ملأ الإمام (عليه السلام) فم معلمه دراً بعد أن أعطاه نقوداً وهدايا آخر: فقيل له في ذلك. فقال (عليه السلام): (وأين يقع هذا من عطائه) (5) يعني تعليمه.
لقد استأثر موضوع التربية الدينية للأطفال بقسط وافر من اهتمام الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، إلى درجة أنه كان يتبّرأ من الآباء الذين يهملون القيام بذلك الواجب، ولا يرضى بانتسابهم له. وهذا ما يظهر من الحديث الآتي:
____________________
(1) تحف العقول ص 263.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|49.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|625.
(4) نفس المصدر ج1|290.
(5) المصدر نفسه، والصفحة نفسه.
6 - روى عن النبي (ص) أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: (ويلٌ لأولاد آخر الزمان من آبائهم! فقيل: يا رسول الله من آبائهم المشركين؟ فقال: لا، من آبائهم المؤمنين! لا يعلمونهم شيئاً من الفرائض وإذا تعلموا أولادهم منعوهم ورضوا عنهم بعرَضٍ يسيرٍ من الدنيا، فانا منهم بريء وهم مني بُراء) (1) .
ضرورة التربية الإيمانية:
لقد أكد علماء الغرب على أهمية التربية الدينية، وضرورة ذلك لضمان سعادة الأطفال وحسن تربيتهم.
(يقول ريموند بيج: لا شك في أن المهمة الأخلاقية والدينية تقع على عاتق الأسرة قبل سائر المسائل، ذلك أن التربية الفاقدة للأخلاق لا تعطينا سوى مجرمين حاذقين. ومن جهة أخرى فإن قلب الإنسان لا يمكن أن يعتنق الأخلاق من دون وجود دافع ديني، ولو حاول شخص أن يتفهم الأصول الخلقية بمعزل عن الدين فكأنه يقصد تكوين موجود حي لكنه لا يتنفس).
(إن أول صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تنبع من علاقاته مع والديه. وكذلك أول فكرة ترتسم في مخيلته عن الطاعة والسماح والاستقامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الأسرة... كل هذه المسائل يجب أن تتم في الأعوام الأولى من حياة الطفل، لأن ذهن الكفل في هذه الأعوام فقط يبدي استعداداً لضبط ما يدركه أكثر من أي وقت آخر).
(لا يملك الوالدان الفرصة المناسبة لتربية نفس الطفل وتنقية أفكاره فحسب، بل عليهما أن يعرّفا الله لأطفالهما بأحسن صورة وقوة، وبكل إرادة ومتابعة. وهما في هذا السبيل يستطيعان أن يستعينا بمصدرين فياضين، أولهما الدين والثاني الطبيعة ) (2) .
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ح2|625.
(2) ما وفرزندان ما ص 8.
أثر الإيمان في الطفل:
إن الطفل الذي يتربى على أساس الإيمان منذ البداية يمتاز بإرادة قوية وروح متطامنة، تظهر عليه أمارات الشهامة والنبل منذ الصغر، وتطفح كلماته وعباراته بحقائق ناصعة وصريحة.
وكمثل على ذلك نأخذ الصديق يوسف، فقد كان ابن النبي يعقوب. هذا الطفل المحبوب تلقى درس الإيمان بالله من أبيه العظيم، ونشأ طفلاً مؤمناً في حجر يعقوب. لقد نقم إخوته الكبار منه وصمّموا على إيذائه، فأخذوا الطفل معهم إلى الصحراء وبعد أساليب مؤلمة ووحشية فكّروا في قتله، ثم انصرفوا عن هذه الفكرة إلى إلقائه في البئر. وكانت النتيجة أن بيع الطفل إلى قافلة مصرية، وبصدد معرفة عمره عندما ألقي في البئر يقول أبو حمزة: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام): ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجب ٌ فقال: (ابن تسع سنين) (1) .
ماذا يتوقع من طفل لا يتجاوز عمره التسع سنوات في مثل هذه الظروف الحرجة والمؤلمة؟ أليس الجواب هو الجزع والاضطراب؟!! في حين أن قوة الإيمان كانت قد منحت يوسف حينذاك مقدرة عجيبة واطمئناناً فائقاً، ففي الحديث: (لما أخرج يوسف من الجب واشتري قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خير. فقال لهم يوسف: من كان مع الله فليس في غربة) (2) .
ونظير هذا نجده في قصة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) مع مرضعته حليمة السعدية. تقول حليمة: لما بلغ محمد (ص) الثالثة من عمره قال لي:
ـ (أماه، أين يذهب إخوتي نهار كل يوم؟)
فأجبته: يخرجون إلى الصحراء لرعي الأغنام.
قال: (لماذا لا يصحبوني معهم؟)
فقلت له: هل ترغب في الذهاب معهم؟
____________________
(1) تفسير البرهان ص 495.
(2) مجموعة ورام ج1|33.
قال: (نعم).
فلما أصبح دهنّته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزَع يمانية، فنزعها ثم قال لي: (مهلاً يا أماه، فإن معي من يحفظني) (1) .
الإيمان بالله هو الذي يجعل الطفل في الثالثة حراً وقوي الإرادة بهذه الصورة.
المبادرة إلى تنمية الإيمان:
تشبه روح الطفل في تقبلها للتعاليم الدينية والأخلاقية الأرض الخصبة القابلة لاحتواء البذرة في باطنها. وعلى الوالدين أن يبادرا إلى زرع بذور الإيمان والفضائل في نفس الطفل وأن لا يفرّطا بشيء من الفرصة السانحة لهم. من الضروري أن يبكر المربي في تنشئة الطفل نشأة دينية صالحة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (بادِروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة) (2) .
إن تزكية النفس والاهتمام بالجوانب المعنوية من الواجبات اليومية لجميع الأفراد. ومن اللازم - في سبيل الوصول إلى الكمال الإنساني اللائق به - أن يهتم كل فرد منا بالجوانب الروحية إلى جانب النشاطات المادية وإشباع الغرائز، ويفكر كل يوم في إحراز التقدم المعنوي والكمال الروحي.
وقد جاء عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الصدد: (للمؤمن ثلاث ساعات: فَساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعة يَرمُّ معاشه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلّ ويجمل) (3) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|92.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|47. والمرجئة طائفة ضالة تخالف الرأي الإسلامي الصحيح في القضاء والقدر القائم على: (لا جبر ولا تفويض). وكأن الحديث يشير إلى ضرورة ملء أفكار الطفل بالعقائد الصحيحة ليتحصن بها ضد التيارات المضلة التي تستغل الفراغ العقائدي في أذهان الناشئة.
(3) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص 1261.
أساس تقدم الإنسان:
إن السعي وراء الطعام وجلب اللذائذ خاصة مشتركة بين الإنسان والبهائم، أما ما يكون مائزاً للإنسان وأساساً لتقدمه، فهو الجوانب الروحية التي يمكنه إحرازها، والكمالات العقلية والعاطفية التي يستطيع بلوغه.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): (اقصر نفسك عما يضرها من قبل أن تفارقك، واسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإن نفسك رهينة بعملك) (1) .
محاسبة النفس:
كما أن حفظ الصحة يحتاج إلى النشاط الاقتصادي المستمر والرقابة الصحية، كذلك الحفظ على سلامة الروح يحتاج إلى الجهد المتواصل. فمن يرغب في تكامل نفسه ويهتم بصفاء باطنه، عليه أن يراقب أقواله وأفعاله مراقبة دقيقة، ولا يحوم حول الذنب والإجرام، ولا يعود لسانه على الكلمات البذيئة. عليه أن يحاسب نفسه كل يوم على ما صدر منه من حسنات وسيئات فيستمد العون من الله تعالى في المزيد من الحسنات، والإقلال من السيئات.
عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في يوم) (2) .
إن المقر الأصيل للإيمان عبارة عن أعماق قلوب الناس وزوايا أرواحهم. والشخص المؤمن هو الذي يؤمن في باطنه بخالق الكون، ويعتقد بتعاليم الأنبياء، ولكن بالنظر إلى التماثل الموجود بين الروح والجسد، وتأثير كل منها في الآخر، فمن الضروري أن تظهر آثار ذلك الإيمان على جوارحه. ومن هنا نجد الروايات الإسلامية تعرف الإيمان كمجموعة من الاعتقادات القلبية، والإقرار باللسان، وظهور أثر ذلك على الجوارح أيضاً.
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|455.
(2) المصدر السابق ج2|453.
وكما أن قيام أستاذ بعملية التدريس، ومزاولة جرّاح للعمليات الجراحية، يقوّي الجذور العلمية في باطن كل منهما، كذلك العبادات الجسدية والأذكار فإنها مدعاة لتركز الإيمان واستحكامه (1) ، وبهذا الصدد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيضّ القلب كله) (2) .
إن ما لا شك فيه هو أن الاستمرار في العبادة والحصول على حالات من الخضوع والخشوع والاستغفار بين يدي الله تعالى أعظم العوامل لترسيخ أسس الإيمان وإضاءة القلب وبعث النور فيه.
المناجاة في السحر:
يتلخص جانب من تعاليم الإسلام في منهاجٍ التكامل النفسي في العبادات والمناجاة مع الله. هناك بعض العبادات والأذكار في صورة صلوات واجبة ومندوبة مشرّعة بكيفيات خاصة، وهناك عبادات غير مقيدة بكيفيات معينة، بل تندرج ضمن إطار واسع هو ذكر الله والدعاء. لا بد من الجهر في بعض العبادات تحقيقاً لبعض المصالح، وفي قبال ذلك يرد التأكيد على التخفّي في عبادات أخرى. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (قال رسول الله (ص): أعظم العبادات أجراً أخفاها) (3) .
فعندما يسدل الليل أستاره ويغط الناس في النوم، ويسود الكون ظلام وسكون، يقوم المؤمنون للتضرع بين يدي الله تعالى: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ
____________________
(1) وجد علماء النفس من التجارب العديدة التي أجريت على عملية التعلم أن هذه العملية تسير وفقاً لقوانين معينة. وأول من وضع هذه القوانين في صيغة شاملة هو العالم الشهير (ثورندايك). وأهم تلك القوانين ثلاثة: أحدها قانون التدريب. ويعني منه أن كلّ تجربة تمر بذهن الإنسان أو مسألة علمية تطرق باله تزداد قوة باستعمالها، وتضعف بإهماله. ومن هنا قيل: (الدرس حرف والتكرار ألف).
(2) المحجة البيضاء في أحياء الإحياء للفيض الكاشاني ج1|277.
(3) قرب الاسناد ص 64.
رَبَّهُمْ ) (1) . العشق الإلهي يلتهب في أعماقهم ويُضاء سراج الإيمان في قلوبهم، فينهضون بشوق ورغبة شديدين، ويتوضئون ويتجهون نحو الله تعالى بكل خضوع وخشوع، يستغفرون ربهم، وينيبون إليه، يذرفون الدموع، ويفقدون الوعي، يتذكرون زلاتهم، ويعتذرون إلى الله تعالى، ويعاهدونه على عدم العود إليها، ويستمدون العون منه في جميع أمورهم.
الآثار النفسية للمناجاة:
هذه الحالة النفسية التي طرأ على الرجال الإلهيين في أعماق الليل حقيقة يعجز العلم عن وصفها، ولا يستطيع العقل إدراكه. أما آثارها العظيمة فتبدو من جميع ذرات وجود الرجل. فتقيم ثورة في روحه وجسده، وتسيطر على جميع قواه، وتبعث الطمأنينة إلى قلبه، وتمنحه الشهامة والشجاعة، تكبح غرائزه الثائرة، وتمنعه عن الإجرام والتلوث بالذنب تمنحه روح التضحية والإيثار. وبصورة موجزة تجعله إنساناً كاملاً وتوقط فيه جميع الفضائل الحميدة والسجايا الخلقية. هذه الحالة المعنوية اللامعة، وهي حقيقة التقوى التي تهدف إليها تعاليم الإسلام القيمة.
عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ( ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) قال: يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر) (2) فالتقى الحقيقي هو الذي يطيع أوامر الله تعالى دائماً ولا يعصيه، ويذكر خالقه على كل حال.
(لقد أشربت الإنسانية بالوحي الديني أكثر مما أشربت بالتفكير الفلسفي. فقد كان الدين هو أساس الأسرة والحياة الاجتماعية في المدنية القديمة. فما زالت الكتدرائيات وبقايا المعابد التي أنشأها أسلافنا تغطي ارض أوروبا. بالطبع أن معناها قلما يكون مفهوماً في الوقت الحاضر. ومهما يكن من أمر فإن الإحساس الديني لا يزال حتى اليوم نشاطاً لا مفر منه بالنسبة لشعور عدد من الأفراد، كما أنه يظهر نفسه بين الأشخاص المثقفين ثقافة عالية.
____________________
(1) سورة السجدة: 16.
(2) معاني الأخبار ص 240.
(وللنشاط الديني جوانب مختلفة مثل النشاط الأدبي.. وهو يتكون في أبسط حالاته من تطلع مبهم نحو قوة تفوق الأشكال المادية والعقلية لعالمنا.. إنه نوع من الصلاة غير المنطوقة، إنه بحث عن جمال أكثر نقاء من الجمال الفني أو العلمي، وهو مماثل لنشاط الجمال).
(ما زال الجمال الذي ينشده المتصوفون أكثر غني واتساعاً من المثل الأعلى الذي ينشده الفنان. إنه لا شكل له، ولا يمكن التعبير عنه بأية لغة، ويختفي بداخل أشياء العالم المنظور، وقلما يظهر نفسه. ويتطلب السمو بالعقل نحو الذات العلية التي هي مصدر جميع الأشياء، نحو قوة، بل مركز القوى، نحو الله - جل جلاله - ففي كل حقبة من حقب التاريخ وفي كل شعب من الشعوب، أشخاص يتمتعون بهذا الإحساس العجيب في درجة عالية) (1) .
العبادات التمرينية:
لضمان التربية الدينية للأطفال يجب أن يكون هناك تماثل بين أرواحهم وأجسامهم من الناحية الإيمانية. ولهذا فإن الإسلام أوجب على الوالدين من جهة أن يعرّفا الطفل بخالقه ويعلماه الدروس الدينية المتقنة، ومن جهة أخرى أمرهما بتدريب الطفل على العبادات والصلاة بالخصوص.
1 - عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟ فقال: (بين سبع سنين وست سنين) (2) .
2 - عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً) (3) .
3 - يذكر الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل واجبات الوالدين في إلهام
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول، تعريب: عادل شفيق ص 120.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج2|3.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج.
أطفالهما بالقضايا الدينية حسب التدرج في السن، فيجب عليهما أن يعلما الطفل كلمة التوحيد لثلاث سنين، وفي الرابعة يعلماه الشهادة بالرسالة، وفي الخامسة بوجهاه إلى القبلة ويأمراه بالسجود... (فإذا تمّ له ست سنين عُلّم الركوع والسجود حتى يتم له سبع سنين. فإذا تمّ له سبع سنين قيل له: اغسل وجهك وكفيك، فإذا غسلهما قيل له: صل) (1) .
دعاء الطفل:
إن العبادات التمرينية للطفل، ودعاءه ووقوفه بين يدي الله تعالى، يترك أثراً عظيماً في نفسه. قد لا يفهم الطفل العبارات التي يؤديها في أثناء الصلاة، ولكنه يفهم معنى التوجه نحو الله، ومناجاته، والاستمداد منه، بكل جلاء. إنه ينشأ مطمئن البال مستنداً إلى رحمة الله الواسعة وقدرته العظيمة. هذا الاطمئنان والاستناد، والالتجاء نحو القدرة اللامتناهية أعظم ثروة للسعادة في جميع أدوار الحياة، فهو يستطيع في الظروف الحرجة أن يستفيد من تلك القدرة العظيمة ويطمئن إليها، ويبقى محتفظاً على توازنه واعتداله في خضم المصاعب والمشاكل... ( الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (2) .
(لتحصيل الكمال النفسي لا يلزم أن يكون الإنسان عالماً أو ذكياً، بل يكفي أن يكون مختاراً لذلك. يكفي أن يختلي كل فرد منا كل يوم صباحاً ومساء لبضع دقائق، بعيداً عن الضوضاء، ويجعل ضميره حكماً في تصرفاته فيعرف أخطاءه ويخطط لسلوكه. وفي هذه الفرصة يجب أن يتوجه إلى الدعاء إن كان يعرف ذلك، فللدعاء أثره حتى ولو لم يكن هذا الأثر ذلك الذي نريده. ولهذا يجب تعويد الأطفال منذ البداية على أن يقضوا فترات قصيرة في سكوت وهدوء خاص للدعاء ومن توفق لذلك مرة واحدة يستطيع أن يصل إلى العالم الهادئ الذي يفوق الصور والكلمات المألوفة متى شاء.. عند ذاك يزول الظلام
____________________
(1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 115.
(2) سورة الرعد: 28.
تدريجياً، ويظهر إشعاع خلاق يهدي صاحبه إلى الطريق الأمثل) (1) .
مثال الإنسان الكامل:
إن أعلى مثال للإنسان الكامل، والفرد المؤمن ما نجده في مولى الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ذلك الرجل العظيم الذي يصادف اليوم ذكرى استشهاده، تلك الشخصية الفذة التي عجز الدهر أن يلد مثله، ذلك الإنسان الذي لم يستطع تعاقب الأعوام والقرون أن يمحو حرفاً واحداً من اسمه الكبير، أو يسلّمه إلى عالم النسيان.
علي بن أبي طالب مع ألمع النجوم الساطعة في سماء الإنسانية. إن حياته تكشف لنا عن جانب عظيم من التقوى والفضيلة، والعدالة والشجاعة والتضحية والجود، والثابت والاستقامة، وبصورة موجزة جميع الفضائل والسجايا الحميدة. لقد سلك علي (عليه السلام) جميع مدارج الكمال ونال الشرف العظيم في هذا المجال.
لقد تربّى علي (عليه السلام) في حجر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله. وخضع منذ الصغر للرقابة التربوية الدقيقة المليئة بالدفء والحنان والعف من قبل النبي العظيم. وقد منحه جميع ما يحتاجه طفل لائق في تربيته وتنمية روحه وجسمه... فنشأ (عليه السلام) عظيماً من كل جانب.
كان عمر علي (عليه السلام) عشر سنوات عندما بعث الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالدعوة الإسلامية. فعرض الرسول الإسلام على الصبي الفطن العاقل ودعاه لاعتناق ذلك الدين السماوي. فآمن علي (عليه السلام) وصار هو وخديجة زوجة النبي (ص) أول مسلمين اتبعا محمداً، واعتنقا دينه وقبلا دعوته، وتكوّنت نواة الدعوة الإسلامية من هذا الثالوث المقدس.
في المراحل الأولى من الدعوة لم يكن ليطرق الأسماع نبأ الدين الجديد فكان الجميع يجهلون عن دين الله الذي أتى به محمد (ص) كل شيء، إلاَّ أنهم كانوا يرون شاباً يقف للصلاة بين يدي الله، ويقف إلى يمينه صبي، ومن خلفهما امرأة فإذا ركع الشاب ركعا
____________________
(1) راه ورسم زندگى ص 98.
معه، وإذا سجد سجدا وفي بعض المرات رأى أحد كبار العرب هذا المنظر وتعجّب منه، فقال للعباس بن عبد المطلب الذي كان حاضراً هناك: أمر عظيم!
فقال العباس: أمر عظيم! أتدري من هذا الشاب؟ هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي. أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أبي طالب، ابن أخي. أتدري من هذا المرأة هذا خديجة بنت خويلد. إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه، رب السماوات والأرض، أمره بهذا الدين الذي هو عليه. ولا والله ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (1) .
إن دافع علي (عليه السلام) لهذه المؤاساة هو الإيمان بالله. لقد سيطر الحبّ الإلهي على جميع جوانحه وجوارحه، فيؤمن بمحمد (ص) ويعتنق الدين الذي بشّر به، ويدافع عن ذلك الدين دفاعاً مستميتاً. في ذلك الظرف الحاسم والجو الخطر تتجه الأخطار والمشاكل المتوالية نحو النبي وتهدده، فينبري علي للدفاع عنه مستخدماً جميع قواه وطاقاته. وكلما كثر المسلمون وزاد عددهم، وأقبلوا على اعتناق دين الله زرافات ووحداناً، ازداد حنق المشركين وعداؤهم، ومضوا في التصميم لدحر الدين الجديد وقتل النبي المبشَّر به أكثر. فيضطر الرسول الأعظم (ص) للهجرة إلى المدينة، فيهاجر علي أيضاً، يلازم النبي في مشاكله قبل الهجرة وفي غزواته بعدها، مدافعاً عن دين الله، ومنافحاً عن رسوله العظيم. ثم هو يقول: (والله، ما زلت أضرب بسيفي صبياً حتى صرت شيخاً) (2) .
شجاعة علي:
لقد كانت تضحيات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تسير جنباً إلى جنب مع شجاعته وشهامته، وتبرهن على ثباته واستقامته حتى قال: (ما ضعفتُ ولا جبنتُ) (3) .
إن من ينشأ على الإيمان والاستقامة، ويستند في جميع أموره إلى القدرة الإلهية اللامتناهية، لا يخاف أبداً ولا يجبن في موقف مهما كان حرجاً.
____________________
(1) الإرشاد للشيخ المفيد ص 13.
(2) المصدر السابق ص 136.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 102.
لقد شهدت أيام خلافة الإمام (عليه السلام) في الكوفة موجة من الاضطرابات والفتن، وفي بعض الأحيان كان يصمم الحزب المجرم المتمثل في (الخوارج) في وضع خطة لاغتيال الإمام، ومع ذلك فقد كان يخرج في أواخر الليل إلى نقطة هادئة من المدينة ويناجي ربه. وكان يخرج (قنبر) الخادم الوفي وراءه حاملاً سيفه مختفياً عن أنظار الإمام. وفي إحدى الليالي نظر علي (عليه السلام) إلى خلفه فرأى قنبر. فقال له: (يا قنبر ما لكَ؟ قال: جئت لأمشي خلفك، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك.... فقال له الإمام: إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلاَّ بإذن الله عَزَّ وجَلَّ، فارجع. فرجع) (1) .
الإيمان والنفس المطمئنة:
إن علياً (عليه السلام) رجل الله، ومعتمد على ذات الله عَزَّ وجَلَّ. ومن كان معتمداً على الله كان ذا نفس مطمئنة وروح هادئة، لا طريق للاضطراب والقلق إلى ضميره. إنه يختلي بربه كل ليلة، في مكة والمدينة، في الكوفة والبصرة، في المدينة والصحراء... الأمر سواء عنده. إنه يخصص - أينما كان - ساعة من أواخر الليل لمناجاة ربه، والتكلم معه بخشية وتضرع، وبكاء وخشوع. يتكلم بكلمات منبعثة من أعماق القلب، ويسأل الله العون والمدد لجعل قلبه النير أكثر إشعاعاً، وضميره الطاهر أكثر صفاءً.
لقد كانت الصورة الباطنية والتحولات الروحية التي تطرأ على الإمام علي (عليه السلام) في مناجاته مع ربه على درجة من الدقة والعمق بحيث يعجز العقل عن إدراكها، ويقصر اللسان عن وصفها. وكان يصادف أن يطلع عليه أحد فيرى ما هو فيه من الفناء في ذات الله والتوجه نحوه فيصف بعض ذلك بعبارات تقصر عن بيان الحقيقة، فيقول أحدهم:
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج9|510.
(إذ نحن بأمير المؤمنين في بقية الليل واضعاً يده على الحائط شبيه الواله) (1) .
ويقول آخر: (... فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب) (2) .
الحكومة وإقامة الحق:
إن الطاقة العظيمة التي دفعت علياً (عليه السلام) منذ الصغر نحو أعلى مدارج الكمال الإنساني هي إيمانه بالله، فقد كان تحقيق مرضاة الله والانقياد لأوامره الهدف المائل نصب عينيه، وكان يوجه حركاته وسكناته طبقاً لذلك الهدف المقدس. لقد خضعت جميع مشاعر الإمام أمير المؤمنين (ع) لإطار الإيمان... وعليه فقد كان يقيم وزناً للمال والجاه، والعاطفة، والحياة، ولكل شيء في حدود مرضاة الله.
وعندما جلس على كرسي الخلافة وأصبح الحاكم الأعلى للأمة لم يكن يهدف إلى المقام والجاه أو ضمان الغذاء واللباس والمسكين والمركب الفاخر لنفسه، بل كان هدفه الأول والأخير تحقيق مرضاة الله وإحقاق الحق وإقامة العدالة بين الناس.
قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله. فقال لي: (ما قيمة هذا النعل؟) فقلت: لا قيمة له. فقال (عليه السلام): (والله، لهي أحب إليّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً) (3) .
التألم من الظلم:
لقد كان علي (عليه السلام) يبدي ثباتاً منقطع النظير أمام الحوادث والمشاكل الجمة
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج.
(2) نفس المصدر ج9|510.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 102.
التي كانت تواجه، وكان يظهر من الجلد والصبر تجاه الآلام ما يفوق الوصف، لكنه كان يتألم من تجاوز الغاصبين واعتداء المعتدين، ويتأثر كثيراً لأنين المظلومين. فعندما بلغه نبأ غارة جنود معاوية على الأنبار، وقتل والي الإمام عليها (حسان بن حسان البكري)، ونهب حلي النساء، هتك أعراضهن سواء منهن المسلمات والمعاهدات، تألم لذلك كثيراً وخطب في قومه خطبة عظيمة ابتدأها بذكر وجوب الجهاد وفوائده، وذم التقاعس والتماهل إلى أن قال: (فلو أن امرأ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً) (1) .
وصية على فراش الموت:
لقد أضعفت ضربة السيف المسموم الإمام (عليه السلام) وطرحته على فراش الموت، وأفقدت عينيه بريقهما، وخفت صوت.... بينما كانت روحه الطاهرة وضميره النيّر في أتم الإشعاع.. يتكلم، يوصي أولاده، كل جملة من وصاياه درس عظيم للمجتمع البشري. ومن جملة ما أوصى به أن أكد على حماية الضعيف ومقاومة الظالم فقال: (وكونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً) (2) .
ومن هنا نفذ حب علي (عليه السلام) إلى قلوب الأصدقاء والأعداء. وها هي حياته صفحة مشرقة في غرة الدهر وجبين الإنسانية... تحتذي به في كل صغيرة وكبيرة أملاً في النجاح والتقدم.
____________________
(1) نفس المصدر ص 86.
(2) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 968.
المحاضرة الثانية والعشرون:
عقد الحقارة
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) (1) .
تهدف المناهج الدينية والعلمية في تربية الطفل إلى الاهتمام بجسده وروحه اهتماماً بالغاً. وكما أن جسد الطفل وروحه مرتبطان ارتباطاً وثيقاً فإن الصلة وثيقة أيضاً بين تربيته البدنية والروحية. وكما أن الحالات النفسية تؤثر في الجسم، والجسد يؤثر في الروح، فإن العناية بصحة الجسم أو إهمالها تترك أثراً مماثلاً على الوضع الروحي والعكس بالعكس. وكما أن جسد الصبي يصاب بالانحراف نتيجة النقصان في المواد الغذائية أو الإفراط فيها كذلك روحه فإنها تصاب بالانحراف نتيجة النقصان في الحنان والعناية أو الإفراط في ذلك.
يجب عن الآباء والأمهات الذين يأخذون على عاتقهم تربية أطفالهم أن يهتموا في جميع مراحل حياة الطفل إلى المصالح الجسمية والروحية جنباً إلى جنب، ويحاولوا إرضاء الغرائز التي تتعلق بها حسب منهج مستقيم.
الإحساس بالحقارة:
الإحساس بالحقارة أحد الحالات النفسية الشاذة التي قد تصيب الإنسان منذ الأدوار الأولى من حياته. فإن اشتدت هذه الحالة الروحية وأوغلت في الضمير الباطن.
____________________
(1) سورة الحجرات: 11.
ظهرت بصورة عقدة نفسية ربما جرت وراءها سلسلة من الآثار الوخيمة والنتائج المؤلمة والمآسي الكثيرة.
(عندما يستمر الصراع الروحي بين شخص ما وعقدة معينة فإن الأعصاب تفقد قدرتها بالتدريج ويصاب الإنسان بمرض خاص.
من الواضح أن هذا الضعف الحاصل في الأعصاب نتيجة للالتهابات والإثارات الروحية، وليس وليد الضعف الصحي. أي أنه رد فعل روحي قبل أن يكون رد فعل جسمي. ولذلك فإنه لا يعالج بالتنزه واستعمال الأدوية والعقاقير... فكل علاج لا يعدو أن يكون مؤقتاً، إلا أن يحدث تغيير جذري في أسلوب تفكير الشخص).
(في خضم هذا الوضع، يبلغ الصراع الروحي في الإنسان درجة لا تستطيع الأعصاب معها أن تقاوم، فهي قد استنفدت قدرتها على المقاومة، وتكون النتيجة أن يصاب الإنسان بالصرع والرعشة العصبية).
(إن العوارض الظاهرية لهذه الحالة المضطربة عبارة عن انقباض العضلات والأرق والضعف المفرط... وإذا حاولنا البحث عن رابطة العلية والمعلولية لهذه الظواهر فإن جذورها توجد في حوادث دور الطفولة أو الحوادث القريبة الوقوع. لا شك في أن اكتشاف علة ذلك أمر عسير جداً لأنه يقع بواسطة تمحيص القوى الباطنية للمريض فقط. وأحياناً نجد جذوره في الاستياء من تحقير سابق أو محالة مجابة ذلك. وفي أحيان أخر توجد جذوره في الخوف من انهيار الشخصية وفقدان السمعة) (1) .
انهيار الشخصية:
إن الحوادث المؤلمة والخواطر المرة التي تحطم شخصية الفرد، وتوجه ضربة قاصمة إلى أنانيته وغروره الذاتي تؤدي إلى إحساسه بالحقارة. قد يولد الإحساس بالحقارة على
____________________
(1) عقدة حقارت ص 31.
أثر الإهانة أو الضرب المبرح ولكنه يزول بعد عدة ساعات أو بضعة أيام... في حين توجد عوامل ثابتة ورصينة تتسبب أحياناً في إيجاد الشعور بالحقارة فينفذ هذا الشعور إلى الأعماق، ثم يتحول إلى عقدة الحقارة ويلازم المريض بصورة مرض مزمن:
هناك عوامل وأسباب كثيرة تتسبب في إيجاد هذه العقدة النفسية. من ذلك العاهات العضوية، والنقائص التربوية.
(يرى (آدلر) أن عقدة الحقارة توجد في الغالب عند ثلاث طوائف من الأشخاص:
1 - ذوو العاهات العضوية، أي الأفراد المصابون ينقص عضوي منذ الطفولة. هذا النقص يتسبب في أن يرى الطفل نفسه دون مستوى الآخرين دائما، وهذا ما يلاحظ بوضوح عند الطفل المصاب بشلل، فإنه يحرم من اللعب مع مجموعة الأطفال).
(2 - الأفراد الذين يخضعون منذ الصغر إلى رقابة مشددة من قبل الوالدين، ويمكن تقسيم هذه الطائفة بدورها إلى صنفين:
أ - الأطفال المدللون - وهم الذين يقابلون بالحنان المفرط والعناية البالغة لانفرادهم واستئثارهم بمحبة الوالدين.
ب - الأطفال المكبوتون. وهم الذين يلاقون ضغطاً شديداً، وكلما حاولوا إثبات وجودهم وجدوا الكبح والقمع من الكبار الذين يضطرونهم للسكوت والتزام الصمت).
(3 - الأطفال المهملون، فالأطفال الذين كان نصيبهم من العناية قليلا منذ الصغر يشعرون بأنهم أفراد تافهون في المجتمع، عديمو الفائدة) (1) .
العاهات العضوية:
إن من أعظم النعم الإلهية سلامة ولادة الطفل. فالطفل الذي يتولد سالماً
____________________
(1) روح بشر ص 240.
طبيعياً، ذا روح مستوية وهندام منسجم يكون قد نال 50% من سعادته حين ولادته. وإنسان كهذا يملك من ناحية البناء الطبيعي، واعتدال الخلقة، روحاً هادئة وفكراً مطمئناً. أما الطفل الذي يتولد أعمى أو أصم أو أشلّ، وبصورة عامة: يكون ذا عاهة عضوية عند ولادته، أو تصادفه حوادث تفقد بعض أعضائه أو تقف في سبيل نموه الطبيعي، فإنه يكون شقياً ومتذمراً، يحس بالحقارة والضعة في نفسه، وأخيراً يصاب بعقدة الحقارة. وبعبارة أخرى: فإنه كما تتسبب العيوب والعاهات العضوية حين الولادة في نشوء عقدة الحقارة عند الإنسان، كذلك العمى والصمم والبكم الحاصل للإنسان بعد أعوام من البصر والسمع والتكلم.
قال علي (عليه السلام): (اللَّهُم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي، وأوّل وديعة ترجعها من ودائع نعمك عندي) (1) ويعني هذا أن يبقى سالماً عن العوارض والعاهات حتى الموت.
وللإمام الحسين (عليه السلام) من دعائه في عرفات: (ومتعني بجوارحي واجعل سمعي وبصري الوارثين مني) (2) أي تحفظني من العمى والصمم والعاهات العضوية إلى آخر يوم من عمري.
(هناك أطفال يعيشون في ألم مستمر لضعف أو نقص في أجسامهم. هذا النقص يشمل مختلف الحالات كظهور خال أو بقعة صغيرة في وجه فتاة حسناء، أو تقوس الساقين، أو انحناء العمود الفقري وغير ذلك).
(كل هذه النواقص وما يشبهها يمكن أن تؤذي الإنسان طيلة عمره وتجعله تحت ضغط (عقدة الحقارة)، وقد تؤدي به إلى الجنون والانتحار).
(لا مناص للطفل الضعيف أو المصاب بنقص في بدنه من تحمل سخرية أقرانه وتحقيرهم إياه، فهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه للنقص الموجود فيه إلا بعدم الاعتناء بسخريتهم. ولكن هذا بحد
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 670.
(2) بلاغة الحسين - دعاؤه في عرفات.
ذاته مدعاة للذلة له، وكبت لغرائزه وجرح لمشاعره، ويسبب الشقاء والقلق له فيما بعد. لأن مشاعره المتألمة التي لم تجبر بشيء وغرائزه المكبوتة لا بد أن تؤدي في النتيجة إلى القلق واضطراب الفكر).
(يشير التحليل الذي أجري على أستاذ جامعي إلى أن عقدة الحقارة التي كان يكابدها قد نشأت منذ دراسته الابتدائية، وذلك أنه كان أطول التلاميذ قامة في الصف، وكان يلّوح دائماً - عند اللعب والاستراحة - لأعين المعلمين قبل غيره، ولذلك فإنه كان يخرج من الصف عند وقوع حادثة ليعتبر به الآخرون. وبالرغم من أن ذلك كان يحدث في أحيان قليلة جداً فإنه ظل يحس بأنه قد ظلم كثيراً، وليس إلا لطول قامته فحسب) (1) .
التحقير والسخرية:
يتألم الأطفال أو الكهول الذين يكابدون من نقص عضو أو عيب في بناء أجسامهم من جهتين:
الأولى : النقص والحرمان الذي يلاحظونه في أنفسهم.
و الثانية: استهزاء الآخرين بهم وسخريتهم منهم.
فمثلاً يرى الأبكم أن الآخرين يتكلمون ويلتذون من محاوراتهم فيما بينهم، لكنه بسبب العيب الموجود في لسانه عاجز عن النطق، فشعوره بهذا العجز يجعله تحت ضغط روحي فيحس بالضعة والحقارة، ويتألم من حرمانه هذا وتألمه الآخر ناتج من تحقير الأفراد السالمين إياه واستهزائهم منه. ذاكرين عجزه ذاك بصورة إهانة وتحقير. ولعل هذا الألم الناشيء من استهزاء الناس منه أكثر من أمله الناتج من شعوره بالنقص والحرمان.
عاش الجاحظ (2) في القرن الثالث الهجري، وله كتب وآثار كثيرة. ولقد كان قبيح المنظر جداً، مقرّباً عند الخلفاء العباسيين لعداوته لعلي بن أبي طالب (عليه السلام). وقد قال يوماً لتلاميذه: إنه لم يخجلني طيلة عمري أحد كما فعلت امرأة ثرية، فقد لقيت
____________________
(1) عقدة حقارت ص 12.
(2) سمي بذلك لجحظ في عينيه.
امرأة في بعض الطرق وسألتني في أن أصحبها ففعلت. حتى أتت بي إلى محل صائغ للتماثيل، وقالت له مشيرة إلي: كهذا الشيطان. فبقيت حائراً من أمرها، ولما انصرفت سألت الصائغ عن القصة، فقال: لقد استعملتني هذه المرأة لأصوغ لها تمثال شيطان. فقلت لها: إني لم أر الشيطان كي أصوغ تمثاله، فطلبت مني أن انتظر حتى تجيء لي بتمثاله. واليوم جاءت بك إليّ وأمرتني أن أصوغه طبق منظرك) (1) .
القاضي الدميم:
ونموذج آخر ي السخرية بالأشخاص المصابين ببعض العيوب الظاهرية نجده في قصة القاضي المصري رشيد بن الزبير. فقد كان من القضاة الماهرين والكتّاب العظام في عصره، وكان ذا خبرة كافية في علوم الفقه والمنطق والنحو والتأريخ. عاش في القرن السادس الهجري. لقد كان ذا قامة قصيرة، أسود اللون، ذا شفتين غليظتين، وأنف كبير، ومنظر قبيح جداً. كان يعيش في شبابه في القاهرة، ويسكن مع عبد العزيز الإدريسي وسليمان الديلمي في بيت واحد.
فخرج يوماً وتأخر في العودة إلى منزله، وعندما عاد سأله زملاؤه عن سبب تأخره، فأبى يجيبهم حتى الحّوا عليه فقال: كنت أعبر من المحل الفلاني فصادفت امرأة ذكية جميلة، كانت تنظر إليَّ بعين الرأفة والعطف، فذهلت من شدة الفرح، وبت أرقب سيرها فأشارت إليّ بطرف عينها فتبعتها في السكك الواحدة بعد الأخرى، حتى انتهينا إلى دار، ففتحت الباب ودخلت، وأشارت إلي بالدخول فدخلت، فكشفت النقاب عن وجهها وإذا بها قطعة من القمر. لم تمض فترة طويلة حتى صفقت بيدها ونادت باسم فتاة، فإذا بطفلة في غاية الجمال نزلت من الطابق العلوي، فخاطبتها المرأة قائله: لو تبولت في فراشك هذه المرة فسأعطيك إلى هذا القاضي ليأكلك، فبلغ الخوف والهلع من الطفلة مبلغه وبلغ الارتباك والاضطراب مني مبلغه أيضاً. ثم ألتفتت إليّ قائلة: لا أعدمني الله إحسانه بفضل سيدنا القاضي أدام الله عزه. فخرجت من الدار مطأطئاً برأسي خجلاً، ولفرط ما أصابني من خجل وذهول، ولشدة تأثري تهت الطريق إلى البيت، وبقيت أجوب الأزقة... ولهذا تأخرت في العودة) (2) .
____________________
(1) تتمة المنتهى ص 370.
(2) قاموس دهخدا الفارسي ص 1224.
لقد تمكن العلم الحديث في تقدمه وازدهاره من إصلاح بعض العاهات العضوية كإرجاع العيون التي بها حول إلى وضعها الطبيعي، وردّ الأنوف القبيحة جميلة، وتقويم السيقان المتقوسة، وترميم شقوق الشفاه. والخلاصة: أن الجرّاحين يجرون عمليات جراحية على بعض الأعضاء بحيث تأخذ شكلاً طبيعياً جميلاً، ويرتاح المصاب ببعض العيوب الظاهرية من الشعور بالحقارة والتعاسة. في حين توجد عيوب ونقائص لم يتوصل العلم الحديث إلى علاجها وإصلاحها.
تدارك النقص:
على الأفراد الذين يكابدون نقصاً لا يقبل العلاج ويبعث فيهم الشعور بالألم والإحساس بالحقارة أن يستفيدوا من سائر أعضائهم السليمة أكبر حد ممكن، ويسعوا وراء تحصيل علم من العلوم المهمة أو فنٍ يحتاجه المجتمع بحيث يتمكّنون من إحرازه ونيل مقام شامخ فيه، وعندئذٍ لا شك في أن الكمال الذي يحصلون عليه بواسطة العلم يكون سببا لجمالهم الاجتماعي، ويخفي نقصهم العضوي، ويمنع من انتباه الناس إلى عيوبهم.
فكم من أفراد حرموا نعمة البصر أو السمع أو النطق، أو كانت فيهم نقائص أخرى لم يلتفتوا إلى ذلك وراحوا يجدّون بكل رغبةٍ وشوق وراء الثقافة حتى أحرزوا مكانة سامية في المجتمع وعاشوا حياتهم بكل عز وفخر. فلقد تمكن هؤلاء بفضل مثابرتهم من إنقاذ أرواحهم من الشعور بالحقارة، أو الحد من هذا الشعور نسبياً.
إن المصيبة العظمى لذي النقائص والعاهات إنما هي تحقير الناس واستهزائهم، فإن السخرية والإهانة والتقريع والكلمات البذيئة تعتبر سهاماً مسمومة تصيب قلوب هؤلاء من الإحساس بالحقارة فيهم، وبالتالي تجعل العيش عليهم مراً وجحيماً لا يطاق، والحل الوحيد للتخلص من ذلك كله تهذيب أخلاق المجتمع وإيجاد السجايا الفاضلة فيه.
في البلاد التي يتحلى شعبها بالصفات الفاضلة، والشعوب التي يقوم
الأفراد فيها بواجباتهم الخلقية خير قيام، لا يحتقر الأعمى أو الأبكم أو الأشل أو غيرهم من أصحاب الأمراض والآفات، ولا يصدر من الأفراد ما يزيد من آلامهم. فالرجال المحسنون هم الذين إن لم يتمكنوا من وضع مرْهم على قلوب المصابين الجريحة، فإنهم لا يشمتون بهم ولا يزيدون مصيبتهم عليهم أكثر.
النظرة المؤلمة:
لقد منعت التعاليم الخلقية في الإسلام الاستهزاء والإهانة واللوم والشماتة مطلقاً وحذّر علماء المسلمين الناس من هذه الصفات الذميمة. ولقد وردت أخبار في خصوص المصابين وذوي العيوب والنقائص الجسمية، وفي أسلوب المعاشرة معهم، بحيث لو طبقت وروعيت لما تأثر المصابون في المجتمع، ولما شعروا بالحقارة.
1 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لا تُديموا النظر إلى أهل البلاء والمجذومين، فإن ذلك يحزنهم) (1) .
2 - عن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تنظروا إلى أهل البلاء فإن ذلك يحزنهم) (2) .
3 - وعنه (عليه السلام): (إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة) (3) .
4 - وعنه (ع) أيضاً: (من نظر إلى ذي عاهة، أو من قد مُثّل به، أو صاحب بلاء، فليقل سراً في نفسه من غير أن يسمعه: الحمد لله الذي عافاني) (4) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج16|122.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج16|123.
(3) المصدر السابق ج16|111.
(4) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|209.
إن الأعور أو المجذوم يتألم في باطنه ويحس بالحقارة، فلو أن أحداً أطال النظر إلى عضوه الناقص كان ذلك سبباً في زيادة حزنه وشعوره بالضعة. وكذا الأصم أو ضعيف السمع، فإنه يتألم في نفسه ويحس بنقص كبير، فلو كلمه المتكلم بلهجة شديدة زاد تألمه. أما لو كلمه بطلاقة وجه وابتسام، رافعاً صوته لإسماعه من غير أن يزجره، فذلك يترك أثراً طيباً في نفسه، أو يقلل من تأثره الشديد. وقد عرّف الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الفعل بالصدقة الهنيئة.
5 - عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، أو يعيّر الناس بما لا يستطيع تركه، أو يؤذي خليله بما لا يعنيه) (1) .
إن النظر الدقيق المؤذي إلى نقائص الناس لا نفع فيه، لكنه يسبب في ذي البلاء تضجراً وضغطاً روحياً وألماً. ومن عامل جليسه بهذه الصورة أظهر له بذلك سوء خلقه.
لقد ظهرت بقع بيضاء في وجه (يونس بن عمار) أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، وآلمه ذلك، إلا أنه كان يضيق ذرعاً بالكلمات المسمومة الصادرة من الناس تجاهه، فقد كانوا يقولون له: لو كنت أهلا لفضل الله، وكان الدين الحق بحاجة إليك، لما ابتليت بهذا الداء. فتألم يونس من ابتلائه بالمرض، وكذلك من تحقير الناس وإهانتهم إياه تألماً شديداً، وجاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: إن هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبداً له فيه حاجة، قال: فقال لي: (لقد كان مؤمن آل فرعون مكنّع الأصابع، فكان يقول هكذا ويمدّ يديه ويقول: ( يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ) (2) .
في هذا الحديث نجد الإمام الصادق (عليه السلام) يردّ على كلام الناس الركيك بجملة قصيرة، ويفهم يونس بن عمار ضمناً أنه يتمكن - كمؤمن آل فرعون - أن يخدم شريعة الله، وأن يكون داعية خير وصلاح بين الناس على ما هو عليه من النقص. وطبيعي أن يخفف هذا الكلام من ألم الشعور بالحقارة فيه من جهة، ويبعث فيه رجاء خدمة دين الله من جهة أخرى.
و النتيجة: أن العاهات والنقائص التي لا تقبل العلاج عامل كبير للشعور بالحقارة
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|459.
(2) المصدر السابق ج2|259.
في الأطفال والكبار. فلو كان المجتمع الذي يعيش فيه أفراد مصابون منحطاً خلقياً، وفاقداً للتربية السليمة بحيث يحتقر أولئك الأفراد، فإن شعورهم بالحقارة سيتحول إلى عقدة نفسية موغلة في التعقد، ويقعون فريسة لمشاكل كثيرة.
البحث عن عيوب الناس:
لقد حذر الإسلام في تعاليمه الأخلاقية الناس من اللمز. وقد ورد ذلك بصورة صريحة في القرآن الكريم: ( وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) .
وعلاوة على ذلك فإنه أكد على مراعاة الآداب العامة والأخلاق الفاضلة مع ذوي العاهات والنقائص. فالمسلم الواقعي لا يحتقر ولا يهين بلسانه وحركاته أحداً، ولا يؤلم قلب شخص أصلاً. فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد) (2) .
الاسم القبيح:
والعلة الأخرى من علل الشعور بالحقارة التي تبدأ من دور الطفولة ومن الممكن أن تكون سبباً لنشوء عقدة الحقارة والتعاسة: الاسم القبيح، واللقب الكريه. إن الاسم الذي يضعه الوالدان للطفل يبقى معه إلى آخر لحظة من حياته، فلو كان قبيحاً ومنكراً كان سبباً لإيذائه في كل آن، ومعرضاً إياه لسخرية الأطفال والكبار واستهزائهم به.
يحب كل فرد أن يكون جميل الوجه، حسن الهندام، متزن الملامح، نظيف الملابس، حتى لو التقط مصور صورة جميلة له طبع منها مئة نسخة أو تزيد، ووزعها على جميع أصدقائه للتذكار. وبالعكس لو أخذت له صورة مشوَّشة لم يسمح بطبعها وليس ذلك فحسب، بل إنه يسعى لتحطيم الزجاجة السوداء، كي يمحو هذا الأثر السيئ تماماً.
وكذلك عندما يريد أن يطبع بطاقة شخصية فإنه يصرف مبلغاً من النقود في سبيل
____________________
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|247.
أن يكون الخط جميلاً، والكليشة واضحة، والورق صقيلاً... إلى غير ذلك من المحسنات، ثم يطبع على ذلك آلاف النسخ.
كل هذا يدلنا على أن الجمال من أهم عوامل المحبة، وهو رمز السعادة والنجاح.
الاسم الجميل:
من المظاهر المهمة لدى كل إنسان اسمه واسم عشيرته. فكما أن صورة كل شخص سبب لاستحضاره في أذهان الناس، كذلك اسمه فإنه يحكي عن صاحبه ويعطي صورة عنه. وكما أن الإنسان يلتذ من صورته الجميلة، ويتألم ن كانت قبيحة، كذلك يستر من الاسم الجميل ويتأذى من الاسم القبيح له أو لعشيرته. في حين أن الصورة القبيحة يمكن تمزيقها ومحوها بكل سهولة أما تغيير الاسم واللقب فهو صعب جداً.
إن الذين يمتازون بأسماء جميلة أو ينتمون إلى عشيرة ذات اسم جميل يفتخرون بذلك ويذكرونه بكل ارتياح وطلاقة دون شعور بالحقارة، ولربّما تفاءل السامع وذكر بالمناسبة كلاماً يليق ويتلاءم مع جمال الاسم. ومثل ذلك نجده في القصة التالية:
فقد النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) أمه في أيام رضاعه، ولم يقبل ثدي مرضعة قط، وكان هذا مبعث حزن وألم في البيت الهاشمي. إلى أن جاءت حليمة السعدية فعرضت ثديها عليه فقبله وتكفلت برضاعه، عندئذ عم البيت السرور والفرح إلى أقصى حد فقال عبد المطلب مخاطباً إياها:
ـ من أين أنتِ؟
قالت: امرأة من بني سعد.
قال: ما اسمك؟
قالت: حليمة.
قال: بخ بخ، خُلقان حسنتان... سعدٌ وحلم (1) .
أما الذين يحملون أسماء مستهجنة أو ينتمون إلى عشيرة ذات نسبة قبيحة، فطالما
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6|91.
يأبون عن ذكر ذلك، وإن التجئوا إلى ذكره في مناسبة ما شعروا بالخجل والضعة. إنهم يسرّون كثيراً عندما يبدل اسمهم إلى اسم حسن.
عندما نلقي نظره عابرة على الأسماء المتداولة في المجتمع بين المتجددين والمتحضرين ممن يعيش في القرى والمدن نجد فيها أسماء وألقاب قبيحة قد يؤدي ذكرها والتصريح بها في هذا المجلس المزدحم إلى السأم والضجر بالنسبة إلى البعض، ولكني أذكر على سبيل التمثيل نموذجاً من أهل القرى والأرياف.
هناك بعض العوائل في الأرياف تسمى المولود الجديد باسم اليوم الذي ولد فيه كالجمعة والسبت. فإن بقي هذا الطفل إلى آخر عمره في القرية يشتغل بالرعي فلا شيء عليه. أما لو دخل المدرسة وهاجر إلى المدينة، ثم مارس الحياة الجامعية وحصل على شهادة علمية ونال مقاماً، فإن ذلك الاسم القبيح يلازمه ويولد فيه عقدة الحقارة، وكلما نادوه باسم (جمعة) أو (سبت) تألم لذلك بلا شك.
اختيار الاسم:
من الحقوق الدينية للأولاد على الآباء أن يختاروا لهم أسماء جميلة غير مستهجنة. وقد ورد الحث على هذا في الروايات كثيراً:
1 - قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه) (1) .
2 - قال رجلٌ: يا رسول الله، ما حق ابني هذا؟ قال: (تحسن اسمه وأدبه، وتضعه موضعاً حسناً) (2) .
3 - في حديث آخر عن النبي (صلّى الله عليه وآله): (من حق الولد على والده ثلاثة: يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ) (3) .
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري.
(2) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 114.
(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|115.
4 - عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: (أول ما يبرّ الرجل ولده، أن يسميه باسم حسن. فليحسن أحدكم اسم ولده) (1) .
5 - في وصية النبي (ص) لعلي (عليه السلام): (يا علي، حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه) (2) .
6 - وفي حديث آخر: (إن أول ما ينحِل أحدكم ولده: الاسم الحسن) (3) .
تبديل الأسماء القبيحة:
إن الشقاء المتسبب من عقدة الحقارة لا يزول إلا بانحلال تلك العقدة حتى يتحرر الضمير الباطن من الضغط الذي يلاقيه. فالذي يحمل اسماً قبيحاً يشعر بالضعة بلا شك، والعلاج الوحيد له تغيير ذلك الاسم. فإذا وفق لذلك زال الضغط النفسي لوحده.
لقد كان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يغير الأسماء المستهجنة للأفراد، وكذا الاسم القبيح للبلد الذي طالما تألم المنتسب له، وبهذه الطريقة كان يتحرر الأشخاص من العقدة التي يكابدون منها الأمرّين، ويعيشون حياة ملؤها الارتياح والسكينة.
1 - عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام): (إن رسول الله كان يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان) (4) .
2 - عن ابن عمر: (أن ابنةً لعمر كان يقال لها عاصية، فسماها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): جميلة) (5) .
3 - عن أبي رافع: (إن زينب بنت أم سلمة كان اسمها برّة، فقيل: تزكي نفسها فسماها رسول الله (صلّى الله عليه وآله): زينب) (6) .
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|18.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي.
(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5 ك115.
(4) قرب الإسناد 45.
(5) صحيح مسلم ج6|173.
(6) نفس المصدر.
ولقد كانت العادة جارية في القبائل العربية قبل ظهور الإسلام بتسمية أولادهم بأسماء الوحوش والجوارح، وقد كانت هذه العادة البذيئة باقية بعد الإسلام أيضاً عند بعض القبائل. وفي حديث يسأل أحمد بن هيثم من الإمام الرضا (عليه السلام) عن سبب ذلك قائلاً: قلت له: لِمَ تسمى العرب أولادهم بكلب وفهد ونمر وما أشبه ذلك؟ قال: (كانت العرب أصحاب حرب وكانت تهوّل على العدو بأسماء أولادهم) (1) .
وبالرغم من أن تلك الأسماء المستهجنة كانت شائعة ومتداولة بينهم، فإنها كانت في بعض الأحيان ذريعة قوية للطعن والتحقير في أصحابها، فكان الواحد يلوم الآخر بسببها. من ذلك القضيتان الآتيتان:
بين معاوية وجارية:
كان أحد رؤساء عشائر الشام يسمى بـ (جارية) (2) وكان رجلاً قوياً صريح اللهجة، وكان يبطن لمعاوية حقداً وعداءً، وسمع معاوية بذلك فأراد أن يحتقره أمام ملأ من الناس ويتخذ اسمه وسيلة للاستهزاء به والسخرية منه، وصادف أن التقيا في بعض المجالس، فقال له معاوية:
ـ ما كان أهونك على قومك أن سموك جارية؟
ـ فقال له جارية: وما كان أهونك على قومك إذ سموك معاوية، وهي الأنثى من الكلاب.
قال: اسكت لا أم لك!
قال: لي أم ولدتني. أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنك لم تهلكنا قسوة، ولم تملكنا عنوة. ولكنه أعطيتنا عهداً وميثاقاً، وأعطيناك سمعاً وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنا تركنا وراءنا رجالاً شداداً وأسنة حداداً.
____________________
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|115.
(2) من معاني (جارية): الحية من جنس الأفعى كما في (أقرب الموارد).
فقال معاوية: لا أكثر الله في الناس مثلك يا جارية (1) .
قبح الاسم والمنظر:
وكان شريك بن الأعور سيداً في قومه وكبيراً عليهم، عاصر معاوية. وفي أحد الأيام دخل مجلس معاوية فأراد هذا أن يحتقره ويسخر به لقبح اسمه واسم أبيه وللنقص الذي فيه، فقال له:
ـ والله إنك لشريك وليس لله من شريك، وأنك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنك لدميم والوسيم خير من الدميم، فبِمَ سوّدك قومك؟!
فقال له شريك: والله إنك لمعاوية وليست معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية، وإنك ابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك ابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك ابن أمية وما أمية إلا أمة صغِّرت فسميت أمية، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ فقال له معاوية: أقسمت عليك إلا ما خرجت عني (1) .
ولهاتين القضيتين نظائر وقعت في الماضي والحاضر. فكما أن الهندام غير المتزن والأعضاء الناقصة والمنظر الكريه سبب للشعور بالحقارة، ويؤدي ذلك غالباً إلى نشوء عقدة نفسية، كذلك الاسم القبيح واللقب الكريه والنسبة المستهجنة، فإن ذلك كله يدعو إلى نشوء عقدة الحقارة. ولو فرضنا أن 99% من أفراد المجتمع كانوا خليقين متزنين، لا يجرحون عواطف هؤلاء ولا يحتقرونهم، فإن الـ 1% الباقية لم تربّ تربية حسنة تكفي في إيذائهم بالاستهزاء والإهانة.
العيوب غير القابلة للعلاج:
عندما يتولد الطفل على أساس قوانين الخلقة ذا عاهة غير قابلة للعلاج، فإن مصيبة
____________________
(1) المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ج1|58.
(2) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ج1|59.
الحقارة قطعية بالنسبة إليه، ولا يمكن التخلص منها. هذا الطفل لا بدّ له من تحمل الألم الداخلي مدى العمر، وليس للآباء والأمهات في هذه الحالات الصبر والتحمل. إذ إن رفع هذه العاهات والنقائص الطبيعية ليس بيدهم، في حين أن انتخاب الاسم الحسن في مقدورهم، وهو من حقوق الأولاد الواجبة على الآباء أنهم يتمكنون من القيام بواجبهم على خير وجه في تسمية أطفالهم، وباستطاعتهم اجتباء أسماء لأطفالهم لا تصير سبباً للحقارة والضعة مدى العمر.
إن الطفل الذي يستهزأ به من قبل سائر الأطفال لاسمه المستهجن أو لانتسابه إلى عشيرة ذات اسم قبيح، يخسر نشاطه ويسير دوماً إلى اضمحلال وانهيار، فيتجنب من الألعاب الجماعية للأطفال، ويخاف من معاشرتهم، ويخفي نفسه قدر المستطاع في ساحة المدرسة، ويقف في صف التلاميذ وقفة لا يراه معها مدير المدرسة أو المشرف حذراً من أن ينادى باسمه من بين الأطفال وتتجدد عليه الكارثة.
(تشمل عقدة الحقارة جميع المظاهر التي ظهر بها عدم الاعتماد على النفس، والشعور بضعف الشخصية، وعدم الكفاءة، وفقدان الإرادة. إن الطفل الذي يبتلى بالشعور بالحقارة عندما يشب يلزم سيرة الوحدة والانزواء، أو لا أقل من أن يوجد عنده الشعور بالغربة والابتعاد عن أقرانه، لأن الوقائع والحوادث في دور الطفولة أفهمته أن الألفة والاجتماع مع الغير هو الذي جلب له السخرية والانتقاد. إن الذي يتجنب أقاربه وأترابه يقودنا إلى أنه معذّب من الشعور بحقارة وجدت فيه من تجاربه في الطفولة. ولهذا - وبناء على قواعد علم النفس - فإن كل حادثة تضعف أو تعدم عزة النفس عند الإنسان، وتقلّل من طموحه عامل مهم لتوسعة (عقدة الحقارة) وتقويتها ووسيلة لجعله بين الأعضاء المختلين وضعاف النفوس في المجتمع) (1) .
تخليد الأسماء العظماء:
من الأسماء المحبذة والمرغوبة في الشرق أسماء وألقاب الرسول الأعظم (صلّى الله
____________________
(1) عقده حقارت ص 6.
عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). إن أذواق الملايين من المسلمين وطباعهم تستلطف الأسماء التالية: محمد، أحمد، محمود، مصطفى، علي، مرتضى، حسن، حسين، كاظم، رضا.. وأمثالها. ومن كان قد سمي باسم من هذه الأسماء لم يشعر في نفسه بالحقارة والتعاسة، ولم يأب من أن يعرّف نفسه به.
لقد أوصى أئمة الإسلام أتباعهم بتسمية أولادهم بأسماء القادة الإلهيين العظماء، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: من ولُد له أربعة أولاد ولم يسمّ أحدهم باسمي فقد جفاني) (1) .
إن إيحاء أسماء الرجال العظماء أمر يهتم به الشرق والغرب، وتحاول الحكومات استخدام جميع الوسائل لذلك، فتسمى الاكتشافات والاختراعات العلمية والفنية باسم المكتشف والمخترع كي يبقى هذا الاسم خالداً على مر الأجيال، يتلفظ الأساتذة والطلبة والمهندسون والعمال الفنيون آلاف المرات يومياً بأسمائهم في الجامعات والمختبرات والمؤسسات الصناعية في العالم.
لقد سميت بعض المدن الكبيرة باسم الرجال العظماء في قسم من الدول، كما سميت الساحات والشوارع باسم الشخصيات البارزة في تلك البلدة. وفي إيران سميّت ساحات وشوارع عديدة باسم: حافظ، سعدي، خيام، فردوسي، أبو علي، أبو ريحان، وغيرهم، وبهذه الطريقة خلّدوا أسماءهم.
ومن وسائل تخليد اسم النبي العظيم والأئمة (عليهم السلام) تسمية المسلمين أولادهم بأسمائهم. فالآباء والأمهات الذين يهتمون بهذا الأمر ويسمّون أطفالهم بأسماء القادة الإلهيين، قد أدّوا حق أولادهم في انتخاب الاسم الحسن لهم، وحفظوهم بذلك من الإحساس بالحقارة.. هذا من جانب. ومن الجانب الآخر يكونون قد أظهروا بذلك ولاءهم لقادتهم، ويستحقون الأجر بذلك من الله بلا ريب. وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) يسأل الراوي فيه: (إنا نسمي بأسمائكم وأسماء أبائكم، فينفعنا ذلك؟ فقال: (إي والله) (1) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|122.
الكنية:
لم تكن قيمة الكنية الجميلة فيما مضى - والاسم الجميل للعشيرة في عصرنا - أقل من قيمة الاسم الجميل، فكم من أفراد يحملون أسماء حسنة ولكنهم انتخبوا اللقب العائلي غريباً، نراهم غير مرتاحين. فقد اتخذ بعض الأشخاص لقباً سيئاً لنفسه من دون رويّة، فجاء أولاده بعد سنين طويلة متأثرين لسوء اختيار والدهم، شاعرين بالحقارة عند ذكر تلك الكلمة. لقد أردف في بعض الروايات ضرورة تحسين اسم الطفل بضرورة تحسين كنيته أيضاً. فعن فقه الرضا (عليه السلام): (سمّه بأحسن الأسماء، وكنّه بأحسن الكنى) (1) .
وعند استعراضنا لبعض النصوص نجد قادة الإسلام يتأثرون من سماع الكنى القبيحة التي يتخذها بعض الأشخاص لأنفسهم، وينبهون في بعض الأحيان على ذلك حفظاً لمكانة أصحابها.
(عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (إن رجلاً كان يغشى علي بن الحسين (عليه السلام) وكان يكنى: أبا مرّة. فكان إذا استأذن عليه يقول: (أبو مرة بالباب). فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): بالله، إذا جئت إلي ثانياً فلا تقولن: (أبو مرة) ) (2) . لأن (أبا مرة) كنية الشيطان، فمن اختار لنفسه هذه الكنية عرف نفسه بأنه متصف بصفة الشيطان، ونيّته كنيته، ولسوء اختياره هذا جعل نفسه معرضاً لتحقير الآخرين وإهانتهم.
الأثر النفسي للاسم واللقب:
واللقب أيضاً مثل الاسم والعائلي، يعرّف صاحبه. وهو ذو أثر نفسي فعال، فإن كان قبيحاً صار سبباً للشعور بالحقارة وطالما حمل صاحبه - كالاسم واسم العائلة القبيحين - على الضجر والسأم.
____________________
(1) مستدرك المسائل للمحدث النوري ج2|618.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6|21.
لقد كان المواطنون فيما سبق يهتمون باللقب. وكانت الألقاب عندهم معروفة للمكانة والمنزلة الاجتماعية للأفراد، فكان لكل من الرجال العظماء في العلم أو السياسة، والشخصيات العسكرية أو المدنية لقب مخصوص يتناسب ومنصبه ومنزلته.
وعلى رغم الاختلاف الكبير بين مجتمعنا الحالي والأوضاع السابقة في موضوع الألقاب وفقدان كثير منها قيمتها السابقة، فإنه توجد ألقاب في مجتمعنا يسبب بعضها الفخر والعظمة لصاحبه، ويورث بعضها الألم الروحي والشعور بالحقارة له. ثم إن لبعض الألقاب جهة عمومية فإنه يتبع الشغل أو الرتبة أو المقام، ومن كان حائزاً على الشروط المطلوبة نودي بذلك اللقب. كما أن بعض الألقاب يختارها الشخص لنفسه ولأولاده كما يختار الاسم، ثم بشهرته شيئاً فشيئاً في المجتمع.
وربما تقع قضايا وحوادث طيبة أو سيئة للأشخاص في أيام عمرهم فتترك أثراً حسناً أو قبيحاً في الأذهان، ثم يلخص الناس ذلك الأثر في كلمة أو جملة ويجعلونها لقباً لصاحبه. ومن هذا القبيل ما نلاحظه في قصة عبيد الله بن الزبير، حيث كان والياً على المدينة من قبل أخيه عبد الله، وقد شغل المنصب المعهود به إليه بكل سيطرة وكفاءة. وفي يوم من الأيام أخطأ في كلامه أمام جمع غفير من الناس وهو على المنبر، فبينما كان يعظ الناس تطرق لقصة ناقة صالح وظلم قومه لها، فقال لهم: قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسة دراهم، فسميّ (مقوم الناقة) (1) .
لقد كانت الموعظة بذاتها صحيحة إلا أن تقويمه للناقة كان خطأ، فلقبه الناس بـ (مقوم الناقة)، وشاع هذا اللقب، ولهج به الناس، وأورد نقصاً عظيماً في شخصيته، فخلعه عبد الله بن الزبير، ووليّ مكانه مصعباً.
في هذا المثال نجد أن والي المدينة يسقط عن أنظار الناس على أثر سبق لسان بسيط، ولقبه الناس بمقوّم الناقة مستهزئين به وذاكرين ذلك في كل منتدى ومجلس.
إن الوالي الذي يتعرض لتحقير الناس وإهانتهم، ويشعر في نفسه بالحقارة لا يتمكن من ممارسة السلطة والحكم مهما كان ذا سطوة وقوة.
____________________
(1) الكامل لابن الأثير ج4|87.
الألقاب المحتقرة:
في المجتمعات المختلفة أناس كثيرون اتخذوا لأنفسهم ألقاباً قبيحة بسوء اختيارهم، أو أن سلوكهم المنحرف طيلة الحياة هو الذي أوحى للناس بتلقيبهم بلقب قبيح. وتكون النتيجة أن يعيش هؤلاء حياة ملؤها التعاسة والشقاء والحقارة.
وفي مجتمعنا الحاضر توجد بين الطبقات المختلفة ألقاب كثيرة من هذا القبيل. وهاأنا ذا أتكلم إليكم وببالي أمثله منها بحيث لو نطقت بكلمة واحدة انتقلت أذهان المستمعين فوراً إلى شخص معين، لكن القوانين الإسلامية لا تسمح لي بذكر شيء منها وإن كان ذلك على سبيل الشاهد.
الحذر عن تحقير الناس:
لقد نهى الإسلام عن ذكر الناس باسم أو لقب يشينهم ويكون سبباً لأهانتهم وتحقيرهم، وقد حذرت التعاليم الإسلامية الناس عن هذا العمل المنكر الذي يبعث البغضاء والحقد في المجتمع، قال الله تعالى: ( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) .
لقد ذكر في مجلس الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) شاعر، فذكره أحد الحاضرين بكنيته، فقال له الإمام (عليه السلام): (هات اسمه ودَعْ عنك هذا. إن الله عَزَّ وجَلَّ يقول: ( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ) ولعل الرجل يكره هذا) (1) .
وفي الحديث: (حق المؤمن على أخيه أن يسمّيه بأحب أسمائه) (2) .
يجب على عامة المسلمين أن يجتنبوا ذكر الأسماء والألقاب التي تسبب انزعاجاً وإيلاماً لأصحابها، وألا يدعوهم بتلك الأسماء والألقاب كيلا يوجب ذلك التأثر والتألم فيهم، ولكن كثيراً من الناس لا يراعون هذا الواجب المقدس. فبعضهم
____________________
(1) وسائل الشيعة الحر العاملي ج5|116.
(2) مجمع البحرين - مادة نبز.
لسوء خلقه وعدم العناية بواجباته، وبعضهم لعدم فهمه وقصور إدراكه يذكر الناس بأسماء وألقاب قبيحة، فيحتقرهم بعمله السيئ هذا.
كان في أوائل القرن الثالث الهجري رجل في العراق يكنى بـ (أبي حفص)، ولبعض أعماله لقبه الناس بـ (اللوطي) فكانا يحقّرونه بهذا اللقب في غيابه. ولقد أدّت شهرته هذه بين الناس إلى تأثره الشديد، وأوردت على شخصيته نقصاً غير قابل للتدارك فتمرض جار له، فعاده أبو حفص والمريض في غاية الضعف. فسأله أبو حفص عن صحته، وقال له: أعرفني؟ فأجاب المريض بصوت خافت جداً: ولم لا أعرفك؟ أنت أبو حفص اللوطي، فدهش أبو حفص من هذا اللقب ومصارحة المريض به، فقال له: لقد جاوزت حد المعرفة، أرجو أن لا تقوم من مرضك هذا أبداً... ثم قام من عنده وخرج (1) .
السمعة السيئة والحرمان:
ما أكثر الرجال العلماء والمثقفين الذين كانت لهم الكفاءة لتسنّم مناصب عالية في الدولة، والحصول على مقامات شامخة في المجتمع، لكنهم فقدوا جميع قيمهم الاجتماعية على أثر لقب قبيح أو شهرة سيئة، وأخذ الناس ينظرون إليهم بنظر الانتقاص والاحتقار. وبالتالي لم يستفيدوا من المواهب التي كانت تميزهم، بل لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة كأفراد اعتياديين، فهؤلاء يكابدون الضغط الروحي دائماً ويقضون حياتهم في حرمان وشعور بالحقارة والدناءة.
وكمثل على ذلك نذكر ما جرى لابن النديم بهذا الصدد. فقد كان إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن النديم من العلماء الذين قلّ نظراؤهم في عصره، وكان قد أجهد نفسه في علوم كثيرة كالكلام والفقه والنحو والتاريخ واللغة والشعر، وبرع في جميع ذلك براعة تامة. وكان عملاقاً عظيماً في المناظرات العلمية، وكثيراً ما كان يتغلب على فضلاء عصره. وله في مختلف العلوم ما يقرب من أربعين مجلداً، وآثاره المهمة باقية حتى اليوم.
____________________
(1) قاموس دهخدا الفارسي ص 2225.
كان ابن النديم ذا صوت جميل، ورغبة شديدة في الغناء. وكثيراً ما كان يشترك في مجالس طرب الخلفاء ورجال الدولة، ويؤنس الحاضرين بغنائه المطرب، ويجذب قلوبهم نحوه. ولاستمراره في هذا العمل ضؤلت قيمة ثقافته العلمية شيئاً فشيئاً بالنسبة إلى غنائه حتى عرف في المجتمع بهذه الصفة ولقبه الناس بـ (المغنّي) و(المطرب).
لقد أوردت هذه الشهرة ضربة قاصمة على شخصيته، ولم يتمكن فيما بعد أن يعدّ نفسه في المجمع كرجل عالم مطلع، وأن يظهر كفاءته العلمية. وبالرغم من قربه لدى الخلفاء والشخصيات فإنهم لم يعهدوا إليه بمهمة أو عمل خطير في الدولة، وذلك حذراً من اضطراب الرأي العام.
وبهذا الصدد كان المأمون العباسي يقول: لو لم يكن يشتهر ابن النديم بالطرب والغناء لولّيته القضاء، لأنه يفوق جميع قضاة الدولة الموجودين من حيث الفضل والعلم، وأكثرهم استحقاقاً لهذا المنصب (1) .
نستنتج مما تقدم أن الاسم المستهجن، أو اسم العائلة القبيح أو اللقب الشنيع، أو الشهرة السيئة تسبب الشعور بالحقارة، وتأزم عقدة الحقارة، مما يؤدي إلى تنغص الحياة على الإنسان.
إن الشعور بالحقارة المنبعث من الاسم القبيح يلازم الطفل من أولى أدوار حياته. ومن الحقوق الدينية للأولاد على أوليائهم انتخاب الاسم واللقب الحسنين للطفل. على الآباء والأمهات المسلمين الاهتمام بهذا الواجب بأن يؤدوا حقوق الأولاد على أحسن ما يرام، ويختاروا لأولادهم الأسماء والألقاب المناسبة الجميلة، وإلا يكونوا سبباً - من غير ضرورة - لشعورهم بالحقارة والخسة والضعة طيلة أيام عمرهم.
____________________
(1) قاموس دهخدا الفارسي ص 2225.
المحاضرة الثالثة والعشرون:
الإفراط في المحبة
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) .
من عوامل نشوء عقدة الحقارة، الإفراط في إبداء مظاهر الحب والحنان بالنسبة إلى الطفل. إن الأطفال الذين يبذل لهم من العناية والحب أكثر مما ينبغي، ينشئون في النتيجة معجبين بأنفسهم، فيلاقون طيلة أيام حياتهم، وخاصة عند مواجهة مشاكل الحياة، والشعور بالحقارة والضعة بشدة، فيقدمون على أعمال غير مرضية... وقد يؤدي بهم الشقاء والضغط الروحي إلى الجنون والانتحار.
لقد ذكرنا في محاضرة سابقة أن المحبة ضرورية لنمو روح الطفل كالغذاء الضروري لنمو جسمه، وأن أهمية التوازن الصحيح في كمّ المحبة وكيفها وأسلوب إظهارها لا تقل عن أهمية المحبة ذاتها. وكما أن لكل من التقليل من الغذاء والإكثار منه وتسمّمه أثراً في بدن الطفل، كذلك لكل من التقليل من المحبة والإكثار منها، والمحبة في موضعها - والتي ينحرف بها الطفل - آثاراً مشؤمة في روح الطفل وتسبب له مشاكل كثيرة.
الاعتدال في المحبة:
الهدف من التربية الصحيحة هو أن تقرن حياة الطفل بالسعادة، وتكلّل جهوده بالنجاح. إذ الحياة على طولها تتضمن صراعاً مع المشاكل وهكذا يواجه الفرد
____________________
(1) سورة آل عمران | 188.
كثيراً من المنخفضات والمرتفعات والمعطفات والمصائب في مختلف أدوار حياته. والمربي القدير هو الذي يعمل على تنشئة جسم الطفل وروحه على أحسن الأساليب بحيث يعدّه للمقاومة والثبات أمام صعوبات الحياة.
وكما أن جسم الطفل يقوي نتيجة للمراقبة الصحية، والتوازن في أكله ونومه وحركته ورياضته، ويستطيع من مقاومة البرد والحر، والجوع والعطش، والمرض على أحسن وجه، فكذلك روحه فإنها تنمو قوية في ظل الصحة الروحية والتعاليم الخلقية، والتوازن بين أساليب العطف والحنان والشدة والخشونة، وبذلك يتمكن من الصمود أمام المصائب والمشاكل والاندحارات الروحية.
وبالعكس، فإن الأطفال الذين يواجهون المحبة والرأفة الزائدتين، ويستسلم لهم آباؤهم وأمهاتهم بدون أي قيد أو شرط، ويستجيبون لجميع مطاليبهم من صالح أو طالح، وبالتالي ينشئون على الاستبداد والإعجاب بالنفس، فإنهم يحملون أرواحاً ضعيفة ونفوساً سريعة الانهزام من ساحة المعركة، ويتأثرون من دور الطفولة حتى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء، وأخف المصائب، وينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة.
إن الأفراد الذين نشئوا في ظل الحنان المفرط، هم أتعس الأفراد، لأنهم يعجزون عن حل مشاكل الحياة الاعتيادية، فيلجئون في الشدائد إلى الانتحار متصورين أن النهاية الحتمية لفشلهم يجب أن تبرّر بالانهزام من معركة الحياة.
خطأة تربوية:
بالرغم من أن كل أسلوب أهوج يتّبعه الوالدان في تربية الأولاد يكون له الأثر السيئ، ويولد نوعاً من الانحراف، فإن الإكثار الضار من المحبة للأطفال يعد من أعظم الأخطاء التربوية. إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال بهذه المناسبة مهمة وخطرة. ولقد اهتم جميع علماء النفس بهذا الموضوع في بحوثهم التربوية، ولكل منهم حوله كلام مفصل.
ولأنقل لكم - على سبيل الشاهد - بعض النصوص لعدد من علماء الغرب:
1 - يقول (جلبرت روبين): (إن تعويد الطفل على الإعجاب بنفسه يورث الغضب الشديد فيه لأبسط الأشياء، والاستبداد في الرأي. وفي الغالب يدفعه إلى الرغبة في طلب الجاه. وفي النتيجة: يحصل الطفل على القدرة التي تساعده على التقدم، ومع كونه ذا أعصاب هزيلة، فإنه ينجح بواسطة الحيلة والشدة. إن جعل الأطفال معجبين بأنفسهم يكوّن منهم أفراداً تعساء، ضعفاء، عديمي الإرادة).
(لقد كان أولئك الذين يقولون للأم العابثة بلحن مصحوب بالسخرية: ليس طفلك معجباً بنفسه، بل هو غير صالح. لم يكن كلامهم خالياً عن المبالغة فحسب، بل كان تنبّؤهم صحيحاً أيضاً. هناك حالات تتقزز النفوس من مشاهدتها لعدم الالتزام في التربية، لأننا نشاهد في الحقيقة مقتولين أبرياء كان بالإمكان إنقاذهم) (1) .
الأطفال المدللون:
2 - يقول (مك برايد): (الشعور بالدلال والغنج أمارة أخرى من أمارات عقدة الحقارة، ويجب البحث عن أساسه في أسلوب التربية الخاطىء المتخذ في دور الطفولة. إن الطفل الذي كان يرى نفسه قرة عين والديه، عندما يكبر ويصبح رجلاً كاملاً يجب أن يكون في جميع نواحي الحياة محبوباً من غير علة ومحترماً لدى الجميع. فعندما يرى أنه لم يُعتن به، يفقد الهدوء والاستقرار، ويختل ما صفا من فكره، فإما أن يلتجأ إلى الانتحار، وإما أن يبغض الآخرين. إن عقدة الحقارة التي تنشأ في الناس بهذه الظاهرة مصيبة عظيمة للمجتمع) (2) .
3 - يقول (ريموند بيج): (يجب أن ننبه على بعض الأخطاء في
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 23.
(2) عقده حقارت ص 27.
السنين الأولى من حياة الطفل. وأكثرها شيوعاً هو الأسلوب الذي يؤدي إلى غرور الطفل وأنانيته. إن المحبة بدون سبب في الأيام الأولى هي التي تسبب غرور الطفل وأنانيته).
(إن الآباء والأمهات يأملون في الطفل النجاح والسعادة طبعاً، ولهذا فهم يرأفون به أشد الرأفة، ويتملقون له ويبعدون كل عقبة أو مشكلة - حتى لو كانت تافهة - عن طريقه. وكلما كبر الطفل حاولوا تهيئة وسائل اللعب المناسبة له. إن هذه الأعمال تستوجب الاستحسان في الظاهر. أما في الباطن، فإن الخطر الكامن وراءها موحش جداً).
(إن الفرد الناشىء في ظل الرأفة الزائدة لا يطيق المقاومة أمام تقلبات الحياة، ولا يستطيع الصراع معها) (1) .
4 - يستشهد (الفرد آدلر) العالم النفسي الشهير، وزعيم المدرسة الفردية في علم النفس بامرأة (انتحرت لسبب تافه هو أن جارها كان يُعلي صوت المذياع، ولم يهتم باستنكارها المستمر. وأخيراً أقدمت على الانتحار! وتدل التحقيقات التي أجراها (آدلر) بهذا الصدد على أن هذه المرأة نشأت منذ طفولتها على الغرور والرضا بالنفس، وكان يُحضر إليها في المنزل ما تشاء من دون قيد أو شرط. ولهذا السبب فإنها لم تطق العيش في دنيا تسمع الجواب السالب على ما تطلب فيه) (2) .
الإفراط في المحبة:
لقد حذّرت الشريعة الإسلامية الغراء أولياء الأطفال في أسلوب تربيتهم من الإفراط في المحبة. إن الذين يفرطون في الرأفة بأطفالهم، ويدفعونهم بسلوكهم
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 39.
(2) روح بشر ص 131.
الأهوج هذا إلى الإعجاب بأنفسهم، ملومون من قبل الأئمّة (عليهم السلام). فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (شرّ الآباء من دَعاه البرّ إلى الإفراط، وشرّ الأبناء من دَعاه التقصيرُ إلى العُقوق) (1) .
إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال نتيجة الإفراط في المحبة تجاههم مهمة جداً وخطرة. ولهذا السبب يعرّف الإمام (عليه السلام) الآباء الذين يفرطون في التظاهر بالحب والحنان لأطفالهم بأنهم شر الآباء.
إن الطفل مفطور على حب الحرية. إنه يرغب في أن يعمل ما يريد، ويمدّ يده إلى ما يشاء، ألاّ يمتنع أحد من تنفيذ ما يطلب، ولكن ذلك غير صالح للطفل؛ لأنه لا يميّز الحسن من القبيح، ولا يفهم الخير من الشر (2) . إن المربي الصالح هو الذي يسير وفق مقتضيات العقل في الاستجابة لمطاليب الطفل، فيعمل على تحقيق مصلحة الطفل مع العطف والحنان عليه، ويمنعه متى كان طلبه يخالف صالحه، بكل صرامة، متبعاً في ذلك مختلف الوسائل، من النظرة الشزراء، والإهمال المؤقت وما شاكل ذلك.
العواطف التافهة:
هناك بعض الآباء والأمهات الجهلاء ليس لهم أدنى اهتمام بخير الطفل وصلاحه. هؤلاء الوالهون المفرطون في الحب والحنان، الذين أعمى الحب
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي ج3|53.
(2) وبصورة عامة يجب أن نفهم الطفل بأن الحرية المطلقة ليست إلاّ الهمجية، والفوضى، والحيوانية. ولا يتسنى ذلك في الأدوار الأولى التي لا يفهم فيها الطفل كثيراً من الأفكار العلمية والآراء التي يجب أن يتبناها الفرد الصالح في حياته. وعليه فيجب إفهامه بأن بأن هناك حواجز وموانع تقف في سبيل تنفيذ الفرد رغباته بصورة مطلقة، وذلك بالوقوف أمام الأعمال العابثة والضارة التي تصدر منه. عندئذٍ يفهم الطفل جيداً أنه يجب أن يتقيّد بالأوامر والأعراف والتقاليد النافعة وأن لا يتعداها. أما إذا فسح له المجال في أن يعمل ما يريد، ويذهب أين شاء، فذلك يؤسس ركيزة الأيديولوجية الفردية الاستبدادية التي ترى أن الفرد يستطيع أن يحقق لنفسه ما يريد وإن أضرّ ذلك بمصالح الجماعة، وأخلّ بالمثل التي يتبناها بنو جنسه.
عيونهم، وأصمّ آذانهم. هدفهم الوحيد هو إرضاء الطفل وتنفيذ رغباته، فيعطون المجال له بدون حساب، ويجعلون أنفسهم طائعين فعلاً وممتثلين لأوامر الطفل الصغير، منقادين له تماماً.
كل يوم يزداد من عمر الطفل يزداد إعجابه بنفسه، وتتحكم في نفسه جذور الاستبداد والتعنّت بالرأي، ويعود عالة على المجتمع. هؤلاء الآباء والأمهات، وإن تظاهروا بمظهر الحب والحنان فإنهم في الواقع يحملون معاول لهدم أساس سعادة أطفالهم، ويقودونهم بعواطفهم التافهة ومحبّتهم غير المرضية إلى طريق التعاسة، والمستقبل المؤلم.
إن الأطفال الذين يتربون على هذا الأسلوب المذموم، ينشئون معجبين بأنفسهم. وهذا الخلق السيئ من الآفات الروحية الخطيرة، بحيث يترك آثاراً وخيمة على الجسم والروح، وتظهر نتائجه السيئة من خلال أقوال المصاب وأفعاله بكل وضوح. وبهذا الصدد يقول الإمام علي (عليه السلام): (شرُ الأمور الرضا عن النفس) (1) .
الطفل المتعنِّت:
إن الطفل الذي كان يحكم لسنين طوال في محيط أسرته باستبداد، وكان أبواه مطيعين له بلا قيد أو شرط، ينشأ - بالطبع - معجباً بنفسه، ويتوقع من جميع الرجال والنساء أن يطيعوه كما يطيعه أبواه، وينفذوا أوامره بدون ترديد. وبديهي أن شخصاً كهذا ينفر منه الناس ويبتعدون عنه، وينظرون إليه بعين السخط والاحتقار. وهذا من الآثار السيئة للرضا عن النفس.
1 - قال الإمام الهادي (عليه السلام): (من رضي عن نفسه كثُر الساخطون عليه) (2) .
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 446.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|215.
2 - وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إيّاك أن ترضى عن نفسك فيكثر الساخطُ عليك) (1) .
3 - وعنه (عليه السلام) أيضاً: (من رضي عن نفسه كثر الساخطُ عليه) (2) .
العجب بالنفس:
إن صاحب العقل السليم والنظر الثاقب يعرف حدوده ولا يتجاوزها، وإعجاب الرجل بنفسه دليل على عدم نضوج عقله. إنه لو كان يملك عقلاً حراً لم يكن مصاباً بهذا الداء، وجاعلاً نفسه في منزلة أرقى مما هي عليه، فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (رضاءُ العبد عن نفسه بُرهان سخافة عقله) (1) .
إن الأطفال الذين نشئوا راضين عن أنفسهم على أثر الإفراط في المحبة تجاههم لا يتمكنون من السير مع قوانين الحياة، والتغلب على مشاكلها هؤلاء مصابون حتى نهاية عمرهم بهذا الداء ويتجرعون عوارضه الوبيلة.
(لا شك أن الطفل يحتاج حاجة ماسة إلى المحبة، ولكن لا تلك المحبة المفرطة التي تحرّك رغباته ومشتهياته، فإن هناك قوانين لا تقبل التغيير، تؤثر دائماً - في كل عصر من العصور - في حياة المجتمعات. ومن تلك القوانين: أن يقرر كل فرد مستقبله بيده في ظل صبره وتحمله واستقامته. والطفل المعجب بنفسه والفاسد أعجز من أن يقوم بهذا الواجب. إنه يعيش في عالم خيالي غير متوافق، ويظن أبداً أن الابتسامة البسيطة أو الانكماشة الضئيلة ستحرك عواطف الجميع وشفقتهم).
(وبناء على ما يقول الدكتور آدلر في كتابه (تربية الأطفال) فإن الأطفال الذين نشئوا هذه النشأة يريدون أن يحبّهم الجميع من
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم ص 147.
(2) نفس المصدر ص 424.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1081.
طبيعتهم. ولو قلنا: إن هؤلاء الأطفال سيظلون مدى العمر مؤمنين بهذه الفكرة، لم نقل جزافاً. والحقيقة أننا نجد أن هؤلاء الأطفال يبقون على إعجابهم بأنفسهم حتى عندما يبلغون سن الشيخوخة. هؤلاء رجال قد يصلون بفضل مواهبهم وطاقاتهم إلى النجاح والموفقية، وإذا بهم حينئذٍ يفقدون كل إنجازاتهم بسبب أفعالهم الركيكة).
(ألا تصدّقون أن الإنسان قد يواجه مراراً نساء في الستين من أعمارهن لا يزلن يعتقدن بأن خير أسلوب للحصول على ما يرغبن إنما هو التظاهر بالاستياء، والتزّمت، والإعراض؟!) (1) .
لعل كثيراً من الآباء والأمهات لا يدركون بعد خطر الإفراط في المحبة بالنسبة إلى الطفل إدراكاً تاماً، ولا يفهمون أنهم كيف يرتكبون ظلماً كبيراً بأعمالٍ ظاهرها الرأفة والحنان. إنهم يدفعون الطفل إلى الإعجاب بنفسه فينشأ تعساً في جميع أدوار حياته ومستقبله من جهة، ومن جهة أخرى يجعلون أنفسهم في عداد (شر الآباء) على حد تعبير الإمام الباقر (عليه السلام).
ولمزيد إيضاح لهذا الموضوع التربوي الحساس للمستمعين الكرام، ولكي يقف أولياء الأطفال على تكاليفهم الشرعية والعلمية، فسنخص بحثنا في هذه المحاضرة بهذا الموضوع، وبيان النتائج الوخيمة للإفراط في المحبة، والأمل وطيد بأن يستمع السادة المحترمون إلى هذه المحاضرة بدقة، وأن يضعوها نصب أعينهم في التطبيق، فيحفظوا الأطفال من التربية السيئة.
إن أول نقطة يجب أن نثيرها في بحثنا هذا هو الجواب على السؤال التالي: متى يجب أن يأخذ الوالدان بالحد الوسط من المحبة تجاه الطفل كيلا ينشأ معجباً بنفسه وأنانياً؟
الكل يعلم أن الغذاء المادي للطفل يبدأ من يوم ولادته. الطفل إنسان حي،
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 40.
وكل موجود حي يحتاج إلى الغذاء للمحافظة على حياته. ولكن كثيراً من الآباء والأمهات لا يعلمون متى يبدأ التطبع على العادات الحسنة أو القبيحة، التي تؤدي إلى السلوك المفضل أو المستهجن، ومتى يؤثر الإفراط في المحبة الباعث إلى نشأة الطفل أنانياً.
اقتباس العادات:
يتصور البعض أن المولود الجديد قطعة من اللحم الحي، يحتاج إلى الغذاء والنوم فقط. ويجب أن يمر عام كامل على حياته - على أقل تقدير - حتى تستيقظ المشاعر عنده تدريجياً، وعند ذاك يتمكن الآباء والأمهات من الابتداء بتنمية العادات الحسنة في الطفل. وبعبارة أخرى: يظن هؤلاء أن الغذاء المادي للطفل يبدأ من يومه الأول، أما حاجته إلى الغذاء الروحي فإنها تبدأ بعدم عام من ولادته على الأقل.
إن هذا التصور خطأ فاحش. فإن الطفل يستجيب في الأسابيع الأولى من حياته بفضل غرائزه واستعداداته للعادات والمؤثرات، بحيث لو كانت سيئة فإنها تمنع من الانطباع على العادات الحسنة.
(يملك الطفل المتولد حديثاً غرائز وانطباعات، ولكنه يفقد العادات. إن جميع العادات التي حصل عليها في الرحم لا أثر لها في أحواله بعد الولادة. ففي بعض الأحيان يجب تعليم المولود كيفية التنفس. إن الغريزة الوحيدة التي يحملها حينذاك، والتي تكون قد نمت نمواً حسناً هي غريزة مص الثدي والارتضاع. وعندما يشتغل بالارتضاع يأنس بالمحيط الجديد، وتمرّ عليه سائر أوقات يقظته في حالة عدم شعور مبهم، وإنما يتخلص من هذه الحالة في ساعات النوم التي تستغرق أكثر ساعات اليوم. ثم تتغير جميع هذه الأوضاع من بعد أسبوعين، فيحصل الطفل من تجاربه التي تتكرر عليه خلال هذه المدة بصورة منتظمة على انطباعات يتذكرها حينذاك. ولعل تذكره ذاك يكون أكمل وأكثر
من كل الأزمنة اللاحقة، وينفر من تغيير كل ما اعتاد عليه وأنس به).
(إن السرعة التي يسير بها الطفل في اكتساب العادات عجيبة. وسيكون حصوله على كل عادة سيئة في أولى أدوار الطفولة سداً أمام اكتسابه العادات الحسنة. ولهذا يعتبر التعوّد على العادات في أوائل أيامه مهماً للغاية. إذ لو كانت العادات الأولية حسنة فسوف نتخلص في المستقبل من الترغيبات وبواعث التشجيع والإطراء التي لا تتناهى. هذا مضافاً إلى أنه يبقى في جميع أدوار حياته المقبلة متطبعاً على الغرائز المكتسبة في أوائلها وستظل مهيمنة عليه. ولا يمكن للعادات التي اكتسبها فيما بعد المنافية لها الوصول إلى تلك الدرجة من الهيمنة والقوة. ولهذا يجب أن يُراعي موضوع العادات الأولية رعاية تامة. إن الأطفال الرضع محتالون أكثر مما يتصوره الأشخاص البالغون والكبار، لأنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فإنهم بلا شك يستعملون هذه الطريقة، وعندما يرون بعد ذلك أن البكاء والعبوس يسبب النفور والاستياء منهم بدلاً من الحنان عليهم يتعجبون وتكون الدنيا في أنظارهم تافهة لا فائدة فيها).
(إذن فالوقت المناسب والصحيح الذي يجب فيه البدء بالتربية إنما هو لحظة الولادة. لأنه هذا الوقت هو الذي يمكن البدء فيه من دون وجود احتمال لليأس والفشل. أما لو شرع في التربية بعد هذا الحين فإننا سوف نضطر إلى مقاومة العادات المنحرفة التي اكتسبها. وفي النتيجة فإن من يحاول القيام بالمهمة التربوية بعد هذه الفترة، يقع مورداً للانتقاد ويلاقيه الفشل حتماً) (1) .
____________________
(1) در تربيت، ص 57.
أساس السلوك:
إن العادات المرضية أو غير المرضية تمد جذورها في نفس الطفل منذ الأسابيع الأولى. فالصفات التي يعتاد عليها في دور الطفولة تنفذ إلى أعماق روحه ويصعب تغييرها بعد ذلك.
وكما أن الآباء والأمهات الواعين يراقبون غذاء الطفل منذ الأسابيع الأولى. فالصفات التي يعتاد عليها في دور الطفولة تنفذ إلى أعماق روحه ويصعب تغييرها بعد ذلك.
والآن أتصور أنه قد اتضح ما أردنا الإجابة عليه من السؤال الذي أثرناه في بداية البحث، وثبت لزوم القيام بتحديد المحبة تجاه الطفل، والمنع من نشأته أنانياً ومعجباً بنفسه منذ الأسابيع الأولى من حياته.
إن الطفل الذي مرّ عام كامل على حياته، يكون قد ترك وراء ظهره مراحل تربوية عديدة. فإذا نشأ الطفل عامة ذاك نتيجة لمحبة والديه المفرطة وغير المناسبة، ومعجباً بنفسه، فإن إصلاحه صعب جداً.
(والخلاصة: أن الأسس والركائز الخلقية للطفل تصب في الأشهر المبكرة من عمره. وبعد مضي سنة واحدة - حسب كيفية تربية الوالدين - فإما أن يكونا قد أوجدا إنساناً له الكفاءة والاستعداد لتقبل النظام والانضباط، أو يكون فاقداً لهذا الإحساس بالمرة).
(لا شك أنه سيأتي زمان لا نقدر فيه على القيام بأي عمل من شأنه إصلاح تربية الطفل وتعديل سلوكه لأننا نسينا واجبنا تجاه التربية الأولية للطفل. التربية التي فكرّنا فيها أقل من تفكيرنا في سائر الأعمال الاعتيادية) (1) .
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 39.
كيف نوازن في المحبة؟
الموضوع الثاني الذي يلزم أن يتضح من هذا البحث، هو: كيفية التوازن والتعديل في المحبة والحنان، ولا ريب أن الأطفال كما لهم الرغبة في الغذاء والهواء وسائر الحاجات الطبيعية، كذلك لهم رغبة فطرية نحو الحنان والمحبة، فيلزم الاستجابة لهذه الرغبة الطبيعية بدورها حسب أسلوب صحيح تشبع تلك الرغبة، وترضي الطفل، فيربّي حسب السنة الخلقية والفطرية.
إن الواجب الدقيق والثقيل على الأبوين في تحسين تربية الطفل هو أن يعلما متى يجب معاملته بالحنان والمحبة، ومعرفة المقدار الذي يجب القيام به حينذاك؛ لأن نشوء الطفل أنانياً ومعجباً بنفسه حصيلة أحد أمرين: المحبة حيث لا داعي لها، أو الإكثار منها مع وجود المقتضي إليها.
ولبيان الأخطاء التربوية، يمكن التمثيل بعشرات الأمثلة للعواطف التي يبرزها بعض الآباء والأمهات الجاهلين من غير داع لها. نذكر ثلاثة نماذج منها، عسى أن ينتبه المستمعون الكرام إلى غيرها بفضل ذكائهم الفطري:
العناية بالطفل في مرضه:
1 - من الموارد التي يتحبب الآباء والأمهات الغافلون إلى الأطفال بصورة مفرطة، وربما يكون ذلك في غير محله، إذ قد ينشأ الطفل نتيجة لذلك معجباً بنفسه... هو عندما يمرض الطفل ويكون مستلقياً على فراش الألم.
إن الوالدين العاقلين يستعدان في هذه المناسبة للعناية به وعلاجه، فيأتيان بالطبيب ويحضران له ما يناسبه من غذاء ودواء، ويسجلان درجة حرارة الطفل في ساعات الليل والنهار. يكون الأب والأم أمام عيني الطفل الفاحصتين كممرّضين يقومان بواجبهما، ويوحيان إلى الطفل أن حالتنا وحالتك طبيعية إلاّ أنه حدث أن تمرضت وحُرمت لذلك من الركض واللعب وأكل الطعام العادي. إننا ننفذ أوامر الطبيب تجاهك، ويجب أن نطيعه في استعمال الدواء وزرق الإبرة، وستبرأ طبعاً
بعد أيام قليلة. وعلى فرض أن الأبوين متأثران في الواقع لمرض الطفل، فإنهما يظهران أمامه الوضع الاعتيادي، ولا يسببان إحساس الطفل بتشوشهما واضطرابهما.
أما بعض الآباء والأمهات فإنهم يضطرون ويرتبكون... ويظهرون اضطرابهم الشديد هذا للطفل، ويجلسون عنده ناظرين إليه وآثار التألم بادية عليهم، يبكون، يمسحون بأيديهم على رأسه ويتكلمون معه بتوجع واضطراب، وربما يقبّلون وجهه المحموم، ويحنّون عليه قدر المستطاع، ويعتبرون مرضه حادثاً جللاً، ويفهمونه - عملياً - أنهم جميعاً فاقدون راحتهم واطمئنانهم، فيترك الأب عمله، وتنسى الأم كل شيء، وتضطرب الأسرة كلها لمرضه.
هذه الأعمال الفارغة التافهة ليس لها أقل تأثير في معالجة المريض، لكنها من الجانب الآخر تفسد أخلاق الطفل وتمنحه الكثير من الأنانية، فيعتقد الطفل بذلك أن له قيمة كبيرة ويقول في نفسه: أنا صاحب هذه الأهمية والمكانة، أنا الذي يسبب مرضي اضطراب العائلة وارتباكها، ويجلب الأنظار نحوي.
إن مرض الطفل يزول، ولكن تبقى هذه النظرة الخاطئة في أعماق فكره، فيتوقع دائماً من أبويه وسائر الناس أن يحترموه لدرجة كبيرة، ويعجبه حين أبتلي بصداع أن يضطرب له جميع الناس فضلاً عن أفراد أسرته.
تمارض الطفل:
وقد يتمارض كي يلتذ من حنان أبويه ويسكن إلى محبتهما له. وحين يكبر هذا الطفل على هذا التصور الخاطىء ويرى عدم اعتناء الناس به، وعدم اضطراب أحد لمرضه، فمن الواضح أنه يستصغر نفسه ويحس بالحقارة في ضميره الباطن.
وبهذا الصدد أنقل لكم نصاً من كتاب لعالم نفسي شهير هو (ديل كارنيجي):
(ذكرت لي القصاصة الشهيرة (ماري روبرتس راين هارت) قصة سيدة شابة سليمة تمارضت حتى تجلب اهتمام العائلة نحوها، وتثبت مكانتها، وكلما ازداد عمرها علمت بضعف احتمال
تزوجها، فاظلمت الدنيا في عينيها، ولم يكن لها ما يسعدها في الحياة).
(كانت السيدة الكاتبة تقول: تمرضت هذه السيدة فكانت أمها العجوز تداريها طيلة عشرة أعوام، وتحمل أواني طعامها كل يوم مراراً من السلام إليها. إلى أن توفيت أمها فأخذت المريضة بالنياحة مدة أسابيع، وبما أنه لم يستجب لندائها أحد، نهضت وارتدت ملابسها، وجعلت تستمر في الحياة بصورة اعتيادية) (1) .
إن الإعجاب بالنفس أحد العوامل المهمة للشقاء والشعور بالحقارة في جميع أدوار الحياة. والعطف الفارغ لأولياء الأطفال - الذي هو ظلم عظيم لهم - هو سبب نشوء هذه الصفة الذميمة.
أذكرّكم جميعاً - أيها المستمعون الكرام - أن تكفوا من المحبة الزائدة التي لا داعي لها نحو أطفالكم، ولا تكونوا سبباً لشقائهم، وتذكروا دائماً كلمة الإمام الباقر (عليه السلام): (شرّ الآباء من دعاه البر إلى الإفراط).
اللحظات الحاسمة:
2 - طفل حديث عهد بالحركة، يلعب بمحضر والديه في الغرفة، وبيده كرة صغيرة، يرميها كذلك، ويكرر هذا العمل.. في إحدى المرات تصل الكرة إلى جانب الجدار ويأتي الطفل منحنياً ليرفعها فترتطم جبهته بالجدار. إن هذه الصدفة تعتبر للطفل جديدة، ولا يعلم ما ينبغي أن يكون موقفه منها، هل يبكي أو يضحك أو يسكت؟! فهو متحير. ينظر إلى أبويه كي يطلع على مدى تأثير هذه الصدفة فيهم، وعند ذاك يظهر ردّ الفعل المناسب تجاهها. ليس للطفل رأي في الموضوع، بل إنه يفعل ما فعله والداه، فإن ضحكا يضحك، وإن تألما يبكي، وإن سكتا يسكت ويستمر في لعبه.
____________________
(1) ائين دوست ي. وقد ترجم الكتاب إلى العربية تحت عنوان: "كيف نكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس".
إن هذه اللحظة ولحظات أخر مثلها شديدة التأثير في الطفل من الوجهة التربوية، فإن سلوك الوالدين السيئ تجاه مواقف كهذا يترك أثراً سيئاً في نفسية الطفل.
إن الآباء والأمهات الواعين لا ينظرون في هذه الأحيان إلى الطفل أصلاً، ولا يعتنون بتوقعه العطف والحنان منهما، ولا يعتبرون هذه الصدفة شيئاً، وبذلك كله يفهمون الطفل عملياً أن الارتطام بالجدار، والسقوط على الأرض، وما يشبه ذلك حوادث اعتيادية في حياة الإنسان.
أما الآباء والأمهات الواعين لا يظهرون أي رد فعل للحادثة، ولكنهم يستفيدون من تلك الفرصة فينصحون الطفل قائلين له: عندما تقترب من الجدار أو العمود، تأخر قليلاً حتى لا ترتطم جبهتك بالحائط عندما تنحني.
أما الآباء والأمهات الغافلون، فإنهم يظهورن في مثل هذه الحوادث حناناً مفرطاً، فيضمون الطفل إلى صدورهم ويقبّلونه، ويمسحون بأيديهم على جبهته أو ما تألم من أعضائه، ويظهرون التأثر والتألم لما حدث للطفل وربما يضربون الأرض أو الجدار ترضيه للطفل، فيبدي رد الفعل أمام كثرة ما يلاقيه من حب وحنان، ويرفع صوته بالبكاء والعويل، ويسكب الدموع، ويرى نفسه أهلاً للحنان بالنسبة لما حدث له. وعندما تتكرر محبة الوالدين الفارغة في حوادث أخر مشابهة لهذه الحادثة، تتولد جذور الصفة الرذيلة (الإعجاب بالنفس) في ضمير الطفل تدريجياً، ويكبر الطفل على الدلال، ويتوقع الحنان والمحبة لكل حدث حقير يقابله.
ينشأ الطفل مع هذا التوقع الخاطىء، ويترك مرحلة الطفولة منتقلاً إلى المراحل الأخرى من حياته، ويقابل في المجتمع آلاماً كبيرة فلا يتحبب إليه أحد خلافاً لما كن يتوقعه. حينذاك يتألم، ويحس في نفسه بالدناءة، ويصاب يعقدة الحقارة، فيقضي حياته كلها بالتعاسة والشقاء.
إن محبة الوالدين التافهة هي التي أدت إلى هذا المصير، فـ (شرّ الآباء من دعاه البر إلى الإفراط).
الميول المضرة:
3 - هناك تضاد طبيعي بين متطلبات نفس كل إنسان من جهة، ومصالحه الفردية والاجتماعية من جهة أخرى. ويجب كل فرد - بدافع من رغباته الفردية وأهوائه الشخصية - أن يتحرر من كل قيد، وألاّ يقف مانع في طريق آماله، فيقول ما يشاء، ويأكل ما يرغب، ويحاول إرضاء شهواته كيفما كان. ولكن مصلحته الخاصة ومصلحة المجتمع الذي سيعيش فيه تستوجب أن يتخلى كل فرد عن آماله الضارة وغير المشروعة وينصرف عن إرضائها. وهذا أهم شرط في الحياة الاجتماعية لجميع شعوب العالم.
يتمكن المجتمع البشري الوصول إلى هذا الهدف المقدس والحياة السعيدة باتباع أصلين مهمين:
الأول: أن يتعرف كل فرد على حسنات الحياة وسيئاتها.
والثاني: أن يسيطر كل فرد على نفسه ويبعدها عن المساوئ.
وهذا هو هدف القادة الإلهيين والغرض المهم الذي يتبناه رجال التربية العظماء. فإن الآلام والجرائم تقل بنسبة تقدم التربية الصحيحة في المجتمع وحكومة الأدب على الناس. وبالعكس من ذلك كلما أهمل الناس القيام بالتربية ازداد حجم المساوئ فيه.
وهذا هو هدف القادة الإلهيين والغرض المهم الذي يتبناه رجال التربية العظماء. فإن الآلام والجرائم تقل بنسبة تقدم التربية الصحيحة في المجتمع وحكومة الأدب على الناس. وبالعكس من ذلك كلما أهمل الناس القيام بالتربية ازداد حجم المساوئ فيه. عن علي (عليه السلام): (من كُلّف بالأدب قلّت مساوئه) (1) . وفي حديث آخر: (من قلّ أدبه كثرت مساوئه) (2) .
تقبل التربية:
وبالرغم من أن البشر في جميع أدوار حياته يتقبل التربية، ولكن استعداده في
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 645.
(2) المصدر السابق 635.
دور الطفولة لذلك أكثر. إن جسم الطفل وروحه مستعدان لكل تربية صالحة أو فاسدة، وكل ما يتعلمه في دور الطفولة ينفذ إلى أعماق روحه، ومن السهولة بمكان ضمان استمرار ذلك مدى العمر:
(تتوقف قيمة الإنسان على قدرته على مواجهة المواقف المعاكسة بسرعة ومن غير بذل جهد. ويمكن بلوغ مثل هذه اليقظة بإنشاء أكثر ما يستطاع من أنواع الانعكاسات وردود الفعل الغريزية..
وكلما كان الفرد صغيراً، سهل توطيد الانعكاسات. ففي استطاعة الطفل أن يكدس كنوزاً ضخمة من المعلومات غير الواعية. كما أنه أسهل تدريباً، بل إنه لا يقارن في ذلك حتى بكلب الحراسة الذكي. كما انه يستطيع أن يتعلم كيف يركض من غير أن يتعب، وكيف يسقط كالقط، وكيف يتسلق ويسبح ويقف ويمشي بانسجام، ويلاحظ الأشياء بدقة، ويستيقظ بسرعة، ويتكلم عدة لغات، ويطبع ويهاجم ويدافع عن نفسه، ويستعمل يديه بتناسق في تأدية مختلف أنواع العمل.. إلخ.
وتخلق العادات الأدبية فيه بطريقة مماثلة.. والكلاب نفسها تتعلم ألا تسرق.. فالأمانة والإخلاص والشجاعة تنمو بوساطة العمليات نفسها التي تستخدم في تكوين الانعكسات، أي بغير ما حاجة إلى مناقشة أو شرح... وصفوة القول: يحب أن يكيَّف الأطفال) (1) .
إن المدرسة الأولى لتربية الطفل هي حجر الوالدين. فالوالدين مكلّفان بتعليم الطفل حسب مقتضيات فهمه واستعداده بالمحاسن وترغيبه في العمل بها، وإرشاده إلى المساوئ ثم تحذيره من ارتكابها. وبلوغ هذا الهدف لا يتيسر مع المحبة المفرطة التافهة. إن الطفل الذي يجد نفسه حراً من جميع الجهات، ويرتكب كل قبيح وحسن، ثم لا يرى من أبويه في قبال سلوكه إلا المحبة والحنان، ينشأ مدللاً
____________________
(1) الإنسان ذلك المجهول، تأليف: إلكسيس كارل، تعريب، عادل شفيق ص 234.
معجباً بنفسه. إنه لا يكتفي بعدم الاجتناب عن القبيح، بل يتوقع استحسان الناس وتقديرهم لأعماله السيئة، وذلك لأن والديه عاملاه بهذه المعاملة.
بين الخوف والرجاء:
يجب أن يعامل الطفل في البيت بين الخوف والرجاء دائماً، يرجو من أبويه المحبة ويخاف منهما الغضب والشدة. يجب أن يعتقد الطفل أنه ليس حراً في ارتكاب الأعمال القبيحة وسيؤاخذ عليها. يجب أن تتوفر في الأسرة: المحبة والشدة والتغافل والمحاسبة، والترغيب والإهمال... كل في محله، وعلى الآباء والأمهات الاتصاف بهذه الصفات في كل مورد مناسب حتى ينشأ الطفل وفق تربية صحيحة.. في محيط كهذا يحس الطفل بالمسئولية ولا ينشأ معجباً بنفسه أبداً.
(يلزم القيام بكل ما هو ضروري لصحة الطفل وحفظ سلامته. فحينما يشكو الطفل من الزكام فلا بد من مراقبة مزاجه وحفظه في مكان دافئ بعيداً عن البرد والرطوبة. لكنه لو بكى بدون علة محسوسة، يلزم تركه على حاله يصيح أنى يشاء. فلو عومل بغير ذلك نشأ بصورة حاكم مستبد. أما عندما يكون الاهتمام به ضرورياً، فلا بد أن يكون ذلك بدون إفراط، بل يجب الاقتصار على قدر الضرورة. وهكذا لا يفرط في العطف تجاهه، ولا يصح مطلقاً أن يؤخذ الطفل في مرحلة من مراحل حياته كآلة لهو، بل لا بد أن ننظر إليه من أول أمره نظرة اهتمام وجدّ، ونظرة داعية إلى أن هذا الطفل سيبلغ في غد ويصبح عضواً بارزاً في المجتمع).
(لا ريب أنه لا يمكن للطفل أن يستوعب جميع عادات الأفراد البالغين ولكن علينا الابتعاد عما يقف حاجزاً في طريق اكتسابه هذه العادات، وبصرف النظر عن ذلك يجب أن لا نوجد في الطفل الإحساس بأهمية نفسه، الإحساس الذي ستؤلمه التجارب المستقبلة، ولا يطابق الواقع في حال من الأحوال... إن الطفل لو لم يراقب بدقة فإنه سيشعر بذلك ويحكم بأهمية نفسه إلى درجة
إحساس أبويه بذلك، وسوف لا ينظر إليه المجتمع في الحياة المقبلة نظرة الاستحسان والتقدير، وستؤدي عاداته التي سببت أنانيته بحيث يرى نفسه ذا مكانة عظيمة في الأوساط إلى اليأس والحرمان) (1) .
لقد أدت محبة الآباء والأمهات الجاهلين حيث لا داعي لها، وتغافلهم حيث لا مبرر له إلى نشأة بعض الأطفال مضافاً إلى كونهم عديمي الحياء، مسيئين، معجبين بأنفسهم، أنانيين بحيث يبعث ذكر أعمالهم على التأثر الشديد والخجل. إننا نرى أطفالاً يبلغ بهم الإعجاب بالنفس وسوء التربية إلى حدّ الفحش في القول وإيذاء خادم البيت، وتمزيق ملابسه، ورميه بالعصا والحجارة، وقد يؤدي ذلك إلى كسر الرأس والأضرار البدنية. إن الآباء والأمهات الغافلين يلتذون من الأفعال السيئة لأطفالهم، ويضحكون في وجوهم بدلاً من مؤاخذاتهم وتوبيخهم، وبضحكتهم الجنونية يشجعون أطفالهم على تلك الأعمال البذيئة ويسوقونهم نحو الشقاء. قال الإمام الباقر (عليه السلام): (شرّ الآباء من عداه البرّ إلى الإفراط).
توقع المدح:
إن الأطفال الذين نشئوا معجبين بأنفسهم نتيجة المحبة المفرطة تجاههم يتوقعون من والديهم وسائر الناس توقعات فارغة. إنهم يحبون أن تقع أفعالهم وأقوالهم دائماً موقع الاستحسان والاحترام في الأسرة والمجتمع؛ لأنهم نشئوا على ذلك منذ الطفولة. إنهم يريدون أن يمجدهم الناس ويقدروهم لأعمال حسنة لم يفعلوها، أو أفعال سيئة قاموا بها. إن المجتمع لا يعتني لهذه الأماني التي لا مبرر لها، ولا يرى هذه التوقعات الجنونية قابلة للتنفيذ. قال علي (عليه السلام): (طلبُ الثناء لغير استحقاقٍ خُرقٌ) (2) .
____________________
(1) درر تربيت ص 56.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 470.
إن الانكسار الذي يصاب به المعجبون بأنفسهم عندما يجدون عدم اعتناء الناس ونظرتهم السيئة إليهم مرهق جداً. إنه يؤدي بهم إلى الدناءة والإحساس بالحقارة، ويتألمون في باطنهم من تحقير الناس بشدة، وبالتالي إما أن يصابوا بداء روحي - والذي قد ينتهي إلى الجنون - وإما أن يقدموا على الجرائم والأعمال الشنيعة. لقد توعد القرآن الكريم هؤلاء المعجبين بأنفسهم بالعذاب بصراحة، حيث قال: ( لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) ، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الصدد: (رضاءُ العبدِ عن نفسه مقرون بسخطِ ربه) (2) .
الحذر من العجب بالنفس:
لقد كان أولياء الإسلام (عليهم السلام) يجتنبون من كل عمل تشم منه رائحة الإعجاب بالنفس، وينفرون من أولئك الأشخاص الذين كانوا يقومون بها. وبالمناسبة أذكر لكم حديثاً من سيرة الإمام السجاد (عليه السلام).
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما حضر محمد بن أسامة الموتُ دخلت عليه بنو هاشم، فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم، وعليّ دين فأحب أن تضمنوه عني. فقال علي بن الحسين (عليه السلام): أما والله ثُلث دَينك عليّ، ثم سكت وسكتوا. فقال علي بن الحسين (عليه السلام) عليّ دينك كله. ثم قال علي بن الحسين: أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولاً إلا كراهية أن يقولوا: سبقنا) (3) .
وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (نظر أبي إلى رجل ومعه
____________________
(1) سورة آل عمران | 188.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 424.
(3) روضة الكافي لثقة الإسلام الكليني ص 332.
أبنه يمشي والابن متكئ على ذراع الأب. قال: فما كلّمه أبي مقتاً له حتى فارق الدنيا) (1) .
الأطفال المدللون:
تظهر سيرة الأطفال الذين نشئوا معجبين بأنفسهم في أوقات مختلفة وبأشكال متنوعة، هؤلاء الأطفال يؤذون آباءهم وأمهاتهم بأعمالهم الهوجاء، ويخلقون لهم مشاكل كبيرة.
(في الأسرة التي بكون فيها طفل مدلل، عندما يولد الطفل الثاني تتوجه ضربة قاصمة نحو الطفل الأول الذي كان مستأثراً بحنان والديه، لأن أسلوب تربيته كان خاطئاً، لأنهم كانوا قد عوّدوه حتى اليوم الماضي على أن يكون المتنفّذ الفعّال في البيت وقرة عين والديه، وعلى أن يتحملوا غنجه ودلاله بكل رحابة صدر، ولكنه بتولد الطفل الثاني يجد أمامه رقيباً خطراً ليس مزاحماً له في كل شيء فحسب، بل إنه يحاول عزله عن منصبه وتنحيته عن السلطة التي كان يمتاز بها طيلة الأعوام السابقة. ولذلك فإن الطفل الأول لا يملك أي ردّ فعل لهذه الحالة، ولا يعرف ماذا ينبغي له أن يقوم به. فنراه يبدأ بإظهار مشاعر الفوضى والشغب، وقد يتعمد التبول في فراشه ليلاً بغية جلب أنظار والديه نحوه، أو يأخذ بالصياح والعويل من دون سبب، أو يتكلم بلكنةٍ وتمتمة... وما شاكل ذلك من الأفعال المثيرة) (2) .
(ينشأ الطفل الأكبر في بعض الأسر مدللاً، تبعث حركاته وسكناته، ابتسامته وكلماته، السرورَ والارتياح في قلب والديه الشابين، ويتلقيان كل ذلك على أنها وقائع غير مترقبة، ذات تأثير خاص، ويجب أن تعتبر نموذجاً وقدوة للأسرة. إن الطفل الذي يراقب هذه القضايا يعتقد تدريجياً بأن هذا الاهتمام كله يجب أن
____________________
(1) مجموعة ورام ج2|208.
(2) عقده حقارت ص 14.
يختص به وحسب. فإذا ولد طفل ثان في الأسرة عند ذاك تبدأ المشكلة الكبيرة. لأن الطفل الأكبر يجب أن لا يوافق على توزيع الحب والحنان بينه وبين أخيه فقط، بل يجب أن يوطن نفسه أيضاً لتطرق شيء من الإهمال والغفلة ونحوه، وهذا بلا ريب أمر لا يطاق بالنسبة له. إذا أصيب هؤلاء الأطفال المنكسرون بمرض فإنهم يحاولون أن يستأثروا بعناية الوالدين وعطفهما وحنانهما، وقد يتذرعون لذلك برسم خطط وتدبير حيل من شأنها أن تؤدي إلى المطلوب. وبهذه الصورة نجد أن الطفل الذي كان عاقلاً واعتيادياً لذلك الحين ينقلب مشاغباً وفوضوياً بمجرد تولّد الطفل الثاني، وتظهر منه آلاف الأعمال التي ظاهرها الحماقة والبلادة إلى درجة أنها تبعث الوالدين على الاستغراب والحيرة) (1) .
الانهيار الخلقي:
تصل المآسي والمشاكل الاجتماعية التي يلاقيها الأطفال المدللون والمعجبون بأنفسهم قمتّها عندما يتركون دور الطفولة ويدخلون في المجتمع حقيقة. إنهم يكشفون بأعمالهم البذيئة وسلوكهم الأهوج عن مستوى انهيارهم الخلقي، ويظهر عدم كفاءتهم وجدارتهم لتحمل أعباء الحياة من خلال التجارب التي يمرّون به.
إن الشخص الذي نشأ على الدلال يواجه مشكلتين عظيمتين:
الأولى: إنه يتوقع من أفراد المجتمع، رجالاً ونساءً، أن يحترموه كما كان يفعل ذلك أبواه، وينفذوا أوامره دون تردّد. فعندما يجد أنهم لا يحترمونه، بل يسخرون منه لتوقعاته الفارغة هذه يتأذى كثيراً ويحس بالحقارة والضعة في نفسه.
الثاني: إن حوادث الإخفاق والفشل التي يلاقيها - والتي كانت منشأ ظهور عقدة الحقارة فيه - جعلت منه فرداً عصبياً وسيء الأخلاق، وأدت إلى أن يفقد الصبر والثبات أمام أبسط مشكلة، وينظر إلى الناس جميعاً نظرة ملؤها التشاؤم
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 45.
والاستياء، فيبدأ بالتعرض لهم بالكلمات البذيئة والعبارات المشينة. ويظل يئن من هاتين المشكلتين طيلة عمره!
(إن الحياة في القرن العشرين تتطلب الشجاعة والصلابة قبل كل شيء، وبغير ذلك لا يمكن مواجهة مشاكله. إن الطفل الذي لم ينل حصة وافرة من التربية الصالحة فاقد لهاتين الصفتين، بمعنى أن كان قد تُرك حراً في طفولته، وعُوّد على أن يُحضر له جميع ما يريد، وبصورة عامة كان ديكتاتوراً مطلقاً في عالم الطفولة، وفي جو الأسرة بالخصوص، وتكون النتيجة أن تكون الحواجز والموانع والصعوبات والمشاكل والغربة كلمات فاقدة للمعنى عند طفل كهذا).
إن الطفل الذي أسيئت تربيته عندما يكبر ويرث ثروة ضخمة فإنه يضطر إلى الاتصال بالناس والاحتكاك بهم، ولكنه إذ لا يرى أصحابه ومن حوله كأصحابه الذين كانوا يتساهلون معه ويحنون عليه في أيام الطفولة، يضطر إلى أن يعتبر الجميع منحطين لا يستحقون الصداقة والمعاشرة، وهكذا ينكد العيش على نفسه. أما إذا لم يرث ثروة ما من أبويه واضطر إلى أن يذهب وراء عمل ليسدّ به رمقه، عند ذاك تبدأ المأساة بالنسبة له ويحصر بين صخرتي اليأس والشقاء، ويدرك بسرعة أنه لفقدانه الشعور بالشجاعة والاعتماد على النفس لا يستطيع الاستمرار في حياة يكون التنازع فيها على البقاء، ولا يقدر على الوقوف على قدميه. حينئذ ينخرط في سلك الأفراد الذي ليسو عالة على المجتمع فقط، بل يشكلون خطراً كبيراً على الآخرين كالسرّاق والمشعوذين، والمقامرين، والخمارين... إلخ) (1) .
إن صفة الإعجاب بالنفس أساس جميع العيوب والنقائص، فالمصابون بهذا الداء الخُلقي يتميزون بانحراف ظاهر في سلوكهم وأحاديثهم، والذي يكشف عن
____________________
(1) عقده حقارت ص 14.
مخالفتهم.. هذا الانحراف المتمثل في الأثرة والأنانية وتقديم الصالح الفردي على الصالح الجماعي. لكن هؤلاء يفضحون أنفسهم بسلوكهم ويكشفون عما خفي من عيوبهم. وفي هذا يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (بالرّضاء عن النفس تظهر السوءات والعيوب) (1) ، وعنه (عليه السلام) أيضاً: (من رضيَ عن نفسه ظهرت عليه المعائب) (2) .
ضعف النفس:
من الآثار الوخيمة للإعجاب بالنفس ضعف النفس، فالأطفال المدللون الذين يجدون الانقياد الكامل لهم من قبل آبائهم وأمهاتهم، وينالون ما يريدون دون جهد أو تعب، يتميزون بضعف كبير في نفوسهم. إنهم لا يملكون القدرة على المقاومة في قبال مشاكل الحياة، والعقبات الكأداء التي تعترض سبيلهم، إنهم يسخرون المعركة في الصراع القائم، عندما يصطدمون بالحواجز والآلام. عند ذاك يضطرون إلى الانسحاب وأمارات الفشل بادية عليهم. إن أولى مظاهر هذا الانسحاب تتمثل في التملق للآخرين، والانزواء، والانتحار، والرضوخ للذلة وأفعال تشابه ذلك.
وصمة المحكومية لا يوجد أي أثر للشجاعة والبطولة في (ما هو الدافع إلى الانتحار؟ وما هي العوامل التي تجعل الفرد يقدم على ذلك؟ إذا تجاوزنا الأشخاص المجانين والبلداء أو المدمنين على الخمرة، فإن الأفراد الاعتياديين يقدمون على الانتحار على أثر الفشل والحرمان أو للخلاص من المشاكل، والفرار من الانتحار، بل يمكن اعتباره عملاً ناتجاً من العجز، لأنه بواسطة هذا العمل يثبت الفرد أنه لا يستطيع مواجهة مشاكل
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 338.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 685.
الحياة، ويعجز عن إيجاد مفرّ من الآلام التي تعتريه، ولا يريد أن يتحمل عبء المسئولية. وهكذا نخلص إلى أن الانتحار كالإجرام مظهر من مظاهر الشعور بالأنانية وعبادة الذات) (1) .
درس الجلد والثبات:
يجب أن يلقن الطفل منذ اليوم الأول درس الجلد والثبات ويعوّد على كيفية مجابهة مشاكل الحياة برحابة صدر. يجب أن يتربى شجاعاً وصلباً، وعلى الوالدين أن يهتما بذلك أيما اهتمام، فإن الإعجاب بالنفس لا ينسجم وقوة الإرادة بحال من الأحوال.
إن غريزة حب الأولاد حجاب يُسدل على العقل فيمنعه عن مشاهدة الحقائق، فإذا انضم إلى ذلك الجهل والإهمال من قبل الوالدين في تطبيق الأساليب التربوية الصالحة، أدى ذلك إلى انحرافهما عن الصراط المستقيم الذي يجب عليهما أن يسلكاه في التربية، فتجدهما يهملان الجوانب الدينية والعلمية المهمة، ويفرطان في معاملة الطفل بالحب والحنان، الأمر الذي يتضمن بين طياته آلاف المشاكل والصعوبات. وفي الحقيقة فإن هذا الإفراط في المحبة لا يعدو أن يكون عداءً في مظهر الحب.
إن تربية كهذه لا يرضى بها الدين ولا يوافق عليها العلم. إن الآباء والأمهات الذين يظلمون أولادهم بالإفراط في المحبة تجاههم، يتسبَّبون في نشأتهم على الإعجاب بالنفس، ولذلك فهم مسئولون أمام الله في تعريض أطفالهم إلى الانحراف والشفاء.
تذكروا دائماً حديث الإمام الباقر (عليه السلام)، يحث يقول: (شرّ الآباء من دعاه البر إلى الإفراط).
____________________
(1) چه ميدانيم؟ جنايت ص 24.
المحاضرة الرابعة والعشرون:
الاعتماد على النفس
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (1) .
يتضمن الإفراط في الحب من قبل الوالدين تجاه الطفل عوارض وخيمة له، فإنه يؤدي إلى شقائه وتعاسته طيلة أيام عمره. من هذه العوارض الوخيمة أن الطفل ينشأ معجباً بنفسه ومدللاً. وقد بحثنا عن مساوئ ذلك بالتفصيل في المحاضرة السابقة.
ومن عوارض الإفراط في المحبة تجاه الطفل أيضاً أنه ينشأ طفيلياً وعالة على غيره، ولا يشعر بالاعتماد على النفس، ولا ينزع إلى الاستقلال. إن خطر هذه الصفة البذيئة للأطفال إن لم يكن أكبر من خطر الإعجاب بالنفس، فليس أقل منه.
الشعور بالمسئولية:
إن الشعور بالمسئولية والاعتماد على النفس أحد الأركان المهمة لسعادة الفرد والمجتمع. إن الانتصارات العظيمة التي أحرزها الرجال الأفذاذ في العالم، والترقيات العلمية والاجتماعية والاقتصادية التي حصلوا عليها، مدينة إلى وعي المسئولية الفردية من قبلهم وما يستتبع ذلك من نشاط دائب وجهد متواصل.
____________________
(1) سورة الطور | 21.
إن الانتصارات العلمية إنما تنال الأشخاص الذين يطمئنون إلى أنفسهم بالمواصلة والسهر والجد والجهد. والطالب الذي لم يدرس جيداً، ولم يجهد نفسه بالمقدار الكافي، ثم يدخل قاعة الامتحان معتمداً على الآخرين، ومستنداً على مساعدة المصحّح، وتسامح المراقب، لا ينال المدارج العلمية الراقية.
وهكذا فالتقدم الاقتصادي يكون من حصة أولئك الذين يعتمدون على جهودهم فقط، ولا يتوقعون المساعدة من أحد. إن من يفقد الاعتماد على النفس ويكون عالة على غيره، ويرتزق من حصيلة غيره، لا يستطيع أن ينال التقدم الاقتصادي مطلقاً.
(الاعتماد على النفس أساس كل تقدم وترقٍ. فإن اتصف أكثر أفراد الشعب بهذه الفضيلة كان ذلك الشعب قوياً وعظيماً، وكان السرّ في ارتقائه وتقدمه وقدرته هو تلك الخصلة فقط. لأنّه في هذه الصورة يكون عزم الإنسان قوياً، وفي صورة الاعتماد على الآخرين ضعيفاً. إن المساعدات التي تصل الفرد من الخارج تضعف فيه روح المثابرة والعمل غالباً، لأن الإنسان في هذه الآلة لا يرى داعياً للجد والعمل خصوصاً عندما تتجاوز المساعدات الخارجية عن الحد الضروري. حينئذٍ تفقد الأعصاب قوتها، وتموت روح العزيمة والمثابرة في نفسه. إن أحسن الشرائع والقوانين، هي تلك التي تجعل الإنسان مختاراً في حياته، وتمنحه الحرية في الاعتماد على نفسه وإدارة حياته) (1) .
الاعتماد على النفس:
إن المراد من الاعتماد على النفس، الذي شاع في الآونة الأخيرة بين الناس، ويلوح للعين في الكتب النفسية والتربوية دائماً، هو أن يعتمد كل فرد في
____________________
(1) اعتماد بنفس ص 14.
ضمان سعادته المادية والمعنوية على نفسه، ويستند إلى إرادته وعمله، فيقطع الأمل عن الجار والصديق وجميع الناس، ولا يلتجأ إلى أحد في ذلك. الاعتماد على النفس عبارة عن أن يرى كل فرد نفسه مسئولاً عن أعماله، فيقوم بواجباته خير قيام، ويعلم أن مثابرته وجهده، ومواصلته واستمراريته، كل ذلك أساس نجاحه وتقدمه. وعلى العكس فإن تسامحه وكسله، ويأسه وتهاونه، أساس شقائه وتعاسته.
ليس هذا الأمر بالجديد تماماً، حتى يتصور البعض أن عالم الغرب هو الذي توصل إليه وأكد عليه أمام سكان العالم. بل إن الشريعة الإسلامية الغراء علّمت معتنقيها هذه الحقيقة الناصعة التي هي أساس سعادة الفرد والمجتمع بكل صراحة، وذلك قبل أربعة عشر قرناً. وإن الانتصارات الباهرة التي أحرزها المسلمون في ذلك العصر المظلم مدينة إلى هذه الثروة العظيمة، وهي الاعتماد على النفس والشعور بالمسئولية الفردية.
المسئولية الفردية:
إن التعليم والتربية في الإسلام يرتكزان على المسئولية الفردية، وأداء الواجب، والاعتماد على النفس. لكل مسلم تكاليف معينة في شئونه الدينية والدنيوية، ويجب عليه لضمان سعادته أن يعتمد على نفسه، وعلى نيته، ويقتصر على عمله في مراعاة تطبيق تلك الوظائف.
ترتبط سعادة كل فرد في الإسلام بعقائده وأعماله، وإن المآسي التي يلاقيها الإنسان تستند إلى نواياه الفاسدة وأعماله المنحرفة. كذلك المكافآت والعقوبات الدنيوية والأخروية التي يحصل عليها الأفراد تعود إلى الأعمال الصالحة أو الفاسدة التي ارتكبوه. هذا الموضوع من أوضح المسائل الدينية وأشدها بداهة، وقد وردت في ذلك آيات وأحاديث كثيرة، نذكر بعضها على سبيل الشاهد.
1 - قال تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (1) .
2 - وقال تعالى: ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) (2) .
3 - وقال تعالى: ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) (3) .
من هذه الآيات الثلاث ندرك بوضوح المسئولية الشخصية، وقيمة أفعال كل شخص بالنسبة إليه. إن الله تعالى يصرح في هذه الآيات بأن تبعة الأفعال الصالحة أو الطالحة لكل فرد إنما تعود عليه نفسه، وأن سعادة كل فرد رهينة بعمله، وهو هو المعنى الكامل والجامع للاعتماد على النفس، والشعور بالمسئولية الفردية.
4 - يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (قَدرُ الرجل على قدر همته) (4) .
أي أن قيمة شخصية كل فرد يجب أن يُبحث عنها في مستوى اعتماده على نفسه، ودرجة علو همته، وكلما كانت حصة الإنسان من هذه الفضيلة الخلقية أكبر كانت قيمته أكثر. وبهذا الصدد يقو الشاعر:
كن كالشمس في استنادك إلى نفسك |
فإن نور الشمس يشع من نفسه |
يعتبر الإسلام كل فرد مسئولاً عن سعادته وشقائه. فهو الذي يستطيع أن يقوم بواجباته خير قيام في ظل جده وسعيه، فيقود نفسه إلى شاطئ السعادة والنجاح، وهو الذي يستطيع أن يحطم شخصيته بالأعمال السيئة والنوايا الفاسدة وينتهي بنفسه إلى الشقاء واستحقاق العذاب الإلهي.
____________________
(1) سورة البقرة: 286.
(2) سورة المدثر: 38.
(3) سورة النجم: 39 - 40.
(4) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1100.
النهي عن الاعتماد على الناس:
لم يكتف الإسلام في سبيل إيجاد الاعتماد على النفس، ببيان المسئولية الفردية وضرورة إحياء كل فرد شخصيته، بل نهي كثيراً عن النقطة المقابلة لذلك وهي عبارة عن الاعتماد على الناس، وحذر الجميع عن هذه الصفة الذميمة. وبهذا الصدد يقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس) (1) .
إن الاعتماد على النفس، والاستناد إلى الجهد الشخصي، والسعي وراء تحقيق السعادة المادية والمعنوية أسس استقلال الشخصية، والمحبوبية عند الله والناس. وعلى العكس فإن الاعتماد على الناس والطفيلية وانتظار العون والمساعدة من الآخرين، أساسُ الحرمان المادي والمعنوي للشخص، ويسبب الذل والهوان عند الله، وفي أنظار الناس.
عن أبي عبد الله (عليه السلام): (اليأس ممّا في أيدي الناس عز للمؤمن) (2) .
القدرة على المقاومة:
إن الأفراد الحقراء والمتقاعسين لا يملكون القدرة على المقاومة في خضم الحياة وصراعه. إنهم يندحرون بسرعة، وينسحبون من المعركة بأتم الخذلان والفشل. أما ذوو الهمم العالية، الذين يعتمدون على أنفسهم فإنهم يقاومون مصاعب الحياة ومشاكلها ببسالة وبطولة، يتحملون الآلام بكل جلد، وينجحون في نهاية الجولة.
1 - عن علي (عليه السلام): (الحلمُ والأناة توأمان، ينتجهما عُلّو الهمّة) (3) . أي أنه إذا كانت همة الإنسان عالية ظهرت عنده خصلتان الحلم والأناة.
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|148.
(2) المصدر السابق.
(3) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص 1287.
2 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثماني خصال: وقوراً عند الهزاهز، صبوراً عند البلاء...) (1) .
3 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظمُ أجراً من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) (2) .
الفرار من المسئولية:
إن الأفراد الذين يتميزون بضعف النفس، والفاقدين للاعتماد على النفس، المصابين بالحقارة يتهربون من المسئولية بالانزواء وبالتطرف ويعيشون حياة ملؤها الحرمان. أما الأفراد ذوو الشخصية، والمعتدون على أنفسهم المتميزون بالبسالة والبطولة فإنهم بتحملهم المسئولية والتزامهم الصبر والأناة في مواجهة مصائب الحياة، ينالون النجاح الباهر في ما يبغون من الأمور الدنيوية من جانب، ويستحقون الأجر والثواب الكبير عند الله تعالى على حد تعبير الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله).
إن ركائز الاستقلال والاعتماد على النفس تصب منذ أولى أدوار الطفولة في روح الطفل. وكذلك الطفيلية والاعتماد على الناس فإنهما ينبعان من التربية الخاطئة التي تعود إلى أيام الطفولة. على الآباء والأمهات الذين يرغبون في تحقيق السعادة الحقيقية لأولادهم أن يكونوا واعين في جميع تصرفاتهم، ويحذروا من القيام بما من شأنه تعويدهم على الطفيلية وانعدام الشخصية.
الأولاد الصالحون:
لقد ورد التعبير في القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية عن الطفل الذي أحسنت تربيته بـ (الولد الصالح). على الآباء والأمهات أن يربوا أولاداً صالحين. ومعنى الصلاح أن يكون واجداً لجميع الصفات الخيرة الجسمية والروحية.
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج1|47.
(2) مجموعة ورام ج1|9.
إن الآباء والأمهات الذين يكونون صالحين من الناحية النظرية والعملية يستطيعون تربية أطفال صالحين، لأن مجموعة أقوالهم وأفعالهم هي التي تعتبر قدوة للطفل بحيث تبني صفاته وعاداته وسلوكه. فإن كانت صالحة وطيبة نشأ صالحاً، وإن كانت فاسدة وبذيئة نشأ - بموجبها - فاسداً، عن أبي جعفر (عليه السلام): (يُحفَظ الأطفال بصلاح آبائهم) (1) ، وفي حديث آخر عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن الله ليُفلحُ بفلاح الرجل المؤمن وُلَده وولُده) (2) .
من صفات الأولاد الصالحين إحساسهم بالمسئولية واعتمادهم على أنفسهم. إن الآباء والأمهات الذين يتميزون بشخصية رصينة يستطيعون أن يلقنوا أولادهم هذا الدرس التربوي القيم، ويجعلوهم ينشئون على الاعتماد على النفس، نسأل الله عز اسمه أن تكونوا جميعاً واجدين لهذه السجية الخلقية الحميدة، وأن توفقوا في ظل تعاليم الإسلام القيمة إلى تربية أبنائكم تربية صحيحة.
ضعف الطفل:
إن الطفل في رحم أمه، موجود طفيلي وقائم بوجود أمه، ولا يملك استقلالاً وإرادة من نفسه. إن حياته ترتبط بحياة أمه، يتغذى من الغذاء الذي تناوله، ويتبعها في القوة والضعف. أما بعد الولادة، فإنه وإن انفصل عن أمه وحصل على استقلال عضوي، لكنه لا يزال ضعيفاً، ولضعفه فهو مضطر إلى أن يعيش طفيلياً على أمه لمدة، لا يدرك فيها الخير أو الشر، ولا يستطيع دفع الضرر عن نفسه أو جلب النفع إليها. إنه يحتاج أمه في غذاءه، ونظافته، وطرد العدو عنه.. وبصورة موجزة: في جميع الحاجات الحياتية. في حين يوجد في باطن الطفل استعداد للتكامل ونيل الاستقلال، وبالتدريج يحصل على استقلاله.
هناك تضاد لا مفر منه في وجود الطفل، فمن جهة يفقد الاطمئنان إلى نفسه
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج15|178.
(2) نفس المصدر.
لِمَا يشعر به من الضعف والذلة، ولذلك فهو يحتاج دائماً إلى من يملك القدرة على تحقيق ما يريد، ويحب أن يكون في حمايته وكنفه، وهذا الأمر يضطره إلى التسليم لأوامر صاحب القدرة دائماً. ومن جهة أخرى فإنه يميل بفطرته إلى التفوّق والحصول على القدرة، يحب أن يصبح مستقلاً، وأن يعتمد على نفسه، ويتخلص من الذلة والحقارة، وهذا لا يتحقق إلا في ظل القوة والقدرة.
التكامل التدريجي:
إن التكامل الطبيعي للطفل ورشده يمنحانه القوة بصورة تدريجية. ذلك أن الميل نحو الاستقلال يدفع الطفل إلى استغلال القوى المكتسبة، وبالتدريج يصبح الميل الفطري نحو الاستقلال والتفوق فعلياً، فيخلص الطفل من كونه عالة على غيره وطفيلياً، وينجو به بهذه الصورة من الشعور بالحقارة. وكلما ازدادت قوة الطفل، كان قد خطا خطوة في طريق الاستقلال، وفتّتَ قيداً من قيود الاعتماد على الغير.
لا توجد للطفل لذة أعلى من لذة الإحساس بالقوة والحصول على الاستقلال، فكلّما حصل على قوة ووجد أنه استطاع القيام بعمل ما لوحده كان ذلك مبعث سرور وارتياح في نفسه. عندما تتفتح أصابعه ويستطيع أن يمسك شيئاً بيده يفرح كثيراً. وعندما يحرك بيده الصغيرتين (خرخاشته) فينبعث الصوت منها يضحك من دون اختيار، وتظهر أمارات الفرح والسرور على عينيه ووجهه:
يقول برتراند رسل: (عندما يستطيع الطفل أن يثبّت عينيه نحو الأشياء فإنه يلتذ كثيراً من مشاهدة الأشياء المتحركة، والذرات المتقلبة عند هبوب الرياح. في هذه المرحلة بالذات يفرح الطفل للأصوات الرتيبة والجديدة).
(تعتبر حركة الأصابع في بداية الأمر من الأفعال الانعكاسية فقط. لكن الطفل يكتشف فيما بعد أنه يستطيع أن يحركها متى شاء. إنها تبعث الفرح والسرور في نفس الطفل بقدر ما يبعث استيلاء إمبراطور مستعمر على دولة من الدول الارتياح في نفسه. في هذه
الحالة تخرج الأصابع عن حالتها المغتربة وتصبح جزء من الوجود. لقد لاحظت هذه الحالة في ولدي بصورة قطعية في السن الخامسة الأول مرة، وذلك عندما استطاع بعد محاولات عديدة أن يرفع الجرس الذي كان ثقيلاً نوعاً ما من فوق المنضدة ويضعه على نحو ينبعث منه الصوت. وإذ توصل إلى هذه النتيجة السارة أخذ ينظر إلى من حوله بابتسامة ذات مغزى) (1) .
يعتبر كل من خروج الأسنان، والقدرة على مضغ الطعام، والتكلم والمشي، والشروع في الجري، واللعب، نجاحاً مستقلاً سيحصل عليه الطفل بالتدريج، ويبعث فيه السرور واللذة كلّ على حدة.
يجب على الآباء والأمهات الذين يرغبون في تنشئة أطفالهم على الاستقلال بالاعتماد بالنفس أن يستفيدوا من هذا القانون الفطري المودع في الطفل بالأمر الإلهي، وأن يؤسسوا منهجهم التربوي على أساس الميل الفطري له، ومن الضروري أن يربياه على الاستقلال التربوي جنباً إلى جنب مع الاستقلال الطبيعي ليقف بذلك أمام أي اضطراب أو فوضى.
إحياء فطريات الطفل:
على الوالدين أن يمنحا الطفل شيئاً من الحرية، مراعيين في ذلك درجة وعيه وتكامله. ينبغي أن يسمحا له بإحياء حس الابتكار والميل نحو الاستقلال الفطري في أثناء اللعب والجري. وفي نفس الوقت ينبغي أن يراقباه مراقبة جدية، بحيث لا تخرج الحرية عن الحد المسموح به، ولا يسيء التصرف في ذلك.
إن الآباء والأمهات الواعين يتركون الطفل حراً في مثل هذه المناسبات حتى تخرج استعداداته الكامنة إلى حيز الفعلية، وتتفتح أكمام الشعور بالابتكار في
____________________
(1) در تربيت ص 63.
باطنه، وينشأ إنساناً مستقلاً ومعتمداً على نفسه. أما الآباء والأمهات الجاهلون، فإنهم بتشددهم أو إهمالهم يتسببون في شقاء الطفل وتعاسته. إنهم يفسحون المجال له كثيراً أحياناً، ويضيقون عليه كثيراً أحياناً أخرى، وبذلك يوردون نقصاً كبيراً على استقلاله واعتماده على نفسه.
الإفراط في فسح المجال:
هناك بعض الآباء يفرطون في فسح المجال لأطفالهم فراراً من عبء المسئولية أو رغبة في التظاهر بالحب الفارغ، فيتركونهم وشأنهم في جميع أفعالهم وأقوالهم. ولكن لا يمضي زمن طويل حتى يترعرع الطفل وهو جاهل لأبسط واجبات الحياة. عند ذاك يقوم الوالدان بتنبيهه على واجباته واحدة بعد الأخرى، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى نتيجة مرضية، لأن أوان التربية قد فات.
(هناك أطفال يجب تكرار كل موضوع عدة مرات معهم: قم، انظر، لا تقتل نفسك، نظف أظفارك وأذنيك، اعتن بنظافة أنفك، سر مستقيماً، لا تمزّق كتبك، لا توسّخ دفاترك، كن مؤدباً في حديثك مع الناس، لا تتكلم كثيراً.. وغير ذلك. هؤلاء - وحتى أولياؤهم - يتعبوننا، إننا لا نعلم من هو الذي يستحق اللوم. لكنه لا ريب في ضرورة توجيه اللوم للوالدين؛ لأنهما لم يبدءا في تربية طفلهما في الوقت المناسب، ولم يعيرا أهمية تذكر لأفعاله. وبهذه الصورة فإن الأطفال الذين كان بالإمكان أن يصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع: يصبحون عالة على الغير، ومما يؤسف له أنهم ليسوا قابلين للإصلاح) (1) .
هؤلاء الأطفال لا يملكون اعتماداً على أنفسهم، ويفقدون الشعور بالاستقلال، بل هم يعيشون عالة على غيرهم في حياتهم دائماً على أثر سوء التربية التي اتخذها الوالدان بحقهم. إنهم مصابون بعقدة الحقارة، ويظلون يئنون من ويلات ذلك مدى العمر.
____________________
(1) جه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 72.
الوالدان المتزمتان:
في النقطة المقابلة للآباء الذين ذكرنا فسْحَهم المجال للطفل، يوجد آباء وأمهات متزمتون، لا يسمحون للطفل بالحرية بالمقدار الكافي، ويسدّون طرق طرق الابتكار والنشاط الفردي عليه. يتدخلون في جميع شئون الطفل، صغيرها وكبيرها، فيقتلون بذلك الشعور بالاستقلال والاعتماد على النفس عنده. وهذا بدوره يؤدي إلى أن يقف الطفل في مستوى محدود من التكامل، وهو بلا شك عداء في لباس الحب. هؤلاء الآباء والأمهات يقودون أطفالهم نحو الحضيض بتزمتهم وسلوكهم ذاك.
وبالمناسبة يقول (جلبرت روبين): (لا ريب في أن الطفل زينة حياتنا، ولكن يجب أن لا ننظر إليه كنظرتنا إلى فاكهة أو وردة على الشجرة، لأنه وإن كان يأخذ عصارته النباتية وغذاءه منا، لكنه ليس جزء من شجرة وجدونا، بل انه نبتة مستقلة، يجب أن نقطع الجذور والأغصان الصغيرة التي تربطنا به حتى لا نقف أمام نموه، ونمنع - بدورنا - من وصول العصارة النباتية إليه).
(إن الأم الشابة تقول بكل غرور: (إنه من دمي ولحمي)، ولكن ما يؤسف له أنه لا يمضي وقت طويل حتى تتحسر بآهة من أعماق قلبها لأن هذا الارتباط قد قطع. إننا نسمع هذه الجملة غالباً: (إني أحبه كثيراً لأني لا أملك في الدنيا أحداً غيره) في حين أنه يجب إبعاد الطفل عن مثل هذه العواطف. يجب أن لا نكون أنانيين، ولكن ينبغي أن نعلم بأن طفلنا يملك حياة مستقلة تمام. حتى إن التعبير عنه بـ: (طفلنا) زائد أيضاً؛ لأننا ننجح في تربيته متى ما أدركنا أنه ليس لنا، بل هو متعلق بشخصه، وله حياة مستقلة تدعوه إلى نفسه. وبصورة موجزة: فإنه يجب أن يتربّى لنفسه لا للآخرين. هلموا إذن للتخلي عن اعتبار الطفل ملكاً لنا، لمّا لم نكن أكثر من حلقة وصل في هذه الحياة) (1) .
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 61.
المساعدة المعقولة:
إن المساعدة المعقولة التي يبذلها الوالدان للتلميذ الذي لم يستوعب الدرس من معلمه في المدرسة، هي أن يدرساه في البيت مرة ثانية، ويحاولا إفهامه الدرس تماماً. أما عندما يعمد الأب أو الأم بقصد مساعدة الطفل إلى حلّ التمارين الرياضية التي كلّف بحلها من قبل المعلم، أو كتابة القطعة الإنشائية بدلاً منه وإعطاءها له لينقلها في دفتره، فإنه يستحيل أن يصبح هذا التلميذ في عداد العلماء فيما بعد. ولا شك أن هذه المساعدة ظلم لا يُتدارك بالنسبة إلى الطفل.
إن المساعدات غير المعقولة للوالدين تجاه الطفل تعود على الطفل بالضرر وتمنع من نمو شخصيته. فالحب التافه والمساعدة غير المتزنة يطفئان جذوة الاستقلال والاعتماد على النفس في ضمير الطفل، وبالتالي ينشأ إنساناً طفيلياً وتافهاً.
(احذروا من أن تحرموا الطفل من الفرص المناسبة التي يستطيع من خلالها أن يتعلم بعض التجارب بنفسه، بمعنى أن لا تساعدوه في أداء كل عمل. هذه المساعدات التي تتجاوز الحد المقرر لها أحياناً، تعوّده على مساعدة الآخرين دائماً، وتنشئه عالة على الغير، فيفقد قدرته الشخصية في النهاية، ويعجز عن إنقاذ موقفه المتأزم لوحده؛ بسبب من هذا الضعف والتعوّد على مساعدة الآخرين له) (1) .
إن أفضل الفرص لإحياء الشعور بالمسئولية الفردية، وإيجاد الاستقلال والاعتماد على النفس هو دور الطفولة. يجب على الوالدين أن يعلما أن طفلهما إنسان واقعي ومستقل، وعليهما أن يعاملاه معاملة إنسان حقيقي. ويؤسسا قواعد التربية على هذا المنهج المستقيم، حتى ينشأ الطفل مستقلاً وشاعراً بالمسئولية منذ البداية.
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص41.
التشجيع والتوبيخ:
على الوالدين أن يقوما بنصيحة الطفل في الأعوام الأولى من عمره حسب رشده وإدراكه، ويفهماه بأنه هو المسئول عن أفعاله الصالحة أو الفاسدة. عليهما أن يشجعاه على الأفعال الحسنة بالمقدار الذي يستحقه، ويوبخاه على الأفعال السيئة بالمقدار المناسب. كما عليهما أن يحذرا من الإفراط في المحبة والإكثار من الشدة. عليهما أن يكررا هذا الأسلوب التربوي بكل صراحة حتى يطمئن الطفل إلى استقلاله ويقف على مسئوليته. إن طفلاً يتلقى تربية كهذه عندما يبلغ العاشرة من عمره يصبح إنساناً معتمداً على نفسه، ويدرك معنى الشخصية بصورة واضحة.
(إن المربي يعدّ الطفل للحياة، إذن يجب ترجيح الطفل على تصوراته الخاصة. إن المربي سوف يصغي إلى أوامر قلبه وعقله، وسيسلك مع الطفل سلوكاً إنسانياً، ذلك أنه يجب ألا نترك الجانب الإنساني مطلقاً. يجب أن نسلك سلوكاً إنسانياً من دون أي إثرة أو أنانية، يجب أن نكون إنسانيين ومحايدين في آن واحد).
(إن الوالدين والمربي العادل هم القادرون على أن يهبوا الطفل نصائح محايدة، وأن يجعلوا منه إنساناً كاملاً لا اتكالياً، إنهم يحبون الأطفال لا حباً أعمى، بل حباً معقولاً يقودهم نحو الطريق الصحيح في الحياة).
(إن محبة كهذه لا تغفل عن أسس عملها أبداً، بل تحافظ على الاعتدال دائماً، ذلك أن العدل والإنصاف هما بمنزلة الملجأ للطفل).
(إذا كان الأب عادلاً فإن جدّه وتشدّده لا يخلفان أثراً سيئاً في الحياة. إن طريق الطفل يمكن أن يكون مليئاً بالعقبات
والعراقيل، لكن لما كان أساسه التربوي متيناً فإنه لن يتضرر من ذلك) (1) .
التأدب في الصغر:
لقد أكد الأئمة (عليهم السلام) ضمن بيان المناهج التربوية للأطفال على أهمية إحياء المسئولية الشخصية، والتنشئة على الاستقلال، وأوصوا أتباعهم بجميع التعاليم اللازمة في هذا الصدد.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (قال لقمان: يا بنيّ، إن تأدبت صغيراً انتفعت به كبيراً. ومن عنى بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلّف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، ومن اشتدّ له طلبه أدرك به منفعة) (2) .
ثم يستمر في نصائحه فيقول: (يا بُنّي، ألزم نفسك التوْءَدة في أمورك. وصبّر على مؤنات الإخوان نفسك. فإن أردت أن تجمع عزّ الدنيا فاقطع طمعك مما في أيد الناس؛ فإنما بلغ الأنبياء والصدّيقون ما بلغوا بقطع طمعهم) (3) .
وفيما يتعلق بالقيام بالواجبات والحرص على أدائها يقول: (يا بُنيّ، إنما أنت عبد مستأجر قد أمرتَ بعمل، ووُعدت عليه أجراً، فأوف عملك واستوف أجرك) (4) .
هذه الجمل القصار للإمام (عليه السلام) تتضمن بيان قيمة التربية في دور الطفولة، والسعي في تلقي التربية، وإسداء الأب النصائح للولد، وإيجاد الشعور بالمسئولية الشخصية، وإحياء روح الاستقلال عند الطفل، وتنمية الاعتماد على النفس والانقطاع عن الناس، والجدّ في أداء الواجبات، وأجر القيام
____________________
(1) جه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 60.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج5|323.
(3) نفس المصدر والصفحة.
(4) المصدر نفسه ح5|324.
بالواجب... وجميع الدقائق التربوية التي تتعلق بالشخصية والاعتماد على النفس.
ظهور الاستعدادات:
يعتبر الاستقلال في الإرادة والاعتماد على النفس منشأ لظهور الاستعدادات الداخلية. هذا الخلق الفاضل يحبب صاحبه إلى الناس ويمنحه جمالاً اجتماعياً خاص. وعلى العكس من ذلك فإن الطفيلية تكبح المواهب والقابليات الباطنية ونسبب الكراهية للفرد من قبل الآخرين. إن الوالدين الواعيين مسئولان عن تربية طفلهما على الاستقلال والإرادة بحيث يستطيع العيش بكل فخر وعز، وهذه التربية إنما هي من الحقوق الدينية للأولاد على آبائهم. قال الإمام السجاد (عليه السلام): (.. فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا) (1) أي عليك أن تسلك مع الطفل سلوكاً يسبب الافتخار والمباهاة له في المجتمع.
النشاط الفردي:
يستند ضمان السعادة الروحية والوصول إلى الكمال المعنوي إلى المسئولية الفردية، شأنه في ذلك شأنه في ذلك شأن السعادة الدنيوية. فكما أن النجاح المادي لكل إنسان يرتبط بنشاطه الفردي ومقدار الجهد الذي يبذله، كذلك نجاحه المعنوي وتكامله الروحي فإنه يرتبط بمستواه من الإيمان والجهد الذي يبذله في ذلك المجال.
والى هذا المعنى يشير القرآن الكريم: ( وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) (2) .
كما أننا نلاحظ في الدنيا أخوين، يحصل أحدهما على الدرجات العالية بفضل اعتماده على نفسه وبذله الجهود المتواصلة ويعيش في النهاية حياة ملؤها العز والفخار، ويسقط الآخر عن أنظار الناس على أثر تسامحه وكسله فيعيش فقيراً
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 263.
(1) سورة مريم: 95.
محتقراً.. كذلك في الآخرة، فمن الممكن أن يصل أحدهما إلى أعلى عليين في ظل الإيمان بالله وأداء الواجب، وينحط الآخر إلى أسفل سافلين نتيجة لانحرافه وتلوّثه بالإجرام والذنب.
إن الأب الذي قام بواجباته المادية معتمداً بنفسه ومستنداً إلى شخصيته، وحصل على أثر ذلك على سمعة طيبة ودرجة رفيعة، ومنزلة سامية.. لو قام بتربية طفله على ما هو عليه من الاستقلال والاعتماد على النفس والجدّ في أداء الواجب، فإن الطفل سيسعد في حياته أيضاً.
إن السعادة المعنوية للأب والابن والقيام وبالواجبات الروحية تتطابق مع السعادة المادية والقيام بالوجبات الدنيوية من حيث المسئولية الفردية. فلو قام الوالدان المؤمنان بتربية أولادهما على الإيمان بالله والاستقامة في العمل، وقام الأولاد مع النظر إلى مسئوليتهم الشخصية بين يدي الله تعالى بأداء واجباتهم فلا شك في أنهم سيكونون كأبويهم مشمولين لرحمة الله (عَزَّ وجَلَّ)، وعنايته التي تفوق كل عناية وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم حيث قال: ( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (1) .
ركيزة السعادة:
نستنتج مما تقدم أنه حسب المقاييس الدينية والعلمية فإن الشعور بالمسئولية الشخصية، والاعتماد على النفس، الجد في أداء الواجب.. تشكل ركائز السعادة المادية والمعنوية للإنسان. إن كل فرد يحصل على نتيجة عمله، وكل شخص رهين بأعماله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ. إن الوالدين اللذين يدركان هذا الأمر بنفسهما ويربّيان الطفل على الشعور بالمسئولية الشخصية منذ الطفولة يكونان قد أدّيا خدمة جبارة له، وأخذا بيده نحو طريق السعادة والتكامل والفلاح.
____________________
(1) سورة الطور: 21
التفاخر بالآباء:
لقد كان الناس في الجاهلية (1) يتفاخرون بآبائهم وأجدادهم، بدلاً من التفاخر بالعلم والفضل، وكانوا يستندون إلى أمجادهم أسلافهم والانتصارات التي أحرزوها بدلاً من التفاخر بالجهود والنشاطات الخاصة بكل منهم. وعندما جاء نبي الإسلام العظيم بتعاليمه القيمة كافح ضد هذه الفكرة الخاطئة التي كانت العامل الأكبر لانحطاط المجتمع حينذاك، وبذلك الجهود المضنية في سبيل تحويل الأفكار العامة عن الاعتماد على الغير والتفاخر بالآباء إلى الاعتماد على النفس. لقد أكد الإسلام للجميع بأن الكمال الإنساني والتفاخر بالشرف إنما يستند إلى ما يبذله كل فرد من جهد في طريق التكامل والتعالي. قال علي (عليه السلام): (الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية) (2) .
الاتكال على الأمل:
من المناسب أن أنبّه المستمعين الكرام، والشباب منهم بالخصوص إلى مسألة ضرورية، وهي أن المراد من الاعتماد على النفس أن يستند كل فرد في طريق الوصول إلى سعادته على علمه وأخلاقه الفاضلة وجهوده، لا على آماله الفارغة، وأمنياته غير الناضجة. وبعبارة أوضح فإن آمال كل شخص ناشئة من حالاته النفسية الخاصة به، ولكن ليس المراد من الاعتماد على النفس، الاتكال على هذه
____________________
(1) هناك تفسيرات عديدة للجاهلية:
أ - فيذهب البعض إلى أن المراد منها الجهل الذي هو في مقابل العلم.
ب - ويذهب البعض الآخر إلى أن المراد منها الجهل الذي هو في مقابل الحلم، فيكون بمعنى السفه أيضاً.
ج - ويذهب آخرون إلى أنها اصطلاح خاص بالعرب قبل الإسلام.
ولكن هذه التفسيرات الثلاثة بعيدة عن الواقع والصحيح أن يعتبر مصطلح (الجاهلية) خاصاً بكل ما يخالف الإسلام في نظرته إلى الكون والنفس والوجود، سواء كان ذلك متداولاً بين العرب أم غيرهم من الأقوام، وسواء كان ذلك قبل ظهور الإسلام أم بعده. ويدل على ذلك قوله تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 87.
الآمال النفسية الواهية. إن الذين يعمرون قلوبهم بالآمال فقط، ويتعهدون ضمائرهم بالأماني الطوال بدلاً من أن يعمروها بالعلم والفضائل، ويتعهدوها بالجد والعمل... أفراد حقراء تافهون، ويستحيل عليهم أن يحصلوا على السعادة والكمال.
عن علي (عليه السلام): (إيّاك والاتكال على المنى، فإنّها بضائع النوكى) (1) .
وعنه (عليه السلام) أيضاً: (العاقل يعتمد على عمله، والجاهل يعتمد على أمله) (2) .
* * *
عندما نتصفح التاريخ الإسلامي نجد أن الأسر التي طبقت تعاليم الإسلام في أسلوب تربية الطفل، والتزمت بأفضل النصائح الواردة من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في هذا الصدد، توصلت إلى نتائج لامعة حيث أثبت الأولاد من الجدارة ما يؤيد ذلك. وعلى سبيل المثال نستعرض قضيتين تاريخيتين لطيفتين:
1 - الطفلة الجريئة:
غضب عبد الملك بن مروان على عباد بن أسلم البكري يوماً، فكتب إلى واليه على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي بأن يقتله ويبعث برأسه إلى الشام. فأرسل الحجاج إلى عباد يطلب حضوره لتنفيذ أمر عبد الملك بشأنه. لقد تألم عبّاد من معرفة الخبر. واضطرب كثيراً وأقسم على الحجاج في أن يتخلى عن قتله لأنه يعيل أربعاً وعشرين امرأة وطفلاً، وبقتله سوف تختل شئونهم وتضطرب حياتهم. فرقّ الحجاج لكلامه وأمر بإحضار عائلته إلى دار الإمارة. وعندما حضر أولئك إلى دار الإمارة واطلعوا على ما صمم عليه الحجاج، وشاهدوا الحالة المزرية التي كان عليها وليهم، بدءوا بالبكاء والعويل... وفجأة قامت طفلة صغيرة من بينهم - وكانت في غاية الجمال - وأرادت أن تتكلم، فقال لها الحجاج: ما هي صلتك بعبّاد!؟
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 922.
(2) غرر الحكم ودرر الكلام للآمدي ص 43.
قالت: أنا أبنته.
ثم قالت له بكل صراحة: يا أمير، اسمع ما أقول... وأنشأت تقول:
أحجاج، إما أن تمن بتركه |
علينا وإمّا أن تقتلنا معا |
|
أحجاج، لا تفجع به إن قتلته |
ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا |
|
حجاج، لا تترك عليه بناته |
وخالاته يندبنه الدهر أجمعا |
هذه الكلمات الصريحة والقوية من هذه الطفلة الجريئة أبكت حجاجاً القاسي، وجعلته ينصرف عن قتل عبّاد، ويكاتب عبد الملك بشأنه حتى حصل على عفو الخليفة عنه (1) .
2 - الصبي الخطيب:
لما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، أخذت الوفود تتقاطر عليه من أنحاء الدولة لتهنئته... وكان من تلك الوفود وفد الحجاز. كان في ذلك الوفد صبي صغير، قام في مجلس الخليفة ليتكلم، فقال الخليفة: ليتكلم من هو أكبر منك سن. فقال الطفل: أيها الخليفة، إن كان المقياس للكفاءة كبر السن ففي مجلسك من هو أحق بالخلافة منك. فتعجب عمر بن عبد العزيز من هذا الكلام وأيده على ذلك، ثم أذن له في التكلم. فقال:
لقد قصدناك من بلد بعيد. وليس مجيئاً لطمع فيك أو خوف منك... لا نطمع فيك لأننا متنعمون بعدلك ومستقرون في بيوتنا بكل أمن واطمئنان... ولا نخاف منك لأننا نجد أنفسنا في أمن من ظلمك، وإن مجيئنا إلى هنا إنما هو لغرض التقدير والشكر.
فقال له عمر بن عبد العزيز: عظني.
قال الصبي: لقد أصيب بعض بالغرور حلم الله عليهم، أصيب آخرون
____________________
(1) المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي ج1|195.
بذلك لمدح الناس إياهم، فاحذر من أن يبعث هذان الأمران الغرور فيك، فتنحرف في تدبير شئون الدولة.
لقد سُرّ عمر بن عبد العزيز لهذا الكلام كثيراً، وسأل عن عمر الصبي فقيل له: هو ابن اثنتي عشر سنة (1) .
الشعور بالاستقلال:
إن التربية العائلية الصحيحة هي التي تستطيع أن تربي الطفل على الاستقلال والاعتماد على النفس، وتقوده نحو التكامل المادي والمعنوي. إن الأطفال الذين نشئوا طفيليين على أثر الأسلوب الفاسد للتربية المتخذ بحقهم، والذين لا يشعرون بالاستقلال والاعتماد على النفس، يرزحون تحت كابوس الحقارة والذلة مدى العمر. إنهم لا يطمئنون إلى أنفسهم، ولذلك فهم ينتظرون العون والمساعدة من هذا وذاك دائماً، وهذا يكشف لنا عن إصابتهم بعقدة الحقارة وتجرعهم نتائجها الوخيمة.
(إن المأساة العظمى هي أنه من بين جميع الأحياء فإن وليد الإنسان يتميز بطول فترة الطفولة. فوليد الحيوانات الأخرى يصل إلى مرحلة البلوغ في خلال بضعة أسابيع أو أشهر، أي أنه يستطيع أن يستغني عن مساعدة الآخرين فيعيش لوحده. فمثلاً على ذلك نجد صغار الكلب أو القط ما إن تمر بضعة أشهر على تولدها تبلغ، ولا تعود محتاجة إلى أبويها والآخرين في إعداد الطعام والمأوى والدفاع عن أنفسها، وفي حين أن هذه المرحلة عند صغار الإنسان تستغرق عدة سنين، وقد يبقى البعض منهم طفيلياً على غيره حتى آخر يوم من حياته).
(يعتقد كثير من المفكرين أن النصف الأكثر من الأمراض العصرية يعود إلى أن البشر لم يبلغ حد الرشد، ولا يملك القدرة على
____________________
(1) المصدر السابق ج1|46.
الاستقلال في العمل، أي أنه لا يزال يشعر بالحاجة إلى القيّم. إن السبب المباشر لوجود الديكتاتوريات في بعض نقاط العالم هو هذا الأمر. إن نتائج الرشد الناقص تظهر في أن صاحبه ينظر إلى الحياة ومسائلها نظرة طفولية، وينكر أية مسئولية اجتماعية. هذا الأسلوب من التفكير الطفولي يمكن قراءته بوضوح من بين أسطر الجرائد وأخبارها. إن عبادة نجوم السينما والممثلين، والحب الجنوني تجاه أبطال الرياضة، وحوادث الطلاق المستمرة.. وما شاكل ذلك، أمارات تدل على هذا التسيب الخلقي) (1) .
التكامل الفردي والاجتماعي:
لقد توصلنا في بحثنا هذا إلى أن من الشروط الأساسية للتكامل الفردي الاجتماعي، الشعور بالمسئولية الشخصية والاعتماد على النفس. على كل فرد أن يستند إلى علمه وأخلاقه، وجدّه وجهده، ويسعى في طريق ضمان سعادته نظرياً وتطبيقياً، وأن يحذر من الاعتماد على الآخرين وكونه عالة على غيره. إن الوالدين مسئولان عن تنمية هذه السجية الخلقية في أطفالهما منذ الصغر.
وكما سبق، فإن هذا الموضوع من أهم المسائل الأساسية في الإسلام حسب ما تؤكد عليه الآيات والأحاديث من جانب، ومن جانب آخر فإنه من المواضيع العلمية المهمة في نظر علماء النفس المعاصرين، وأساتذة التعليم والتربية.
إن قادة الإسلام العظماء علّموا المسلمين قبل أربعة عشر قرناً بأن كل فرد مسئول عن أعماله، وأنه مرهون بعمله، وهو الذي يتحمل تبعة ما صدر منه من خير أو شر، وأن الجزاء الذي يناله أو يصيبه إنما هو النتيجة الطبيعية لما اكتسبت يداه.
كذلك العلماء المعاصرون فإنهم يعتقدون بأن النجاح الفردي والجماعي مستند إلى الاعتماد على النفس، وإلى الجهود التي يبذلها الأفراد بهذا الصدد. وكلما
____________________
(1) عقده حقارت ص 10.
كان الاستقلال الروحي والنشاط المبذول أكثر، كانت دائرة النجاح والتقدم أوسع.
الاتكال على الله:
تمتاز المدرسة الإسلامية بميزة فريدة في هذا الصدد، لا توجد في سائر المدارس الفلسفية والنفسية... وتلك هي مسألة الاتكال على الله. لقد أكد القرآن الكريم والأحاديث المستفيضة على موضوع الاتكال على الله والاستمداد من قدرته اللامتناهية. إن الشجاعة الفائقة وصلابة النفس التي امتاز بها الأنبياء، وكذلك الانتصارات المذهلة التي أحرزوها مدينة إلى طاقة الإيمان العظيمة، وقوة الاتكال على الله.
وهنا أجد من المناسب أن أتطرق في ختام البحث، إلى الاتكال على الله وأثر ذلك في السعادة المادية والمعنوية للبشر؛ عسى أن تتضح للمستمعين الكرام أهمية المدرسة الإسلامية في التربية ورجحانها على سائر المدارس العالمية.
الاتكال على الناس، والاتكال على النفس، والاتكال على الله... ثلاث مراحل مستقلة ومتتابعة في مضمار التقدم البشري، ولكل منها نتائج وآثار نفسية وعملية خاصة.
الاتكال على الناس عبارة عن أن يستند الفرد إلى الآخرين في سبيل تحقيق سعادته، ويتخلى عن الواجبات المفروضة عليه اعتماداً على هذا وذاك. هذه الحالة النفسية تعتبر من الصفات المذمومة من وجهة نظر الدين والعلم، وإن الأفراد الاتكاليين هم أحقر الناس.
إن ضرورات الحياة توجب على كل فرد أن يحتك بالآخرين ويعاشرهم، لكن الاحتكاك بالناس يختلف عن الاتكال عليهم. إن الإنسان العاقل يتصف بالأدب واللين في العلاقات الاجتماعية التي ينشئها مع الآخرين، فهو يحترم شخصية الآخرين، ويقابلهم بالبشر والحنان، ويراعي حقوقه وحدوده تجاه غيره... لكنه لا يرضى بالذلة، ولا يستسلم للهوان، ولا ينتظر من الآخرين أن يقوموا بالعمل الذي يجب عليه القيام به.
(وكان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: (ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم. فيكون افتقارُك إليهم في لين كلامك وحُسن بشرك. ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك) (1) .
الاتكال على النفس:
أما الاتكال على النفس فهو عبارة عن أن يستند كل فرد إلى نفسه، ويعتمد على عقله وعلمه، وسلوكه وأخلاقه، وعزمه وتصميمه، وجدّه وجهده، وأن يقف على قدميه في الحياة فيعلم أنه مسئول بنفسه عن أفعاله الصالحة أو الفاسدة. لقد اعتبر هذا الموضوع في القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية من أشد المسائل الدينية بداهة. وكذلك العلماء المعاصرون فإنهم يرون في الاعتماد على النفس أساساً لجميع النجاحات الفردية الاجتماعية، ويؤكدون على أن سعادة كل فرد تبتني على استقلال شخصيته واعتماده على نفسه. إن الأفراد الذين يعتمد على أنفسهم يشعرون بالاستقرار والهدوء، الأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم رجال نشاط وعمل، الأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم يملكون شخصية رصينة واستقلالاً في الإرادة وطموحاً كبيراً يجعلهم يغضون النظر عما في أيدي الآخرين، ولا يستسلمون للذل والهوان أبداً.
هناك توافق وانسجام في هاتين المرحلتين بين المناهج الإسلامية القيمة والأساليب العلمية المعاصرة. أي أن علماء التربية والنفس المعاصرين يؤكدون في كتبهم العلمية ما علّمه الإسلام قبل أربعة عشر قرناً لأتباعه في مناهجه التربوية، والتي تتمثل في القرآن الكريم والأخبار المستفيضة.
لقد اعتبر قادة الإسلام الاعتماد على الناس أمراً مذموماً، ورأوا الخير بالسعادة في قطع الطمع عما في أيدي الآخرين. وكذلك العلماء المعاصرين فإنهم يذمّون الاعتماد على الناس، والطفيلية بشدة.
كما عمل قادة الإسلام على إحياء المسئولية الشخصية، والشعور بالاستقلال
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|149.
والاعتماد على النفس في الأفراد، وأكدوا على أن كل فرد مسئول عن أفعاله، ورهين بما كسبت يداه. وكذلك فعل العلماء المعاصرون فإنهم اعتبروا الاعتماد على النفس من أهم أركان السعادة الفردية والاجتماعية.
الاتكال على الله:
الاتكال على الله عبارة عن أن يستند كل فرد مؤمن، بالإضافة إلى استغلال جميع طاقاته النفسية والجسمية والطبيعية، إلى القدرة اللامتناهية لله تعالى، وأن يستمد العون منه (عَزَّ وجَلَّ) في جميع المناسبات والظروف. وبعبارة أوضح: فإن الرجال المؤمنين يستغلون في سبيل الوصول إلى السعادة المادية والمعنوية، جميع طاقات العقل والعلم، والذكاء والأخلاق، والقوى الجسمية والطاقات الطبيعية، ويستخدمون جميع الوسائل التي خلقها الله تعالى لذلك. ولكنهم لا يقصرون آمالهم على هذه الطاقات والقوى أبداً، ولا يحصرون أرواحهم في سجنها الضيق، بل يعتقدون بأن وراء جميع العلل والعوامل الاعتيادية وفوق كل الطاقات الجسمية والروحية، قدرة لا تتناهى، وطاقة لا تقبل التحديد هي قدرة الله تعالى، المسيطرة على الكون كله. إنهم يعتقدون بأن جميع العلل إنما اتصفت بالعلية بإرادته ومشيئته، فهو علة العلل. وإن جميع الأسباب إنما اتصفت بالسببية بقدرته وأمره، فهو مسبّب الأسباب. إن أصحاب هذه العقيدة لا يخسرون المعركة أمام مشاكل الحياة أبداً، ولا يعرف اليأس طريقاً إلى أرواحهم. هؤلاء يملكون بالاستناد إلى القدرة الإلهية العظيمة أرواحاً مطمئنة، وعزماً ثابتاً، وإرادة حديدية.
طاقة الإنسان المحدودة:
يهد علماء النفس المعاصرون إلى أن ينشئوا أفراداً مستقلين ومعتمدين على أنفسهم، ويمنعوا من نشوئهم طفيليين. لا شك في أن تربية كهذه قيّمة جداً، وتستحق الإكبار والتقدير، كما تظهر آثارها النيرة طيلة أيام الحياة بصورة تدريجية، ولكن يجب أن لا ننسى أن الطاقة الجسدية والروحية للإنسان محدودة، ولذلك فإن درجة اطمئنانه ونشاطه ستكون محدودة أيضاً.
إن من كان محروماً من الإيمان بالله، وكانت تربيته مطابقة للأساليب العلمية المحضة، فنشأ معتمداً على نفسه... فهو رجل العمل والنشاط ما لم يصل في حياته إلى مأزق حرج. أما عندما يصطدم بمشاكل تستعصي على الحل، وتغلق جميع الأبواب والرق الطبيعية بوجهه، يشعر باليأس والفشل، ويشلّ نشاطه، عندئذ يعجز الاعتماد على النفس من تهدئة خاطره والتخفيف من اضطرابه، وبعث الأمل في نفسه.
أما المؤمنون بخالق الكون، والذين يستندون إلى قدرة العظيمة بالإضافة إلى الاستقلال الروحي الذي يملكونه، والاعتماد على النفس الذي يتميزون به، فإنهم لا يصابون باليأس والقنوط أبداً. إنهم يذكرون الله تعالى في الأحوال الاعتيادية، ويستغلون جميع الوسائل والعوامل التي أوجدها خالق الكون في هذا العالم لتحقيق غاياتهم النبيلة وأهدافهم السامية. إنهم لا يتركون أبسط الفرص المؤدية إلى السعادة تذهب عبثاً، وعندما يقعون في مأزق حرج لا يفقدون الأمل والتطامن، لأنهم لم يحصروا أروحهم في دائرة العلل الطبيعية فقط، ولم يغفلوا عن القدرة الإلهية العظيمة التي هي فوق جميع القوى والطاقات لحظة واحدة. إنهم يستمدون العون من عناية الله في أشد الظروف وأحرج المواقف، ولا يطفأ له الأمل في أرواحهم أبد. إن أعظم عامل لاستقرار النفس وقوة الإرادة هو الاتكال على الله ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (1) .. وهذه سمة فريدة يمتاز بها المنهج التربوي لرسل السماء. إن المناهج العلمية والتطبيقية تستطيع أن تربي الناس على الاعتماد بالنفس. أما المنهج التربوي في الإسلام فإنه بالإضافة إلى تأكيده على قيمة الاعتماد بالنفس، يربى الأفراد على الإيمان بالله والاتكال عليه، وهذا هو من أعظم ميزات المدرسة الإسلامية في التربية.
التشاور والعزم والتوكل:
لا شك في أن الأنبياء كانوا رجالاً ذوي إرادة قوية، ومعتمدين على
____________________
(1) سورة الرعد | 28.
أنفسهم، ولكن أساس الطاقات المذهلة التي كانوا يملكونها هو الاتكال على الله. لقد كان يستحيل على موسى بن عمران أن يقارع فرعون بفضل اعتماده على نفسه فقط، وأن يقوم بوحده بهدم تلك الحكومة الظالمة القوية، لكن اتكاله على قدرة الله وعظمته هو الذي منحه القدرة على ذلك كله.
وكذلك نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) فإنه كان ذا شخصية روحية صلبة، واستقلال في الإرادة لا يضاهى، ولكن الطاقة التي منحته القوة في ذلك الظرف الأهوج، والدور العصيب، وأعطته الاستقرار والهدوء في أشدّ المواقف، ومكنته من خوض المعارك العقيدية والسياسية والاجتماعية بكل نجاح... إنما هي الإيمان بالله والاستناد إلى عظمته.
لقد ذكر القرآن الكريم منهج الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، الذي سرّ نجاحه وتقدمه في عبارة موجزة حيث قال: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (1) .
لقد ذكرت هذه الآية الكريمة واجب النبي تجاه الناس، وواجبه تجاه نفسه، وواجبه تجاه الله تعالى:
أما واجبه تجاه الناس، فقد كان عبارة عن استشارتهم في الأمور الاجتماعية، ورسم الخطط العسكرية، وغير ذلك من الأمور التي لم يرد بشأنها نصّ. وعن طريق التشاور وتبادل الآراء يعيّن للمسلمين طرق انتصارهم وتقدمهم. إن الاعتماد على الناس، والفرار من عبء المسئولية استناداً إلى جهود الآخرين، مذموم في الإسلام. أما احترام شخصية الأفراد ومعاشرتهم بالجميل، واستشارة العقلاء وذوي الرأي منهم فهو محبذ ومرغوب فيه.
وأما واجبه تجاه نفسه، فهو عبارة عن عزمه وتصميمه في الأمور وقيامه بأدائها بنفسه. يجب عليه أن يكون صلباً أمام الحوادث، لا تزعزعه المشاكل المختلفة، بل يقابلها بإرادة حديدية وثبات لا يغلب عليه.
وأما واجبه تجاه الله، فهو أن يتوكل عليه بعد استشارته المسلمين،
____________________
(1) سورة آل عمران | 159.
والوقوف على رأي قاطع... يجب عليه أن يستمد العون منه (عَزَّ وجَلَّ)، ويعزّز مكانته بالاستناد إلى قدرته اللامتناهية.
إن تبادل الآراء والتشاور مع الناس لتنظيم شئون العمل، وكذلك الاعتماد على النفس، والعزم والتصميم في تنفيذ خطة العمل، عاملان كبيران لنجاح البشرية وتقدمها، وقد تكفل صدر الآية الكريمة ببيان ذلك. وإن العلم الحديث يهتم بهذين الأمرين اهتماماً بالغاً أيضاً. لكن الطاقة التي لا تقبل الاندحار، والشعلة التي لا تنطفئ، والثروة التي تنبع منها جميع الطاقات الروحية ويستند إليها الاستقرار والتطامن، إنما هي النقطة التي تكفّل ختام الآية ببيانها، وهو الاتكال على الله. إن الاتكال على الله أعظم من الاعتماد على النفس بكثير.
إن أعظم المراتب في المدارس التربوية العالمية هي تمنية الاعتماد على النفس وحسب. أما المدرسة الإسلامية في التربية، فإنها ترقى إلى ما هو أهم من ذلك، حيث تغذي النفوس من نمير الإيمان بالله والاعتماد عليه، وهذه هي سمة فريدة يمتاز بها المنهج القرآني، دون غيره.
المحاضرة الخامسة والعشرون:
الحياء المحبَّذ والحياء غير المحبَّذ
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) (1) .
الخجل المفرط:
من الصفات الذميمة التي قد تصيب الإنسان منذ طفولته، وتلازمه حتى نهاية عمره بصورة مرض مزمن يؤلم صاحبه، الخجل المفرط والحياء في غير محله. هذه الحالة النفسية تنبع من الشعور بالخسة وعقدة الحقارة في الغالب.
ما أكثر التلاميذ الذين درسوا بكل جد وتتبع، واستوعبوا المناهج الدراسية بإتقان، ولكنهم أصيبوا في الامتحان - وفي القسم الشفوي منه بالخصوص - بالخجل والحياء الشديدين بسبب من ضعف النفس، فخسروا المعركة، وكأنهم لم يقرءوا شيئاً، أو نسوا ما قرءوه تماماً، وبالتالي عجزوا عن الجواب وحصلوا على درجات واطئة، وبالنتيجة حرموا من التقدم المعتاد في السنوات الدراسية.
وما أكثر الأطفال الذين لا يملكون الجرأة على الاتصال بالناس على إثر الخجل المفرط، فيشعرون بالحقارة والدونية، ويتخفون من المشاركة في المجالس العامة والاتصال بالأشخاص، حتى إنهم يمتنعون أحياناً عن الذهاب على بيوت أقاربهم والتحدث معهم نظراً لما يحسون به من خجل وحياء. وقد يستأصل داء الخجل
____________________
(1) سورة المائدة | 54.
وضعف الشخصية في أعماق قلوب البعض إلى درجة أنه يحطم شخصيتهم، ويجعلهم مصابين به حتى بعد البلوغ، فالشيخوخة.
تألم الروح:
هناك عوامل عديدة تتسبب في ظهور صفة الحياء المفرط والخجل الشديد عند الأطفال... ولكن الجامع بينها هو السلوك المصحوب بالتحقير والإهانة تجاه الطفل.
إن الطفل الذي يقع موقع السخرية والتحقير من الآخرين منذ الصغر وتألمت روحه على أثر الضربات المتتالية، يرى نفسه حقيراً وتافهاً ويشعر بالضعفة والدونية. إن طفلاً كهذا يصاب بالانفعال والخجل، ومن البديهي أن يتخوف من الاتصال بالناس. (إن الخلود والفرار من المجتمع، والمظاهر الأخرى والمشابهة لذلك كالخجل وحب الانزواء.. وليدة كون الشخص معرّضاً للإهمال والتحقير في دور الطفولة أو البلوغ في الغالب. ولا يمكن أن نجد علة لذلك غير ما ذكر، بمعنى أن الشخص عندما يتعرض للتحقير من قبل الآخرين، ويبقى أثر ذلك في مخيّلته، فلا شك في أنه يشعر بالحقارة والتفاهة في نفسه تجاه المجتمع) (1) .
الحياء المعقول وغير المعقول:
الحياء عبارة عن الشعور بالانفعال والانكسار النفسي نتيجة للخوف من اللوم والتوبيخ من الآخرين. هذا الحالة النفسية تكون صحيحة ومناسبة في بعض الحالات وتعتبر من الصفات الطيبة، وتكون تافهة وغير مناسبة في حالات آخر وتعتبر من الصفات الذميمة.
____________________
(1) عقده حقارت ص 21
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (الحياء حياءان: حياء عقل وحياء حمق. فحياء العقل هو العلم، وحياء الحمق هو الجهل) (1) .
عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام)، قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الحياء على وجهين، فمنه الضعف ومنه قوة وأحلام وإيمان) (2) .
يجب على الوالدين في المنهج التربوي الذي يتخذانه تجاه طفلهما أن ينميا فيه الشعور بالحياء المعقول من جهة، بحيث لا ينشأ مستهتراً وعابثاً وعليهما من جهة أخرى أن يراقبا عدم إصابته بضعف الشخصية والحياء غير المعقول لأن ذلك يبعث فيه الشعور بالخجل المفرط لأبسط حادثة.
ولكي يهتم المستمعون الكرام في أسلوب تربية أطفالهم بهذا الواجب الخطير، فينشئوا أولادهم على الحياء ومراعاة القيم الاجتماعية، بجانب حفظهم من الإصابة بالخجل المفرط وضعف الشخصية، أرى من اللازم التطرق إلى مسألة الحياء، وفوائده الاجتماعية، ثم التوصل إلى الحياء المحبذ والحياء غير المحبذ.
هناك صفات نفسانية مشتركة بين الإنسان وسائر الحيوانات، كحب الولد أو الخلود وما شاكل ذلك. أما الحياء فإنه من الحالات النفسية التي تختص بالإنسان فقط، ولا يتمتع بها شيء من الحيوانات مطلقاً. لقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك لتلميذه المفضل الجعفي في الحديث القيم الذي أملاه عليه حول التوحيد، فقال: (أنظر الآن - يا مفضل - إلى ما خص به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء) (3) .
لقد صرّح الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث بأن الحياء إنما يختص بالإنسان وهو مفقود في الحيوانات. وكذلك العلماء المعاصرون فإنهم يعتبرون الحياء من الصفات الخاصة بالإنسان:
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج 2|106.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج15|197.
(3) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2|25.
(يعتقد مارك توين أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يستحي أو يشعر بأنه في حاجة إلى الحياء. يقول الدكتور فلاسن أستاذ جامعة روجستر في تأييد هذه النظرية: إن الحياء علامة السلامة، وهو متداول ومألوف عند جميع أفراد البشر حتى أولئك الحفاة العراة. ولذلك فإنه يعتقد بأن ما يبعث على تصاعد الدم في وجه الإنسان هو الشعور الناشىء من إخفاء حقيقة ما) (1) .
الأثر الاجتماعي للحياء:
إن الفائدة الاجتماعية لخصلة الحياء عبارة عن منع الإنسان عن ارتكاب الجرائم، وحفظه من التلوث بالذنوب والأعمال المنافية للآداب. إن كل فرد يرغب في أن يكون حراً في إشباع ميوله وأهوائه، حتى يستطيع ممارستها مطلقاً من كل قيد أو شرط... لكن هذه الحرية المطلقة لا تتلاءم مع مصلحته وسعادته. ولهذا فإن الأمور المضرة بالمصالح الفردية والاجتماعية ممنوعة على الفرد في التعاليم السماوية، والقوانين الوضعية في العالم أيضاً... وعلى الجميع أن يتجنبوها، ويمتنعوا عن ممارستها.
لا بد من وجود قوة تحمي القانون حتى يستطيع من فرض إرادته على الأفراد فيضبطوا ميولهم غير المشروعة، وتنفّذ الأساليب المحققة للمصالح المادية والمعنوية... ولا بد من وجود سلطة تضمن إتباع الأفراد وانصياعهم لنصوص القانون وإن كانت مخالفة لمشتهيات أنفسهم، فإن القانون يحتاج إلى من يتعهد بتطبيقه وتنفيذه، ولا يكفي تشريعه لإصلاحه المجتمع... إذ ما لم توجد الضمانات التنفيذية له فلا سبيل إلى التغلب على ميول الأفراد ورغباتهم ومنعهم من متابعة شهواتهم اللامشروعة.
يختلف الضمان التنفيذي للقانون باختلاف المستوى العلمي والتربوي لشعوب العالم، لأنهم متفاوتون في درجة تكاملهم المعنوي ورشدهم الروحي بالنسبة إلى بعضهم البعض.
____________________
(1) جريدة (اطلاعات) الإيرانية العدد | 10366.
إن أفضل الوسائل التنفيذية للأمم الوحشية أو شبه الوحشية، التي لم تحصل على المقدار الكافي من التكامل الروحي والتعالي النفسي، والتي لم تتلقّ تربية صحيحة، وهو السجن، والجلد، الإعدام وسائر الوسائل الجزائية المشددة. في مثل هذه المجتمعات تستند الحكومة إلى العنف والقسوة، وتحمل الناس على إطاعة القوانين الموضوعة من قبلها بالتعذيب والضغط والتهديد، الحديد والنار.
أما في الأمم المتمدنة والراقية.. في المجتمع الذي يكون الأفراد قد نالوا، قليلاً أو كثيراً، بعض الكمالات الروحية، فإن التضامن لتنفيذ القوانين وحسن تطبيقها ليس المواد الجزائية والتعذيب فقط، بل إن العوامل التربوية والذخائر الروحية للأفراد تساعد كثيراً على رعاية القوانين وتطبيقها، وإن لمعنويات الأفراد أثراً كبيراً في استيلاء النظام وسيادة القانون على ذلك المجتمع.
إن التربية الصحيحة منذ الطفولة، وارتفاع مستوى العلم والمعرفة، والاستفادة من قوة العقل والتفكير، وإحياء الوجدان الأخلاقي، واستخدام ذلك... عوامل ساعدة في تطبيق القوانين، ويلعب كل منها دوراً مستقلاً في حسن راعياتها.
القيام بالواجب:
إن الأفراد الذين تلقوا تربية صالحة منذ الصغر، ونشئوا على الشعور بالمسئولية ومعرفة الواجب الملقى على عاتق كل منهم، يسلكون في الحياة باستقامة من دون تكلف، ويلزمون رعاية الحق والعدل دائماً. إنهم لا يحومون حول الذنب أصلاً، ولا يفكرون في الخروج على القانون والاعتداء على حقوق الآخرين أبداً؛ من هنا نستنتج أن التربية الصالحة المتبعة في دور الطفولة من أهم العوامل المساعدة لتنفيذ القوانين وحسن رعايتها.
كذلك الأشخاص الذين حصلوا على ثقافة علمية، ونالوا بعض مدارج الكمال فإنهم يدركون الخير والشر أفضل من غيرهم، ويعرفون الأضرار الفردية والاجتماعية للإجرام قبل الآخرين هناك بعض الانحرافات والجرائم التي يرتكبها
الأفراد المحرومون من العلم والثقافة ولا يحوم حولها الأفراد المثقفون والواعون. إن العلم والثقافة يمكن أن يمنع من الخروج على القانون بدوره، ويكون أداة لحسن تطبيق الأنظمة والقوانين.
بالرغم من جميع الدول الحية والمتقدمة في العالم تملك أنظمة جزائية لمعاقبة الأفراد الخارجين على القانون، فإن الملجأ الأول لرعاية تطبيق القوانين في تلك الدول هو القوى الثقافية والخلقية والتربوية للأفراد وبعبارة أخرى فإن تأثير الشعور بالمسئولية، والمستوى التربوي في حسن تطبيق القوانين من قبل أفراد الشعب المتقدم والمثقف، أقوى من تأثير الجزاءات المادية المفروضة في نصوص القانون.
الجزاء:
توجد في الشريعة الإسلامية المقدسة سلسلة من القوانين الجزائية لغرض المحافظة على أرواح الأفراد وأموالهم وأعراضهم، وعلى المحاكم والقضاة التصدي للجرائم والمخالفات ضمن الحدود المقررة، ومعاقبة كل مجرم بحسب ما ارتكبه.
لا شك في أن النظام الجزائي في الإسلام عامل فعال في حسن تطبيق القوانين، وحاجز دون انتهاك الأفراد لحرمتها والخروج عليها. ولكن الضمان التنفيذي للقوانين في الإسلام لا يتمثل في النظام الجزائي فقط. لقد استخدم المشرع الإسلامي قبل أربعة عشر قرناً جميع ما يستفاد منه في تطبيق القوانين الدول المتمدنة اليوم.
يرى العلماء المعاصرون أن التربية الصحيحة للطفل، وتنمية الشعور بالمسئولية فيه، وإحياء وجدانه الخلقي، واستغلال الطاقات العلمية والعقلية المودعة عنده... عوامل مساعدة لتطبيق القوانين وإحقاق الحق.
لقد أولى قائد الإسلام العظيم كل هذه الوسائل المعنوية عناية كاملة وكما ذكرنا في المحاضرات السابقة فإن التعاليم الإسلامية القيمة تهدف إلى التكامل الروحي والتعالي النفسي والوصول إلى أعلى قمم الرقي الإنساني. إن قتل النفس البريئة جرم عظيم وعمل غير قانوني، وجزاءه إعدام القاتل. هذا الجزاء هو الذي يضمن
عدم انتشار حوادث القتل... في حين أن الشخص الذي تربى على الفضيلة والطهارة منذ البداية ونشأ على الاستقامة والتزام المثل العليا، لا يفكر في الإجرام أبداً، ولا يحدث نفسه بالتجاوز على حياة الآخرين. إن شخصاً كهذا يحترم حق الآخرين في الحياة قبل أن يخاف الجزاء، ولذلك فلا يقدم على قتل النفس المحرمة. وهكذا تجري إطاعة القانون والحذر من الإجرام على هذا المنوال. فالخوف من الجزاء يمنع الفرد من الاعتداء على حقوق الآخرين حيناً، والشعور بالمسئولية والرغبة في التكامل الروحي هو الدافع لاحترام الفرد حقوق غيره حيناً آخر.
لا فخر للإنسان إن كان الدافع إلى انقياده للقوانين العادلة واحترامه حقوق الآخرين هو الخوف من العقوبة، لأن كثيراً من الحيوانات تنقاد لأصحابها خوفاً من حدة السوط. إن الانقياد المنبعث من أعماق وجود الإنسان الناشىء من حب الكمال، هو الذي يعتبر محبذاً وقابلاً للتقدير والاستحسان وهو أمارة الإنسانية. والهدف من التعاليم الإسلامية القيمة هو تربية هؤلاء الأفراد.
الإيمان والانقياد للقانون:
بالرغم من أن هناك عقوبات وقرارات جزائية في الإسلام بشأن رعاية تطبيق القوانين، لكن الأساس الذي استند إليه مشروع الإسلام العظيم في تطبيق القوانين هو المبادئ المعنوية والتعاليم الروحية التي لقنها لأصحابه. وبعبارة أخرى: فإن دور العقوبات في الإسلام بالنسبة إلى تنفيذ القرارات العامة ضئيل جداً... على العكس من الطاقات الإيمانية العظيمة المستقرة في باطن الرجال المؤمنين فإنها العامل الفعال في تنفيذ القوانين وحسن رعايتها.
إن جميع النصوص والأسس الإسلامية الواصلة إلينا حول التنظيم الجزائي لا تتجاوز البضع مئة آية وحديث... في حين أن هناك ألوف الآيات والأحاديث في الإيمان بالله واليوم الآخر، وفي بيان الفضائل والرذائل وحول الشعور بالمسئولية والقيام بالواجب، والحث على التقوى والتكامل الروحي... وغير ذلك من المعنويات والقيم والمثل. وهذا يدلنا على أن أساس اهتمام قائد الإسلام العظيم
في تنفيذ القوانين كان منصبا على استغلال القوى المعنوية والإيمانية. إن العقوبات أنما هي لغرض تأديب أفراد معدودين لم يستفيدوا شيئاً من ثروة الإيمان والفضائل.
وهذا سمة فريدة يمتاز بها النظام التربوي في الإسلام على سائر النظم التربوية والنفسية في العالم المتحضر، وهي عبارة عن أن الإسلام يرسي قواعده على الإيمان بالله. أما النظم الأخرى، فإنها فاقدة لهذا الأثر الكبير. يستفيد العلماء المعاصرون في مناهجهم العلمية من قوة التربية والأخلاق، ومستوى الثقافة والوجدان ونحو ذلك، فينشئون الأفراد على الشعور بالواجب والإسلام يستفيد من هذه الأسس أيضاً في أساليبه التربوية، إلا أنه يتضمن منهجاً فريداً من نوعه في ضمان سعادة الإنسان وإحياء الشعور بالواجب في نفسه وهو الإيمان بالله.
إن تأثير الإيمان في ضمان تنفيذ القوانين وأداء الواجبات يفوق تأثير أي قدرة أخرى، ولهو أنشط من أي عامل آخر. ذلك أن جميع الوسائل التي تضمن تطبيق القوانين يقل تأثيرها أو ينعدم في الظروف الصعبة وعند مواجهة العقبات. أما القدرة التي تستطيع أن تقف حاجزاً أمام انحراف الأفراد في مختلف الظروف وشتى المواقع فهي الإيمان بالله. إن المؤمنين الواقعين مستقيمون في سلوكهم دائماً ويقومون بواجباتهم خير قيام. إنهم يسيرون في الصراط القويم في الفقر والغنى، والصحة والمرض، والأمن والفوضى، والسلم والحرب، وفي كل الحالات، لا ينحرفون عنه قيد شعرة.
يعترف علماء النفس في كتبهم العلمية بقيمة الإيمان وتأثيره العميق في المناهج التربوية. إن الطفل الذي تربى في حجر الوالدين المؤمنين، وتلقى درس الإيمان بالله منذ الطفولة يمتاز على الطفل الفاقد للإيمان بميزات كثيرة. إنه يملك طيلة أيام الحياة روحاً أقوى، واستقامة أكثر، وأملاً أوطد، فهو يرى الله في جميع حالاته مشرفاً عليه، ولذلك فإنه لا يتخلى عن واجباته ولا يفر من مسئولياته ولا يقدم على الإجرام والاعتداء.
الخوف من اللوم:
بعد هذه المقدمة الوافية عن الحياء وأثره الاجتماعي نتقل إلى صلب البحث فنقول:
إن الحياء من العوامل النفسية المهمة التي تستطيع ضمان تنفيذ القوانين ومنع الناس من الإقدام على الإجرام والتجاوز. هناك أفراد مستهترون ومتسيبون في كل مجتمع، مأسورون لأهوائهم وشهواتهم، ولا يفهمون معنى للشعور بالمسئولية واحترام القانون ورعاية الآداب، ولذلك لا يتورعون عن ارتكاب مختلف الذنوب والجرائم. لكن الحاجز الوحيد الذي يقف أمام تنفيذ رغباتهم هو الحياء من الناس، ويخافون استياء الرأي العام واستنكاره، فيمتنعون عن القيام بذلك. لأنهم يعلمون أنه إذا أقدموا على تلك الجرائم تعرضوا لسخط الجميع واستنكارهم، وعند ذاك تكون الحياة بالنسبة لهم جحيماً لا يطاق.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه للمفضل الجعفي، حول الحياء وأثره النفسي: (فولاه لم يُقر ضيف، ولم يوفَ بالعداة، ولم تُقض الحوائج، ولم ينحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شيء من الأشياء. حتى أن كثيراً من الأمور المقترضة أيضاً إنما يفعل للحياء. فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه، ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعفّ عن فاحشة) (1) .
إن خشية استنكار الرأي العام، وخوف اللوم من الناس من أعظم العوامل الباعثة على رعاية القوانين للعالم المتحضر. ما أكثر القادة المتنفذين والأثرياء الماديين، والشبان والفتيات المستهترين، الذين يرغبون في تنفيذ رغباتهم وأهوائهم اللامشروعة، ولكنهم يخافون اعتراض الناس، ويخشون استنكار الرأي العام يضطرون للتراجع عن تحقيق ميولهم، وكبح أهوائهم والانقياد ليكونوا بمنجى عن اللوم والتفريع.
وقع الاستنكار:
لا شك في أن وقع استنكار الرأي العام في بعض الأحيان يكون أشد من عفوية السجن والسوط بكثير. ومن البديهي أنه عندئذ يكون تأثير الحياء في ضمان تطبيق القوانين أقوى من تأثير القرارات الجزائية.
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2/25.
إن الرجل الذي سجن بسبب ارتكابه جريمة السرقة يتألم من محاكمته، ولكن إذا افتضح أمره وعرف في المجتمع بالخيانة والسرقة، فإن تألمه يكون أكثر. والمرأة التي ترتكب عملاً منافياً للعفة والشرف تتوطن لأن تسجن لمدة ستة أشهر، ولا ترضى بأن تعرف بين الناس بالاستهتار والزنا ستة أيام. وطبيعي أنه كلما كان المستوى التربوي والثقافي للأمة عالياً كان نفورها واستياؤها من الأعمال المنكرة أشد.
هذا النوع من الحياء الذي يضمن تطبيق القوانين، ويمنع الأفراد من الانحراف الاعتداء، من الصفات المحبذة والفاضلة بلا شك. وهو ممدوح في الإسلام وقد ورت أحاديث كثيرة تؤكد عليه.
وها أنا أقرأ عليكم نموذجاً منها:
1 - قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إذا لم تستح فافعل ما شئت) (1) أي أن الأفراد الفاقدين للحياء لا يتورعون عن الإجرام والاعتداء على حقوق الآخرين.
2 - عن علي (عليه السلام): (من قلّ حياؤه قلّ ورعه) (2) .
3 - وعنه (عليه السلام): (الحياء يصد عن فعل القبيح) (3) .
4 - عن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا إيمان لمن لا حياء له) (4) .
5 - قال أبو محمد العسكري (عليه السلام): (من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله) (5) .
6 - عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه) (6) .
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|86.
(2) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1239.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 51.
(4) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|106.
(5) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|318.
(6) وسائل الشيعة للحر العاملي ح3|221.
انحراف المجتمع:
لا يخفى أن الحياء من الناس والخوف من استنكار الرأي العام بالنسبة إلى كل من الجرائم، يكون عندما يعتبر المجتمع تلك الأعمال مذمومة ومستهجنة. أما المجتمع المصاب بالانحراف والضلال، الذي تفقد فيه بعض الجرائم والمعاصي قبحها، ويعتبرها الجميع أموراً اعتيادية، فإنه لا يقف الانحراف في ذلك المجتمع عند فقدان الحياء من قبل المجرمين، بل قد يتفاخرون بأعمالهم الهدامة وجرائمهم الشنيعة.
هذه النصوص تهدف إلى بيان أهمية الحياء من الناس في تطبيق القوانين والوقاية من الجرائم. ولكن يوجد في زوايا المجتمع أفراد لا يخافون من استنكار الرأي العام ومع ذلك لا يحومون حول الذنب. بل إنهم لا يقدمون على المخالفة حتى في الخلوة، لأنهم أفراد شرفاء يستحون من أنفسهم، ويراعون شرف طباعهم وفضائلهم التي يمتازون بها، هؤلاء هم أفضل طبقات المجتمع، قال علي (عليه السلام): (أحسن الحياء استحياؤك من نفسك) (1) .
التظاهر بالذنب:
من العوامل التي تؤدي إلى الخروج على القيم الاجتماعية، وتبعث الجرأة والجسارة في نفوس الأفراد على الإجرام، تظاهر المجرمين بخروجهم على القانون. ولهذا السبب فإن الإسلام يمنع من ارتكاب الذنوب والجرائم من جهة، ويحذر الناس من التظاهر بالذنوب المؤدي إلى فقدان الحياء من جهة أخرى.
عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه: (قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إن المعصية إذا عمل بها العبد سراً لم تضرّ إلا عاملها، وإذا عمل بها علانية ولم يعير عليه أضرّت بالعامة) (2) .
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 191.
(2) قرب الإسناد ص 26.
المجتمع الذي يرى في العفة والامتناع عن العلاقات الجنسية غير المشروعة خرافة وجموداً، ويعتبر الحرية في العلاقات غير المشروعة مثالاً للتقدم والوعي!
المجتمع الذي يعتبر الأمانة والصدق علامة البلادة والحماقة، ويرى في الارتشاء والكذب والتزوير سنداً للكفاءة والنجاح! المجتمع الذي لا يرى قبحاً في شرب الخمر والقمار! في هذا المجتمع لا يوجد معنى للحياء ومراقبة الأفكار العامة، ولا يجد المجرم نفسه خوفاً من اللوم والتقريع ولا خشية من الاستنكار والاستهجان.
إن كل ذنب في المجتمع، يشبه داء خطيراً يتضمن بين طياته مشاكل كبيرة لأفراده. ولكن المصيبة العظمى تتمثل في عدم اعتبار المجتمع ذلك العمل قبيحاً، وعدم اعتبار المرتكب له مستحقاً للعقوبة واللوم. فمن البديهي أنه في هذه الحالة يسير المجتمع نحو الهاوية، ولا يمر زمن طويل حتى تظهر الآثار الوخيمة لتلك النظرة الخاطئة.
لقد اعتبر الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) هذه الظاهرة من أخطر المشاكل الاجتماعية حيث قال: (كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟!)، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: (نعم، وشر من ذلك. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟!) (1) .
لقد شرح الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) مظاهر الانحراف الاجتماعي
____________________
(1) قرب الإسناد: ص 26.
فاسدة فيهم، ولقد أدت التعاليم الجنسية - التي لا يقصد منها غير معرفة شئون الحياة - إلى نتائج مؤلمة جداً).
(أكد الدكتور جبسون في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية أن انعدام الضبط الخلقي يسيطر على جميع نقاط البلاد، واعتبر الطب الروحي الجديد مقصراً كل التقصير).
(لقد أعلن (الدكتور إمبروس لينك) - وهو من المعنيين الاختصاصيين في الأمراض الجنسية - بعد أيام من ذلك بأنه منذ عام 1957 وحتى الآن فقد ظهر مرض جنسي جديد بين الشبان الأحداث. وقد شاع بين الفتيان الذي تتراوح أعمارهم بين الـ 15 والـ 19 عاماً بنسبة 3 , 67%، أما بين الفتيات اللاتي في نفس السن فقد ازداد المرض بنسبة 4 , 65%) (1) .
والخلاصة: أن الحياء الذي يمنع الفرد من ارتكاب الذنوب، ويلعب دوراً مهماً في ضمان رعاية القوانين وتطبيقها من الصفات الفاضلة عند الإنسان. وكما ذكر الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) فإن هذا النوع من الحياء يدل على قوة العقل ومتانة الشخصية، وهو رمز الضمير الحر والإرادة الرصينة.
تنمية الحياء عند الطفل:
على الوالدين أن يعوّدا طفلهما على الحياء منذ الصغر، وأن يفهماه قبح الذنب واستياء الناس من المذنب، وبهذا يستطيعان أن يقفا أمام انحرافه وخروجه على القانون.
إن الحياء المذموم أي الخجل المفرط من الصفات الذميمة. وأساس هذا النوع من الحياء هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة. وقد عبر الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) عن ذلك بحياء الحمق والجهل.
إن عقدة الحقارة قد تنشأ من سوء التربية، وقد تستند إلى العيوب الطبيعية أو
____________________
(1) جريدة (اطلاعات) الإيرانية - العدد | 10561.
في ثلاث مراحل:
الأولى: ارتكاب الأفراد للذنوب والجرائم.
والثانية: دعوة بعضهم البعض إلى الفساد والإجرام والتناهي فيما بينهم عن عمل الخير والصلاح.
والمرحلة الثالثة: وهي أخطر المراحل - أن يحصل تغيير أساسي في أفكار الناس فيروا الفساد والانحراف خيراً، وينظروا إلى الصلاح والخير شراً.
إن مما يؤسف له أن كثيراً من البلاد الإسلامية مصابة بهذه البلية العظمى، فقد فقدت غالبية الذنوب والجرائم قبحها في أنظار المسلمين وتعتبر أفعالاً اعتيادية ومألوفة. هذه الصفة الذميمة مزقت حجب الحياء الإسلامي والخوف من استنكار الناس في أنظار المجرمين، فيقدمون على الجرائم من دون خوف أو رادع ويصابون بالمآسي والمشاكل من جراء ذلك.
وفي الغرب فقدت بعض المسائل - وخصوصاً الأمور المرتبطة بالمسائل الجنسية - القبح الذي كان في أنظار الناس تجاهها، وعلى أثر ذلك نجد الشباب والفتيات يقدمون على أعمال فاسدة دون أي شعور بالخوف أو الاستنكار، وتكون النتيجة أن يتزلزل أساس طهارة النسل، والعفة الحلقية في تلك البلدان... وهذا ما تدل عليه الإحصاءات الجنائية في تلك الدولة وبعض الإحصاءات الاجتماعية الأخرى.
وعلى سبيل الشاهد نكتفي بأنموذج بسيط من ذلك:
(يونايتد برس - لقد أعلن (الدكتور رونالد جبسون) قبل أيام في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية، عند قراءة تقرير يتعلق بالقضايا الجنسية، بأنه في أحدى المدارس الإنكليزية للبنات كانت الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الـ 14 والـ 15 سنة يضعن شارات خاصة على صدورهن، تشير إلى أنهن قد فقدن بكارتهن! لقد أدى هذا التقرير إلى اضطراب شديد في الأوساط الدينية ومن قبل أولياء أمور الفتيات).
(لقد صرح الدكتور جٍبسون في مؤتمر كانتربوري أن البرامج التلفزيونية تقتل الذوق السليم عند الشباب، وتؤدي إلى إثارة
النقائض الاجتماعية. والخلاصة: أن هناك عوامل وعللاً كثيرة يمكن أن تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة، فتبعث الإنسان على الخجل المفرط والحياء التافه.
(إن جميع المظاهر الحقيقية أو المجازية للتحقير الذي يحسّ به الطفل في اتصاله بالبيئة التي يعيش فيها يمكن أن تؤدي إلى نشوء هذه العقدة النفسية. يقول الدكتور آلاندي في كتابه (الطفل المجهول): إن قلة ذات اليد واشتمال الملابس الرثة، ووجود العاهات العضوية، والمرض، أو الشعور بالنقص في الأسرة... كل ذلك من الأمور التي تلعب دوراً كبيراً في نشوء هذه العقدة. وعلى هذا فمن الضروري أن تعار أهمية بالغة إلى جميع هذه العوامل حتى لا تنشأ الشخصية المنحرفة عند الأطفال، لأن تغيير هذا الوضع الروحي في الفترات التالية يفتقر إلى كفاح عنيف، وجهد متواصل) (1) .
إن الجانب الكبير من الأمراض النفسية والشعور بالحقارة ناشىء من سوء التربية في دور الطفولة، فقد يترك السلوك الأهوج للوالدين في نفوس الأطفال أثراً سيئاً إلى درجة أنه يصيبهم بالضعة والدونية، ويظلون يتجرعون النتائج الوخيمة لذلك مدى العمر!
إن أفضل الأساليب المقترحة لوقاية نشوء هذا المرض هو التربية الصحيحة. على الوالدين أن يعدّا الأطفال منذ الأشهر الأولى لتربية سليمة ورعاية دقيقة حتى لا يصابوا بعقدة الحقارة أصلاً.
(بالرغم من أن جميع حركات الطفل انعكاسه في بداية الأمر... (الضحك، البكاء، الأكل، المشي، التكلم) فإنه يجب تنظيم هذه الانعكاسات. إن كيفية رعاية الوالدين وتغذيتهما لأطفالهما توضح لنا هل أنهما مربيان أم لا. أما أنه هل يجب تطوير الحركات الانعكاسية وإخضاعها. نعم، ومنذ الأيام الأولى يجب أن تبدأ
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 58.
هذه التربية. إن البكاء والعويل والتزمت كل ذلك يتصل اتصالاً وثيقاً بالرقابات الأولية، فإن كانت منحرفة أدت إلى نشوء الطفل على الأخلاق الذميمة والصفات الشريرة) (1) .
المدح والثناء:
من الميول الفطرية عند الإنسان، والتي تظهر منذ أولى أدوار الطفولة وتظل تلازمه مدى العمر، الرغبة في المدح والثناء من قبل الآخرين. إن كل صغير وكبير يتوقع أن يلاقي استحساناً ومديحاً من قبل الأصدقاء والزملاء في الانتصارات التي أحرزها في الحياة، والتقدم الذي يناله في كل مرحلة.
إن الاستعدادت الباطنية للأفراد تصل إلى مرحلة الفعلية، وتخرج إلى حيز الوجود في ظل التشجيع والاستحسان. وكأن الاستحسان والثناء يمنحان الأفراد طاقة جديدة، ويفتحان لهم طريق التعالي والتكامل.
(يقول أحد علماء النفس العظماء المعاصرين، وهو (ماكدوكل): إن جميع الأطفال - دون استثناء - في حاجة إلى التشجيع وتحفيز الشعور بالاعتماد على النفس أكثر من حاجتهم إلى الخشونة والعقوبة. ما أكثر الأطفال الذين ظلوا جاهلين بالطاقات والمواهب المودعة فيهم على اثر فقدان المحفزات والمشجعات لهم، في حين أن تذكيراً بسيطاً أصبح قادراً على إظهارها. إن الجانب الأعظم من الاضطرابات الفكرية والعصبية للأطفال ناشيء من السلوك المصحوب بالشدة والغلظة تجاههم، هذه الأمراض العصبية تظل ملازمة للإنسان مدى العمر) (1) .
(إن الحاجة لاسترضاء خاطر الآخرين من ضرورات الحياة الاجتماعية. تذكروا اللذة التي حصلتم عليها عندما أحرزتم
____________________
(1) عقده حقارت ص 17.
(2) جه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 65.
نجاحاً لأول مرة ولاقيتم تشجيعاً واستحساناً من والديكم، أو عندما سمعتم مديحاً من المعلمين في المدرسة).
(إن استحسان الآخرين ومديحهم هو الأجر الذي يهوّن الصعوبات وينسي المتاعب. إننا - صغاراً وكباراً، وفي أي سن ومقام كنا - إذا كان ما فعلناه قد قوبل بالاستحسان فقد توصلنا إلى الأجر الذي نستحقه، ولا ريب في أن ذلك يبعث على اللذة والسرور، ويحثنا على الاستمرار حتى نهاية الطريق. إن الترغيب والتشيجع ضروريان من أي شخص كانا، وأينما حصلاً.. خصوصاً إذا كانا صادرين من الأصدقاء والزملاء والأقارب. وطبيعي أن يكون اهتمام البعض بالتشجيع أكثر من الآخرين، لكن من المستحيل أن يستغني أحد من تشجيع الآخرين تماماً) (1) .
سلوك النبي (ص) في الثناء:
لقد كان قادة الإسلام وأئمته يهتمون بالأفعال الصالحة التي تصدر من الناس في أمورهم الدينية والدنيوية، وكانوا يشجعونهم على المزيد منها، وعلى سبيل المثال أذكر لكم نموذجين بهذا الصدد:
1 - لقد رأى النبي (صلَّى الله عليه وآله) أعرابياً يدعو في صلاته، ويتزلف إلى الله تعالى بعبارات عميقة ومضامين عالية. لقد أثرت كلماته المتينة وعباراته المشيرة إلى وعي صاحبها والكاشفة عن درجة الإيمان والكمال التي هو عليها في النبي (ص). فعين شخصاً لانتظار الإعرابي حتى يفرغ من صلاته فيأتي به إليه. وما أن فرغ الإعرابي حتى مثُل بين يديه، فأهداه النبي (ص) قطعة من الذهب، ثم سأله: (من أين أنت؟) قال: من بني عامر بن صعصعة.
____________________
(1) رشد شخصيت ص 42.
قال له النبي: هل عرفت لماذا أعطيتك الذهب؟!
قال: لما بيننا من القرابة والرحم.
فقال له النبي: (إن للرحم حقاً، ولكن وهبته لك لحسن ثنائك على الله عَزَّ وجَلَّ) (1) .
لقد بعث استحسان النبي وتشجيعه الرغبة في عمل الخير في نفس الأعرابي أكثر من السابق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أدى إلى أن يقتدي الآخرون به.
2 - يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في العهد الذي بعثه إلى مالك الأشتر، حول سلوكه تجاه ولاته: (وأوصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهزّ الشجاع، وتحرّض الناكل إن شاء الله تعالى) (2) .
وكما أن التملق والمدح الذي في غير محله أمر مذموم من الناحية الخلقية وقد يتضمن مفاسد كثيرة... كذلك الامتناع عن التشجيع والاستحسان فإنه من الصفات الذميمة، ويتضمن نتائج سيئة.
وفي هذا المعنى يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (الثناءُ بأكثر من الاستحقاق ملق والتقصير عن الاستحقاق عيء أو حسد) (3) .
المديح بالاستحقاق:
قد يؤدي المديح الناشىء عن استحقاق، إلى تغيير حياة إنسان تغييراً تاماً، فيقوده نحو طريق السعادة والفلاح، ويحيي شخصيته، ويبعث نور الأمل في أعماق روحه، ويمنحه الطمأنينة والهدوء... فيسلك طريق التكامل من دون تردد أو حيرة
____________________
(1) حياة الحيوان للدميري ج2|63.
(2) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص 997.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1239.
شخص يستحق الثناء والتقدير إلى قتل شخصيته وإصابته بالحقارة والدونية فيفقد الاعتماد على النفس، ويستولي عليه اليأس والقنوط، ويقول في نفسه: إنني غير ويحصل على نجاح باهر في النهاية. وعلى العكس فقد يؤدي الامتناع عن مدح جدير بأي تقدير أو شكر حتى أن أصدقائي لا يهتمون بشأني عندما أقوم بعمل كبير يسترعي الانتباه، عند ذاك تبدأ تعاسته، ويدبّ اليأس إلى روحه، ويستأصل داء الحقارة في نفسه ويصاب بالعوارض الوخيمة.
ومن عوارض هذا الانهيار الروحي، الخجل المفرط والحياء الشديد فقد يصاب الإنسان بالحقارة إلى درجة أنه لا يجرأ على الاحتكاك بالناس ومعاشرتهم... وكأنه يرى نفسه أقل من أن يتكلم معه الآخرون ويعتبروه إنساناً واقعياً فيحترموا شخصيته.
(عندما يجد الفرد أنه لم يسترع انتباه الآخرين كما يتصور فإنه يفر من الناس مرة واحدة، ويفضل الانزواء على الاتصال بالناس خوفاً من أن يُحتقر من قبلهم، أو يختار زاوية من المجلس فيستقر فيها بكل اضطراب وقلق دون أن يتكلم بشيء) (1) .
إن المدح المناسب المستند إلى الاستحقاق والجدارة شرط ضروري لتربية الطفل. ذلك أن من وسائل وقاية ظهور مرض الخجل المفرط وشدة الحياء عند الأطفال، الثناء عليهم وتوجيه الشكر والمدح على أفعالهم الطيبة إن الأطفال الذين نشئوا على يد أبوين شديدين أنانيين لا يحسّون طعم الاستحسان والمدح أبداً، ولذلك فإنهم يملكون أرواحاً محطمة وقلقة، ويعيشون في حقارة مستمرة.
وكما أن الوالدين مدعوّان إلى توجيه اللوم لأطفالهما على أفعالهم السيئة وتعويدهم على الاستقامة والأدب عن هذا الطريق، كذلك يجب أن يشجعاهم في الأفعال الصالحة التي يقومون بها كي يستمروا على ذلك، ويعرفوا بأنهم يجب أن يلتزموا السلوك المفضل في حياتهم. ولكن يجب التنبه إلى أن التشجيع والتوبيخ دواءان تربويان مؤثران، ومن الضروري الاستفادة منهما في المواقع المناسبة حسب مقدار صحيح. إن التشجيع والتوبيخ التافهين اللذين لا يستندان إلى استحقاق،
____________________
(1) رشد شخصيت ص 77.
أو الإفراط فيهما قد يكون عديم الفائدة في تربية الطفل، وقد يؤدي إلى نتائج وخيمة. عن علي (عليه السلام): (أكبر الحمق: الإغراق في المدح والذم) (1) .
( يتعلم الطفل في الأشهر الثلاثة الأولى من ولادته كيفية الابتسام، ويختلف انطباعه تجاه الأشخاص، عن انطباعه تجاه الأشياء. في هذه السن يوجد الارتباط بين الطفل وأمه، ويستطيع الطفل وأمه، ويستطيع الطفل حينئذ أن يظهر سروره وارتياحه بمشاهدة أمه، وإن الاستجابات التي تصدر منه لا تتصف بالصورة الحيوانية البحتة، بل يؤثر فيه الميل للمدح والتشجيع بسرعة. ومنذ هذه اللحظة يحصل المربي على سلاح جديد هو المدح والذم).
( هذه الأسلحة تملك قدرة فعالة خلال دور الطفولة، ولكن يجب استعمالها بحيطة وحذر شديدين. يجب أن لا يستعمل اللوم والتقريع في العام الأول، وبعد ذلك يجب التريث في استعماله. أما المديح والثناء فإن ضررهما أقل، ولكن يجب أن لا يُصرفا بسهولة كي يفقدا قيمتهما كذلك لا ينبغي اللجوء إليهما في التحفيز الزائد على المعتاد لطاقات الطفل. لا يوجد أب مهمل يرى طفله يمشي أو يتكلم لأول مرة، ويستطيع أن يجري بعض الكلمات على لسانه بصورة صحيحة، ومع ذلك يتمالك على نفسه من التشجيع والاستحسان. وبصورة عامة فإنه عندما يسيطر الطفل على أمر صعب بعد ثبات وجهد شديدين، فإن الاستحسان والثناء عليه أحسن مكافأة له. مضافاً إلى أنّ من الأفضل أن نجعل الطفل يشعر بموافقتنا لميله نحو التعلّم واكتشاف المجهولات) (1) .
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي 182.
(2) در تربيت ص 64.
طريق التقدم:
يبذل الطفل نشاطاً بصورة طبيعية في طريق الوصول إلى الكمال المنشود، يستغل طاقاته الطفولية في هذا السبيل. إن تشجيع الوالدين والأصدقاء يفسح المجال أمامه للتقدم أكثر، ويمد سراج الأمل والتضامن في نفسه بالوقود واستمرار، وفي النتيجة تتفتح مواهبه واحدة بعد الأخرى. وعلى العكس من ذلك فإن إهمال الوالدين أو تزمتهما يضعف النشاط الفردي عند الطفل ويبعث فيه الفتور والملل في سلوك طريق الجد والعمل. إن تكرار هذا السلوك المذموم يهدم روح الطفل ويتضمن نتائج وخيمة. ولأجل أن يتضح الأمر بصورة أجلي للمستمعين الكرام نستشهد بالمثال التالي:
صبي صغير السن لم يمض على دخوله المدرسة أكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول. والآن قد كتب صفحة كاملة لأول مرة، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس. إن هذه الكتابة تعتبر الانتصار العلمي العظيم لهذا الصبي، فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر، وهي - بعدُ - مرآة تعكس شخصيته، يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأخرى لقدوم والده وقراءة هذا الأثر اللامع له. إنه يأمل في التشجيع والاستحسان من أبيه، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته.
يدخل الأب إلى البيت، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين. إن الأب العاقل الأب الواعي.. يقرأ كتابة الصبي بإمعان، فيبتسم.. ثم يحمله بين ذراعيه، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الاستحسان والثناء عليه، وبهذا يكافئه بأحسن صورة. إن سلوك الأب يمنح الصبي روحاً طرية، فيزداد نشاطه وجدّه، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة.
أما الأب الجاهل، الأب المهمل... فإنه يفاجئ الصبي بعكس ما كان يتوقع، لا يقرأ كتابته، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه. وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يتعاملون - بدافع من الإخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل - بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال، فيزرون بالصبي الذي كله أمل ورجاء، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه، ويحطّمون شخصيته، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه.
يبتعد الطفل عن أبيه بروح منكسرة، وقلب متحطم، وينام ليلته مع خاطرة مرة. قد لا يتنبه الأب إلى سلوكه الأهوج أبداً، ولكن الطفل لا ينسى هذا الموقف المؤلم. إن القسم الأكبر من مآسي الأفراد وتعاستهم ينبع من خاطرة مرة، أو نقطة طفيفة، ثم تتسع حتى تعود عليه بالدمار والانهيار.
إن الأطفال الذين لا يلاقون تشجيعاً واستحساناً على أفعالهم الطيبة التي يقومون بها، بل يقابلون بالتحقير والإهانة من قبل الوالدين، تندحر شخصياتهم ويصابون بعقدة الحقارة، ويقعون في شرك المشاكل والمآسي الكثيرة. ومن هذه العوارض الخجل المفرط في مواجهة الناس.
( إن الأشخاص الذين تلمسون الخجل وسرعة الانفعال منهم، أو تجدونهم مستهترين ومشاكسين، أو يلاحظ عليهم الخمول والهدوء، أو الثرثرة والفضول، أو البرودة وضعف الإرادة، أو التهور والسطحية. هم رجال لا يملكون اطمئناناً بأنفسهم ويفقدون الاعتماد على النفس، أي أنهم يتصورن أن المجتمع لا يعترف بهم كما ينبغي ولا يحلّهم المحل الذي يستحقونه) (1) .
إذن، يجب على الوالدين، ضمن القيام بواجباتهما التربوية، الانتباه إلى هذه النقطة المهمة، فيستحسنا الأفعال الصالحة التي تصدر من أطفالهما ويفرّحاهم بالمدح والثناء. وهذا هو أحسن الوسائل للوقاية من نشوء الخجل المفرط وضعف النفس فيهم. لقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (إذا نظر الوالد إلى ولده فسرّه، كان للوالد عتق نسمة) (2) .
ومن البديهي أن المدح والثناء عن استحقاق أفضل الوسائل بعث السرور في نفس الطفل، وهذا يشتمل على أجر أخروي ومكافأة إلهية في نظر الإسلام، بغض
____________________
(1) رشد شخصيت ص 79.
(2) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|626.
النظر عن فوائده التربوية. لقد اهتم الأئمة (عليهم السلام) بهذا الموضوع كثيراً، وطبقوه في أسلوبهم التربوي الأمثل بالنسبة إلى أطفالهم... إذ كانا يشجعونهم على الأفعال المفيدة التي تصدر منهم ويرغبونهم في الاستزادة منها.
والقصة التالية نموذج طريف لما تقدم:
نموذج عن الاستحسان:
كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً يوماً في بيته، وقد جلس على جانبيه طفلاه الصغيران: العباس، وزينب. ( قال علي (عليه السلام) للعباس: (قل: واحد). فقال: واحد. فقال: (قل: اثنان). قال: استحي أن أقول باللسان الذي قلت واحد: اثنان!، فقبّل علي (عليه السلام) عينيه. ثم التفت إلى زينب - وكانت على يساره - فقالت: يا أبتا، أتحبّنا؟ قال: (نعم يا بنيتي، أولادنا أكبادنا!) فقالت: يا أبتاه، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن: حبّ الله، وحب الأولاد. وإن كان لا بدّ فالشفقة لنا والحب لله خالصاً. فازداد علي (عليه السلام) بهما حباً) (1) .
إن تقبيل الإمام (عليه السلام) عيني طفله الصغير على صراحته واستقامته، وازدياد حبه له ولأخته الصغيرة، مكافأة جميلة لهما على ما صدر منهما. وفي الواقع فإن بيت علي (عليه السلام) كان طافحاً بالتوحيد والإيمان، مليئاً بالحب الإلهي والفناء في
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|635.
ذاته، ولذلك فإن الأطفال قد تلقوا تربية سليمة وطفحت قلوبهم - كأبيهم - بحب الله وتوحيده.
عاملان لسرعة الانفعال:
ليس منشأ الخجل المفرط سوء التربية فحسب، بل هناك طائفة من النقائص العضوية والعوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى ظهور هذا المرض. لقد استخدم الإسلام جميع الوسائل والطرق لمعالجة هذه الحالة النفسية وأوصى المسلمين بالتعليمات اللازمة. وفي ختام بحثنا هذا نشير إلى عاملين فقط لذلك: أحدهما الفقر، والآخر الانحطاط العائلي.
يعتبر الفقر من أعظم المصائب في حياة البشر. فالشخص الفقير مصاب بالحرمان من جانب، ومعرّض لتحقير الناس والسخرية منهم من جانب آخر. قال علي (عليه السلام) لأبنه محمد بن الحنفية: (يا بني، إني أخاف عليك الفقر، فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت) (1) .
وقال لقمان لابنه: (أعلم أي بنيّ، إني قد ذقت الصبر وأنواع المر، فلم أر أمرَّ من الفقر. فإن افتقرت يوماً فاجعل فقرك بينك وبين الله، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم) (2) .
فالفقراء إذن، يشعرون بالحقارة والضعف في أنفسهم بسب الفقر والحاجة، ولذلك فهم شديدو الخجل في علاقتهم مع الناس (3) .
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1228.
(2) سفينة البحار للقمي ص 379.
(3) تتبادر الأذهان غالباً عند ذكر الفقراء إلى الأشخاص الذين امتهنوا الكدْية والاستعطاء، ومن الواضح أن هؤلاء يبلغ بهم الجشع والحرص أعلى درجاته وهم فاقدون للحياء لبيعهم ماء وجوههم. لكننا نقصد من الفقير الرجل العفيف الذي لا يملك ما يكفي لمؤنته ومؤنة عياله، فيضطر إلى القناعة بالبسيط والاكتفاء باليسير الذي يدفع به غائلة الموت.
حماية الفقراء:
لقد شرع الإسلام قوانين خاصة لحماية الفقراء الذين يستحقون المساعدة حقيقة، ولغرض مكافحة المرض النفسي الذي هم في أسره. وهكذا نجد أن الدولة الإسلامية تتكفل بضمان الحد الأدنى لحاجاتهم من الموارد العامة لبيت المال، بحيث تسمح لهم بأن يعيشوا أعزاء. ومن جهة أخرى نجد أنه يحترم شخصيتهم في مناهجه القانونية والخلقية، ويراعي عواطفهم تماماً.
لا يحرم الفقير بسبب قلة ذات اليد من العزة الاجتماعية والاحترام القانوني، إذ لا يحق لمسلم أن ينظر إليه بعين التحقير والإهانة. إن الفقر الإيماني والخلقي هو منشأ الحقارة والتعاسة للإنسان في نظر المؤمنين الواقعيين، وإنهم يرون في الثروات المعنوية والروحية سبباً لرفعة الشأن وسمو المنزلة، لا الثروة المادية.
إن المؤمنين الواقعيين قد يواجهون حرماناً من بعض الأشياء بسبب من فقرهم، ولكنهم لا يشعرون بالحقارة والضعة في أنفسهم. إن الإيمان بالله يمنحهم قوة وشخصية روحية متينة بحيث لا يستطيع الفقر أن يسيطر عليهم وبعدهم عن الحساب. هؤلاء الأفراد كانوا موجودين في العصور الماضية، ولا يزالون موجودين في عصرنا الحاضر.
التوصيات الخلقية:
لقد أكد الإسلام في تعاليمه القانونية والخلقية على أهمية رعاية عواطف أطفال الفقراء حتى لا يصابوا بعقدة الحقارة، ولا يتجرعوا عوارضه الوخيمة فبغض النظر عن المساعدات المالية التي أوجبها القانون لصالحهم، فضمن بذلك حياتهم ومعيشتهم. أكد الإسلام على الوصايا الخلقية المهمة حول عدم جرح عواطف الأيتام بالخصوص والأطفال الفقراء على وجه العموم. وعلى سبيل الشاهد أذكر لكم رواية واحدة:
يقول الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ضمن بيان واجبات الجيران
وحقوقهم: (وإذا اشتريت فاكهة فأهدها له. وإن لم تفعل، فأدخلها ستراً ولا يخرج بها ولَدك يغيظ بها ولَدَه) (1) .
الانحطاط العائلي:
والانحطاط العائلي عامل آخر من عوامل نشوء عقدة الحقارة والإصابة بالخجل المفرط في الاتصال بالناس. إن المصابين بهذه المشكلة يحسون بعدم الارتياح في ضمائرهم ويخافون تعيير الناس لهم.
لقد حذر الإسلام أتباعه في تعاليمه الخلقية والاجتماعية من المتنابز والسخرية. إن المجرم يجب أن يعاقب حسب التعاليم الإسلامية، ولا يجوز تعييره على ذنبه. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إذا زنَت خادمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يعيّرها) (2) فإذا كان المسلم لا يحق له أن يعير الزانية على عملها، كيف يحق له أن يعير أحداً بذنب صدر من أبيه أو أمه؟!
لقد أنقذ الإسلام كثيراً من المسلمين الذين كانوا ينتمون إلى عوائل منحطة من ضغط الحقارة بمنعه من ذم بعضهم البعض، وهكذا نجد أن هؤلاء يتصلون بالناس ويعاشرونهم دون شعور بالخجل والانحطاط، وإذا كان أحد من المسلمين يوجه الذم نحوهم فإن الرسول الأعظم (ص) كان يمنعه من ذلك بصراحة.
كلنا نعلم ما كان يقوم به أبو جهل في صدر الإسلام من معارضة النبي (ص) في نشر دعوته، وقد اشتهر بسبب من سوء ما أضمر، وفظاعة الجرائم التي قام بها بالخيانة والدنس بين المسلمين. لقد حضر ابنه عكرمة بعد موت أبيه بين يدي النبي (ص) واعتنق الإسلام، فقبل النبي إسلامه، واحتضنه وأثنى عليه، لكن لما كان عكرمة ينتمي إلى أسرة أصرت على الكفر واشتهرت بسوء السمعة بين المسلمين فإن ذلك كان داعياً إلى احتقاره من قبل المسلمين. وفي رواية أن المسلمين كانوا
____________________
(1) بحار الأنوار العلامة المجلسي ج18|212.
(2) مجموعة ورام ج1|57.
يقولون: (هذا ابن عدو الله أبي جهل، فشكى ذلك إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فمنعهم من ذلك. ثم استعمله على صدقات هوازن) (1) .
نستنتج مما تقدم: أن الإسلام يرى أن الحياء المعقول الذي يضمن تنفيذ القوانين ويمنع من ارتكاب الذنوب، من الصفات الفاضلة. أما الحياء المفرط غير المعقول، والخجل المفرط الناشىء من ضعف النفس والضعة فهو مذموم عنده.
لقد أوصى الرسول الأعظم (ص) المسلمين بوصايا كثيرة منعاً من نشوء عقدة الحقارة فيهم، ورسم لهم الخطوط العريضة للحياة الصالحة السعيدة بفضل تعاليمه القانونية والخلقية، وفي ذلك كله وقاية عن ظهور هذا الداء الاجتماعي.
في نهاية المحاضرة أذكر لكم بعض الموارد التي لا يستحسن فيها الحياء حيث صرح الإسلام بالمنع منه فيها:
من ذلك قوله تعالى: ( وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) (2) والرجال المؤمنون يتبعون أوامر الله (عَزَّ وجَلَّ) ويقولون الحق بكل صراحة وصرامة ويصرّون عليه دون حياء أو خوف.
إن الرجال المؤمنين لا يخافون لومة لائم في طريق الحق والواقع، ولذلك فقد وصفهم الله تعالى في كتابه المجيد حيث قال: ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) (3) .
والرجال المؤمنون لا يستحون أن يتعلموا ويتزودوا بالمعرفة في أي سن كانوا، ففي الحديث: (ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه) (4) .
والرجال المؤمنون لا يستحون أن يعترفوا بجهلهم إذا بجهلهم إذا سئلوا عن شيء وكان
____________________
(1) سفينة البحار للقمي، مادة (عكرم) ص 216.
(2) سورة الأحزاب | 53.
(3) سورة المائدة | 54.
(4) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 113.
يجهلونه، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ( ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم، أن يقول: لا أعلم ) (1) .
لقد حذّر الأئمة (عليهم السلام) المسلمين من الخجل والحياء في كثير من الموارد، حيث لا داعي لذلك. وما أكثر الأشخاص المصابين بعقدة الحقارة بسبب من فقدان الإيمان أو الجهل، أو ضعف الشخصية.. فيرتطمون في هوة الخجل المفرط في موارد لا تستحق ذلك. أما الأفراد المؤمنون فإنهم بمنجى عن هذه المشاكل بفضل اتباعهم التعاليم الإسلامية القيمة، وإقتدائهم بسيرة أئمتهم (عليهم السلام).
____________________
(1) نفس المصدر.
المحاضرة السادسة والعشرون:
تعديل الميل الجنسي
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) (1) .
العفة:
من الصفات الفاضلة والملكات الإنسانية القيمة: العفة. إنها تدعو الفرد إلى الاتزان في الاستجابة لميوله الجنسية، وتحفظه من التلوث الانحرافات المختلفة. على الوالدين أن ينمّيا هذه الفضيلة الخلقية في الطفل، ويهتما بنشوئه على ذلك في كل مرحلة من مراحل حياته.
في قبال ذلك نجد أن الغريزة الجنسية تعتبر من أقوى الغرائز عند الإنسان. إن المآسي والمشاكل التي تصيب الفرد من هذا الطريق والميول المكبوتة والرغبات التي تصيب الفرد من هذا الطريق والميول المكبوتة والرغبات التي لم تلاق استجابة صحيحة تستطيع أن تولد في النفس الإنسانية عقداً عظيمة، وتؤدي إلى مفاسد وانحرافات، وجرائم وخيانات وحوادث قتل وغارت... وفي بعض الأحيان تتسبب في ظهور مرض روحي أو تنتهي إلى الجنون.
إن مسألة الاستجابة للغريزة الجنسية وكيفية إرضاء الميول المتعلقة بها من أهم المسائل العلمية والدينية. لقد أدلى علماء البشرية على مر القرون الطويلة، نظريات مختلفة حول هذا الموضوع، وقد ارتطم بعضهم بمشكلة
____________________
(1) سورة المؤمنون | 5.
الإفراط أو التفريط في أفكاره. تتميز الأمم والشعوب في العالم بأساليب خاصة في الاستجابة للغريزة الجنسية، وتختص بعادات مختلفة في ذلك. أما في العصر الحديث فقد اتخذ الميل الجنسي لوناً جديداً، وحصل على أهمية أكبر من السابق. إن الطبقة الواعية تعتبر هذه المسألة من مسائل العلوم الحياتية، والاجتماعية، والنفسية، والطب النفسي، والتربية والتعليم وتجري البحوث العميقة حولها.
وللإسلام نظرته الخاصة في هذه الغريزة القوية، منهجه الفريد في الاستجابة لها، وقد استوعب ذلك عشرات التعليمات والوصايا المهمة في كيفية الاتزان في إرضاء الميل الجنسي، والوصول إلى الأسلوب الأمثل الذي يجنب صاحبه الانحراف.
إن البحث التفصيلي الكامل في هذا الموضوع يحتاج إلى وقت طويل ويستغرق عدة محاضرات، ولما كان يحتل مكانة سامية في تربية الطفل من الناحيتين: الدينية والعلمية، فسنخصص محاضرتنا هذه بذلك، متطرقين إلى أمهات القضايا بصورة مضغوطة:
الغرائز والحرية المطلقة:
يعترف جميع العلماء من مختلف الأمم والشعوب بضرورة تعديل الميول والغرائز لضمان النظام الاجتماعي واستمراره على أسس من التعاون والانسجام، ويؤمنون بأن استجابة كل فرد لميوله ورغباته يجب أن تكون محدودة وتابعة لمقياس صحيح.
هناك تضاد حتمي بين الميول النفسانية والمصالح الاجتماعية في كثير من الأحيان، ولا طريق لاستمرار المدنية وحفظ النظام الاجتماعي بغير التخلي عن الميول اللامشروعة. إن الإنسان مضطر إلى التخلي عن فكرة الحرية المطلقة تجاه رغباته وأهوائه في الحياة الاجتماعية، ويرى نفسه مندفعاً بصورة تلقائية إلى جعل استجابته لغرائزه محدودة بإطار المصلحة العامة للأفراد الذين يعيشون معه في المجتمع.
(هناك كثير من الأفراد يعارضون التمدن بسبب من أن ذلك يؤدي إلى تقييد حرياتهم في الاستجابة لغرائزهم، يجب أن نتنبه في خصوص هذه المعارضة بأنها غير منطقية أبداً. إذ يمكن القول بضرورة تحديد الغرائز من الناحية الفنية في سبيل تحقيق التمدن لمقاصده وأهدافه.
(إن الحصول على الأمن والهدوء الناشئين من المدنيّة، من دون الانصراف عن فكرة الحرية المطلقة، نوع من الأنانية والإثرة فعلى الإنسان أن يتخلى عن حريته الطبيعية التي كان يمتاز بها قبل نشوء المدنية - من الناحية النظرية - حتى يستطيع الدخول في الحياة الاجتماعية).
(إن هذه الرغبة في الحرية ناشئة في الحقيقة من أن كل فرد يريد إرضاء رغباته النفسية بطريق خفي، من دون الاعتناء برغبات الآخرين، على الرغم من أنه يستفيد من القوي والوسائل الاجتماعية في سبيل الوصول إلى غاياته).
(إن الرغبة في الرجوع إلى الحالة الطبيعية للحصول على مقدرة إرضاء الغرائز بصورة حرة خطأ فاحش، ولكن الرغبة في العيش في المجتمع المتمدن إلى جانب امتلاك الحرية الكاملة، نفاق ممقوت، وأنانية مذمومة لأنها تؤدي إلى الإضرار بحريات الآخرين) (1) .
تزكية النفس:
ترى المدينة الإسلامية أن الناس مقيدون في إرضاء غرائزهم والاستجابة لميولهم، كما ترى المدنيات المادية ذلك، مع فارق كبير هو أن المدنيات المادية تهدف إلى ضمان الاستقرار المعيشي للإنسان، ولذلك فإن ترك
____________________
(1) أنديشه هاى فرويد ص 121.
الحرية في الاستجابة للغرائز إنما يتحدد بإطار المصالح المادية، والحفاظ على النظام الاجتماعي... في حين أن المدينة الإسلامية تهدف إلى أمرين: أحدهما الحفاظ على النظام في الحياة المادية، والآخر الوصول إلى الكمالات الروحية وإحراز الصفات الإنسانية العليا.
إن إحراز المقام الشامخ في الإنسانية لا يتيسر بضبط النظام المادي في المجتمع. فمن يرغب في الوصول إلى هذا الهدف العظيم عليه أن يهتم بتزكية نفسه وتطهيرها من الجرائم والآثام، ويعمل على بلوغ الدرجة التي يستحق معها اعتباره إنساناً واقعياً في ظل الإيمان بالله والتزام المثل العليا. وكما إن استقرار النظام الاجتماعي وضمان حقوق الآخرين يتطلب من الإنسان أن يقيد غرائزه، كذلك الوصول إلى الكمال الإنساني وبلوغ مرحلة القيم والفضائل، فإنه لا يتيسر إلا بتقييد هوى النفس والتخلّي عن الرغبات اللامشروعة.
الدين والمدنية:
إن التضاد الذي قد يلحظ أحياناً بين التعاليم الدينية والمدنية المعاصرة ناشيء من هذا الاختلاف في الهدف. فالتعاليم الدينية ترى أن كل عمل يخالف المصلحة الاجتماعية أو يتنافى والسعادة الفردية فهو محرّم. وبعبارة أخرى: لا يجوز لأي فرد أن يقوم بعمل من شأنه الإضرار بمصلحة المجتمع أو يتصادم مع سعادته الفردية. أما في المدنية المعاصرة، فإن كل فرد يعتبر حراً في الأفعال التي لا تتصادم مع النظام الاجتماعي ولا تتضمن الإضرار بالآخرين والتجاوز على حقوقهم، حتى لو كان ذلك العمل مضراً بسعادته كشرب الخمر، والقمار، والزنا، والانتحار. هذه الحرية هي التي سببت المآسي والمشاكل في عالم الغرب.
وبهذه المناسبة يقول الدكتور (إلكسيس كارل): (يجري كل فرد في حياته حسب ذوقه الخاص. إن هذا الميل
فطري في الإنسان، ولكنه في الدول الديمقراطية قد بلغ أشد ما يمكن حتى أدى إلى نشوء أضرار كثيرة. إن فلاسفة عصر النور هم الذين وضعوا أساس هذه الحرية المطلقة في أوروبا وأمريكا، وسَخَروا من المنطق وأصوله باسم المنطق، واعتبروا كل إلزام أو تقييد أمر غير معقول. ومن هنا بدأت المرحلة الأخيرة من الحرب ضد القواعد والأسس التي كان يجري عليها أسلافنا في حياتهم، والتي كان يلزم بها الأفراد جميعاً طيلة آلاف الأعوام حسبما توصلوا إليه من تجاربهم وعلى ضوء الأخلاق والآداب الدينية) (1) .
(تلك الحرية التي يتمتع بها أكثر الأفراد ليست اقتصادية أو فكرية أو أخلاقية. إن الأشخاص الذين لا يوجد ما ينغص عليهم حياتهم هم المتمتعون بهذه الحرية ولذلك نجدهم يتنقلون من كوخ إلى آخر، ومن محل كوّاز إلى محل كواز غيره، ويقرءون الأكاذيب التي ملئت بها المجلات والصحف، ويستمعون إلى الدعايات المتناقضة التي تنقلها لهم الإذاعة) (2) .
الحريات المضرة:
إن موضوع إرضاء الغريزة الجنسية من الموارد التي فسح للأفراد في دنيا الغرب الحرية المطلقة في ممارستها. وهكذا نجد أن كثيراً من الشبان والفتيات في تلك الدولة يصابون بالإفراط على أثر الحرية المطلقة الممنوحة لهم، فينزلون إلى هوة الانحراف والفساد عند إشباعهم للغريزة الجنسية.. وهذا ما يتضمن بين طياته المفاسد الكثيرة للأمة والدولة.
(يونايتد برس | دلت الإحصاءات التي أجريت على حقائب
____________________
(1) راه ورسم زندگي ص 2.
(2) المصدر السابق ص 9.
طالبات المدارس المتوسطة في بريطانيا أن 80% منهم كن يحملن الأقراص المانعة من الحمل. لقد كتب أحد المحققين الاجتماعيين في الرسالة التي بعث بها إلى صحيفة (تايمز) اللندنية أن الإحصاءات التي حصل عليها مضبوطة تماماً. إنه يقول: إن بعض الطالبات كن قد سألن مدرساتهن عن النوع المفضل لأقراص منع الحمل).
(يقول هذا المحقق الاجتماعي في نهاية رسالته: أن هذه الحقيقة المرة والمأساة المخيفة ناتجة من الحرية المفرطة الممنوحة للفتيات الإنكليزيات) (1) .
(آسوشيتدبرس | يقول الدكتور مولنز: إن من بين كل خمس فتيات انكليزيات يذهبن لعقد الزواج، فتاة واحدة حامل. يقول هذا الدكتور وهو يشتغل بالطب في المنطقة الجنوبية من مدينة لندن، في مقال خاص بهذا الموضوع: يحدث في لندن كل عام خمسون ألف حادثة إجهاض جنائية، ويوجد من بين كل عشرين طفلاً مولوداً طفل واحد غير شرعي، وبالرغم من أن الظروف المعيشية تتحسّن كل عام، فإن عدد هؤلاء الأطفال يزداد باطراد.
يعتقد الدكتور مولنز أن الأطفال غير الشرعيين غالباً ما يولدون في الأسر الموسِرة، وإن الفتيات اللاتي نشأن في الأُسر الثرية يلدْن أولاداً غير قانونيين أكثر من غيرهن) (2) .
لا تقف أضرار الحرية المفرطة للناس في اتباع غرائزهم الجنسية عند حد انهيار أساس الأسرة، وتلّوث النسل، والانحرافات الجنسية المختلفة والانتحارات الناشئة من الإخفاق في الحب والغرم، واضطراب الأسس الخلقية، بل إن هذا الأمر يتعارض مع الشرف الإنساني والميول البشرية
____________________
(1) جريدة (اطلاعات) الإيرانية - العدد | 10623.
(2) جريدة (كيهان) الإيرانية - العدد | 5356.
العالية. إن الإنسان أعظم من أن يكون عبداً مطيعاً لشهواته، وأسيراً منقاداً لغرائزه.
الأحرار:
لا شك أن الغريزة الجنسية تتطلب الاستجابة لها وإرضاءها كسائر الغرائز، وعلى كل فرد أن يشبع هذه الغريزة وفقاً لقانون الخلقة. ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن الشهوة يجب أن تكون مسخرة للإنسان، لا أن يكون الإنسان مسخراً لشهوته.
إن الذي نقاد لرغباته وأهوائه ليس حراً، بل هو عبد ذليل لشهوته. إن الأحرار هم الذين يستطيعون السيطرة على حب المال والجاه والشهوة بقوة الإيمان والعقل، وفي ظل الأخلاق والفضائل.
وفي هذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):
1 - (من ترك الشهوات كان حراً) (1) .
2 - (عبد الشهوة أقل من عبد الرق) (2) .
3 - (أعدى عدوّ للمرء غضبُه وشهوتُه. فمن ملكهما عظمت درجتُه وبلغ غايته) (3) .
الميول الحيوانية والميول الإنسانية:
يحتوي الإنسان على طائفتين من الميول:
الطائفة الأولى عبارة عن: ميول مشتركة بين الإنسان وسائر الحيوانات كحب الذات، وحب الأولاد والشهوة والغصب والأكل والشرب وما شاكل ذلك.
و الطائفة الثانية عبارة عن:
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 89.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 498.
(3) المصدر السابق ص 203.
الميول الخاصة بالإنسان، كأداء الإهانة، والوفاء بالعهد، والتضحية والعفة، والحياء وعزة النفس... وما شابه ذلك.
أما الميول المشتركة بين الإنسان وسائر الحيوانات، فهي وإن كانت ضرورية لإدامة الحياة، وذات أهمية خاصة، ولكنها لا تكون ملاكاً للشرف ومقياساً للفضيلة الإنسانية مطلقاً. إنها لا يمكن أن تكون أساساً لتقدم الإنسان وتكامله. ذلك أن الميول التي تشكل الأساس للتكامل البشري هي الميول التي تضع الحد الفاضل بين الإنسان والبهائم، وفي ظلها يستطيع الفرد بلوغ قمة الإنسانية والكمال. وكلما كانت هذه الميول المعنوية التي هي أساس الفضائل قوية في أمة من الأمم، كانت قيمة تلك الأمة في الحياة الاجتماعية أكثر، وكانت إلى السعادة الحقيقية أقرب.
إن قسماً من الميول الخاصة بالإنسان يملك جذوراً فطرية في نفس الفرد، وعلى المربي القدير إحياء تلك الميول بالتنمية الصحيحة، وإخراجها إلى حيز الفعلية، وذلك كالوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
ولكن القسم الآخر من تلك الميول لا يملك جذوراً فطرية في نفس الفرد... عندئذٍ يجب على المربي القدير استغلال جميع الوسائل العلمية والعملية في التربية لترسيخ أسس هذه الميول في نفوس الأطفال الذين عهدت إليه تربيتهم... ومثال هذه الميول: العفة والحياء.
إن الميول الإنسانية العليا هي مكارم الأخلاق التي بعث نبي الإسلام العظيم لإتمامها والتي شكلت جانبا مهماً من برنامج دعوته، وقد وردت في ذلك مئات الآيات والأحاديث.
يظهر أثر الميول الإنسانية في حفظ الشرف والرفعة للفرد، والرقابة على الميول الحيوانية. فعندما تحاول الميول الحيوانية الخروج من حدود المصلحة وتلويث شرف الإنسان، تعمل الميول الإنسانية على التلطيف من حدتها، والتخفيف من ضراوتها، وبالتالي منعها عن الانحراف.
وفي هذا يقول القرآن الكريم: ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ) (1) .
إن الميل الحيواني للإنسان الجائع عبارة عن الحصول على الغذاء وسدّ حاجة الجوع. وهو لا يكترث بأي عمل في سبيل الوصول إلى ما يريد، في حين أن الرجال الشرفاء وأصحاب الفضيلة الذين يتمتعون بالميول الإنسانية العليا لا يقدمون على أعمال مخلفة بالشرف في سبيل إرضاء غريزة الجوع، ولا يستسلمون لذلّ السؤال والاستعطاء. إن عزّة النفس تسيطر على الميل الحيواني عندهم، وتمنعهم من التجاوز عن الحد المعقول.
العفة الجنسية:
والعفة الجنسية من الميول الإنسانية العليا، التي يتعهد المربي بتنميتها في نفس الإنسان حسب الأساليب التربوية الصحيحة. إن أثر هذه الفضيلة الحقيقية هو الرقابة على الغريزة الجنسية، فعندما تطغى الشهوة وتحاول أن تدفع الفرد إلى الاعتداء والانحراف، تقف العفة كسد محكم في قبالها وتمنعه عن الانزلاق في الهوّة السحيقة، فينجو عن الانهيار الحتمي والانحراف الخلقي. أما الأفراد المحرومون من هذه الفضيلة السامية، فإنهم معرضون للسقوط والانهيار في كل لحظة، وإذا دفعتهم حوادث الدهر إلى شفا جرف من الفساد والضلال فقلما يستطيعون إنقاذ مواقفهم، وتدارك الأخطار المحتمة التي ستصيبهم.
إن أساس العفة يجب إن يصب - كسائر الميول الفطرية عند الإنسان - منذ دور الطفولة. على الوالدين أن يستفيدا من هذا الدور، ويوجدا هذه الفضيلة في ضمير الطفل قبل أيام البلوغ.
إن السلوك الممتاز للوالدين العفيفين، وكذلك العوامل المساعدة التي
____________________
(1) سورة البقرة | 273.
يقومان بتهيئتها في جو الأسرة للأطفال لغرض تنشئهم على العفة، أحس السبل لترسيخ هذه الفضيلة في نفوسهم.
لقد اهتم الإسلام بهذه القاعدة الخلقية في منهاجه التربوي اهتماماً بالغاً. ولأجل أن ينشأ الأطفال المسلمون على العفة والطهارة أوصى الوالدين بتعليمات قيمة. وسنتعرض في هذه المحاضرة إلى طائفة منها إن شاء الله، ولكن من المناسب أن نوجه أذهان المستمعين الكرام إلى نموذج من البحوث العلمية للعلماء حول أصل الميل الجنسي.
ينبوع الحب:
لا شك في أن الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز البشرية. ليس المراد من الغريزة الجنسية في الاصطلاح العلمي الحديث هو الميل للاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة فقط، بل المقصود من ذلك معنى أوسع لا يعتبر الميل للاتصال الجنسي إلا مظهراً من مظاهره.
يرى العلماء أن الغريزة الجنسية بمنزلة ينبوع للحب والحرارة، خُلق في باطن الإنسان منذ البداية. ففي أيام الطفولة والأعوام التي قبل البلوغ يجري هذا الينبوع في بعض المجاري الدقيقة، ويبدي شيئاً من الحرارة الكامنة فيه. أما في أيام البلوغ، فإنه يظهر باندفاع أشد، وحرارة أقوى فتضطرم نيران الغريزة الجنسية في مزاج الشاب، وتؤدي إلى تحول عظيم في روحه وجسمه.
لقد اعترف جميع العلماء بأن بعض أفعال الطفل تنبع من الغريزة الجنسية في حين أن فرويد أصيب في هذه المسألة ككثير من المسائل بالإفراط والمبالغة، وعشت عيناه عن رؤية الحقيقة. لقد استند (فرويد) في نظرياته إلى الغريزة الجنسية أكثر من الحد الواقعي، إلى درجة أنه نسب حنان الأم وعطفها لطفلها إلى هذه الغريزة... ولسنا الآن في صدد ذلك، بل نقول: إن فرويد يعتقد بأن في الإنسان غريزتين أصليتين فقط: إحداهما حب الذات والأخرى الغريزة الجنسية. ولكنه يعزو القسم الأكبر من اللذائذ البشرية منذ الطفولة حتى نهاية العمر إلى الغريزة الجنسية. إن فرويد وأتباعه يرون أن
التذاذ الطفل بامتصاص ثدي أمه أو مصّ إصبعه يعود إلى جذور جنسية!
(إن الميل الجنسي عند الأطفال يشترك مع الميل الجنسي عند البالغين، وفي أن هناك طاقة محركة واحدة تغذي الميلين، ويكفي مع اشتراك الطاقة المحركة هذا لأن نفسر بعض حركات الطفل وأفعاله بتفسير جنسي بحت).
(يميّز فرويد في التطور بين مراحل مختلفة، بمعنى أن الميل الجنسي يظهر في البداية على الفم ويتمثل في الامتصاص، ثم ينتقل إلى الأسنان ويظهر في صورة المضغ) (1) .
لقد تعرضت نظريات فرويد إلى نقد شديد من قبل العلماء والباحثين، فقد اعتبروا قسماً من تلك النظريات بعيدة عن الواقع تماماً، وكتبوا في الردّ عليها بحوثاً مطولة، ولكنهم يؤمنون بأن شطراً من أفعال الأطفال يعود إلى طبيعة جنسية.
(يقول موريس وبز أستاذ جامعة استراسبورغ: إذا حاولنا الإيمان بجميع النظريات التي أوردها فرويد حول القضايا الجنسية فقد ارتكبنا شططاً ما بعده شطط. إنها بحاجة إلى تصفية ضرورية، وقد بدأ بها في الآونة الأخيرة، ولكن يشترط في صحتها أن لا نخلط بين المسائل الجنسية ومسائل التناسل. إن ما لا يقبل الإنكار هو أن الطفل، خصوصاً في المرحلة الثانية من حياته - أي ما بين 3 إلى 6 سنوات - يشتمل على بعض المبادئ الجنسية، وليس هذا خاصاً بالإنسان، فالجميع يعلمون أن القرد أيضاً يملك في الأعوام السابقة على بلوغه بعض التطلعات الجنسية) (2) .
____________________
(1) أنديشه هاى فرويد ص 42.
(2) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 43.
تنمية مواهب الطفل:
يتولد الطفل من أمه وهو يملك موهبة التكلَّم والتفكير، ولأجل التنمية الصحيحة لهاتين الموهبتين يجب التزام منهجين كاملين: أحدهما المنهج الطبيعي، والآخر المنهج التربوي.
أما في النهج الطبيعي، فلا بد من كون جميع عوامل نمو الطفل سالمة حتى يستطيع اللسان والمخ من مواصلة سيرهما التكاملي في ظل نشاطات تلك العوامل، وبذلك تتفتح المواهب الكامنة وتخرج إلى حيز الوجود. فإن توقف اللسان أو المخ عن النمو على أثر مرض أو علة أخرى، فإن الطفل يبقى أبكم وغير قادر على التفكير.
كذلك الاستعداد للنشاط الجنسي موجود في الطفل منذ البداية. ولا بد من وجود عوامل طبيعية تنمي هذه الغريزة طبقاً لسنن الخلقة، وتخرجها إلى حيز الوجود بالتدريج. كما انه لا بد من عوامل تربوية تقود تلك الغريزة نحو الطريق الصحيح وتحفظها بمنجى عن الانحراف والفساد.
إن الأبوين الفاقدين للعفة، واللذين لا يتورعان عن التكلم بالعبارات البذيئة أمام طفلهما، أو يرتكبان الأفعال المنافية للعفة أمامه بوقاحة، يقودانه نحو الانحراف والفساد، ويعودانه على الاستهتار واللامبالاة منذ الصغر.
الانسجام بين التربية والطبيعة:
إن القاعدة الأساسية في التربية الصحيحة عبارة عن الانسجام التام بين المناهج التربوية والقوانين الطبيعية. على الآباء والأمهات أن يسيروا حسب
نلاحظ في هذه الفقرة المقتبسة ثلاث نقاط جديرة بالانتباه:
الأولى: أن الفترة الواقعة بين السادسة والثانية عشرة عند الأطفال فترة خاصة من الناحية الجنسية.
الثانية: أن الغريزة الجنسية في هذه الفترة كالنار المستورة بالرماد. أما في دور البلوغ، فإن الرماد يتنحى وتندلع ألسنه النار.
الثالثة: إن قانون الخلقة يقضي بأن يكون النشاط الجنسي جامداً ومضمراً في الأعوام الواقعة بين السادسة والثانية عشرة.
هذه النقاط الثلاث مما تعترف بها المدرسة الفرويدية، ويذعن لها سائر العلماء والباحثين. وإذا عدنا إلى ما ذكرناه آنفاً من ضرورة انسجام الأساليب التربوية مع القوانين الطبيعية، فإن أفضل المناهج التربوية في كيفية توجيه الغريزة الجنسية في الفترة الواقعة ببين السادسة والثانية عشرة هو المنهج الذي ينسجم وضمور النشاط الجنسي، حيث تكون علاقات الحب بين الأطفال منزهة من شائبة الميل الجنسي.
وبعبارة أوضح: فإن المنهج الطبيعي في الأعوام السابقة على البلوغ يقضي باختفاء الميل الجنسي وجموده. إذن، يجب أن يكون المنهج التربوي منسجماً مع قانون الطبيعة، ويساعد على هذا الجمود والضمور في سبيل تربية الطفل تربية صحيحة.
المنهج الإسلامي:
لقد أولى الإسلام في منهاجه التربوي عناية فائقة للفترة الواقعة بين السادسة والعاشرة من عمر الأطفال، فقد أورد جميع التعاليم الضرورية في مراقبة الميل الجنسي وإيجاد ملكة العفة، في خصوص هذه الفترة.
لقد راعى الإسلام في منهاجه التربوي الانسجام الكامل بين قوانينه التشريعية والقوانين التكوينية، وحقق بذلك الوسائل الممهدة لجمود الميل
قوانين الفطرة في تربية أطفالهم خطوة خطوة، ويربّوا الطفل على الأسس الفطرية. فمثلاً يختلف الغذاء المناسب للطفل قبل ظهور الأسنان في فمه عنه بعد ظهورها. وعلى المربي أن يسير في أسلوب تغذية الطفل ونوع الطعام الذي يلائمه وفقاً لقانون الخلقة، ويثبت منهاجه الغذائي على الموازين الطبعية والتكامل التدريجي للطفل. إن الرغبة في اللعب من الأمور الفطرية عند الطفل. وعلى المربي أن يجعل منهاجه التربوي منسجماً وهذا الميل الفطري فيعوّده على الألعاب السليمة والبعيدة عن الأخطار.
والغريزة الجنسية من أهم الأمور الفطرية عند الطفل. هذه الغريزة تسلك طريق تكاملها ونموها في ظل سلسلة من القوانين والقواعد الطبيعية الدقيقة، وتمر بمراحل عديدة وفقاً لمنهاج الفطرة حتى مرحلة البلوغ.
ولكيلا يصاب الأطفال بالانحراف الجنسي، بل ينشئوا على العفة والنزاهة، يجب على الآباء والأمهات أن يخضعوا أطفالهم إلى رقابة واعية بواسطة منهاج تربوي سليم يتماشى والمنهاج الفطري... وبذلك يستطيعون أن يقودوهم نحو الطريق المستقيم المؤدي إلى السعادة والفلاح.
(لقد بات من الأمور المتسالم عليها في الآونة الأخيرة أن النشاط الجنسي عند الأطفال يظل جامداً بين السادسة والثانية عشرة من أعمارهم، وكما يقول علماء التحليل النفسي فإن هذه الفترة هي فترة ضمور. في هذه الفترة تحصل علاقات بين الأولاد والبنات أو بين الأطفال من جنس واحد، قائمة على الحب ولكنها بعيدة كل البعد عن الشهوة. أما القوة الجنسية المحركة، فإنها تستيقظ في مرحلة البلوغ بأقوى ما يمكن. وقيل هذه المرحلة فإن هذه النار بالرغم من وجودها، مختفية تحت الرماد، لكنها منذ هذه المرحلة تأخذ بالاندلاع وإبداء مظاهرها المختلفة) (1) .
____________________
(1) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 43.
الجنسي عند الأطفال في الفترة المذكورة. فقد جنّبهم عن كل عمر مثير يؤدي إلى نضج النشاط الجنسي قبل أوانه، وأوجب على الآباء والأمهات اهتمامهم بإيجاد الجو المناسب لبقاء هذا النشاط مجمداً حتى يحين موعد نضجه.
وفي هذا المعنى روايات كثيرة، نكتفي بذكر نبذة منها:
1 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (الصبي والصبي، والصبي والصبية، يُفرّق بينهم في المضاجع لعشر سنين) (1) .
2 - وعن الباقر (عليه السلام): (يُفرّق بين الصبيان في المضاجع لِستّ سنين) (2) .
3 - عن ابن عمر، قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (فرّقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين) (3) .
4 - وفي حديث آخر: (روي أنه يفرّق بين الصبيان في المضاجع لست سنين) (4) .
5 - وعن الإمام موسى بن جعفر قال: (قال علي (عليه السلام): مرّوا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء سبع سنين، وفرّقوا بينهم في المضاجع إذا كانوا أبناء عشر سنين) (5) .
في هذه الأحاديث نجد أن الإسلام يساير قانون الفطرة والخلقة فيأمر بالتفريق بين مضاجع الأطفال الذين يتجاوزون الست سنوات حتى يمنع من اتصال أجسامهم بشكل مثير للغريزة الجنسية، في حين أن قانون الخلقة يقضي بجمود هذه الغريزة في الفترة التي هم فيها.
____________________
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|28.
(2) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 115.
(3) بجار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|114.
(4) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 116.
(5) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|558.
6 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إذا بلغت الجاريةُ ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام، والغلام لا تقبّله المرأة إذا جاوز سبع سنين) (1) .
7 - وعن أبي الحسن (عليه السلام): (إذا أتت على الجارية ستّ سنين لم يجز أن يقبّلها رجل ليست هي بمحرم له، ولا يضمّها إليه) (2) .
8 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا بلغت الجارية ستّ سنين فلا ينبغي لك أن تقبّلها) (3) .
9 - وعنه (عليه السلام)، سأله أحمد بن النعمان، فقال: عندي جُويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ست سنين. قال: (فلا تضعها في حجرك ولا تقبّلها) (4) .
10 - قال علي (عليه السلام): (مباشرةُ المرأة ابنتها إذا بلغت ست سنين شعبةٌ من الزنا) (5) والمقصود من المباشرة هنا مسّ عضوها الخاص.
إن التقبيل، والمعانقة، والتضاجع، ومسّ العضو الخاص للطفل كل ذلك من الأمور المثيرة للميل الجنسي، ولكي يبقى النشاط الجنسي عند الأطفال من السادسة فما فوق مجمداً، أوصى الإسلام بالحذر عن القيام بتلك الأمور.
المناظرة المثيرة:
لقد اهتم الإسلام كثيراً بمنع الكبار من القيام بما من شأنه إثارة الميل الجنسي عند الأطفال وفي هذا يقول القرآن الكريم:
____________________
(1) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 115.
(2) وسائل الشيعة لحر العاملي ج5| 28.
(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|28.
(4) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج23|114.
(5) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 115.
1 - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) (1) .
إن الله تعالى يأمر المسلمين في هذه الآية الكريمة بضرورة استئذان عبيدهم وأطفالهم غير البالغين عليهم قبل دخول الغرفة في ثلاث أوقات هي: قبل النهوض لصلاة الصبح، وعند الظهر حيث يتخفف الإنسان من ملابسه، وبعد صلاة العشاء حيث يستعد للنوم. فهذه الأوقات الثلاثة عورة للمسلمين، ولا يجوز للأطفال الدخول على أبويهم فيها لأنهم في الغالب متخففون عن ملابسهم، وقد يكونون عراة.
2 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (والذي نفسي بيده لو أن رجلاً غشي امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامه ونفسهما ما فلح أبداً. إن كان علاماً كان زانياً، أو جاريةً كانت زانية) (2) .
3 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبي، فإنه ذلك مما يورث الزنا) (3) .
4 - وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (إيّاك والجماع حيث يراك صبيٌ بأن يحسن أن يصف حالك) (4) .
لقد أوصى الإسلام في منهاجه التربوي الآباء والأمهات بالامتناع عن إثارة الغريزة الجنسية عند الأطفال بالمناظر المهيجة والعبارات المشينة، ويهدف من وراء ذلك كله إلى مسايرة قانون الفطرة وضمور الميل الجنسي عند الأطفال حتى يحين وقت نضوجه، وقد عرفنا أن المنهج التربوي الصحيح هو الذي يساير الفطرة في قوانينها، ويساعد على إبقاء الميل الجنسي عند الأطفال مجمّداً
____________________
(1) سورة النور|58.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|16.
(3) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|16.
(4) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|16.
ومستوراً. وقد روعي هذا الأمر في الروايات المتقدمة مراعاة تامة. فقد أمر الأئمة عليهم السلام المسلمين ببذل مزيد من الدقة في مرقبة أوضاع أطفالهم، وإيجاد العوامل المساعدة لبقاء الميل الجنسي مضمراً عندهم والحذر عما من شأنه إثارة الشهوة فيهم.
هذا الدور لا يستطيع القيام به إلا الآباء والأمهات العفيفون الذين يحذرون من القيام بالأعمال المنافية للنزاهة في أقوالهم وأفعالهم، في حضور الأطفال أو غيابهم.
جزاء التخلف:
إن جميع السنن الكونية والقوانين الطبيعية في العالم قائمة على أساس الحكمة والمصلحة، وإن التخلّف عن كل منها والخروج عليها يتضمن نتائج وخيمة، ويستتبع جزاءً معيناً.
وضمور الميل الجنسي عند الأطفال في الأعوام السابقة على البلوغ، من القوانين الإلهية الحكيمة المودعة في نظام الخلقة. إن قوى الطفل تستغل الفرصة في أيام ضمور الميل الجنسي، فتعمل على تنمية جميع الأنسجة والأعضاء بصورة جيدة، وتبلغ بالطفل إلى النمو المناسب، والكمال اللائق له. وبذلك تعدّه لتقبل البلوغ. وعند تظهر الغريزة الجنسية من خلف الستار، وتندلع نيران الشهوة من تحت الرماد يكون جسد الطفل قد استكمل بناءه، واستعد لتقبل هذا التحول مع توفر جميع الشروط المناسبة. عندئذ يطوي مرحلة الطفولة دون أي خطر ومع أسلم وضع طبيعي، ويصل إلى المرحلة الثانية من حياته وهي مرحلة البلوغ.
النضج الجنسي السابق لأوانه:
لو لم ينفذ قانون تجميد الميل الجنسي عند الأطفال بدقة، ونشطت عوامل البلوغ - على أثر ذلك - قبل موعدها المقرر، فأدت إلى النضج الجنسي
السابق لأوانه، كان ذلك داعياً لنشوء العوارض الوخيمة والآثار السيئة على روح الطفل وجسمه.
إن البلوغ المبكر والعوارض الناشئة من ذلك من أولى الآثار السيئة لهذه الحالة. ولكي يتضح هذا الموضوع إلى درجة ما، ويحص المستمعون الكرام على معلومات أوسع في هذا الصدد استعرض لكم بعض الأمور المبسطة من كتب العلماء حول نمو الطفل واستعداد أنسجته وأعضائه للبلوغ.
إن الطفل المتولد حديثاً عبارة عن مجموعة من الأعضاء والجوارح المختلفة، وإن أعضاء الجسم المختلفة عبارة عن مجموعة من الأنسجة المتميزة المتكونة من ذرات صغار، يتميز كل نسيج بصفات خاصة، اجتمعت فيما بينها تحت ظروف معينة وكوّنت عضواً من الأعضاء. إذن، فالطفل المتولد حديثاً أو أي موجود حي في العالم، عبارة عن مجموعة من الأنسجة والذرات الحية. إن العلم الحديث يسمي تلك الذرات الصغار باسم (الخلايا)، وإنَّ نمو الجسم يعود إلى تكاثر الخلايا.
(في كل لحظة من حياة الإنسان تتكون خلايا جديدة في جسمه وتندثر الخلايا المرهقة، ولما كان هذان العملان يحدثان معاً، فإن ازدياد الخلايا الجديدة على الخلايا المندثرة يعني نمو الجسم. ينمو الجسم منذ بداية حياته حتى بداية العقد الثالث بسبب من ازدياد الخلايا، ولكن منذ العقد الثاني تبدأ الخلايا الحادثة بالتساوي مع الخلايا المندثرة ولهذا فإن النمو يتوقف تقريباً. أما عندما يبدأ دور الشيخوخة فإن عدد الخلايا الحادثة يأخذ بالهبوط، في حين يبقى عدد الخلايا المندثرة ثابتاً، ولذلك فإن الخلايا تأخذ بالتناقص في أجسام الشيوخ أي أن أجسامهم تأخذ بالتقهقر والانحطاط. إن الجسم يحتاج إلى المواد الأولية في بناء الخلايا، والمواد الأولية عبارة عن السكر، والدسم، والبروتين الذي يدخل الجسم بصورة
غذاء ويصبح بعد تغييرات كثيرة بشكل ذرات صغيرة تُمتص وتقع في متناول الخلايا) (1) .
النمو في الأعوام المختلفة:
إن من أدق آيات الله في بناء الإنسان، النظام العجيب الذي ينطوي عليه صنع الخلايا. فمنذ دخول الغذاء إلى المعدة وشروع الجهاز الهضمي في العمل إلى حين تحول إلى موجود حي باسم الخلية، يطوي مراحل عديدة، ويتدرج في تفاعلات متلاحقة حتى يأخذ الصورة النهائية.
(عندما تتوفر جميع الوسائل اللازمة، فإن كل خلية تصنع المقدار الكافي من المواد الضرورية في داخلها، وعندما تصبح هذه المواد كافية لإنعاش خليتين تنقسم الخلية الواحدة إلى شطرين، وبهذا تتولد خلية جديدة).
(إن الجهاز الوحيد الذي يستثنى من هذا القانون، هو الجهاز العصبي. ذلك لأن الطفل يتولد مع المجموعة الكاملة للخلايا العصبية ولا يصنع في جميع أدوار حياته حتى خلية عصبية أو مخية واحدة، ولذلك فإن اندثار هذه الخلايا على أثر مرض أو صدمة لا يمكن أن يتدارك. بالرغم من ذلك كله فإن دماغ الطفل ينمو من دون ازدياد في عدد الخلايا، وإن هذا العمل يحدث بسرعة فائقة جداً في الأعوام الثلاثة الأولى من حياته، بحيث يمكن القول بأن 95/ من النمو الدماغي للإنسان يحصل في السنة الثالثة من عمره) (1) .
____________________
(1) هورمونها ص 8.
(2) هورمونها ص 11.
يختلف الرشد الطبيعي للأقسام المختلفة من بدن الطفل في الأعوام الأولى من ولادته، والأعوام السابقة على البلوغ، والأعوام اللاحقة له.. وكذلك عدد دقات القلب وسرعة التنفس، فإن ذلك كله يختلف بحسب عمر الفرد.
(ينمو الطفل في البداية بسرعة كبيرة. فإن طوله في الفترة بين ولادته وبلوغه الخمس سنين يزداد بمقدار الضعف. وبعد ذلك تأخذ سرعة النمو بالتناقص حسب الخطوط البيانية التي توضح ذلك، حيث تبلغ الحد الأدنى في السنة العاشرة تقريباً. ثم يبدأ النمو من جديد حيث يبدأ الأولاد في السنة الثانية عشرة والبنات قبل ذلك بعام واحد. إن طول الشخص يزداد في مرحلة البلوغ من عشرين إلى خمس وعشرين سنتمتراً، وهذا المقدار ليس كثيراً بالنسبة إلى مجموع نمو الإنسان، لكنه لما كان يحدث بسرعة وربما كان ذلك فجأة فإنه يبعث على الاستغراب والتعجب) (1) .
(إن الأعضاء الداخلية للجسم تنمو بهذه الصورة أيضاً، ويبلغ أكثرها الحد الأعلى من الزيادة في الوزن في مرحلة البلوغ. إن حصة القلب من هذا النمو كبيرة نسبياً، إذ أن حجمه يزداد بنسبة الضعف بين الثانية عشرة والسادسة عشرة، هذا الازدياد في الحجم يتناسب طردياً ومرونة الأوردة والشرايين).
(تتغير المظاهر المهمة الأخرى للحياة أيضاً، ولكن التغير الحاصل فيها يكون أبطأ، فمثلاً تكون دقات القلب في مرحلة الطفولة 135 في الدقيقة الواحدة، وفي دور المراهقة تتناقض إلى 90 في الدقيقة، ثم تتناقص إلى 75 عند الذكور و80 عند الإناث. ولهذا فإن تنفس البالغين أهدأ من تنفس
____________________
(1) جه ميدانيم؟ بلوغ ص 23.
الأطفال، في حين أن حجم التنفس الذي يقاس بواسطة جهاز خاص لذلك والذي يعدّ من العلائم المهمة للنشاط الحيوي، يزداد بنسبة كبيرة فيما بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة) (1) .
قال علي (ع): (أعدى عدو للمرء غضبه وشهوته، فمن ملكهما عظمت درجته وبلغ غايته) (2) .
الغدد الداخلية والهرمونات:
تشكل الغدد الداخلية والهرمونات التي تفرز في الدم فصلاً مهماً من فصول علم الأحياء في نظر العلماء المعاصرين. ذلك أن نشاط الهورمونات معقد ومهم للغاية من الناحية العلمية. فهي تعلب دوراً كبيراً في أساس نمو جسم الطفل، وفي موضوع البلوغ أيضاً.
(لقد أثبتت البحوث الجديدة لعلماء الأحياء أن الغدد الداخلية تلعب دولاً مهماً في نمو أعضاء الجسم بواسطة الهورومونات التي تفرزها، وإن تأثيرها كبير إلى درجة أن (باند) قد صنف الأشخاص في دور البلوغ حسب علم معرفة الغدد. وأهم هذه الغدد هي غدة الهيبوفير والثايروئيد والغدد التناسلية، والغدد فوق الكلوية).
(تؤثر بعض الهورمونات في نمو الجسم، ويؤثر البعض الآخر في نمو الجهاد التناسلي. وإذا صح لنا تسمية المواد الكيمياوية المختلفة التي توجد في الجسم بمقادير ضئيلة باسم التيار، فيجب أن نقول أن هذه الهورمونات تعمل في تيارين مختلفين ولكنهما يلتقيان في النهاية، خصوصاً بالنسبة إلى مسألة ازدياد طول الجسم فإنها حصيل تأثير غدد الثايروئيد والهيبوفيز، عند ذاك تأخذ عملية النمو في الجسم بالتباطؤ بالتدريج، وتبدأ
____________________
(1) جه ميدانيم؟ بلوغ 25.
(2) غرر الحكم: 203.
مرحلة البلوغ على أثر نشاط هورمون جديد يفرز الهيبوفيز، ويفضل الهورمونات التناسلية من قبيل التستوسترون التي تفرز من الخصيتين، والفوليكولين التي تفرز من المبيض) (1) .
هورمونات البلوغ:
تؤدي هورمونات البلوغ إلى تحول عظيم في هيكل الطفل، فينمو بصورة طفرة وفي أشد السرعة، ويخرج من الصورة الطفولية في فترة وجيزة فيكتسب جميع ميزات الإنسان الراشد. إن النقطة الجديرة بالانتباه هي أن جسم الطفل يجب أن يكون قد تلقى قدراً كافياً من النمو قبل ذلك حتى لا يحصل اضطراب على أثر إفراز هورمونات البلوغ.
(مهما كان عمل الهورمونات مهماً فإنها لا تستطيع أن توضح بوحدها جميع جوانب الطفرة البدنية، فعندما تندثر الهورمونات أو تفرز أكثر من المقدار الاعتيادي يحصل اضطراب في عمل النمو. فوجودها إذن ضروري، ولكن العمل المحرك لها يحتاج إلى ظروف مساعدة، وأهمها استكمال الأعضاء والأنسجة نحوها بالمقدار اللازم حتى تستطيع أعضاء الجسم مواصلة نموها بصورة مطردة. وبعبارة أخرى: فإنه لا بد من انسجام خاص بين عمل الهورمونات والظروف التي تستفيد فيها الأعضاء والأنسجة من تلك الهورمونات) (2) .
أما البلوغ المبكر، فإنه عبارة عن إفراز الغدد الجنسية هورموناتها في جسد الطفل قبل أن يستكمل نموه الطبيعي ويستعد لتقبيل البلوغ، وهذا يؤدي إلى النضج الجنسي قبل أوانه.
____________________
(1) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 31.
(2) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 33.
(يتقدم سن البلوغ في النضج الجنسي السابق لأوانه عن العمر الاعتيادي (وهو الذي يتراوح بين 12 و17 سنة) أي أن الغدد الجنسية تبدأ بالعمل قبل السنة العاشرة، وبذلك يتقدم النمو الطولي... هؤلاء المرضى يتقدمون على أقرانهم من حيث النمو لمدة وجيزة، ولكن لما كانت الطبقة الغضروفية تزول بعد فترة النمو الطولي السريع مباشرة، فإن فترة نمو هؤلاء المرضى قصيرة، إذ لا يلبثون أن يتأخروا عن أقرانهم فيما بعد) (1) .
اختلاف الظروف الطبيعية:
إن أفراد البشر - كسائر الموجودات الحية في العالم - خاضعون لتأثير الظروف الطبيعية المحيطة بهم. وبالنظر إلى اختلاف المناخ، وتغير درجة الحرارة وسائر العوامل الطبيعية في متلف نقاط الكرة الأرضية، يختلف النمو عند الأطفال أيضاً. ولهذا فإن السن التي تظهر فيها بوادر البلوغ الجنسي عند الذكور والإناث تختلف باختلاف المناطق.
(تختلف سن اليأس عند النساء بحسب الظروف المختلفة. والدورة الشهرية تبدأ في المناطق الحارة أسرع منها في المناطق الباردة. فمثلاً نجد في (لابوني) أنها تبدأ في الثامنة عشرة، في حين أنها تبدأ في (الحبشة) في التاسعة أو العاشرة. لقد أثبتت التجارب الجديدة أنه كلما كان المناخ متغيراً كان هذا العمل أسرع وقوعاً) (2) .
من هذا نجد أنه بينما تستطيع الفتاة الحبشية أن تلد طفلين أو أكثر، فإن الفتاة اللابونية في نفس السن لم تر الدورة الشهرية بعد. هذا الاختلاف
____________________
(1) هورمونها ص 165.
(2) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 30.
بينهما يستند إلى ظروف البيئة والمحيط، فليس بلوغ الحبشيات مبكراً، ولا بلوغ اللابونيات متخلفاً. إن المقصود بالبلوغ المبكر هو أن الولد أو البنت تبلغ قبل الموعد الطبيعي المقرر لهما، وتبدأ الهورمونات الجنسية بالإفراز قبل أن يحين الوقت الاعتيادي لذلك. وهذا نفسه نوع من أنواع المرض.
الاختلافات الهورمنية:
(بما أن البلوغ المبكر ناشيء من الاختلال الشديد في إفراز الهورمونات، فبالإمكان تقديم يد العون إلى أكثر هؤلاء المرضى، خصوصاً وأن قصر القامة ليس العارضة الوحيدة للبلوغ المبكر، بل إن الاختلالات التي تؤدي إلى النضج الجنسي السابق لأوانه خطيرة جداً) (1) .
وقد يظهر الميل الجنسي عند الإنسان قبل موعده المقرر ولا يكون مستنداً إلى مرض، بل يعود إلى والإثارات التافهة والمناظر المهيجة التي نفذت إلى روح الطفل وسببت النضج الجنسي المبكر.
(يقول موريس دبس: إن العوامل الروحية من قبيل مطالعة القضايا المثيرة أو مشاهدة المناظر المهيجة تبكر في ظهور بوادر اليأس عند النساء) (2) .
هناك عوامل كثيرة قد تؤدي إلى الإثارات الروحية عند المراهقين، وتسبب النضج الجنسي المبكر عندهم. إن قراءة القصص المثيرة للشهوة، ومشاهدة المناظر المهيجة، والتعانق مع الآخرين وتقبيلهم، والاضطجاع على فراش واحد بحيث يحصل الاحتكاك والاتصال... والأعمال المشابهة لذلك، تؤدي إلى الإثارات الجنسية والبلوغ المبكر.
____________________
(1) هورمونها ص 15.
(2) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 30.
إن الآباء والأمهات الذين يرغبون في أن يكون نمو أطفالهم مسايراً لقانون الفطرة، والأشخاص الذين يريدون أن يطوي أولادهم مرحلة الطفولة بسلام ويبلغوا بصورة طبيعية، عليهم أن ينفذوا تعاليم الإسلام بصدد إبقاء الميل الجنسي عند الأطفال مجمداً، ويبعدوهم عن القضايا المثيرة للشهوة.
الانحراف الجنسي:
الانحراف الجنسي من الصفات الذميمة عند الإنسان، والتي لا تنسجم والمقاييس الفطرية، ولا تتلاءم مع الفضائل والآداب. إن الطريق الصحيح لإضاءة الميل الجنسي في قانون الطبيعة والشريعة عبارة عن اكتفاء الرجال البالغين، واكتفاء البالغات بالبالغين، ويشبع كل غريزته الجنسية بواسطة الطرف الآخر. قد ينحرف بعض الأفراد في طريق إشباع رغباتهم الجنسية عن صراط الفطرة المستقيم، ويستجيبون لميولهم الجنسية بطرق غير طبيعية... هؤلاء هم الذين سماهم القرآن الكريم بالعادين (أي المتجاوزين).
( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (1) .
المناظر المنافية للعفة:
من العوامل التي تؤدي إلى انحراف الميل الجنسي عن الصراط المستقيم للفطرة، الخواطر المستهجنة الحادثة في دور المراهقة، ومشاهدة المناظر المنافية للعفة. إن الغريزة الجنسية للشاب غير البالغ مجمدة بصورة طبيعية، فإن انسجمت التربية العائلية التي يتلقاها وهذا الجمود، ولم يواجِه الطفل المناظر المثيرة، فنما بصورة طبيعية بعيداً عن الاضطرابات الجنسية.
____________________
(1) سورة المؤمنون | 5 - 6 - 7.
وعندما يبلغ ويظهر فيه الميل الجنسي فإنه يوجّه نحو الطريق الطبيعي المعدّ له، أي أن الفتاة تتجه نحو الشاب، والشاب يتجه نحو الفتاة، ولا يبقى مجال للشذوذ الجنسي بعد ذلك.
(عندما تستيقظ غريزة الالتذاذ في مرحلة البلوغ بعد أن كانت راقدة، وتتجه إلى العالم الخارجي، تحاول أن تتشبث بشيء حتى تجد به منفذاً لقدرتها الباطنية، في هذه اللحظة الحاسمة تعمل الإرادة الواعية الطبيعية على إرشاد هذه الغريزة إلى طريق سليم هو التكاثر والتناسل. ومن علائم إرشاد الطبيعة أن الرجل والمرأة يشعران بتغيّر محسوس في أعطائهما التناسلية. إن الطبيعة تريد بهذه العلائم أن تفهم الطرفين بضرورة سلوك الطريق الفطري السليم الذي هو عبارة عن التناسل).
(فإذا أدرك الشخص هذا القانون وانقاد إليه، أي أن الرجل اقترب من المرأة، والمرأة اتجهت نحو الرجل، حتى يبادرا إلى عملهما الفطري والمنتج، فإنه يمكن القول بأن النمو الشهواني قد سار في طريق مستقيم ومنّظم، وصرفت القدرة الغريزية في طريق طبيعي واعتيادي، إن ملايين الأشخاص يسلكون هذا الخط المنظم والطبيعي، والذي يسميه فرويد بالانسجام المزدوج) (1) .
الرغبات والاستياءات:
إن الرغبات والإستياءات التي تؤثر في روح الطفل، والكلمات الطيبة أو البذيئة التي تطرق سمعه، والمناظر القبيحة أو الجميلة التي يشاهدها...
____________________
(1) فرويد ص 66.
تؤثر في باطنه، ثم تظهر نتائجها من خلال سلوكه وأقواله وأفعاله عندما يصبح عضواً بارزاً في المجتمع.
الأسر التي لا تلتزم بالعفة الجنسية ولا تتورع من القيام بالأعمال المنافية للأخلاق والآداب أمام الأطفال غير البالغين... الآباء والأمهات الذين لا ينقادون للقوانين الفطرية في تجميد الميل الجنسي عند الأطفال، بل يثيرون الغريزة الكامنة في أولادهم بسلوكهم الأهوج، ويحملونهم على التفتيش والبحث عن الأعمال والنشاطات الجنسية المختلفة... وبصورة موجزة: الأشخاص الذين يعدّون وسائل الإثارة الروحية في أطفالهم تجاه القضايا الجنسية، ويوجدون في أذهانهم صوراً للخواطر القبيحة... هؤلاء جميعاً يتسببون في الانحراف الجنسي لأطفالهم عندما يكبرون، فنراهم - بعد أن أصبحوا رجالاً يَحتاج إليهم المجتمع في إلقاء قسط من عبء المسئولية على عواتقهم - غير جديرين بذلك.
يرى علماء النفس أن منشأ الانحراف الجنسي نوع من أنواع الحقارة، يوجد في نفس الشخص المنحرف، وإن كان لا يعترف بهذه الحقارة في الظاهر.
(إن الانحراف، والفشل في الزواج الطبيعي بالنتيجة، وليد نوع من أنواع الشعور بالحقارة، ومهما كان هؤلاء الأفراد ذوي أفكار وروحيات عالية في الظاهر، فإنهم يتألمون من الشعور بالحقارة. ولو كان الأمر غير هذا لكانوا يقومون باحتياجاتهم الطبيعية بأنفسهم، ويجدّون بكل شجاعة وبسالة لبقاء النسل واستمرار التكاثر) (1) .
____________________
(1) عقده حقارت ص 36.
الميول المكبوتة:
والمظهر الآخر من عوارض الإثارة الجنسية عند الأطفال قبل بلوغهم، العقد التي تنشأ عند الكبار بسبب من كبت الميول في أيام الطفولة.
إن الطفل حر في أقواله وأفعاله قبل البلوغ، لا يحاسبه القانون ولا المجتمع على سلوكه. فإن كان أبواه عفيفين وكان المحيط التربوي طاهراً تربى على أحسن ما يرام، وعبر مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ باستقامة وسلام. أما إذا كان المحيط التربوي فاسداً وكان أبواه غير عفيفين، فإنه يتعرض للأخطار والمشاكل العديدة.
إنه يتأثر بمشاهدة الأعمال الفاسدة والحركات المنافية للعفة الصادرة من أبويه، فينشأ على الرذيلة والانحراف، وسيكون إصلاحه بعد البلوغ صعباً جداً... عند ذاك يكون معرضا للتلوث بالذنوب والجرائم والسيئات الخلقية.
ثم إن الأعمال المثيرة الصادرة من أبويه، وكذلك المحيط الفاسد الذي يعيش فيه تؤدي إلى إثارة الميل الجنسي عنده وهو بعد لم يبلغ... وطفل كهذا عندما يبلغ ويصبح عضواً مستقلاً في المجتمع يلاقي مشاكل وصعوبات كثيرة، ويواجه عقداً نفسيه عديدة...
فمن حيث أنه نشأ على التربية الفاسدة في طفولته يرغب في أن يكون حراً في الاستجابة لميوله وأهوائه، لكن القيود الاجتماعية التي تلزمه بمراعاة المصالح العامة وإتباع المقررات العقلية تجبره على التخلي عن ميوله المنحرفة، ولا شك أن هذا الفشل في تحقيق حريته يؤدي إلى نشوء عقدة جنسية في روحه.
ومن جهة أخرى فإن إنساناً كهذا يتألم من الأعمال القبيحة التي أرتكبها قبل بلوغه، ولذلك يصاب بعقدة الحقارة... إنه يشعر بالضعة والدونية عندما يتذكر ما جرى عليه، ولذلك فهو يحاول التخلص من تلك الخواطر قدر المستطاع.
نستنتج من محاضراتنا هذه أن الميل الجنسي للأطفال في الأعوام السابقة على البلوغ تعيش في حالة من الجمود والضمور بصورة طبيعية. وعلى الوالدين أن ينقادا في منهجهما التربوي لقانون الفطرة، ويوجدا الظروف الصالحة لتربية الطفل بصورة تساعد على إبقاء الغريزة الجنسية جامدة ومضمرة.
إن الأطفال الذين لاقوا إثارات فاسدة لغرائزهم الجنسية قبل دور البلوغ على أثر انحراف البيئة التي عاشوا فيها يصابون بالعقد النفسية، والمشاكل الروحية، والانحرافات الخلقية العديدة بعد البلوغ.
المحاضرة السابعة والعشرون:
تدارك الحقارة
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (1) .
إن التربية السليمة للطفل أولى وأهم أسس السعادة الفردية والاجتماعية وهذه المسؤولية الخطيرة تقع على عاتق الأبوين قبل كل شيء. تتحقق التربية السليمة في ظل قاعدتين مهمتين:
الأولى: أن يكون المربي بصيراً بالواجبات التربوية الدقيقة من الناحية النظرية.
الثانية: أن يطبق معلوماته بكل جدّ وإخلاص في تربية الطفل، ويقوم بواجباته خير قيام.
إن الآباء والأمهات الجاهلين بالأساليب التربوية، والبعدين عن خيرها وشرها... أو العالمين بها لكنهم لا يطبقونها على أولادهم بصورة صحيحة، يعجزون عن تربيتهم بصورة سليمة، وجعلهم أفراداً صالحين.
التربية الفاسدة:
إن القواعد التي ذكرناه في محاضرتنا السابقة عن التربية الفاسدة للطفل تعود إلى أحدى هاتين الجهتين. فالإفراط في المحبة، والتزمّت التافه
____________________
(1) سورة فصِّلت | 26.
والدَّل والغنج، والإهمال الذي لا يستند إلى مبرر، والإفراط في التشجيع والاستحسان أو للوم والتقريع... كل ذلك يعود إلى جهل المربي، أو تغافله عن تطبيق واجبه بصورة صحيحة بالرغم من علمه بوظائفه، والنتيجة هي نشوء الطفل على التربية الفاسدة.
(تعني التربية الفاسدة ترك الطفل لوحده دون تخطيط منهج لسلوكه وتقسيم لأوقاته. في هذه الحالة يستطيع من الطفل أن يصل إلى ما يريد دون جهد أو صعوبة، خصوصاً إذا كان معتقداً بأنه لا يجازى على أفعاله. إن طفلاً كهذا تكون تربيته فاسدة إذا تلقى تشجيعاً زائداً على المعتاد، أو قوبل بالدلال لغير سبب، أو تربى في أسرة من دون وجود مشرف عليها، أو كان المشرف متسامحاً على الأقل، أو سمح له بإيذاء من حوله أو الاستهزاء من الآخرين من دون مبرر، أو لا يطرق سمعه حديث عن النشاط والعمل، أو ينشأ في أسرة خاملة وحقيرة، أو تسير حياته على عدم الإيمان وحب الكمال، أو يسير من دون هدف ومرشد) (1) .
تترك التربية الفاسدة آثاراً سيئة في جسم الطفل وروحه، وقد تستمر تلك الآثار حتى نهاية العمر تؤلم صاحبها وتقضّ عليه مضجعه. وكما سبق شرحه في المحاضرات السابقة فإن من الآثار السيئة للتربية الفاسدة ظهور عقدة الحقارة. إن المصابين بهذه الحالة النفسية، والذين يشعرون بنوع من الحقارة والضعة في أنفسهم قلقون ومضطربون دائماً، وتلاقي ضمائرهم الأمرين من العذاب والتأنيب الداخلي.
(إن شخصية رجل كهذا مركبة من عدم الثبات، وفقدان الاعتماد على النفس، والحيرة والتردد، ثم الفرار من
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص22.
الواقع والالتجاء إلى الأحلام والخيالات، والمخدرات).
(ومن جهة أخرى فإن هذا الفرد يصبح فوضوياً وعابثاً، ولكي يستر الشعور بالحقارة في نفسه، يمتهن قول الزور ويشعر بالاستعلاء، ويتخذ المبالغة والإفراط في كل شيء قدوة له في سلوكه) (1) .
قد يصاب الأطفال، الشباب، الشيوخ، الرجال، والنساء... وبصورة موجزة: كل الطبقات، في الأعوام المختلفة من حياتهم بعقدة الحقارة من جهة أو عدة جهات. فإن لم تُحلّ تلك العقدة الروحية، واستأصلت تلك الحالة النفسية في روح الفرد بصورة مرض مزمن، أدى ذلك إلى عوارض وخيمة قد تنهي إلى الجنون.
وكما أن الخجل يؤدي إلى احمرار الوجه، والخوف يبعث الصفرة في البشرة، وبصورة عامة تؤثر الحالات الروحية في الجسم، كذلك عقدة الحقارة فإنها ضغط روحي مؤلم، وتتضمن ردود فعل مختلفة على جسم الإنسان.
رد فعل الحقارة:
إن كثيراً من مظاهر الضحك والبكاء، والتواضع والتكبر، والانتقام والتسامح، والانزواء والتظاهر، والإكرام والتحقير، والتقدم والتقهقر، والنصح والموعظة ينبع من عقدة الحقارة. وقد تصدر هذه الأفعال بصورة طبيعية تماماً بحيث لا يغفل الناس عن أساسها النفسي فقط، بل لا يعلم صاحبها عن أساس سلوكه المستند إلى عقدة الحقارة أيضاً!
ولما كان الانتباه إلى الأفعال المؤدية إلى نشوء عقدة الحقارة مهماً جداً في
____________________
(1) عقده حقارت ص 7.
تربية الطفل، فيلزم على الآباء والأمهات معرفة هذا الأمر النفسي الدقيق... هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن شرح هذا الموضوع يفيد في تهذيب الأخلاق العامة، وتطهير أعمال الأفراد عن هوى النفس. فمن الضروري - إذن - أن نبحث هذا الموضوع بصورة مفصلة، ونبيّن الأخلاق والأعمال السيئة للأطفال والكبار، التي تنبع من عقدة الحقارة... آملين أن يكون هذا البحث مفيداً من جوانب عديدة.
إن غريزة حب الذات من الميول الأساسية والفطرية للإنسان. فكل فرد يجب ذاته وجميع الكمالات المتعلقة به بصورة فطرية. والشعور بالحقارة يقع في النقطة المقابلة لحب الذات. تشبه عقدة الحقارة عدواً قوياً يقف بوجه حب الذات ويحاول تحطيم شخصية الفرد والتقليل من مكانته. إن المصاب بهذه العقيدة وإن كان يعاني صراعاً شديداً في باطنه إلا أنه يسعى في أن لا يفشي هذا السر المكنون بين الناس، ويحاول أن لا تجرح غريزة حبه لذاته... إنه يصرف قسماً من جهوده في سبيل إخفاء هذه الحالة النفسية، ولذلك فإنه سرعان ما يفقد مقاومته.
الصراع الداخلي:
(عندما يشعر فرد سالم وقوي تماماً بالضعف والكسل في نفسه من دون سبب فمعنى ذلك أن روحه غير سليمة إنه يعاني صراعاً روحياً في باطنه، بحيث تثير أعصابه بصورة خطيرة وتتعبه كثيراً. إن أفضل مقال حي لإنسان كهذا أن نتصور سيارة ضغط السائق فيها على جهاز الإيقاف (البريك)، ولكنه يحاول في نفس الوقت أن يدفعها للسير بأقصى سرعة. إن العمل مضافاً إلى إنه يورد ضغطاً لا مبرر له على الإطارات، يتسبب في فساد المحرك وعطبه بسرعة. فالسيارة التي كان بالإمكان أن تعمل لعدة سنوات بصورة طبيعية،
نجدها قد عطبت وسقطت عن الاستفادة في قترة وجيزة، كذلك الدماغ الذي يلاقي إرهاقاً من أثر القلق الروحي فإنه يشبه كابوساً على روح الإنسان ومخه، ويتلف الأعصاب قبل موعد تلفها) (1) .
تدارك النقص:
إن الشخص المصاب بعقدة الحقارة، أو الذي يشعر بالحقارة، يحاول أن يسد نقصه الداخلي، أو لأجل إقناع نفسه على الأقل، يقدم على أفعال يتصورها صحيحة ومناسبة، ولكنه يحرص أشد الحرص على أن لا ينتبه الأفراد إلى العلة الواقعية لتلك الأفعال، التي هي الشعور بالضعة والدونية، لهذا فإنه يحاول أن يبرر كل عمل من أعماله بأسلوب معقول صحيح حتى يقنع الناس بذلك باستقامته وصحة أفعاله.
لتوضيح هذا الموضوع أذكر لكم نموذجين:
1 - لنتصور طالباً لم يتلقّ مقداراً كافياً من الثقافة والتعلم، إما بسبب من قصوره وضعف إدراكه، أو لتهاونه وكسله. إنه يحس بالحقارة في باطنه، ويرى نفسه في مستوى أقل وأوطأ من مستوى بقية الطلاب، إنه يعرف جيداً أنه لو اشترك في الامتحانات فنتيجته الرسوب المحتم، وافتضاح أمره لدى زملائه، ولكي يخفي حقارته الباطنية يتمارض أو يترك الدراسة تماماً، ويقول في تبرير عمله هذا: ما هي فائدة الدراسة؟! إن الثقافة في هذه البلاد تؤدي إلى الحرمان والتعاسة! ما أكثر الأشخاص المثقفين الذين بقوا عاطلين عاجزين عن تحصيل ما يسدّ رمقهم... وبالمناسبة يذكر أسماء بعضهم. إنه يحاول بحديثه هذا أن يشرك الطلاب الآخرين معه في عقيدته ويحثهم على ترك الدراسة أيضاً.
____________________
(1) عقده حقارت ص 31.
2 - يقول شاختر: (أتذكر فتاة دعيت إلى حلفة كبيرة، فظلت تستعد لملابسها عدة أيام، ولكنه تنبهت قبل ذهابها إلى الحفلة بساعتين أو ثلاث إلى أن أمها مصابة بمرض ولذلك يجب عليها أن تتخلى عن الذهاب).
(مهما أحلوا عليها وأصرّت الأم نفسها عليها بالذهاب لم يجد ذلك نفعاً وأخيراً أجهشت بالبكاء. كانت تقول كيف أستطيع أن أترك أمي على هذه الحالة وحيدة وأذهب للترفيه عن نفسي؟ في حين أن مرض أمها لم يكن جديداً ولم تكن هناك حاجة لبقائها. لقد ذكرت الأم فيما بعد أن هذه الفتاة كانت مضطربة منذ ليالٍ وكانت لا تنام باستقرار، ولقد أدركت جيداً أنها كانت تخشى من الذهاب إلى تلك الحفلة كثيراً، لأنها كانت تتصور أنها لا تستطيع مضاهاة الفتيات هناك بملابسها. ولكنها ما أن تذرعت بمرضي وشكرتها على حنانها هدأت واعتقدت أنها تملك مبرراً معقولاً لعدم الذهاب إلى الحفلة. ولذلك فقد نامت تلك الليلة - على عكس الليالي السابقة - على أتم الراحة والاستقرار. ولكن كان يظهر من خلال كلماتها في الأيام للاحقة أنها كانت متألمة في باطنها من عدم الذهاب إلى الحفلة) (1) .
إن كلاً من الطالب والفتاة كان يحس بالحقارة في نفسه. الأول لجهله وقلة حظه من الثقافة، والثانية لعدم أناقة ملابسها، هذا الشعور دفع الطالب إلى ترك المدرسة والفتاة على عدم الحضور في الحفلة. لقد برّر الطالب عمله ذاك بحرمان الرجال المثقفين وبطالتهم، وبررت الفتاة عملها بمراقبة أمها في
____________________
(1) رشد شخصيت ص 81.
مرضها، ولم يوافق أيّ منهما على التصريح بالحقارة التي يشكو منها والتي كانت الدافع الحقيقي لسلوكهما.
تختلف ردود الفعل التي يبديها الأفراد على أثر إصابتهم بعقدة الحقارة. لأنه بغض النظر عن اختلاف الشعور بالحقارة عند الأفراد من حيث الشدة والضعف، فإن الظروف البيئية والعوامل الاجتماعية المؤثرة في أفعال الفرد وأقواله تختلف أيضاً من فرد إلى آخر. إن البناء الروحي والتربية العائلية والخواص الفطرية والمكتسبة للأشخاص تختلف اختلافاً كبيراً، وعندئذ فمن البديهي أن تكون أفعال الناس المتولدة من أفكارهم متنافرة ومتضادة أحياناً.
وهكذا فإن البعض يظهرون ردود الفعل لعقدة الحقارة بالسكوت والهدوء، والبعض الآخر بالثرثرة والإطالة في الحديث... قسم منهم يتذرع بالتملق، والقسم الآخر يلتزم التكبر والاستعلاء. طائفة تتصف بالعطف والحنان، وأخرى تتسم بالفحش والتسيب.
الانتقام:
الرغبة في الانتقام من أهم ردود الفعل عقدة الحقارة وأخطرها على الإطلاق. ذلك أن هذه الرغبة الموجودة عند بعض الأطفال والكبار تؤدي إلى الطغيان والفوضى، وبذلك تتضمن سلسلة من المشاكل والمآسي التي لا تجبر.
(إن العلة الأخرى لظهور عقدة الحقارة هي السلوك المتزمّت والشديد الذي يلاحظ تجاه بعض الأطفال، أي الذين يُنظر إليهم نظرة السخرية والتحقير. وأشّد من ذلك موضوع العقوبات البدنية التي تؤلم جسد الطفل وروحه معاً. إن الأطفال الأبرياء الذين يواجهون هذا المشاكل يصبحون بلا شك أخطر أعداء المجتمع. وكما أن الحب والحنان أساس التنظيم الاجتماعي ويؤدي إلى تجمع الأفراد وتمركزهم، فإن
الحقد والبغضاء عامل أساسي في التفرقة والتشتيت. وهكذا فالطفل الذي شعر بأن جو الأسرة وحجر الوالدين ليسا إلا مقراً للكراهية والحقد، ولا يستطيع أن يتصور بأن جميع الناس ينظرون إليه بغير نظرة الكراهية والاحتقار... ولذلك فإنه يثأر، وينتقم، ولا يوجد في قلبه محل للحب واللين، عند ذاك يصبح في عداد الناقمين على المجتمع ساخطين على جميع الأفراد. إن كل ما يصيب الفرد من شر أو انحراف في صغره يسبب رد فعل مشابه له من جانبه) (1) .
إن الطفل الذي يتجرع الضغط والتحقير والسخرية من أبيه أو أمه أو زوجة أبيه أو مربيه، يحمل حقداً خاصاً في قلبه، ويحاول تدارك الفشل الذي لاقاه في حياته فيقدم على كل عمل خطير وحقير ولا يتورع من ارتكاب أي جريمة أو ذنب.
إن أبسط نموذج لطغيان الأطفال والشبان هو الفرار من أسرهم وترك والديهم... وذلك ما نقرأه في الصحف كل يوم، ونسمع استغاثة الآباء في سبيل العصور على أولادهم، وقد تنتهي هذه الحوادث بقضايا مؤلمة ومشاكل لا تجبر كالانحراف الجنسي، السرقة، أو الانتحار. وأخيراً فإن كلاً من الولد أو الفتاة الهاربين ينتهي إلى مصير تعس ومؤلم، ويكون بعمله هذا قد الولد أو الفتاة الهاربين ينتهي إلى مصير تعس ومؤلم، ويكون بعمله هذا قد انتقم لكرامته من أبويه بتلويث سمعتهما والحط من منزلتهما في المجتمع.
وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولَدُ السوء يهدم الشرف، ويشين السلف) (2) .
نماذج للانتقام:
تخطر ببالي عدة نماذج للانتقام من قبل الأطفال والشبان والمحتقرين، لا
____________________
(1) عقده حقارت ص 16.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 780.
أرى من الصالح ذكرها في هذا الاجتماع العام، لأن ذلك قد يؤدي إلى إثارة ثائرة الانتقام في نفوس بعض الشبان الذين يلاقون الأمرين من التحقير والإهانة من قبل آبائهم، وفي ذلك مفاسد كبيرة. لكني سأكتفي ببعض النماذج المقيدة في حسن تربية الأطفال ليطلع الآباء على واجباتهم في هذا الصدد.
الإفراط في المحبة:
من عوامل نشوء عقدة الحقارة عند الطفل، الإفراط في الحب والحنان من قبل الوالدين تجاه طفلهما. إن الطفل الذي عومل بمقدار اعتيادي من الحب واللين لا يتألم لولادة الطفل الثاني في الأسرة؛ لأن المقدار الذي كان يعامل به لا يزال موجوداً الآن. لكن الطفل الذي عومل بحب وحنان زائدين ونشأ على الدلّ والغنج يتألم كثيراً لولادة الطفل الثاني، لأنه يرى أن قسماً من الحب الذي كان يستأثر به إلى ذلك الحين قد صار من حصة أخيه أو أخته، ولذلك فإنه يحقد عليه، ويتحين الفرص للانتقام منه، فيضربه، أو يدخل إصبعه في عينه، أو يقرصه، كذلك يحاول الانتقام من أبويه فيسيء إليهما، ويعاملهما بالقسوة والإهمال، لا يعتني بكلامهما، وقد يسمعهما لما لا يرضيان.
الأطفال المحرومون:
والعامل الآخر من عوامل إيجاد عقدة الحقارة عند الطفل، الحرمان من اللباس المناسب والغذاء الطيب ووسائل اللعب أو أدوات المدرسة. إن الطفل الذي يلبس حذاءاً بالياً أو ثوباً رثاً بين الأطفال الأنيقين في ملابسهم أو الذي يرى مختلف وسائل اللعب بأيدي الأطفال الآخرين ويجد نفسه فاقداً له... أو الذي يذهب إلى المدرسة وهو لا يملك حقيبة أو أدوات مدرسية، يشعر بالحقارة في نفسه، ويرى أنه في مستوى دون مستوى الآخرين.
إن الآباء الموسرين الذين يستطيعون الاستجابة لحاجات أطفالهم بصورة معتدلة، ولكنهم يقترون عليهم بسبب من لؤمهم وبخلهم يرتكبون جرماً عظيماً، فقد قال رسول (صلّى الله عليه وآله): (ليس منا مَن وسّع عليه ثم قتّر على عياله) (1) .
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (أرضاكم عند الله أوسعكم على عياله) (2) .
وفي حديث عن ابن عباس قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صداقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور. فإنه من فرّح ابنته فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقرّ عين ابن فكأنما بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله أدخله جنّات النعيم) (3) .
إن الأطفال الذين يصابون بعقدة الحقارة الحقارة في مثل هذه الظروف يحاولون تدارك حرمانهم بصور مختلفة من الانتقام. وقد ينتهي ذلك بثمن حياة الأب المتزمت أو تمني موته على الأقل.
قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئَّلا يتمنوا موته) (4) .
هؤلاء ينتقمون بواسطة الحرق أو الكسر أو التهديم وبصورة موجزة تفتيت ثروة آبائهم وتدميرها، وقد يقدمون على سرقة أموالهم، وبذلك ينتقمون من سلوكهم الظالم تجاههم، ويجبرون ما تجرعوه من التحقير والحرمان.
يقول الدكتور آلاندي: (يجب أن نمتنع عن كل ظلم تجاه الطفل حتى لا ينشأ على السرقة. إن كل طفل يصبح سارقاً
____________________
(1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ح2|643.
(2) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|132.
(3) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 114.
(4) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|132.
لا بد وأنه قد غُبن حقه في يوم من الأيام وقوبل بالتجاوز والظلم. ليس من الضروري أن يكون هذا التجاوز حقيقياً، بل من الممكن أيضاً أن يتخذ صورة مجازية وتصورية... وقد يكون تصوراً طفولياً إلى درجة أن الكبار لا ينتبهون لذلك أبداً، ولكن هذا كله لا يمنع من أن يترك آثاره العميقة والمؤلمة على روح الطفل).
(إذا حاولنا أن نعمل على اقتلاع جذور السرقة، فيجب أن نحيي في الطفل منذ البداية ذلك الشعور بالحقد والانتقام الناشىء من حرمان سابق، ثم نعمل على تدارك الحرمان وعلاجه).
(هناك بعض الأطفال يصرفون النقود التي سرقوها على أصدقائهم بكل سخاء، وهذا يدلنا على أنهم يرغبون في الانتقام من التحقير الذي كانوا يقابلون به، فيشعرون عند ذاك بأنهم ذوي مكنة مادية عالية، يستطيعون جلب قلوب الناس نحوهم به).
(لقد وجدت بنفسي طفلاً في الثانية عشرة من عمره يسرق نقود الآخرين، ولكنه يشتري لأطفالهم الذين كانوا أصغر منه سناً بعض اللُعب والدُمى. وتبين بعد ذلك أن أبوي هذا الطفل كان لا يشتريان له وسائل اللعب في الصغر، وهو الآن يريد تدارك الحرمان الذي كان يلاقيه والظلم الذي كان يتجرعه بهذا الصورة) (1) .
يجب على الموسرين أن يوسعوا على أطفالهم إتباعاً منهم لتعاليم الإسلام، ويعملوا على تلبية رغباتهم وحاجاتهم الطبيعية فيحفظوا بذلك شخصيتهم من الإصابة بعقدة الحقارة، ويجنبّوا أنفسهم من ويلات الانتقام الناشىء من الشعور بالحرمان في الأمور المعيشية.
____________________
(1) ما وفرزندان ما ص 72.
السخرية والاستهزاء:
إن الوسيلة الأخرى من وسائل الانتقام والثأر لتدارك الانهيار الداخلي بالنسبة إلى المصابين بعقدة الحقارة، هو السخرية والاستهزاء والنقد اللاذع واللوم الشديد تجاه الآخرين. (إن التلميذ المتخلف في دروسه بسبب من إهماله أو قلة ذكائه، ينتقم من الآخرين بالاستهزاء منهم ورميهم بالنكات المشوبة بالسخرية. الكل يضحكون ويلتفون حوله، وهو يزداد مهارة وشهرة في المزاح ويتلذذ بالانتقام أكثر، فيتصور - خطأ - أن هذا اللذة التافهة تستطيع أن تحل محل أبسط نجاح).
(من البديهي أن هذا الفرد لا يلتفت إلى الدافع إلى سلوكه هذا، أي أنه لما كان يعجز عن إحراز النجاح في أي فرع أو مهنة، فهو يسخر من زملائه من حيث لا يشعر، ويرضي ضميره بذلك، ولكنه لا يحصل على نتيجة سوى تحقير نفسه والحط من منزلته في أنظار الآخرين. إن مما يؤسف له أن هذه النماذج ليست مقتصرة على الأطفال، بل توجد في الأشخاص الكبار أيضاً) (1) .
النفاق:
جاء الإسلام بمبادئه القيمة، وتعاليمه القائمة على المنطق والاستدلال وأخذ النبي (ص) يؤثر بسلوكه الممتاز في الناس ويجلب قلوبهم نحو دين الله، وهذا ما لا يروق للمعاندين، فأدى التقدم السريع للإسلام واعتناقه من
____________________
(1) رشد شخصيت ص 97.
قبل العرب وغيرهم إلى شعورهم بالحقارة والضعة. إنهم كانوا لا يرغبون في الخضوع للنبي والانقياد لحكمه من جهة.
ومن جهة أخرى فإنهم كانوا لا يستطيعون الاستمرار على الحياة في قبال قدرة المسلمين المتعاظمة، فاضطروا إلى اعتناق الإسلام في الظاهر، لكنهم كانوا في الباطن يضمرون أشدّ الحقد والعداء له. لقد عبّر القرآن الكريم عن هؤلاء بـ (المنافقين). إن النفاق بصورة عامة دليل على الضعف والحقارة الموجودة في باطن الشخص، قال علي (عليه السلام): (نفاق المرء من ذلّ يجده في نفسه) (1) .
إن المنافقين الذين كانوا يحترقون في نار الحقارة كان عليهم أن ينتقموا لتدارك الانهيارات الباطنية. فعندما يئسوا من قتل النبي (ص) وتحطيم قوة المسلمين لجئوا إلى الوسائل الأخرى. إن الاستهزاء والسخرية والطعن والإهانة أحد وسائل الانتقام. فأخذ المنافقون بالاستهزاء من المسلمين بصورة علنية كلما قدروا على ذلك. أما عندما كانوا لا يجرءون على الاستهزاء علناً فإنهم كانوا يجتمعون فيما بينهم ويحاولون تبرير مواقفهم بأنهم يسخرون من المسلمين... ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (2) .
تدارك الفشل:
يحاول الطفل الذي وقع موقع السخرية والإهمال أن يتدارك الفشل الذي لاقاه، فيظهر شخصيته مستغلاً فرصة وجود الضيوف فيثأر لكرامته. عندما تكون الأم خائضة في حديث مع الضيوف دون اعتناء إلى الطفل، فإنه يشاغب، يحطم الأبواب، يكسر النوافذ، يصبح ويبكي، يتكلم بعبارات تافهة لا معنى له، كل ذلك لكي يحول دون سماع
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 777.
(2) سورة البقرة: 14.
الضيوف لكلام أمه، ويقطع حديثهم. إنه يريد جلب انتباه الآخرين إلى نفسه بهذه الأعمال. إنه مسرور لقدرته على كشف شخصيته، ويتلذذ كثيراً على نجاحه.
كذلك الكبار فإنهم يقدمون على هذه الأفعال الصبيانية في بعض الأحيان لغرض الانتقام. كثيراً ما يصادف أن شاباً يتعلق قلبه بحب فتاة ويخطبها من أهلها، لكن الفتاة لا تراه كفواً لها لجهات عديدة فتحتقره بردّ خطبته. يفكر الشاب الفاشل في تدارك الحقارة، ويعمد إلى الانتقام والثأر لكرامته. قد يقوم بعضهم ليلة زفاف الفتاة بإحداث ضجيج وصخب، أو يحطم المصابيح ويكسر النوافذ، أو يقوم بأعمال تخريبية أخرى بغية تبرير فشله وإرضاء ضميره المندحر.
هذا السلوك يشابه تماماً سلوك الكفار المندحرين في صدر الإسلام، إذ قاموا بأعمال صبيانية تافهة بغية الانتقام من الرسول الأعظم (ص)، ليتداركوا بذلك حقارتهم الباطنية، فكانوا يثيرون الشغب واللغط عند قراءة النبي القرآن: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) .
لقد كانت قراءه القرآن من أعظم الوسائل لنشر الدعوة الإسلامية، فندما كان ينتشر اللحن البديع للنبي (صلّى الله عليه وآله) عند قراءة القرآن في الفضاء، كان الناس يستمعون بكل رغبة وشوق إلى ذلك الصوت العذب، وكانت تبهرهم ألفاظ ذلك الكتاب السماوي ومعانيه. أما الكفار الذين كان يتألمون من تقدم الإسلام، وكان ذلك يبعث الحقارة والذلة في نفوسهم، فإنهم كانوا يوصون أصحابهم بأحداث اللغط والصخب عند قراءة النبي (ص) للقرآن، وكانوا يأمرونهم باللغو والشغب؛ حتى تختلط أصواتهم بصوت النبي فيستطيعوا بذلك من الغلبة على دين الله.
النقد اللاذع:
إن توجيه النقد اللاذع إلى الآخرين وسيلة أخرى من الوسائل التي
يستخدمها المندحرون والمصابون بعقدة الحقارة لغرض الانتقام وتدارك الحقارة التي هم عليها ولنعترف سلفاً بأن النقد (1) يعتبر من أفضل وأهم وسائل التكامل الفردي والاجتماعي. إذ لا شك في أن الأمة التي يستطيع الأفراد فيها توجيه النقد المفيد إلى الآخرين وتذكيرهم على نواقصهم وعيوبهم، سالكة طريق التقدم والتكامل، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أحب إخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي) (2) ، وللإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حديث حول تقسيم ساعات الليل والنهار، يقول فيه: (وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكمن في الباطن) (3) .
يعتبر موضوع النقد من المسائل الاجتماعية المهمة التي لسنا بصددها الآن، إلا أننا نريد القول بأن الأفراد يتخذون من هذا العامل الكبير المؤدي إلى السعادة، حربة للانتقام وسلاحاً لحل عقدة الحقارة من ضمائرهم وهذا أمر شائع بين الأفراد، أطفالاً وشباباً وشيوخاً.
لنتصور طفلاً ضعيفاً يلعب مع عدة أطفال أقوياء ونشطين. إنه يفشل في اللعب بسبب من ضعفه أو نقصه العضوي أو تكاسله، وبذلك يشعر
____________________
(1) لا بد من الإشارة هنا إلى أن النقد نوعان: بنّاء وهدّام.
أ - النقد البنّاء: هو الذي يهدف إلى تدارك النواقص الموجودة في سلوك الآخرين، حتى تتآزر القوى الاجتماعية في بناء الشخصيات المتكاملة. وهذا هو الممدوح، والمقصود من أنه أحد وسائل التكامل الفردي والاجتماعي.
ب - النقد الهدّام: وهو الذي يهدف إلى تتبع نقائص الآخرين لغرض السخرية منهم، أو التندر بأفعالهم. وهذا مذمون بلا شك، وهو المقصود بكونه أحد وسائل الانتقام لتدارك الحقارة.
(2) تحف العقول عن آل الرسول ص 409.
(4) تحف العقول عن آل الرسول ص 366.
بالحقارة في نفسه فينزوي عنهم ويترك اللعب. ولكن حين يسأله أبوه أو باقي أفراد الأسرة عن سبب تركه اللعب معهم، فإنه يجيب بأنهم سيئو الأخلاق، يتكلمون بكلمات بذيئة، يغمطون حقي... وبصورة موجزة: فإنه ينتقدهم ويجبر بذلك فشله وانهياره.
كذلك التلميذ الذي لم يجهد نفسه في الدراسة، والذي يعجز على أثر ذلك من الإجابة على الأسئلة التحريرية أو الشفوية للمعلم، يحصل على درجة واطئة فيندحر أمام زملائه ويشعر بالحقارة والدونية، يأتي إلى البيت باكياً ويقول لأمه: سوف لن أذهب إلى هذه المدرسة. وعندما يُسأل عن السبب يقول: إن المعلم يتعصب كثيراً، ويتعمد إيذائي، له عداء شخصي معي. إن التلميذ يستر فشله بهذه الكلمات المشوبة بالنقد اللاذع الباطل.
شاب متفرغ من الدراسة الإعدادية يقدم على الجامعة، ويشترك في امتحان القبول، ولكنه بالنظر إلى انخفاض مستواه العلمي يجيب على بعض أمام زملائه وأصدقائه وأقاربه فيشعر بالحقارة، ولكنه لا يرضى بالاعتراف بانخفاض مستواه العلمي، فيبدأ بالانتقاد لتدارك الانهيار النفسي. يقول: لا توجد مقاييس في بلادنا، إن التقدم منوط بالوسائط، والرشوة... إلخ، وأنا لا أملك صديقاً ولا واسطة فمن البديهي أن أرسب. وبهذه الكلمات التافهة يخفي حقارته وينتقم من الأشخاص الذين تسببوا في منعه من الدخول في الجامعة.
كذلك الرجل الكاسب الذي كان توقيعه معتبراً في البنوك، وكان يشتري البضائع والأجناس من المتاجر بأجل، عندما تضطرب أحواله المادية وتسقط كمبيالاته عن الاعتبار، يمتنع التجار من بيعه البضاعة إلى أجل، وهذا يؤدي إلى تحطيم شخصيته فيشعر بالحقارة ويحاول الانتقام، فيبحث عن عيوب التاجر الذي سلب الثقة عنه. إنه يقول عنه: إنه متجاوز، إنه يأكل الربا أضعافاً مضاعفة، إن متجره مقر للمنحرفين والعاطلين وما شاكل ذلك من العبارات التي يحاول بها أن يتدارك الحقارة التي هو عليها.
الرقابة العامة:
النهي عن المنكر من الفرائض الإسلامية المهمة... النهي عن المنكر عبارة عن رقابة عامة على جميع شئون المجتمع... النهي عن المنكر نقد بناء ونزيه يستطيع حفظ المجتمع من الانهيار والسقوط، لكن من الشروط الأساسية للنهي عن المنكر: صفاء النفس والاستقامة عند الشخص الناهي، لقد ورد بهذا المضمون عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (مَن لم يتسلّخ من هواجسه ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها، ولم يهزم الشيطان ولم يدخل كنف الله وتوحيده وأمان عصمته... لا يصلح له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (1) .
قد يتشبث بعض الأفراد الذين يظهر منهم الصلاح عندما يقعون في عقدة الحقارة بالنهي عن المنكر للانتقام وتدارك الانهيار الداخلي. إنهم يحاولون البحث عن عيوب الأشخاص الذين سببوا لهم هذا التحقير، فيذكرون ذنوبهم، وقد يوجهون اللوم والتقريع إليهم أمام أملاً من الناس، ظانين أنهم يطيعون الله بعباراتهم المسمومة التي تنبع من الحقارة التي يئنون من ويلاته... غافلين عن أن أساس عملهم ذاك يستند إلى الشعور بالحقارة، وأن النهي عن المنكر ليس إلا درعاً لإخفاء الرغبة في الانتقام وراءه.
يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (من أخطأ وجوهَ المطالب خذلته الحيلُ) (2) . إن تطهير القلب من تلويث الذنوب وتنزيه الضمير الباطن من السيئات الخلقية والنوايا الفاسدة، وإتيان العمل بكل جد وإخلاص لله تعالى إنما هو أعظم الذخائر للإنسان عندما يفد على خالقه... في حين أن الوصول إلى هذا الأمر المقدس أمر صعب.
____________________
(1) المحجة البيضاء في إحياء الإحياء للفيض الكاشاني ج4|109.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|138.
قال علي (عليه السلام): (تصفيةُ العمل أشد من العمل) (1) .
رجال لا يندحرون:
إن الرجال العظماء ذوي الشخصية الرصينة لا يخسرون المعركة إذا وقعوا موقع السخرية والتحقير من قبل الآخرين، ولا يؤدي ذلك إلى شعورهم بالحقارة والضعة... إن قلوبهم كالمحيط العظيم الذي لا تستطيع الأوساخ والقذارات أن تؤثر فيه وتكدر صفو مائه. إنهم لا ينتقمون من المحتقرين لهم أبداً.
لقد كان أبو هريرة من المعارضين لحكومة الإمام علي (عليه السلام)، لقد كان في الأسابيع الأولى من خلافة الإمام يجلس على مقربة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويتكلم بكلمات مشوبة بالتحقير في حديثه مع أصحابه، وكان يصر على أن يتكلم بصوت عالٍ جداً بحيث يسمع الإمام تلك الكلمات. لقد تألم أصحاب الإمام الذين شهدوا المنظر. وفي اليوم الثاني جاء أبو هريرة طالباً بعض الحوائج من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فلبى جميع حوائجه، عند ذاك عاتبه أصحابه على ذلك، فقال: (إني لاستحيي أن يغلب جهلُه علمي، وذنبُه عفوي، ومسألته جودي) (2) .
إن علياً (ع) أعظم من أن يتغلب عليه أمثال أبي هريرة بالكلمات المشوبة بالسخرية والتحقير. إنه أجلّ من أن تؤثر فيه أحاديث الحقراء والجبناء، وتولد في نفسه الشعور بالحقارة والضعة حتى يفكر في الانتقام.
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 347.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي 9|519.
إنه يغض النظر عن زّلة أبي هريرة، ويقوم بقضاء حوائجه دون تردد. ولقد قال (عليه السلام): (قلّة العفو أقبحُ العيوب. والتسرُع إلى الانتقام أعظم الذنوب) (1) .
إن أسوأ رد فعل يظهره الفاشلون والمصابون بعقدة الحقارة هو الرغبة في الانتقام، إذ أن من الممكن أن يقوموا بذنوب عظيمة عن هذا الطريق نكتفي بما ذكرنا في توضيح هذا الموضوع، لننتقل في ختام المحاضرة إلى ردود الفعل الأخرى:
العجز حافز للتقدم:
يعتبر الشعور بالعجز والحاجة عاملاً فعلاً في الأمم النشيطة والواعية نحو التقدم والتكامل والاستمرار في النشاط، إذ لو لم ير الإنسان نفسه ضعيفاً أمام قوى الطبيعة لم يكن بمقدوره أن ينهض للكفاح ويتسبب في هذا التحول الهائل في حياة الإنسانية جمعاء!
إن عجز الإنسان تجاه الأمراض والآلام الشديدة هو الذي دفعه لاختراع علم الطب واكتشاف العقاقير المفيدة لأنواع الأمراض، وبالتدريج وصل هذا العلم إلى الدرجة التي يحتلها من الأهمية. وكذلك عجزه أمام أمواج البحر العاتية هو الذي دعاه إلى صنع البواخر الضخمة القاطعة للمحيطات. إن عجزه في قبال شدة البرد أو الحر هو الذي حفز فيه عوامل الاهتمام ببناء القصور الضخمة المجهزة بوسائل التبريد أو التدفئة المركزية. كذلك اختراعه القوة الكهربائية واستخدام ذلك في الإضاعة وسائر الأغراض وليد الحاجة الملحّة التي كان يحسّ بها عند فقدان النور ليلاً. وبصورة موجزة: فإن شعور الإنسان بالضعف والعجز الحقارة والحاجة أدى إلى أعظم حركة، وسبب أكبر التحولات العلمية والصناعية في العالم.
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 537.
التغافل عن النقص:
هناك كثير من الأفراد الواعين يشعرون بالحقارة في أنفسهم بسبب من العيوب والعاهات العضوية التي تميزهم عن غيرهم، لكن هذا الشعور لم يقدر على تحطيم شخصياتهم الحديدية، ومنعهم عن النشاط والعمل... فظلوا دائبين في سيرهم نحو الكمال حتى وردوا ما كانوا يقصدون إليه وتغافلوا عن النقص الذي هم فيه، وبذلك كشفوا عن جدارتهم وكفاءتهم لأنهم أصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع.
يقول أمير المؤمنين: (عظّموا أقداركم بالتغافُل عن الدنيء من الأمور) (1) .
(إن النكتة الأخرى التي تعتبر مفيدة للجميع لمقاومة الشعور بالحقارة، وإحراز النجاح في الاتصال بالناس هي أن ننسى أنفسنا في احتكاكنا بالآخرين، وأن نتغافل عما يعتقده الآخرون فينا والزاوية التي ينظرون منها إلينا، فيجب أن لا نتوقع أن يجري الحديث عنا، وعن صفاتنا وأذواقنا. بل يجب علينا أن نتحدث عن الآخرين وعما يرغبون فيه).
(إذا تناسينا أنفسنا لحظة واحدة فقد استطعنا رفع حجاب معتم عن أعيننا، ونرى الحياة بعد ذلك مضيئة مشرقة، فنكتشف فضائل الآخرين ونبدأ بمدحهم عليها وتشجيعهم بالاستحسان والترغيب) (2) .
إذا أصيب شاب بشعور الحقارة لعدم استواء هندامه، فإن أفضل أسلوب لمقاومة ذلك أن يحاول الوالدان قدر المستطاع صرفه عن التفكير في ذلك النقص، وحثّه على القيام بالأعمال المفيدة، وحمايته بالتشجيع والتقدير. وبهذه الطريقة يمكن احتمال النجاح في هذه المهمة إلى درجة كبيرة.
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 224.
(2) رشد شخصيت ص 120.
الانزواء عن المجتمع:
إن بعض الأفراد الذين يقعون في هوة الشعور بالحقارة ويتجرعون المآسي والويلات من ذلك باستمرار، يخسرون أنفسهم ويفقدون شخصيتهم فيقرّون من المجتمع كيلا بقعوا موقع السخرية والاستهزاء... يختارون الانزواء، ويتهربون من عبء المسئوليات الاجتماعية، وبهذا الأسلوب يتداركون فشلهم الروحي، ويقللون من الضغط الداخلي.
(إذا أصيب شخص على أثر زّلة أو خاطرة مؤلمة بحالة مرعبة فإن نبذه حياته يمكن أن تلخص في أفكاره السلبية. وبعبارة أخرى: فإن هذا بدلاً من أن يتقدم نحو الكمال والاعتماد على النفس بواسطة الثبات والعزم، يحاول الرجوع إلى دور الفراغ والإهمال الطفولي. هذا الأسلوب يسمى في اصطلاح علماء النفس بالسير القهقرائي. لقد كان هذا الفرد في طفولته فاقداًَ لكل اختيار في القيام بأعماله، وفارغاً من كل مسئولية تلقى على عاتقه؛ ولذلك فإنه كان يعيش بفكر هادىء، والآن حيث أصيب بالخوف والشعور بالضعة والدونية فإنه يرغب في الرجوع إلى حالته الأولى).
(هذا بعينه هو التفسير المعقول للسلوك الطفولي عند كثير من الكبار، وهو السبب في عدم بلوغ الجيل الجديد. إن فرداً كهذا لا يرغب في الرجوع إلى دور الطفولة فحسب، بل يبقى قلقاً وحائراً في مواجهة صعوبات الحياة ومشاكلها) (1) .
الطفيليون:
إن الأفراد الذين يظهر ردّ الفعل لعقدة الحقارة عندهم في الانزواء
____________________
(1) عقدة حقارت ص 6.
والهروب من المجتمع، يكونون تعساء وتافهين في الغالب. إنهم طفيليون يعتمدون على غيرهم في تسيير شئونهم المادية، في حين أن الإسلام ينقم أشد النقمة على هذه الطبقة، ففي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ملعون معلون مَن ألقى كلّه على الناس) (1) .
(يرغب كل فرد في الاتصال بالآخرين، ويأمل في أن يكون محبوباً وناجحاً في المجتمع. أما عندما لا يتحقق هذا الأمل، فإن الفرار من الناس يبدو أسهل من التوافق مع الناس، في حين أن الحقيقة غير هذا؛ لأن الفرار من الناس والعجز عن الانسجام معهم يهدِّئ الألم المؤقت، ولكنه لا يلبي الحاجة الغريزية والرغبة الفطرية المستقرة في أعماقنا) (2) .
ألم الانزواء:
قد يكون الألم الروحي الناشىء من الانزواء والحرمان من معاشرة الناس أشد بكثير من ألم الشعور بالحقارة، لأن الشخص الذي ينزي عن الآخرين لجهله وضعف نفسه يتصور أنه سيصون بذلك نفسه من التحقير، في حين أنه وقع في سجن أضيق من سجن التحقير والسخرية، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الرجل يجزع من الذلّ الصغير فيدخله ذلك في الذّل الكبير) (2) أي أن شدة جزعه تنقلب ذلاً كبيراً.
من ردود الفعل السيئة لعقدة الحقارة عند الأشخاص حب الانزواء عن المجتمع. إنهم يُحرمون بهذا السلوك الأهوج من النشاطات المثمرة، ويجعلون أنفسهم طفيليين في المجتمع.
____________________
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5|133.
(2) رشد شخصيت ص 115.
(3) تحف العقول عن آل الرسول ص 366.
ليس الهروب من الناس بسبب من خوف التحقير والسخرية مختصاً بالكبار. إن الأطفال المصابين بالشعور بالحقارة قد يفضلون الانزواء نتيجة الخوف من التحقير والسخرية. حينئذ يجب على الآباء والأمهات بذل مزيد من العناية لهؤلاء الأطفال والعمل على مقاومة الضعف الروحي الذي هم عليه. لأن الطفل في البداية يشعر بالحقارة من جانب واحد، ولكي لا يحتقر من ذلك الجانب يفضل الانزواء. ولكن هذه الحالة النفسية تترك أثرها الفعال في سائر شئون الطفل، وينشأ على حب الانزواء ويفرّ من الاختلاط بالناس... وهذا بنفسه يتضمن نتائج وخيمة في مستقبلة.
يقول شاختر: (ولدٌ من أقاربي كان يفضّل الانزواء دائماً. كان يمشي وحده في فرص المدرسة، ويجول في غيوم الخيال وسمائه. كان يبادر بالذهاب إلى البيت فور خروجه من المدرسة، وكان يفر من اللعب مع زملائه، لم يشترك في أية جمعية خيرية، ولم يكن يدعو أحداً إلى داره، كما كان لا يذهب ضيفاً لأحد. كان يقول: أحب مكتبتي وغرفة عملي أكثر من أي شخص آخر. ولكن الحقيقة هي أن ذلك الشاب لم يكن ذا مزاج سليم، ولكي يستر ضعفه ولا يقع موقع السخرية والتحقير كان يحذر من اللعب. وبالتدريج فإن هذه العادة جعلت منه إنساناً منزواً في جميع المناسبات الأخرى ).
(لو كان ذلك الولد يفهم مرضه أو أنه كان يستشير الطبيب النفسي في ذلك كان يعلم أن من الممكن أن يقوي عضلاته النفسي في ذلك كان يعلم أن من الممكن أن يقوي عضلاته وجسمه، ولو كان فاقداً للاستعداد في بعض الألعاب الجسمانية بصورة مطلقة فإنه لا بد وأن يكون على استعداد تام للنجاح في فرع آخر بفضل سعيه واجتهاده) (1) .
____________________
(1) رشد شخصيت ص 116.
إشاعة عيوب الناس:
المظهر الآخر من ردود الفعل لعقدة الحقارة، الرغبة في نشر عيوب الآخرين وإشاعتها. إن الأشخاص الذين يشعرون بالضعف والحقارة من جانب ويتألمون في باطنهم من هذا الشعور، يبحثون عن عيوب الآخرين دائماً ويتحدثون عن نقائص غيرهم، وإذا ذكر تلك العيوب غيرهم فإنهم يفرحون لذلك كثيراً، قال علي (عليه السلام): (ذوُوا العيوب إشاعة معائب الناس، ليتسعَ لهم العذرُ في معائبهم) (1) .
إن الطالب الذي رسب في الامتحان على أثر التكاسل والتماهل في الدراسة لا يرضى بذكر أسماء الناجحين، ومدحهم على نشاطهم العلمي. إنه يسعى للحصول على أسماء الراسبين، ويحاول الإكثار من الحديث عنهم. حتى يخفف من شدة الشعور بالحقارة من جانب، ويقلّل من سيل اللوم والعقاب المتوجه نحوه من والديه وأقاربه من جانب آخر.
كذلك التاجر الذي أصيب بعجز مالي، ولم يستطع الوفاء بالتزاماته يشعر بالحقارة، ولكي يقلل من تألُّمه الروحي إلى درجة ما، يعمد إلى إبعاد التهمة عن مجالها الضيق، فيشرك أسماء التجار الآخرين الذين هم على شرف الانهيار أيضاً، ويرغب في انتشار أخبارهم حتى لا ينحصر سيل النقد والعتاب عليه وحده.
تخدير الأحاسيس:
هناك مظهر آخر لردّ الفعل تجاه عقدة الحقارة، هو إقدام البعض على
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 407.
الخمرة والمواد المخدرة. ومن المؤسف أن كثيراً من سكان العالم المصابون بهذا الداء الوبيل.
إن الشخص الذي يشكو من أحد أعضائه ويتألم لذلك كثيراً، يمكن إنقاذه من ذلك بأحد طريقين: علاج المرض، وتهدئة الألم بواسطة العقاقير المسكنة والمخدرة. إن المريض يرتاح في كلتا الصورتين مع فارق كبير، هو أنه في الصورة الأولى يكون قد تخلص من المرض تماماً، أما في الصورة الثانية فإن المرض لا يزال على حاله، غاية ما هناك أن المريض لا يشعر به.
وعقدة الحقارة مرض روحي يؤلم صاحبه ويقض عليه مضجعه، وبالإمكان إنقاذ المصاب بذلك بأحد طريقين:
أحدهما: حل العقدة النفسية.
و الثانية: تخدير الأحاسيس.
إن المصاب بعقدة الحقارة يتخلص من الاضطراب والألم في كلتا الصورتين، مع فارق عظيم هو أنه في الصورة الأولى يكون قد تخلص من هذه العقدة تماماً، بينما لا تزال العقدة موجودة في الصورة الثانية لكن المصاب لا يشعر بها.
قد يلجأ العاجزون عن علاج عقدهم النفسية إلى الخمرة والمواد المخدرة الأخرى لكي يستريحوا من عناء الألم لبضع ساعات ويتخلصوا من وطأة الاضطراب والقلق، ولكن ما أن يزول أثر السكر يعود الألم والشعور بالحقارة إلى صاحبه، مخيماً، ومضيقاً الخناق عليه.
(لما كان كل ألم معلولاً لإدراك معين فيجب العمل على إزالة العلل الروحية والجسمية التي توجب ذلك الإدراك أو إضعافها. ولذلك فإن أولى الوسائل التي تستخدم في هذا السبيل عبارة عن المواد الكحولية والعقاقير المخدرة ).
(يجب أن نعلم بأن الاستمرار في تناول المخدرات يقلل من تأثيرها بالتدريج، بحيث لا تنتج الحساسية المطلوبة بعد
ذلك، بل قد تؤدي هي إلى الآلام والاضطرابات المختلفة، وتشرع من السير العادي نحو الفناء) (1) .
(عندما نتعمق في هذه القضايا من وجهة نظر علم النفس نجد أن هؤلاء الأفراد فاقدون للاعتماد على النفس. ومن البديهي أن الشخص الذي عرف نفسه واطلع على الاستعدادات الباطنية المودعة عنده لا يرضى بأن يكون في عداد هؤلاء. إن هؤلاء التعساء اصطدموا بموانع في حياتهم الاجتماعية وأصيبوا باليأس. وبدلاً من أن يلتمسوا الطريق الصحيح في حل المشاكل ومقاومتها نجدهم يلجئون إلى المواد الكحولية والخدرة، والقمار ونحو ذلك.. وهم يريدون أن ينسبوا عقدهم الروحية. وبعبارة أخرى: فإن هؤلاء غير مستعدين للكفاح في ساحة الحياة فيفرّون بكل جبن) (2) .
وهكذا نجد أن الانتقام، والنقد اللاذع، والانزواء، والبحث عن عيوب الآخرين لإشاعتها، وتناول الخمر... والأعمال المشابهة لذلك، ردود فعل يظهرها المصابون بعقدة الحقارة بغية تدارك ما هم عليه من النقص والضعة وإقناع أنفسهم بتبرير فشلهم، ولكن شيئاً من ذلك لا يحل العقدة النفسية، ولا يعالج الداء علاجاً قطعياً، مضافاً إلى أنه يتضمن أضراراً مادية ومعنوية للإنسان.
أفضل طرق المقاومة:
إن أفضل الطرق لمعالجة الشعور بالحقارة أن لا يندحر الإنسان أمامه ولا يخسر شخصيته، بل يحاول التغافل عنه قدر الإمكان وأن يفكر بهدوء
____________________
(1) أنديشه هاي فرويد ص 108.
(2) عقده حقارت ص 33.
ويجدّ لتنمية مواهبه واستغلالها حتى يبرز في جانب معين مفيد للمجتمع، ويعيش حياة ملؤها العز والفخار.
هناك أفراد ذوو عاهات عضوية كثيرون، تناسوا النقص الذي فيهم وعملوا في سبيل تحقيق غاياتهم بكل جد وإخلاص، وذلك في ظل العلم والثقافة، والجهد والنشاط وتوصلوا إلى منازل رفيعة ودرجات سامية، قال علي (عليه السلام): (بالتّعب الشديد تدرك الدرجات الرفيعة والراحة الدائمة) (1) .
____________________
(1) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 338.
المحاضرة الثامنة والعشرون:
الأساس النفسي للتكبير
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (1) .
التكبير:
مر ردود الفعل التي تظهر عند المصابين بعقدة الحقارة لغرض إخفاء الفشل والإخفاق: التكبر. هذه الصفة الذميمة في نظر العلم والدين تعتبر من السيئات الخلقية الكبيرة، وتعدّ من الأمراض النفسية الخطيرة. إن الرجال المتكبرين محتقرون في أنظار الناس، معذبون عند الله تعالى، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الكبر رداء الله. فمن نازع الله (عَزَّ وجَلَّ) رداءه لم يزده الله إلا سفالاً) (2) .
إن أساس هذه الصفة الذميمة هو نوع من الحقارة التي يشعر بها المتكبر في ضميره، والذي يؤلمه ويقلقه دائماً. إنه يحاول أن يخفي حقارته الباطنية بالتظاهر بالكبر، وبهذه الطريقة يقنع نفسه، ويخفف من فشله.
____________________
(1) سورة 31/18.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|309.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): (ما من رجل تكبّر أو تجبّر إلا لذلةٍ وجدها في نفسه) (1) ، وعنه (عليه السلام): (ما من أحد يتيه إلا من ذلّة يجدها في نفسه) (2) .
قد يبدو لأول وهلة بأن أساس التكبر هو الشعور بالعظمة. أي أن الإنسان عندما يرى نفسه عظيماً، ويحس بالكبر والعلو في نفسه يتكبر ويستعلي على غيره. لكن هاتين الروايتين تذكران عكس ذلك تماماً، فقد وجدنا أن الإمام (عليه السلام) يذكر الأساس الوحيد للتكبر - بهيئة الاستئناف المتعقب للنفي - عبارة عن الشعور بالذلة في نفس الشخص. وكذلك يعترف العلماء المعاصرون بأن التكبر من الوجهة النفسية ناشيء من عقدة الحقارة. ولتوضيح معنى الحديثين، وتحليل الحالة النفسية للمصابين بالتكبر لا بد من إلمامه مبسطة بذلك:
التوقعات المعقولة:
لكل فرد من أي طبقة كان وفي أي مقام حلّ قيمة معينة ومنزلة محدودة يعرفه المجتمع بذلك المقدار، ولا يوافق على احترامه أكثر من استحقاقه. أما الأشخاص الذين عرفوا حدود أنفسهم وينتظرون الاحترام من المجتمع بمقدار كفاءتهم وجدارتهم، فإن الناس يقيمون وزناً لتوقعهم ذاك بكل رحابة صدر، ويقدرون شعورهم فيحترمونهم بذلك المقدار، قال علي (عليه السلام): (من وقف عند قدره أكرمه الناس) (3) .
أما الأفراد المتواضعون، الذين يحمّلون المجتمع أقل من القيمة الواقعية
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|312.
(2) نفس المصدر.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 668.
التي هم عليها، فإن موقف الناس تجاه تواضعهم ذاك يكون باحترامهم أكثر مما يستحقون، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة. فتواضعوا رحمكم الله) (1) .
التجاوز عن الحد:
أما الأفراد الذين يرغبون بدافع من الإثرة والأنانية أن يحمّلوا المجتمع أضعاف ما هن عليه من القيمة الحقيقية، والذين لم يعرفوا حدودهم الواقعية، فيدفعهم ذلك إلى أن يروا أنفسهم فوق الجميع، ويتوقعوا المزيد من الشكر والتقدير والاحترام من الناس، فإنهم غافلون عن أن الناس ليسوا يهملون توقعاتهم الفارغة هذه فحسب، بل يستهزئون بهم ويحتقرونهم بسبب من نكيرهم وأنانيتهم، قال علي (عليه السلام): (من تعدّى حدّه أهانه الناس) (2) .
إن الأناني الذي يرى المجتمع أن قيمته الحقيقية خمس درجات، ويعتقد هو خطأ بأن قيمته خمسون درجة يستطيع للاستمرار في علاقاته مع الناس أن يسلك أحد طريقين:
الأول: أن يعترف بقيمته الواقعية التي هي عبارة عن خمس درجات، ويغض النظر عن توقعاته الفارغة، وينصرف عنها تماماً.
الثاني: أن يستمر في غيّه، ويصرّ على خطأه فيتصور أن قيمته الحقيقية عبارة عن خمسين درجة.
في الصورة الأولى سيتغير موقف الناس تجاهه ويصبح اعتيادياً تماماً،
____________________
(1) مجموعه ورام ج1|201.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 668.
وتعود العلاقات بينه وبين الآخرين على أساس الاحترام المتبادل، لأن مرضه النفسي قد عولج، وانصرف الأناني المتكبر عن غيه، وأخذ يعترف بقيمته الواقعية فلا ينتظر من المجتمع توقعات فارغة. والناس أيضاً سيسلكون معه حسب الواجبات الإنسانية، ويحترمونه بالمقدار الذي يستحقه.
أما الصورة الثانية فإنها تؤدي إلى نشوء عقدة الحقارة، وظهور صفة التكبر فيه. إن الأناني المخدوع ينتظر من الناس أن يستسلموا لأوهامه التافهة ويحترموه بمقدار خمسين درجة. أما الناس فإنهم لما كانوا يرون أن قيمته الحقيقية التسامح معه في هذا المجال. إن إهمال الأفراد تجاه توقعاته الفارغة يؤدي إلى إهانته وتحقيره، وعلى أثر ذلك فإنه يواجه أولى الضربات الروحية القاصمة. إنه يشعر بالاضطراب وعدم الارتياح في نفسه من هذا التحقير، ويظن أن الناس لم يعرفوا قدره وغمطوا حقوقه فيأخذ بالتصريح بتوقعاته ويطالب الناس بتنفيذها له، في حين أنهم يضحكون لهذه الأماني والأوهام الفارغة ويسخرون منه فينال جزاء أنانيته وإثرته بذلك.
إن الإهانات وسيل السخرية والاستهزاء التي تواجه هذا الفرد تشدّد من - تأمله، فيتراكم فشله وانهياره في ضميره، ويصاب بعقدة الحقارة في النتيجة. إنه يسيء الظن بالمجتمع ويحمل في نفسه حقداً تجاه الأفراد، ويصبح عدّواً لمحتقريه. ولكي يتلافى ذلك يقوم بأعمال مماثلة فيحتقر المجتمع، ويقول في نفسه: هؤلاء الأشخاص الجهلاء، الفاشلون الغافلون المغرضون، لا يسوون شيئاً، هؤلاء الأفراد الحقراء، الأراذل، التافهون ليسوا بشيء ولا يستحقون احتراماً.
احتقار الناس
إنه يؤمن بهذه الكلمات الباطلة والخيالية على أثر تكرر الإيحاءات الداخلية، وتتركز هذه القضايا في ضميره فيحتقر الناس دائماً. ثم يصبح
احتقاره هذا في عداد صفاته الذميمة الأخرى خُلقاً ثابتاً في نفسه، فيكون جزءاً من شخصيته وكيانه...
هذا الخلق المذموم يسمى بـ (التكبر) في علم النفس والأخلاق. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تعريفه: (الكبرُ أن يغمص الناس ويسفه الحقّ) (1) أي أن التكبر عبارة عن غمط حقوق الناس باحتقارهم، وترك الحق لتعارضه مع أهوائه وغايته الشخصية.
في هذا الحديث نجد أن الإمام الصادق (عليه السلام) يعرّف المتكبر بصفتين: أحدهما تحقير الناس، والثانية عدم رؤية الحق والواقع. وبالإمكان أن نقول: إن عدم رؤية الحق والواقع هو الذي يدفع الشخص المتكبر إلى تحقير الناس؛ لأن الذي ينظر إلى نفسه والآخرين بعين الحقيقة ويحترمها بالانقياد لها، ولا يتجاوز عن حده الواقعي، لا يحتقر الناس على خلاف الحقيقة.
نستنتج مما تقدم أن التكبر ناشيء من الحقارة في نفس المتكبر. إن الشخص الذي لا يشعر بالحقارة والضعة لا يصاب بالتكبر. وبهذا يتضح معنى الحديثين اللذين بدأنا بهما البحث، فقد قال الإمام (عليه السلام) أنه لا يصاب بداء التكبر أحد إلا إذا كان يشعر بالذلة والحقارة في باطنه.
التجبر:
لا يخفى أن الحديث الأول جعل (التجبر) مثل (التكبر) ناشئاً من الشعور بالحقارة. فقد قال (عليه السلام): (ما من رجل تكبّر أو تجبّر، إلا لذلّة وجدها في نفسه) وهذا من المسائل القطعية في علم النفس ويعترف به جميع العلماء في العالم. إن كل من يستند إلى الظلم، والتجاوز واستغلال السلطة، والجبروت والطغيان والاعتداد، فلا بد وأنه يشعر في باطنه بالخوف أو الضعف أو القلق. وبصورة موجزة: لا بد وأن يكشو نوعاً من الحقارة.
(إن كل مظهر من مظاهر حب التغلب والتسلط على الآخرين
____________________
(1) معاني الأخبار ص 242.
أمارة على الشعور بعدم الاستقرار الروحي. إن رب العمل الذي يجور على عمّاله كثيراً، فإن ذلك لا يفسر إلاّ بخوف خفي من فقدان القدرة عليهم، وخروجهم على أوامره. إنه يعلم جيداً أن الأثر السلبي لشخصيته وتزمته أكثر من الأثر الإيجابي. هذا القانون ينطبق على الزوج الذي يجوز على زوجته، والوالد الذي يعامل أولاده بخشونة أيضاً).
(عندما يكون الاستبداد، والظلم، والتجاوز رائجاً فإنه أمارة الشعور بعدم الكفاءة وفقدان الاعتماد على النفس وبالإمكان اكتشاف جذور هذه المفاسد بمعونة عالم نفساني أو بواسطة التأمل الباطني والحياد في كشف زوايا اللاشعور) (1) .
(كنت أعرف مهندساً قديراً ممتازاً في فنه. كان يعامل أصدقاؤه وأفراد أسرته بالبشر واللين، ولكنه كان يبذل المزيد من الخشونة والشدة تجاه العمال الذين يشتغلون تحت إشرافه. كان يتناول الطعام لوحده، ولا يشارك الآخرين في أحاديثهم ونزهاتهم، كان لا يضحك أبداً ولم تظهر الابتسامة على فمه، وكان لا يسمح لأحد بالاعتراض والانتقاد، ولكننا كنا نعلم أنه يتألم كثيراً في باطنه من هذا السلوك، ويتمنى أن يستطيع التكلم والضحك مع الجميع، وأن يشارك الآخرين في تناول الطعام. وعندما سأله المحلل النفسي عن ذلك وتحري جميع جوانب شخصيته، تبين أنه يشك في انقياد العمال والموظفين الذين يعملون تحت إشرافه له من دون أن يشعر بذلك. وأنه يتصور أنهم لا يرونه جديراً بالإشراف عليهم وإدارة شئونهم وتوجيه الأوامر نحوهم، لذلك كان يثبت شخصيته بالضغط والشدة والخشونة) (2) .
____________________
(1) عقدة حقارت ص 82.
(2) رشد شخصيت ص 117.
في جميع الطبقات:
إن المقياس الأساسي والعلمي لنشوء ظاهرتي التكبر والتجبر، هو الإحساس بنوع من الضعف والحقارة. ولذلك فإن من الممكن أن يظهر هذا الداء في جميع الطبقات والأمم، فلا يختص بطبقة دون أخرى، إنه يظهر في الأغنياء والفقراء، في البيض والسود، في القادة والمنقادين، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (الكبر قد يكون في شرار الناس من كل جنس. إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرَّ في بعض طرق المدينة، وسوداء تلقط السرقين. فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله. فقالت: إن الطريق لمعرض. فهم بها بعض القوم أن يتناولها. فقال رسول الله: دعوها فإنها جبّارة) (1) .
إن السود كانوا يتعرضون للتحقير والإهانة من البيض دائماً، ولذلك فإنهم كانوا يحترقون في نار الحقارة، ويشعرون بالذلة والهوان، وهذا ما كان يؤلمهم كثيراً، فلا عجب إذن أن تصاب امرأة سوداء بسبب من الحقارة العنصرية بالتجبر وتكلم الناس بهذا الأسلوب من التكبر.
العرب قبل الإسلام:
لقد كان العرب قبل مجيء الإسلام يعيشون في أتعس الظروف المادية والمعنوية، وكانوا مرتطمين في هوة من الفساد والانحراف، يقدمون على الجرائم المختلفة. محرومين من كل رصيد علمي أو ثقافي، بعيدين كل البعد عن القيم الأخلاقية والأسس الإيمانية، منحطين من الناحية الاقتصادية، ومع ذلك فقد كانوا مصابين بأشد درجات التكبر وأعلى مراتب الجبروت. إنهم
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|309.
كانوا يحتقرون جميع الناس من الأمم الأخرى لتكبرهم، والسبب في ذلك شعورهم بالحقارة والذلة في أنفسهم من جميع الجهات. لقد شرح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حالة العرب قبل الإسلام بجمل قصيرة، فقال:
(إن الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل. وأنتم - معشر العرب - على شر دين، وفي شر دار. منيخون بين حجارة خشن وحيات صم، تشربون الكدر وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم. الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة) (1) .
نموذج للتكبر:
بالرغم من أن النبي (صلّى الله عليه وآله) بذل جهداً كبيراً في سبيل إنقاذ تلك الأمة المتخلفة والمتكبرة، واستطاع من حلّ كثير من العقد النفسية بفضل تعاليمه القيمة، ولكن التكبر كان ضارياً بجذوره في قلوبهم طيلة قرون عديدة إلى درجة أنه ظل بعض الأفراد مصابين بهذه الصفة الذميمة، بحيث كانوا لا يقيمون وزناً لغيرهم أصلاً كأنهم ليسوا بشراً، ولا يجمعهم أب واحد.
وعلى سبيل الشاهد أذكر لكم نموذجاً تاريخياً طريفاً:
توجه علقمة بن وائل إلى المدينة المنورة للقاء النبي (صلّى الله عليه وآله) فتشرف بحضرته وعرض عليه حاجته. ثم قصد الذهاب إلى دار أحد كبار الأنصار في المدينة ولكنه لم يكن يعرف الدار. كان معاوية بن أبي سفيان حاضراً في المجلس فأمره النبي (ص) بإرشاد علقمة إلى دار الأنصاري. يقول معاوية:
خرجت بصحبة علقمة من عند النبي، فركب ناقته وأخذت أسير على قدمي الحافيتين في شدة الحر.
____________________
(1) نهج البلاغة شرح الفيض الأصفهاني ص 83.
فقلت له في أثناء الطريق: لقد احترقت قدماي من شدة الحر فأردني خلفك.
فقال علقمة: إنك لا تليق بأن تركب ردف السلاطين والعظماء.
فقال له معاوية: أنا ابن أبي سفيان.
فقال له معاوية: إذا كنت لا تسمح لي بالركوب خلفك، فانزع خفّيك لألبسهما وأتقي وهج الأرض.
قال عقلمة: إن خفي أكبر من قدميك... ولكن أسمح لك بالسير في ظل ناقتي، وإن في هذا تسامحاً كبيراً مني تجاهك، وهو في نفس الوقت مدعاة للفخر والاعتزاز لك، أي أنك تستطيع أن تتباهى أمام الناس بأنك سرت في ظل ناقتي (1) .
إن هؤلاء المتكبرين والأنانيين الذين لا يريدون الخضوع للواقع، والذين يحلمون بالعظمة دائماً، ويعيشون في عالم من الخيال والوهم... يعملون على تعاسة أنفسهم وغيرهم، وربما يدفعهم ذلك إلى القيام بأعمال خطيرة، وتحمل مصائب وخيمة.
الأحلام التي لا تتحقق:
(العلامة الأخرى من علامات عقدة الحقارة أن الفرد يعيش في عالم من الأحلام والخيال، والذي يسمى في الاصطلاح العلمي بـ (الفانتزي). ويعني ذلك الفرار من الواقعيات، والتهرب من المشاكل والمسئوليات، واللجوء إلى دنيا الأحلام والآمال التي لا تتحقق).
(إن خطر هذه الحالة النفسية يكون عندما يصبح الشخص
____________________
(1) آداب النفس للعينائي ج1|302.
مأسوراً لها بحيث يفقد القدرة على العمل والنشاط في قبال حقائق الحياة. فعندما يستولي الشعور بالهرب من الحياة على شخص ما، خصوصاً إذا كان متمتعاً بقدرة ومنزلة سامية، فإن المآسي التي تنتج من ذلك عظيمة جداً إلى درجة أن تصورها يبعث على الألم والاستيحاش).
(إن الشعور بالحقارة الذي أصاب الألمان بعد اندحار عام 1918، أدى إلى أن يعيش هؤلاء في حالة من الفانتزي الروحية والاجتماعية، فقد أخذوا منذ ذلك الحين يؤلفون الكتب، وينظمون الأناشيد (التي أشهرها نشيد ألمانيا فوق الجميع)، أملاً في اليوم الذي يتغلبون فيه على الأمم الأخرى ويأخذون زمان الحكم في العالم).
(هذه الحالة النفسية هي التي مثلت مأساة الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى انكسار الألمان أيضاً) (1) .
مما تقدم نستطيع أن نخلص إلى أن التكبر والاستعلاء ناتج من عقدة الحقارة. إن الأشخاص المأسورين للأنانية والإثرة وعبادة الذات عندما يشعرون بالحقارة فإنهم يلجئون إلى التكبر لإرضاء أنانيتهم، ويتداركون الحقارة بتحقير الآخرين، أو ارتكاب الجرائم العظيمة إذا تمتعوا بقدرة على ذلك.
الأنانية:
هنا يثور سؤال:
لماذا يصاب البعض بمرض الأنانية؟ وكيف تتأصل هذه الصفة الذميمة في نفوسهم؟ إلى درجة أنهم تعشى عيونهم عن رؤية الحق والواقع ويشعرون بالاستعلاء على الجميع، ناسين أنفسهم قيمة أعلى مما يستحقون؟
____________________
(1) عقده حقارت ص 36.
للإجابة على هذا السؤال نقول:
هناك علل وعوامل كثيرة تتسبب في إيجاد هذه الحالة النفسية، وإصابة الفرد بمرض الأنانية. ولما كان الموضوع الأساسي لبحثنا عبارة عن تربية الطفل، فستحدث في هذه المحاضرة عن عاملين يتعلقان بدور الطفولة فقط، مرجئين البحث عن العوامل المؤدية إلى نشوء الأنانية عند الكبار إلى مجالات خاصة بذلك.
إن العامل الأول لنشوء هذه الحالة النفسية عبارة عن الوضع الطبيعي للطفل. فكما أن بعض الأطفال يتولدون مع نقائص عضوية أحياناً، بعضها قابل للإصلاح والبعض الآخر لا طريق لمعالجته، كذلك البناء الروحي لبعض الأطفال فإنه قد يكون غير طبيعي منذ اليوم الأول من الولادة، وهذا بدوره قد يكون قابلاً للتعديل، وقد تعقم جميع الوسائل المستخدمة لعلاجه.
إن العلماء المعاصرين يسمون الأطفال غير الاعتياديين بـ (الأطفال المعقدين)، وقد أجروا تجارب وتحقيقات كثيرة حولهم، وصنفوهم إلى طبقات مختلفة.
الأنانية عند الأطفال المعقدين:
هناك طبقة من الأطفال المعقدين، تُعتبر الغرور والأنانية جزءً من فطرتهم. هؤلاء كأنهم تولدوا متكبرين وأنانيين مع بنائهم الروحي الخاص، وإنهم يمتازون بشذوذ روحي منذ البداية.
(إن الطفل المعقد يمتاز بسلوك خاص منذ اللحظة الأولى لولادته، وذلك كالغرور الفطري الذي يؤدي إلى سيطرة أنانيته على جميع ميوله الأخرى).
(إن اللهجة الناتجة من المنطق الخاطىء واضحة عند الطفل المعقد. وإن خطر هذه الحالة يكمن في أنه يستند إلى هذا
المنطق الخاطىء دائماً ولا يرضى بالتنازل عنه، ولذلك توجد في ذهنه صور مغلوطة تماماً عن الأشياء والموجودات، كأنها قد نُظر إليها من خلال أشعة منكسرة.
(يتميز الطفل المعقد بتركيب خاص واضح. إن وجهه منقبض في الغالب، ويكون في حالة عصبية دائم... شفتاه دقيقتان ونظرته ثابتة وباهتة، وعندما يبهت لشيء فلا يمكن إخراجه عن هذه الحالة من الجمود الروحي خاصة به، لأن وضعه الروحي يشبه عضلات وجه في الجمود الخمول. في هذه الحالة ينطوي الطفل على نفسه، ثم يسلك سلوكاً يوهم كونه في حالة من الهجوم، لأنه يهمل كل شيء وقد يؤدي ذلك إلى عدم احترام الآخرين).
(هذه هي علائم للشخصية التي قد تتحطم ولكنها لا تتغير ولا تبدي تغيراً من نفسها. إنه سريع في حركاته، ويرغب في الاستقلال منذ الطفولة ويحاول أن يجد طريق حياته لوحده. أحياناً يعلن هؤلاء الأطفال الحرب على المجتمعات التي لم ترض شعورهم بالأنانية والإثرة، ولما كانوا أشخاصاً خطرين فإنهم يتسببون في إحداث مشاكل عظيمة) (1) .
هؤلاء الأطفال الذين يعبدون ذواتهم، وكأنهم جُبلوا على الغرور تكون حركاتهم وسكناتهم، أقوالهم وأفعالهم، تجاه الأطفال والكبار، عند اللعب وفي الحالات الاعتيادية قينة بالتكبر والاستعلاء. إنهم إن وجدوا في أدوار الطفولة الظروف المساعدة لإرضاء غرورهم قرينة وردَّة حرة ولم يواجهوا مانعاً أو عقبة في محيطهم التربوي أو الحياتي، فإنهم ينشئون على الأخلاق البذيئة، ويعتادون على التكبر والجبروت.
____________________
(1) جه ميدانيم؟ تربية اطفال دشوار ص 33.
هؤلاء يندحرون في حياتهم بسرعة. ويطردهم المجتمع الذي ينفر من الاحتكاك بهم والتعاون معهم، وهذا يسبب الحرمان والفشل لهم مدى العمر.
تربية الأطفال المعقدين:
إن التربية الصحيحة لهؤلاء الأطفال الذين جُبلوا على التكبر والغرور تحتاج إلى أسلوب خاص، يختلف عن أسلوب تربية الأطفال الاعتياديين، لا بد من وجود مربّ قدير يشرف عليهم، ويعمل على قمع تلك الصفات الذميمة فيهم بالأساليب العلمية والتطبيقية، ويزرع بذور الصفات الطيبة بدلاً منها.
يقول (شاويني) بالنسبة إلى معالجة العناد والتناقضات في الأطفال المتكبرين: (إن العنصر الأصيل للتناقضات هو التكبر. إن مشاهدات الشخص المتكبر خاطئة غالباً، ومن الخطورة بمكان أن نفاجئه بالحقيقة رأساً ومن دون مقدمات، وربما كان ذلك سبباً لتركيز عاداته البذيئة لأنه سوف لا يعترف بأنه يتحدث بالتناقضات، ويسند كلامه بأدلة وتبريرات. لا تصرّوا على إثبات كلام آخر في قبال كلامه أبداً لأنكم بعملكم هذا تكونون قد ساعدتموه على الاستمرار في سلوكه لأنه سيزداد إصراراً على كلامه)
(لا تناقشوا معه مطلقاً، واحذروا عن كل شيء يؤدي إلى إثارته، ولكن بالرغم من أنكم تعلمون أنه لا شيء وراء هذه المظاهر، فمن المناسب أن تستشيروه في قضاياه وتسألوه عن رأيه فيها. ستعجبون - إذا لم تكونوا قد جربتم ذلك - عندما تجدون أن هذا الشخص المغرور والمتكبر ينقلب إلى شخص حائر ومتردد لا يعلم ما يقول، لأنه كان قد أعدّ نفسه لمعاندتكم فقط. دعوه على هذه الحالة لفترة وإذا بكم
تجدونه يطلب المعونة منكم بكل خضوع وسيقبل آراءكم جميعها!).
(هذا الأسلوب الذي يمنع من معارضة الطفل، من محاسنه أنه يمنع من نمو هذه الميول الروحية المتطرفة فيه، مضافاً إلى أنه يحفزه نحو الابتكار والإبداع وهذا بنفسه يمكن أن يكون علاجاً قطعياً فيعتاد أخيراً على أن يعمل برأيه على نحو الاستقلال في كل قضية تواجهه) (1) .
لو لم يتلقّ هؤلاء الأطفال غير الاعتياديين تربية سليمة، ونشئوا تبعاً لذلك على الغرور وعبادة الذات أصبحوا أفراداً خطرين وفوضويين، وقد يجرّون على أنفسهم وعلى سائر الناس سلسلة من المشاكل والمآسي لأن تحقير الناس وإهمالهم مضافاً إلى أنه يزيد في غرورهم ويبلغ بتكبرهم إلى درجة الجنون، يزرع في نفوسهم بذور الحقد والبغضاء تجاه المجتمع الذي لم يستجب لمطاليبهم ولم يرض شعورهم بالإثرة والأنانية، ولذلك نجدهم يقدمون على مختلف الأعمال الخطيرة.
يقول (جلبرت روبين): (كمثال على هؤلاء الأطفال أذكر لكم قصة شاب جميل في الخامسة عشرة من عمره: إنه كان يقضي جميع أوقاته في تحليل وقياس المواد المتفجرة التي كان يحوزها، وفي إحدى الأيام تفجر شيء من المساحيق وسبّب حريقاً عظيماً. هل تستطيعون أن تعرفوا الدافع له إلى ذلك العمل؟ أجل، إنه كان يريد أن يحرق الدنيا بأسرها، وهذه هي عبارته، والهدف العظيم الذي كان يسير حثيثاً نحوٌ تحقيقه) (2) .
____________________
(1) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 80.
(2) چه ميدانيم؟ تربيت اطفال دشوار ص 34.
نستنتج مما تقدم أن البناء الروحي لبعض الأطفال ليس اعتيادياً، بل إنهم يملكون غروراً ذاتياً وشعوراً بالأنانية منذ البداية. وهذا هو العامل الأول الذي يؤدي إلى نشوء صفة التكبر الذميمة عند بعض الأطفال، وعن طريق الأساليب التربوية الدقيقة فقط يمكن هداية نفوسهم المريضة وطبائعهم المنحرفة إلى الطريق المستقيم، ولحسن الحظ فإن عدد هؤلاء الأطفال المعقدين قليل جداً.
المدح من غير استحقاق:
و العامل الثاني الذي قد يؤدي إلى نشوء الشعور بالأنانية وعبادة الذات عند الإنسان، ويوقع الإنسان في هوة التعاسة والشقاء، هو الأساليب التربوية الفاسدة التي يتلقاها في طفولته. إن الأبوين الجاهلين اللذين يمدحان الطفل من غير استحقاق، ويبذلان له من العطف والحنان ما يزيد على الحد المعقول، يحطّمان شخصيته بذلك، ويزرعان بذور الأنانية في نفسه منذ البداية.
إن هؤلاء الآباء والأمهات يقومون بأعمال ظاهرها الحب ولكنها تحمل في أعماقها العداء؛ لأنهم يتسببون في انحراف الطفل الذي لا يعرف حدوده واقعية. إنهم يقولون له: أنت الروح، أنت القلب، أنت قرة العين، أنت نور البيت، أنت الدرة الفريدة، أنت أغلى من جميع الأطفال. والخلاصة: أنهم يتحدثون معه بالأكاذيب والخدع الكثيرة، ويفهمونه تدريجياً بأنه يتمتع بمنزلة سامية ودرجة رفيعة.
هذا المدح، وهذا الحنان يثبت جذوره في روح الطفل، وإذا بسلوكه في الكبر ينبع من تلك الأسس التي نشأ عليها والأفكار التي أعتنقها بصورة نهائية.
(إن دور الطفولة يستند إلى أسس قويمة بحيث يرتبط الاتساع في المشاعر في الفترات اللاحقة إلى ذلك الدور وذخيرة الحب التي يحصل عليها الطفل تعتبر من هذه الأسس. إن الحب،
مضافاً إلى جانب جلبه للذة الشخصية التي تؤدي إلى نشوء عبادة الذات في الطفل، يشتمل على مجموعة من المشاعر التي يحصل عليها في جو الأسرة والمدرسة).
(تترك مظاهر الحب التي تلقاها الدور في الدور الأول من حياته، أي قبل بلوغه الخمس أو الست سنين، وكذلك التجارب الطيبة أو المرة الناتجة من ذلك، آثارها في الجانب اللاشعوري من ضمير الطفل. هذه الآثار تكون النقاط البارزة من وضعه الروحي) (1) .
إن الضمير الباطن للطفل المدلّل مليء بالإثرة والأنانية. هذا الطفل لا يجد في الحياة أحداً غيره، لأن أبويه لم يعلمّاه غير هذا الأمر. إن الذخيرة الوحيدة التي تركزت في روحه منذ الصغر هي عبادة الذات. إنه يتذكر إنطباعته عن دور الطفولة، فهو القلب، وهو الروح، وهو أغلى من الجميع. إنه يدخل المجتمع بتلك الروح ويتوقع من جميع النساء أن يدللنه كأمه، وينتظر من جميع الرجال أن يحترموه كأبيه.
الفشل:
هذا الطفل عندما يشب ويترعرع لا يجد من الناس الاحترام الذي كان يتصوره، لذلك يتألم من البرودة التي يعامله المجتمع بها، إلى أن يتولد عنده الشعور بالحقارة. إن تكرار الإهمال والبرودة يؤدي إلى ازدياد التوتر النفسي، والفشل المتواصل يؤلم ضميره حتى يتحول الشعور بالحقارة إلى عقدة الحقارة وتحدث فوضى عظيمة في روحه.
(إن الشعور بالحقارة عبارة عن ألم شديد ناشيء من الانحراف الروحي الذي يسيطر على جميع جوانب شخصية الإنسان.
____________________
(1) چه ميدانيم؟ بلوغ ص 42.
الناس إياهم، بل إن عقدة الحقارة والآلام الروحية الناشئة منها تؤدي في بعض الأحيان إلى أمراض روحية وعصبية شديدة.
(لقد أكد (آدلر) في التحقيقات التي أجراها بصدد الآلام الناشئة من عقدة الحقارة على دور الوضع الروحي للتعليم والتربية والاعتناء بالشخصية، في نشوء كثير من الأمراض الروحية والعصبية) (1) .
إن التكبر من أعظم الحجب الذي تُسدل على العقل فتؤدي إلى ظلمته. وكلما كان نفوذ هذه الصفة الذميمة في روح الفرد أقوى، كان حرمان العقل من إدراك الحقائق ورؤية الواقع أشدّ.
إن المتكبرين يقدمون في سلوكهم على أعمال غير عقلائية، وربّما أدى الأمر إلى الجنون. لقد صرّحت الأحاديث بذلك واعتبرت التكبر آفة عظيمة من آفات العقل، تؤدي إلى نقصه وضعفه، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (شر آفات العقل الكبر) (2) ، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (ما دخل قلب امريء شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قل أو كثر) (3) .
في العلم الحديث:
يرى العلم الحديث أيضاً أن التكبر من الأمراض الروحية، وأن المتكبرين مصابون بنوع من الجنون في نظر العلم، حتى إن بعض العلماء يعدّونهم في عداد سائر المجانين.
(في بعض الموارد يأخذ الهذيان - أي أسلوب التفسير الباطل -
____________________
(1) جه ميدانيم؟ بيماريهاى روحى وعصبى ص 42.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 448.
(3) سفينة البحار للقمي ص 460 - مادة (كبر).
طبيعة أخرى، ويرتبط باختلال الأخلاق والإدراك. في هذه الحالة يصبح الشخص متكبراً ومحباً للشر، فيسيىء الظن بمن حوله، وبالتدريج يتأصل هذا الاتجاه في دماغه. عندما تقف الأمور عند هذا الحد، فإننا نجابه إنساناً شديد الحساسية. أما إذا ظهرت بصورة ملموسة، فقد تنتهي إلى الهذيان الحقيقي وردود الفعل المعاكسة للمجتمع).
(لقد بحث العالمان (سريو) و (كاب گرا) هذه الأمور بصورة مفصلة تحت عنوان (الهذيان في التفسير). هؤلاء المصابون لا يبدو عليهم الجنون لأول وهلة، لأنهم لم يفقدوا قدرتهم على الاستدلال. وإن الذي يتحدث معهم يتصور أنهم مفكرون ومتعمقون في القضايا، ولهذا السبب بعينه فقد كانت هذه الحالات تسمى في السابق بـ (الجنون المعقول). إن إصلاح (الجنون الجزئي) يشير إلى هذه المظاهر. إن الاختلال الأساسي الذي يوجه هذا الميل الروحي عبارة عن حالة نفسية ناشئة من التكبر، بحيث تمنع المصاب من أن يكون حيادياً في تحكيمه، فيتهم البعض بدون دليل ما بكونهم عقبة في سبيل تحقيق أهدافه. هذا الاختلال الذي يختص بمميزات معينة يشاهد في الحياة الاعتيادية خصوصاً في الحياة السياسية، الذي تجد فيها الأحقاد والأهواء والأغراض الشخصية الميدان الوسيع لنشاطها.
يكون الميل للسيطرة والتكبر أوضح عند البعض، لأن ضمائر هؤلاء تكون مصابة بنوع من التخدير والشلل، ولذلك فإن كل ما يرغبون في تحقيقه يبدو لهم أنه عين الصواب، ولكنهم ينتقدون سلوك الآخرين بشدة. كل من يخالفهم أو لا يخضع لأعمالهم الطائشة يعتبرونه عدواً يتصورون أنه يؤلمهم كثيراً، في حين أنهم هم الذي يؤلمون الآخرين) (1) .
____________________
(1) چه ميدانيم بيماريهاى روحى وعصبى ص 33.
أما عقدة الحقارة، فهي عبارة عن مجموعة من الخواطر الروحية المتراكمة التي لم تصبح جزء من شخصية الإنسان بعدُ، ولا تستطيع أن تصبح جزء من شخصيته بواسطة إجراء تحوير شكلي أو ظاهري، لأن العقد مؤلمة جداً، والصراع دائب بينها وبين روح الفرد. هذه الخواطر الروحية المتراكمة قد تنشأ في الإنسان نتيجة لتجارب مختلفة، فبدلاً من أن يطردها من دماغه أو ينسى شعوره الخاص نحوها، يودعها في ضميره الباطن، وفي زاوية اللاشعور، ثم يتذكرها بالتدريج. في حين أن تجددها يبعث الألم والقلق في صاحبها) (1) .
أمارة النقص:
إن الأنانية التي يتّسم بها الأفراد المغرورون والمتكبرون، لهي أمارة على النقص المعنوي وانخفاض المستوى الأخلاقي عندهم. إن هؤلاء الأفراد يصابون بعقد الحقارة عندما يجدون أن المجتمع لا يعير اهتماماً لتوقعاتهم الفارغة، وعندما يرون نتائج فشلهم صريحة في تحقير الأفراد إياهم، لقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك: (كفى بالمرء منقصةً أن يعظم نفسه) (2) ، وعنه (عليه السلام): (كفى بالمرء غروراً أن يثق بكل ما تسول له نفسه) (3) ، وعنه أيضاً: (مَن سأل فوق قدره، استحق الحرمان) (4) .
____________________
(1) عقده حقارت ص 29.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم لللامدي ص 558.
(3) نفس المصدر ص 558.
(4) المصدر السابق ص 665.
حل العقد النفسية:
إن مرض هذا الإنسان ناشىء من نفسه، وعلاجه بيده. إنه لو استعان بالعقل والمنطق، وتنبه إلى فساد التربية التي درج عليها، وزكى نفسه وطهرها، وترك الاستعلاء والتكبر، ونسي عبادته لذاته، وأعطى نفسه ما تستحق، فإن الأستار المظلمة سترفع، والغيوم الكثيفة ستنقشع، وتنتهي المآسي.
أما لو ثبت على خطأه، وأصرّ على عبادة ذاته، وأغفل نداء عقله، ولم يعرف قدر نفسه، وظل يظن نفسه عزيزاً ومدللاً، يتوقع الاحترام والتكريم من الجميع، فإن الانهيارات المتتالية ستحطم شخصيته، وتضيق العقد المؤلمة الخناق عليه. فيبدأ بالتخطيط للانتقام لتدارك حقارته، يحتقر الآخرين ويتكبر عليهم، ويقابل إهمال الناس وتحقيرهم بالإهمال والتحقير أيضاً.
عندئذ تتشدّد المصيبة ويتسع الخرق على الراقع؛ لأن الانحراف الخلقي يزداد في المجتمع. ذلك أنه عندما يبتلي المصابون بالغرور بداء التكبر، وتستأصل فيهم النخوة المستندة إلى الجهل، فإنهم يواجهون مشاكل جديدة ويصطدمون بآلام شديدة.
إن الذي يصاب بالتكبر وينظر إلى المجتمع بعين الحقارة والذلة، يواجه بلا ريب رد فعل مشابه من الناس، فيأخذ المجتمع باحتقاره وعدم الاعتناء إليه. وهذا هو أفضل جزاء للمتكبر، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (مَن تكبّر على الناس ذلّ) (1) .
التكبر وظلمة العقل:
لا تقف آلام هذه الطائفة من المصابين بداء التكبر عند حد احتقار
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 88.
المجنون حق الجنون:
روي جابر بن عبد الله الأنصاري أنه مرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) برجل مصروع وقد اجتمع عليه الناس ينظرون إليه، فقال (ص): (على ما اجتمع هؤلاء؟)، فقيل له: على مجنون يصرع. فنظر إليه فقال: (ما هذا بمجنون! ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون؟!)، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (إن المجنون حق الجنون: المُتبخترُ في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرّك جنبيه بمنكبيه.. فذاك المجنون وهذا المبتلى) (1) .
التكبر وضعف العقل:
إن المصابين بداء التكبر ينظرون إلى جميع أعمالهم نظرة الاستحسان، ويتوقعون من الجميع أن ينقادوا إليهم ويقتدوا بسلوكهم، ويصدّقوا جميع أقوالهم. ومن يخالفهم في ذلك فهو مجنون في عرفهم، حاقد لا يستطيع رؤية ما هم عليه من الفضيلة والكمال! وهذا بنفسه أعظم علائم ضعف العقل،ففي الحديث: (العُجب درجات. منها أن يُزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيُعجبه ويجب أن يحسن صنعاً) (2) ، وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إعجاب المرء بنفسه يدلّ على ضعف عقله) (3) .
____________________
(1) معنى الأخبار ص 237.
(2) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|313.
(3) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|79.
فقر الإنسان وحاجته:
إن الكبرياء والعظمة لله فقط، لأنه هو الغني بذاته، لا طريق للفقر والاحتياج إلى ذاته المقدسة فهو الكمال المطلق... وجميع الموجودات محتاجة إليه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (1) .
الإنسان الذي يفقد القدرة على المقاومة في قبال الجوع أو العطش، أو الحرّ أو البرد... الشخص الذي يهرب من وجه الوحوش المفترسة، والحشرات المؤذية... الموجود الذي كله ضعف وعجز... لا يملك العظمة الحقيقية والكبرياء الواقعية حتى يدعوه ذلك إلى التجبر والتبختر.
فإذا عرف الإنسان حدّه، وأدرك حقيقته ولم يتجاوزها، فإنه لا يصاب بداء التكبر والغرور أبداً، ولا ينظر إلى عباد الله نظرة الاستخفاف والاحتقار!
وعلى العكس، فإن الإنسان الذي جهل حدّه، لا يرى في الوجود أحداً غير نفسه. ولا يفكر في شيء غير إرضاء ميوله وتحقيق مصالحه الشخصية. إنه لا يقيم وزناً لسعادة المجتمع؛ ولذلك: فلا يتورع من الإقدام على الجرائم العظيمة.
(إن موضوع الميول الشخصية التي نعبّر عنها بالغرور والأنانية، عبارة عن وجودنا بكلا شطريه: الجسمي والنفسي. وإذا كانت الميول الاجتماعية تدعونا إلى نشاطات لصالح المجتمع وتحقق الخير والنفع للجميع، فإن الميول الفردية تهمل شأن المجتمع تماماً. إنها لا تنظر في نشاطاتها إلا إلى وجود الفرد ومنافع
____________________
(1) فاطر | 15.
(الأنا) فقط، فيتذكر حقوقه جيداً لكنه ينسى واجباته. عندئذ يظهر الإجرام بصورة مختلفة من الميول الفردية كالتكبر، والاهتمام بالذات، والرغبة في الحصول على الثروة، وغير ذلك. إن المتيقن هو أن جميع هذه الميول تنبع من حب الذات وعبادة الشخصية، وهي التي تدفع الفرد إلى التضحية بالآخرين في سبيل نفسه) (1) .
النصائح المناسبة:
من الخدمات العظيمة التي يقوم بها الرجال العظماء والساهرون على مصلحة المجتمع، قيامهم بإسداء النصائح اللازمة في الأوقات المناسبة إلى المتكبرين والمغرورين، حيث إنهم بنصائحهم الثمينة ينزلونهم من صهوة غرورهم ولو لبضع ساعات.. وهناك شواهد تاريخية كثيرة على ما نقول:
لقد كان (المنصور الدوانيقي) من الخلفاء المتجبرين في السلسلة العباسية. لقد جعلت ذبابة يوماً وجهه مسرحاً لنشاطها وتنقلها، فقد أخذت تطير من شفته إلى عينيه، ومن عينيه إلى أنفه، ومن أنفقه إلى جبهته حتى ضاق بها ذرعاً وتألم كثيراً. فقال لخدمه: انظروا من ينتظرنا بالباب، فقالوا له: مقاتل بن سلمان.
كان مقاتل - هذا - من كبار المحدثين والمفسرين في ذلك العصر فأمر المنصور بالسماح له في الدخول. وما أن دخل حتى وجه له المنصور السؤال التالي: (هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟!
قال: نعم. ليذلّ الجبابرة!
____________________
(1) جه ميدانيم؟ جنايت ص 17.
فسكت المنصور) (1) .
من هذا يظهر أن كلام مقاتل أثر فيه، فقد وجده مطابقاً للحقيقة، ومنسجماً مع الحالة السابقة التي كان عليها.
ونموذج آخر نجده في قصة المهلب بن أبي صفرة، والي عبد الملك بن مروان على خرسان، فقد كان في بعض الأيام مرتدياً ثوباً من خز، ويسير في الطرقات بكبرياء وتبختر، فقابله رجل من عامة الناس وقال له: يا عبد الله، إن هذا المشية مبغوضة من قبل الله ورسوله.
فقال له المهلب: أما تعرفني؟
قال: بلى أعرفك... أوَّلُك نطفة مذرة، وآخرتك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل عذرة.
فمضى المهلب وترك مشيته تلك، دون أن يتعرض للرجل بسوء (2) .
درجة من الإلحاد:
إن التكبر من أعظم الصفات الذميمة في الإسلام، وقد وردت في ذلك آيات وأحاديث كثيرة يحتاج نقلها جميعاً إلى وقت طويل، لكني سأكتفي بحديث واحد في نهاية المحاضرة فقد سأل الراوي الإمام الصادق (عليه السلام) عن أدنى الإلحاد، فقال: (إن الكبر أدناه) (3) .
في هذا الحديث نجد أن الإمام الصادق لم يعتبر التكبر صفة ذميمة فحسب، بل اعتبره مرتبة من مراتب الكفر والإلحاد. وكأنه يريد أن يقول: أن المتكبر يكون قد خطأ الخطوة الأولى في طريق الإلحاد والمروق عن الدين.
____________________
(1) حياة الحيوان للدميري ج1|255.
(2) مجموعة ورام ج1|199.
(3) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|309.
الخلاصة:
يجب على الوالدين أن يبذلا الدقة الكاملة في تربية أطفالهما، ويراعيا الاعتدال في معاملتهم بالحب والحنان، والتشجيع والمدح. لأن الإفراط في ذلك يؤدي إلى نشوء الأطفال على الغرور والتكبر، ولا يخفى ما في ذلك من مشاكل وآلام.
لقد نصح لقمان الحكيم ابنه قائلا له: ( وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (1) .
____________________
(1) لقمان|18.
المحاضرة التاسعة والعشرون:
الاعتدال في التواضع
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ( ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (1) .
الإفراط في التواضع، والركون إلى الذلة والتملق، مظهر آخر من ردود الفعل التي تحصل عند المصابين بعقدة الحقارة، وهو مذموم ومستهجن في نظر العلم والدين، وسنتحدث في هذه المحاضرة حول هذا الموضوع النفسي الاجتماعي المهم.. آملين أن يقع موقع الفائدة لدى الجميع:
التواضع:
وقبل أن ندخل إلى صلب الموضوع نمهد له بذكر نكتة مهمة، وهي التواضع من الصفات الحميدة والسجايا المفضلة في نظر الإسلام. يجب على كل مسلم في أسلوب معاشرته مع الآخرين أن لا يحذر من التكبر والاستعلاء، بل عليه أن يكون متواضعاً بالنسبة إلى غيره ويحترم شخصيات الآخرين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم.
لقد وردت أحاديث كثيرة في التواضع وبيان القيمة الأخلاقية الاجتماعية له. لقد كان الأئمة (عليهم السلام) ملتزمين بهذه الخصلة الحميدة؛ ذلك كانوا يؤكدون على المسلمين أيضا الالتزام بها.
____________________
(1) المنافقون|8.
وعلى سبيل المثال نستعرض حديثين من ذلك:
1 - رُوي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه مرّ برجل من أهل السواد دميم المنظر، فسلّم عليه ونزل عنده وحادثه طويلاً، ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجةٍ إن عرضت له. فقيل له: يا بن رسول الله، أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه وهو إليك أحوج؟ فقال (عليه السلام): (عبد من عبيد الله، وأخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم، وأفضلُ الأديان الإسلام) (1) .
2 - عن رجل من أهل بلخ، قال: كنتُ مع الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم: فقلت: جعلت فداك، لو عزلت لهؤلاء مائدة!! فقال: (مه، إن الرب تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال) (2) .
وهناك أحاديث كثيرة مشابهة لهذين الحديثين تحكي عن تواضع الرسول الأعظم والأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) تجاه جميع الطبقات.
نكتتان مهمتان:
يلاحظ في التواضع الممدوح نكتتان مهمتان:
الأولى: أن لا يزيد التواضع عن الحد المعقول، ولا يبلغ حد الإفراط؛ لأن ذلك يعني التملق والتزلف وهما من الصفات الذميمة.
الثانية: أن يكون الدافع للتواضع هو الشرف والفضيلة واحترام الآخرين، لا ضعف النفس والذلة. وبعبارة أوضح: فإن المتواضع هو الشخص الذي
____________________
(1) تحف العقول ص 413.
(2) سفينة البحار القمي - مادة (وضع) ص 667.
يطمئن إلى شخصيته، ولا يشعر في نفسه بحقارة أو ذلة، إنما يقوم بواجبه بدافع من الشعور الإنساني وعلو النفس.
يقول الإمام أمير المؤمنين في بيان صفات الرجال المؤمنين: (سهلُ الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصّلد، وهو أذلّ من العبد) (1) .
إن المقصود من صلابة النفس هو بيان التطامن والاستقرار الذي يمتاز به هؤلاء، وأن القيمة الخلقية للتواضع ترتبط بهذه الحالة الروحية.
التواضع المذموم:
إن التواضع الذي يستند إلى الحقارة والذلة، والذي ينبع من الخوف أو الطمع، ليس أنه لا يؤدي إلى التكامل النفسي والصفاء الروحي فحسب، بل إنه يتسبب في نشوئه على الحقارة والذلة وتعوّده على الخسّة والهون.
لقد اهتم الإسلام بالحفاظ على شرف المسلمين وعزتهم، وجعل ذلك في سياق الحديث عن عزة الله ورسوله. وبذلك حذرهم من الاستسلام للذل والهوان حيث قال: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) .
لقد وردت روايات كثيرة تؤكد على هذا الأمر، نذكر قسماً منها:
1 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لا يحل لمؤمن أن يُذلّ نفسه) (2) .
2 - وعنه (صلّى الله عليه وآله): (ليس لمؤمن أن يُذل نفسه) (3) .
3 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه) (4) .
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الإصبهاني ص 1234.
(2) تاريخ اليعقوبي ص 67.
(3) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|364.
(4) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج5|63.
4 - وعن الإمام العسكري (عليه السلام): (ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذلّه) (1) .
5 - وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الله فوّض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوّض إليه أن يُذل نفسه العزيزة (2) .
أساس الحكومة الإسلامية:
تستند الحكومة الإسلامية على أساس العزة والشرف. ويتمتع جميع الأفراد في ظلها بالاحترام والتقدير، فإن كل عمل يؤدي إلى أبسط تحقير أو إهانة للمسلم يعتبر ممنوعاً. لا مجال للتملق والذلة والحقارة في ظل الحكومة الإسلامية، لأن الإسلام يهتم بتربية الأفراد الأحرار. والحرية وعلو الهمة لا يستقيمان مع الذلة والهوان.
إن موضوع الحفاظ على الشرف والعزة مهم في نظر الشريعة إلى درجة أن الفقهاء اشترطوا ذلك في كثير من الأحكام، فمثلاً يقول العلامة السيد اليزدي عند تعرضه للموارد التي يجوز فيها التيمم باعتبار فقدان الماء: (لو وهبه غيره بلا منّة وذلّة وجب القبول) (3) .
يتضح من هذه الفتوى أن الحصول على الماء لو كان متوقفاً على هبة الغير له، وكان الواهب لا يمنحه الماء إلاّ بمنة أو ذلة فإن الإسلام لا يرضى بالوضوء حينذاك، بل يتبدل التكليف إلى التيمم.
لقد كان الأئمة (عليهم السلام) بالإضافة إلى امتناعهم عن كل عمل يؤدي إلى الذلة والهوان، يمنعون المسلمين عن الاستسلام لذلك والإفراط في التواضع بصراحة، وهناك شواهد كثيرة على ذلك:
____________________
(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 489.
(2) المحجة البيضاء في إحياء الأحياء للفيض للكاشاني ج4|108.
(3) العروة الوثقى للسيد محمد كاظم اليزدي - مسوغات التيمم - المسألة |17.
1 - عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج على نفر من أصحابه. فقالوا: مرحباً بسيّدنا ومولانا. فغضب رسول الله غضباً شديداً، ثم قال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: مرحباً بنبينا ورسول ربنا. قولوا السداد من القول ولا تغلُوا في القول فتمرقوا) (1) .
2 - وفي حديث آخر نجد أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ينهى عن مشي البعض معه وهو راكب: ركب علي (عليه السلام) يوماً فمشى معه قوم، فقال (عليه السلام) لهم: (أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي؟! انصرفوا) (2) .
3 - مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في طريقه إلى الشام بمدينة (الأنبار). فاستقبله جمع غفير من الملاكين والشخصيات البارزة على مراكبهم، وعندما اقترب الإمام منهم نزلوا عن مراكبهم وأخذوا يسيرون بصورة مجتمعة في ركابه. لقد بدا هذا الأمر غريباً في نظر الإمام (عليه السلام) فسألهم: (لماذا نزلتم عن مراكبكم وتسابقتم في السير معي؟) قالوا: هذا دأبنا تجاه أمرائنا وزعمائنا. فأخذ الإمام (عليه السلام) ينصحهم بترك ذلك مبيناً لهم أنه لا يجدي نفعاً للأمراء والزعماء كما أنه يؤدي إلى الإشعار بالذلة والحقارة لكم، ثم قال: (ما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدّعة معها الأمان من النار) (4) .
4 - قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (من كانت له إليّ حاجةٌ فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة) (4) .
يستفاد من الأحاديث المتقدمة مدى اهتمام الإسلام بالحفاظ على شرف المسلمين وعزهم. إنه لا يسمح لأحد بإتباع السلوك الذي يؤدي إلى الاحتقار والذلة. على الشعب والحكومة معاً السعي للحفاظ على العزة الفردية
____________________
(1) الجعفريات ص 184.
(2) تحف العقول عن آل الرسول ص 109.
(3) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1094.
(4) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ج2|244.
والوطنية، والحذر عن كل ما من شأنه الحط من كرامة الحكومة الإسلامية أو النيل من شخصية الأفراد فيها.
غريزة حب الذات:
سبق وأن ذكرنا في محاضرات سابقة أن حب الذات من الغرائز الطبيعية عند الإنسان. هذه الغريزة تدفعه إلى أن يسعى في سبيل الحفاظ على شخصيته، وأن يصون روحه وجسمه من أي اعتداء أو تعذيب.
كل فرد يجب بفطرته أن يبقى حياً، فعندما يعطش أو يجوع أو يمرض ويرى حياته مهددة بالخطر، فإن غريزة حبه لذاته تدفعه للسعي وراء الماء والخبز والطبيب والعلاج.
كذلك يميل الإنسان بفطرته إلى العزّ والشرف، ويسعى في سبيل الحفاظ على ذلك بشدة، فعندما يجد شرفه معرّضاً للخطر، فإنه يحاول بكل ما يملك من طاقة دفع كل ما يسيء إلى سمعته.
المشاعر المتناقضة:
لغريزة حب الذات مظاهر مختلفة من الناحيتين: الروحية والجسمية، فعندما لا يوجد تعارض أو تزاحم بين تلك المظاهر فإن كلاً منها يتلقى استجابة ملائمة، ولكن الطامة الكبرى تقع عندما تظهر هذه الغريزة في مظاهر متعارضة فيما بينها، وتجعل الإنسان تحت كابوس المشاعر المتناقضة، في مثل هذه الحالة ينحرف بعض الأفراد عن الطريق الصحيح والمعقول ويقدمون على أعمال إجرامية عظيمة.
إن كل فرد يرغب بدافع من حبه لذاته أن يكون كاملاً من جميع الجهات منزهاً عن كل نقص أو ضعف. إن الأشخاص الذين يشعرون بالحقارة والصغار من بعض هذه الجوانب يعيشون في قلق واضطراب دائمين، ويشكون
من ضغط روحي استمرار. إن الطريق المعقول لهؤلاء في تدارك حقارتهم هو أن يوجهوا قابلياتهم في مجارٍ مناسبة، ويبرهنوا على جدارتهم وكفاءتهم عن طريق إظهار مواهبهم في المجالات التي يتقنونها، وبذلك يستطيعون الحصول على شخصية مستقيمة في المجتمع ويتناسون ضعفهم الداخلي. لكن بعض المصابين بالحقارة ينحرفون عن الطريق المعقول بسبب من اليأس أو الكسل وغير ذلك، ولإخفاء ما هم عليه من الضعف، وبغية تدارك النقص، يقدمون على الانتحار المعنوي، فيحطمون شخصياتهم ويتخلّون عن عزتهم واستقلالهم. إنهم يستسلمون للذل والهوان بالحركات التزلّفية التي يغلب عليها طابع التصنع في التواضع، وهذا ما يؤدي إلى إذكاء نار المشاعر المتناقضة في ضمائرهم.
عوامل التناقض:
توجد في المجتمع طوائف عديدة وقعت في ورطة المشاعر المتناقضة، ودعاهم ذلك إلى الإفراط في التواضع بحيث يصل إلى درجة التملق والتنازل عن شرف النفس والكرامة، وسنتحدث في هذه المحاضرة عن العوامل المؤدية إلى ذلك:
1 - الشعور بالنقص:
من العوامل المهمة لإيجاد عقدة الحقارة في ضمير الإنسان مظاهر التزمت والشدة التي يستعملها بعض الآباء والأمهات تجاه أطفالهم. إن الطفل الذي ينمو في جو مشحون بالخوف والاضطراب، والتوّتر والقلق، ولا يحسب له الأبوان حساب الآدميين، والذي لم يذق طعم الرأفة والحنان أبداً. لا بد وأن ينشأ ضعيفاً، حقيراً، يشعر بالحرمان دائماً. إنه لا يجد نفسه كفؤاً لتحمل أعباء الحياة، لأن التجارب أثبتت له ذلك.
هذا الطفل عندما يشب ويترعرع ويصبح عضواً بارزاً في المجتمع، يظل
يشعر بالنقص في قبال الآخرين، لأنه مصاب بالقلق والاضطراب، فاقد للاستقلال وقوة الشخصية.
(إن النشاطات الدالة على القلق والاضطراب تشير إلى أن الشخص يشكو من نقص عظيم، ويتصور أنه لكي يتدارك ذلك النقص عليه أن يقوم بجهد أكبر مما يقوم به الآخرون. إن جميع النشاطات اللاّغرضية تشير إلى هذه الحقارة).
(هذا القلق ينشأ من خوف كامن. والسبب هو أن الشخص يتصور أنه سيندحر في عمله أو منزلته أو أموره المعاشية، ومهما كان السبب فإن ذلك يجعل صاحبه كالفأرة الواقعة في الفخ، حيث تحاول الفرار فقط).
(وليس من الضروري أن يكون هذا الخوف من حادث قريب، بل يكون في الغالب وليد خاطرة سابقة نسيت من صفحة شعور الإنسان. لقد كان الخوف مصاحباً لهذه الخاطرة ولم يطرد من خزانة الفكر تماماً، وفي النتيجة يظهر بصورة الخوف، العصاب، القلق، والاضطراب) (1) .
(بصورة عامة فإن كل حادثة مؤلمة تقع للطفل، سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع، تسبب تحطيم شخصيته؛ لأن عواطفه ومشاعره قد قمعت، ولا تستطيع الظهور من دون جهد) (2) .
إن هؤلاء الأفراد إذا استطاعوا أن يتناسوا خواطرهم المرة التي مرت عليهم في أيام الطفولة، وتغافلوا عما لا قوة من التزمت والشدة من أبويهم استطاعوا العيش بعزة وكرامة. أما إذا ظلت تلك الخواطر المؤلمة عالقة بأذهانهم،
____________________
(1) عقدة حقارت ص 20.
(2) عقدة حقارت ص 17.
فإنهم لا يستطيعون الخلاص من ضغط الحقارة والذلة ولذلك نجدهم يقدمون على أعمال مختلفة، منها الرضوخ للذل والاستسلام للهوان.
إن التواضع في هذه الصورة يفسّر بالخوف من معاملة الناس للفرد نفس المعاملة التي كان يعامله بها أبواه من التحقير والشدة والخشونة. ولكي يتدارك ذلك يتواضع لكل أحد ويتزلّف إلى كلّ من يتصور أنه قادر على الأخذ بيده في متاهات الحياة، ومساعدته في حل مشاكله.
إذن، ليس هذا النوع من التواضع فضيلة خلقية، بل يستند إلى الخوف من التحقير. وهو مذموم بلا ريب.
2 - الحرمان المادي:
إن فقر الأبوين وضعف حالتهما المالية من العوامل التي تسبب الحقارة والخجل للطفل. إن الأفراد الذين نشئوا في ظروف مالية صعبة يشعرون بتخلّف عن ركب الكمال والرقي. هذه الخاطرة لا تمحي من أذهانهم، بل تظل عالقة بها مدى العمر. أما الأفراد الذين بلغوا مدارج الكمال والرقي على أثر كفاءتهم، وفي ظل الجهود التي بذلوها لذلك، فإنهم يتناسون الماضي التعس ويعملون ليومهم، في حين أن الأفراد الذين لم يسلكوا طريق العمل والجد، لا يستطيعون نسيان تلك الخواطر المرة، بل يظلون يئنُّون من عوارض الحقارة وضعف النفس. إنهم يحتقرون أنفسهم في قبال الأثرياء، وهذا يدفعهم إلى أن يخضعوا لهم ويفرطوا في التواضع نحوهم.
(هناك أطفال وُلدوا في أسر فقيرة، وبالرغم من أن بالإمكان أن ينالهم عطف الوالدين وحنانهما وتربيتهما وتعليمهما الصحيحان، فإنهم قد يصابون بالحقارة والخجل الشديد عندما يبلغون ويتذكرون الحالة التي كانوا عليها. هؤلاء يشعرون
بالخسة والضعة في مواجهة الأفراد الذين هم فوق مستواهم) (1) .
لقد نظر الإسلام نظرة سخط إلى الحقراء الذين يحترمون الأثرياء لثروتهم، فقد قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (لعن اللهُ من أكرم الغني لغناه) (2) .
الفقراء المتعفِّفون:
لقد كان أكثر أصحاب النبي (ص) فقراء في صدر الإسلام، لكن القرآن الكريم تعهد بتربيتهم على عزة النفس وقوة الشخصية، بحيث لم يكونوا يخسرون أنفسهم في قبال التجارب المادية بالرغم مما كانوا عليه من الفقر.
وكشاهد صريح على ما أقول أذكر لكم القصة التالية: فقد روي أن رجلاً موسراً دخل على النبي (ص)، ثم دخل رجل فقير وجلس إلى جنبه، فجمع الموسر ملابسه. كان النبي (ص) منتبهاً إلى ذلك، فسأل الموسر: أخشيت من اتصال فقره بك؟ فقال: كلا. فقال النبي (ص): أخشيت من انتقال شيء من ثروتك إليه؟ قال: كلا. فقال (ص): أخشيت من تلوّث ملابسك؟ قال: كلا. قال (ص): فلماذا جمعت ملابسك؟
____________________
(1) عقدت حقارت ص 18.
(2) لئالى الأخبار ص 128.
قال: إن الثروة التي تلازمني في كل حين منعتني من رؤية الحق، وحبّبت إلى عيوبي، ولكي أتدارك هذا السلوك المستهجن، فقد وهبت له نصف ما أملك. فقال رسول الله للمعسر: أتقبل؟ قال: لا. فقال له الرجل: ولَم؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك!! (1) .
3 - التأخر العلمي:
إن الشخص الذي يريد أن يجعل نفسه في عداد العلماء، لكنه معدم من الناحية العلمية يشعر بالحقارة، ولكي يخفى هذا النقص ويتدارك ما عليه من الحقارة يتوسل بطرق مختلفة، فقد يستند إلى أقوال العلماء، وينقل كلمات الآخرين. وقد يتذرع بالتملق والتزلف فيخضع في قبال الآخرين إلى درجة يخجلون معها من التصريح بجهله وانخفاض مستواه العلمي.
إن الطامة الكبرى هي عندما يجلس إنسان جاهل كهذا على كرسي التدريس ويتصدى لتعليم غيره، فلكي يحافظ على شخصيته في قبال تلاميذه ولا يُحتقر من قبلهم، فإنه إما أن يلتزم التكبر والشدة إلى درجة لا يجزأ معها التلاميذ على مصارحته بجهله ونقصه، أو يتواضع إلى درجة يتغافلون معها عن عدم جدارته وكفاءته.
إن هذا النوع من التواضع لا يمكن أن يعدّ من الفضائل. بل إنه نوع من الذلة منشأه حقارة الشخص وخوفه من انفضاح أمره.. إنه كان يحاول أن يظهر
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|262.
بمظهر العلماء مع فقدانه الثروة العلمية، وبالرغم من عدم كفاءته فقد أشغل كرسي التدريس، لذلك فقد رضي بهذا الذل.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه). قلت: بما يُذلّ نفسه؟ قال: (يدخل في ما يتعذّر منه) (1) .
وعنه (عليه السلام): (لا ينبغي للمؤمن أن يذّل نفسه). قيل له: وكيف يُذلّ نفسه؟ قال: (يتعرّض لما لا يطيق) (2) .
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (بئس العبدُ عبدٌ له رغبةٌ تذلّه) (3) .
إن شخصاً كهذا لو يعرف قيمته الواقعية ويقف عندها، لا يساوم عزته وشرفه، ولا يستسلم للذل والهوان بالتملق والتواضع الشديد.
4 - الإجرام:
الإجرام عامل آخر من عوامل الحقارة والضعة. إن الشخص الخارج على القانون يشكو من ضغط الوجدان وتأنيب الضمير دوماً ويرى نفسه حقيراً. إنه يدفن جرائمه في ضميره المستتر ويتناسى الصور المخجلة لأعماله البشعة، لكن الوجدان الأخلاقي لا يتركه لوحده، بل يظل يكيل له اللوم والتأنيب باستمرار.
إن الحقارة التي تصيب الفرد إثر الإجرام تفقده شخصيته، ومهما كان قوياً في إرادته فإنه يضعف وينهار، ثم يسعى لإخفاء ضعفه النفسي والتظاهر بالقوة والثبات، في حين أن فشله وتأثره الباطني لا بد وأن يظهر من خلال أفعاله وأقواله.
____________________
(1) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج5|64.
(2) المحجة البيضاء في إحياء الإحياء ج4|108.
(3) سفينة البحار للقمي، مادة (طمع) ص 93.
(إننا نخفي خواطرنا المؤلمة والمخجلة في ضمائرنا حتى نكون بمنجى عن تعذيبها، ولكنها تملك نفوذاً تاماً في أفكارنا وسلوكنا على الرغم من جميع محاولاتنا، إننا نجهل ذلك وقد لا نعي شيئاً عن علل سلوكنا، لذلك فإننا نتندم من عملنا ونتحير: لماذا صدر العمل الفلاني منا، أو لماذا جرت الكلمة الكذائية على لساننا. إن الخواطر المدفونة لا تموت ولا تفقد قدرتها مطلقاً، بل تقود سلوكنا نحو ما تريد) (1) .
إن الذلة والحقارة عند بعض المجرمين واضحة تماماً من خلال تواضعهم الشديد. إنهم يبدون تواضعاً مفرطا تجاه الناس بغية إخفاء جرائمهم. كذلك الموظفون الذين يرتشون ولا ينفذون المعاملات التي ترد عليهم إلا إذا كان صاحبها قد أسدى خدمة مهمة إليهم، فهؤلاء يتميزون بالتواضع وحسن الأخلاق مع المراجعين فيحدثونهم بكلمات من قبيل: في خدمتكم، طوع أوامركم، كما تأمرون، سمعاً وطاعة... وما شاكل ذلك.
لا ريب في أن هذا النوع من التواضع الذي يستند إلى الإجرام والخوف من الفضيحة ليس فاقداً للقيمة فحسب، بل إنه يدل على حقارة الشخص واستسلامه للذل والهوان، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (من أحبّ أن يكون أعزّ الناس فليتقّ الله عَزّ وجَلَّ) (2) .
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (من سرّه الغنى بلا مال، والعزّ بلا سلطان، والكثرة بلا عشيرة، فليخرج من ذل مصعية الله سبحانه إلى عزِّ طاعته) (3) .
____________________
(1) رشد شخصيت ص 17.
(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|48.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 692.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا) (1) .
طلب الجاه بلا كفاءة:
يصل بعض الأشخاص الفاقدين للكفاءة والجدارة إلى مناصب كبيرة ليسوا أهلاً لها. إن الأفراد الواعين يمتنعون عن إطاعة مثل هؤلاء والانقياد لهم، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من طلب الرئاسة بغير حق، حرم الطاعة له بحق) (2) .
هؤلاء الحكّام غير الجديرين بإشغال مناصبهم يسلكون سلوكاً استبدادياً عنيفاً مع جميع الناس بصورة عامة، ومع المنقادين لهم بصورة خاصة، وربما أساءوا في الحديث معهم ولجئوا إلى أساليب العنف والاضطهاد لإسكات روح الاعتراض والانتقاد فيهم. ولكنهم قد يتذرعون بالتواضع واللين تجاه من هو أرفع منزلة منهم وبذلك يحفظون أنفسهم عن الاعتراضات والتشكيكات. إن الذين يستسلمون للذل والهوان، ويساومون بعزهم وشرفهم لقاء رئاسة لا يطول أمدها لهم، أفراد حقراء خاسرون.
قال علي (عليه السلام): (ساعة ذلّ لا تفي بعزّ الدهر) (3)
____________________
(1) وسائل الشيعة للحر العاملي ج3|202.
(2) تحف العقول عن آل الرسول ص 321.
(3) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 443.
إن هؤلاء ليسوا يظلمون أنفسهم فقط بإهدار كرامتهم، بل يظلمون الناس أيضاً ويسوقونهم نحو الشقاء والدمار، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إذا ساد القوم فاسقهم، وكان زعيم القوم أذلهم، وأكرم الرجل الفاسق: فليُنتظر البلاء) (1) ، وفي حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إذا ساد السفل خاب الأمل) (2) ، وعنه (عليه السلام): (زوال الدول باصطناع السُفل) (3) .
الشرفاء والمناصب:
إن الرجال الشرفاء ذوي الشخصية الرصينة عندما يصلون إلى منصب كبير بفضل جدارتهم وكفاءتهم، يقومون بواجباتهم معتمدين على قوة الشخصية وشرف النفس؛ ولذلك فلا طريق للتملق والتزلّف، والحقارة والذلة إلى أرواحهم الطاهرة ونفوسهم النزيهة، قال علي (عليه السلام): (ذو الشرف لا تُبطره منزلة نالها وإن عظمت، كالجبل الذي لا تزعزعه الرياح) (4) .
وكشاهد على ذلك أنقل لكم القصة الآتية:
لقد كان أبو منصور وزير السلطان طغرل بِك رجلاً عالماً، قوي الشخصية، شديد الإيمان، مستقيماً في سلوكه. لقد كان ملتزماً بأداء واجباته الدينية بحيث كان يجلس للدعاء بعد أداء فريضة الفجر من كل يوم حتى طلوع الشمس. عند ذاك كان يستعد للذهاب إلى البلاط الملكي.
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|41.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 312.
(3) نفس المصدر ص 427.
(4) المصدر السابق ص 407.
وفي بعض الأيام بعث السلطان وراءه قبل طلوع الشمس. فجاء الخدم إلى داره ووجوده مشتغلاً بقراءة الأدعية فأبلغوه الإرادة الملكية، ولكن الوزير لم يلتفت إلى كلامهم، بل استمر في قراءة الأدعية. لقد تذرع الخدم بذلك وأخبروا الملك بأنه أهان أوامره، فغضب غضباً شديداً. فرغ الوزير من عباداته، فركب جواده وذهب إلى البلاط. وما أن دخل حتى واجهه الملك بأشد الخشونة قائلاً له: لماذا تأخرت؟!
عند ذاك قال الوزير المنبعث من قلب صلب وإرادة رصينة في الملك إلى درجة أن عينيه اغرورقتا بالدموع، ثم استحسن من الوزير ذلك وأوصاه بالاستمرار على ذلك الأسلوب بتقديم واجب العبودية على واجب الخدمة كي ينتفع البلد بسداد آرائه (1) .
إن متانة الشخصية تبرز من خلال المنطق الصريح والبيان القاطع للفرد، كما أن الحقارة والخسة تتضح من خلال أحاديث الفرد أيضاً. قال علي (عليه السلام): (بيانُ الرجل ينبئ عن قوّة جنانه) (2) .
الشرط الأساسي للتواضع:
لقد اعتبر الإسلام التواضع من الصفات الحميدة والسجايا الطيبة، واحترام الشخص المتواضع أيما احترام... لكنه يشدّد في النكير على الشخص الذي يستسلم للذل والهوان بصورة التواضع وباسم التأدب.
____________________
(1) جوامع الحكايات ص 173.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 343.
إن الشرط الأساسي للتواضع هو الاطمئنان الروحي والاستقلال النفسي للفرد. وقد صرح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحديث الذي بدأنا به المحاضرة بذلك حيث قال في وصف المؤمن: (نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد) (1) .
إن التواضع هو الذي يقوم بواجبه الإنساني دون خوف أو طمع.. وهو الذي يستند تواضعه إلى التعالي النفسي والتكامل الروحي. أما الأفراد الذين يتواضعون بسبب من الشعور بالحقارة، أو الشعور بالنقص، أو طلب الجاه، أو الطمع فإنهم لا يكتسبون فضيلة بذلك، بل يؤدي الاستمرار في هذه الحالة إلى تأصل جذور الذل والحقارة في نفوسهم.
تجنب الذلة:
إن الحفاظ على العزة والشرف والفرار من الذلة والخسة من أهم الواجبات القطعية على المسلمين حسب الأحاديث التي قرأناها لكم في هذه المحاضرة، وأحاديث أخرى كثيرة واردة في كتب الحديث. إذ لا يجوز لمسلم قط أن يستسلم للذل والهوان، ويتنازل للتملّق والتزلف تحقيقاً لبعض الغايات.
إن أعظم مراتب العبودية والذلة يجب أن يلتزمها الفرد بين يدي الله تعالى الذي خلق الكون وزوّد كل شيء بالوسائل والأدوات الأزمة لحياته... إنه لا يليق الانكسار والتواضع، والخضوع إلا بين يديه عز وجل.
التواضع في التعلم:
لقد سمح الإسلام للفرد بالتواضع والخضوع في مورد آخر هو التعلم. على الجاهل أن يتواضع للعلماء حتى يستطيع استيعاب العلوم والمعارف منهم.
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1234.
إن الأفراد الذين لم يتلقوا ثقافة ممتازة ويحاولون الاتصال بالعلماء ومعاشرتهم، يشعرون بالحقارة والذلة، ويرون أنفسهم دون مستوى الآخرين ويتألمون كثيراً من عجزهم عن المشاركة في الأحاديث العلمية.
هناك طائفة من الأفراد لا يرضون الاعتراف بجهلهم، ويحاولون إخفاء النقص الذي فيهم قدر الإمكان. ولكي يتظاهروا بالعلم والإدراك يقدمون على أفعال طفولية مخجلة. والعلاج القطعي لهذه الحالة هو التفرغ للدراسة والاجتهاد في التعلم، وهذا يحتاج إلى شجاعة وصراحة يجب على الفرد أن يعترف بنقصه ولا يجعل نفسه في عداد العلماء. إنه يجب أن يعرف حدة الواقعي ولا يتجاوزه. إن يتواضع لأستاذه، ويحتمل ذلّ السؤال.
إن الإسلام يوافق على هذا التواضع ويرضى بهذا الذل، لأنه يؤدي إلى أن يكتسب الإنسان علماً ويحصل على مكانة سامية. وهذا السلوك ليس خالياً من الضرر فقط، بل إنه يتضمن فوائد عظيمة.
1 - قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (من لم يصبر على ذل التعلم ساعةً بقي في ذل الجهل أبداً) (1) .
2 - وعن الإمام الرضا (عليه السلام): (العلم خزائن، ومفاتيحه السؤال) (2) .
3 - وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلا في طلب العلم) (3) .
نستنتج من هذا مدى اهتمام الإسلام في تعاليمه القيمة بالحث على التعلم والتزّود بالثقافة والمعرفة إلى درجة بسمح للفرد بالتواضع والذل في طريق التعلم، في حين أنه يشدّد النكير على التملق والإفراط في التواضع في غير ذلك من الحالات.
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|46.
(2) عيون أخبار الرضا - باب | 30.
(3) تحف العقول عن آل الرسول ص 207.
المحاضرة الثلاثون:
علاج القلق والحقارة
قال الله تعالى في كتابه العظيم: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) (1) .
إن القلق والاضطراب الفكري من أعظم عوامل التعاسة والشقاء في حياة الإنسان.
وإن الشخص الذي يشكو قلقاً على أثر خوف، أو حقارة، أو فشل، أو ضعف، أو عجز، أو جهل ويتألم لذلك، لو لم يفكر في علاج نفسه فإن الحياة تصبح بالنسبة له جحيماً لا يطاق، وبالتالي يصاب بعوارض مختلفة.
لقد تعرضنا في المحاضرات الأخيرة إلى طائفة من العوامل المؤدبة لنشوء عقدة الحقارة وذكرنا ردود الفعل الناتجة من ذلك، أما حديثنا في هذه المحاضرة فسيدور حول موضوعين:
1 - الأعراض والمخاطر الناتجة من الشعور بالقلق.
2 - أسلوب معالجة ذلك من الناحيتين الدينية والعلمية.
إتحاد النفس والبدن:
أما فيما يخص الجانب الأول فلا بد من القول بأن الارتباط والإتحاد بين النفس والبدن متين إلى درجة أن الآثار الطيبة أو السيئة لكل منهما تؤثر في الآخر. ولعمري
____________________
(1) سورة المؤمنون|96.
فإن هذا من الأمور المتسالم عليها لدى العلماء السابقين والمعاصرين. إن الجسد يخضع لتأثير الحالات الروحية، وكذلك الروح تخضع لحالات الجسد. والشخص الذي يشكو من القلق والاضطراب ويحس بالألم وعدم الاستقرار في ضميره، لا بدّ وأن يتأثر جسمه بتلك الحالة الروحية فتنحرف صحته.
لقد أثبتت البحوث العلمية للعلماء المعاصرين أن جانباً كبيراً من الأمراض المختلفة يرجع في نشأته إلى الاضطرابات الروحية. ولا بد لعلاج هذه الأمراض من معرفة الأسس النفسية التي تعتمد عليها.
عوارض القلق:
يستشهد العالم النفسي الشهير (ديل كارنيجي) بنصوص لعلماء متخصصين حول طائفة من الأمراض الجسمية التي يمكن أن تنبع من القلق والاضطراب، وها أنا أنقل لكم نموذجاً من ذلك:
(لقد أمضيت إجازتي قبل بضعة أعوام في ولاية تكساس بصحبة الدكتور (آ. كوبر) رئيس مصحات السكك الحديدية في (سانتافي). وفي يوم من الأيام كنا نتحدث عن القلق فقال صديقي: إن 70% من المرضى الذين يراجعون الأطباء لو استطاعوا أن ينقذوا أنفسهم من قبضة الخوف والقلق فإنهم يستطيعون معالجة أنفسهم بأنفسهم. فمثلاً على ذلك يمكن علاج بعض أنواع القرحة المعدية، وعسر الهضم العصبي، والاضطرابات القلبية، والأرق، وبعض أنواع الصداع بتهدئة الوضع الروحي للمريض).
(يقول الدكتور (جوزيف مونتاكو) مؤلف كتاب (الاختلالات العصبية للمعدة) : ليس ما تأكلونه سبباً في ظهور قرحة المعدة، بل إن ما يأكلكم - وهو القلق - هو الذي يؤدي إلى نشوء هذه القرحة).
(يقول الدكتور (د. ألفاريز): إن شدة أو ضعف القرحات المعدية تتصل اتصالاً مباشراً في الغالب بشدة أو ضعف الاضطرابات الداخلية. إن هذا الكلام يستند إلى تجربة أجريت على خمسة عشر ألف مريض راجعوا المستشفى الذي أشرف عليه، فوجدت أن أربعة أخماس أولئك المرضى كانوا لا يملكون أساساً طبياً لعلاج معدهم. إن الخوف القلق والحسد والأنانية وعدم القدرة على الانسجام مع البيئة، عوامل مؤثرة في أمراض المعدة والقرحة فيها. إن قرحة المعدة تؤدي إلى الموت، وكما ذكرت مجلة لايف فإنها تقع في الدرجة العاشرة بين الأمراض المهمة والخطيرة).
(لقد ذكر المشرفون على (مستشفى مايو) الذائع الصيت في الولايات المتحدة أن النصف الأكبر من الأسرة في المستشفى يشغلها المصابون بالأمراض العصبية إنهم لا يشكون من فساد أو اختلال الجهاز العصبي، بل يؤلمهم الحرمان والقلق والخوف والفشل واليأس).
خسائر الأمراض الروحية:
(إن الخسائر الناشئة من الأمراض تتزايد يوماً بعد يوم. إن التقارير الطبية تحكي عن أن كل عشرين مواطناً في أمريكاً يوجد بينهم مواطن واحد سيقضي شطراً كبيراً من عمره في مستشفيات الأمراض الروحية. وأن سدس الشبان الذين دُعوا الخدمة العلم في الحرب العالمية الثانية كانوا قد أعفوا من ذلك بسبب النقائض الفكرية والروحية.
(ما هي علة الجنون؟
(لا يوجد أحد يعرف ذلك تماماً. ولكن ما لا ريب فيه أن القلق والخوف عاملان كبيران في جنون صاحبهم).
(ذكر الدكتور (ويليام ماك كوليكل) في مؤتمر أطباء الأسنان
الأمريكان: إن القلق يؤدي إلى تسوس الأسنان، ثم يستمر فيقول: إن الاضطرابات التي تؤدي إلى القلق تسبب اختلال مقادير الكالسيوم في الجسم، وهذا بدوره يعمل على تسوس الأسنان وفساده).
(لا أعلم هل رأيتم في حياتكم شخصاً انتفخت غدته الدرقية أكثر من المعتاد، لقد رأيت شخصاً كهذا. إن المصاب بذلك يرتعد دائماً وكأنه ميت خارج من قبره. تتناسب شدة المرض وضعفه مع كثرة الإفراز وقلته، تزداد سرعة نبضه، وربما انتهى به الأمر إلى الموت).
(لقد ذهبنا قبل أيام بصحبة صديق كان مصاباً بهذا المرض إلى (فلادلفيا) لاستشاره طبيب معروف بمعالجة هذه الأمراض. وما أن دخلنا عليه حتى وجه إلى المريض هذا السؤال: ما هو الاضطراب الفكري الذي تشكو منه ونبّه صديقي إلى ضرورة إبعاد القلق عن نفسه وإلا أصيب بأمراض خطرة أخرى كمرض السكّر، والنوبة القلبية، وقرحة المعدة) (1) .
القلق ومرض الجسم:
إن النصوص والأحاديث الواردة بهذا الصدد توضح أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا على علم تام بهذا الأمر. وقد كانوا يذكرون لأتباعهم أن الخوف، والقلق، والحسد، والهم. وبصورة موجزة: جميع الاضطرابات الداخلية والآلام الروحية تؤدي إلى انحراف المزاج.
1 - قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (الهم يذيبُ الجسد) (2) .
____________________
(1) آئين زندگي ص 25.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 35.
2 - وقال (عليه السلام): (الهم نصف الهرم) (1) .
3 - وقال (عليه السلام): (الحسد يُفني، والحقدُ يذري) (2) .
4 - وعنه (عليه السلام): (الخائف لا عيش له) (3) .
5 - وقال (عليه السلام): (الحزن يهدم الجسد) (4) .
6 - وقال أيضاً: (المريب أبداً عليل) (5) .
والخلاصة: إن العقد والآلام والاضطرابات وسائر الأمراض الروحية تترك آثاراً سيئة في جسد الإنسان بالإضافة إلى تأثيرها في اضطراب الفكر. هذا فيما يخص الجانب الأول من بحثنا في هذه المحاضرة.
مكافحة القلق:
أما فيما يتعلق بالجانب الثاني وهو أسلوب علاج القلق فنقول: أن العلاج الأساسي لهذه الأمراض لا يتيسر بالأساليب الطبية ولا يتم عن طريق الأدوية والعقاقير. إن المصاب بالحقد والحسد، أو الذي يشكو من القلق والحقارة، أو الذي يئن من الهم والغم لا يمكن إنقاذه إلا باقتلاع جذور المرض. هؤلاء يجب أن يطهروا قلوبهم من الانحراف والأفكار الفاسدة وأن يتناسوا الخواطر المرة التي جابهتهم في حياتهم، ويحاولوا أن يتحلوا بالفضائل والسجايا الحميدة حتى يستطيعوا إنقاذ أنفسهم من الدمار والهلاك. إن التعاليم الإسلامية تؤكد على أهمية هذا الأمر.
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1143.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص.
(3) نفس المصدر ص 34.
(4) المصدر السابق ص 23.
(5) المصدر السابق ص 29.
1 - فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن الله سبحانه يُحبّ أن تكون نيّة الإنسان للناس جميلة) (1) .
2 - وعنه (عليه السلام): (أبلغ ما تستدر به الرحمة أن تضمر لجميع الناس الرحمة) (2) .
3 - قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الكاظم من أمات أضغانه) (3) .
4 - وعنه (عليه السلام): (أطلق عن الناس عقدة كل حقد) (4) .
المنهج العلمي والمنهج الإسلامي:
لقد وجدنا أن البرنامج الذي يقرره العلماء المعاصرون لحل العقد النفسية وإنقاذ الأفراد من الاضطراب والقلق يستند إلى تحليل الحالات الروحية للمريض. وبعبارة أوضح: فإن العالم النفسي يستطيع لتهدئة الإنسان المضطرب والقلق أن يستند إلى القواعد العلمية ويستفيد من طرق الطب النفسي فقط. فمثلاً يحلل عامل القلق، أو يوقظ الاستعدادات والمواهب الكامنة، أو يقوي الروح بالإيحاءات المفيدة، أو يؤكد على مسألة الاعتماد بالنفس فيحيي شخصيته وينقذه من المشاكل والمآسي الكثيرة.
في حين أن المنهج الإسلامي الذي أكد عليه الأئمة (عليهم السلام) لعلاج الأمراض الروحية وحل العقد النفسية يستند إلى قوتين: قوة العلم وقوة الإيمان وبعبارة أخرى: فإن قادة الإسلام كانوا يستفيدون من الأسس العلمية والدقائق النفسية لمكافحة القلق من جانب ومن جانب آخر كانوا يستندون إلى قوة الإيمان في بعث الطمأنينة في القلوب. ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (5) .
____________________
(1) نفس المصدر ص 271.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 212.
(3) المصدر السابق ص 37.
(4) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 988.
(5) سورة الرعد|28.
لا ريب في أن تأثير الإيمان في صفاء النفس وبعث الطمأنينة في القلب أعظم من تأثير العلم وقوته. ففي الظروف الحرجة حيث يصل القلق إلى القمة، وتهبّ الأعاصير في نفس الفرد، يعجز العلم عن تهدئة ذلك... بينما يتدخل الإيمان بقوته الجبارة فيهدئ الأوضاع ويبعث الاستقرار والتطامن في نفس الإنسان. وهذه هي سمة فريدة يمتاز بها الإسلام على المذاهب التربوية الأخرى في العالم.
ولكي تتضح أهمية الإيمان في علاج الأمراض الروحية والاضطرابات الباطنية وبذلك يتبين المستمعون الكرام عظمة التعاليم الإسلامية، أذكر لكم مثالاً عن موارد القلق:
التفاؤل والتشاؤم:
هناك أشياء يشعر الأفراد في مختلف نقاط العالم بالتشاؤم نحوها، كالتشاؤم من العدد (13) عند كثير من الشعوب، ونعيق الغراب عند العرب، وصوت البوم عند الإيرانيين. إن الأفراد الذين يعتقدون بالتشاؤم يضطربون كثيراً عندما يلاقون ما يتشاءمون منه، وقد يبعث ذلك الألم والاستياء الشديدين فيهم إلى درجة أنهم لا يستطيعون القيام بنشاط ما في سبيل إنقاذ مواقفهم.
(13) فقد ولدت فيها طفلة في اليوم الثالث عشر من الشهر، وعندما شبت الطفلة وترعرت وعلمت بأن ولادتها تصادف اليوم الثالث عشر بدأ الاضطراب يدبّ إلى نفسها. إنها كانت تتصور أن نحوسة يوم ولادتها تؤدي إلى تعاستها. لقد اضطر الوالدان لتهدئة الفتاة إلى أخذها إلى عيادة طبيب نفساني، وبذل الطبيب كل جهده لاقتلاع جذور القلق من نفس الفتاة، ولكنه باء بالفشل في كل محاولاته.
تزوجت هذه الفتاة بعد إنهاء دراستها الجامعية وولدت طفلاً، ولكنها ما زالت تحترق في نار القلق والاضطراب. لقد كانت راكبة سيارتها بصحبة زوجها وطفلها حين صادفهم الطبيب النفساني في أثناء عبوره الشارع. فاستوقفهم واقترب من
الشابة وقال لها: أرأيت كيف صدقت أقوالي فيك وأن اضطرابك كان تافهاً لا مبرر له؟! انظري كيف أنك سعيدة بجوار زوجك وطفلك. أجهشت الشابة بالبكاء وقالت: سيدي الطبيب، إني متيقنة من أن نحوسة العدد (13) ستؤدي إلى تعاستي ودماري!!
الإيحاءات المؤلمة:
يعتقد علماء النفس أن التشاؤم وليد جهل الإنسان وليس خطراً حقيقياً أو آفة واقعية، إنهم يقولون: إنه عبارة عن إيحاء مؤلم يؤدي إلى إضعاف الروح ويسيطر على قلب المعتقد به وفكره.
كذلك الأئمة (عليهم السلام) فإنهم لم يعتبروا التشاؤم حقيقة، ولكن إذا اعتقد به شخص واهتم به، فإنه يصاب بالقلق والاضطراب. ومن البديهي أن القلق والاضطراب عبارة عن حقيقة نفسية قد تؤدي إلى أمراض ومشاكل كثيرة، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (الطيرة ليست بحق) (1) .
إن الحوادث المؤلمة التي تقع في بعض الأحيان تستند إلى نظام معين في الكون، ولا علاقة لها بالتطّير أبداً. كذلك فإن سلوك بعض الأفراد وفساد أخلاقهم هو السبب في ظهور العوارض والأمراض في حين أن الجهَّال ينسبونها إلى التشاؤم والتطّير.
وكمثال على ذلك أذكر لكم قصة شاب كان قد خرج للنزهة في اليوم الثالث عشر من عيد نوروز (الذي يعتقد البعض بنحوسته ولذلك فإنهم يخرجون من البلدة فيه اتقاء لشره)!، وقد أفرط في شرب الخمر إلى درجة أنه فقد وعيه ولم يعد قادراً على المشي. وعند الغروب كان يعبر من بعض الشوارع فعثر بصخرة وسقطة في حفرة للمجاري فكسر فكه الأسفل وتهشمت أسنانه، فاجتمع الناس وأخرجوه من الحفرة وهم يقولون: إن نحوسة اليوم لصقت بهذا الشاب وأوقعته في هذه الحفرة!
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1264.
الحق أن العدد (13) لم يؤثر في وقوعه في هذه المشكلة، بل إن المشكلة التي عرضت له ناشئة من إفراطه في تناول الخمر. لقد صرح القرآن الكريم بهذه النقطة النفسية المهمة عند التعرض لقصة موجزة، فقد قام بعض الأفراد الإلهيين بالدعوة إلى الإصلاح في قرية من القرى. فعارضهم اهل القرية وكذّبوهم، ثم ذكروا أنهم يتشاءمون من وجودهم بين ظهرانيهم: ( قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ) (1) ، فأجابهم هؤلاء: ( طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ) (2) ، أي لا تتشاءموا منا، بل يجب عليكم أن تتشاءموا من وجودكم وسلوككم وعقائدكم الباطلة.
علاج التشاؤم:
بعد أن عرفنا موجزاً عن التشاؤم وآثاره الوخيمة، نتعرض لطرق معالجة ذلك في نظر علماء النفس وفي تعاليم الإسلام القيمة. وأظن أن المقارنة بين هذين المنهجين تبعث على ازدياد الإيمان بعظمة الإسلام وتعاليمه.
تتلخص كلمات عالم نفسي في علاج الشخص المصاب بالتشاؤم، في أن العالم يسير حسب نظام ثابت ومتقن، ولكل ظاهرة في الكون علة خاصة منظمة، ولا يوجد موجود بدون استكمال علته الأساسية، وليس التشاؤم من العلل الكونية مطلقاً.
عندما كان الإنسان يعيش في جهل مطبق ولم يكن يقدر على الإحاطة بحوادث العالم فإنه كان يلجأ إلى الأوهام والخرافات. ومن تلك الخرافات التشاؤم. إن التشاؤم يستند إلى جهل الإنسان في الماضي، وقد تناقلته الأجيال على أثر الإيحاءات المتكررة، واليوم لا يزال يعتقد البعض به.
إنه يقول للمريض: إن التشاؤم ليس حقيقة، ولكن التأثر الروحي الحاصل
____________________
(1) سورة يس|18.
(2) سورة يس|19.
فيك تجاه الاعتقادية أو عدم الإذعان له أمر واقعي. فأنت الذي تستطيع أن تعيش منعماً بالاستقلال والطمأنينة إن رفضت الاعتقاد به، وأنت الذي تستطيع أن تعتبره أمراً واقعياً فتتجرع الويلات والمآسي من جراء ذلك.
لقد استند الأئمة (عليهم السلام) قبل أربعة عشر قرناً لعلاج القلق عند الناس إلى هذا المنطق العلمي، ولقد قاموا بتحليل الحالة الروحية للمصاب بالتشاؤم. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الطيرة على ما تجعلها: إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً) (1) .
نلاحظ من خلال هذا الحديث أن الإمام الصادق (عليه السلام) يتحدث عن الأساس العلمي فقط، ويستند إلى منطق التحليل النفسي. ففي هذا المورد نجد الدين والعلم يسيران جنباً إلى جنب ويسلكان طريقاً واحداً. فإن الطريق الذي سلكه الإمام (عليه السلام) قبل قرون عديدة يستعمله علماء النفس المعاصرون في علاج القلق عند الأفراد.
مفترق الطرق:
وجدنا المنهج العلمي والمنهج الإسلامي يتطابقان في علاج القلق إلى هذه المرحلة. لكن المرحلة التالية تعتبر مفترق طريقين بين الإسلام وعلم النفس. لأن الأخير يعتمد على الأصول العلمية فقط ولذلك نجده يقصر عن علاج بعض الحالات التي لا تنفع نصائح الطبيب النفسي مع المريض. في حين أن المنهج الإسلامي لا يستند في علاج القلق إلى المنطق العلمي فقط، بل يستغل قوة الإيمان أيضاً. إن أثر الإيمان في علاج الأمراض الروحية أقوى بكثير من أثر العلم.
فعندما يقع الفرد المؤمن في وبطة التشاؤم يسلك الأئمة (عليهم السلام) لعلاجه طريقين: أحدهما علمي وهو الذي سبق شرحه. والآخر إيماني وهو الذي يعتبر الاعتقاد بالتشاؤم مناقضا للإيمان بالله
____________________
(1) روضة الكافي لثقة الإسلام الكليني ص 197.
1 - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (الطيرة شرك) (1) .
2 - قال (صلّى الله عليه وآله): (من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) (2) .
3 - روي عن أبي الحسن (عليه السلام) لمن أوجس في نفسه شيئاً: (إعتصمت بك يا ربّ من شرّ ما أجد في نفسي، فاعصمني من ذلك) (3) .
بهذا الأسلوب يوجه الإمام (عليه السلام) الفرد المسلم نحو الاستمداد من الله تعالى في دفع الشر عنه، وذلك كفيل بعلاج ما هو عليه من القلق والاضطراب. فإن الإيمان بالله أفضل الطرق لبعث الاستقرار والطمأنينة في القلب.. ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (4) .
المؤمنون الأحرار:
إن الأحرار الحقيقيين هم الذين يؤمنون بخالق الكون ويستندون إلى قدرته وعظمته. إنهم يتمتعون بأرواح قوية ونفوس مطمئنة... لا طريق للقلق والحقارة إلى شخصياتهم... ومهما قست الظروف فإنها لا تستطيع دحرهم وإخضاعهم لها. عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: (إنّ الحر حر على جميع أحواله. إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر أو استبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصديق الأمين (صلوات الله عليه)، لم يضرر حريته أن استعبد وقهر وأسر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته، وما ناله أن من الله عليه فجعل الجبّار العاتي له عبداً بعد إذ كان له مالكاً) (5) .
____________________
(1) حياة الحيوان للدميري ج2|66.
(2) نفس المصدر.
(3) سفينة البحار الشيخ عباس القمي - مادة (طير) ص 103.
(4) سورة الرعد|28.
(5) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|89.
أسلوب العلاج:
لقد تبين لنا من المحاضرات السابقة أن منشأ ظهور عقدة الحقارة يختلف عند الأشخاص، فهناك بعض العقد النفسية والاضطرابات الروحية تنبع من فترة الطفولة، وهناك طائفة من هذه العقد والاضطرابات تحدث عند الكبر.
إن أول علاج للقلق والعقد الروحية هو محاسبة النفس وتحليل الحالات الروحية للمريض لمعرفة العلل الواقعية للشعور بالحقارة فما لم نحصل على المنشأ الحقيقي للمرض لا يتيسر العلاج الأساسي له.
يقول علماء النفس: إن الشخص المصاب بالاضطرابات الروحية والذي يشكو من عقدة الحقارة يجب أن يصنع لنفسه إضبارة ويحاكم نفسه أمام محكمة العقل. يجب عليه أن يستجلي الخواطر المرة التي تفصح عن نفسها بصورة مجهولة، وأن يزيل الغموض والإبهام عن الأفكار المؤلمة التي تهدده... يجب أن يصنع لكل جانب من هذه الجوانب سؤالاً ثم يحاول أن يجيب على السؤال بمعونة العقل، ثم يتخذ عزماً صحيحاً حول مصيره.
لقد أولى الأئمة (عليهم السلام) عناية بالغة إلى مسألة محاسبة النفس، وإحصاء النقائص، والسعي في إكمالها، والتخلي عن العيوب التي تحطم شخصية الفرد:
1 - وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وعلى العاقل أن يُحصي على نفسه مساوئها في الدين والرأي والأخلاق والأدب، فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب ويعمل في إزالتها) (1) .
2 - وعنه (عليه السلام): (من حاسب نفسه وقف على عيوبه وأحاط بذنوبه فاستقال الذنوب وأصلح العيوب) (2) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج17|116.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 696.
3 - وعنه (عليه السلام): (من حاسب نفسه ربع، ومن غفل عنها خسر) (1) .
إن الفائدة من وراء محاسبة النفس هي التوصل إلى جذور المرض الروحي ومعرفة علل الشعور بالحقارة. وهذا نفسه يحل كثيراً من العقد الروحية وينقذ الفرد من القلق المستمر، ولكن ليس هذا كل ما في المنهج الإسلامي، بل لا بد من محاسبة أخرى وهي التصميم لتدارك النقائص وإزالة العيوب.
هاتان المحاسبتان ضروريتان لعلاج جميع العقد الروحية والاضطرابات فعلى الإنسان أن يعرف نفسه ويدرك جذور المرض الذي يشكو من عوارضه أولاً، ويبحث عن طريق اقتلاع الجذور على هدى العقل والمنطق ثانياً.
الإيحاءات المشجِّعة:
هناك بعض الأفراد مصابون بعاهات عضوية غير قابلة للعلاج ولذلك فإنهم يشكون من الحقارة. هذا النقص لا يمكن علاجه بالمحاسبة النفسية والمعالجة الطبيعية، بل لا بد لذلك من القيام بالإيحاءات التي تبعث القوة والشجاعة في النفس.. هؤلاء يجب عليهم أن يتكيفوا للعاهة ويعملوا على إحياء الاستعدادات الباطنية والمواهب الكامنة حتى يتداركوا النقص الذي هم عليه، وفي هذا يقول القرآن الكريم: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) .
لو يعمل الناس جميعاً على تطبيق هذا المنهج القيم في حياتهم، ويدفعوا كل سيئة بالحسنة، فيدفعوا الظلم بالعدل، والغضب بالحلم، والنقص بالكمال والزلة بالعفو.. فإن المجتمع يبلغ الحد الأقصى للكمال والرقي.
نموذج تطبيقي:
لنفرض تاجراً محترماً تدهورت أحواله فاضطر إلى غلق محله بسبب من خلّوه
____________________
(1) نهج البلاغة، شرح الفيض الأصفهاني ص 1170.
من البضائع التي يستطيع الاستمرار في التجارة بواسطتها. هذا الشخص يشعر بالحقارة في نفسه، ويفقد الراحة والاستقرار، ويصاب أُخيراً بالاختلالات الروحية والأمراض النفسية.
إن أساس العلاج في مثل هذه الحالة يستند إلى إجراء محاسبتين، ويتطلب الإجابة على سؤالين:
الأول: من أين حصل القلق ونشأ الشعور بالحقارة؟
الثاني: ما الذي يجب إتباعه لعلاج القلق وحل عقدة الحقارة؟
لو لم تكن في ضمير التاجر علل خفية أخرى للقلق والشعور بالحقارة لكانت الإجابة على السؤال الأول واضحة جداً. إنه فقد ثروته وبما أنه كان تاجراً محترماً في يوم ما، واليوم أصبح معدماً فإنه يتألم كثيراً.
أما الإجابة على السؤال الثاني، فهي عبارة عن أن اليأس يجب تبديله إلى رجاء، ويجب تقوية روحه المندحرة... يجب دفعه للنشاط والعمل من جديد للحصول على الثروة، حتى يسترجع عزه ومنزلته في أنظار الناس.
يبقى الموضوع الدقيق وهو كيفية السيطرة على روح المريض، وتبديل اليأس في نفسه إلى رجاء.
إن علماء النفس يعمدون في هذه الموارد إلى الأساليب العلمية البحت، ويوحون إلى التاجر المتدهور أن اليأس عامل كبير في جلب التعاسة لصاحبه.. كن رجلاً، اشدد عزمك، أبدأ العمل والنشاط من جديد، حاول استرداد ثقة الناس بك. ثم يذكرون له بعض القصص عن أشخاص تدهورت أوضاعهم ثم تداركوا ذلك وبدءوا العمل ونجحوا نجاحاً منقطع النظير. ثم يقولون له: إنك تستطيع أن تقتدي بهؤلاء وتسير على ما ساروا عليه وتحصل على النجاح الباهر.
أما الأئمة (عليهم السلام)، فإن لهم بالإضافة إلى المنطق العلمي في معالجة هذه المشاكل، أسلوباً آخر يعتمد على الاتكال على الله واستمداد العون منه. لقد كان أبو طيار من تجار الكوفة، وتدهور وضعه المالي مرة. فذهب إلى المدينة وتشرف بلقاء الإمام الصادق (عليه السلام)، وذكر حالته وطلب من الإمام
علاجاً لذلك. إن أول سؤال بدأ به الإمام (عليه السلام) هو: (ألك حانوت في السوق؟)، قلت: نعم، وقد تركته، فقال: (إذا رجعت إلى الكوفة فاقعد في حانوتك واكنسه).
لا يوجد طريق لتدارك التدهور الاقتصادي الذي أصاب تاجراً بغير استعادة العمل والنشاط. وهذا لا يحصل مع اليأس والتردد، بل لا بد من العزم والاستقرار. ولذلك فإن الإمام (عليه السلام) قال له: (إذا أردت أن تخرج إلى سوقك فصلّ ركعتين ثم قل في دُبر صلاتك: توجهت بلا حول مني ولا قوة، ولكن بحولك يا ربّ وقوّتك، فأنت حولي ومنك قوتي) (1) .
لقد عمل أبو طيار بوصية الإمام (عليه السلام) ففتح حانوته، ولم تمض ساعة حتى جاء إليه بزّاز وطلب منه أن يؤجره نصف حانوته، فوافق على ذلك شريطة أن يدفع أجرة الحانوت كله، فجاء البزاز وبسط أمتعته في نصف الحانوت، وهذا أدى إلى أن يصبح للحانوت وجه جديد.
كان البزاز يملك عدة عدول من القماش لم تفتح بعد، فطلب أبو طيار منه أن يسمح له ببيع عدل منها على أن يأخذ الأجرة لنفسه ويعيد لجاره قيمة العدل. فوافق على ذلك، وسلّمه عدلاً. فأخذ أبو طيار العدل وعرضه في النصف الآخر من الحانوت. وصادف أن الجو أصبح بارداً جداً في ذلك اليوم بحيث أقبل الناس على السوق يشترون الأقمشة لوقاية أجسامهم من البرد، وما أن غربت الشمس حتى كانت الأقمشة كلها قد بيعت.
وفي هذا يقول أبو طيار: (فما زلت آخذ عدلاً وأبيعه، وأخذ فضله وأردّ عليه رأس المال، حتى ركبت الدواب واشتريت الرقيق وبنيت الدور) (1) .
____________________
(1) بحار الأنوار للعالمة المجلسي ج11|215.
وهكذا نجد أن الأئمة (عليهم السلام) استندوا في جميع الموارد لحلّ العقد النفسية إلى قوتي العلم والإيمان، وبذلك أكدوا على دور الإيمان في الأخذ بيد الإنسان نحو طريق السعادة والكمال.
____________________
(1) بحار الأنوار للعلامة المجلسي 11 | 215.
الفهرس
المحاضرة السادسة عشرة: مسئولية الوالدين في تربية الطفل - الوفاء بالعهد 5
المحاضرة السابعة عشرة: تدريب الطفل على الصدق 29
المحاضرة الثامنة عشرة: احترام شخصية الناس – احترام شخصية الطفل 53
المحاضرة التاسعة عشرة: الإسلام وتكريم الطفل 77
المحاضرة العشرون: العقل والعواطف - تنمية عواطف الطفل 103
المحاضرة الحادية والعشرون: تنمية الإيمان في الطفل 129
المحاضرة الثانية والعشرون: عقد الحقارة 155
المحاضرة الثالثة والعشرون: الإفراط في المحبة 177
المحاضرة الرابعة والعشرون: الاعتماد على النفس 203
المحاضرة الخامسة والعشرون: الحياء المحبَّذ والحياء غير المحبَّذ 231
المحاضرة السادسة والعشرون: تعديل الميل الجنسي 259
المحاضرة السابعة والعشرون: تدارك الحقارة 289
المحاضرة الثامنة والعشرون: الأساس النفسي للتكبير 317
المحاضرة التاسعة والعشرون: الاعتدال في التواضع 343
المحاضرة الثلاثون: علاج القلق والحقارة 361