دراسات في الفكر الاقتصادي الإسلامي

مؤلف: الغدير للدراسات والنشر
علم الفقه

دراسات

في

الفِكر الاقتصادي الإسلامي



دراسات

في

الفِكر الاقتصادي الإسلامي

د. عبد الأمير زاهد

الغدير

بيروت - لبنان


بسم الله الرّحمن الرّحيم


كلمةُ المركز

يبحث هذا الكتاب في الفكر الاقتصادي الإسلامي، فيُعالج خمس قضايا أساسيّة مِن قضاياه، ولا يخفى على أيّ معنيٍّ بهذا الشأن، أنّ قضايا الفكر الاقتصادي تُعدّ، وبخاصّة في مجتمعات البلدان النامية، وبلادنا منها، من القضايا المركزيّة الكبرى المفروض أن تُولى أهمّية خاصّة، وقد درج كثير من الباحثين في هذا المجال على استلهام النُظم الوضعيّة، والغربيّة منها بخاصّة، مُعتقدين أنّ الإسلام يُقدّم مجموعة نُظم جزئيّة أخلاقيّة تقتصر على معالجة قضايا التوزيع؛ الأمر الذي جعلهم يرون استحالة تقدّم المجتمع الذي تحكمه هذه النُظم، وبغية تأكيد وجهة نظرهم هذه يقدّمون ما عرفته البلدان الإسلاميّة من نُظم، ومنها بخاصّة نظام الدولة العُثمانية، ويقارنون بينها وبين ما عرفته الدول الأوروبية من نُظم مُختلفـة، ويرون أنّ النُظم الأُولى لم توفّر ما يُلبّي حاجات الإنسان الأساسيّة؛ بسبب فقدانها القدرة الذاتية على النموّ والتطوّر والإنتاج وتجاوز وضعها الساكن، في حين أنّ النُظم الثانية وفّرت تلك الحاجات، ومضت في تجاوز مستمرّ لكل وضع تصل إليه.

يدرك مؤلّف هذا الكتاب وجهة النّظر هذه، ويتّفق مع أصحابها في القول بأنّ تقدّم المجتمع هو غايةُ أيّ نظام، وقدرته على تحقيقها هي وسيلة فحص صلاحيّته، لكنّه يختلف معهم في ما تبقّى مِن قول؛ ذلك أن النُظم التي يقدّمونها، بوصفها نماذج للنظام الإسلامي، ليست كذلك، فهي لا تمثّل النظام الإسلامي المُنبثق من النظرية الإسلاميّة الشاملة الرائية إلى الكون والحياة والعلاقات بين الناس، والتي يمثّل القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة مصدرها.

مِن هنا كانت الحاجة ماسّة إلى بيان هذه النظرية في مُختلف المجالات، وبخاصّة في مجال الفكر الاقتصادي، الذي يقلّ البحث فيه، وتبرز الحاجة أكثر إلحاحاً وضرورة.


وإذ يعي مؤلّف هذا الكتاب، أ. د. عبد الأمير زاهد (شاركه أ. د. فاضل عبّاس الحسب في تأليف البحث الأوّل) هذه الحقيقة يعمد إلى إجراء (دراسات في الفكر الاقتصادي الإسلامي)؛ ليقدّم معرفةً بالنظرية الاقتصادية الإسلامية في مجالات التنمية والحاجة والإنتاج والرّشد والجريمة الاقتصادية وسُبل الوقاية منها، ويعتمد منهجاً يتدرّج في بحث كل قضية من عرضِ مفاهيم المذاهب المعاصرة إلى عرضِ المفاهيم المستنبطة من مصادر التشريع الإسلامي، إلى إجراء بحث مُقارن بين وجهتي النَظر، ما يُفضي إلى بلورة وجهة النَظر الإسلاميّة في كيفيّة النهوض الاقتصادي واستمرار النمو والتقدّم.

وتتميّز هذه الحركة النهضوية التنموية...، في المنظور الإسلامي، بأنّها ترمي إلى تحقيق أهداف مختلفة عن الأهداف التي ترمي إليها النظرية التي تحكم النظريات الوضعيّة؛ ذلك أنّ الأصل الأوّل في النظريّة الإسلامية هو عمارة الأرض وإقامة الحقّ فيها، وهذا الأصل هو تكليف شرعي يستنبط من نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) [البقرة / 30]، و ( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [هود / 61]، فقد جاء في تفسير الآية الأُولى: أنّ الله سبحانه وتعالى استخلف الإنسان في الأرض ليعمرها ويقيم الأرض عامرةً بما يحتاج إليه، بوصفه خليفة في الأرض، وهذا الأصل يُفيد، علاوةً على ما ذكرناه، أنّ هذه النظريّة لا تقتصر، كما يزعم بعضهم، على جُزئيات أخلاقيّة تتعلّق بالتوزيع، وإنّما تشمل إنتاج جميع ما يحتاجه الإنسان وسُبل توزيعه وفق مبدأ إقامة الحقّ الذي يكرّم الإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض.

إنّنا إذ نعي أهميّة ما تُقدّمه هذه الدراسات من معرفة نُقْدِم على نشرها في هذا الكتاب، آملين أن تُسهم في تحقيق الهدف الذي يرمي إليه، وهو خدمة ديننا الحنيف، والله سبحانه وتعالى الموفّق إلى سواء السبيل.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية


البحث الأوّل

  التنمية الاقتصاديّة في المذهب

الاقتصاديّ الإسلاميّ

(هذا البحث مِن إعداد، المؤلّف أ. د. عبد الأمير زاهد و أ. د. فاضل

عبّاس الحسب، أُستاذ في كليّة الإدارة والاقتصاد - جامعة بغداد)



مُقدّمة

ثمّة مسلّمات، أو منطلقات أساسيّة في العلوم الاقتصاديّة، يتسالم عليها الفكر الاقتصاديّ، بمصدرَيه: الإلهيّ والبشريّ، تفيد أنّ التنمية الاقتصاديّة تشكّل الحصيلة النهائيّة التي يمكن بفحصها اختبار الفاعليّة لأيّ نظام اقتصاديّ، ذلك أنّ مجموعة النُظم الجزئيّة داخل التصوّر الشامل للمشكلة الاقتصاديّة، وطُرق علاجها في أيّ نظام، هي المحدّد لأسلوبه في تحقيق النشاط الاقتصاديّ الأمثل. وعلى هذا الأساس ترتكز مقولة التنمية وأُسلوب النُظم في حلّ مضاعفاتها مؤسّسيّاً واجتماعيّاً، وبالتالي تشكّل البرهنة على قدرة أيّ نظام على الديمومة ومواكبة الحياة.

أهمّية البحث والحاجة إليه

لمّا كانت التنمية غاية الجهد المؤسّسي لأيّ نظام، فهي بذاتها، وفي الوقت عينه، وسيلة فحص القدرة الدائميّة لصلاحية النُظم الاقتصاديّة؛ لذا فإنّ أهمّية البحث تكمن في فحص قدرة النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ على تحقيقها. وضمن هذا السياق الفكريّ كانت الحاجة ماسّة إلى تلمّس قدرة هذا النُظم على تحقيق هذه الموضوعة، ليتمّ اختيار النظام المؤهّل لبناء المجتمعات المعاصرة؛ وبخاصّة مجتمعات العالم الثالث، وتشكيل حياتها الاقتصاديّة.

لقد ركّزت الأبحاث الاقتصاديّة على إجرائيّة تحقيق التنمية، فافترضت تصوّراتها أنّ التخلّف: (سلسلة مِن عوامل النكوص التي تتجلّى في تخلّف قوى الإنتاج السائدة، سواء في المعدّات (درجة تطويرها الفنّي)،


أمْ في القوى البشريّة مِن حيث المهارات والفنون والمعرفة التراكميّة) (1) .

لتنطلق منه إلى إيجاد البديل الشموليّ لوضع المجتمع وحركته ونشاطه الاقتصاديّ على الدرب الصحيح، للانطلاق بعوامل الاندفاع نحو رقيّ قوى الإنتاج باتّجاه الغاية التي يراها الفكر الاقتصاديّ ذاك غاية النشاط الاقتصاديّ برمّته.

ومن تشخيص صور التخلّف ومظاهره ركّزت الأبحاث أيضاً على أسبابه وماهيّته وتفسير نشوئه وعوامل استمراريّة الظاهرة، وقد انقسم البحث في هذه التصوّرات إلى مذاهب شتّى وآراء متعدّدة، سنرى بالمقارنة مع التصوّر الإسلاميّ للتخلّف الفارق في أساس التصوّر ونوعيّة المنطلق وطبيعة المعالجة، وباستخدام المقارنة نُحاول الوصول إلى الترجيح بين الآراء والمواقف.

وعلى ضوء تصوّر الفكر الإسلاميّ للتخلّف وما يُحيط به، سيعدّ البحث محاور تصوّر الإسلام للعمليّات التنمويّة التي يتبنّاها أطروحةً لحلّ المُشكلة الاقتصاديّة من بين الأُطروحات السائدة في عصرنا الحالي، وبالتحديد المدرستان الرئيسيّتان: الرأسماليّة والاشتراكيّة.

أهداف البحث ومنهجيّته

يهدف البحث إلى مناقشة الاتّهامات الفكريّة الموجّهة إلى الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ وتحليلها، وهي تستهدف الوصول إلى تقرير استحالة التطوّر في ظلّ المجتمع الخاضع لأحكام الكتاب والسنّة، مع ما يعرض من تطوّر المجتمعات في ظلّ الأُطروحات الاقتصاديّة الوضعيّة، وخصوصاً تلك التي ترى الإسلام مجموعة نُظم جزئيّة أخلاقيّة..، أو في الحدّ الأعلى قوانين عامّة يتجلّى أثرها في مضمار التوزيع فقط، من دون أن يكون لها أثر في الإنتاج (2) مِن حيث كون التنمية في الفكر الاقتصاديّ الوضعيّ مقولة إنتاجيّة أوّلاً على أبسط التقديرات، ويعتمد البحث في مناقشة هذه (التحدّيات الفكريّة)، الرّامية إلى دراسة نظريّة الإسلام في التنمية، تحليل

____________________

(1) اُنظر: حمزة (سعد ماهر)، مقدّمة في اقتصاديّات التبعيّة والتنمية، دار المعارف - مصر، 1967م، ص: 3.

- القاضي (عبد الحميد)، تحويل التنمية الاقتصاديّة، دار المعارف - الإسكندريّة، ص: 58.

(2) تُلاحظ هذه المحاولات في اتّهام الإسلام لدى: رودنسون (مكسيم)، الإسلام والرأسمالية.

واردنبورغ، جـ، د، ح، مذكّرات في الإسلام والتنمية، مجلة اكشينج - هولندا، 1973م.

مجلّة أندونيسيا، الدين ومشكلة التنمية في أندونيسيا.

روبرت ن، الدين والتقدّم في آسيا الحديثة.

فضل الرحمان، أثر الحداثة على الإسلام.

محمّد (أركون)، الإسلام أمام التنمية، ورقة عمل وزّعت على مؤتمر أوروبي عام 1974م، ت2.


العلاقات الداخليّة بين موضوعات مؤلّفة مِن العقيدة والفقه، بغية الكشف عن ظاهرة التناسق والاتّساق في آليّة التطبيق الاقتصاديّ لمعرفة مدى التحسين الشامل لمصير المسلمين الاقتصاديّ وعُمقه وأهمّيته، وبالتالي وضع اليد على إمكانيّة التطوّر داخل فلسفة المسلمين الاقتصاديّة بالمقارنة مع الإمكانيّات الفكريّة في الفلسفات الوضعيّة المعاصرة.

على أنّ البحث يُنبّه هنا على أنّ المقولات الإسلاميّة وقوانين النموّ المركزيّة فيه سابقة زمنيّاً على نشوء علم الاقتصاد وتطوّره، ونضج الفكر الاقتصاديّ الحديث. ومع ذلك، فقد اختار الباحثان منهجاً يفترض عرض مفاهيم النموّ في المذاهب المعاصرة على المعايير الإسلاميّة، ومقارنتها بتلك القوانين الناتجة عن مصادر التشريع؛ لاستنباط وجهة نظر الإسلام في كيفيّة التحديث الاقتصاديّ، وخلْق عوامل الدفع والتطوّر في قوى الإنتاج للتخلّص مِن أسر التخلّف، والوصول إلى الأُسلوب الشمولي في خطّ الحركة الاقتصاديّة لتلك القوى في ظلّ منهجيّة القرآن والسنّة؛ ولذلك كان عليه أن يبدأ بتحديد ماهيّة التخلّف، وماهيّة النموّ، والتنمية، والباعث عليها، والمقياس الذي توزن به قوانينها، والغاية من النموّ؛ للخروج بالخصائص المميّزة لنموذج التنمية الإسلاميّ.

تحديد مُصطلحات البحث

ولأجل تحقيق هذا الهدف لا بدّ من تحديد مُراد الباحِثَين من الاصطلاحات المُستخدمة في بحثهما، وعلى الوجه الآتي:

يعني الباحثان بالاتّجاه الفردي: الفكر والنظام القائمَين على الملكيّة الخاصّة، وأظهر مصاديق هذا الاتّجاه المدرسة الليبراليّة باتّجاهاتها ومدارسها كافّة.

ويعني بالاتّجاه الجماعي: ما قام على الملكيّة الاجتماعيّة، وأظهر مصاديقه: الفكر الاشتراكيّ واجتهاداته وتيّاراته الفكريّة.


أمّا المذهبيّة الإسلاميّة: فهي مُجمل الفلسفة الشاملة للكون والحياة والعلاقات بين الناس، ويمثّل القرآن والسنّة الأساس النظريّ لهذه المذهبيّة، على أنّ البحث يفترض أن لا يقاس في التصوّر الإسلاميّ نظام جزئيٌ واحدٌ بمعزل عن مُجمل النُظم الإسلاميّة.

أوّلاً: التخلّف ومفاهيمه في الفكرين: الوضعيّ والإسلاميّ

لمّا كانت التنمية هي البديل التاريخيّ للتخلّف، فلا بدّ من عرض موقف الفكرين منه:

1 - في الفكر الوضعيّ

يرى بعض الاقتصاديّين أنّ التخلّف: مجموعة مِن الظواهر التي تصاحب انخفاض الإنتاجيّة (1) .

ويرى آخرون أنّه: نظام وبُنية كلّية تسِم الهيكل الاقتصاديّ السائد (2) .

وبناءً على الاتّجاه الأوّل يحاول المنظّرون الرأسماليّون عَدّه ظاهرة طبيعيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة، أو تركيباً يجمع هذه الظواهر مجتمعة، بما يؤدّي إلى انخفاض الإنتاجيّة، بينما يُدافع الاتّجاه الثاني عن كونه ظاهرة تاريخيّة مُركّبة، (حيث يرى بأنّه مقولة عالميّة خاصّة بعصر الامبرياليّة، ومرتبطة بمجموعة معيّنة من العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة الداخليّة والخارجيّة) (3) .

إنّ تصوّر الاتّجاه الفرديّ للتخلّف يجعله مضطرّاً إلى الكشف عنه فكريّاً من خلال مظاهره ونتائجه، وتعوّل تلك الدراسات كثيراً على نمط الارتباط بين التخلّف ومعدّلات النموّ السكّاني، أو انخفاض إجماليّ الإنتاج، أو انخفاض إنتاجيّة العاملين، أو تدنّي كفاءة مُجمل النشاط الاقتصاديّ.

وتوسّعاً، فقد ناقشه من خلال مظاهره غير الاقتصاديّة، مثل انخفاض نسبة المتعلّمين بالقياس إلى مجموعه السكّان، أو طبيعة النظام الحقوقيّ السائد.

____________________

(1) انظر: حمزة (سعد ماهر)، م. س.

القاضي (عبد الحميد)، م. س.

(2) اُنظر: سنتش (توماس)، الاقتصادي السياسيّ للتخلّف، ترجمة فالح عبد الجبّار، ص: 14، مطبعة الأديب - بغداد.

د. البعّاج (هشام)، المغزى الحقيقيّ لنظريّة الحلقات، مجلّة كلّية الإدارة والاقتصاد، العدد 2، السنة الأُولى، 1981م، ص: 9.

(3) اُنظر: افينسيف م. م، نظريّات النموّ الاقتصادي للبلدان النامية، ترجمة عز الدين جوني، ص: 34، دار الفارابي - بيروت، 1979م.


واعتُمِد لجلاء التخلّف، في تصوّر الاتّجاه الأوّل، على مقياس غير منضبط (1) ، باعتماد المقارنة بين ما تقدّمه الدول المتقدّمة لسكّانها، بما تقدّمه دول العالم الثالث، فاختير مقياس حجم الدخل الفرديّ الحقيقيّ مؤشّراً هامّاً في تلك المقارنات، وإن انطلقت دراسات أُخرى من اعتماد مدى انخفاض إنتاجيّة العمل أو مؤشّر الاختلال في هيكل الاستخدام لصالح القطاعات التقليديّة.

وبالمقابل ركّز أصحاب الاتّجاه الثاني على أسباب الظاهرة والمحاكمة التاريخيّة للنشأة والتطوّر، فربطوا التخلّف بتطوّر الحيازة الفرديّة لملكيّة وسائل الإنتاج، بما يوصل إلى عدم التوافق بين الطابع الاجتماعيّ لعمليّة الإنتاج، وبين شكل الملكيّة، وبالتالي عدم التوافق بين قوى الإنتاج الجديدة وعلاقات الإنتاج القديمة؛ الأمر الذي يخلق في رأيهم خرقاً لواحد من أساسيّات التقدّم الاقتصاديّ، هو ضرورة التوافق بين القوى المُنتجة وعلاقات الإنتاج.

وحوكمت أيضاً أسباب الاستمراريّة والديمومة لهذه الظاهرة، وعُزيت إلى التأثيرات الاقتصاديّة للرأسماليّة على اقتصاديّات بُلدان العالم الثالث؛ حيث جعلت هذه البلدان هوامش للأوطان الأمّهات، وقد صاحب ذلك تخريب شامل للبنيان الاقتصاديّ في هذه البلدان، وأحدث فيها نموّاً مُشوّهاً متّسماً بثُنائيّة القطاعات (2) .

وبالجمع بين العوامل الخارجيّة والداخليّة انشطر العالم الحديث إلى دول تنمو بسرعة، وأُخرى تُراوح أو تتراجع. وبتوسّع الهوّة نشأ التخلّف، وتطوّر في بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، بينما اضطرد التقدّم الاقتصاديّ في أوروبا وشرق آسيا واليابان.

2 - في التصوّر الإسلاميّ

لقد طرح الفكر الإسلاميّ موضوع التخلّف معبّراً عنه بالشقاء، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم، في تحديد العلاقة بين الإنسان المتلقّي لهدى السماء، وبين الكائنات والمخلوقات التي تتصرّف في الحياة بقياساتها البشريّة:

____________________

(1) اُنظر: درويش (حسين)، التنمية الاقتصاديّة، 1979م، دار النهضة العربيّة - القاهرة، ص: 18.

(2) اُنظر: كوك (أوليفر)، الرأسماليّة نظاماً، ترجمة الدكتور إبراهيم كُبّه، ص: 184 - 189.

توماس سنتش، مصدر سابق، ص: 22.

مرسي (فؤاد)، التخلّف والتنمية، ص: 52.


( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ فَإِمّا يَأْتِيَنّكُم مِنّي هُدىً فَمَنِ اتّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ‏ ) [طه: 123 - 124].

وقال: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى‏ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [النحل: 97].

وقال عزّ وجلّ: ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) [النحل: 112].

إنّ ما يُفهم من مُفردات (الضلال، والشقاء، والمعيشة الضنكا)، هي تلك التركيبة من الخصائص السلبيّة التي تعمّ نشاطات الحياة والمجتمع كلّها، بمظهرٍ خارجيّ مؤدّاه عدم قدرة الهيكل الاقتصاديّ على توفير ما يُلبّي الحاجات الأساسيّة ( Basic Needs )؛ بسبب فقدان القدرة الذاتيّة لذلك الهيكل على النموّ والتطوّر، وعدم قدرته على تجاوز سِمة السكونيّة.

قال المفسّرون: (المراد بـ ( يَشْقَى ) : أي يقع في تعب العمل وكدّ الاكتساب والنفقة، وقال الجبائي: المراد بـ ( مَعِيشَةً ضَنكاً ) أي أنّ الله يُقتّر عليه الرزق عقوبة له على إعراضه) (1) .

وعليه، فقد دلّ الشقاء الوارد في الآية على تدنّي الإنتاجيّة في العمل، ودلّ مفهوم المعيشة الضنكا على عدم القدرة الإنتاج الاجتماعيّ على الوفاء بسداد الحاجات العامّة للسكّان، ولعمليّة تجديد الإنتاج الاجتماعيّ، ومِن خلال إشارة الجبائي إلى أنّ الله (إن وسّع على المعرض فإنّه يُضيّق عليه بأن يجعله ممسكاً لا ينفق على نفسه) (2) ، يراد به ربط ذلك بالتوزيع غير المتساند، مع الاندفاع والإيجابيّة في استثمار المسخّر من الكون بأُسلوب إمساك الدخْل عن المساهمة الفاعلة في التوظّف، مع التزامن في تدنّي مستويات الاستهلاك.

____________________

(1) الطبرسي (أبو علي الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، المطبعة الإسلامية 7/34.

(2) المصدر نفسه.


أمّا في قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى‏ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ؛ أي مَن عَمل عملاً صالحاً، وهو مؤمن مصدّق بالله وأنبيائه، ومنفّذ لقوانين الشريعة، فقد وعده الله بأن يُحييه حياة طيّبة.

قال المفسّرون: المراد بالحياة الطيّبة: الرزق الحلال (عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير وعطاء)، وقيل: رزق يوم بيوم (تدفّق الإنتاج وزيادته بما يوازي زيادة الحاجات الكمّية بزيادة السكّان، أو النوعيّة بانشطار الحاجات وتطوّرها واتّساعها عموديّاً وأُفقياً حسب تطوّر المستوى الحضاريّ) (1) .

ويُلاحظ أنّ قول الله تعالى: ( قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً ) ؛ أي ذات أمْن، يأمَن أهلها من الإغارة عليهم، و ( مّطْمَئِنّةً ) ، قارّة ساكنة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بخوف أو بضيق، و ( يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلّ مَكَانٍ ) ، أي يحمل إليها الرزق الواسع من كلّ موضع، ( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ ) ، أي كفر أهلها بأن لم يؤدّوا شكرها، فأخذهم الله بالجوع والخوف بضيعهم، وسمّاه لباساً؛ لأنّ أثر الجوع والهزال يظهر على الإنسان كما يظهر اللباس، وقيل: يشملهم الجوع والخوف جميعاً كما يشمل اللباس البدن كلّه (2) .

وفي ضوء ما تقدّم، فإنّ ماهيّة التخلّف في المفهوم الإسلامي: هي (عجز البُنية الاقتصاديّة - الاجتماعيّة عجزاً كاملاً أو جزئيّاً عن تحقيق مُعدّل استثمار مستمرّ يعلو على معدّل الزيادة السكّانية، بما يجعلها - أي البُنية - غير قادرة على الوفاء بالاحتياجات الأساسيّة، بسبب تقصير الإنسان في مهمّاته الاستخلافيّة مِن جهة السياسة الاقتصاديّة أو مِن جهة عدم استجابة الأفراد لبرامج الاستخلاف في تكليف الإنسان شرعاً بعمارة الأرض) (3) .

إلاّ أنّه ممّا تلزم الإشارة إليه أنّ ما مرّ من تشخيص للماهيّة والظواهر، فإنّما هو على مستوى اقتصاد مغلق ( closed Economy )، الذي تجري عمليّاته بمعزل عن قسمة العمل الدوليّة، بعيداً عن حركة السِلع والخدمات العالميّة، وعن انتقال رؤوس الأموال بين الاقتصاديّات المُختلفة، وتبادل الأيدي العاملة في ما بينها، علماً بأنّ المذهب الاقتصاديّ الإسلاميّ يرى أصلاً أنّ

____________________

(1) المصدر نفسه: 3/384.

(2) المصدر نفسه: 3/389، 390.

(3) اُنظر: خلفيّات انتزاع هذا المفهوم عند: صالح (عبد الأمير كاظم)، التنمية في الاقتصاد الإسلاميّ.


وجود أكثر من نمط إنتاجيّ ( Production Mod ) إنّما هو حالة مؤقّتة وطارئة؛ لأنّ التكليف الشرعيّ الدائم يلزم بتعميم الشريعة الإسلاميّة على كلّ المعمورة.

أمّا الحوار على مستوى الاقتصاد المفتوح ( Open Economy )، أي أخذ الاقتصاد الإسلاميّ ضمن حركة الاقتصاد العالميّ، وبوصفه جُزءاً مِن السوق العالميّة، فإنّ التقصير بمهمّة الاستخلاف فيه (في المجتمع الإسلاميّ) إذ يتجسّد في انخفاض إنتاجيّة العمل الاجتماعيّة، فإنّه ينعكس رأساً في تدنّي مستوى تلك الإنتاجيّة عن المعدّل العالميّ، وبالتالي تصبح نسب التبادل التجاريّ مائلةً إلى الانخفاض دائماً؛ لذا فإنّ معيار الإنتاجيّة الاجتماعيّة للمجتمع الإسلاميّ، مقارنةً بنظائرها الخارجيّة، يغدو معياراً للمقدرة الاقتصاديّة ( Economic Potential ) للاقتصاد الإسلامي.

فكلّما كانت المقدرة الاقتصاديّة كبيرة كبُر إجمالي القوّة المُنتجة والإنتاج الاجتماعيّ، وبالتالي توسّعت وتعمّقت مكانة الاقتصاد الإسلاميّ في قسمة العمل الدوليّة.

فالاستقلال الاقتصاديّ - كما نراه - هو المكانة التي يحقّقها الاقتصاد بالمعنى للاقتصاد الدوليّ، تمشّياً مع مقدرته الاقتصاديّة التي ليست هي إلاّ إجمالي القوّة المُنتجة، زائداً على مجموع الإنتاج الاجتماعيّ، على أن ينظر إليها بوصفها مُتغيّراً تابعاً للمتغيّرات الهيكليّة في البُنية الاقتصاديّة، وإنّ تغيير الاقتصاد هيكليّاً يجرّ وراءه تغييرات وتحوّلات في كمّ القوى المنتجة وفي نوعيّتها، بحيث تؤدّي إلى تغيير في نمط الإنتاج، وبالتالي في حجمه وقيمته ونوعيّته، وأخيراً في مقدرته الاقتصاديّة ذاتها.

إنّ الآيات الكريمة التي أشارت إلى مفهوم التخلّف وسببه، أشارت أيضاً إلى ظواهر من أبرزها الانخفاض المُطلق والنسبيّ لحدّ الكفاية (1) ؛ لكونها من المعايير الكمّية في نمط التوزيع الإسلاميّ القائم على مِعيارَي العمل والحاجة.

____________________

(1) حدّ الكفاية بمنظور عيني هو: مجموع السِلع والخدمات التي يتناسب مقدارها كمّاً ونوعاً مع إنتاجيّة الفرد، ومدى التزامات بيت المال نحوه محسوباً على أساس الموقع الاقتصاديّ لذلك الفرد.

للتّفيصلات اُنظر في ذلك:

الحسب (فاضل)، الماوردي في نظريّة الإدارة الإسلاميّة العامّة، ص: 59، عمان، المنظّمة العربيّة للعلوم الإداريّة، 1984م.

المياحي (عبد الأمير كاظم)، التنمية في الاقتصاد الإسلاميّ، رسالة ماجستير مقدّمة إلى مجلس كلّية الشريعة، جامعة بغداد، رونيو، 1987م.

إبراهيم (أحمد إبراهيم)، في نمط التوزيع الإسلاميّ، رسالة دبلوم عالي مقدّمة إلى معهد البحثو والدراسات العربية - بغداد، رونيو، 1987م.


وسبب الانخفاض في حدّ الكفاية انخفاض إنتاجيّة العمل؛ بسبب عدم توفّر ظروف الجدّية في مُمارسة عمـارة الأرض، والتفريط بما سخّره الله تعالى من مُعطيات الطبيعة، بما يعني انخفاض صافي الأرباح الاجتماعيّ، وبالتالي ضيق حدود كفاية الأفراد؛ لصغر حجم السِلع والخدمات التي تدخل فيه، ومحدوديّة تنوّعها.

وعلى العكس، فإنّ إدراك العاملين في الاقتصاد الإسلاميّ لفريضة العمل والاستجابة لها تعني زيادة فاعليّة العمل؛ لتحويل نِعَم الله تعالى إلى سِلَع إنتاج وسِلَع استهلاك بدرجة توجب توسيع حدود الكفاية على نطاق الفرد، ومن ثَمّ على المستوى الاقتصاديّ كلّية.

إنّ البُعد النسبي لحدود الكفاية في الاقتصاد الإسلاميّ يتّضح في مجال المقارنة مع معايير مستوى المعيشة في الاقتصادات الأُخرى، على أن تُؤخذ بنظر الاعتبار المتغيّرات النوعيّة المميّزة لنمط الاستهلاك الإسلاميّ، ومثالاً على ذلك نذكر: استبعاد السِلع المحرّمة والمكروهة - مثلاً - مِن مجال المقارنة والعوامل المُشابهة الأُخرى.

وفي حالة افتراض مُستوى مُعيّن من حدود الكفاية يمكن أن نتصوّر ثلاث حالات:

أ - تناسب مقدار (الكفاية) عيناً أو نقداً مع إنتاجيّة الفرد، وبذلك يكون عمل الفرد هو الكفيل بسدّ متطلّبات معيشته بالمستوى والموقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ في مُدّة زمنيّة مُعيّنة، اعتمد الفقهاء فيها غالباً السَنة مدّةً قياسيّة، نلحظ ذلك في شرط (الحول) في الزكاة والخُمس والخَراج.

ب - زيادة مردود عمل الفرد وإنتاجيّته مِن جهة المردود الاقتصاديّ (فائض الدَخل) بما يفوق (حدّ الكفاية)، بحيث يخضع هذا الفائض إلى موازنة ماليّة أقامتها الشريعة الإسلاميّة، مِن خلال تأسيس عِدّة قنوات تُرحِّل قسماً منه إلى بيت المال بوساطة الحقوق الشرعيّة على المال، وفي مقدّمتها


الزكاة والخُمس والكفّارات والنُذور والوَقف والخَراج والصدقات التطوّعيّة التي تمتلك خاصّية تتفرّد بها؛ إذ إنّها ترتبط بدرجة التقوى في ذات الفرد، أو إنّ المردود أو جزءاً منه يوظَّف في استثمارات إضافيّة في الأُصول الثابتة أو المتداولة للإنتاج، وبذلك لا يخضع للزكاة.

جـ - أمّا الحالة الثالثة، فهي عجز مردودات عمل الفرد وإنتاجيّته عن تغطية حدّ الكفاية، بما يجعل الفرد محلاً للمدفوعات التحويليّة، من صندوق الزكاة، أو بيت المال؛ لتغطية المتبقّي عن طريق مصارف الزكاة أو مصارف الخُمس، أو الاستفادة من تحقّق الكفّارات والنُذور والأوقاف التي تُسيل منافع الأُصول لصالح المحتاجين للمنافع المحبسـة (1) .

وحيث تنتهي البحوث في نمط التوزيع الإسلاميّ إلى أنّ قوانين التوزيع في الإسلام لا تدع شريحة العجز عرضة للهلكة أو الإحسان، إنّما تجعل الإمام والمسلمين جميعاً مسؤولين مباشرة عن انتزاع هذه الشريحة إلى مستوى الكفاية، فإنّ مفهوم التخلّف الناتج عن سوء التوزيع لا يكاد يرى في تصوّر اقتصاد إسلامي.

ويترتّب على ذلك أنّ نموذج التنمية في الإسلام لا يقوم على أساس (الإنتاج) فقط، فللتوزيع دور هامّ في إنجاز النموّ.

وقد يُؤسّس على ذلك أنّ محور التوزيع سيدخل في حسابات المخطّط الاقتصاديّ المسلم، إلى جانب الإنتاج عند صياغة السياسة الاقتصاديّة أو الخطط الطويلة والمتوسّطة؛ بما يؤدّي إلى اقتران النموّ مع توزيع إمكاناته توزيعاً عادلاً.

مِن كلّ ما تقدّم يخرج الباحث من هذا الاقتران بالنتائج الآتية:

1 - إنّ النمط التوزيعيّ يُهيّئ جميع قوّة العمل المتاحة للمساهمة بالإنماء.

2 - تحقيق الكفاية للجميع، بوصفها حدّاً أدنى يسهم في زيادة إنتاجيّة القوى العاملة ورأس المال معاً.

____________________

(1) اُنظر: الآيات الخاصّة بالإنفاق: [التوبة: 60، الأنفال: 40].

والمُستندات الشرعيّة للكفّارات، واجتهادات الفقهاء في الوقف والخراج. اُنظر في ذلك: الحسن بن يوسف بن المُطهّر، شرائع الإسلام، تحقيق عبد الحسين محمّد علي، الآداب - النجف، ط1، 1969م. وتذكرة الفقهاء، الطبعة الحجريّة.

الطوسي (محمّد بن الحسن)، المبسوط، الطبعة الحجريّة، 1271م. المحقّق النجفي (محمّد حسن)، جواهر الكلام، مطبعة النجف، ط6: 15/16. الكاساني (علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مطبعة الجمالية - مصر، 1910م.

الحسب (فاضل عبّاس)، م. س. المياحي (عبد الأمير كاظم)، م. س.


3 - السماح بالتفاوت بعد تحقيق الكفاية؛ الأمر الذي يحرّك الطلب المنشّط، ثمّ الفعّال الذي يُشجّع الإنتاج، وبالتالي يُقلّل من فُرص الركود وآثاره السيّئة على الدورة الإنتاجيّة.

نخلص ممّا تقدّم - أيضاً - إلى أنّ نظرة المذهبيّة الإسلاميّة للتخلّف نظرة فكريّة وليست مادّيةً، هذه النظرة الفكريّة تستوعب كافّة مظاهره ونتائجه وأسبابه، وتعدّ أساساً لمعالجته، كما سيظهر من تصوّر تلك المذهبيّة للتنمية.

وإنّ تلك التصوّرات - كما يبدو - تُعطي للتوزيع أولويّة في انتزاع المفهوم الحقيقيّ للتخلّف، فتربطه بنمطه، ثمّ تحلّل تدنّي الأنماط من خلال عزوف الإنسان عن استثمار الموارد المُتاحة (المُسخّرة) للكون؛ بسبب عدم أداء الإنسان (المُستخلف) لمهامه الاستخلافيّة في الأرض (عمارة الكون).

وكلّ ذلك بسبب عدم وضوح أُسلوب المعالجة الإسلاميّة للمُشكلة الاقتصاديّة عند الفرد المُستخلَف - غير المسلم - أو سيطرة حالة التبعيّة الفكريّة والمنهجيّة لدى المسلمين في الإعراض عن القوانين المركزيّة للنموّ، كما ترسمها الشريعة الإسلاميّة. أمّا ما يترتّب على هذه العلّة المركزيّة فهو من قبيل النتائج والمظاهر التي تفرزها تلك العلّة.

وهذا يعني أنّ المذهبيّة الإسلاميّة تُعالج المسألة مُعالجة جذريّة عميقة، تبدأ مِن تمكين العقيدة في النفوس؛ لأنّ النموّ لا يعدّ ممارسة شرعيّة إلاّ إذا كان استجابة لحُكم شرعيّ، ثمّ وضع الإنسان تحت تأثيرات مجموعة من القيَم المحفّزة، إضافةً إلى دور الفقه (النُظم الحقوقيّة المؤسّسيّة) في تنظيم بيئة قانونيّة اجتماعيّة سياسيّة مُهيأة للإنماء، بما يشكّل، وفق مصطلح الاقتصاديّين، الإطار المُلائم للتنمية.

إذنْ، لتعدّ المنهجيّة الإسلاميّة المعادل لِما يُسمّى في أدب التنمية بشروط الانطلاق، على أنّنا لا بدّ من أن نشير إلى الخلاف في التصوّر والمعالجة بين الفكرين: الوضعيّ والإسلامي، وما يترتّب على كّل تصوّر من عناصر توجّه الطريقة الكليّة لكلّ فِكر في استخلاص قيميّ لحلّ المشكلة الاقتصاديّة، وعلى


ذلك، فإنّ منظومة معايير التخلّف في الدراسات الاقتصاديّة للتنمية لا ترقى إلى وصف التخلّف ماهيّةً أو مفهوماً، ذلك أنّ فائض الزيادة السكّانيّة مفهوم نسبيّ، فليس الأمر إلاّ عدم استخدام الموارد المُتاحة (المسخّرة)؛ لأنّ التصوّر الإسلاميّ لا يعترف البتّة بنقص الموارد إزاء زيادة السكّان، ولأنّ وجوب العمل في التصوّر الإسلاميّ وجوب مُنحل إلى كلّ قادر عليه، إلى جانب كفاية الموارد للحاجات الأُفقيّة (زيادة السكّان). كما أنّ نقص الموارد - كما يُمثّل له الحزام الاستوائيّ - مسوّغ غريب، فإنّ النظرة الإسلاميّة، إلى جانب كونها تؤكّد بدلالات قرآنيّة متعدّدة كفاية الموارد، لا ترى المسألة من زاوية إقليميّة، بل إنّ المسلمين جميعاً مسؤولون عن إخوانهم مسؤوليّة وجوبيّة حيناً وندبيّة حيناً آخر.

لقد أسهب الآلوسي والزمخشري في تفسير قول الله تعالى: ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) [إبراهيم: 34]، قال الألوسي: ( كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) يعني ما من شأنه أن يُسأل لاحتياج الناس إليه، سواء سأله الإنسان أمْ لم يسأله).

وقال الزمخشري: (إنّه آتاكم كلّ ما احتجتم إليه، والذي لم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلاّ به) (1) .

وقد أيّد العلم هذه النظرة الشموليّة بما جعل الباحثين يؤكّدون على أنّ معارف الإنسان لم تصل إلى اكتشاف فائدة كلّ ما يحيط به الموارد، وكلّ ما توصّل إلى معرفة فائدته لا يتجاوز قطرة من بحر، إذا قيس بجميع ما يشتمل عليه هذا الكون.

ففي المملكة الحيوانيّة التي تُعدّ فصائلها بمئات الآلاف، لم يستخدم الإنسان منها إلاّ نحو مِئتي فصيلة (2) .

ويرى العُلماء أنّ ارتفاع عدد سكّان العالم مِن (750 مليوناً) في سنة (1750) إلى (4000 مليون) حالياً صاحَبه ارتفاع في مستوى المعيشة، وهذا لا يتمّ إلاّ مع فرض كفاية الموارد (3) .

____________________

(1) الآلوسي (شهاب الدين محمود شكري)، روح المعاني، الطبعة النيرية: 13/ 226.

الزّمخشري (جار الله محمود بن عمر)، الكشّاف، طبعة الحلبي، 1966م: 2/379.

(2) وافي (علي عبد الواحد)، الاقتصاد السياسيّ، ط 5، دار الحلبي، 1952م، ص 6 و7.

(3) البيلاوي (حازم)، أصول الاقتصاد السياسيّ، ص: 34.


وقد نُوقشت قضيّة رأس المال في بحوث مُتعدّدة، نذكر منها بحث البعّاج: (مغزى الحلقات المفرغة) الذي انتهى إلى أنّها وسيلة تضليليّة؛ لتسويغ بقاء تخلّف دول العجز في العالم المعاصر واستمراره (1) .

أمّا تدنّي إنتاجيّة العمل، فهو - كما يظهر مَن ولجَ هذا الموضوع - نتيجة لِما تقدّم من معايير، ولم تصمد التفسيرات السوسيولوجيّة بعَزو التخلّف إلى نمط الثقافة والدين والأنظمة الاجتماعيّة والفروق العنصريّة واللون، وتصنيف البشر إلى مجتمعات راكدة وأُخرى راكدة هجينة، إلاّ بمساسها بالمدخل الفكريّ؛ لتوضيح تصوّر الإسلام للمدخل السليم لتفسير التخلّف، وإلاّ فهي دراسات منحازة تضمّ بين جنباتها أغراضاً غير علميّة، وتحتوي على درجة من التعصّب ورمي شعوب العالم الثالث بعيب (الأدْنَويّة)، وتهدف إلى تقرير آراء عنصريّة تلصق التفوّق الطبيعيّ بعناصر وسلالات بشريّة في العالم (*) ، وهكذا لم تقف معايير المنظومة أمام التفسير الإسلاميّ للتخلّف.

ثانياً: التنمية

1 - التصوّر والإجرائيّة في النُظم الاقتصاديّة الوضعيّة المُعاصرة

لقد تعدّدت الزوايا التي ينظر الباحثون من خلالها إلى التّنمية.

فقد لاحظ بعضهم أنّها (الزيادة المُستمرّة في إنتاج الثروات الماديّة) (2) .

ولاحظ آخرون أنّها عمليّة زيادة الدَخل الفرديّ أو الإنتاج الاجتماعيّ، وقد اعترض على ذلك عونار ميردال (3) .

ويلاحظ هانسن ( Hansen ) ارتباط التنمية بالعلاقات الدوليّة.

ويربطها اسمان بالتحوّلات الحضاريّة للدول الأقلّ تصنيعاً من الاقتصاد الرعويّ أو الزراعيّ إلى التنظيم الصناعيّ للأنشطة الاقتصاديّة.

____________________

(*) وقد تخطّى البحث تفسير التخلّف باستعمال منهجيّة المراحل خشية التطويل، كما جاء عند الألمان والأمريكان، مثل نظريّة والت روستو.

(1) البعّاج، اُنظر كذلك حتى التفسير الماركسي عند ( Nurkse )، أو ( Lebenshtin Ianger ) الذي يركّز على ضرورة التراكم.

(2) س. كوزيتتس.

(3) تحليل بالدوين (مبير)، اُنظر: ميردال في نقد النموّ، ترجمة عيسى عصفور، سوريا، 1980م.


أمّا (فريد ويكسر)، فيراها عمليّة شموليّة بأبعاد مُختلفة.

وركّز (حجبر) على أنّها إطلاق قوى مُعيّنة خلال مدّة زمنيّة طويلة نسبيّاً تُحدث زيادة في الدخل أكبر من زيادة السكّان.

هذه الرّؤى تدور حول محورين هما: العلاقات المورديّة، وانخفاض متوسّط الدخل الفرديّ.

وقد توصّل عدد من الباحثين إلى وضع اليد على خطأ منهجيّ صاحَب تلك الدراسات على مدى نصف قرن؛ وهو أنّها تفصل بين الجوانب الاقتصاديّة والإطار الاجتماعيّ والدوافع العقائديّة؛ لتحسين هذا الإطار وتكييفه، بلحاظ توزيع إمكانات النموّ وثماره (1) .

كما توصّلوا إلى ضرورة التفريق بين مفاهيم النموّ ( Growth )، ومفهوم التنمية ( Development )، ومفهوم التحديث ( Modernization ). ولوحظ أنّ تلك الدراسات ركّزت على النموّ؛ متأثّرة بالتدرّج التاريخيّ لتطوّره من خلال أفكار مُجتهدي المدرسة الاقتصاديّة الكلاسيكيّة، فقد ظهرت مقولات النموّ عند سمث ( Sm i th ) من أفكاره في تقسيم العمل وتقرير حقّ الفرد المُطلق، بوصفه أساساً لتطوّر ثروة الأُمم، وتأكيداته على التوازن الآلي بين تأثيرات العرْض والطلب على السوق، فأعطاه دور المعيار في ماذا يُنتج؟ ولمَن؟ وافتراضات المدرسة بصيرورة كلّ اقتصاد لدرجة التشغيل وتطويره، ومن ثَمّ تحقّق الكفاءة الإنتاجيّة، وتطوّر المعدّات، وتعظيم الادّخارات؛ لتوسيع حجم السوق الداخليّة والخارجيّة، وتأكيداته على تراكميّة النموّ.

وهكذا تطوّرت مفهومات النموّ عند (ريكاردو) في نظريّته في التوزيع الوظيفيّ على العناصر المساهمة في الإنتاج، بالتركيز على مقولة العمل ونظريّته في الرَيع التفاضليّ، وبظهور (مارشال) ظهرت أفكار ومتغيّرات جديدة دخلت في محاور دراسة النموّ، مثل التطوّرات الفنّية والاندماج، ونظريّة الوفورات وأثرها على تقليل الكُلَف وتطوير المهارات.

____________________

(1) اُنظر: النجفي (سالم)، التنمية الاقتصاديّة الزراعيّة، جامعة الموصل، ص: 16 و17.


وبَرز الجانب المذهبي للرأسماليّة في أفكار (شومبيز) في آرائه في النُظم، وأثره في إحداث النموّ، حتى ظهرت الكينزيّة التي انحاز تحت ظلّها العلميّ محرّك النموّ إلى جانب الطلب بما يبرز أثر الركود العالميّ (1930م)، فأدخلت تعديلات هامّة على دراسة النموّ في ظلّ التفكير الليبرالي، فطالبت بإعطاء الدولة دوراً في التطوير، وتعكّزت على التوزيع وإعادة التوزيع؛ لتنشيط أثر الاستهلاك بغية إيجاد الطلب الفعّال بوصفه مطوّراً للإنتاج.

إنّ الخيط الذي يربط هذا العرض السريع لتطوّر دراسات النموّ الاقتصاديّ، خلال قرنين من الزمن، يُمكن وصفه بأنّ التنمية في ظلّ الاتّجاه الفرديّ ظلّت عمليّة إبداعات الأفراد لتحقيق الرخاء المادّي، أي أنّ تصوّر الليبراليّة للمشكلة الاقتصاديّة دعاها إلى تكليف كلّ فرد بحلّ هذه المشكلة بجهده ونشاطه، وعلى النطاق الجزئيّ، وبجمْع هذه الجهود سيصار إلى تذليل آثار المشكلة في مجمل الاقتصاد القوميّ، بينما ظلّت الآثار التي تسهم فيها قوانين التوزيع في إحداث وتائر النموّ أو تسريعه مهملة، ما عدا تعديلات طفيفة ظهرت في الفكر الكينزي، لم تلبث أن تلاشت وسط الإهمال الذي تفرضه النظريّة برمّتها في فرض قيود معيّنة على الفرد حين يتصرّف تصرّفاً مطلقاً بالثروة والدخل.

  لذلك فإنّ المقياس الذي تُقاس به التنمية، والذي ينسجم مع النسيج النظريّ الليبراليّ في تصوّر النموّ، هو حجم الثورة الكليّة المُتحصّلة للمجتمع خلال مدّة زمنيّة مُعيّنة. وعليه، فقد اعتمد حجم الدخل القوميّ، مقدار الدخل الفرديّ الحقيقيّ، أو حجم التراكم الرأسمالي لسنة الأساس وآثاره ونسب ارتفاعاته، مقاييس في تصنيف المجموعـات البشريّـة (1) .

إلاّ أنّ ذلك الفصل المُتعمّد عن الجوانب غير الاقتصاديّة في التصوّر، قد برز بعد التنفيذ في الشطر الغربيّ من الأرض، عبّر عنه صراحة روستو ( Rosstow ) بوصفه لمرحلة الاستهلاك الوفير القائل: إنّ هذه المرحلة جعلت المواطن الأمريكيّ يطرح على ذاته أسئلة لا تمسّ مسألة النموّ، إنّما تشخّص حالة الفراغ

____________________

(1) اُنظر: د. العمادي (محمّد)، التنمية والتخطيط، دمشق، ط2، 1966م، ص: 71 - 77. مقياس جير الدماير، بالدوين.


الذي انتاب المجتمع بعد تحقيقه لمرحلة الرفاهية ( Economic Welfare )، وظهرت في تردّد الأمريكي في الإجابة عن أسئلةٍ مثل: هل يزداد الإنجاب؟ هل يرحل إلى الكواكب الأُخرى؟ هل يجعل العطلة الأسبوعيّة ثلاثة أيّام؟ هل يعود إلى القيَم الروحيّة؟ (1) .

نستطيع القول ممّا تقدّم:

أ - إنّ النصّ الذي عبّر فيه روستو عن الإحساسات الجماعيّة، لِما بعد النموّ، يشير بوضوح إلى أنّ التنمية الغربيّة تتوقّف عند غاية الرفاهية، عند تحقيق الجانب المادّي للحياة.

ب - إنّ التنمية الغربيّة قامت على أساس الضغط على الجانب الإنسانيّ، تجلّى ذلك في تحديد الإنجاب، وعلى الجانب الروحيّ للإنسان الغربيّ في إعراضه عن القيم الروحيّة، وفي تكثيف العمل الأسبوعيّ، إذ إنّ إنقاص ساعات العمل بالشكل المطلق يعني، عِبر زيادة إنتاجيّة العمل وحصيلة التقدّم الفنّي والتكنولوجيّ، زيادة في استغلال جهد إنسانيّ أكبر بالمفهوم النسبيّ (*) .

جـ - إنّ القوّة المادّية المُتحصّلة من التنمية دفَعته إلى بواعث عدوانيّة، وسيطرة جنونيّة على الكون.

2 - التنمية في تصوّر المذهبيّة الاشتراكية (الجماعيّة)

إنّ المُتسالم عليه عند الباحثين أنّ مقولات التنمية قد وجدت تنظيرات ونضجاً في ظلّ التفكير الاشتراكيّ للمشكلة الاقتصاديّة، بينما حظي النموّ ( Grwoth ) بالقسط الأوفر في التفكير الاقتصاديّ الليبرالي.

وبصرف النظر عن الأساس النظريّ والواقع التاريخيّ لهذه المُسلّمة، فإنّ النتيجة الحتميّة للتطوّر الاقتصاديّ في العالم الشرقيّ تتمثّل في أنّ الفكر

____________________

(*) ولست أظنّ القارئ يطالب هنا بالدليل أو المصداق، وإن كان الأمر لصيق بالجانب السياسيّ للنموّ الذي يعرض عنه بحثنا؛ لأنّه في صدد تقويم العناصر الفنّية.

(1) روستو (والت)، مراحل النموّ الاقتصاديّ، ترجمة إبراهيم جناتي، القاهرة، 1977م.


الذي يقف خلفه حاول جادّاً إحداث تحوّلات هيكليّة من خلال الاستثمارات العامّة، باستخدام التخطيط الشامل ( Centralized Economic Planning )، بما يؤدّي إلى تكوين قاعدة استقطاب للموارد المتاحة كافّة.

وبأُسلوب التوزيع المركزيّ للدخل، وفق قاعدة (كلّ حسب عمله)، دفع النشاط العامّ إلى تحقيق تزايد مُنتظم في متوسّط الإنتاجيّة للفرد، وبالتالي في قدرات المجتمع، مستهدفاً - كما تشير أدبيّات التنمية - إلى توفير الحاجات الأساسيّة وفق مبدأ يتمثّل في (إحداث التغييرات الجذريّة في علاقات وقوى الإنتاج، ومن ثَمّ في البنيان الثقافيّ الملائم معها) (1) .

وعليه، اعتمد ذلك التطبيق مسألة الملكيّة الاجتماعيّة، وخوّل الدولة صلاحية تنظيم الإنتاج وتخطيطه مركزيّاً، وتوزيع عوائده بموازنة صارمة بين الاستهلاك الضروريّ والتراكم المخصّص؛ لتوسيع قاعدة الإنماء عموديّاً وأفقيّاً. وقد اعتمدت السياسة الاقتصاديّة القائمة على أساس ذلك الفكر على المناورة في انخفاض حجم الاستهلاك ورفعه لصالح التراكم؛ تمشّياً مع الأهداف البعيدة والمتوسّطة والقصيرة للتخطيط الاقتصاديّ، مع الأخذ بالحسبان الاعتبارات السياسيّة في المراحل المختلفة. ويلاحظ الباحثون أنّ الفكر الماركسيّ جعل الباعث على إحداث النموّ الاقتصاديّ مواجهة جماعيّة بقيادة الدولة في الغالب للمشكلة الاقتصاديّة، بحيث صارت التنمية بالأساس مسؤوليّة الدولة، وحقّ الفرد عليها لتحقيق ذلك السداد المقبول لحاجاته الأساسيّة، وبسدادها تتجدّد قوى الإنتاج، ويستمرّ النموّ الاقتصاديّ (2) .

وهذا يتيح لنا القول: إنّ مفهوم التنمية - كما يراه أصحاب هذا الاتّجاه - ينزع إلى الربط الجدليّ بين الإنتاج والتوزيع، بعلاقة تأثير متبادلة بينهما، وتسخير الثاني - التوزيع - لمصلحة الإنتاج، وتجديده وتحقيق تراكم مناسب، سواء بالضغط على مستوى الأُجور الفعليّة، أمْ على مستويات الاستهلاك، فضلاً عن تحديد لوسائل الإنتاج.

____________________

(1) اُنظر في هذا الصدد:

د. الكواري (علي)، نحو فهم أفضل للتنمية، مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت، 1984م، ص: 70.

د. محيي الدين (عمرو)، التخلّف والتنمية، ص: 210.

د. عبد الله (إسماعيل صبري)، نحو نظام عالمي، ص: 220.

د. مرسي (فؤاد)، (م. س.)، ص: 176.

(2) عبد الله (إسماعيل صبري)، (م. س.)، ص: 220.

مرسي (فؤاد)، (م. س.)، ص: 176.


3 - مفهوم التّنمية في الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ

إنّ المُنطلق الذي ينطلق منه تحديد مفهوم الإسلام للتنمية هو: كيف يرى الإسلام المشكلة الاقتصاديّة؟ وما هو الحلّ الذي قدّمه لها؟

  إنّ التصوّر الإسلاميّ يُسلّم أوّلاً بأنّ الموارد المبثوثة في الكون هي من الوفرة بحيث تغطّي الحاجات القائمة والمفترض قيامها عموديّاً وأُفقيّاً إلى يوم القيامة. وهذه الحقيقة إحدى مُعطيات القرآن الكريـم، ولـه فيها دلالـة واضحـة (1) :

( وَآتَاكُم مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) [إبراهيم: 34] (2) . ويقف الإسلام إزاء هذه المُسلّمة موقف المحرّض بالوسائل العقائديّة والأخلاقية، ومستخدماً القانون المحرّض على العمل واستثمار هذه الموارد.

إنّ النّدرة المعترف بها في الإسلام هي ندرة الطيّبات، (أي السِلع والخدمات المبذول عليها عمل يكيّفها لإشباع الحاجات) (3) .

لذلك فإنّ الجُهد الإنسانيّ هو الكفيل والمسؤول في آنٍ واحد في إحداث وفرة الطيّبات، بينما لا توكل التنمية في الفكر الليبرالي، بقولها بندرة الموارد، إلى الجهد الإنسانيّ وحده، وحيث إنّ الإنسان مأمور بسدّ مُتطلّباته للتوصّل إلى تحصيل قدرته على العبادة بالمعنى الأخصّ، ومأمور بعمارة الأرض لقوله تعالى: ( هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها ) [هود:61]، وحيثيّات كهذه تشير إلى أنّ العمل والإنتاج ليسا ردود فعل للحاجة الإنسانيّة، أو استجابة لها بقدَر ما هما حُكم شرعيّ ينظّم الاستجابة الإنسانيّة لتحدّي الحاجة.

نخلص من ذلك إلى القول: إنّ الركن الأوّل في مفهوم التنمية في الإسلام هو الضرورة الشرعيّة للإنتاج، واستخدام أقصى الطاقات البشريّة فيه، ولمّا كان الإنسان هو حلقة الوصل أو محلّ الارتباط في تبادل التأثير بين كفاية التوزيع، وتحقّق القدرة على الأداء الإنتاجيّ، فقد احتلّ التوزيع الركنيّة الثانية في مفهوم الإسلام للتنمية؛ ذلك أنّ التوزيع الإسلاميّ للثروة والدخل قائم على معيارَي العمل والحاجة، وهنا يسهم التوزيع في مساعدة القوى الإنتاجيّة على الحركة الفعّالة

____________________

(1) اُنظر: الكُبيسي (أحمد عواد)، الحاجات في مذهب الاقتصاد، ص: 82 و83.

(2) اُنظر آيات الكتاب الكريم: [إبراهيم: 32 - 34].

(3) د. صقر (محمّد أحمد)، الاقتصاد الإسلاميّ مفاهيم ومُرتكزات، دار النهضة العربية - القاهرة، ط1، 1988م، ص: 23 و24.


في إعطائها القوّة المادّية، وتسهم المُسلّمات العقائديّة والأحكام التكليفيّة في إعطاء تلك القوى الدفع الروحيّ المعنويّ.

ما يرتّب، في فهْم التصوّر الإسلاميّ للتنمية، أنّ لها ركنين هما: عدالة التوزيع والإمكانات المادّية، وعدالة توزيع ثمار النموّ لأجل إنتاج يتطلّع إلى عمارة الأرض.

لأجل ذلك كلّه فمفهوم الإسلام للتنمية مفهوم شموليّ لا يُؤكّد على جانب العرض (الإنتاج)، كما هو دأب المدرسة الكلاسيكيّة، ولا يتركّز في جانب التوزيع هدفاً، كما في الماركسيّة، إنّما يجمع بينهما في توليفة متوازنة لإنتاج مفهوم شموليّ للتنمية، ينتج عنه أنّ أُسلوب الإسلام في الإنماء لا يصاب بسوء التوزيع، كما هو محور الكُلفة الاجتماعيّة للتنمية الرأسماليّة، ولا بهبوط الإنتاج كمّاً أو نوعاً، كما هو محور الكُلفة في التنمية الماركسيّة، فضلاً من التأثير السلبيّ لكلّ من هذه النقائص على الركن الآخر.

من ذلك كلّه يستطيع الباحث أن يوجز بعض مفاصل الفهْم الإسلاميّ للتنمية، وعلى الوجه الآتي:

أ - إنّ الإنتاج مسؤوليّة شرعيّة يترتّب التخلّي عنها جزاءات قانونيّة في الدنيا والآخرة.

ب - الامتثال لهذه المسؤوليّة بوصفها حُكماً شرعيّاً عينيّاً يجعل مفاصل الإنتاج مُتعدّدة، فيها الفرد والمجتمع والدولة.

جـ - يجعل الإسلام للعمل مكافأة مادّية وروحيّة، المادّية بشرعيّة الملكيّة، والروحيّة بأجر الامتثال للحكم الشرعيّ.

د - إنّ النمط التوزيعيّ يُهيّئ جميع قوّة العمل المُتاحة للإسهام بالإنماء الاقتصاديّ، طالما ضمِن لأفرادها حدّ الكفاية.

هـ - إنّ غاية التنمية في الإسلام تتخطّى مرحلة زيادة الثروة القوميّة، ومرحلة إشباع الحاجات المادّية فقط، إنّها تضمّ هاتين المرحلتين وتُسخّرهما معاً لهدف أسمى، وهو تسهيل أمر العبوديّة لله تعالى (1) .

____________________

(1) اُنظر في تفصيلات هذه الخصائص:

النجّار (عبد الهادي علي)، الإسلام والاقتصاد، سلسلة المعرفة، الكويت، ص: 75.

العلي (أحمد بويهي)، التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة ومستوى المعيشة، مجلّة البحوث الإدارية - بغداد، العدد الأوّل، ك2، 1978م، ص: 145.


4 - أدلّة الوجوب المُستفادة مِن الكتاب الكريم

لقد مرّ بنا الاستدلال بقوله تعالى: ( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [هود: 61]. وقد جاء في تفسيرها عن الجصّاص قوله:

((استعمركم): أي أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه، وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية) (1) .

وجاء في الميزان: (المراد بالاستعمار هُنا الطلب الإلهيّ من الإنسان المُستخلَف أن يجعل الأرض عامرة؛ لكي ينتفع بها، بما يطلب من فوائدها) (2) .

وقد يستدلّ أيضاً بقوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) [البقرة: 30]، ومهام خلافة الله في الأرض، كما يرى المفسّرون: (إقامة الحقّ وعمارة الأرض) (3) . وهناك استدلالات أُخرى تُنظر في مظانّها من الكتاب والسنّة والقواعد الفقهيّة وتطبيقات عصر الراشدين (4) .

5 - فلسفة الاستخلاف ومفهوم التنمية في الفِكر الإسلاميّ

ترتكز جميع النُظم الاقتصاديّة في العالم على أساس نظريّ يقرّر نمط التعامل مع طبيعة التصرّف بالثروة والدخل، فيقوم النظام الفرديّ على أساس الحقّ الفرديّ المُطلق للفرد بموجب حصّته من العمل، في أيّ ظروف كانت في الاستحواذ على جزء من الثروة القوميّة، والتصرّف المطلق بالدخل الناتج عن العمل فيها. ويقوم النظام الجماعي على أساس عدم أحقّية الفرد في تملّك وسائل الإنتاج غالباً، ويقرّ التخطيط الشامل للأجر والأسعار طبيعة التصرّف بالدخل، وفق مُتغيّرات ودَوال يعتمدها ذلك التخطيط.

أمّا بالنسبة للتصوّر الإسلامي، فكيف يرسم طبيعة التصرّف بالملكيّة؟

لتوضيح طبيعة التصرّف لا بدّ من عرض القوانين المركزيّة في مذهبيّة الاستخلاف: إنّ الشريعة الإسلاميّة تقرّر ابتداءً أنّ الملكيّة الحقيقيّة لله تعالى، ونمط العلاقة بين الخالق والكون علاقة ملك تامّ وحقيقيّ، فيه أعلى درجات

____________________

(1) الجصّاص، أحكام القرآن: 3/165.

(2) طباطبائي (محمد حسين)، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلمي - بيروت، ط 2: 10/310.

اُنظر: الطبرسي (أبو علي الفضل بن الحسن)، مجمع البيان، مطبعة دار الفكر: 12/178.

(3) الطبرسي، (م. س.): 1/ 74.

البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى محمّد: 1/135.

(4) المياحي (عبد الأمير كاظم)، (م. س.)، ص: 75 - 81.


الاختصاص، يظهر ذلك من قوله تعالى: ( للّهِ‏ِ مُلْكُ السّموَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) [المائدة: 120].

قال المفسّرون: إنّ معنى الآية: (لله ملك السماوات والأرض دون كلّ مَن سواه لقدرته عليه وحده)، وقيل: (إنّ هذا جواب لسؤال مُضمر في الكلام، كأنّه قيل: مَن يُعطيهم ذلك الفوز العظيم؟ فقيل: الذي له ملك السماوات والأرض).

فهو يقدر على المعدومات بأن يوجدها، وعلى الموجودات بأن يعدمها (1) ؛ وبناءً على ذلك، فإنّ مطلق الموارد والطاقات والسلع الحرّة والاقتصاديّة تدخل في طبيعة هذا المِلك.

وأهمّ ثمرة تكمن وراء تقرير هذه الحقيقة انتفاء الملكيّة الحقيقيّة الأصليّة للإنسان، فالإنسان، مِن حيث كونه غير موجِد وغير مُدبّر لديمومة الموارد والطاقات، لا يصحّ اعتباره مالكاً؛ لأنّه ليس سبباً للإيجاد والتدبير، إلاّ أنّ الله تعالى أوكَل للإنسان حقّاً في استثمار الموارد المُتاحة في الكون وإعمار الأرض، والانتفاع بتلك الموارد وفق نيابة مشروطة، واختباراً له في طريقة التعامل مع هذه النيابة، كما حدّدتها الشريعة، ويدلّ على هذا القانون قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) [البقرة: 30].

وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ مَكّنّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) [الأعراف: 10]. قال الطبرسي: (التمكين من التصرّف فيها، والمعايش: أنواع الرزق ووجوه النِعم، وقيل: المكاسب والإقدار عليها بالعلم والقدرة والآلات. ومع كلّ هذه النِعم قلّ شكرُكم) (2) ؛ أي بعدم التزامكم بضوابط الاستخلاف...

وأخيراً، فإنّ القانون الثالث للاستخلاف هو أنّ الله القادر جعل هذه الموارد قابلة لتقديم المعطيات للإنسان، وأنّها وضعت مهيّأة للانتفاع بها إذا ما مارس الإنسان عليها جُهداً، فهي ليست عصيّة على مَن استخلفه الله، يدلّ

____________________

(1) اُنظر: الطبرسي، (م. س.) 3/270.

(2) الطبرسي، (م. ن): 4: 400.


على ذلك قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) [لقمان: 20].

قال الطبرسي: ( مَا فِي السَّمَوَاتِ ) : أي الشمس والقمر والنجوم، الفضاء كلّه مُسخّر للإنسان، وما في الأرض من الحيوان والنبات وغير ذلك، ممّا تنتفعون به وتتصرّفون فيه بحسب ما تريدون.

( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ، يقصد بالظاهرة: ما يُمكّنكم جهدكم من خلْقِه وإحيائه سلعاً نافعاً، خلَق القدرة فيكم على العمل، وخلَق الشهوة فيكم؛ أي خلق الرغبة في العمل.

أمّا الباطنة: فالتي لا يعرفها إلاّ مَن أمعن النظر فيها (1) ؛ أي الموارد المكتشفة باستخدام العلم والمعرفة، والتي تبقى محجوبة عن الإنتاج ما لم يتحرَّها الإنسان بسلطان القدرة العلميّة والعمليّة.

6 - النتائج ذات العلاقة بالتنمية

أ - يترتّب على القانون الأوّل: نفي الملكيّة الحقيقيّة عن الإنسان، إنّما جُلّ الأمر تمكينه بوساطة الحُكم الشرعي للحيازة والانتفاع بالموارد لفرد أو مجموعة، أو للأمّة على اختلاف في الشكل واتّحاد في المُحتوى.

ب - الحيازة بموجب تلكم مفتوحة، فلا تمييز لطبقة النُبلاء؛ لأنّ الوسائل الشرعيّة للحيازة عامّة للجميع، وأهمّ الوسائل ضرورة العَمل، واعتباره الشرعي سبباً للمعاوضة المُنتجة للملكيّة.

وبهذا تشكّل الملكيّة، في منطق هذه القوانين، (حكماً شرعيّاً قدّر وجوده في عينٍ أو منفعة، يقتضي - ذلك الحُكم - تمكين مَن أُضيف إليه انتفاعه بالعين أو المنفعة أو الاعتياض عنها، ما لم يوجد مانع من ذلك) (2) .

جـ - لمّا كان الحُكم الشرعيّ سبباً للملكيّة (حيازةً أو انتفاعاً) دائميّاً، فإنّ انتهاك السبب يعني فساد النتيجة المُترتّبة عليه.

____________________

(1) الطبرسي، (م. ن): 8/320.

(2) القرافي (شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن)، الفروق، دار إحياء الكتب العربيّة: 3/308.


د - العلاقة بين الإنسان (المُستخلف) وبين الموارد، ليست علاقة صراع أساسه الندرة، بل علاقة تكامليّة بين الموارد الكافية والمُسخّرة، والتكليف الإلهيّ للإنسان بالعمل وعمارة الأرض.

أي أنّ كلّ جزء من مخلوقات الله يؤدّي دوراً في عمليّة الإعمار، وكلّ هذه الأدوار يكمّل بعضها بعضاً، متّجهة نحو هدف واحد هو إعمار الأرض، وتحسين مستوى الحياة لأغراض تسيير عبادة الله تعالى.

هـ - لمّا كان الإنسان في اعتبار التصوّر الشامل في الإسلام للتنمية هو المستفيد الوحيد من التسخير والاستخلاف، فإنّه يتوجّب عليه ولوج الحياة بكلّ فاعليّة وإيجابيّة، فتعطيل الموارد بعدم الاستخدام أو سوء الاستخدام يُسبّب مناط الحكم أو علّته بسحب الحقّ (1) ، ولأشكال الاستخلاف علاقة خاصّة بالتنمية تشكّل لها حافزاً إيجابيّاً مؤثّراً (2) .

فالأُصول المذهبيّة للاقتصاد الإسلاميّ، إذن، ثلاثة:

1 - الملكيّة: ملكيّة الموارد المادّية والبشريّة، الطبيعة والإنسان، هي لله عزّ وجلّ.

2 - الاستخلاف: هو إنابة المالك لعباده من البشر حيازة تلك الموارد والاختصاص بها.

3 - التسخير: من حيث إنّ الموارد الطبيعيّة، بعوالمها الثلاثة: النباتيّ والحيوانيّ والمعدنيّ، المكتشفة حاليّاً والتي لم تُكتشف بعد، مُسخّرة لهؤلاء البشر.

وتتجسّد وحدة القوانين المركزيّة الثلاثة هذه في مهمّة عمارة الأرض؛ باعتبارها التكليف الشرعيّ للإنسان، الغاية منه إنتاج المستلزمات المادّية الضروريّة له لتأديته مهمّة عبادة الخالق تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: 56].

____________________

(1) اُنظر: السبهاني (عبد الجبّار عبيد)، الاستخلاف والتركيب الاجتماعي في الإسلام، رسالة ماجستير مقدّمة إلى كلّية الإدارة والاقتصاد، رونيو 88، جامعة بغداد، 1985م.

محمود محمّد بابللي، السوق الإسلاميّة المشتركة، ص: 40.

د. الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ، دار المعرفة، ص: 39.

(2) المياحي (عبد الأمير كاظم)، (م. س)، ص: 101.


ثالثاً: العمل الإنسانيّ وأقسام الحُكم التكليفي

العمل: هو الجُهد البشريّ المنظّم بمجموعة من الوسائل، بمستوى معيّن من التقنيّة والتكنولوجيا، المُستهدف تحويل الموارد المُتاحة (السلع الحرّة) إلى سلع اقتصاديّة، بأن يضيف إليها قيمة أي كمّية عمل معيّنة.

ونسْب العمل إلى الإنسان؛ باعتباره ينتج من عمليّات عقليّة مستعيناً بالتقنيّة، ولكونه جهداً هادفاً إلى غاية اقتصادية.

ما حكم العمل في الشريعة الإسلاميّة؟ وهل يمكن الاستدلال بالقرآن الكريم، وبخاصّةٍ الآيات الدالّة على العمل، إشارةً إلى العمل الدنيويّ، أو نتوقّف فيه على ما توقّف عليه أغلب المفسّرين مِن أنّ المُراد القرآني، وفقاً للظهور، وهو حجّة عند الأصوليّين على العمل العبادي بالمعنى الأخص بمصاديق ظاهرة، كإقامة الصلاة والصوم والحجّ... إلخ؟ أو نقطع بالقول: إنّه كلّ جهد اقترن بالباعث الذي يتّجه نحو تحصيل مرضاة الله تعالى؟ أي لا يعدّ العمل جهداً شرعيّاً يدخل ضمن موضوع الحُكم التكليفي، إلاّ إذا اقترن بالنيّة.

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، لا بدّ من التفريق بين مقولة العمل في الفكر الوضعيّ وبين مقولته في الفكر الإسلامـيّ.

فهو في الوضعيّ: (الجُهد البدني أو العقليّ الذي ينزل في مجالات النشاط الاقتصاديّ لغرض الكسب) (1) .

أمّا في الفكر الإسلامي: فهناك - إضافة لما تقدّم - قيد يلحق هذا المفهوم، وهو الجهد المبرّر شرعاً، أي المُنسجم مع أحكام الشريعة.

يرى ابن كثير أنّ الحلال مِن الكسب هو عون على العمل الصالح (2) ، بما يشير إلى أنّ الشريعة ترى العمل مقدّمة للكسب الحلال (3) .

____________________

(1) السعيد (صادق مهدي)، اقتصاد وتشريع العمل، بغداد، مطبعة المعارف، ط4، 1969م، ص: 10.

(2) ابن كثير (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل)، تفسير القرآن، دار الأندلس - بيروت، ط1، 1385م: 5/22.

(3) على أنّنا هنا لا نحكم على المقدّمة حُكماً أُصوليّاً؛ لأنّ في مقدّمات الوجوب والواجب، خلافاً أُصوليّاً مُتشعّباً. لا يُريد الباحث استعراضه هُنا أو الحُكم باتّخاذ القاعدة طريقاً للاستنباط؛ لأنّ ما تطرّق إليه الخلاف لا يصحّ به الاحتجاج القطعيّ. اُنظر: عليان (رشدي)، العقل عند الشيعة، مطبعة دار السلام - بغداد، ط1، 1973 م، ص: 440.


إنّ العمل الذي يعترف به القرآن هو العمل الصالح، وهو الجُهد الاقتصاديّ الذي يبذل في إنتاج السِلع والخدمات المسموح بها شرعاً، ولإشباع الحاجات المعتبرة والمُعترف بها مِن قِبَل الشرع كذلك (1) .

وقد أشارت السنّة إلى ذلك بعدد من الأحاديث نذكر منها:

قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ مِن الذنوب ما لا تكفّرها الصلاة ولا الصيام ولا الحجّ ولا العمرة)، قالوا: فما يكفّرها يا رسول الله؟ قال: (الهموم في طلب المعيشة).

وقوله: (مَن أمسى كالاًّ مِن عمل يده أمسى مغفوراً له) (2) .

إنّ هذا الحثّ - كما يراه الأُصوليّون - لا يخرج عن الإباحة أو الاستحباب، وكذلك لا يخرج الحثّ عليه في آيات سورة الجمعة (3) عن الإباحة والرُخصة والإذن، وهذا هو الأمر المستعمل فيه (4) .

والأمر منوط هنا بأنّ بعض المسلمين توهّم، في بدء الرسالة، بأنّ العمل أيّام الحجّ محظور، فأزال الله هذا الوهْم بالإباحة التي لا تتنافى مع الإخلاص في أعمال الحجّ، فإذا انتقلنا إلى تعريف الحُكم التكليفي: (الاعتبار الشرعيّ المتعلّق بأفعال العباد تعلّقاً مُباشر) (5) ، سيظهر أنّ لموضوع العمل نظريّتين هما: الكلّية والفرديّة. وقد أجمع جمهور الأُصوليّين من المسلمين - ما عدا أُصوليي الحنفيّة - على تقسيم الحُكم التكليفي إلى: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهية، الحُرمة.

فيُراد بالوجوب: الإلزام بالفعل، مع عدم الترخيص بالترك إلاّ لضرورة مُعتبرة شرعاً، وينطبق على هذا ما كانت الأُمّة بحاجة إليه حاجّة ماسّة.

ويراد بالندب: ما دعا الشارع إلى فعله، ولم يُلزم به، فهو المستحب مِن الأعمال، كالأعمال التي تتوقّف عليها حاجات الأُمّة التحسينيّة.

أمّا الإباحة: فإنّها تشمل الأعمال التي تكمل وتزيد نمط الحياة جمالاً وسعةً، والحاجات الكماليّة المبرّرة الخالية من الإسراف والتبذير.

ويدخل في الكراهة ما كان طريقاً إلى محرّم، أو كانت مفاسده أكثر من

____________________

(1) اُنظر: سيله (عبد الرحمان)، الأسعار في الفكر الاقتصاديّ، رسالة ماجستير، رونيو، ص: 58 و59.

(2) اُنظر: الهيثمي (نور الدين علي)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: 4/64.

(3) اُنظر الآية 10 من السورة.

(4) اُنظر: الطوسي (أبو جعفر محمّد بن الحسن)، في تفسير التبيان، تحقيق أحمد حبيب القصير، الأعلمي - بيروت، مجلّد 10، ص: 9.

(5) اُنظر: مباحث الحُكم عند الأُصوليين: 1/55، الإحكام في أُصول الأحكام، للآمدي: 1/49.


محاسنه مِن الجانب العملي.

  إنّ الذي عليه المسلمون يتمثّل في أنّ الأوامر والنواهي وليدتا المصالح والمفاسد، وحيث أنّ النهي عن الشيء لا يستلزم الأمر بحرمة تركه على الفرد من حيث هو فرد، ولمّا كانت الذمّة الفرديّة مشغولة بتحقّق النتائج، فإنّ الأسباب لا تعدّ من الأحكام التكليفيّة لإمكان اندراجها ضمن الحكم الوضعيّ، كالشرط والسبب. ولقد أنكر صاحب (الكفاية) كون الشرط أو السبب قابلاً للجعل الشرعيّ؛ لأنّه مجعولٌ بالتكوين، وهذا ما تُشير إليه فلسفة الاستخلاف.

إذ ربّما يكون العمل اختياريّاً بالنسبة للإنسان؛ ولذلك تبقى الترغيبات مُتوفّرة على تحسين الفاعليّة بخفض التكاليف، والإتقان، ويربط العمل بالنيّة؛ لقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الساعي على الأرملة والمسكين كالمُجاهد في سبيل الله) (1) . فإنّ مفاصل السياسة الاقتصاديّة التي تتوفّر غالباً على مجال الإباحة قد ترفع العمل إلى مصاف الوجوب أو إلى الكراهة، ونادراً إلى الحرمة، إضافةً إلى العناوين الأوّليّة في حرمة العمل المُنتج لسلعة مُحرّمة (2) .

وهذه هي النقلة الثانية لمُناقشة مقولة العمل على مستوى الاقتصاد الكلّي ( Macro )، ذلك أنّ العمل البشريّ هو التكليف الشرعيّ للإنسان بوصفه المقدّمة العقليّة لتحصيل أسباب ديمومة العيش، فلا يدخل من حيث كونه مفردة منحلة إلى الفرد ضمن الحكم التكليفي، كإقامة الصلاة باعتبارها ليست مقدّمة؛ إذ هي نتيجة العمل وترتّب نتائجه.

إنّ الذي حدّدته الشريعة هو: أنّ العمل الذي يرضى عنه الباري: هو الجُهد الذي يسهم في تحصيل المَنفعة الشاملة للمُستخلف، باتّجاه عمارة الحياة والكون، بوصف هذا التكليف عمليّة شرعيّة كلّية أمَر بها القرآن في غير موضع.

____________________

(1) اُنظر الترمذي، صحيح الترمذي، ط1، 1934م، ص: 146.

(2) مكاسب الشيخ الأنصاري، 1/15.



المصادر

- القرآن الكريم.

1 - الأنصاري (مرتضى)، المكاسب، منشورات جامعة النجف الدينيّة - النجف.

2 - بانللي (محمود محمّد)، السوق الإسلاميّة المُشتركة، دار الكتاب اللبناني - بيروت، ط1، 1975م.

3 - البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى محمّد - مصر، جـ 1، ب. ن.

4 - الجصّاص، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي - بيروت.

5 - الحسب (فاضل عبّاس)، في الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ، عالم المعرفة - بيروت، 1981م.

6 - روستو (والت)، مراحل النموّ الاقتصاديّ، ترجمة إبراهيم جناتي، القاهرة، ب. ن، 1977م.

7 - السبهاني (عبد الجبّار عبيد)، الاستخلاف والتركيب الاجتماعيّ في الإسلام، رسالة ماجستير، كلّية الإدارة والاقتصاد - جامعة بغداد، نيسان 1985م.

8 - صقر (محمّد أحمد)، الاقتصاد الإسلاميّ، مفاهيم ومرتكزات، القاهرة، ب. ن.


9 - الطباطبائي (محمّد حسين)، الميزان في تفسير القرآن، الأعلمي - بيروت، 1973م.

10 - الطبرسي (أبو علي الفضل بن الحسن)، مجمع البيان، شركة المعارف الإسلاميّة، 1379هـ.

11 - عبد الله (إسماعيل صبري)، مجمع البيان، شركة المعارف القاهرة.

12 - علي (أحمد بريهي)، بحوث التنمية الاقتصاديّة، مجلّة البحوث الاقتصاديّة والإداريّة - بغداد، مركز البحوث الاقتصاديّة والإدارية، العدد (1)، 1978م.

13 - العمادي (محمّد)، التنمية والتخطيط، دمشق، ط2، 1966م.

14 - غونار (ميردال)، العالم الفقير يتحدّى، ترجمة عصفور، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1975م.

15 - القرافي (أحمد بن إدرسي)، الفروق، دار إحياء الكُتب العربيّة.

16 - كبيسي (أحمد عوّاد)، الحاجات في مذهب الاقتصاد الإسلاميّ، مطبعة العاني - بغداد، 1987م.

17 - الكواري (علي)، نحو فهم أفضل للتنمية، مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت.

18 - محيي الدين (عمرو)، التخلّف والتنمية، دار النهضة العربيّة - بيروت، 1975م.

19 - مرسي (فؤاد)، التخلّف والتنمية، دار الوحدة للطباعة - ط1، مصر، 1982م.

20 - المياحي (عبد الأمير كاظم)، التنمية في الاقتصاد الإسلاميّ، رسالة ماجستير، كلّية الشريعة، جامعة بغـداد، 1987م.

21 - النجّار (عبد الهادي)، الإسلام والاقتصاد، سلسلة عالم المعرفة - الكويت، 1980م.

22 - النجفي (سالم)، التنمية الاقتصاديّة الزراعيّة، جامعة الموصل.


البحث الثاني

الحاجة الاقتصاديّة

في المذهب الاقتصاديّ الإسلاميّ



مقدّمة

يُمكن مُعالجة مقولة الحاجة في المذهب الإسلامي الاقتصادي، مِن جانب كونها مقولة إنتاجيّة، ومِن خلال تبيّن أثرها في تكييف الفَهم الإسلامي للمشكلة الاقتصاديّة. ويظهره ارتباط جانب العرض في الحاجة نفسها مع جانب الطَلب عند مُعالجتها من حيث هي مقولة توزيعيّة، مِن خلال النَمط الإسلامي في توزيع الثروة والدَخَل. وبطبيعة الحال ينحلّ التبادل إلى ما يخدم جانب العرض في الحاجة نفسها، من حيث هو تسهيل لعنصري القيمة الاستعمالي والتبادلي في السلعة أو إنضاج لهما، فهو يخدم جزءاً مِن التبادل من جانب الطَلب على السِلع التي تشبع تلك الحاجات القائمة فعلاً، أو قوّةً (الحاجة الكامنة).

لذلك يكوّن التبادل الرابطة بين حَجم الحاجات وأنواعها مِن جهة كونها مقولة إنتاجيّة، وبين دورها وأثرها في نمط استهلاك إسلاميّ، من حيث هي مقولة توزيعيّة.

1 - الحاجة في الفِكر الاقتصادي الحديث والمعاصر

تُعدّ الحاجة بما تحمل مِن خصائص الرُكن الثاني الذي يكوّن المشكلة الاقتصاديّة مع ما يُسمّى بنُدْرة الموارد، فالمشكلة التي صلحت دافعاً لتكوين علم الاقتصاد وتطوّره، تقوم على أساس أنّ الموارد المُتاحة لا تكفي لهذا التعدّد غير القابل للحصر من جهة، وعدم كفاية الموارد الطبيعيّة المُتاحة لسدّ هذا التعدّد من جهة أُخرى، فلا بدّ - إذن - مِن استخدام العَقل البشريّ بوصفه المُنظّم والمُرشد للحاجات بما يتلاءم مع المُتاح مِن العرض، مورداً كان أمْ سلعاً مُنتجة.

ويرى أغلب الاقتصاديّين أنّ للحاجة خصائص أهمّها:


إنّها لا حصر لها؛ إذ إنّها مُتجدّدة (مُرتبطة بمحدّدات فنيّة فقط)، منها المستوى الاقتصادي السائد، فكلّما ازداد المستوى الاقتصادي تعدّدت الحاجات وانشطرت بالشكل الذي يجعل حجمها متوازياً مع ما يخلقه التطوّر الاقتصاديّ لمجتمع مِن المجتمعات، وهذا بالضرورة مُقترن بارتفاع حَجم الدَخَل الفردي مع تزايد المستوى الاقتصادي، فحيث يزداد مستوى الدخل تزداد الحاجات الملحّة والتي تنفق هذه الزيادة الداخليّة لسداد الحاجات المتطوّرة منها.

وطبيعيّ أن يعتمد هذا على نمط التوزيع، فمتى كان التوزيع مُتكافئاً وعادلاً كانت الوسائل النقديّة التبادليّة لتلبية الحاجات أيسر مِن نمط التوزيع غير المُتكافئ، بحيث تبرز في نمط كهذا ثنائيّة الإحساس بالحاجة، وثنائية في أسلوب إشباعها، بين أصحاب المداخيل المالية وأصحاب المداخيل الواطئة، بل إنّ الإحساس بوجود الحاجة قد يظهر في الشرائح الدنيا، ولكن يبقى سُلّم الإشباع فيها يتطلّب المزيد مِن المساواة؛ لكي تضيق الهوّة في السلوك الاقتصاديّ بين مجموعة من الناس عند سدّ متطلّبات الحاجة.

ولا يمكن التغافل عن مسألة قد تقترن بهذين المحدّدين، وهي ارتفاع معدّل زيادة السكّان، بحيث يرتفع المستوى الكمّي للحاجة الضاغطة على مقدار العَرض الكُلّي المُتاح من جانب، وعلى نمط التوزيع من جانب آخر.

وقد دخلت ضمن التطوّر الاقتصاديّ عناصر ربّما تبدو في حقيقتها غير اقتصاديّة، إلاّ أنّ أثرها في اتّساع كمّ الحاجة ونوعها يبدو واضحاً جليّاً، وأهمّهما تطوّر وسائل نقل المعلومات (تطوّر وسائل الإعلام)، واتّساع تطوّر طُرق المواصلات.

وقد يظهر، في حيّز الحاجات المعتمدة قانوناً، ما لا يقبل منها التأجيل (الضروريّات)، فيجب أن تُقابلها إجراءات ووسائل معتمدة على مستوى العَرض وعناصر الإنتاج (ومرونتها)؛ للوفاء العاجل بما يسدّها، أو في اختيار البدائل التي تساعد حلّ هذه المتطلّبات بوساطة تقسيم العمل الاجتماعيّ، وما ينسحب من هذه المقولة من حُسن توزيع عناصر الإنتاج.


وعلى هذا، يرى بعض الاقتصاديّين (أنّ المشكلة ليست ندرة الموارد، ولا ندرة الوسائل فحسب، بل حُسن الاختيـار، وحُسن التدبير، وحُسن توجيه عناصر الإنتاج)، وطبيعيّ أنّ الاختيار بين البدائل يتوقّف على ظروف عالميّة دائمة التغيّر.

ومِن الأسباب التي تزيد في حدّة المشكلة الاقتصاديّة في الفكر الاقتصاديّ المُعاصر اختلاف أولويّة الحاجات من جهة الاعتبار والأهمّية باختلاف الأفراد، بحيث لو أمكن ترتيب الحاجات بشكل يرضى عنه جميع الأفراد لهانت المشكلة، ولأمكن إيجاد حلّ لها. وبهذا المنظور للحاجة صار السعي الدائم لحلّ المشكلة هو موضوع الدراسة الاقتصاديّة التي اختلفت الأنظمة المعاصرة في تقرير وسائل علاجها، فكان العلاج الفرديّ، والعلاج الجماعيّ، والعلاج الإسلاميّ (مذهب الاستخلاف).

وحيث أنّ الأمر يكاد يكون بحكم المحسوم في قضيّة الندرة، في ما بين التفكير الاقتصاديّ الإسلاميّ والتفكير الوضعـيّ، وإن علَق به بعض ما يتطلّب الإيضاح لا غير، فقد ظلّت مسألة الحاجة، من حيث مفهومها ودورها في النشاط الاقتصاديّ للإنسان، المجال الذي يلزم الباحثين التوسّع والتعمّق فيه، وترتيب مقدّماته؛ ليتّضح بجلاء التصوّر الإسلاميّ للمشكلة الاقتصاديّة، ومن ثَمّ إيضاح دور الحاجة في الإنتاج والتّبادل والتوزيع والاستهلاك، وهذا يتطلّب منظوراً مُقارناً مع المذاهب الاقتصاديّة المعاصرة، انطلاقاً من طبيعة العلاقة بين الموارد والحاجات، وموقف كلّ مذهب مِن مسألتي الندرة، ومفهوم الحاجة ودورها.

2 - التصوّر والمُعالجة في النُّظم الاقتصاديّة الفرديّة

يبدو أنّ الباحثين متّفقون على أنّ الفِكر الليبرالي لا يزال يستمدّ موضوع الندرة النسبيّة بوصفه الرُكن الأوّل في المشكلة الاقتصاديّة، فأثر المالثوسية برز واضحاً في التحليل الكلاسيكي حتى عدّه بعضهم محوراً هامّاً فيه (1) ، فهي وإن خفّت حدّتها في الفكر الكلاسيكي الجديد، إلاّ أنّها ظهرت

____________________

(1) زكي (رمزي)، المشكلة السكّانيّة وخرافة المالثوسية - سلسلة عالم المعرفة - ص: 135، الكويت، 1984م.


في الدراسات المعاصرة للتنمية، حيث تطرح الزيادة السكّانية إزاء الثبات النسبي للعَرض الكلّي المُتاح، بوصفها سبباً للتخلّف الاقتصاديّ.

وقد تُصاغ المُشكلة صياغة مُشوّشة تتمثّل في أنّ الطبيعة لا توفّر إشباعاً كافياً للحاجات، فهي متفاوتة في حجم الموارد الطبيعيّة بين مكان وآخر، هذا من جهة الأساس، وإذا توفّرت بأيّ حجم، فإنّ الجهد المطلوب لإنتاجها يتطلّب زمناً مقروناً بوحدات مِن العمل، فإذا وضع إزاءه قلّة عدد العمّال أو الماهرين منهم، وعدم ميل الإنسان إلى بذل الجهد، وثبات مرونة الأرض بوصفها مصدر الغذاء الرئيسي، والحُكم بأنّ بعض الموارد الطبيعيّة لا تتجدّد، صارت مقولة الندرة أهمّ ما يبنى عليه التحليل الاقتصاديّ الفرديّ في تصويره للمشكلة الاقتصاديّة.

فإذا قابله أنّ المحدّدات الفنّية للحاجة ليست مؤثّرة في قوّة إلزامها، صار التمدّد الهائل والثنائيّة مصدرين من مصادر الضغط على المتاح غير الكافي من العرض؛ ولأجل ذلك صارت المعالجة في المنظور الرأسماليّ للمشكلة تقوم على الحرّية الفرديّة وضمنها حقّ الملكيّة - حقّ امتلاك الأفراد للسلع سواءً كانت إنتاجيّة أم استهلاكيّة - بحيث صارت المشكلة تواجه كلّ فرد، وعليه وحده يقع عبء إيجاد حلّ لها يُلائم مصلحته، أي أنّ ضغط الحاجة على الفرد يدفعه إلى زيادة إيراده باختيار العمل المناسب له، وتوجيه ممكناته إلى تحقيق أكبر ربح مُمكن، وكذلك له طريقة إنفاق الدخل الذي حصل عليه بما يشبع حاجاته على الوجه الأكمل.

وقد أفرز هذا الأساس النظري عدّة نتائج في الترتيب المنطقيّ للفكر الاقتصاديّ الرأسماليّ؛ أهمّها حرّية انتقال عناصر الإنتاج (البشريّة، الماديّة) إلى حيث ترتفع العوائد، وصار الثمن (آليّة السوق) هو المُرشد الأساسي في تحديد هيكل الإنتاج واتّجاهاته.

اختلفت الآراء في تقييم هذه المعالجة وأساسها النظري، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ المصلحة الخاصّة ستؤدّي حتماً إلى توازن المصلحتين، بمعنى أنّ المنظّم حين يسعى لإيجاد حلّ لمشكلته يعمل على إيجاد حلّ مُرضٍ


للمشكلة برمّتها، فإذا اختفت سلعة ما، سارع المنظّمون - تحت دافع الثمن المتوقّع - إلى إنتاجها، فيكثر العرض بما يُقلّل من حدّة الطلب، ومن ثمّ إلى إعادة الثمن إلى توازناته الحقيقيّة من جهة الكُلفة.

وذهب آخرون إلى أنّ هذا التقييم يكون صحيحاً إذا توفّرت شرائطه، وأهمّها المنافسة الكاملة، وهذا الشرط منذ بدء التنظير الرأسماليّ كان ولا يزال شرطاً نظريّاً محضاً، وبغيابه مع شرائط أُخرى، فإنّ هذه المعالجة قد تهيّئ للأفراد بعض الفرَص، ولكنّها لا تؤدّي إلى حلٍّ جذريٍّ للمشكلة الاقتصاديّة؛ للتعارض القطعيّ بين المصلحتين، إلاّ أنّ هذه المُعالجة لا تخلو من مزايا حسنة، أهمّها أنّ نصيب الفرد من الدخل يكشف عن مدى ما يقدّمه من خدمات، وأنّها تجعل من المصلحة الفرديّة حافزاً للنشاط الاقتصاديّ، وأنّ جهاز الثمن في حالة خلوّه من العناصر غير الطبيعيّة، هو العنصر الذي يحدّد ميول المستهلكين وأذواقهم.

3 - التصوّر والمُعالجة في النُّظم الاقتصاديّة المُخطّطة

إنّ مُجمل الاقتصاديّين السوفيت يرون أنّ الفهم الرأسماليّ للمشكلة الاقتصاديّة يُمثّل واحدة من المبالغات التي يروّجها الفكر الاقتصاديّ الرأسماليّ؛ لأنّ حركة السكّان تؤدّي إلى حركة الإنتاج، وتتمّ الزيادة فيه إذا حصلت ظروف توزيعيّة متكافئة موازية للإنتاج.

ومنهم رابوشكين ( Raboshkin )، الذي يحدّد (أنّ التنظيم الاقتصادي الكفؤ والعمل المتواصل؛ يؤدّي إلى تنمية الناتج بمعدّلات تفوق بكثير معدّلات النموّ السكّاني) (1) .

وهذا التصوّر لا يرى أن الندْرة التكوينيّة - على ما يبدو - حالة مستعصية تقتضي أن يُركّز المنظّر الاقتصاديّ بحوثه على تنظيم الحاجة، بحيث تشكّل متناسبة معها بوصفها مسلّمة نهائيّة، بل المستفاد ممّا تقدّم أنّ العمل الإنسانيّ كفيل برفع مرونة المعطيات إلى ما يكفي سداد الحاجات؛ لذا يعلّق الأمر على توظيف حركة السكّان لصالح حركة الإنتاج من خلال ظروف توزيعيّة مُتكافئة

____________________

(1) د. نامق (صلاح الدين)، اقتصاديّات السكّان، ص: 205 و206، دار المعارف - مصر، 1970م.


وموازية للإنتاج، بحيث ينال كلٌّ حَسَب طاقته (لكلّ حسب عمله)، وهذا يتطلّب تنظيماً اقتصاديّاً يعتمد العمل المتواصـل.

وهذا الأساس النظريّ لجنس المُعالجة قائم على إناطة مسؤولية اختبار أنماط الإنتاج وهياكله، وتوزيع نِسَب عناصر الإنتاج واستخداماتها، وتحديد حَجم المشروعات، وأخيراً تقسيم المنتجات على الأفراد وتوفير سُبل التقدّم بالدولة بوصفها ممثّلة للمصلحة العامّة، فهي المالكة لكلّ وسائل الإنتاج، وصاحبة التصرّف والسلطان في إدارة الموارد، وترتيب سُلّم الحاجات، وأُسس التوزيع، ومقادير الاستثمارات، باستخدام التخطيط الشامل والمركزي.

إلاّ أنّ هذه المعالجة جوبهت بانعدام الحافز قياساً بقرينتها (المعالجة الفرديّة)، وترتيب الحاجة بقرار إداريّ، وليس بقرار اقتصاديّ، ولا يُمكن عدّ الوسائل الإحصائيّة مؤشّراً بديلاً؛ لأنّه يفتقد في المُعالجة الجماعيّة إلى صدق النتائج وثباتها لعدّة أسباب، لكن الذي لا خلاف فيه أنّ هذه المُعالجة نجحت تماماً في حالات الأزمات، وخصوصاً الحُروب.

ولأغراض تبيّن وجوه الالتقاء والافتراق في وجهات النظر - المُنطلقات والنتائج - فإنّ عرض مُجمل التصوّر والمعالجة التي تعتمدها النُظم المُعاصرة يمهّد الدرب؛ لاستعراض تفصيليّ للتصوّر والمُعالجة الإسلاميّة للمشكلة الاقتصاديّة في جانبَي العرض والطلَب، أي جانبَي تقدير أثر عامل الندرة، وأثر مفهوم الحاجة ودورها في النشاط الاقتصاديّ للإنسان المسلم.

4 - التصوّر والمُعالجة في الفكر الاقتصادي الإسلامي

مِن استقراء القوانين المركزيّة لمذهبيّة الاستخلاف، والنصوص المكوّنة لها في القرآن والسنّة، نلحظ أنّ مبادئ هذه المذهبيّة لا تلتقي مع نقطة الشروع في المدارس الاقتصاديّة الوصفيّة:

أ - موضوع الندرة

يفرّق الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ بين الطيّبات الحرّة، والطيّبات الاقتصاديّة (الثروة القوميّة) والسلع الاقتصاديّة، فالحرّة هي: (الموارد


الخاضعة بشكل كامل ودائم إلى مشيئة الخالق سبحانه) (1) ، (وقد جعلها مُسخّرة للإنسان؛ لأنّه يتوجّه بجهده إلى ما يقدر عليه، وهو الإنتاج الاقتصادي) (2) ، أمّا الطيّبات الاقتصاديّة (فهي التي لا بدّ للإنسان من أن يُعمِل فيها قدراتـه؛ لكي يتمكّن من الحصول عليها) (3) ، فالحرّة متقدّمة رتبة، وهي من خَلق الله، ومسخّرة لخدمة الإنسان، أمّا الوفرة والندرة فإنّ النصوص الآتية تجعل الباحث على يقين قاطع من وفرة الطيّبات الحرّة:

1 - ( أَلَمْ تَرَوْا أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مَا فِي السّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ ) [لقمان: 20].

2 - ( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيَها مِن كُلّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيَها مَعَايِشَ وَمَن لّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مّن شَيْ‏ءٍ إِلاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) [الحجر: 19 - 21].

3 - ( اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّموَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ وَسَخّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخّرَ لَكُمُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ * وَآتَاكُم مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ) [إبراهيم: 32 - 34].

والذي يمكن الاستفادة منه - ممّا تقدّم - هو تصريح القرآن بوفرة الموارد بالمفهوم المُطلق، وهذا تجده في إشارة القرآن إلى نعمه ظاهرة وباطنة، أي مُكتشفة وغير مُكتشفة، وتجده في إشارة القرآن إلى التوازن التكويني بيّن مقدار الحاجة على مستوى الكلّي مع معامل الزمن (الدنيوي) وما ينزل من الماء بقدر، وتجده في الآيات المستلّة من سورة إبراهيم، يستعرض فيها مصادر الثروات الطبيعيّة كافّة ومصادر الطاقة، ثمّ يصرّح بالوفرة في ( ... آتَاكُم مِن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّوا نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا... ) .

____________________

(1) صقر (محمّد أحمد)، الاقتصاد الإسلامي مفاهيم ومُرتكزات، ص: 22 و23، دار النهضة العربيّة - القاهـرة، ط1، 1978م.

(2) المصدر نفسه.

(3) صقر (محمّد أحمد)، (م. س)، ص: 20.


وهذا يسوّغ لنا القول: إنّ القرآن، بعد أن يوثّق حقيقة كفاية الموارد المُتاحة، يحيل المشكلة إلى نوع العلاقة بين العمل وما خلق من موارد، وما المحدوديّة التي نشهدها في مكان أو مُدّةٍ ما إلاّ محدوديّة نسبيّة أوّلاً، علّتها الرئيسيّة متأتّية من عدم إنتاج ما توفّر من خامات بسبب اختناقات في جانب العرض، أو آثار سيّئة لتوزيع غير مُتكافئ لعناصر الإنتاج، أي أنّ هذا الاستخلاص تترتّب عليه مهمّة استخلاف الإنسان في الأرض من قِبَل الله تعالى تتضمّنها (اندفاعاته الإيجابيّة) في الاستفادة ممّا سخّره تبارك وتعالى، وعدم استيعاب البشر لمهمّتهم الاستخلافيّة في عمارة الأرض، أو عدم أدائهم مهامّهم الشرعيّة، ما يعني بروز ظاهرة الندرة النسبيّة غير المبرّرة في سياق قوانين الاستخلاف؛ لأنّها أساساً وليدة تقصير الإنسان عادةً، وتفريطه بمهمّاته الأساسيّة في الحياة. لذلك فإنّ الترابط غير الوثيق بأحكام الإسلام بين العمل والموارد، يؤدّي إلى ظهور الندرة.

أمّا العلاقة الإيجابية التي يرسمها الشارع المقدّس بينهما، فإنّها ستؤدّي بعد وفرة الموارد إلى الكفاية الإنتاجيّة لمُجمل الحاجات.

وعليه، فإنّ مقولة الندرة في جهاز المفاهيم الاقتصاديّة الإسلاميّة حادث عرضيّ ( opozoot )، وليس منطلقاً فكريّاً أساسيّاً، كما في المدارس الاقتصاديّة الوضعيّة، أي أنّ المشكلة الاقتصاديّة بالمفهوم الوضعيّ لا وجود لها في المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ حيث تهدف قوانينه ولوائحه إلى تحقيق التوازن العامّ بين الموارد المتاحة والحاجات المنظّمة كما سيتبيّن.

ب - موضوع الحاجة

إنّ الفكر الاقتصاديّ الإسلاميّ يجعل من مفهوم الحاجة محوراً هامّاً في المشكلة الاقتصاديّة، ويعدّها المؤشّر الرئيس للتخلّف، ومؤشّراً لما ينبغي أن يكون عليه المستوى الاقتصاديّ السائد، وأساساً في نمط التوزيع، ومعياراً في نمط الإنتاج، ومحوراً نظرّياً هامّاً في نمط الاستهلاك. ومفهوم بهذه الدرجة من الخطورة لم يتركه الشارع من دون اهتمام أو تنظيم، فما هو مفهوم الحاجة؟ وما هو دورها في النظريّة الاقتصاديّة الإسلاميّة؟


5 - مفهوم الحاجة

يمكن تعريف الحاجة بأنّها: الرغبة في مطلب أو مجموعة مطالب إنسانيّة مقابل الموارد الاقتصاديّة المتاحة، بحيث يؤدّي تحقيقها والاستجابة إليها إلى إنماء تطوير الطاقات البشريّة المستخلفة في عمارة الأرض، في ضوء نمط الاستهلاك الإسلاميّ ومحدّداته.

  وعرّفها بعضهم بأنّها: تعبير عن مطلب أو مجموعة مطالب للإنسان تّجاه الموارد الطبيعيّة له، يؤدّي تحقيقها وتلبيتها إلى إنماء طاقاته اللازمة لعمارة الأرض (1) .

ونودّ الإشارة إلى أنّ تعريف الحاجة الأخير لا يعبّر عن أهمّ قضيّة يلزم الباحثين بسط القول فيها، وهي محدوديّة الحاجة أو عدمها، فقد مرّ أنّ الفكر الاقتصاديّ المعاصر منقسم في نمط التحديدات التي تضيّق ظهور الحاجة واعتبارها، وهذا يعني أنّ كلا المدرستين يرى ذات الحاجة (متحدّدة) في الأقلّ، ولكن الاختلاف فيما بينهما يظهر في صحّة التحديد القسري الإداري أو عدم صحّته.

لقد مرّ أنّ محدّدات الحاجة هي محدّدات فنّية، (فمتى ما تحرّك أحد المتغيّرات، فإنّ امتداداً قد يكون لا نهائيّاً لتطوّر الحاجة الاقتصاديّة من حيث هي حاجة مجرّدة، وهذا يعني أنّ متغيّرات تحديد الحاجة لا تحمل من خلال ذاتيّتها، بل من خلال ما يعرض لها من عوارض حجم الدخل، ومستوى النموّ، ونمط التوزيع) (2) .

أمّا في الفكر الإسلامي، فإنّ الحاجة محدّدة تحديداً فنيّاً، كما هي في الفكر المعاصر، وتحديداً شرعيّاً تجسّده المذهبيّة الاقتصاديّة الإسلاميّة، فبزوال المحدّدات الفنيّة؛ أي مع تطوّر المستوى الاقتصاديّ وارتفاع وتائر الدخل الفرديّ، وتكافؤ نمط التوزيع، أي في حالة اكتمال عمليّات التنمية، نكون في تنظيم وضعيّ أمام حاجات متّسعة ومتنوّعة، ثمّ حاجات متجدّدة. أمّا في تنظيم اقتصادي إسلامي، فإنّ المحدّدات الشرعيّة تبقى الثوابت المُنظّمة للحاجة الاقتصاديّة، فعمارة الأرض سبب في زوال المحدّدات الفنّية، فتتّسع الحاجات التي يقرّها الشارع.

____________________

(1) عابد (عبد العزيز)، مفهوم الحاجات وأثره على الإنماء الاقتصادي، بحث منشور في مجموعة أبحاث المؤتمر الأوّل للاقتصاد الإسلامي، جدّة، ص: 85، نشرته مجلّة الاقتصاد الإسلامي - جدّة، دار العِلم، ط1.

(2) كاظم (عبد الأمير)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي، رسالة ماجستير، ص: 6.


أمّا ما يحرّمها، فإنّها تبقى في نطاق الحظر، حتى مع توفّر إمكانيّات إشباعها، وقد تبقى حاجات لا يمنعها الشارع ولا يقف في قبالتها (الكراهة)، وتأخذ بالزوال مع ازدياد مستوى التُقى والوَرع الإسلامي، لكنّ هذا لا يُسوّغ لنا القول بمحدوديّة الحاجة في المفهوم الاقتصادي الإسلامي؛ لسببٍ رئيس هو أنّنا طالما قرّرنا وفرة الموارد، فإنّ القول بالحاجة المحدودة ينفي إطلاقاً ضرورة البحث عن حلّ للمشكلة الاقتصاديّة.

لكن القول الراجح إزاء مسألة كهذه هو: إنّ النظرية الاقتصاديّة الإسلاميّة لا تلغي تماماً التطوّر النوعي والكمّي للحاجة، ولا تفتح الباب على مصراعيه لتمدّدها اللانهائي، بل إنّ التحديدات الفنّية حرّة في أثرها على تحديد الحاجات، بينما تعمل المحدّدات الشرعيّة (الحرمة، الكراهة، الإباحة) على تنظيم الحاجة، وتأطير نوعيّتها؛ لأنّ القيم العقائديّة حين تلغي كلاًّ من الخمر والميسر بوصفه سلعة تلبّي حاجات غير مُبرَّرة، فلديها مفهومها الخاص عن سلع تلبّي حاجات ماديّة أو روحيّة أو ثقافيّة لا تراها الاقتصادات الوضعيّة حاجات أساساً، ولا تخصّص لها إشباعاً، ولكن السؤال الهامّ هو: ما هي العلّة التي يستند إليها المُشرّع في الفرز بين الحاجات؟

للإجابة عن هذا السؤال تنبغي متابعة نمط العلّة في قوانين الاستخلاف المركزيّة ومكوّناته في القرآن والسنّة.

أ - قوانين الاستخلاف

إنّ الجمْع بين قانون الخلْق وملكيّة الله تعالى للكون، وقانون الاستخلاف، وقانون التسخير يؤدّي بنا إلى حقيقة لا مراء فيها، وهي أنّ عمارة الأرض عمارة شاملة هي الهدف المركزي للنشاط الاقتصادي، ولضمان المهمّة واستمراريّتهـا، بوصفها سلسلة من الأهداف المرحليّة، فإنّه يتطلّب طاقات بشريّة وموارد اقتصاديّة تُبذل باتّجاه تحقيق هذا الهدف الذي يكوّن حشداً من التكاليف الشرعيّة.


ولمّا كانت الطاقات والموارد بحاجة إلى تطوير مُستمرّ، فإنّ مهمّة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الأساسيّة تسير باتّجاه هدف الإنماء العام للطاقات، بما يضمن إشباع الحاجات لارتباطها بالهدف المركزي ذاك.

ومن الارتباط بين الحاجة والهدف صار للحاجة دورٌ تستحقّ بمقابلة بقاء طبيعتها ووسائل إشباعها وتوسيعها وتحسينهـا؛ لقوله: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: 56]؛ لذلك فإنّ هدف الخَلق هو العبادة. والعمارة في الفكر الاقتصاديّ تكليف شرعيّ، فهي عبادة؛ لأنّها تؤدّى كما تؤدّى الفروض، إلاّ أنّ لها صفة إجماليّة تنحلّ إلى أحكام تكليفيّة فتُحفّز بشكل أو بآخر كلّ مسلم.

وهدف التسخير تُهيّئهُ الموارد باتّجاه استخدامها لغرض العمارة، والغرض من الاستخلاف إقامة العدل وعمارة الأرض.

يروى عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - في تفسيره لقوله الله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) [البقرة: 30]، قال: (عنى بالخليفة وُلد آدم بعضهم بعضاً، وهُم خلفوا آباءهم في إقامة العدل وعمارة الأرض) (1) .

ويرى البيضاوي أنّ المهام موكولة إلى نبيٍّ استخلفه الله في عمارة الأرض (2) ، فالعلّة بناءً على ما تقدّم: هي مقدار مساهمة الحاجة في تحقيق هدف الإنماء العام للطاقات (3) .

ب - القرآن الكريم

قال تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للّهِ ) [البقرة: 172]، ( يَا أَيّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ) [المؤمنون: 51]، ( هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها ) [هود: 61].

تُشير هذه الآيات الكريمة إلى ربط عمليّة إشباع الحاجة بشكر الله وأداء الفروض، ( وَاشْكُرُوا للّهِ ) ، ( وَاعْمَلُوا صَالِحاً ) ، كما تُشير أيضاً إلى أنّ

____________________

(1) الطبرسي (الفضل بن الحسن)، مجمع البيان، منشورات شركة المعارف الإسلاميّة.

(2) البيضاوي (عبد الله بن عمر)، تفسير البيضاوي، مطبعة مصطفى محمّد: 1/81.

(3) انظر: تعريف عبد العزيز عابد للحاجة، المارّ ذكره.


الغاية من الخلْق ( أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ ) هي الإنماء العام، وعمارة الأرض ( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها ) .

جـ - السُنّة النبويّة: أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (شرّ الكسْب مَهر البغيّ، وثَمَن الكلب، وكسب الحجّام) (1) .

(الدنيا خضرة حلوة، مَن اكتسب فيها مالاً من حلّه وأنفقه في حقّه أثابه الله عليه وأورده الجنّة، ومن اكتسب فيها مالاً من غير حلّه وأنفقه في غير حقّه أحلّه الله دار الهوان) (2) .

(الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلاّ ما ابتغي به وجه الله عزّ وجلّ) (3) .

وسئل (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أطيب الكسب، فقال: (عمل الرجُل بيده، وكلّ بيع مبرور) (4) .

ودلالة النصوص واضحة على ارتباط التبادل والإنتاج والاستهلاك بغاية معيّنة عبّرت عنها السنّة تعبيرات مُختلفة تؤدّي جميعاً إلى علّة الإنماء العامّ للطاقات. وهكذا يتبيّن، من خلال هذا الفهْم للنصوص الربط بين الحاجة والهدف الذي تبتغيه، بحيث يصلح الوصف علّة تكمن وراء أيّ اعتبار شرعيّ بما يجعلهما - الحاجة، العلّة - من جنس واحد، ويُصيّر الحاجة حلقة ربط بين التنظيم الاقتصادي وعمارة الأرض، بما يكشف عن أنّ لها دوراً هامّاً وطابعاً وظيفيّاً خطيـراً، نستطلعه عند الحديث عن دورها في أوجه النشاط الاقتصادي من خلال استقرائه، أو تبيّن آثاره في النظريّة الاقتصاديّة الإسلاميّة (5) .

6 - أنواع الحاجات في المفاهيم الاقتصاديّة الإسلاميّة

يكاد يكون في حُكم المُسلَّمات تقسيم الحاجة الاقتصاديّة إلى ما هو مادّي، وما هو معنويّ - روحي أو ثقافي -، ثمّ إلى ما هو فرديّ وما هو اجتماعي.

وقد يتداخل الوصفان تداخلاً ينتج أربعة أصناف من الحاجة هي:

____________________

(1) صحيح مُسلم، كتاب المُساقاة، الحديث رقم 40.

(2) كنز العُمّال، الحديث رقم 6076، الدرّ المنثور: 4/204.

(3) مجمع الزوائد: 10/222.

(4) مسند أحمد بن حنبل: 4/141.

(5) عابد (عبد العزيز)، (م. س)، ص: 19.


أ - مادّي فرديّ يتلخّص في مطالب فرديّة لسلع مادّية.

ب - روحيّ أو ثقافيّ فرديّ يتلخّص في مطالب فرديّة لسلع معنويّة.

جـ - ماديّ اجتماعيّ، كرأس المال الاجتماعيّ.

د - روحيّ أو ثقافيّ اجتماعيّ، كالعقائد والثقافة ووسائلهما.

وهذا التصنيف تكاد تتّفق فيه جميع الفلسفات الموضوعيّة عند الحديث عن الحاجة وأنواعها، إلاّ أنّ هناك مَن يُغلّب نمطاً على آخر حسب التوجّه الغالب على الفلسفة التي تسيطر على النظام الاقتصادي السائد. فالنُظم الرأسماليّة تعتني كثيراً بالحاجات الفرديّة، والنظم الجماعيّة تعتني بالحاجات العامّة، ويكاد يكون الاعتناء بالحاجات الماديّة أمراً متّفقاً عليه بين تلك النُظم.

أمّا في التوجّه الإسلامي، فإنّ الحُكم الشرعيّ يتولّى مهمّة تنظيم الحاجة على أساس مِن علّةٍ مرّ الاستدلال على أثرها الدائم في اعتبار الحاجة مهمّةً مهما كانت، لو أنّها أدّت إلى النتيجة التي تحقّق الهدف أُقرّت، وهذا يعني أنّ الثوابت تقرّ كافة أصناف الحاجات، وأنّ السياسة الاقتصاديّة تهتمّ بالأفضليّات والأولويّات، وسيأتي الحديث عن العلاقة بين الحاجة الاقتصاديّة والسياسة الاقتصاديّة.

7 - سُلّم الحاجات

إنّ الصّفة التي تَميّز بها الاقتصاد الإسلامي من غيره تتمثّل في أنّ المجال المتروك للاجتهاد ليس مطلقاً كما هو في الاقتصادات الوضعيّة، والتغيير إنّما يستند إلى الثوابت بلحاظ تبدّل الظروف الموضوعيّة، محقّقاً بذلك مقاصد الشرع. وعلى ذلك فسُلّم التفضيل بين الحاجات لم يترك تماماً إلى السياسة الاقتصاديّة تقرّره تبعاً للظروف السائدة فقط، أو يُقرّره شخص مُحدّد تفكيره بحدَّي الزمان والمكان، ينتج عنهما وعي محدود عنده، بل إنّ ما استقرّت عليه الدراسات الفقهيّة المستندة إلى الثوابت، والأساس النظريّ في ذلك (أنّ الإسلام يرسي أهدافاً مُعيّنة للحياة البشريّة، فكلّ الأمور، سواء كانت أعمالاً


أو أشياء، وتساعد على تحقيق هذه الأهداف، تُدعى مصالح أو منافع؛ لأنّها تزيد من النفع الاجتماعي) (1) .

وقد استعرض الفقهاء الأوامر والنواهي، وتوصّلوا إلى أنّ المصالح لها ثلاثة مستويات: الضّروريّات، والحاجيات، والتحسينيات.

أ - الضّروريّات: وتشمل الأفعال والأشياء التي تتوقّف عليها صيانة الأركان الخمسة للحياة وهي: الدين، النفس، العقل، النسل، المال. وصيانة هذه الأركان من مقاصد الشريعة الأُولى، وهي تقابل مقولة السِلع الضرورية الأساسيّة في الاقتصاد الوضعي.

ب - الحاجيات: الأشياء والأفعال التي لا تتوقّف عليها صيانة تلك الأركان، ولكنّها تستجيب لمطلب التوسّع ورفع الحرج، ومثالها السلع التي تقع بين الضروريّة والكماليّة من الحِرَف والصناعات والفعاليات الاقتصاديّة التي تقع ضمنها، ضمن القَدَر الكافي لإزالة الحَرج ودَفع المشقّة.

جـ - التحسينيات: الأُمور التي تنتج مُراعاتها تحسيناً للحياة وتجميلها، وهي ما اصطُلح عليه بالكمالية في الاقتصادات المُعاصرة، والتي لا يمكن إدخالها ضمن استهلاك أغلبيّة المداخيل للسكّان في قُطُر معيّن ومرحلة تأريخيّة معيّنة.

8 - قواعد الترجيح

يُؤلّف هذا السُلّم جزءاً هامّاً من دالّة المصلحة الاجتماعيّة، ويساعد على حسم الخلاف بين الأهداف الاجتماعيّة المختلفة وقواعد الترجيح. وهي تسمح لنا بأن نختار من بين بدائل متعدّدة ما يُحقّق المصلحة إلى أبعد مدى، أو يُقلّل مِن الضرر الواقع لا محالة إلى ما هو أقلّ ضرراً. فقد وضعت دالّة المفاضلة بنسَق مجموعة مرتّبة بشكلٍ هَرَمي، ففي قاعدة الهَرم نجد الضروريّات تليها الحاجيات ثمّ التكميليات في أعلاه، حيث هي موضوع استهلاك القلّة من السُكّان ذوي المداخيل العالية.

____________________

(1) الزرقاء (محمّد أنس)، إعادة اكتشاف دالة إسلاميّة للمصلحة الاجتماعيّة، بحث منشور في مجلّة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، الهامش 16.


والضابط في ذلك ما يأتي:

إنّ الأفعال والأشياء المتعلّقة بفئة ذات مستوى دخل أعلى تُهمل إذا تعارضت مع أهداف فئة ذات مستوى أدنى، فلا ترى حاجة تكميليّة إذا كان في مراعاتها إخلال بما هو ضروري أو (حاجي)؛ لأنّها فروع، والفرع يُهمل إذا أدّت مراعاته إلى تفريط بأصله، وهذا يعني أنّ الموجِّه للاقتصاد في النظام الاقتصادي الإسلامي هو النفع البشري.

9 - المُلاحظات على منهجيّة السُلّم وقواعد الترجيح

أ - ينظر الفقه الإسلامي إلى دالّة منفعة الفرد على أنّها جزء داخلي من النظام الشامل، ومن ثمّ يحرّكها بحيث تتطابق مع المصلحة الحقيقيّة التي لا تتعارض بالتالي مع المصلحة الاجتماعيّة.

ب - إدخال متغيّرات جديدة عليها وتعديلها، بحيث تزداد منفعة الفرد عند ازدياد المنفعة الاجتماعيّة وبالعكس. وهذا يعني تحويلاً تكامليّاً في دوافع الحاجة الفرديّة ومسارها باتّجاه الحاجة الاجتماعيّة. ويمكن وصف ذلك النَسق في قواعد الترجيح بقيامه على ارتباط تامّ ومتبادل بين المتغيّرات في نظامه الشامل، يسعى لتحقيق التكامل بين هذه الدالّة وبين بقيّة أجزاء نظامه؛ وعلى ذلك تكون الوسائل المُعدّة لإشباع الحاجة متدرّجة في ما يُعبّر عن حدّ الكفاية (الاكتفاء الذاتيّ)، وما يحسّن حدّ الكفاية، وما يعبّر عن الحاجات الكماليّة بنوعها المُبرّر شرعاً في حالات التوسعة.

وسنرى في بيان دور الحاجة أثر هذا السلّم التفضيلي في النشاط الاقتصادي واضحاً، على أنّ هذا المعيار الموضوعي الذي تحدّده الشريعة وتنفّذه وتجتهد من خلاله، واستناداً إليه تضع السياسة الاقتصاديّة، يقف بجانبه تكامليّاً معيارٌ شخصيّ معبّرٌ عنه بسماح المنهج بالتمتّع الشرعي بالفوائض الخاصّة، لكنّ العلاقة بين المعيارين تأخذ صورتين: الأُولى ظاهريّـة، أي يقف المعيار الذاتي بجانبه يكمل حقيقة علاقة الكلّ بالجزء: حيث ستكون محصّلة المعيار الشخصي في المسافات الواسعة البعيدة جزءاً من المعيار الموضوعي.


10 - دَور الحاجة في النشاطات الاقتصاديّة

ترتّب النظريّة الاقتصاديّة الوضعيّة، على اختلاف مناهجها ومدارسها، النشاطات الاقتصاديّة على النحو التالي: الإنتاج، التبادل، التوزيع، الاستهلاك، انطلاقاً مِن شيئيّة الحضارة التي انطلقت النظريّة منها.

أمّا النظريّة الاقتصاديّة الإسلاميّة، فغالباً ما نراها تنطلق من التوزيع الوظيفي للثروة القوميّة (مرحلة ما قبل الإنتـاج)، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن التوزيع المذهبي لعوائد الإنتاج.

وعليه، سنبدأ باستقراء أثر الحاجة في المفهوم الإسلامي، كما يأتي:

التوزيع الوظيفيّ لمصادر الإنتاج

الإنتاج - التبادل - التوزيع المذهبي لعوائد الإنتاج - الاستهلاك.

أ - أثر الحاجة في التوزيع المذهبي للموارد الاقتصاديّة

(الحمى، الإحياء، الإقطاع، النهي عن إجارة البيضاء، فضل الماء، الملكيّة).

سبق القول إنّ معيار اعتبار الحاجة هو أداؤها دور الإنماء العامّ للطاقات، ويمكن أن نلمس ذلك في عدّة مُفردات في النظام الحقوقي الإسلامي.

ففي الإحياء - مثلاً - يضع الفقهاء شرطين لعدّ الأرض مَواتاً قابلاً لإجراء الإحياء عليها، فالإماميّة يرون الموات: (الذي لا ينتفع به لعطلته؛ إمّا لانقطاع الماء عنه، أو لاستيلاء الماء عليه، أو غير ذلك من موانع الانتفاع) (1) .

وأكّد المالكيّة والشافعيّة والحنابلة والظاهريّة والأباضيّة على لحاظ عدم الاختصاص، فالأرض الموات عند الشافعيّ هي: ما لم يملكه أحد في الإسلام بعُرف ولا عمارة (2) .

____________________

(1) المُحقق الحلّي، شرائع الإسلام.

(2) الداماد، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، موطّأ الإمام مالك، تحقيـق محمّد فؤاد عبد الباقي، ص: 743، الحديث رقم 2، اُنظر: ابن حزم، المُحلّى، ص: 232، الحديث رقم 8.


وعند الغزالي - وهو من الشافعيّة -: كلّ منفكّ عن الاختصاص (1) . وعند الشافعي في (الأمّ): (الأرض المعطّلة عن الانتفاع والحيازة، المجرّدة من الحقوق والاختصاصات العامّة). ونجد ذلك - بهما معاً - عند الحنفيّة والزيديّة (2) .

فالحاجة إلى الاستثمارات - إذاً - قائمة بالدرجة الأُولى على إلغاء عطلة الموارد، ثُمّ عدم وجود علاقة اختصاصيّة لأحد عليها.

وحيث إنّ الحاجة مرتبطة بالظروف الاقتصاديّة السائدة، فقد اعتمد الإماميّة وأبو حنيفة إذْنَ الإمام شرطاً في اكتساب الحقّ في ما ينتجه الاستثمار. ثمّ تبدو مسألة الحاجة في اختلاف الفقهاء في صحّة إحياء حريم العامر، فالكلّ مُتّفق على عدم صحّته لاحتمال التوسّع فيه.

والفقهاء، وإن اختلفوا في ماهيّة الإحياء، فقد أحال قسم منهم المسألة إلى العُرف، فما عدّه العُرف إحياءً أصبح حقيقةً شرعيّةً، الأمر الذي يعني أنّ الحاجة في الاستثمار هي المحدّدة للسياسة الاقتصاديّة، فالمرجع في ماهيّة الإحياء إلى العُرف من غير خلاف؛ لعدم النصّ على ذلك في الشرع واللُغة. واختلاف الفقهاء في مدى الحقّ المُكتسب الناتج من الإحياء دليل على عدّ الحاجة محلاً للموازنة بوصفها مقولة إنتاجيّـة، فمنهم من يرى أنّ مُفردة (له) في الحديث: (مَن أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له)، تُفيد تمام الملك، ومنهم من يراها مُعبّرة عن حقّ اختصاص متلازم مع الإعمار، ولكلٍّ دليله (3) ملتزماً، لقيام الحاجة إلى الاستثمارات، محوراً هامّاً في تفضيل حكمٍ على آخر، ومع تساوي الدليل صار بعض الباحثين (4) يرجّح رأي مَن يرى جواز سحب الحقّ مع التعمّد بتعطيله، وهو رأي للأحناف، وإن غلب على فقهاء المذهب ترجيح الرأي الذي يرى ارتباط الاختصاص بالمختصّ مع إعماره أو إهماله (5) ، والمالكيّة مع سحب الحقّ، إلاّ أنّهم اشترطوا طول فترة الاندراس بما يُشعر بإعراض المُحيي الأوّل عن المورد (6) .

____________________

(1) الغزالي، الوجيز في فقه الشافعي: 1/145.

(2) اُنظر: الإمام الشافعي، الأمّ، تحقيق محمّد زهدي النجّار، ص: 41، الحديث رقم 4، دار المعرفة - بيروت.

(3) اُنظر في ذلك: الكاساني، بدائع الصنائع: 1/198، أبو يوسف، الخراج، الشيخ الطوسي، المبسوط.

(4) اُنظر: سيّد قُطب، العدالة الاجتماعية، ص: 121، الحديث رقم 6، العربي (محمّد عبد الله)، استثمار المال، بحث في المؤتمر الأوّل للأزهر، ص: 128. عودة (عبد القادر)، المال والحكم، (م. س)، ص: 37. الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصاديّ، ص: 36.

(5) الرملي، الفتاوى الخيريّة، المطبعة العثمانيّة: 2/185.

(6) الصاوي (أحمد بن محمّد)، بُلغة السالك: 2/374، ط2.


أمّا الإماميّة فأغلب مُجتهديهم على صحّة إحياء المُحيي الثاني؛ لأنّ الإحياء يتمّ بإذن الإمام، أمّا الحنابلة والظاهريّة والزيديّة، فقد اعتمدوا حقوق المُحيي الأوّل، فإن شغر ودثر حتى عاد كأوّل حالة، فهو مِلك لمَن كان له، فإن جهل أصحابه فالنظر فيه إلى الإمام (1) .

ويظهر دَور الحاجة في الإحياء من خلال ما يأتي:

1 - دعوة مفتوحة لجميع القادرين على تشغيل الموارد المعطّلة سدّاً للحاجة.

2 - تقليل فُرص الرَيع المُطلق لِما له مِن أثر على وتائر تصعيد الإنتاج والإنتاجيّة.

3 - اعتماد وحدة التشغيل المُثلى بربط مقولة الإحياء بالقدرة الذاتيّة لمَن يُمارس حقّه في اكتساب الاختصاص بالمـورد.

4 - مُساهمة واضحة في امتصاص فائض العمالة؛ سدّاً لحاجة التوظّف التامّ لقوّة العمل.

5 - فتح الطريق أمام تغييرات هامّة على مستوى العَرض، وإحداث تغييرات هامّة أيضاً في مستوى الطَلَب.

6 - مواجهة النموّ السكّاني بتوفير الأمن الغذائي من خلال الترخيص والإعانات.

7 - تصعيد وتائر التراكم من خلال مجانيّة أحد عناصر الإنتاج، وهو الأرض، وما ينطبق على الأرض ينسحب على ما في باطنها كالمعادن.

فقد أجاز بعض الفقهاء إحياء المعادن الباطنة، ورتّبوا عليها - على اختلافٍ بينهم - الخُمس أو الصدقة لبيت المال، بينما عدّها المالكيّة والإماميّة مِلكاً عامّاً يتصرّف به جميعاً الإمام لمصلحة المسلمين كافّة، والباحثين المُتأخّرون على الرأي الثاني. ويظهر ضغط الحاجة الاجتماعيّة وراء الرأي الثاني جليّاً؛ ذلك أنّ مصادر الطاقة أصبحت اليوم أهمّ احتياطيّ لمواجهة تطوّر الحاجات العامّة وأُسلوب سدادها.

____________________

(1) ابن حَزم، المُحلّى: 8/270.


وفي مقولة الإقطاع تجد أنّ ما يجوز إقطاعه إقطاع تمليك، هو ما لم يُعمّر أصلاً (الموات)، أو ما عُمّر في الجاهليّة ولم يبقَ له مالك. وما خرب بعد إعماره في الإسلام، على اختلاف بين الفقهاء في ما إذا عُرف أربابه أم لم يُعرَفوا.

ويقطع إقطاع انتفاع ما كان في الصفايا، أو ما لم يستغل من أرض الخراج، أو ما لا وارث له.

وهذا يعني أنّ ما وضع في حكم إقطاع التمليك فيه حاجة فرديّة، أمّا ما جعل في إقطاع الانتفاع، فهو لسداد الحاجات العامّة لفرض الخراج عليه؛ للمسوّغات والآثار التي سقناها في إحياء الأراضي الموات.

يقول أبو يوسف: (فهي للإمام إن رأى يصيّرها عُشراً فعل أو عُشرَين فعل، أو رأى أن يُصيّرها خراجاً فعل، وذلك موسعاً عليه في أرض العراق خاصّة) (1) ، أمّا مقياس المُفاضلة بين المستقطعين، فيقوم على أساس الكفاءة من جهة، والحاجة التي يقرّها الشرع من جهة أُخرى.

ثُمّ يخلص أبو يوسف إلى القول: (ولا أرى أن تترك أرض لا مِلك لأحدٍ فيها ولا عمارة حتى يقطعها الإمام، فإنّ ذلك أعمر للبلاد) (2) .

ب - أثرُ الحاجةِ في الإنتاج

يرى الفقهاء أنّ ما يكتسب به (ما يُنتج) لا يخلو من أن يكون إمّا مُباحاً أو مكروهاً أو مُحرّماً، فالمُحرّم كالأعيان النجسة: الخمرة، والفقاع، وكلّ مائع نجس (غير القابل للطهارة)، والميتة، والدم، والخنزير، وجلد الكلب.

وما حَرُم لتحريم ما قُصد منه: كهياكل العبادة، وآلات اللهو والقمار، وما لا يُنتفع به، وما هو مُحرّم في نفسه كالسحر، والكهانة.

أمّا ما يُكره، فهو ممّا يُفضي إلى حرام أو مكروه غالباً، أو ما يُكره لتطرّق الشُبهة، وقد عُدّ ذلك كلّه مباحاً (3) .

____________________

(1) أبو يوسف (م. س)، ص: 58، اُنظر أيضاً: الفرّاء، الأحكام السلطانيّة، ص: 65.

(2) المصدر نفسه، ص: 61.

(3) المحقّق الحلّي، (م. س)، ص: 2، الحديث رقم 4.


وفي مجال التبادل نجد قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لعَن الله اليهود، حُرّمت الشحوم عليهم فباعوها وأكلوا ثمنها)، مانعاً مِن جعل هذه الأصناف مادّة للتبادل. والحكمة المستفادة من عِلل الحُرمة أو الكراهة - في ما تقدّم - تتمثّل في أنّ هذه الأصناف لا تسهم في الإنماء العام للطاقات البشريّة.

ذلك أنّ نظرة الاقتصادي الإسلاميّ للسلع المُجازة، إنتاجاً وتبادلاً، تتمثّل في ما ينطبق عليه لفظ القرآن ( الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ) [الأعراف: 32] بما يحمل هذا المعنى مِن الحُسن والنقاء والنفع العام، أي ما يؤدّي استعمالها إلى تحسين المنفعة الشاملة للمستهلك، وبالطبع سيكون ذلك مؤثّراً على نوعيّة السِلع، وعلى قيمها التبادليّة، وما يعبّر عن تلك القيم (الأسعار).

يقول الشيخ الأنصاري في (المكاسب): (إنّ الحرمة تظهر في كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه، أو وجه من وجوه الفساد، وكلّ مَبيع ملهوّ به، وكل منهيّ عنه ممّا يتقرّب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشِرك، أو يوهن به الحقّ) (1) .

وإذا حرم شيء ما، أو اكتسب شيءٍ ما حُكمه الكراهة، سرى هذا الحكم إلى الإجارة فيه؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله عزّ وجلّ إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه) (2) .

ومعنى حرمة الثمن: حرمة النقل والانتقال وترتّب الأثر.

وهكذا تمنع السلعة غير المساهِمة بتحسين الطاقات العامّة للإنماء من تخصيص الموارد، أي أنّ الاعتبارات العقائديّة تدخل في إنتاج السِلع، بما يعود على المجتمع بالإيراد العام.

ويتّضح ممّا تقدّم أنّ تركيب السِلع في الاقتصاد الإسلامي، من منظور الرعيّة، يرتبط ارتباطاً مُباشراً بالحاجة المشروعة من منظور نوعيّة السِلع.

جـ - دور الحاجة في نَمط التوزيع

تتّخذ عمليّة التوزيع الأساسيّة ونمطها بافتراض رأسماليّة المنافسة الحرّة شكل الملكيّة الخاصّة، حيث يجري تقسيم القيمة الجديدة المُنتجة

____________________

(1) الشيخ الأنصاري (مرتضى)، المكاسب: 1/10.

(2) مسند الإمام أحمد، شرح أحمد محمد شاكر، دار المعارف.


إلى قسمين: أجور وربح، يُغطّي الأوّل الكفاف، بينما يستحوذ مالك وسائل الإنتاج الرأسماليّ على ما يزيد على الكفاف بشكل ربح.

ويُشكّل العمل أساس التوزيع الاشتراكي، بافتراض اشتراكيّة ناضجة، حيث يجري التقسيم وفق المبدأ الآتي: (مِن كلٍّ حسَب طاقته، ولكلّ حسب حاجته)، في المرحلة الأُولى للاشتراكيّة، ثُمّ في المرحلة العُليا مِن الاشتراكيّة يصبح العمل أداة لتسديد جميع أنواع الحاجات.

أمّا في المذهب الاقتصادي الإسلامي، فإنّ العمل والحاجة هُما أساس التوزيع، وإنّ حدّ الكفاية هو المُجسّد لمكافأة المسلم على عمله من جهة، ومدى التزام المجتمع الإسلامي ومسؤوليّته التوزيعيّة نحوه مِن جهة أُخرى.

ويعتمد حدّ الكفاية في تحديد مقدار العطاء من حيث إنّه المقدار الذي يجعل المقاتل يستغني به عن التماس مادّة تقطعه عن حماية البيضة (1) .

ولتقدير الكفاية رقمياً كانت المعايير التالية تؤخذ في الاعتبار (2) .

1 - عدد الأفراد المُعالين من قِبل المقاتل.

2 - عدد الخيل والظهور التي يضعها المقاتل في خدمة الجيش.

3 - مستوى أسعار السِلع والخدمات الضروريّة لإعاشة المقاتل وإعاشة عائلته.

ولمّا كان مقدار الكفاية يُقاس بالسِلع والخدمات اللازمة في حياة المجاهد وأفراد عائلته وخَيله، صار من اللازم أن يقوم الديوان بإعادة النظر في مقداره من عام إلى عام، فإن زادت أسعار السلع والخدمات زاد العطاء، وإن نقصت الأسعار نقص، ورُدّ إلى ردّ الموضع الذي يحلّه في الغلاء والرخص، فتقدّر كفايته في نقصه وكسوته لِعامِه، فيكون هذا المقدار في عطائه، ثُمّ تُعرَض حالة كلّ عام، فإن زادت زاد راتبه وإن نقصت نقص (3) .

ومن منظور تقسيم السِلع إلى الضروري والحاجي والتحسينيّ، فإنّ الضروريّات داخلة أصلاً في حدّ الكفاية، وإنّ الحاجي هو تحسين لحدّ

____________________

(1) البلد أو الأُمّة.

(2) نقلاً عن الحسب (فاضل)، الماوردي في نظريّة الإدارة الإسلاميّة العامّة، عمان، المنظمّة العربيّة للعلوم الإداريّة، ص: 56.

(3) الحسب (فاضل)، (م. ن)، نقلاً عن الماوردي في أحكامه السلطانيّة، المكتبة المعموديّة التجاريّة - مصر.


الكفاية، أو إنّه إحلال حدّ كفاية جديد محلّ القديم يتّصف بتوزيع الكمّ والكيف في عدد السِلع والخدمات الداخلة في حدّ الكفاية ونوعيّتها.

  أمّا التحسينيّ، فهو الاستمرار في إدخال سِلع وخدمات لم تكن قد دخلت الكفاية في مرحلة سابقة، شريطة ألاّ تبلغ مستوى الترف البذخي والإسراف؛ لأنّ في ذلك خروجاً على أحكام الشريعة الإسلاميّة وتأطيرها لنمط الاستهلاك.

وبقدر علاقة وليّ الأمر - الدولة أو الإمام - بحدّ الكفاية وضرورة توفيره، فإنّ وليّ الأمر مُلزَم بالضروريّات، إمّا عن طريق الإعالة الثابتة لمواطن الدولة الإسلاميّة، أو عن طريق إيجاد فُرص العمل له.

أمّا الحاجي والتحسيني، فهما متروكان لإبداعات الأفراد خلال ممارستهم لمهمّة الاستخلاف، وبخاصّة في قطاع استخلاف الأفراد.

وتظلّ سِلع الترف والبذخ موضوعاً تكافحه السياسة الاقتصاديّة للدولة الإسلاميّة، من حيث إنّها غريبة عن سلوك الفرد المسلم في عباداته ومعاملاته.

إنّ دَور الحاجة وتحرّكها، من الضروري إلى التحسيني عِبر الحاجي، مردّه إلى المفهوم الحركي للحاجة في الاقتصاد الإسلامي، فتطوّر الاقتصاد وزيادة المداخيل والإيفاء بواجبات المهمّة الاستخلافيّة في عمارة الأرض، وتطوير معطياتها النباتيّة والحيوانيّة والمعدنيّة، أُمور تدفع بالحاجات الاقتصاديّة الإسلاميّة إلى التوسّع، أُفقيّاً وعموديّاً، بشكل مستمرّ يستجيب للإرادة الإلهيّة في أنّ نِعَم الله لا تُحصى.

د - دَور الحاجة في نمط الاستهلاك الإسلامي

الحاجة في الفكر الاقتصادي الإسلامي، من زاوية التحديد أو الإطلاق، نجدها محدودة بضوابط فنّية وشرعيّة، والمحدّدات الفنّية هي نفسها السارية في الاقتصادات الوضعيّة؛ لأنّ المسألة تتعلّق بحياة الإنسان في مُجتمع إنساني في مرحلة حضاريّة واحدة من التطوّر الاقتصادي، ولأنّ تلك سُنن الله في الكون.


أمّا المحدّدات الشرعيّة (1) ، فهي أُسلوب المذهبيّة الاقتصاديّة الإسلاميّة في إقرار حاجات اقتصاديّة، وحظْر أُخـرى، والحياد قبالة ثالثة، ومِن الجمع بين المحدّدات يتكامل الموقف من محدوديّة الحاجة، أي أنّه بزوال المحدّدات الفنّية، أي في حالة اكتمال عمليّات التنمية، وتصعيد وتائر الدخل الفردي الحقيقي، نكون أمام حاجات مُتّسعة ومتنوّعة، وحاجات جديدة تبدأ بالظهور والتكوّن.

إنّ المحدّدات الشرعيّة الكمّية والنوعيّة للحاجات والسِلع تعمل على تنظيم الحاجة وتأطيرها نوعيّاً، ولكنّها لا توقف تطوّرها في حجم ثابت.

إنّ القيَم العقائديّة والفكريّة حين تُلغي الخمر والميسر - مثلاً - بوصفهما من السلع غير المشروعة، تكون لديها حاجات روحية وثقافيّة بنّاءة لا يراها الفكر الاقتصادي الوضعي، إضافةً إلى مفهوم العقائديّة الإسلاميّة الخاص في السِلع غير المحدودة التي تلبّي حاجات مادّية مشروعة.

فالتحديد الشرعي ليس تحديداً مادّياً معوّقاً في اتّساع سلّة السلع الاستهلاكيّة، وإنّما هو تنظيم للحاجة؛ استناداً إلى علّة يجعلها المُشرّع الإسلامي المعيار في الفصل والتمييز بين الحاجات المشروعة والحاجات المحظورة.

إنّ دَور الحاجة في نمط الاستهلاك الإسلامي مؤطّر - كما نعتقد - بالمطالب الأربعة التالية:

1 - كونها الحاجة الأساس التي يبني عليها الهيكل الإنتاجي للسِلع والخدمات وأولويّاته (السلع النمطيّة القياسيّة)، والسِلع القابلة للتنويع، أي البدائل ذات الطلب المُشترك.

2 - ومِن خلال الجمع بين مفهوم الحاجة الإسلاميّة والهيكل الإنتاجيّ لها يُصار إلى فهْم هدف المُستهلك المُسلم وسلوكيّته، أي يُصار إلى بناء نظريّة سلوك المُستهلك الإسلامي في ضوء الجهاز المفاهيمي الإسلامي وضمنه؛ لأنّ المسألة - أصلاً - مسألة عقائديّة نابعة من أحكام الشريعة الإسلاميّة وتأطيرها للحاجة.

____________________

(1) كاظم (عبد الأمير)، (م. س)، ص: 326.


3 - إنّ المحدّدات الفنّية والشرعيّة للحاجة الإسلاميّة تشكّل أحد الأُسس في تدخّل الدولة الإسلاميّة في الحياة الاقتصاديّة وتخطيطها؛ لذلك فإنّ الأمر النسبيّ في محدوديّة الحاجة يرتبط في السياسة الاقتصادية للدولة الإسلاميّة بمتغيّرات نسبية هي:

أ - انعدام ظاهرة تعطيل الطاقات الإنتاجيّة؛ لأنّ مهمّة عمارة الأرض، من حيث إنّها موضوع الاستخلاف، هي مهمّة عباديّة تجعل العمل تكليفاً إلهياً لا بدّ من الإتيان به دائماً وأبداً، وأنّ التأثير المُتبادل بين الإنسان والبيئة والنشاط الاقتصادي مهمّة مستمرّة دائمية بديمومة الإنسانيّة والنسل البشريّ، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ب - تغيّر مستويات الدخل صعوداً أو هبوطاً، الأمر الذي يجعل حدّ الكفاية مقداراً متحرّكاً مَرِناً، يجرّ وراءه اتّساع سلّة السِلع والخدمات الداخلة فيها أو ضمورها.

جـ - قدرة الفكر الإسلامي على تحليل المستجدّات، واستنباط الأحكام المتلائمة مع تطوّر الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في إطار الثوابت (القرآن الكريم، والسنّة الشريفة)، وفي ضوء آراء الفقهاء وأئمّة المسلمين ومذاهبهم في مجال نمط الاستهلاك الإسلامي.

4 - تلعب الحاجة الإسلاميّة دور حلقة الربط بين الجعل الشرعي بإنماء الطاقات البشريّة، وبين التخطيط للحياة الاقتصاديّة في عمارة الأرض؛ فكون الحاجة الاقتصاديّة الإسلاميّة غير محدودة يمكن الاستدلال عليه من المُنطلقات الأساسيّة التالية:

أ - إنّ الهدف المركزيّ للنشاط الإنساني هو عمارة الأرض، من حيث إنّها سلسلة من عمليّات مستمرّة في علاقات تأثير مُتبادل بين الإنسان والحيوان والمعدن.

ب - إنّ عمارة الأرض تستهلك في الممارسة طاقات وموارد اقتصاديّة مادّية وبشريّة؛ فالواجب تجديدها وإنماؤها، وإيجاد البدائل والمصادر البديلة بشكل دائم ومُستمرّ.


المصادر

أ - القرآن الكريم.

ب - كُتب التفسير:

1 - الطبرسي (الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، شركة المعارف، ب. م.

2 - البيضاوي (عبد الله بن عمر)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى محمد - مصر.

3 - الطوسي (محمّد بن الحسن)، التبيان، تحقيق أحمد القصير، مطبعة النعمان - النجف.

4 - القرطبي (أحمد بن محمّد)، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث - بيروت، 1966م.

5 - ابن أنس (مالك)، الموطّأ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب، 1951م.

6 - ابن حنبل (أحمد)، المسند، تحقيق أحمد محمّد شاكر، دار المعارف - مصر، 1955م.

7 - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمان)، الجامع الصغير لأحاديث البشير النذير، مطبعة مصطفى البابي الحلبـي، ط4، 1954م.

جـ - كتب الفقه:

كُتب الإماميّة:

8 - الطوسي (محمّد بن الحسن)، المبسوط، طبعة محمّد باقر (حجريّة) ن 1271م.

9 - الحلّي (نجم الدين جعفر بن الحسين)، شرائع الإسلام، تحقيق عبد الحسين محمّد علي، مطبعة الآداب - النجف، ط1، 1969م.


10 - الأنصاري (مرتضى)، المكاسب، تحقيق محمّد كلانتر، مطبعة الآداب - النجف، 1392هـ.

الحنفية:

11 - الأنصاري (يعقوب بن إبراهيم، أبو يوسف)، الخراج، المطبعة السلفية، ط2، 1356هـ.

12 - الداماد (عبد الله بن محمّد بن سليمان)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.

13 - الكاساني (علاء الدين)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مطبعة الجمالة - مصر.

14 - الرملي (محيي الدين بن خير الدين)، الفتاوى الخيريّة لنفع البريّة على مذهب أبي حنيفة، المطبعة العثمانيّـة، 1312هـ.

الحنابلة:

15 - الفرّاء (أبو يعلى، محمّد بن الحسين)، الأحكام السلطانيّة، تعليق محمد حامد الفقهي، مطبعة البابي الحلبي - القاهرة، ط1، 1356هـ.

الشافعية:

16 - الشافعي (محمّد بن إدريس)، الأُمّ، تحقيق محمّد زهدي النجّار، دار المعرفة - بيروت، 1973م.

17 - الغزالي (محمّد بن محمّد)، الوجيز في فقه الشافعي، مطبعة موشي قدم - الغورية.

المالكيّة:

18 - الصاوي (أحمد بن محمّد)، بُلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب مالك، مطبعة الحلبي.

الظاهريّة:

19 - ابن حزم (عليّ بن أحمد بن سعيد)، الحلّي، تحقيق أحمد شاكر، المطبعة الميريّة - مصر.


د - كتب الاقتصاد الإسلامي:

20 - صقر (محمّد أحمد)، الاقتصادي الإسلامي مفاهيم ومرتكزات، دار النهضة، ط1، 1978م.

21 - الحِسب (فاضل عبّاس)، الماوردي في نظريّة الإدارة الإسلاميّة، المُنظمة العربيّة للعلوم الإدارية - عمان، مطبعة الدستور، 1984م.

22 - الكبيسي (أحمد عوّاد)، الحاجات الاقتصاديّة في المذهب الاقتصادي الإسلامي، مطبعة العاني - بغداد، 1987م.

23 - سيّد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار إحياء الكُتب العربيّة - مصر، ط6، 1965م.

24 - عودة (عبد القادر)، المال والحكم في الإسلام، دار النذير - بغداد، ط2، 1964م.

25 - العربي (محمّد عبد الله)، استثمار المال في الإسلام، بحث منشور في المؤتمر الأوّل - الأزهر، 1964م (اُنظر: وقائع المؤتمر).

26 - عابد (عبد العزيز)، مفهوم الحاجات وأثره على الإنماء الاقتصادي، بحث منشور في مجموعة المؤتمر الأوّل لأبحاث الاقتصاد الإسلاميّ - جدّة، (اُنظر: أبحاث المؤتمر) طبعة دار العلم، 1985م.

27 - الزرقاء (محمّد أنس)، إعادة اكتشاف دالة إسلاميّة للمصلحة الاجتماعيّة، بحث في مجلّة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، العدد الأوّل، م3، 1985م.

هـ - كتب الاقتصاد الحديث:

28 - زكي (رمزي)، المشكلة السكّانيّة وخرافة المالثوسية، سلسلة عالم المعرفة - الكويت، 1984 م.

29 - نامق (صلاح الدين)، اقتصاديّات السكّان، دار المعارف - مصر، 1970م.

30 - المحجوب (رفعت)، الاقتصادي السياسي، دار النهضة - مصر، 1973م.

و - الرسائل الجامعية:

31 - زاهد (عبد الأمير كاظم صالح)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي، رسالة ماجستير مقدّمة إلى مجلس كلّية الشريعة - بغداد، 1987م، (رونيو).



البحث الثالث

ملامح نظريّة الإنتاج الإسلاميّة

في مبحث إحياء الأراضي المَوات



أهمّية البحث وأسباب اختياره وأهدافه

تحتلّ الدراسات التي تعدّ الشريعة الإسلامية نظاماً كاملاً يستوعب حاجة الإنسان الماديّة والروحيّة مكاناً هامّاً في الاهتمام الأكاديمي، وبخاصّة إذا تولّت عمليّة التنظير في هذه الدّراسات بناء نظريّة إنتاج إسلاميّة تستند إلى أُصول الأحكام الشرعيّة.

وبناء نظريّة الإنتاج الإسلاميّة هذه تشكّل في الجانب الآخر ردّاً على جهود دراسيّة غربيّة أو عربيّة تحاول، عامدة أو منساقة، تصوير الأُطر الاجتماعيّة والاقتصاديّة المنبثقة من الشريعة الإسلاميّة، كأنّها تعتني بالتوزيع لا على أساس أنّ للإسلام نظريّة توزيعيّة؛ لأنّه سينتج عن ذلك أنّ له تصوّراً شموليّاً في مجال إدارة اقتصاديّات المجتمع الإسلامي، أو أيّ مجتمع إنسانيّ، وإنّما على أساس أنّه ذو محتوى أخلاقي (1) يعتمد دالّة الإحسان في تغطية حاجة ذوي الدخل المحدود، أو ممّن يُطلق عليهم شرائح ما دون الكفاية.

لأجل ذلك تتّجه الدراسات الموضوعيّة الواعية والمخلصة إلى طرح هذا المنظور، واستبداله بتوجّه يرمي إلى اكتشاف مفاصل نظريّة اقتصاديّة كاملة، تقوم على أساس معايير الكتاب والسنّة وبقيّة مصادر الحُكم الشرعي فقط.

والإنتاج هو أوّل هذه المفاصل، والوصول إلى تحديد سماته يحتاج إلى استقراء مباحث فقهيّة، وعقائدية، وتحليلها تحليلاً يتّخذ من الفحص عن الأثر الاقتصادي لتلك الأحكام فرضيّته المركزيّة.

ويُشكّل إحياء الأراضي المَوات واحداً من الموضوعات التي تدور حول محور الإنتاج وعناصره، كما أنّه يبرز أنّ الإسلام ينفرد عن النُظم الاقتصاديّة المعاصرة في أنّه يهتمّ بتوزيع عناصر الإنتاج قبل الإنتاج نفسه، ويرتّب عليه توزيع النواتج الماديّة لعمليّة الإنتاج الفعلي، وهذا ما نتبيّنه في أقوال الفقهاء المُتعلّقة باكتساب حقّ الملكيّة في الأرض المُحياة أو اكتساب حقّ الاختصاص.

____________________

(1) اُنظر في هذا الاتّجاه:

أ - رودنسون (مكسيم)، الإسلام والرأسماليّة.

ب - أوستري (جاك)، الإسلام والتطوّر الاقتصادي.

جـ - سعد (أحمد صادق)، النمط الآسيويّ للإنتاج.

د - أبحاث مجلّة دراسات عربيّة حول كتاب الخراج، العدد: 1، 2، السنة: 19، ص: 4 - 89.


إنّ صورة الإحياء مبسّطة في مفهوم اقتصادي مبسّط أيضاً، وهو تحريض التشريع وتشجيعه للمُستخلَف - الإنسان المُسلم - لكي يضيف وحدات العمل إلى عنصر الطبيعة؛ ليلبّي حاجة نفسيّة هي التملّك، وحاجة مادّية هي تحقيق الربـح، وحاجة اجتماعيّة هي توسيع نواتج الدخل القومي وتعميقها بموازاة زيادة معدّلات السُكّان.

إنّ هذه الدراسة ومثيلاتها ربّما توصلنا إلى تحديد لمَسات مُشتركة، لتشكيل نظريّة إنتاجيّة في الإسلام تقوى على محاورة نظريّات الإنتاج في المدارس الاقتصاديّة العالميّة؛ لذا فإنّ أسباب اختياري للموضوع تتمثّل في ما يأتي:

1 - تناول أبرز جزء فقهيّ وتحليل مقتضياته؛ لكي يلامس مقولة الإنتاج في الفكر الاقتصادي العالمي.. مستنداً إلى الكتاب والسنّة.

2 - تخليص ما يُدّعى من إسقاطات معاصرة من النظريّات الاقتصاديّة الوضعيّة على التوزيع الإسلامي لعناصر الإنتاج أو نواتج الدخل.

3 - يتناسب تحليل المغزى الاقتصادي مع عصر البحث الذي يُسمّى عصر السباق بين النموّ الاقتصادي وزيادة السكّان، ويبيّن أُسلوب الإسلام في رسم معادلاته لحلّ هذه المعضلة، بما يسهم في معالجة قضيّة (أو أزمة) التنمية في العالم الثالث.

4 - يسهم البحث في تقديم ورقة ذات علاقة بمشكلة الأمن الغذائي في العالم الثالث، أو في دول العجز منها.

ومن أسباب الاختيار نستطيع اشتقاق أهداف البحث، وهي: تحليل آليّة آراء الفقهاء في إحياء الأراضي الموات للوصول إلى تشكيل محاور نظريّة الإنتاج الإسلاميّة.

حدود البحث ومنهجه

تسهم مجموعة من الموضوعات في الوصول إلى هذا الهدف، ومنها: مباحث البيع، ومباحـث فلسفـة الاستخـلاف (1) ، ومباحث النجاسات وبيع

____________________

(1) الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، ص: 25، السبهاني (عبد الجبّار)، الاستخلاف والتركيب الاجتماعي في الإسلام (رسالة ماجستير)، ص: 115.


المِيتَة والانتفاع بها، ومباحث الزكاة، ومباحث الصيد والذبائح، وباب البيوع والسَلَم والقِراض - المُضاربة - ومباحث الحَجْر والمُساقاة والمزارعة، وإحياء الأرضي الموات. إلاّ أنّني فضّلت الموضوع الأخير؛ لأنّه أكثر الموضوعات استيعاباً لتحقيق الهدف، ولأنّ للبحث وقتاً ومطلوباً لا يتّسعان للمرور على هذه الموضوعات جميعاً.

فحدود البحث: معرفة آراء الفقهاء في إحياء الأراضي الموات وأدلّتهم، وتحليلها مع أدلّتها وبيان مقتضياتها الاقتصاديّة؛ لاستنتاج محاور النظريّة الإنتاجيّة في الإسلام.

ومن حدود البحث يتحدّد المنهج الذي سيُتّبع للوصول إلى حلّ مشكلة البحث، فسيُقسم إلى: ثلاثة مباحث، ومقدّمة، وخاتمة.

تتناول المقدّمة أهمّية البحث وأسباب اختياره وحدوده ومنهجه وإشارة إلى الدراسات السابقة.

  أمّا المبحث الأوّل فسيكون: نظرة الإسلام إلى الأرض وفلسفة الإحياء.

بينما سيكون المبحث الثاني: سمات الأرض الموات وشروط صحّة الإحياء.

  وسيكون المبحث الثالث: مفهوم الإحياء والنتائج المترتّبة عليه.

ثمّ سيصار في الخاتمة إلى تحديد النتائج المركزيّة التي ستُجمع مِن أواخر المباحث.


المبحث الأوّل

أوّلاً: نظرة الإسلام إلى الأرض الموات

قال تعالى: ( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) [هود: 61].

وقال: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ.... ) [الأنعام: 165].

وقال جلّ شأنه: ( أَلَمْ تَرَوْا أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مَا فِي السّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) [لقمان: 20].

ترتكز نظرة الإسلام إلى الأرض على مجموعة من الحقائق، أهمّها:

إنّ الأرض كلّها لله يورثها عباده الصالحين، وإنّها، وإن خضعت لمدّةٍ ما لسيطرة غير المسلم..، فعلى كيفيّة عودتها تترتّب تكييفات الحكم الشرعي لملكيّتها.

فما أُخذ بقتال، فإنّ العامر منه - الأرض المُنتجة - يكون لمجموع المسلمين، لمَن حضر منهم ولمَن لَحِق بهم، بأن يثبت عليه حقّ اسمه الخراج، وهو (الريع المُطلق)، والريع التفاضلي في ما كان أكثر إنتاجاً، مدفوعاً لصالح المجتمـع. أمّا الموات منها ومِن الأرض الصلحيّة، والتي أسلم عليها أهلها، فإنّها عند الفقهاء بين مذهبين:

المذهب الأوّل: إنّها مشتركات عامّة قابلة للإحياء؛ للخروج من مجال الإباحة العامّة إلى مِلك الفرد المُحترم.

المذهب الثاني: إنّها مِلك المنصب الإلهيّ (للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخُلفائه وأُولي الأمر إلى يـوم القيامـة)، ملكيّة جهة (إدارة) يُملّكونها لمَن يُحييها بالشروط التي اشترطها الفقهاء للإحياء.


إلى المذهب الأوّل: ذهب المالكيّة (1) ، والشافعيّة (2) ، والظاهريّة (3) ، والحنابلة في قولٍ لهم (4) .

وإلى المذهب الثاني: ذهب الإماميّة في أرجح أقوالهم (5) ، والحنفيّة (6) إلاّ أبا يوسف (7) ، والزيديّة في قولٍ من أقوالهم (8) .

أدلّة المذهب الأوّل

1 - استدلّ أصحاب المذهب الأوّل بأنّ هذه الأرض هي في الأصل مِلك مُباح؛ بناءً على أصل (ما لم يثقل بالاختصاصات العامّة كالمساجد، أو الخاصّة كالملك المحترم باقٍ على أصل الإباحة).

2 - وإنّ عموم الآيات القرآنيّة دالّة على ذلك.. لقوله تعالى: ( وَسَخّرَ لَكُم مَا فِي السّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) [الجاثية: 13]، ( أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) [الأنبياء: 105]، وفيها دلالة على الشركة في ما لم يرد عليه حقّ مِلك أو اختصاص أو مَرفَق عامّ.

3 - واستدلّوا بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (*) : (مَن أحيا أرضاً مَيتة فهي له، وليس لعرق ظالم حقّ) (9) ، رواه أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، وصحّحه السيوطي في الجامع الصغير. فالحديث يخلو من إحالة الأرض للمنصب وإبقائها على الشركة العامّة.

4 - واستدلّوا بحديثه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي يقول فيه: (مَن أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة) (10) . صحّحه السيوطي.

5 - واستدلّوا بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سَبق إلى مَن لم يَسبق إليه مُسلم فهو له) (11) .

____________________

(*) قال الهراسي محقّق الأموال: أعلّ الترمذي الحديث بالإرسال؛ لأنّه أُرسل مِن طريق هاشم بن عروة عن أبيـه، ورجّح الدارقطني إرساله، واختلف فيه على هشام بن عروة اختلافاً كثيراً...

اُنظر: أبو عبيد، الأموال، ص: 302.                  (1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/66.

(2) الماوردي، الأحكام السلطانيّة، الشافعي، الأُم: 4/41.

(3) ابن حزم، المُحلّى: 8/233.                       (4) ابن قُدامة، المغني: 5/ 543.

(5) العاملي، مفتاح الكرامة.                            (6) الكاساني، بدائع الصنائع: 6/192.

(7) أبو يوسف، الخراج، ص: 64.                     (8) المرتضى، البحر الزخّار: 4/86.

(9) السيوطي، الجامع الصغير: 2/161، واُنظر: أبو داود: 2/50.

(10) المصدر نفسه: 2/161، والترمذي رقمه 1392.

(11) المصدر نفسه: 2/173، وأخرجه الموطأ من مرسل عروة: 4/1495.


6 - وما روي عن عائشة (رضي الله عنها) أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (مَن أحيا أرضاً ليست لأحد فهو أحقّ بها) (1) .

تترتّب على هذا الرأي دلالة مفادها أنّ الأرض المَوات - كما هي دلالة الأدلّة - مالٌ مُباح يُملَك بالاستيلاء عليه، غير أنّ هذا الاستيلاء لا يكون بوضع اليد فقط، بل بإحياء الأرض، فالأحاديث علّقت التملّك على الإحياء الذي جاء في متن الأحاديث مُطلقاً غير مُقيّد بصفة مُعيّنة، وما لم يُحدّده الشرع لا يُقيّد إلاّ بدليل مُعتبر، ويذهب ابن قُدامة إلى أنّ متن الأحاديث عامّ، فلا يصحّ اشتراط إذن الإمام أو غيره عملاً بإحالة ملكيّتها إليه (2) .

أدلّة المذهب الثاني

1 - حيث ثبت أنّ الله تعالى مالك كلّ شيء، فإنّه - جلّ اسمه - يهب مُلكه لمَن يشاء، ويستخلف عليه مَن يشاء بوساطة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومَن يقوم مقامه.. لذا كانت الأرض الموات مملوكة للإمام أو وليّ الأمر ملكيّة جهة (إدارة)، ومتروكة لنظره يجعلها وِفق ما تحدّده الشريعة ومصلحة المسلمين؛ لأنّ حقّ الله في المِلك لرسوله ثُمّ لولي الأمر بعده؛ لخبر معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أنّه روى عن النبيّ قوله: (ما كان لله من حقّ فإنّما هو لوليّـه)، مصداقاً لقوله تعالى: ( قُلْ هِيَ لِلّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) [الأعراف: 32]، ولقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (موتان الأرض لله ولرسوله، ثمّ هي لكم من بعدي) .

2 - استدلّ أبو حنيفة (رحمه الله) بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ( ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه) (3) (*) .

3 - استدلّ الإماميّة بالحديث المُسند عن أبي خالد الكابلي، عن الباقر (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: (وجدنا في كتاب عليّ (عليه السلام): (فمَن أحيا أرضاً

____________________

(*) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): فيه عمرو بن واقد، وهو متروك: 5/331.

(1) أبو عبيد، الأموال، ص: 298، علّق في الهامش أنّه رواه البخاري بلفظ (مَن عَمّر أرض).

(2) اُنظر: المُغني: 5/543، الماوردي، الأحكام السلطانيّة، ص: 171، أبو يوسف، (م. س)، ص: 64.

(3) أخرجه الطبراني، في المُعجم الكبير، الحديث رقم 3533.


مِن المسلمين فليُعمرها، وليؤدّ خراجها إلى الإمام) (1) ، ودلالة الحديث أنّ الأرض الموات بالأصالة للإمام.

ونتيجة لذلك، فإنّ مَن قام بإحياء الأرض وعمارتها، فقد اكتسب فيها علاقة على مستوى الحقّ دون المِلك، وهذا لا يتعارض مع بقاء رقبة الأرض في مِلك الإمام.

4 - إنّ الإماميّة والزيديّة يرون أنّ الأرض المَوات من الأنفال، وحيث أنّ الله تعالى قد أضاف الأنفال إدارةً للرسـول، فما كان له من جهة المنصب كان لوليّه.

وتتجلّى الثمرة في الخلاف في مباحث كثيرة من كتاب الإحياء، فأصحاب الرأي الأوّل لا يرون شرط الإذن، ويرى أصحاب الرأي الثاني أنّ اكتساب الحقّ أو المِلك موقّوف على إذن الوليّ، وعلى المذهب الأوّل لا يجوز للإمام تقبيل الأرض لمَن يشاء طالما هي من المشتركات العامّة، فسلطته في تقبيلها مقيّدة، بينما هي مطلقة عند أصحاب المذهب الثاني، وأهمّ النتائج التي يفرزها الخلاف تتمثّل في موضع ضمان التلف في الأرض غير المحرزة ذلك:

(إنّ المال المتقوّم هو ما كان محرزاً فعلاً ومحلاًّ لانتفاع معتاد شرعاً حال السعة والاختيار، هذا النوع إذا تعدّى عليه آخر وأتلفه ضمنه. أمّا غير المتقوّم، فهو المال الذي لم يكن مملوكاً لأحد، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، أو غير منتفع به شرعاً فلا ضمان على مُتلفه) (2) .

يقول الدكتور زيدان: (لا يعدّ مالاً السمك في الماء والمعدن في باطن الأرض؛ لعدم تقوّمه)؛ لفقدانه شرط الحيـازة. (وغير المتقوّم لا حماية له ولا حُرمة، وبالتالي لا يضمن مُتلفه أيّ شيء، فإذا أتلف الإنسان سمكة في الماء أو حيواناً غير مملوك في الفلاة، فلا ضمان على المتلف) (3) .

وهذه النتيجة، على رأي مَن يرى أنّ الأرض الموات ممتلكات مشتركة بين الناس، أو بين المسلمين، على خلاف بين الفقهاء، يقتضي أن يحكم بوصفها مالاً غير مُحرز، وبالتالي هو مضطرّ لإسقاط التصرّفات الجنائيّة إذا

____________________

(1) الحرّ العاملي، الوسائل، ج17، الباب 3: باب إحياء الموات، الحديث رقم 2.

(2) مدكور (محمّد سلام)، المدخل للفقه الإسلامي، ص: 476.

(3) زيدان (عبد الكريم)، المدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة، ص: 221.


أتلفها الفرد - من جهة ضمان التلف - على الأقلّ، في حين نجد ذلك عند أصحاب المذهب الثاني الذي يرى ملكيّة الأرض الموات أصلاً لمنصب الإمامة جهة (إدارة)، فإنّه سيتحقّق الإحراز في حال منتفع به شرعاً، ولا ضرورة بعد ذلك لإسقاط التصرّف الجنائي في إتلاف الأرض.

إنّ هذه النتيجة من مقتضيات المذهب الثاني، وهي تحمي الأرض غير المستثمرة من إزالة الخصوبة، أو أيّة أفعال تؤدّي إلى تدمير وإهدار قيمة الإنتاجيّة قبل استغلالها.

وبهذا أجد أنّ أصحاب المذهب الثاني أَولى وأحقّ، وسيتبيّن ذلك في مباحث الإحياء الأُخرى.

النتيجةُ الاقتصاديّةُ المُستلّة مِن الرأي الثاني

بناءً على اعتبار أنّ الأصل في ملكيّة الأرض الموات للدولة، فإنّ ذلك يعطيها صلاحية استيعاب تطوّرات الأنشطة الاقتصاديّة في تخصيص الموارد والتوزيع الابتدائي لوسائل الإنتاج وفق أولويّات التنمية، وإيصال الخدمات للأراضي المستصلحة، كما أنّ هذا الرأي منسجم مع مَن يرى ضرورة التخطيط الاقتصادي في نمط الإدارة الإسلاميّة للنشاط، ويكوّن هذا الرأي مستنداً فقهيّاً لمعاقبة المحجِر فوق ثلاث سنين أو المعطّل للأرض، ومنسجم مع مَن يرى أنّ مِن مقاصد الشريعة التوزيع المتكافئ للفُرص الإنتاجيّة لتحقيق التوازن؛ ذلك لأنّ إطلاق يد المُحيي في اكتساب ملكيّة ما أحيا من الأرض مع تطوّر التقنيّات الزراعيّة حالياً، ربّما يؤدّي بنا إلى ظهور الإقطاعيّات الكبيرة بما يسبّب التفاوت في الثـروة (1) .

ولأجل ذلك تبنّت القوانين المعاصرة هذا الاتجاه (2) .

ثانياً: الأساس الفلسفي للإحياء

ترتكز المحاور الاقتصاديّة الإسلاميّة على نظريّة الاستخلاف وقوانينها المركزيّة، فحيث أنّ الملكيّة المُطلقـة لله تعالـى، وأنّ الله سخّر للإنسان ما في

____________________

(1) المياحي (عبد الأمير)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي، ص: 120.

(2) مدكور (محمد سلام)، الإباحة عند الأُصوليّين، ص: 176، واُنظر: شرح المادة 784 مِن القانون المدني المصري.


الكون جميعاً وهيّأه له، ثمّ أنابه واستخلفه عليه بعد أن زوّده بالقدرة، فقد أمره بإعمار الأرض، قال تعالى: ( هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها ) [هود: 61]، قال المفسّرون: أي أمركم بعمارتها (1) ، وذكر الجصّاص تفسيرها قائلاً:

( ( اسْتَعْمَرَكُمْ ): أي أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه، وفيه دلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية) (2) .

وإلى مثل هذا ذهب المفسّرون في المراد من الآية، فهي في مرادها تكاد تكون محلّ اتّفاق بين المفسّرين، غير أنّ هذا الوجوب مجاله المُجتَمع من جهة تكليف أُولي الأمر بضرورة الإعمار، والأفراد على سبيل السعة والاختيار. فوق ما جعل حديث الإحياء في مفردةِ (فهي له)، أي الأرض، من دوافع وحوافز حقوقيّة مُنسجمة مع الفطرة البشريّة، فقد رتّب الله تحقّق ملكيّة الفرد للأرض على إحيائها مِن قِبله؛ لذلك فإنّ الباحث يرى أنّ الحكم بالإحياء ليس ممّا أسّسته السنّة بوصفها مشرّعة لبعض الأحكام كما يرى الآخرون...، إنّما هنا مؤكّدة للقرآن في أمر الله تعالى بإعمار الأرض.

كلّ الخلاف في المسألة أنّه عموم وخصوص من وجه، فقد أمر القرآن الإنسان المسلم بإعمار الأرض عامّة وإدامة إعمارها، بينما توجّه الحديث إلى إحياء المُعطّل من الأرض، وإدخاله في مجال العامر، فعن محمّد الباقر (عليه السـلام)، عن آبائه، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (مَن أحيا مواتاً فهو له)، وكشف إجماع المسلمين على جوازه واكتساب الحقّ بسببه إجماعاً مُحصّلاً ومنقولاً وكاشفاً عن رأي المعصوم؛ لذا نرى أنّ السنّة في موضوع الإحياء بيانيّة الوظيفة.

وخلاصة البحث في الأُسس الفلسفيّة:

إنّ إحياء الأرض عمل أمَرَ به الشارع، فهو على سبيل الوجوب العامّ حصراً لوليّ الأمر، وعلى الوجوب الخاصّ في حالات السعة والاختيار، وأنّ الله تعالى قد رغّب به وأثاب عليه، فربط النشاط الاقتصادي بالأجر الأُخرويّ، ثمّ رتّب على عمليّة نقل الأرض مِن مجال التعطيل إلى مجال التوظّف، حقوقاً مُكتسبة على الأرض للمُحيي. كلّ ذلك لأجل:

____________________

(1) الطبرسي، مجمع البيان: 1/74.

(2) الجصاص، أحكام القرآن: 3/165، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 9/56، الطبرسي، (م. س): 12/178.


1 - خلق الفُرص الإنتاجيّة المتجدّدة قبالة مبدأ الإسلام في عدم الوقوف أمام زيادة السكّان، مِن خلال موقف المجتهدين من تحديد النسل.

2 - خلق مبدأ الإحياء؛ ليسهم في امتصاص فائض العمل (البطالة).

3 - زيادة القيَم المُنتجة سنويّاً.

4 - إحداث تغييرات إيجابيّة في جانب العَرض من خلال اكتشاف المُحيي للأرض لفرص جديدة وتشغيلها.

5 - إحداث تغييرات في جانب الطلب؛ لأنّ النواتج المتولّدة عنه تسهم في توزيع الدخول بما يصعد من وتائر الاستهلاك المُباح الذي سيشجّع الإنتاج على التواصل والتجدّد.

6 - توفير الاحتياجات الغذائيّة للعاملين داخل القطاع الزراعي أو خارجه.

7 - توفير الموادّ الأوّليّة للصناعات من خلال إحياء الموارد في الأرض.

8 - يظهر جليّاً أنّ مبدأ الإحياء يُقلّل من تحكّم مقولة الرَيع، الأمر الذي يؤدّي إلى تقليل تكاليف السِلع الزراعيّة، بما يقلّل من الأسعار، ويوجّه الموجودات النقديّة والعينيّة (رأس المال)، لا لشراء أرض جديدة أو استئجارها، إنّما لخلق أرض مُنتجة جديدة، أي أنّه يدفع التراكم المالي الموجود في الأنشطة التنمويّة الفعليّة (1) .

____________________

(1) اُنظر: عبد الله (إسماعيل صبري)، نحو نظام اقتصادي عالمي، ص: 211.


المبحث الثاني

أوّلاً: سِمات الأرض المَوات

يُعرّف الفقهاء ماهّية الأرض الموات بأنّها: (ما لا يُنتفع به لعطلته؛ إمّا لانقطاع الماء عنه، أو لاستيلاء الماء عليـه، أو لاستيجامة، أو غيرها من موانع الانتفاع) (1) ، وعُرّفت بأنّها: (ما لا مالك لها ولا ينتفـع بهـا أحـد) (2) ، وأُضيف لها قيد الخارجة عن العمران.

وقسمّوها إلى موات أصلي وعارض، فالأصليّ: ما لا مالك له، وغير المنتفع به لعلّة.

  والعارض: ما أحياه شخص وترَكه حتى تأبّد أو اندرس، فأصبح خراباً لا يُنتفع به. والعارض إمّا أرضٌ ذات أثر جاهلي ولا يُعلم أنّ مسلماً ملَكها فهي مِن الموات، و إمّا أحياها مسلم ولكنّه غير معيّن، وفي هذه اختلفت الفقهاء.

فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والإماميّة إلى أنّها تُعدّ من الموات الذي يصحّ إحياؤه، بينما عدّها الشافعي ومحمّد بن الحسن وسحنون مالاً ضائعاً مرجعه بيت المال. أمّا إذا كان محييها معيّناً وتركها حتى خربت، فإنّ الإماميّة - في مشهور قولهم - ومالكاً يعدّونها مواتاً، بينما يتوقّف في ذلك فقهاء آخرون (3) .

من خلال ما مرّ، نجد أنّ المحور الذي ركّز عليه الفقهاء في مصداقيّة الأرض التي تُعدّ مواتاً لتصير موضوعاً للقضاء النبوي، بأن يتملّكها محييها هو (العطلة: عدم الانتفاع)، الذي ربّما من لوازمه المنفكّة عدم وجود المالك أو إعراضه عنها، على أن يكون مانع الانتفاع ممّا يزول بالعمل البشري، والمحور الثاني (لم يكن عليها يد مالك، ولم تتحمّل حقوقاً خاصّة أو عامّة).

وعلى هذا، فالأراضي الموات قد تكون:

____________________

(1) النجفي (محمّد حسن)، جواهر الكلام: 38/8.

(2) اُنظر: زيدان (عبد الكريم)، (م. س)، ص: 255، موسوعة عبد الناصر للفقـه الإسلامـي: 4/125، الإمام الشافعي، الأمّ: 4/41.

(3) جميل (هاشم)، مسائل في الفقه المقارن: 2/73 و74.


1 - مُعطّلة لمانع لا يستطيع العمل البشري إزالته، كالأهوار العميقة.

2 - معطّلة لمانع فقدان وحدات العمل لتهيئتها للانتفاع، بضابط كونه يجري مرّة واحدة في العمر، مثل استنباط بئر ماء، أو إزالة استيلاء الماء عليها.

3 - أو مانع من عدم وجود وحدات العمل التي يلزم أن تتكرّر سنويّاً، كالبذار والكراب والحصاد.

وبذلك يكون الفقه المسلم قد ميّز أنماط التعطّل الأصلي والعارض.

  إنّ الباحث ليرى أنّ النوع الثالث قد لا يدخل في مجال الأرض الموات، طالما هو مهيّأ لاعتبار عدم التعطّل بالمعنى المفيد للعطلة؛ ولذلك لا يكون الحقّ المكتسب هنا مثيل الحقّ المكتسب على مانع لا يزول إلاّ بكُلَف ماليّة وجهديّة كبيرة، فيلحق استصلاحاً بالأراضي العامرة التي تقبل من قِبل وليّ الأمر بخراج لمصلحة المسلمين.

روى البخاري (أنّ عمَر (رضي الله عنه) عامل الناس على بياض أرض إن جاءهم عمَر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا) (1) . ولعمري أنّ مكونّات رأس المال في مجال الأرض - في الفهْم المعاصر - تنطلق من تقسيم الأرض (مساحة الإقليم) إلى:

1 - مساحة القابل للزراعة منها.

2 - ما يحتاج إلى استصلاح من مساحة الإقليم (وهو مجال الإحياء).

3 - المخصّص فعليّاً للزراعة (وهو مجال العُشر أو الخراج).

4 - المستثمر فعليّاً.

وإذا لاحظنا أنّ بلداً كالعراق، في عام (1970م)، يزرع منه فعلاً (3 و14%) (2) من مساحة القطر، نجد أنّ مقولة الإحياء ذات أثر فاعل في حركة البناء والإعمار..

____________________

(1) البخاري، هامش فتح البخاري: 5/10، صحيح مسلم، هامش النووي: 10/8.

(2) د. هاشم (جواد)، تكوين رأس المال في العراق: 1957 - 1970، ص: 18.


ثانياً: شروط صحّة الإحياء

اشترط الفقهاء لصحّة تحقّق مِلك مُحيي الأرض لها مجموعة من الشروط اتّفقوا في بعضها واختلفوا في بعضهـا الآخـر، وسأُشير إلى ذلك إشارة سريعة. وأهمّ الشروط عند الفقهاء:

1 - شرط إذن الدولة (وليّ الأمر).

2 - شروط التحجير.

3 - انتفاء الموانع:

أ - مانع القرب مِن العامر.

ب - مانع ارتفاق أهل العمران به.

جـ - كونه حريماً لمملوك.

4 - تحقّق القصد في عملية الإحياء مِن قِبَل المُحيي.

تفصيل شروط الإحياء

1 - الشرط الأوّل: إذْن الدولة (وليّ الأمر)

اشترط فقهاء الإماميّة (1) وأبو حنيفة (2) ومَن وافقه إلاّ أبو يوسف (3) أنّه لا يصحّ إحياء الموات إلاّ بإذن السلطان مُطلقاً؛ إذ من دونه يسقط الحقّ المُكتسب عن الإحياء.

أمّا الزيديّة (4) فربطوا شرط الإحياء بشخص المُحيي، فذهبوا إلى أنّ المُسلم لا يحتاج إلى إذن؛ لعموم الحديث ولإطلاقه عن النبيّ، وهو مُشرِّع، لا من جهة كونه وليّ أمر المسلمين، فالذمّي إذا أراد إحياء أرض ميتة احتاج لإذن الدولة؛ لِما ورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَوَتان الأرض لله وللرسول، ثمّ هي لكم من بعدي) ، واستفيد من مُفردة (لكم) أي للمسلمين، وقد ورد في بعض متون الحديث (هي لكم من بعدي أيّها المسلمون) (5) .

أمّا المالكيّة (6) ، فإنّ الإذن عندهم مُرتبط بما إذا كان المورد المراد إحياؤه قريباً مِن البلد، ومعيار القرب أنْ يلامس حريم العامر.

____________________

(1) النجفي، (م. س): 38/11.

(2) أبو يوسف، (م.س)، ص: 64، الكاساني، بدائع الصنايع: 6/192.

(3) أبو يوسف، (م. ن)، ص: 64، اُنظر: عبد الله داماد، مجمع الأنهر: 2/558.

(4) ابن المرتضى (أحمد بن يحيى)، البحر الزخّار: 4/87.

(5) الفياض (إسحاق)، أحكام الأراضي، ص: 27، قحطان الدوري، صفوة الأحكام، ص: 16.

(6) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/66.


في حين جعل الشافعيّة (1) الإذن مُستحبّاً في ما حماه الإمام من الأرض الموات، أمّا الظاهريّة (2) والحنابلة (3) فلم يشترطوا إطلاقاً.

وقد مرّ أنّ وراء هذا الخلاف أصل ملكيّة الأرض الموات بالعنوان الأصلي. أمّا الأدلّة الفرعيّة التي استند إليها المشترطون، فهي أدلّتهم نفسها في أنّ الأرض الموات ملكٌ للمنصب الإلهيّ؛ حيث يرى أبو حنيفة - مثلاً - أنّ الأرض كلّها مغنومة، والغنيمة أمرها إلى الإمام، فصار حكمها حكم موجودات بيت المال، لا يجوز التصرّف بها من قِبل الأفراد إلاّ بإذن الإمام، بينما استند مالك إلى أصل المصلحة، حيث أوجب الإذن في ما لامَس حريم العامر بدلالة الضابط عند المالكيّة، الذي هو (مراعاة مدى ما يعدّ الإحياء مضرّاً بمرافق البلد أم لا، فإذا حكّمت مصلحة المسلمين، فلا يحكم فيها إلاّ وليّ الأمر) (*) .

إنّ أهمّ ما استوقف الباحث هو أنّ مُشترطي الإذن يؤسّسون مبدأ تخصيص الموارد، واستثمار موضوع الوفورات الخارجية للمشروعات المتكاملة مع مثيلاتها، من خلال التخطيط التكامليّ. أمّا إذا تركت مشاريع النموّ سائبة هكذا، فإنّ ذلك يسبّب هدراً كبيراً لانعدام سمة التكامل.

2 - الشرط الثاني: التحجير

التحجير: هو وضع أشياء محيطة بالأرض تُعلِم بإرادة الشخص إحياء الأرض. ويُعدّ التحجير شرطاً ابتدائيّاً، وكأنّ المُحجّر بتحجيره يمنع غيره من التصرّف بمساحة ما؛ لذا لا يفيد التحجير أكثر من حقّ أولويّة، وعليه يقرّر

____________________

(*) لم يكن حتى عام (1919م) أيّ قانون لتخصيص المنشآت المجلبة للضرر ومنعها عن الأحياء السكنيّة في أوربا، اُنظر: (مفاهيم ابن خلدون عن التخطيط الحضري)، ص: 10، بينما نلحظ هذا المناط في ذهن فقهاء المسلمين في القرن الأوّل الهجريّ عند مناقشتهم جواز إحياء ما قَرُب من العامر، الأمر الذي يدلّ على أنّ الشريعة الإسلاميّة تقرب الذهن البشريّ من الإنجاز العقلي الكبير باختزال الكثير من مراحله؛ لوجود الإرشاد الإلهي في نصوص الشرع ومفاهيمه.

(1) المهذّب، شرح النووي: 1/423، الرملي، نهاية المحتاج: 5/326.

(2) ابن حَزم، (م. س): 8/233.

(3) ابن قُدامة، (م. س): 5/543.


الفقهاء أنّ التحجير لا يُسوّغ المحجِّر بيع الأرض المُحجّرة، وإن كانوا يصحّحون الصلح عليه للتنازل عن الأولويّة لغيـره، على خلاف بينهم، ويمنعون من تأخّره عن مدّةٍ ما، وفي المدّة خلاف:

أ - فهي عند الشيخ الطوسي مُحالة إلى العُرف في تقديرها.

ب - وعند غيره من الفقهاء أنّ الحقّ موقوف على ثلاث سنوات.

يستندون في ذلك على قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ليس لمحتجز حقّ بعد ثلاث سنين) ، والتحقيق أنّ هذا الأثر يُروى عن عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه)، لكن يحمل على سماعه منه (1) .

قال أبو عبيد: (وقد جاء توقيته في بعض الحديث عن عمَر أنّه جعله ثلاث سنين، ويمتنع غيره من عمارتها لمكانـه، فيكون حكمها إلى الإمام) (2) .

أمّا في ما يتعلّق بالإجابة عن السؤال التالي: إذا ترك المحجِّر أرضه هل يوجب ذلك سقوط حقّه؟ يرى الإماميّة، في المشهور عندهم، أنّه لا يسقط؛ لعدم الموجب، ولمقتضى الاستصحاب، والعلاج عندهم أنّ لمَن بيده الأمر إجبار المُحيـي، فإذا امتنع سقط حقّه، إلاّ إذا كان قد ترك الإحياء لعذرٍ مُعتبر، ولأجله يمكن القول: إنّ التحجير مفهوم عُرفـيّ، وليس له حدّ خاصّ لدى الشرع، فالمرجع في تحقّقه للعُرف وولاية الأمر.. (3) .

مقتضيات شرط التَحجير

يلاحظ في مقتضيات شرط التحجير ما يأتي:

أ - تحديد مساحات المشروعات المنوي إقامتها على الأرض، والتعليم على نوع إنتاجها.

ب - التعجيل ببدء المشروع واكتمال أُسس المشاريع، وإلاّ تعرّض المُحيي إلى سحب الحقّ.

____________________

(1) اُنظر في ذلك: أبو عبيد، (م. س)، ص: 302.

(2) المُصدر نفسه.

(3) الفيّاض (إسحاق)، (م. س)، ص: 163.


جـ - تدخّل السلطة التنفيذيّة نيابة عن المُجتمع في حثّ المُحيين على إنجاز المشروعات لتحقيق المصالح العامّة.

3 - الشرط الثالث: انتفاء الموانع

بعد شرط تحجير الأرض المراد إحياؤها وحصول الإذن، يلزم أن تكون الأرض غير قريبة من العمران؛ لأنّ القريب يعدّ من مرافق أهل البلدة، وربّما يشكل الحقّ هذا حتى على وليّ أمر إحيائه أو إقطاعه، وليس في آراء الفقهاء معيار محدّد لمعرفة القُرب، وإن كان من استخدام للصوت ومدى سماعه، أو لاختفاء جدران آخِر البيوت، فإنّه ليس من آراء الفقهاء توقيفات وإنّما هي آراء اجتهاديّة، يقول الدكتور الزحيلي: (وهذا لا يعتبر، إنّما يكفي عدم ارتفاق أهل القرية به) (1) .

والقريب عند الإمام الشافعي ما كان حريماً لعامر، وعند أبي حنيفة ما لم يبلغْه الماء (2) ، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإمام أبا حنيفة قد لاحظ كُلفة الإحياء مُعتبراً وصول الماء أمارة على كون المورد ممّا يسهل الاستفادة منه، وداخلاً في مرتفقات العامر، وكون الاستفادة السهلة منه تجعل وليّ الأمر في سعة فيما لو أراد استغلاله للمصلحة العامّة..

ويعدّ مِن الموانع ألاّ تكون الأرض المُحياة ممّا حماه السلطان للمصالح العامّة أو ممّا أقطعه، إلاّ أنّ الفقهاء ضيّقوا سلطة الدولة ووسائلها الاقتصاديّة في إدارة اقتصاديّات الموارد المُتاحة، بأن حكموا بأنّ الأرض المُحجّرة أو المُحماة أو المُقْطعة من قِبل الدولة حينما لا تكون مستغلّة، فأجازوا إحياءها بعد حصول إذن وليّ الأمر.

ويراد بذلك عدم بقاء المورد المتاح معطّلاً عن الإنتاجيّة الماديّة أو العباديّة؛ لذلك منعوا إحياء المشاعر المقدّسة لتعلّق حقّ المسلمين بها جميعاً. وفي هذا نلحظ الخلاف الآتي:

يطرح بعض الفقهاء السؤال الآتي: إنّ الأماكن العامّة والموقوفة للنفع العامّ لو خربت هل يصحّ إحياؤها؟

____________________

(1) الزحيلي، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: 2/530.

(2) الماوردي، (م. س)، ص: 276.


ذهب صاحب (الشرائع) إلى أنّ عدم المزاحمة، أو ما يوجِبها، يسوّغ إحياء ما لو عمّر لا يضرّ ولا يؤدّي إلى الضيق، في حين منَع شارح (الشرائع) ذلك، ذاكراً أنّ المنع حاصل في ما لا يوجب المزاحمة أو ما يوجبها خلافاً للمتن.

ولعلّ بعضهم ذكر أنّ المشاعر الموسميّة للاستغلال لا مانع من الاستفادة منها في المواسم الأُخرى؛ لانتفاء علّة المُزاحمة. والثمرة في ذلك أن لا مانع من تأسيس عمارات أو مشاريع تُستغلّ في غير أوقات الحجّ - مثلاً - في المشاعر المقدّسة للمعتكفين والناسكين، ويتساوى في المنع حريم العامر وحريم المملوك.

4 - الشرط الرابع: تحقّق القصد في عمليّة الإحياء

يرى الفقهاء أنّ العزم المسبق على إحياء المورد شرط في تحقّق نتائجه؛ ولذلك يرَون أنّ انتفاء القصد في عمل ما لا يكسب تملّكاً، كما لو كان شخص ما قد حفر بئراً بُغية البحث عن شيء حتى استنبط منها ماء، فصار ما تسقيه أرضاً مُحياة، فلا يلتزم له باكتساب حقّ الاختصاص أو التملّك، وقد عبّر الفقهاء عن ذلك بإرادة المِلك.

ويُبنى على ذلك أنّ الوكيل والأجير الخاص إذا أحيا أرضاً لا يملكها هو؛ لعدم تحقّق القصد منه، ولا الموكِّل؛ لعدم المُباشرة، وقد نوقشت المسألة من وجهين:

الأوّل: ما إذا اعتبر التوكيل وحده كافياً في تحقّق القصديّة.

الثاني: ما إذا كان الموجِب للحقّ هو الإحياء، فإذا تحقّقت العلّة وُجد المعلول (اكتساب الملكيّة)؛ لأنّ ترتّب السبب على المسبّب قهريّ؛ لذلك يذهب صاحب (الجواهر) إلى أنّه لا دليل لُبّيّاً على اشتراطه، وأنّ ظاهر الأدلّة خلافه، والإجماع مظنّة على عدم اشتراطه.

أمّا بصدد المناقشة الأُولى، فإنّ القياس موجب لاعتبار الوكالة في التصرّفات العقديّة، وعدم اعتبارها في التكوينيّة، كالإحياء ونحوه؛ لأنّ الفعل


التكوينيّ بطبْعه غير قابل للتوسعة في الانتساب، فإنّه إنّما ينتسب إلى مَن يقوم به، زيادة على أنّ الإضافة الفعليّة في متن الحديث (مَن أحيا أرضاً) للمالك الأصيل مفقودة في مقام التوكيل العامّ والإجارة ضرورة؛ حيث لا يصدق تبادراً أنّه على المستأجر والوكيل أنّه قام بالإحياء فعلاً. يرى الشيخ الفياض أنّ أقلّ ما يستدلّ به على بطلان أثر الوكالة والإجارة في إحياء الأرض، أنّها في الأُمور التكوينيّة بحاجة إلى دليل، وإلاّ فمقتضى القاعدة بطلان الوكالة فيها (1) .

ثالثاً: المقتضي الاقتصادي لشروط صحّة الإحياء

ولهذا الشرط مجموعة مُقتضيات:

1 - إنّ مباشرة الشخص بنفسه للعمل تجعل الموارد المُحياة وحدات مُثلى في التشغيل، بحيث لا فرصة لمَن لا يستطيع أن يستفيد من الإحياء أن يكوّن إقطاعيّات كبيرة.

نقَل، في الأموال، عن الحارث المزني، عن أبيه (أنّ رسول الله أقطعه العقيق أجمع، قال: فلمّا كان زمان عمَر قال لبلال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقطعك لتحجّره عن الناس، إنّما أقطعَك لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته وردّ الباقي) (2) .

وروى يحيى بن آدم الحديث عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قال الخليفة عُمَر لبلال: (أنت لا تُطيق ما في يديك، فانظر ما قويت عليه فأمسكه، وما لم تقوَ عليه فادفعه إلينا نُقسّمه بين المسلمين...، فأخذ عُمَر منه ما عجَز عن عمارته فقسّمه بين المسلمين) (3) .

2 - إنّ المقصد الشرعي وراء موضوعة الإحياء هو تحقّق فرَص العمل، لا الاتّكاء على الوكلاء والمؤجِّرين.

والدليل على ذلك أنّ الشرع يوفّر للأفراد عناصر الإنتاج الرئيسة (الأرض، رأس المال)، ويقابله عنصر العمل لدى المُحيي، بما يؤدّي ذلك إلى خلْق فرصة إنتاجيّة جديدة أو توسيع القائمة منها، وأنّ ما يقرّر سِعة وحدة

____________________

(1) الفيّاض (إسحاق)، (م. س)، ص: 171 - 183.

(2) أبو عبيد، (م. س)، ص: 302.

(3) المصدر نفسه، هامش الجميلي، ص: 302.


التشغيل في التصوّر الإسلامي هو القدرة الذاتيّة عليه، بشرط عدم المضارّة بحقوق الآخرين في توفير فُرص العمل واستمرارها (1) .

وبصدد توفير رأس المال فإنّ في مصارف الزكاة سعة للفقير والغارم، وفي مصارف الفَيء والخُمس سعة في إقرار إسعاف العامل، إذا احتاج لشراء أدوات عمله (*) ، بل إنّ ما حصل في عهد عُمَر في قوله: (إذا أعطيتم فاغنوا، ولو كان مئة مِن الإبل) دليل؛ لأنّ الإبل في عصره (رضي الله عنه) وحدات إنتاجيّة، مِن ذلك نجد أنّ إسقاط الوكالة والإجارة الرئيسة في الإحياء أمرٌ منطقيّ ومنسجم مع مقاصد الشريعة.

____________________

(*) يرى صاحب (الجواهر): (حتى إن كان الرجُل بزّازاً أو جوهريّاً يحتاج إلى بضاعة قدرها ألف دينار، فنقص عن ذلك، حلّ له أخذ الصدقة، هذا عند الشافعي، والذي رواه أصحابنا أنّها تحلّ لصاحب السبعمئة، وتحرم على صاحب الخمسين، وذلك على قدَر حاجته لِما يتعيّش به). اُنظر (جواهر الكلام): 15/307 - 308.

(1) كاظم (عبد الأمير)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي (رسالة ماجستير)، رونيو، ص: 120.


المبحث الثالث

أوّلاً: ماهيّة الإحياء

اختلف الفقهاء في ماهيّة الإحياء على مذهبين:

1 - المذهب الأوّل: مَن أحاله إلى العُرف، وهُم الإماميّة (1) والشافعيّة (2) .

2 - المذهب الثاني: مَن حدّد له مصداقيّة واقعيّة، وهُم بقيّة الفقهاء.

قال أصحاب المذهب الأوّل: إنّ المرجع في كيفيّة الإحياء هو العُرف:

أ - لعدم التنصيص على مفهومه من جهة اللغة؛ لأنّه من جهتها جعل الشيء حيّاً.

ب - ولعدم التنصيص شرعاً؛ إذ لم يُبيّن لنا الشارع مفهومه، إلاّ ما أورده صاحب (نصب الراية) عن جابر - رضي الله عنه - مِن قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن أحيا أرضاً ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة).

فإذا فسّر هذا الحديث الإعمار بالزرع وما فيه مِن أجر، فإنّه تخصيص لعموم لفظ الإحياء، لكن ما يقف في وجهه أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد ذكر أحد مصاديقه، أو الشائع من مصاديقه في عصره، فهل يعقل أن نوقف مفهوم الإحياء على الزرع؟ على أنّ الفقهاء مجمعين على أنّه يصحّ في غير مجال الزراعة، وسنرى ذلك في أقوالهم.

جـ - إنّ مُتون الأحاديث - ما عدا الحديث الذي ذُكر - أطلقت مفهوم الإحياء، فصار مصطلحاً متحرّكاً يمكن جعله من مكوّنات منطقة الفراغ التي تستوعب التطوّرات التقنيّة والمدنيّة للمجتمعات، فعدم تحديده شرعاً في ما أظنّ فيه حكمـه؛ لأنّ اعتبار العُرف فيه مُزيل لمشكلٍ شرعيّ.

د - ومقولة العُرف المحال إليه مفهوم الإحياء فيه فُسحة شرعيّة وعمليّة، فإنّ التملّك يحصل يقيناً بحصوله. إذنْ فهو حاصل فيما إذا كان قصد المُحيي

____________________

(1) المحقّق الحلّي، (م. س): 3/275، الروضة البهيّة: 2/256.

(2) المهذّب: 1/424.


إخراج الأرض عن التعطيل إلى الانتفاع، أي الحدّ الأدنى ممّا يسمّى إحياء، وبه تحصل القناعة بحصول الحكم، وهو كذلك يستوعب رأي مَن يرى أنّه لا يتحقّق إلاّ بالغرس.

  إذنْ فمقولة إحالة مفهوم الإحياء إلى العُرف مقولة منطقيّة متناسبة مع مبدأ استيعاب الشريعة لحاجات الإنسان وتطوّراته إلى يوم القيامة.

هـ - ويؤيّد مقولة العُرف أنّ الفقهاء يرون أنّ إحياء كلّ شيء بحسب حاله، ولتعدّد أغراض المُحيي، ولا يمكن القول بكيفيّة معيّنة يتحقّق بها الإحياء، فيلحَق الأشكال الأُخرى إشكالٌ شرعيّ في تحقّق التملّك المترتّـب علـى الإحيـاء (1) .

المذهب الثاني: وأصحابه مَن حدّد مصاديق واقعيّة للإحياء، فمثلاً ورد عن الحنفيّة أنّهم قالوا: إنّ الكراب والسقي والبناء والغرس إحياء. ونُقل عن شمس الأئمّة أنّه يكتفي بأن يجعل الأرض صالحة للزراعة (2) .

بينما ذهب المالكيّة إلى تحديد الإحياء بواحد من أُمور تراوحت بين حدّ إخراج المورد من العطلة إلى الانتفاع، وبين تحقّق الانتفاع الفعليّ، فقالوا: يكون الإحياء بواحد من سبعة: تفجير بئر أو عَين، إزالة الماء عن الأرض، بناء الأرض، الغرس فيها، حراثتها، قطع الشجر عنها بِنيّة وضع اليد، تكسير أحجارها وتسويتها (3) . وزاد الظاهريّة على ذلك: إزالة المُلوحة (4) ، واكتفى الزيديّة بإحاطتها بحائط إذا كان قصد المُحيى - مثلاً - أن يجعلها مكاناً لتربية المواشي (5) ، ومستندهم قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن أحاط حائطاً على أرض فهي له)، رواه أحمد وأبو داود عن جابر، ولعلّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أراد بـ (له) حقّ أولويّة، كما هو حقّ التحجير، وإلاّ لماذا حَكم الفُقهاء بأنّ التحجير لا يكسب أكثر مِن أولويّة استثمار؟

الذي أضافه الحنابلة للمسألة أنّهم وضعوا معياراً مؤدّاه (ما يتكرّر كلّ عام فليس بإحياء، وما لا يتكرّر إحياء)، حكاه القاضي في (المُقنع) رواية؛ لأنّ الشارع أطلق الإحياء، ولم يُبيّن صفته، فوجب أن يُرجَع فيه إلى العُرف، كمقولة القبض في البيع، والحرز في أحكام السرقة (6) .

____________________

(1) اُنظر: رأي الدكتور جميل (هاشم)، (م. س): 2/78.

(2) شرح كنز الدقائق: 2/238.

(3) الشرح الكبير: 4/69.

(4) ابن حزم، (م. س): 8/238.

(5) ابن المرتضى (أحمد بن يحيى)، (م. س): 4/87.

(6) اُنظر: القاضي، المقنع: 2/288.


إذنْ، تدور أقوال الفقهاء في بيان حقيقة الإحياء بين خَلق الفرصة الإنتاجيّة واستثمار الفرصة الإنتاجيّة، فيكون ما بينهما هو القدَر المُتيقّن لاكتساب الحقّ.

ثانياً: النتائج المترتّبة عليه

المغزى الاقتصادي وراء آراء الفقهاء في ماهيّة الإحياء:

1 - إنّ إحالة مفهوم الإحياء إلى العُرف جعل هذا المفهوم واسعاً ومتحرّكاً ليشمل: استثمارات الإسكان، الصناعيّة والزراعيّة، وتربية الحيوانات، واستثمارات الحفر والتنقيب، والصناعات المعدنيّة، ومشاريع الموارد المائيّة باعتبارها جزءاً من مسطّحات الأرض.

وبهذا الفهْم للإحياء تكون هناك ممارسة فعليّة في زيادة تيّار السلع المُنتجة، وتعظيم تيّار الخدمات المضافة سنويّاً إلى حجم الدخل القومي، ويرى الباحث أنّ هذا الاتّجاه مُنسجم مع مقاصد الشريعة.

2 - إذا توقّفنا عند إخراج الأرض من التعطّل إلى كون المورد مهيّئاً للانتفاع، فيجعل المسألة في الأرض قريبة الشبَه بالأرض البيضاء، فتلحقها مشكلة عدم صحّة البيع أو الإجارة، وبحمل إحدى المسألتين على الأُخرى يتبيّن رُجحان مسألة تحقّق الانتفاع الفعلي.

3 - إنّ الإحياء في مجال الاستثمارات الزراعيّة يكثر في الأرض المحدودة؛ الأمر الذي لا يضطرّ نمط النشاط الاقتصادي إلى أن يركّز على رأس المال ووحدات العمل، وهذا أمر مُلائم لشعوب العالم الثالث التي تُعاني غالباً من أزمة في موجوداتها أو في مهارة العمل، فإذا توسّعت الأرض بفِعل الإحياء مع زيادة السُكّان قلّ اعتماد الدول النامية على رأس المال؛ الأمر الذي يُعدّ ثغرة في ما يسمّونه بالحلقات المفرغة، فإذا أضفنا أنّ المسلم مأمور كفايةً بتحصيل المهارات، فإنّ فُرَص التقدّم الاقتصادي في المُجتمع الإسلامي ستكون أوفر، وإنّ المعجل التنموي سيكون أكثر فاعليّة.


4 - يسهم الإحياء بهذا المفهوم بامتصاص أنواع البطالة، فهو يقلّل من الدوريّة منها؛ لأنّ فترات الكساد وليدة نقص الطلب بسبب نقص الدخل عن الوفاء بمتطلّباته؛ ولأنّ الإحياء متعدّد الجوانب فسُيقلّل أثر البطالة الموسميّة، وسيقلّل الاحتكاكيّة؛ لتعمّق مهارة العامل للتخصّص في حِرفة واحدة، وكذا الحال في الفنّية والهيكليّة.

أمّا البطالة المقنّعة، فإنّ القطّاع الزراعي هو مجالها، ولكن لتعدّد صور الإحياء، ولانتشار القوى العاملة في استصلاح الأراضي واستثمارها فسيقلّل أثرها، فإنّنا - مثلاً - نلحظ أنّ المقنّعة في الريف المصري تصل إلى نسبة (20 - 50%) من القوى العاملة بالقطاع الزراعي.

5 - يخفّف الضغط على الدولة إذا أُتيحت الفرصة للكوادر الزراعيّة أو الصناعات الغذائيّة باستثمار خبراتها في ميدان العمل الفعلي، بدلاً من العمل المكتبي أو الإرشادي، وبالتالي فإنّ زيادة السِلع مع الكفّ عن الضغط على الميزانيّة يغلق فرَص التضخّم بسبب ضخّ السيولة النقديّة لأغراض الاستهلاك، فيرتفع الطلب مُقابل نسبة ثابتة من العَرْض.

6 - وتلحق بالإحياء منفعة مباشرة، فلو استنبط المُحيي بئراً في حائط، فيلزمه أن يعطي فائض حاجته من الماء لجاره إلى أن يصلح بئره، ولا يستحقّ عن ذلك عوضاً، على رأي أبي حنفية والإماميّة وأصحاب الشافعي (1) ؛ استناداً لقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، منَعه الله فضل رحمته يوم القيامة) (2) .

والراجح عندي ما ذهب إليه الإماميّة وأحمد في عدم جوار أخْذ العوض عن بذل الماء الفائض من بئر مملوك؛ لأنّ الحديث دالّ على ذلك دلالة لا غُبار عليها، ولأنّ التكلُفة الحدّية (*) معدومة (صفر)، وتكاليف الصيانة ثابتة تقريباً ما دامت البئر مستعملة، ومنفعة صاحب البئر الحدّية

____________________

(*) التكلفة الحدّية: وهي الإضافيّة التي يتطلّبها إنتاج مقدار صغير آخر من المنتوج (الماء).

(1) الدمشقي (محمّد بن عبد الرحمن)، رحمة الأُمّة في اختلاف الأئمّة، ص: 190، اُنظر: الشيخ الطوسـي، المبسوط (حجري)، كتاب إحياء الموات.

(2) البخاري، فتح الباري: 5/31، أخرجه أبو داود: 2/101، والموطّأ: 4/1498، اُنظر: الماوردي، تحقيق الجميلي، ص: 285 و286.


طالما حدّد الأمر في فضل الماء (صفر) أيضاً، فصار عند ذاك أشبه بالسلعة الحرّة، وهي التي متى أنتجت لواحد أمكن أن ينتفع بها سواه من دون كُلفة إضافيّة؛ ولذا يُعدّ تقاضي الثمن خسارة لا مُبرّر اقتصادياً لها. وهذا يعني أنّ الإسلام يقف دون إهدار الموارد موقفاً صارماً، ويعدّه مِن الممنوعات شرعاً (1) .

الخاتمة

ملامح نظريّة الإنتاج الإسلاميّة من مبحث إحياء الأراضي المَوات

1 - اتّضح من خلال البحث أنّ الإسلام - بمباحث متعدّدة في الفقه الإسلامي - يُنظّر للإنتاج، فهو ليس مجموعة من الوصايا الأخلاقيّة في البِرّ بالفقراء والإحسان إليهم، ممّا يفتقر إلى محتوى أُطروحة اقتصاديّة، وأنّ الجهود المشار إليها في صدر البحث والرامية إلى إشاعة هذا التصوّر الخاطئ جهود ليست مُحايدة ولا موضوعيّة، وبالتالي غيـر علميّـة؛ حيث إنّها ذات أهداف خاصّة وعدائيّة.

فإذا كان مفهوم الإنتاج يتمثّل في تحويل المادّة الخام إلى سِلع تشبع حاجة ما، أو ما يعبّر عنه بخلْق المنافع، فإنّ الهيكل الحقوقي في الفقه الإسلامي يدفع بهذا الاتّجاه وينظّمه..، وبإمكان الباحثين تلمّس الهيكل النظري للإنتاج في الإسلام من حيث هو صياغة اقتصاديّة للحاجات المقترنة بالقدرة والرغبة في دفع ثمن مشجّع على إنتاج السلعة.

2 - عرّف الفقه الإسلامي الإنتاج بأوسع معانيه منذ السنوات الأُولى لنشوئه، فقد وسع مفهوم الإحياء لما يشمل النشاطات الزراعيّة والصناعيّة والحيوانيّة وصناعات التعدين..، في حين يقصر (الفيروقراط) حتى القرن (18) الإنتاج على النشاط الزراعي؛ لاعتبار أنّه الوحيد الذي يُعطي ناتجاً (2) .

____________________

(1) للتفاصيل اُنظر: الزرقا (أنس)، نُظم التوزيع الإسلاميّة، بحث منشور في مجلّة أبحاث الاقتصاد الإسلامي: العدد 1 / المجلّد 2 ص: 2 - 5، 1404 / 1984م.

(2) المحجوب (محمّد)، الاقتصاد السياسي: 1/261.


3 - لا تبدأ آليّة الأُطروحة الاقتصاديّة الإسلاميّة في الإنتاج منه، بل من توزيع عناصره المستند على معيار المعاوضة (العمل)، ومعيار الحاجة، مع طرح معيار القوّة ومعيار القيَم الاجتماعيّة التي يستند إليها في الاستيلاء على الموارد (1) ، ويقرّر اكتساب ملكيّة عناصر الإنتاج في الإسلام الحكم الشرعي فقط، فلا السلطة العامّة لها حقّ منعه أو منحه ولا الفرد، فالملكيّة - من هذا التصوّر - تعدّ نتيجة للحكم الشرعي، فهي ليست حقّاً طبيعيّاً، أو وظيفةً اجتماعيّة، على أنّ مفهوم اكتسابها يستوعب تلبية الفطرة الإنسانيّة، ويكفيها لكي تؤدّي وظائف عباديّة واجتماعيّة.

4 - تنسجم نظريّة الإنتاج الإسلاميّة مع فلسفة الاستخلاف، فلا فاصل بين النظرة الشموليّة للموارد والاستفادة منها، وبين الهيكل النظري للإنتاج؛ الأمر الذي يفهم منه أنّ النظام الاقتصاديّ الإسلاميّ يعمل كلاًّ متكاملاً، ويظهر من موضوع البحث أنّ الإنتاج في الشريعة يُقلّل من كُلفة الرَيع، ويعدّ رأس المال عنصراً ثانوياً، ويعتمد في معادلة الإنتاج على طرفين: العمل والموارد المسخّرة.

5 - لتحديد ملامح نظريّة الإنتاج لا بدّ من بحث (ماذا ننتج؟)، فنجد أنّ الإحياء يرد على إنتاج السِلع النافعة المباحة شرعاً التي يطلق عليها القرآن مصطلح الطيّبات، وإلاّ فرقبة الأرض للدولة، تسحبها متى أخلّ المكلّف بضوابط الاستخلاف، وتبحث فيها أهداف الإنتاج، فيتجاوز المشرّع الإسلامي هدف الرخاء الفردي، أو رخاء المُجتمع إلى أهداف عباديّة وفكريّة تجعل من الكفاية الفرديّة للعيش وقدرة المجتمع وسائل لتلك الأهداف، وتبحث في الملامح (كيفيّة الإنتاج)، فنُلاحظ أنّ صرامة حقوقيّة تبرز في أجر الأجير وحصّة الشريك في المزارعة والمضاربة والمُساقاة، وتوزيع عناصر الدَخل، بعد ترحيل الفوائض الشرعيّة (الزكاة، الخُمس، الخَراج) لمصلحة المجتمع. ثمّ كيف نتصرّف بالإنتاج الفائض،

____________________

(1) للتفاصيل اُنظر: الزرقا (أنس)، (م. س)، مجلّة أبحاث الاقتصادي الإسلامي: العدد 1 / مجلّد 2.


فإنّ المشرّع الإسلامي يرى المسلمين مسؤولين عن الجياع في العالم؛ لتصوّره أنّ المشكلة الاقتصاديّة ليست قائمة على الندرة.

ويمكن دراسة البناء التحتي لنظريّة الإنتاج، للبحوث التي تُكمِل هذا الجُهد في مباحث: ما يجوز الاكتساب به وما لا يجوز، ومباحث الصيد والذباحة، ومباحث البيوع وأنواعها، ومباحث الشِركة وأقسامها، ومباحث إحياء الموات (الأراضي وما عليها، والأراضي وما تضمّ)، والأجواء لتملّك السلع الحرّة.

6 - يتّضح طرف المعادلة الآخر في اكتساب حقوق المنتِج من خلال تفريق الباحث بين الاستثمار على أرض عامرة فُتحت عُنوةً، وأرض مَوات كذلك، فعلى الأُولى يتمّ الاستثمار مثقلاً بدفع الرَيع لمصلحة المجتمع (بيت المال... الخَـراج)، بينما لا يكون ذلك ضرورة في الاستثمار على النمط الثاني؛ بسبب أنّ الأُولى فرصة عمل مُهيّأة، والثانية فُرصة عمل غير مُكتشفة أو غير مهيّأة، والعمل لاكتشافها أو تهيئتها أكسب المُحيي حقّ اختصاص أعفاه مِن الرَيع؛ لأنّه يحقّق للمجتمع منافع أُخرى، ولربط هيكل الإنتاج بالوسائل الاقتصاديّة لإدارته يعني في مجال السياسة الاقتصاديّة أنّه يحقّ لوليّ الأمر أن يعفي:

أ - المشاريع المبتكرة من قِبَل الأفراد والشركات.

ب - المشاريع التي يتطلّب الشروع فيها تهيئة مُكلفة (العمل، رأس المال) من الالتزامات الماليّة إزاء المجتمع؛ لأنّها ستضيف كمّاً لطبيعة الإنتاج أو نوعاً يزيد وتائر الدخل القومي، وبالتالي دخول الأفراد فيترحّل مزيد من الفوائض من دخولهم، سواء من قناة الزكاة أو الخُمس أو الخَراج، وإن شئت قُل: إنّ لوليّ الأمر أن يمدّ يد العون المالي والخبرة لمثل هذه المشاريع، للغرض السابق ذكره.

7 - رجّح البحث ملكيّة الأرض الموات للدولة، وأعطاها حقّ منح الامتياز للأفراد إحياءً أو إقطاعاً، وقياساً عليه؛ ولتوفّر العلّة في الشركات


المساهمة، لا مانع من منح الشركات موارد من الموات إحياءً أو إقطاعاً إذا توفّرت المصلحة.

وعليه يمكن القول: إنّ تنظيم الإنتاج في الإسلام لا يرفض شكلاً من أشكاله الثلاثة (المشروع الخاصّ (فرداً / مساهماً)، المختلط، العام).

كما أنّه يستلزم أن تُعطى للدولة مسؤوليّة التخطيط، ويجعل ذلك من مهامّ وظائفها الاقتصاديّة.

8 - يلحظ من خلال آراء الفقهاء في تضييق فترة التحجير أنّ الهيكل النظري يدفع باتّجاه تحقّق الكفاءة الإنتاجيّة، ويعدّ بقاء الموارد معطّلة من الآثام، ويحافظ على توزيع عناصر الإنتاج على قوّة العمل خاصّة، وقد ألغى آثار الوكالة والإجارة في الاستيلاء على المُباح؛ ليصل إلى تحقيق الحجم الأمثل للسكّان، لا من خلال تحديد النسل، بل مِن خلال زيادة فُرص العمل؛ لأنّ الحجم الأمثل هو العدد الذي يجعل الدخل الحقيقيّ للفرد المتوسّط يصل إلى أعلى قدَر مُمكن (أي يُحقّق أكبر إشباع ممكن لحاجاته) باستثمار الموارد الطبيعيّة المُتاحة، كما يسهل الإحياء بإلغائه للريع، وإلغاء الإسلام للفائدة (الربا) في تقليل الكُلَف، وبالتالي تقليل الأسعار؛ الأمر الذي يُساعد على حصول تراكم مالي يُعادل الاندثار والنموّ السكّاني، ويتوازن النموّ في جانب العَرض مع النموّ في جانب الطَلَب.

بهذا القَدَر أستطيع القول إنّ هذه الملامح ليست ممّا يغني هيكل النظريّة الإنتاجيّة في الإسلام ما لم تبحث الموضوعات الفقهيّة الأُخرى المشار إليها في البحث.

أرجو أن يتّسع المجال لإخواني أوْ لي للوقوف عند معطياتها الفكريّة؛ لمواصلة البناء النظريّ لتحديد (أُطروحة الإنتاج في الفكر الاقتصادي الإسلامي). والله المستعان، وله الحمد أوّلاً وآخِراً.


المصادر

أ - القرآن الكريم.

ب - كُتب تفسير القرآن:

1 - الطبرسي (أبو علي الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، شركة المعارف الإسلامية، 1339هـ.

2 - الطوسي (محمّد بن الحسن)، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد القصير، مطبعة النعمان - النجف.

3 - الجصّاص (أبو بكر أحمد بن عليّ الرازي)، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي - بيروت.

4 - الطبري (أبو جعفر محمّد بن جرير)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، عيسى الحلبي، 1954م.

5 - القرطبي الأنصاري (أبو عبد الله محمّد بن أحمد)، الجامع لأحكام القرآن، إحياء التراث - بيروت، 1965م.

جـ - كُتب الحديث النبوي الشريف:

6 - العسقلاني (محمّد بن حجر)، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق محمّد بن معطي وآخرين، مكتبة الكلّيات الأزهريّة، وصحيح البخاري، مطبعة الحلبي - مصر، ط1، 1377هـ.

7 - صحيح الإمام النيسابوري (مسلم بن الحجّاج)، مطبعة محمّد علي صبيح - مصر.


8 - سُنن السجستاني (أبي داود)، تحقيق أحمد سعد علي، البابي الحلبي - مصر، ط1، 1952م.

9 - سُنن الترمذي، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، الباب الحلبي - مصر، ط1، 1962م.

10 - ابن أنس (مالك)، الموطّأ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب ومطبعة الحلبي، 1951م.

11 - ابن عبد البرّ، التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد، الملَكية - الرباط، 1067م.

12 - الحافظ الطبراني، المُعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد، وزارة الأوقاف - بغداد.

13 - الحرّ العاملي (محمّد بن الحسن)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، دار إحياء التراث، ط4، 1391هـ.

14 - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر)، الجامع الصغير، الحلبي - مصر، ط4، د. ت.

15 - الزيلعي (أبو محمّد عبد الله بن يوسف)، نصب الراية لأحاديث الهداية، المكتبة الإسلاميّة - مصر، 1973م.

د - كتُب فقه الإماميّة:

16 - النجفي (الشيخ محمّد حسن)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق محمود القوجاني، مطبعة الآداب - النجف، 1967م.

17 - الجبعي العاملي (زين الدين)، الملقّب بالشيهد الثاني، الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، تحقيق محمّد كلانتر، مطبعة الآداب - النجف، 1967م.

18 - الحسيني العاملي (محمّد الجواد بن محمّد بن محمّد)، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة، تحقيق محسن بن عبد الكريم العاملي، المطبعة الرضويّة، مصر، 1323م.


19 - المحقّق الحلّي (أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن)، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تحقيق عبد الحسين محمّد عليّ، الآداب - النجف، ط1، 1969م.

20 - الطوسي (محمّد بن الحسن)، المبسوط، طبعة محمّد باقر (حجريّة)، 1271هـ.

هـ - فقه الحنفيّة:

21 - الكاساني (علاء الدين)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، المطبعة الجماليّة - مصر، 1328هـ.

22 - الزيلعي (فخر الدين)، تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق، مطبعة الأميريّة.

23 - الميرغيناني (عليّ بن أبي بكر برهان الدين)، الهداية، شرح بداية المبتدي، الحلبي - مصر، ب. ت.

24 - أبو يوسف الأنصاري (يعقوب بن إبراهيم بن حبيب)، الخراج، المطبعة السلفيّة - مصر، ط2، 1352هـ.

25 - ابن سليمان (عبد الله بن محمّد)، مجمع الأنهر في شرح مُلتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.

و - فقه الحنابلة:

26 - ابن الفرّاء (محمّد بن الحسين)، الأحكام السلطانيّة، تحقيق محمّد حامد الفقي، الحلبي، 1938م.

27 - ابن قُدامة (عبد الله بن أحمد)، المُغني، دار الكتاب العربي - بيروت، 1972م.

28 - المرداوي (عليّ بن سليمان)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (شرح المُقنعة)، تحقيق محمّد حامد الفقي، مطبعة السنة، ط1، 1957م.

ز - فقه الشافعيّة:

29 - الماوردي (عليّ بن محمّد بن حبيب)، الأحكام السلطانيّة، وبهامشه إقباس الأنام في تخريج أحاديث الأحكام للجميلي، دار الحرّية - بغداد، 1989م.


30 - الدمشقي (محمّد بن عبد الرحمن)، رحمة الأُمّة في اختلاف الأئمّة، منشورات مكتبة أسعد - بغداد، 1990م.

31 - الإمام الشافعي، الأُم، كتاب الشعب - مصر، 1968م.

32 - الشربيني (محمّد بن أحمد)، مُغني المُحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، الحلبي، 1958م.

33 - الفيروز آبادي الشيرازي (إبراهيم بن عليّ)، المهذّب في فقه الشافعي، الحلبي - مصر، ب. ت.

34 - الرملي (شمس الدين)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، الحلبي - مصر، 1938م.

ح - فقه الزيديّة:

35 - ابن المُرتضى (أحمد بن يحيى)، البحر الزخّار لمذاهب عُلماء الأمصار، مؤسّسة الرسالة - بيروت، 1975م.

ط - فقه الظاهريّة:

36 - ابن حَزم (عليّ بن أحمد بن سعيد)، المحلّى، تحقيق أحمد محمّد شاكر، المكتب التجاري للطباعة - بيروت.

ي - فقه المالكيّة:

36 - الدردير (أحمد بن محمّد بن أحمد)، الشرح الكبير، ومع (حواشي الدسوقي وتقريرات أُخرى)، المكتبة التجارية، مصطفى محمّد - مصر، 1373هـ.

38 - ابن أنس (مالك)، المدوّنة برواية سحنون بن سعيد، دار صادر - بيروت.

ك - الفقه المُقارن والمدخل:

39 - ابن رشد (محمّد بن أحمد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة المعاهد - القاهرة، 1935م.

40 - د. جميل (هاشم)، مسائل في الفقه المُقارن، دار الحكمة - بغداد، 1989م.

41 - مجموعة علماء، موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي - مصر.


42 - د. الزحيلي (وهبة)، الفقه الإسلامي في أُسلوبه الجديد، دار الفكر - بيروت.

43 - د. مدكور (محمّد سلام)، المدخل للفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، ط2.

44 - د. زيدان (عبد الكريم): المدخل للشريعة الإسلامية.

45 - د. مدكور (محمّد سلام)، الإباحة عند الأُصوليّين، دار النهضة العربيّة - مصر، ط2، 1965م.

46 - الجميلي (خالد رشيد)، المدخل في دراسة الشريعة، بيت الحكمة - بغداد.

ل - الكُتب الاقتصاديّة والرسائل الجامعيّة:

47 - أستاذنا الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي - الدار العربية للطباعة - بغداد، 1979م.

48 - المحجوب (رفعت)، الاقتصاد السياسي، دار النهضة العربية - مصر، 1977م.

49 - هاشم (جواد)، تكوينات رأس المال في العراق، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر - بيروت.

50 - السبهاني (عبد الجبّار)، الاستخلاف والتركيب الاجتماعي في الإسلام (رسالة ماجستير)، كلّية الإدارية والاقتصاد، جامعة بغداد، (رونيو).


  البحث الرابع

مفهوم الرُشد في الفقه الإسلامي



  مَدخَل

1 - فَرَضيّة البحث المركزيّة

انتهت الدراسات المعاصرة بأبحاثها إلى تحديد مكوّنات الشخصيّة الإنسانيّة، وإن كانت قد بدأت مؤخّراً مع بدايات النضج العلمي لإنجازات عِلم النفس العامّ، أو فروعه التي تُعنى بالشخصيّة.

وقد ادّعت هذه الدراسات أنّها باكورة اتّجاهات العقل الإنساني في هذا المجال، كما سيظهر لنا في آراء (البورت) بعد قليل.

وحيث تفترض الدراسات المعياريّة أنّ القرآن الكريم جاء تبياناً لكلّ شيء، وقد تعرّض في أكثر من موضع بالإشارة إلى مكوّنات الشخصيّة السويّة، أو محصّلتها، وكان من بين ذلك قوله تعالى: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى‏ حَتّى‏ إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) [النساء: 6]، والآية المُختارة للدراسة والتحليل واحدة من آيات الأحكام في القرآن الكريم:

أ - فإنّها مرتّبة على ما قبلها في منع إتيان المال للقاصرين والسفهاء بقوله تعالى: ( وَلاَ تُؤْتُوا السّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ) [النساء: 5].

ب - وإنّها رتّبت إجرائيّة اختيارهم بعد النضج الذي وضّحته بعلامتين هما: البلوغ الذي كنّى عنه بالنكاح؛ لأنّ الإنسان مع البلوغ يصلح للنكاح، وإيناس الرُشد، الذي جاء مصطلحه مُجملاً في القرآن، ولم تُبيّن السُنّة المراد القطعيّ منه، فصار موضوعاً لاجتهاد المُفسّرين والفقهاء.

ومن اجتهادهم نلحظ أنّ العقل العربيّ قد استعان بالكلّيات في القرآن والسُنّة، وقد أسهم في تحديد سمات الشخصيّة السويّة من خلال جمع محاور نظريّة الرُشد كما فهِمَها المفسّرون والفقهاء، ومقارنتها بما توصّل إليه الفكر البشري دون الاستناد إلى القرآن والسُنّة.


للتحقّق من مقولة تُرى (أنّ العقل البشري، في جهده، قد توصّل إلى الحقائق التي سيجد أساسيّاتها في القرآن الكريـم).

2 - أهمّية البحث

تظهر أهمّية البحث في أنّه محاولة لاستثمار آراء المفسّرين والفقهاء، في بيان أثر اشتراط الرشد في صحّة التصرّفات الماليّة على مستوى التصرّف بالدخل الفردي، الذي ستكون الأحكام فيه مُلزِمة لتصرّف المنشأة أو التصرّف المالي العامّ، سواء في تحديد نمط الإنتاج، أمْ في تحديد مصارف النفقات للوصول إلى إجرائيّة القرآن الكريم في ترشيد استثمار الموارد في حلقتَي الإنتاج والاستهلاك، وهُما حلقتان تقوم عليهما أركان النُظم الاقتصاديّة المعاصرة فـي أُسلوبهـا؛ لحلّ المُشكلة الاقتصاديّة التي تنشأ من نقص الموارد المُتاحة، لا على سبيل التكوين والخَلق والإيجاد، كما يذهب إليه الفكر الاقتصادي الوضعي، إنّما على سبيل تقصير الإنسان في استثمار الموارد وتحويلها إلى سِلع اقتصاديّة، مقابل ازدياد الحاجات، وبخاصّة مع ارتفاع معدّلات زيادة السُكّان في العالم، وهو ما يذهب إليه الفِكر الاقتصادي الإسلامي.

3 - أهداف البحث

يهدف البحث إلى معرفة خصائص الشخصيّة السويّة من خلال عرض آراء المفسّرين والفقهاء في تفسير المُجمل القرآني (الرشد)، كما يهدف إلى فهْم معطيات الحظر الشرعيّ على تصرّف غير الراشد في أمواله الخاصّة، في ما له من مدلولات تقيّد حقّ التصرّف بالملكيّة الخاصّة، وما له من آثار على تحقيق الترشيد بشِقّيه في الإنتاج والاستهلاك.

4 - مَفهوم الشخصيّة في الفكر الوضعي

يرى علماء النفس أنّ مفهوم الشخصيّة لا يزال من أكثر المفاهيم تعقيداً، حتى أنّ (البورت) أحصى في كتابه عن الشخصيّة ما يقرب من خمسين تعريفاً، ينظر معظمها إلى المفهوم بوصفه: (تنظيم دينامي داخلي يحدّد أُسلوب سلوك الفرد) (1) .

____________________

(1) حسن (عبد الحمد سعيد)، خصائص الشخصيّة المرتبطة بموازين النجاح (دكتوراه)، ص: 43.


ويميل إلى تعريف البروفسور ( stagner - 1974 م) الذي يراها: (ذلك التنظيم للأجهزة الإدراكيّة والمعرفيّة والانفعاليّة والدافعيّة داخل الفرد، والتي تحدّد استجاباته الفريدة لهيئته) (2) .

ويُصرّح العلماء بأنّ أعقد جانب في دراسات الشخصيّة ما يشمل آثار الصفات الجسميّة، والعقليّة، والوجدانيّة كافّة، على أنّ هذا الموضوع هو نتاج طبيعيّ لفرعين من فروع علم النفس، هما: التجربيي - والإكلينكي.

لذلك يرى (البورت) (أنّ اكتشاف الشخصيّة يُعدّ أحد الأحداث البارزة في عِلم النفس المعاصر) (3) ، و(أنّ دراستها ووضع النظريّات لتفسيرها يُعدّ إحدى المحاولات المُهمّة بالنسبة لعلم النفس المُعاصر) (4) .

فإذا كان الأمر كذلك، فهل أسهَم العُلماء المسلمون في تحديد أُطُرها؟ بما رتّبوا على اختلال مكوّناتها مِن تروك قانونيّة سُمّيت في مباحث الفقهاء: الحَجْر على غير الراشد، وما المعطيات في تحديد الرشد وآثار انتفائه على أهداف البحث؟.

____________________

(1) حسن (عبد الحمد سعيد)، خصائص الشخصيّة المرتبطة بموازين النجاح (دكتوراه)، ص: 43.

(2) المصدر نفسه: 4/43.

(3) المصدر نفسه: ص50.

(4) المصدر نفسه.


المبحث الأوّل

1 - المُنطلق القرآني للبحث

قال تعالى في مُحكم كتابه الكريم:

( وَلاَ تُؤْتُوا السّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى‏ حَتّى‏ إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) [النساء: 5 و6].

وقال المفسّرون فيها: (أي لا تُعطوا السفهاء - بالمعنى العامّ في كلّ سفيه - من صبيّ أو مجنون أو محجور عليه للتبذير) (5) .

وقيل ما هو قريب منه، فقد روي عن الصادق (عليه السلام): (إنّ السفيه: شارب الخمـر ومَن جـرى مجـراه) (6) ، قال الطبرسي: وهذا القول أَولى؛ لعمومه.

وذهب المفسّرون إلى أنّ الله تعالى أراد بقوله ( أَمْوَالَكُمُ ) : أي أموالهم كما قال: ( لاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ) [النسـاء: 29]. أي لا تؤتوا اليتامى أموالهم (7) .

عقّب الطبرسي بقوله: لا يجوز أن تُعطي المال للسفيه يفسده، ولا اليتيم الذي لا يبلُغ، ولا الذي بلَغ ولم يؤنَسْ منه الرشد.

ومعنى قوله تعالى: ( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) : أي قولوا لهم ما ينبّههم على الرشد والصلاح في أمور المعاش والمعاد، حتى إذا بلغوا كانوا على بصيرة من ذلك، وقال: إنّما سُمّي الناقص سفيهاً؛ لأنّ السفَه خِفّة الحِلم، ولذلك سُمّي الفاسق أيضاً سفيهاً؛ لأنّه لا وزن له عند أهل الدِين (8) .

وبلوغ النكاح: أي البلوغ الجسمي (أو ما يصطلح عليه آثار العُمر الزمني).

____________________

(1) حسن (عبد الحمد سعيد)، خصائص الشخصيّة المرتبطة بموازين النجاح (دكتوراه)، ص: 43.

(2) المصدر نفسه: 4/43.

(3) المصدر نفسه: ص50.

(4) المصدر نفسه.

(5) الطبرسي (الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، شركة المعارف: 3/9.

(6) المصدر نفسه.

(7) المصدر نفسه.

(8) المصدر نفسه.


و ( آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) : أي عرفتموه أو وجدتموه فيهم. وفيه إشارة إلى آثار العُمر العقلي. إلاّ أنّ المفسّرين اختلفوا في مُراد الله من مصطلح الرُشد، فقد روي عن عبد الله بن عبّاس (رضي الله عنه) أنّه قال فيه: (هو أن يبلغ ذا وَقار وحِلم وعقل) (1) .

وذهب قتادة والسدي إلى أنّ الرشد: (العقل والدين والصلاح)، وذهب الحسن البصري إلى أنّه: (صلاح في الدين وإصلاح في المال)، وقيل: هو رأي لابن عبّاس، وروي عن مجاهد أنّه (العقل) حسب، ونُسب هذا الرأي للشعبي، ونسب إليه القول: (أن لا يدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخاً، حتى يؤنـس منـه رُشـد العقـل) (2) .

ويترتّب على حسم الخلاف في الرشد، من حيث هو موضوع، حكم مؤدّاه أنّ الإنسان إذا بلغ عاقلاً رشيداً ثبتت له أهليّة الأداء الكاملة، وصحّت منه جميع العقود والتصرّفات بلا حاجة لإجازة أحد (3) ، فما مفهوم الرشد عند الفقهاء بعد أن عرفنا اختلاف المفسّرين فيه؟

2 - مفهوم الرشد في اللغة واصطلاح الفقهاء

الرشد في اللغة: إصابة وجه الأمر والطريق (4) . وهو عند بعض أهل اللغة (بخلاف الغيّ)، ونقيض الضلال (5) ؛ لقوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) [البقرة: 256]، فهو - إذن في اللغة يعني الاهتداء إلى أصحّ الأُمور أياً كانت دينيّة أو دنيويّة.

وهو اصطلاحاً

قال في القواعد: (الرشد: كيفيّة نفسانيّة تمنع من إفساد المال وصرفه في غير الوجـوه اللائقـة بأفعـال العـقلاء) (6) .

ونختار:

إنّه القدرة المكتسبة للفرد التي تظهر في إصلاح تصرّفه عامّة من جهة دينه (سواء العلم بمعتقداته وتقييد عمله على وفق أوامر الله ونواهيه، أو

____________________

(1) الطوسي (محمّد بن الحسن)، التبيان: 3/117.

(2) المصدر نفسه.

(3) زيدان (عبد الكريم)، المدخل لدراسة الشريعة: 2/312.

(4) ابن منظور، لسان العرب، مادّة رشد: 1/169.

(5) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، فصل الراء، باب الدال.

(6) العاملي (محمّد جواد)، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة: 5/246.


تصرّفه في ماله، أو كلاهما). وبناء على اختلاف المفسّرين في الرشد تَوَزَّع الفقهاء في فهْمه إلى محاور أربعة هي:

3 - آراء الفقهاء

أ - رأي الجمهور

ذهب جمهور الإماميّة (1) ، والحنفيّة (2) ، والمالكيّة (3) ، والحنابلة (4) إلى أنّ الرُشد هو (إصلاح المال وتدبيره).

ونقل صاحب (مفتاح الكرامة) أنّ هذا الفهْم هو ما عليه عامّة مَن تأخّر من الإماميّة، وحدّده المحقّق الحلّي بأنّ الرشد (أن يكون الفرد مُصلحاً لماله. وهل تعتبر فيه العدالة؟ فيه تردّد) (5) .

وقال الميرغناني - من الحنفيّة -: (ولا يُحجر على الفاسق إذا كان مصلحاً لماله عندنا، الفسق الأصليّ والطارئ سواء) (6) .

وعرّفه الكاساني (بأنّه الاستقامة والاهتداء في حفظ المال وإصلاحه) (7) ، وينقل ابن رشد (أنّ مالكاً يرى أنّ الرشد هو تثمير المال وإصلاحه فقط) (8) .

ب - رأي الظاهريّة

ذهب الظاهريّة إلى أنّ الرشد هو الدِين لا غير، وقد قال ابن حزم: (فنظرنا القرآن الذي هو المبيّن لنا ما لزّمنا الله تعالى إيّاه، فوجدناه كلّه: أن ليس الرشد فيه إلاّ الدِين وخلاف الغيّ فقط، ولا المعرفة بكسب المال أصلاً) (9) .

جـ - رأي الزيديّة

ذهب الزيديّة إلى أنّ الرشد هو العقل، وقال في منتهى المرام: (إنّ الرشد عن قتادة هو العقل، وهذا قول أهل المذهب) (10) ، والعقل - كما هي عبادة الزيديّة - لا يعني العدالة كما سيظهر في المحور الرابع، ولا يعني إصلاح المال، وإن كان يعني العلّة وراءهما معاً.

____________________

(1) المحقّق الحلي، شرائع الإسلام: 2/100، العلاّمة الحلّي، تذكرة الفقهاء (حجرية): 2/75.

(2) الكاساني، بدائع الصنائع: 7/170.              (3) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/278.

(4) ابن قدامة، المغني: 4/418، المرداوي، الإنصاف في مسائل الخلاف: 5/332.

(5) المحقّق الحلّي، (م. س): 2/100.                 (6) الميرغيناني، الهداية: 3/285.

(7) الكاساني، (م. س): 7/170.                    (8) ابن رشد، (م. س): 2/ 278.

(9) ابن حزم، المُحلّى: 5/307.

(10) المرتضى (محمّد بن يحيى)، البحر الزاخر الجامع لمذاهب عُلماء الأمصار: 5/92، ومحمّد بن الحسين بن القاسم، منتهي المرام في شرح آيات الأحكام، ص: 137.


د - رأي الشافعيّة والشيخ الطوسي

رأي الشافعيّة والشيخ الطوسي مِن الإماميّة ومَن وافقَهم أنّ الرُشد هو إصلاح المال والدين معاً، قال الشافعي: (الرشد - والله أعلم - الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة، وإصلاح المال) (1) ، وبه صرّح الشيرازي فقال: (أمّا إيناس الرشد، فهو إصلاح الدين والمال، فإصلاح الدين: ألاّ يرتكب من المعاصي ما يسقط بـه العدالـة) (2) .

وإليه مالَ الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (460هـ) في كتابيه (المبسوط) و(الخلاف)، فقال: (وإيناس الرشد منه أن يكون مصلحاً لماله، عدلاً في دينه، فأمّا إذا كان مصلحاً لمالِه غير عدلٍ في دينه، أو كان عدلاً في دينه غير مصلحٍ لمالِه، فلا يُدفع إليه مالُه) (3) .

ووافَقه من الإماميّة عدد من العلماء، منهم: قطب الدين الراوندي، وأبو المكارم في (الغُنية)، وصاحب (شرح الإرشاد) (4) .

ولدى التدقيق في تفسير الآية، في موسوعة الشيخ الطوسي (التبيان) نجد أنّه عرَض آراء المفسّرين في مفهوم الرشد، ثُمّ قال: (والأقوى أن يُحمَل على أنّ المراد به العقل وإصلاح المال على ما قاله ابن عبّاس والحسن، وهو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام)) (5) ، ثمّ عقّب فقال: (للإجماع، على أنّ مَن يكون كذلك (العقل، إصلاح المال) لا يجوز الحَجْر على مالِه وإن كان فاجراً في دينه، فإن كان ذلك إجماعاً، فكذلك إذا بلَغ وله مال في يد وصيّ أبيه، أو في يد حاكمٍ قد وليَ مالَه، وجب عليه أن يسلّم إليه مالَه، إذا كان عاقلاً، مُصلحاً لماله، وإن كان فاسقاً في دينه) (6) .

وتفسير هذين الرأيين للشيخ - في ما نرى - أنّ الشيخ كان على الرأي الأوّل في كتابيه (المبسوط) و(الخلاف). ولمّا كان قد ذَكر كتابيه هذين في (التبيان).. فإنّنا نرى أنّه - رحمه الله - قد عدَل عن رأيه في (التبيان)، وهو

____________________

(1) الشافعي (محمّد بن إدريس)، الأمّ: 3/215.

(2) الشيرازي، المهذّب: 1/328.

(3) الشيخ الطوسي، المبسوط: 2/ 284، الخلاف: 1/627. العاملي، مفتاح الكرامة: 5/246.

(4) المصدر نفسه.

(5) الشيخ الطوسي، (م. س): 3/117 - 118.

(6) المصدر نفسه.


متأخّر عن (المبسوط) و(الخلاف) (*) ، إن لم يكن الشيخ يريد بالعقل العدالة، كما هو الحال عند فقهاء الظاهريّة، كما سيأتي صريح قولهم في ذلك.

وقد برّر الجزائري في (قلائده) أنّ رأيه في (المبسوط) من روايته لا من فتواه (1) ، واعتذار الجزائري عن الشيخ في رأيَيه وجيه، وإن كان دعوى تحتاج إلى مزيد تمحيص واستدلال.

____________________

(*) والدليل على تأخّر كتابته (للتبيان): ما ورد في (السرائر) لابن إدريس (295هـ)، أنّه قال: (التبيان صنّفه الشيخ بعد كتُبه جميعاً، واستكمال عمله وسبره للأشياء وقوفه عليه وتحقّقه لها).

(1) الشيخ الجزائري (أحمد)، قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر.


المبحث الثاني

1 - ثمرة آراء الفقهاء في اشتراط الرُشد

أ - ذهب الظاهريّة إلى أنّ (المحجور عليه لا يخلو إمّا أن يبلغ عاقلاً سويّاً أمْ لا، فإن بلغ عاقلاً دُفع إليه مالُه برفع الحَجْر عنه، وإلاّ أُمسك عليه حتى يؤنَس منه العقل) (1) .

وحدّد ابن حزم المراد بالعقل، فقال: (أمّا العقل الذي نراه رشداً، فهو صلاح دينه وليس معرفته بكسب المال). وعليه، فإنّ اختبار رشده يتمّ بتحقّق عدالته بعد البلوغ أو الإشهاد على عدالته.

ب - أمّا الزيديّة، فإنّهم وإن فهموا أنّ الرشد هو العقل، إلاّ أنّهم لم يصرّحوا بأنّ مصداقيّة تحقّق الرشد هي عدالة الشخص (عدم ارتكابه المعاصي).

جـ - أمّا جمهور فقهاء الإماميّة والحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، فإنّهم يختبرون الرشد بإصلاح المال، ويثبت الاختبار لقوله تعالى: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ) [النساء: 6]، وحدّدوا أنماط الاختبار (بما يناسبه من التصرّفات، كما لو يعرف منه جودة المعاملة وعدم المغابنة إن كان تاجراً، أو المحافظة على ما يكتسب به، والملازمة إن كان صانعاً وأشبـاه ذلـك) (2) .

وكذلك بالنسبة للمرأة بما يناسب البيئة والمستوى الحضاري، (ويثبت الرشد في الرجال بشهادتهم وفي النساء بشهادتهنّ) (3) .

وكلّ ما تقدّم من آراء لا يرى البلوغ وحده علامة على النضج، ما لم يتحقّق الرشد بالاختبار أو الشهادة، إلاّ ما ذهب إليه أبو حنيفة (رحمه الله)، الذي سنرى رأيه في ما يأتي:

د - أمّا الحنفيّة، فعندهم أنّ المراد بالرشد حقيقته قبل بلوغ سنّ الخامسة والعشرين، وأمّا بعد ذلك، فإنّ المراد بالرشد مظنّته، وكأنّ أبا حنفية يرى أنّ

____________________

(1) ابن حزم الظاهري، (م. س): 5/230، 8/286.

(2) العاملي، (م. س): 5/246.

(3) المصدر نفسه.


الرشد، أي النضج في التصرّفات الماليّة حاصل غالباً في هذه السنّ، وأنّ البلوغ هو حكمٌ وضعيّ لرفع الحَجْر، فمَن بلغ هذه السنّ عنده دُفع إليه مالُه؛ لأنّ السنّ وحدها مظنّة أو علامة على تحقّق الرُشد، سواء علِم منه أمْ لم يعلمْ، طالما أنّ الأحكام تُبنى على الغالب لا النادر.

واستدلّ له بأنّ مفردة الرُشد في الآية جاءت نكرة، فالمراد منها - إذن - شيء من الرشد، وهو حاصل في الأغلب (1) .

كما استدلّ له بحديث حبان بن منقذ، إذ ذُكر فيه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه يخدع في البيوع، فجعل له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخيار ثلاثاً، ولم يحجر عليه (2) .

وربّما قالوا: الصِغَر هو المؤثّر في منع التصرّف بالمال بدليل تأثيره في إسقاط التكاليف، وإنّما اعتبر الصِغر لأنّه الذي يوجد فيه السفَه غالباً؛ لذلك جعل البلوغ علامة وجوب التكليف وعلامة الرشد (3) . وعليه بُنيَ رأيٌ للحنفيّة: (ألاّ يحجر على الحرّ البالغ العاقل السفيه، وإن كان مبذّراً يُتلف مالَه في ما لا غرض فيه ولا مصلحة؛ لأنّه مخاطب، فلا يُحجَر عليه اعتباراً بالرشيد، ولأنّ في الحَجْر عليه سلبٌ لآدميّته، وهو أشدّ ضرراً من التبذير، فلا يُتحمّل الضرر إلاّ لرفع الأدنى، وقيل إنّه إذا كان في الحَجْر تأديب - أي رجاء تقويم السلوك - فلا فائدة منه بعد هذه السنّ؛ لأنّه لا يتأدّب بعد هذا ظاهراً) (4) .

أمّا صاحباه: أبو يوسف ومحمّد بن الحسن، فقد خالفاه في هذه واستدلاّ بأنّ البالغ السفيه أَولى بالحَجْر من الصبيّ؛ لأنّ الثابت في حقّ الصبيّ احتمال التبذير، وفي حقّ البالغ السفيه حقيقة التبذير.

وقد نوقشت آراء أبي حنيفة وموافِقيه إبراهيم النخعي وابن سيرين (5) مناقشات عدّة، انتهت كما لخّصها الدكتور زيدان بقوله: (إنّ ظاهر الآية لا يساعده؛ لأنّ دفع المال فيها معلّق على إيناس الرشد، لا بلوغ سِنٍّ معيّنة) (6) .

هـ - أمّا الشافعي، والطوسي في رأيه في (المبسوط) و(الخلاف) ومَن وافقهما مِن الإماميّة، فإنّهم ضبطوا الرشد بجواز الشهادة، أي العدالة، واشتراط إصلاح المال، على أنّ الشيخ الطوسي يرى العدالة حُسن الظاهر أو

____________________

(1) الميرغناني، (م. س): 3/285.                     (2) ابن رشد، (م. س): 2/278.

(3) الجصّاص، أحكام القرآن: 2/63، اُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد: 2/278.

(4) الميرغناني، (م. س): 3/280 - 282.           (5) الجصّاص، (م. س): 2/63.

(6) زيدان (عبد الكريم)، (م. س): 2/321.


مجرّد الإسلام مع عدم ظهور الفِسق، وهما موجودان في الناس إلاّ النادر، وعليه، فالأصل عند الشيخ في المجهول الحال العدالة، والأصل في أقواله وأفعاله الصحّة (1) .

2 - أدلّة آراء الفقهاء

أوّلاً: يستدلّ مَن يرى أنّ الرشد هو العقل بما يأتي:

1 - إنّ الآية مرتّبة على قوله تعالى: ( وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ ) [النساء: 5]، وقد فُسّرت مفردة السفهاء بـ:

أ - النساء والصبيان بجامع عدم النُضج العقلي، وهو رأي لابن عبّاس، وسعيد، والحسن، والضحّاك، وقتادة. ورواه أبو الجارود عن الباقر (عليه السلام).

ب - وقيل: إنّه عامّ في كلّ سفيه من صبيّ أو مجنون (2) . وعليه، فإنّ اشتراط البلوغ - في ما يخصّ علّة صِغَر السنّ إلى جنْب الرشد: أي النضج العقليّ في ما يخصّ المجنون أو السفيه.

2 - ما ذهب إليه مجاهد والشعبي من أنّه العقل.

ثانياً: واستدلّ مَن يرى أنّ الرشد هو الدين حسْب:

1 - مِن الكتاب بقوله تعالى: ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ) [النساء: 6]، والفاسق موصوف بالغيّ لا بالرشد، لقوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) [هود: 97]، مع أنّه كان يُراعي مصالح الدنيا على الوجه المعتبر.

2 - وما روي عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (شارب الخمر سفيه)، وليس من قائل إنّ بين شرب الخمر وغيره من المعاصي فارقاً، ممّا يترتّب عليه أنّ مرتكب المعصية سفيه مطلقاً.

3 - قوله تعالى: ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) [البقرة: 256]؛ حيث قابل القرآن الكريم مصطلح الضلالة بالرشد، فمَن كان فاسقاً في دينه كان موصوفاً بالغيّ، ومن وُصف به لا يوصف بالرشد؛ لأنّهما صفتان متنافيتان لا يجوز اجتماعهما، وهو مؤدّى دليل ابن حزم المتقدّم نقلاً عن المحلّي.

____________________

(1) العاملي، (م. س): 5/246.

(2) الطبرسي، (م. س): 3/ 13 و14.


4 - استدلّ القائلون بأنّ الرشد هو الدِين: يُمنع غير المتفقّه في الدِين من الاتّجار بأسواق المسلمين؛ فهو إذن: حَجْر جزئيّ على بالغٍ عاقلٍ يجيد المماكسة. كذلك استدلّوا بكراهة دفع المسلم أمواله للكافر مضاربة أو توكيلاً؛ لكونه لا يصدق عليه لفظ المسلم بجامع ارتكابه المعصية.

ثالثاً: واستدلّ مَن يرى أنّ الرشد إصلاح المال وتثميره فقط بـ:

1 - إنّ المفهوم من الرشد عُرفاً إصلاح المال؛ وحيث أنّ حقيقة المراد القطعيّ من النصّ ليس فيه حقيقة شرعيّة، فإنّ العُرف محكّم في مثل هذه الحالات.

2 - إنّ الفسق أمرٌ شرعيٌّ مغاير للرشد من حيث هو، فكيف يعتبر ما لا مدخليّة له في فهْمه؟ (1) ، أي في مفهومه.

3 - إنّ الكافر لا يُحجَر عليه لكفره، فالفاسق أَولى (2) .

4 - مع القول باشتراط العدالة في إطلاق التصرّف، فإنّ ذلك يُعدّ موجباً لترك المعاملة والمناكحة وتعطيل المعيشة، وهو مخالف لعمل الآية (3) ، بل الكتاب والسنّة، بل في الأخبار ما يدلّ على جواز معاملة الفسّاق، وقد ساق في (المسالك) قوله: إنّه لو اعتُبرت العدالة في الرشد لم يقُمْ للمسلمين سوق، ولم ينتظم للعالَم حال (4) .

5 - وإذا كان قتادة اشترط العقل والدين، فهو غير دالّ على العدالة أيضاً، إذ يكفي في صلاح الدين حُسن الاعتقـاد (5) .

6 - يستدلّ أصحاب هذا المحور بأنّ المناط في الحَجْر مَن يسيء استخدام أمور المعاش، لا أمور المعاد؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُؤْتُوا السّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) [النساء: 5].

7 - ذهب ابن العربي إلى (أنّ غرض حفْظ الدين وحفظ المال مختلف؛ فغرض حفظ الدين الخوف من الله، وغرض حفظ المال تدبير المعاش، فلا يكون الحكم على عِلَلٍ مختلفة) (6) .

____________________

(1) العاملي، (م. س): 5/246.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه.

(5) السيوري (المقداد)، كنز العرفان في فقه القرآن: 2 / 182.

(6) ابن العربي المالكي، أحكام القرآن: 2/322.


8 - إنّ اعتبار الرشد إصلاح المال هو قول أغلب المفسّرين، ومِن ثَمّ هو قول جمهور فقهاء المسلمين، فلا عبرة بالشاذّ مقابل رأي الجمهور.

9 - استدلّ القرطبي بأنّ ورود لفظ الرشد في الآية نكرة في سياق الإثبات يدلّ على أنّ سبيلها الإطلاق، والمطلق يتحقّق بأيّ فردٍ من أفراده، فإذا صوّت العُرف على أنّ المراد إصلاح المال وليس العدالة، توضّح المراد (1) .

رابعاً: أدلّة مَن يرى الرشد (إصلاح المال، وصلاح الدين): بأدلّة المحور الذي يرى الرشد هو الدين استدلّ مَن يراه إصلاح الدين والمال معاً، في ما سبق من قولنا إنّه مذهب الشافعي والطوسي في (التهذيب) و(الخلاف)، ومَن وافقَهم.

واستدلّوا - إضافة إلى ذلك - بالاحتياط، قال العاملي: (وليست هذه الأدلّة بتلك المكانة من الضعف كما قد يُظنّ؛ ولذا تردّد المحقّق في كتابيه: (الشرائع) و(المختصر) فيهما (2) .

____________________

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 5/37.

(2) العاملي، (م. س): 5/246.


المبحث الثالث

1 - الموازنة بين الأدلّة

قال العلماء: إنّما حُذف العقل في مفهوم الرشد؛ لأنّ المفروض حصوله، بل والبلوغ والغرَض حصول ما يعتبر بعد ذلك، فلا يمكن القول إنّ الرشد هو العقل، طالما أنّه أحد مُستلزماته. وإلاّ لو بلغَ عاقلاً، ولكنّه مبذّر متلف لماله، فهل يُعَدّ راشداً؟ إلاّ إذا أُريد بالعقل الدين، وهذا ممّا يمكن أن يتواضع عليه بعض الناس، فكان إلى جانب كونه تواضعاً محلاًّ للنظر، فوق ما عليه من تحفّظات عديدة؛ لأنّ موضوع الآية ومجالها.. قضيّة التصرّف الاقتصاديّ الفرديّ ونمطـه.

وبصدد اعتباره الدين مِن حيث أنّ القرآن وصفهما بالتنافي، فإن وُجد أحدهما فإنّه يعني غياب الثاني ضرورة، قال في الكنز: (إنّهما وإن تضادّا مفهوماً لم يتضادّا تعلّقاً؛ لأنّهما يُطلقان في أمور المعاش - بمعنى من المعاني - وفي أمور المعاد بمعنى آخر، والمراد بالآية أمور المعاش) (1) .

وأورد: إنّ سبب تصوّر قول الشيخ بالعدالة وإصلاح المال ظهر مِن خلال عرضه للحديث النبويّ: (شارب الخمر سفيه)، والحال أنّ ذلك من مرويّاته، لا من فتواه، وهذه اللفتة دقيقة في مضمونها؛ حيث اكتشف الباحث بالمقارنة بين رأي الشيخ في (المبسوط) و(الخلاف)، وبين رأيه في (التبيان) أنّ الشيخ لا يشترط العدالة، الأمر الذي يجعلنا نقف مع العلاّمة الجزائري في تصريحه: إنّ تلك ليست من فتاوى الشيخ إنّما من مرويّاته (2) ؛ خاصّة وهو صاحب (التهذيب) و(الاستبصار).

على أنّ هناك مَن يهمس في سنَد الرواية (3) ، ويرى مع إغماض العين عن سندها، أنّ مرادها أعمّ من كونه مساقاً على الحقيقة التي عليها مدار الألفاظ، فيُحتمَل إرادة المجاز.

____________________

(1) السيوري (المقداد)، (م. س): 2/182.

(2) الجزائري (أحمد)، (م. س).

(3) بحر العلوم، الحَجْر وأحكامه، ص: 131، نقلاً عن رياض المسائل، كتاب الحَجْر (غير مُرقّم).


ويذهب صاحب (الرياض) إلى أنّها تعيّن في المجاز لعدم التبادر، وصحّة السلب عادةً، وقيل: إنّه لو عَرَض للإنسان بعد بلوغه ورشده فِسق.. هلاّ حجَرتُم عليه؟ والجواب: ليس هناك مِن قائل بذلك، وإن نَقل في (اللمعة) قول الشيخ احتياطاً.

أمّا منع غير المتفقّه من الاتّجار بالسوق - وهو أجنبيّ عن الموضوع؛ لأنّ جهله بفساد البيوع من صحيحها (فساداً وصحّة شرعيّة) يمنعه - فيتمّ دفعاً لوقوعه في الحرام إلاّ بعد أن يتفقّه.. وهي وظيفة للمحتسب لا علاقة لها بالرشد من جهة كونه حكماً وضعيّاً، وما قيل في هذا يقال في كراهة الفقهاء للمسلم أن يدفع أمواله للكافر مضاربةً أو توكيلاً.

2 - رأي الباحث

يرى الباحث أنّ الاستعمال القرآني لمصطلح الرشد جاء على ضربَين: أحدهما تغلُب عليه الصفة العقائديّة؛ فكان بمعنى سلامة العقيدة، كقوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) [هود: 97]، و ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ) [البقرة: 256]، والثاني تغلُب عليه الصفة العمليّة التكليفيّة؛ حيث ورد غايةً (لرفْع حُكم الحَجْر) على غير الراشد، كما هو الحال في الآية محلّ البحث، ذلك أنّ تعلّقها بالأموال يعني أنّ الرشد المراد هو: كيفيّة التصرّف بالأموال.

ولكن هذا لا يمنع من تأثير التصوّر العقائدي على السلوك اليومي التفصيلي؛ مِن حيث تأثير عدم سلامة المعتقد، أو ضعف الإيمان، وبالتالي ضعف الالتزام بأوامر الشرع ونواهيه على نمط التصرّف المالي.

وهذا التداخل أجبر الفقهاء على الاعتراف بأثر العدالة على نمط السلوك، فقد أشار العاملي إلى أنّ مَن أصرّ على اعتبار الرشد هو التصرّف بالمال فحسب، بمعزل عن العدالة، لم يغفل التذكير مشترطاً ألاّ يكون نوع فِسقه ممّا يستلزم التبذير، فقد عدّ مصنّفات العلماء الذين قالوا بذلك ممّا يربو على العشرين، فقد ذيّلوا فتاواهم بقولهم: (إن لم يستلزم الفسق تبذيراً) (1) ، وقال: (إنّ التحجير على هذا الفاسق محلّ وفاق)، إنّما محلّ النزاع الفِسق الذي لا يستلزم التبذير.

____________________

(1) العاملي، (م. س): 5/246.


لذلك يرى الباحث صعوبة الفصل بين مدى الالتزام بأوامر الله ونواهيه، وبين غياب الرشد... فالتصرّف بالمال إمّا واجب، كالإنفاق في الحجّ والجهاد والزكاة والخُمس والكفّارات والنذور وغيرها من العبادات الماليّة، فهي وإن كَثُرت لا سفَه فيها ولا تبذير، وإمّا مندوب، وإمّا مباح.

أمّا المندوب ، فللعلماء فيه رأيان:

الأوّل: ما عبّروا عنه بقولهم: (وصرْف الأموال في وجوه الخيرات ليس بتبذير) (1) ، وظاهر العبارة أنّه لا فرْق بين الإفراط في ذلك وعدمه، واستدلّوا بأنّ الإمام عليّ (عليه السلام) تصدّق بالأقراص، كما هو مشهور، فنزلت فيه سورة (هل أتى)، وما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنّه قاسَم ربّه مالَه حتى النعل.

أمّا الثاني: فاشترطوا للجواز أن تكون في أمواله سعة للإنفاق، بمعنى كون المُنفَق مِن المال فاضلاً عمّا يحتاج إليه، وربّما قيّدوه بعبارة (أن يليق بحاله) ورجّحه العاملي، فقد قال: (ولا تُصغِ إلى ما ذُكر في معناه غير هذا) (2) .

1 - لقوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى‏ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ ) [الإسراء: 29]، وهو مطلق يتناول محلّ النزاع.

2 - وقوله تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) [البقرة: 219]، وفسرّه الصادق (عليه السلام) أنّه: (الوسط من غير إسراف ولا إقتار)، وعن أبيه الباقر (عليه السلام): (ما فَضُل عن قُوت السنة)، وعن ابن عبّاس: ما فَضُل عن الأهل والعيال.

3 - قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّما الصدقة عن ظَهر غِنى).

4 - وقوله تعالى: ( وَالّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً ) [الفرقان: 67].

أمّا الإنفاق المباح:

فقد قال الفقهاء: (إنّ صرْف المال في الأغذية النفيسة التي لا تليق بحال المنفِق تبذير)، وعقّب العاملي، فقال: (وهذا ممّا لا خلاف فيه عندنا،

____________________

(1) المصدر نفسه: 5/253.

(2) المصدر نفسه.


لصدق الإسراف والتبذير المنهيّ عنهما)، خلافاً للشافعيّة الذين يرون أنّ الغاية مِن تملّك المال الانتفاع به والتلذّذ بمبادلاته.

وحصر بعض العلماء التبذير في ما يصدق عليه تضييع المال، كالغبْن الفاحش، وأشباهه.

أمّا الإنفاق في المحرّمات، فهو تبذير وإسراف وسفَه قطعاً (*) ، وهذه هي حلَقة الربط بين اشتراط العدالة والسفَه (فقدان الرشد)؛ حيث إنّ الإنفاق في المحرّمات والإنفاق في المباحات بإسرافٍ وتبذير هو فقدان الرشد؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [الأنعام: 141]، وقد ورد في بعض الأخبار أنّ السرَف يبغضه الله، حتى طَرْحك النواة وهي لا تصلح لشيء، وحتى فضْل شرابِك.

وفي رواية إسحاق أنّه ليس في ما أصلح البدن إسراف، إنّما الإسراف في ما أفسد المال وأضرّ البدن...

وقد ذهب الفقه الحنفي إلى أنّ السفه يتحقّق مع وجود الإسراف، بصرْف النظر عن النواحي التي ينفق المال فيها، فهو في ذاته حرام؛ عملاً بعموم الآيات الناهية عنه، وتأسيساً عليه، فتصوّرهم للحَجْر أنّه: حماية للمال والنظر إلى مصلحة المحجور عليه وأُسرته، بينما هو في فقه الشافعيّة عقوبة على إضاعة المال في أوجهٍ غير مشروعة.

____________________

(*) قال العلاّمة في (التذكرة): (إنّ إجماع الأُمّة قائم على أنّ صرْف المال في المحرّمات سفَهٌ وتبذير).


البحث الرابع

مُعطَيات الحُكم والموضوع

ونتائج البحث وأهدافه وفرضيّته المركزيّة

ظهر من ثنايا البحث أنّ العقيدة الإسلاميّة المتمثّلة بفلسفة الاستخلاف، وفقاً لقوانينه المركزيّة الثلاثة ذات أثر على أحكام السلوك الإنساني عامّة، ونمَط الإنفاق خاصّة، والقوانين هي:

1 - المُلك كلّه لله، والعلاقة بين الخالق والكون علاقة ربوبيّة تفيد الخلْق والقيّومة ( اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ ) [البقرة: 255]، الأمر الذي ترتّب عليه اختصاصه عزّ وجلّ بالمُلك التامّ والمطلق للكون، دلّ على ذلك قوله تعالى: ( للّهِ‏ِ مُلْكُ السّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنّ وَهُوَ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) [المائدة: 120]، ويدخل في مطلق المُلك الموارد والطاقات كافّة.

2 - إنّ الله خلَق الكون مهيّأً ومسخّراً لمنفعة الإنسان؛ دلّ على ذلك قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَوْا أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مَا فِي السّموَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) [لقمان: 20].

3 - إنّ الله تعالى أعطى للإنسان الحقّ في استثمار الموارد (إنتاجاً واستهلاكاً)، بنيابةٍ مشروطةٍ تفويضـاً واختبـاراً؛ دلّ على ذلك قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) [البقرة: 30].

ولمّا كان شكل استخلاف الله للإنسان بوكالةٍ مشروطة بضوابط الاستخلاف، فإنّ السفَه، والسرَف، وسوء استخدام الموارد، وانعدام ترشيد الاستثمارات، وترشيد الاستهلاك ممّا يخلّ بالضوابط، بما يترتّب على هذا الإخلال إيقاف حقّ التصرّف، بما سمّاه الفقهاء الحَجْر (1) ، وقد ترتّب على ذلك أنّ الإسلام يرى مفهوم الحاجة الاقتصاديّة التي يسوغ الإنفاق لأجلها:

____________________

(1) الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، ص: 28.


(ما يؤدّي تحقيقها وتلبيَتها إلى الإنماء العامّ للطاقات اللازمة لعمارة الأرض) (1) ، ويكون المفهوم الإسلامي للسلعة: المنتجات النافعة الخيّرة للإنسان فقط، أو ما يؤدّي استهلاكها إلى المنفعة الشاملة للمُستهلِك.

وإنّ أهمّ نتيجة يصل إليها الباحث (أنّ ما يكفي لتحقيق هدف الإنماء هو المطلوب شرعاً: الإنفاق لأجله على مستوى الدخل الفرديّ أو القوميّ، وما زاد عنه يكتسب حكم الزيادة على المطلوب، كراهةً أو تحريماً) (2) ، على وفق المحدّدات الكميّة والنوعيّة في نمط الاستهلاك القائم على الكتاب والسنّة، وما لذلك مِن آثار على نمط العلاقة بين الاستهلاك والتراكم؛ لأنّ ترشيد الاستهلاك بمعيار كهذا يؤيّد الادّخار الفرديّ الذي يُعدّ أحد روافد التراكم العامّ، ذلك الشرط الأساسيّ في التنمية الاقتصاديّة.

يميل الباحث إلى تفسير الرشد بعلاماته، ابتداءً بالبلوغ (نُضج العُمر الزمنيّ والعُمر العقليّ معاً)، وهي أن يبلغ القاصر عاقلاً، فإن بلَغ مجنوناً فلا يرتفع عنه الحَجْر، وأن يُراعى فيه بعد تمامية هذه الشرائط الرُشد الذي هو إصلاح المال وتثميره المنضبط بالعدالة ابتداءً، أو أقلّ درجة من درجات الالتزام بأوامر الله ونواهيه؛ لأنّ المفسّر قتادة (*) الموافق لبعض ما روي عن آل البيت (عليهم السلام) والسدي هو الأشمل؛ ذلك أنّه يرى الرشد: العقل، صلاح الدين، صلاح المال، وفي رأيه يجتمع الأثر العقلاني على السلوك والأثر العقائدي، والتفكير التنموي في الإنتاج والاستهلاك.

وهذا الرأي يمثّل مكوّنات الشخصيّة السويّة، التي تُنتج عن محصلة للأجهزة الإدراكيّة والمعرفيّة والانفعاليّة الإيجابيّـة، التي تحدّد استجابات الفرد لبيئته، الأمر الذي يمكننا أن نقول:

إنّ إسهام المفسّرين والفقهاء المستند إلى القرآن الكريم، في مناقشتهم لموضوع الرشد قد حدّد أركان الشخصيّة السويّة ومكوّناتها، وقد تجاهل

____________________

(*) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطّاب البصري الحافظ العلاّمة المفسّر، مات بواسط سنة (118 هـ).

(1) عابد (عبد العزيز)، مفهوم الحاجات وأثره على الإنماء الاقتصادي.

(2) كاظم (عبد الأمير)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي، ص: 329 - 332.


الباحثون في العالَم، أو غفلوا عن آراء فقهاء المسلمين، فنُسب إلى العُلماء الأوروبيّين فضل ابتكار (اكتشاف مكوّنات الشخصيّة)، كما ورد في فرضيّة البحث عن ( stagner - 1974 م) (*) . وأنّهم رتّبوا على اختلاف أحد أركانها تروكاً قانونيّة سُمّيت في مباحثهم بكتاب الحَجْر.

إنّ حُكم الحَجْر يُلقي على مُنظّري فلسفة التربية في المجتمعات الإسلاميّة وظيفةَ وضْع الأهداف العامّة للتربية؛ لكي تسهم في تكوينٍ سليمٍ لشخصيّة المتعلّمين، فيكون الهدف العقلانيّ، والهدف الاعتقادي، والهدف الاقتصاديّ التنمويّ في كلّ مراحل التربية (الأُسريّة، المدرسيّة) (**) ، الأمر الذي يُحسّن ويُعمّق المهارات البشريّة، التي تُعدّ أُولى مستلزمات التنمية الاقتصاديّة كما تراها فلسفة الاستخلاف، وما توصّلت إليه - بعد معاناة العقل البشريّ - الدراسات التنمويّة المعاصرة، وتسهُم أحكام الحَجْر في دفع الإنسان إلى تفضيل أحد الاستعمالات للموارد على الاستعمالات الأُخـرى، في سبيل الحصول على منفعة اقتصاديّة، بما ينتج عن موازنة بين منافع الموارد ومنافع الاستعمالات المُختلفة (1) .

ولمّا كانت الدراسات الاقتصاديّة قد استقرّت على أنّ الموازنة ذات صبغة شخصيّة، فإنّ العناصر الموضوعيّة التي تحدّد نمط الموازنة تكمن في مقولة (الإسراف والتبذير والإقتار والسفَه)، وهي مقولات يقف مفهوم الرشد مانعاً لها من أن تُداخل الموازنة؛ لكي يتوصّل بها إلى غاية تحقيق المنفعة الشاملة، إذ ستشكّل ما يسمّونه بأثَر الوسط الاجتماعي، وستشكّل أيضاً غايات التخطيط ( Economic plan )، ذلك أنّ النُظم المعاصرة لا تستطيع أن توقِف شخصاً له قوّة شرائيّة غير محدودة عند سقفٍ إنفاقيٍّ معيّن إلاّ بقوّة

____________________

(*) اُنظر: فرضيّة البحث.

(**) يفرّق علماء التربية الأوربيّون بين أنماط التربية، فيجعلون تربية الأُسرة تربية غير مقصودة، وتربية المدارس ومعاهد التعليم تربية مقصودة، لكن الباحث يعتقد أنّ التربية الإسلاميّة في مراحلها كافّة تربية مقصودة.

(1) المحجوب (رفعت)، الاقتصاد السياسي: 1/92.


القانون غير المبرّر، بينما تستثمر الشريعة ضوابط الاستخلاف لإيقافه وتربطه بالجزاء الأُخْروي؛ وبذلك تكون الشريعة أقدر مِن النُظم المعاصرة على تحقيق مقولتَي ترشيد استخدام الموارد، وترشيد الاستهلاك.

ظهر من حُكم الحَجْر على غير الراشد أنّ الشخصية غير السويّة لا يحقّ لها أن تتصرّف بالمال تصرّفاً مطلقاً، إلاّ أن تضمّ إليها شخصيّة سويّة ممثّلة بوليّ القاصر، أو وليّ المحجور عليه، وبالتالي فإنّ الحَجْر يُعَدّ:

1 - قيداً شرعيّاً على التصرّف المطلق بالملكيّة الخاصّة لصالح ملكيّة المجتمع؛ لأنّه أَولى بالمِلك المطلق التامّ (ملكيّة الله للموارد) من الفرد.

2 - إنّ انضمام شخصيّة الوليّ تعني ثبات حالة الترشيد بشِقّيها.

3 - إنّ مضمون قول الله تعالى: ( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) [النساء: 5]، كما فسّرها الطبرسي: تعني درّبوهم على التعامل اليوميّ السويّ لتعميق المهارات، وبها تتجاوز التنمية في العالم الثالث الحلَقات المفرغة، خاصّة في مجتمع يطبّق قوانين الشريعة الإسلاميّة.

ظهر لنا أنّ العقل الإنساني حين ينطلق من الفرضيّات، مروراً بالحلول المناسبة إلى التَقْنين، وصولاً إلى تقرير الحقائق بالاستقراء، سيجد نفسه منسجماً مع ما يختزله القرآن الكريم من جُهد للإنسان لو أعمَل آياته وتدبّرها؛ ليصل إلى فكرٍ متوازن شامل يلبّي سعادة الدارَين.


المصادر

أ - القرآن الكريم.

ب - كُتب التفسير:

1 - الطبرسي (الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، شركة المعارف الإسلامية ب. ت. ب. م.

2 - الطوسي (محمّد بن الحسن، 460هـ)، تفسير التبيان، تحقيق أحمد القصير، مطبعة النعمان، النجف، سنة 1969م.

3 - محمّد بن الحسين بن القاسم، منتهى المرام في شرح آيات الأحكام، الدار اليمنيّة - صنعاء، ط2، 1986م.

4 - الجزائري (أحمد)، قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر، مطبعة النعمان - النجف، ب. ت.

5 - القرطبي (محمّد بن أحمد الأنصاري)، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، 1964م.

6 - الجصّاص (أبو بكر بن عليّ الرازي)، (370هـ)، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي - بيروت.

7 - السيوري (المقداد الحلّي)، (826هـ)، كنز العرفان في فقه القرآن، مطبعة الغري - النجف، ب. ت.

8 - السايس (محمّد علي)، تفسير آيات الأحكام، مطبعة محمّد علي صبيح - القاهرة.

9 - الكاظمي (الجواد)، مسالك الإفهام إلى آيات الأحكام، تحقيق محمّد باقر شريف، منشورات المكتبة الرضويّـة، ب. م.

10 - المالكي (ابن العربي)، أحكام القرآن، تحقيق محمّد علي البجاوي، مطبعة محمّد علي صبيح - القاهرة، 1962م.


جـ - كُتب الفقه:

فقه الإماميّة:

11 - الطوسي (محمّد بن الحسن، 46هـ)، المبسوط، المطبعة الحيدريّة - النجف، 1387هـ - الخلاف، طبعة حجريّة.

12 - المحقّق الحلّي (جعفر بن الحسن)، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، مطبعة الآداب - النجف، 1969م.

13 - النجفي (محمّد حسن بن محمّد باقر)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، منشورات دار الكتب الإسلامية، ب. م.، ط1، 1397هـ.

فقه الحنفيّة:

14 - الكاساني (علاء الدين بن أحمد، 587هـ)، بدائع الصنائع، مطبعة الجمالية - مصر، 1328هـ.

15 - الميرغناني (عليّ بن أبي بكر)، الهداية، شرح بداية المبتدي، مطبعة البابي الحلبي - مصر.

فقه الحنابلة:

16 - المرداوي (علاء الدين بن عليّ بن سليمان، 885هـ)، الإنصاف في مسائل الخلاف، تحقيق حامد الفقي، مطبعة أنصار السنّة - القاهرة، 1956م.

17 - ابن قدامة (موفق الدين عبد الله بن محمّد، 620هـ)، المغني، مطبعة الإمام - مصر، ب. ت.

فقه الشافعيّة:

18 - الشافعي (محمّد بن إدريس، 204هـ)، الأُم، طبع شركة الطباعة الفنّية - مصر، ب. ت.

19 - الشيرازي (إبراهيم بن عليّ بن يوسف، 476هـ)، المهذّب في فقه مذهب الإمام الشافعي، مطبعة عيسى البابي الحلبي - مصر.


فقه المالكيّة:

20 - ابن رشد (محمّد بن أحمد)، بداية المجتهد، مطبعة الاستقامة - القاهرة.

21 - الصاوي (أحمد بن محمّد)، بُلغة السالك لأقرب المسالك في فقه الإمام مالك، مطبعة البابي الحلبي، 1952م.

فقه الظاهريّة:

22 - الظاهري (عليّ بن أحمد بن سعيد) المحلّي، طبع المكتب التجاري - بيروت.

فقه الزيديّة:

23 - المرتضى (أحمد بن يحيى، 840هـ)، البحر الزخّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، تحقيق الجرافي، مطبعة أنصار السنّة - القاهرة، 1949م.

24 - زيدان (عبد الكريم)، المدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة.

25 - بحر العلوم (عز الدين)، الحَجْر وأحكامه، دار الزهراء - بيروت، ط1، 1980م.

د - الوسائل الجامعيّة:

26 - زاهد (عبد الأمير كاظم صالح)، التنمية في الاقتصاد الإسلامي، رسالة ماجستير، مقدّمة إلى كلّية الشريعة - جامعة بغداد، 1987م (رونيو).

27 - سعيد (عبد الحميد)، خصائص الشخصيّة، رسالة دكتوراه (رونيو).


البحث الخامس

الجريمة الاقتصاديّة

وسُبُل الوقاية منها في الإسلام



مقدّمة

إنّ لكلّ أُمّة أُصولاً حضارية تعود إليها في تأسيس البُنية الفكريّة، التي تصبح أرضيّة فلسفيّة للتشريع لمجتمعاتها بمختلف وجوهها، وللتربية ومناهجها، وللبناء الاجتماعيّ وأمْنه. وهذا ما يطلق عليه المذهبيّة الاجتماعيّة للأمّة.

ومن المُتسالم عليه أنّ للعقيدة أثراً بالغاً في تحديد السلوك وتوجهيه، لا سيّما إذا كان القانون مستقىً من أُسسها، منسجماً في مفاصله وجزائاته مع مفاصلها.

وتختلف فلسفات المجتمعات من جهة المُشرّع بين المصدر الإلهيّ والبشريّ، بما يتمتّع به الأوّل من زيادة في قوى الإلزام للفرد، وعدم احتياجه إلى الرقابة خارج الذات، زيادةً على ما للأوّل من شموليّة، وعُمق في الولاء، وآثار ذلك في تقليل الكُلَف المادّية والإجرائيّة في توجيه سلوك الأفراد.

ولأجل ما استقرّ عليه البحث من أنّ الطبيعة البشريّة قد زُوّدت بالاستعداد الإيجابي للبناء والخير وعمارة الأرض، كما خُلقت مزوّدة بالاستعداد السالب الذي ينطوي على الاستحواذ على جُهد الآخرين، واعتماد السلوك الهدّام المسبّب للتخلّف، فإنّ دَور المذهبية الفكرية هنا، يبرز في تحفيز البواعث لاعتماد السلوك الإيجابي، وتنبيه الرغبة في انتهاجه وتعميقها من قِبل الأفراد أو المجتمع ككلّ.

فإذا كان هذا ممّا يُتّفق بشأنه، فإنّه من الممكن القول إنّ العقائد والفلسفات تختلف في مدى ما تؤثّر في سلوكيّات مواطنيها.

وتتفاوت العقائد في تأسيس نظريّتها في الأمن الاجتماعي بوجهَيها: الوقاية والعلاج، وذلك يستدعي بحثاً مقارناً تفصيليّاً، لكنّنا سنقف عند دَور


العقيدة الإسلاميّة والشريعة المستندة إلى أُصولها بقدر تعلّق الأمر بهدف البحث في معرفة:

(أثر العقيدة والشريعة الإسلاميّة في وقاية المجتمع من الجريمة الاقتصادية).

أهداف البحث

يهدف البحث إلى معرفة مفهوم الجريمة الاقتصاديّة وبواعثها في الشريعة الإسلاميّة، والوقوف عند البواعث الاقتصاديّة للجريمة بصورة عامّة، ومدى الأثر الذي تُحدثه العقيدة والشريعة الإسلاميّة في مصادرة البواعث الاقتصاديّة للجريمة بصورة عامّة، ومحاصرة البواعث والوقائع السلوكيّة المنحرفة في مجال النشاط الاقتصادي في المجتمع الإسلامي.

أهمّية البحث

يرى الباحث أنّ هذا البحث مهمّ لعدّة اعتبارات، أبرزها:

يُعَدّ مجال النشاط الاقتصادي، من بين مجالات النشاط البشريّ، أهمّ المجالات القابلة لحصول السلوك المنافي للقانـون.

ولأنّ وسائل الحصول على الملكيّة والمال والحيازة وكيفيّة التصرّف بها تشكّل دافعاً رئيساً للسلوك الإجرامي، كما تشكّل رصيداً للبناء والإعمار؛ وذلك لآثار دَور الربح في السلوك الإنساني بوصفه باعثاً له سلباً وإيجاباً، وآثار التفاوت في مداخيل الأفراد وعدمه في الفعل الإجراميّ، وعلاقة الأجور بالأسعار.

لذلك جاء البحث ليفحص أثر الترابط العضوي بين العقيدة والنُظم التشريعيّة الحياتيّة المستندة إليها، في تنزيه السلوك البشري، وأثر ارتباط القانون والاقتصاد بمجموعة من القيَم والفضائل في النظريّة العامّة الموجّهة لاقتصاديّات المجتمع، وأثر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السموّ بسلوك الأفراد نحو الإيجابيّة، وآثار الطاعة الاختياريّة، وفكرة المعاد والحساب، ومسؤوليّة أعمال القلوب في الردع الذاتي.


ولقد اعتمد الباحث للوصول إلى فحص فرضيّته - المتمثّلة بالوصول إلى مدى آثار هذه المفاصل - الخطّة الآتية: مقدّمة ، ومدخل : عرَض فيهما مفهوم الجريمة عامّة وبواعثها في الفكر الإسلامي، وأهمّية البواعث الاقتصاديّة.

ثُمّ عرض في الفصل الأوّل للجرائم في مجال النشاط الاقتصادي والإنتاج، التبادل، التوزيع، الاستهلاك من جهة التجريم القانوني قضاءً وديانةً.

أمّا في الفصل الثاني، فقد توقّف عند سُبل الوقاية، وانتقل من ثمّ إلى معالجات المشرّع للجريمة بمجموعة من الوسائل.

وفي خاتمة المطاف، توقّف عند أهمّ النتائج، وتقييم ما إذا تحقّقت أهداف البحث.

أرجو أن يكون البحث في لُغته المكثّفة ومْضةً فكريّةً تسهم إلى جنْب أعمال الباحثين في جلاء الحقائق، سعياً وراء البناء الخلاّق لمجتمعات جَعلت من كلمة (لا إله إلاّ الله) شعاراً لبقائها، وتميّزها بين الأُمم، حاملة لحضارة تحتضن السلام الاجتماعي بين المجتمعات نفسها، وألَم الأرض كلّها.

وأن يجعله الله تعالى... قرضاً حسناً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.


مدخل البحث

المبحث الأوّل: مفهوم الجريمة في الشريعة الإسلاميّة

يرى العلماء أنّ الجريمة: (محظورات شرعيّة زجر الله عنها بحدٍّ أو تعزير) (1) ، والمراد بالمحظورات: إمّا فعل أمرٍ نهى الشارع عنه، أو ترْك فِعلٍ أمرَ الشارع به. وقيود شرعيّة: أي ما ورد الأمر بها في الكتاب والسنّة أو الاجتهاد المبني عليهما. أمّا قيد زجَر الله عنه بحدّ أو تعزير: أي ما نصّ على عقوبته مع ذِكر مقدار العقوبة أو لا، فهل هذا يعني أنّ تقييد النصّ بالعقوبة ركن في اعتبار السلوك جريمة؟.

وهل مفهوم المخالفة يعني أنّ ما لم يُقرَن بعقوبة من الأفعال السلبيّة، ليس ممّا عدّ من الجرائم؟ بمعنى هل النهي، الأمر، مضافاً إلى تحديد العقوبة، هما رُكنا الجريمة في الفقه الجنائي الإسلامي، أو أنّ النظرة الشموليّة تقتضي الوقوف عند تحقّق النهي عن الفعل، النهي عن الترك مطلقاً في باب الجرائم؟

اختلف الفقهاء في هذا، فكان هناك ثلاثة مذاهب:

الأوّل: مَن اعتمد الرُكنين، وهو رأي الماوردي (2) .

الثاني: إنّ فعل ما أمرَ الشارع بترْكه على وجه الإلزام، أو ترْك ما أمَر الشارع بفِعله على وجه الإلزام يُعدّ جريمـة، وهو رأي المتأخّرين مثل أبي زهرة (3) .

فكلّ ما جانَب الامتثال للشارع حين ألزم، هو جريمة.

الثالث: مَن يرى أنّ مفهوم الجريمة أخصّ مِن مطلق المخالفة، فالمخالفة هي جميع صور عدم الامتثال، بينما الجريمة هي ما اقترن منه بعقوبة في الشرع، وعلى هذا ابن رشد (4) . والراجح أنّ في المسألة جانبين:

الجانب القضائيّ: الدنيوي.

____________________

(1) الماوردي، الأحكام السلطانيّة، ص: 333.

(2) المصدر نفسه.

(3) أبو زهرة، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، ص: 23، اُنظر: الندوة العلميّة لتطبيق التشريع الجنائي: 1/39.

(4) ابن رشد، بداية المجتهد: 2/387.


والجانب الدِيني: الأُخرَوي.

فإذا لاحظنا الجانبين معاً، فإنّ مطلق الذنْب في الشريعة هو جريمة، سواء شُرّعت له عقوبة دنيويّة أم لا، بينما إذا لوحظت المسألة القانونيّة المادّية (الإجراءات الدنيويّة لتطبيق الأوامر والنواهي)، فإنّ رأي الماوردي هو الراجح؛ لذلك سمّي ما اقترن النهي عنه بعقوبة الجنايات، قال ابن رشد: (الجنايات التي لها حدود مشروعة أربعة) (1) ، وهي:

ما وقع على النفوس والأبدان وأعضاء الجسد، كالقتل، وإتلاف الأعضاء.

وما وقع على الفروج، كالزنا واللواط والسفاح.

وما وقع على الأموال، كالحرابة والبغي والسرقة والغصب.

وما وقع على الأعراض والشرف، كالقذف.

وما وقع باستباحة ما حرّمه الشارع، كشرب الخمر.

وعلى هذا الرأي وقع اختيار علماء القانون، إذ عدّوا الجريمة هي: (الفعل الضارّ الصادر من إنسان، والذي يقرّر له القانون عقوبةً ما) (2) ، بينما اعتبر علماء الاجتماع أنّ الفعل المعبّر عن انحراف عن المعايير والضوابط الجمعيّة للسلوك، سواء نصّ القانون على اعتباره جريمة أم لا، سلوك إجراميّ من جهة المفهوم (3) ، وهو ما يتوافق مع الاتّجاه الثاني الذي عبّر عنه الشيخ محمّد أبو زهرة (4) ، الذي يرى أنّ الفعل الإجراميّ هو فعل ما نهى الله عنه، وترْك ما أمَر به. بما يُرادف مفهوم المعصية أو الذنب في الشريعة الإسلاميّة، أي أنّه متى وُجد الخروج من دائرة الطاعة، فإنّ أهمّ أركان الجريمة يتحقّق، وهو عدم الامتثال للأمر الإلهي.

المبحث الثاني: الباعث على الجريمة في الشريعة الإسلاميّة

اختلف علماء الإجرام في الباعث على الجريمة، فكان هناك عدّة آراء أبرزها:

____________________

(1) ابن رشد، (م. ن).

(2) نشأت (أكرم)، الأحكام العامّة في قانون العقوبات: 13/19.

(3) المغربي (سعد)، المجرمون، ص: 113، اُنظر: د. محمّد (عوض)، مبادئ عِلم الإجرام، ص: 38.

(4) أبو زهرة، (م. س)، ص: 23، ندوة التشريع الجنائي: 1/39.


1 - الباعث النفسي.

2 - الباعث الوراثي.

3 - الباعث الاقتصادي.

ويؤثّر هذا الاختلاف قضائيّاً في مدى اختلاف أصحابه في تحديد أركان العمل الجُرمي والظروف المحقّقة له، وسبُل الوقاية منه، وأُسلوب معالجته؛ لذلك اختلفت المذهبيّات في ضوء هذه المرتكزات، نظراً لاعتماد معايير تُترجِم موقف الفلسفة من الفعل عِبر الهيئات التشريعيّة، من جهة مدى تعارُضَه مع القيَم السائدة أو المرغوب في سيادتها.

إنّ حدود بحثنا تتمثّل في الفحص عن الباعث في الشريعة الإسلاميّة، فإنّنا نُعرض عن عَرْض أدلّة الآراء والموازنة بينها، ونكتفي بالإشارة إليها بوصفها مدخلاً لعرض نظريّة الباعث في الشريعة الإسلاميّة.

ومفهوم الباعث مطلقاً، (هو السبب وراء دفع المَرء لارتكاب الجُرم في الحياة الواقعيّـة المادّيـة أو الاجتماعيّـة) (1) ، أمّا في الشريعة الإسلاميّة، فإنّ حشداً من النصوص يشير إلى أنّ الشريعة تفصل بين البواعث من جهة أثرها باعتماد علّة أُولى، ويمكن أن نطلق عليه الباعث الموضوعي، وما البواعث الأُخرى المُدّعاة سوى صورٍ أو نتائج لذلك السبب، وإن احتلّت مجال السبب الوسيط بين الأساسي والنتائج المترتّبة عليه، وهو السلوك الإجرامي، ويتّضح ذلك مـن:

1 - إشارات القرآن الكريم إلى أنّ فقدان الفرد للإيمان، أو ضعف إيمانه بالأُصول الاعتقاديّة؛ هو السبب في ارتكاب الجريمة.

من ذلك قول الله تعالى عن غواية الشيطان: ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ص: 82].

وقوله تعالى: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) [البقرة: 268].

وقوله أيضاً: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ) [المائدة: 91].

____________________

(1) خليفة (أحمد محمد)، أُصول علم الإجرام الاجتماعي: ص: 5.

اُنظر أيضاً: سعيد (مصطفى): الأحكام العامّة في قانون العقوبات: 1/388. إلياس (يوسف)، مجموعة العقوبات العربيّة: 1/87.


2 - ما جاء في السنّة النبويّة الشريفة:

قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ألا إنّ في الجسد مُضغة إذا صلُحت صلُح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب) (1) .

وما يماثل هذا الحديث في المعنى.

3 - وآراء المفكّرين المسلمين:

ومثاله ما قاله الغزالي: (إنّ دواعي المعصية هي أبواب الشيطان المفتوحة إلى القلب)؛ لذلك يرى (أنّ حماية القلب فرضُ عَين على كلّ عبد) (2) .

إنّ هذه النصوص.. ممثّله لحشدٍ كبير ممّا ورد في الكتاب والسنّة وآراء العلماء في هذا الباب، بما يكشف عن أنّ الباعث في التصوّر الإسلامي هو ضعف الإيمان لدى المسلم، وانعدامه لدى غير المسلم، ومن صوره استسهال اقتراف المعصية؛ ذلك لأنّ الإيمان يستلزم التقيّد بالأحكام التكليفيّة الإلزاميّة والقيَم الأخلاقيّة التي أمَر بها الشارع على الأقلّ، إذ إنّ هناك تكاليف أكثر تقييداً للإنسان في دائرة الندْب والكراهية (3) ؛ ذلك لأنّ العلماء يرون أنّ مصطلح الإيمان: (تصديق بالجَنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان)، وأنّه كما وصفه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (بضْع وسبعون شعبة، أرفعها قول لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق المسلمين) (4) .

لِما تقدّم يرى الباحث أنّ العقيدة الإسلاميّة بعد ثبوتها للمكلّف بالأدلّة القطعيّة، تستلزم الإيمان بأنّ الله تعالى مشرّع حكيم، وأنّ هدْيَه وهديَ رسوله منهاج الحياة الأصوب مطلقاً، وأنّ أوامره ونواهيه متعلّقها مصلحة الأفراد والجماعات، والتقيّد بها من لوازم الإيمان، وأنّ من أبرز مهام وليّ الأمر تطبيق الشريعة في وقائع المجتمع، وأنّ الإيمان بالمعاد الأُخروي، وبعِلم الله المحيط بالإنسان؛ سبب لشعور الفرد بأنّ جميع أعماله ونواياه مُحصاةٌ عليه.

لذلك فإنّ السلوك السلبي ناتج عن الكفر والفسق والعصيان، والسلوك الإيجابي البنّاء ناتج طبيعيّ عن الإيمان ومقتضياته.

____________________

(1) البخاري، صحيح البخاري، ص: 2011، سنن ابن ماجة: 2/1319، الحديث رقم 3984.

(2) الغزالي، إحياء علوم الدين: 3/27.

(3) عليان (رشدي)، الدوري (قحطان)، أصول الدين الإسلامي.

(4) سنن ابن ماجة، ص: 2211، الحديث رقم 57.


أمّا الباعث النفسي، فللإيمان أُسلوبه في معالجة الانحراف الداخلي، والسيطرة المنظّمة على الغرائز.

  أمّا الباعث الوراثيّ، فإنّ الشريعة لا تحسبه عاملاً، على الرغم من أنّها تأمر بالتزوّج بالأباعد، بينما في الجانب الاقتصاديّ، فإنّ أُسلوب الشريعة تتكفّله بالمكافل والضمان، وبذلك تصادر آثاره السلبيّة من النفس والضمير، زيادةً على ما تضخّ داخلها من نور الهداية التي تبصّر الإنسان بالفعل البنّاء الخلاّق، وأثره في الرفعة والسموّ الاجتماعيّ للفرد في الحياة الدنيا والثواب الأُخروي، ذلك أنّ مفهوم الزمن في الشريعة، قد جُعل على مرحلتين:

المؤقّت وهو دار الامتحان والاختبار، والدائم الخالد وهو زمن الجزاء. وبذلك تُبعده هذه المفاهيم العقائديّة عن ارتكاب الفعل الضارّ.

المبحث الثالث: أهميّة البواعث الاقتصاديّة على الجريمة

تقدّم أنّ الشريعة الإسلاميّة تُرجع البواعث جميعها إلى باعثٍ واحد هو الإيمان بالله ومقتضياته، وأنّها جعلت الباعث النفسي والمناخي أو الجغرافيّ، إمّا صور خارجيّة لذلك الباعث، أو عوامل مساعدة. وأيّاً كان اعتبار الشريعة للعامل الاقتصاديّ، فما مدى أهميّته في دفع الفرد باتّجاه السلوك الإجرامي؟.

لقد أظهرت الدراسات المتعدّدة أنّ بين الجريمة وسوء الأوضاع الاقتصاديّة للأفراد علاقة جدليّة، تصلُح كلّ منهما لأنْ تكون علّة ومعلولاً للأُخرى، وإن كانت علّة ثانويّة، وأوضحَتْ أنّ سوء الأوضاع الاقتصاديّة، وانخفاض دخْل الفرد، أو قصوره وعجزه من تلبية الحاجات الأساسيّة وسدادها حالة مفضية إلى الجريمة، فالفقرُ - عامّةً - واحد من أهمّ أسباب ارتكاب الجريمة الاقتصاديّة، كالسرقة، والغشّ، والتورّط في الإنتاج المضرّ، والرشوة، والمعاملات الربويّة، مع عموم الجريمة.

لكن التصوّر الإسلامي - كما عرفنا - يَعدّه عاملاً مساعداً لارتكاب الجريمة؛ لأنّه اقترن مع ضعف الإيمان، فصار الجوّ العامّ (الباعث) مهيّأً وقابلاً لارتكابها.


وإلى هذا التقييم مال المؤتمرون في ميلانو عام 1985م، حيث انقسم المجتمعون إلى اعتبار البواعث الاقتصاديّة عوامل رئيسة، أو عوامل مساعدة (1) .

وفي دراسة أُخرى أُجريت عام (1950م) على عيّنة مقدارها (200) من الأحداث الجانحين، تبيّن أنّ ثلاثة أرباع هؤلاء الجانحين من أُسَر ذات مستوى اقتصاديّ متدنٍّ، وأنّها تعتمد في كفافها على مساعدات ماليّة تقدّم إليها من هيئات متخصّصة (2) .

وتوصّلت دراسة في إيطاليا إلى أنّ (85 - 90%) من المحكوم عليهم بجرائم اقتصاديّة ممّن ينسب إلى الطبقات الفقيرة.

وفي الوطن العربي لاحظتْ دراسةٌ أنّ نسبة الإجرام ترتفع مع نسبة البطالة، وتنخفض بانخفاضها، ووجدَت أنّ تدنّي الأُجور وتقلّبات الدخل أمران مؤثّران في السلوك الإجرامي، كالاتّجار بالسلع المحرّمة، والرشوة، والسرقة، كلّ ذلك لكي يحقّق الفرد أجراً إضافيّاً، ولاحظتْ كذلك أنّه عند ارتفاع الأُجور تنخفض جرائم المال (3) .

وقد ذهبت النظريّة الاجتماعيّة المفسّرة لظاهرة الجريمة إلى أنّ ما يرتكب اعتداءً على المال (4) في الشتاء أكثر؛ لأنّه وليد حاجة الفرد إلى الغذاء والملبس بسبب انخفاض الدخل.

يرى الباحث ممّا تقدّم أنّ العوامل - البواعث - الاقتصاديّة تعدّ عوامل هامّة، خلافاً لِما انفردت به بعض مدارس علم الإجرام بجعله الباعث الرئيس، وقد اتّضح لديك أنّ موقف الشريعة حينما تعدّه عاملاً مساعداً للعلّة الأساسيّة، وهي تدنّي التقوى في ارتكاب الجريمة عامّة، والجريمة الاقتصاديّة خاصّة، فإنّها تسعى في تشريعاتها إلى إلغاء أثره السالب، على أنّنا ينبغي أن نشير إلى أنّه أكثر البواعث وضوحاً في أثره على السلوك، وسنلحظ في الوقاية والمعالجات أنّ الشريعة الإسلاميّة لا تكتفي بصيانة الفرد في

____________________

(1) الوقائع المنشورة للمؤتمر السابع للأمم المتّحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، ميلانو (1985م) ص 3/128.

(2) د. خليفة، (م. س)، ص: 104، 110.

(3) رمضان (عمر السعيد)، (م. س)، ص: 121.

(4) العطيف (جمال)، فكرة الجريمة الاقتصاديّة، ص: 50.


المجال الروحيّ والعقائديّ فقط، بل إنّها تهتمّ بتحقيق مبدأ كفاية الأفراد؛ الأمر الذي يعني أنّ الشارع المقدّس يحتاط لهذا الدافع حيطة تشريعيّة مانعة له من دفع الإنسان إلى ارتكاب الفعل الضار المخالف للقانون، في مجال الجريمة بصورة عامّة، أو الجريمة الاقتصاديّة بصورة خاصّة.


الفصل الأوّل

المبحث الأوّل:

الجرائم الاقتصاديّة: ماهيّتها، أركانها

من معرفة ما تعنيه كلمة الاقتصاد يتّضح مفهوم الجريمة الاقتصاديّة.

فمفهوم الاقتصاد - كما عرّفه سميث -: هو (عِلم الثروة) (1) ، وعرّفه مارشال بأنّه: (نشاط الفرد والمجتمع للحصول على الموارد اللازمة؛ لتحقيق الرفاهيّة العامّة) (2) ، وعرّفه روبنر بأنّه: (ما يهتمّ بسلوك الإنسان كحلقة اتّصال بين الأهداف والحاجات المتعدّدة والوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة) (3) .

أمّا ريمون بار، فعرّفه بأنّه: (ما يُبيّن السُبل التي يتّبعها الأفراد والمجتمعات؛ لمواجهة الحاجات المتعدّدة باستعمال وسائل محدودة) (4) .

وفي ضوء هذا الفهْم ينظّم القانون العلاقات بين المُنتِج والمُستهلك، أي تنظيم التبادل، كما يؤسّس القواعد الدستوريّة للتوزيع، ومِن المذهبيّة الاجتماعيّة تظهر محدّدات الإنتاج وأنماطه، والقيود على الاستهلاك، بما يُشكلّ هَرَماً نظريّاً يرسم تنظيماً لمُجمل النشاط الاقتصادي، ويلاحظ مدى دَور الربحيّة والتناسب بين المداخيل وآثار التفاوت والأسعار، وأُسلوب التصرّف بالفائض. فما يحصل من سلوك مخالف لِما نظّمه من هذا القانون، الأمر الذي جعلت عليه عقوبات محدّدة، هو ما يطلَق عليه اسم الجريمة الاقتصادية.

لذا، فأقصر تعريف لمفهوم الجريمة الاقتصادية هو: السلوك المخالف للقوانين المنظِّمة للتصرّف الاقتصادي، والتي نصّ عليها القانون بعقوبة محدّدة)، وحيث إنّ الشريعة الإسلاميّة أسّست المذهب الاقتصاديّ بأُطروحة تمتلك تصوّراً للمشكلة الاقتصاديّة، وإجراءات لحلّها، وقوانين لتنظيم نشاط

____________________

(1) inqury into، the Nuture and Causes the wealth of nation.

(2) A. marchal, System Stem strcture Economic, P: 4/f 1959.

(3) ولعلو (فتح الله)، مدخل للدراسات الاقتصاديّة، ص: 24.

(4) المصدر نفسه.


الأفراد وحقوقهم وواجباتهم، فإنّ مخالفات الفرد لِما أسّسه الشارع تُعدّ أفعالاً إجراميّة بمقياس الشريعة، على مستوى القضاء الشرعيّ حدّاً أو تعزيراً، أو على مستوى الديانة التي تترتّب عليها عقوبات أُخروية.

لذلك يمكننا القول: إنّ ماهيّة الجريمة الاقتصاديّة هي التصرّفات المحظورة؛ لتنظيم الإسلام للإنتاج والتوزيع والاستهلاك وإدارة اقتصاديّات المجتمع في التنظيم والتنفيذ والتخطيط والرقابة.

وحيث أجملنا في هذه المقدّمة، فإنّ الباحث يميل إلى عَرْض نماذج من اللوائح والقوانين التي تجرّم أفعالاً إنسانيّةً في مجال النشاط الاقتصاديّ؛ ليتبيّن أُسلوب المشرّع في الحظر.. تمهيداً لعرض نمط الاستجابة لهذا الأُسلوب. وسعياً وراء بيان فرضيّة البحث، لا بدّ من عرض صور من المخالفات في مجال الإنتاج والتبادل والتوزيع، ففي الإنتاج يجد الباحث في كُتب الفقه الإسلاميّ فصلاً من كتاب المكاسب يعني بالمكاسب المحرّمة، عرَض لبعضٍ منها جاعلاً منه عيّنة للوصول إلى التأكّد من فروض البحث.

المبحث الثاني: الجرائم في مجال الإنتاج:

النمط الأوّل: المُسكرات

يدفع المشرّع الإسلاميّ أتباعه إلى العمل والإعمار دفعاً روحيّاً ومادّياً؛ كونه يَعدّ ذلك عبادةً يرفعها أحياناً على الصلاة والصوم والحجّ، ويؤسّس لها حقوقاً ماديّة مكتسبة، مثل إباحة التصرّف بالمال، وتحقّق مشروعيّة المِلكيّة، وجواز انتقال الثروة إلى مَن يريد بالهبة والإرث.

وللإسلام وسائله المتعدّدة في تنمية الإنتاج، لكنّه يقيّدها بالمباح شرعاً بضابط مؤدّاه: (إنّ الجائز من الأعمال ما يحقّق هدف المنفعة الشاملة للمسلم)؛ ولأجله تعدّدت أنواع الكسْب غير المشروع تحت قاعدة دستوريّة قرآنيّة كبيرة في قوله تعالى: ( لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) [النساء: 29].

والباطل، كما ورد عند المفسّرين، ضدّ الحقّ، وهو المباح الجائز، فتدخل فيه بأدلّة تفصيليّة الأعمال العقيمة - غير المنتجة - كالمقامرة والسحر


والكهانة واللهو والمُجون (1) وغيرها، ويحرّم ما يضرّ مباشرة بالمجتمع، مثل إنتاج الخمر وكلّ مُسكر. فلا يصحّ إنتاج الخمر؛ لِما ثبَت من النصّ والإجماع والعقل، وما ترتّب عليه من حرمة في إنتاجه سرَت إلى تداوله في تحريم بيعه وشرائه لقوله تعالى: ( إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) [المائدة: 90]. ويذهب المشرّع إلى أبعد من ذلك، لا يقف عند تحريم إنتاجه وتداوله واستهلاكه، فيرى الإماميّة (2) والشافعـيّ (3) ومالك (4) وأحمد (5) عدم صحّة توكيل المسلم للذمّي في إنتاجه وتداوله خلافاً لأبي حنيفة (6) . ويرى الجمهور أنّ المسلم في هذه الحالة هو المُنتج الحقيقيّ بالتسبّب، ولا اعتبار للمُباشرة؛ لأنّ الحرمة مترتّبة على الضرر لا النجاسة، ولأنّ اللعن قد ورد على المتعامل بها في السُنّة الشريفة، ولأنّ الوكيل منتج للأصيل.. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الإجارة والجُعالة والمضاربة تدخل في هذا الحُكم. ولاحَقَ المشرّع - كما عرفت - ثمنه، فمنَع منه في وجوه التصرّف كافّة، فقد نقل أبو بصير، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّ (الذي حرّم شربها حرّم ثمنها) (7) ، وهذه قاعدة عامّة، فقد نقل ابن إدريس حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنّ الله إذا حرّم شيئاً حـرّم ثَمَنـه) (8) . وعموم القاعدة تقضي بوقف التصرّف في ثمن المحرّم، ولا تقف عند عَين المحرّم؛ وبذلك أفقد المشرّع هذه السلعة صفة المال المعتبر، وسحب القيمة التبادليّة منها، وحرّم الاستفادة منها أو من ثمنها، ناهيك بأنّها أبعدها هي وثمنها عن مجال القُرُبات، فقد حدّد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في جواب لسائلٍ له عن التصرّف في ثمنه في الحجّ أو الجهاد، قال: (لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إنّ الله لا يقبل إلاّ الطيّب) (9) . إنّ هذا النمط من الملاحقة - بدءاً من تخصيص الموارد؛ حيث يرى الفقهاء كراهة بيع العنب لمَن يعمله خمراً، بين مانعٍ مطلقاً، كما ورد عن الإمام أحمد وبعض الإماميّة، وبين مشترطٍ عِلم البائع مقتضي للحرمة؛ لأنّه أعانه

____________________

(1) اُنظر: الطوسي، التبيان: 2/177، مجمع البيان: 3/36، الجصّاص، أحكام القرآن: 2/ 171.

(2) الأنصاري، المكاسب: 1/167، الشهيد الأوّل، اللمعة الدمشقيّة: 4/368، المحقّق الحلّي، الشرائع: 2/199، العلاّمة الحلّي، التذكرة: 7/15.

(3) الشيرازي، المهذّب: 1/132، الدمشقي (محمّد بن عبد الرحمان)، رحمة الأمّة: 1/158.

(4) العيد (ابن دقيق)، إحكام الأحكام: 3/252.

(5) ابن قدامة، المغني (مبحث الوكالة).

(6) الجصّاص، (م. س): 2/461، الكاساني، بدائع الصنائع: 6/33 و34.

(7) مستدرك الوسائل: 2/427، الأنصاري، (م. س): 1/116، باب المكاسب.

(8) ابن إدريس، السرائر، ط. حجريّة (باب المكاسب).

(9) المقداد السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن: 2/100.


على الإثم عند آخَرين - يكشف عن أُسلوب المشرّع في غلق الأبواب أمام المخالفة، من تخصيص الموارد لإنتاج السلعة المحرّمة إلى المال والنتائج في الاستهلاك والتوزيع.

أظهرت عمليّات استقراء العلماء لأوامر الشريعة الإسلاميّة ونواهيها، أنّ أوامرها قد تعلّقت بها مصلحة أكيدة أو راجحة، وأنّ ما نهَت عنه على وجه الإلزام قد انطوَت عليه مفسده أكيدة. ويلاحظ هنا أنّ المشرّع قد رتّب تحريمه للخمر والمُسكرات عموماً على إبعاد الضرر عن الإنسان، وقد ثبت أنّها - أي الخمر والمسكرات عموماً - تخلُق وسطاً للجريمة، وقد كشفت عن هذا التشخيص بعض الدراسات، أُشيرُ إليها إجمالاً:

ففي مجال أضرارها على الشخصيّة، ذهب العلماء إلى أنّ المُسكرات توجِد اضطرابات نفسيّة وعضويّة، يمكن معها القول إنّها تدفع إلى ارتكاب أفعال جُرميّة.

وأُجريت دراسة أكّدت على وجود علاقة بين المخدّرات والجرائم.

وفي أخرى أُجريت في الولايات المتّحدة على عيّنة مقدارها (1889) مجرماً، وُجد أنّهم من المُدمنين، ولوحظ فيها أنّ جرائم السرقة كانت (845)، وجرائم الغشّ (23)، وتزييف العُملة (29)، وحيازة الأموال المسروقة (37).

وفي دراسة أخرى جرت عام (1971م) تبيّن منها أنّ (38) مدمناً قد ارتكبوا (93%) من جرائم الاعتداء على المال لذلك العام.

ولوحظ أنّ الاتّحاد السوفياتي حين خفض عام (1986م) إنتاج المُسكرات بنسبة (38%)، نسبة إلى إنتاجه لعام (1985م)، وجد أنّ نسبة الجريمة انخفضت بمعدل (24%) قياساً على نسبة الجرائم عام (1985م) (1) . لذلك نهج المشرّع الإسلامي في تحريمه للمُسكرات عدّة وسائل:

____________________

(1) اُنظر: صحيفة الثورة البغداديّة، العدد (5991)، 20/10/1986م.


1 - تحريمها نصّاً وظاهراً، فصار ممّا عُلِم في الدِين بالضرورة، ممّا قطع فيه باب التأويل.

2 - حرّم الوسائل المادّية المؤدّية إليها، من تخصيص الموارد، ومنع وحدات العمل، وغلْق السوق.

3 - حرّم الأثمان المتولّدة منها في التصرّفات كافّة.

4 - أعطى لوليّ الأمر حقّ فرْض العقوبة على إنتاجها واستهلاكها. فقد نقل الصنعاني في (سُبل السلام) أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إذا شرب فاجلدوه، ثمّ إذا شرب فاجلدوه، ثمّ إذا شرب في الثالثة فاجلدوه، ثمّ إذا شرب في الرابعة فاضربوا عنُقه) (1) .

واختلف العلماء في جَلْده على مذهبين: جمهور الفقهاء والإماميّة على أنّه يُجلد ثمانين جَلدة ويُفسَّق، ورأى الشافعي وأبو ثور وداود أربعين جلدة ويُفسّق (2) .

فالفسق محلّ اتّفاق، وعمدة الفريق الأوّل ما أشار به أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى تحمّل الشارب حدّ الافتراء. أمّا الحكم بفسقه فواضح؛ إذ إنّه مُواقع للكبائر، ولا خلاف في زوال العدالة بمواقعتها، وإذا ردّ الشارع (عن منتج الخمر ومتداولة ومستهلكه) شهادته، أسقط عنه حقوق تولّي الأُمور العامّة، وبالتالي يصوغ المشرّع العُرف (الرأي العامّ) زيادةً ما يرتّب على هذا النمط من المخالفات عقوبة أُخروية.

إذن، فعقوبة دنيويّة مادّية بالجَلد، وعقوبة اجتماعيّة بالتفسيق، وعقوبة أُخرويّة بالنار، وكلّ ذلك بعد التنفير والترغيب بالآخرة، والإيصاء باحترام المتّقي وتوقيره، وسدّ أبواب الوقوع في حبائل الشيطان..، فلم تبقَ العقوبة إلاّ لمَن لم يتّعظ، ويقتحم بإصرار وعناد مجالات الحرمة؛ الأمر الذي يخلّ بالنظام العامّ والآداب المرعيّة، فتُوجّه له العقوبة حماية لنفسه ولأُسرته ومجتمعه، فهل يا ترى ترقى نظريّةٌ في الأمن الاجتماعي إلى ما اتّخذ الإسلام من تدابير منع حصول الجريمة... في النُظم الاجتماعيّة؟

____________________

(1) وهو مذهب الشيخ الطوسي في (الخلاف)، بينما يذهب صاحب (الشرائع): 4/170 إلى قتله في الثالثة، قال: (وهو المروي).

(2) ابن رُشد، (م. س): 2/436.


النمط الثاني: الغِش

دخل العالَم المعاصر اليوم في منافسة شديدة في أحكام الرقابة على الإنتاج، وأنشأ أجهزة إداريّة وفنّية للمقاسات والسيطرة النوعيّة؛ حماية للمستهلك من غشّ المُنتجين، وكلّما تقدّمت وسائل الرقابة فاقَتها وسائل التدليس والغشّ من المُنتجين. فما هو أُسلوب المذهبيّة الإسلاميّة في الوقاية من هذه الجريمة؟

الأُصول المانعة:

ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (ليس من المسلمين مَن غشّهم) (1) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ليس منّا مَن غشّ مسلماً أو ضرّه أو ما كره) (2) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن غشّ الناس فليس بمسلم) (3) .

روى هشام بن الحكم - رحمه الله - قال: كنت أبيع السابري في الظِلال، فمرّ بي أبو الحسن، فقال: (يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ، والغشّ لا يحلّ) (4) ، ونقل الإجماع في تحريمه عيناً ومقدّمات.

وضابطه عند الفقهاء: (ليس الأمر على المشتري، وبيع المغشوش عليه مع جهله).

بل لقد ذهب العلاّمة إلى حرمته حتى إذا كان الإنتاج موجّهاً لغير المسلم (5) ، وقد اتّخذ المشرّع مجموعة من الوسائل لحماية المستهلك من الإنتاج المغشوش:

1 - الوسيلة العقائديّة: فقد تقدّمت النصوص في التنفير منها، وتأكيد حرمتها والعقوبة الأُخرويّة عليها.

2 - الوسيلة الوقائيّة: فقد ظهر في التطبيقات الإسلاميّة جهاز الحُسبة، الذي بملاحظة لوائحه نجد أنّ ما يقابل اليوم جهاز الرقابة الاقتصاديّة، ومن أبرز مهامّه في إدارة اقتصاديّات المجتمع تطبيقه لمعايير المقاسات والسيطرة

____________________

(1) الوسائل: 12/308، باب 86 الحديث رقم 2، الشيخ الأنصاري، المكاسب: 3/125.

(2) المصدر نفسه: 12/ 311 الحديث رقم 12، الشيخ الأنصاري، (م. ن): 3/125.

(3) الشيخ الأنصاري: (م. ن): 3/126.

(4) المصدر نفسه: 3/127.

(5) العلاّمة الحلّي، (م. س)، اُنظر: مُختلف الشيعة، (باب المكاسب المحرّمة).


النوعيّة؛ لذا فإخلال المنتج بالسلعة يعدّ من المُنكر الذي يُحاسب عليه، فتعزير المحتسب وإشهاره للغاشّ.. حماية للمجتمع ووقاية لمَن يفكّر في أن يغشّ في الإنتاج، وتمييزاً للسوق الإسلاميّة من بقيّة الأسواق بأنّها سوق السلع النافعة للمستهلك نفعاً شاملاً. إنّ مراجعةً لصلاحيات المحتسب نجدها تتدرّج من التعزير الخفيف إلى إشهار السلاح، مروراً بالنفي عن البلد وحرمان المنتج من العمل، أو سلب الامتيازات الصناعيّة.

لقد ذكر ابن تيميّة أنّ عمَر نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وكذلك نفى نصر بن حجاج إليها أيضاً (1) .

وقد أفتت طائفة من الفقهاء بإتلاف المغشوش، مثل الثياب التي نُسجت نَسجاً رديئاً (2) ، وإذا عرفنا أنّ الاحتساب أمر عامّ للناس وولاية خاصّة للمحتسب، فإنّ نظام الحُسبة يرصد المخالفة ويقي من الوقوع فيها، ويتلافى حصول ضرر بها ساعة ظهورها، كما أنّها من الأنظمة التي تتميّز بسرعة الفصل وإيقاع العلاج بلا تراكم زمنيّ أو سلعي.

3 - التكاليف الفرديّة: أوجب الفقه الإسلامي على البائع إعلام المشتري بالعيب الخفيّ، فإن كان قد غشّ في بيعه مع وصف مفقود، كان فيه خيار التدليس، وإن كان من قبيل مزج غير المراد، كان للمستهلك خيار العيب، وإذا أخفى الأدنى في الأعلى كان له تبعيض الصفقة، وينقص من الثمن بمقدار الزائد غير المرغوب (3) . وهذا الحقّ القانونيّ لحماية المستهلك يجعل الإنتاج غير المرغوب قابل للردّ، وبذلك يغلق المشرّع أمامه أبواب التسويق.

النمط الثالث: تعطيل الموارد

ثَمّة منطلقات أساسيّة يتسالم عليها الفكر الاقتصادي، ومنها أنّ التنمية تشكّل الحصيلة النهائيّة لمدى فاعليّة أيّ نظام اقتصادي.

وأوّل شروط التنمية الاستخدام الرشيد للموارد، والتخصيص التنموي لاستخدامها.

____________________

(1) ابن تيميّة، الحسبة في الإسلام، ص: 46 و47.

(2) المصدر نفسه، ص: 54.

(3) المحقّق الحلّي (م. س): 5/2، الأنصاري، (م. س): 3/135، ابن رشد، (م. س): 2/210. الزحيلي (وهبة)، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.


لذلك فإهمال الموارد أو تعطيلها، أو استخدامها بصورة غير رشيدة يُعطّل الإنماء، وبه ترتفع معدّلات العجز، لا سيّما مع زيادة السكّان التي ينتج عنها نقص المدخولات قبالة زيادة الإنفاق. فالاستخدام الكامل للموارد هدف الاقتصادات كلّها، وهو يتوقّف على سلوك الأفراد والمنشآت، وتدفع إليه مجموعة اعتبارات، منها فنّية، مثل حجم الطلب أو نوعه، ودافعيّة الفرد لها قد تكون لأسباب مادّية (زيادة الربحيّة).

إنّ الإسلام بجعله لها عبادة يجعل لها دافعيّة أُخرى، فلقد حدّد المشرّع أنّ من أسباب المِلك التامّ الاستيلاء على المال المباح بوصفه سبباً فعليّاً لا عقديّاً على الأرض الموات، والمعادن غير المستغلّة والغابات والصّيد... إلخ، فإنّ المكلّف يجب عليه لتحقّق اكتساب ملكيّة هذا المباح تعميره واستخدامه استخداماً رشيداً.

فإذا أحيا شخص أرضاً ثُمّ هجرها حتى عادت مواتاً، فهل يعدّ تعطيلها مخالفة أم لا؟ وإذا عدّ مخالفة، فما الذي يترتّب عليها؟

اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين:

الأوّل: ما ذهب إليه أكثر الحنفيّة (1) ، من أنّه لا يرد الإحياء على مملوك، والأرض المحياة، وإن عادت خراباً، قد ثبت ملكها بسببٍ مشروع، فلا يزول عنها الملك بالترْك والتعطيل، فهي كسائر الموارد المنقولة بالنواقل الشرعيّة، ومعهم في ذلك الحنابلة والظاهريّة وبعض الإماميّة.

الثاني: وهو رأي المالكيّة (2) ومشهوري الإماميّة (3) أنّه يجوز لشخص إحياء المتروك؛ لأنّ المحيي الأوّل إنّما ملَك بشرط استمرار الإحياء؛ إذ هو السبب في المِلك، وحيث انتفى السبب سقط الحقّ تبعاً له. وللإماميّة تعديل في المسألة: يمنح وليّ الأمر سلطة الإبقاء على المالك الأوّل أو سحبه، ويرون أنّ (ترْك المحيي المورد معطّلاً حتى عاد خراباً، فللإمام سحبه، كما كان له إمضاؤه).

يفسّر ذلك بأنّ الإماميّة يرون أنّ المحيي اكتسب في إحيائه للمورد، حقّ اختصاص دون الملك التامّ؛ لذا (كلّ أرضٍ ترَك أهلها عمارتها كان للإمام

____________________

(1) الميرغيناني، الهداية: 4/99، موسوعة عبد الناصر: 4/38، الرملي، الفتاوى الخيريّة: 2/185.

(2) الصاوي (أحمد بن محمّد)، بُلغة السالك: 2/294.

(3) المحقّق النجفي (محمّد حسن)، جواهر الكلام: 38/8.


تقبيلها، لمَن يقوم بها، وعليه طسقها (*) لأربابها). وأربابها في الفتوى يتمثّلون إمّا بوليّ الأمر، أو بالمحيي الأوّل وورثته، واستندوا في ذلك إلى روايات عدّة رويت عن أئمّة آل البيت، لكن سبب الخلاف يكمن في الدلالة لا في الدليل.

ويظهر للباحث من أقوال الفقهاء وأدلّتهم، جمعاً واستفادةً من آراء وأدلّة الفريقين، أنّ التشريع يرتّب على الاستثمار الجادّ حقوقاً تبدأ بالاختصاص وتنتهي باكتساب الملكيّة، فعند ترك الاستثمار يسحب حقّ الانتفاع ويبقى حقّ الحيازة. فإذا اندرست آثار الإعمار يُنزع حقّ الحيازة؛ ويبقى حقّ التصرّف بالمنشآت، فعودة الأرض جرداء يلغي الحقّ برمّته؛ عند ذاك تُسوّغ الشريعة للغير أن يمارس عمليّة الإحياء والإعمار، الأمر الذي يشعر أنّ سحب الحقّ هو العقوبة الاقتصاديّة لتعطيل الموارد.

والشّارع حين ينقل ملكيّة المورد من نطاق ملكيّة الدولة إلى ملكيّة الأفراد من دون مقابل، إنّما يُريد بذلك استصلاح الأراضي غير المستغلّة، فتعطيلها يتعارض مع مقصوده، وهو مقاس طوال مدّة التحجير؛ حيث يتّفق الفقهاء في أنّ مدّة التحجير لا تكسب حقّاً، ولا يترك الحَجْر هكذا للتعطيل (1) .

والذي يؤيّد ما ذهب إليه المالكيّة وأكثر الإماميّة، أنّ ترك المورد معطّلاً يُلحق ضرراً بالناس، ولحاكميّة الضرر على العناوين الأوّليّة، أعني: ثبوت المِلك بالإحياء، ولقاعدة الضرر يُزال، فإنّ سحب المورد من المعطِّل هو الراجح.

إنّ وجود العلّة (التعطيل) في أيّ حكم لا نصّ فيه ممّا يدخل في هذا المضمار، هو قابل أن يُلحَق به حكم الأراضي المعطّلة؛ لأنّ تنقيح مناط المسألة يجرّنا إلى القول: إنّ كلّ امتياز تمنحه الدولة للأفراد - النشاط الخاصّ - يُشترط فيه الإسهام الفاعل في تعميق نوعيّة النتائج وزيادتها، فإنّ لم يحصل فللدولة سحب الامتياز (2) ، أو تعديل بنوده لصالح المجتمع؛ لأنّ

____________________

(*) الطّسق: شبه الخراج، له مقدار معلوم: مكيال معروف.

(1) الفيّاض (إسحاق)، أحكام الأراضي، ص: 92، اُنظر: أبو عبيد، الأموال، ص: 408.

(2) كاظم (عبد الأمير)، ملامح نظرية الإنتاج، ندوة التراث، عدن: 2/12.


تصرّف وليّ الأمر على الرعيّة بالمصلحة، فإذا تعارض العامّ والخاصّ، فالعامّ مُقدّم.. استفادة من أنّ الحقوق معلّلة في أغلبها بمصالح العباد (1) .

المبحث الثالث: الجرائم في مجال التبادل

يعرَّف التبادل بأنّه مجموع عمليّات التجارة، وهو ذو معنى قانونيّ أكثر منه اقتصاديّاً؛ لتعلّقه بنقل الحقوق أو الملكيّـة، ويرى العلماء أنّه - اقتصاديّاً - جزء من الإنتاج، فهو لا يعدو أكثر من إضافة منفعة للسلعة، سواء كانت مكانيّة أو زمانيّة، فإذا كان له معنىً قانونيّ بوصف التبادل عمليّة انتقال حقوق الثَمن والمُثمن، يجب أن ينظّم القانون هذا الانتقال، ويوفّر الحماية للمنتج والمستهلك معاً؛ لذلك يحرص المشرّع الإسلاميّ ألاّ تفسد في السوق الإسلاميّة قوانين السعر السائد، (العرض والطلب)، فمنَع الاحتكار، ونهى عن زيادة الأسعار بلا مبرّر اقتصادي، وحرّم المعاملات الربويّة، في حين أجازت النظم المعاصرة هذه المفاصل الثلاثة مطلقاً، أو عالجتها معالجة اقتصاديّة فقط.

النمط الأوّل: المعاملات الربويّة

إنّ المشرّع الإسلامي ينفرد في النظرة إلى التعامل الربَوي؛ إذ هو يعدّ التعامل الربَوي من الجرائم الاقتصاديّة، بدليل شرعيّ محدّد لأركان الجريمة. فما هي إجراءات الوقاية منها؟ وكيف تعالَج بعد وقوعها؟

يلاحظ، عند فحص الأصول الشرعيّة، أنّ القرآن الكريم قد حرّم التعامل الربويّ غير مرّة، وعنّف المتعامل به، الأمر الذي دعا العلماء إلى اعتباره من الكبائر، عملاً بمنطوق الآيات المُحرّمة له والأحاديث، فمن القرآن قال تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) [البقرة: 278 و279].

وورد في السنّة، عن عليّ (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبطُرق أُخرى أيضاً، أنّ رسول الله لعن في الربا خمسة: آكلِه وموكِلِه وشاهدَيه وكاتبه... (2) ، وعدّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الموبقات السبع المصرّحة بالكبائر (3) .

____________________

(1) النبهان (محمد فاروق)، الاتّجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي، (دكتوراه)، ص: 126.

(2) السيوري، كنز العرفان: 2/113، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 3/364.

(3) السيوطي، الجامع الصغير: 1/10، اُنظر: صحيح البخاري: 8/218.


وعليه رتّب العلماء أنّ كلّ عقدٍ ربويّ مفسوخ، ولا يجوز في أيّ حال، فإنّ صفقة الربا لا تصحّ (1) بوجه. وللحنفيّة، في ربا البيع موقف في اعتباره من العقود الفاسدة؛ بناءً على رأيهم في التوسّط بين الصحّة والبطلان، وهذا لا يراه جمهور الأُصوليين، بمدرك أنّ أصل البيع جائز لقوله تعالى: ( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) [البقرة: 275]، والفساد متأتٍّ من الزيادة اللاحقة عليه، فإذا أُزيلت عاد البيع صحيحاً (1) ، في حين يبالغ الجمهور في التنفير منه، فحكموا ببطلان الصفقة مطلقاً، لا سيّما مع عدم تمييز الأصل عن الزيادة، وقد توسّع الفقهاء في أحكام السيطرة الشرعية على صوَره - تجده في كُتب الفقه في باب ربا المعاملة، أو ربا القرض - فهو إذن، إحدى الجرائم الاقتصاديّة الخطيرة. فهل اتّخذ الإسلام موقفاً وقائيّاً منه؟

الوسائل العقائدية والتشريعيّة

لقد أكّدت فلسفة الاستخلاف على اعتبار الإنسان مستخلَفاً على المال والثروة، الأمر الذي قيّد تصرّفه بما صحّ عن المالك الحقيقي، وهو الباري جلّ اسمه.

والنكير الوارد على الربا يجعل المسلم في منأى عن شبُهاته، فضلاً عن الدخول فيه، وأغلق الشارع منافذه بسداد الحاجات الأساسيّة ليمنع القرض الاستهلاكي، والمضاربة ليمنع القرض الإنتاجي، وهو مدلول قوله تعالى: ( يَمْحَقُ اللّهُ الرّبَا وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ ) [البقرة:276]، ورغّب في القرض، حتى لَيقِف ابنُ عبّاس مفضّلاً أن يُقرض أمواله بدل التصدّق بها؛ لِما للقرض من جزاءات أُخرويّة. فقد روي أنّ في درهم القرض ثماني عشرة حسنة، ومطلق الحسنة بعشر أمثالها؛ لهذا فإنّ سوق التعامل الإسلاميّة قد جعلت الطلب على النقد باستثمارٍ ربويٍّ (صفر)، فإذا حصل فإنّ المشرّع قد حكم على العقد بالبطلان، وعلى المتعامل بالتعزير، وإذا ضبطت الدولة مرابيّاً أدّبته تعزيراً، وذلك لقوله تعالى: ( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) [البقرة: 279]، فإذا عاد مستحلاًّ فللإمام قتْله، وهو مذهب ابن عبّاس وقتادة والربيع (2) .

أمّا

____________________

(50) الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين: 2/58. القرطبي، (م. س): 3/358.

(51) الطبرسي (أبو الفضل)، مجمع البيان: 2/392.


غير المستحلّ، فعن جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه يؤدّب ثلاثاً، فإذا عاد قُتل (1) .

أمّا لو اصطلح أهل بلد على الربا استحلالاً كانوا مرتدّين، وإن لم يكن استحلالاً جاز للإمام محاربتهم، كما يرى ابن خويز نداد (2) .

وفي مآله، فإنّ التوبة من الذنوب تُسقط حقّ الله، ولا تُسقط حقوق الآدميّين، والربا حقٌّ مشترك، ولِما له من آثار اقتصاديّة سيّئة تسهم في عمليّة تفاوت المداخيل، فإنّ البواعث الاقتصاديّة ستوفّر وسطاً جيّداً للجريمة (3) ، وبخاصّة لِما له من آثار اجتماعيّة سيّئة، ومن آثار نفسيّة تثير البغضاء وتشجّع السلوك الجامع إلى الانتقام عند المقرضين بالربا، لا سيّما عند تحكّم عنصر اليأس؛ الأمر الذي يدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة بالسطو أو القتل أو الاختلاس.. إلخ.

إنّ وضعاً كهذا يستدعي فقدان الأمن الاجتماعي، ويحفّز المقرضين إلى التهيّؤ، ويزيل من أنفسهم الرأفة والرحمة والإحسان، في حين يدفع المقترضين إلى ارتكاب الجرائم. بينما بإزالته وتعاون الجميع، سواء بالزكاة وهي البديل الناجح لقوله تعالى: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) [البقرة: 276]، أمْ بالطُرق الشرعيّة (المضاربة، المزارعة، المساقاة)، وبالشِركة الصحيحة يرسم الإسلام مجتمعاً آمناً، سِماته الأساسيّة أنّه كالبنيان المرصوص، أو كالجسد الواحد، وهي - كما تعلم - صور استعارها الحديث النبويّ في ما يرسم من سِمات للبناء الإسلامي للمُجتمع.

النمط الثاني: الاحتكار

لمّا كان المشرّع يسعى إلى تأسيس أركان الأمن الاجتماعي الرصينة، فإنّه قد أرسى تلك الأركان في مختلف جوانبهـا، ففي جانب إلغاء دوافع الجريمة ألغى دوافعها الاقتصاديّة، فحرّم الربا، ونهى عن الاحتكار، هادفاً إلى جعْل السوق ميداناً كريماً للتنافس الشريف؛ لتتحقّق فيه مصلحة المنتج والمستهلك معاً، وفْق ملتقى العَرْض والطلب بحرّية تامّـة، ووسط تناسب العلاقة بين

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) القرطبي، (م. س): 3/363.

(3) قرشي (أنور إقبال)، الإسلام والربا، ترجمة حلمي (فاروق)، ص: 428.


الأجور والأسعار، لذلك عدّ حبس الأقوات تربّصاً للغلاء مخالفةً قانونيّة؛ لأنّها تتدخّل سلباً في إفساد العرض والطلب، وقد تَوزّع الفقهاء في حكم الاحتكار على رأيين:

الرأي الأوّل: يرى حرمة الاحتكار، وهم جمهور الفقهاء وأكثر الإماميّة (1) ؛ مستدلّين بأنّ الحديث وردت فيه ألفاظ دالّة على الحرمة، مثل: البراءة من ذمّة الله، اللعن، الوعيد، الأمر الذي يُشعر أنّه من الكبائر، والكبائر محرّمة باتّفاق العلماء.

الرأي الثاني: يذهب إلى الكراهة؛ وهم الشافعيّة (2) وبعض الإماميّة (3) ؛ وذلك لقصور دلالة الحديث على الحرمة، ولأنّ الأصل براءة الذمّة، ولتعارض الحكم بالتحريم مع قاعدة: (الناس مسلّطون على أموالهم)؛ لذلك حملوا النهي الوارد في متون النصوص على الكراهة. ويرى المالكيّة اشتداد الحرمة في حالة ارتفاع الأسعار، وحاجة الناس لندرة السلعة. واختلف الفقهاء في الأشياء التي يصدق عليها الاحتكار (السلع التي يؤدّي حبْسها إلى ارتكاب جريمة الاحتكار):

1 - فذهب الحنفيّة (4) والمالكيّة (5) وبعض الزيديّة (6) إلى أنّ كلّ سلعة يضرّ حبْسُها، حُكرة، من الأقوات وغيرها، سواء أكان استهلاكها ضروريّاً أمْ غير ضروري.

2 - وذهب غيرهم إلى تقييد الحكرةُ بأقوات الناس.

3 - وحصرها بعض مجتهدي الإماميّة (7) بالأصناف السبعة: الحنطة، الشعير، التمر، الزبيب، السمن، الملح، الزيت. وقد أحسن جمهور الإماميّة، إذ جعلوه يسري على ما يُنتجه الفرد بيده بشموله حالات الإنتاج المحلّي. وعن مدّته يذهب الإماميّة إلى أنّ مدّة حبس السلعة المنهيّ عنها في حالات الشدّة ثلاثة أيّام، وفي حالات الرخاء أربعون يوماً، وذهب غيرهم إلى أنّ النصوص لا دلالة لها على المدّة؛ إذ المدار تحقّق الضرر (8) .

____________________

(1) الكاساني، (م. س): 5/129، ابن عابدين، ردّ المُحتار: 5/301، الرملي، (م. س): 3/456.

اُنظر: الطوسي، النهاية في الفقه والفتاوى، ص: 374، العاملي، مفتاح الكرامة، ص: 374.

(2) الشيرازي، المهذّب: 1/292، الشربيني، مغني المحتاج: 2/38. ابن قدامة: (م. س): 4/221.

(3) الشهيد الأوّل، (م. س): 3/218.

(4) الكاساني، (م. س): 7/159.

(5) الباجي (أبو الوليد)، المنتقى شرح الموطّأ: 5/16.

(6) المرتضى، البحر الزخّار: 40/319.

(7) السبزواري، جامع الأحكام الشرعيّة، ص: 240.

(8) ابن قُدامة، (م. س): 4/283.


وكلّ هذا في الجانب القضائي، وإلاّ فالمحتكر آثم ديانةً، قلّت المدّة أو كثُرت. وإنّ حصْرَه في الأصناف السبعة، أو في أقوات الناس، يشكّل فهْماً له أجواؤه التاريخيّة، أمّا اليوم، فإنّ مقاصد الشريعة تدعو المجتهدين إلى اعتبار العموم؛ لأنّ التخصيص لا يسنده دليل قطعي، بل دلالته ظنّية، ومؤدّى ذلك أن تسري الحرمة إلى جميع السلع، بل حتّى الخدمات، كالنقل، والخدمات الطبّية، فالمدار ليس نوع السلعة، إنّما مقدار الضرر الذي يلحق بالمستهلكين.

كما أنّ الحُكرة ليست حصراً في المنتوج المحلّي، بل تشمل البضائع المستوردة، ولا دلالة لحديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) (1) على حصره بالمحلّي؛ إذ الحديث لا يعدو كونه حثّاً على استيراد السلع غير المنتجة محلّياً سدّاً للحاجة، يدلّ على ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله) (2) . فليس في منطوقه، ولا حتى مفهومه، دلالة على عدم لحوق قوانين الاحتكار للمستورد؛ لذلك يرى الباحث راجحيّة رأي المتأخّرين من الحنفيّة، وجمهور الإماميّة، والتلمساني، والشافعيّة، في عَدّ المستورد إذا حبَس السلعة محتكراً، كما هو الحال في المنتوجات المحلّية.

الوقاية من جريمة الاحتكار

إنّ أهمّ ملاحظة تجذب نظر الباحث هي أنّ لسان الحديث النبويّ ينفّر المسلم من الاحتكار بأساليب نفسيّة غاية في التنفير.

وإنّ معطيات قوانين الاستخلاف وربط النشاط بالقيَم تُبعد هذه الممارسة عن السوق الإسلاميّة، وسيأتي تفصيل القول في هذه المعطَيات.

وحُكم الفقهاء ببطلان عقد المحتكِر ومَن أبرم معه يعمّق أساليب الوقاية منها، وأوجبت الشريعة على صاحب السلعة بيع السلع المحتكرة في ما زاد على سعر المِثل بالسعر السائد؛ ولذلك نجد أنّ التسعير مبحث يلحقه الفقهاء بمبحث الاحتكار.

____________________

(1) السيوطي، (م. س): 1/144.

(2) المصدر نفسه.


وقد وردت بعض الأخبار المُشعِرة بأنّ لوليّ الأمر اتّخاذ العقوبة الرادعة للمحتكِر والمحقّقة للمصلحة، وتركت تقديرها للمحتسب أو القاضي بما يحقّق مصلحة المسلمين.

النمط الثالث: إفساد العَرْض والطلب وموقف المشرّع منه

يلاحظ الدارسون أنّ الفقهاء كثيراً ما يستخدمون سعر المِثل، أو ثمن المِثل، وأظنّهم يقصدون بذلك مقدار ثمن السلعـة، الأمر الذي يغطّي كُلفة الإنتاج ومقدار الانتفاع، وهذا لا يحصل إلاّ إذا ترك الطلب (بطاقتِه كاملة) ليُلاقي العَرْض بوضعه الطبيعيّ، فإذا حصل ما يؤثّر على العَرْض بتقليل الإنتاج أو تصديره إلى الخارج مع حاجة البلد، حدث ما يرفع الأسعار على سعر المِثل؛ الأمر الذي يؤثّر في ميزانيّات ذوي المداخيل المحدودة، عند ذاك يحصل الضرر الموجب للرفع بقاعدة: (الضرر يُزال)، وهذا يتمّ - كما هو عُرف الشرع - بتحرّي الأسباب ومعالجتها بالاعتماد على وسائل السياسة النقديّة، كالتسعير الذي هو تدخّل الدولة في حسابات كُلفة الإنتاج وهامش الربح للمنتج؛ لتصنع للسلعة ثمناً لا يجوز تخطّيه، إلى جنب وسائل الترغيب بالتصدّق ومنع الغلاء على الناس.

  لقد وردت في التسعير مجموعتان من الأحاديث أغلبها يحظر التسعير، وبعضها يُجيزه؛ الأمر الذي اضطرّ بعض الباحثين - جمعاً بين الأدلّة - إلى القول بحرمته في الظروف الاعتياديّة، وجوازه في ظروف محدّدة، ضابطها مساس الحاجة، فممّن كرّهه الحنفيّة (1) والحنابلة (2) والمالكيّة (3) ومشهور الإماميّة (4) ، وأجازه بعض الشافعيّة (5) في حال الغلاء، وبعض الحنفيّة في حال الاضطرار إليه، وابن أشهب وابن حبيب من المالكيّة بشـروط، والمفيد والميسي من الإماميّة والعلاّمة الحلّي بشروط أيضاً (6) ، نجدها مفصّلة في كتُب الفقه.

من ذلك يظهر لك أنّ الأصل عدم التسعير، وأنّ محاولات الإخلال بقانونَي العَرْض والطلب يسوغه على الرغم من مانعيّة الأصل، الأمر الذي يقودنا إلى القول: إنّ الاستثناء هو الغلاء، والاحتكار يعالج بإجراءات

____________________

(1) الزيلعي، تبيين الحقائق: 6/ 28.

(2) ابن قدامة، (م. س): 4/217.

(3) الباجي (أبو الوليد): (م. س): 5/18، العيد (ابن دقيق)، (م. س).

(4) الطوسي، (م. س)، ص: 375.

(5) الماوردي، (م. س)، ص: 256.

(6) سلطان (بشير)، الاحتكار، (رسالة ماجستير) رونيو، ص: 242.


استثنائيّة، مثل التسعير.

  وخلاصة ما يتّفق بشأنه في أثمان السلع: العودة إلى ثَمن المِثل، أي ثَمن التلاقي الطبيعي في حجم العَرْض مع حجم الطلب؛ ولذلك نجد (مهيّأ عن تلقّي الرُكبان، وبيع الحاضر لِباد) (1) .

المبحث الرابع: الجرائم في مجال التوزيع

جرائم الإضرار بالعُملة

ينطلق الفقهاء المسلمون عند ترتّب الأحكام في مجال المعاملات النقديّة مِن الفهْم السِلَعي للنقود، حيث يقف هذا الفهم عند كون النقد سلعة قيمتها من ذاتيّتها، فقيمتها النقديّة والشرائيّة تنبع من ذاتها، وعند ذاك تدخل بوصفها سلعةً في أثر العرض والطلب عليها، وبناءً عليه، فهُم لا يرون العُملة الورقيّة نقداً أصيلاً، إنّما نقداً اعتباريّاً، إلاّ ما ظهر في مؤتمر الكويت عام (1987م) من اعتراف مجموعة من علماءٍ مسلمين، باعتبار قيمة العُملة الورقيّة قائمة على أساس نسبة مفترضة بين مقدار الاعتبار وقيَم الأصل في السلع الأُخرى.

إنّ الحال التي آلت إليها اقتصادات الشعوب باعتبار قيمة النقد حالياً قيمة قانونيّة لا ذاتيّة، والنقد حالياً مخلوق للدولة، فقيمته ليست مطلقة، إنّما يحدّد مقدارها المنظّم لها من جهة كمّية الإصدار قبالة كمّية الإنتاج، وهنا تفعل السياسة النقديّة فعلاً له أثر في تحديد القوّة الشرائيّة للعملة.

ونظراً لهذا التطوّر، صارت كمّية الإصدار، وسرعة التداول، ومقدار الإنفاق العامّ متغيّرات هامّة على مستوى الأسعار المترتّب على فعاليّة الطلب (2) ، مع ثبات العَرْض، وما يترتّب على هذا من تغيّرات عديدة في مستوى التوظّف، والتضخّم النقدي (3) ، وتأثّر مداخيل الأفراد، ونمط الوفاء بالالتزامات المؤجّلة، كالديون والنفقات والمهور المؤجّلة وكُلَف المشاريع الطويلة الأجَل؛ لذلك فإنّ المسلم ينبغي أن يعي أنّ أيّ إضرار في العملة سوف يمتدّ ليدخل في حسابات الناس جميعاً. والشريعة - وإن توقفّ الفقهاء عند أفكار المدرسة السلعيّة في النقد - لم تتوقّف، بل احتاطت لذلك.

____________________

(1) السيوطي، (م. س): 20/192.

(2) اُنظر في هذا: سيّد علي (عبد المنعم)، أدوات النقود والسياسة النقديّة.

(3) البيرماني (خزعل)، ص: 184.


فنجد قول الله تعالى: ( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ) [الأعراف: 85]، وهو نصّ في حرمة الإضرار بالناس (1) عن طريق الإضرار بالعملة؛ لأنّ الإضرار بالعملة طريق لبَخْس الناس أشياءهم.

ويرى صاحب (الميزان) أنّ الإفساد في الأرض - الذي انتهت به الآية - وإن كان بحسَب إطلاق معناه يشمل جميع المعاصي والذنوب، ممّا يتعلّق بحقوق الله أو بحقوق الناس، لكن مقابلته لِما قبْله وما بعده يخصّه بالإفساد الذي يسلب الأمن العامّ في الأموال والأعراض والنفوس (2) ؛ لأنّ أيّ عمل تتعلّق به حقوق الآخرين يلزم الشخص إبراء ذمّته من حقوقهم، وإلاّ وقع في بخس الناس أشياءهم. لذا حكَم الفقهاء المسلمون باختصاص وليّ الأمر في إصدار النقد، ولم يرخّصوا ذلك للناس - على ما كانوا - من جهة اقتدارهم على الإصدار، وبنَوا ذلك على رواية أحمد بن حنبل، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (لا يصلح ضرب الدراهم إلاّ في دار السلطان)، ثمّ عقّب (عليه السلام) بقوله: (لأنّ الناس إن رُخِّص لهم ركبوا العظائـم) (3) .

واستناداً إليه ذهب النووي إلى (كراهة ضرب الدراهم من قِبل الرعيّة وإن كانت خالصة؛ لأنّ ذلك من شأن الإمام) (4) .

وما ذلك إلاّ لأجْل أن يتولّى المختصّون إصدار النقد بالكمّيات التي توازي العَرْض السِلَعي حتى لا تتأثّر قيمة العُملة. ولفظ الكراهة هنا أراد به الحظر، ولم يقل الحظر لثبوت متعلّق حكم الكراهة بدليل ظنّي.

ومن تحوّطات المشرع أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نهى عن كَسر سكّة المسلمين الجائزة بينهم (5) ، فقد روي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه نهى عن كسر سكّة المسلمين الجائزة بينهم إلاّ من بأس (6) . قال الشوكاني: (معنى الجائزة: أي النافعة في معاملتهم) (7) . ويُراد مِن كسر السكّة تقليل قيمتها عن المضروب الصحيح

____________________

(1) الطبرسي، مجمع البيان: 4/447.

(2) الطباطبائي (محمّد حسين)، الميزان في تفسير القرآن: 9/187.

(3) الفرّاء (أبو يعلى)، الأحكام السلطانيّة، ص: 165.

(4) النووي، روضة الطالبين: 2/258.

(5) ابن ماجة، (م. س): 2/761، الماوردي، (م. س)، ص 155.

(6) الشوكاني: نيل الأوطار: 5/236.

(7) المصدر نفسه.


قيمة.

ويرى الشوكاني أيضاً (أنّ الحكمة من النهي ما في كسْر العملة من الضرر بإضاعة المال؛ لِما يحصل به النقصان بالدراهم ونحوها إذا كُسرت وأبطلت المعاملة بها) (1) ، ويزداد الحظر بأن ينقل أحمد بن حنبل عن الصادق (عليه السلام) أنّه سُئل عن كسْر الدراهم، فقال: (هو عندي من الفساد في الأرض) (2) .

واستناداً إليه ذهب أحمد إلى كراهة كسْر الدراهم لحاجة أو لغير حاجة (3) ، ورخّص الشافعي الكسْر في حالة الحاجة الشديدة (4) ، إلاّ عن أبي حنيفة الذي لم يرَ كراهة كسر السكّة (5) ، لكن ابن قدامة نقل عنه أنّه قيّد الجواز بشرط عدم الإضرار بالإسلام وأهله (6) .

وبنقل النهي وموضوعه إلى وضعنا المعاصر نلحظ أنّ أيّ عمل يضرّ بمقدار قيمة النقد مؤاخَذ شرعاً، ويُعَدّ مخالفةً تدخل ضمن ما يعاقب الله عليه آجِلاً، ومن مصاديق الإفساد في الأرض عاجلاً، الأمر الذي يوجب على وليّ الأمر التعزير عليه؛ لتوفّر أركان الجريمة.

ولا وجه للرخصة في العملة الورقيّة - كما ورد عن الشافعي وأبي حنيفة - إذ هناك - كون النقد ذهباً أو فضّة - استعمالات بديلة، فهنا الأمر مختلف؛ وحيث يدور الحكم مدار المَناط، فإنّ الترخيص سقط بتغيّر مادّة النقد.

ومن التحوّطات أنّ الفقهاء قد جعلوا من الفروض أن يضرب السلطان جيّداً (7) ؛ أي الحفاظ على الوزن المعيـاري، والوزن ليس علّة بقدَر ما هو أمارة على القيمة النقديّة، وهذا يُترجَم في عالَمنا المعاصر إلى ضرورة المحافظة على القيمة النسبيّة للوحدة النقديّة إزاء الأرقام القياسيّة للأسعار، والتناسب مع الوحدات من النقد الأجنبي، والفرض هنا النهي عن التسبّب بإنقاص قيمة النقد. ويمكننا التقاط بعض المواقف للفقهاء في موضوع غشّ الدراهم؛ لكي نرى مناط الإنقاص: يرى الشيخ الأنصاري أنّ الدراهم المغشوشة يحرم تداولها بيعاً أو شراءً (8) .

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) الماوردي: (م. س)، ص: 155.

(3) ابن قُدامة، (م. س): 4/176.

(4) الماوردي، (م. س)، ص: 155.

(5) المصدر نفسه.

(6) ابن قُدامة، (م. س): 4/176.

(7) الشيخ الأنصاري، (م. س): 2/38.

(8) المصدر نفسه.


يرى الغزالي أنّ ترويج الزيوف من الدراهم ظلم؛ لما يعمّ به من ضرر ويتّسع الفساد، ويكون وزر الكلّ ووَباله راجعاً عليه (1) .

ويرى ابن قيّم أنّه بالنقد يعرف تقويم المال، فيجب أن يكون معروفاً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، وإلاّ فتفسد معاملات الناس ويقع الخُلف ويشتدّ الضرر (2) ويحصل الظلم.

ويرى صاحب (الجواهر) والعلاّمة أنّه إذا كانت الدراهم مجهولة الصرْف لم يجزْ إنفاقها إلاّ بعد إبانة حالها، وكلّفت أنظمة المجتمع الإسلامي المحتسب بمراقبة الإصدار كمّيةً ونوعاً، والمحاسبة على (3) جرائم إنقاص العملة، فإذا ثبت حصر الإصدار بوليّ الأمر، وأوجب عليه المشرّع ألاّ يتّخذ من الأفعال ما ينقص قيمة النقد، وتحقّق الإثم في الإضرار بالعملة، فالإيمان يقتضي الابتعاد عن اقتراف الإثم، وبالتالي فاقترافه موجب لغضب الله ديانة، وخوّل المشرّع وليّ الأمر محاسبة من يضرّ بالعملة وإنزال التعزيرات به؛ لِما ثبت أنّه من الإفساد في الأرض.

  إنّ هذه الإجراءات الأُخرويّة والدنيويّة في الوقاية والمعالجة القضائيّة كلّها إجراءات واقية للمجتمع من جريمة التزويـر، وتهريب العملة، وتحكيم ضوابط الإصدار.

المبحث الخامس: الجرائم في مجال الاستهلاك

إنّ الطريقة التي يحلّ بها الإسلام المشكلة الاقتصاديّة لا تقف عند عدالة التوزيع أو ضوابط الإنتاج، إنّما تتدخّل في سلوك المستهلك وتفضيلاته نوعاً وكمّاً، ذلك أنّ ما يرفضه المستهلك لكونه حراماً يحرم على المنتج إنتاجه على الرغم من وجود حاجة نفسيّة في بعض الأحيان لكليهما باعتماده إنتاجاً أو استهلاكاً مثل الحرير والذهب للرجال؛ لذلك لا نجد تعارضاً بين إرادة المنتج وتفضيلات المستهلك، ولا نجد تعارضاً بين أهداف المنشأة الإنتاجيّة والمنفعة المطلقة، ناهيك عن الحدّية للمستهلك، لتوحّد دوال الطلب ومكوّنات العَرْض؛ لذلك فالإنفاق الاستهلاكي محكوم بأقسام الاستهلاك وأحكامه التكليفيّة، فالاستهلاك المحرّم كأكل المِيتة وشرب الخمر،

____________________

(1) الغزالي، إحياء علوم الدين: 2/74.

(2) النجفي (محمّد بن أبي بكر)، أعلام الموقعين: 2/269.

(3) النجفي (محمّد حسن)، (م. س): 24/ 17.


والأعيان النجسة وآلات اللهو، وإجارة المساكن ووسائل النقل للمحرّم... مسائل نفّر الشارع منها، وعاقب عليها، وحرّم الإنفاق فيها.

أمّا في مجال المباح..، فإنّ الشارع لم يجعل الإنفاق في مجال الواجب إسرافاً وإن كثُر. أمّا المندوب ففيه رأيان:

الأوّل: إنّه لا فرق بينه وبين الواجب في كثرة الإنفاق؛ لكونهما إنفاقاً على البِرّ والتقوى، واستدلّوا له بإعطاء الإمام عليّ (عليه السلام) للأقراص، في المشهور من سبب نزول آية ( هَلْ أَتى ) [الإنسان: 1] وهو لا يملك غيرها.

الثاني: اشترطوا أن تكون في أمواله سعة للإنفاق، فاضلة عمّا يحتاج إليه، وربّما قيّدوه بما يليق بحاله.

واستدلّ له بقوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ.... ) الآية [الإسراء: 29].

وقوله أيضاً: ( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ) [البقرة: 219].

وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّما الصدقة عن ظَهر غِنى) (1) .

أمّا المباح، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ صرف المال في الأغذية النفيسة التي لا تليق بحال المنفِق تبذير؛ لصدق الإسراف والتبذير هنا، وهو منهيّ عنه، خلافاً لِما روي عن الشافعيّة أنّهم يرون أنّ الغاية من تملّك المال الانتفاع به، وحصَره آخرون في ما يصدق عليه عنوان تضييع المال.

بينما أجمع العلماء على أنّ الإنفاق في المحرّمات سفَه وتبذير وإسراف قطعاً، وقد ورد أنّ السرَف يبغضه الله.

  وينظر الفقه الحنفيّ إلى أنّ الإسراف يوجب السفَه، بصرف النظر عن مجالات الإنفاق.

  إنّ هذا المبحث في حرمة الإسراف يقيّد المستهلك... إضافةً إلى القيد الفنّي (الدَخل)، ويشيع وسطاً اجتماعيّاً يلبّي حاجة المخطّط؛ إذ لا يستطيع المخطّط أن يوقِف شخصاً لديه قوّة شرائيّة عند سقف إنفاقيّ محدّد إلاّ بتعسّف قانوني، بينما يصار الأمر في الشريعة إلى روادع ذاتيّة تُحجّم الاستهلاك ضمن نوعٍ معيّن، وكمٍّ معيّن..؛ لذا نجد أنّ مشكلات عدم ترشيد الاستهلاك أقلّ تكوّناً في المجتمع الإسلامي.

____________________

(1) السيوطي، (م. س): 1/105.


الفصل الثاني: السُبل العامة للوقاية من الجريمة الاقتصادية

المبحث الأوّل: مفهوم الإسلام للمال والملكيّة وأثَره في الوقاية

للعقائد الشموليّة مفاهيم منتزعة من أكثر من حكم فرعيّ، وللإسلام مفهومات عن المال والملكيّة.. تميّزه عن النُظم الأُخرى. ولنحاول كشْف النقاب عن تصوّر الإسلام للمال؛ لنرتّب على هذا التصوّر أُسلوب المكلّفين ممّن آمَن بهذا الدِين في تعاملاتهم الماليّة:

عرّف الفقهاء المال بأنّه: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة (1) .

  وعرّفه آخرون: إنّه اسم لغير الآدمي، خُلق لمصالح الآدمي، ويمكن إحرازه والتصرّف فيه على وجه الاختيار.

وعرّفه الشيخ الخفيف: إنّه كلّ ما يمكن حيازته والانتفاع به على وجهٍ معتاد (2) .

وعرّفه السيوطي في (الأشباه): كلّ ما لَه قيمة يُباع بها، ولا يلزم تلَفه وإن قلّت، وما لا يطرحه الناس.

وقد ورد لفظ المال في القرآن في غير موضع:

( لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) [النساء: 29]،

( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا ) [التوبة: 103]،

( إنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ ) [التوبة: 111].

وورد في السنّة قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما تلف مال في بَرّ ولا بحر إلاّ بحبْس الزكاة) (3) .

  وقد قسّمه العلماء إلى متقوّم وغير متقوّم، وأعطوا للمتقوّم صفة الماليّة، واشترط الفقهاء للماليّة شرطين هما: كلّ ما يمكن حيازته والانتفاع به شرعاً، وبذلك يكون الفقهاء المسلمون أوّل من فرّق بين السلع الحرّة والسلع الاقتصاديّة؛ الأمر الذي له أثر في مجال حلّ المشكلة

____________________

(1) الزحيلي، (م. س).

(2) الخفيف (علي)، مجمع البحوث الإسلاميّة، بحث (المالكيّة الفرديّة).

(3) السيوطي، (م. س): 2/144.


الاقتصاديّة؛ حيث لا يعدّ الفقهاء ضوء الشمس والماء الجاري في الأنهار العامّة والهواء من أصناف المال المُتقوّم.

وتوقّف علماء الحنفيّة عند كون المال أعياناً؛ لذلك استبعدوا الحقوق - عدا منفعة العين المؤجّرة - من مفهوم المال، مثل حقّ الشُفعة لعدم إمكان حيازتها. أمّا الجمهور، فإنّهم يرون الأعيان والمنافع المحلّلة المقصودة مالاً متقوّماً يمكن أن يورَث، وتجري عليه النواقل الشرعيّة، وقد حدّد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بعض أحاديثه أنّ المال وسيلة للوصول إلى القُرُبات عند المؤمن، ولنأخذ لذلك عيّنة:

قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما أنعم الله على عبد نعمة، فحمَد الله عليها، إلاّ كان ذلك الحمْد أفضل من تلك النعمة وإن عظُمت) (1) .

وقال أيضاً: (ما أنفق الرجُل في بيته وأهله ووُلده وخَدمه، فهو له صدقة) (2) .

فالمال - إذاً - وسيلة للوصول إلى أداء الواجبات، وتحقيق الكفايات والمندوبات، والإنفاق المقتصد في المباحات.

وإنفاق المال حرام على المحرّمات، مندوبٌ إلى ترْك إنفاقه في المكروهات، وقد حثّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصحابه على البذل والعطاء في الوقْف والتحبيس والصدقة من غير عزيمة ولا أمر، وحثّ على الوصول إليه بطُرُق شرعيّة، وحرّم السُحْت بأنواعه كافّة، وقرّر عقوبات على السرقة والغصب والسلب والغشّ والجباية الظالمة، فقد روى ابن حبّان والحاكم أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لا يحلّ لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طِيب نفس منـه) (3) .

وترِد الملكيّة بوصفها سلطة على المال تُسنَد لفردٍ أو أفراد، إذا صحّت نسبتها إليه بوسائل شرعيّة، فالملكيّة - إذنْ - حكم شرعيّ موضوعه المال؛ لذلك يعرِضُها الفقهاء:

بأنّها حكم شرعي مقدّر في العين أو المنفعة، يقتضي تمكّن مَن تُضاف إليه الانتفاع بالمملوك، وأخْذ العـوَض عنـه (4) .

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه: 2/143.

(3) المصدر نفسه.

(4) القرافي، الفروق: 2/208، وتبنّاه الكاساني صاحب البدائع، اُنظر: 7/147.


ويرى ابن الهمام أنّها: (القدرة على التصرّف ابتداءً) (1) .

وعرّفها الزرقاني بأنّها: (اختصاص حاجز شرعاً يسوّغ صاحبه التصرّف إلاّ لمانع) (2) .

والملكيّة في الإسلام ليست مطلقة كما هي في النُظم الفرديّة، ولا هي على ذمّة المجموع والفرد غائب عنه.. إنّما هي على ذمّة الفرد أصالة، لكن تلحقها قيودٌ، بناءً على فلسفة الاستخلاف لصالح المجتمع، وما تؤسّسه الشريعة من حقوق على المال؛ لقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلـى أن تلقـوا ربّكـم) (3) .

ولقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرضه)؛ لذلك يرِد على الملكيّة:

1 - عدم استخدامها في ما حرّم الله من التصرّف لكون صاحبها مانعاً لحقوق الله، أو يتّخذها للتسلّط والظلم.

2 - عدم استخدامها لإلحاق الضرر بالآخرين..، ولنا: رواية سمرة بن جندب وما حصل في عهد عمَر من إجبار محمّد بن مسلمة على أن يمرر الضحّاك بن خليفة خليجاً في أرضه (103) .

3 - منْعه من الإسراف وتبديد الأموال والوقوع في حمأة تضييع الثروة.

4 - منْعه من الاحتكار ومحاولة تهريب المال خارج دار الإسلام.

إنّ المصاديق الواردة من القيود مبنيّة على أساس منع الإضرار بالآخرين؛ لأنّ كلّ حقّ في الإسلام مقيّد بمنع الضـرر؛ استناداً إلى قاعدة لا ضرر على معطَيات الحقّ الممنوح بحكمٍ شرعي.

وجعل للجماعة حقوقاً في الملكيّات الخاصّة، مثل: الزكاة والخُمس، وتأمين حاجيات الدفاع عن البلد عند خواء الخزينة. وقد صرّح بذلك الغزالي، والقرافي، والشاطبي، والقرطبي، وابن حزم، وابن عابدين، وكذلك كفاية الفقـراء.

____________________

(1) الكاساني، (م. س): 7/147، الهداية: 4/21.

(2) الزرقا، المدخل إلى الفقه الإسلامي: 1/220.

(3) اُنظر: خطبة الوداع، سيرة ابن هشام: 4/185.


فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (أيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤٌ جائعاً فقد برِئت منهم ذمّة الله) (1) .

وعليه استند ابن حزم، إذ قرّر أنّ ذلك فرْض يجبرهم السلطان عليه إن لم تقمْ زكواتهم به...

ومن باب أَولى، نجد النفقة الواجبة للآباء والأجداد والأبناء والزوجات. ولذلك كلّه يرتّب بعض الدارسين على تقييد الإسلام لطبيعة التصرّف بالمال بعدم الإضرار بالآخرين، وجوب رعاية المجتهد إيجاد الموازنة بين مصلحة صاحب المال والضرر الذي يلحق بغيره...

وبذلك يتحصّل من قوانين الملكيّة، ابتداءً واستمراراً وانتهاءً، أنّها تُستخدم استخداماً رشيداً مؤدّياً لنفع المجتمع حصـراً، ولم يقف المشرّع من استخدامها وسيلة للضرر موقفاً محايداً، وإنّما يتدخّل في إيقاف التصرّف بالملكيّة، طالما تسبّب هذا التصرّف بإحداث أثَر مضرّ لصاحبها أو للمجتمع.

النتائج المستفادة من التصوّر الإسلاميّ للمال والملكيّة

1 - إنّ هذا التصوّر يحدّد استخدامات المال والثروة بالجانب الإيجابي البنّاء، بعيداً عن اقتراف الذنـوب والمخالفـات..، وحيث رُبطت التكاليف بالمصالح، فإنّ الواجب والمندوب ما يحقّق مصلحة المجتمع..، وإنّ المحرّم وسَطٌ قابل أن يُشيع الجريمة.

فإنتاج المحرّم - كزراعة المخدّرات.. - تصرّف يصحّ سبباً لرفع يد المالك عن استخدام المورد...؛ لأنّه من الإفساد في الأرض، واتّخاذه النقد سلعة منتجة للربا أمر يوقفه الشارع بوسائله المتعدّدة.

2 - إنّ هذا الضبط المبنيّ على التصوّر يخصّص الموارد تركيزاً باتّجاه الإنتاج الأكثر شمولاً للمنفعة الشاملة، بحذف ما يخصَّص للحرام (المضرّ والدافع للجريمة)؛ وبذلك يحقّق كفاية دَخْل الفرد لمتطلّباته..، ويسقط أحد الدوافع الثانويّة للجريمة.

____________________

(1) ابن حزم، المُحلّي: 7/121.


3 - إنّ هذا التصوّر يدفع المالك إلى بذْل المال في الصدقات والتبرّعات والوقْف، بما يجعل عدداً من الخدمات كُلفتها (صفر)؛ لتعظيم دالّة المدفوعات التحويليّة باتّجاه تعديل المداخيل المنخفضة، وتقليل الباعث الاقتصادي بضغط هوّة التفاوت في المداخيل وأثره في التركيب الاجتماعي..

4 - إنّ هذا التصوّر يقلّل من احتمالات ظهور الجريمة، ويوقف التفكير بالاعتداء على أموال الأفراد أو الأموال العامّة، سواء بالجريمة الجنائيّة كالسرقة والغصب، أو الجرائم الاقتصاديّة كالربا والاحتكار والإضرار بالعُملة.

5 - إنّ هذا التصوّر يجعل القرْض الحسَن بدل الربا، والمضاربة بدل الفائدة، والإعانة بالتصدّق بدل المقايضة بأشياء أُخرى، وقضاء حاجة المسلم وما عليها من حثّ بدل فرْض الشروط؛ الأمر الذي يخلُق تركيبة يسودها الوئام الاجتماعيّ، وهي مرتكز من مرتكزات نظريّة الأمن الاجتماعي في الإسلام.

المبحث الثاني: منهج الاستخلاف، ودَوره في ربْط النشاط الاقتصادي بالقيَم والضوابط

يسمّى التصوّر الإسلامي للملكيّة بمنهج الاستخلاف، وهو قائم على قوانين مركزيّة ثلاثة:

الأوّل: إنّ الله هو المالك الحقيقيّ للثروة، وقد دلّت على ذلك آيات عديدة.

الثاني: إنّ الكون كلّه مخلوق مسخّر للإنسان ينتفع به في ما أحلّه الله له (1) .

الثالث: إنّ مركز الإنسان القانونيّ (مركز النائب) هو مركز الوكيل المستخلَف على المال والثروة.

وبملاحظة أثر هذا التصوّر الإسلامي الشامل، فإنّ الإنسان لا يملك صلاحيّات الأصيل (المالك المُطلق)، بل يتقيّد بأنّ المِلك يزول زوالاً تكوينيّاً

____________________

(1) للتفصيلات اُنظر: الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، والسبهاني (عبـد الجبّـار)، الاستخلاف والتركيب الاجتماعي.


أو تشريعيّاً بإساءة التصرّف به أو فيه، طالما أنّ الله هو المالك، والإنسان هو الوكيل.

وإنّ من نِعَم الله تسخير هذا الكون للإنسان..، فواجب أخلاقيّ عليه أن يتقيّد بشُكر العظَمة، والشكر في أظهر مصاديقه إرضاء المنعم؛ لذلك يتميّز التصوّر الإسلامي الاقتصاديّ بأنّه تصوّر قيميّ، خلافاً لكلّ التصوّرات الوضعيّة..

فالإسلام يجعل الهدف من الخلق كلّه ونشاطات المخلوقين صِدق عبادة المعبود، قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات: 56].

وهكذا نجد الربْط المحكَم والوثيق بين النشاط الاقتصاديّ والقيَم والمعايير الأخلاقيّة، ويُبنى كلّ ذلك على قاعدة الإيمان بالله، واستشعار رقابته في السرّ والعَلَن، نيّةً أو تنفيذاً.

وهذا عنصر نفسيّ يمنع المسلم من التصرّف بالمال بما يخالف قواعد الحلال والحرام، بوصفها الوجه السلوكي لمفهوم العبادة، وفي ضوء ذلك نستطيع الحكم على صحّة التصرّف العامّ والشخصي.

ولم يقف المشرّع عند هذا، بل أدخل إلى جنب الضوابط مفهوم البدائل...، فهو حين حرّم الربا لم يكتفِ بالتحريم؛ إذ قد يحتاج المجتمع إلى تداول المال، وبه ستقف عجلة الاستثمار، أو الطلب الفعّال عند توقّف القروض الاستهلاكيّة، لكنّه جعل القرض الحسَن أو المضاربة وسائل بديلة لتمويل النشاط الاقتصادي؛ وبذلك أغلق الباب نفسيّاً وعمليّاً على ارتكاب فعلٍ محرّم جعله في باب الجرائم.

لذلك فإنّ للإسلام معياراً محدّداً منضبطاً هادفاً لتقرير سلامة التصرّف، والهدف معيار واضح معلَن متسلسل وفْق سُلّم هرميّ من المحرّم إلى الواجب، تدعمه قوى نفسيّة هي مراقبة الله في السرّ والعَلن، وتدعمه جزاءات دنيويّة وأُخرويّة، فهو فلسفة شاملة تُلاحق التصرّف من معالجة الموادّ الخام إلى توزيع أثمان سلعها.


إنّ هذه القواعد تتدخّل في الكثير من مفاصل التصرّف بوسائل الإنتاج والثروة، ولنأخذ على ذلك مثلاً واحداً، وهو مفهوم العائد:

إنّ مفهوم العائد في الاقتصادات المعاصرة مفهوم مادّيّ ورقميّ ربحيّ محْض، بينما هو في الإسلام ما سمّاه القرآن إقراضَ الله قرضاً حسناً، فيدخل فيه النفع العامّ، والوقف، والتكافل، والأمر بالمعروف، ونشر العلم والفضيلة، والخسارة كذلك، فيدخل فيها كلّ عمل ألحَقَ ضرراً بالمجتمع الإسلامي، وإن حقّق ربحاً مادّياً، سواء كان هذا الضرر في العقيدة أمْ في الأخلاق أمْ في كرامة الإنسان وحقوقه في الحياة.

وهذا المفهوم يوسّع مصطلح الفورات الخارجيّة إلى ما هو معنوي وروحي.

المبحث الثالث: مبدأ كفاية الفرد وأثَره في وقاية المجتمع من الجريمة

مرّ بنا القول إنّ عدداً كبيراً من الباحثين يعتقد أنّ الفقر حالة دافعة إلى الجريمة، سواء كانت رئيسة كما يراها أصحاب نظريّة الباعث الاقتصاديّ، أمْ مساعدة كما يراها المفكّرون المسلمون، فالفقر - بوصفه انخفاضاً في دخل الفرد أو قصوره أو عجزه عن تلبية حاجاته الأساسيّة وسدادها - يشكّل علاقة جدليّة مع الجريمة، أيّاً كانت درجة الباعث؛ لأنّ الفقر يعوّق الفرد عن الإسهام في النشاط الإيجابي، وأنّه باعتباره ضعفاً في التراكم العامّ يشكّل وسطاً لانتشار البطالة.. وسبباً في البؤس، إلى جنب طبقة صغيرة مترَفة، كلّ ذلك مع نقص الإيمان وضعف التقوى يؤدّي إلى ارتكاب الجرائم عامّة، فقد وجدت دراسة جرت في أمريكا وانكلترا أنّ البطالة عامل هامّ في إحداث السلوك الإجراميّ.

وأجرت جامعة هارفرد (1950م) دراسة على عيّنة (200) من الأحداث الجانحين، فوجدت أنّ (75%) من أُسَر هؤلاء ذات مستوىً اقتصاديٍّ متدَنٍ.


ومثلها في إيطاليا وُجد أنّ بالغين مجرمين محكوم عليهم ينتسب (85 - 90%) منهم إلى أُسر فقيرة. ووُجد العوجي أنّ جرائم الاتّجار بسلع محرّمة، والرشوة، والسرقة، كـان باعثها تدنّي الأُجـور وتقلّبـات الدخْـل (1) . فما هو الموقف الإسلامي من ضرورة تحقيق كفاية الفرد؟ وما أثره في تقليل نِسَب الجريمة؟ إنّ نظرة واحدة إلى مصارف الزكاة تفيد أنّها تشكلّ عناصر مبدأ كفاية الفرد، فالفقير - عند الفقهاء - هو من لا يملك قُوتَ سنَتِه، ومَن يعول على الكفاية (2) ؛ لذلك تنصّ نظريّة التوزيع الإسلاميّة على (أن يُعطى حتى يصيب سداداً من عيش أو قواماً من عيش) (3) ، وهو بذلك يشمل العاجزين عن العمل بمرض أو بطالة، ومَن ينقص أجرهم عن متطلّباتهم، والمحتاجين لأدوات مِهَنِهم، والمتفرّغين للتحصيل العلمي (4) . قال الصادق (عليه السلام): (إنّ الله فرَض في أموال الأغنياء للفقراء بقدَر ما يستغنون) (5) . وقد ذهب الشافعيّة إلى أنّه يجوز إعطاء الزُمّن العاجز نهائيّاً عن العمل لعوَق أو مرض مزمِن، ويدخل في كفاية الفرد الغارمون - وهُم الذين عجزوا عن سداد ديونهم - (6) فيُجعل لهم رصيداً ماليّاً يسدّد عنهم دَينهم، فيزيل عنهم الباعث على العدوان، ويلحظ فيه أنّه غلْقٌ عمليّ لدوافع جريمة الربا، ويسدّد عن الغارم - عند الفقهاء - حتى إذا مـات. قال صاحب (الجواهر): (إذا مات المدين وليس في تركته ما يفي دينه يؤدّي عنه من مال الزكاة) (7) . ويقرّر الفقهاء في من يستطيع بالعمل سداد دَينه أن ينتظر - وجوباً - إلى وقت يساره، ويعفيه المشرّع الإسلامي من بيع مسكنه ومتاعه لسداد الدَين (8) ، وتتولّى مصارف الزكاة حالات الفقر الطارئ لأسباب مؤقّته كابن

____________________

(1) وقائع المؤتمر السابع للأُمم المتّحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين / ميلانو (1985م)، ص: 3/128.

اُنظر: د. خليفة (م. س)، ص: 104.

(2) النجفي (محمّد حسن)، (م. س): 15/324، ابن عابدين، (م. س): 2/58، ابن قُدامة، (م. س): 2/692، القرطبي، (م. س): 8/173.

(3) أبو عبيد، (م. س)، ص: 227 و228.          (4) المصادر الفقهيّة نفسها في الهامش (106).

(5) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة: 6 / 185.

(6) النووي، المجموع: 6/194، الإمام الشافعي، الأُم: 2/58، الرملي، (م. س): 6/153.

(7) النجفي (محمّد حسن)، (م. س): 15/369.

(8) أبو زهرة (محمّد)، المؤتمر الثاني للبحوث الإسلاميّة، (الزكاة)، ص: 164. النجفي، (م. س): 15/ 369.


السبيل، وهو المسافر المنقطع عن ماله مؤقّتاً، فيعطى إلى حين تمكّنه من التصرّف بماله، ولا يسترجع منه ما أُعطي، يقول الشيخ الطوسي: (إنّه ملَكها بالإعطاء) (1) .

ويذهب الفقه الإسلاميّ إلى أكثر من ذلك، فهُم يكفلونه حتى لو وجد مَن يُقرضه، يقول القرطبي: (لا يلزمه أن يشغل ذمّته بالسَلف) (2) .

ولو لاحظنا الخُمس لوجدناه وسيلةً ماليّةً هامّةً؛ لتعديل المداخيل باقتطاع (20%) من الفوائض لصالح فئات العجز الدخلي.

وهناك الكفّارات والنذور والوقْف، وهناك استثمارات الدولة للأرض الخراجيّة، والمعادن والسياحة، وغيرها من موارد الضمان الاجتماعي.

إنّ عجْز شخص واحد في عصر الصحابة ظاهرة يتوقّف عندها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين مرّ بشيخ يتكفّف الناس، فيسأله سؤال المستغرب الذي فوجئ بوجود ما لا يجب أن يكون في رعيّته: (ما ألجأك إلى هذا؟)، ويعالج أسباب التكفّف بما يلغي حالة واحدة من ظاهرة مُدانة.

إنّ نظريّة التوزيع حين تكفّل الفرد، فهي إنّما تكفّه عن التعرّض لأموال الأفراد أو الأموال العامّة، وتسهم في الكفاية الإنتاجيّة تأهيل الفرد، وصرْف طاقاته في الإبداع. وهكذا تُتمِّم سيادة مبدأ كفاية الفرد تحصين الإسلام للمسلم بالتقوى.

المبحث الرابع: مبدأ التوبة وأثره في ترسيخ الأمن الاجتماعي

يقرّر الفقهاء أنّ التوبة باب مشرع ليدخل منه المذنبون إلى رحمة الله، والسلوك السويّ عامّة، بل يقرّر الفقهاء أنّ قُطّاع الطُرق لو تابوا قبل قدرة السلطان عليهم، فإنّ الحدّ يسقط عنهم وجوباً، وهذا حكمٌ اتّفق عليه الفقهاء؛ لقوله تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) [المائدة: 34] (3) . وفي العُصاة مطلقاً، فإنّ التوبة تُسقط العقوبة عند الإمام أحمد،

____________________

(1) الطوسي، المبسوط، باب الزكاة.

(2) القرطبي، (م. س): 8/180.

(3) الزحيلي، (م. س): 2/387.


سواء رُفع الأمر إلى الحاكم أم لا؛ استند في ذلك إلى حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (التائب من الذنب كمَن لا ذنب له) (1) .

وقوله أيضاً: (التوبة تجُبّ ما قبلها) (2) .

ولأنّ في إسقاط الحدّ ترغيباً في التوبة، ما عدا حدّ القذف، فإنّه لا يسقط حقّ آدمي، وكذلك في القتل لتعلّق الحقّ الشخصي به لوليّ الدم، وتُسقط التوبة التعزيرات التي تقام حقّاً لله تعالى، كتعزير مفطِر رمضان، وتارك الصلاة، وآكل الربا، ومَن يحضر موائد الخمر ومجالس الفسق، ومَن باشر امرأة أجنبيّة في ما دون الجُماع، فيَسقط التعزير بالتوبة (3) .

ويقول القرافي: (إنّ التعزير مطلقاً يسقط بالتوبة، ما علمتُ في ذلك خلافاً) (4) . وهو مذهب الزيديّة في (البحر الزخّار) (5) .

ويرى صاحب (الشرائع) و(الجواهر) (أنّ الحدّ يسقط بالتوبة قبل البيّنة، ومع الإقرار والتوبة يكون الإمام مخيّراً) (6) ، فقد جاء في مُرسلة جميل عن أحد الأئمّة (عليهم السلام) في رجُل سرق أو شرب خمراً أو زنى، فلم يُعلَم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلُح، قال (عليه السلام): (إذا صلُح وعُرِف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ) (7) .

وذهب صاحب (الجواهر) إلى أنّ اللائط لو تاب قبل قيام البيّنة سقط الحدّ (8) ، (ولو كان مقرّاً، كان الإمام مخيّراً بين العفو والاستيفاء، وكذلك في السحْق) (9) .

وذكر الفقهاء (أنّه مَن باع الخمر مستحلاًّ يُستتاب، فإن تاب، وإلاّ قُتل، أمّا شارب الخمر، فإن تاب قبل البيّنة سقط الحدّ) (10) .

الخاتمة

لقد اتّضح لنا من خلال البحث: أنّ العقيدة الإسلاميّة والتشريع لهما أثر هامّ في تشكيل تصوّر واضح للإنسان المسلم عن جوانب السلوك الإيجابيّ الفعّال، ومكافحة العوامل المساعدة على نشوء الباعث على الجريمة.

____________________

(1) المصدر نفسه.                                      (2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه: 2/390.                           (4) القرافي، (م. س): 4/181.

(5) المرتضى، (م. س): 5/211.                      (6) النجفي (محمّد حسن)، (م. س): 41/308.

(7) الحرّ العاملي، (م. س) الباب 16، حدّ الزنا.     (8) النجفي (محمّد حسن)، (م. س): 41/307.

(9) المصدر نفسه: 41/390.                         (10) المصدر نفسه: 41/468.


وإنّ هذا التشريع يعتمد سُبل وقائيّة أوّلاً..، مبتغياً من ذلك تقليل الوسائل العقابيّة، لكنّه لا يتركها إذا ما ظهرت، جاعلاً مفهوم التوبة باباً واسعاً لعودة الخارج عن القانون إلى مجال الفعاليّة الإيجابيّة في المجتمع.

وبذلك تؤسّس الشريعة نظريّة للأمن الاجتماعي تُعدّ أرقى نظريّات سيادة مبدأ القانون في المجتمعات المعاصرة.

وظهر أنّ الإسلام يوسّع مفهوم الجريمة إلى كلّ ذنب (مخالفة للتشريع)، ويسعى لوقاية الإنسان منها جميعاً، لكنّه في مجال العلاج يجعل لبعضها - ذات المدى الخطير - عقوبات يسند تقريرها للقضاء ولجهاز الحسَبة، بينما يترك الأُخرى للعقوبات الأُخرويّة، وهكذا فإنّ مجالات النشاط الإنساني في التشريع الإسلامي كلّه محكومة القانون والجزاءات بشكلَيها الدنيوي والأُخروي.

ولا يقف التصوّر الإسلامي في مفهومه للباعث عند رؤية أُحادية، بل يعدّد بواعث اقتصاديّة، مناخيّة، نفسيّـة... إلخ، ما هي في تصوّر الإسلام إلاّ صور خارجيّة للباعث الذي يراه.

ويلحظ في أُسلوب الإسلام أنّه يُركّز على الإيمان والعمل الصالح والتقوى بمختلف الوسائل، الأمر الذي يعدّ مصادرة للبواعث على الجريمة وإلغاء أثرها. ويلحظ الباحث أنّ الجريمة الاقتصاديّة قد حفلت باهتمام الشريعة تحديداً ووقايةً وعلاجاً، لِما تقرّر من أثر حبّ المال والملكيّة من دفْعٍ نحو السلوك العدواني، الأمر الذي يمكّننا من القول: إنّ الترابط العضوي بين العقيدة والنُظم الحياتيّة من جهة، وتنزيه السلوك من الباعث والنزوع إلى العدوان على حقوق الغير من جهة أخرى، ترابط رفيع المستوى، متجسّد بربط النشاط بالقيَم والفضائل، وربطه بالمفاهيم العامّة للمال والملكيّة، وتركيزه على كفاية الفرد، وسيادة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفكرة المعاد وتوابعه.


ويلحظ من البحث: أنّ الإسلام يؤسّس اقتصاداً قيميّاً لا رقميّاً؛ حيث يُرسي قاعدة الحلال والحرام لتعرف بموجبها إسلاميّة الإنتاج والتبادل، كما يستخدم التوزيع... لتحقيق مبدأ الكفاية، كما أنّه له فهْمه للربح والخسارة بما يتعدّى الحياة الدنيا إلى إقراض الله قرضاً حسناً في تحقيق التضامن الاجتماعيّ. ويلحظ أنّ الإسلام يحافظ على الموارد لهذا الغرض، فيَعدّ تعطيلها جريمة، ويرى أنّ الإسراف والاستخدام غير الرشيد في الاستهلاك من المُخالفات القانونيّة للإسلام.

وظهر من البحث: أنّ المعاملات الربويّة - أيّما كان مقدار الفائدة فيها - من الجرائم الاقتصاديّة، وهو - هنا - ينفرد عن النظم الاقتصاديّة والقانونيّة، لِما يترتّب على الاقتصادات الربويّة من آثار على زيادة كُلفة الإنتاج، بما يؤثّر على تفاوت التوزيع وإحياء الصورة الاقتصاديّة للباعث على الجريمة.

ويؤسّس نظريّةً في الاحتكار وإفساد العَرْض والطلب؛ إذ يترك الفرد يمارس نشاطه من دون حظرٍ في حالات الكفاية الإنتاجيّة والشرائيّة، بينما يتدخّل لمصلحة الفرد في الحالات الخاصّة التي يتطلّب فيها التضامن الإنتاجيّ والتوزيعّي بين أفراد المجتمع.

وفي جرائم العُملة يُظهر تصوّر الإسلام الناضج في حماية عُملة دار الإسلام، وربَط ذلك بكميّة الإنتاج وسرعة التداول، الأمر الذي يؤسّس إطاراً نظريّاً في مكافحة التضخّم؛ لِما لَه من آثار هامّة في إشاعة الجريمة.

ويظنّ الباحث أنّ بحثه قد حقّق أهدافه في ملامسة نظريّة الأمن الاجتماعيّ، وعَرْض محاورها وآثارها في إقامة المجتمع الإيجابّي والفاعل.

... يرجو الباحث أن يكون قد قدّم ورقة بحث نافعة...، ابتغاء لوجهه الكريم...، متضرّعاً إليه تعالى أن يجعله صدقةً جارية.


المصادر

أ - القرآن الكريم والتفسير:

1 - الطوسي (محمّد بن الحسن)، التبيان في تفسير القرآن، النجف، مصادر التفسير.

2 - الطبرسي، مجمع البيان، شركة المعارف الإسلاميّة، 1379هـ.

3 - الجصّاص (أبو بكر)، أحكام القرآن، دار الكتاب العربي - بيروت، ب. ت.

4 - المقداد السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، مطبعة القضاء - النجف.

5 - القرطبي (أحمد بن محمّد)، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1965م.

6 - الطباطبائي (محمّد حسين)، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلمي - بيروت، ط 1.

ب - مصادر الحديث النبوي:

7 - البخاري، صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، طبعة مصوّرة على الأصل بولاق، ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق محمّد فؤاد الحلبي، مصر، 1952م.


8 - السيوطي، الجامع الصغير، بهامشه كنوز الحقائق، البابي الحلبي، ط4، 1954م.

9 - الحرّ العاملي، وسائل الشيعة في تحصيل مسائل الشريعة، بيروت ط2، 1966م.

10 - ابن سلام (أبو عبيد القاسم)، الأموال، تحقيق محمّد خليل الهراس، دار الكتب العلميّة - بيروت، ط1، 1986م.

11 - الشوكاني، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1950م.

12 - الصنعاني، سبُل السلام شرح بلوغ المرام، مراجعة الخولي، مكتبة البابي الحلبي، ط2، 1950م.

جـ - الكتب الفقهيّة:

فقه الإماميّة:

13 - الأنصاري، المكاسب، تحقيق محمّد كلانتر، طبع الجامعة العربيّة - النجف.

14 - الشهيد الأوّل، اللمعة الدمشقيّة، تحقيق محمّد كلانتر، طبع الجامعة العربيّة - النجف / الآداب، 1967م.

15 - المحقّق الحلّي، الشرائع، تحقيق محمّد عبد الحسين محمّد علي، مطبعة الآداب - النجف، 1969م.

16 - العلاّمة الحلّي، تذكرة الفقهاء، مختلف الشيعة، المكتبة الرضويّة، أوفسيت على الحجريّة، 1388هـ.

17 - العاملي، مفتاح الكرامة، مطبعة الشورى / الفجالة - مصر.

18 - ابن إدريس، السرائر، المطبعة الرضويّة (حجريّة).

19 - النجفي (محمد حسن)، جواهر الكلام، تحقيق عبّاس التوجاني، دار الكتب الإسلاميّة، 1392هـ.

20 - الفيّاض (إسحاق)، أحكام الأراضي، مطبعة الآداب - النجف، 1981م.


21 - الخوئي (أبو القاسم)، منهاج الصالحين، مطبعة الآداب - النجف، 1985م.

22 - الشيخ الطوسي، النهاية في الفقه والفتاوى، بيروت، 1390هـ.

فقه الحنفيّة:

23 - الكاساني، بدائع الصنائع، دار الكُتب العلميّة - بيروت، ط2، 1986م.

24 - ابن عابدين، ردّ المحتار على الدرّ المختار، البابي الحلبي - القاهرة، ط2، 1966م.

25 - الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة - بيروت.

26 - الميرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدى، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1965م.

27 - الماوردي، الأحكام السلطانيّة، دار الحرّية للطباعة، ط1، 1989م.

فقه الشافعيّة:

28 - الماوردي، الأحكام السلطانيّة، دار الحرّية للطباعة، ط1، 1989م.

29 - الشافعي، الأُم، وبهامشه كُتب أُخرى، كتاب الشعب - مصر، 1968م.

فقه المالكيّة:

30 - القرافي، الفروق، دار إحياء العربيّة، 1346هـ.

31 - العيد (ابن دقيق)، إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، المطبعة المنيريّة، 1342 هـ.

32 - ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة الاستقامة - القاهرة، 1952 م.

33 - الصاوي (أحمد)، بلغة السالك لأقرب المسالك، المكتبة التجاريّة الكبرى - مصر، 1371هـ.

34 - الباجي (ابن الوليد)، المنتقى شرح الموطّأ، مطبعة السعادة - مصر، ط1، 1332هـ.

35 - الإمام مالك، المدوّنة، رواية سحنون، مطبعة السعادة - مصر، ط1، 1323هـ.


فقه الحنابلة:

36 - ابن قدامة، المغني، دار المنار، ط3، 1367 هـ.

37 - الفراء، الأحكام السلطانيّة، تحقيق محمّد حامد الفقي، الحلبي، ط1، 1938م.

38 - ابن تيميّة، الحسبة في الإسلام.

39 - ابن قيّم، أعلام الموقّعين، مطبعة المكتبة التجاريّة - مصر، ط1، 1955م.

كُتب فقهيّة أُخرى:

40 - موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي، مطابع دار التحرير - القاهرة، 1386هـ.

41 - الزحيلي، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ط2، دار الفكر - بيروت.

42 - النبهاني، الاتّجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي، (دكتوراه)، بيروت، ط1، 1970م.

43 - المرتضى (أحمد بن يحيى)، البحر الزخّار، مطبعة أعضاء السنة - القاهرة، 1949م.

44 - السبزواري، جامع الأحكام الشرعيّة، مطبعة الآداب - النجف، 1988 م.

45 - الخفيف (علي)، بحثه في المؤتمر الثاني للبحوث الإسلاميّة، (الملكيّة الفردية)، الأزهر، 1964م.

46 - الزرقا، المدخل إلى الفقه الإسلامي.

47 - ابن حزم، المحلّى، المكتبة التجاريّة للطباعة - بيروت، 1969م.

48 - أبو زهرة، المؤتمر الثاني للبحوث الإسلامية، الأزهر، 1964م.

49 - قرشي (أنور إقبال)، الإسلام والربا، ترجمة فاروق حلمي.

د - المصادر القانونيّة والاقتصاديّة:

50 - أبو زهرة (محمّد)، الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي.


51 - عبد الرحيم (آمال)، قانون العقوبات الخاصّ بجرائم التموين، دار النهضة - القاهرة، 1969م.

52 - نشأة (أكرم)، الأحكام العامّة في قانون العقوبات العراقي.

53 - خليفة (أحمد محمد)، أُصول علم الإجرام الاجتماعي، القاهرة، ط2، 1955م.

54 - سعيد (مصطفى)، الأحكام العامّة في قانون العقوبات، القاهرة، 1963م.

55 - إلياس (يوسف)، مجموعة العقوبات العربية، الجنائي، مطبعة دار السلام - بغداد، 1981م.

56 - مدحت (نبيل)، الجرائم الاقتصاديّة في القانون المقارن، مكتبة وهبة - القاهرة، 1972م.

57 - العطيف (جمال)، فكرة الجريمة الاقتصاديّة، بحث مقدّم إلى الحلقة العربيّة الأولى للدفاع الاجتماعي، القاهرة، 1966م.

58 - ولعلو (فتح الله)، مدخل للدراسات الاقتصاديّة، دار الحداثة - بيروت، ط1، 1981م.

59 - السيّد علي (عبد المنعم)، دراسات في النقود والسياسة النقديّة، مطبعة العاني - بغداد، ط1، 1970م.

60 - بيرماني (خزعل)، مبادئ الاقتصاد الكلّي، بغداد، 1987م.

61 - الحسب (فاضل)، في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، دار المعرفة - بيروت، 1982م.

62 - الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت.

63 - الشبرزي، نهاية الرتبة في طلب الحسبة، القاهرة، 1356هـ.

64 - ابن الأخوة، معالم الغربة في أحكام الحسبة، كمبردج، دار الفنون، 1937م.


البحث السادس

  الصُلح وأحكامه

في الفقه الإسلاميّ والقانون المدنيّ



مقدمة

لقد وُجدت القوانين عامّة لتنظيم الحياة الاجتماعيّة، إذ انتهى العقل الإنساني إلى أنّه لا بدّ من شريعةٍ ترسم نظام الحيـاة؛ لذلك تُعدّ أهمّ وظيفة للتشريع عامّة هي إنهاء المنازعات بين الناس، فقهاً بالرجوع إلى النظريّة الفقهيّة، وقضاءً إلى أهل العلم بتلك النظريّة.

إنّ التشريع الإسلاميّ، هو آخِر التشريعات المنزَلة من قِبل الله تعالى، والذي ختم به سلسلة التشريعات التي تضع للإنسان أقوَم المناهج: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [الإسراء: 9].

يرى الدكتور الزرقا:

إنّ من الأُطر العامّة للشريعة ليس التنظيم فقط، إنّما إصلاح الحياة الاجتماعيّة بصورة تجعلها حياةً يسودها الأمن والعدل، والحرّية وكرامة الإنسان؛ لذا جاء النظام المدني الإسلامي مركِّزاً على الحقوق الخاصّة للأفراد بالدرجة نفسها التي ركّز فيها على الحقوق العامّة (1) .

والمميّزات التي ينفرد بها التشريع الإسلامي عن القانون الوضعيّ كثيرة، ويمكننا القول - في ما له المساس المباشر بموضوعنا - إنّ الفقه الإسلامي له من الصفة الدينيّة ما يطاع طاعةً اختياريّة؛ حيث سهّل الإسلام سبُل التعرّف على أحكامه، فإذا عرَفها المسلمون طبّقوها عن رضاً واختياراً منهم.

إنّ لهذا الالتزام الطوعي ثمرةً هامّةً، وهي أنّ المجتمع الإسلامي أقلّ المجتمعات إثقالاً على مؤسّسات القضاء، وأقلّ تدافعاً في اتّخاذ الوسائل لإنكار الحقّ المترتّب في ذمّة مَن عليه الحقّ (2) .

ثمرة أُخرى تُستخرَج من تلك الصفة، وهي أنّ مِن أهمّ مقاصد الشريعة أن توجد درجة عالية من التماسك الاجتماعي والمودّة والتعاطف والتكافل.

____________________

(1) الزرقا، المدخل الفقهي العام: 1/30.

(2) زيدان، نظام القضاء، ص9، ظ: عبد الباقي، نظريّة القانون، ص 25، حسن كيره، الموجز في المدخل إلى القانون، ص42.


لذلك، ليس للقانون - فقط - وظيفة حلّ المنازعات، بل هو يسعى - قبل ذلك - إلى وقاية الناس من ولوج أسباب الخصومة ابتداءً، نجد ذلك واضحاً في شرائط العقود والإيقاعات (شرائط الصحّة)، ثمّ إبطاله لكثير من التصرّفات الغررية، التي تؤدّي بالتالي إلى الخصومة والتنازع.

  فالتأكيد على معلوميّة العوَضين في البيع، أو المدّة والعوض في الإجارة، والإشهاد والمكاتبة في الدَين دليل على هذا النزوع، وإعلام على هذا المقصد؛ لذلك فالتعامل بين المكلّفين يجري قبل كلّ شيء في ضوء (تحديدات شرائط المعاملات في الفقه)، ثمّ يجعل المشرّع مِن وسيلتَي التحكيم والقضاء مؤسّستين لحلّ الخصومة الناشئة عن ضمان العقد، فإذا عجزت هذه الوسائل عن إحلال الرضا التامّ في التبادل النفعي بين الناس لم يبقَ الحقّ هكذا من دون حسْم، إنّما يتدخّل العنصر الإيماني لحلّ الإشكال باعتماد وسيلة الصُلح، بوصفها وسيلة لضمان العقد.

فما هو الصلح؟


المبحث الأوّل: جوهر الصُلح أهمّيته ونطاقه

المطلب الأوّل: الصُلح لُغةً واصطلاحاً

يعرّف العلماء الصُلح لغةً بأنّه: (قطْع النزاع).

  واختلفوا في تعريفه اصطلاحاً على أقوال:

1 - عرّفه الحنفيّة (1) والإماميّة (2) والشافعيّة (3) بأنّه: (عقْد وضْعٍ لرفْع المُنازعة). والتعريف اتّكأ - كما هو واضح - على الغاية مِن الصُلح، وفيه من عدم المانعيّة أنّ أكثر العقود الشرعيّة وُضعت ابتداءً لرفع المنازعة، فلو قيّدوها - بعد حصولها - لانصرف الذهن إلى أنّه وسيلة لضمان العقد، وإنهاء المسؤوليّة العقديّة، لكن ما يسوّغ القول بصحّة هذا التعريف أنّهم لم يُريدوا اعتبار المنازعة مقدّمة داخلة في شرائط صحّة الصُلح، فمع هذا القيد ربّما يُفهم أنّه لا يصلح إلاّ عندما تسبقه خصومة ونزاع، وهذا ما سيتبيّن في عَرْض فروض الصُلح.

2 - وعرّفه الحنابلة (4) بأنّه: (معاقدة يتوصّل بها إلى الإصلاح بين المختلفَين).

وفيه، أنّه يدخل فيه التعويض المدني وبقضاء القاضي، إذا قبِل فيه قبْل النطق بالحُكم.

3 - وعرّفه المالكيّة (5) بأنّه: (انتقال عن حقٍّ أو دعوى بعوَض، لرفعِ نزاعٍ أو خوف وقوعه)، وأرادوا بالانتقال نقل المركز القانوني للخصم من حيّز المطالبة، إلى عدمها.

وهو ما يقابل التنازل عن الحقّ أو إسقاطه، وفرّقوا بين الحقّ والدعوى؛ لأجْل أن يوسّعوا موضوع الصُلح إلى ما يشمل الحقّ الثابت، وغير الثابت المعبّر عنه بالدعوى، لكنّهم لمّا قيّدوه بالعوض، فُهِم منه أنّ الصلح على مبنى المالكيّة لا يتمّ إلاّ بعوَض. ومن هُنا يمكن وصف التعريف بعدم

____________________

(1) ابن عابدين، ردّ المحتار على الدرّ المختار: 4/493.

(2) المحقّق الحلّي، الشرائع: 2/121، ظ: جواهر الكلام: 26/210، مفتاح الكرامة، ص 460، اللمعة: 4/174.

(3) الشربيني، مغني المحتاج على متن المنهاج: 2/177.

(4) ابن قدامة، المغني: 4 / 476، غاية المنتهى: 2/118.

(5) محمّد بن سعد، دليل السالك، ص 115.


الجامعيّة؛ لأنّه يصحّ الصُلح بلا عوضٍ، ومن جهة المقاصد نجدهم قد جعلوا رفع الخصومة الحاليّة أو المتوقّعة غرضاً للصُلح.

4 - وعرّفه بعض الفقهاء (1) بأنّه: (التراضي والتسالم على أمر، من تمليكِ عينٍ أو منفعة، أو إسقاط دَينٍ أو حقٍّ أو غير ذلك).

وفي التعريف تسوية بين إتمامه عن تراضٍ أو تسالم.

5 - وعرّفته مجلّة الأحكام (2) أنّه: (عقدٌ يتّفق فيه المتنازعون في حقّ على ما يَرفع النزاع بينهما).

ومسلك تعريف المجلّة يشير إلى عدم تحقّقه في (دعوى) قبل ثبوتها، وهذا خلاف ما سيذهب إليه أكثر الفقهاء.

6 - وعرّفه فقهاء القانون (3) أنّه: عقدٌ يَحسم به الطرفان نزاعاً قائماً، أو يتوقّيان به حصول نزاعٍ محتمل، ذلك بأن ينزل كلٌّ منهما على وجه التقابل عن جزءٍ من ادّعائه.

وفي تعريف أهل القانون إدخال (للإقالة) في أحكام الصُلح، واعتبار النزول عن الادّعاء بمثابة التنازل عن الحقّ، باعتباره وسيلة الإثبات، أو أنّه يسقط بالتنازل عنه من باب الأَولى.

والذي أختارُه: إنّه عقدٌ شرعيٌّ ينهي خصومة حاصلة أو متوقّعة غالباً، بالتوصّل إلى ما يتراضى به الخصوم انتهـاءً، إمّا بإسقاط بعضهم كلّ حقّه أو جزئه، بعوَضٍ أو من دون عوَض.

لذلك يمكن القول: إنّه ذو صور متعدّدة، منها:

إسقاط أحد الخصمَين كلّ حقِّه للآخَر بعوَض أو من دون عوض.

أو إسقاطه بعض حقّه بعوَض أو من دون عوض.

أو إنشاء معاوضة جديدة على (حقٍّ متنازعٍ) عليه.

____________________

(1) أبو الحسن الموسوي، وسيلة النجاة، ص561.

(2) علي حيدر، مجلّة الأحكام العدليّة: 1/599، المادّة 1531، 1560.

(3) أحمد محمّد إبراهيم، القانون المدني، ص604.


المطلب الثاني: أهميّة عقد الصُلح

يحتلّ مبحث الصُلح وتطبيقاته في الفقه الإسلامي أهمّية متميّزة تفوق أغلب العقود. وذلك:

1 - لأنّ الطبيعة الحقوقيّة للفقه الإسلامي تختلف عن تلك الطبيعة للقانون المدني الوضعي؛ إذ إنّ انتهاء المطالبة أو ردّ الدعوى على أحد الخصوم من قِبل القضاء لا ينهي الحقّ في الفقه الإسلامي، فالحقّ الثابت يبقى متعلّقاً بالذمّة طالما لم يوفَّ لصاحبه.

ولضمان التصرّفات العقديّة في الفقه الإسلامي بجزأيه: الدنيوي والأُخروي، فإنّ التملّص من ضرورة ضمان العقد - قضاءً - لا يسقط القانون الأُخروي للعقد، قال تعالى: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) [آل عمران: 30].

لهذا، فإنّ الصُلح يُعدّ وسيلة من وسائل التخلّص من تعلّق الحقّ بالذمّة، سواء نشأ هذا التعلّق مع قصد أحد الخصوم في فترة ما عمداً هضْم حقِّ صاحبه وأكْل أمواله بالباطل، أو نشأ عن ظرفٍ خارجٍ عن إرادة المتعاقدَين، كالعجز عن إثبات الحقّ بوثيقة أو بالقضاء، ويمكن الإشارة إلى تفسير مقاصد الشارع من تشريع عقد الصلح، إلى أنّه وسيلة لإعادة الحقوق غير القاطعة وغير الواضحة إلى أصحابها؛ انزجاراً من آثار شغْل الذمّة، أو احتراماً للشرع، أو حياءً من الله، أو خشيةً منه، فلولاه لأصاب الناس حرَج في حالات التوبة وحالات أُخرى تدخل في مسوّغات عقد الصُلح ومقاصده.

2 - وفي تشريع الصُلح غرض جماعيّ فوق الأغراض الشخصيّة للمتعاقدَين؛ وهو أنّه لمّا كان هو الطريق لإعادة الحقوق إلى أصحابها برضا المتعاقدين، فقد أحلّ الصلح بين الناس الحبّ والودّ، وساد الأمن والاطمئنان، وانتهت أسباب الظلم والانتقام، فالصلح - إذن - ليس رابطة قانونيّة فحسب، إنّما في مقاصده يؤدّي إلى روابط اجتماعيّة أساسيّة متينة


ووديّة؛ لأنّه من المفاسد بقاء الحقوق معلّقةً دون حسْم، وبقاء روح المقاصّة في النفوس، وتمكّن الانتقام من أن يكون دافعاً للسلوك.

لذلك، فإنّ مِن جلْب المصلحة (تشريع الصُلح)، ومِن دفْع المفسدة (إنهاءه للخصومات). ويتّضح هذا المقصد - في الاستثناء البيّن - من القاعدة الأساسية للحقّ في الفقه الإسلامي، إذ القاعدة هي أنّ كلّ صاحب حقٍّ له أن يأخذ حقّه كاملاً غير منقوص في الصفة والمقدار، والاستثناء أن يرخّص له الشارع بإسقاط الحقّ كلّه أو جُزئه، واستيفاء الباقي لمعنى (إزالة المشقّة في تحقيق ما لا سبيل إلى تحقيقه) من إقرار الحقوق؛ لانعدام بيّنة، أو جهل بمقدار. ومبني على قاعدة (المشقّة تجلب التيسير)، التي هي ضربٌ من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة (1) .

وإذا كان الشارع في مقاصده قد حافظ على الضروريّات، فإنّ الصُلح ألصق بالمحافظة على المال، فتضييع المال مفسدة، وحِفظه على ممتلكيه مصلحة فرديّة واجتماعيّة، وهو في هذا يشارك بقيّة العقود، لكنّه يفترق عنها أنّه علاج ما لا تستطيع المواد الفقهيّة الأُخرى علاجه.

3 - ويمكننا القول أيضاً: إنّ الصلح يشكّل الصورة الخارجيّة للواجهة القانونيّة لسلوكٍ تندمج فيه القيَم الأخلاقيّة بالقوانين، وهي السِمة التي تميّز التشريع الإسلامي عن القوانين الوضعيّة، فالمسلم إذا ثبت له قضائياً ما لا يستحقّه يردّه على صاحبه، وإذا أعجز خصمه عن إثبات حقٍّ عليه ندَم ورجع عن غيّة، فيسارع إليه يطلب منه إبراء الذمّة من المشغَل، بالتصالح، فإنّ محاولات التحايل على القانون في مجتمع إسلامي تكاد تتلاشى لهذه السِمة الجزائيّة الأُخرويّة.

4 - مسألة رابعة مهمّة، وهي أنّ الصلح يكشف عن أنّ الفقه في المجتمع الإسلامي له من المقاصد ما يحلّ نزاعات الناس على الأموال خارج ساحات القضاء، فالصُلح - مثلاً - باب يخفّف كثيراً عن المؤسّسات القضائيّة، فهو في المجتمع الإسلامي ليس الوسيلة الوحيدة للتوصّل إلى الحقّ (2) .

____________________

(1) ظ: العز بن عبد السلام، في قواعد الأنام، ص22.

(2) عبد الكريم زيدان، نظام القضاء، ص9.


5 - وأخيراً، يُعَدّ الصلح أحد الطُرق لضمان العقد، وهو باب من الأبواب التي تدعو إلى الاطمئنان في المعاملات، وفيه أفضل ضمان للحقوق الهالكة والمتقادمة (1) .

المطلب الثالث: نطاق الصُلح وأقسام القانون

هل الصلح مبحث فقهي خاص، كالبيع والرهن والإجارة؟

أمْ أنّه ضابط لبعض الحالات التي يعجز عن حسمها القضاء؟

أمْ هو قاعدة تجري في أكثر من باب فقهيّ؟

الذي يخرج به الباحث أنّ الصُلح نظريّة حقوقيّة لها شروطها، وأركانها، وفرضيّاتها؛ لأنّ جوهر الصلح في الفقه: عقد يعقب علاقة بين متعاقدَين، هدفه حلّ إشكال حقوقي لا يستطيع أحد الخصوم أو كلاهما التوصّل إليه.

والمُدقّق في مبحث الصلح لا يراه مجموعة قواعد فاعلة في قسمٍ من أقسام القانون فقط، بل نجده في أكثر من مجال، ففي مجال التعامل المالي بين الأفراد نجد (صُلح المعاملات) مجموعة قواعد فاعلة، وهو ما يدخل في عموم الصلح في القانون المدني والتجاري.

وفي مجال الأحوال الشخصيّة نجد جوهر عقد الصلح، ومعناه موجود في المخالعة والمباراة والصلح بين الزوجين، ونجد معانيه موجودة في العقود والإيقاعات، أي أنّ جوهر قواعده في عموم التصرّفات المنشئة للحقّ.

ليس هذا نطاقه فحسب، بل نجد تلك القواعد موجودة في مجال القانون الدوَلي، فإنّ في عقود الصلح بعد الحرب، أو عند عقد الهدنة ممّا يطلق عليه اليوم بـ (المعاهدات)، نجد تلك القواعد فاعلة، ونجده في القانون الدستوري؛ إذ إنّ قواعده فاعلة في نمط التعامل الحقوقي مع الأقليّات في الحكم في النُظم الإسلاميّة، ففي أنماط العلاقة بين الدولة الإسلاميّة وأهل

____________________

(1) أحمد فهمي أبو سنه، النظريّات العامّة للمعاملات، يتصّرف، ص35 - 40.


الذمّة، ومباحث الجزية وأراضي الصُلح نجد جميع تلك الأحكام قائمة على قواعد الصلح عامّة.

فالفقهاء يسمُّون العقود مع أهل الذمّة صُلحاً، ويرون أنّ أرضهم تصنّف في أرض الصلح، وهي أرض ذات أحكام خاصّة مقابل أحكام الأراضي المفتوحة عنوةً وما أسلم عليها أهلها، يقول الشيخ الفياض: (وبالجملة، فإنّ الكفّار قد يُسلّمون الأرض إلى وليّ الأمّة تسليماً من دون شرط. وقد يسلّمونها مع شرط مُسبق، وعقْد الصُلح سيكون مبنيّاً على تلك الشروط)، ويخلص الشيخ إلى القول: (إنّ أرض الصلح تختلف باختلاف ما تمّ عليه عقد الصلح بشأنها، فليس له ضابط كلّي في جميع الموارد) (1) .

وكسبب من أسباب اختلاف الفقهاء في مقدار الجزية على أهل الذمّة، نجد أنّ الإماميّة (2) وعطاء (3) ويحيى بن آدم (4) وسفيان (5) يرون أن لا حدّ لها؛ لأنّها ممّا يقرّره المتعاقدان (الإمام وأهل الذمّة).

وفي المعاهدات نجد أنّ الفقهاء قد عرّفوها بأنّها (عقد مصالحة بين المسلمين والحربيّين في حالة ضعف المسلمين على الشروط المباحة شرعاً) (6) .

ويراها الشربيني أنّها: (مُصالحة أهل الحرب على ترْك القتال مدّة معيّنة بعوَض أو بغيره) (7) .

ويراها الدردير أنّها: (صُلح الحربي مدّة لمصلحة) (8) .

والإماميّة، وإن لم يعرّفوا المعاهدة بالصلح، لكن مضمون تعريفهم يكاد ينطق بأنّها مصالحة (9) .

إنّ هذا العرض السريع يكشف لنا قواعد الصُلح ومعناه، وهي لا تنحصر في بابٍ من أبواب الفقه، فهي موجودة في أقسام المعاملات الماليّة الفرديّة، والأحوال الشخصيّة، وأحكام القانون الدستوري والدولي، كما نجدها في أحكام القانون الجنائي، حين يصحّح الفقهاء الصلح على الديّة بين وليّ الدم والجاني..

____________________

(1) إسحاق الفيّاض، أحكام الأراضي، ص 325.

(2) المحقّق الحلّي، شرائع الإسلام، ص328، محمّد حسن النجفي، جواهر الكلام: 26 / 212.

(3) الطبرسي، مجمع البيان: 3 - 4/519.

(4) المصدر نفسه.                                      (5) المصدر نفسه.

(6) السرخسي، المبسوط: 9/85.                     (7) الشربيني، مغني المحتاج: 4/260.

(8) الدردير، الشرح الكبير: 2/205.

(9) ظ: الشرائع، الجواهر، الروضة البهيّة، في الأجزاء والصفحات المشار إليها، وكنز العرفان للسيوري: 3/77.


ونجد قواعده في قوانين العمل، والتعويض عن المتلف... إلخ.

لهذا وذاك يعتقد الباحث أنّ الصلح يشكّل قاعدة عامّة من قواعد الفقه الإسلامي؛ لأنّ قواعده كلّية تندرج تحتها موضوعات متشابهة في الأركان والشروط والأحكام العامّة، وإن كان لكلّ موضوع أركان وشروط وأحكام خاصّة.

إنّ هذا التدخّل الواسع للصُلح في أكثر من مبحث فقهي يجعله أوسع من البيع، والإجارة، والهبة، والإبراء، والإسقاط، والمخالعة، والمباراة، والمعاهدات، وحقوق الذمّيين.

بل هو أعمّ من مصطلح (العقد) في الفقه الإسلاميّ، وأقرب إلى الإحاطة بعموم مصطلح التصرّف المُنشئ للحقّ؛ لذلك اشتهر بين العلماء بأنّه سيّد الأحكام (1) .

ولذلك فهو يحتاج إلى صياغة تبرزه بوصفه نظريّة قانونيّة متكاملة، سيشرع الباحث في ترسيم الإطار النظري لها، كحلقة أُولى يلزم أن تتْبعها حلقات لإيضاح هذا المُدّعى.

المطلب الرابع: أدلّة مشروعيّة الصُلح

لقد دلّت على عقد الصلح مجموعة من الأدلّة من الكتاب المجيد والسنّة المطهّرة والإجماع، ودلّ العقل على جوازه، وفي ما يأتي بعض أدلّة الجواز:

1 - من الكتاب

أ - ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصّلْحُ خَيْرٌ ) [النساء: 128].

ب - قوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) [الأنفال: 1].

قال المفسّرون: (أي ما بينكم مِن الخصومة والمنازعة) (2) ، ووضّحها القرطبي قائلاً: (أي ما يقع في حال الاجتماع من مَيل النفوس إلى التشاحّ، فأمرَهم الله بإنهاء الخصومة) (3) .

____________________

(1) السيوري، كنز العرفان: 3/77.

(2) الطبرسي، مجمع البيان: 3 - 4/519.

(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 7/364.


جـ - ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ ) [النساء: 114].

د - قوله تعالى: ( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) [الحجرات: 10]. لقد فهِم المفسّرون من هذه الآيات أنّها واردة في الحثّ على رفع الفتنة بإيقاع الصلح، واستدلّوا بها على مشروعيّة الصُلح بمصطلحه الفقهيّ (1) .

2 - مِن السُنّة المطهّرة

أ - ما روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرفوعاً وموقوفاً أنّه قال: (الصُلح جائز بين المسلمين، إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً) (2) . رواه الترمذي، وغيره، وروى أيضاً بزيادة: (والمسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً)، قال الترمذي: هذا الحديث صحيح (3) . وقد ورد الحديث عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلفظ: (الصُلح جائز بين المسلمين)، وفي رواية: (اشترطوا طِيبة صاحب الحقّ) (4) .

ب - ومن سيرته أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصلح بين بني عمرو بن العوف، وأصلح بين كعب بن مالك وابن أبي حدرد، بأنّه استوضع من دَين كعب الشطْر وأمر غريمه بقبول الشطْر (5) .

جـ - وروي عنه أنّه قال لرجُلين احتكما عنده: (اذهبا فاقتسما، ثُمّ توخّيا الحقّ، ثُمّ اسْتهِما، ثُمّ ليحلّل كلّ منكما صاحبه) (6) .

3 - مِن أقوال الصحابة وإقراراتهم

أ - نقل عطاء عن ابن عبّاس (رضي الله عنه) أنّه كان لا يرى بأساً بالمخارجة، يعنـي الصُلـح فـي الميـراث (7) .

ب - صولحت امرأة عبد الرحمان بن عوف من نصيبها ربُع الثمن على ثمانين ألفاً (8) .

____________________

(1) ظ: أحكام القرآن للجصاص، ومسالك الافهام للكاظمي، ومنتهى المرام لمحمّد بن الحسين الزيدي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي.

(2) الزيلعي، نصب الراية: 4/114، الشوكاني، نيل الأوطار: 5/254، الجامع الصّغير: 2/50، التلخيص الحبير، ص 249، صحّحه الترمذي وابن حبان وابن ماجة، ورواه أحمد وأبو داود، ووصفه السيوطي بالصحّة، وردّه ابن حزم؛ لأنّه انفرد فيه كثير بن عبد الله بن زياد بن عمر، وهو عنده ساقط.

(3) ابن قيّم الجوزيّة، أعلام الموقّعين: 1/107.

(4) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، باب الصلح، رواه ابن بابويه مرسلاً، ب3، ج2، الصلح.

(5) ابن قيّم الجوزيّة، أعلام الموقّعين: 1/107.

(6) المصدر نفسه.                                      (7) المصدر نفسه.

(8) المصدر نفسه.


جـ - روى مسعر، عن أزهر، عن محارب، عن عمَر أنّه قال: (ردّوا الخصوم متى يصطلحوا، فإنّ فصل القضاء يُحدث بين القوم الضغائن) (1) .

وروى عنه (رضي الله عنه) أيضاً قوله: (ردّوا الخصوم لعلّهم يصطلحوا؛ فإنّه آثـر للصدق، وأقـلّ للخيانـة) (2) .

4 - مِن الإجماع

ما استفاضت به أقوال العلماء في حصول الإجماع على مشروعيّته مجملاً من غير خلاف بين العلماء (3) .

وقد نقل العاملي الإجماع على جواز الصلح (4) ، ونقل ابن قدامة (5) والشيخ الطوسي (6) وابن إدريس (7) إجماع المسلمين على جوازه.

5 - مِن العقل

نجد أنّ انسداد طريق إنهاء المنازعات يتعارض مع أهمّ غاية من غايات التشريع؛ وهي إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وإزالة الضغائن، فإذا تعسّر الوصول إلى إثبات الحقّ بقيت آثار سيّئة في النفس، فلا بدّ من طريق يحلّ التنازع؛ لذلك وصَفه القرآن بأنّه خير.

يقول السيوري في الآية الكريمة: ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) [النساء: 128]: أي خير عظيم، أو خير من الخيرات، كما أنّ الخصومة شرّ من الشرور (8) ، ويفيد هذا الفهْم أنّ لفظ ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) على أنّه صيغة أفعل التفضيل، أي خير مِن تمسُّك كلٍّ بحقّه، وهذا وإن كان معارضاً بقاعدة شرعيّة، إلاّ أنّه خير من الخيرات.

ممّا تقدّم يتبيّن لنا أنّ عقد الصلح مجملاً عقدٌ جائزٌ، دلّت عليه أدلّة الشرع، ولكن هذا الجواز وقع عليه مجملاً، أمّا في تفاصيله، فقد اختلف العلماء فيها، وسنعرض لخلافهم في المبحث القادم.

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه.

(3) الزحيلي، الفقه الإسلامي: 2/191، ظ: ابن رشد، بداية المجتهد: 2/290.

(4) محمّد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ص 454.

(5) ابن قدامة، المغني: 4/476.

(6) الطوسي، المبسوط، كتاب الصلح، ط. حجريّة.

(7) ابن إدريس، السرائر، كتاب الصلح، ط. حجريّة.

(8) السيوري، كنز العرفان: 3/77.


المبحث الثاني: الفروض الأساسية في عقد الصُلح

عندما يتعرّض باحث لموضوع الصُلح تواجهه أربعة مداخل رئيسة، يلزمه حسم النزاع فيها؛ لكي تتشكّل نظريّة الصلح على ترجيحاته لهذه المداخل، وهي:

1 - هل تعتبر الخصومة شرطاً لعقد الصُلح؟

2 - هل الصُلح عقد قائم برأسه، أمْ هو متفرّع على عقودٍ أُخرى، أمْ هو عقد مهامّه تصحيح وضع غير قانوني؟

3 - هل تترتّب آثار الصلح في حالات إقرار الخصم وسكوته، وإنكاره. أمْ تترتّب آثاره فقط إذا كان المدّعى عليه مقرّاً بالحقّ؟

4 - هل يشترط لصحّة العقد أن يكون العوَض عن المدّعى معلوماً معلوميّة تحدّد مقداره وصفاته، أمْ عموم ما يُدّعى به معلوماً أو مجهولاً؟

هذه الفروض الأربعة مداخل لو حسَمها البحث - ابتداءً - لأمكنه أن يُنشئ بعد ذلك مفهوماً واضحاً في بسط فقه الصُلح؛ لأنّها ممّا اختلف فيه العلماء، فلا بدّ من عَرْض الآراء وأدلّتها للوصول إلى صياغة قواعد الصلح.

المطلب الأوّل: هل ينحصر عقد الصلح في ما يُنهي خصومة حاصلة أو متوقّعة، أمْ يصحّ من دون أن تسبقه خصومة؟.

انقسم الفقهاء إزاء هذه الإشكاليّة إلى فريقين:

1 - يرى الأغلب منهم أنّ الأصل والغاية من تشريع عقد الصلح قطْع التجاذب بين المتخاصمَين، وقد طفحت كتُبهم بهذا التعريف؛ لذلك قال الفقهاء: إنّ أحكامه لا بدّ أن ترِد على سبب وهو الخصومة؛ لأنّ ما نسمّيه قاطع التجاذب يلزم أن يكون مسبوقاً به، إذ إنّ جوازه قائم على إنهاء المنازعات؛ لذلك فقد حكموا بأنّه لا يصحّ ابتداءً.


قال في متْن المنهاج: (ولو قال من غير سبْق خصومة: صالحني عن دارك بكذا، فالأصحّ بطلانه) (1) ، وعقّب عليه شارح المنهاج، بقوله: (لأنّ لفظ الصُلح يستدعي سبْق الخصومة، سواء أكانت عند حاكمٍ أمْ لا) (2) .

2 - ويرى غيرهم أنّ عقد الصلح عقدٌ عامّ مشرَّع لتصحيح أوضاع غير قانونيّة، قضاءً أو ديانةً، يسعى المَدين (مَن عليه الحقّ) إلى إبراء ذمّته منها، أو يسعيان معاً للوصول إلى الإبراء وتصفية تعلّق الحقوق بذمّتيهما أو ذمّة أحدهمـا، سواء سبقت العقد خصومة أمْ لا.

وقد ناقشوا أدلّة الفريق الأوّل بأدلّة متعدّدة أبرزها:

أ - إنّه لا يلزم من استنباط غاية المشرّع في أنّ الصُلح يسعى إلى إنهاء الخصومة أو قطْعها، تعليق صحّة الصلح في ما قطعها؛ لأنّ القواعد الحكمية لا يجب فيها الاطّراد، ومثّلوا لذلك بقوله تعالى في وصف الجنّة أنّها ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) [آل عمران: 133]، فهذا لا ينافي دخول غير المتّقين فيها، ومثّلوا له أيضاً بأنّ مشروعيّة العدّة، بوصفها لاستبراء الرَحِم، تلزم المطلّقة المدخول بها، وإن فارقها قبل الطلاق بسنين، وتلزم غير المدخول بها، وتلزم الصغيرة واليائس؛ لأنّ العدّة حُكم شرعيّ وُجد للأغلب، فكذا الصلح، فإنّه طريق وُجد للأغلب أنّه ممّا يقطع الخصومة، فلا ينبغي أن تكون (مقاصده الغالبة) ركناً في صحّته، ومثّلوا له كذلك بالسفر في كونه علّة في قصر صلاة المسافر، فالقصْر ثابت في السفر سواء صاحبَته مشقّة أمْ لا (3) .

لذلك نجد صاحب (الجواهر) يعلّق على ذلك بقوله: (إنّ الصلح من الأحكام التي لا تقتضي تخصيصاً أو تقييداً؛ لعموم الدليل أو إطلاقه، ممّا يقتضي ثبوت حُكم الدليل في محلّه وفي غير محلّه) (4) .

ب - إنّ الأدلّة الدالّة على اعتباره موضوعاً لقطع التنازع، كقول الله تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ) [النساء: 128]، الذي فيه تصريح بعدم حصول المنازعة، إنّما توقّع حصولها، والمتوقّع غير حاصل

____________________

(1) النووي، متن المنهاج: 2/178.

(2) الشربيني، مغني المحتاج في شرح المنهاج: 2/178.

(3) محمّد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ص454.

(4) محمّد حسن النجفي، جواهر الكلام: 26/210.


فعلاً، فربّما يحصل وربّما لا يحصل، فهو هنا معدوم، فلمّا جاز الصلح على خصومةٍ معدومة جاز مطلقاً.

3 - ما دلّ على مشروعيّته بإطلاق، كقوله تعالى: ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) [النساء: 128]، أو قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الصُلح جائز)، والإطلاق يقتضي عدم التقييد، والقيد بلا دليل شرعيّ زيادة على النصّ لا يلزم اعتباره شرطاً في الصحّة، فحيث ثبتت شرعيّته مطلقاً لإطلاق الأدلّة، فلا فرصة لتقييده.

4 - ويرى أصحاب هذا الرأي أيضاً أنّ مشترطي الخصومة تمسّكوا بتعريفات العلماء له، والحال أنّ التعريف غير متلقّى من الشارع، فليس هو حقيقة شرعيّة. يقول المقداد السيوري: (إنّ شرط إنهائه لخصومة اعتُبر جرْياً وراء مقتضى التعريف، وهو لا يعدو أن يكون الغرض الأقصى من تشريع الصلح لا كلّ أغراضه ومقاصده) (1) .

ولهذه الأدلّة، فإنّهم يرون أنّ موضوعه سيتّسع لِما تسبقه خصومة حاصلة أو متوقّعة، ويدخل في مجالاته ما يراد به تصفية لحقوق معلّقة غير مبتوت بها. وندرة هذا القسم لا تمنع من صحّة العقد كما هو مقتضى الإطلاق.

أمّا فقهاء القانون الوضعي، فيرون أنّه إن لم يكن هناك نزاع قائم أو محتمل، فلا يكون العقد صلحاً؛ تمسّكاً بنظريّة السبب في العقود، ويرونه في غير إنهاء الخصومة إبراء.

ويرون أنّ أيّةَ مشارطة ليس موضوعها حقوقاً متنازعاً عليها لا تسري فيها أحكام الصلح (2) .

  ومن الثمرات التي تترتّب على ذلك: أنّ الصلح لمّا كان مشروعاً لحسم النزاع، فلا يجوز في العقود الصلحيّة أن تخلق نزاعاً آخر؛ لذلك يرون أنّ من آثاره أنّه يحسم المنازعات التي يتناولها، وبه تنقضي الحقوق والدعاوى التي يتنازل عنها كلّ من المتعاقدَين تنازلاً نهائياً (3) .

____________________

(1) المقداد السيوري، كنز العرفان: 3/77.

(2) ظ: المادّة 549 من القانون المصري.

(3) السنهوري، مصادر الحقّ: 6/223، اُنظر كذلك: الوسيط في شرح القانون المدني، 5/508، أحمد محمّد إبراهيم، القانون المدني، شرح المادة 549 من القانون المدني المصري.


رأي الباحث:

  يرى الباحث أنّ فقهاء القانون الوضعيّ بنَوا إلزامهم سبْق الخصومة كشرطٍ لصحّة عقد الصلح على نظريّتهم في السبب، فهم يرون أنّ لكلّ عقدٍ سبباً، والسبب عندهم ركنٌ في العقد إلى جانب التراضي والمحل، ويرون أنّ سبب عقد الصلح نيّة المتعاقدَين المنعقدة على إنهاء النزاع أو توَقّيه، إلاّ أنّ نظريّة السبب في الفقه الإسلاميّ متروكة للنيّة والقصد، وهي بهذا القدَر لا تكون ركناً في ماهيّة العقد من جهة، ومن جهةٍ أُخرى فإنّ القصد المشروع (النيّة الحسنة) موجود؛ لأنّ تسوية الحقوق قبل حصول الخصومة قصد صحيح، إذن حتى اعتبار السبب بمعنى القصد يصحّ شرعاً؛ وعليه فالعقد ينعقد صحيحاً (*) .

أمّا تفرقة أهل القانون من أنّ التصرّف من دون خصومة يسمّونه إبراءً، فهو تعميم يرى أنّ الفقه أدقّ بكثير منه؛ إذ الإبراء عندهم هو إسقاط شخص حقّاً له في ذمّة آخر، وهو إسقاط لكلّ الحقّ من دون عوَض، أو إقرار باستيفاء الحقّ أمام القضاء، وإسقاط المطالبة به أبداً.

بينما الصُلح إمّا كليّ أو جزئيّ، بعوَضٍ أو من دون عوَض، وكلاهما في الفقه الإسلاميّ يصحّ بعد الخصومة أو قبلهـا، وإنّ ما يبيّن اشتباه أهل القانون في ذلك أنّهم يُجيزون في الصلح ما يسمّونه التعاقدي، وهو الصلح خارج المحكمة، ويجيزون انعقاده ابتداءً، فكيف يعلّقونه على خصومة؟ وأرى أنّ ذلك لقوّة أدلّة الفريق الثاني من الفقهاء في اعتباره صحيحاً سبقَته خصومة أمْ لا.

____________________

(*) لا بدّ هنا من توضيح أنّ الفقهاء المسلمين لم يجعلوا من السبب ركناً في العقد، وهُم وإن علّقوا صحّة العقد على نيّة العاقد ديانةً، إلاّ أنّهم لم يأخذوا بنظريّة السبب كرُكن في ماهيّة العقود، كما هُم أهل النظريّة التقليديّة في القانون، فما يسمّونه بالسبب الباعث يُطلق عليه الفقهاء بالقصد، كما فعل أهل القانون، فإنّ أصحاب النظريّة الحديثة يركّزون على الباحث بدل السبب المادّي، ومعيار الباعث شخصيّ، وهو خارج عن العقد، ويتغيّر بتغيّر العقود والعاقد، وبذلك تسير النظريّة الحديثة في السبب نحو ما قرّره الفقهاء المسلمون.


وإنّ حصره فيها معارَض بمقاصد الشريعة التي توسّع الباب؛ لكي تحيط أحكامها بالواقعات الكثيرة. ولأنّ أدلّته عامّة ومطلقة، لم يقمْ الاعتبار الشرعيّ للدليل المخصّص أو للقيد، ولأنّي أرى أنّ السبب الذي يكمن وراء عقد الصلح هو تحقيق التراضي عموماً - سواء بخصومة أم بغير خصومة - أعتقد أنّ تضييقه لا ينسجم مع طبيعة الشريعة ومقاصدها.

ومَن زعم أنّه يتحرّز بهذا الشرط عن انعقاده ابتداءً، احتيالاً على التشريع، لإجراء معاملة غير شرعيّة أو تعليقها على شرط مفسِد، فهذا أجنبيّ عن الموضوع؛ لأنّ الافتراض المركزيّ أنّ الفقه الإسلاميّ شريعة المؤمنين، ولأنّ الفقهاء اشترطوا لصحّة العقد سلامة القصد، فهو بهذه الحالة وإن صحّ قضاءً لا يصحّ ديانةً.

المطلب الثاني: استقلاليّة عقد الصُلح

كما اختلف الفقهاء في المدخل السابق، فإنّهم اختلفوا في ما إذا كان الصلح عقداً مستقلاًّ برأسه أمْ تابعاً متفرّعاً عن عقودٍ أُخرى، والقول الثاني - في ما بدا لي - هو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب الإمام الشافعي (1) ، والشيخ الطوسي - من الإماميّة - (2) ، وقول مشهور للحنفيّة (3) ، وقول للمالكيّة (4) والحنابلة (5) والظّاهريّة (6) . يقول الشهيد الأوّل في اللمعة: (هو أصل في نفسه على أصحّ القولين وأشهرهما؛ لأصالة عدم الفرعيّة) (7) . واختلف القائلون بأنّه فرع عن غيره على أقوال: ذهب الشربيني - من الشافعيّة - إلى أنّه خمسة أضرب: (فرع عن البيع، وفرع عن الإجارة، والهبـة، والإبـراء، والعارية) (8) .

وذهب المالكيّة إلى أنّ أقسامه ثلاثة: بيع، وإجارة، وهبة. فالصلح على غير المدّعى، إن كان ذاتاً فهو بيع، فيشترَط فيه شروط البيع وموانعه، وإن كان على منفعة فهو إجارة، فتعتبر شروطها... (9) .

____________________

(1) الشربيني، مغني المحتاج، ص 178.

(2) الطوسي، المبسوط، كتاب الصلح، ظ: النهاية، ص182، الخلاف: 2/115.

(3) السمرقندي، خزانة الفقه: 1/248، ظ: تكييف الصلح، الميرغيناني، الهداية: 3/192.

(4) محمّد بن سعد، دليل السالك لمذهب الإمام مالك.

(5) ابن قدامة، المغني: 5/15.                         (6) ابن حزم، المحلّى: 8/166.

(7) محمّد بن جمال الدين العاملي: 4/174.         (8) الشربيني، مغني المحتاج: 2/180.

(9) محمّد بن سعد، دليل السالك، ص115.


أمّا على القول باستقلال عقد الصلح، فيعبّر عنه في الوسيلة بقوله: (ما أفاد منه فائدة البيع لا تجري فيه الخيارات، كخيار المجلس وخيار الحيوان، ولا تجري فيه أحكام الشفعة، ولا شرط القبض بمعاوضة النقدين، وما أفاد فائدة الهبة لا يعتبر فيه قبْض العَين) (1) .

ثمرة الخلاف:

وضُح من النصّ المتقدّم أنّ ثمرة الخلاف تظهر في ما إذا كان الصُلح - مثلاً - متفرّعاً على البيع، فإن كان المدّعى أحد النقدين - مثلاً - يجري في العوضين شرط التقابض في مجلسٍ واحدٍ، ويُشترط في غير النقدَين معلوميّة العوضين، وفي الإجارة يشترط معلوميّة ثمن الإجارة ومدّتها. بينما على رأي مَن يراه - الصلح - عقداً مستقلاًّ، فإنّ كون العوَض مطلقاً لا يؤثّر في العقد، وقد استدلّ القائلون بالاستقلال بما يأتي:

1 - إنّ ما حمل أصحاب الرأي الثاني على القول به - وهو التفرّع عن عقودٍ أُخرى - هو دعوى المماثلة والمشابهة الحُكميّة، والحال أنّ التشابه لا يقتضي الاتّحاد على وجهٍ تلحق أحكام الأصل بالفرع، فكلّ حكمٍ ثبت لموضوع خاصّ، لا يثبت لغيره من تلك الحيثيّة، وإلاّ لاقتضى اتّحاد الهبة بعوضٍ معلوم مع البيع، وهو واضح البطلان.

2 - إنّ عمومات النصّ أفردَته بنفسه، ولم تخصّصه بإلحاقه بغيره من العقود كما ألحقَت الخيارات بعقد البيع.

3 - ومع افتراض وجود العارض الظنّي، فإنّ المرجع لاستقلال عقد الصلح أصالةً استقلال العقود؛ لذلك يقول الشهيد في اللمعة: (لأصالة عدم الفرعيّة).

4 - ويُلزم القائلون بالاستقلال خصومهَم في أنّهم أجازوا الصلح على غير المعلوم، فأخرجوه من شرائط البيع والإجارة، فلو كان تابعاً لما صحّ الصلح على غير المعلوم.

وللإماميّة - كما تقدّم - قولان: نُسب القول بفرعيّة عقد الصلح إلى الشيخ الطوسي، في حين خالف ابن إدريس الحلّي تلك الفتوى، بل جعَل القول باستقلال عقد الصلح مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (2) ، بل في السرائر

____________________

(1) السيّد أبو الحسن، الوسيلة: 1/561.

(2) ابن إدريس، السرائر، كتاب الصلح، ط. حجريّة غير مرقّمة.


تلويح ومناقشة، في أنّ ما نُسب إلى الطوسي ليس رأياً له، إنّما نقله الشيخ في النهاية كرأي من الآراء، ويؤكّد ذلك رأيه في الخلاف؛ إذ يرى استقلاله، والخلاف متأخّر عن النهاية (1) .

ولكن بمتابعة أقوال الشيخ الطوسي - رحمه الله - في النهاية والمبسوط والخلاف، تُظهر عبارته أنّه يميل إلى أنّه مصحّح لوضعٍ نشأ بعد بيعٍ أو إجارة، بهبةٍ أو إبراءٍ أو عارية.

وفي القرن الثالث عشر الهجري ظهرت عقليّة فقهيّة مُبدعة، وهي عقليّة الشيخ الأنصاري الذي يرى أنّ حقيقة الصلح هي التسالُم؛ لذا لا يتعدّى بنفسه إلى المال، إلاّ أنّه يتضمّن التمليك إذا تعلّق بعَينٍ أو منفعة، كما يشمل الانتفاع إذا تعلّق بعارية، وهنا لا يفيد أكثر من مجرّد التسليط، ويتضمّن عقد الصلح الإسقاط إذا تعلّق بالإبراء من الحقوق. فهو عند الشيخ الأنصاري مشتركٌ عقديّ، يفيد في كلّ موضوعٍ فائدة (2)

إنّ نظريّة الشيخ الأنصاري مبنيّة على رأي المقداد السيوري، الذي وجدناه يعدّه في موضوعه أعمّ من باقي العقود؛ ولأجل ذلك أُطلقت عليه تسمية سيّد الأحكام.

رأي القانون المدني:

  يرى فقهاء القانون أنّ الصلح من العقود التي تقع على الملكيّة، والتي ينقضي بها الالتزام؛ لأنّه كاشف عن الحقّ وليس منشأً له، ولمّا كان أهل القانون - كما تقدّم - يحصرونه في المعاوضات؛ إذ هم يسمّون ما لا معاوضة فيه بالإبراء، فالصلح عندهم يتضمّن في معانيه عدّة عقود معاوضيّة، كالهبة المعوّضة والبيع والقسمة الرضائيّة والمطلقة، وأحال أهل القانون قضيّة التفريق بين الصلح برأسه والصلح المتفرّع عن البيع أو الإجارة إلى اجتهاد القاضي، من خلال ملاحظة ورود الإرادتين وبقيّة عناصر الصلح (3) .

رأي الباحث:

يرى الباحث أنّ سبب الخلاف هو اشتمال الصلح على معاني وضوابطَ عدّةِ عقودٍ، فاختلفت أنظار الفقهاء في ما إذا كان هو نتيجة لاختلاف المتنازعين في تلك العقود، أمْ هو (ذو موضوعٍ أعمّ من تلك

____________________

(1) ظ: المصدر نفسه، العاملي، مفتاح الكرامة، ص458، الطوسي، الخلاف: 2/115.

(2) الأنصاري، المكاسب: 6/39.

(3) السنهوري، مصادر الحقّ في الفقه الإسلامي: 6/223.


العقود)، بحيث يمكن أن تكون موضوعاتها موضوعاً له، مع اختلاف في وجهة كلّ عقدٍ في تصحيح أوضاع غير رضائيّة.

والذي يظهر لي أنّ المقداد السيوري أوّل من نبّه على عموم موضوعاته، فتقدّم الشيخ الأنصاري خطوة على الخلاف التقليدي للمتقدّمين، عندما أطلق عليه مصطلح المشترك العقديّ، فصار عنده عقداً مُصحّحاً لِما أُنشئ عن بيعٍ أو إجارةٍ أو غصبٍ أو غيره، وهنا يمكن اعتباره مصحّحاً شاملاً، بل الذي يظهر لي أنّ للصُلح - بناءً على هذه النظرة - قابلية تعديل ترتيب الحقوق والالتزامات، التي أُبرمت في ظروف واقعيّة أو قانونيّة لم يتحقّق منها تراضٍ فعليّ، وإن كان هناك اختيار قولي - على ما عند الحنفيّة من تفريقٍ بين مصطلح الرضا ومصطلح الاختيار -، كذلك لا يُصار إلى القول: (إنّ الأصل في جملة على أقرب العقود وأشبهها)، كما يقول الميرغيناني (1) .

المطلب الثالث: صحّة عقد الصُلح مع إنكار المدّعى عليه

اتّفق الفقهاء على جواز الصُلح إذا كان المدّعى عليه مُقرّاً بالحقّ (2) ، واختلفوا في صحّته إذا كان ساكتاً أو منكراً على أقوال:

1 - ذهب الإمام الشافعي إلى عدم جوازه إذا كان المدّعى عليه ساكتاً أو منكراً، ووافقه على ذلك ابن أبي ليلى.

2 - ذهب جمهور الفقهاء إلى جوازه إذا كان المدّعى عليه ساكتاً.

3 - أمّا مع إنكار المدّعى عليه - محلّ الدعوى الصُلحيّة - فإنّ الفقهاء فيها على قولين: ذهب الإماميّـة والحنفيّـة (3) إلى جواز عقد الصلح مع الإنكار، بينما ذهب غيرهم إلى عدم جوازه.

أدلّة المُجيزين

استدلّ المجيزون بعدّة أدلّة منها: أ - عموم النصوص الواردة في الصلح تجعله صالحاً للانعقاد مع إنكار المدّعى عليه؛ لأنّ أدلّة الصلح عامّة لم تخصّص بدليل.

____________________

(1) الميرغيناني، الهداية: 3/192.

(2) السرخسي، المبسوط: 20/139، الكاساني، بدائع الصنائع: 6/40، ابن رشد، بداية المجتهد: 2/290، الدردير، الشرح الكبير: 3/3 - 9، الحلّي، المختلف: 2/18، الشهيد الأوّل، اللمعة: 4/177.

(3) ظ: الشربيني، مغني المحتاج: 2/180، المهذّب: 1/333، ابن قدامة، المغني: 4/482، العاملي، مفتاح الكرامة، ص 458، النجفي، جواهر الكلام: 26/212، المحقّق الحلّي، الشرائع: 2/123، الزحيلي، الفقه الإسلامي: 1/192.


ب - قول الخليفة عمَر: (رُدّوا الخصوم حتى يصطلحوا)، فهو إضافة إلى اعتباره بحُكم المرفوع، فهو مُشعِر بالإجماع؛ لأنّ القول كان بمحضرٍ من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد مطالباً إيّاه بالمخصّص.

جـ - واستدلّوا بدليل عقليّ مؤدّاه أنّ الصلح شُرّع للحاجة إلى قطع خصومة؛ حيث إنّ الإنكار فيها أمر أغلبي، ومنْع الصلح في تلك الحالات تضييق لأغلب ما شُرّع له.

إضافة إلى أنّ الإقرار مسالمة على الصُلح، فوق ما له من قنوات قضائيّة وعُرفيّة لا تنحصر بالصلح، فيبقى الصلح في أصل مقاصده مُشرَّعاً لحالات الإنكار.

لذلك مالَ أبو حنيفة، حيث قال: (أجوَز ما يكون الصلح على الإنكار).

أدلّة المانعين

استدلّ المانعون على بطلان الصلح على الإنكار بعدّة أدلّة، منها:

إنّ الصلح على الإنكار يدخل في مستثنى الحديث: (إلاّ صلحاً أحلّ حراماً)، والمُنكر لا يجب عليه شيء، فالصُلح كأنّه استحلال ما ليس له، وهو حرام، فإن كان المدّعي صادقاً؛ فإنكار المدّعى عليه يجعل الصلح معاوضة على ما لم يثبت له من حقّ، زيادةً على أنّه خَلا من العوَض في جانبه الآخر، وإذا كان كاذباً، فقد أكل مال أخيه بالباطل، ففي كلا الحالَين صار الصلح وسيلةً لأكل أموال الناس بالباطل المنهيّ عنه، وبه يدخل في موضوع الاستثناء؛ إذ على فرض أنّ المدّعى عليه قد بذَل المال وهو منكر لغرض قطع الخصومة، فكأنّه أعطى مالَه رشوة، وهي حرام.

مناقشة الأدلّة

لقد نوقشت أدلّة (المُجيزين) بعدّة مناقشات، أهمّها:

1 - إنّ الاستدلال بالعموم مع وجود المخصّص لا يمكن اعتباره والركون إليه؛ إذ إنّ العمومات مخصّصة، والحديث فيه استثناء، والاستثناء هو


المخصّص، وإذا ثبت نصّاً، لا يُعارَض بالاجتهاد. يقول ابن حزم: (لقد احتجّوا بعموم ( وَالصُلْحُ خَيْرٌ ) [النساء: 128]، والعمل بالآية ليست على عمومها؛ إذ الله تعالى لم يُرِدْ قطّ كلّ صُلح) (1) ، فمتى استطاع المُجيزون إخراج الصلح مع إنكار المدّعى عليه من مصاديق الاستثناء صرنا إلى الجواز، ومن جهة المجيز الشرعي لم يرِد في القرآن أو السنّة تصحيح الصلح على الإنكار ولا إسقاط اليمين؛ إذ إنّ ذلك ليس مشترَطاً في كتاب الله وسنّة نبيّه (2) .

2 - إنّ قول الخليفة عمَر لا يحتمِل أكثر من الحثّ على الصلح قبل التقاضي، وعجْز الرواية دليل على بطلان الصلح على الإنكار، فعجْز الرواية يقول: (إنّ فصل القضاء يورث الضغائن)، وأخذ مال الغير بالصلح مع إنكاره يورث الضغينة أيضاً؛ إذ لا رضا ولا تراضٍ في صُلحٍ مع الإنكار، إذن فقَدَ الصلح مقاصده، فكأنّ الصلح مع الإنكار هنا صار خلاف مقصد تشريعه.

هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أُخرى لا يُحمَل قول الخليفة عمر مع إغماض العين عمّا تقدّم فقدانه لقوّةٍ قانونية مُلزمة بحدّ ذاته؛ لأنّه لا يعدو أكثر من قولِ مجتهد ندَب الناس إلى الصُلح، واعتبار الرواية عنه كاشفة عن إجماع الصحابة أمرٌ فيه تأمّل. وإنْ عَدّها الكاساني إجماعاً وحجّةً قاطعة، لكن الجمهور يرى أنّه تحميل للأمر أكثر ممّا يحتمل؛ لأنّ أقل ما يقال فيه: إنّ هذا المسمّى إجماعاً يندرج في السكوتي منه، وهو مختلَف في حجيّته، والباحث مع رجحان مَن يراه غير حجّة البتّة (3) .

زيادةً على أنّ القول المذكور لم يصرّح بجواز الصُلح مع الإنكار.

3 - أمّا ما استدلّوا به من موافقة جواز الصلح مع الإنكار لمقاصد الشريعة، فهو معارَض بمقاصدها أيضاً؛ إذ إنّ فتح الباب في مشروعيّة الصلح مع الإنكار ذريعة يسلكها أصحاب النفوس الضعيفة؛ لكي يُفادى الناس الخصومات واليمين بالمال تحت عنوان الصلح، وعند ذلك يتعارض الدليل مع نفسه أو بمثله، فضلاً عمّا عارضه ما هو أقوى؛ إذ إنّ المقاصد

____________________

(1) ابن حزم، المحلّى: 8/162.

(2) المصدر نفسه.

(3) السمرقندي، ميزان الأُصول، ج2.


دليلٌ لُبّي، والدليل اللفظي مقدّم عليه مطلقاً، وهو مُستثنى الحديث النبوي، فيسقط اعتبار الحجيّة فيه.

وكما نوقشت أدلّة المُجيزين، تعرّضت أدلّة المانعين إلى النقض بعدّة مداخلات، أهمّها:

إنّه ليس مسلّماً دخول الصلح مع إنكار المدّعى عليه في مستثنى الحديث النبوي؛ لأنّ الممنوع في الحديث أن يُجيز الصلح شيئاً محرَّماً مع بقائه على تحريمه، كما لو اصطلحا على خمرٍ أو خنزير، وحيث إنّ للمدّعي أن يأخذ حقّه مع إقرار المدّعى عليه أو إنكاره قضاءً أو صلحاً، فإنّ الصلح مقدّمة للتخفيف عن القضاء، فإن لم يحصل عليه صلحاً لجأ إلى القضاء، وعند ذلك فالمدّعى عليه يدفع ادّعاء المدّعي إمّا بالبينّة على بطلان الدعوى أو باليمين؛ لأنّه على المنكر. فإذا أراد أن يصون نفسه من الخصومة واليمين فله ذلك، والشرع لا يمنع منه وقايةً لنفسه ولدفع الضرر عنه، فإنّه يسوغ له، لهذه الغاية بذَل المال مفاداةً ليمينه؛ ولهذا ليس مسلّماً أن يدخل الصلح مع الإنكار في مستثنى الحديث.

وبذْله للمال هنا يجعله على عوض، وليس على غير معاوضةٍ، وهو أنّ للمدّعي حقّ تحليف المُدّعى عليه المنكِر، فله أن يتفاداه بالمال، فكأنّ المال هنا صار عوضاً عن حقٍّ ترتّب في الذمّة ولم يُؤدَّ، فاعتباره رشوة مسألة غير مسلّم بها، وكذا كونه أكلاً لأموال الناس بالباطل؛ إذ المفترض أنّ الدعوى صادرة من ذي حقّ، وادّعاء كونه أكلاً لأموال الناس بالباطل يصحّ إذا قطعنا بأنّ المدّعي كاذب في دعواه، وحيث إنّ القطع منتفٍ، فالنتيجة تلك فاسدة لفساد مقدِّماتها.

يقول ابن قدامة: (فإمّا أن يكون المدّعي كاذباً فالصلح باطل في الباطن؛ لأنّه أكلُ مالٍ بالباطل، وليس عوضاً عن حقّ، فيكون حراماً) (1) .

ويرى ابن قدامة المقدسي أيضاً: (أرأيت أنّ الفقهاء يُبيحون لمَن له حقّ يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدَره، فإذا حلّ له ذلك من غير اختباره

____________________

(1) ابن قدامة، المغني 4/477.


فإنّ الرضا بذلك أَولى، وهو يتحقّق بالصُلح)، ويرى كذلك: (إنّ هذا الصلح ليس فعلاً محرّماً؛ لأنّ المدّعي يأخذ حقّه من المنكِر لعِلمه بثبوت حقّه عنده، ولمّا كان المنكر يدفع المال لإنهاء الخصوم واليمين، وللتخلّص من شرّ المدّعي، فإنّ هذا لا يمنع منه نصٌّ ولا إجماع) (1) .

رأي الباحث:

يرى الباحث في هذا الخلاف رجحان ما ذهب إليه بعض علماء الإماميّة من التفصيل، فقد فرّقوا بين الصحّة الواقعيّة والصحّة الظاهريّة، واعتبروا الصُلح مع الإنكار صحيحاً ظاهراً، واحتجّوا بالمقاصد التي احتجّ بها الجمهور، ذاهبين إلى أنّه لمّا كان الصلح وسيلةً لإنهاء الخصومة، فإنّه لو لم يصحّ مع الإنكار لامتنعت أكثر فوائده، لكنّه هنا صُلحٌ ظاهريّ مع صدق إنكار المدّعى عليه بما يفيد براءة الذمّة.

وقد وردت صحيحة عمَر بن يزيد، عن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (إذا كان للرجُل حقّ، فمَطله حتى مات صاحبه، ثُمّ صالح ورثته على شيء، فالذي أخذه الورثة لهم، وما بقي فهو للميت يستوفيه في الآخرة) (2) .

ويترتّب على هذا التفريق أنّه: إن كان المدّعي باطلاً في نزاعه لم يستبِحْ ما صُولحَ به؛ لأنّه من صور الإكراه على الصُلح، أو استثمار طريق شرعيّ لغاية محرّمة (3) ، وإن كان محقّاً فله أخذ العوَض أو طلب اليمين، أو للمدّعى عليه دفع المال بدل اليمين، وهنا يحيل فقْه الإماميّة - كما يبدو للباحث - أمر النظر في صُلحٍ قضائي - مثلاً - مع إنكار المدّعى عليه فحْص (دعوى المدّعي)، إلى القاضي أو الحاكم الشرعيّ.

يقول العاملي: (إلاّ إذا كانت الدعوى مستندة إلى شبهةٍ أو قرينةٍ يخرج بها عن الكذب المحْض) (4) .

وعند ذلك تتحقّق الصحّة في الأمر نفسه؛ لأنّ اليمين المترتّب على ادّعائه حقٌّ يصحّ الصلح على إسقاطه. لكن ابن قدامة يرى أنّ الظاهر للقاضي هو مبنى الصحّة؛ لأنّه لا يعلم باطن الحال إنّما يبني الأمر على الظواهر، لا سيّما أنّ الظاهر من المسلم صحّة المدّعى (5) .

____________________

(1) المصدر نفسه: 8/162.

(2) الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، كتاب الصلح.

(3) محمّد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ص458.

(4) المصدر نفسه.

(5) ابن قدامة، المغني: 4/478.


الثمرة المستفادة من تفصيل رأي الإماميّة:

إنّ الحكم بالصحّة ظاهراً يصحّ إذا كان الواقع مشتبهاً، ولم يُعلَم المبطِل منهما بعينه، وإن كان هذا الصلح لا يُبيح للمبطل منهما شيئاً في نفس الأمر - الصحّة الواقعيّة - بحيث لو انكشف الحال بعد الصلح بغير ما تصالحا عليه عُمل بالمنكشف، وحُكم ببطلان الصلح الظاهريّ، بل إذا انكشفت بيّنة تُعدّل من حصص المتصالحَين، أو تلغي الصلح برمّته حكم بها على الأظهر، ولو بعد إتمام الصلح الظاهريّ الذي كانت وسائل الإثبات فيه قد توصّلت إلى حقوق (1) . ويستفاد من ذلك كلّه أنّ عدم القطع بالواقع جملة لا ينافي إجراء الحكم في الظاهر عند عدم التوصّل إليه.

ومن ثمراته: إنّ الحكم بصحّة الصلح صحّةً ظاهريّة حكمٌ مؤقّت يحسم في وقتٍ ما النزاع من جهة، ويضمن حقوق المنكِر في الدنيا من جهةٍ أخرى لحين توفّر البيّنة له، ويُعَدّ (باطلاً) ديانةً إذا كان المدّعي مبطلاً في دعواه.

ومن ثمراته أيضاً: إنّ الصلح لا يُعَدّ إقراراً مطلقاً بما تصالحا عنه أو عليه، بل أمراً قابلاً للفسخ إذا انكشف أمر يعدل ترتّب الحقوق، فلو ظهر أنّ أحد الطرفين لا يستحقّ العوض المصالَح به؛ لعدم ملكيّته بما صالح عنه بَطُل الصُلح، وعند ذاك يكون الصلح مع الإنكار حالةَ صلحٍ مؤقّتة.

يقول الشهيد في اللمعة: (إنّ مَن يطلب الصلح لا يعَدّ منه إقراراً بالحقّ على مَن يرى صحّة الصلح مع الإنكار)، أمّا مَن يرى تفرّده في ما أقرّ به المدّعى عليه، فيَعدّ طلبه إقراراً منه، فيكون مجرّد الطلب ملزماً له (2) .

ويرى في الوسيلة أنّه لمّا صرنا إلى أنّ الصلح يصحّ مع الإنكار، لمْ يكن القبول به إقراراً بالحقّ، بخلاف ما لو قال: بِعْني، أو: ملِّكني، فهو إقرار بعدم كونه مِلكاً له (3) .

المطلب الرابع: اشتراط عِلم المتصالحَين بما تنازعا عليه

اتّفق الفقهاء على صحّة الصُلح مع علم المتصالحَين بما تنازعا عليه، ولكنّهم اختلفوا مع الجهالة، فيـرى الإماميّـة (4) والحنابلة (5) والحنفيّة (6)

____________________

(1) النجفي، جواهر الكلام: 26/212.

(2) الشهيد الأوّل، اللمعة: 4/176.

(3) أبو الحسن الموسوي، الوسيلة: 1/563.

(4) المصدر نفسه.

(5) ابن قدامة، المغني: 4/488.

(6) الكاساني، بدائع الصنائع: 6/40.


جواز الصلح مع الجهالة، ويرى الشافعيّة (1) والظاهريّة (2) وبعض المالكيّة (3) بطلانه.

واستدلّ المُجيزون له بعدّة أدلّة، منها:

1 - إطلاق الأدلّة وعدم وجود مقيّد يقيّد صحّة الصلح بما عُلم التنازع فيه.

2 - ما ورد في الصحيح عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، أنّهما قالا في رجُلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه لا يدريان كم هو، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي. فقال الإمام (عليه السلام): (لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت به نفساهما) (4) .

لكن تُناقش دلالة الرواية بأنّها ناظرة إلى الإبراء لا الصُلح، إلاّ أنّ الباحث يرى تضمّن الصُلح للإبراء يجعلها ناظرة إليه بمعناه الأعمّ، أي أنّها ناظرة للصلح الذي يحقّق إبراءً.

ولظهور المعاوضة فيها فلا تُحمَل إلاّ على الصلح، ومع الحاجة إلى تحصيل البراءة مع الجهل فلا يتمّ إلاّ بالصلح.

3 - قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (استَهِما وتوخّيا، وليحلل أحدكما صاحبه) (5) .

4 - ومن المعقول أنّه إذا صحّ عن معلوم، فمِن بابٍ أَولى يصحّ عن مجهول؛ لئلاّ يفضي إلى ضياع المال؛ لأنّ المعلوم يمكن التوصّل إلى استيفائه قضاءً أو تحكيماً، بينما المجهول ليس له من طُرق الاستيفاء إلاّ الصُلح.

5 - وحتى مع افتراض أنّه فرع على البيع، فإنّه في حالاتٍ استثنائيّة يصحّ في المجهول مثل بيع أساسـات الجـدران (6) .

أمّا المانعون، فإنّهم يرونه باطلاً إذا وقع عن مالٍ مجهول؛ لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) [النساء: 29]، وهنا لا يتحقّق الرضا المشترط في الآية.

ومن حيث إنّه فرعٌ عن البيع، فإنّه باطل لمجهوليّة العوضين المتصالح عنهما.

____________________

(1) الشربيني، مغني المحتاج: 2/177.

(2) ابن حزم، المحلّى: 8/165.

(3) شرح الدردير على حاشية الدسوقي: 3/309.

(4) العاملي، وسائل الشيعة، كتاب الصلح.

(5) ابن قيّم الجوزيّة، أعلام الموقعين: 1/108 - 109.

(6) ابن قدامة، المغني: 4/492.


ويقسّم العاملي هذه الفرضيّة إلى أربعة صور، هي:

أ - أن يعلما ما وقعت فيه المنازعة، فالحكم في هذه الصورة واضح من غير ريبٍ، لارتفاع الجهالة.

ب - أن يجهلاه ويتعذّر عليهما معرفته مطلقاً، فالصحّة أيضاً؛ لتطابق النصوص والإجماعات على الصحّة مع موافقة العقل، إذ إنّ مَن عليه حقّ يجهل قدره، ويريد إبراء ذمّته، يلزم أن يكون له طريق وليس له إلاّ الصُلح، وإلاّ لَزِم الحرَج، وإذا صحّ الصُلح مع العلم بالمصالَح عنه، فمِن باب أَولى يصحّ مع الجهل به؛ لأنّه في الحالة الأُولى هناك طريق للإبراء، أمّا في الثانية فلا طريق لذلك، ولو لم يجزْ الصلح هنا لأدّى ذلك إلى ضياع المال، وهو خلاف مقصود الشارع.

جـ - أن يجهلاه ويمكن معرفته بالحال، فالمشهور عدم الصحّة؛ لمكان الغَرر والجهل مع إمكان التحرّز منهما، وهنا يلحظ رجحان أدلّة النهي عن الغَرر على عمومات الصُلح؛ لاعتضاد الأُولى بأدلّة العقل، وبإمكان التحرّز، فهي هنا - أي أدلّة عموم الصلح - مخصّصه بما لا غَرر فيه ولا جهالة يمكن التحرّز منها، أو أنّ العامَّين من النصوص تعارضا فتساقطا، ولزم من تساقطهما العودة إلى الأصل، وهو عدم صحّة المعاملات أصلاً ما لم يرِد في جوازها مُسوّغ شرعيّ.

وعبارة العاملي المصدّرة بـ (المشهور) تعني وجود رأي مرجوح عند الإماميّة يقضي بجواز الصلح في هذه الصورة، مستعينين بظهور أدلّة الصُلح؛ ولأنّه أوسع من البيع لِما هو مشرّع فيه من المسامحة والمساهلة، ولأنّه لمّا جاز الصلح بلا عوض جاز مع الجهالة من بابٍ أَولى.

د - أمّا الصورة الرابعة، فهي ما لا يمكن معرفة المُصالَح عنه في الحال؛ لعدم وجود آلة القياس كالوزن والمكيال، أو لكون العوضين غائبَين مع تعذّر إحضارهما.


والصورة هذه صحيحة؛ لتناول الأدلّة لها، ولأنّ الحالة تقتضي اتّخاذ الصُلح طريقاً لحسْم النزاع، ولأنّه قد يحصل بتأخير الحسم ضرر (1) .

وإلى مثل هذا ذهب الحنابلة، فقد قال ابن قدامة: (إنّ الجهالة لا تمنع الصحّة؛ لكونها لا تمنع التسليم)، وفي موضعٍ آخر يفصّل فيقول: يصحّ الصلح على مجهولٍ إذا لم يكن إلى العلم به سبيل (2) ، مستدلّين بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمتنازعين على ما لم يستطيعا معرفته: (استهما وتوخّيا، وليحلل أحدكما صاحبه).

ومَن يرى شريطة المعلوميّة بما تصالحا عنه إنّما رتّب كون الصلح فرعاً على البيع، والحال أنّه ليس كذلك، بل هو هنا (معاوضة)؛ الغرض منها ليس انتقال الثمن والمُثمن فقط، إنّما الغرض الأساس هو تحقّق الإبراء وحسم النزاع، وممّا يدلّ على أنّه لا يشترط أن يكون المصالَح عنه معلوماً، أنّ الصُلح كما يتضمّن معنى المعاوضة يتضمّن معنى الإسقاط، وهذا إسقاط حقٍّ، فصحّ في المجهول.

وذهب المالكيّة إلى اشتراط معرفة المدّعي قدر ما يصالح عنه من الدَين، فإن كان مجهولاً لم يجزْ؛ للغَرر.

ولا يصحّ - كذلك - عند الإمام الشافعي؛ لأنّه يراه فرعاً من البيع.

فمثلما لا يصحّ بيع المجهول لا يصحّ الصُلح على المجهول (3) .

وبهذا القدر نستطيع القول: إنّ الفروض الأربعة الأساسيّة قد شكّلت إطاراً نظريّاً لمبحث الصُلح، اخترنا منها:

إنّ سعة نطاق الأحكام لا تحصر الصُلح في ما كان قد سبَقه نزاع، وإنّه عقدٌ برأسه أفاد في أغلب معالجته تصحيح (حقوق ترتّبت في وضعٍ غير رضائيّ)، سواء كان الوضع ذاك مادّياً أو قانونيّاً، ولا مانع من وروده مطلقاً إلاّ إذا استهدف - ابتداءً - تسويغ المحرّم. وإنّه يصحّ مع إقرار المدّعي ظاهريّاً وواقعيّاً، ويصحّ مع الإنكار والسكوت صحّةً ظاهريّة، بحيث لو انكشف بطلان الدعوى على المنكِر، بَطُل الصُلح برمّته

____________________

(1) العاملي، مفتاح الكرامة، كتاب الصلح، ص458.

(2) ابن قدامة، المغني: 4/492.

(3) الشهيد الأوّل، اللمعة: 4/177.


إلى جانب أنّه معلّق ديانةً على صدق المدّعي في ما يدّعيه، أو في ما تصالحا عنه بعوضٍ. وأنّه لتعدّد مشاغل الحياة واتّساع مراميها وكثرة الحوادث، لا سيّما في الظروف المعاصرة، فإنّ من المصلحة تجويز الصُلح على (ما جُهِل جنسه ومقداره)، ولا يمكن التوصّل إلى معرفته لسببٍ وجيهٍ؛ لئلاّ يضيّع عدمُ التسويغ المالَ وحقوقَ الناس فيه، ويصاب الناس بالحرَج، ويتأثّر التماسك والودّ الاجتماعي.


المبحث الثالث: أركان الصُلح

المطلب الأوّل: أركان الصُلح في الفقه الإسلاميّ

يحدّد الفقهاء المسلمون أركان الصلح بـ (الصيغة والعاقدَين والمحلّ).

الفرع الأوّل: صيغة عقْد الصُلح

يرى الفقهاء أنّه لمّا كان الصلح عقداً، فيلزم ألاّ ينعقد إلاّ بصيَغ العقود، أي توافق الإيجاب والقبول الصادرَين من كامل الأهليّة (البلوغ، العقل، والاختيار)، وتؤدّى صيغة التعاقد من كلٍّ منهما بلفظ (صالحتُ)، ولفظ (قبلتُ الصُلـح).

لكن صاحب (الوسيلة) ذهب إلى أنّه لا يعتبر فيه صيغة خاصّة كالبيع والإجارة وعقد النكاح، بل يقع عنده بكلّ لفظ أفاد التسالم على أمرٍ من نقلِ حقٍّ، أو إقرار بين المتصالحَين (1) .

بينما يرى فقيه إماميّ معاصر أنّه لمّا كان عقداً فلا بدّ فيه من الإيجاب والقبول، حتى في موارد المصالحة على إبراء ذمّة المَدين من الدَين، أو إسقاط الحقّ؛ إذ إنّ هذه من الإيقاعات التي يصحّ فيها الإنشاء دون القبول، لكنّها حينما يؤتى بها على وجه الصلح تحتاج إلى إيجاب وقبول؛ لأنّ الصلح عقد، وإن كان متعلّقه قد أشبه الإبراء والإسقاط في آثارهمـا (2) .

الفرع الثاني: العاقدان

عبّر الفقهاء في صدور الصيغة من الكامل - ومقصودهم كامل الأهليّة - بتوافر شروط: العقل والبلوغ والاختيار.

1 - فشرط العقل - كما يقول الكاساني - شرط عامّ في جميع التصرّفات، فلا يصحّ اتّفاقاً صُلح المجنون الذي لا يعقل (3) .

____________________

(1) الموسوي، الوسيلة: 1/561 و562.

(2) محمّد أمين زين الدين، كلمة التقوى (رسالة عمليّة)، كتاب الصلح: 4/5.

(3) الكاساني، بدائع الصنائع: 6/40.


2 - وفي شرط البلوغ: يفرّق الفقهاء بين الصبيّ المُميّز وغير المُميّز، فهم يردّون صُلح الأخير مطلقاً.

أمّا الصبيّ المُميّز، فيرون لصحّة صُلحه عدّة شروط منها:

أن يكون له فيه نفعٌ مطلَق، ويبطل إن كان فيه ضرر ظاهر (1) .

فإذا وجب له دَين على آخر، فلا يخلو إمّا أن تكون له بيّنة أو لا تكون، فإن كانت له بيّنة لا يجوز الصلح؛ لأنّ فيه حطّاً من أمواله، والحطّ تبرّع، والتبرّع ضرر ظاهر لا يصحّ منه؛ لكونه لا يملك التبرّعات، فيُرَدّ صُلحه.

إلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، بل يكاد يتشكّل إجماعاً منهم عليه، لكن بعضهم أجاز له فقط تأخير سداد الدَين؛ لأنّ ذلك من التجارة، ومع ذلك اشترطوا لتأخير السداد عدم كونه - أي التأخير - مضرّاً به.

أمّا إذا لم تكن له بيّنة على حقّه، فقد أجازوا له الصُلح؛ لأنّه مع عدمها ليس له إلاّ التخاصم وتحليف المُدّعى عليه، وتحصيل المال أنفع له منهما.

وإلى مثل هذه الأحكام اتّجه الفقهاء في صلح العبد، وجعلوا المأذون له بمثابة الصبيّ المميّز، وألحقوا بهما (الصبيّ والعبد) المحجور عليه، مقرّرين عدم نفاذ إقراره، إلاّ أبو حنفية الذي أنفذ إقراره إذا كان المال بيده؛ إذ ألْحقَ تعلّق الحقّ بالمال العيني الذي له شروط تمتاز عن الحقّ المتعلّق بالذمّة (2) .

هذا من جهة المُصالِح، أمّا من جهة المُصالَح، فإن كان لخصم الصبي بيّنة جازت مصالحته بقدر الدَين أو بزيادة يسيرة؛ لأنّه لو لم يُصالحه توصّل خصمُه إلى حقّه بالقضاء.

التوكيل في الصلح: يرى أغلب الفقهاء أنّ أحد طرفَي عقد الصلح يجوز أن يوكِل إنشاء العقد إلى غيره، إلاّ أنّهم قسّموا الوكلاء في عقد الصلح إلى قسمين:

1 - الوكيل الضامن لآثار عقد الصُلح وأحكامه.

2 - الوكيل غير الضامن.

____________________

(1) الزحيلي، الفقه الإسلامي: 2/195.

(2) للتفاصيل ظ: أحمد فهمي أبو سنه، النظريّات العامّة للمعاملات، ص73.


فالأوّل: مَن أتمّ عقد الصلح مع ضمانه له، ومن صوره أنّه يضيف الضمان إلى نفسه، أو أن يشير إلى المال المصالَح به، وهو مِلكه، فإذا صرّح بالضمان، أو تضمّنت صيغة الصلح معنى الضمان فهو له ضامن.

ومثاله: أن يصالحه على مقدارٍ من المال ويضمن ذلك المقدار، فيقول: وهي عليّ، أو أن يصالحه على مقدارٍ من المال، فيقول: صالحتك على ألفَي هذه؛ (فيلزمه الضمان). ومِن أحكام هذا النوع أنّه يلزمه أن يسلِّم المصالح به إلى المصالِح، ويلزم عدم المطالبة بالردّ في ما إذا رفَض الأصيلُ بنود الصُلح، بل لا يتوقّف الأمر على إجازة الموكّل.

ومدرك صحّة هذا النوع عمومات النصّ؛ ولأنّه تصرّف بنفسه، وتبرّع بإسقاط الدَين عن الغير بالقضاء عنه في مالـه.

أمّا في الحالة الثانية، فمثالها قوله: (صالحتك على ألف دينار)، فعقْد الوكيل لهذا النوع من الصُلح موقوف على إجازة الأصيل؛ لعدم ظهور القرينة على التبرّع كالضمان القوليّ، أو الإشارة إلى المال المُصالح به (تعيين البدل، تمكينه منه)، فلمّا عُدمت القرينة صارت وكالته منحصرة في إجازة الموكّل؛ لأنّه تصرّف في مال غيره، فيقف تصرّفه على إجازة الغير (1) .

الفرع الثالث: محلّ العقد

يقسم الفقهاء محلّ العقد إلى قسمين:

المصالَح عنه: وهو الحقّ المتنازع عليه بين المتعاقدَين.

المصالَح به: وهو البديل لذلك الحقّ ممّا يُحسَم به النزاع.

1 - المصالح عنه: اشترط الفقهاء لهذا النوع من محل العقد شروطاً:

أ - أن يكون حقّاً للآدمي، فلا يصحّ أن يتمّ الصلح على حقّ الله تعالى؛ إذ لا يصحّ فيه إسقاط أو إبدال.

يقول ابن القيّم: الحقوق نوعان، حقّ الله وحقّ الآدمي، فحقّ الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكاة والكفّارات، أمّا حقوق الآدميين، فهي التي

____________________

(1) للتفاصيل ظ: السمرقندي، خزانة الفقه: 1/251.


تقبل الصُلح والإسقاط والمعاوضة (1) .

ويرى الحنفيّة أنّ حدّ القذف لا يجري فيه الصلح؛ لأنّهم يرون أنّ المُغلَّب فيه حقّ الله تعالى، وأمثلة ذلك كثيرة، منها: الصلح مقابل عدم الإشهاد، أو إسقاط الشهادة والرجوع عنها، ومثل هذا كلّ ما وقع في حيّز ما يطلق عليه بالنظام العام.

قال السمرقندي: لا يصحّ صلح امرأة ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثاً، فأنكر الزوج، فصالحها بشرط أن تُكـذّب نفسهـا؛ لأنّ المباينة وقعت، والنصّ يشترط لمثل هذه الحالة شرط (المُحلِّل).

ويضرب الفقهاء مثلاً لذلك أيضاً: إذا عُثر على شخص متلبّسٍ بجريمة ذات حدّ، وأراد أن يرفعه إلى الحاكم، فصالحه المتلبّس على مالٍ ليتركه، فالصلح باطل؛ لأنّه من الصلح الذي يحرّم الحلال.

أمّا إذا كان المصالَح عنه حقّاً للآدمي، فيصحّ فيه الصلح. ومن أمثلته:

صلح وليّ الدم عن الجاني - قاتل العمد - بتنازل الوليّ من القصاص إلى الديّة؛ لقوله تعالى: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) [البقرة: 178]، قال ابن عباس: نزلت في الصلح عن دم العَمْد.

ب - أن يكون المال المصالَح عنه حقّاً للمصالِح، بل اشترطوا أن يكون حقّاً ثابتاً في محلّ الصُلح، ومن صوره:

1 - لو ادّعت المطلّقة عليه صبياً في يده أنّه ابنه فجحد الرجل،ُ فصالحت عن النسَب، فالصلح باطل؛ لأنّ النسب حقٌّ للصبيّ وليس حقّها، فلا تملك المعاوضة عليه؛ لأنّه حقّ غيرها.

2 - ولو صالح الشفيعُ مشتري الدار عن حقّه في الشفعة على مال، فالصلح باطل؛ لأنّ حقّ الشفعة أن يمتلك الدار لا أن يبيع حقّه في الشفعة.

3 - لو صالح شخص أحداً على أن يزيل من داره مظلّة مطلّة على الشارع العامّ، فالصلح باطل؛ لأنّ الطريق حقّ عامّ للناس جميعاً، لهم فيه حقّ الانتفاع، فلا يملكه أحد، وقيل في التعليل: إنّه إن سقط حقُّ واحدٍ بالصلح، فللباقين حقّ ثابت فيه.

____________________

(1) ابن قيّم، أعلام الموقعين: 1/108.


بخلاف الطريق الخاصّ؛ إذ الصلح فيه جائز في القلْع والإبقاء، بشرط رضا جميع المنتفعين بالطريق غير النافذ.

ففي كلّ الأمثلة المتقدّمة نلاحظ أنّ النَسب حقّ للصبيّ وليس للمرأة، فلا يحقّ لها أن تصالح عنه، وأنّ الشُفعة لا تتحوّل إلى مالٍ، إنّما حقٌّ قاصر على التملّك، وأنّ حقّ الناس جميعاً يتعلّق بالمظلّة المُطلّة على شارعٍ عامّ.

أمّا أمثلة الحقّ الثابت، فهي:

1 - إنّ الفقهاء يجيزُون الصلح عن النكول عن يمين مترتّبة على مدّعى عليه منكِر.

2 - لو ادّعى رجل على امرأة زواجاً فأنكرت، فصالحته على المال لكي يترك الدعوى، جاز الصلح؛ لأنّه في معنى الخُلع، ويصحّ العكس، ويُعَدّ المال المُصالَح به كأنّه زيادة في المَهر؛ لأنّ إقرارها يكفي في اعتبار صحّة العقد.

3 - أمّا إذا ادّعت المرأة على رجُلٍ نكاحاً، فجحد الرجُل، فصالحها على مالٍ لتتنازل عن دعواها، لا يصحّ الصُلـح؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون النكاح ثابتاً أو لا، فإن كان ثابتاً، فلا تصحّ الفُرقة بهذا الصلح، ولا يعدّ مخالعة؛ لأنّ المال يعطيه الزوج.

4 - الصلح على مالٍ لإسقاط القصاص بين وليّ الدم والجاني - قاتل العمْد - متفرّع على الخلاف في: ما الواجب في القتْل العمْد؟ معلوم أنّ أبا حنيفة ومالكاً قالوا: الواجب مُعيّن وهو القصاص، والرواية الأُخرى التخيير بين القصاص والديّة. وللشافعي قولان: الواجب أحدهما لا بعَينه، والثاني وهو القصاص عيناً، لكن لوليّ الدم العدول إلى الديّة وإن لم يرضَ الجاني (1) . وعند الإماميّة: الثابت فيه القصاص دون الديّة، فليس لوليّ الدم المطالبة بها إلاّ إذا رضي الجاني (2) .

الثمرة في الخلاف: على القول بأن ليس له إلاّ القصاص، فالنزول إلى الدية لا يتمّ إلاّ بالتراضي بين وليّ الدم والجاني، ويجوز الصلح على ما هو

____________________

(1) الدمشقي، رحمة الأُمة، ص 265.

(2) أبو القاسم الخوئي، مباني تكملة المنهاج: 1/166.


أكثر منها وما هو أقلّ. بينما على القول بأنّه يخيّر بين القصاص والديّة - الشافعي وأحمد - أنّه يجوز النزول إلى الديّة المقدَّرة بلا حاجةٍ إلى رضا الجاني، زيادةً على أنّ الصلح على الديّة عند القائلين بأن ليس له إلاّ القصاص يجوز فيه الزيادة على الديّة والنقصان.

أمّا شبه العمْد والخطأ، فلا يصحّ الصلح على أكثر من الديّة؛ لأنّها مقرّرة شرعاً، ولأنّ الزيادة على المقدّر رِبا. بينما في القصاص إنّما يصحّ التنازل عنه إلى مالٍ بالصلح؛ لأنّ القصاص ليس بمالٍ حتى تكون الزيادة على مقدار، وتحتسب من مصاديق الرِبا.

وفي الحقّ الثابت أيضاً مثّل الفقهاء: أنّه لو ادّعى شخصٌ على آخر دَيناً، فأنكر المدّعى عليه، فصالحه على مالٍ على أن يقرّ له، فالصلح باطل؛ لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون كاذباً في دعواه فيترتّب التزام لا سَبب له، أو صادقاً فالدَين واجب السَداد. فالمال المصالَح به في معنى الرشوة.

2 - المصالَح به: من شروط المال المصالَح عليه أو به:

أ - أن يكون المصالَح عليه مالاً متقوّماً، فلا يصحّ عن خمرٍ، أو ميتة، أو صيد الحرَم أو الإحرام؛ لأنّ في الصلح معنى المعاوضة، والأقرب أنّ هذه السلع قد سحَب الشارع قيمتها التبادليّة، فلا يصحّ أن تكون أساساً يُصالَح عليه.

ب - أن يكون معلوماً، وبذلك قال الحنابلة، فإن وقع الصلح بمجهول لم يصحّ. أمّا الحنفيّة، فقد فصّلوا في المسألة بين ما إذا كان المصالَح به مَن يحتاج إلى القبض والتسليم فيشترط كونه معلوماً، وبين ما إذا كان المصالَح به لا يفتقر إلى القبض والتسليم فلا يشترط معلوميّته.

في القانون المدني: نجد أيضاً أنّ فقهاء القانون يُبطلون الصلح في ما خالَف القانون أو النظام العامّ، ومثّلوا له بما يأتي:

1 - ببطلان الصلح إذا استأجر عقاراً بأكثر من الحدّ الأقصى الذي قرّره القانون.

2 - وأبطلوا الصُلح عن إصابات العمل، أو إنهاء عقد العمل الفردي.


3 - وأبطلوا الصلح عن الفوائد الرَبويّة إذا زادت عن النسبة المقرّرة في المصارف الربويّة.

4 - وأبطلوا الصلح عن دَينٍ لأداء عمل غير مشروع.

5 - ومن المسائل المتعلّقة بالأحوال الشخصيّة، فقد أبطلوا الصلح على نفي البُنوّة وإثباتها، والصلح على إثبات الزواج أو الطلاق، (خلافاً لِما مرّ مِن موقف الفقهاء)، وأبطلوا الصلح عن الإقرار بالجنسيّة أو نفْيِها، أو الصلح عن تعديل أحكام الوصاية والولاية والقوامة، أو الصلح للتنازل عن حقّ الحضانة (1) .

المطلب الثاني: آثار عقد الصُلح

الفرع الأوّل: حُكم الصُلح بعد انعقاده

يقرّر الفقهاء أنّ الصلح عقدٌ لازم حتّى حينما تكون فائدته فائدة الهبة، فلا يجوز فسخه إلاّ إذا تراضى المتصالحان بالفسخ، أو اشتُرط ضمن عقد الصلح أنّ له خيار الفسْخ مدّة معيّنة وقَبِل صاحبه بهذا الشرط.

والصُلح بعد انعقاده له آثار - أحكام - أبرزها:

1 - تنتهي به الخصومة والمنازعة بين المتداعيَين شرعاً وقضاءً، فلا تُسمَع دعواهما بعدئذٍ، وهذا الحكم يلازم جنس الصُلح.

2 - لا يجري في الصلح الردّ بالغلَط؛ لأنّ المراد بعقد الصلح إنهاء النزاع، فلا يفتح بالردّ بالغلَط..

الفرع الثاني: مُبطلات عقْد الصُلح

يبطل الصلح بعد انعقاده بأُمور، أهمّها:

1 - الإقالة - في غير الصلح عن قصاص - وقد عُلّل بأنّه يُفسَخ بالإقالة؛ لِما فيه من معنى المعاوضة فأشْبَه البيع، فصار محتملاً للفسخ بالإقالة.

____________________

(1) ظ: المادة 551 من القانون المدني.


2 - يجوز الردّ بخيار العيب والرؤية. لكنّه عند الإماميّة لا يجري فيه خيار الحيوان إذا كان أحد العوَضين، ولا خيار المجلس؛ لأنّها تختصّ بالبيع، وعندهم أنّ الصلح عقدٌ مستقلٌ.

3 - موت أحد المتعاقدَين قَبل إتمام تبادل العوضين، يُبطل الصلح.

4 - الاستحقاق: إذا ظهر استحقاق أحد الطرفين المتصالحَين تبيّن أنّه لا خصومة، واستوفى صاحب الحقّ حقّه، فإن كان بيد المستحقّ ما يستحقّه بقي في يده، وإن كان زائداً أو ناقصاً أعاد الزائد، ورجع على خصمه بالنقصان. وإذا بان أحد العوضين ممّا كان متّسماً بالجهالة وبان معلوماً، بَطُل الصلح على المجهول.

5 - إذا هلكت العين المُصالَح بها قبل استيفاء المنفعة منها فُسِخ الصُلح، وعاد كلٌّ بما صالَح عنه.

الفرع الثالث: موقف المتصالحَين بعد بُطلان الصُلح

إذا بَطل الصلح عاد كلٌّ من المتصالحَين إلى دعواه، فإن كان عن إنكار، احتاجا إلى صلحٍ جديد صحيح. وإن كان عن إقرار، عاد المدّعي على المدّعى عليه بالمدَّعى المقرُّ به لا غيره.

أمّا إذا بطل الصلح عن القصاص، يرجع وليّ الدم على الجاني بالديّة دون القصاص.

أمّا لو انعقد على منفعة استوفى منها أحد المتصالحَين، ثمّ بَطل الصلح، عاد المدّعي على المدّعى عليه بقدَر ما لم يستوفِ.


النتائج

1 - لوحظ أنّ التشريع الإسلامي يشترك مع القوانين الوضعيّة في منهجه، في تحديد الحقوق والالتزامات ابتداءً، وفضّ المنازعات، ولكنّه يتفوّق عليها بميزة (الصفة الدينيّة له وتعدّد الجزاءات) فيه، فلا بدّ أن يوجد باباً عمليّاً، فشرّع باب الصلح طريقاً ثالثاً لفضِّ النزاعات التي يعجز القضاء عن فضّها، وهو الطريق العمليّ لتخليص الذمّة ممّا عَلُق بها من ترتّب حقوق، إذا توقّف القضاء فيها فهي ثابتة في الذمّة.

2 - لوحظ أنّ الصلح طريق من طُرق إنهاء النزاعات خارج القضاء، وهو ما يمكن اعتباره ممّا يخفّف من مهمّاته وتبِعاته، بما يجعل من المجتمع الإسلاميّ - مجتمعاً يستطيع حلّ مشكلاته - بطرُقٍ متعدّدة (خارج ساحات القضاء).

3 - ظهر أنّ التعاريف التي عُرّف بها الصلح انتابَتْها عيوب عدم المانعيّة. وقد حاول الباحث إيجاد بديل يعتقد أنّه خالٍ من تلك العيوب.

4 - ظهر أنّ للصلح قواعد تدخل ضمن نطاق القانون الدستوري والدوَلي والأحوال الشخصيّة والقانون المدني، ما يدلّ على أنّ التشريع الإسلامي مترابط الأجزاء في أقسام القانون كلّه، تحكمه القواعد نفسها.

5 - ظهر أنّ (رُكن السبب) الذي تمسّكت به النظريّة التقليديّة في القانون الوضعيّ، قد تجاوزته الشريعة منذ خمسة عشر قرناً، مُستبدلة إيّاه بالقصود والنوايا. وفي القرن التاسع عشر طالبت النظريّة الحديثة بإلغائه وعدم اعتباره ضمن أركان العقد، وفي الصلح بَدا واضحاً أنّ المشرّع الإسلامي لم يجعل السبب في تشريعه من مقوّمات ماهيّته وأركان العقد فيه؛ ممّا وسّع فوائده فقْهاً وقضاءً.

6 - وظهر من خلال البحث أنّ المشابهة في الجزئيّة أو الأغلبيّة بين مضمون عقد الصُلح وعقود أُخرى، دعَت الأكثر إلى عدّه تفريعاً عليها، مما جرّ إلى


نتائج خاصّة بهذا الاعتبار، بينما انفرد أغلب الإماميّة إلى أنّه عقدٌ قائمٌ بذاته..، ولكلٍّ منطلقه واستدلالاته ومساراته ونتائجه المبيّنة في ثنايا البحث.

7 - وإذا كان مقصد الشارع في تشريع عقد الصلح أنّه الباب العمليّ للصفة الدينيّة للفقه الإسلامي، فإنّ هناك مَن اعتبره صحيحاً ولو صحّة ظاهريةً مع إنكار المدّعى عليه (محجوزاً مطلقاً، أو مفصّلاً). وهذا الفريق من الفقهاء قد أحسن صُنعاً؛ وذلك لتوافق المضامين التشريعيّة مع ضرورة توسيع الباب القانوني لإنهاء المنازعات، سواءٌ في بدْء كونها أو في ذروتها قبل التقاضي أو في أثنائه، وسواء في حالة نسيان المدّعى عليه، أو جهله، أو إنكاره العَمْد.

على أنّ الفقه الإسلامي هو قانون المؤمنين الذين يحرّمون على أنفسهم أكْل المال بالباطل؛ لذلك فإنكار المدّعى عليه لا يُحمَل على أنّه متيقّن تحقّق المدّعى بالذمّة، ورغم ذلك يُنكِره، إنّما الإنكار لعوارض أُخرى؛ لذا أجازه جمْع من الفقهاء مع الإنكار، وهو محلّ ترجيح الباحث.

8 - وعلى ذلك تفرّع كون جهل أحد المتصالحَين أو كليهما بما تنازعا عليه لا يُبطل عقْد الصلح؛ لأنّ صحّته مع الترجيح السابق تجعل صحّته مع هذا الافتراض من بابٍ أَولى، فالإنكار جملةً وتفصيلاً أشدّ من الإقرار بمالٍ متنازعٍ عليـه، مع جهل مقداره؛ لذلك - لا سيّما إذا ارتبط تحقّق التراضي في الصلح بالتراضي الحقيقي، وإقامة الصلح على أساسه - يُلغى عَيب (جهالة المتنازَع عليه) إذا اعتبرناه عيباً من عيوب العقد.

9 - ولوحظ في أركان عقد الصلح (الصيغة، العاقدان، والمحل) أنّ في اختلاف الفقهاء في الصيغة في ما أفاد التسالُم مطلقاً مَيلاً إلى التوسعة على الناس، لكنّهم عند العاقدَين تشدّدوا فيه في ما يخصّ ناقص الأهليّة، وهو فِقهٌ راعى الشروط المؤثّرة في تحديد القصد دون الشكل.

10 - ظهر أنّ الصلح في مجاله المدني يقع في حقوق الناس الخاصّة، ولا يتناول الحقّ العامّ - حقّ الله -.

ويبطل إذا كان أحد العوضين ممّا لا يتقوّم. وكذا لا يصحّ على ما لا يثبت حقّاً لأحد المتصالحَين.


11 - يتوقّف الفقهاء في التنازع الحاصل بين متعاقدَين أو طرفَي اتّفاق، مثل الاختلاف في عقد الوديعة، أو العاريـة، أو المضاربة، أو الإجارة، أو هلاك المبيع، ويختلفون في قول أيّهما المقدّم مع تعارض البيّنات. وربّما أشار بعضهم في حالةٍ كهذه بالرجوع إلى القُرعة، لكن الباحث توصّل إلى أنّ المصالحة في مثل هذه الحالات أطيب للنفس وآكد للحقوق من القُرعة؛ لأنّها لا تفيد الرضا والاطمئنان ولا تحقّق المودّة؛ لذلك يرى الباحث أنّه أين وُجدت القرعة فإنّ الصلح مقدّم عليها - فقهاً وقضاءً - ولا سيّما إذا خيف الإشكال.

12 - وتبيّن أنّ حُكم الصُلح يُنهي الخصومة، وله مبطلات، فإذا بَطُل الصلح عاد كلّ من المتعاقدَين إلى ما كان عليه قبْل الصُلح.


المصادر

  أ - القرآن الكريم.

ب - كُتب تفسير القرآن الكريم:

1 - الطبرسي (الفضل بن الحسن)، مجمع البيان في تفسير القرآن، شركة المعارف الإسلاميّة. ب. ت.

2 - الشيخ الطوسي (محمّد بن الحسن)، تفسير التبيان، تحقيق أحمد القصير، مطبعة النعمان - النجف، 1965م.

3 - الأنصاري القرطبي (محمد بن أحمد)، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1965م.

4 - الرازي الجصاص (أبو بكر بن أحمد علي)، أحكام القرآن، دار الكتب العربي - بيروت، 1965م.

5 - الشيخ الفاضل الكاظمي (جواد)، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، المكتبة الرضوية - طهران.


6 - المقداد السيوري (الفاضل أبو عبد الله)، كنز العرفان في فقه القرآن، مكتبة الأضواء - النجف.

جـ - مصادر الحديث

7 - صحيح البخاري، دار الطباعة العامرة، ط1.

8 - الزيلعي (محمّد بن عبد الله بن يوسف)، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، دار المأمون - مصر، ط1، 1983م.

9 - الحرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة، مؤسّسة الأعلمي - بيروت.

10 - الصدوق القمّي (عليّ بن الحسين)، من لا يحضره الفقيه، تصحيح محمود بن جعفر الموسـوي، 1376 هـ، ب. م.

11 - السيوطي (عبد بن أبي بكر)، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير بهامشه كنز الحقائق، ط4، الحلبي - مصر.

12 - الشوكاني (محمّد بن علي)، نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، الحلبي، ط2، 1952م.

13 - الإمام ابن حنبل (أحمد)، مسند أحمد، مطبعة أنصار السنّة - مصر، 1952م.

14 - ابن الأشعث (سليمان)، صحيح سنن المصطفى، المطبعة التجاريّة - مصر، ب. ت.

15 - ابن ماجة، سنن ابن ماجة، دار الفكر - بيروت.

16 - الشيخ الطوسي (محمّد بن الحسن)، تهذيب الأحكام، تحقيق السيّد حسن الخرسان، مطبعة النعمان.

د - مصادر الفقه:

فقه الإماميّة:

17 - الطوسي، المبسوط، طبعة حجريّة.

18 - الطوسي، الخلاف، طبعة المعارف الإسلاميّة، ب. ت.

19 - الطوسي، النهاية في الفقه والفتاوى، مطبعة الزهراء - بيروت.


20 - الحلّي (محمّد بن إدريس)، السرائر، ط. حجريّة.

21 - العلاّمة الحلّي، مختلف الشيعة، ط. حجريّة.

22 - العاملي، مفتاح الكرامة، مطبعة الفجالة - مصر 1932م.

23 - الشهيد الأوّل، اللمعة الدمشقيّة، منشورات جامعة النجف الدينيّة، ط2، مطبعة الآداب - النجف، 1965م.

24 - المحقّق الحلّي، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تحقيق عبد الحسين البقال، ط1، 1969م، مطبعة الآداب - النجف.

25 - النجفي (محمّد حسن باقر)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق القوجاني، دار الكتب الإسلاميّـة.

26 - الشيخ الأنصاري، المكاسب، تحقيق محمد كلانتر، مطبعة الآداب - النجف، 1369هـ.

27 - الموسوي (أبو الحسن)، وسيلة النجاة، ب. م، ب. ت.

فقه الحنفيّة:

28 - ابن عابدين، (أبو الحسن)، ردّ المحتار على الدرّ المختار, دار الطباعة المصريّة.

29 - السرخسي، المبسوط، طبعة محمّد أفندي المغربي - مصر، 1324هـ.

30 - المير غيناني (علي بن أبي بكر)، الهداية شرح بداية المبتدئ، مطبعة الحلبي - مصر.

31 - الكاساني (علاء الدين أبو بكر بن سعود)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكُتب العلميّة - بيـروت، ط 2، 1986 م.

32 - السمرقندي (محمّد بن أحمد بن إبراهيم)، خزانة الفقه وعيون المسائل، شركة الطبع والنشر الأهليّة - بغـداد، 1965م.

فقه المالكيّة:

33 - محمّد بن سعد، دليل السالك لمذهب الإمام مالك، دار الندوة - جدّة، 1939م.

34 - شرح الدردير على حاشية الدسوقي، ط. المكتبة التجارية - مصر 1945م.


35 - ابن جزيء، القوانين الفقهيّة، أوفسيت دار الفكر - بيروت.

36 - ابن رشد (أحمد بن محمّد بن أحمد)، بداية المجتهد، مطبعة الاستقامة - مصر، 1952م.

37 - الشافعي، الأُم، المطبعة الكبرى الأميرية - مصر، 1321هـ.

38 - الشيرازي، المهذّب، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ب. ت.

39 - الشربيني، مغني المحتاج على منهاج النووي، مطبعة البابي الحلبي، 1958م.

40 - ابن عبد السلام (العز)، قواعد الأنام، مطبعة الاستقامة - مصر.

فقه الحنابلة:

41 - ابن قدامة (عبد الله بن أحمد بن محمد)، المغني، دار الكتب العربي للنشر والتوزيع، 1972م.

42 - ابن القيّم الجوزيّة (محمد بن أبي بكر)، أعلام الموقّعين، دار الجيل - بيروت.

فقه الظاهريّة:

43 - ابن حَزم (علي بن أحمد بن سعيد)، المحلّى، إدارة الطباعة المنيريّة، النهضة - مصر.

هـ - مصادر الأُصول:

44 - السمرقندي (علاء الدين شمس النظر أبو بكر محمّد بن أحمد)، ميزان الأُصول.

45 - الآمدي (سيف الدين أبو الحسين عليّ بن أبي عليّ بن محمّد)، الأحكام.

46 - الخضري (الشيخ محمّد)، أُصول الفقه، مصر، ط6، 1969م.

و - الكتُب الفقهيّة الحديثة:

47 - زيدان (عبد الكريم)، نظام القضاء، مطبعة العاني - بغداد، ط1، 1984م.

48 - الفيّاض (محمّد إسحاق)، أحكام الأراضي، مطبعة الآداب - النجف الأشرف، 1981م.


49 - الجميلي (خالد رشيد)، أحكام المُعاهدات، دار الحرّية للطباعة - بغداد، 1987م.

50 - أبو سنة (أحمد فهمي)، النظريّات العامّة للمعاملات، مطبعة دار التأليف - مصر، 1967م.

51 - الذهبي (محمّد حسين)، الأحوال الشخصيّة، شركة الطبع والنشر الأهلية، ط1، 1958م.

52 - الزحيلي، الفقه الإسلامي في أُسلوبه الجديد، ط1، مطبعة دار الفكر - بيروت.

53 - الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، مطبعة دار العلم للملايين - بيروت.

54 - الزرقا، المدخل الفقهي العامّ، مطبعة الحياة - دمشق، 1964م.

ز - كُتب القانون:

55 - نظريّة القانون.

56 - البكري (عبد الباقي)، والبشر (زهير)، المدخل لدراسة القانون، مطبعة جامعة بغداد، بيت الحكمة.

57 - السنهوري، مصادر الحقّ في الفقه الإسلامي.

58 - السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني.

59 - الحكيم (عبد المجيد)، مصادر الالتزام، مطبعة بغداد، 1969م.


الفهرس

كلمةُ المركز 5

البحث الأوّل: التنمية الاقتصاديّة في المذهب الاقتصاديّ الإسلاميّ 7

مُقدّمة 9

أوّلاً: التخلّف ومفاهيمه في الفكرين: الوضعيّ والإسلاميّ 12

ثانياً: التنمية 21

ثالثاً: العمل الإنسانيّ وأقسام الحُكم التكليفي 32

المصادر 36

البحث الثاني: الحاجة الاقتصاديّة في المذهب الاقتصاديّ الإسلاميّ 38

مقدّمة 40

1 - الحاجة في الفِكر الاقتصادي الحديث والمعاصر 40

2 - التصوّر والمُعالجة في النُّظم الاقتصاديّة الفرديّة 42

3 - التصوّر والمُعالجة في النُّظم الاقتصاديّة المُخطّطة 44

4 - التصوّر والمُعالجة في الفكر الاقتصادي الإسلامي 45

5 - مفهوم الحاجة 48

6 - أنواع الحاجات في المفاهيم الاقتصاديّة الإسلاميّة 51

7 - سُلّم الحاجات 52

8 - قواعد الترجيح 53

9 - المُلاحظات على منهجيّة السُلّم وقواعد الترجيح 54

10 - دَور الحاجة في النشاطات الاقتصاديّة 55

المصادر 64

البحث الثالث: ملامح نظريّة الإنتاج الإسلاميّة في مبحث إحياء الأراضي المَوات 68

أهمّية البحث وأسباب اختياره وأهدافه 70

حدود البحث ومنهجه 71

المبحث الأوّل 73

المبحث الثاني 80


المبحث الثالث 89

الخاتمة 93

المصادر 97

البحث الرابع: مفهوم الرُشد في الفقه الإسلامي 102

مَدخَل 104

المبحث الأوّل 107

المبحث الثاني 112

المبحث الثالث 117

البحث الرابع: مُعطَيات الحُكم والموضوع ونتائج البحث وأهدافه وفرضيّته المركزيّة 121

المصادر 125

البحث الخامس: الجريمة الاقتصاديّة وسُبُل الوقاية منها في الإسلام 128

مقدّمة 130

مدخل البحث 133

الفصل الأوّل 140

الفصل الثاني: السُبل العامة للوقاية من الجريمة الاقتصادية 160

المبحث الرابع: مبدأ التوبة وأثره في ترسيخ الأمن الاجتماعي 168

الخاتمة 169

المصادر 172

البحث السادس: الصُلح وأحكامه في الفقه الإسلاميّ والقانون المدنيّ 177

مقدمة 179

المبحث الأوّل: جوهر الصُلح أهمّيته ونطاقه 181

المبحث الثاني: الفروض الأساسية في عقد الصُلح 190

المبحث الثالث: أركان الصُلح 207

النتائج 215

المصادر 218


دراسات في الفكر الاقتصادي الإسلامي

دراسات في الفكر الاقتصادي الإسلامي

مؤلف: الغدير للدراسات والنشر
تصنيف: علم الفقه
الصفحات: 224