موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجزء 2
مؤلف: باقر شريف القرشيأمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-94388-6-3
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
آل عمران : 123
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
البقرة : 190
( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً )
الفتح : 1
( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ )
آل عمران : 144
تقديم
( 1 )
نضال وكفاح وإيمان تسلّح به الإمام أمير المؤمنين 7 بطل الإسلام وقائد مسيرته الظافرة في كفاحه المسلّح ضدّ الجاهلية الرعناء التي لا تحمل أي طابع من التوازن ولا بصيص من الوعي والفكر ، فكان الإمام القوّة الضاربة التي حمت الثورة الإسلامية من ذئاب الجاهلية ومردة أهل الكتاب.
لقد أحدثت الثورة الإسلامية بشعاراتها ومبادئها زلزالا مدمّرا للحياة الفكرية والعقائدية التي عاشتها الجاهلية فدمّرت جميع معالم الحياة فيها من عبادة الأوثان والأصنام ووأد البنات وغزو الأقوياء للضعفاء ، وأقامت الثورة الإسلامية نظاما متطوّرا خلاقا يضيء الطريق ويوضّح القصد ، ويجمع ولا يشتّت ، ويوحّد ولا يفرّق ، ويقضي على الغبن والجريمة.
وقد تبنّى الإمام بصورة إيجابية وإيمان لا حدود له جميع قضايا الإسلام ، فخاض في سبيله أعنف المعارك ساخرا من الموت هازئا من الحياة ، فردّ العتاة من جبابرة قريش الذين جهدوا على لفّ لواء الإسلام وإخماد نوره ، فحصد الإمام رءوسهم ، وألحق بهم الهزيمة والعار. ويعرض هذا الكتاب إلى صور مشرقة من جهاده وكفاحه.
( 2 )
من بحوث هذا الكتاب أنّه عرض بصورة أمينة لأقسى كارثة مني بها العالم الإسلامي على امتداد التاريخ ، وهي انتقال النبيّ 6 إلى حضيرة القدس ، فقد انطوت ألوية العدل ، ومادت أركان الحقّ ، وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غيّر مجرى التاريخ إلى واقع مشرق تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذّبين ، ولا يكون فيه ظلّ للحاجة والحرمان.
فقد أخلدت للمسلمين الخطوب والكوارث وألقتهم في شرّ عظيم ، وقد أعلن القرآن الكريم هول تلك الأحداث ومدى خطورتها بقوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) ، وأي مصيبة أعظم من الانقلاب ، وأي مأساة أقسى من المروق من الدين.
وكان من أفجع ألوان الخطوب السود بعد وفاة المنقذ العظيم هي إبعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد ، وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعية ، في حين انّ الامّة لم تكن بأي حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدّة من الرسول الأعظم.
كما أنّ الهزّات العنيفة التي منيت بها الامّة ، إنّما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت : ، فقد انتشرت الأطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة ، ممّا أدّى إلى تشكيلهم للأحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخطّطاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعّم بخيرات البلاد.
ومن المآسي ما عانته الاسرة النبوية من صنوف القتل والتنكيل ، فقد طافت بها المحن والأزمات يتبع بعضها بعضا ، لم يراع فيها حرمة النبيّ 6 التي هي أولى وأحقّ بالرعاية والتكريم من كلّ شيء.
آمل أن أكون قد ساهمت في إبراز التأريخ الإسلامي على واقعه من دون تحيّز أو تقليد ..
والله وليّ التوفيق
النّجف الأشرف باقر شريف القريشى 20 / ربيع الأوّل / 1418 هـ |
مع النبيّ
في جهاده وغزواته
تبنّى النبيّ 6 بصورة إيجابية الدعوة إلى السلم وتحرير الإنسان من ويلات الحروب ومآثم الحياة ، وقد انطلقت دعوته المشرقة من مكّة التي كانت مركزا للقوى الجاهلية المتمثّلة في القرشيّين الذين انطوت أفكارهم على الجهل والغطرسة والأنانية فورمت آنافهم وانتفخ سحرهم وهبّوا لمناجزة رسول الله 6 وتعذيب من آمن به من المستضعفين حتى اضطرّوا إلى الهجرة للحبشة للتخلّص من عنف القرشيّين واضطهادهم ، وكان النبيّ 6 محتميا بعمّه شيخ البطحاء ومؤمن قريش أبي طالب ، ولمّا انتقل إلى حضيرة القدس لم يجد النبيّ ركنا يأوي إليه ، فاجتمعت قريش على قتله ـ كما تحدّثنا عن ذلك في البحوث السابقة ـ ، فهاجر إلى يثرب فوجد في أهلها الحماية والإيمان بدعوته والاستجابة لنصرته ، وقامت قيامة القرشيّين وفزعوا كأشدّ ما يكون الفزع ، فأجمع رأيهم على شنّ الحرب عليه بلا هوادة ، وتسخير جميع إمكانياتهم الاقتصادية لمناجزته وإطفاء نور رسالته.
ووقف الإمام أمير المؤمنين 7 إلى جانب النبيّ 6 يحميه ويذبّ عنه في جميع الحروب التي شنّتها عليه قريش ، وقد أسند إليه قيادة جيشه ، وجعله رافعا للوائه ، وقد لازمه الإمام في غزواته التي كان الغرض منها رفع كلمة الله وتحرير إرادة الإنسان وفكره من عبادة الأوثان والأصنام التي هي من الأوبئة على الفكر ، ومن الأمراض الخطرة التي تلحق الإنسان بقافلة الحيوان السائم ، وتصدّه عن الطريق القويم.
وعلى أي حال فإنّا نعرض للحروب وبعض الغزوات التي خاضها الإمام مع
النبيّ 6 دفاعا عن كلمة الإسلام ورافعا لراية التوحيد ، وفيما يلي ذلك :
واقعة بدر :
سجّلت واقعة بدر (1) نصرا مبينا للإسلام ، وفتحا عظيما للمسلمين ، وضربة حاسمة لأئمّة الكفر والضلال من الطغاة القرشيّين وجبابرتهم ، لقد أعزّ الله عبده ورسوله محمّد 6 بواقعة بدر ، وأذلّ أعداءه ، وأظهر دينه ، ودفع كلمته ، وكان البطل البارز في تلك المعركة هو الإمام أمير المؤمنين 7 ، فقد كان سيفه منجل الموت الذي حصد رءوس المشركين ، وعتاة الملحدين من القرشيّين ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن بعض فصول هذه المعركة :
استنجاد أبي سفيان بقريش :
كان أبو سفيان ـ العدوّ الأوّل للإسلام ـ قد خرج إلى الشام في تجارة له ومعه سبعون شخصا من قريش ، ولمّا فضت تجارتهم واشتروا من البضائع ما يريدون قفلوا راجعين إلى مكّة ، وعلم النبيّ 6 بقدومهم فندب إليهم أصحابه لمصادرة بضائعهم وأموالهم ، وذلك لإضعافهم اقتصاديا حتى لا يتمكّنوا من مناجزته ، وعلم أبو سفيان ذلك فاستنجد بالقبائل القرشية وطلب منها حمايتهم وحماية بضائعهم وأموالهم ، فهبّت قريش لنجدته ، وسلك أبو سفيان طريقا غير الطريق العامّ فنجا من قبضة المسلمين ، وزحف النبيّ 6 بمن معه من المسلمين لإلقاء القبض على أبي سفيان ، وعسكر بجيشه ببدر.
رؤيا عاتكة :
رأت السيّدة عاتكة بنت عبد المطّلب في منامها رؤيا أفزعتها فسارعت إلى
__________________
(1) بدر : موضع يقع بين مكّة والمدينة ، سمّي بهذا الاسم لأنّ فيه ماء لرجل يسمّى بدرا ، فسمّي الموضع به ـ مجمع البحرين 1 : 498.
أخيها العبّاس بن عبد المطّلب فقصّتها عليه قائلة :
إنّي رأيت الليلة رؤيا أفزعتني ..
وسارع العبّاس قائلا :
ما رأيت؟
وأخذت تقصّ عليه رؤياها بفزع وخوف قائلة :
إنّي أتخوّف أن يدخل على قومك منها شرّ عظيم فاكتم منّي ما أحدّثك به.
أفعل ذلك ولا أحدّث به.
ولمّا ضمن لها أن لا يذيع رؤيتها بين قريش أخذت تحدّثه بها قائلة :
رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثمّ صرخ بأعلى صوته :
ألا انفروا يا آل نجد لمصارعكم ، فأرى الناس اجتمعوا إليه ثمّ أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكّة ولا دار إلاّ دخلتها منها فلقة ..
وفزع العبّاس من هذه الرؤيا التي تنبئ بالخطر العظيم على أهالي مكّة ، ولم يستطع كتمانها ، فقد ضاق صدره منها وراح يشيعها ويتحدّث بها إلى الناس ، ووصل خبرها إلى أبي جهل ، فانطلق إلى العباس وقال ساخرا : يا بني عبد المطّلب ، أما رضيتم أن يتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم (1) .
وصدقت رؤيا عاتكة ، فقد حلّ بالقرشيّين الدمار الشامل ، فقد كانت واقعة بدر التي نشرت في بيوتهم الثكل والحزن والحداد ، وخيّم عليها الذلّ والهوان.
نصيحة عتبة بن ربيعة :
وقبل أن تندلع نار الحرب أشار عتبة بن ربيعة على قومه القرشيّين بعدم
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 1 : 603. تاريخ الطبري 2 : 136.
مناجزة الرسول 6 ونهاهم عن فتح باب الحرب مع المسلمين قائلا :
إنّي أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم يا قوم ، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، ولقد علمتم أنّي لست بأجبنكم ..
وسمع أبو جهل نصيحة عتبة فاستشاط غضبا وغيظا وصاح به :
أنت تقول هذا؟ والله! لو غيرك يقول هذا لعضضته ، لقد ملئت رئتك وجوفك رعبا ..
ويردّ عليه عتبة بعنف قائلا :
إيّاي تعيّر يا مصفرا استه (1) |
ستعلم اليوم أيّنا أجبن؟ (2) |
و نظر النبيّ 6 إلى عتبة ، وكان على جمل أحمر ، فرأى في وجهه الرشد والخير ، فقال لأصحابه : « إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا » (3) .
ولم تصغ قريش لنصيحة عتبة ، ومضت سادرة في غيّها وجهلها ، وصمّمت على مناجزة النبيّ 6 ، ونظر أبو جهل إلى قلّة أصحاب النبيّ 6 فاستضعفهم واستهان بهم وقال : إنّ محمّدا وأصحابه أكلة جزور (4) .
سقاية الإمام للجيش :
وأصاب الجيش الإسلامي ظمأ في بدر فانبرى الإمام 7 إلى القليب وجاء
__________________
(1) كان أبو جهل مصابا بشذوذ جنسي ، وكان يحني استه ليرغب فيه فسّاق قومه ، فلذا عيّره عتبة.
(2) تاريخ الطبري 2 : 132.
(3) السيرة النبوية ـ ابن هشام 1 : 920.
(4) المصدر السابق : 623.
بالماء حتى أروى المسلمين (1) .
دعاء النبيّ للأنصار :
ونظر النبيّ 6 إلى الأنصار وهم يتعاقبون في الحمل على النوق التي لم تكن تكفيهم ، فدعا لهم وقال :
« اللهمّ إنّهم حفاة فاحملهم ، وعراة فاكسهم ، وجياع فأشبعهم ، وعالة فأغنهم من فضلك ».
واستجاب الله تعالى دعاء نبيّه العظيم ، فما انتهت معركة بدر إلاّ وجد كلّ واحد منهم بعيرا معتليه ، واكتسى منهم كلّ عار ، وأصابوا الطعام من متاع قريش ، وأصابوا فداء الأسرى فاغتنى به كلّ عائل منهم (2) .
دعاء النبيّ على قريش :
وأنفق النبيّ 6 ليله ساهرا يصلّي إلى جانب شجرة ، وقد نام جميع المسلمين إلاّ هو ، كما حدّث بذلك الإمام أمير المؤمنين 7 ، وكان يدعو الله تعالى بهذا الدعاء :
« اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحاربك وتكذّب رسولك ، اللهمّ فنصرك الّذي وعدتني ، اللهمّ أحفّهم (3) الغداة » (4) .
النبي مع أصحابه :
و أخذ النبيّ 6 يلهم أصحابه القوّة والنشاط قائلا لهم :
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 406.
(2) إمتاع الأسماع 1 : 64.
(3) أحفّهم : أي أهلكهم.
(4) السيرة النبوية ـ ابن هشام 1 : 923.
« والّذي نفس محمّد بيده! لا يقاتلهم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلاّ أدخله الله الجنّة ». وبعثت هذه الكلمات في نفوسهم العزم ، فاندفعوا كالأسود لمناجزة أعداء الله.
المعركة :
بدأت المعركة صباح يوم الجمعة في اليوم السابع عشر من رمضان المبارك سنة ( 2 ه ) ، المصادف 15 كانون الثاني سنة 624 م ، وقد فتح القرشيّون باب الحرب ، فبرز منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد ، وهم أبطال قريش وطليعة فرسانهم ، وبرز إليهم فتيان من الأنصار فاحتقرهم عتبة وأخذته العزّة بالإثم فقال لهم : لا نريد هؤلاء ، ولكن نريد أن يبارزنا بنو أعمامنا من بني عبد المطّلب ، فندب الرسول 6 لمبارزتهم عبيدة وعليّا وحمزة ، وبرز حمزة لعتبة ، وعبيدة لشيبة ، وعليّ للوليد (1) .
أمّا الإمام عليّ وحمزة فكلّ منهما قتل صاحبه ، وأمّا عبيدة وعتبة بن ربيعة فقد اختلفا بضربتين ، وأثبت كلّ منهما سيفه في رأس صاحبه ، فكرّ عليه الإمام وحمزة بأسيافهما وتركاه جثة هامدة (2) ، واشتدّت الحرب ، وكان النبيّ 6 من أشدّ الناس بأسا ومن أقرب جيشه إلى العدو ، وكان المسلمون يلوذون به كما حدّث بذلك الإمام 7 (3) ، وبان الانكسار في صفوف القرشيّين وانهارت معنوياتهم وانهزموا شرّ هزيمة.
بسالة الإمام :
وأبدى الإمام أمير المؤمنين 7 من البسالة والصمود ما لا يوصف ، فكان
__________________
(1) سنن البيهقي 3 : 279.
(2) تاريخ الطبري 2 : 325.
(3) مسند أحمد بن حنبل 2 : 64 ، رقم الحديث 654.
القوّة الضاربة في جيش الرسول 6 ، فقد غاص في أوساط القرشيّين يحصد رءوسهم ويشيع فيهم القتل والدمار ، وقد بهرت ملائكة السماء من بسالته ، و نادى جبرئيل : « لا سيف إلاّ ذو الفقار (1) ، ولا فتى إلاّ عليّ » (2) .
وكتب الله النصر المبين للإسلام على يد الإمام القائد الملهم العظيم الذي أذلّ القرشيّين وأخزاهم وألحق بهم الهزيمة والعار.
أسماء من قتلهم الإمام :
من المؤكّد أنّه لم يكن بيت من بيوت القرشيّين لم ينله سيف الإمام 7 في تلك المعركة ، وهذه أسماء من حصد رءوسهم وهم :
1 ـ الوليد بن عتبة ، كان جريئا فتّاكا تهابه الرجال ، وهو أخو هند أمّ معاوية وزوجة أبي سفيان.
2 ـ حنظلة بن أبي سفيان.
3 ـ العاص بن سعيد ، وكان هولا تهابه الأبطال.
4 ـ نوفل بن خويلد ، وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله 6 ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه وتطيعه ، وهو من بني نوفل بن عبد مناف.
5 ـ زمعة بن الأسود.
6 ـ النضر بن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار.
7 ـ طعيمة بن عدي بن نوفل ، كان من رءوس أهل الضلال.
8 ـ عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد الله.
__________________
(1) سمّي هذا السيف بذي الفقار لأنّه كانت له فقرات كفقرات الظهر.
(2) كنز العمّال 3 : 154. السيرة النبوية ـ ابن هشام 3 : 53. وفي ذخائر العقبى (74) : « نادى ملك من السماء يوم بدر : « لا سيف إلاّ ذو الفقار ، ولا فتى إلاّ عليّ ».
9 ـ عثمان بن عبيد الله.
10 ـ مالك بن عبيد الله أخو عثمان.
11 ـ مسعود بن أميّة بن المغيرة من بني مخزوم.
12 ـ حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة.
13 ـ قيس بن الفاكه بن المغيرة.
14 ـ أبو قيس بن الوليد بن المغيرة.
15 ـ عمر بن مخزوم.
16 ـ الحارث بن زمعة.
17 ـ أبو المنذر بن أبي رفاعة.
18 ـ منبه بن الحجّاج السهمي.
19 ـ العاص بن منبه من بني سهم.
20 ـ علقمة بن كلدة.
21 ـ أبو العاص بن قيس بن عدي.
22 ـ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.
23 ـ لوذان بن ربيعة.
24 ـ عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة.
25 ـ حاجب بن السائب بن عويم.
26 ـ أوس بن المغيرة بن لوذان.
27 ـ زيد بن مليص.
28 ـ غانم بن أبي عويف.
29 ـ سعيد بن وهب حليف بني عامر.
30 ـ معاوية بن عامر بن عبد القيس.
31 ـ السائب بن مالك.
32 ـ عبد الله بن جميل بن زهير الحارث بن أسد.
33 ـ أبو الحكم بن الأخنس.
34 ـ هشام بن أبي أميّة بن المغيرة (1) .
هؤلاء الذين حصد رءوسهم الإمام 7 بسيفه في سبيل الإسلام.
وقوف النبيّ على قتلى بدر :
وقف النبيّ 6 على قتلى بدر فتأمّلهم ، وتذكّر ما عاناه منهم من صنوف التنكيل والارهاق ، وخاطبهم بقوله :
« يا أهل القليب! يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة! ويا أميّة بن خلف! ويا أبا جهل بن هشام ».
وعدّد عصابة من الذين بالغوا في التنكيل به ، ثمّ قال لهم : « هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ».
وبهر أصحاب النبيّ 6 من خطابه للقتلى فقالوا له :
يا رسول الله ، أتنادي قوما قد جيفوا؟
فأجابهم الرسول :
« وما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني » (2) . إنّ الأرواح لا تفنى ، وإنّما الأجسام تبلى ، وتعود إلى عنصرها الذي تكوّنت منه ، هذا ما أعلنه الرسول.
__________________
(1) أعيان الشيعة 3 : 98 ـ 99.
(2) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 449 ـ 450.
الأسرى من قريش :
ووقع سبعون أسيرا من قريش (1) بأيدي القوات المسلّحة من جيش الرسول ، فأخذ النبيّ 6 من بعضهم الجزية وأطلق سراحهم ، ومن لم يتمكّن من دفع الجزية وكان يحسن القراءة والكتابة أمره أن يعلّم أبناء المسلمين بدل الجزية ، وبذلك أقام النبيّ أوّل صرح في عاصمته لمحو الاميّة.
حزن القرشيّين على قتلاهم :
وحزن القرشيّون كأشدّ ما يكون الحزن على قتلاهم ، وكان حزنهم كامنا في نفوسهم ، فقد نذر أبو سفيان أن لا يمسّ رأسه ماء من جنابة ، وأمّا زوجه هند فقد هامت في تيارات من الحزن وكتمت حزنها على أهل بيتها ، وقالت : كيف أبكيهم فيبلغ محمّدا وأصحابه فيشمتوا بنا ، لا والله! حتى أثأر من محمّد وأصحابه ، والدهن عليّ حرام حتى نغزو محمّدا ...
لقد ترك قتلى بدر لوعة في نفوس القرشيّين ، وقد رثاهم بعض شعرائهم بقوله :
فما ذا بالقليب قليب بدر |
من الفتيان والقوم الكرام |
|
وما ذا بالقليب قليب بدر |
من الشيري (2) ثكل بالسنام (3) |
وظلّت قريش حاقدة على الإمام حتى بعد ما أعلنت الإسلام وبويع الإمام بالخلافة ، فقد نظم أسيد بن إياس هذه الأبيات يحرّض قريشا على مناهضة الإمام ونكث بيعته قائلا :
__________________
(1) تاريخ أبي الفداء 1 : 136. تاريخ الطبري 2 : 135.
(2) الشيري : شجرة يتّخذ منها الجفان.
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 118.
في كلّ مجمع غاية أخزاكم |
جذع أبرّ على المذاكي القرح (1) |
|
لله درّكم ألما تنكروا |
قد يذكر الحرّ الكريم ويستحي |
|
هذا ابن فاطمة (2) الذي أفناكم |
ذبحا وبقتلة بعضه لم يذبح |
|
أعطوه خرجا واتّقوا تضريبه |
فعل الذليل وبيعة لم تربح |
|
أين الكهول وأين كلّ دعامة |
في المعضلات وأين زين الأبطح |
|
أفناهم قصعا (3) وضربا يفتري |
بالسيف يعمل حدّه لم يصفح |
لقد سقا الإمام بطل الإسلام القرشيّين أخزاهم الله كأسا مصبرة ، وأشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد ، وأورثهم الذلّ والعار لأنّهم أعداء الإسلام وخصومه الذين جهدوا على لفّ لواء الإسلام وإطفاء كلمة التوحيد.
انتصار الإسلام :
وانتصر الإسلام انتصارا رائعا في واقعة بدر وقويت شوكة المسلمين وأكسبتهم قوّة هائلة ، فهي أمّ الفتوح ، كما شجّعتهم على الخوض في المعارك التي يشنّها عليهم أعداء الإسلام ..
لقد انتهت معركة بدر وكان البطل البارز فيها أسد الله الإمام أمير المؤمنين 7 ، فقد كان سيفه منجل الموت الذي أرهفه على رقاب القرشيّين الذين ما آمنوا بالله طرفة عين حتى بعد إعلانهم المزيّف للإسلام ، فقد أخذوا يكيدون له في وضح النهار وفي غلس الليل ، وجميع ما عاناه المسلمون وابتلوا به من الأزمات كانت من صنع القرشيّين وتدبيرهم ، ومن الجدير بالذكر أنّ اقتران الإمام 7 بسيّدة نساء
__________________
(1) الجذع : الشاب الحدث ، يعني به الإمام ، فقد حصد رءوس القرشيّين وهو في روعة الشباب. الابر : الغالب والمنتصر. المذاكي : الخيل.
(2) فاطمة : هي السيّدة الجليلة أمّ الإمام أمير المؤمنين.
(3) القصع : الدفع والكسر ، والقصعة المرّة منه.
العالمين زهراء الرسول 3 كانت بعد واقعة بدر المجيدة ، وقد عرضنا لها فصلا خاصّا.
واقعة أحد :
واستقبلت قريش نبأ هزيمتهم المنكرة وخسائرهم الفادحة في معركة بدر بمزيد من الأسى واللوعة ، وساد في أوساطهم حزن عميق وأسى مرير ، وقد حرّمت هند أمّ معاوية على القرشيّين نساء ورجالا البكاء على قتلاهم حتى يظلّ الحزن كامنا في نفوسهم لا يطفئه إلاّ طلب الثأر لقتلاهم والانتقام من المسلمين.
وكان أبو سفيان قائد قريش في واقعة أحد والزعيم الأوّل في هذه المعركة ، إنّ أبا سفيان جاهلي بجميع معاني هذه الكلمة ، لا يحمل في أعماق نفسه أي معنى من القيم الإنسانية ولم يؤمن بالله طرفة عين ، فأخذ يؤلّب الجماهير ويحرّض القبائل على حرب رسول الله 6 ، ويجمع الأموال فيشتري بها السلاح والعتاد لحرب المسلمين ، وقد استجابت له جماهير القرشيّين الذين أترعت نفوسهم بالحقد والعداء للرسول ، فقد خرجوا بحدّهم وجدّهم وحديدهم وأحابيشهم ومن تابعهم لحرب النبيّ 6 وصحبوا معهم نساءهم حتى يخلصوا في الحرب ، وقد قادت النساء هند أمّ معاوية ، وكنّ يضربن بالدفوف ويبعثن الحماس في نفوس أزواجهنّ وأبنائهن وهن ينشدن :
ويها بني عبد الدار |
ويها حماة الأديار |
|
ضربا بكل بتّار |
وكان صوت هند يعلو أصواتهن ، وأخذت تخاطب قومها :
إن تقبلوا نعانق |
ونفرش النمارق |
|
أو تدبروا نفارق |
فراق غير وامق |
لقد قادت أمّ معاوية النساء وقاد زوجها الرجال لحرب رسول الله 6 ، وهما يحملان أرجاس المردة والطغاة والممسوخين من القبائل القرشية التي جهدت على إطفاء نور الله وإقصاء الخير عن الناس.
الحرب :
وكانت جيوش المشركين ثلاثة آلاف ، وجيوش المسلمين سبعمائة مقاتل ، ويتقدّم جيوش المشركين طلحة بن أبي طلحة وبيده اللواء ، وقد رفع عقيرته قائلا : يا أصحاب محمّد ، تزعمون أنّ الله يعجّلنا بأسيافكم إلى النار ، ويعجّلكم بأسيافنا إلى الجنّة ، فأيّكم يبرز لي؟ فبرز إليه بطل الإسلام وأسد الله الإمام أمير المؤمنين 7 قائلا :
« والله! لا افارقك حتّى اعجّلك بسيفي إلى النّار ».
وبادره الإمام بضربة فبرى بها رجله ، فسقط إلى الأرض يتخبّط بدمه ، وأراد الإمام أن يجهز عليه ، فناشده الله والرحم أن يتركه ، فتركه ، ولم يلبث إلاّ ساعة حتى هلك ، وفرح النبيّ 6 بهلاكه ، كما عمّت الفرحة جميع المسلمين (1) ، فقد كان من أبطال القرشيّين ، وكان يسمّى كبش الكتيبة لشجاعته ، وقد انخذل المشركون ووهنوا لقتله وبانت الهزيمة في صفوفهم ، وأخذ اللواء من بعده أبطال القرشيّين فأرداهم الإمام قتلى ، وكانت هند في وسط المعسكر وهي تلهب في نفوس الجيش العزيمة لمحاربة المسلمين ، وإذا انهزم رجل من قريش دفعت له ميلا ومكحلة وقالت له : إنّما أنت امرأة فاكتحل بهذا (2) .
ومن صور تلك المعركة أنّ النبيّ 6 منح أبا دجانة ، وهو من خيار الصحابة
__________________
(1) نور الأبصار : 78.
(2) الميزان في تفسير القرآن 4 : 12.
سيفا ولم يعطه للزبير ، وقد ضاق الزبير ذرعا من ذلك ، وراح ينظر ما يصنع به أبو دجانة ، فقد أخرج عصابة حمراء فتعصّب بها ، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت وبرز إلى ميدان الحرب وهو يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي |
ونحن بالسفح لدى النخيل |
|
ألاّ أقوم الدهر في الكسول |
أفرّ بسيف الله والرسول (1) |
وأعرب بهذا الشعر عن بسالته وصلابة عزمه في الذبّ عن الرسول 6 ، وجعل أبو دجانة ينشر الموت بين صفوف القرشيّين ، وحمل على هند أمّ معاوية حتى بلغ سيفه مفرق رأسها إلاّ أنّه عدل عن ذلك ترفّعا منه ، ولمّا نظر الزبير إلى شجاعة أبي دجانة استصوب رأي النبيّ 6 .
هزيمة المسلمين :
من المؤسف حقّا أنّ المسلمين منوا بهزيمة ساحقة وخسائر فادحة كادت تلفّ لواء الإسلام ، وذلك من جرّاء مخالفة فرقة في الجيش الإسلامي للمخطّطات الحربية التي وضعها الرسول 6 وألزمهم بتنفيذها ، فقد وضع كتيبة من الرماة على جبل بقيادة عبد الله بن جبير (2) لتحمي المسلمين من خلفهم ، وشدّد عليها أن لا تتخلّف عن مواقعها ، وقد وجّه الرماة سهامهم ونبالهم صوب معسكر قريش فأنزلوا بها خسائر فادحة في الأرواح ، وانهزمت قريش تاركة وراءها أمتعتها وسلاحها ، وأقبل المسلمون على نهبها ، فلمّا رأى الرماة ذلك ترك بعضهم مكانه وانسابوا ينهبون الأمتعة مخالفين الأوامر المشدّدة من النبيّ 6 في لزوم الإقامة بمواضعهم.
وبصر خالد بن الوليد ذلك فحمل على من بقي في الجبل من الرماة فقتلهم
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 68.
(2) عيون الأثر 2 : 5. الكامل في التاريخ 2 : 105.
وحمل على أصحاب النبيّ من خلفهم فهزمهم وقتل جماعة منهم وأباد جيش المشركين معظم قادة الجيش الإسلامي ، واستهدف المشركون بصورة خاصّة حياة الرسول 6 ، فقد أصيب بجروح بالغة ، فكسرت رباعيّته وشقّت شفته ، وجعل الدم يسيل على وجه الشريف وهو يمسحه و يقول :
« كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى الله » (1) !
وأحاط اللئام الحقراء من القرشيّين بالنبيّ 6 يريدون الإجهاز عليه ، وكان على رأسهم أبو سفيان وهو يحرّضهم على قتل الرسول ، وأمر شخصا فنادى أنّ محمّدا قد قتل ، ففرّ المسلمون ، وحاول بعض كبار الصحابة من الفارّين أن يكتب لأبي سفيان طالبين منه الأمان.
مصرع الشهيد حمزة :
وأبدى الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطّلب من البسالة ما لا يوصف ، فقد وقف كالجبل الأشمّ محاميا عن رسول الله 6 ، وهو يجندل الأبطال ويروي الأرض من دماء الكفرة الملحدين ، قد سخر من الموت ووهب حياته لله ربّ العالمين.
ونظر إليه الوغد الأثيم وحشي وهو يهدّ الناس بسيفه فهزّ حربته ووجّهها صوبه فأصابته في لبته وخرجت من بين رجليه ، ووقع البطل العظيم على الأرض صريعا يتخبّط بدمه ، ولم يلبث قليلا حتى فارق الحياة (2) ، وخسر المسلمون ألمع قائد لهم ، وكانت شهادته من أفدح النكبات التي واجهها الرسول 6 ، فسلام الله عليه من شهيد محتسب ، وسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 108.
(2) تاريخ الطبري 2 : 199.
مصرع الشهيد مصعب :
وكان مصعب فتى قريش آمن بالنبيّ 6 إيمانا نفذ إلى أعماق قلبه ودخائل نفسه ، وتعرّض إلى أعنف ألوان التعذيب ، وقد بعثه النبيّ إلى يثرب مبشّرا بالدين الإسلامي وداعيا إلى الله ، وقد أسلم الكثيرون من المدنيّين على يده وكان أحد القادة في جيش الرسول 6 في معركة أحد ، وقد قتله ابن قمنة ظانّا أنّه رسول الله 6 ، وقد رفع عقيرته قائلا : قتلت محمّدا ، وقد خسرت القيادة الإسلامية في جيش الرسول أنبل قائد فيها ، ; وأجزل له المزيد من الأجر ، فما أعظم عائدته على الإسلام (1) !
حماية الإمام للنبيّ :
وتوالت الهزائم المنكرة في جيش المسلمين ، وفرّ معظمهم يطاردهم الفزع والخوف ، وزاد في رعبهم نداء أبي سفيان أنّ محمّدا قد قتل وتركوا النبيّ وقد أحاط به أعداء الله ، وقد اصيب بجروح بالغة وقد وقع في حفرة عملها أبو عامر وأخفاها ليسقط فيها المسلمون من حيث لا يعلمون ، وكان الإمام إلى جانبه فأخذ بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما (2) ، ولم يبق مع النبيّ 6 إلاّ نفر قليل في طليعتهم الإمام أمير المؤمنين 7 ، فالتفت إليه النبيّ 6 فقال له :
« يا عليّ ، ما فعل النّاس؟ » .
فأجابه بأسى ومرارة :
« نقضوا العهد وولّوا الدّبر » .
وحملت على النبيّ 6 عصابة مجرمة من القرشيّين ، فضاق منهم ذرعا فقال
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 73.
(2) أعيان الشيعة 3 : 111.
لعلي : « اكفني هؤلاء » ، فحمل عليهم الإمام فكشفهم عنه ، وحملت عليه كتيبة اخرى تقارب خمسين فارسا ، فقال لعليّ : « اكفني هؤلاء » فحمل عليهم الإمام وكان راجلا فقتل أربعة من أبناء سفيان بن عويف ، وستّة من تلك الكتيبة ، وقد ذادها عن النبيّ 6 بعد جهد شاق.
وحملت على النبيّ 6 كتيبة فيها هشام بن أميّة ، فقتله الإمام ، ففرت كتيبته ، وحملت على النبيّ 6 كتيبة فيها بشر بن مالك ، فقتله الإمام ، وولّت كتيبته منهزمة و بهر جبرائيل من مواساة الإمام وجهاده وصبره فقال للنبيّ : « إنّ هذه المواساة قد عجبت منها الملائكة » ، فقال له النبيّ : « وما يمنعه وهو منّي وأنا منه » ؟ فقال جبرائيل : « وأنا منكما » (1) .
وظلّ الإمام صامدا في تلك المعركة الرهيبة مدافعا عن رسول الله 6 وفاديا له بنفسه ، وقد اصيب بست عشرة ضربة كلّ ضربة تلزمه الأرض ، وما كان يرفعه إلاّ جبرائيل (2) ففي ذمّة الإسلام ما لا قاه إمام المتّقين وسيّد الموحّدين من المصاعب والأهوال في سبيل نشر دعوة الإسلام ، ولو لاه لما قام الإسلام على سوقه ولا ارتفعت له كلمة ، ومن المؤسف أنّ هذا العملاق العظيم والمجاهد الأوّل قد دفع عن مقامه وقرن بينه وبين أعضاء الشورى الذين ليس لهم سابقة الجهاد مثله.
تشفّي هند :
وشفت هند غليلها وانطفأت جمرة حقدها حينما علمت بمصرع الشهيد حمزة ، فسارعت تفتّش عن جثّته وهي مثلوجة الفؤاد ناعمة البال ، فلمّا أبصرتها أقبلت عليها كالكلبة فمثّلت بها شرّ تمثيل ، فاستخرجت كبده فلاكته ثمّ لفظته ،
__________________
(1) أعيان الشيعة 3 : 111.
(2) أسد الغابة 4 : 20.
وجدعت أنفه واذنيه وجعلتهم قلادة لها ، واثر عنها من الشعر قد سجّلت فيه شكرها لوحشي قاتل حمزة وهو :
نحن جزيناكم بيوم بدر |
والحرب بعد الحرب ذات سعر |
|
ما كان عن عتبة لي من صبر |
ولا أخي وعمّه وبكر |
|
شفيت نفسي وقضيت نذري |
شفيت يا وحشي غليل صدري |
|
فشكر وحشي على عمري |
حتى ترم أعظمي في قبري |
وحكى هذا الشعر خساسة طبعها ولؤم عنصرها ، وقد مثّلت هند بجثّة حمزة عمّ النبي شرّ تمثيل.
تشفّي أبي سفيان :
وسارع الجاهلي أبو سفيان نحو ساحة المعركة يتفرّس في وجوه شهداء المسلمين ليروي غليله ، فرأى جثّة الشهيد حمزة التي مزّقتها هند ، فطار سرورا وفرحا وقال بصوت تفيض منه الشماتة والأحقاد :
يا أبا عمارة ، دار الدهر ، وحال الأمر ، واشتفت منكم نفسي.
ثمّ هزّ رمحه وطعن به شدق جثّة حمزة ، وهو يردّد : ذق عقق ذق عقق (1) .
وولّى وهو ناعم البال قرير العين قد روى قلبه المترع بالشرك والرذائل من زعيم الهاشميّين وبطل الإسلام.
حزن النبيّ :
و وقف النبيّ 6 على جثمان عمّه الذي مثّلت به هند أقسى ألوان التمثيل فذابت نفسه أسى وحزنا كأشدّ ما يكون الحزن ، وراح يقول مخاطبا عمّه :
__________________
(1) الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عبد الفتّاح عبد المقصود 1 : 82.
« لن أصاب بمثلك أبدا ، ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إليّ من هذا ، لو لا أن تحزن صفيّة ويكون سنّة من بعدي لتركته حتّى يكون في بطون السّباع وحواصل الطّيور ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثّلنّ بثلاثين رجلا منهم ».
وانبرى المسلمون بلوعة وأسى قائلين :
والله! لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب ...
ونزل جبرئيل على النبيّ 6 يرشده إلى ما ينبغي له مع قريش ، وكره له التمثيل بهم بهذه السعة ، فقد رفع له هذه الآية : ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) (1) .
فعفا رسول الله 6 وصبر ونهى عن المثلة ، وقال : « إنّ المثلة حرام ولو بالكلب العقور ».
لقد كانت معركة أحد المعركة الوحيدة التي هزم فيها المسلمون شرّ هزيمة ، وقد قال ابن إسحاق : إنّ يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحقّ به المنافقين ممّن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قلبه ، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة (2) .
وقد أخبر النبيّ 6 الإمام أمير المؤمنين 7 بعد انتهاء المعركة أنّه لا يصيب المشركون من المسلمين مثل هذه المعركة حتى يفتح الله تعالى على المسلمين (3) .
__________________
(1) النحل : 126 و 127.
(2) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 105.
(3) البداية والنهاية 4 : 47.
ملاحقة النبيّ للقرشيّين :
ولم يمكث النبيّ 6 في يثرب إلاّ زمنا يسيرا بعد رجوعه من معركة أحد حتى أمر أصحابه أن ينفروا لحرب قريش ، وخصّ طلبه بالذين اشتركوا معه في الحرب بما فيهم الجرحى ، والسبب في ذلك أن يوهم على قريش أنّه محتفظ بقوّته حتى لا يكرّوا الرجعة إليه ، وكانوا قد عزموا على ذلك ، فلمّا وافتهم الأنباء بزحف النبيّ إليهم تثاقلوا وتراجعوا عمّا صمّموا عليه ، وكانت هذه
الخطة من أروع الخطط السياسية والحربية.
سرور القرشيّين :
ورجعت قريش إلى مكّة وهي تعزف أبواق النصر بما حقّقته من نصر على المسلمين وما أوقعته فيهم من الخسائر الفادحة في النفوس والأموال ، وكان من أعظم المسرورين أبو سفيان وزوجته هند وسائر بني أميّة ، فقد أخذوا ثأرهم من النبيّ 6 وذلك بما سفكوه من دم عمّه حمزة وسائر الأبطال من المسلمين.
واقعة الخندق :
أمّا واقعة الخندق فهي واقعة الأحزاب ، سمّيت بذلك لتحزّب القبائل على حرب رسول الله 6 ، وقد ضاق منها المسلمون ذرعا وساد فيهم الرعب والخوف ، وذلك لقوّة المشركين وانضمام اليهود إليهم ، فقد كان عددهم عشرة آلاف مقاتل وعدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل ، وقد حكى القرآن الكريم مدى الفزع الذي أصاب المسلمين من أعدائهم قال تعالى : ( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ) (1) ، وقد كتب الله تعالى النصر للإسلام
__________________
(1) الأحزاب : 10.
على يد الإمام أمير المؤمنين 7 ، فهو الذي أحرز الفتح المبين ونقدّم عرضا موجزا لهذه الواقعة التي خاضها الإمام 7 .
دور اليهود في المعركة :
أمّا اليهود فكانوا العنصر الفعّال في هذه المعركة ، فقد خفّت منهم عصابة إلى القرشيّين يحرّضونهم على حرب النبيّ 6 ، ويطلبون منهم الانضمام إليهم قائلين لهم :
إنّا سنكون معكم عليه حتى نستأصله ...
وهتف القرشيّون قائلين :
يا معشر اليهود ، إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ، هو محمّد أفديننا خير أم دينه؟
وأسرع اليهود قائلين :
بل دينكم ـ وهو عبادة الأوثان والأصنام ـ خير من دينه ، وأنتم أولى بالحقّ منه ...
وحكى القرآن الكريم هذه المحاورة ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (1) .
إنّ اليهود في جميع فترات تأريخهم أعداء الفكر والحق ومصدر الفتنة في
__________________
(1) النساء : 50 ـ 55.
الأرض ، وقد استجابت القوى الكافرة من القرشيّين لحرب النبيّ 6 ، كما استجابت قبائل غطفان وتجهّزوا لحرب النبيّ 6 .
النبيّ مع نعيم :
أسلم نعيم على يد النبيّ 6 في تلك الفترة الرهيبة ، وكان من زعماء غطفان ، فقال للنبيّ : يا رسول الله ، إنّي قد أسلمت وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي فأمرني بما شئت فأمره النبيّ 6 بتخذيل القبائل عنه وخداعهم ، فإنّ الحرب خدعة ، وقام نعيم بن مسعود بدور إيجابي وفعّال في تفتيت القوى المحاربة للنبيّ من اليهود والقرشيّين ، فقد انطلق إلى بني قريظة ، وكان نديما لهم في الجاهلية فقال لهم :
يا بني قريظة ، قد عرفتم ودّي إيّاكم والخاصّة التي بيني وبينكم ...
وهتفوا قائلين :
صدقت لست عندنا بمتّهم.
وأشار عليهم بنصيحة قائلا :
إنّ قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على تحوّل منه إلى غيره ، وإنّ قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمّد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فإن رأوا نهزة أصابوها (1) ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا محمّدا حتى تناجزوه ...
وهتفوا جميعا :
__________________
(1) النهزة : انتهاز الشيء واختلاسه.
أشرت بالرأي ...
ومضى إلى قريش فقال لأبي سفيان ومن معه من زعماء قريش : قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمّدا ، وإنّه بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنّي.
وطفقوا قائلين :
نفعل ذلك.
إنّ اليهود قد ندموا على ما صنعوه مع محمّد ، وأرسلوا إليه أنّهم قد ندموا على ما فعلوه ، وإنّه إذا يرضيه أن يأخذوا من أشراف قريش وغطفان جماعة ويسلّموهم إليه ليضرب أعناقهم ، ثمّ يكونوا معه فإن بعثت لكم اليهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ...
وأرسل أبو سفيان ورؤساء بني غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل مع جماعة من قريش وغطفان فطلبوا منهم الالتحاق بهم لمحاربة رسول الله 6 فقالت بنو قريظة : لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا حتى نناجز محمّدا ورجعت الرسل إلى قريش وغطفان فأخبروهم بمقالة بني قريظة ، فصدّقوا مقالة نعيم بن مسعود ، وقالوا : لا نعطيهم أي واحد منّا ، وبذلك فقد تخلّص المسلمون من يهود بني قريظة ، فلم ينضمّوا إلى قريش ولم يشتركوا معهم في حرب رسول الله (1) .
حفر الخندق :
ولمّا علم النبيّ 6 خروج القرشيّين وقبائل غطفان لحربه جمع أصحابه
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 229 ـ 230.
وأحاطهم علما بالأمر ، وطلب منهم اتّخاذ أهمّ وسيلة لصدّ العدوان عن المسلمين ، فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان المحمّدي بحفر الخندق حول المدينة ليمنع من وصول العدو لهم ، واستصوب النبيّ 6 هذا الرأي ، وقام مع أصحابه بحفر الخندق ، وكانت خطّة حكيمة وقت المسلمين من شرّ أعدائهم ، ووقفت قريش مذهولة لا حيلة لها ، فلم تقدر على اجتيازه والوصول إلى محاربة المسلمين ، واستخدمت النبال في حربها ، وكان المسلمون يردّون عليهم بالمثل ، وبقي التراشق بين الفريقين من دون أن تقع حرب عامّة.
مبارزة الإمام لعمرو :
وضاقت القبائل القرشية ذرعا من هذه المناوشات التي لم يحرزوا فيها نصرا ، والتمسوا منهم مكانا ضيّقا ، فأقحموا خيولهم فيه وعبروا الخندق ، كان منهم عمرو ابن عبد ودّ فارس قريش في الجاهلية وفارس كنانة ، وهو مدجّج بالسلاح كأنّه القلعة فوق جواده ، واهتزّت الأرض من تيهه وزهوه وقوّة بدنه ، وساد الوجوم بين المسلمين وعمّ فيهم الرعب وتهيّبوه ، وجعل يصول ويجول أمامهم محتقرا لهم وقد رفع صوته قائلا :
يا رجال محمّد ، هل من مبارز؟
وخلعت قلوب المسلمين ، فكان كالصاعقة عليهم.
وهتف ثانيا :
ألا رجل يبارز؟
ولبّى نداءه حامي الإسلام وبطل المسلمين الإمام أمير المؤمنين 7 قائلا :
« أنا له يا رسول الله » !
وكان الرسول 6 ضنينا على ابن عمّه ، فقال للإمام :
« إنّه عمرو » .
وجلس الإمام 7 ممتثلا لأمر النبيّ 6 ، وعاد عمرو ساخرا من المسلمين قائلا لهم :
يا أصحاب محمّد ، أين جنّتكم التي زعمتم أنّكم داخلوها إذا قتلتم؟
ألا يريدها رجل منكم؟
ولم يستجب أحد من المسلمين لنداء عمرو سوى الإمام ، فأخذ يلحّ على النبيّ أن يأذن له ، فأذن له النبيّ بعد إصراره وإلحاحه.
وقلّده الرسول وساما من أعظم الأوسمة التي تقلّدها الإمام حين قال 6 :
« برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه ».
يا لها من كلمة خالدة ، فقد حدّدت الإمام بالإيمان بجميع رحابه ومفاهيمه ، فهو الذي يحكيه. و رفع النبيّ 6 يديه بالدعاء مبتهلا إلى الله تعالى قائلا :
« اللهمّ إنّك أخذت منّي حمزة يوم أحد ، وعبيدة يوم بدر ، فاحفظ اليوم عليّا ربّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ».
وبرز الإمام مزهوا لم يخالجه رعب ولا خوف من عمرو بن عبد ودّ ، وعجب عمرو من جرأة هذا الفتى وإقدامه على مناجزته ، فقال له :
من أنت؟
فأجابه الإمام ساخرا منه :
« أنا عليّ بن أبي طالب » .
فأشفق عليه عمرو وقال له :
قد كان أبوك صديقا لي.
ولم يحفل الإمام بصداقة عمرو لأبيه وراح يقول له :
« يا عمرو ، إنّك عاهدت قومك ألاّ يدعوك رجل من قريش إلى خلال ثلاث إلاّ أجبته؟ ».
نعم ، هذا عهدي.
« إنّي أدعوك إلى الإسلام ».
وضحك عمرو وقال للإمام بسخرية :
أأترك دين آبائي ، دع هذا عنك ..
« أكفّ يدي عنك فلا أقتلك وترجع؟ ».
وغضب عمرو وعجب من جرأة هذا الفتى عليه وقال له :
إذن تتحدّث العرب عن فراري ..
وعرض الإمام عليه الأمر الثالث فقال له :
« إنّي أدعوك إلى النّزال؟ » (1) .
وعجب عمرو من جرأة الفتى وبسالته ، فنزل عن فرسه واستلّ سيفه وضرب رأس الإمام ، فاستقبلها بدرقته فقدّها ونفذ السيف إلى رأس الإمام فشجّه ، وأيقن المسلمون أنّ الإمام قد لاقى مصيره ، ولكن الله تعالى نصره وحماه ، فقد ضرب عمروا ضربة هدّته وسقط إلى الأرض يخور بدمه كما يخور الثور عند ذبحه وكبّر الإمام ، وكبّر المسلمون ، فقد انقصم ظهر الشرك وتفلّلت قواه ، وأحرز الإسلام النصر الحاسم على يد إمام المتّقين وبطل الإيمان ، و راح النبيّ 6 يقلّده وساما مشرقا باقيا على امتداد التاريخ قائلا : « لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة » (2) .
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 : 32.
(2) تاريخ بغداد 13 : 19. مستدرك الحاكم 3 : 32.
وقال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان : لو قسّمت فضيلة عليّ بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم (1) .
وقال عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى : ( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) (2) قال : كفاهم بعليّ بن أبي طالب. وبكت قريش عمرو بن عبد ودّ لأنّ قتله كان هزيمة لهم ، وقد رثاه سافح بن عبد مناف بن زهرة بقوله :
عمرو بن عبد كان أوّل فارس |
جزع المزار وكان فارس يليل |
|
سمح الخلائق ماجد ذو مرّة |
يبغي القتال بشكة لم ينكل |
واعتزّت اخت عمرو بالإمام قاتل أخيها لأنّه البطل الأوّل قي الجزيرة ، ولو كان قاتله غير الإمام لحزنت عليه كأشدّ ما يكون الحزن قالت :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله |
لكنت أبكى عليه آخر الأبد |
|
لكن قاتله من لا يعاب به |
من كان يدعى قديما بيضة البلد (3) |
وقتل الإمام 7 بطلا آخر من قريش وهو نوفل بن عبد الله ، وسبّب ذلك هزيمة كبرى لقريش ، وراح النبيّ 6 يقول له :
« الآن نغزوهم ولا يغزوننا » (4) .
وولّت قريش منهزمة على أعقابها تجرّ رداء الخيبة والخسران ، قد منيت بهزيمة ساحقة ولم تربح أي شيء في هذه المعركة ولم يخسر المسلمون فيها شيئا.
__________________
(1) رسائل الجاحظ : 60.
(2) الأحزاب : 25.
(3) أمالي المرتضى 2 : 7 ـ 8.
(4) أعيان الشيعة 3 : 113.
فتح خيبر (1) :
وبعد ما شاعت الهزائم الساحقة في صفوف القرشيّين وأخزاهم الله وأذلّهم رأى النبيّ 6 بفكره الثاقب ورأيه الأصيل أنّه لا يستقيم للمسلمين أمر ولا تسلم لهم دولة ولا تسود كلمة الإسلام في الأرض مع وجود قوّة اليهود ، وهم من ألدّ أعداء الإسلام ، وتلك القوة هي حصون خيبر التي كانت مصنعا للأسلحة على اختلاف أنواعها من السيوف والرماح والدروع والدبابات التي كانت تقذف بالماء الحار والرصاص بعد إذابته ، وهي من أخطر الأسلحة في ذلك العصر ، وكانت اليهود هي التي تمدّ القوى المحاربة للإسلام بالأسلحة وزحف النبيّ 6 بجيشه لاحتلال حصون خيبر ، وأسند قيادة جيشه لأبي بكر ، فمضى ، ولمّا أشرف على الحصون قوبل بالقذائف فرجع منهزما خائبا ، وفي اليوم الثاني أسند النبيّ 6 قيادة الجيش إلى عمر بن الخطّاب ، فكان كصاحبه أبي بكر ، فقفل راجعا منهزما ، وظلّت الحصون مغلقة لم يمسّها أحد بسوء ...
وبعد ما عجز الجيش من اقتحام الحصن أعلن النبيّ 6 أنّه سيعيّن القائد الذي يفتح الله على يده قائلا :
« لأدفعنّ الرّاية غدا إلى رجل يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، لا يرجع حتّى يفتح الله له » (2) .
واستشرف الجيش بفارغ الصبر ينتظرون القائد الملهم الذي يفتح الله على يده ، ولم يظنّوا أنّه الإمام ؛ لأنّه كان مصابا برمد ، ولمّا اندلع نور الصباح دعاه
__________________
(1) خيبر : اسم ولاية مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثير تبعد عن المدينة ثلاثة أيام ، سمّيت باسم أوّل من نزلها وهو خيبر أخو يثرب من أبناء عاد ، وكانت غزوة خيبر في آخر السنّة السادسة من الهجرة ، جاء ذلك في خزانة الأدب 6 : 69.
(2) حلية الأولياء 1 : 62. صفة الصفوة 1 : 163. مسند أحمد 1 : 185 ، رقم الحديث 778.
النبيّ 6 وكان معصبا على عينيه فأزاح العصابة عنه وسقا عينيه بريقه فبرئتا بالوقت ، و قال له : « خذ هذه الرّاية حتّى يفتح الله عليك ».
ووصف حسّان بن ثابت رمد الإمام وشفاءه من ريق النبيّ بقوله :
وكان عليّ أرمد العين يبتغي |
دواء فلم يحسس طبيبا مداويا |
|
شفاه رسول الله منه بتفلة |
فبورك مرقيا وبورك راقيا |
|
وقال : سأعطي الراية اليوم صارما |
كميّا محبّا للرسول مواليا |
|
يحبّ إلهي والإله يحبّه |
به يفتح الله الحصون الأوابيا |
|
فأصفى بها دون البريّة كلّها |
عليّا وسمّاه الوزير المؤاخيا (1) |
ووصف الشاعر الموهوب الأزري الحادثة بقوله :
وله يوم خيبر فتكات |
كبرت منظرا على من رآها |
|
يوم قال النبيّ إنّي لأعطي |
رايتي ليثها وحامي حماها |
|
فاستطالت أعناق كلّ فريق |
ليروا أيّ ماجد يعطاها |
|
فدعا أين وارث العلم والحلم |
مجير الأيام من بأساها؟ |
|
أين ذو النجدة الذي لو دعته |
في الثرايا مروعة لبّاها؟ |
|
فأتاه الوصي أرمد عين |
فسقاه من ريقه فشفاها |
|
ومضى يطلب الصفوف فولّت |
عنه علما بأنّه أمضاها (2) |
واستلم الإمام 7 الراية من النبيّ 6 وقال له :
« يا رسول الله ، اقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ » ، فقال له النبيّ : « انفذ على
__________________
(1) إعلام الورى : 185 ـ 186.
(2) شرح الأزرية : 141 ـ 142.
رسلك حتّى تنزل بساحتهم ، ثمّ ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فو الله! لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم » (1) .
وأسرع القائد العظيم مزهوّا لم يختلج في قلبه رعب ، وهو يلوّح بلواء النصر متّجها نحو الحصن ، فقلع بابه وتترّس بها (2) ووقته من ضربات اليهود وقذائفهم ، وذعر اليهود وأصابتهم أوبئة الخوف وفزعوا من هذا البطل الذي قلع باب حصنهم وتترّس بها.
مبارزة الإمام لمرحب :
وبرز مرحب ـ وهو من أبطال اليهود وشجعانهم ـ صوب الإمام وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز :
قد علمت خيبر أنّي مرحب |
شاكي السلاح بطل مجرّب |
إذا الليوث أقبلت تلتهب واستقبله حامي الإسلام وعليه جبّة حمراء فأجابه :
« أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره |
ضرغام آجام وليث قسوره » (3) |
__________________
(1) صفوة الصفوة 1 : 164. صحيح البخاري 7 : 121. وفي وسائل الشيعة ( 6 : 30 ) : « يا عليّ ، لا تقاتلنّ أحدا حتّى تدعوه إلى الإسلام ».
(2) إنّ قلع الإمام لباب خيبر كان من المعاجز ، فقد كانت الباب لا يقلعها إلاّ أربعون رجلا ، كما نصّت عليه المصادر التالية : تاريخ بغداد 11 : 324. ميزان الاعتدال 2 : 218. كنز العمّال 6 : 368.
وفي الرياض النضرة ( 2 : 188 ) : « إنّه اجتمع سبعون رجلا فأعادوا الباب بعد جهد ».
(3) الآجام : جمع أجمة ، وهي الشجر الكثير الملتفّ أو القصب يكونان مأوى للأسود ، وهو إشارة إلى فرط قوّته ومنعة جانبه ، فإنّه لم يكتف بحماية أجمة ، وإنّما حمى آجاما.
القسورة : أوّل الليل ، وتأتي بمعنى الأسد ، وهو من القسر لأنّه يأخذ فريسته قسرا وقهرا.
عبل الذّراعين شديد القسورة |
كليث غابات كريه المنظرة (1) |
|
أضرب بالسّيف رقاب الكفرة |
أكيلهم بالسّيف كيل السّندره » (2) |
ولم يختلف الرواة في أنّ هذا الشعر للإمام (3) ، وقد حكى هذا الشعر قوّة بأس الإمام 7 وشجاعته ، وتقدّم إليه الإمام فبادره بضربة قدّت البيضة والمغفر ورأسه ، وسقط إلى الأرض صريعا يتخبّط بدمه ، فأجهز عليه وتركه جثّة هامدة ، وبذلك فقد كتب الله النصر للإسلام ، وفتحت حصون خيبر ، وأذلّ اليهود ولقّنهم درسا قاسيا يذكرونه بأسى ولوعة على امتداد التاريخ.
وسرّ النبيّ 6 سرورا بالغا بهذا النصر المبين الذي أعزّ الله به المسلمين وقهر أعداءهم اليهود ، وصادف في ذلك اليوم رجوع جعفر بن أبي طالب من الحبشة ، فقال 6 : « ما أدري بأيّهما أنا أسرّ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر » (4) ؟
غزوة بني قريظة :
وبنو قريظة من شرائح اليهود الذين يشكّلون خطرا على المسلمين ويكيدونهم في وضح النهار وغلس الليل ، وقد هبط جبرئيل على رسول الله 6 بأمر من الله تعالى أن ينازلهم الحرب ويستأصل شأفتهم (5) ، وخفّ النبيّ 6 لحربهم ، وقدّم الإمام أمير المؤمنين أمامه وهو يحمل رايته ، فسار لهم ، فلمّا دنا من
__________________
(1) العبل : الضخم.
(2) السندرة : اختلف في معناها ، فقال ابن الاعرابي : هي المكيال ، والمعنى : أنّي أقتلكم قتلا واسعا كثيرا ، وقال غيره : هي امرأة كانت توفي الكيل ، أي أقتلكم قتلا وافيا.
(3) خزانة الأدب 6 : 65.
(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 128.
(5) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 333.
حصونهم سمع منهم مقالة قبيحة في النبيّ ، فرجع حتى التقى به وقال له : « يا رسول الله ، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخباث » ، فقال له : « لم أظنّك سمعت منهم لي أذى؟ » ، قال : « نعم » ، فقال النبي :
« لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا » وحاصرهم النبيّ خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب.
نصيحة كعب لبني قريظة :
وأيقنت بنو قريظة أنّ رسول الله 6 غير منصرف عنهم حتى يناجزهم الحرب فتقدّم إليهم كعب بن أسد بنصيحة لهم قائلا :
يا معشر اليهود ، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيّها شئتم؟
وهتفوا جميعا ما هي؟
عرض عليهم نصيحته قائلا :
نتابع هذا الرجل ونصدّقه ، فو الله! لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل ، وأنّه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ..
وأشار عليهم بنجاتهم وسلامتهم ، إلاّ أنّهم لم يستجيبوا له وردّوا عليه قائلين :
لا نفارق حكم التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره ..
وأشار عليهم ثانيا :
فإذا أبيتم عليّ هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه مصلتين السيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد ، فإن نهلك فهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء ...
ورفضوا هذا المقترح قائلين :
ونقتل هؤلاء المساكين فما خير للعيش بعدهم ..
واقترح عليهم ثالثا : فإن أبيتم عليّ هذه فإنّ الليلة ليلة السبت ، وأنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد امنونا فيها ، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة ..
ورفضوا ذلك وقالوا : نفسد سبتنا علينا ، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلاّ من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ.
ولم ينصاعوا لرأيه وأصرّوا على جهلهم (1) .
نزولهم على حكم الرسول :
وضاق بنو قريظة ذرعا وسدّت عليهم جميع النوافذ فنزلوا على حكم رسول الله 6 وما يراه فيهم.
تحكيم سعد :
وأوكل النبيّ 6 أمرهم إلى سعد بن معاذ ، وكان من أجلاّء الصحابة ، لا تأخذه في الله لومة لائم وكان جريحا ، فحمل إلى رسول الله 6 فقام إليه وسائر الصحابة تكريما وقالوا له :
يا أبا عمرو ، إنّ رسول الله 6 قد أمر مواليك لتحكم فيهم ..
فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، إنّ الحكم فيهم لما حكمت ...
نعم.
وحكم سعد فيهم بقتل رجالهم وتقسيم أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم.
وهو حكم عادل في هؤلاء اليهود الذين هم مصدر فتنة وفساد في الأرض.
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 235 ـ 236.
وأقرّ النبيّ 6 حكم سعد ، وقال له :
« لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة » (1) .
ونفّذ الإمام أمير المؤمنين 7 حكم الاعدام في هؤلاء الأشرار ، فقد حصد رءوسهم بسيفه.
غزوة بني النضير :
وبنو النضير من فصائل اليهود الذين أترعت نفوسهم بالبغض والعداء إلى الرسول 6 ، وقد سار إليهم في جماعة من أصحابه ، في طليعتهم الإمام أمير المؤمنين 7 وذلك لأخذ دية منهم كانت قد اتّفق معهم عليها ، وجلس النبيّ 6 إلى جانب جدار من بيوتهم ، فخلا بعضهم ببعض وتآمروا على أن يلقي بعضهم صخرة من السطح على رأس النبيّ ، واستجاب عمرو بن جحاش لذلك ، وأخذ معه الصخرة ، فنزل الوحي من السماء على النبيّ 6 يخبره بذلك ، فسارع قائما وترك أصحابه في مجالسهم وقفل راجعا إلى المدينة ، وفي ذلك يقول السبكي :
وجاءك الوحي بالذي أضمرت بنو |
النضيرة وقد همّوا بإلقاء صخرة (2) |
وسارع الإمام 7 إلى اليهودي الذي حاول اغتيال الرسول 6 فقتله ، وهربت العصابة التي معه ، فطلب الامام من الرسول ملاحقتهم فأذن له ، وزوّده بكوكبة من جيشه فلحقوهم قبل دخول حصنهم وقتلوهم ، وكان ذلك السبب في فتح حصونهم ، وانبرى جماعة من الشعراء كان منهم حسّان بن ثابت فنظّموا في
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 239 ـ 240.
(2) إنسان العين 2 : 176.
شعرهم الحادثة ، وأثنوا على الإمام 7 على ما بذله من جهد شاقّ في فتح حصون بني النضير.
غزوة وادي القرى :
ولمّا فتح النبيّ 6 حصون خيبر أتى وادي القرى ، وقد سكنه اليهود ، فعرض عليهم الإسلام فأبوا واختاروا قتاله ، فقاتلهم المسلمون ، وقتل منهم أحد عشر رجلا قد قتل الإمام بعضهم ، وفتح الله للنبيّ 6 ديارهم ، وغنم المسلمون أموالهم ، وترك لهم ما في أيديهم من الأرض والنخيل ، وعاملهم بها مثل معاملته لأهل الخيبر (1) .
الإمام وفتح اليمن :
وأرسل النبيّ 6 الإمام 7 مع كتيبة عسكرية إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام أو الحرب ، وأخذ الإمام يجدّ في السير لا يلوي على شيء لينفّذ رسالة الرسول 6 .
دعاء الإمام :
وكان الإمام 7 قد دعا بهذا الدعاء الشريف حين توجّهه إلى اليمن ، وهذا نصّه :
« اللهمّ إنّي أتوجّه إليك بلا ثقة منّي بغيرك ، ولا رجاء يأوي بي إلاّ إليك ، ولا قوّة أتّكل عليها ، ولا حيلة ألجأ إليها إلاّ طلب فضلك ، والتّعرّض لرحمتك ، والسّكون إلى أحسن عادتك ، وأنت أعلم بما سبق لي في وجهي هذا ممّا أحبّ وأكره ، فأيّما أوقعت عليّ فيه قدرتك ، فمحمود فيه بلاؤك متّضح فيه قضاؤك ، وأنت تمحو ما
__________________
(1) إنسان العين 3 : 68 ـ 69.
تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب.
اللهمّ فاصرف عنّي مقادير كلّ بلاء ، ومقاصر كلّ لأواء ، وأبسط عليّ كنفا من رحمتك وسعة من فضلك ، ولطفا من عفوك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت ، وذلك مع ما أسألك أن تخلفني في أهلي وولدي ، وصروف حزانتي بأحسن ما خلفت به غائبا من المؤمنين في تحصين كلّ عورة وستر كلّ سيّئة ، وحطّ كلّ معصية ، وكفاية كلّ مكروه ، وارزقني على ذلك شكرك وذكرك ، وحسن عبادتك ، والرّضا بقضائك ، يا وليّ المؤمنين ، واجعلني وما خوّلتني وولدي ، ورزقتني من المؤمنين والمؤمنات في حماك الّذي لا يستباح ، وذمّتك التي لا تخفر ، وجوارك الّذي لا يرام ، وأمانك الّذي لا ينقض ، وسترك الّذي لا يهتك ، فإنّه من كان في حماك وذمّتك وجوارك وأمانك وسترك كان آمنا محفوظا ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ » (1) .
وحكى هذا الدعاء مدى اعتصام الإمام 7 بالله تعالى والتجائه إليه وانقطاعه الكامل لإرادته ومشيئته.
إسلام همدان :
وانتهى الإمام مع الوفد العسكري إلى اليمن والتقى بزعماء اليمانيّين ووجوههم ، وعرض عليهم دعوة النبيّ 6 ، وشرح لهم محاسن الإسلام وما تنشده مبادئه من القيم الكريمة والمثل العليا ، وقد بهر اليمانيّون بكمال الإمام وفضله وأدبه فاستجابوا لدعوته ، وأعلنت همدان بأسرها الإسلام والتمسّك بقيمه ، وبذلك فقد كان الإمام رسول السلام الذي نجح في فتح اليمن بلا حرب (2) .
__________________
(1) مهج الدعوات : 94.
(2) أمالي المرتضى 1 : 292.
فتح مكّة :
وكتب الله تعالى النصر المبين لعبده ورسوله محمّد 6 ، فقد أذلّ القوى المعادية من القرشيّين واليهود ، وامتدّت دولته على كثير من مناطق الجزيرة العربية ، فقد سادت فيها كلمة الإسلام ورفعت عليها راية التوحيد.
وقد رأى النبيّ 6 أنّه لا يتحقّق له النصر الحاسم والفتح المبين إلاّ بفتح مكّة التي هي قلعة الشرك والإلحاد والتي حاربته حينما كان فيها وحينما نزح عليها.
وسار النبيّ 6 بجيش مكثّف قوامه عشرة آلاف جندي مسلّح أو يزيد على ذلك ، وهو مزوّد بجميع آلات الحرب ، وقد أحاط اتّجاهه إلى مكّة بكثير من الكتمان ، فلم تعلم القطعات من جيشه اتّجاهها ، فقد خاف النبيّ أن تستعد قريش لمحاربته إن علمت بمسيرة جيوشه لاحتلال بلدهم فتراق الدماء في البلد الحرام ، فأخفى ذلك عليهم حتى يفاجئهم بجيشه فلا يتمكّنوا على مناهضته.
رسالة حاطب لقريش :
وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم فيه بتوجّه النبيّ 6 لاحتلال بلدهم ، وأعطى الكتاب إلى امرأة وأوصاها بالكتمان الشديد ، وجعل لها جعلا إن هي أوصلت الرسالة إلى القرشيّين ، فجعلت الكتاب في شعر رأسها وأخفته حتى لا يعلم به أحد ، ونزل الوحي على رسول الله 6 وأحاطه علما بالكتاب ، فاستدعى أخاه الإمام أمير المؤمنين 7 والزبير بن العوّام وأمرهما بالقبض على المرأة وأخذ الكتاب منها ، وسارع الإمام مع الزبير في السير حتى أدركا المرأة ، فسألاها عن الكتاب ، فأنكرت ذلك ، فصاح بها الإمام وزجرها قائلا :
« إنّي أحلف بالله ما كذب رسول الله 6 ولا كذّبنا ، لتخرجنّ الكتاب أو لنكشفنّك » ، فاستولى عليها الرعب وخافت فأخرجت الكتاب من شعر رأسها
وأعطته للإمام ، وخفّ الإمام مع الزبير مسرعين إلى النبيّ فسلّماه الكتاب ، فدعا بحاطب ، فلمّا مثل عنده قال له :
« ما حملك على هذا؟ » .
وأبدى حاطب معاذيره للرسول 6 قائلا : يا رسول الله ، إنّي مؤمن بالله ورسوله ، ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكن ليس لي في قريش أصل ولا عشيرة ، فصانعتهم عليه ».
وقبل النبيّ 6 معاذيره ، ونزلت الآية الكريمة في حقّه : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) الآية (1) » (2) .
في رحاب مكّة :
وسارعت الجيوش الإسلامية لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى مشارف مكّة وأهلها غافلون لا يعلمون شيئا ، فقد أحاط النبيّ 6 مسيرته بكثير من التعتيم حفظا على السلام وعدم إراقة الدماء ، وأمر النبيّ جيشه بجمع الحطب ، فجمعت كميات هائلة ، فلمّا اختلط الظلام أمر بإشعال النار فيه ، فكان لهبها يرى في مكّة ، وفزع أبو سفيان وأوجس في نفسه خيفة منها ، فقال لبديل بن ورقاء ـ وكان إلى جانبه ـ :
ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ؟
وبادر بديل قائلا :
وهذه والله! خزاعة حمشتها الحرب ..
وسخر أبو سفيان منه وراح يقول له :
__________________
(1) التحريم : 1.
(2) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 398.
خزاعة أذلّ وأقلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها واستولى عليه الفزع والخوف ، واطمأنت نفسه أنّها جيوش المسلمين جاءت لاحتلال مكّة.
العباس وأبو سفيان :
ولمّا علم العباس بقدوم الجيوش الإسلامية لاحتلال مكّة ، أوجس في نفسه خيفة على قومه القرشيّين ، وأخذ يحدّث نفسه قائلا : واصباح قريش ، والله! لئن دخل رسول الله 6 مكّة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه أنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر وجهد على أن يجد شخصا فيأتي إلى مكّة فيخبر أهلها بمكان رسول الله 6 فيخفّوا إليه ليطلبوا منه الأمن ، وبينما هو غارق في تيار من الهواجس والخوف على قومه إذ بصر بأبي سفيان فهتف به :
يا أبا حنظلة ...
وعرفه أبو سفيان فسارع قائلا :
أبو الفضل ..
نعم ..
فداك أبي وأمّي.
ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله في الناس واصباح قريش ...
وذعر أبو سفيان وجمد دمه ، وخاف على نفسه وقومه فبادر قائلا :
ما الحيلة فداك أبي وأمّي؟
وسارع العباس يدلّه على الطريق الذي يحافظ به على دمه قائلا له : والله! لئن ظفر بك رسول الله 6 ليضربنّ عنقك ، فاركب على عجز هذه البغلة حتى آتي بك إلى رسول الله 6 فأستأمنه لك.
فأردفه خلفه ، فكان كلّما مرّ على نار من نيران المسلمين قالوا : من هذا؟ فإذا
رأوا بغلة رسول الله 6 ، قالوا : عمّ رسول الله ، وبصر به عمر بن الخطّاب فعرفه ، فصاح :
هذا أبو سفيان عدوّ الله ...
ثمّ صاح ثانيا :
الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ووجم أبو سفيان واضطربت خلجات قلبه وهام في تيارات من الهواجس ، وخاف على نفسه وقومه الذين لم يبقوا في قاموس الإساءة والمكروه شيئا إلاّ صبّوه على النبيّ وأصحابه.
وجرت مناوشات كلامية بين العباس وعمر في شأن أبي سفيان ، وبادر العباس إلى رسول الله 6 فأحاطه علما بأسر أبي سفيان ، فأمره النبيّ أن يذهب به إلى رحله ويأتي به عند الصباح ، وبات أبو سفيان ليلته مع العباس وهو وجل مضطرب قد أنفق ليله ساهرا.
أبو سفيان بين يدي النبيّ :
ولمّا اندلع نور الصبح أقبل العباس ومعه أبو سفيان ، فلمّا مثلا أمام النبيّ التفت إلى أبي سفيان فقال له :
« ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلاّ الله ...؟ ».
ولم يعرض النبيّ 6 إلى ما عاناه من صنوف التنكيل والاضطهاد من أبي سفيان وقومه ، فقد أسدل الستار على ذلك لنشر الوئام وإفهامه بروح الإسلام التي لا تعرف الانتقام من الأعداء وراح أبو سفيان يتضرّع إلى النبيّ ويطلب منه العفو قائلا :
بأبي أنت وأمّي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله! لقد ظننت أنّه لو كان مع الله إله غيره لأغنى عنّي ..
والتفت إليه النبيّ بلطف ورفق قائلا :
« ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟ ».
ولم يستطع أن يقرّ أبو سفيان بذلك ، فقد أترعت نفسه بالكفر والالحاد والنفاق ، فلم يستطع أن يخفي ما انطوى عليه ضميره وراح يقول :
بأبي أنت وأمّي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أمّا هذه فإنّ في النفس منها شيئا حتى الآن ...
وانبرى العباس لأبي سفيان ينذره ويتهدّده إن لم يستجب لدعوة الرسول قائلا : ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ..
ولم يجد الخبيث بدّا فأعلن الإسلام بلسانه على كره خوفا من حدّ السيف ، وانطوى قلبه على الكفر والنفاق.
ألطاف النبيّ على أبي سفيان :
ووسعت رحمة النبيّ 6 أبا سفيان الذي هو ألدّ أعدائه وخصومه ، والذي أثار عليه الأحزاب وقاد الجيوش لحربه ، فقبل إسلامه المزيّف ، ولم يقابله بالمثل ، وقد أعطى النبيّ 6 بذلك مثلا لرحمة الإسلام وإيثاره للسلم.
والتفت العباس إلى النبيّ فطلب منه أن يسدي يدا على أبي سفيان قائلا :
يا رسول الله ، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر فاجعل له شيئا؟
و استجاب الرسول لدعوة العبّاس ، وقال :
« نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ».
وربح أبو سفيان هذه الكرامة كما ربح لقومه العفو العامّ الذي لم يحدث له مثيل في جميع فترات التاريخ ، فقد غمرهم الرسول بألطافه وهم الذين جرّعوه ألوانا قاسية من المحن والخطوب.
أبو سفيان في مضيق الوادي :
وأمر النبيّ 6 العباس بحبس أبي سفيان في مضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمرّ عليه جنود الله فيراها حتى يحذّر قريشا من مناهضة النبيّ 6 ، وحبسه العباس في المضيق ، واجتازت عليه الكتائب وهي تحمل رايات النصر ، وكلّما مرّت عليه كتيبة سأل عنها فيعرّفه العباس بها ، واجتازت عليه كتيبة مدجّجة بالسلاح فقال للعباس :
يا عباس ، من هذه؟
سليم ..
ما لي ولسليم.
واجتازت عليه كتيبة أخرى فقال للعباس :
يا عباس ، ما هذه؟
مزينة ..
ما لي ولمزينة ..
ولمّا انتهت الكتائب مرّ عليه النبيّ 6 في كتيبة خضراء ، وهي في منتهى القوّة ، فقد شهرت السيوف على رأس الرسول ، وأحاطت به صناديد أصحابه ، فبهر أبو سفيان وقال للعباس :
من هذه الكتيبة؟
هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار ...
ولم يملك أبو سفيان إعجابه وراح يقول للعباس :
ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ...
فردّ عليه العبّاس قائلا :
يا أبا سفيان ، إنّها النبوّة ...
فهزّ أبو سفيان رأسه العفن وقال بسخرية :
نعم إذن (1) .
وما كان هذا الجاهلي ليفقه الإسلام ، وإنّما كان يفقه الملك والسلطان ، ثمّ أمر النبيّ بإطلاق سراح أبي سفيان ، فأطلق ، وولّى إلى مكّة.
نداء أبي سفيان :
وانطلق أبو سفيان مسرعا يسبق الجيش إلى مكّة وهو رافع عقيرته ينادي بأعلى صوته :
يا معشر قريش ، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
فهبّت قريش قائلة :
وما تغني عنّا دارك؟
وهتف فيهم ثانيا :
من أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ..
فسكن روع القرشيّين وسارعوا إلى دورهم وإلى المسجد.
معارضة هند :
وانبرت هند زوج أبي سفيان وهي مذعورة قد ملأت نفسها بالألم والحزن ،
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 403 ـ 404.
فجعلت تثير عواطف القرشيّين وتستهين بزوجها قائلة : اقتلوا الحميت (1) الدنس قبّح من طليعة قوم.
وراح أبو سفيان يحذّر قريشا من مغبّة عصيانه ويحذّرهم من بطش المسلمين.
دخول النبي مكّة :
وسارعت جيوش المسلمين لدخول مكّة وهي فرحة مستبشرة بهذا النصر ، فإنّها لم تلق أيّة مقاومة من قريش ، وقد حمل الراية سعد بن عبادة ، وهو يلوّح بها في الفضاء ويهتف : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلّ الحرمة ..
فسمعها عمر بن الخطّاب ـ كما يقول ابن هشام ـ فسارع إلى النبيّ 6 قائلا :
يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد؟
فأمر النبيّ 6 بأخذ اللواء من سعد وإعطائه إلى الإمام أمير المؤمنين 7 ، فأخذه وأدخله إدخالا رقيقا ، ورفع صوته قائلا :
« اليوم يوم المرحمة ، اليوم تصان الحرمة ».
وعمّت الفرحة الكبرى جميع أوساط القرشيّين ، وأيقنوا أنّ النبيّ لا يؤاخذهم بما اقترفوه تجاهه من التنكيل والاعتداء.
النبي في الكعبة :
وسارع النبيّ 6 بعد دخوله مكّة إلى بيت الله الحرام ، فأغلق بوجهه عثمان ابن طلحة باب الكعبة وصعد على سطحها ، وأبى أن يدفع إليه المفتاح ، وبادر إليه الإمام 7 فلوى يده وأخذ المفتاح منه وفتحها للنبيّ 6 ، فصلّى فيها ركعتين (2) ثمّ
__________________
(1) الحميت : الشديد الدناسة.
(2) صبح الأعشى 4 : 269.
سلّم المفتاح له ، و قال له : « يا عثمان ، اليوم يوم برّ ووفاء » (1) .
تطهير البيت من الأصنام :
ولمّا دخل النبيّ 6 البيت الحرام كان أوّل عمل قام به تحطيمه وإزالته للأصنام والأوثان التي اتّخذها القرشيّون آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، والتي تنمّ عن جهلهم وانحطاطهم الفكري ، وقد كانت الأصنام المعلّقة على الكعبة ثلاثمائة وستين صنما ، ولكلّ حيّ من العرب صنم خاصّ بهم.
و كان على جهة باب البيت المعظّم الصنم الأعلى لقريش وهو هبل ، فجعل النبيّ 6 يطعن بقوسه في عينه ، وهو يقول : « جاء الحقّ وزهق الباطل ، إنّ الباطل كان زهوقا » ثمّ أمر بتحطيمه وتطهير البيت منه ، وقد شقّ ذلك على أبي سفيان وغيره من عتاة القرشيّين ، ثمّ اعتلى النبيّ 6 على منكب الإمام 7 لتكسير الأصنام ، فعجز الإمام عن النهوض به ، فقال له الرسول :
« إنّك لا تستطيع حمل ثقل النّبوّة ، فاصعد أنت » ، فاعتلى الإمام على كاهل رسول الله 6 و قال الإمام : « لو شئت لنلت افق السّماء » ، وأقبل على الأصنام فجعل يقلعها ويرمي بها إلى الأرض ، ولم يبق إلاّ صنم خزاعة وكان موتدا بأوتاد من حديد ، فقال له الرسول : « عالجه » ، فعالجه الإمام وهو يقول :
« جاء الحقّ وزهق الباطل ، إنّ الباطل كان زهوقا » ، فعالجه حتى تمكّن منه فقذفه حتى تكسّر (2) ، وبذلك فقد تطهّر البيت الحرام من أصنام قريش على يد بطل الإسلام وقائد مسيرته الظافرة لقد حطّم الإمام الأصنام كما حطّمها جدّه إبراهيم خليل الله ، وقد نظم الشاعر الملهم محمّد بن أحمد الكتاب المعروف بـ « المفجع »
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 412.
(2) إنسان العين 3 : 99 ـ 100.
هذه المأثرة للإمام 7 بقوله :
وله من أبيه ذي الأيد اسما |
عيل شبه ما كان عنّي خفيّا |
|
إنّه عاون الخليل على الكعب |
ة إذ شاد ركنها المبنيّا |
|
ولقد عاون الوصيّ حبيب الل |
ه إذ يغسلان منها الصفيّا |
|
رام حمل النبيّ كي يقطع الأصنا |
م من سطحها المثول الحبيّا (1) |
|
فحناه ثقل النبوّة حتّى كاد |
يناد تحته منئيّا (2) |
|
فارتقى منكب النبيّ علي |
صنوه ما أجلّ ذا المرتقيّا |
|
فأماط الأوثان عن ظاهر الكعب |
ة ينفي الأرجاس عنها نفيّا |
|
ولو أنّ الوصيّ حاول مسّ النجم |
بالكفّ لم تجده قصيّا (3) |
إنّ تحطيم الأصنام وتطهير الكعبة منها أقسى ضربة موجعة للقرشيّين الذين تفانوا في عبادة الأوثان ، كما كان أعظم انتصار رائع للإسلام الذي جاء لتحرير العقول ونشر الوعي بين الناس ، فقد باءت بالفشل والخزي جميع المقاومات والاعتداءات على الإسلام ، وها هو يرفع رايته وينشر مبادئه العملاقة في ديارهم.
خطاب النبيّ :
وأحاطت جماهير أهالي مكّة بالرسول الأعظم 6 وهي تنتظر بفارغ الصبر ما يواجهونه منه ، فهل ينزل بهم العقاب الصارم ويقابلهم بالانتقام من جرّاء ما صبّوه عليه وعلى أتباعه المستضعفين من صنوف الخطوب والكوارث ، أو إنّه سيعفو عنهم ويقابلهم بالصفح الجميل؟ واعتلى الرسول 6 منصّة الخطابة واستمال الجمع إلى
__________________
(1) المثول : جمع ماثل ، أي المنتصب. الحبي : جمع حاب ، أي المرتفع.
(2) منئيا : أي مثقلا.
(3) معجم الأدباء 17 : 202.
أذن صاغية ، فعرض 6 في خطابه إلى توحيد الله والثناء عليه وإلى نصره لدينه وهزيمته للمشركين ثمّ قال :
« يا معشر قريش ، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظيمها بالآباء. النّاس من آدم ، وآدم من تراب » ، ثمّ تلا قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) (1) .
« يا معشر قريش ، ما ترون أنّي فاعل بكم؟ ».
فهتفوا جميعا بلسان واحد :
خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ...
فأصدر رسول الرحمة العفو عنهم قائلا : « اذهبوا فأنتم الطّلقاء » (2) .
وتمثّلت الرحمة والشرف والكرامة بجميع ما تحمل هذه الألفاظ من معنى في هذا العفو ، فلم يقابل أولئك الجفاة الجناة بالمثل وأعرض عمّا لاقاه منهم من صنوف الإساءة والأذى ، ولم يؤاخذهم بجرائمهم وآثامهم التي تقتضي أن يعدم رجالهم ويستصفي أموالهم ، ولا يترك لهم أي أثر أو وجود على الأرض.
غزوة حنين :
وفزعت هوازن كأشدّ ما يكون الفزع حينما وافتهم الأنباء بفتح النبيّ 6 مكّة ، وخضوع القبائل القرشية لحكم الإسلام ، فانبرى مالك بن عوف وهو زعيم هوازن فجمع قبيلته ، واستنجد ببعض القبائل العربية الاخرى وفي طليعتها ثقيف ،
__________________
(1) الحجرات : 13.
(2) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 412.
فعرض عليهم الأخطار الهائلة التي ستواجههم من اتّساع الإسلام ، وأنّ النبيّ 6 سيزحف بجيوشه لاحتلالهم ، فآمن الجميع بدعوته واستجابوا لقوله ، وزحفت هوازن ومن تابعهم من القبائل لحرب النبيّ 6 ، وأوصاهم مالك بن عوف وهو القائد العامّ لجيوشهم فقال لهم : إذا رأيتموهم ـ أي المسلمين ـ فاكسروا جفون سيوفكم ، ثمّ شدّوا شدّة رجل واحد (1) .
ولمّا انتهت أنباؤهم إلى النبيّ 6 أوفد للقياهم عبد الله الأسلمي ، وأمره بالتعرّف على أنبائهم ، فمضى ، وعلم أنّهم مصمّمون على حرب النبيّ ، فقفل راجعا إلى مكّة ، وأخبر النبيّ بذلك ، فزحف بجيشه البالغ عدده اثني عشر ألفا ، وكان فيهم من لم يخاط الإسلام قلبه كأبي سفيان بن حرب وأمثاله من المنافقين والطامعين في الغنائم والأسلاب.
وتحرّك جيش النبيّ 6 من مكّة وقد وزّع الرايات على قادة جيشه ، وأعطى لواء المهاجرين إلى الإمام أمير المؤمنين 7 ، وسارعت جيوش المسلمين تطوي البيداء لا تلوي على شيء ، فانتهت إلى وادي حنين (2) .
فرار المسلمين :
وكانت هوازن قد أعدّت خطّة رهيبة ومحكمة للايقاع بالمسلمين ، فقد احتلّت وادي حنين وكمنت في شعابه ومضايقه ، فلمّا اجتازت عليهم جيوش المسلمين ، ولم يكونوا على علم بما دبّر لهم ، وثبت عليهم هوازن من كلّ زاوية في الوادي ، فجفل المسلمون وانهزموا هزيمة منكرة لا يلوي أحد منهم على أحد ،
__________________
(1) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 439.
(2) وادي حنين : موضع قريب من مكّة ، وقيل : هو واد قبل الطائف بجنب ذي المجاز ، وقال الواقدي : بينه وبين مكّة ثلاث ليالي ، جاء ذلك في معجم البلدان 2 : 313.
وانحاز رسول الله 6 ذات اليمين ، وجعل يدعو المسلمين إلى الثبات والصبر على الجهاد وعدم الفرار قائلا :
« أيّها النّاس ، إليّ أنا رسول الله محمّد بن عبد الله » (1) .
بسالة الإمام :
وأبدى الإمام أمير المؤمنين 7 من البسالة ما لا يوصف ، فقد أخذ يجول في الميدان يجندل الأبطال ، وينزل بهم أفدح الخسائر ، وقد أجمع الرواة أنّه كان من أصلب المدافعين عن النبيّ 6 (2) ، وناول الإمام 7 النبيّ 6 قبضة من التراب ، فرمى بها وجوه المشركين من هوازن وغيرهم (3) ، والتحم الإمام مع المشركين التحاما شديدا ، وقد التحق به مائة رجل من فرسان المسلمين فقاتلوا قتالا أهونه الشديد ، و لمّا رأى النبيّ 6 ذلك قال :
« أنا النّبي لا كذب |
أنا ابن عبد المطّلب » |
الآن حمى الوطيس (4) ، واشتدّ الحرب ، فسقطت الرءوس والأيدي.
شماتة أبي سفيان وصفوان :
وسرّ المنافقون بهزيمة المسلمين وطاروا فرحا ، وأبدى أبو سفيان رأس المنافقين شماتته بذلك فقال : لا تنتهي هزيمتهم ـ أي هزيمة المسلمين ـ دون البحر.
كما أبدى المنافق صفوان بن أميّة شماتته بانهيار جيش المسلمين قائلا :
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 178.
(2) مجمع الزوائد 6 : 180.
(3) تاريخ بغداد 4 : 334. مجمع الزوائد 6 : 182.
(4) الوطيس : هو التنّور ، وقيل : هي الحجارة التي يوقد عليها النار ، وهو كناية عن اشتداد الحرب.
الآن بطل السحر (1) .
هزيمة المشركين :
ولمّا بلغت قلوب المسلمين الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا وساد عليهم الجزع والخوف نصر الله تعالى رسوله الكريم فقتل من المشركين سبعون رجلا من أبطالهم وانهزم الباقون شرّ هزيمة ، ولاحقتهم جيوش المسلمين فأشاعت فيهم القتل وأسرت جماعة منهم (2) ، وكان النصر المؤزّر على يد بطل الإسلام وحامي حوزته الإمام أمير المؤمنين 7 ، وبذلك فقد انتهت هذه المعركة التي كانت من أعنف المعارك ومن أشدّها هولا وقسوة ، وبها قد انتصر الإسلام انتصارا حاسما وهابته جميع قبائل الشرك.
الغنائم :
وبعد ما وضعت الحرب أوزارها ارتحل الرسول 6 من أرض المعركة إلى الجعرانة ، فأتته وفود هوازن طالبين منه أن يردّ عليهم ما أخذ منهم ، فخيّرهم بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم ، فاختاروا أبناءهم ونساءهم ، وانبرى زهير أبو حرد من بني سعد فقال : يا رسول الله ، إنّما في الحظائر عمّاتك وخالاتك ، وحواضنك اللاّتي كنّ يكفلنك ، ولو أنّا أرضعنا الحارث بن أبي شمر الغسّاني أو النعمان بن المنذر لرجونا عطفه ، وأنت خير المكفولين ، ثمّ قال :
امنن علينا رسول الله في كرم |
فإنّك المرء نرجوه وندّخر |
|
امنن على نسوة قد عاقها قدر |
ممزّق شملها في دهرها غير (3) |
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 178.
(2) السيرة النبوية ـ ابن هشام 4 : 66.
(3) الكامل في التاريخ 2 : 182.
يا خير طفل ومولود ومنتخب |
في العالمين إذا ما حصل البشر |
|
إن لم تداركها نعماء وتنشرها |
يا أرجح الناس حلما حين يختبر |
|
امنن على نسوة قد كنت ترضعها |
إذ فوك تملؤه من محضها الدرر |
|
إذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها |
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر (1) |
ووهبهم النبيّ 6 ما كان له ولبني عبد المطّلب ، واستجاب المهاجرون والأنصار وبنو سليم لرغبة النبيّ فوهبوا حصّتهم ، ولم يستجب غيرهم لذلك ، ثمّ قسّم النبيّ 6 الإبل والغنم ، وازدحموا عليه حتى اختطفت رداؤه ، ثمّ قال : « ردّوا عليّ ردائي أيّها النّاس ، فو الله! لو كان لي عدد شجر تهامة نعم لقسّمتها عليكم ، ثمّ لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ».
ولم يعط النبيّ 6 الأنصار شيئا ، فوجدوا في أنفسهم وضاقوا ذرعا ، و أمر النبيّ 6 سعد بن عبادة بجمع الأنصار ، فلمّا مثلوا عنده قال لهم : « ما حديث بلغني عنكم؟! ألم آتكم ضلاّلا فهداكم الله بي؟ وفقراء فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألّف بين قلوبكم »؟
فانبروا جميعا قائلين :
بلى والله! يا رسول الله ، لله ورسوله المنّ والفضل ...
و خاطبهم النبيّ 6 بلطف وحنان قائلا :
« ألا تجيبوني؟ ».
بما ذا نجيبك؟
ونظر النبيّ 6 لهم بولاء وإخلاص قائلا :
« والله! لو شئتم لقلتم ، فصدقتم : أتيتنا مكذّبا فصدّقناك ، ومخذولا فنصرناك ،
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 182.
وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك ، أو جدتم ، يا معشر الأنصار أنفسكم في لعاعة (1) من الدّنيا فألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ والّذي نفسي بيده! لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك النّاس شعبا لسلكت شعب الأنصار ...
اللهمّ ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ».
وغرق الأنصار بالبكاء واخضلّت لحاهم من دموعهم وراحوا يهتفون :
رضينا برسول الله قسما وحظّا (2) .
إنّ الرسول الأعظم 6 أعظم قائد عرفته الإنسانية في جميع أدوارها ، فقد غيّر مجرى تاريخ العالم وألّف بين قلوب أتباعه ، وعقد أواصر المحبّة والألفة بينهم ، وكانت أخلاقه البلسم الذي داوى به النفوس المريضة والقلوب المنحرفة.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن غزوة حنين التي هي من أعظم غزوات الرسول 6 ، وكان البطل البارز فيها هو الإمام أمير المؤمنين 7 .
الإمام وسورة البراءة :
وعهد النبيّ 6 إلى أبي بكر أن يمثّله في أهالي مكّة ليقرأ عليهم بنودا من سورة البراءة وما قنّنه الإسلام من أحكام لمن طاف في بيت الله الحرام ، وهذه بعضها :
أوّلا : لا يطوف في البيت عريان ، وكانت العادة المتّبعة أن يطوف الرجل عريان.
ثانيا : لا يدخل الجنّة إلاّ من آمن بالله ورسوله.
__________________
(1) اللعاعة : نبت ناعم قليل البقاء.
(2) الكامل في التاريخ 2 : 184 ـ 185.
ثالثا : من كان بينه وبين رسول الله مدّة فأجله إلى مدّته.
رابعا : إنّ الله ورسوله بريئان من المشركين (1) .
وسار أبو بكر حاملا رسالة النبيّ 6 ، فهبط الوحي على النبيّ 6 يأمره بإسناد هذه المهمّة إلى الإمام أمير المؤمنين 7 وإقصاء أبي بكر ، وبادر الإمام مسرعا فأدرك أبا بكر في الطريق فأخذ الرسالة منه (2) ، وقرأها على أهالي مكّة ، وقفل أبو بكر راجعا وملء إهابه ألم ممضّ ، فلمّا رأى النبيّ بكى وقال : يا رسول الله ، حدث فيّ شيء؟ ..
فهدّأ النبي روعه وقال له :
« ما حدث فيك إلاّ خير ، ولكن امرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو رجل منّي » (3) .
وهذه البادرة من الأدلّة التي تمسّكت بها الشيعة على إمامة الإمام أمير المؤمنين 7 ، فقد قالوا : إنّه لو كانت لأبي بكر مرشّحات للخلافة لما عزلته السماء عن أداء هذه الرسالة التي هي من أبسط المسئوليات وأقلّها أهمّية.
غزوة تبوك :
وواكب الإمام أمير المؤمنين 7 رسول الله 6 في جميع حروبه وغزواته إلاّ في غزوة تبوك ، فقد أبقاه ممثّلا عنه في يثرب ، وأرجف المنافقون وأشاعوا أنّ النبيّ 6 إنّما أبقاه في المدينة لكراهته له ، وبلغ ذلك الإمام 7 فأخبر النبيّ 6
__________________
(1) التنبيه والأشرف : 186.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1 : 3. خصائص النسائي : 20. كنز العمّال 4 : 246. تفسير الطبري 10 : 46. مستدرك الحاكم 3 : 51. صحيح الترمذي 2 : 183. تذكرة الخواص : 37.
(3) أمالي المرتضى 1 : 292.
بمقالتهم ، فردّ عليهم مزاعمهم وقلّد الإمام 7 أسمى الأوسمة قائلا :
« كذبوا ، وإنّما خلّفتك لما ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أما ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » (1) .
ورجع الإمام قرير العين مثلوج القلب ، فقد قلّده الرسول 6 وسام الخلافة والوصاية من بعده ، وجعله منه بمنزلة هارون من موسى ، وباء حسّاده بالفشل والخيبة ...
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن جهاد الإمام 7 ودفاعه عن قيم الإسلام وبمبادئه ، فقد اشترك مع النبيّ 6 في جميع حروبه وغزواته ، وناضل كأشدّ ما يكون النضال لرفع راية الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين!
الإمام يصف جهاده :
وقبل أن نطوي الحديث عن جهاد الإمام ومناجزته للمشركين نذكر ما أدلى به في وصف جهاده قال 7 :
6 نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ؛ ما يزيدنا ذلك إلاّ إيمانا وتسليما ، ومضيّا على اللّقم (2) ، وصبرا على مضض الألم ، وجدّا في جهاد العدوّ ؛ ولقد كان الرّجل منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان أنفسهما ؛ أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون ، فمرّة لنا من عدوّنا ،
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 190.
(2) اللقم : الجادة الواضحة.
ومرّة لعدوّنا منّا ، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت ، وأنزل علينا النّصر ، حتّى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه ، ومتبوّئا أوطانه. ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدّين عمود ، ولا اخضرّ للإيمان عود (1) .
لقد جاهد الإمام كأعظم ما يكون الجهاد في سبيل الإسلام فحارب الأقارب وناهض الأرحام.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 33.
طلائع الرّحيل
وأدّى نبي الرحمة 6 رسالة ربّه إلى عباده كاملة مشرقة ، فأنقذهم بعد اللّتيّا والتي من مآثم هذه الحياة فحرّر العقول ، وأيقظ النفوس ، وفتح لها آفاقا كريمة من الوعي والتطوّر ، وأمدّها بجميع وسائل النهوض والنمو في جميع مناحي حياتها الاجتماعية والاقتصادية ، فما أعظم عائدته على الإنسانية جمعاء ..
وقد عانى 6 في أداء رسالة ربّه جميع صنوف المحن وألوان الخطوب من فراعنة قريش ، اتّهموه بأنّه ساحر ومجنون وكذّاب ، وأغروا صبيانهم بإلقاء الحجارة عليه ، وعذّبوا من آمن به بأقسى ألوان العذاب ، وقد استشهد من تعذيبهم ياسر وسميّة ، واضطرّت طلائع المؤمنين به إلى الهجرة من ديارهم إلى الحبشة ..
وبعد موت حاميه وناصره أبي طالب أحاطوا بداره شاهرين سيوفهم ليمزّقوا جسده الطاهر ، ففرّ منهم بعد أن ترك أخاه وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين في فراشه ، وقد نجا منهم بلطف الله تعالى وتسديده ، فهاجر إلى يثرب واتّخذها عاصمة له ، فقامت قيامة القرشيّين وورمت آنافهم وامتلأت قلوبهم غيظا ، فجهّزوا الجيوش لإطفاء نور الإسلام ، فكانت واقعة بدر وأحد وغيرهما ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيدهم ، ونصر نبيّه نصرا عزيزا ، وفتح له فتحا مبينا ، فخضعوا صاغرين له ودخلوا في دين الإسلام مكرهين مرغمين لا عن إيمان وبصيرة بما يحمله هذا الدين من القيم الكريمة ، والمبادئ الرفيعة ، فقد اترعت نفوسهم بآثام الجاهلية وفسوقها.
وعلى أي حال فإنّ الرسول 6 بعد أن أدّى رسالته الخالدة بدت عليه امارات الرحيل من هذه الدنيا إلى الفردوس الأعلى ، وكانت تتكرّر عليه مؤذنة له بالسفر إلى الله تعالى ، وكان منها ما يلي :
أوّلا : إنّ القرآن الكريم نزل عليه مرّتين بعد أن كان ينزل عليه مرّة واحدة ، فاستشعر من ذلك حضور الأجل المحتوم منه (1) ، وأخذ ينعي نفسه ، ويشيع ذلك بين المسلمين ، و قد أحاط بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين بانتقاله إلى حضيرة الخلد قائلا :
« إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة ، وإنّه عارضني به في هذا العام مرّتين ، وما أرى ذلك إلاّ اقتراب أجلي » (2) .
وذابت نفسها شعاعا ، وودّت مفارقة الحياة ولم تسمع هذه الكلمات من أبيها.
ثانيا : نزل الوحي على الرسول 6 بهذه الآية : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (3) ، وكانت هذه الآية إنذارا له بمفارقة الحياة ، وأثارت في نفسه كوامن الألم ، و سمعه المسلمون يقول :
« ليتني أعلم متى يكون ذلك؟ ».
ثالثا : نزلت عليه سورة النصر ، فشعر منها بدنو أجله ، وكان يسكت بين التكبير والقراءة و يقول :
« سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه » ، وذهل المسلمون من ذلك ،
__________________
(1) الخصائص الكبرى 2 : 368.
(2) البداية والنهاية 5 : 523.
(3) الزمر : 30 و 31.
وراحوا يسألونه عن هذه الحالة الغريبة فأجابهم :
« إنّ نفسي قد نعيت إليّ » (1) .
وهام المسلمون في تيارات من الهواجس ، فقد كان نعي النبيّ 6 لنفسه كالصاعقة عليهم ، فلا يدرون ما سيجري عليهم إن خلت الدنيا من محمّد 6 .
حجّة الوداع :
ولما أيقن النبيّ 6 بقرب انتقاله إلى دار القدس رأى لزاما عليه أن يحجّ البيت الحرام ، ويضع الخطوط السليمة لنجاة امّته من الفتن ، وتطوير حياتها وسيادتها على بقيّة الامم ، وإنّ أضمن مكان لذلك هو البيت الحرام ، فحجّ لهذا الغرض حجّته الأخيرة الشهيرة بحجّة الوداع ، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة. وأعلن بين الوافدين للحجّ أنّ التقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر عهدهم به قائلا :
« إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ».
وفزع الحجّاج وذهلوا ، فقد طاقت بهم موجات من الهموم ، وراحوا يقولون :
النبيّ ينعي نفسه ، و مضى النبيّ يضع المناهج السليمة التي تضمن سعادتهم في الدارين قائلا :
« أيّها النّاس! إنّي تركت فيكم الثّقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ».
التمسّك بكتاب الله والعمل بما فيه ، والولاء للعترة الطاهرة والأخذ بما أثر عنهم هما الضمان لنجاة هذه الامّة وسلامتها من الزيغ والانحراف.
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 2 : 308.
ولمّا أنهى النبيّ 6 مراسيم الحجّ وقف عند بئر زمزم ، وأمر ربيعة بن خلف فوقف تحت راحلته ، وأمره أن يبلّغ الحجّاج ما يقوله ، فقال : « يا ربيعة قل :
أيّها النّاس ، إنّ رسول الله يقول لكم : لعلّكم لا تلقوني على مثل حالي هذه ، أتدرون أيّ بلد هذا؟
أتدرون أيّ شهر هذا؟
أتدرون أيّ يوم هذا؟ ».
فهتفوا جميعا :
نعم ، هذا البلد الحرام ، والشهر الحرام ، واليوم الحرام ..
وأخذ النبيّ 6 يتلو عليهم المبادئ الكريمة والمثل القيّمة قائلا :
« إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وكحرمة يومكم هذا ألا هل بلّغت؟ ».
فأجابوا جميعا :
نعم ..
ثمّ أخذ النبيّ 6 يعرض على الحجّاج الأحكام التي يلزمون برعايتها وتنفيذها قائلا :
« اللهمّ اشهد ، واتّقوا الله ، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فمن كان عنده أمانة فليؤدّها ...
النّاس في الإسلام سواء طفّ الصّاع لآدم وحوّاء ، لا فضل لعربيّ على أعجميّ ، ولا لأعجميّ على عربيّ إلاّ بتقوى الله ألا هل بلّغت؟ ».
وانبروا جميعا قائلين :
نعم ...
وأخذ النبيّ 6 يتلو عليهم معالم دينه القويم قائلا :
« اللهمّ اشهد ، لا تأتوني بأنسابكم واتوني بأعمالكم ، فأقول للنّاس : هكذا ، ولكم هكذا ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ..
ثمّ واصل الرسول 6 بيان الأحكام التي يجب الأخذ بها قائلا :
« اللهمّ اشهد ، كلّ دم كان في الجاهليّة موضوع تحت قدمي ، وأوّل دم أضعه دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب (1) ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ..
« اللهمّ اشهد ، وكلّ ربا كان في الجاهليّة موضوع تحت قدمي ، وأوّل ربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطّلب ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ..
اللهمّ اشهد أيّها النّاس ، إنّما النّسىء زيادة في الكفر يضلّ به الّذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله.
أوصيكم بالنّساء خيرا فإنّما هنّ عوار عندكم ، لا يملكن لأنفسهنّ شيئا ، وإنّما أخذتموهنّ بأمانة الله ، واستحللتم فروجهنّ بكتاب الله ، ولكم عليهنّ حقّ ، ولهنّ عليكم حقّ : كسوتهنّ ورزقهنّ بالمعروف ، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فراشكم أحدا ، ولا يأذنّ في بيوتكم إلاّ بعلمكم وإذنكم ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ...
« اللهمّ اشهد ، فأوصيكم بمن ملكت أيمانكم فأطعموهم ممّا تأكلون ،
__________________
(1) آدم بن ربيعة كان مسترضعا في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر.
ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ...
« اللهمّ اشهد إنّ المسلم أخو المسلم لا يغشّه ، ولا يخونه ، ولا يغتابه ، ولا يحلّ له دمه ، ولا شيء من ماله إلاّ بطيب منه ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ...
ويستمرّ النبيّ 6 في تأسيس المناهج التربوية والأخلاقية والاجتماعية ، وما يسعد به الإنسان في دنياه وآخرته ، ثمّ يختتم خطابه الرائع بقوله :
« لا ترجعوا بعدي كفّارا مضلّلين يملك بعضكم رقاب بعض ، إنّي خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ألا هل بلّغت؟ ».
نعم ..
اللهمّ اشهد إنّكم مسئولون فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب » (1) .
وانتهى هذا الخطاب الحافل بجميع القيم الاجتماعية والسياسية التي تسمو بها امّته ، وتتحقّق لها السيادة على شعوب العالم وامم الأرض وقد ختم الرسول 6 بأهمّ وصيّة له ، وهي لزوم التمسّك بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والتمسّك بالعترة الطاهرة لتكون لها القيادة العامّة لامّته على مسرح حياتها السياسية والاجتماعية.
مؤتمر غدير خم :
وبعد ما أدّى النبيّ 6 الحجّ إلى بيت الله الحرام ووضع الخطط السليمة لصيانة امّته من الزيغ قفل راجعا إلى يثرب ، وحينما اجتاز موكبه في غدير خمّ هبط
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 195 ـ 198 ، نقلا عن تاريخ اليعقوبي 2 : 90 ـ 92.
عليه جبرئيل وهو يحمل رسالة من الله تعالى بالغة الخطورة تتعلّق بمصير الامّة الإسلامية ومستقبلها الحضاري ، فقد أمره الله تعالى أن يحطّ رحله في ذلك المكان لينصّب الإمام عليّا 7 خليفة من بعده ويقلّده المرجعية العامّة ، ولم يرخّصه في التأخير قيد لحظة واحدة ، وكان أمر السماء بهذه الآية : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) .
ونصّ الرواة على أنّها نزلت في غدير خمّ (2) ، وطابع هذه الآية الإنذار الشديد ، فالنبيّ إن لم يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه في تقليد الإمام لمنصب الخلافة فقد ضاعت جهوده وتبدّدت أتعابه.
وتلقّى الرسول 6 الأمر بأهمّية بالغة ، فانبرى بعزم ثابت وإرادة صلبة لتنفيذ أمر الله تعالى ، فوضع أعباء المسير ، وحطّ رحله في رمضاء الهجير وأمر قوافل الحجّ أن تحطّ رحالها ، وكان الوقت قاسيا في حرارته ، فكان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتّقي به من الحرّ.
واجتمع الحجّاج فصلّى بهم النبيّ 6 وبعد ما فرغ من الصلاة أمر بوضع حدائج الإبل لتكون منبرا له ، فصنعوا له ذلك ، فاعتلى عليها ، وكان عدد الحاضرين مائة ألف أو يزيدون ، وأقبلت الجماهير بقلوبها نحو النبيّ ، فخطب فيهم معلنا ما عاناه من الجهود الشاقّة في سبيل الإسلام ، وما كانوا فيه من الضلال والحياة البائسة فأنقذهم منها ، ثمّ ذكر كوكبة من أحكام الإسلام وتعاليمه ، ثمّ التفت إليهم قائلا :
« انظروا كيف تخلفوني في الثّقلين؟ ».
__________________
(1) المائدة : 67.
(2) أسباب النزول ـ الواحدي : 150. تفسير الرازي 3 : 636. مجمع البيان ـ الطبرسي 4 : 344 ، وغيرها.
فناده مناد من القوم :
ما الثقلان يا رسول الله؟
وعرض عليهم أمر الثقلين قائلا :
« الثّقل الأكبر : كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ ، وطرف بأيديكم فتمسّكوا به ولا تضلّوا ، والآخر الأصغر : عترتي ، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك ربّي لهما ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ».
ووضع النبيّ 6 بذلك المناهج السليمة لسلامة امّته من الضلال والانحراف عن طريق الحقّ ، ثمّ أخذ النبيّ 6 بيد وصيّه وسيّد عترته وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين 7 ففرض ولايته على المسلمين ، وأقامه علما لهدايتهم ، فرفعها حتى بان بياض إبطيهما ، ورفع صوته عاليا قائلا :
« أيّها النّاس ، من أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟ ».
فأجابوا جميعا :
الله ورسوله أعلم ..
فقال 6 :
« إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه » ، قال ذلك ثلاث مرّات ، ثمّ قال :
« اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب ».
وبذلك أنهى خطابه الشريف الذي أدّى فيه رسالة ربّه ، فنصب الإمام أمير
المؤمنين 7 خليفة من بعده ، وأثبت له الولاية الكبرى على عموم المسلمين كما كانت له 6 الولاية العامّة على جميع المسلمين.
البيعة العامّة للإمام :
وأقبل المسلمون يبايعون الإمام بولاية العهد ويهنّئونه بإمرة المسلمين ، وأمر النبيّ 6 أمّهات المؤمنين بمبايعته (1) ، وأقبل عمر بن الخطّاب فهنّأ الإمام وصافحه وقال له مقالته المشهورة :
هنيئا يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (2) .
وانبرى حسان بن ثابت فنظم هذه الحادثة الخالدة بقوله :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ وأسمع بالرسول مناديا |
|
فقال فمن مولاكم ونبيّكم |
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا |
|
إلهك مولانا وأنت نبيّنا |
ولم تلق منّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له قم يا عليّ فإنّني |
رضيتك من بعدي إماما وهاديا |
|
فمن كنت مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أتباع صدق مواليا |
|
هناك دعا اللهمّ وال وليّه |
وكن للذي عادى عليّا معاديا (3) |
وقال الشاعر الملهم السيّد الحميري :
وقام محمّد بغدير خمّ |
فنادى معلنا صوتا نديّا |
|
لمن وافاه من عرب وعجم |
وحفّوا حول دوحته جثيّا |
|
ألا من كنت مولاه فهذا |
له مولى وكان به حفيّا |
__________________
(1) الغدير 2 : 34.
(2) مسند أحمد بن حنبل 4 : 281.
(3) الغدير 1 : 271.
وقال شاعر الإسلام الكميت الأسدي :
ويوم الدوح دوح غدير خمّ |
أبان له الولاية لو أطيعا |
|
ولكنّ الرجال تبايعوها |
فلم أر مثلها حقّا أضيعا |
وسجّل المحقّق الأميني في الغدير كوكبة من الشعراء الذين نظموا حادثة الغدير من عصر النبوّة حتى يوم الناس هذا.
نزول آية إكمال الدين :
وفي ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام نزلت هذه الآية الكريمة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) (1) .
لقد كمل الدين ، وتمّت نعمة الله الكبرى على المسلمين بولاية إمام المتّقين وسيّد الموحّدين ، وبقيادته الروحية والزمنية على جميع المؤمنين.
لقد وضع النبيّ 6 المنهج السليم لصيانة امّته وجمع كلمتها وتوحيد صفوفها ، ولم يترك الأمر من بعده فوضى يتلاعب فيه الطامعون وعشاق الملك والسلطان ، فقد سدّ الباب ولم يترك أي منفذ يسلك منه ، فقد عيّن القائد والموجّه لأمّته في جميع شئونها ولم يهمل هذا الأمر الحسّاس ـ كما يقولون ـ.
وعلى أي حال فموضوع الغدير جزء من رسالة الإسلام وركن من أركان الدين ، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام كما يقول الشيخ العلائلي.
__________________
(1) المائدة : 3 ، ونصّ على نزول الآية في يوم الغدير : الخطيب البغدادي في تاريخه 8 : 290. السيوطي في الدرّ المنثور 2 : 259. الطبرسي في مجمع البيان 3 : 246.
المأساة الخالدة
وبعد ما أقام الرسول الأعظم 6 الإمام أمير المؤمنين 7 خليفة على امّته في غدير خمّ ونصّبه إماما من بعده قفل راجعا إلى يثرب ، وقد بدت صحّته تنهار يوما بعد يوم ، فقد ألمّ به المرض وأصابته حمى مبرحة ، حتى كأن به لهبا منها ، وقد لازمته ولم تنقطع عنه ، وكانت عليه قطيفة ، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرّها (1) ، وقد وضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد ، فكان يضع يده فيه ويمسح بها وجهه الشريف لتخفّ حرارة الحمى منه.
و تذهب بعض المصادر إلى أنّ وفاته تستند إلى طعام مسموم قدّمته إحدى اليهوديات له ، فكان يقول :
« ما أزال أجد ألم الطّعام الّذي أكلته بخيبر ، فهذا أوان ، وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّمّ » (2) .
ولمّا اشيع مرضه هرع المسلمون لعيادته وهم ما بين باك وواجم ، قد طافت بهم موجات من الألم والذهول ، واستقبلهم الرسول بأسى بالغ فنعى إليهم نفسه الشريفة ، و أوصاهم بما يضمن لهم الاستقامة والتوازن في حياتهم قائلا :
« أيّها النّاس ، يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي ، وقدّمت إليكم القول
__________________
(1) البداية والنهاية 5 : 226.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 202.
معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ».
وكان الإمام أمير المؤمنين 7 إلى جانبه ، فأخذ بيده وقال لعوّاده :
« هذا عليّ مع القرآن ، والقرآن مع عليّ ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض » (1) .
وقد وضع النبيّ 6 أهمّ المخطّطات التي تضمن لامّته النجاح وتقيها من الأزمات ، وهي :
أوّلا : التمسّك بكتاب الله والعمل بما فيه ، فإنّه يهدي للتي هي أقوم.
ثانيا : التمسّك بالعترة الطاهرة وعلى رأسها سيّدها الإمام أمير المؤمنين ، فإنّها لا تألوا جهدا في إسعادها وبلوغ أهدافها.
إعطاء القصاص من نفسه :
ولمّا علم النبيّ 6 إنّ لقاءه بربّه قريب ، دعا الفضل بن عباس ، فأمره أن يأخذ بيده ويجلسه على المنبر ، كما أمره أن ينادي بالناس الصلاة جامعة ، فنادى الفضل بذلك ، فاجتمع الناس ، فخطب فيهم الرسول 6 قائلا :
« أيّها النّاس ، إنّه قد دنا منّي خلوف من بين أظهركم ، ولن تروني في هذا المقام فيكم ، وقد كنت أرى أنّ غيره غير مغن عنّي حتّى أقوّمه فيكم ، ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد ، ومن كنت أخذت منه مالا فهذا مالي فليأخذ منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد ولا يقولنّ قائل : أخاف الشّحناء من قبل رسول الله ، ألا وإنّ الشّحناء ليست من شأني ولا من خلقي ، وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ
__________________
(1) الصواعق المحرقة 2 : 361.
حقّا كان له عليّ ، أو حلّلني فلقيت الله عزّ وجلّ وليس لأحد عندي مظلمة ».
يا لروعة العدل!! يا لروعة الخلق النبوي!! لقد أسّس النبيّ 6 جميع صنوف العدل التي لم يؤسّسها أي مصلح اجتماعي.
لقد أعطى رسول الإنسانية القصاص من نفسه وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، ليخرج من هذه الدنيا وليس لأي أحد أي تبعة عليه ، وقد انبرى رجل من القوم فقال للرسول :
يا رسول الله ، لي عندك ثلاثة دراهم ..
فقابله الرسول بلطف قائلا :
« أمّا أنا فلا اكذّب قائلا ، ولا مستحلفه على يمين ، فبم كانت لك عندي؟ ».
فسارع الرجل قائلا : أما تذكر أنّه مرّ بك سائل فأمرتني أن اعطيه ، فأعطيته ثلاثة دراهم ...
وأمر النبيّ 6 الفضل بإعطائه الدراهم ، ثمّ عاد النبيّ إلى خطابه فقال :
« من عنده من الغلول شيء فليردّه ».
فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله ، فقال له النبيّ :
« لم غللتها؟ » .
كنت محتاجا إليها ...
فأمر النبيّ 6 الفضل أن يأخذها منه فأخذها ، و عاد النبيّ في خطابه ، فقال :
« أيّها النّاس ، من أحسّ في نفسه شيئا فليقم أدع الله له ».
فقام إليه رجل فقال :
يا رسول الله ، إنّي لمنافق ، وإنّي لكذوب ، وإنّي لشؤوم ..
فزجره عمر وصاح به ، وقال له :
لقد سترك الله ، لو سترت على نفسك.
و التفت النبيّ 6 إلى عمر فقال له :
« صه يا ابن الخطّاب! فضوح الدّنيا أهون من فضوح الآخرة ».
ودعا النبيّ 6 للرجل فقال : « اللهمّ ارزقه صدقا وإيمانا ، وأذهب عنه الشّؤم » (1) ، وانبرى رجل من أقصى القوم يسمّى سوادة بن قيس فقال :
يا رسول الله ، إنّك ضربتني بالسوط على بطني ، وأنا اريد القصاص منك ...
فاستجاب الرسول 6 لطلبه وأمر بلالا بإحضار السوط ليقتصّ منه سوادة ، وذهل الحاضرون ، وساد عليهم صمت رهيب من هذا العدل ، وانطلق بلال رافعا عقيرته قائلا :
أيّها الناس ، اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه ..
ومضى بلال إلى بيت النبيّ 6 فجاء بالسوط وناوله إلى سوادة ، فأخذه وأقبل رافعا له صوب النبيّ الذي ألمّت به الأمراض ، وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، واتّجه المسلمون بقلوبهم وأبصارهم نحو سوادة فقال للنبيّ :
يا رسول الله ، اكشف عن بطنك ...
فكشف الرسول عن بطنه ، فقال سوادة وهو غارق في البكاء :
__________________
(1) البداية والنهاية 5 : 231.
يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمّي على بطنك؟
« نعم ».
ووضع سوادة وجهه على بطن الرسول ودموعه تتبلور على خدّيه وهو يقول بصوت حزين النبرات : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم القيامة.
و التفت إليه النبيّ قائلا :
« أتعفو يا سوادة أم تقتصّ؟ ».
بل أعفو يا رسول ...
فرفع النبيّ يديه بالدعاء قائلا :
« اللهمّ اعف عن سوادة كما عفا عن نبيّك ».
إنّ هذا الخلق النبوي أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، فقد تجسّدت فيه جميع القيم والمبادئ الكريمة التي سما بها النبيّ على سائر الأنبياء.
سرية اسامة :
واستبانت للنبيّ 6 التيارات الحزبية من صحابته الذين صمّموا على صرف الخلافة عن أهل بيت النبوة ، فرأى خير وسيلة يتدارك بها الموقف أن يبعث بجميع أصحابه لغزو الروم حتى تخلو عاصمته منهم إذا انتقل إلى حضيرة القدس ، وبذلك يتمّ ما أراده من تسلّم الإمام أمير المؤمنين 7 مقاليد الحكم من دون منازع له ، وقد أمر أعلام المهاجرين والأنصار بالالتحاق بالجيش ، كان من بينهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الجرّاح وبشير بن سعد (1) ، وهم من أقطاب الحزب المعارض للإمام ،
__________________
(1) كنز العمّال 5 : 312. الطبقات الكبرى ـ ابن سعد 4 : 46. تاريخ الخميس 2 : 46.
وعهد النبيّ 6 بإمارة الجيش إلى اسامة بن زيد ، وكان في شرخ الشباب ، ولم يعهد بها إلى شيوخ أصحابه ، وكان في ذلك إشعار منه بأنّ القيادة العامّة لا تخضع لكبر السنّ والتقدّم في العمر ، وإنّما تخضع للمؤهّلات والقابليات التي يتمتّع بها القائد.
و قال النبيّ 6 لاسامة : « سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد ولّيتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى (1) وحرّق عليهم ، وأسرع السّير لتسبق الأخبار ، فإن أظهرك الله عليهم فأقلل اللّبث فيهم ، وخذ معك الأدلاّء ، وقدّم العيون والطّلائع معك ».
وحفلت هذه الوصية بالمناهج العسكرية الرائعة التي دلّت على أصالة التعاليم العسكرية في الإسلام.
وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى النبيّ 6 جيشه قد مني بالتمرّد ، فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية ، فساءه ذلك وخرج مع ما به من المرض فحثّهم على المسير ، و عقد بنفسه اللواء لاسامة وقال له :
« اغز بسم الله ، وفي سبيل الله ، وقاتل من كفر بالله » ، وخرج اسامة معقودا لواؤه ، فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف (2) ، وتثاقل الصحابة من الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا العصيان والطعن بقيادة اسامة ، يقول له عمر :
مات رسول الله ، وأنت عليّ أمير؟
ونقلت هذه الكلمات إلى النبيّ 6 وكانت قد ازدادت به الحمى فغضب ، وخرج وهو معصب الرأس قد دثّر بقطيفته ، فصعد المنبر وهو متبرّم ، فأعلن سخطه
__________________
(1) أبنى : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، تقع بين عسقلان والرملة بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها الشهيد الخالد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة.
(2) الجرف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو جهة الشام ، كانت به أموال لعمر بن الخطّاب ولأهل المدينة ، وفيه بعض الآبار ، جاء ذلك في معجم البلدان 2 : 128.
على من لم يلتحق بجيش اسامة.
« أيّها النّاس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة؟ ولقد طعنتم في تأميري أباه ، وأيم الله إنّه كان لخليقا بالإمارة وإنّ ابنه من بعده لخليق بها » (1) .
ثمّ نزل عن المنبر وهو متألّم كأشدّ ما يكون الألم ، وجعل يؤكّد على الالتحاق بجيش اسامة ، ويلعن من تخلّف عنه قائلا :
« جهّزوا جيش اسامة ».
« نفّذوا جيش اسامة ».
« لعن الله من تخلّف عن جيش اسامة ».
ولم تثر هذه الأوامر المشدّدة من رسول الله 6 حفائظ نفوسهم ، ولم تدفعهم إلى الالتحاق بجيش اسامة ، فقد تثاقلوا واعتذروا للرسول بشتّى المعاذير الواهية ، وهو سلام الله عليه لم يمنحهم العذر ، وإنّما أظهر السخط وعدم الرضا وهناك بحوث مهمّة عرضنا لها بالتفصيل في كتابنا ( حياة الإمام الحسن 7 ).
رزية يوم الخميس :
واستبان للنبيّ 6 بصورة مكشوفة ما عليه بعض الصحابة من تصميمهم على صرف الخلافة عن وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين 7 ، فرأى أن يكتب كتابا خاصّا بالنصّ عليه ، ويعزّز بيعة يوم الغدير ، ويسدّ بذلك أبواب المتآمرين عليه ، فقال :
« ائتوني بالكتف والدّواة لأكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا ».
يا لها من نعمة كبرى على المسلمين أنّه التزام من سيّد الكائنات بأن لا تضلّ
__________________
(1) السيرة الحلبية 3 : 34.
امّته على امتداد التاريخ إن كتب لها الكتاب ، إنّه الكتاب الذي أراد الرسول به أن يصون امّته من الزيغ والانحراف ، ولا تصاب بأيّة نكسة في جميع الأحقاب والآباد.
وعلم بعض الصحابة ما يريده النبيّ 6 من نصب الإمام 7 خليفة من بعده وقائدا لمسيرة امّته ، فقال :
حسبنا كتاب الله ...
والمتأمّل في هذا الكلام يطلّ على الغاية المنشودة لهذا القائل وهو صرف النبيّ 6 من الكتابة في حقّ الإمام 7 ، فلو كان يعتقد أنّ النبيّ 6 يريد أن يوصي بحماية الثغور أو بجهاد الكفّار أو بالمحافظة على الطقوس الدينية لما ردّ على النبيّ 6 وقابله بهذه الجرأة ووقف بصلابة دون تنفيذ رغبته.
وعلى أي حال ، فقد كثر الجدل بين القوم ، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به النبيّ 6 ، وطائفة أخرى أصرّت على معارضتها والحيلولة بينه وبين ما طلبه من الكتابة ؛ وذلك خوفا على فوات مصالحها وأطماعها ، وانطلقت بعض السيّدات من وراء الستر فأنكرن على القوم هذا الموقف المتّسم بالجرأة على النبيّ وهو في ساعاته الأخيرة ، فقلن لهم :
ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟
ألا تنفّذون ما يريد رسول الله؟
فثار عمر وهو بطل الموقف ، وزعيم المعارضة فصاح بالنساء قائلا :
إنّكنّ صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صحّ ركبتن عنقه ...
فرمقه الرسول بطرفه وصاح به :
« دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم ».
وبدا صراع رهيب بين القوم وكادت تفوز الجبهة التي أرادت أن يكتب النبيّ ،
فانبرى بعض الحاضرين فسدّد سهما لما رامه النبيّ ، فقال ـ ويا لهول ما قال! ـ :
إنّ النبيّ ليهجر (1) ! ما أعظم هذه الجرأة على النبي! ما أقسى هذا الاعتداء على مركز النبوّة! يا لها من كلمة تحمل جميع ألوان الشرور! ألم يسمع هذا القائل كلام الله تعالى في حقّ نبيّه العظيم : ( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) (2) ؟
ألم تمرّ عليه هذه الآية في سموّ مكانة رسول الله 6 : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) (3) ؟
بلى والله! لقد سمع هذا القائل ما أنزل الله من الآيات في كتابه المجيد في شأن رسوله الكريم ، ولكن الأطماع السياسية دفعته إلى هذا الموقف الذي يحزّ في نفس كلّ مسلم وكان ابن عباس حبر الامّة إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يذوب لوعة ويبكي حتى تسيل دموعه على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ وهو يقول :
يوم الخميس ، وما يوم الخميس؟ قال رسول الله 6 : « ائتوني بالكتف والدّواة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا » ، فقالوا : إنّ رسول الله يهجر (4) .
حقّا لأن يجزع ابن عبّاس ويبكي بأمرّ ألوان البكاء ، فقد دهمت المسلمين
__________________
(1) نصّ على هذه الحادثة المؤلمة جميع المؤرّخين في الإسلام ، ذكرها البخاري في صحيحه عدّة مرّات في 4 : 68 ـ 69 و 6 : 8 ، وقد كتم اسم القائل ، وفي نهاية ابن الأثير 4 : 130 ، وشرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 114 وغيرهما تصريح باسمه.
(2) النجم : 2 ـ 5.
(3) التكوير : 19 و 20.
(4) مسند أحمد بن حنبل 1 : 355.
كارثة مدمّرة ألقتهم في شرّ عظيم ، فقد حيل بينهم وبين ما أراده الرسول من تطوير حياتهم وسيادتهم في جميع الأحقاب والآباد.
وأكبر الظنّ أنّ النبيّ 6 لو كتب في حقّ عليّ ونصّ على خلافته لما أجدت كتابته شيئا ، فقد اتّهموه بالهجر وعدم الوعي ، وفي ذلك طعن صريح في مركز النبوّة وقداسة الرسول ، فرأى صلوات الله عليه بالاعراض عن الكتابة.
فجيعة الزهراء :
ومنيت زهراء الرسول 3 بكارثة مدمّرة حينما علمت أنّ أباها سيفارق الحياة ، فقد نخب الحزن قلبها الرقيق ، وهامت في تيارات من الأسى واللوعة ، وقد لازمت أباها وهي مذهولة كأنّها جثمان فارقته الحياة ، وقد أحدقت بوجهه فسمعته يقول :
« وا كرباه! » .
وامتلأ قلبها الطاهر حزنا ، فأسرعت قائلة :
« وا كربي! لكربّك يا أبت » ، وأشفق عليها أبوها وراح يسلّيها قائلا :
« لا كرب على أبيك بعد اليوم » (1) .
وكانت هذه الكلمات أشدّ على نفسها من الموت ، ورآها النبيّ وهي ولهى مذهولة قد خطف الحزن لونها كأنّما تعاني آلام الاحتضار فأمرها بالدنوّ منه ، فأسرّ إليها بحديث فغامت عيناها بالدموع ، ثمّ أسرّ إليها ثانيا ، فقابلته ببسمات فيّاضة بالبشر والرضا ، وكانت عائشة إلى جنبها فبهرت من ذلك ، وراحت تقول :
ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 112.
وسألتها عمّا أسرّ إليها أبوها ، فأشاحت بوجهها عنها وأبت أن تخبرها ، ولمّا انصرفت أخبرت سلام الله عليها بعض السيّدات عن ذلك
فقالت :
« أخبرني أنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة ، وإنّه عارضني به في هذا العام مرّتين ، ولا أراه إلاّ قد حضر أجلي ».
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، وأمّا سبب سرورها وابتهاجها
فتقول :
« أخبرني أنّك أوّل أهل بيتي لحوقا بي ، ونعم السّلف أنا لك ، ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الامّة » (1) ؟
وغرقت سيّدة النساء في البكاء ، فأخذ النبيّ 6 يخفّف عنها آلامها قائلا :
« يا بنيّة ، لا تبكي ، وإذا متّ فقولي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فإنّ فيها من كلّ ميّت معوضة ».
وذابت نفسها شعاعا ، وغامت عيناها بالدموع ، فقالت له بصوت متقطّع بالبكاء :
« ومنك يا رسول الله؟ » .
« نعم ، ومنّي » (2) .
واشتدّ الوجع برسول الله 6 ، فنظرت إليه سيّدة النساء فقالت له :
« أنت والله! كما قال القائل :
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل » |
فقال لها أبوها :
« هذا قول عمّك أبي طالب » ، وقرأ قوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 251.
(2) أنساب الأشراف 1 : 133.
خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) . (2)
النبيّ يوصي بأهل بيته :
روى أنس بن مالك قال : جاءت فاطمة ومعها الحسنان إلى رسول الله 6 في مرضه الذي توفّي فيه فانكبّت عليه وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء ، ثمّ انطلقت إلى بيتها ، والنبيّ تسبقه دموعه وهو يقول :
« اللهمّ أهل بيتي ، وأنا مستودعهم كلّ مؤمن ».
وجعل يردّد ذلك ثلاث مرّات (3) وهو مثقل بالألم والحزن ، فقد استشفّ من وراء الغيب ما يجري عليهم من المحن والخطوب.
وصيّة النبيّ بسبطيه :
و قبل أن ينتقل النبيّ إلى حضيرة القدس بثلاثة أيام أوصى الإمام 7 برعاية سبطيه قائلا :
« يا أبا الرّيحانتين ، اوصيك بريحانتيّ من الدّنيا ، فعن قليل ينهدّ ركناك ، والله خليفتي عليك ».
ولمّا قبض النبيّ قال الإمام :
« هذا أحد ركنيّ الّذي قال فيه رسول الله 6 » ، ولمّا ماتت فاطمة قال : « هذا الرّكن الثّاني الّذي قال لي رسول الله » (4) .
إلى الفردوس الأعلى :
وآن لسيّد الكائنات أن يلتحق بالفردوس الأعلى مقرّ الأنبياء والأوصياء ، فقد
__________________
(1) آل عمران : 144.
(2) و (3) أنساب الأشراف 1 : 133.
(4) أمالي الصدوق : 119.
وفد عليه ملك الموت فاستأذن بالدخول عليه ، فأخبرته زهراء الرسول بأنّه مشغول بنفسه عنه ، فانصرف ، وبعد قليل عاد طالبا الإذن ، فأفاق النبيّ وقال لبضعته :
« أتعرفينه؟ ».
« لا ، يا رسول الله ».
« إنّه معمّر القبور ، ومخرّب الدّور ، ومفرّق الجماعات » ، وذهلت حبيبة الرسول ، وقدّ قلبها ، واندفعت تقول :
« وا أبتاه! لموت خاتم الأنبياء ، وا مصيبتاه! لممات خير الأتقياء ، ولانقطاع سيّد الأصفياء ، وا حسرتاه! لانقطاع الوحي من السّماء ، فقد حرمت اليوم كلامك » .
وتصدّع قلب الرسول وذابت نفسه ، وراح يسلّي زهراء قائلا :
« لا تبكي فإنّك أوّل أهلي لحوقا بي » (1) .
وأذن النبيّ لملك الموت بالدخول عليه ، ولمّا مثل أمامه قال له :
« يا رسول الله ، إنّ الله أمرني أن أطيعك في كلّ ما تأمرني به ، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها ، وإن تأمرني أن أتركها تركتها ».
وبهر النبيّ 6 وقال له :
« أتفعل يا ملك الموت ذلك؟ ».
« بذلك امرت أن اطيعك في كلّ ما أمرتني ».
ولم يحظ أحد من أنبياء الله ورسله بمثل ما حظي به خاتم الأنبياء ، فقد أمر الله تعالى ملك الموت بإطاعته ، والاستئذان بالدخول عليه.
وهبط جبرئيل على رسول الله 6 فقال له :
__________________
(1) درّة الناصحين : 66.
« يا أحمد ، إنّ الله اشتاق إليك » ، واختار النبيّ جوار ربّه ، فإنّ الآخرة خير له وأبقى ، وأذن لملك الموت باستلام روحه المقدّسة ، ودعا وصيّه وباب مدينة علمه الامام 7 فقال له :
« ضع رأسي في حجرك ، فقد جاء أمر الله ، فإذا فاضت نفسي فتناولها ، وامسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة ، وتولّ أمري ، وصلّ عليّ أوّل النّاس ، ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي واستعن بالله عزّ وجلّ ».
وأخذ الإمام رأس النبيّ فوضعه في حجره ، ومدّ يده اليمنى تحت حنكه ، وأخذ النبي يعاني آلام الموت وقسوته حتى فاضت روحه العظيمة ، فمسح بها الإمام وجهه (1) . لقد مادت الأرض ، وخبا نور العدل ، وانطفأت تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت سماء الدنيا بالعلم والإيمان يا لمدينة الرسول وآل الرسول ، يا لهم من يوم خالد في دنيا الأحزان ، يوم ليس كمثله في الأيام الحالكات ، ووجم المسلمون ، وطاشت أحلامهم ، وهرعت السيّدات صوب دار الرسول وهن يلد من الوجوه ، قد علت أصواتهنّ بالبكاء ، أمّا امّهات المؤمنين فقد وضعن الجلابيب عن رءوسهنّ ، وهن يلد من صدورهنّ ، وأمّا نساء الأنصار فقد ذبحت حلوقهنّ من الصياح (2) .
وكان أعظم أهل البيت حزنا بضعة الرسول وريحانته ، فقد وقعت على الجثمان المقدّس وهي تبكي أمرّ البكاء وتقول بذوب روحها :
« وأبتاه »!
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 29 ، وتواترت الأخبار أنّ النبيّ توفّي ورأسه في حجر عليّ ، جاء ذلك في : الطبقات الكبرى 2 : 51. مجمع الزوائد 1 : 293. كنز العمّال 4 : 55.
ذخائر العقبى : 94. الرياض النضرة 2 : 219.
(2) أنساب الأشراف 1 : 574.
« وا نبيّ رحمتاه » .
« الآن لا يأتي الوحي. الآن ينقطع عنّا جبرئيل ، اللهمّ ألحق روحي بروحه ، واشفعني بالنّظر إلى وجهه ، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة » (1) .
وأخذت تجول حول الجثمان العظيم وهي ولهى قد أخرسها الخطب قائلة :
« وا أبتاه! إلى جبرئيل أنعاه ».
« وا أبتاه! جنّة الفردوس مأواه ».
« وا أبتاه! أجاب ربّا دعاه » (2) .
ومادت الأرض بالمسلمين وذهلوا حتى عن نفوسهم لعظم الكارثة.
تجهيز الجثمان العظيم :
وتولّى الإمام أمير المؤمنين 7 تجهيز جثمان أخيه وابن عمّه ، وذلك بأمر منه ، وهو يذرف الدموع ، فغسّل الجسد ، وهو يقول :
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النّبوّة والإنباء وأخبار السّماء. خصّصت حتّى صرت مسلّيا عمّن سواك ، وعمّمت حتّى صار النّاس فيك سواء. ولو لا أنّك أمرت بالصّبر ، ونهيت عن الجزع ، لأنفدنا عليك ماء الشّؤون ولكان الدّاء مماطلا ، والكمد محالفا (3) .
قال 7 : « ولقد وليت غسله 6 والملائكة أعواني ، فضجّت الدّار والأفنية ،
__________________
(1) تاريخ الخميس 2 : 192.
(2) سير أعلام النبلاء 2 : 88. سنن ابن ماجة 1 : 511 ، وجاء فيه : أنّ حمّاد بن زيد قال : رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدّث به يبكي حتى رأيت أضلاعه تختلف.
(3) نهج البلاغة 2 : 255.
ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم (1) يصلّون عليه ».
وكان العباس عمّ النبيّ 6 واسامة يناولان الإمام الماء من وراء الستر (2) .
وكان الطيب في أثناء الغسل يخرج من الجسد الطاهر ، و الإمام يقول :
« بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، طبت حيّا وميّتا » (3) ، أمّا الماء الذي غسّل فيه الرسول فهو من بئر يقال لها الغرس ، وكان يشرب منها (4) ، وبعد الفراغ من الغسل أدرجه الإمام في أكفانه ، ووضعه على السرير.
الصلاة على الجثمان العظيم :
وأوّل من صلّى على الجثمان المقدّس هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثمّ إسرافيل ، ثمّ الملائكة زمرا زمرا (5) ، وهرع المسلمون للصلاة على جثمان نبيّهم ، فقال لهم الإمام :
« لا يقوم عليه إمام منكم ، هو إمامكم حيّا وميّتا » ، فكانوا يدخلون عليه رسلا رسلا فيصلّون عليه صفّا ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول :
« السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته اللهمّ إنّا نشهد أنّه قد بلّغ ما أنزل إليه ، ونصح لامّته ، وجاهد في سبيل الله حتّى أعزّ الله دينه وتمّت كلمته ، اللهمّ فاجعلنا ممّن يتّبع ما أنزل إليه ، وثبّتنا بعده ، واجمع بيننا وبينه ».
__________________
(1) الهينمة : الصوت الخفي.
(2) البداية والنهاية 5 : 263.
(3) الطبقات الكبرى 2 : 63.
(4) البداية والنهاية 5 : 261.
(5) حلية الأولياء 4 : 77.
وكان المصلّون يقولون : آمين (1) ، وكانت جموع المسلمين تمرّ على الجثمان العظيم فتلقي عليه نظرة الوداع وهي مذهولة ، قد هامت في تيارات من الهواجس ، فقد مات المنقذ ، ومات المعلّم ، ومات من أسّس لهم دولة تدعو إلى تطوّرهم وسعادتهم.
مواراة الجثمان المقدّس :
وبعد ما فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم قام الإمام بحفر القبر ، وبعد الانتهاء منه وارى جثمان أخيه ، وقد وارى أعظم شخصية خلقها الله في الأرض ، وأفضل هبة من الله لعباده وقد انهارت قوى الإمام ، ووقف على حافّة القبر ، وهو يروي ترابه من ماء عينيه قائلا :
إنّ الصّبر لجميل إلاّ عنك ، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك ، وإنّ المصاب بك لجليل ، وإنّه قبلك وبعدك لجلل (2) .
وانطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان ألوية العدل ، وغاب ذلك النور الذي أضاء سماء الكون وغيّر مجرى حياة الإنسان من واقع مظلم ليس فيه بصيص من النور إلى حياة آمنة مزدهرة بالعدل ، تتلاشى فيها آهات المظلومين وأنين المحرومين وتنبسط فيها خيرات الله على عباده.
فزع أهل البيت :
وفزع أهل البيت : كأشدّ ما يكون الفزع وداخلهم خوف رهيب من الاسر القرشيّة الذين وترهم الإمام بسيفه وروى الأرض من دمائهم ، وكانت تتربّص بهم الدوائر ، وتبغي لهم الغوائل ، وقد بات أهل البيت بأطول ليلة ، قد حاطت بهم
__________________
(1) كنز العمّال 4 : 54.
(2) نهج البلاغة 3 : 224.
الهواجس والآلام و حكى الإمام الصادق 7 مدى ذعرهم وفزعهم بقوله :
« لمّا مات النبيّ 6 بات أهل بيته كأن لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ؛ لأنّه وتر الأقرب والأبعد ».
وقد انصبّت المحن والكوارث على العترة الطاهرة بعد وفاة رسول الله 6 ، فقد انتقمت منهم قريش ، وأبعدتهم عن مراكزهم ، وحالت بينهم وبين ما أراده الله ورسوله لهم ، ولم تمض على انتقاله إلى حضيرة القدس خمسون عاما وإذا هم بموكب جهير يجوب الأقطار حاملين رءوس أبنائه على أطراف الرماح ، وبناته سبايا يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد.
تأبين الإمام للرسول :
ووقف الإمام 7 على منبر الرسول 6 وهو يصوغ من حزنه كلمات وقال :
بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، والله! إنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك ، وإنّ الصّبر لجميل إلاّ عنك ، وإنّ المصيبة بك لأجلّ ، وإنّ ما بعدك وما قبلك لجلل ، ثمّ قال :
« ما فاض دمعي عند نازلة |
إلاّ جعلتك للبكا سببا |
|
فإذا ذكرتك سامحتك به |
مقل الجفون ففاض وانسكبا |
|
إنّي أجلّ ثرى حللت به |
من أن أرى بسواه مكتئبا » (1) |
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 192.
مؤتمر السّقيفة وحكومة أبي بكر
ليس في دنيا الإسلام كارثة مدمّرة امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا كحادثة السقيفة ، فقد أولدت الأحقاد ، وأجّجت نار الفتن بين المسلمين ، وفتحت أبواب الطمع والتهالك على السلطة بين الزعماء.
إنّ جميع ما عاناه السادة المعظّمون من أهل البيت : يستند أوّلا وبالذات إلى مؤتمر السقيفة التي تعمّد أعضاؤها على الغضّ من شأنهم ، ومعاملتهم معاملة عادية تتّسم بالكراهة والحقد عليهم ، متناسين ما ألزمه الله تعالى بمودّتهم ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (1) ، وما حثّ عليه النبيّ 6 في لزوم مودّتهم ، وتعظيم شأنهم ، فلم يرعوا لاهتمام النبي بهم ، فأقصوهم عن مركز الحكم وعن جميع ما يتعلّق بالدولة الإسلامية التي أنشأها جدّهم الرسول ، وقامت على أكتاف أخيه وباب مدينة علمه ، لقد آلت الخلافة الإسلامية ـ مع الأسى والأسف ـ إلى بني أميّة فأمعنوا في ظلم العترة الطاهرة وإبادتها ، وما كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان إلاّ من تبعات السقيفة ، ورحم الله الإمام كاشف الغطاء إذ يقول :
تالله ما كربلا لو لا سقيفتهم |
ومثل هذا الفرع ذاك الأصل أنتجه |
إنّ الأحداث الجسام التي فزع منها المسلمون كإباحة مدينة النبيّ 6 ، وحرق الكعبة ، وتسلّط الأشرار المارقين عن الدين على رقاب المسلمين أمثال بسر بن أرطاة ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه ، وعبيد الله بن زياد وأمثالهم من الخونة
__________________
(1) الشورى : 23.
المجرمين الذين أمعنوا في ظلم المسلمين ، وأغرقوهم في المآسي والخطوب كلّها قد نجمت من السقيفة ، وما يرتبط بها من أحداث.
ولسنا في البحث عن السقيفة خاضعين للمؤثّرات المذهبية ، نعوذ بالله أن نخضع لغير الحقّ ، وأن نكتب ما تمليه علينا العواطف التقليدية ، وإنّما نكتب هذه البحوث على ضوء الدراسة العلمية التي اقتبسناها من الوثائق التاريخية ، وحلّلنا أبعادها بأمانة وإخلاص ، وفيما اعتقد أنّ كلّ من يتأمّل في أحداث السقيفة يؤمن بأنّها غير طبيعة وأنّها دبّرت لصرف الخلافة عن أهل البيت.
وعلى أي حال فلا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا الحادث المروع الذي ابتلي فيه المسلمون كأشدّ وأقسى ما يكون الابتلاء ، وفيما يلي ذلك :
البواعث المؤتمر السقيفة
وعقد الأنصار في اليوم الذي توفّي فيه رسول الله 6 مؤتمرا في سقيفة بني ساعدة ، ضمّ الجناحين منهم الأوس والخزرج ، تداولوا فيه شئون الخلافة ، وأن لا تخرج من حوزتهم ، ولا يكونوا تبعا لزعامة المهاجرين من قريش وتحت نفوذهم.
والشيء الذي يدعو إلى التساؤل لما ذا سارعوا إلى عقد مؤتمرهم بهذه السرعة الخاطفة ، والرسول لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، وأكبر الظنّ أنّ أسباب ذلك تتلخّص بما يلي :
أوّلا : إنّ الأنصار قد استبان لهم بصورة مكشوفة لا خفاء فيها على تصميم المهاجرين من قريش للاستيلاء على الحكم بعد النبيّ 6 وصرفه عن الإمام أمير المؤمنين ، ويدعم ذلك :
1 ـ إنّ المهاجرين من قريش أعلنوا رفضهم الكامل لبيعة الإمام يوم غدير خمّ ، فقد قالوا : لقد حسب محمّد أنّ هذا الأمر قد تمّ لابن عمّه وهيهات أن يتمّ ، وتناقلت
حديثهم معظم الأوساط في يثرب.
2 ـ امتناع قادة المهاجرين من الالتحاق بجيش اسامة خوفا أن يتمّ الأمر للإمام بعد وفاة النبيّ 6 ويفلت الزمام منهم ، ولم يكن يخفى على الأنصار ذلك.
3 ـ قيام بعض المهاجرين بالحيلولة بين النبيّ وبين ما رآه من الكتابة التي تضمن لامّته السعادة في جميع الأحقاب والآباد ـ على حدّ تعبيره ـ فقد رموه بالهجر ، وهو طعن مؤسف في شخصية الرسول 6 ، فامتنع بأبي وأمّي من الكتابة التي تهدف إلى النصّ الصريح على خلافة الإمام أمير المؤمنين 7 .
ثانيا : إنّ الأنصار كانوا على يقين لا يخامره شكّ أنّ المهاجرين من قريش كانوا حاقدين على الإمام ؛ لأنّه قد وترهم ، وحصد رءوس أعلامهم ، وقد أعلن ذلك عثمان بن عفّان ، فقد قال للإمام :
ما أصنع إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلا كأنّ وجوههم شنوف الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم (1) .
أرأيتم كيف صوّر عثمان لوعة القرشيّين على فتيانهم وفرسانهم الذين أبادهم الإمام في يوم بدر وأبادتهم القوّات المسلّحة في الجيش الإسلامي وكانت قريش ترى أنّ الإمام 7 هو الذي وترها ، فهي تطالبه بذحلها ويقول الكناني من شعراء قريش محرّضا لها على الوقيعة بالإمام :
في كلّ مجمع غاية أخزاكم |
جذع أبرّ على المذاكي القرّح |
|
لله درّكم ألما تذكروا |
قد يذكر الحرّ الكريم ويستحي |
|
هذا ابن فاطمة (2) الذي أفناكم |
ذبحا بقتلة بعضه لم يذبح |
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 9 : 22.
(2) فاطمة بنت أسد أمّ الإمام أمير المؤمنين 7 .
أين الكهول وأين كلّ دعامة |
في المعضلات وأين زين الأبطح (1) ؟ |
وروى ابن طاوس عن أبيه أنّه قال للإمام زين العابدين :
ما بال قريش لا تحبّ عليّا؟
فأجابهم الإمام :
لأنّه أورد أوّلهم النار ، وألزم آخرهم العار (2) .
لقد كان بغض القرشيّين للإمام 7 مكشوفا وغير خفي على أحد ، وخاف الأنصار من استيلاء المهاجرين على دست الحكم فينزلون بهم الضربات القاصمة لولائهم للإمام 7 ومودّتهم له.
ثالثا : إنّ الأنصار كانوا العمود الفقري للقوّات الإسلامية ، وقد أشاعوا الحزن والحداد في بيوت القرشيّين ، ومن المؤكّد أنّ القرشيّين كانوا يحقدون أشدّ الحقد على الأنصار ، وأنّهم لا يألون جهدا في الانتقام منهم ، فلذا سارعوا في عقد مؤتمرهم خشية من المهاجرين ، يقول الحبّاب بن المنذر وهو من مفكّري الأنصار :
لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم واخوانهم (3) .
وتحقّق ما تنبأ به الحبّاب ، فإنّه لم يكد ينتهى حكم الخلفاء القصير الأمد حتى آل الحكم إلى الأمويّين فسعوا جاهدين في إذلالهم والتنكيل بهم. وقد أمعن معاوية في قهرهم وظلمهم ، ولمّا ولي الأمر بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح دماءهم وأموالهم وأعراضهم في واقعة الحرّة المحزنة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيرا في فظاعتها وقسوتها.
رابعا : إنّ النبيّ 6 استشفّ من وراء الغيب ما تعانيه الأنصار من بعده من
__________________
(1) و (3) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 235.
(2) معجم الشيوخ ـ ابن الاعرابي 4 : 16.
جهد وبلاء ، فقال لهم : « ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض » فخافوا كأشدّ ما يكون الخوف ، فلذا بادروا إلى عقد مؤتمرهم ليكونوا بمأمن من الاثرة والجهد.
وفيما أحسب أنّ هذه العوامل بعض الأسباب التي أدّت إلى عقد الأنصار مؤتمرهم في سقيفة بني ساعدة.
خطاب سعد :
ولمّا عقد الأنصار مؤتمرهم في السقيفة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم ، وكان مريضا لا يتمكّن أن يجهر بكلامه ، وإنّما كان يقول : فيبلغ بعض أقربائه مقالته ، وهذا نصّ كلامه :
يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب ، إنّ محمّدا 6 لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به إلاّ قليل ، ما كانوا يقدرون على منعه ، ولا على إعزاز دينه ، ولا على دفع ضيم حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والاعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه ، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا ، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب ، وتوفّاه الله وهو عنكم راض ، وبكم قرير العين استبدّوا بهذا الأمر دون الناس فإنّه لكم دونهم (1) .
وحفل خطاب سعد بالاشادة بإيمان الأنصار وبسالتهم وحمايتهم للإسلام ، وأنّه قام على سوقه عبل الذراع مفتول الساعد بفضل جهادهم ونصرتهم له ، فهم
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 222. تاريخ الطبري 3 : 307.
الذين حموه أيام غربته ومحنته فإذن هم أولى بالنبيّ ، وأحقّ بمركزه ومقامه ، فإنّ من كان عليه العزم فهو أولى بالغنم.
وكان من بنود هذا الخطاب التنديد بالقرشيّين الذين ناهضوا النبيّ 6 وناجزوه الحرب ، حتى اضطرّ إلى الهجرة إلى يثرب ، وما آمن به من قومه إلاّ فئة قليلة لم تتمكّن من حمايته والذبّ عنه وبذلك فلا حقّ للقرشيّين في الخلافة ولا نصيب لهم بها.
المؤاخذة على سعد :
وتناسى سعد في خطابه المصيبة العظمى التي دهمت المسلمين وهي موت سيّد الكائنات ، فلم يشر إليها بقليل ولا بكثير ، ولم يعزّ الأنصار بهذا الخطب المروع ، كما تناسى في خطابه العترة الطاهرة التي هي وديعة النبيّ في امّته ، وعديلة القرآن الكريم ، ولم يتعرّض لسيّد المسلمين وإمام المتّقين الإمام أمير المؤمنين 7 الذي هو باب مدينة علم النبيّ ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، فقد تجاهله سعد بالمرّة ، ونسى البيعة له يوم غدير خمّ ، فدعا لنفسه وقومه.
لقد أخطأ سعد إلى حدّ بعيد ، ولا مبرّر له في عقد مؤتمره ، فقد أخلد للامّة الفتن والمصاعب ، وألقاها في شرّ عظيم ، ومن ذلك اليوم عانت العترة الطاهرة ألوانا قاسية من الكوارث والخطوب ، وآلت الخلافة إلى الطلقاء وأبنائهم فاتّخذوها مغنما ووسيلة لنيل شهواتهم ورغباتهم ، ولم يعد للامّة أي ظلّ لمصالحها طيلة الحكم الأموي والعباسي.
وعلى أي حال فقد لاقى سعد جزاء عمله ، فإنّه لم يكد يستقرّ الحكم القصير الأمد إلى أبي بكر حتى جهد في ملاحقته ، وفرض الرقابة عليه حتى اضطرّ إلى الهجرة إلى الشام ، فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له ، فكمنا له ليلا وطعناه وألقياه في البئر ، وتحدّثوا أنّ الجنّ هي التي قتلته وأوردا على لسانها شعرا تفتخر فيه بقتله وهو :
نحن قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عباده |
ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده |
ومن الغريب أنّ دبلوماسية الحكم في ذلك العصر استخدمت الجنّ في أغراضها السياسية ، وقد آمن بذلك البسطاء والسذّخ من غير وعي للأهداف السياسية.
ضعف نفسية الأنصار :
ولم تكن للأنصار إرادة صلبة ولا عزم ثابت ، فقد منوا بالضعف والوهن والتخاذل ، فكانوا بعد خطاب زعيمهم سعد متخاذلين ، فقد أخذ بعضهم يقول لبعض : فإنّ أبى المهاجرون من قريش ، وقالوا : نحن المهاجرون وأصحابه الأوّلون وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعون هذا الأمر بعده ..
وانبرت طائفة منهم فقالوا :
فإنّا نقول : منّا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا ..
وأظهرت هذه المحاورة ضعفهم وانهيار عزائمهم وخوفهم من المهاجرين من قريش ، وثار سعد حينما رأى منهم هذه الروح الانهزامية فقال لهم :
هذا أوّل الوهن (1) .
أجل إنّ هذا أوّل الوهن وآخره ، فقد تنازلوا للقرشيّين وشاركوهم في الأمر في حين أنّ الساحة قد خلت من كلّ قرشي ، وقد دلّ هذا على عدم نضوجهم السياسي وعدم عمقهم ، فإنّهم قد أحاطوا مؤتمرهم بكثير من الكتمان ليسبقوا الأحداث ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش ، فقد ظلّوا قابعين في هذا الصراع الفارغ فأضاعوا عليهم الفرصة ، فقد دهمهم المهاجرون وسيطروا على
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 222.
الوضع ، واستلموا الحكم بمهارة فائقة كما سنبيّن ذلك.
اختلاف الأنصار :
وشيء بالغ الأهميّة في انهزام الأنصار وعدم سيطرتهم على الموقف هو ما منوا به من الصراع القبلي بين الأوس والخزرج ، فقد كانت بينهما أحقاد وضغائن منذ عهد بعيد ، وشاعت بينهما الفتن والحروب ، وكان آخر أيام حروبهم هو ( يوم بغاث ) وكان ذلك قبل أن يهاجر النبيّ 6 إليهم ، ولمّا حلّ في ديارهم جهد على نشر المحبّة والوئام فيما بينهم ، ولكن لم تزل الأحقاد كامنة في نفوسهم ، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة ، فإنّه حينما عزموا على مبايعة سعد حقد عليه خضير بن أسيد زعيم الأوس ، فقال لقومه :
لئن ولّيتموها ـ أي الخلافة ـ سعدا عليكم مرّة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر (1) .
وحكى ذلك مدى الحقد المستحكم في نفوس الأوس للخزرج ، فإنّ سعدا إذا ولي الحكم مرّة واحدة تكون له فضيلة على الأوس وتفوّق عليهم ، وفعلا فقد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لما تمّ الأمر له.
ومضافا إلى الأحقاد بين الأوس والخزرج إنّ بعض أبناء الخزرج الذين هم من أسرة سعد كانوا يحقدون عليه ، فهذا بشير بن سعد الخزرجي انبرى فبايع أبا بكر.
فذلكة عمر :
وشيء خطير بالغ الأهمّية قام به عمر لتجميد الأوضاع وإيقاف أيّة عملية تؤدّي إلى انتخاب خليفة على المسلمين ، فإنّ صاحبه أبا بكر لم يكن في يثرب عند
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 224.
وفاة النبيّ 6 وإنّما كان في السنح (1) ، فبعث خلفه من يأتي به على وجه السرعة ، وانطلق عمر وهو يجوب في شوارع المدينة ، وقد شهر السيف ويلوّح به وينادي بصوت عال :
إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله 6 قد مات ، والله! ما مات ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعنّ رسول الله 6 فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممّن أرجفوا بموته ...
وجعل لا يمرّ بأحد يقول مات رسول الله إلاّ خبطه بسيفه وتهدّده وتوعّده (2) .
وذهل الناس وساورتهم موجات من الشكوك والأوهام ، فلا يدرون أيصدّقون مزاعم عمر بحياة النبيّ وأنّه لم يمت وهي من أعزّ أمانيهم ، ومن أروع أحلامهم ، أم يصدّقون ما عاينوه من جثمان النبيّ 6 وهو مسجّى بين أهله لا حراك فيه.
ويستمرّ عمر يجول في الأزقّة والشوارع وهو يبرق ويرعد حتى أزبد شدقاه ، وهو يتهدّد بقتل من أرجف بموت النبيّ وبقطع يده ، ولم يمض قليل من الوقت حتى أقبل أبو بكر فانطلق معه إلى بيت النبيّ فكشف الرداء عن وجهه فتحقّق من وفاته ، فخرج إلى الناس وأخذ يفنّد مزاعم عمر ، وخاطب الجماهير التي أخرسها الخطب وذهلها المصاب قائلا :
من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت ، وتلا قوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ
__________________
(1) السنح : محل يبعد عن المدينة بميل ، وقيل : هو أحد عواليها ، ويبعد عنها بأربعة أميال.
(2) حياة الإمام الحسين بن علي 8 1 : 241 ، نقلا عن شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد.
ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) وصدق عمر بسرعة مقالته ، وراح يقول : فو الله ما هو إلاّ إذا سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي ، وقد علمت أنّ رسول الله 6 قد مات (2) .
نظرة وتأمّل :
ولم تكن الحادثة بسيطة وساذجة ، فقد حفّت بالغموض ويواجهها عدّة من التساؤلات وهي :
1 ـ إنّ القرآن الكريم أعلن بصراحة ووضوح أنّ كلّ إنسان لا بدّ أن يسقى كأس المنية ، سواء أكان نبيّا أم غيره ، قال تعالى : ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) (3) ، وقال تعالى في خصوص نبيّه : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) .
وهذه الآيات الكريمة تتلى في وضح النهار وفي غلس الليل ، فهل خفيت على أبي حفص ولم يسمعها ، وهو يصاحب رسول الله 6 ويماسيه ، ويسمع منه ما يتلوه من كتاب الله.
2 ـ إنّ عمر بالذات كان متفائلا بموت النبيّ 6 ، فقد قال لاسامة بن زيد
__________________
(1) آل عمران : 144.
(2) الكامل في التاريخ 2 : 219.
(3) العنكبوت : 57.
حينما ولاّه النبيّ على الجيش الذي فيه عمر وأبو بكر : مات رسول الله وأنت عليّ أمير ، وهذا يدلّ بوضوح على أنّه كان مطمئنّا بوفاته ، مضافا إلى أنّ النبيّ 6 في أيامه الأخيرة قبل مرضه وبعده قد نعى نفسه إلى المسلمين.
3 ـ إنّ عمر هو الذي حال بين النبيّ 6 وبين ما رامه من الكتابة التي ضمن فيها أن لا تضلّ امّته في جميع الأحقاب والآباد ، فقال له : حسبنا كتاب الله ، وقال :
إنّ النبيّ يهجر ، ومن المؤكّد انّه إنّما قال ذلك بعد الاعتقاد بوفاته ، ولو كان يحتمل أنّ النبيّ لا يموت في مرضه لما قال ذلك.
4 ـ إنّ سكوت عمر وهدوء ثورته الجامحة حينما جاء أبو بكر وأعلن وفاة النبيّ ، فصدّقه ولم يناقشه ، فإنّه يقضي على اتّفاق مسبق بينهما في ذلك.
5 ـ إنّ حكم عمر بأنّ رسول الله 6 سوف يرجع إلى الأرض ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ممّن ارجفوا بموته لا يخلو من مناقشة ، فإنّ تقطيع الأيدي والأرجل والحكم بالاعدام إنّما هو على الذين يخرجون عن دين الله أو يسمعون في الأرض فسادا ، والذهاب إلى موت الرسول لا يوجب ذلك قطعا.
6 ـ إنّ حكم أبي بكر بأنّ من كان يعبد محمّدا فإنّه قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت لا يخلو من النظر ؛ لأنّه لم يؤثر عن أي أحد من المسلمين أنّه كان يعبد محمّدا واتّخذه ربّا يعبده من دون الله ، وإنّما أجمع المسلمون على أنّه عبد الله ورسوله اختاره الله لوحيه ، واصطفاه لرسالته ..
هذه بعض الملاحظات التي تحوم حول هذه الحادثة ، وقد ذكرناها في كتابنا ( حياة الإمام الحسين 7 ).
مداهمة الأنصار :
وبينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبّرون أمرهم ويتداولون الرأي في شئون
الخلافة ويحدّدون موقفهم من المهاجرين من قريش إذ خرج من مؤتمرهم ـ وهم لا يشعرون ـ عويم بن ساعدة الأوسي ، ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله 6 ومن أعضاء حزبه ، كما كانا من ألدّ أعداء سعد ، فانطلقا مسرعين صوب أبي بكر ، وأحاطاه علما بما جرى ، وفزع أبو بكر وعمر وسارعا نحو السقيفة ، ومعهما أبو عبيدة بن الجرّاح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وجماعة من المهاجرين ، فكسبوا الأنصار في ندوتهم ، وذعر الأنصار وأسقط ما بأيديهم ، وغاض لون سعد وخاف من خروج الأمر منهم ، وذلك لعلمه بضعف الأنصار وتصدّع وحدتهم ، وفعلا فقد فشل سعد وانهارت جميع مخطّطاته.
خطاب أبي بكر :
وبعد أن داهم المهاجرون ندوة الأنصار أراد عمر أن يفتح الحديث معهم فنهره أبو بكر ، وذلك لعلمه بشدّته ، وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبّد بالضغائن والأحقاد ، الأمر الذي يستدعي الكلمات الناعمة لكسب الموقف ، فانبرى أبو بكر فخاطب الأنصار وقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر قائلا :
نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما ، وأكرمهم أحسابا ، وأوسطهم دارا ، وأحسنهم وجوها ، وأمسّهم برسول الله 6 .
وأنتم اخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيرا ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من قريش ، فلا تنفسوا على اخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعنى عمر بن الخطّاب وأبا عبيدة بن الجرّاح (1) ـ.
__________________
(1) تاريخ الطبري 3 : 62.
دراسة وتحليل :
ومني خطاب أبي بكر بكثير من التساؤلات ، كان منها ما يلي :
1 ـ إنّه لم يعن بصورة مطلقة بوفاة النبيّ 6 التي هي أعظم كارثة مدمّرة فجع بها المسلمون ، فكان الأجدر به ـ فيما يقول المحقّقون ـ أن يعزّي الحاضرين بوفاة المنقذ العظيم الذي برّ بدين العرب ودنياهم ، ويدعوهم إلى الالتفاف حول جثمانه حتى يواروه في مقرّه الأخير ، ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عامّ يضمّ المسلمين لينتخبوا عن إرادتهم وحرّيتهم من يرضونه خليفة لهم ـ على فرض أنّ رسول الله 6 لم يعهد إلى الإمام 7 بولاية العهد ـ.
2 ـ إنّ هذا الخطاب قد حفل أوّلا وأخيرا بطلب الامرة والسلطان ، وقد عرض أبو بكر على الأنصار التنازل عن الخلافة ومنحها للمهاجرين ومنّاهم عوض ذلك أن تكون لهم الوزارة ، إلاّ أنّه من المؤسف لمّا تمّ له الأمر لم يقلّدهم أي منصب من مناصب الدولة وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم.
3 ـ وتجاهل خطاب أبي بكر بالمرّة حقّ الاسرة النبوية التي هي عديلة القرآن ، أو كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى ، حسبما تواترت الأخبار بذلك عن النبيّ 6 .
وكان الأجدر بأبي بكر التريث بالأمر حتى يتمّ تجهيز النبيّ 6 ، ويؤخذ رأي عترته الطاهرة في الخلافة حتى تحمل طابعا شرعيا ، ولا يحدث انقسام بين صفوف المسلمين ، ولا توصم بيعته بأنّها فلتة وقى الله المسلمين شرّها ـ كما يقول عمر ـ ، وعلّق الإمام شرف الدين على إهمال العترة الطاهرة وعدم أخذ رأيّها في بيعة أبي بكر بقوله :
لو فرض أنّ لا نصّ بالخلافة على أحد من آل محمّد 6 ، وفرض كونهم غير
مبرزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم وعمل أو ايمان أو إخلاص ، ولم يكن لهم السبق في مضامير كلّ فضل ، بل كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله 6 ، ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقّتا حتى يستتبّ أمر الخلافة.
أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين وهم وديعة النبيّ لديهم ، وبقيّته فيهم ، وقد قال الله تعالى : ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (1) ؟
أليس من حقّ هذا الرسول الذي يعزّ عليه عنت الامّة ، ويحرص على سعادتها وهو الرءوف بها الرحيم لها أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به ، والجرح لمّا يندمل والرسول لما يقبر (2) .
4 ـ إنّ الحجّة التي استند إليها أبو بكر في أحقّية المهاجرين للخلافة هي أنّهم أمسّ الناس رحما برسول الله 6 ، وأقربهم إليه ، وبهذه الحجّة تغلّب على الأنصار ، وممّا لا ريب فيه أنّ هذا الملاك متوفّر في أهل البيت فهم ألصق الناس به ، وأمسّهم رحما به ، و قد عرض لذلك الإمام أمير المؤمنين 7 بقوله :
احتجّوا بالشّجرة ، وأضاعوا الثّمرة .
وأثر عنه أنّه خاطب أبا بكر بقوله :
فإن كنت بالشّورى ملكت أمورهم |
فكيف بهذا والمشيرون غيّب |
|
و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم |
فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب |
__________________
(1) التوبة : 128.
(2) النصّ والاجتهاد : 7.
وقال الإمام 7 في حديث له :
« والله! إنّي لأخوه ـ أي أخو النبيّ ـ ، ووليّه ، وابن عمّه ، ووارث علمه ، فمن هو أحقّ به منّي ...؟ ».
والتفت المتكلّمون من الشيعة إلى هذه الجهة ، يقول الكميت في إحدى روائعه :
بحقّكم أمست قريش تقودنا |
وبالقذّ منها والرديفين نركب |
|
وقالوا ورثناها أبانا وأمّنا |
وما ورثتهم ذاك أمّ ولا أب |
|
يرون لهم فضلا على الناس واجبا |
سفاها وحقّ الهاشميّين أوجب (1) |
وعلى أي حال فقد أعرض القوم عن أهل البيت عامدين أو غير عامدين ، فواجهت الامّة منذ ذلك اليوم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها أعنف المشاكل وأقسى ألوان الخطوب.
5 ـ إنّ أبا بكر في خطابه رشّح لقيادة الامّة عمر وأبا عبيدة بن الجراح ، وكان ذلك منه التفاتة بارعة ، فقد جرّد نفسه من الأطماع السياسية ، وغزا نفوس الأنصار ، وملك عواطفهم ومشاعرهم ، وقد أجابه عمر بلباقة :
لا يكون هذا وأنت حيّ ، ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله 6 ...
وعلّق بعض المحقّقين على مقالة عمر بقوله : لا نعلم متى أقامه رسول الله 6 ، أو دلّل عليه ، وقد كان مع بقيّة المهاجرين جنودا في سرية أسامة ، ولو كان قد رشّحه للخلافة لأقامه معه في يثرب ، وما أخرجه إلى ساحات الجهاد.
__________________
(1) الهاشميات : 31 ـ 33.
هذه بعض الملاحظات التي تواجه خطاب أبي بكر.
فوز أبي بكر بالحكم :
وكسب الموقف أبو بكر في خطابه السالف الذي أثنى فيه على الأنصار ، فقد منّاهم بالوزارة ، وأزال ما في نفوسهم ما كانوا يحذرونه من استبداد المهاجرين بالحكم ، إلاّ أنّ بعض الأنصار شجب البيعة لأبي بكر ، فردّ عليه عمر بعنف قائلا :
هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ، والله! لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم ، وولي امورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمّد وامارته ونحن أولياؤه وعشيرته؟ إلاّ مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورّط في هلكة ..
وليس في هذا الكلام شيء جديد سوى أنّ المهاجرين من قريش أولى بالرسول لأنّهم من أسرته القرشية ، وإذا أخذوا الحكم بهذه الحجّة وسيطروا على الموقف بها فإنّ عليّا أولى لأنّه من صميم الاسرة النبوية بالاضافة إلى جهاده وجهوده في سبيل الإسلام ، يقول الأستاد محمّد الكيلاني :
إنّه احتجّ عليهم ـ أي على آل النبيّ ـ بقرابة المهاجرين للرسول ، ومع ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعليّ بن أبي طالب ما دامت القرابة اتّخذت سندا بحيازة ميراث الرسول ، لقد كان العبّاس أقرب الناس إلى النبيّ ، وكان أحقّ الناس بالخلافة ، ولكنّه تنازل بحقّه هذا لعليّ ، فمن هنا صار لعليّ الحقّ وحده في هذا المنصب (1) .
وعلى أي حال فإنّ عمر لم ينته من كلامه حتى ردّ عليه الحبّاب بقوله :
__________________
(1) أثر التشيّع في الأدب العربيّ : 5.
يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولّوا عليهم هذه الامور ، فأنتم ـ والله! ـ أحقّ بهذا الأمر منهم ؛ فإنّه بأسيافكم ، دان الناس لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين ، أنا جذيلها المحك ، وعذيقها المرجب ، أنا شبل في عرينة الأسد والله! لو شئتم لنعيدنها جذعة ، والله! لا يرد أحد عليّ ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف ».
وحفل هذا الخطاب بالعنف والتهديد ، والدعوة إلى الحرب ، وإجلاء المهاجرين ـ الذين لا يتجاوز عددهم الأصابع ـ عن يثرب ، كما حفل بالاعتزاز بنفس المتكلّم والافتخار بشجاعته ، وردّ عليه عمر بغيظ قائلا :
إذا يقتلك الله ...
فردّ عليه الحبّاب :
بل إيّاك يقتل ..
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث فهدأ الموقف وبادر أعضاء حزبه بسرعة خاطفة فبايعوه ، وكان أوّل من بايعه عمر وبشير وأسيد بن خضير وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي وأبو عبيدة بن الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة ، وكان من أشدّهم حماسا واندفاعا لبيعته عمر وخالد بن الوليد ، واشتدّ هؤلاء في حمل الناس وإرغامهم على مبايعة أبي بكر ، وجعل عمر يجول ويصول ويدفع الناس دفعا إلى البيعة ، ومن أبى علاه بدرته ، وسمع الأنصار يقولون :
قتلتم سعدا ...
فاندفع يقول بعنف :
اقتلوه قتله الله ، فإنّه صاحب فتنة ..
وكادوا يقتلون سعدا ، وهو مزمن وجع ، وحمل إلى داره وهو وجع قد انهارت آماله وتبدّدت أحلامه وضاعت أمانيه.
وانتهت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة ، فأقبل به حزبه يزفّونه إلى مسجد رسول الله 6 زفاف العروس إلى بيت زوجها (1) ، وقد علا منهم التكبير والتهليل ، وكان النبيّ 6 مسجّى في فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، وقد انشغل الإمام أمير المؤمنين 7 بتجهيزه ، ولمّا علم بيعة أبي بكر تمثّل بقول القائل :
وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا |
ويطغون لما غال زبد غوائل (2) |
وعلى أي حال لقد تمّت البيعة لأبي بكر بهذه الكيفيّة التي اهمل فيها رأي الاسرة النبوية ورأي خيار الصحابة أمثال الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر وأبي ذرّ وسلمان الفارسي وغيرهم من أعلام الإسلام.
هزيمة الأنصار :
وأفل نجم الأنصار وانهارت قواهم ، وعراهم الذلّ والهوان ، وقد حكى حسّان ابن ثابت خيبة آمالهم بقوله :
نصرنا وآوينا النبيّ ولم نخف |
صروف الليالي والبلاء على وجل |
|
بذلنا لهم أنصاف مال أكفّنا |
كقسمة أبسار الجزور من الفضل |
|
فكان جزاء الفضل منّا عليهم |
جهالتهم حمقا وما ذاك بالعدل (3) |
وتعرّضت الأنصار للمحن والخطوب في كثير من عهود الخلفاء والملوك ،
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 8.
(2) المصدر السابق : 5.
(3) المصدر السابق 6 : 10 ـ 11.
وكان ذلك جزاء ما اقترفوه في حقّ العترة الطاهرة ، فهم الذين فتحوا الباب لظلمهم والاعتداء عليهم.
ابتهاج القرشيّين :
وابتهجت الاسر القرشية بحكومة أبي بكر واعتبرته فوزا ساحقا لهم ، وقد عبّر عن مدى فرحها وسرورها أبو عبرة القرشي بقوله :
شكرا لمن هو للثّناء حقيق |
ذهب اللجاج وبويع الصدّيق |
|
من بعد ما زلّت بسعد نعله |
ورجا رجاء دونه العيّوق |
|
إنّ الخلافة في قريش ما لكم |
فيها وربّ محمّد معروق (1) |
وحكى هذا الشعر سرور القرشيّين البالغ بحرمان الأنصار من الخلافة ، كما أظهر عمرو بن العاص سروره وفرحه ببيعة أبي بكر ، ولم يكن في يثرب وإنّما كان في سفر له ، فلمّا قدم وسمع بالبيعة قال :
قل لأوس إذا جئتها |
وقل إذا ما جئت للخزرج |
|
تمنّيتم الملك في يثرب |
فأنزلت القدر لم تنضج (2) |
لقد عمّت الفرحة الكبرى جميع القرشيّين ببيعة أبي بكر ، فقد تخلّصوا من حكومة الأنصار وحكومة الاسرة النبوية.
موقف أبي سفيان :
وأعلن أبو سفيان معارضته لحكومة أبي بكر ، ومضى إلى الإمام 7 يحفّزه على فتح باب الحرب على أبي بكر ، ويعده بنصره إن نهض لاسترداد حقّه يقول له :
__________________
(1) الموفّقيات : 80. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 8.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 8.
إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من اموركم. أين المستضعفان؟
أين الأذلاّن عليّ والعبّاس؟ ..
ما بال الأمر في أقلّ حيّ من قريش؟ ثمّ قال للإمام :
ابسط يدك ابايعك ، فو الله! لئن شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجالا ، وتمثّل بشعر المتلمّس :
ولن يقيم على خسف يراد به |
إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد |
|
هذا على الخسف مربوط برمّته |
وذا يشجّ فلا يبكي له أحد |
وقال أبو سفيان :
وأضحت قريش بعد عزّ ومنعة |
خضوعا لتيم لا بضرب القواضب |
|
فيا لهف نفسي للذي ظفرت به |
وما زال منها فائزا بالرغائب (1) |
ولم يكن موقف أبي سفيان متّسما بالإخلاص والولاء للإمام ، فهو العدوّ الأوّل للإسلام وللمسلمين ، ولم تكن تخفى على الإمام دوافعه ، فلم يستجب له ونهره وأغلظ له في القول قائلا :
« والله! ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنّك والله! طالما بغيت للإسلام شرّا ، لا حاجة لنا في نصيحتك » (2) .
وراح أبو سفيان يشتدّ لإثارة الفتنة بين المسلمين ، ويدعو الإمام إلى إعلان الثورة على حكومة أبي بكر ، وكان ينشد هذه الأبيات :
__________________
(1) الأغاني 6 : 356.
(2) الكامل في التاريخ 2 : 220.
بني هاشم لا تطمعوا النّاس فيكم |
ولا سيّما تيم بن مرّة أو عدي |
|
فما الأمر إلاّ فيكم وإليكم |
وليس لها إلاّ أبو حسن علي |
|
أبا حسن فاشدد بها كفّ حازم |
فإنّك بالأمر الذي يرتجى علي (1) |
ومن المؤكّد أنّه لم تكن معارضة أبي سفيان ناشئة عن إيمان بحقّ الإمام وإخلاص له ، فإنّه بعيد عن ذلك كلّ البعد ، وإنّما كانت عواطف كاذبة أراد بها الكيد للإسلام والبغي عليه ، وتمزيق صفوف المسلمين ، ولذا أعرض الإمام عنه ولم يعر لكلامه أي اهتمام.
لقد كانت علاقة أبي سفيان بأبي بكر وثيقة للغاية ، فقد روى البخاري أنّ أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين فيهم أبو بكر وسلمان وصهيب وبلال فقال بعضهم :
أما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها؟
فزجرهم أبو بكر قائلا :
أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم؟
ومضى أبو بكر مسرعا إلى النبيّ 6 فأخبره بمقالة القوم في أبي سفيان ، فردّ عليه النبي قائلا : « يا أبا بكر ، لعلّك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله » (2) .
ودلّت هذه البادرة على الصلة الوثيقة بينهما ، كما كانت الصلة وثيقة للغاية بين أبي سفيان وعمر ، فقد أفرد عمر غرفة في داره فرشها بأحسن فرش ، ولم يسمح
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 7.
(2) صحيح البخاري 2 : 362.
لأحد بالدخول إليها إلاّ لأبي سفيان ، وقد سئل عن ذلك فقال : هذا شيخ قريش (1) .
وعلى أي حال فقد جهد أبو بكر في استمالة أبي سفيان وكسب عواطفه ، فقد استعمله عاملا على ما بين آخر الحجاز وآخر حدّ من نجران (2) ، كما عيّن ولده يزيد واليا على الشام ، ولم يعيّن أحدا من أعلام المسلمين واليا في هذا المكان الحسّاس ، ويقول المحلّلون للأخبار إنّ نجم بني أميّة قد علا في أيام حكومة أبي بكر.
موقف الإمام من بيعة أبي بكر :
وأجمع المؤرّخون والرواة على أنّ موقف الإمام تجاه بيعة أبي بكر كان متّسما بالكراهية وعدم الرضا ، فهو أحقّ بالخلافة وأولى بها من غيره ؛ لأنّه ألصق الناس برسول الله 6 ، بالاضافة إلى ما يتمتّع به من القابليات الفذّة والمواهب العظيمة التي لم تتوفّر بعضها في غيره ، وما كان يظنّ أنّ القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عنه ، فقد بادره عمّه العبّاس قائلا :
يا ابن أخي ، امداد يدك ابايعك فيقول الناس عمّ رسول الله 6 بايع ابن عمّ رسول الله فلا يختلف عليك اثنان ..
فردّ عليه الإمام : « من يطلب هذا الأمر غيرنا » (3) .
وعلّق الدكتور طه حسين عميد الأدب العربيّ على ذلك بقوله :
نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحقّ منه بوراثة السلطان ؛ لأنّه ربيب النبيّ ، وصاحب السابقة في الإسلام ، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد
__________________
(1) سير أعلام النبلاء 3 : 341.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 10 ـ 11. حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 253.
(3) الإمامة والسياسة 1 : 4.
كلّها ؛ ولأنّ النبيّ كان يدعوه أخاه حتى قالت له أمّ أيمن ذات يوم مداعبة : تدعوه أخاك وتزوّجه ابنتك؟ ولأنّ النبي قال له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » ، وقال للمسلمين يوما آخر : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، من أجل ذلك أقبل العبّاس بعد وفاة النبيّ على ابن أخيه وقال له : ابسط يدك ابايعك (1) .
وعلى أي حال فإنّ الإمام امتنع عن بيعة أبي بكر ، وأعلن سخطه البالغ على ذلك في كثير من خطبه وكلماته.
امتناع الإمام من البيعة :
وأجمع رأي الجهاز الحاكم على ارغام الإمام وقسره على البيعة لأبي بكر ، فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره ، وأمامهم عمر بن الخطّاب وهو يرعد ويبرق ويتهدّد ويتوعّد ، وبيده قبس من نار يريد أن يحرق بيت الوحي ، فخرجت إليه حبيبة الرسول وبضعته الصدّيقة الطاهرة الزهراء فصاحت به :
« ما الّذي جئت به يا ابن الخطّاب؟ ».
فأجابها بعنف : الذي جئت به أقوى ممّا جاء به أبوك (2) .
__________________
(1) علي وبنوه : 19.
(2) أنساب الأشراف للبلاذري 2 : 10 ، وقد أجمع المؤرّخون والرواة على تهديد عمر للإمام بإحراق داره ، يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم :
وقولة لعليّ قالها عمر |
أكرم بسامعها أعظم بملقيها |
|
حرقت دارك لا أبقي عليك بها |
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها |
|
ما كان غير أبي حفص بقائلها |
أمام فارس عدنان وحاميها |
وقد نصّت على ذلك هذه المصادر : الإمامة والسياسة 1 : 12. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 34. تاريخ الطبري 3 : 202. تاريخ أبي الفداء 1 : 156. تاريخ اليعقوبي 2 : 105.
الأموال ـ أبو عبيد : 131. مروج الذهب 1 : 414. الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عبد الفتّاح عبد المقصود 1 : 213. أعلام النساء 3 : 205.
وأخرج الإمام بعنف ، وجيء به إلى أبي بكر ، فصاح به حزبه :
بايع أبا بكر.
فأجابهم الإمام بحجّته الدامغة ـ وهو غير وجل من جبروتهم ـ قائلا :
« أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا ابايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ 6 ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصبا ، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمّد 6 منكم فأعطوكم المقادة وسلّموا إليكم الإمارة؟ وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حيّا وميّتا فانصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوءوا بالظّلم وأنتم تعلمون » (1) .
وحكى هذا الخطاب الحجّة التي تغلّب بها المهاجرون من قريش على الأنصار ، وهي قربهم من النبيّ 6 ، فإنّها متوفّرة فيه على أكمل الصور والوجوه ، فهو ابن عمّ رسول الله 6 ، وأبو سبطيه ، وختنه على ابنته ، ولم يجد هذا المنطق الفيّاض مع القوم ، فاندفع عمر بعنف قائلا :
بايع.
« وإن لم أفعل؟ ».
والله! الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك.
ونظر الإمام فإذا ليس له معين ولم يكن يأوي إلى ركن شديد ، فقال بصوت حزين النبرات :
« إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله ».
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 256.
واندفع ابن الخطّاب بثورة قائلا :
أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا.
ونسى عمر أنّ الإمام أخو النبيّ وباب مدينة علمه ، والتفت إلى أبي بكر يحثّه على الوقيعة به قائلا :
ألا تأمر فيه بأمرك؟ ...
وخاف أبو بكر من الفتنة فقال :
لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جانبه ...
وانبرى أبو عبيدة بن الجرّاح ، وهو من أبرز أنصار أبي بكر فخاطب الإمام قائلا : يا ابن عمّ ، إنّك حدث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالا واضطلاعا به ، فسلّم الأمر لأبي بكر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وسابقتك ونسبك وصهرك ....
وأثارت هذه المخادعة كوا من الألم والأسى في نفس الإمام فاندفع يخاطب المهاجرين ويعظهم قائلا :
« الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره ، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس وحقّه فو الله يا معشر المهاجرين! لنحن أحقّ النّاس به ـ لأنّا أهل البيت ـ ، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ، ما كان فينا إلاّ القارى لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله 6 ، المضطلع بأمر الرّعيّة ، الدّافع عنهم الأمور السّيّئة ، القاسم بينهم بالسّويّة ، والله! إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بعدا » (1) .
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 157 ، نقلا عن الإمامة والسياسة 1 : 11.
وحفل كلام الإمام 7 بما يتمتّع به أهل البيت من الصفات القيادية من الفقه بدين الله والعلم بسنن رسول الله ، والاضطلاع بامور الرعية ، وغير ذلك من الصفات التي يعتبرها الإسلام فيمن يتولّى شئون الحكم ، وهي لم تتوفّر إلاّ في أهل البيت : .
احتجاجات صارمة :
وتخلّفت الاسرة النبوية ومن يتّصل بها من أعلام الإسلام عن بيعة أبي بكر ، واحتجّت عليه بحجج دامغة بأنّ آل النبيّ 6 أولى بمقامه ، وأحقّ بمركزه منه ، ونعرض لها فيما يلي :
1 ـ احتجاج الإمام أمير المؤمنين :
واحتجّ الإمام أمير المؤمنين 7 بكوكبة من الاحتجاجات الصارمة على أبي بكر ، وقد ذكرنا احتجاجاته عليه وعلى غيره في جزء خاصّ من هذه الموسوعة.
2 ـ الزهراء :
احتجّت سيّدة نساء العالمين على أبي بكر وغيره بحجج بالغة على أحقّية الإمام للخلافة ، وندّدت بما اقترفه القوم من إقصاء الإمام عنها ، وأنّ الامّة من جرّاء ذلك ستواجه أعنف المشاكل وأقسى ألوان الخطوب ، قالت سلام الله عليها :
ويحهم أنّى زحزحوها ـ أي الخلافة ـ عن رواسي الرّسالة ، وقواعد النّبوّة ، ومهبط الرّوح الأمين! والطّبن (1) بأمور الدّنيا والدّين ، ألا ذلك هو الخسران المبين ،
__________________
(1) الطبن : الخيبر.
وما الّذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا والله! منه نكير سيفه ، وقلّة مبالاته لحتفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله.
وتالله لو مالوا عن المحجّة اللاّئحة ، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة ، لردّهم إليها ، وحملهم عليها ، ولسار بهم سيرا سجحا (1) ، لا يكلم خشاشه (2) ، ولا يكلّ سائره ، ولا يملّ راكبه ، ولأوردهم منهلا نميرا صافيا رويّا ، تطفح ضفّتاه (3) ، ولا يترنّق جانباه ، ولأصدرهم بطانا (4) ، ونصح لهم سرّا وإعلانا.
ألا هلمّ فاسمع ، وما عشت أراك الدّهر عجبا!
أما لعمري ، لقد لقحت ، فنظرة ريثما تنتج ، ثمّ احتلبوا ملء القعب دما عبيطا ، وذعافا (5) مبيدا ، هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التّالون غبّ ما أسّس الأوّلون. ثمّ طيبوا عن دنياكم أنفسا ، واطمئنّوا للفتنة جأشا ، وأبشروا بسيف صارم ، وسطوة معتد غاشم ، وبهرج شامل ، واستبداد من الظّالمين ، يدع فيئكم زهيدا ، وجمعكم حصيدا.
فيا حسرة لكم ، وأنّى بكم ، وقد عمّيت ( عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) (6) .
استبدلوا والله! الذّنابي بالقوادم ، والعجز بالكاهل (7) ، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا. ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ، ويحهم
__________________
(1) أي سهلا.
(2) الخشاش : عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام.
(3) تطفح ضفّتاه : أى يمتلئ ويفيض منه الماء.
(4) أصدرهم بطانا : أي أشبعهم وأفاض عليهم بالخير.
(5) الذعاف : الطعام الذي يجعل فيه السم.
(6) هود : 28.
(7) الكاهل : سند القوم ومعتمدهم.
( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) ؟ (2) .
محتويات الاحتجاج :
وشجبت بضعة الرسول 6 في خطابها على نساء الأنصار والمهاجرين بيعة أبي بكر ، وأنّهم قد جافوا بها عترة الرسول 6 ، وقد حفل خطابها الذائع البليغ بما يلي :
أوّلا : أنّها أدلت بالأسباب التي من أجلها أعرض القوم عن بيعة الامام ، وهي :
1 ـ نكير سيف الإمام الذي حصد به رءوس المشركين من قريش ، ذلك السيف الذي كان معجزة للنبيّ 6 ، وقد أولد في نفوس القوم حقدا على الإمام وكراهية له.
2 ـ شدّة وطأة الإمام ، فإنّه لم يصانع طيلة حياته ، ولم يهب أحدا ، ولم تأخذه في الله تعالى لومة لائم ، الأمر الذي ملأ قلوب أعداء الله عليه غيظا وحنقا.
3 ـ تنمّره في ذات الله ، فقد وهب حياته لله تعالى ، وتنكّر للقريب والبعيد إرضاء لله وتفانيا في طاعته هذه هي الأسباب التي أدّت إلى إعراض القوم عن بيعة الإمام 7 .
ثانيا : إنّ الامّة لو تابعت الإمام وأخذت بهديه لظفرت بما يلي :
1 ـ أن يسير فيهم بسيرة العدل الخالص ، والحقّ المحض ، ويحكم فيهم بما أنزل الله.
2 ـ أنّه يوردهم منهلا عذبا ويقودهم إلى شاطئ الأمن والسلام.
__________________
(1) يونس : 35.
(2) بلاغات النساء : 23. أعلام النساء 3 : 219 و 220.
3 ـ أنّه ينصح لهم في السرّ والعلانية ، ويهديهم إلى سواء السبيل.
4 ـ أنّ الإمام لو تقلّد زمام الحكم لما تحلّى من دنياهم بطائل ، وما استأثر من أموالهم بشيء من متع الحياة ، وحينما صارت إليه الخلافة اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه بقرصيه ، وما وضع لبنة على لبنة ، وعاش عيشة الفقراء البائسين ، وهو القائل :
أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر وجشوبة العيش!
5 ـ أنّ الإمام لو تقلّد الحكم بعد النبيّ 6 لانتشرت خيرات الله وبركاته وعمّت جميع أنحاء الأرض ، ولأكل الناس من فوق رءوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولكن المسلمين حرموا أنفسهم وحرموا الأجيال الآتية من بعدهم ، فقد استبدلوا الذنابى بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ثالثا : إنّ بضعة الرسول 6 استشفّت من وراء الغيب ما تعانيه الامّة من الأزمات والخطوب من جرّاء ما اقترفه القوم من إقصاء الإمام 7 عن الحكم وهي :
1 ـ انتشارات الفتن بين المسلمين وتفلّل وحدتهم.
2 ـ تنكيل السلطات الحاكمة بهم.
3 ـ استبداد الظالمين بشئونهم.
وقد تحقّق كلّ ذلك على مسرح الحياة الإسلامية حينما ولي معاوية على المسلمين فأمعن في ظلمهم وإرهاقهم ، وسلّط عليهم جلاوزته الجلاّدين أمثال سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه ، وبسر بن أرطاة وأمثالهم من الجناة الذين لا يرجون لله وقارا ، فنشروا الخوف وأخذوا الناس بالظنّة والتهمة ، خصوصا في عهد زياد ؛ فقد سمل الأعين ، واستخرج قلوب المسلمين ، وصلب على جذوع
النخل ، أبعده الله عن رحمته.
وولّى معاوية من بعده ابنه يزيد صاحب الاحداث والموبقات ، فاقترف من الجرائم ما لا توصف لمرارتها وقسوتها ، وأخلد للمسلمين الفتن والمصائب وذلك بإبادته لعترة رسول الله 6 في صعيد كربلاء ، مضافا إلى ما اقترفه في المدينة المنوّرة من الآثام ، فقد أباحها لجنده وحمل أهلها على البيعة له على أنّهم عبيد له ، كما هدم الكعبة وأحرقها بالنار.
استنجاد الزهراء ببني قيلة :
واستنجدت بضعة الرسول وريحانته ببني قيلة ، وهم القوّة الضاربة من الأنصار في الجيش الإسلامي فقالت لهم :
« أيها بني قيلة ، أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدّعوة ، وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة ، وعندكم السّلاح والجنّة ، توافيكم الدّعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصّرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصّلاح ، والنّخبة التي انتخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت.
قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتّعب ، وناطحتم الامم ، وكافحتم البهم ، لا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيّام ، وخضعت نعرة الشّرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدّين ، فأنّى حزتم بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان؟ (1) .
وأثارت حفائظ النفوس ، وألهبت نار الثورة في النفوس ، إلاّ إنّ أبا بكر استقبلها
__________________
(1) أعلام النساء 3 : 214.
باحترام بالغ ، فأخمد الثورة وشلّ حركتها.
3 ـ الإمام الحسن :
كان الإمام الحسن 7 لا يتجاوز عمره سبع سنين حينما ولّي أبو بكر ، فقد انطلق إلى مسجد جدّه فرأى أبا بكر على المنبر ، فوجّه إليه لاذع القول قائلا :
« انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك ».
فبهت أبو بكر وأخذته الحيرة والدهشة ، واستردّ خاطره فقال له بناعم القول :
صدقت ، والله! إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي (1) .
إنّ احتجاج الإمام الحسن 7 وهو في غضون الصبا انبعث عن طموح وعبقرية وذكاء ، كان يرى المنبر يرقاه جدّه الرسول 6 ، وهو لا يجد أحدا خليقا بأن يرقاه سوى أبيه سيّد الأوصياء.
4 ـ سلمان الفارسي :
وهو من أكثر الصحابة وعيا للإسلام وإحاطة بأحكامه ومبادئه ، وقد عنى به الرسول فألحقه بأسرته ، فقال : « سلمان منّا أهل البيت » ، « لا تقولوا سلمان الفارسيّ ولكن قولوا سلمان المحمّدي » ، وحرّم عليه الصدقة كما حرّمها على أهل بيته ، فقال : « الصّدقة حرام على سلمان » ، ولمّا رأى هذا الصحابي العظيم الخلافة قد انتزعت من العترة الطاهرة اندفع إلى الانكار على أبي بكر فقال له :
__________________
(1) الرياض النضرة 1 : 139. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 17. مقتل الحسين ـ الخوارزمي 1 : 93. مناقب آل أبي طالب 2 : 172. وفي الاصابة ( 2 : 15 ) : « إنّ هذا الاحتجاج كان من الإمام الحسين » ، وجاء في الصواعق المحرقة : 105 وفي الصبيان المطبوع على هامش نور الأبصار : 125 : « أنّ الحسن قال ذلك لأبي بكر ، ووقع للحسين مثل ذلك مع عمر بن الخطّاب ».
يا أبا بكر ، إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه ، وإلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه ، وما عذرك في تقدّمك على من هو أعلم منك ، وأقرب إلى رسول الله ، وأعلم بتأويل كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه ، ومن قدّمه النبيّ في حياته وأوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله ، وتناسيتم وصيّته ، وأخلفتم الوعد ، ونقضتم العهد ، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية اسامة (1) .
وفي هذا الاحتجاج دعوة إلى الحقّ ، ودعوة إلى جمع الكلمة ، ووحدة الصفّ ، وتسليم الأمر إلى أعلم من في الامّة وهو الإمام أمير المؤمنين 7 .
5 ـ عمّار بن ياسر :
وعمّار بن ياسر من المساهمين في بناء صرح الإسلام ، ومن المعذّبين في سبيل الله ، وكان أثيرا عند النبيّ 6 ، ومن خلّص أصحابه ، ولمّا آلت الخلافة إلى أبي بكر اندفع إلى الانكار عليه وعلى القرشيّين قائلا :
يا معاشر قريش ، ويا معاشر المسلمين ، إن كنتم علمتم وإلاّ فاعلموا أنّ أهل بيت نبيّكم أولى به ، وأحقّ بإرثه ، وأقوم بامور الدين ، وآمن على المؤمنين ، وأحفظ لملّته ، وأنصح لامّته ، فمروا صاحبكم فليردّ الحقّ إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شقاقكم ، وتعظم الفتنة بكم ، وتختلفون فيما بينكم ، ويطمع فيكم عدوّكم ، فقد علمتم أنّ بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعليّ أقرب منكم إلى نبيّكم ، وهو من بينهم وليّكم بعهد الله ورسوله ، وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند ما سدّ النبيّ 6 أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلّها غير بابه ، وإيثاره إيّاه بكريمته فاطمة ، دون سائر من خطبها إليه منكم ، وقوله 6 : « أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها ، فمن أراد الحكمة فليأت الباب » ، وأنّكم جميعا مضطرّون
__________________
(1) الاحتجاج ـ الطبرسي 1 : 42.
فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كلّ أحد منكم ، إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون عنه ، وتبتزّون عليّا على حقّه ، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، بئس للظالمين بدلا ، أعطوه ما جعله الله له ، ولا تولّوا عنه مدبرين ، ولا ترتدّوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (1) .
وحفل احتجاج عمّار بالدعوة إلى صالح الامّة وإبعادها من مظانّ الفتن والأهواء ، كما دعاها إلى تسليم القيادة العامّة للإمام أمير المؤمنين 7 الذي هو باب مدينة علم النبيّ 6 ، والعالم بما تحتاج إليه الامّة في جميع مجالاتها.
6 ـ أبو ذرّ :
أمّا أبو ذرّ فهو صوت العدل والحقّ في الإسلام الذي استوعب فكره تعاليم الدين وأحكامه الهادفة إلى بسط العدالة الاجتماعية في الأرض ؛ وهو في طليعة الثائرين والناقمين على الحكم الأموي الذي اتّخذ مال الله دولا وعباده خولا ، وقد نقم هذا الصحابي الجليل على القوم لإقصائهم الإمام عن الخلافة ، فقال مخاطبا القرشيّين والأنصار :
أمّا بعد يا معشر المهاجرين والأنصار ، لقد علمتم وعلم خياركم أنّ رسول الله 6 قال : « الأمر لعليّ بعدي ثمّ للحسن والحسين ، ثمّ في أهل بيتي من ولد الحسين » ، فطرحتم قول نبيّكم وتناسيتم ما أوعز إليكم ، واتّبعتم الدنيا ، وتركتم نعيم الآخرة الباقية التي لا يهدم بنيانها ، ولا يزول نعيمها ، ولا يحزن أهلها ، ولا يموت سكانها ، وكذلك الامم التي كفرت بعد أنبيائها بدّلت وغيّرت ، حذو القذة بالقذّة ، والنعل بالنعل ، فعمّا قليل تذوقون وبال أمركم ، وما الله بظلاّم للعبيد (2) .
__________________
(1) الاحتجاج ـ الطبرسي 1 : 43.
(2) الخصال : 432.
وحكى خطاب الثائر العظيم ما ستعانيه الامّة في مستقبلها من الويلات من جرّاء فصل الخلافة عن بيت النبوّة ومركز الدعوة الإسلامية ، وتحقّق ذلك على مسرح الحياة الإسلامية ، فقد سفكت الدماء ، وتهالك الأشرار من بني أميّة على الحكم ، فعاثوا فسادا في الأرض حينما استولوا عليه ، فأنفقوا أموال المسلمين على رغباتهم وشهواتهم ، ونكلوا أشد التنكيل وأقساه بعترة النبيّ 6 .
7 ـ المقداد :
أمّا المقداد فهو من أعلام الإسلام ، ومن خلّص أصحاب الإمام 7 ، ومن عيون أصحابه ، وقد نقم على أبو بكر وخاطبه بعنف قائلا :
يا أبا بكر ، ارجع عن ظلمك ، وتب إلى ربّك ، وسلّم الأمر إلى صاحبه الذي هو أولى به منك ، فقد علمت ما عقده رسول الله 6 في عنقك من بيعته (1) ، وألزمك بالنفوذ تحت راية اسامة بن زيد ، وهو مولاه ، ونبّه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ولمن عضدك عليه ، بضمّه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنآن والشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله فيه على نبيّه ( إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (2) .
وأضاف بعد ذلك قائلا :
اتّق الله ، وبادر بالاستقالة قبل فوتها ، فإنّ ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك ، ولا تركن إلى دنياك ، ولا تغرّنك قريش وغيرها ، فعن قليل تضمحلّ عنك دنياك ، ثمّ تصير إلى ربّك فيجزيك بعملك ، وقد علمت وتيقّنت أنّ عليّ بن أبي طالب هو صاحب الأمر بعد رسول الله 6 ، فسلّمه إليه ما جعله الله له ، فإنّه أتمّ
__________________
(1) يشير بذلك إلى حديث الغدير الذي بايع فيه المسلمون الإمام بالإمرة والخلافة ، والحديث مجمع عليه.
(2) الكوثر : 3.
لسترك ، وأخف لوزرك ، فقد والله! نصحت لك إن قبلت نصيحتي وإلى الله ترجع الامور (1) .
ولو أنّ القوم استجابوا لنصحه ، وسلّموا الأمر للإمام لما ابتلي المسلمون بالأزمات والكوارث.
8 ـ عتبة بن أبي لهب :
ومن الناقمين على إقصاء الإمام عن الخلافة عتبة بن أبي لهب ، وقد عبّر عن شعوره بهذه الأبيات :
ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف |
عن هاشم ثمّ منهم عن أبي حسن |
|
عن أوّل الناس إيمانا وسابقة |
واعلم الناس بالقرآن والسّنن |
|
وآخر النّاس عهدا بالنبيّ ومن |
جبريل عون له في الغسل والكفن |
|
من فيه ما فيهم لا يتمرون به |
وليس في القوم ما فيه من الحسن (2) |
وحكت هذه الأبيات عن أساه ولوعته عن عدم تقلّد الإمام للخلافة الذي هو أوّل الناس إيمانا برسول الله 6 وأعلمهم بالكتاب والسنّة ، وآخرهم عهدا بالنبيّ 6 ، وأنّ الصفات الكريمة المتوفّرة فيه لا توجد عند غيره ، فكيف أقصي هذا العملاق العظيم عن الخلافة.
9 ـ أبو أيوب الأنصاري :
أمّا أبو أيّوب الأنصاري فهو من ألمع أصحاب الإمام 7 ، وقد شهد معه مشاهده كلّها ، وقد آمن بحقّه ، وأنّه أولى بالخلافة من غيره (3) ، وقد أنبرى للإنكار
__________________
(1) الاحتجاج 1 : 101.
(2) تاريخ أبي الفداء 1 : 159.
(3) الكنى والألقاب 1 : 13.
على أبي بكر فقال له :
اتّقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيّكم ، وردّوا إليهم حقّهم الذي جعله الله لهم ، فقد سمعتم مثل ما سمع اخواننا في مقام بعد مقام لنبيّنا 6 ، ومجلس بعد مجلس يقول : « أهل بيتي أئمّتكم بعدي » ويومئ إلى عليّ ، ويقول : « وهذا أمير البررة ، وقاتل الكفرة ، مخذول من خذله ، منصور من نصره ، فتوبوا إلى الله من ظلمكم إيّاه ، إنّ الله توّاب رحيم ، ولا تتولّوا عنه معرضين » (1) .
وفي هذا الخطاب دعوة إلى الحقّ ، ووئام المسلمين ، وجمع كلمتهم ، ووحدة صفّهم إلاّ أنّ القوم أعاروا خطابه أذنا صمّاء.
10 ـ أبيّ بن كعب :
وأبيّ بن كعب الأنصاري سيّد القرّاء ، ومن أصحاب العقبة الثانية ، شهد مع النبي 6 المشاهد كلّها ، وكان عمر يسمّيه سيّد المسلمين (2) ، وقد أنكر على أبي بكر تقمّصه للخلافة ، وقال له :
يا أبا بكر ، لا تجحد حقّا جعله الله لغيرك ، ولا تكن أوّل من عصى رسول الله 6 في وصيّه وصفيّه ، وصدف عنه أمره ، اردد الحقّ إلى أهله تسلم ، ولا تتماد في غيّك فتندم ، وبادر الإنابة يخفّ وزرك ، ولا تختصّ بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك ، فتلقى وبال عملك ، فعن قليل تفارق ما أنت فيه ، وتصير إلى ربّك فيسألك عمّا جنيت ، وما ربّك بظلاّم للعبيد (3) .
وفي هذا الخطاب الإشادة بمركز الإمام 7 ، وأنّه أحقّ بالخلافة من غيره.
__________________
(1) الكنى والألقاب 1 : 13.
(2) الاصابة 1 : 31.
(3) ـ هذه هي الشيعة : 96.
11 ـ النعمان بن عجلان :
والنعمان بن عجلان لسان الأنصار وشاعرهم ، وهو من الناقمين على أبي بكر ، وقد خاطب القوم بهذه الأبيات :
وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم |
عتيق بن عثمان حلال أبا بكر؟ |
|
وأهل أبو بكر لها خير قائم |
وأنّ عليّا كان أخلق بالأمر |
|
وأنّ هوانا في عليّ وأنّه لأهل |
لها من حيث يدري ولا يدري (1) |
ومعنى هذا الشعر أنّ المهاجرين أنكروا على سعد تصدّيه للخلافة وحرّموها عليه ؛ لأنّه ليس من الاسر القرشية وأخذوها منه ؛ لأنّهم يمتّون إلى النبيّ 6 بصلة النسب ، فهلاّ أرجعوها إلى الإمام الذي هو ألصق الناس برسول الله وأقربهم إليه.
12 ـ عثمان بن حنيف :
وكان عثمان بن حنيف من خيار الصحابة ، وقد انضمّ إلى الجماعة التي أنكرت على أبي بكر ، فقد قال له : سمعنا رسول الله 6 يقول : « أهل بيتي نجوم الأرض ، فلا تتقدّموهم ، فهم الولاة من بعدي » ، فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، وأي أهل بيتك؟ فقال : « عليّ والطّاهرون من ولده » (2) .
وحكى هذا الاحتجاج النصّ الوارد من النبيّ 6 في شأن أهل بيته ، وهو صريح واضح في تعيينهم خلفاء لامّته.
13 ـ سهل بن حنيف :
أمّا سهل بن حنيف فهو من خيار الصحابة ، وقد أعلن تأييده للإمام 7 ، فقد
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 19 : 174.
(2) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 168.
قال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبيّ :
يا معشر قريش ، اشهدوا عليّ ، إنّي أشهد على رسول الله 6 وقد رأيته في هذا المكان ـ يعني جامعه ـ وقد أخذ بيد عليّ بن أبي طالب 7 وهو يقول :
« أيّها النّاس ، هذا عليّ إمامكم من بعدي ، ووصيّي في حياتي وبعد وفاتي ، وقاضي ديني ، ومنجز وعدي ، وأوّل من يصافحني على حوضي ، وطوبى لمن تبعه ونصره ، والويل لمن تخلّف عنه وخذله » (1) .
لقد أدلى سهل بشهادته أمام القوم بأنّ الرسول 6 قد نصّ على إمامة الإمام أمير المؤمنين وعلى سمو منزلته ، وعظيم مكانته عند الله تعالى وعند رسوله.
14 ـ خزيمة بن ثابت :
أمّا خزيمة بن ثابت فهو من ألمع الصحابة ومن أوثقهم وآثرهم عند النبيّ 6 ، وقد كانت شهادته عند النبيّ تعادل شهادة شاهدين ، وذلك لما عرف به من الصدق ، وقد أعلن تأييده الكامل للإمام 7 قال :
أيّها الناس ، ألستم تعلمون أنّ رسول الله 6 قبل شهادتي وحدي ، ولم يرد معي غيري؟ فقالوا : بلى ، قال : فأشهد أنّي سمعت رسول الله 6 يقول :
« أهل بيتي يفرّقون بين الحقّ والباطل ، وهم الأئمّة الّذين يقتدى بهم » ، وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين (2) .
وحكى خزيمة في احتجاجه ما سمعه من رسول الله 6 في شأن عترته ، وهم الأئمّة الذين يقتدى بهم ، وهي شهادة صدق وحقّ.
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 197.
(2) الاحتجاج 1 : 102.
15 ـ أبو الهيثم بن التيهان :
وأبو الهيثم بن التيهان ممّن عرف الإمام أمير المؤمنين 7 ، وقد أدلى بشهادته على أنّه أولى بالخلافة من غيره فقال :
أنا أشهد على نبينا 6 أنّه أقام عليّا يوم غدير خمّ ، فقالت الأنصار : ما أقامه إلاّ للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلاّ ليعلم الناس أنّه مولى من كان رسول الله 6 مولى له ، وكثر الخوض في ذلك ، فبعثنا رجالا منّا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك؟ فقال : « قولوا لهم : عليّ وليّ المؤمنين بعدي ، وأنصح النّاس لامّتي » ، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، إنّ يوم الفصل كان ميقاتا (1) .
وحكمت شهادة أبي الهيثم أنّ الرسول 6 أقام الإمام 7 خليفة على امّته ، وقلّده منصب الإمامة من بعده ، وعلى هذا الأساس بنت الشيعة اطارها العقائدي في إمامة الإمام 7 .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الاحتجاجات الصارمة التي اثرت عن أعلام الإسلام المتحرّجين في دينهم على أحقّية الإمام بالخلافة والولاية العامّة لامور المسلمين.
وعلى أي حال فإنّ أحداث السقيفة هي التي أدّت إلى انشقاق المسلمين وتفرّق كلمتهم ، فهي مصدر الفتنة الكبرى التي مني بها المسلمون على امتداد التاريخ ، ولم تنشأ الفتنة في أيام عثمان وعليّ ، كما يذهب إلى ذلك عميد الأدب العربيّ الدكتور طه حسين.
لقد نظرت الشيعة بعمق وشمول إلى ما اثر عن النبيّ 6 من الأخبار في فضل الإمام والإشادة بشخصيّته ، ولم يرد بعضها في غيره من أعلام الصحابة ، الأمر
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 1 : 167.
الذي يدلّ بوضوح على أنّه 6 قد نصّ عليه بالخلافة ، ولو لم تكن النصوص في حقّه موجودة لكان هو المتعيّن لهذا المنصب وذلك لمواهبه وعبقرياته وجهاده في سبيل الإسلام ، وقد ألمحنا في فصول هذا الكتاب إلى ذلك.
إجراءات مؤسفة :
واتّخذت حكومة أبي بكر مع أهل البيت : إجراءات مؤسفة اتّسمت بالقسوة والشّدة ، كان منها ما يلي :
كبس دار الإمام :
ولمّا أعلن الإمام 7 رفضه الكامل لبيعة أبي بكر ، واحتجّ عليه بأنّه أولى بالخلافة منه لأنّه أخو النبيّ وأبو سبطيه وختنه على بضعته ، والمجاهد الأوّل في الإسلام ، وانضمّ إليه كبار الصحابة ، وكانوا يعقدون الاجتماع في داره ، فضاق أبو بكر من ذلك ذرعا ، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الإمام ويتّخذ معه جميع وسائل العنف ، فأصدر أوامره إلى عمر بكبس داره وإخراجه قسرا إلى الجامع ليبايع ، وراح عمر يشتدّ ومعه شرطته وجنوده ، وحمل معه قبسا من النار ، وحمل جنوده الحطب وراحوا مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا بيت الوحي والتنزيل ، البيت الذي أذهب الله عن أهله الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وهجم عمر على دار الإمام وهو مغيظ محنق رافعا صوته :
والذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.
فعذلته طائفة ، وحذّرته من عقوبة الله قائلة :
إنّ فيها فاطمة.
وقد ذكرته بحفاوة رسول الله بها وقوله فيها : « إنّ الله يرضى لرضاك ، ويغضب لغضبك » (1) ، فلم يحفل ابن الخطّاب بذلك وصاح بهم غير مكترث ولا مبال :
وإن ، وإن ...
معناه وإن كانت فاطمة فيها لأحرقنّها غير حافل ومعتن بها ، وخرجت بضعة الرسول وريحانته قائلة :
« لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول الله 6 جنازة بين أيدينا ، وقطّعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقّا ».
وتبدّد جبروت القوم وذاب عنفهم ، وأسرع عمر وهو بطل الموقف نحو أبو بكر طالبا منه حمل الإمام بالقوّة للبيعة قائلا :
ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟
واستجاب أبو بكر له ، فأرسل معه قنفذا ، وكان شريرا معروفا بالغلظة والشدّة ومعه جماعة من الشرطة ، فاقتحموا دار الإمام وأخرجوه ملببا بحمائل سيفه ، وانطلقت خلفه زهراء الرسول ، وهي تهتف بأبيها وتستغيث به قائلة :
« يا أبت يا رسول الله! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة ».
وازدحمت الجماهير على باب الإمام وعلاها الذهول ، وأغرق بعضهم في البكاء ، إلاّ أنّ ابن الخطّاب وحزبه لم يجد معهم موقف بضعة الرسول وهي ولهى مستغيثة بأبيها ، فلم تلن قلوبهم وعواطفهم ، فأخرجوا الإمام وانطلقوا به يهرول نحو أبي بكر ، فقال له :
بايع بايع.
__________________
(1) الحديث متواتر أخرجته الصحاح والسنن.
فردّ عليه الإمام :
« وإن لم أفعل؟ ».
فأسرع القوم وقد أضلّهم الهوى وأعماهم حبّ الدنيا قائلين :
والله! الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك ..
وسكت الإمام برهة فنظر إلى القوم ، فإذا ليس له ركن شديد يفزع إليه ، فقال بصوت حزين النبرات :
« إذا تقتلون عبد الله وأخا لرسوله ».
فاندفع ابن الخطّاب بشراسته قائلا :
أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا ..
ونسي عمر ما أعلنه النبيّ أنّ الإمام أخوه وباب مدينة علمه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، كلّ ذلك تنكّر له ابن الخطّاب ، والتفت إلى أبي بكر يحثّه على التنكيل به قائلا :
ألا تأمر فيه بأمرك؟
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث وتبلور الرأي العامّ ، فقال لابن الخطّاب :
لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جانبه.
وأطلقوا سراح الإمام ، ومضى يهرول نحو مثوى أخيه رسول الله 6 يشكو إليه ما ألمّ به من المحن والخطوب ، وهو يبكي أمرّ البكاء قائلا :
« يا ابن أمّ ، إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ».
لقد استضعفه القوم وتنكّروا له ، وأعرضوا عمّا أوصاهم به النبيّ ، وقفل الإمام راجعا إلى بيته وهو كئيب حزين ، وقد استبان له ما يحمله القوم من الحقد والكراهية.
تأميم فدك :
وروى المؤرّخون أنّ الجيوش الإسلامية لمّا فتحت حصون خيبر قذف الله الرعب والفزع في قلوب أهالي فدك فهرعوا إلى رسول الله 6 نازلين على حكمه ، فصالحهم على نصف أراضيهم ، فكانت ملكا خاصّا له ؛ لأنّ المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ، ولمّا أنزل الله تعالى على نبيّه الآية : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) بادر فأنحل فاطمة فدكا ، فاستولت عليها وتصرّفت فيها تصرّف الملاّك في أملاكهم.
ولمّا استولى أبو بكر على الحكم اقتضت سياسته بمصادرة فدك ، وانتزاعها من سيّدة النساء ، وذلك لئلا تقوى شوكة الإمام على منازعته ، وهو إجراء اقتصادي باعثه إضعاف الجبهة المعارضة وشلّ فعاليّتها ، وهذا ما عليه الدول قديما وحديثا ، وقد مال إلى هذا الرأي عليّ بن مهنّا العلوي قال :
ما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها ـ أي عن فدك ـ ألاّ أن يقوى عليّ بحاصلها وغلّتها عن المنازعة في الخلافة (1) .
مطالبة الزهراء بفدك :
وبعد ما استولى أبو بكر بالقوّة على فدك ، وأخرج منها عامل الزهراء 3 طالبته بردّها ، فامتنع من إجابتها ، وطلب منها إقامة البيّنة على صدقها ، ويقول المعنيّون بالبحوث الفقهية من علماء الشيعة إنّ كلام أبي بكر لا يتّفق مع القواعد الفقهية ، وذلك لما يلي :
1 ـ إنّ صاحب اليد لا يطالب بالبيّنة ، والزهراء قد وضعت يدها على فدك ، فليس عليها إلاّ اليمين وعليه البيّنة ، وبذلك فقد شذّت دعوى أبي بكر عن
__________________
(1) أعلام النساء 3 : 215.
المقرّرات الفقهية.
2 ـ إنّ السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها سيّدة نساء هذه الامّة ، وخيرة نساء العالمين ـ على حدّ تعبير رسول الله 6 ـ ، وقد نزلت في حقها وحقّ زوجها وولديها آية التطهير وهي صريحة في عصمتها من الزيغ والكذب ، وهي أصدق الناس لهجة ـ حسب قول عائشة (1) ـ ، أفلا يكفي ذلك في تصديقها.
3 ـ إنّ ريحانة رسول الله 6 أقامت البيّنة على ما ادّعت ، مضافا إلى اليد ، أمّا بيّنتها فقد تألّفت من الإمام أمير المؤمنين 7 ، والسيّدة الفاضلة أمّ أيمن ، فشهدا عنده أنّ رسول الله 6 أنحلها فدكا ، فردّ شهادتهما معتذرا أنّ البيّنة لم تتمّ ، وهذا لا يخلو من المؤاخذات وهي :
1 ـ إنّ القواعد الفقهية قضت أنّ الدعوى إذا كانت على مال ، أو كان المقصود منها المال ، فإنّها تثبت بشاهد ويمين ، فالمدّعي إذا أقام شاهدا واحدا فعلى الحاكم أن يحلفه بدلا من الشّاهد الثاني ، فإن حلف أعطاه المال ، ولم يعن أبو بكر بذلك فردّ الشهادة وألغى الدعوى.
2 ـ إنّه ردّ شهادة الإمام أمير المؤمنين 7 ، وقد صرّح النبيّ 6 أنّه مع القرآن ، والقرآن معه لا يفترقان (2) .
3 ـ إنّه قدح في شهادة السيّدة أمّ أيمن ، وقد خرجت زهراء الرسول بعد ردّ أبي بكر لدعواها ، وهي تتعثّر بأذيالها من الخيبة ، وقد ألمّ بها الحزن والأسى ، يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه :
فليته ـ أي أبا بكر ـ اتّقى فشل الزهراء في موقفها بكلّ ما لديه من سبل
__________________
(1) حلية الأولياء 2 : 41. مستدرك الحاكم 3 : 160.
(2) مستدرك الحاكم 3 : 124. الصواعق المحرقة : 75.
الحكمة ، ولو فعل ذلك لكان أحمد في العقبى ، وأبعد عن مظانّ الندم ، وأنأى عن مواقف اللوم ، وأجمع لشمل الامّة ، وأصلح له بالخصوص ..
وقد كان في وسعه أن يربأ بوديعة رسول الله ووحيدته عن الخيبة ويحفظها عن أن تنقلب عنه ، وهي تتعثّر بأذيالها ، وما ذا عليه إذا احتلّ محلّ أبيها لو سلّمها فدكا من غير محاكمة ، فإنّ للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامّة ، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة ، ودفع هذه المفسدة (1) .
لقد كان أبو بكر باستطاعته وصلاحيّته أن يقرّ يد بضعة رسول الله 6 ووديعته على فدك ويصنع معها الجميل والمعروف ، ولا يقابلها بمثل تلك القسوة ، ولكنّ الأمر كما حكاه علي بن الفاروق أحد أعلام الفكر العلمي في بغداد ، وأحد أساتذة المدرسة الغربية ، وأستاذ العلاّمة ابن أبي الحديد ، فقد سأله ابن أبي الحديد :
أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة؟
نعم ...
فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا ، وهي عنده صادقة ، يقول ابن أبي الحديد :
فتبسّم ، ثمّ قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وقلّة دعابته قال :
لو أعطاها اليوم فدكا بمجرّد دعواها لجاءت إليه غدا وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكن حينئذ الاعتذار بشيء ؛ لأنّه يكون قد سجّل على نفسه بأنّها صادقة فيما تدّعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بيّنة وشهود (2) .
نعم ، لهذه الجهة ولغيرها من الأحقاد والضغائن أجمع القوم على هضمها
__________________
(1) النصّ والاجتهاد : 37.
(2) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 177.
وسلب تراثها ، وقد تركوا بذلك عترة النبيّ ووديعته يتقطّعون حسرات ، قد نخب الحزن قلوبهم ، وهاموا في تيارات من الأسى والشجون.
إلغاء الخمس :
من الإجراءات المؤسفة التي اتّخذها أبو بكر ضدّ العترة النبوية إلغاء الخمس ، الذي هو حقّ مفروض لها نصّ عليه القرآن قال تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .
أجمع الرواة أنّ النبيّ 6 كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه ، وكانت هذه سيرته إلى أنّ اختاره الله تعالى إلى جواره.
ولمّا ولي أبو بكر أسقط سهم النبيّ وسهم ذوي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كبقيّة المسلمين (2) ، وقد أرسلت زهراء الرسول وبضعته فاطمة الزهراء صلوات الله عليها إلى أبي بكر أن يدفع إليها ما بقي من خمس خيبر ، فأبى أن يدفع إليها شيئا منه (3) ، فقد ترك شبح الفقر مخيّما على آل النبيّ 6 وحجب عنهم ما فرضه الله لهم.
مصادرة تركة النبيّ :
واستولى أبو بكر على جميع ما تركه النبيّ 6 من بلغة العيش ، فحازه إلى بيت المال ، وقد سدّ بذلك كلّ نافذة اقتصادية على آل البيت ، وكانت حجّته في
__________________
(1) الأنفال : 41.
(2) تفسير الكشّاف ـ في تفسير آية الخمس 2 : 583.
(3) صحيح البخاري 3 : 36. صحيح مسلم 2 : 72.
ذلك ما رواه عن رسول الله 6 : لا نورث ما تركناه صدقة (1) .
وهو اعتذار مهلهل حسب ما يقوله المحقّقون من علماء الشيعة ، وذلك لما يلي :
1 ـ إنّ الحديث لو كان صحيحا لاطّلعت عليه سيّدة نساء العالمين ، وما دخلت مع أبي بكر ميدان المحاججة والمخاصمة ، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوّة وأوثق سيّدة في دنيا الإسلام بأمر لم يكن مشروعا.
2 ـ إنّ النبيّ 6 كيف يحجب عن بضعته حكما يرجع إلى تكليفها الشرعي ، وقد غذّاها بروح التقوى والإيمان ، وأحاطها علما بجميع الأحكام الشرعية ، إنّ حجب ذلك عنها تعريض لها وللامّة لامور غير مشروعة.
3 ـ إنّ من الممتنع أن يحجب النبيّ 6 هذا الحديث عن الإمام أمير المؤمنين 7 وهو حافظ سرّه ، وباب مدينة علمه ، وباب دار حكمته ، وأقضى امّته ؛ فإنّ من المقطوع به أنّ النبيّ 6 لو كان لا يورّث لعرفه الإمام 7 ، وما كتمه النبيّ 6 عنه.
4 ـ إنّ الحديث لو كان صحيحا لعرفه الهاشميّون وهم أهل النبيّ ، وألصق الناس به ، فلما ذا لم يبلّغهم به.
5 ـ إنّ الحديث لو كان صحيحا لما خفي عن أمّهات المؤمنين ، والحال أنهنّ أرسلن إلى عثمان بن عفان يطلبن منه ميراثهنّ من رسول الله 6 .
6 ـ إنّ بعض أهل العلم يرى أنّ « ما » التي في الحديث « لا نورّث ما تركناه صدقة » موصولة ، والمعنى أنّ ما تركناه من الصدقات ليس خاضعا للمواريث ، وإنّما
__________________
(1) بلاغات النساء : 16. أعلام النساء 3 : 207.
هو للفقراء ، وعلى هذا فيكون الحديث أجنبيا عن الاستدلال به من عدم توريث النبيّ 6 لما تركه من الأموال.
الخطاب الخالد للزهراء :
وضاقت الدنيا على زهراء الرسول ووديعته في امّته من الإجراءات الصارمة التي اتّخذها أبو بكر ضدّها ، فرأت أن تلقي الحجّة عليه ، وتحفّز المسلمين للإطاحة بحكومته ، ويتحدّث الرواة أنّها سلام الله عليها استقلّت غضبا ، فلاثت خمارها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله 6 حتى دخلت على أبي بكر وهو في الجامع الأعظم ، وقد احتفّ بها المهاجرون والأنصار وغيرهم ، وقد أنيطت دونها ملاءة (1) تكريما لها ، فأنّت أنّة حسرة وألم وبكاء ، فأجهش القوم لها بالبكاء وارتجّ المجلس ، وذلك لأنّهم رأوا في شخصيّتها العظيمة شخصيّة أبيها العظيم الذي لم يعقب غيرها ؛ ولأنّهم قصّروا في حقّها وحقّ زوجها ، ولمّا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها الخالد بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يسمع قبلها ولا بعدها من هو أخطب منها ، وحسبها أنّها ابنة رسول الله 6 أفصح من نطق بالضاد ، وقد ورثت بلاغته وفصاحته ..
وتحدّثت في خطابها الخالد عن معارف الإسلام وفلسفة تشريعاته وعلل أحكامه ، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الامم قبل أن يشرق عليها نور الإسلام من الجهل والانحطاط ووهن العقول وضحالة الفكر ، خصوصا الجزيرة العربية ، فقد كانت على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، وكانت حياتها الاقتصادية بالغة السوء ، فالأكثرية الساحقة كانت
__________________
(1) الملاءة : الحجاب والستر.
تقتاد القدّ ، وتشرب الطرق ، وظلّت على هذا الحال من الذلّ والفقر والهوان حتى أنقذها الله سبحانه وتعالى برسوله العظيم ، فدفعها إلى واحات الحضارة والتطوّر ، وجعلها في الطليعة الواعية من امم العالم ، فما أعظم عائدته على العرب وعلى الناس أجمعين ، كما عرضت سيّدة نساء العالم إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين 7 ، وجهاده المشرق في نصرة الإسلام والذبّ عن حياضه ، فالجاهلية الرعناء من قريش وغيرهم كلّما أوقدوا نارا للحرب تقدّم إليها الإمام فوطئ صماخها بأخمصه وخمد لهبها بسيفه ، في حين كان المهاجرون من قريش في رفاهية وادعين آمنين ، لم يكن لهم أي ضلع يذكر في نصرة الإسلام والدفاع عنه ، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال ويفرّون من القتال.
وكانوا يتربّصون بأهل بيت النبيّ الدوائر ، ويتوقّعون فيهم نزول القواصم ، كما أعربت سيّدة نساء العالمين عن أسفها البالغ على ما مني به المسلمون من الزيغ والانحراف ، والاستجابة الكاملة لدواعي الهوى وحبّ الدنيا ، وتنبّأت صلوات الله عليها ما سيواجهه المسلمون من الأحداث المروعة والكوارث المؤلمة نتيجة ما اقترفوه من الأخطاء والانحراف عمّا أمره الله ورسوله من التمسّك بالعترة الطاهرة التي هي مصابيح الهدى وطرق النجاة.
وبعد ما أدلت حبيبة رسول الله 6 بهذه المواد عرضت إلى حرمانها المؤسف من إرث أبيها فقالت :
« وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ، أفحكم الجاهليّة تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.
أفلا تعلمون ـ بلى قد تجلّى لكم كالشّمس الضّاحية ـ أنّي ابنته.
أيّها المسلمون ، أأغلب على تراث أبي؟
يا ابن أبي قحافة ، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟
لقد جئت شيئا فريّا ، أفعلي عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول : ( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) (1) ، وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (2) ، وقال : ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) (3) ، وقال : ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (4) ، وقال : ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (5) .
و زعمتم أن لا حظوة لي ، ولا أرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟
أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟
أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟
وحكى هذا المقطع من خطابها الخالد أوثق الأدلّة وأروعها على استحقاقها لميراث أبيها كان منها ما يلي :
1 ـ احتجّت على أنّ الأنبياء : كبقيّة الناس خاضعون للمواريث ، وقد استندت في ذلك إلى آيتي داود وزكريا ، وهما صريحتان بتوريث الأنبياء ، ومنهم أبوها سيّد المرسلين.
__________________
(1) النمل : 16.
(2) مريم : 6.
(3) الأحزاب : 6.
(4) النساء : 11.
(5) البقرة : 180.
2 ـ استدلت بعموم آيات المواريث ، وعموم آية الوصيّة ، وهي بالطبع شاملة لأبيها ، وخروجه منها من باب التخصيص بلا مخصّص ، وهو ممتنع كما صرح علماء الاصول.
3 ـ إنّ ما يوجب تخصيص آية المواريث وعموم آية الوصية أن يختلف المورّث ووارثه في الدين بأن يكون المورّث مسلما ووارثه كافرا ، فإنّه لا ميراث بينهما ، وهذه الجهة منتفية انتفاء قطعيّا ، فسيّدة النساء أبوها مؤسّس الإسلام وخاتم الأنبياء ، وهي بضعته وريحانته وسيّدة نساء العالمين ، فكيف تمنع عن إرثها؟ وبعد هذه الحجج البالغة وجّهت خطابها لأبي بكر قائلة له :
« فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ونشرك ، فنعم الحكم الله ، والزّعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند السّاعة يخسر المبطلون ، ولا ينفعكم إذ تندمون ، ولكلّ نبأ مستقرّ ، ولسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ».
يا له من تقريع أمضى وأوجع من كلّ ألم ممضّ! يا له من عتاب أقسى من ضرب السيوف! ثمّ اتّجهت حبية الرسول إلى المسلمين تستنهض عزائمهم وتحثّهم على الاطاحة بحكومة أبي بكر قائلة :
« يا معشر النّقيبة وأعضاد الملّة وحضنة الإسلام ، ما هذه الغميزة في حقّي ، والسّنّة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله أبي يقول : المرء يحفظ في ولده ، سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة ، ولكم طاقة بما أحاول ، وقوّة على ما أطلب وأزاول؟
أتقولون : مات محمّد فخطب جليل استوسع وهنه ، واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، وكسفت الشّمس والقمر ، وانتثرت النّجوم لمصيبته ،
وأكدت الآمال ، وخشعت الجبال ، واضيع الحريم ، وازيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله! النّازلة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، لا مثلها نازلة ، ولا بائقة عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم ، وفي ممساكم ومصبحكم ، يهتف في أفنيتكم هتافا وصراخا وتلاوة وألحانا ، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله حكم فصل ، وقضاء حتم ، ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) .
وأخذت زهراء الرسول تحفّز الأنصار على الثورة ، وتذكّرهم ماضيهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه ، وتطلب منهم القيام بقلب الحكم القائم ، وإرجاع الخلافة إلى الإمام 7 ، وإرجاع حقوقها لها قائلة :
« أيها بني قيلة (1) ، أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدّعوة ، وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة ، وعندكم السّلاح والجنّة (2) ، توافيكم الدّعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصّرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصّلاح ، والنّخبة التي انتخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت. قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتّعب ، وناطحتم الامم ، وكافحتم البهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيّام ، وخضعت نعرة الشّرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدّين ، فأنّى جرتم (3) بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان؟
__________________
(1) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار.
(2) الجنّة : بالضمّ ما يستتر به من السلاح.
(3) جرتم : أي ملتم.
ولمّا رأت سيّدة نساء العالمين وهن الأنصار وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحقّ ، وجّهت إليهم أعنف اللوم وأشدّ العتب قائلة :
« ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النّفس ، ونفثة الغيظ ، وحوز القناة ، وبثّة الصّدر ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظّهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصومة بنار الله الموقدة ( الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) ، فبعين الله ما تفعلون ، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنّا عاملون ، وانتظروا إنّا منتظرون » (1) .
وانتهى هذا الخطاب الثوري الذي حوى جميع مقوّمات الثورة على النظام القائم ، ولا أكاد أعرف خطابا أبلغ ولا آثر منه إلاّ إنّ القوم قد تخدّرت أعصابهم فصدوا عن الطريق القويم. وعلى أي حال فقد لمس أبو بكر مدى تأثير خطاب الزهراء 7 في نفوس الحاضرين وخاف من اندلاع الثورة فاستطاع بلباقته وقابليّاته الدبلوماسية أن يسيطر على الموقف ، وينقذ حكومته من الانقلاب فقابل بضعة الرسول 6 بكلّ حفاوة وتكريم ، وأظهر لها أمام الملأ أنّه يخلص لها ، ويكنّ لها التقدير والاحترام أكثر ممّا يكنّه لعائشة ابنته كما أظهر لها حزنه العميق على وفاة أبيها رسول الله 6 .
وعرض لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الاجراءات الصارمة عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين فهم الذين قلّدوه ما تقلّد وباتّفاق منهم أخذ ما أخذ ، وبذلك فقد شارك المسلمين في إجراءاته وحمّلهم المسئولية ،
__________________
(1) أعلام النساء 3 : 208. بلاغات النساء : 12 ـ 19.
والحال أنّا ذكرنا كيفيّة بيعته ، وأنّها كانت فلتة على حدّ تعبير ابن الخطّاب.
ندم أبي بكر :
وندم أبو بكر كأشدّ ما يكون الندم على ما فرّط تجاه بضعة رسول الله 6 من كبس دارها وحرمانها من مواريثها ، فقال : وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة ، ولو أنّهم أغلقوه على الحرب (1) .
لقد أنّبه ضميره على الإجراءات القاسية التي ارتكبها مع زهراء الرسول 6 التي هي وديعته في امّته.
محاولة فاشلة لإرضاء الزهراء :
وحاول أبو بكر وصاحبه على إرضاء حبيبة رسول الله والفوز بعفوها عنهما ، وذلك لتكتسب حكومتهما الشرعية ، ويتّخذا وسيلة لإرضاء المسلمين عنهما فانطلقا إلى بيتها ، وطلبا منها السماح بمقابلتها ، فأبت أن تأذن لهما ، واستأذنا ثانيا ، فامتنعت من إجابتهما ، وخفّا نحو الإمام 7 فطلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبيّ ، فانطلق إلى الدار والتمس من سيّدة النساء أن تأذن لهما ، فأجابته إلى ذلك ، فأذن لهما ، ودخلا فسلّما عليها ، فلم تجبهما ، وتقدّما فجلسا أمامها ، فأزاحت بوجهها عنهما ، وراحا يلحّان عليها أن تسمع مقالتهما ، فأذنت لهما في ذلك ، فقال لها أبو بكر : يا حبيبة رسول الله ، والله! إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي ، وإنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت ولا أبقى بعده ..
أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك ، وميراثك من رسول الله؟ ألا إنّي سمعت رسول الله 6 يقول :
« لا نورث ما تركناه فهو صدقة ».
__________________
(1) كنز العمّال 3 : 135. تاريخ الطبري 4 : 52.
وفنّدت بضعة الرسول هذه الرواية في خطابها التأريخي الخالد ، فلم تر حاجة إلى تفنيدها مرّة أخرى ، والتفت إليه وقد شاركت معه عمر قائلة :
« نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ ».
فأجابا بالتصديق قائلين : أجل سمعناه يقول ذلك ..
فرفعت وجهها وكفّيها إلى السماء ، وراحت تقول بحزن وفؤاد مكلوم ..
« فإنّي اشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت رسول الله لأشكونّكما إليه ».
وانطلق أبو بكر يبكي ، فقالت له :
« والله! لأدعونّ عليك في كلّ صلاة اصلّيها » (1) ، فما كان أشدّها كلمات أخفّ من وقعها ضربات السيف! مادت الأرض تحتهما ، ودارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنّحان ، وغادرا الدار وقد خبا أملهما في رضا زهراء الرسول ، وعلما مدى الغضب الذي أثارته عليهما ومدى السخط الذي باءا به (2) .
وحقّ لأبي بكر أن يحزن ويبكي بعد ما فاته رضا زهراء الرسول التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها كما حدّث بذلك أبوها (3) .
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 14. أعلام النساء 3 : 1214. الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عبد الفتاح عبد المقصود 1 : 217.
(2) الإمام عليّ بن أبي طالب 1 : 217.
(3) مستدرك الحاكم 3 : 153. اسد الغابة 5 : 522. تهذيب التهذيب 12 : 241. ميزان الاعتدال 2 : 72. كنز العمّال 6 : 219. ذخائر العقبى : 39. مقتل الخوارزمي 1 : 52.
أضواء على موقف الإمام :
ووقف الإمام مع حكومة أبي بكر موقفا سلبيا اتّسم بالعزلة التامّة عن الناس وعدم الاشتراك مع الجهاز الحاكم بأي لون من ألوان الاجتماع ، فقد انصرف إلى تدوين الأحكام الشرعية وتفسير القرآن الكريم ، فقد أعرض عن القوم وأعرضوا عنه لا يراجعهم ولا يراجعونه ، اللهمّ إلاّ إذا حلّت في ناديهم مشكلة فقهية لا يعرفون حلّها فزعوا إليه ليجيبهم عنها.
ويتساءل الكثيرون : لما ذا لم يقف الإمام 7 مع أبي بكر موقفا سلبيا ، ويفتح معه باب الحرب ، ويأخذ حقّه منه بالقوّة ، فقد أعرض عن ذلك ، وخلد إلى الاعتزال ، وقد أدلى الإمام 7 ببعض الأسباب التي دعته لإلقاء الستار على حقّه وهي :
1 ـ فقده للقوّة العسكرية :
لم تتوفّر عند الإمام 7 أيّة قوّة عسكرية يستطيع أن يتغلّب بها على الأحداث ، ويستلم مقاليد الحكم ، وقد صرّح بذلك في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها :
أ ـ قال 7 في خطبته الشقشقية :
« وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء (1) ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصّغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه! فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى. وفي الحلق شجا (2) ، أرى تراثي نهبا » (3) .
__________________
(1) الطخية : الظلمة.
(2) الشجى : ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه.
(3) نهج البلاغة 1 : 31.
وقد حكى هذا المقطع من خطابه ما ألمّ به من الأسى من فقدان الناصر أيام حكومة أبي بكر ، فإنّه لم تكن عنده قوّة تحميه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد لإرجاع حقّه ، فصبر على ما في الصبر من قذى في العين وشجى في الحلق.
ب ـ قال 7 :
« فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي ، فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى ، وشربت على الشّجا ، وصبرت على أحر الكظم ، وعلى أمرّ من طعم العلقم » (1) .
وحكى هذا المقطع أنّه لم يكن مع الإمام 7 سوى أسرته الماثلة في أبنائه وأبناء أخيه ، ومن المؤكّد أنّه لو فتح باب الحرب مع أبي بكر لقضي على الاسرة الهاشمية ، بالاضافة إلى ما تواجهه الامّة من أخطار هائلة.
ج ـ وبايعت الأكثرية الساحقة أبا بكر تحت ضغط عمر ، وقد أراد الإمام 7 أن يقيم عليهم الحجّة فطاف بزهراء الرسول على بيوت المهاجرين والأنصار يسألهم النجدة ومناهضة الحكم القائم ، فكانوا يقولون لبضعة الرسول :
يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، فتردّ عليهم حبيبة رسول الله :
« أفتدعون تراث رسول الله 6 يخرج من داره إلى غير داره؟ ».
وراحوا يعتذرون إليها قائلين :
يا بنت رسول الله ، لو أنّ زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به ..
ويجيبهم الإمام 7 :
« أفكنت أدع رسول الله في بيته لم أدفنه ، ثمّ أخرج أنازع النّاس سلطانه؟! ».
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 67.
وتدعم سيّدة النساء مقالة الإمام 7 قائلة :
« ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له وقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه » (1) .
إنّ موقف الإمام 7 مع حكومة أبي بكر متّسم بعدم الرضا إلاّ أنّه لم يستطع القيام بأيّ عمل عسكري للاطاحة بها.
2 ـ المحافظة على وحدة المسلمين :
من الأحداث التي دعت الإمام إلى المسالمة مع القوم حرصه على وحدة المسلمين ، وقد أعلن ذلك حينما عزم القوم على البيعة لعثمان ، فقال 7 :
« لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس بها ـ أي الخلافة ـ من غيري ؛ وو الله! لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ؛ ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصّة ، التماسا لأجر ذلك وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه » (2) .
من أجل الحفاظ على وحدة المسلمين وجمع كلمتهم سالم الإمام وأعرض عمّا يكنّه في نفسه من الألم والأسى على ضياع حقّه.
لوعة الزهراء وشجونها :
وأعظم المآسي التي طاقت بالإمام هو ما حلّ بابنة الرسول وبضعته من الآلام القاسية التي احتلّت قلبها الرقيق المعذّب على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، فكانت تزور جدثه الطاهر وهي حيرى قد أخرسها الخطب ، وتأخذ حفنة من ترابه فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمّه ، وتقبيله ، وتجد في ذلك راحة ،
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 12.
(2) نهج البلاغة 1 : 124.
وهي تبكي أمرّ البكاء وأشجاه ، وتقول :
ما ذا على من شمّ تربة أحمد |
أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا |
|
صبّت علىّ مصائب لو أنّها |
صبّت على الأيّام صرن لياليا |
|
قل للمغيّب تحت أطباق الثّرى |
إن كنت تسمع صرختي وندائيا |
|
قد كنت ذات حمى بظلّ محمّد |
لا أخش من ضيم وكان جماليا |
|
فاليوم أخضع للذّليل واتّقي |
ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا |
|
فاذا بكت قمريّة في ليلها |
شجنا على غصن بكيت صباحيا |
|
فلأجعلنّ الحزن بعدك مونسي |
ولأجعلنّ الدّمع فيك وشاحيا (1) |
وصوّرت هذه الأبيات مدى حزن زهراء الرسول ولوعتها على فقد أبيها الذي أخلصت له في الحبّ كأعظم ما يكون الإخلاص ، كما أخلص لها ، وإنّ مصابها القاسي عليه لو صبّ على الأيام لخفت ضياؤها وعادت قاتمة مظلمة.
وصوّرت هذه الأبيات الحزينة مدى منعتها وعزّتها أيام أبيها ، وبعد فقدها له صارت بأقصى مكان من الهوان ، فقد تنكّر لها القوم ، وأجمعوا على هضمها ، والغضّ من شأنها حتّى صارت تخضع للذليل وتتّقي من ظلمها بردائها.
وخلدت وديعة الرسول إلى البكاء والأسى حتى عدّت من البكائين الخمسة الذين مثلوا الحزن على امتداد التاريخ.
وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصابها الأليم ، وكان ممّن وسّد رسول الله 6 في مثواه الأخير ، فقالت له :
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 131.
« أنس بن مالك هذا؟ ».
نعم ، يا بنت رسول الله ..
فقالت له بلوعة وبكاء :
« كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التّراب على رسول الله » (1) ، وقطع أنس كلامه ، وهو يذرف أحرّ الدموع ، وقد هام في تيارات من الأسى والشجون.
وبلغ من عظيم وجد زهراء الرسول أنّها ألحّت على الإمام أمير المؤمنين 7 أن يريها القميص الذي غسّل فيه أباها ، فجاء به إليها ، فأخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلا وشمّا ؛ لأنّها وجدت فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه.
وخلدت بضعة الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وثقل ذلك على القوم ، فشكوها إلى الإمام وطلبوا منه أن تجعل لبكائها وقتا خاصّا لأنّهم لا يهجعون ولا يستريحون ، وعرض الإمام عليها ذلك ، فأجابته إلى ما أراد ، فكانت في النهار تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وبنتها زينب ، فتجلس تحت شجرة من الاراك وتبكي أباها طيلة النهار ، فإذا أو شكت الشمس أن تغرب قفلت راجعة مع أولادها إلى البيت الذي خيّم عليه الحزن والبكاء ، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها فصارت تبكي في حرّ الشمس ، فقام الإمام أمير المؤمنين 7 فبنى لها بيتا أسماه « بيت الأحزان » فاتّخذته مقرّا لبكائها ، ونسب إلى مهدي آل محمّد ( عجّل الله فرجه ) أنّه قال فيه :
« أم تراني اتّخذت ـ لا ، وعلاها ـ بعد بيت الأحزان بيت سرور ».
وأثّر الحزن المرهق بوديعة النبيّ حتى فتكت بها الأمراض وذوت كما تذوي
__________________
(1) سنن ابن ماجة : 18. المواهب اللدنية ـ القسطلاني 2 : 281.
الأزهار وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها :
كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟ ..
فرمقتهنّ بطرفها ، وأجابتهنّ بصوت خافت مشفوع بالأسى والحسرات :
« أجدني كارهة لدنياكم ، مسرورة لفراقكنّ ، ألقى الله ورسوله بحسراتكنّ فما حفظ لي الحقّ ، ولا رعيت منّي الذّمّة ، ولا قبلت الوصيّة ، ولا عرفت الحرمة » (1) .
وحكت هذه الكلمات مدى آلامها وشجونها من تقصير القوم بحقّها ، فما حفظوا حقّها ولا رعوا وصيّة النبي فيها.
وبلغ من كراهتها لنساء القوم أنّهنّ طلبن حضورهنّ عند وفاتها فقلن لها :
يا بنت رسول الله ، صيّري لنا في حضور غسلك حظّا؟
فأبت وقالت بمرارة :
« أتردن أن تقلن فيّ كما قلتنّ في أمّي ، لا حاجة لي في حضوركنّ » (2) .
الزهراء في ذمّة الخلود :
وطافت بزهراء الرسول موجات عاتية من الآلام على فقد أبيها وغصب حقّها ، فقد برح بها المرض وأضرّ الأسى بقلبها الرقيق المعذّب ، وقد فتكت بها الآلام ، ومشى إليها الموت سريعا وهي في فجر الصبا وروعة الشباب فقد حان موعد اللقاء بينها وبين أبيها الذي طلبت لقياه بفارغ الصبر.
وصيّتها :
ودعت زهراء الرسول الإمام ، فلمّا مثل عندها أوصته بأمور كان منها :
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 95.
(2) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 182.
1 ـ أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم.
2 ـ أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين ظلموها وجحدوا حقّها فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها.
3 ـ أن يعفي موضع قبرها ليكون رمزا لاستيائها على امتداد التاريخ.
4 ـ أن يصنع لها نعشا يواري جثمانها المقدّس ؛ لأنّ الناس كانوا يضعون أمواتهم على سرير تبدو فيه الجثّة ، فكرهت ذلك ، وما أحبّت أن ينظر أحد إلى جثمانها.
وتعهّد الإمام لها بتنفيذ ذلك ، وانصرف عنها وهو غارق في البكاء ، قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى التي استوعبتها الهموم والآلام.
وفي اليوم الأخير من حياتها ظهرت عليها المسرّات ، فقد علمت أنّها ستلتحق بأبيها الذي كرهت الحياة من بعده ، وقد عمدت إلى ولديها السبطين فغسلتهما وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم ، وأمرتهما بالخروج لزيارة مرقد جدّهما ، وألقت عليهما نظرة الوداع الأخير ، وهي تذرف أحرّ الدموع وذاب قلبها من اللوعة والوجد عليهما.
وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات مذهلة من الهواجس ، وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالأسى والشجون.
و التفتت وديعة النبي إلى أسماء بنت عميس ، وكانت هي التي تتولّى تمريضها وخدمتها فقالت لها :
« يا أمّاه ».
نعم ، يا حبيبة رسول الله.
« اسكبي لي غسلا ».
فانبرت أسماء ، وهيّأت لها الماء فاغتسلت فيه ثمّ قالت لها :
« ايتيني بثيابي الجدد ».
فناولتها ثيابها ، وهتفت بها ثانية :
« اجعلي فراشي في وسط البيت ».
وذعرت أسماء ومشت الرعدة بأوصالها ، فقد أحسّت أنّ وديعة النبيّ لا حقة بأبيها ، ووضعت أسماء الفراش لها فاضطجعت عليه ، واستقبلت القبلة ، و التفتت إلى أسماء فقالت لها بصوت خافت :
« يا أمّاه ، إنّي مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت ، فلا يكشفني أحد » (1) .
وأخذت سيّدة النساء تتلو آيات من القرآن الكريم حتى فارقت الحياة ولسانها يلهج بذكر الله تعالى.
لقد سمت روحها العظيمة إلى الله تعالى شاكية إليه ما لاقته من الخطوب والكوارث ، لقد ارتفعت تلك الروح العظيمة إلى جنان الله ورضوانه تحفّها ملائكة الله ، ويستقبلها أنبياء الله. فما أظلّت سماء الدنيا في جميع مراحل الحياة مثل بضعة الرسول في قداستها وإيمانها ، لقد انقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله 6 .
وقفل الحسنان إلى الدار بلهفة يسألان عن أمّهما فأخبرتهما أسماء بوفاتها ، وهي غارقة في العويل والبكاء ، فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها فوقع عليها ا لحسن وهو يقول :
« يا أمّاه ، كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني ».
وألقى الحسين نفسه عليها وهو يقول بذوب روحه :
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 182 ـ 185.
« يا أمّاه ، أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي ».
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلا وتعزّيهما ، وطلبت منهما أن يخبرا أباهما بوفاة أمّهما ، فانطلقا إلى مسجد رسول الله 6 ، وهما غارقان في البكاء ، فاستقبلهما المسلمون بفزع قائلين لهما :
ما يبكيكما يا ابني رسول الله؟ لعلّكما نظرتما موقف جدّكما فبكيتما شوقا إليه؟ ..
فأجابا بلوعة :
« أو ليس قد ماتت أمّنا فاطمة؟ ».
واضطرب الإمام حينما سمع النبأ المؤلم وراح يقول :
« بمن العزاء يا بنت محمّد؟ كنت بك أتعزّى ففيم العزاء بعدك؟ ».
وخفّ مسرعا إلى الدار وهو يذرف أحرّ الدموع ، فلمّا انتهى إليها ألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله 6 ، وطافت به الآلام والهموم ، وأخذ ينشد :
« لكلّ اجتماع من خليلين فرقة |
وكلّ الّذي دون الفراق قليل |
|
وإنّ افتقادي فاطما بعد أحم |
د دليل على أن لا يدوم خليل » |
وارتفعت الصيحة في المدينة ، وهرع الناس من كلّ صوب نحو بيت الإمام ليفوزوا بتشييع جثمان وديعة نبيّهم الذين ما رعوا حقّها.
وعهد الإمام إلى سلمان المحمّدي أن يصرف الناس ويعرّفهم بتأجيل تشييع جنازتها ، فأخبرهم بذلك ، فانصرفوا ، وأقبلت عائشة نحو بيت الإمام لتلقي نظرة على الجثمان المقدّس فحجبتها أسماء وقالت لها :
لقد عهدت إليّ أن لا يدخل أحد عليها (1) ، ولمّا مضى من الليل شطره ،
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 3 : 365.
قام الإمام فغسّل الجسد الطاهر ومعه الحسنان وزينب وأسماء ، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم ، وبعد أن أدرج جسدها في أكفانها دعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان أمّهم ليلقوا عليها نظرة الوداع ، ومادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم ، ثمّ عقد الرداء عليها. ولمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل قام فصلّى عليها ومعه النخبة من أصحابه بحمل الجثمان المعظّم إلى مثواه الأخير ولم يخبر أحدا سواهم ، ثمّ أودع الجثمان في قبرها وأخفاه امتثالا لوصيّتها ، ووقف على حافّة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، واندفع يؤبّنها بهذه الكلمات :
السّلام عليك يا رسول الله عنّي ، وعن ابنتك النّازلة في جوارك ، والسّريعة اللّحاق بك! قلّ يا رسول الله ، عن صفيّتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ في التّأسّي لي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك ، موضع تعزّ ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك « فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ». فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرّهينة! أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم. وستنبّئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها ، فأحفها السّؤال ، واستخبرها الحال ؛ هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذّكر ، والسّلام عليكما سلام مودّع ، لا قال ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصّابرين (1) .
وحكت هذه الكلمات حزنه العميق وألمه الممضّ على فقده لوديعة رسول الله ، كما حكت ما تقدّم به من الشكوى لرسول الله 6 على ما ألّم ببضعته من الكوارث التي تجرّعتها من القوم ، ويطلب منه أن يلحّ عليها في السؤال لتخبره بما جرى عليها تفصيلا من الظلم والضيم في تلك الفترة القصيرة التي عاشتها من بعده.
__________________
(1) نهج البلاغة 2 : 182.
وعاد الإمام إلى داره وقد طافت به الأزمات يتبع بعضها بعضا ، فهو ينظر إلى أطفاله وهم غارقون في البكاء على أمّهم الرءوم التي اختطفتها يد المنون وهي في روعة الشباب ونضارة العمر ..
وينظر إلى إعراض القوم عنه ناسين جهاده في سبيل الإسلام وقربه من الرسول ، وقد أضافت إليه هموما قاسية وأحزانا مريرة.
وعلى أي حال فقد اعتزل الإمام القوم وأعرض عنهم ، وأعرضوا عنه ، وقد صمّموا على إبعاده عن الحياة السياسية وعدم مشاركته بأي شأن من شئون الدولة.
ومن الجدير بالذكر أنّ حكومة أبي بكر لم ترشّح أحدا لمناصب الدولة وله ميول مع الإمام ، فقد روى المؤرّخون أنّ أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام ، ولم يكن هناك موجب لعزله إلاّ ميله لعليّ يوم السقيفة ، وقد نبّهه لذلك عمر (1) ، كما أنّ أبا بكر لم يعهد لأي أحد من الهاشميّين بأي منصب من مناصب الدولة ، وقد تحدّث عمر مع ابن عبّاس عن سبب حرمانهم من أنّه يخشى إذا مات وأحد الهاشميّين وال على قطر من الأقطار الإسلامية أن يحدث في شأن الخلافة ما لا يحبّ (2) .
وكان معظم ولاة أبي بكر من الأسرة الأموية ، وكان منهم ما يلي :
1 ـ يزيد بن أبي سفيان ، استعمله واليا على الشام (3) ، وخرج مودّعا له إلى خارج يثرب ، وبعد وفاته أسندت ولاية الشام إلى أخيه معاوية.
2 ـ عتاب بن اسيد بن أبي العاص ، استعمله واليا على مكّة (4) .
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 352.
(2) مروج الذهب 5 : 135.
(3) الكامل في التاريخ 2 : 289.
(4) الاصابة 2 : 444.
3 ـ عثمان بن أبي العاص ، استعمله واليا على الطائف (1) .
4 ـ أبو سفيان ، جعله عاملا على ما بين آخر حدّ الحجاز وآخر مكان من نجران (2) .
وفي هذا الاجراء الذي اتّخذه قد برز نجم الأمويّين ، واحتلّوا مكانة مرموقة في الدولة الإسلامية ، وقد أبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من هذه السياسة ، يقول العلائلي :
فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الأمويّون وحدهم لذلك صبغوا الدولة بصبغتهم ، وأثروا في سياستها وهم بعيدون عن الحكم كما يحدّثنا المقريزي في رسالته « النزاع والتخاصم » (3) .
وكان الأولى بأبي بكر أن يعهد بأمور المسلمين إلى السادة من الاسرة النبوية وإلى الأخيار المتحرّجين في دينهم من الأوس والخزرج ، وإبعاد الأمويّين عن كلّ منصب من مناصب الدولة ، وأن يعاملهم بالازدراء كما عاملهم الرسول 6 ، وكما قابلهم المسلمون ، فقد كانوا ينظرون إليهم نظرة احتقار وامتهان لأنّهم خصوم الإسلام ، وإسلامهم لم يكن واقعيا وإنّما كان صوريا.
وفاة أبي بكر وعهده لعمر :
وقبل أن نطوي الحديث عن مؤتمر السقيفة وما رافقه من الأحداث الجسام نعرض إلى وفاة أبي بكر وعهده لعمر بن الخطّاب وليّا وخليفة من بعده.
ولم يطل سلطان أبي بكر ، فقد ألّمت به الأمراض بعد مضي سنتين من
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 : 289.
(2) الإمام الحسين 7 : 191. فتوح البلدان ـ البلاذري : 103.
(3) الإمام الحسين 7 : 191.
حكمه ، وقد صمّم وهو في الساعات الأخيرة من حياته على تقليد زميله عمر بن الخطّاب شئون الخلافة ؛ لأنّه هو الذي أقامه في منصبه.
ويقول المؤرّخون : أنّه لاقى معارضة كثيرة في ترشيحه لعمر خليفة من بعده ، فقد انبرى إليه طلحة بعنف قائلا :
ما ذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّا غليظا ، تفرق منه النفوس ، وتنفر منه القلوب (1) .
ووجم أبو بكر فلم يجبه إلاّ أنّ طلحة كرّر عليه إنكاره قائلا :
يا خليفة رسول الله ، إنّا كنّا لا نتحمّل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة؟ (2) .
ولم يعن أبو بكر لإنكار طلحة ، ولم يقم له أي وزن ، كما أنّ أكثر المهاجرين اندفعوا إلى الانكار عليه قائلين :
نراك استخلفت علينا عمرا وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا ولّيت عنا ، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسألك فما أنت قائل؟ ..
فأجابهم أبو بكر :
لئن سألني الله لأقولنّ : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي (3) .
ويذهب الكثيرون إلى أنّ الأجدر بأبي بكر أن يستجيب لعواطف وآراء الأكثرية من المسلمين ، فلا يولّي عليهم أحدا إلاّ بعد رضاهم وإجراء عملية انتخابية أو يستشير أهل الحلّ والعقد إلاّ أنّه استجاب لعواطفه المترعة بالولاء والحبّ لابن
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 55.
(2) المصدر السابق 9 : 343.
(3) الإمامة والسياسة 1 : 19.
الخطّاب ، وقد طلب أبو بكر من بعض خواصه أن يخبره عن رأي المسلمين في ذلك فقال له :
ما يقول الناس في استخلافي عمر؟
كرهه قوم ورضيه آخرون ..
الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟ ..
بل الذين كرهوه (1) .
وإذا كانت الأكثرية الساحقة ناقمة على ولاية عمر من بعده ، فكيف فرضه عليهم ، ولم يمنح المسلمين الحرية في انتخاب من شاءوا لرئاسة الحكم.
ومهما يكن الأمر فإنّ عمر لازم أبا بكر في مرضه خوفا من التأثير عليه في العدول عن رأيه وكان يعزّز مقالته في انتخابه له قائلا :
أيّها الناس ، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله 6 (2) .
وطلب أبو بكر من عثمان بن عفّان أن يكتب للناس عهده في تولية عمر من بعده ، وجعل أبو بكر يملي عليه وهو يكتب ، وهذا نصّه :
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحا عنها ، وأوّل عهده بالآخرة داخلا فيها إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب ، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظنّي به ، ورجائي فيه ، وإن بدّل وغير فالخير أردت ولا أعلم الغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (3) .
ولم يقل أحد أنّ أبا بكر يهجر ، وما حالوا بينه وبين كتابته في النصّ على عمر ،
__________________
(1) الآداب الشرعية والمنح المرعية 1 : 49.
(2) تاريخ الطبري 4 : 52.
(3) الإمامة والسياسة 1 : 19.
كما حالوا بين النبيّ وبين ما رامه في الكتابة في حقّ الإمام 7 وقالوا إنّه يهجر.
وعلى أيّ حال فقد وقع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر ، وانطلق به يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس فاستقبله رجل ، وقد أنكر حالته فقال له :
ما في الكتاب يا أبا حفص؟ ..
فنفى عمر درايته بما فيه إلاّ أنّه أذعن لما يحتويه قائلا :
لا أدري ، ولكنّي أوّل من سمع وأطاع ..
فرمقه الرجل بطرفه ، وعرف واقع الحال ، فقال له :
ولكنّي والله! أدري بما فيه ، أمّرته عام أول ، وأمّرك العام (1) .
وانطلق عمر وهو يلوّح بالكتاب ويدعو الناس إلى استماع ما فيه ، فقرأه على الناس وبذلك تمّ له الأمر بسهولة من دون أن ينازعه أحد في ذلك.
موقف الإمام :
والتاع الإمام 7 كأشدّ ما تكون اللوعة وأعرب عن أساه بعد حين من الزمن ، وذلك في خطبته الشقشقية ، قال 7 :
فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى. وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ، حتّى مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان ـ يعني عمر ـ بعده. ثمّ تمثّل بقول الأعشى :
شتّان ما يومي على كورها |
ويوم حيّان أخي جابر |
فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 20.
تشطّرا ضرعيها! (1)
وحكت هذه الكلمات آلامه وأساه على ضياع حقّه وإزالته عن مركزه ومقامه ، فقد تناهبته الرجال فوضعوه في تيم مرّة وأخرى في عدي ، وتناسوا مكانته من رسول الله 6 وجهاده المشرق في نصرة الإسلام.
وعلى أي حال فلم يلبث أبو بكر إلاّ زمانا قصيرا حتى وافاه الأجل المحتوم ، وانبرى صاحبه وخليله عمر إلى القيام بشئون جنازته فغسّله وأدرجه في أكفانه ، وصلّى عليه ، وواراه في بيت النبيّ 6 وألصق لحده بلحده (2) ، ويذهب المتكلّمون من الشيعة إلى أنّ البيت الذي دفن فيه إن كان من تركة النبيّ فهو لوارثته سيّدة نساء العالمين ، ومن بعده انتقل إلى زوجها وأولادها ، ولم يؤثر عن النبيّ 6 أنّه وهبه لعائشة ، وعلى هذا فلا يحلّ دفنه فيه إلاّ بعد الإذن من ورثة النبيّ ، أمّا اذن عائشة فلا موضوعية له لأنّها لا ترث من الأرض وإنّما ترث من البناء ، حسبما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة.
وإن كان البيت النبوي خاضعا لعملية التأميم حسبما يرويه أبو بكر عن النبيّ أنّ الأنبياء لا يورّثون شيئا من متاع الدنيا وإنّما يورّثون الكتاب والحكمة ، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين ، وعلى هذا فلا بدّ من ارضاء الجماعة الإسلامية في دفنه في البيت ولم يتحقّق أي شيء من ذلك.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 31 ـ 32.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 282.
خلافة عمر ومبدأ الشّورى
وتولّى عمر الخلافة بسهولة وسرور ولم يلق أي جهد أو عناء ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، وساس الامّة بشدّة وعنف حتّى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ، فقد كانت درّته ـ كما يقولون ـ أرهب من سيف الحجّاج ، حتى أنّ حبر الامّة عبد الله بن عباس لم يستطع أن يجهر برأيه في حلية المتعة إلاّ بعد وفاته ، وقد خافه وهابه ووصفه الإمام أمير المؤمنين 7 في خطبته الشقشقية بالحوزة الخشناء التي يغلظ كلمها ويخشن مسّها.
وعلى أي حال فإنّا نعرض بصورة موجزة إلى بعض معالم سياسته الداخلية والخارجية حسب ما صرّحت به مصادر التاريخ وغيرها.
سياسته الداخلية :
واتّسمت سياسة عمر الداخلية بالعنف والشدّة ، وقد سيطر سيطرة تامّة على البلاد ، وقابل كلّ من كان يعتدّ بنفسه بالصرامة ، كان منهم من يلي :
سعد بن أبي وقّاص :
كان سعد بن أبي وقّاص شخصية مرموقة ، وبلاؤه في فتح فارس معروف ، وقد أقبل على عمر وكان يقسّم مالا بين المسلمين ، فزاحم الناس حتى خلص إلى عمر ، فلمّا رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرة ، وقال : لم لم تهب سلطان الله في
الأرض ، فأردت أن اعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك (1) ، وقد كسر شوكته وملأ أنفه ذلاّ وخنوعا.
جبلة بن الأيهم :
وجبلة من الشخصيات المرموقة في العالم العربيّ ، وقد أسلم هو وقومه ، وفرح المسلمون بإسلامه ، وحضر جبلة الموسم ، وبينما هو يطوف حول الكعبة إذ وطأ إزاره رجل من فزارة فحلّه ، فغضب جبلة وسارع إلى الفزاري فلطمه ، فبلغ عمر ذلك ، فاستدعى الفزاري ، وأمر جبلة أن يقيّده من نفسه أو يرضيه ، وضيّق عليه غاية التضييق ، فارتدّ جبلة ورفض الإسلام ، وولّى إلى هرقل فاحتفى به وأنزله منزلا كريما ، إلاّ أن جبلة أسف أشدّ الأسف على ما فاته من شرف الإسلام وقد نظم أساه وحزنه بهذه الأبيات :
تنصّرت الأشراف من أجل لطمة |
وما كان فيها لو صبرت لها ضرر |
|
فيا ليت أمّي لم تلدني وليتني |
رجعت إلى القول الذي قاله عمر |
وقد أراد عمر أن يقوده بأوّل بادرة تبدو منه ببرة (2) محاولا بذلك إذلاله وإهانته (3) .
ولم تكن شدّة عمر مقتصرة على رعيّته ، وإنّما كانت شاملة لأهله ، ويقول المؤرّخون إنّه إذا غضب على أحد من أهله لا يسكن غضبه حتى يعضّ على يده عضّا شديدا فيدميها (4) .
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 288.
(2) البرة : حلقة من صفر توضع في أنف الجمل الشرود ، ويربط بها حبل.
(3) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 289.
(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 342.
ووصف عثمان بن عفّان شدّة عمر حينما نقم عليه المسلمون بقوله : لقد وطئكم ابن الخطّاب برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فخفتموه ورضيتم به (1) .
ويقول المعنيّون في البحوث الإسلامية : إنّ هذه السياسة تجافي سيرة الرسول 6 التي بنيت على الرفق واللين واجتناب جميع مظاهر العنف والشدّة ، وقد روى المؤرّخون صورا كثيرة من تواضعه كان منها أنّ رجلا جاءه فأخذته الرهبة منه وبدى عليه الرعب ، فنهره الرسول 6 وقال له : « إنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » (2) ، وسار مع أصحابه سيرة الأخ مع أخيه ، وكره أن يتميّز على أحد منهم وقد شاركهم في العمل في بناء مسجده الأعظم ، وقد مدحه الله تعالى على سموّ أخلاقه قال تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (3) .
وعلى أي حال فإنّ الغلظة لا تتّفق بأي حال من الأحوال مع ما اثر عن الرسول 6 من سموّ الأخلاق ومحاسن الآداب.
فرض الإقامة الجبرية على الصحابة :
ومن بنود السياسة العمرية فرض الإقامة الجبرية على الصحابة ، فلم يسمح عمر لهم بمغادرة يثرب إلاّ بعد أن يأذن لهم بذلك ، ويرى الباحثون في الشؤون الإسلامية أنّ هذا الإجراء يتنافى مع ما شرّعه الإسلام من منهج الحريات العامّة للناس جميعا ، فهم أحرار فيما يعملون ويقولون شريطة أن لا تكون مجافية للتعاليم الإسلامية ، وليس للسلطة أن تقف منهم موقفا سلبيا ، اللهمّ إلاّ إذا أحدثت الحرية أضرارا بالغير أو فسادا في الأرض.
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 175.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 290.
(3) القلم : 4.
رأي طه حسين :
وبرّر الدكتور طه حسين ما اتّخذه عمر من فرض الحصار على الصحابة بقوله :
ولكنّه ـ أي عمر ـ خاف عليهم ـ أي على الصحابة ـ الفتنة ، فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلاّ بإذنه ، وحبسهم عن الأقطار المفتوحة ، لا يذهبون إليها إلاّ بأمر منه خاف أن يفتتن الناس بهم ، وخاف عليهم أن يغرهم افتتان الناس بهم ، وخاف على الدولة عواقب هذا الافتتان (1) .
وفيما أرى أنّ هذا التوجيه لا يحمل أي طابع من التحقيق فإنّ الصحابة الذين راموا السفر من يثرب إلى الأقطار والأقاليم التي فتحها الإسلام إن كانوا من الأخيار والمتحرّجين في دينهم فإنّهم بكلّ تأكيد يكونون مصدر هداية ومصدر خير وتهذيب إلى الشعوب المتطلّعة لهدي الإسلام ومعرفة أحكامه ، وهم ـ من دون شكّ ـ يشيعون الفضيلة ويعملون على تهذيب السلوك ونشر محاسن الأخلاق. وإنّ كانوا من الذين فتنتهم الدنيا ، وخدعتهم مظاهر الفتوحات الإسلامية فلعمر الحقّ في منعهم من السفر رسما لا شرعا حفظ لصالح الدولة ووقاية للناس من الفتنة بهم ، ولكن لم يؤثر عنه أنّه فرض الحصار على فريق من الصحابة دون فريق وإنّما فرضه على جميع الصحابة ، وبذلك فقد حال بينهم وبين حرياتهم.
ولاته وعمّاله :
والشيء البارز في سياسة عمر مع الولاة والعمّال أنّه لم يعهد بأي منصب من مناصب الدولة إلى أحد من الاسرة النبوية ، وإنّما أقرّ من ولاّهم أبو بكر في مناصبهم ، كما لم يعيّن أحدا من الصحابة البارزين أمثال طلحة والزبير ، وقيل له :
إنّك استعملت يزيد بن أبي سفيان وسعيد بن العاص وفلانا وفلانا من المؤلّفة
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 : 17.
قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء وتركت أن تستعمل عليّا والعبّاس والزبير وطلحة؟
فقال : أمّا عليّ فأنبه من ذلك ، وأمّا هؤلاء النفر من قريش فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها بالفساد ...
وعلّق ابن أبي الحديد على هذا الكلام بقوله :
فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك ، ويدّعيه كلّ واحد منهم لنفسه ، كيف لم يخف من جعلهم ستّة متساويين في الشورى مرشّحين للخلافة ، وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا (1) .
لقد رشّح طلحة والزبير وجعلهما من أعضاء الشورى ، وشهد بأنّ رسول الله 6 توفّي وهو راض عنهما ، كيف يكونان ممّن ينشران الفساد في الأرض إذا أسند إليهما بعض مناصب الدولة.
مراقبة الولاة والعمال :
وكان عمر شديد المراقبة لعمّاله وولاته ، فلم يولّ عاملا إلاّ أحصى عليه حاله ، فإذا عزله أحصى عليه ما عنده من أموال ، فإن وجد عنده فرقا قاسمه ذلك الفرق ، فترك له شطرا وضمّ الشطر الآخر إلى بيت المال (2) ، واستعمل أبا هريرة الدوسي واليا على البحرين ، وقد وافته الأنباء بأنّه استأثر بأموال المسلمين ، فدعاه ، فلمّا مثل عنده قال له : علمت أنّي استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، ثمّ بلغني أنّك ابتعت أفراسا بألف وستمائة دينار ...؟
فاعتذر أبو هريرة وقال له :
كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 9 : 29 ـ 30.
(2) الفتنة الكبرى 1 : 20.
فلم يحفل أبو حفص باعتذاره فزجره وصاح به :
قد حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأدّه ...
وراوغ أبو هريرة قائلا :
ليس لك ذلك ..
وورم أنف عمر وصاح به :
بلى والله! وأوجع ظهرك ..
ثمّ علاه بالدّرة فضربه حتى أدماه ، ولم يجد أبو هريرة ملجأ أمام صرامة عمر وشدّته ، فأحضر الأموال التي انتهبها فردّها على عمر وقال له :
احتسبتها عند الله ..
فردّ عليه عمر قائلا :
ذلك لو أخذتها من حلال ، وأدّيتها طائعا ، أجئت بها من أقصى حجر البحرين يجبى الناس لك ، لا لله ولا للمسلمين ما رجعت بك أميمة (1) إلاّ لرعية الحمر (2) ، ثمّ شاطره جميع أمواله التي اختلسها من بيت المال ، وكان الأجدر به أن يصادرها أجمع ، أمّا العمال الذين شاطرهم فهم :
1 ـ سمرة بن جندب.
2 ـ عاصم بن قيس.
3 ـ مجاشع بن مسعود.
4 ـ جزء بن معاوية.
5 ـ الحجّاج بن عتيك.
6 ـ بشير بن المحتفز.
__________________
(1) أميمة : أمّ أبي هريرة.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 163.
7 ـ أبو مريم بن محرش.
8 ـ نافع بن الحرث.
هؤلاء بعض عمّاله وولاته الذين شاطرهم أموالهم ، ويقول المؤرّخون : إنّ السبب في اتّخاذه هذا الإجراء هو يزيد بن قيس ، فقد حفّزه إلى ذلك ودعاه إليه بهذه الأبيات :
أبلغ أمير المؤمنين رسالة |
فأنت أمين الله في النهي والأمر |
|
وأنت أمين الله فينا ومن يكن |
أمينا لربّ العرش يسلم له صدري |
|
فلا تدعن أهل الرّساتيق والقرى |
يسيغون مال الله في الادم والوفر |
|
فارسل إلى الحجّاج فاعرف حسابه |
وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر |
|
ولا تنسينّ النافعين كليهما |
ولا ابن غلاب من سراة بني نصر |
|
وما عاصم منها بصفر عيابه |
وذاك الذي في السوق مولى بني بدر |
|
وأرسل إلى النعمان واعرف حسابه |
وصهر بني غزوان إنّي لذو خبر |
|
وشبلا فسله المال وابن محرّش |
فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكر |
|
فقاسمهم أهلي فداؤك إنّهم |
سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر |
|
ولا تدعوني للشّهادة إنّني |
أغيب ولكنّي أرى عجب الدهر |
|
نئوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا |
فأنّى لهم وفرّ ولسنا أولي وفر |
|
إذا التاجر الداري جاء بفأرة |
من المسك راحت في مفارقهم تجري |
وعلى أثر ذلك قام عمر فشاطر عمّاله نعلا بنعل (1) ، ومعنى هذا الشعر أنّ هؤلاء الولاة قد اقترفوا جريمة السرقة وخانوا مال المسلمين ، والواجب يقضي بأن تصادر جميع أموالهم وضمّها إلى بيت مال المسلمين ، وإذا ثبتت خيانتهم فيقصون
__________________
(1) الغدير 6 : 275 ـ 276.
عن وظائفهم ، ولا تشاطر أموالهم كما فعل عمر.
وعلى أي حال فإنّ شدّة عمر ومراقبته لولاته لم تجد ، فقد كانت هناك شكاوى متّصلة منهم ، فقد أرسل إليه بعض المسلمين يشتكون من القائمين على الخراج ، وفيها هذان البيتان :
نئوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا |
فأنّى لهم وفر ولسنا أولي وفر |
|
إذا التاجر الداري جاء بفأرة |
من المسك راحت في مفارقهم تجري (1) |
بقي هنا شيء يدعو إلى التساؤل ، وهو أنّ عمر قد استعمل الشدّة والصرامة مع عمّاله وولاته سوى معاوية بن أبي سفيان فإنّه كان يحدب عليه ويشفق ، فلم يفتح معه أي لون من التحقيق ولم يحاسبه على بذخه وإسرافه ، وتكدّس الأموال عنده حيث تتواتر إليه الأخبار باختلاسه لبيت المال وإنفاقه الأموال الهائلة على رغباته وتوطيد ملكه فيعتذر عنه ويشيد به قائلا :
تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية (2) ، وهذا مجاف لما في الحديث النبوي : « هلك كسرى ثمّ لا يكون كسرى بعده ، وقيصر ليهلكنّ ثمّ لا يكون قيصر بعده ، والّذي نفسي بيده! لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله ».
لقد بالغ في تسديد معاوية والإشادة به ولم يحفل بجرحه ، فقد أخبره جماعة من الصحابة أنّ معاوية قد جافى سنّة رسول الله 6 ، فهو يلبس الحرير والديباج ويستعمل أواني الذهب والفضة ولا يتحرّج في أعماله وسلوكه عمّا خالف السنّة ، فأنكر عليهم عمر وقال لهم :
دعونا من ذمّ فتى من قريش من يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده من
__________________
(1) فتوح البلدان : 384.
(2) تاريخ الطبري 6 : 114.
الرضاء ولا يؤخذ من فوق رأسه إلاّ من تحت قدمه (1) .
وقد ذهب في تسديده إلى أبعد من ذلك ، فقد نفخ فيه روح الطموح وهدّد به أعضاء الشورى الذين انتخبهم من بعده قائلا : إنّكم إن تحاسدتم وتدابرتم ، وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان (2) .
ولمّا أمن معاوية جانب عمر أخذ يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان (3) .
سياسته المالية :
أمّا سياسة عمر ومنهجه المالي فقد كان مخالفا لسياسة أبي بكر المالية ، فقد كان أبو بكر يساوي في العطاء ، وقد أشار عليه عمر بالعدول عن ذلك قائلا :
إنّ الله لم يفضّل أحدا على أحد ، ولكنّه قال : ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) ، ولم يخصّ قوما دون آخرين (4) .
ولمّا أفضت إليه الخلافة عدل عن سياسة أبي بكر وفضّل بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وقال : إنّ أبا بكر رأى في هذا الحال رأيا ، ولي فيه رأي آخر ، لا أجعل من قاتل رسول الله 6 كمن قاتل معه (5) . وقد فرض للمهاجرين والأنصار ممّن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف ، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر
__________________
(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 3 : 377.
(2) نهج البلاغة 1 : 187.
(3) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 296.
(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 8 : 111.
(5) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 284.
ولم يشهد بدرا أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأزواج النبيّ 6 اثني عشر ألفا إلاّ صفية وجويرية ففرض لهما ستّة آلاف فرفضتا ذلك ، كما فرض للعبّاس عمّ رسول الله 6 اثني عشر ألفا ، وفرض لاسامة بن زيد أربعة آلاف ، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف فأنكر عليه ذلك ، وقال له :
يا أبت ، لم زدته عليّ ألفا؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي ، وكان له ما لم يكن لي؟
فقال له عمر : إنّ أبا اسامة كان أحبّ إلى رسول الله 6 من أبيك ، وكان اسامة أحبّ إلى رسول الله منك (1) .
وقد فضّل عمر العرب على العجم ، والصريح على الموالي (2) .
وأدّت هذه السياسة إلى إيجاد الطبقيّة بين المسلمين ، كما أدّت إلى تصنيف الناس بحسب قبائلهم واصولهم ، فنشط النسّابون لتدوين الأنساب ، وتصنيف القبائل بحسب اصولها (3) .
وكان هذا الإجراء قد أوجد تحوّلا في الجماعة الإسلامية ، فقد أدّى إلى حنق الموالي على العرب ، وظهور النعرات الشعوبية والقومية ، في حين إنّ الإسلام قد ساوى بين جميع المسلمين وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب والدم.
ناقدون :
وأثارت هذه السياسة المالية التي انتهجها عمر موجة من النقد والسخط من المحقّقين ، وهؤلاء بعضهم :
__________________
(1) الخراج : 244.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 8 : 411.
(3) العصبية القبلية : 190.
1 ـ الدكتور محمّد مصطفى :
وأنكر الدكتور محمّد مصطفى هذه السياسة قال : وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثّر تأثيرا خطيرا في الحياة الاقتصادية للجماعة الإسلامية ؛ إذ خلق شيئا فشيئا طبقة ارستقراطية غنيّة يأتيها رزقها رغدا دون أن تنهض بعمل ما مقابل ما يدخل إليها من أموال ذلك أنّ فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين : القرابة من رسول الله ، والسابقة في الإسلام ، ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات ، وبهذا لم يرع عمر فرض العطاء ذلك للمقابل الذي لا بدّ من أن تأخذه الدولة في صورة عمل وجهاد (1) .
2 ـ العلاّمة العلائلي :
قال العلاّمة العلائلي : هذا التنظيم المالي أوجد تمايزا كبيرا ، وأقام المجتمع العربيّ على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سواء في نظر القانون ( الشريعة ) ، فقد أوجد ارستقراطية وشعبا وعامّة (2) .
3 ـ الدكتور عبد الله سلام :
وأنكر الدكتور عبد الله سلام هذه السياسة التي انتهجها عمر في سياسته المالية ، قال : لست أدري كيف اتّخذ عمر هذا الاجراء ولما ذا اتّخذه؟ إنّه إجراء أوجد تفاوتا اجتماعيا واقتصاديا ، إجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين (3) .
إنّ السياسة التي جرى عليها عمر في الميدان الاقتصادي لا تحمل أي طابع
__________________
(1) اتّجاهات الشعر العربيّ : 108.
(2) الإمام الحسين 7 : 232.
(3) الغلوّ والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية : 251.
من التوازن ، فقد خلقت الرأسمالية عند عدد من الصحابة ، فقد تكدّست عندهم الأموال ، وقد خلّف بعضهم بعد موته من الذهب ما يكسّر بالفؤوس ، وبذلك فقد سيطرت الرأسمالية على شئون الدولة ، وقد سخّرت أجهزتها لمصالحها الخاصّة ، وقد ازداد نفوذها وثراؤها أيام حكومة عثمان بن عفّان عميد الاسرة الأموية وبعد قتله ، ولمّا تسلّم الإمام 7 قيادة الحكم جهدت في معارضته ؛ لأنّ سياسته العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات الخاصّة ومصادرة أموالهم التي ابتزوها بغير حقّ ، كما سنوضّح ذلك عند التحدّث عن حكومة الإمام.
ندم عمر :
وندم عمر في آخر أيام حكومته لما تفشّى الثراء العريض عند بعض الصحابة وراح يقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرته أخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء.
وفيما أحسب أنّ هذا الإجراء الذي أراد عمر أن يتّخذه لا يخلو من تأمّل ؛ فإنّ فضول أموال الأغنياء إن كانت مختلسة من أموال الدولة فيجب مصادرتها وتأميمها ، وإن كانت من أموال التجارة فليس له من سبيل عليها ، والواجب أخذ ما عليها من الضرائب المالية إن كانت خاضعة لها ، ومهما يكن الأمر فإنّ أموال الأغنياء إن كانت من الفيء ومن جباية الجزية والخراج فهي ملك للمسلمين فلا يجوز أن يستأثر بها فريق دون فريق.
اعتزال الإمام :
واعتزل الإمام أيام حكومة عمر ، ولم يشترك بأي عمل من أعمال الدولة ، كما اعتزل في أيام حكومة أبي بكر ، يقول محمّد بن سليمان في أجوبته على أسئلة
جعفر بن مكّي عمّا دار بين علي وعثمان : إنّ عليّا دحضه الأوّلان ـ يعني أبا بكر وعمر ـ وأسقطاه ، وكسرا ناموسه بين الناس فصار نسيا منسيا (1) .
ويعزو الإمام 7 جميع ما لاقاه في حياته من النكبات والأزمات إلى عمر ، وذلك في حديث خاصّ له مع عبد الله بن عمر (2) .
وعلى أي حال فقد اعتزل الإمام 7 الناس اعتزالا تامّا ، وانصرف إلى تفسير القرآن الكريم ، ولم يتّصل بأحد سوى الصفوة من أصحابه أمثال الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر ، والثائر على الحكم الأموي أبو ذرّ ، وسلمان الفارسي وغيرهم من خيار أصحاب الرسول.
وكان عمر يرجع إلى الإمام في المسائل الفقهية ؛ لأنّ بضاعته كانت قليلة فيها ، وقد شاع عنه قوله :
لو لا علي لهلك عمر (3) .
وقد نزلت في عمر نازلة فحار في التخلّص منها ، وعرض ذلك على أصحابه فقال لهم :
ما تقولون في هذا الأمر؟
فأجابوه : أنت المفزع والمنزع ...
فلم يرضه قولهم وتلا قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) (4) .
ثمّ قال لهم :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 9 : 98.
(2) المصدر السابق : 54.
(3) الغدير 6 : 83 ، وفيه عرض شامل لذلك.
(4) الأحزاب : 70.
أما والله! إنّي وإيّاكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها.
فقالوا :
كأنّك أردت ابن أبي طالب؟
وأنّى يعدل بي عنه ، وهل طفحت حرّة بمثله ..
لو دعوته يا أمير المؤمنين.
فامتنع من إجابتهم وقال :
إنّ هناك شمخا من هاشم ، واثرة من علم ، ولحمة من رسول الله 6 يؤتى ولا يأتي فامضوا بنا إليه ..
وخفّوا جميعا إليه فوجدوه في حائط له يعمل فيه وعليه تبان ، وهو يقرأ قوله تعالى : ( أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) إلى آخر السورة ودموعه تنهمر على خدّيه ، فلمّا رآه القوم اجهشوا في البكاء ، ولمّا سكتوا سأله عمر عمّا ألمّ به ، فأجابه عنه ، والتفت عمر إلى الإمام فقال له :
أما والله! لقد أرادك الحقّ ، ولكن أبى قومك ...
فأجابه الإمام :
« يا أبا حفص ، خفّض عليك من هنا وهنا » ، وقرأ قوله تعالى : ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ) .
وذهل عمر فوضع إحدى يديه على الاخرى ، وخرج كأنّما ينظر في رماد (1) .
وعلى أي حال فإنّ الإمام في خلافة عمر قد كان جليسا في بيته يساور الهموم ، ويسامر النجوم ، ويتوسّد الأرق ، ويتجرّع الغصص ، قد كظم غيظه ، وأوكل أمره إلى الله تعالى.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 79 ـ 80.
نصيحته لعمر :
ونصح الإمام 7 عمر في موضعين ، وأسدل عمّا يكنّه من الموجدة من ضياع حقّه ، وذلك حفظا لكلمة الإسلام وهما :
1 ـ غزو الروم :
ورام عمر أن يمضي لغزو الروم ، فنهاه الإمام عن ذلك وقال له :
« إنّك متى تسر إلى هذا العدوّ بنفسك ، فتلقهم فتنكب ، لا تكن للمسلمين كانفة (1) دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه ، فابعث إليهم رجلا محربا ، واحفز معه أهل البلاء والنّصيحة ، فإن أظهر الله فذاك ما تحبّ ، وإن تكن الأخرى ، كنت ردءا للنّاس ومثابة للمسلمين ».
2 ـ غزو الفرس :
واستشار عمر الإمام في الخروج بنفسه لغزو الفرس ، فأشار عليه بعدم خروجه قائلا :
« إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلّة. وهو دين الله الّذي أظهره ، وجنده الّذي أعدّه وأمدّه ، حتّى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع ؛ ونحن على موعود من الله ، والله منجز وعده ، وناصر جنده. ومكان القيّم بالأمر مكان النّظام من الخرز يجمعه ويضمّه : فإن انقطع النّظام تفرّق الخرز وذهب ، ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلا ، فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالاجتماع! فكن قطبا ، واستدر الرّحا بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتّى يكون ما تدع وراءك من
__________________
(1) الكانفة : هي العاصمة التي يلجئون إليها.
العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك.
إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا : هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك ، وطمعهم فيك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ، فإنّ الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك. وهو أقدر على تغيير ما يكره.
وأمّا ما ذكرت من عددهم ، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنّما كنّا نقاتل بالنّصر والمعونة! ».
وكان رأي الإمام هو الرأي المشرق ، فإنّ خروج عمر مع الجيش تكون له مضاعفاته السيّئة على المسلمين ، والتي منها أنّه لو اندحر الجيش الإسلامي وفيهم عمر لانطوت بذلك راية الإسلام.
3 ـ حليّ الكعبة :
وفي أيام عمر كثرت الحليّ على الكعبة ، فأشار عليه القوم ببيعها وإرصاد ثمنها للجيوش الإسلامية لأنّ الكعبة ما تصنع بالحليّ ، وأراد عمر تنفيذ ذلك ، فاستشار الإمام 7 فقال له الإمام :
إنّ هذا القرآن أنزل على النبيّ 6 ، والأموال أربعة : أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض ؛ والفيء فقسّمه على مستحقّيه ؛ والخمس فوضعه الله حيث وضعه ؛ والصّدقات فجعلها الله حيث جعلها. وكان حلي الكعبة فيها يومئذ ، فتركه الله على حاله ، ولم يتركه نسيانا ، ولم يخف عليه مكانا ، فأقرّه حيث أقرّه الله ورسوله.
فاستحسن عمر رأي الإمام ، وأبدى إعجابه قائلا : لولاك لافتضحنا ، وترك الحليّ بحاله ...
اغتيال عمر :
وآثرنا الايجاز في خلافة عمر ولم نعرض إلى الأحداث التي رافقت حكومته ، خصوصا ما صدر منه من الفتاوى التي كانت من الاجتهاد قبال النصّ كتحريم المتعة وغيرها ، فقد عرض لها علماء الشيعة وفقهاؤهم ، وفي طليعتهم الإمام الأعظم شرف الدين في كتابه الذائع الصيت ( النصّ والاجتهاد ) ، والمحقّق الكبير الإمام الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه الخالد ( الغدير ).
وعلى أي حال فإنّ الذي يعنينا اغتيال عمر ، ووضعه لنظام الشورى قبل وفاته ، أمّا اغتيال عمر فيعزوه بعض الكتّاب المحدثين إلى بني أميّة ، فقد أرادوا التخلّص من حكمه وفرض سلطانهم على المسلمين (1) ، وقد استدلّوا على ذلك بأنّ أبا لؤلؤة الذي اغتال عمر كان مولى للمغيرة بن شعبة الذي له صلة وثيقة بالأمويّين وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التحقيق ؛ لأنّ علاقة عمر بالأمويّين كانت وثيقة للغاية ، ولم تقع بينهما أيّة منافسة ، وكانوا من أعداء الإمام وهو المنافس الوحيد له.
واستعمل عمر وجوه الأمويّين ولاة على الأقطار الإسلامية أمثال يزيد بن أبي سفيان ، وسعيد بن العاص ومعاوية ، ولم يشاطر أي واحد منهم أمواله كما شاطر بقيّة عمّاله ، وكان معنيّا بشئون نسائهم ، فقد أقرض هند بنت عتبة أمّ معاوية أربعة آلاف من بيت المال تتّجر فيها (2) ، وقد أعدّ في بيته مكانا خاصّا فرشه بأحسن الفرش ولم يسمح لأي أحد بالدخول فيه سوى أبي سفيان ، وعوتب على ذلك فقال : هذا شيخ قريش (3) ، فكيف يقومون باغتياله.
__________________
(1) من أنصار هذا الرأي العلاّمة المغفور له العلائلي ، ذهب إلى ذلك في كتابه ( سموّ المعنى في سموّ الذات ) : ص 31.
(2) الكامل في التاريخ 3 : 33.
(3) سير أعلام النبلاء 3 : 341.
ومهما يكن الأمر فإنّ من المقطوع به أنّ أبا لؤلؤة إنّما اندفع لاغتيال عمر بوحي من نفسه ، لا بدافع أموي ، ويعود السبب في ذلك أنّه كان شابا متحمّسا لشعبه ووطنه ، فقد رأى بلاده فتحت عنوة ، وقد انطوى مجد الفرس وذهب عزّهم ، ورأى عمر قد بالغ في احتقار الفرس ، وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد ، كما حضر عليهم دخول يثرب إلاّ من كان سنّه دون البلوغ (1) ، وأصدر فتواه بعدم إرثهم إلاّ من ولد في بلاد العرب (2) ، كما كان يعبّر عنهم بالعلوج ، وهو بالذات قد خفّ إلى عمر شاكيا ضيقه وجهده من جراء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج فلم يعن به عمر وصاح به.
وما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها ...
وأوجد ذلك حنقا وحقدا عليه ، فأضمر له في نفسه الشرّ ، وقد اجتاز عليه فسخر منه ، وقال له :
بلغني أنّك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ..
فلذعته هذه السخرية وقال له :
لأصنعنّ لك رحى يتحدّث بها الناس.
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال (3) ، فطعنه ثلاث طعنات إحداهنّ تحت السرّة فخرقت الصفاق (4) .
ثمّ حمل على أهل المسجد فطعن أحد عشر رجلا ، وعمد إلى نفسه فانتحر ، وحمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دما ، فقال لمن حوله :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 185.
(2) الموطأ 2 : 12.
(3) مروج الذهب 2 : 212.
(4) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد.
من طعنني؟
غلام المغيرة ..
ألم أقل لكم لا تجلبوا لنا من العلوج أحدا فغلبتموني (1) .
وأحضر له أهله طبيبا فقال له : أي الشراب أحبّ إليك؟
النبيذ ..
فسقوه منه ، فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : خرج صديدا ، ثمّ سقوه لبنا فخرج من بعض طعناته ، فيئس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تمسي (2) .
وصيّته :
ولمّا أيقن عمر بدنو الأجل المحتوم أوصى ولده عبد الله ، وقال له : انظر ما عليّ من الدّين ، فنظروا فيه فإذا به مدين لبيت المال ستين ألفا لا نعلم أنّها من الدنانير أو من الدراهم.
وقال لولده بعد أن بيّن مقدار دينه : إنّ وفى به مال آل عمر فأدّه من أموالهم ، وإلاّ فسل فيّ بني عدي بن كعب ، فإن لم تف به أموالهم ، فسل فيّ قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم (3) ..
ويواجه هذه الوصية عدّة من المؤاخذات ذكرناها بالتفصيل في الجزء الأوّل من كتابنا ( حياة الإمام الحسين 7 )
عمر مع ابنه عبد الله :
وطلب عبد الله من أبيه عمر أن ينصّ على أحد من المسلمين ويجعله خليفة
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 187.
(2) الاستيعاب المطبوع على هامش الاصابة 2 : 461. الإمامة والسياسة 1 : 21.
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 188.
عليهم من بعده قائلا له :
يا أبتي ، استخلف على أمّة محمّد 6 ، فإنّه لو جاء راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها ، وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة فكيف بامّة محمّد ، فاستخلف عليهم ..
ورمقه عمر بطرفه ، وأجابه :
إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر ، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله 6 (1) .
ولعلّ « الوجع » قد غلب عمر فنسي قيام النبيّ 6 بنصب عليّ خليفة من بعده في يوم « غدير خمّ » ، وإلزام المسلمين بمبايعته ، وعمر بالذات ممّن بايعه ، وقال له : بخ بخ لك يا عليّ ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.
وهل أبو بكر أشفق على المسلمين من النبيّ فأوصى من بعده بالخلافة إلى عمر وأهمل ذلك النبيّ ولم يوص لأحد من بعده؟
وعلى أي حال فإنّ عمر قد فتكت به جراحاته ، وأحاطت به الآلام ، فجزع جزعا شديدا ، وجعل يقول :
لو أنّ لي ما في الأرض ذهبا لا فتديت به من عذاب الله قبل أن أراه (2) .
والتفت لولده عبد الله وقال له : ضع خدّي على الأرض ..
فلم يحفل به ولده ، وظنّ أنّه قد اختلس عقله ، وأمره ثانيا بذلك فلم يجبه ، فصاح به :
ضع خدّي على الأرض لا أمّ لك ..
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 217.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 192.
وبادر عبد الله فوضع خدّ أبيه على الأرض ، وأخذ يجهش بالبكاء ويقول :
يا ويل عمر!! وويل أمّ عمر!! إن لم يتجاوز الله عنه (1) ، ولعلّه قد لاحت له في تلك اللحظات الأخيرة من حياته ما أنزله بالاسرة النبوية من النكبات والأزمات.
وعلى أي حال فإنّ عمر بعث ولده إلى عائشة يستأذن منها أن يدفن مع رسول الله 6 وأبي بكر فسمحت بذلك (2) ، وعلّقت الشيعة على ذلك فقالت : إنّ ما تركه النبيّ 6 من متع الحياة إن كان لا يرثه أهله ، وإنّما هي لولي الأمر من بعده حسب ما يرويه أبو بكر ، فلا وجه للاستئذان من عائشة ، وإن كان يرجع إلى ورثة النبيّ 6 كما يقول بذلك أهل البيت : فليس لعائشة فيه أي نصيب ؛ لأنّ الزوجة لا ترث من الأرض ، وإنّما ترث من البناء ، حسبما قرّره فقهاء المسلمين ، ولا بدّ حينئذ أن يكون الإذن في دفنه من ورثة النبيّ 6 ولم يتحقّق ذلك.
نظام الشورى :
ونظام الشورى الذي وضعه عمر كنظام السقيفة ، قد أخلد للمسلمين المصاعب وألقتهم في شرّ عظيم ، وهو نظام مفضوح لا غبار عليه في أنّ القصد منه إقصاء الإمام 7 عن قيادة الامّة وتسليمها لبني أميّة إرضاء لعواطف القرشيّين المترعة بالحقد والكراهية للإمام أمير المؤمنين 7 .
ونحن نعرض إلى الشورى العمرية بدراسة وتحليل بعيدة عن العواطف التقليدية ، لم نقصد بذلك إلاّ إبراز الواقع التأريخي على ما هو عليه.
وعلى أي حال ، فإنّ عمر لمّا أحسّ بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يمعن فيمن
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 193.
(2) المصدر السابق : 190.
يتولّى شئون الحكم من بعده ، وقد راح يتذكّر أقطاب حزبه الذين استعان بهم على البيعة لأبي بكر ، وصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين ، فجعل يصعّد حسراته ويبدي أساه عليهم قائلا :
« لو كان أبو عبيدة حيّا لاستخلفته ؛ لأنّه أمين هذه الامّة ، فلو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته ؛ لأنّه شديد الحبّ لله تعالى » وليس لأبي عبيدة أي نصيب في خدمة الامّة الإسلامية وجهاد يذكر.
كما أنّه ليس لسالم مولى أبي حذيفة أية شخصية إسلامية معروفة ، وإنّما كان من سواد المسلمين ، إلاّ أنّه ساهم مساهمة إيجابية في مؤتمر السقيفة ، وكان كقوة ضاربة في حماية أعضائها.
وعلى أي حال فقد طلب منه أصحابه أن يرشّح أحدا من بعده ليتولّى شئون المسلمين ، فأبى وقال :
أكره أن أتحمّلها حيّا وميّتا ..
ولكنّه لم يلبث أن عدل عن رأيه فانتخب أعضاء الشورى الستّة ، وفوّض إليهم انتخاب أحدهم ليكون واليا على المسلمين ، وبذلك فقد تحمّل الخلافة حيّا وميّتا ، وعلّق ابن أبي الحديد على كلامه ، قائلا :
أي شيء يكون من التحمّل أكثر من هذا؟ وأي فرق بين أن يتحمّلها ، بأن ينصّ على واحد بعينه ، وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب (1) .
صلاة صهيب :
وأوعز عمر إلى صهيب أن يصلّي بالناس حينما اغتاله أبو لؤلؤة ، فصلّى بهم ، وفي ذلك يقول الفرزدق :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 260.
صلّى صهيب ثلاثا ثمّ أرسلها |
إلى ابن عفّان ملكا غير مقصود (1) |
انتخاب عمر لأعضاء الشورى :
وانتخب عمر ستّة أشخاص ، وجعلهم أعضاء للشورى وألزمهم بانتخاب واحد منهم ليتولّى قيادة الامّة ، وهم :
1 ـ الإمام أمير المؤمنين 7 .
2 ـ سعد بن أبي وقّاص.
3 ـ الزبير بن العوّام.
4 ـ طلحة.
5 ـ عثمان بن عفّان.
6 ـ عبد الرحمن بن عوف.
والشيء البارز في هذا الانتخاب أنّه لم يجعل أي نصيب فيه للأنصار الذين نصروا النبيّ ، واحتضنوا مبادئه ، ولعلّ السبب في ذلك هو ميولهم للإمام 7 ، وقد اقتصر أعضاء الشورى على الجناح القرشي ، وليس لغيرهم فيه أي نصيب.
عمر مع أعضاء الشورى :
وطلب عمر حضور أعضاء الشورى الذين انتخبهم ، فلمّا مثلوا أمامه وجّه إليهم أعنف القول وأقساه ورماهم بالصفات الذميمة التي توجب القدح في ترشيحهم لمنصب الإمامة ، وقد روى المؤرّخون صورا لحديثه معهم ، وهذه بعضها :
الرواية الاولى :
إنّ أعضاء الشورى لمّا حضروا عنده قال لهم : أكلّكم يطمع بالخلافة بعدي؟ ..
__________________
(1) نور القيس المختصر من المقتبس ـ المرزباني : 1.
ووجموا عن الكلام ، فأعاد عليهم القول ثانيا ، فأجابه الزبير : وما الذي يبعدنا منها ، وليتها ـ أي الخلافة ـ أنت فقمت بها ، ولسنا دونك في قريش ، ولا في السابقة ، ولا في القرابة ، ولم يسعه الردّ عليه لأنّه ليس في كلامه فجوة يسلك فيها لإبطال كلامه ، والتفت عمر إلى الجماعة فقال لهم :
أفلا أخبركم عن أنفسكم؟ ..
فأجابوا مجمعين :
قل ، فإنّا لو استعفيناك لم تعفنا ..
وأخذ يحدّثهم عن نفسيّاتهم وميولهم ، فوجّه كلامه لكلّ واحد منهم :
مع الزبير :
« أمّا أنت يا زبير! فوعق لقس (1) ، مؤمن الرّضا ، كافر الغضب ، يوما إنسان ويوما شيطان ، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعري من يكون للنّاس يوم تكون شيطانا؟ ومن يكون يوم تغضب!! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمّة وأنت على هذه الصّفة ».
إنّ الزبير حسب هذا التحليل النفسي لشخصيّته مبتلى بآفات شريرة وهي :
1 ـ الضجر والتبرّم.
2 ـ الغضب الشديد الذي يفقده الرشد.
3 ـ عدم الاستقامة في السلوك.
4 ـ الحرص والبخل.
وهذه النزعات من مساوئ الصفات ، ومن اتّصف ببعضها لا يصلح لأن يكون إماما للمسلمين ومع هذه الصفات الماثلة فيه كيف رشّحه للخلافة؟
__________________
(1) الوعق : الضجر والتبرّم. اللقس : من لا يستقيم على أمر.
مع طلحة :
وأقبل عمر على طلحة ، وأخذ يحدّثه بنزعاته فقال له :
أقول أم أسكت؟ ..
فزجره طلحة وقال له :
إنّك لا تقول من الخير شيئا ..
وأخذ عمر يقول :
أما إنّي أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد وائيا بالذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله 6 ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب ...
وإذا كان النبيّ 6 ساخطا على طلحة كيف يرشّحه للخلافة ، كما أنّه مناقض لما قاله في أعضاء الشورى أنّ رسول الله 6 مات وهو راض عنهم.
وعلّق الجاحظ على مقاله بقوله :
لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إنّ رسول الله 6 مات وهو راض عن الستّة ، فكيف تقول الآن لطلحة : إنّه مات 6 ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها ، لكان قد رماه بمشاقصه (1) ، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له : ما دون هذا فكيف هذا؟ ..
مع سعد بن أبي وقّاص :
واتّجه صوب سعد بن أبي وقّاص ، فقال له : إنّما أنت صاحب مقنب (2) من هذه المقانب تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس وسهم ، وما زهرة والخلافة وامور الناس؟
وحكى كلام عمر اتّجاهات سعد وأنّه رجل عسكري لا يفقه إلاّ عمليات
__________________
(1) المشاقص : جمع مشقص ، وهو نصل السهم.
(2) المقنب : جماعة الخيل.
الحروب ، ولا خبرة له بالشؤون الإدارية والسياسية ، وإذا كانت هذه اتّجاهاته كيف جعله من أعضاء الشورى؟
مع عبد الرحمن بن عوف :
وأقبل عمر على عبد الرحمن بن عوف ، فقال له : أمّا أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف ايمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم ، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك ، وما زهرة وهذا الأمر؟ ..
إنّ عبد الرحمن ـ حسب رأي عمر ـ مثال للإيمان والتقوى ، وإنّ إيمانه يساوي نصف إيمان المسلمين ، ومن إيمانه المزعوم أنّه عدل عن انتخابه سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين 7 وسلّم الخلافة إلى بني أميّة ، فاتّخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا.
وإذا لم تكن لعبد الرحمن شخصية صلبة وقوية ـ حسب رأي عمر ـ كيف رشّحه للخلافة؟
مع الإمام أمير المؤمنين :
والتفت عمر إلى الإمام أمير المؤمنين 7 فقال له : لله أنت لو لا دعابة فيك ...
أمّا والله! لئن ولّيتهم لتحملنّهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء ..
ومتى كانت للإمام أمير المؤمنين 7 الدعابة؟ وهو الذي ما ألف في حياته غير الجدّ والحزم.
إنّ الدعابة تنمّ عن ضعف الشخصية ، وقد اعترف عمر أنّ الإمام لو ولي امور المسلمين لحملهم على الحقّ الواضع والمحجّة البيضاء ، ومن المؤكّد أنّ من يقوم بذلك لا بدّ أن يكون شخصية قوية ذا إرادة صلبة.
وعلى أي حال فإنّ عمر اعترف بأنّ الإمام لو تقلّد الحكم لسار بين المسلمين
على الحقّ الواضح ، وحملهم على الصراط المستقيم ، فكيف جعله من أعضاء الشورى ولم يسند إليه الحكم مباشرة؟
مع عثمان :
وأقبل عمر على عثمان عميد الاسرة الأموية ، وهو الذي كتب العهد بولايته من أبي بكر ، وهو المرشّح الوحيد عنده للخلافة فقال له :
هيها إليك ، كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك ، فحملت بني اميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا ، والله! لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ، ثمّ أخذ بناصيته فقال له : فإذا كان ذلك فاذكر قولي (1) .
والشيء المؤكّد أنّ عثمان لم تقلّده قريش منصب الخلافة ، وإنّما عمر هو الذي قلّده بها ، ولم يكن ترشيحه له في أيام مرضه وإنّما كان قبل ذلك بزمان ، فقد روى الحسن بن نصر قال : حججت مع عمر ، وكان الحادي يحدو أنّ الأمير بعد عمر عثمان (2) .
إنّ نظام الشورى الذي وضعه عمر يؤدّي حتما إلى فوز عثمان بالخلافة ، فقد جعله من أعضاء الشورى ، وكان معظهم ممّن لهم ميول واتّصال وثيق بالأمويّين ، وهم لا يعدلون عن انتخابه كما سنعرض لذلك.
الرواية الثانية :
رواها ابن قتيبة أنّ أعضاء الشورى التقوا بعمر فقالوا له :
قل فينا يا أمير المؤمنين! مقالة نستدلّ فيها برأيك ونقتدي بها ...
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 185 ـ 186.
(2) جواهر المطالب : 290.
فقال مخاطبا لسعد : والله! ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلاّ شدّتك وغلظتك مع أنّك رجل حرب ..
وقال لعبد الرحمن : وما يمنعني منك يا عبد الرحمن! إلاّ أنّك فرعون هذه الامّة.
وقال مخاطبا للزبير : وما يمنعني منك يا زبير! إلاّ أنّك مؤمن الرضا ، كافر الغضب.
وقال لطلحة : وما يمنعني من طلحة إلاّ نخوته وكبره ، ولو وليها وضع خاتمه في اصبع امرأته.
وقال لعثمان : وما يمنعني منك يا عثمان! إلاّ عصبيّتك وحبّك لقومك وأهلك.
وقال للإمام أمير المؤمنين : وما يمنعني منك يا عليّ! إلاّ حرصك عليها ، وأنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم (1) .
وقد اتّهم عمر أعضاء الشورى بمساوئ الصفات ، فوصف عبد الرحمن أنّه فرعون هذه الامّة ، وإذا كان ذلك فكيف جعله من أعضاء الشورى؟ والغريب أنّه في الفصل الأخير من وصاياه أناط برأيه شئون الخلافة ، وجعل قوله في انتخاب أحد المرشّحين منطق الفصل وفصل الخطاب.
ووصف الإمام بالحرص على الخلافة ، وهو اتّهام مردود ، فإنّ سيرة الإمام مشرقة كالشمس بعيدة عن الحرص كلّ البعد ، فإنّه لم يكن بأيّ حال من عشّاق الملك والسلطان ، وإنّما نازع الخلفاء وأقام عليهم الحجّة بأنّه أولى بالخلافة وأحقّ بها منهم من أجل أن يقيم في هذا الشرق وفي غيره حكم القرآن وعدالة الإسلام ، وقد صرّح 7 بذلك بقوله :
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 24.
« اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ».
وأدلى 7 في حديثه مع ابن عبّاس عن زهده للسلطة واحتقاره للحكم ، وكان 7 يخصف بيده نعله الذي كان من ليف ، فقال لابن عبّاس :
« يا ابن عبّاس ، ما قيمة هذا النّعل؟ ».
يا أمير المؤمنين ، لا قيمة له ..
« إنّه خير من خلافتكم إلاّ أن اقيم حقّا وأدفع باطلا ».
من أجل إقامة الحقّ وتطبيق العدالة الاجتماعية كان الإمام يبغي الحكم وسيلة لتحقيق مثله العليا.
الرواية الثالثة :
رواها ابن أبي الحديد المعتزلي قال :
نظر إلى أعضاء الشورى ، فقال لهم : قد جاءني كلّ واحد منكم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة.
ثمّ التفت إلى طلحة فقال له :
أمّا أنت يا طلحة! أفلست القائل : إن قبض النبيّ أنكح أزواجه من بعده؟ فما جعل الله محمّدا أحقّ ببنات أعمامنا منّا ، فأنزل الله فيك : ( وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (1) .
ثمّ التفت إلى الزبير فقال له :
__________________
(1) الأحزاب : 53.
وأمّا أنت يا زبير! فو الله! ما لان قلبك يوما ولا ليلة ، وما زلت جلفا جافيا ...
ووجّه خطابه إلى عثمان فقال له :
وأمّا أنت يا عثمان! لروثة خير منك ..
ثمّ التفت إلى عبد الرحمن بن عوف فقال له :
وأمّا أنت يا عبد الرحمن! فإنّك رجل عاجز ، تحبّ قومك ...
ثمّ وجه خطابه إلى سعد بن أبي وقّاص فقال له :
وأمّا أنت يا سعد! فصاحب عصبية وفتنة ..
ثمّ التفت إلى الإمام أمير المؤمنين 7 فقال له :
وأمّا أنت يا عليّ! لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم ..
وانصرف الإمام عنه ، فالتفت عمر إلى حضّار مجلسه فقال لهم :
والله! إنّي لأعلم مكان الرجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء.
وبادروا قائلين :
من هو؟
هذا المولى بينكم ـ وأشار إلى الإمام.
ما يمنعك من ذلك؟
ليس إلى ذلك من سبيل (1) .
ولم لا سبيل إلى ترشيح الإمام بعد ما رشّحه النبيّ 6 وقلّده منصب الخلافة في يوم غدير خمّ ، فهل هناك عيب في الإمام وعدم توفّر قابليات القيادة فيه؟ نعم ، إنّها الأضغان والأحقاد التي أترعت بها نفوس القوم ضدّ وصيّ رسول الله 6 وباب
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 12 : 159.
مدينة علمه ، والله هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
الهيئة المشرفة على الانتخاب :
وأقام عمر هيئة مشرفة على عملية الانتخاب ، وليس لها رأي سوى الأشراف ، فقد قال لأعضاء الشورى : احضروا معكم من شيوخ الأنصار ، وليس لهم من أمركم شيء ، وأحضروا معكم الحسن بن عليّ وعبد الله بن عبّاس ، فإنّهما لهما قرابة ، وأرجو لكم البركة في حضورهما ، وليس لهما من أمركم شيء ...
والملاحظ في هذه الهيئة التي أقامها عمر هو أنّه أقصى الأنصار عن الانتخاب والاختيار لمن يرغبون فيه للحكم ، وجعل لهم الإشراف المجرّد الذي يعني حرمانهم من الحكم ، وبذلك فقد نقض العهد الذي قطعه على نفسه أبو بكر للأنصار حيث قال لهم : نحن الامراء وأنتم الوزراء فلم يجعل لهم عمر أي دور في شئون الدولة ، وإنّما جعلهم شرطة وجنودا لحكومته ثمّ إنّا لا نعلم ما هي البركة التي ينعم بها أعضاء الشورى في حضور الإمام الحسن وعبد الله بن عبّاس ، وهما لا يملكان من الأمر شيئا؟
عمر مع أبي طلحة والمقداد :
وأراد عمر أن يحكّم الشورى ويتقن بنودها ، ويفرضها على المسلمين فالتفت إلى أبي طلحة الأنصاري ، وهو فيما أظنّ مدير لشرطته ، فقال له :
يا أبا طلحة! إنّ الله أعزّ بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلا من الأنصار فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ...
ثمّ التفت إلى المقداد وعهد إليه بما يلي :
إذا اتّفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما ، وإنّ اتّفق ثلاثة منهم على رجل ورضي ثلاثة منهم برجل آخر
فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس ...
وهذا الكلام حافل بالمؤاخذات ، سنعرض له عند البحث عن آفات الشورى.
إنذار عمر للصحابة :
وشيء خطير بالغ الأهميّة هو أنّ عمر أنذر أعضاء الشورى وهدّدهم بعمرو بن العاص واليه على مصر وبمعاوية واليه على الشام ، فقد قال لهم :
يا أصحاب محمّد ، تناصحوا ، فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
وعلّق شيخ الإمامية الشيخ المفيد على هذا الكلام بقوله :
وإنّما أراد عمر بهذا القول : إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة ، وإطماعهما فيها لأنّ معاوية كان عامله وأميره على الشام وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر ، وخاف أن يضعف عثمان وتصير الخلافة إلى عليّ فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما وهما بمصر والشام ، فيتغلّبا على هذين الاقليمين إن أفضت إلى عليّ (1) .
وهو تحليل وثيق للغاية ، فقد أراد أن يظهر ابن العاص ومعاوية التمرّد على الإمام إن آلت الخلافة إليه ، وتحقّق ذلك ، فإنّه بعد أن آلت الخلافة إلى الإمام كان معاوية وابن العاص في طليعة القوى الباغية على الإمام والمناهضة لحكمه.
رأي الإمام :
وكان الإمام على يقين لا يخامره شكّ في موقف عمر تجاهه ، وأنّه لا يرغب
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 99.
بأي حال من الأحوال أن يتولّى شئون المسلمين ، ولم يضع نظام الشورى إلاّ لأجل ذلك ، وإنّ ما يبغيه إيصال الحكم إلى عثمان عميد الاسرة الأموية ، فقد التقى الإمام بعمّه العبّاس وقال له :
« يا عمّ ، لقد عدلت ـ أي الخلافة ـ عنّا ».
من أعلمك بذلك؟
« لقد قرن بي عثمان وقال : كونوا مع الأكثر ، ثمّ قال : كونوا مع عبد الرّحمن ، وسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرّحمن ، وعبد الرّحمن صهر لعثمان ، وهم لا يختلفون ، فإمّا أن يولّيها عبد الرّحمن لعثمان ، أو يولّيها عثمان لعبد الرّحمن » (1) .
وصدق تفرّس الإمام ، فقد ولاّها عبد الرحمن لعثمان إيثارا لمصالحه وابتغاء لرجوعها إليه.
لقد كانت الشورى باسلوبها مؤامرة مفضوحة لا ستار عليها في إبعاد الإمام عن الخلافة ، يقول الإمام كاشف الغطاء :
الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية وشورى صورية ، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغما عليهم بتدبير بارع عاد على الإسلام والمسلمين بشرّ ما له دافع (2) .
وراح الإمام بعد سنين ـ يتحدّث بأسى ـ عن الشورى العمرية التي صمّمت لإقصائه عن مركز الحكم يقول 7 :
حتّى إذا مضى لسبيله ـ يعني عمر ـ جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فيا لله وللشّورى! متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل ـ يعني به أبا بكر ـ منهم ، حتّى صرت أقرن
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 35.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 317.
إلى هذه النّظائر! ـ يعني أعضاء الشورى.
أجل والله! ـ يا أمير المؤمنين ـ! أنّه متى اعترض الريب لأي أحد من المسلمين وغيرهم أنّك أفضل الناس علما وجهادا وورعا ، ولكن الأحقاد القرشية هي التي أخّرتك عن مقامك وحرمت الامّة من مواهبك وعبقرياتك.
آفات الشورى :
ولم تكن الشورى العمرية سليمة ، فقد احتفّت بها المؤاخذات والمناقضات من جميع جهاتها ، وخلقت الكثير من المصاعب والفتن كان منها ما يلي :
1 ـ إنّ هذا النظام الذي صمّمه عمر لا يحمل أي طابع من حقيقة الشورى التي لا بدّ من أن تتوفّر فيها الامور التالية :
أ ـ أن تشترك الامّة بجميع شرائحها في الانتخاب.
ب ـ أن لا تتدخّل الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في شئون الانتخاب.
ج ـ أن تتوفّر الحريات العامّة لجميع الناخبين.
وفقدت الشورى العمرية هذه العناصر ، ولم يعدّ لها أي وجود فيها ، فقد حظر عمر على الامّة وعلى الشخصيات البارزة من التدخّل في الانتخاب أمثال المجاهد الكبير عمّار بن ياسر والصحابي العظيم أبي ذرّ ، ومالك الأشتر الزعيم الكبير ، ولم يجعل الأنصار حماة الإسلام أي نصيب في ذلك ، وإنّما فوّض عمر الأمر إلى ستّة أشخاص ، وجعل آراءهم منطق الفصل ، وهذا لون من ألوان التزكية تفرضه بعض الحكومات التي لا تعنى بأي حال بإرادة شعوبها ، ومضافا إلى ذلك فقد أو عز إلى الشرطة بالتدخّل في عمليات الانتخاب ، وعهد إليهم بقتل كلّ شخص من أعضاء الشورى لا يتّفق مع البقيّة منهم.
كما أنّ عمر قد حدّد مدّة الانتخاب لأعضاء الشورى بثلاثة أيام ، وقد ضيّق بذلك الوقت على الناخبين خوفا أن تتبلور الأوضاع وتتدخّل القطعات الشعبية لانتخاب من يشاؤون فيفوت غرضه.
2 ـ إنّ هذه الشورى قد ضمّت بعض العناصر المعادية للإمام 7 والحاقدة عليه ، ففيها عثمان بن عفّان عميد الاسرة الأموية ، وموقف الأمويّين من الإمام معروف وعداؤهم له ظاهر ، وفيها عبد الرحمن بن عوف وهو صهر لعثمان ، وفيها سعد بن أبي وقّاص ، وهو من الحاقدين على الإمام لأنّ أخواله الأمويّون الذين وترهم الإمام ، فإنّ امّه حمنة بنت أبي سفيان ، وسعد حينما بويع الإمام بعد مقتل عثمان تخلّف عن بيعته ، وقد اختار عمر هذه العناصر المنافسة للإمام حتى لا يؤول الأمر إليه ..
وقد تحدّث الإمام عن المؤثّرات التي لعبت في ميدان الانتخاب قال 7 : « لكنّي أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ».
إنّ هذه الشورى لم يكن المقصود منها ـ حسب ما يراه المحقّقون ـ إلاّ إقصاء الإمام عن الحكم ومنحه للأمويّين. يقول العلائلي :
إنّ تعيين الترشيح في ستّة ، مهّد السبيل لدى الأمويّين لاستغلال الموقف ، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين.
وقد وصل إلى هذه النتيجة السيّد مير علي الهندي قال :
إنّ عدم حرص عمر على مصلحة المسلمين دفعه إلى اختيار هؤلاء الستّة من أهل المدينة من دون أن يتبع سياسة سلفه ، وكان للأمويّين حزب قوي في المدينة ، ومن هنا مهّد اختياره ـ أي عمر ـ السبيل لمكايد الأمويّين ودسائسهم هؤلاء الذين ناصبوا الإسلام العداء ، ثمّ دخلوا فيه وسيلة لسدّ مطامعهم وتشييد صروح مجدهم
على أكتاف المسلمين (1) .
إنّ أدنى تأمّل في أمر هذه الشورى يوحي بأنّ المقصود منها إبعاد الإمام عن الحكم وتسليمه للأمويّين.
3 ـ إنّ عمر عمد في هذه الشورى إلى إبعاد الأنصار ، فلم يجعل لأي أحد منهم نصيبا فيها ، وهم آووا النبيّ ونصروا الإسلام في أيام محنته وغربته ، وقدّموا أبناءهم قرابين للدعوة الإسلامية ، وقد أوصى بهم النبيّ 6 خيرا ، كما لم يجعل عمر فيها لعمّار وأبي ذرّ ومالك الأشتر وغيرهم من أعلام الإسلام أي نصيب فيها ، وأكبر الظنّ أنّه إنّما أبعدهم لأنّ لهم هوى مع الإمام ، ولهذه الجهة أقصاهم وقصر أعضاء الشورى على العناصر الحاقدة على الإمام.
4 ـ إنّ عمر قد شهد في حقّ أعضاء الشورى أنّ النبيّ 6 مات وهو عنهم راض أو انّه شهد لهم بالجنّة ، فكيف عهد إلى الشرطة بضرب أعناقهم إن تخلّفوا عن انتخاب أحدهم ، ويقول الناقدون لهذه الشورى إنّه كيف ساغ لعمر الأمر بقتلهم إن تخلّفوا عن الانتخاب مع العلم أنّ الإسلام بصورة جازمة حرّم إراقة الدماء وأوجب التحرّج فيها إلاّ في مواضع مخصوصة ذكرها الفقهاء وهذا ليس منها.
5 ـ إنّ عمر إنّما قصر أعضاء الشورى على ستّة بحجّة أنّ رسول الله 6 مات وهو عنهم راض ، وذلك لا يصلح دليلا على حصر أعضاء الشورى فيهم ؛ لأنّ رسول الله 6 مات وهو راض عن كثير من صحابته ، فتقديم هؤلاء عليهم إنّما هو من باب الترجيح بلا مرجّح وهو ممّا يتّسم بالقبح ـ كما يقول علماء الاصول.
6 ـ إنّ عمر جعل الترجيح في الانتخاب إلى الجهة التي تضمّ عبد الرحمن بن عوف ، وقدّمها على الجهة التي تضمّ الإمام أمير المؤمنين 7 ، وهو تحيّز ظاهر
__________________
(1) الإمام الحسين 7 1 : 267.
لا خفاء فيه إلى القوى القرشية الحاقدة على الإمام 7 .
كما أنّا لا نعلم أنّ أي ميزة اختصّ بها عبد الرحمن حتّى يستحقّ هذا التكريم والتبجيل ، وهو وطلحة والزبير قد استأثروا بأموال المسلمين وفيئهم ، وملكوا من الثراء العريض ما لا يحصى ، حتى تحيّروا في صرفه وإنفاقه ، وقد ترك ابن عوف من الذهب ما يكسّر بالفؤوس لكثرته وضخامته ، ومن المعلوم أنّ هذا الثراء العريض قد اختلسه هو وأمثاله من الرأسماليّين من فيء المسلمين.
وعلى أي حال أمثل عبد الرحمن يقدّم على الإمام أمير المؤمنين ، وهو صاحب المواقف المشهودة في نصرة الإسلام ، مضافا إلى مواهبه وعبقرياته وتنكّره للمحسوبيات والمصالح الخاصّة وشدّة تحرّجه في الدين ، والله تعالى يقول : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ؟
7 ـ إنّ هذه الشورى أوجدت التنافس بين أعضائها وأشاعت الاختلاف والفرقة بينهم ، فعبد الرحمن بن عوف هو الذي قلّد عثمان الخلافة إلاّ أنّه لمّا ضاعت آماله ولم يحقّق أي شيء من مصالحه في حكومة عثمان أخذ يؤلّب عليه ، ودعا الإمام أمير المؤمنين ليحمل كلّ منهما سيفه ليناجزه ، وأوصى أولياءه بعد موته أن لا يصلّي عليه عثمان ، وكذلك كان الزبير شيعة للإمام 7 ، وهو الذي وقف إلى جانبه يوم السقيفة ، وقد قال في أيام عمر : والله! لو مات عمر بايعت عليّا ، ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح ، فرأى نفسه ندّا للإمام ففارقه بعد أن صارت الخلافة إليه ، وخرج عليه يوم الجمل.
وقد أدّى التنازع والتخاصم بين أعضاء الشورى وغيرهم إلى تصديع كلمة المسلمين وتشتيت شملهم ، وقد التفت إلى ذلك معاوية بن أبي سفيان ، فقد قال لأبي الحصين الذي أوفده زياد لمقابلته :
بلغني أنّ عندك ذهنا وعقلا ، فاخبرني عن شيء أسألك عنه.
سلني عمّا بدا لك.
أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملئهم وخالف بينهم؟
قتل الناس عثمان.
ما صنعت شيئا ...
مسير عليّ إليك وقتاله إيّاك ...
ما صنعت شيئا.
مسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم ...
ما صنعت شيئا ...
ما عندي غير هذا ...
أنا اخبرك ، إنّه لم يشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستّة نفر ، وذلك أنّ الله بعث محمّدا بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ، فعمل بما أمره الله به ، ثمّ قبضه الله إليه ، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله 6 لأمر دينهم ، فعمل بسنّة رسول الله وسار بسيرته حتى قبضه الله واستخلف عمر ، فعمل بمثل سيرته ، ثمّ جعلها شورى بين ستّة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه ، وتطلّعت إلى ذلك نفسه ، ولو أنّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف (1) .
إنّ عمر مهّد الطريق لعثمان واستخلفه على المسلمين بأسلوب بارع وسافر ، والشورى إنّما هي طريق لهذه الغاية ، ولكنّها أشاعت الأطماع والأهواء السياسية ، وألقت المسلمين في شرّ عظيم.
__________________
(1) العقد الفريد 3 : 73 ـ 74.
هذه بعض آفات الشورى وهي ـ بصورة جازمة غير خاضعة للأهواء والعواطف المذهبية ـ هي التي مهّدت الطريق للطلقاء وأبنائهم للاستيلاء على السلطة والقبض على زمام الحكم ، وإبعاد القوى الإسلامية عن الحياة السياسية ، الأمر الذي نجم منه نهب ثروات الامّة وإذلال الأخيار والتنكيل بعترة النبيّ 6 .
عملية الانتخاب :
ولمّا مضى عمر لربّه ، وواروه في مقرّه الأخير أحاط الشرطة بأعضاء الشورى ، وألزموهم بالاجتماع واختيار شخص منهم ليتولّى شئون المسلمين تنفيذا لوصية عمر.
واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة ، وأشرف على عملية الانتخاب الإمام الحسن وعبد الله بن عبّاس ، وبادر المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص فجلسا في عتبة الباب فنهرهما سعد بن أبي وقّاص وقال لهما : تريدان أن تقولا حضرنا وكنّا في أهل الشورى.
وتداول الأعضاء فيما بينهم الحديث عمّن هو أحقّ بالخلافة وولاية أمر المسلمين ، وانبرى الإمام أمير المؤمنين فحذّرهم مغبة ما يحدث من الفتن والفساد إن استجابوا لعواطفهم ولم يؤثروا مصلحة الامّة قائلا :
لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ ، وصلة رحم ، وعائدة كرم. فاسمعوا قولي ، وعوا منطقي ؛ عسى أن تروا هذا الأمر ـ أي الخلافة ـ من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السّيوف ، وتخان فيه العهود ، حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضّلالة ، وشيعة لأهل الجهالة.
ولم يستجيبوا لدعوة الإمام ولم يعوا منطقه ، وانسابوا وراء رغباتهم تسيّرهم القوى القرشية المحيطة بهم ، والتي تريد انتخاب من يضمن مصالحها ويحقّق نفوذها غير حافلين بمصلحة الامّة.
وعلى أي حال فقد عمّ الجدل بين أعضاء الشورى ، ولم ينتهوا إلى غاية مريحة ، وجماهير الشعب كانت تنتظر بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة وعقد الاجتماع مرّة أخرى إلاّ أنّه باء بالفشل ، وأشرف على أعضاء الشورى أبو طلحة الأنصاري ، فأخذ يتهدّدهم ويتوعّدهم قائلا : لا والّذي نفس عمر بيده لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي امرتم ...
واقترب اليوم الثالث الذي عيّنه عمر ، فانعقد الاجتماع ، فانبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان ، وإنّما فعل ذلك لأنّه كان حاقدا على الإمام بسبب منافسته لابن عمّه أبي بكر على الخلافة ، واندفع الزبير فوهب صوته للإمام 7 ، وانطلق سعد فوهب حقّه لعبد الرحمن بن عوف ...
وكان رأي عبد الرحمن هو الفيصل والحاسم لأنّ عمر قد وضع ثقته به وأناط به أمر الشورى ، إلاّ أنّه كان ضعيف الإرادة لا قدرة له على إرادة شئون الحكم ، فأجمع رأيه على ترشيح غيره للخلافة ، وكان له هوى مع عثمان لأنّه صهره ، وقد أشار عليه عامّة القرشيّين في انتخابه ، وزهّدوه في الإمام 7 لأنّه الوحيد الذي وترهم في سبيل الإسلام.
وحلّت الساعة الرهيبة التي لم يخضع فيها ابن عوف لمصلحة المسلمين ، واتّبع هوى القرشيّين الذين ناهضوا الإسلام في جميع مراحله.
والتفت ابن عوف إلى ابن اخته مسوّر فقال له :
يا مسوّر ، اذهب فادع عليّا وعثمان.
بأيّهما أبدأ؟
بأيّهما شئت.
ومضى مسوّر مسرعا فدعا عليّا وعثمان ، وازدحم المهاجرون من قريش والأنصار وسائر الناس ، فعرض عليهم الأمر وقال لهم :
أيّها الناس ، إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم ، فأشيروا عليّ؟
وتقدّم الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يرضي الله ورسوله ، ويضمن للامّة سلامتها فقال له :
إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّا ..
وانبرى المقداد فأيّد مقالة عمّار قائلا :
صدق عمّار ، إن بايعت عليّا سمعنا وأطعنا ...
واندفعت القوى القرشية الحاقدة على الإسلام فشجبت مقالة عمّار والمقداد ودعت إلى ترشيح عثمان عميد الاسرة الأموية المعادية للإسلام ، وقد رفع عبد الله بن أبي سرح صوته مخاطبا بن عوف :
إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان ..
وأيّده عبد الله بن أبي ربيعة قائلا :
إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا ...
وردّ عليهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر قائلا :
متى كنت تنصح للمسلمين؟
وصدق عمّار ، متى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين وهو الذي كفر بجميع قيم الإسلام وكان جاهليّا بجميع مراحل حياته ، وهو من أشدّ الأعداء إلى رسول الله 6 ، وقد أمر بقتله ، ولو كان متعلّقا بأستار الكعبة (1) .
انّه لو كان هناك أي منطق سائدا لأقصي هذا الدعي وسائر القبائل القرشية من التدخّل في شئون المسلمين ؛ لأنّها هي التي ناجزت النبيّ 6 وحرّضت عليه
__________________
(1) الاستيعاب 2 : 375.
القبائل وصمّمت على قتله ، ففر منهم في غلس الليل تاركا وصيّه وابن عمّه في فراشه ، وبعد ما هاجر منهم إلى يثرب خفّوا بجيوشهم إلى قتاله ، فكيف يسمح لهم بالتدخل في شئون المسلمين؟ إنّ الحكم والرأي يجب أن يكون بيد أمثال عمّار وأبي ذرّ ومالك الأشتر والأنصار ، وغيرهم يكونون في ذيل القافلة.
وعلى أي حال فقد احتدم الجدال بين الهاشميّين وأنصارهم ، وبين الأمويّين وأتباعهم ، فانبرى عمّار بن ياسر يدعوهم إلى الصالح العامّ قائلا :
أيّها الناس ، إنّ الله أكرمنا بنبيّه ، وأعزّنا بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم؟ ...
فانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلا :
لقد عدوت طورك يا ابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها؟ ...
إنّ هذا الجاهلي يرى عمّارا قد تعدّى طوره ؛ لأنّه تدخّل في شئون قريش التي أناطت بهم الشورى العمرية شئون المسلمين.
إنّ عمّارا وأباه ياسرا وامّه سميّة ممّن يعتزّ بهم الإسلام ويفخر بنضالهم وجهادهم ، فهم الطليعة الاولى التي ساهمت في بناء الإسلام وأقامت صروحه إنّ أمر الخلافة يجب أن يكون بيد عمار وغيره من الضعفاء الذين أعزّهم الله بدينه ، وليس للقرشيّين وغيرهم من الطغاة أي حقّ في التدخّل في شئون المسلمين لو كان هناك منطق أو حساب.
وعلى أيّ حال فقد احتدم النزاع بين المسلمين والقرشيّين ، فخاف سعد أن يفوت الأمر وتفوز الجبهة الموالية للإمام ، فالتفت إلى ابن عمّه عبد الرحمن فقال له :
يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس.
والتفت ابن عوف إلى الإمام قائلا :
هل أنت مبايعي على كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، وفعل أبي بكر وعمر؟
ورمقه الإمام بطرفه فأجابه بمنطق الإسلام ومنطق الأحرار :
« بل على كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، واجتهاد رأيي ».
إنّ مصدر التشريع في الإسلام إنّما هو كتاب الله وسنّة نبيّه ، وعليهما يجب أن تسير الدولة ، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع ، بالاضافة إلى أنّ عمر قد خالف أبا بكر في سياسته المالية ، وأوجد نظام الطبقية ، فقدّم بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وحرّم المتعتين ؛ متعة الحجّ ومتعة النساء ، وكانتا مشروعتين في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر ، فعلى أيّ المنهجين يسير ابن أبي طالب؟
إنّ ابن عوف إنّما شرط عليه ذلك لعلمه أنّ الإمام لا يستجيب له ، وأنّه لو تقلّد الخلافة لساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض ، ولم يمنح الاسر القرشية أي امتياز ، وساوى بينهم وبين المسلمين.
إنّ امتناع الإمام من إجابة عبد الرحمن تدلّ على مدى واقعيّته ؛ فإنّه لو كان من هواة الملك وعشّاق السلطان لأجابه إلى ذلك ، ثمّ يسلك في سياسته حسب ما يراه ، فإن عارضه ابن عوف بعد ذلك فيلقيه في السجون.
وعلى أيّ حال ، فإنّ عبد الرحمن لمّا يئس من الإمام التفت إلى عثمان زعيم الأمويّين فشرط عليه ذلك فأجابه بلا تردّد ، وفيما أحسب أنّ هناك اتّفاقا سرّيا على ذلك لحرمان الامّة من حكم الإمام ويرى بعض المؤرّخين من الافرنج أنّ عبد الرحمن استعمل طريقة الانتهازية والخداع ولم يترك الانتخاب يجري حرّا.
وبادر ابن عوف بعد أن استجاب له عثمان فصفق بكفّه على يديه ، وقال له :
اللهمّ إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان ....
ووقعت بيعة عثمان كصاعقة على القوى الخيّرة التي جهدت على أن تسود كلمة الله في الأرض ، و راح الإمام يندّد بابن عوف قائلا :
« والله! ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجا صاحبكما ـ لعلّه يعني أبا بكر
وعمر ـ من صاحبه دقّ الله بينكما عطر منشم (1) ».
إنّ عبد الرحمن إنّما انتخب عثمان من أجل أطماعه السياسة راجيا أن يكون خليفة من بعده ، و وجّه الإمام خطابه للقرشيّين قائلا :
« ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ».
ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده قائلا :
يا عليّ ، لا تجعل على نفسك سبيلا ...
و غادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول :
« سيبلغ الكتاب أجله ».
والتاع عمّار فخاطب ابن عوف قائلا :
يا عبد الرحمن! أما والله! لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه كانوا يعدلون.
وذابت نفس المقداد أسى وحزنا وراح يقول :
تالله! ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ، واعجبا لقريش ، لقد تركت رجلا ما أقول ولا أعلم أنّ أحدا أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ، أما لو أجد أعوانا ...
وقطع عليه عبد الرحمن كلامه ، وراح يحذّره من الفتنة قائلا :
__________________
(1) منشم : اسم امرأة بمكّة كانت عطّارة ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها ، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم فكان يقال : اشأم من عطر منشم ، جاء ذلك في صحاح الجوهري 25 : 2041. وقد استجاب الله دعاء الإمام فكانت بين عبد الرحمن وعثمان أشدّ المنافرة والخصومة ، وقد أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان بعد موته.
اتّق الله يا مقداد! فإنّي أخاف عليك الفتنة (1) .
وهكذا تغلّبت قريش على سائر القوى الخيّرة التي أرادت إرجاع الحقّ إلى أهله ومعدنه ، وهم أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة ، الذين ساهموا في بناء الإسلام ، وقام على أكتافهم ، واستشهد أعلامهم أمثال الشهيد الخالد جعفر الطيّار وحمزة وعبيدة وغيرهم ، كما قام بجهود الإمام أمير المؤمنين وجهاده.
وعلى أيّ حال فقد انتهت مأساة الشورى التي صمّمت لإقصاء الإمام عن الحكم ، وقد أخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرّ عظيم.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 194.
حكومة عثمان
واستقبلت القوى الخيّرة خلافة عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب ، فقد اعتبرت فوزه في الحكم فوزا لاسرة الأمويّين الذين لم يألوا جهدا في محاربة الإسلام والكيد للمسلمين ، ويرى « دوزي » أنّ انتصار الأمويّين إنّما هو انتصار للجماعة التي كانت تضمر العداء للإسلام (1) .
لقد خاف المسلمون على دينهم ، وخافوا على دولتهم من الأمويّين ، وتحقّق ما خافوا منه ، فإنّه لم يمض قليل من الوقت حتى استولى الأمويّون على جميع أجهزة الدولة ، وسخّروا الاقتصاد العامّ لمصالحهم حتى عمّ الفقر وسادت الفوضى في جميع أنحاء البلاد.
إنّ عثمان حينما فرضه ابن عوف خليفة على المسلمين احتفّ به الأمويّون واخوانهم القرشيّون ، وجاءوا به يزفّونه إلى مسجد النبيّ 6 ، وقد علت أصواتهم بالدعم الكامل لحكومته ، والهتاف بحياته ، واعتلى عثمان المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله 6 ، ولم يجلس في المكان الذي كان يجلس فيه أبو بكر وعمر ، وارتاب بعض الحاضرين ، فقالوا : اليوم ولد الشرّ (2) .
واتّجه المجتمع ليسمع ما يدلي به عثمان ، وما يفتح به مناهجه السياسية ، فارتجّ عليه ولم يدر ما يقول ، وجهد نفسه فألقى هذه الكلمات المتقطّعة المضطربة.
__________________
(1) تاريخ الشعر العربيّ : 26.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 140. البداية والنهاية 7 : 148.
« أمّا بعد ، فإن أوّل مركب صعب ، وما كنّا خطباء ، وسيعلم الله ، وأنّ امراء ليس بينه وبين آدم إلاّ أب ميّت ، لموعوظ » ، ثمّ نزل عن المنبر وهو وجل (1) ، وأنت ترى أنّه ليس بين هذه الكلمات أي ربط أو اتّصال ، وإنّما كانت متنافرة في اسلوبها الأمر الذي دعا الحاضرين ليهزءوا به ويسخروا منه ، وكان ذلك من آفات الشورى التي امتحن بها المسلمون ، فقد أقصت أمير البيان ورائد الحكمة والعدالة في دنيا الإسلام وفرضت عثمان حاكما على المسلمين.
مظاهر شخصيّته :
ولا بدّ لنا من التحدّث عن مظاهر شخصيّة عثمان التي هي المقياس في نجاح أي حاكم أو فشله في الميادين السياسية والاجتماعية وهذه بعضها :
أوّلا ـ ضعف الإرادة :
كان عثمان ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ ضعيف الإرادة ، خائر العزيمة ، ولم تكن له أيّة قدرة على مواجهة الأحداث والتغلّب عليها ، فقد استولى عليه الأمويّون وسيطروا على جميع شئونه ، ولم يستطع أن يقف موقفا إيجابيا ضدّ رغباتهم وأهوائهم ، ووصفه بعض الكتّاب المحدثين بأنّه كالميّت في يد الغاسل لا حول له ولا قوّة.
وكان الذي يدير شئون دولته مروان بن الحكم ، فهو الذي يعطي ويمنع ويتصرّف حسب ما يشاء ، ولا رأي لعثمان ولا اختيار له ، وقد قبض على الدولة بيد من حديد ، يقول ابن أبي الحديد :
إنّ الخليفة في الحقيقة والواقع إنّما كان مروان ، وعثمان له اسم الخلافة.
__________________
(1) الموفّقيات : 202.
وأراد بعض المؤرّخين أن يدافع عن عثمان فقال : إنّه كان شديد الرأفة والرقّة واللين والتسامح. نعم ، إنّه كذلك ، ولكن مع أرحامه وأسرته ، أمّا مع الجبهة المعارضة لسياسته فقد اتّسم بالشدّة والغلظة معهم ، فقد نفى المصلح العظيم أبا ذرّ إلى الشام ، ثمّ إلى الربذة ، وفرض عليه الإقامة الجبرية فيها ، وقد انعدمت في هذه البقعة جميع وسائل الحياة حتى مات جائعا غريبا وفي يد عثمان ذهب الأرض ينفقه بسخاء على بني أميّة وآل أبي معيط. كما نكل بالطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر صاحب رسول الله 6 فأمر بضربه حتى أصابه فتق ، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه ، كما نكّل بعبد الله بن مسعود القارئ الكبير فقد ألهبت جسمه سياط شرطته وهشّموا أضلاعه وحرّم عليه العطاء ، وهكذا كانت معاملته مع الناقمين لسياسته ، أمّا المؤيّدون له فقد وهبهم الثراء العريض وأسند لهم المناصب الحسّاسة في الدولة وحملهم على رقاب الناس.
ثانيا ـ حبّه العارم للأمويّين :
من النزعات التي اشتهر بها عثمان هو أنّه كان عظيم الحبّ والولاء لاسرته ، حتى تمنّى أن تكون مفاتيح الجنّة بيده ليهبها لبني أميّة ، ولمّا تقلّد زمام الدولة آثرهم بالفيء ، ووهبهم الملايين ، وجعلهم ولاة على الأقطار والأمصار الإسلامية ، وكانت تتواتر إليه الأخبار أنّهم جانبوا الحقّ وأشاعوا الفساد في الأرض فلم يحفل بذلك ، ولم يجر معهم أي لون من التحقيق الأمر الذي أدّى إلى النقمة عليه ، وسنتعرّف على ذلك في البحوث الآتية.
ثالثا ـ ميله إلى الترف :
وكان عثمان شديد الميل إلى الترف والبذخ ، فاتّخذ القصور ، واصطفى لنفسه ما شاء من بيت المال ، وأحاط نفسه بالثراء العريض ، ووصفه الإمام 7 بقوله :
« نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه » ، وكان ذلك من موجبات النقمة عليه.
رابعا ـ مصانعة الوجوه :
ومن نزعاته مصانعة الوجوه والأشراف ، وإن أدّى ذلك إلى إهمال الأحكام الشرعية ، وكان من ذلك ما ذكره المؤرّخون أنّ أبا لؤلؤة لمّا اغتال عمر قام ولده عبيد الله فقتل الهرمزان صديق أبي لؤلؤة ، وقتل جفينة وابنة أبي لؤلؤة ، وهو قتل متعمّد بغير حقّ ، فأقفل عثمان سير التحقيق مع عبيد الله وأصدر عفوا عنه ممالأة لاسرة عمر ، وقد قوبل هذا الإجراء بمزيد من الانكار ، فقد أنكر عليه الإمام وطالبه بالقود من ابن عمر ، وكذلك طالبه المقداد فلم يعن عثمان بذلك ، وكان زياد بن لبيد إذ لقي عبيد الله بن عمر خاطبه بهذه الأبيات :
ألا يا عبيد الله! مالك مهرب |
ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر |
|
أصبت دما والله! في غير حلّه |
حراما وقتل الهرمزان له خطر |
|
على غير شيء غير أن قال قائل |
أتتّهمون الهرمزان على عمر؟ |
|
فقال سفيه ـ والحوادث جمّة ـ: |
نعم اتّهمه قد أشار وقد أمر! |
|
وكان سلاح العبد في جوف بيته |
يقلّبها والأمر بالأمر يعتبر |
وشكا عبيد الله إلى عثمان ما قاله زياد فيه ، فدعاه عثمان ونهاه عن ذلك إلاّ أنّه لم ينته ، وتناول عثمان بالنقد فقال فيه :
أبا عمرو عبيد الله رهن |
ـ فلا تشكك ـ بقتل الهرمزان |
|
فإنّك إن غفرت الجرم عنه |
وأسباب الخطا فرسا رهان |
|
أتعفو إذ عفوت بغير حقّ |
فما لك بالذي تحكى يدان |
وغضب عثمان من زياد وحذّره العقوبة حتى انتهى (1) .
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 41.
وأمر عثمان بإخراج عبيد الله إلى الكوفة ، وأقطعه بها أرضا واسعة ، فنسبت إليه ، وقيل ( كوفية ابن عمر ) ، وكانت هذه الحادثة من الأسباب التي أدّت إلى نقمة المسلمين عليه.
ولاته وعمّاله :
وفرض عثمان اسرته وذوي قرباه من بني أميّة وآل أبي معيط ولاة وحكّاما على المسلمين ، يقول المقريزي :
« وجعل عثمان بني أميّة أوتاد خلافته » ، مع العلم أنّه لم تتوفّر في أي واحد القابلية لتحمّل المسئولية وإدارة دفّة الحكم ، مع أنّ الكثيرين منهم ليس لهم معرفة بأحكام الإسلام ، كما لم تكن لهم حريجة في الدين ، فكيف يجعلون ولاة وحكّاما على المسلمين؟
ويرى السيّد مير علي أنّ المسلمين تذمّروا من استبداد الحكّام واغتصابهم الأموال (1) ، وكان من ولاته أبو موسى الأشعري ، فسمح لأحد عمّاله بالتجارة في أقوات أهل العراق (2) .
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى بعض عمّاله الذين عانى منهم المسلمون الجهد والبلاء ، وفيما يلي ذلك :
1 ـ عبد الله بن عامر :
عبد الله بن عامر بن كريز هو ابن خال عثمان ، وقد ولاّه إمارة البصرة بعد أن عزل منها أبا موسى الأشعري ، وكان ولاجا خرّاجا (3) ، وهو أوّل من لبس الخزّ
__________________
(1) مختصر تاريخ العرب : 43.
(2) تاريخ الطبري 4 : 262.
(3) الكامل في التاريخ 3 : 38.
في البصرة ، وقد لبس جبّة دكناء ، فقال الناس : لبس الأمير جلد دبّ ، فغيّر لباسه ولبس جبّة حمراء (1) .
وقد نقم الناس من سياسته وسوء تصرّفاته ، وعابوا على عثمان ولايته له ، وخفّ إلى يثرب عامر بن عبد الله موفدا من قبل أهل البصرة يطالب عثمان بالاستقامة في سلوكه فقال له :
إنّ اناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ركبت امورا عظاما ، فاتّق الله عزّ وجلّ وتب إليه وانزع عنها ...
فاحتقره عثمان وأعرض عنه ، وقال لمن حوله :
انظروا إلى هذا ، فإنّ الناس يزعمون انّه قارىء ، ثمّ هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات ، فو الله! ما يدري أين الله؟ ...
ولم يكلّمه عامر إلاّ بتقوى الله وطاعته ، وإيثار مصلحة المسلمين ، فهل هذه الامور من المحقّرات؟
والتفت إليه عامر فقال له :
أنا لا أدرى أين الله ...
نعم.
إنّي لأدري انّ الله بالمرصاد ...
وغضب عثمان ، فعقد مؤتمرا من مستشاريه ، وعرض عليهم انتقاد المعارضين لسياسته ، فأشار عليه ابن خاله عبد الله بن عامر أن يتّخذ معهم الاجراءات الصارمة قائلا :
__________________
(1) اسد الغابة 3 : 192.
رأي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك ، فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته ..
وأشار عليه آخرون بخلاف ذلك ، إلاّ أنّه استجاب لرأي ابن خاله ، وأو عز إلى عمّاله بالتضييق على الجبهة المعارضة ، ومقابلتهم بالشدّة والعنف ، فاستجاب له ، وطبّق ما أشار عليه ، فقد أمر عمّاله بتجمير الناس في البعوث ، وعزم على حرمانهم من العطاء حتى يشيع الفقر فيهم والبؤس ، فيضطروا إلى طاعته (1) .
ولمّا قفل عبد الله بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبد الله ، وأوعز إلى عملائه أن يشهدوا عليه شهادة زور بأنّه خالف المسلمين في امور قد أحلّها الله كان منها :
1 ـ أنّه لا يأكل اللحم.
2 ـ لا يشهد الجمعة.
3 ـ لا يرى مشروعية الزواج (2) .
ودوّنت شهادتهم ، ورفعها إلى عثمان ، فأمره بنفيه إلى الشام ، وحمله على قتب حتى يشق عليه السفر ، ولمّا انتهى إلى الشام أنزله معاوية ( الخضراء ) ، وبعث إليه بجارية تكون عينا عليه ، وأشرفت عليه الجارية فرأته يقوم في الليل متعبّدا ، ويخرج من السحر فلا يعود إلاّ بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئا ، وكان يتناول كسرا من الخبز ويجعلها في الماء تحرّجا من أن يدخل جوفه شيء من الحرام ، وانبرت الجارية فأخبرت معاوية بشأنه ، فكتب إلى عثمان بأمره (3) ، وقد
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 94. تاريخ ابن خلدون 2 : 39.
(2) الفتنة الكبرى 1 : 116.
(3) الاصابة 3 : 85.
نقم الأخيار والمتحرّجون في دينهم على عثمان لما اقترفه في شأن هذا العبد الصالح.
وعلى أي حال فقد ظلّ عبد الله بن عامر واليا على البصرة لم يتحرّج من إثم وبغي ، ولمّا قتل عثمان نهب ما في بيت المال وسار إلى مكّة ، فوافى بها طلحة والزبير وعائشة فانضمّ إليهم ، وأمدّهم بالأموال التي نهبها ليستعينوا بها على حرب الإمام أمير المؤمنين ، وهو الذي أشار عليهم بالنزوح إلى البصرة (1) .
إنّ هذا الذئب الجاهلي من ولاة عثمان ومن المقرّبين إليه ، وقد أسند إليه ولاية هذا القطر المهمّ.
2 ـ الوليد بن عقبة :
وكان على الكوفة واليا سعد بن أبي وقّاص الزهري ، فعزله عثمان وولّى عليها الوليد بن عقبة ، وهو ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ من فسّاق بني أميّة ، ومن أكثرهم مجونا ، وقد أخبر النبيّ 6 أنّه من أهل النار (2) ، وكان أبوه عقبة من ألدّ أعداء النبيّ 6 ، فكان يأتي بالروث ويطرحه على بابه (3) ، وهو الذي بصق بوجه النبيّ ، فهدّده بأنّه إن وجده خارجا من جبال مكّة يأمر بضرب عنقه ، ولمّا كانت واقعة بدر امتنع من الخروج ، فأصرّ عليه أصحابه فأخبرهم بخوفه من النبيّ ، فأغروه وخدعوه وقالوا له : لك جمل أحمر لا يدرك ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه ، فاستجاب لهم ، وخرج لحرب النبيّ ، فلمّا هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الأرض ، فأخذه المسلمون وجاءوا به أسيرا ، فأمر النبيّ عليّا بضرب عنقه ، فقام إليه وقتله (4) ،
__________________
(1) اسد الغاية 3 : 192.
(2) مروج الذهب 2 : 223.
(3) الطبقات الكبرى 1 : 186.
(4) الغدير 8 : 273.
وقد أترعت نفس الوليد بالحقد والعداء للنبيّ وللإمام لأنّهما قد وتراه بأبيه ، وقد أسلم الوليد مع من أسلم من كفّار قريش خوفا من حدّ السيف.
وقد انزلت في ذمّه آيتان في فسقه وذمّه وهما :
الاولى : قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) (1) ، وكان سبب نزول هذه الآية أنّ النبيّ 6 أرسله إلى بني المصطلق لأخذ الصدقة منهم ، فعاد إليه وأخبره بأنّهم منعوه منها ، فخرج إليهم النبيّ 6 فتبيّن له كذبه ، ونزلت الآية في فسقه.
الثانية : قوله تعالى : ( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (2) ، وكان السبب في نزولها أنّه جرت بين الوليد وبين الإمام مشادّة ، فقال الوليد للإمام :
اسكت فإنّك صبي وأنا شيخ ، والله! إنّي أبسط منك لسانا ، وأحدّ منك سنانا ، وأشجع منك جنانا ، وأملأ منك حشوا في الكتيبة.
فردّ عليه الإمام قائلا :
« اسكت فإنّك فاسق ».
فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآية ، ونظم هذه الحادثة حسّان بن ثابت بقوله :
أنزل الله والكتاب عزيز |
في عليّ وفي الوليد قرانا |
|
فتبوّا الوليد من ذاك فسقا |
وعليّ مبوّأ إيمانا |
|
ليس من كان مؤمنا عرف الله |
كمن كان فاسقا خوّانا |
|
فعليّ يلقى لدى الله عزّا |
ووليد يلقى هناك هوانا |
|
سوف يجزى الوليد خزيا ونارا |
وعليّ لا شكّ يجزى جنانا (3) |
__________________
(1) الحجرات : 6.
(2) السجدة : 18.
(3) تذكرة الخواص : 115.
ولمّا ولاّه عثمان ولاية الكوفة كان يشرب الخمر جهارا ، وقد دخل القصر وهو ثمل يتمثّل بأبيات تأبط شرّا :
ولست بعيدا عن مدام وقينة |
ولا بصفا صلد عن الخير معزل |
|
ولكن أروى من الخمر هامتي |
وأمشي الملا بالساحب المتسلسل (1) |
ومن مجونه أنّه كان يفيق لياليه سكران مع المغنّين حتى الصباح ، وكان نديمه أبو زيد الطائي من نصارى تغلب ، وقد أنزله دارا له على باب المسجد ، ثمّ وهبها له ، وكان الطائي يشقّ صفوف المصلّين في الجامع حتى ينتهي إليه وهو سكران (2) .
وكان من إدمانه على الخمر أنّه شربها فصلّى بالناس صلاة الصبح وهو ثمل أربع ركعات ، وصار يقول في ركوعه وسجوده : اشرب واسقني ، ثمّ قاء الخمر في المحراب وسلّم ، والتفت إلى المصلّين خلفه وقال : هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيرا ولا من بعثك إلينا ، وأخذ فروة نعله وضرب بها وجهه ، وحصبه الناس ، فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو ثمل (3) مترنّح ، وفي فضائحه ومخازيه يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه |
أنّ الوليد أحقّ بالغدر |
|
نادى وقد تمّت صلاتهم |
أأزيدكم ثملا ولا يدري |
|
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا |
منه لزادهم على عشر |
|
فأبوا أبا وهب ولو فعلوا |
لقرنت بين الشفع والوتر |
|
حبسوا عنانك إذ جريت ولو |
خلوا عنانك لم تزل تجري (4) |
__________________
(1) الأخبار الطوال : 156.
(2) الأغاني 5 : 122. العقد الفريد 6 : 348.
(3) السيرة الحلبية 2 : 314.
(4) الأغاني 4 : 178.
أرأيتم هذه السخرية اللاذعة والاستهزاء السافر بأحد ولاة عثمان؟
وقال الحطيئة في ذمّه وهجائه مرّة أخرى :
تكلّم في الصلاة وزاد فيها |
علانية وجاهر بالنفاق |
|
ومجّ الخمر عن سنن المصلّي |
ونادى والجميع إلى افتراق |
|
أأزيدكم على أن تحمدوني |
فما لكم ومالي من خلاق (1) |
وأسرع جماعة من خيار الكوفة إلى يثرب يشكون الوليد إلى عثمان ، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره ، وقابلوا عثمان ، وعرضوا عليه أنّ الوليد شرب الخمر فزجرهم عثمان وقال لهم بعنف :
ما يدريكم انّه شرب الخمر؟
هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية.
وأعطوه خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره لتأييد شهادتهم ، فغضب عثمان ، ودفع في صدورهم وقابلهم بأخبث القول وأقساه ، وخرجوا منه وهم يتميّزون من الغيظ ، واتّجهوا صوب الإمام وأخبروه بما جرى لهم مع عثمان ، فانبرى إلى عثمان وقال له :
« دفعت الشّهود وأبطلت الحدود ».
وخاف عثمان من عواقب الامور ، فقال للإمام :
ما ترى؟
« أرى أن تبعث إلى صاحبك ، فإن أقاما الشّهادة في وجهه ولم يدل بحجّة أقمت عليه الحدّ ».
ولم يجد عثمان بدّا من امتثال أمر الإمام ، فكتب إلى الوليد يأمره بالحضور
__________________
(1) الأغاني 4 : 178.
إلى يثرب ، ولمّا انتهت إليه رسالة عثمان نزح من الكوفة إلى يثرب ولمّا مثل أمام عثمان دعا بالشهود ، فأقاموا عليه الشهادة ، ولم يدل الوليد بأيّة حجّة ، وقد خضع بذلك لإقامة الحدّ ، ولم ينبر أحد لإقامة الحدّ عليه خوفا من عثمان ، فقام الإمام 7 ودنا منه فسبّه الوليد وقال له : يا صاحب مكس (1) ، وقام إليه عقيل فردّ عليه سبّه ، وضرب الإمام به الأرض وعلاه بالسوط ، وعثمان يتميّز غيظا ، فصاح بالإمام :
ليس لك أن تفعل به هذا.
فأجابه الإمام بمنطق الشرع :
« بلى ، وشرّ من هذا إذا فسق ، ومنع حقّ الله أن يؤخذ منه » (2) .
وعلّق العلاّمة العلا يلي على هذه البادرة بقوله :
هذه القصة تضع بين أيدينا شيئا جديرا غير العطاء الذي يرجع إلى مكان العاطفة ، تضع بين أيدينا صورة عن الاغضاء عن مجاوزة السلطة للقانون ، والاغضاء في واقعة دينية ، بحيث يجب على الخليفة أن يكون أوّل من يغار عليها ، وإلاّ هدّد مكانه وافسح المجال للناس للنقد والتجريح ، وبالأخصّ حين جاءت حكومته عقيب حكومة عمر التي عرفت بالشدّة فيما يتعلّق بالحدود الدينية حتى لو كان من أقرب ذوي القربى.
إذن ، فهذه المبالغة في الاغضاء والصفح والمجاوزة لا ترجع إلى مكان العاطفة وحدها ـ إن كانت ـ بل إلى الحزبية حتى تتناحر مجتمعة (3) .
إنّ الوليد بفسقه وفجوره ترك الدعارة واللهو والمجون في الكوفة ، وقد أسّست فيها دور للغناء والطرب ، وانتشر فيها المغنّون ، فكان فيها عبد الله بن هلال
__________________
(1) المكس : النقص والظلم.
(2) مروج الذهب 2 : 225.
(3) الإمام الحسين 7 : 33.
الذي لقّب بصاحب إبليس (1) ، وحنين الشاعر النصراني (2) وغيرهما من أعلام الغناء.
3 ـ عبد الله بن سعد :
ومن ولاة عثمان أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فجعله واليا على مصر ، وأسند إليه إقامة الصلاة والولاية على الخراج ، وهو فيما أجمع عليه المؤرّخون من أكثر زنادقة قريش عداء للنبيّ 6 ، وكان يقول مستهزئا به : إنّي أصرفه حيث اريد ، وأحلّ النبيّ 6 دمه وإن كان متعلّقا بأستار الكعبة ، وقد هرب بعد فتح مكّة فاستجار بعثمان فغيّبه ، وبعد ما اطمأن أهل مكّة أتى به عثمان إلى النبيّ ، فلمّا رآه صمت طويلا ، ثمّ آمنه وعفا عنه ، فلمّا انصرف عثمان التفت النبيّ إلى أصحابه وقال لهم :
« ما صمت إلاّ ليقوم إليه بعضكم ليضرب عنقه ».
فقال له رجل من الأنصار : هلا أومأت إليّ يا رسول الله؟
فقال 6 : « إنّ النبيّ لا ينبغي له خائنة الأعين » (3) .
ولمّا ولي عبد الله مصر ساس المصريّين سياسة عنف وكلّفهم فوق ما يطيقون ، وأظهر الكبرياء والجبروت ، فضجروا منه ، فذهب خيارهم إلى عثمان يشكون إليه ، فاستجاب لهم عثمان وأرسل إليه رسالة يستنكر فيها سياسته في القطر ، فلم يستجب لعثمان ، وراح مصرّا على غيّه ، وعمد إلى من شكاه لعثمان فقتله ، وشاع التذمّر وعمّ السخط من جميع الأوساط في مصر ، فتشكّل منهم وفد كبير بلغ عدد أعضائه سبعمائة شخص فخفّوا إلى عثمان ، ولمّا انتهوا إلى يثرب نزلوا في الجامع وشكوا
__________________
(1) الأغاني 2 : 351.
(2) المصدر السابق : 349.
(3) تفسير القرطبي 7 : 40. سنن أبي داود 2 : 220.
أميرهم إلى الصحابة ، فانبرى طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام قاسي ، وأرسلت إليه عائشة تطالبه بإنصاف القوم ، وكلّمه
الإمام أمير المؤمنين 7 في شأنه قائلا : « إنّما يسألك القوم رجلا مكان رجل ، وقد ادّعوا قبله دما ، فاعزله واقض بينهم ، فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه ».
واستجاب عثمان ـ على كره ـ لنصيحة الإمام ، وقال للقوم : اختاروا رجلا اولّيه عليكم مكانه ، فأشاروا عليه بمحمّد بن أبي بكر ، فكتب إليه عهده ، وبعث معه عدّة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح (1) ، ونزح القوم من المدينة ، فلمّا انتهوا إلى الموضع المعروف بـ ( حمس ) وإذا بقادم من المدينة ، تأمّلوه وإذا هو ورش غلام عثمان ، ففتّشوه وإذا به يحمل رسالة من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالمصريّين ، وتأمّلوا الكتاب وإذا به بخطّ مروان ، فقفلوا راجعين إلى المدينة وقد صمّموا على قتل عثمان أو خلعه (2) .
4 ـ معاوية بن أبي سفيان :
وأقرّ عثمان معاوية على الشام ، فقد ولاّه عمر عليه ، وزاد عثمان في رقعة سلطانه ، وزاد في نفوذه ، وقد مهّد له الطريق لنقل الخلافة إليه.
يقول الدكتور طه حسين :
وليس من شكّ في أنّ عثمان هو الذي مهّد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان ، وتثبيتها في بني أميّة ، فعثمان هو الذي وسّع على معاوية في الولاية فضمّ إليه فلسطين وحمص ، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين ، ثمّ مدّ له في الولاية أثناء خلافته كلّها كما فعل عمر ، وأطلق يده في امور الشام أكثر ممّا أطلقها
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 26.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 250.
عمر ، فلمّا كانت الفتنة فإذا هو أبعد الامراء بالولاية عهدا وأقواهم جندا وأملكهم لقلب رعيّته (1) .
وحكى حديث الدكتور الواقع ، فإنّ عثمان هو الذي أمدّ في سلطان معاوية ، وبسط له النفوذ والسعة حتى صار من أقوى الولاة ، وأصبح قطره من أهمّ الأقطار الإسلامية ومن أكثرها ولاء له.
5 ـ سعيد بن العاص :
وأسند عثمان ولاية الكوفة إلى سعيد بن العاص ، فولاّه هذا القطر العظيم الذي كان حامية للجيوش الإسلامية بعد أن عزل عنه الوليد الذي شرب الخمر وأقام الإمام 7 عليه الحدّ.
وقد استقبل الكوفيّون ولاية سعيد بكثير من الكراهية ؛ لأنّه كان شابا مترفا متهوّرا لا يتحرّج من اقتراف الإثم والمنكر ، وقد روى المؤرّخون صورا من استهتاره بالقيم الإسلامية والاجتماعية كان منها ما يلي : إنّه طلب من الحاضرين رؤية عيد شهر رمضان المبارك ، فقام إليه الصحابي الجليل هاشم بن عتبة المرقال فقال له :
أنا رأيته ..
فوجّه إليه كلاما جافيا لا يصدر من إنسان شريف قائلا له : بعينك هذه العوراء رأيته؟ ..
فالتاع هاشم وانبرى يقول :
تعيّرني بعيني ، وإنّما فقئت في سبيل الله ، وكانت عينه قد اصيبت يوم اليرموك.
لقد فقئت عين هذا المجاهد الكبير في واقعة اليرموك ، وقد عيّره بها هذا
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 : 120.
الجاهلي الذي لم يتربّ إلاّ على الرذائل والموبقات.
وعلى أي حال فقد أصبح هاشم مفطرا ؛ لأنّه قد رأى الهلال ، وقد جاء عن النبيّ 6 « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ، وقد فطر الناس لإفطاره ، فانتهى الخبر إلى سعيد فأرسل خلفه وضربه ضربا موجعا وأمر بإحراق داره ، وقد أثار ذلك حفائظ النفوس ونقم عليه الأخيار والمتحرّجون في دينهم ، فقد كان اعتداؤه على علم من أعلام الإسلام بغير حقّ ووجه مشروع إلاّ إرضاء لعواطفه المترعة بالجهل والحقد على رجال الإسلام (1) .
2 ـ أعلن سعيد أمام الجماهير القول : إنّما السواد ـ يعني سواد الكوفة ـ بستان لقريش وأثار ذلك حفائظ النفوس ، فالسواد ملك للمسلمين وليس للقرشيّين الذين هم خصوم الإسلام وأعداء الرسول أي حقّ فيه وقد اندفع الزعيم الكبير مالك الأشتر إلى الانكار عليه قائلا :
أتجعل مراكز رماحنا ، وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك؟ والله! لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه ...
لقد اتّخذ الحكم الأموي الذي فرض على الامّة بقوّة السيف خيرات الامّة بستانا لقريش التي ناجزت الإسلام وكفرت بجميع قيمه.
وانضمّ قرّاء المصر وفقهاؤهم إلى الزعيم مالك الأشتر فردّوا على الوالي طيشه وغروره ، وجابهوه بالنقد لمقالته ، وغضب مدير شرطته فردّ عليهم ردّا غليظا ، فبادروا إليه وضربوه ضربا عنيفا حتى اغمي عليه ، وأخذوا يذيعون مساوئ قريش وجرائم بني أميّة وذكر مثالب عثمان ، ورفع سعيد من فوره رسالة إلى عثمان أخبره فيها بما جرى عليه ، فأمره بنفيهم إلى الشام ، وكتب رسالة إلى معاوية يأمره فيها
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 1 : 240.
باستصلاحهم. ولم يرتكب هؤلاء الأخيار إثما أو يحدثوا فسادا في الأرض حتى يستحقّوا النفي من وطنهم ، وإنّما نقدوا أميرهم لأنّه قال غير الحقّ ، وشذّ عن الطريق القويم. ومن المؤكّد أنّ الإسلام قد منح الحرية التامّة للمواطنين ، فلهم أن ينقدوا الحكّام والمسئولين إذا شذّوا في سلوكهم وابتعدوا عن الحقّ.
وعلى أي حال فقد قامت السلطة بإخراج القوم بالعنف عن أوطانهم ، وأرسلتهم مخفورين إلى الشام ، فتلقّاهم معاوية وأنزلهم في كنيسة ، وأجرى عليهم بعض الرزق ، وجعل يناظرهم ، ويحبّذ لهم الغضّ عمّا تقترفه السلطة من أعمال إلاّ أنّهم لم يستجيبوا له وأنكروا عليه وعلى سعيد الذي قال : إنّما السواد بستان قريش.
ولمّا يئس معاوية منهم كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفا من أن يفسدوا أهلها عليه ، فأعفاه عثمان وأمره بردّهم إلى الكوفة ، فلمّا عادوا إليها انطلقت ألسنتهم بنقد أمير الكوفة وذكر مثالب الأمويّين ، ورفع سعيد ثانيا أمرهم إلى عثمان ، فأمره بنفيهم إلى حمص والجزيرة ، فأخرجهم سعيد بعنف ، فلمّا انتهوا إلى حمص قابلهم وإليها بشدّة وعنف ، وسامهم سوء العذاب ، ويقول الرواة : إنّه إذا ركب أمر بهم بالسير حول ركابه مبالغة في إذلالهم والاستهانة بهم ، ولمّا رأوا ذلك أظهروا له الطاعة والاذعان لسلطانه ، وكتب لعثمان بذلك ، فأمره بردّهم إلى الكوفة ، وأخرجهم من حمص ، ومضوا يجدّون في سيرهم ، وجعلوا طريقهم إلى يثرب لمقابلة عثمان ، وعرض ما عانوه من عمّاله من صنوف التعذيب والارهاق ، وتوجّهوا صوب المدينة ، فلمّا انتهوا إليها رأوا سعيدا قد أقبل من الكوفة في مهمّة رسمية ، وقابلوا عثمان ، وعرضوا عليه ما لا لاقوه من سعيد ، وسألوه عزله ، وفاجأهم سعيد فرآهم عند عثمان وهم يشكونه ، فأعرض عنهم عثمان وألزمهم بطاعته والانصياع لأوامره.
وقفل القوم راجعين إلى الكوفة ، وأقسموا أن لا يدخلها سعيد ، وقاموا
باحتلال مركزه ، وخرجوا في جماعة مسلّحين بقيادة الزعيم مالك الأشتر حتى انتهوا إلى ( الجرعة ) ، فرابطوا فيها ليحولوا بين سعيد وبين دخوله إلى الكوفة ، وأقبل سعيد فقاموا بوجهه وعنّفوه أشدّ العنف ومنعوه من الدخول إلى مصرهم ، فولّى منهزما إلى عثمان يشكوهم إليه ، ولم يجد عثمان بدّا في عزله وتولية غيره مكانه (1) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ولاة عثمان من الأمويّين ، وقد منحهم هذه المناصب العليا تقوية لنفوذهم ، وبسطا لسلطانهم ، وحملهم على رقاب المسلمين ، يقول السيّد مير علي الهندي :
وكان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضّلين ، وقد تعلّقوا بالولايات كالثعبان الجائعة ، فجعلوا ينهشونها ويكدّسون الثروات منها بوسائل الإرهاق التي لا ترحم (2) .
وعلى أي حال فإنّ من الأسباب المهمّة التي أدّت إلى قتل عثمان سيرة ولاته وعمّاله الأمويّين الذين لم يألوا جهدا في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون.
سياسته الاقتصادية :
ولم تكن لعثمان سياسة اقتصادية واضحة المعالم ، وإنّما انتهج سياسة عمر وسار عليها (3) ، وهي ممالأة الأشراف والوجوه ، وتقديمهم في العطاء على غيرهم ، وقد شذّت هذه السياسة عمّا قنّنه الإسلام من لزوم المساواة بين المسلمين في العطاء ، وإيجاد التوازن الاقتصادي في الحياة العامّة ، وليس لولاة الامور أن
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 85. تاريخ أبي الفداء 1 : 68.
(2) روح الإسلام : 90.
(3) تاريخ العراق في ظلّ الحكم الأموي : 90.
يصطفوا من أموال الدولة أي شيء لنفوسهم ولغيرهم ، يقول رسول الله 6 : « إنّ رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ فلهم النّار يوم القيامة » (1) .
وأوضح الإمام أمير المؤمنين 7 النهج الكامل على للسياسة الاقتصادية في الإسلام وذلك فيما كتبه إلى قثم بن العبّاس قال 7 :
وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة ، مصيبا به مواضع الفاقة والخلاّت وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا (2) .
هذا هو نظر الإسلام في أموال الدولة : إنفاق على الفقراء ، ورفع لغائلة الجوع ، وبسط للرخاء العامّ بين المسلمين أمّا عثمان فلم يعن بذلك ، وإنّما أنفق الأموال بسخاء على بني أميّة وآل أبي معيط وسائر الوجوه والأشراف المؤيّدين لسياسته.
لقد أصبحت الأموال الهائلة التي تتدفّق على الخزينة المركزية تمنح للأمويّين ، وادّعوا أنّ المال إنّما هو ملكهم لا مال الدولة ، وأنّها ملك لبني أميّة ، فقد منحوا نفوسهم جميع الامتيازات (3) ، ونعرض فيما يلي لذلك :
هباته للأمويّين :
ومنح عثمان بني أميّة الأموال الهائلة ووهبهم الثراء العريض ، وهذه قائمة ببعض أسماء الذين أغدق عليهم الأموال وهم :
1 ـ الحارث بن الحكم :
وهب عثمان الحارث بن الحكم صهره من عائشة ما يلي :
__________________
(1) صحيح البخاري 5 : 17.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 : 128.
(3) العقيدة والشريعة في الإسلام : 23.
أ ـ ثلاثمائة ألف درهم (1) .
ب ـ وهبه إبل الصدقة التي وردت إلى المدينة (2) .
ج ـ أقطعه سوقا في المدينة يعرف بتهروز بعد أن تصدّق به النبيّ على جميع المسلمين (3) .
2 ـ أبو سفيان :
وهب عثمان عميد اسرته أبا سفيان مائتي ألف درهم من بيت المال (4) .
3 ـ سعيد بن العاص :
منحه مائة ألف درهم من بيت المال (5) .
4 ـ عبد الله بن خالد :
تزوّج عبد الله بن خالد بنت عثمان ، فأمر له بستمائة ألف درهم ، وكتب إلى عبد الله بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال (6) .
5 ـ الوليد بن عقبة :
أمّا الوليد بن عقبة فهو أخو عثمان من امّه ، استقرض من عبد الله بن مسعود أموالا طائلة من بيت المال ، فطالبه بها ، فأبى أن يدفعها ، ورفع الوليد رسالة إلى عثمان يشكو فيها ابن مسعود لمطالبته بالمال ، فكتب إليه عثمان : إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال ، وغضب ابن مسعود ، وطرح مفاتيح بيت المال ، وقال : كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين ، فأمّا إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 52.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 355.
(3) و (5) أنساب الأشراف 5 : 28.
(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 67.
(6) تاريخ اليعقوبي 2 : 145.
في ذلك ، وأقام في الكوفة بعد أن استقال من منصبه (1) .
إنّ بيت المال في عرف عثمان ملك لبني أميّة الذين ناهضوا الإسلام ، وليس ملكا للمسلمين ، ونترك الحكم في ذلك إلى القرّاء.
6 ـ الحكم بن أبي العاص : أمّا الحكم فهو رجس من أرجاس الجاهلية ، ومن ألدّ أعداء الرسول 6 ، ونفاه إلى الطائف بعد فتح مكّة ، وقال : لا يساكنني ، ولم يزل منفيا هو وأولاده ، وبعد وفاة النبيّ 6 أقرّ الشيخان نفيه ، ولمّا انتهى الحكم إلى عثمان أصدر عنه العفو ، فقدم إلى يثرب وهو بأقصى مكان من الذلّ والبؤس ، وكان يسوق تيسا وعليه ثياب رثة ، فلمّا رآه عثمان تألّم وكساه جبة خز وطيلسان (2) ، ووهبه من الأموال ما يلي :
ـ وصله بمائة ألف درهم.
ـ ولاّه على صدقات قضاعة ، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم ، فوهبها له (3) .
وأدّت هباته للحكم التذمّر والنقمة عليه من جميع الأوساط الإسلامية.
7 ـ مروان بن الحكم : أمّا مروان بن الحكم فهو خيط باطل ـ كما اشتهر بذلك ـ وكان وغدا خبيثا ، وكانت شئون الدولة العثمانية بيده ولا شأن لعثمان بها ، وقد وهبه من الأموال ما يلي :
أ ـ أعطاه خمس افريقية ، وقد بلغت خمسمائة ألف دينار ، وقد عيب على عثمان في ذلك وانتقصه المسلمون ، وهجاه الشاعر عبد الرحمن بن حنبل بهذه الأبيات :
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 30.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 41.
(3) أنساب الأشراف 5 : 28.
سأحلف بالله جهد اليمي |
ن ما ترك الله أمرا سدى |
|
ولكن خلقت لنا فتنة |
لكي نبتلى بك أو تبتلى |
|
فإنّ الأمينين قد بينا |
منار الطريق عليه الهدى |
|
فما أخذا درهما غيلة |
وما جعلا درهما في الهوى |
|
دعوت اللعين فأدنيته |
خلافا لسنّة من قد مضى |
|
وأعطيت مروان خمس العبا |
د ظلما لهم وحميت الحمى (1) |
ب ـ أعطاه ألف وخمسين اوقية ، لا نعلم أنّها من الذهب أو الفضة وهذا ممّا سبّت عليه النقمة العامّة في البلاد (2) .
ج ـ أعطاه مائة ألف من بيت المال ، فسارع زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يديه ، وجعل يبكي فنهره عثمان وقال له : أتبكي أن وصلت رحمي؟
ولكن أبكي لأنّي أظنّك أنّك أخذت المال عوضا عمّا كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله 6 ، لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا.
وزجره عثمان وصاح به :
ألق المفاتيح يا ابن أرقم! فإنّا سنجد غيرك (3) .
د ـ أقطعه فدكا (4) ، وهي التي صادرها أبو بكر من سيّدة نساء العالمين زهراء
__________________
(1) تاريخ أبي الفداء 1 : 168 ، وفي العقد المفصّل ( 9 : 891 ) : إنّ اسم الشاعر عبد الرحمن ابن حسل.
(2) السيرة الحلبية 2 : 87.
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 67.
(4) لطائف المعارف : 84. تاريخ أبي الفداء 1 : 168.
الرسول بحجّة أنّها لجميع المسلمين ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
هـ ـ كتب له بخمس مصر (1) .
هذه بعض ممالأة عثمان لاسرته التي حاربت الله ورسوله وليس من العدل ولا من الإنصاف أن تمنح هذه الأموال إلى هؤلاء الأوغاد الذين لم يألوا جهدا في محاربة الإسلام والكيد للمسلمين.
هباته للأعيان :
ووهب عثمان الثراء العريض والأموال الهائلة إلى بعض الوجوه والأشراف من ذوي النفوذ ، وهم :
1 ـ طلحة : وأعطى عثمان طلحة مائتي ألف دينار (2) ، وكانت عليه خمسون ألفا فأحضرها طلحة فوهبها له وقال : هي لك على مروءتك (3) ، أليس هذا هو التلاعب في بيت مال المسلمين؟
2 ـ الزبير : منح الزبير بن العوّام ستمائة ألف ، ولمّا قبضها حار في صرفها ، فجعل يسأل عن خير مال يستغلّ صلته وينمّي ثراءه ، فأرشد إلى اتّخاذ الدور في الأقاليم والأمصار (4) ، فبنى إحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر (5) .
3 ـ زيد بن ثابت : ووهب عثمان أموالا هائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء العريض أنّه لمّا توفّي خلّف من الذهب والفضّة ما يكسّر بالفؤوس عدا ما ترك من
__________________
(1) الطبقات الكبرى 3 : 24.
(2) تاريخ الطبري 5 : 139.
(3) تاريخ الطبري 5 : 139.
(4) الطبقات الكبرى 3 : 79.
(5) صحيح البخاري 5 : 21.
الأموال والضياع ما قيمته مائة ألف (1) ، ومنح أموالا طائلة للمؤيّدين لسياسته أمثال حسّان بن ثابت ، وقد تكدّست ثروة البلاد في طائفة من الرأسماليّين الذين جهدوا على حصر الثروة عندهم وحرمان المجتمع الإسلامي منها ، وقد أدّت هذه السياسة الملتوية إلى إشاعة الفساد ، وانتشار الترف والبذخ عند طائفة من الناس.
وقد خاف بعض المتحرّجين في دينهم من هذا الثراء الذي ظفر به من هبات عثمان ، يقول خباب بن الارت : لقد رأيتني مع رسول الله 6 ما أملك دينارا ولا درهما ، وإنّ في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف (2) ، ولقد خشيت أن تكون عجلت طيّباتنا في حياتنا الدنيا (3) .
وهكذا تمثّلت الحيرة والذهول عند الصحابة المتحرّجين في دينهم من هذا الثراء الذي اختصّ بقوم وحرمت الأكثرية الساحقة في البلاد الإسلامية من التمتّع بالعيش الرغيد.
إقطاعه للأراضي :
ومن مناهج السياسة المالية عند عثمان أنّه أقطع بعض الأراضي الواسعة لجمهرة من المؤيّدين لسياسته ، فقد أقطع أراضي في داخل الكوفة وخارجها وهذه الأراضي من المفتوحة عنوة ، وهي ملك للمسلمين ، فمن أحيى أرضا فهي له ، وعليه الخراج يؤدّيه للدولة.
وعلى أي حال فقد أقطع عثمان أراضي في الكوفة لجماعة ، وهي :
1 ـ طلحة : أقطعه أرضا سمّيت دار الطلحيّين ، وكانت في الكناسة.
__________________
(1) مروج الذهب 1 : 334.
(2) الوافي : درهم وأربعة دوانق.
(3) الطبقات الكبرى 6 : 8.
2 ـ عبيد الله بن عمر : أقطعه أرضا سمّيت ( كوفيّة ابن عمر ).
3 ـ اسامة بن زيد.
4 ـ سعد وابن أخيه هاشم بن عتبة.
5 ـ أبو موسى الأشعري.
6 ـ حذيفة العبسي.
7 ـ عبد الله بن مسعود.
8 ـ سلمان الباهلي.
9 ـ المسيّب الفزاري.
10 ـ عمرو بن حريث المخزومي.
11 ـ جبير بن مطعم الثقفي.
12 ـ عتبة بن عمر الخزرجي.
13 ـ أبو جبير الأنصاري.
14 ـ عدي بن حاتم الطائي.
15 ـ جرير البجلي.
16 ـ الأشعث الكندي.
17 ـ الفرات بن حيّان العجلي.
18 ـ الوليد بن عقبة.
19 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.
20 ـ أمّ هاني بنت أبي طالب.
هؤلاء بعض من منحهم الأراضي ، ولا نعلم مقدار مساحتها.
قائمة بأسماء الممنوحين أراضي واسعة :
وأقطع عثمان أراضي واسعة تدرّ بالربح الكثير لجماعة وهم :
1 ـ طلحة بن عبد الله : أقطعه ( النشاستج ).
2 ـ عدي بن حاتم : منحه ( البردجاء ).
3 ـ وائل بن حجر الحضرمي : منحه ضيعة ( زادر ).
4 ـ خباب بن الارت : منحه ( مسعبنا ).
5 ـ خالد بن عرفطة : أقطعه أرضا عند ( حمام أعين ).
6 ـ الأشعث الكندي : أعطاه ( ظيزناباد ).
7 ـ جرير بن عبد الله البجلي : أعطاه أرضا على شاطئ الفرات ( الجرفين ).
8 ـ عبد الله بن مسعود : أقطعه أرضا بالنهرين.
9 ـ الزبير بن العوّام : أقطعه أرضا.
10 ـ اسامة بين زيد : أقطعه أرضا ثمّ باعها (1) .
هذه بعض الأراضي الزراعية التي منحها عثمان لبعض الشخصيات.
ومن الجدير بالذكر أنّه اندفع جماعة من الطبقة الارستقراطية إلى شراء أراض خصبة في العراق ، فقد اشترى طلحة ومروان بن الحكم والأشعث بن قيس (2) ورجال من قبائل العراق أراضي واسعة حتى انتشر الاقطاع ، وعمّ البؤس والحرمان في أوساط الفلاحين ، وبذلك فقد وجد النظام الطبقي الذي يخلق الصراع بين أبناء الامّة.
__________________
(1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة : 146 ـ 147.
(2) خطط الكوفة : 21. الحضارة الإسلامية 1 : 123.
استقطاع عثمان للأموال :
واصطفى عثمان من بيت المال ما شاء لنفسه وعياله ، فقد روى المؤرّخون انّه كانت في بيوت الأموال جواهر ثمينة لا تقدّر قيمتها ، فأخذها وحلّى بها بناته ونساءه (1) ، كما بالغ في الترف والسرف إلى حدّ لم يألفه المسلمون ، فقد أشاد له دارا في المدينة بناها بالحجر والكلس ، وجعل أبوابها من الساج والعرعر ، واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة (2) ، وكان ينضّد أسنانه بالذهب ، ويتلبّس بأثواب الملوك ، وأنفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره (3) ، ولمّا قتل وجد عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم ، وخمسون ومائة ألف دينار ، وترك ألف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مائتا ألف دينار (4) .
وعلّق محمّد كرد علي على هذه السياسة التي انتهجها عثمان بقوله :
لقد أوجدت هذه السياسة المالية طبقتين من الناس ؛ الاولى : الطبقة الفاحشة في الثراء التي لا عمل لها إلاّ اللهو والتبطّل ، والاخرى : الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض ، وتعمل في الصناعة ، وتشقى في سبيل اولئك السادة من أجل الحصول على فتات موائدهم ، وترتّب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية ، انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء ، وقد سارت الدولة الأموية في أيام حكمها على هذه السياسة فأخضعت المال للتيارات السياسية وجعلوه سلاحا ضدّ أعدائهم ونعيما مباحا لأنصارهم (5) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 36.
(2) مروج الذهب 1 : 334.
(3) السيرة الحلبية 2 : 87.
(4) الطبقات الكبرى 3 : 53.
(5) الإدارة الإسلامية : 82.
هذه بعض المؤاخذات على السياسة المالية التي انتهجها عثمان ، وقد ابتعدت كلّ البعد عمّا قنّنه الإسلام من وجوب إنفاق أموال الدولة على ما يسعد به المجتمع من مكافحة الفقر ، وتطوير الحياة الاقتصادية بشكل عامّ.
مع الجبهة المعارضة :
وكان من الطبيعي أن ينقم خيار المسلمين وصلحاؤهم على عثمان وولاته بما اقترفوه من مساوئ الأعمال التي لا تتّفق بصلة مع الواقع الديني ، وقد شنّوا عليه حملة شعواء نقدوه بلاذع النقد ومن الجدير بالذكر أنّ المعارضة كانت مختلفة الاتّجاه بين اليمين واليسار ، فطلحة والزبير وعائشة ومن انضمّ إليهم كانوا مدفوعين لرغباتهم الخاصّة ومصالحهم الضيّقة ، أمّا الطائفة الثانية فكانت تضمّ أعلام الإسلام وحماته أمثال عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب وأمثال المجاهد الكبير أبي ذرّ ، والصحابي القارئ عبد الله بن مسعود ونظرائهم من الذين أبلوا في الله بلاء حسنا ، فرأوا أنّ السنّة قد اميتت ، والبدعة احييت ، ورأوا صادقا يكذّب ، وأثرة بغير حقّ ، فهبّوا في وجه عثمان مطالبين بتغيير سلوكه واتّباع الهدى ، ولم تكن لهم أيّة مصلحة ينشدونها سوى خدمة الإسلام ، ولو أنّه استجاب لهم لجنّب الامّة الكثير من المشاكل.
التنكيل بالمعارضين :
وأمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين لسياسته ، فصبّ عليهم جام غضبه وقابلهم بمزيد من القسوة والبطش والتنكيل ، وهذه قائمة بأسماء بعضهم وما عانوه منه :
1 ـ عمّار بن ياسر :
أمّا عمّار بن ياسر فهو أجلّ صحابي ، ومكانته في الإسلام معلومة ، فهو وأبواه
قد عانوا في سبيل الإسلام أعنف المصاعب وأقسى ألوان التعذيب ، وقد استشهد أبواه في سبيل الإسلام على يد القساة الطغاة من قريش.
وقد أشاد القرآن الكريم بفضل عمّار ، فمن الآيات النازلة في حقّه قوله تعالى : ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ) (1) ، وقال تعالى في حقّه أيضا : ( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) (2) .
وكانت له المنزلة الكريمة عند النبيّ 6 ، فقد سمع شخصا ينال من عمّار ، فتأثّر ، وقال : « ما لهم ولعمّار ، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار ، إنّ عمّارا جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه » (3) ، وكان عمّار من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين 7 ، فقد آمن بحقّه ، وأنّه أولى بمقام النبيّ من غيره ، وقد وقف إلى جانبه أيام الفتنة الكبرى ، وأعلن تأييده للإمام 7 ، وبعد ما فرض عمر عثمان خليفة على المسلمين في وضعه للشورى التي أدّت إلى فوزه في الحكم كان عمّار من أشدّ الناقمين على عثمان ، وقد أظهر نقمته عليه في المواضع التالية :
1 ـ إنّ عثمان لمّا استأثر بالسفط الذي يضمّ جواهر ثمينة لا تقدّر قيمتها بثمن ، فأخذها ليحلّي بها نساءه وبناته ، فأنكر عليه الإمام أمير المؤمنين 7 وأيّده عمّار ، فقال له عثمان : يا ابن المتكاء (4) ، أعليّ تجترئ؟ ثمّ أوعز إلى شرطته بأخذه ، فقبضوا عليه وأدخلوه عليه ، فضربه ضربا مبرحا حتى غشي عليه ، وحملوه إلى منزل أمّ المؤمنين السيّدة أمّ سلمة ولم يفق من شدّة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين
__________________
(1) الزمر : 9 ، نصّ على ذلك ابن سعد في طبقاته 3 : 178. القرطبي في تفسيره 5 : 239.
(2) الأنعام : 122 ، نصّ على ذلك السيوطي في تفسيره 1 : 239 ، وغيره.
(3) السيرة النبوية ـ ابن هشام 2 : 114.
(4) المتكاء : العظيمة البطن التي لا تمسك بولها.
والمغرب ، فلمّا أفاق قام وتوضّأ وصلّى صلاة العشاء وقال :
الحمد لله ليس هذا أوّل يوم اوذينا فيه في الله.
يا لله! يا للمسلمين! أمثل عمّار الذي هو في طليعة المؤسّسين في بناء الإسلام يضرب ويهان لأنّه رأى أثرة بغير تقىّ ونهبا لأموال المسلمين بغير وجه مشروع.
وكان من الطبيعي أن يثير ذلك غضب المسلمين ونقمتهم على عثمان عميد الأمويّين ، فقد غضبت عائشة ، وأخرجت شعرا من شعر رسول الله 6 ، وثوبا من ثيابه ، ونعلا من نعاله ، وقالت :
ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم! وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد ..
وغضب عثمان من عائشة ، ولم يدر كيف يعتذر ممّا اقترفه تجاه عمّار (1) .
2 ـ أنّ أعلام الصحابة رفعوا مذكّرة لعثمان ذكروا فيها أحداثه ومخالفاته للسنّة ، وطالبوه بالكفّ عنها ، فأخذها عمّار ودفعها إليه ، فقال له عثمان بعنف :
أعليّ تقدم من بينهم؟ ...
إنّي أنصحهم لك ...
كذبت يا ابن سميّة.
أنا والله! ابن سميّة ، وابن ياسر ..
وأوعز عثمان إلى جلاوزته لمدّ يديه ورجليه وضربه عثمان بنفسه برجليه على مذاكيره فأصابه فتق ، وكان ضعيفا فاغمي عليه ...
لقد لاقى هذا الصحابي من صنوف العذاب والتنكيل في عهد عثمان ما لا يوصف لمرارته ، والحاكم هو الله الذي يقضي بين عباده.
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 48.
3 ـ لمّا نكّل عثمان بالصحابي الثائر على السياسة الأموية أبي ذرّ فنفاه إلى الربذة ، ومات فيها جائعا غريبا مظلوما مضطهدا ، فحزن عليه المسلمون فقال عثمان أمام جماعة من الصحابة :
رحمه الله ..
فاندفع عمّار والأسى باد عليه فقال :
رحمه الله من كلّ أنفسنا ...
فغضب عثمان وقال لعمّار بأفحش القول وأقساه قائلا :
يا عاضّ أير أبيه! أتراني ندمت على تسييره ...؟
أيليق هذا الفحش بالرجل العادي فضلا عمّن يدّعي أنّه خليفة المسلمين وأنّ الملائكة تستحي منه.
ثمّ أمر عثمان غلمانه فدفعوا عمّارا وأرهقوه ، وأمر بنفيه إلى الربذة ، فلمّا تهيّأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى الإمام أمير المؤمنين 7 فسألوه أن يكلّم عثمان في شأن عمّار وأن يلغي قراره في اعتقاله في الربذة ، و كلّم الإمام عثمان بذلك قائلا :
« اتّق الله ، فإنّك سيّرت رجلا صالحا من المسلمين ، فهلك في تسييرك ، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ..؟ ».
فثار عثمان وصاح بالإمام :
أنت أحقّ بالنّفي منه ...
« رم إن شئت ذلك ».
واجتمع المهاجرون فعذلوه عن ذلك ، فاستجاب لهم وعفا عن عمّار (1) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 150. أنساب الأشراف 5 : 54.
وهكذا لقي هذا الصحابي العظيم صنوف الاضطهاد والارهاق من عثمان ، ولم يلحظ مكانته في الإسلام وعظيم جهاده في إقامة صروح الدين ، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
2 ـ مع أبي ذرّ :
أمّا أبو ذرّ فهو صاحب رسول الله 6 وخليله ، وهو من الأسبقين للإسلام ، وكان من أزهد الناس في الدنيا ، ومن أقلّهم احتفالا بمنافعها ، وكان من ألصق الناس برسول الله 6 ، فكان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا من الصحابة ، ويسرّ إليه حين لا يسرّ أحدا من أصحابه (1) ، وهو أحد الثلاثة الذين أحبّهم الله ، وأمر نبيّه بحبّهم ، كما أنّه أحد الثلاثة (2) الذين تشتاق إليهم الجنّة (3) .
ولمّا آل الحكم إلى عثمان واستأثرت بنو أميّة بمنافع الدولة وخيرات المسلمين ، هبّ أبو ذرّ إلى الانكار عليه ، وقد نهاه عثمان من نقده والانكار عليه ، فلم يمتنع ورأى أنّ ذلك ضرورة إسلامية وواجب عليه ، وكان أبو ذرّ يقف أمام الذين وهبهم عثمان الثراء العريض ويتلو عليهم قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) ، وغاظ ذلك مروان بن الحكم المنتفع الأوّل من حكومة عثمان ، فشكاه إليه ، فأرسل خلفه ، فنهاه فقال أبو ذرّ :
أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله؟ فو الله! لأن أرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه ...
__________________
(1) كنز العمّال 8 : 15.
(2) الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنّة : الإمام عليّ ، أبو ذرّ وعمّار بن ياسر.
(3) مجمع الزوائد 9 : 330.
لقد أبى أبو ذرّ الذي تربّى بتعاليم الإسلام وأحكام القرآن أن يصانع عثمان ، ويقرّه على سياسته الملتوية التي اتّخذت مال الله دولا.
وضاق عثمان ذرعا من أبي ذرّ الثائر العظيم الذي وعى الإسلام وآمن بقيمه وتعاليمه ، وراح عثمان يفتّش عن الوسائل التي يتخلّص بها من خصمه العنيد ، فاتّخذ القرار التالي :
اعتقال أبي ذرّ في الشام :
أبى أبو ذرّ أن يصانع عثمان ويساير خطواته ومخطّطاته ويجاريه بأي عمل من أعماله التي لا يقرّها الإسلام ، وكان من ذلك أنّ عثمان سأل حضّار مجلسه فقال لهم :
أيجوز لأحد أن يأخذ من بيت المال فإذا أيسر قضاه؟
فانبرى كعب الأحبار فأفتاه بالجواز ، وصعب على أبي ذرّ أن يتدخّل كعب في شئون الإسلام وهو يهودي النزعة ، وقد شكّ في إسلامه ، فصاح به :
يا ابن اليهوديّين ، أتعلّمنا ديننا؟ ...
فثار عثمان وصاح بأبي ذرّ :
ما أكثر أذاك لي! وولعك بأصحابي! الحق بمكتبك في الشام ...
وسيّره إلى الشام ، فلمّا انتهى إليها أفزعه ما رأى من منكرات معاوية وبدعه ، فقد رآه قد أطلق يديه في بيت المال يهبه لعملائه وينفقه على شهواته وملاذّه فأخذ ينكر عليه ذلك ، ويذيع مساوئ عثمان وبدعه ، وقد قال لمعاوية حينما قال :
المال مال الله ..
فردّ عليه أبو ذرّ :
المال مال المسلمين ..
إنّ أموال الخزينة العامّة للمسلمين وليست لمعاوية حتى ينفقها على ملاذه وتدعيم سلطانه ، ولمّا بنى معاوية داره الخضراء أنكر عليه أبو ذرّ وقال له :
يا معاوية ، إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف ..
وأخذ الثائر العظيم يدعو المسلمين إلى الحذر واليقظة من السياسة الأموية التي أمعنت في اقتراف المنكر ، فكان يقول لأهل الشام :
والله! لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله! ما هي في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه ، والله! لأرى حقّا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذّب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه (1) .
وأخذ الوعي ينتشر بين أهل الشام ، فقد أوجدت دعوته هدى في النفوس ، واستطابتها العامّة لقد كانت دعوته إلى إنصاف المحرومين ، وتحريض الفقراء على استرجاع حقوقهم من الطغمة الحاكمة وخاف الطاغية معاوية أن تندلع عليه نار الثورة فنهى الناس عن مخالطته والاجتماع به ، وقال بعنف لأبي ذرّ :
يا عدو الله! تؤلّب الناس علينا ، وتصنع ما تصنع!! فلو كنت قاتلا رجلا من أصحاب محمّد من غير إذن أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ لقتلتك ..
فردّ عليه البطل العظيم غير حافل بسلطانه قائلا :
ما أنا بعدوّ الله ولا رسوله ، بل أنت وأبوك عدوّان لله ورسوله أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر ..
لقد صدق أبو ذرّ بمقالته ، فإنّ معاوية وأباه أبو سفيان لم يؤمنا بالله طرفة عين ،
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 52.
أظهرا الإسلام خوفا من السيف وأبطنا الكفر والكيد للإسلام.
وعلى أي حال ، فقد ظلّ أبو ذرّ يواصل نشاطه الديني والسياسي للتشهير بالحكم الأموي حتى فزع منه معاوية وخاف على سلطانه.
إخراج أبي ذرّ من الشام :
وكتب معاوية إلى عثمان يخبره بخطر أبي ذرّ على الشام ويطلب منه إخراجه إلى بلد آخر ، فأجابه عثمان ، وأمره بحمله على أغلظ مركب وأوعره حتى يلقى الجهد والعناء ، فأرسله معاوية مع جلاوزة نزعت من نفوسهم الرأفة والرحمة والشرف والكرامة ، فساروا به سيرا مزعجا ولم يسمحوا له أن يستريح من الجهد والعناء ، ومضوا في سيرهم لا يلوون على شيء حتى تسلّخت بواطن فخذه وكاد أن يموت.
ولمّا انتهى إلى يثرب دخل على عثمان وهو منهوك القوى ، فاستقبله عثمان بالجفوة ومرارة القول قائلا :
أنت الذي فعلت وفعلت؟ ...
فأجابه أبو ذرّ بمنطق الحقّ قائلا :
نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك ـ يعني معاوية ـ فاستغشني ..
فصاح عثمان به :
كذبت ، ولكنّك تريد الفتنة وتحبّها ، وقد أنغلت الشام علينا ...
فوجّه إليه أبو ذر نصيحته قائلا :
اتّبع سنّة صاحبيك ـ يعني أبا بكر وعمر ـ لم يكن لأحد كلام.
فصاح به عثمان :
ما لك لا أمّ لك ...
فقال له أبو ذرّ بهدوء :
والله! ما وجدت لي عذرا إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
وثار عثمان فقال لمن حوله :
أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب ، إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ، فإنّه فرّق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الإسلام ...
فثار الإمام 7 من هذه الاستهانة التي قابل بها عثمان أبا ذرّ ، فقال له :
« يا عثمان ، سمعت رسول الله 6 يقول : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ».
ولم يحفل هذا الثائر العظيم بعثمان ، وإنّما راح ينكر عليه بوحي من دينه ، ويندّد بسياسته الملتوية قائلا له :
تستعمل الصبيان ، وتحمي الحمى ، وتقرّب أولاد الطلقاء؟
وأخذ يذيع بين المسلمين ما سمعه من النبيّ 6 في ذمّ الأمويّين ، ومدى خطرهم على الإسلام قائلا :
قال رسول الله : « إنّ بني العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا جعلوا كتاب الله دخلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا » (1) .
وأصدر عثمان أمرا بمنع مجالسة أبي ذرّ وحرّم مخالطته والكلام معه ، لأنّه يقول الحقّ ويأمر بالعدل وينهى عن المنكر.
اعتقاله في الربذة :
واستمرّ أبو ذرّ في جهاده ينشر مساوئ الأمويّين ويذيع منكراتهم ويوقظ الجماهير ، فضاق عثمان به ذرعا فصمّم على أن ينفيه عن الأمصار الإسلامية
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 368 ـ 370.
ويعتقله في أرض جرداء لا سكن فيها ، فأرسل شرطته خلفه ، فلمّا حضر عنده بادره أبو ذرّ منكرا وناقما على سياسته قائلا :
ويحك يا عثمان ، أما رأيت رسول الله ورأيت أبا بكر وعمر ، هل رأيت هذا هديهم ، إنّك لتبطش بي بطش الجبّارين ..
فقطع عليه عثمان كلامه وصاح به :
اخرج عنّا من بلادنا ..
أتخرجني من حرم رسول الله 6 ؟ ..
نعم ، وأنفك راغم.
اخرج إلى مكّة.
لا ..
الكوفة؟
لا ..
إلى الربذة حتى تموت فيها ..
وأوعز شيخ الأمويّين عثمان إلى وزيره ومستشاره مروان بن الحكم بإخراج هذا الصحابي العظيم من مدينة الرسول 6 ليقيم في أرض جرداء قد انعدمت فيها جميع وسائل الحياة ، فأخرجه الوزغ ابن الوزغ مهان الجانب ، محطّم الكيان ، وحرّم على المسلمين مشايعته وتوديعه ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
توديع الاسرة النبوية لأبي ذرّ :
ولم تذعن الاسرة النبوية لأوامر عثمان بتحريم توديع أبي ذرّ ، فقد خرجت ومعها الصحابي الجليل عمّار بن ياسر لتوديع هذا الصحابي المضطهد ، وتلقي عليه نظرة الوداع.
ولمّا رآهم مروان وجّه خطابه وإنذاره إلى الإمام الحسن 7 فقال له :
ايه يا حسن! ألا تعلم أنّ عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك ...
ولم يجبه الإمام بكلمة احتقارا له ، و ثار الإمام أمير المؤمنين 7 وحمل على مروان وضرب أذني دابته ، وصاح به :
« تنحّ نحّاك الله إلى النّار » ، وولّى مروان منهزما فزعا إلى سيّده وابن عمّه عثمان يخبره بعصيان أهل البيت : أمره ، فاستشاط عثمان غيظا وورم أنفه.
كلمة الإمام :
وألقى الإمام 7 على أبي ذرّ نظرة مشفوعة بالأسى والحزن ، وخاطبه بهذه الكلمات التي حدّدت أبعاد شخصيّة أبي ذرّ ، وألقت الأضواء على ثورته ضدّ الحكم الأموي قائلا :
يا أبا ذرّ ، إنّك غضبت لله فارج من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه ؛ فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم من الرّابح غدا ، والأكثر حسّدا. ولو أنّ السّماوات والأرضين كانتا على عبد رتقا ، ثمّ اتّقى الله لجعل الله له منهما مخرجا! لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ ، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل ، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك ، ولو قرضت منها لأمّنوك.
يا لها من كلمات ذهبية ألمّت بواقع أبي ذرّ الذي ثار في وجه الطغيان والاستبداد! فقد كانت ثورته إصلاحية استهدفت القضاء على الاستغلال ونهب ثروات الامّة.
وقد مجّد الإمام ثورة أبي ذرّ التي خشيها الأمويّون وطلب منه أن يهرب بدينه
ليكون بمنجاة من شرور الأمويّين.
كلمة الإمام الحسن :
وبادر ريحانة رسول الله 6 الإمام الحسن 7 فصافح عمّه أبا ذرّ وألقى عليه هذه الكلمات :
« يا عمّاه ، لو لا أنّه ينبغي للمودّع أن يسكت ، وللمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف ، وقد أتى القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدّنيا بتذكّر فراغها ، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتّى تلقى نبيّك وهو عنك راض ».
وألمّت هذه الكلمات بما يحمل الإمام الحسن من أسى بالغ على ما حلّ بعمّه أبي ذرّ من الخطوب التي كانت من أجل إحقاق الحقّ ورفع كلمة الإسلام.
كلمة الإمام الحسين :
و ألقى الإمام الحسين 7 نظرة الوداع على أبي ذرّ وخاطبه بهذه الكلمات :
« يا عمّاه ، إنّ الله تبارك وتعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى ، إنّ الله كلّ يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، فما أغناك عمّا منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم ، فاسأل الله الصّبر ، واستعذ به من الجشع والجزع ، فإنّ الصّبر من الدّين والكرم ، وإنّ الجشع لا يقدّم رزقا ، والجزع لا يؤخّر أجلا ».
وألقت هذه الكلمات الأضواء على ثورة أبي ذرّ التي كانت من أجل الصالح العامّ ، وحكت خوف الأمويّين منه ، فقد خافوه على مناصبهم ، وخافوه على الأموال التي اختلسوها من المسلمين.
كلمة عمّار :
وتقدّم الصحابي العظيم الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر وعيناه تفيض من الدموع ، فخاطب صاحبه وخليله أبا ذرّ بهذه الكلمات :
« لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما والله! لو أردت دنياهم لآمنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ، ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين ».
كلمة أبي ذرّ :
وقابل أبو ذرّ الاسرة النبوية وعيناه تفيضان دموعا ، وخاطبهم بهذه الكلمات قائلا :
« رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله 6 ، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم ، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن اجاور أخاه وابن خاله بالمصرين ـ الكوفة والبصرة ـ فأفسد الناس عليهما ، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله ، والله! ما اريد إلاّ الله صاحبا وما أخشى مع الله وحشة ».
وتحرّكت راحلة أبي ذرّ تطوي البيداء حتى انتهت إلى الربذة ليموت فيها جوعا وفي يد عثمان ذهب المسلمين يصرفه على بني أميّة وآل أبي معيط ، ويحرمه على أبي ذرّ المصلح العظيم ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
غضب عثمان على الإمام :
ولمّا قفل الإمام 7 راجعا من توديع أبي ذرّ استقبلته جماعة من الناس فأخبروه بغضب عثمان لأنّه خالف أوامره التي حرّم فيها توديع أبي ذرّ ، فأجابهم الإمام : « غضب الخيل على اللّجم » (1) ، وبادر عثمان فصاح بالإمام :
__________________
(1) يضرب مثلا لمن يغضب غضبا لا ينتفع به.
ما حملك على ردّ رسولي؟ ..
« أمّا مروان فإنّه استقبلني يردّني فرددته عن ردّي ، وأمّا أمرك فلم أردّه ».
أولم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن تشييع أبي ذرّ؟
« أو كلّ ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة الله والحقّ في خلافه اتّبعنا فيه أمرك؟!! ».
أقد مروان ..
« وما أقيده؟ ».
ضربت بين اذني راحلته ..
« أمّا راحلتي فهي تلك ، فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل ، وأمّا أنا فو الله! لئن شتمني لأشتمنّك أنت بمثلها ، لا أكذب فيه ولا أقول إلاّ حقّا ».
ولم لا يشتمنّك إذ شتمته ، فو الله! ما أنت عندي بأفضل منه ..
وتألّم الإمام من عثمان الذي ساوى بينه وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم ، ونسي جهاد الإمام ومنزلته من النبيّ وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى ، وردّ الإمام على عثمان بأعنف القول قائلا له :
« إليّ تقول هذا القول ، وبمروان تعدلني؟ فأنا والله! أفضل منك ، وأبي أفضل من أبيك ، وأمّي أفضل من امّك ، وهذه نبلي قد نثلتها » (1) .
وسكت عثمان ولم يطق جوابا ، وتركه الإمام يموج في تيارات من الغضب ، قد ورم أنفه وانتفخت أوداجه.
3 ـ عبد الله بن مسعود :
وعبد الله بن مسعود القارئ من ألمع الصحابة ومن خيارهم ، وهو من الناقمين
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 375 ـ 377.
على عثمان لمّا استقرض الوليد من بيت المال فطالبه ابن مسعود بردّ ما استقرضه ، فأبى الوليد وكتب إلى عثمان يخبره بذلك ، فغضب عثمان وكتب إلى ابن مسعود إنّما أنت خازن لنا ، وغاظ ذلك ابن مسعود وألقى المفاتيح وقفل راجعا إلى يثرب ، فلمّا انتهى إليها وجد عثمان على المنبر يخطب ، فلمّا رأى ابن مسعود قال يخاطب الحاضرين :
قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح ..
وردّ عليه ابن مسعود قائلا :
لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله 6 يوم بدر ويوم بيعة الرضوان ..
واندفعت عائشة منكرة على عثمان قائلة له :
أي عثمان ، أتقول هذا لصاحب رسول الله؟ ..
وأمر عثمان جلاوزته بإخراج ابن مسعود من الجامع إخراجا عنيفا ، وانبرى إليه أبو عبد الله بن زمعة فضرب به الأرض ، وقيل بل احتمله ( يحموم ) غلام عثمان فاحتمله ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فانكسر ضلعه ، و ثار الإمام 7 فخاطب عثمان بعنف قائلا :
« يا عثمان ، أتفعل هذا بصاحب رسول الله بقول الوليد بن عقبة؟ ».
فقال عثمان :
ما بقول الوليد فعلت هذا ، ولكنّي وجّهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة ، فقال له ابن مسعود : إن دم عثمان حلال ..
وأنكر عليه الإمام أن يأخذ بقول زبيد قائلا :
« أحلت عن زبيد على غير ثقة » (1) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 36.
وحمل الإمام ابن مسعود إلى منزله ، وقام برعايته حتى أبل من مرضه ، وقاطعه عثمان وهجره ، وفرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب ، وقطع عنه عطاءه ..
ومرض ابن مسعود مرضه الّذي توفّي فيه فدخل عليه عثمان عائدا فقال له :
ما تشتكي؟
ذنوبي؟
ما تشتهي؟
رحمة ربّي.
أدعو لك طبيبا؟
الطبيب أمرضني.
آمر لك بعطائك؟
منعتني عنه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وأنا مستغني عنه! يكون لولدك.
رزقهم على الله! استغفر لي يا أبا عبد الرحمن.
اسأل الله أن يأخذ لي منك بحقّي (1) .
وانصرف عثمان ولم يفز برضا ابن مسعود ولمّا ثقل حاله أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان ، وأن يصلّي عليه صاحبه وخليله عمّار بن ياسر ولمّا توفّي قامت الصفوة من صحابة النبيّ 6 بتجهيزه ودفنه ، ولم يعلموا عثمان بذلك ، فلمّا علم غضب ، وقال : سبقتموني؟ فردّ عليه عمّار :
إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه ..
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 253 ـ 254.
وقال ابن الزبير :
لأعرفنك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوّدتني زادي (1) |
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المعارضين لعثمان والناقمين عليه وكان من أهمّ ما نقموا عليه من أعماله ما يلي :
1 ـ استبداده بأموال الدولة وإنفاقها على اسرته وذويه في حين أنّ المجاعة والحرمان قد عمّتا البلاد.
2 ـ منحه المناصب العالية في الدولة لبني أميّة وآل أبي معيط.
3 ـ تنكيله بخيار الصحابة الذين طالبوه بالعدل والكفّ عن سياسته الملتوية ، ولم يستجب لهم وإنّما نكّل بهم أفظع التنكيل وأقساه ، كما ذكرنا ذلك.
الثورة على عثمان :
وكان من الطبيعي أن تندلع الثورة على عثمان بعد ما اقترفه من الأحداث الجسام ، ولم تكن عفوية ، وإنّما كانت نتيجة للنضج الاجتماعي وكانت إصلاحية إلى حدّ كبير ـ كما يقول العلاّمة العلائلي ـ :
لقد شاع التنافر في جميع الأوساط وأخذت الأندية والمجالس تتحدّث عن مظالم عثمان ، وسوء سياسته (2) .
مذكرة المهاجرين لأهل مصر :
ورفع المهاجرون وخيار الصحابة مذكّرة لأهل مصر يستنجدون بهم للقيام بتغيير نظام الحكم القائم ، وهذا نصّ مذكّرتهم :
__________________
(1) مستدرك الحاكم 7 : 163. البداية والنهاية 3 : 13.
(2) الإمام الحسين 7 : 66.
من المهاجرين الأوّلين وبقيّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين.
أمّا بعد ، أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله 6 قبل أن يسلبها أهلها ، فإنّ كتاب الله قد بدّل ، وسنّة رسوله قد غيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بدّلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب رسول الله 6 والتابعين بإحسان إلاّ أقبل إلينا ، وأخذ الحقّ لنا وأعطاناه ، فاقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقّنا ، واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبيّنا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض ، من غلب على شيء أكله (1) .
وحفلت هذه المذكرة بالأخطاء التي ارتكبها عثمان وهي :
1 ـ تبديل كتاب الله وإلغاء أحكامه ونبذ نصوصه.
2 ـ تغيير سنّة الرسول.
3 ـ تبديل أحكام الخليفتين.
4 ـ استئثار السلطة بالفيء.
5 ـ صرف الخلافة الإسلامية عن مفاهيمها الخيرة إلى ملك عضوض (2) .
وتحفّز المصلحون حينما انتهت إليهم هذه المذكّرة إلى إرسال وفد للاطّلاع على أوضاع الخليفة والتعرف عليها.
مذكرة أخرى لأهل الثغور :
وأرسل صحابة الرسول 6 مذكّرة أخرى لأهل الثغور جاء فيها :
إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمّد 6 ،
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 35.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 378 ـ 380.
فإنّ دين محمّد قد أفسده خليفتكم فأقيموه (1) .
كما أوفدت الجبهة المعارضة مذكّرة أخرى لأهل الأمصار ، وقد أشاعت النقمة والسخط على حكومة عثمان.
وفود الأمصار :
واستجابت الأمصار الإسلامية لنداء الصحابة ، فأرسلت وفودها إلى المدينة للاطّلاع على حال عثمان ، أمّا الوفود فهي :
1 ـ الوفد المصري :
وأرسلت مصر وفدا كبيرا قدّر بأربعمائة شخص ، وقيل بأكثر ، بقيادة المؤمن محمّد بن أبي بكر وعبد الرحمن بن عديس البلوي.
2 ـ الوفد الكوفي :
وأرسلت الكوفة وفدا بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر ، وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصمّ العامري ، وعمرو بن الأهثم.
3 ـ الوفد البصري :
وأوفدت البصرة مائة رجل بقيادة حكيم بن جبلة ، ثمّ أوفدت خمسين رجلا وفيهم ذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح القيسي وغيرهم من الوجوه والأعيان (2) .
واستقبلت الصحابة الوفود بمزيد من الحفاوة والتكريم وحرّضتها على استقالة عثمان والاطاحة بحكومته.
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 115. الكامل في التاريخ 5 : 70.
(2) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 381 ـ 382.
مذكّرة المصريّين لعثمان :
ورفع الوفد المصري مذكّرة لعثمان يدعوه فيها إلى الاستقامة في سلوكه والتوازن في سياسته ، وهذا نصّها :
أمّا بعد ، فاعلم أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ، فالله الله ، ثمّ الله الله ، فإنّك على دنيا زائلة فاستقم معها ، ولا تنس نصيبك من الآخرة ، فلا تسوّغ لك الدنيا ، وأعلم أنّا لله ، ولله نغضب ، وفي الله نرضى ، وأنّا لا نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة أو ضلالة مجلحة مبلجة (1) ، فهذه مقالتنا لك ، وقضيتنا إليك ، والله عذيرنا منك والسلام » (2) .
وحوت هذه المذكّرة الدعوة إلى الاصلاح والاستقامة ، وقد قرأها عثمان بإمعان ، وحوله المصريّون قد أحاطوا به ، فبادر المغيرة بن شعبة فطلب منه أن يتكلّم مع المصريّين ، فأذن له ، ولمّا أراد أن يفتح معهم صاحوا جميعا :
يا أعور وراءك.
يا فاجر وراءك.
يا فاسق وراءك.
ورجع المغيرة خائبا لم تفلح وساطته ، ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلّم القوم ، فبادر تجاههم وسلّم عليهم ، فلم يردّ أحد منهم 7 لعلمهم بفسقه وصاحوا به :
ارجع يا عدوّ الله ..
ارجع يا ابن النابغة ، لست عندنا بأمين ولا مأمون ..
__________________
(1) مجلحة : هي الإقدام على الشيء. مبلجة : واضحة بيّنة.
(2) تاريخ الطبري 5 : 111. أنساب الأشراف 5 : 64 ـ 65.
ورجع ابن العاص خائبا في وفادته ، فقد قوبل بمزيد من الاستهانة.
استجارته بالإمام :
وسدّت على عثمان جميع الوسائل ، فلم ير هناك طريقا مفتوحا ليتخلّص به ممّا هو فيه من المحنة ، ورأى أنّه لا ملجأ له إلاّ الإمام أمير المؤمنين 7 ، فاستغاث به ، فأجابه الإمام بعد أن شرط عليه أن يدعو القوم ويلتزم لهم بالسير على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأجابه إلى ذلك ، وانطلق الإمام صوب الثوّار وهو يحمل لهم الضمان والالتزام بجميع ما طلبوه ، فلمّا رأوا الإمام قالوا له :
وراءك؟
فأجابهم الإمام بالالتزام الكامل بجميع مطالبهم قائلا :
« تعطون كتاب الله ، وتعتبون من كلّ ما سخطتم عليه ».
أتضمن ذلك؟ ..
« نعم ».
رضينا.
وأقبل وجوه الوفد وأشرافهم مع الإمام فدخلوا على عثمان وعاتبوه على سياسته ، وطلبوا منه أن يغيّر سلوكه ويسير بين المسلمين بسياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض ، فأجابهم إلى ذلك.
كتاب عثمان :
وكتب عثمان إلى الوفود التي أحاطت به هذا الكتاب والتزم بتنفيذ ما فيه ، وهذا نصّه : هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ، إنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ، يعطى المحروم ، ويؤمن الخائف ، ويردّ المنفي ، ولا يجمر في البعوث ، ويوفّر الفيء ، وعليّ بن أبي طالب
ضمين للمؤمنين ، وعلى عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب.
وشهد فيه كلّ من الزبير بن العوّام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيّوب خالد بن زيد ، وكان توقيعه والشهادة عليه سنة ( 35 ه ) (1) .
واستلم الثوّار الكتاب ، وانصرفوا إلى جماعتهم ، وطلب الإمام من عثمان أن يخرج إلى الناس ويعلن لهم تنفيذ ما أرادوا ، ففعل عثمان ذلك ، وقد أعطاهم عهد الله وميثاقه أن يسير فيهم بكتاب الله وسنّة نبيّه ، ويوفّر لهم الفيء ولا يؤثر به أحدا من بني أميّة ، وقفل المصريون راجعين إلى بلادهم.
نقضه للعهد :
ومن المؤسف أنّ عثمان نقض ما قطعه على نفسه ولم يف للمسلمين بما عاهدهم عليه ، أمّا سبب ذلك فتعزوه مصادر التاريخ إلى مروان الذي كان وزيرا ومستشارا له ، فقد لامه على ما أعطاه للمصريّين من العهد وطلب منه نقض ذلك ، فامتنع من إجابته إلاّ أنّه أصر عليه ، فاستجاب له ، فخرج إلى الناس واعتلى المنبر وقال : أمّا بعد ، إنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ، فلمّا تيقّنوا أنّه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم وقطع عليه ابن العاص كلامه وقال له :
اتّق الله يا عثمان! فإنّك قد ركبت نهابير (2) وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب معك.
فصاح به عثمان :
وإنّك هناك يا ابن النابغة! قملت والله! جبّتك منذ تركتك من العمل ..
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 383 ـ 384.
(2) النهابير : المهالك.
وارتفعت أصوات الانكار من جميع جنبات المسجد وهي ذات لهجة واحدة :
اتّق الله يا عثمان! اتّق الله يا عثمان! (1) .
وانهار أمام هذا الحشد الهائل من الانكار ولم يدر ما يقول ، ولم يجد بدّا من إعلان التوبة مرّة ثانية ، فتاب وندم على ما فرّط في أمر نفسه.
استنجاده بمعاوية :
وأحاط الثوّار بعثمان لأنّه لم يقلع عن سياسته ، ولا يغيّر ولا يبدّل أي شيء منها ، وطالبوه بالاستقالة من منصبه فأبى ، ورأى أنّ خير وسيلة له أن يستنجد بابن عمّه معاوية ليبعث له قوّة عسكرية من أهل الشام تحميه من الثوّار ، فكتب إليه :
أمّا بعد ، فإنّ أهل المدينة قد كفروا ، وخلعوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث إليّ من قبلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول (2) .
وحمل الكتاب مسوّر بن مخرمة ، وأخذ يجدّ في السير حتى انتهى إلى معاوية ، فناوله الكتاب وقال له :
يا معاوية ، انّ عثمان مقتول ، فانظر فيما كتب به إليك.
وسخر منه معاوية وأجابه :
يا مسوّر ، إنّي مصرّح أنّ عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ورسوله ويرضاه ، ثمّ غيّر فغيّر الله عليه ، أفيتهيّأ لي أن أردّ ما غيّر الله عزّ وجلّ (3) ؟
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 110. أنساب الأشراف 5 : 74.
(2) الكامل في التاريخ 5 : 67. تاريخ اليعقوبي 2 : 150.
(3) فتوح البلدان 2 : 218.
ولم يبد معاوية أي اهتمام بشأن عثمان ، وكان يترقّب قتله ليتّخذ من دمه ورقة رابحة يطلب بها المطالبة بدمه.
وقد تنكّر معاوية لعثمان ، ولم يستجب له في وقت محنته.
يقول الدكتور محمّد طاهر دروش :
وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية ودمه في عنقه ، ومسئوليّته عن ذلك لا تدفع ، فهو أولى الناس به ، وأعظم الرجال شأنا في دولته ، وقد دعاه فيمن دعا ، يستشيره في هذا الأمر ، وهو داهية الدهاة ، فما نهض إليه برأيه ، ولا دافع عنه بجنده ، وكأنّه قد استطال ـ كما استطال غيره ـ حياته ، فترك الأيام ترسم بيدها مصيره ، وتحدّد نهايته ، فإذا جاز لأحد أن يظنّ بعلي أو بطلحة والزبير تقصيرا في حقّ عثمان فمعاوية هو المقصّر ، وإذا جاز أن يلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم (1) .
وكتب عثمان رسائل أخرى إلى أهل الأمصار يستنجد بهم ويطلب منهم المعونة لرفع الحصار عنه ، إلاّ أنّه لم يستجب أي أحد منهم لعلمهم بالأحداث الجسام التي اقترفها ..
الحصار على عثمان :
وفرض الثوّار الحصار على عثمان ، وأحاطوا بداره وهم يهتفون بسقوطه ، ويطالبونه بالاستقالة من منصبه ، وفي أثناء تلك المحنة الحازية التي أحاطت بعثمان انبرى مروان إلى الثوّار فأشعل نار الثورة في نفوسهم ودفعهم إلى الاطاحة بحكم عثمان قائلا لهم :
ما شأنكم؟ كأنّكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه تريدون أن تنزعوا ملكنا
__________________
(1) الخطابة في صدر الإسلام 2 : 23.
من أيدينا أخرجوا عنّا ..
وكانت هذه الكلمات الطائشة قد أشعلت فتيل الحرب على عثمان ، ونقلت إلى الإمام أمير المؤمنين 7 ، فخفّ مسرعا إلى عثمان وقال له :
« أما رضيت من مروان ، ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك ، مثل جمل الظّعينة يقاد حيث يشاء ربّه ، والله! ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه ، وأيم الله لأراه يوردك ولا يصدرك ، وما أنا عائذ بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك ».
وتركه الإمام وانصرف عنه ، والثوّار قد أحاطوا به ، والتفتت نائلة زوج عثمان إلى مروان وبني أميّة فقالت لهم :
أنتم والله! قاتلوه وميتّموا أطفاله ..
والتفتت إلى زوجها تحذّره من مروان قائلة له :
إنّك متى أطعت مروان قتلك ..
لقد كان مروان من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى قتل عثمان ، فقد أطاعه عثمان إطاعة عمياء ، وهو يدفع به إلى مهالك من دون أن يحسّ عثمان بذلك.
يوم الدار :
واندلعت نيران الثورة فقد نفد صبر الثوّار ، فلم يستقل عثمان من منصبه ، وقد أحاطوا بداره ، وقد شهروا سيوفهم ، فخرج إليهم مروان مدافعا عنه ، فبرز إليه عروة بن شيم الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه صريعا ، وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ، فأراد أن يقطع رأسه فعذلته فاطمة الثقيفة وقالت له :
إن كنت تريد قتله ، فقد قتلته ، فما تصنع بلحمه أن تبضعه ، فاستحى منها وتركه.
وتسلّق الثوّار عليه الدار ، ولم يكن عنده أحد يدافع عنه ، فقد ورمت منه القلوب ، ومجّته النفوس ، ورماه الناس بالحجار ونادوه :
لسنا نرميك ، بل الله يرميك ..
واحتفّ به بعض الأمويّين يدافعون عنه وقد نشب بينهم وبين الثوّار قتال عنيف ، وقد فرّ وانهزم خالد بن عقبة بن أبي معيط من ساحة القتال ، وإليه يشير عبد الرحمن بن سيحان بقوله :
يلومونني في الدار إن غبت عنهم |
وقد فرّ عنهم خالد وهو دارع |
وقتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري ، والمغيرة بن الأخنس ، ونيار بن عبد الله الأسلمي وجماعة.
مصرع عثمان :
وانهزم بنو أميّة وآل أبي معيط وتركوا عثمان وحده ، فأجهز عليه جماعة من المسلمين في مقدّمتهم محمّد بن أبي بكر ، فقد قبض على لحيته وقال له :
أخزاك الله يا نعثل (1) .
فردّ عليه عثمان :
لست بنعثل ، ولكنّي عبد الله وأمير المؤمنين.
فقال له محمّد بعنف :
ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان ، وأخذ يعدّد بني أميّة ..
__________________
(1) نعثل : هو طويل اللحية ، وقيل : هو رجل من أهل الكتاب كان طويل اللحية ، وكان يشبه عثمان ، ولذلك سمّي به ، جاء ذلك في حاشية لطائف المعارف : 35.
وتضرّع عثمان إلى محمّد قائلا له :
يا ابن أخي ، دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه ..
فأجابه محمّد بعنف :
ما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك ..
وطعن محمّد جبينه بمشقص كان في يده ، ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل اذنه حتى دخلت في حلقه ، ثمّ علاه بالسيف ، ووثب عليه عمرو بن الحمق الخزاعي ، فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات ، وكسر عمير بن ضابئ ضلعين من أضلاعه ، وحاولوا حزّ رأسه ، فألقت زوجتاه نائلة وابنة شبيبة بن ربيعة بأنفسهما عليه ، فأمر ابن عديس بتركه لهما (1) .
وألقيت جثّة عثمان ملطّخة بدمه على الأرض لم يفزع إليه أحد من الأمويّين وآل أبي معيط لمواراته في مقرّه الأخير ، وقد بالغ الثوّار في إهانته ، فقد ألقوا جثمانه على المزيلة ثلاثة أيام (2) مبالغة في توهينه وتحقيره ، وكلّم بعض خواصه الإمام 7 أن يتوسّط إلى الثوّار فيواروه ، فكلّمهم الإمام فأذنوا له في دفنه ، ووصف جولد تسهير كيفيّة دفنه بقوله :
وبسط جثمانه دون أن يغسّل على باب ، فكان رأسه يقرع قرعا ، يقابل بخطوات سريعة من حامليه ، وهم يسرعون في ظلام الليل ، والأحجار ترشفه ، واللعنات تتبعه ، ودفنوه في حش كوكب (3) ، ولم يسمح الأنصار بمواراته في مقابر المسلمين (4) ، وأمّا غلاماه اللذان قتلا معه فقد سحبوهما وألقوهما على التلّة
__________________
(1) حياة الإمام الحسين بن عليّ 8 1 : 390.
(2) تمام المتون ـ الصفدي : 79.
(3) حش كوكب : اسم بستان لليهود كانوا يدفنون موتاهم فيه.
(4) العقيدة والشريعة في الإسلام : 45.
فأكلتهما الكلاب (1) .
وبذلك فقد انتهت حياة عثمان بهذه الصورة المروّعة ، وقد امتحن بها المسلمون كأشدّ وأقسى ما يكون الامتحان ، وأخلدت لهم الفتن والمصاعب ، وألقتهم في شرّ عظيم ، فقد ربح الأمويّون بقتله ، فقد طالبوا بدمه ، كما تذرّعت بالمطالبة بدمه القوى النفعية أمثال : طلحة والزبير وعائشة ، فقد رفعوه شعارا لهم ، وهم الذين أجهزوا عليه.
وعلى أي حال ، فقد مني العالم الإسلامي بحكومة عثمان وبمصرعه بمصاعب وفتن ، وقد تحدّثنا عنها في كتابنا ( حياة الإمام الحسين 7 ) فلا نرى حاجة لإعادتها ، وقد اقتبسنا معظم هذه الفصول منه ، وذلك لأنّها ترتبط ببحثنا ارتباطا موضوعيا لا غنى عنها ، فإنّها وإن ذكرت في كتاب ( حياة الإمام الحسن 7 ) وكتاب ( الإمام الحسين 7 ) فهي على سبيل الاستطراد لأنّها تمثّل الحياة الاجتماعية والسياسية في عصر الإمامين 8 ، أمّا ذكرها هنا فإنّها من صميم الموضوع.
__________________
(1) تاريخ الطبري 3 : 241. البداية والنهاية 7 : 214.
المحتويات
مع النبيّ 9
في جهاده وغزواته 9
واقعة بدر : 12
استنجاد أبي سفيان بقريش : 12
رؤيا عاتكة : 12
نصيحة عتبة بن ربيعة : 13
سقاية الإمام للجيش : 14
دعاء النبيّ للأنصار : 15
دعاء النبيّ على قريش : 15
النبي مع أصحابه : 15
المعركة : 16
بسالة الإمام : 16
أسماء من قتلهم الإمام : 17
وقوف النبيّ على قتلى بدر : 19
الأسرى من قريش : 20
حزن القرشيّين على قتلاهم : 20
انتصار الإسلام : 21
واقعة أحد : 22
الحرب : 23
هزيمة المسلمين : 24
مصرع الشهيد حمزة : 25
مصرع الشهيد مصعب : 26
حماية الإمام للنبيّ : 26
تشفّي هند : 27
تشفّي أبي سفيان : 28
حزن النبيّ : 28
ملاحقة النبيّ للقرشيّين : 30
سرور القرشيّين : 30
واقعة الخندق : 30
دور اليهود في المعركة : 31
النبيّ مع نعيم : 32
حفر الخندق : 33
مبارزة الإمام لعمرو : 34
فتح خيبر : 38
مبارزة الإمام لمرحب : 40
غزوة بني قريظة : 41
نصيحة كعب لبني قريظة : 42
نزولهم على حكم الرسول : 43
تحكيم سعد : 43
غزوة بني النضير : 44
غزوة وادي القرى : 45
الإمام وفتح اليمن : 45
دعاء الإمام : 45
إسلام همدان : 46
فتح مكّة : 47
رسالة حاطب لقريش : 47
في رحاب مكّة : 48
العباس وأبو سفيان : 49
أبو سفيان بين يدي النبيّ : 50
ألطاف النبيّ على أبي سفيان : 51
أبو سفيان في مضيق الوادي : 52
نداء أبي سفيان : 53
معارضة هند : 53
دخول النبي مكّة : 54
النبي في الكعبة : 54
تطهير البيت من الأصنام : 55
خطاب النبيّ : 56
غزوة حنين : 57
فرار المسلمين : 58
بسالة الإمام : 59
شماتة أبي سفيان وصفوان : 59
هزيمة المشركين : 60
الغنائم : 60
الإمام وسورة البراءة : 62
غزوة تبوك : 63
الإمام يصف جهاده : 64
طلائع الرّحيل 67
حجّة الوداع : 71
مؤتمر غدير خم : 74
البيعة العامّة للإمام : 77
نزول آية إكمال الدين : 78
المأساة الخالدة 79
إعطاء القصاص من نفسه : 82
سرية اسامة : 85
رزية يوم الخميس : 87
فجيعة الزهراء : 90
النبيّ يوصي بأهل بيته : 92
وصيّة النبيّ بسبطيه : 92
إلى الفردوس الأعلى : 92
تجهيز الجثمان العظيم : 95
الصلاة على الجثمان العظيم : 96
مواراة الجثمان المقدّس : 97
فزع أهل البيت : 97
تأبين الإمام للرسول : 98
مؤتمر السّقيفة وحكومة أبي بكر 99
البواعث المؤتمر السقيفة 102
خطاب سعد : 105
المؤاخذة على سعد : 106
ضعف نفسية الأنصار : 107
اختلاف الأنصار : 108
فذلكة عمر : 108
نظرة وتأمّل : 110
مداهمة الأنصار : 111
خطاب أبي بكر : 112
دراسة وتحليل : 113
فوز أبي بكر بالحكم : 116
هزيمة الأنصار : 118
ابتهاج القرشيّين : 119
موقف أبي سفيان : 119
موقف الإمام من بيعة أبي بكر : 122
امتناع الإمام من البيعة : 123
احتجاجات صارمة : 126
1 ـ احتجاج الإمام أمير المؤمنين : 126
2 ـ الزهراء : 126
3 ـ الإمام الحسن : 131
4 ـ سلمان الفارسي : 131
5 ـ عمّار بن ياسر : 132
6 ـ أبو ذرّ : 133
7 ـ المقداد : 134
8 ـ عتبة بن أبي لهب : 135
9 ـ أبو أيوب الأنصاري : 135
10 ـ أبيّ بن كعب : 136
11 ـ النعمان بن عجلان : 137
12 ـ عثمان بن حنيف : 137
13 ـ سهل بن حنيف : 137
14 ـ خزيمة بن ثابت : 138
15 ـ أبو الهيثم بن التيهان : 139
إجراءات مؤسفة : 140
كبس دار الإمام : 140
تأميم فدك : 143
مطالبة الزهراء بفدك : 143
إلغاء الخمس : 146
مصادرة تركة النبيّ : 146
الخطاب الخالد للزهراء : 148
ندم أبي بكر : 154
محاولة فاشلة لإرضاء الزهراء : 154
أضواء على موقف الإمام : 156
1 ـ فقده للقوّة العسكرية : 156
2 ـ المحافظة على وحدة المسلمين : 158
لوعة الزهراء وشجونها : 158
وفاة أبي بكر وعهده لعمر : 167
موقف الإمام : 170
خلافة عمر ومبدأ الشّورى 173
سياسته الداخلية : 175
سعد بن أبي وقّاص : 175
جبلة بن الأيهم : 176
فرض الإقامة الجبرية على الصحابة : 177
رأي طه حسين : 178
ولاته وعمّاله : 178
مراقبة الولاة والعمال : 179
سياسته المالية : 183
ناقدون : 184
ندم عمر : 186
اعتزال الإمام : 186
نصيحته لعمر : 189
اغتيال عمر : 191
وصيّته : 193
عمر مع ابنه عبد الله : 193
نظام الشورى : 195
صلاة صهيب : 196
انتخاب عمر لأعضاء الشورى : 197
عمر مع أعضاء الشورى : 197
الهيئة المشرفة على الانتخاب : 205
عمر مع أبي طلحة والمقداد : 205
إنذار عمر للصحابة : 206
رأي الإمام : 206
آفات الشورى : 208
عملية الانتخاب : 213
حكومة عثمان 221
مظاهر شخصيّته : 224
أوّلا ـ ضعف الإرادة : 224
ثانيا ـ حبّه العارم للأمويّين : 225
ثالثا ـ ميله إلى الترف : 225
رابعا ـ مصانعة الوجوه : 226
ولاته وعمّاله : 227
1 ـ عبد الله بن عامر : 227
2 ـ الوليد بن عقبة : 230
3 ـ عبد الله بن سعد : 235
4 ـ معاوية بن أبي سفيان : 236
5 ـ سعيد بن العاص : 237
سياسته الاقتصادية : 240
هباته للأمويّين : 241
هباته للأعيان : 245
إقطاعه للأراضي : 246
قائمة بأسماء الممنوحين أراضي واسعة : 248
استقطاع عثمان للأموال : 249
مع الجبهة المعارضة : 250
التنكيل بالمعارضين : 250
الثورة على عثمان : 266
مذكرة المهاجرين لأهل مصر : 266
مذكرة أخرى لأهل الثغور : 267
وفود الأمصار : 268
1 ـ الوفد المصري : 268
2 ـ الوفد الكوفي : 268
3 ـ الوفد البصري : 268
مذكّرة المصريّين لعثمان : 269
استجارته بالإمام : 270
كتاب عثمان : 270
نقضه للعهد : 271
استنجاده بمعاوية : 272
الحصار على عثمان : 273
يوم الدار : 274
مصرع عثمان : 275
المحتويات 279