موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجزء 3

مؤلف: باقر شريف القرشي
أمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-94388-6-3



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ )

آل عمران عليهم‌السلام عليه‌السلام

( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )

هود : 1

( وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً )

الكهف : 54



تقديم

( 1 )

القرآن الكريم كنز من كنوز الله ، وذخر من ذخائر الإسلام ، وهبة من الله لعباده ، أرسله إلى عبده ورسوله خاتم النبيّين ليكون معجزة له ودليل صدق على رسالته ، يقيم الأود ، ويصلح ما اعوجّ من نظام الدنيا ، وينير الطريق ، ويوضح القصد ، ويسير بالإنسان في أرحب الطرق وأضمنها أمنا وسلاما.

القرآن الكريم رسالة الله الخالدة ، وجنّته الواقية ، بعث بها أفضل عباده ، وأكملهم فكرا ، وأصدقهم إيمانا ، وأرحمهم قلبا.

قال تعالى : ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (1) .

وصدع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بكتاب الله تعالى يشيع آياته ، ويذيع بياناته ، ويتلو أحكامه على الناس على اختلاف قومياتهم ، وتباين لغاتهم ، واختلاف أمصارهم.

__________________

(1) التوبة : 128.


( 2 )

وأوجد القرآن الكريم بما يحمل من طاقات علمية وفكرية انقلابا هائلا في ذلك المجتمع الغارق في مآثم هذه الحياة ، فقد دمّر جميع عاداتهم وتقاليدهم ، وصنع لهم منهجا متكاملا لجميع شئون الحياة اجتماعية وسياسية واقتصادية ، وأقام معالم العدالة الاجتماعية التي لا تدع ظلاّ للظلم والبغي والاعتداء على حرمات الناس.

إنّ تعاليم القرآن وأحكامه وآدابه جاءت لتسمو بالإنسان ، وترفع كيانه ، وتجعله خليفة لله في أرضه ، فما أعظم عائدته على جميع البشر! وما أجلّ نعمه وأياديه عليهم!

( 3 )

وحفل القرآن الكريم بالمحكم والمتشابه ، والعامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، فتأويله والوقوف على حقيقته النازلة من ربّ العالمين لا يحيط به إلاّ الراسخون في العلم ، وهم مصابيح الإسلام ، وهداة الأنام ، والمرتقى العالي في الإسلام ، عترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذين عاشوا مع القرآن ، ووقفوا على دقائقه وأسراره وقيمه وآدابه ، فلا بدّ من الرجوع الى ما اثر عنهم في تفسير القرآن الكريم ، وليس الرجوع إليهم نافلة أو تطوعا وإنّما هو الحقّ الذي لا بديل له.

( 4 )

والشيء المؤكد الذي لا ريب فيه أنّ سيّد العترة النبوية الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام


هو أوّل من عرف القرآن ووقف على محتوياته ، ومنه أخذ تلميذه عبد الله بن عباس الذي هو ألمع مفسّر للقرآن ، وقد كانت نسبة علومه ومعارفه في القرآن بالنسبة إلى علوم الإمام عليه‌السلام كنسبة قطرة من المطر الى ماء البحر.

واستمدّ هذا الإمام الملهم العظيم تفسيره للقرآن من أخيه وابن عمّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد أحاطه علما بتفسير كلّ آية نزلت عليه ، كما أعلن الإمام ذلك بقوله :

« فلم ينزل الله على نبيّه آية من القرآن إلاّ وقد جمعتها ، وليست منه آية إلاّ وقد قرأنيها وعلّمني تأويلها » (1) .

وقال عليه‌السلام :

« ما نزلت في القرآن آية إلاّ وقد علمت أين نزلت ، وفيمن نزلت ، وفي أيّ شيء نزلت ، وفي سهل نزلت ، أو في جبل نزلت » (2) .

وبهذا كان الإمام عليه‌السلام أوّل من أحاط بالقرآن علما ، ووقف على مضامينه ومحتوياته.

( 5 )

كان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في أيام حكومة الخلفاء قد انصرف إلى تفسير القرآن الكريم ، وبيان مفرداته ، وما يتعلّق بآياته من شئون الكون ، وامور التوحيد ، وعجائب المخلوقات ، وغير ذلك مما يرتبط بتفسير القرآن.

وكان هذا التفسير موضع اعتزاز الأئمّة الطاهرين ، فكانوا يفخرون به ، وحمل

__________________

(1) بحار الأنوار 92 : 40.

(2) أمالي الصدوق : 166.


بعض الحاقدين على الشيعة أنّ عندهم مصحف الإمام وهو غير هذا المصحف ، واتّخذ ذلك وسيلة للطعن عليهم ، وهذا من قلّة التدبّر ، فإنّ الشيعة يؤمنون إيمانا لا يخامره شكّ أنّه ليس هناك مصحف آخر غير هذا المصحف ، وهو الذي نزل من ربّ العالمين على خاتم المرسلين.

أمّا مصحف الإمام فهو حافل بتفسيره وأسباب نزوله وغير ذلك ممّا ذكرناه.

( 6 )

من المؤكد أنّه لو ثنيت الوسادة للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتسلّم قيادة الحكم لتطوّرت الحياة الإسلاميّة ، وسادت القيم الأصيلة والمثل العليا في الأرض ، فقد كان هذا الإمام الملهم العظيم يملك طاقات هائلة من العلم لا يملكها غيره ، فهو باب مدينة علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لا حدود لمعارفه وعلومه.

وقد أعلن الإمام عليه‌السلام أنّه لو تسلّم القيادة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأفتى جميع الملل والأديان بما في كتبهم.

قال عليه‌السلام :

« أما والله! لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التّوراة بتوراتهم حتّى تنطق التّوراة فتقول : صدق علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ. وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ. وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا ، فهل فيكم أحد يعلم بما انزل فيه؟ ولو لا آية في كتاب الله عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان ، وبما


هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) » (1) .

ودلّ حديث الإمام عليه‌السلام على مدى ثرواته العلميّة التي شملت جميع ما يقع في الدنيا من أحداث فيما هو كائن وما يكون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

( 7 )

من المؤسف حقّا أنّ الامّة لم تستغلّ هذا العملاق العظيم ، ولم تحتضنه ليفيض عليها بعلومه ومعارفه وثقافته ، ويعرّفهم بما في كتاب الله العظيم من أسرار مذهلة ، فقد باعدوا بينه وبين الحياة السياسية العامة في البلاد ، وأعلنت بعض الشخصيات البارزة من قريش أنّه لا تجتمع الخلافة والنبوة في بيت واحد ، وهو منطق مهزول باعثه الحسد للإمام ، والحقد على الاسرة النبوية ، فقد آلت الخلافة إلى بني أميّة وبني العباس ، وهم لا رصيد لهم من علم وتقوى وفكر ، وقد واجه المسلمون في عهودهم ألوانا مريرة من الاضطهاد والتنكيل.

( 8 )

ونعود للحديث عن تفسير الإمام عليه‌السلام للقرآن الكريم ، فإنّا لم نعثر على تفسير كامل له لجميع آيات الكتاب العزيز ، وإنّما ذكر السادة المفسّرون لقطات من آرائه في تفسير بعض الآيات ، ونحن ننقلها عنهم للتدليل على مدى سعة علوم الإمام عليه‌السلام واحاطته

__________________

(1) بحار الأنوار 92 : 78 ، والآية 39 من سورة الرعد.


الكاملة بكتاب الله العظيم ، وهو جزء من حياته العلمية التي نلقي الأضواء على بعض معالمها.

( 9 )

وقبل أن أطوي الصفحات الأخيرة من هذا التقديم أودّ أن أعرض إلى أنّ هذا الكتاب جزء من موسوعة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام التي تناولت البحث عن شئون حياته ، ولا أدّعي ـ بصورة جازمة ـ أنّي ألممت أو أحطت بجميع شئون حياته فذلك أمر بعيد المنال وأستغفر الله تعالى من أن أدّعي ذلك ، فإنّ هذا الكتاب على ما فيه من سعة وشمول ، وما بذل في تأليفه من جهد شاق وعسير ، فإنّه إنّما يلقي الأضواء على بعض معالم حياة هذا الإمام الملهم العظيم الذي شغل أفكار العلماء بمواهبه وعبقرياته ، وتبنّيه بصورة إيجابية للعدل الخالص والحقّ المحض.

لقد ألّف العلماء من قدامى ومحدثين عشرات الكتب إن لم تكن مئات الكتب في فضائل الإمام ومناقبه ومآثره ، ومنها هذه الموسوعة ، وهي جميعا إنّما تحكي صفحة من حياته المشرقة بالكرامة والشرف والنبل ونكران الذات.

وفي الختام إنّي أتضرّع إلى الله تعالى أن يتقبّل هذا الجهد ، وأن يثيبني عليه يوم ألقاه ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

النّجف الأشرف

باقر شريف القريشي 10

/ جمادى الثانية / 1419 هـ


انحناء وتقديس

امام القرآن الكريم



وانحنى الإمام إجلالا وخضوعا أمام القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد أضفى عليه أجمل الأوصاف ، وأسمى النعوت.

لقد كان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في طليعة من قيّم القرآن ، وأشاد بفضله ، وعظيم منزلته ، وهذه كوكبة من الأخبار التي أدلى بها عن أهمية القرآن المجيد :

وصف القرآن :

ووصف الإمام عليه‌السلام القرآن الكريم بهذه الصفات الرفيعة ، قال عليه‌السلام :

« ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، ظاهره حكم ، وباطنه علم » (1) .

حكت هذه الكلمات ما حفل به ظاهر القرآن وباطنه ، فظاهره حكم وآداب ، وباطنه علم وفضل وخير وهدى للناس.

القرآن نور :

خطب الإمام عليه‌السلام خطابا مهمّا تحدّث فيه عن نعمة الإسلام على النّاس ورحمته عليهم ، ثمّ تعرّض للقرآن الكريم ، فوصفه بالنور ، والسراج المنير.

قال عليه‌السلام : « ثمّ أنزل عليه ـ أي على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ،

__________________

(1) البصائر والذخائر : 7 ، وفي ربيع الأبرار زيادة على ذلك : « ولا تنقضي غرائبه » .


وسراجا لا يخبو توقّده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضلّ نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوؤه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزّا لا تهزم أنصاره ، وحقّا لا تخذل أعوانه.

فهو معدن الإيمان وبحبوحته (1) ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافيّ الإسلام وبنيانه ، وأودية الحقّ وغيطانه (2) ، وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السّائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون.

جعله الله ريّا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاجّ لطرق الصّلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزّا لمن تولاّه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتمّ به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلّم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاجّ به ، وحاملا لمن حمله ، ومطيّة لمن أعمله ، وآية لمن توسّم ، وجنّة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى » (3) .

أرأيتم كيف قيّم الإمام القرآن وثمّنه بهذه الكلمات الذهبيّة ، التي حفلت بما في القرآن من ذخائر العلم ، ومناجم الفكر ، وهي تنمّ عن إحاطة الإمام ووعيه لجميع

__________________

(1) البحبوحة : وسط المكان.

(2) الغيطان : جمع غاط ، وهو المطمئن من الأرض.

(3) نهج البلاغة 2 : 177 ـ 178.


ما في القرآن من دقائق وأسرار؟

القرآن ناطق :

من كلمات الإمام الرائعة في وصف القرآن الكريم قوله :

« وكتاب الله بين أظهركم ، ناطق لا يعيا لسانه ، وبيت لا تهدم أركانه ، وعزّ لا تهزم أعوانه » (1) .

ما أجمل هذا الوصف! وما أروع هذا البيان! فقد حكى بما في القرآن الكريم من عظيم الصفات.

القرآن يتحدّث عن أنباء الماضي والمستقبل :

من أحاديث الإمام عليه‌السلام عن القرآن الكريم أنّه تحدّث عن أنباء الامم الماضية ، والامم التي ستأتي قال عليه‌السلام :

« القرآن فيه خبر من قبلكم ، ونبأ من بعدكم ، وحكم فيما بينكم ».

لقد قصّ القرآن الكريم أحوال الامم السابقة ، وما جرى على بعضها من الدمار والهلاك ، وذلك بسبب انحرافها عن الحقّ ، ومعاداتها لرسل الله.

القرآن حبل الله :

أوصى الإمام عليه‌السلام أصحابه بالتمسّك بالقرآن ، ووعي آياته لأنّه حبل الله المتين ، قال عليه‌السلام :

« عليكم بكتاب الله فإنّه الحبل المتين ، والنّور المبين ، والشّفاء النّافع ، والرّيّ النّاقع ، والعصمة للمتمسّك ، والنّجاة للمتعلّق. لا يعوجّ فيقام ،

__________________

(1) نهج البلاغة 2 : 16. بحار الأنوار 92 : 33.


ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تخلقه كثرة الرّدّ وولوج السّمع ، من قال به صدق ، ومن عمل به سبق » (1) .

إنّ كتاب الله العظيم حافل بكلّ مقومات الحياة ، فهو النور الذي يهدي الضّال ، وهو العصمة لمن تمسّك به ، والنجاة لمن التجأ إليه ، فما أعظم عائدته على الإنسان!

القرآن ناصح :

تحدّث الإمام عليه‌السلام عن فضل القرآن ومدى أهمّيته ، قال عليه‌السلام : « واعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذي لا يغشّ ، والهادي الّذي لا يضلّ ، والمحدّث الّذي لا يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى ، أو نقصان من عمى.

و اعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة (2) ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى ؛ فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم (3) ، فإنّ فيه شفاء من أكبر الدّاء : وهو ـ أي الداء ـ الكفر والنّفاق ، والغيّ والضّلال ، فاسألوا الله به ، وتوجّهوا إليه بحبّه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنّه ما توجّه العباد إلى الله تعالى بمثله.

و اعلموا أنّه شافع مشفّع ، وقائل مصدّق ، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدّق عليه ، فإنّه

__________________

(1) بحار الأنوار 92 : 23.

(2) الفاقة : الفقر والحاجة.

(3) اللأواء : الشدّة.


ينادي مناد يوم القيامة : « ألا إنّ كلّ حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير حرثة القرآن ». فكونوا من حرثته وأتباعه ، واستدلّوه على ربّكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتّهموا عليه آراءكم ، واستغشّوا فيه أهواءكم » (1) .

وصف الإمام عليه‌السلام القرآن الكريم بأجمل الصفات وأبدع النعوت ، فقد وصفه بالناصح المشفق الذي يهدي الناس للتي هي أقوم ، كما وصفه بالمحدث الذي لا يكذب ، وإنّما يتلو الحقّ ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وهو الدواء الذي يعالج جميع أمراض الإنسان ويحسم مشاكله ، وهو الشافع يوم القيامة لمن قرأه بإمعان وسار على هديه. هذه بعض الصفات التي أضفاها الإمام على القرآن.

القرآن هدى ونور :

أوصى الإمام عليه‌السلام أصحابه برعاية القرآن والتمسّك به فإنّه نور وهدى ، قال عليه‌السلام : « اعلموا أنّ القرآن هدى النّهار ، ونور اللّيل المظلم على ما كان من جهد وفاقة » (2) .

القرآن هدى للناس ، يرشد الضالّ ، وينير الطريق ، ويوضح القصد ، ويهدي الحائر.

الحثّ على تعلّم القرآن :

حثّ الإمام عليه‌السلام أصحابه على تعلّم القرآن الكريم ، قال عليه‌السلام :

__________________

(1) ربيع الأبرار 2 : 82 ـ 83. نهج البلاغة 2 : 92.

(2) اصول الكافي 2 : 600.


  « تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور ، وأحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص » (1) .

وحفلت هذه الكلمات بآيات الثناء على كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

حفظ القرآن :

ندب الإمام أصحابه إلى حفظ القرآن ، وممن حثّه الإمام على ذلك الفرزدق الشاعر المعروف ، فقد وفد مع أبيه على الإمام عليه‌السلام فقال الإمام لأبي الفرزدق :

ـ « من أنت؟ ».

ـ غالب بن صعصعة المجاشعي.

ـ « أنت ذو الإبل الكثيرة؟ ».

ـ نعم.

ـ « ما فعلت إبلك؟ ».

ـ أذهبتها النوائب ، وذعذعتها الحقوق.

ـ ذاك ـ أي اذهاب الحقوق لها ـ خير سبيلها ».

ثمّ التفت الإمام إلى غالب فقال له :

ـ « من هذا الفتى الّذي معك؟ » ـ وأشار إلى الفرزدق.

ـ ابني وهو شاعر.

فأرشده الإمام إلى تعلّم ما هو خير من الشعر قائلا :

« علّمه القرآن فهو خير له من الشّعر ».

__________________

(1) نهج البلاغة : 214.


واستجاب الفرزدق لنصيحة الإمام ، فعكف على حفظ القرآن ، وقد قيّد نفسه سنة حتى حفظه ، وفي ذلك يقول :

وما صبّ رجلي في حديد مجاشع

مع القدر إلاّ حاجة لي اريدها (1)

لقد كانت الحاجة التي يريدها الفرزدق هي حفظ القرآن الكريم والوقوف على معانيه.

دعاؤه عند ختم القرآن :

كان الإمام عليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء عند ختمه للقرآن الكريم :

« اللهمّ إنّي أسألك إخبات المخبتين ، وإخلاص الموقنين ، ومرافقة الأبرار ، واستحقاق حقائق الإيمان ، والغنيمة من كلّ برّ ، والسّلامة من كلّ إثم ، ووجوب رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والفوز بالجنّة ، والنّجاة من النّار » (2) .

وأثر عنه دعاء آخر كان يدعو به عند ختمه للقرآن ، وهو :

« اللهمّ اشرح بالقرآن صدري ، واستعمل بالقرآن بدني ، ونوّر بالقرآن بصري ، وأطلق بالقرآن لساني ، وأعنّي عليه ما أبقيتني ، فإنّه لا حول ولا قوّة إلاّ بك » (3) .

القرآن ربيع القلوب :

أدلى الإمام عليه‌السلام في بعض خطبه عمّا في القرآن الكريم من الفوائد التي

__________________

(1) نور القبس المختصر من المقتبس ـ المرزباني : 268.

(2) الصحيفة العلوية الثانية : 202.

(3) الصحيفة العلوية الاولى : 287.


لا يستغني عنها أحد ، والتي منها أنّه ربيع القلوب ، قال عليه‌السلام :

« فإنّ الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنّه حبل الله المتين ، وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره » (1) .

وكثير من أمثال هذه الأحاديث أدلى بها الإمام عليه‌السلام في فضل القرآن الكريم والاشادة به ، وهي تحكي بصورة واضحة عن وعيه الكامل لكتاب الله العزيز ، وتدبّره التامّ لجميع ما فيه من حقول العلم والمعرفة ، ولا شبهة أنّه ليس هناك أحد من الصحابة قد وقف على القرآن الكريم وفهم حقيقته غير الإمام عليه‌السلام الذي هو باب مدينة علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 31.


من تفسير الإمام للقرآن الكريم



كان من أهمّ ما عنى به الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام تفسير القرآن الكريم الذي هو رسالة الله تعالى الكبرى لعباده ، ومنهجه الكامل لما فرض عليهم من أحكام ، وليس هناك أحد غيره أدرى بما في القرآن من ناسخ ومنسوخ ، وعامّ وخاصّ ، ومجمل ومبيّن ، ومطلق ومقيّد ، فقد علّمه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله جميع ذلك ، وقد صرح الإمام بذلك بقوله :

« سلوني عن كتاب الله ، فو الله! ما نزلت آية من كتاب الله في ليل ونهار ولا مسير ، ولا مقام إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلّمني تأويلها ».

فانبرى إليه أحد قردة ذلك المجتمع ابن الكوّاء الدنس الخبيث ساخرا فقال له : يا أمير المؤمنين ، فما كان ينزل عليه ، وأنت غائب عنه؟

فأجابه الإمام :

« كان يحفظ عليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه ، حتّى أقدم عليه فيقرأنيه ، ويقول : يا عليّ ، أنزل الله بعدك عليّ كذا وكذا ، وتأويله كذا وكذا ، فيعلّمني تنزيله وتأويله » (1) .

لقد عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بتفسير جميع ما نزل عليه من كتاب الله العظيم ، وبيان محتوياته ، ودقائقه وأسراره. وعلى أي حال ، فإنّا نعرض إلى ما اثر عن الإمام عليه‌السلام من تفسير بعض الآيات ، وفيما يلي ذلك :

__________________

(1) بحار الأنوار 92 : 79. الاحتجاج : 139.



سورة الفاتحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

هنا بحوث في المقام ، نعرض لها حسب ما اثر فيها عن الإمام عليه‌السلام :

البسملة جزء من السورة :

أمّا البسملة فهي جزء من السورة ـ عند الشيعة ـ ، وقد وردت النصوص عن الإمام عليه‌السلام في جزئيّتها من كلّ سورة.

قال عليه‌السلام :

« والبسملة في أوّل كلّ سورة آية منها ، وإنّما كان يعرف انقضاء السّورة بنزولها ابتداء للأخرى ، وما أنزل الله تعالى كتابا من السّماء إلاّ وهي فاتحته » (1) .

وأكّد الإمام عليه‌السلام أنّها جزء بالخصوص من سورة الفاتحة ، قال عليه‌السلام :

« إنّها ـ أي البسملة ـ من الفاتحة ، وإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقرؤها ويعدّها آية منها ، ويقول : فاتحة الكتاب هي السّبع المثاني » (2) .

__________________

(1) مواهب الرحمن 1 : 20.

(2) مواهب الرحمن 1 : 20.


بنود البسملة :

أمّا بنود البسملة وفقراتها فهي :

( اللهِ )

وهو علم لتلك الذّات المقدّسة التي لا يحيط بمعرفتها وكنهها إلاّ هو عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ، وقد عرف علميّته له حتّى في زمان الجاهلية ، قال لبيد :

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

و كلّ نعيم لا محالة زائل

( الرَّحْمنِ )

وصف الخالق العظيم نفسه المقدّسة بالرحمة دون سائر صفاته الكمالية ؛ وذلك للتدليل على شمول رحمته وعمومها للجميع ، للمسلم والكافر على حدّ سواء.

و عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « الرّحمن العاطف على خلقه بالرّزق ، لا يقطع عنهم موادّ رزقه وإن انقطعوا عن طاعته » (1) .

( الرَّحِيمِ )

الرحيم من صفات المبدع العظيم ، وهي من إفاضته المختصّة بالمؤمنين ، قال تعالى : ( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) (2) .

أهمّية السورة :

وهي من أهمّ سور القرآن الكريم ، وقد روى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ،

__________________

(1) مواهب الرحمن 1 : 23.

(2) الأحزاب : 43.


عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنها ، قال :

« لقد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : قال الله عزّ وجلّ : قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل.

إذا قال العبد : ( بسم الله الرّحمن الرّحيم ) ، قال الله جلّ جلاله : بدأ عبدي باسمي ، وحقّ عليّ أن اتمّم له اموره ، وابارك له في أحواله. فإذا قال : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، قال الله جلّ جلاله : حمدني عبدي ، وعلم أنّ النّعم الّتي له من عندي ، وأنّ البلايا الّتي دفعت عنه بتطوّلي ، اشهدكم أنّي اضيف له إلى نعم الدّنيا نعم الآخرة ، وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدّنيا.

و إذا قال : ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، قال الله جلّ جلاله : شهد لي عبدي أنّي الرّحمن الرّحيم ، اشهدكم لاوفّرنّ من رحمتي حظّه ، ولاجزلنّ من عطائي نصيبه.

فإذا قال : ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ، قال الله تعالى : اشهدكم كما اعترف بأنّي أنا المالك يوم الدّين ، لاسهّلنّ يوم الحساب حسابه ، ولأتقبّلنّ حسناته ، ولأتجاوزنّ عن سيّئاته.

فإذا قال : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) ، قال الله عزّ وجلّ : صدق عبدي ، إيّاي يعبد ، اشهدكم لاثيبنّه على عبادته ثوابا يغبطه كلّ من خالفه في عبادته لي.

فإذا قال : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، قال الله تعالى : بي استعان عبدي وإليّ التجأ ، اشهدكم لأعيننّه على أمره ، ولأغيثنّه في شدائده ، ولآخذنّ بيده يوم نوائبه.

فإذا قال : ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إلى آخر السورة. قال الله عزّ وجلّ :

هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، وقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمّل ، وآمنته ممّا منه وجل » (1) .

__________________

(1) الميزان 1 : 39 ، نقلا عن المعاني.


وهذه السورة من أفضل سور القرآن الكريم فقد جعلت جزءا من الصلاة التي هي من أفضل العبادات في الإسلام ، والبحث عنها يقع في جهات وهي :

مكان نزولها :

نزلت هذه السورة المباركة في مكّة المقدّسة ، كما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ويدلّ على ذلك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي في مكّة والفاتحة جزء من الصلاة الخ.

أسماؤها :

وتسمّى هذه السورة المباركة بعدّة أسماء منها ما يلي :

الفاتحة :

سمّيت هذه السورة بالفاتحة لأصالتها ، وتفرّع سائر القرآن منها (1) .

السبع المثاني :

من أسماء هذه السورة « السبع المثاني » ، سمّيت بذلك إمّا لتكرارها في الصلاة ، وإمّا لأنّ المثاني اسم للقرآن الكريم. وفاتحة الكتاب سبع آيات ، وهي من أعظم آيات القرآن العظيم قال تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (2) .

معنى الحمد :

الحمد : هو الثناء على نعم الله تعالى التي لا تحصى ، و روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسيره للحمد :

« إنّ الله عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملا ، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها

__________________

(1) مواهب الرحمن 1 : 47 ـ 48.

(2) الحجر : 87.


بالتّفصيل لأنّها أكثر من أن تحصى أو تعرف ، فقال لهم : قولوا : الحمد لله على ما أنعم به علينا » (1) .

( رَبِّ الْعالَمِينَ )

الرّبّ : هو الخالق والمكوّن ، والمحيي والمدبّر لجميع الكائنات الحيّة وغيرها بجميع ذاتياتها وشئونها ، و روي عن الإمام عليه‌السلام في تفسيره لربّ العالمين : « مالك الجماعات من كلّ مخلوق من الجمادات والحيوانات ، وخالقهم ، وسائق أرزاقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، يقلّب الحيوانات بقدرته ، ويغذوها من رزقه ، ويحوطها بكنفه ، ويدير كلاّ منها بمصلحته ، ويمسك الجمادات بقدرته ، ويمسك المتّصل منها أن يتهافت ، ويمسك المتهافت أن يتلاصق ، ويمسك السّماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، والأرض أن تنخسف إلاّ بأمره » (2) .

( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )

تقدّم تفسيرهما في البحث السابق ، فلا حاجة لإعادة الكلام فيه.

( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )

أي مالك يوم الآخرة ، التي هي أعظم وأشدّ هولا من امور الدنيا ، ولم يؤثر عن إمام المتّقين تفسير له.

( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )

المراد : إنّا نعبد الله تعالى ولا نعبد غيره ، ونستعين به ولا نستعين بسواه ، ودلّ الضمير المنفصل على الاختصاص ، كما نصّ على ذلك علماء النحو.

__________________

(1) الميزان 1 : 24 ، نقلا عن العيون.

(2) مواهب الرحمن 1 : 49.


( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )

روي عن الإمام عليه‌السلام أنّه فسّر هذه الآية بقوله :

« أدم لنا توفيقك الّذي به أطعناك في ما مضى من أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا » (1) .

وروي عن الإمام عليه‌السلام أنّ المراد هو كتاب الله تعالى.

وقيل : إنّ المراد به هو الإسلام (2) .

( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ )

روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه فسّر الآية بقوله :

« اهدنا صراط الّذين أنعمت عليهم بالتّوفيق لدينك وطاعتك ، لا بالمال والصّحّة ، فإنّهم قد يكونون كفّارا أو فسّاقا ».

قال :

« وهم الّذين قال الله فيهم : ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (3) » (4) .

__________________

(1) مواهب الرحمن 1 : 50.

(2) مجمع البيان 1 : 28 ، وقيل : إنّ الصراط المستقيم : هو الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كما عن تفسير العيّاشي.

(3) النساء : 69.

(4) الميزان 1 : 39.


وروي أنّ المراد بالمغضوب عليهم هم اليهود أعداء الله وأعداء رسوله ، والمراد بالضالّين هم النصارى الذين ضلّوا عن الحقّ واتّبعوا أهواءهم (1) .

وبهذا ينتهي تفسير سورة الفاتحة التي هي من أهم سور القرآن الكريم ، فقد جعلت جزءا من الصلاة لا تصح بدونها ، و في الحديث : « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ».

__________________

(1) مجمع البيان 1 : 30.


سورة البقرة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وهي مدنيّة كلّها إلاّ آية واحدة وهي :

( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (1) ؛ فإنّها نزلت في حجّة الوداع بمنى.

وعدد آياتها مائتان وست وثمانون آية ، وهو العدد المروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ونحن لا نستوعب تفسير جميع سورة البقرة ، وإنّما نذكر تفسير خصوص الآيات التي روي تفسيرها عن أمير المؤمنين عليه‌السلام :

( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (عليه‌السلام )

( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) ، أي جعل على قلوب الكافرين غطاء فلا ينتفعون بالمعارف الإلهية ، وقد ذكر تعالى ذلك بقوله عليهم‌السلام

( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ

__________________

(1) البقرة : 281.


لا يُؤْمِنُوا بِها ) (1) .

وكذلك قوله تعالى : ( كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (2) .

و روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام تفسير هذه الآية :

« سبق في علمه تعالى أنّهم لا يؤمنون فختم على قلوبهم وسمعهم ليوافق قضاؤه عليهم علمه فيهم ، ألا تسمع قوله تعالى : ( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ) (3) » (4) ؟

( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (29)

من نعم الله الكبرى على الإنسان أنّه خلق له ما في الأرض من النباتات والحيوانات لينتفع بها انتفاعا مادّيا ، وقد نظر الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى الجهة المعنوية أي خلق الله تعالى ما في الأرض للنظر والاعتبار.

قال عليه‌السلام :

« هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعا لتعتبروا به ، ولتتوصّلوا به إلى رضوانه ، وتتوقّوا به من عذاب نيرانه ، ثمّ استوى إلى السّماء أخذ في خلقها وإتقانها فسوّاهنّ سبع سماوات ، وهو بكلّ شيء عليهم ، ولعلمه بكلّ شيء علم المصالح فخلق ما في الأرض لمصالحكم يا بني آدم » (5) .

__________________

(1) الأنعام : 25.

(2) المطفّفين : 14.

(3) الأنفال : 23.

(4) مواهب الرحمن 1 : 85.

(5) المصدر السابق : 147.


( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) (34)

لمّا خلق الله تعالى آدم أمر ملائكته بالسجود شكرا لله تعالى مع قصد التهنئة ، فأبى إبليس واستكبر ، فقد ردّ على الله تعالى أنّ آدم خلق من طين ، وإبليس خلق من نار ، والطاقة النارية أفضل من التراب ، فقد أخذ بالقياس.

و في الحديث : « أنّ أوّل من قاس إبليس ».

وقد سأل يهودي الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن معجزات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في قبال معجزات الأنبياء فقال :

هذا آدم أسجد الله له ملائكته ، فهل فعل بمحمّد شيئا من هذا؟

فقال الإمام عليه‌السلام :

« لقد كان ذلك ، ولكن أسجد الله لآدم ملائكته ، فإنّ سجودهم لم يكن سجود طاعة ، أي انّهم عبدوا آدم من دون الله عزّ وجلّ ، ولكن اعترافا لآدم بالفضيلة ، ورحمة من الله له ، ومحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله اعطي ما هو أفضل من هذا ، إنّ الله جلّ وعلا صلّى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها وتعبّد المؤمنون بالصّلاة عليه فهذه زيادة له » (1) .

( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ) (45)

أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وهو الصيام فيما إذا نزلت بالإنسان كارثة أو أهمّه أمر ، فإنّه من الوسائل لإفاضة الله تعالى بإزالة ما نزل بالإنسان من همّ ، وكذلك أمر بالاستعانة بالصلاة فإنّها أيضا من الوسائل التي يستدفع بها البلاء ، وكان

__________________

(1) الميزان 1 : 124 ، نقلا عن الاحتجاج.


أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا هاله أمر فزع إلى الصلاة وتلا هذه الآية (1) .

و اثر عن الإمام عليه‌السلام أنّه قال :

« إذا نزلت بالرّجل النّازلة الشّديدة فليصم فإنّ الله تعالى يقول : ( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) يعني الصّيام ـ بالنسبة للصبر » (2) .

( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ) (46)

نزلت هذه الآية الكريمة في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وفي الصحابي العظيم عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب ، وفي الصحابي الجليل عثمان بن مظعون.

فسّر الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بقوله :

« يعني يوقنون أنّهم يبعثون ، ويحشرون ، ويحاسبون ، ويجزون بالثّواب والعقاب ، والظنّ هاهنا اليقين » (3) .

( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (48)

إن للأنبياء وأوصيائهم والمتّقين منزلة كريمة عند الله تعالى ، وهو الذي يتولّى جزاءهم على ما عانوه من جهد شاق وعسير في هداية الناس ، وأنّه تعالى يرفع شأنهم ويعلي قدرهم في يوم الجزاء الأكبر.

و قد روى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال :

__________________

(1) اصول الكافي 3 : 480.

(2) من لا يحضره الفقيه 2 : 47.

(3) مواهب الرحمن 1 : 214. الميزان 1 : 153.


  « من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي ، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي ».

ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي ، فأمّا المحسنون منهم فما عليهم من سبيل » (1) .

( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (54)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : في تفسير هذه الآية :

« قالوا لموسى : ما توبتنا؟ قال : يقتل بعضكم بعضا ، فأخذوا السّكاكين فجعل الرّجل يقتل أخاه وأباه وابنه ، والله! لا يبالي من قتل ، حتّى قتل منهم سبعون ألفا ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : مرهم فليرفعوا أيديهم ، قد غفر لمن قتل ، وتيب على من بقي » (2) .

وفي تفسير القمّي : « أنّ موسى لمّا خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل ، قال لهم موسى :

يا قوم ، ( إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (3) .

فقالوا له : كيف نقتل أنفسنا؟

فقال لهم موسى : اغدوا كلّ واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين

__________________

(1) أمالي الصدوق : 16.

(2) الدرّ المنثور 1 : 69.

(3) البقرة : 54.


أو حديدة أو سيف ، فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا متلثّمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا.

فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممّن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس ، فلمّا صلّى بهم موسى وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال :

قل لهم يا موسى : ارفعوا القتل فقد تاب الله عليكم ، فقتل منهم عشرة آلاف ، وأنزل الله :

( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) » (1) .

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (114)

دلّت الآية على ذمّ من يمنع مساجد الله تعالى أن يتعبّد بها ، ويذكر فيها اسمه ، والمساجد هي الأماكن المعدّة للعبادة والصلاة.

وقد روى الشهيد زيد بن علي ، عن آبائه ، عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« إنّ المساجد جميع الأرض ؛ لقول النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : جعلت لي الأرض مسجدا ، وترابها طهورا » (2) .

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) (159)

__________________

(1) الميزان 1 : 19.

(2) مجمع البيان 1 : 361.


شجبت الآية الذين يكتمون ما أنزل الله من هدى واصلاح إلى الناس من أجل أغراضهم ومطامعهم الخاصّة ، وفسّرها الإمام عليه‌السلام بالعلماء اذا فسدوا (1) .

( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) (163)

الله واحد لا شريك له في ملكه ، ولا شبيه له يعاضده.

وقد اثر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير الواحد ما يلي : سأله أعرابي في حرب الجمل فقال له :

أتقول : إنّ الله واحد؟ ...

فثار عليه الناس ، فنهرهم الإمام ، وقال لهم :

« دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابي هو الّذي نريده من القوم ».

ثمّ وجّه الإمام كلامه صوب الأعرابي قائلا :

« إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام » :

فوجهان لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال : إنّه ثالث ثلاثة ، وقول القائل : هو واحد من النّاس ، يريد به النّوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز عليه لأنّه تشبيه وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.

وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه ، فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربّنا. وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى ، يعنى به أنّه لا ينقسم في

__________________

(1) الميزان 1 : 392.


وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ » (1) .

( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (186)

دلّت الآية بأوضح بيان وأجمل اسلوب على استجابة الله تعالى لدعوة عبده فهو قريب منه.

يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في وصيّته لولده الإمام الحسين عليه‌السلام :

« ثمّ جعل ـ أي الله ـ في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنّطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة. وربّما أخّرت عنك الإجابة ، ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ، وأجزل لعطاء الآمل.

وربّما سألت الشّيء فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ؛ فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له » (2) .

وجمع كلام الإمام عليه‌السلام فوائد الدعاء ، وأنّه ضرورة للمؤمن ، كما جمع بعض الأسباب التي تتأخّر فيها إجابة الدعاء.

( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ

__________________

(1) الميزان 1 : 408 ، نقلا عن الخصال للصدوق.

(2) نهج البلاغة 2 : 49.


الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) (253)

حكت الآية تفضيل الله تعالى لبعض رسله على بعض ، وقد فضّل تعالى نبيّه العظيم محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع النبيّين ، وخصّه بالقرآن الكريم ، وقد أيّد تعالى نبيّه الكريم عيسى بن مريم عليه‌السلام بالبيّنات ، كإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من وسائل الإعجاز والتأييد التي دلّلت على نبوته.

وأفادت الآية وقوع الفتن في الامم السابقة من بعد ما جاءتهم البيّنات ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، ووقع بينهم القتال الذي أشاع الثكل والحزن في بيوتهم ، وقد استشهد الإمام عليه‌السلام بهذه الآية حينما سأله شخص فقال له :

يا أمير المؤمنين ، كبّر القوم وكبّرنا ، وهلّل القوم وهلّلنا ، وصلّى القوم وصلّينا ، فعلى ما نقاتلهم؟ فقال عليه‌السلام :

« على هذه الآية ـ وقرأها ـ فنحن الّذين آمنّا وهم الّذين كفروا ».

فقال الرجل : كفر القوم وربّ الكعبة! ثم حمل فقاتل حتى قتل (1) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (267)

قال عليه‌السلام في تفسير ( طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) :

__________________

(1) تفسير العيّاشي 1 : 138.


  « هي الذّهب والفضّة » ، والمراد : ( وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) يعني من الحبّ والثمر ، وكلّ شيء عليه زكاة (1) .

( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (274)

نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كان معه أربعة دراهم فتصدّق بواحد ليلا ، وبواحد نهارا ، وبواحد سرّا ، وبواحد علانيّة ، فنزلت هذه الآية : ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) (2) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 1 : 341.

(2) تفسير العيّاشي 1 : 151. مجمع البيان 2 : 667.


سورة آل عمران

( بسم الله الرّحمن الرّحيم )

جميع آيات هذه السورة المباركة مدنية ، وعددها مائتان

ونعرض لبعض الآيات التي اثر تفسيرها عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حليف القرآن ورائد الحكمة والبيان.

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (7)

حكت الآية المباركة امورا بالغة الأهمّية وهي :

1 ـ أنّ القرآن الكريم فيه آيات محكمات ، واختلف في معنى المحكمات على وجوه لعلّ من أسدّها أنّ المحكم ما علم المراد منه من غير قرينة تقترن به (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 1 : 409.


2 ـ أنّ القرآن المجيد فيه آيات متشابهات ، وأوجه ما قيل في المتشابهات أنّها ما لا يعلم المراد منها إلاّ بقرينة وبيان ، وقد ألمح الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في حديث له عن كلا الأمرين بقوله :

« ما من آية إلاّ ولها أربعة معان : ظاهر وباطن ، وحدّ ومطّلع ، فالظّاهر التّلاوة وهي مدلول اللّفظ وظاهره ، والباطن الفهم ، والحدّ هو أحكام الحلال والحرام ، والمطّلع هو مراد الله من العبد بها » (1) .

3 ـ أنّ الله تعالى ذمّ الذين يتّبعون المتشابه ويحتجّون به على باطل آرائهم وعقائدهم ابتغاء للفتنة والفساد ، وقد نعى الإمام أمير المؤمنين هؤلاء وذمّهم بقوله :

« ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام ـ وهو أحد أئمّة الضلال ـ الّذي استقضاهم ، فيصوّب آراءهم جميعا ، وإلههم واحد ، ونبيّهم واحد ، وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟

أم نهاهم عنه فعصوه؟

أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه؟

أم كانوا شركاء له ، فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى؟

أم أنزل الله دينا تامّا فقصّر الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) (2) ؟ وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً )

__________________

(1) تفسير الصافي 1 : 296.

(2) الأنعام : 38.


( كَثِيراً ) (1) ، وإنّ القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ، ولا تكشف الظّلمات إلاّ به » (2) .

4 ـ أنّ القرآن الكريم لا يعلم تأويله والوقوف على حقائقه وأسراره إلاّ الله تعالى منزل الكتاب هدى ورحمة ، والرّاسخون في العلم ، وهم المتقنون له ، الواقفون على دقائقه ، وهم أهل بيت الرّحمة ومعدن الحكمة ، وأوصياء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفاؤه على امّته.

وفي حديث للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام مع معاوية عرض فيه لذلك قال :

« يا معاوية ، إنّ القرآن حقّ ونور وهدى ورحمة وشفاء للمؤمنين ، والّذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ، وهو عليهم عمى.

يا معاوية ، إنّ الله عزّ وجلّ لم يدع صنفا من أصناف الضّلالة والدّعاة إلى النّار إلاّ وقد ردّ عليهم واحتجّ عليهم في القرآن ، ونهى عن اتّباعهم ، وأنزل فيهم قرآنا ناطقا ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ، وإنّي سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ليس من القرآن آية إلاّ ولها ظهر وبطن ، ولا من حرف إلاّ وله تأويل ، ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ، الرّاسخون نحن ، وأمر الله الامّة أن يقولوا : آمنّا به كلّ من عند ربّنا ، وما يذّكّر إلاّ اولوا الألباب ، وأن يسلّموا إلينا ، وقد قال الله : ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (3) هم الّذين يسألون عنه ويطلبونه » (4) .

__________________

(1) النساء : 82.

(2) نهج البلاغة : 61. الميزان 3 : 82.

(3) النساء : 83.

(4) مواهب الرحمن 5 : 56.


هذه بعض محتويات الآية على ضوء ما ورد تفسيرها عن أمير المؤمنين عليه‌السلام .

( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (19)

حكت هذه الآية المباركة أنّ الدين عند الله تعالى هو الإسلام منقذ البشرية من الضلال ، والهادي إلى طريق الحقّ.

وقد تحدّث الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الإسلام بقوله :

« لأنسبنّ الإسلام (1) نسبة لم ينسبها أحد قبلي ، ولا ينسبها أحد بعدي ، الإسلام هو التّسليم ، والتّسليم هو التّصديق ، والتّصديق هو اليقين ، واليقين هو الأداء ، والأداء هو العمل. إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربّه ولم يأخذه عن رأيه.

أيّها النّاس ، دينكم ، دينكم ، تمسّكوا به ، لا يزلكم أحد عنه لأنّ السّيّئة فيه خير من الحسنة في غيره ، وإنّ السّيّئة فيه تغفر ، والحسنة في غيره لا تقبل » (2) .

( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) (27)

أفادت الآية الكريمة عظيم قدرة الخالق العظيم ، فمن قدرته الهائلة ولوج اللّيل في النّهار ، وولوج النّهار في اللّيل ، وذلك بإدخال أحدهما في الآخر ،

__________________

(1) أي : لاعرّفنه.

(2) تفسير القمّي 1 : 100.


ومن قدرته إخراج الحيّ من الميّت كإخراج المؤمن من نطفة الكافر ، وكإخراج الميت ـ وهو الكافر ـ من الحيّ وهو المؤمن ، ومن عظيم قدرته تعالى أنّه يرزق من يشاء بغير حساب.

وتحدث الإمام عليه‌السلام بحديث رائع عن الرزق قال :

« الرّزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك. فلا تحمل همّ يومك! كفاك كلّ يوم ما فيه ؛ فإن تكن السّنة من عمرك فإنّ الله تعالى سيؤتيك في كلّ غد جديد ما قسم لك ؛ وإن لم تكن السّنة من عمرك فما تصنع بالهمّ فيما ليس لك ؛ ولن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب ، ولن يبطئ عنك ما قد قدّر لك » (1) .

( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (28)

نهت الآية الكريمة المسلمين عن اتّخاذ الكافرين أولياء لهم ، وعقد صداقة ومودّة معهم ، وذلك لتباين الاتّجاهين فاتّجاه المؤمن الإيمان بالله تعالى ، واتّجاه الكافر الكفر بالله ، فكيف يلتقيان؟ واجازت الآية اتّصال المؤمن بالكافر للتقية وهو خوف المؤمن على نفسه وماله وعرضه منه ، فإنّه يسمح له بالاتّصال به.

وقد أعرب الإمام عليه‌السلام في بعض أحاديثه عن جواز التقية ومشروعيتها مع الخوف ، قال عليه‌السلام :

« وأمرك ـ أي الله ـ أن تستعمل التّقيّة في دينك ، فإنّ الله تعالى يقول : وإيّاك ثمّ

__________________

(1) نهج البلاغة 2 : 236.


إيّاك أن تتعرّض للهلاك وأن تترك التّقيّة الّتي أمرتك بها فإنّك شائط بدمك ودماء إخوانك معرّض لزوال نعمتك ونعمهم ، مذلّهم في أيدي أعداء دين الله ، وقد أمرك الله تعالى بإعزازهم » (1) .

( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (61)

نزلت الآية الكريمة حينما جاء وفد النصارى بزعامة رؤسائهم الروحانيّين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فطلبوا منه المباهلة إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما ، فاستجاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخرج للمباهلة بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، والحسن والحسين عليهما‌السلام سبطيه وسيّدي شباب أهل الجنة ، والإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام باب مدينة علمه ونفسه ـ بمقتضى الآية ـ ، فقد دلّت بوضوح على أنّ الإمام هو نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد ذكرنا في البحوث السابقة تفصيل هذه الحادثة وما تحمل من تكريم وتعظيم لأهل البيت عليهم‌السلام .

( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (68)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به ».

ثمّ تلا : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .

__________________

(1) تفسير الصافي 1 : 302.


ثمّ قال :

« إنّ وليّ محمّد من أطاع الله وإن بعدت لحمته ، وإنّ عدوّ محمّد من عصى الله وإن قربت لحمته » (1) .

( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (81)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« لم يبعث الله نبيّا ـ آدم فمن بعده ـ إلاّ أخذ عليه العهد في محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله لئن بعث وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ويأمره فيأخذ العهد على قومه » ، ثم تلا الآية.

وروي عن الإمام عليه‌السلام أنّه قال في تفسير هذه الآية :

« إنّ الله أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبيّنا أن يخبروا اممهم بمبعثه ونعته ، ويبشّروهم به ويأمروهم بتصديقه » (2) .

وهذا التفسير قريب من التفسير الأوّل.

( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) (96)

سأل رجل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن هذه الآية قائلا : أهو أوّل بيت؟

__________________

(1) مجمع البيان 2 : 770.

(2) المصدر المتقدّم : 785 ـ 786.


قال عليه‌السلام :

« لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنّه أوّل بيت وضع للنّاس مباركا فيه الهدى والرّحمة والبركة ، وأوّل من بناه إبراهيم ، ثمّ بناه قوم من العرب من جرهم (1) ، ثمّ هدم فبنته العمالقة ، ثمّ هدم فبنته قريش » (2) .

وروي عن الإمام أنّه قال :

« كانت البيوت قبله ، ولكنّه كان أوّل بيت وضع لعبادة الله » (3) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (102)

سأل عبد الخير الإمام عليه‌السلام عن تفسير هذه الآية ، فقال :

« والله! ما عمل بها غير بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، نحن ذكرناه ـ أي الله تعالى ـ فلا ننساه ، ونحن شكرناه فلن نكفر به ، ونحن أطعناه فلم نعصه ».

ولمّا نزلت هذه الآية قالت الصحابة : لا نطيق ذلك فأنزل الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (4) . (5)

( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (123)

__________________

(1) جرهم : هي من اليمن نزلوا مكّة.

(2) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 53. تاريخ ابن كثير 2 : 243.

(3) الدرّ المنثور 2 : 52.

(4) التغابن : 16.

(5) تفسير البرهان 1 : 304.


بيّن الله تعالى في هذه الآية ما أمد به المسلمين من النصر العظيم في واقعة بدر ، التي انهزم فيها المشركون من قريش وكتب الله النصر الحاسم للرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان النصر على يد بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقد كان نصف القتلى من مشركي قريش بساعده وسيفه ذي الفقار ، وتعتبر واقعة بدر أعظم نصر أحرزه المسلمون ، فقد أدخل الرعب والفزع في قلوب المشركين وأذلّهم ، وقويت شوكة الإسلام ، وقد ذكرنا هذه الواقعة في البحوث السابقة.

( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (133)

أمرت الآية بالمسارعة إلى المغفرة والحصول على الجنة التي هي النعيم الدائم ، وقد أعدّها الله للمتّقين.

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير قوله تعالى : ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) :

« إنّكم لن تنالوها ـ أي الجنة ـ إلاّ بالتّقوى » (1) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) (149)

روي عن الإمام عليه‌السلام أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن ابيّ ، وقد خرج مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في واقعة احد حينما هزم المسلمون ، فراح يقول للمؤمنين : « ارجعوا إلى إخوانكم ، وارجعوا إلى دينكم » (2) .

__________________

(1) مواهب الرحمن 6 : 358.

(2) تفسير القمّي 1 : 121.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (200)

أمر تعالى بالصبر الذي هو من أهم النزعات النفسية ، فعلى المسلم أن يتحلّى بهذه الصفة الكريمة ، كما أمر تعالى بالمرابطة وقد فسّرها الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بالمرابطة على الصلاة ، أي انتظروها ؛ لأن المرابطة في ذلك الوقت لم تكن (1) .

وبهذا انتهت بعض الآيات التي اثر تفسيرها عن الإمام في سورة آل عمران.

__________________

(1) مجمع البيان 2 : 918.


سورة النّساء

( بسم الله الرّحمن الرّحيم )

السورة المباركة مدنيّة كلّها إلاّ آيتين منها وهما :

الاولى : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (1) .

والثانية : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) فإنّهما نزلتا في مكّة ، وعدد آياتها مائة وستّ وسبعون آية.

( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (1)

حثّت الآية الكريمة على تقوى الله وطاعته التي هي من أثمن وأعزّ ما يظفر به الإنسان في حياته من المكاسب ، كما حثّت الآية على البرّ بالأرحام والإحسان إليهم ، وقد ندب الإمام عليه‌السلام إلى ذلك بقوله :

« صلوا أرحامكم ولو بالتّسليم ، يقول الله تعالى : ( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ

__________________

(1) النساء : 58.


بِهِ وَالْأَرْحامَ ) ».

و روى الأصبغ بن نباتة قال : سمعت أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول :

« إنّ أحدكم ليغضب فما يرضى حتّى يدخل به النّار ، فأيّما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه فإنّ الرّحم إذا مسّتها الرّحم استقرّت ، وإنّها متعلّقة بالعرش فتنادي : اللهمّ صل من وصلني ، واقطع من قطعني » وتلا قوله تعالى : ( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) (1) .

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (23)

عرضت الآية الكريمة إلى المحرّمات من النساء على الرجال ، وكان منهنّ الربائب إذا دخل بامهاتهنّ ، كما هو صريح الآية.

قال الإمام عليه‌السلام :

« الرّبائب عليكم حرام مع الامّهات اللاّتي دخلتم بهنّ في الحجور وغير الحجور سواء » (2) .

__________________

(1) الميزان 4 : 148.

(2) الاستبصار 3 : 156.


( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (29)

استشهد الرسول بهذه الآية حينما سأله الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال له :

« الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضّأ صاحبها؟ وكيف يغتسل إذا أجنب؟ قال : يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة والوضوء ، قلت : فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده ، فقرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) » (1) .

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) (58)

أمر الله تعالى عباده بأداء الأمانة إلى أهلها ، كما أمر الحكّام والمسئولين أن يحكموا بالعدل ، قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدّي الأمانة ، فإذا فعل ذلك فحقّ على النّاس أن يسمعوا له وأن يطيعوا ، وأن يجيبوا إذا دعوا » (2) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (59)

__________________

(1) الميزان 5 : 322.

(2) الدرّ المنثور 2 : 175.


أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله واولي الأمر ، وهم آل بيت النبوة ومعدن الحكمة ، وقد وردت في ذلك كوكبة من الأخبار منها :

1 ـ روى جابر بن عبد الله الأنصاري : لمّا أنزل الله على نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قلت : يا رسول الله ، عرفنا الله ورسوله ، فمن اولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« هم خلفائي يا جابر ، وأئمّة المسلمين من بعدي ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف بالتّوراة بالباقر ستدركه يا جابر ، فإذا لقيته فاقرأه منّي السّلام ، ثمّ الصّادق جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ سميّي محمّد وكنيّي ، حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ ، ذاك الّذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، ذاك الّذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان ».

قال جابر : فقلت : يا رسول الله ، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« اي والّذي بعثني بالنّبوّة ، إنّهم يستضيئون بنوره ، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع النّاس بالشّمس ، وإن تجلاّها سحاب.

يا جابر ، هذا من مكنون سرّ الله ، ومخزون علم الله ، فاكتمه إلاّ عن أهله » (1) .

حكت هذه الرواية أسماء خلفاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمّة المسلمين الذين تدين الشيعة بالولاء لهم.

__________________

(1) تفسير البرهان 5 : 381. الميزان 5 : 408 ـ 409.


2 ـ روى أبو بصير عن الإمام أبي جعفر عليه‌السلام أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب ، فقال له أبو بصير : إنّ الناس يقولون لنا : فما منعه أن يسمّي عليّا وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفر :

« قولوا لهم : إنّ الله أنزل على رسوله الصّلاة ولم يسمّ ثلاثا ولا أربعا ، حتّى كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الّذي فسّر ذلك لهم ، وأنزل الحجّ ولم ينزل طوفوا سبعا حتّى فسّر ذلك لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله أنزل : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) نزلت في عليّ والحسن والحسين عليهم‌السلام ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : اوصيكم بكتاب الله ، وأهل بيتي ، إنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك. وقال : فلا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم ، إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم في باب ضلال ، ولو سكت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يبيّن أهلها لادّعى آل عبّاس وآل عقيل وآل فلان ، ولكن أنزل الله في كتابه : ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) ، فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم تأويل هذه الآية ، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام فأدخلهم تحت الكساء في بيت أمّ سلمة وقال : اللهمّ إنّ لكلّ نبيّ ثقلا وأهلا فهؤلاء ثقلي وأهلي ، وقالت أمّ سلمة : ألست من أهلك؟ قال : إنّك إلى خير ولكنّ هؤلاء ثقلي وأهلي » (2) .

وجمع هذا الحديث الشريف الأهميّة البالغة لأهل البيت عليهم‌السلام الذين هم الركيزة الاولى في الإسلام بعد كتاب الله تعالى ، أدلاّء على مرضاة الله ، وهداة

__________________

(1) الأحزاب : 33.

(2) تفسير العياشي 1 : 250.


إصلاح وتقوى لعباد الله.

3 ـ روى سليم بن قيس عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قال له الإمام :

« أمّا أدنى ما يكون به العبد ضالاّ أن لا يعرف حجّة الله تبارك وتعالى ، وشاهده على عباده الّذي أمر الله تعالى عباده بطاعته وفرض ولايته ».

و انبرى سليم قائلا :

يا أمير المؤمنين ، صفهم لي ...

ووصفهم الإمام قائلا :

« الّذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه ، فقال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ».

و التفت سليم إلى الإمام يطلب منه زيادة التوضيح قائلا :

جعلني الله فداك ، أوضح لي ...

وأوضح الإمام له الأمر قائلا :

« الّذين قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مواضع وفي آخر خطبته يوم قبضه الله عزّ وجلّ إليه ، إنّي تركت فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي إن تمسّكتم بهما كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي ، فإنّ اللّطيف الخبير قد عهد إليّ أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كهاتين ـ وجمع بين مسبحتيه ـ فتمسّكوا بهما ولا تقدّموهم فتضلّوا » (1) .

( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (69)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

__________________

(1) الميزان 5 : 412 ، نقلا عن ينابيع المودّة.


  « جاء رجل من الأنصار إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

يا رسول الله ، ما أستطيع فراقك ، وإنّي لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي واقبل حتّى أنظر إليك حبّا لك ، فذكرت إذا كان يوم القيامة وادخلت الجنّة فرفعت في أعلى علّيّين ، فكيف لي بك يا نبيّ الله؟ فنزل قوله تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) فدعا النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقرأها عليه وبشّره بذاك » (1) .

( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) (86)

ومفاد الآية الكريمة واضح وهو أن من سلّم فيردّ عليه سلامه أو بأحسن منه ، وهو من آداب الإسلام وتعاليمه القيّمة ، وينبغي أن يكون الردّ بالأحسن ولا يتجاوزه ، فقد مرّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام على قوم فسلّم عليهم فقالوا له : عليك السّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ، فأنكر عليهم هذه الزيادة ، وقال لهم :

« لا تجاوزوا بنا مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم ، قالوا : ( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (2) » (3) .

« ومن صور التّحيّة في الإسلام أنّه إذا عطس شخص فينبغي أن يقال له : يرحمكم الله ، وهو يقول : يغفر الله لكم ويرحمكم ، لأنّ الله تعالى يقول : ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ) » (4) هكذا قال الإمام عليه‌السلام .

__________________

(1) أمالي الطوسي. مواهب الرحمن 9 : 16.

(2) هود : 73.

(3) الميزان 5 : 35 ، نقلا عن الكافي.

(4) الخصال 2 : 633.


( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ) (97)

روي عن الإمام عليه‌السلام في تحديد المستضعف :

« لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه ، ووعاها قلبه » (1) .

( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ) (101)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« سأل قوم من التّجّار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا : يا رسول الله ، إنّا نضرب في الأرض فكيف نصلّي؟ فأنزل الله : ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) ، ثمّ انقطع الوحي ، فلمّا كان بعد ذلك بحول غزا النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّى الظّهر ، فقال المشركون :

لقد أمكنكم محمّد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟

فقال قائل منهم : إنّ لهم مثلها اخرى في أثرها ، فأنزل الله بين الصلاتين :

( إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً * وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) ، فنزلت صلاة الخوف » (2) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 68.

(2) الدرّ المنثور 2 : 209.


( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (128)

سئل الإمام عليه‌السلام عن هذه الآية ، فقال : « هو الرّجل تكون عنده امرأتان ، فتكون إحداهما قد عجزت ، أو تكون دميمة فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الاخرى ليالي ولا يفارقها ، فما طابت به نفسها فلا بأس به ، فإن رجعت سوّى بينهما » (1) .

( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) (164)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« كلّم الله موسى تكليما بلا جوارح وأدوات وشفة ، ولا لهوات سبحانه وتعالى عن الصّفات » (2) .

__________________

(1) مواهب الرحمن 9 : 408 ، نقلا عن سنن البيهقي.

(2) مواهب الرحمن 9 : 211.


سورة المائدة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة كلّها إلاّ آية :

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فإنّها نزلت على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّة الوداع ما بين مكّة والمدينة ، وعدد آياتها مائة وعشرون آية (1) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) (1)

روى ابن عباس قال : ما نزلت آية : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ شريفها وأميرها (2) .

و عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إنّه ليس في القرآن ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وقبالها في التّوراة : يا أيّها المساكين » (3) .

__________________

(1) مجمع البيان 3 : 150.

(2) و (3) تفسير العيّاشي 1 : 289.


( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (3)

نزلت الآية الكريمة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما نصب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام خليفة من بعده على امّته ، وقائدا عاما لمسيرتها ، فبولايته وإمامته قد كمل الدين ، وتمّت رسالة سيّد المرسلين ، وقد

قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : « الله أكبر على إكمال الدّين ، وإتمام النّعمة ، ورضا الرّبّ برسالتي ، والولاية لعليّ ».

ثمّ قال : « اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ».

وانبرى حسّان بن ثابت فاستأذن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينشد أبياتا يسجل فيها هذه المناسبة فأذن له النبيّ ، فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيّهم

بخمّ وأسمع بالنبيّ مناديا

فقال فمن مولاكم ووليّكم

فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا

إلهك مولانا وأنت وليّنا

ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني

رضيتك من بعدي إماما وهاديا

لقد نزلت هذه الآية بعد قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (1) .

وقد تواترت الأخبار في حديث الغدير ، فقد قال أبو المعالي الجويني :

__________________

(1) المائدة : 67.


شاهدت مجلّدا ببغداد في يدي صحّاف فيه روايات عيد الغدير مكتوبا عليه : المجلّد الثامن والعشرون من طرق : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » ، ويتلوه المجلّد التاسع والعشرون.

وقد عرض بصورة مفصّلة إلى سند الرواية في حديث الغدير سماحة المحقّق الكبير المغفور الشيخ الأميني في كتابه الخالد « الغدير » ، كما عرض لذلك مير حامد في كتابه : « عبقات الأنوار ».

إنّ حادثة الغدير بما اشتملت عليه من نصب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام خليفة على المسلمين إنّما هي جزء من رسالة الإسلام ، فمن أنكرها فقد أنكر الإسلام ، كما يقول المغفور له العلاّمة العلائلي :

وقد بايع الخليفة الثاني الإمام عليه‌السلام ، وقال له : بخّ بخّ أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، وبايعنه امّهات المؤمنين.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (6)

دلّت الآية الكريمة ـ بوضوح ـ على غسل الوجه والأيدي ومسح الرءوس والرّجل للوضوء ، وظاهر المسح والمتبادر منه هو المسح على البشرة ، فلا يجزي


المسح على الخفّين في مسح الرّجل ، وقد أخذ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بظاهر الآية فلم يجز المسح على الخفّ ، وقد شاع جواز ذلك في عهد عمر ، ويقول الرواة : إنّ الإمام مرّ على رجل توضّأ ومسح على خفّيه فدخل المسجد وصلّى فيه فأمسكه الإمام ، وقال له : « ويلك تصلّي على غير وضوء؟ ». فقال : أمرني عمر بن الخطّاب ، فأخذ بيده وأقبل على عمر وقال له : « انظر ما يروي هذا عنك ؟ » ، فقال عمر : نعم أنا أمرته ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مسح ، فقال الإمام : « مسح قبل المائدة أو بعدها؟ ».

قال : لا أدري. فقال له : « فلم تفتي وأنت لا تدري ، سبق الكتاب الخفّين » (1) .

( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (33)

دلّت الآية على العقاب القاسي للمفسدين والذين يسعون في الأرض فسادا ، بان يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ، وذلك لحسم مادة الفساد ، ونشر الأمن بين الناس ، وقد كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة قد سعى في الأرض فسادا ، ولكنه تاب ، وكلّم رجالا من قريش أن يأخذوا له أمانا من الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فأبى القرشيون من إجابته ، واستجاب له سعيد بن قيس الهمداني ، وكان من خيار أصحاب الإمام عليه‌السلام ، فقصد الإمام ، وقال له :

يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا؟ ...

فأجابه الإمام بالعقاب الصارم لهم قائلا :

__________________

(1) تفسير البرهان 6 : 452 ، وقريب منه في تفسير العيّاشي. الميزان 6 : 233 ـ 234.


« ( أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) ».

ثمّ قال : « ( إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) » (1) .

فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر ، وقد جاء تائبا ...؟

قال الإمام : « نعم » ، فأقبل حارثة نحو الإمام فبايعه وأعلن التوبة ، فكتب له الأمان (2) .

( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (42)

سئل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن السّحت في الآية؟ فقال الرشا ، فقيل له في الحكم؟ قال عليه‌السلام : « ذاك الكفر » (3) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (54)

قيل : هذه الآية نزلت في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وأصحابه حين قاتل من

__________________

(1) المائدة : 34.

(2) الدرّ المنثور 2 : 279.

(3) المصدر المتقدّم : 284 ، وعرض لذلك الإمام الشيخ مرتضى الأنصاري في المكاسب.


قاتله من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، والقاسطين وهم أصحاب معاوية ، والمارقين وهم الخوارج ، روى ذلك عمّار وحذيفة وابن عباس ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام (1) .

وذكر السيّد الطباطبائي في الميزان مؤيّدات لهذا القول.

( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (55)

هذه الآية المباركة التي قلّدت الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وسام الولاية ، وقرنتها بولاية الله تعالى ورسوله العظيم ، ونقف وقفة قصيرة في البحث عنها.

سبب نزولها :

أمّا سبب نزول الآية فقد رواه الصحابي الجليل أبو ذرّ الغفاري ، قال في حديث له :

سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بهاتين وإلاّ فصمّتا ، ورأيته بهاتين وإلاّ فعميتا ، يقول : « عليّ قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ».

أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا ، وكان عليّ راكعا ، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختّم فيها ، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بعين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللهمّ ، موسى سألك

__________________

(1) الدرّ المنثور 2 : 279.


فقال : ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) ، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا : ( قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا ) (2) .

اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك ، اللهمّ اشرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا ، اشدد به ظهري » ، فما استتمّ كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى ، فقال :

يا محمّد ، اقرأ.

قال : وما أقرأ؟

قال : اقرأ : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (3) .

وروى الإمام أبو جعفر عليه‌السلام أنّ رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام ، وأسد بن ثعلبة ، وابن يامين ، وابن صوريا ، فأتوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا له : يا نبيّ الله ، إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون ، فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟

فنزلت هذه الآية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « قوموا » ، فقاموا معه إلى المسجد فإذا سائل خارج ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا سائل ، هل أعطاك أحد شيئا؟ ». قال : نعم ، هذا الخاتم.

__________________

(1) طه : 25 ـ 32.

(2) القصص : 35.

(3) الميزان 6 : 20.


قال : « من أعطاكه؟ ». قال : أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي.

قال : « على أيّ حال أعطاك؟ ». قال : كان راكعا ، فكبّر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وكبّر أهل المسجد.

فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : « عليّ وليّكم بعدي » .

قالوا : رضينا بالله ربّا ، وبمحمّد نبيّا ، وبعليّ بن أبي طالب وليّا ، فأنزل الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (1) .

وروى عمّار بن ياسر قال :

وقف سائل لعليّ بن أبي طالب وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبره ، فنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية : ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) ، فقرأها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علينا ، ثمّ قال :

« من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ ووال من والاه ، وعاد من عاداه » (2) .

وانبرى حسّان بن ثابت فنظم هذه المنقبة والكرامة للإمام قائلا :

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي

وكلّ بطيء في الهدى ومسارع

أ يذهب مدحي والمحبّين ضائعا

وما المدح في ذات الإله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع

فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد

ويا خير شار ثمّ يا خير بائع

فأنزل فيك الله خير ولاية

وبيّنها في محكمات الشّرائع (3)

__________________

(1) البرهان 8 : 480. غاية المرام : 103. تفسير القمّي 1 : 170.

(2) تفسير العيّاشي 1 : 327.

(3) الميزان 6 : 23.


دلالة الآية :

أمّا دلالة الآية الكريمة فهي صريحة وواضحة بإثبات الولاية المطلقة للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام على جميع العباد ، كولاية الله تعالى وولاية رسوله ، وقد أكّد القرآن الكريم هذه الولاية بأداة الحصر وهي « إنّما » واسمية الجملة ، وقد عبّرت الآية عن الإمام عليه‌السلام بصيغة الجمع ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) إلى آخر الآية ، ولم تعبّر عنه بصيغة المفرد تعظيما وتكريما وتبجيلا لهذا العملاق العظيم الذي قام الإسلام بجهوده وجهاده.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) (66)

روى أبو الصهباء الكبرى قال : سمعت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، دعا رأس الجالوت وأسقف النصارى فقال : « إنّي سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما فلا تكتما ».

ثمّ دعا أسقف النصارى ، فقال :

« انشدك بالله الّذي أنزل الإنجيل على عيسى ، وجعل على رجله البركة ، وكان يبرئ الأكمه والأبرص ، وأزال ألم العين ، وأحيى الميّت ، وصنع لكم من الطّين طيورا ، وأنبأكم بما تأكلون ، وما تدّخرون ».

فقال : دون هذا أصدق ...

فقال الإمام : « بكم افترقت بنو إسرائيل بعد عيسى؟ ».

فقال : لا والله ، ولا فرقة واحدة.


فقال الإمام : « كذبت والله الّذي لا إله إلاّ هو لقد افترقت اثنتين وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ فرقة واحدة ، إنّ الله يقول : ( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) فهذه الّتي تنجو » (1) .

( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (67)

نزلت الآية الكريمة على الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بتبليغ أمر بالغ الأهمية كان مشفوعا بالإنذار والوعيد إذا لم يقم بإذاعته بين المسلمين ، وقد وعده تعالى بالعصمة من الناس ، والنجاة ممّا يخاف منه ما هو هذا الأمر الذي اهتمّت به السماء؟

ما هو هذا الأمر البالغ الخطورة؟

إنّه إقامة الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام علما لهذه الامّة وقائدا لمسيرتها ، وخليفة عليها بعد رحيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الفردوس الأعلى.

لقد تواترت الأخبار ، وبلغت درجة اليقين والقطع بيوم الغدير الذي هو جزء من رسالة الإسلام ، فقد رواه من الصحابة مائة وعشرة صحابيّين ، وثمانون من التابعين وقد ذكر المحقّق الأميني أسماءهم (2) ، أمّا تفصيل الحادثة فقد ذكرها الرواة بالإجماع ، وهي : أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا قضى مناسكه وقفل راجعا إلى المدينة ، فلمّا انتهى إلى غدير خم ، وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة نزل عليه جبرئيل بهذه الآية : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، فأمر رسول الله أن يقام

__________________

(1) تفسير العيّاشي 1 : 331.

(2) الغدير 1 : 14 ـ 61.


له منبر فاقيم له من حدائج الإبل ، فصعد عليه ورفع عقيرته قائلا بعد حمد الله والثناء عليه :

« أيّها النّاس ، قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلاّ مثل نصف عمر الّذي قبله ، وإنّي اوشك أن ادعى فأجيب ، وإنّي مسئول ، وأنتم مسئولون ، فما ذا أنتم قائلون؟ ».

فانبروا جميعا بصوت واحد : نشهد أنّك قد بلّغت ، ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرا ، واستمر النبيّ في خطابه قائلا :

« ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ ، وأنّ ناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ».

فهتفوا جميعا : بلى نشهد بذلك ...

ورفع الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله رأسه إلى السماء قائلا :

« اللهمّ اشهد ».

ووجّه النبي إليهم خطابه قائلا :

« أيّها النّاس ألا تسمعون؟ ».

نعم.

وأنبرى الرسول ليقيم عليهم الحجّة ، ويدلي بما أمره الله به قائلا :

« إنّي فرط على الحوض ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى (1) ، فيه أقداح عدد النّجوم من فضّة ، فانظروا كيف تخلّفوني في الثّقلين؟ ».

__________________

(1) صنعاء : عاصمة اليمن. بصرى : قصبة كورة حوران من أعمال دمشق.


فناداه مناد : ما الثقلان؟

« الثّقل الأكبر كتاب الله ، طرف بيد الله عزّ وجلّ ، وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ».

ثمّ أخذ بيد الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علمه ، ورفعه فبان بياض إبطيهما ، وقال :

« أيّها النّاس ، من أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟ ».

فأجابوه جميعا :

الله ورسوله أعلم ...

فرفع صوته عاليا :

« إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ». قال ذلك ثلاث أو أربع مرّات.

ثمّ ختم كلامه بالقول :

« اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب ».

وبذلك أقام النبي وصيّه خليفة من بعده ، وقلّده وسام الخلافة الإسلامية ، ونصبه علما ورائد خير لامّته ، وقد بايعه جميع من حضر الاحتفال بالإمرة والإمارة من بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا مجمل القول في بيعة الإمام في يوم الغدير (1) .

__________________

(1) الغدير 1 : 8 ـ 10.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (87)

نزلت هذه الآية الكريمة في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وبلال الحبشي ، وعثمان بن مظعون ، فأمّا أمير المؤمنين فقد حلف أن لا ينام اللّيل أبدا ـ وذلك ليصلّي فيه لله تعالى ـ ، وأمّا بلال فحلف أن لا يفطر بالنّهار أبدا ـ وذلك بأن يصوم طيلة حياته ـ ، وأمّا عثمان بن مظعون فإنّه حلف أن لا ينكح أبدا.

فدخلت امرأة عثمان على عائشة ، وكانت امرأة جميلة ، فقالت لها عائشة :

مالي أراك متعطلة؟ فقالت : ولمن أتزيّن ، فو الله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا فإنّه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا.

و أخبرت عائشة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بالأمر ، فأمر أن ينادي الصلاة جامعة ، فاجتمع النّاس ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :

« ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطّيّبات؟ ألا إنّي أنام باللّيل ، وأنكح وأفطر بالنّهار ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي ».

فقام الجماعة ، وقالوا : يا رسول الله ، قد حلفنا على ذلك فأنزل الله عليه : ( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) (1) . (2)

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ

__________________

(1) البقرة : 225.

(2) تفسير القمي 1 : 186. الميزان 6 : 112.


صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) (95)

سأل رجل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الهدي ممّا هو؟ قال الإمام :

« من الثمانية الأزواج » ، فكأنّ الرجل شكّ ، فقال له الإمام :

« أتقرأ القرآن؟ ».

قال الرجل : نعم.

قال الإمام : « أفسمعت الله يقول : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ) » (1) .

قال الرّجل : نعم.

قال الإمام : « وسمعته يقول : ( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) » (2) .

قال الرجل : نعم.

قال الإمام : « أفسمعته يقول : ( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ) ... * ( وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ) » (3) .

قال الرجل : نعم.

قال الإمام : « أفسمعته يقول : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) ».

__________________

(1) المائدة : 1.

(2) الحجّ : 34.

(3) الأنعام : 143 و 144.


قال الرجل : نعم.

فقال الإمام : « إن قتلت ظبيا فما عليّ؟ ».

قال الرجل : شاة.

قال الإمام : « ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) ».

قال الرجل : نعم.

فقال الإمام : « قد سمّاه الله ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) كما تسمع » (1) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (101)

نهى الله تعالى عن سؤال بعض الامور التي إن بدت وظهرت تسوء السائل ، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال :

« إنّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّد لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها » (2) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (105)

أمرت الآية المؤمنين أن يهذّبوا نفوسهم ، ولا يضرهم ويوحشهم من ضلّ عن

__________________

(1) الدرّ المنثور 3 : 193. الميزان 6 : 146.

(2) مجمع البيان 3 : 287. تفسير الصافي 7 : 92.


طريق الله تعالى ، وقد اثرت عن إمام المتّقين عليه‌السلام كوكبة من الكلمات الحكمية تدعو إلى تهذيب النفس وتزكيتها ومعرفتها كان منها ما يلي :

1 ـ قال عليه‌السلام « أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه ».

2 ـ قال عليه‌السلام « أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه ».

3 ـ قال عليه‌السلام « أكثر النّاس معرفة لنفسه أخوفهم لربّه ».

4 ـ قال عليه‌السلام « عجبت لمن ينشد ضالّته وقد أضلّ نفسه فلا يطلبها ».

5 ـ قال عليه‌السلام « عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه؟ ».

6 ـ قال عليه‌السلام « غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه ».

7 ـ قال عليه‌السلام « كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه ، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه ».

8 ـ قال عليه‌السلام « من عرف نفسه تجرّد » : أي تجرد عن شهوات الدنيا .

9 ـ قال عليه‌السلام « من عرف نفسه جاهدها ، ومن جهل نفسه أهملها ».

10 ـ قال عليه‌السلام « من عرف نفسه جلّ أمره ».

11 ـ قال عليه‌السلام « من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة وعلم ».

12 ـ قال عليه‌السلام « من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النّجاة وخبط في الضّلال والجهالات ».

13 ـ قال عليه‌السلام « معرفة النّفس أنفع المعارف » .

14 ـ قال عليه‌السلام « لا تجهل نفسك فإنّ الجاهل معرفة نفسه جاهل بكلّ شيء » (1) .

وكثير من أمثال هذه الكلمات الذهبية اثرت عن عملاق الفكر الإسلامي أمير

__________________

(1) الغرر والدرر ـ الآمدي. الميزان 6 : 173 ـ 174.


المؤمنين عليه‌السلام وهي تحثّ المسلمين على معرفة نفوسهم وما فيها من الأجهزة العجيبة التي يحار الفكر فيها ، وممّا لا شبهة فيه أنّ معرفة الإنسان لنفسه توجب معرفته بربه تعالى خالق الكون وواهب الحياة.


سورة الأنعام

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية عدا ست آيات ،

وعدد آياتها مائة وخمس وستون آية

( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (110)

دلّت الآية الكريمة أنّ الكافرين لا يؤمنون بالله وما أنزل على رسوله قبل نزول الآيات وبعدها على حدّ سواء ، ويرشد لهذا ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إنّ ما تقبلون عليه من الجهاد ، الجهاد بأيديكم ، ثمّ الجهاد بقلوبكم ، فمن لم يعرف قلبه معروفا ، ولم ينكر منكرا ، نكس قلبه فجعل أسفله أعلاه ، فلا يقبل خيرا أبدا » (1) .

__________________

(1) تفسير القمّي 1 : 213.


سورة الأعراف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكيّة ، وعدد آياتها مائتان وست آيات

( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) (8) و (9)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّف ميزانه يوم القيامة ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة » (1) .

وروي أنّ الإمام عليه‌السلام قال في تفسيره بما مضمونه :

« ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) و ( خَفَّتْ مَوازِينُهُ ) إنّما يعني أنّ الحسنات توزن ، وهي توجب ثقل الميزان ، والسيّئات توجب خفّة في الميزان » (2) .

__________________

(1) الميزان 8 : 15.

(2) التّوحيد : 268.


( وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) (46)

روى الأصبغ بن نباتة قال : كنت عند أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له رجل :

( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) .

فقال له الإمام :

« نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن الأعراف الّذين لا يعرف الله إلاّ بسبيل معرفتنا ، ونحن الأعراف نقف يوم القيامة بين الجنّة والنّار فلا يدخل الجنّة إلاّ من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النّار إلاّ من أنكرنا وأنكرناه ، وذلك قول الله عزّ وجلّ » ، وتلا الآية الكريمة (1) .

وروى الأصبغ بن نباتة قال : كنت جالسا عند عليّ عليه‌السلام فأتاه ابن الكوّاء فسأله عن هذه الآية ، فقال :

« ويحك يا ابن الكواء ، نحن نقف يوم القيامة بين الجنّة والنّار ، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النّار » (2) .

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) (54)

__________________

(1) الميزان 8 : 145.

(2) مجمع البيان 4 : 653.


تحدّث الإمام عليه‌السلام عن العرش حينما سئل عنه ، فأجاب :

« إنّ الملائكة تحمل العرش ، وليس العرش ـ كما تظنّ ـ كهيئة السّرير ، ولكنّه شيء محدود ، مخلوق ، مدبّر ، وربّك عزّ وجلّ مالكه لا أنّه عليه ، ككون الشّيء على الشّيء » (1) .

وسأل الجاثليق الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال له :

اخبرني عن الله عزّ وجلّ يحمل العرش أو العرش يحمله؟

فأجابه الإمام بمنطق الدراية والحكمة قائلا :

« الله عزّ وجلّ حامل العرش والسّماوات والأرض ، وما فيهما وما بينهما ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (2) .

و طفق الجاثليق قائلا :

اخبرني عن قوله تعالى : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) (3) فكيف ذاك؟ وقلت : إنّه يحمل العرش والسماوات؟ ...

و أجابه باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قائلا :

« إنّ العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة : نور أحمر منه احمرّت الحمرة ، ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة ، ونور أصفر منه اصفرّت الصّفرة ، ونور أبيض منه ابيضّ البياض وهو العلم الّذي حمّله الله الحملة ، وذلك نور من نور

__________________

(1) التّوحيد : 319.

(2) فاطر : 41.

(3) الحاقّة : 17.


عظمته ، فبعظمته ونوره أبصرت قلوب المؤمنين ، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ، وبعظمته ونوره ابتغى من في السّماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتشتّتة ، فكلّ شيء محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرّا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فكلّ شيء محمول والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا ، والمحيط بهما من شيء ، وهو حياة كلّ شيء ونور كلّ شيء سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا ».

وراح الجاثليق يقول :

اخبرني عن الله أين هو؟ ...

فأجابه الإمام :

« هو هاهنا وهاهنا ، وفوق وتحت ، ومحيط بنا ومعنا ، وهو قوله : ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ) (1) ، فالكرسيّ محيط بالسّماوات والأرض ( وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ) (2) ، وذلك قوله : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (3) ، فالّذين يحملون العرش هم العلماء ـ أي من الملائكة ـ الّذين حمّلهم الله علمه ، وليس يخرج من هذه الأربعة شيء خلقه الله في ملكوته ، وهو الملكوت الّذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله فقال : ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (4) ، وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم ،

__________________

(1) المجادلة : 7.

(2) طه : 6 و 7.

(3) البقرة : 255.

(4) الأنعام : 75.


وبنوره اهتدوا إلى معرفته » (1) .

وقد حلّل السيّد الطباطبائي الحديث وبين فقراته ، ويعدّ هذا الحديث من أروع البحوث الكلامية التي ألمّت ببعض الامور الغامضة وكشفت حقيقتها.

( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (138)

نزلت الآية الكريمة في بني إسرائيل فإنّهم لمّا قطع بهم موسى البحر وهو نيل مصر ، واغرق الله فرعون وقومه فيه ، مرّوا على قوم يعكفون على أصنامهم ، فقالوا لنبيّهم : ( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) ، ودلّ ذلك على إغراقهم في الجهل ، وعدم إيمانهم بالله الواحد القهّار ، هذا ما أفادته الآية ، و قد اعترض الجاثليق على أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له مندّدا بالمسلمين :

لم تلبثوا بعد نبيّكم إلاّ ثلاثين سنة حتّى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف ...

فأجابه الإمام بمنطقه الفياض :

« وأنتم ـ يا معشر اليهود ـ لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتّى قلتم : ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) » (2) .

ولم يطق الجاثليق الردّ على الإمام بعد هذا البرهان الحاسم والحجّة القاطعة.

( وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ

__________________

(1) الميزان 8 : 162 ـ 167.

(2) البرهان 2 : 32.


لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (143)

لمّا انتهى موسى عليه‌السلام إلى الميقات وكلّمه الله تعالى ، طلب موسى من الله أن يراه ، فردّ الله عليه أنّه لن يراه ، وعهد إليه أن ينظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف يرى الله تعالى ، ولمّا ظهر وحي الله للجبل جعله دكّا ، وخرّ موسى صعقا يطلب من الله التوبة على سؤاله ، و قد علق الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام على هذه الآية وشرح أبعادها قائلا :

« سأل موسى عليه‌السلام وجرى على لسانه من حمد الله عزّ وجلّ : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) ، فكانت مسألته تلك أمرا عظيما ، وسأل أمرا جسيما ، فعوقب فقال الله تعالى : لن تراني في الدّنيا حتّى تموت ، فتراني في الآخرة ، ولكن إن أردت أن تراني : ف ( انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ) ، فأبدى الله سبحانه بعض آياته ، وتجلّى ربّنا للجبل فتقطّع الجبل فصار رميما ، وخرّ موسى صعقا ، ثمّ أحياه الله وبعثه وتاب عليه فقال : ( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، يعني أوّل مؤمن آمن بك منهم بأنّه لا يراك » (1) .

وقد سئل عملاق الإيمان في الإسلام الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فقيل له :

يا أخا رسول الله ، هل رأيت ربّك؟ فأجاب :

« لم أكن بالّذي أعبد ربّا لم أره ».

كيف رأيته؟ صفه لنا.

وأخذ الإمام في وصفه لله تعالى قائلا :

__________________

(1) التّوحيد : 263.


  « لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » (1) .

ودلّ ذلك على مدى إيمانه العميق الذي امتاز على الكثيرين من أنبياء الله ، وحسبه أنّه نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو أفضل من جميع الأنبياء.

وكان من عظيم إيمانه أنّه قال :

« ما رأيت شيئا إلاّ ورأيت الله قبله » (2) .

وقال : « لم أعبد ربّا لم أره » (3) ، إنّه رأى الله تعالى بقلبه المليء بالإيمان ، فقد نظر إلى الكائنات الحية وغيرها وتأمّلها فرآها تنطق بوجود الخالق العظيم ، المبدع والمصوّر لهذه الأكوان ، وتعجز العقول أن تدرك كنهه أو تحيط بمعرفته.

( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (159)

دلّت الآية الكريمة على أن كوكبة من قوم موسى يدعون إلى الحقّ وبه يحكمون ، و قد أشار الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى هذه الكوكبة في حديثه مع رأس الجالوت وأسقف النصارى ، فقد قال لهما :

« إنّي سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما ولا تكتماني :

يا رأس الجالوت ، بالّذي أنزل التّوراة على موسى ، وأطعمهم المنّ والسّلوى ، وضرب لهم في البحر طريقا يبسا ، وفجّر لهم من الحجر الطّوريّ اثنتي عشرة عينا ، لكلّ سبط من بني إسرائيل عين إلاّ ما أخبرتني على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ ».

فقال رأس الجالوت :

__________________

(1) الميزان 8 : 255.

(2) الميزان 8 : 263.

(3) الميزان 8 : 263.


فرقة واحدة ...

وشجب الإمام قوله :

« كذبت والّذي لا إله إلاّ هو ، لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة ، فإنّ الله يقول : ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) فهذه الّتي تنجو » (1) .

ولا وجود لهذه الفرقة في بني إسرائيل ، فجميع طوائفهم يدعون إلى المنكر ، ويعدلون عن الحقّ ، ويقتلون الأبرياء ، ومنكراتهم في فلسطين وآثامهم في العالم تدلّل على ذلك ، ولعلّ تلك الفرقة كانت موجودة بعد وفاة موسى ثمّ انقرضت.

( وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ (2) إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) (163) إلى (166)

ورد تفسير هذه الآيات في كتاب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حسب ما رواه أبو جعفر عليه‌السلام قال :

__________________

(1) تفسير العيّاشي 2 : 32.

(2) حاضرة البحر : أي قريبة من البحر.


« وجدت في كتاب عليّ عليه‌السلام أنّ قوما من أهل إيلة من قوم ثمود ، كانت الحيتان ـ وهي الأسماك ـ قد سيقت إليهم يوم السّبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك ، فشرعت ـ أي ظهرت ـ في يوم سبتهم في ناديهم ، وأمام بيوتهم في أنهارهم وسواقيهم ، فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها ويأكلونها ، فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم الأحبار ، ولا يمنعهم العلماء عن صيدها ، ثمّ إنّ الشّيطان أوحى إلى طائفة منهم إنّما نهيتم عن أكلها يوم السّبت ، ولم تنهوا عن صيدها ، فاصطادوها يوم السّبت وأكلوها في ما سوى ذلك من الأيّام.

فقالت طائفة منهم : الآن نصطادها ، فعتت وانحازت طائفة اخرى منهم ذات اليمين ، فقالوا : ننهاكم عن عقوبة الله أن تتعرّضوا لخلاف أمره ، واعتزلت طائفة منهم ذات اليسار ، فسكتت ولم تعظهم ، وقالت للطّائفة الّتي ووعظتهم : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) ، فقالت الطّائفة الّتي وعظتهم : ( مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ، فقال الله عزّ وجلّ : ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ) ، يعني لمّا تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة ، فقالت الطّائفة الّتي ووعظتهم : لا والله لا نجامعكم ، ولا نبايتكم اللّيلة في مدينتكم هذه الّتي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل عليكم البلاء فيعمّنا معكم.

قال : فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء ، فنزلوا قريبا من المدينة ، فباتوا تحت السّماء ، فلمّا أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية ، فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت ، فدقّوا الباب فلم يجبهم أحد ، فوضعوا سلّما على سور المدينة ، ثمّ أصعدوا رجلا منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قردة ولهم أذناب ، فكسروا الباب فعرفت الطّائفة أنسابها من الإنس ، ولم يعرف الإنس أنسابها من القردة ، فقال القوم للقردة : ألم ننهكم ».


وقال الإمام عليه‌السلام :

« والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، إنّي لأعرف أنسابها من هذه الامّة لا ينكرون ولا يغيّرون ـ أي منكرا ـ بل تركوا ما امروا به فتفرّقوا ، وقد قال الله : ( فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (1) ، وقال الله : ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) » (2) .

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) (172)

روى الأصبغ بن نباتة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال :

أتاه ابن الكواء ، فقال له : هل كلّم الله أحدا من ولد آدم قبل موسى؟

فقال الإمام : « قد كلّم الله جميع خلقه ، برّهم وفاجرهم ، وردّوا عليه الجواب ».

ولم يفهم ابن الكوّاء كلام الإمام ، فقال له :

كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟

فقال له الإمام : « أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيّه : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) ، فقد أسمعهم كلامه ، وردّوا عليه الجواب ، كما تسمع في قول الله يا ابن الكوّاء ( قالُوا بَلى ) ،

__________________

(1) المؤمنون : 41.

(2) الميزان 8 : 301 ـ 302 ، تقلا عن تفسير القمّي.


فقال لهم :

إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ، وأنا الرّحمن الرّحيم ، فأقرّوا له بالطّاعة والرّبوبيّة ، وميّز الرّسل والأنبياء والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم ، فأقرّوا بذلك في الميثاق ، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك :

شهدنا عليكم يا بني آدم ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) » (1) .

__________________

(1) تفسير العيّاشي 2 : 41 و 42. الميزان 8 : 324.


سورة الأنفال

بسم الله الرّحمن الرّحيم

السورة المباركة مدنيّة ، غير سبع آيات نزلت بمكّة ،

عدد آياتها خمس وسبعون آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) (15)

استشهد الإمام عليه‌السلام بالآية الكريمة في ذمّ الفارّين في ساحة الحرب قال :

« إنّ الرّعب والخوف من جهاد المستحقّ للجهاد ، والمتواطئ على الضّلال ، ضلال في الدّين ، وسلب للدّنيا مع الذلّ والصّغار ، وفيه استيجاب النّار بالفرار من الزّحف عند حضرة القتال ، يقول الله عزّ وجلّ : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) ».

( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) (30)


نزلت الآية الكريمة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما أجمعت قريش على قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج وبات الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في فراشه ، وبات المشركون يحرسونه ظانّين أنّه النبي ، فلما اندلع نور الصبح ثاروا عليه ، فلمّا رأوه عليّا ردّ الله مكرهم فقالوا له : أين صاحبك؟ قال : « لا أدري ».

وقد اعتزّ الإمام عليه‌السلام بهذه التضحية التي قدّمها لسيّد الكائنات ، وأثر عنه من الشعر ما يلي :

« وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى

ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

محمّدا لمّا خاف أن يمكروا به

فوقّاه ربّي ذو الجلال من المكر

وبتّ اراعيهم متى ينشرونني

وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر

وبات رسول الله في الغار آمنا

هنالك في حفظ الإله وفي ستر » (1)

وقد ذكرنا تفصيل الحادثة بصورة مفصلة في بعض أجزاء هذه الموسوعة.

__________________

(1) الميزان 9 : 82.


سورة التّوبة

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها مائة وتسع وعشرون آية

نتحدّث ـ بإيجاز ـ عن سبب نزولها ، وما رافقها من أحداث :

سبب نزولها :

كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا فتح مكّة لم يمنع المشركين من الحجّ ، وكانت عادة المشركين أنّ من دخل مكّة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحلّ له إمساكها ، وكانوا يتصدّقون ولا يلبسونها بعد الطواف ، فكان من وافى مكّة ، يستعير ثوبا يطوف فيه ثمّ يردّه ، ومن لا يجد ثوبا عارية ، وليس له إلاّ ثوب واحد طاف بالبيت عريان ، فنزلت هذه السورة بتحريم ذلك ، وتحريم دخول المشركين إلى البيت الحرام ، كما نزلت السورة بقتل المشركين أين ما كانوا إلاّ الذين عاهدهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكّة.

الايعاز لأبي بكر بقراءة السورة :

كلّف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر بقراءة السورة على أهالي مكّة ، وإلزامهم بتنفيذ ما فيها من بنود ، وسار أبو بكر يطوي البيداء لأداء مهمّته.

تلاوة الإمام لبنود السورة :

وسار أبو بكر يجدّ في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى ذي الحليفة ،


فنزل جبرئيل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبره أن لا يبلّغ هذه السورة إلاّ عليّ عليه‌السلام ، فدعاه النبيّ وأمره أن يلحق أبا بكر ويأخذ منه السورة ويقرأها عنه ، وركب الإمام ناقة النبيّ العضباء ، وسار حتّى لحق بأبي بكر ، وأخذ منه السورة ، وفزع أبو بكر وخاف أن يكون قد نزل في حقّه شيء من السماء ، فهدّأ الإمام روعه ، وأخبره أنّه لم ينزل في أمره شيء.

و قام الإمام عليه‌السلام بتبليغ المواد التي عهد بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إليه ، فقال :

« أيّها النّاس ، لا يطوفنّ بالبيت عريان ، ولا يحجّنّ بالبيت مشرك ، ومن كانت له مدّة فهو إلى مدّته ، ومن لم يكن له مدّة فمدّته أربعة أشهر ».

وصادف خطابه يوم النحر (1) .

ومن الجدير بالذكر أنّ من جملة المؤاخذات التي وجّهتها الشيعة لأبي بكر أنّ السماء لم تر له أهليّة لتبليغ هذه المقرّرات ، فكيف يتقلّد الخلافة التي هي من أهمّ المراكز الحساسة في الإسلام.

( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) (12)

استشهد الإمام عليه‌السلام بهذه الآية وطبّقها على أعضاء حزب عائشة في حرب الجمل ، فقد قال لأصحابه :

« لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم » ، فقام وخطب قائلا :

« يا أهل البصرة ، هل تجدون عليّ جورا في حكم؟ ».

__________________

(1) الدرّ المنثور 4 : 124. تفسير العيّاشي 2 : 74.


فقالوا : لا.

فقال : « فحيفا في قسم؟ ».

قالوا : لا.

قال : « فرغبة في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟ » .

قالوا : لا.

قال : « فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها في غيركم؟ ».

قالوا : لا.

قال : « فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث ، إنّي ضربت الأمر أنفه وعينه ، فلم أجد إلاّ الكفر أو السّيف ».

ثمّ انتهى الإمام إلى أصحابه ، فقال لهم :

« إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) ، والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، واصطفى محمّدا بالنبوّة ، إنّهم لأصحاب هذه الآية » (1) .

واستشهد بالآية الكريمة على غدر طلحة والزبير ونكثهما لبيعته ، فقد قال :

« عذيري من طلحة والزّبير بايعاني طائعين غير مكرهين ، ثمّ نكثا بيعتي من غير حدث » ، ثم تلا الآية الكريمة (2) .

( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ

__________________

(1) قرب الاسناد ـ الحميري : 96.

(2) أمالي المفيد : 73.


وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (19)

نزلت الآية الكريمة في الاشادة بحقّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حينما تفاخر شيبة والعباس بن عبد المطلب ، فقال لهما الإمام :

« بما تفتخران؟ ».

فقال العباس : لقد اوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد ، سقاية الحاجّ.

وأدلى شيبة بما يفتخر به قائلا : اوتيت عمارة المسجد الحرام.

وأنبرى الإمام قائلا :

« وأنا أقول لكما : لقد اوتيت على صغري ما لم تؤتيا ».

وطفقا قائلين : وما اوتيت يا عليّ؟

وأظهر الإمام عليه‌السلام حجّته الحاسمة قائلا :

« ضربت خراطيمكما بالسّيف حتّى آمنتما بالله تبارك وتعالى ».

وورم أنف العباس ، وراح يجرّ ذيله حتى دخل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله شاكيا من الإمام ، فدعاه الرسول وقال له :

« يا عليّ ، ما حملك على ما استقبلت به عمّك؟ ».

وأجابه الإمام بمنطقه الفيّاض قائلا :

« يا رسول الله ، صدمته بالحقّ ، فإن شاء فليغضب ، وإن شاء فليرض ».

ونزل جبرئيل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه القرار الحاسم في هذا التفضيل ، بهذه الآية المباركة : ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الخ (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 5 : 24 ـ 25.


وخرج العباس ، وهو نادم على ما صدر منه تجاه ابن أخيه حامي الإسلام وبطل الجهاد المقدّس.

( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (36)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« لمّا ثقل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه ، قال : أيّها النّاس ، إنّ السنّة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم » ، ثمّ قال بيده : « رجب مفرد ، وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ثلاثة متواليات » (1) .

( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (67)

فسّر الإمام عليه‌السلام هذه الكلمات التي وردت في الآية : ( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ) قال عليه‌السلام :

« يعني نسوا الله في دار الدّنيا لم يعملوا له بطاعته ، فنسيهم في الآخرة ، أي لم يجعل لهم في ثوابه شيئا ، فصاروا منسيّين من الخير » (2) .

__________________

(1) تفسير العيّاشي 2 : 88.

(2) المصدر المتقدّم 1 : 144.


( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (100)

روى ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فهو أسبق الناس كلّهم بالإيمان ، وصلّى على القبلتين ، وبايع البيعتين : بيعة بدر ، وبيعة الرضوان ، وهاجر الهجرتين : مع جعفر من مكة إلى الحبشة ، ومن الحبشة إلى المدينة (1) .

والآية وإن كانت عامّة لجميع السابقين من الأنصار والمهاجرين إلاّ أنّها تشمل أمير المؤمنين عليه‌السلام لأنّه الفرد الأمثل منهم.

__________________

(1) تفسير البرهان 11 : 154.


سورة يونس

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ـ في قول الأكثر ـ ،

إلاّ ثلاث آيات نزلت في المدينة ، عدد آياتها مائة وتسع آيات

( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ) (2)

سئل الإمام عليه‌السلام عن هذه الآية فقال بما مضمونه : « إنّ البشارة للّذين آمنوا هي شفاعة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم يوم القيامة » (1) .

( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (26)

__________________

(1) الدرّ المنثور 3 : 300.


كتب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى محمّد بن أبي بكر أن يفسّر للناس الحسنى بالجنّة ، والزّيادة بالدنيا (1) .

( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (62)

روى ابن عباس أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام سئل عن هؤلاء الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فأجاب :

« هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته ، ونظروا إلى باطن الدّنيا حين نظر النّاس إلى ظاهرها ، فعرفوا أجلها حين غرّ النّاس سواهم بعاجلها ، فتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم ، وأماتوا منها ما علموا إنّه سيميتهم ».

و أضاف قائلا :

« أيّها المعلّل نفسه بالدّنيا ، الرّاكض على حبائلها ، المجتهد في عمارة ما سيخرب منها ، ألم تر إلى مصارع آبائك في البلى ، ومضاجع أبنائك تحت الجنادل والثّرى؟ كم مرّضت بيديك ، وعلّلت بكفّيك تستوصف لهم الأطبّاء ، وتستعتب لهم الأحبّاء ، فلم يغن عنهم غناؤك ، ولم ينجع فيهم دواءك » (2) .

__________________

(1) أمالي المفيد : 262.

(2) المصدر المتقدّم : 86 ـ 87.


سورة هود

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ـ في قول الأكثر ـ ،

عدد آياتها مائة وثلاث عشرون آية

( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) (6)

عرضت الآية الكريمة إلى أنّ الله تعالى متكفّل برزق جميع مخلوقاته ، وأنّ سعي الإنسان وعدم سعيه لا يجلبان ولا يمنعان ما كتب له ، وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام كثيرا ما يقول :

« اعلموا علما يقينا أنّ الله تعالى لم يجعل العبد وإن اشتدّ جهده وعظمت حيلته وكثرت مكائده أن يسبق ما سمّي في الذّكر الحكيم.

أيّها النّاس ، إنّه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه ، ولن ينقص امرؤ نقيرا لحمقه ، فالعالم بهذا ، العامل به ، أعظم راحة في منفعة ، والعالم بهذا ، التّارك له ، أعظم النّاس شغلا في مضرّة ، وربّ منعم عليه مستدرج بالإحسان ، وربّ مغرور في النّاس مصنوع


له ، فارفق أيّها السّاعي من سعيك ، واقصر من عجلتك ، وانتبه من سنة غفلتك ، وتفكّر فيما جاء عن الله عزّ وجلّ على لسان نبيّه » (1) .

( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) (17)

تظافرت كتب الأخبار وتفاسير القرآن الكريم على أنّ من كان على بيّنة من ربّه هو الرّسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ الشاهد هو الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد أعلن الإمام أنّه هو الشاهد فقد قال :

« لو كسرت لي الوسادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التّوراة بتوراتهم ، وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل الفرقان بفرقانهم ، بقضاء يصعد إلى الله يزهر ، والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلاّ وقد علمت فيمن أنزلت ، ولا أحد ممّن مرّ على رأسه المواسين إلاّ وقد انزلت آية فيه من كتاب الله تسوقه إلى الجنّة أو النّار ».

فقام إليه رجل فقال له :

يا أمير المؤمنين ، ما الآية التي انزلت فيك؟ ...

فقال عليه‌السلام :

« أما سمعت الله يقول : ( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) ،

__________________

(1) نهج البلاغة ـ صبحي الصالح 523 / ح 273.


فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على بيّنة من ربّه ، وأنا الشّاهد له ومنه » (1) .

( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (40)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« إنّ نوحا عليه‌السلام لمّا فرغ من السّفينة وكان ميعاده فيما بينه وبين ربّه في إهلاك قومه أن يفور التّنور ، ففار التنور في بيت امرأة ، فقالت : إنّ التّنور قد فار ، فقام إليه فختمه ، فقام الماء وأدخل من أراد أن يدخل ، وأخرج من أراد أن يخرج ، ثمّ جاء إلى خاتمه ـ وهو الذي كان على التنور ـ فنزعه ، يقول الله عزّ وجلّ : ( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ) (2) » (3) .

( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (5 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« يعني أنّه ـ أي الله تعالى ـ على حقّ يجزي بالإحسان إحسانا ، وبالسّيّئ سيّئا ، ويعفو عمّن يشاء ، ويغفر ، سبحانه وتعالى » (4) .

__________________

(1) بصائر الدرجات : 132.

(2) القمر : 11 ـ 13.

(3) الميزان 10 : 252.

(4) تفسير العيّاشي 2 : 151.


( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) (105)

دلّت الآية الكريمة على أنّ النوع الإنساني نوعان : شقي وسعيد ، فالشقي مآله جهنّم ـ أعاذنا الله منها ـ ، والسعيد مآله إلى الفردوس الأعلى ، و يقول الرواة : إنّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكت في الأرض ، ويقول :

« ما منكم أحد إلاّ كتب مقعده من الجنّة أو من النّار ».

فقال قوم : ألا نتّكل؟

قال : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » ، وقرأ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ) (1) . (2)

وعرض العلاّمة الطباطبائي في تفسيره الميزان إلى إيضاح هذا الحديث ، وملخّص ما أفاده أنّ القوم الذين اعترضوا على الإمام في مقالته ، قد توهّموا أنّ الجنّة قد قررت وكتبت لبعض الناس ، وكذلك النار وعليه فلا داعي لعمل المقدّمات التي توصل ذلك بعد أن كانت قد كتبت الجنة والنار للفريقين ، كما توهّموا أنّ المقدّمات الموصلة للجنة والنار واقعة تحت القضاء ومكتوبة ، فلا يبقى للاختيار معنى ولا للاكتساب مجال. و قد أجاب الإمام عليه‌السلام عن سؤالهم عن الجهة الاولى بقوله :

« كلّ ميسّر لما خلق له » ، وهو مأخوذ من قوله تعالى في صفة خلق الإنسان ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) (3) ، أي إنّ كلاّ من أهل الجنة التي خلقها الله لهم وكذلك أهل

__________________

(1) الليل : 5.

(2) الميزان 11 : 36 ، نقلا عن صحيح الترمذي.

(3) عبس : 20.


النار ، قد يسّر الله لهم السبيل إلى تلك الغاية من دون أن يجبر أحدا على ذلك.

إن الإنسان الذي كتبت له الجنة له سبيل وطريق للوصول إليها وهو الايمان والتقوى ، فلا بدّ من سلوك هذا الطريق ، ولم تكتب له الجنة سواء عمل صالحا أو لم يعمل صالحا ، وكذلك من كتبت له النار فإنّما كتبت له عن طريق الشرك والعصيان.

أمّا الجواب عن الجهة الثانية ، فقد أجاب الإمام عليه‌السلام بالتيسير لما خلق له ، والتيسير هو التسهيل ، وهو إنّما يكون في الامور التي لا ضرورة فيها ، ولو كان سبيل الجنة ضروريا على الاطلاق لكان من الامور الثابتة التي لا تتغيّر ، ولم يكن معنى لتيسيره ، وتسهيل سلوكه هذا ملخص لما أفاده المحقّق الطباطبائي نضّر الله مثواه.

( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) (114)

أمرت الآية الكريمة بإقامة الصلاة في طرفي النّهار وهما الصبح والمساء ، وزلفا من الليل وهي الساعات القريبة من النهار ، وتنطبق الآية على الصلوات الخمس ، وأنّ الصلوات المقامة في تلك الأوقات تذهب السيّئات ، و يقول الرواة :

إن أمير المؤمنين عليه‌السلام أقبل على الناس فقال لهم :

« أيّ آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ ».

فأنبرى جمع من أصحابه ، فقالوا له : إنّ أرجى آية قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) (1) .

فقال الإمام : « حسنة ، وليست إيّاها ».

وطفق جماعة قائلين : ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ

__________________

(1) النساء : 48.


رَحْمَةِ اللهِ ) (1) .

قال : « حسنة ، وليست إيّاها ».

وقام جماعة فقالوا له : ( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) (2) .

قال « حسنة ، وليست إيّاها ».

فأحجم الناس ، ولم يدل أحد منهم بشيء ، وقالوا للإمام : لا والله ما عندنا شيء.

فانبرى الإمام مبيّنا لهم ذلك قائلا :

« سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : أرجى آية في كتاب الله ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) » ، وقرأ الآية كلّها.

و قال : « يا عليّ ، والّذي بعثني بالحقّ بشيرا ونذيرا إنّ أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط من جوارحه الذّنوب ، فإذا استقبل بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته امّه ، فإذا أصاب شيئا بين الصّلاتين كان له مثل ذلك حتّى عدّ الصّلوات الخمس ».

ثم قال ـ أي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ :

« يا عليّ ، إنّما منزلة الصّلوات الخمس لامّتي كنهر جار على باب أحدكم ، فما ظنّ أحدكم لو كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النّهر خمس مرّات في اليوم ، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصّلوات الخمس لامّتي » (3) .

__________________

(1) الزّمر : 53.

(2) آل عمران : 135.

(3) تفسير العيّاشي 2 : 161 ـ 162.


سورة يوسف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وعدد آياتها مائة وإحدى عشرة آية

( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (24)

اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على قولين :

الأوّل : أنّه لم يوجد من يوسف ذنب كبير ولا صغير ، وأنّه معصوم شأنه شأن الأنبياء عليهم‌السلام ، وقد فسّر الإمام الصادق عليه‌السلام بأنّ زليخا همّت بأن تفعل ، وهمّ يوسف بأن لا يفعل (1) . وأدلت بتآويل اخرى ذكرتها مصادر التفسير.

القول الثاني : أنّ زليخا همّت بالمعصية ، وكذلك يوسف ، واستندوا في ذلك إلى ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« أنّ زليخا طمعت فيه وطمع يوسف بها ، وكان من الطّمع أنّه همّ بحلّ التّكّة ، فقامت إلى صنم مكلّل بالدّرّ والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه

__________________

(1) الميزان 11 : 36 ، نقلا عن صحيح الترمذي.


فقال : أيّ شيء تصنعين؟

فقالت : أستحي من إلهي أن يراني على هذه الصّورة.

فقال يوسف : تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ، وأنا لا أستحي من إلهي الّذي هو قائم على كلّ نفس بما كسبت؟

ثمّ قال : لا تناليها منّي أبدا ، وهو البرهان الّذي رأى » (1) .

وهذه الرواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها لأنّها تنافي عصمة الأنبياء عليهم‌السلام ، وقد تواترت الأخبار عن أئمّة الهدى عليهم‌السلام بعصمة الأنبياء.

__________________

(1) الدرّ المنثور 4 : 13.


سورة الرّعد

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وعدد آياتها ثلاث وأربعون آية

( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (4)

استشهد الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الآية المباركة على أنّه والإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام من شجرة طيّبة مباركة قال جابر : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

« يا عليّ ، النّاس من شجر شتّى ، وأنا وأنت من شجرة واحدة » ، ثم قرأ : ( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) (1) .

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ

__________________

(1) الدرّ المنثور 4 : 44 ، وقريب منه في تفسير البرهان.


  مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (7)

تظافرت الروايات عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه هو المنذر ، والإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام هو الهاد ، فقد روى أبو بريدة الأسلمي قال : دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالطهور وعنده عليّ ابن أبي طالب ، فأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بعد ما تطهّر فألصقها بصدره ، ثمّ قال : ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) ويعني نفسه ، ثمّ ردّها إلى صدر عليّ ثمّ قال : ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) ، ثمّ قال له : « أنت منار الأنام ، وغاية الهدى ، وأمير القرّاء ، أشهد على ذلك » (1) .

( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ ) (17)

قال الإمام عليه‌السلام في بيان هذه الآية :

« الزّبد في هذا الموضع كلام الملحدين الّذين أثبتوه في القرآن (2) ، فهو يضمحلّ ويبطل ويتلاشى عند التّحصيل ، والّذي ينفع النّاس منه ، فالتّنزيل الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والقلوب تقبله ، والأرض في هذا الموضع هي محلّ العلم وقراره » (3) .

( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (24)

__________________

(1) الميزان 11 : 327 ، نقلا عن مستدرك الحاكم. ومروي مثله في شواهد التنزيل.

(2) المراد من كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن هو تفسير هم له.

(3) الميزان 11 : 348 ، نقلا عن الاحتجاج.


قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الصّبر ثلاثة : صبر عند المصيبة ، وصبر على الطّاعة ، وصبر عن المعصية ، فمن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ، ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين السّماء إلى الأرض ، ومن صبر على الطّاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة ، كما بين تخوم الأرض إلى العرش ، ومن صبر عن المعصية كتب له تسعمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش » (1) .

( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (28)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« لما نزلت هذه الآية ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ذاك من أحبّ الله ورسوله ، وأحبّ أهل بيتي صادقا غير كاذب ، وأحبّ المؤمنين شاهدا وغائبا ، ألا بذكر الله يتحابّون » (2) .

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (43)

لقد زعم الذين كفروا أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس مرسلا من عند الله تعالى ، فقال الله تعالى لنبيه : قل لهم : ( كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) على ما أقوله من النبوة

__________________

(1) الميزان 11 : 350 ، نقلا عن الكافي.

(2) الدرّ المنثور 4 : 58.


والرسالة ، ويشهد على ذلك ( مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ».

وقد تظافرت الأخبار أنّه إمام المتّقين وسيّد الموحّدين الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقد سأل أبو سعيد الخدري رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن المعني بمن عنده علم الكتاب ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« ذاك أخي عليّ بن أبي طالب » (1) .

__________________

(1) الميزان 11 : 387 ، نقلا عن المعاني.


سورة إبراهيم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكية إلاّ آيتان منها ، عدد آياتها اثنتان وخمسون آية

( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (9)

عرضت الآية الكريمة إلى الاتّعاظ بقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما أنزل الله تعالى بهم من العقوبات والدمار الشامل ، فقد عفت آثارهم ، ولا يعرف عددهم إلاّ الله تعالى ، و قد التقى نسابة بالإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له : أنا أنسب الناس.

فردّ عليه الإمام : « إنّك لا تنسب النّاس ».

فاصرّ الرجل على أنّه أنسب الناس.

فقال له الإمام :


  « أرأيت قوله تعالى : ( وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ) (1) ».

و طفق الرجل قائلا : أنا أنسب ذلك الكثير ...

فردّ عليه الإمام :

« أرأيت قوله تعالى : « ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ ) ».

فسكت النّسابة ولم يطق أن يدلي بأي حجّة (2) .

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) (24)

تظافرت الأخبار أنّ المعني بهذه الآية هم أهل بيت النبوة ومعدن الرحمة ، فقد روى ابن عقدة عن الإمام أبي جعفر عليه‌السلام :

« أنّ الشّجرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفرعها عليّ ، وعنصر الشّجرة فاطمة ، وثمرتها أولادها ، وأغصانها وأوراقها شيعتها. إنّ الرّجل من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة ، وإنّ المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة ورقة » (3) .

وروى ابن عباس قال : قال جبرئيل للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« أنت الشّجرة وعليّ غصنها ، وفاطمة ورقها ، والحسن والحسين ثمارها » (4) .

__________________

(1) الفرقان : 38.

(2) الدرّ المنثور 4 : 72.

(3) و (4) مجمع البيان 5 : 314.


( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) (26)

ورد في بعض التفاسير أنّ المعني بهذه الآية خصوم الإمام أمير المؤمنين وأعداؤه بنو أمية ، روي ذلك عن الإمام أبي جعفر عليه‌السلام .

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) (28)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« المعنيّ بهذه الآية هما الأفجران من قريش : بنو اميّة ، وبنو المغيرة ، فأمّا بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر ، وأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 41. صحيح البخاري 4 : 84.


سورة الحجر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها تسع وتسعون آية

( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) (2)

دلّت الآية الكريمة على أنّ الكافرين سيندمون على كفرهم وتمرّدهم يوم القيامة ، ويتمنّون أنّهم لو كانوا مسلمين ومؤمنين. و روى الإمام أمير المؤمنين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسير هذه الآية ، قال عليه‌السلام :

« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أصحاب الكبائر من موحّدي الامم كلّها الّذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين ، من دخل منهم جهنّم لا تزرق أعينهم ولا تسود وجوههم ، ولا يقرنون بالشّياطين ، ولا يغلّون بالسّلاسل ، ولا يجرّعون الحميم ، ولا يلبسون القطران ، حرّم الله أجسادهم على الخلود من أجل التّوحيد ، وصورهم على النّار من أجل السّجود ، فمنهم من تأخذه النّار إلى عقبيه ، ومنهم من تأخذه النّار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم ، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثمّ يخرج منها ، وأطولهم مكثا فيها بقدر عمر الدّنيا منذ خلقت إلى أن تفنى.

فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنّصارى ومن في النّار من أهل


الأديان والأوثان لمن في النّار من أهل التّوحيد : آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النّار سواء ، فيغضب الله غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى فيخرجهم إلى عين بين الجنّة والصّراط فينبتون فيها نبت الطراثيث (1) في حميل السّيل (2) ، ثمّ يدخلون الجنّة مكتوب في جباههم هؤلاء الجهنّميّون عتقاء الرّحمن ، فيمكثون في الجنّة ما شاء الله أن يمكثوا.

ثمّ يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم ، فيبعث الله ملكا فيمحوه ، ثمّ يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها يسمّرونها بتلك المسامير ويشتغل أهل الجنّة عنهم بنعيمهم ولذّاتهم ، وذلك قوله : ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) » (3) .

( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (44)

روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير هذه الآية : « أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض » ، ووضع إحدى يديه على الاخرى فقال : « هكذا ، وأنّ الله تعالى وضع الجنان على العرض ، ووضع النّيران بعضها فوق بعض ، فأسفلها جهنّم ، وفوقها لظى ، وفوقها الحطمة ، وفوقها سقر ، وفوقها الجحيم ، وفوقها السّعير ، وفوقها الهاوية » (4) .

( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ

__________________

(1) الطرثوث : نبت.

(2) حميل السيل : غثاؤه.

(3) الميزان 12 : 102 ـ 103.

(4) مجمع البيان 5 : 338.


لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (85)

قال الإمام عليه‌السلام :

« الصّفح الجميل هو العفو من غير عتاب » (1) .

« أو الرّضا بغير عتاب » (2) .

__________________

(1) مجمع البيان 6 : 519.

(2) الدرّ المنثور 4 : 104.


سورة النّحل

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وعدد آياتها مائة وثمان وعشرون آية

( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) (2)

حكت الآية الكريمة أنّ الله تعالى ينزل الملائكة بالروح ، أي بالوحي ، على من يشاء من عباده ، وهم الصفوة المختارة من البشر وهم الأنبياء العظام.

جاء رجل إلى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يسأله عن الروح : أليس هو جبرئيل؟

فقال له أمير المؤمنين :

« جبرئيل من الملائكة ، والرّوح غير جبرئيل » ، فكبر ذلك على الرجل ، وقال للإمام :

لقد قلت قولا عظيما ، ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل.

فقال له الإمام عليه‌السلام :

« إنّك ضالّ تروي عن أهل الضّلال ، يقول الله لنبيّه : ( أَتى أَمْرُ اللهِ


فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) (1) ، و الرّوح غير الملائكة » (2) .

( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (16)

قال الإمام عليه‌السلام :

« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) الجدي ؛ لأنّه نجم لا يدور وعليه بناء القبلة ، وبه يهتدي أهل البرّ والبحر » (3) .

( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) (30)

استشهد الإمام عليه‌السلام بهذه الآية في رسالته التي كتبها لأهل مصر ، فقد جاء فيها :

« يا عباد الله ، إنّ أقرب ما يكون العبد من المغفرة والرّحمة حين يعمل بطاعته ، وينصح في توبته ، عليكم بتقوى الله ، فإنّها تجمع الخير ، ولا خير غيرها ، ويدرك بها من خير الدّنيا وخير الآخرة ، قال عزّ وجلّ : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) » (4) .

( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ

__________________

(1) النحل : 1 و 2.

(2) الميزان 14 : 224 ، نقلا عن الكافي.

(3) تفسير العيّاشي 2 : 256.

(4) أمالي الشيخ الطوسي : 25.


لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) (70)

كان من معطيات هذه الآية أنّ الله تعالى خلق الإنسان ، وأنعم عليه بضروب من النّعم ، ثمّ يقبضه إليه ، ومنهم من يردّ إلى أرذل العمر وأوضعه ، وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« أنّ أرذل العمر خمس وسبعون سنة » (1) .

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (90)

اجتاز الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام على قوم يتحدّثون فقال :

« فيم أنتم ـ أي بأيّ شيء تتحدّثون ـ؟ ».

فقالوا : نتذاكر المروّة.

فقال عليه‌السلام : « أو ما كفاكم الله عزّ وجلّ ذاك في كتابه إذ يقول الله : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) ، فالعدل الإنصاف ، والإحسان التّفضّل » (2) .

__________________

(1) مجمع البيان 6 : 373

(2) تفسير العيّاشي 2 : 267.


سورة الإسراء

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها مائة وإحدى عشرة آية

( قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) (102)

الموجود في نسخ القرآن الكريم : « لقد علمت » بالفتح ، والمعنى : لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء ـ أشار إلى الآيات التي تدلّ على نبوّة موسى ـ ، إلاّ ربّ السموات والأرض الذي خلقهنّ بصائر أو براهين للناس تدلّ على نبوته.

و روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قرأ : « لقد علمت » بالضمّ ، على أن يكون الضمير للمتكلّم.

قال عليه‌السلام :

« والله ما علم عدوّ الله ـ يعني فرعون ـ ولكنّ موسى هو الّذي علم » (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 6 : 685.


سورة الكهف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية وعدد آياتها مائة وعشر آيات

( وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ) (83)

كان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام على المنبر يخطب ، فقام إليه ابن الكوّاء ، فقال له :

يا أمير المؤمنين ، اخبرني عن ذي القرنين ، أنبيّا كان أم ملكا؟ واخبرني عن قرنيه أمن ذهب أم من فضّة؟

فقال عليه‌السلام :

« لم يكن نبيّا ولا ملكا ، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضّة ، ولكن كان عبدا أحبّ الله فأحبّه الله ، ونصح لله فنصحه الله ، وإنّما سمّي ذا القرنين لأنّه دعا قومه إلى الله عزّ وجلّ فضربوه على قرنه ، فغاب عنهم حينا ثمّ عاد إليهم ، فضرب على قرنه الآخر ، وفيكم مثله » (1) ، يعني نفسه الشريفة التي سيعمّمها ابن ملجم المرادي بسيفه.

__________________

(1) كمال الدين : 393 ـ 394.


( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ) (99)

روى الأصبغ بن نباتة عن الإمام عليه‌السلام في تفسير الآية : ( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) « يعني يوم القيامة » (1) .

( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً ) (103)

سأل ابن الكوّاء الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الأخسرين في هذه الآية فقال عليه‌السلام :

« هم فجرة قريش » (2) .

__________________

(1) تفسير العيّاشي 4 : 351.

(2) الدرّ المنثور 4 : 253.


سورة مريم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وعدد آياتها ثمان وتسعون آية

( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) (11)

عرض الإمام عليه‌السلام في حديث له عن مطلق الوحي فقسّمه إلى ثلاثة أقسام :

وحي النبوة ، ووحي الإلهام ، ووحي الإشارة ، وهو قوله تعالى : ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) ، أي أشار إليهم كقوله تعالى : ( أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ) (1) . (2)

( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) (25)

استشهد الإمام عليه‌السلام بالآية الكريمة في معرض حديثه عن فوائد الرطب

__________________

(1) آل عمران : 41.

(2) تفسير النعماني : 75.


قال عليه‌السلام : « ما تأكل الحامل من شيء ، ولا تتداوى به أفضل من الرّطب ، قال الله تعالى لمريم : ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ) (1) » (2) .

( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ) (85)

سأل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن تفسير هذه الآية ، فقال :

« يا عليّ ، إنّ الوفد لا يكون إلاّ ركبانا ، اولئك رجال اتّقوا الله عزّ وجلّ فأحبّهم واختصّهم ، ورضي أعمالهم فسمّاهم الله المتّقين » (3) .

وروى الإمام عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسير هذه الآية أيضا ، قال :

« أما والله ما يحشرون على أقدامهم ، ولا يساقون سوقا ، ولكنّهم يؤتون بنوق من الجنّة ، لم تنظر الخلائق إلى مثلها ، رحالها الذّهب ، وأزمّتها الزّبرجد ، فيقعدون عليها حتّى يقرعوا باب الجنّة » (4) .

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) (96) نزلت هذه الآية الكريمة في حقّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقد فسّر ابن عباس « الودّ » في الآية بمحبّة الإمام في قلوب المؤمنين (5) .

و في رواية البراء : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال للامام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قل :

__________________

(1) مريم : 25 و 26.

(2) الخصال 2 : 637.

(3) تفسير القمّي 2 : 53.

(4) الدرّ المنثور 4 : 285.

(5) الميزان 14 : 115.


  « اللهمّ اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي عندك ودّا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة » ، فأنزل الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) ، نزلت في عليّ (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 4 : 287.


سورة طه

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة نزلت في مكّة المكرّمة ، وعدد آياتها مائة وخمس وثلاثون آية

( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) (5)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير هذه الآية : « يعني استوى تدبيره ، وعلا أمره » (1) .

( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (29) إلى (32)

تلا الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآيات المباركة ، وطلب من الله تعالى أن يشدّ أزره بأخيه وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

روت السيّدة أسماء بنت عميس قالت : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بإزاء ثبير وهو يقول : « اللهمّ إنّي أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري ، وأن تيسّر لي

__________________

(1) الاحتجاج : 250.


أمري ، وأن تحلّ عقدة من لساني يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا أخي ، اشدد به أزري ، وأشركه في أمري ، كي نسبّحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنّك كنت بنا بصيرا » (1) .

( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ) (67)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« لم يوجس موسى خيفة على نفسه ، بل أشفق من غلبة الجهّال ، ودول الضّلال » (2) .

( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ) (88)

تحدّث الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن السامري ، وضلاله لبني إسرائيل بإخراجه العجل لهم ، وقوله : إنّ هذا إلهكم وإله موسى ، قال عليه‌السلام :

« لمّا تعجّل موسى إلى ربّه عمد السّامريّ فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا ، ثمّ ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار ، فقال لهم السّامريّ : هذا إلهكم وإله موسى ، فقال لهم هارون : ( أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) (3) » (4) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 295.

(2) نهج البلاغة : 51.

(3) طه : 86.

(4) الدرّ المنثور 5 : 305.


( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ) (132)

روى أبو سعيد الخدري أنّه لمّا نزلت هذه الآية على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يأتي إلى باب عليّ ثمانية أشهر وهو يقول :

« الصّلاة رحمكم الله ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) » (2) .

وقد تواترت الأخبار بذلك.

__________________

(1) الأحزاب : 33.

(2) الميزان 14 : 242 ، وفي مجمع البيان أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يجيء إلى بيت عليّ تسعة أشهر.


سورة الأنبياء

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وعدد آياتها مائة واثنتا عشرة آية

( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) (35)

مرض الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فعاده اخوانه فقالوا له : كيف نجدك يا أمير المؤمنين ، فقال عليه‌السلام : « بشرّ ».

فقالوا : ما هذا كلام مثلك؟

قال عليه‌السلام : « إنّ الله تعالى يقول : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) ، الخير الصّحة والغنى ، والشّرّ المرض والفقر » (1) .

( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) (47)

__________________

(1) مجمع البيان 7 : 74.


سأل الإمام عليه‌السلام رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات ، فقال عليه‌السلام :

« وأمّا قوله تبارك وتعالى : ( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) فهو ميزان العدل ، يؤخذ به الخلائق يوم القيامة ، يدين الله تبارك وتعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين » (1) .

( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) (101)

وعد الله تعالى المتّقين من عباده بالفردوس والنعيم ، والبعد عن الجحيم ، وقد استشهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الآية الكريمة في حديثه مع الإمام عليه‌السلام فقد قال له :

« يا عليّ ، أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم ، وتمنعون من كرهتم ، وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر.

فيكم نزلت الآية ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) ، وفيكم نزلت : ( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (2) » (3) .

( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِ ) للكتاب ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) (104)

استشهد الإمام عليه‌السلام بالآية الكريمة في معرض حديثه عن الأموات قال عليه‌السلام :

__________________

(1) التوحيد : 268.

(2) الأنبياء : 103.

(3) أمالي الصدوق : 415.


  « استبدلوا ـ أي الأموات ـ بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنّور ظلمة ، فجاؤوها كما فارقوها ، حفاة عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة ، والدّار الباقية ، كما قال سبحانه وتعالى : ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 166 ـ 167.


سورة الحجّ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنية ، وعدد آياتها ثمان وسبعون آية

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (17)

عرضت الآية الكريمة إلى بعض الأديان ، وعدّت منها المجوس ، وقد كان أمير المؤمنين عليه‌السلام على المنبر وهو يقول : « سلوني قبل أن تفقدوني » ، فانبرى إليه المنافق الأشعث بن قيس فقال له : كيف تؤخذ من المجوس الجزية ، ولم ينزل إليهم كتاب ، ولم يبعث إليهم نبيّ؟

فأجابه الإمام :

« بلى يا أشعث ، قد أنزل الله عليهم كتابا ، وبعث إليهم نبيّا ، وكان لهم ملك ، سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها ، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه ، فقالوا : أيّها الملك ، دنّست علينا ديننا فأهلكته ، فاخرج نطهّرك ، ونقم


عليك الحدّ.

فقال لهم : اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرجا ممّا ارتكبت ، وإلاّ فشأنكم. فاجتمعوا.

فقال : هل علمتم أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمّنا حوّاء؟

قالوا : صدقّت أيّها الملك.

قال : أفليس قد زوّج بينه بناته ، وبناته من بنيه؟

قالوا : صدقت هذا هو الدّين ، فتعاقدوا على ذلك ، فمحا الله ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النّار بلا حساب ، والمنافقون أشدّ حالا منهم ».

يشير بذلك إلى الأشعث الذي هو رأس المنافقين.

قال الأشعث : والله ما سمعت بمثل هذا الجواب أبدا ، والله لا عدت إلى مثلها أبدا (1) .

__________________

(1) الميزان 14 : 362 ، نقلا عن التوحيد للصدوق.


سورة المؤمنون

بسم الله الرّحمن الرّحيم

نزلت هذه السورة المباركة في مكّة ، عدد آياتها مائة وثماني عشرة آية

( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) (2)

فسّر الإمام عليه‌السلام الخشوع في الصلاة أن لا يلتفت المصلّي (1) .

( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) (3)

قال الإمام عليه‌السلام : « كلّ قول ليس لله فيه ذكر فهو لغو » (2) .

( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) (14)

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 3.

(2) إرشاد المفيد : 157.


قال الإمام عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« إذا تمّت النّطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فنفخ فيها الرّوح في الظّلمات الثّلاث ، فذلك قوله : ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) ، يعني نفخ الرّوح فيه » (1) .

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) (30)

استشهد الإمام عليه‌السلام بالفقرة الأخيرة من الآية في خطاب له جاء فيه :

« أيّها النّاس ، إنّ الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم يعذكم من أن يبتليكم ، وقد قال جلّ من قائل : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا س لَمُبْتَلِينَ ) » (2) .

( وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) (76)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير الآية :

« أي لم يتواضعوا في الدّعاء ولم يخضعوا ، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم » (3) .

وروى الأصبغ بن نباتة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قال :

قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : « رفع الأيدي من الاستكانة ».

فقال الإمام له : « وما الاستكانة؟ ».

قال : « أما تقرأ هذه الآية : ( فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) » (4) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 7.

(2) نهج البلاغة : 160.

(3) الدرّ المنثور 5 : 14.

(4) مجمع البيان 5 : 54.


سورة النّور

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها أربع وستون آية

( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ) (30)

روى الإمام عليه‌السلام سبب نزول الآية قال :

« استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة ، وكانت النّساء يتقنّعن خلف آذانهنّ ، فنظر إليها وهي مقبلة ، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق ، وجعل ينظر خلفها ، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة ، فشقّ وجهه ، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدّماء تسيل على ثوبه وصدره ، فقال : والله لآتينّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبرنّه ، فأتاه ، فنظر إليه الرّسول وقال له : ما هذا؟ ـ يعني ما عليه من الدماء ـ فأخبره بالأمر ، فنزل جبرئيل على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الآية : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 40.


( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ) (37)

كان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا تلى هذه الآية عقّب عليها بقوله :

« وإنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيّام الحياة ، ويهتفون بالزّواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا ، حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى النّاس ، ويسمعون ما لا يسمعون » (1) .

وحكى هذا الكلام المواقع المشرقة لأولياء الله وأحبائه الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (39)

« سئل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : كيف يحاسب الله عباده في حالة واحدة؟

فقال : « كما يرزقهم في حالة واحدة » (2) .

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى

__________________

(1) نهج البلاغة : 342.

(2) مجمع البيان 7 : 230.


الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ) (43)

نقل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تفسير هذه الآية ، قال : « إنّ الله عزّ وجلّ جعل السّحاب غرابيل المطر ، هي تذيب البرد حتّى يصير ماء لكي لا يضرّ شيئا يصيبه ، والّذي ترون فيه من البرد والصّواعق نقمة من الله عزّ وجلّ يصيب بها من يشاء من عباده » (1) .

( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (55)

استشهد الإمام عليه‌السلام بهذه الآية في نصيحته لعمر بن الخطّاب أن لا يخرج مع الجيش الذي انطلق لقتال الفرس.

قال عليه‌السلام : « إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلّة ، وهو دين الله الّذي أظهره ، وجنده الّذي أعدّه وأمدّه ، حتّى بلغ ما بلغ ، وطلع حيث طلع ؛ ونحن على موعود من الله ، حيث قال عزّ اسمه : ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ) ، والله تعالى منجز وعده ، وناصر جنده.

__________________

(1) روضة الكافي 8 : 240.


ومكان القيّم في الإسلام مكان النّظام من الخرز ، فإن انقطع النّظام تفرّق ، وربّ متفرّق لم يجتمع.

والعرب اليوم وإن كانوا قلّة ، فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالاجتماع! فكن قطبا ، واستدر الرّحا بالعرب من أطرافها وأقطارها ، حتّى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك ممّا بين يديك » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده : 283.


سورة الفرقان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها سبع وسبعون آية

( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) (24)

استشهد الإمام عليه‌السلام بهذه الآية في حديثه عن وضع المؤمن في قبره ، قال :

« ثمّ يفسحان ـ يعني الملكين ـ في قبره مدّ بصره ، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة ، ويقولان له : نم قرير العين نوم الشّابّ النّاعم فإنّ الله يقول : ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) » (1) .

( وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ) (38)

ذكر الإمام عليه‌السلام في حديث له قصة أصحاب الرّس ، وملخصه :

أنّهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبرة يقال لها : شاه درخت ، كان يافث بن نوح غرسها بعد الطوفان على شفير عين يقال لها : روشن آب ، وكان لهم اثنتا عشرة

__________________

(1) الميزان 12 : 207.


قرية معمورة على شاطئ نهر.

وقد غرسوا في كلّ قرية منها شجرة من الصنوبرة ، وأجروا عليها نهرا من عين ، وحرّموا شرب مائها على أنفسهم وأنعامهم ، ومن شرب من مائها قتلوه ، ويقولون : إنّه ـ أي الماء ـ حياة الآلهة فلا ينبغي لأحد أن ينقص حياتها ، وقد جعلوا في كلّ شهر من السنة يوما في كلّ قرية عيدا يخرجون فيه إلى الشجرة فيسجدون لها ، ويذبحون لها الذبائح ثمّ يحرقونها ، ويبكون ويتضرّعون عندها ، والشيطان يكلّمهم وكان هذا دأبهم.

ولمّا طال منهم الكفر وعبادة الشجر بعث الله إليهم رسولا من بني إسرائيل فدعاهم إلى عبادة الله تعالى ، فلم يؤمنوا ، فدعا الله على الشجرة فيبست ، فلمّا رأوا ذلك جزعوا ، وقالوا : إنّ هذا الرّجل ـ يعني النبيّ ـ سحر آلهتنا ، وقال آخرون : إنّ آلهتنا غضبت علينا من هذا الرجل الذي يدعونا إلى الكفر بها ، فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئرا وألقوه فيه ، وشدّوا رأس البئر حتى مات ، فأنزل الله عليهم عذابه ، وأهلكهم عن آخرهم (1) .

( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) (54)

قال ابن سيرين : نزلت الآية في النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام زوج فاطمة فهو ابن عمّه وزوج ابنته فكان نسبا وصهرا (2) .

__________________

(1) الميزان 15 : 219 ـ 220 ، نقلا عن عيون أخبار الرّضا عليه‌السلام .

(2) مجمع البيان 7 : 273.


سورة الشّعراء

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكيّة ، عدد آياتها مائتان وسبع وعشرون آية

( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (214)

نزلت هذه الآية على الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله في بداية الدعوة الاسلامية بإبلاغ اسرته بالدعوة إلى الإسلام ، فدعا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام أمير المؤمنين ، وأمره أن يدعو الاسر القرشية إلى وليمة أقامها لهم ، ليبلّغهم رسالة ربّه ، فدعاهم فما استجابوا له ، فطلب منهم أن يستجيب له واحد منهم ليتّخذه وزيرا وخليفة ، فما أجابه أحد سوى أمير المؤمنين عليه‌السلام فأقامه خليفة ووزيرا له ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بعض أجزاء هذه الموسوعة.


سورة القصص

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ثمان وثمانون آية

( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ) (5)

استشهد الإمام عليه‌السلام بالآية في هذا الحديث ، قال عليه‌السلام :

« لتعطفنّ الدّنيا علينا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها » ، وتلا الآية.

ويشير الإمام في حديثه إلى حكومة المصلح الأعظم الإمام المهدي عليه‌السلام الذي يقيم اعوجاج الدين ويصلح ما فسد من امور الدنيا.

وفي الدرّ المنثور : أنّ الإمام عليه‌السلام فسّر المستضعفين بيوسف وولده.

( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (77)


أثر عن الإمام عليه‌السلام أنّه فسّر قوله تعالى : ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ) ، « أي لا تنس صحّتك وقوّتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة » (1) .

( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (83)

كان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في أيام خلافته يمشي في الأسواق وهو يرشد الضالّ ، ويعين الضعيف ، ويمرّ بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ، ويقرأ :

( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ) ، ويقول : « نزلت هذه الآية في أهل العدل والمواضع من الصّلاة وأهل القدرة من سائر النّاس » (2) .

( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (88)

قال عليه‌السلام في تفسير هذه الآية : « المراد كلّ شيء هالك إلاّ دينه ؛ لأنّ من المحال أن يهلك منه كلّ شيء ويبقى الوجه ، هو أجلّ وأعظم من ذلك ، وإنّما يهلك ما ليس منه ألا ترى أنّه قال : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ) (3) » (4) .

__________________

(1) الميزان 16 : 85.

(2) الميزان 16 : 85.

(3) الرحمن : 26 و 27.

(4) الميزان 16 : 95.


سورة العنكبوت

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها تسع وستون آية

( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (2)

انبرى رجل إلى الإمام عليه‌السلام ، فقال له : هل سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الفتنة؟

فقال عليه‌السلام : « لمّا أنزل الله سبحانه : ( الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين أظهرنا. فقلت :

يا رسول الله ما هذه الفتنة الّتي أخبرك الله بها؟ فقال : « يا عليّ ، إنّ أمّتي سيفتنون من بعدي » (1) .

( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (5)

قال عليه‌السلام في تفسير هذه الآية : « من كان يؤمن بأنّه مبعوث فإنّ وعد الله لآت من الثّواب والعقاب ، فاللّقاء هاهنا ليس بالرؤية ، واللّقاء هو البعث » (2) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 220.

(2) الميزان 16 : 120.


سورة الرّوم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ستون آية

( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) (39)

قال الإمام عليه‌السلام في بيان هذه الآية :

« فرض الله تعالى الصّلاة تنزيها عن الكبر ، والزّكاة تسبيبا للرزق ، والصّيام ابتلاء لإخلاص الخلق ، وصلة الأرحام منماة للعدد » (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 8 : 479.


سورة لقمان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها أربع وثلاثون آية

( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (34)

إنّ هذه الامور الخمسة : علم الساعة ، ونزول الغيث ، والعلم بما في الأرحام من ذكر أو أنثى ، وجهل الإنسان بما يكسبه في غده ، وخفاء موته عليه كلّ هذه الامور قد خفيت على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كما يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 169.


سورة السّجدة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها ثلاثون آية

( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (18)

نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فقد تشاجر مع الإمام ، وافتخر عليه قائلا : أنا والله أبسط منك لسانا ، وأحدّ منك سنانا ، وأمثل منك جثوا في الكتيبة.

فقال له الإمام :

« اسكت إنّما أنت فاسق » ، فأنزل الله تعالى : ( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (1) .

__________________

(1) تفسير القمّي 2 : 170.


سورة الأحزاب

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها ثلاث وسبعون آية

( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ) ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )

روى بريدة قال : غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكرت عليّا فانتقصته ، فرأيت وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تغيّر ، وقال :

« يا بريدة ، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ».

قلت : بلى يا رسول الله. قال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » (1) .

إن ولاية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على المؤمنين ولاية ذاتية ، وهذه الولاية قد شاركه فيها وصيّه وباب مدينة علمه.

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 182.


( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (33)

نزلت الآية الكريمة ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في حق الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام وزوجته سيّدة نساء العالمين وولديه الإمامين الحسن والحسين عليهم‌السلام ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بعض أجزاء هذه الموسوعة.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً ) (41)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« من ذكر الله في السّرّ فقد ذكر الله كثيرا. إنّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السّرّ ، فقال الله عزّ وجلّ : ( يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) » (2) .

( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (56)

قال الإمام عليه‌السلام :

« صلّوا على محمّد وآل محمّد ، فإنّ الله تعالى يقبل دعاءكم عند ذكر محمّد ، ودعاءكم ( له ) وحفظكم إيّاه إذا قرأتم : ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ ) ، فصلّوا

__________________

(1) النساء : 142.

(2) الميزان 6 : 331.


عليه في الصّلاة كنتم أو في غيرها » (1) .

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (72)

قال الإمام عليه‌السلام في أهمّية الأمانة ، وعظيم شأنها :

« ثمّ أداء الأمانة ، فقد خاب من ليس من أهلها ، إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة ، والأرضين المدحوّة ، والجبال ذات الطّول المنصوبة ، فلا أطول ولا أعرض ، ولا أعلى ولا أعظم منها. ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن ؛ ولكن أشفقن من العقوبة ، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ ، وهو الإنسان ( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) » (2) .

__________________

(1) الخصال 2 : 613.

(2) نهج البلاغة : 318.


سورة سبأ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها أربع وخمسون آية

( وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) (37)

فسّر الإمام عليه‌السلام ( جزاء الضعف ) في الآية بقوله :

« حتّى إذا كان يوم القيامة حسب لهم ، ثمّ أعطاهم بكلّ واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عزّ وجلّ : ( جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ) (1) ، وقال : ( فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) » (2) .

( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ

__________________

(1) النبأ : 36.

(2) أمالي الشيخ الطوسي : 26.


مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (39)

قال الإمام عليه‌السلام :

« سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ لكلّ يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصّدقة ، ثمّ قال : اقرءوا مواضع الخلف فإنّي سمعت الله يقول : ( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) إذا لم تنفقوا كيف يخلف؟ » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 5 : 239.


سورة فاطر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها خمس وأربعون آية

( الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .

تحدّث الإمام عليه‌السلام عن خلق الملائكة بقوله : « وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سماواتك فليس فيهم فترة ، ولا عندهم غفلة ، ولا فيهم معصية ، هم أعلم خلقك بك ، وأخوف خلقك منك ، وأقرب خلقك منك ، وأعملهم بطاعتك ، لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، لم يسكنوا الأصلاب ، ولم تضمّهم الأرحام ، ولم تخلقهم من ماء مهين ، أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سماواتك ، وأكرمتهم بجوارك ، وائتمنتهم على وحيك ، وجنّبتهم الآفات ، ووقيتهم البليّات ، وطهّرتهم من الذّنوب ، ولو لا قوّتك لم يقووا ، ولو لا تثبيتك لم يثبتوا ، ولو لا رحمتك لم يطيعوا ، ولو لا أنت لم يكونوا. أما إنّهم على مكانتهم منك ،


وطاعتهم إيّاك ، ومنزلتهم عندك ، وقلّة غفلتهم عن أمرك ، لو عاينوا ما خفي عنهم منك لاحتقروا أعمالهم ، ولأزروا على أنفسهم ، ولعلموا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك سبحانك خالقا ومعبودا ، ما أحسن بلاءك عند خلقك » (1) .

__________________

(1) الميزان 17 : 8.


سورة يس

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ثلاث وثمانون آية

( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) (12)

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إنّه الإمام الّذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كلّ شيء » (1) .

وقال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « أنا والله الإمام المبين ، أبين الحقّ من الباطل ، ورثته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » (2) .

( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (65)

__________________

(1) الميزان 17 : 70 ، نقلا عن معاني الأخبار.

(2) تفسير القمّي 2 : 212.


وتحدّثت الآية عن أهوال يوم القيامة ، ووصفها الإمام عليه‌السلام بقوله :

« فيختم الله تبارك وتعالى عن أفواههم ، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكلّ معصية كانت منهم ثمّ يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم لم شهدتم علينا » (1) .

( لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ) (70)

قال عليه‌السلام : « المراد بالحيّ هو العاقل » (2) .

( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (82)

قال عليه‌السلام : « لمّا أراد ـ يعني الله تعالى ـ كونه ـ أي كون شيء ـ : « كن فيكون » ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ؛ وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا » (3) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 274.

(2) مجمع البيان 8 : 675.

(3) نهج البلاغة : 274.


سورة الصّافّات

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها مائة واثنتان وثمانون آية

( إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) (6)

قال عليه‌السلام :

« إنّ هذه النّجوم الّتي في السّماء مدائن مثل المدائن الّتي في الأرض » (1) .

( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) (24)

روى أبو سعيد الخدري في تفسير هذه الآية : أنّ العباد يسألون عن ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (2) .

و في الخصال عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال :

« قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع : عن

__________________

(1) تفسير القمي 2 : 218.

(2) مجمع البيان 8 : 689.


عمره فيما أفناه ، وشبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت ».

( وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (99)

عرض الإمام عليه‌السلام إلى تفسير هذه الآية في حديثه التالي :

سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات ، قال عليه‌السلام :

« قد أعلمتك أنّ ربّ شيء من كتاب الله عزّ وجلّ تأويله على غير تنزيله ، ولا يشبه كلام البشر ، وسأنبّئك بطرف منه فتكتفي إن شاء الله. من ذلك قول إبراهيم عليه‌السلام : ( وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ، فذهابه إلى ربّه ، توجّهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله عزّ وجلّ ، ألا ترى أنّ تأويله غير تنزيله؟ » (1) .

( سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) (130)

قال الإمام عليه‌السلام : « ياسين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن آل ياسين » (2) .

__________________

(1) التوحيد : 266.

(2) تفسير القمّي 2 : 226.


سورة ص

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها ثمان وثمانون آية

( وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ) (1 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير ـ قطّنا ـ : « أي نصيبهم من العذاب » (1) .

( فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ) (32)

قال ابن عباس : سألت عليّا عليه‌السلام عن هذه الآية ، فقال :

« ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟ ».

قلت : سمعت كعبا يقول : اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة ، فقال : ردّوها عليّ يعني الأفراس ، وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها ، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنّه ظلم الخيل بقتلها.

__________________

(1) الميزان 17 : 187.


فقال عليّ : « كذب كعب ، لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنّه أراد جهاد العدوّ حتّى توارت الشّمس بالحجاب ، فقال : بأمر الله تعالى للملائكة الموكّلين بالشّمس ردّوها عليّ ، فردّت ، فصلّى العصر في وقتها ، وإنّ أنبياء الله لا يظلمون ، ولا يأمرون بالظّلم لأنّهم مصونون مطهّرون » (1) .

( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (71) و (72)

عرض الإمام عليه‌السلام في بعض خطبه إلى إبليس وتكبّره من السجود لآدم الذي هو سجود لله ، قال عليه‌السلام : الحمد لله الّذي لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله.

و جعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده. ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ، ومحجوبات الغيوب : ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ) اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله. فعدوّ الله إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين ، الّذي وضع أساس العصبيّة ، ونازع الله رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التّعزّز ، وخلع قناع التّذلّل. ألا ترون كيف صغّره الله بتكبّره ، ووضعه بترفّعه ، فجعله في الدّنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا؟! » (2) . (3) .

__________________

(1) مجمع البيان 8 : 741.

(2) ص : 71 ـ 74.

(3) نهج البلاغة : 285 ـ 286.


سورة الزّمر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها خمس وسبعون آية

( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (33)

ورد أنّ الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي صدّق به عليّ عليه‌السلام .

( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (42)

سأل رجل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عمّا اشتبه عليه من الآيات ، قال عليه‌السلام : « وأمّا قوله : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (1) .

و قوله : ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) (2) .

__________________

(1) السجدة : 11.

(2) الزّمر : 42.


وقوله : ( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ) (1) .

و قوله : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) (2) .

و قوله : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) (3) ، فإنّ الله تبارك وتعالى يدبّر الأمر كيف يشاء ، ويوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء.

أمّا ملك الموت فإنّ الله يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه ، ويوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه وليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس لأنّ منهم القويّ والضعيف ، ولأنّ منه ما يطاق حمله ، ومنه ما لا يطاق حمله إلاّ أن يسهّل الله له حمله ، وأعانه عليه من خاصّة أوليائه.

وإنّما يكفيك أن تعلم أنّ الله هو المحيي المميت ، وأنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم » (4) .

( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (53)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ما في القرآن آية أوسع من ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) » (5) .

( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ

__________________

(1) الأنعام : 61.

(2) النحل : 28.

(3) النحل : 32.

(4) الميزان 17 : 276 ، نقلا عن التوحيد.

(5) مجمع البيان 8 : 785.


أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ) (71)

قال عليه‌السلام :

« أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض » ، ووضع إحدى يديه على الاخرى فقال : « هكذا ، وأنّ الله تعالى وضع الجنان على العرض ، ووضع النّيران بعضها فوق بعض ، فأسفلها جهنّم ، وفوقها لظى ، وفوقها الحطمة ، وفوقها سقر ، وفوقها الجحيم ، وفوقها السّعير ، وفوقها الهاوية » (1) .

( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (73)

قال الإمام عليه‌السلام : « إنّ للجنّة ثمانية أبواب ، باب يدخل منه النّبيّون والصّدّيقون ، وباب يدخل منه الشّهداء والصّالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا » (2) .

__________________

(1) مجمع البيان 6 : 118.

(2) الخصال 2 : 408.


سورة غافر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وهي خمس وثمانون آية

( يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) (1 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « يقول الله عزّ وجلّ : ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) ، ثمّ ينطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون : ( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) ، ثمّ يقول الله جلّ جلاله : ( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) (1) .

وتحدّث الإمام عليه‌السلام عن فناء الدنيا ، فقال : « وإنّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه. كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا زمان ، ولا حين ولا مكان. عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السّنون والسّاعات.

فلا شيء إلاّ الله الواحد القهّار الّذي إليه مصير جميع الأمور. بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها » (2) .

__________________

(1) التوحيد ـ الصدوق : 234.

(2) نهج البلاغة : 276.


سورة فصّلت

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها أربع وخمسون آية

( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) (11)

قال عليه‌السلام في خلق السماوات :

« فمن شواهد خلقه خلق السّماوات موطّدات بلا عمد ، قائمات بلا سندة. دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات ولا مبطئات ؛ ولو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة وإذعانهنّ بالطّواعية ، لما جعلهنّ موضعا لعرشه ، ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطّيّب والعمل الصّالح من خلقه » (1) .

( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (22)

__________________

(1) نهج البلاغة : 261.


فسّر الإمام عليه‌السلام في وصيّته لمحمّد بن الحنفية ( الجلود في الآية بالفروج (1) .

( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ) (29)

فسّر الإمام عليه‌السلام ( الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا ) بإبليس وقابيل بن آدم الذي هو أوّل من أبدع المعصية في الأرض (2) .

__________________

(1) الميزان 17 : 386.

(2) مجمع البيان 9 : 16.


سورة الشّورى

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وهي ثلاث وخمسون آية

( ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (23)

قال الإمام عليه‌السلام :

« فينا نزلت آل حم ، وفيها آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن » ، ثمّ تلا : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ، وإلى هذا أشار شاعر العقيدة الكميت بقوله :

وجدنا لكم في آل حم آية

تأوّلها منّا تقيّ ومعرب (1)

( وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 43.


ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (27)

قال الإمام عليه‌السلام نزلت هذه الآية في أصحاب الصفّة ، وذلك أنّهم قالوا : لو أنّ لنا ، فتمنّوا الدنيا (1) أصحاب الصفّة : هم الفقراء الذين كانوا على ضفاف الجامع يتصدّق عليهم المسلمون ، ومن أعلامهم أبو هريرة.

( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (30)

روى الأصبغ بن نباتة ، عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال :

« إنّي أحدّثكم بحديث ينبغي لكلّ مسلم أن يعيه » ، ثمّ أقبل علينا فقال : « ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدّنيا إلاّ كان الله أحلم وأمجد وأجود وأكرم من أن يعود في عقوبته يوم القيامة ».

ثمّ قال : « وقد يبتلي الله عزّ وجلّ المؤمن بالبليّة في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله » ، ثمّ تلا هذه الآية : ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (2) . قال الإمام عليه‌السلام : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : خير آية في كتاب الله هذه الآية. يا عليّ ، ما من خدش عود ، ولا نكبة قدم إلاّ بذنب ، وما عفا الله عنه في الدّنيا فهو أكرم من أن يعود فيه ، وما عاقب عليه في الدّنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده » (3) .

( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 85.

(2) تفسير القمّي 2 : 276.

(3) مجمع البيان 9 : 47.


وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) (49)

قال الإمام عليه‌السلام :

« أتى رجل إلى النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له : يا رسول الله ، إنّ أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرّة لي.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت ومالك من هبة الله لأبيك ، أنت سهم من كنانته : ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) (1) جازت عتاقة أبيك ، يتناول والدك من مالك وبدنك ، وليس لك أن تتناول من ماله ولا من بدنه شيئا إلاّ بإذنه » (2) .

وهذه الرواية تجافي ما ورد « لا عتق إلاّ في ملك » والأب ليس مالكا للمملوك حتى يصح عتقه اللهمّ إلاّ أن يدّعى أنّ هذه الرواية حاكمة على القاعدة.

__________________

(1) الشورى : 49 و 50.

(2) الميزان 18 : 72 ، نقلا عن التهذيب.


سورة الزّخرف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها تسع وثمانون آية

( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) (45)

قال الإمام عليه‌السلام :

وأمّا قوله تعالى : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ) ، فهذا من براهين نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله الّتي آتاه الله إيّاها ، وأوجب الحجّة على سائر خلقه لأنّه لما ختم به الأنبياء ، وجعله الله رسولا إلى جميع الامم وسائر الملل ، خصّه الله بالارتقاء إلى السّماء عند المعراج ، وجمع له يومئذ الأنبياء ، فعلم منهم ما أرسلوا به وحملوه من عزائم الله وآياته وبراهينه » (1) .

( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) (81)

__________________

(1) الاحتجاج : 248 و 249.


اثر عن الإمام عليه‌السلام أنّه فسّر العابدين بالجاحدين (1) ، والمعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل الجاحدين له ، وهذا التأويل خلاف المتبادر من هذه الكلمة ، وهو من التأويل المخالف باطنه لظاهره.

__________________

(1) الميزان 18 : 128.


سورة الدّخان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مكّية ، وآياتها تسع وخمسون آية

( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ) (29)

سئل الإمام عليه‌السلام : هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال :

« إنّه ليس من عبد إلاّ له مصلّى في الأرض ومصعد في السّماء ، وإنّ آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا مصعد في السّماء » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 31.


سورة الجاثية

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وعدد آياتها سبع وثلاثون آية

( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (29)

قال الإمام عليه‌السلام :

« إنّ لله ملائكة ينزلون في كلّ يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم » (1) .

__________________

(1) فتح القدير 5 : 16. تفسير جامع البيان 5 : 204.


سورة الأحقاف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها خمس وثلاثون آية

( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (15)

تزوج رجل من جهينة امرأة فولدت له ولدا لستة أشهر ، فانطلق بها زوجها إلى عثمان بن عفان ، فأمر برجمها ، فبلغ ذلك الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فسارع إلى عثمان فقال له :

« ما صنعت؟ ».

فقال عثمان : ولدت لستة أشهر وهل يكون ذلك؟

فقال له الإمام : « أما سمعت الله يقول : ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) ، وقال :


( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) (1) ، فكم تجده بقي إلاّ ستّة أشهر ».

فقال عثمان : والله ما فطنت لهذا ، عليّ بالمرأة ، فوجدوها قد فرغ من رجمها ، وكانت المرأة قد قالت لأختها : لا تحزني فو الله ما كشف فرجي أحد قطّ غيره ، وشب الغلام ، وكان أشبه الناس بأبيه فاعترف به ، وقد أصيب الزوج بكارثة في بدنه انتقاما منه (2) .

وقد ذكرنا تفصيل هذه القصة في بعض أجزاء هذه الموسوعة ، ومن الجدير بالذكر أنّه وقعت نظير هذه الحادثة في أيام عمر بن الخطّاب فسأل الإمام عن الحكم فأجابه عنها ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

__________________

(1) البقرة : 233.

(2) الميزان 18 : 207.


سورة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنية ، عدد آياتها ثمان وثلاثون آية

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ) (1 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال الإمام عليه‌السلام :

« إنّا كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه ، فإذا خرجنا قالوا ما ذا قال آنفا؟ » (1) .

( وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) (30)

روي عن أبي سعيد الخدري قال : ( لَحْنِ الْقَوْلِ ) في الآية بغض الإمام

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 154.


عليّ بن أبي طالب ، قال : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب.

وروي مثل ذلك عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (1) .

وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود ، قال : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام (2) .

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 160.

(2) الدرّ المنثور 6 : 67.


سورة الفتح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها تسع وعشرون آية

( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (26)

ورد في معنى كلمة التقوى قول الإمام عليه‌السلام :

« لا إله إلاّ الله والله أكبر » (1) .

وعرضت السورة بفصولها إلى قصة صلح الحديبيّة الواقعة في السنة السادسة من الهجرة ، وما وقع حولها من أحداث ، وكان للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام الدور البارز في تلك الأحداث ، وقد عرض المؤرّخون والرواة لذلك والتي كان منها كتابته للعهد الذي اصطلح به مع قريش في ترك الحرب مدّة عشر سنين ، وأن يأمن فيه الناس ، ويكفّ بعضهم عن بعض ، وغير ذلك ممّا حفل به هذا العهد.

__________________

(1) جامع البيان 26 : 135.


سورة الحجرات

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنية ، عدد آياتها ثمان عشرة آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) (12)

دعت الآية الكريمة إلى الترابط الاجتماعي بين المسلمين ، وأن لا يؤخذ بالظنّ المعادي لهم.

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يقلبك منه ، لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا ، وأنت تجد لها في الخير محتملا » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 538.


سورة ق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها خمس وأربعون آية

( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ) (21)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير الآية :

السّائق يسوقها إلى محشرها ؛ والشّاهد يشهد عليها بعملها » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 116.


سورة الذّاريات

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّيّة ، عدد آياتها ستون آية

( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحامِلاتِ وِقْراً ) (1) و (2)

سأل ابن الكوّاء الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن ( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ) .

فقال عليه‌السلام : « الرّيح » ، وعن ( الحاملات ) فقال : « هي السّحاب ».

( فَالْجارِياتِ يُسْراً. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ) (3) و (4)

سئل الإمام عليه‌السلام عن « الجاريات يسرا » فقال : « هي السّفن » ، سئل عن « فالمقسّمات أمرا » فقال : « الملائكة » (1) .

( وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) (7)

سئل الإمام عليه‌السلام عن هذه الآية فقال :

__________________

(1) تفسير القمّي 2 : 327.


  « إنّها الحسن والزّينة » (1) .

( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) (22)

فسّر الإمام عليه‌السلام الرزق الذي في السماء بالمطر (2) . واثر عنه أنّ الرزق ما هو أعمّ من ذلك فقال : « اطلبوا الرّزق فإنّه مضمون لطالبه » (3) .

وكان من وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام عليه‌السلام :

« يا عليّ ، إنّ اليقين أن لا ترضي أحدا على سخط الله ، ولا تحمدنّ أحدا على ما آتاك الله ، ولا تذمنّ أحدا على ما لم يؤتك الله ؛ فإنّ الرّزق لا يجرّه حرص حريص ، ولا يصرفه كره كاره » (4) .

( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ) (54)

روى مجاهد قال : خرج الإمام عليّ عليه‌السلام مغتمّا ، مشتملا في قميصه ، فقال : « لمّا نزلت ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ) لم يبق أحد منّا إلاّ أيقن بالهلكة حين قيل للنّبيّ : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) ، فلمّا نزل : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (5) طابت نفوسنا ، ومعناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإنّ الذّكرى تنفعهم » (6) .

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 230.

(2) الميزان 18 : 415.

(3) إرشاد المفيد : 160.

(4) التوحيد ـ الصدوق : 375.

(5) الذاريات : 55.

(6) مجمع البيان 9 : 243.


سورة الطّور

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها تسع وأربعون آية

( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) (5)

فسّر الإمام عليه‌السلام ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) بالسماء (1) .

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) (21)

قال الإمام عليه‌السلام : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« إنّ المؤمنين وأولادهم في الجنّة » ، ثمّ تلا هذه الآية (2) .

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 247.

(2) المصدر المتقدّم : 251.


سورة القمر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها خمس وخمسون آية

( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) (1)

قال الإمام عليه‌السلام : في تفسير ( انشقّ القمر ) : « انشقّ القمر بمكّة فلقتين ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : اشهدوا » (1) .

لقد انشقّ القمر معجزة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فما آمنت به قريش ، وقالوا : إنّه سحر مستمر ، وقد رأوا من آيات النبوة ما يبهر العقول فما آمنوا بالله طرفة عين.

( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) (49)

المراد من الآية :

إنّ كلّ شيء خلقه الله مصحوب بقدر لا يتعدّاه ولا يتجاوزه ، وضلّت أمّة

__________________

(1) أمالي الشيخ الطوسي : 341.


زعمت أنّه لا قدر لله تعالى.

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في ذمّهم : « لكلّ أمّة مجوس ، ومجوس هذه الامّة الّذين يقولون : لا قدر » (1) .

__________________

(1) ثواب الأعمال : 254.


سورة الرّحمن

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وقيل عليهم‌السلام مدنية ، عدد آياتها ثمان وسبعون آية

( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) (1 عليه‌السلام )

سئل الإمام عليه‌السلام عن تفسير هذه الآية فقال :

« إنّ مشرق الشّمس في الشّتاء على حدة ، ومشرقها في الصّيف على حدة » ، ثمّ قال للسائل : « أما تعرف ذلك من قرب الشّمس وبعدها؟ » (1) .

( يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (29)

قال الإمام عليه‌السلام في خطاب له :

« الحمد لله الّذي لا يموت ، ولا تنقضي عجائبه ؛ لأنّه في كلّ يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن » (2) .

__________________

(1) الميزان 19 : 103.

(2) المصدر المتقدّم : 104.


إحداث بديع لم يكن » (1) .

( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ ) (60)

روى الإمام عليه‌السلام عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسير هذه الآية فقال : « إنّ الله عزّ وجلّ قال : ما جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلاّ الجنّة » (2) .

__________________

(1) الميزان 19 : 104.

(2) التوحيد : 28.


سورة الواقعة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ست وتسعون آية

( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) (10)

قال عليه‌السلام : « السّابقون إلى الصّلاة الخمس » (1) .

وقال عليه‌السلام : « ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) فيّ نزلت » (2) .

وروى ابن عباس قال : سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن قول الله عزّ وجلّ ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) فقال :

« قال لي جبرئيل : ذلك عليّ وشيعته هم السّابقون إلى الجنّة ، المقرّبون من الله بكرامته لهم » (3) .

__________________

(1) مجمع البيان 9 : 329.

(2) مجمع البيان 9 : 329.

(3) الميزان 19 : 118.


سورة الحديد

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها تسع وعشرون آية

( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (3)

الله نور السموات والأرض المبدع والمصور والمحي والمميت ، قال الإمام :

« الحمد لله الأوّل فلا شيء قبله ، والآخر فلا شيء بعده ، والظّاهر فلا شيء فوقه ، والباطن فلا شيء دونه ... » (1) .

وللإمام عليه‌السلام في توحيد الله كوكبة من الخطب عرضت بصورة موضوعية إلى تنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان.

فقد سئل عليه‌السلام : أين كان ربّنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟

فقال عليه‌السلام : « أين ـ التي هي أداة استفهام ـ سؤال عن المكان ، وكان الله ولا مكان ».

__________________

(1) نهج البلاغة : 140.


( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) (23)

دعت الآية الكريمة إلى عدم الاحتفال بالدنيا والزهد فيها.

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن : قال الله تعالى : ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) . ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزّهد بطرفيه » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 553.


سورة المجادلة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، وهي اثنتان وعشرون آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (12)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : « إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، آية النّجوي : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ) ، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلّما ناجيت النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قدّمت بين يدي نجواي درهما ، ثمّ نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت : ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) (1) » (2) .

__________________

(1) المجادلة : 13.

(2) الدرّ المنثور 6 : 185.


سورة الحشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، وهي أربع وعشرون آية

( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) ( عليه‌السلام )

عرضت الآية الكريمة إلى بيان مصرف الفيء المذكور في الآية إلى ما يختص بالله تعالى ، وهو ان ينفق في سبيل الله ، حسب ما يراه الرّسول ، ومنه ما يأخذه الرّسول لنفسه ، ومنه ما يؤخذ لذوي القربى واليتامى والمساكين ، وهم من السادة زادهم الله شرفا ، وقد روي ذلك عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقال جمع من الفقهاء انّها عامة للسادة وغيرهم (1) .

__________________

(1) الميزان 19 : 209.


سورة الممتحنة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مدنية ، عدد آياتها ثلاث عشرة آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) (1)

نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة ، وكان قد أسلم وهاجر إلى المدينة ، ولمّا أراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفتح مكّة ، ويحرّرها من الأوثان ، زحف بجيشه إليها ، وقد أحاط أمره بالكتمان حتى لا تستعد قريش إلى حربه فيسفك الدم في ربوعها ، وتهدر كرامتها ، وكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بزحف الجيش الإسلامي لاحتلالهم وقد أعطى الكتاب إلى امرأة فوضعته في قرونها ، وأخفته فهبط جبرئيل على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبره بالأمر ، فبعث في طلبها الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام والزبير بن العوّام ، فلحقا بها ، وسألاها عن الكتاب فأنكرت ذلك ، وقالت : ما معي شيء ، فقال لها الإمام


أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« والله ما كذبنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا كذّب رسول الله على جبرئيل ، ولا كذّب جبرئيل على الله جلّ ثناؤه ، والله لتظهرنّ الكتاب أو لأوردنّ رأسك إلى رسول الله ».

فقالت : تنحّيا عني ، ثمّ أخرجت الكتاب ، فأخذه الإمام وجاء به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودعا رسول الله بحاطب فأنبه ، وأعتذر حاطب إليه (1) .

ونزلت هذه الآية ، وكانت هذه العملية على يد الإمام.

__________________

(1) تفسير القمّي 2 : 361.


سورة الصّف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها أربع عشرة آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ) (14)

دعت الآية الكريمة المؤمنين إلى نصرة الله وذلك بنصر رسوله العظيم ، وأن يكونوا كالحواريّين في استجابتهم إلى نصرة السيّد المسيح.

قال الإمام عليه‌السلام في حديث له :

« ولم يخل ـ أي الله ـ أرضه من عالم بما تحتاج إليه الخليقة ومتعلّم على سبيل نجاة اولئك هم الأقلّون عددا.

و قد بيّن الله ذلك من امم الأنبياء ، وجعلهم مثلا لمن تأخّر مثل قوله في حوارييّ عيسى : حيث قال لسائر بني إسرائيل : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ


كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) (1) يعني مسلّمون لأهل الفضل فضلهم ، ولا يستكبرون عن أمر ربّهم ، فما أجابه منهم إلاّ الحواريّون » (2) .

__________________

(1) آل عمران : 52.

(2) الميزان 19 : 261.


سورة التّغابن

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، عدد آياتها ثماني عشرة آية

( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« والله ما عمل بها ـ أي بهذه الآية ـ غير أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، نحن ذكرنا الله فلا ننساه ، ونحن شكرناه فلن نكفره ، ونحن أطعناه فلم نعصه » (1) .

__________________

(1) تفسير البرهان 28 : 343.


سورة التّحريم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنية ، وهي اثنتا عشرة آية

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) (6)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير هذه الآية الكريمة :

« أي علّموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدّبوهم » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 8 : 210. فتح القدير 5 : 254.


سورة الملك

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها ثلاثون آية

( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (22)

ورد في بعض التفاسير أنّ الآية وردت في من حاد عن ولاية الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ومن اتّبعه ، وسار على منهاجه (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 361.


سورة القلم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها اثنتان وخمسون آية

( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) (1)

روى الأصبغ بن نباتة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في تفسير هذه الآية قال عليه‌السلام :

« القلم قلم من نور ، وكتاب من نور ، في لوح محفوظ ، يشهده المقرّبون » (1) .

وفي المجمع بإسناده عن الحاكم ، بإسناده عن الضّحاك ، قال :

لمّا رأت قريش تقديم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّا وإعظامه له ، نالوا من عليّ ، وقالوا : قد افتتن به محمّد ، فانزل الله تعالى : ( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) ، قسم أقسم الله به ( ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) إلى قوله : ( بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) وهم النفر الذين قالوا : ما قالوا : ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ، يعني علي بن أبي طالب.

__________________

(1) الميزان 20 : 36.


سورة الحاقّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها اثنتان وخمسون آية

( لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (12)

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« إنّ الله أمرني أن أدنيك ولا اقصيك ، وأن اعلّمك ، وأن تعي ، وحقّ لك أن تعي » ، فنزلت هذه الآية ( وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) (1) .

( لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ) (37)

روى صعصعة بن صوحان قال : جاء اعرابي إلى الإمام عليّ بن أبي طالب ، فقال : كيف هذا الحرف لا يأكله إلاّ الخاطون؟ كلّ والله يخطأ.

__________________

(1) الدرّ المنثور 8 : 261.


فتبسّم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقال : « يا أعرابيّ ( لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ) ».

قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين ، ما كان الله ليسلم عبده ، ثمّ أوعز الإمام إلى أبي الأسود بصناعة النحو (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 263.


سورة المعارج

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها أربع وأربعون آية

( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ. لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ) (1) و (2)

لمّا نصّب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام خليفة ، وأقامه مرجعا عامّا للامّة بعده ، وفد على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله النّعمان بن الحارث الفهري ، فقال له : أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله ، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ، ثمّ لم ترض حتّى نصّبت هذا الغلام ـ يعني عليّا ـ وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهذا شيء منك أو من عند الله؟

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّ هذا من عند الله » ، فولّى النّعمان وهو يقول : اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله ، وأنزل الله تعالى : ( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 11.


( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ) (40)

قال عليه‌السلام في تفسير هذه الآية :

« لها ـ أي للشمس ـ ثلاثمائة وستون مشرقا ، وثلاثمائة وستّون مغربا ، فيومها الّذي تشرق فيه لا تعود فيه إلاّ من قابل » (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 24.


سورة نوح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ثمان وعشرون آية

( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) (10)

أثر عن الإمام عليه‌السلام أنّه قال :

« كثرة الاستغفار تجلب الرّزق » (1) .

ويدعم ذلك ما جاء عقيب هذه الآية : ( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ) .

و قال عليه‌السلام في بعض خطبه : « وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرّزق ورحمة الخلق ، فقال سبحانه : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ) ، فرحم الله امرأ استقبل توبته ، واستقال خطيئته » (2) .

__________________

(1) الخصال 2 : 615.

(2) نهج البلاغة : 199.


سورة الجنّ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها ثمان وعشرون آية

( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ) (1)

قال الإمام عليه‌السلام في حديث له :

« أقبل الجنّ والنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ببطن النّخل ، فاعتذروا له بأنّهم ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا ، وقد أقبل إليه منهم سبعون ألفا ، فبايعوه على الصّوم والصّلاة والزّكاة والحجّ والجهاد » (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 47.


سورة المزّمّل

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها عشرون آية

( أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) (4)

قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن قول الله : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) قال : « بيّنه تبيينا ، ولا تنثره نثر الدّقل ، ولا تهذه هذّ الشّعر ، قفوا عند عجائبه ، وحرّكوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السّورة » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 277.


سورة المدّثّر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية عدد آياتها ست وخمسون آية

( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) (4)

قال الإمام عليه‌السلام : « إنّ تشمير الثّياب طهور لها » ، وتلا الآية.


سورة القيامة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها أربعون آية

( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ) (22)

قال الإمام عليه‌السلام في تفسير الآية : « وجوه مشرقة ـ في يوم القيامة ـ تنتظر ثواب ربّها » (1) .

سورة الإنسان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مدنيّة ، وعدد آياتها إحدى وثلاثون آية

ذكرنا سبب نزول السورة عند عرض الآيات النازلة في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام ( الجزء الأوّل من هذه الموسوعة ) ، فلا نعيد ذلك.

__________________

(1) مجمع البيان 10 : 602.


سورة المرسلات

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، عدد آياتها خمسون آية

( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً. أَحْياءً وَأَمْواتاً ) (25) و (2 صلى‌الله‌عليه‌وآله )

نظر الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في رجوعه من صفّين إلى المقابر فقال :

« هذه كفات الأموات ـ أي مساكنهم » ، ثمّ نظر إلى بيوت الكوفة فقال : « هذه كفات الأحياء » ثم تلا الآية (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 157 ، نقلا عن أصول الكافي.


سورة النّبإ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة المباركة مكّية ، وهي أربعون آية

( عَمَّ يَتَساءَلُونَ. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) (1) و (2)

في بعض الأخبار أنّ النبأ العظيم هو إمام المتّقين ورائد العدالة الاجتماعية في الإسلام الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 163.


سورة النّازعات

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها ست وأربعون آية

( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) (5)

سأل ابن الكوّاء الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) فقال :

« هي الملائكة يدبّرون ذكر الرّحمن وأمره » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 311.


سورة عبس

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية وهي اثنتان وأربعون آية

( قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ) (17)

فسّر الإمام عليه‌السلام القتل باللّعن (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 211.


سورة التّكوير

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها تسع وعشرون آية

( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ) (15)

قال عليه‌السلام في تفسير الآية : « الخنّس هي الكواكب تكنس باللّيل ـ أي ترى ـ وتخنس بالنّهار فلا ترى » (1) .

( وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ) (17)

قال الإمام عليه‌السلام :

« اللّيل إذا عسعس أي أدبر بظلامه » (2) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 320. تفسير الفخر الرازي 12 : 48.

(2) مجمع البيان 10 : 677.


سورة المطفّفين

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وعدد آياتها ست وثلاثون آية

( وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ) (30)

نزلت هذه الآية في الإمام أمير المؤمنين 7 ، فقد كان في جماعة من المسلمين جاءوا إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم ، فقالوا : رأينا اليوم الأصلع ـ يعني عليّا ـ فضحكنا منه ، فنزلت الآية على النبيّ 6 قبل أن يصل إليه الإمام وجماعته (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 240.


سورة الانشقاق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

السورة مكّية ، عدد آياتها خمس وعشرون آية

( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) (1)

قال عليه‌السلام في تفسيرها : « تنشقّ السّماء من المجرّة » (1) .

( وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ. فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ) (9) إلى (11)

تحدّث الإمام 7 عن أهل النعيم في دار الآخرة وأهل الشقاء ، قال : « والنّاس يومئذ على صفات ومنازل ، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا ، وينقلب إلى أهله مسرورا ، ومنهم الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب ؛ لأنّهم لم يلبسوا من أمر الدّنيا بشيء ، وإنّما الحساب هناك على من يلبس بها هاهنا ، ومنهم من يحاسب على النّقير والقطمير ، ويصير إلى عذاب السّعير » (2) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 329.

(2) الميزان 20 : 247.


سورة البروج

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها اثنتان وعشرون آية

( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (2) و (3)

قال عليه‌السلام :

« اليوم الموعود يوم القيامة ، والشّاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم النّحر » (1) .

( قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ) (4)

روى الإمام عليه‌السلام قصة أصحاب الأخدود قال :

« إنّ الله بعث رجلا حبشيا نبيّا ، فكذّبه قومه ، فقاتلهم فقتلوا أصحابه ، فأسروه مع أصحابه ، ثمّ بنوا له حثيرا وملأوه نارا ، وقالوا : من كان على ديننا

__________________

(1) الميزان 20 : 255.


وأمرنا فليعتزل ، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النّار ، فجعل أصحابه يتهافتون في النّار.

فجاءت امرأة معها صبيّ عمره شهر فأرادت أن تهجم فرقّت له.

فقال لها : لا تهابي وارميني ونفسك في النّار فإنّ هذا في ذات الله قليل ، فرمت بنفسها ، وابنها ممّن تكلّم في المهد » (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 10 : 314.


سورة الطّارق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها سبع عشرة آية

( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ) (13) و (14)

الآية الكريمة عرضت إلى القرآن الكريم أنّه الفاصل بين الحقّ والباطل ، وليس فيه الهزل ، وإنّما هو جدّ ، و قد روى الحارث الأعور قال : دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث ، فأتيت عليّا فأخبرته ، فأنكر ذلك ، وقال : « أوقد فعلوها؟ » ، ثمّ قال : « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّها ستكون فتنة ، قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ، قال : كتاب الله فيه نبأ من قبلكم ، وخبر من بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ما تركه من جبّار إلاّ قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذّكر الحكيم ، وهو الصّراط المستقيم. هو الّذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا تلتبس منه الألسن ، ولا يخلق من الرّدّ ، ولا تنقضي عجائبه » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 337.


سورة الغاشية

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية آياتها ست وعشرون آية

( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ) (26 )

سئل الإمام عليه‌السلام : كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم؟

قال : « كما يرزقهم على كثرتهم ».

قيل : كيف يحاسبهم ولا يرونه؟

قال : « كما يرزقهم ولا يرونه » (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 277 ، نقلا عن نهج البلاغة.


سورة الفجر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكيّة ، عدد آياتها ثلاثون آية

( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) (14)

روي عن الإمام عليه‌السلام أنّه قال في بيان هذه الآية :

« إنّ ربّك قادر أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم » (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 10 : 739.


سورة البلد

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، عدد آياتها عشرون آية

( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) (10)

قيل للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّ اناسا يقولون في قوله تعالى : ( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) إنّهما الثديان.

فقال : « لا ، هما الخير والشّر » (1) .

__________________

(1) مجمع البيان 10 : 748.


سورة الشّمس

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية عدد آياتها خمس عشرة آية

( فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ) (14)

أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له :

« أتدري من أشقى الأوّلين؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال : عاقر الناقة. قال : أتدري من أشقى الآخرين؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال : قاتلك » (1) .

__________________

(1) تفسير القرطبي 20 : 78.


سورة الضّحى

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وقيل إنّها مدنية ، عدد آياتها إحدى عشرة آية

( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) (5)

قال الإمام عليه‌السلام :

« إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أشفع لامّتي حتّى يناديني ربّي أرضيت يا محمّد ، فأقول : نعم يا ربّ رضيت » (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 312.


سورة العلق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وهي تسع عشرة آية

( كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (19)

عن الإمام عليه‌السلام قال :

« عزائم السّجود أربع : الم ، و: حم تنزيل من الرحمن الرحيم ، و: النجم ، و: اقرأ باسم ربّك » (1) .

__________________

(1) تفسير القرطبي 20 : 117.


سورة البيّنة

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مدنية أو مكّية ، عدد آياتها ثمان آيات

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ( عليه‌السلام )

روى جابر بن عبد الله ، قال : كنّا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأقبل عليّ فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : « والّذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » ، ونزلت الآية :

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، فكان أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البرية (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 379.


سورة التّكاثر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وهي ثمان آيات

( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (3) و (4)

عن الإمام عليه‌السلام قال : « نزلت ألهاكم التّكاثر في عذاب القبر » (1) .

وورد عن الإمام عليه‌السلام قوله :

« وجهه الأوّل هو في عذاب القبر ، والثّاني العذاب في النّشور » (2) .

__________________

(1) جامع البيان 30 : 363.

(2) تفسير روح المعاني 3 : 215.


سورة الماعون

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مدنية أو مكّية ، آياتها سبع آيات

( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) (5)

قال الإمام عليه‌السلام :

« ليس عمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من الصّلاة ، فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من امور الدّنيا ، فإنّ الله عزّ وجلّ ذمّ أقواما ، فقال :

( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ) ، يعني أنّهم غافلون استهانوا بأوقاتها » (1) .

( وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ) (7)

قال عليه‌السلام : « الماعون الزّكاة المفروضة ، يمنعونها ».

__________________

(1) الخصال 2 : 621.


وقال عليه‌السلام : « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

المسلم أخو المسلم ، إذا لقيه حيّاه بالسّلام ويردّ عليه ما هو خير منه ، لا يمنع الماعون.

قلت : يا رسول الله ، ما الماعون؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك » (1) .

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 400.


سورة الكوثر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وهي ثلاث آيات

( إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (1) و (2)

قال الإمام عليه‌السلام :

« لمّا نزلت هذه السّورة على النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لجبرئيل :

ما هذه النّحيرة الّتي أمرني ربّي عزّ وجلّ بها؟

قال : ليست بنحيرة ولكنّه يأمرك إذا تحرمت للصّلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت ، وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الرّكوع ؛ فإنّه من صلاتنا وصلاة الملائكة الّذين في السّماوات السّبع ، وإنّ لكلّ شيء زينة وزينة الصّلاة رفع الأيدي عند كلّ تكبيرة » (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 371.


سورة الإخلاص

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مدنية أو مكّية ، وعدد آياتها أربع آيات

( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (3) و (4)

قال عليه‌السلام في خطبة له :

« ( لَمْ يَلِدْ ) فيكون موروثا هالكا. ( وَلَمْ يُولَدْ ) فيكون في العزّ مشاركا » ، وقال في تفسير الأحد ، أي لا بتأويل عدد (1) .

__________________

(1) الميزان 20 : 390 ـ 391.


سورة الفلق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه السورة مكّية ، وهي خمس آيات

كان سبب نزول هذه الآية أنّ يهوديا سحر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فاشتكى ، فهبط عليه جبرئيل فنزل عليه بالمعوذتين ، وقال له : « إنّ يهوديا سحرك والسحر في بئر فلان » ، فأرسل النبي عليّا فجاء به وأمره أن يحلّ العقد ، ويقرأ آية ، وحلّ الإمام العقد فقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كأنّما نشط من عقال (1) .

وبهذا ينتهي بنا المطاف عن تفسير الإمام عليه‌السلام لبعض آيات الكتاب العزيز.

__________________

(1) الدرّ المنثور 6 : 417.


المحتويات

تقديم 5

انحناء وتقديس 11

امام القرآن الكريم 11

وصف القرآن : 13

القرآن نور : 13

القرآن ناطق : 15

القرآن يتحدّث عن أنباء الماضي والمستقبل : 15

القرآن حبل الله : 15

القرآن ناصح : 16

القرآن هدى ونور : 17

الحثّ على تعلّم القرآن : 17

حفظ القرآن : 18

دعاؤه عند ختم القرآن : 19

القرآن ربيع القلوب : 19

من تفسير الإمام للقرآن الكريم 21

سورة الفاتحة 25

البسملة جزء من السورة : 25

بنود البسملة : 26

أهمّية السورة : 26

مكان نزولها : 28

أسماؤها : 28

الفاتحة : 28

السبع المثاني : 28


معنى الحمد : 28

سورة البقرة 32

سورة المائدة 61

سورة الأنعام 78

سورة الأعراف 79

سورة الأنفال 90

سورة التّوبة 92

سورة يونس 98

سورة هود 100

سورة يوسف 106

سورة الرّعد 108

سورة إبراهيم 112

سورة الحجر 115

سورة النّحل 118

سورة الإسراء 121

سورة الكهف 122

سورة مريم 124

سورة طه 127

سورة الأنبياء 130

سورة الحجّ 133

سورة المؤمنون 135

سورة النّور 137

سورة الفرقان 141

سورة الشّعراء 143

سورة القصص 144


سورة العنكبوت 146

سورة الرّوم 147

سورة لقمان 148

سورة السّجدة 149

سورة الأحزاب 150

سورة سبأ 153

سورة فاطر 155

سورة يس 157

سورة الصّافّات 159

سورة ص 161

سورة الزّمر 163

سورة غافر 166

سورة فصّلت 167

سورة الشّورى 169

سورة الزّخرف 172

سورة الدّخان 174

سورة الجاثية 175

سورة الأحقاف 176

سورة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله 178

سورة الفتح 180

سورة ق 182

سورة الذّاريات 183

سورة الطّور 185

سورة القمر 186


سورة الرّحمن 188

سورة الواقعة 190

سورة الحديد 191

سورة المجادلة 193

سورة الحشر 194

سورة الممتحنة 195

سورة الصّف 197

سورة التّغابن 199

سورة التّحريم 200

سورة الملك 201

سورة القلم 202

سورة الحاقّة 203

سورة المعارج 205

سورة نوح 207

سورة الجنّ 208

سورة المزّمّل 209

سورة المدّثّر 210

سورة القيامة 211

سورة الإنسان 211

سورة المرسلات 212

سورة النّبإ 213

سورة النّازعات 214

سورة عبس 215

سورة التّكوير 216


سورة المطفّفين 217

سورة الانشقاق 218

سورة البروج 219

سورة الطّارق 221

سورة الغاشية 222

سورة الفجر 223

سورة البلد 224

سورة الشّمس 225

سورة الضّحى 226

سورة العلق 227

سورة البيّنة 228

سورة التّكاثر 229

سورة الماعون 230


سورة الكوثر 232

سورة الإخلاص 233

سورة الفلق 234


موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجزء ٣

موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

مؤلف: باقر شريف القرشي
المحقق: باقر شريف القرشي
الناشر: مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-94388-6-3
الصفحات: 240