موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجزء 6
مؤلف: باقر شريف القرشيأمير المؤمنين عليه السلام
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) البقرة : 180
( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لقمان :13
( لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) آل عمران : 164
تقديم
1
عنى الإسلام فيما قنّنه من أرصدة تربوية بتهذيب الإنسان في سلوكه وسائر صفاته وغرائزه النفسية ؛ ليكون مواطنا صالحا ينشد العدل ويقيم الحقّ ويسعى للاصلاح الشامل لنفسه وامّته ووطنه.
إنّ نظرة الإسلام للإنسان كانت شمولية وقائمة على الاستيعاب الكامل لشؤونه النفسية ومكوّناته الذاتية ، فعالجها بصورة موضوعية ودقيقة ، فوضع لها المناهج الكاملة التي تحسم عنه جميع ألوان الانحراف والسلوك في المنعطفات التي تهوي به إلى مستوى سحيق ما له من قرار.
2
وتمتدّ مناهج التربية الإسلامية الخلاّقة إلى أعماق النفس ودخائل الذات فتطهّرها من الأنانية والكبرياء والدجل والنفاق وغيرها من الصفات الآثمة ، كما تعقد الصلة الوثيقة بينها وبين الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، فتسمو بها إلى عالم النور ونكران
الذات ، ويتميّز الإنسان بذلك على سائر الكائنات الحيّة ويكون خليفة الله تعالى في أرضه.
3
من المؤكّد أنّ التربية الدينية الواعية القائمة على الاسس السليمة إذا سادت في الأرض وعمّت الامم والشعوب فستنعدم عن الكون جميع أفانين الظلم والجور وتسود العدالة الاجتماعية بجميع صورها ومناهجها وتتوفّر لابن آدم المجهود المكدود جميع الحقوق التي أعلنتها وأقرّتها هيئة الامم المتّحدة وغيرها من المحافل الدولية ، كحقّه في الحياة وحقّه في الحرية والعمل والمساواة وغيرها من البنود في حقوق الإنسان.
4
أمّا الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام فهو الدماغ المفكّر في الإنسانية وعملاقها العظيم الذي أحاط بدقائق الحياة وألمّ بطباع سائر الناس في جميع مراحل تكوينهم ، فوقف على ميولهم واتّجاهاتهم حتى صار كأحدهم ، وقد حكى ذلك بقوله :
« إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ؛ حتّى عدت كأحدهم ؛ بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ».
وقد وضع الإمام عليّ عليهالسلام البرامج التربوية على وفق إحاطته الكاملة بما يسعدون وينعمون به.
5
وتتميّز المناهج التربوية التي وضع برامجها الإمام الملهم العظيم في وصاياه الخالدة لأبنائه وأعلام أصحابه بأنّها لم تستهدف ـ فقط ـ قضايا النفس وصفاتها وتجريدها من النزعات الشريرة وإقامتها على اسس سليمة من الوعي والإدراك الكامل الذي يحجبها من الالتواء في سلوكها والانحراف في مسيرتها ، وإنّما كانت شاملة لجميع مناحي حياة الإنسان والتي منها سلوكه مع أخيه الإنسان ، وأن تكون الروابط بينهما وثيقة للغاية ، فيحبّ له كما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، ومن المؤكّد أنّه إذا تحقّقت هذه الظاهرة على مسرح الحياة فإنّه يتكوّن منها المجتمع السليم الذي يريده الله تعالى ، وسعى النبيّ العظيم صلىاللهعليهوآله لإقامته وتكوينه لتكون امّته رائدة الشعوب نحو الحياة الفضلى التي يجد فيها الإنسان جميع ما يصبو إليه من العزّة والكرامة والأمن والرخاء والسلامة من الفقر والجهل وغيرها من صور التخلّف والانحطاط.
ولم يقتصر عطاء الإمام عليهالسلام الفكري على قضايا التربية وإنّما كان شاملا لجميع قضايا الكون والحياة ، فقد كانت له آراؤه الخالدة والتي هي من مناجم الأدب العربي ومن ذخائر الفكر الإسلامي ، وقد حفلت بها ـ باعتزاز ـ موسوعات التاريخ ومصادر الأدب العربي ، ونحن نقدّم إلى القرّاء نماذج منها في إطار هذا الكتاب مع التعليق والشرح الموجز لها. وبهذا نطوي الحديث عن هذا التقديم.
والله وليّ التوفيق
النّجف الأشرف باقر شريف القرشي 15 / شهر رمضان المبارك / 1419 هـ |
وصاياه الخالدة
أمّا وصايا الإمام عليهالسلام لأبنائه وبعض أعلام أصحابه فإنّها من اصول التربية الإسلامية الرائدة التي وضعت الاسس الرفيعة لسموّ النفس وتهذيبها وكمالها وصرفها عن مآثم هذه الحياة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق.
إنّ وصايا الإمام عليهالسلام دنيا من الفضائل والكمال والآداب ، ومن حقّها أن تكون منهجا للتربية العامّة في الجامعات والمعاهد في البلاد الإسلامية ليغذّى بها النشء الذي يجهل كلّ شيء عن مقومات التربية الإسلامية ، وما تنشده من القيم والمبادئ التي تصنع الحضارة الإنسانية بأروع صورها وأبدع معانيها ، وهي من أهمّ ما عنى بها الإمام عليهالسلام فيما قنّنه في ميادين الإصلاح الاجتماعي من الاسس التربوية القائمة على كلّ ما يصلح الإنسان ، ويهديه للتي هي أقوم ونعرض لبعض وصايا هذا الإمام الملهم العظيم ، وفيما أحسب أنّ أهمّ وصاياه هي الوصية التالية :
للإمام الحسن عليهالسلام
هذه الوصية الذهبية الخالدة قد أتحف بها الإمام عليهالسلام ولده الزكي الإمام الحسن عليهالسلام سبط رسول الله صلىاللهعليهوآله وريحانته ، وهي تحمل أشعة من نور النبوّة والإمامة ترشد الضالّ ، وتهدي الحائر ، وتضيء العقول ، وتهذّب النفوس ، ونظرا لأهمّيتها البالغة فقد ترجمت إلى غير واحدة من اللغات ، وشرحت بعدّة شروح كان منها :
1 ـ منثور الأدب الإلهي ، وهو لمحمّد صالح بن محمّد الروغني القزويني ، وهو أحد شرّاح نهج البلاغة.
2 ـ الأخلاق المرضية في شرح الوصية.
3 ـ هداية الامم (1) .
4 ـ نظمها بالفارسية السيد حسن بن ابراهيم القزويني ، وهو من مشايخ السيّد بحر العلوم ، وقد طبعت في استانبول.
5 ـ الاسس التربوية في شرح الوصية للعلاّمة الخطيب السيّد حسن القبانجي (2) .
ونعرض ـ فيما يلي ـ النصّ الكامل لهذه الوصية التي كتبها الإمام بـ « حاضرين » التي هي بلدة في نواحي صفّين ، وذلك في حال انصرافه منها ، قال عليهالسلام :
« من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان (3) ، المدبر العمر ، المستسلم للدّهر ، الذّام للدّنيا ، السّاكن مساكن الموتى ، والظّاعن عنها غدا ؛ إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك (4) ، السّالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، ورمية المصائب ، وعبد الدّنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، وصريع الشّهوات ، وخليفة الأموات.
أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّي ، وجموح (5) الدّهر
__________________
(1) الذريعة 13 : 225.
(2) مصادر نهج البلاغة وأسانيده ـ قسم الرسائل والعهود : 144 ـ 145.
(3) أي المعترف بشدائده.
(4) أي يؤمّل البقاء والخلود في الدنيا ، وهذا لا يدركه أحد.
(5) الجموح : الاستعصاء.
عليّ ، وإقبال الآخرة إليّ ، ما يزعني عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنّي حيث تفرّد بي دون هموم النّاس همّ نفسي ، فصدفني رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرّح لي محض أمري ، فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب. ووجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك كتابي مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت ...
حكى هذا المقطع من كلام الإمام عليهالسلام الامور التالية :
أوّلا : عرض الإمام عليهالسلام إلى فنائه ، وإدبار عمره ؛ لأنّه في سنّ الشيخوخة ، ولا بدّ من مغادرته لدار الفناء إلى دار الخلود والبقاء.
ثانيا : أنّه حكى رغبات المولود في الدنيا ، وما يواجهه من الخطوب ، والتي منها :
1 ـ أنّه مستهدف للمصائب والمحن والخطوب.
2 ـ أنّه عبد الدنيا ، وتاجر الغرور.
3 ـ أنّه أسير الموت لا يدري متى سيرحل عن هذه الدنيا.
4 ـ أنّ الإنسان في هذه الحياة تحالفه الهموم والأحزان.
5 ـ أنّه خليفة الأموات ، فقد خلف من كان قبله ولا بدّ أن يخلفه من يأتي بعده.
ثالثا : أنّ الإمام عليهالسلام قد أيقن بإدبار الدنيا عنه ، وإقبال الآخرة عليه ، الأمر الذي صرفه عن كلّ شيء من امور الدنيا ، وجعله يتصرّف في جميع اموره بجدّ لا لعب فيه.
رابعا : أعرب الإمام عن مدى حبّه وودّه لولده الإمام الحسن عليهالسلام ، فإنّه بعضه ، بل كلّه ، فهو بمنزلة نفسه ، فاهتمّ بأمره كما اهتمّ باموره ، فلذا وجّه إليه النصائح التالية :
قال الإمام عليهالسلام :
فإنّي أوصيك بتقوى الله ـ أي بنيّ ـ ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله. وأيّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به! ...
حكت هذه الكلمات الذهبية ما يقرّب الإنسان إلى الله تعالى زلفى ، ومن أوثقها تقوى الله تعالى ولزوم أمره ، وعمارة القلب بذكره ، والاعتصام بحبله ، فإنّها من موجبات القرب إلى الله تعالى ، والفوز برضاه.
ويستمر الإمام المربّي العظيم في وصيّته لولده الإمام الحسن عليهالسلام ، قال عليهالسلام :
أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزّهادة ، وقوّه باليقين ، ونوّره بالحكمة ، وذلّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدّهر وفحش تقلّب اللّيالي والأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا ، وأين حلّوا ونزلوا! فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم. فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ؛ ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلّف.
وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال.
وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في الله حقّ جهاده ، ولا تأخذك في الله لومة لائم.
وخض الغمرات للحقّ حيث كان ، وتفقّه في الدّين ، وعوّد نفسك التّصبّر على المكروه ، ونعم الخلق التّصبّر في الحقّ! وألجئ نفسك في الأمور كلّها إلى إلهك ، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز.
وأخلص في المسألة لربّك ، فإنّ بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة ، وتفهّم وصيّتي ، ولا تذهبنّ عنك صفحا ، فإنّ خير القول ما نفع. واعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلّمه ...
وحوى هذا المقطع امورا بالغة الأهمّية في تربية النفس وغيرها من وسائل الاصلاح وهي :
أوّلا ـ وسائل إصلاح النفس :
وأدلى الإمام عليهالسلام بالوسائل التي يسيطر بها الإنسان على نفسه ، ويكبح جماحها ، وهي :
1 ـ الموعظة : لا شكّ أنّ المواعظ توجب صفاء النفس ، وهي من أهمّ الأدوية لعلاجها.
2 ـ الزهد : إنّ الزهد في رغائب الحياة والإعراض عن ملاذّها وشهواتها يطهّر النفس من مآثم هذه الحياة.
3 ـ الحكمة : لا شبهة أنّ الحكمة والتبصّر بها تنوّر العقول وتصفّي النفوس.
4 ـ ذكر الموت : أمّا ذكر الموت فإنّه يذلّل النفس ، ويصدّها عن اقتراف المحارم والآثام ، ويهديها إلى الصراط المستقيم.
5 ـ التبصّر في فجائع الدنيا : إنّ النظر والتبصّر في فجائع الدنيا وخطوبها وآلامها من أهمّ وسائل التربية الروحية التي تدعو إلى تهذيب النفس.
6 ـ أخبار الماضين : دعا الإمام إلى النظر في تاريخ الامم الماضية وغيرها ، فإنّ الإنسان يجدهم قد انتقلوا عن هذه الدنيا ، وحلّوا ديار الغربة ، وأنّ كلّ إنسان على هذا الكوكب لا بدّ أن يلاقي نفس هذا المصير هذه بعض الوسائل التي تسمو بالنفس قد ذكرها الإمام العظيم عليهالسلام .
ثانيا ـ فضائل وآداب :
وحوى هذا المقطع اصول الفضائل والآداب التي يسمو بها الإنسان ، والتي منها :
1 ـ الاجتناب عن القول فيما لا يعرفه الإنسان ، فإنّ الخوض فيه منقصة وجهل ؛ لأنّه قد يجيب بما خالف الواقع.
2 ـ عدم التسرّع في الخطاب الذي لا يكلّف فيه ، فإنّ التسرّع في ذلك من ألوان الفضول.
3 ـ ترك السلوك في طريق يخاف ضلالته ؛ لأنّه قد يقع في الضلالة التي تجرّ إلى الندم.
4 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّ فيهما صلاح المجتمع.
5 ـ الجهاد في سبيل الله.
6 ـ خوض الغمرات والمصاعب لإحقاق الحقّ التفقّه في الدين ، ومعرفة أحكام الله تعالى.
7 ـ الصبر على المكروه.
8 ـ الالتجاء إلى الله تعالى في جميع الامور والأحوال ، فإنّ بيده العطاء والحرمان.
9 ـ الاستخارة وهي إحالة الرأي في جميع الامور إلى الله تعالى ليكون الإنسان على بصيرة من أمره ويستمرّ الإمام الحكيم في وصيّته قائلا :
أي بنيّ! إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا ، ورأيتني أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي ، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور.
وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته.
فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطّلب ، وعوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه ...
أعرب الإمام العظيم عليهالسلام في حديثه أنّه قد بلغ من السنّ الذي أشرف به على عتبة الشيخوخة ، وأنّه قد ازداد وهنا وضعفا في جسمه ، فلذا بادر بتسجيل وصيّته إلى ولده الإمام الحسن عليهالسلام ، هذه الوصية الممتلئة بالحكم والتجارب والنصائح التي أحاطت بجميع شئون الحياة ووضعت لها أسمى المناهج ..
لقد بادر الإمام بوصيّته إلى ولده وهو في شرخ الشباب قبل أن يجتاز هذا السنّ ، فربّاه بحكمه وآدابه ، وأفاض عليه مكرمات نفسه ليكون نسخة تحكيه
وتمثّله ، ويأخذ الإمام المربّي في وصيّته قائلا :
أي بنيّ! إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم ؛ حتّى عدت كأحدهم ؛ بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله (1) ، وتوخّيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشّفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدّهر ، ذو نيّة سليمة ، ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله عزّ وجلّ وتأويله ، وشرائع الإسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره. ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الّذي التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ، ورجوت أن يوفّقك الله فيه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتي هذه ...
يقدّم الإمام عليهالسلام لولده الزكي في وصاياه زبدة التجارب وخلاصة النصائح التي أخذت بها الامم السابقة ، وأنّه عليهالسلام وإن لم يكن شاهدهم إلاّ أنّه نظر بعمق وشمول إلى تاريخهم وأحوالهم ، فوقف على أسباب سعادتهم وأسباب شقائهم ، وقدّم ذلك لولده.
وكان من أهمّ ما عنى به الإمام في هذا المقطع تعليم ولده لكتاب الله تعالى
__________________
(1) النخيل : المختار المصفى.
وتفسيره والأخذ بأحكامه ومعرفة حلاله وحرامه ..
ويستمرّ الإمام في وصيّته فيقول :
واعلم يا بنيّ! أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك ، والصّالحون من أهل بيتك ، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكّروا كما أنت مفكّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا ، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلّم ، لا بتورّط الشّبهات ، وعلق الخصومات. وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك ، والرّغبة إليه في توفيقك ، وترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة. فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتمّ رأيك فاجتمع ، وكان همّك في ذلك همّا واحدا ، فانظر فيما فسّرت لك ، وإن لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك ، وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء (1) ، وتتورّط الظّلماء. وليس طالب الدّين من خبط أو خلط ، والإمساك عن ذلك أمثل ...
من بنود هذا المقطع من كلام الإمام عليهالسلام ما يلي :
1 ـ الوصية بتقوى الله تعالى فإنّها سبب النجاة في الدنيا والآخرة.
2 ـ الإتيان بما فرضه الله تعالى من الواجبات وترك المحرّمات.
3 ـ الأخذ بسيرة الصالحين والمتّقين من السلف الصالح من أهل بيت النبوّة
__________________
(1) العشواء : الضعيف البصر.
ومعدن الرسالة.
4 ـ الاستعانة بالله تعالى في جميع الامور وطلب التوفيق.
5 ـ ترك كلّ شبهة تولج الإنسان في الشبهات وتسلّمه إلى الضلال ويأخذ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
فتفهّم يا بنيّ! وصيّتي ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفني هو المعيد ، وأنّ المبتلي هو المعافي ، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النّعماء ، والابتلاء ، والجزاء في المعاد ، أو ما شاء ممّا لا تعلم ، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك ، فإنّك أوّل ما خلقت به جاهلا ثمّ علّمت ، وما أكثر ما تجهل من الأمر! ويتحيّر فيه رأيك ، ويضلّ فيه بصرك ثمّ تبصره بعد ذلك! فاعتصم بالّذي خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك ـ أي خوفك ...
أعرب الإمام عليهالسلام في هذا المقطع أنّ جميع مجريات الأحداث وشئون الكون كلّها بيد الخالق العظيم ، فهو مالك الحياة ومالك الموت ، فعلى الإنسان أن يوكل اموره إليه ، ولا يلتجأ إلى غيره ، كما أعرب عليهالسلام عن تقلّب الدنيا ، وأنّها لم تستقرّ على حال ، فكما تري الإنسان السعادة تريه التعب والعناء والشقاء ، كما وأنّ جزاء من يعمل خيرا فيها أو شرّا يلاقيه في معاده وفي يوم حشره ..
هذا بعض ما حواه المقطع ، ويأخذ الإمام في وصيّته الحافلة بالنصائح قائلا :
واعلم يا بنيّ! أنّ أحدا لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرّسول ـ صلىاللهعليهوآله ـ فارض به رائدا ، وإلى النّجاة قائدا ، فإنّي لم آلك نصيحة. وإنّك لن تبلغ في النّظر لنفسك ـ وإن اجتهدت ـ مبلغ نظري لك ...
وفي هذه الكلمات أعرب الإمام عليهالسلام أنّ الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله قد أنبأ عن الله تعالى بما لم ينبّئ عنه أحد قبله ، فقد أخبر عن قدرة الله تعالى اللاّمتناهية ، وعن علمه كذلك ، وعن صفاته الثبوتية والسلبية ، فهو رائد التوحيد ، وداعية الله الأكبر في الأرض ، واللازم أن يتّخذه إلى النجاة قائدا وهاديا ومرشدا. ويستمر الإمام في عرض وصيّته قائلا :
واعلم يا بنيّ! أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ولم يزل.
أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية.
عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر. فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ، وقلّة مقدرته ، وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربّه ، في طلب طاعته ، والخشية من عقوبته ، والشّفقة من سخطه ؛ فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن ، ولم ينهك إلاّ عن قبيح ...
تحدّث الإمام عليهالسلام في هذا المقطع الذهبي من كلامه عن بعض قضايا التوحيد وهي :
1 ـ نفي الشريك عن الله تعالى في خلقه للأكوان ، وإحاطته التامّة بجميع شئون الموجودات ، ولو كان له تعالى شريك لأتت به رسله ورأينا آثار ملكه التي تدلّ على وجوده ، إنّه ليس هناك إلاّ إله واحد لا شريك له.
2 ـ أنّ الله تعالى الخالق المبدع الذي لا أوّلية له ، ولا ابتداء لوجوده ، كما أنّه الآخر بلا نهاية له ، أمّا تفصيل هذه البحوث والاستدلال عليها فقد عرضت لها كتب الكلام ..
3 ـ أنّ الخالق العظيم أعظم من أن تحيط بمعرفته القلوب والأبصار التي هي
محدودة المدارك ..
كما تحدّث الإمام في آخر المقطع عن الأوامر والنواهي التي صدرت من الشارع ، فقد ذهبت العدلية من الإمامية والمعتزلة إلى أنّ الأمر من الشارع لم يتعلّق إلاّ بشيء حسن ، فيه مصلحة تعود على العباد ، ولم ينه عن شيء إلاّ وهو قبيح وفيه مفسدة كامنة تعود بالضرر على الناس ..
ثمّ يستمر الإمام عليهالسلام في وصيّته الخالدة قائلا :
يا بنيّ! إنّي قد أنبأتك عن الدّنيا وحالها ، وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال ، لتعتبر بها ، وتحذو عليها. إنّما مثل من خبر الدّنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب ، فأمّوا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطّريق ، وفراق الصّديق ، وخشونة السّفر ، وجشوبة المطعم ، ليأتوا سعة دارهم ، ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة فيه مغرما. ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلّتهم.
ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب ، فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه ، إلى ما يهجمون عليه ، ويصيرون إليه ...
تحدّث الإمام عليهالسلام في هذا المقطع عن فناء الدنيا وزوالها ، وأنّ الدار الآخرة هي دار الخلود والبقاء ، وحذّر عليهالسلام من حبّ الدنيا والغرور بها ، وضرب لذلك بعض الأمثال الهادفة إلى الاستقامة ، ونبذ التهالك في حبّ الدنيا التي ليس وراءها
إلاّ السراب. ويستمرّ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
يا بنيّ! اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم ، ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك.
واعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصّواب ، وآفة الألباب. فاسع في كدحك ، ولا تكن خازنا لغيرك ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك ...
وضع الإمام المربّي عليهالسلام في هذه الفقرات الذهبية آداب السلوك ، ومحاسن الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ، فقد حفلت بما يلي :
1 ـ أن يجعل الإنسان نفسه ميزانا فيما بينه وبين غيره ، فيحبّ له ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، ومن الطبيعي أنّ هذه الظاهرة الفذّة إذا سادت في المجتمع فإنّه يبلغ القمّة في كماله وآدابه.
2 ـ التحذير من ظلم الغير ، فكما أنّ الإنسان يشجب من يعتدي عليه كذلك عليه أن يحمل هذا الشعور مع الغير.
3 ـ على الإنسان أن يحسن للغير كما يحبّ أن يحسن إليه.
4 ـ أن يستقبح الأعمال السيّئة التي تصدر منه كما يستقبح صدورها من الغير كما عليه أن يرضى من الناس ما يرضاه لنفسه.
5 ـ أنّه عليهالسلام نهى عن القول بغير علم ؛ فإنّه يؤدّي إلى المضاعفات السيّئة
للشخص ولغيره.
6 ـ حذّر الإمام من إعجاب الإنسان بنفسه ، فإنّه من مساوئ الرذائل التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق.
7 ـ أنّه عليهالسلام نهى من الافراط في جمع الأموال التي تجرّ الويل والعطب ، فإنّ من يبتلى بذلك يكون خازنا لغيره وذلك إذا فارقته الحياة ، خصوصا إذا لم يؤدّ الإنسان حقوق الله منها ، فإن الوزر يكون عليه والمهنأ بها لغيره ويأخذ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
واعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقّة شديدة ، وأنّه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد ، وقدّر بلاغك من الزّاد ، مع خفّة الظّهر ، فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك ، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة ، فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمّله إيّاه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلّك تطلبه فلا تجده. واغتنم من استقرضك في حال غناك ، ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك ...
إنّ الإنسان إذا فكّر عن وعي لوجد أنّ الحياة الدنيا التي يعيشها إنّما هي لحظات ، ولا بدّ أن يغادرها ويرحل عنها ، وإنّ أمامه طريقا شائكا ذا مسافة بعيدة يحتاج إلى وفرة من الزاد ليوصله إلى مأمنه ، وهو العمل الصالح الذي ينجيه من عذاب الله تعالى ، هذا بعض ما حفلت به هذه الكلمات ، ولنقرأ بندا آخر من هذه الوصية. قال عليهالسلام :
واعلم أنّ أمامك عقبة كئودا ، المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل ،
والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع ، وأنّ مهبطك بها لا محالة إمّا على جنّة أو على نار ، فارتد لنفسك (1) قبل نزولك ، ووطّئ المنزل قبل حلولك ، « فليس بعد الموت مستعتب » ، ولا إلى الدّنيا منصرف ...
إنّ الإنسان أمامه عقبة كئود تحفّ بها المخاطر والأهوال والشدائد فعليه أن ينقذ نفسه فلا يقترف ما يبعده عن الله تعالى ، وعليه أن يمهّد الطريق لرضاه. ويأخذ الإمام في وصيّته قائلا :
واعلم أنّ الّذي بيده خزائن السّماوات والأرض قد أذن لك في الدّعاء ، وتكفّل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة ، ولم يعاجلك بالنّقمة ، ولم يعيّرك بالإنابة ، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدّد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ولم يؤيسك من الرّحمة ، بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة ، وحسب سيّئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب ، وباب الاستعتاب ؛ فإذا ناديته سمع نداك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره ، من زيادة الأعمار ، وصحّة الأبدان ، وسعة الأرزاق. ثمّ جعل في يديك
__________________
(1) فارتد لنفسك : أي ابعث لك رائدا من طيّبات الأعمال.
مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنّطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة.
وربّما أخّرت عنك الإجابة ، ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ، وأجزل لعطاء الآمل. وربّما سألت الشّيء فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ؛ فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له ...
حوى هذا المقطع بعض الامور البالغة الأهمّية وهي :
1 ـ أنّ الله تعالى قد أذن لعباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة.
2 ـ أنّ الله تعالى لم يجعل بينه وبين عباده حجابا ، فقد فتح أبوابه للسائلين تفضّلا منه ورحمة.
3 ـ أنّ الله تعالى قد تفضّل وتكرّم على عباده ففتح لهم أبواب التوبة إذا شذّوا في سلوكهم واقترفوا ما لا يرضيه ولم يعجّل لهم بالعقوبة ، ولم يفضحهم بين العباد.
4 ـ وكان من لطف الله تعالى على عباده بأن جعل من يرتكب سيّئة تسجّل له سيّئة واحدة ، ومن يفعل حسنة تسجّل له عشر حسنات تشجيعا على عمل الخيرات والمبرّات.
5 ـ أنّ من ألطاف الله تعالى على عباده أن جعل بأيديهم مفاتيح خزائنه ، وهو الدعاء ، فإنّه من فيوضاته تعالى على العباد ، والدعاء ربّما يجاب بالوقت ، وربّما يؤخّر لمصلحة تعود على العبد يجهلها ، وقد عرضنا إلى تفصيل ذلك في بعض أجزاء هذه الموسوعة. ويستمرّ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
واعلم يا بنيّ! أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ؛ وأنّك في منزل قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت الّذي لا ينجو منه هاربه ، ولا يفوته طالبه ، ولا بدّ أنّه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة ، قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة ، فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك ...
انّ الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا ، وللموت لا للبقاء ، وأنّ الموت يلاحقه حتى ينتزعه من الدنيا ، وعلى الإنسان الواعي أن يبادر للتوبة عمّا صدر منه من المعاصي قبل فوات الأوان منه ثمّ قال الإمام عليهالسلام :
يا بنيّ! أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتفضي بعد الموت إليه ، حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك.
وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبّأك الله عنها ، ونعت هي لك عن نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية يهرّ بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها.
نعم معقّلة ، وأخرى مهملة ، قد أضلّت عقولها ، وركبت مجهولها.
سروح عاهة (1) بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ، ولا مسيم يسيمها (2) .
__________________
(1) السروح العاهة : هي الإبل السائبة التي ترعى الآفات.
(2) يسيمها : أي يسرحها إلى المرعى.
سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّا ، فلعبت بهم ولعبوا بها ، ونسوا ما وراءها.
رويدا يسفر الظّلام ، كأن قد وردت الأظعان ؛ يوشك من أسرع أن يلحق!
واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار ، فإنّه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا ...
تحدّث الإمام عليهالسلام في هذا المقطع عن الاكثار لذكر الموت والتبصّر بما بعده فإنّه يصرف الإنسان من فتن الدنيا وبوائقها ويهدي إلى الطريق المستقيم ، كما حذّر عليهالسلام من الافتتان بما يراه الإنسان من تكالب أهل الدنيا وتصارعهم على الحصول على غنائمها فإنهم الكلاب العاوية والسباع الضارية ، يأكل القوي منهم الضعيف ، ويقهر الكبير الصغير ، فهم كالأنعام بل أضلّ سبيلا. هذا بعض ما احتوت عليه هذه الكلمات ، ويأخذ الإمام في عرض وصاياه قائلا :
وأعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك. فخفّض في الطّلب ، وأجمل في المكتسب ، فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب (1) ؛ فليس كلّ طالب بمرزوق ، ولا كلّ مجمل بمحروم.
وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرّغائب ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا.
ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا. وما خير خير لا ينال
__________________
(1) الحرب : سلب المال.
إلاّ بشرّ ، ويسر لا ينال إلاّ بعسر؟! ...
وهذه اللوحة من كلام الإمام عليهالسلام من ذخائر الآداب الإسلامية ، وقد حفلت بما يلي :
1 ـ الإجمال في طلب الرزق ، وأنّ ليس من الفكر التهالك على طلب الرزق ، فإنّه مكتوب للإنسان ، فليس الطالب بمرزوق ولا المجمل بمحروم.
2 ـ صيانة النفس عن كلّ دنيّة ومنقصة ، فإنّ كرامتها أغلى وأثمن من كلّ شيء.
3 ـ أن لا يكون الإنسان عبدا لغيره ، فقد جعله الله تعالى حرّا ، والحرية من أثمن ما يملكه الإنسان في حياته ومن بنود هذه الوصية قوله عليهالسلام :
وإيّاك أن توجف (1) بك مطايا الطّمع ، فتوردك مناهل الهلكة.
وإن استطعت ألاّ يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فإنّك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإنّ اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كلّ منه ...
عرض الإمام عليهالسلام إلى الكفّ عن الطمع الذي يورد الناس موارد الهلكة ، وعلى الإنسان أن يعتصم بالله تعالى الذي بيده جميع مجريات الأحداث ، فالتمسّك به من أثمن ما يظفر به الإنسان في حياته ومن مواد هذه الوصية قوله عليهالسلام :
وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك.
وحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء. وحفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك. ومرارة اليأس خير من الطّلب إلى النّاس. والحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور. والمرء أحفظ لسرّه. وربّ ساع فيما
__________________
(1) توجف : أي تسرع.
يضرّه! من أكثر أهجر. ومن تفكّر أبصر.
قارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشّرّ تبن عنهم. بئس الطّعام الحرام! وظلم الضّعيف أفحش الظّلم. إذا كان الرّفق خرقا كان الخرق رفقا (1) . ربّما كان الدّواء داء ، والدّاء دواء. وربّما نصح غير النّاصح ، وغشّ المستنصح (2) ...
عرض الإمام عليهالسلام في هذه الكلمات إلى جواهر الحكمة وخلاصة العرفان والآداب ، فقد استهدفت بناء شخصيّة الإنسان على اصول الاستقامة والفضائل.
ويستمرّ الإمام المربّي في عرض وصاياه ونصائحه الذهبية قائلا :
وإيّاك والاتّكال على المنى فإنّها بضائع النّوكى ، والعقل حفظ التّجارب ، وخير ما جرّبت ما وعظك.
بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة. ليس كلّ طالب يصيب ، ولا كلّ غائب يؤوب. ومن الفساد إضاعة الزّاد ، ومفسدة المعاد. ولكلّ أمر عاقبة ، سوف ياتيك ما قدّر لك. التّاجر مخاطر ، وربّ يسير أنمى من كثير! لا خير في معين مهين ، ولا في صديق ظنين. ساهل الدّهر ما ذلّ لك قعوده (3) ، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه ...
أرأيتم هذه الحكم التي صاغها أمير البيان والتي هي منحوتة من صميم الواقع وخلاصة التجارب؟ ويقول عليهالسلام :
__________________
(1) المراد أنّ المقام إذا كان يلزم العنف فيكون إبداله بالرفق عنفا ويكون العنف من الرفق.
(2) المستنصح : من يطلب منه النصح.
(3) القعود : ما يعقده الراعي من الإبل.
وإيّاك أن تجمح بك مطيّة اللّجاج. احمل نفسك من أخيك عند صرمه (1) على الصّلة ، وعند صدوده على اللّطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدّنوّ ، وعند شدّته على اللّين ، وعند جرمه على العذر ، حتّى كأنّك له عبد ، وكأنّه ذو نعمة عليك ، وإيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله.
لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك ، وامحض أخاك النّصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة ، وتجرّع الغيظ فإنّي لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ، ولا ألذّ مغبّة (2) .
ولن لمن غالظك ، فإنّه يوشك أن يلين لك ، وخذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحلى الظّفرين (3) . وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما. ومن ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه ، ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه. ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ، ولا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان.
ولا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك ، فإنّه يسعى في مضرّته ونفعك ، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه ...
وضع الإمام الحكيم مناهج الاجتماع وقواعد الصداقة وما تستلزمه من
__________________
(1) الصرم : القطيعة.
(2) المغبة : العاقبة.
(3) الظفران : هنا ظفر الانتقام ، وظفر الإحسان ، والثاني أحلى.
الأخلاق والآداب ، وهذه النصائح من أثمن ما اثر عن علماء الأخلاق والاجتماع.
ولنستمع إلى بعض فصول هذه الوصية الخالدة ، يقول عليهالسلام :
واعلم يا بنيّ! أنّ الرّزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن أنت لم تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة ، والجفاء عند الغنى! إنّما لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك ، وإن كنت جازعا على ما تفلّت من يديك ، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك. استدلّ على ما لم يكن بما قد كان ، فإنّ الأمور أشباه ؛ ولا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت في إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، والبهائم لا تتّعظ إلاّ بالضّرب. اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر وحسن اليقين. من ترك القصد (1) جار والصّاحب مناسب (2) ، والصّديق من صدق غيبه (3) . والهوى شريك العمى ، وربّ بعيد أقرب من قريب ، وقريب أبعد من بعيد ، والغريب من لم يكن له حبيب.
من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له.
وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله سبحانه. ومن لم يبالك (4) فهو عدوّك. قد يكون اليأس إدراكا ، إذا كان الطّمع هلاكا. ليس كلّ عورة تظهر ، ولا كلّ فرصة تصاب ، وربّما أخطأ البصير قصده ، وأصاب الأعمى رشده.
__________________
(1) القصد : الاعتدال.
(2) الصاحب مناسب : أي يراعى فيه ما يراعى في النسب.
(3) المراد مراعاة حقّ الصديق في حال غيبته.
(4) من لم يبالك : أي لم يهتمّ بأمرك.
أخّر الشّرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته ، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. من أمن الزّمان خانه ، ومن أعظمه أهانه. ليس كلّ من رمى أصاب. إذا تغيّر السّلطان تغيّر الزّمان. سل عن الرّفيق قبل الطّريق ، وعن الجار قبل الدّار ...
وحوت هذه البنود المشرقة آيات محكمات من الوصايا القيّمة ، والنصائح الرفيعة التي هي من ذخائر الحكمة ومن مناجم الآداب ، والتي لم يؤثر مثلها من أحد من عظماء الدنيا سوى الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله ، فقد وضعت المناهج الكاملة لحسن السلوك ، ولما يسمو به ويسعد به هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان ولنقرأ البند الأخير من هذه الوصية ، قال عليهالسلام :
إيّاك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا ، وإن حكيت ذلك عن غيرك.
وإيّاك ومشاورة النّساء فإنّ رأيهنّ إلى أفن (1) ، وعزمهنّ إلى وهن.
واكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ ، فإنّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ ، وليس خروجهنّ بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهنّ ، وإن استطعت ألاّ يعرفن غيرك فافعل. ولا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها ، فإنّ المرأة ريحانة ، وليست بقهرمانة (2) . ولا تعد بكرامتها نفسها ، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها. وإيّاك والتّغاير في غير موضع غيرة (3) ، فإنّ ذلك يدعو الصّحيحة إلى السّقم ، والبريئة إلى الرّيب.
واجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به ، فإنّه أحرى ألاّ يتواكلوا
__________________
(1) الأفن : ضعف الرأي.
(2) القهرمان : الذي يحكم في الامور ويتصرّف فيها بأمره.
(3) التغاير : إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظنّ فيها من غير موجب.
في خدمتك (1) . وأكرم عشيرتك ، فإنّهم جناحك الّذي به تطير ، وأصلك الّذي إليه تصير ، ويدك الّتي بها تصول.
استودع الله دينك ودنياك ، واسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة ، والدّنيا والآخرة ، والسّلام » (2) .
وانتهت هذه الوصية وهي حافلة بالقيم الكريمة ، والمثل العليا ، والنصائح الرفيعة التي لم يؤثر نظيرها عن أي خليفة من خلفاء المسلمين ، وقد جاءت معبّرة عن مثل الإمام عليهالسلام وطاقاته العلمية التي أضاءت سماء الإسلام.
وصيّة اخرى لولده الإمام الحسن عليهالسلام
وأوصى الإمام عليهالسلام ولده الزكي الإمام الحسن عليهالسلام بهذه الوصية :
اوصيك أي بنيّ! بتقوى الله ، وإقام الصّلاة لوقتها ، وإيتاء الزّكاة عند محلّها ، وحسن الوضوء ؛ فإنّه لا صلاة إلاّ بطهور ، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة ، واوصيك بغفر الذّنب ، وكظم الغيظ ، وصلة الرّحم ، والحلم عند الجهل ، والتّفقّه في الدّين ، والتّثبّت في الأمر ، والتّعاهد للقرآن ، وحسن الجوار ، والأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش كلّها في كلّ ما عصي الله فيه » (3) .
__________________
(1) يتواكلوا : أي يتّكل بعضهم على بعض في خدمتك.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 : 37 ـ 57.
(3) نهج السعادة 1 : 151.
وصيّته
للإمام الحسين عليهالسلام
« يا بنيّ! اوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر ، وكلمة الحقّ فى الرّضى والغضب ، والقصد فى الغنى والفقر ، وبالعدل على الصّديق والعدوّ ، وبالعمل في النّشاط والكسل ، والرّضى من الله في الشّدّة والرّخاء.
وحفلت هذه الفقرات بجميع القيم الكريمة ، والمثل الإنسانية ، وقد غرسها في أعماق سيّد الشهداء وأبي الأحرار لتكون منهجا له في حياته ، ويأخذ الإمام في وصيّته قائلا :
واعلم أي بنيّ! إنّه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره.
ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته. ومن سلّ سيف البغي قتل به.
ومن حفر بئرا لأخيه وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره. ومن كابد الامور عطب. ومن اقتحم الغمرات غرق.
ومن اعجب برأيه ضلّ. ومن استغنى بعقله زلّ. ومن تكبّر على النّاس ذلّ. ومن سفه عليهم شتم. ومن دخل مداخل السّوء اتّهم. ومن خالط الأنذال حقّر. ومن جالس العلماء وقّر. ومن مزح استخفّ به.
ومن اعتزل سلم. ومن ترك الشّهوات كان حرّا. ومن ترك الحسد كانت له المحبّة عند النّاس.
أرأيتم هذه الوصايا القيّمة التي تسمو بالإنسان ، وتجعله في مصاف الملائكة! وحسبها عظمة أنّها وصايا إمام المتّقين وسيّد العارفين ويأخذ الإمام في وصيّته قائلا :
يا بنيّ! عزّ المؤمن غناه عن النّاس. والقناعة مال لا ينفد. ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير. ومن علم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما ينفعه. العجب ممّن خاف العقاب ورجا الثّواب فلم يعمل. الذّكر نور.
والغفلة ظلمة. والجهالة ضلالة. والسّعيد من وعظ بغيره. والأدب خير ميراث. وحسن الخلق خير قرين.
يا بنيّ! رأس العلم الرّفق ، وآفته الخرق. ومن كنوز الإيمان الصّبر على المصائب.
والعفاف زينة الفقر ، والشّكر زينة الغنى. ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثر خطؤه ، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه ، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قلّ ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النّار.
يا بنيّ! لا تؤيس مذنبا ، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير ، وكم من مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صائر إلى النّار. من تحرّى الصّدق خفّت عليه الامور.
يا بنيّ! كثرة الزّيارة تورث الملالة.
يا بنيّ! الطّمأنينة قبل الخبرة ضدّ الحزم. وإعجاب المرء بنفسه يدلّ على ضعف عقله.
أرأيتم هذه الحكم التي تفجّرت من أمير البيان ، وهي تبني صرحا للأخلاق والآداب؟ وتؤسّس مناهج التربية التي ترفع مستوى الإنسان ، وتجعله خليفة الله
في أرضه؟ ويستمر الإمام في وصيّته قائلا :
يا بنيّ! كم من نظرة جلبت حسرة! وكم من كلمة جلبت نعمة.
لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعلى من التّقوى. ولا معقل أحرز من الورع. ولا شفيع أنجح من التّوبة. ولا لباس أجمل من العافية.
ولا مال أذهب للفاقة من الرّضى بالقوت. ومن اقتصر على بلغة الكفاف تعجّل الرّاحة وتبوّأ خفض الدّعة. الحرص مفتاح التّعب ومطيّة النّصب وداع إلى التّقحّم في الذّنوب والشّرّ جامع لمساوي العيوب وكفاك أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك. لأخيك مثل الّذي عليك. ومن تورّط في الامور من غير نظر في الصّواب فقد تعرّض لمفاجأة النّوائب. التّدبير قبل العمل يؤمنك النّدم. من استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ. الصّبر جنّة من الفاقة. في خلاف النّفس رشدها. السّاعات تنتقص الأعمار. ويل للباغين من أحكم الحاكمين وعالم بضمير المضمرين. بئس الزّاد للمعاد العدوان على العباد. في كلّ جرعة شرقة ، وفي كلّ اكلة غصص. لا تنال نعمة إلاّ بفراق اخرى. ما أقرب الرّاحة من التّعب! والبؤس من النّعيم! والموت من الحياة! فطوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وبخّ بخّ لعالم علم فكفّ ، وعمل فجدّ ، وخاف التباب (1) فأعدّ واستعدّ ، إن سئل أفصح ، وإن ترك سكت ، كلامه صواب وصمته من غير عيّ جواب.
والويل كلّ الويل لمن بلي بحرمان وخذلان وعصيان واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره ، من لانت كلمته وجبت محبّته ، من لم يكن له حياء
__________________
(1) التباب : الهلاك والخسران ، ومنه قوله تعالى : ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ) .
ولا سخاء فالموت أولى به من الحياة ، لا تتمّ مروءة الرّجل حتّى لا يبالي أيّ ثوبيه لبس ، ولا أيّ طعاميه أكل ... » (1) .
وأنت ترى هذه الوصية قد تمثّلت بها جميع القيم التربوية والأخلاقية التي تكون منهجا لحياة فضلى تتوفّر فيها آداب السلوك ومحاسن الفضائل.
__________________
(1) حياة الإمام الحسين عليهالسلام 1 : 49 ـ 51 ، نقلا عن الإعجاز والإيجاز : ص 33.
وصاياه
لأبنائه
أوصى الإمام عليهالسلام أبناءه بهذه الوصية التي رسم فيها سلوكهم مع المجتمع ، قال عليهالسلام :
« يا بنيّ! عاشروا النّاس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم وإن متّم بكوا عليكم » (1) .
وهذه الوصية تدعو إلى تعامل الإنسان مع المجتمع معاملة كريمة وذلك بمواساة الناس في أحزانهم ومسرّاتهم ، والبرّ بضعيفهم وفقيرهم. ومن الطبيعي أنّ هذه السيرة توجب أن يحتلّ المتّصف بها قلوب الناس وعواطفهم.
وأوصى الإمام أبناءه بهذه الوصية حينما ضربه ابن ملجم عليه لعنة الله ، قال عليهالسلام :
« عليكم بتقوى الله وطاعته ، ولا تأسوا على ما صرف عنكم منها ـ أي من الدنيا ـ وانهضوا إلى عبادة ربّكم ، وشمّروا عن ساق الجدّ ، ولا تثاقلوا إلى الأرض ، وتقرّوا بالخسّ ، وتبوءوا بالذّلّ.
اللهمّ اجمعنا وإيّاهم على الهدى ، وزهّدنا وإيّاهم في الدّنيا ،
__________________
(1) تذكرة الخواص ـ ابن الجوزي : 152.
واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من الاولى ... » (1) .
دعا الإمام في هذه الوصية أبناءه إلى عبادة الله تعالى وطاعته ، وأن يعيشوا في هذه الحياة عيشة كريمة عارية من الذلّ والعبودية.
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 2 : 251 ، نقلا عن ابن قتيبة.
وصيّته
لمحمّد بن الحنفية
أوصى الإمام عليهالسلام ولده محمّد بن الحنفية بهذه الوصية الحافلة بالقيم التربوية والأخلاق الفاضلة ، وهذا نصّها :
« يا بنيّ! البغض سائق إلى الحين. لن يهلك امرؤ عرف قدره. من حصّن شهوته صان قدره. قيمة كلّ امرئ ما يحسن. الاعتبار يفيدك الرّشاد.
أشرف الغنى ترك المنى. الحرص فقر حاضر. المودّة قرابة مستفادة.
صديقك أخوك لأبيك وامّك ، وليس كلّ أخ لك من أبيك وامّك صديقك.
لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك. كم من بعيد أقرب منك من قريب. وصول معدم خير من مثر جاف. الموعظة كهف لمن وعاها.
من منّ بمعروفه أفسده.
من أساء خلقه عذّب نفسه ، وكانت البغضة أولى به. ليس من العدل القضاء بالظّنّ على الثّقة. ما أقبح الأشر عند الظّفر! والكآبة عند النّائبة! والغلظة والقسوة على الجار! والخلاف على الصّاحب! والخبّ من ذوي المروءة! والغدر من السّلطان! وزل معه حيث زال. لا تصرم أخاك على ارتياب ، ولا تقطعه دون استعتاب ، لعلّ له عذرا وأنت تلوم.
اقبل من متنصّل عذره فتنالك الشّفاعة ، واكرم الّذين بهم نصرك ، وازدد لهم طول الصّحبة ، برّا وإكراما وتبجيلا وتعظيما ، فليس جزاء من سرّك
أن تسوءه. أكثر البرّ ما استطعت لجليسك ، فإنّك إذا شئت رأيت رشده.
من كساه الحياء ثوبه اختفى عن العيون عيبه. من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن. من لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده.
مع كلّ شدّة رخاء ، ومع كلّ أكلة غصص. لا تنال نعمة إلاّ بعد أذى. كفر النّعم موق (1) ، ومجالسة الأحمق شوم. اعرف الحقّ لمن عرفه لك شريفا كان أو وضيعا. من ترك القصد جار ، ومن تعدّى الحقّ ضاق مذهبه. كم من دنف نجا (2) ! وصحيح قد هوى! قد يكون اليأس إدراكا ، والطّمع هلاكا. استعتب من رجوت عتابه. لا تبيتنّ من امرئ على غدر. الغدر شرّ لباس المرء المسلم. من غدر ما أخلق أن لا يوفّى له! الفساد يبير الكثير ، والاقتصاد ينمّي اليسير. من الكرم الوفاء بالذّمم.
من كرم ساد ، ومن تفهّم ازداد. امحض أخاك النّصيحة ، وساعده على كلّ حال ما لم يحملك على معصية الله عزّ وجلّ. لن لمن غاظك تظفر بطلبتك.
ساعات الهموم ساعات الكفّارات ، والسّاعات تنفد عمرك.
لا خير في لذّة بعدها النّار ، وما خير بخير بعده النّار وما شرّ بشرّ بعده الجنّة؟
كلّ نعيم دون الجنّة محقور ، وكلّ بلاء دون النّار عافية.
لا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه ، ولا يكوننّ أخوك على قطيعتك أقوى منك على
__________________
(1) الموق : الحمق.
(2) الدنف : المرض الثقيل.
صلته ، ولا على الإساءة أقوى منك على الإحسان إليه.
يا بنيّ! إذا قويت فاقو على طاعة الله عزّ وجلّ ، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله عزّ وجلّ ، وإن استطعت أن لا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فافعل ، فإنّه أدوم لجمالها وأرخى لبالها ، وأحسن لحالها ، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فدارها على كلّ حال ، وأحسن الصّحبة لها فيصفو عيشك.
احتمل القضاء بالرّضا ، وإن أحببت أن تجمع خير الدّنيا والآخرة فاقطع طمعك ممّا في أيدي النّاس ، والسّلام عليك يا بنيّ ورحمة الله وبركاته » (1) .
__________________
(1) نهج السعادة 7 : 394 ـ 400.
وصيّته
لكميل بن زياد
من الوصايا الرفيعة للإمام عليهالسلام وصيّته إلى صاحبه وخليله العالم كميل بن زياد ، وقد رواها عنه سعيد بن زيد بن أرطاة ، قال :
لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فقال :
ألا اخبرك بوصية أوصاني بها يوما هي خير لك من الدنيا بما فيها؟
فقلت : بلى.
قال : قال لي عليّ عليهالسلام :
يا كميل ، سمّ كلّ يوم باسم الله وقل لا حول ولا قوّة إلاّ بالله. وتوكّل على الله واذكرنا وسمّ بأسمائنا وصلّ علينا. واستعذ بالله ربّنا. وأدرأ بذلك على نفسك وما تحوطه عنايتك ، تكف شرّ ذلك اليوم إن شاء الله.
يا كميل ، إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله أدّبه الله ، وهو أدّبني ، وأنا أؤدّب المؤمنين وأورّث الأدب المكرمين.
يا كميل ، ما من علم إلاّ وأنا أفتحه ، وما من سرّ إلاّ والقائم عليهالسلام يختمه.
يا كميل ، ذرّيّة بعضها من بعض والله سميع عليم.
يا كميل ، لا تأخذ إلاّ عنّا تكن منّا.
يا كميل ، ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة.
يا كميل ، إذا أكلت الطّعام فسمّ باسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه داء ، وهو شفاء من كلّ الأدواء.
يا كميل ، إذا أكلت الطّعام فواكل به ، ولا تبخل فإنّك لن ترزق النّاس شيئا والله يجزل لك الثّواب بذلك.
تحدّث الإمام عليهالسلام في هذا المقطع عن صلته الوثيقة بالرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله ، وأنّه من ألصق الناس به ، فقد أفاض عليه آدابه الرفيعة ، وعلّمه ينابيع الحكمة ، وهو عليهالسلام بدوره يعلّمها ويعهد بها إلى المؤمنين ، كما بيّن عليهالسلام حاجة تلميذه إلى المعرفة والتزوّد من العلم ، وبعد ذلك عرض الإمام إلى آداب الطعام ، وأنّه ينبغي لمن يتناوله أن يذكر اسم الله تعالى الذي هو شفاء من كلّ داء ، وأن لا يأكل الإنسان وحده بل عليه أن يشاركه في الطعام غيره من البؤساء والمحتاجين ويأخذ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
يا كميل ، أحسن خلقك. وابسط جليسك ، ولا تنهر خادمك.
أوصى الإمام عليهالسلام كميلا بحسن الأخلاق التي هي وصايا الأنبياء ، كما أوصى بمراعاة الجليس واحترامه ورعايته ، ثمّ أوصى بالبرّ والإحسان إلى الخادم ، وأن لا ينهره ويعتدي عليه وأخذ الإمام في بيان كيفيّة تناول الطعام قائلا :
يا كميل ، إذا أنت أكلت فطوّل أكلك ليستوفي من معك ويرزق منه غيرك.
يا كميل إذا استوفيت طعامك فاحمد الله على ما رزقك ، وارفع بذلك صوتك يحمده سواك فيعظم بذلك أجرك.
يا كميل ، لا توقرنّ معدتك طعاما ، ودع فيها للماء موضعا وللرّيح مجالا.
يا كميل ، لا تنقد طعامك ، فإنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لا ينقده.
يا كميل ، لا ترفع يدك من الطّعام إلاّ وأنت تشتهيه ، فإن فعلت ذلك فأنت تستمرئه ـ أي تستطيبه.
يا كميل ، إنّ صحّة الجسم من قلّة الطّعام وقلّة الماء.
وضع الإمام عليهالسلام بهذا المقطع برامج لآداب الطعام ، كما وضع منهجا صحيّا لتناوله ، وفيما يلي ذلك :
آداب الطعام :
أمّا آداب الطعام فهي :
أوّلا : أنّ الإنسان إذا أكل ومعه غيره فعليه أن لا يسرع في القيام من المائدة لأنّه يوجب سرعة القيام لمن كان معه ، وفي ذلك حرمان لهم.
ثانيا : أنّ الإنسان إذا فرغ من تناول الطعام فعليه أن يحمد الله تعالى على ما رزقه من أطائب الأطعمة ، كما ينبغي له أن يرفع صوته بالحمد له تعالى ؛ لأنّ في ذلك تعليما لغيره على شكر المنعم العظيم.
ثالثا : أنّ الإنسان ينبغي له أن لا ينقد الطعام ، لا سيّما إذا كان مدعوّا عند الغير ، تأسّيا بالنبيّ صلىاللهعليهوآله فإنّه لم يؤثر عنه مطلقا أنّه نقد الطعام ، وذلك من معالي أخلاقه.
المنهج الصحي :
أمّا المنهج الصحي في تناول الطعام الذي يضمن سلامة الجهاز الهضمي فهي :
أوّلا : أنّ الإنسان إذا تناول الطعام فعليه أن لا يملأ معدته منه ، ويدع فيها فراغا
لشرب الماء ، وفراغا للريح ، وهذا من أهمّ الوصفات الصحية التي تضمن سلامة الجهاز الهضمي الذي هو بيت الداء ، ومصدر الأمراض والأسقام.
ثانيا : أن لا يسرف الإنسان في تناول الطعام ، وأن يقوم من المائدة وهو يشتهي الطعام ، فإنّ ذلك أضمن لصحّته ، وأضمن لقواه ، كما أكّدت ذلك مصادر الطب الحديث.
ثالثا : أنّ صحّة الجسم منوطة بقلّة الطعام وقلّة الشراب ، وهذا ما أكّده الأطباء ويستمرّ الإمام في وصيّته قائلا :
يا كميل ، البركة في المال من إيتاء الزّكاة ومواساة المؤمنين ، وصلة الأقربين ، وهم الأقربون لنا.
يا كميل ، زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين وكن بهم أرأف وعليهم أعطف ، وتصدّق على المساكين.
يا كميل ، لا تردّ سائلا بشقّ تمرة ، أو من شطر عنب فإنّ الصّدقة تنمو عند الله.
عرضت هذه البنود إلى الوسائل التي تنمي المال وتزيده وهي :
1 ـ الزكاة :
وتظافرت الأخبار عن أئمّة الهدى عليهمالسلام ، في أنّ إعطاء الزكاة موجبا لسعة الرزق وتنمية المال ، وقد حفلت مصادر الحديث والفقه بالمزيد من الأخبار في أنّ مانع الزكاة ليس من الإسلام في شيء وأنّ الدولة تقاتل مانع هذه الضريبة التي هي من مصادر واردات الدولة الإسلامية.
2 ـ مواساة المؤمنين :
وممّا توجب زيادة الثروة وتنميتها مواساة المؤمنين والإحسان إليهم والبرّ
بهم ، وأفضل أنواع الإحسان وأجمل صوره الإحسان إلى السادة العلويّين زادهم الله تعالى شرفا ، فإنّ البرّ بهم صلة للنبيّ صلىاللهعليهوآله .
3 ـ صلة الأرحام :
وتظافرت الأخبار عن النبيّ صلىاللهعليهوآله وأوصيائه العظام أنّ صلة الرحم لها آثارها الوضعية التي منها تنمية المال ، وطول العمر وغير ذلك.
4 ـ عدم ردّ السائل :
حثّ الإمام عليهالسلام على الإحسان إلى السائل ، وعدم حرمانه ولو بشقّ تمرة.
5 ـ الصدقة تنمي المال :
أمّا الصدقة سرّا كانت أم جهرا ، فإنّها تنمي المال وتزيد في الرزق ، وتدفع البلاء المبرم ، ويأخذ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
يا كميل ، حسن خلق المؤمن التّواضع ، وجماله التّعفّف ، وشرفه الشّفقة ، وعزّه ترك القال والقيل.
يا كميل ، إيّاك والمراء فإنّك تغري بنفسك السّفهاء إذا فعلت وتفسد الإخاء.
يا كميل ، إذا جادلت في الله تعالى فلا تخاطب إلاّ من يشبه العقلاء.
يا كميل ، هم ـ أي الذين يجادلون في الله ـ على كلّ حال سفهاء كما قال الله تعالى : ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (1) .
عرض الإمام عليهالسلام في هذا المقطع إلى بعض الامور المهمّة وهي :
__________________
(1) البقرة : 13.
1 ـ حسن الأخلاق :
أمّا حسن الأخلاق فإنّه من أبرز الصفات الرفيعة والنزعات الشريفة ، وفي بعض الأخبار أنّه نصف الإيمان ، وفي الحديث النبوي : « إنّما بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق » ، ويرتبط بالأخلاق الفاضلة التواضع وعدم الأنانية ، وممّا يرتبط به التعفّف والشفقة.
2 ـ ترك المراء :
ومن بنود هذا المقطع ترك المراء فإنّه يوجب شيوع الكراهية ونشر الفساد بين الناس.
3 ـ المجادلة في الله :
أمّا المجادلة في الله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة فإنّها إنّما تكون مع العقلاء الذين يملكون طاقات من العلم والفكر ويخضعون لمنطق الدليل ، فإنّ وجود الله تعالى أمر ضروري وواضح كلّ الوضوح أمّا الذين لا نصيب لهم من الفكر والعلم فإنّ الحديث معهم في جميع الامور العقائدية يكون لغوا. هذا بعض ما احتوى عليه هذا المقطع من بحوث.
ويستمرّ الإمام عليهالسلام في وصيّته لكميل قائلا :
يا كميل ، في كلّ صنف قوم أرفع من قوم ، فإيّاك ومناظرة الخسيس منهم وإن أسمعوك فاحتمل وكن من الّذين وصفهم الله ( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) (1) .
عرض الإمام عليهالسلام إلى أنّ في جميع الأصناف في المجتمع الإنساني قوما أرفع من قوم تفكيرا وفضلا ، ونهى الإمام عليهالسلام كميلا من مناظرة الطبقة الواطئة تفكيرا وعدم
__________________
(1) الفرقان : 63.
الخوض معهم في أي شأن من الشؤون ، ثمّ عرض الإمام إلى فقرة اخرى من وصيّته قائلا :
يا كميل ، قل الحقّ على كلّ حال ، ووازر المتّقين ، واهجر الفاسقين.
يا كميل ، جانب المنافقين ، ولا تصاحب الخائنين.
أمر الإمام عليهالسلام بهذه الكلمات أن يقول الإنسان الحقّ في جميع الأحوال ، وأن يؤازر المتّقين ويهجر الفاسقين الذين هم من أراذل المجتمع ويقول الإمام في وصيّته :
يا كميل ، إيّاك إيّاك والتّطرق إلى أبواب الظّالمين والاختلاط بهم ، والاكتساب منهم ، وإيّاك أن تطيعهم ، وأن تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك.
يا كميل ، إذا اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر الله والتّوكّل عليه ، واستعذ بالله من شرّهم ، وأطرق عنهم (1) وأنكر بقلبك فعلهم ، واجهر بتعظيم الله تعالى لتسمعهم ، فإنّهم يهابونك وتكفى شرّهم.
وفي هذه الكلمات نهى الإمام عليهالسلام من الاختلاط بالظالمين ؛ امتثالا لقوله تعالى : ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) ، وإذا اضطرّ الإنسان إلى حضور دوائرهم فعليه أن يذكر الله تعالى ، ويستعيذ به من شرّهم وآثامهم فإنّ ذلك أدنى للتخلّص من حرمة مجالستهم ويأخذ الإمام عليهالسلام في وصيّته قائلا :
يا كميل ، إنّ أحبّ ما امتثله العباد إلى الله بعد الإقرار به وبأوليائه التّجمّل
__________________
(1) أطرق عنهم : أي اسكت ولا تتكلّم.
والتّعفّف والاصطبار.
إنّ التجمّل والتعفّف والاصطبار من أبرز القيم الكريمة التي ترفع مستوى الإنسان إلى آفاق رفيعة من الفضل والكمال ويقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا بأس بأن لا تعلم سرّك ...
إنّ إخفاء السرّ وما انطوت عليه نفس الإنسان من عقائد وغيرها الأولى أن تكون طي الكتمان ، لأنّ إظهارها للغير قد تجرّ له الويل والعطبا يقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا ترينّ النّاس افتقارك ، واصطبر عليه احتسابا بعزّ وتستّر.
أوصى الإمام عليهالسلام بعزّة النفس وكرامتها ، ومن المؤكّد أنّ إظهار الفقر والحاجة من مرديات الإنسان ومسقطاته من أعين الناس ، يقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا بأس أن تعلم أخاك سرّك.
يا كميل ، ومن أخوك؟ أخوك الّذي لا يخذلك عند الشّدة ، ولا يغفل عنك عند الجريرة ، ولا يخدعك حين تسأله ، ولا يتركك وأمرك حتّى تعلمه ، فإن كان مميلا (1) أصلحه.
يا كميل ، المؤمن مرآة المؤمن ؛ يتأمّله ، ويسدّ فاقته ، ويجمل حالته.
يا كميل ، المؤمنون إخوة ، ولا شيء آثر عند كلّ أخ من أخيه.
يا كميل ، إن لم تحبّ أخاك فلست أخاه.
تحدّث الإمام عليهالسلام في هذا المقطع عن الاخوة الإسلامية وما يلازمها من الآثار الوضعية والتي منها أن يحدّث المسلم أخاه في الإسلام عن أسراره وشئونه ، وقد
__________________
(1) المميل : صاحب الثروة والمال الكثير.
حدّد الإمام الأخ وعرف واقعه في المنطلق الإسلامي ، فالأخ هو الذي لا يخذل أخاه عند الشدّة ، ولا يغفل عنه عند الجريرة ، إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها الإمام عليهالسلام ، وهي نادرة الوجود أو معدومة في هذا العصر الذي طغت فيه المادة على كلّ شيء.
يقول الإمام عليهالسلام :
يا كميل ، إنّ المؤمن من قال بقولنا ، فمن تخلّف عنه قصّر عنّا ومن قصّر عنّا ، لم يلحق بنا ، ومن لم يكن معنا ففي الدّرك الأسفل من النّار.
يا كميل ، كلّ مصدور ينفث ، فمن نفث إليك منّا بأمر أمرك بستره ، فإيّاك أن تبديه وليس لك من إبدائه توبة وإذا لم تكن توبة فالمصير إلى لظى.
يا كميل ، إذاعة سرّ آل محمّد صلىاللهعليهوآله لا يقبل منها ـ أي من الإذاعة ـ ولا يحتمل أحد عليها.
يا كميل ، ما قالوه لك مطلقا فلا تعلمه إلاّ مؤمنا موفّقا.
يا كميل ، لا تعلموا الكافرين من أخبارنا فيزيدوا عليها فيبيدوكم بها إلى يوم يعاقبون عليها.
حكى الإمام عليهالسلام بهذا المقطع واقع الإيمان وحقيقته ، وهو الولاء لأهل بيت النبوّة عليهمالسلام ، فإنّ محبّتهم جزء من رسالة الإسلام ، قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (1) ، وقد نظر الإمام عليهالسلام إلى المستقبل بعمق فرأى ما يجري على آل البيت عليهمالسلام وشيعتهم من الخطوب والمحن فأوصى بإخفاء تعاليمهم وأن لا يطلع عليها أحدا من المعاندين للحق ، فإنّ إذاعتها ونشرها في تلك العصور
__________________
(1) الشورى : 23.
تجرّ الويل والمحن للشيعة.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا بدّ لماضيكم من أوبة ، ولا بدّ لنا فيكم من غلبة.
أكّد الإمام عليهالسلام في هذه الكلمات أنّه لا بدّ أن تقوم لأهل البيت عليهمالسلام دولة يقام فيها الحقّ ، ويحسم فيها الباطل وهي دولة إمام الهدى المهدي عليهالسلام ، يقول عليهالسلام :
يا كميل ، سيجمع الله لكم خير البدء والعاقبة.
يا كميل ، أنتم ممتّعون بأعدائكم ، تطربون بطربهم ، وتشربون بشربهم ، وتأكلون بأكلهم ، وتدخلون مداخلهم ، وربّما غلبتم على نعتهم ، أي والله! على إكراه منهم لذلك ولكنّ الله عزّ وجلّ ناصركم وخاذلهم ، فإذا كان والله! يومكم وظهر صاحبكم لم يأكلوا والله! معكم ، ولم يردوا مواردكم ، ولم يقرعوا أبوابكم ، ولم ينالوا نعمتكم أذلة خاسئين ، أينما ثقفوا اخذوا وقتّلوا تقتيلا.
يا كميل ، احمد الله تعالى ، والمؤمنين على ذلك وعلى كلّ نعمة.
أعرب الإمام عليهالسلام في هذا المقطع عن ظهور حفيده المصلح الأعظم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ، وظهوره عليهالسلام من الامور الحتمية التي لا بدّ أن تتحقّق على مسرح الحياة.
يقول الإمام عليهالسلام :
يا كميل ، قل عند كلّ شدّة : « لا حول ولا قوّة إلاّ بالله » تكفها ، وقل عند كلّ نعمة : « الحمد لله » تزدد منها ، وإذا أبطأت الأرزاق عليك
فاستغفر الله يوسّع عليك فيها.
وضع الإمام عليهالسلام منهجا للتخلّص عند كلّ شدّة وهو قول : « لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم » ، كما أرشده لزيادة النعمة ، وهو قول : الحمد لله ، كما دلّ على الرزق إذا أبطأ عن إنسان أن يستغفر الله تعالى فإنّه سيوفّر له رزقه.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، إذا وسوس الشّيطان في صدرك فقل : « أعوذ بالله القوي من الشّيطان الغوي ، وأعوذ بمحمّد الرّضي من شرّ ما قدّر وقضى ، وأعوذ بإله النّاس من شرّ الجنّة والنّاس أجمعين ، وسلّم تكفى مؤونة إبليس والشّياطين معه ، ولو أنّهم كلّهم أبالسة مثله.
يا كميل ، انّ لهم خدعا ووساوس وشقاشق (1) وزخارف وخيلاء على كلّ أحد قدر منزلته في الطّاعة والمعصية فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة.
يا كميل ، لا عدوّ أعدى منهم ، ولا ضارّ أضرّ بك منهم ، امنيتهم أن تكون معهم غدا إذا اجتثّوا (2) في العذاب الأليم ، لا يفتّر عنهم بشرره ، ولا يقصر عنهم خالدين فيه أبدا.
يا كميل ، سخط الله تعالى محيط بمن لم يحترز منهم باسمه ونبيّه ، وجميع عزائمه وعوّذه جلّ عزّه ، وصلّى الله على نبيّه وآله وسلّم.
يا كميل ، إنّهم يخدعونك بأنفسهم ، فإذا لم تجبهم مكروا بك وبنفسك
__________________
(1) الشقاشق : جمع شقشقة وهي شيء يخرج من فم البعير إذا هاج.
(2) اجتثوا : أي أخذوا إلى العذاب الأليم.
بتحسينهم إليك شهواتك ، وإعطائك أمانيّك وإرادتك ، ويسوّلون لك ، وينسونك وينهونك ويأمرونك ويحسنون ظنّك بالله عزّ وجلّ حتّى ترجوه فتغترّ بذلك فتعصيه ، وجزاء العاصي لظى.
يا كميل ، احفظ قول الله عزّ وجلّ : ( الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ) (1) ، والمسوّل الشّيطان.
يا كميل ، اذكر قول الله تعالى لإبليس لعنه الله ( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ) (2) .
يا كميل ، إنّ إبليس لا يعد عن نفسه ، وإنّما يعد عن ربّه ليحملهم على معصيته فيورطهم.
يا كميل ، إنّه يأتي لك بلطف كيده فيأمرك بما يعلم أنّك قد ألفته من طاعة لا تدعها فتحسب أنّ ذلك ملك كريم ، وإنّما هو شيطان رجيم ، فإذا سكنت إليه واطمأننت حملك على العظائم المهلكة الّتي لا نجاة معها.
يا كميل ، إنّ له فخاخا ينصبها فاحذر أن يوقعك فيها.
يا كميل ، إنّ الأرض مملوءة من فخاخهم فلن ينجو منها إلاّ من تشبّث بنا ، وقد أعلمك الله أنّه لن ينجو منها إلاّ عباده ، وعباده أولياؤنا.
يا كميل ، وهو قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) (3) ،
__________________
(1) محمّد صلىاللهعليهوآله : 25.
(2) الإسراء : 64.
(3) الإسراء : 65.
وقوله عزّ وجلّ : ( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) (1) .
يا كميل ، انج بولايتنا من أن يشركك الشّيطان في مالك وولدك كما أمر.
يا كميل ، لا تغترّ بأقوام يصلّون فيطيلون ، ويصومون فيداومون ، ويتصدّقون فيحسبون أنّهم موفّقون.
يا كميل ، اقسم بالله تعالى لسمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول : إنّ الشّيطان إذا حمل قوما على الفواحش مثل الزّنا وشرب الخمر والرّبا وما أشبه ذلك من الخنى (2) والمآثم حبّب إليهم العبادة الشّديدة والخشوع والرّكوع والخضوع والسّجود ، ثمّ حملهم على ولاية الأئمة الّذين يدعون إلى النّار ويوم القيامة لا ينصرون.
يا كميل ، إنّه مستقرّ ومستودع واحذر أن تكون من المستودعين.
يا كميل ، إنّما تستحقّ أن تكون مستقرّا إذا لزمت الجادّة الواضحة الّتي لا تخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن منهج ما حملناك عليه ، وما هديناه إليك.
عرض الإمام عليهالسلام في هذا المقطع إلى الشيطان الرجيم ، وما يقوم به من دور في نصب شباكه لصيد الناس وصرفهم عن الله تعالى ، وهو يتصدّى لإغراء الناس ، وصدّهم عن الطريق المستقيم بكافّة وسائل الإغراء ، ويحبّب لهم كلّ شهوة وكلّ
__________________
(1) النحل : 100.
(2) الخنى : الفحش.
ميول واتّجاه لا يتّفق مع ما أمر به الله تعالى. وللشيطان حزبه وأتباعه ، وهم يعيثون فسادا في عقول الناس وضمائرهم ، ويكيدون لهم ، ويمكرون بهم ، وفي الدعاء :
« وأعذني من الشّيطان الرّجيم وهمزه ولمزه ونفثه ، ووسوسته ، وتثبيطه ، وكيده ومكره وحبائله ، وخدعه ، وأمانيه ، وغروره ، وفتنته ، وشركه ، وأحزابه ، وأتباعه ، وأشياعه ، وأوليائه ، وجميع مكائده ».
أعاذنا الله من الشيطان ، وصرف عنّا كيده ومكره.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا رخصة في فرض ولا شدّة في نافلة.
يا كميل ، إنّ الله عزّ وجلّ لا يسألك إلاّ عمّا فرض ، وإنّما قدّمنا عمل النّوافل بين أيدينا للأهوال العظام والطّامة يوم القيامة.
عرض الإمام عليهالسلام إلى الفارق بين الواجب والمندوب ، فالواجب لا مجال لتركه ، فإنّ المكلّف يعاقب إذا لم يأت به ، وأمّا المندوب فإنّه غير ملزم بفعله ، والله تعالى يسأل المكلّفين عن الواجبات ، وأمّا المندوبات فإنّها تكون ستارا وغطاء للإنسان من أهوال يوم القيامة.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، إنّ ذنوبك أكثر من حسناتك وغفلتك أكثر من ذكرك ونعم الله عليك أكثر من كلّ عملك.
يا كميل ، إنّك لا تخلو من نعم الله عزّ وجلّ عندك وعافيته ، فلا تخل من تحميده وتسبيحه وتمجيده وتقديسه وشكره وذكره على كلّ حال.
يا كميل ، لا تكوننّ من الّذين قال الله عزّ وجلّ : ( نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ )
ونسبهم إلى الفسق بقوله : ( أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (1) .
وفي هذا المقطع الدعوة إلى التقوى والعمل الصالح ، والنظر إلى نعم الله المتظافرة على الإنسان التي يجب أن تقابل بالشكر والثناء والتحميد والتمجيد ، ولا يجوز أن يتغاضى عنها لأنّها من شكر المنعم الذي هو واجب عقلا وشرعا.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، ليس الشّأن أن تصلّي وتصوم وتتصدّق ، إنّما الشّأن أن تكون الصّلاة بقلب نقيّ وعمل عند الله مرضيّ وخشوع سويّ ، وإبقاء للجدّ فيها.
يا كميل ، عند الرّكوع والسّجود وما بينهما تبتّلت العروق والمفاصل حتّى تستوفي إلى ما تأتي به من جميع صلواتك.
يا كميل ، انظر فيم تصلّي ، وعلى ما تصلّي إن لم تكن من وجهه وحلّه ، فلا قبول.
يا كميل ، إنّ اللّسان يبوح من القلب ، والقلب يقوم بالغذاء ، فانظر فيما تغذّي قلبك وجسمك فإن لم يكن ذلك حلالا لم يقبل الله تسبيحك ولا شكرك.
حكى هذا المقطع واقع الصلاة وحقيقتها ، وهي أن تؤدّى بخشوع وحضور فكر وإخلاص ، وأنّ المصلّي عليه أن يعرف أنّه ماثل أمام الخالق العظيم ، فلا يشغل فكره في أثناء الصلاة بشئون الدنيا ، كما أنّ على المصلّي أن يكون على بصيرة من غذائه وشرابه وملبسه وأن تكون من حلال فإن كانت من الحرام فلا صلاة له.
__________________
(1) الحشر : 19.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، افهم واعلم أنّا لا نرخّص في ترك أداء الأمانات لأحد من الخلق ، فمن روى عنّي في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النّار بما كذب ، اقسم بالله لسمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثا : يا أبا الحسن ، أدّ الأمانة إلى البرّ والفاجر فيما قلّ وجلّ حتّى الخيط والمخيط.
إنّ الإسلام قد تبنّى مصلحة الإنسان وبناء حياته على واقع مشرق ، وكان من بنود تعاليمه أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وليس من الإسلام في شيء الخيانة وعدم أداء الأمانة.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، لا غزو إلاّ مع إمام عادل ، ولا نفل (1) إلاّ من إمام فاضل.
عرض الإمام عليهالسلام إلى أنّ الغزو يشترط فيه أن يكون مع إمام عادل ، أمّا مع غيره فإنّه غير مشروع.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، الدّين لله فلا تغترنّ بأقوال الامّة المخدوعة الّتي قد ضلّت بعد ما اهتدت ، وأنكرت وجحدت بعد ما قبلت.
إنّ الله تعالى هو الذي شرع الدين وفرض أحكامه وتعاليمه ، وليس للامّة أي مجال في التسرّف في أي بند من بنوده خصوصا القيادة الروحية والزمنية ، فقد
__________________
(1) النفل : الغنيمة.
قلّدها الله تعالى إلى إمام الحقّ الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، ولكنّ الامّة لم تذعن لذلك ، واتّبعت غيره ، فعانت من الخطوب والأزمات ما لا توصف لمرارتها.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، الدّين لله فلا يقبل الله من أحد القيام به إلاّ رسولا أو نبيّا أو وصيّا.
إنّ الدين هو مجموعة من المبادئ والأنظمة إنّما يبلّغه إلى الناس النبيّ أو وصيّه ، وليس لأي أحد أن يتولّى إذاعته وتبليغه غيرهما.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، هي نبوّة ورسالة وإمامة ولا بعد ذلك إلاّ متولّين ومتغلّبين وضالّين ومعتدين.
وهذه الكلمات متمّمات لما تقدّم من أنّ الدين نبوّة وإمامة لا غير ذلك.
يا كميل ، إنّ النّصارى لم تعطّل الله تعالى ، ولا اليهود ، ولا جحدت موسى ولا عيسى ، ولكنّهم زادوا ونقصوا وحرّفوا وألحدوا ، فلعنوا ومقتوا ولم يتوبوا ولم يقبلوا.
يا كميل ، إنّما يتقبّل الله من المتّقين.
يا كميل ، إن آباءنا آدم لم يلد يهوديا ولا نصرانيّا ، ولا كان ابنه إلاّ حنيفا مسلما ، فلم يقم بالواجب عليه ، فأدّاه ذلك إلى أن لم يقبل الله قربانه ، بل قبل من أخيه فحسده وقتله ، وهو من المسجونين في الفلق الّذين عددهم اثنا عشر : ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين ، والفلق الأسفل من النّار ، ومن بخاره حرّ جهنّم ، وحسبك فيما حرّ جهنّم من بخاره.
حكى هذا المقطع تحريف اليهود والنصارى لما انزل على أنبيائهم فزادوا ونقصوا حتى تشوّهت شريعة موسى وعيسى ، واستحقّوا بذلك اللعنة والمقت من الله تعالى ، كما حكى هذا المقطع حسد ابن آدم لأخيه ، وقد ألقاه الحسد في شرّ عظيم فقتل أخاه فكان جزاؤه الخلود في نار جهنّم.
يقول عليهالسلام :
يا كميل ، نحن والله الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون ..
يا كميل ، إنّ الله كريم حليم عظيم رحيم دلّنا على أخلاقه وأمرنا بالأخذ بها وحمل النّاس عليها ، فقد أدّيناها غير متخلّفين وأرسلناها غير منافقين ، وصدّقناها غير مكذّبين وقبلناها غير مرتابين ، لم يكن لنا والله! شياطين نوحي إليها ، وتوحي إلينا كما وصف الله تعالى قوما ذكرهم الله عزّ وجلّ بأسمائهم في كتابه ( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) (1) .
عرض الإمام عليهالسلام إلى أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة ، المتّقين المحسنين ، وأنّهم أدّوا رسالة الله تعالى على الوجه الأكمل ، لعباده فلم يقصروا ولم يتوانوا في أدائها. يقول عليهالسلام :
يا كميل ، نحن الثّقل الأصغر ، والقرآن الثّقل الأكبر ، وقد أسمعهم رسول الله صلىاللهعليهوآله وجمعهم فنادى الصّلاة جامعة يوم كذا وكذا ، وأيّام سبعة كذا وكذا فلم يتخلّف أحد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : معاشر النّاس! إنّي مؤدّ عن ربّي عزّ وجلّ ، ولا مخبر
__________________
(1) الأنعام : 112.
عن نفسي ، فمن صدّقني فقد صدّق الله ، ومن صدّق الله أثابه الجنان ، ومن كذّبني كذّب الله عزّ وجلّ ، ومن كذّب الله أعقبه النّيران ، ثمّ ناداني فصعدت فأقامني دونه ، ورأسي إلى صدره والحسن والحسين عن يمينه وشماله ، ثمّ قال : معاشر النّاس! أمرني جبرئيل عن الله عزّ وجلّ أنّه ربّي وربّكم أن اعلمكم أنّ القرآن هو الثّقل الأكبر ، وأنّ وصيّي هذا وابناي من خلفهم من أصلابهم أوصيائي ، وهم الثّقل الأصغر ، يشهد الثّقل الأكبر للثّقل الأصغر ، ويشهد الثّقل الأصغر للثّقل الأكبر ، كلّ واحد منهم ملازم لصاحبه غير مفارق له حتّى يردا إلى الله فيحكم بينهما وبين العباد.
يا كميل ، فإذا كنّا كذلك فعلام يتقدّمنا من تقدّم ، وتأخّر عنّا من تأخّر؟
يا كميل ، قد أبلغهم رسول الله صلىاللهعليهوآله رسالة ربّه ونصح لهم ولكن لا يحبّون النّاصحين.
يا كميل ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لي قولا والمهاجرون والأنصار متوافرون يوما بعد العصر يوم النّصف من شهر رمضان وهو قائم على قدميه فوق منبره ، عليّ منّي ، وابناي منه ، والطّيّبون منّي ، وأنا منهم ، وهم الطّيّبون بعد امّهم ، وهم سفينة من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هوى ، الناجي في الجنّة ، والهاوي في لظى.
يا كميل ، الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
يا كميل ، علام يحسدوننا والله أنشأنا قبل أن يعرفونا ، فتراهم بحسدهم إيّانا عن ربّنا يزيلوننا؟
وأضاف الإمام قائلا :
يا كميل ، نحن والله! الحقّ الّذي قال الله عزّ وجلّ : ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ ) .
عرض الإمام في هذا المقطع إلى فضل أهل البيت صلوات الله عليهم وسموّ مكانتهم عند الله تعالى ، وعند رسوله صلىاللهعليهوآله وأنّهم سفن النجاة وأمن العباد ...
وبهذا نطوي البحث عن معظم وصيّة الإمام عليهالسلام لتلميذه العالم كميل بن زياد النخعي ، وهي من ذخائر الوصايا الإسلامية (1) ، وينتهي بنا الحديث عن بعض وصاياه التربوية التي عالجت الكثير من مشاكل المجتمع والفرد ووضعت الاسس التربوية السليمة لإصلاح الإنسان.
__________________
(1) بحار الأنوار 77 : 266 ـ 276.
مواعظه
أمّا مواعظ الإمام عليهالسلام فإنّها تجلو القلوب ، وتهذّب البصائر ، وتسمو بالإنسان إلى أسمى مراتب الكمال ، وكان لها التأثير البالغ في نفوس العارفين والمتّقين ، كان منهم همّام ، وهو من خيار أصحاب الإمام في عبادته وتقواه ، فقد طلب من الإمام أن يصف له المتّقين والصالحين ، فتثاقل من إجابته لعلمه بما تتركه في دخائل نفسه من أثر قد يقضي عليه ، وكرّر همام الطلب فاستجاب له الإمام فوصفهم بأبلغ وصف وأروع بيان ، وحكى له واقع عبادتهم وطاعتهم لله تعالى ، فأثر خطاب الإمام في نفس همّام ، وشهق شهقة وتوفّي ، وهكذا كانت مواعظ الإمام بلسما لقلوب المتّقين والمنيبين ، ونحن نسجّل بعض مواعظه :
حال الإنسان في الدنيا
وصف الإمام عليهالسلام وصفا دقيقا وملمّا لحياة الإنسان في الدنيا ، قال عليهالسلام :
إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتصل فيه المنايا ، ونهب للمصائب ، ومع كلّ جرعة شرق. وفي كلّ أكلة غصص. ولا ينال العبد فيها نعمة إلاّ بفراق اخرى ، ولا يستقبل يوما من عمره إلاّ بهدم آخر من أجله. فنحن أعوان الحتوف ، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء ؛ فمن أين نرجو البقاء وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعا من شيء شرفا إلاّ أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا ، وتفريق ما جمعا؟! فاطلبوا الخير وأهله ، واعلموا أنّ خيرا من الخير معطيه ،
وشرّا من الشّرّ فاعله ... » (1) .
وفي هذه الكلمات المشرقة إيقاظ للنفوس التي فتنت بحبّ الدنيا وتحذير لها من غرورها وآثامها ، فإنّ الإنسان مهما بلغ من متع الدنيا من المال والجاه فإنّه غرض لنصول المنايا ، وهدف للمصائب والكوارث ، وأيامه معدودة فلا ينقضي عنه يوم إلاّ نقص من عمره.
اتّباع الهوى
حذّر الإمام عليهالسلام من اتّباع الهوى وطول الأمل ، لقد جهد الإمام عليهالسلام على إرشاد الناس ووعظهم وتحذيرهم من الوقوع في متاهات سحيقة من مآثم هذه الحياة.
قال عليهالسلام : « إنّ أخوف ما أخاف عليكم : اتّباع الهوى ، وطول الأمل ».
طوبى للزاهدين في الدنيا
روى نوف البكالي وهو من خيار أصحاب الإمام عليهالسلام قال : رأيت عليّ بن أبي طالب عليهالسلام خرج في غلس الليل ناظرا إلى النجوم ، فقال له :
« يا نوف ، أراقد أنت أم رامق؟ ».
ـ بل رامق يا أمير المؤمنين :
« يا نوف طوبى للزّاهدين في الدّنيا ، الرّاغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتّخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن شعارا (2) ، والدّعاء دثارا ، ثمّ قرضوا (3) الدّنيا قرضا على منهاج المسيح
__________________
(1) ذيل الأمالي 2 : 54.
(2) الشعار : ما يلي البدن من الثياب.
(3) أي مزّقوا الدنيا على طريقة المسيح عليهالسلام في العبادة.
عليهالسلام .
يا نوف ، إنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى أن مر بني إسرائيل أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، وأيد نقيّة ، فإنّي لا أستجيب لأحد منهم ، ولا لأحد من خلقي عنده مظلمة ... » (1) .
وحفلت هذه الوصية بالدعوة إلى الزهد في الدنيا ، وعدم الاندفاع إلى مباهجها ، فإنّها وما فيها من متع ورغبات إنّما هي ظلّ زائل لا قرار لها ، والخلود والبقاء إنّما هو في الدار الآخرة التي أعدّها الله للمتّقين والصالحين من عباده.
الزهد في الدنيا
وزهد الإمام في الدنيا ، وأقبل على الله تعالى بعواطفه ومشاعره ، وكان يدعو بهذا الدعاء لوعظ العامّة ، قال عليهالسلام :
« اللهمّ إنّي أسألك سلوا عن الدّنيا ، ومقتا لها ، فإنّ خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ، وصفوها يتكدّر ، وجديدها يخلق ، وما فات فيها لم يرجع ، وما نيل فيها فتنة إلاّ من أصابته منك عصمة ، وشملته منك رحمة ، فلا تجعلني ممّن رضي بها ، واطمأنّ إليها ، ووثق بها ، فإنّ من اطمأنّ إليها خانته ، ومن وثق بها غرّته » (2) .
وحكت هذه الكلمات مدى عزوف الإمام عليهالسلام عن الدنيا ومقته لمباهجها ، فليس فيها متعة يصبو إليها إمام المتّقين وسيّد العارفين سوى إقامة الحقّ ، وتأسيس معالم العدل.
__________________
(1) حلية الأولياء 1 : 79.
(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ـ باب الدعاء : 274.
موعظته لرجل شيّع جنازة وهو يضحك
وشيّع الإمام عليهالسلام جنازة فرأى رجلا يضحك ، فساءه ذلك ، ووعظه بهذه الكلمات المشرقة ، قال عليهالسلام :
« كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، وكأنّ الّذي نرى من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون! نبوّئهم أجداثهم ، ونأكل تراثهم ، كأنّا مخلّدون بعدهم ثمّ قد نسينا كلّ واعظ وواعظة ، ورمينا بكلّ جائحة (1) !! » (2) .
إنّ الموت أكبر واعظ للإنسان لو كان يملك فكره ، لكنّه لم يحفل به ، وكثيرون من الناس في أثناء مسيرتهم في تشييع الموتى يتعاطون أحاديث الدنيا ، ولا يتّعظون بالموت ، فكأنّه قد كتب على غيرهم.
مع رجل يذمّ الدنيا
سمع الإمام عليهالسلام رجلا يذمّ الدنيا ، ولم يكن ذمّه عن واقع وإيمان ، فقال عليهالسلام له :
« أيّها الذّامّ للدّنيا ، المغترّ بغرورها ، المخدوع بأباطيلها! أتغترّ بالدّنيا ثمّ تذمّها؟ أنت المتجرّم عليها ، أم هي المتجرّمة عليك (3) ؟ متى استهوتك ، أم متى غرّتك؟ أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى؟ كم علّلت بكفّيك ، وكم مرّضت بيديك! تبتغي لهم
__________________
(1) الجائحة : الآفة.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 4 : 28.
(3) التجرّم : الذنب.
الشّفاء ، وتستوصف لهم الأطبّاء ، غداة لا يغني عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاؤك.
لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوّتك! وقد مثّلت لك به الدّنيا نفسك (1) ، وبمصرعه مصرعك.
إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها مسجد أحبّاء الله ، ومصلّى ملائكة الله ، ومهبط وحي الله ، ومتجر أولياء الله.
اكتسبوا فيها الرّحمة ، وربحوا فيها الجنّة. فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها (2) ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ؛ فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقتهم بسرورها إلى السّرور؟! راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ، فذمّها رجال غداة النّدامة (3) ، وحمدها آخرون يوم القيامة.
ذكّرتهم الدّنيا فتذكّروا ، وحدّثتهم فصدّقوا ، ووعظتهم فاتّعظوا ... » (4) .
تحدّث الإمام عليهالسلام عن الدنيا وأنّها دار زوال وفناء ، فالمغرور من غرّته ، والشقيّ من فتن بها ، والسعيد من خشي ربّه ، وعمل صالحا واهتدى فإنّها تكون دار تجارة وربح له.
__________________
(1) المعنى : أنّ الدنيا قد جعلت الهالك قبلك مثالا لنفسك.
(2) المراد : أنّ الدنيا قد أعلمت أهلها ببينها ، أي بزوالها وفنائها.
(3) يعني : أهل الدنيا ذمّوها عند ما أصبحوا نادمين على ما فرّطوا فيها.
(4) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 4 : 31 ـ 32.
ما بعد الموت
ووصف الإمام عليهالسلام الحالة الراهنة للإنسان بعد موته ، قال عليهالسلام :
« فإنّكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم (1) ، وسمعتم وأطعتم ، ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا ، وقريب ما يطرح الحجاب! ولقد بصّرتم إن أبصرتم ، وأسمعتم إن سمعتم ، وهديتم إن اهتديتم ، وبحقّ أقول لكم : لقد جاهرتكم العبر ، وزجرتم بما فيه مزدجر. وما يبلّغ عن الله بعد رسل السّماء إلاّ البشر » (2) .
حكت هذه الكلمات القوّة البالغة لحالة الإنسان بعد وفاته ، وما يعانيه من الكوارث والمصائب من جرّاء ما اقترفه في دار الدنيا من الآثام والذنوب.
إدبار الدنيا
ومن مواعظه الخالدة هذه الموعظة التي تحدّث فيها عن إدبار الدنيا ، والدعوة إلى العمل الصالح ، قال عليهالسلام :
« أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا قد أدبرت ، وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أشرفت باطّلاع ، ألا وإنّ اليوم المضمار ، وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة (3) ، والغاية النّار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته! ألا عامل لنفسه قبل
__________________
(1) وهلتم : أي خفتم.
(2) نهج البلاغة 1 : 57.
(3) السبقة : هي الغاية التي يجب السباق إليها.
يوم بؤسه! ألا وإنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ، ولم يضرره أجله. ومن قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله ، وضرّه أجله. ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ، ألا وإنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، ومن لا يستقم به الهدى ، يجرّ به الضّلال إلى الرّدى. ألا وإنّكم قد أمرتم بالظّعن ، ودللتم على الزّاد. وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتّباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ».
وعلّق الشريف الرضي على هذا المقطع من كلامه عليهالسلام بقوله :
أقول : إنّه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتعاظ والازدجار ، ومن قوله عليهالسلام : « ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة والغاية النّار » فإن فيه ـ مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل ، وواقع التشبيه ـ سرّا عجيبا ، ومعنى لطيفا ، وهو قوله عليهالسلام : « والسّبقة الجنّة ، والغاية النّار » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : « السّبقة النّار » كما قال : « السّبقة الجنّة » ، لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجودا في النار ، نعوذ بالله منها! فلم يجز أن يقول : « والسّبقة النّار » بل قال : « والغاية النّار » ؛ لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، ومن يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال الله تعالى : ( قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم ـ بسكون الباء ـ إلى النار ، فتأمل ذلك. فباطنه عجيب ، وغوره بعيد لطيف. وكذلك أكثر كلامه عليهالسلام (1) .
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 71 ـ 73.
تصرّم الدنيا
خطب الإمام عليهالسلام أصحابه بهذه الخطبة البليغة وقد وعظهم بها ، وحذّرهم من غرور الدنيا وفتنها وشرورها ، قال عليهالسلام :
« ألا وإنّ الدّنيا قد تصرّمت ، وآذنت بوداع وتنكّر معروفها ، وأدبرت حذّاء (1) ، فهي تحفز بالفناء سكّانها ، وتحدر بالموت جيرانها ، وقد أمرّ فيها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلاّ سملة كسملة الإداوة (2) ، أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع (3) . فأزمعوا عباد الله الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزّوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم فيها الأمد.
فو الله لو حننتم حنين الولّه العجال ، ودعوتم بهديل الحمام ، وجأرتم جؤار متبتّل الرّهبان ، وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه ، وحفظتها رسله ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه ، وأخاف عليكم من عقابه.
والله لو انماثت قلوبكم انمياثا (4) ، وسالت عيونكم من رغبة إليه أو
__________________
(1) الحذاء : السرعة.
(2) السملة : بقيّة الماء في الحوض.
(3) التمزّز : الامتصاص قليلا قليلا. الصديان : العطشان.
(4) انماثت : أي ذابت.
رهبة منه دما ، ثمّ عمّرتم في الدّنيا ، ما الدّنيا باقية ، ما جزت أعمالكم عنكم ـ ولو لم تبقوا شيئا من جهدكم ـ أنعمه عليكم العظام ، وهداه إيّاكم للإيمان » (1) .
إنّ مواعظ الإمام عليهالسلام تنفذ إلى أعماق النفوس ودخائل القلوب لأنّها من إمام المتّقين وسيّد الواعظين فلم يفه بنصيحة أو موعظة إلاّ طبّقها على نفسه الشريفة قبل أن يذيعها إلى الناس.
المبادرة إلى الأعمال الصالحة
ومن مواعظه الجليلة هذه الخطبة الحافلة بالدعوة إلى تقوى الله تعالى ، والتزوّد من أعمال الخير ، قال عليهالسلام :
« واتّقوا الله عباد الله ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحّلوا فقد جدّ بكم (2) ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم (3) ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا ، فإنّ الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلاّ الموت أن ينزل به. وإنّ غاية تنقصها اللّحظة ، وتهدمها السّاعة ، لجديرة بقصر المدّة (4) .
وإنّ غائبا يحدوه الجديدان : اللّيل والنّهار ، لحريّ بسرعة الأوبة.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 101 ـ 102.
(2) فقد جدّ بكم : أي أسرع بكم إلى الرحيل عن هذه الدنيا.
(3) فقد أظلّكم : أي قرب منكم حتى كأنّ له ظلّ قد ألقاه عليكم.
(4) المراد : أنّ كلّ لحظة تمرّ بالإنسان فإنّها تنقص حياته وتقرّبه إلى الدار الآخرة.
وإنّ قادما يقدم بالفوز أو الشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة. فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ، ما تحرزون به أنفسكم غدا ، فاتّقى عبد ربّه ، نصح نفسه ، وقدّم توبته ، وغلب شهوته ، فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشّيطان موكّل به ، يزيّن له المعصية ليركبها ، ويمنّيه التّوبة ليسوّفها (1) ، إذا هجمت منيّته عليه ، أغفل ما يكون عنها.
فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة ، وأن تؤدّيه أيّامه إلى الشّقوة ،! نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره (2) نعمة ، ولا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية ، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة » (3) .
وأنت ترى في هذه الكلمات من صنوف الوعظ والإرشاد ما لا نجده في كلام أي واعظ ، فقد حفلت بالدعوة إلى الإسراع إلى طاعة الله ، والاجتناب عن معاصيه والتبصّر بما يواجهه الإنسان في قبره من السؤال عن أعماله في دار الدنيا ، فإن كانت حسنة لاقى مصيره المشرق ، وإن كانت سيّئة عادت عليه بالعذاب والشقاء.
صفة الدنيا
وصف الإمام عليهالسلام الدنيا وصفا رائعا ودقيقا ، قال عليهالسلام :
ما أصف من دار أوّلها عناء! وآخرها فناء! في حلالها حساب ،
__________________
(1) يسوّفها : أي يؤجّلها.
(2) تبطره : أي تطغيه.
(3) نهج البلاغة 1 : 109 ـ 111.
وفي حرامها عقاب. من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته (1) ، ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر بها بصّرته ، ومن أبصر إليها أعمته.
علّق الشريف الرضي على هذه الكلمات البليغة بقوله :
أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله عليهالسلام : « ومن أبصر بها بصّرته » وجد تحته من المعنى العجيب ، والغرض البعيد ، ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره ، ولا سيّما إذا قرن إليه قوله : « ومن أبصر إليها أعمته » فإنه يجد الفرق بين « أبصر بها » و« أبصر إليها » واضحا نيرا ، وعجيبا باهرا! (2) .
وصفه للموت وما بعده
من خطبه البالغة الأهمّية في الوعظ والإرشاد هذه الخطبة العجيبة التي سمّيت بالغراء ، وفيها وصف رائع لحالة الإنسان وشئون حياته ، وما يعقب من صحّته وسقمه وموته ، وغير ذلك ممّا يجري عليه ، انظروا إلى هذه الخطبة ، قال عليهالسلام :
« اوصيكم عباد الله بتقوى الله الّذي ضرب لكم الأمثال ، ووقّت لكم الآجال ، وألبسكم الرّياش ، وأرفع لكم المعاش (3) ، وأحاطكم بالإحصاء (4) ، وأرصد لكم الجزاء ، وآثركم بالنّعم السّوابغ ، والرّفد
__________________
(1) ومن ساعاها فاتته : المراد أنّه من جدّ في طلب الدنيا فاتته ، أي سبقته ، فإنّه كلّما نال منها شيئا فتحت له أبواب الأمل فيها.
(2) نهج البلاغة 1 : 130 ـ 131.
(3) أرفع لكم : أي أوسع لكم.
(4) أحاطكم بالإحصاء : أي أحصى بدقّة أعمالكم.
الرّوافع (1) ، وأنذركم بالحجج البوالغ ، فأحصاكم عددا ، ووظّف لكم مددا ، في قرار خبرة ، ودار عبرة ، أنتم مختبرون فيها ، ومحاسبون عليها. فإنّ الدّنيا رتق (2) مشربها ، ردغ (3) مشرعها ، يونق (4) منظرها ، ويوبق مخبرها. غرور حائل ، وضوء آفل ، وظلّ زائل ، وسناد مائل ، حتّى إذا أنس نافرها ، واطمأنّ ناكرها ، قمصت بأرجلها ، وقنصت بأحبلها ، وأقصدت بأسهمها ، وأعلقت المرء أوهاق المنيّة (5) قائدة له إلى ضنك المضجع ، ووحشة المرجع ، ومعاينة المحلّ ، وثواب العمل.
وأضاف الإمام قائلا :
فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حواني الهرم؟ وأهل غضارة الصّحّة إلاّ نوازل السّقم؟ وأهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء؟ مع قرب الزّيال (6) ، وأزوف الانتقال ، وعلز الفلق (7) ، وألم المضض ، وغصص الجرض (8) وتلفّت الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء ، والأعزّة والقرناء! فهل دفعت الأقارب ، أو نفعت النّواحب (9) ، وقد غودر في محلّة الأموات
__________________
(1) الروافع : هي الامور الواسعة.
(2) الرتق : الكدر.
(3) الردغ : كثرة الطين.
(4) يونق : يعجب.
(5) أوهاق المنية : أي حبالها.
(6) الزيال : المفارقة.
(7) علز الفلق : شدّته وصرامته.
(8) الجرض : الريق.
(9) النواحب : النائحات.
رهينا ، وفي ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته ، وأبلت النّواهك جدّته ، وعفت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه ، وصارت الأجساد شحبة بعد بضّتها ، والعظام نخرة بعد قوّتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سيّئ زللها! أو لستم أبناء القوم والآباء ، وإخوانهم والأقرباء؟ تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قدّتهم ، وتطئون جادّتهم؟! فالقلوب قاسية عن حظّها ، لاهية عن رشدها ، سالكة في غير مضمارها! كأنّ المعنيّ سواها ، وكأنّ الرّشد في إحراز دنياها.
واعلموا أنّ مجازكم على الصّراط ومزالق دحضه ، وأهاويل زلله ، وثارات أهواله ؛ فاتّقوا الله عباد الله تقيّة ذي لبّ شغل التّفكّر قلبه ، وأنصب الخوف بدنه ، وأسهر التّهجّد غرار نومه ، وأظمأ الرّجاء هواجر يومه ، وظلف الزّهد شهواته ، وأوجف الذّكر بلسانه ، وقدّم الخوف لإبانه » (1) .
وحفلت هذه المواعظ بجميع ألوان النصح والإرشاد ليستقيم الإنسان في سلوكه ، ولا يندفع وراء التيارات العاطفية والشهوات النفسية ليكون بمأمن من عذاب الله وغضبه ، وفي آخر هذه الخطبة فصول مروعة من حياة الإنسان ، وما يعقبها من الفناء والرحيل عن هذه الدنيا.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 133 ـ 141.
الاتّعاظ بالعبر
ومن خطبة له يعظ فيها أصحابه جاء فيها :
« فاتّعظوا عباد الله بالعبر النّوافع ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة ، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة ، ودهمتكم مفظعات الأمور ، والسّياقة إلى الورد المورود ، فـ ( كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ) (1) : سائق يسوقها إلى محشرها ؛ وشاهد يشهد عليها بعملها » (2) .
وفي هذه الكلمات دعوة إلى الاتّعاظ بالعبر وما أكثرها ، وهي لو تبصّرها الإنسان ووعاها لما اقترف الجرائم والموبقات وهام في ميادين الرذائل والآثام.
رفض الدنيا
ومن مواعظه هذه الخطبة التي حذّر فيها من التهالك على حبّ الدنيا التي ليست إلاّ سرابا يحسبه الضمآن ماء ، فما هي إلاّ لحظات من عمر الزمن حتى يتركها الإنسان ويذهب إلى قبره ، قال عليهالسلام :
« عباد الله ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم وإن لم تحبّوا تركها ، والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبّون تجديدها ، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه (3) ، وأمّوا علما (4)
__________________
(1) ق : 21.
(2) نهج البلاغة 1 : 148.
(3) السفر ـ بالفتح ـ : جماعة المسافرين.
(4) أمّوا : أي قصدوا.
فكأنّهم قد بلغوه.
وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتّى يبلغها! وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، وطالب حثيث من الموت يحدوه ، ومزعج في الدّنيا حتّى يفارقها رغما! فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرّائها وبؤسها ، فإنّ عزّها وفخرها إلى انقطاع ، وإنّ زينتها ونعيمها إلى زوال ، وضرّاءها وبؤسها إلى نفاد ، وكلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، وكلّ حيّ فيها إلى فناء.
أوليس لكم في آثار الأوّلين مزدجر ، وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر ، إن كنتم تعقلون! أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقين لا يبقون! أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدّنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ؛ وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي! » (1) .
ونكتفي بهذه النماذج من مواعظه ونصائحه التي هي جزء من أنظمته التربوية الهادفة لإشاعة الإصلاح ، وتهذيب النفوس وتوازنها في سلوكها لتبتعد عن شرور الحياة ومآثمها.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 191 ـ 192.
حكمه القيّمة
بلغت حكم الإمام عليهالسلام قمّة الجمال في روعتها وأصالتها وبما احتوت عليه من محاسن الفكر والآداب ، بالإضافة إلى سموّ فصاحتها وبلاغتها وإنّا لا نجد من روائع الفكر السليم والمنطق المحكم مثل ما نجده في حكم الإمام التي تمثّل العبقرية بأسمى صورها والإلهام بأروع معانيه وهذه أمثلة منها :
[1] قيمة المرء ما يحسنه :
قال عليهالسلام : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه .
هذه الكلمة من روائع الأدب العلوي ، قال محمّد بن حفصة : لا نعرف كلمة بعد القرآن وبعد كلام رسول الله صلىاللهعليهوآله أخصر لفظا ولا أعمّ نفعا من قول أمير المؤمنين قيمة كلّ امرئ ما يحسنه . وكان ينشد :
قيمة المرء مثل ما يحسن المرء |
قضاء من الوصيّ عليّ (1) |
ونظم العبدليّ هذه الكلمة الذهبية بقوله :
قال عليّ بن أبي طالب |
و هو الإمام العالم المتقن |
|
كلّ امرئ قيمته عندنا |
و عند أهل العقل ما يحسن (2) |
ونظم شاعر آخر هذه الكلمة بقوله :
__________________
(1) و (2) نور القبس المختصر من المقتبس ـ المرزباني : 168.
فيا لائمي دعني اغالي بقيمتي |
فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه (1) |
إنّ هذه الكلمة الذهبية من مناجم الأدب العلوي الذي أضاء سماء الفكر الإسلامي ، وعلّق عليها الجاحظ بقوله :
وأجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا ، ولا أكثر ريعا ، ولا أعلم نفعا ، ولا أحثّ على بيان ، ولا أهجى لمن ترك التفهم ، وقصر في الافهام من قول عليّ : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه (2) .
[2] العلم أكثر من أن يحصى :
قال عليهالسلام : العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كلّ شيء أحسنه (3) .
إنّ هذه الكلمة من محاسن الأدب العلوي ، وقد نظمها بعض الشعراء بقوله :
ما حوى العلم جميعا رجل |
لا ولو مارسه ألف سنه |
|
إنّما العلم بعيد غوره |
فخذوا من كلّ شيء أحسنه (4) |
وليس من شكّ أنّ الإمام عليهالسلام وقف على واقع الفكر المتطوّر فاختار أثمن ما فيه.
[3] رأي الشيخ :
قال عليهالسلام : رأي الشّيخ خير من مشهد الغلام (5) .
__________________
(1) صبح الأعشى 1 : 89.
(2) رسائل الجاحظ 3 : 29.
(3) التمثيل والمحاضرة ـ الثعالبي : 165.
(4) أمثال الميداني 1 : 267. البيان والتبيين 2 : 65.
(5) في رسائل الجاحظ : رأي الشيخ الضعيف أحبّ إلينا من جلد الشباب القويّ. وقريب من ذلك في نهاية الأرب 6 : 75.
ومن المؤكّد أنّ هذه الكلمة من روائع الحكم ، فإنّ الغلام لم تهذّبه الأيام ، ولم تصقله التجارب ، بخلاف الشيخ الطاعن في السنّ الذي مرّت عليه الأيام بثقلها ، وعرف واقع الحياة فهو أدرى بالامور من الغلام.
[4] المرء الذي لا يعرف قدره :
قال عليهالسلام : هلك امرؤ لم يعرف قدره.
من روائع الحكم هذه الكلمة ، فإنّ جهل الإنسان بنفسه يقوده إلى الهلاك والدمار ، ويلقيه في شرّ عظيم.
[5] الناس أعداء ما جهلوا :
قال عليهالسلام : النّاس أعداء ما جهلوا.
وألمّت هذه الكلمة بواقع حياة الناس ، فهم في كلّ زمان ومكان أعداء ما جهلوه من الحقائق ، ولا أقل من أنّهم لا يقيمون لها وزنا ولا يحفلون بها.
[6] من عرف نفسه عرف ربّه :
قال عليهالسلام : من عرف نفسه عرف ربّه.
إنّ معرفة الخالق العظيم تكمن بمعرفة الإنسان لنفسه ، وما فيه من الأجهزة العجيبة التي تدلّل بصورة واضحة على وجود العظيم المبدع لخلق الإنسان ، يقول عليهالسلام :
أتحسب أنّك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر؟ |
إنّ الإنسان إذا تأمّل في خلق نفسه فإنّه يصل ـ من دون شكّ ـ إلى معرفة الخالق الحكيم.
[7] إغاثة الملهوف :
قال عليهالسلام : من كفّارات الذّنوب العظام إغاثة الملهوف ، والتّنفيس عن المكروب (1) .
إنّ إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب من أفضل الأعمال عند الله تعالى ومن أحبّها إليه ، ولها الآثار الوضعية المهمّة التي منها دفع البلاء في الدنيا وكفّارة الذنوب العظام في دار الآخرة.
[8] وصف الدنيا :
قال عليهالسلام : ما أصف من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء؟ في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب. من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن (2) .
وهذا الوصف دقيق للغاية ، وملمّ بواقع الحياة الدنيا التي لم يعرف حقيقتها وكنهها سوى إمام المتّقين وسيّد العارفين صلوات الله عليه.
[9] الزاهدون في الدنيا :
قال عليهالسلام : الزّاهدون في الدّنيا قوم وعظوا فاتّعظوا ، وأيقنوا فعملوا ،
__________________
(1) البصائر والذخائر ـ أبو حيّان التوحيدي : 111.
(2) نصرة الثائر على المثل السائر : 116.
إن نالهم يسر شكروا ، وإن نالهم عسر صبروا (1) .
وأحاط كلام الإمام عليهالسلام بحقيقة الزاهدين في الدنيا فقد طلّقوها وابتعدوا عن زخارفها وملاذها.
[10] عطاء الله في الدنيا والآخرة :
قال عليهالسلام : إنّ الله عزّ وجلّ يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ ، ولا يعطي الآخرة إلاّ من يحبّ ، وقد يجمعهما الله لأقوام (2) .
إنّ الله تعالى يعطي زينة الحياة الدنيا من مال وبنين لمن أحبه ومن جحده ، أمّا الآخرة فلا ينال ما فيها من نعيم وبقاء إلاّ من أحبّه الله تعالى ورضي عنه.
[11] الراحة والبؤس :
قال عليهالسلام : ما أقرب الرّاحة من التّعب والبؤس من النّعم والموت من الحياة (3) !
على الإنسان أن لا يطمئنّ إلى سعادة الحياة الدنيا! فما أسرع أن يعقب الراحة التعب! والنعم بؤسا! والحياة موتا!
[12] حقّ الصديق :
قال عليهالسلام : قليل للصّديق الوقوف على قبره .. (4)
__________________
(1) بهجة المجالس 3 : 301.
(2) المصدر السابق 3 : 381.
(3) النجوم الزاهرة 8 : 257.
(4) البصائر والذخائر : 25.
إنّ للصديق حقّا على صديقه ، ومن حقّه بعد وفاته ، الوقوف على قبره مع إهداء سورة الفاتحة له.
[13] أعجز الناس :
قال عليهالسلام : أعجز النّاس من عجز عن اكتساب الإخوان ، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم (1) .
إنّ من يعجز عن اكتساب الاخوان والأصدقاء فهو من أعجز الناس ، وأعجز منه المضيّع لإخوانه وأصحابه.
[14] الملك والدين :
قال عليهالسلام : الملك والدّين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر ، فالدّين آس ـ أي رأس ـ والملك حارس ، فمن لم يكن له آس فمهدوم ، ومن لم يكن له حارس فضائع (2) .
وهذا الكلام تصوير رائع للحكم القائم على الدين والحكم المجرّد منه.
[15] الكلام :
قال عليهالسلام : لو لا أنّ الكلام يعاد لنفد الكلام.
إنّ إعادة كلمات الكلام وجمله وحروفه هي التي حفظت بقاءه.
__________________
(1) الأمالي ـ أبي علي القالي 3 : 111.
(2) بهجة المجالس 1 : 332.
[16] الدهر يومان :
قال عليهالسلام : الدّهر يومان : يوم لك ، ويوم عليك ؛ فإذا كان لك فلا تبطر ، وإذا كان عليك فاصبر! فبكلاهما أنت مختبر (1) .
وحفل كلام الإمام عليهالسلام بوصف دقيق لحياة الإنسان فإنّها يومان : يوم سعادة ويوم شقاء ، وينبغي له أن لا يتبطّر في أيام سعادته ولا يجزع في أيام شقائه.
[17] الجاهل والعالم :
قال عليهالسلام : قصم ظهري رجلان : جاهل متنسّك وعالم متهتّك ، فالجاهل يغرّ النّاس بنسكه ، والعالم ينفّرهم بتهتكه (2) .
إنّ الجاهل المتنسّك الذي لا معرفة له بأحكام الدين فإنّ أعماله ـ على الأكثر ـ مخالفة للواقع ، ويكون موردا لإغراء الناس ، وأمّا العالم المتهتّك الذي يقترف الآثام فإنّه يضلّل الرأي العامّ بسلوكه.
[18] العبادة مع العلم :
قال عليهالسلام : لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا خير في علم لا فهم فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها (3) .
إنّ العبادة إذا لم تكن مشفوعة بالعلم والمعرفة فلا خير فيها ، كذلك العلم إذا لم يكن عن وعي وفهم لا خير فيه ، كما لا خير
__________________
(1) البصائر والذخائر : 155.
(2) مفتاح السعادة ومصباح السيادة 1 : 49.
(3) حلية الأولياء 1 : 77.
في قراءة لا تدبّر فيها.
[19] طرائف الحكمة :
قال عليهالسلام : أجمّوا (1) هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة ، فإنّها تملّ كما تملّ الأبدان (2) .
إنّ القلوب يعتريها النصب والعناء ، وأبدع وصفة لها أن تعرض عليها طرائف الحكم ونوادر العلماء ، فإنّها تحسم ما بها من عناء.
[20] التفكّر :
قال عليهالسلام : نبّه بالتّفكّر قلبك ، وجاف عن النّوم جنبك ، واتّق الله تعالى ربّك (3)
إنّ التفكّر في عجائب مخلوقات الله تعالى يدعو إلى الإيمان المطلق بالخالق العظيم ، كما أنّ مجافاة النوم ممّا يزيد على الإقبال على الله تعالى.
[21] الاستغفار :
قال عليهالسلام : أتعجّب ممّن يهلك ومعه النّجاة ، فقيل له : وما هي؟ قال : الاستغفار (4) .
إنّ الاستغفار يمحو الذنوب ، ولكن بشرط أن لا يعود الإنسان إلى
__________________
(1) أجموا : أي اطلبوا لها الراحة.
(2) معجم الادباء 1 : 94.
(3) بهجة المجالس 1 : 115.
(4) النجوم الزاهرة 2 : 123.
ما اقترفه من ذنب.
[22] اقتران الهيبة بالخيبة :
قال عليهالسلام : قرنت الهيبة بالخيبة ، والحياء بالحرمان ، والفرصة تمرّ مرّ السّحاب ، والحكمة ضالّة المؤمن ، فخذ ضالّتك حيثما وجدتها (1) .
وهذه الكلمات من روائع الأدب العلوي ، وقد حفلت بما يلي :
1 ـ اقتران الهيبة بالخيبة والخسران ، فإنّ الإنسان إذا هاب الإقدام على شيء فقد فاته ما يرومه.
2 ـ أنّ الحياء دوما مقرون بالحرمان.
3 ـ أنّ الفرصة تمر مرّ السحاب ، وينبغي أن لا تفوت على الإنسان وأن يغتنمها.
4 ـ المسارعة في أخذ الحكمة من أي شخص كان.
[23] جنود الله :
قال عليهالسلام : أشدّ جنود ربّك عشرة : الجبال الرّواسي ، والحديد يقطع الجبال ، والنّار تذيب الحديد ، والماء يطفئ النّار ، والسّحاب المسخّر بين السّماء والأرض يحمل الماء ، والرّيح تقطع السّحاب ، وابن آدم يغلب الرّيح بستر الثّوب أو الشّيء ويمضي لحاجته ، والسّكر يغلب ابن آدم ، والنّوم يغلب السّكر ، والهمّ يغلب النّوم ، فأشدّ خلق الله عزّ وجلّ الهمّ (2) .
__________________
(1) الأمالي ـ أبو علي القالي 3 : 94.
(2) ذيل الأمالى : 174.
وهذه المواد العشر علّل الإمام عليهالسلام موادها وبنودها وكان أشدّها صلابة الهمّ الذي يذيب القلوب.
[24] أفضل العبادة :
قال عليهالسلام : أفضل العبادة الصّمت وانتظار الفرج (1) .
إنّ الصمت يقي الإنسان من كثير من المشاكل ويجنّبه المزيد من الكوارث ، فلذا كان من أفضل العبادة ، وكذلك انتظار الفرج والالتجاء إلى الله تعالى.
[25] مواصلة الأخ :
قال عليهالسلام : لا تقطع أخاك على ارتياب ، ولا تهجره دون استعتاب (2) .
وضع الإمام عليهالسلام منهجا للاخوة والصداقة ، فليس للإنسان أن يهجر أخاه لمجرّد شبهة قد يكون لا نصيب لها من الصحّة كما أنّه لا ينبغي له أن يهجره دون استعتاب.
[26] الكلمة الطيّبة :
قال عليهالسلام : من لانت كلمته وجبت محبّته. وأنشد :
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا |
ينبت الودّ في فؤاد الكريم (3) ؟ |
إنّ من يقابل الناس بالكلام الطيّب ولا يزعجهم فقد وجبت محبّته وتكريمه.
__________________
(1) البيان والتبيين 1 : 297.
(2) العقد الفريد 2 : 309.
(3) المصدر السابق : 310.
[27] لا راحة للحسود :
قال عليهالسلام : لا راحة لحسود ، ولا إخاء لملول ، ولا محبّة لسيّئ الخلق (1) .
لا راحة للحسود لأنّه في همّ وحزن حينما يرى النعمة على المحسود ، فإنّه يتمنّى زوالها ، كما أنّه لا إخاء للملول ، الذي لا استقرار له نفسيا ، وكذلك لا محبّة لسيئ الخلق فإنّ الناس تنفر منه.
[28] الحليم :
قال عليهالسلام : أوّل عوض الحليم عن حلمه أنّ النّاس أنصاره على الجاهل (2) .
إنّ أوّل ما يكسبه الإنسان عن هذه الظاهرة الفذّة أنّ الناس أنصاره وأعوانه على الجاهل.
[29] البصير والأحمق :
قال عليهالسلام : ربّما أخطأ البصير قصده ، وأصاب الأحمق رشده (3) .
إنّ البصير قد يضلّ عن قصده ويتّجه خلاف الواقع ، وإنّ الأحمق قد يصيب الواقع ، ويبلغ رشده ولكنّ ذلك نادر جدّا ، فقد عبّر الإمام عليهالسلام عن ذلك بكلمة « ربّما » التي تفيد التقليل.
__________________
(1) العقد الفريد 2 : 319.
(2) المصدر السابق : 281.
(3) ربيع الأبرار 4 : 157.
[30] مكانة الأنصار في الإسلام :
قال عليهالسلام : هم والله! ربّوا الإسلام كما يربّى الفلو مع غنائهم بأيديهم السّباط وألسنتهم السّلاط (1) .
الأنصار هم الذين نصروا الإسلام في أيام محنته وغربته ووقفوا إلى جانب الرسول صلىاللهعليهوآله ، وحموه من كيد القرشيّين الذين جهدوا على محو الإسلام وقلع جذوره.
[31] أقلّ ما يلزم به الله تعالى :
قال عليهالسلام : أقلّ ما يلزمكم الله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه (2) .
إنّ في هذه الكلمة موعظة للعارفين ، فإنّ أقلّ ما يلزم به الله تعالى عباده أن لا يستعينوا بما أغدق عليهم من النعم على معاصيه.
[32] أضرار الفرقة :
قال عليهالسلام : إيّاكم والفرقة! فإنّ الشّاذّ من النّاس للشّيطان ، كما أنّ الشّاذّ من الغنم للذّئب (3) .
إنّ الفرقة واختلاف الكلمة من العوامل المدمّرة للمجتمع ومن يدع إليها فإنّه مخرّب ونصيبه الشيطان.
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 157.
(2) المصدر السابق : 319.
(3) المصدر السابق 2 : 140.
[33] كظم الغيظ :
قال عليهالسلام : تجرّع الغيظ فإنّي لم أر جرعة أحلى منها عاقبة (1) .
إنّ كظم الغيظ من أفضل الصفات النفسية التي تعود بالخير العميم على الإنسان.
[34] حسن الخلق :
قال عليهالسلام : عنوان صحيفة المؤمن حسن الخلق (2) .
إنّ حسن الخلق من أهمّ ما يمتاز به الإنسان من الصفات الكريمة.
[35] الله أسمى من أن تتصوّره الأوهام :
قال عليهالسلام : كلّ ما يتصوّر في الأوهام فالله بخلافه (3) .
إنّ جميع ما يتصوّره الإنسان من صفات الله تعالى الثبوتية والسلبية وغيرها فإنّ الله تعالى أسمى وأعظم من ذلك.
[36] الغوغاء :
قال عليهالسلام : نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا أمرا ، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا (4) .
وأشار عليهالسلام إلى الغوغاء : أتباع كلّ ناعق ، فإنّهم إذا اجتمعوا
__________________
(1) ربيع الأبرار 2 : 28.
(2) المصدر السابق : 50.
(3) المصدر السابق : 57.
(4) رسائل الجاحظ 1 : 253.
لا يملكون شيئا ، وإنّما يضرّون ويخرّبون ، وإذا انصرفوا لم يعرفوا.
[37] أصناف الناس :
قال عليهالسلام : النّاس ثلاثة : عالم ربّانيّ ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع يميلون مع كلّ ريح (1) .
دلّت هذه الكلمات على أصناف الناس ، وذكر خصائصهم.
[38] أصناف القرّاء :
قال عليهالسلام لأياس بن عامر : إنّك إن بقيت فسيقرأ القرآن على ثلاثة أصناف : صنف لله تعالى ، وصنف للدّنيا ، وصنف للجدل ، فمن طلب به أدرك (2) .
أحاطت هذه الكلمات بأصناف القرّاء لكتاب الله تعالى وذكر خصائصهم.
[39] النهي عن المزاح :
قال عليهالسلام : ما مزح امرؤ مزحة إلاّ مجّ من عقله مجّة (3) .
إنّ المزاح يذهب بهيبة الشخص ، ويمجّ عقله.
[40] الضحك :
قال عليهالسلام : إيّاك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا ، وإن حكيت
__________________
(1) العقد الفريد 2 : 294.
(2) أخلاق حملة القرآن ـ أبي بكر البغدادي : 60
(3) ربيع الأبرار 4 : 167.
ذلك عن غيرك (1) .
حذّر الإمام عليهالسلام من الكلام المضحك ، وإن حكاه الإنسان عن غيره لأنّه يتنافى مع سلوك الإنسان المتميّز بالاستقامة.
[41] حسن الأدب :
قال عليهالسلام : حسن الأدب ينوب عن الحسب (2) .
إنّ حسن الأدب سمة شرف للإنسان يغنيه عن حسبه ونسبه.
[42] اجتناب المحارم :
قال عليهالسلام : من أحبّ المكارم اجتناب المحارم.
إنّ الذي تتوخّى نفسه إلى السمو والشرف لا بدّ أن يجتنب محارم الله تعالى لأنّها تهوي به إلى مستوى سحيق.
[43] الزاهد في الدنيا :
قال عليهالسلام : الزّاهد في الدّنيا كلّما ازدادت له تحلّيا ازداد عنها تولّيا (3) .
وألّمت هذه الكلمات بواقع الزاهدين للدنيا فإنّها كلّما تحلو لهم ازدادوا عنها بعدا ونفورا.
[44] جهل المرء بعيوبه :
قال عليهالسلام : جهل المرء بعيوبه من أكثر ذنوبه (4) .
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 167.
(2) و (3) الإرشاد 1 : 298.
(4) المصدر السابق : 299.
إنّ جهل الإنسان بنقائصه وعيوبه من أعظم ذنوبه لأنّه لا يلتفت إلى ما فيه من النقص.
[45] تمام العفاف :
قال عليهالسلام : تمام العفاف الرّضا بالكفاف (1) .
إنّ هذه الكلمة ـ على إيجازها ـ من روائع الأدب العلوي ، فإنّ من أسمى صور العفاف الرضا بالكفاف.
[46] من حسنت به الظنون :
قال عليهالسلام : من حسنت به الظّنون رمقته الرّجال بالعيون .
إنّ الإنسان إذا حسنت به الظنون لحسن سيرته فإنّه يحتلّ المكانة الكريمة عند الناس وترمقه عيونهم إجلالا وتعظيما.
[47] أظهر الكرم :
قال عليهالسلام : أظهر الكرم صدق الإخاء في الشّدّة والرّخاء.
من أبرز وأسمى صور السخاء صدق الإخاء والمواساة مع الصديق في الشدّة والرخاء.
[48] صفات الفاجر :
قال عليهالسلام : الفاجر إن سخط ثلب ، وإن رضي كذب ، وإن طمع خلب.
وهذه الصفات اللئيمة من أبرز صفات الفاجر الذي طبعت نفسه على الخبث واللؤم.
__________________
(1) الحكمة 45 إلى الحكمة 72 عن الإرشاد 1 : 299.
[49] حسن الاعتراف :
قال عليهالسلام : حسن الاعتراف يهدم الاقتراف.
إنّ حسن الاعتراف بالخطإ يهدم اقتراف السيّئات.
[50] تحمّل زلّة الصديق :
قال عليهالسلام : احتمل زلّة وليّك لوقت وثبة عدوّك.
إنّ الإنسان الكامل يحتمل زلّة صديقه ولا يقابله بالمثل فيدّخر ذلك لوثبة عدوّه.
[51] إنفاق المال لإصلاح الحال :
قال عليهالسلام : لم يضع من مالك ما بصّرك صلاح حالك.
إنّ المال الذي ينفقه الإنسان على إصلاح حاله فإنّه ليس بضائع ، وهو من أفضل ما يملكه الإنسان من الأموال وأكثرها عائدة عليه.
[52] القصد في الامور :
قال عليهالسلام : القصد أسهل من التّعسّف ، والكفّ أودع من التّكلّف.
إنّ القصد في الامور أسهل بكثير من التعسّف ، كما أنّ الكفّ وعدم التدخّل في الامور التي لا فائدة فيها أولى من التكلّف فيما لا يعني الإنسان.
[53] ظلم العباد :
قال عليهالسلام : شرّ الزّاد إلى المعاد احتقاب ظلم العباد.
إنّ أسوأ وزر يذخره الإنسان ليوم معاده ظلم العباد والاعتداء عليهم.
[54] شكر النعمة :
قال عليهالسلام : لا نفاد لفائدة إذا شكرت ، ولا بقاء لنعمة إذا كفرت.
إنّ النعم التي يهبها الله لعباده إذا قوبلت بالشكر لا نفاد لها ، وإذا كفر بها فلا بقاء لها.
[55] حسن الخلق :
قال عليهالسلام : ربّ عزيز أذلّه خلقه ، وذليل أعزّه خلقه ».
إنّ العزيز في قومه إذا كان سيّئ الخلق فإنّه يعيش بينهم ذليلا كما أنّ الذليل يعيش عزيزا في قومه إذا كان حسن الخلق.
[56] التجارب :
قال عليهالسلام : من لم يجرّب الامور خدع ، ومن صارع الحقّ صرع.
إنّ التجارب في الامور هي المقياس في نجاح الشخص في حياته ، كما أنّ من صارع الحقّ ووقف مناجزا له فإنّ الحقّ يصرعه.
[57] الأجل :
قال عليهالسلام : لو عرف الأجل قصر الأمل.
إنّ الإنسان إذا عرف أجله ومتى سيرحل عن هذه الحياة فإنّ آماله سوف تقصر.
[58] المشاورة في الامور :
قال عليهالسلام : من شاور ذوي الألباب دلّ على الصّواب.
إنّ من يشاور في اموره ذوي الأفكار السديدة فإنّه يرشد إلى الصواب.
[59] القناعة :
قال عليهالسلام : من قنع باليسير استغنى عن الكثير ، ومن لم يستغن بالكثير افتقر إلى الحقير.
القناعة كنز لا يفنى ، فمن قنع باليسير استغنى عن الكثير ، وكان في راحة نفسية ، كما أنّ من لم يستغن بالكثير فإنّه يفتقر بخساسة نفسه إلى الحقير من الأشياء.
[60] من أمّل إنسانا هابه :
قال عليهالسلام : من أمّل إنسانا هابه ، ومن قصر عن معرفة شيء عابه.
إنّ من يؤمّل شخصا ليسدي إليه معروفا فإنّه يهابه ويعظمه كما أنّ من قصر عن معرفة شيء فإنّه يحتقره ويعيبه.
[61] الاستصحاب :
قال عليهالسلام : من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه ؛ فإنّ اليقين لا يدفع بالشّكّ.
أسّس عليهالسلام بهذه الكلمات قاعدة اصولية وهي الاستصحاب ، وهي عدم نقض اليقين بالشكّ ، وإنّما ينقض بيقين مثله.
[62] المؤمن في تعب :
قال عليهالسلام : المؤمن من نفسه في تعب ، والنّاس منه في راحة.
إنّ المؤمن في تعب دائم لأنّه يناهض رغباته وميوله وهواه ، كما أنّ الناس منه في راحة لأنّه لا يصدر منه سوى الخير.
[63] الكسل :
قال عليهالسلام : من كسل لم يؤدّ حقّا لله تعالى.
إنّ الشخص إذا اصيب بالكسل فإنّه لا يقوم بأي عمل يرضي الله تعالى.
[64] من كنوز الجنة :
قال عليهالسلام : ثلاثة من كنوز الجنّة ، كتمان الصّدقة ، وكتمان المصيبة ، وكتمان المرض.
إنّ هذه الخصال الكريمة من أسمى ما يتّصف به الإنسان من المثل الكريمة.
[65] الاستغناء والاحتياج :
قال عليهالسلام : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمّن شئت تكن نظيره ، وأفضل على من شئت تكن أميره.
وهذه الحكم من روائع الأدب العلوي ، فقد حكت واقع الحياة الاجتماعية ، وصنوف الناس.
[66] الجود :
قال عليهالسلام : الجود من كرم الطّبيعة ، والمنّ مفسدة للطّبيعة.
إنّ السخاء من أفضل الصفات الشريفة ، ولكنّ المنّ يفسده.
[67] ترك التعاهد للصديق :
قال عليهالسلام : ترك التّعاهد للصّديق داعية للقطيعة.
إنّ إهمال زيارة الصديق وعدم تعاهده ممّا يدعو إلى القطيعة.
[68] طلب الرزق :
قال عليهالسلام : اطلبوا الرّزق فإنّه مضمون لطالبه.
حثّ الإمام عليهالسلام على السعي لطلب الرزق ، وأنّه مضمون لمن سعى إليه.
[69] خير الغنى :
قال عليهالسلام : خير الغنى ترك السّؤال ، وشرّ الفقر لزوم الخضوع.
إنّ أسمى صورة لغنى النفس ترك السؤال ، وعدم إظهار الحاجة إلى الناس ، وشرّ الفقر الخضوع والتذلّل إلى الناس.
[70] التجارب :
قال عليهالسلام : لو لا التّجارب عميت المذاهب.
إنّ التجارب هي التي أوصلت الإنسان إلى أرقى مستويات الرقي ، وأبصرته حقيقة الأشياء.
[71] سعة الأمل :
قال عليهالسلام : من اتّسع أمله قصر عمله.
إنّ من يتّسع أمله في الدنيا ويبعد الموت عن نفسه فإنّه يقصر عمله لدار الآخرة.
[72] أشكر الناس وأكفرهم :
قال عليهالسلام : أشكر النّاس أقنعهم ، وأكفرهم للنّعم أجشعهم.
إنّ من يقنع بما قسم الله له ، حتّى لو كان قليلا ، يعدّ أشكر الناس لله ، ومن لا يقنع بما أنعم الله عليه ، يعدّ كفّارا للنّعم.
[73] إمهال الله لفرعون :
قال عليهالسلام : إنّما امهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه (1) .
إنّ الله تعالى إنّما أمهل فرعون مع عظيم ذنبه وادّعائه للربوبية ولم يؤاخذه ويعجّل عليه العقوبة وسبب ذلك سهولة الدخول عليه ، وبذله الطعام.
[74] صفحات الوجه مرآة للإنسان :
قال عليهالسلام : ما أضمر إنسان شيئا إلاّ ظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه (2) .
إنّ ما يضمره الإنسان في دخائل نفسه يظهر على سحنات وجهه وفلتات لسانه.
[75] قيمومة الرجل على أهله :
قال عليهالسلام : لا يكون الرّجل قيّم أهله حتّى لا يبالي ما سدّ به فورة
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 245.
(2) صبح الأعشى 7 : 267.
الجوع ، ولا يبالي أيّ ثوبيه ابتذل (1) .
إنّ الرجل إنّما يكون قيّما على أهله إذا قام بشئونهم ، ورعى مصالحهم ، وقدّمها على نفسه.
[76] سعادة الإنسان :
قال عليهالسلام : من سعادة المرء أن تكون زوجته موافقة ، وأولاده أبرارا ، وإخوانه صالحين ، ورزقه في بلده الّذي فيه أهله (2) .
إنّ من ظفر بهذه الامور فهو من أسعد الناس ، ومن أكثرهم حظّا في الدنيا.
[77] الكرم :
قال عليهالسلام : كلّ عيب الكرم يغطّيه (3) .
وقد صحّفت هذه الكلمة الذهبية إلى : « كلّ عيب الكرم يعطيه ».
[78] جمال الرجل والمرأة :
قال عليهالسلام : جمال الرّجل في عمّته ، وجمال المرأة في خفّها (4) .
إنّ جمال الرجل الظاهري في صورته وعمّته ، والمرأة زينتها في حليّها ومنها الخفّ.
__________________
(1) حلية الأولياء 7 : 306.
(2) بهجة المجالس 1 : 221 ـ 222.
(3) مفتاح السعادة 1 : 54.
(4) البيان والتبيين 2 : 88.
[79] بعض الخصال السيّئة :
قال عليهالسلام : لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما اوتي ، ويبتغي الزّيادة فيما بقي ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر النّاس بما لا يأتي ؛ ويبغض المسيئين وهو منهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، ولا يدعها في طول حياته (1) .
نهى الإمام عن هذه الخصال السيّئة التي تكشف عن ضعف ما اتّصف بها.
[80] موعظة :
ذمّ رجل الدنيا عند الإمام عليهالسلام فردّ عليه بقوله :
الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ومهبط وحي الله تعالى ، ومصلّى ملائكته ، ومسجد أنبيائه ، ومتجر أوليائه. ربحوا فيها الرّحمة ، واكتسبوا فيها الجنّة.
فمن ذا الّذي يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، وشبّهت بسرورها السّرور ، وببلائها البلاء ترغيبا وترهيبا.
فيا أيّها الذّام للدّنيا! المعلّل نفسه ، متى خدعتك الدّنيا أم متى استذمّت إليك؟ أبمصارع آبائك في البلى؟ أم بمضاجع امّهاتك في الثّرى؟ كم مرّضت بيديك؟ وكم علّلت بكفّيك؟ تطلب له الشّفاء ، وتستوصف له الأطبّاء غداة لا يغني عنه دواؤك ، ولا ينفعه بكاؤك ، ولا تنجيه شفقتك ، ولا تشفع فيه طلبتك (2) .
__________________
(1) البيان والتبيين 2 : 111.
(2) المصدر السابق : 190 ـ 191.
وحفلت هذه الكلمات بالمواعظ القيّمة والنصائح الرفيعة التي تضمن النجاة والسلامة لمن أخذ بها.
[81] التواضع للأغنياء :
قال عليهالسلام : ومن أتى غنيّا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه (1) .
إنّ الإسلام ينشد العزّة والكرامة للمسلمين ، فالتواضع ينبغي أن يكون لله تعالى وحده ، دون غيره فإنّه ليس من الإسلام في شيء التواضع للأغنياء.
[82] الصدقة :
قال عليهالسلام : إذا أملقتم فتاجروا الله بالصّدقة (2) .
إنّ الصدقة مفتاح الرزق ، وقد تظافرت الأخبار بالحثّ عليها ، وأنّها من أسباب السعة في العيش.
83 الكريم :
قال عليهالسلام : الكريم لا يلين على قسر ـ أي عسر ـ ولا يقسو على يسر (3) .
إنّ الكريم إذا ضاقت اموره لا يلين لغيره ، وإذا اتّسعت اموره فلا يقسو على غيره.
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 149.
(2) البصائر والذخائر : 37.
(3) الحكمة 83 إلى الحكمة 88 عن كتاب التمثيل والمحاضرة ـ الثعالبي : 30.
[84] التوبة آخر العمر :
قال عليهالسلام : بقيّة عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات .
إنّ آخر عمر الإنسان من أثمن أيام حياته إن بادر إلى التوبة إلى الله تعالى عمّا اقترفه من الذنوب أيام حياته.
[85] الدنيا والآخرة :
قال عليهالسلام : الدّنيا بالأموال ، والآخرة بالأعمال.
إنّ جاه الدنيا وسيادتها بالأموال ، أمّا الآخرة فسيادتها بالأعمال الصالحة.
[86] الخوف من الذلّ :
قال عليهالسلام : النّاس من خوف الذّلّ في الذّلّ.
إنّ الخوف من الذلّ يوقع الإنسان حتما في الذلّ.
[87] السكوت :
قال عليهالسلام : إنّ من السّكوت ما هو أبلغ من الجواب.
إنّ السكوت في بعض المواضع أبلغ بكثير من الكلام.
[88] الصبر :
قال عليهالسلام : الصّبر مطية لا تكبو.
الصبر من أفضل الصفات النفسية ، ويعود بالخير الكثير لمن اتّصف به.
[89] التثبّت من صحّة الخبر :
قال عليهالسلام : اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية ، فإنّ رواة العلم كثير ، ورعاته قليل (1) .
إنّ هذه الحكمة من روائع حكم الإمام عليهالسلام ، فقد أهاب بمن يقرأ الأخبار أو يسمعها أن لا يأخذ بها أخذ المسلّمات ، ويبني على صحّتها ، بل عليه أن يفحص عن سندها لئلا يكون رواتها من الوضّاعين والكذّابين ، كما أنّ عليه أن يتأمّل في دلالتها لئلا تكون مجافية للكتاب والسنّة فيكون بذلك قد وعى الأخبار عن فكر ووعي.
[90] الاستعداد للآخرة :
قال عليهالسلام : من تذكّر بعد السّفر استعدّ.
إنّ من يتأمّل فيما يصير إليه أمره من بعد الموت من السؤال عمّا عمله من خير أو شرّ فلا بدّ أن يستعدّ لسفره بالعمل الصالح الذي هو خير زاد له.
[91] أهمّية العلم :
قال عليهالسلام : قطع العلم عذر المتعلّلين.
إنّ العلم أبوابه مفتوحة وهو يدعو إلى الانتهال من نميره ، وبذلك لم يبق عذرا للجاهل.
__________________
(1) اقتبسنا هذه الحكمة وما بعدها من نهج البلاغة ـ الجزء الرابع.
[92] الحرمان من العلم :
قال عليهالسلام : إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم.
إنّ الإنسان إذا لم ينوّر فكره بطلب العلم فهو من أراذل المخلوقين.
[93] كلام الحكماء :
قال عليهالسلام : إنّ كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء ، وإذا كان خطأ كان داء.
إنّ كلمات الحكماء إن كانت صوابا فهي ضياء ونور لمن أخذ بها ، وإن كانت خطأ فإنّها تكون داء لمن عمل بها.
[94] الحدّة :
قال عليهالسلام : الحدّة ضرب من الجنون ، لأنّ صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مستحكم.
إنّ الحدّة تخرج الإنسان من توازنه ، وتجعله حيوانا مفترسا وعاقبة الحدّة الندم فإن لم يندم صاحبها فجنونه مستحكم.
[95] الكرم :
قال عليهالسلام : الكرم أعطف من الرّحم.
إنّ الإحسان إلى الناس والبرّ بهم أوثق من الرحم وأقرب من النسب.
[96] معرفة الله تعالى :
قال عليهالسلام : عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم ، وحلّ العقود
ونقض الهمم.
إنّ من وسائل معرفة الله تعالى نقض العزائم ؛ فإنّ الإنسان قد يعقد نيّته على أمر ويصمّم على تنفيذه ، ولكن سرعان ما ينقضه ويعرض عنه لأنّ الله تعالى صرفه عنه.
[97] شكر النعمة :
قال عليهالسلام : إنّ لله في كلّ نعمة حقّا ، فمن أدّاه زاده منها ، ومن قصّر فيه خاطر بزوال نعمته.
إنّ النعمة التي ينعم بها الله تعالى سواء كانت في الأموال أم في الجاه منوطة بشكر الله تعالى وإسعاف الفقراء وقضاء حوائج الناس ، ومن لم يؤدّ ذلك عرّض نعمته للزوال.
[98] حسد الصديق :
قال عليهالسلام : حسد الصّديق من سقم المودّة.
إنّ المودة للصديق إذا كانت واقعيّة لا يشوبها حسد ، وإذا عراها الحسد فإنّها سقيمة.
[99] وعاء العلم :
قال عليهالسلام : كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم ، فإنّه يتّسع به.
إنّ هذه الكلمة من روائع الأدب العلوي فإن كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع وينمو بما اودع فيه من صنوف العلوم.
[100] فعل المعروف :
قال عليهالسلام : لا يزهّدنّك في المعروف من لا يشكره لك فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه ، وقد تدرك من شكر الشّاكر أكثر ممّا أضاع الكافر ، ( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .
دعا الإمام عليهالسلام إلى صنع المعروف حتى لمن لا يستحقّه ويزهد فيه ، فإنّ غيره ممّن بلغه ذلك فإنّه يشكره ويبجّله ، وبذلك لا يضيع معروف ويبقى نديا عاطرا.
[101] آلة الرئاسة :
قال عليهالسلام : آلة الرّئاسة سعة الصّدر.
إنّ الزعامة تستدعي سعة الصدر والخلق الرفيع ، ومن لا يتّصف بذلك فليس له نصيب في الرئاسة.
[102] أوضع صور العلم :
قال عليهالسلام : أوضع العلم ما وقف على اللّسان ، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان.
إنّ أحقر صور العلم وأقلّها شأنا هي التي تكون في اللسان فقط من دون أن يتأثّر بها الإنسان في سلوكه ، وإنّ أرفع صور العلم هي التي يتأثّر بها الإنسان في عمله لا بلسانه.
[103] الاتّصال بالله تعالى :
قال عليهالسلام : من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين
النّاس ، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه ، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ .
إنّ أعظم سعادة للإنسان في حياته وأفضل مكسب له أن يظفر برضاء الله تعالى ، ويقيم بينه وبين خالقه المودّة فيفعل ما يرضيه ، ويجتنب عمّا يسخطه ، فإذا فعل ذلك أصلح الله له امور دنياه وآخرته.
[104] البخل عار :
قال عليهالسلام : البخل عار ، والجبن منقصة ، والفقر يخرس الفطن عن حجّته ، والمقلّ (1) غريب في بلدته ، والعجز آفة ، والصّبر شجاعة ، والزّهد ثروة ، والورع جنّة .
تحدّث الإمام عليهالسلام بهذه الكلمات عن الصفات السيّئة كالجبن والبخل ، كما تحدّث عن الصفات الحسنة كالصبر والزهد ، وذكر آثارها الوضعية.
[105] الفتنة :
قال عليهالسلام : كن في الفتنة كابن اللّبون (2) ، لا ظهر فيركب ، ولا ضرع فيحلب.
أوصى الإمام عليهالسلام بالخلود إلى العزلة إذا اندلعت نيران الفتن ، فإنّ السلامة تكمن بالاعتزال وعدم الظهور.
__________________
(1) المقل : الفقير.
(2) ابن اللبون : هو ابن الناقة المستكمل سنتين وهو لا ظهر له فيركب ولا ضرع فيحلب.
[106] الطمع :
قال عليهالسلام : أزرى بنفسه (1) من استشعر الطّمع ، ورضي بالذّلّ من كشف عن ضرّه ، وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه.
إنّ من ينطلق وراء أطماعه فقد احتقر نفسه لأنّ الطمع من أرذل الصفات وأخسّها ، كما أنّ من يشكو إلى الناس ما ألمّ به من ضرر وفاقة فقد رضي بالذلّ والهوان ، وكذلك من جعل للسانه سلطانا عليه فقد ازدرى بنفسه.
[107] الرضا والعلم :
قال عليهالسلام : نعم القرين الرّضى. والعلم وراثة كريمة ، والآداب حلل مجدّدة ، والفكر مرآة صافية.
إنّ من يتحلّى بهذه الصفات الكريمة فقد حاز الفضائل النفيسة والآداب الرفيعة.
[108] الصدقة :
قال عليهالسلام : الصّدقة دواء منجح ، وأعمال العباد في عاجلهم ، نصب أعينهم في آجالهم.
حثّ الإمام عليهالسلام على الصدقة ، وأنّها دواء من كلّ داء ، وأنّها تدفع البلاء المبرم ، كما تظافرت الأخبار بذلك ، كما عرض الإمام عليهالسلام إلى أنّ جميع ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ يكون نصب عينيه
__________________
(1) أزرى بنفسه : أي احتقرها.
في حشره ، قال تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ) (1) .
[109] الانفاق في سبيل الخير :
قال عليهالسلام : من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة.
إنّ من ينفق أمواله في سبيل الله تعالى ، وكان على يقين أنّ الله تعالى سوف يعوّضه عمّا أنفق فإنّه يجود بالعطية.
[110] الاقتصاد :
قال عليهالسلام : ما عال من اقتصد.
إنّ هذه الكلمة من دعائم الاقتصاد فإنّ من يقتصد لا يصيبه ضيق ولا بؤس.
[111] الصديق :
قال عليهالسلام : لا يكون الصّديق صديقا حتّى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته ، وغيبته ، ووفاته.
حدّد عليهالسلام واقع الصداقة وأنّها تقوم على ثلاث : في مواساة الصديق في نكبته ، والمحافظة على كرامته في غيبته ، والوفاء له بعد وفاته وذلك بالترحّم والثناء عليه.
[112] العمل الباقي :
قال عليهالسلام : شتّان ما بين عملين : عمل تذهب لذّته وتبقى تبعته
__________________
(1) النجم : 39 و40.
وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره.
إنّ العمل الذي تذهب لذّته وتبقى تبعته هو الانقياد للشهوات النفسية واللذائذ المحرّمة فإنّها سرعان ما تذهب وتبقى تبعاتها وعقابها ، وأمّا العمل الخالص لوجه الله تعالى فإنّ مؤونته قد انقضت ولكن يبقى أجره مدّخرا له عند الله تعالى.
[113] إضاعة الفرصة :
قال عليهالسلام : إضاعة الفرصة غصّة.
إنّ الفرصة إذا أتت على الإنسان يجب عليه أن يستغلها ، فإنّ فواتها يكون غصّة وحسرة عليه.
[114] العمل مع التقوى :
قال عليهالسلام : لا يقلّ عمل مع التّقوى ، وكيف يقلّ ما يتقبّل؟
إنّ العمل وإن كان قليلا إذا كان مشفوعا بالإخلاص والتقوى فإنّه لا يكون قليلا.
[115] الذي يقيم أمر الله تعالى :
قال عليهالسلام : لا يقيم أمر الله سبحانه إلاّ من لا يصانع ، ولا يضارع ، ولا يتّبع المطامع.
عرض عليهالسلام إلى من يقيم الحقّ في البلاد ، وينشر دين الله تعالى بين العباد ، فلا بدّ أن تتوفّر فيه هذه الصفات :
1 ـ لا يصانع ولا يخشى أحدا.
2 ـ أن لا يضارع أي مخلوق في أعماله الشريرة.
3 ـ أن لا يتّبع المطامع.
فإذا توفّرت فيه هذه الصفات فهو حري بإقامة الحقّ.
[116] الهمّ :
قال عليهالسلام : الهمّ نصف الهرم.
إنّ الهمّ يذوي بجسم الإنسان ويعرّضه للهرم والفناء.
[117] عاقبة الإنسان :
قال عليهالسلام : لكلّ امرئ عاقبة حلوة أو مرّة.
إنّ كل إنسان إذا عمل خيرا وصلحت سريرته ، واتّصل بخالقه العظيم ، فإنّ عاقبته تكون على خير ، وإذا اقترف شرّا وابتعد في سلوكه عن الله تعالى فإنّ عاقبته الخيبة والخسران.
[118] الصبر :
قال عليهالسلام : لا يعدم الصّبور الظّفر وإن طال به الزّمان.
إنّ من يصبر على عمل ويجهد نفسه عليه لا بدّ أن يظفر بنتائجه خصوصا طلب العلم.
[119] طاعة من لا يعذر بجهالته :
قال عليهالسلام : عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته.
لعلّه يشير بذلك إلى طاعة أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، فإنّ طاعتهم لا يعذر المسلم في تركها.
[120] الاستبداد :
قال عليهالسلام : من استبدّ برأيه هلك ، ومن شاور الرّجال شاركها
في عقولها .
إنّ الاستبداد بالرأي من دون تبصّر في عواقب الامور مظنّة للهلاك ، كما أنّ مشاورة الرجال مكرمة لأنّها مشاركة لهم في عقولهم.
[121] كتمان السرّ :
قال عليهالسلام : من كتم سرّه كانت الخيرة بيده.
من كتم سرّه نجا من كثير من المهالك ، ومن أذاعه كان عرضة للخطر والدمار.
[122] الفقر :
قال عليهالسلام : الفقر الموت الأكبر.
أمّا الفقر فهو الكارثة المدمّرة للإنسان ، وأثر عن الإمام عليهالسلام : « إنّ الفقر رديف الكفر ».
[123] مصاحبة المائق (1) :
قال عليهالسلام : لا تصحب المائق فإنّه يزيّن لك فعله ، ويودّ أن تكون مثله.
حذّر الإمام عليهالسلام من مصاحبة الأحمق فإنّه يحبّذ لصاحبه أن يكون مثله في حماقته ، وذهب علماء الاجتماع إلى أنّ الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثّر ، ومصاحبة الأحمق توجب أن يتأثّر صاحبه بهذه الصفة الشريرة.
__________________
(1) المائق : الأحمق.
[124] العبر :
قال عليهالسلام : ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار!
إنّ العبر تصاحب الإنسان في كلّ وقت ، وأهمّها الموت وهو أكبر واعظ للإنسان إلاّ أنّ الناس لا يحفلون به.
[125] جوع الفقير :
قال عليهالسلام : إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ؛ فما جاع فقير إلاّ بما متّع به غني ، والله تعالى سائلهم عن ذلك.
وهذه الكلمة من روائع الاقتصاد الإسلامي الذي لا يترك أثرا للجوع والحرمان في الأرض ، فقد فرض الضرائب على أموال الأغنياء وعلى الدولة. ومن المؤكّد أنّه لو دفعت إلى الفقراء لارتحل البؤس عن الناس.
[126] شركاء المرء في أمواله :
قال عليهالسلام : لكلّ امرئ في ماله شريكان : الوارث والحوادث.
إنّ المرء له شريكان : الوارث بعد وفاته والحوادث التي ينفق عليها في حياته.
[127] المرء يعرف بكلامه :
قال عليهالسلام : تكلّموا تعرفوا ، فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه.
إنّ هذه الكلمة الذهبية من مناجم الأدب العلوي ، فإنّ الكلام الذي يتكلّم به الإنسان يكشف حقيقته ، ويظهر واقعه خيرا أو شرّا.
[128] المصارعة :
قال عليهالسلام : من صارع الحقّ صرعه.
ومظهر معنى هذه الكلمة بوضوح أنّ الباطل إذا صارع الحقّ فإنّ الحقّ يصرعه إن عاجلا أو آجلا.
[129] الحلم :
قال عليهالسلام : الحلم عشيرة.
إنّ الحلم قوة كبرى للإنسان ، وسلامة له من الكوارث والأخطار.
[130] طالب العلم وطالب الدنيا :
قال عليهالسلام : منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا.
إنّ طالب العلم منهوم يسعى مجدّا ليملأ جهازه الفكري بالعلم لا يريح ولا يستريح ، وطالب المال كلّما ازداد ماله ازداد جشعه.
[131] الحلم والأناة :
قال عليهالسلام : الحلم والأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمّة.
إنّ الحلم والتأنّي في الامور ناشئان من نضوج الفكر وعلوّ الهمّة.
[132] شرّ الاخوان :
قال عليهالسلام : شرّ الإخوان من تكلّف له.
إنّ التكلّف يستلزم المشقّة ، فمن تكلّف له من الاخوان فهو من شرّهم.
[133] الزهد :
قال عليهالسلام : الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن ؛ قال الله سبحانه :
( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) (1) . ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزّهد بطرفيه.
احتوت الآية الكريمة على الزهد كلّه ، فقد نهت عن الأسى والحزن على ما فات للإنسان وخسره من منافع الدنيا ، كما نهت عن الفرح والسرور بما يصيبه الإنسان من متع الحياة ، وهذا هو الزهد.
[134] الحثّ على فعل الخير :
قال عليهالسلام : افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئا ، فإنّ صغيره كبير وقليله كثير ، ولا يقولنّ أحدكم : إنّ أحدا أولى بفعل الخير منّي ، فيكون والله كذلك. إنّ للخير والشّرّ أهلا ، فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله.
حثّ الإمام عليهالسلام على المبادرة لفعل الخير ، وعدم استصغاره ، فإنّ صغيره كبير عند الله تعالى ، كما نهى عن القول بأنّ غيري أولى بفعل الخير منّي ، فإنّه يكون كذلك ، ويحرم منه.
[135] نعم الله على بعض عباده :
قال عليهالسلام : إنّ لله عبادا يختصّهم الله بالنّعم لمنافع العباد ، فيقرّها في أيديهم ما بذلوها ؛ فإذا منعوها نزعها منهم ، ثمّ حوّلها إلى غيرهم.
__________________
(1) الحديد : 23.
خصّ الله تعالى بلطفه بعض عباده بالنعم والخير ، وجعلها وديعة عندهم ، فإذا بخلوا بها واحتكروها لأنفسهم سلبها منهم وأعطاها لغيرهم.
[136] تواضع الأغنياء للفقراء :
قال عليهالسلام : ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله! وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتّكالا على الله.
إنّ تواضع الأغنياء للفقراء ينمّ عن شرفهم وابتغائهم الأجر عند الله تعالى ، كما أنّ تيه الفقر وترفّعهم على الأغنياء يدلّ على سموّ نفوسهم.
[137] التقوى من الله :
قال عليهالسلام : احذر أن يراك الله عند معصيته ، ويفقدك عند طاعته ، فتكون من الخاسرين ، وإذا قويت فاقو على طاعة الله ، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله.
وهذه الكلمة من روائع حكم الإمام عليهالسلام ، فقد حذّر الإنسان أن يراه الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء مقترفا لمعصية أو خطيئة ، فيكون من الخاسرين كما حثّ الإمام على فعل ما يقرّب الإنسان إلى الله تعالى.
[138] حمل كلمة السوء على العكس :
قال عليهالسلام : لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أحد سوءا ، وأنت تجد لها في الخير محتملا.
من الآداب الاجتماعية التي سنّها الإمام عليهالسلام للربط الاجتماعي أن لا يظنّ الإنسان بكلمة سوء خرجت من أحد في حقّه وهو يجد لها مخرجا ومحملا على الخير فليحملها عليه حفظا على الاخوة الإسلامية.
139 عدم الاهتمام بالأهل :
قال عليهالسلام : لا تجعلنّ أكثر شغلك بأهلك وولدك : فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله ، فإنّ الله لا يضيع أولياءه ، وإن يكونوا أعداء الله ، فما همّك وشغلك بأعداء الله؟.
وهذه الوصية القيّمة من غرر وصايا الإمام عليهالسلام ، فقد أهاب بالإنسان أن لا يشغل فكره بأهله بعد وفاته ، فإنّهم إن كانوا من أولياء الله تعالى فالله أولى برعايتهم ، وإن كانوا من أعداء الله تعالى فلا ينبغي الاهتمام بهم.
[140] الحذر من معاصي الله :
قال عليهالسلام : اتّقوا معاصي الله في الخلوات ، فإنّ الشّاهد هو الحاكم.
حذّر الإمام عليهالسلام من معصية الله في الخلوات فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة وهو المطّلع على خفايا النفوس ، ودخائل القلوب.
[141] عبادة الله :
قال عليهالسلام : إنّ قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التّجّار ، وإنّ قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوما عبدوا الله شكرا
فتلك عبادة الأحرار .
حدّد الإمام عليهالسلام أنواع العبادة إلى ثلاثة أنواع :
وهي عبادة التجّار ، وهم الذين يعبدون الله تعالى تحصيلا لثوابه والفوز بالجنان ..
وعبادة العبيد ، وهم الذين يعبدون الله تعالى خوفا من عقابه وعذابه ..
والنوع الثالث : عبادة الأحرار وهم الذين يعبدون الله لأنّه أهل للعبادة لا طمعا في جنّته ولا خوفا من ناره.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض كلمات الإمام عليهالسلام القيّمة ، وقد اقتبسناها من الجزء الرابع من نهج البلاغة ، وللإمام عليهالسلام تراث رائع من الكلمات الحكمية القصار عالج فيها مختلف قضايا الإنسان وشئونه إنّه تعالى وليّ التوفيق.
المحتويات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 3
تقديم 5
1 5
2 5
3 6
4 6
5 7
وصاياه الخالدة 9
للإمام الحسن عليهالسلام 11
وصيّة اخرى لولده الإمام الحسن عليهالسلام 34
وصيّته 35
للإمام الحسين عليهالسلام 35
وصاياه 39
لأبنائه 39
وصيّته 41
لمحمّد بن الحنفية 41
وصيّته 44
لكميل بن زياد 44
مواعظه 65
حال الإنسان في الدنيا 67
اتّباع الهوى 68
طوبى للزاهدين في الدنيا 68
الزهد في الدنيا 69
موعظته لرجل شيّع جنازة وهو يضحك 70
مع رجل يذمّ الدنيا 70
ما بعد الموت 72
إدبار الدنيا 72
تصرّم الدنيا 74
المبادرة إلى الأعمال الصالحة 75
صفة الدنيا 76
وصفه للموت وما بعده 77
الاتّعاظ بالعبر 80
رفض الدنيا 80
حكمه القيّمة 83
المحتويات 127