ديوان السيد حيدر الحلي الجزء 2

مؤلف: السيد حيدر الحلي
دواوين

ديوان السيد حيدر الحلّي

حَقّقهَ

علي الخاقاني

الجزء الثاني

منشورات

مؤسسة الأعلمي للمطبوعات

بيروت - لبنان

ص. ب 7120


بسم اللّه الرّحمن الرحيم

هذا جملة ما نظمه وما نثره المرحوم المبرور السّيد حيدر أبو سليمان ابن سليمان بن داود بن سليمان بن حيدر بن أحمد بن محمود بن شهاب بن علي بن محمد بن أبي عبد اللّه بن أبي القاسم ابن أبي البركات ابن القاسم ابن علي بن أبي طالب ابن محمد بن أبي علي عمر الشريف ابن يحيى بن أبي عبد اللّه الحسين النّسابة ابن أحمد المحدّث ابن أبي علي عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدّمعة بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم (أفضل التحية والسّلام عليهم) كما قال:

نسبٌ عقدن أصوله

بذوآئب العليا فروعه

وكيفية ترتيب هذا الديوان: فالسيّد (تغمّده اللّه برحمته، وأسكنه فسيح جنّته) لمّا كان الغالب من شعره المدح والرثاء لأهل البيت (عليهم السّلام) صدّرنا غالب الفصول فيه بمدحهم ورثائهم (عليهم السّلام)، وكلّ حرفٍ من الحروف المذكورة مرتّب على فصول مدح ورثاء وعتاب.

وأمّا الشّعر: فقد رتّبناه على ثمانية وعشرون باباً:

الباب الأوّل: في الألف الممدودة

وهي على ثلاث فصول:

الفصل الأوّل: في المديح

قال (تغمدّه اللّه برحمته) يمدح النبي (صلّى اللّه عليه وآلهِ) في يوم مبعثه، ويمدح العسكريّين (عليهما السّلام)، ويهنئ به جناب فريد عَصره، وغرّة جبين دهره، العالم العامل، والمجتهد الفاضل، حجّة الإسلام، ومفزع الأنام، إنسان ناضرة الزّمن، السيّد ميرزا حسن الشّيرازي (أدام اللّه أيام إفادته بمحمدّ وآله، ومَنْ سلك من صحبه على منواله، إنّه على كلّ شي‌ء قدير، وبالإجابة جدير)، قال:

أيّ بشرى كست الدنيا بهاءا

قم فهني الأرض فيها والسماءا

طبق الأرجاء منها أَرج

عطرت نفحة ريّاه الفضاءا

صورة أوّل صفحة من الديوان الذي خطّه الشاعر المطبوع، والخطيب المصقع، الشيخ قاسم نجل الشاعر الشيخ محمد الملاّ الحلّي سنة 1305 هـ، وقد قابلنا عليه هذا الديوان.


فذلك أليق وأحرى من جلب الوقيعة فيه وفيك؛ فلقد ثبت عندنا إنّ مَنْ بالغتما بتأييده، وشدّ أزرهِ وتشييده، هو العالم الربّاني، بل فرد الفضل الذي لولا مَنْ لا نصرّح به لحلفنا أنّه ليس له ثاني؛ إذ لو لم يكن عن سيدنا أخذ، وعلى قوله اعتمد، وإلى رأيه في جميع الأمور قد استند حتى صار من أهل الكشف والاستقامة، الذين تتنزّل عليهم الملائكة بالأسرار، لما نصّ عليه ربُّ الفضل بالإمامة.

فيا أيّها الرئيس الأجلّ: سبَقَ السيف العدل، ولبث قليلاً يلحق الهيجا حمر، فلقد أطلق غربه لساني، وحلف أن لا يكفكف من جري أمرهَم القلم بناني، حتى يأخذ غرار براعتي مأخذه، وحتى ينفذ غرب براعتي منفذه، والبادي أظلم، وسيعَلمُ أيّنا الذي يقرع السِنّ من النَدم:

ما المجدُ لا ما بناهُ لساني

لا ما تزخرفهُ من البنيانِ

وعلى جيدِ الفضلِ نظمُ فرائدي

لا ما تنظمُ من فريدِ جمانِ

يا فاخراً لا في ملابس مدحتي

هذي ثيابُ الفخرِ لا ثوبانِ

ومتناولاً لا في صلاتِ قصائدي

هنَّ المكارمُ هنَّ لا قعبانِ

ولقد صدقتُ فقلتُ أيّةُ حكمةٍ

لمّا نطقتُ جرت بأيّ لسانِ

مَنْ لم تصدّقهُ الفعالُ

ضربَ عن الخليطِ والهذيانِ

حرزه منشؤه الفقير إلى رحمة ربّه الغني

حيدر بن سليمان الحسيني الحلّي

صورة آخر صفحة من الديوان الذي خطّه السيّد حيدر الحلّي قابلنا عليه هذا المطبوع.


مقَدّمة

كلمة موجزة تفضّل بها الإمام المصلح الأكبر، حجّة الإسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء عندما مثل بين يديه هذا الديوان، واطّلع على ما فيه من زيادات وتحقيق، وضبط وفنّ في الإخراج:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

وله الحمد

من المعلوم أنّ دواوين الشعر كثيرة، ومتفاوتة في القوة والضعف، وكذلك تختلف في الحسن والإجادة، ولا شك أنّ أقواها وأحسنها ما وافق الواقع، وأصاب كبد الحقيقة، وكان من صميم الحقّ وقول الصدق، وإن صحَّ هذا في موضوع فأصحَّه ما قيل في مدائح أهل البيت (عليهم السّلام) ومراثيهم.

وهذا الديوان للشاعر الشهير السيّد حيدر (حشره اللّه مع أجداده الطاهرين)، قد حوى النفيس، بل الأنفس من المراثي والمدائح لأئمة الهدى، فشكر اللّه مساعي الأدباء الساعين لإعادة طبعه، واستقصاء الوسع في تصحيحه وجمعه، وحيّا اللّه كلَّ مَنْ سعى لإحياء مآثر أهل البيت وآثارهم، وتخليد مفاخرهم وأخبارهم، وخاصة الأديب المهذّب الأستاذ الشيخ علي الخاقاني، وفّق اللّه الجميع لمناصرة الحق والأخذ به بدعاء.

محمد الحسين آل كاشف الغطاء


بسم الله الرحمن الرحيم

الحماسة


قال (رحمه اللّه) متحمّساً:

وراءكِ اليوم عن لهوي وعن طرَبي

فإنذ قلبيَ أمسى كعبةَ النوبِ

لا تطمعي في وصالي إنَّ لي كبدا

تهوى وصال العُلى لا الخُرَّد العرُبِ

أبعدَ حفظي لأسباب العُلى زمنا

أضيعها لك بين اللهو واللعبِ

ما بتُّ مستمطرا من مقلتي جزعا

نوء المدامع بين النؤى والطنبِ

قدحُ الأسى البرق والرعد الحنين وأنـ

فاسي الجنوبُ ودمعي ديمةُ السحبِ

ولا صبا أبداً قلبي لغانيةٍ

إذ ليس في حُسنها شغلي ولا أربي

في السُمر لا السُمر (1) معقودٌ هوايَ وللـ

بيض الظُبا ليس للبيض الظِبا طربَي

وما عشقتُ سوى بكر العُلى أبدا

ولستُ أخطبها إلاّ بذي شُطَب (2)

وطالما صرفُ هذا الدهر قلَّبني

فلم يكن لسوى العلياء منقلبي

ما ضرَّني بين قومٍ خفضَ منزلتي

ومنزلي فوق هام السبعة الشُهبِ

وحسب نفسي وإن أصبحت ذا عُدُمِ

من ثروةٍ أنّني مُثرٍ من الأدبِ

ولست آسي (3) على عُمرٍ أطايبه

أنفقتها في ابتغاء المجد في الكُرَب

يأسى على العمر مَنْ باتت تقلبّهُ

في مطرح الذلِّ كفُّ الخوفِ والرهبِ

لم يسرق الدهرُ لي فضلاً ولا شرفا

وما ادّعائي العُلى والمجد بالكذَبِ

وإنّها لمساعٍ لا نظير لها ورثتها

عن أبٍ من هاشمٍ فأبِ

مِن معشرٍ عقدوا قِدما مآزرهم

على العفاف وكانوا أنجبَ العَربِ

والأرض لم تبقَ منها بقعة أبدا

إلاّ سقوها برقراق الدمِ السربِ

____________________

1 - السمر الأولى: الرماح. والثانية: الغيد الملاح.

2 - الشطب: جمع شطبة، وهي الخطّ في متن السيف. يقول: لست أخطب بكر العُلى إلاّ بالسيف.

3 - آسي: آسف.


ومنها:

حتفُ الحُماةِ ومقدامُ السراة له

في الروعِ سطوةُ هجّامٍ على النوَبِ

محضُ الضريبةِ مغوارُ الكتيبةِ محـ

مودُ النقيبةِ يومَ السبقِ والغَلبِ

في كفّهِ مرهفٌ ماضي المضاربِ في

يومِ القراعِ تراهُ ساطعُ اللهبِ

يمضي ولم يعتلق في شفرتيهِ دمٌ

من سرعةِ القطعِ يومَ الروع والرهبِ

في موقفٍ بين أنيابِ الحِمام به الآ

سادُ لم تنجُ بالإقدام والهربِ

أعيا المنيّةَ حتى أنّها سئمتْ

قبضَ النفوسَ بهِ من شدَّة التعبِ

وقال مستنهضاً الإمام الحجّة المنتظر (عليه السّلام) (1) :

يا غمرةٌ مَنْ لنا بمعَبرِها

مواردُ الموتِ دونَ مصدرِها

يطفحُ موجُ البلا الخطير بها

فيغرقُ العقلُ في تصوّرِها

وشدّةً عندها انتهت عِظمَا

شدائدُ الدهرِ مَعْ تكثرِها

ضاقت ولم يأتها مُفرِّجُها

فجاشتِ النفسُ في تحيّرِها

الآنَ رجسُ الضلالةِ استغرقَ الـ

أرضَ فضجَّت إلى مطهّرِها

وملّةُ اللّهِ غُيّرت فغدت

تصرخُ للهِ من مُغيِّرِها

مَنْ مخبري والنفوسُ عاتبةٌ

ماذا يؤدّي لسانُ مخبرِها؟

لِمْ صاحبُ الأمرِ عن رعيته

أغضى فغصَّت بجورِ أكفرِها؟

ما عذرُهُ نصبَ عينه اُخِذتْ

شيعتُهُ وهو بينَ أظهُرِها

يا غيرةَ اللهِ لا قرارَ على

ركوبِ فحشائها ومنكرِها

سيفُكَ والضرب إنّ شيعتكم

قد بلغ السيفُ حزَّ منحرِها

ماتَ الهدى سيّدي فقم وأمِت

شمسَ ضُحاها بليلِ عثيرِها

____________________

1 - نُظمت هذه القصيدة إثر عزم الوالي عمر باشا على تطبيق نظام التجنيد الإلزامي في العراق عام 1274 هـ، وقد وقعت حوادث هامّة في الفرات وقابلها الوالي بالعنف. راجع كتاب (الشعر السياسي العراقي) ص 194 - 197 للوائلي.


واترك منايا العدى بأنفسِهم

تكثرُ في الروعِ من تعّثرِها

لم يُشفَ من هذه الصدورِ سوى

كسرُكَ صدرَ القنا بمُوغرِها

وهذه الصحفُ محو سيفك للأ

عمار منهم أمحي لأسطرِها

فالنطفُ اليوم تشتكي وهي في الـ

أرحامِ منها إلى مصورِّها

فالله يا ابنَ النبيِّ في فئةٍ

ما ذخرت غيركم لمحشرِها

ماذا لأعدائها تقول إذا

لم تنجها اليومَ من مدمّرِها

أشُقةَ البعدِ دونكَ اعترضت

أم حُجبت عنكَ عينُ مبصرِها؟

فهاكَ قلِّب قلوبنا ترَها

تفطَّرت فيكَ من تنظّرِها

كم سهرت أعينٌ وليسَ سوى

انتظارِها غوثكم بمُسهرِها

أينَ الحفيظُ العليمُ للفئة الـ

مضاعةِ الحقِّ عند أفجرِها

تغضي وأنتَ الأبُ الرحيمُ لها

ما هكذا الظنُّ يا ابن أطهرِها

إن لم تغثها لجُرمِ أكبرِها

فارحم لها ضعفَ جرمِ أصغرِها

كيفَ رقابٌ من الجحيم بكم

حررَّها اللهُ في تبصُّرِها

ترضى بأن تسترقّها عُصبٌ

لم تلهُ عن نايها ومزمرِها

إن ترضَ يا صاحبَ الزمانِ بها

ودامَ للقومِ فعلُ منكرِها

ماتت شعارُ الإيمان واندفنت

ما بينَ خمرِ العدى وميسرِها

أبعِدْ بها خطةً تُرادُ بها

لا قرِّبَ اللهُ دارَ مؤثرِها

الموتُ خيرٌ من الحياةِ بها

لو تملكُ النفسُ من تخُيّرِها

ما غرَّ أعداءنا بربِّهم

وهو مليٌ بقصمِ أظهرِها

مهلاً فللّهِ في برَّيته

عوائدٌ جلَّ قدرُ أيسرِها

فدعوةُ الناسِ إن تكن حُجبت

لأنّها ساءَ فعلُ أكثرِها

فرُبَّ حرَّى حشىً لواحدها

شكت إلى اللهِ في تضوّرِها

توشكُ أنفاسُها وقد صعدت

أن تحرقَ القومَ في تسعُّرِها


وقال متحمّساً:

سنامُ علائيَ لم يُقرَعِ

وهضبةُ مجديَ لم تطلَعِ

فقلْ لرجالٍ سعت جُهدها

لتدركَ فوقَ السهى موضعي (1)

ولو أنَّ للشمسِ أحسابها

حياءً من الخزي لم تطلعِ

قفي حيثُ أوقفكِ العجزُ أو

فطيري لأمّ السما أو قعي

فلستِ بحائزةٍ سعيَ مَنْ

لهُ حوزةُ الشرفِ الأرفعِ

فنحنُ بنو هاشمٍ لا نزالُ

لنا الصدرُ في الجمعِ والمجمعِ

ومن عزميَ البيضُ مطبوعةٌ

ولولا مضائيَ لم تقطعِ

وقال أيضاً:

ألفتُ قراعَ الخطبِ مذ أنا يافعُ

فكيفَ تروعُ اليومَ قلبي الروائعُ

لقد عركت منّي الليالي ابن حرَّةٍ

على العركِ منهُ لا تلينُ الأخادعُ (2)

وسيانِ عندي سلمُ دهري وحربُه

وما هو مُعطٍ لي وما هو مانعُ

لعمري ليصنع أيّما شاءَ إنّه

حقيرٌ بعيني كلّ ما هو صانعُ

سأنشدُ لا عجزاً ولكن تحمّسا

ليَ اللهُ أيَّ الحادثاتِ أصانعُ

وأيَّ الأعادي أتّقي وهمُ الحصى

عديداً وكلُّ مجهرٌ ومصانعُ

فحيثُ طرحتُ اللحظَ أبصرتُ منهمُ

أخا حنقٍ شخصي لأحشاهُ صادعُ

إذا ما رآني أزوَّرَ عنّيَ طرفهُ

كأنّيَ رمحٌ بينَ جنبيهِ شارعُ

وإنّي ولا فخرٌ، كفاني تغرُّدي

تحاشدهم أنَّى حوتنا المجامعُ

أُريهم بأنّي عن دُهاهم مغفلٌ

وعندي لهم خبُّ (3) من العزمِ رادعُ

كذئبِ الفضا تلقاهُ رخواً إذا مشى

ويشتدُّ إن واثبتَهُ وهو قاطعُ

____________________

1 - وفي نسخة: مطلعي.

2 - الأخادع: جمع أخدع، وهو عرق يتفرّع من الوريد.

3 - الخب: الرجل الخدّاع.


(ينامُ بإحدى مقلتيه ويتّقي

بأخرى الأعادي فهو يقظانُ هاجعُ (1)

وقال متحمّساً:

اضرب بسيفٍ أو لسانِ

واطعن برمحٍ أو بنانِ

يُغني اللسانُ عن المهنَّدِ

والبنانُ عن السنانِ

ورُمِ الفخار بهمّةٍ

رجُحت على الشُّمِّ الرعانِ

واسبقْ لغاياتِ المعالي

مالكاً قصبَ الرهانِ

مُت تحت ظلِّ المرهفاتِ

فإنَّ هذا العمر فاني

أو عِش كريماً في حياتك

هاجراً دارَ الهوانِ

وإذا رأيتَ العزَّ أبعدَ

والهوانَ إليكَ داني

فالحزمُ موتٌ باعتزازٍ

لا حياةَ في هوانِ

فالحرُّ إن سيمَ المذلّةَ

صاحبَ العضب اليماني

وإذا نبت فيه المعاهدُ

حلَّ في كُورِ الهجانِ (2)

وقال متحمّساً:

لا تحنّي إذا أخو الشوقِ (3) حنّا

أنا يا ورقُ للشجا منك أدنى

وعلى مائسِ الأراكِ تغنّي

ودعي النوح للكئيبِ المعنّى

ليتَ عهدي بحيِّ نعمان يغدو

راجعاً والمحالُ ما أتمنّى

نزلوا بالغضا فأضحت عليه

أضلعي من ترادفِ الشوقِ تحنى

لفتاةٍ في ذلك الحيِّ تغدو

وهي من نشوة الصِبا تتثنّى

____________________

1 - البيت لحميد بن ثور الهلالي يصف به الذئب؛ لأنّ العرب تزعم أنّ الذئب ينام بعين واحدة ويفتح الأخرى للحراسة، ويروي بأخرى المنايا.

2 - الكور: ما يوضع على البعير كالسرج على الفرس، والهجان: الإبل البيض.

3 - وفي نسخة: الوجد.


عوَّذت خدرَها الفوارسُ بالبيض

وسمر الرماحِ ضرباً وطعنا

أين منها متيّمٌ كلّما اشتاق

إليها هفا غراماً وأنّا

طوحته يدُ الليالي بهيماءَ

فأمسى مستوحشَ الفكرِ مضنى

نازحاً عن دياره تترامى

فيهِ أيدي المطيِّ سهلاً وحَزنا

قد رثى لي الأنامَ إنسٌ وجنٌ

مذ شجيت الأنامُ إنساً وجنّا

طرح الدهرُ كفّة الغدرِ يصطاد

بها الماجدين في كلّ مغنى

يبتغي ذلّهم ونقصَ عُلاهم

ومحالٌ ما يبتغي الدهرُ منّا

نحنُ أبناءُ هاشمٍ أربط العا

لم جأشاً وأكثرُ الناسِ مَنّا

قد قفونا آباءَنا الغرَّ بالما

ل سخاءً وبالمكارم ضنّا


المدائح


قال يمدح الحاج صالح كبّه:

فيا نيَّر الدنيا الذي بضيائه

جلا عن محيِّاها ظلامَ الغياهبِ

عجبتُ لمَنْ يبغي عُلاك بسعيه

وما هو من أبناءِ هذي المطالبِ

وما هو إلاّ كالمناسم لو سعتْ

مدى الدهرِ لا تسمو سموَّ الغواربِ (1)

وأعجبُ منه مَنْ يجاريك (2) في الندى

وعندك يُلغى باسطاً كفَّ طالبِ

يهابك إذ تبدو ومِرجل ضِغنه

من الغيظِ يغلي (3) منه خلفَ الترائبِ

ويطرقُ إجلالا بحيث تظنّه

قد انعقدت أهدابهُ بالحواجبِ

فحسبك فخراً أنَّ فرعك ينتمي

لعرقِ عليٍّ في طينةِ المجدِ (4) ضاربِ

ولو بنداك البحرُ يُقرنُ لم يكنْ

بجنبِ نداك البحرُ نهلةَ شاربِ

وقال يمدح السيد سلمان النقيب (5) ، وقد التمسه بعض الأشراف:

حدرتْ بأطرافِ البنانِ نقابَها

مرحاً فأخجلَ حسنُها أترابَها (6)

وجلت غداةَ تبسَّمت عن واضحٍ

تستعذبُ العشّاقُ فيه عذابها

قتّالةَ اللحظات، فهي إذا رنت

وجَد المشوقُ سهامها أهدابها

من حورِ (عدنٍ) أقبلت لكنَّها

لم يحكِ مختومُ الرحيق رضابها

سارقتُها النظرَ المريبَ بمقلةٍ

لم تقضِ من لمحاتها آرابها

____________________

1 - المناسم: مفرده منسم، طرف خفّ الإبل. الغارب: السنام، أعلى كلّ شي‌ء.

2 - في الديوان المطبوع: يجاديك.

3 - وفيه: يغلو.

4 - وفي نسخة: العرب.

5 - هو السيد سلمان ابن السيد علي ابن السيد سلمان النقيب الكيلاني الملقّب بالمحض، تلقّى النقابة بعد أبيه ببغداد، وكان له قدر كبير عند ملوك آل عثمان ورجالات العراق، وكان مهيباً ذكيّاً، استطاع أن يمدّ نفوذه إلى كثير من بلدان العراق، توفّي ببغداد عام 1315 هـ، وتأريخ وفاته:

وثقتُ بالفردِ وأرّخته

مضى نقيبُ الملكِ سلمانُ

6 - جمع ترب: المتساويات في السن.


فرأيتُ في تلك الغلائلِ (1) طفلةً

لم تدرِ إلاّ عطرها وخضابَها

ولقد دعوتُ وما دعوتُ مجيبةً

ودعَتْ بقلبي للهدى فأجابها

أعقيلةَ الحيَيّن شقتُ فنوِّلي

كبداً هوتك فكابدتْ أوصابها (2)

ما دميةُ المحرابِ أنتِ بل التي

تُنسين نُسّاكَ الورى محرابها

وأسرُّ ما ضمَّ الضجيعُ غريرةً

لبست شبابكَ لا نزعتَ شبابها

يا هل سبتْكَ بلحنها ابنةُ نشوةٍ

إن تشدُ رقصَّت الكؤوسَ حبابها

بعثتْ حديث عبيرها لكَ في الصَبا

فأرقَّ أنفاس الصَبا وأطابها

طربتْ لوصلك فاصطفت لك دّلها

وأتتك تغربُ في الهوى إغرابها

وحبتك ما خلفَ النقاب وإنّها

لمراشفٌ حدر (3) الهلالُ نقابها

حدَرَته عن قمرٍ يودُّ رقيبه

لو أنّها استغشت عليه ثيابها

وانشق معطَّرة الثرى بمطارفٍ

خطرتْ تجرُّ على الثرى هُدَّابها

نضتْ الحجاب ولو عليها أسبلتْ

تلك الفروعَ إذا أعدنَ حجابها

هتكتْ أشعةُ نورها ستر الدجى

وجلونَ من تلك الفجاج ضبابها

فكأنَّ ليلة وصلها زنجيةٌ

حنقتْ عليكَ فمزّقت جلبابها

وكأنَّ أنجمها الثواقب في الدجى

حدقٌ تراقبُ في الحجال كِعابها

تحكي وقد قلقت أُميمةُ عندما

وصفتْ لعينكَ قرطها وحقابها

لا بل حكتْ قلقاً قلوبَ معاشرٍ

ضمِنَ (النقيبُ) بعزّه إرهابها

وأرى السهى خفيت خفاءَ عِداته

لحقارةٍ حتى على مَن هابها

خفَّت مراسيلُ الثناء بمُثقِلٍ

في شكر أنعمهِ الثقال رقابها

____________________

1 - الغلائل:الثياب الرقيقة.

2 - جمع وصب: السقم.

3 - في الديوان المطبوع: حسد.


لمقلّمٍ ظفرَ الخطوب بنجدةٍ

قلقتْ لأفواه النوائبِ نابَها

ملكٍ إذا استنهضته نهضتْ به

هممٌ تدكُّ على السهولِ هضابها

وإذا الحميَّة ألبستهُ حفيظةً

نزعتْ لخيفته الضراغمُ غلبها

فإذا المطالبُ دون قصدكَ أُرتجتْ

فاقرعْ بهمّته، وحسبك بابها

رضع المكارمَ ناشئاً في حجرها

وكفى العظائمَ واطئاً أعقابها

فوقاءُ طلعته الكريمة أوجهٌ

جَعلت عن الوفد القطوب حجابها

وفداءُ أنمله النديَّة أنملٌ

لم تندَ لو قرض القريض إهابها

ما زال يبتدئ المكارم غضَّةً

حتى على الدنيا أعاد شبابها

أبنى الزمان وراءكم عن غايةٍ

ما فيكم مَنْ يستطيعُ طلابها

كم تجذبون مطارفَ الفخر التي

نسجتْ لسيد (هاشمٍ) فاجتابها

اللهُ جلببه الرياسة فيكمُ

أفعنه ينزع غيرُه جلبابها؟

فدعوا له صدرَ الوسادة واقعدوا

قاصين عنها، لستمُ أربابها

للفاطميّ (القادري) ومَنْ له

حسبٌ من الأحساب كان لبابها

تنميه من علياء (هاشم) اُسرةٌ

وصل الإله بعرشه أنسابها

أنتَ الذي ورث السيادة عن أبٍ

ورث النبوةَ: وحيَها وكتابها

أقررتَ أعين (غالبٍ) تحت الثرى

وسررت ثمّ (قصيّها) و(كلابها)

كانت مقلدَةً رقابَ مضاربٍ

منها تعلّمت السيوفُ ضِرابها

واليوم لو شهدتْ لسانك لانتضتْ

منه بكلّ وقيعةٍ قِرضابها

وأرى النقابة منكَ لابن سمائها

ضرب الإلهُ على النجوم قبابها

وأحلَّك الدار التي لجلالها

عنت الملوكُ وقبَّلت أعتابها

دارٌ تمنّى النيراتُ لو أنها

لثمت بأجفانِ العيون ترابها

هي منتدى شرفٍ من الدار التي

كانت ملائكةُ السما حجّابها

حزتم بني النبأ العظيم مآثراً

حتى الملائك لا تطيق حسابها


فيمَنْ تفاخرُ والورى بأكفكم

جعل الإلهُ ثوابها وعقابَها

كنتم على أولى الزمان رؤوسها

شرقاً وكان سواكمُ أذنابها

ولهاشمٍ في كلّ عصرٍ سيّدٌ

يجدونهُ لصدوعهم رءابها (1)

واليومَ أنت وحسبهم بك سيّدا

لهم تروض من الأمورِ صعابها

فحدتْ قوافي الشعرِ باسمك مذ لها

راضت خلائقك الحسان صعابها (2)

ولقد رأيتك في المكارم مسهبا

فأطلنَ عندك في الثنا إسهابها

فطرحنَ في أفناء مجدك ثقلها

ونضونَ عن أنضائهن حقابها

وأطفن منك بجنبِ أكرم منْ رعى (3)

لبنى أرومة مجده أنسابها

يطلبن منك عناية نسمو بها

حتى نطاول في العُلى أربابها

فإذا بمنْ لكَ تصطفيه خلطتنا

كنّا لدائرة العُلى أقطابها

ونرى لكَ الدنيا بعزِّك أعتبتْ

منِ بعدما كنّا نملُّ عتابها

يا منْ له انتهتِ العُلى من (هاشم)

قد سدتَ هاشم شيبها وشبابها

فاضرب خيامك في الذرى من مجدها

واعقد بناصيةِ السهى أطنابها

وقال يمدح بعض إخوانه:

هل الحبُّ إلاّ ما أذاب حشا الصبِ

فإن لم تذبْ فيه فلا خيرَ في الحبِّ

وخيرُ خليليكَ الصفيين مَنْ صفا

لك الودُّ منه في بعادك والقربِ

على النأي يُمسي ذا جفونٍ كأنّما

تكلَّف أن يُحصى بها عدد الشهبِ

ولا خير في ودِّ امرئٍ تستديمه

بعتبٍ، وأوشك أن يزول مع العتبِ

ألم ترني أصفيتُ ودِّي لماجدٍ

كأنَّ على ما نابني قلبُه قلبي

____________________

1 - الرءاب: الذي يصلح الصدع.

2 - الصعب في البيت السابق: ضد السهل. وفي البيت الثاني: الجمل المتروك الذي لم يرض.

3 - وفي نسخة: دعا.


وقال، وقد أرسلها في ضمن كتاب عن لسان الميرزا جعفر القزويني إلى السيد عبد الرحمن النقيب:

بنوركَ لا بالنيّرات الثواقبِ

أضاء حمى (الزوراء) من كل جانبِ

طلعتَ طلوع البدر فيها فلم تدعْ (1)

على الأرض فخراً للسما في الكواكبِ

خلعت عليها من بهائكَ حُلةً

بها اختالت اليوم اختيال الكواعبِ

وألبستَها عِقداً من الفخر ناظما

لها الدرَّ فيه وهو درُّ المناقبِ

فما أنت إلاّ بحرُ علمٍ تتابعتْ

عجائبه والبحر جمُّ العجائبِ

وما أنت إلاّ روضُ فضل تحدّثتْ

بريّاه أنفاسُ الصِبا والجنائبِ

وما أنت إلاّ ديمةٌ مستهلةُ

بعرفٍ من اللطف الإلهيِّ ساكبِ

أخو هممٍ لو زاحم الدهرُ بعضها

ثنته بصغراها حطيمَ المناكبِ

سما مفرقَ الجوزاء مجدُك عاقدا

ذوائبه منها عُلىً في الذوائبِ

وجاراك (2) من قلنا له: أين مَنْ جرى

على الأرضِ من مجرى النجوم الثواقبِ

أرحْ غاربَ الأمالِ عنك فلم ينلْ

مكانَ الدراري فوق هذي الغواربِ

وراءك أبرادٌ لعلياء (3) لم تكنْ

تمدُّ الثريا نحوها كفَّ جاذبِ

فيابن المزايا (القادرية) أعجزتْ

مزاياك في تعدادها كلَ حاسبِ

غلبنا بك الصيدَ الكرام على العُلى

فحقُك أن تُدعى بسيّد غالبِ

يروقك ما قد طرَّزتْ لك وشيَه

صناعُ القوافي لا صناعُ الكواعبِ

فدمتَ على هام المجرَّة ساحبا

مطارف فخرٍ طاهرات المساحبِ

وقال يمدحه أيضاً (4) :

لقد قلتُ للأرضِ ادعتْ بنجومها:

عليكِ السما فخراً فقالت: أجيبُها

لئن هي بالإشراق منها تزيَّنتْ

فما الفخرُ إلاّ حيث حلَّ (نقيبها)

____________________

1 - في نسخة: يدع.

2 - وفي نسخة: وأجراك.

3 - في نسخة: وراءك عن أبراد علياء. وفي المطبوع: ودائك عن إيراد.

4 - لم يثبت البيتان في الديوان المطبوع.


وقال يمدح بعضهم:

يا خير مَنْ صنع الجميلَ

لربّهِ متقرِّبا

وحنا على أبناءِ فا

طمةَ فكان لهم أبا

ورعى حقوق المؤمنينَ

ترؤفاً وتحدُّبا

قد جئتَ في زمن القطيـ

عةِ واصلاً من أتربا

لحَظ الإله بك الكرا

مَ فكنت مُنهض مَنْ كبا

وحفظتَ ماء وجوههم

عن أن يُراق ويُسكبا

وقال يمدح السيد علي النقيب (1) ضمن رسالة بعث بها إليه عن لسان بعض سادة آل القزويني:

الفخرُ شاد بكم قبابَه

والشعرُ زان بكم كعابه

والعلمُ في الدنيا بثا

قب فكركم أذكى شهابه

لكم الكلامُ وأنتم

أمراءُ معركةُ الخطابه

مَنْ ذا يراجح حلمكم؟

والحلمُ ما زلتم هضابه

أم مَنْ يطاولكم عُلاً

ومن العُلى لكم الذؤابه

لكم النبوّةُ، والإما

مةُ، والسيادةُ، والنقابه

مَنْ قال: لي فخرٌ كهـ

ذا فليعِدَّ لنا انتسابه

هذي الرياسة لا كمن

كانت رياسته ثيابه

____________________

1 - هو السيد علي ابن السيد سلمان بن مصطفى بن زين الدين الصغير ابن محمد درويش بن حسام الدين، من ذرية الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ عبد القادر الكيلاني، في طليعة الشخصيات العراقية في عصره، كان مهيباً عند سلاطين آل عثمان، ومحترماً عند ولاتهم الذين يفدون إلى بغداد، وكان نقيب أشراف بغداد خلفه في النقابة ولده السيد سلمان في 28 ربيع الأوّل من عام 1289 هـ، وقد توفّي هو في 24 ربيع الأوّل يوم السبت من العام نفسه، وخلف من الأولاد خمسة وهم: سلمان، عبد الرحمن، زين الدين، عبد اللّه، أحمد.


هتف الرجاءُ فكنتمُ

بالفضلِ أوّل مَنْ أجابَه

وحميتمُ ثغر العُلى

وكذاك يحمي الليثُ غابه

أنفتْ يداكم أن تسا

جل بالندى حتى السحابه

وبجودها حلفتْ بأن

تدع الكرامَ ولا صُبابه (1)

يا ابن الذين رواقُ عزِّ

همُ يحجّب بالمهابه

واللابسين رداءَ فخـ

رهُم تطرزه النجابه

ماذا أقول ومدحكم

شحنَ الإلهُ به كتابه

وقال يمدح صبحي بك عن لسان العلاّمة السيد ميرزا جعفر القزويني:

لتلق (2) ملوكُ الأرضِ طوعاً يدَ الصلح

حذار حسامٍ صاغه الله للفتحِ

وأجرى فرنداً فيه من جوهرِ العُلى

غدا يخطفُ الأبصارَ باللمعِ واللمحِ

فكم شقَّ فجراً من دجى ليل حادثٍ

وأضحك للأيام من أوجهٍ طلحِ

لو الدولة الغراءُ يوماً تفاخرتْ

مع الشمس قالت أين صبحك من (صبحي)

فتىً في صريح المجدِ يُنمى لمعشرٍ

بيوتهم في المجدِ سامية الصرحِ

فتىٍ ولدتْ منه النجابةُ حازماً

بعيدَ مجالٍ يرفدُ الملكَ بالنصحِ

أغرُّ لسيماء العُلى في جبينه

سناً في حشاً الحسّادِ يذكى جوى البرحِ

له طلعةٌ غرّاء دائمةُ السنا

هي الشمس لو تُمسي هي البدرُ لو يُضحي (3)

هو البحرُ، بل لا يشبه (4) البحرُ جودَه

وهل يستوي العذبُ الفرات مع الملحِ

____________________

1 - الصبابة: آخر قطرات الماء في الإناء.

2 - وفي مخطوطة الملاّ: لتلو.

3 - في الديوان المطبوع: لو تضحي، كذا أثبت الأصل في النسخ الثلاث، وفي نسخة (هي البدر لو تمسي، هي الشمس لو تضحي).

4 - في الديوان المطبوع: هي البحر، ولا بل: جاءت في المخطوطتين.


يزوّجُ آمالَ العفاةِ بجوده

ويقرنهُ في الحالِ في مولدِ النجحِ

ويبسط كفّاً رطبة من سماحةٍ

إذا قبضَ اليبسُ الأكفَّ من الشحِ

أرى المدحَ في الأشرافِ أفضل زينةٍ

ولكنّه في فضلهِ شرف المدحِ

هو السيفُ، بل لا (1) يفعلُ السيفُ فعله

بقومٍ على الأضغانِ مطويّة الكشحِ

فقاتلُ أهلَ الضغنِ بالبطشِ لم يكن

كقاتلِ أهلِ الضغنِ بالبطشِ والصفحِ

هو الرمحُ سلْ عنه فؤادَ حسوده

بما بات يلقى من شبا ذلك الرمحِ

تجدْه كليماً وهو أعدل شاهدٍ

فيا شاهداً أضحى يعدِّلُ بالجرح (2)

إليكَ ابن أمّ المجدِ (3) عذراء تجتلى

كأنَّ محيّا وجهها فلقُ الصبحِ

بها أرجٌ من طيب ذكرك نشره

يعطّر أنفاس الصبا لك بالنفحِ

تودُّ بناتُ النظم أنْ لو حكينَها

ويا بعدَ ما بين الملاحةِ والقبحِ

لقد فاز فيها قدحُك اليوم مثلما

غدت وهي فيك اليوم فائزة القدحِ

فليس لها كفُّ سواكَ ولم يكن

يليقُ سواها فيك من خرَّد المدحِ

وقال مادحاً الحاج محمد صالح كبّه:

لا زلت يا ربع الشبابِ حميدا

باقٍ وإن خلقَ الزمانُ جديدا

ما أنتَ للعشاق إلاّ جنَّةٌ

صحبوا بها العيشَ القديمَ رغيدا

أيام كان العيشُ غضاً ناعما

والدهرُ مقتبلَ الشبابِ وليدا

والدار طيّبة الثرى ممّا بها

يسحبنَ ربّات الخدور برودا

يستاف زائرُها ثراها عنبرا

فيكذِّبَن طرفاً يراه صعيدا

يعطو إلى عذبات فرع أراكةٍ

ظبيُّ تفيأَ ظلَّها الممدودا

غنجٌ يسلُّ من اللواحظ مرهفا

يغدو عليه قتيله محسودا

____________________

1 - في المخطوطتين: لا بل.

2 - أجمل تورية جاء بها الشاعر في هذا البيت.

3 - في الديوان المخطوط: ابن أمّ الموت.


هو مُنتضىً في الجفن إلاّ أنّه

بين الجوانح يغتدي مغمودا

أضحت ضرائبه (1) القلوب تعدّ أد

ماها به، وهو الشقيُّ، سعيدا

وشقيقُ خديه النقيُّ من الحيا

أضحى بعقربِ صدغهِ مرصودا

يُمسي سليماً يشتفي بالريق مَنْ

باللثم بات بقطفه معمودا

كم بتُّ معتنقاً لهُ في ليلةٍ

بات العفافُ بها علىَّ شهيدا

وكأنّما في الأفق هالةُ بدرها

وبها الكواكب قد طلعنَ سعودا

نادٍ (محمدُ) حلَّ فيه وولده

بعلاه حفَّت ناشئاً ووليدا

هو دارهُ الشرف التي قد مهّدت

أبد (2) الزمان بعزِّهم تمهيدا

فرشوا بساحة أرضهِ القمرين واتّـ

كأوا على زهر النجوم قعودا

متعاقدين على المكارم أحرزوا

شرفاً تماثل طارفاً وتليدا (3)

وعليهمُ قطباً فقطباً دائرٌ

فلكُ الفخار أبوَّة وجدودا

كانوا قديماً والعُلى صدفٌ لهم

دراً تناسقُ في الفخار نضيدا

وأبوهم البحرُ المحيط وقد بدوا

منه على جيدِ الزمان عقودا

هو لجَّةُ المعروف ما عرفت بنو الـ

دنيا سواه منهلاً مورودا

وبقيةُ الأمجاد لم يُرَ (4) غيره

خلفاً لهم فوق الثرى موجودا

مستظهراً بعناية من ربِّه

وقفتْ عليهِ العزَّ والتأييدا

متمحضٌ للهِ في أفعاله

بالغيب يخشى الخالق المعبودا

فكأنّما الأعضاءُ منه أعينٌ

تذكى (5) جهنَّمُ نصبهنَّ وقودا

____________________

1 - الضرائب: جمع ضريبة، المضرب المقتول.

2 - في الديوان المطبوع: أيدي.

3 - الطارف: الحديث، والتالد: القديم.

4 - في الديوان المطبوع: لم يك.

5 - في مخطوطة الملاّ: تذكو.


لم تجترحْ ذنباً جوارحُ جسمه

بل كان عن (1) خططِ الذنوبِ بعيدا

فتراه مرتعدَ الفرائص رهبةً

لا باحتمال خطيئةٍ مجهودا

يمسى بنفسٍ لا تميلُ مع الهوى

للهِ يحي ليلهُ تهجيدا

وإذا تجلّى الليل أصبح (2) باسطا

للوفد كفّاً ما تغبُّ الجودا

نسكٌ كما شاء الإلهُ وأنعمٌ

لم يحصها إلاّ الإلهُ عديدا

يا من لو اقتسم الأنامُ صلاحه

ما سنَّ فيهم ذو الجلال حدودا

للّهِ منجبةٌ ولدتَ بحجرها

كان التُقى في حجرها مولودا

لا تغتذي بغذا الجنين نزاهةً

لكن غذيت الشكرَ والتحميدا

وبرزت والدنيا جميعاً مجهلٌ

علماً جلا منها الغواشي السودا

وغدتْ وكانت عاقراً أمُّ الندى

لمَّا تطرَّقها نداك ولودا

تنميك من سلف المعالي أسرةٌ

غلبوا على الشرفِ الكرام الصيدا

من كلّ معصومِ البصيرةِ لم يزل

منهُ الرداءُ على التُقى معقودا

لم يرتفع لك بيتُ مكرمةٍ لهم

إلاّ وكان له (أخوك) (3) عمودا

شهدتْ صفات (أبي الأمين) بأنّه

فضُلَ البريّة سيّداً ومسودا

وأحلّهُ حيثُ استحقَّ من العُلى

حسبٌ على الأحسابِ نال مزيدا

بذلَ السماحَ بذا (4) الزمان وإنّه

لأعزُّ من (بيضِ الأنوق) وجودا (5)

وعلى حياض سماحهِ اختلف الورى

شرقاً وغرباً مصدراً وورودا

يزداد منهلُ عرفه فيضاً إذا

جفَّت ضروعُ الغاديات جمودا

ما إن غدا (6) في العرف مبدأ غايةٍ

إلاّ لها ابنُ أخيه كان معيدا

____________________

1 - في الديوان المطبوع: من.

2 - والأنسب أن يقول: أمسى.

3 - يقصد به أخاه عبد الكريم. لا تأتي الواو بعد إلاّ، والأنسب أن يُقال: إلاّ أقام له.

4 - في مخطوطة الملاّ: من الزمان.

5 - بيض الأنوق: مثل يضرب على شي‌ء لا يمكن الحصول عليه.

6 - في مخطوطة الملاّ: بدا.


ليس الحيا الوسميُّ من جدوى محمـ

دٍ الرضا في المحلِ أنضر عودا

قد جاوزتْ مغناهُ دجلة فاغتدى

بندي يديه ماؤها ممدودا

والبحر من يُمسي ويصبح جاره

لا بدّ أنْ يمتاح منه الجودا

جذلان يشرق للسماحة كلّما

دفع الظلامُ له الركابَ وفودا

يسترشدون بنور أبلجَ إنْ خبا

ضوءُ النجوم يزد سناه وقودا

بأغرَّ يغلب وجهه شمس الضحى

بضيائه حتى تموتَ خمودا

ما المجدُ منتحلٌ لديه وإنّما

ولدتهُ أمُّ المكرماتِ مجيدا

قد حلَّقتْ فيه لأرفع رتبةٍ

هممٌ تناهتْ في العلوِّ صعودا

وحوتْ له النفسُ الكريمة سؤددا

أمسى بناصية السّهى معقودا

فإذا عقود المجد (1) فُصّل نظمُها

كانت مناقبه لهنَّ فريدا

هو شمس أفق المكرماتِ وبدرها الـ

هادي لمنْ أمسى يجوب البيدا

ورث السماحة من خضمِّ سماحةٍ

فغدا بمجموع الفخار وحيدا

ذا الشبلُ من ذاك الهزبر وإنّما

تلد الأسودُ الضاريات أسودا

يا منْ تعذَّر أن يحيط بوصفهم

نظمٌ ولو ملا الزمان قصيدا

والجامعين المكرمات بوفرهم

مذ أكثروا في شمله التبديدا

ولهم بأندية العلاء إذا بدوا

تهوى الأعاظم ركعّاً وسجودا

أهدتْ لجيد علاكم ابنةُ فكرتي

درر الثناء قلائداً وعقودا

جُليتْ محاسنها عليكم فاجتلوا

منها لمجدكم كعاباً رودا

هي نثرةٌ تضفوا (2) على أحسابكم

زُغفٌ خلفتُ بنسجها داوودا

قد خلَّدت لكم الثناء وسؤلها

إنَّ الثناء لكم يدوم خلودا

فبقيتمُ في غبطةٍ من ربّكم

لكن بقاءً لم يكن محدودا

____________________

1 - في الديوان المطبوع: المدح، وهي الأنسب.

2 - في الديوان المطبوع: تصفو.


وقال مادحاً العلاّمة الكبير السيد مهدي القزويني (1) وقد تلف بعضها في عهده:

لقد رحلتْ عن ودّنا فيه جفوةٌ

وبعد الجفا فيه يُراجعُ بالودِ

فنحن على ما كان من عهد حبِّه

أقمنا ولم نعزمْ رحيلاً عن العهدِ

وكم ليلةٍ ليلاء فيه (2) سهرتها

وقد ملَّ طرفُ النجم فيها من السهدِ

يبيتُ خلياً قلبهُ من صبابةٍ

ولم يدرِ من برحِ الصبابة ما عندي

وكنّا إذا شطَّتْ بنا الدار أودنتْ

صفيين لَم نكدرْ على القرب والبعدِ

وإنّي لتصبيني على النأي والجفا

إليه سجايا منهُ أحلى من الشهدِ

خليليَّ عندي اليوم لو تعلمانهُ

عجيبُ غرامٍ فاسمعا منهُ ما أبدي

ألم يزعموا أنّ القلوب لأهلها

شواهدُ منهم بالقطيعة والوّدِ

فما بالُ قلبي محكماً عقدة الهوى

لمَنْ حلَّ من حبل الهوى محكم العقدِ؟

وهل أنا وحدي يا خليليَّ هكذا

وجدتُ بهِ أم هكذا كلّ ذي وجدِ؟

وبالفرد من أعلام نجدٍ سقى الحيا

عهودَ حمى ذيالك (العلم الفردِ)

منازلُ يستوقفنَ كلَّ أخي هوىً

ويحبسنَ أيدي الواخدات عن الوخدِ

لنا طلعتْ في غربها الشمس آية

فقلتَ لنا البشرى بها ظهر (المهدي)

أتى الخلفُ ابن المجتبى الحسن الذي

غدا قائماً بالحقِّ يهدي إلى الرشدِ

إمامُ هدىً نورُ النبوّةِ زاهرٌ

بطلعةِ بدرٍ وهي (3) كاملة السعدِ

ومن عطفه نشرُ الإمامة فائحٌ

لهُ أرجٌ يغنيك عن أرج الندِّ

به حفظ الباري شريعةَ جدّه

وشيّد من أركانِها كلِّ منهّدِ

فقام بمبيَّضٍ من الرشد هاديا

إلى الحقِّ في داجٍ من الغيِّ مسودِ

____________________

1 - مرّت ترجمته في الجزء الأوّل من الديوان / 236.

2 - في مخطوطة الملاّ: فيها.

3 - في الديوان المطبوع: منه.


بقيةُ أهل العلم والحلم والحجى

وأهل التقى والبرِّ والنسك والزهدِ

ولولا احترامي باقر العلم قلتُ ما

له من ذوي العلم الأفاضل من ندِّ

فتىً حببتْه في النفوس شمائلٌ

شذاهنَّ أذكى من شذ الشيح والرندِ

وطبعٌ كطبع الروض رقَّ هواؤه

بأسرار ريّاه تذيع صَبا نجدِ

وخلقٌ به لو يمزج الماءَ شاربٌ

لما شكَ فيه أنّه الكوثر الخلدي

معيدٌ لما أبداه في الجود لا كمن

إذا جاء لا يغدو معيداً لما يبدي





وقال يمدح السيد سلمان النقيب عن لسان بعض رؤساء الحلّة:

سبقتَ الورى مجداً يدوم بلا حدِّ

فكان بلا قبلٍ ويبقى بلا بعدِ

خلقتَ كما شاءتْ نقيبتك التي

أتاها الندى كوني فكانت بلا ندِّ

وجئتَ إلى الدنيا كما اشتهت العُلى

تعيدُ من المعروف أضعاف ما تبدي

وتبسط أندي من أديم غمامة

بناناً يعلمّن الحيا كيف يستجدي

وفي الناسِ مَنْ يغدو به مستميحهُ

كمستقطرٍ ماءً من الحجر الصلدِ

فيا لابساً برد السيادة لا شذا

من الفخر إلاّ وهو في ذلك البردِ

فبوركتَ من فردٍ حوى الدهر كلّه

ببرد عُلاً منه طوى الناس في بردِ (1)

زعيم النهى ما عطرت جيبها (2) الصَبا

بأطيب نشراً من عبيرك والندّ

يقولون في الدنيا بنتْ دارَك العُلى

فقلتُ بل الدنيا بها بُنيت عندي (3)

كذبْنا فذا رضوانُ بشركَ مخبرٌ

يحدّث عنها أنّها جنَّةُ الخلدِ

فمنكَ المزايا قد تقسَّمن فردَها

وأعجبُ شيٍ قسمة (الجوهر الفردِ)

ألستَ من القوم الذين وليدهم

يرشّح طفلاً للعُلى وهو في المهدِ

فما حضنوا إلاّ بحجر نقابةٍ

ولا رضعوا يوماً سوى حلم الرشدِ

فيا قمم الأعداء للأرض طأطئي

ويا عينهم عودي من الجفن في غمدِ

____________________

1 - وفي الديوان المطبوع: في فرد. وفيه: حوى الفخر.

2 - في مخطوطة الملاّ: جيبه.

3 - أخذه من قول أبي العيناء عندما خاطب المتوكّل العباسي بعد فراغه من بناء قصره المسمى بـ (الجعفري):

الناس يبنون دورهم في الدنيا

وأنت بنيت الدنيا في دارك


نضا اللهُ في كفّ النقابة سيفها

وقال احتكمْ ما شئت يا فاصل الحدِّ

وهاتيكَ أبصارَ العدى وقلوبها

فدونك ما تختارهُ من ذوي الحقدِ

وممّا يعيرُ الأرض فخراً على السما

ويبهي الحصا فيها على أنجم السعدِ

بيوتٌ بها قد أودع اللهُ منكم

أطائب ما استصفاهُ من عترةِ المجدِ

لكم أذنَ اللهُ العظيمُ برفعها

وأنتم مصابيحٌ بها الناس تستهدي

لوجهك قد صلّى بها المدح والثنا

لأنّك فيها قبلةُ الشكر والحمدِ

وقال (رحمه اللّه)، وقد سأله العلاّمة السيد ميرزا جعفر القزويني ذلك:

نفسي بحبلِ ولاءِ (أحمد) أمسكتْ

مذ أحكمتْ بنياطِ قلبي عقدَه

أنّى وفرضُ مودّتي هي فيهمُ

أجر الرسالةِ لستُ أنسى عهده

بل لم تزلْ كبدي تروّح وجدَها

بنسيم ذكراه فتلقى برده

ماذا أقول على البعاد محرّرا

من نعت شوقٍ فيه أشكو بعده

وجميع أقلامي يكلُّ لسانها

عن أنْ يحيط بوصفهِ فيحدَّه

لكنْ إذا سأل الحبيب فؤاده

علمَ الذي عندي بما هو عنده

هو ذاك غرةُ جبهة الحسب الذي

لفخاره السامي أعدَّ معدَّه

من طينة الشرف التي من محضها

باري الأنام برى أباه وجدَّه

من معدن الكرم الإلهيّ الذي

لا خلقَ إلاّ وهو يشكو رفده

من بيت مختلف الملائكة الذي

للحق يهدي من تطلَّب رشده

من منبع الحكم (1) الذي يرد النهى

منهُ ويصدرُ وهو يحمدُ ورده (2)

من عترة الوحي الذين سما بهم

حسبٌ له التنزيلُ يرفع مجده

ممّن بعطف علاهُم متضوّعٌ

أرجُ الإمامة مهدياً لك ندَّه

____________________

1 - في الديوان المطبوع: الحلم.

2 - وفيه أيضاً: برده.


ممّنْ على اُولى الزمان نداهم

غمروا به حرَّ الزمان وعبده

في كلّ عصرٍ منهم ابنُ نبوَّةٍ

جمع الإلهُ به المحاسنَ وحده

فردٌ يسدُّ مسدَّ أرباب النهى

وجميعها ليستْ تسدُّ مسدَّه

واليوم هذا (أحمدٌ) في فضله

فاضربْ بذهنك أين تلقي ندَّه؟

جاءت رسالته إليَّ فقلتُ، (ما

كذب الفؤاد بما رأى، لي ودَّه

ونظرتُ في (معراج) رحلته التي

قد نال (بالإسراء) فيها قصده

إذ سار مقتعداً (براق) عزيمة

قد قرِّبت من كل أفقٍ بعده

وأرتْه من آياته ما لا يَرى ابـ

نُ مفازةٍ لو كان أعملَ جهده (1)

فأتى يقصُّ محاسنَ القصص التي

قد أبطلتْ هزل الكلام وجدَّه

أنباءُ فضل هنَّ أوحى آيها

من غيب (2) أسرار البلاغة عنده

أبغي الخطابَ له بوصفٍ جامعِ

لهباتِه فيه أخاطب مجده

وأعود عمّا ابتغي متحيرا

ماذا أقول: ولست أملك وجده (3)

إذ عندي (القاموس) بعض هباته

فمتى سوى القاموس يشملُ رفده (4)

وله لديَّ صنيعةٌ من معدن الـ

جود الذي فرض المهيمنُ حمده

بيضاء صافية الحديدة قد حكتْ

بصفاء جوهرها لعيني ودَّه

وكأنَّ رونق ذلك الحسب الذي

ينهى إليه بها (5) أشاعَ فرنده

مشحوذةً كلسانه فكأنّه

فيها مكان الحدِّ رُكّب حده

تروي حديث القطع عن ذي رونقٍ

فيه النبيُّ أبوه أتحف جدَّه (6)

____________________

1 - يصف بالأبيات الثلاثة (رحلة) أهداها إليه ممدوحه قام بها في مختلف البلدان.

2 - في مخطوطة الملاّ: من عيب.

3 - في الديوان المخطوط: حدّه. وفي المخطوطة: ممّا ابتغي.

4 - وفيه: وفده.

5 - وفي المخطوطة: بما.

6 - في البيت تورية جميلة في كلمة القطع. وفيها يشير إلى السيف الذي عبّر عنه بذي =


ما قطَّ رأس يراعةٍ فيها فتىً

إلاّ تذكَّر ذا الفقار وقدَّه (1)

وقال يمدح العلاّمة الشيخ محمد حسن آل يس الكاظمي (2) :

صباحُ الهدى من ضوءِ وجهكَ مسفرُ

ومن نورهِ ليلُ التهجدِ مقمرُ

خُلقتَ كما شاء التقى غير منطوٍ

على ريبةٍ فيما تسرُّ وتجهرُ

لكَ انتهت اليوم الرياسة للهدى

وإنّك قبل اليوم فيها لأجدرُ

ولم أدرِ حتى زارَ شخصك ناظري

بأنّ التقى في الأرض شخصٌ مصوّرُ

وأعظم شيٍ أنّ كفَّك لم يقمْ

بها عرضُ الدنيا وكلمُكَ جوهرُ

يقرُّ بعين الدين أنّك نيِّرٌ

به حوزةُ الإسلام تزهو وتزهرُ

وفرَّج صدري كون ناديك للتقى

وأنّك للأحكام فيه المصدِّرُ

فخاصمتُ فيك البدر يشرق نوره

وإنَّ عليه حجّتي منه أنورُ

فقال: كلانا زاهرٌ في سمائه

فقلت: نعمْ لكنْ محيّاه أزهرُ

وقالت نجوم الأفق: إنّي كثيرةٌ

فقلت: مزايا شيخنا منكِ أكثرُ

وقال النسيم الغضُّ: إنّي لعاطرٌ

فقلت: شذا أخلاقه منكَ أعطرُ

ودعْ راحتيه يا سحابُ فمنهما

يصوب الندى طبعاً وأنت مسخّرُ

لقد نشأت من رحمة الله فيهما

سحائبُ عشر بالعوارف تمطرُ

فيا علماء الأرض شرقاً ومغربا

كذا فليكنْ مَنْ للهدى يتخيّرُ

ويا خير مَنْ يرتاده آمل الورى

فمنظره في روضةٍ منه يحبرُ

إذا قيل فيمنْ روضة الفضل تزهر

وأيُ بحارِ العلم أروى وأغزرُ؟

إليكَ غدت تومي الشريعة لا إلى

سواك وأثنتْ وانثنت لك تشكرُ

____________________

= رونق، وهو الذي أهداه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) إلى ابن عمّه الإمام علي (عليه السّلام)، وهو المعروف بذي الفقار، وقد وصفه بالبيت الأخير مشيراً إلى الكلمة المأثورة: إن ضرب عرضاً قط، وإن ضرب طولاً قد.

1 - وفي المخطوطتين: وحده.

2 - مرّت ترجمته في الجزء الأوّل / 185.


وإن قيل مَنْ للمشكلات يحلّها

ذُكرتَ ولم تُعقدْ (1) بغيرك خنصرُ

حليف التقى ما سار ذكرٌ لذي تقىً

بمنقبةٍ إلاّ وذكرك أسيرُ

لقد ضمَّ منك البردُ والبرد طاهرٌ

فتىً هو من ماءِ الغمامةِ أطهرُ

فتىً حببتْه في النفوس خلائقٌ

يكادُ بها من وجههِ البِشرُ يقطرُ

فلو لم أبتْ فيها من الهمِّ صاحيا

لقلتُ هي الصهباء من حيث تسكرُ

إليكَ عروساً كنتُ أسلفت مهرها

ولم تجلَ لولا أنّها لك تُمهرُ

شكرتكَ ما أسديته من صنيعةٍ

تقدِّمت فيها والصنيعة تُشكرُ

عطايا أتتْ منك ابتداءً حسابُها

إليَّ وما كانت بباليَ تخطرُ

وغير عجيبٍ إن بدا من محمدٍ

بمنزلةٍ تشجى الحواسدَ حيدرُ

فما عصرُنا إلاّ القيامة شدّة

وما فيه إلاّ حوض جدواك كوثرُ

رمتْ عنده الدنيا كبارَ همومها

وهمتُّه العلياء منهنَّ أكبرُ

وطاف رجاها في حماه محلّقا

عن الناس حيث الكلُّ منهم مقصِّرُ

وقال يمدح الحاج محمد صالح كبّه:

بنور وجهكَ لا بالشمس والقمر

أضاءَ أفقُ سماء المجد والخطرِ

وفي البريّة من معروفك انتشرتْ

رواية الشاهدين السمع والبصرِ

تحدّثوا عنكَ حتى أنّ كلّ فمٍ

به عبيرُ شذاً من نشرك العطرِ

فذكرُك المسك بين الناس يسحق با

للسان والفم لا بالفهر والحجرِ

وخلقُك الروضة الغنّاء ترهم (2) في

نطاف بشرِك لا في ريّق المطرِ

وكفُّك البحر ما غاض الرجاء به

إلاّ وأبرز منه أنفسَ الدررِ

ودارُ عزّك تغدو الوفد ناعمةً

فيها بأرغد عيشٍ ناعمٍ نضرِ

بها الضيوفُ تحي منك أكرم مَنْ

يعطى الرغائب من بدوٍ ومن حضرِ

____________________

1 - في المخطوطة: يعقد.

2 - الرهمة: المطر الخفيف الدائم.


حيثُ الجنان على بعدٍ تضيءُ بها

للطارقينَ ضياءَ الأنجمِ الزهرِ

لقد غدا الأفقُ العلويُّ يحسدها

على مواقدها في سالفِ العُصرِ

وودَّ لو أنّها كانت به بدلا

من الكواكبِ حتى الشمسِ والقمرِ

فالشهبُ والبدرُ يطفي الصبحُ ضوءهُما

والشمسُ في الليل لم تشرقْ ولم تنرِ

لكنَّ دارك لم تبرحْ مواقدُها

مضيئةَ تصلُ الإصباحَ بالسحرِ

مازلتَ ترفعُ فيها للقِرى كرما

ناراً شكا الأفقُ منها لافحَ الشررِ

يا مقرضَ الأرض في عصرٍ به وثقت

بنو الزمان بكنزِ البيضِ والصفرِ

كأنّما اللهُ لم يندبْ سواكَ إلى

قرضٍ يضاعفهُ في محكم السورِ

فلم تكنْ بشراً بل أنتَ روحُ ندىً

للعالمين بدتْ في صورةِ البشرِ

يفدي يديكَ ابنُ حرصٍ لا حياء له

يلقي العفاةَ بوجهٍ قُدِّ من حجرِ

جرى لعلياكَ من جهلٍ فقلتُ له:

لقد جريتَ ولكنْ جرْى منحدرِ

سما بك الحظُ إلاّ عن علاء أبي الـ

مهدي حطَّك ذلُ العجزِ والخورِ

أنتَ المعذّبُ بالأموالِ تجمعها

خوفَ البغيضين من فقرٍ ومن عسرِ

وهو المفرِّقُ ما يحويه مدّخرا

كنزَ الخطيرين من حمدٍ ومن شكرِ

ما ديمةُ القطرِ من صغرى أنامله

للمحل أقتلُ في أعوامهِ الغُبرِ

يا ناظراً سيرَ الأمجاد دونك خذْ

منه العيانَ ودع ما جاء في السيَرِ

تجدْ به من أبيهِ كلَّ مأثرةٍ

ما للحيا مثلها في الجودِ من أثرِ

يريكها هو أو (عبدُ الكريم) بلا

شكٍ وأيُّهما إنْ شئتَ فاختبرِ

لا تطلبنَّ بها من ثالثٍ لهما

هل ثالثٌ شاركَ العينين بالنظرِ

تفرَّعا للعُلى من دوحةٍ سُقيتْ

ماءَ التقى فزكتْ في أوّل العصرِ

وقد سما فرعها الأعلى فأثمرَ ما

بين النجومِ بمثل الأنجمِ الزهرِ

بكلّ صافي المحيّا بشرُه كرمٌ

وكلُ أخلاقه صفوٌ بلا كدرِ

ما أحدقوا بالرضا إلاّ وخلتهمُ

كواكباً تستمدُ النورَ من قمرِ


مهذّبٌ يُتبعُ النعمى بثانيةٍ

دأباً وجودُ سواه بيضةُ العقرِ

لهُ مناقبُ مجدٍ كلّها غررٌ

في جبهةِ الدهرِ بل أبهى من الغررِ

زواهرٌ في سماءِ الفضلِ دائرةٌ

بمثلها فلكُ الخضراءِ لم يدرِ

رأى الثناءَ لباسَ الفخرِ تنسجُه

يدُ الندى لذوي العلياء والخطرِ

فجاد حتى دعاه البحرُ حسبك ما

أبقى سماحُك لي فضلاً على البشرِ

وكلَّ عنهُ لسانُ البرقِ ثمّ دعا

بالرعدِ أكرمتَ إنّي عنك ذو قصرِ

يُنمي إلى طيّبي الأعراقِ مَنْ عقدوا

على العفافِ قديماً طاهرَ الأزرِ

أعزَّةٌ نورُهم هادٍ ووجهُ مسا

عيهم حسينٌ بليلِ الحادثِ النكرِ

الوارثانِ من المهديِّ كلَّ عُلاً

لافقها طاهرُ الأوهام لم يطرِ

والباسطانِ لدى الجدوى أكفَّهما

سحائباً تمطرُ العافينَ بالبدرِ

والغالبانِ على الفخرِ الكرامِ معا

بحيثُ لم يدعا فخراً لمفتخرِ

يا طيبَ فرعِ سماحٍ مثمرٍ بهما

ما كلُّ فرعِ سماحٍ طيّبُ الثمرِ

لم يطلعا غايةً للفخرِ ليس ترى

شأواً بها لمجيدٍ غير منحسرِ

إلاّ وللمصطفى أبصرتَ مالهما

يوم الرهانِ من الإيرادِ والصدرِ

أغرُّ ما زهرت للشهبِ طلعته

إلاّ وغضتْ حياءً وجهُ منسترِ

خذوا بني الشرفِ الوضّاحِ كاعبةً

مولودةَ الحسنِ بين البدو والحضرِ

لم تجل في مجلسٍ إلاّ بوصفكم

تبسّمتْ كابتسامِ الروضِ بالزهرِ

إن يُصدِ نقصُ أناسٍ فكرَ مادحهم

ففضلكم صيقلُ الألبابِ والفكرِ

لا زال بيتُ علاكم للورى حرما

يحجّه الوفدُ مأموناً من الغيرِ

وقال يمدح السيد عبد الرحمن النقيب في ضمن كتاب عن لسان بعض الأشراف:

يا هماماً لفضله

يشهدُ السمعُ والبصر

كلُّ معنىً مهذِّبٌ

من معانيكَ مبتكر


أنتَ للفضلِ روحُه

وجميعُ الورى صور

وكذا أنتَ للزما

نِ مقيلٌ إذا عثر

فاقبلنْ عذرَ مَنْ أسا

ما مسيٌ مَنْ اعتذر

وقال يمدح الصدر الأعظم (1) عن لسان العلاّمة السيد ميرزا جعفر القزويني:

أحقُّ بالعزّ مَنْ لا يرهبُ الخطرا

ولا يعاقدُ إلاّ البيضَ والسمرا

والسيفُ أجدرُ أن يستلَّه لوغىً

مَنْ ليسَ يغمدُه أو يدركُ الظفرا

وأبيضُ العرض مَنْ في كفّهِ صدرتْ

بيضُ القواضب من وردِ الدما حمرا

لم تقضِ من وصلهِ بكرُ العُلى وطرا

حتى من الهامِ يقضي سيفُه وطرا

وحوزةُ الملكِ أولى في حياطتها

مَنْ بات في حفظها يستعذُب السهرا

وذي الرعيَّة أحرى في سياستها

مَنْ بالتجاربِ غورَ الدهرِ قد سبرا

وليسَ يملكُ يوماً رقَّ مملكةٍ

مَنْ ليس يملأ منها السمعَ والبصرا

ولا تُراضُ أقاليمُ البلادِ بمَنْ

لم تسقِ من خُلقَيه الصفو والكدرا

والحلُ والعقدُ لم يورد صوابهما

إلاّ الذي ثقة عن رأيهِ صدرا

ولا تناطُ أمورُ الملكِ أجمعها

إلا بمَنْ قارعَ الأيامَ مقتدرا

أما نظرتَ لسلطانِ البريةِ من

علا الرعيةَ ظلَّ العدلِ قد نشرا

مَنْ ودّت الشهبُ لو في ربعهِ هبطتْ

فقبّلته وشمّت تربَهُ العطرا

كيف اغتدي مودّعاً أسرارَ حضرته

صدراً أحاط بأسرارِ النهى خبرا

وكيف أنزلهُ منهُ بمنزلةٍ

لو ينزلُ البدرُ فيها تاه وافتخرا

لم يبلِ أخبارَهُ إلاّ رأى ثقةً

للملكِ صدَّق منهُ المخبرَ الخبرا

فقال خذْ منصباً أمُّ العُلى نصبتْ

أسرةً لكَ فيهِ الأنجمَ الزهرا

هذي الوزارةُ فاحللْ في ذوائبها

فالحزم للشمسِ أن تستوزرَ القمرا

____________________

1 - يرى الأستاذ إبراهيم الوائلي في كتابه (الشعر السياسي العراقي) إنّها قد تكون قيلت في مدحت باشا راجع / 220 ح 48.


فقال في رأيهِ والسيف يُجمعُ من

أطرافِ مملكةِ الإسلام ما انتشرا

مؤيّداً بجنودٍ من مهابته

قد انتضى معهُ آراءه زبرا

وبات والدولة الغراء يكلؤها

بعين مستيقظٍ لا يركبُ الغررا

إن يجرِ في حلبات الرأي مبتدرا

خلَّت له الوزراءُ الوردَ والصدرا

رأته أوسعها صدراً وأجمعها

فكراً وأصدقها إن شؤورت نظرا

فسلَّمتْ لعلاه الأمرَ مذعنةً

لما يقولُ نهى إن شاء أو أمرا

فهل تضيقُ بخطبٍ جاء من بشرٍ

ذرعاً وإن جلَّ ذاك الخطب أو كبرا

وصدرُها الأعظمُ السامي الذي تسعُ

الدنيا بهمته أعظمْ به بشرا

ذو عزمةٍ مثلَ صدر السيفِ باترةٍ

لو لاقت الدهرَ قرناً عمرُه انبترا

رعى المحبّين فيها البدوَ والحضرا

وروَّع المبغضينَ الرومَ والخزرا

قد قلَّد الملكَ منهُ سيفُ ملحمةٍ

لو يقرعُ الصخرَ يوماً بالدم انفجرا

إذا الجباهُ بذلِّ العجزِ قد وُسمتْ

في جبهةِ الموتِ أبقى حدَّه أثرا

يستصغرُ الحربَ حتى ما يباشرها

بنفسه ولها إن باشرَ السفرا

لجاءَ والهمّة العلياءُ فيه أتتْ

كالسيلِ من قللِ الأجبال منحدرا

في جحفل إن سرى ضاقت بأوّله

الدنيا وآخره لم يدرِ أين سرى

وخاض بحرَ الوغى بالحزم محتزما

بالنقع ملتئماً بالصبر متزرا

حتى تضج ملوكُ الأرض قائلةً

كذا بني الملك فلينصره مَنْ نصرا

هيهات هذي فعالٌ لا يقوم لها

مَنْ قد قضى منهمُ قدماً ومَنْ غبرا

لو مدَّ قيصرُ باعاً نحوها قصرا

أورامها قبلُ كسرى الفرس لانكسرا

فعالُ منتصرٍ لله قام بها

في الله منتهياً لله مؤتمرا

إنْ ينتقمْ فحقوق الله يأخذها

وليس يلغى حقوقَ الله إنْ غفرا

حلوُ السجايا رقيقٌ طبعهُ عذبٌ

لهُ خلائقُ ينفى صفوها الكدرا

خلائقٌ كالحميّا لو ترشِّفها

مَنْ كان يبغضهُ في حبّه سكرا

آنستِ يا وحشة الدنيا بذي كرم

أحيا بجدواه ميتَ الجودِ فانتشرا


ليسَ السحائبُ تحكيهِ وقد علمتْ

من كفّهِ ماؤها قد كانَ معتصرا

ولا البحارُ تضاهيهِ وقد طمحتْ

أمواجها فهي بخلاً تحرز الدررا

لم يجرِ حاتمُ طيٍّ أو أبو دلفٍ (1)

إلاّ وعن شأوهِ بالجودِ قد حسرا

وإنَ (معناً) (2) على ما فيهِ من كرمٍ

لو كان عاصرهُ في الجودِ ما ذكرا

يا مَنْ ترى الناسَ أنّى غابَ غائبةً

جميعها وحضوراً أيّنما حضرا

أمجلساً لك هدى الأرض قد جُمعتْ

أم أنتَ قد ضمنتْ أبرادُك البشرا

إنّ الصدارة لم يصلحْ سواك لها

كأنّها أبداً عينٌ وأنتَ كرى

لا زالَ سعدُك بالإقبال مقترنا

يستخدم المبهجين النصرَ والظفرا

وقال مادحاً مدحت باشا (3) بالتماس من الحاج مصطفى كبّه:

رواقك ذا لا بل وليجةُ خادرِ

بل الليثُ يخطو دونهُ خطوَ قاصرِ

____________________

1 - هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل، من بني عجل بن لجيم، أمير الكرخ، وسيّد قومه. قلّده الرشيد أعمال (الجبل) ثمّ صار أحد قادة جيش المأمون. توفّي ببغداد عام 226 هـ - 840 م.

له كتب منها: «سياسة الملوك»، و«البزاة والصيد»، وقد قال الشعر ولحّنه. ترجمت له في كتابي «شعراء بغداد» ج 9.

2 - هو أبو الوليد معن بن زائدة بن عبد اللّه بن مطر الشيباني، من مشاهير أجواد العرب، وأحد الشجعان الفصحاء، أدرك العصرين الأموي والعباسي، ولاّه المنصور على اليمن، ثمّ ولاه سجستان، قُتل غبلة عام 151 هـ - 768 م، ورثاه شعراء عصره بأخلد الشعر.

3 - مدحت باشا، أشهر والي جاء بغداد، وعُرف بإصلاحاته وتفكيره واتصاله بمختلف أعلام العراق وأدبائه. ولد في اسطنبول 1238 هـ، وتغلّب في عدّة مناصب فكان قبل مجيئه والياً على الدانوب، ثمّّ رئيساً لمجلس شورى الدولة، ثمّ جاء بغداد فأصلح كثيراً من الأمور، ووسّع الإدارة، وأحسن التصرّف في تعديل الطرق والمواصلات، وقام بفتح بلاد نجد وإخماد فتنة عبد الكريم الجربا، وعودة عشيرة شمر إلى الاستقرار، ثمّ عيّن صدراً أعظم، وأخيراً نقم عليه السلطان عبد الحميد فسجنه مدّة واتّهمه باتّهامات كان يبغي من ورائها القضاء عليه، فكان ما أراد في عام 1301 هـ. كتب عنه كتاباً خاصاً الأستاذ صديق الدملوجي.

ولقد تحدّث الدكتور يوسف عزّ الدين في كتابه «الشعر العراقي» خصائصه وأهدافه، =


لكَ العسكرُ الجرّار والهيبة التي

مخافتُها تكفيك جرَّ العساكرِ

خطبتَ الوغى بالرمح والسيف شاغلا

لسانيهما بين الكلى والمغافرِ

فسيفُكَ فيها ناثرٌ غير ناظمِ

ورمحُك فيها ناظمٌ غير ناثرِ

وكم من عدوّ قد خلقتَ لقلبه

جناحين من ذعرٍ ورعبٍ مخامرِ

فهابكَ حتى ساعةً السلم لم يكن

ليلقاك إلاّ في حشا منكَ طائرِ

وخافكَ حتى ليس يخلو بسرِّه

كأنَّ رقيباً منك خلف السرائرِ

طلعتَ ثنيات التجارب كلّها

فصرتَ ترى في الورد ما في المصادرِ

رويدَ الأعادي إنّ حزمك عودُه

على الغمز يوماً لا يلينُ لهاصرِ

وإنْ جهلتْ يوماً حسامكَ فلتسلْ

بها هامَها عن عهدها بالمغافرِ

لك القلمُ النفّاث في عقد النهى

بديعُ بيانٍ من معانٍ سواحرِ

فوالله ما أدري أهلْ نثرُ ساحر

على الطرس يبدو منه أو سحر ناثرِ؟

وفكرُكَ يوحي أيَّ نظمٍ وإنّها

لقولُ كريم جلَّ لا قولُ شاعرِ

وقال يمدح نسب الحاج محمّد حسن كبّه:

نسبٌ أناف على الأنامِ به

شرفاً فطالَ به على قِصره

هو عقدُ فضلٍ لم يزل أبدا

تتزّين العلياءُ في درره

وقال مراسلاً بعض إخوانه:

إلى مَنْ مناقبهُ الزاهراتُ

بدتْ أنجماً في سما الفضل زُهرا

فتىً ورث المجدَ من هاشمٍ

فكان به أرفعُ الناسِ قدرا

فأخلاقهُ (عينُ ماءِ الحياة)

بها صرتُ والحمدُ لله (خضرا)

جرى قلمُ الحبِّ في مهجتي

فأثبتَ فيها لهُ الودَّ سطرا

____________________

= في القرن التاسع عشر عن مناسبة نظم الشاعر لهذه القصيدة في ص 61 - 62، كما تحدّث في مواضع أخرى من الكتاب عن خواطر الشاعر وميزاته.


يمثلّهُ الشوقُ في ناظري

فأنظرُ منه المحيّا الأغرّا

أراه قريباً بعين الهوى

على بُعده فأحيِّيه بدرا

همامٌ تضوَّع من عِطفه

عبيرُ نهىً طبَّق الكون عطرا

لذكركَ فرَّغتُ شطرَ الفؤاد

ومنه الشواغل يملانَ شطرا

وقال يمدح النقيب حين سار إلى الحج بالتماس بعض الأكابر:

يا مليكاً به الملوك أطافوا

بُتْ معافاً تحفَّك الألطافُ

للمنى أين ما أقمتَ مقامٌ

وله أين ما انصرفتَ انصرافُ

غير بدعِ بأن تُخافَ وتُرجى

سيدُ القوم يُرتجى ويُخافُ

أيُّ أرضٍ حللتها فهي روضٌ

لأنُوفِ الملوكِ فيه استيافُ

يا نقيب الأشراف وهو نداءٌ

لك تعلو بذكره الأشرافُ

نفحتْ منهم بنشرٍ ولكن

من غوالي فخاركَ الأعطافُ

بك طابوا ويكسب الماءُ طيبا

حين يغدو للورد وهو مضافُ

أفرشَ اللهُ أخمصيكَ خدودا

مَنْ عدا عنك قد زواها انحرافُ (1)

ضلَّ مَنْ فيك قاسها حيث منها

لم تنلْ كعب رجلكَ الأكتافُ

فطأ اليوم أيّنما شئتَ فخرا

رغمتْ تحت نعلكَ الآنافُ

لك وجهٌ لو باهلَ الشمس يوما

لعرا وجهها المنيرَ انكسافُ

شفَّ توديعك الورى حين قالوا:

مزمعٌ جوهر العُلى الشفافُ

ودَّعتْ منك منصفاً فهي تدعو

سرْ على اليمُن أنت والإنصافُ

لا تسلْ عن قلوبنا فلعمري

كلُّها في غدٍ إليك لهافُ

كلّما جدَّ في ركابك سيرٌ

جدَّ للاشتياق فيها اعتسافُ

بوركتْ نيّةٌ دعتكَ لبيتٍ

لعلاه آباك قدماً أنافوا (2)

____________________

1 - كذا جاء في المخطوطة. وفي المطبوع: قد رواها.

2 - في المطبوع: بعلاه.


ستؤدي فرضَ الطواف وتأتي

لحمىً فيه للسرور مطافُ

ثمّ أهدى إليكَ تحفةَ بشرٍ

ما حوتْ مثلَ درِّها الأصدافُ

في تهانٍ لها إليك اختلافٌ

وسعودٍ لها عليكَ ائتلافُ

كرياضِ الربيع تونق زهرا

راقَ للناظرين منها اقتطافُ

وقال مادحاً بعضهم:

أهدي إليكَ أخا الفخار تحيةً

رقَّت كرقة طبعكَ الشفافِ

وافتكَ تحسب أنّها داريَّةٌ

حملتْ شذاك لأنفك المستافِ

وفد السرورُ بها لتهنئة العُلى

فيما حبيتَ به من الألطافِ

أنت الذي عكفَ الثناءُ بربعه

وأطاف فيه الحمدُ أيَّ مطافِ

شهدتْ لك (الفيحاء) أنّك زدتها

شرفاً لأنّك صفوةُ الأشرافِ

وبها لك انتهت الرياسة كلُّها

فرفلتَ في حبراتها الأفوافِ

وبها قدمتَ فكان أيمنُ مقدمٍ

طرقَ العداة بمرغم الآنافِ

كانت أماني أنفسِ مكذوبةٍ

دعت الحسود لقلّة الإنصافِ

وقال يمدح السيد سلمان النقيب، وقد التمسه الحاج مصطفى كبّه، وذلك ببغداد سنة 1295 هـ:

بنى العشقُ ما أحلى إليّ كلّ عاشقِ

طِلاً لمشوقٍ زفّها كفُّ شائقِ

ولم أرَ في الأحشاء ألطفَ موقعا

وأرشقَ من نبلِ العيون الرواشقِ

وأغرق أهلُ الحبّ في الحبّ مهجةً

بكلّ غريرٍ في المحاسن فائقِ

أظنُّهم حتى على لحظ عينه

بما احمرَّ من وردٍ بخديه رائقِ

وما العمرُ عندي كلمُّه غير ليلةٍ

يبيتُ رهيفُ الخصر فيها معانقي

ترفُّ على صدري خوافقُ فرعه

رفيفَ حشاً منّي على الشوق خافقِ


كأنَّ الثريّا طوقته هلالها

ومن حسدٍ مدّتْ له كفَّ سارقِ

من الريم لم يألفْ سوى الرمل ملعبا

ولم يرتبعْ إلاّ بأحناء بارقِ

ونشوانَ من مشمولة الدلِّ قدُّه

أرقُّ من الغصن انعطافاً لوامقِ

مورّدُ ما بين العذارين زارني

فنزَّه أحداقي بلون الحدائقِ

وقلتُ وقد أرخى على الخدّ صدغه

لقد سلسلَ الريحان فوقَ الشقائقِ

أقبلُّ طوراً وردَ خديه ناشقا

عبيرَ شذىً ما شقَ عرنين ناشقِ

وألثمُ طوراً ثغره العذبَ راشفا

سلافة خمرٍ لم تدنّسْ بذائقِ

خلوتُ وما بي ريبةٌ غير نظرةٍ

تزوَّدتها منهُ بعيني مُسارقِ

وراودته لكنْ من الثغر قبلةً

ألذَّ وأشهى من غبوقٍ لغابقِ

وأعرضتُ عمّا دون عقد أزاره

عفافاً وقد زالتْ جميع العوائقِ

وحسبُكَ منّي شيمةً قد ورثتُها

من الغالبيين الكرام المعارقِ

خليليّ ما للكأس كفّي ولا فمي

ولا كبدي للناهدات العوانقِ

نسيتُ وما بي يعلمُ الله صبوةٌ

ولا اجتذبتْ أحشاي بعض العلائقِ

عشقتُ ولكن غيرَ جارية المها

وما العيشُ إلاّ للمعالي بلائقِ

خذا من لساني ما يروقُ ذوي النهى

ويترك أهلَ النظم خرسَ الشقاشقِ

مديحاً له تجلو مفارقُها العُلى

وسلمانُ منها غرةٌ في المفارقِ

وقورٌ على الأحداث لا تستخفه

إذا طرقتْ في الدهر إحدى السوابقِ

ومَنْ كعليِّ القدر كان أباً له

يزنُ بحجاهُ راسيات الشواهقِ

نقيبُ بني الأشراف أعلى كرامهم

عماداً وأسناهم فناءً لطارقِ

فما قلبتْ أمُّ النقابة قبله

ولا بعده في مثلهِ طرفَ رامقِ

فتىً إن سرى يوماً لإحراز مفخرٍ

فليس له غيرُ العُلى من مرافقِ

لقد غدت الدنيا عليه جميعُها

مغاربها تُثنى ثناءَ المشارقِ

تطرَّق أمَّ المجد في بيت سؤددٍ

يظلّلُ عزّاً بالبنود الخوافقِ


فأنجبَ من سلمان وهو ذكا العُلى

ببدرِ نهىً يجلو ظلام الغواسقِ

همامٌ نمتهُ دوحةٌ نبوية

إلى مثمرٍ في المجدِ منها ووارقِ

لهُ النسبُ الوضّاحُ في جبهة العُلى

مع الحسبِ السامي جميع الخلائقِ

يعدُّ رسول الله فخراً لمجده

وحسبك مجداً في الذرى والشواهقِ

تضوعُ بعطفيه السيادة مثلما

تضوَّع عرف المسكِ طيباً لناشقِ

به اقتدحتْ زند النجابة هاشمٌ

ففي وجهه من نورها لمعُ بارقِ

سما في المعالي طالباً قدرَ نفسه

إلى شرفٍ فوق الكواكب باسقِ

وفاتَ جميعَ السابقين إلى العُلى

فقصّر عن إدراكه كلُّ سابقِ

وقالوا: رويداً حكَّ عاتقكَ السهى

فقال: وما قدرُ السهى حكُّ عاتقي

تمنطق طفلاً بالرياسة واحتذى

بأخمصها تيجانَ أهل المناطقِ

إليكم ملوكَ الأرضِ عن ذي سرادقٍ

تجمعت الدنيا به في السرادقِ

تقبِّل أهلُ الفخر أعتابَ داره

فيأرج منها طيبُها في المفارقِ

فداء مفاتيح الندى من بنانه

أكفُّ على أموالها كالمغالقِ

تعللّ راجيها إذا أسودَّ ليله

بكاذب وعدٍ فجرُه غير صادقِ

ندىُّ بنان الكفِّ في كلّ شتوةٍ

يجفُّ بها ضرعُ الغيوم الدوافقِ

فحين تشيمُ المجدبون بوارقا

تمنَّوا نداه غيث تلك البوارقِ

وضيءُ المجالي والمعالي كليهما

وعذبُ السجايا والندى والخلائقِ

أخفُّ على الأرواح طبعاً من الهوى

ولكنَّه في الحلم هضبة شاهقِ

فما طلعةُ البدر المنير مضيئة

كطلعته الغراء في كلّ غاسقِ

مهيبٌ فلولا ما به من تكرُّمٍ

لما لمحته هيبةً عينُ رامقِ

فما هيبةُ الضرغام دون عرينه

كهيبته القعساء دون السرادقِ

لقد كتب اللهُ الفخارَ له على

لواء عُلىً في الغرب والشرق خافقِ

تضايقت الدنيا ببعض فخاره

على أنّه فرّاجُ كلّ المضايقِ


يضيع فضاءُ الأرض في رحب صدره

إذا هي غصتْ في الخطوبِ الطوارقِ

من الفاطميين الذين تراضعتْ

قناهم طلى الأعداء في كلّ مازقِ

همُ توّجوا هامَ الملوك ببيضهم

وداسوا على أنماطهم بالسوابقِ

إذا نزلوا كانوا ربيعَ بني المنى

وإن ركبوا كانوا حماةَ الحقائقِ

تعانق فوق الخيل عاليةُ القنا

عناقَ سواها الغيد فوق النمارقِ

هم القومُ ما للشيخ منهم لكهلهم

وما منهم في كهلهم للمراهقِ

وهذا ابنهم سلمانُ والفرع طيبه

يجيءُ على مقدار طيب المعارقِ

إذا مسحتْ منه العُلى وجهَ سابق

جلتْ من أبي محمود غرّة لاحقِ

فتىً علمه يحكي غزارةَ جوده

وما علمُ قومٍ غير محض التشادقِ

وقد قوّمت منه الإصابة رأيه

فكان لفتق الدهر أحزم راتقِ

ومنطيقُ فصلٍ لو يشاء لسانه

لفلَّ حدودَ الفاصلات البوارقِ

يحاكي بقطع الخصم أسياف قومه

فيمضى مضاها في الطلى والمرافقِ

ويطعنه في قلبه بنوافذٍ

نفوذَ قناهم في قلوب الفيالقِ

أبا المصطفى أرغمت أنتَ وذو النهى

شقيقك في العلياء شمَّ المناشقِ

لقد زنتما جيد العُلى من بنيكما

بسمطي فريدٍ في العُلى متناسقِ

فيا قمراً سارت بذكر علائه

نجومُ القوافي في سماء المهارقِ

إليكَ تعدتْ فكرتي كلَّ فكرةٍ

لما لم يكنْ فيه مجالُ محاذقِ

فجاءتْ من القول الذي انفردتْ به

بآيات نظمٍ أفحمتْ كلّ ناطقِ

سلمتَ على الدنيا وفخرُك مشرقٌ

يضيُ ضياءَ الشمس في كلّ شارقِ

لك الدهر عبدٌ لا يرى المجدُ عتقه

ولا هو يلوي عنكمُ جيدَ آبقِ

وقال في مدح بعض الأشراف:

بقِّيتي هي بين الشوق والأرقِ

حشاً تذوب وجفنٌ غير منطبقِ

قد لوَّن الدهرُ دمعي في تلونه

فانهلَّ من أحمر قانِ ومن يققِ


وقيدتني عن شأوٍ حوادثه

وقلنَ دونك والغايات فاستبقِ

فكيف يسبقُ مَنْ كانَ الزمانُ له

قيداً يجاذبهُ عن رسنهِ الغلقِ

وهل يؤدّي لخلِّ حقَ خلَّته

....................................... (1)

يا مَنْ تعوِّذُه في كلّ شارقةٍ

أمُّ السماح بربِّ الناسِ والفلقِ

عذراً فداؤك في طرق الندى فئةٌ

أرى المكارمَ فيهم وحشة الطرقِ

ما أبطأتْ عنك لا صدّاً ولا مللا

آياتُ شوقٍ ولا الإعراضُ من خلقي

وكيف أغفلُ حقاً أنت صاحبه

وكان ذلك فرضاً لازماً عنقي

وقال يمدح بيت الحاج محمد صالح كبّه:

بيتُ مجدٍ إن حوى شكرَ الورى

فعلى معروفهِ كانوا عيالا

لم يكنْ للجودِ إلاّ مطلعا

يملأ العينَ هلالاً فهلالا

وقال يمدح مدحت باشا وقد سأله ذلك الحاج مصطفى كبّه:

أثنتْ عليك بأسرها الدولُ

وتشوقتكَ الأعصرُ الأولُ

وأعدتَ للأيامِ جدَّتها

فاليوم عمرُ الدهرِ مقتبلُ

وأرى الممالك يا ابن بجدتها

لكَ شكرُها كنداك متصلُ

أوسعتها وفضلتها كرما

عنهُ يضيقُ السهلُ والجبلُ

وسبرتَ غور زمانها فغدا

لا جرحَ إلاّ وهو مندملُ

ما في الحياة لخالعٍ أملٌ

أنتَ الحمامُ وسيفك الأجل

مَن ذا يردُّ لعزمتيكَ شبا

وشباكَ يقطع قبلَ ما يصلُ

إن تنتعلْ قممَ الملوك فقد

توّجتهم بالفخر لو عقلوا

وطأتْ لك الدنيا بأخمصها

هممٌ بساطُ نعالها القللُ

ولئن أقمتَ بحيث أنت وقد

أمنت بك الأقطارُ والسبلُ

____________________

1 - بياض: في المخطوطتين والمطبوعتين.


فالأرض حيث تجوسها بلدٌ

والناسُ حيث تسوسها رجلُ

وإذا الصواهل أرعدتْ وعلى

برق الصوارم أمطر الأسلُ

وعلتْ رياح الموت خافقةً

بأجش قسطله لها زجلُ

خضتَ السيوفَ وكلُها لججٌ

تحت الرماح وكلُها ظللُ

وجنيتَ عزَّ الملك محتكما

من حيث تنبت في الكلى الذُبلُ

ولديكَ آراءٌ مثقفةٌ

ما مسها كمثقفٍ خطلُ

فإذا طعنتَ بها العدى وصلتْ

منهم لحيث السمرُ لا تصلُ

وعزائمٌ كالشهب ثاقبةٌ

في كلّ ناحيةٍ لها شعلُ

قلْ للقبائل لا نعدُّكم

جمعَ القبائل كلّها رجلُ

أسدٌ قلوبُ عداه من فرقٍ

ذهلٌ ونابلُ فكره ثعلُ

فاطرحْ أحاديثَ الكرام له

فيه لكلٍّ منهم مثلُ

واتركْ تفاصيلَ الملوك فقد

أغنتكَ عنها هذه الجملُ

يا ابن الوزارة أنت أوحدُها

لا راعها بفراقك الثكلُ

ومَن ادّعى للعين ليس سوى

إنسانها ابنٌ تشهدُ المقلُ

فأقم وبدرُك كاملٌ أبدا

والبدرُ منتقصٌ ومكتملُ

في دولةٍ صلحتْ وزارتها

لكَ فهي تحسدُها بك الدولُ

وقال يمدح الحاج محمد رضا كبّه في ضمن عتاب:

يا أمجد الناسِ فرعا

يُنمي لأمجد أصلِ

وقاتلَ المحل جودا

في كلّ أزمة محلِ

وابن القِرى ولعمري

أبوك زادُ المقلِّ

لا يستشارُ سواه

في كلّ عقدٍ وحلِّ

والموقدُ النارَ ليلا

للطارقِ المستدلِّ


مرفوعةً وعليها

مراجلُ (1) الزاد تغلي

يمتدُّ منها لسانٌ

إلى السما متجلي

حتى يضيءَ سناه

في كلّ حَزنٍ وسهلِ

يدعو الضيوف هلمُّوا

إلى القِرى، لمحلّي

فيهتدي بسناه

إليه كلُّ مضلّ

أكرم به من كريمِ

له انتهى كلُّ فضلِ

والخلقُ منك ومنه

مثلان في غير مثلِ

هذا مجاجةُ (2) مسكٍ

وذاك شهدةُ نحلِ

يفدي عُلاك ابنُ خفضٍ

سارٍ برجل ابن ذلِّ

يبغي العُلى وهو شيخٌ

همُّ بهمة طفلِ

وهل تنال الثريّا

عفواً بباع أشلِّ

وما له في طريق الـ

علياء موطئُ رجلِ

ولا له حوضُ جودٍ

يرجى لعلٍ ونهلِ

إلاّ حقيقةُ بخلٍ

تبدو بصورة بذلِ

وقال يمدح العلاّمة الشيخ محمد حسن الكاظمي:

قدَّمتك العُلى وكنتَ زعيما

وقصارى رجائها أن يدوما

واستنابتك عن أكارمَ تقفو

هديَهم والكريمُ يقفو الكريما

لم يزدكَ التعظيمُ منّا جلالا

إذ لدى ذي الجلالَ كنت عظيما

لك فوق الأنام طودُ جلالٍ

طائرُ الوهم حوله لنْ يحوما

ما تجلى به لك الحقُّ إلاّ

وغدا يصفقُ الحسودَ وجوما

فالعجيب العجاب أنّك موسى

ونرى مَنْ سواك كان الكليما

____________________

1 - المراجل: القدور.

2 - المجاجة: العصارة.


باسطاً بالندى بنانَ يدٍ بيضا

لم يغدُ طرفة مضموما

هي شكلٌ للجودِ ينتجُ دأبا

وسواها قد جاء شكلاً عقيما

أيّها المسقمُ الحواسدَ غيظا

بالنُهى كم شفيتَ فكراً سقيما

أنت لطفٌ لكنْ تجسمت شخصا

فغدا منُّك الجسيم جسيما

كم لعامٍ مسحتَ وجهاً بأندي

من وجوه الغرّ الغوادي أديما

تلكَ راحٌ كم روحتّنا وكفٌ

كم بها اللهُ كفَّ عنّا الهموما

علمتْنا هي الثنا فانتقينا

من مزايا علاكَ درّاً يتيما

فلك الفضلُ إنْ نظمنا لأنا

منك نهدي إليك عقداً نظيما

عصم اللهُ دينه بك يا مَنْ

كان من كلّ مأثم معصوما

لا أرى يملك الحسودُ سوى ما

إنْ عددناه كان فيه ذميما

بصراً خاسئاً وكفّاً أشلا

وحشاً ذاعراً وأنفاً رغيما

قد تقلدتها إمامةَ عصرٍ

سدتَ فيها الإمامَ والمأموما

قدمتْ منك واحدَ العصر يا مَن

عاد نهجُ الرشاد فيه قويما

قدّمتْ فيكَ ثاني الغيثِ كفّا

ثالثَ النيّرين وجهاً وسيما

قدّمت منك يا أدلّ على الله

عليماً ناهيك فيه عليما

قدّمتْ يا أجسُّ للحكم نبضا

منك طبّاً بالمعضلات حكيما

قد نظرنا بك الأئمة حلما

وحجّى راسخاً وفضلاً عميما

وروينا فيالدين عنك حديثا

ما روينا في الدين عنك قديما

بكَ منهم بدت مناقب غرّ

في سماء الهدى طلعنَ نجوما

هي طورا تكونُ رشداً لقومٍ

ولقومٍ تكون طوراً رجوما

فأقمْ في عُلىً ترى كلَ آنٍ

مقعداً للعدوّ منها مقيما

لم يكنْ ودُّنا مقالاً علكناهُ

كما يعلك الجوادُ الشكيما

بل وجدناكَ حجة الله فينا

فنهجْنا صراطكَ المستقيما


ولنا اليوم أنتَ في الأرضِ ظلٌ

وغداً نستظلُ فيك النعيما

وقال يمدحه أيضاً ويعزّيه بوفاة ولديه الشيخ علي والشيخ باقر:‍

إليكَ وقد كلَّتْ علينا العزائمُ

سرتْ بتحيات المشوقِ النسائمُ

تحاكمنَ في دعوى التفوُّق بالشذا

إليك وكلٌ طيباتٌ نواعمُ

ولا مدّعٍ عنّي سوى خالص الهوى

ولا شاهدٌ إلاّ العُلى والمكارمُ

وأغلبُ ظّنّي أن خلقكَ للتي

حكتْ طيبه وهي التحيات حاكمُ

أما وأيادٍ أوجب المجدُ شكرَها

بها لم تنبْ عن راحتيكَ الغمائمُ

لأنتَ الذي منه تردُّ أمورنا

إلى عالمٍ ما فوقه اليوم عالمُ

إلى قائمٍ بالحقّ داعٍ إلى الهدى

له اللهُ عمّا يكره الله عاصمُ

إلى خير أهل الأرض بِرّاً ونائلا

وأكرم مَن تثنى عليه الأكارمُ

منارُ هدىً لولاه لاغتدت الورى

بمجهل غيٍّ ضمّها وهو قاتمُ

وسيف هدىً يمحو الضلالة حدُّه

ويثبت منه في يد الدين قائمُ

وعار من الآثام عفَّ ضميره

وكأسٌ من التقوى من الذكر طاعمُ

وجدناه ما يأتي الزمان بمثله

وهل تلد الأيامُ وهي عقائمُ

فتىً أظهر اللهُ العظيم جلاله

وليس لما قد أظهر اللهُ كاتمُ

وشادَ برغم الحاسدين علاءه

وليس لما قد شاده اللهُ هادمُ

وذو هيبةٍ لو اُشعِر الليثُ خوفها

لما ثبتتْ في الأرض منه القوائمُ

وأردفها أخرى فكانت عظيمةً

تهون لديها في الزمان العظائمُ

فصابرتها في الله وهي عظيمةٌ

أُقيمت لها فوق السماء المآتمُ

وحزتَ ثواباً لو يقسَّم في الورى

لحطتْ به في الحشر منها الجرائمُ

فأنت لعمري أصلبُ الناس كلّها

قناةَ عُلاً لم تستلنها العواجمُ

وأوسع أهل الأرض حلماً متى تضقْ

لدى الخطب من أهل الحلوم الحيازمُ


عنت لك أهلُ الكبرياء وقبّلتْ

ثرى نعلك الحساد والأنف راغمُ

نرى علماء الدين حتفاً تتابعوا

وحسب الهدى عنهم بأنّك سالمُ

فأنت بهذا العصر للخير فاتحٌ

وأنت به للعلم والحلم خاتمُ

وأنت لعمري البحرُ جوداً ونائلا

وأنملك العشرُ الغيوث السواجمُ

فيا منفقاً بالصالحات زمانه

فداً لك مَنْ تفنى سنيه المآثمُ

بقيتَ بقاءً لا يحدُّ بغايةٍ

وأنت على حفظ الشريعة قائمُ

ولو قلتُ عمر الدهر عمَّرتَ خلتَني

أسأتُ مقالي ذلك الدهر خادمُ

تنبّهَ لي طرفُ التفاتك ناظرا

إليَّ وطرف الدهر عنّي نائمُ

فأدعو لنفسي إن أقل دمٌ لأنّني

تدوم لي النعما بأنّك دائمُ

فما أنا لولا روض خلقِك رائدٌ

ولا أنا لولا برقُ بشرِك شائمُ

ودونكها غراء تبسم لؤلؤا

من القول لم يلفظه بالفكر ناظمُ

فرائدُ من لفظٍ عجبتُ بأنّني

أبا عذرها اُدعى وهن يتائمُ

ومدره قولٍ يغتدي ولسانه

لوجه الخصوم اللد بالخزي واسمُ

ينال بأطراف اليراع بنانه

من الخصم ما ليست تنال اللهاذمُ

فأقلامه حقّاً قنا الخط لا القنا

وآراؤه لا المرهفات الصوارمُ

حمى الله فيه حوزة الدين واغتدت

تصانُ لأهل الحق فيه المحارمُ

فيا منسياً بالجود معناً وحاتما

ألاّ إنّ معنىً من معانيك حاتمُ

محيّاكَ صاحٍ يمطر البشرَ دائما

وكفُّك بالجدوى لراجيك غائمُ

وتخفض جنحاً قد سما بك فارتقى

إلى حيث لا بالنسر تسمو القوادمُ

تدارك فيه اللهُ أحكامَ ملّةٍ

قد اندرستْ لولاكَ منها المعالمُ

ألا إنّ عينَ الدين أنت ضياؤها

وأنت لها من عائر الشرك عاصمُ

شهدتُ لأهل الفضل أنّك خيرُهم

شهادةَ مَنْ لم تتبعه اللوائمُ

وإنّك ظلُ الله والحجة التي

تدين لها أعرابها والأعاجمُ


وعندك جودٌ يشهد الغيثُ أنّه

هو الغيث لا ما جدنَ فيه الغمائمُ

يطبُّ به الأعداء والداء معضلٌ

وترقى به الأيام وهي أراقمُ

سبقتَ لتفريج العظائم في الورى

فخرتَ ثناها واقتفتك الأعاظمُ

وصادمت الجُلى حشاك فلم يكن

ليأخذَ منها خطبُها المتفاقمُ

فلو لم يكن من رقّةٍ قلتُ مقسما

لقد قرع الصلدَ الملُّم المصادمُ

وبالأمس لمّا أحدث الدهرُ نكبةً

إلى الآن منها مدمعُ الفضل ساجمُ

تلقيتَها بالحلم لا الصدرُ ضائقٌ

وإن كبرتْ فيه ولا القلب واجمُ

وقال يمدح السيد عبد الرحمن النقيب (1) ضمن كتاب:

لي العذرُ كلَّ لسانُ القلمْ

وجفَّ بما فوق طرسي رُسمْ

وعندي ولا عربيُّ سواه

لسانٌ بهذا المقام العجم

أكلفُه نعتَ سعد السعود

ومَن للثريّا به وهو فم

وغاية وصفي له أن أقول:

يا علماً ويقلُّ العلم

تركتُ لناديه عدَّ البقاع

وعديتُ عن قول هذا الحرم

كتركي له عدَّ أفرادها

وكيف بتعداد خير النسم

وقلتُ أرى الأرض في مجلسٍ

لمن تحت طيٍ رداه الأمم

هو البدر لكنّه للكمال

وبدرُ السما بين نقصٍ وتم

مِن الماثلين بصدر الندىّ

رزان الحلوم رزان القمم

فيا منْ إذا غاب قال الحضور:

وإن حضر القولُ كلُّ أرم

منيتَ ابتداءً بدرّ المقال

ويا بحرُ بالطبع منك الكرم

____________________

1 - السيد عبد الرحمن ابن السيد علي ابن السيد سلمان النقيب الكيلاني، تقلّد النقابة بعد أخيه عام 1915، وكان من سراة القوم ومشاهيرهم، له إحاطة بكثير من العلوم والفنون، وكانت لديه مكتبة واسعة ضمّت النوادر من الكتب، وقد ألّف أوّل وزارة عراقية. توفّي عام 1945 هـ، وخلف أولاداً.


نعم حقَّ لي فيك شكرُ الزمان

فحسنُ اعتنائك أعلى النعم

ولكن عجزت فمالي يدٌ

بما يستقلُّ بهدى الحكم

وقال يمدح بعض الأجلاّء:

قد أصبح الدهرُ يجلو منظراً حسنا

من ليلةٍ طوقّتْ جيدَ العُلى مننا

إلى كريمكَ قد زفّتْ كريمتُه

فزفّت الدهرَ والإقبالَ واليمنا

لقد غدتْ بهم (الزوراء) لابسةً

ثوباً من الزهو فيه فاخرتْ (عدنا)

يا بن الذين يبارون الصَبا كرما

والروضَ خلقاً وأطراف القنا لسنا

وقال يمدح العلاّمة الكبير السيد مهدي القزويني وأنجاله:

حيتْكَ بكرُ النظم غدوه

تجلو الثنا شغفاً وصبوه

بنواصع من لفظها

مثل الشموس بزغنَ ضحوه

طربتْ لمدحكَ هيفُها

فثنتْ معاطفَ ذات نشوه

جاءتكَ تشكرُ أنعما

سبقتْ إليها منك حلوه

أوقرتها منناً أتتْ

منك ابتداءً لا بدعوه

عن حملها ضعفت وفي

ها اُعطيتْ للسعي قوَّه

فأتتْ تقاصرُ عن خُطاها

خطوةً ثقلتْ فخطوه

ودعتْك يا منْ ليس يحنو

والدٌ أبداً حنّوه

ماذا أقولُ بمدح مَنْ

فيه كتابُ الله نوّه

علمُ الهدى السامي الذي

لا تلحق العلماءُ شأوه

ورثَ الأئمة كلّما

قد ورثوا من غير صفوه

فحوى جميعَ خصالهم

إلاّ الإمامة والنبوّه

أمنازعيه رياسةً

كلُّ بها يبغي علوَّه

مِن أين أنتم إنّما

إرثُ الأبوة للبنوّه


بل ما لكم في الاشتراكِ

مع ابن وحيِ الله حظوه

حيث الإمامُ بكلّ عصرٍ

واحدٌ هو فيه قدوه

وإمامُنا مهديُّ هذا الـ

عصرِ نلجأ فيه نحوه

هذا بقيَّةُ جدّهِ

هل فيكمُ تجدون كفوه

ورعٌ جميعُ فعاله

للهِ لا لهوىً وشهوه

لا مضمراً غشّاً عليه

بزبرج التقوى مموّه

لكن تمحَّض للإلهِ

تقىً بكلّ ملاً وخلوه

جارٍ على حالٍ بها

أضحى لأهل الدين أسوه

فاشددْ يدك به فما

للدين أوثق منه عروه

كم فكَّ من عانٍ وكم

قد راشَ محصوصاً بثروه

وصعابِ أمرٍ أسلستْ

مذ راضَها من بعد نخوه

فهو ابنُ قومٍ لا تحلُّ

لهم يدُ اللاواء حبوه

وأبو أطايبَ لم تقمْ

عن مثلهم في الدهر نسوه

قمرُ السماء أبوهُم

شرفا وهم والشهبُ أخوه

ولِدوا ببيتٍ من بيو

ت الوحي أعلاهنَّ ذروه

وتراضعوا لبنَ الإما

مة فيه من ثديِ النبوّة

بيتٌ لأبكار المكا

رم كل يوم فيه جلوه

هو كعبةٌ والجودُ مشـ

عرهُ ومروته المروّه

نعْمَ المناخُ بيوم ضيـ

قةِ فاقةٍ وبليل شتوه

فازرعْ رجاكَ به تجدْ

ه كحبَّةِ نبتتْ بربوه

للجود فيه جعفرٌ

كرماً يعدُ البحرَ حسوه

ويريكَ لينُ يديه رقـ

ـة غاديات السحب قسوه

في كلّ يومٍ في حماه

لغارة الآمال غزوه


تُسبي مواهبُه بها

ويُسرُّ إذ يؤخذْنَ عنوه

كم فاحَ من أعطافه

أرجُ الفخار بدار ندوه

ولكمْ إلى شرفٍ جرى

وجرتْ بنو العلياء تلوه

فهووَا وحلَّقَ يركبُ الـ

شعرى العبورَ إليه صهوه

بشراكِ سائمة الرجاءِ

فلم ترىْ ما عشتِ جفوه

قد جاء أكرمُ مَن به

أملُ العفاة أناخَ نضوه

لقيتْ أخاها المكرماتُ

فلم تخفْ للبخل سطوه

هو ذاك نعْمَ فتى السما

حةِ والسجاحة والفتّوه

ماءُ الحياة لذي الهوى

ولقلبِ ذي الشحناء جذوه

ما إن سما لعُلىً تودُّ

النيّراتُ بها علوّه

إلاّ التقى معه أخوه

(صالحٌ) منها بذروه

هذا المنوّهُ في المعالي

باسمه هذا المنوّه

غيظُ الحسود إذا بدا

شرقُ الخصيم إذا تفوّه

فيه سماتُ الفضل تشهدُ

أنّه في الفضل قدوه

تحكى شمائله شما

ئلَ مَنْ غدا في المجد صنوه

روحُ الكمال (محمدٌ)

أكرمْ به للمجد صفوه

هو و(الحسين) من العُلا

كلاهما عنقٌ وصهوه

ريحانتا شرفٍ تضوّ

عَ منهما أرجُ النبوّه

يا أخوةَ الشرف الرفيع

وبوركتّ تلك الأخوّه

حيتكُمُ بدويَّةٌ

هي عن سواكمْ ذاتُ نبوه

مخضتْ ثميلتها لكم

حلبَ الثناء صريحَ رغوه

وسقتكمُ منها مكا

فئةَ على الإحسان صفوه

وإذا اكتستْ حللُ القبو

ل فحقَ أنْ تختالَ زهوه



المراثي


قال (رحمه اللّه) يرثي الحاج مهدي كبّه (1) ، ويعزّي أباه الحاج محمد صالح:

غمضت بغتةً جفونُ الفناءِ

فوق إنسانِ مقلة العلياءِ

وله نقبّت بغاشية الحزن

محيّا الدنيا يدُ النكباءِ (2)

حمّلت وقر عبئها كاهلَ الدهـ

رِ فأمسى يرغو (3) من الإعياءِ

نكبةٌ لم تدعْ جليداً على الوجـ

دَ (4) ولا صابراً على اللأواءِ

ليت أمّ الخطوب تعقمُ ماذا

أنتجت بغتة من الأرزاءِ؟!

ولدت حين عنَّست (5) هرماً ما

لم تلدْ مثله بوقت الصباءِ

فأصابت يداه في حرم المجدِ

فؤادَ العليا (6) بسهم القضاءِ

فقضت نحبها، وغيرُ عجيبٍ

قد أُصيبت بأرأس الأعضاءِ

يا صريعَ الحمام صلّى عليك

اللهُ من نازلٍ بربع الفناءِ

وسقى منه تربةً ضمنت جسمَـ

ك غيث الغفران والنعماءِ

فحقيرٌ نؤُ الجفون وما قد

رُ جفون السحاب والأنواءِ

أين عيس المنون فيك (7) استقلت

بالحصيف المضفّر (8) الآراءِ

ذهبت في معرس السفر جودا

وروى حوَّم الأماني الظماءِ

نعم ربُّ الندىِّ حلماً إذا النكـ

باءُ طارت بحوبة الحلماءِ

نعم ربُّ الحجى إذا أكل الطيـ

شُ حجى الحازمين في اللأواءِ

____________________

1 - أكبر أولاد أبيه، وممّن ذكره الشاعر في العقد المفصل فقال: كان مذ ترعرع فريد زمانه في كرمه وإحسانه، وواحد عصره في شرف نفسه وفخره، قد برع في البلاغة والفصاحة، واشتهر من كرم أخلاقه بالسجاحة والسماحة، جامعاً بين نباهة الفكر وجلالة القدر، ولد عام 1219 هـ. وتوفّي في إيران عام 1271 هـ، وحُمل جثمانه إلى النجف، وقد أثبتنا تأريخ وفاته في باب التاريخيات.

2 - في الديوان المطبوع: الغماء.

3 - وفيه: يزغو.

4 - وفي العقد المفصل: على الخطب.

5 - وفي المطبوع: غلت.

6 - وفي نسخة: العُلى.

7 - وفي نسخة: منك.

8 - كذا في الأصل، ولعلّه يريد المحكم الرأي من ضفر بمعنى شدّ وأحكم.


نعم ربُّ الندى إذا كسع (1) الشولُ

بأغبارها عيالَ الشتاءِ

نعم ربُّ القِرى إذا هبَّت الريـ

حُ شمالاً في الشتوةِ الغبراءِ

نعم ربُّ الجفان ليلةَ يُمسى

بضياهنَّ مقمرُ الظلماءِ

يا عفاء الأنامِ شرقاً وغربا

دونكم فاحتبوا بثوبِ العفاءِ

واقصروا أعينَ الرجاء قنوطا

مَنْ إليهِ تمتدُّ في البأساءِ؟

وانحبوا عن حريقِ وجدٍ لمَنْ كا

ن عليكم أحنى من الآباءِ

(يستقلُ الحبا لكم إن وفدتم

ولو المشرقان بعضُ الحباءِ) (2)

لو بكتهُ عيونكم وأفضن الأ

بحرُ السبع والحيا في البكاءِ

لم تفوّه معشارَ ما قد أفاضت

لكم راحُ كفّهِ البيضاءِ

رحّلوا العيس قاصدين ضريحا

فيه ما فيهِ من عُلاً وسخاءِ

واعقِروا عندهُ وجلَّ عن العقر

قلوباً مطلولة السوداءِ

جدثٌ ماءُ عيشكم غاض فيه

فانضحوا فوقهُ دمَ الأحشاءِ

حلَّ فيه منْ قد كفى (آدماً) في

غيث جدواهُ عيلة الأبناءِ

(ليتَ شعري أنّى دنا الموتُ منه

وهو في ربع عزّةٍ قعساءِ) (3)

(هل أتاهُ مسترفداً حين أعطى

ما حوته يداهُ للفقراءِ) (4)

ودَّت المكرماتُ أن تفتديه

ببنيها الأماجدَ الكرماءِ

هم مكانُ الجفون منها ولكن

هو في (5) عينها مكانُ الضياءِ

وهم في الحياة موتى ولكن

هو ميتٌ يعدُّ في الأحياءِ

فحبا نفسَهُ الردى إذ (6) أتاه

مستميحاً يمشي على استحياءِ

بعد ما عاشت العفاةُ زمانا

من نداهُ في أسبغِ النعماءِ

____________________

1 - كسع الناقة بنيرها، ترك في ضرعها بقية من اللبن، والشول: جمع شائلة، وهي من الإبل التي خفّ لبنها بعد مرور مدّة على حملها ووضعها.

2 - هذه الأبيات من زيادات العقد المفصل.

3 - المصدر نفسه.4 - المصدر نفسه.

5 - وفي نسخة: من.6 - وفي نسخة: مذ.


علمت فقرَها ولم تعلم

إليه الردى من الفقراءِ

يا عقيدي على الجوى كبر (1) الخط

بُ فأهون بالدمعةِ البيضاءِ

أجرِ من ذوب قلبكَ الدمعةِ الحمـ

راء حزناً في الوجنةِ الصفراءِ

عودُ صبري من اللحا قد تعرّى

فانبذ الصبرَ لوعةً في العراءِ (2)

إن تسلني عن ظلمة الكون لمّا

حُلن أنوارَ أرضه والسماءِ

فهو أثوابُ ليلِ حزن دجاه

طبّق الخافقين بالظلماءِ

قد خفقن النجوم منهُ بجنحٍ

سامَ أنوارَهن بالإطفاءِ

ولبدر الغبراءِ حال أخوه

بدرُ أهل الغبراءِ والخضراءِ

وإلى الشمسِ قد نعوه فماتت

جزعاً من سماع صوتِ النعاءِ

ولهُ غصَّ بالمصاب ولمّا

يتنفّس حتى قضى ابن ذُكاءِ

وقف المجدُ ناشداً يومَ أودي

شاحبَ الوجه كاسفَ الأضواءِ

هل ترى (صالحاً) على الأرضِ لمّا

غاب فيها (المهديُّ) بدرُ العلاءِ

قلت خفّض عليك من عظم الأمـ

ر ونهنه من لوعةِ البرحاءِ

ليس إلاّ (محمدٌ صالحٌ) يوجد

في الأرضِ من بني حواءِ

في التقى (3) والصلاح والزهد والخشية

والنسكِ بل وحسنِ الرجاءِ

هي في العالمين أجزاء لكن

هو كلُّ لهذه الأجزاءِ

وبيوم المعادِ لو لقَى الخلـ

قَ بأعمالهِ إلهُ السماءِ

كان حقّاً أن يعدم النارَ إذ ليس

نصيبٌ للنارِ في الأتقياءِ

ليس ينفكّ للجميلِ قريبا

وبعيداً عن خطّةِ الفحشاءِ

ومهاباً له على أعين الدهرِ

قضى الكبرياءَ بالإغضاءِ

وبليغاً قد انتظمن معانيـ

ه (4) بسلكِ الإعجاز للبلغاءِ

____________________

1 - وفي نسخة: عظم الخطب.

2 - وفي نسخة: بالعراء.

3 - وفي نسخة: فالتقى.

4 - وفي نسخة: معاليه.


وفصيحاً بنطقه يخرس (1) الدهـ

رَ فما قدرُ سائر الفصحاءِ

فارسُ المشكلات إن ندبوه

لبيان المقالة العوصاءِ

فهو من غّرِ (2) لفظهِ يطعن الثغـ

رةَ منه بالحجّةِ البيضاءِ

واحدُ الفضلِ ما له فيه ثانٍ

غير (عبد الكريم) غيثُ العطاءِ

بعقودِ الثناءِ فخراً تحلّى

وتحلَّت به عقودُ الثناءِ

الذكيُّ الذي إذا قستَ أهلَ الـ

فضل (3) فيه كانوا من الأغنياءِ

والمصلِّى للمجد خلف (4) أخيه

في سباقِ الأشباه والنظراءِ

ضربا في العُلى بعرقٍ كريمٍ

واحدٍ دون سائر الأكفاءِ

ينتمي كلُّ واحدٍ منهما عنـ

د انتساب الأبناء للآباءِ

للكرام الأكفِّ تحسب فيهنَّ

يذوب الغمامُ يوم السخاءِ (5)

معشرُ المجدِ، شيعةُ الشرفِ البا

ذخ، بيضُ الوجوهِ خضرُ الفِناءِ

قد حباهم (محمدٌ) بجميل الـ

ذكر إذ كان (صالحَ) الأبناءِ (6)

يقظُ القلبِ في حياطةِ دين اللّـ

ه حتى في حالة الإغفاءِ

ذو يمينِ بيضاء لم تتغيَّرْ

بأثام (البيضاءِ) و(الصفراءِ)

يا عليماً يصيب شاكلة الغيـ

ب بتسديد (7) أسهم الآراءِ

وكظيماً للحزن يطوي حشاه

جلداً فوق زفرةٍ خرساءِ

لك ذلّت عرامة (8) الدهر حتى

لكَ أمسى يُعدُّ في الوصفاءِ (9)

ملكت رقِّة يمينك فالعا

لمُ من رقّهِ من العتقاءِ

____________________

1 - في العقد المفصل: أخرس.2 - وفي نسخة: عز.

3 - وفي الديوان المطبوع: أهل الأرض.4 - وفيه أيضاً: بعد.

5 - يقصد قبيلة ربيعة التي ينتسب لها آل كبّه.6 - وفي مخطوطة الملاّ: الآباء.

7 - في الديوان المطبوع: بتشديد، وهو غلط.8 - عرامة: وهي الشدّة، وفي المطبوع غرامية.

9 - الوصفاء: الخدم.


ولئن قد أساء فالعبدُ للمو

لى مسيءٌ جهلاً بغير اهتداءِ

أنتَ أطلقت أسر أعوامهِ الغبـ

ر من الجدبِ بالندى والسخاءِ

فجنى ما جنى، وغير عجيبٍ

إنّما السوء عادةَ الطلقاءِ

ولئن كان مسخطاً لك بالأمـ

س بهذي المصيبة الصمّاءِ

فلك اليوم في (محمدٍ) الندب

(الرضا) عنهُ فهو أعلى الرضاءِ

ذو محيّاً كالبدر يقطر منه

مثل طلِّ (1) الأنداء ماءُ الحياءِ

وعُلاءٍ هي السماءُ، مساعيـ

ه نجومٌ لألاؤها بالضياءِ

ومزايا لم أرض نظمىَ فيها

ولو أنَّي نظمتُ شهبَ السماءِ

أو فمُ الدهر كنتُ فيه لسانا

ناطقاً ما بلغتُ بعض الثناءِ

دون إحصائها الكلامُ تناهى

فغدت مستحيلة الإحصاءِ

تيَّمت (2) قلبه حسانُ المعالى

بهواهنَّ، لا حسانُ الظباءِ

وعلى الخلَق خلقُه فاض بالبشـ

ر فأزرى بالروضة الغنّاءِ

خُلقٌ شفَّ، فالهواء كثيفٌ

عنده إن قرنته بالهواءِ

أرضعته العلاءُ ثدياً وثديا

رضع (المصطفى) ابنُ أمّ العلاءِ

فهما في الزمان يقتسمان الـ

فخرَ دون الورى بحظٍ سواءِ

ألفت نفسُه السماحَ فتيّا

بُوركا من فتوةٍ وفتاءِ

وحوى الفضلَ يافعَ السنِّ لمّا

فات شوطَ المشايخِ العظماءِ

يا رحابَ الصدور في كلّ خطبٍ

وثقالَ الحلوم عند البلاءِ

لن تضلوا السبيلَ والبدرِ (هادٍ)

لكم في دجنَّة الغمّاءِ (3)

وأخوه (محمدٌ) حلمكُم فيه

حسين رأسٍ لدى النكباءِ (4)

____________________

1 - في المطبوع: ظل.

2 - تيمت استعبدت. شغفت.

3 - وفي المطبوع: الظلماء.

4 - يشير إلى عبد الهادي ومحمد حسين أبناء الحاج محمد رضا.


ولكم أوجهٌ بكلّ مهمٍّ (1)

ليس منها يحول حسنُ الثناءِ

ونفوسٌ إذا التقت بالرزايا

غير مضعوفة القوى باللقاءِ

وكملس الصفا قلوبٌ لدى الخط

ب بها رنَّ (2) مقطعُ الأرزاءِ

إن أسمكم حسنَ الأسى ولأضعا

ف أساكم تضمَّنت أحشائي

فلكم بعضكم ببعضٍ عزاءٌ

ولنا فيكم جميل العزاءِ

وقال يرثي طفلاً له صغيراً (3) :

هل يطربنَّك يا زمانُ نعائي؟

أم أنّكَ استعذبت ماءَ بكائي؟

في كلّ يومٍ منك ألقى شدّةً

ولأنت يوماً شدَّةٍ ورخاءِ

لا زلت ملحمَ غارة الأرزاء

أو حاشداً جيشاً من النكباءِ

حتى أصبتَ صميمَ قلبي بغتةً

وطرقتني بفجيعةٍ صمّاءِ

لم تُبقِ لي جلداً، وكنتُ أخالني

جلِداً بكلّ ملمَّةٍ دهياءِ

ومعنفٍ طربِ المسامع ما رمى

عينيه صرفُ الدهر بالأقذاءِ

قد لامني وحشاه بين ضلوعه

والأرضُ مطبقة على أحشائي

أمعيبَ حزني لو ملكت تجلّدي

ما بتُّ أمزجُ أدمعي ببكائي

أبنيَّ لو خُلِع البقاءُ على امرئ

لخلعتُ من شغفٍ عليك بقائي

مُغفٍ قد امتلأت رديً بدل الكرى

عيناك فاقدَ لذة الإغفاءِ

داءٌ ترحَّل فيك غنّي معقبٌ

في مهجتي للوجد أقتل داءِ

لهفي عليكَ بكلُ حين أبتغي

فيه لقاكَ ولاتَ حين لقاءِ

ولئن حُجبتَ بحيث أنت من الثرى

عن ناظريَّ فأنت في أحشائي

____________________

1 - في المطبوع: ملم.

2 - وفيه أيضاً: يهادن.

3 - لم تثبت هذه المقطوعة في الديوان المطبوع، وقد ذكر وفاة هذا الطفل الصغير في (العقد المفصل) أنّها في سنة 1266 هـ.


قرُبتْ بك الذكرى وفيك نأى الردى

نفسي فداؤك من قريبٍ ناءِ

لو متُّ من أسفي عليك فلم يكن

عجباً، ولكنّ العجيب بقائي

لا زال قبرٌ ضمَّ جسمك تربُه

متنسّماً بلطائمِ الأنداءِ

ولئن أبِتْ حيث استقلَّ بك الردى

أن تستهلَّ حوافلُ الأنواءِ

فحدت إليك على البعاد مدامعي

غيثاً جنوبُ تنفّس الصعداءِ

وقال يرثي كريمة العلاّمة الكبير السيد مهدي القزويني، ويعزّيه وأولاده بوفاتها:‍

كفأ الإلهُ إناءَها

دنيا أطلتُ هجاءَها

سلني بها فلقد قتلتُ

بخبرتي أنباءَها

وحلبتُ أشطرها معا

ومعاً مخضت سقاءَها

ولها مواضعُ نقبها

ثقةً وضعتُ هناءها

فالآن أنطق أن سبرن

تجاربي آناءَها (1)

هي مَن خبرتُ طباعَها

لما خطيتُ وراءها

فوجدت فاركةً وقلـ

تُ أرى الطلاق دواءها

عنها إليك فإنّها

تدع القلوبَ وراءها

لا تعزمنَّ بها البنا

ء ودع لها أبناءها

ذاتُ التلوِّن ما أقلّ

على الصفاء وفاءها

قلُبُ الخدائع كلّها

غمست بهنَّ دِلاءها

كم أنفسٍ ملكت بزبر

ج حسنها أهواءها

____________________

1 - وفي نسخة: أبناءها.


دهياءُ إلاّ أنّها

جهل الأنامُ دهاءها

أبداً تدبُّ بها الهمومُ

إلى النفوس ضُراءها

خبأتْ خشونة غدرِها

لمن استلان وطاءها

كالصلِّ: لكن لا يصيبُ

لديغها رقّاءها

خرقاء تُدعي بالصناع

يداً، فدع خرقاءها

لا ترجُ نائلها، فكم

قطعت يداً ورجاءها

وبهدم عمركِ قد سعت

فلن نريد (1) بناءها؟

اليوم ترشفُ زهوها

وغداً تعالجُ داءها

ما إن حمدتَ صباحها

إلاّ ذممتَ مساءها

دارُ الفجايع، والروا

يع ما أشق عناءها!

يا ناعماً حتى كأنّك

لم تخفْ بأساءها

لا تطلبنَّ بها البقاءَ

فقد عرفتَ فناءها

ولقد سمعتَ وكان أفـ

ضعُ ما سمعت نداءها

أبني التي أكلت بأضـ

راسٍ البلا أبناءها؟

أو ما كفاكم أنّها

سقت الردى أكفاءها؟

طوت المقاولَ كلّها

وتحيَّفت أذواءها (2)

ولكم سعت ببشارةٍ

لبس الزمانُ بهاءها

فغدت على إثر البشير

بها تطيل نعاءها

ولكم دعت (بكريمةٍ)

والموتُ كان دعاءها

فاستُودعت جدثاً أرى

منه أضمَّ خباءها

____________________

1 - وفي المطبوع: تريد.

2 - المقاول: جمع مقول، وهو القيل بلغة أهل اليمن، والأذواء: ملوك اليمن؛ لتقدم (ذو) على أسمائهم، مثل: ذو يزن، وذو نواس.


وأرى الخفارةَ (1) خدرها

وعفافَها، وحياءَها

وأراكَ في دار المكارم

ما أجلَّ عزاءها

مرضت لهُ اليوم السماءُ

بكاسفٍ أضواءها

وبكت لغلّة مَن بهم

سقت البسيطة ماءها

والأرض أضحت تقشعرُّ

بمرجفٍ غبراءها

رجَّت (2) لوجد الممسكيـ

ن بحلمهم أرجاءها

وعرا القذى عينَ الزما

ن لمَنْ جلوا أقذاءها

يا خجلة الدنيا لِما

لقيت به عظماءها

وغلطتُ فيما قلتُ، بل

يا ما أقلّ حياءها

أو ما على دار النبوَّ

ة تابعت أرزاءها؟

صدعت بهنّ حشا الهدى

صدعَ الردى أحشاءها

كم مرَّ من يومٍ نوا

يحهُ تعطٌ (3) ملاءها

فأتى بقارعةٍ تزلـ

زل أرضها وسماءها

طرقت حمى الدار التي

لبس الورى نعماءها

دارٌ بها فتح الرشا

د بخاتمٍ علماءها

السيدُ (المهديُّ) أكـ

رم مَنْ وطا حصباءها

منه بواحدها الشريـ

عة كاثرت أعداءها

هذا الذي ببقائه

حفظ الإلهُ بقاءها

للفضل ما ارتفعت سما

إلاّ وكان ذكاءها

هو آية الله التي

كست الهدى لألاءها

وأبو كواكبَ لا تضي

‌ء النّيراتُ ضياءها

____________________

1 - الخفارة: شدّة الحياء.

2 - في الديوان المطبوع: رحبت.

3 - عط: شق، الملاء: الثياب.


أنوارُ وحيٍ لا رأت

عينُ الهدى إطفاءَها

ونفوسُ قدسٍ قلَّ أن

تغدو النفوسُ فداءَها

هم أسرةُ الدين التي

فرضَ الإلهُ ولاءَها

ولها بواجبِ ودّها

صفت القلوبُ صفاءَها

بسطت على الدنيا أكفّا

ما تغبُّ سخاءَها

وسرت بفضلهم الروا

ة ففصَّلت أنباءَها

وروت (بجعفرهم) لحا

ئمة الرجاءِ رواءَها

ذاك الذي نشرت عليـ

ـه المكرماتُ لواءَها

ومشى على قدمٍ غدا

وجهُ الحسودِ حذاءَها

ناهيك (1) من قمرٍ على الـ

دنيا أعاد بهاءَها

مِن بعد ما لبست لفقـ

دِ كرامها ظلماءَها

هو للزعامة (صالحٌ)

شرفاً رقى علياءَها

ما حيلتي؟ فله منا

قبُ أفحمت شعراءَها

لو استطيع إذاً نظمـ

تُ من النجومِ ثناءَها

فهو الذي في ظلّه

رأت الورى استذراءَها (2)

واستدفعتْ فيه على

أن لا مُغيثَ بلاءَها

واستكشفت عنها بوجـ

ـه (محمدٍ) غمّاءَها

وعيونها (بحسينها)

رمقتْ وكانَ ضياءَها

بيضُ الوجوهِ غطارفٌ

نسجَ الفخارُ رداءَها

في الشتوة الغبراء لا

تغني الكرامُ غناءَها

من دوحةٍ وجدتْ بما

ءِ المكرمات رواءَها (3)

____________________

1 - ناهيك: كلمة تعجّب تستعمل في المدح العالي.

2 - الاستذراء: الاستظلال، الالتجاء.

3 - في الديوان المطبوع: نماءَها.


نشأت تظللُ في الورى

أفنانُها أفياءَها (1)

أبني الزمان دعوا كوا

كبَ هاشمٍ وسماءَها

فيؤا إليكم عن عُلا

لهم الإلهُ أفاءها

يا أسرةً خدمتْ ملا

ئكة السما آباءها

فطر الإلهُ من الجبا

لِ حلومَها وعلاءها

لو تفرشون بقدركم

لفرشتمُ خضراءها

أو لستمُ المتجاوزيـ

ن بمجدكم جوزاءها

أمناءَ دين الله سا

دةَ خلقه أمناءها (2)

بين الإلهِ وبينها

وجدتكمُ سفراءها

ركبت سحابة رحمةٍ

من ذي الرياح رُخاءها (3)

وسرت على الدنيا من الـ

فردوس تحمل ماءها

فسقت ضريحاً عنكم

ختمت به أرزاءها

وقال يرثي السيد علي النقيب ضمن كتاب كتبه عن لسان العلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

قد علمنا فقرَ العفاة إليه

أفكان الردى من الفقراءِ؟

فجاه بنفسه مذ أتاه

مستميحاً يمشي على استحياءِ

غسّلوه والمكرماتُ تنادي

بينهم لا تغسِّلوه بماءِ

وإليكمُ عنه (4) فإنّيَ أولى

منكمُ بالكريم من أبنائي

ليس لي حاجة إليكم جمعيا

إنّما عنكم بعيني غنائي

____________________

1 - في الديوان المطبوع: أفناءها.

2 - في نسخة: أمراءها.

3 - الرخاء: ريح لينة الهبوب.

4 - في الديوان المخطوط: عنّي.


هدبها السدرُ والبياض حنوطٌ

والزلالُ القراح ماءُ بكائي

وكفاني بجفنها كفناً يضـ

فو على جسمه المسجّى أزائي

ودعوا قبرَه فمقلتي القبـ

ر لإنسان عيني البيضاءِ

وقال راثياً العلاّمة السيد ميرزا صالح القزويني، ومعزّياً أخويه العلاّمة السيد محمد والعلاّمة السيد حسين:‍

ومجدِكَ ما خلتُ (1) الردى منك يقربُ

لأنّكَ في صدر الردى منه أهيبُ (2)

أصابكَ، لا من حيث تخشى سهامه

عليك، ولا من حيث يقوى فيشغبُ (3)

ولكن رمى من غرَّةٍ ما أصابها

بمثلك رامٍ منه يرمي فيعطبُ

وما خلتُ منك الداءَ يبلغ ما أرى

لأنّك للدهر الدواءُ المجرَّبُ

ولا في فراش السقم قدَّرتُ أنّني

أرى منك طوداً بالأكفِّ يقلَبُ

أمنتُ عليك النائبات، وإنّها

لعن كلِّ مَنْ آمنته تتنكَّبُ

وقلت شغلن الدهرَ في كلّ لحظةٍ

مواهبُ كفَّيك التي ليس توهبُ

ولم أدرِ أنّ الخطب يجمع وثبة

وأنّ عشارَ الموتِ بالثكلِ مقربُ (4)

إلى حين أردتني بفقدك ليلةٌ

تولَّد منها يومُ حزنٍ عصبصبُ (5)

فقام بك الناعي وقال وللأسى

بكلّ حشاً يدميه ظفرٌ ومخلبُ

____________________

1 - في الديوان المطبوع: خفت.

2 - حدّثني الشيخ قاسم الملاّ الحلّي أنّ هذه القصيدة مطلعها:

رواقُ العُلى ابنُ المليكِ المحجب

لمَنْ بعده تلك الأسرّة تنصبُ

غير أنّ الشاعر أعرض عنه بالنظر إلى أنّ المعزّى أخوه العلاّمة السيد محمد القزويني، وهو علم جهبذ؛ ولأنّه خاف من أن يكون ذلك كتعريض به.

3 - يشغب: يهيج (للشرّ). وفي نسخة: يشعب.

4 - العشار المقرب: الإبل الحوامل قريبة الوضع.

5 - العصبصب: اليوم الشديد الحر، أو الشديد مطلقاً.


هلمَّ بني الدنيا جميعاً إلى التي

تزلزل منها اليوم شرقٌ ومغربُ

شكاةٌ، ولكن في حشا المجد داؤها

وندبٌ ولكن (هاشمٌ) فيه تندبُ

صهٍ أيّها الناعي فنعيك يعطب

عضضت الصفا لا بل حشا فاك إثلب (1)

لسانك يا جفَّت لهاتُك فنعيك أو غدت

بريقِ الأفاعي لا بريِقك ترطبُ

رويدك رفّه عن حشاشة أنفسٍ

هفت جزعاً (2) عمّا تعمّى وتعربُ

فدع (صالحاً) لي وانع مَنْ شئت إنّها

ستذهب أحشاء الهدى حين يذهبُ

فليتك لي في نعيك الناس كلّها

صدقت وفي فردِ (هو الناس) تكذبُ

وداعٍ دعا والرشدُ يقبر والهدى

يسوف ثرى واراه والوحي يُنحبُ

ألا تلكم الأملاكُ شعثاً تزاحموا

على مَنْ؟ فهل منهم توارى مقرَّبُ؟

أمستعظمَ الأملاكُ لا بل هو الذي

إلى الله فيه كُلّهم يتقرَّبُ

لقد رفعوا منه مناكبَ لم يكن (3)

لينهضَ، لولا اللّهُ، فيهنّ منكبُ

مناكبَ من جسم (النبوَّة) حمّلت

(إمامة) حقٍّ فضلها ليس يحسبُ

لقد دفنوا في دفنها العلمَ ميِّتا

وحسبُك نارٌ (4) في الجوانح تلهبُ

ويا رافديَّ اليوم قوما على ثرىً

توارى به ذاك الأغرُّ المهذَّبُ

قفا عزّيا (المهدي) بابنٍ هو الأبُ

لذي (5) الدين، فالدين اليتيم المترَّبُ

سلا كشبَ ذاك القبر يندى صعيدهُ

بريِّ بنى الآمال هل راح ينضبُ؟

وهل روِّضت خصباً بكفٍّ عهدتُها

تنوب منابَ الغيث والعامُ مجدبُ؟

وهل زال من ذاك المحيّا وضاؤه

فقد راح وجه الدهر للحشر (6) يشحبُ؟

ضعي هاشمٌ سرجَ العُلى وترجَّلي

فما لكِ في ظهرٍ من العزّ مركبُ

ودونك تقليب الأكفِّ تعلّلا

فقد فات (7) منك المشرفيُّ المذرَّبُ

____________________

1 - أثلب: فتات الحجارة والتراب جمع أثالب.

2 - في المطبوع: فزعاً ممّا.3 - في المطبوع: تكن.

4 - وفيه أيضاً: وحسبك ناراً.5 - وفيه أيضاً: لذا.

6 - وفيه أيضاً: للبعث يسحب.7 - في مخطوطة الملاّ: مات.


ويا ناهبي دمعي اعذراني على البكا

فما الناسُ إلاّ عاذلٌ ومؤنّبً (1)

قفا واندبا أو خليّاني ووقفةً

يدكّ الرواسي شجوُها حين أندبُ

أجامعَ شمل الدين شعِّب صدعُه

ليومك صدعٌ في الهدى ليس يشعبُ

وأعجب شيءٍ أنّ نعشك في السما

ومنك توارى في ثرى الأرض كوكبُ

رمتك بها أيدي المقادير علّةً

عييتَ بها ما طبّها متطبِّبُ

رجونا وقد أكدا (الرجاء المخيب)

نهنِّيك منها بالشفاء ونطربُ (2)

ونجلسُ زهواً مستعدِّين للهنا

بنادٍ به الأمثالُ في الفخر تضربُ (3)

بحيث قلوبُ الناس، هذا منعمٌ

سروراً بإنشادي، وهذا معذَّبُ

بل قد جلسنا مجلساً ودَّت السما

أسرَّتُها (4) من شهبها فيه تنصبُ

كأنّا تأهّبنا لأوبة مقبلٍ

وكان ليأسٍ منك هذا التأهبُ

وهل أملٌ في عود مَنْ ذهبت به

بقاطعة الآمال عنقاءُ مغرِبُ؟ (5)

وأقتل ما لاقيتُه فيك أنّني

حضرت ومنك الشخص ناءٍ مغيَّبُ

وعندي ممّا أسأر (6) البين لوعةٌ

تجدُّ بأحناء الضلوع وتلعبُ

أقلَّبُ طرفي لا أرى لك طلعةً

يضي‌ء بها هذا النديُّ المطيَّبُ

وأنصبُ سمعي لامتداحك لا أعي

به خاطباً بين السماطين (7) يخطبُ

وممّا شجاني أن بدا المجدُ ماثلا

يصعّدُ مثلي طرفه ويصوِّبُ (8)

وقال: وأرخاها جفوناً كليلةً

برغمي خلا منك الرواقُ المحجبُ

رزيتُ أخاً إن أحدث الدهرُ جفوة

عتبت بها (9) فارتدَّ لي وهو معتِبُ

____________________

1 - في المطبوع: عاذل أو مؤنب.2 - في المطبوع: فتطرب.

3 - وفيه: بالفخر تضرب.4 - وفيه أيضاً: أسرته.

5 - العنقاء: اسم طائر مجهول المسمّى، ومغرب صفة لها: أي أغربت ونأت في البلاد.

6 - يُقال أسأر الحاسب في حسابه، أي لم يستقصي، وأسأر: أبقى.

7 - السماطين: الصفين.8 - التصويب: ضد التصعيد.

9 - في المطبوع: عتبت به.


وددّتُ بأن تبقى، وأنّ لك الردى

فداءً بمَنْ فوق البسيطة يذهبُ

حُجبتَ عن الدنيا، ولو تملك المنى

إذن لتمنَّت في ضريحك تُحجبُ

فلا نفضت عن رأسها تربَ مأتمٍ

وخدُّك من تحت الصعيد مترّبُ

ثكلتُكَ بسّامَ المحيّا طليقه

فبعدك وجهُ الدهر جهمٌ مقطّبُ

أوجهُك حيا أم بنانك أرطبٌ؟

وذكرُك ميتاً أم حنوطك أطيبُ؟

وما نزعوه عنك أم ما لبستَه

لدار البلى أنقى جيوباً وأقشبُ؟

سأبكيك دهراً بالقوافي ولم أقلْ

من اليأس وجداً ما يقول المؤنّبُ

لسان القوافي باسم مَنْ بعد تخطبُ

فلا سمعَ بعد اليوم للمدح يطربُ؟

مضى مَنْ له كنَّ القرائحُ برهةً

إذا استولدتها قالةُ الشعر تنجبُ

أجل فلها في المجد خيرُ بقيَّةٍ

لها الفضلُ يُعزى والمكارمُ تنسبُ

لئن عزبت تلك الخواطر نبوةً

فلا عن ثناهم، والخواطر تعزبُ (1)

وإن رغبت عن نظمها الشعر في الورى

فليس لها عن أهل ذا البيت مرغبُ

مضى مَنْ له كانت تهذّب مدحها

وأبقى الذي في مدحه تتهذَّبُ

لئن أغرب المطري بذكر (محمدٍ) (2)

فما انفكَّ في كسب المحامد يغربُ

فتىً تقف الأكفاء دون سماطه

وقوف بني الآمال ترجو وترهبُ

أقلُّ علاه أنَّ أذيال فخره

لهنَّ على هام المجرّة مسحبُ

زعيم قريشٍ، والزعامة فيهم

من الله في الدنيا وفي الدين منصبُ

حمولاً (3) لأعباء الرياسة ناهضا

بأثقالها في الحق يُرضى ويغضبُ

يقلّب في النادي أناملَ سؤددٍ

مقبّلها زهواً يتيه ويعجبُ

إذا احتلبت يوماً أرت أضرع الحيا

على بُعد عهد بالحيا كيف تحلبُ

____________________

1 - تعزب: تذهب.

2 - يقصد السيد محمد ابن السيد مهدي القزويني الكبير، ترجمت له في كتابي شعراء الحلّة 5 / 238 - 279.

3 - وفي المطبوع: حمول لأعباء الرسالة ناهض.


أخفُّ (1) من الأرواح طبعاً وإنّه

لذو همّةٍ من ثقلها الدهر متعبُ

له شيمٌ، لو كان للدهر بعضها

لأضحى إلينا الدهرُ وهو محبَّبُ

وخلْقٌ، فلو لا إنَّ في الخمر سورةٌ (2)

لقلتُ الحميّا منه في الكأسِ تسكبُ

لنعم زعيمُ القوم إن يثر لم يكن

ليلبسَ إلاّ ما الندى منه يسلبُ

لنعم شريكُ السحب يبسط مثلها

بناناً (3) به روض المكارم معشبُ

تهذِّبُ أخلاق‌َالسحاب، وإنّها

متى يجنِ هذا الدهرُ نعم المؤدِّبُ

ترى وفدَه منه تُطيف بمورقٍ

على جودِ كفّيهِ الرجاءُ المشذّبُ

فقد عرَّست حيث الندى، لا سحابه

جهامٌ ولا برق المكارم خلَّبُ

(أبا القاسم) إسمع لا وعى لك مسمعٌ

سوى مِدحٍ ليست لغيرك تخطبُ

تجلببت ثوب الدهر، فابقَ ومثله

بودِّي إذا أخلقتَه تتجلببُ

لئن ضاق رحب الأرض في عظم رزئكم

فصدرُك منه أي وعلياك أرحبُ

وحلمُك أرسى من هضاب (يلملمٍ)

وعودُك من ناب العواجم أصلبُ

وما حلَّ رزءٌ عزم (4) من شدَّ أزره

أخٌ (كحسين) والأخ الضرب يطلبُ

فتى الحزم أما في النهى فهو واحدٌ

ولكنّه في موكب الحزم (5) موكبُ

إذا القوم جدُّوا في احتيالٍ فُحوَّلٌ

وإن قلبوا ظهرَ المجنّ فقُلَّبُ (6)

وإن غالبَ الخطبُ الورى فقريعه

أخو نجدةٍ ما بين برديه أغلبُ (7)

فلو شحذت (فهرٌ) بحدّ لسانه

صوارمَها ما كلَّ منهنَّ مِضربُ

____________________

1 - في الديوان المطبوع: على.

2 - السورة: الحدة، أي حدة الخمر.

3 - وفي الديوان المطبوع: بياناً.

4 - وفي مخطوطة الملاّ: حزم.

5 - وفي المطبوع: الفخر.

6 - الحول للقلب: كثير التصرّف في الأمور، وقلب له ظهر المجن: إذا تحول عن الصداقة للعداوة.

7 - القريع: الذي يغلب في المقارعة، أخو النجدة: البطل الشهم.


ولو تنتضي منه اللسانَ لصممّت

بأقطع من أسيافها حين تضربُ

يُصافي بأخلاقٍ يروقك أنّها

هي الراحُ إلاّ أنّها ليس تقطبُ

تواضع حتى صار يمشي على الثرى

وبيتُ علاه في السماء مطنّبُ

قرى ضيفه قبل القِرى بشرُ وجهه

وقبل نزول النُزل (1) أهلٌ ومرحبُ

إذا احتلب السحب النسيمُ فكفُه

على الوفد طبعاً جودُها يتحلَّبُ

ألا مبلغٌ عنّي الغداةَ رسالةً

للحد أبى (الهادي) يقول فيطنبُ

(أبا حسن) إن تمسِ دارُك والسما

سمائين في أفقيهما الشهب تثقبُ

فتلك السما سعدٌ ونحسٌ نجومها

على أنّها بعضٌ عن البعض أجنبُ

وهذي السما للسعد كلُّ نجومها

ويخلف فيها كوكباً منه كوكبُ

فلو عاد للدنيا بشخصك عائدٌ

لأبصرتَ فيها ما يُسرُّ ويعجبُ

فمن وجهك (الهادي) تروق بمنظرٍ

لها (حسنٌ) والحمد بالحسن يكسبُ (2)

و(أحمدُ) فيها من بهائك لامعا

لوفدك فيه عازبُ الأنس يجلبُ (3)

بكلِّ ابن مجدٍ ما نضا بردةَ الصبا

على أنّه فيها لأضيافه أبُ

أخو الحزم إما قستَه في لداته

فطفلٌ، وإن مارسته فهو أشيبُ

بنوكَ بنو العلياء أنجبت فيهم

لك اللّه هل تدري بمنْ أنت منجبُ؟

غطارفةٌ لا تعقب الشمسُ مثلهم

ولو أنّها في أفقها منك تعقبُ

ذوو غررٍ يجلو الغياهبَ ضوؤها

وغيرهم في عين رائيه غيهبُ

أأهلَ النفوس الغالبيات مولدا

لأنتم على كسب المكارم أغلبُ

رقاق حواشي الطبع، طبتم شمائلا

بها أرج من نفحة المسك أطيبُ

لكم خلقا مجدٍ، فذلك للعدى

يمرّ، وهذا للمحبّين يعذبُ

____________________

1 - في الديوان المطبوع: النزل النزل.

2 - الهادي والحسن، علمان مل‌ء السمع والبصر، وهما ولدا المرثي السيد صالح.

3 - أحمد: هو ثالث أنجال المرثي. كان شاعراً فاضلاً، ولد في الحلّة عام 1287 هـ، وتوفّي في النجف عام 1324 هـ. ترجمت له في شعراء الحلّة 1 / 72 ط 1 و104 ط 2.


طُبعتم سيوفاً لم يلقْ لنجادها

سوى منكب المجد المؤثل منكبُ

وطنَّبتم أبياتَ فخرٍ أبي العُلى

لكم عوضاً عنها النجومُ تطنِّبُ

فما تلك إلاّ زينة لسمائها

وهذي بفرق المجد للوحي تضربُ

فدونكموها ثاكلاً قد تسلبت

ووشي‌ بهاءٍ زانها ليس يسلبُ

أتت لكم عذراء في ريق الصِبا

بعصرٍ سواها فيه شمطاءُ ثيّبُ

فِداكم من الأرزاء حاسدُ مجدكم

وإلاّ ففيكم عاش وهو معذَّبُ

طلعتم طلوع الشمس في مشرق العُلى

فلا تغربوا ما الشمس تبدو وتغربُ

وقال راثياً كريمة الحاج محمد صالح كبّه:‍

لحي اللهُ دهراً لو يميل إلى العُتبى (1)

لأوسعتُ بعد اليوم مسمعه عَتبا

ولكنّه والشرُّ حشو إهابه

على شغبه إن قلتُ مهلاً يزدْ شغبا

له السوءُ لم يُلبس أخا الفضل نعمةً

يسرُّ بها إلاّ أعدَّ لها السلبا

على الحرّ ملآنٌ من الضغن قلبه

فبالهمّ منه لم يزلْ ينحت القلبا

يطلُّ عليه كلّ يوم وليلةٍ

بقارعةٍ من صرفه تقلع (2) الهضبا

كأنَّ كرامَ الناس في حلقه شجا

وإلاّ قذىً يُدمى لناضره غربا (3)

فيلفظهم كيما يسيغَ شرابه

وتطبقُ عيناه على هدبه الهدبا

وحاربهم من غير ذنبٍ لنقصه

فلست أرى غيرَ الكمال له ذنبا

كأنَّ له يا أعدم اللهُ ظلّه

لديهم تراثاً فهو لا يبرح الحربا

وأصعبُ حربٍ منه يومَ صروفُه

من الشرف السامي ارتقت مرتقىً صعبا

تخطَّت حمى العلياء حتى انتهت به

إلى حرمٍ للخطب يشعره رُعبا

____________________

1 - العتبى: الرضى.

2 - في المطبوع: تصدع.

3 - الغرب: شدّة دمع العين.


فما نهنهت دون الوقوف على خبا

ضربن المعالي فوق رتبته (1) حجبا

ولا صدرت إلاّ بنفسٍ نجيبةٍ

عليها مدى (2) الدهر العُلى صرخت غضبى

أسرَّ لها الناعي المفجّعُ نعيَها

فقامت عليها (3) تعلن النوح والندبا

وهوَّن فقدان النساء مؤنّب

يعيب الأسى لو شئت أوسعته ثلبا

وهوَّن فقدان الرجال وعنده (4)

على زعمه فيما يرى هوَّن الخطبا

وما كلُّ فقدان النساء بهَّين

ولا كلُّ فقدان الرجال يُرى صعبا

فكم ذات خدرٍ كان أولى بها البقاَ

وكم رجلٍ أولى بأن يسكن التربا

وغير ملومٍ مَنْ يبيتُ لفقده

كريمته يستشعر الحزنَ والندبا

فكم من أبٍ زانته عفّة بنته

وكم ولدٍ قد شانَ والدَه الندبا

فساقت بمأثور الحديث له (4) الثنا

وساق بمأثور الملام له السبّا

بل الخطب فقدُ الأنجبين، ومَنْ له

بذلك؟ لولا أنّها تلد النجبا

وربّةُ نسكٍ بضعةٌ من (محمدٍ)

مضت ما زهت يوماً ولا اتخذت تربا

غداة قضى عن أهلها الدهر بعدها

وأوحشها من لا ترى من ذوي القربى

وأخرجها من عالم الكون مثلما

له دخلتْ، لم تقترفْ أبداً ذنبا

أحبَّ إلهُ العالمين جوارها

له فقضى بالموت منه لها قربا

حليفةُ زهدٍ ما تصدَّت لزينةٍ

ولا عرفتْ في الدهر لهواً ولا لعبا

وخبأها فرطُ الحياء فلم تكن

تصافحُ وجهَ الأرض أذيالها سحبا

فلو أنَّ عين الشمس تقسمُ أنّها

لها ما رأت شخصاً لما حلفت كذبا

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: رتبه، ولا وجه له.

2 - في المطبوع: على.

3 - في مخطوطة الملاّ: عليه.

4 - في المطبوع: يرى الخطب فقدان الرجال وعنده.

5 - في مخطوطة الملاّ: لها في الصدر والعجز وتكرار الحديث أيضاً.


وغيرَ حجاب الخدر والقبر ما رأتْ

ولا شاهدت شرقاً لدنيا ولا غربا

فلم تُدر إلاّ بالسماع حياتُها

وجاء سماعاً أنّها قضت النحبا

وأمّا هي العنقاء قلتَ فصادقٌ

ولكن مقام الإحترام لها يأبى

وما هي إلاّ بضعةٌ من (محمدٍ)

أجلُّ بني الدنيا وأعلاهم كعبا

وأرحبهم بيتاً، وأوسعهم قِرىً

وأطولهم باعاً وأرجحهم لبّا

رطيب (1) ثرىً منه تحيّ وفودُه

محيّاً بأنداء الحيا لم يزل رطبا

وتلمسُ منه أنملاً هنَّ للندى

سحائب فيها علَّم المطرُ السحبا (2)

ولو نُسبتْ شهبُ السماء بأنّها

بنوه إذن تاهتْ بنسبتها عجبا

غدا مركزاً للفضل ما لفضيلةٍ (3)

جرى فلكٌ إلاّ وكان له قطبا

له حبَّبتْ كسبَ الثناء سجيّةٌ

بها وهو طفلٌ نفسه شغفت حبّا

وأحرزها (عبدُ الكريم) شقيقه

فأصبح في كسب الثنا مغرماً صبّا

على أنّه البحرُ المحيط وولده

جداول جودٍ كان موردُها عذبا

(رضا) الفخر (هادي) المكرمات و(مصطفى)

جميع بني العلياء ندبٌ (4) حكى ندبا

غطارفةٌ زهرُ الوجوه لو أنّهم

بها قابلوا شهب السما (5) أطفأوا الشهبا

بني المصطفى أنتم معادن للتقى

وأرجح أرباب النهى والحجى لبّا

رقى صبركم (6) أفعى الخطوب فلم تكن

لتضجركم يوماً ولو أوجعت لسبا (7)

فلا طرقتكم نكبةٌ بعد هذه

ولا ساور التبريحُ يوماً لكم قلبا

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: تطيب.

2 - في رواية: السكبا.

3 - في المطبوع: لا لفضيلة.

4 - في المطبوع: ندباً حكى ندبا.

5 - وفيه: الدجا.

6 - وفيه: صبرهم.

7 - السب: اللدغ، اللسع.


وقال راثياً العلاّمة الكبير الشيخ محمد حسن ابن الشيخ باقر صاحب جواهر الكلام (1) :‍

أظلم شرقُ الدنيا ومغربها

لما توارى في الترب كوكبُها

وكادت السبعةُ الطباق معا

تطوى وكاد الفناءُ يعقبُها

والأرض في أهلها قد اضطربت

وأوشك الإضطرابُ يقلبُها

والناس في حَيرةٍ بأجمعها

لم تدرِ في الأرض أين مذهبُها

أوهت صفاة الإسلام حادثة

حقَّ لكلّ الأنام تندبها

قد قصمت عروة التقى وعلى

أفق سما الدين مُدَّ غيهبُها

فغودرت جاهليةٌ ومن الـ

رشاد لا مرشدٌ يقرّبُها

قد عاد أهل الإلحاد ينتهز الفر

صة منهم مَنْ كان يرقبُها

وراح راعي الضلال ممتريا

ضرعَ لبون الفساد يحلبُها

اليوم قضبُ الحمام طبّق في

مفاصل المكرمات مقضبُها

جذَّ بها (2) كفُّها وجبَّ به

سنامُها بل وفلَّ مضربُها

اليوم أودى (محمدٌ حسنُ) الـ

أفعال أزكى الأنام أطيبُها

إن ناح حزناً عليه مشرقها

جاد به بالنياح مغربُها

أرفعُ كلّ الورى مقامَ عُلاً

معظمٌ للثناء أكسبُها

أسمحُها راحة وأحسنها

خَلقاً وخُلقاً للمدح أجلبُها

أبلغُها في المقال، أعلمها

أطيبُ منها فرعاً وأنجبُها

____________________

1 - أشهر مشاهير زعماء الدين في عصره، وجدّ الأسرة الجواهرية في النجف، وقد صار مرجعاً دينياً. ألّف كتابه الكبير (جواهر الكلام في شرح شرايع الإسلام) بدأ بتأليفه عام 1230 هـ وانتهى منه عام 1257 هـ، وله غيره من الكتب الجليلة. توفّي عام 1266 هـ ودُفن بمقبرته الخاصة في محلّة العمارة في النجف. وكان يوم وفاته مشهوداً، رثاه فريق من مشاهير شعراء عصره بقصائد عامرة.

2 - في المطبوع: جذبه. جذ وجب: بمعنى قطع، والسنام أعلى ظهر البعير.


أربطُ منها جاشاً وأوقرُها

حوّلها في الخطوب قلّبُها

قد ضلّ إلاّ إليه وافدُها

وضاقَ إلاّ عليه مطلبُها

إن شملَ العالمَ العقوقُ معا

أو كاد جهلُ الأنامِ يغلبُها

فذاك في حلمه يدبّرُه

وذي بأخلاقه يؤدّبُها

لنفسه ما يزال في طلب الرا

حة يومَ المعاد يتعبُها

في طاعة اللّه كان يجهدُها

وفي رضاء الإله يغضبُها

من مرديات الهوى ينزهُها

وعن دنايا الأمور يحجبُها

مرتبةٌ زاحم النجومَ على الـ

اُفق لفرط العلوِ منكبُها

فهمٌ على المشكلات يطلعُه

ليس عليه يخفي مغيّبُها

لو قارعته الخطوبُ مجهدةً

لهان منها عليه أصعبُها

وإن عرا الخلقَ حادثّ جللٌ

فالناس طراً إليه مهربُها

فيا لها من رزَّية عظمت

أهونها قاتلٌ وأصعبُها

صبراً جميلاً على غروب ذكا

كان بخير الجنان مغربُها

وأنَّ قبرا قد حلَّه (حسنٌ)

أزكى أراضي الدنيا وأطيبُها

لقبره استقى سحاب حيا

والسحب من راحتيه صيّبُها

وقال راثياً ولداً له اسمه سليمان:‍

لبستُ من الدهر ثوباً قشيبا

ورحتُ بكفّيه منه سليبا

وأصبح كلّى له مقتلا

فحيث رمى كان سهماً (1) مصيبا

رماني بصّماء توهى القوى

وقال إليك توقَّ الخطوبا

فشأنك ما بعد أمّ الخطوب

بقلبي تحدثُ وسماً غريبا

وقائلةٍ قد أصاب الحمام

سواك، وذلك قلبي أصيبا

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: كان سهمي.


فنهنه من الوجد ما قد يعيبُ

وكفكفْ من العين دمعاً سكوبا

فقلتُ، وقلبي أنفاسه

من الوجد توري بصدري لهيبا

ألائمتي إن أصيب المزاد (1)

بما فيه لا بدّ من أن يصوبا

أطيلي العويلَ معي والنحيبا

وإلاّ دعيني أقاسي الكروبا

خذي اليوم عنّي جميل العزاء

فقد ملا الوجدُ قلبي وجيبا

أتأملُ نفسي إذن ليتها

أصيبت بسهم الردى أن تطيبا

وبالأمس قد وسّدت خدَّه

ترابُ القبور فأمسى تريبا

ويا صاحبيَّ قفا بي عليه

نعطّ القلوب أسىً لا الجيوبا

وأعقر قلبي لدى قبره

بسيف الشجا لا جياداً ونيبا

وأنضح من دم قلبي عليه

جفوني دماً ليس دمعاً مشوبا

وأدعوه وهو وراء الصعيد

وإن كنت أعلم أن لن يجيبا

أغصنا ولم أجنِ منه الثمارَ

جنته يدُ الموت غصناً رطيبا (2)

ونجماً له أشرقت مقلتاي

بغربهما يوم أبدى غروبا

عجبت، وما زال هذا الزمانُ

يريني في كلّ يومٍ عجيبا

تموتُ فتحرم شمَّ النسيم

وأحيا أشمّ الصبا والجنوبا

وتنزل في موحش مجدبٍ

وأنزل ربعاً أنيساً خصيبا

وتسكن أنت بضيق اللحود

وأسكن هذا الفضاءَ الرحيبا

كفاني بهذا (3) جوىً ما بقيتُ

يجدّد في القلب جرحاً رغيبا

وقال راثياً ولده وأخاه ويشير إلى المكان الذي دفنا فيه:

يا ثاويين إلى جنب الفرات معا

لدى (مقام نبيِّ اللّه أيوب)

____________________

1 - المزاد: وعاء يوضع فيه الماء أو غيره.

2 - في المطبوع: غضاً رطيباً.

3 - فيه أيضاً: كفاني بها.


أورثتماني وجداً يوم بينكما

ما عشت في الدهر يحكي وجد يعقوب

وقال يرثي السيد علي النقيب ضمن كتاب التمسه عليه بعض الأشراف عن لسانه:‍

نعى الناعون للشرف المعُلى

فتى الأشراف سيّدَها النقيبا

(عليَّ) القدر أعبق من نمته

أرومةُ هاشم في المجد طيبا

به لبس الزمانُ قشيبَ بردٍ

فجوذب ذلك البرد القشيبا

مضى محضَ الضريبة في المعالي

وخلَّد من مآثره ضروبا

وأبقى حيث أغرب في المزايا

على كبد الورى وسماً غريبا

إذا اعترض السلؤُّ وكاد يخبو

تعيد لناره الذكرى لهيبا

نعم رحل الحِمام بمَنْ نداه

أقام بكلّ ناحيةٍ خطيبا

وقال (رحمه اللّه) في رثاء ولده وأخيه:‍

نضارةُ عيشٍ أزهرت واضمحلّت

وأيامُ أنسٍ أقبلت ثمّ ولّت

ومنفقةٍ باللهو أيامَ عمرِها

سروراً رأت ردني بدمعي بلّت

فظنت عزائي بالملام فأكثرتْ

فلمّا رأت أن لا عزاءَ أقلّت

فقد عزيت باللون والقلب بالجوى

فما ملَّ قلبي والعواذلُ ملّت

سقى الله (1) قبراً هلت أمس ترابه

على روح جسمي، ليت كفّي شلّت

غدا سائراً والطرفُ يتبع نعشهَ

غداة به عيسُ المنايا استقلَّت

ولمّا تصدّى حائلُ (2) الترب دونه

وعينيَ منه لا فؤادي تخلّت

تلفَّتُّ والأحشاء عن مستقرِّها

(لشدّة ما تنزو من الوجد) زلّت

____________________

1 - في الديوان المطبوع: سقى الغيث.

2 - وفيه أيضاً: حامل الترب.


فما خاذلٌ (1) جاءت بخشفين عنهما

وعنها بقفرِ البيدِ ضلاّ وضلّت

بأكثر منّي يومَ غاب تلفتا

ولا أدمعاً فيها الجفونُ استهلَت

وقال يرثي كريمة الحاج محمد صالح كبّه ويمدحه:‍

يا نعش ما يصنع الفصيحُ؟

لم أدرِ ماذا به يبوحُ

وأيُّ معنىً إليه يغدو

في وصف معناكِ أو يروحُ؟

هل فلكٌ أنتِ من علاه

إليه طرف السهى (2) طموحُ؟

وقد جرت زهرةُ المعالي

فيه (3) لغربٍ هو الضريحُ

أو أنتِ نعش به مسجىًّ

جسمٌ لجسم العفاف روحُ

مناسب الفخر شيعته

والحسبُ الخالص الصريحُ

سرى على الأرض حاملوه

وهو بأفق السما يلوحُ

وخلفه والهٌ ثكولٌ

أمُّ العُلى دمعها سفوحُ

تطارح الورقَ وهي تدعو

على مَ ورقُ الحمى تنوحُ؟

ما هي والوجد تدّعيه؟

قلبي لا قلبها الجريحُ

تضمُّ أضلاعُها حشاها

ولي حشاً ضمَّها الضريحُ

في طلِحها إلفُها، وإلفي

عن وطني شخصها طليحُ

أصمَّ فيها النعيُّ سمعي

مذ جاء من فارسٍ يصيحُ

تلك المفداةُ ساورتها

شكيَّةٌ ما لها نزوحُ (4)

فلم تمرض (5) بذات قربى

لها بشكوى الضنى تبوحُ

____________________

1 - الخاذل: الظبية تخلفت عن القطيع. الخشف: فرخ الظبي.

2 - السهى: نجم.

3 - في الديوان المطبوع: فيك.

4 - شكية ما لها نزوح: مرض ملازم.

5 - في المطبوع: ولم تمرض.


حتى قضت، حيث ما عليها

في غربة البين مَنْ ينوحُ

نعم بكت بقعةٌ تصلّى

فيها وشهبُ السما جنوحُ

وانتحب (الكاتبان) إذ قد (1)

فاتهما وردُها الصحيحُ

فليغتد اليوم كلُّ خدرٍ

أعمادُ أسجافه تطيحُ

فربَّةُ الاحتجاب أضحت

حجابُها اللحد والضريحُ

قد غاض ماءُ الحياء يندي

به ثرىً نشرُه يفوحُ

توسدت والعفاف فيه

يضمُّه جيبُها النصيحُ

شلّت أكفُّ الزمان ماذا

من حرم المجد يستبيحُ

إليه دبَّ الضِراء لمّا

أبدي بأن جاء يستميحُ

واغتال محجوبة بخدرٍ

يحوطها السؤددُ الصريحُ

والعزُّ عنه يذبُّ مالا

يذّبه الفارس المشيحُ

ومن أبى المصطفى حماه

في منعة ما لها مبيحُ

ذاك الذي راحتاه كلُّ

على الورى ديمةٌ دلوحُ (2)

بالطبع مستحلبٌ نداه (3)

إن حلب الغاديات ريحُ

كأنَّ منها البنانَ ضئرٌ (4)

يرتضع الدهرُ ما تميحُ

مستعذَبٌ جودُه المرّجى

مباركٌ وجهه الصبيحُ

تقرأ في الوجه منه هذا

خاتم (5) أهل الندى المنوحُ

لا يشتري الحمدَ بالعطايا

إذ كان من حقّه المديحُ

لكنّه مذ نشا إلى أن

من شيبه استكمل الوضوحُ

يتاجر اللهَ كلّ يومٍ

بما حوتْ كفُّه السموحُ

حتى لقال الورى جميعا

هذا هو المتجرُ الربيحُ

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: لمّا.2 - الدولح: كثيرة الماء.

3 - في المخطوطة: نداها.4 - الضئر: المرضعة.

5 - كذا في الأصل، ولعلّه حاتم.


كم ريض للناس فيه أمرٌ

صعبٌ على غيره جموحُ

ينشق (1) طيبُ الفخار محضا

من عطف عليائه يفوحُ

أغرُّ يلقى الوفودَ طلقا

والعامُ في وجهه كلوحُ (2)

إن ناضل الخصمَ ردّ فاه

مع أنّه الناطقُ الفصيحُ

لسانه ميّتٌ مسجّىً

والفم منه له ضريحُ

ما هو إلاّ خضمُّ علمٍ

منه ذوو العلم تستميحُ

بل هو عنوانُ كلّ فضلٍ

وهم جميعاً له شروحُ

ونيَرٌ في سماء مجدٍ

بنوه شهبٌ به (3) تلوحُ

يا مَنْ غدا ربعهم وفيه

أمُّ الردى منتجٌ لقوحُ

ومن صفات الوقار تمّت

فيهم ومنها الحجى الرجيحُ (4)

تلك التي عنكم استقلَّت

عيسُ المنايا بها تسيحُ

طوبى (5) لها جاورت ضريحا

عن جاره ربُّه صفوحُ

واضطجعت في حمى ضجيعٍ

حميّه (آدمٌ) و(نوحُ)

وقال يرثي ولد الحاج محمد رضا كبّه وقد سقط من أعلى السطح إلى صحن الدار:‍

أجل من عُلاً ما خلتُ يرقاه فادحُ

هلالُ المعالي طوحتّه الطوائحُ

ومن حيث لا تعلو يدُ الدهر أهبطت

إلى اللحد نجمَ الفخر فالدهرُ كالحُ

تناوله من أفق مجدٍ لعزَّةٍ

قد انحسرت عنها العيونُ الطوامحُ

فمطلعه في مشرق المجد مظلمٌ

ومغربه في موضع اللحد واضحُ

____________________

1 - في المطبوع: تنشق.

2 - الكلوح: التقطيب.

3 - في المطبوع: بها.

4 - في مخطوطة الملاّ: رجيح.

5 - طوبى: جاءت في معاني مختلفة، وكلّها تنطبق هنا، منها: الخير، الغبطة، السعادة، وشجرة في الجنّة، والجنّة نفسها.


لحى الله يوماً قد أراني صباحه

تباريحَ وجدٍ للحشا لا تبارحُ

به صاح ناعيه فأشغلت مسمعي

وقد مضَّ في قعر الحشا منه صائحُ

وهمَّت جفوني بالبكا فملكتُها

على الدمع أرجو الكذب والصدق لائحُ

وقلتُ لمَنْ ينعاه إذ جدَّ باسمه

بنوح تبَّين باسم من أنت نائحُ

بفيك الثرى لا تُسم في النعي جعفرا

فيوشك أن تجتاحَ نفسي الجوائحُ (1)

فلمّا أبى إلاّ التي تشعبُ الحشا

وإلاّ التي تبيضُّ منها المسائح (2)

جمعتُ فؤادي وانطويتُ على الجوى (3)

على حرقٍ ضاقت بهنَّ الجوانحُ

أعاذلتي (4) عنّي خذي اللومَ جانبا

فلا أدمعي ترقى (5) ولا الوجدُ بارحُ

فلم ينسفحْ من عيني (6) الدمعُ وحده

ولكنَّ كلِّى مدمعٌ منه سافحُ

أصبراً وذا إنسانُ عينيَ أطبقت

على شخصه أجفانهنَّ الضرايحُ

قد استلَّه من عيني الدهر بعدما

تخيلتُ أنّ الدهر لي عنه صافحُ

بكفٍّ له مدّت إليَّ بهيئةٍ

بدت وهي فيها كفُّ خلٍّ يصافحُ (7)

ومرَّت على وجهي فقدَّرتُ أنّه

يلاطفني في مَرّها ويمازحُ

وما خلتُه يا شلَّها اللهُ أنّه

بها لسواد العين منّي ماسحُ

فأطبقتُ عيني وهي بيضاءُ من عمىً

وإنسانها حيث اشتهى الدهرُ طائحُ

بمَنْ عن ضياء العين يعتاض طرفها

فيغدو عليه وهو للجفن فاتحُ

لتجرِ الليالي حيث (8) شاءت بنحسها

فما عندها فوق الذي أنا نائحُ

وماذا تريني بعدَها في مُدى الأسى

يداً لفؤادي سعدُها وهو ذابحُ (9)

____________________

1 - الجوايح: المهلكات.2 - المسائح جمع مسيّحة: الذؤابة، وشعر جانبي الرأس.

3 - في المطبوع: من.4 - في المطبوع: أعاذلتا.

5 - رقأ الدمع: إذا نشف وجف.6 - في المطبوع: في جفني.

7 - وفيه: تصافح.8 - في الأصل: كيف شاءت.

9 - في سعد وذابح تورية. فإنّ سعد الذابح هو أحد سعود الكواكب العشرة وهو من منازل القمر، ويريد: إذا كانت ليالي السعد تذبحني فما ظنّك بليالي النحس.


أقول لركبٍ أجمعوا السيرَ موهنا

وقد نشطت للكرخ فيهم طلايحُ

أقيموا فواقي ناقةٍ (1) من صدورها

لأودعكم ما استحفظته الجوانحُ

خذوا مهجتي ثمّ انضحوها عقيرةً (2)

على جدثٍ دمعُ البلى فيه ناضحُ

وقولوا لأيدٍ أحدرت (3) فيه جعفرا

ولم تدرِ ماذا قد طوته الصفائحُ

لأحدرت من قلب المكارم فلذةً

قد انتزعتها من حشاها الفوادحُ

فغير جميلِ بعده الصبرُ للورى

ولا عيشهم لولا (محمدُ) صالح (4)

فتى الحلم لا مستثقلاً لعظيمةٍ

تخفُ لها الأحلامُ وهي رواجحُ

تدرّع من نسج البصيرة قلبه

إضاة أسىً (5) لم تدرّعها الجحاجحُ

وصابرها دهياء في فقد جعفرٍ

يكافح منها قلبُه ما يكافحُ

ونهنه فيه زفرة عدن فوقها

حوانيَ من (عبد الكريم) الجوانحُ

تعرّض فيها حادثُ الدهر منهما

لصلَّين من نابيهما السمُّ راشحُ

ونصلين لا تمضى بيوم كريهةٍ

مضاءهما يومَ الخصام الصفائحُ

ورمحين سل قلبَ الكواشح عنهما

بما منهما في القلب تلقى الكواشحُ

تجده كليماً وهو أعدلُ شاهدٍ

على جرحه والجرحُ لا شك فادحُ (6)

تسربلتها يا دهرُ شنعاءَ وسمها

لوجهك ما عمَّرت بالخزي فاضحُ

عمىً لك هل عينٌ تبيتُ وطرفها

لإنسانها (7) بالشرّ أزرقُ لامحُ؟

أفق أيَّ وقتٍ فيه منك لجعفرٍ

تُفرغُ كفُّ ليته منك طائحُ

____________________

1 - الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنّ الناقة تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثمّ تحلب.

2 - العقيرة: ما يعقر على القبر إعظاماً.

3 - في العقد المفصل: أهبطت.

4 - في العقد المفصل: جاء البيت هكذا:

فغير جميل بعده الصبر والعزا

ولا العيش لي لولا محمد صالحُ

5 - الإضاءة: الدرع.

6 - وفي المطبوع: قادح.

7 - في المطبوع: وإنسانها.


وقد شغلت في كلِّ لمحة ناظرٍ

يديك جميعاً من أبيه المنائحُ (1)

فتىً يجد الساري على نوره هدىً

ولو ضمَّه فجُّ من الأرض نازحُ

كأنَّ المحيّا منه والليل جانحٌ

(سهيلٌ) لأبصار المهبِّينَ لائحُ

تجاوز (هادي) مجده كاهل السهى

إلى حيث ما لحظ الكواكب طائحُ

وأمسى (2) حسيناً وجه جدواه للورى

على حين وجه الدهر في الخلق كالحُ

وأصبح معنى فخره مصطفى العُلى

وكلُّ لأن يقفو محمدَ صالحُ

فتى في صريح المجد يُنمي لمعشرٍ

أكفُّهم أنواءُ عرف دوالحُ (3)

مضيئون ضوء الأنجم الشهب للورى

فأوجههم والشهب كلُّ مصابحُ

على أوّل الدهر استهل نداهم

فسالت به قبل الغيوث الأباطحُ

ومدَّ (أبو المهديَّ) فيه أناملا

رواضعها صيد الملوك الجحاجحُ

جرت بالنمير العذب عشر بحارها

وكل بحار الأرض عذبٌ ومالحُ

فما للندى في آخر الدهر خاتم

سواه ولا في أوّل الدهر فاتحُ

وقال في رثاء عمّه الشاعر المعروف السيد مهدي ابن السيد داود:

أظُبي الردى أنصلتي وهاك وريدي

ذهب الزمان بعَّدتي وعديدي

نشبت سهام النائبات بمقتلي

فلحفظ ماذا أتقي عن جيدي

ماذا الذي يا دهرُ توعدني به

أو بعدُ عندكَ موضعٌ لمزيدِ

طرقتني الدنيا بأيّ ملمةٍ

ذهبت علىَّ بطارفي وتليدي

ما خلت رحب الصبر حتى فاجأت

عنّي يضيقُ وفيه رحب البيدِ

الآن أصبح للنوائب جانبي

غرضاً وشملُ قواىَ للتبديدِ

____________________

1 - في المخطوط: لمائح.

2 - وفي المخطوطة: وأسنى.

3 - في مخطوطة الملاّ: عرف وفاتح. وفي العقد المفصل جاء صدر هذا البيت هكذا:

نمته إلى المجد الصريح معاشر.


طلعت عليَّ الحادثات ثنيَّة

لا يُهتدي لرتاجها المسدودِ

وإليَّ قد طلعت (1) ذرىً من شاهقٍ

لا ترتقي هضباته بصعودِ

فنزعن من كفيَّ قائمَ أبيضٍ

أعددته للقا الخطوب السودِ

قد ملتُ نحو الصبر حين فقدته

فإذا المصابُ بصبريَ المفقودِ

أفهل أذودُ الحادثات بكفيَّ الـ

جذاء (2) أم بحساميَ المغمودِ؟

عجباً أمنتُ الدهرَ وهو مخاتلي

ورقدتُ والأيامُ غير رقودِ

وأنا الفداء لمَنْ نشأتُ بظلّه

والدهرُ يرمقني بعين حسودِ

لم أدرِ ما لفحُ الخطوب بحرّها

وهواجرُ الأيام ذات وقودِ (3)

مازلتُ وهو عليَّ أحنى من أبي

بألذّ عيشٍ في حماه رغيدِ

حتى رماني في صبيحة نعيه

أرسى بداهيةٍ عليَّ كؤودِ (4)

ففقدتُه فقدَ النواظر ضوءها

وعججتُ (5) عجّة مثقلٍ مجهودِ

ما لي وللأيام قوض صرفُها

عنّى عمادَ رواقي الممدودِ

عثرتْ فجاوزت الإقالة عثرةٌ

وطئت بها أنفي وأنفَ الجودِ

ومضتْ بنخوة هاشمٍ وإبائها

فطوتهما والصبرَ في ملحودِ

حملت بكاهلها الأجبّ (6) لفقده

ثقلَ المصاب وركنها المهدودِ

وشككت مذ تحت الضلوع قلوبُها

رجفت صبيحةَ يومها المشهودِ

أبه نعى الناعي لها (عمرو العُلى)

أم (شيبة) الحمد انطوى بصعيدِ

فكأنّما أضلاعُ هاشم لم يكن

أبداً لها عهدٌ بقلب جليدِ

مازال يوعدها الزمان بنكبةٍ

صمّاءَ تأخذ من قوى الجلودِ

حتى أطلَّ بوثبةٍ فتبيَّنت

ذاك الوعيدَ بيومها (7) الموعودِ

____________________

1 - وفي الديوان المطبوع: صعدت.2 - في المخطوط: المجذوذ.

3 - في مخطوطة الملاّ: غير رقود.4 - كؤود: صعبة، شاقة.

5 - في المطبوع: عجبت.6 - الأجبّ: المقطوع.

7 - في المطبوع: بيومه.


لم تقضِ ثكل عميدها بمحرمٍ

إلاّ وأردفها بثكل عميدِ

يبكي عليه الدينُ بالعين التي

بكت الحسينَ أباه خيرَ شهيدِ

إن يختلط رزءاهما فكلاهما

قصما قَرا الإيمان (1) والتوحيدِ

وأرى القريض وإن ملكتُ زمامه

وجريتُ في أمدٍ إليه بعيدِ

لم ترضَ عنه غيرَ ما قدَّرته (2)

في مدح جدِّك طاهراً (3) في الجيدِ

أمنت حشاشتُك الروائعَ لا تخف

جورَ الزمان عليَّ بالتنكيدِ

وقال يرثي الحاج مهدي كبّه وقد توفّى في طريق فارس، ويعزّي والده الحاج محمد صالح:‍

أغائرٌ دمعك أم منجدُ

قد رحل الصبرُ ولا منجدُ (4)

يا رابط الأحشاء في راحةٍ

قد نضجت بالجمر ما تقصدُ

لا تلتمسْ قلبك في جذوةٍ

ما بقيتْ منكَ عليها يدُ

أخلت يبقى لك قلبٌ على

فاغرة الوجد ولا يفقدُ

وإنَّ قلباً بين أنيابها

طاح شظايا كيف لا يزردُ (5)

حسبك منها زفرةً لو غدتْ

في جلدٍ منها نزا الجلدُ

كم هزَّ أضلاعَك من فوقها

حتى تلاقين جوىً مكمدُ

فساقطت منك الحشا أدمعا

حمراً على ذوب الحشا تشهدُ

لو تعلم الأيامُ ماذا جنت

إذاً لودَّت أنّها تنفدُ

لقد أجلَّت رزَء خطبٍ لها

في كلّ قلبٍ مأتماً يُعقدُ

____________________

1 - في المطبوع: الإسلام. وقرا: بفتح القاف. الظهر.

2 - وفيه: فلدته.

3 - وفيه: طائراً.

4 - منجد: الأولى بلاد نجد، والثانية، المساعد.

5 - يزرد: يبلع.


إذ كوّرت شمساً، بنو المصطفى

فيها ترجَّوا أفقَهم يسعدُ

اللهَ يا دهرُ أبيناهُم

في زهو بشرٍ للعدى تكمدُ؟

وبينما في فرط إبهاجهم

فيها لأثواب الهنا جدَّدوا؟

وكلُّهم قد مدّ عينَ الرجا

لفرقد الفخر بها يرصدُ؟

إذ يردُ الناعي إليهم بأن

جاء (ابن نعشٍ) ذلك الفرقدُ (1)

فيغتدي ذاك الهنا حنَّةً

فرائصُ الدنيا لها ترعد (2)

نعشٌ أتى يُحمل فيه النهى

ميتاً عليه يندب السؤددُ

وخلفه العلياءُ في صرخةٍ

تدعو إلى أين به يقصدُ؟

يا حاملي إنسانَ عيني قفوا

نشدتُكم باللّه لا تبعدوا

دعوه لي حسبي لتجهيزه

عينٌ عليه طرفُها أرمدُ

دموعها الغسلُ وأكفانه (3) الـ

بياضُ، والجفنُ له ملحدُ

غدرتَ يا دهرُ ومنك الوفا

لا الغدرُ بالأمجاد مستبعدُ

فاذهب ذميماً إنّها غدرةٌ

وجهك ما عشتَ بها أسودُ

ما لك بالسوء لأهل الحجى

وردتَ لا طاب لك الموردُ

يا ناهداً بالشرّ من جهله

تعلمُ بالشرّ لمَنْ تنهدُ (4)

وطارقاً بيتَ ندىً يلتقي

ببابه المتهمُ والمنجدُ

حسبك من بيت عتيد القرى

أن له أفق السما يحسدُ

تخمد شهبُ الأفق لكن به

مواقدُ النيران لا تخمدُ

سواه ما للمجد (5) من مهبطٍ

وما لذّمٍ نحوه مصعدُ

فمقعداه للتقى والندى

وحاجباه العزُّ والسؤددُ

ألم تجده حرماً آمنا

يحجُّه الأبيضُ والأسودُ؟

____________________

1 - في ابن نعش تورية غير خفية.2 - في المطبوع: له ترعد.

3 - في مخطوطة الملاّ: وأكفانها.4 - نهد: أسرع إليه.

5 - في المطبوع: في الحمد.


فكيف تسعى فيه لا محرما؟

كأنّما أنتَ به ملحدُ

ما هو إلاّ بيتُ فخرٍ له

قبيلةُ المعروف قد شيّدوا

بيتٌ أبو الندب الرضا ربّه

أكرمُ مَنْ تحت السما يُقصدُ

مولىً درت أهلُ العُلى أنّه

دون الأنام العلمُ المفردُ

وأنّه لولا هداه الورى

ضلَّت فلا رشدٌ ولا مرشدُ

وأنّه لولا ندى كفّه

لم يُرَ لا رفدٌ ولا مرفدُ

تلقاه طلقَ الوجه من هيبةٍ

يفرق (1) منها الأسد الملبدُ

محببٌ من حسن أخلاقه

حتى إلى مَنْ مجدُه يحسدُ

ما سهدت (2) من خائفٍ مقلةٌ

إلاّ وبالأمن لها يرقدُ

مَنْ ذا سواه قام يدعو الورى:

دونكم من بحر جودي ردوا

ومدَّ كفّاً بغريب الندى

آلاؤها (3) بين الورى تحمدُ

بخَّلت المزن ففي بخلها

حلائبُ (4) المزن لها تشهدُ

تبصر في راحته أبحرا

طافحةً أمواهها (5) العسجدُ

أسرَّة تُسمى ولكنّها

بحارُ جود بالندى تزبدُ

فهو لعمري حجةٌ في الندى

وآيةٌ في الفضل لا تجحدُ (6)

قد قام لله بما بعضه

لكلِّ أمجاد الورى معقد (7)

مكارمٌ ما لكريمِ سوى

(عبدِ الكريم) الندب فيها يدُ

ذاك أبو الكاظم غيثُ الندى

تربُ المعالي نجمها الأسعدُ

أين بنو العلياءِ من مجده؟

ومجدُه ما ناله الفرقدُ

فقل لهم: لا تطلبوا نهجَ مَنْ

لطُرقه في المجد لن تهتدوا (8)

____________________

1 - يفرق: يفزع، يخاف.2 - في المطبوع: ما سهرت.

3 - الآلاء: النعم.4 - الحلايب: جمع حلوب: كثيرة المطر.

5 - في مخطوطة الملاّ: أمواجها.6 - فيها أيضاً: يجحد.

7 - في المطبوع: مقعد.8 - في مخطوطة الملاّ: يهتدوا.


قفوا جميعاً حيثُ أنتم فما

لكم إلى عليائه مصعدُ

هيهات أن يعلق في شأوه

إلاّ (الرضا) فرع العُلى الأمجدُ

مباركُ الطلعة في يمنها

جميعُ مَنْ صبَّحه يسعدُ

يرى سمات الخير في ماله (1)

بأنّه خيرُ الورى تشهدُ

مهذّبٌ رشحه للعُلى

زعيمها الإكبرُ والسيّدُ

فجاء فرداً في النهى كاملا

يُثنى عليه الفضلُ والمحمدُ

شمسُ عُلاً (هادٍ) لآفاقها

بدرٌ له بدرُ السما يسجدُ

وشهبُها الزهر (حسين) الندى

منْ طاب منه في العُلى المولدُ

وفخر أرباب النهى (المصطفى)

مَنْ هو أزكى منْ نما محتدُ

وكوكب الرشد (أمينُ) التقى

و(كاظمُ) الغيظ الفتى الأمجدُ

و(باقرُ) الفضل وروحُ العُلى

(عيسى) فهل فخرٌ كذا يوجدُ؟

قومٌ هم شهبُ الفخار التي

منها بكلٍّ ترجم (2) الحسَّدُ

أنجمُ فضلٍ زهرتْ فاهتدى

بنورها الأقربُ والأبعدُ

حتى لقد قال جميعُ الورى:

هذا لعمري الشرفُ المتلدُ

يا أسرةَ المعروف لا نابكم

من بعد هذا الرزء ما يكمدُ

وهذه النكبة معْ إنّها

فيها ثوابُ الصبر لا ينفدُ

لا يحمد الصبر على مثلها

لكنَّه من مثلكم يُحمدُ

وإنَّ منْ عنكم طواه الردى

في جنَّة الخلد له مقعدُ

قرَّ بها الطرفُ وطرف العُلى

شوقاً إلى مرآه لا يرقدُ

ودمعُ عين المجد مذ أرّخوا

(المهدي فيها غاب لا يجمدُ)

فعيشه فى ظلِّ فردوسها

تالله أرّخ (لهَوَ الأرغدُ)

____________________

1 - في المطبوع: فيها له.

2 - ترجم: ترمي، تلعن.


وقال يرثي كريمة الحاج محمد صالح كبّه ويعزّيه بها، وقد توفّيت في طريق فارس:‍

قد تبلغ الأنفسُ في ارتيادها

حصولَ ما تهواه من مرادها

وقد تديم السعىَ في تتمةِ

انتقاصها أو طلب ازديادها

ففاتها ما اعتقدت حصوله

وجاءها ما ليس في اعتقادها

وكلّما قدرّه اللهُ لها

في قربها يجري وفي بعادها

هذا ابنُ أمَّ المكرمات منْ غدا

يرفل (1) في الفاخر من أبرادها

جوادُها وهل بمضمار العُلى

أسبقُ من (محمدٍ جوادها) (2) ؟

أنكر مسَّ الدهر من خشونةٍ

لا يرقد الحرُّ على قَتادها

فانساب مثل الأيم (3) عن بلاده

ينتجعُ العزَّة في بلادها

يطلبها بعين يقظانَ رأت

سهادَها أعذبَ من رقادها

مقتعداً من الإباء صعبةُ (4)

لا يقدر الدهر على اقتعادها

حتى اصطفى من عزّةٍ دارَ عُلاً

ترفع كفُّ المجد من عمادها

فاحتلَّ منها في رباع شرفٍ

عادت نجوم الأُفق من حسادها

قد عقد الندىَّ فيها للنهى

واصطنع العرفَ إلى قصّادها

واستحلت (الفرسُ) له خلائقا (5)

أخلاقها المرةُ من أضدادها

فكان فيها كهلال فطرِها

وكلُّ يومٍ مرَّ من أعيادها

أأمّل أن يعودَ وهو رافهٌ

بناعم العيش إلى بغدادها

فعاد في نعشٍ حوى (صفيّةً)

أعزَّ في عينيه من سوادها

____________________

1 - يرفل: يتبختر، يتمايل.

2 - محمد جواد: زوج المتوفّاة وهو الذي حمل جثمانها إلى النجف.

3 - الأيم: ذكر الأفعى.

4 - الصعبة: التي لم يسبق لها أن تركب.

5 - في المطبوع: الغرس.


خلتُ أُهنّيه على قدومه

لا أن أُعزّيه على افتقادها

وفيه في النادي لآل المصطفى

أقول قرَّت مقلتا أمجادها

لا أنّني (1) أقول في مأتمها

صبراً وأين الصبرُ من فؤادها

يا خجلة الأيام من (محمدٍ)

(صالحِها) الزاجر عن فسادها

قد صبغ العارُ لها وجوهَها

فلتستتر بفاضح اسودادها

يا قصرتْ يدُ الليالي ما جنت

على أبي (المهديّ) في امتدادها

أليس دأباً كفَّها مملؤَّةً

من كفِّه البيضاء في إرفادها (2)

مولىً على الأرض تراه رحمة

عمَّت جميعَ الأرض بانفرادها

أحيا ثراها وأمات جدبَها

بجوده، وكان من أوتادها

مقتصدٌ يسرف في بذل الندى (3)

حيث الورى تسرف باقتصادها

كأنَّ من وقاره حبوتُه

تضمنُ منه الطودَ في انعقادها

سدَّت لأهل الأرض (4) فيه ثلمة

ما ظفرتْ لولاه بانسدادها

خافتْ ولمّا التجأتْ لعزِّه

أقرّها والأرض في مهادها

يُنمي إلى قبيلة المجد التي

طريفها يعربُ عن تلادها

إن عدَّدت لمفخرٍ ودَّت بأن

تدخلُ زهر الشهب في عدادها

تواترت عنها رواياتُ الندى

من ولدها تنقل في آحادها

في كلّ ذي نفسٍ تزكَّت بالتقى

لا تعلق الآثامُ في أبرادها

تديم ذكرَ الله، بل كاد لها

يقوم ما عاشت مقامَ زادها

هذا أبو (المهدي) فانظر في الورى

هل كأبي (المهديّ) في عبادها؟

كأنَّ في جنبيه نفسَ ملكٍ

تستنفد (5) الأوقات في أورادها

أتعبها في طاعة اللّه لكي

تفوزَ بالراحة في معادها

____________________

1 - المطبوع: لا لأنّي.2 - في المطبوع: أرقادها.

3 - في المخطوط: اللهى، و: حتى.4 - في المطبوع: لأهل الدين.

5 - في مخطوطة الملاّ: نستنفذ.


حسبُك ما ترويه عن آبائها:

أنّ التقى والبرِّ في زهّادها

بل كيف لا تثبت دعوى شرفٍ

(أبو الأمين) كان من أشهادها

ندبٌ حياض الجود منه نعمةٌ

تروي بها الوفدَ على احتشادها

يزداد ورياً زندُ مكرماته

إن زادت الجدوب في أصلادها (1)

صلّى إلى العلياء خلفَ سابقٍ

كان هو النخبة من أمجادها

ذاك أخوه وأبو النجب التي

قد أخذ الفخارَ في أعضادها

منها الرضى للوفد حيث سخطت

من بخل أهل الأرض في ارتيادها

محببُ الأخلاق محسود العُلى

دامت له العلياء مع حسّادها

قد خلط البشرى لذي ودادها

بهائل السخط لذي أحقادها

مثلَ البحار الفعم يروي عذبُها

ويغرق الجائشُ في إزبادها (2)

أو كالقطار السجم يُرجى برقُها

ويُرهب القاصفُ من إرعادها

له الندى المورودُ عبّاً وندى

سواه مثلُ المصِّ من ثمادها (3)

أزهرُ بسّام العشيِّ إن دجت

أوجهُ أقوام على قصّادها

يلتمع السرورُ في جبينه

عند قِرى الأضياف وازديادها

قد طاول الأنجمَ (هادي) مجده

حتى سما الكاهل من أفرادها

واتقدت من فوقها أنوارها

حتى شكت إليه من إخمادها

قد خلّف (المهديُّ) خير مَنْ مشى

في هذه الأرض على مهادها

وقام في دار علاهُ حافظا

له ذمامَ الجود في وفّادها

وبعضهم كالنار لا يخلفها

منها سوى ما كان من رمادها

أبلج لا يشبهه البدرُ لأن

تشينه الكلفةُ في سوادها (4)

____________________

1 - الأصلاد: السنوات الشديدة في قحطها.

2 - الأزباد: ما يطفح على وجه البحر إذا اضطربت مياهه.

3 - الثماد: المياه القليلة، والحفر التي تتجمّع فيها المياه.

4 - في المطبوع: في اسودادها.


من فئة فيها الوقارُ والنهى

ساعة تستهلُّ في ميلادها

(كمصطفى) الفخر وناهيك به

في شرف النفس وفي إرفادها

جلَّ فلولا صغرُ النفس إذن

لقيل هذا مصطفى أجدادها

مَن مثله وأين تلقى مثله؟

يا رائد المعروف في أجوادها

هذا الذي قد وجدت عفاتُه

برد الندى منه على أكبادها

وعن حسينٍ جودُه تحدَّثت

تحدّثَ الروضة عن عهادها

كالغيث في دنوه، والبدر في

علوِّه، والشمس في اتقادها

بل في (أمين) الحلم نفسُ (كاظمٍ)

للغيظ ممّا ساء من حسّادها

(جعفرُ) فضلٍ و(الجواد) جعفرُ الـ

فضل وذا حسبُك من تعدادها

قد ولدت أمُّ المعالي غيرَها

لكن هي الصفوةُ من أولادها

تهوى السما أن تغتدي فراشها

والشهبُ أن تكون من وسادها

حيث أبو (المهديّ) قد رشَّحها

للفخر والسؤدد من ميلادها

يا فئةً أحلامها ما زحزحت (1)

راجفة الخطوب من أطوادها

إليكموها غرراً وإن تكن

بدت من الأحزان في سوادها

وسمتها بمدحكم فأقبلت

سماتها تنيرُ في أجيادها

بلطفها من القوافي نزلت

منزلة الأرواح من أجسادها

جاءتك ثكلى غير مستأجرةٍ

تستقصر (الخنساء) (2) في إنشادها

لو رددت نوحاً (لصخرٍ) لأرت

كيف انفطارُ الصخر في تردادها

ناحت فأبكت شجناً عينَ العُلى

بأدمعٍ تذوب من فؤادها

ثمّ دعت لا طرقت ربعَكمُ

إلاّ المسرّات مدى آبادها

____________________

1 - في المخطوط: قد زحزحت.

2 - هي الشاعرة الشهيرة تماضر بنت عمرو بن الشريد السفية، وقد عرفت، بمراثيها لأخيها صخر، أسلمت مع قومها، توفّيت عام 54 للهجرة وعمّرت طويلاً.


ولا وعى (1) غيرَ التهاني سمعُكم

أو مدحاً تطرب في إنشادها

ومنكم لا برحت آهلة

عرينةُ العزَّة في آسادها

وقال راثياً العلاّمة الشيخ جعفر (2) ابن الشيخ علي كاشف الغطاء، ومعزّياً به العلاّمة السيد مهدي القزويني، وقد تلف قسم منها:

ما للعيون حاربت رقادَها؟

وسالمت على القذى سهادها (3)

وما الذي أوجست (4) الناس ضحى

فألزمت أكفّها أكبادها؟

نعم هوت دعامةُ الفضل التي

لدينه ربُّ السماء شادها

واليومَ عزّى (جعفراً) (بجعفر) (5)

ناعٍ نعى إلى الورى رشادها

قد جمع الدهرَ قواه كلّها

بليلة قد ضاعف اسودادها

حتى على رزء الهدى بقلبه

أرزاءُ كلّ آله أعادها

اللهَ يا دهرُ لقد خلّدتها

سبَّة عارٍ لا ترى نفادها

للمجد كانت مقلةٌ واحدةٌ

مسحت في كفِّ الردى سوادها

وقال راثياً العلاّمة الشيخ مهدي (6) ابن الشيخ علي كاشف الغطاء، ومعزّياً أولاده وأخاه الشيخ جعفراً، والعلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

____________________

1 - في المطبوع: دعا.

2 - هو الشيخ جعفر بن علي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، من مشاهير أعلام عصره، كان ذكيّاً لسناً، وعالماً حافظاً، وشاعراً رقيقاً، توفّي عام 1290 هـ، ترجمت له في كتابي (شعراء الغري) 2 / 40 - 49.

3 - في المطبوع: قتادها.

4 - في مخطوطة الملاّ: أوحشت.

5 - جعفر الثانية: يقصد بها ابن أخته الميرزا جعفر القزويني.

6 - هو الشيخ مهدي ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، من أشهر مشاهير علماء عصره، ومن الأدباء الشعراء البلغاء، انتهت إليه رئاسة التقليد ورجع =


أعلمتِ طارقة الخطوب السودِ

بحمى الوصيّ صرعتِ أيَّ عميدِ

ونزعتِ يا نزعتْ يداك بنانَها

من قبِّة الإسلام أيَّ عمودِ

ونعم فهبكِ قرعتِه بمرّنةٍ

صّماء تأخذ من قوى الجلمودِ

أفطرتِ إلاّ قلبَ حامية الهدى

وصدعتِ إلاّ بيضة التوحيدِ؟

وبللتِ إلاّ في مدامع عينه

ذاك الصعيدَ على أجل فقيدِ؟

الآن مات العلمُ واندرس التقى

وعفا السماحُ وطاح كفُّ الجودِ

فُجعتْ بنو الدنيا بزاد مقلِّها

وبريِّ حائمة الرجا المطرودِ

وسرى فطبَّقها عليه مآتما

ناعٍ تضيق به رحابُ البيدِ

صلَّى الإلهُ عليك (1) من مفقود

جلَّ المصاب به عن التحديدِ

شغلت رزيتُك الملائك فاغتدت

لك في هبوطٍ عن جوى وصعودِ

وكفاك قدراً أنَّ نعيَك في السما

خلطته بالتقديس والتحميدِ

وبرفعها ذاك السريرَ تقّربت

زلفى إلى خّلاقها المعبودِ

رفعت به الأخوين شخصَك والتقى

وتلته بالتسبيح والتمجيدِ

وبكاك دينُ الله بالعين التي

بكت (الأئمةَ) علَّة الموجودِ

عدلت رزيَّتُهم (2) رزيتَك التي

قصمت قوى الإيمان والتوحيدِ

ماذا يواري خطُّ قبركَ من حجىً

يزنُ الجبالَ ومن ندىً مورودِ

إن تمس مهجورَ الفناء فطالما

وقف الرجاءُ ببابكَ المقصودِ

أو إن تكن جمدت بنانُك بالردى

فعليك عينُ الجود غير جَمودِ

أو قلَّ من أيام عمرك عدّها

فكثيرُ بِرّك ليس بالمعدودِ

تبكيك عينٌ كم مسحت دموعَها

ببرود فضلٍ لا بفضل برودِ

____________________

= إليه أطراف العراق وإيران وأذربيجان، وانتشر وكلاؤه في البلدان. ولد في النجف وتوفّي بها عام 1289 هـ، ترجمت له في كتابي شعراء الغري 12 / 108 - 111.

1 - في المخطوطة: عليه.

2 - في المطبوع: رزيتها.


لم تبقَ بعدك للمطالب نجعةٌ

طُوى الرجاءُ على حشا مكمودِ

هدم الردى بك ركنَ ملّة (أحمدٍ)

ولطالما بك كان للتشييدِ

غسلت سوادَ عيونها بدموعها

فصبغنَ أردية الكرام الصيدِ

صبغت بها تلك الثيابَ فسوَّدت

وجهَ الزمان بذلك التسويدِ

ورأت بقية فخرها قد أدرجت

في برد شخصٍ بالفخار وحيدِ

كم رَدَّ غربَ الخصم وهو مركَّبٌ

منها بثغرة نحرها والجيدِ

ووقى بمهجته الكريمة قلبَها

من أسهم الأعداء كلَّ مبيدِ

فكأنّها (1) في صبرها دون الهدى

مع فرط رقتّها مجنُّ حديدِ

بأبي الذي عقدوا عليه رداءَه

والخيرُ تحت ردائه المعقودِ

لبس الحياةَ فصان طاهرَ بردها

بصلاحه وعفافه المشهودِ

حتى استجدَّ سواه ثوباً للبلى

ومضى على كرمٍ نقيَّ العودِ

يا ثاوياً خلف الصعيد كفى جوىً

أنّى دعوتكَ من وراء صعيدِ

لثراك استسقى ثلاثَ سحائبٍ

متكافئاتٍ كلّها في الجودِ

فسحابة وطفاء منك تعلَّمت

للأرض سقىَ تهائم ونجودِ (2)

وسحابة من جود كفِّكَ أنبتت

شكرَ العفاة بدرّها المحمودِ

وسحابة من عبرتي ما أن ونت

إلاّ وقالَ لها افتقادكَ جودي

هي بالزفير إليك ذاتُ بوارقٍ

ومن الحنين عليك ذاتُ رعودِ

فاذهب حميداً في الجنان مخلّدا

فالعيشُ بعدك ليس لي بحميدِ

ولقد دعوت الدينَ بعدك دعوةً

يستكُّ منها سمعُ كلِّ حقودِ

لا تخشَ ضعفاً في الزمان وإن غدا

يرسو (3) بداهيةِ عليك كؤودِ

فبه لك (المهديُّ) أمنعُ قوَّةٍ

تأوى لركنٍ من علاه شديدِ

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: فكأنّما.

2 - التهائم والنجود: المنخفضات والمرتفات عن الأرض.

3 - في المطبوع: يرسيْ.


نسجت حميتُه عليك صنيعةً

لم تقضِ نثرتها (1) يدا داودِ

فإذا دجى ليلُ الخطوب فلقته

من ضوء صبح جبينه بعمودِ

علمُ الهدى السامي الذي هو في كلا

حسبيه سادَ على الكرام الصيد

ومفيدِ فضلٍ (2) لو أتى العصر الذي

فيه المفيدُ لقال أنتَ مفيدي

هو آيةُ الله التي قد أبطلتْ

في العالمين عنادَ كلّ جحودِ

وأبو المصابيح التي شهبُ السما

رمقت مطالعَها بطرف حسودِ

لو فاخرت نهرَ المجرَّة في السما

غلبت بجعفر جودها المورودِ

ذاك الذي في الجود (3) أرسل صالحا

لكن لأهل الفضل لا لثمودِ

و(محمدٌ) منه الحسينُ فعاذرٌ

إن قلتُ أرسل خاتماً (4) في الجودِ

أقمار تمٍّ في بروج سما العُلى

شرفاً يضيءُ على الليالي السودِ

وأسودُ غيلٍ في المهابة لو حموا

مأوى الظِباء لكان غيل أسودِ

وترى المكارمَ من مناقب فضلهم

تختالُ بين قلائدٍ وعقودِ

من كلّ محتلب البنان رقيقها

في كلّ جامدة الضروع صلودِ (5)

ويقول للكفِّ الكريمة كلّما:

بدأت بعارفةٍ بدارِ (6) أعيدي

يا عترةَ الوحي الذين توطَّدت

بهم دعائم ملَّة التوحيد

دمتم لنا والعزُّ فوق رواقكم

والفخر تحت رواقه (7) الممدودِ

____________________

1 - الصنيعة: لامة الحرب، النثرة: الدرع الحديدي الذي يلبس تحت الثياب في الحرب.

2 - في المطبوع: مفيد عصره، ويريد به أشهر مشاهير علماء عصره الشيخ المفيد محمّد بن محمّد النعمان البغدادي العكبري، المعروف بابن المعلّم، المتوفّي 413 هـ، له أكثر من مئتي كتاب، وهو أستاذ الشريفين المرتضى والرضي.

3 - في المطبوع: بالجود.

4 - في نسخة: حاتماً.

5 - يكنّي عن السنة ذات الجوع والقحط.

6 - بدار: اسم فعل بمعنى بادر، أي أسرع.

7 - في المطوبع: طرافه، والطراف البيت الكبير.


وبحسبكم علمُ الشريعة (جعفرُ) الـ

إحسان عن عَلم الهدى المفقودِ

والغرُّ من آل المكارم مَنْ سَموا

شرفاً بفضلٍ طارفٍ وتليدِ

قد رُدَّ عقدُ الفخر في جيد العُلى

(بأبي محمد) (1) وهو عقدُ الجيدِ

وأعاد يا دار الهدى لك (جدّه) (2)

فكأنّه لم يُطوَ في ملحودِ

أحيا مآثرَه الحسانَ وزادها

لو كان فيها موضعٌ لمزيدِ

لو لم تبت أمُّ السماح طروقة

لندى يديه لم تكن بولودِ

يا مَنْ وجوههُم مصابحَ للهدى

وأكفُّهم في الجود سحبُ الجودِ

ماذا أقول معزّياً بنشائدي؟

قطعت مهابتُكم لسان نشيدي

وقال يرثي العلاّمة السيد جعفر القزويني (3) ، ويعزّي ابن عمّه السيد مهدي القزويني:‍

كذا يلج الموتُ غابَ الأُسود

وتُدفن رضوى (4) ببطن اللحودِ

كذا يُستباح حريمُ العُلى

وتهوى بدور الهدى في الصعيدِ

بنفسيَ مَنْ لم يرثه ذووه

غير علاءٍ ومجدٍ مشيدِ

وكبَّت جفانُ القِرى بعده

ونيرانها رُميت بالخمودِ

أحلفَ الندى وشقيق السماح

ليومك هولٌ كيوم الورودِ

سُقيت الحيا لست أنت الفقيد

ولكنَّ صبريَ عينُ الفقيدِ

فلا قلتُ بعدك للعيش طب

ولا قلتُ بعدك للسحب جودي

لقد دلَّ مجدُك هذا الطريفَ

على مجد قومك ذاك التليدِ

____________________

1 - أبو محمد: هو الشيخ جعفر.

2 - يريد به جدّه الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء.

3 - هو السيد جعفر بن باقر بن أحمد بن محمد الحسيني القزويني، من مشاهير شعراء وأدباء عصره. توفّي عام 1265هـ. ترجمت له في كتابي شعراء الغري 2 / 27 - 35.

4 - رضوى: اسم جبل.


بني هاشمٍ هم عقودٌ وأنـ

تَ واسطةٌ بين تلك العقودِ

ولو كان يُدفع ريبُ المنون

عن المرء في عُدَّةٍ أو عديدِ

لقامت تقيك الردى فتيةٌ

تُذمُّ إذا شُبِّهت بالأُسودِ

صِباحُ الوجوه وأسيافهم

من الموت تُطبع لا من حديدِ

وتغدو المنايا بأرماحهم

شوارعَ ما بين حمرٍ وسودِ

ولكنَّه الموتُ لا مانعٌ

لمَنْ رام من سادةٍ أو عبيدِ

عزاءٍ أبا (صالحٍ) لا فجعتَ

من بعد هذا المصاب الكؤودِ

فحلمُك أرسى من الراسيات

وليس شبيهٌ له في الوجود (1)

وجاراك في الفخر أهلُ السباق

ولكن سبقت لشأوٍ (2) بعيدِ

فأصبح شأنُهم في انحدارٍ

وشأنك عنهم غدا في صعودِ

وما مرَّ يومٌ جديدٌ عليك

إلاّ ظهرت بفضلٍ جديدِ

لئن ساءك الدهرُ في (جعفرٍ)

فإنّ الإساءةَ شأنُ العبيدِ

وقال يرثي بعض الناس:‍

اُدْرجَ والمعروفُ في بردِه

وحلَّ والإحسان في لحدِهِ

فالبس ظلامَ الحزن يا دهرَه

لبدركَ الأفل من سعدهِ

كان به روضُ الهنا زاهيا

لأنّه اليانعُ من وردهِ

شقَّ الثرى ريحانةً للعُلى

وعاد كالسيف إلى غمدهِ

وكلُّ حيٍّ عيشه منهلٌ

ما أقرب الإصدارَ من وردهِ

____________________

1 - هذا البيت سقط من الديوان المطبوع.

2 - في المطبوع: لمأوى.


وقال راثياً الحاج محمد جواد كبّه، وقد صادف موته مجي‌ء الحاج مصطفى كبّه من الحج:‍

أأهنّيك قائلاً لك بشرى

أم اُعزِّيك قائلاً لك صبرا؟

فرحة أردفت بترحة ثكلٍ

ساء فيها الزمانُ ساعةَ سرّا

شفعت فيه أوبةٌ بذهابٍ

فمنحنا سجلين نفعاً وضرّا

ملا بالسرور للمجد شطرا

من حشاه وبالكآبة شطرا

زمنٌ آب بالسعود حميدا

بعدما أقلق الركائب عصرا

قلت ألقى العصا وما كنتُ أدري

أنَّ فيها له مآربَ أُخرى

بينما تكتسي وجوهُ الليالي

رونقاً للسرور إذ عدن غبرا

خيرُ يومٍ بدا بحلَّة زهوٍ

ما له تحتها (تأبَّط شَرّا)

يا خليليَّ والحديثُ شجونٌ

فأجيلا معي إلى الحزم فكرا

خبراني عن الصواب برشدٍ

إن تكونا أحطتما فيه خبرا

كان لي في الأمور قلبٌ ولكن

بمقاديم دهشتي طار ذعرا

قد وفدنا لكي نهنّي المعالي

فوجدنا العيونَ منهنَّ عبرى

فبماذا أواجهُ الفخرَ أم في

أيّ شيءٍ أخاطب المجدَ جهرا؟

أبنعيٍ فأنثر الشجوَ دمعا؟

أم اُحيِّ فأنظم السعدَ شعرا؟

فالليالي أقررن للجود عينا

وعلى النعيِّ منه أقذين أخرى

ومن المكرمات أبكين جفنا

بعدما للسعود أضحكن ثغرا

طبت يا أرضُ بين حيٍّ وميتٍ

بالشذا عطرّاك بطناً وظهرا

فعزاءً (لمصطفى) المجد عن مَنْ

خلت (بالمصطفى) أهنّيه بشرى

رحلت بالجواد أيامُ دهرٍ

أين مرَّت من بعده قيل عقرا

كان بالأمس أنظرَ الناس ربعا

وهو اليوم أطيبُ الناس قبرا

يا بني (المصطفى) وبيتُ نداكم

قد بنى طائرُ الرجا فيه وكرا


شدتموه على التقى يهدمُ الدهرَ

ويبقى بناؤه مشمخرا

لست أدري أأودعَ المجدُ منكم

بشراً فيه أم ملائك غرّا؟

خلَّد (المصطفى) به لكم الفخرَ

وزدتم (بالمصطفى) اليومَ فخرا

أرجُ المجد لو تجسَّم نشرا

من شذاه لعطَّر الأرضَ نشرا

ولودَّت أترابُها الغيدُ أن قد

جعلته على الترائب عطرا

بسط الكفَّ بالسماح فقلنا:

أرسلت نوءَها الثريّا فدرّا

ملكٌ في يديه عشرُ بنانٍ

نشأت للورى سحائبَ عشرا

زاد في قدره التواضعُ حتى

عاد عنه الزمانُ يصعر قدرا

فهو قلبُ العُلى وأيُّ مكانٍ

حلَّ فيه تواضعاً كان صدرا

بل هو العقدُ زانها وكذا العقـ

دُ يزين الفتاةَ جيداً ونحرا

لو تحكُّ النجومُ في عاتقيها

أخمصيه لقيل حسبُك فخرا

أطبقت ظلمةُ الخطوب ولكن

بأخيه من ليلها شقَّ فجرا

فأرانا شمساً بوجه أبي (الها

دي) وشمنا به ولا ليلَ بدرا

ذاك مَنْ أزهرت مزايا عُلاه

فبدت والكواكبُ الزهر زهرا

جاء محضَ النجار أملسَ عرضٍ

فيه طابت حواضنُ المجد حجرا

عبقَ الجيب طاهرَ الردن والأذ

يال عفّ الإزار سرّاً وجهرا

قد حلتْ لي أخلاقه في زمانٍ

قلتُ لمّا طعمتهُ ما أمرّا

علمتني هي النظام إلى أن

(قيل لي أنتَ أشعرُ الناس طرّا) (1)

وأداروا لي المدامة منها

ثمّ قالوا تحبُّها قلتُ بهرا

ماجدٌ تطرب المسامعُ منه

من رقيق الثناء ما كان حرا

وإذا مرَّ في العطا ودَّ فيه

مجلسُ الجود لم يزل مستمرا

لا كمن إن تكلَّف الرفدَ يوما

أكلتْ كفَّه الندامةُ دهرا

____________________

1 - صدر بيت ينسب إلى أبي نواس.


ففداءً لشبره باع قومٍ

لم تقس في ذراعها منه فترا

مدَّ لكن يدا صناع العطايا

طرَّزت بردتيه حمداً وشكرا

لا تفاخر به المجرَّة إلاّ

إن ترد تكسب المجرّةَ فخرا

فهو بحرٌ ويقذف الدرَّ جودا

وهي نهرٌ وليس يقذف درّا

وهو والمصطفى بنادي العُلى شفـ

عٌ وكلُّ يقوم في القوم وترا

حفظاً حوزَة السماح وكلُّ

دونها للعذول كم سدَّ ثغرا

فدمُ المكرمات لو لم يجيئا

لنعته يتائمُ الشعر هدرا

قد غرسنا فأثمر النظمُ حمدا

وسقيتم فأينع الجودُ وفرا

لسواه يا عاصراً حلبَ الفكر

بكفِّ الخسار تعصر خمرا

أيّها الطيبون معقدَ أزرٍ

لكم اللهُ شدَّ بالنصر أزرا

ذكركم بالجميل سار ولكن

كمسير الرياح برّاً وبحرا

قرّت الأرضُ بالجبال وكانت

هي والراسياتُ فيكم أقرّا

هاكموها بكرَ القريض وعنها

سائلاها هل مثلها افتضَّ بكرا؟

بسوى السحر لم تعب أي وعيب البـ

اليات إنّه كان سحرا

مزجت راحةَ السرور بضّرٍ

فأذاقت طعمين حلواً ومرّا

همت في عفرها وما كلُّ منْ ها

م بوادي القريض يصطاد عفرا

زان تحبيرُها الطروسَ ففتّش

ما عداها تجده طرساً وحبرا

وقال راثياً محمد كاظم ابن الحاج عبد الكريم كبّه، ومعزّياً أباه وعمّه الحاج محمد صالح:‍

لا أرى للزمان يا صاح عُذراً

أفيدري لمَنْ تأبَّط شرّا

ولمَنْ بغتةً ألمَّ بخطبٍ

ساء فيه الأنامَ عبداً وحرّا

ردَّ فيه حزناً نواصي الليالي

ووجوهُ الأنام شعثاً وغبرا


وحشا المكرمات حرّى وعينُ الـ

مجد عبرى ومهجةُ الفضل حرّى

جذَّ من دوحة المكارم غصنا

فذوى بغتةً وقد كان نضرا

قد نعته العلياءُ وهو بقبرٍ

مذ حواه لصبرها صار قبرا

يا هلالاً رجوتُ يكمل بدرا

محقته يدُ الردى فاستسرّا

مَنْ عذيري من لائمٍ فيك لا أقـ

بل عذلاً وليس يقبل عذرا؟

لام حتى بلومه ضقتُ ذرعا

مثل ما ضقتُ في مصابكَ صدرا

قلت دعني ومقلةً لي عبرى

ببكاها ومهجة لي حرّى

لا تسمني قرارَ عيني فهذا

ضوؤها في ثرى اللحود استقرّا

هو منّي شطرُ الحشا أوَ أسلو

بعدما من حشاي فارقتُ شطرا؟

عجباً صرتُ فيه أسمح للترب

ومنه عليه أطرح وقرا

بعد ظنّي على العيون جميعا

أن ترى ذلك المحيّا الأغرّا

كان لي في حياته العيشُ حلوا

وهو اليوم بعده قد أمرّا

وبحسبي ما عشتُ داءً لنفسي

أنا أبقى ويسكن اللحدُ قسرا

كيف ما متُّ إنّني لجليدٌ

وبه أنشبت يدُ الموت ظفرا

استجدُّ الثيابَ حياً لجسمي

وهو يبلى في الترب ميتاً مُعرّى

لم أخلني كذا أكون صبورا

وفؤادي بسهمه قد تفرّى

رمتُ رفعَ الآلام عنه بجهدي

شفقاً لا لأبلغ الناسَ عذرا

وبذلت الطريفَ من جلِّ مالي

مع بذل التليد منه ليبرا

وبودِّي لو كان يبقي وأملقتُ

إذا كان ذا لعيني أقرّا

سوءةٌ للزمان ما لي أراه

ساء مَنْ أحسنوا لأبناه طرّا

هم بنو المصطفى ومَنْ في البرايا

كبني المصطفى سماحاً وبرّا

فئةُ المجد معشرُ الشرف المحض

قبيل العليا وناهيك فخرا

قد أرقَّ الحرصُ الأنامَ ولكن

لم يكن غيرُهم على الأرض حرّا


قد كساهم (محمدٌ) صالحَ الأفعال

بُرداً من فخره طاب نشرا

ورعٌ مَنْ رآه قال لعمري

إنّ لله في معانيكَ سرّا

ملكيُّ الصفات لكن تراه

بشريَّ الأعضاءِ قد جلَّ قدرا

لك نفسٌ قدسيّةٌ قد تمحّضـ

ت بها للإله سرّا وجهرا

هي تلك النفسُ التي بين جنبي

ذي المعالي أخيك ليست بأُخرى

شرعاً قد سموتما للمعالي

وإليها ركبتما النجمَ ظهرا

تمَّ فيه ما كان ساء وسرّا

فهو ملء ‌الزمان نفعاً وضرّا

ذو يسارٍ يزري بيمنى سواه

ويمينٍ كانت لراجيه يُسرا

هي أجرى من البحار نوالا

ومن الغاديات أغزرُ دَرّا

تخصب الأرض في نداه إذا الجد

بُ أديمُ الصعيد فيه اقشعرّا

وعلى الأرض إن مشتْ ودَّت الـ

شهبُ عليها أذيالَ علياه جرّا

كيف لا تحسد النجومُ ثراه

وبه قد سما على الشهب فخرا

قد جرى سابقاً وصلّى أمينُ الـ

فضل يتلوه لاحقاً واستمرّا

ثمّ حلاّ معاً بأرفع مجدٍ

طلعا في سماه شمساً وبدرا

فغدا كلُّ نيِّر بهما هادٍ

لمَنْ رام للمكارم مسرى

يا بني المصطفى رسختم حلوما

فغدوتم على النوائب صبرا

ذا الجزا أنتمُ حريّون فيه

لكن الصبرُ أنتم فيه أحرى

ومصاب الماضي يهون إذا ما

كنت أنت الباقي وإن عزَّ قدرا

وقال راثياً بعض الأكابر في ضمن كتاب:‍

الآن هوّن كلّ نائبةٍ

جللٌ أمال دعائمَ الفخرِ

وطوى خضمَّ العلم في كثب الـ

غبراء أخرس ألسنَ الشعرِ

خطبٌ تجاوب بالنياح له

مَنْ كان في برٍّ وفي بحرِ


قد عمّ أهلَ الأرض كلَّهم

فهمُ سواءٌ فيه في الأجر

يا بحرَ جودٍ قد طغى لججا

أفضى الحمامُ به إلى القبرِ

أيضمُ منك القبرُ طودَ نهىً

بعلاه سامت ذروةَ النسرِ

فاذهب فما الدنيا بصالحةٍ

لمقام مثلك من ذوي الفخرِ

طبقتَ مشرقها ومغربَها

بفضائلٍ جلَّت عن الحصرِ

وقال راثياً العلاّمة الشيخ محمد (1) ابن الشيخ علي، ومعزّياً العلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

طرقتْ فالأنامُ منها سكارى

تملأ الكونَ دهشةً وانذعارا

بكرُ خطبٍ لا ينشد الصبرُ فيها

قد أتانا بها الزمانُ ابتكارا

في حديث الأحقاب لم يأت فيها

وقديماً لمثلها ما أشارا

بردت سائرُ القلوب ردىً منـ

ها وعادت من الغليل سكارى

ولها كانت المدامع لولا

حرُّ أنفاسنا تكون بحارا

وقليلٌ بها وإن ليس يجدي

ترسل العينُ دمعَها مدرارا

نكبةٌ تملأ الوجودَ مصابا

يملأ الأرضَ والسما استعبارا

يا نفوسَ اللاجين طيري شعاعا

أدرك الدهرُ عندك الأوتارا

وابردي يا حشاشة الشرك أمنا

مات مَنْ كان بين جنبيك نارا

فبمَنْ يغتدي الهدى مستجيرا؟

فقدتْ كعبةُ الهدى المستجارا

وله أصبحَ الحطيمُ حطيما

يتوارى في الترب حين توارى

____________________

1 - هو الشيخ محمد ابن الشيخ علي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، من مشاهير علماء عصره، وكان مهيباً مطاعاً وقوراً شاعراً، له مكانة عند ذوي الحكم، سمحاً جواداً زاهداً، رجع إليه الناس في التقليد، وكان يرعى الأدباء والشعراء ويصلهم، توفّي في النجف عام 1268 هـ. ترجمت له في كتابي مستدرك شعراء الغري 3 / 45 المخطوط.


ودجا (1) الأفق في دجى غيهب الحز

نِ وهبَّت ريحُ الصبا إعصارا

سوّمي يا خطوبُ خيلك فينا

تغنمي أين ما قصدت المغارا

وارتعي في حمى الورى فالمنايا

أنشبت في هزبرها الأظفارا

مَن حماها عن أن تُراعَ وقسرا

ردَّ أيدي الأيام عنها قصارا

هممٌ حيث لا يُرى البدرُ سيرا

مصعداتٌ لا تعرف الانحدارا

كيف تخلو له من الحزن دارٌ

والندى منه لم يفت ديّارا

ملكَ الناسَ بالسماح عبيدا

فغدوا بعد فقده أحرارا

يا بغاة الإسلام لا تتناجوا

بانتقاص الدين الحنيف سرارا؟

لا تخالوا (محمداً) لم يخلِّف

للورى ناهياً ولا أمّارا

فالإمامُ المهديُّ قد قام فيهم

علماً يرشد الورى ومنارا

ما بنى اللهُ من سماء علومٍ

وهو بدرٌ في أفقها قد أنارا

لازم الحقَ في هداه فأضحى

معه الحقُّ حيثما دار دارا

منه ملء الأبراد عدلٌ وتوحيـ

دٌ وفخرٌ من هاشمٍ لا يجاري

والحُبا في الندىِّ تضمن منه

ركنَ رضوى حلماً وأرسى وقارا

فترى الناس هيبةَ منه حرسا

يتناجون في الحديث سرارا

يا أجلَّ الورى علاءً وقدرا

وأعزَّ الأنام نفساً وجارا

عقد العيُّ منطقي أن أعزِّيك

ومنك العزا غدا مستعارا

وقبيحٌ منّي إذا قلتُ صبرا

للذي علَّم الورى الاصطبارا

وقال يرثي العلاّمة السيد محمد تقي الطباطبائي، ويعزّي العلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

ماذا تريدين بالدنيا يدَ القدرِ

لقد ذهبت بسمع الدهر والبصرِ

____________________

1 - دجا: أظلم.


سوَّدتِ مشرقها القاصي ومغربها

بكاسف الأبيضين الشمس والقمرِ

وغودر الأفقُ معتلاً وأنجمه

من غاثرٍ ضوؤه منها ومنكدرِ (1)

وأصبح النجف الأعلى يغصُّ شجىً

لله ما صنعتْ فيه يدُ الغيَرِ

طويتِ خيرَ معدٍّ كلّها نسبا

وأكرمَ الناس من بادٍ ومحتضرِ

طأطأتِ من هاشمٍ للأرض هام عُلاً

ما طأطأتها ظبا الهندية البترِ

أرغمتِ منها أنوفاً كلّها شممٌ

ما أرغمت بين أطراف القنا السمرِ

أريتها يومَها من قبلُ حين سرت

بمشبع الطير في أعوامها الغبرِ

فاسأل بها اليوم هل وارت (محمدَها)

أم شيبة الحمد في ذاك الثرى العطرِ

خطبٌ لوت عنقَ الإسلام منه يدٌ

يا شلَّها اللهُ قد ألوت على مضرِ

مضى بأجمعها قلباً وأقطعها

غرباً وأمنعها للخائف الحذرِ

فالآن لم يبقَ كهفٌ للمروع ولا

مأوىً يحطُّ إليه راكبُ الخطرِ

قد طوِّحت جبلَ المجد المنيف عُلاً

على الورى نكباتُ الحادث النكرِ

يا مَنْ عن المجد أضحى مزمعاً سفرا

ما كان أبرحه للمجد من سفرِ

أمهل فواقاً فزوِّد أنفساً بقيت

موقوفةً فيك بين البثّ والفكَرِ

قل للنوائب ما من غاية بقيت

وراءَ هذا فأنّى شئتِ فابتدري

تالله زلزلت الدنيا بقارعةٍ

من القيامة نادت بالسما انفطري

هوِّن عليك وإنْ داعي المنون دعا

يا أنجمَ الفضل من آفاقك انتثري

لا تحسب الملّة الغرّاء قد بقيت

بعد الذين مضوا عنها بلا وزرِ

هيهات قد حفظ الباري محجّتها

البيضاءَ بالخلف (المهديَّ) من مضرِ

بقائمٍ بهدانا غير منتظرٍ

ينوب عن قائم بالأمر منتظرِ

له نفائسُ علمٍ كلُّها دررٌ

والبحرُ يبرز منه أنفس الدررِ

لو أصبحت علماءُ الأرض واردةً

منه لما رغبت عنه إلى الصدرِ

____________________

1 - في المخطوطة: ومن كدر.


مقدَّمٌ بين أهل الفضل قد عُرفتْ

له الرياسةُ في الماضي من العصرِ

يفوق في المدح عينَ القوم أثرهم

ومدحه شرعٌ في العين والأثرِ

أغرُّ يبسط كفّاً لا تقوم لها

بشكر ما صنعته ألسنُ البشرِ

هذي سما الدين فانظر كيف زينتُها

بأنجم العلم من أبنائها الزهرِ

فروعُ دوحة مجدٍ أثمرتْ كرما

للمعتفين وكم فرع بلا ثمرِ

أبناؤهم زهرٌ آثارهم زبرٌ

آلاؤهم مطرٌ يغني عن المطرِ

كأنّما خلقَ اللّهُ الورى صورا

جميعَها وهم الأرواحُ للصورِ

يا مَنْ غفرنا ذنوبَ الحادثات به

وكلّها ليس لولاه بمغتفرِ

بك الهدى قد تعزّى في رزَّيته

عن ذاهبٍ لم يدع صبراً لمصطبرِ

فاسلم وحسبُك عنه سلوةً بعُل

يِّ القدر سيّد أهل العلم والخطرِ

و(بالحسين) أخي العلياء تلوهما

في الفضل واحد أهل الرأي والنظرِ

وبالنقيِّ (عليٍّ) فرع دوحته

وكلّهم طاب منه معقدُ الأزرِ

قومٌ إذا ذكروا بحرَ العلوم سموا

إلى العُلى حيث لا مرقى لمفتخرِ

ولا تزال غوادي السحب واكفةً

تعتاده بين منهلٍّ ومنهمرِ

حتى يعودَ ثراه روضةً أنقا

تستوقف الطرفَ في وشيٍ من الزهرِ

وقال راثياً الحاج سليمان چلبي، ومحمد بن إبراهيم بابان بالتماس أولادهما:‍

أطار بكَ الناعي فؤادَ العُلى ذُعرا

غداةَ نعي في نعيك المجدَ والفخرا

دعا بك فابيضَّت لنعيكَ عينُها

من الحزن وارفضَّت مدامعُها حمرا

بكتكَ فجارت جود كفّيك إذ جرت

بدمعٍ تعدّى القطرَ إذ ساجل القطرا

ألا إنَّ روضَ المكرمات برغمها

ذوى بعدما قد كان غضَّ الحيا نضرا

وتلك قناةُ العزِّ طارت بكفّه

شظايا إلى أن كلّها نفدت كسرا

فيا موحشاً نادى النهى برحيله

ويا تاركاً عين الندى أسفاً عبرى

ليومك جرحٌ في حشا المجد لم يجد

معالجُه طولَ الزمان له سبرا


أصاب الردى لمّا أصابك مقتلا

من الحسب السامي به قتل الصبرا

وغادر أفقَ المجدِ أغبر قائما

بحثو الثرى لمّا توسَّد في الغبرا

لمَنْ بعدك الفيحاءُ تذخر دمعَها

وقد كنت عند النائبات لها ذخرا؟

حرامٌ بأن يُهدي بها عاطرُ الثنا

فبعد عروس سائرُ الدهر لا عطرا

بلى فلتكن في النوح (خنساء) عصرها

وإن جلَّ عن صخرٍ (سليمانها) قدرا

قفا ناشداها أين بان عميدُها

وهل بعده حامٍ تسدُّ به ثغرا؟

غدت بين ذؤبان الخطوب فريسةً

بها كيف شاءت تنشب الناب والظفرا؟

مضى ابنُ جلاها لا ومثواه لا ترى

من القوم منْ يجلو دجى همّها الدهرا

أمرَّ (1) لديها العيشُ بعد افتقاده

وكان حلا فيه لأبنائها عصرا؟

فعذراً إذا إن تشتك اليتمَ بعده

فقد فقدتْ منه أباً لم يزل برّا

برغم أخيه الجود ودّع شخصه

وعاد إلى لقياه ينتظر الحشرا

ففي القلب منه كلّما مرَّ خاطرٌ

تذكّر محزوناً وأنّى له الذكرى

فتىً شدَّ أزرَ المجد فيه أطايبٌ

على عفّةٍ منذ ارتدّوا شدوَّا الأزرا

كرامٌ على أولي الزمان رحابُهم

لمنتجعي معروفهم لم تزل خُضرا

لهم شرفُ البيت القديم ووفدُهم

يحيّون فيه منهم البدرَ فالبدرا

ثلمن المنايا عزَّهم (بمحمدٍ)

فشلَّت يدٌ فيها تناولنه قسرا

فتىٍ كان سيفاً فاصلاً في يد العُلى

يقدُّ ولو لاقى ضريبته الدهرا

وكان لها في نحرها عقد سؤددٍ

فلو شعرت يوماً به باهت الشعرى

ترى هل دري ناعيه أن نعيَّه

من الشرف الوضّاح قد قصم الظهرا؟

وحرَّ به قلب النهى فكأنّما

سرى بين أضلاع النهى نعيُه جمرا

فيا حامليه هل علمتم بأنّكم

حملتم على أعواده النهىَ والأمرا؟

ويا دافنيه في الثرى هل علمتمُ

بأنّكمُ واريتمُ في الثرى بحرا؟

____________________

1 - صار مرّاً.


لقد كان إن جن الدجى ليلَ حادثٍ

يشقُّ لها من نور طلعته فجرا

أغرُّ إذا ما قطَّب العامُ مجدبا

تبسَّم فيه للندى وجلاً ثغرا

وإن قبضت يمنى الكرام بنانَها

مخافة إعسارٍ به بسط اليسرى

ضحوك المحيا بُوركت منه طلعةٌ

تشعُّ لو استقطرتها قطرت بشرى

إذا ما نشرنا في المجالس ذكرَه

تأرَّج في الدنيا فطبَّقها نشرا

لئن غاب فهو البدر موفٍ فقد مضى

وأعقب في أفق العُلى أنجماً زهرا

وما مخدرٌ أخلى الردى منه غابه

إذا منعت أشباله بعده الخدرا

غطارفةٌ غرُّ المساعي تقيّلوا

أباً فأباً كانوا غطارفةً غَرّا

إذا فوخروا يوماً أتوا بأبيهم

وعدُّوا مزاياهم فقيل كفى فخرا

بحارٌ ولكنْ في يدي كلّ واحدٍ

نشأن لمرتاد النهى أبحرٌ عشرا

لقد عذبوا بين الأنام خلائقا

ترشّفها حتى انتشى كلّهم سكرا

مناجيبُ قد أفنى التراثَ على الندى

أبوهم وأبقى في العُلى لهم الذكرى

مضى مَنْ نضت أمُّ الفخار حدادَها

عليه ولم تمسح مفارقها الغبرا

وقد أودعت شطراً بلحد (محمدٍ)

ولحد (سليمانٍ) به أودعت شطرا

فلا يشمت الحسّادُ في موت ماجدٍ

قضى حين وافته الملائكُ بالبشرى

فهذا عليُّ القدر قام من العُلى

مقامَ (سليمانٍ) فزيدت به فخرا

خضمُّ ندىً ما البحرُ يطفح موجه

بأغزر لجاً من بنانته الصغرى

وهضبة حلمٍ لو وزنت به الورى

وجدتهم في جنبه كلَّهم ذرّا

وراءكم يا حاسديه مكانه

بأندية العليا فإنَّ له الصدرا

وكم موكبٍ للفخر ضمكُم معا

فكنتم بغاثاً وهو كان به صقرا

أخو أخوةٍ في المكرمات جميعهم

أتوا شرَعاً فاستغرقوا الحمد والشكرا

عليُّهم في المجد محسنُهم بدا

ومحسنهم منسيُّهم نائلاً غمرا

بني الحلم أنتم أرسخُ الناس هضبةً

وأرحبهم في كلّ نازلةٍ صدرا


نقول لكم صبراً ونعلم أنّكم

أجلُّ ولكنْ عادةٌ قولنا صبرا

لكم ختم اللهُ الرزايا بهذه

فلا طرقت أبياتكم بعدها أخرى

وقال راثياً عبد اللّه بن شبيب البغدادي، ومعزِّياً أخاه محمداً:

يا رواق العُلى فقدت وقورا

ألف الحلمَ واصطفاه سميرا

فيك قد أسكت الردى منه فحلا

طالما قد ملا النديَّ هديرا

وأرانا الفتورَ في جفن صلٍّ

حين أرخى الجفونَ منه فتورا

إنّما أنت غابُ عزٍّ أصابت

أسهمُ الحتف منك ليثاً هصورا

قد تخلّى سرادقُ المجد ممّن

تخذ العزَّ حاجباً وخفيرا

قبروا منه في الصعيد أخا السيـ

يف لساناً عضباً وعزماً طريرا

وغداً ينشرون منه مزايا

كلُّ نادٍ بها يضوع عبيرا

يا لها عثرة جنتْها الليالي

عاد جدُّ الفيحاء فيها عثورا

نكبةٌ صغَّرت جميع َالرزايا

كان ذنب الزمان فيها كبيرا

قلْ لفيحاء بابلٍ كابديها

لوعةً في القلوب تبقى دهورا

وأطيلي العويلَ حزناً على مَنْ

ردَّ باعَ الأيام عنك قصيرا

كان فيه بك الهجيرُ أصيلا

فأعيدي له الأصيلَ هجيرا

بزفيرٍ يُحمى به التربُ حتى

تطأ التربُ من لظاه سعيرا

يا دفيناً على ثراه المعالي

تركت قلبها يكوس عقيرا

وسّدوا خدَّك الكريم بلحدٍ

عاد في طيبه ثراه عطيرا

حقَّ لي فيكَ أن أعزِّي القصورا

وأهنّي‌ بك الثرى والقبورا

هذه أظلمتْ لفقدك حزنا

وغدت تلك فيك تشرق نورا

قد عددناك في الجبال ولكن

لم نخل قبل سيرها أن تسيرا

بك لم يرفعوا سريرَك إلاّ

ولك الحورُ قد نصبن السريرا


لم أخل قبل أن أراك دفينا

إنّ ملحودةً توارى ثبيرا

إن تفرغت للبلى فلعمري

من أعاديك قد ملأت الصدورا

أو طواك الردى فذكرك باقٍ

ليس ينفكُّ طيباً منشورا

لك لولا (محمدٌ) أيُّ ثلمٍ

في العُلى سدُّه يكون عسيرا

قطبُ مجدٍ كفاه إنَّ رحى الحمد

على غير قطبها لن تدورا

كم جلا للعيون طلعة وجدٍ

طبعت في السما الهلالَ المنيرا

أسر الحلمُ نفسه وسواه

لهوى النفس لا يزال أسيرا

ماجدٌ ينقل المكارمَ لكنْ

وارث لا كغيره مستعيرا

فهو يروي مرشحاً لبنيه

عن أبيه حديثها المأثورا

ألمعيُّ بغوره سبر الدهـ

رَ وما كان غورُه مسبورا

ولكم راض صعبةً لو سواه

راضها رأيه لزادت نفورا

حلَّ داراً للمجد لم تلد العلياءُ

فيها إلاّ الأبيَّ الغيورا

لكِ يا دار ما وجدنا نظيرا

زدتِ فضلاً على الديار كثيرا

شادكِ الماجدُ الأغرُّ (شبيبٌ)

للمعالي وفيك أسنى الحبورا

وبك استودع النهى من بنيه

أرحب الناس في الخطوب صدورا

فأخرى الزهرَ كلَّها بوجوهٍ

زهرت في العُلى فكانت بدورا

واستطيلي على الأثير بقومٍ

شرفاً صيَّروا ثراك الأثيرا

معشرٌ كلُّهم عرانين مجدٍ

ينشر الحيُّ منهم المقبورا

فلهم من (محمدٍ) شمسُ فخرٍ

كلّما استحجبت تزيد سفورا

يا قريع الزمان عزماً وحزما

وذكا المجد بهجةً وسفورا


وقال راثياً أحدهم وقد سأله بعض الأشراف:‍

أأحبابنا هل عائد بكم الدهرُ

طواكم وعندي من شمائلكم نشرُ؟

سلامٌ على تلك المحاسن إنّها

مضت فمضى في إثرها الزمن النضرُ

لعمري لئن قد أقفر الجزعُ منكم

فربع الأسى من بعدكم طللٌ قفرُ

أشاق إليكم كلّما عنَّ بارقٌ

وآيةُ شوقي أنَّ دمعي له قطرُ

ولا أنشق الأرواحَ إلاّ غلالة

لتبردَ أحشائي وهل يبرد الجمرُ؟

وكنت أعدُّ الهجرَ لا شي‌ء فوقه

إلى أن أتى ما هان من دونه الهجرُ

فأصبحت لا أعلامُ سلع تشوقني

ولا يتصبّاني بها ما حوى خدرُ

وكيف وفقدان الشباب فقدتكم؟

وتلك حياةٌ لا يُحبُّ لها عمرُ

ولما تجاذبناكمُ أنا والردى

رجعت برغمي عنكم ويدي صفرُ

وكم منكم من واضح الوجه أدرجتْ

له صورةٌ في البُرد لم يحكها البدرُ

وكافورةٍ للحسن أضحت بزعمهم

تعطَّر بالكافور وهي له عطرُ

لي اللهُ بعد اليوم من لي بقربكم

وأبعدُ غادٍ مَنْ أتى دونه القبرُ

قفوا زوِّدونا إنّما هي ساعةٌ

ووعد التلاقي بيننا بعده الحشرُ

رحلتم وقلبي شطرُه في ظعونكم

وللوجد باقٍ منه في أضلعي شطرُ

وشيَّعتكم والدمع يومَ نواكم

غريقان فيه خلفكم أنا والصبرُ

وأعهدُ خصراً يشتكي ثقلَ ردفه

فوا رحمتا تحت الرشا (1) لك يا خصرُ

ولمّا وقفنا للفراق وقُرِّبت

حمولةُ بينٍ لا يكلُّ لها ظهرُ

ربطت بكفيَّ الضلوع على حشا

تكاد خفوقاً أن يطيرَ بها الذعرُ

كأنَّ نياط القلب شدَّت حمولكم

به، وبكم عنّي مذ انفصل السفرُ

فكم خلفكم لي أنّةٌ ما لوت بكم

على أنّها قد لان شجواً لها الصخرُ

سأبكيكم ما ناح في الوكر طائرٌ

فطائرُ قلبي بعدكم ما له وكرُ

____________________

1 - هكذا وجد بالأصل، والبيت لم يثبت في المطبوع.


وقال راثياً الشيخ محسن مصبِّح، ومعزّياً ولده الشاعر الشيخ حسن (1) مصبّح:‍

بكيت لمحمولٍ إلى القبر في نعشٍ

سرى حاملوه في الثرى وهو في العرشِ

نعاكَ لي الناعي فقلت حشاشتي

عليها انطوت أنياب أفعى من الرقشِ

وقد كنت أرجو أن أهنِّيك بالشفا

فأصبحت أنشي في رثائك ما أنشي

وما خلتُ أنّ الدهر فيك مخاتلي

يراصدني سرّاً بغائلة البطشِ

إلى أن رأت عيني سريرَك والعُلى

على إثره تكلى وتعلن بالجهشِ

فلم أرَ لي من حيلة غير أنّني

نظرتُ إليه مذ نأى نظر المغشي

كأنّ الذي بالأفق نعشُك سائرا

وطرفي السهى والحاملون بنو نعشِ

مشت خلفك التقوى تشيّعُ روحها

ومن غير روح مَنْ رأى ميتاً يمشي

بكتك وظفرُ الوجد يخدش قلبها

فمدمعها المحمرُّ من ذلك الخدشِ

لئن كنتَ فيما تبصر العينُ ثاويا

بدار البلى في ذلك الجدث الوحشِ

فإنّك عند الله حيُّ منعَّمٌ

لديه على تلك النمارق والفرشِ

ولولا ابنُك الزاكي لأدمي تأسّفا

عليك التقى كفّيه بالعضِّ والنهشِ

ولكن رأى والحمد للّه باقيا

له (حسنٌ) فاختار ما اختار ذو العرشِ

فتىً حنيت منه على قلب خاشعٍ

جوانحُ ذي نسكٍ سلمن من الغشِّ

فما ينطق الفحشاءَ مذودُ فضله

ولا سمعُ تقواه يعي قولة الفحشِ

تعاهد غيثُ العفو مرقد (محسنٍ)

يبلُّ ثرىً واراه رشاً على رشِّ

____________________

1 - هو الشيخ حسن بن محسن بن حسين الشهير بمصبّح الخلّي، من مشاهير شعراء عصره، ولد في الحلّة عام 1246 هـ، وتوفّي بها عام 1317ه‍‍ـ. ترجمت له في كتابي شعراء الحلّة 1 / 288 - 320، ط 1، و350 - 403، ط 2.


وقال راثياً الحجّة الأكبر الشيخ مرتضى الأنصاري (1) ، ومعزّياً العلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

مَنْ حطَّ هضبتك الرفيعه

وأباح حوزتك المنيعه؟

وطواك والتقوى بقبرٍ

ضمَّ جسمك والشريعه

وأعاد ملَّة (أحمدٍ)

ثكلى وذات حشاً وجيعه

تنعاك واضعةٌ على

ظهرٍ أجبَّ يداً قطيعه

يا راحلاً بالعلم تنـ

قله عن الدنيا جميعه

وموسَّداً في تربةٍ

بات الصلاحُ بها ضجيعه

كنت الذريعة للهدى

واليوم بعدك لا ذريعه

إنّ الورى في فترةٍ

عمياء ليس لها طليعه

ترتاد مثلكَ سابقا

بين الحسيرة والضليعه

ما كان أحوجها لطبّك

أيّها الراقي اللسيعه

فاذهب فلم تصلحْ لمثـ

لكَ هذه الدنيا الخدوعه

فلها دخلتَ وأنت محمو

دُ السجيّة والطبيعه

وصحبتها بجوارحٍ

عصمت لخالقها مطيعه

وخرجت منها طاهر الـ

أبراد مشكور الصنيعه

فلتبك مفقدكَ الورى

يا نيّراً فقدت طلوعه

ولنستر الهلاكُ خلَّـ

تها ولا تشكو القطيعه

____________________

1 - هو العلّم الجهبذ، الشيخ مرتضى بن محمد أمين بن مرتضى بن شمس الدين الأنصاري، أشهر مشاهير فقهاء عصره، وإليه انتهت رئاسة الدين، ورجع إليه الملايين من المسلمين. وكان مضرب المثل في الزهد والورع، والتقى ومعرفة اللّه (عزّ وجلّ). ولد عام 1214 هـ، وتوفّي 18 جمادي الثانية 1281 هـ، ورثاه الكثير من شعراء عصره، ومنهم الشيخ أحمد بن صالح البحراني، والشيخ صالح الكوّاز، والشيخ علي الجاسم الحلّي، والشيخ محمد الملاّ الحلّي.


قد فاتها العينُ البصير

ةُ منك والأُذن السميعه

كانت ترى بك من أما

مك غرَّ أوصافٍ بديعه

قد راض نفسك زهدُه

فغدت بقرصيه قنوعه

وبلبس طمريه اكتفت

فاستشعرت بهما خشوعه

وصنعتَ إذ كنت الأمين

على الحقوق بها صنيعه

ورأيتَ فيها رأيه

لما لديك غدت وديعه

فلذا بها ساويتَ عا

لية النفوس مع الوضيعه

والآن قد ضاقت لرزئـ

ك في الورى الأرض الوسيعه

عادت كيوم وفاته

لك ذات أحشاءٍ صديعه

هذي الفجيعةُ جددتْ

أحزانها تلك الفجيعه

خفض عليك أخا العزاء

وسكّن النفسَ الجزوعه

فالدينُ (بالمهديِّ) كفـ

كف في تسليّه دموعه

هذا إمامُ العصر مفزع

كلِّ ذي كبدٍ مروعه

هو صارعُ الأعداء نا

عش كلّ ذي نفسٍ صريعه

إنْ تدعُه لملمَّةٍ

جاءت كفايتُه سريعه

فتراه يكتمه ويأبى اللّـ

هُ إلاّ أن يذيعه

يا مَنْ يساميه وراءك

عن معاليه الرفيعه

أتعبت نفسك في تكلـ

ف ما الذي لن تستطيعه

مولىً هو البحرُ المحيط

بكلّ مكرمةٍ بديعه

نشأت بنوه سحائبا

أضحت بها الدنيا مريعه

فإذا ثرى الأرض اقشعـ

رَّ أديمه كانوا ربيعه

ولدتهمُ أمُّ الفخار

بدارة الحسب الرفيعه

(نسبٌ عقدن أصوله

بذوائب العليا فروعه)


يا أيّها الخلفُ المشيّد

للهدى فينا ربوعه

والمستجار بركنه

في كلِّ نازلةٍ فظيعه

فلأنت بعد (المرتضى)

نعم البقيّة للشريعه

وحدا نسيمُ العفو سا

جمُ غيثه فمري ضروعه

وسقى ثرى جدثٍ أقا

م مجاوراً فيه شفيعه

وقال راثياً الشيخ علي العذاري (1) ، ومعزّياً أولاده، والعلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

درى لا درى دهرٌ ذممنا طباعَه

لأيّ حمىً يا راعه اللهُ راعَه

وأيّ عليٍّ ساق للنزع نفسَه

لقد كابدت نفسُ المعاني نزاعه

وأُدرجت التقوى بأثناء بردِه

وأزمع خيرُ الأرض عنها زماعه

مضت ليلةُ الاثنين عنه بواحدٍ

له في النهى مرأىً يفوق سماعه

تفرق شملُ الصبر ساعة بينه

وأقبل شملُ الهمِّ يبدي اجتماعه

طوى يومُه بشرَ الزمان بهاءه

بشاشتَه إبهاجه والتماعه

وغادره ما عاش ينشر رزءه

جديداً فيبكي ثكله وانتجاعه

أصاح بماذا يملك الجلدُ جفنه

على الدمع أو ينهي الحليمُ التياعه

ويطرد في أيِّ الرقى ماردَ الجوى

ويحوي لديغ الهمِّ فيها شجاعه

وكيف وأنّى والتماسَك والذي

به يشتكي كلُّ أجدّ وداعه؟

سل (الحلّة الفيحاء) عن عقد نحرها

أتعلم منها الدهرُ أين أضاعه؟

نعم سامه فابتاعه الموتُ بالجوى

ويا ربحها لو تستطيعُ ارتجاعه

مغمّضه مهلاً أتحفظ للتقى

بكفّيك جفناً ما أعفَّ ارتفاعه؟

____________________

1 - هو الشيخ علي بن حسين بن عبد اللّه بن الكاظم بن علي بن تريبان الشهير بالعذاري، عالم أديب، وشاعر رقيق، ولد بالحلّة عام 1200 هـ، وتوفّي بها في 26 ذي الحجّة عام 1281 هـ. ترجمت له في كتابي شعراء الحلّة 4 / 221 - 227.


وغاسله رفقاً فمن جسد العُلى

تقلبُ جسماً ما أشقَّ انتزاعه

ورادَعه طيباً ألست بناشقٍ

على جسمه طيبَ التقى ورداعه

وحامله في النعش دونك فاحتمل

به النسكَ إنّ النسكَ كان متاعه

ومضجعَه في لحده أضجع التقى

به فهو يهوي مع أخيه اضطجاعه

وباكيَه لا تبكي بالدمع وحده

بلى بدم الأحشاء مدّ اندفاعه

وراثيَه إنَّ الكلام لضائقٌ

بعظم الجوى بل لا يضيق استماعه

نعم إن غدت منه خلاً فهذه

بقيته في المجد تعلو يفاعه

بهمّته تسمو إلى شرف العُلى

وتبسط في كسب المعالي ذراعه

مضى وهو البدرُ المنير وأنجموا (1)

بأبراجه شهباً كساها شعاعه

أطايبُ قد حلُّوا من العزِّ ربعه

فعطَّر طيبُ الفخر منهم بقاعه

فصبراً بني التقوى وإن كان رزؤكم

عرى الدهرُ منه ما أراع ذراعه

لنا ولكم حسنُ العزا عن أبيكم

بخير أبٍ سرَّ الندى قد أذاعه

هو الخلف المهديُّ مَنْ في جبينه

بدا للهدى نوراً يزين التماعه

ولم تتبعْ في الاقتداء به الهدى

بل أوجب اللهُ العظيم اتّباعه

أبو سادةٍ لو حلَّق النسرُ طائرا

لنيل ذرى عليائهم ما استطاعه

(فجعفرُ) فضلٌ صالحٌ و(محمدٌ)

(حسينٌ) حبا (المهديَّ) كلُّ طباعه

فروعُ فخارٍ رشحتّها أصولها

لمجدٍ تمّنى المجدُ منه ارتفاعه

لهم حسبٌ لو كايلوه (2) بنو العُلى

بأحسابهم فخراً لما كِلنَ صاعه

أبا صالحٍ كم مبهماتٍ جلوتها

وملتبسٍ منها كشفتَ قناعه

سنا البدر (3) قد أطفا سناك شعاعه

ونورك ذا فيه رأينا انطباعه

هل المجدُ إلاّ ما رفعتَ عماده

أو الجودُ إلاّ ما تجيد اصطناعه؟

____________________

1 - هكذا جاء بالأصل.

2 - كذا في المخطوط والمطبوع، وقد جاء على لغة أكلوني البارغيث.

3 - وفي نسخة: البرق.


وأعجب شيءٍ أن يطاول فاضلٌ

علاك ومنك الفترُ يفضلُ باعه

وكيف الفضا في عظم فخرك لم يطقْ

أفخرُك قد أعطى الفضاءَ اتّساعه؟

تُراجعُ أعطاء الكثير ولا كمن

إذا هو أعطى النزرَ ودَّ ارتجاعه

سلمتَ لدين الله ترأبُ صدعه

وتحفظ ما منه سواك أضاعه

ولا زلت غيث اللطف يمنح ضرعُه

ضريح (عليٍّ) درَّه ورضاعه

وقال راثياً العلاّمة ميرزا جعفر القزويني، ومعزّياً أباه العلاّمة السيد مهدي القزويني:‍

قد خططنا للمعالي مضجعا

ودفنّا الدينَ والدنيا معا

وعقدنا للمساعي مأتما

ونعينا الفخر فيه أجمعا

آه ماذا وارت الأرضُ التي

رمقُ العالم فيها أُودعا

وارت الشخصَ الذي في حمله

نحنُ والأملاك سرنا شرعا

صاحب النعش الذي قد رُفعت

بركاتُ الأرض لمّا رفعا

ملكٌ حيا وميتاً قد أبى

قدرُه إلاّ الرواقَ الأرفعا

إنْ تسلني كيف من ذاك الحمى

فيه زاحمن العرينَ المسبعا

فبه أدنى إليه شبله

أسدَ الله وحيِّا ودعا

فأسلناها على إنسانها

حدقاً وهي تسمّى أدمعا

وبللنا تربة القبر الذي

دفنوا فيه التقى والورعا

وعقرناها حشاً فوق حشا

يتساقطن عليه قطعا

ونضحناها ولكن مهجا

صنع الوجدُ بها ما صنعا

فعلى ماذا نشدُّ الأضلعا

كذبَ القائلُ قلبي رجعا

وحللنا عقدة الصبر أسىً

وعلى الوجد شددنا الأضلعا

ورجعنا لا رجعنا وبنا

رمقٌ ممسكه ما رجعا


يا ابن ودّي إنَّ عندي فورةً

تملأ الجنبين كيف اتّسعا

فإلى مكة لي إنَّ بها

منتدى الحيِّ المعزِّى أجمعا

إبتدرها واعتمد بطحاءها

إنّها كانت لفهرٍ مجمعا

قف بها وانعَ قريشاً كلَّها

فقريشُ اليوم قد ماتوا معا

وتعمَّد شيبة الحمد وخذ

نفثةً تحطمُ منها الأضلعا

قلْ له: إن متَّ قدماً وجعا

فمت الآن بنعيٍ جزعا

صدعت بيضتكم قارعةٌ

كبدُ الوحيِ عليها انصدعا

زال درعُ الهاشميين الذي

بردائيْ حسبيه ادَّرعا

وانطوى عزُّ نزار كلِّها

بمصابٍ سامها أن تخضعا

ما فقدتُ اليوم إلاّ جبلا

نحوه يلجأ مَنْ قد روِّعا

كان أرسى زمناً لكن على

مهج الأعداء ثمّ اقتلعا

شهرت أيدي المنايا سيفها

فاستعاذ الدهرُ منها فزعا

وحمى عن أنفه في كفّه

فإذا الأقطعُ يحمى الأجدعا

قرعت سمعَ الهدى واعيةٌ

أبداً في مثلها ما قُرعا

لو رأت ما غاب عينٌ لرأت

عيننا جبريلَ يُدمي الأصبعا

قائلاً: حسبُك ملْ عن هاشمٍ

وعلى الفيحاء عرِّج مسرعا

إنّها منعقدُ النادي الذي

قد حوى ذاك الجناب الأمنعا

قف بها وقفة عانٍ ممسكا

كبداً طاحت بكفٍّ قطعا

وأنخ راحلة الوجد وقل:

لستِ يا أربعُ تلك الأربعا

إنّما كنت على الدهر حمىً

لم تجدْ فيك الليالي مطمعا

بعليم فيك قد أحيا الهدى

ومليكٍ قد أمات البدعا

فالعمى والجورُ عنك افترقا

والجدا والعدل فيك اجتمعا

بأبِ الرشد إذا ضلَّ الورى

وأخي الجلّى إذا الداعي دعا


قد لعمري راعك الخطبُ بمَنْ

كان في الخطب الكميَّ الأروعا

جدَّ ناعيه فقلنا هازلٌ

ليس يدري كنه مَنْ كان نعى

فدعا لمّا أبى تلك التي

طارت الأحشاء منها جزعا

قد بكى الغيثُ أخاه قبلكم

فانضحوا الأكبادَ منكم أدمعا

رحل (الصادقُ) منكم (جعفرٌ)

وبه الإسلامُ قسراً فُجعا

فإلى أين وهل من مذهبٍ

كابدوها غلةٍ لن تنقعا؟

يا (أبا موسى) أصخ لي سامعا

وبرغمي اليوم أن لا تسمعا

بل كفاني لوعةً أنّي أرى

منك أخلى الموتُ هذا الموضعا

أو ما عندك في نادي العُلى

لم تزل تحلو القوافي موقعا؟

أين ذاك الوجهُ ما حيّيته؟

بطريف المدح إلاّ التمعا

أين ذاك الكفُّ تندى كرما؟

كلّما جفَّ الحيا أو منعا

هاكِ يا أفعى الليالي كبدي

فانهشي منها بنابيْك معا

مات من يثنيك يا نضناضةً

ترشحين الموت سمّاً منقعا

واقشعرّي أيّها الأرضُ بنا

فغمامُ الجود عنّا انقشعا

وطرافَ المجد قوِّض زائلا

فعمادُ المجد منك انتزعا

عثر الدهرُ فقولا لا لعا

فخذا باللوم منه أو دعا

فلقد جاء بها قاصمةً

خلعت صلبَ العلى فانخلعا

انتهت كلُ الرزايا عندها

فتعدّى العذلُ والعذر معا

أدرى أيّ صفاتٍ قرعا

أم درى أيَّ قناةٍ صدعا؟

فاستحالت مقلةُ الدين قذا

طبنه (المهديُّ) حتى هجعا

إنّما (المهديُّ) فينا آيةٌ

بهر الخالقَ فيما ابتدعا

لم يزعزعْ حلمه الخطبُ الذي

لو به يقرع رضوى زعزعا

ملكَ الأجفانَ لكن قلبُه

والجوى خلف الضلوع اصطرعا


أيّها الحاملُ أعباء العُلى

ناهضاً في ثقلها مضطلعا

مقتدى الأمَّة أنتم ولهم

بكم دينُ التأسّي شرعا

يتداوى برقى أحلامكم

مَنْ بأفعى رزئه قد لُسعا

قد نشأتم في بيوتٍ لكم

أذن اللهُ بها أن تُرفعا

لا أرى الفيحاءَ إلاّ غابةً

سبعٌ يخلفُ فيها سبعا

إن مضى عنها (أبو موسى) فها

(بأبي الهادي) إليها رجعا

من سراجٍ في سراجٍ بدلٌ

انطفى ذاك وهذا سطعا

ماجدٌ يبسط كفّاً لم تزلْ

لمَنْ ارتاد الندى منتجعا

ذو عُلاً ما نالها العقلُ ولا

طائرُ الوهم عليها وقعا

سيِّدٌ قال له المجدُ ارتفع

حيث لا تلقى السهى مرتفعا

وحّد القول له لكنَّه

(بأبي القاسم) ثنّى متبعا

فجرى في إثره مرتفعا

يركب الجوزاءَ ظهراً طيّعا

وسنا المجد الذي في وجهه

ذاك في وجه الحسين التمعا

سادتي عفواً دهتني صدمةٌ

أفحمت منّي الخطيبَ المصقعا

لم أخل ينعى لساني (1) جعفرا

وبودّي قبل ذا لو قُطعا

وقال راثياً بعض الأكابر:

فزع النعيُّ بصوته سمعى

فحنى على جمر الجوى ضلعي

صدع الحشا منّي غداة غدا

ينعي كريمَ الأصلِ والفرعِ

مهديُّ أهل الفخر أشرفها

في النفس والأخلاق والطبعِ

يا نكبةً ما كان أفدحها

طرقتْ فضاق بهولها ذرعي

شغلتْ لها عيني بمدمعها

وحشاشتي بلواعج الفجعِ

____________________

1 - وفي نسخة: لسان.


فإذا رسمتُ كتابَ تعزيةٍ

لكم محته بوادرُ الدمعِ

وقال راثياً كريمة العلاّمة السيد مهدي القزويني، ومعزّياً أباها وإخوتها الكرام:

ما لهم يا قبرُ قد جدُّوا انصرافا

بعدما قد دفنوا فيك العفافا

وحثوا منك على عين العُلى

تربةً تستافها الحورُ استيافا

نفضوا تربك والصبرَ معا

عن يدٍ تمسكُ أكباداً لهافا

وردوا أمس ثقالاً بالجوى

فبماذا صدروا اليوم خفافا؟

هل أعادوا معهم ما أخذوا

من حشاشات تبقّوها لهافا

لا ومَنْ قد طهَّر الماءَ بها

مذ لها مطلقه كان مضافا

والتي راحَ الحيا ملتحفا

معها طاهرَ برديها التحافا

بل أعادوا جمرة الوجد إلى

أضلعِ باتت عليها تتجافى

حجب القبرُ ابنة الوحي التي

شرف الذكر بعلياها أنافا

من كريماتٍ على الله لها

ضرب العصمة خدراً وسجافا

لم تلد إلاّ الذي يسقي كلا

ما تحي سجليه (1) شهداً وذعافا

والتي ما مدَّت العليا على

مثلها يوماً لتخدير طرافا

صاح هل تعلمُ لمّا أفردت

وامتلى القبرُ ضجيجاً وهتافا

أبذاك الترب واروا فاطما

أم إليها العالمُ القدسيُ وافى

ونعم فيه توارت شعبةٌ

من حشاها اختُطفت منها اختطافا

ساقها الحتفُ ولكن بعدما

شقّ من صدر الهدى عنها الشغافا

وعليها مسح الوجدُ ضحىً

مقلةً عمياء لا تدري الجفافا

أوحشت من أمِّ شبلٍ غابةً

لو بها مرَّ أبو شبلٍ لخافا

____________________

1 - الامتياح: إخراج الماء من البئر، والسجل: الدلو، أو ما تحمله من الماء.


كعبة التخدير إلاّ أنّها

خلقت للملأ الأعلى مطافا

دارُ قدسٍ أودع اللّهُ بها

خيرَ أهل الأرض نسكاً وعفافا

قل لمَنْ رام انحرافاً عنهم

ضلَّ منْ يبغي عن الحق انحرافا

سادةٌ للرشد في مهديِّهم

جعل اللهُ من الغيِّ انتصافا

كلُّهم أبحرُ علمٍ طفحت

فاغترف من أيِّهم شئتَ اغترافا

فضلوا الخلقَ أكفّاً سحبا

رفع المحلَ وأخلاقاً سلافا

أسكرتْ في حبّهم حتى العدى

فهي الصهباء لطفاً وارتشافا

كرماءٌ لقِرى أضيافهم

ينحرون البدرَ لا البدنَ العجافا

آمنوا في الله مَنْ آمنه

وأخافوا مَنْ له اللّهُ أخافا

يا ذوي الحلم وفيكم رقةٌ

فقتم فيها حنوّا وانعطافا

إنّما هزَّت قنا صبركُم

نكبةُ الدهر فزادتها ثقافا

وعلى زحف الليالي لا شكت

أبداً أبيات علياكم زحافا

وقال راثياً العلاّمة الميرزا صالح القزويني، ومعزّياً أخويه:‍

أفعى الأسى طرقت وغاب الراقي

فأنا اللديغُ وأدمعي درياقي

باتت تساورُ وهي غير ضئيلةٍ

حتى رشحن بسمِّها آماقي

لا راق نفسي العيشُ بعدك ليلةً

ضربت علىَّ بأسدف الأرواقِ

أثكلتنيها يا ثكلتك قلبها

غرراً أعزَّ عليَّ من أحداقي

فأعدت لي في فقد أطيب معرقٍ

في المجد مفقدَ طيّب الأعراقِ

ذهبا بأيامٍ خطرت مع الهوى

منها بمعلمة البرود رقاقِ

زمناً لبستُ حريرها ونضوتها

عن جدَّةٍ وأبيك لا الأخلاقِ

فلأندبن اليوم صالحَ عهدها

ولأبكين نفائسَ الأعلاقِ

ولأحلبنَّ من الشجون حشاشتي

دمعاً كمندفق الحيا المهراقِ


أمرقصاً دمعي وأخلاقي معا

بنشائد (الخنساء) لا (إسحاقِ)

فرّق بأقتلها مجامعَ أضلعي

إنَّ المكارم آذنتْ بفراقِ

قتلت أسيً لأغرَّ (1) لولا جودُه

قتل الزمان بنيه من إملاقِ

فأزل بنعيك في الورى رمق الورى

فالموتُ زال بممسك الأرماقِ

هذا (أبو حسنِ) استقلَّ مشيَّعا

لكن بنعشٍ لا متون عتاقِ

ومشت وراء سريره من هاشمٍ

غلبُ الرقاق خواضع الأعناقِ

متماسكين من الحياء تهافتت

قطعاً قلوبُهم من الإقلاقِ

يا راحلاً بالصبر حمَّل قومَه

عبثاً من الأرزاء غير مطاقِ

خرجتْ تمنّى لو بهاشم كلّها

خرجت وأنت لمجد قومك باقي

فلو افتدى بسواه غيرُك أو وقى

من حدَّ أسياف المنيَّة واقي

لوقتْك من دمها العفاةُ بما وقى

بوفاء ماء سماحك الرقراقِ

ولغيَّمت بالنقع دونك هاشمٌ

حتى تسدَّ مطالع الآفاقِ

وأتتك ترعد بالصواهل واغتدت

بالبيض تبرقُ أيَّما إبراقِ

ولأمطرتْ بدمٍ سقت شوك القنا

منه بأغزر وابلٍ دفّاقِ

ولقارعت عنك الردى وشعارها

أنا من أمرَّ اليوم طعمَ مذاقي

ولأقبلتْ بك يا عميدَ سراتها

والموت بين يديك رهنُ وثاق

وأظنّ أنّك والتكرّم شأنكم

كرماً تمنُّ عليه بالإطلاقِ

فيردن أفئدةٌ لهنَّ لظى الجوى

لم تبقِ باقيةً على الإحراقِ

لكن دُعيتَ وأيُّ خلقٍ لم يكن

ليجيب دعوة قاهرٍ خلاّقِ

فمضى الردى بك راغباً بطلاقها

دنيا تجدُّ تبعّلاً بطلاقِ

معشوقةٌ وهي الملالُ وإنّها

لعلى الملال كثيرة العشّاقِ

سارٍ على أيدٍ رفعن برفعها

منك البنان مفاتح الأرزاقِ

____________________

1 - في الديوان المطبوع: لأعز.


اعتقن من رقِّ الزمان كرامَه

فجمعن بين الرقِّ والإعتاقِ

ودعت وقد رفعت عقيرتها العُلى

الله أين بمثقل الأعناقِ

فبرغم أنفي اليوم حطَّك في الثرى (1)

مَنْ كنت أرفعه على الأحداقِ

فلو استطعتُ عن التراب رفعته

بالوضع بين ترائبٍ وتراقي

واهاً لتربة ذلك الجدث الذي

فيه دفنت (2) مكارم الأخلاقِ

مصت ندى تلك البنان فأعطشت

عودَ الرجاء وكان ذا إيراقِ

إيهاً صروف الدهر دونك في الورى أب

تدرى بلا فرقٍ ولا إشفاقِ

غطى التراب على قريعك وابرزي

في الناس كاشفةً لهم عن ساقِ

قدرٌ رمى شجرَ العلوم بمعطشٍ

فشكت أعاليه جفاف الساقِ

وذوى وزال عن القلوب لفقد مَنْ

قد كان بحراً والقلوبُ سواقي

سُلبتْ نضارته وغودر عن يدي

طلاّبه متساقطَ الأوراقِ

يا نازلاً غرف الجنان وناركَ الـ

صبَّ المشوق بقاتم الأعماقِ

وفدت عليك صلاةُ ربّك شائقا

منعت إليه وفادةَ المشتاقِ

فاذهب وحسبُك للعُلى (بمحمدٍ)

فعلاه لا يرقى إليها الراقي

عرجت به لسماء فضلك همّةٌ

قالت: أجلُّ من البراق براقي

هذا الذي ورث النبوَّة علمَها

ومن الإمامة حلّ أيَّ رواقِ

ولقد أقولُ لمَنْ بغاه بضغنه

أقصرْ فلستَ تناله بلحاقِ

عجباً طمعت بمَنْ يروضك عالما

إنَّ القلوب تراضُ بالإرفاقِ

لا تقرَّبن الصلَّ نضنض مطرقا

فالصلُّ سورته مع الإطراقِ

هو و(الحسينُ، كلاهما قمرا عُلا

في فتيةٍ هم أنجم الآفاقِ

من كلِّ نهاض العزائم حائزٍ

قصبَ الرهان بيوم كلّ سباقِ

خطبت لهم بكر العُلى وهم لها

جعلوا جميل الذكر خيرَ صداقِ

____________________

1 - في المطبوع: بالثرى.

2 - وفي نسخة: دفن.


فبنوا بخير عقيلةٍ ما راعها

صرفُ النوائب منهم بطلاقِ

لولاهم غدت القلوبُ كمضغةٍ

بلهى الخطوب تلاكُ بالأشداقِ

ولأطبقت ظلمُ الرزيَّة واختفى

ضوءُ السلوِّ بذلك الإطباقِ

فهم البدورُ تفاوتت بطلوعها

في المجد لا في التمِّ والإشراقِ

المجدُ أطلعها وقال معوّذا

لا نِيْلَ باهرُ مجدكم بمحاقِ

وقال راثياً العلاّمة الكبير السيد مهدي القزويني، ومعزّياً أولاده الكرام:‍

أرى الأرض قد مادتْ لأمرٍ يهولهُا

فهل طرقَ الدنيا فناءٌ يزيلُها؟

وأسمع رعداً قد تقصف في السما

لمَنْ زمرُ الأملاك قام عويلها؟

تأمَّل فأمّا الساعةُ اليوم فاجأت

وأمّا التي في العالمين عديلها

وإلاّ فما للدهر راع حشا الورى

بتقطيبه منها عراها ذهولها؟

بلى طرقتْ أختُ القيامة بغتةً

وتلك التي للحشر يبقى غليلها

لها صعدتْ بالحزن للعرش رنّةٌ

بأعلى بيوت الوحي كان نزولها

نحت في رواق المجد صدراً من العُلى

يروع ملوكَ الأرض فيه مؤولها

ومالت بأرسى هضبةٍ ما تصوَّرت

جحاجحُ فهرٍ أن ترى ما يميلها

فدىً لعميد الغالبيين كلّها

وأي فريدٍ لو فداه قبيلها

إذاً لافتدت طوداً لها ما تعلّقت

بقنته للكاشحين وعولها

فإنّ (معزّ الدين) مَنْ سُلَّ دونه

صوارمُ لا يخشى عليها فلولها

وقارع حتى كلُّ مضاء فكرةٍ

ثناه بحدِّ القول وهو كليلها

وراش نبالاً لم تفت مقتل العدى

وأقتلُ سهمٍ ما يريش نبيلها

وسدَّد من أقلامه السمر صعدةً

بصعداتها للسمر قصِّر طولها

فأدرك ما لا تدرك الشوسُ بالقنا

ونال بها ما لم تنله نصولها

أكالي‌ء ثغر الدين قد عثر الردى

بيومك لكن عثرةً لا نقيلها


لأرخى يميناً منك شدَّ قوى الهدى

وغمض عيناً بالحفاظ تجيلها

فمَنْ مخبري كيف انتحتك منيةٌ

بطرفك لو ترمي لعزَّ وصولها؟

أأنحلها خوفُ (1) التقحم إذ مشت

إليك فأخفاها عليك نحولها؟

أم اقتادك التسليمُ لله طائعا

وهل طاعةٌ إلاّ وأنت فعولها؟

ورزئك ما هذي الدموع وإن جرت

بماءٍ ولا هذي السيولُ سيولها

ولكن حشاشات على الشوق لم تزلْ

تذوب إلى أن جاءها ما يسيلها

سنبكيك ما ناح ابنُ ورقاء أعينٌ

بفضلك من حيث التفتنا نجيلها (2)

نرى لك آثار الغمامة لاطفت

ثرى الأرض حتى روَّضته هطولها

(أبا صالحٍ) ما العيش بعدك صالحا

لنفسٍ هواها عنك لا يستميلها

عفاءً على (الفيحاء) بعدك وحدها

وإن غال كلَّ الأرض بعدك غولها

لقد لبست فيك الجمال وإنّما

عليك تعرّى اليوم عنها جميلها

غدت ثاكلاً تشجي بنيها وطالما

زهت فاجتلتها كالعروس بعولها

نعاك لها ناعٍ إليك أطارها

بدهياء راعَ الخافقين حلولها

أتت لك تشكو اليتم فيك بأدمعٍ

لها صنتها دهراً فأضحت تذيلها

وشرفتها ميتاً بحملك ضعف ما

رأتك من التشريف حيّاً تنيلها

أصاحِ إلى جنبي قف اليوم ممسكا

عليَّ حشا حان الغداة رحيلها

فقد كنتُ قبل اليوم أعهد لي يدا

هي اليوم لا منّي فأنت بديلها

أزل بالنعيِ الراسيات فقد سرى

يخفُّ على أيدي الرجال ثقيلها

وما خفَّ لمّا أن تساوي بحمله

حقيرُ الورى فوق الثرى وجليلها

ولكن سرى الأملاك فيه يؤمهم

بتكبيره فوق السما جبرئيلها

وغبراء من حثو التراب قد احتبى

بقاتمها حزنُ الفلا وسهولها

____________________

1 - في المطبوع: هول.

2 - وردت في المطبوع والمخطوط: بخيلها، والأنسب ما ذكرناه.


مرت ماءها الأنفاسُ في صعداتها

فسالت وأسرابُ الدموع سيولها

تدانى بها منّا ابنُ نعيٍ يلوثها

على وجهه طوراً وطوراً يذيلها

فقمنا له نخفي الذي منه هالنا

وهل طلعةٌ للشرّ يخفي مهولها؟

وقلنا زعيم الطالبيين أحدقت

بجنب علاه شيبها وكهولها

قضى حجةً واستأنف السير فانبرت

تعطّف منه حول فحلٍ فحولها

وهذا بشيرٌ لو وهبنا نفوسنا

لقلت له والفضلُ منه قبولها

فلمّا ألمَّ استلَّها من لسانه

صفيحة نعيٍ كلُّ قلبٍ قتيلها

شكت عندها الأسماعُ وقراً أصمَّها

وما وقر الأسماع إلاّ صليلها

وقال امسحوها اليوم عمياء من جوىً

بشلاّء فيها لم يُكفكفْ همولها

فذاك على الأعواد سيدُ هاشمٍ

بجنب العُلى منه مسجى كفيلها

وذي هاشمٌ جاءت بأثقال همّها

ومهديّها محمولة لا حمولها

نضتها السرى أسيافَ مجدٍ صقيلةً

وعادت وفي قلب المعالي فلولها

مضت بأبٍ للمكرمات يؤمُها

وكان بأمّ النائبات قفولها

أما وسريرٍ تحته قد تزاحمت

فطاشت كما طاشت خطاها عقولها

لقد هالها الإقدام فيه لتربةٍ

على روحها بالراحتين تهيلها

فقد قبرت في اللحد واحد عصرها

وأقسم ما المقبورُ إلاّ قبيلها

تجللتها يا دهرُ سوداء فانطوت

عليك ليوم النشر تضفو ذيولها

حطمت بها قسراً عرانينَ هاشمٍ

فقدها تساوي صعبُها وذلولها

وقل لعوادي الحتف شأنك والردى

مضى الفضلُ والباقون منها فضولها

فما جولة عند الردى فوق هذه

فنخشاه يوماً في كريم يجولها

ويا رافعيه في الأكفّ نصبتمُ

بها علماً يشأى العُلى ويطولها

قفوا وانظروا كيف الورى لو تحاشدت

وضاق بأبناء السبيل سبيلها

تشيِّع نعشاً ليس تدري إمامها

إلى القبر محمولٌ به أم رسولها؟


فتىً طبَّق الدنيا علاءً وعمَّها

سخاءً وأبقى بعده من يعولها

كفى خلفاً منه بأشبال مجده

وهل تخلف الآساد إلاّ شبولها؟

مصابيحُ رشدٍ والمصابيح في الورى

يكون إليها ليس عنها عدولها

فشمسُ الهدى والأمر للّه إن تغبْ

وراع الورى شرقاً وغرباً أفولها (1)

فدونكها موروثةَ نبويَّةً

وخلفَك باغيها فللأسُد غيلها

إمامة حقٍ إن تكن أمس ودعت

أباها فعند اليوم ناب سليلها

ستعلم روادُ الشريعة إذ جرت

بسلسلٍ علمٍ فيك ما سلسبيلها

لقد سمعت بالوحيِ تنزيلَ آيها

وسوف ترى من فيك كيف نزولها

ألا إنّما (2) العليا قواعدُ سؤددٍ

لك اللهُ أرساها فمَنْ ذا يزيلها

ومجد قدامى الفخر مدَّ على الورى

سماءً لها عرض السماء وطولها

عفاةَ الورى لا يقعد اليأسُ فيكم

فأثقال أهل الأرض قام حمولها

أبلِّ بني فهرٍ لواشجةٍ حشا

إذا الشتوةُ الغبراء هبِّ بليلها

أتى باليد البيضاء تقطر نعمةً

وبالطلعة الغرّاء يبهى جميلها

لقد جاء في عصرٍ به عقر الندى

سوى مذقةٍ يعي الرجاءَ حصولها

فما هو إلاّ (صالحٌ) و(ثمودُه)

وبالجود إلاّ ناقةٌ وفصيلها

أنر يا (أبا الهادي) دجى كلِّ مشكل

فما شبهةٌ إلاّ وأنت مزيلها

وأمطر بناناً يا (محمدُ) في الورى

وقد روَّضوا حالاً توالت محولها

فأقسمُ لو لم ترو عاطشة المنى

لدبّ بأغصان الرجاء ذبولها

صنايع من عرفٍ لنا بك فخرها

وللناس مشكوراً لديك جزيلها

قد (3) اكتست الدنيا فتاهت بزهوها

خلائقَ أخلاقُ الرجال سمولها

إذا استبقت فهرٌ بفخرك في مدىً

غدت غررُ العليا لها وحجولها

____________________

1 - في المخطوط: أشرافها وأصيلها.

2 - في المخطوط: إنّها.

3 - وفي المطبوع: لك. ولعلّ الأنسب من الروايتين: بك.


وليس الخطاب الفصلُ إلاّ مقالة

لسانُ قريشٍ وهو أنت قؤولها

بك ارتاش عافيها وقرّ مروعها

وأُدنى قاصيها (1) وعزّ ذليلها

وما قصرتْ باعُ العُلى عن رزيّةٍ

رغت كرغاء المثقلات (2) نكولها

وذا (صالحُ) الدنيا وأنت كلاكما

تمدان منها و(الحسينُ) مطيلها

فتىً لا أقول الغيثُ يحكي بنانه

سماحاً لأن الغيثَ فيه عذولها

شمائله تحكي النسيمَ لطافةً

وأخلاقه الصهباء رقَّت شمولها

بني الغالبيين الذين أكفُّهم

تريك الغوادي الغرَّ كيف مخيلها

ألستم لقومٍ تملأ الأرض (3) رجفةً

إذا هي للهيجاء سار رعيلها؟

ضراغمُ تخشى رقدة الموت من غفا

إذا استيقظتْ للضرب يوماً نصولها

يطول نعيُ الثاكلات لقومها

إذا صهلت للطعن شوقاً خيولها

بهاليلُ أمّا هجرت يوم معركٍ

فتحت ظبات (4) المشرفيِّ مقيلها

لها الحربُ لم تبرحْ تقلِّل عدَّها

ويكثر في عين العدوّ قليلها

لكم صبرُها تحت السيوف وحلمها

إذا نوبُ الدهر أرجحنَّ جليلها

فما شيمةُ الحسّاد فيكم وليتها

عفت كعفوِّ المجد منها طلولها

وقدركم في الموت يعلو نباهةً

وما الموت كلُّ الموت إلاّ خمولها

ألا أنتم القوم الذين قبابُهم

على شهب الخضراء ترخى سدولها

فروع عُلاً لا يدرك الوهم طائرا

سوى إنّها فوق السماء أصولها

لها فوق أهل الأرض مجدٌ تكافأت

عمومتها في فخره وخؤولها

خذوها بني‌ العلياء (خنساء) عصرها

وإلاّ فبنت الدوح منْ (5) غليلها

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: وأدنى أقاصيها.

2 - في المخطوط: المشكلات.

3 - في المطبوع: الدهر.

4 - في المخطوط: طباق. والأنسب ما في المطبوع.

5 - في المطبوع: خرّ. ولعلّ الأنسب من الروايتين: حرّ أي: اشتدّ عطشها.


فلو أنّها ناحت لصخر أرتْكه

تفطّرُ ممّا قد شجاه هديلها

لها قربُ عهدٍ بالولادة لا تخل

أتى قبلُ أو من بعدُ يأتي مثيلها

تطول قوافي الشعر منها قصيدةٌ

(زهيرُ) بحوليّاته لا يطولها

ألا إنّما يبقى الهدى ببقائكم

فسؤلُ المعالي أن تدوم سؤولها (1)

وقال راثياً العلاّمة السيد ميرزا جعفر القزويني:‍

عودي بطرفك يا قريشُ كليلا

وبعزمك امتلأت ظباه فلولا

فعلى الرؤوس رفعت فخركِ ميّتا

ودفنتِ مجدك في الصعيد أثيلا

واهاً لكاهلك الأجبّ لقد شأى

وقراً على ظهر الزمان ثقيلا

خفَّتْ حلوم بني أبيك بساعةٍ

ذهبت بحامل ثقلها محمولا

بمقلّبٍ وسطَ الندىّ أناملا

لم تدرِ إلاّ الرفدَ والتقبيلا

نسيتْ به الأرزاء بل ذكرت به

رزَ (الحسين) غداة خرَّ قتيلا

رفعته والتكبير بالعشر التي

قتلوا بها التكبير والتهليلا

وقال راثياً ولده سليمان:‍

همومٌ نوى البرُ منها ارتحالا

فلا تبعث الداء إلاّ عضالا

وطفلُ الأسى لم يجدْ من رضاع

حشا حالب الفضل يوماً فصالا

عفاءً على الدهر من ناقصِ

على الكاملين تجنّى خبالا

أجال عليهم خيول الخطوب

ولو مثّلت لاستقالوا قبالا

ولو عرف الدهرُ قدر الكرام

لكفَّ غداتئذٍ ما أجالا

غزاني بملمومة النائبات

وعاد بإنسان عيني نفالا

فروَّع سمعي بصوت النعيّ

ورنَّق من صفو وردي سجالا

____________________

1 - كذا في الأصل والمطبوع.


فبتُّ وفي مقلتي عائرٌ

حمى جفنها بالكرى الاكتحالا

وقائلة ليس سمعي لها

وبعضُ المقال أراه محالا

أجدّك من عاتبٍ ما تزال

تذمُّ من الدهر هذي الخصالا

أقلْ عثرةَ الدهر أو لا تقل

فليس يبالي بأن لا يقالا

أتجزع للبين مستثقلا

وأنت حجى تستخف الجبالا؟

تماسكْ ولا تبتذل أدمعا

حماها وقارُك عن أن تذالا

فقلت وعيني أسىً تستهلُّ

كمحتفل الودق مرخى العزالا

أآمنة السرب كفّي الملامَ

ضلالاً لرأيكِ منّي ضلالا

فما نفحةٌ من رياض الصبا

لها أرجٌ للقلوب استمالا

بأطيب من تربةٍ ضمِّنتْ

على رغم أنفي منّي هلالا

نشدتكَ يا دهرُ ألاّ أعرتَ

مسامعك اليوم منّي مقالا

أعن سفهٍ منك للأكرمين

تركِّبُ غدركَ حالاً فحالا

وتزجى الخطوب ثقالاً لكي

لهم تستخفُ حلوماً ثقالا

وأنّى يزاول نملُ القرى

جبالَ شروري فتخشى زيالا؟

وتعجم يا دهرُ في ماضغيك

من عود علياهم ما استطالا

وهل زبرةٌ عضها أدردٌ

فآثر أو نال منها منالا

تعلّم لك السوء من ناقصِ

عدا طوره وتمنّى محالا

بأنّ الأماجد صبرٌ ولو

بدهتهم بالخطوب اغتيالا

وقال راثياً الشاعر الشيخ صالح الكوّاز (1) ، ومعزّياً السيد مهدي القزويني:‍

كلَ يومٍ يسومني الدهرُ ثكلا

ويريني الخطوبَ شكلاً فشكلا

وبصبري يجدُّ خلف حبيبٍ

منه طرفي لا القلب يخلو محلاّ

____________________

1 - ترجمت له في كتابي شعراء الحلّة 3 / 64 - 98.


أودع الأرض شخصه ثمّ أدعو

أين ركبُ المنون فيك استقلاّ؟

يا عذولَي صبابتي علمّاني

كيف تسلي الهموم لا كيف تسلى؟

خلياني من مورد الصبر إنّي

قد وردت الأشجان عُلاً ونهلا

كم أخٍ شدَّ ساعدي بأخيه

بعده قد صحبتُ باعاً أشلاّ

وقريبٍ إليَّ أبعده الموتُ

وكم أبعدت يدُ الموت خلاّ

وعزيزٍ عليَّ أرخصَ دمعي

وهو عندي من نور عينيّ أغلى

إخوتي إخوةُ الصفاء درجتم

فبمَنْ لا بمَنْ همومي تُجلى

مضَّني فقدُكم ولا كفقيدٍ

كبر الخطبُ فيه عندي وجلاّ

إن تكن بعَّضت نواكم فؤادي

فنواه مضتْ به اليوم كلاّ

يا دفيناً بتربةٍ تخذتها

أعينُ الحور موضع الكحل كحلا

ثكلُ أمّ القريض فيك عظيمٌ

ولأمّ الصلاح أعظم ثكلا

ما عركن الخطوب صبرَك إلاّ

حسبت أنّها جلت لك نصلا

قد لعمري أفنيت عمرك نسكا

وشحنت الزمانَ فرضاً ونفلا

وطويت الأيام صبراً عليها

فتساوت عليك حزناً وسهلا

طالما وجهك الكريمُ على الله

به قوبل الحيا فاستهلاّ

إن تعشْ عاطلاً فكم لك نظمٌ

بات جيدُ الزمان فيه محلّى

ولك السائراتُ شرقاً وغربا

جئن بعداً ففتن ما جاء قبلا

كم قرعن الأسماعَ بيتاً فبيتا

فأفضن العيون سجلاً فسجلا

كنت أخلصتَ نية القول فيها

فجزاك (الحسين) عنهنّ فعلا

فهي الصالحات بعدك تبقى

بلسان الزمان للحشر تتلى

يا أمنت الروائعَ أنعمْ بدارٍ

قد أُعدَّت للمتقين محلا

أنت أهلٌ وقد علمت بأن ليـ

س يُضيع الباري لمثلك أهلا

هاهم قد تفيئوا ظلّ مَنْ كا

ن على العالمين لله ظلاّ


ذاك (مهديُّ) شرعة الحق والـ

قائمُ فيها بالصدق قولاً وفعلا

مَنْ إذا جاد واهباً جاد وبلا

وإذا قال ناطقاً قال فصلا

أسدٌ رشَّح الإلهُ بنيه

لعرين الآساد شبلاً فشبلا

علماءُ الهدى دعائم دين اللّـ

ـه حفّاظُه وناهيك فضلا

وسقى اللهُ (صالحاً) غيث لطفٍ

بشآبيب عفوه مستهّلا

وقال راثياً الحاج محمد عوض وقد سأله أخوه أحمد عوض ذلك:‍

لو برَّد العذلُ من غليلي

لم أحم سمعي عن العذولِ

لام خليُّ الحشا فقلبي

ملآنُ من دائي الدخيلِ

أثكلني الدهرُ وهو لاهٍ

لم يدرِ ما لوعةُ الثكولِ

لو صدعت نكبتي حشاه

إذا كسا جسمه نحولي

يقول مالي أراك حزنا

تحنُّ كالواله العجولِ

تعزَّ إنَّ العزاء أولى

بشيمة الكامل النبيلِ

فقلت عنّي وهل لغيري

يا لائمي رنةُ العويلِ؟

قلبي بالصبر كان سيفا

وامتلأ اليوم بالفلولِ

معلّلي بالعزاء رفقا

تحنو على قلبي العليلِ

كذبت لو قد عناك وجدي

ما نمت عن ليلي الطويلِ

أسأل عن صبري الجميل

بعد افتقادي (أبا خليلِ)

قضى بحجر النهى عزيزا

والموت ضربٌ من الخمولِ

ولم تغمِّضْ له جفونا

إلاّ يدا مجده الأثيلِ

وغسلته العُلى وقالت:

بوركت من طاهرٍ غسيلِ

ثمّ نعت: أيّها المسجّى

والحمدُ في برده الجميلِ

أما ترى (أحمداً) ينادي

يا مقلتي في الدموع سيلي


ومنك ينعي على نجيبٍ

قرمٍ لأثقاله حمولِ

يقول يا منهضي برفقٍ

من عثرة الدهر من مقيلي

أصول فيمَنْ على زماني

يا دافني سيفي الصقيلِ

وهذه المكرماتُ تنعى

فتخلط النعيَ بالعويلِ

قد حملوا واحدي بنعشٍ

خف بعب‌ء النهى الثقيلِ

يا راحلاً للبلى إلى مَنْ

بعدك بين الورى رحيلي

منك رباعُ العُلى برغمي

خلت ورغم الحجى الأصيلِ

زهت زماناً بها الليالي

والسعدُ في ظلّها الظليلِ

وغرُّ أيامها حسانٌ

تمرُّ وضاحة الحجولِ

والناسُ من رائحِ وغادٍ

يثني بمعروفها الجزيلِ

واليوم ذاك الثناءُ أضحى

نوحاً على رزءه الجليلِ

كنت (لشبليَّ) أمس أنعى

واليوم أنعى أبا الشبولِ

تتابعوا للمنون عنّي

تتابعَ الشهب للأفولِ

جفاهم الدهرُ بعد وصلٍ

والدهرُ كالعاشق الملولِ

لم يبقَ إلاّ القليلُ منهم

والخيرُ في ذلك القليلِ

فروعُ مجدٍ شذا علاهم

يشهد بالطيب للأُصولِ

من (أحمدٍ) قدرُه عليُّ

ومن أخٍ للنهى خليلِ

قبيلة المجد مَنْ سواكم

لم يعرف المجد من قبيلِ

عذراً إذا لم أقلْ عزاءً

ما هذه قولة الثكولِ

وطاب قبرٌ به توارى

(محمدٌ) ذو الحجى الأصيلِ

أغناه ما فيه من سماحٍ

عن سقى جفن الحيا البخيلِ

وقال الشاعر لمّا توفّي الحاج محمد صالح كبّه: نظمت في رثائه هذه القصيدة،


وذهبت إلى بغداد لتعزية ولديه الحاج مصطفى، والحاج محمد حسن، وأنشادها في ناديهما، وكان قد تأخّر نظمها وذهابي إلى هناك شهراً كاملاً. فكتبت أمام القصيدة هذه المقدّمة الفريدة، وتُليتا معاً؛ وكانت المقدّمة كالاعتذار عن ذلك:

وقفتُ على (الزوراءِ) وهي يتيمةٌ

تحنُّ لمَنْ أبقى المعالي ثواكلا

فتنعاه طوراً للفواضل والنهى

وطوراً له تنعى النهى والفواضلا

قد شقَّت بيد المصاب جيبها ورثاءها حين أخذت رجفةُ الحزن أحشاءها. وجزَّت بمدية الجزع ناصيتها ولمّتيها، وبادرت حثو التراب على رأسها بكلتا يديها، وغسل الدمعُ من عينها سوادَها؛ فصبغت فيه أبرادها، وبرزت في محفل النياحة. معولة بأعظم المناحة؛ موحشة العبوس والتقطيب. معلنة بالبكاء والنحيب. ما تراءت للعيون ماثلةً إلاّ وأنشأت قائلةً:

بكائي بعينَي لم يكفني

لمَنْ قطع الدهرُ فيه وتيني

فليت توزع دمعي الأنامُ

لأبكي عليه بكلّ العيون

وهي في نعاء قلق الدهر من ضجّته، وبكاء غرق الصبِّ في لجّته، فحين رأيت خطبها عظيماً، وشاهدت كربها جسيماً، مسكت بكفّي رواجف صبري، وطفقت أسألها على سبيل تجاهل العارف كأنّني لست أدري:

فقلتُ على مَنْ رنةُ النوح والبكا

فقالت على مَنْ لا ترى الدهرَ مثلهُ

أليس أبي ذلك الذي تعهدونه

طوت نوبُ الأيام عنّي ظلّهُ

فقلت وعندي من فؤادي بقيَّة

خذي يا يد الأحزان قلبي كلّهُ

فما ينطبع في مرآة فكري، ولا يرتسم في لوح صدري أن يروعَ قلبي ما بقيت صوتُ ناعيه، بعد أن ملأت مسامعي رنّة هذه الواعية التي ضرب فيها بازلُ الحزن بحرانه صدر باحة الكرم، وانقصمت من إلقاء كلكله عليها فقارةُ ظهر الشرف الأقدم، ورباعُ السؤدد أضحت فيها ثميلة الدموع محلولة


الوكاء، بعدما كانت مطولة الربع بمخيلة السخاء، وغادر رواق المجد محفلاً للنوح والرثاء، بعدما كان محلاً للمدح والثناء:

عادت مراثي تهنيات العُلى

ينصدع القلب بإنشادها

قد رحل اليوم سرور الورى

فلتلتمسه يوم ميعادها

قد دفنت تحت الثرى عيدها

وأبقت النحرَ لأكبادها

فلا ازدهاها يوم (نوروزها)

ولا أتى (الفطرُ) بإسعادها

بمَنْ تسرُّ أو تسعدُ ما بقي الدهر والذي كانت علياه عليه، وعينُ رجائها ممدودة إليه، قد أُدرج والتقوى في طاهر بردٍ، ووسُّد والصلاح في لحدٍ، ولقد هممت أن أعقل لسان هذه الثاكلة، وأواري شخص هذه النائحة الماثلة؛ لتأخّر زمانها، وعدم مبادرتها كأمثالها من أترابها وأخدانها، ولقولهم: إن قدمت المرزية، سمجت التعزية.

فقلت: لا وأدمعك الغزار، لا يقرُّ لي قرارٌ دون ما أنوح عليه بما يكون كالمثل السائر في نعوت فلك مصابه الدائر، أبتلك المراثي يناح دوني عليه؟ فتكون كفءً لعظيم مصابه وإن تقدّمتني إليه، فإليك عنّي إنّ الكلم رحيبٌ، وما المصاب كمَنْ يأمل أن يصيب، وربَّ نائحةٍ وسواها المستعيرة، وليست الثكلى كالمستأجرة، على أنّ كلّ يومٍ يمرُّ من بعده، ولا يُرى فيه فهو يوم فقده.

وأما وأخلاقه الزاهرة، وتربة مرقده الطاهرة التي لا يزال فيها نسيم الرحمة والرضوان يهبُّ أطيب مهبِّ فيجلب فيه سحائب الغفران، وإن لم يكن هناك ذنبٌ ولكن تركت لي عناني، وأطلقت في ميدان القول لساني، لأنوحنَّ عليه نياحةً ترجف منها الأرض بأوتادها، وتمزِّق عليها الدنيا أحشاءها بعد أبرادها، ولأدعنَّ ساعة قيامي بها تشبه قيام الساعة حتى يحطم الدهرُ صدره وأضلاعه، وتقول للخنساء: أين أنت منها، ويا بنت الأراك خلفك عنها، فخلعت عنها عذارها، وتركت لها مضمارها، وأوسعت لها في مجالها،


فافتتحت في عتاب الدهر براعة استهلالها:

يا دهرُ ما شئتَ فاصنع هان ما عظما

هذا الذي للرزايا لم يدع ألما

رزءٌ تلاقت رزايا الدهر فاجتمعت

فيه فهوّن ما يأتي وما قدما

ما بال أمُّ الليالي فيه قد حملت

فليتها وأبا أيامها عقما

لقد تحكَّم في الدنيا فنال بها

من النواظر والأحشاء ما احتكما

عجَّت ولا كعجيج الموقرات به

وهل تلام وهذا ظهرُها انقصما

مضى الذي طبقتها كفُّه نعما

فطبقتها الليالي بعده نقما

الآن غودرت الآمال حائمةً

وأين في الدهر منها من يبلّ فما؟

وقبَّةُ المجد قد مالت ولا عجبٌ

فإنَّ أثبت أركان العُلى انهدما

فلينتظم مأتماً عمرُ الزمان لمَنْ

بالصالحات جميعاً عمرُه انتظما

ولتحتلب عينها الدنيا لمَنْ يدُه

كانت حلوبة جودٍ تقتل الأزما

وكيف تسأمُ من دمعٍ تتابعه

ومن متابعة النعماء ما سئما

في الكفّ ما زرعت حسن الرجاء له

إلاّ وأمطرها من كفّه كرما

يا آخذاً كلَّ قلبٍ في ملامته

دع الملام وشاطرني الدموعَ دما

واقرع بلومك سمعَ الدهر حيث أتى

برنَّةٍ تركته يشتكي الصمما

طويتَ من يستظلُّ المعدمون به

فليت يا دهرُ قسراً ظلُّك انعدما

هل يعلم الزمنُ الغدّار لا علما

ماذا به هجم المقدارُ لا هجما؟

فأيُّ رزءٍ بأيِّ الناس يكبر في

صدر الأنام سوى هذا الذي دهما؟

أفي ذوي الحلم فالثاوي زعيمُهم

أم في بني العلم فالثاوي أبو العلما؟

أم في الأنام جميعاً فالذي افتقدوا

هو الذي جمعت أبراده الأمُما؟

بل كلُّ ميتٍ له ثلمٌ بحوزته

لكنَّ في موته الإسلام قد ثلما

قام النعيُ على (دار السلام) له

فقلت بعدك ليت الكون ما سلما

ما زال بشرُك بالعافين ملتمعا

حتى تحوَّل في أحشائهم ضرما


وإن بكتك فلا منُّ عليك لها

بماء جودك جاري جفنها انسجما

هذه الدموع بقايا ماء عيشهم

من فضل ما كنت توليهم عليك همى

إن لم تفض بك عن وجدٍ نفوسهم

فسوف بعدك من قربٍ تفيض ظما

يا راحلاً ولسانُ الحال ينشده

وللمقال لسانٌ بالأسى انعجما

واهاً (أبا المصطفى) ماذا يقول فمي

وما البلى منك أبقى للجواب فما

الموت حتمٌ وإن كان المنى لك أن

تبقى ولو جاوزت أيامُك الهرما

لكن أتقضي بحيث الشمُّ راغمةٌ

من أزمةٍ لم تدع في معطس شمما

هلاّ بقيت لها في هذه السنة الـ

شهباء تحفظ من أمجادها الحرما

أحين فيها اقشعرّ العام وانبعثت

غبراء أمحلت الغيطان والأكما

تمضي وتتركها في عام مسغبةٍ

فمَنْ لها وإلى مَنْ تشتكي القحما

أوقتُ موتك هذا والورى حشدت

هذي الخطوب عليها والبلا ارتكما؟

وددت يومك لم يجرِ القضاءُ به

لو كان للوح أنْ يستوقف القلما

حتى تُفرِّج غمّاءَ الجدوب كما

فرَّجت من قبلها أمثالها غمما

ماذا يُراد بأهل الأرض فابتدرت

دهياءُ يوشك أن تستأصل النسما؟

أشار ربُّك إرسالَ العذاب بها

لمّا جنوها ذنوباً تهتك العصما

فغيِّض الماء من أنهارها وطوى

بالموت شخصك عنها والحيا انعدما

مشت بنعشك أهلُ الأرض تحمله

فخفَّ حتى كأنْ لم يحملوا علما

وما دروا رفعته من كرامته

أهلُ السماء على أكتافها عظما

لم يرفعوا قدماً إلاّ وقد وضعتْ

من قبلهم غرُّ أملاك السما قدما

كأنَّ نعشك محمولٌ به ملكٌ

وخلفه العالمُ الأعلى قد ازدحما

شاروا بها وسماءُ الدمع ترسلها

لك النواظرُ مدراراً ولا سأما

وهبَّ حين التقى ماءُ العيون على

أمرٍ نزا منه قلب الموت (1) واضطرما

____________________

1 - في المطبوع: الدهر.


فكنت (نوحاً) وكان الفلك نعشك والـ

طوفانُ فائرَ دمعٍ أغرق الأُمما

إنْ يحملوك على علمٍ فما حملوا

إلاّ الركانة والأخطارَ والهمما

أو يدفنوك على علمٍ فما دفنوا

إلاّ المحاسنَ والأخلاق والشيما

أو ينفضوا الكفَّ من تربٍ به دفنوا

ميتاً فتربُك بالأفواه قد لُثما

كأنَّ قبرك فوق الأرض نجمُ سما

أو أنّه في ثراه حلَّ نجمُ سما

يا نازلاً حيث لا صوتي يلمُّ به

عليك أمُّ المعالي جزَّت اللمما

واستوقفت بحشاها الركب في جدثٍ

بجود كفّك لا بالغيث قد وسما

نادت بشجوٌ خذوا لي في حقائبكم

حشاشةً ملئت من وجدها سقما

قفوا بها واعقروها وانضحوا دمها

على ثرىً أمس قد واروا به الكرما

وقفت بعدك و(الزوراء) أنشدها

أين الذي كان للاّجين معتصما؟

وأين مَنْ يزهر النادي بطلعته

للزائرين ويجلو عنهم الغمما؟

ومَنْ بنى لقرى الأضياف دار عُلا

عمادُها الفخر فيه طاولت إرما

ومَنْ تُردُّ جميع المشكلات له

إذا القضية أعيا فصلُها الحُكما

وأين للشتوة الغبراء مَن كرما

ما قطَّب العام إلاّ ثغرُه ابتسما؟

وأين مَنْ كان للعافين يلحفها

جناحَ رحمته ما دهرُه أزما؟

لا فرق ما بين أقصاها إذا نسبا

عنه وما بين أدناه له رحما

وأين مَنْ ليتامى الناس كان أبا

في بره قد تساوت كلهُم قسما؟

في فقد آبائها لليتم ما عرفت

لكنّها عرفت في فقده اليُتما

أحببت في الله كتمان الصنيع ولا

يزداد إلاّ ظهوراً كلّما كتما

منْ كان يحلف أن لم يعتلقْ أبدا

إثمٌ ببردك لم يحنث ولا أثما

ألا وقتك حشا العافين صائبةً

ولا وقاءً إذا رامى القضاء رمى

وهل توفيِّك شكر المنعمين وقد

طوَّقت حيّاً وميتاً جيدها نعما؟


بالأمس وجهك يستسقي الغمامُ به

واليوم قبرُك تستسقي به الديما

وكنت ريَّ صداها فاستنبت لها

ممّنْ ولدت بحاراً للندى فعما

فأين مثلك تلقى الناسُ ذا كرمٍ

ومنك في حالة ما فارقوا الكرما؟

يا غائباً ما جرت في القلب ذكرتُه

إلاّ ترقرق دمعُ العين وانسجما

لا غرو أن يعقد الإسلامُ حوزته

جميعها مأتماً يوري الحشا ضرما

فالثاكل الدينُ والمثكولُ شخصك والـ

ناعي الهدى والمعزِّي خاتمُ العلما

(محمدٌ حسنٌ) نظم الثناء له

فقلُّ في سلك تقواه مَنْ انتظما

سقت ضريحك من جدواك واكفةٌ

وطفاءُ ترضع درّاً ما الحيا فطما

أعيذ قلبك أن يهفو به حذرٌ

على المكارم أو يغدو لها وجما

طبْ في ثرى الأرض نفساً لا النديُّ خلا

من الوفود ولا عهدُ الندى انصرما

قامت مقامك فيه فتيةٌ ضربتْ

على السماء لها علياؤها خيما

وكيف يُظلمُ ربعٌ مَنْ عُلاك به

(أبو الأمين) سراجٌ يكشف الظلما

بقيةٌ من أبيك (المصطفى) رفعت

به علاه وفيه مجدُه دعما

أحبَّ قربك واستبقاه خالقُه

ركناً تطوف به الآمالُ مستلما

وأنت يا حرم المجد المنيف عُلاً

لا راعك الدهر وأسلم للعُلى حرما

إنْ يوحشنَّك ما من بدرك انكتما

فليؤنسنَّك من نجميه ما نجما

لولا ابنه (المصطفى) للجود قلت شكت

من بعد إنسانها عينُ الرجاء عمى

ندبٌ به فتح المعروفُ ثانيةً

من بعدما بأبيه أولاً حتما

مَنْ يلقهِ قال هذا في شمائله

(محمدٌ صالحٌ) أن يغتدي علما

حلوُ الخلائق في جيلٍ لهم خلقٌ

لو مازج الكوثر الخلديَّ ما طعما


ما شاهدتْ عظماءُ الأرض هيبته

إلاّ وطأطأت الأعناق والقمما

والمشتري الحمد والأشرافُ أكسبها

لجوهر الحمد أغلاها به قيما

مَنْ لو يجود لعافٍ في نقيبته

لم يقرع السنَّ في آثارها ندما

لو قال قومٌ نرى بالجود مشبهه

لقلتُ هاتوا وعدُّوا العرب والعجما

أستغفرُ الله إنْ شبَّهت أنمله

بالقطر منسجماً والبحر ملتطما

نعم حكاه أخوه مَنْ به ظهرت

مخائلٌ من أبيه تفضح الديما

(محمدٌ) وكفى أنّ الزمان لنا

عن منظرٍ حسنٍ منه قد ابتسما

إذا بدا سمت الألحاظ ترمقه

تخاله بهلال العيد ملتثما

من لفظه العذب إن شئت التقط دررا

أو فاقتطف زهراً أو فاقتبس حكما

فاهتف بمَنْ مات من أهل العلاء وقل

لولا الردى لا افتضحتم فاشكروا الرجما

قد أطلع المجدُ في أفق العُلى قمرا

يا فرحة الشهب لو تغدو له خدما

أمات نشر مساعيه مساعيكم

حتى انطوت مثلكم تحت الثرى رمما

فلو رآه (زهير) في شبيبته

إذاً لفدّاه واختار الفدا (هرما)

من دوحةٍ ما نمت إلاّ الغصون عُلاً

وكلّ غصنٍ بماء المكرمات نما

كارم لها الغيث واستشهد لها بندي

الجواد ثمّ ارو كيف الغيث قد لؤما

وفاخر البدرَ في لألاء غرَّته

وحكّم الشرف الوضاح والعتما

واصدع بنجم العُلى (الهادي) بطلعته

دجى همومك واستكشف به الغمما

ومن (أمين) الندى فاعقد يديك على

أوفى البريَّة في أوفى الندى ذمما

يا أسرة المجد لا زلتم بأسرتكم

عقداً على نحر هذا الدهر منتظما

صبراً بني الحلم إنَّ الحلم منزلةٌ

حتى لمَنْ منكمُ لم يبلغ الحلما

وحسبكم (مصطفى) العلياء فهو لكم

نعم الزعيمُ به شمل العُلى التأما


وقال يرثي زعيم العلماء الأعلام الشيخ مرتضى الأنصاري، ويعزّي الحاج محمد صالح كبّه:

قطعت لسانك نفثة‌ ٌمن أرقمِ

أعلمت مَنْ تنعاه أم لم تعلمِ؟

كيف استطعت تدير في فمك اسمه

ولقد يضيق به فمُ المتكلّمِ؟

يا ناعياً للخلق روح حياتهم

أملك لساناً لا أباً لك واكظمِ

رفّه على موتى نبلت قلوبهم

فتنبَّهوا بسهام نعيٍ مؤلمِ

فجميعهم تحت الثرى في ملحدٍ

وجميعهم فوق الثرى في مأتمِ

دعهم فقد غصُّوا بجرعة ثكلهم

وإلى الأئمة في نعائك يمِّمِ

وقل السّلام عليكم دُرِس التقى

وعفتْ معالمه عفوَّ الأرسمِ

والدين هدَّ اليوم دين (محمدٍ)

ووهت دعائمه بفقد المحكمِ

كان الدليل أقمتموه على الهدى

علماً يدلُّ على الطريق الأقومِ

والآن لمّا طوّحته يدُ الردى

غدت الأنام بمجملٍ مستبهمِ

حميت عليهم للرشاد مطالعٌ

لا تستبين اليوم للمتوسمِ

غشيتهم سوداءُ أطبق ليلها

للحشر تلحفهم بليلٍ مظلمِ

يا خيرَ آباءِ فقدنا برَّهم

فجعت يتاماكم بأرفق قيّمِ

فطموا فمَنْ لهم بدرّة فيئكم

أن يرضعوها بعد أكرم منعمِ

حسِّن مقالك ما الأئمّة أهملوا

أبناءكم فيسوء ظنُ المعدمِ

بل كان شاقهم الإمام (المرتضى)

ولذاك قيل له على الرحب اقدمِ

ورأوا (محمد صالحاً) من بعده

لبنيهمُ يبقى فقيل له اسلمِ

دمْ للصلاح وللهداية والتقى

ولعيلة العافي وحمل المغرمِ

قسماً بهديكَ بل بنسكك بل بمَنْ

بالفضل خصّك وهو جهدُ المقسمِ

ما فوق ظهر الأرض فوقك مقتفٍ

أثرَ الأئمّة في تقىً وتكرّمِ

أنت الذي تنميك من سلف العُلى

زهرُ الوجوه لها المكارم تنتمي


ومعذبٍ بعُلاك قلت وقد سما

لينالها فانحطَّ موطئ منسمِ

أتعبت نفسكَ ليس تعلو شأوه

ولو ارتقيتَ إلى السماء بسلَّمِ

فاسلم على الأيام ربعك آهلٌ

وعُلاك سامٍ فوق هام المرزمِ

وقال يرثي الشيخ مهدي ابن الشيخ علي، ويعزّي العلاّمة السيد مهدي القزويني:

ملأتْ مكارمُكَ البسيطة أنعما

فلذلك انعقدت لرزئك مأتما

ولئن غدا فذا مصابُك في الورى

فالغيثُ كان له وجودك توأما

بالأمس قد رضعت بنانك درَّها

واليوم تحلبها محاجرُها دما

ما غُمِّضتْ أجفان عينك عن ردىً

إلاّ وجفنُ الدهر غُمّض عن عمى

حلب الحمام (أبا الأمين) بك الجوى

شطرين صابا في الزمان وعلقما

فأغصَّ في شطرِ فما من (هاشمٍ)

وأغصَّ في شطر (لجعفرها) فما

قسم الرزيَّة في السويّة فيهما

فغدا كلا العبأين ثقلاً أعظما

أما وساعتك التي بيلملمٍ

زالت وما أعني سواك يلملما

ما خلت فقدَك يستقلُّ بثقله

ركنا زمانك ثمّ لم يتهدَّما

فلقد أطلَّ غداة يومك فادحٌ

هو منه في الأرضين أعظم في السما

في ناره استوت الأنامُ فما دروا

أيَّ القلوب أحقّ أنْ تتضرمّا

يا مَنْ أضاء بنوره أفقَ الهدى

أعلمت بعدك كلّ أفقٍ أظلما؟

مَنْ ردَّ طرفك عن فتور مغضيا

ولكم لحظتُ به الحواسدَ أرقما

أبكيك للإحسان غاض نميرُه

قسراً وللآمال بعدك حوّما

ولطالب المعروف ألقى رحله

وأقام ميتَ العزم لا متلوِّما

قطعت بك الأيامُ آمالَ الورى

قطعت ولا وصلت لكفّك معصما

ولقد سددت فمَ النعيِّ بأنمل

رجفت ولم أملكْ بهنَّ له فما


فأقرَّ في سمعي أمضُّ قوارعٍ

نفذت فكانت في فؤادي أسهما

ينعي جفوناً كان يرخيها التقى

بأبي جفونك ما أعفَّ وأكرما

وأناملاً منها بأعظم كلفةٍ

عبر الحمامُ إليك بحراً مفعما

رفعوك والبركات عن ظهر الثرى

وطووك واللمعات عن وجه السما

دفنوك وانقلبوا بأعظم حيرةٍ

فكأنّما دفنوا الكتاب المحكما

لولاك يا (مهديُّ) آل (محمدٍ)

ظلوا بمجهلها الطريقَ الأقوما

أشرقتَ شمساً في بروج سما الهدى

فأضأتها وولدت فيها أنجما

لولاك ما وجدت ولولا (جعفرٌ)

من مذهب للحق يرغم مجرما

أقسمتُ بالشرف الذي هو طبعه

وعلمت ذلك جهدَ مَنْ قد أقسما

لقد احتمت منك الشريعة في فتىً

لا تستبيح يد النوائب ما حمى

وإذا ذوو الفضل استوت أقدامُهم

وجدوه أحرى القوم أنْ يتقدَّما

ومن السكينة والوقار سكوتُه

وإذا تكلَّم لم تجدْ متكلّما

هو خيرُ مَنْ نمت العلاء وآله

من ذروة (الجوزاء) أشرف منتمى

(الجعفريين) الذين بمجدهم

ركبوا من الشرف السنامَ الأعظما

رفعوا على أُولى الزمان رواقهم

وتوارثوا فيه العلاء الأقدما

بالسيد (المهديِّ) ثمّ (بجعفرٍ)

وبهم أنار اللهُ ما قد أبهما

يا موصلاً منّي رسالة ذي حشا

ظمئت إلى ذاك الرواء ولا ظما

بلّغ بلغت الخيرَ خيرَ موسَّدٍ

جدثاً به دفنوا الصراطَ الأقوما

يا بدرُ إن تك قد أفلت فلا تخلْ

برجَ الهداية منك بعدك أبهما

فلقد ولدت به كواكب لم تلدْ

مثلاً لها أمُّ الكواكب في السما

لو عدتَ للدنيا ومَنْ لزمانها

بك أن تعود فيغتدي متبسما

لرأيت (صالحها) معيناً للعُلى

مولىً له الدهرُ اغتدى مستخدما

وتلطّفت وطفاءُ تحلبها الصَبا

بثرىً حواك فضمَّ عضباً مخذما


أفصحتُ عن وجدي إليك بدعوةٍ

رُبَما ذممت بها الزمان الأعجما

قد كنتَ لي بجميل ذكرك مالكا

فلئن بقيتُ لأنسين (متمما)

وقال يرثي الشيخ حسين الطريحي (1) ، ويعزِّي أخاه الشيخ محمد، والعلاّمة السيد مهدي القزويني:

وأبيك لا حيُّ يدومُ

فعلام ترمضك الهمومُ؟

لا تجزعنَّ لضاعنٍ

وانظر هديت مَنْ المقيمُ

إنّا بنو الدنيا تطيبُ

لنا ومربعُها وخيمُ

نرجو الشفا لسقيمنا

وصحيحنا فيها سقيمُ

ونروم أن نبقى بها

والموتُ غايةُ ما نرومُ

هذا (الحسينُ) وكان يسـ

تسقي بطلعته الغيومُ

سائل به محرابَه

إن شئتَ فهو به عليمُ

يخبرك كم بسناه أمـ

سى يزهر الليلُ البهيمُ

متهجداً لله ودَّت

لثمَ مسجده النجومُ

هو واحد التقوى الذي

هي بعد مولده عقيمُ

رحل الحمام به فتلك

معالم التقوى رسومُ

رُفعتْ برفع سريره الـ

بركات وافتُقدَ النعيمُ

حملوه والتقوى تنا

شده ومدمعُها سجومُ

يا ذاهباً لا يُرتجى

أبد الزمان له قدومُ

فاللحدُ هل يدري أأنـ

تَ أم الصلاحُ به مقيمُ؟

قمرُ السماء به توارى

أم محيّاك الكريمُ؟

____________________

1 - هو الشيخ حسين ابن الشيخ علي ابن الشيخ محمد الطريحي، أحد أعلام أسرته الحافلة بالعلماء، كان عالماً فاضلاً أصوليّاً. توفّي عام 1302 هـ، وقيل: عام 1303 هـ.


إن يوصِ غيرك مَنْ بأر

ثِ يتيمه ورعاً يقومُ؟

فالنسك إرثٌ والوصيُّ

تقاك والزهدُ اليتيمُ

ومقيم مأتمك التقى

إنّ التقى نعمَ المقيمُ

وبك المعزِّي مَنْ أتى

في مدحه الذكر الحكيمُ

القائمُ (المهديُّ) مَنْ

تُجلى بطلعته الهمومُ

ورث النبوَّة علمها

فهو الخبيرُ بها العليمُ

مولىً بنادي عزِّه

تتضاءل الصيدُ القرومُ

نادٍ ملائكةُ السماء

على سرادقه تحومُ

وبشمِّ آناف الملوك

ترابُ عتبته شميمُ

في صدره (المهديُّ) تصـ

در للورى منه العلومُ

ملأتْ نتائجه الزمان

وغيره الشكل العقيمُ

فله الزعامة في الهدى

وسواه في الدعوى أثيمُ

يا مَنْ له النسبُ الصريح الـ

محض والحسبُ الكريمُ

عجباً يروم عُلاك مَنْ

لك فوقه الشرفُ القديمُ

فوق الرغام وتحت نعلك

أنفُ همّته رغيمُ

هبه يرومُ فأين مِن

يد مَنْ على الأرض النجومُ؟

مثلان خلقُك والنسيمُ

ونداك والغيثُ العميمُ

ولأنت واسطة العلاء

وولدُك العقدُ النظيمُ

قومٌ بهم أمِنَ المروعُ

وفيهم أثرى العديمُ

كلاً تراه (جعفراً)

في الجود وهو لهم زعيمُ

أرجُ السيادة فيهم

كالمسك ينشره النسيمُ

رضعوا الإمامة فالجميعُ

بنور عصمتها فطيمُ

فولاؤهم فرضٌ وهد

يُهم الصراطُ المستقيمُ


لبس الزمان بهاءهم

فبهم محيّاه وسيمُ

وبهم لنا الأيامُ يقطر

من غضارتها النعيمُ

تهوى السماء بأنّها

لصعيد أرضهم أديمُ

وإذا مشوا فوق الثرى

حسدت نعالهم النجومُ

يا سادة العلما ومَنْ

تزن الجبال لهم حلومُ

بكم العزاءُ وحسبنا

من كلّ ماضٍ أن تدوموا

(أمحمدٌ) في ظلّهم

ستنال أقصى ما ترومُ

فأبوك إنْ يفقدْ فكلّ

همُ أبٌ برُّ رحيمُ

سيقرَّ عيناً في الثرى

إذ فيك جودُهم يقومُ

حيّا الملائكُ قبره

من حيث فيه هو المقيمُ

وسقته من أنواء عفو

الله واكفةٌ سجومُ

وقال راثياً الحاج محمد رضا كبّه، وقد مرَّ نعشه على مدينة الحلّة، وكان السيد صاحب الديوان خارجاً عنها في إحدى الضواحي، فعزّى أباه الحاج محمد صالح كبّه بهذه المقدّمة والقصيدة، قال:

(هلمّ واستمعْ مقالي، وتعجَّب بما تصرّفت بي الليال، فما أخالك رأيت مثلي فقيداً شطَّ به المزار، فلم يعلم بنفسه ساعة خرجت من الدنيا إلى دار القرار، ولا أظنّك سمعت قبلي بأحدٍ مات في زمنه، وقد أبعده الدهر عن قطنه، فلم يحضر تشييع نعشه عندما مرَّ عاجلاً، ولم يشهد حلول رمسه مذ أودع في دار البلى:

كفاني بهذا جوىً ما بقيت

يجدّد في القلب جرحاً رغيبا

نعم، وكلّما أردت النياحة في هذه المصيبة أفحمتني دهشة ما يتجدد في قلبي من استعظام هذه النازلة الغريبة، فأعود على الحبسة نفسي، وأتمنّى لو أنّني


قبل صدورها عليَّ حبست برمسي حتى قالت لي النفس سبق إلى أوداجك السيف هذا العذل، وما عسى أن أقول؟ ولمَنْ أعزِّي وأنا الثكول؟ وعلى مَنْ أنوح وأنا الفقيد؟ ولمَنْ في اللحد أنادي وأنا الملحود؟

ما أخطأتك النائبات

إذا أصابت مَنْ تحب

بلى، وتربة وارت بالأمس مَنْ هو أعزُّ عليَّ منّي، وحفرةٍ غمّضت أجفانها على ضياء عيني، لا سمحت لك قريحة لبّي، أو تنوح عليَّ بلسان حالي فحسبي نياحة قلبي، فأجبتها إلى مقالها، وقلت وعيني تجود بانهمالها):

إطوياني ملامة وانشراني

بلغ الوجدُ حيث لا تبلغاني

قد عناني جوىً يطول وفيه

يقصر اللومُ عن مردِّ عناني

كيف عيني لم تغدُ بيضاء حزنا

وهي قد أصبحت بلا إنسانِ؟

إنّ صوت النعيِّ مذ خاض سمعي

خلته في حشاي غربَ سنانِ

وعضضت البنانَ غيظاً ولكن

لا يفيد المكلوم عضُّ البنانِ

فاعذراني إذا ربطتُ فؤادي

بيدي وانطويتُ ممّا دهاني

إنّ قلبي من دهشتي طار رعبا

فغدا وهو دائم الخفقانِ

كفكفا عن حشاي غرب ملامي

من جراح الجوى بها ما كفاني

أين منّي صبري لأرضى فأسلو

صبري اليوم والرضا ميّتانِ

أنا يا لائميّ أدري بطبِّي

فاعذلاني ما عشتُ أو فاعذراني

سلّياني بردّ روحي وإلاّ

فبماذا عنه إذاً سلواني

فرّباه فوق الثرى اليوم منّي

أو فمنه تحت الثرى قرّباني

واقبراه إذاً بقلبي وإلاّ

فخذاه بقبره واقبراني

وإلى جنب مهجتي وسّداه

أو إلى جنب جسمه وسّداني

فحياتي وموته رزآن

لم أقدّرْ عليَّ يجتمعان

بل تخيّلتُ أن يعيش وأفنى

أو سواءً تضمُّنا حفرتان


لم أفارقه أجنبياً ولكنْ

هو روحي وفارقت جثماني

قد نشرنا ما بيننا الودَّ دهرا

فطواه الردى وليت طواني

غمّضا ناظري ما عشتُ غيظا

فعلى مَنْ بعد (الرضا) تفتحانِ

وزفيري ثقّف حنايا ضلوعي

فعلى ودّ مَنْ تبين حواني (1)

وخطوب الزمان دونك شخصي

فلك اليوم قد كشفتُ عياني

نزعت عنّي الحوادث درعي

فبمَنْ أتَّقي شبا الحدثانِ

فلكم قد لويت دهري وهذا

دهري اليوم كيف شاء لواني

لك أسمحتُ يا خطوب الزمان

ذهبتْ نخوتي فهاك عناني

قد أبانت حشاي فاستهدفيها

نكبة طوّحت ضحىً بأبانِ

راصدتني من حيث لست أراها

أعين النائبات وهي تراني

فرمتني من حيث لا أتّقيها

بسهام الهموم والأحزانِ

فأنا اليوم يا نوائبُ كلِّي

مقتلٌ بارزٌ لمَنْ قد رماني

كنت قدماً أذودُ نبلك عنّي

ببناني فأين منّي بناني؟

قد نعاه الناعي إلىَّ أيدري

لا دري أنّه إليَّ نعاني؟

فحسبت الفؤاد منّي أضحى

بين نابي ذي سورةٍ أفعوانِ

لهف نفسي على صريع حمامٍ

ليس لي عنه بالدفاع يدان

ودَّت المكرمات لو أنَّ منها

غسلته بدمعها العينانِ

ومسجّىً بنعشه في حبيرِ

هو والجودُ فيه ملتحفانِ

حملوه وخلفه كلُّ عافٍ

بدماه عيناه فائرتانِ

قائلاً: أيكة الرجاء اظمأي اليو

م وعودي مصفرَّة العيدانِ

مصَّ منك الصعيدُ ماء سماحٍ

كنت فيه ريانة الأغصانِ

عجباً خفَّ نعشه وهو قد سا

ر بثقل المعروف والإحسانِ

____________________

1 - حواني جمع: حاني. وفي المخطوط: يبين.


بل أراه ما خفَّ إذ سار لكن

حملته ملائكُ الرحمانِ

شيَّعته الأنامُ بالأحزان

والتقته بالبشر حورُ الجنانِ

هل كذا جلّ نعشُ ميتٍ سواه

اختلطا عند نعشه العالمانِ

وعليه قد ودَّت الأرضُ يبقى

ويرى (كلَّ مَنْ عليها فانِ)

فاحملاني إلى ثراه احملاني

وقفا بي عليه وقفة عانِ

ودعاني خلف الصعيد أناديه

نداء المروّع اللهفانِ

يا فقيداً فقدتُ منه غماما

كلّما قلت قد ظمئت سقاني

ودفيناً دفنتُ منه حساما

كنت أعددته لحرب الزمانِ

أغمدتْه في الترب كفِّي فشلَّت

فات نصري وأبتُ بالخذلانِ

شغلت منطقي عليه المراثي

وخلا مِن هوى سواه جناني

يا تراني أثني على مَنْ بمدحٍ

وهوى منْ أحبُّه يا تراني

مات محيي الثنا ولولا أبوه

قلت في لحده دفنت لساني

ذاك منه صفاته الغرِّ جاءت

في مزايا علاه طبق المعاني

صالح الفعل راجحُ الفضل غوط الـ

مستغيثين غيثُ أهل الأماني

ورعٌ ناسكُ تفرّغ للهِ

بقلبٍ من خوفه ملآنِ

جامعٌ قسوة الحميَّة للدين

انتصاراً ورقَّة الإيمانِ

وبعزِّ الملوك يصبح مرهو

باً ويمسي بذلَّة الرهبانِ

صدق المدحُ في علاه فقل ما

شئت في مجده العظيم الشانِ

هو في الخير من قديم الليالي

خيرُ مَنْ قد مشت به قدمانِ

أثقلت كاهل الزمان أياديه

فأمسى عياله الثقلانِ

وعلى الأرض كلّها من نداه

أثرٌ طيبٌ بكلّ مكانِ

قد بنى للقِرى على (الكرخ) بيتا

والتقى أسُّ ذلك البنيانِ

شارعَ الباب تلتقي طرقُ الأر

ض جميعاً لديه بالضيفانِ


رافعاً تحت ظلمة الليل للسا

رين فيه ذوائبَ النيرانِ

كرماً قد أعدَّ للضيف فيه

عدد الطارقين غرَّ الجفانِ

مكرماتٌ ترى رضيع سماحٍ

عندها الدهرَ لا رضيع لبانِ

شكرُها أعجز الأنام فأنّى

قابلتها الأيامُ بالكفرانِ؟

قلتُ للبحر هل تساويه يوما

قال كلاّ: لا يستوي البحرانِ

وسألتُ الحيا أتحكيه جودا

قال: أين الباكي من الجذلانِ؟

ليس يحكيه في سماحة كفٍّ

غيرُ مَنْ قد حكاه عزَّة شانِ

ذاك (عبد الكريم) مَنْ قد تسامى

شرفاً حطَّ دونه النّيرانِ

فهما فرقدا علاءٍ ومجدٍ

وهما ديمتا ندىً وامتنانِ

كلّما عنّ مفخرٌ يوم سبقٍ

فيه تلقاهما شريكي عنانِ

ولدا فتيةً همُ شهبُ الفخر

وإلاّ جداولُ الإحسانِ

متساوين في المكارم قد فا

قوا بفضل النهي على الفتيانِ

ينشر الحيُّ مَنْ طوى الموت منهم

ويعيد الباقي حياة الفاني

ما فقدت (الرضا) وذلك باقٍ

(مصطفى) الجود يا ركاب الأماني

فرديه خفائفاً تصدري منه

ثقال الخطى على الركبانِ

هو صبحُ الأيام سعد الليالي

بهجة الدهر نور عين الزمانِ

تتلّقاه من شذا حسبيه

عطرَ الجيب طيّب الأردانِ

ومن البشر في محيّاه بدرٌ

وبكفّيه للندى (جعفرانِ)

والأغرُّ (الهادي) إذا حار وفدٌ

فسناه دلالة الحيرانِ

هو طلقُ العنان في الجود طلق الـ

وجه طلق اليدين طلق اللسانِ

ومزاياه في سما المجد شهبٌ

وهو فيها وصنوه القمران

و(أمين) التقى وهل ضمّ مثلا

لأمينٍ في عصرنا المشرقانِ؟

طاهر النفس طاهر الجيب والأبـ

راد عفُّ في السرّ والإعلانِ


أبداً في تقاه لم تتغبَّر

بغبار الآثام منه اليدانِ

وهو في صدق لهجةٍ (كأبي ذرٍ)

وتقوىً تحكي تقى (سلمانِ)

والمرجّى (محمدٌ حسنُ) الطلـ

عة ينضو اللثام عن كيوانِ

مخبراتٌ مخايل الفضل فيه

أن سيسموا فخراً على الأقرانِ

يا (أبا المصطفى) وحلمك أرسى

في لقاء الخطوب من ثهلانِ

لك نفسٌ قدسية الذات فيها

حزتَ أعلى مراتب العرفانِ

وصف اللهُ أنّ قلبك للتقـ

وى مشيراً بآية الامتحانِ

وأرى الصابرين في عصرنا أنت

عناك الإلهُ في القرآنِ

حيث لو قيل عددّوهم عددنا

ك ونعيا عن أن نجي‌ء بثاني

هو جمعٌ أُريد بالذكر منه

واحدٌ وهو أنت عند البيانِ

فرِّغ القلب من جوى الثكل يا مَنْ

هو في الفضل ملءُ عين الزمانِ

وقال راثياً بعض الأكابر:

كذا تفقد العينُ إنسانها

فتدمي المدامعُ أجفانها

كذا يقرع الخطبُ صمَّ الجبال

إلى أن يزلزل ثهلانها

كذا للمراقب كفُّ الزمان

تمدُّ فتأسر عقبانها

كذا تغمد البيضُ تحت الصعيد

فتغدو الضرايح أجفانها

كذا وأبيك عوالي الرماح

تدقُّ يدُ الدهر مرّانها

وقال راثياً ولده سليمان وأخاه محمداً:

لقيت من الوجد واللائمينا

ضنىً شفَّ جسمي وأقذى العيونا

فلم أدرِ ماذا بقلبي أمضّ

وجدي أم عذلُ العاذلينا؟

ألائمتي بعض هذا الملام

فالأمر ليس كما تزعمينا

ذريني أُدمّي غروب الجفون

واستشعر الحزن حيناً فحينا

لقد جذم الدهرُ يسرى يديّ

فبانت وألحق فيها اليمينا


أصبراً وإنسانُ عيني يُسلُّ

بظفر الردى ساء ما تأمرينا

كفى حزناً أنَّ جسمي أقام

وقلبي استقلَّ مع الظاعنينا

أعينيَّ شأنكما والدموع

فما يترك الدهرُ دمعاً مصونا

له الذمُّ بالأمس قد بزَّني

وشيمته الغدرُ علقاً ثمينا

فغادر حجري منه خميصا

وبطن الثرى منه أمسى بطينا

وغصنٌ نما في تراب العُلى

وأينع في روضة المجد حينا

ذوي بعدما أن زها برهةً

وراق النواظر حسناً ولينا

وكنتُ متى عنَّ لي ذكرُه

أطلتُ عليه البكا والحنينا

مضى ما نسيناه لكنْ ثنى

بآخر يذكرنا ما نسينا

أهلتُ عليه ترابَ القبور

وعدتُ أكابدُ داءً دفينا

على أنّني لم أزل منذ سبعٍ

أعدُّ الشهور له والسنينا

توسّمت منه سمات الكمال

وقلتُ يكون لبيباً فطينا

فلمّا مخائله بشَّرتْ

بتحقيق ما أرتجى أن يكونا

وقامت على ما تفرّست فيه

شواهد حققن فيه الظنونا

رمته (1) المنونُ بسهم الحمام

من حيث لا أتوقّى المنونا

فأصبحت أسمح للترب فيه

وكنت على اللحظ فيه ضنينا

بمَنْ أتعلل في النائبات

إذا غادرتني كثيباً حزينا

ومَنْ مؤنسي حيث ليل الخطوب

يمرُّ علىَّ الهزيع الدجينا

فقل لليالي بلغتِ المنى

وأدركت منّي ما تأملينا

لقد كنت بالأمس ذا مقلتين

أرى بهما ما يقرُّ العيونا

فقأت بسهمك يسراهما

وسرعان ما قد فقأت اليمينا

قعدتُ بعمياء مستصحبا

تريني أيامي البيض جونا

ولا تحسبيني لمّا شكوتُ

صنيعك لي عاجزاً مستكينا

____________________

1 - في المخطوط والمطبوع: رماه.


وقال راثيا شاباً في ريعان الصبا بالتماس بعض الأشراف:

أما والهوى العذرى ما بتُّ ساليا

حبيباً بعيني الكرى كان ثانيا

سلوتُ إذاً والله حتى حشاشتي

على عزّها إن كنت أمسيت ساليا

وريّان من ماء الصبا غصنُ قدّه

برغمي يمسي في ثرى اللحد ذاويا

فجعتُ به حلو الشمائل بعدما

ولعتُ به غضَّ الشبيبة ناشيا

تطلّعُ نفسي من ثنايا اشتياقها

إلى طلعةٍ منه تنير الدياجيا

وأطلب في الأحياء رؤية شخصه

على ولهٍ منّي وأنسى افتقاديا

فكم لي على الذكرى إليه التفاتةٌ

كأنْ لم يكن بالأمس وسّد ثاويا

ولائمةٍ لامت ولم تدرِ ما الجوى

ولا كيف يرعى المستهام الدراريا

تلوم ولا سمعي لها فيجيبها

إلى سلوةٍ قلبي ولا قلبها ليا

ولو وجدتْ للبين ما قد وجدته

غدا آمري بالحزن مَنْ كان ناهيا

أميمةُ هل أدميت إلاّ بنانيا

وهل غيرُ دمعي بلَّ فضل ردائيا

أقلَى فلم أنضح جواي بأدمعِ

أكفكفها عن مقلتيك جواريا

ولا قلَّبت كفُّ الأسى لك مهجة

حشاي على جمرٍ توقَّد ذاكيا

عذلت وعندي يعلم اللهُ لوعة

أكابد منها ما يدكُّ الرواسيا

غلبتَ وأحداثُ الزمان غوالبٌ

وفي أيّ دار ما أقمن النواعيا

وكيف انتصاري يوم طارقة النوى

وعند الليالي يا ابنة القوم ثاريا؟

حدت ظعن الأحباب عنّي وغادرت

مع السقم تعتاد الهمومُ وساديا

وفي الجيرة النائين لو تعلمينها

علاقةُ حبٍّ همت فيها لياليا

فلو جمعتنا الدار من بعد هذه

إذاً لأطلنا يا أميمُ التشاكيا

بمَنْ أتداوى من جوى الهمّ لا بمَنْ

وهل دفن الأقوام إلاّ دوائيا؟

وغادين قد أتبعتهم يوم ظعنهم

جفوناً يعلمنّ البكاء الغواديا

وقفتُ لهم في مدرج البين وقفةً

تكسَّر أنّى ملتُ منّي عظاميا


وقفتُ ونفسي رغبة في لقائهم

تمنّى على كذب الرجاء الأمانيا

ومَنْ ذهبت أيدي المنايا بشخصه

فهيهات فيه يرجع الدهرُ ثانيا

أحبايَ حال الموتُ بيني وبينكم

فما حيلتي فيكم عدمت احتياليا؟

قفوا لا أقام البينُ صدر مطيّكم

لمستعطفٍ بالدمع يخشى التنائيا

قفوا خبّروني عنكم هل أراكم

ولو شبحاً ما بين عينيَّ ساريا؟

وتلك الليالي السالفات على منىً

تطيب وتحلو هل تعود كما هيا؟

ليالي أنسٍ بالوصال لبستها

رقاق الحواشي نيّراتٍ زواهيا

دعوا لي قلبي أو خذوه مع الجوى

فها هو خلف الركب أصبح ساريا

أحبايَ لا والله ما عشتُ سلوةً

ولا بكم استبدلت خلاً مصافيا

ولمّا سرى الناعي بكم فاستفزّني

ونادى منادي البين أن لا تدانيا

ربطت الحشا بالراحتين ولم أخلْ

تطيح شظايا مهجتي ببنانيا

وعندي ممّا ثقَّف البينَ أضلعٌ

غدون على جمر الفراق حوانيا

وعينٌ بلا غمضٍ كأنّ جفونها

حلفن بمَنْ تهواه أن لا تلاقيا

وقلبٌ متى يا برق يقدحك الأسى

قدحت به زنداً من الشوق واريا

ولي في زوايا ذلك النعش مهجةٌ

ترفُّ رفيف الطير يفحص داميا

قضى الله أن لا أبرح الدهر أشتكي

لواعج يدمين الحشا والمآقيا

فيا عين سيلي بالدموع صبابةً

ويا نفسُ منّي قد بلغت التراقيا


التاريخيات


قال (رحمه اللّه) مؤرّخاً عام ولادة الحاج محمد صالح كبّه (1) في سنة 1201 هـ:

أتى اليوم حاتمُ أهل النهى

على أنَّه للندى فاتحُ

أغرُّ غدا السعدُ لمّا استهلَّ

وهو لغرَّته ماسحُ

وهنّا به المجدُ وفّاده

وبشّرها الشرف الواضحُ

وقالوا جميعاً وقد أرّخوا:

(نرى وُلِدَ الخلفُ الصالحُ)

وقال مؤرّخاً عام وفاة الحاج محمد صالح كبّه في سنة 1287 هـ:

إن يطوِ مصباحَ المكارم ضارح (2)

فلقد أضاءت في علاه مصابحُ

طُفْ حيث حلَّ فئمَّ جودٌ باهرٌ

وعُلاً مؤثلةً، ومجد (3) راجحُ

ملكٌ له الشرف الرفيع مشيِّعُ

وعليه حتى المكرمات نوائحُ

شكت البريَّة داءه (4) لمّا شكا

فقضى وأُلحد والقلوب ضرائحُ

مَن جاره (هودٌ) دعاه فأرِّخوا:

(أسعد جوارك ذا محمدُ صالحُ)

وقال وقد سأله محمد باشا بابان أن يضع هذا التأريخ وهو في سنة 1290 هـ:

ذا محمد رشيدُ باشا بباني

شاد للحكم دار عزٍ ومجدِ

تزدهي في مقاصرٍ لو (لكسرى)

مثُلت قال: هذه فوق جهدي

إنّما (آصفٌ) أتانا بصرحٍ

مَنْ أتاه يجده جنّة خلدِ

قد دعا الملكُ مطرباً أرّخوه:

(شاد بدر البهاء دارة سعدِ)

وقال مؤرّخاً عام ولادة الحاج مهدي كبّه في سنة 1219 هـ:

وليلةٍ قد وَلدَت بصبحها (5)

شمس عُلاً تشعُّ في سعودها

____________________

1 - طلب الحاج محمد صالح من الشاعر أن يؤرّخ ولادته وإن لم يكن قد أدركها.

2 - الضارح: الذي يحفر الضريح للميت.

3 - وفي نسخة: حلم.

4 - وفي نسخة: شكت العفاة لدائه.

5 - في المطبوع: لصبحها.


سُرَّت بها أهل المعالي ولها

أهدت (بمهديٍّ) سرور عيدها

قد طرب الدهرُ غداة أرّخوا:

(فلتزدهي الليلة في مولودها)

وقال مؤرّخاً عام ولادة الحاج مصطفى كبّه في سنة 1255 هـ:

لقد وَلدَت أمُّ المفاخر ماجدا

تضوَّع من أعطافه طيبُ محتده

تربَّي بحجر المجد واسترضع النهى

وشبَّ يُفدّي وهو ناشٍ بحسّده

وأضحى عليه الفخرُ يعقد تاجه

ويلقي مقاليد المعالي إلى يده

فيا مولداً فيه بنعمة يُمنه

لنا السعدُ غنّى لا بنغمة (معبده)

به خمدت نار العدا حين أرّخوا:

(أتى المصطفى يا عزَّ آية مولده)

وقال مؤرّخاً عام وفاة الحاج مهدي كبّه في 1271 هـ:

ألا بكَرَ الناعي بثاوٍ ثواءة (1)

توسَّد والمعروف تحت ثرى اللحدِ

وعاش الهدى فيه ومات بموته

فأرِّخ (معاً غاب الهدى هو والمهدي)

وقال مؤرّخاً ومهنئاً الحاج محمد صالح كبّه بقدوم ولديه الحاج مصطفى والحاج محمد رضا من الحج، وكلُّ شطر منها تأريخ وذلك في سنة 1277 هـ:

عُجْ لنادي التقى وحيّ البشيرا

إنَّ فيه الزوراء تزهو سرورا

قد حباها يا سعد بشراكَ سعدا (2)

كلُّ قطرٍ لنوره شعَّ نورا

إذا بإقبال أزهريها من الكعـ

بة قد جاءها يبثُّ الحبورا

برضاها النقيّ وابن أبيه

مصطفاها يدعو وردتُ سفيرا

وجهُ بغداد حين أما لإنسا

ن الحجى فيهما وصلتُ بشيرا

فغدا حين صبَّحاه بهيّا

بل حديث الهنا حلا منشورا

____________________

1 - في المطبوع: بناؤه، وفي نسخة: بنانه.

2 - هذا الشطر يكون مجموعه الأبجدي (1292)، وقد اتفقت النسختان عليه، وأظن الصحيح (بشراء) بدلاً من (بشراك) ليتم التأريخ.


أنتَ قطبُ التقى عليك لدأبا

فلكُ العزّ قد يُرى مستديرا

بل جوادُ العليا وربُّ فخارٍ

طيبه ضاع بالندىّ عبيرا

وقرينُ السخاء مَن جاد طفلا

بنداه وساد شيخاً كبيرا

عشْ بطرفٍ ما زال زهواً قريرا

يا أبا المصطفى فتحوى الحبورا (1)

كلّ عامٍ كذا لداركَ طلقا

يُوفد السعدُ بالتهاني بشيرا

بل ومغناك طيباً كلَّ يومٍ

تجتليه به سنيّاً منيرا

وكذا فليرقْ نديُّكَ مُبدٍ

من بهاءٍ ما يخجل البدر نورا

بل كذا اعقدْ رواق جدّك حاوٍ

كلَّ وقتٍ جلالة محبورا

هاك ألقيتَ معجزاً فانتحي يا

قفُ عفواً ما زبرجوا تسطيرا

حيّ منه مؤرّخاً عام ردّا

كلّ شطرٍ أبدى فعدَّ الشطورا

وقال مؤرّخاً عام ولادة الحاج محمد رضا كبّه في سنة 1246 هـ:

قل لأمّ العُلى ولدت كريما

شاد عليا أبيه فوق السماكِ

سخط الحاسدونَ مذ قيل أرّخ:

(ولد المجد يا وفود رضاكِ)

وقال مؤرّخا عام ولادة محمد صالح كبّه، ومهنياً والده الحاج محمد حسن، وذاك في سنة 1296 هـ:

بشرى بمولودٍ به ابتهج الزمنْ

وغدت تهنّي المكرمات به (الحسن)

ولدته أمُّ المجد أبلج طاهرا

في الأرض ترضعه المعارف لا اللبنْ

فيه مخائلُ من أبيه وجدّه

يُخبرن أن سيطول عالية القنن

وسيغتدي للحمد أشرف كاسبٍ

وعلى كنوز المجد أكرم مؤتمن

غصنٌ نمته دوحة الكرم التي

منها العفاةُ كم اجتنت ثمرَ المنن

____________________

1 - الظاهر أنّ لفظة (الحبورا) وقعت هاهنا سهواً وإن اتّفقت النسختان عليها؛ ذلك لأنّ مجموع الشطر يكون (1027)، أمّا لو وضعنا مكانها (السرورا) لتمّ الحساب.


تتفيأ الأشراف باردَ ظلها

لتقيهمُ من حرّ هاجرة المحن

وكفاك بالحسن المهذّب شاهدا

لقديمه بحديث مفخرة الحسن

هذا الذي ملأ الزمان عوارفا

بالبعض منها عاش كلُّ بني الزمن

إن لم نوجّه مدحنا وثناءنا

لمحمد الحسن الفعال، فقل: لمـَنْ

هو عقدُ فضلٍ زان عاطل عصره

لو لم يهبه اللهُ عزَّ على الثمن

يفديه مَنْ تلقاه يرحض (1) ثوبه

يبغي نظافته وفي العرض الدرَن (2)

إن لذَّ لي فيه الثناءُ فإنّه

لألذُّ في عين المحبّ من الوسن

ندعوه يا ملكاً بكاعبة العُلى

هو لا بكاعبة النهود قد افتتن

يُهنيك مولودٌ سررت به العُلى

مَنْ سعدُ مولده بسعد كما اقترن

طربت وقد غنّى البشير مؤرّخا

(ولدتْ محمد صالحاً تقوى حسن)

وقال يهنّأ الحاج محمد صالح كبّه، ويذكر السنة التي حال فيها ولداه عن الحج، وهي سنة 1276 هـ، وكلّ شطر منها تاريخ:‍

بشرى بروج الجودِ بشراها

ضاءَ بأفق المجد بدراها

وقد تجلَّت في سماء العُلى

فاهنأ بذا السعد، سراجاها

شعَّ نهارُ السعد حين ابتدا

يضيءُ في الزورا فجلاّها

واكتست الدنيا لأنواره

أشعةً تجلو محيّاها (3)

ثمّ دياجي النحس زالت فما

أسعدها وأبيضَّ قطراها

بل أنست اليوم حديث الصَبا

نسمةُ بشرٍ هبَّ ريّاها

فيا علمتنَّ بنات الفلا

مَنْ أمس أنضاك بأرجاها

وأيُّ وجهٍ لاغرٍ هو ابـ

نُ الشمس مهما يزهُ خفَّاها

فوقك مبدٍ خلف حُجب السرى

زاهي سناً طرقكِ ضوّاها

إذ كم فرى بطنَ فلا ماؤها

آلٌ وإعناقاً تخطّاها

____________________

1 - يرحض: يغسل.

2 - الدرن: الوسخ.

3 - هذا الشطر ينقص واحداً.


لجدّ حتى احتلّ أمّ القُرى

قد حاز ما حاز بمغناها

في شِقّ نفسٍ وقت ميلاده

تقاهُ والطيب دثاراها

رِضى النهى أنجب حيّ النهى

أشمخها قدراً وأحباها

و(مصطفى) أعظم به أطيبا

مثل أخيه عاد أبهاها

ذا هو طرفُ العزّ إنسانه

وذاك راحُ البرِّ يمناها

أتى ارتقاب الحج عاما به

مكثهما تلقى مصلاّها (1)

فأرخنّه فرحاً معجبا (2)

في أشطرٍ أحمدتَ رؤياها

هاك التق البشرَ لها مطلعا

ناشٍ هناهُ وقت أنشاها

ألا اجلونها مزهراً وافتتحْ

بشرى بروج الجود بشراها

وقال مؤرّخاً عام وفاة الحاج محمد رضا كبّه:

وقف المجد ناعياً عند قبرٍ

وارت المكرمات فيه حشاها

ودعا أنت جنّة قلت: أرّخ

(طاب مأوى نعيمها لرضاها)

وقال مؤرّخاً السنة التي تشارك بها في التجارة الحاج عبد الغني كبّه ومصطفى الباجه جي، وهي سنة 1295 هـ:

للمصطفى والحسن الفعل معا

مرآةُ رأىٍ حَسنٌ مرئيُّها

كم قد أعدّا للتجار رابحُ

خاناً وهذا بالغنا مليُّها

باليمن فيها عقدا شراكة

لفتيةٍ مجموعها حظيُّها

كواكبٌ كلُّ يروق المشتري

فلا تسلني أيّها دُريُّها

بعينه الرحمن قد رعاهمُ

لله عينٌ آمنٌ مرعيُّها

أهلَّةٌ بورك باجتماعها

ببرج سعدٍ زانه وضيُّها

شراكةٌ جاء حميدُ فألها

للربح أرّخ (مصطفى غنيُّها)

____________________

1 - هذان الشطران لا ينسجمان مع البقيّة لزيادة في العدد.

2 - هذان الشطران لا ينسجمان مع البقيّة لزيادة في العدد.


التّقْارِض


قال (رحمه اللّه) مقرظاً تخميس همزية البوصيري (1) في مدح الرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله) للشاعر عبد الباقي العمري الفاروقي:

نسيت في عرفانك الحكماءُ

فقبيح (2) أن تذكر الشعراءُ

أيُّ فضلٍ لهم يبينُ وهل للبد

ر نورٌ إذا استنارت ذكاءُ

جئتَ في النظم مبصر الفكر والدنـ

يا جميعاً بصيرةٌ عمياءُ

فأزلت العمى بآيات فضلٍ

أذعنت طاعةً لها البلغاءُ

نشرت طيَ الفصحاحة لكن

طُويت في انتشارها الفصحاءُ

حكمٌ حلوة الينابيع عفوا

سلسلتها رويَّةٌ سمحاءُ

يرشف السمعُ لفظها العذب راحا

لجميع العقول منه انتشاءُ

لو تلاها مردّداً لفظها المرُ

لما احتجن روحَه الأعضاءُ

وكفى شاهداً بفضلك ما تر

ويه عنك (الهمزية) الغراءُ

بنتُ فكرٍ مجلوّة في قوافٍ

لم تلد قطُّ مثلها الآراءُ

ألِفاتٌ مثل الغصون تلتها (3)

لكَ من كل همزةٍ ورقاءُ (4)

لبست من جمان نظمك عقدا

ما تحلَّت بمثله عذراءُ

أين (يا ابن الفاروق) منك الذ

ي أبدع في نظمها ولا إطراءُ (5)

لو رأى ما أودعت فيها لأضحى

هو والنظمُ (واصلٌ) والراءُ (6)

____________________

1 - البوصيري: هو محمد بن سعيد بن حمادة، من مشاهير شعراء عصره، ولد بدلاص، ونشأ ببوصير، وأشهر قصائده البردة في مدح الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وقد عارضها الشعراء كما شطرّها وخمّسها فريق كبير منهم، أشغل مناصب في القاهرة، وطبع ديوانه. توفّي بالإسكندرية عام 695هـ.

2 - في المطبوع: فحقير.

3 - وفي ديوان الفاروقي: عليها.

4 - الورقاء: الحمامة. وفي البيت تشبيه جميل للهمزة فوق الألف كالورقاء فوق الغصن.

5 - في ديوان الفاروقي جاء البيت هكذا:

أين يا ابن الفاروق عنك البويصيـ

ـري في نظمها ولا إطراءُ

6 - يريد به واصل بن عطاء، وكان يلثغ بالراء.


زبرة (1) قد أشعتَ في المتن منها

جوهراً في فرنده (2) يستضاءُ

فهي فيه عادت كمثل عصا مو

سى وتخميسك اليدُ البيضاءُ (3)

وقال مقرظاً (الباقيات الصالحات) للشاعر المعروف عبد الباقي العمري (4) :

أربّ القوافي قد غدا لكَ مذعنا

بها محرزُ الفضل اكتساباً ووارثُه

لو (المتنبي) شاهد الحِكمَ التي

نطقتَ بها ما شكَّ أنّك باعثه

هي (الباقيات الصالحات) أطايب الـ

قريض، ولكن ما سواها خبائثه

فحسبُك منها معجزاً بمديح مَنْ

معاجزُ كلّ الأنبياء موارثه

غدت كعصا موسى ولكنّما بها

قد التقفا سحر القريض ونافثه

كفى إنّها في أمَّة الشعر قبلةٌ

إليها قديمُ النظم صلّى وحادثه

وقال مقرظاً كتاب (الروض الخميل في مدح آل جميل) (5) :

هذا كتابٌ أم حديقة روضةٍ

تتنزَّه الأحداقُ في أورادها

____________________

1 - الحديدة الضخمة الواسعة.

2 - في ديوان الفاروقي: افرنده، وفي المطبوع: فريده وهو غلط.

3 - في مخطوطة الملاّ: فهي عادت من نوره كعصا موسى.

4 - لم تثبت هذه القطعة في الديوان المطبوع، ولكنّها مثبتة في العقد المفصل 1 / 242 - تأليف صاحب الديوان.

5 - آل جميل: أسرة جليلة معروفة في العراق، نبغ منهم فريق من الشعراء والعلماء والأعيان، وجدّهم: محمد جميل بن عبد الجليل، وأولاده عبد الغني وإخوته. هاجر من الشام إلى بغداد، وأشهر منْ نبغ منهم عبد الغني فقد حاز على جلالة ورفعة ومكانة سامية بين أعلام العراق وحكّامه. وقد ألّف السيد عبد اللّه بن أبي الثناء الآلوسي هذا الكتاب (الروض الخميل في مدائح آل جميل) توجد منه نسخة عند المؤرّخ عباس العزاوي، وقد نشر العزاوي مجموعة عبد الغفار الأخرس في عبد الغني جميل.


وتودُّ لو شرت (1) العيون بياضه

وسوادَه ببياضها وسوادها

نظمت به غرر الكلام مصاقعٌ (2)

روحُ الفصاحة قام في أجسادها

غرراً بدت كالشهب (3) إلاّ أنّها

بزغت بليلٍ من سواد مدادها

لو شنَّف الشادي الحَمام بها إذن

خلعت له الأطواق من أجيادها (4)

يهوى فؤادُ المرء يغدو مسمعا

ليحوز حظَّ السمع من إنشادها

لفظٌ أرقُّ من الصَبا وفخامة

معناه تحسب قُدّ من أطوادها

دع ما يزخرفه الربيعُ وإن زهت

أزهاره بين الربى ووهادها

وتصفح (الروضَ الخميل) فرغبةً

لثراه تنسى العينُ طيب رقادها

تحظى بكلّ طريفةٍ من حسنها

غدت العقولُ العشر من روّادها

ويعدُّ من (آل الجميل) مناقبا

تهوى النجومُ تكون من أعدادها

وقال مقرظاً شعر العلاّمة الميرزا أبي الفضل (5) ، أحد تلامذة الحجّة السيد ميرزا حسن الشيرازي:

يا أبا الفضل كلّما قلتَ شعرا

فيه أودعتَ من بيانك سحرا

وإذا ما بعثتَ غائص فكرٍ

في بحور القريض أبرزتَ درّا

كم تعاطيتَ غايةً جئتَ فيها

سابق الحلبتين نظماً ونثرا

____________________

1 - شرت: باعت، واشترت: ابتاعت، وهو من الأضداد المعروفة في اللغة.

2 - المصاقع: واحده مصقع، وهو الخطيب البليغ القول والجهوري الصوت، أو الذي لا يرتج عليه في الكلام.

3 - وفي المخطوط: كالشمس.

4 - شنف الجارية: جعل لها قرطاً، والشادي: المرتل.

5 - هو الميرزا أبو الفضل أحمد بن أبي القاسم ابن الحاج محمد علي ابن الحاج هادي النوري الطهراني، عالم جليل، وشاعر معروف، له ديوان طبع بطهران على الحروف. ولد عام 1273 هـ، وسكن النجف زمناً طويلاً منذ النشاة إلى أن اشتهر بين أعلام عصره، رجع إلى طهران وتوفّي بها عام 1316 هـ. ترجمت له في كتابي شعراء الغري 1 / 333 - 346.


لكَ حرُّ من النظام رقيقٌ

ورقيق النظام ما كان حرّا

إن تصفحته تجد كلّ شطرٍ

فيه يحوي من المحاسن شطرا

لفَّ في نشره بديع القوافي

ببديع ترويه لفَّاً ونشرا

كلِمٌ كلّه سبائك تبرٍ

ما سكن الأفكار شرواه (1) تبرا

صغته باهرَ المعاني فقلنا

إنَّ لله في معانيك سرّا

قد تجلَّى بدر (2) نظمك عصرٌ

جئتَ فرداً به فناهيك عصرا

وهدت قالة القريض نجومٌ

طلعت في سماء طرسك زُهرا

ذكرتنا (ذكرى حبيبٍ) فقلنا

إنَّ في هذه القوافي لذكرى

وسقتنا (غيث (3) الوليد) فقلنا

أنت بالانسجام يا غيث أحرى

وتلت (مُعجزاً لأحمد) يدعو

مَنْ وعاه: آمنتُ سرّاً وجهرا

فاجتنينا للأُنس زهرة روضٍ

واجتلينا كالشمس عذراء بكرا

ينثني العقلُ حين تتلى كأنَّ الـ

لفظ كأسٌ والسمع يرتاح سكرا

فأرى (الخضر) أنت لكن لديه

(عين ماء الحياة) تنبع خمرا

هي آياتُ مرسلٍ بالقوافي

ربُها قد أحاط بالنظم خبرا

قد قرأنا عزائم الشعر منها

وسجدنا لله حمداً وشكرا

وقال مقرظاً رسائل العلاّمة الميرزا محمد الهمداني (4) ، ومذيّلاً للتقريظ برسالةٍ:

أنطقتَ بارعةً يرى

حتى العدوُّ وفاقَها

____________________

1 - الشروى: المثل. يُقال: (لا يملك شروى نقير)، أي مثل نقير، والنقير نكتة في النواة.

2 - وفي نسخة: تجلى ببدر.

3 - المعروف: عبث الوليد، وهو شرح ديوان البحتري لأبي العلاء المعرّي.

4 - شاعر كاتب أديب فقيه، قطن الكاظمية وتوفّي عام 1300 هـ، وله كتب ورسائل وديوان في أدب التأريخ أسمّاه (نصوص اليواقيث). ترجمت له في كتابي شعراء بغداد.


تأبى النزاهة أن يذمَّ

ذوو (1) الكمال نفاقها

فهي الهدىُّ لكفؤها (2)

والصدق كان صداقها

عذُبت مقالتها فما

أحلى الغداة مذاقها

إنّى رأيتُ (محمدا)

فضُلَ الأنام وفاقها

فات الأفاضلَ لاحقا

حتى شأى سبّاقها

ورقى معارج ما امتطى

أحدٌ سواه بُراقها

ما زال يخرق من سما

وات العلوم طباقها

حتى لقد (3) ضربتْ على

السبع الطباق رواقها

وغدت لخدمة سعده الـ

جوزا تشدُّ نطاقها

هذا الذي راقته أبكا

رُ العلاء وراقها

بمناقبٍ غرّ أهلّـ

تها أمنَّ محاقها

زهرت سماءُ الفضل (4) لـمّـ

ا زيَّنت آفاقها

يا منْ لحلبة فضله

أجرى يروم لحاقها

[ قف حيث أنت وخلّ

محرزة المدى وسباقها

قد أحرز الغايات مَنْ

أجرى لهنَّ عتاقها

فإليك عن لججٍ نهيـ

ينَك أن تخوض عماقها ] (5)

هذي رسائله فقف

متصفحاً أوراقها

ترَها عقائل فكرةٍ

أخذ النهى ميثاقها

____________________

1 - في المخطوطتين: أن تذم ذوو الكمال.

2 - في المطبوع: فهي الهدى لكفورها.

3 - وفي مخطوطة الأصل:

حتى له ضربت بأفـ

ـنية النجوم رواقها

4 - في مخطوطة الأصل: العلم.

5 - الأبيات الثلاثة لم تثبت في المطبوع.


وحدائقاً فيها المعا

لي نزَّهت أحداقها

وشدت بها ورقُ الثنا

مذ (1) شاهدت إيراقها

وتلذذ الذوقُ السليم

بها عشية ذاقها

ولعمري إنّ هذه الرسائل، المزرية بنورَ الخمائل، كلّها آيات فضلٍ مبهره، قد تنزلت من سماء فكرةٍ نيّره، أينما تليت فهي تشهد أنّها معجزات من هو كاسمه محمد، ولا ملامة إن قلت: ختم به العلم أفاضله وأعلامه؛ فإنّه علامّة العصر، بل نسيج وحده، وزينة جيد الدهر، بل واسطة عِقده، ومركز دائرتي المناقب والمآثر، وجمّاع سلسلتي المحامد والمفاخر، ولقد حلّ من أفاضل الزمن محلّ الروح من البدن، وكفى بمؤلّفاته الآخذة بأطراف الفضل شاهداً، وناهيك بها شاهد عدل، فلنمسك عنان المقال عن الثناء عليه، ببنان الدعاء له في نموّ أغراس نعم اللّه لديه، فالشمس غنيَّة بإشراقها، وحسب الحمائم زينة بأطواقها، (وهل ينفع التحجيل مَنْ هو أشهب).

وقال مقرظاً (الرحلة المكيّة) منظومة العلاّمة الشيخ محمد حسن كبّه:

طرح الدهرُ في حمى المجد رحله

عند مولىً يميرُه اليوم كلَّه

ولدته العُلى وآلت بأن لا

تلدَ الدهرُ في بني الدهر مثله

سيفُ عزٍّ لقد تقلَّده المجدُ

وبالجود أحسن الفخر صقله

ملكٌ تطلِع العُلى منه بدرا

في عيون الحواسد اشتبَّ شعله

أفرشته الخدود منهم ولكن

حسدت فوقها الكواكبُ نعله

لم يعب من خصاله الغرّ شيٌ

غير بشرِ ينسي (2) به الضيف أهله

خفر الناسُ ذمّة الجود لكن

حسنُ الفعل قد رعى اليوم ألّه

____________________

1 - في المطبوع: إذ.

2 - في المطبوع: ينمي.


وحَّد المدح منه للفضل ربَّا

والثنا في سواه يحمد عجله

درجت في العُلى أماجدُها الغـ

رُّ وكانوا شيخ العلاء وكهله

ثمّ أبقت (محمداً حسن) الفعل

على فخرها بها مستدّله

ولعمري لا يكمل الفخرُ حتى

يصف الفرع طيبا لك أصله

في لسان الثناء رحلة ندبٍ

كلُّ يومٍ له إلى الفخر رحله

وصفَ البيد كيف أنضى المطايا

فطوى رحبها لينشر فضله

يا مباري الصَبا بصُغرى بنانٍ

بالعطايا سماؤها مستهلَّه

عجباً يبتغي عُلاك ابنُ نقصٍ

ما حوى من خصالك الغرّ خصله

رفعت قدركَ المعالي عليه

فلها أنت عمدةٌ وهو فضله

وقوافٍ منظومةٍ لقبوها

رحلةً حطَّ عندها الشعر رَحله

منك ألفاظها مجاجة مسكٍ

مُزجت حلوةً بشهدة نحله

كم جلت لامرئٍ عقيلة معنىً

أمهرتها يدُ التعجب عَقله

ليت من مقلتي بدت بسوادٍ

في بياضٍ لكن بخط (ابن مقله)

كلماتٌ في وصف حجّكَ جاءت

كعطاياك في المكارم جزله

قد روته لنا فناديت أرّخ

(حيّ حجّا يتلو مساعٍ برحله)

وقال مقرظاً كتاب العلاّمة الميرزا محمد الهمداني:

هو طِرسٌ أم خدُّ عذراء تُجلى

خطَّ فيها الإبداعُ ما كان أملى

وسطورٌ تلألأت أم ثغورٌ

من غوانٍ يبسمن زهواً ودلاّ

بل كتابٌ (محمدٌ) جاء فيه

بلسان الإعجاز في الناس يُتلى

لا تُشبّه عقوده بفصولٍ

ناعماتُ الصبا به تتحلَّى

فمن الدرّ نظم كلٍّ ولكن

درّ هذي الفصول أحلى وأعلى (1)

____________________

1 - في المخطوطتين: أعلى، كما في المطبوع أيضاً، ولعلّها: أغلى.


إن تصفّحته بعقلٍ تجده

كيف يهدي لمَنْ تفهّم عقلا

يا صناع اليراع بل يا إمام الـ

حرمين استطل على الناس فضلا

إنَّ من بعض ما بنانك خطّتـ

ـه كتاباً حوى المحاسن كلاّ

ولدته رويّة لك يقظى

إنّها لم يلد لها الدهرُ مثلا

غير بدعٍ إذا تحلّى به العصرُ

فأنت السيفُ الصقيل المحلّى

بل ذكاء الهدى وأقسمُ حقا

بنهارٍ للفضل منك تجلّى

إن هذا الكتاب روض فنونٍ

يجتنى مثمراً كناناً ونبلا (1)

ظلُّ أوراقه النهى فتصفحـ

نا عليها منثور لفظك طلا

فنظمنا له وقد راق حسنا

عقد مدحٍ وكان للمدح أهلا (2)

فشممنا ريحانة النُقل منه

وهجرنا سواه إذ كان بقلا

____________________

1 - في المطبوع: كمالاً ونبلا.

2 - في مخطوطة الملاّ: أحلى.



متفرقات


قال (رحمه اللّه) هاجياً:

اكرّر الطرف (1) لا أرى أبدا

إلاّ غبيّاً أنى تلفَّتُ

من كل مَنْ ذقُنه (كعانته)

والفمُّ منه كأنّه استُ

ومعجباً كلُّ مشيه مَرجٌ

ومترفاً كلُّ أكله سحتُ

وقال:

وحشٌ من الأنس منْ يعلق بصحبتم

يكنْ كمستبدلٍ سقماً بصحتهِ

كأنّني بينهم مسكٌ أحاط به

ريحُ البطون فأخفى طيبَ نفحتهِ

وقال:

كم تراني أستولد الأوقاتا

فرجاً في انتظاره الصبرُ ماتا

وإذا هبَّت الحظوظ فحظّي

يقطعُ الليلَ والنهار سباتا

وقال يهجو أهل زمانه:

ما أكثر الناس لولا أنّهم بقرٌ

تأتي المثالب أفواجاً إذا ذكروا

لو شام آدم بعضاً من فضائحهم

لما أحبَّ له أن ينسبَ البشرُ

وقال:

إن يبلغنَّك عن جود امرئ خبر

فكذَّب السمعَ حتى يشهد البصرُ

ولا يغرُّك إن راقت ظواهره

فربَّ دوحٍ نضيرٍ ماله ثمرُ

وقال هاجياً بعض الناس:

أفلان لا تبغي الثناء فما

لكَ في الثنا من نعمةٍ تُجزى

إنّ الذي يثنى عليكَ كمَنْ

دون المهيمن يعبد الرجزا

____________________

1 - في المطبوع: أكرر طرفي فلا أرى أبداً.


وقال هاجياً بعض الشعراء:

فويلُ القريض لقد أصبحتْ

به أغبياء الورى تدَّعي

بقيّةُ عارٍ دنىِّ الهجاء

ترفَّع عن قدرها الأوضعِ

وقال مشيراً إلى زيارة أحد أصدقائه في ليلة هبت فيها عواصف ورياح (1) :

سعدت من عشيّة زار فيها

قمرُ المجد ربعنا فأضاءا

وأظنّ الرياح قد حسدتنا

فهي وجداً تنفسَّ الصعداءا

وقال يصف خيمة ضربت لمأتم الإمام الحسين (عليه السّلام)، والفرش في دار العلاّمة السيد مهدي القزويني في العشرة الأولى من شهر المحرّم:

أهذا نبيُّ الهدى أحمدُ

وهذا الذي ضمَّنا المسجدُ

من الدمع محمرَّةٌ أرضه

وسقف السماء به أسودُ

وجبريل إذ قام ينعى الحسين

وتبكي الملائك إذ تنشدُ

نعم وأبيك بها أحمد

وأملاك ربّ السما تشهدُ

فما عذر عينكم في الجمود

وعين الملائك لا تجمدُ

وقال وقد التمسه بعض الرؤساء أن يعمل تلغرافاً إلى النقيب وهو في استانبول:

ليت منّي نياط قلبي إلى قسطنط

ين يمتدُّ من أقاصي العراقِ

فيؤدي إليك أضعاف ما أدَّ

يت بالتلغراف من أشواقي

أنت بدر العُلى فما برحت فيـ

ك إلينا مضيئة الآفاقِ

فعلى البدر نالنا منك ما نـ

لنا على البعد منك بالإشراقِ

____________________

1 - لم يثبت البيتان في المطبوعتين.


وقال في كتاب كتبه لبعض الأكابر:

قل للنسيم وقد سرى

سحراً بأنفاسٍ رقيقه

يا مشبها عندي (أبا

محمود) في طيب الخليقه

إحمل إليه رسالة

تحكي سجاياه الأنيقه

من شيِّق في لجّة الأشـ

واق مهجته غريقه

ولأنت والبرقُ ازويا

عن قلب وامقه خفوقه

شوقاً لحضرته التي

كلّ النفوس لها مشوقه

هو فرع أصلٍ قد غدت

يثرى (1) على الجوزا عروقه

من دوحةٍ في ريّ ماء الـ

مكرمات غدت وريقه

يا منْ تمنّى النجم حين

سما إلى العليا لحوقه

مَنْ ذا لمجدك يرتقى

وسواك لم يسلك طريقه

إنَّ الكرام هم المجاز

وأنت للكرم الحقيقه

وقال في رسالة لبعض الأشراف:

سلامٌ برقَّته قد حكى

ونفسك رقَّة أخلاقِها

حباك به مغرمٌ أحكمت

مودّته صدق ميثاقها

ترفُّ بمهجته دائما

إليك نوازع أشواقها

رآك تفرّعت من دوحةٍ

زكا في العُلى طيب أعراقها

وأيكة مجدك قد غرَّدت

حمامُ الثناء على ساقها

وغرُّ مساعيك في المكرمات

تطول بزينة أعناقها

وفخرك لم تحك شمس السما

سناه بباهر إشراقها

فأهدي كأخلاقك الزاهرات

إليك تحية مشتاقها

____________________

1 - كذا جاء في المخطوط. وفي المطبوعتين: بثرى، وفي المعنى التباس.


وقال في وصف خيمة ضربوها في دار العلاّمة السيد مهدي القزويني في شهر المحرّم قد بطنت في بياض:

اليوم قد صوّت ناعي الهدى

يفصحُ بالنعي ولا يكني

ينعى قتيل الطفّ عند ابنه

المهديّ مولى الأنس والجنِّ

وقائلٍ ذا السقف ما باله

أبيضُّ وعهدي فيه كالدجنِ

قلت: رأى المهدي مستشعر الـ

سواد حزناً باكي الجفنِ

فصار عيناً كلّه للبكا

فها هو أبيضَّ من الحزنِ

وقال (رحمه اللّه):

خذي قلبي إليك فقلبّيه

ترى لا موضعاً للصبر فيهِ

وهل للصبر منزلة بقلبي

بأسهمها النوائب تدَّريهِ



الرّسائل.. (مدح، رثاء، عتاب)


1 - قال مقرظاً كتاب (الرحلة المكية) للحاج محمد حسن كبّه:

أيّها الرائد خميلة الآداب، الماخض ثميلة الأفكار والألباب، أمعن سير رواحل فكرك في شعاب هذه الرحلة، وذق بذوقك السليم في استعذاب هذه النحلة، واعرف كيف يُجتنى الوردُ، وبأيّ عين يراد، وكيف يجتنى الشهد، ومن أين يشتار ويستجاد.

فلقد بهرني هذا الكامل الذي ما كشفتْ عن مثله ذيولها الحواضنُ من العقائل، ولا علقتْ بمثله من النطف الغرّ أرحام الحوامل، ولا اتفقت ألسنة المدح إلاّ على فضله، ولا قلَّب الدهر أجفان حائرٍ قبل هذا في مثله؛ فابعث رائد نظرك في نجمع شمائله، ولمع مخائله، وقلَّبْ أجفان التوسّم، والحظْ كيف جمع بين التبذخ في معاليه، وبين التواضع في شرف التكرُّم، وتصفحّه بعين الفراسة، وتعجبْ من ماجدٍ كملت في شرخ شبابه فيه معاني السؤدد والرياسة، فأصبح كعبة الفتوّة، ومروة الإحسان والمروّة. تتعرّف للناس عرفاتُ جوده ونداه، فما دعا طائف الرجاء به إلاّ ولبّاه، فكلّ أيامه ولياليه نحرٌ وتشريق، وكلّ آناته مباهلةٌ بالجود وتصديق. قد جمع في حجّه بين مشعر الحرم ومشعر الجود والكرم؛ في رحلة شرفٍ راقتْ منه بأميرها، ونحلة ظرفٍ شاقتْ منه بابن أثيرها؛ تارةً تجدُه ابنَ مفازة، وتارة ملكاً جعل إلى العليا على النجوم مجازه.

يتنقَّل في تلك الأودية، وتخفق عليه تلك الرايات والألوية، في فلوات مجاهل عميِّة الإيضاح، خرساء صدى الصحاري والبطاح. يتلون خرِّيتها تلون آلها، ويمور من الهجير مور أنقائها، أوقبَّ صلالها؛ وتارة يصف لك تلك المنازل، وما حوتْ رياضها من ألمها الخواذل، والجواري المطافل، فيدعُك آنساً بتلك الخمائل كأنّك بينها نازل، وينعت لك شقائقَ وردٍ كأنّه أبو قابوسها، ويأخذ في نشر حديث أزهارها كأنّه وشيُ حلية طاووسها، ويحدّث عن مناهل كان


ابن فراتها، وعن صواهل كما قيل: كأنّما نتجتْ تحتهُ قياماً، أو كأنّه ولد على صهواتها، وعن إبلٍ ما أعجب ما وصف به رواحلها، كأنّه لا سواه نتج قادحها وبازلها، ثمّ يذكر في أثناء ذلك مساءه وصباحه، وغدوَّه ورواحه، وعشيَّه وأبكاره، وأصيله وأسحاره، بمنطق عذبٍ، وكلامٍ أرقِّ من خدِّ المحبوب وحشاشة الصبّ، ويتنقل في خلال ذلك في وصف طلوع الشمس وغروبها، وبزوغ الكواكب ومغيبها، ويتشوّق إلى أحبّته، وأهل مودّته، إلى غير ذلك ممّا اشتملتْ عليه أبيات تلك الرحلة، وكلمات هذه النحلة، في نظمٍ كالذهب الإبريز، أخلصه السبك، أو كالؤلؤ الرطب، تتوالى فرائده ‌في أحسن سلك، وحيث راقني بها الإعجاب، وأخذك منّي ما تأخذه محاسنُ بارعة الجمال من القلوب والألباب، قرضتُ كعابها، وقرطتُ من أبياته أترابها، فحليتُها بهذا الوقف، وشنّفتها بهذا الرعاث والشنف، وذلك قولي فيها، وفي منشي‌ء معانيها:

طرح الدهرُ في حمى المجد رحله

عند مولىً يميره اليومَ كلَّه (1)

أقول: ولعمري أين يقع هذا التقريض من مدحه على هذا النظم الذي عادت به حياة القريض؟ وإنّي لأحمدُ اللّه على ما أولانا من عظيم المنن، إذ رُفع يتمُ الشعر في هذا الزمن بخلف آبائه الحسن، وحقيقٌ أن أقول فيه، وإن لم أوفّه من المدح حقَّ معانيه (2) :

ما حليةُ الدنيا سوى أمجادها

يزهرُ في بهائم نديّها

واليوم قد زينتْ ومن محمدٍ

لا من سواه حسن حليُّها

قد نسج الفخر له مطارفا

مطرّزٌ بصنعه بهيُّها

فلا أدري أوسط الزوراء، أم قمرٌ توسّط منها فلكاً، تباع جواهرُ الحمد،

____________________

1 - تقدّمت في حرف اللام.

2 - وفي المطبوع: معاليه.


وتجلَّت لطائمُ الثناء، أعبق من لطائم المسك والند إلى عالمٍ منه بأثمانها، وخبيرٍ بتفاوت حسنها وإحسانها.

***

2 - قال وقد كتب بها إلى الحاج محمد حسن كبّه جواباً على رسالةٍ وردت منه:

ما عقدَ الحمدُ خنصره، ولا فتح المجدُ بصره، على أنضر عود مكارمٍ، وأزهر طلعةٍ لشائم، من أبلج بسّام العشيّة في الزمن البهيم، سيماء الشرف الوضّاح على قسمات وجهه الكريم، يسفرُ للجود عن محيّا أنور من بدرٍ تم، يقرأ الوافدُ عنوان صحيفته هذا قبلة الكرم:

وجهٌ كأنَّ البدر شا

طره الضياءَ أو النجوما

لو قابل الليلَ البهيم

لمزَّق الليل البهيما

يجلو الهموم وربَّ وجهٍ

إن بدا جلب الهموما

فبوركتْ طلعة ذلك الأغرّ، وحياه اللّهُ ما تعاقب الأبيضان الشمس والقمر، فلعمري كم أطلقت يده البيضاء من صنيعةٍ غرّاء، قد عُقلتْ نعمُ الشكر بأفنية نعمه، وملكتْ أعنَّة سوابق النظم والنثر فلا تستبق لغاية سوى الثناء على أخلاقه وكرمه حتى مكث ركابُ الشكر على تلك المواهب حبيساً، وأقسم الثناء بتلك المناقب لا لمستْ يداه سواها لموسى، وأين بركاب الشكر من تلك الرحبة الخضراء، وماذا تلمس بعد تلك المناقب يدُ الحمد والثناء؟ وهل في هذا الزمن إلاّ (محمد حسن) ماجدٌ ما اسودَّ ليلُ الظنّ لطامع، إلاّ أبيضَّ من أشعة وجهه القمر الطالع؟ وإنّي وإن أحكمتْ منّي يدُ الإخلاص عقد ودّه، وأمنتُ عليها أنْ تحلَّ بيد هجرانه وصدِّه، لمعتذرٌ إليه من إبطائي عليه، فلقد ساورني الدهرُ بشواغل هي قيدُ الفؤاد والفكر، فأصبحت قليل الحظوة، ثقيل الخطوة، عاثراً بذيل التقصير، ناظراً من الخجل على البعد بطرفٍ حسير، قد بعثت العذرَ على


لسان هذه الغادة الكعاب التي ربما وقف الحياءُ بها دوين الباب، والرجاء من كرم أخلاقه، وشرف أعراقه، أن يعيرها سمعَ مسامحٍ وهّاب:

إحدى الغواني إلى الزوراء

جاءتك تمشي على استحياءِ (1)

* * *

3 - وكتب إليه أيضاً يعتذر إليه:

قد جنى لي الزمانُ أعظم ذنبٍ

وغدا عنه شاغلي أن يتوبا

فلقد أقعدتني العللُّ حيث أقامني الخجلُ، ومثلت بي الأمراض في هيئةٍ من غيره الصدود والإعراض، إلاّ أنّ أعناق الآمال لم تزل متطاولة إلى هبوب نفحات الإقبال بقبول العذر ممّن نزل به السقم منزلة الصحة من جسده، وحنى اللحدُ أضلاعه على بعض أولاد أخيه وكان أعزّ عليه من أفلاذ كبده، ومع طوارق أُخر، كلُّ طارقهٍ منها تقول لا وَزَر، أيسرُها ابتلاء الدهرُ له بحبسه مع غير أبناء جنسه؛ لأنّي منذ فارقت ذلك النادي، وحللتُ ولكن في غير بلادي، إلى الآن مقسم الفكر بين معالجة الأوصاب، ومعالجة انتساخ ذلك الكتاب، فإذا انحسرتْ عنّي آونة غمرةُ الألم، وأفقتُ قليلاً من سكرة السقم، أقبلتُ على التحرير، قائلاً لا يُحمد ترك القليل لفوات الكثير، وبينما أنا كذلك إذ وردتْ إليّ تلك الرسائل، وأنا في حالٍ كأنّي المنعوت فيها بقول القائل:

أهمُّ بأمر العزم لا أستطيعه

كما حيل بين العير والنزوانِ

فلولا أنّها تابعتْ إلى طروقها، وشفعت برعدها بروقها، حتى خفتُ أنْ ينصبَّ عليَّ سوط عذابها، لما ألهاني عن تنميق الكتاب تنسيق جوابها؛ لأنّها يا عافاك اللّه ممّا أشتكيه، ومتَّعك من الصحة بأكمل ما ألتمسه من اللّه وأرجيه، وإنْ كان ورودُها إليَّ منك؛ فإنّي قد آثرتُ الاشتغال بك

____________________

1 - تقدّمت في باب الموشّحات.


حتى عنك، هذا عذريْ إليك، وأنا على ثقةٍ من قبوله إذا نشره بنانُ الاستعطاف لديك، ولقد وشحتُ هذه الألوكة بنظم هذه الأبيات التي جاءت أرقُّ من ريطة وشيٍ محوكة، وجعلتُ معانيها السحّارة كفّارة ما سلف من الذنوب، وأيَّ كفارة:

يا مَنْ لويتُ به يد الخطب

وبه ثنيتُ طلايعَ الكربِ (1)

4 - وقال وقد كتب بها إليه جواباً على كتابٍ أرسله أيضاً:

في فمي لم يزلْ لذكركَ نشر

طيّبٌ واختبرْ بذاكَ النسيما

وبمرآة فكرتي لم يزلْ شخـ

صُك نصب العينين منّي مقيما

وعلى النحر من عُلاك ثنائي

ليس ينفكُّ عقده منظوما

لا تظنّ البعاد يحجبُ عنّي

منك ذيالك المحيّا الكريما

أنت عندي بالذكر أحضر من قلـ

بي بقلبي فكنْ بذاك عليما

لستُ أقوى لحمل عتبكَ يا منْ

حملتْ فخره المعالي قديما

فاثنِ عن غرب عتبك اليوم عنّي

فيه قد تركت قلبي كليما

إنّي ومَنْ جعلك ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، لم استوجبْ منك هذا العتاب، ولم استجلبْ بمساءةِ كلّ هذا الخطاب، فهبني أسأت فأين العفوُ والكرم؟! ولعمري، لقد تجرّمتَ عليَّ ولا جرم، إنّي اعتذر الآن فأقول: إنْ هبَّت من ذلك الجناب نسماتُ القبول ما حلَّتْ أزرار جيبها الصبَا، ولا فتحت أكمام النور على الرُبى عن أطيب من تسليمات كأنّما تحدّثت بها أرواح النسيم فعطَّرتْ أنفاسها، وعن أبهى من تحيات كأنّما باهت بها الرواةُ أنواع الربيع فغطَّت خجلاً بالأكمام رأسها، ولا ملاطفة غادة كعاب، لم تعرفْ إلاّ العطر والخضاب بأوقع في النفس، واشغل للحواس الخمس،

____________________

1 - تقدّمت في باب المدائح.


من بديع بيان كلّه قطعُ جنان، يجلو بواضح الاعتذار ظلمة العتب، ويمحو بصادق التنصّل كاذب الذنب، من محبٍٍّ صدع التقريع منه الأحشاء، وأرمضتْ قلبه هواجس الاستجفاء إلى مَنْ حنوتُ عليه ولا حنوَّ المرضعات على الغرام، وغذوتُ له الحبَّ ولا غذاء الآباء طرائف الهيام حتى شبَّ وليد شوقي إليه على الشغف، ونشأ طفل ولعي به في حجر الصبابة والكلف حتى سكنتْ نفسي إلى هواه، سكون الجفن الساهر إلى كراه، وعقدتُ خنصر التعويل عليه حين توسّمت عنوان النهى بين عينيه، وسبرتُ في مباديه، وتفرّستُ في معانيه؛ لأعلم أين يكون موقعه من فخر أبيه، فرأيت الخيرُ كلّه فيه بعد أخيه حيث أنبأتني شمائله، وبشّرتني مخائله إنّه سيكون إنسان تلك المقلة، وطراز تلك الحُلة، ولا عجب، والأمر ليس بمستغرب ممّنْ ترشحُه معالي هممه، وتؤهّله محاسنُ أخلاقه وكرائم شيمه لمعارف أبيه وعوارف كرمه، أن يتّشح ببردة فخره، ويتوشّح بمناقبه بين أبناء دهره.

ولعمري، لئن حكتْ أخلاقه خلائقه، ووصفتْ مخائله بوارقه، ففي الشبل من ابن الغيل شمائل، وعلى ابن ذكاء من الغزالة دلائل، والفيء ناشيٌ من الظلّ، والفرع مبنيٌ على الأصل، وذكاء النبت بقدر ذكاء تربه، والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه، وهذه الصلصالة من ذلك الطين، وهذه السلسالة من ذلك الماء المعين، قد استهلَّ معه سعده حين وُلد مجده:

عفُّ السريرة طاهر الـ

أبراد معصومُ البصيره

يقتدي به مشايخُ الحزم في عنفوان شبيبته، وتعرف الإصابة كلّما رمتْ عن قسيِّ روّيته، زاده اللّهُ عليهم في الحزم بسطة، وجعل له في الكرم أنامل بسطه، قد مشى في ديار التجارب فجاس خلالها، وقاس بفتره أشبار الكرماء فطالها، يضرب بعرقيْ نسبه، ويمتُّ بطرفي حسبه إلى أبوين لا يجاريان شرفاً؛ أبٌ مرتضىً، وأبٌ مصطفى، قد صعد الذروة من هاشم،


واقتعد الصهوة من مجد قبيلة المكارم، فهو من أهل ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرً‌ا ) ، ومن أسرةٍ جعلوا الإنفاق لوجه اللّه ذخيرةً وذخراً، ليس على (الزوراء) وباهر نداها. أسرةٌ للشرف الواضح سواها، بل ولا على فقارة جميع ظهر الأرض عترةٌ غيرها للكرم المحض، قبيلةٌ صوَّرها اللّهُ من طينة المعروف والإحسان، وحدَّرها من صلب الشرف الأقدم على أولي الزمان، وأقرَّها في أرحام النجابة، وأولدها في رباع السماحة والمثابة، ولفَّعها بأبهى مطارف الحمد، وربّاها في حجر السؤدد والمجد، وأرضعها لبان العلياء، وفطمها إلاّ عن رضاع الحمد والثناء، وجعل بها سماحة البحر الذي لا يُخاض في عبابه، وأبرزها بهيبة الهزبر الذي لا يواجه في غابه، وكفى طيبُ أصلها إبّانه أنَّ في حدائق أحسابها ذلك الحبيب أطيب ريحانه، أعني به جوهرة الزمن، وغرَّة وجهه (الحسن)، أنمى اللّهُ غصن شبيبته على الفضائل، وشدَّ أزر المعروف من عطائه بواصل، وأرسى قواعد مجده على الأبد تخليداً، وورّد بمكانه من حسان الآداب خدودها توريداً، وأقرّ نواظرنا وناظره بشفاء أبيه الذي عقد على الكرم مآزره، مولىً أهلُ الفضل من بوارقه، وزهرةٌ من حدائقه، وأهل البذل قطرة من أمطاره، وغرفة من بحاره:

فله أيادٍ لا تزالُ

سماؤها كرماً مخيله

ونقيبةٍ ما غيَّرتْ

في الجود عادتها الجميله

ويدٌ كضرع الغيث يمـ

خضها الرجا مخض الثميله

أمّا بعد: فحين وصلتْ إليَّ عقيلة فكرك، وجميلة نظامك ونثرك، طرحتُ عنها الإزار، وحللتُ من غلالتها الأزرار، ثمّ قبّلتُ منها فتاتاً تزري بفتات المسك بخلوقها، وبابنة العنقود في راووقها، فشفتْ بعذب كلامها غلّة صدري، ونفثتْ بسحر بيانها في عقد صبري، قد نشرتْ لديَّ


حديثَ واصل، ثمّ بسطتْ عليَّ لسان عاذل فأباتني تأنيبها مبيت نابغي، وقلبَّني توبيخها في مضجع ابن هاني المغربي، بل كلّما ضرب الليلُ على الأفق رواقه، وعقد على الشفق أزراره ونطاقه، أمسي وهمومي القارعة، وأفلاذ كبدي الواقعة، وفاتحة الرعد سائغ ريقي، وخاتمة الأعلى في شرايين أوردتي ووشائج عروقي، وآراثي في الشعراء، وأحشائي ما جعله الخليل في وسط الأنبياء، تقريباً بلا استثناء، وكلّما فلق الصبحُ بعموده هامة الغسق، وشهرَ خاضباً من وريد الظلام سيفه الشفق، أصبح ولسانُ حالي يترجم عن لسان مقالي، إذا رأيت قوماً إنّي نذرتُ للرحمن صوماً، فواعجباه والدهر سلكُ عجائب! والأيام مثرية من الغرائب، كيف ينصرف إليّ وهم، أو يتصوّر في خيال أخي فهم إنّي في تيّاك المودَّة أشقى بعدما تمسكتُ منها بالعروقة الوثقى؟ لا وعافاك اللّهُ من العلل، وبلَّغك منتهى المجد وقد فعل، لا يلهو عن تلك المحبّة عميدها، ولا يخلق على تعاقب الليالي والأيام جديدها، وليت شعري أعتاض عنك بأيّ بدلٍ منك؟ ولمَنْ أربِّي مولود الوفاء؟ ولمَنْ أزفُّ عروس الإخلاص والصفاء، وملتمس الثقة لإيداع المقه، كالمرتبع بواد غير زرع، والمنتج في بوارٍ خالبةٍ اللمع، والمغترف من السراب الخادع، والقابض على الماء خانته فروجُ الأصابع؟ فهم ومَنْ جعلك جوهرة الزمن حريّون بقول المهيار أبي الحسن:

خُلقٌ إذا حدثت عن أخلاقها

فكأنّما كشَّفتَ عن سوءاتها

وأمّا وعلياًّ أبيك، وخلاله الصالحة التي اجتمعت في أخيك وفيك، وسماء مجده التي أنتما قمراها، وعبقات فخره التي ينفح عطفاً كما بريّاها، لأنت على بعدك يا نسيج وحدك، ثاني النفس لديَّ، وثالث عينيَّ، بل أعزُّ منهما عليَّ، وما تركتُ المواجهة رغبة عن المشافهة، ولا المراسلة رغبةً عن المواصلة، كلا، بل لعوائق طارية، وشواغل غير متناهية، تلهي


الحليم عن نفسه، وتنسيه يومه فضلاً عن أمسه، ولولاها:

لنثرتُ حبّات القلوب ألوكةً

ونظمتها شوقاً إليك قريضا

* * *

5 - وكتب إلى الحاج محمد رضا كبّه بهذه الرسالة، وصدرَّها بهذه الأبيات:

أغضّ النسيم تحملْ سلامي

فحيِّ بريّاهُ (دار السلامِ)

سلامُ محبٍّ غريق الوداد

غريق الفؤادِ ببحر الغرامِ

يُميتُ بشوق بياض النهار

ويحيي بشوق سوادَ الظلامِ

وتهفو نوازع أشواقه

بلبِّ حشاشته المستهامِ

يطالع بالفكر وجهَ الحبيب

فيحظى برؤية بدر التمامِ

حبيبٌ أروِّحُ قلبي العليل

من ذكره بنسيم المدامِ

وشوقي إلى درِّ ألفاظه

كشوق الرياض لدرّ الغمامِ

ممّنْ سكن روحُه بمحاني (الزوراء)، وأقام جسمه بمغاني (الفيحاء)، إقامة المغترب عن وطنه، اللابث في غير عطنه، لا يملك على الخفوق أثناء قلبه المشوق، ولا يُلقي سمعه إلى نديم، ولو كان أفصح الأنام، ولا يرتاح إلى مفاكهةٍ ولو كان من ولدان النعيم، عبقُ الكلام، ولا ينظر إلاّ بعين أنسيّة الأجفان وحشيّة الإنسان، قد عرفتْ آماقها الأرق، وأنكرت أحداقها الرفّق، لم تفتحْ على أناسٍ بصرها إلاّ استوحشتْ عنه؛ فغضَّتْ عنهم نظرها:

أتأنسُ في فتح أجفانها

عيوني في غير إنسانها

ويخلص يوماً لنفسي السرورُ

إذا وصلت غير خلصانها

إذاً كذبتْ بادعاء الوداد

نفسي وما الكذب من شأنها

نعم عندها الغدر بعد الوفاء

هو الكفر من بعد إيمانها

على أنّني لم أبرح مسائي وصباحي، وغدوّي ورواحي، وعشيتي وأبكاري،


وأصيلي وأسحاري حرج الصدر، متشعّب الفكر، ملويَّ الحشاشة على حسرات متعالية، طويَّ الجوانح على زفرات إلى التراقي متراقية من لوعةٍ غير ماضية، أقتل من ماضية الحدِّ، وصبابةٍ كأنّها جمرةٌ ذاكية الوقد، فإذا غشيني الدجى بغياهبه، ورقدت الورى أحصيتُ عدد كواكبه بعين ابن شوقٍ نسيتْ أجفانه الكرى، وإذا نضا الليلُ عنّي ثيابَ ظلمائه، وألبسني النهارُ جلباب ضيائه، أقبلتُ على نفسي أعللها بوشيك التداني، وأسلّي غلّة شوقها بسراب الأماني، فتذمُّ من أمسها ما استدبرتْ، وتحمدُ من يومها ما استقبلتْ حتى يأكل فمُ الغروب قرصَ الشمس، ولم تحصل من الرجاء إلاّ على اليأس، ولمّا لم يبقَ لي في قوس الأماني منزعٌ، ولا في مطمعات الأماني مطمعٌ؛ سبرتُ بعين البصيرة والعقل مذاهب طرق الوصل، فوجدتها على ثلاثة أنحاء بين أهل المودَّة والإخاء؛ إمّا بمشاهدة العيان على القرب، أو حضور الحبيب في مهجة المحبّ، أو بثِّ الشوق إليه والوجد بالمراسلة على البعد، فألفيتُ أوّلها مستحيلاً، بعد أن طلبته بكرةً وأصيلاً.

وأمّا الثاني فما عداني، وحين وصلتُ بالنظر إلى طريقها الثالث، وقطعتُ عن أوّلها قرينة البواعث، وجدتُ نفسي مقصِّرةً في عدم إتيانه؛ لاقتدارها عليه مع شدّة إمكانه، فلم أزلْ أوبّخُها في ذلك وألومها وأعذلها والندم فيما هناك نديمها إلى أن تمنّت من شدّة الخجل لو سبق السيف إليها ذلك العذل، وقد أخرسها الذنبُ، وأفحمها العتب؛ لأنّها قطعتْ لسان عذرها في شبات هجرها، حيث أنّها وإن طلبتْ من أنواع المواصلة أطيبها، وأكملها لذةً وأعذبها إلاّ أنَّ ما لا يُدرك جلُّه لا يُترك أقله، ولكنَّ منها هذه الزلّة صدرتْ بعد ماجدٍ شابهَ فرعُه أصله، ووصفَ طيبُ أخلاقه، كريمَ أعراقه؛ ولذا نهضتْ بعد كبوتها، بأذيال هفوتها، وسلكتْ إلى المواصلة بطريق المراسلة، وإلى المخاطبة بالمكاتبة، ولم تزل تمحضُ غزير درِّها، وتمخض ثميلة فكرها حتى استخلصتْ زبدة سلام


رائقه، يستعذبُ بها حتى مَنْ لم تكن له ذائقة، لو ضوعت في لهاة مَنْ حشرجتْ من الموت نفسه لانساغت بفيه، أو تنفَّست أرواحها على بدنه لقرَّت الروحُ فيه:

فما روضةٌ مرشوقةٌ عن عبيرها

تحدّثنَ أنفاسَ الصبا والجنائبِ

بأطيب عرفاً من سلامٍ بنشره

يعطّر فاه كلُّ راوٍ وخاطبِ

ترفعه عواملُ شوقٍ تنازعتْ جلدي، وجلبتْ السقمَ في تصرُّفها إلى كبدي، فنسختْ جميل صبري، وأطالت اشتغال فكري إلى مَنْ نصب اللّه على التمييز علمَ فخره، فانخفضت بالإضافة إلى عزّه جميع أبناء دهره، وجزمتْ بنو الدنيا أنّه في السماحة البحر المحيط إذا بسط لها بالعطاء كفّاً استغرق وافر جودها ما حوته دائرة البسيط، فأقال به من كبوة الجد عثارها حتى سلمتْ له بالفضل إقرارها، فهو في أصله الذي عرقت به العلياء، كما قلتُ فيه مخاطباً له بهذا الثناء:

يا أمجد الناس فرعا

ينمي لأكرم أصلِ (1)

ولعمري، كيف ينالها بهمة جسمه مَنْ ليس ينالها بها حسنُّ فهمه؛ إذ هي عُلا مجدٍ تفرّع من دوحةٍ ضربت في طينة المجد أرومَها، واُخذ بأطراف الشرف حديثها وقديمها، فهو ينتمي منها إلى نسبٍ كريم الطرفين، وحسبٍ لم يزلْ معشارُ فخره فخار الثقلين، ذاك صفوة المكارم في أبنائها الأكارم، وأنجبُ مَن ضمَّه الفضا، (محمدٌ الرضا) رفع اللّهُ قواعد مجده، وخفض حواسدَ جدِّه، وجعل كوكب سعده طالعاً في سماء الفخار، ما استدار الفلك الدوّار:

دعاء إخلاصٍ إذا رفعته

قال الحفيظان معي آمينا

____________________

1 - تقدّمت في باب المدائح.


أمّا بعد: فالغرض من توشيح هذه الألوكة وتسهيمها، وترصيف منثورها ومنظومها، بثُّ وجدٍ حركتْ ساكنه الذكرى، وترويحُ كبدٍ أرمضتها هواجرُ البعد فغودرت حرّى، وتعليلُ نفسٍ لم تزل من ثنايا الشوق إليكم متطلّعة، ولأخباركم من فم الصادر والوارد لم تزل منتجعة؛ ليرد عليها في ارتيادها ما يجلب المسرَّة إلى فؤادها؛ من صحة أجسادكم التي هي لجسم الزمان أرواحٌ تدبّره، وصفاء أيّامكم التي هي أوضاحُ هذا الدهر وغررِه، وصل اللّهُ عزّكم بيمن إقبالها، وقرن لكم بعمر الدهر غضارة اقتبالها، فلستُ أسأل غير ذلك من محقّق الحقائق في كلّ غاسقٍ وشارق، والسّلام عليكم ما رفَّ قلبي بأجنحة الشوق إليكم.

* * *

6ـ وكتب بها إلى الحاج محمد رضا كبّه أيضاً:

نسختُ ولم يُحصِ اشتياقي ألوكة (1)

جميع الذي قد ضمَّه الكون ناسخُ

لقد دان قلبي في شريعة حبِّكم

فليس لهُ حتى القيامة ناسخُ

سلامٌ فتَّقتْ نَورَ زهره صبا الحبّ، وأعربتْ أنفاسُ نشره عن طيِّ سريرة الصبّ، ورقَّت ألفاظه حتى سرق النسيم طبعه من رقّتها، ونفحتَّ بريّاً الإخلاص فقراته حتى استعار العبيرُ المحض طيبه من نفحتها، وما هي فقراتٌ في الطروس قد وسمت، بل روحُ محبٍّ أذابها الشوق، وفي قالب الألفاظ تجسَّمت، فلو نشق أرواحَ عَرفها مَنْ غشيتهُ سكرات الموت لصحا، ولو سرَّح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذو الطبع السليم لسحرتْ عقله وماس منها مرحاً، فحقيقٌ أن أوشِّح خصورَ عرائسها الأنيقة بدرٍّ من ألفاظَي التي تحتوي من المعاني على نفائسها الدقيقة:

عرائسُ لفظٍ حكى مسكُها

على الطرس أنفاس ريح الصَبا

____________________

1 - الألوكة: الرسالة. وفي نسخة: والهاً.


رقاقٌ كرقَّة قلب المحبِّ

وخدَّ الحبيب بعصر الصِبا

حكتْ في العذوبة أخلاق مَنْ

لها اُهديتْ واليها صبا

من محبٍّ قطع قلبه الشوق الملحُّ، وترّح به الغرامُ المبرّح، وحال من البعاد بينه وبين حبيبه ما أوقدَ في أحشائه سعيرَ وجدٍ، إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت من لهيبه، وغودر جنباه من تلهُّب أنفاسه الحرار، يُرسَل عليها شواظٌ من نار، وكاد في تصاعد حريق زفرته يضرم الهوى ناراً في كرته، وحشدت جحافلُ الغرام في منحنى ضلوعه، وانتجعت سفحَ عقيق دموعه، فهي تستدرُّ عينه دموعها في كلّ آن، فتنبعثُ كأنّهنّ الياقوت والمرجان، وأوطنت الصبابة في غوير لبِّه، وقوَّض السلوُّ عن غضي قلبه، وحال من مترادفات الأشجان، بينها برزخٌ لا يبغيان، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح عقيم، ما تذر من شي‌ء أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم، فلا يتناهي في تحرير نعت شوقه الكلام، ولو أنّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلام، إلى مَنْ حلَّقت به قدامي شرفه، فقصَّر كلُّ محلّقٍ عن شأو عُلاه التي أحرزها عن سلفه، وتسنَّم غاربَ كلّ فخرٍ، ووطأ بأخمصه رقاب الأنجم الزهر، وناصى برفيع مجده أعنان العلاء، ورقي ذروتها بسلَّم شرفه المطلّ على الجوزاء، ولطفت شمائله، ولم يوجد في الكرم مَنْ يساجله، وغذيَّ بلبان العلياء إلى أن بحجرها نشأ، وارتشف مدامة حبّها إلى أن نشا، وطابت منه الخليقة، فكانت ممّا قلتُ فيها خليقة:

يا طيب أخلاق كريم روي الـ

سامعُ منها ما روى المبصرُ

بأنّها أطيبُ من روضةٍ

طينتها مازجها العنبرُ

لو مزج الماء بها شاربٌ

ما شك فيه أنّه الكوثرُ

ندبٌ له في حلبات العُلى

دون الأنام الورد والمصدرُ

كأنَّ مَنْ يأوي إلى بشره

من وحشةٍ في روضةٍ يحبرُ


معارجُ العلياء مرصودةٌ

ليس عليها غيره يظهرُ

الفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبُك نطاقها، والبليغ الذي مدّت فوقه البلاغة رفيع رواقها، والماجد الذي سمح الدهر بجوده، فدلّ على نفي بخل الدهر وإثبات وجوده، وأحيا به روضة الأدب بعدما ذوت، وأجدَّ به ربوع الفضل بعدما عفت، ورفع به سماء المجد بعد هبوطها، وأقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها، وأقرَّ عيون السماح منه بإنسانها، ووصل يمين المعروف منه ببنانها، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبة، وأظهر فيه ما أُخفيَ من بدايع الكمالات الغريبة، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد، والواسطة من العقد المنضد، فأكرم به من ماجدٍ بهيجٍ تعشو من ضوء صباح محياه نواظرُ الراثين إذا ملأتْ من نوره البصر، وأعجب به من فطنٍ تعشو في ظلام الإشكال إلى مصباح ذكاه بصائرُ ذي النظر؛ الصفيُّ الذي أخلصته نفسي من جميع ما ضمّه الفضا، (الحاج محمدٌ الرضا). لا زالت شمس إقباله طالعةً في أعلى بروج المراتب، وكوكب سعده ثاقباً في سماء شرفه التي يتمنّى أن يحلَّ فيها سعدُ الكواكب، ولا برح طائر اليمن له مزجوراً، وروض مسرّته غضاً مونقاً نضيراً، بمحمدٍ وآله المبرّئين من الزلل، وصحبه الذين ما لهم في التقى من مثل.

أمّا بعد: فإنّي لم أزل للغرام فيك نديماً، وعلى الصبابة حيثما رحلتُ مقيماً، تذهب بيَ الأشواقُ كلَّ مذهب، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلَّب، فكان عينيَ قد جنَّت عن إغضائها، وكلَّت بعدّ النجوم وإحصائها:

أنا أحصي النجوم فيكَ ولكن

لذنوب الزمان ليس بمحصي

غير أنّي كلّما ألحَّ على قلبي الجوى فأضناه، روّحتُه بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه، وبينما أعللُ نفسي بذكر الوصال، وهي من شدّة الشوق


تتمثّل بقول منْ قال:

ولم أرَ مثلي قطَّع الشوقُ قلبه

على أنّه يحكي قساوته الصخرُ

إذ وردتْ منك إليَّ رسالةٌ بديعة الكلام، حسنة النسيج والانسجام، قد افتتحت بزهر السّلام روضة كلماتها، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها، فنشقت منها نسيم المودّة حين نُشرت لديَّ، واقتطفتُ منها نور المحبّة حين قُرئتْ عليَّ، وهزَّني إليها الطرب، وملكني منها العجب، ولمّا استوقفتُ النظر فيها، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها، سكرتُ من ألفاظها ولا جام، بمدامة معانيها ولا مدام، فحينئذٍ ثنيت عطفَ ذي نشوة، وذبّت بها صبابةً وصبوة، لكنّي كلّما فوّقت سهام فكري لم أصب الغرض في تفويقها حين غلب عليَّ الشكّ في تحقيقها.

أهيَ السلافة مُزجتْ بالغيث الذي انسجم وانسكب؟ أم (المستظرف) من أرواح الكتب، أو زُفَّتْ إليَّ دمية القصر، أو يتيمة الدهر؟ وجُليت لي بين أنوار الربيع في المعاهد، حاليةً بدرّ القلائد، وغرر الفوائد، فيا لها عرائس فكرٍ أغرب مبتكرها وأبدع، ولآلي ألفاظٍ أحسن ناثرُها حين جانس بينها وسجَّع، وجمع فيها فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني فسحر الألبابَ بيانها، وألَّف بين الإيجاز والإطناب فبهر العقولَ تلخيصها وتبيانها، ووالى في سلك الطروس بين فرائد منظومها ومنثورها، وقابل بين التدبيج والتطريز في وشيِ رياض سطورها، قد ابتدأتْ برفع خبر الشوق عند الخليل، وأنهت إليه الجزم في تمييزه فيما بنيتْ عليه من مضمر الحبّ وظاهر المدح الجليل، وأنبأتُ فيما أكدتُ من الشوق أن لا بدلَ من الصبّ عند صبِّه، وأن لا عوض عنه فيما نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبّه، وأنَّ هوى الخليل مقصورٌ على خليله في كلّ أحواله.

بالإضافة إلى الاستثناء في حذف عذاله، وصرّحتُ عن إلغاء مقالة الحسّاد، وإثبات ما راموا نفيه من المحبّة والوداد، فطفقتُ


أكسوها من إستبرق المدائح بُرداً أحكم فكري نسجه، وأحليّها بعقود الثناء وإن لم تزدْ حسنها بهاءً وبهجة:

أطرسكَ أم خدُّ عذراء بكرٍ

وذا درُ لفظكَ أم لفظُ درِّ

سحرٌ غداة فضضتَ الختام

عنه كأنّ لفظه نفثُ سحرِ

وشكَّكني حسنُ تنميقه

أوشيُ بنانك أم وشيُ زهرِ

فناهيكَ بها مبلغةُ أو غرتْ فأوجزت، ومفصحةً بما فيه لكلّ منطيقٍ أعجزت، قد حملت جزيل الحمد من مبادرٍ لشكره، إلى مَنْ تقدّم إليه بمدح مجده وتنويه قدره، فللّه أبوكَ وأنت، أتشكرني على مديحٍ به إلى نفسي أحسنتَ؟! لأنّ النفس منّا ومنكم في الحقيقة واحدة، وإن كانت الأجساد متعددةً متباعدة، على أنّكم في غنىً عن جميع المدايح، بما أحرزتم من المكارم والشرف الواضح، وبنشر فخركم طبق مجدكم سائر الأرجاء، لا بما نشرت لكم من الثناء ألسنُ الشعراء، غير أنّي كلّما فكرتُ في نفسي، لم أجدُ إلاّ المحبّة الخالصة، دعتكَ إلى شكر مدائحي التي هي بالنسبة إلى كمال شرفكم متناقصة.

فنسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يجعل عزّكم ملازماً للدوام ما بقيَ الدهر، ويصل بالبقاء ما خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر، إنّه على كلّ شيٍ قدير وبالإجابة.

***

7 - هذه صورة ما كتبه حول قصيدة المرحوم عمّه السيد مهدي السيد داود:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على أشرف أنبيائه محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد: فيقول الراجي عفو ربّه الغنيّ (حيدر بن سليمان


الحسيني): إنّي لمّا جارى عمُّنا وسيّدنا السيد مهدي السيّد صالح القزويني (1) في قصيدة مدح إنسان عين الزمان، وواحد الأبدال والأعيان، مَنْ حطَّ عن أدنى مراقي علاه الفرقدان، وأشرق في سماء فخره المشرقان، زعيم الفضلاء الجحجاح، الحاج محمد صالح (كبّه).

أحببتُ أنْ أتصدى إلى تشطير قصيدة سيّدنا السيد مهدي، كما تصدّى إلى تشطير قصيدة السيّد المشار إليه الشيخ إبراهيم العاملي (2) ، فوجدتها في دقائق معانيها، وسلاسة ألفاظها، ورقة قوافيها فوق ما قلتُ فيها:

ومُعربةٍ عن فضل مَنْ صاغ لفظها

وأودع فيها من بدايعه اللحنا

بديعه حسنٍ لو سواه يرومها

لكان التقاط الشهب من مثلها أدنى

تودُّ قلوبُ السامعين لو أنّها

إذا أُنشدتْ في محفلٍ كانت الأدنى

فما هي إلاّ وردةٌ ما تفتَّقت

كمائمُ زهر الشعر عن مثلها حُسنا

ولا ولدت أمُّ القريض نظيرَها

ولا فتحت يوماً على مثلها جفنا

فما روضةٌ غنّاء راقت بزهرها

وما برحت أزهارها ترضع المـُزنا

بألطف من مدحٍ بها (لمحمدٍ)

وأنّى وفيه فاقت الروضة الغنا

فتىً قبل دحو الأرض بيتُ علائه

بناه إله العرش للملتجي أمنا

وقام بنصر الدين لله ناصرا

وفي علمه للخلق نهجَ الهدى سنّا

فما المجدُ إلاّ صورةٌ وهو روحها

وما الفخرُ إلاّ لفظه وهو المعنى

فتىً في معاليه وفي مجده يرى

أجلّ بني الدنيا وأمنعهم ركنا

وأكرم به من ماجدٍ سيبَ جودُه

لوفاده عن طيّب المزن قد أغنى

أيا مَنْ لعيدان الندى رَّد ماءها

بعيدَ ظماً لم يُبقِ في دوحها غصنا

وقد عاد منها ما ذوى فيه مورقا

وما قد عسى أمسى لعاطفه لدنا

بمدحك أمَّ الساريات حسودُها

إذا تليت من سحر ألفاظها جَنّا

____________________

1 - مرّ ذكره في باب المدائح.

2 - ترجمت له في شعراء الغري 1 / 68.


ومن حسنها وافى معنّىً قد اغتدى

وسيعُ فضاء الأرض في عينها سجنا

يودُّ إذا ما أنشدوها بمحفلٍ

له منشئُ الأجساد ما خلق الأذنا

مسدَّدة الأقوال يمسي معيبُها

لخجلته بين الورى يقرعُ السنّا

ولو رزقَ اللهُ السكوت معيبَها

لكان له من نطق مذوده أهنا

ثمّ إنّي أعرضتُ عن تشطيرها، وقلتُ: ما يمنعني من تخميسها وقد أنحلني أدبه، وشربتُ من نطاف هذا النظام مشربه؟ فأطلقت عنان فكرتي في مجاراته، وقابلت بتخميسها جميع بدائعه ومخترعاته، فقلت:

إذا عنّ لي برقٌ يضيء على البعد

نزت كبدي من شدّة الشوق والوجد (1)

ولمّا قدم حضرة قطب دائرة الوزارة، ومؤمَّل الإمارة، وإلى بغداد جناب أحمد مدحت باشا، نظمَ بيتين يتحمّس بهما، وذلك قوله:

فلا والقنا والمرهفات البواتر

فلا ترة أبقيتَ لي عند واترِ

أيذهب خصمٌ في دمٍ لي مضيَّع

ولستُ أذيق الخصم حدَّ البواترِ

فكتب إليَّ الحاج مصطفى كبّه إلى الحلّة يستحثّني بعد الالتماس على تشطيرهما وتخميسهما، وأن أنثر مع ذلك نبذة من مدح الوالي المشار إليه، وأن أنظم من الشعر ممّا يحسن به الثناء عليه، وذكر أنّه حضر في تلك المجالس، وجرى ذكر البيتين فضمّن التشطير والتخميس، ثمّ ألزمني بذلك وحثّني على الاستعجال، فأجبته وقلتُ مصدّراً للنثر بهذين البيتين، مورِّيا فيهما باسم الوالي المتقدّم ذكره:

لي قوافٍ في جنبها البحر رشحه

سلسلتها رويَّةٌ لي سمحه

مدح الدهرُ حسنها غير أنّي

لستُ أرضى بها لأحمد مدحه

ذلك من ألحف بيضة الإسلام جناح ظلّه، وأقام دون حوزة المُلك سدّاً من

____________________

1 - ذكرت في باب المدائح.


زبر آرائه ونصله، ومدَّ غطاء الأمن على الدين، وبسط العدلَ على جميع المسلمين، قد اصطفاه حضرة صدر التأمير الرئاسة، وأرسله على حين فترةٍ من التدبير والسياسة، فجاء بعدما غاضت بحيرة البراعة، وخمدت نيران البأس والشجاعة، جامعاً بين آية النصل، ومعجز المقال الفصل، تتفجّر من بنانه ينابيعُ الكرم، وتفرّق عن بنانه جوامع الحِكم حتى هتف لسان العراق، الآن بزغت شمس العدل باهرة الإشراق، ودرَّ حلبُ البراعة، ونطق بعد الإفحام لسان اليراعة، واستطيب نفحات غوالي الفضل، بعدما منع من شمّها زكام الجهل، وقام وزن الآداب، بعدما كسدت منها البضائع، حين نجم مشتري زهرة الكمال في حضرة فلكية المطالع، كما قلتُ فيها:

حضرةُ مولىً سواه ليس يُرى

في غير هذا الزمان (1) إنسانْ

مذ شبَّ يُكسى العُلى ومرهفه

شابَ به الدهر وهو عريانُ

فأرض أفنيتها الشرفُ، ونديم أنديتها الظرفُ، وخلَّتاها الشجاعة والكرم، وخادماها السيف والقلم، وسفيراها العلاء والمجد، وسميراها الثناء والحمد، والهيبة حاجبُ طرّاقها، والعزّة خفيرُ رواقها.

ويحقُّ لي هاهنا الإنشاء، وإن كان قاصراً لسان الثناء:

رواقكَ ذا لا بل وليجة خادرٍ

بل الليثُ يخطو دونه خطو قاصرِ (2)

هذا ولقد رعدتْ سماءُ ذلك الفكر المدرار، فقرعتْ سمع الأعداء بصاعقتين يخطف منهم برقهما القلوب والأبصار، قد أوشكت أن تطلّع على نفوسهم منهما الآجال، إذ تحمَّس بهما فقال:

فلا والقنا والمرهفات البواتر

فلا ترةً أبقيتَ لي عند واترِ

أيذهب خصمٌ في دمٍ لي مضيّعِ

ولست أذيق الخصم حدَّ البواترِ

____________________

1 - ذكرت هذه القصيدة في باب المدائح.

2 - وفي المطبوع: في عين هذا الدهر.


هذا واللّه الشعرُ الذي تقطر منه الحماسة دماً، وتجبن عن إنشاده الثريّا حتى لو كانت للأسد فماً، وحيث فاض على الأسماع صوبُ هذين العارضين، وصقل الخواطرَ والطباع لمعُ هذين البارقين، رجوتُ على قلّة البضاعة، ونزارة الاطلاع على (1) هذه الصناعة، أن أنخرط في سلك مَنْ شكرَ، وأكون في نظم مَنْ خمّس وشطّر، فقلتُ لا متحمّساً، بل على سبيل الحكاية عنه مخمّساً:

أثرتُ الثرى نقعاً بكرِّ الضوامر

إلى أن تركتُ الدهر أعمى النواظرِ

فقل للعدى أمناً شفى الكرُّ خاطري

فلا والقنا والمرهفات البواترِ

فلا ترةً أبقيتَ لي عند واترِ

أبحتُكمُ للعفو أبردَ مشرعِ

غداة غسلتمْ كلَّ جرحٍ بمدمعِ

طمعتُم لعمرُ الله في غير مطمعِ

أيذهب خصمٌ في دمٍ لي مضيّعِ

ولست أُذيق الخصمَ حدَّ البواترِ

ثمّ أقمتُ إلى جنب كلّ شطرٍ جليلٍ، خادماً له من نظام جميل، فقلتُ مشطّراً:

فلا والقنا والمرهفات البواترِ

عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرِ

لقد صلتُ حتى قلت حسبي من الوغى

فلا ترةً أبقيتَ لي عند واترِ

فكيف تذوق النومَ عيناي لحظةً

ولست أذيق الخصم حدَّ (1) البواترِ

ثمّ رأيت أن أخمّس التشطير؛ تلذّذاً بمعاودة الفكر إلى ذلك النظام الخطير، فقلت:

سطوتُ فلّما لم أدعْ غيرَ صاغرِ

عفوت إلى أنْ لم أجدْ غير شاكرِ

____________________

1 - في المطبوع: في هذه.

2 - وفيه: طعم.


رعى اللهُ صفحي عن عظيم الجرائرِ

فلا والقنا والمرهفات البواترِ

عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرِ

حملت له أثقالَ عزمي وقد طغا (1)

على عود هذا الدهر حتى بها رغا

فلا وأبي لم يبقَ لي بعدُ مبتغي

لقد صلتُ حتى قلت حسبي من الوغى

فلا ترةً أبقيتَ لي عند واترِ

ضمنتُ على سيفي بهمة أروعِ

دمَ المجد من خصمي لأكرم مودعِ

فلست له ابناً إنْ يضع عند مودعِ (2)

أيذهب خصمٌ في دمٍ لي مضيَّعِ

وسيف حفاظي فلَّ صرف الدوائرِ

أبي حدُّ سيفي أن أكلّم لفظةً

بغير شباهُ من أجدْ فيه غلظةً

لقد أطعمتْ عيني الحفيظة يقظةً

فكيف تذوق النوم عيناي لحظةً

ولست أذيق الخصمَ حدَّ البواترِ

ثمّ شفعته بهذه المقطوعة، وإن لم تكن لائقة لتلك الحضرة الرفيعة:

أثنت عليك بأسرها الدولُ

وتشوّقتك الأعصر الأولُ (3)

* * *

8 - قال (رحمه اللّه): وقد جرى لي مع أخي النقيب فريد الزمان، حضرة السيّد عبد الرحمن أفندي. وذلك أنّه بعث إلى جناب الحاج مصطفى كبّه زاده أن يرسل إليه (نهج البلاغة)، و(مقصورة السيّد الرضي) التي قالها في رثاء الحسين (عليه السّلام)، فأرسلها إليه، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجدتُ المقصورة تامّة، فكتبها وأرسلها إليه والتمس منّي أن أكتب معها على لسانه، فقلت:

يا مَنْ تفرّع من ذؤابة معشرٍ

غدت النقابة منهمُ في آلها

____________________

1 - في المطبوع: صغى.

2 - وفيه: عند مدع.

3 - ذكرت في باب المدائح.


هذي بديلة أختها المقصورة الـ

أولى أتتك تفوقها بكمالها

فلّما وصلت إليه نظم أبياتا يلتمس بها من اللّه نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، ثمّ أرسلها إليَّ يريد تشطيرها وتخميسها، وكتب معها هذه الفقرات، يقول:

هذا ما سنح به الخاطر الفاتر، ونطق به اللسان الكليل العاثر، وتجاسر على إرساله إليكم (1) مع اعترافي بأنّي لست ناظماً ولا شاعراً، فإن لم يكن جديراً بالإعراض، وكانت أبياته عامرة غير حقيقةٍ بالانتقاض، وكان راجحاً عندكم في ميزان القبول، أيّها السيد الحيدريُّ وابن البتول، أرجوك أن تزيّنها بالتشطير والتخميس؛ لتكون سلوة للمكروب، وسبباً للتنفيس، والسّلام عليكم. والأبيات هذه:

يا إله الخلق يا بارئنا

نحن في ضيق فكنْ عوناً لنا

وانصر الغازينَ وارحم حالهم

وتلطَّفْ بهمُ في ذا العنا

فهمُ المفدون أرواحهمُ

وهم الموفون فرضاً بيّنا

فاجزهم خيراً وضاعفْ أجرهم

أنت فيّاض العطايا والغنى

واخذل الكفّار واخرب دارهم

واهلكنْهم واشفِ فيهم قلبنا

قال السيّد: فنشطتُ لِما ندبني إليه، وأنا المعترف بأنّ له المنّ عليَّ لا ليَ المنُّ عليه؛ لأنّه إنّما دعاني للأخذ بحظي من الانتظام في سلك الداعين، بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجنود المسلمين المرابطين في سبيل اللّه في جهاد الكافرين، وقلت مشطّراً:

يا إله الخلق يا بارئنا

لكَ نشكو اليوم ما حلَّ بنا

كظّنا حشدُ الملمات فها

نحن في ضيقٍ فكن عوناً لنا

وانصر الغازينَ وارحمْ حالهم

فلقد أبلوا بلاءً حَسنا

____________________

1 - في مخطوطة الملا: عليكم.


حيث عانوا فيكَ ما عانوا فجدْ

وتلطّف بهمُ في ذا العنا

فهمُ المفدون أرواحهمُ

ليقوا فيها الهدى والسُننا

لك قد دانوا فمَنْ يفضلُهم

وهم الموفون فرضاً بيّنا

فاجزِهم خيراً وضاعف أجرهم

واجعل النصرَ لهم مقترِنا

ومن الفيءِ فوفّرْ حظَّهم

أنتَ فيّاضُ العطايا والغنى

واخذل الكفّار واخرب دارهم

وأبحنا أرضهم والقننا

قد تشفّوا فأدِلنا منهمُ

واهلكنْهم واشفِ فيهم قلبنا

وقال مخمّساً:

نشأتْ نكباءُ يا رازئنا

إنْ تذرْها أهرمتْ ناشئنا

خذ بأيدينا وكنْ كالئنا

يا إله الخلق يا بارئنا

نحن في ضيقٍ فكن عوناً لنا

واخذل الغاوينَ واشغلْ بالهم

وأبحْهم واخترمْ آجالهم

واصطليهم ليروَا أعمالهم

وانصر الغازينَ وارحمْ حالهم

وتلطّفْ بهمُ في ذا العنا

قوَّموا للحرب أشباحهمُ

ثمّ باعوا الكرب أفراحهمُ

فزدِ اللّهمَّ أرباحهمُ

فهم المفدونَ أرواحهمُ

وهم الموفونَ فرضاً بيّنا

عنهمُ ضع يا إلهي إصرَهم

وبنصرٍ منكَ فاشددْ أزرَهم

محصوك اليوم حقّاً صبرَهم

فاجزِهم خيراً وضاعفْ أجرَهم

أنتَ فيّاضُ العطايا والغنى

في حمى الأشراك أوقدْ نارَهم

واقتساراً أولِهم إدبارَهم

ولئلاّ يُخذَلوا كنْ جارَهم

واخذل الكفّار واخرب دارهم

واهلكنْهم واشفِ فيهم قلبنا


وقال: ثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر، والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه، ممّنْ وقع فيه طائر القلب، حيث يلتقط الحُبَّ لا الحَبَّ:

إلى فتىً من قبيلةً أبدا

قبيلةٌ في الفخار واحدُها

لم تنمه هاشمٌ لذروتها

إلاّ وغيظاً يموت حاسدُها

روضة علمٍ تروق والفضل والـ

عقل معاً وردُها ورائدها

جلا على (1) الطرس من فرائده

عروسَ فكرٍ زهت فرائدها

خلوقها من شذا حجاهُ ومن

جوهر ألفاظه قلائدها

قد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالاً، وتسحب أبراد البلاغة اختيالاً، تجرُّ تلك الأذيال على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الحلال آياته الباهرة، واستغرقت من الصبِّ حواسه الخمس، بما أقامه في مقام الذهول، فجديرٌ أن يتلى عليهم (2) فإذا هم بالساهرة، وحيث أنّ الداعي لمالك رقابَ المناقب والمساعي، وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، فبادر إلى الامتثال، راجياً أنّ ينظمه القبول في سلك مَنْ حظيَ بالإقبال، عقد اللّهُ عزَّ ذلك الجناب بناصية الدهر، ولا برحتْ تأرج بعبير ثرى تلك الأعتاب مفارقُ الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلَّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاءٌ للبرية شامل.

فأجابه بهذه الرسالة:

أخذتُ بكفّ الشوق والاحترام، أدام اللّه بقاك مدى الدهر والأعوام، ما تفضلتَ به من نفيس التخميس، المهزم بسطوته البليغة من أرباب الفصاحة

____________________

1 - في المخطوط: عن الطرس.

2 - في الديوان المطبوع: عليه.


ألف خميس، ورقيق (1) التشطير الآخذ بشطري الحسن، ولم يكن له شبيهٌ ولا نظير، فوجدتهما لعمري قد ارتقيا الطرفَ الأعلى من البلاغة، وارتفعا بعد أن انتصبا بمقام من الإحسان انخفضت دونه أكابر الصناعة ولم يبلغ أحدٌ بلاغه، فما أعذب ألفاظها، وأدقَّ معانيها، وأعمر أبياتها، وأحكم مبانيها، فلو رآها (أبو تمام) لاعترف بانحطاطه من ذيّالك المقام، أو (الشريف الرضي) لارتضاها وأقرَّ طائعاً بحسن السبك والنظام، أو (امرئ القيس) لما امترى أنّها (2) أبلغ من شعره، أو (عمر بن أبي ربيعة) لما شك أنّها (3) أرقُّ من سلوكه في نظمه ونثره، أو (حسان بن ثابت) لاستحسنها وثبت عنده أنّك إمام البلاغة، أو (زهير بن أبي سلمى) لتاه عجباً من رونقها الأزهري، وعلم أنّك مصدر الحكمة في هذه الصياغة (4) .

وأمّا ما رصّعتها به من جواهر نثرك الذي انتظمت دراريه، وعذبت ألفاظه واستحكمت معانيه، فهو وبهيِّ سمتِكَ، ورقَّة طبعك، كما قيل: السحرُ الحلال، والماء العذب، تجلي به الأبصار والبصائر، وترتاح بسماعه القلوب والضمائر، فلو رآه (الصابي) لصبا إليه، وتنسّم من عبير صَباه، وعلم أنّه لو باراه لما أتى بمثله ولا جاراه، أو رئيس الخطباء (قسُّ بن ساعدة) لفارق المواسم، وسلَّم أن ذلك خارجٌ عن طوقه ولو ألف بليغ من قومه ساعده، أو كافي الكفاة (الصاحب بن عباد) لاستصحبه وما فارقه واكتفى به وما زاد.

ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنّي فصاحتك، وعليّ بلاغتك، قد صرتُ غريق بحار الحيرة، لا ادري بأيّ كيفية أؤدي شكركَ، وبأيّ لسان أصفكَ، فأكافي فضلك، بما تنزّلت به (5) من تخميس أبياتي اللواتي من الحسن عاريات، وتشطيرهنَّ مع أنّهنَّ غير عامرات ولا لائقات، وكلّما أبرمتُ الإعزام، وشددتُ حيازيم الاهتمام،

____________________

1 - في المخطوط: ودقيق.

2 - وفيه أنّهما.

3 - وفيه أنّهما.

4 - في الديوان المطبوع: الصناعة.

5 - وفيه: تنزّلت له.


ونقلتُ الأقدام؛ لأداء هذا المرام، قصَّر بي ضعفُ قوى الفكر وعيُّ اللسان، وضيق الجنان، وكبا أدهم القلم في هذا الميدان؛ لعلوّ شرفك الذي لا يُبارى، ووفور محاسنك التي لا تُجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكلّية إخلالٌ بالواجبات؛ لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناءً على أن ما لا يُدرك كلّه لا يُترك أقلّه (1) ، أقول: وليس سواءً عالم وجهول؛ لأشكرنَّك شكراً يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرَّ الجديدان، وما تعاقب (2) الملوان، والسّلام عليكم بعد (3) شوقي إليكم.

قال السيّد: فأجبته بهذه الرسالة على أثرها، بكلّ نظمها ونثرها، وقلت: لاطفتْ الصبَّ جميلةُ برِّك، وتلطّفتْ بالمغرم المشوق عقيلةُ نثرك، قد زارت محبّاً رفعها على الأحداق، واجتنى من (4) محاسنها ثمرات الأوراق، ثمّ حلَّ عنها النطاق، ببنان فكرة المتأمّل، ونضا عنها أبرادها الرقاق، إلاّ لبسة المتفضّل؛ فوجدها آخذةً بأطراف النباهة والفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العيِّ والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح، ورأى الالتحاف بشملة التسليم بالقصور والاعتراف أليق بكليل الذهن واللسان، من مقاومة شواهد الاختبار والامتحان؛ فبادر بأنامل العذر يفضّ لطايم الشكر، ويهدي من نسمات الحمد ما هو أطيب من نسمات الورد:

ليَ العذرُ كلَّ لسان القلمْ

وجفَّ بما هو طرسي رسمْ (5)

إي وعلياك، وما انتظم على جيدها من عقد مزاياك، لا تنشطُ منّي النفس للقيام بأعباء وصفك ولو نهضتْ بقواها الخمس؛ إذ لا يعلق طائرٌ فكرها، بشأو مَنْ ارتفع عن مركز وكرها:

____________________

1 - في الديوان المطبوع: جلّه.

2 - وفيه: وتعاقب.

3 - وفيه: بعدد.

4 - وفيه: في إثم.

5 - ذكرت في باب المدائح.


يا هماماً بفضله

يشهد السمع والبصرْ (1)

هذا والرجاء إسبال ستر التكرُّم والإغضاء على عيوب هذه الألوكة؛ لئلاّ تكون في أندية الأشراف أُضحوكة، لا زال قمرُ تلك السماء موفياً ما نبت السعدانُ مستلقياً، والسّلام عليكم ما رفَّ فؤادي بأجنحة الشوق إليكم ورحمة اللّه وبركاته.

***

9 - قال وقد أرسلها إلى صبحي بك في استانبول عن لسان الميرزا جعفر القزويني:

بيان براعة الفصاحة، ولسان براعة البلاغة، لا ينبسطان للإحاطة بمزايا مَنْ أوضح لأهل الفخر نهجه وهداهم صراطه:

شمسُ العُلى بدر سماء الجلالْ

إنسانُ عين الفضل روح الكمال

الأعزُّ الذي إذا أسفر وجهه جاءت الشمس تقول: هذا صبحي، والفيصل الذي إذا نطق لسانه أقبل الملكُ يقول لها: هذا سيفي فإليك عنه تنحيِّ:

ويدَّعيه المجدُ ما بينهما (2)

لنفسه فيُعطيان ما ادّعى

وكيف لا يكون كذلك مَنْ تستمد الشمس من نوره، ويعتضد الملك برأيه في مهمّات أموره، ويفتخر المجد بأنّه من بنيه، وبأعزّهم عليه يفدّيه؛ إذ هو منبع الحكم، وينبوع السماحة والكرم، قد شهدتْ معاني بيانه بباهر فضله، ودلَّ بديع تبيانه على كمال ظرفه ونبله، وزهرت كأخلاقه وشيمه أنوارُ ربيع جوده وكرمه، وعطَّر جيبَ الدهر أرجُ مجده، وصقل محيّا الدنيا شعاعُ سعده، وإنّي لمّا آنس كليمُ فكري على البعد نار ذكائه، ونودي قلبي من جانب طور مجده وعليائه، عرفتُ أن الذي

____________________

1 - ذكرت في باب المدائح.

2 - في الديوان المطبوع: ويدعيه الفضل من بينهما.


صار قلبي كلّه مسمعاً لنداه، هو واحد الفضل الذي لا ربَّ للكمال سواه، وحيث كان في شرع الآداب، وعرف ذوي الألباب أنَّ مَنْ توحَّد بالفضل، واستجمع صفات الكمال جديرٌ وربّ السبع المثاني أن يُمدح بما تقصر عنه السبع الطوال، عملت في مديحه هذه القصيدة الحائية (1) ، ونسجتها له حلّة حليَّة، وأهديتها إليه وأنا على ثقةٍ من قبولها إذا نشرتْ لديه، وإن كنتُ كمهدي القطرة إلى البحر الخضمّ، والذِّرة إلى الطود الأشمّ، فهديتي هذه جهد المقلَّ إلى الجواد المكثر المفضل، على أنّي وإن سمَّتني الفصاحةُ حيدرَ خيسها، ودعتني البلاغة ليثَ عريسها، وكان أبي سليمان عصره، يأتيه بعرش بلقيس المعاني آصفُ فكره، فيراه مستقراً لديه، ارتداد طرفه إليه، فأراني لو استخرجتُ الدراري من نهر المجرّة، ونظمت بكفِّ الثريّا أنجم النثرة، عقوداً أحلّي بها نحور علياه، وأوشّحُ بها حسانَ مزاياه لما زدتها بذلك حسناً، ولا أفدتُ معاني جمالها جميل معنى، بل أكون كمَنْ يقول: لماء السماء ما أطهرك، ولنور الرياض ما أزهرك، ولغضِّ النسيم ما أطيب نفسك، وللعقد النظيم ما أنفسك:

ولم يستفدْ بالمدح مَنْ ليس عنده

وهل ينفع التحجيل مَنْ هو أشهبُ؟

هذا ورجاءُ الداعي من نفحات كرمك، أيّها المالك رقاب المناقب، والمساعي بمعالي هممك، إيصال هذه الرائية الغرّاء (2) ، الناطقة بأبلغ الثناء إلى حضرة صدر الوزراة الأعظم، والسيف الذي انتضتْ منه يدُ الإمارة على أعدائها أقطع مخذم، منّاً منك لا عليك، وعائدة تكرُّم لك لا إليك، وهي وإن كانت حقيرة في جنب معاليه الخطيرة، فأراها على حقارة صناعتها، ونزارة بضاعتها، إنْ شمَلتها ألطافُك بنسيم العناية، ولحظتْها كفايتُك

____________________

1 - راجع ص 20 من هذا الجزء.

2 - راجع ص 37 من هذا الجزء.


بعين وضعَتها موضعها، ووقعتْ منه موقعها، وهذه الحائية الغرّاء، والغانية العذراء، قد حدرَت لمدحك نقابها، فائقةً بحسنها أترابها، فأعرْها سمعَ مسامحٍ وهوب، وأسبلْ (1) على قائلها من كثرة العيوب:

لتُلق ملوكُ الأرض طوعاً يدَ الصلح

حذارَ حسامٍ صاغه اللّهُ للفتحِ (2)

* * *

10 - قال (رحمه اللّه): وقد كتب بها إلى السيد سلمان النقيب عن لسان بعض الأشراف يقول:

يا خليقاً (3) بأشرف الأخلاق

دمْ برغم الحسود عالي الرواقِ

وأنرْ في سماء مجدك بدرا

زاهرَ الضوء باهر الإشراقِ

إنْ تكن فيك قرّت الشام عينا

فالقذا جائلٌ بعين العراقِ

وإليك الزوراء تشتاق شوقَ الـ

زهر ذاوٍ إلى الحيا المهراقِ

كم نفوسٍ تطلَّعت لك فيها

فترقَّتْ من شوقها للتراقي

بل أنت لها الروح المدبَّرة، والرئيس المطلق الذي جميع أعضائها إليك مفتقرة، قد سكنتْ إليك في هذا الزمن سكون الطرف الساهر إلى الوسن، ما فتحتْ جفون أعصارها على مثلك، ولا التحفت بمثل ما التحفت به من أبراد فضلك، ولعمر الزوراء، لقد طاب لها بظلّك الاستذراء، تقتبس الذكاء من أشعة معارفك، وتلتمس اغتراف الكرم لا الماء من لجّة عوارفك، وتثني عليك بين أمجادها ألسنة الإنشاء بإنشادها:

الفخرُ شاد بكم قبابهُ

والشعر زان بكم كعابَهُ (4)

إي وذلك الكنه، وما انتشر بين البريّة عنه، من باهرِ فضلٍ تقصر عنه

____________________

1 - في الديوان المطبوع: وأسدل.

2 - ذكرت في باب المدائح / 20.

3 - وفي المخطوطة: يا كريماً.

4 - ذكرت في باب المدائح.


الإشارة، ويضيق عن الإحاطة بنعته نطاق العبارة، ليس لناعتٍ وراء التنزيل منتهى، ولو حطّت آراؤه السها في مدح مَنْ ضرب بعرقٍ نبويّ، في طينة الشرف القدسيّ، قد نسج الوحيُ ببنان التعظيم رداء فخره، ونوَّه لسان الذكر الحكيم بجلالة قدره، ومثُل في مجهل الزمان علم في أعلى يفاع الشرف الأقدم، إنْ ضلَّت باجتماعها الآراء فعلى انفراد به يُقتدى، وإن حارت عن قصدها الألباب فعلى نور فهمه الوقاد يجد الحيران هدىً، ويحقُّ لهذا العصر أن يفتخر فيه، وإنّه لجدير بالفخر في إنسانه الذي ما التقت مجامع الإنشاد على ذي براعة، أغزر ذهنا منه وأنطق لسان يراعة:

يا مجيداً إن قال: قالَ مجيدا

وفريداً إن يُنشِ أنشا فريدا

أين من مجدكَ المؤثل نظمي

ولئن كنتُ قد شأوتُ (لبيدا)

كيف للشعر بالصعود لسامِ

حيث لا النيِّراتُ تلقي صعودا

فضلَّ الخلق سيداً ومسودا

وحوى الفخرَ طارفاً وتليدا

وبدا الفخرُ بين برديه شخصا

من طراز الثناء يكسي برودا

فلواه العلياء رفَّ عليه

وله خاضعاً أتى الدهر جيدا

هذا وأكفُّ الابتهال لا تزال مرفوعةً إلى حضرة ذي الجلال، أن يعيدك لتشريف هذه الرباع والمحاشد، بعد أن يكمل لك التشريف بتلك البقاع والمشاهد، (فيقرّ الداعي عيناً بمرآك، وينتظم في سلك منْ أثنى عليك وهنّاك) (1) ، دعاء إخلاصٍ إذا رفعته، قال الحفيظان معي آميناً:

من طينة المجد الصراح التي

قد شهدَ الوحيُ بتطهيرها

من شعلة النار التي قد غدا

يقبسُ موسى العلم من نورها

فاتركْ أحاديث كرامٍ مضت

ولا تقل جئتُ بمأثورها

فاليوم قد أغناك في فضله

عيانُ هذا عن أساطيرها


هذا الذي تقديمه في العُلى

مع سبقها قاضٍ بتأخيرها

لو مكةُ اسطاعت إذاً أقبلتْ

شوقاً إليه بحذافيرها

واستلمت منه يداً شرّفتْ

باللثم أفواهَ جماهيرها

* * *

11 - وقال (رحمه اللّه)، مقرِّظاً على (الروض الخميل) في ذكر آل جميل:

هذا الروض الخميل، المتضوِّعُ في نشر ذكر آل جميل، تزهو به كلُّ زهرة، ما رُئي مثلها على صفحتي نهر المجرّة، وتتمنّى رعىَ نرجسه الغزالة ويودُّ المشتري أن يبتاع حلّة وشيه بالنثرة، وأنّى له:

روضٌ بدا بين الأنام أثرا

لسحب جودٍ بالنهى تدبجه

فزهرهُ نعوت أخلاقهم

ووصفُ طيب الأصل منه أرجه

كأنّما نُثرتْ فيه، أو نظمتْ في سلك قوافيه، كلُّ حبّة قلب، فهو إلى كلّ قلبٍ محبَّب، فما (دمية القصر) بين الأتراب، تنشد الأغاني في منازل الأحباب، وتعاطي نداماها السلافة ممزوجة بالغيث الذي انسجم، مشفوعة لهم بمستطرف النعم، ولا (يتيمة الدهر) مجلوّةً في المعاهد، حاليةً بدرر القلائد، وغرر الفرائد (1) ، بأزهى من أوانس فقره، وأبهى من عرائس أشطره، ولعمري، ليجب على كلّ مَنْ هو مسلمٌ إذا نظر فيه يكون مع صريع غوانيه، فيثني مطرباً، وينشد متعجباً:

هذا كتابٌ أم حديقة روضةٍ

تتنزّه الأحداق في أورادها (2)

* * *

13 - وقال (رحمه اللّه)، وقد كتب بها إلى إبراهيم بك عن لسان بعض الأجلاّء:

____________________

1 - سقطت هذه الجملة من المطبوعتين.

2 - في المطبوع: بدرر الفوائد، وغرر القلائد.

3 - ذكرت في باب التقاريظ.


سلامٌ أشفى من رقية (1) الوصل، وأضفى من ريقة النحل، وأحلى من سلافة العنقود، وأبهى من نظام العقود، من محبٍّ يطبق الأرضَ ثناءً، ويملأ السماء دعاءً، إلى مَنْ هو أرقُّ من النسيم شيماً، وأغزر من البحر كرماً، سلالة طينة الشرف التي خدمتها الكفاة، ودوحة الكرم التي اجتنت ثمرتها العفاة، ذو المناقب (2) المسطورة على صفحات الدهر، والسجايا الفائقة على طرائف الزهر، ومَنْ لم يفتح ناظر الزمان على أبلغ منه مقالة، وأتم جلالةً وجزالة، وأندى بناناً وأوفر إحساناً، وأكرم سجيةً وطبيعة، وأجلب للشكر صنيعة، فكأنّه لا يزال ناظراً إلى قول مَنْ قال:

الحمد أكرمُ ما حوته حقيبةٌ

والشكر أكرمُ ما حوته يدانِ

وإذا الكريم بكى وولى عمرهُ

كفلَ الثناء له بعمر ثانِ

أعني به الماجد الذي تبلَّج به عمر الدهر، عن فلق البشر، الأشيم إبراهيم بك المحترم. لا زال في نعمة من اللّه ضافية اللباس، نامية الأغراس، رافلاً من الألطاف المستفادة في أبهى حلل الفوز والسعادة، وسجال السلامة مفاض عليه، وظلال الكرامة ممدود عليه.

* * *

13 - وقال (رحمه اللّه): وقد كتب بها إلى العلاّمة الشيخ حسن بن المرحوم الشيخ أسد اللّه يقول:

سلامٌ أبهى من وشيِ صنعاء، وأزهى من روض ميثاء، وثناءٌ تتفتح أكمام الرياض عن مثل زهره، ولم تتحدّث أنفاس الصَبا عن مثل نشره، ودعاءٌ ترمقه أكفُّ الابتهال إلى حضرة ذي الجلال، محفوفاً بالإخلاص والإنابة، مقروناً من اللطيف بسرعة الإجابة.

____________________

1 - في المخطوط: من رقيقة.

2 - في المطبوع: ذي المناقب.


دعاءُ إخلاصٍ إذا رفعتُه

قال الحفيظان معي آمينا

من محبٍّ محضَ الولاء، وعقد المودّة بأوثق عرى الإخلاص والصفاء، ومشوقٍ لو لم يتداوَ من حرارة البعد بنسيم الذكرى، لقضى لاعج وجده على كبده الحرّى، إلى الحضرة التي عُقدتْ بكفّ الثريّا أطنابها، وسمَت على الشعرى العبور أعتابها؛ إذ هي حضرة قطب العلياء المدار عليه فلكَ الحمد والثناء، ربّيتْ مناقبه في حجور المآثر، ورضعت درَّ المكارم والمفاخر، علامة الزمن الذي هو من العلم بمنزلة الروح من البدن، قد أسعد اللّه به جدود الأفاضل، وورَّد بنور مزاياه خدود الفضائل، وعمرَ أفنية الشريعة، ورفع قواعد (1) الملّة المنيعة، فله الرأي البصير بالعواقب، والمجد المنيف على النجم الثاقب، والهمّة التي اختلقت (2) على قمّة الجوزاء مرفوعة، والنفس التي اختلقت (3) على اكتساب العلوم مطبوعة، قد أحرزت شرفاً بسقتْ على النجوم شرفاته، وفضلاً تعرّفت لأهل الفضل عرفاته:

ملآن من شرف السجية نفسه

يحوي الفضائلَ من جميع جهاتها

ذاك قمرُ المجد الذي بهر الناظرين لألاؤه، وطفح بالفضل مكياله وإناؤه، علمُ الإسلام، وحجّة اللّه في الأنام، حضرة الأكرم، شيخنا الشيخ حسن المحترم، لا زال مؤيّداً من اللّه بعنايته، ومكلوّاً بعين رعايته، ولا برح سمكُ مجده ثامن الأفلاك ارتفاعاً، وقمر فخره ثالث القمرين شعاعاً، ولا انفكت شمس شرفه تملأ الدهر بإشراقها، ما دامت أطواق الحمام بأعناقها.

أمّا بعد: فإنَّ الداعي لمجدكم بالتخليد، ولعزّكم بالبقاء والتأييد، لا يزال على بعد شقّة المزار، ما اختلف الليل والنهار، حليفَ غرام، وأليف هيام، ونديم اشتياق، إلى تلك الحضرة (4) السامية الرواق، التي تودُّ

____________________

1 - في المطبوع: أعمدة.

2 - وفيه: التي هي على.

3 - وفيه: التي خلقت.

4 - في المخطوط: تلك الساحة.


الكواكب تقبيل أعتابها، ولثم ترابها، أحمد اللّه الذي أهَّلني لولائها، وجعلني في نظم أودَّائها وأحبائها. ولعمري، لو كنت أملك أمري لما استنبتُ إهداء التحية في كتاب عن الحضور للتشريف (1) بذلك الجناب، فأحظى بلثم أنامل ريحانتيك، وأسعد بمطالعة صحيفة غرَّتيْ قمريك، اللذين هما للفضل فرقدان، ولهما في المجد المحلَّ السامي على كيوان، ولديك المرشح كلُّ منهما لرئاسة الدين، حضرة الأمجدين الشيخ باقر والشيخ أمين، جعلكم اللّه أبداً للمخوف عصمة، وللملهوف غياثاً ورحمة.

* * *

14 - وقال (رحمه اللّه)، وقد كتب بها إلى بعض الأكابر والأمراء:

إنّ أزهي من روضةٍ ضحكَ الزهر فيها (2) لبكاء الغمام، ونظم فيها لؤلؤَ الطلّ نسيمُ الصَبا عقوداً رائقة النظام، فحلّي بها عواطلَ أجياد الإقاح، وفرثَ في أرجائها عيابَ الطيب نوافحُ الرياح، وأبهى ما اقتطفته أكفُّ الإفهام، من أزاهير بدايع النثر والنظام، سلامٌ رسمه قلم الاشتياق، وحملته رواحل الأشواق، من محبٍّ لم يشبْ بالقطيعة صفوَ الوداد، ومحبّته لا تزيد ولا تنقص في القرب والبعاد، إلى مَنْ رضع ثديَ المعالي طفلاً، وساد الأنام يافعاً وكهلاً، وما الدهر عنده إلاّ يومان، يوم ندىً ويوم رهان، فيحكّم السؤال في أمواله، ويحكم الأسياف في الأرواح قبل سؤاله، ومَنْ كفل له النصر بخذلان أعدائه، وأشار المجد إليه ببنانه، وأثنى عليه بلسانه:

كريمٌ وقي ماله عرضَه

فلست ترى فيه شيئاً يعابُ

سوى أنّ ما جمعت كفُّه

لوفاده مغنمٌ أو نهابُ

كأنّ عليه صلات الوفود

واجبة نصَّ فيها الكتابُ

____________________

1 - في المطبوع: للتشرف.

2 - وفيه: ضحك فيه الزهر.


أفيه يقاس السحاب ومنه

تعلَّم كيف يجود السحابُ

وعند عطاياه أو حلمه

يقل الحصى أو تخفُّ الهضابُ

له صولةٌ تملأ الدهر رعبا

وبأسٌ شديدٌ وعزمٌ مهابُ

الأعزُّ الأمجد، إنسانُ عين الزمان (محمد) لا زال ظلُّ عدله ومعاليه، لا يزيله الدهر باختلاف أيامه ولياليه.

أمّا بعد: فيا مَنْ تردّى بالفخر والكمال، واستمدتْ بحار الأرض من جوده النوال، قد وردت إلينا رسالةٌ منكم دلَّت على زيادة المودّة والاختصاص، تسألنا فيها أن لا تنقطع منّا ومنكم (1) الأنباء، في تحرير كتبٍ تتضمّن الإفصاح عن أحوالنا وسلامتنا من طوارق الأسواء، فنحن بحمد اللّه من نعمه في أوفر نصيب، ومن الصحة نتردّى في كلّ يوم برداء قشيب، غير أنّ قلوبنا من نار بعادكم في احتراق، وحسراتنا تكاد تزيل رضوى لشدّة الاشتياق، فعسى اللّه أن يقضي لنا بالتلاق، بعد طول هذا الفراق، فيصبح منّا روض الأنس مونقاً غضّاً، يملأ قلوبنا سروراً بلقاء بعضنا بعضاً، إنّه على كلّ شيٍء قدير، وبالإجابة جدير.

* * *

15 - وقال (رحمه اللّه)، وقد كتب بها إلى بعض الأشراف:

ما روضةٌ نسجت من وشيِ الزهر برودها، ونظمتْ من نثار الطلّ عقودَها، وفلّت أنامل القطر وفرة ريحانها، وسرّحت ماشطة النسيم أصداغ آسها بين غدرانها، وتحدّثت ذات طوقها تملأ صبابة شوقها، فترنحت قامات بأناتها مرحاً، وتثنَّت معاطف أغصانها فرحاً، ولا طفلة غضّة الشبيبة، تخطر في بردة محاسنها القشيبة، كأنّما صافية ريقتها، من فرط عذوبتها، ممزوجة بسلافة الصهباء، أو بجنّي نحلةٍ بيضاء، بأحلى من سلامٍ أخذ الرقّة

____________________

1 - في الديوان المطبوع: منّا عنكم الأبناء ولعلّه الأصح.


من طبع مَنْ يُهدى إليه، والعبقة من أخلاق مَنْ يُنشر لديه، قد جانس نثره مآثره لا أنجم النثرة، وحكى ثاقبُ نظمه شعري مفاخرَه لا شعري المجرّة، من حليف صبوة، وعديم سلوة، ونديم ذكر، وأليف فكر، قد اتّقدتْ في وسط حشاشته نار شوقه وصبابته، حتى كادت تُنضج نخاعه، وتأكل شعلتها أضلاعه، فهو يبكي بشررها الساطع، لا بجمر المدامع، فما أحقَّه بمقالة منْ وصف حاله:

ظنَّ العذول أدمعي تناثرت

حمراً لعمري غرّة ما يُبصرُه

وإنّما يقدح زند الشوق في

قلبي ومن عيني يطيرُ شررُه

فما ابن ورقاء ذكر إلفه بالعشيّ، فتنبّه الغرام على قلبه الشجيّ، وحرّكت الذكرى ساكنَ شوقه، فتنفّس حتى كاد ينفصم منعقد طوقه، وبات يحيى ليله هديلاً، ويميت نهاره صبابة وغليلاً:

ولا أمُّ خشفٍ ظلَّ عنها فغودرت

بشرقيِّ نجدٍ وهو بالغور راتعُ

تبيت بأعلى الرمل تنصب سمعها

لتبلغها منه (1) البغامَ المسامعُ

وتضحى بعيداً تطرح اللحظ بالفلا

وتكتمه عن ناظريها الأجارعُ

بأشوقَ نفساً من حليف صبابةٍ

بأحشائه للشوق تهفو نوازعُ

إلى مَنْ تفرّع من دوحة النبوّة، وسمتْ به أعراق الإمامة والفتوّة، وتضوّع بعطفه أرجُ السيادة، ولاح بطلعته عنوان اليمُن والسعادة، ووري بإقباله زندُ النجابة، وعُرِفتْ من مواقع رأيه مواضع الإصابة، وانتهت محاسن الفضل إليه، فدعاه لسان الإنشاء وأثنى عليه:

يا ابن الأُلى غرُّ ملوك الورى

تشرَّفتْ في لثم أعتابها

محاسنُ الفصل إليه انتهت

وأنتَ من غيركَ أولى بها

ذلك نسيج وحده، وعديمٌ نظيره وندُّه، مَنْ ضربت عليه العلياء رواقها،

____________________

1 - في المخطوط: منها.


وعقدتْ لخدمة سعده الجوزاء نطاقها، فهو غرَّة جبين الدهر، وثمينة قلادة نحر الفخر، سلالة الفخر وسلسالة الكرم، فلان المحترم، نشر اللّه لواء جدّه، وطوى حواسد مجده، وأسبغ عليه ظلَّ عنايته، وأفاض عليه سجّلَ كرامته ما استلقى السعدان، وتعاقب الفتيان، بمحمد خلاصة الوجود، وصحبه خلاصة الموجود.

أمّا بعد: فبينما أنا في مجلس التذكار، ومنادمة الأفكار، تعاطيني الأشواق والكآبة، مدام الغرام والصبابة، إذ ورد عليَّ في أسعد وقتٍ من الأوقات، وأيمن ساعة من الساعات، كتابٌ شريف، محتوٍ على خطاب لطيف، كأنّ ألفاظه الزهر، وبيانه السحر، تستوقف ديباجةُ وشيهِ النظر، ممّنْ سرَّح في رياضها الفكر، بين منثور لؤلؤٍ ساقطه الطل، ومنظوم جمان كالعقد المفصَّل، وغرائب استعارات هُنَّ زهرة الآداب، ونزهة القلوب والألباب، قد سمحتْ به قريحةٌ دائمة الإنتاج، ورويَّةٌ لم يغلق عليها أبواب المعاني رتاج، وأعملتُها في تنسيقه وترصيفه، وتدبيجه وتفويفه، فكرةُ منْ كتب محاسنه في صحيفة وجه الدهر، فمحت محاسنَ منْ تقدّمَه من جميع أهل الفخر، وفتحتْ به مقفلات المسائل، وختمت به أهل الفضل والفضائل، كما قيل فيه وأنا القائل:

ببهاكَ أحمدَ في النهى

خُتمت ذوو الرتب المنيعه

ونسختَ ذكرهم به

نسخ الشرائع للشريعه

هذا وقد أتحفْتني بثلاث تحف، وصلت منك إليَّ مع هذا المشرّف، قد حسنَ لديَّ مصطنعها، ولطفَ عندي موقعها، وسُرّت بإهدائها نفسي، وردّت في أسمائها ومسمّياتها روّيتي وحدسي، فتفاءلتُ بالرحلة لترحال الهمّ عن قلبي المتيم، وبالسكين بسكون نفسيَ الفرح، وقطعها أسباب الكآبة والترح، وفي القاموس بإغراق أعدائي بقاموس البلاء، واستغراقي من اللّه


بقاموس النعم والآلاء، ثمّ أنشأتُ هذه البديعة، مكافأةً لك بالشكر على هذه الصنيعة:

نفسي بحبل ولاء أحمد أمسكت

مذ اُحِكمت بنياط قلبي عقدهُ (1)

الفصل الثاني

في الرثاء

15 - قال (رحمه الله) وقد التمسه السيد ميرزا صالح القزويني أن يعمل مقدّمة لكتاب (الأشجان في مراثي خير إنسان):

قامت على الدنيا نواعيها

إذ نُعيت نفس العُلى فيها

والأرض قد مادت بمنْ فوقها

واهتزّ قاصيها ودانيها

زلزلها فقدانُ مَنْ لم تنبْ

عن حمله فيها رواسيها

واستغرق الأقطار منها البكا

وأظلمت حزناً نواحيها

إلى الورى أنعى حياةَ الورى

فلتبكِ ما درّت مآقيها

بلى، ومَنْ تركها غرق بالمدامع، لا ترقى غروبَها ما ناحت على فروعها السواجع، فلقد طرقها بغتةً طارقُ القدر، فنزل العمى من عيونها منزل البصر، بساعةٍ كأنّما وردتْ بزلزلة الساعة وأهوال يوم الوعيد، فغادرتْ الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن ألم المصاب شديد، قد أقبل فيها على المجد، ثمّ وقف واستوجد، واستعظم حالها وأنشد:

ما للورى دُهشتْ أقام المحشرُ

أم قد دهى الثقلين خطبٌ أكبرُ؟

أجلْ، أيّها المستفظع لهذا الحال، المتمثّل بهذا المقال، اقترب للناس حسابهم قبل يوم القيامة، فأدمت أكفّهم الأنياب قبل يوم الحسرة والندامة،

____________________

1 - ذكرت في باب المدائح.


وعطُّبوا الأكباد قبل الجيوب والأبراد، ونضحوا القلوب قبل الأجفان والغروب، ومثلوا متماسكين من الوجوم، متهافتين على جمرة الأحزان وجذوة الهموم:

فمن واقفٍ في جفنه الدمع واقفٌ

ومن سائلِ في خده الدمع سائلُ

لغداةٍ بكَّر فيها بنفوس جائشة، وعقول من الدهشة طائشة، بين ذاهبٍ ولا يفطن أين يتوجَّه، وآتٍ لا يأتي بشيءٍ سوى أن يتزفّر أو يتأوَّه، وحرّان لا حيلة له غير عضِّ اليدين، وحيران لا يملك إلاّ استدارة العينين، فإذا سأل سائلٌ، أو قال لمَنْ بجنبه قائلٌ: هل أتاك حديث الغاشية؟ ولمَنْ قامت رنةُ تلك الواعية؟ وأولئك عمَّ يتساءلون؟ وعلى منْ عدت العاديات؟ وماذا نزعت النازعات؟ عبس وتولّى، ثمّ التفت إليه وقال: أفض غروب (1) عينيك سجلاً فسجلاً، فلقد دُكَّ طود الحلم، وهوى نجم الهداية والعلم، ونُزِعَ من كفّ المعروف بنانها، واستُلَّ من عين العلياء إنسانها، وذوت من المكارم رياضها الخضر، وتسلَّبت شجرات المعروف من ورقها النضر، ونُقِل إلى الأجداث قبلةُ الشكر والحمد، ومصلّى العفاة والوفد، وحُمل (ابن جلا) إلى عرصة البلى:

ولفقده هذي النوائحُ جاوبتْ

فوق السماء نوائحَ الأملاكِ

ملكٌ على الأفلاك علياه سمتْ

فالسمكُ منها ثامن الأفلاكِ

حتى إذا رستْ أعواده على أكتاف الرجال اجتذبته إليها الرغائبُ والآمال، آخذة بقوائم سريره، ماسكة على فضول كفنه وأطراف حبيره، وصرخ مرمّل الرجاء إلى أين عنّا بأخي الشتوة الغبراء:

إلى أين عنّا بزاد المقلِ

ورىّ صدى حائمات الأماني

به أنشب الموتُ أظفاره

فمَنْ ذا يقلّمُ ظفرَ الزمانِ

____________________

1 - وفي المطبوع: دموع.


وعند مَنْ يلتمس الضيف قِراه، ولديَ مَنْ يعرّس السفرُ بطلاح رزاياه، أم منْ يبسط للمجد بين كفّاً كريماً، أرطب وأندى من السحاب أديماً، ويجلو على الوفود محيّاً تجلى بطلعته السعود، ومَنْ ذا يعلق منه الخائف بأوثق العصم، ويأمن في حماه كما يأمن الحَمام في الحرم، فرويدكم يا حامليه، قفوا ليتزوَّد المجدُ من أخيه، ويودّعه الرجاء، ثمّ تشيّعه المكارم والعلياء، فامهلوا قليلاً، ريثما أروّح في وداعه قلباً (1) عليلاً:

وإن لم يكن إلاّ تعللُ ساعةٍ

قليلاً فأنّى نافعٌ لي قليلها

فآهاً ثمّ آه، ولا قوّة على الصبر إلاّ باللّه، ماذا لقيَ المجد ساعة ودَّع أخاه من برحاء الوجد، وقد أدرجَ منه في الكفن منْ كان الروح المدبّرة لهذا الزمن، فيا أعلام العلم وأقطاب الممالك، ويا أرباب الأسرَّة والأرائك، ويا رؤساء العشائر والقبائل، ويا خطباء المنابر والمحافل، ويا عترة الشرف والأحساب، وأسرة الكمال والآداب، ويا رائدي المعروف، ومنتجعي الرفدَ في الزمن العسوف، هلمُّوا إلى النبأ العظيم، والفادح الجسيم، الذي جدَع مارن الدين، وقصم ظهر الإسلام والمسلمين، فطامِنوا لهذا الحادث رؤوسكم، لقد استُلِب عزَّكم وناموسكم؛ رُزيتم واللّه بمنْ جُمعت له الرتبة العليا، بين رئاسة الدين والدنيا، قد ترشّح لها بين النبوّة والإمامة، واقتعد بها من الشرف الرفيع غاربه وستامه، وتوالت في المجد مناقبه الغرر فملأتْ من الدهر السمع والبصر، خلّدها على جباه الأعصار مسطورة، وبألسن الثناء في ألسنة المدن والأمصار مرويَّة ومأثورة، تتغنّى بها الحداةُ في الفلوات، وتتناقلها الرواة على تعاقب السنين في جميع الأوقات، تنبئُ عن حضرة سامية القدر رفيعة الرواق، آهلة الأفنية بكثرة الضيوف والطرّاق، جليلة الشأن والخطر، جميلة العيان والأثر، قد جاس رائدُ صيتها خلال الأرض،

____________________

1 - في المطبوع: فؤاداً.


وفنيت مواقيتها وثمائن يواقيتها في أداء المعروف نافلةً وفرضاً، فلذكر ربّه (تغمده اللّه برحمته ورضوانه) النباهة، ولجاهه (أعلى اللّه مقامه)‍ الوجاهة، ولقدره (طاب ثراه) التنويه، ولذاته (قدّس سرُّه) التنزيه، لقد نشر بيد الفخر في الخافقين أعلامه، وطوى على المكارم لياليه وأيّامه، ورحل عن الدنيا إلى اللحود، وكان لها كاسمه (جعفر) فضلٍ وجود، قد أحبَّت روحه الطاهرة أن تتحوّل عن هذه الدار إلى نعيم دار الآخرة، فانتقل إليها بعد أن شحن الأولى ببرّه، وطبَّق أقطارها بفخره، وحمل من رواق مجده، ودفن في رواق جدّه، فصكَّت له الأشراف الجباه، عندما نفضتْ بأكفّها الصبرَ على ثراه، ثمّ انصرف الجميع والعلياء خلفهم تقرع سمع بني عبد منافٍ بما أنشأته من هذا التقريع:

عودي بطرفكِ يا قريش كليلا

وبعزمك امتلأت ظُباه فلولا (1)

وأقيمت مآتمُ العزاء، فناحت فيها حتى أملاك السماء، وندبتْ فيها الشعراء، بقوافٍ من الشعر ثواكل، تتناشدها ذوو الأحزان في المناحات والمحافل، ثمّ عزّ وافيها أباه، فرع الأراكة الهاشميّة، ومنار الشريعة المحمديّة، رئيس المحقّقين (محمد المهدي) بن الحسن معزّ الدين:

علم الأمّة علامتُها

صبحُها مصباحها نور هداها

قلبُها قلَّبها حوَّلها

عضبُها بيضتُها حامي حماها

وجروَا عنه متساجلين في تسليته عنه بأخوته، وكفى سلوة عنه بأكبرهم أخيه الصالح لسدّ ثلمته، وبالمعدِّ لتشييد بيت الحسب والمجد، أخيهما أبي القاسم (محمد) وبأخيهم الحسين الذي حلّ من الزمن محلّ الروح من الجسد، والواسطة من العقد المنضّد، فهم وأبيهم كما قلتُ فيه وفيهم:

قمرُ السماء أبوهمُ

شرفاً وهم والشهبُ أخوَهْ

____________________

1 - ذكرت في باب المراثي.


بل كما أقول: وإنْ رُغمتْ معاطس، وازورَّتْ من الحنق نفوسٌ ليست عند العلياء بنفائس:

إنّما هاشمٌ لباب قريشٍ

وهمُ صفوُ هاشمٍ واللبابُ

فئةٌ منصبُ الإمامة فيها

وسواها ومجدُها الأنصابُ

لعمري لئن (1) فقد منها شخصٌ لم تفقد مزاياه، وطوى الموتُ عنها عيانَ مَنْ لم تطق الأيام والليالي مكارمه وعلياه، فلقد كفل أخوه الصالح لمجده بنشره لمّا قام مقامه من بعده، في ندىِّ فخره، ويليق بهذا المحلّ أن أرسم من نظمي هذه الأبيات التي جاءت كالعقد المفصل:

أقول للقلب وقد أرسلتُه

دمعاً على ذاك الصفيح يقطرُ

يا والجاً كافورة القدس التي

بالأمس قد أوُدع فيها الكوثرُ

صلْ جعفراً وحيّه عنّي وقلْ

بوركَ مَنْ قد صرتَ فيه تحبرُ

أعيذُ أحشاءك أن تنزو علي

رواق عليائك فيها الخدرُ

تصدَّر اليوم (أبو الهادي) به

فلم تغبْ كأنّك المصدرُ

فقرَّ عيناً فالعُلى تلك العُلى

والمفخرُ الباهر ذاك المفخرُ

وجعفرٌ للمكرماتِ (صالحٌ)

وصالحٌ للمكرمات جعفرُ

وحيث أطلقنا عنان أدهم القلم، وبلغ هذا المقام وأحجم، فلنفتح حلية المراثي بنظم أميرها، وفارس ميدان منظومها ومنثورها، الناشئ في حجر (2) الرسالة، والراضع درَّ الوحي وبلغ بنور عصمة الإمامة، لكن عمّا يشينه فصاله، ومثل في مجهل الزمان علم، وطلع في أفق العلياء أنور من بدرٍ تمّ، ذاك (أبو الهادي)، وإن شئتُ قلتُ أبو الحسن الصالح؛ لأن يصبح وقد أصبح ذلك مقتدى الزمن، فلقد أنبأ عن مضاضة وجده بنظم بديع، لا يليق غيره بشأنه

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: لقد فقد.

2 - في المطبوع: بحجر الرسالة.


الرفيع، فبلغ الغاية بقوله في رثاء أخيه، وبه للعلياء عنه كفاية (1) .

يقول منشي‌ء هذا التحرير، وموشّي بردة هذا التحبير، الفقير إلى ربّه الغنيَّ، حيدرُ الحسينيُّ الحلّي: إنّي إنْ أثبتْ مرثيتي أوّل المراثي، لا طلباً للتقدّم لها، بل لمناسبتها لنظم هذا السيد الجليل، الذي تقدَّم قبلها أنّه قد وصف ما هو عليه من الوجد، وحكيتُ الحال التي نحن عليها من رزيِّة هذا المصاب والفقد، على أنّي نحتُ فيها بقوافٍ كأنَّ منها كلَّ قافية ورقاء، أو كأنّها الخنساء؛ إذ هي لو ردَّدت نياحها على صخرٍ لأرتكهُ كيف على نياحتها يتفطَّر، فتصفّح ألفاظها ومعانيها، وأعرف صحة قولهم: لو أعطيتُم القوسَ باريها:

قد خططنا للمعالي مضجعا

ودفنّا الدين والدنيا معا (2)

* * *

16 - وقال (رحمه اللّه) وقد كتب بها معزّياً لبعض الأكابر والأشراف:

ممّنْ صدعتْ صفاة صبره قوارعُ الأرزاء، فأذال مصون دمعه بتنفّس الصعداء، وألبسه عظيمُ المصاب ثيابَ الاكتئاب، وحنا على جذوة الوجد منه الضلوع، ونافر لعظيم (3) ما عراهُ طيبَ الهجوع، وكيف يلتذُّ بهجوعه، أو تجفُّ مجاري دموعه وقد فاجأه نعيُ منْ كان مصباح ليله وسراج نهاره؛ إذ عثر فيه الدهرُ فلا لعاً لعثاره:

نعوه على ضنّ قلبي به

فللّه ماذا نعي الناعيانِ

رضيعُ صفاءٍ له شعبةٌ

من القلب مثل رضيع اللبانِ

إلى مَنْ لا يستخفُ حليمها تفاقمَ الخطوب، ولا تغيّرُ طبيعتها في المكارم

____________________

1 - إلى هنا أُثبت في المطبوعتين، وهذه الزيادة الآتية لم توجد فيهما.

2 - ذكرت في باب المراثي.

3 - وفي المطبوع: لعظم.


مقاساة الكروب، الأعزّ الأمجد، سلالة الشرف الواضح (محمد)، قطب دائرة الفخر والكمال، ومحطّ الوفود وبحر النوال، ومَنْ هدرتْ يداهُ دم الأموال؛ لحقن دم المكارم، وعجز عن إحصاء فضله كلُّ ناثر وناظم، وحيد دهره، وفريد عصره، طالب العزّ من مستقرَّه، المستضاء برأيهما في سواد الخطوب، والمستجار بظلهما في كلّ نائبة تنوب، ومنْ أساء إليهما الزمان بفقدان إنسان عين الفخر، محمد عليِّ القدر، وجوهرة الدهر، وفريد العصر، وواسطة عقد الفخر، ومنْ ليس له في الفضل مثلٌ ولا ندّ، وكان من أهل زمانه بمنزلة الواسطة من العقد، ومن طلبتْ وصفه عقولُ ذوي النهي، وجاوزتْ في طلبها الجوزاء والسهى، فلم تقفْ له على غايةٍ ومنتهى، وحين رجعت منه صفر الكفّ، وقد بعد شأوه بدورها في الخسف، وشموسها بالكسف، طائشةً حيرى، راهبةً ذعرا، تنشد شعرا:

طلبتْ وصفه العقولُ ولكن

لم يكن ممكناً إليه الوصولُ

وتعدَّت غاياتها ثمّ طاشتْ

حيث لم تدرِ فيه ماذا تقولُ

وأقرَّت هناك بالعجز عنه

وتساوى عليمها والجهولُ

فيا له من رزءٍ يقل الحزنُ بجنبه، ولو أنّ كلّ منّا كان فيه انقضاءُ نحبه، ولو أفضنا له النفوس من المآقي بدل الدموع لقلّتْ، ولو وُزنتْ به رواسي الجبال لخفّتْ:

الآن هوّن كلَّ نازلةٍ

جللٌ أمال دعائمَ الفخرِ (1)

فيا مَنْ ألقى الزمان لكفّيهما خطام القياد، وسارت شواردُ أوصافهما مسير الشمس في جميع البلاد، إنّ من العجز أن تجزعا لعظم المصاب، وإنّ حسن العزاء ممّا يتضاعف به عند اللّه الثواب، وشأنُ مَنْ وقَّرته روابع كلّ مهمّة، أن يتدرَّع قلبه بالصبر لمكابدة كلّ ملمّة، ومن الحزم أن يتّزر بثوب

____________________

1 - ذكرت في باب المراثي.


التجلّد لأبصار العباد؛ لئلاّ يعلموا بتململكما فتشفى منه الحسّاد، وأنّ منْ عظُمَ عليكما فقده، وبرَّح بكما بعدُه، قد ورد حوضاً كلُّ الخلق واردوه، وسلك طريقاً كلّهم سالكوه، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهه.

* * *

17 - قال (رحمه الله) وقد كتب بها إلى السيد سلمان النقيب معزّياً له بموت أبيه عن لسان العلاّمة السيد مهدي القزويني:

نعى الناعون للشرف المعُلّى

فتى الأشراف سيدَها النقيبا (1)

يُنشر على طيِّ الأيام ذكره، ويُجدّد ويا حاشاه من الدروس على تعاقب الأعوام علاؤه وفخره، ويجلو من محاسنه الغرِّ على صفحات وجه الدهر ما يفصِّله لسال الحمد فريداً، وتتهاداه الليالي لنحورها عقوداً، فهو حيُّ بتلك المناقب، وإن قامتْ عليه النوادب؛ إذ ليس الميّتُ ورزؤه الذي ترك الألباب مطاشة، إلاّ ميّت المآثر لا الحشاشة. ولعمري، لئن قصدَ المنون بصائبةٍ تلجُّ على الليث المشبل مغارَه، وتنفذ على الأفعوان الصلِّ وجارَه، فلقد قضى من الدنيا كرائمَ وطره، ورحل عنها فرحل المجد على أثره، بمهجةٍ حسيرة، قد نضخها على قبره عقيرة، وكأنّي بركب الثناء، وقد وقف فقلَّب على ذلك الجدث جفون الرجاء، ثمّ رفع عقيرته بجنبه، وأنشده ما أنشاه في استطابة تربه:

أقول وقد وقفتُ على ضريحٍ

كأنَّ نسيمه أرجُ الغوالي

لئن أنشقتني يا قبرُ طيبا

فذاك الطيب من عبق المعالي

وليت شعري! وهل أبقتْ شعوراً طارقة هذا القدر، أيعلم الدهرُ لا أقاله اللّهُ عثاره بمنْ عثر؟ ارتحلَ وأيم اللّه عن الأنام بربيعها، وعن الأيام بقريعها، حادثٌ جذَّ من العزّ أنفه، ومن الكرم ساعده وكفَّه، وأغصَّ

____________________

1 - ذكرت في باب المراثي.


فمَ الدنيا بجرعةٍ ثكُل عميدها، فعددَتْ بلسان الدهر حتى كلّ ولم ينشط في محفل النياحة لتعديدها، وكيف ينشط منها اللسان، أو يتّسع لها نطاق البيان، في حصر تلك المناقب، التي كاثرت وأجلّها عن قولي الحصى عداد الكواكب، أليست هي مناقب من ضمنَ في ملاث أزار عظمته جميع كرامها، فطوى منه الموتُ بردة فخرٍ أدرج في أثنائها بقيّة أيّامها؟

قد علمنا فقرَ العفاة إليه

أفكان الردى من الفقراءِ (1)

أجل أيّتها التي تردّدُ المقالة وتنعى، خفّضي عليك ولا تضيقي بما لديك (2) ذرعاً، إنّ الموت لم يطوِ غاربَ بحرك ذلك الزاخر، إلاّ بعدما بدتْ منه على نحر الزمن عقد هذه الجواهر، فحلّي بها عاطل جيده، وأعدَّها (2) نفائس موجودة:

قد كان في موت عليِّ الذرى

ماتت بنو المجدِ وعلياها

لكنْ بإذن الله روحُ النهى

قام فأحياه وأحياها

قد طويتُ لولا (أبو المصطفى)

ينشر في الدهر مزاياها

نعمَ زعيم القوم مقدامها

في الحزم طلاّعٌ ثناياها

مظفرُ الآراء ما أخفقتْ

في طلب الرأي سراياها

إن خاصم الأكفاء في مجمعٍ

أضحكها منه وأبكاها

رياسةٌ موروثةٌ في العُلى

يأرجُ في عطفيه ريّاها

فأكرمْ به وارثاً للمجد، قد ترك ألسنة الثناء والحمد ترتلُ آيات فضله ترتيلاً، وتهتف في الأنام بكرةً وأصيلاً، هكذا فليكن الكرم، ولترقَ إلى هنا عاليات الهمم، وليعرِّسْ بمثل هذه الغابة مَنْ خطب إلى الشرف عقيلة النقابة،

____________________

1 - ذكرت في باب المراثي. وفي المطبوع: فقر الزمان.

2 - وفي المخطوط: بذلك.

3 - وفي المطبوع: واعتدها.


هيهات هيهات! لا توصَل الراحةُ إلاّ بنانها، ولا تبصر العينُ بغير إنسانها، فيا أحلم منْ (أحنف) وله أطريتْ، ويا أذكى منْ (أياسٍ) وعليه أثنيتْ، إنّي ما استرعيتُ سمعك هذا المقال، ولا استوقفتُ نظرَك على ما ضربته من هذه الأمثال، استزيدك في حلمك ركانة، أو أدلّكَ على مكان الصبر فأنت من الصبر بمكانة، بل تلك مقالةٌ في التعزية مرادة، وعلالة جرتْ بمثلها العادة؛ إذ جميع هبات الدنيا معادة فمرتجعة، والتسلية عنها سيرةٌ متّبعة، وما استبقائي منك الصبر على هذه الرزية، إلاّ كاستقائي (1) سحاب الرحمة لتلك التربة الندَّية؛ إذ من العبث التماس حصول ما حصل، وطلبُ المرء من اللّه أن يفعل ما كان فعل:

لله في نفسك نفسُ العُلى

قد أوجب اللّهُ لها حفظها

لا تجعل الحزن لها شاغلا

في أخذها من فخرها حظّها

ولا حدتني خفةٌ في أمرك (2) ، ولا دعتني استضاقةٌ لصدرك، وإنّما هي من المحبِّ نفثةٌ الصدر، وقولة يقولها اشفاقاً على مَنْ أحبَّ إذا فدح الأمر، فكلاهما في الحصول شرعٌ سواء، بغير شكٍ ولا مراء، نسأل اللّه أن يعرِّفكم أجرَ هذه الرزية على مقدارها، وأن يكمل لكم ثواب الصبر على معيارها.

* * *

18 - قال (رحمه اللّه) وقد كتب بها معزّياً الحاج مصطفى كبّه بوفاة والده الحاج محمد صالح:

بالبدر مَنْ فجعَ الليالي البيضا

وأعاد للشمس النهار مريضا

ومَنْ انتحى روض الكمال بمعطشٍ

فذوتْ نظارته وكان أريضا

____________________

1 - في المطبوع: كاستسقائي سحائب.

2 - في المطبوع: جفة بأمرك.


قدرٌ مضي بزعيم آل المصطفى

والمجدُ قوِّض إثره تقويضا

قدرٌ جبَّ من الفخر سنامَه وغاربه، وطبَّق بالحزن من الكون مشارقه ومغاربه، قد رحل بمنْ هو زاد المقل، وناعشُ صرعة الضريك (1) والمرمل، وتقرّبَ جبرئيل إلى اللّه برفع روحه الطاهرة، حين (2) سمت عن الدنيا لنعيم الآخرة، فقوّض عنها رحيض الثوب من درن تبعاتها، مبرأ الجوارح من اجتراح خطيئاتها، لم تقض بنو الدنيا حقّ مصابه، ولم تكافئ‌ ما أسدتْ إليها يده من جزيل ثوابه، وبماذا تقضي حقّ هذه النازلة، والمصيبة الهائلة، أبصراخ الثواكل، أم بدمعٍ على الوجنات سائل، أم بوجدٍ ولو كان كوجد يعقوب، أم بنوحٍ ولو كان ممّا تشقُّ عليه الأكباد لا الجيوب، هيهات:

كذبناهُ لم نجزع عليه ولم تقم

مآتمنا لمّا أُقيمتْ مآتمه

نعم، لنا العزاءُ بزعيم خلفِه، والبدر الساطع بعده في سماء مجده وشرفه، ذاك رافع عماد مكارمه، ورواق فخره ودعائمه، المصطفى للكرم بعده، والذي قام مقامه فسدَّه:

وقضى حقوق الجود وهي نوافلٌ

وسواهُ منها ما قضى المفروضا

فيا مَنْ هو للمآثر الحميدة أهل، والراقي بهمّةٍ من المجد أرفع محل، لا برح بيت عليا أبيك، آهلاً فيك وفي أخيك، وبآلكما الغرر، ما بقي الدهر، ونسأل اللّه أن يجعل هذه الرزية خاتمة الأرزاء، ويصرف عنكم محذور القضاء.

____________________

1 - الضريك: الأحمق، الضرير، الزمن، الفقير.

2 - في المخطوط: حتى سمت.


الفصل الثالث في العتاب

19 - قال (رحمه اللّه) مجيباً على القصيدة (النونية) التي وردته من بعض أخدانه الأعزاء معاتباً بها إياه، وإليك الرسالة والقصيدتين:

أمّا بعد افتتاح الإنشاء بمفروض الحمد وواجب الثناء أقول: إنَّ أفقر من الإصغاء ذلك السمع المأهول. أيّها الماجدُ الذي عوَّذته بنات الأفكار برقي القريض حيناً، من نزعات شيطان هذا الشيخ الذي أصبح له اليوم قريناً، وساء قريناً، وغادر منثور ذكره في الصالحات دفيناً، ويا حرسه اللّه قبل الممات؛ إذ لو استمر على اصطناع المعروف والمكارم لكان حسنة الدنيا، ولو لم يلقَ السمعَ لاتباع مقالة اللوائم لكان قطب دائرة العليا، الحديث ذو شجون، وسيبصر أهلُ الإنصاف بأيّنا المفتون، وأنَّ لي ولك في طي هذا الأمر الغريب، لشأناً من أعجب الأعاجيب، قد أوجب نشره، من سيَّر بدّالة المرح ومخيَّلة الكبرياء شعره، عجباً لك كيف لم تجذب إليك من عنان خيلائك، ولم تكفكف من بادرة عزمك وغلوائك، بل تركت لهاتيك عنانها، وأوسعت لهذه خطاها وميدانها، حتى أقرعتَ بمسامعي مؤلم هذا التقريع، وجرعتني مضاضة ذلك التعريض الشنيع، فمبجدك ما الذي أخفضكَ وأنت الوقور، وما الذي لمظكَ ممقر هذا التعريض وأنت الأبيُّ الغيور، بلى وأنا أملك السجيَّة التي عاشت على معروفها البريَّة، ما دعاك إلى أنْ تظهر أنّك لي مغاضب، إلاّ الهربُ من إسداء العطايا والمواهب، حيث استنشأتك قبل هذا سحابة، خلتها نشأت دانية الربابة، قد بشَّر بها نفسَه الرجاء، واستمطرها بظنّه مغدقةً وطفاء، فكلّما تطلَّع في نواحيها، استحكم طمعه فيها، وأمَّل أن ترخى بشآبيبها الغزار عزاليها، فإذا هي تبرق


غيضاً وغضباً، وترعد تقريعاً وعتباً، ثمّ لم تبرح بهاتيك البوارق، أن أمطرتها عليَّ صواعق وأيُّ صواعق، فليتك إذ ترفّعتَ كزعمك عن مدَحي الآنفة، رعيت لي حرمة المدح السالفة، فلقد علمَ هذا العصر أنّي لسانه الذي انتهت إليه مقالة الشعر:

وأنا الذي لم يسخْ بي أحدٌ

إلاّ غدا ونديمه الندمُ

وإذا اهتززتُ لمدح ذي كرمٍ

فأنا لسانٌ والزمان فمُ

قد نشرتُ لكم من الذكر الجميل ما لم ينشره لسان الشعر لذي مجدٍ أثيل، حتى صرتُ لكم في المدح أعرفَ من علَم، بل أشهر من (زهير بن أبي سلمى) في مدائح هرم، كم نسجتُ لأبيكم بُردَ حمد، لم ينسج قبلي مثله (ابن بُرد)، وكم سيَّرتُ فيكم من النظام ما لم يسيّره قبلي الشيخ (أبو تمام) بلا يدٍ بيضاء، ولا عارفةٍ غرّاء، بل جعلتم قيمة تلك العقود، وأثمانَ هاتيك البرود، ما لو رُسم معها في كتب المؤرّخين، كما ترسم الجوائز مع قصائد المتقدّمين، يتداولها الأنام جيلاً بعد جيل، لغضَّ بنزارته من شرفكم المحض ومجدكم الأثيل، بل لو لم أكتمْ عن الحسّاد ما جعلتموه بأزائها من الصفاد، لو سُمتْ تلك الغرر البهية بسماتٍ ردية، كما وُسمتْ قصيدة (أبي الطيب) لنزارة الجائزة بالدينارية، وعلى حقارة الجزاء ونزارة ما اسديتموه من العطاء، رأيتك قد أعرضت غاية الإعراض، وأغمضتَ عن حقوق المودّة أشدّ الإغماض، بلا إساءةٍ سبقتْ، ولا جناية تقدَّمت، فنظمتُ قطعة من العتاب، يروق بنشرها ذوو الألباب، وأرسلتها إليك، مخاطباً لك بلسان العتب عليك، فقلتُ:

حتى مَ الوَّد بالهجران

وإلى مَ أبسطُ بالعتاب لساني

لا أنت عن غلواء (1) هجرك مقصر

شيئاً ولا أنا عن عتابك واني

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: من غلواء.


كم ذا أنبِّهُ منك من لم ينتبه

عن مثله في الفضل طرف زمانِ (1)

ما زال يصرف عن وجوه مطالبي

عيناً رعى القاصي بها والداني

الغيثُ أنت فكيف تجدب راحتي

منه وتخصب راحة الذلانِ

وأما ومجدكَ ما تيقَّظ للنهى

منْ لم يكن لي قطُّ باليقظانِ

بل أيُّ ركن للمعالي شاده

منْ لا يكون مشيّداً أركاني

أخذتْ بمخنقيَ الخطوب فضيّقت

صدري فضاق بها إليك بياني

فتلافَ من أيدي الخطوب بقيتي

فبقيَّتي لكَ يا عظيم الشأنِ

عجباً لكفَّك كيف تمسحُ غرَّةً

من غير سابق حلبةٍ لرهانِ

منْ ذا لكم عنّي ينوب إذا جرتْ

يوماً جيادُ الشعر في ميدانِ

ومنْ الذي يُنشي لجيد علاكم

مدحاً يفصِّلها عقودَ جُمانِ

فبمَ اقتنعتَ وهل ترى يغني الحصى

لَمنْ ابتغي حُلياً عن المرجانِ

أرَتجتَ بالإعراض بابَ روِّيتي

وعقلتَ في شطن الصدود لساني

وتركت عيني من جفاك سقيمة الـ

إبصار وهي صحيحة الإنسانِ

ما إن (2) زففتُ من الولاء كريمةً

إلاّ وتمهرُها من الحرمانِ

فأصخْ لعاتبةٍ تجايشَ صدرُها

فأتتك تنفثُ عن حشاً حرّانِ

قد حاكمتكَ إليك فاقضِ بحقّها

فلقد أتتك بواضح البرهانِ

وشكتكَ عندك والعجيب جنايةٌ

منها اشتكى متظلمٌ للجاني

بين الرجا واليأس قد وقفتْ فقل:

من ذينِ تنزلها بأيّ مكانِ

فأصدرتَ الرسولَ إليَّ بوعدٍ أكذب من السراب الخادع، وأخيب من بارقة صيفٍ خالبة اللوامع، حسبت أنّك ألقيت إليَّ منه بحبلٍ واصلٍ، ولم أخلْ أنّك ألقيت إليَّ بخيطٍ باطل، قد ضربتَ أنت على أحد طرفيه بيد المطل، وضربت أنا على الطرف الآخر بيد عسى ولعل، حتى قالت لي

____________________

1 - في مخطوطة الملاّ: زماني.

2 - في المطبوع: من أن.


النفسُ، أما غلب على رجائك اليأس، وإنّكَ لتغمزُ بأنمل الرجاء في صدر حجارة صمّاء، فقلتُ لها أيّتها النفس إنّك لأمّارة، ما عليكِ من ذلك وإن من الحجارة، وإنّي إنّما أهزُّ بنسيم المدح غصناً، منه ثمار المعروف ببنان الآمال تقطف وتُجني، حتى لم يبقَ في قوس الأنظار منزع، ولا في صدر الأعذار مدفع، فنظمتُ في استقضاء ذلك الوعد قطعةً من العتب، فيها ذكرى لمَنْ كان له قلب، قد أوحى منها لسان قلمي مسمعاً، ما لو أنزلناه على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدّعاً، فقلتُ:

كلّما زادك المحبُّ اقترابا

زدتَ عنه تباعداً واجتنابا (1)

فوعدتَ وعداً جميلاً، وخبَّأتَ خبأً وبيلاً، لم أشعر إلاّ وقطعةً من شعرك، بيد الأطفال من أبنائك، والإغفال من أخصّائك وأودّائك، ينشرونها بكلّ بلاد، زعماً منك ولرأيك الإصابة أن ذلك ضربٌ من السداد، فعلى مَ يا هذا كذبت أم مَنْ بي أغراك، أظهرتَ كمالك بما يعود عليك بنقض عُلاك، ولم تتروَّ في أمرك حتى اتّخذت عفّتي وإبائي دريَّة لما طاش من سهام شعرك، فجريتَ إلى غايةٍ من الإعجاب جرىَ المتبجّح بفخره، وما نهنهتَ كأنّك لم تقف على مَنْ لم يقف عند انتهاء قدره، فقلتَ متشدَّقاً، ونطقتَ متفيهقاً:

أطلقتَ بالعتب الممضِّ لساني

إن ترمِ بالإعياء فضلَ بياني

يا منْ له أخلصتُ صفوَ مودَّتي

ما شابها كدرٌ من الهجرانِ

وعقدتُ حبلَ ولائه بمحبّتي

حتى اغتديتُ بها رضيعَ لبانِ

وأراك قد نبَّهت مقلة ساهرٍ

بالعتب بل متناومٍ يقظانِ

مغضٍ على مضضٍ القذى وتسومه

وهو البريُّ بها جناية جاني

أتصدُّ عنّي معرضاً وتلومني

ولقد بدأتَ هديت بالهجرانِ

____________________

1 - ذكرت في باب العتاب 1 / 232.


جنبتَ منتجعي وغرَّك خلّبٌ

فطفقتَ تحسبه من الهتّانِ

ورأيتَ خضرة دمنةٍ فحسبتَها

أزهارَ ريّقةٍ من الغيطانِ

أنفقتَ فيها باهر الحِكم التي

عزَّت نفاستها على (لقمانِ)

وبثثتَ منها للنظام جواهرا

ما كان أحوجها إلى الكتمانِ

أتصونها عنّي وقد قلَّدتها

أعناقَ ناقصةٍ وجيدَ دواني

لا تحسبنَّ الشعر يرفع خاملا

لعلوِّ قدرٍ أو سموِّ مكانِ

مَنْ لم تصدقه الفعالُ فمدحهُ

ضربٌ من التخليط والهذيانِ

لستُ الذي بالمدح أكملُ رفعتي

إنّي وذلك أعظم النقصانِ

لكنْ أغار على بدائع فكرةٍ

أنْ لا تقلّدَها بديع زمانِ (1)

فلمّا استوقفتُ ناقدَ الفكر، وسرحت رائد النظر في ألفاظها ومعانيها، وجدتها تنطق عن بذخٍ وبأو، وتتشدق عن شمخٍ وزهو، قد نشأتْ من ضميرٍ شحنه الحنق، وطفح بالإحن إناؤه على لسان منشئها فنطقَ بما نطق، ثمّ قلتُ إنّا للّه ويا نفسُ صبراً على مضاضة هذا الشعر الذي برز مشتملاً بثوب الحبّ وتحته تأبّط شرّاً، فقالت نفسي الأبية: كأنّك طامنتَ إلى أن تعطي من نفسكَ الدنيّة:

ترى وإلى الآن لم تجزع

وهل بعدُ للصبر من موضعِ

ويقرع سمعك هذا العتاب

وتُغضي كأنّك لم تسمعِ

وأمّا وحميَّة هاشم، وشهامة آبائك القماقم، لا نمتْكَ تلك الإباة منها إلى الذروة، إن لم تقرع بمقطع تلك الصفاة والمروة، فقلتُ لها: لا شفى اللّه لي علَّة، إن لم أبرد عنكِ حرَّ هذه الغلَّة، فأنا الآن أقول:

أيّها الرئيس الذي كلُّ فاضلٍ إن قيس به مفضول، لماذا لا زلَّتْ بعد هذا بك النعل، أصبحت تكسِّرُ عليَّ أرعاظ النبل، تارةً تدب لي الضرّاء،

____________________

1 - أثبتناها في كتابنا شعراء الحلّة 3 / 125.


وأُخرى تسرُّ لي حسواً في ارتغاء، تشوب لي إطراءك بالقدح، وتبرز لي هجاءك في صورة المدح، تظهر التأسّف على عقود نظامي النفيسة، مريداً بذلك أنّي لم أرفع قدري عن ارتكاب الدنية والخسيسة:

وهل في أديم الشمس للسهم مثبتٌ

وإن جهلَ القاريُّ يوماً فراماها

لقد ملتَ عليَّ بطراً، ونسبتَ إليَّ ما لم أكن له بأهل أشراً، فلم ترقب فيَّ إلاًّ، كأنّك لم تفز من مديحي بالقدح الرقيب (1) والمعُلى:

تذكركم فيكَ القوافي فاخرتْ

منْ سجد الناسُ له حتى سجد

وكيف أقول: لستُ أجد لنسيانك ذلك المديح معنى، واللّهُ تعالى يقول:

( كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿6﴾ أَن رَّ‌آهُ اسْتَغْنَىٰ ) ، وليت شعري كيف خفَّت هضبة حلمك بعدما أرسى بك الوقار دهراً، بل كيف استبدلتَ الإسراع بالأناة فنثلت عليَّ كنانة شعرك تطاولاً وفخراً، فملأتَ قلبي ألماً، حتى أدميت البنان تأسّفاً وندماً، وحتى خلعتُ لبسة المتجلّد، بمقيمٍ من الحزازة مقعد، وطفقتُ أنشئ ثمّ أنشد:

لي اللوم قد كلفتُ نفسي خطةً

عواقبها تدمى عليها الأصابعُ

وأوردتها رنقاً من الذلّ آجنا

يسوءُ المعالي أنّني فيه شارعُ

ودنَّستُ من أبرادها ثوب عفّةٍ

إبائيَ تسهيمٌ له ووشايعُ

وعرَّضتها بعد الإباء لسبَّةٍ

(إذا ذُكرت تستكُّ منها المسامعُ)

أجل، وليت سبق السيفُ إليَّ هذا العذل، أيُّ خطّةٍ أسوء وأفظع؟ أم أيُّ سبّةٍ إذا ذُكرت في المجالس عليَّ أشنع؟ من أنّي وضعتُ نفسي لكم وضع مَنْ يريد الارتفاع (2) بكم، بل وضع مَنْ ينتجع هشيم كرمكم

____________________

1 - كذا في المخطوطتين والمطبوعتين، ولعلّه يريد: القريب.

2 - في المطبوع: الانتفاع.


انتجاع الرائد، ويحرم على سراب جودكم حرمَ المحلي‌ء عن الموارد، على أنّي أحقُّ بما قاله الفرزدق:

أتيناك لا من حاجةٍ عرضت لنا

إليكَ ولا من قلّةٍ في مجاشعِ

وامتهنتُ نفسي بأن صرتُ لكم شاعر، ناشراً ذكركم بالجميل بين الأكابر والأصاغر، كم أزففت لكم غادة كعاب، تخجل بحسنها الأتراب، لا أريد بذلك منكم إلاّ الوداد، وصفاء المحبّة والاتّحاد، ولو أنّي أستام لها بقدر محاسنها المهر، لعزَّ على الأكفاء أن تحظى منها بشطر، فطفقت تنظر إليَّ بعين محتقر، وتخاطبني بما تخاطب به مَنْ هو إليك مفتقر، فمهلاً أبا حسن! لا تشمخ بأنف مَنْ بزهرة دنياه قد افتتن:

إنْ أكن مهدياً لك الشعر إنّي

لابنُ بيتٍ تُهدى له الأشعارُ

بل، لعليّ لا يعدّ المتطاولُ عليّ لمجده ما أعدُّه (1) من الخصائص؛ لنسبي اللباب، وحسبي الخالص، تنميني إلى ذرى العلياء سادةٌ علماء، قادةٌ حكماء، ذادةٌ زعماء، هم للشرف الوضَّاح أقدم أسرة، وللمجد الصراح أكرم عترة، ما منهم إلاّ هضبة وقارٍ وحلم، ولجَّة كرمٍ وعلم، لا يُشار إلاّ إليهم، ولا تعقد الخناصر إلاّ عليهم، لم يسرق ليَ الدهرُ أباً، ولم يغتصبْ لي الادعاء بسببك حسباً.

فيا أيّها اليقظان المتناوم، ليتك رقدت عن عتابك رقدة غيرك عن المكارم، هب أنّي جنبتُ منتجعك، بعدما كنت منضماً بزعمك إليك في جملة منْ انتجعك، فأين أنت أيّها السيد المطلبي عن قول أبي الطِّيب المتنبي؟ (2) :

____________________

1 - في المخطوط: ما أعد.

2 - هو أبو الطيّب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي، أشهر شعراء العربية. ولد عام 303 هـ، قتله عند عودته إلى بغداد فاتك بن أبي جهل الأسدي بالقرب من دير العاقول بالنعمانية عام 354 هـ، شرح ديوانه مئة علم من أعلام الأدب. ترجمت له في كتابي شعراء الكوفة 1 / 340.


إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا

ألاّ تفارقهم فالراحلون همُ

وادَّعيتَ عليَّ أنّي غرَّني خلب، فطفقتُ أحسبه ماطراً يتحلّب، ورأيت خضرة دمنةٍ وجدتها مونقة، فخلتُها أزهار غوطةٍ ريّقة، فأنفقتُ فيها باهر الحِكم العجيبة، وقلّدتُ بجواهرها أعناق ناقصةٍ معيبة.

لعمري، لقد شغلتك هذه الفصاحة، عن أن تفطن لهذا الإثم الذي تعلَّق منك بتلك الساحة؛ لأنّك قد علمت أنّي لم أمدح إلاّ مَنْ لو حصلتُ لبعض المجيزين منهم الإجازة، لكان من شرف الرئاسة الكبرى بمفازةٍ وأيِّ مفازة، وزعمت أنّك بلغتَ من الرفعة والسناء ما استغنيت به عن المدح والثناء:

فإذا مدحت فلا لتكسب رفعةً

للشاكرين على الإله ثناء

فقلتَ قول المتطاول، إنّ الشعر لا يرفع مَنْ هو خامل، كأنّك لم تعلم بإجماع منْ تقدَّم، أنّه يضع الرفيع، ويرفع الخامل الوضيع، كما غضَّ من شرف بني نمير، ورفع من بني أنف الناقة وهم أذلّ عشير، وهذا الأرجاني (1) يقول:

لولا زهيرٌ والمديح له

لم يدرِ هذا الناس مَنْ هرمُ

ودعْ كلّ ذلك وخبّرني إنَّ مَنْ خلع لباس الحمد ولم يرغب بلبسه، ولم يكن من أهلِ ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) بماذا أكمل رفعته؟ وأيُّ الأفعال صدقه فيما وصف به مجده ونعته؟ وذكرتَ وأنت الخليق الجدير، أنّك عزمت على بدائع فكرتي أن اقلّدها ذا شرفٍ خطير، فقلْ لي أيّة غيرةٍ عليها لمَنْ أنزلها منه في جانب الإهمال، وأغفلها وهي من اللواتي تأنف أن تعدَّ في الإغفال؟ تحقيقاً لما أقرَّه في ذهنك الجهلة الجفاة، وتصديقاً لمَنْ

____________________

1 - هو أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني، الملقّب ناصح الدين، فقيه شاعر، تولّى قضاء تستر، وتوفّي بها في ربيع الأوّل سنة 544 هـ، وكانت ولادته عام 460 هـ، له ديوان شعر طُبع ببيروت.


لا تصدَّق فيهم الأمّهات:

أخلاقك الغرُّ الصفايا ما لها

حملت قذى الواشين وهي سلافُ

والإفكُ في مرآة رأيك ما له

يخفي وأنت الجوهر الشفّافُ

ولا ملامة عليك، وإن توجّه اللوم كلّه إليك؛ إذ لا يستطيع أنْ يحولَ طباعه، منْ فتح لأفواه المنافقين أذناً سمّاعة، قد استخفّك رهطٌ ما هم بأبرّ قطّ، ممّن أنزل فيهم ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَ‌هْطٍ ) . ما أنت لهم بقدوة، وغيَّركَ لحجّ أفئدتهم بالحبّ مشعرٌ ومروة، ينزّهونك من الريب، ويثلبونك بظهر الغيب، يبرز أحدهم مشتملاً بلباس التقوى، وهو قد بلغ من خبث السريرة غايتها القصوى:

كم تقيٍّ للخلق يُظهرُ نسكا

ولباري النفوس في السرّ عاصي

فهو في نسكه تراه أبا ذرٍ

وعند التحقيق فابنُ العاصِ

قد نصبوك فخّاً لاختيال صيدهم، واتّخذوك سلّماً يعرجون عليك إلى اغتيال مَنْ أرادوه بكيدهم، وأنت ولا أريد أن أنسب إليك رذيلة، قد جرت عادتك ولا أقول إنّها غير جميلة، إنّك تنيل مَنْ نال منك، وتميل إلى مَنْ مال عنك، المرائي أسعد عندك حظّاً ممّن محض لك الصدق في المودّة محضاً، كم مالت نفسك لا لذي سناء ميل الناقة من شرهة إلى تناول الغذاء، ثمّ تابعتْ له الشهادة، أنّه كادت (1) تثني مثلك له الوسادة، حتى حصل له بشهادتك من التنويه ما لم يحصل من قبله لزياد بن أبيه، وحتى خلنا أنّك عازمٌ على استلحقاه؛ رغبةً فيه لما ثبت عندك من غزارة علمه وشرف أعراقه، ثمّ قلنا إنّ سيّدنا الأكيس، هو وهذا الورع المقدّس، لو لم يكونا في النبل رضيعي لبان، وفي حلبات الفضل شريكي عنان، لما نفي عنه هذه الاسترابة، ثمّ أنابه منابة، فرويداً أيّها المشتمل، ما هكذا تورد

____________________

1 - في المخطوط: كانت.


الإبل، قد كان لكم قبل هذا عذرٌ لكم، أنّكم دعوتم الناس لأمرٍ لكم علُّه ونهلُه، فأيُّ عذرٍ لكم اليوم في دعائكم لأمرٍ إنْ تمَّ اعتزلكم كلُّه؟ فحوشيتَ أبا الهادي وعزَّ علينا أن نرى منك بعض الخفّة والطيش، في الإكثار من الحثّ على تأمير هذا الفاضل على مَنْ لك قبلنا من الجيش، فاطرحْ لجاجَك، فقد رجع بنا الإذعانُ إلى الاقتداء بهذا الأوحد الذي نهج منهاجك، ونهنه من بادرة جهل ابن أخيك، فذلك أليقُ وأحرى مَنْ جلب الوقيعة فيه وفيك، فلقد ثبت عندنا أنَّ مَنْ بالغتما بتأييده، وشدّ أزره وتشييده، هو العالم الرباني، بل فردُ الفضل الذي لولا مَنْ لا تصرِّحُ به لحلفْنا أنّه ليس له ثاني؛ إذ لو لم يكن عن (1) سيدنا أخذ، وعلى قوله اعتمد، وإلى رأيه في جميع الأمور قد استند، حتى صار من أهل الكشف والاستقامة، الذين تتنزّل عليهم الملائكة بالأسرار لما نصَّ عليه ربُّ الفضل بالإمامة.

فيا أيّها الرئيس الأجلّ، سبق السيف العذل، والبثْ قليلاً يلحق الهيجا حمل (2) ، فلقد أطلقَ غربه لساني، وحلفَ أن لا يكفكف من جري أدهم القلم بناني، حتى يأخذ غرار يراعتي مأخذه، وحتى ينفذ غرب براعتي منفذه، والبادي أظلم، وسيعلم أيّنا الذي يقرع سنَّ الندم:

ما المجدُ إلاّ ما بناهُ لساني

لا ما تزحزحه من البنيانِ

وحليُّ جيد الفضل نظمُ فرائدي

لا ما تنظَّم من فريد جمانِ

يا فاخراً لا في ملابس مدحتي

هذي ثيابُ الفخر لا ثوبانِ

ومطاولاً لا في صِلات قصائدي

هنَّ المكارم هنَّ لا قعبانِ

ولقد صدقتَ فقلتَ أيةُ حكمةٍ

لمَا نطقتَ جرتْ بأيِّ لسانِ

مَنْ لم تصدقه الفعالُ فمدحُه

ضربٌ من التخليط والهذيانِ

(انتهى الديوان)

____________________

1 - في المطبوع: من سيدنا.

2 - الأمثال لا تغيّر ونصه: لبث قليلاً.


الفهرس

مقَدّمة 4

الحماسة 5

المدائح 12

المراثي 56

التاريخيات 160

التّقْارِض 166

متفرقات 176

الرّسائل.. (مدح، رثاء، عتاب) 182

الفصل الثاني 220

في الرثاء 220

الفصل الثالث في العتاب 231


ديوان السيد حيدر الحلي الجزء ٢

ديوان السيد حيدر الحلي

مؤلف: السيد حيدر الحلي
تصنيف: دواوين
الصفحات: 241