موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

مؤلف: باقر شريف القرشي
أمير المؤمنين عليه السلام



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ )

البقرة : 247

( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )

الإسراء : 85

( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ )

آل عمران : 44

( وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ )

آل عمران : 179

( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا )

هود : 49



تقديم

أمّا الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فهو رائد النهضة الفكرية والعلمية في دنيا الإسلام ، والعقل المفكّر في عالم الإنسانية ، الذي استوعب أسرار الكون ودقائق الموجودات بذاتياتها وجنسها وفصلها وغوامض محتوياتها ، كما أحاط بما يتحقّق من بعده على مسرح الحياة من أحداث وشئون أسماها العلماء بالملاحم والمغيّبات ، وقد استمدّ ذلك كلّه من أخيه وابن عمّه الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد غذّاه بمواهبه وعبقرياته ، وأفاض عليه معارفه وعلومه ليكون امتدادا لوجوده ومبلّغا لرسالته ، تلك الرسالة العظمى التي غيّرت مجرى التاريخ ، وأضاءت سماء الكون بما تحمله من القيم والمبادئ التي لم تعرفها الإنسانية من قبل ، فكان الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام هو الذي وعاها ، وانطبعت في دخائل نفسه فكان هو الأمين عليها ، والمبلّغ لها من بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويعرض هذا الجزء من الموسوعة إلى فضل العلم والحثّ على تعلّمه ، وإلى بعض العلوم التي فتقها وأسّسها ، كما يتعرّض إلى كوكبة من الملاحم والمغيّبات التي أخبر عنها ، راجيا من الله تعالى أن أكون قد واكبت الحقّ وسايرت بدقّة وأمانة سيرة هذا الإمام الملهم العظيم الذي هو نسخة من التقوى والمواهب لا ثاني لها في تاريخ عظماء الإنسانية سوى الرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه تعالى وليّ التوفيق

النّجف الأشرف

باقر شريف القرشى

15 / صفر / 1420 هـ



العلم والتّعليم



ومن أهمّ البرامج السياسية في حكومة الإمام عليه‌السلام نشر التعليم ، ومحو الامّية ، وإشاعة العلم بين الناس فقد اتّخذ جامع الكوفة مدرسة ومعهدا لإلقاء محاضراته العلمية وقيمه الفكرية ، والتي كان منها الدعوة إلى الله تعالى ، وإظهار فلسفة التوحيد وإقامة الإيمان بالله تعالى على ضوء الأدلّة العلمية الحاسمة التي لا تقبل الجدل والتشكيك ، بالاضافة إلى مواعظه العملاقة التي كانت تهزّ أعماق النفوس خوفا ورهبة من الله تعالى.

وقد تخرّج من مدرسته جماعة من عظماء الإسلام أمثال الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، وحجر بن عدي ، وكميل بن زياد ، وأبي الأسود الدؤلي ، وميثم التمّار ، وغيرهم من الذين أقاموا صروح النهضة العلمية في الإسلام.

وعلى أي حال فإنّا نعرض ـ بإيجاز ـ لبعض ما اثر عن هذا الإمام الملهم العظيم من الكلمات القيّمة في تبجيل العلم ، وذمّ الجهل ، وتكريم العلماء ، وبعض العلوم التي أقامها ، وفيما يلي ذلك :

الإشادة بالعلم :

أمّا العلم فهو من أفضل المحاسن التي يتحلّى بها الإنسان ويسمو إلى أرقى مستويات الكمال ، وبالعلم تكون نهضة الامم وبلوغها إلى أهدافها ، ومستحيل أن تحتلّ أمّة من الامم مركزا مهمّا تحت الشمس وهي قابعة في أسر الجهل.

وقد أشاد إمام المتّقين كثيرا بالعلم ، ولنقرأ بعض أحاديثه :


1 ـ قال عليه‌السلام في حديثه مع تلميذه العالم كميل بن زياد :

يا كميل ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال.

والمال تنقصه النّفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله.

يا كميل بن زياد ، معرفة العلم دين يدان به ، به يكسب الإنسان الطّاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته.

والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه.

يا كميل ، هلك خزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدّهر :

أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة (1) .

حكى هذا الكلام أهمّية العلم ، وأنّه أثمن شيء في الحياة ، ولا يقاس به المال الذي هو شريان الحياة.

وقد تميّز العلم على المال ؛ فإنّ العلم ينمو بإنفاقه على الطلاب والسائلين ، وأمّا المال فإنّه يفنى بالإنفاق ، كما أنّ العلماء باقون على امتداد التاريخ وأمّا أصحاب الثروات العظيمة فإنّهم يفنون بموتهم وتتلاشى ثرواتهم من بعدهم.

2 ـ قال عليه‌السلام :

« العلم إحدى الحياتين » (2) .

ما أروع هذه الكلمة التي أحاطت بقيمة العلم ، فهو إحدى الحياتين اللتين يخلد بهما الإنسان.

__________________

(1) نهج البلاغة 3 : 164.

(2) مستدرك نهج البلاغة : 180.


3 ـ قال عليه‌السلام :

« العلم تحفة في المجالس ، وصاحب في السّفر ، وانس في الغربة ... » (1) .

حقّا إنّ العلم زينة المجالس ، فبه تزهو وتسمو وتتميّز عن بقيّة المجالس العارية من العلم ، كما أنّه صاحب وصديق مؤنس في السفر وأنس في الغربة.

أهمّية العالم :

وتحدّث الإمام عن أهمّية العالم ، وسموّ مكانته الاجتماعية وإنّ موته خسارة على الناس ، قال عليه‌السلام :

« إذا مات المؤمن العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء إلى يوم القيامة » (2) .

تكريم العالم :

وحثّ الإمام عليه‌السلام على تكريم العالم وتبجيله والاعتراف له بالفضل ، قال عليه‌السلام : « من حقّ العالم عليك إذا أتيته أن تسلّم عليه خاصّة ، وعلى القوم عامّة ، ولا تجلس قدّامه ، ولا تشر بيدك ، ولا تغمز بعينك ، ولا تقل : قال فلان خلاف قولك ، ولا تأخذ بثوبه ، ولا تلحّ عليه في السّؤال فإنّما هو بمنزلة النّخلة المرطبة الّتي لا يزال يسقط عليك منها شيء » (3) .

وتحدّث الإمام عليه‌السلام بهذه الكلمات عن حقوق العالم ، ولزوم رعايته واحترامه

__________________

(1) مستدرك نهج البلاغة : 186.

(2) مستدرك نهج البلاغة : 177.

(3) العقد الفريد 2 : 224.


تكريما لعلمه وإشادة بفضله لأنّه مصدر عطاء وفيض للمجتمع توجيها وسلوكا وآدابا.

أخذ المحاسن من كلّ علم :

قال عليه‌السلام : « العلم أكثر من أن يحصى ، فخذوا من كلّ شيء أحسنه » (1) .

وهذه الكلمة من روائع الحكم ، ومن محاسنها فإنّ العلم كنز لا يحصى ما فيه ، وعلى المرء أن يختار أبدع وأروع ما فيه ، وقد نظم بعض الشعراء هذه الكلمة الحكمية للإمام عليه‌السلام بقوله :

ما حوى العلم جميعا رجل

لا ولو مارسه ألف سنه

أنّما العلم بعيد غوره

فخذوا من كلّ شيء أحسنه (2)

تشجيعه للحركة العلمية :

كان الإمام عليه‌السلام يدعو المجتمع إلى العلم ويحثّهم عليه ، وقد خطب في الكوفة فقال : « من يشتري علما بدرهم؟ ». فقام الحارث الأعور فاشترى صحفا بدرهم ثمّ جاء بها إلى الإمام عليه‌السلام ، فكتب له بها علما كثيرا (3) ، وقد دلّت هذه البادرة على مدى تشجيعه للعلم ، وحثّه على تدوينه وكتابته.

العمل بالعلم :

وأكّد الإمام على ضرورة العمل بالعلم في كثير من أحاديثه كان منها ما يلي :

__________________

(1) معجم الأدباء 1 : 73.

(2) التمثيل والمحاضرة ـ الثعالبي : 165.

(3) تقيد العلم : 90. طبقات ابن سعد 6 : 116.


1 ـ قال عليه‌السلام :

« العلم مقرون بالعمل : فمن علم عمل ؛ والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه » (1) .

والمراد من قوله عليه‌السلام : فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه ، أي أنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه ، ولم يسر على ضوئه فإنّ الله تعالى يسلبه عنه.

2 ـ قال عليه‌السلام :

« وإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الّذي لا يستفيق من جهله ؛ بل الحجّة عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند الله ألوم كالسّائر على غير طريق والعامل بالعلم كالسّائ على الطّريق الواضح. فلينظر ناظر : أسائر هو أم راجع؟! » (2) .

أنّ الذي لا يهتدي بعلمه كالسالك في الطرق الملتوية القاتمة التي تهوي به إلى مستوى سحيق من الانحطاط ما له من قرار.

3 ـ قال عليه‌السلام :

« أوضع العلم ما وقف على اللّسان ، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان » (3) .

4 ـ قال عليه‌السلام :

« ربّ عالم قد قتله جهله ، وعلمه معه لا ينفعه » (4) .

__________________

(1) تصنيف نهج البلاغة : 2302.

(2) نهج البلاغة : الخطبة 110.

(3) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 109.

(4) المصدر السابق : 110.


وكثير من هذه الكلمات الذهبية أدلى بها أمير البلاغة والبيان وهي تهيب بالعلماء أن يعملوا بما علموا وأن تتوافق أعمالهم مع أقوالهم الداعية إلى الهدى والصلاح.

أنواع طلاب العلم :

تحدّث الإمام عليه‌السلام عن أصناف طلبة العلوم فقال :

« طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف ، ألاّ فاعرفوهم بصفاتهم :

صنف منهم يتعلّمون العلم للمراء والجدل.

وصنف للاستطالة والحيل.

وصنف للفقه والعمل.

فأمّا صاحب المراء والجدل فإنّك تراه مماريا للرّجال في أندية المقال ، قد تسربل بالتّخشّع ، وتخلّى عن الورع ، فدقّ الله من هذا حيزومه ، وقطع منه خيشومه.

وأمّا صاحب الاستطالة والحيل ، فإنّه يستطيل على أشباهه من أشكاله ، ويتواضع للأغنياء من دونهم ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينه حاطم ، فأعمى الله بصره ، ومحى من العلماء أثره.

وأمّا صاحب الفقه والعمل ، فتراه ذا كآبة وحزن ، قام اللّيل في حندسه ، وانحنى في برنسه يعمل ويخشى فشدّ الله من هذا أركانه ، وأعطاه الله يوم القيامة أمانه » (1) .

__________________

(1) مستدرك نهج البلاغة : 177.


وألمّ هذا الحديث الشريف بأنواع طلبة العلم وحكى أهدافهم ، فبعضهم يطلبه لأغراضه الشخصية من دون أن يبتغي به رضا الله تعالى والدار الآخرة ، وهؤلاء هم الأخسرون عملا ، وأكّد الإمام هذا المعنى في حديث آخر له قال :

« لو أنّ حملة العلم حملوه بحقّه لأحبّهم الله وأهل طاعته من خلقه ، ولكنّهم حملوه لطلب الدّنيا فمقتهم الله وهانوا على النّاس » (1) .

إنّ من يطلب العلم ويتحمّل الجهد الشاقّ في سبيله إن كان هدفه رضا الله والدار الآخرة فاز في دنياه وآخرته ، وإن كان هدفه رغبات الدنيا والتفوّق على غيره فقد خسر خسرانا مبينا.

ذمّ أهل الرأي :

ذمّ الإمام عليه‌السلام أهل الرأي الذين يفتون بآرائهم من دون علم قال عليه‌السلام :

« ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم ، فيصوّب آراءهم جميعا ـ وإلههم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابهم واحد! أفأمرهم الله ـ سبحانه ـ بالاختلاف فأطاعوه!

أم نهاهم عنه فعصوه!

أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه!

أم كانوا شركاء له ، فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى؟

أم أنزل الله سبحانه دينا تامّا فقصّر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن

__________________

(1) بحار الأنوار 2 : 37.


تبليغه وأدائه ، والله سبحانه يقول : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) ، وقال : وفيه تبيان لكلّ شيء ، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا ، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه : ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (1) .

عرض الإمام عليه‌السلام إلى ما يفتي به العاملون بآرائهم وأقيستهم ، وأنّها على ضلال يا له من ضلال ، فهي متناقضة متباينة ليس فيها بصيص من نور الإسلام وهديه.

بذل العلم :

وحثّ الإمام عليه‌السلام العلماء على بذل العلم وإشاعته بين الناس ، فقد جاء في كتابه :

« إنّ الله لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال ؛ لأنّ العلم كان قبل الجهل » (2) .

لقد عنى الإمام بصورة إيجابية بإشاعة العلم ونشره بين الناس ، وقد حثّ العلماء وألزمهم بتعليم المجتمع وتثقيفه والسهر على رفع مستواه الفكري.

حثّه على جودة الخطّ :

حثّ الإمام عليه‌السلام أصحابه وجهاز حكومته على جودة الخطّ ، وقال لهم :

« الخطّ الحسن يزيد الخطّ وضوحا » (3) .

ومن الجدير بالذكر أنّ المصحف الكريم لم يكن منقّطا ، وأوّل من نقّطه

__________________

(1) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 19.

(2) اصول الكافي 1 : 41.

(3) صبح الأعشى 3 : 25.


أبو الأسود الدؤلي ، وذلك بتلقين وإرشاد من الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) .

أنواع العلوم :

كان الإمام عليه‌السلام خزانة من العلوم والمعارف لم يعهد له نظير في عظماء الدنيا وعباقرة العالم ، وقد فتق أبوابا من العلوم تربو على ثلاثين علما لم يكن يعرفها العرب وغيرهم من قبل حسبما يقول العقّاد ، وقد أثر عنه القول :

« العلوم أربعة : الفقه للأديان ، والطّبّ للأبدان ، والنّحو للّسان ، والنّجوم لمعرفة الزّمان » (2) .

وقد أعرب الإمام عليه‌السلام عن أساه وحزنه لأنّه لم يجد من يبثّ إليه علومه حتى تستفيد منها العامّة وتتطوّر بها الحياة ، وقد قال عليه‌السلام : « إنّ هاهنا ـ وأومأ إلى صدره الشريف ـ لعلما جمّا ، لو أصبت له حملة » (3) .

لقد كان صدره الشريف خزانة لعلم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو باب مدينة علمه ووارث علومه وحكمه وآدابه ، وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى بعض العلوم التي أثرت عنه وهي :

1 ـ علم النحو

والشيء المحقّق الذي لا ريب فيه هو أنّ أوّل من وضع علم النحو وأرسى قواعده هو الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ونعرض إلى بعض البحوث المرتبطة به ، وهي :

__________________

(1) صبح الأعشى 3 : 149. مفتاح السعادة 1 : 89 ، أنّ أوّل من نقّط المصحف الإمام عليّ عليه‌السلام .

(2) مفتاح السعادة 1 : 303.

(3) المصدر السابق 1 : 43.


في اللغة :

النحو في اللغة الطريق والجهة والقصد ، ومنه انتحاه إذا قصده ، سمّي به هذا العلم ، وذلك لينحي سمت كلام العرب في تصرّفه من اعراب وغيره من ليس منهم فيضارعهم في اللحن ، وقد عرض أبو الأسود ما أخذه من الإمام في هذا العلم فعرضه عليه فقال له : « ما أحسن هذا النّحو الّذي نحوت » ، ولذلك سمّي هذا النحو نحوا (1) في الاصطلاح.

أسباب وضعه :

وذكر المؤرّخون عدّة أسباب مختلفة لوضع هذا العلم الذي أصبح من أبرز العلوم العربية ، ومن أكثرها فائدة وهي :

1 ـ روى الأصمعي قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : جاء أعرابي إلى عليّ عليه‌السلام فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، كيف تقرأ هذه الحروف : لا يأكله إلاّ الخاطون ، كلّنا والله يخطو؟ فتبسّم أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال :

« يا أعرابيّ ، لا يأكله إلاّ الخاطئون ».

قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان الله ليظلم عباده ، ثمّ التفت الإمام إلى أبي الأسود الدؤلي فقال :

« إنّ الأعاجم قد دخلت في الدّين كافّة فضع للنّاس شيئا يستدلّون به على صلاح ألسنتهم » ورسم له الرفع والنصب والخفض (2) .

2 ـ سمع الإمام أعرابيا يقرأ الآية : ( أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ )

__________________

(1) تاج العروس 10 : 360. النزهة 3 : 1. المثل السائر : 7. لسان العرب 15 : 310.

(2) الزينة في الكلمات الإسلامية العربية ـ أبو الحاتم أحمد الرازي : 72. النزهة : 8.


قرأ بخفض الرسول ، وقال الاعرابي برئت من رسول الله ، فأنكر عليه الإمام وأرشده إلى الصواب وهو النصب ، ثمّ رسم لأبي الأسود صناعة النحو (1) .

هذه بعض الأسباب التي حفّزت الإمام إلى وضعه لعلم النحو وتأسيسه له.

القواعد التي وضعها الإمام عليه‌السلام :

وذكر المؤرّخون أنّ الإمام عليه‌السلام دفع إلى أبي الأسود رقعة مكتوبا فيها :

« الكلام كلّه : اسم ، وفعل ، وحرف ، فالاسم من أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبئ به ، والحرف ما أفاد معنى. واعلم أنّ الأسماء ثلاثة : ظاهر ومضمر ، واسم لا ظاهر ولا مضمر ... ».

ثمّ وضع أبو الأسود بابي العطف والنعت ، ثمّ بابي التعجّب والاستفهام إلى أن وصل إلى باب إنّ وأخواتها ما خلا لكن ، فلمّا عرضها على الإمام أمره بضمّ لكن إليها ، وكلّما وضع بابا من أبواب النحو عرضه عليه (2) .

وفي رواية أنّ أبا الأسود دخل على عليّ فوجده مطرقا مفكّرا ، فسأله عن سبب ما به ، فذكر له أمر اللحن وما فشا من الخطأ في ألسنة الناس ، وأنّه يريد أن يضع كتابا في اصول العربية ، فانصرف عنه وهو مغموم فألقى الإمام عليه رقعة كتب فيها :

« الكلام كلّه : اسم ، وفعل ، وحرف ، فالاسم من أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبئ به ، والحرف ما أفاد معنى ـ أي في غيره ـ ... ».

ثمّ أمره أن ينحو نحوه وأن يزيد عليه ، فجمع أبو الأسود أشياء وعرضها عليه فكان من ذلك حروف النصب كان منها : إن وأن وليت ولعلّ وكأنّ ، ولم يذكر « لكنّ »

__________________

(1) الخصائص 2 : 9.

(2) النزهة ـ ابن الأنباري : 4. ضحى الإسلام 2 : 285.


فأشار عليه الإمام بإدخالها عليها (1) .

وعلى أي حال فإنّ علم النحو واضعه ومؤسّسه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

2 ـ علم الفقه

من العلوم التي وضع اسسها وأقام مناهجها علم الفقه الشريف.

يقول ابن أبي الحديد : « ومن العلوم علم الفقه ، وهو عليه‌السلام أصله وأساسه ، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ، ومستفيد من فقهه ، أمّا أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمّد وغيرهما ، فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأمّا الشافعي فقرأ على محمّد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد » (3) .

وقرأ جعفر على أبيه عليه‌السلام ، وينتهي الأمر إلى عليّ عليه‌السلام ، وأمّا مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على عليّ بن أبي طالب ، وإن شئت رددت إليه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك ، فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

وأمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر ، وأيضا فإنّ فقهاء الصحابة كان من بينهم

__________________

(1) أنباء الرواة 1 : 4.

(2) معجم الادباء 14 : 42 ـ 50. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 20.

(3) أعلن أبو حنيفة أنّه تتلمذ عند الإمام الصادق عليه‌السلام واستفاد منه بقوله : « لو لا السنّتان لهلك النعمان » يعني بالسنتين اللتين تتلمذ فيهما عند الإمام عليه‌السلام يراجع في ذلك موسوعة حياة الإمام الصادق للمؤلّف.


عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذ عن عليّ عليه‌السلام .

أمّا ابن عباس فظاهر ، وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرّة :

لو لا عليّ لهلك عمر.

وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن.

وقوله : لا يفتين أحد في المسجد وعليّ حاضر.

فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه ...

وقد روت العامّة والخاصّة قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « أقضاكم عليّ » ، والقضاء هو الفقه ، فهو إذن أفقههم ، وروى الكلّ أيضا أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له ـ وقد بعثه إلى اليمن قاضيا ـ: « اللهمّ اهد قلبه ، وثبّت لسانه » ، قال عليه‌السلام : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين

، وهو عليه‌السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستّة أشهر ، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية (1) ، والذي قال في المنبرية صار ثمنها تسعا ، وهذه المسألة لو فكّر فيها الفرضي فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر لهذا الجواب فما ظنّك بمن قاله بديهة وأقضيته ارتجالا (2) .

3 ـ علم تفسير القرآن

من العلوم التي أخذت عنه علم تفسير القرآن الكريم ، فقد أخذ أكثر تفسيره منه ومن تلميذه حبر الامّة عبد الله بن عباس ، وقد قيل له : أين علمك من علم

__________________

(1) ذكرنا عرضا مفصّلا لأقضيته في كتابنا : ( قضاء الإمام ) ، وهو أحد أجزاء هذه الموسوعة.

(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 18 ـ 19.


ابن عمّك؟ فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط (1) ، وقد أفردنا جزء خاصّا من موسوعة الإمام إلى ما اثر عنه في تفسير القرآن الكريم ، ومن المؤكّد أنّ المصحف الذي قيل عنه إنّه مصحف الإمام عليه‌السلام قد أدرج فيه أسباب النزول ومعاني الكلمات وبيان ما فيه من الأحكام.

4 ـ علم الفلك والحساب

من العلوم التي أخذت عنه علم الفلك والحساب ، فقد قال عليه‌السلام عن خلق السماء :

« ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، وضياء الثّواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم (2) مائر (3) » (4) .

وقال عليه‌السلام عن كيفيّة خلق السماء :

« وناداها بعد إذ هي دخان ، فالتحمت عرى أشراجها ، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها » (5) .

ذهب بعض علماء الفلك في هذا العصر إلى أنّ أوّل نشوء الكون كان نتيجة انفجار كبير فشاع في الكون سكون وظلام دامس ، ثمّ بدأت الذرات تتجمّع في

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 19.

(2) الرقيم : من أسماء الفلك.

(3) المائر : المتحرّك.

(4) نهج البلاغة : 15.

(5) نهج البلاغة : 37.


مناطق معيّنة ، مشكلة أجراما ، ثمّ ما لبثت أن بدت فيها التفاعلات النووية التي جعلت هذه الأجرام نجوما مضيئة ، وفي قول الإمام عليه‌السلام : « فالتحمت عرى أشراجها » تشبيه لنجوم المجرة بالحلقات المرتبطة ببعضها بوشاج الجاذبية ، والتأثير المتبادل وبعد نشوء النجوم الملتهبة الدائرة بدأت تقذف بالحمم التي شكّلت الكواكب السيارة كالأرض وغيرها وهو ما عبّر عنه الإمام عليه‌السلام بالفتق بعد الارتتاق.

ثمّ قال عليه‌السلام :

« وأقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده ـ أي بقوّته ـ ، وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ».

علّق عليها لبيب وجيه بيضون بقوله :

قوله عليه‌السلام : « وأقام رصدا من الشّهب الثّواقب » يشير عليه‌السلام بذلك إلى ما أثبته العلم الحديث من أنّ الشهب تغذّي بعض أجرام الكواكب بما نظّمه لها من التفاتق فما نقب وخرق من جرم عوض بالشهاب.

ثمّ قال عليه‌السلام :

« وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بأيده » : أي أمسك الكواكب من أن تضطرب في الهواء بقوّته.

« وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره » ، أي تلتزم مراكزها لا تفارق مداراتها.

قال عليه‌السلام :

« وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها آية ممحوّة من ليلها ، وأجراهما في مناقل مجراهما ، وقدّر سيرهما في مدارج درجهما ، ليميّز بين اللّيل والنّهار بهما ، وليعلم عدد السّنين والحساب بمقاديرهما » (1) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 37 ، الخطبة 91.


لقد عرض الإمام عليه‌السلام بصورة موضوعية ودقيقة إلى علم الفلك ، وبيّن مقدار ما فيه من الأنظمة الهائلة.

أمّا علم الحساب ، فقد أقام مناهجه وبين غوامضه ، وقد عرض لها بعض المختصّين بهذا العلم كان منها ما يلي :

مقدار قطر الشمس :

سأل شخص الإمام عليه‌السلام عن مقدار قطر الشمس ، فأجاب الإمام عليه‌السلام مرتجلا : « تسعمائة في تسعمائة ميل أي 810000 ميل ».

ومن المعلوم أنّ الميل في صدر الإسلام يساوي أربعة آلاف ذراع بذراع اليد ، وهو من المرفق إلى رءوس الأصابع ، فلو قسنا ذراع رجل متوسط القامة بالانجات ثمّ حوّلنا (4000) إلى انجات فياردات فأميال لوجدنا أنّ ما أخبر به الإمام عليّ عليه‌السلام 810000 ميل على ما كان معروفا في صدر الإسلام تعادل 865380 ميلا على ما هو معروف اليوم من أنّ الميل 1760 ياردا وأنّ كتب الفلك تنصّ أنّ قطر الشمس يساوي (865380) ميلا فما أخبر به عليّ عليه‌السلام يطابق تمام الانطباق مع ما تجده في كتب الفلك اليوم وذلك بعد تحويل الميل في صدر الإسلام إلى الميل الانكليزي الذي يعادل (160) ياردا (1) .

مسألة الجمال :

كان 17 جملا مشتركة بين ثلاثة أشخاص ، فجاؤوا عليّا عليه‌السلام وقالوا : إنّ نصف هذه الجمال لأحدنا وثلثها لآخر وتسعها لثالثنا ، ونريد أن نقسّمها بيننا على أن لا يبقى باق.

__________________

(1) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 17.


فدعا عليّ عليه‌السلام بجمل له وأضافه إلى الجمال ، فكانت 18 جملا ، فأعطى نصف الجمال ـ أي نصف 18 جملا ـ إلى من له النصف ، أي أعطاه 9 جمال.

وأعطى ثلث الـ 18 إلى من كان له الثلث ، أي أعطاه 6 جمال.

وأعطى تسع الـ 18 إلى من كان له التسع ، أي أعطاه جملين ، ثمّ أرجع الجمل الذي أضافه إلى بيته (1) .

وبهذا ينتهي الحديث عمّا خاضه وأبدعه الإمام عليه‌السلام في علم الفلك والحساب.

5 ـ علم الحيوان

من العلوم المهمّة التي خاضها الإمام عليه‌السلام علم الحيوان تحدّث فيها عن خصائصها وبديع صنعها وتركيبها ، انظروا إلى بعض أحاديثه عنها :

وصف الطيور :

ووصف الإمام عليه‌السلام الطيور وصفا دقيقا وملمّا بجميع أصنافها ، قال عليه‌السلام : « ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات ، وساكن وذي حركات ؛ وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته ، وعظيم قدرته ، ما انقادت له العقول معترفة به ، ومسلّمة له ، ونعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيّته ، وما ذرأ من مختلف صور الأطيار الّتي أسكنها أخاديد الأرض ، وخروق فجاجها ، ورواسي أعلامها ، من ذات أجنحة مختلفة ، وهيئات متباينة ، مصرّفة في زمام التّسخير ، ومرفرفة بأجنحتها في مخارق الجوّ المنفسح ، والفضاء المنفرج.

__________________

(1) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 37.


كوّنها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة ، وركّبها في حقاق مفاصل محتجبة ، ومنع بعضها بعبالة خلقه (1) أن يسمو في الهواء خفوفا ، وجعله يدفّ دفيفا ونسقها على اختلافها في الأصابيغ بلطيف قدرته ، ودقيق صنعته.

فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه ؛ ومنها مغموس في لون صبغ قد طوّق بخلاف ما صبغ به » (2) .

أرأيتم هذا الوصف الدقيق الرائع للطيور المختلفة ألوانها البديعة مظاهرها التي تأخذ بأعماق النفوس ألوانها فتعالى الله في صنعه وخلقه وهي من آيات الله تعالى ومن شواهد وحدانيّته.

وصف الطاوس :

وبعد ما أدلى الإمام في وصف مطلق الطيور ذكر عجيب صنع الطاوس قال عليه‌السلام : « ومن أعجبها خلقا الطّاوس الّذي أقامه في أحكم تعديل ، ونضّد ألوانه في أحسن تنضيد ، بجناح أشرج قصبه ، وذنب أطال مسحبه.

إذا درج إلى الأنثى نشره من طيّه ، وسما به مطلاّ على رأسه كأنّه قلع داريّ ، عنجه نوتيّه (3) .

يختال بألوانه ، ويميس بزيفانه (4) .

__________________

(1) العبالة : الضخامة.

(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 : 70 ، خطبة 160.

(3) القلع : شراع السفينة. عنجه : جذبه.

(4) يختال : أي يعجب. يميس : يتبختر.


يفضي (1) كإفضاء الدّيكة ، ويؤرّ (2) بملاقحه أرّ الفحول المغتلمة (3) للضّراب أحيلك من ذلك على معاينة (4) ، لا كمن يحيل على ضعيف إسناده.

ولو كان كزعم من يزعم أنّه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه (5) ، فتقف في ضفّتي جفونه ، وأنّ أنثاه تطعم ذلك ، ثمّ تبيض لا من لقاح فحل سوى الدّمع المنبجس ، لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب (6) ! تخال قصبه مداري من فضّة ، وما أنبت عليها من عجيب داراته ، وشموسه خالص العقيان ، وفلذ الزّبرجد (7) .

فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت : جنى جني من زهرة كلّ ربيع (8) .

__________________

(1) يفضي : أي يسافد انثاه كما تسافد الديكة.

(2) يؤر : أي يأتي انثاه بملاقحة فيفرز فيها مادة تناسله.

(3) المغتلمة : من اغتلم ، أي غلبة الشهوة.

(4) أي أحيلك إلى معاينة الطاوس فتجد ذلك صدقا على ما أقول.

(5) تسفحها : أي ترسلها مدامعة ، وقد أبطل الإمام دعوى من يقول إنّ انثاه تلد لا من لقاح فحل.

(6) المراد من كلامه عليه‌السلام أنّه لو صحّ ما ذكروه في الطاوس من أنّ تلقيحه يكون بانتقال الماء في جوف الذكر إلى الانثى عند ما تترشفه لجرى ذلك في الغراب أيضا ، وذلك لشبهه للطاوس بذلك ، ومنشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب به المثل فقيل أخفى من سفاد الغراب.

(7) القصب : جمع قصبة ، هي عمود الريش. المداري : جمع مدرى ، وهو آلة مصنوعة من حديد أو خشب على شكل أسنان المشط يسرّح بها الشعر. الدارات : هالة القمر. العقيان : الذهب الخالص.

(8) جنى : أي جمع من كلّ زهر لونا.


وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل (1) ، أو كمونق عصب اليمن.

وإن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان ، قد نطّقت باللّجين المكلّل (2) .

يمشي مشي المرح المختال (3) ، ويتصفّح ذنبه وجناحيه ، فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله (4) ، وأصابيغ وشاحه (5) ؛ فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا (6) بصوت يكاد يبين عن استغاثته ، ويشهد بصادق توجّعه ، لأنّ قوائمه حمش كقوائم الدّيكة الخلاسيّة.

وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية (7) خفيّة ، وله في موضع العرف قنزعة خضراء موشّاة.

ومخرج عنقه كالإبريق ، ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانيّة ، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال (8) ، وكأنّه متلفّع بمعجر أسحم (9) ، إلاّ أنّه يخيّل لكثرة مائه ، وشدّة بريقه ، أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجة به.

__________________

(1) الموشّى : المنقوش.

(2) المكلّل : المزيّن بالجواهر.

(3) المختال : الزاهي بحسنه.

(4) سرباله : لباسه.

(5) الوشاح : نظامان من لؤلؤ وجوهر.

(6) زقا : صاح. معول : رافع صوته.

(7) ظنوب : عظم حرف الساق. الصيصة : هي الشوكة.

(8) الصقال : الجلاء.

(9) المعجر : الثوب. الأسحم : الأسود.


ومع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الأقحوان ، أبيض يقق (1) ، فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق.

وقلّ صبغ إلاّ وقد أخذ منه بقسط ، وعلاه بكثرة صقاله ، وبريقه ، وبصيص (2) ديباجه ورونقه ، فهو كالأزاهير المبثوثة ، لم تربّها أمطار ربيع ، ولا شموس قيظ.

وقد ينحسر (3) من ريشه ، ويعرى من لباسه ، فيسقط تترى ، وينبت تباعا ، فينحتّ من قصبه انحتات (4) أوراق الأغصان ، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه ، لا يخالف سالف ألوانه ، ولا يقع لون في غير مكانه! وإذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة ورديّة ، وتارة خضرة زبر جديّة ، وأحيانا صفرة عسجديّة (5) ، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن (6) ، أو تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين! وأقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه ، والألسنة أن تصفه! فسبحان الّذي بهر العقول عن وصف خلق جلاّه للعيون » (7) .

وألمّ هذا الوصف الرائع بخلقة الطاوس وما فيه من العجائب التي يذهل

__________________

(1) اليقيق : شديد البياض.

(2) البصيص : اللمعان.

(3) ينحسر : وهو من حسره أي كشفه.

(4) ينحت : يسقط.

(5) العسجدية : الذهب.

(6) العمائق : هي العميقة أو القعر.

(7) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 : 73 ـ 75.


الفكر البشري من إدراكها ، فسبحان المصوّر الذي خلق الطاوس بهذه الكيفيّة التي يقصر الوصف عن بيانها إلاّ أنّ باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أحاط بذكر عجائب هذا الطائر الغريب في شكله والعجيب في خلقته.

الخفّاش :

وصف الإمام الخفّاش وصفا دقيقا وملمّا بجميع خواصّه وصفاته قال عليه‌السلام : « ومن لطائف صنعته ، وعجائب خلقته ، ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش الّتي يقبضها الضّياء الباسط لكلّ شيء ، ويبسطها الظّلام القابض لكلّ حيّ ؛ وكيف عشيت أعينها (1) عن أن تستمدّ من الشّمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ، وتتّصل بعلانية برهان الشّمس إلى معارفها. وردعها بتلألؤ ضيائها عن المضيّ في سبحات إشراقها (2) ، وأكنّها في مكامنها عن الذّهاب فى بلج ائتلاقها (3) ، فهي مسدلة الجفون بالنّهار على أحداقها ، وجاعلة اللّيل سراجا تستدلّ به في التماس أرزاقها ؛ فلا يردّ أبصارها إسداف ظلمته ، ولا تمتنع من المضيّ فيه لغسق دجنّته.

فإذا ألقت الشّمس قناعها ، وبدت أوضاح نهارها (4) ، ودخل من إشراق نورها على الضّباب في وجارها (5) ، أطبقت الأجفان على مآقيها ،

__________________

(1) العشا : ضعف البصر.

(2) سبحات النور : أطواره ودرجاته.

(3) الاتلاق : اللمعان. البلج : وضوح الضوء وظهوره.

(4) أوضاح النهار : بياض الصبح.

(5) الوجار : مكمنها الذي تأوي إليه.


وتبلّغت (1) بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها.

فسبحان من جعل اللّيل لها نهارا ومعاشا ، والنّهار سكنا وقرارا! وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطّيران ، كأنّها شظايا (2) الاذان غير ذوات ريش ولا قصب (3) ، إلاّ أنّك ترى مواضع العروق بيّنة أعلاما (4) .

لها جناحان لمّا يرقّا فينشقّا ، ولم يغلظا فيثقلا. تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها ، يقع إذا وقعت ، ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتّى تشتدّ أركانه ، ويحمله للنّهوض جناحه ، ويعرف مذاهب عيشه ، ومصالح نفسه.

فسبحان الباريء لكلّ شيء ، على غير مثال خلا من غيره! » (5) .

أرأيتم هذا الوصف الدقيق للخفّاش الذي تفرّد عن بقيّة الطيور بخصائصه ومميزاته ، ولم يحط علما بهذه الأوصاف إلاّ باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي غذّاه النبي بعلومه ومعارفه.

الجراد :

ووصف عليه‌السلام خلقة الجراد بقوله :

« وإن شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها

__________________

(1) تبلّغت : اكتفت.

(2) شظايا : جمع شظية ، وهي شقق الاذن.

(3) القصب : جمع قصبة ، وهي عمود الريشة.

(4) أعلاما : ذي رسوم ظاهرة.

(5) نهج البلاغة : 46.


حدقتين قمراوين ـ أي مضيئة كالقمر ـ ، وجعل لها السّمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السّويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض (1) . يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ، ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها » (2) .

أرأيتم هذا الوصف الرائع الدقيق الذي أحاط بكنه هذا المخلوق وبصفاته وخواصّه.

النملة :

انظروا إلى وصف الإمام للنملة ، وما فيها من عجائب الإبداع وجمال الاسلوب قال عليه‌السلام :

« ولو فكّروا في عظيم القدرة ، وجسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطّريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة! ألا ينظرون إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر! انظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها ؛ وتعدّها في مستقرّها.

تجمع في حرّها لبردها ، وفي وردها لصدرها ؛ مكفول برزقها ، مرزوقة

__________________

(1) يقصد بالمنجلين : رجليها.

(2) نهج البلاغة : 85 ، الخطبة رقم 185.


بوفقها ؛ لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو في الصّفا اليابس ، والحجر الجامس ـ أي الجامد ـ! ولو فكّرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرّأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا! فتعالى الّذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها! لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر.

ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ.

وما الجليل واللّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقويّ والضّعيف ، في خلقه إلاّ سواء » (1) .

6 ـ علم الكلام

من العلوم التي وضع اصولها وقواعدها علم الكلام ، ومنه أخذ المتكلّمون مناهج بحوثهم.

يقول ابن أبي الحديد : « ومن كلامه اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ ، فإنّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ، ومنه تعلّم الناس هذا الفنّ ، تلامذته وأصحابه لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه عليه‌السلام .

وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل أبي بشر

__________________

(1) نهج البلاغة : 84 ، الخطبة 185.


الأشعري ، وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بآخره إلى استاذ المعتزلة ومعلّمهم هو عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

وأمّا الإمامية والزيدية فانتمائهم إليه ظاهر » (1) .

ونهج البلاغة طافح بالبحوث الكلامية خصوصا فيما يتعلّق بالتوحيد الذي هو الأساس لهذا العلم قال عليه‌السلام :

« الحمد لله الدّالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليّته ؛ وباشتباههم على أن لا شبه له.

لا تستلمه المشاعر (2) ، ولا تحجبه السّواتر ، لافتراق الصّانع والمصنوع ، والحادّ والمحدود ، والرّبّ والمربوب ؛ الأحد بلا تأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب (3) ، والسّميع لا بأداة (4) ، والبصير لا بتفريق آلة (5) ، والشّاهد لا بمماسّة ، والبائن لا بتراخي مسافة (6) ، والظّاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة.

بان من الأشياء بالقهر لها ، والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له ، والرّجوع إليه.

من وصفه فقد حدّه (7) ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله ،

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 17.

(2) لا تستلمه المشاعر : لا تصل إليه الحواس.

(3) النصب ـ بالتحريك ـ : التعب.

(4) الأداة : الآلة.

(5) تفريق الآلة : فتح الأجفان بعضها عن بعض.

(6) البائن : المنفصل عن خلقه.

(7) أي من كيّفه بكيفيات المحدّثين.


ومن قال : « كيف » فقد استوصفه ، ومن قال : « أين » فقد حيّزه.

عالم إذ لا معلوم ، وربّ إذ لا مربوب ، وقادر إذ لا مقدور » (1) .

وهذه اللوحة من كلامه عليه‌السلام صميم البحوث الكلامية التي عرضت إلى صفات الله تعالى الثبوتية والسلبية.

7 ـ علم الطبيعة ـ الفيزياء

من العلوم التي تستند معرفتها وبرامجها إلى الإمام عليه‌السلام هو علم الطبيعة الفيزياء ، وهذه بعض نظرياته :

قال عليه‌السلام : « وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الاجسام » (2) .

إنّ كثيرا من الحيوانات لا ترى الألوان ، بل ترى الصور سوداء أو بيضاء فقط ، أمّا الإنسان فإنّه يرى الألوان السبعة التي هي ألوان الطيف المرئي ، والتي تنحصر أطول موجاتها بين ( 4 و0 ) مكرون ( البنفسجي ) و ( 8 و0 ) مكرون ( الأحمر ) ، أمّا الأضواء التي تقع أطوال موجاتها خارج هذا المجال ، فإنّ الإنسان لا يراها ، ومنها الأشعة فوق البنفسجية ، والأشعة تحت الحمراء ، إذن فقدرة الإنسان البصرية محدودة.

أمّا الله تعالى فهو يرى كلّ جسم ، وكلّ لون مهما كان نوعه أو لطافته ، وقد وجد بقدرة الله تعالى أنّ النحلة تستطيع أن تميّز بين أنواع الزهور وهي تطير في أعلى السماء (3) .

__________________

(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 : 53.

(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 1 : 108.

(3) تصنيف نهج البلاغة : 312.


وقال عليه‌السلام : « في التّجارب علم مستأنف » ، فهو حقّا واضع الطريقة التجريبية في العلوم الطبيعية ، وهو بذلك يسبق « بيكون » قرونا ، الذي نسب إليه الغربيّون وضع الطريقة التجريبية (1) .

8 ـ الكهرباء

أشار الإمام عليه‌السلام إلى الكهرباء الذي هو مفتاح التقدّم والتطوّر في حياة الإنسان ، فقد كان عليه‌السلام جالسا على نهر الفرات وبيده قضيب ، فضرب به على صفحة الماء وقال : « لو شئت لجعلت لكم من الماء نورا ونارا ».

وفي قوله عليه‌السلام دلالة إلى ما في الماء من طاقة يمكن أن تولّد النور وهو الكهرباء والنار وهو الطاقة الحرارية وأنّا نجد في الماء عنصرين : هما الهيدروجين والأوكسجين.

الأوّل قابل للاحتراق وإعطاء النور ، والثاني يساعد على الاحتراق ويعطي الحرارة.

وأبعد من ذلك فإنّ وجود الماء الثقيل في الماء الطبيعي بنسبة 2 إلى 10000 يجعله أفضل مصدر طبيعي للهيدروجين الثقيل الذي نسمّيه ( الدوتيريوم ) وهذا النظير المشعّ هو حجر الأساس في تركيب القنبلة الهيدروجينيّة القائمة على اندماج ذرّتين من الدوتيريوم لتشكيل الهليوم ، علما بأنّ الطاقة الناتجة عن هذا الاندماج والتي هي منشأ طاقة الشمس تفوق آلاف المرّات الطاقة الناتجة عن القنبلة الذرية التي تقوم على انشطار اليورانيوم ...

إنّ هذه المعاني الدقيقة والأسرار العميقة تضمّنها قول الإمام عليه‌السلام الذي هو

__________________

(1) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 74.


باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو القائل :

« بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّويّ البعيدة! » (1) .

9 ـ علم الطبّ

وأثرت عن الإمام عليه‌السلام الكثير من الآراء الذهبية في علم الطب تدلّ على استيعابه لهذا العلم ، ومعرفته الكاملة بأسراره وهو القائل فيما يحتويه جسم الإنسان من الأجهزة والأنظمة العجيبة :

أتحسب أنّك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

دواؤك فيك وما تبصر

وداؤك منك وما تشعر

عرض المرحوم الحاجّ محسن شلاش هذين البيتين على الدكتور جاك عبود طالبا منه تحليلهما على ضوء علم الطب فأجاب بعد المقدّمة ما يلي :

« لقد ثبت في الاكتشافات الأخيرة بأنّ المناعة الموجودة في الإنسان طبيعية أو مكتسبة هي الخطّ الإمامي والاستحكام الدفاعي الذي يصدّ هجمات العوارض الخارجية عن الإنسان ، مكروبية كانت أو فيزيائية ، حيث آخر ما وصلت إليه النظريات في الطب الوقائي الحديث استثمار هذه المناعة وتقويتها بالطرق الطبيعية أو الفيزيائية ، فإذا دخلت أو نفذت العوارض الخارجية إلى جسم الإنسان وأصبحت داء يتطلّب العلاج ، فالدواء موجود في جسم الإنسان الذي فيه إمكان تعبئة عامّة من جيوش جرّارة مكنونة في الإنسان لمحاربة هذه الآفة العرضية ، ومثال ذلك إذا اصيب الجسم بمرض ( أنتاني ) يحدث ارتفاعا فوريا في حرارة الجسم ( الحمى )

__________________

(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 1 : 36.


التي ليست هي بمرض ، وإنّما هي ظاهرة من ظواهر القوى المحاربة للدفاع ، وإذا اصيب شخص بذات الرئة مثلا ولم ترتفع حرارة جسمه من الحمى بالنسبة المطلوبة يتشاءم الأطباء من عواقب المرض لقلّة الدفاع أو عدمه ، وفي علم المناعة الطبيعية الموجودة في الإنسان تؤيّد هذا القول تأييدا فنّيا لا مناقشة فيه ، وتقتصر مهمّة الطبيب في اتّباع طرق المعالجة التي ترشده عليه الطبيعة ، وعليه أن يتّبع ذلك الإرشاد ، ويعزو النقص الحاصل بما توصّل إليه العلم الحديث عن بصيرة كاستعمال مواد ( السلفا والبنسلين ) التي تشلّ حركة المكروبات وتضعّفها عن النمو والتكاثر فيصبح حينئذ في استطاعة الجسم اكتساحها : « وداؤك منك وما تشعر ».

لقد فرضت المشيئة وقوانينها الطبيعية لصيانة الجسم من الخلل من قواه إلى حدّه المحدود ، وهيّأت له أسبابا للبقاء من طرق المعيشة والانتعاش من مواهب الطبيعة في جميع أنحاء المعمورة ، وحسبما يلائم كلّ محيط منها بحكم الطبيعة التي يجب على الإنسان أن يشعر فيها ويتبعها كما أرشد فيها هذا الكلام ، وأرشد إلى وجود المدارك والحواس التي ترشد الإنسان إلى ما يتطلّبه هذا الجسم من تلك المواهب فعليه أن يتطلّع الشعور بها ويتبعها لصيانة الجسم من العلل ؛ لأنّ الطبيعة تجعله يدرك في احتياجه إلى الهواء الطلق وأشعة الشمس والمواد الغذائية الرئيسية بكمياتها وأنواعها التي تؤمّن نموّ ذلك الجسم ، والمحافظة على كيانه المطلوب ، ويشعر بحدود ما يتحمّله الجسم من الأتعاب وما يتطلّبه من الراحة والنوم ، وما هو المفروض من ضرورة التجنّب عن الأغذية المصطنعة من تصرفات الإنسان على خلاف مقتضيات الطبيعة أو الغريبة عن طبيعة ذلك المحيط الذي يعيش فيه ، فإذا قصر عن تطبيق هذه الواجبات أو أسرف فيها جهلا أو قهرا أو اختيارا فيكون دائه منه بطبيعة الحال كما جاء في هذا الكلام :

أتحسب أنّك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر


لست مغاليا إذا قلت : إنّ هذا الكلام ينجرّ إلى بحوث فلسفية عالية قد يكون معظمها ليس من اختصاص الأطباء ، ولكنّني أشرح منها ما أستطيع.

حقّا إذا تأمّل الإنسان في عظمة الكون ، وتبصّر في انطواء هذا العالم يحسب نفسه جرما صغيرا إلاّ أنّه لو تبحّر في تركيب جسمه ، ودرس علم التشريح بدقائقه وعلم الفلسفة الحديثة من جميع نواحيه لأخذه الهول من عظمة تكوين هذا الجسم الذي كلّ عضو من أعضائه كوّن في بابه يحتوي على ملايين من الحجيرات تقوم بأعمال ذات اختصاص مرتبطة ببعضها بغاية الدقّة والإحكام ، وحفظ التوازن والانتظام ومع هذه العظمة في تكوينه فإنّه حقّا جرم صغير غير أنّه المكون الصانع أضاف في طبيعة هذه المنظومة لهذا الجسم كونا آخر أعظم شأنا هو ( الدماغ ) الذي رفع ذلك الجرم الصغير إلى الجرم الكبير ، وجعل فيه انطواء هذا العالم الأكبر ، ذلك الدماغ الذي لم يكتشف العلم جميع مكنوناته الدقيقة ولم يتوصّل إلى الوقوف على كيفيّة قيامه بمهمّاته التي من نتيجتها العقل والتعقّل ذلك العقل الذي جعل الإنسان متمكّنا من التغلب على عظمة هذا الكون ، وممارسة انطواء مقتضيات السيطرة على هذا العالم » (1) .

وانتهى حديث الدكتور جاك عبود في تحليل كلام الإمام عليه‌السلام ، وكان ذلك قبل ثلاثين عامّا ، والآن قد تطوّر الطبّ إلى مرحلة هائلة في العمليات ، وغرس الأعضاء وغيرها.

وقد اكتشف حديثا أنّ بعض الأعضاء إذا كان مصابا بدمّل ونحوه فإنّه يعالج بأخذ زرقة من العضو الصحيح ، وتزرق فيه ، وما يدرينا لعلّ الطبّ قد يكتشف أنّ في بصاق الإنسان وغيره من فضلاته دواء لبعض الأمراض ، وبذلك تكون صيدلية كامنة

__________________

(1) اسبوع الإمام عليه‌السلام : 195 ـ 196.


في جسم الإنسان لعلاج بعض أمراضه.

أمّا الدماغ فهو المخلوق العجيب الذي تجسّدت فيه عظمة الخالق المبدع العظيم ، فقد انطوت فيه العوالم وذلك بما فيه من خزائن أسرار وعجائب اكتشف العلم بعضها ، وجهل القسم الأكبر منها.

الوقاية من الأمراض :

ووضع الإمام منهجا خاصّا للوقاية من الأمراض والسّلامة من العلل قال عليه‌السلام :

« لا تجلس على الطّعام إلاّ وأنت جائع ، ولا تقم منه إلاّ وأنت تشتهيه ، وجوّد المضغ ، واعرض نفسك على الخلاء إذا نمت فإذا استعملت هذه استغنيت عن الطّبّ » (1) .

إنّ الإسراف في الطعام والشراب ، هما من أهمّ الأسباب التي تؤدّي إلى مرض الإنسان وانهيار صحّته ، فإنّه ـ على الأكثر ـ يسبّب السمنة التي هي من موجبات مرض السكر وارتفاع ضغط الدم ومرض القلب ، وقد وضع الإسلام دستورا كاملا للصحّة العامّة قال تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) .

ومن المؤكّد أنّه لو امتنع الإنسان من الإفراط في تناول الطعام وغيره لما احتاج إلى الطبّ ، وقد أكّد الإمام ذلك بقوله :

« يضرّ النّاس أنفسهم في ثلاثة أشياء : الإفراط في الأكل اتّكالا على الصّحّة ، وتكلّف حمل ما لا يطاق اتّكالا على القوّة ، والتّفريط في العمل اتّكالا على القدرة ».

__________________

(1) مستدرك نهج البلاغة : 126.


رضاع الطفل من ثدي امّه :

وأكّد الإمام عليه‌السلام على ضرورة رضاع الطفل من لبن امّه ، قال عليه‌السلام :

« ما من لبن يرضع به الصّبيّ أعظم بركة عليه من لبن امّه » (1) .

وقد أثبت الطبّ أنّ رضاع الطفل من لبن امّه يعود عليه بالنفع العميم ، فإنّ اللبن من ثدي معقّم ، وفيه من التراكيب ما يتناسب مع سنّ الطفل ، وأمّا إطعام الطفل بغيره فإنّه يسبّب له الكثير من الأمراض.

وقد بحثنا عن ذلك بصورة مفصّلة ونافعة في كتابنا ( نظام الاسرة في الإسلام ) ، وبهذا العرض الموجز ننهي الحديث عمّا اثر عن الإمام عليه‌السلام في علم الطب.

10 ـ علم الجيولوجيا

من العلوم التي عرض عليه‌السلام لها علم الجيولوجيا وذلك في بعض خطبه وأحاديثه والتي منها :

1 ـ قال عليه‌السلام :

« وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ».

الأرض كبقيّة الكواكب قائمة بقدرة الله تعالى وعظيم أمره في الفضاء ، لا تستند إلى قائمة تعتمد عليها ، ومن المضحك الرواية المفتعلة أنّها قائمة على قرن ثور ، فإنّها قد وضعتها اللجان التي أقامها معاوية لافتعال الحديث.

__________________

(1) مستدرك نهج البلاغة : 171.


2 ـ قال عليه‌السلام :

« فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرّياح برحمته ، ووتّد بالصّخور ميدان أرضه » (1) .

إنّ الجبال التي خلقها الله تعالى والتي هي من عجائب مخلوقاته قد جعلها أوتادا في الأرض من أن تميد بأهلها.

3 ـ قال عليه‌السلام :

« وعدّل حركاتها ـ أي الأرض ـ بالرّاسيات من جلاميدها ، وذوات الشّناخيب (2) الشّمّ من صياخيدها (3) ، فسكنت من الميدان (4) ... » (5) .

تحدّث عليه‌السلام عن الجبال وأنّها هي التي تمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبالاضافة لذلك فإنّ لها أهمّية بالغة فإنّها تحافظ على التربة ، وعلى سطح الأرض من الزوال والانتقال ، فإنّ سطح الأرض لو كان خاليا من الجبال لكان عرضة للتغيير المستمر.

11 ـ علم الفلسفة

ومن العلوم التي وضع اصولها وقواعدها ، الفلسفة الإلهيّة ، وهو أوّل من تبحّر فيها وتكلّم وفقا لطريقة الاستدلال الحرّ والبرهان المنطقي ، وتعرّض لمسائل فلسفية لم يتعرّض لها فلاسفة العالم في وقته ، فاهتم بهذا الشأن اهتماما بالغا ، وحتى في

__________________

(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده : 7.

(2) الشناخيب : القمم.

(3) الصياخيد : وهي الصخور الشديدة.

(4) الميدان : الاضطراب.

(5) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 35.


أحلك ساعات الحرب ؛ إذ

أنّ اعرابيا قام إليه يوم الجمل فسأله :

يا أمير المؤمنين ، أتقول إنّ الله واحد.

فحمل الناس عليه وقالوا : يا اعرابي ، أما ترى ما في أمير المؤمنين من تقسم القلب.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابي هو الّذي نريده من القوم ».

ثمّ قال :

« إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام :

فوجهان لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه :

فقول القائل : واحد يقصد به باب الأعداد ، فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال : إنّه ثالث ثلاثة.

وقول القائل : هو واحد من النّاس ، يريد به النّوع من الجنس ، فهذا ما لا يجوز عليه لأنّه تشبيه وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.

وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه :

فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه ، كذلك ربّنا.

وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى ، يعنى به أنّه لا ينقسم في وجوه ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ » (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 2 : 65.


حرمة تعلّم السحر :

حرّم الإمام علم السحر لأنّه يؤدّي إلى شيوع الضلال بين الناس ، ويدعو إلى التأخّر والانحطاط ، فقد أثر عنه أنّ :

« السّاحر كالكافر! والكافر في النّار ».

إنّ الإسلام يدعو إلى التطوّر والتقدّم في ميادين العلوم ، والسحر يقف حائلا دون تطوّر الحياة فلذا حرّمه الإمام.

حرمة تعلّم التنجيم :

أمّا علم النجوم فإن كان المراد من تعلّمه معرفة الأنواء الجوية فلا إشكال في جوازه ، وإن كان المراد منه ربط الأحداث بالنجوم ، وأنّها علّة مؤثّرة في تكوين الامور فهذا من الكفر ،

وقد نهى الإمام عليه‌السلام عنه. فقد انبرى إليه منجّم لمّا أراد السير إلى حرب الخوارج فقال له : إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك ، فقال عليه‌السلام له :

« أتزعم أنّك تهدي إلى السّاعة الّتي من سار فيها صرف عنه السّوء؟

وتخوّف من السّاعة الّتي من سار فيها حاق به الضّرّ؟ فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه ».

ثمّ أقبل على الناس وقال :

« أيّها النّاس ، إيّاكم وتعلّم النّجوم ، إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر ، فإنّها تدعو إلى الكهانة ، والمنجّم كالكاهن ، والكاهن كالسّاحر ، والسّاحر كالكافر! والكافر في النّار! » (1) .

__________________

(1) المكاسب المحرّمة 2 : 279 ـ باب التنجيم.


الملاحم والمغيّبات

الّتي اخبر عنها الإمام



أمّا الإخبار بالمغيّبات والملاحم التي تحقّقت بعد ذلك على مسرح الحياة فإنّها من مختصّات الأنبياء وأوصيائهم ؛ لأنّها تكون شاهد صدق على نبوّتهم ، وآية واضحة على رسالتهم ، وقد أخبر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله عن كثير من الامور التي ستتحقّق من بعده ، وفعلا قد تحقّقت ، وكان من بين ما أخبر به ما يلي :

1 ـ أنّه أخبر يوم الخندق بفتح الشام وفارس واليمن ، وتحقّق جميع ذلك في حياته وبعد وفاته ، فقد رف لواء الإسلام على هذه المناطق ، وارتفعت فيها كلمة التوحيد ، وأقبرت الأفكار الجاهلية وعاداتها.

2 ـ أحاط وصيّه وباب مدينة علمه الإمام عليه‌السلام علما بشهادته ، أنّه يقتله شبيه عاقر ناقة صالح ، ولم تمض السنون حتى عمّمه المجرم الأثيم ابن ملجم بالسيف ، وهو ماثل بين يدي الله تعالى ، وذكره سبحانه بين شفتيه.

3 ـ أخبر سيّدة نساء العالمين بضعته فاطمة الزهراء عليها‌السلام أنّها أوّل أهل بيته لحوقا به ، ولم تمض إلاّ أيام حتى التحقت به.

4 ـ أخبر المسلمين بشهادة ولده وريحانته الإمام الحسين على صعيد كربلاء ، وفعلا فقد استشهد أبو الأحرار في كربلاء بأيدي الطغمة الحاكمة من بني اميّة.

5 ـ أخبر نساءه بأن إحداهنّ تكون صاحبة الجمل الأدبب ، وتنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة ، وفعلا فقد خرجت عائشة على وصيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخيه ونفسه ، مطالبة بدم عثمان الذي أفتت بكفره ومروقه من


الدين ، وقد نبحتها كلاب الحوأب في طريقها لاحتلال البصرة ، كما قتل من معسكرها ومعسكر الإمام خلق كثير.

6 ـ أعلم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الصحابي العظيم الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر عن شهادته على أيدي الفئة الباغية ، وأنّ آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن ، وفعلا فقد استشهد هذا العملاق بأيدي الفئة الباغية من جند معاوية ، وكان آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن سقته إحدى السيّدات في جيش الإمام عليه‌السلام .

7 ـ أنّه أسرّ إلى أهل بيته أنّهم المستضعفون من بعده ، وقد جرى عليهم الظلم والاعتداء من بني اميّة وبني العباس ، وتجرّعوا من الغصص والنكبات ما لا نظير لها في فضاعتها ومرارتها ، فكانوا حقّا من المستضعفين ومن المعذّبين في الأرض.

وكثير من أمثال هذه الأحداث أخبر عنها الصادق الأمين ، وقد جرت كلّها كما أخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أدلى بكثير من الأحداث الجسام التي قالها إلى وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وقبل التحدّث عن الملاحم والأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها نتعرّض إلى ما أثر عنه من سعة علومه ، وإحاطته الكاملة بما سيجري في الدنيا ، ولنستمع إلى ذلك :

1 ـ أنّه لمّا بايعه الناس بالخلافة خرج إلى الجامع النبوي معتمّا بعمامة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لابسا بردته ، منتعلا بنعله ، متقلّدا سيفه ، فارتقى المنبر وشبّك بين أصابعه فوضعها في أسفل بطنه ثمّ قال :

« يا معشر النّاس ، سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا ما زقّني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله زقّا زقّا.

سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين.


أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التّوراة بتوراتهم حتّى تنطق التّوراة فتقول : صدق علي ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ.

وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ.

وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا ، فهل فيكم أحد يعلم بما أنزل فيه؟

ولو لا آية في كتاب الله عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان ، وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى : ( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .

ثمّ قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل انزلت أو في نهار ، مكّيّها ومدنيّها ، سفريّها وحضريّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم ... » (1) .

أرأيتم سعة معارفه وعلومه وما يحمله من كنوز قد حوت أسرار الكون ، ومن المؤسف أنّ هذا العملاق العظيم يقرن بأعضاء الشورى الذين لا يفقهون بعض ما يفقهه الإمام.

2 ـ روى الأصبغ بن نباتة قال : خطبنا أمير المؤمنين عليه‌السلام على منبر الكوفة ، فحمد

__________________

(1) بحار الأنوار 10 : 117 ـ 118 ، وقريب منه في فرائد السمطين. مناقب الخوارزمي : 91.


الله وأثنى عليه ثمّ قال :

« أيّها النّاس ، سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّ بين جوانحي علما جمّا » (1) .

3 ـ قال عليه‌السلام :

« فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين السّاعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها » (2) .

4 ـ قال عليه‌السلام وهو على منبر الكوفة :

« سلوني قبل أن تفقدوني ، فأنا لا اسأل عن شيء دون العرش إلاّ أجبت عنه ، لا يقولها بعدي إلاّ مدّع أو كذّاب » (3) .

5 ـ قال عليه‌السلام :

« أيّها النّاس ، سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السّماء أعلم منّي بطرق الأرض » (4) .

ومن المؤكّد أنّه لم يتفوّه أحد من الصحابة وغيرهم بمثل هذا الكلام كما يقول ابن عبد البر (5) .

__________________

(1) المصدر السابق 10 : 121.

(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 286. بحار الأنوار 10 : 126.

(3) بحار الأنوار 10 : 128.

(4) الاستيعاب 3 : 39.

(5) الرياض النضرة : 198. الصواعق المحرقة : 76. المناقب ـ الموفّق بن أحمد الخوارزمي : 91. فضائل الصحابة ـ ابن حنبل 2 : 646.


على أي حال فقد وهب الله هذا الإمام العظيم من العلوم والمعارف والحكمة ما لا يحصى ، كما أحاطه علما بما سيجري في الكون من أحداث ، وقد أخبر عن بعضها ، وتحقّقت على مسرح الحياة ، وقد اصطلح العلماء على تسمية ما أخبر به من الأحداث بالملاحم ، كان منها ما يلي :


إخباره بقتل الحسن عليه‌السلام

عند ما اغتال ابن ملجم الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فغشى عليه ولده الحسن عليه‌السلام فأخذ يبكي على أباه مهما ساعدته الجفون ، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام فأفاق ، فلمّا رآه قال له مهدّئا روعه :

« يا بنيّ ، ما هذا البكاء؟ لا خوف ولا جزع على أبيك بعد اليوم. يا بنيّ ، لا تبك ، فأنت تقتل بالسّمّ ... » (1) .

__________________

(1) حياة الإمام الحسن عليه‌السلام : 573.


إخباره بقتل الحسين عليه‌السلام

استشفّ الإمام عليه‌السلام من وراء الغيب بما يجري على ولده ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسين عليه‌السلام من القتل والتنكيل ، فأشاع ذلك بين الناس ، كما أخبر بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من قبل ، وقد أدلى الإمام عليه‌السلام بذلك في كثير من المناسبات وهذه بعضها :

1 ـ روى عبد الله بن نجي عن أبيه أنّه سافر مع الإمام عليه‌السلام إلى صفّين ، وكان صاحب مطهرته ، فلمّا حاذى نينوى ، تألّم الإمام وفزع كأشدّ ما يكون الفزع ، ورفع صوته بأسى وحزن قائلا :

« صبرا أبا عبد الله ، صبرا بشطّ الفرات » ، وبهر عبد الله وانبرى قائلا :

من ذا أبو عبد الله؟

فأجابه الإمام بنبرات تقطر حزنا قائلا :

« دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وعيناه تفيضان ، فقلت :

يا نبيّ الله ، هل أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟

قال : قام من عندي جبريل فأخبرني أنّ أمّتي تقتل الحسين ابني.

ثمّ قال : هل لك أن اريك من تربته؟

قلت : نعم.


فمدّ يده ، فقبض. فلمّا رأيتها لم أملك عينيّ أن فاضتا » (1) .

2 ـ روى هرثمة بن سليم قال : غزونا مع عليّ بن أبي طالب غزوة صفّين ، فلمّا نزلنا بكربلاء صلّى بنا صلاة ، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها شيئا فشمّها ، ثمّ قال :

« واها لك أيّتها التّربة ، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب ».

وعجب هرثمة من حديث الإمام ، ولم يكن من الذاهبين إلى إمامته ، فلمّا رجع من صفّين حدّث زوجته جرداء بنت سمير بما سمعه من الإمام ، وكانت شيعة له فقالت له : دعنا منك أيّها الرجل فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلاّ حقّا ...

ولم تمض الأيام حتى بعث المجرم ابن زياد بجيوشه إلى كربلاء لحرب ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان هرثمة من جملة الخارجين لحربه ، فلمّا انتهى إلى كربلاء ورأى الحسين وأصحابه تذكّر قول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فكره حربه ، وأقبل إلى الإمام الحسين عليه‌السلام فأخبره بما سمعه من أبيه فقال له الإمام :

« معنا أنت أم علينا؟ ».

ـ لا معك ولا عليك ، تركت أهلي وولدي ، وأخاف عليهم من ابن زياد ..

فنصحه الإمام قائلا :

« ولّ هاربا حتّى لا ترى لنا مقتلا ، فو الّذي نفس محمّد بيده لا يرى مقتلنا اليوم أحد ولا يغيثنا إلاّ أدخله الله النّار ... ».

وانهزم هرثمة وولّى هاربا ، ولم يشترك في حرب الإمام الحسين (2) .

__________________

(1) تاريخ ابن عساكر 13 : 57 ـ 58. المعجم الكبير ـ الطبراني ، رواه في ترجمته الإمام الحسين عليه‌السلام 3 : 106.

(2) وقعة صفّين : 157. نهج البلاغة 3 : 170.


3 ـ روى أبو جعفة قال : جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب ، وأنا أسمع ، فقال : حديث حدّثنيه عن عليّ بن أبي طالب ، قال : نعم ، بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ، ويقول : « هاهنا ، هاهنا ».

فبادر إليه رجل فقال له : ما ذاك يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه‌السلام : « ثقل آل محمّد ينزل هاهنا ، فويل لهم منكم ، وويل لكم منهم ».

وانبرى الرجل قائلا : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟

فأجابه الإمام :

« ويل لهم منكم تقتلونهم ، وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النّار » (1) .

4 ـ روى الحسن بن كثير عن أبيه أنّ عليّا أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء ...

فأجابه الإمام بأذى وأسى قائلا :

« ذات كرب وبلاء ... » ، ثمّ أومأ بيده إلى موضع منها ، فقال :

« هاهنا موضع رحالهم ـ أي خيمهم ـ » ، وأشار بيده إلى مكان آخر منها فقال :

« هاهنا مهراق دمائهم » (2) .

5 ـ روى أبو حبرة قال : صحبت عليّا حتى أتى الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

« كيف أنتم إذا نزل بذرّيّة نبيّكم البلاء بين أظهركم؟ »

فأجابوه : إذا نبلى الله فيهم بلاء حسناً ...

__________________

(1) وقعة صفّين : 158.

(2) نهج البلاغة 3 : 169. وقعة صفّين : 158.


وردّ عليهم الإمام مفنّدا لمزاعمهم قائلا :

« والّذي نفسي بيده لينزلنّ بين أظهركم ولتخرجنّ إليهم فلتقتلنّهم ».

ثمّ قال :

« هم أوردوه بالغرور وعرّدوا

أحبّوا نجاة لا نجاة ولا عذر » (1)

لقد رفع الكوفيّون آلاف الرسائل إلى سيّد الأباة وزعيم الأحرار الإمام الحسين عليه‌السلام لينقذهم من عنف الأمويّين وظلمهم فاستجاب لهم ، فلمّا حلّ في ديارهم اجتمعوا عليه فقتلوه مع السادة العلويّين من أبنائه واخوانه وأبناء عمومته ، ومعهم النخبة الصالحة من أشراف الدنيا من أصحابه ، ومثّلوا شرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة ، ورفعوا رءوسهم على الرماح هدية لابن مرجانة وسيّده يزيد فكانت مأساة مروعة لم يشهد لها مثيل في تأريخ البشرية.

6 ـ روى أبو هرثمة قال : كنت مع عليّ بنهر كربلاء ، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ من التراب قبضة فشمّها ، ثمّ قال : « يحشر من هذا الظّهر سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب » (2) .

7 ـ روى الطبراني بسنده أنّ الإمام عليّ عليه‌السلام قال :

« ليقتلنّ الحسين ، وإنّي لأعرف التّربة الّتي يقتل فيها بين النّهرين » (3) .

8 ـ روى ثابت عن سويد بن غفلة أنّ الإمام عليه‌السلام خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّي مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات ، فأستغفر له ...؟

__________________

(1) مجمع الزوائد 9 : 190. المعجم الكبير ـ الطبراني 3 : 110 ، الرقم 2823.

(2) مجمع الزوائد 9 : 191. المعجم الكبير ـ الطبراني 3 : 118 ، الرقم 2825.

(3) مجمع الزوائد 9 : 190. المعجم الكبير ـ الطبراني 3 : 117 ، الرقم 2824.


فردّ عليه الإمام :

« مه إنّه لم يمت ، ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن حماز ».

فقام إليه رجل وقال : يا أمير المؤمنين ، أنا حبيب بن حماز ، وإنّي لك شيعة! وكرّر الإمام قوله : « أنت حبيب » فيجيب : نعم ، فقال عليه‌السلام :

« إي والله إنّك لحاملها ، ولتحملنّها ، ولتدخلنّ من هذا الباب » ، وأشار إلى باب الفيل ، وهو أحد أبواب مسجد الكوفة.

قال ثابت : والله ما مات حتى رأيت ابن زياد قد بعث عمر بن سعد إلى قتال الحسين ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمة الجيش ، وحبيب بن حماز صاحب رايته ، فدخل بها من باب الفيل (1) .

9 ـ روى عبد السمين : أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام كان يخطب :

« سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الله ما تسألوني عن شيء مضى ، ولا شيء يكون إلاّ أنبأتكم به ».

قال : فقام إليه سعد بن أبي وقّاص وقال : يا أمير المؤمنين ، اخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟

فقال : « والله لقد سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّك ستسألني عنها وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلاّ وفي أصلها شيطان جالس ، وإنّ في بيتك لسخلا يقتل الحسين ابني ... » ، وعمر يومئذ يدرج بين يدي أبيه (2) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 286.

(2) كامل الزيارات : 74.


10 ـ خطب الإمام عليه‌السلام فكان من بنود خطابه :

« سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الله لا تسألوني عن فئة تضلّ مائة ، أو تهدي مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وسائقها ، ولو شئت لأخبرت كلّ واحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه ».

فانبرى له الوغد الخبيث تميم بن اسامة ، فقال له ساخرا : كم في رأسي طاقة شعر؟

فرمقه الإمام بطرفه وقال له :

« أما والله إنّي لأعلم ذلك ، ولكن أين برهانه لو أخبرتك به ، ولقد أخبرتك بقيامك ، ومقالك ، وقيل لي : إنّ على كلّ شعرة من شعر رأسك ملكا يلعنك ، وشيطانا يستفزّك ، وآية ذلك أنّ في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله ، ويحضّ على قتله ».

قال ابن أبي الحديد : « كان الأمر بموجب ما أخبر به عليه‌السلام كان ابنه حصين ـ وهو ابن تميم ـ يومئذ طفلا صغيرا يرضع اللبن ، ثمّ عاش إلى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد ، وأخرجه عبيد الله إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين عليه‌السلام ويتوعّده على لسانه إن أرجأ ذلك ، فبلغ ابن سعد بذلك ، فقتل عليه‌السلام صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته » (1) .

11 ـ قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام للبراء بن عازب :

« يا براء ، يقتل ابني الحسين وأنت حيّ لا تنصره؟ ».

فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين.

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 14.


ولم تمض الأيام حتى استشهد سيّد شباب أهل الجنّة بتلك القتلة المروعة التي أذابت القلوب ، وكان البراء حيّا ، فتذكّر مقالة الإمام ، وندم كأشدّ ما يكون من الندم ، وقال : أعظم بها حسرة إذ لم أشهده واقتل دونه (1) .

12 ـ قال الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« كأنّي بالقصور قد شيّدت حول قبر الحسين ، وكأنّي بالأسواق قد حفّت حول قبره ، ولا تذهب الأيّام واللّيالي حتّى يسار إليه من الآفاق ، وذلك بعد انقطاع بني مروان » (2) .

وتحقّق ما أخبر به الإمام عليه‌السلام ، فقد استشهد الإمام أبو الأحرار بأيدي العصابة الأموية المجرمة ، وقد جهدوا على طمس قبر الإمام عليه‌السلام وإخماد ذكره ، ولما انقرضت دولتهم وتمزّقت أشلاؤهم ظهر مرقد سيّد الشهداء عليه‌السلام كأعزّ مرقد في دنيا الإسلام ، تهفو إليه القلوب ، وتشدّ إليه الرحال من كلّ فجّ عميق ، فالسعيد الذي يحظى بزيارته ، ويلثم أعتاب مرقده وضريحه.

لقد أصبح مرقد أبي الأحرار رمزا للكرامة الإنسانية ومنارا مشرقا لكلّ تضحية تقوم على الشرف والكرامة ، سلام الله عليك يا أبا عبد الله وعلى أبنائك وأصحابك.

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 14.

(2) مسند الإمام زيد : 47.


إخباره بعدد الجيش الذي جاء لنجدته

ولمّا أرسل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى الكوفة ليستنفر أهلها ، ويستعين بهم في حرب الجمل ، قال عليه‌السلام لابن عبّاس :

« سوف يأتي ولدي الحسن هذا اليوم ومعه عشرة آلاف فارس وراجل ، ولا ينقص واحد ولا يزيد واحد ».

قال ابن عباس : فلمّا وصل الحسن بالجند لم تكن لي همّة إلاّ مسألة الكاتب عن عدد الجند فسألته عن ذلك فقال : عشرة آلاف فارس وراجل لا ينقص واحد ولا يزيد واحد ، فعلمت أنّ ذلك العلم من الأبواب التي علّمه بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 328.


إخباره بشهادة كوكبة من أصحابه

واستشفّ وصي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومستودع أسراره من وراء الغيب ما يجري على خلّص أصحابه الذين غذّاهم بمواهبه وحكمته من القتل والتنكيل والاعدام من بعده على يد الطغمة الحاكمة الأموية.

وهؤلاء بعض الشهداء من أصحابه الذين استبيحت دماؤهم لا لذنب اقترفوه وإنّما لولائهم للإمام رمز العدالة الإنسانية ، وهم :

1 ـ عمرو بن الحمق رضي‌الله‌عنه :

وهو من أعلام الإسلام ، ومن ألمع شهداء الفضيلة ، استباح الطاغية الفاجر ابن هند دمه ؛ لأنّه من خلّص أصحاب الإمام ، وأمر أن يطاف برأسه من العراق إلى الشام ...

وقد أحاط الإمام عليه‌السلام عمرا بذلك في حديثه التالي فقد قال له :

« أين نزلت يا عمرو؟ ».

في قومي.

« لا تنزلنّ فيهم ».

وقد نهاه عن النزول والاستيطان في قومه لأنّهم لا يحموه إن نزلت به كارثة ، وقد أمره الإمام بالنزول في بني عمرو بن عامر من الأزد لأنّهم لا يسلموه عند الشدّة.

ثمّ التفت إليه بألم وحزن قائلا :


« إنّك لمقتول بعدي ، وإنّ رأسك لمنقول ، وهو أوّل رأس ينقل في الإسلام ، والويل لقاتلك ...

أما إنّك لا تنزل بقوم إلاّ أسلموك برمّتك إلاّ هذا الحيّ من بني عمرو بن عامر فإنّهم لن يسلموك ولن يخذلوك ».

ولمّا أفلت دولة العدل والحقّ وآل الحكم إلى ابن هند أوعز إلى شرطته وعملائه بإلقاء القبض عليه ، ولمّا علم عمرو بذلك استولى عليه الذعر والخوف ، فنزل في قومه من بني خزاعة ، فسلّموه إلى الشرطة ، ونفّذ فيه الإعدام ، وحملوا رأسه هدية إلى معاوية بالشام ، وطيف به في البلدان (1) .

فكان أوّل رأس طيف به في الإسلام ، وهو يحمل مشعل النور والكرامة ويهدي الناس للتي هي أقوم.

وأمر الطاغية بحمل الرأس الشريف إلى زوجته آمنة بنت الشريد ، وكانت في سجونه ، وألقت الشرطة رأس زوجها في حجرها فذعرت وانهارت قواها وأخذت دموعها تتبلور على سحنات وجهها قائلة : وا حزناه لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمة سلطان ، نفيتموه عنّي طويلا ، وأهديتموه إليّ قتيلا ، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية ، وأنا له اليوم غير ناسية والتفتت إلى الحرسي بشجاعة قائلة :

ارجع به أيّها الرسول إلى معاوية فقل له ولا تطوه دونه ، أيتم الله ولدك ، وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك ، وبادر الشرطي إلى معاوية فأخبره بمقالتها فغضب وورم أنفه ، وأمر بإحضارها في بلاطه ، فأحضرتها جلاوزته فبادرها قائلا :

أنت يا عدوّة الله صاحبة الكلام الذي بلغني؟

__________________

(1) الاستيعاب 2 : 517.


فأجابته بشجاعة وصلابة غير حافلة بسلطانه قائلة : نعم غير نازعة عنه ، ولا معتذرة منه ، ولا منكرة له ، فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء ، إن نفع الاجتهاد وإن الحقّ لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئا من جزائك ، وإنّ الله بالنقمة لمن ورائك ....

والتفت أحد خدمة السلطة إلى معاوية قائلا :

أقتل هذه يا أمير المؤمنين ، فو الله ما كان زوجها أحقّ بالقتل منها.

فسخرت منه وقالت ببطولة نادرة :

تبّا لك ، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ، ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جبّارا في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين ...

وبهر معاوية وقال لها :

لله درّك اخرجي ، ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام.

لقد خاف من بقائها في الشام لئلا تبثّ الوعي السياسي بين الشاميّين فقد جهد معاوية على إبقائهم على غفلتهم وجهلهم.

وخرجت المرأة من الشام بعد أن أفحمت معاوية بمنطقها الفيّاض (1) .

2 ـ ميثم التمار رضي‌الله‌عنه :

أمّا ميثم التمار فهو من خيار أصحاب الإمام ، وقد ملئ إيمانا وصدقا وإخلاصا للإمام عليه‌السلام ، وقد عهد إليه الإمام بالكثير من علومه ، وأطلعه على بعض الامور الغيبية ، وكان ميثم يتحدّث عنها ، فأنكرها قوم من الكوفيّين ، ونسبوه إلى المخرقة (2) .

__________________

(1) حياة الإمام الحسن عليه‌السلام 2 : 378 ـ 382.

(2) المخرقة : وهم الذين يفتعلون الكذب.


كان ميثم عبدا لامرأة من بني أسد اشتراه الإمام منها وأعتقه ، وقال له : « ما اسمك؟ ».

سالم.

وراح الإمام يخبره بما سمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنه قائلا :

« إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرني أنّ اسمك الّذي سمّاك به أبوك في العجم ميثم ».

وبهر ميثم وقال : صدق الله ورسوله ، وصدقت يا أمير المؤمنين فهو والله اسمي!!

« فارجع إلى اسمك ، ودع سالما فنحن نكنّيك به ».

واتّصل ميثم بالإمام اتّصالا وثيقا ، فكان من أقرب الناس إليه ، وألصقهم به ، وأخبره الإمام بما يجري عليه من النكبات والخطوب من بعده قائلا :

« يا ميثم ، إنّك تؤخذ بعدي وتصلب ، فإذا كان اليوم الثّاني ابتدر منخرك وفمك دما ، حتّى تخضب لحيتك ، فإذا كان اليوم الثّالث طعنت بحربة يقضى عليك ، فانتظر ذلك.

والموضع الّذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث إنّك لعاشر عشرة ، أنت أقصرهم خشبة ، وأقربهم من المطهرة ـ وهي الأرض ـ ولارينّك النّخلة الّتي تصلب على جذعها ».

وسار ميثم مع الإمام فأراه النخلة التي يصلب عليها ، فكان ميثم يأتيها ويصلّي عندها ، ويقول : بوركت من نخلة ، لك خلقت ولي نبتّ ولم يزل يتعاهدها بعد ما أخبره الإمام ، وقطعت النخلة وبقي جذعها ، فلم يزل ميثم يتعاهدها ، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إنّي مجاورك فأحسن جواري ، ولم يعلم ابن حريث ما ذا يريد ميثم ، فكان يقول : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم.


وحجّ ميثم في السنة التي استشهد فيها ، فدخل على أمّ المؤمنين أمّ سلمة فقالت له :

ـ من أنت؟

ـ عراقي ، وأنا مولى للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وانبرت أمّ المؤمنين قائلة :

ـ أنت هيثم؟

ـ بل أنا ميثم.

وعجبت أمّ المؤمنين وراحت تقول له :

ـ سبحان الله!! والله لربّما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوصي بك عليّا في جوف الليل ...!!

وسألها ميثم عن الإمام الحسين عليه‌السلام فأخبرته أنّه في بستان له فقال لها : اخبريه أنّني أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين.

وكان كلامه هذا كلام مودّع آيس من الحياة ، ودعت أمّ سلمة بطيب فطيّبت به لحيته ، وقال لها ميثم : أمّا أنّها ـ أي لحيته ـ ستخضّب بالدم ..

ـ من أنبأك بهذا؟!

ـ أنبأني سيّدي ...

وغرقت أمّ سلمة بالبكاء وراحت تقول :

ليس ـ أي الإمام ـ سيّدك وحدك هو سيّدي وسيّد المسلمين ...

ثمّ ودّعته ، وانصرف ميثم يجدّ في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى الكوفة ، فألقت الشرطة القبض عليه وأدخلته على الطاغية ابن مرجانة ، فانبرى شخص فقال لابن زياد معرّفا بميثم :


هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب ، وطفق ابن زياد قائلا :

ويحكم هذا الأعجمي؟! ـ نعم.

والتفت الطاغية بغضب وسخرية إلى ميثم قائلا :

ـ أين ربّك؟

ـ بالمرصاد.

ـ بلغني اختصاص أبي تراب بك؟

ـ قد كان ذلك فما تريد؟

ـ يقال إنّه أخبرك بما ستلقاه؟

ـ نعم.

ـ ما أخبرك أنّي صانع بك؟

ـ أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة أقربهم من المطهرة.

لأخالفنّه.

ويحك كيف تخالفه؟ إنّما أخبرني عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن جبرائيل ، وجبرائيل أخبر عن الله ، كيف تخالف هؤلاء؟ أما والله لقد عرفت الموضع الذي اصلب عليه أين هو من الكوفة ، وأنّي لأوّل خلق الله الجم في الإسلام بلجام كما يلجم الفرس ...

فأمر ابن مرجانة باعتقاله في السجن فادخل فيه ، وكان معه في السجن المجاهد الكبير المختار بن عبيدة الثقفي ، فأخبره ميثم بما سمعه من الإمام أمير المؤمنين قائلا له :

إنّك تفلت من السجن ، وتخرج ثائرا بدم الحسين ، فتقتل هذا الجبّار ، وتطأ


بقدمك هذا على جبهته وخدّيه ..

وبقي ميثم مع المختار في السجن ، ولم يمض مزيد من الوقت حتى تشفّع في المختار عبد الله بن عمر إلى يزيد في إطلاق سراحه لأنّه كان زوجا لاخت المختار ، فشفّعه فيه يزيد وكتب إلى ابن زياد بإطلاق سراحه ، وكان قد عزم على قتله فأخرجه من السجن ، وأمره بالخروج من الكوفة ، ثمّ اخرج ميثم وقال له بعنف :

لأمضين حكم أبي تراب فيك ..

فأخذته الجلاوزة وجاءوا به إلى الخشبة التي عيّنها الإمام ليصلب عليها ، فلمّا رآها ميثم تبسّم وخاطبها قائلا :

لي خلقت ولي غذيت ..

ورفعته الجلاوزة على الخشبة ، فاجتمع الناس حوله ، فجعل يحدّثهم بفضائل الإمام وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس ، ويذكر مخازي ومساوئ بني اميّة ، فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد ، فأمر بلجمه.

فكان أوّل شخص الجم في الإسلام ، فلمّا كان اليوم الثاني فاضت منخراه دما ، وفي اليوم الثالث طعن بحربة فاستشهد صابرا محتسبا.

لقد تحقّق جميع ما أخبر به الإمام عليه‌السلام في شأنه ، رحم الله ميثم يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.

3 ـ رشيد الهجري رضي‌الله‌عنه :

أمّا رشيد الهجري فهو من أفاضل أصحاب الإمام عليه‌السلام ومن أكثرهم إيمانا ومعرفة به ، وكان الإمام يسمّيه « رشيد البلايا » ، وقد أحاطه علما بما يجري عليه من بعده من صنوف التنكيل ، وقد روت ابنته قنوة قالت : سمعت أبي يقول :

قال لي أمير المؤمنين :


« يا رشيد ، كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني اميّة ، فقطع يديك ورجليك ولسانك ».

فقال له أبي : يا أمير المؤمنين ، آخر ذلك إلى الجنّة؟

« يا رشيد ، أنت معي في الدّنيا والآخرة ».

وأخبره الإمام مرّة اخرى بشهادته حينما خرج معه إلى بستان فاستظلاّ تحت نخلة ، فقام صاحب البستان إلى النخلة فالتقط منها رطبا وقدّمه لهما ، فقال رشيد : « ما أطيب هذا الرطب؟

ـ « أما إنّك ستصلب على جذعها ».

فكان رشيد يتعاهدها ويتعبّد تحتها ، واجتاز عليها مرّة فرأى سعفها قد قطع فشعر بدنو أجله ، ومرّ عليها مرّة اخرى فرأى نصفها قد جعل زنوقا يستسقى عليه فأيقن بدنو أجله (1) . ولم يمض قليل من الوقت حتى أرسل خلفه زياد بن أبيه ، فلمّا مثل عنده قال له :

ـ ما قال لك خليلك ـ يعني الإمام ـ إنّا فاعلون بك؟

ـ تقطعون يدي ورجلي وتصلبوني.

ـ أما والله لأكذّبن حديثه ...

وأمر الطاغية بإطلاق سراحه ، فلمّا خرج ندم على ذلك وأمر بإرجاعه إليه ، فلمّا حضر عنده قال له :

لا نجد لك شيئا أصلح ممّا قال صاحبك ، إنّك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيت اقطعوا يديه ورجليه ...

__________________

(1) حياة الإمام الحسن عليه‌السلام 2 : 327.


وبادرت الجلاوزة إلى قطع يديه ورجليه وهو يتكلّم ، فغاظ ذلك زيادا فأمر الجلاوزة بصلبه خنقا ، فقال لهم رشيد :

بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه ـ أراد بذلك قطع لسانه ـ ، فأمر زياد بقطع لسانه.

فقال لهم رشيد : نفّسوا عنّي حتى أتكلّم كلمة واحدة فأمهلوه.

فقال : وهذا تصديق خبر أمير المؤمنين عليه‌السلام أخبرني بقطع لساني (1) .

ففي ذمّة الله ما عاناه هذا العبد الصالح الذي هو من خيار المؤمنين من الظلم والاعتداء من قبل هؤلاء الفسقة المجرمين.

4 ـ جويرية بن مسهر العبدي رضي‌الله‌عنه :

أمّا جويرية بن مسهر فهو من أفذاذ المؤمنين ، وعلم من أعلام الإسلام ، أخلص للإمام وتولاّه ، وتغذّى ببعض علومه ومعارفه ، دخل على الإمام فكان مضطجعا فقال له جويرية :

أيّها النائم ، استيقظ فلتضربنّ على رأسك تخضب منها لحيتك ، فتبسّم الإمام وأخبره بما يقاسيه من بعده من ولاة الجور قائلا :

« احدّثك يا جويرية بحديثك ، أما والّذي نفسي بيده لتعتلنّ (2) إلى العتلّ الزّنيم ، وليقطعنّ يدك ورجلك ، وليصلبنّك تحت جذع كافر (3) » (4) .

__________________

(1) سفينة البحار 2 : 327. بحار الأنوار 41 : 122.

(2) تعتلن : أي تجذبن.

(3) الجذع الكافر : القصير.

(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 219.


ولم تمض الأيام حتى استدعاه زياد الأخ اللاّشرعي لمعاوية فأمر بقطع يده ورجله ، وصلبه على جذع قصير (1) .

وقد ألّف هشام بن محمّد السائب كتابا في فاجعته وفاجعة اخوانه الشهداء رشيد الهجري وميثم التمّار (2) .

5 ـ مزرع رضي‌الله‌عنه :

أمّا مزرع فهو من خيار أصحاب الإمام عليه‌السلام ، وقد أخبره الإمام عن شهادته ، وأنّه يقتل ويصلب بين شرفتين من شرف المسجد.

وفي أيام الحكم الأسود من حكومة معاوية ألقى القبض عليه زياد بن أبيه فقتله وصلبه بين شرفتين من شرف المسجد (3) .

6 ـ حجر بن عدي رضي‌الله‌عنه :

أمّا حجر بن عدي فهو علم من أعلام الإسلام ، ومن كبار صحابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان صديقا حميما للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد أخبره الإمام عن شهادته من بعده وذلك حينما عمّمه ابن ملجم بالسيف ، فقد قال له بعطف ورفق :

« كيف بك إذا دعيت إلى البراءة منّي فما عساك أن تقول؟ » ، فأجابه حجر بإيمان وصدق :

والله يا أمير المؤمنين لو قطّعت بالسيف إربا إربا ، واضرمت النار لي والقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك.

فأجابه الإمام :

__________________

(1 ـ 3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 294.


« وفّقت لكلّ خير يا حجر ، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيّك » (1) .

ولمّا أفلت دولة الحقّ ، وقامت دولة الباطل والجور دولة معاوية الذي أقام حكمه على سبّ الإمام وانتقاصه وجعل ذلك فرضا واجبا على ولاته وعمّاله يشيعونه في بلاد المسلمين ، ولمّا ولي المغيرة بن شعبة على الكوفة خطب الناس وتعرّض في خطابه إلى سبّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فانبرى إليه حجر كالأسد منكرا عليه قائلا :

كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ، وأنا أشهد أنّ من تذمّون وتعيّرون لأحق بالفضل ، ومن تزكّون أولى بالذمّ.

ووثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته ، فالتفت المغيرة إلى حجر قائلا : يا حجر ، قد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك. يا حجر ، اتّق غضب السلطان ، اتّق غضبه وسطوته ، فإنّ غضبة السلطان ممّا تهلك أمثالك كثيرا (2) .

ولم يزل حجر متحمّسا في ولائه للإمام أمير المؤمنين غير حافل بالأزمات والخطوب التي يعانيها من ولاة معاوية ، وقد قيل للمغيرة : اعدمه ، فامتنع من ذلك ، ولم تزل بطانته تلحّ عليه في قتله فقال لهم :

ـ إنّي قد قتلته ..

ـ كيف ذاك؟

سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة ..

وولي من بعد المغيرة زياد بن أبيه الكوفة فجعل حجر يواصل نشاطه ضدّ

__________________

(1) بحار الأنوار 24 : 290.

(2) تاريخ الطبري 6 : 142.


السلطة ، وقد خطب زياد يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة ، فانبرى إليه حجر منكرا عليه تأخير الفريضة قائلا :

ـ الصلاة.

ـ فلم يعن الطاغية به ، ومضى في خطابه ، فقام حجر رافعا صوته :

ـ الصلاة.

ولم يحفل الطاغية بكلام حجر فاسترسل في خطابه فخشي حجر فوت الصلاة فضرب يده كفّ من الحصى ورمى به صوب الطاغية ، وثار الناس معه ، فلمّا رأى ذلك زياد ورم أنفه وانتفخت أوداجه ، وقال :

ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأدعه نكالا من بعده ، ويل امّك يا حجر ، سقط العشاء على سرحان ثمّ تمثّل :

أبلغ نصيحة إن راعى أبلها

سقط العشاء به على سرحان

وأرسل زياد جماعة من وجوه الكوفة فأمرهم أن يردوا حجر عن خطته ، فامتنع حجر وأبى إلاّ الإنكار على السياسة الأموية ، وأخيرا أمر زياد شرطته أن يأتوه به ، فانطلقت الشرطة لإلقاء القبض عليه ، إلاّ أنّها لم تستطع ذلك ، فقد التفّ حوله جمهور من المؤمنين فمنعوا الشرطة من القبض عليه ، وكان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الثورة في النفوس ، ويدعو إلى حماية حجر وأصحابه فكان يقول :

يا قوم حجر دافعوا وصاولوا

وعن أخيكم ساعة فقاتلوا

لا يلقين منكم لحجر خاذل

أليس فيكم رامح ونابل

وفارس مستلئم وراجل

وضارب السيف لا يزايل

وتحصّن حجر وأصحابه فلم يتمكّن منهم زياد ، فجمع الزعماء وأبناء البيوت ، فقال لهم :


يا أهل الكوفة ، أتشجون بيد وتأسون باخرى ، أبدانكم معي وأهواءكم مع حجر لهجاجة ، الأحمق المذبوب أنتم معي ، واخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر ، هذا والله من دحسكم (1) وغشّكم ، والله لتظهرون لي براءتكم أو لآتينّكم بقوم اقيم بهم أودكم وصعركم (2) .

فانبروا بخنوع وعبودية يظهرون الطاعة لهذا الطاغية قائلين :

معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلاّ طاعتك ، وطاعة أمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ وكلّ ما ظنّنا أنّ فيه رضاك ، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به.

وأنس بكلام هؤلاء العبيد فأمرهم بما يلي :

ليقيم كلّ امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كلّ رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كلّ من استطعتم أن تقيموه ..

وقام هؤلاء العبيد بإفساد أمر حجر ، وخذلان أتباعه ، ثمّ أمر زياد مدير شرطته شداد بن الهيثم بإلقاء القبض على حجر وأصحابه ، وضمّ إليه الأثيم محمّد بن الأشعث الكندي ، وقال له :

يا أبا الشعثاء ، أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلاّ قطعتها ، ولا دارا إلاّ هدمتها ، ثمّ لا تسلم حتى أقطّعك إربا إربا ..

فقال له : امهلنى ثلاثا حتى أطلبه ، فقال له : أمهلتك ، فإن جئت به وإلاّ عدّ نفسك من الهلكى.

__________________

(1) الدحس : الإفساد.

(2) الصعر : الميل إلى أحد الشقّين.


وقام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبّعوا حجرا وأصحابه ، وبعد مصادمات عنيفة جرت بين الفريقين استطاعة جلاوزة زياد القبض عليه وعلى أصحابه ، فجيء بهم إلى زياد فأمر بإيداعهم في السجن.

وطلب زياد من عملاء السلطة أن يشهدوا على حجر وأصحابه ، فشهد جمع منهم أنّهم تولّوا عليّا ، وعابوا عثمان ، ونالوا من معاوية ، فلم يرض زياد بهذه الشهادة ، وقال : إنّها غير قاطعة ، وانبرى أبو بردة بن أبي موسى الأشعري فكتب شهادة ترضى السلطة هذه نصّها :

هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري لله ربّ العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ، ولعن الخليفة ، ودعا إلى الحرب ، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة ، وكفر بالله كفرة صلعاء ...

رضي زياد بن أبيه بهذه الشهادة التي كتبها ابن أبي الأشعري الذي لم يفقه هو وأبوه شيئا من الإسلام.

وشهد بهذه الشهادة سبعون رجلا كلّهم من المنحرفين عن الإسلام ، وعملاء السلطة ، ورفع زياد هذه الوثيقة إلى أخيه اللاّشرعي معاوية ، فأمر بحملهم إلى الشام موثّقين بالحديد ، فحملوا ليلا ووقعت النياحة في دار حجر ، وصعدت ابنته ـ ولا عقب له غيرها ـ فوق سطح الدار وألقت نظرة على القافلة التي تسير إلى الموت ، وهي تبكي أمرّ البكاء وتناجي القمر وتبثّه لوعتها وأحزانها وقد صاغت من محنتها وبلواها أبياتا من الشعر قائلة :

ترفّع أيّها القمر المنير

لعلّك أن ترى حجرا يسير

يسير إلى معاوية بن حرب

ليقتله كذا زعم الأمير

ويصلبه على بابي دمشق

وتأكل من محاسنه الطيور

تجبّرت الجبابر بعد حجر

وطاب لها الخورنق والسدير


ألا يا حجر حجر بن عديّ

تلقتك السلامة والسرور

أخاف عليك ما أردي عديّا

وشيخا في دمشق له زئير

ألا يا ليت حجرا مات موتا

ولم ينحر كما نحر البعير

فإن تهلك فكلّ عميد قوم

إلى هلك من الدنيا يصير (1)

وانتهت القافلة التي تقلّ خيرة الصحابة إلى مرج عذراء ، فلمّا عرف حجر أنّه بهذه القرية رفع صوته قائلا : « والله إنّي لأوّل مسلم نبحته كلابها ، وأوّل مسلم كبّر بواديها » (2) .

وتقدّم البريد بأخبارهم إلى الطاغية ابن هند ففرح لأنّه أخذ ثأره من أنصار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأرسل إليهم رجلا أعور فأمره بإعدامهم إن لم يتبرّءوا من وصي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وباب مدينة علمه ، فلمّا رآه بعضهم قال متشائما : إن صدق الزجر (3) فإنّه سيقتل نصفنا ، وينجو الباقون ، فقيل له : وكيف ذاك؟ فقال : أما ترون الرجل مصاب بإحدى عينيه.

وقدّم الجلاد الحقير فقال لحجر : إنّ أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، ومعدن الكفر والطغيان ، والمتولّي لأبي تراب ، وقتل أصحابك إلاّ أن ترجعون عن كفركم ، وتلعنوا صاحبكم وتتبرّءون منه. فانبرى إليه حجر كالأسد فقال مستهينا بالموت وساخرا من الحياة :

إنّ الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا ممّا تدعوننا إليه ، ثمّ القدوم على الله وعلى نبيّه وعلى وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار (4) .

__________________

(1) مروج الذهب 2 : 307.

(2) الكامل في التاريخ 3 : 692.

(3) الزجر : الحدس.

(4) مروج الذهب 3 : 13.


وحفرت لهم القبور ، وطلب حجر أن يسمحوا له بالوضوء والصلاة فسمحوا له بذلك ، فتوضّأ وصلّى صلاة وأطال في سجودها فلمّا أتمّ صلاته قال للقوم :

والله ما صلّيت صلاة أخفّ منها ، ولو لا أن تظنّوا فيّ جزعا من الموت لاستكثرت منها ...

ثمّ أخذ يناجي ربّه ويدعو على عدوّه الماكر الخبيث ابن هند قائلا :

اللهمّ إنّا نستعيذك على امّتنا فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا ، وأنّ أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها فإنّي لأوّل فارس من المسلمين هلك في واديها ، وأوّل رجل من المسلمين نبحته كلابها.

وانطلق الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهرا سيفه ، فلمّا رآه حجر ارتعدت أوصاله ، وقيل له : زعمت أنّك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك.

فأجاب حجر :

ما لي لا أجزع وأرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا ، وإنّي والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الربّ (1) .

وكان آخر ما نطق به :

لا تطلقوا عنّي حديدا ، ولا تغسلوا عنّي دما ، فإنّي ملاق معاوية على الجادة (2) .

ثمّ نفّذ فيه حكم الإعدام ، وسقط على الأرض جثة هامدة ففي ذمّة الله ما لاقاه هذا العملاق العظيم من التنكيل والقتل لا ذنب اقترفه ، وإنّما ولائه أخي رسول

__________________

(1) الكامل في التاريخ 3 : 692.

(2) الاستيعاب 1 : 331.


الله ووصيّه وباب مدينة علمه ، وقد صدق حجر في ولائه ومحبّته وإخلاصه لإمامه فقد آثر الموت ، واستهان بالحياة في سبيله فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيرا ، فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا.

7 ـ قنبر رضي‌الله‌عنه :

كان قنبر غلاما للإمام عليه‌السلام ، وكان يحبّ الإمام حبّا كثيرا ، فإذا خرج الإمام خرج على أثره بالسيف خوفا عليه ، وخرج الإمام ذات ليلة فخرج في أثره ، فلمّا رآه قال له : « يا قنبر ، ما لك؟ ».

جئت أمشي خلفك فإنّ الناس كما تراهم ، فخفت عليك ، فقال له الإمام بلطف : « أمن أهل السّماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ ».

ـ بل من أهل الأرض.

« إنّ أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئا إلاّ بإذن الله عزّ وجلّ من السّماء ، فارجع » (1) .

وبعد ما آل المآل إلى الحجّاج فألقى عليه القبض ، فلمّا مثل أمامه قال له :

ـ ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب؟

ـ كنت أوضّيه ...

ـ ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه؟

كان يتلو هذه الآية : ( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (2) .

__________________

(1) التوحيد للصدوق : 350. بحار الأنوار 42 : 122.

(2) الأنعام : 44 ـ 45.


فصاح به الحجّاج : أظنّه كان يتأوّلها علينا؟

ـ نعم؟

ـ ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك؟ (1) ـ إذن اسعد وتشقى (2) ، وفي رواية اخرى أمر بإلقاء القبض عليه ، فلمّا مثل عنده قال له :

ـ أنت قنبر؟

ـ نعم.

ـ مولى عليّ بن أبي طالب؟

ـ الله مولاي وأمير المؤمنين ولي نعمتي ...

ـ ابرأ من دينه ..

ـ إذا فعلت تدلّيني على دين أفضل من دينه.

ـ إنّي قاتلك فاختر أي قتلة أحبّ إليك.

ـ صيرت ذاك إليك.

ـ لم؟

ـ لأنّك لا تقتلني قتلة إلاّ قتلك الله مثلها ، ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنّ منيّتي تكون ذبحا ظلما بدون حقّ.

وأمر الطاغية الرجس بذبحه فذبح كما تذبح الشاة ، وقد لاقى ربّه شهيدا محتسبا قد تلفّع بالشرف والكرامة من أجل ولائه للإمام عليه‌السلام .

__________________

(1) العلاوة : أعلى الرأس.

(2) بحار الأنوار 42 : 133.


8 ـ كميل بن زياد رضي‌الله‌عنه :

ومن ألمع أصحاب الإمام عليه‌السلام كميل بن زياد النخعي الذي احتلّ مكانة مرموقة عند الإمام ، فكان خليله وحامل أسراره ـ كما يقول علماء الرجال ـ وكان لا يبارحه ، ومن ألزمهم له ، وكثيرا ما أخبره بمغيّباته عليه‌السلام .

قال كميل : خرجنا مرّة من جامع الكوفة بعد ما ذهب من الليل ثلثه فسمعنا في طريقنا رجل يتلو القرآن : ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) بصورة شجيّة ويبكي فاستحسنت ذلك في داخلي وإذا بالإمام قد أشاح بوجهه نحوي وقال : « لا يغرنّك الرّجل إنّه من أهل النّار ، وسأنبّئك »

فعجبت من معرفة الإمام ما فيّ ، ومن حال الرجل مع تلك الصورة ...!! وبعد مدّة عند انتهاء معركة النهروان كنت بجانب الإمام وسيفه يقطر دما ورءوس القتلى متناثرة إذ بالإمام يضع سيفه على أحد الرءوس وقال لي : ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) !!

كما أحاطه الإمام عليه‌السلام علما بشهادته ، ولمّا ولي المجرم السفّاك الحجّاج حرم على قوم كميل العطاء حتى يأتوه به ، فقال لهم كميل : أنا شيخ كبير ولا ينبغي أن أحرمكم العطاء ، وبادر فسلّم نفسه للطاغية ، فقال له بعنف : قد كنت أحبّ أن أجد عليكم سبيلا ، فقال له كميل : لا تصرف عنّي أنيابك فما بقي من عمري إلاّ اليسير فاقض ما أنت قاض ، ولقد أخبرني أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّك قاتلي ، فأمر به الخبيث الدنس بضرب عنقه ، ونفّذ فيه الإعدام (1) .

هؤلاء بعض عيون أصحابه الذين أخبرهم الإمام بشهادتهم على أيدي شرار الخلق وأرجاسهم.

__________________

(1) كميل بن زياد النخعي ـ الهاشمي الخطيب : 90. بحار الأنوار 42 : 148.


إخباره عن شهادته

من المغيّبات التي أخبر الإمام عنها أنّه أخبر في كثير من المناسبات أنّه لا يموت حتف أنفه وإنّما ينال الشهادة على يد أشرّ خلق الله تعالى ، وكان من بين ما أخبر به :

1 ـ روى روح بن اميّة الدؤلي قال : مرض عليّ بن أبي طالب مرضا شديدا حتى خفنا عليه ، ولمّا أبل من مرضه أسرعنا إليه فقلنا له :

هنيئا لك يا أبا الحسن ، الحمد لله الذي عافاك ، لقد خفنا عليك؟

فأجابهم الإمام غير حافل بما ألمّ به من المرض ، وأنّه لا يخشاه قائلا :

« لم أخف على نفسي ، أخبرني الصّادق المصدّق ـ يعني رسول الله ـ أنّي لا أموت حتّى اضرب على هذا ـ وأشار إلى مقدّم رأسه الأيسر ـ فتخضب هذه منه ـ وأومأ إلى لحيته وهامته وقال : ـ يقتلك أشقى هذه الامّة ، كما عقر ناقة الله ، أشقى بني فلان من ثمود » (1) .

2 ـ روى عبد الله بن سبع قال : خطبنا علي بن أبي طالب فقال :

« والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة لتخضبنّ هذه من هذه » ـ يعني لحيته من دم رأسه ـ.

__________________

(1) المحن : 96. اسد الغابة 4 : 34.


فقال رجل : والله لا يقول ذلك أحد إلاّ ابرنا عترته ، فقال عليه‌السلام :

« اذكر الله ، وأنشد أن يقتل منّي إلاّ قاتلي » (1) .

3 ـ روى أبو الطفيل قال : لمّا دعا عليّ الناس إلى البيعة أتاه عبد الرحمن بن ملجم المرادي مرّتين أو ثلاثا ، ثمّ قال : « أين أشقاها؟ أما والّذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذه » ، أي لحيته من دم رأسه (2) .

4 ـ عن ابن الطفيل قال : شهدت جنازة أبي بكر يوم مات ، وشهدت عمر حين بويع ، وعلي عليه‌السلام جالس ناحية إذ أقبل غلام يهودي عليه ثياب حسان وهو من ولد هارون حتى قام على رأس عمر.

فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم هذه الامّة بكتابهم وأمر نبيّهم.

قال : فطأطأ عمر رأسه.

فقال له الغلام : إيّاك أعني ، وأعاد عليه القول.

فقال له عمر : ما ذاك؟

قال : إنّي جئتك مرتادا لنفسي ، شاكّا في ديني.

فقال : دونك هذا الشاب.

قال : ومن هذا الشاب؟

قال : عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أبو الحسن والحسين وزوج فاطمة بنت رسول الله ، فأقبل اليهودي على عليّ بن أبي طالب فقال :

أكذلك أنت؟

قال : « نعم ».

__________________

(1) اسد الغابة 4 : 34.

(2) المحن : 96.


قال : فإنّي اريد أن أسألك عن ثلاثة وثلاثة وواحدة ـ إلى أن قال ـ : فأخبرني عن الواحدة ، فأخبرني عن وصيّ محمّد كم يعيش من بعده؟ وهل يموت أو يقتل؟

قال : « يا هارونيّ ، يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما ، ثمّ يضرب ضربة هاهنا ـ يعني قرنه ـ فتخضب هذه من هذه ».

قال : فصاح الهاروني وهو يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له (1) .

5 ـ أعلن الإمام عن شهادته وشهادة سبطي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسين ، قال :

« أما والله لاقتلنّ أنا وابناي هذان ـ وأشار إلى الحسن والحسين ـ وليبعثنّ الله رجلا من ولدى آخر الزّمان يطالب بدمائنا ، وليغيبنّ عنهم ، تميّزا لأهل الضّلالة حتّى يقول الجاهل : ما لله في آل محمّد حاجة » (2) .

6 ـ يقول محمّد بن سيرين : « إن كان أحد يعلم متى أجله ، فإنّ عليّ بن أبي طالب كان يعلم متى أجله ، قال العباس بن ميمون : فحدّثت به ابن عائشة فقال : أنت تعلم يا ابن أخي أنّه قاتل يوم الجمل فلم يتكلّم ، ويوم صفّين فلم يتكلّم ، ولقد لقي ليلة الهرير ما لقي فلم يتخوّف ، ولم ينطق بشيء ، فلمّا رجع إلى الكوفة بعد قتله الخوارج قال :

ألا ينبعث أشقاها ، ليخضبنّ هذه من هذه » (3) .

وتحقّق ما أخبر به الإمام ، فقد استشهد في بيت الله الحرام في شهر رمضان ، وذكر الله بين شفتيه ، فقد اغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي أشقى الأوّلين

__________________

(1) فرائد السمطين 1 : 354.

(2) بحار الأنوار 51 : 112.

(3) ذيل الأمالي والنوادر 3 : 170.


والآخرين ، واستشهد ولده الزكي ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد اغتاله بالسمّ ابن هند ، واستشهد ولده الإمام الحسين عليه‌السلام بصورة مروعة وجرت عليه من المآسي والأهوال ما لا يوصف.

هذه بعض الأحاديث التي أعلن الإمام فيها بشهادته ، وأثرت عنه بهذا المضمون كوكبة اخرى من الأحاديث ، منها :


ما يجري على الحجر الأسود

في خطبة له عليه‌السلام قال ـ وهو يشير إلى السارية التي يستند إليها في مسجد الكوفة ـ :

« كأنّي بالحجر الأسود منصوبا هاهنا ، ويحهم! إنّ فضيلته ليست في نفسه ، بل في موضعه واسسه ، يمكث هاهنا برهة ثمّ هاهنا برهة ـ وأشار إلى البحرين ـ ثمّ يعود إلى مأواه وأمّ مثواه ».

قال ابن أبي الحديد : ووقع الأمر بموجب ما أخبر به عليه‌السلام (1) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 14.


إخباره عن شهداء فخّ

أخبر الإمام عليه‌السلام عن السادة العلويّين الذين استشهدوا في واقعة فخّ دفاعا عن حقّ المظلومين والمضطهدين ، وكانت شهادتهم مروعة كشهادة سيّدهم أبي الأحرار الإمام الحسين عليه‌السلام ، فقد اقترف الطاغية الدنس الهادي العباسي معهم من الجرائم ما تصدّع من هولها الجبال ، وقد قال الإمام عليه‌السلام في عظيم شأنهم :

« هم خير أهل الأرض » (1) .

__________________

(1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 7 : 83.


إخباره عن شهادة ذي النفس الزكية

من المغيّبات التي أخبر عنها الإمام عليه‌السلام أنّه أخبر عن شهادة العلوي الثائر العظيم ذي النفس الزكيّة ، وأنّه يستشهد بالمدينة عند أحجار الزيت (1) ، فقد استشهد هذا العلوي على يد السفّاك المنصور الدوانيقيّ (2) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 217.

(2) عرضنا بصورة موضوعية عن كيفيّة شهادته في كتابنا : حياة الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام .


إخباره عن شهادة إبراهيم

أخبر الإمام عليه‌السلام عن شهادة العلوي المجاهد العظيم إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي أراد هو وأخوه أن يقيما حكم القرآن ، وينقذا المسلمين من الطغمة العباسية فقد ثارا على أبي جعفر المنصور الذي أغرق البلاد بالظلم والجور ونهب ثروات المسلمين.

قال عليه‌السلام في شأنه :

« يقتل بعد أن يظهر ، ويقهر بعد أن يقهر ، يأتيه سهم غرب ـ أي لا يعرف راميه ـ تكون فيه منيّته ، فيا بؤسا للرامي ، شلّت يداه ووهن عضده » (1) .

ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى قصّة هذا العلوي المجاهد الذي ثار على أقذر حاكم عرفه التاريخ وهو الدوانيقي ، لقد أعلن إبراهيم ثورته الخالدة على الدوانيقي بعد مقتل أخيه محمّد ، وقد رثاه وهو على المنبر بقوله :

سابكيك بالبيض الرقاق وبالقنا

فإنّ بهما ما يدرك الطالب الوترا

وإنّا اناس لا تفيض دموعنا

على هالك منّا ولو قصم الظهرا

ولست كمن يبكي أخاه بعبرة

يعصرها من ماء مقلته عصرا

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 48.


ولكن أشفي فؤادي بغارة

ألهب في قطري كتائبها جمرا (1)

وزحف إبراهيم بجيوشه صوب الكوفة لاحتلالها ، وكانت مقرّا للسفّاك المنصور ، فانهزم جيش الطاغية شرّ هزيمة وجعل يقول لوزيره الربيع متعرّضا بما أخبر به الإمام الصادق عليه‌السلام من استيلاء العبّاسيّين على الحكم قائلا :

أين قول صادقهم؟ وكيف لم ينلها أبناؤنا؟ فأين امارة الصبيان؟

وتحقّق ما تنبأ به الإمام الصادق عليه‌السلام ، وما أخبر به جدّه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام من قبل ، فقد كرّت جيوش المنصور بعد هزيمتها بسبب نهر لقيها فلم تقدر على اجتيازه ، فعادوا بأجمعهم ، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد ، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار ، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه فقاتلهم حميد بن قحطبة ، وجاء سهم غادر فأصاب حلق إبراهيم فقضى عليه ، وقال لأصحابه : أنزلوني ، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول :

« وكان أمر الله قدرا مقدورا » ، أردنا أمرا وأراد الله غيره (2) ، ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة. وانطوت بذلك أروع صفحة من صفحات الجهاد الإسلامي المقدّس ، فقد آلت الخلافة إلى غادر ماكر بخيل ، فإنّا لله ولا حول ولا قوّة إلاّ به.

__________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام 1 : 406.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام 1 : 408.


تبشيره بالإمام المهدي عليه‌السلام

وتواترت الأخبار عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بظهور المصلح الأعظم قائم آل محمّد صلوات الله عليه الذي يقيم اعوجاج الدين ، ويصلح ما افسد من امور الدنيا ، ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا. وهذه الطائفة من الأخبار التي أثرت عنه في حفيده المنتظر :

1 ـ قال الإمام عليه‌السلام لولده سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين عليه‌السلام :

« التّاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحقّ ، المظهر للدّين ، الباسط للعدل ... ».

وانبرى الإمام الحسين قائلا :

« إنّ ذلك لكائن يا أمير المؤمنين؟ ».

« إي والّذي بعث محمّدا بالنّبوّة ، واصطفاه على جميع البريّة ، ولكن بعد غيبة وحيرة ، لا يثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون ، المباشرون لروح اليقين الّذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا ، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ... » (1) .

حكى هذا الحديث حتميّة خروج المصلح الأعظم وأنّ خروجه يكون بعد

__________________

(1) بحار الأنوار 51 : 110.


غيبة وحيرة في نفوس الناس ، ولا يثبت على الإيمان به إلاّ المخلصون في دينهم.

2 ـ روى أبو وائل قال : نظر عليّ عليه‌السلام إلى الحسين عليه‌السلام فقال :

« إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : وسيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم يخرج على حين غفلة من النّاس ، وإماتة الحقّ ، وإظهار الجور ، ويفرح لخروجه أهل السّماء وسكّانها ، وهو رجل أجلى الجبين ، أقنى الأنف ، ضخم البطن ، أذيل الفخذين ، بخدّه الأيمن شامة ، أبلج الثّنايا ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا » (1) .

حكى هذا الحديث ملامح الإمام المنتظر عليه‌السلام ، وامارات ظهوره وأنّه إذا ظهر يقيم الحقّ بجميع رحابه ومفاهيمه.

3 ـ خطب الإمام عليه‌السلام خطبة جليلة كان من بنودها التعرّض إلى قائم آل محمّد عليه‌السلام كان منها :

« وليكوننّ من يخلفني في أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله ، قويّ يحكم بحكم الله ، وذلك بعد زمان مكلح مفصح ، يشتدّ فيه البلاء ، وينقطع فيه الرّجاء ، ويقبل فيه الرّشاء » (2) .

أشار الإمام عليه‌السلام إلى وقت خروج المصلح الأعظم وأنّه في وقت يغرق الناس بالبلاء والفتن ، وإذا خرج سلام الله عليه فإنّه يبنى حكمه على الحقّ المحض والعدل الخالص.

4 ـ روى الأصبغ بن نباتة أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام قال :

« المهديّ منّا فى آخر الزّمان ، لم يكن في أمّة من الامم مهديّ

__________________

(1) بحار الأنوار 51 : 110.

(2) عقد الدرر : 182 ، الباب الثالث ـ الإمام المهدي.


ينتظر غيره » (1) .

إنّ قائم آل محمّد من دوحة النبوّة والإمامة ، وليس له شبيه يماثله في جميع شعوب العالم وامم الأرض ، وهو المنتظر لإقامة الحقّ ، والقضاء على المناهج الفاسدة التي لا بصيص فيها من نور العدل.

5 ـ قال عليه‌السلام :

« سيأتي الله بقوم يحبّهم الله ويحبّونه ، ويملك من بينهم غريب وهو المهديّ ، فيملك بلاد المسلمين بأمان ، ويصفو له الزّمان ، ويسمع كلامه ويطيعه الشّيوخ والفتيان ، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا » (2) .

حكى هذا الحديث عن سعة ملك الإمام عليه‌السلام ، وإذعان الناس لحكمه ، وأنّه يشيع فيهم الأمن والرخاء والعدل.

6 ـ روى الأصبغ بن نباتة ، قال : أتيت الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فوجدته مفكّرا ينكت الأرض ، فقلت له :

يا أمير المؤمنين ، ما لي أراك مفكّرا تنك في الأرض أرغبة فيها؟

فأجابه الإمام :

« لا والله ما رغبت فيها ـ أي في الخلافة ـ ولا في الدّنيا يوما قطّ ، ولكنّي فكّرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهديّ يملأها عدلا ، كما ملئت جورا وظلما تكون له حيرة وغيبة يضلّ فيها أقوام ، ويهتدي فيها آخرون ».

وانبرى الأصبغ يطلب المزيد من الايضاح قائلا :

__________________

(1) حياة الإمام محمّد المهدي : 183.

(2) ينابيع المودّة : 416.


يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا لكائن؟

« نعم ، إنّه مخلوق ، وأنّى لك بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ ، اولئك خيار هذه الأمّة مع أبرار هذه العترة ».

سارع الأصبغ قائلا : ما يكون بعد ذلك؟

« يفعل الله ما يشاء ، فإنّ له إرادات وغايات ونهايات » (1) .

إنّ ظهور المصلح الأعظم من الامور الحتمية التي لا يخالجها شكّ ولا ريب ، فإنّ ظهوره من الألطاف التي يخصّ الله تعالى بها عباده لإنقاذهم من الحياة البائسة الآثمة ، ويعيد لهم حكم الإسلام ، ودوره المشرق في إصلاح المجتمع وتطويره.

وعلى أي حال فقد أثرت عن إمام المتّقين ووصيّ رسول ربّ العالمين أحاديث كثيرة تبشّر بظهور الإمام المهدي عليه‌السلام ، وأنّه يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

__________________

(1) بحار الأنوار 51 : 118.


مع أعشى باهلة

كان الإمام عليه‌السلام على المنبر يخطب ، ويذكر الملاحم التي ستجري على مسرح الحياة ، فقام إليه أعشى باهلة ، وكان غلاما فأنكر عليه مقالته ، وقال له : ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة ، فرمقه الإمام بطرفه وقال له :

« إن كنت آثما فيما قلت رماك الله بغلام ثقيف ».

وانبرى إليه رجال فسألوه عن غلام ثقيف من هو؟ فقال عليه‌السلام :

« غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة إلاّ انتهكها ، ويضرب عنق هذا الغلام بالسّيف ... ».

كم يملك يا أمير المؤمنين؟

« عشرين عاما ... ».

وسألوه أنّه يقتل أو يموت حتف أنفه ، فأجابهم أنّه يموت حتف أنفه ، قال إسماعيل بن رجاء : فو الله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة قد احضر من جملة الأسرى من جيش عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بين يدي الحجّاج فقرّعه ووبّخه ، واستنشده شعره الذي كان يحرّض فيه على حرب الحجّاج فأمر بضرب عنقه (1) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 289.


مع جندب الأزدي

شهد جندب بن عبد الله الأزدي مع الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام حرب الجمل وصفّين ، وكان على يقين لا يخامره شكّ بضلالة من حاربهم الإمام ، فلمّا كانت واقعة النهروان داخله شك وقال في دخائل نفسه : قراؤنا وخيارنا نقتلهم إنّ هذا لأمر عظيم! وخرج غدوة يمشي ، ومعه أداوة ، وقد نصب له ترسا ليستظلّ به من حرارة الشمس ، فاجتاز عليه‌السلام وقال له :

« يا أخا الأزد ، أمعك طهور؟ ».

نعم.

فناوله الإداوة ، ومضى الإمام بعيدا بحيث لا يراه أحد ثمّ أقبل وقد تطهّر فجلس في ظلّ الترس ، وجاء فارس يريد الإمام عليه‌السلام ، فأمره بإحضاره ، فلمّا مثل عنده قال له : يا أمير المؤمنين ، قد أقبل القوم وقطعوا النهر ...

فردّ الإمام عليه بلا تردّد قائلا :

« كلاّ ما عبروا ... ».

بلى والله عبروا.

« كلاّ ... ».

وأقبل شخص آخر صوب الإمام ، فقال له :


يا أمير المؤمنين ، قد عبر القوم ...

« كلاّ ما عبروا ... ».

وراح الرجل يقسم بالله على ذلك قائلا :

والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال.

فردّ عليه الإمام بعنف :

« والله ما فعلوا ، وإنّه ـ أي قبل النهر ـ لمصرعهم ، ومهراق دمائهم ... ».

وقد كان الرجلان عينين للخوارج ، أرسلا للإمام لبعض الأغراض العسكرية حتى يزحف لهم جند الإمام.

ونهض الإمام عليه‌السلام ومعه الأزدي ، فقال في قرارة نفسه الحمد لله الذي بصرني هذا الرجل ، وعرفني أمره ، فهو أحد رجلين : أمّا رجل كذّاب جريء ، أو على بيّنة من ربّه ، وعهد نبيّه ، اللهمّ إنّي أعطيك عهدا تسألني عنه يوم القيامة ، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله ، وأوّل من يطعن في عينه بالرمح ، وإن كان القوم لم يعبروا ، أن أقيم معه على المناجزة والقتال ، فدفعنا إلى الصفوف ، فوجدنا رايات القوم وأثقالهم كما هي :

وأقبل الإمام فأخذ بقفاي وقال يحكي ما أضمره في نفسه :

« يا أخا الأزد ، أتبيّن لك الأمر؟ ».

أجل يا أمير المؤمنين!!

« شأنك بعدوّك ... ».

وانضم في سلك الجيش ، وأخذ يقاتل الخوارج على بصيرة من أمره (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 184 ـ 185.


مع المبايعين للضبّ

روى الثقة الأمين الأصبغ بن نباتة ، قال : أمرنا الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بالمسير إلى المدائن ، فسرنا يوم الأحد ، وتخلّف عمرو بن حريث ـ وهو من رءوس المنافقين ـ ومعه سبعة من أصحابه ، فخرجوا للتنزّه في ( الخورنق ) وبينما هم يتغدّون إذ خرج عليهم ضبّ ، فصادوه ، فأخذ عمرو بن حريث فنصب كفّه ، وقال :

بايعوا هذا أمير المؤمنين ، فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم ، ثمّ ارتحلوا فقدموا المدائن ، وكان الإمام يخطب ، فلمّا نظر إليهم قال :

« يا أيّها النّاس ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أسرّ إليّ ألف حديث وإنّي سمعت الله تعالى في كتابه يقول : ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) ، وإنّي اقسم لكم بالله تعالى ، ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم ، وهو ضبّ ، ولو شئت أن اسمّيهم لفعلت ».

وذاب ابن حريث وارتعدت أوصاله من هذا النبأ (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 286 ـ 287.


مع ذي الثدية

ذو الثدية هو الخويصر التميمي ، حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية ، من رءوس المنافقين والمارقين من الإسلام ، وهو الذي قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما كان يقسّم المال أعدل ، فغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال :

« ويلك من يعدل إذا لم أعدل! ».

وروى أنس قال : كان في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رجل يعجبنا تعبّده واجتهاده ، فذكرناه لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله باسمه فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل علينا فقلنا هو هذا ، فقال :

« إنّكم لتخبروني عن رجل أنّ في وجهه لسفعة من الشّيطان ».

فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلّم ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« انشدك الله ، هل قلت : حتّى وقفت على المجلس ، ما في القوم أحد أفضل منّي أو خيرش؟ ... ».

اللهمّ نعم.

ثمّ مضى يصلّي ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« من يقتل الرّجل؟ »

قال أبو بكر : أنا فدخل عليه فوجده يصلّي فقال : سبحان الله!! أأقتل رجلا


يصلّي ، وقد نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن قتل المصلّين ، وقفل راجعا إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له :

« ما فعلت؟ ».

قال : كرهت أن أقتله وهو يصلّي ، وقد نهيت عن قتل المصلّين ، فندب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه ثانيا ، فانبرى عمر وقال : أنا فمضى إليه فوجده واضعا جبهته لله فكره أن يقتله ، فرجع إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال له : « مهيم؟ » (1) قال عمر : وجدته واضعا جبهته لله فكرهت أن أقتله ، فندب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قتله ، فانبرى إليه الإمام عليه‌السلام فوجده قد خرج ، فأقبل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبره بخروجه ، فقال :

« لو قتل ما اختلف من أمّتي رجلان » (2) .

لقد انطوت نفس ذي الثدية على الكفر ، وكان إسلامه ظاهريا ، وقد تمرّد على الإمام عليه‌السلام الذي هو نفس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حسبما دلّت عليه آية المباهلة ، فقد أعلن العصيان المسلّح على حكومة الإمام عليه‌السلام في حرب النهروان ، وهو من أعلام الخوارج ، ولمّا انتهت الحرب ، وسقطوا قتلى في أرض المعركة طلب الإمام من أصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية ، فبحثوا عنه فلم يجدوه فأخبروا الإمام بذلك ، فأمرهم ثانيا بالبحث عنه قائلا :

« ما كذبت ولا كذّبت على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّه لناقص اليد ليس فيها عظم ، في طرفها حلمة مثل ثدي المرأة ، عليها خمس شعرات أو سبع ، رءوسها مقصعة ».

__________________

(1) كلمة استفهام معناها ما حالك أو ما حدث لك أو ما الخبر؟

(2) النص والاجتهاد : 118 ، الطبعة السابعة ، نقلا عن امّهات المصادر الإسلامية.


وأمر الإمام بإحضار جثّته ، فلمّا مثلت أمامه كشفوا عن يده ، فإذا ليس له يد ، وإنّما على منكبه ثدي كثدي المرأة ، وعليه شعرات سود تمتدّ حتى تحاذي بطن يده الاخرى ، فإذا تركت عادت ، ولمّا رأى الإمام ذلك خرّ لله تعالى ساجدا (1) .

لقد تحقّق ما أخبر به الإمام في شأن ذي الثدية وكان ذلك ممّا عهد به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إليه.

__________________

(1) مروج الذهب 2 : 385.


إخباره بحكومة مروان وأولاده

واستشفّ الإمام عليه‌السلام من وراء الغيب أنّ مروان بن الحكم الوزغ ابن الوزغ سوف يلي الحكم مع أبنائه الأربعة وهم بنو عبد الملك : الوليد ، سليمان ، يزيد ، وهشام ، ولم يل الحكم من بني اميّة ولا من غيرهم اخوة إلاّ هؤلاء (1) ، وكان إعلان الإمام عليه‌السلام عن ذلك حينما القى القبض على مروان بعد انتهاء حرب الجمل ، وجيء به أسيرا ، وقد تشفّع به الإمامان الحسن والحسين عليهما‌السلام فقالا لأبيهما :

« يبايعك يا أمير المؤمنين ».

وزهد الإمام في بيعته قائلا :

« أو لم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته! إنّها كفّ يهوديّة لو بايعني بكفّه لغدر بسبّته. أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوما أحمر! » (2) .

وحكت هذه الكلمات ما يلي :

1 ـ إنّها ألمّت بنفسية مروان ، وحكت طباعه وميوله ، وكان من أبرزها الغدر والمكر ، وخبث السريرة ، فقد بايع الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد قتل عثمان بن

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 147.

(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 6 : 146.


عفّان ، ولكنّه سرعان ما نكث بيعته ، فقد انضمّ إلى حزب عائشة التي أعلنت التمرّد على حكومة الإمام.

إنّ مروان لم يتمتّع بأيّة نزعة كريمة ، فقد انغمس في الباطل والموبقات ، وقد لعنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في صلب أبيه ، فقد

روت عائشة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أبا مروان ومروان فى صلبه (1) وجيء به بعد ولادته إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

« هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون » (2) .

واجتاز الحكم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

« ويل لامّتي ممّا في صلب هذا » (3) .

لقد استشفّ النبيّ من وراء الغيب ما تعانيه الامّة الإسلامية من الأحداث الجسام من مروان وأبنائه فلعنهم وتبرّأ منهم.

2 ـ أنّ الإمام عليه‌السلام أخبر عن قصر المدّة التي يحكم فيها مروان ، وشبّهها بلعقة الكلب أنفه ، وهو كناية عن قذارة حكمه ، وسوء سلطانه وكان سبب هلاكه أنّه عيّر خالد بن يزيد بن معاوية بامّه التي هي زوجته ، ففزع إلى امّه يبكي ، فتألّمت ، وسارعت مع جواريها إلى اغتياله ، وبذلك انتهت صفحة من صفحات الخزي والعار ، وانطوى ملف من ملفات الخيانة والإثم.

3 ـ أنّ الإمام عليه‌السلام أخبر عمّا تعانيه الامّة في عهده وعهد أبنائه من الكوارث والخطوب ، وقد جرى ذلك ، فقد تجرّع العالم الإسلامي ألوانا قاسية ومريرة من المحن الشاقّة ، والتي كان منها أنّ عبد الملك بن مروان ولّى على الامّة أشرّ خلق الله ، وهو الحجّاج الثقفي الذي جهد على ظلم الناس ، وارغامهم على ما يكرهون.

__________________

(1) تفسير القرطبي 16 : 197. تفسير الرازي 7 : 497. اسد الغابة 2 : 134.

(2) مستدرك الحاكم 4 : 497.

(3) اسد الغابة 2 : 34.


إخباره عن ملك معاوية

أخبر الإمام عليه‌السلام من حضر في مجلسه عن استيلاء معاوية على الحكم ، وما تعانيه الامّة في عهده من الظلم والجور قائلا :

« أمّا إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن (1) ، يأكل ما يجد ، ويطلب ما لا يجد ، فاقتلوه ، ولن تقتلوه! ألا وإنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي ؛ فأمّا السّبّ فسبّوني ، فإنّه لي زكاة ، ولكم نجاة ؛ وأمّا البراءة فلا تتبرّءوا منّي ؛ فإنّي ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الإيمان والهجرة » (2) .

وحكت هذه الكلمات الصفات القذرة الماثلة في معاوية من نهمه وجشعه على الطعام ، وصفاته الجسدية التي منها اندحاق البطن وغيرها وأنّه سيفرض على المسلمين سبّ الإمام والبراءة منه ؛ لأنّه رائد العدالة الاجتماعية ، وقد فضحه وفضح غيره من ملوك الظلم والجور وذلك بما سار عليه أيام حكومته من العدل الخالص والحقّ المحض.

__________________

(1) مندحق البطن : أي عظيم البطن.

(2) نهج البلاغة 1 : 105.


إخباره عن استيلاء الأمويّين على الحكم

أخبر الإمام عليه‌السلام عن استيلاء الأمويّين على الحكم ، وما تعانيه الامّة في ظلّ حكمهم من الظلم والجور ، قال عليه‌السلام :

« ألا وإنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني اميّة ، فإنّها فتنة عمياء مظلمة ، عمّت خطّتها ، وخصّت بليّتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها.

وايم الله لتجدنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي ، كالنّاب الضّروس (1) ، تعذم بفيها (2) ، وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها (3) ، وتمنع درّها ، لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم ، أو غير ضائر بهم.

ولا يزال بلاؤهم عنكم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه ، والصّاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة ، وقطعا جاهليّة ، ليس فيها منار هدى ، ولا علم يرى (4) .

__________________

(1) الناب الضروس : هى الناقة السيّئة.

(2) تعذم بفيها : أي تعضّ بفيها ، أو تأكل بجفاء.

(3) تزبن برجلها : أي تدفع برجلها.

(4) منهاج البراعة 7 : 86. نهج البلاغة 1 : 183.


أعرب الإمام في حديثه عن استيلاء الأمويّين على الحكم ، وعمّا تعانيه الامّة في عهدهم من الظلم والجور ، ولا يسلم من شرّهم إلاّ من كان عميلا لهم ، وخادما لرغباتهم ، أمّا من حاد عنهم فمصيره السجن والإعدام.


ظلم الأمويّين وجورهم

وأحاط الإمام عليه‌السلام أصحابه علما بما تعانيه الامّة من ظلم الأمويّين وجورهم بعد تسلّمهم لقيادة الحكم قائلا :

« والله لا يزالون حتّى لا يدعوا لله محرّما إلاّ استحلّوه ، ولا عقدا إلاّ حلّوه ، وحتّى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلاّ دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم ، وحتّى يقوم الباكيان يبكيان : باك يبكي لدينه ، وباك يبكي لدنياه ، وحتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده ، إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه » (1) .

وعاث الأمويّون في الأرض فسادا ، وملئوا الدنيا ظلما وجورا حتى قال القائل في عهد زياد الأخ اللاّشرعي لمعاوية : أنج سعد فقد هلك سعيد ، ولم يبق ظلم إلاّ صبّوه على المسلمين خصوصا على شيعة أهل البيت عليهم‌السلام .

__________________

(1) نهج البلاغة 1 : 190.


مع جيشه المتخاذلين

وأخبر الإمام عليه‌السلام جيشه المتخاذل ما يجري عليهم من الذلّ والهوان من بعده قائلا :

« أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتّخذها الظّالمون فيكم سنّة ، فيفرّق جماعتكم ، ويبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم ، وتتمنّون عن قليل أنّكم رأيتموني فنصرتموني فستعلمون حقّ ما أقول لكم ، ولا يبعد الله إلاّ من ظلم وأثم » (1) .

وتحقّق ما أنبأ به الإمام عليه‌السلام جيشه الذي أعلن عليه العصيان ، فقد ألبسهم الله ذلاّ شاملا وسلّط عليهم أرجاس البشرية من الأمويّين فجهدوا في ظلمهم وإذلالهم ، وأخذوا البريء منهم بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، وقتلوا منهم على الظنّة والتهمة ، وقد ندم أهل الكوفة بعد أن آل الحكم إلى معاوية كأشدّ ما يكون الندم على خذلانهم للإمام ، وتمنّوا وجوده لينصروه ويحموه.

__________________

(1) نهج البلاغة : 92 ، الخطبة 58.


ظلم الحجّاج وجوره

وأدلى الإمام عليه‌السلام في بعض خطبه ما سيحلّ بأهل الكوفة الذين جرّعوه نغب التهام ، وملئوا قلبه الشريف آلاما بعصيانهم وخذلانهم ، وإنّ الله تعالى سيسلّط عليهم الحجّاج بن يوسف الثقفي فيسقيهم كأس مصبرة ، قال عليه‌السلام :

« أما والله ، ليسلّطنّ عليكم غلام ثقيف الذّيّال (1) الميّال ؛ يأكل خضرتكم ، ويذيب شحمتكم ، إيه أبا وذحة! » (2) .

ولم تمض الأيام حتى سلّط الله على أهل الكوفة الحجّاج بن يوسف الثقفي ، وهو أقذر ارهابي لا يعرف الرحمة ، ولا عهد له بالرأفة ، وقد اقترف من الفضائع والآثام في أهل الكوفة ما لا يوصف لمرارته وقسوته.

وقد أجمع المؤرّخون على ظلمه وجوره ، وأنّه كان لا يلتذ إلاّ بسفك الدماء ، وإشاعة الرعب والفزع بين الناس ، وقد مرّ على الكوفة في عهده دور قاس ورهيب لم تشاهد في مثله إلاّ في عهد الطاغية زياد بن أبيه ، وابنه عبيد الله لقد سجن آلاف الأبرياء من النساء والرجال من غير ذنب اقترفوه ، وإنّما كان يقتل ويسجن على الظنّة والتهمة من غير تحقيق.

__________________

(1) الذيال : الطويل القدّ المتبختر في مشيته.

(2) نهج البلاغة 1 : 230.


أمّا سبب هلاكه فتعزوه المصادر إلى أنّه رأى خنفساء تدبّ إلى مصلاّه فطردها فعادت ، فطردها فعادت ، فأخذها بيده فلسعته ، فورمت يده ، وأخذته الحمى من اللسعة ، حتى هلك بأضعف مخلوقات الله ، وهذا هو المراد من قوله عليه‌السلام :

« إيه أبا وذحة! ».

لقد عانى أهل الكوفة هذا البلاء العاصف من جرّاء تخاذلهم عن الإمام وعصيانهم له.


المقتولون من أصحابه

والناجون من الخوارج

ولمّا صمّم الإمام عليه‌السلام على حرب الخوارج أخبر عن عدد المقتولين من أصحابه ، والناجين من الخوارج قال عليه‌السلام :

« مصارعهم دون النّطفة (1) ، والله لا يفلت منهم عشرة ، ولا يهلك منكم عشرة » (2) .

وتحقّق ما أخبر به الإمام ، فقد استشهد من أصحابه عشرة أشخاص ، وبقي من الخوارج عشرة أشخاص ، وهم الذين أشاعوا فكرة الخوارج بين المسلمين.

__________________

(1) قال الرضي : يعني بالنطفة ماء النهر ، وهي أفصح كناية.

(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 5 : 1.


مقتل زرعة

ذكر ابن أبي الحديد : أنّ عليّا عليه‌السلام لمّا دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج ، وتخلّف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها ، فدخل حرقوص بن زهير السعدي ، وزرعة بن البرج الطائي ـ وهما من رءوس الخوارج ـ على عليّ عليه‌السلام فقال له حرقوص : تب من خطيئتك ، واخرج بنا إلى معاوية نجاهده ، فقال له عليّ عليه‌السلام :

« إن كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ، ثمّ الآن تجعلونها ذنبا! أما إنّها ليست بمعصية ، ولكنّها عجز من الرّأي ، وضعف في التّدبير ، وقد نهيتكم عنه ».

فقال زرعة : أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنّك ...

فقال له عليّ عليه‌السلام :

« بؤسا لك ما أشقاك! كأنّي بك قتيلا تسفي عليك الرّياح! » (1) .

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 268.


عدم نهاية الخوارج

ولمّا أباد الإمام عليه‌السلام معظم الخوارج ، قيل له : يا أمير المؤمنين ، هلك القوم بأجمعهم ، فقال عليه‌السلام :

« كلاّ والله ؛ إنّهم نطف في أصلاب الرّجال ، وقرارات النّساء ، كلّما نجم منهم قرن قطع ، حتّى يكون آخرهم لصوصا سلاّبين ».

وتحقّق ما أخبر به الإمام عليه‌السلام فلم يهلكوا جميعا ، وإنّما بقيت منهم عصابة اتّسعت وقاومت الولاة والحكّام.


خلافة عبد الملك

وأدلى الإمام عليه‌السلام ، وهو على المنبر بإمرة عبد الملك بن مروان ، وما يرافقها من سفك الدماء قائلا :

« كأنّي به قد نعق بالشّام ، وفحص براياته في ضواحي كوفان ، فعطف عليها عطف الضّروس ، وفرش الأرض بالرّؤوس. قد فغرت فاغرته ، وثقلت في الأرض وطأته ، بعيد الجولة ، عظيم الصّولة » (1) .

وحكى كلام الإمام عليه‌السلام ظهور عبد الملك بن مروان بالشام ، وملكه للعراق ، وما يقتل من المسلمين من جراء ذلك ، فقد ملئت الأرض بجثث القتلى في حربه لابن الزبير ، فقد انتشر الحزن ، وعمّ الحداد جميع أرجاء الوطن الإسلامي من كثرة القتلى.

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 356.


ثورة ابن الزبير

من المغيّبات التي أخبر عنها إمام المتّقين ، وسيّد الموحّدين عليه‌السلام ثورة ابن الزبير ، وسعيه لطلب الملك بجميع طاقاته إلاّ أنّه لم يظفر به ، وقد وصفه عليه‌السلام وحكى نفسيّته بما يلي :

« خبّ ، ضبّ يروم أمرا لا يدركه ، ينصب حبالة الدّين لاصطياد الدّنيا ، وهو بعد مصلوب قريش ».

وألمّ حديث الإمام عليه‌السلام بأوصاف ابن الزبير ، وبنهايته وهي كما يلي :

1 ـ إنّ الإمام عليه‌السلام بأوصاف ابن الزبير بالخب ، وهو المخادع الخبيث (1) . كما وصفه بالضب ، وهو البخيل ، والعرب تشبّه كفّ البخيل إذا قصر عن العطاء بكفّ الضب (2) .

لقد كان ابن الزبير خدّاعا ، بخيلا ، سيئ الخلق ، حسودا ، لا يتمتّع بأيّة صفة كريمة ، وقد عانت الموالي في عهده الضيق والحرمان يقول الشاعر :

إنّ الموالي أمست وهي عاتبة

على الخليفة تشكوا الجوع والضما

ما ذا علينا وما ذا كان يرزؤنا

أي الملوك على من حولنا غلبا

2 ـ إنّ ابن الزبير رام الخلافة وسعى إليها جاهدا باذلا جميع طاقاته إلاّ أنّه لم

__________________

(1) و (2) لسان العرب 1 : 539.


يظفر بها ـ كما قال الإمام ـ وذلك لبخله ، وفيه يقول الشاعر :

رأيت أبا بكر وربّكر غالب

على أمره يبغي الخلافة بالتمر (1)

وقد عانى المسلمون في حكمه القصير الأمد الجوع والحرمان ؛ لأنّه لم تكن عنده أيّة نفحة من نفحات الكرم والجود.

3 ـ من أوصاف ابن الزبير أنّه كان مرائيا لا يعرف الواقع ، فقد أظهر النسك والعبادة والتجرّد عن الدنيا ، مع أنّه كان ذئبا ، فقد اعتمد على الرياء لإغراء السذّج والبسطاء ، ولم يخف أمره على العارفين به ، فقد قال عبد الله بن عمر لزوجته حينما ألحّت عليه بمبايعته لأنّه تقي متعبّد ، فردّ عليها قائلا :

أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحجّ عليها الشهباء فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرها (2) .

ومن المؤكّد أنّه عار من جميع أرصدة التقوى والخوف من الله تعالى ، ولو كان يرجو الله واليوم الآخر لما حارب وصي رسول الله وباب مدينة علمه ، وكان من أعظم الحاقدين على الاسرة النبوية ، فقد كان يخطب ، ولا يصلّي على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في خطابه ، وقيل له في ذلك فقال : إنّ له أهل بيت إن ذكرته اشرأبت أعناقهم ....

وبلغ من عدائه للاسرة النبوية أنّه حبسهم وهدّدهم بالحرق إن لم يبايعوه ، فأنقذهم بطل الإسلام المختار بن عبيدة من شرّه وبلائه ، وقد طلب الجيش من العلويّين أن ينزل العقاب الصارم من ابن الزبير عدوّهم الماكر فأبوا وتمسّكوا بأخلاقهم العلوية ، وهي مكافاة المسيء بالإحسان.

__________________

(1) المعارف ـ ابن قتيبة 3 : 25.

(2) المختار : 95.


المختار رحمه‌الله

لمّا ظهر المختار بن أبي عبيدة بالكوفة فبايعه الناس وطالب بدم الحسين عليه‌السلام فجاء عبيد الله بن زياد من الشام بجيش جرّار فبعث إليهم ابن الأشتر فجال جيش ابن الأشتر منادين يا لثارات الحسين فناداهم الصبر الصبر ، فتراجعوا ، فقال لهم عبد الله بن يسار بن أبي عقيب الدؤلي : حدّثني خليلي ـ يعني أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ إنّا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر ، فيكشفونا حتى نقول هي هي ثمّ نكرّ عليهم فنقتل أميرهم.

وفعلا فقد تحقّق ما أخبر به أمير المؤمنين عليه‌السلام فقد قتل في ليل ذلك اليوم الوغد الخبيث ابن مرجانة وتبدّد جيشه كما يتبدّد الظلام في النور.

وسئل الإمام زين العابدين : يا ابن رسول الله ، إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ذكر من أمر المختار ولم يقل متى يكون؟ ولمن يقتل؟ فقال عليه‌السلام : « صدق أمير المؤمنين عليه‌السلام ».

« أولا اخبركم متى يكون؟ ». قالوا : بلى.

قال عليه‌السلام : « يوم كذا إلى ثلاث سنين من قولى هذا لكم ، وسيؤتى برأسي عبيد الله ابن زياد وشمر بن ذي الجوشن عليهما اللّعنة في يوم كذا وكذا ، وسنأكل وهما بين أيدينا ـ أي رأسيهما ـ ننظر إليهما » (1) .

__________________

(1) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام : 552.


انقراض دولة بني اميّة

أدلى الإمام عليه‌السلام بحديث له عن حتمية انقراض دولة الأمويّين ، قال عليه‌السلام : « فأقسم بالله ، يا بنى أميّة ، عمّا قليل لتعرفنّها ـ أي الخلافة ـ في أيدي غيركم وفي دار عدوّكم! » (1)

لقد انقرضت الدولة الأموية على يد ألد أعدائهم وخصومهم العبّاسيّين ، فأشاعوا فيهم القتل والتنكيل ، وأبادوهم تحت كلّ حجر ومدر ، ولم يشفع فيهم أحد سوى سليل النبوة الإمام الصادق عليه‌السلام ، فقد كتب إلى السفاح يطلب منه أن لا يتعرّض بسوء لمن بقي منهم ، فبهر السفّاح ، وقال : قتلوا آباءهم وسبوا نساءهم ، ويتشفّع فيهم ، ولم يعلم السفاح أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام من أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرحمة ، وأنّهم يفيضون بالإحسان لمن أساء إليهم.

__________________

(1) منهاج البراعة 7 : 216.


حكومة بني العباس

أخبر الإمام عليه‌السلام مستشاره عبد الله بن العباس بانتقال الحكم إلى أبنائه :

1 ـ وذلك حينما ولد له ولد أسماه عليّا ، فحمله إلى الإمام للتبرّك به فأخذه الإمام وتفل في فيه ، وحنّكه بتمرة ودفعه إليه ، وقال له :

« خذه إليك أبا الأملاك ... » (1) .

2 ـ وكذلك أخبره في حديث آخر بقوله عليه‌السلام : « يا ابن عبّاس ، إنّ ملك بني اميّة إذا زال فأوّل ما يملك من بني هاشم ولدك فيفعلون الأفاعيل » (2) .

وتحقّق ما تنبأ به الإمام ، فقد آل الحكم إلى بني العباس الذين هم من ذرية عبد الله ، بعد أن انقرضت الدولة الأموية التي عاثت فسادا في الأرض.

__________________

(1) الكامل ـ المبرد 2 : 217.

(2) الفضائل ـ ابن شاذان : 141.


شخص يريد الاحتيال على الإمام

قال عليه‌السلام : « لو وجدت ثقة لبعثت معه بمال إلى شيعتي في المدائن » ، فقال رجل في نفسه لآتينه ولأقولنّ أنا ذاهب بالمال فيثق بي ، فإذا أخذته أخذت طريقي إلى الشام إلى معاوية ، فقصدت الإمام ، وقلت له : أعطني المال حتى أبعثه إلى شيعتك ، فنهره الإمام وقال له :

« إليك عنّي ، تأخذ طريقا إلى معاوية ... » (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 297.


إخباره بمجيء ألف لمبايعته

كان الإمام عليه‌السلام بذي قار يأخذ البيعة ، فقال عليه‌السلام لأصحابه :

« يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا ، يبايعوني على الموت ».

قال ابن عبّاس : فجزعت لذلك ، وخفت أن ينقص القوم من العدد أو يزيدون عليه ، فأخذت احصي القوم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل ، وتسعة وتسعين رجلا ثمّ انقطع مجيء القوم ، فداخلني الشكّ والريب فبينما أنا افكّر إذ رأيت شخصا قد أقبل ، وهو راجل عليه قباء صوف ومعه سيف وترس وأداوة ، فقال للإمام عليه‌السلام :

امدد يدك ابايعك ..

« علام تبايعني؟ ».

على السمع والطاعة والقتال بين يديك أو يفتح الله على يدك ..

« ما اسمك؟ ».

أويس القرني.

« الله أكبر ، أخبرني حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّي ادرك رجلا من أمّتي يقال له اويس القرنيّ يكون من حزب الله يموت على الشّهادة ، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر » (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 300.


الصليب في عنق معاوية

قال عليه‌السلام : « لا يموت ابن هند حتّى يعلّق الصّليب في عنقه » (1) .

وقد تحقّق ذلك ، فقد ذكر الرواة أنّ معاوية لمّا ألمّت به الأمراض كان له طبيب نصراني ، فقال له :

إنّ آلاماً قد أخذتني فهل لي من سبيل للتخلّص منها؟

فقال له : نعم ، عندنا صليب ما علّقه مريض في عنقه إلاّ برئ ، فجاء بالصليب إليه فعلّقه في عنقه ، وتوفّي معاوية والصليب في عنقه (2) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 305.

(2) المناقب والمثالب ـ أبي حنيفة ( مخطوط ).


البشارة بمولد الإمام زين العابدين عليه‌السلام

عند اقتران الإمام الحسين عليه‌السلام بالسيّدة الجليلة شاه زنان بارك الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام لولده قائلا :

« يا أبا عبد الله ، ليلدنّ لك منها غلام خير أهل الأرض » (1) .

وفعلا فقد تحقّق ما أخبر عنه الإمام عليه‌السلام ، فقد ولدت لولده الحسين عليه‌السلام سيّد الساجدين وتاج البكّائين زين العابدين صاحب رسالة الحقوق ، والتي هي من أذخر الرسائل الحقوقية ، والصحيفة السجّادية وهي إنجيل آل محمّد (2) .

__________________

(1) الأحاديث الغيبية 2 : 176.

(2) قد ذكرنا مفصّلا عن حياة الإمام عليّ بن الحسين عليهما‌السلام في كتابنا : حياة الإمام زين العابدين عليه‌السلام في مجلّدين.


مقتل الإمام الرضا عليه‌السلام

عن النعمان بن سعد قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام :

« سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسّمّ ظلما ، اسمه اسمي ، واسم أبيه اسم ابن عمران موسى عليه‌السلام ، ألا فمن زاره في غربته غفر الله عزّ وجلّ له ذنوبه ما تقدّم منها وما تأخّر ... » (1) .

لقد تحقّق ما أخبر به عليه‌السلام فقد رزق الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام بالإمام الرضا ، والذي هو أثرى شخصية عرفها التأريخ بعلومه ومعارفه في زمانه ؛ إذ فتك به المأمون العباسي بالسمّ بعد ما غرّبه عن الأوطان فمضى عليه‌السلام شهيدا محتسبا (2) .

__________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 : 258.

(2) قد ذكرنا عن حياته مفصلا في كتابنا : حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام ، في مجلّدين.


مدينة بغداد

اجتاز الإمام عليه‌السلام على أرض بغداد ، فقال عليه‌السلام :

« ما تدعى هذه الأرض؟ ».

فقالوا له : بغداد.

قال : « نعم ، تبنى هاهنا مدينة » ، وذكر أوصافها (1) .

وتحقّق ذلك ، فقد بنيت بغداد وازدهرت في العصر العباسي ، فكانت عاصمة الدنيا ، وذكر الرواة أنّ الحسن بن ذكوان الفارسي التقى بالإمام ، وطلب منه أن يدعو الله له.

فقال له الإمام : « إنّك ستعمّر ، وتحمل إلى مدينة يبنيها رجل من بني عمّي العبّاس تسمّى بغداد ، ولا تصل إليها ، وتموت بموضع يقال له المدائن ».

فكان كما قال عليه‌السلام (2) .

__________________

(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 422.

(2) بحار الأنوار 41 : 307.


عدد ملوك بني العبّاس

وكان ممّا أخبر به الإمام عليه‌السلام أنّه عدد ملوك بني العباس الذين يحكمون العالم الإسلامي ، قال عليه‌السلام :

« ويل هذه الامّة من رجالهم الشّجرة الملعونة الّتي ذكرها ربّكم تعالى ، أوّلهم خضراء وآخرهم هزماء ، ثمّ يلي بعدهم أمر أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله رجال : أوّلهم أرأفهم ، وثانيهم أفتكهم ، وخامسهم كبشهم ، وسابعهم أعلمهم ، وعاشرهم أكفرهم ، يقتله أخصّهم به ، وخامس عشرهم كثير العناء ، قليل الغناء ، وسادس عشرهم أقضاهم للذمم ، وأوصلهم للرّحم ، كأنّي أرى ثامن عشرهم تفحص رجلاه في دمه بعد أن يأخذه جنده بكظمه ، من ولده ثلاث رجال : سيرتهم سيرة الضّلال ، الثّاني والعشرون منهم الشّيخ الهرم ، تطول أعوامه ، وتوافق الرّعيّة أيّامه ، السّادس والعشرون منهم يشرد الملك منه شرود النّقنق (1) ، ويعضده الهزرة المتفيهق ، لكأنّي أراه على جسر الزّوراء قتيلا ، ذلك بما قدّمت يداك ، وإنّ الله ليس بظلاّم للعبيد » (2) .

__________________

(1) النّقنق : جمعه نقانق ، ذكر النّعامة.

(2) بحار الأنوار 41 : 322.


وأوضح المجلسي بنود هذه الخطبة قال :

« إنّ أوّلهم ـ أي أوّل بني العبّاس ـ هو السفاح كان أرأفهم (1) .

وأنّ ثانيهم هو المنصور كان أفتكهم ، أي أجرأهم ، وأشجعهم ، وأكثرهم قتلا للناس خدعة وغدرا.

وأنّ خامسهم وهو الرشيد كان كبشهم ؛ إذ لم يستقرّ ملك أحد منهم كاستقرار ملكه ، وأنّ سابعهم وهو المأمون كان أعلمهم ، واشتهار وفور علمه من بينهم يغني عن البيان.

وأنّ عاشرهم وهو المتوكّل أكفرهم بل أكفر الناس كلّهم أجمعين لشدّة نصبه وإيذائه لأهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم وسائر الخلق ، وأنّ من قتله كان من غلمانه الخاصّة.

وأنّ خامس عشرهم المعتمد على الله أحمد بن المتوكّل ، وهو وإن كان زمان خلافته ثلاث وعشرين سنة لكن كان في أكثر زمانه مشتغلا بحرب صاحب الزنج وغيره ، فلذا وصفه عليه‌السلام بكثرة العناء.

وسادس عشرهم المعتضد بالله رأى في النوم رجلا أتى دجلة فمدّ يده إليها ، فاجتمع مائها فيها ، ثمّ فتح كفّه ففاض الماء ، فسأل المعتضد أتعرفني؟ قال : لا ، قال : أنا عليّ بن أبي طالب إذا جلست على سرير الخلافة فأحسن إلى أولادي ، فلمّا وصلت إليه الخلافة أحبّ العلويّين وأحسن إليهم ، فلذا وصفه عليه‌السلام بقضاء العهد وصلة الرحم.

وثامن عشرهم هو جعفر الملقّب بـ المقتدر بالله ، وخرج مونس الخادم من جملة عسكره ، وأتى الموصل واستولى عليه ، وجمع عسكرا ورجع وحارب

__________________

(1) أي أرأفهم من بين ملوك بني العباس على العلويّين.


المقتدر في بغداد ، وانهزم عسكر المقتدر ، وقتل هو في المعركة ، واستولى على الخلافة من بعده ثلاثة من أولاده ، الراضي بالله محمّد بن المقتدر ، والمتّقي بالله إبراهيم بن المقتدر ، والمطيع لله فضل بن المقتدر.

وأمّا الثاني والعشرون منهم فهو المكتفي بالله عبد الله ، وادّعى الخلافة بعد مضي إحدى وأربعين سنة من عمره ـ سنة ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة ـ ، واستولى أحمد ابن بويه في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة على بغداد ، وأخذ المكتفي وسمل عينه وتوفّي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.

ويقال : إنّه كانت أيام خلافته سنة وأربعة أشهر.

ويحتمل أن يكون من خطأ المؤرّخين أو رواة الحديث بأن يكون في الأصل الخامس والعشرون أو السادس والعشرون ، فالأوّل هو القادر بالله أحمد بن إسحاق ، وقد عمّر ستا وثمانين سنة ، وكانت مدّة خلافته إحدى وأربعين سنة ، والثاني القائم بأمر الله كان عمره ستّا وسبعين سنة وخلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر.

ويحتمل أن يكون عليه‌السلام إنّما عبّر عن القائم بأمر الله بالثاني والعشرين لعدم اعتداده بخلافة القاهر بالله ، والراضي بالله والمقتدر بالله والمكتفي بالله لعدم استقلالهم وقلّة أيام خلافتهم.

فعلى هذا يكون السادس والعشرون الراشد بالله ، فإنّه هرب في حماية عماد الدين الزنجي ، ثمّ قتله بعض الفدائيّين ، فقد قتل في أصفهان.

ويحتمل أن يكون المراد بالسادس والعشرين المستعصم ، فإنّه قتل كذلك وهو آخرهم ، وإنّما عبّر عنه كذلك مع كونه السابع والثلاثين منهم لكونه السادس والعشرين من عظمائهم ، لعدم استقلال كثير منهم وكونهم مغلوبين للمماليك والأتراك.

ويحتمل أيضا أن يكون المراد السادس والعشرون من العباس وأولاده ، فإنّهم


اختلفوا في أنّه هل هو الرابع والعشرون من أولاد العباس أو الخامس والعشرون منهم ، وعلى الأخير يكون بانضمام العباس السادس والعشرون وعلى الأخيرين يكون مكان يعضده يقصده » (1) .

__________________

(1) بحار الأنوار 41 : 323 ـ 324.


فتنة الزنج

من الأحداث الجسام التي أخبر عن وقوعها الإمام عليه‌السلام هي فتنة صاحب الزنج ، فقد زعم أنّه علي بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام ، وقد احتفّ به الزنج ، ووعدهم بالتحرير والظفر بأموال الدولة وتسخيرها لمصالحهم ، فانصاعوا له ، والتفّوا حوله ، وقد تحدّث المؤرّخون عن تفصيل الحادثة والفتوحات التي تمّت له ، وإلى ما جرى عليه.

وعلى أي حال فلنستمع إلى ما قاله الإمام عليه‌السلام في وصف جيشه وإلى الدمار الذي حلّ في البلاد من جرائمهم ، قال عليه‌السلام :

« يا أحنف ، كأنّي به ـ أي بصاحب الزنج ـ وقد سار بالجيش الّذي لا يكون له غبار ولا لجب ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النّعام ».

أشار الإمام عليه‌السلام إلى أوصاف جيش صاحب الزنج ، وأنّهم في منتهى التدريب العسكري ، لا غبار لهم ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل ، وهذه الأوصاف أروع ما توصف به الجيوش المنظّمة التي بلغت الذروة في تدريبها.

ثمّ عرض الإمام عليه‌السلام إلى ما تعانيه البلاد من الدمار والخراب من ذلك الجيش قال عليه‌السلام :

« ويل لسكككم العامرة والدّور المزخرفة الّتي لها أجنحة كأجنحة


النّسور ، وخراطيم كخراطيم الفيلة ، من أولئك الّذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفقد غائبهم ... » (1)

وقد عانت البلاد الإسلامية أقسى ألوان المحن والخطوب من جيش صاحب الزنج ، فقد تهدّمت الدور وتخرّبت المزارع وتدهور الاقتصاد العامّ ، وكان ذلك في سنة 255 ه‍ ، وقد ذكرت مصادر التاريخ تفصيل تلك الأحداث المروعة المؤسفة.

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 8 : 125.


حكومة بني بويه

أخبر الإمام عليه‌السلام عن حكومة بني بويه فقال :

« ويخرج من ديلمان بنو الصّيّاد (1) ، ثمّ يستشري أمرهم حتّى يملكوا الزّوراء ، ويخلعوا الخلفاء ... ».

فقام شخص وقال : كم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه‌السلام : « مائة ـ أي مائة عام ـ أو تزيد قليلا ».

واستطرد الإمام عليه‌السلام في ذكرهم قائلا :

« والمترف ابن الأجذم يقتله ابن عمّه على دجلة ... ».

أشار عليه‌السلام إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين ، وكان معزّ الدولة أقطع اليد ، قطعت يده لنكوصه في الحرب ، وكان ابنه مترفا صاحب لهو وشرب ، قتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمّه بقصر الجصّ على دجلة ، وسلب ملكه ، فأما خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي ، وأقام عوضه المطيع ، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة ، وخلع الطائع ورتّب مكانه القادر ، وكانت مدّة ملكهم كما أخبر به الإمام عليه‌السلام (2) .

__________________

(1) قال ابن أبي الحديد : كان أبوهم يصيد السمك ، ويتقوّت به هو وعياله ، فأخرج من ولده ملوكا ثلاثة ، ونشر رايتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم.

(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 49.


دولة المغاربة

من المغيّبات التي أخبر عنها الإمام عليه‌السلام ظهور دولة للعلويّين بالمغرب العربي بقيادة أبي عبد الله المهدي ، وهو أوّل ملوكهم ، قال عليه‌السلام :

« ثمّ يظهر صاحب القيروان الغضّ البضّ ، ذو النّسب المحض ، المنتجب من سلالة ذي البداء ، المسجّى بالرّداء » (1) .

قال ابن أبي الحديد : « كان عبيد الله المهدي أبيض ، مترفا ، مشربا بحمرة ، رخص البدن تار (2) الأطراف ، وذو البداء هو إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام ، وهو المسجّى بالرداء ؛ لأنّ أباه سجّاه بردائه لمّا مات ، وأدخل عليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته ، وتزول عنهم الشبهة في أمره » (3) .

ومن المؤسف أنّه لم تؤمن بموت إسماعيل كوكبة من الشيعة وهم الإسماعيلية ، فقد اعتقدوا بحياته ، وأنّه ارتفع إلى السماء كما ارتفع السيّد المسيح.

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 49.

(2) التار : الممتلئ جسمه ريا.

(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 49.


الثورة في طبرستان

من المغيّبات التي أخبر عنها الإمام عليه‌السلام ظهور ثورة طبرستان يقوم بها بعض السادة كالناصر والداعي وغيرهما ، قال عليه‌السلام :

« وإنّ لآل محمّد بالطّالقان لكنز سيظهره الله إذا شاء دعاؤه حتّى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله » (1) .

وتحقّق ذلك ، فقد ثار هؤلاء السادة الأعلام في طالقان رافعين شعار الإسلام ، ومتبنّين الدعوة إلى حكم القرآن.

__________________

(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 48.


حكومة القرامطة

وأخبرنا الإمام عن القرامطة الفئة الضالّة التي لا عهد لها بالإسلام. قال عليه‌السلام فيهم :

« ينتحلون لنا الحبّ والهوى ، ويضمرون لنا البغض والقلى ، وآية ذلك قتلهم ورّاثنا ، وهجرهم أحداثنا » (1) .

ظهرت القرامطة على مسرح الحياة الإسلامية ، فأشاعت الفساد والقتل والنهب والدمار ، وقد أحلّت ما حرّم الله تعالى ، وحرّمت ما أحلّ الله ، وهي كالشيوعية في تعاليمها ومروقها من الدين ، وقد استباحوا قتل السادة العلويّين ، فقد قتلوا كوكبة من أعلامهم ذكر أسماءهم أبو الفرج الأصفهاني (2) .

وقد عرفوا بالنصب والعداء لأهل البيت عليهم‌السلام ، فقد اجتاز أبو الطاهر سليمان بن الحسن الجنابي ، وهو من أعلامهم على مدينة النجف الأشرف وعلى مدينة كربلاء المقدّسة ، ولم يعرج على زيارة المرقدين المكرّمين (3) .

__________________

(1) المصدر السابق 10 : 14.

(2) مقاتل الطالبيّين : 450.

(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 14.


التتر

من المغيّبات التي أخبر عنها الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والتي تحقّقت بعد مئات من السنين هي المحنة الكبرى التي امتحن بها المسلمون امتحانا عسيرا ، وهي افول الخلافة الإسلامية ، وانطواء حكم بني العباس الذين أسرفوا في اقتراف ما حرّم الله ، فقد كانت لياليهم الحمراء حافلة بالخمور والمجون ، ولم يكن للإسلام حكم واقعي وإنّما صورة حكم.

وعلى كلّ حال فقد زحف التتر إلى احتلال عاصمة الإسلام بغداد ، وسقطت بذلك الدولة الإسلامية العظمى ، وقد أمعنوا في قتل الأبرياء وإشاعة الخوف والارهاب بين المسلمين ، وعمدوا إلى تدمير المعالم الإسلامية في المدينة ، وكان من أفجعها تدمير المكتبة المستنصرية التي كانت تضمّ مئات آلاف الكتب ، فالقيت في حوض دجلة ، وبذلك فقد خسر العالم الإسلامي أهمّ ثرواته الفكرية والعلمية.

ولنستمع إلى ما قاله الإمام عليه‌السلام في وصف التتر ، وما يلحقونه في بلاد المسلمين من الدمار الشامل قال عليه‌السلام :

« كأنّي أراهم قوما كأنّ وجوههم المجانّ المطرّقة (1) ، يلبسون السّرق (2)

__________________

(1) المجان : جمع مجن ـ بكسر الميم ـ : الترس ، سمّي مجنا لأنّه مستتر به.

(2) السرق : شقق الحرير.


والدّيباج ، ويعتقبون (1) الخيل العتاق. ويكون هناك استحرار قتل حتّى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقلّ من المأسور! » (2) .

وانبرى بعض أصحاب الإمام قائلا له : لقد اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ...

فتبسّم الإمام عليه‌السلام وقال له :

« يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم ـ يعني أنّه مستقى ومستمدّ من أخيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ. وإنّما علم الغيب علم السّاعة ، وما عدّده الله سبحانه بقوله : ( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون في النّار حطبا ، أو في الجنان للنّبيّين مرافقا. فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه أحد إلاّ الله ، وما سوى ذلك فعلم علّمه الله نبيّه فعلّمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري ، وتضطمّ (3) عليه جوانحي » (4) .

وقد أوضح الإمام عليه‌السلام العلم الذي عنده إنّما هو مستمدّ من أخيه وابن عمّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّه ليس بعلم الغيب الذي لم يطّلع عليه أحد سوى الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة.

__________________

(1) يعتقبون الخيل : أي يجتنبونها لينتقلوا من غيرها إليها.

(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 : 14.

(3) تضطم : أي تجتمع عليها جوانح صدري.

(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 8 : 215.


وعلى أي حال فقد تحقّق ما أخبر به الإمام عليه‌السلام ، فقد احتلّ الجناة التتر مدينة بغداد ، وسقطت بذلك الدولة الإسلامية ، وقد أمعن الغزاة في قتل الأبرياء وعاثوا فسادا في الأرض.

ومن المؤكّد أنّ السبب في هذه المأساة الخالدة سوء السياسة العباسية ، الذين اقترفوا كلّ ما حرّم الله ، ولم يؤثر عن الكثيرين منهم إلاّ الفسق والفجور ومناجزة المصلحين ، ومعاداة أهل البيت عليهم‌السلام والامعان في قتلهم ومطاردة شيعتهم وأنصارهم ، وبذلك فقد فتحوا الطريق لهولاكو في غزو بغداد والقضاء على الدولة الإسلامية.


الفتن بعد وفاته

وأحاط الإمام عليه‌السلام أصحابه بما يحدث بعد وفاته من الفتن والخطوب ، قال عليه‌السلام :

« وإنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء أخفي من الحقّ ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ؛ وليس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته ، ولا أنفق (1) منه إذا حرّف عن مواضعه ؛ ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر! فقد نبذ الكتاب حملته ، وتناساه حفظته ؛ فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيّان ، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو.

فالكتاب وأهله ـ وهم أهل البيت ـ في ذلك الزّمان في النّاس وليسا فيهم ، ومعهم وليسا معهم! لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى ، وإن اجتمعا.

فاجتمع القوم على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، كأنّهم أئمّة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ، فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه ، ولا يعرفون إلاّ خطّه وزبره (2) . ومن قبل ما مثّلوا بالصّالحين كلّ مثلة ، وسمّوا

__________________

(1) أنفق : أي أروج.

(2) الزبر : الكتابة.


صدقهم على الله فرية ، وجعلوا في الحسنة عقوبة السّيّئة » (1) .

وتحقّقت هذه الخطوب بعد وفاة الإمام عليه‌السلام ، فقد آل الحكم إلى معاوية ، ومن بعده إلى بني مروان ، ولم يألوا جهدا في محاربة الإسلام ، والبغي والقتل لحماته ، وقد جمد الكتاب ، وساد المنكر ، وراج الباطل ، وأقبل الناس على مآثم الحياة ، واقتراف الرذائل ، وأعرب عليه‌السلام عن ذلك في حديث آخر قال عليه‌السلام :

« وأخذوا ـ أي الناس ـ يمينا وشمالا ظعنا في مسالك الغيّ ، وتركا لمذاهب الرّشد. فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد ، ولا تستبطئوا ما يجيء به الغد. فكم من مستعجل بما إن أدركه ودّ أنّه لم يدركه. وما أقرب اليوم من تباشير غد! » (2) .

__________________

(1) نهج البلاغة : 63 ، الخطبة 147.

(2) نهج البلاغة : 64 ، الخطبة 150.


أحداث آخر الزمان

وتحدّث باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عمّا يحدث في آخر الزمان من الفتن والبلاء ، وقد أدلى بذلك في كثير من المناسبات والتي منها :

1 ـ قال عليه‌السلام :

« يأتي على النّاس زمان لا يقرّب فيه إلاّ الماحل ، ولا يظرّف فيه إلاّ الفاجر ، ولا يضعّف فيه إلاّ المنصف ، يعدّون الصّدقة فيه غرما ، وصلة الرّحم منّا ، والعبادة استطالة على النّاس! فعند ذلك يكون السّلطان بمشورة النّساء ، وإمارة الصّبيان ! » (1)

إنّ البشرية تكون في قوس النزول ، وفي منتهى الانحطاط إذا سارت فيها هذه الامور التي تفضّل ببيانها الإمام.

2 ـ قال عليه‌السلام :

« يأتي على النّاس زمان لا يبقى فيه من القرآن إلاّ رسمه ، ومن الإسلام إلاّ اسمه ، ومساجدهم يومئذ عامرة من البناء ، خراب من الهدى ، سكّانها وعمّارها شرّ أهل الأرض ، منهم تخرج الفتنة ، وإليهم تأوي

__________________

(1) نهج البلاغة ـ قصار الحكم 4 : 647.


الخطيئة ؛ يردّون من شذّ عنها فيها ، ويسوقون من تأخّر عنها إليها. يقول الله تعالى : فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنة تترك الحليم فيها حيران ، وقد فعل ، ونحن نستقيل الله عثرة الغفلة » (1) .

إنّ الإسلام العظيم الذي ارتضاه الله دينا لجميع البشرية أينما كانوا لا صلاح ولا سعادة ولا استقرار من دونه ، وقد يأتي زمان على المسلمين فينحرفون عنه ، ولا يبقى منه إلاّ اسمه ، وذلك أسوأ الأزمان وأكثرها قتاما.

3 ـ قال عليه‌السلام :

« يأتي على النّاس زمان عضوض (2) ، يعضّ الموسر فيه على ما في يديه ولم يؤمر بذلك ، قال الله سبحانه ( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) . تنهد فيه الأشرار ، وتستذلّ الأخيار ، ويبايع المضطرّون ، وقد نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيع المضطرّين » (3) .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الملاحم والمغيّبات التي أدلى بها الإمام عليه‌السلام ، وقد تحقّقت على مسرح الحياة ، وبها نطوي الحديث عن هذا الكتاب الذي هو جزء من موسوعة حياته.

__________________

(1) نهج البلاغة ـ قصار الحكم 4 : 183.

(2) العضوض : الشديد.

(3) نهج البلاغة ـ قصار الحكم 4 : 461.


المحتويات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 3

تقديم 5

العلم والتّعليم 7

الإشادة بالعلم : 9

1 ـ علم النحو 17

2 ـ علم الفقه 20

3 ـ علم تفسير القرآن 21

4 ـ علم الفلك والحساب 22

مقدار قطر الشمس : 24

مسألة الجمال : 24

5 ـ علم الحيوان 25

6 ـ علم الكلام 33

7 ـ علم الطبيعة ـ الفيزياء 35

8 ـ الكهرباء 36

9 ـ علم الطبّ 37

10 ـ علم الجيولوجيا 41

11 ـ علم الفلسفة 42

الملاحم والمغيّبات 45

الّتي اخبر عنها الإمام 45

إخباره بقتل الحسن عليه‌السلام 52

إخباره بقتل الحسين عليه‌السلام 53

إخباره بعدد الجيش الذي جاء لنجدته 60

إخباره بشهادة كوكبة من أصحابه 61


إخباره عن شهادته 80

ما يجري على الحجر الأسود 84

إخباره عن شهداء فخّ 85

إخباره عن شهادة ذي النفس الزكية 86

إخباره عن شهادة إبراهيم 87

تبشيره بالإمام المهدي عليه‌السلام 89

مع أعشى باهلة 93

مع جندب الأزدي 94

مع المبايعين للضبّ 96

مع ذي الثدية 97

إخباره بحكومة مروان وأولاده 100

إخباره عن ملك معاوية 102

إخباره عن استيلاء الأمويّين على الحكم 103

ظلم الأمويّين وجورهم 105

مع جيشه المتخاذلين 106

ظلم الحجّاج وجوره 107

المقتولون من أصحابه 109

والناجون من الخوارج 109

مقتل زرعة 110

عدم نهاية الخوارج 111

خلافة عبد الملك 112

ثورة ابن الزبير 113

المختار رحمه‌الله 115

انقراض دولة بني اميّة 116

حكومة بني العباس 117


شخص يريد الاحتيال على الإمام 118

إخباره بمجيء ألف لمبايعته 119

الصليب في عنق معاوية 120

البشارة بمولد الإمام زين العابدين عليه‌السلام 121

مقتل الإمام الرضا عليه‌السلام 122

مدينة بغداد 123

عدد ملوك بني العبّاس 124

فتنة الزنج 128

حكومة بني بويه 130

دولة المغاربة 131

الثورة في طبرستان 132

حكومة القرامطة 133

التتر 134

الفتن بعد وفاته 137

أحداث آخر الزمان 139

المحتويات 141


موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

مؤلف: باقر شريف القرشي
الناشر: مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلاميّة
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 143