موسوعة الإمام أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجزء 9
مؤلف: باقر شريف القرشيأمير المؤمنين عليه السلام
ISBN: 964-94388-6-3
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ )
البقرة : 213
( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )
النساء : 58
( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ )
المائدة : 49
( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ )
ص : 26
تقديم
(1)
الإسلام لطف من الله على عباده ، ونور يهديهم للتي هي أقوم ، يقيم أودهم ، ويصلح شئونهم ، وينشر الأمن والاستقرار في نواديهم ومجتمعاتهم.
إنّ رسالة الإسلام بمحتوياتها وبنودها المشرقة تستهدف رفع مستوى الإنسان في سلوكه وتهذيبه وأخلاقه ، وتبعده عن جميع منشئات التخلّف ، وتنشئه نشأة صالحة كريمة يسودها الوعي والقيام بما عليه من حقوق وواجبات اتجاه نفسه واسرته ومجتمعه ، ولا يتردّى في مجاهل الحياة البائسة القاتمة التي تحوطها الفوضى والنزاع والخصومات ، والتي يعيش فيها ابن آدم المجهود المكدود على أعصابه يطارده الرعب ، وينهش جسمه الفقر والحرمان.
(2)
ولم تشرّع الأديان السماوية والمذاهب الاجتماعية فيما قنّنته من أحكام لصالح الإنسان في جميع قضاياه وشئونه ، وإنّما تبنّت بعض جوانب الحياة ، ولم تستوعبها بصورة دقيقة وشاملة.
أمّا الإسلام ـ والحمد لله ـ فقد تبنّى فيما شرّعه من أحكام تكليفيّة ووضعيّة جميع شئون الإنسان ، ووضع لها الحلول الحاسمة التي تحسم الداء ، وتقضي على جميع مشاكل الإنسان وأزمات حياته ، ولا تدع أية ثغرة يسلك فيها لإفساد مجتمعه إلاّ سدّها وقضى عليها.
(3)
وكان من أروع ما قنّنه الإسلام في الاصلاح الاجتماعي والفردي أنّه ربط بين الجماعات الإسلامية ربطا وثيقا ، فآخى بين المسلمين ، وجعل الرابطة الإسلامية أقوى من رابطة النسب والدم ، فجعل المسلم أخا المسلم بجميع ما تنشده هذه الكلمة من معنى ، فأمر كلّ مسلم أن يخلص في الحبّ لأخيه المسلم كما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، وجعل المسلم أخا المسلم عينه ودليله.
ومن المؤكّد إذا سادت هذه الروح الطيّبة بين المسلمين فلا يعقل بأي حال من الأحوال أن تحدث بين المسلمين النزاعات والخصومات ، ولا بدّ أن تغلق أبواب المحاكم ، ويلقى الستار على مكاتب المحامين.
(4)
ولمّا أقام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دولته الكبرى في يثرب شكّل مجلس القضاء في جامعه الأعظم لأنّه جزء من رسالته الخالدة الهادفة إلى صيانة الحقوق ، وضمان مصالح الناس ، وسيادة العدالة الاجتماعية في البلاد.
وكان النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه يتولّى القضاء بين الناس ويحكم فيهم بما أنزل الله تعالى ، وقد وضع اسس القضاء وطوّر أساليبه ، وأحكم بحوثه ، ونصّ على وظيفة
المدّعي والمنكر ، وغير ذلك ممّا يتّصل به من شئون ، ويعدّ ذلك من أروع ألوان التطوّر في الحياة الإنسانية.
(5)
أمّا القضاء الإسلامي ـ بحسب ما قنّن فيه من قيم وبحوث ـ فهو من ذخائر الفكر الإسلامي ، ويعتبره علماء القانون من المناجم التي يقتبسون منها ، ويشرّعون من أحكامه ، فقد أخذت منه اوربا وغيرها الكثير من الأحكام السائدة في محاكمهم وكلّياتهم المتخصّصة في هذا الموضوع.
وكان من أروع ما امتاز به القضاء الإسلامي استقلاله وعدم خضوعه لأيّة سلطة في جهاز الدولة ، وأنّه يجب على جميع الأجهزة أن تخضع لما يصدره من أحكام ومقرّرات ، وأنّ المرجع الأعلى في الدولة يجب عليه أن يحضر أمام القضاء إذا اقيمت عليه دعوى من بعض المواطنين ، وليس له أيّة حصانة.
(6)
وليس السبب في روعة القضاء الإسلامي وأصالته استقلاله وعدم خضوعه وارتباطه بأيّة سلطة من جهاز الدولة ، وإنّما لما احيط به من أحكام ، قنّنت في منتهى الدقّة والإحكام ، مضافا إلى ما حوته مصادر القضاء من آداب وتعاليم تتعلّق بالقضاة من حيث طاقاتهم العلمية ، وأن يكونوا في أرقى المستويات من حيث النزاهة والعدالة ، فإذا لم تتوفّر فيهم هذه الصفات فليس لهم من سبيل للتصدّي لهذه الوظيفة التي يجب أن تناط بأفضل أهل العلم كفاءة وتحرّجا في الدين.
(7)
والشيء المحقّق أنّ صلاح الامّة بجميع شرائحها منوط بصلاح القضاء ، الذي فيه يسود الأمن ، ويحسم الاعتداء والظلم ، وتنشر العدالة في البلاد ، وأمّا إذا فسد القضاء وخضع للمؤثّرات الخارجية فإنّ الامّة تشيع فيها الجريمة ، وتصاب بشلل فكري واجتماعي ، وتسود فيها الفوضى واللاّمبالاة ولا يأمن أي فرد على نفسه وعرضه وماله.
إنّ فساد القضاء من أقسى الكوارث وأمرّ الخطوب التي تحلّ بالمجتمع ، فإنّه يفقد الأمن والاستقرار ، ويفقد جميع مقوّمات الحياة ، وقد اهتمّ الإسلام اهتماما بالغا بصلاح القضاء وسلامته من كلّ زيغ وانحراف.
(8)
وموضوع هذا الكتاب التحدّث عن قضاء الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، وإنّما ذكرنا الفصول المتقدّمة تمهيدا أو استطرادا ـ كما يقول علماء الاصول ـ للبحث عن قضاء الإمام عليهالسلام ، فقد برز على مسرح القضاء الإسلامي كألمع شخصية علمية موهوبة عرفها التاريخ الإسلامي في فنّ القضاء وغيره من البحوث الفقهية.
لقد كان الإمام الملهم العظيم أوّل من وضع معظم اسس القضاء ، وميّز بين الحقّ والباطل في دعوى المتخاصمين التي احيطت بكثير من الغموض والإبهام ، وقد استطاع بأروع الأساليب أن يكشف الحقّ ، ويزيح الالتباس ، الأمر الذي أثار إعجاب علماء القانون والقضاة ، ومنه استمدّوا الكثير من المعلومات في التمييز بين الدعاوى ومعرفة الحقّ فيها.
(9)
و تقلّد الإمام عليهالسلام منصب القضاء أيام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك حينما بعثه إلى اليمن ، ولم يختبره وذلك لعلمه به ، وإنّما نبّهه على أدب القضاء (1) فقال له :
« إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل ، فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء ».
قال الإمام :
« فما زلت قاضيا ، وما شككت في قضاء بعد » (2) .
وقد نبغ الإمام عليهالسلام في القضاء والفتيا ، ولم يضارعه أحد في هذه الظاهرة ، وقد قلّده النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وساما رفيعا وميّزه على بقيّة أصحابه فقال :
« أقضاكم عليّ ».
(10)
وأجمع الرواة على أنّ الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام كان المرجع الأعلى للقضاء والفتيا أيام حكومة الخلفاء لا يعدون رأيه فيما يقضي ويفتي به ، خصوصا في عهد عمر بن الخطّاب ، فقد شاعت كلماته : « لو لا عليّ لهلك عمر » ، وقال غير مرّة : « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، لقد اعترف عمر بتفوّق الإمام الملهم العظيم عليه وعلى
__________________
(1) الآداب السلطانية : 46.
(2) النظم الإسلامية : 319.
غيره في ميدان القضاء ، وغيره من بحوث الفقه ، ومن المؤكّد أنّه ليس أحد من الصحابة وغيرهم من يضارع الإمام في القضاء وغيره من مسائل الفقه.
(11)
وأثار إعجاب العلماء والمحقّقين من قدامى ومحدّثين روعة قضاء الإمام عليهالسلام ، وما فيه من أصالة وإبداع ، فألّفوا مجموعة من الكتب تناولت بصورة شاملة قضاءه في مختلف القضايا والشؤون منها ما يلي :
1 ـ كتاب قضايا أمير المؤمنين لمحمّد بن قيس البجلي ، وهو من أصحاب الإمام الصادق والكاظم عليهما السّلام (1) .
2 ـ كتاب قضايا الإمام أمير المؤمنين للمعلّى بن محمّد البصري (2) .
3 ـ عجائب أحكام الإمام عليهالسلام لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم (3) ، وهذه من المخطوطات ، ولعلّها توجد في بعض خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي وغيره.
4 ـ عجائب أحكام وقضايا ومسائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب العجيبة للإمام السيّد محسن الأمين ، طبعت عام 1366 ه.
5 ـ قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب للعلاّمة المحقّق الشيخ محمّد تقي التستري ، طبع بالمطبعة الحيدرية سنة 1373 ه.
__________________
(1) رجال النجاشي : 226.
(2) رجال النجاشي : 296.
(3) رجال النجاشي : 234. عجائب أحكام أمير المؤمنين : 31.
(12)
وحيث أنّا وفّقنا إلى دراسة ( حياة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ) فلا بدّ لنا من البحث عن قضائه ، الذي يمثّل سعة علومه ، وقدراته العلمية على حلّ المسائل المعقّدة التي يصعب على القضاة والحكّام حلّها وكشف ما فيها من التباس وغموض. ولا أدّعي أنّي قد ألممت في هذا الكتاب بجميع ما اثر عن هذا الإمام الملهم العظيم في مسائل القضاء ، فإنّ هذا أمر بعيد المنال.
(13)
يعرض هذا الكتاب في أوّل بحوثه إلى مدلول القضاء في اللغة والشرع ، وما يرتبط بذلك من بحوث ، كما يعرض إلى بعض أقضية الإمام في عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأيام الخلفاء ، وفي عهد حكومته.
ومن الجدير بالذكر أنّ قضاء الإمام عليهالسلام هو من ركائز الفقه الإسلامي الذي يتناول جميع متطلّبات الحياة وشئونها ، وقد برز فيه الإمام عليهالسلام ، فكان من عمالقته ومن منابعه ، ومنه استمدّ الفقهاء والعلماء في ما يفتون به.
(14)
وليس من الوفاء في شيء أن أنسى أو أغضّ النظر عن الجهود الخلاّقة التي أسداها إليّ أخي فقيد الإسلام الحجّة الشيخ هادي شريف القرشي نضّر الله مثواه ، فقد كانت له
آراؤه الوثيقة وملاحظاته القيّمة فيما ألّفته في أئمّة الهدى عليهمالسلام ، وقد تمنّيت أن يمثل هذا الكتاب أمامه مع بقيّة أجزاء موسوعة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام لينظر فيه ويصلح ما فيه من خلل ، ولكنّ الله تعالى بالغ أمره ، ولا رادّ لقضائه ، فقد اختطفته المنيّة برا تقيّا زكيّا حشره الله مع أوليائه ، وأثابه أجزل الثواب على ما أسداه عليّ من ألطاف ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وبهذا نطوي الحديث عن هذا التقديم.
النّجف الأشرف باقر شريف القريشى 27 / شعبان / 1420 هـ |
مدلول القضاء
لغة وشرعا
لعلّ من المفيد أن أعرض إلى مدلول القضاء في اللغة والشرع ، ثمّ أعرض إلى ما أثر عن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام من بحوث في هذا الموضوع.
في اللغة :
القضاء في اللغة الحكم ، وأصله قضاي مشتق من قضيت (1) ، نصّ على ذلك الجوهري ، ويستعمل القضاء في معان متعدّدة ، أمّا حقيقة بناء الاشتراك اللفظي ، وهو الوضع لمعان متعدّدة ، أو مجازا بناء على أنّه موضوع لمعنى واحد ، ويستعمل في غيره مجازا.
وهذه بعض المعاني التي استعمل فيها.
1 ـ الإمضاء : ومنه قوله تعالى : ( ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) (2) .
2 ـ البيان : ومنه قوله تعالى : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (3) ، أي يبين.
3 ـ الحكم والفعل : ومنه قوله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) (4) ، أي يحكم ويفعل.
__________________
(1) لسان العرب 15 : 186.
(2) يونس : 71.
(3) طه : 114.
(4) يونس : 93.
4 ـ العهد : ومنه قوله تعالى : ( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ ) (1) ، أي عهدنا.
5 ـ انصرم : يقال : انقضى الشيء انصرم (2) .
6 ـ الموت : يقال : قضى فلان نحبه ، أي مات ، وهو مجاز (3) .
7 ـ الخلق : ومنه قوله تعالى : ( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ) (4) ، أي خلقهنّ.
8 ـ الانتهاء من الشيء : يقال : فلان قضى حاجته ، أي انتهى منها.
9 ـ الأداء : يقال : قضى فلان دينه ، أي أدّاه.
10 ـ الحتم : ومنه قوله تعالى : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) (5) ، أي حتم (6) .
ونكتفي بهذه المعاني لكلمة القضاء ، وأفاد اللغويّون لها معاني اخرى (7) ، وهي إمّا معان مجازية أو من لوازم المعنى الأوّل وهو الحكم.
في الاصطلاح الشرعي :
أمّا القضاء في اصطلاح الفقهاء فقد أدلى بتعريفه الشهيد الأوّل رحمهالله قال : إنّ القضاء عبارة عن الولاية على الحكم في الدعاوى والمنازعات وفي الامور العامّة (8) ،
__________________
(1) الإسراء : 4.
(2) البستان : 169.
(3) البستان : 169.
(4) فصّلت : 12.
(5) الإسراء : 17.
(6) تاج العروس 10 : 296.
(7) لسان العرب 15 : 186. معجم متن اللغة 4 : 590.
(8) الدروس : 66.
ووافقه على ذلك الشهيد الثاني إلاّ أنّه خصّه بالدعاوى والمنازعات (1) ، وعرضت كتب المذاهب الإسلامية في الفقه إلى تحديد القضاء بتعاريف اخرى (2) ، وذكرها يستدعي الاطالة بلا فائدة.
القضاء في الجاهلية :
أمّا القضاء في أيام الجاهلية فقد كان العرب يتحاكمون فيما شجر بينهم من خلاف إلى رئيس القبيلة أو إلى كاهن أو إلى من عرف بأصالة الرأي وجودته ، ولكنّهم كانوا يحكمون حسب ما يرونه من دون أن يستندوا إلى قانون أو قواعد معروفة.
ولكن في مكّة تأسّس حلف الفضول ، وكان من أوّليات مبادئه على أن لا يظلم بمكّة غريب ولا حرّ ولا عبد حتى يأخذوا له بحقّه ويؤدّوا له ظلامته ، وهذا يعتبر تطوّرا هائلا في ميدان القضاء في العرف الجاهلي.
القضاء في الإسلام :
و لمّا أقام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم دولته العظمى في يثرب أقام مجلس القضاء في جامعه الأعظم ، وتولّى بنفسه الشريفة القضاء وفصل الخصومات ، كان من بينها أن شخصا من الأنصار قد اشترى بستانا من سمرة بن جندب ، وقد استثنى منها نخلة ، فكان سمرة يتعاهدها في معظم الأوقات من دون أن يستأذن من الأنصاري فارتاب منه ، فرفع أمره إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فبعث خلفه ، فلمّا مثل أمامه طلب منه حسم النزاع ، فلم يستجب له ، وعرض عليه أن يعوّضه عنها بستانا فأبى ، وضمن له أن يعطيه نخلة في الفردوس الأعلى فامتنع ، ولمّا أصر سمرة على العدوان التفت الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى
__________________
(1) المحاكمة في القضاء ـ محمّد حسين الحسني : 22
(2) تبصرة الحكّام 1 : 12. جامع العلوم في اصطلاحات الفنون 3 : 72. الفروق 4 : 53.
الأنصاري وقال له :
« اذهب فاقلعها وارم بها في وجهه ، فإنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » (1) .
هذه صورة رائعة من القضاء الإسلامي الذي يصون حقوق الناس ويضمن كرامتهم.
__________________
(1) الحضارة العربية الإسلامية ـ الدكتور الخربوطلي : 49.
اهمّيّة القضاء
و
شروط القضاة
نظر الإسلام بعمق وشمول إلى القضاء والقضاة فأولاهما المزيد من الأهمّية ، وذلك لما لهما من الأثر الفعّال إيجابا وسلبا على النظام الاجتماعي الذي يسود البلاد ، ونعرض ـ بإيجاز لهما ـ مع ما يرتبط بذلك من بحوث.
أهمّية القضاء :
أمّا القضاء فهو من أهمّ المراكز الحسّاسة في الدولة الإسلامية ، وإقامته من الواجبات على رئيس الدولة ، فإنّه ملزم بتنفيذها ، وقد تحدّث الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام مع شريح القاضي عن سموّ هذا المنصب ومدى أهمّيته قائلا :
« يا شريح ، قد جلست مجلسا لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ ، أو شقيّ » (1) .
إنّ منصب القضاء والقيام بمسئولياته وواجباته على الوجه الصحيح إنّما هو من وظائف الأنبياء وأوصيائهم ليحكموا بين الناس بالحقّ والعدل ، أمّا إذا تولّى هذا المنصب غيرهما ممّن لا دراية له بشئون القضاء أو لا حريجة له في الدين فإنّه شقي قد حاد عن الطريق القويم ، وعرّض البلاد للخطوب والأزمات.
وكان الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام يحتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط في قضاء شريح قاضي الكوفة ، فكان يأمره بعدم تنفيذ ما يقضي به حتى يعرضه عليه (2) ، خوفا من
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 3 : 4. وسائل الشيعة 18 : 7.
(2) فروع الكافي 7 : 407. وسائل الشيعة 18 : 6.
أن يكون قد جافى الواقع في ما قضى به.
مع القضاة :
و اشترط الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في القضاة أن يكونوا أفضل أبناء الأمّة تقوى وورعا وكمالا ونزاهة ، ولنستمع إلى ما جاء في عهده لمالك الأشتر من البنود المشرقة التي تخصّ القضاة ، قال عليهالسلام :
« ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ، ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحّكه الخصوم ـ أي لا تغضبه ، ولا يتمادى في الزّلّة ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأوقفهم في الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل.
ثمّ أكثر تعاهد قضائه ، وافسح له في البذل ما يزيل علّته ، وتقلّ معه حاجته إلى النّاس.
وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك ، فانظر في ذلك نظرا بليغا فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار ، يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدّنيا » (1) .
حفل هذا المقطع الشريف من عهد الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام لمالك الأشتر
__________________
(1) نهج البلاغة 3 : 63 ـ 64.
واليه على مصر بامور بالغة الأهمّية ، لم يحفل بمثلها أي نظام اجتماعي عرض لنظام الحكم والإدارة لقد نظر الإمام عليهالسلام بعمق وشمول إلى أهمّ جهاز في الدولة وهو القضاء ، فألزم أن يكون القضاة أفضل من في الرعية علما وتقوى وورعا ، وعليهم أن يتحمّلوا المسئوليات التالية :
1 ـ أن يكون القاضي واسع الافق ، لا يضيق من الدعاوى التي ترفع إليه ، ولا ينزعج ويتبرّم أمام المتخاصمين.
2 ـ أن لا يتمادى في الزلل ، وعليه أن يقف أمام الأحداث التي تعرض عليه بتبصّر وتروّ.
3 ـ عليه أن يتبع الحقّ إذا تبيّن له.
4 ـ أن يبتعد عن الطمع ، ولا تميل نفسه إلى حطام الدنيا.
5 ـ عليه أن ينظر في الدعاوى التي ترفع إليه نظرة فاحصة ، ويبذل قصارى فهمه فيها حتى يكون حكمه مصيبا.
6 ـ عليه أن يقف في الشبهات ، ولا يحكم حتى يتبيّن له الحقّ.
7 ـ أن يأخذ بحكمه بالحجج القاطعة.
8 ـ لا يملّ ولا يسأم من مراجعة المتخاصمين.
9 ـ أن يكون شديدا في جانب الحقّ ، ولا يميل لأي طرف من المتنازعين.
10 ـ أن لا يزدهيه إطراء الناس ، ولا يستميله إغراؤهم.
مسئوليات رئيس الدولة :
وأدلى الإمام عليهالسلام ـ في هذا المقطع ـ بعض المسئوليات التي تترتّب على رئيس الدولة تجاه القضاة وهي :
أوّلا : أن يتعاهد الأحكام التي تصدر من القضاة ، ويشرف بنفسه عليها لئلا تكون مجافية للعدل ، ومنافية لأحكام الإسلام.
ثانيا : أن يجزل لهم الرواتب الضخمة ، ويوسّع عليهم ، ولا يدع أي ظلّ للحاجة عليهم حتى يبتعدوا عن الرشوة التي هي من أهمّ الأسباب في فساد جهاز الحكم.
ثالثا : أن يقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ويظهر سموّ مكانتهم أمام المجتمع بحيث لا يدانيهم أي أحد من حاشيته وخاصّته في منزلتهم ، وبذلك يكسب القضاة الاستقلال وسموّ المكانة الاجتماعية.
أنواع القضاء :
أمّا القضاء فهو أنواع مختلفة بعضها حقّ ، وبعضها ضلال ، ومن أنواعها ما يلي :
1 ـ القضاء وفق الموازين الشرعية من قبل السلطان العادل ، وهو جائز بلا كلام.
2 ـ القضاء بغير علم ، وهو محرّم بلا خلاف ، وقد مرّ الإمام على قاض فقال له : « أتعرف النّاسخ من المنسوخ؟ » ، قال : لا ، فقال : « هلكت وأهلكت الخ » (1) .
3 ـ القضاء من قبل السلطان الجائر إذا كانت أحكامه مخالفة للشريعة الإسلامية ، وقد تواترت الأخبار بحرمته.
و يشير الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في حديثه التالي إلى ذلك ، قال عليهالسلام :
« إنّ النّاس آلوا بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ثلاثة : آلوا إلى عالم على هدى من الله قد أغناه الله بما علم عن غيره ، وجاهل مدّع للعلم لا علم له ، معجب بما عنده ، قد فتنته الدّنيا وفتن غيره ، ومتعلّم من عالم على سبيل هدى
__________________
(1) اصول الكافي 1 : 33. وسائل الشيعة 18 : 7.
من الله ونجاة ، ثمّ هلك من ادّعى وخاب من افترى » (1) .
شروط القضاة :
ولا يعيّن الشخص للقضاء إلاّ بعد أن تتوفّر فيه الصفات التالية وهي :
1 ـ الذكورة :
ويشترط في القاضي أن يكون رجلا ، ولا يجوز للسيّدات أن يتولّين القضاء ، فقد جاء في وصيّة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم للإمام أمير المؤمنين عليهالسلام النهي عن تولّي المرأة للقضاء (2) .
وليس ذلك طعنا في شخصية المرأة التي تحتلّ أسمى مكانة في الإسلام ، وإنّما القضاء مذهب حسّاس يستدعي الصرامة والشدّة ، وعدم الميول لأي جانب من المتخاصمين ، والمرأة بحسب تكوينها وذاتياتها ملهبة العواطف رقيقة القلب ، ولو لا رقّتها ورأفتها التي طبعت عليها لما تكوّن المجتمع الإنساني ، وهو مدين لعواطفها وتربيتها ، وهي لا تصلح للقضاء لا لنقصان في شخصيّتها واستهانة بها وإنّما لثقل هذا المنصب وحسّاسيّته كما ذكرنا.
2 ـ البلوغ :
و قد استدلّ لهذا الشرط بقوله عليهالسلام : « انظروا إلى رجل عرف حلالنا وحرامنا » ، وعنوان الرجل لا يشمل الصبي ، بالإضافة إلى رفع القلم عنه.
3 ـ العدالة :
من الشروط التي يجب أن تتوفّر في القاضي العدالة ، وهي صفة نفسية تقتضي
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 3 : 263. وسائل الشيعة 18 : 7.
(2) وسائل الشيعة 27 : 16.
أداء الواجبات الإلهية واجتناب المحرّمات ، فإذا لم يتمتّع القاضي بهذه الصفة فلا سبيل له لتولّي القضاء.
4 ـ الإسلام :
ويجب أن يكون القاضي مسلما ، واستدلّ عليه بقوله تعالى : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (1) ، ومن الطبيعي أن تولّي الكافر للقضاء يكون له سبيل على المؤمنين.
5 ـ الاجتهاد :
ولا بدّ أن يكون القاضي مجتهدا ومحيطا بالأحكام الشرعية لا عن تقليد وإنّما عن اجتهاد ، وهو استنباط الحكم الشرعي من أدلّته الأربعة ، وهي :
1 ـ الكتاب.
2 ـ السنّة ، ونعني بها فعل المعصوم وقوله وتقريره عند الشيعة الإماميّة.
3 ـ الإجماع.
4 ـ العقل.
فإذا لم يتوفّر أحد هذه الأدلّة للفقيه في إحدى المسائل ، فإنّه يرجع إلى ما تقتضيه الاصول العملية ، وهي :
1 ـ البراءة ، بقسميها العقلية والنقلية.
2 ـ الاستصحاب في الموضوعات والأحكام.
3 ـ التخيير.
4 ـ الاحتياط.
وتفصيل هذه الامور ، وما يعتبر فيها من الشروط قد تكفّلت بها كتب الاصول.
__________________
(1) النساء : 141.
هذه بعض الشروط التي ذكرت في كتب القضاء ، وهناك شروط اخرى كالحرية وطهارة المولد وغيرهما.
آداب القضاء :
أفاد الفقهاء في آداب القضاء امورا ترجع بعضها إلى صفات القاضي في حال حكمه وهي : أن لا يكون في حالة الحكم مشغول الفكر بامور الدنيا ، ولا بمرض يشغله عن الالتفات إلى الحكم وموازينه ، وأن لا يقضي وهو غضبان أو ضجر أو قلق ، وأن لا يكون بمدافع للأخبثين البول والغائط ، وأن يكون على سكينة ووقار ، وأن يساوي بين الخصمين.
في الرواية : أنّ يهوديا نازع الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في درع زعم أنّها له فحاكمه عند عمر ، فقال للإمام : قم يا أبا الحسن! مع خصمك ، فتأثّر الإمام عليهالسلام وبان الغضب على سحنات وجهه الشريف ، وبعد الفراغ من المحاكمة انبرى عمر فقال للإمام :
لقد بدى عليك الغضب لأنّي أمرتك بالمثول أمام القضاء مع خصمك اليهودي؟
فأجاب الإمام : « ليس الأمر كذلك ، ولكن لم تساو بيني وبين اليهوديّ ، فقد كنّيتني وقلت : يا أبا الحسن ولم تكنّ اليهوديّ » ، فانبهر عمر من ذلك ، لقد أظهر الإمام مدى تطوّر القضاء الإسلامي ، وضرب بذلك أمثلة في تحقيق القضاء للعدالة الاجتماعية وأصالته وأبعاده الفكرية وعمقه الحضاري.
وهناك شروط اخرى نصّ عليها السادة الفقهاء ، وبعضها قد ثبت بأدلّة التسامح في السنن (1) .
__________________
(1) المحاكمة في القضاء : 93.
راتب القاضي :
ذهب بعض الفقهاء إلى حرمة أخذ القاضي الاجور ، مستدلّين على ذلك بأنّ القضاء واجب عيني إذا انحصر في شخص ، أو كفائي إذا لم ينحصر فيه ، ولا يجوز أخذ الاجرة على الواجب ، وتتضاعف الحرمة إذا أخذ الاجرة من أحد المتخاصمين بأنّ بذل للقاضي ليحكم له بالحقّ أو بغيره فإنّه يكون من الرشوة التي هي الكفر بالله تعالى أو الشرك به كما في بعض الأخبار.
وللقاضي أن يأخذ راتبه من بيت مال المسلمين الذي اعدّ لمصالحهم ، وتفصيل هذه البحوث قد عرضها الفقهاء في رسائلهم وموسوعاتهم ، وقد أجرى الإمام لشريح 500 درهم في الشهر (1) .
عزل القاضي :
يعزل القاضي من منصبه إذا جافت أحكامه النصوص الشرعية بأن كانت مخالفة لها ، وكذلك يعزل ويعاقب إذا ثبت أنّه قد ارتشى أو مال إلى بعض المتخاصمين فحكم له ، وإن كان حكمه موافقا للواقع.
__________________
(1) أخبار القضاة 2 : 227.
قضاء الإمام
في عهد الرّسول والخلفاء
تقلّد الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام منصب القضاء في عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد رشّحه لهذا المنصب الحسّاس ، وقدّمه على بقيّة أصحابه وأبناء اسرته ، وذلك لعلمه بمواهبه وعبقرياته ، وإحاطته الكاملة بشئون الشريعة ، فهو باب مدينة علمه ، وأخوه ونفسه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى.
وكما كان الإمام عليهالسلام المرجع الأعلى للقضاء في عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كذلك كان في عهد الخلفاء ، فكانوا يفزعون إليه إذا ألمّت بهم مسألة لا يهتدون لحلّها ، وكان رأيه الحاسم في ما يقضي ويفتي به ونعرض لبعض نوادر قضائه في أيام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والخلفاء.
في عهد النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم
عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بالقضاء إلى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام حينما بعثه إلى اليمن ، فقال له الإمام :
« يا رسول الله ، إنّك تبعثني وأنا حديث السّنّ لا علم لي بالقضاء ».
فأجابه الرسول : « انطلق فإنّ الله سيهدي قلبك ، ويثبّت لسانك ».
قال الإمام : « فما شككت ـ أي بعد دعاء النبيّ ـ في قضاء بين اثنين » (1) .
يقول وكيع : أجلّ القضاة هو الإمام ؛ لأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم استعمله على القضاء في حياته (2) ، وقد اعجب النبيّ بقضائه ، فقال :
« الحمد لله الّذي جعل الحكمة فينا أهل البيت » (3) .
وهذه بعض القضايا التي قضى بها الإمام عليهالسلام في عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وهي :
1 ـ قصّة الغلام :
اشترك جماعة في شراء جارية وواقعوها في طهر واحد ، فحملت بغلام ، فلمّا وضعته ادّعى كلّ واحد أنّه ابنه ، فرفعوا أمرهم إلى الإمام عليهالسلام فقرع على الغلام
__________________
(1) أخبار القضاة 1 : 84.
(2) المصدر السابق 1 : 5.
(3) مناقب آل أبي طالب 2 : 355.
باسمهم ، فخرجت لأحدهم ، فالحق به الغلام ، وألزمه ثلثي الدية لصاحبيه ، وزجرهم عن مثل ذلك ، وعرض الحكم على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال مشيدا بقضاء الإمام عليهالسلام :
« الحمد لله الّذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود » (1) .
2 ـ زبية الأسد :
من القضايا التي حكم فيها الإمام عليهالسلام حينما كان في اليمن قصّة « زبية الأسد » التي وقع فيها جماعة وهلكوا ، وقد رويت هذه الحادثة بروايتين وهما :
الاولى : روى محمّد بن قيس عن الإمام الباقر عليهالسلام أنّ زبية حفرت لأسد فسقط فيها ، فازدحم الناس ينظرون إليه ، فوثب رجل على شفير الزبية فزلّت قدمه فتعلّق بآخر ، وتعلّق الآخر بثالث ، وتعلّق الثالث برابع ، فوقعوا جميعا في الزبية فافترسهم الأسد ، فهلكوا جميعا ، ورفع أمرهم ـ في شأن الدية ـ إلى الإمام عليهالسلام ، فقضى بأنّ على الأوّل ثلث الدية للثاني ، وعلى الثاني ثلثي الدية للثالث ، وعلى الثالث الدية الكاملة للرابع ، ونقل قضاء الإمام إلى الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فأشاد به وقال :
« لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء الله عزّ وجلّ ».
ولعلّ الوجه في هذا القضاء أنّ الرجل الأوّل سقط بنفسه وأسقط معه الثاني ، فلا دية له ؛ لأنّ هلاكه لم يستند إلى أحد ، وأمّا الثاني فكان هلاكه ـ احتمالا ـ مستندا إلى جذب الأوّل ، وسقوط الثالث والرابع عليه ، كما كان هو السبب في سقوط الآخرين ، فيكون ثلث قتله مستندا إلى الأوّل فله عليه الثلث ، وأمّا الثالث فإنّ هلاكه مستند إلى نفسه وإلى جذب الرابع ، فيكون له الثلثان على الثاني ، وأمّا الرابع فإنّ هلاكه مستند إلى الثالث فيكون عليه تمام الدية.
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 36. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 32.
الثانية : روى مسمع عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّ قوما احتفروا زبية للأسد باليمن ، فوقع فيها الأسد ، فازدحم الناس عليها ينظرون للأسد ، فوقع رجل فيها ، فتعلّق بآخر ، وتعلّق الآخر بآخر ، والآخر بآخر ، فجرحهم الأسد ، منهم من مات من جراحة الأسد ، ومنهم من اخرج فمات ، فتشاجروا في ذلك حتى آل الأمر إلى القتال ، فقال لهم الإمام عليهالسلام : « هلمّوا أقض بينكم ».
فقضى أنّ للأوّل ربع الدية ، وللثاني ثلث الدية ، وللثالث نصف الدية ، وللرابع الدية الكاملة ، وجعل ذلك على قبائلهم.
ولعلّ الوجه في ذلك أنّ للأوّل ربع الدية ؛ لأنّ موته يحتمل قد استند إلى أربعة أشياء :
أحدها : مزاحمة الناس له ، وثانيها : سقوط الثاني عليه ، وثالثها : سقوط الثالث عليه ، ورابعها : سقوط الرابع عليه.
وأمّا الثاني فله ثلث الدية ؛ لأنّه يحتمل استناد موته إلى ثلاثة امور : أحدها :
إسقاط الأوّل له ، والثاني : إسقاط الثالث عليه ، والثالثة إسقاط الرابع عليه.
وأمّا الثالث فله نصف الدية ؛ لأنّ موته يحتمل استناده إلى أمرين : الأوّل إسقاط الثاني له ، والثاني : سقوط الرابع عليه.
وأمّا الرابع فله تمام الدية ؛ لأنّ قتله كان مستندا إلى الثلاثة (1) .
3 ـ القارصة والقامصة والواقصة :
هذه حادثة قضى فيها الإمام عليهالسلام في حياة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أقرّ حكمه فيها ،
__________________
(1) هذا الجمع بين الخبرين ذكره القاضي نعمان المصري في دعائم الإسلام ، وذكر السيّد الأمين ما يقرب من ذلك.
وقد رويت بروايتين وهما :
الاولى : رواها الشيخ المفيد وهي : أنّ جارية حملت على عاتقها جارية عبثا ولعبا ، فجاءت جارية اخرى فقرصت الحاملة فقمصت لقرصتها فوقعت الراكبة ، فاندقّت وهلكت.
ورفع أمرها إلى الإمام عليهالسلام ، فقضى على القارصة بثلث الدية ، وعلى القامصة بثلثها ، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثا ، وعرض هذا الحكم على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فأقرّه وأمضاه (1) .
الثانية : روى الصدوق عن الأصبغ قال : قضى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في جارية ركبت جارية فنخستها جارية اخرى فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت ، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة (2) .
4 ـ جماعة وقع عليهم حائط :
سقط جدار على جماعة فقتلهم ، وكان فيهم امرأة مملوكة واخرى حرّة ، وكان للحرّة طفل وأبوه حرّ ، وللجارية المملوكة طفل من مملوك ، ولم يعرف الطفل الحرّ من الطفل المملوك.
وعرضت المسألة على الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام فقرع بينهما ، وحكم بالحرية لمن خرج عليه سهم الحرية منهما ، وحكم بالرقّ لمن خرج عليه سهم الرقّ ، ثمّ أعتقه ، وحكم بالميراث للحرّ ، وعرض الحكم على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأمضاه (3) ، فإنّه لا حلّ لهذه المسألة إلاّ بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل كما في الحديث ، هذه
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 16.
(2) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 28 ، وقد ناقش المحقّق التستري في سند الرواية.
(3) مناقب آل أبي طالب 2 : 354.
الحديث ، هذه بعض القضايا التي حكم فيها الإمام عليهالسلام في زمن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
الإمام عليهالسلام يصف قضاء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم :
تحدّث الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام عن قضاء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وكيفيّة حكمه بقوله :
« كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدّعي : ألك حجّة؟
فإن أقام بيّنة يرضاها ويعرفها أنفذ الحكم على المدّعى عليه ، وإن لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه بالله ما لهذا قبله ذلك الّذي ادّعاه ، ولا شيء منه ، وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شرّ قال للشّهود :
أين قبائلكما؟ فيصفان.
أين سوقكما؟ فيصفان.
أين منزلكما؟ فيصفان.
ثمّ يقيم الخصوم والشّهود بين يديه.
ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي والمدّعي عليه والشّهود ويصف ما شهدوا به ، ثمّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار ، ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه ، ثمّ يقول :
ليذهب كلّ واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما وأسواقهما ومحالّهما والرّبض (1) الّذي ينزلانه فيسأل عنها ، فيذهبان ويسألان فإن أتوا خيرا وذكروا فضلا رجعوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبراه ، أحضر القوم الّذين أثنوا عليهما ، وأحضر الشّهود ، فقال للقوم المثنين
__________________
(1) الربض : البيت الذي يقيمان فيه.
عليهما : هذا فلان ابن فلان ، وهذا فلان ابن فلان أتعرفونهما؟
فيقولون : نعم.
فيقول : إنّ فلانا وفلانا جاءني عنكما في ما بيننا بجميل وذكر صالح عنكما ، فإن قالوا : نعم قضى حينئذ بشهادتهما على المدّعى عليه ، فإن رجعا بخبر سيّئ وثناء قبيح دعا بهم.
فيقول : أتعرفون فلانا وفلانا؟
فيقولون : نعم.
فيقول : اقعدوا حتّى يحضرا ، فيقعدون فيحضرهما.
فيقول للقوم : أهما هما؟
فيقولون : نعم ، فإذا ثبت ذلك عنده لم يهتك سترا بشاهدين ، ولا عابهما ، ولا وبّخهما ، ولكن يدعو الخصوم إلى الصّلح ، فلا يزال بهم حتّى يصطلحوا لئلاّ يفتضح الشّهود ، ويستر عليهم ، وكان رءوفا رحيما عطوفا على امّته ، فإن كان الشّهود من أخلاط النّاس غرباء لا يعرفون ، ولا قبيلة لهما ولا سوق ولا دار أقبل على المدّعى عليه فقال : ما تقول فيهما؟ فإن قال ما عرفنا منهما إلاّ خيرا غير أنّهما قد غلطا في ما شهدا عليّ أنفذ شهادتهما وإن جرحهما وطعن عليهما أصلح بين الخصم وخصمه ، وأحلف المدّعى عليه ، وقطع الخصومة بينهما » (1) .
وهذا منتهى العدل في القضاء ، وعليه سار الإمام في قضائه وحكمه بين الناس.
__________________
(1) تفسير الإمام الحسن العسكري عليهالسلام : 302. وسائل الشيعة 18 : 174.
في عهد أبي بكر
وكما كان الإمام المرجع الأعلى للقضاء في أيام الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم فكذلك كان المرجع في عهد أبي بكر وغيره من الخلفاء ، وقد شجر خلاف بينه وبين أبي بكر في شأن فدك ، فعرض الإمام للحكم الشرعي فيها ، كما رفعت إليه بعض القضايا فحكم فيها ، وفي ما يلي ذلك :
1 ـ قصّة فدك :
قطع النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فدكا لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، وقد تصرّفت فيها في حياة أبيها ، وبعد وفاته أدّعى أبو بكر أنّها للمسلمين ، وطالب سيّدة النساء بالبيّنة ، فعرّفه الإمام عليهالسلام أنّ البيّنة وظيفة المدّعي لا المدّعى عليه ، والمطالب بها أبو بكر دون الزهراء حسبما تقتضيه القواعد الشرعية ، وهذا نصّ حديث الإمام معه :
قال الإمام لأبي بكر :
« أتحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ».
لا.
وانبرى الإمام يخاصمه بمنطقه الفيّاض قائلا :
« فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه وادّعيت أنا فيه ، من تسأل البيّنة على ما في يدي ...؟ ».
وطفق أبو بكر قائلا :
إيّاك كنت أسأل على ما تدّعيه على المسلمين ...
وراح الإمام يقيم الحجّة عليه قائلا :
« فإذا كان في يدي شيء فأدّعى فيه المسلمون تسألني البيّنة وقد ملكته في حياة الرّسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ ، كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم؟ ».
و ختم الإمام حديثه بقوله :
« قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : البيّنة على من ادّعى ، واليمين على من أنكر » (1) .
ووجم أبو بكر ولم يطق الجواب أمام هذه الحجّة الدامغة التي لا مجال للشكّ فيها.
2 ـ حكمه على شارب خمر لا يعلم بحرمته :
رفع إلى أبي بكر شخص قد شرب الخمر ، فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فقال له :
إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها ؛ لأنّي نشأت بين قوم يشربونها مستحلّين لها ، فارتج على أبي بكر ولم يهتد للحكم فيها ، فأشاروا عليه بسؤال الإمام عليهالسلام ، فأرسل إليه من يسأله عنها فأجابهم :
« مروا رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار يناشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التّحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله! فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم عليه الحدّ ، وإن لم يشهد عليه أحد بذلك فاستتبه وخلّ سبيله ».
__________________
(1) تفسير علي بن إبراهيم : 501. وسائل الشيعة 18 : 215.
ففعل أبو بكر ، فلم يشهد عليه أحد فخلّى سبيله واستتابه (1) .
3 ـ رجل احتلم بامرأة :
قال رجل لآخر : إنّي احتلمت بامّك ، فاستشاط غضبا وانتفخت أوداجه ، فاشتكى عليه عند أبي بكر ، فتحيّر في الجواب ، فرفع أمره إلى أمير المؤمنين عليهالسلام فقال له :
« اذهب به فأقمه في الشّمس ، وحدّ ظلّه ، فإنّ الحلم مثل الظّلّ ».
ما أروع هذا الجواب! فإنّ الأحلام لا يترتّب عليها أي أثر وضعي ، ثمّ التفت إليه وقال :
« سنضربه حتّى لا يعود يؤذي المسلمين » (2) .
إنّ ضربه لأجل نقل رؤياه إلى الشخص ـ وكان ذلك إهانة واعتداء عليه ـ فهو يستحقّ التأديب لهذه الجهة هذه بعض النوادر التي قضى فيها الإمام عليهالسلام في عهد أبي بكر.
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 356. الإرشاد 1 : 107 وغيرها.
(2) مناقب آل أبي طالب 2 : 356.
في عهد عمر
نقل الرواة كوكبة من الدعاوى والمسائل المعقّدة رفعت إلى عمر بن الخطّاب فحار في جوابها ، ولم يهتد لحلّها ، ففزع إلى باب مدينة علم النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فعرضها عليه فأجابه عنها جوابا حاسما على ضوء الشريعة الإسلامية ، وبهر عمر وراح يبدي إعجابه بمواهب الإمام وعبقرياته بهذه الكلمات :
لو لا عليّ لهلك عمر.
لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
ما من قضية إلاّ وأبو الحسن لها.
ونعرض لبعض تلك المسائل التي عرضها عمر على الإمام فأجابه عنها :
1 ـ قصّة قدامة بن مظعون :
روى المؤرّخون أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر ، فأراد عمر أن يقيم عليه الحدّ ، فقال له قدامة : لا يجب عليّ الحدّ.
فقال عمر : لم؟
فقال : إنّ الله تعالى يقول : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) (1) ، فدرأ عمر عنه الحدّ ، وبلغ ذلك
__________________
(1) المائدة : 93.
الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام فأنكر على عمر درأه الحدّ عن قدامة ، وقال له :
« لم تركت إقامة الحدّ على قدامة في شرب الخمر ...؟ ».
فأجابه عمر أنّه تلا عليّ الآية ـ المتقدّمة ـ ، فأوضح الإمام له الحكم في المسألة قائلا :
« ليس قدامة من أهل هذه الآية ، ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم الله ، إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات لا يستحلّون حراما ، فاردد قدامة واستتبه ممّا قال ، فإن تاب فأقم عليه الحدّ ، وإن لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملّة ».
وعرف عمر الصواب في كلام الإمام عليهالسلام ، فبعث خلف قدامة فأظهر التوبة ، فدرأ عمر عنه القتل ، ولم يدر كيف يقيم عليه الحدّ ، فاستشار الإمام عليهالسلام فقال له :
« حدّه ثمانون » ، فحدّه عمر ثمانين (1) .
2 ـ اتّهام امرأة بريئة بالبغاء :
روى الإمام أبو عبد الله عليهالسلام قال :
اتي بجارية إلى عمر بن الخطّاب قد شهدوا عليها أنّها بغت ، وكان من قصّتها أنّها كانت عند رجل ، وكان كثير السفر ، فشبّت الجارية فخافت زوجته أن يتزوّجها زوجها ، فدعت جماعة من النساء فأمسكنها ، وأخذت عذرتها باصبعها ، فلمّا قدم زوجها من سفره رمت زوجته الجارية بالفاحشة ، وأقامت البيّنة من جاراتها على ذلك ، فرفع الرجل أمرها إلى عمر بن الخطّاب فلم يدر كيف يصنع.
ثمّ أخذ الجارية والرجل والنساء إلى الإمام عليهالسلام ، وعرض عليه الأمر ، فقال
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 366.
الإمام عليهالسلام لامرأة الرجل :
« ألك بيّنة أو برهان؟ ».
قالت : لي شهود جاراتي يشهدن عليها بما أقول.
فأمر الإمام عليهالسلام بإحضارهنّ ، فلمّا مثلن أمامه أخرج السيف من غمده ووضعه بين يديه ، ثمّ دعى بزوجة الرجل ، فأصرّت على قولها ، فردّها إلى البيت ثمّ دعى إحدى النساء ، وجثا على ركبتيه ، وقال لها :
« أتعرفينني؟ أنا عليّ بن أبي طالب ، وهذا سيفي ، وقد قالت امرأة الرّجل ما قالت ، ورجعت إلى الحق ـ أي إلى الحبس ـ وأعطيتها الأمان ، فإن لم تصدقيني لأملأنّ السّيف منك ».
والتفت المرأة إلى عمر فقالت له : الأمان على الصدق ، فأجابها الإمام : « فاصدقي ».
قالت : لا والله! إنّها ـ أي زوجة الرجل ـ رأت جمالا وهيئة ، فخافت فساد زوجها فسقتها المسكر ودعتنا فأمسكناها ، فافتضّتها باصبعها ، وراح الإمام يقول :
« الله أكبر أنا أوّل من فرّق بين الشّهود إلاّ دانيال النّبيّ ».
وألزم المرأة حدّ القذف ، وألزمهنّ جميعا العقر ، وجعل عقرها أربعمائة درهم ، وأمر المرأة أن تنفى عن الرجل ويطلّقها ، وزوّجه الجارية (1) .
3 ـ امرأة تتّهم فتى بالاعتداء على كرامتها :
من روائع أقضية الإمام عليهالسلام أنّ امرأة كانت مغرمة بحبّ فتى من الأنصار ، وكان
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 216. من لا يحضره الفقيه 3 : 12. وسائل الشيعة 18 : 202.
عفيفا شريفا ، فامتنع من إجابتها ، فلمّا أيست من إجابته عمدت إلى بيضة فصبّت بياضها على ثيابها وبين فخذيها ، ومضت إلى عمر ، فقالت له :
إنّ هذا الفتى أخذني في موضع وفضحني.
فهمّ عمر أن يعاقب الأنصاري ، ولمّا رأى الأنصاري ما أراده عمر جعل يتوسّل إليه ويطلب منه التثبّت في أمره ، فالتفت عمر إلى الإمام عليهالسلام وقال له : ما ترى يا أبا الحسن؟
فنظر الإمام إلى البياض على ثوب المرأة فارتاب منه ، فأمر بإحضار ماء قد اغلي غليانا شديدا ، فأحضروه له ، فأخذ الإمام الماء وصبّه على موضع البياض ، فصار بياضا ، فأخذ منه الإمام شيئا ووضعه في فيه فاستبان له الأمر ، وأقبل على المرأة فاعترفت بذلك (1) ، وكان ذلك من روائع أقضيته عليهالسلام .
4 ـ فتى يدّعي على امرأة أنّها امّه وهي تنكره :
من بدائع قضاء الإمام عليهالسلام أنّ غلاما ادّعى على امرأة أنّها امّه ، وهي تنكره ، وقد رفع أمره إلى عمر ، فأمر بإحضار المرأة ، فجاءت ومعها اخوان أربعة ، وأربعون قسامة يشهدون أنّها لا تعرف الغلام ، وأنّه مدّع غشوم ظلوم يريد أن يفضحها بين اسرتها ، وأنّ المرأة لم تتزوّج قطّ ، فالتفت الإمام عليهالسلام ـ وكان حاضرا ـ إلى عمر فقال له :
« أتأذن لي أن أقضي بينهم ...؟ ».
فانبرى عمر قائلا :
سبحان الله! كيف لا ، وقد سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « أعلمكم عليّ بن أبي طالب ... ».
__________________
(1) التهذيب 6 : 304. وسائل الشيعة 18 : 206. الطرق الحكمية ـ ابن القيم : 47.
والتفت الإمام إلى المرأة فقال لها :
« ألك شهود ...؟ ».
نعم.
وتقدّم الشهود فشهدوا ، فالتفت الإمام عليهالسلام إلى الحاضرين وقال لهم :
« لأقضينّ اليوم بينكم بقضيّة هي مرضاة الرّبّ من فوق عرشه علّمنيها حبيبي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ».
ثمّ التفت إلى المرأة فقال لها :
« ألك وليّ ...؟ ».
نعم ، هؤلاء اخوتي ..
ووجّه الإمام قوله إلى اخوتها فقال لهم :
« أمري فيكم وفي اختكم جائز ...؟ ».
نعم.
« اشهد الله واشهد من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم ، والنّقد من مالي. يا قنبر ، عليّ بالدّراهم ».
ومضى قنبر فأحضر الدراهم فصبّها في يد الغلام ، وأمره الإمام أن يدفعها إلى المرأة ، ولا يأتي إلاّ وعليه أثر العرس ـ يعني الغسل ـ فقام الغلام وصبّ الدراهم في حجر المرأة وأمرها بالقيام معه ، وفزعت المرأة وصاحت :
النار ، النار يا ابن عمّ محمّد! تريد أن تزوّجني من ولدي هذا والله! ولدي ، زوّجني اخوتي هجينا ، فولدت منه هذا ، فلمّا ترعرع وشبّ أمروني أن أنتفي منه
وأطرده ، وهذا والله ولدي (1) .
5 ـ امرأة تزوّجت بشيخ فمات :
رفعت إلى عمر امرأة تزوّجها شيخ ، وبعد أن قاربها توفّي فحملت منه ولدا ، فلمّا وضعته ادّعى بنوه أنّها فاجرة ، وشهدوا عليها ، فأمر عمر برجمها ، فمرّ بها الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام وهي تستغيث فقالت له :
يا ابن عمّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ! أنّ لي حجّة.
فأمر بإحضارها ، فدفعت له ورقة قد سجّل فيها يوم زواجها ويوم وفاته ، فأمر عليهالسلام بإحضارهم ، وأجّلهم إلى اليوم الثاني فحضروا فيه ، ودعا الإمام عليهالسلام بصبيان ومعهم الولد ، وقال لهم : العبوا ، ثمّ أمرهم بالجلوس ، ثمّ أمرهم ثانيا بالقيام فقاموا ، وقام معهم الغلام متّكئا على راحتيه ، فدعا به الإمام عليهالسلام فورّثه من أبيه وجلد اخوانه فبهر عمر وقال :
كيف صنعت ...؟
فقال عليهالسلام :
« عرفت ضعف الشّيخ في اتّكاء الغلام على راحتيه » (2) .
وهو استنتاج بديع ، فإنّ الطفل خاضع لعوامل الوراثة والتي منها ضعف الأب وقوّته.
6 ـ امرأتان تنازعتا في طفل :
تنازعت امرأتان في طفل ادّعت كلّ واحدة أنّه ابنها ، وقد رفعتا أمرهما إلى
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 423. وسائل الشيعة 18 : 206.
(2) التهذيب 6 : 304. من لا يحضره الفقيه 3 : 15. وسائل الشيعة 18 : 207.
عمر فحار في الجواب ، ففزع إلى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما عقاب الله ، فلم تستجيبا له ، فقال عليهالسلام :
« ائتوني بمنشار ».
فقالت المرأتان : ما تصنع به؟
فقال عليهالسلام :
« أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه ».
فسكتت إحداهما وانبرت الاخرى بفزع فقالت :
الله ، الله يا أبا الحسن! إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها ، ورفع الإمام صوته قائلا :
« الله أكبر! هذا ابنك دونها ، ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت ».
واعترفت الاخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها وأنّ الولد لها دونها (1) .
7 ـ مجنونة بغت :
رفعت امرأة مجنونة إلى عمر قد فجر بها رجل ، وقامت البيّنة عليها فأمر بجلدها ، فمرّ بها الإمام عليهالسلام ، فسأل عن أمرها ، فاخبر بشأنها ، فقال عليهالسلام :
« ردّوها إلى عمر ، وقولوا له : إنّ هذه مجنونة آل فلان ، وإنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق ، وإنّها مغلوبة على عقلها ونفسها ».
فردّوها إليه ، فدرأ عنها الحدّ (2) .
__________________
(1) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 68. وسائل الشيعة 18 : 212.
(2) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 97. وسائل الشيعة 18 : 316. الغدير 6 : 130.
8 ـ إقامة حدود مختلفة على خمسة زناة :
رفع إلى عمر خمسة زناة ، فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ ، فقال الإمام عليهالسلام : « يا عمر ، ليس هذا حكمهم ».
فطلب عمر منه أن يقيم عليهم الحدّ ، فقدّم واحدا منهم فضرب عنقه ، وقدّم الثاني فرجمه ، وقدّم الثالث فضربه الحدّ ، وقدّم الرابع فضربه نصف الحدّ ، وأمّا الخامس فعزّره ، فبهر عمرو قال :
يا أبا الحسن ، خمسة نفر في قضيّة واحدة ، أقمت عليهم خمسة حدود ليس منها يشبه الآخر ...؟
فأجابه الإمام :
« أمّا الأوّل فكان ذمّيا وخرج ـ أي بجريمته ـ عن ذمّته ، وأمّا الثّاني فرجل محصن فكان حدّه الرّجم ، وأمّا الثّالث فغير محصن فحدّه الجلد ، وأمّا الرّابع فعبد وحدّه نصف الحدّ ، وأمّا الخامس فمجنون مغلوب على عقله » (1) .
9 ـ امرأة اضطرّت إلى الزنا :
جاءت امرأة إلى عمر فقالت له : إنّي فجرت فأقم فيّ حدّ الله ، فأمر برجمها ، وكان الإمام حاضرا ، فقال له :
« سلها كيف فجرت؟ ».
فقالت : كنت في فلاة من الأرض فأصابني عطش شديد ، فقصدت خيمة فأصبت فيها رجلا اعرابيا ، فسألته الماء فأبى أن يسقيني إلاّ أن امكّنه من نفسي ،
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 265. وسائل الشيعة 18 : 350.
فولّيت منه هاربة ، فاشتدّ بي العطش حتى غارت عيناي وذهب لساني ، فلمّا بلغ منّي ذلك أتيته فسقاني ، ووقع عليّ ، فقال الإمام عليهالسلام :
« هذه هي الّتي قال الله عزّ وجلّ : ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) ، هذه غير باغية ، ولا عادية فخلّ سبيلها ».
فقال عمر : لو لا عليّ لهلك عمر (1) .
10 ـ حدّ من غاب عن زوجته :
جيء برجل من أهل منى فجر بامرأة بالمدينة ، فأمر عمر برجمه ، فردّ عليه الإمام عليهالسلام وقال :
« لا يجب عليه الرّجم ؛ لأنّه غائب عن أهله ، وأهله في بلد آخر ، إنّما يجب عليه الحدّ ».
فقال عمر : لا أبقاني الله لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن (2) .
11 ـ السارق :
اتي بسارق إلى عمر فأمر بقطع يده ، ثمّ سرق ثانيا فأمر بقطع رجله ، ثمّ سرق فأراد قتله ، فقال له الإمام :
« لا تفعل ، قد قطعت يده ورجله ، ولكن احبسه » (3) .
وفي رواية أنّه أمر بحبسه ويطعم من فيء المسلمين.
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 4 : 25. وسائل الشيعة 18 : 384. الطرق الحكمية ـ ابن قيم الجوزية : 53. كنز العمّال 3 : 96.
(2) مناقب آل أبي طالب 2 : 360.
(3) المصدر السابق 2 : 363.
12 ـ أمانة لرجلين :
استودع رجلان أمانة عند امرأة من قريش ، وقالا لها : لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه حتى يكون معه ، فلبثا حولا فجاء أحدهما فقال لها : إنّ صاحبي قد توفّي فادفعي لي الأمانة ، فأبت من دفعها إليه وقالت : إنّكما شرطتما عليّ أن لا أدفعها إلى واحد منكما حتى يكون معه صاحبه ، فأخذ يتضرّع إليها ويتوسّل حتى استجابت له ، ودفعت إليه الأمانة ، وبعد حول جاء صاحبه فطالبها بالأمانة فقالت له : إنّ صاحبك زعم أنّك قد متّ فدفعتها إليه ، فخاصمها إلى عمر بن الخطّاب ، فقالت له : انشدك الله أن ترفعنا إلى عليّ ، فرفعهما إليه ، وعلم الإمام أنّها مكيدة ، فقال له :
« أليس قد قلت مع صاحبك أن لا تدفعها إلى واحد منكما دون صاحبه؟ ».
فقال : نعم.
فأجابه الإمام :
« مالك عندي ، قم وأحضر صاحبك حتّى أدفعه لكما » (1) .
فانهزم الرجل وولّى خائبا ، وهذا غاية ما يتصوّر من الذكاء والعبقرية في تفرّس الإمام وقضائه.
13 ـ رجم الحامل :
رفعت إلى عمر امرأة حامل قد زنت فأمر برجمها ، فانبرى الإمام عليهالسلام منكرا عليه هذا الحكم قائلا :
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 370. من لا يحضره الفقيه 3 : 10. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 63 ، نقلا عن الأذكياء ـ ابن الجوزي : 32.
« هب لك سبيل عليها ، فأيّ سبيل لك على ما في بطنها ، والله يقول :
( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ».
و راح عمر يبدي إعجابه بالإمام قائلا :
لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ...
ثمّ التفت إلى الإمام قائلا :
ما أصنع بها يا أبا الحسن؟
وبيّن الإمام له الحكم قائلا :
« احتط عليها حتّى تلد ، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم الحدّ عليها » (1) .
14 ـ شراء إبل :
أمر عمر وهو بمنى أنسا أن يشتري له إبلا فاشتراها له ، وكان عليها أحلاس وأقتاب ، فأرادها عمر ، فامتنع عليه الاعرابي ، وقال :
إنّما بعتك الإبل مجرّدة عليها.
و تحاكما عند الإمام ، فقال :
« إن كنت اشترطت عليه أقتابها وأحلاسها فهي لك ، وإن لم تشترط فهي له ».
فقال عمر : لم اشترط ، فأمر عمر بدفع الأقتاب والأحلاس للاعرابي (2) .
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 4 : 28. وسائل الشيعة 18 : 381. وقريب منه في الرياض النضرة 2 : 196. الإرشاد ـ المفيد : 109.
(2) مناقب آل أبي طالب 2 : 363.
15 ـ قسمة مال الفيء :
جيء لعمر بمال فقسّمه بين المسلمين ، ففضلت منه فضلة ، فاستشار أصحابه فيها فأشاروا عليه بأخذها لأنّها لو قسّمت بين المسلمين لم يصبهم منها إلاّ اليسير ، فأنكر الإمام ذلك ، وقال لعمر :
« أقسمها عليهم ، أصابهم من ذلك ما أصابهم ، فالقليل في ذلك والكثير سواء » (1) .
وكانت هذه السياسة المشرقة في تقسيم أموال الفيء هي التي سار عليها الإمام حينما آلت الخلافة إليه ، فإنّه لم يترك قليلا ولا كثيرا في بيت المال إلاّ وزّعه على المسلمين ، ولم يصطف لنفسه ولا لأهله أي شيء منه.
16 ـ امراة مطلّقة في الجاهلية والإسلام :
سأل رجل عمر فقال له : إنّي طلّقت امرأتي في الشرك تطليقة ، وفي الإسلام تطليقتين فما ترى؟ وحار عمر في الجواب ، وانتظر قدوم الإمام ، فلمّا حضر عرض عليه الأمر ، فقال له :
« هدم الإسلام ما كان قبله ».
ولم يرتّب أي أثر على الطلق في الجاهلية (2) .
17 ـ امرأة تسقط حملها فزعا من عمر :
نقل الرواة أنّ امرأة مشهورة بالبغاء ، فبلغ ذلك عمر فبعث خلفها ، ففزعت
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 364.
(2) مناقب آل أبي طالب 2 : 364. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 66. الإرشاد ـ المفيد : 109. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 51.
كأشدّ ما يكون الفزع ، وألقت حملها ، وتوفّي بعد وضعه ، فلمّا مثلت أمام عمر وأخبر بقصّتها قال له بعض جلسائه : ما عليك من هذا شيء.
وقال بعضهم : سلوا أبا الحسن.
فعرضوا عليه الأمر فلامهم على ما أفتوا به ، وقضى عليهالسلام أنّ الدية تكون على عمر (1) ؛ لأنّه السبب في ترويعها وإسقاطها للجنين.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض القضايا التي حكم فيها الإمام عليهالسلام في عهد عمر ، وقد حكت مدى سعة علومه ، وإحاطته الكاملة في شئون القضاء الذي خفي على الكثير من الصحابة فلم تكن لهم أيّة دراية فيه ، وكانوا يتخبّطون خبط عشواء في ما يفتون ويقضون به ، وقد عرض لذلك بصورة شاملة ابن الجوزي في كتابه « السياسة الشرعية ».
__________________
(1) قضاء الإمام عليهالسلام : 43 ، نقلا عن الكليني ، وقريب منه جاء في جمع الجوامع 7 : 300.
وفي العلم : 146. وفي الغدير 6 : 119. الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 109.
روايات موضوعة
ولا بدّ أن نقف وقفة قصيرة أمام بعض الروايات التي حكت بعض قضايا الإمام عليهالسلام في عهد عمر ، ولا نصيب لها من الصحّة ؛ لأنّ الحكم الصادر من الإمام فيها لا يتّفق مع القواعد الشرعية التي هي مستمدّة من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، وفي ما يلي ذلك :
1 ـ رجل تزوّج بامرأة في عدّتها :
روى مسروق أنّ امرأة تزوّجت في عدّتها ، فحكم عمر بأنّ صداقها يكون من بيت المال ، ويفرّق بينهما ، فبلغ ذلك الإمام عليهالسلام فقال :
« لها المهر بما استحلّ من فرجها ، ويفرّق بينهما ، فإذا انقضت عدّتها فهو خاطب من الخطّاب ».
فبلغ ذلك عمر ، فقال : ردّوا الجهالات إلى السنّة ، ولم يأخذ بقول عليّ (1) .
وهذه الرواية مخالفة للقواعد الشرعية وذلك أنّ الحكم فيها أنّها تحرم على زوجها حرمة مؤبّدة إن كان قد دخل بها ، ولا يكون خاطبا لها بعد انقضاء العدّة ، كما حكت الرواية ذلك ، كما أنّ مهرها يكون على الزوج لا من بيت المال ، كما حكم بذلك عمر.
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 361. أحكام القرآن ـ الجصّاص 1 : 504.
2 ـ غلام فجر بامرأة :
امرأة فجر بها غلام ، فأمر عمر برجمها ، فقال الإمام عليهالسلام :
« لا يجب الرّجم ، إنّما يجب الحدّ ؛ لأنّ الّذي فجر بها ليس بمدرك » (1) .
وهذه الرواية مجافية للسنّة ، فإنّ المرأة يقام عليها الحدّ ( الرجم ) إن كانت محصنة ، والجلد إن لم تكن محصنة ، من دون فرق بين أن يكون الواطئ لها بالغا أم لا. نعم ، الصبي لا يقام عليه الحدّ فقد رفع عنه القلم وإنّما يؤدّب (2) ، هذا ما تقتضيه القواعد الشرعية.
3 ـ غلام أسود انتفى منه أبوه :
رفع إلى عمر رجل ومعه ابنه وهو أسود نفاه منه ، فأراد عمر أن يعزّره ـ ولا نعلم وجه التعزير ـ وكان الإمام حاضرا فقال للرجل : « هل جامعت امّه في حيضها؟ ». قال : نعم.
قال : « فلذلك سوّده الله » (3) .
وهذه الرواية لا يمكن الحكم بصحّتها ، فإنّ الحائض إذا قاربها زوجها لا تحمل منه ، وإنّما الحمل يكون بعد فترة من طهرها حسب ما أعلنه الطبّ الحديث.
4 ـ امرأة تشبّهت بأمة رجل :
تشبّهت امرأة بأمة رجل ونامت في فراشه ليلا فواقعها وهو يظنّ أنّها جاريته ،
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 2 : 360.
(2) اللمعة الدمشقية ـ كتاب الحدود 9 : 16. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 54.
(3) مناقب آل أبي طالب 2 : 363. وقريب منه في الطرق الحكمية : 47. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 40.
فرفع أمره إلى عمر فأرسله إلى الإمام عليهالسلام فقال :
« اضرب الرّجل حدّا في السّرّ ، واضرب المرأة حدّا في العلانية » (1) .
وهذا الحكم مخالف للقواعد الشرعية ، فإنّ الحكم في أنّ الرجل لا شيء عليه ؛ لأنّ وطأه للجارية وطء شبهة ، نعم على المرأة الحدّ رجما إن كانت محصنة ، وجلدا إن كانت غير محصنة.
نصيحة الإمام لعمر :
زوّد الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام عمر بن الخطّاب بنصيحة قيّمة في ما يتعلّق بالقضاء وغيره هذا نصّها :
« ثلاث إن حفظتهنّ وعملت بهنّ كفتك ما سواهنّ ، وإن تركتهنّ لم ينفعك شيء سواهنّ ».
قال : وما هنّ يا أبا الحسن؟ قال :
« إقامة الحدود على القريب والبعيد ، والحكم بكتاب الله في الرّضا والسّخط ، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود ».
وبهر عمر وراح يقول : لعمري! لقد أوجزت وأبلغت (2) .
وهذه البرامج اسس العدل الإسلامي التي تضمن النجاح لزعيم الدولة إن سار على ضوئها وطبّقها على شعبه.
__________________
(1) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 33. الحقّ المبين في أحكام قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام ـ ذبيح الله محلاتي : 81. علي عليهالسلام والخلفاء ـ نجم الدين العسكري : 262 ، نقلا عن غاية المرام : 536. بحار الأنوار 9 : 248.
(2) فروع الكافي 7 : 413. التهذيب 4 : 226. وسائل الشيعة 18 : 156.
في عهد عثمان
ونقل الرواة بعض البوادر النادرة في قضاء الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في عهد عثمان بن عفّان عميد الاسرة الأموية ، ويعود السبب في قلّتها إلى أنّ عثمان قد احتفّ به الأمويون وأحاطوا به ، وحرفوه عن الإمام عليهالسلام فلم يحفل برأيه ، ولم يأخذ بقضائه ، وهذه بعض أقضية الإمام في هذا العهد.
1 ـ مكاتبة زنت :
بغت أمة مكاتبة قد تحرّر ثلاثة أرباع منها ، وبقي ربع منها رقّا ، فسأل عثمان الإمام عن حكمها ، فقال :
« يجلد منها بحساب الحرّيّة ، ويجلد منها بحساب الرّقّ ».
و وجّه عثمان السؤال إلى زيد بن ثابت فقال له : يجلد منها بحساب الرقّ فقط ، فردّ عليه الإمام قائلا :
« كيف تجلد بحساب الرّقّ وقد اعتق منها ثلاثة أرباعها؟ وهلاّ جلدتها بحساب الحرّيّة ، فإنّها فيها أكثر ».
فقال زيد : لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية. فقال له الإمام :
« أجل ، ذلك » ، فأفحم زيد ، وخالف عثمان رأي الإمام وأخذ برأي زيد (1) .
__________________
(1) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 101. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 68. وسائل الشيعة 18 : 405.
2 ـ شيخ حملت منه امرأته :
تزوّج شيخ كبير بامرأة فحملت منه ، فزعم الشيخ أنّه لم يصل إليها ، وأنكر حملها ، ورفع أمره إلى عثمان ، فالتبس عليه الأمر ، فأمر بإقامة الحدّ عليها ، وكان الإمام حاضرا فأنكر على عثمان فتواه ، وقال له :
« إنّ للمرأة سمّين سمّ للمحيض ، وسمّ للبول ، فلعلّ الشّيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سمّ المحيض فحملت منه ، فاسألوا الرّجل عن ذلك ».
فسألوه فقال : قد كنت انزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض ، فقال الإمام :
« الحمل له والولد ولده » ، فصار عثمان إلى قضائه (1) .
3 ـ امرأة ولدت لستّة أشهر :
تزوّج رجل امرأة من جهينة فولدت له ولدا لستّة أشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم ، فبلغ ذلك الإمام عليهالسلام فسارع إلى عثمان فقال له :
« ما تصنع؟ ليس ذلك ـ أي الرجم ـ عليها ، قال الله تبارك وتعالى :
( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (2) ، وقال : ( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) (3) ، فالرّضاعة أربعة وعشرون شهرا ، والحمل ستّة أشهر ».
فاعتذر عثمان وقال : والله! ما فطنت لهذا ، وأمر بها أن تردّ ، فسارعوا إليها
__________________
(1) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 113. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 42.
(2) الأحقاف : 15.
(3) البقرة : 233.
ووجدوها قد رجمت ، وقد قالت لاختها : يا اخيّة ، لا تحزني فو الله! ما كشّف فرجي أحد قطّ غيره.
وعلّق المحقّق الأميني على هذه الحادثة بقوله : إن تعجب فعجب أنّ إمام المسلمين لا يفطن لما في كتاب الله العزيز ممّا تكثر حاجته إليه في شتّى الأحوال ، ثمّ يكون من جرّاء هذا الجهل أن تؤذّى بريئة مؤمنة وتتّهم بالفاحشة ، ويهتك ناموسها بين الملأ وعلى رءوس الأشهاد (1) .
4 ـ تزوّج يحيى بصفيّة :
و كانا من السبي وزنت فولدت غلاما ، فادّعى الزاني ويحيى ، كلّ منهما ، أنّه ابنه ، ورفعا أمرهما إلى عثمان ، فلم يعلم الحكم ورفع أمرهما إلى الإمام فقال :
« أقضي فيهما بقضاء رسول الله : الولد للفراش وللعاهر الحجر ».
وجلد كلّ واحد خمسين (2) .
__________________
(1) الغدير 8 : 97. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 41.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1 : 104. تفسير ابن كثير 1 : 478.
قضاؤه
في ايّام حكومته
وحينما تزيّنت الخلافة الإسلامية بالإمام أمير المؤمنين عليهالسلام رائد الحقّ والعدالة في دنيا الإسلام تولّى عليهالسلام بنفسه شئون القضاء بين الناس ، بالاضافة إلى مسئولياته الاخرى ، وكان يعهد بالقضاء إلى شريح القاضي ، ولكن يأمره بعرض ما يقضي به عليه لئلاّ يكون مجافيا لأحكام الإسلام.
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى كيفيّة قضائه ، وما يرتبط بذلك من بحوث ، كما نعرض إلى صور مشرقة من قضائه ، التي هي في منتهى الروعة والابداع ، وفي ما يلي ذلك :
كيفيّة قضائه :
كان الإمام عليهالسلام إذا عرضت عليه دعوى لا يرتّب أي أثر على أوّل كلام أحد المتخاصمين ما لم ينته من كلامه ، وحينئذ ينظر في معطياته (1) ، كما كان لا يحكم لأحد المتخاصمين من دون أن يسأل الآخر في ما أدلى صاحبه من كلام ، وقد عهد إليه النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، فقد قال له حينما بعثه لتبليغ سورة براءة :
« إنّ النّاس سيتقاضون إليك ، فإذا أتاك الخصمان فلا تقض لواحد حتّى تسمع من الآخر فإنّه أجدر أن تعلم الحقّ » (2) .
__________________
(1) وسائل الشيعة 18 : 458.
(2) تفسير العيّاشي 2 : 75.
وقال له حينما بعثه إلى اليمن :
« إذا تحوكم إليك فلا تحكم لأحد الخصمين من دون أن تسأل من الآخر » (1) .
وهذا أرقى صور العدل الذي يضمن حقوق الناس.
تناقض الشهادة :
كان الإمام عليهالسلام إذا تناقضت شهادة الشاهد يأخذ بأوّل كلامه دون الآخر ، وقد أوصاه النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك ، فقد قال له :
« من شهد عندنا ثمّ غيّر أخذناه بالأوّل ، وطرحنا الأخير » (2) .
وبهذا تصان الحقوق ، ويعمّ العدل ، وتسود العدالة.
عقاب شاهد الزور :
كان الإمام عليهالسلام ينكّل بشاهد الزور ، فيبعث به إلى سوقه ، ويأمر فيطاف به ، فيحبسه أياما ويخلّي سبيله (3) ، وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليهالسلام :
« إنّ شهود الزّور يجلدون جلدا ليس له وقت ، ذلك إلى الإمام ، ويطاف بهم حتّى يعرفهم النّاس ».
وتلا قوله تعالى : ( « وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا » ) (4) .
__________________
(1) عيون أخبار الرضا عليهالسلام 2 : 65.
(2) التهذيب 6 : 239.
(3) التهذيب 6 : 280. وسائل الشيعة 18 : 244.
(4) النور : 4 و 5.
فقيل له : بم تعرف توبته؟ قال :
« يكذّب نفسه على رءوس الأشهاد حيث يضرب ، ويستغفر ربّه عزّ وجلّ ، فإذا هو فعل ذلك فثمّ ظهرت توبته » (1) .
شهادة من اقيم عليه الحدّ :
أمّا شهادة من اقيم عليه الحدّ من حيث القبول والرفض ، فهي على قسمين حسب رأي الإمام عليهالسلام وهما :
الأوّل : أن يكون من اقيم عليه الحدّ قد أظهر التوبة ، وأقلع عن ذنبه ، فإنّ شهادته تقبل ، قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام :
« ليس يصيب أحد حدّا فيقام عليه ثمّ يتوب إلاّ جازت شهادته » (2) .
الثاني : أن يكون المقام عليه الحدّ مصرّا على جرائمه ، فلا تقبل شهادته.
قال الإمام عليهالسلام لسلمة بن كهيل :
« واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض ، إلاّ مجلودا في حدّ لم يتب منه ، أو معروف بشهادة الزّور » (3) .
رجوع الشاهد عن شهادته :
كان الإمام عليهالسلام يغرّم الشاهد إذا رجع عن شهادته بعد إصدار الحكم وتنفيذه ، فقد شهد عنده رجلان على رجل أنّه سرق فقطع يده ، ثمّ جاءوا برجل آخر فقالوا :
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 3 : 27. وسائل الشيعة 18 : 244. التهذيب 6 : 221.
(2) فروع الكافي 7 : 397. التهذيب 6 : 245.
(3) وسائل الشيعة 18 : 295.
أخطأنا ، هو هذا ، فلم يقبل شهادتهما وغرّمهما دية الأوّل (1) .
و شهد عنده أربعة رجال على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها وهم ينظرون ، فرجم ، ثمّ رجع واحد منهم ، قال :
« يغرّم ربع الدّية إذا قال : شبّه عليّ ، وإذا رجع اثنان وقالا : شبّه علينا غرّما نصف الدّية ، وإن رجعوا كلّهم وقالوا : شبّه علينا غرّموا الدّية » (2) .
إقامة الحدود فورا :
كان الإمام عليهالسلام يقيم الحدود فورا ولا يؤخّرها ، فقد شهد عنده ثلاثة أشخاص على رجل بالزنا ، فقال لهم :
« أين الرّابع؟ »
فقالوا : الآن يجيء.
فقال عليهالسلام : « حدّوهم ، فليس في الحدود نظر ساعة » (3) ، وبهذا تصان الحقوق ، ويرتدع عن غيّه كلّ باغ أثيم.
عدم إقامة الحدّ على من به قروح :
كان الإمام عليهالسلام لا يقيم الحدّ على من به قروح حتى يبرأ ، فقد رفع إليه رجل في جسده قروح كثيرة ، وعليه حدّ فقال : « أقرّوه (4) حتّى تبرأ ، لا تنكأوها عليه فتقتلوه » (5) . ومثّل هذا الاجراء رحمة
__________________
(1) التهذيب 6 : 219.
(2) وسائل الشيعة 18 : 243.
(3) من لا يحضره الفقيه 4 : 24. فروع الكافي 7 : 210.
(4) وفي الفروع : « أخّروه ».
(5) فروع الكافي 7 : 244. من لا يحضره الفقيه 4 : 27. وسائل الشيعة 18 : 321.
الإسلام ورأفته على الإنسان ، وعدم القسوة في إقامة الحدود.
شهادة الصبيان :
أجاز الإمام عليهالسلام شهادة الصبيان إذا كبروا ، ولم ينسوها (1) ، واثر عنه أنّ شهادة الصبيان بيان جائزة بينهم ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا إلى أهلهم (2) .
شهادة المملوك :
أجاز الإمام عليهالسلام شهادة المملوك إذا كان عدلا (3) ، من دون فرق بينه وبين الحرّ ، وبذلك فقد ساوى الإسلام بين المسلمين ، ولم يميّز فئة على اخرى.
شهادة النساء :
أجاز الإمام عليهالسلام شهادة النساء في الامور التالية :
1 ـ إذا اعتدى شخص على إنسان فقتله ، ولم يكن هناك أحد إلاّ النساء ، فتجوز شهادتان.
قال الإمام عليهالسلام : « لا يبطل دم امرئ مسلم » (4) .
2 ـ أجاز الإمام عليهالسلام شهادة النساء في ما لا يجوز شهادة الرجل فيه ، وكان من ذلك أنّ جماعة أتوا بامرأة بكر زعموا أنّها زنت ، فأمر النساء بفحصها ، فنظرن إليها فقلن : هي عذراء ، وقال : « ما كنت لأضرب من عليها خاتم من الله » ، وكان يجيز شهادة النساء في مثل ذلك (5) .
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 3 : 28. وسائل الشيعة 18 : 252.
(2) من لا يحضره الفقيه 3 : 27. وسائل الشيعة 18 : 253.
(3) فروع الكافي 7 : 389.
(4) فروع الكافي 7 : 390. التهذيب 6 : 266. وسائل الشيعة 18 : 258.
(5) فروع الكافي 7 : 404. وسائل الشيعة 18 : 261.
3 ـ حضر رجلا الوفاة ، ولم يكن هناك أحد يوصي إليه بما أهمّه سوى امرأة ، فقضى الإمام عليهالسلام بجواز شهادتها ، ولكن في ربع الوصيّة (1) .
4 ـ وأجاز الإمام عليهالسلام شهادة المرأة في النكاح إذا شهدت أنّ شخصا عقد على امرأة (2) .
الإقرار أربعا في ثبوت الزنا :
وكما يثبت الزنا بشهادة أربعة رجال كذلك بإقرار الزاني أربع مرّات ، وقد اثرت عن الإمام عليهالسلام في ذلك حادثتان وهما :
الاولى :
أنّ امرأة أتت الإمام عليهالسلام فقالت له : طهّرني طهّرك الله ، فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع ، فالتفت إليها الإمام قائلا :
« ممّا اطهّرك؟ ».
إنّي زنيت.
« أنت ذات بعل؟ ».
نعم ، ذات بعل.
« أفحاضرا كان بعلك أم غائبا؟ ».
بل حاضرا.
فأمرها الإمام عليهالسلام بالانصراف إلى بيتها حتى تضع حملها ، فلمّا وضعت حملها ، أسرعت إلى الإمام عليهالسلام وطلبت منه أن يطهّرها ، وكرّر عليها ما قاله لها أوّلا ، وأمرها أن ترضع ولدها حولين كاملين ، فانصرفت.
__________________
(1) التهذيب 6 : 136. وسائل الشيعة 18 : 263.
(2) وسائل الشيعة 18 : 263.
فقال الإمام عليهالسلام : « اللهمّ إنّهما شهادتان ».
و لمّا مضى الحولان بادرت المرأة إلى الإمام وطلبت منه أن يطهّرها ، فسألها كما سألها أوّلا ثمّ أمرها بالانصراف حتى تكفل ولدها ، ويعقل ما يتصرّف به ، فانصرفت وهي باكية.
فقال الإمام عليهالسلام : « هذه ثلاث شهادات ». والتقى بالمرأة عمرو بن حريث المخزومي ، فقال لها : ما يبكيك يا أمة الله! وقد رأيتك تختلفين إلى عليّ تسألينه أن يطهّرك؟
فقالت : إنّي أتيت أمير المؤمنين أن يطهّرني ، فقال : اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح ، ولا يتهوّر في بئر ، وقد خفت أن يأتي عليّ الموت ولم يطهّرني؟
فقال لها عمرو : ارجعي إليه فأنا أكفله.
فرجعت فأخبرت الإمام عليهالسلام بذلك ، وأقرّت مرّة رابعة ببغيها ، فقال الإمام :
« اللهمّ إنّه قد ثبت عليها أربع شهادات » وقام برجمها (1) .
الحادثة الثانية في هذا الموضوع أنّ رجلا قصد الإمام عليهالسلام فقال له : إنّي زنيت فطهّرني.
فقال له الإمام : « ممّن أنت؟ ».
قال : من مزينة.
قال : « أتقرأ من القرآن شيئا؟ ».
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 185. وسائل الشيعة 18 : 377. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 88. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 26.
قال : بلى ، وأمره بالقراءة فقرأ وأجاد ، فقال له الإمام :
« أبك جنّة؟ ».
قال : لا ، فأمره بالانصراف حتى يسأل عنه ، فذهب الرجل ثمّ عاد إلى الإمام وطلب منه أن يطهّره ، فسأله الإمام هل له زوجة مقيمة معه في البلد ، فقال : نعم ، فأمره بالانصراف ، وبعث إلى قومه فسألهم عنه ، فقالوا : إنّه صحيح العقل ، ثمّ رجع إليه في الثالثة وأقرّ باقترافه للزنا ، فأمره بالانصراف ثمّ رجع إليه فأقرّ بالرابعة ، فأوعز الإمام إلى قنبر بالاحتفاظ به ، ثمّ أمر برجمه (1) .
الحدود تدرأ بالشّبهات :
كان الإمام عليهالسلام يدرأ الحدّ إذا حامت حوله شبهة والتبس الأمر ، فقد قال عليهالسلام : « ادرءوا الحدود بالشّبهات » (2) .
لا يقيم الحدّ من عليه الحدّ :
كان الإمام عليهالسلام يرى أن لا يقيم أحد الحدّ على غيره وعليه الحدّ ، فقد نقل الرواة أنّ امرأة أقرّت على نفسها بالزنا أربع مرّات أمام الإمام عليهالسلام ، فأمر قنبرا بجمع الناس ، فلمّا اجتمعوا قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :
« أيّها النّاس ، إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظّهر ـ يعني ظهر الكوفة ـ ؛ ليقيم عليها الحدّ إن شاء الله ، فعزم عليكم أمير المؤمنين لمّا خرجتم وأنتم متنكّرون ومعكم أحجاركم ، لا يتعرّف منكم أحد إلى
__________________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم : 451. فروع الكافي 7 : 188. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام :90 ـ 91. قضاء أمير المؤمنين عليه السلام : 25.
(2) المقنع : 147. وسائل الشيعة 18 : 399.
أحد ، فانصرفوا إلى منازلكم إن شاء الله ».
فانصرف الناس فلمّا أصبح الصبح خرج بالمرأة ، وخرج الناس معه متنكّرين متلثّمين ، والحجارة في أيديهم وأرديتهم وفي أكمامهم ، وانتهوا إلى ظهر الكوفة ، وحفر للمرأة حفيرة وضعها فيها ، ونادى في الناس :
« أنّ الله عهد إلى نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم عهدا عهده محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم إليّ بأن لا يقيم الحدّ من لله عليه حدّ ، فمن كان عليه مثل ما عليها فلا يقم عليها الحدّ ».
فانصرف الناس كلّهم ما خلا الإمام وولديه الحسن والحسين ، فأقاموا عليها الحدّ (1) .
الإمام مع شريح :
كان الإمام عليهالسلام جالسا في جامع الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة ، فقال له الإمام : هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة ، فطلب عبد الله منه أن يحضر أمام القضاء ، فاستجاب الإمام عليهالسلام ، ولمّا مثل أمام القاضي شريح ، قال الإمام :
« هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة ».
فطلب منه شريح البيّنة ، فأتاه الإمام بالإمام الحسن عليهالسلام فشهد أنّ الدرع لطلحة ، فقال شريح : هذا شاهد واحد ، ولا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر ، فدعا الإمام قنبرا فشهد أنّ الدرع لطلحة ، فرفض شريح شهادته ، وقال : إنّه مملوك ، فغضب الإمام عليهالسلام وقال لعبد الله :
« خذوا الدّرع فإنّ هذا قد قضى بجور ثلاث مرّات ».
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 185. من لا يحضره الفقيه 4 : 22. وسائل الشيعة 18 : 341.
وبهر شريح وقال : لا أقضي حتى تخبرني كيف قضيت بجور ثلاث مرّات؟
فأجابه الإمام :
« إنّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة فقلت : هات على ما تقول بيّنة ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حيث ما وجد غلول اخذ بغير بيّنة ، فقلت : رجل لم يسمع الحديث ، فهذه واحدة. ثمّ أتيتك بالحسن شاهدا فشهد ، فقلت : هذا واحد ، ولا أقضي بشهادة واحد حتّى يكون معه آخر. وقد قضى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بشهادة واحد ويمين. فهاتان اثنتان. ثمّ أتيتك بقنبر فشهد أنّها درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة فقلت : هذا مملوك ، ولا بأس بشهادة المملوك إذا كان عادلا ، ويلك! إنّ إمام المسلمين يؤتمن من امورهم على ما هو أعظم من هذا » (1) .
القرعة :
من الأمارة التي كان يحكم بها الإمام عليهالسلام ( القرعة ) وذلك في ما إذا أشكل الأمر وتعارضت البيّنات التي يعتمد عليها في القضاء وغيره ، فالقاعدة التي يحسم بها النزاع هي القرعة ، فهي لكلّ أمر مشكل ـ كما في الحديث ـ ، وكان من مواردها
أنّ رجلين اختصما في دابة إلى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام فزعم كلّ واحد منهما أنّها نتجت عنده على مذوده ، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة على دعواه ، فأقرع الإمام بينهما سهمين ، وعلّم كلّ واحد منهما بعلامة ، ثمّ قال :
« اللهمّ ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرضين السّبع وربّ العرش العظيم ، عالم الغيب والشّهادة الرّحمن الرّحيم ، أيّهما كان صاحب الدّابّة هو أولى
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 485. من لا يحضره الفقيه 3 : 63 ـ 64.
بها ، فأسألك أن تقرع ويخرج اسمه ».
وخرج اسم أحدهما فقضى له بها.
ونظير هذه المسألة حدثت فحكم الإمام بالقرعة ، وعلّق الشيخ الطوسي رحمهالله على ذلك بقوله الذي اعتمده في الجمع بين هذه الأخبار هو أنّ البيّنتين إذا تقابلتا فلا تخلو أن تكون مع أحدهما يد متصرّفة أو لم تكن ، فإن لم تكن يد متصرّفة وكانتا خارجتين فينبغي أن يحكم لأعدلهما شهودا ويبطل الآخر ، فإن تساويا في العدالة حلف أكثرهما شهودا ، وهو الذي تضمّنه خبر أبي بصير.
وما رواه السكوني من القسمة على عدد الشهود ، فإنّما هو على وجه المصالحة والوساطة بينهما دون مرّ الحكم ، وإن تساوى عدد الشهود اقرع بينهم ، فمن خرج اسمه حلف بأنّ الحقّ حقّه.
وإن كان مع إحدى البيّنتين يد متصرّفة ، فإن كانت البيّنة إنّما تشهد له بالملك فقط دون سببه انتزع من يده واعطي اليد الخارجة ، وإن كانت بيّنته بسبب الملك إمّا بشرائه وإمّا نتاج الدابة إن كانت دابته أو غير ذلك ، وكانت البيّنة الاخرى مثلها ، كانت البيّنة التي مع اليد المتصرّفة أولى.
فأمّا خبر إسحاق بن عمّار أنّ من حلف كان الحقّ له ، وإن حلفا كان الحقّ بينهما نصفين فمحمول على أنّه إذا اصطلحا على ذلك ؛ لأنّا بيّنا الترجيح بكثرة الشهود أو القرعة إلخ (1) .
الدعوى على الأخرس :
جاء شخص بأخرس ادّعى أنّ له عليه دينا ـ ولم يكن للمدّعي بيّنة ـ إلى الإمام
__________________
(1) وسائل الشيعة 18 : 186 ـ 187.
أمير المؤمنين ، فقال الإمام :
« الحمد لله الّذي لم يخرجني من الدّنيا حتّى بيّنت للامّة جميع ما تحتاج إليه » ، ثمّ قال : « ائتوني بمصحف » ، فاتي به ، فقال للأخرس : « ما هذا؟ » ، فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنّه كتاب الله عزّ وجلّ ، ثمّ أمر بإحضار وليّه فاحضر ، ثمّ قال : « يا قنبر ، عليّ بدواة وصحيفة ».
فاتي بهما ، ثمّ قال لأخي الأخرس :
« هذا ـ أي عليّ ـ بيني وبينك » ، وكتب : « والله الّذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشّهادة الرّحمن الرّحيم ، الطّالب الغالب الضّارّ النّافع الملك المدرك الّذي يعلم السّرّ والعلانية أنّ فلان ابن فلان المدّعي ليس له قبل فلان بن فلان ـ يعني الأخرس ـ حقّ ولا طالبه بوجه من الوجوه ، ولا بسبب من الأسباب ».
ثمّ غسله وأمر الأخرس بشربه ، فامتنع فألزمه الدّين (1) .
حبس العلماء والأطباء :
كان الإمام عليهالسلام يأمر بحبس فسّاق العلماء وجهّال الأطباء ، قال عليهالسلام :
« يجب على الإمام أن يحبس الفسّاق من العلماء ، والجهّال من الأطبّاء » (2) ، وفي هذا الاجراء صيانة للعلم والصحّة العامّة ، فإنّ فسّاق العلماء أداة تخريب وفساد للمجتمع ، وكذلك جهّال الأطبّاء من الأسباب الموجبة لإشاعة الدمار والهلاك في المجتمع.
__________________
(1) التهذيب 6 : 319. من لا يحضره الفقيه 3 : 65.
(2) من لا يحضره الفقيه 3 : 20. وسائل الشيعة 18 : 221.
الحاكم الجائر :
حدّث الإمام عليهالسلام عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :
« يا عليّ ، إنّ ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه بسفّود من نار ، فينزع روحه فتصيح جهنّم ».
فانبرى الإمام قائلا :
« هل يصيب ذلك أحدا من أمّتك؟ ».
قال : « نعم ، حاكم جائر ، وآكل مال اليتيم ظلما ، وشاهد زور » (1) .
إنّ هذه الأصناف جديرة بعذاب الله والخلود في نار جهنّم ، فإنّها من أبرز أصناف الظالمين والمفسدين.
تحليف النصارى واليهود :
كان الإمام عليهالسلام إذا اقيمت دعوى على أحد من النصارى واليهود لا يحلّفهم في الأماكن المقدّسة في الإسلام كالجوامع ، وإنّما كان يأمر باستحلافهم في بيعهم وكنائسهم ، وأمّا المجوس فكان يحلّفهم في بيوت النار ، ويقول : « شدّدوا عليهم احتياطا للمسلمين » (2) ، وهو إجراء رائع ، فإنّهم لا يخضعون للمقدّسات الإسلامية ولا يؤمنون بها ، وإنّما يقيمون وزنا لمقدّساتهم.
الإمام يحبس ثلاثة أصناف :
كان الإمام عليهالسلام يأمر بحبس ثلاثة أصناف وهم :
__________________
(1) فروع الكافي 3 : 253. وسائل الشيعة 18 : 237.
(2) قرب الاسناد : 42. وسائل الشيعة 18 : 219.
1 ـ الغاصب.
2 ـ آكل مال اليتيم ظلما.
3 ـ المؤتمن على أمانة فينكرها (1) .
وكان يفتّش عن هؤلاء فإن وجد لهم أموالا باعها وأعطاها لهؤلاء ، كما قضى عليهالسلام في الدين أنّه يحبس صاحبه ، فإن تبيّن إفلاسه والحاجة فيخلّي سبيله حتى يستعيد ماله ، كما قضى عليهالسلام في الرجل يلتوي على غرمائه أنّه يحبس ، ثمّ يأمر بتقسيم أمواله بين غرمائه بالحصص ، فإن أبى باعه ، فقسّمه بينهم (2) .
من روائع قضائه :
نقل الرواة كوكبة رائعة من قضاء الإمام عليهالسلام توصّل فيها إلى تمييز الحقّ من الباطل في قضايا مبهمة ومعقّدة ، كان منها ما يلي :
1 ـ الشاب الذي يطالب بأموال أبيه :
رفع شاب شكواه إلى الإمام ومعه جماعة ، فقال للإمام : إنّ هؤلاء النفر خرجوا ومعهم أبي في السفر ، فرجعوا ولم يرجع أبي معهم ، فسألتهم عنه فقالوا : قد توفّي ، وسألتهم عن أمواله ، فقالوا : ما ترك مالا ، فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم ، فانبرى الإمام قائلا :
« والله! لأحكمنّ بينهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلاّ داود النّبيّ عليهالسلام ».
ثمّ أمر الإمام قنبر بإحضار شرطة الخميس ، فلمّا حضروا وكلّ بكلّ واحد منهم شرطيّا ، والتفت إليهم قائلا :
__________________
(1) وسائل الشيعة 18 : 181.
(2) وسائل الشيعة 18 : 180. التهذيب 6 : 232. من لا يحضره الفقيه 3 : 19.
« ما ذا تقولون؟ تقولون : إنّي لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى؟ إنّي إذا لجاهل ».
ثمّ أمر بتفريقهم وتغطية رءوسهم ، واقيم كلّ واحد منهم إلى اسطوانة من أساطين المسجد ، وقد غطّيت رءوسهم بثيابهم ، ثمّ دعا كاتبه عبيد الله بن رافع ، وأمره بإحضار صحيفة ودواة ، وجلس الإمام في مجلس القضاء ، وجلس الناس في مجلسه ، وقال لهم : إذا أنا كبّرت فكبّروا ، ثمّ دعا بواحد منهم وكشف الثوب عن وجهه ، وقال لعبيد الله كاتبه : « اكتب إقراره وما يقول » ، ثمّ أقبل على الرجل ، وقال له :
« في أيّ يوم خرجتم من منازلكم ، وأبو هذا الفتى معكم؟ ».
في كذا وكذا ، وعيّنه.
« في أيّ شهر؟ ».
في شهر كذا ، وعيّنه.
« في أيّ سنة؟ ».
في سنة كذا ، وعيّنها.
« إلى أين بلغتم في سفركم حتّى مات أبو هذا الفتى؟ ».
إلى موضع كذا ، وعيّنه.
« في منزل من مات؟ ».
في منزل فلان ، وشخّصه.
« ما كان من مرضه؟ ».
كذا وكذا ، وعيّن مرضا خاصّا.
« كم يوما كان مرضه؟ ».
وعيّن الوقت الذي مرض.
« في أيّ يوم مات؟ ومن غسله؟ ومن كفّنه؟ وبما كفّنتموه ، ومن صلّى عليه؟ ومن نزل قبره؟ ».
ثمّ كبّر الإمام عليهالسلام وكبّر الناس معه ، فارتاب الباقون ولم يداخلهم شكّ إنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه بما اقترفوه من الجريمة ، ثمّ أمر عليهالسلام بالرجل إلى السجن ، ودعا بشخص آخر منهم وقال له :
« كلاّ! زعمتم أنّي لا أعلم ما صنعتم؟ ».
فارتاب الرجل وطفق يخبر الإمام بما اقترفوه قائلا :
يا أمير المؤمنين ، ما أنا إلاّ واحد من القوم ، ولقد كنت كارها لقتله.
ثمّ دعا بكلّ واحد منهم فأقرّ بالقتل وسلب المال ، ثمّ أمر بردّ الرجل الذي أمر به إلى الحبس فأقرّ كأصحابه ، فألزمهم بالمال والدم (1) .
وحكت هذه البادرة مدى مواهب الإمام وقدرته الفائقة على إظهار الحقّ ، وإبرازه بعد إحاطته بظلام الباطل.
2 ـ عبد يدّعي السيادة على مولاه :
من بدائع قضاء الإمام عليهالسلام أنّ رجلا من الجبل خرج حاجّا إلى بيت الله الحرام ومعه غلامه ، فأذنب فضربه ، فقال الغلام لسيّده : ما أنت مولاي بل أنا مولاك ، وأخذ كلّ منهما يتوعّد الآخر ويدّعي السيادة عليه ، وأخذا يجدّان السير حتى انتهيا إلى الكوفة ، فرفعا أمرهما إلى الإمام عليهالسلام ، فقال السيّد :
يا أمير المؤمنين ، هذا غلامي أذنب فأدّبته ، فوثب عليّ وادّعى أنّه سيّد لي.
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 317. وسائل الشيعة 18 : 204. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 11.
وقال الغلام : هو والله غلام لي ، وإنّ أبي أرسلني معه ليعلّمني ، وإنّه وثب عليّ يدّعيني ليذهب بمالي ، وأخذ كلّ منهما يحلف ويكذّب الآخر.
و أجّل الإمام الدعوى إلى اليوم الثاني ، فلمّا أصبح الصبح قال الإمام لقنبر : « اثقب في الحائط ثقبين » ، وحضر الرجلان ، فقال لهما : « ما تقولان؟ ». فحلف كلّ واحد منهما أنّه سيّد لصاحبه ، ثمّ أمرهما بالقيام وأن يضع كلّ واحد منهما رأسه في الثقب ، فلمّا صنع ذلك ، قال الإمام لقنبر : « عليّ بسيف رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم » ، فأحضره له ، ثمّ قال له : « عجّل بضرب رقبة العبد منهما » ، فأخرج الغلام رأسه من الثقب ، وبقي الآخر رأسه فيه ، فأخذ الإمام الغلام وقال له : « ألست تزعم أنّك لست بعبد له؟ » قال : بلى إنّه ضربني وتعدّى عليّ ، فحكم الإمام بأنّه العبد وسلّمه لمولاه (1) .
وبهذا الاجراء فصل الخصومة بينهما وهو من غرر قضاء الإمام عليهالسلام .
3 ـ الأرغفة الثمانية :
من عجائب قضاء الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام أنّ رجلين اصطحبا في طريق ، فلمّا أرادا الغداء أخرج أحدهما خمسة أرغفة ، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة ، ومرّ بهما شخص فدعواه إلى تناول الطعام فأجابهم إلى ذلك ، وأكلوا جميعا الأرغفة الثمانية ، وبعد الفراغ من الطعام قدّم لهما الرجل ثمانية دراهم جزاء لدعوتهما له ، وانبرى صاحب الأرغفة الثلاثة فقال لصاحبه : اقسّم الدراهم نصفين ، فردّ عليه صاحبه أنّ كلّ واحد منّا يأخذ من الدراهم عدد ما أخرج من الأرغفة ، ووقع الشجار بينهما ، فترافعا إلى الإمام عليهالسلام فأمرهما بالصلح فلم يستجيبا له ، وقالا : اقض بيننا بالحقّ ، فحكم الإمام بينهما ، فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم ، وأعطى صاحب الثلاثة درهما ، وبهرا من ذلك ، فقال عليهالسلام مبيّنا الوجه في هذه القسمة.
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 425. وسائل الشيعة 18 : 208. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 11.
« أليس أخرج أحد كما من زاده خمسة أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة؟ ».
بلى.
« أليس أكل ضيفكما معكما مثلما أكلتما؟ ».
بلى.
« أليس أكل كلّ واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ ».
بلى.
« أليس أكلت يا صاحب الثّلاثة ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ وأكلت أنت يا صاحب الخمسة ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ وأكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ أليس بقي لك يا صاحب الثّلاثة ثلث رغيف من زادك؟ وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث ، وأكلت ثلاثة غير ثلث ، فأعطاكما لكلّ ثلث رغيف درهما ، فأعطى صاحب الرّغيفين وثلث سبعة دراهم ، وأعطى صاحب الثّلاثة درهما » (1) .
لقد حكم الإمام عليهالسلام بهذه القسمة المثيرة للدهشة التي لا يلتفت إليها إلاّ المتمرّس في علم الحساب.
4 ـ جاريتان تتنازعان في ولد :
من بدائع قضاء الإمام عليهالسلام أنّ جاريتين وضعت إحداهما ولدا ، ووضعت الاخرى بنتا ، فعمدت الأخيرة إلى وضع بنتها في مهد الولد وأخذته ، فتمسّكت به امّه ، ورفع أمرهما إلى الإمام عليهالسلام فأمر أن يوزن لبنهما ، وقال : « أيّهما كانت أثقل لبنا
__________________
(1) فروع الكافي 7 : 327. التهذيب 6 : 260. وسائل الشيعة 18 : 209. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 84 ـ 87.
فالابن لها » (1) ، وذلك لأنّ لبن الولد أثقل من لبن الانثى ، وهذا الحكم لا يفقهه إلاّ باب مدينة علم النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم .
5 ـ امرأة تخاصم زوجها :
رفعت امرأة شكوى إلى الإمام عليهالسلام على زوجها فادّعت عليه أنّه قارب جاريتها بغير إذنها ، وقال الزوج : بل قاربتها بإذنها ، فقال عليهالسلام للزوجة :
« إن كنت صادقة رجمناه ، وإن كنت كاذبة ضربناك حدّا ».
واقيمت الصلاة ، فقام الإمام لأداء الفريضة ، وفزعت المرأة من قول الإمام ، فانهزمت ولم يسأل الإمام عنها (2) .
6 ـ شخصان يختصمان في دابة :
من أمثلة قضاء الإمام عليهالسلام التي قضى بها أنّ شخصين اختصما في دابة في أيديهما ، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها أنتجت عنده فأمرهما الإمام باليمين والقسم بالله أنّها له فحلف أحدهما ونكل الآخر ، فقضى بها للحالف ، فقيل للإمام :
فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة؟ فقال :
« أحلفهما فأيّهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف ، فإن حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين ».
قيل : فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعا البيّنة؟ قال :
« أقضي بها للحالف الّذي هي في يده » (3) .
__________________
(1) التهذيب 6 : 315. وسائل الشيعة 18 : 210.
(2) من لا يحضره الفقيه 3 : 18. وسائل الشيعة 18 : 211.
(3) فروع الكافي 7 : 419. وسائل الشيعة 18 : 182.
ومن هذه البادرة وغيرها ممّا اثر عن أئمّة الهدى عليهمالسلام استمدّ الإماميّة في ما يفتون ويقضون به في مسائل القضاء.
7 ـ سكارى تضاربوا بالسكاكين :
عمد أربعة أشخاص إلى شرب الخمر ، فلمّا فقدوا رشدهم تضاربوا بالسكاكين ، فألقت الشرطة القبض عليهم ، فأمر الإمام بحبسهم حتى يفيقوا ، فمات منهم في السجن اثنان ، وبقي منهم اثنان ، فجاء أقارب الميّتين إلى الإمام ، وطلبوا منه أن يقتل الشخصين الباقيين ، فقال لهم الإمام :
« ما علّمكم بذلك؟ لعلّ كلّ واحد منهما ـ أي من المقتولين ـ قتل صاحبه » ، فقالوا لا ندري ، فاحكم بما علّمك الله ، فحكم عليهالسلام بأنّ الدية على قبائل الأربعة بعد مقاصة الحيّين منهما بدية جراحهما .
وعلّق الشيخ المفيد على ذلك بقوله : كان ذلك هو الحكم الذي لا طريق إلى الحقّ في القضاء سواه ، ألا ترى أنّه لا بيّنة على القاتل تفرده من المقتول ، ولا بيّنة على العمد في القتل ، فلذلك كان القضاء فيه على حكم الخطأ في القتل واللبس في القاتل دون المقتول (1) .
8 ـ جماعة سبحوا فغرق أحدهم :
سبح ستّة أشخاص في حوض الفرات فغرق أحدهم ، فشهد اثنان منهم على الثلاثة أنّهم أغرقوه ، وشهد الثلاثة أنّ الاثنين أغرقاه ، فقضى الإمام عليهالسلام بالدية أخماسا على الخمسة نفر ، ثلاثة منها على الاثنين بحسب الشهادة عليهما ، وخمسان على الثلاثة بحسب الشهادة أيضا.
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 73.
قال الشيخ المفيد : ولم يكن في ذلك قضيّة أحقّ بالصواب ممّا قضى به عليهالسلام (1) .
9 ـ امرأة ولدت إنسانا له رأسان :
ولدت امرأة إنسانا له بدنان ورأسان على حقو واحد ، فسألوا الإمام عنه فقال :
« اعتبروه إذا نام ، ثمّ أنبهوا أحد البدنين والرّأسين ، فإن انتبها جميعا في حالة واحدة فهو إنسان واحد ، وإن استيقظ أحدهما وبقي الآخر نائما فهما اثنان وحقّهما في الميراث حق اثنين » (2) .
10 ـ الدنانير المودعة :
استودع شخصان عند رجل ثلاثة دنانير ، دينار لأحدهما واثنان للآخر ، فضاع دينار منها وترافعا عند الإمام عليهالسلام ، فقضى أنّ لصاحب الدينارين دينارا ونصفا ، ولصاحب الدينار نصف دينار (3) ، والوجه في ذلك أنّ أحد الدينارين ملك لصاحبه ، ويبقى النزاع في الثاني فيقسّم بينهما ، وفرّع الاصوليّون على ذلك أنّه لو اشترى شخص ثالث النصفين منهما ، فإنّه يعلم تفصيلا بأنّ نصف الدينار انتقل إليه من غير مالكه ؛ لأنّ الدينار الضائع لا يخلو إمّا أن يكون من صاحب الدينارين فلا حقّ له في النصف ، وإن كان من صاحب الدينار فكذلك لا حقّ له في النصف ، وهذا من الموارد التي يتولّد من العلم الإجمالي علم تفصيلي غير منجز.
11 ـ عفوه عن السارق :
بادر سارق إلى الإمام مقرّا باقتراف السرقة ، وطلب منه أن يقيم عليه الحدّ ،
__________________
(1) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 118.
(2) الإرشاد ـ الشيخ المفيد : 113 ـ 114.
(3) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 29 ، نقلا عن الصدوق والشيخ.
فقال له الإمام :
« أتقرأ شيئا من القرآن؟ ».
قال : نعم ، سورة البقرة.
فقال الإمام : « وهبت يدك لسورة البقرة ».
فرفع الأشعث المنافق عقيرته قائلا :
أتعطّل حدّا من حدود الله.
فبيّن له الإمام الوجه في عفوه قائلا :
« وما يدريك ما هذا؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو ، وإذا أقرّ الرّجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا وإن شاء قطع » (1) .
نعم للإمام أن يعفو عن الحدّ قبل قيام البيّنة ، أمّا بعد قيامها فليس له ذلك ، حسب فقه أهل البيت عليهمالسلام .
12 ـ شرب النجاشي للخمر :
كان قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث المعروف بالنجاشي شاعر الإمام عليهالسلام ، وهو شاعر موهوب ، مرّ في شهر رمضان بصديق له يسمّى أبا سماك العدوي بالكوفة فقال له أبو سماك :
ما تقول في رءوس حملان في كرش في تنور قد أينع من أوّل الليل إلى آخره ، فردّ عليه النجاشي :
ويحك! في شهر رمضان تقول هذا؟
__________________
(1) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 33 ، نقلا عن الصدوق.
وكان أبو سماك جاهليا فأجابه :
ما شهر رمضان وشوال إلاّ سواء ..
و ما زال يرغّبه في اقتراف المعصية حتى استجاب له ، وقال النجاشي :
فما تسقيني عليه؟
شراب كأنّه الورس (1) يطيّب النفس ، ويجري في العظام ، ويسهّل الكلام.
و عمد النجاشي إلى تناول الباجة مع الخمر ، وفقد الصواب ، وعلت أصواتهما وبادر جار لهما فأخبر الإمام بشأنهما ، فأرسل في طلبهما ، فأمّا أبو سماك فهرب ، وأمّا النجاشي فألقت الشرطة القبض عليه وجاءت به إلى الإمام عليهالسلام فصاح به :
« ويحك! إنّنا صيام وأنت مفطر؟ ».
ثمّ ضربه ثمانين سوطا وزاده عشرين سوطا ، وغضب النجاشي وقال للإمام :
ما هذه العلاوة يا أبا الحسن ...؟
فأجابه الإمام :
« هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان ».
ثمّ رفعه للناس في تبّان (2) لتحقيره وإهانته (3) لانتهاكه حرمة شهر رمضان ، وهرب النجاشي إلى معاوية فارّا من العدالة الإسلامية ، فلما دخل على معاوية كان بلاطه مكتظّا بعيون أهل الشام فرحّب به معاوية ، وقال أمام الشاميّين :
مرحبا بمن عرف الحقّ فاتّبعه ، ورأى الباطل فنفر منه.
فاستيقظ ضمير النجاشي واستجاب للحقّ فردّ على معاوية قائلا :
__________________
(1) الورس : نبت أصفر يكون باليمن ، لسان العرب 6 : 254.
(2) التبّان : سراويل صغيرة تستر العورة ، مقدارها شبر يلبسها الملاّحون.
(3) خزانة الأدب 10 : 420 ـ 421. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 46.
ويلك يا معاوية إنّا فررنا من العدل والحقّ ، واحتمينا بالباطل ، فالتاع معاوية وقابله بغضب ، ونقل حديثه إلى الإمام عليهالسلام فقال :
« لو قتله معاوية لمات شهيدا ، إنّها كلمة حقّ عند سلطان جائر ».
13 ـ حكمه في قاطع الطريق :
قضى الإمام عليهالسلام في قاطع الطريق على المسلمين أن يقتل وتصادر أمواله ، ويصلب (1) ، وهذا هو الحكم الصارم الذي اتّخذه الإسلام لاستتباب الأمن وقطع دابر المفسدين.
14 ـ قاطع الطريق الذي لا يسرق الأموال :
و قضى الإمام عليهالسلام في قاطع الطريق الذي لا يقتل ، ولا يسلب الأموال ، وإنّما يشيع الخوف ، أن ينفى من بلده إلى بلد آخر حتى يأتيه الموت ، وقال عليهالسلام :
« وهو المعنيّ بقوله تعالى : ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (2) ».
وعلّق السيّد محسن الأمين على ذلك بقوله :
« وهذا الأخير معناه أنّه أخاف السبيل فقط ولم يفعل شيئا ممّا فعله الأوّلان ، ويدلّ عليه ما أرسله في مجمع البيان عن الباقر والصادق عليهما السّلام إنّما جزاء المحارب على قدر استحقاقه ، فإنّ قتل فجزاؤه أن يقتل ، وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب ، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف ، وإن
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 47.
(2) المائدة : 33.
أخاف السبيل فقط فإنّما عليه النفي لا غير » (1) .
15 ـ السفينة الصادمة والمصدومة :
ومن قضائه عليهالسلام أنّه حكم على سفينة صادمة وسفينة مصدومة تضرّرت أنّ الضمان يكون على السفينة الصادمة ، ولا تتحمّل السفينة المصدومة شيئا (2) .
16 ـ شخص أوصى بسهم من ماله :
حكم الإمام عليهالسلام في رجل أوصى عند موته بإخراج سهم من ماله ، فلمّا توفّي اختلف الورثة في مقداره ، فقضى أن يخرج الثمن ، وتلا قوله تعالى : ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) الخ ، وهم ثمانية أصناف لكلّ صنف منهم سهم من الصدقات (3) .
لقد كان حكم الإمام عليهالسلام مدعوما بالآية الكريمة ، وهكذا كانت جميع أحكامه متّفقة مع كتاب الله تعالى لا تشذّ ولا تختلف عنه.
ونظير ذلك من أحكامه أنّ رجلا أوصى عند موته بجزء من ماله ولم يعيّنه ، فاختلف الورثة في مقداره ، فرفعوا أمرهم إلى الإمام عليهالسلام فقضى بإخراج السبع من ماله وتلا قوله تعالى : ( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (4) .
17 ـ شخص أوصى بعتق كلّ عبد قديم له :
من المسائل التي قضى بها الإمام عليهالسلام أنّ شخصا أوصى بعتق كلّ عبد قديم
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 47.
(2) المصدر السابق : 94.
(3) المصدر السابق : 97.
(4) الحجر : 44.
له ، ولم يهتد الوصي إلى معرفة القديم منهم ، فسأل الإمام عن ذلك ، فأجاب :
« يعتق كلّ عبد ملكه ستّة أشهر » ، وتلا قوله تعالى : ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) (1) .
وقد ثبت أنّ العرجون إنّما ينتهي إلى الشبه بالهلال في تقوّسه وضالته بعد ستّة أشهر من أخذ الثمرة منه (2) .
18 ـ شخص نذر أن يصوم حينا :
نذر شخص أن يصوم حينا من الدهر ، وخفي عليه مقداره ، فرفع أمره إلى الإمام عليهالسلام فقضى أن يصوم ستّة أشهر ، وتلا قوله تعالى : ( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) (3) ، وإنّما تؤتي اكلها بعد ستّة أشهر (4) .
19 ـ امرأة متزوّجة تطلب بعلا :
جاءت امرأة إلى الإمام عليهالسلام وقد رفعت عقيرتها قائلة :
أصلحك الله ما تقول في فتاة :
ذات بعل أصبحت تطلب |
بعلا بعد إذن من أبيها |
أ ترى ذلك حلالا؟
فأمرها الإمام عليهالسلام بإحضار زوجها فأحضرته ، فأقرّ الرجل على نفسه أنّه عنين ، فأمره بطلاقها ففعل ، وزوّجها بشخص آخر (5) .
__________________
(1) يس : 39.
(2) و(4) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 101.
(3) إبراهيم : 25.
(5) قضاء الإمام عليهالسلام : 94.
20 ـ شخص أوصى بثلثه وقتل خطأ :
قضى الإمام في رجل أوصى بثلثه وقتل خطأ أنّ الدية يخرج منها الثلث (1) .
21 ـ كلب وطئ شاة فولدت منه :
من غرر قضاء الإمام عليهالسلام أنّ اعرابيا سأله بهذه المسألة.
الاعرابي : رأيت كلبا وطئ شاة فأولدها ولدا ، فما حكم ذلك في الحلّ ...؟
الإمام : « اعتبره في الأكل ، فإنّ أكل لحما فهو كلب ، وإن رأيته يأكل علفا فهو شاة ».
الاعرابي : وجدته تارة يأكل هذا ، وتارة يأكل هذا ...
الإمام : « اعتبره في الشّرب ، فإن كرع فهو شاة ، وإن ولغ فهو كلب ».
الاعرابي : وجدته يلغ مرّة ويكرع اخرى ...
الإمام : « اعتبره في المشي مع الماشية ، فإن تأخّر عنها فهو كلب ، وإن تقدّم أو توسّط فهو شاة ».
الاعرابي : وجدته مرّة هكذا ومرّة هكذا.
الإمام : « اعتبره في الجلوس ، فإن برك فهو شاة ، وإن أقعى فهو كلب ».
الاعرابي : إنّه هذا مرّة وهذا مرّة.
الإمام : « اذبحه فإن وجدت له كرشا فهو شاة ، وإن وجدت له أمعاء فهو كلب ».
وبهت الاعرابي وذهل من سعة علوم الإمام وإحاطته الكاملة بمعرفة طبائع الحيوانات وحقائقها (2) .
__________________
(1) قضاء الإمام عليهالسلام : 43.
(2) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 52. الكشكول ـ البحراني 3 : 111. الحقّ المبين في قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام ـ ذبيح الله محلاّتي : 193.
22 ـ مجوسية أسلمت قبل أن يدخل زوجها :
رفعت مجوسية قد أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها إلى الإمام عليهالسلام فطلب منه أن يسلم فأبى ، فقضى على زوجها نصف الصداق ، وقال :
« لم يزدها الإسلام إلاّ عزّا » (1) ، وقد انفسخ النكاح ؛ لأنّ الكافر ليس له أن يتزوّج بمسلمة.
23 ـ امرأة شرطت على زوجها بيدها الجماع والطلاق :
شرطت امرأة على زوجها أنّ بيدها الجماع والطلاق ، ورفع أمرها إلى الإمام ، فقضى أن بيد الزوج الجماع والطلاق ، وشرطها مخالف للسنّة ، فإنّ على الزوج النفقة والجماع وبيده الطلاق ، وهذا الحكم هو الذي تقتضيه السنّة (2) .
24 ـ شخص قاتل وسارق وشارب خمر :
جيء بشخص إلى الإمام عليهالسلام قد اقترف جريمة القتل والسرقة وشرب الخمر ، فقضى عليه بجلده ثمانين لشربه الخمر ، وقطع يده للسرقة وقتله لقتله إنسانا (3) .
25 ـ السرقة من الغنيمة :
سرق شخص من الغنيمة ، وهو من أفراد الجيش ، ورفع أمره إلى الإمام عليهالسلام فقضى بعدم قطع يده ، وقال : « إنّي لم أقطع يد أحد له في ما أخذ شرك » (4) .
26 ـ تاجران يبيع كلّ منهما صاحبه ويهربان :
وقضى الإمام على التاجرين يبيع كلّ منهما صاحبه ، ويفرّان من بلد إلى بلد بقطع أيديهما لأنّهما سارقان لأنفسهما وأموال الناس (5) .
__________________
(1) قضاء الإمام عليهالسلام : 51.
(2) قضاء الإمام عليهالسلام : 51.
(3) المصدر السابق : 55.
(4) المصدر السابق : 55.
(5) قضاء الإمام عليهالسلام : 57. عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 72.
27 ـ رفض شهادة اليهود :
من المسائل التي قضى بها الإمام عليهالسلام أنّ يهوديّين شهدا على يهودي أنّه أسلم ، فقضى عليهالسلام أنّه لا تقبل شهادتهما لأنّ اليهود يستحلّون تغيير كلام الله تعالى وشهادة الزور (1) .
28 ـ قبول شهادة النصارى :
قضى عليهالسلام بقبول شهادة النصارى على من أسلم منهم وغير ذلك ، وتلا قوله :
( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) (2) .
و أضاف الإمام قائلا :
« ومن لا يستكبر عن عبادة الله لا يشهد الزّور » (3) . إنّ النصارى ليسوا كاليهود الذين يستحلّون كلّ إثم ويقترفون كلّ إثم.
29 ـ لا يقتل الوالد بولده :
قضى الإمام عليهالسلام في الرجل إذا قتل ولده لا يقتل به ، ولكن إذا قتل الولد والده فإنّه يقتل به (4) .
30 ـ شخص قذف جماعة :
قضى الإمام عليهالسلام في شخص قذف جماعة أنّه يجلد حدّا واحدا ، وحمل الشيخ الرواية على قذفهم بلفظ واحد ، وأتوا به مجتمعين ، أمّا لو قذف واحدا واحدا
__________________
(1) قضاء الإمام عليهالسلام : 57.
(2) المائدة : 82.
(3) قضاء الإمام عليهالسلام : 58.
(4) المصدر السابق : 59.
فإنّه يجلد لكلّ واحد على حدة (1) ، هذا ما تقتضيه القواعد التي اثرت عن أئمّة الهدى عليهمالسلام .
وبهذه النماذج اليسيرة من قضاء الإمام عليهالسلام ينتهي بنا الحديث عن قضائه الذي هو ميزان الحقّ والعدل ، وعلى ضوئه يقضي القضاة العدول ، يقول الإمام محمّد الباقر عليهالسلام : « ليس أحد يقضي بقضاء يصيب فيه الحقّ إلاّ مفتاحه قضاء عليّ عليهالسلام ».
روايات مخدوشة
من المؤكّد أنّ الوضع والافتعال لم يكن مقتصرا على الأحداث التاريخية وإنّما استهدف بصورة خاصّة الشؤون الدينية ، فقد خلطت بكثير من الموضوعات ، والمفتريات افتعلت لأسباب سياسية ، من أهمّها ـ فيما أحسب ـ تأييد الأنظمة القائمة في تلك العصور التي سلّطت جميع أنشطتها السياسية على إقصاء أئمّة أهل البيت عليهمالسلام عن المسرح السياسي للامّة ، وإبعادهم عن كلّ شأن من شئون الحياة العامّة.
وعلى أي حال فقد نسبت إلى الإمام أمير المؤمنين بعض البنود التي قضى بها ، وقد نسبها إليه من كتب عن قضائه وعجائب أحكامه ، كما ذكرت في موسوعات الفقه والحديث ، وهي ـ عند التأمّل ـ لا تتّفق مع القواعد الفقهية التي يفتي على ضوئها فقهاء الإمامية ، والتي هي مستمدة من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، ومن المحقّق الذي لا يخامره شكّ أنّ الفقه الإمامي بجميع شرائحه وأبوابه من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات كلّها على سمت واحد غير مختلفة ولا متباينة في فروعها واصولها كما تجد التباين واضحا في فقه غيرهم.
إنّ من مميزات الفقه الإمامي التشابه الكلّي في فتاوى مراجع الإمامية ، ويعود السبب في ذلك أنّها اخذت من منبع واحد ، وهم أئمّة الهدى سلام الله عليهم ، الذين يمثّلون الواقع الإسلامي بجميع أبعاده.
ومهما يكن الأمر فإنّا نعرض لبعض الأقضية التي نسبت إلى الإمام عليهالسلام ، وهي بعيدة كلّ البعد عن المقرّرات الفقهية المتسالم عليها عند السادة الفقهاء ، وفي ما
يلي ذلك :
1 ـ الرجل المذبوح في الخربة :
نقل بعض الرواة أنّه اتي إلى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطّخ بالدم ، وإلى جانبه رجل مذبوح متشحّط بدمه ، فقال له الإمام عليهالسلام :
« ما تقول؟ ».
فقال : أنا قتلته ، فأمر بالقصاص منه ، فلمّا ذهبوا به سارع رجل إلى الإمام فقال له :
يا أمير المؤمنين ، ما هذا صاحبه ، أنا والله! قتلته ...
فالتفت الإمام إلى المتّهم الأوّل فقال له :
« ما حملك على إقرارك على نفسك؟ ».
وأدلى المتّهم بحجّته :
يا أمير المؤمنين ، ما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد عليّ مثل هؤلاء الرجال ، وأخذوني وبيدي سكين ملطّخ بالدم ، والرجل متشحّط بدمه ، وأنا قائم عليه ، وقد خفت الضرب فأقررت ، وقد ذبحت بجنب الخربة شاة ، وقد أخذني البول ، فدخلت الخربة فرأيت الرجل مذبوحا ، فقمت عليه متعجّبا ، فدخل هؤلاء فأخذوني.
فأمرهم الإمام عليهالسلام بالمضي إلى ولده الإمام الحسن عليهالسلام ليحكم فيهم ، فمضوا إليه وقصّوا عليه القصّة ، فقال الحسن :
« قولوا لأمير المؤمنين : إنّ هذا إن كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا ، وقد قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) يخلّى عنهما ،
وتخرج دية المقتول من بيت المال » (1) .
وأقرّ الإمام الحكم ، ويواجه هذا القضاء أنّ القاتل كيف يعفى عنه مع اعترافه بجريمة القتل ، فلا بدّ من القصاص أو الدية إن رضي بها أولياء المقتول ، فالحكم بهذه الكيفيّة مخالف للقواعد الفقهية. اللهمّ إلاّ أن يحمل على أنّه تشفّع إلى أولياء الدم بعدم القصاص منه ، ثمّ إنّ الدية كيف تؤخذ من بيت المال مع أنّ اللازم أن تؤخذ من القاتل.
2 ـ امرأة واقعها زوجها في الحيض :
قضى الإمام في رجل أتى زوجته وهي حائض ، فإن كان واقعها في أوّل حيضها فعليه أن يتصدّق بدينار ، ويضربه الإمام خمسا وعشرين جلدة ـ ربع حدّ الزاني ـ ويستغفر الله ولا يعود ، وإن أتاها في آخر أيام حيضها تصدّق بنصف دينار ويضربه الإمام اثنتي عشرة جلدة ونصف الجلدة ـ ثمن حدّ الزاني ـ ويستغفر الله ولا يعود (2) .
وهذا الحكم مجاف لما ذهب إليه الفقهاء من عدم إقامة الحدّ عليه ، وليس عليه إلاّ الحكم التكليفي وهو الإثم ، كما أنّ وجوب الكفّارة عليه محل تأمّل ، فقد أفتى بعض الأعلام بعدم وجوبها.
3 ـ شخص أوصى بألف دينار :
روى الأصبغ بن نباتة أنّ شخصا في عهد الإمام عليهالسلام دفع إلى شخص ألف دينار ، وأوصاه أن يتصدّق منها بما أحبّ ويحبس الباقي له ، وتوفّي الشخص ، فتصدّق الرجل بمائة وحبس لنفسه تسعمائة دينار ، فقال له ورثة الميّت : تصدّق عن
__________________
(1) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 92.
(2) عجائب قضاء الإمام عليهالسلام : 70. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 40.
أبينا بخمسمائة دينار ، واحبس لنفسك خمسمائة دينار ، فأبى ، فخاصموه إلى الإمام وقصّوا عليه الأمر ، فقال الإمام للرجل : « أجبهم إلى ما أرادوا » ، فامتنع ، فقضى عليهالسلام أنّ على الرجل أن يتصدّق بتسعمائة دينار ويحبس لنفسه مائة دينار.
وهذا الحكم يتنافى مع وصيّة الميّت ؛ لأنّه أوصاه أن يحبس الرجل لنفسه ما أحبّ ، وقد رغب أن يتصدّق عن الميّت بمائة ويدّخر لنفسه تسعمائة ، وهو ما يريده.
يقول السيّد محسن الأمين : « إنّ الحقّ في جانب الوصي لا فى جانب الورثة ».
وأضاف السيّد : « إنّ ظاهر قول الموصي تصدّق منها بما تحب أي بما تريد لا بما تحبّ أن يبقى لك ، ولعلّ ما فعله أمير المؤمنين عليهالسلام هو من باب النصيحة للوصي قصدا لاستصلاح الحال أو لغير ذلك من وجوه الاصلاح ، وتفسير ما تحبّ أن يكون لك لعلمه من باب الاقناع والمفاكهة بالدليل الشرعي لا من باب الحقيقة ، ويمكن أن يقال إنّ ظاهر حال الموصي أنّه لا يرضى بأن يحبس لنفسه أكثرها ويبقى أقلّها » (1) .
وما ذهب إليه السيّد خلاف ظاهر كلام الموصي ، فقد أناط التصدّق بما يحبّه الوصي.
4 ـ صبي يجلس على ميزاب :
ومن غرائب ما روي ـ والذي هو إلى الخيال أقرب منه إلى الواقع ـ أنّ امرأة تركت طفلا ابن ستّة أشهر ، فمشى يحبو حتى خرج إلى السطح ، وجلس على رأس الميزاب ، فجاءت امّه إلى السطح فما قدرت عليه ، فجاؤوا بسلّم ووضعوه على الجدار فما قدروا على الطفل من أجل طول الميزاب وبعده عن السطح ،
__________________
(1) عجائب قضاء الإمام عليهالسلام : 70.
والامّ تصيح ، وجاء الإمام فنظر إلى الصبي فتكلّم بكلام لم يعرفه أحد ، فأمر بإحضار طفل مثله فاحضر ، فنظر أحد الطفلين إلى الآخر ، وتكلّما بكلام الأطفال وخرج الطفل من الميزاب إلى السطح ، وفرحت الناس بذلك (1) .
وهذه القصّة وإن لم تكن من قضاء الإمام عليهالسلام إلاّ أنّا ذكرناها استطرادا للتدليل على عدم واقعيّتها.
5 ـ المسألة المنبرية :
من المسائل التي هي موضع الشكّ في نسبتها إلى الإمام عليهالسلام المسألة المنبرية ـ كما سمّاها الرواة ـ فقد سئل الإمام وهو على المنبر عن ميراث شخص توفّي ، وترك بنتين وأبوين وزوجته ، فأجاب عن حصّة الزوجة أنّ ثمنها صار تسعا.
وهذا الجواب يبتني على العول الذي لا تقول به الشيعة ، وهو إدخال النقص عند ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع الورثة بنسبة سهامهم ، فللزوجة الثمن ، وللأبوين الثلث ، وللبنتين الثلثان ، فضاق المال عن السهام ؛ لأنّ الثلث والثلثين يكون بهما تمام المال ، فمن أين يؤخذ ثمن الزوجة ، فمن نفس العول ، قال : إنّ النقص يدخل على البنتين ، والفريضة تكون من أربعة وعشرين للزوجة ثمنها ثلاثة وللأبوين ثلثها ثمانية ، والباقي ثلاثة عشر للبنتين ، فقد نقص من سهمهما ثلاثة ، هذا بناء على إنكار العول ، ومن أثبت العول قال بادخال النقص على الجميع ، فيزداد على الأربعة والعشرين ثلاثة فتصير سبعة وعشرين للزوجة منها ثلاثة وللأبوين ثمانية وللبنتين ستّة عشر ، والثلاثة هي تسع السبعة والعشرين ، وهذا معنى قول الإمام ـ لو صحّ ـ : « صار ثمنها تسعا ».
__________________
(1) علي عليهالسلام والخلفاء ـ نجم الدين العسكري : 287. بحار الأنوار 9 : 487. الحقّ المبين في أحكام قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 71. قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 149.
وهذا القول مجاف لما اثر عن أئمّة الهدى عليهمالسلام من إنكار العول ، فهذه الرواية مخدوشة (1) .
6 ـ المسألة الدينارية :
من الروايات المخدوشة التي لا تتّفق مع مذهب أهل البيت عليهمالسلام هي ما روي أنّ امرأة سألت الإمام عليهالسلام فقالت له :
إنّ أخي قد مات وخلّف ستمائة دينار ، وقد دفعوا لي منها دينارا واحدا ، فاسألك انصافي وإيصال حقّي إليّ ، فقال لها الإمام :
« خلّف أخوك بنتين لهما الثّلثان أربع مائة ، وخلّف امّا لها السّدس مائة ، وخلّف زوجة لها الثّمن خمسة وسبعون ، وخلّف معك اثني عشر أخا لكلّ أخ دينار ، ولك دينار ».
ولهذا فقد سمّيت هذه المسألة بالدينارية.
وهذه المسألة مبنية على التعصيب الذي لا تقول به الشيعة ، فإنّ التعصيب هو أخذ العصبة ما زاد على السهام المفروضة في القرآن الكريم وهو مناف لما ثبت عن أئمّة الهدى عليهمالسلام من بطلان التعصيب وردّ الزائد على ذوي السهام بنسبة سهامهم (2) .
7 ـ شخص يعزل عن امرأته فولدت :
من الروايات التي تتّسم بالضعف ما روي أنّ شخصا جاء إلى الإمام عليهالسلام فقال له : إنّي كنت أعزل عن امرأتي ، وقد جاءت بولد. فقال عليهالسلام :
« انشدك الله هل وطئتها وعاودتها قبل أن تبول؟ ».
__________________
(1) عجائب قضاء الإمام عليهالسلام : 82.
(2) عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام : 84.
قال : نعم.
قال الإمام « الولد لك » (1) .
ووجه الضعف في الرواية أنّ الولد يلحق به ، سواء بال أم لا ؛ لأنّه قد يسبق الماء ولا يشعر به الرجل ، كما دلّت على ذلك الأخبار.
8 ـ رجل جامع زوجته في دبرها :
من الروايات المخدوشة أنّ ابن الكوّاء سأل الإمام وهو على المنبر فقال له : ما تقول في رجل أتى امرأته في دبرها؟ فقال :
« فحشت فحش الله بك ، سفلت سفل الله بك.
يعمد إلى أعظم بناء في القرية فيرمى منكّسا ثمّ يتبع بالحجارة » (2) .
وقد أثبتت الرواية بإلقاء الزوج من شاهق ورميه بالحجارة ، وهذا لا يقول به أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، فإنّ هذا الحدّ للّواط.
9 ـ رجل حلف أن لا تأكل زوجته تمرة :
من الروايات الضعيفة أنّ رجلا قال للإمام عليهالسلام إنّه كان بين يدي تمر فبدرت زوجتي فأخذت منه واحدة فألقتها في فيها ، فحلفت أنّها لا تأكلها ولا تلفظها ، فقال عليهالسلام : « تأكل نصفها وترمي نصفها ، وقد تخلّصت من يمينك » (3) .
ولا يمكن القول بذلك فإنّ اليمين إنّما ينعقد في ما إذا كان مشروعا ، وبفعل الشخص نفسه لا بفعل غيره.
__________________
(1) قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام : 41.
(2) عجائب قضاء الإمام عليهالسلام : 96.
(3) عجائب قضاء الإمام عليهالسلام : 102.
10 ـ امرأة نذرت أن تطوف على يديها ورجليها :
من الروايات الضعيفة أنّ امرأة نذرت أن تطوف على يديها ورجليها ، فقال عليهالسلام : « تطوف اسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها » (1) ، وهذا النذر لا يمكن تصحيحه فإنّه إنّما ينعقد إذا كان راجحا. ومن المؤكّد عدم صحّة النذر بهذه الكيفية.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الروايات الضعيفة التي نسبت إلى الإمام عليهالسلام في قضائه ، فهي بالإضافة إلى ضعف سندها فإنّها مجافية لما اثر عن أئمّة الهدى عليهمالسلام في هذه المسائل.
وبذلك تنطوي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ، وهو لا يحكي إلاّ بعض ما نقله الرواة من قضاء الإمام عليهالسلام آملا أن يجد فيه القارئ الفائدة والمتعة وهو ما أتمناه.
__________________
(1) فصل الخطاب : 553.
المحتويات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 3
تقديم 5
(1) 5
(2) 5
(3) 6
(4) 6
(5) 7
(6) 7
(7) 8
(8) 8
(9) 9
(10) 9
(11) 10
(12) 11
(13) 11
(14) 11
مدلول القضاء 13
لغة وشرعا 13
في اللغة : 15
في الاصطلاح الشرعي : 16
القضاء في الجاهلية : 17
القضاء في الإسلام : 17
اهمّيّة القضاء 19
شروط القضاة 19
أهمّية القضاء : 21
مع القضاة : 22
مسئوليات رئيس الدولة : 23
أنواع القضاء : 24
شروط القضاة : 25
1 ـ الذكورة : 25
2 ـ البلوغ : 25
3 ـ العدالة : 25
4 ـ الإسلام : 26
5 ـ الاجتهاد : 26
قضاء الإمام 29
في عهد الرّسول والخلفاء 29
في عهد النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم 33
1 ـ قصّة الغلام : 33
2 ـ زبية الأسد : 34
3 ـ القارصة والقامصة والواقصة : 35
4 ـ جماعة وقع عليهم حائط : 36
الإمام عليهالسلام يصف قضاء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : 37
في عهد أبي بكر 39
1 ـ قصّة فدك : 39
2 ـ حكمه على شارب خمر لا يعلم بحرمته : 40
3 ـ رجل احتلم بامرأة : 41
في عهد عمر 42
1 ـ قصّة قدامة بن مظعون : 42
2 ـ اتّهام امرأة بريئة بالبغاء : 43
3 ـ امرأة تتّهم فتى بالاعتداء على كرامتها : 44
4 ـ فتى يدّعي على امرأة أنّها امّه وهي تنكره : 45
5 ـ امرأة تزوّجت بشيخ فمات : 47
6 ـ امرأتان تنازعتا في طفل : 47
7 ـ مجنونة بغت : 48
8 ـ إقامة حدود مختلفة على خمسة زناة : 49
9 ـ امرأة اضطرّت إلى الزنا : 49
10 ـ حدّ من غاب عن زوجته : 50
11 ـ السارق : 50
12 ـ أمانة لرجلين : 51
13 ـ رجم الحامل : 51
14 ـ شراء إبل : 52
15 ـ قسمة مال الفيء : 53
16 ـ امراة مطلّقة في الجاهلية والإسلام : 53
17 ـ امرأة تسقط حملها فزعا من عمر : 53
روايات موضوعة 55
1 ـ رجل تزوّج بامرأة في عدّتها : 55
2 ـ غلام فجر بامرأة : 56
3 ـ غلام أسود انتفى منه أبوه : 56
4 ـ امرأة تشبّهت بأمة رجل : 56
نصيحة الإمام لعمر : 57
في عهد عثمان 58
1 ـ مكاتبة زنت : 58
2 ـ شيخ حملت منه امرأته : 59
3 ـ امرأة ولدت لستّة أشهر : 59
4 ـ تزوّج يحيى بصفيّة : 60
قضاؤه 61
في ايّام حكومته 61
كيفيّة قضائه : 63
تناقض الشهادة : 64
عقاب شاهد الزور : 64
شهادة من اقيم عليه الحدّ : 65
رجوع الشاهد عن شهادته : 65
إقامة الحدود فورا : 66
عدم إقامة الحدّ على من به قروح : 66
شهادة الصبيان : 67
شهادة المملوك : 67
شهادة النساء : 67
الإقرار أربعا في ثبوت الزنا : 68
الحدود تدرأ بالشّبهات : 70
لا يقيم الحدّ من عليه الحدّ : 70
الإمام مع شريح : 71
القرعة : 72
الدعوى على الأخرس : 73
حبس العلماء والأطباء : 74
الحاكم الجائر : 75
تحليف النصارى واليهود : 75
الإمام يحبس ثلاثة أصناف : 75
من روائع قضائه : 76
1 ـ الشاب الذي يطالب بأموال أبيه : 76
2 ـ عبد يدّعي السيادة على مولاه : 78
3 ـ الأرغفة الثمانية : 79
4 ـ جاريتان تتنازعان في ولد : 80
5 ـ امرأة تخاصم زوجها : 81
6 ـ شخصان يختصمان في دابة : 81
7 ـ سكارى تضاربوا بالسكاكين : 82
8 ـ جماعة سبحوا فغرق أحدهم : 82
9 ـ امرأة ولدت إنسانا له رأسان : 83
10 ـ الدنانير المودعة : 83
11 ـ عفوه عن السارق : 83
12 ـ شرب النجاشي للخمر : 84
13 ـ حكمه في قاطع الطريق : 86
14 ـ قاطع الطريق الذي لا يسرق الأموال : 86
15 ـ السفينة الصادمة والمصدومة : 87
16 ـ شخص أوصى بسهم من ماله : 87
17 ـ شخص أوصى بعتق كلّ عبد قديم له : 87
18 ـ شخص نذر أن يصوم حينا : 88
19 ـ امرأة متزوّجة تطلب بعلا : 88
20 ـ شخص أوصى بثلثه وقتل خطأ : 89
21 ـ كلب وطئ شاة فولدت منه : 89
22 ـ مجوسية أسلمت قبل أن يدخل زوجها : 90
23 ـ امرأة شرطت على زوجها بيدها الجماع والطلاق : 90
24 ـ شخص قاتل وسارق وشارب خمر : 90
25 ـ السرقة من الغنيمة : 90
26 ـ تاجران يبيع كلّ منهما صاحبه ويهربان : 90
27 ـ رفض شهادة اليهود : 91
28 ـ قبول شهادة النصارى : 91
29 ـ لا يقتل الوالد بولده : 91
30 ـ شخص قذف جماعة : 91
روايات مخدوشة 93
1 ـ الرجل المذبوح في الخربة : 96
2 ـ امرأة واقعها زوجها في الحيض : 97
3 ـ شخص أوصى بألف دينار : 97
4 ـ صبي يجلس على ميزاب : 98
5 ـ المسألة المنبرية : 99
6 ـ المسألة الدينارية : 100
7 ـ شخص يعزل عن امرأته فولدت : 100
8 ـ رجل جامع زوجته في دبرها : 101
9 ـ رجل حلف أن لا تأكل زوجته تمرة : 101
10 ـ امرأة نذرت أن تطوف على يديها ورجليها : 102
المحتويات 103