المرأة مع النبيّصلىاللهعليهوآله
في حياته وشريعته
تأليف: الشهيدة بنت الهدى
بسم الله الرحمن الرحيم
المرأة مع النبيّصلىاللهعليهوآله
في حياته وشريعته
تأليف: الشهيدة بنت الهدى
مقَدّمة
بِسِمِ اللهِ الرحمنِ الرّحَيم
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) النساء / 21.
صدَق الله العظيم
إنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى المرأة حقوقاً ومزايا، لم يعطها مِن قَبله ولا مِن بعده تشريعٌ أو نظام، أياً كان هذا التشريع أو النظام، فمهما بلَغت معرفة المخلوق فهي ناقصة أمام عِلم الخالق الذي جعَل الرجل والمرأة مِن نفسٍ واحدة وميّزهما بخصائص - لا تُعدُّ نقصاً في جانب دونَ جانب - يترتّب عليها واجبات والتزامات ليست مِن باب المفاضلة ولكنّها من قبيل الشيء يتمّم
بعضَه ويحتاج إليه، وفي ذلك حكمةٌ من الله سبحانه وتعالى لإعمار هذا الكون، وإذا كان هناك مجالٌ للتفضيل فقد بيّنه الإسلام في القرآن الكريم، في كثيرٍ من آياته منها قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات / 13.
والسنّة النبوية الشريفة خيرُ دليلٍ وأوضح برهانٍ في معاملة الرجل للمرأة، والرسول الكريم الذي يتجسَّد فيه الإسلام هو القدوة الصالحة لنا جميعاً، حيث مارس الحياة مع المرأة زوجاً وأباً وهو الذي يقول: (ما أكرَم النساء إلاّ كريم، وما أهانهنّ إلاّ لئيم).
ولا أُريد أنْ أُطيل في الكلام، بل أترك للقارئ الكريم فرصةً للإطّلاع على ما كتَبته الكاتبة الإسلاميّة الشهيدة السعيدة، والسيّدة الفاضلة آمنة الصدر(بنت الهدى) ، عن المرأة في حياة النبيّ وشريعته ليحكم بنفسه بأنّ الإسلام هو الذي أنصَف المرأة ورفع مكانتها، ويكشِف زيف المتشدّقين مِن أصحاب النوايا السيّئة الذين يتباكون على حقوق المرأة متّهمين الإسلام بشأنها ليغرِّروا بها
ويجعلوها متعةً وأداةَ عملٍ، وآلة أنتاج تحتَ شعارات العِلم والتقدّم ويُجرِّدوها من كلّ القِيَم والمُثُل التي ميّزها بها الإسلام الحنيف.
فالله نسأل أنْ يُسدّد خُطانا، ويوفّقنا للسير على نهج النبيّ والأئمّةعليهمالسلام في كلّ مجالات حياتنا هو مولانا عليه توكّلنا وإليه المصير.
الدار الإسلاميّة
نِساءٌ في حياةِ النبيّ
كان عصرَ الظلام وإنْ كان لها عصرَ النور، وكان عصرَ الجهل وإنْ كانت فيه أعرَفَ ما تكون، كان عصر الوحشيّة البغيضة ولكنّها كانت مثالاً للإنسانيّة الكاملة، فهي عقيلة خيرة شبابِ عصره عبد الله بن عبد المطّلب، ومَن الذي ينكر عبد الله أو ينكر مِن فضله شيئاً، وهو حلم عذارى قُريش ومرمى آمال الفتيات، وقد تخيّرها هي دون سِواها لتكون له زوجاً ولنسله أُمّاً، فمَن أجدَر من آمنة بنت وهَب وهي المنحدرة من أعرَق الأُسر، والمتقلّبة في أعزّ أحضان، أنْ تحتلّ هذه المكانة الفذّة.
نعَم كانت صاحبتنا هذه هي آمنة بنت وهَب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب، وقد جلَست إلى ظلِّ شجرةٍ وارفة الظلال لتستعيد ذكرى أيّام عذاب وسُويعاتِ هناءٍ وصفاء، وتنصِت إلى صدى الزمن
الفائت، وهو يتردّد في أعماقها كأروَع ما يكون الصدى، وتستمدّ من ذكرى حبيبها الغائب رصيداً من الشجاعة يُساعدها على مُرِّ الفراق، فأنّى لها الآن بذلك الزوج البار الذي فارَقته مرغمة وفارقها مرغماً أيضاً، وما أحوَجها إليه في أيّامها هذه التي توشك أنْ تستقبل فيها قادماً جديداً ووليداً عزيزاً... ما أحوجها إلى ذلك الحبيب الغائب ليهدهدها بحنانه ويُشاركها آمالها وأمانيها وينتظر معها ابنهما البكر، فها هي تكاد تستمِع إلى دقّات قلبِ جنينها الغالي وهي سعيدة لذلك لولا سحابة مِن ألمٍ ظلّلت سعادتها؛ لبعد الأب الحبيب ولكنّها تعود لتقول عسى أنْ يكون اللقاء قريباً، وهي تأمل أنْ يصلها خبَر قدوم الغائب المنتظر في غضون هذه الأيّام.
فعبد الله - كما لا تشكّ آمنة لحظة - سوف لا يألو جُهداً في الإسراع بالرجوع، وسوف يبذِل كلّ محاولة ممكنة لإنجاز مهمّته في أسرع وقت، وقد خلّف وراءه في مكّة زوجةً عروساً تحمل له في أحشائها جنيناً، وتضمّ له في قلبها حبّاً وحنيناً، ولهذا فلا تشكّ آمنة في رغبةِ زوجها بالأوبة السريعة، وفي أنّه لنْ يُماطل في سفَره ولنْ يتقاعد عن اللحوق بأهلِه سريعاً مهما طاب له المقام في الخارج،
فهي لا تنسى أبداً ساعة إذ أقبل إليها مودّعاً، وقد أوشكَت القافلة على المسير.
وهي لا تنسى أبَداً أيضاً تلك الخطوط العريضة الواضحة من الحبّ والعطف، وهي مرسومة على وجهه المُشرق المضيء، ولا تنسى أبداً كيف أنّه مكَث معها، وكأنّه لا يُريد أنْ ينصرف، أو كأنّه لا يتمكّن من الانصراف حتّى أنتزعه إخوته من أمامها انتزاعاً، وهم يهوّنون عليه مدّة البُعد، ويمزحون معه ويتضاحكون وهي لا تنسى أيضاً كيف أنّه كان يلتفت نحوها، وهو سائرٌ إلى حيث تنتظره العير.
وفي كلّ لفتةٍ مِن لَفَتَاته كانت تقرأ معنىً من معاني الحبّ حين يلتهب، ويشدّ إنساناً إلى إنسان، كان زوجها المسافر يحسّ بأنّه مخلّف وراءه شيئاً لم يسبِق لغيره من المسافرين أنْ خلّف مثله...
وكان يشعر أنّ آمنة وهي تحمل له جنينه الغالي، قد بدَت لِعَينَيه في تلك اللَمَحات داخل إطارٍ من نورٍ مقدّس، ووسَط هالةٍ مِن الإشعاع السماوي، ولكنّه كان مضطرّاً إلى السفَر فسافر وهو على أملِ لقاءٍ قريب.
وهكذا تستمرّ آمنة بنت وهَب سارحةً مع أفكارها وأحلامها، وتستمرّ أفكارها وأحلامها معها أيضاً، عنيفةً بها مرّة ورفيقةً بها أُخرى، حتّى تنتزعها من انطلاقتها الحلميّة تِلك أصواتٌ غريبةٌ وصَلَت إلى سمعها مِن صحن الدار، وحرَكة غير طبيعية أخَذَت تدبّ في أرجاء البيت فتهتزّ لهذه الظاهرة الجديدة لحظة، ويُخامرها قليلٌ من أمَل وتساورها لَمحةٌ من رجاء.
ماذا لو كان الحبيب الغائب قد عاد هو ومَن صحبه مِن الإخوان، وماذا لو كان ما تسمَع رجع صدى قدومهم على غير ميعاد.
ماذا لو كان عبد الله قد اختصر المدّة ورجَع إلى أهله وإليها وإلى جنينها الحبيب، ثمّ تنهض متعجّلة وهي بين اليأس والرجاء، وتذهب متلهّفةَ الخُطى وقلبها يكاد يسبقها في المسير، وتذهب لتسأل عن الخبر اليقين، وتلقي سؤالها بصوتٍ كأنّه حشرجةَ روح...
ماذا هل قدم عبد الله!؟..
فهي تشعر أنّ هناك واردين جُدُداً، وهي تحسّ أنّ الدار ليست على هدوئها الاعتيادي، ولكنّها لا ترى عبد الله، وكانت تتوقّع أنْ تبصر به قبل السؤال، ولكنّها حينما لم ترَ عبد الله، وحينما وثِقَت مِن قدوم المسافرين الذين صحبوا زوجها في السفَر انبعثت آهاتها كلمات سألَت فيها عن عبد الله، وتسمَع الجواب وهي لا تكاد تفهم منه إلاّ القليل فقد أذهلتها الصدمة، وشلّت حواسها المحنة التي شعرت بها قبل أنْ تسمعها.
وعرفتها بدون أنْ تخبر بواقعها وكان الجواب.. لا لَم يجئ عبد الله ولكنّهم الآخرون، فتعود تسأل وهي لا تعلَم أنّها تسأل وتستفهم وهي في غنىً عن الاستفهام، إذن فأين عبد الله وما الذي قعد به عن متابعتهم في السير... فيقال لها: أنّه مريض وقد أفاءَ إلى قومٍ في منتصف الطريق يستضيفونه حتى يقوى على السفر، وهي تسمَع الجواب وتفهم منه غير الذي قيل، فتنطلق روحها مِن فمِها إلى كلماتٍ مرّة وتقول:
آه مَن لي بعبد الله ومَن لوليدي بأبيه، وهكذا تتلاشى أحلام آمنة وينهار صَرح أمانيها فنراها وقد تسربلت بأبراد العَزاء، بعد أنْ انطفأت شُعلة السعادة المتوهّجة في صباها الريّان فهي رابضة بعيداً عن اللدات والرفيقات..
منصرفةً عن الدنيا وما فيها من مباهج.. عاكفةً على آلامها الممضّة، منطويةً تحت سَماء الحُزن القاتم وفي إطارٍ من الألَم المرير.. فهي لا تحيى إلاّ للذكرى ولا تعيش إلاّ على حطام السعادة المفقودة، بعد أنْ افترقت عن رفيق دربها السعيد، وأصبحت وهي الزهرة الناظرة رهينةَ الثكل الممضّ والحزن القاتل، فآمنة كادَت بعد فجيعتها بعبد الله أنْ تزهد في الحياة فما عادت تشعر للحياة معنى وهي خلو مِن عبد الله، وعبد الله كان لها الحياة الروحيّة بكلّ معاني الحياة.
ولكنّ بارقة من أمل وشعور لا إرادي أخذ يشدّها للحياة التي أنكرتها، وأخَذ يُشعرها بوجودها حيّةً مع الأحياء، ويُذكّرها أنّها لم تمُت يوم مات عبد الله، فقد أخذَت تشعر أنّ عليها تجاه عبد الله واجباً يجب عليها أنْ تؤدّيه، وأنّ في أحشائها وديعةً لفقيدها الغالي، لا يُمكن لها بأيّ حال من الأحوال أنْ تنساها، أو تتناساها، وأحسّت أنّ رسالتها بالنسبة لعبد الله لم تنته بعد، فما دام طفله معها فهي مسؤولة أنْ تعيش، ولهذا فقد أقامَت على لوعةٍ مُريعة وألَمٍ ليس فوقه ألم، وما أكثر ما كانت تسترجع ذكرى أيّامها مع الزوج الغالي، وأيّامها قبل أنْ يدخل حياتها وتدخل حياته، وكيف أنّه أختارها هي دون سِواها مع كثرة
الإغراء الذي أُحيط به من فتيات قريش، ولهذا فما أكثر ما حُسِدت عليه، وما أكثر ما اعتزّت به وفرِحَت فلَم يكُن عبد الله بن عبد المطّلب بالعريس الهيّن، فهو غصنُ بني هاشم، ومنار فتيان قريش، فماذا لو لم يُفرّق الموت بينهما، وماذا لو تركهما يتذوّقان الهناء، ولو إلى مدّةٍ قصيرة، وماذا لو أمهله المَوت حتى يرى وليده العزيز، وماذا لو رحِم الموت هذا الجنين الذي سوف يستقبل الدنيا أو تستقبله الدنيا، وهو يتيمٌ وحيد، وهي لا تزال تذكر ساعة الوداع ولا تنسى وصايا عبد الله لها، أنْ تحافظ على جنينها ما وسِعها الحفاظ، ولكن أين هو الآن وقد آن للعزيز المنتظر أنْ تبصر عينه نور الحياة، وفعلاً فقد استقبلَت الدنيا محمّد بن عبد الله وهو يتيم يكفله جدّه وتحضنه أُمّه الثاكلة آمنة بنت وهَب، وهي المرأة الأُولى في حياة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ تمضي الأيّام تتبعها الأسابيع والشهور وآمنة عاكفة على وليدها الغالي، تفديه بالنفس والنفيس حتى بلَغ السنّ الذي يتحتّم به عليها أنْ تدفع به إلى المراضع؛ فقد كان المفهوم السائد في ذلك العصر أنّ الطفل الذي ينمو في البادية ويترعرع في جوّها الطلق يكون أشدّ عوداً، وأقوى
عزيمةً من الطفل الحضَري، وعلى هذه القاعدة المتّبعة دفَعَت به أُمّه إلى حليمةَ السعدية، وهكذا أصبحت حليمة المرأة الثانية في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد رجعت حليمة وزوجها إلى أحياء بني سعد، وهي تحمِل معها طِفلاً يتيماً لم تتمكّن أنْ تحصل على غيره في الوقت الذي حصَلَت فيه باقي المرضعات على أطفالٍ أغنياء استلمتهم مِن أيدي أبوَيهم محمّلين بالزاد والمال الوفير...
ومنذ أنْ ضمّت ساعداها هذا اليتيم أحسّت أنّه أصبح لها كلّ شيء، وأحسّت أنّها تودّ جادّةً أنْ تصبح له كلّ شيء أيضاً، وما أنْ سافرت به حتى بدأت تتعشّقه وتُفنى فيه، ولم يستقرّ بها المقام إلاّ وهي تشعر بأنّها تحمل معها كنزاً ثميناً دونه الكنوز، وعرَفت بدافعٍ من أعماقها بأنّها هي الرابحة الحقيقية دون سِواها مِن المرضعات؛ وقد بدأت تلوح لها بوادر تؤيّد عندها هذا الشعور، فقد عمّت البركة جميع الحيّ وتزايد الخير بالزاد والمال، وقد أفضَت بما تراه لزوجها ونبّهته إلى بوادر الخير التي أخذَت تلوح لهم.
فقال لها: عسى أنْ يكون لهذا الغلام شأنٌ وأوصاها
بالعناية به والحرص عليه؛ ولكن حليمة لم تكن تحتاج إلى أيّ توصية فقد أزدحمت في قلبها جميع عواطف الأُمومة تجاه هذا الطفل الصغير، وتفجّر في فؤادها ينبوع من الحنان لا يمكن له أنْ ينفد أبداً، وقد كانت تقدّمه على أولادها، وتحلّه في أعلى منزلةٍ من قلبها ورعايتها وبِرّها وكرمها، وقد اختلقت كثيراً من المعاذير والحُجَج لتتمكّن من استبقائه عندها أكبر مدّة ممكنة، فما كانت تتمكّن أنْ تنفصل عنه أو أنْ يُفارق أحضانها ويبعد عن ساعديها، فقد كان بالنسبة لها ينبوعاً للخير والبرَكة والسعادة والهناء.
وكذلك كان محمّد بن عبد الله أيضاً، فهو يحبّها ويركَن إليها ويحترمها صغيراً وكبيراً، ويحفظ لها جميلها بكلّ احترام، وقد عاشرها سعيداً وفارقها غير قالٍ، ولا عاتب، وقد بقيَ يذكرها بالخير والإعزاز حتى بعد النبوّة، فقد كان (صلوات الله عليه) يناديها بـ (يا أُمّي)، وإذا أقبَلَت إليه أفسَح لها مجلساً إلى جواره، وقد يتّفق أنْ يهوي على صدرها فيقبّله وهو أكثر ما يكون بَرّاً بها وحَدَباً عليها..
ثمّ يرجع محمّد بن عبد الله إلى كنَف أُمّه وجدّه لكي يحظى برعاية الأُمّ في أوائل صِباه، ولكي ينشأ في ظلّ جدّه
وتوجيهاته، ولكنّ القدَر سرعان ما يقِف معه مرّة أُخرى لينتزع منه أُمّه، وهو لا يَزال طفلاً طريّ العود.. يصحبها في سفرةٍ تقصد بها أخواله ومعهم وصيفتها الأمينة أُمّ أيمن؛ وفي وسَط الطريق، وبين أميالٍ متراميةٍ وصحراءٍ لا متناهية يمدّ القدَر يدَه لينتزع منه آخِر ركيزةٍ له في الحياة فتلحق العلّة بأُمّه وينتزعها الموت من بين يديه.
ويعود محمّد الصغير يتيماً مرّة أُخرى أو بعبارة أُخرى يتيماً مرّتين ولا تمهله يدُ الزمَن حتى تفقده جدّه البار الذي كان يعوّضه بحنانه عن حنان الأبوّة وبعطفه عن عطف الأُمومة، وعند هذا يكفله عمّه أبو طالب ويفتَح له بيته وقلبه ويفسَح له في مكانه وحنانه.
وتكفله فاطمة بنت أسد زوجة عمّه الكريمة كأحسَن ما تكون الكفالة، تحلّه في المحل الرفيع مِن قلبها ورعايتها، وتمدّ له يدَ العون والحدب بكلّ ما تستطيع.
وفاطمة هي المرأة الثالثة في حياة الرسول العظيم فلَم تكن تحسّ أنّ محمّداً يختلف بقليل أو كثير عن أولادها الباقين، بل إنّها كانت تحسّ بأنّ لمحمّد شأناً يخوّله أنْ يحتلّ الصدارة في قلبها، وعواطفها، وكانت
تتابعه بعينها وهو ينمو إلى الشباب الزاهر، ثمّ يكتمل شبابه ويغدو رجُلاً ملء السمع والبصر.
كانت ترى فيه حصناً ورصيداً لها في مستقبل أيّامها، وكانت تستمدّ من وجوده العزيمة والمضاء، ولَشدّ ما كانت تعتزّ بأنْ تراه وهو يحتضن وليدها الغالي عليّ فهيَ فخورةٌ بهذا الاحتضان الروحي ومتفائلةٌ به خيراً.
فمحمّد هو أوّل شخص أبتسم له ابنها عليّ بعد إذ خرَجَت به من الكعبة، وهي تحمله بين ساعديها الحنونين، فهي لا تنسى أبداً أنّ عليّاً ولِد في الكعبة وفي أشرف بقعة فيها، وها هو عليُّها العزيز، وقد أخذ ينمو ويترعرع تحت رعاية وتوجيهات ابن عمّه الصادق الأمين محمّد بن عبد الله ومحمّد رسول الله أيضاً بعد إذ غدا شابّاً.
وفي أوجّ شبابه لم يكن لينسى لفاطمة بنت أسَد حبّها، ولم يكن ليتنكّر لحنانها مطلقاً، فهو لها كولدها في كلّ أدوار حياته وفي كلّ أحواله، وقد استخلص لنفسه ولدها عليّ بعد إذ عمّت المجاعة في مكّة.
وكان عمّه أبو طالب كثير العِيال مُرهَقاً بتكاليف
العيش، وكان رسول الله قد استقلّ في ذلك الحين ببيته ومع زوجه خديجة، ومنذ أنْ فتَح لابن عمّه بيته وقلبه لم يفترِق عنه يوماً واحداً في كلّ الظروف والملابسات.
وكانت فاطمة بنت أسَد ترى هذا الامتزاج العاطفي بين ابنها وابن عمّه فتُسرّ له، وتفرَح فيه فهي تُكْبر محمّداً وتعجَب فيه وتعتمد عليه وتركن إليه، وكان الاثنان يحلاّنها محلّ الأُمّ لا فَرْق بين ابنها وابن عمّه.
فقد جاء في الروايات أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب لمّا أخبَر رسول الله بوفاة أُمّه قال: (إنّ أُمّي قد توفّيت يا رسول الله)، فيردّ عليه رسول الله: (بل أُمّي أيضاً يا علي..)، وناهيك عمّا تحمل هذه الكلمة مِن تسلية للابن الفاقد أُمّه، وما تعطي للأُمّة من دروسٍ في الوفاء والإخلاص وحفظ الجميل، وقد أعطاها ثوبه المُبارك لتلِف به مع كفنها كي يكون لها سِتراً ومعاذاً، وجلَس على قبرها بعد أنْ انفضّ الجمع، وأخَذ يدعو لها ويسأل الله أنْ يجزيها عنه خيراً ويستعيد في فكره أيّامَها معه، إذ هو طفلٌ صغير، وحنانها عليه حينما كان يتيماً وحيداً، ورعايتها له وهو شابٌّ فتيّ، وأخيراً قام عن قبرها وهو حزينٌ كئيب.
فقد كانت هي المرأة الثالثة التي دخلَت في حياته (صلوات الله عليه) والتي نشأ في ظلال عواطفها إلى حين استقرّ به المطاف عند قرينته خديجة بنت خويلد.
خديجة بنت خويلد بن أسَد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد كانت سيّدة نساء عصرها، كمالاً وجمالاً ومكانةً وكرامة، فهي سليلة دوحُة ثابتة الفروع، وفرْع شجرةٍ عميقة الجذور، وقد عُرِفت بين قومها بسموّ الروح وعلوّ الهمّة وقوّة الشخصية، وثبات الفكْرة وصواب الرأي، وقد كانت مع كلّ هذه الثروات المعنويّة والأدبيّة ثرية في مالها أيضاً، وقد كانت تفتّش عمّن تستودعه المال ليُتاجر لها به، على أنْ يكون أميناً صادقاً مُخلصاً، فهي جادّة في طلب ضالّتها من بين شباب قريش وشيوخها، وبما أنّها امرأة لا تُتاح لها المراقبة الدقيقة كانت تحتاج إلى صاحب ثقة تتمكّن أنْ تُودِعه مطمئنّة مرتاحة.
ومحمّد بن عبد الله كان يُفتّش بدوره أيضاً عمّن يدفع له مالاً يُتاجر له به، فهو وإنْ كان فتى قريش الأوّل ومحطّ أنظارهم جميعاً، ولكنّه لم يكن ليستغني عمّا
يحتاج إليه غيره من رجال قريش، ويسمع كما يسمع غيره أنّ خديجة بنت خويلد تفتّش عمّن يُتاجر لها بمالها فيتقدّم إليها عارضاً عليها استعداده للقيام بهذه المهمّة.
وخديجة بنت خويلد تلاقي عرضه بالقبول، بل بالرضاء والاطمئنان فهي تعرِف محمّد بن عبد الله وتعرِف عنه الكثير أيضاً، ولم يكن في مكّة مَن لا يعرف محمّداً الصادق الأمين.
فخديجة راضيةٌ لهذه الشركة ومتفائلة بها خيراً، وتدفع له أموالها وهي واثقة من أنّها قد سلّمتها لِيدٍ أمينةٍ حريصة على أداء الأمانة، ولذلك فقد أخلدَت إلى راحةٍ نفسيّة عميقة، وظلّت تنتظر رجوع محمّد بن عبد الله وغلامها ميسرة الذي أرسلته مع محمّد، ورجع محمّد ورجع معه ميسرة.
وكان (صلوات الله عليه) يحمِل لها معه الربح الزاكي الوفير، وتخلِد خديجة بنت خويلد إلى غلامها ميسرة تسأله عمّن رافق في السفَر، وتحلِف عليه أنْ يشرح لها كلّ ما وجدَه منه وما رآه عليه، وهي على شبه يقين من أنّ غلامها سيقصّ عليها مِن أمر رفيقه عجَباً، وغلامها مندفعٌ يُعدّد لها مناقبَ محمّد، ويصف لها حركاته وسكَناته والإعجاز في
سلوكه، وأُسلوبه وكلّ شيءٍ فيه، وهي منصتة له بقلبها وفكرها وبكلّ جارحةٍ فيها تستزيده ولا تنكر من حديثه شيئاً، ولا تستغرب منه خبراً، فهي قد عرفت أنّ محمّداً بن عبد الله رجلٌ لا كالرجال وقد سمِعت عنه ما جعَلَها على يقينٍ مِن أنّ له في مستقبله شأناً سماويّاً.
وخديجة في ذلك الحين امرأةٌ في نهاية العقد الرابع مِن عمرها، وكانت قد تزوّجت ومات عنها زوجها، وهي في رَيعان الشباب.
خديجة بنت خويلد - وقد أثّرت عليها شخصيّة محمّد بن عبد الله، واستولَت على أفكارها وأمانيها روحُه السامية بكلّ ما فيها من معاني الكمال - تودّ مِن صميم قلبها أنْ تقرِن به حياتها الثمينة، وأنْ تكون له كأروَع ما تكون الزوجة الوفية المخلصة.
نعم خديجة بنت خويلد الغنيّة بمالها وجمالها وعزّها، ومجدها تبعث إلى محمّد بن عبد الله الصادق الأمين وتطلب إليه الزواج حبّاً في شخصه، وتفانياً في روحه ونفسه.
وقد كان (صلوات الله عليه) في ذلك الحين شابّاً في
أواسّط العقد الثالث من عمره المبارك، وهو يتمتّع بكلّ معاني الكمال من الجمال والعزّة والكرامة وسموّ المكانة وعلوّ الرتبة، وقوّة الشخصيّة وقد كان يتمكّن بسهولة أنْ يخطِب له أيّ فتاة مِن فتيات قُريش مهما علَت بشأنها وجمالها.
فهو منار شباب قريش والمقدّم عليهم في كلّ مضمار، ولكنّه بدافع خفيّ وجَد نفسه يندفع إلى خديجة بنت خويلد السيّدة التي تكبره بخمسة عشر سنة متجرّداً عن العواطف الشهوانية، والأهواء المادّية مترفّعاً عن كلّ ما يصبو إليه غيره مِن متعة جسدّية، وغايات رخيصة.
فهو كان يرى في الزواج شركة روحيّة مقدّسة لا تطغو عليها المادّة ولا تتحكّم فيها النزَعَات الحيوانيّة.
فالزواج في نظَر الرسول الأعظَم امتزاج روحَين، ووحدة هدف، وغاية وتعانِق قلبَين طاهرين قبل أنْ يكون صِلة جسدية.
ومَن أجدَر مِن خديجة بنت خويلد بأنْ تحتل في قلب محمّد وفي حياته مكان الصدارة، وفعلاً فقد دخلَت خديجة في حياة رجلها الخالد كامرأة رابعة، ولكنّها لم
تدخل في حياته وهو محمّد بن عبد الله فحسب، بل وهو رسول الله وخاتم أنبيائه أيضاً.
وهكذا كانا مفترقين ثمّ جمعهما القدَر السماوي دون أنْ يشعرا ليضمّ ثروةَ خديجة إلى دعوة محمّد، وما أحوَج الدعوة إلى رصيد تسلك به الطريق، وقد وجَد كلٌّ منهما ضالّته المنشودة في قرينه وصفّيه، فخديجة بنت خويلد ربيبة الترَف والدلال والمتقلّبة في أحضان النعمة والثراء، تفنى في رجلها الحبيب الفقير، وتتعرّف في كلّ لحظة على معنىً من معانيه، يزيدها فناءً فيه ويُحبّب إليها ذلك الفناء.
ومحمّد بن عبد الله أحسَن رجال قريش شكلاً، وأعرقِهم أصلاً، وأصدَقِهم لساناً، وأقواهم جِناناً، وأذيَعهم صيتاً وأعلاهم درجةً وهو في الخامسة والعشرين مِن عمره الشريف يخلص لزوجته الوفيّة خديجة، وهي في الأربعين من عمرها المبارك. يخلص لها خلوص الزوج الواثق ويركَن إلى حنانها وعطفها ركون الابن إلى أُمّه.
وخديجة هي رابعة امرأة دخلَت في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن أتراه كان نسيَ النساء الثلاث اللاتي تقدّمنها...
أتراه قد أهمل ذكرهُن أو تجاهَل وجودَهُن في حياته الماضية؟
كلا؛ فإنّ محمّداً بن عبد الله لم يكن من النمَط الذي ينسى مَن أحبّوه، أو يتجاهل ذِكر مَن لَم يتجاهلوه.
وما أكثر ما كان يسرَح مع أفكاره في ساعات عزلته، ويرجع بها إلى الوراء إلى أيّام حداثته، وصباه الأوّل، مِن عهد أُمّه آمنة إلى مرضعته حليمة، إلى زوجة عمّه الكريمة فاطمة بنت أسد، ويقف معهنّ عند كلّ لمحة حبّ، أو لفتةِ عطف، ويدعو لهنّ بالرحمة والغُفران، وكان يرى حياته الماضية، وكأنّها شريطٌ يتَتابع ويتلاحَق أمام عينَيه بكلّ ما يحمِل هذا الشريط مِن إكرام وآمالٍ ومِحَن، ومصاعب.
ثمّ يعود ليستقرّ بأفكاره عند واقعه الحالي، ويُركِّز على خديجة هذه السيّدة الطاهرة التي يحسّ بها كقوّة خفيّة تشدّ ظهره، وتسند كيانه، وكأنّه كان يعلَم أنّها سوف تقِف معه، إذ لا واقف غيرها، وتصدّقه حين لا مصدّق سِواها، وتمضي السنون تتلاحق، والأحداث تتابع ومحمّد بن عبد الله هو وخديجة بنت خويلد يشقّان
طريقهما معاً في الحياة وقد ظلّلتهما سَماء الحبّ وأحاطتهما يدُ الإخلاص والوفاء.
وكان (صلوات الله عليه) كثيراً ما يعتكِف الساعات الطوال في غار حِراء، يعتزل بها الدنيا بروحه وفكره، وجسده، ويروح يسبَح في ملَكوت السماوات.
وما أكثر ما كانت تستبطئه خديجة وتفتقد قدومه في وقته المعين، فتذهب بنفسها غير واثقة من أنْ تنيب عنها خادمه أو ترسل دونها رسولاً، تذهب لتفتّش عنه في الأماكن التي تعلَم أنّه يزورها دائماً، وخصوصاً غار حراء.. فقد كان هو الخلوة المفضلّة لدى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وقد كانت خديجة تحمل له بيدها الطعام والماء، ولا تذهب إلاّ للاطمئنان على سلامته، فقد كانت تشجّعه على هذا الاعتكاف لثقتها من أنّ وراء هذه الخلَوَات رسالة مقدّسة سوف يحملها بعلُها الغالي.
ولذلك فلَم تكن تتبرّم لغيابه أو تعتب عليه، وكانت تشعر بروحها وهي تذهب معه أينما ذهب، فهي معتكفةٌ معه في الغار، وهي سارحة وإيّاه في البراري والقفار،
فإنْ فاتها أنْ تُسايره جسميّاً فإنّها لم تكن لتفارقه روحيّاً، وفكرياً.
وكانت تُتابع حركاته وسكَناته بعينها الساهرة الحنون وهي رفيقةٌ به عطوفةٌ عليه..
وفي أحدِ الأيّام يدخل على خديجة زوجُها المصطفى بعد أنْ كان قد أمضى في غار حِراء الساعات الطوال، فتنشط لاستقباله هاشّة باشَّة، ولكنّها تنكر منه حالَه ولونَه، وتنكر منه ما يبدو عليه من ضعفٍ وإعياء، فهُو شاحبُ اللون مجلّلٌ بالعرَق، ويطلب إليها أنْ تُدثّره، وهو يرتعِد، فتُدثّره خديجة وهي مِلحاحة في التعرّف إلى ما يُخامره، فلَم تعهد بمحمّد ضعفاً، ولم يصدف لها أنْ رأت الاضطراب بادياً عليه كما تراه الآن، وهي تعلم أنّ زوجها الحبيب لا يضعف، ولا يتخاذل لأيّ سببٍ مهما كان مؤثّراً ومهما كان صعباً.
ولذلك فهي تسأله في إصرارٍ وإلحاح وهو يتهرّب مِن الجواب ويُماطل في الردّ، ولكنّ خديجة الزوجة وخديجة الرفيقة والصديقة تأبى إلاّ أنْ تتعرّف إلى حاله، وتفهم السبب كيما لا تتأخّر عن موقفها الطبيعي في السير معه في كلّ مضمار، وإلى كلّ غاية.
وأخيراً يُخبرها الرسول بما سمِع ويشرح لها ما أحسّ، ويقصّ عليها خبَر الروح الذي فاجأه في غار حِراء وقال له:
(اقرأ)، فيجيبه: (ما أنا بقارئ)، فيكرّرها عليه ثلاثاً، ويرد الجواب نفسه ثلاثاً أيضاً فيقول، الروح:
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ( صَدَقَ اللهُ العَظيم ) .
وهنا تسأله خديجة وهي في نشوةٍ روحيّةٍ نشطة: ألَم تسأله مَن أنت، ألَم تسأله عن اسمه؟ فيجيبها (صلوات الله عليه) قائلاً: (سمعته يقول: أنا جبرئيل، جئت أُبلّغكَ رسالةَ ربّك)، ثمّ يردف، وكأنه يُريد أنْ يبثّ خديجة ما يحسّ وأنْ يُشاركها بأفكارها.
قال: (لقد خشيت على نفسي).
فتجيبه رضوان الله عليها باندفاع وحماس.
كلا والله، ما يخزيك الله أبَداً إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُكسِب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتصدِق الحديث، وتؤدّي الأمانة.
بهذه الكلمات البليغة الحكيمة ردّت خديجة على زوجها مشجّعة مصدقة، وكلّها اطمئنان إلى صِدْق محمّد بن عبد الله، ثمّ ينزل عليه الوحي ليأمره بأنْ ينذر، وأنْ يُبلّغ ويدعو إلى رسالة السماء، وينهض رسول الله لكي ينذر وتنهض خديجة أيضاً تهبّ معه بكلّ طاقاتها وإمكانيّاتها المعنوية، والعاطفية، والمادية.
ومضَت تواكب سَيره المبارك في كلّ مضمار، وعندما خرَج ليُصلّي في المسجد لأوّل مرّة، وخرَج معه ابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، كانت خديجة ثالثتهما في الصلاة، لم تقعد بها خيفة ولم يُثنها عن اندفاعها الإسلامي تردّد أو شكّ؛ فهي تعرف محمّداً كما لا يعرفه غيرها من الناس، وتثقُ فيه ثقةً مطلقة.
وهذه إحدى نواحي الإعجاز في النبيّ، فإنّ أكثر عباقرة التاريخ كانوا يُعانون الأمرَّين مِن تصرّفات زوجاتهم، وعدَم تصديقهن بعبقريّتهم، فإنّ الإنسان الاعتيادي مهما كان عبقرياً فذّاً لا يُمكن له أنْ يخلو من نقصٍ، ونقاطٍ ضعف إذا فرض فأمكن له أنْ يخفيها عن
كلّ أحدٍ لا يمكن له أنْ يخفيها عن زوجته التي هي أقرب الناس إليه، بالنسبة إلى رسول الله وزوجته خديجة انقلبت هذه القاعدة، فأصبحت الزوجة أوّل مصدّقة ومؤيّدة؛ لأنّه (صلوات الله عليه) كان فوق مستوى غيره من الرجال مهما كانوا عباقرةً وأفذاذاً، فكلّما كان الشخص قريباً منه كان أكثر حبّاً له، وأكثر عقيدة، وأرسَخ إيماناً برسالته، ودعوته.
فقد كانت عواطفه الإنسانية عامّة شاملة لكلّ نواحي الحياة، سيّان في علاقاته الداخلية أو الخارجية، حتى أنّه كان إذا لقِيَه أحدٌ من أصحابه فقام معه فلَم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه.
وإذا لقيه أحدٌ فتناول يدَه ناوله إيّاها فلَم ينزع يدَه منه حتى يكون الرجل هو الذي يدَع يده.
وكان أشدّ حَياءً من العَذراء في خدرها.
وكان أصبر الناس على أقذار الناس.
كان عطوفاً على كلّ ضعيف بارّاً بكلّ مسكين، ما ضرَب أحداً وما نهَر خادماً قط.
وقد رُوي عن أنَس أنّه قال: خدَمت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عشرَ سنين فما قال لي أُفٍ قط، ولا قال لي لشيء صنعته لمَ صنعته، ولا لشيءٍ تركته لم تركته.
وحتى زيد بن حارثة الذي خُطِف من أهله وهو صغير ثمّ اهتدى إليه أبوه واهتدى هو إلى أبيه على لهفةِ الشوق بعد اليأس من اللقاء، فلمّا خُيِّر بين الرجعة إلى أبيه وبين البقاء مع الرسول اختار البقاء مع السيِّد عن الرجعة إلى الوالد، وشقّ عليه أنْ يفارق ذلك الرصيد العامر بالعطف والحنان، والذي غمره بحبّه ومواساته، إذ هو ضعيف شريد لا يرى ذويه، ولا يدري مَن هم ذووه.
وحتى مولاه ثوبان، والمولى في أغلَب الأحوال يكون كارِهاً لمولاه، حاقداً عليه قالياً له؛ نظراً لِما يحسّه من تقدّم سيّده عليه ومالكيّته له، ولكنّ ثوبان نحَل وظهر عليه الحُزن في ليله ونهاره فلمّا سأله (صلوات الله عليه) عن سبب ذلك قال: قُرب منيّتي وخوفي مِن فراقك؛ لأنّك في الجنّة سوف تكون في درجات الأنبياء فلا أستطيع أنْ أراك.
ولهذا نزلت الآية الكريمة التي تبشّر المؤمنين المخلصين بصحبة الأنبياء الصالحين: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) النساء/69.
هذه نواحٍ تكشف عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما هو إنسانٌ كامل حتى في نظر زوجته ومولاه ومرافقه، هؤلاء الذين تنكشف لهم على الخصوص أخفى نواحي النقص، وأدقّ نقاط الضعف.
هكذا كان (صلوات الله عليه) في نبوّته وقبلها.
هكذا كان في محيطه الضيّق، وفي محيطه الواسع.
ولهذا ولكونه الرجل الكامل والإِنسان الكامل، بعثه الله بالنبوّة، وحمله ثقل أقدَس رسالة بعثت للناس.
وهكذا بُعث محمدٌ الرجل الأوّل والإِنسان الأوّل ليكون النبيّ الأوّل، وكانت خديجة من ورائه تسانِد وتعاضد، فما أكثر ما امتُحنت وإيّاه، وما أكثر ما شدّد عليهما الكفّار وتهدّدت حياتهما بالخطر، وما أكثر ما رجع إليها الرسول وهو مصاب بجروحٍ ورضوض، من قبل الأعداء ولم تكن لتزيدها هذه الأحوال إلاّ صموداً ولم تكن لتهبها إلاّ قوّةً وعزيمةً وثبات إرادة.
فقد نفذ نور الإِسلام إلى الأعماق من روحها وفكرها، فاستنارت بنوره واهتدَت بهداه ومن خصائص الإِسلام
ومميّزاته بوصفه عقيدة ثورية تتّسق مع الفطرة والعقل، وتغمر الوجود الإنساني كلّه أنّه إذا استقرّ في قلبٍ، وأيّ قلب كان، فتَح أمامه أبواباً للتضحية والفداء، فمَا أكثر النساء المُسلمات اللاتي قدّمْنَ الضحايا مِن الآباء والأبناء وهُنّ أكثر ما يكُنّ ثباتاً وقوّة، بل وكُنّ يَستهِنّ بالموت من أجل القضية الإسلاميّة، أمثال أُمّ عمّار بن ياسر التي صمَدَت على كلمة الإسلام أمام كلّ الوسائل الوحشيّة التي اتخذت لتعذيبها والتنكيل بابنها وزوجها، وكان رسول الله يمرّ عليهم وهُم يُعذّبون فتطفر الدموع من عينيه ويبشّرهم بالجنّة نزلاً، وكثير غيرها من النساء المسلمات اللاتي اعتنَقنَ الإسلام في أحرَج أدواره وأشدّها، ولكنّ المجال لا يتّسع لنا لذكرهنّ جميعاً، ولعلّنا سوف نلتفت إلى هذه الناحية من حياة المرأة المسلمة في رسالة خاصّة تُبيّن مُواكَبة المرأة للإسلام وأثرها في الدعوة الإسلامية.
فقد كانت المرأة المسلمة تذهب إلى ساحات الجهاد لتشجّع إخوتها وأولادها على خوض غِمار الحرب، وهي معهم تطبّب وتداوي وتسقِي العطشى وتعين المصاب، ولا يزيدها فقد الأولاد والأخوة والأعمام إلاّ حرصاً على الإسلام وتفانياً فيه.
وقد كانت المرأة المسلمة تسمَع بأذنيها نعي أعزّائها وأحبّائها، وهي لهفانة في الوقت نفسه للاطمئنان على سلامة رسول الله، وعلى هذا فلا عجَب إذاً، إذا كانت خديجة زوجة الرسول أوّل مُصدّقة به وأقوى ساعد لديه، والواقع أنّني حينما أُراجع سِيَر النساء المسلمات في صدر الإسلام وأقرأ تضحياتهنّ ومواقفهنّ أكاد أسأل جادّةً هل نحن مسلمات حقّاً.
هذا الإسلام هو الذي نوَّر قلب خديجة بعد إذ انبثقت أنواره من غار حِراء ومن بيتها هي بالذات، ولهذا فقد كانت خديجة (رضيَ الله عنها) جديرةً بهذا الاندفاع الإسلامي، وهي التي اصطفَت محمداً لنفسها منذ زمنٍ بعيد، وبعد أنْ عرَفت أنّه صاحب رسالة مقدّسة، ولذلك فهي لم تُفاجأ ولم تستغرِب عند سماعها بخبرِ الوحي الذي نزَل على زوجها في غار حِراء، وقد قنعت من زوجها بكلماتٍ قلائل سُرعان ما صدّقَته بعدها، وآزرته وهي أقوى ما تكون فكرةً راسخة مركَّزة، وإحساساً فيّاضاً صادقاً.
واستمرّت خديجة أُمّ المؤمنين تحيى بحياة الرسالة المحمّدية وتستهين في سبيلها بكلّ المصاعب والمِحَن، وقد بذلَت في هذا الطريق كلّ ما تملك من مال حتى
أصبحت وهي الغنيّة الواسعة الثراء فقيرةً لا تملك شيئاً، وقد استنفدت بدعوتها رصيدها الضخم من المال، ولم يبقَ منه حتى النزر القليل، فهي تطوي جوعاً إذا طوى النبيّ، وتشبع إذ يشبَع بالذي يشبع فيه، وهذا يُبيِّن مدى التفاوت بينها وبين باقي أُمّهات المؤمنين، الفارق الذي جعَل رسول الله يحنّ إليها إلى آخرِ يومٍ مِن حياته الشريفة.
فهي قد بذلَت للإسلام كلّ ما تملِك يوم كان الإسلام وحيداً، وصلَّت مع رسول الله يوم لا مصلِّية غيرها، بينما احتجّت أُمّهات المؤمنين الأُخريات على النبيّ، بعد أنْ عمّت كلمة الإسلام جميع البِقاع وطالبن بزيادة النفقة وتوسيع المعيشة عليهن؛ ولم تثنهن نصائح النبيّ عن ذلك، حتى أنّه جاء في الروايات أنّ أبا بكر دخَل على النبيّصلىاللهعليهوآله ومعه نساؤه فوجَده حزيناً وعرَف السبب في ذلك فقام على أبنته يُريد أنْ يجأ عنقها؛ لأنّها آلمَت الرسول واعترضت طريق دعوته بمطاليبها المادّية، حتى نزلَت الآية الكريمة(1) التي خيّرت نساء النبيّ بين متاع الحياة الدنيا وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاخترن صحبة الرسول الأعظم بعد أنْ قُطعت أمامَهُنّ السُبل، وقد كانت خديجة (صلوات الله
____________________
(1) سورة الأحزاب آية 28 - 29.
عليها) لا تألو جُهداً في بذلِ يدِ العون للدعوة الإسلاميّة بكلّ ما يَسعها ذلك، وقد حدَث مثلاً أنْ فرضَت قريش على بني هاشم حصاراً في منطقةٍ تسمّى بمنطقة الشِّعب أو شِعب (أبو طالب) وقد منعوا عنهم في هذا الحصار الماء والزاد، وكان الموت جوعاً يُهدّد جميع بني هاشم لولا أموال خديجة، فإنّها كانت تبعث مَن يشتري لهم الطعام سرّاً وفي أغلى ثمن، تستنصر وتستعين بأولاد إخوتها وأخواتها على ذلك، وبذلك أمَّنت الغذاء لبني هاشم المُحاصرين في الشِّعب.
فلهذا ولغيره من المواقف الفذّة في تاريخ الإسلام احتلّت رضوان الله عليها الصدارة في قلب النبيّ وفي حياته الشريفة.
وقد توفّيت (رضوان الله عليها) في السنة الثالثة عشَر للبعثة وقد حزَن عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله حُزناً عظيماً، وكانت وفاتها في عام وفاة عمّه (أبو طالب)، ولذلك فقد سُمِّي ذلك العام بعام الحُزن لحزنه على فقدها وفقد عمّه (أبو طالب)، نعم توفّيت خديجة المرأة الرابعة التي دخلَت حياة النبيّ في أحرَج أدوارها، لم تخرج مِن حياته أبداً فقد خلَّفت له أغلى وأثمَن ذكرى مقدّسة، وهي الصِّدِّيقة
الطاهرة فاطمة الزهراء (سيّدة نساء العالمين)، وقد جاء في بعض الراويات أنّها خلّفت للنبيّ أربع بنات: هُنّ زينب، ورُقيّة، وأُمّ كلثوم، وفاطمة (وسوف نناقش هذا الموضوع في محلّه إنشاء الله)، وقد أصبَحت الزهراء قُطب الرحى في حياة أبيها العظيم حتى أنّه كان يسميها بأُمِّ أبيها، وقد قامت منه مقام البنت والأُم فهي تجهد أنْ تعوّضه بحنانها عمّا افتقده بافتقاد أُمّها خديجة، وهي تسعى أنْ تكون لرسالته كما كانت أُمّها من قبل.
لم تمنعها حداثة السنّ عن التعرّف إلى جميع مشاكل أبيها وآلامه مهما كانت المشاكل مهمة، ومهما كانت الآلام هائلة، لم تضعف ولم تهن ولم تتردّد أو تتراجع، وقد جاء في رواية عن ابن مسعود قال: بينما رسول الله يُصلّي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جُلوس، وقد نُحِرَت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سَلَى(1) جزور بني فلان فيضعه بين كتفَي محمّد إذا سجَد، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلمّا سجَد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وضعه بين كتفيه
____________________
(1) السلى: جمعها أسلاء، جلدة يكون ضمنها الولد في بطن أُمّه إذا أنقطع في البطن هلَكت الأُم والولد، يقال: (انقطع السَّلى في البطن) أي ذهبت الحيلة وعظُم الويل.
فاستضحكوا وجعَل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعَة لطرحته عن ظهره، والنبيّ ساجد لا يرفع رأسه حتى أنطلق إنسانٌ فأخبر فاطمة، فجاءت وطرحته عنه ثمّ أقبلت عليهم تؤنّبهم على ذلك.
هذه إحدى الروايات التي تدلّ على منزلةِ الصدّيقة في قلبِ أبيها ومحلّها من دعوته ورسالته، وكأنّها قد شعَرَت مع حداثة سنّها بأنّها مسؤولةٌ عن أنْ تكون المرأة الخامسة في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد واكبت سيره بكلّ شجاعةٍ وإقدام.
ونحن الآن لا نكاد نتصوّر مدى ما كانت تتطلّبه من شجاعة، هي وجميع المسلمات في ذلك العصر.
فنحن الآن، وبعد أنْ عمّت كلمة الإسلام جميع الأقطار الإسلاميّة والحمد لله، لا تكاد تجرؤ إحدانا أنْ تجهر بالكلمة الإسلامية صريحةً واضحة، وكانت الزهراء صلوات الله عليها قد انصهرت بأفكار الإسلام روحيّاً وفكريّاً، فقد كانت وهي بنت أعظم رجل عرَفه التاريخ وريحانته الغالية، والتي كان النبيّ يدعوها بأُمّ أبيها ويقول: فاطمة بضعةٌ منّي مَن أرضاها فقد أرضاني ومَن أغضبها فقد أغضبني، وكان يقول حينما يُقبّلها إنّي أشمّ منها رائحة
الجنّة، وهي الحوراء الإنسية، وكانت عنده بمنزلةٍ ما فوقها منزلة، فكانت آخر مَن يراه عند سفرِه وأول مَن يلقاه عند رجوعه من السفر، وكانت هي مَن أنحصر فيها نسلُه (صلوات الله عليه)، ولم يكن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يجهل ذلك.
نعم كانت هي هكذا وكانت أكثر من هذا ولكنّها ومع كلّ هذه المميّزات الروحية والمعنوية، كانت بسيطةً في أُسلوب حياتها، لا تكاد تختلف عن أي! امرأةٍ فقيرة، فبيتها متواضع للغاية لا يحوي إلاّ النزر القليل من الأثاث الضروري الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
فهي مثال المرأة المسلمة المُترّفعة عن المواد الدنيويّة، والصاعدة بروحها وروحيّاتها إلى أُفق الكمال وسَماء العصمة والفضيلة، فإنّ النفس البشرية إذا استنارت بنور الإسلام، وإذا نفذَت إلى مكنوناتها تعاليمه وحِكمه استغنت بمعنويّاتها عن كلِّ ما تحتاج إليه النفوس الضعيفة من مقوّمات لشخصيتها.
نعم هكذا كانت فاطمة الزهراء وهي ريحانة النبوّة وزهرة الهاشميّين، فتاة ترعرعت في أحضان الأبوّة الرحيمة، وهكذا كانت هي عروس تُزَف إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب
عليهالسلام ، فقد خُطِبت إلى أبيها مِن قِبل كثيرين، كان منهم أكابر الصحابة والرسول يردّهم بشتّى الحُجَج والمعاذير، ويقول لهم أنّه ينتظر فيها أمرَ السماء، فقد كان (صلوات الله عليه) يعلم أنّ نسلَه قد أنحصرَ في فاطمة، وأنّ فاطمة وبعلها وأبناءها هُم الذين سوف يكونون الامتداد لرسالته ولدعوته السماوية، ولهذا فقد كان ينتظر الرجل الجدير بتحمّل هذه المسؤوليّة، فلم يكن يتوخّى في زواجها مالاً ولا ثراءً ولكنّه كان ينتظر لها الكُفء.
وفي يومٍ مبارك، وبعد أنْ كان النبيّصلىاللهعليهوآله قد ردّ كلّ مَن تقدّم لخطبة الزهراء، وبما فيهم أبو بكر وعمر، أقبل عليٌّ أمير المؤمنينعليهالسلام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما كان يقبل، فيحيّيه ويجلس إليه كما كان يجلس، ولكن الرسول يحسّ أنّ أبن عمّه قادم لأمرٍ هام، وقد عرَف ذلك بفراسته الشخصيّة وبالإيحاء النبوي، فيُقبل عليه وهو يسأله متلطّفاً مشجّعاً وكلّه حبّ وحَدب على الشاب العزيز الجالس أمامه، هذا الشخص الغالي الذي آخاه واصطفاه، والذي فتح له قلبه رضيعاً ومهّد له بيته صبيّاً.
وها هو الآن يوشك أنْ يُسلّمه أغلى شيءٍ عنده وأعزّ
مخلوقةٍ عليه، ثمّ يقول: (ما حاجة ابن أبي طالب، وما الذي يشغل فكرك يا ابن العم؟)، وكانت هذه الكلمات الرحيمة هي التي شجّعت أبن عمّ الرسول على أنْ يقولَ بصوتٍ خفيضٍ، وهو يغضُّ بصره أمام رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قال: (ذكرت فاطمة بنت رسول الله)، ثمّ يسكت ولا يقوى على الإفاضة أكثر ممّا قال، فيُجيبه الرسول وهو على ما عليه مِن بشرِ ورقَّةٍ لا متناهية: (مرحباً وأهلاً)، ويسكت لحظة ليعود فيسأله حَدباً مُشفقاً وهل عندك شيء؟ فيُجيبه علي وهو لا يزال مغضٍ ببصره إلى الأرض: (لا يا رسول الله)، فيُمسك الرسول لحظة ثمّ يتذكّر أنّ عليّاً أصاب دِرعاً من مغانم بَدر، فيعود ليسأله: (أين دِرعك الذي أعطيتك إيّاه يوم كذا؟)
فيجيب عليّ وقد غلَبه التأثّر لِما يلقى من بِرِّ النبيّ ورعايته، وما يلمَس مِن روح ابن عمّه وصفائها، وهو يعلم أنّه جاء يخطب إلى النبيّصلىاللهعليهوآله فاطمة التي هي أعزّ مخلوقةٍ عند رسول الله، فيجيب: (هي عندي يا رسول الله)، فيقوم النبيّ (صلوات الله عليه) ثمّ يدخل على أبنته الغالية ليَرى رأيَها فيما يطلبه أبن عمّه وأخوه، ويقول لها متلطفاً رفيقاً باراً: (يا عزيزة أبيها الغالية، لقد ذكرك أبن
عمّك عليّ، فما رأيك في هذا يا بنتاه)، والزهراء كانت تعرف ابن عمّها عليّاً، وتعرفه كما لا يعرفه غيرها من الناس.
فهو سيف أبيها ودِرعه والفادي له بنفسه، والبائت على فراشه، وحامل لوائه، هذا عدا أنّها كانت تسمَع دائماً مَدحه والإعجاب فيه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله . وكانت تشعر دائماً وأبَداً أنّ أبن عمّها عليّاً هو أقرَب المسلمين للرسول وأحبّهم إليه، وهي الآن على ثقةٍ مِن أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله راغبٌ في هذا محبّذٌ له، وإلاّ فما كان ليسألها عن رأيها فيه، فما أكثر ما خُطِبت إلى أبيها قبل اليوم وكان يردّهم دون أنْ يسألها عن رأيها في الخطّاب.
وعلى هذا ولكونه جاء ليرى رأيها في عليّ بن أبي طالب، عرَفَت الزهراء (صلوات الله عليها) رأي أبيها في عليّ وفي هذه الخطبة؛ ولكنّها مع هذا تسكت ولا تتمكّن أنْ تُجيب، فما عساها أنْ تردّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحياؤها العذري يمنعها من التصريح بما تُريد، ورضاؤها بهذا الخاطب وقبولها لهذه الخطبة يمنعانها من الرفض فتُطرِق إلى الأرض ولا تجيب، والرسولصلىاللهعليهوآله في كلّ هذا يتطلّع إليها ويقرأ ما ينطبع على ملامحها من أحاسيس وانفعالات
ويشعر أنّها راضية، ويحسّ أنّها مرتاحةٌ مسرورة فيقوم وهو متهلّل الوجه، باسم الثغر ويقول:(سكوت الباكر علامة رضاها) ، فلا تردّ عليه ولا تعترض، فيبتسم ويخرج إلى أبن عمّه ليخبره برضاء الزهراء ويقول له:(أين الدرع يا علي؟) ، فيذهب عليٌّ مُسرعاً ويأتي بالدرع، فيأمره النبيّ أنْ يبيعها ليُجهّز العروس بثمنها، وقد أشتراها عثمان بأربع مِئة وسبعين درهماً حملها عليّ (صلوات الله عليه) ووضعها أمام الرسول، فتناولها بيده الكريمة ثمّ دفعها إلى بلال ليشتري ببعضها طِيباً وعِطراً ويدفَع الباقي إلى أُمّ سلمة لتشتري جهاز العروس.
ثمّ يجمع النبيّ صحابته وآله ويشهدهم أنّه زوّج ابنته فاطمة مِن أبن عمّه عليّ بن أبي طالب على أربع مِئة مثقال من الفضّة، على السُّنة القائمة والفريضة الواجبة ثمّ قدّم للضيوف حلوى العُرس الهاشمي النبوَي وهو وعاء تمر.
على هذا النمَط البسيط وعلى هذا النحو القُدسي، تمّت خطبة الزهراء بنت رسول الله إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وتأخّر الزفاف إلى الوقت الذي يتمّ فيه جهاز العروس ويُهيّأ بيت العريس.
نعم هكذا بكلّ بساطة تمّت خطبة أعظَم خطيبين، فالزهراء عندما خُطبت لابن عمّها لم تكُن تُفكّر في شيء مّما يشغل أفكار غيرها من العرائس، لم تكن تهتمّ بما يملك عريسها من مال وما يُهيّأ لها من أثاث ورياش، لم تكن تحفل بالسفاسف من الأُمور، كأن تكون خطبتها رسميّة عامّة شاملة تعمر بالترَف والبذخ، لم تكن تحفل بكلّ هذه الأُمور الدنيويّة، فهي ابنة رسول الله وابنة خديجة الكبرى.
أوَليست أُمّها هي التي بذلَت المال رخيصاً في سبيل العقيدة؟ أوَليست أُمّها هي التي استبدلَت القصر الشامخ بالبيت المتواضع والترَف الزاهي بِشَظَفِ العيش ومرّه؟
وها هي أبنتها فاطمة تُخطَب إلى عليٍّ أمير المؤمنين بهذه الروعة اللامتناهية التي كوّنتها هذه البساطة في الخطبة، فالإمام عليّ كان يخطِب شخصَ الزهراء بنت رسول الله، والزهراء (صلوات الله عليها) قبلت بالزواج حبّاً بعليّ وبشخصِه لا غير، فلولا أنّ خاطبها كان غير عليّ بن أبي طالب لَما رضِيَت أنْ تفارق أباها وبيته إلى أيّ زوجٍ كان، ولكنّها كانت تعلَم أنّها بزواجها من عليّ بن أبي طالب تتقرّب إلى أبيها وإلى رسالته أكثر منها قبل الزواج،
وأنّها إذا قرَنت حياتها بحياة عليّ تمكّنت أنْ تسند عليّاً بجهادها الإسلامي، وأنْ تُركّز جهاد أبن عمّها بمؤازرتها له؛ ولذلك فقد تلقّت عرض الزواج بكلّ ارتياح.
وإنّي لأعجَب لِما كتَبَتْه الدكتورة بنت الشاطئ في كتاب بنات النبيّ، وما علّلت فيه رضاء الزهراء بعليّ بن أبي طالب، وما بيّنته في أُسلوبٍ هو أقرَب إلى الخيال القَصَصي منه إلى الواقع، فقد عزَت الدكتورة بنت الشاطئ زواج فاطمة، والدافع الذي دفَعَها لذلك دخول عائشة في بيت النبيّ وفي حياته بعد أنْ كانت الزهراء مُعرِضة عن الزواج في إصرار.
وهذه الفكرة القَصَصية الخيالية كان من المُمكن فرضها على عائلة غير عائلة رسول الله، وعلى أُسرة غير أُسرته (صلوات الله عليه)، كأنْ تأتي الدكتورة لتُحدّثنا حديث أُسرةٍ عادية مكوَّنة من أبٍ وأربعة بنات وأُم، ثمّّ تتزوج البنات الثلاث وتُعرض الرابعة عن الزواج إيثاراً لصحبة أبيها عن غيره، وتموت الزوجة الأُولى فتدخل في حياة الأب زوجةٌ جديدة لا تؤثّر تأثيراً بالغاً على مكانة البنت الرابعة التي كانت في البيت، ولكنّ الزوجة الثانية التي تدخل في حياة الأب بعد الأُم الراحلة امرأة ثانية تستهويه وتمتلكه وعند ذلك تفهم البنت
الرابعة التي آثرت صحبة أبيها عن الزواج، أنّها لم تعُد كما كانت في بيت أبيها وفي قلبه، بعد أنْ شغلَت المرأة الجديدة حياة أبيها واستمالت قلبه نحوها، ولم تترك للبنت الباقية في بيت أبيها مجالاً لدلال أو رغَدٍ من العيش.
وهنا يجب أنْ نفترض أوّلاً أنّ ربّ الأُسرة رجلٌ ضعيف الشخصيّة، ضئيل العاطفة، مندفعٌ وراء ملذّاته الحسّية لكي نتمكّن من الانسجام مع هذه الأقصوصة ونُصدّقها كما هي.
فإنّ أيّ زوجٍ وأيّ أبٍ إذا كان قويّ الشخصيّة، ولو قليلاً، وإذا كان يحمل عاطفة أبويّة ولو عاطفة جزئية، أيمكن لنا أنْ نُصدّق أنّه يخضع لسلطان امرأة مهما كانت تلك المرأة، ومهما تمتّعت به من سحرٍ وفتنة، ولا يمكن للمرأة تلك أنْ تجعل بيته يضيق بابنته التي كانت حسَب بداية الأُقصوصة تمتنع عن الزواج حبّاً في أبيها وإيثاراً لصحبته.
ومِن المؤكّد أنّ بيت الأب لا يضيق بابنته، إلاّ إذا ضاق الأب بابنته ولا يضيق الأب بابنته، إلاّ إذا كان معدوم العاطفة مسلوب الشخصيّة.
عند هذا وبعد كلّ هذه الفروض لنا أنْ نصدّق هذه القصّة كما جاءت بها الدكتورة (كصورة من حياتهن).
ولكن هذه الأقصوصة إذا طالعتنا بها الدكتورة وهي تنسبها إلى أهل بيت النبوّة، وإلى أُسرة يكون الأب فيها رسول الرحمة وتكون البنت فيها فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، ولا يمكن لنا أنْ نصدّقها بأيّ حال من الأحوال، ولا يصحّ أنْ نصدّقها أيضاً لِما تستلزمه مِن فروض لا تنطبق على أهل البيت.
فنحن إذا سلّمنا أنّ الزهراء كانت رابع بنات أربعة، فيجب علينا أوّلاً أنْ نتعرّف على أزواج أخواتها والسبَب في عزوفها عن الزواج بعد أخواتها الأُخريات، ونرى أنّ أُختين مِن أخواتها قد لاقيا مِن المِحَن والاضطهاد الشيء الكثير، حتى أنّ أزواجهما أرجعاهما إلى بيت رسول الله عِداءً لهما ولرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فنحن إذا سلّمنا بوجود أخَوَات للزهراء وجَب علينا أنْ نسلّم بزواجهنّ وبأزواجهن، وفي هذا دليلٌ كافٍ نفهم منه عزوف الزهراء عن الزواج ـ إذا صحّ أنّها كانت عازفة ـ كما
تزوّجت أخواتها بعد أنْ رأت بعينها المصائب التي أصابت أخواتها مِن هذا الزواج، وشتّان بين أزواج أخواتها وبين مَن رضِيَت به زوجاً لها وقريناً، فزواج أخواتها ونوعيّته أكبر مثبط لها عن قبول هذه التجربة، وخطبة الإِمام عليّ لها وخصوصياته أكبر دافع لها لقبول العرض بالرضاء التام.كان ذاك هو المانع وكان هذا هو الدافع لا أكثر ولا أقل، طبعاً هذا إذا سلّمنا مع الدكتورة بوجود أخوات للزهراء (صلوات الله عليها).
ثمّ إنّها كانت تعلم أنّ حاجة أبيها لها وهو في مكّة أكثر منها وهو في المدينة، فقد كان الاضطهاد والشرك والظلم قد خفّ وتلاشى في المدينة، ولمّا علَت كلمة الإِسلام اطمأنّت الزهراء على أبيها وعلى راحته النفسيّة، ثمّ إنّها حينما كانت ترفض الزواج كانت ترفضه لكي لا تخرج من حياة أبيها ولكي لا تبعد عن رحابه وعرينه. وزواجها بعلي كما كانت تعلم واثقة أنه سوف يقربها لأبيها ويدنيها إليه أكثر وأكثر، وأنها لن تترك بيت أبيها بل ستكوِّن لأبيها بيتاً جديداً هو بيتها الذي يضمها وابن عمها علي بن أبي طالب. وفعلاً فقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ هذه الآية الكريمة كلّما مر
على باب فاطمة وعليّ:( ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب/33.
صدَق اللهُ العظيم
وقد عرَفَت الزهراء كلَّ هذا، ولأجل هذا رضِيَت بابنِ عمّها وآثرَتْ بيته على البقاء في بيت أبيها، ولا دَخْل لآيِّ امرأةٍ من نِساء النبيّ في زواجها ودواعيه، وإنّما أعرَضت عن الزواج لعدَم وجود الكُفء، وأقدَمت عليه بعد أنْ وثِقَت من كفاءة الزوج.
ولا أدري كيف سمَحَت الدكتورة بنت الشاطئ لنفسها أنْ تُفسّر قَبول فاطمة للزواج بدخول عائشة في حياة النبيّ، وتقلّص مكانة البنت في قلب أبيها، هذه البنت التي كانت كلّ شيء لآبيها في قلبه وحياته، وقد جاء في الاستيعاب عن السيّدة عائشة نفسها أنّها سُئلت أيُّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله؟ قالت: فاطمة، فسُئلت: فمَن الرجل؟ قالت: زوجها، وجاءت هذه الرواية أيضاً عن الترمذي: وفي الاستيعاب بسنده عن ابن بريدة عن أبيه، وفي المستدرك بسنده عن جميع بن عمير وصعصعة، وقد رواه الترمذي بسنده عن بريدة مثله، وروي الحاكم في
المستدرك وصحّحه بسنده عن جميع بن عمير قال: دخلتُ مع أُمّي على عائشة فسمِعتها مِن وراء الحِجاب وهي تسألها عن عليّ، فقالت: تسألينني عن رجلٍ والله ما أعلَم رجُلاً كان أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عليّ، ولا في الأرض امرأة كانت أحبّ إلى رسول الله من امرأته فاطمة؟ وقد كان رسول الله يُكرّر دائماً أنّ (فاطمة بضعةٌ منّي يُريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها)، وأنّ (فاطمة شجَنةٌ منّي، يُبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها)، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الواضحة.
ونشطت أُمّ سلَمة لكي تُجهّز العروس الغالية فاشترَت لها قَميصاً بسبعةِ دراهم وخِماراً بأربعةِ دراهم، وقطيفةً سوداء خيبريّة، وسريراً مزملاً بشريط وفراشَين مِن خيش حَشوُ أحدهما ليف، وحَشوُ الآخر من صوف الغنَم، وأربَع مرافِق من أدَم الطائف حَشوُها أذخر، وسِتراً رقيقاً من صوف، وحصيراً هجَرياً ورَحى لليَد ومخضباً مِن نحاس، وهو إناء تغسل فيه الثياب، وسقاءً من أدَم، وقبَسَاً للبَن، وشَنّاً للماء، ومطهرة مزفّتة، وجرّة خضراء، وكوزاً مِن خزَف، ونَطْعاً من أدم وعباءة قطوانية وقربة ماء.
ولمّا أتمّت أُمّ سلَمة هذا الجهاز البسيط الرائع روعةً قُدسيّة لا
متناهية، جاءت إلى رسول الله (صلوات الله عليه) فجعل يُقلّبه بيده الكريمة وهو يقول: (بارك الله لأهل البيت)، ثمّ إنّه رفع رأسه إلى السماء وقال: (اللهمّ بارك لقومٍ جُلّ آنيتهم الخزف)، وفي بعض الروايات أنّه استعبر وبكى وهو يُقلّب جهاز حبيبته المتواضع، وكان العريس مشغولاً بدوره أيضاً يُجهّز بيته ويهيِّئُهُ لاستقبال ابنة رسول الله.
وكان جهاز الإِمام (صلوات الله عليه) أنْ نشَر رَملاً ليّناً في صحنِ الدار، ونصَب خشَبة مِن حائط إلى حائط للثياب، وبسط إهاب كبش ومخدّة ليف: وفي رواية ابن سَعد عن بعض مَن حضرْنَ عرس فاطمة قُلْنَ: دخلنا البيت مع العروس، فإذا إهاب مِن شاة على مصطبة، ووسادة فيها ليف وقربة ومنخل ومنشفة وقدَح، وهذا ما رُويَ عن أثاث أمير المؤمنين وهو في طريقه لمصاهرة رسول الله.
وعندما أتمّ الإِمام تجهيز بيته وتهيئته، وعلِم أصحابه أنّه قد أكمَل ذلك قال له جعفر وعقيل: ألا تسأل رسول الله يُدخل عليك أهلَك؟ فقال لهم: (الحياء يمنعني من ذلك)، فقاما عنه ولَقِيا أُمّ أيمن مولاة رسول الله فذكرا لها ذلك، فدخلت إلى أُمّ سلَمة فأعلمتها وأعلَمت نِساء النبيّ أنّ عليّاً قد أتمّ تجهيز بيته، وهو يرغب أنْ ينقل إليه أهله، فاجتمعن عند
رسول الله وقُلْنَ: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله، إنّا قد اجتمعنا لأمرٍ لو كانت خديجة في الأحياء لقُرَّت عينها به. وروي عن أُمّ سلَمة أنّها قالت: لمّا ذكرنا له خديجة بكى رسول الله وقال: (خديجة وأين مثل خديجة، صدّقتني حين كذّبني الناس، ووازرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إنّ الله عزّ وجل أمَرني أنْ أُبشّر خديجة ببيتٍ في الجنّة مِن قصب الزمرّد، لا صخبٌ فيه ولا نصَب).
وقالت أُمّ سلَمة فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا، إنّك لم تذكر مِن خديجة أمراً إلاّ وقد كانت كذلك، غير أنّها قد مضت إلى ربّها فهنّأها الله بذلك وجمَع بيننا وبينها في الجنّة، يا رسول الله، هذا أخوك وابن عمّك عليّ بن أبي طالب يحبّ أنْ تدخل عليه زوجته.
فقال النبيّ: (حبّاً وكرامة)، ثم إنّه دعا بعليّ فدخل وهو مُطرِق حياءً، وقامت أزواج النبيّ ودخلْن البيت فسأله النبيّ أتحبّ أنْ أدخل عليك أهلَك فأجاب عليّ وهو مُطرق: (أجَل فداك أبي وأُمّي)، فقال: (أُدخلها عليك إنشاء الله).
ثمّ قام إلى نسائه وأمَرهنّ أنْ يزيّنّ فاطمة ويُطيّبنها ويصلحن من شأنِها في حجرة أُمّ سلَمة، وأنْ يفرشنَ لها بيتها الذي هيّأه ابن عمّها.
فدبّت الحركة في بيت النبوّة وعمّت الفرحة على
وجوه أهل البيت، وشاعت ابتسامة محبّبة على وجه الرسول وهو يرى نفس الابتسامة قد غمَرت وجه ابن عمّه وأخيه، وغمرت قلب الرسول موجة مِن رضاء لِما آنسه على ابن عمّه مِن لهفةٍ وشوق ولِما أحسّ به مِن نشاط حيوي شاع على عليّ في حرَكاته وتصرّفاته.
وفُرش بيت العروس الجديد وزُيِّنت العروس وطُيِّبت ونُحِرت الذبائح وأُطعِم الطعام، وأمَر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنْ ينادى على رأس داره: أجيبوا رسول الله، فبسط النطوع في المسجد وصدَر الناس وهُم أكثر مِن أربعة آلاف رجُل وامرأة، رفعوا ما أرادوا ولم ينقُص من الطعام شيء.
ثمّ دعا رسول الله بالصحائف فمُلِئت، ووجّهها إلى منازل أزواجه ثمّ أخذ صحفةً فقال: (هذه لفاطمة وبعلها)، وبعد أنْ أكل الناس وشبع كلُّ جائع أتى رسول الله ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة وجاء إلى فاطمة الزهراء وهي بين نساء المسلمين وقد هيّأنَها للزفاف، وأخذَ بيدها وقال لها: (اركبي)، ثمّ ساعدها على الركوب وأمَر سلمان أنْ يقود البغلة وسار (صلوات الله عليه) خلفها ومعه حمزة وجعفر وعقيل وبنو هاشم كلّهم، مشهرين سيوفهم وهُم يُكبّرون ويُهلّلون، ومشَت نِساء النبيّ وراء العروس وهُنّ يرجِزْنَ ويُكبّرْنَ،
ونِساء المسلمين مِن حولِهنّ يتلون الأشعار في مَدح العروسين حتى دخلنَ الدار المباركة، وأنفذ رسول الله إلى عليّ فدعاه وأخذ بيد فاطمة فوضعها في يدِه وقال: (بارك الله لك في ابنة رسول الله)، ثمّ جمَعهما إلى صدره وقبّل بين أعينهما، وقال لعليّ: (يا عليّ، نِعمَ الزوجة زوجتك)، ولفاطمة: (يا فاطمة، نِعمَ البعل بعلك)، ثمّ دعا بماء فأخَذ منه جرعة فتمضمض بها ثمّ مجّها في القصَب، وصبّ منه على رأسها ونضَح على صدرِها وفعَل بعليّ مثل ذلك وقال:
(اللهمّ بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما)، ثمّ إنّه قام لينصرف فلَم تملِك فاطمة الزهراء دمعها ولحظ ذلك أبوها فتمهّل برهة ثمّ قبّلها في حنو.
وقال أنّه تركها وديعةً عند أقوى الناس إيماناً، وأكثرهم عِلماً وأفضلَهم أخلاقاً وأعلاهم نفساً، ثمّ انصرف وهو يدعو للعروسين، وكانت أطياف خديجة في تلك الساعة تعاوده مِلحاحة، فقد شعر في تلك الليلة بفراغ لخديجة عجَز حتى هو أنْ يسدّه بالنسبة لابنتهما الغالية، وما أكثر ما كان يشعر بهذا الفراغ في شتّى المناسبات والظروف، وبهذا بدأت الزهراء حياتها الجديدة في بيت الزوجيّة السعيد، البيت الذي شهد
أسعد مناسبات أهل بيت النبوّة، وأصبح مصدراً لإشعاعات الرسالة ومنبعاً زاخراً بالخير والبركة، وقد تلاشت القِيَم المادّية في أرجائه حتّى استحالت إلى لا شيء، وتعالت المُثُل الروحانية فيه فأصبحت كلّ شيء.
وأمّا أخَوات الزهراء الثلاث فهُناك شكٌّ مِن الناحية التاريخية في بنوّتهن للرسولصلىاللهعليهوآله حتى ذهَب بعض المؤرّخين إلى التأكيد على أنّهن ربيباته وبنات السيّدة خديجة من زوجها الأسبَق، ولهذا الشكّ مبرّراته التاريخية، فنحن إذا جمعنا بين طائفة من المُسلّمات التاريخية انتهينا حتماً إلى الشكّ في بنوّتهن على أقلّ تقدير، فالتاريخ يُقرّر:
أوّلاً: إنّ المدّة التي قضاها النبيّ في حياته الزوجيّة مع خديجة قبل البعثة لا تزيد على خمسة عشَر عاماً؛ لأنّه تزوّج في الخامسة والعشرين من عمره المبارك وبُعِث في الأربعين.
ثانياً: إنّ زينب هي كبرى الأخَوات الثلاث وتصغرها رُقيّه بثلاث سنوات، وأُمّ كلثوم أصغر منهما معاً، وإنْ لم يُحدّد
التاريخ التفاوت بينها وبين أُختيها بالضبط.
وثالثاً: إنّ الأخَوات الثلاث للزهراء كُنّ قد تزوّجن جميعاً قبل البعثة، وسعدن في حياتهن الزوجيّة وأنجبت بعضهن أولاداً، ثمّ أُرجعن بعد البعثة إلى بيتِ النبيّ بدافع من التنكيل به وإحراجه.
هذه مسلّمات تاريخية ثلاثة إذا جمَعنا بينها كان من الطبيعي أنْ تلقي ظلالاً مِن الشكّ أو مبرّرات لإنكار بنوّة الأخوات الثلاث للرسول الأعظم؛ لأنّهن لو كُنّ بناته لَما كان من المُمكن أنْ يزيد عُمر كبراهن وهي زينب عن أربعة عشَر عاماً في وقت البعثة، ولا عُمر رُقية عن أحَد عشر سنة ولا عمر أُمّ كلثوم عن عشرِ سنوات على أكثر تقدير؛ لأنّ الفاصل الزمني بين بدء الحياة الزوجّية للنبيّ وخديجة وبين البعثة خمسةَ عشَر سنة، كما تُقرّره المسلّمة التاريخيّة الأُولى.
وبعد أخذ الفوارق التي تُقرّرها المسلّمة التاريخيّة الثانية بين أعمار الأخَوات الثلاث، ينتج ما قرّرناه من عدَم اجتياز أُمّ كلثوم للعقد الأوّل مِن عمرها في وقت البعثة، وهذا لا ينسجم طبيعيّاً مع ما يُحدّثنا التاريخ في المسلّمة التاريخيّة الثالثة من زواج البنات الثلاث قبل البعثة؛ لأنّ من غير المألوف أنْ تتزوّج أُمّ كلثوم قبل إكمال عقدها
الأوّل وتعيش مع زوجها مدّة ثمّ ترجع إلى بيت أبيها وهي لم تكمل العاشرة بعد.
وهكذا يتّضح أنّ افتراض بنوّة زينب ورُقية وأُمّ كلثوم للنبيّ يكلّفنا ـ على ضوء المسلَّمات التاريخية الثلاث السابقة ـ افتراضاً آخر، يقضي بزواج أُمّ كلثوم في التاسعة أو العاشرة وهذا الافتراض وإنْ كان مُمكناً من الناحية العقليّة، ولكنّه غير مألوف إلى درجة قد تسمَح للباحث بعدم قبوله.
وأمّا إذا انطلقنا في توفيقنا بين المسلّمات التاريخية الثلاث، الآنفة الذكر من القول أنّ البنات الثلاث ربيبات الرسول، فسوف يُتاح لنا أنْ نتقدّم بتاريخ ولادتهن إلى ما قَبل زواج النبيّ بخديجة وأنْ نتصوّر أُمّ كلثوم قبل البعثة فتاة مكتملة لها كل مؤهّلات الزواج، أضف إلى هذا أنّ خديجة إذا كانت زوجةً معطاءً بدرجة أنّها تُعطي زوجها وهيَ في العقد الخامس أربعة مِن الأولاد، كما يَفترض القائلون ببنوّة أخوات الزهراء الثلاث للنبيّ، أفليس من حقّنا أنْ نتساءل عن عطائها لزوجها السابق قبل النبيّ حين كانت في أوجّ شبابها ونشاطها؟ إلى كثير من هذه الأسئلة التي لا نجِد لها جواباً أفضل من القول بأنّ الأخوات الثلاث ربيبات النبيّ وبنات خديجة من زوجها السابق.
وعلى أيّ حال من الأحوال فهنّ نِساء عِشن في حياة النبيّ سَواءَ كُن بناته أم ربيباته فإنّ قلب النبيّ يتّسع للبعيد البعيد فضلاً عن الربيب القريب.
فأمّا زينب كُبرى الأخوات فقد تزوّجت من ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وقد سعدت معه وعاشا معاً حياةً زوجية هانئة، حتى انبثقت رسالة الإسلام وانطلقت كلمة الحق، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
ولكنّ أبا العاص يأبى أنْ يترك دين آبائه، وتمنعه العصبية الجاهلية أنْ يُسلم كما أسلَم غيره، فيقال عنه أنّه ترك دين الآباء والأجداد ودخل في دين حميه، وزينب وقد أسلَمت مع أوّل مَن أسلَم تشقى لعزوف زوجها عن الإسلام وتتألّم لهذا أشدّ الألَم؛ فهي تُعز زوجها وتحبّه لكونه قرينها ومصدر سعادتها في الحياة، ولكونه أبو أُمامة، ابنتها الوحيدة الغالية.
ولكنّ الإسلام أحبّ إليها ورسول اللهصلىاللهعليهوآله أعزّ عليها وتبقى تنتظر اليوم الذي يشرَح الله فيه قلب زوجها للإسلام، وهي تأمل أنْ يكون ذلك اليوم قريباً، وتظلّ ترقب كلمة الإسلام وهي تغزو بنورها القلوب والأرواح، وتدعو الله مخلصة أنْ يكون زوجها فيمَن اهتدى بنور الإسلام، وما أكثر ما دعته إلى
الإسلام وحبّذت له ذلك وعدّدت له أسماء أكابر الرجال الذين دخلوا في دين الله طائعين، ولكنّه كان يردّ عليها دائماً أنّه لا يرضى أنْ يقال أنِّ أبا العاص أطاع زوجته وعصى عشيرته، ولهذا فقد ظلّلت حياة زينب سحابةٌ قاتمة من الهموم والأحزان.
ويهاجر النبيّ إلى المدينة ويُخلّف زينب في مكّة وهي تُتابع عن بُعد انتصارات رسالة الإسلام، وتفتخر لهذه الانتصارات وتزداد أمَلاً في إسلام أبي العاص، ولكنّها تصحو في يوم لترى قريش وقد شاع فيها خبرٌ هام، فقد عاد ضمضم بن عمر الغفاري وكان مسافراً في تجارة إلى الشام مع أبي سفيان، فما بلغ مكّة حتى وقف على بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه وصاح: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمّد وأصحابه لا أرى لكم أنْ تدركوها الغوث الغوث.
ولهذا فقد تهيّأت قريش للحرب ونهضت لمواجهة الإسلام وفي مقدّمتهم طبعاً أبو العاص زوج زينب، وعرفت زينب أنّها الحرب فإمّا انتصار المسلمين الذي تودّه وتأمَل فيه، وإمّا انتصار قريش، وإذا انتصر الإسلام فسيندحر زوجها أبو العاص وإذا انتصر أبو العاص فالويل لها بكسيرة الإسلام
ورسول الله، فظلَّت زينب وليس في مكّة من هيَ أتعَس منها وأشقى، حتى أتتها عاتكة بنت عبد المطّلب لتخبرها بانتصار رسول الله واندحار المشركين من قريش، ويهزّ النبأ السعيد زينب وتفرح له لحظة، ولكنّها سرعان ما تذكر أنّ زوجها في جيوش المشركين، ولابدّ أنْ يكون قتيلاً أو جريحاً ولكنّها تأبى أنْ تُظهِر شيئاً من هذا لكي لا تشوّه فرحة الانتصار السعيد، وتسكت على جزَعٍ وفرَح مزدوجين وقد كانت عينا عاتكة تلاحظها بتفحّص دقيق فلاحظت عليها ما أرادت أنْ تخفيه فأسرعت قائلة:
إنّ أبا العاص أسير عند رسول الله هو وكثير من رجال قريش، وهنا تكتمل الفرحة عند زينب وتشعر بلذّة الانتصار الحقيقي، وتنشط نِساء قريش بتهيئة الفِدية، وتبعث كلّ امرأة منهنّ أكبر فدية ممكنة، فهُنّ يُغالينَ فيها يفاخرون بكثرتها، ولكنّ زينب تبعث لرسول الله فِدية معنوية رمزية وهي قلادة أُمّها خديجة، التي أهدتها لها ليلة الزفاف، وتُؤثّر هذه الفدية المتواضعة على الرسول؛ فهي قلادة خديجة حبيبته المصطفاة، ويطرق إلى الأرض لحظة ثمّ يرفع رأسه ليقول لأصحابه: (إذا رأيتم إطلاق أسيرها فأطلقوه)، فلا يتردّد المسلمون لحظة في إطلاق سراح أبي العاص، ويستدعيه رسول الله ويسرّ
إليه أمراً ويلحق أبو العاص بأهله فتستقبله زينب فرحانة فخورة، وهي تأمل أنْ يكون قد أسلَم واهتدى إلى الحق، ولكنّها تراه ليس كما تعهد فقد بدا وهو مثقل بالهموم والأحزان، ويقول لها والعبَرات تكاد تسبِق كلماته: لقد أتيت مودّعاً يا زينب، فقد أمرني رسول الله أنْ أبعث بك إليه، فلا تبهت زينب لهذا الخبَر ولا تستغربه مطلقاً؛ فهي كانت تعلم أنّ رسول الله لنْ يبقيها مع أبي العاص إذا يئس من إسلامه.
ثمّ إنّها متشوقة إلى رسول الله وإلى أخواتها الحبيبات، ولكنّها ستشقى بفراق أبي العاص، وسوف تألَم للبعد عنه، وسوف يشقّ عليها أيضاً أنْ ترى ابنتها أُمامة وهي كاليتيمة بين لداتها، وعلى كلٍّ فقد أخذت تتهيّأ للسفر إلى حيث الإسلام والأحبّاء، وسافرت بعد حصارٍ شديد فرَضته عليها قريش انتقاماً وتنكيلاً، وخلّفت وراءها أبا العاص وهي أشفَق ما تكون عليه، ولم تشغلها فرحة لقاء الأحبّة عن أبي أُمامة، فقد كانت تدعو الله دائماً وأبداً أنْ يهديه للإسلام، ويخرج أبو العاص في تجارةٍ وتتعرّض له قوّات المسلمين في الطريق فيفرّ هارباً ويلتجئ إلى زينب فتحميه وتردّ عنه غضب المسلمين، وتعود فتدعوه إلى الإسلام لكنّه يسكت فلا يُجيب، ويطلب إليها أنّ تردّ
إليه تجارته؛ لأنّه يأبى أنْ يرجع إلى قومه وقد خان الأمانة فتتوسّط زينب في ذلك عند المسلمين، فيردّوا له تجارته وأمواله كاملة، ويرجع بها إلى مكّة ويُسلّم الأموال إلى أصحابها حتى يتأكّد من أنّه قد أبرأ ذمّته مِن كلّ وديعةٍ وأمانة.
ثمّ يرجع إلى المدينة ويدخل على رسول الله فيسلم بين يديه، ويقبل الرسول إسلامه قبولاً حسَناً ويردّ إليه زينب وتعود السعادة لترفرف فوقهما مرّةً أُخرى، ويخلدان إلى راحة نفسيّة عميقة وإلى حياةٍ زوجيةٍ سعيدة.
وأمّا رُقية وأُمّ كلثوم فقد خُطبا إلى عتبة وعتيبة ابني أبي لهب قبل الإسلام، وزُوجّا قبل الإسلام ولاقَيا أصناف العذاب من أُم جميل حمّالة الحطَب قبل الإسلام أيضاً.
وما انبثقت كلمة الإسلام إلاّ وأرجَعت حمّالة الحطب رُقية وأُمّ كلثوم إلى بيت رسول الله؛ ظنّاً منها أنّ ذلك يؤذي الرسول ويثقل عليه، ولكن الأمر بالعكس تماماً، فإنّ رسول الله قد سُرّ لذلك وأنس لخلاص الأُختين من الأساليب الوحشيّة التي كانت تَتَفنّن بها أُمّ جميل، ويتقدّم عثمان بن عفّان ليتزوّج رُقيّة ويُهاجر بها الهجرتين
ولكنّها نظراً لِما لاقته من أهوال وما تحمّلته من مصاعب داخلية وخارجية نزلت بها العلّة وتخطّفتها أيدي الموت وهي في ريعان الشباب، ويعود عثمان بن عفّان ليخطب إليه أُمّ كلثوم وتتمّ الخطبة ويتمّ الزواج وتعيش أُمّ كلثوم حتى تتوفّى قبل رسول الله بمدّةٍ قليلة على بعض الروايات.
ظلّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدةً بعد خديجة وهو لا يُفكّر في الزواج حتى جاءته خولة بنت حكيم وأخذَت تحبّب إليه الزواج واستئناف الحياة الزوجيّة، وقالت فيما قالت: إنْ شئت البكر وإنْ شئت الثّيب فأجابها (صلوات الله عليه):(فمَن البكر؟) فتقول: عائشة بنت أبي بكر، ويقول:(من الثِّيب؟) ، فتقول: سودة بنت زمعة، وقد آمنت بك واتبعتك.
فاختار سودة، وسودة هي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن لؤي، وأُمّها الشموس بنت قيس النجاري من الأنصار، وكان زوجها الأوّل ابن عمّها السكران، وقد أسلما معاً وهاجرا إلى الحبَشة مع مَن هاجَر في الهجرة الثانية ثمّ رجعا إلى مكّة، وتوفّي عنها زوجها بعد رجوعهما من الهجرة، وكانت رضوان الله عليها مِن أسبَق النساء إلى الإسلام
فآمنت وهاجَرت وهجَرت أهلها، وقد نجا بها زوجها إلى الحبشة فِراراً من إعنات المشركين لهما، فلمّا مات لم يكن لها ملجأ سوى أنْ تعود إلى أهلها فتصبأ وتُؤذى، فهم يحقدون عليها لإسلامها وهجرتها وفرارها مع زوجها إلى الحبشة، فهم إذا نالوها سوف لا يتوانون عن النيل منها بأيّ ثمَن، ولذلك فقد اختارها رسول الله ليضمّها إلى حمايته وليُعوّضها عمّا لاقت في سبيل إسلامها، وهكذا قدّم رسول الله المصلحة العامّة على مصلحته الشخصيّة والمعنى الروحي على ذات الحسن والمال والمتاع والثّيب عن البكر.
وكانت نِعم الزوجة المُخلصة المتحسّسة لمسؤوليّتها كأمٍّ للمؤمنين، وقد عرفت أنّها الزوجة الثانية للرسول وأنّها وافدة على دار تضمّ بين جدرانها فاطمة الزهراء ريحانة النبوّة والرسالة، وقد تزوّج بعدها بعائشة بنت أبي بكر وكانت بنت التسع سنين على بعض الروايات، وكانت من القلائل اللاتي لا يقف طموحهن عند حد، ولا تكاد تستقرّ أو ترتاح دون أنْ تبلغ القمّة من المجد بأيّ ثمن، وكانت عصبيّة المزاج حادّة الطبع عنيفة في سلوكها، وكانت أيضاً حادّة الذكاء شديدة الغيرة تغار
على قلبِ زوجها فلا ترضى أنْ يُشاركها فيه أحد، وقد رُوي عنها أنّها قالت: أستأذنت هالة بنت خويلد على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فعرَف في أستئذانها استئذان خديجة فارتاع لذلك وقال: (اللهمّ هالة)، قالت فغِرت، وقلت ما تذكر من عجوز من عجايز قريش حمراء الشدَقين هلكَت في الدهر وقد أبدلَك الله خيراً منها؟ فتغيّر وجهه تغيّراً ما كنت أراه إلاّ عند نزول الوحي، أو عند المخيّلة ينزل أرحمةٌ هو أم عذاب؟
وقال: (ما أبدلني الله خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفَر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرَمني الناس، ورزقني الله عزّ وجلّ منها الولد إذ حرَمني من أولاد النساء)، وكانت حريصةً أيضاً على أنّ لا تدخل في حياة النبيّ امرأة تفوقها جمالاً أو تزيد عنها في إحدى الخصال، فالتاريخ يروي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمّا أراد أنْ يخطب إليه أسماء بنت النعمان، وكانت من أجمَل أهل زمانها، قالت السيّدة عائشة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد وضَع يده في الغرائب ويوشكن أنْ يصرفْنَ وجهه عنّا، وذهبت إليها وقالت: إنْ أردت أنْ تحظي عند رسول الله فتعوذي بالله منه، فلمّا دخل عليها رسول الله قالت: أعوذ بالله منك، فقال: عذت معاذاً ثمّ خرَج وألحقَها بأهلها، وكانت تقول
بعد ذلك: أدعوني بالشقيّة، وقد ماتت كمَداً، ولم يكن ليقعد بها حبّها للرسول وإيثارها لها عن أنْ تنقاد لطموحها وقد أخرج بن سعد في طبَقاته عن عائشة أنّها قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على ماريّة، وماريّة هذه بعث بها المقوقَس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله في سنة سبع من الهجرة، ومعها أختها وألف مثقال ذهباً، وعشرين ثوباً ليّناً، وبغلته الدلدَل، وحماره غفير ومعهم خصيّ يقال له مابور وهو شيخ كبير، وقد بعث بهم جميعاً مع الحاطب بن أبي بلتعة.
وقد عرَض الحاطب بن أبي بلتعة على مارية الإسلام ورغّبها فيه فأسلَمت هي وأختها، ثمّ تزوّجها رسول الله فولدَت له إبراهيم، وكان مُعجباً بها وقد كانت بيضاء جعدة جميلة، وقد وهب رسول الله لِمَن بشره بولادة إبراهيم عبداً.
وقد حدَّثت السيّدة عائشة قالت: لمّا ولِد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ فقال: (أنظري إلى شبهه بي)، قلت: ما أرى من شبه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟)، فقلت: كلّ من سُقي ألبان الضأن ابيضَّ وسمن، هذا كان شعور السيّدة عائشة تجاه مارية حينما أحسّت أنّها أخذت تحتلّ مكانةً في قلب النبيّ (صلوات الله عليه)، وهكذا كان شعورها تجاه ابن رسول
الله وقد حمله بيديه فرحاناً به طروباً لقدومه، ولكنّها لسبب من طموحها وغيرتها أجابته بهذا الجواب، وكانت هذه الانفعالات تدفع بها إلى مواقف وتصرّفات خاصّة كأنْ تكسر صحاف بعض زوجات النبيّ إذا جئن للنبيّ بطعام مع طعامها، وكان رسول الله يغرمها الصحفة فيدفع بصحفتها للتي كُسرِت صحفتها، فإنّها في سبيل تملك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لم تكن تتوانى عن أيّ شيء، حتى عن الطعن في بنوّة ابن رسول الله، وحتى عن النيل من مقام السيّدة خديجة، وقد ظلّت بعد النبيّ وتوفّيت ليلة الثلاثاء لسبعِ عشَر خلَون من شهر رمضان من السنة السابعة أو الثامنة والخمسين للهجرة.
ومن النساء اللاتي دخلن في حياة النبيّ صفيّة بنت حيي بن أخطب من سبط هارون بن عمران من بني إسرائيل، وأُمّها برّة بنت السموأل من بني قريظة، وكان قد تزّوجها سلام بن شكيم القرظي، ثمّ فارقها فتزوّجها كنانة بن الربيع مِن يهود بني النضير وقُتِل يوم خيبر، واصطفاها النبي من بين الأسرى وخيَّرها بين الإسلام واللحوق بأهلِها فأختارت الإسلام وأسلَمت فتزوّجها رسول الله، وقد ذهبت إليها عائشة متنقّبة فسألها النبيّ: (كيف
وجدتها؟)، فقالت: وجدّتها يهودية، فقال: (لا تقولي هذا فإنّها أسلمت).
كما أنّ من النساء المسلمات اللاتي اشتركن في حياة النبيّ الزوجية أُمّ سلَمة واسمها هند بنت أبي أُميّة سهيل زاد الركب ابن المغيرة المخزومية، وأٌمّها عاتكة بنت عامر، وكانت قد تزوّجت أبا سلَمة عبد لله بن عبد الأسَد المخزومي، وهاجَر بها إلى الحبَشة الهجرتين، فولدت له هناك زينب وسلَمة وعمر ووردة، وقد حضَر أبو سلَمة أُحُد فقُتِل إثر جرح، وقد تزوّجها الرسول بعد ذلك وكانت سيّدة صالحة كاملة، وتوفّيت في عهد يزيد بن معاوية بعد قتل الحسينعليهالسلام .
ومن زوجاته أيضاً حفصة بنت عمر بن الخطّاب، وقد ولِدَت قبل البعثة بخمسِ سنين وتزوّجها عنبس بن حذامة وهاجرت معه إلى المدينة، فمات عنها بعد رجوع النبيّ من غزوة بدر، ثمّ تزوّجها النبيّ وتوفّيت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وقد صلّى عليها مروان ودُفِنَت في البقيع.
ومن زوجاته أيضاً بنت عمّته زينب، وكان قد زوّجها بزيد بن حارثة ولكنّها لم تستطع أنْ تنسجم معه، ولم
يستطع هو أنْ ينسجم معها أيضاً، نظَراً لاختلاف أجوائهما وتباين منزلتهما، ولكن رسول الله أراد أنْ يعطي في هذا درساً إسلاميّاً لكلّ مَن يتعالى أو يتسامى بشيءٍ غير الإسلام، وأراد أنْ يُفهم المسلمين أنّ الرجل بإسلامه ودينه وأنّ المسلم كُفء المسلمة، ولكنّه عندما رأى استحالة التوافق بينهما أشار عليهما بالطلاق(1)، وتزوّجها النبيّ حرصاً على أنْ يعوّضها عمّا صُدِمَت فيه في زواجها الأوّل، وبهذا فقد أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآله درسه، ولم يغبن حقّ زينب، بل جعلها أُمّ المؤمنين وزوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخيراً فأُولاء نساء عِشنَ في حياة النبيّ كل منهنّ حسب مكانتها وكفاءتها في الحياة.
____________________
(1) تمّ زواج الرسولصلىاللهعليهوآله من زينب بأمرٍ من الله سبحانه وتشريعاً للأُمّة؛ لأنّ العرَب في الجاهلية كانت تنكر على مَن يتزوّج من امرأة مَن يتبنَّاه من غير صُلبه، فيصبح عندهم بحُكم الولد فأراد الله أنْ يقضي على هذه العقيدة الوهميّة التي لا ترتكز على أساس من الصحّة، كما جاء في كتابه العزيز:( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُوراً ) الأحزاب 37-38.
الناشر.
المرأةُ في شَريعةِ النبيّ.. (قِيمةُ المَرأةِ في الإسلام)
المرأةُ في شَريعةِ النبيّ.. (قِيمةُ المَرأةِ في الإسلام)
المرأة هي المدرسة الأُولى في الحياة، وهي أحَد العنصرين الأساسيّين في تكوين المجموعة البشرية، فنحن حينما نذكر المرأة نرى أنّها مدرسة نشء ومربية أجيال، وحينما نأتي لنتحدّث عن دورها في المجتمع نلاحظ أنّها في الواقع نقطة لانطلاق المجموعة البشرية، ولولاها لما كان هناك بشرٌ على وجه الأرض.
ونظراً لكونها المعهَد الفطري للوليد ولكون صدرها هو واهب الحياة للجيل اهتمّ الإِسلام بأنْ يلقي الضوء في شريعته وأحكامه على المرأة ومكانتها في المجتمع والحياة، وأنْ يرتفع بها إلى مصاف الرجل لها ما له وعليها ما عليه، بعد أنْ كانت المرأة مهضومة الحقّ في جميع الأنظمة الدوليّة التي وجِدت قبل الإسلام.
حتى أنّ كثيراً من الأُمَم كان قد راج فيها وأد البنات خوفاً من عارِ وجودهن على وجه الأرض، وكان العلماء وزعماء الديانات يبحثون ويتناقشون على طول قرونٍ عديدة، في أنّ المرأة هل هي إنسان أو غير إنسان، وهل تحمل روحاً أم لا، وكانت الديانة الهندوكية مثلاً قد سدّت أبواب تعليم كتبهم المقدّسة على المرأة؛ لعدَم جدارتها لذلك، والديانة البوذيّة لم يكن فيها سبيل لنجاة لِمَن اتصل بامرأة، وأمّا في الديانات النصرانية واليهودية فقد كانت المرأة هي مصدر الإِثم ومرجعه فيهما، وكذلك اليونان فلَم يكن للمرأة عندهم أيّ نصيب من العِلم والحضارة ولا ثقافة ولا حقوق مدنية، وعلى مثله كانت الحال في الروم وفارس والصين وما عداها من مراكز الحضارة الإنسانية، وكان نتيجة لهذا المقت العام الذي كانت تشعر به المرأة أنّها نسيت أنّ لها مكانة اجتماعية وأنّ لها كياناً خاصّاً.
ولكنّ الإِسلام هو الدين الوحيد الذي جاء لكي يعطي الصنفين، (الذكر والأنثى) حقّه في الحياة، وهو الدين الوحيد الذي أصلَح عقليّة الصنفين وبعث في الأذهان فكرة إعطاء حقوق المرأة وحفظ كرامتها، ومن ناحيةٍ أُخرى فتَح
أمامها أبواب العِلم والمعرفة وأباح لها أنْ تتعلّم ما تشاء من العلوم المقدّسة كقراءة القرآن ودراسته وتفسيره إذا أمكنها ذلك، وقد جاء في الروايات عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلم ومسلمة)، وقد أشاد القرآن بالمرأة وخصّها في آياتٍ كثيرة تُبيّن مكانتها في المجتمع:( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) (1)، ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (2)، ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (3).
وذلك لكي تشعر المرأة المسلمة بمسؤوليّتها في المجتمع، ولكي يشعر المجتمع بوجودها وباعتبارها عضواً أساسيّاً في حياته، ولكي لا تستغل إمكانيّاتها العاطفية والتكوينيّة استغلالاً ظالماً، وعلى هذا الأساس فإنّ المرأة
____________________
(1) سورة آل عمران آية 195.
(2) سورة النحل آية 97.
(3) سورة غافر آية 40.
المسلمة قد حصلت في ظلّ الإسلام على حقوق وإمكانيّات لم تحصل عليها أيّة امرأة سِواها، في شتّى القوانين والتشريعات، وقد أرتفع الإسلام بالمرأة لحسابها الخاص ولمجرّد كونها إنسانه، وأعطاها حقّها الطبيعي في كلّ أدوار حياتها الاجتماعية، ونحن الآن في صدَد إعطاء فكرة مختصرة عن المرأة في تشريعات الإسلام ومفاهيمه.
المَرأة
جاء في الروايات الواردة عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادقعليهالسلام رواية، يحدّد فيها مفهومه ومفهوم الإسلام عن المرأة فيقول: (المرأة الصالحة خيرٌ من ألفِ رجل غير صالح)، وهو يقصد بها أنْ يقرّر أنّ الإنسانيّة في نظر الإسلام لها قيمة واحدة وميزان واحد للكرامة، بقطع النظر عن كلّ الصفات الطبيعية التي يتميّز بها الأفراد، وهذا الميزان الوحيد في نظر الإسلام هو الصلاح والتقوى، والأفضلية عند الإسلام هي أفضلية العمل الصالح.
فمهما كان الصلاح هنا متوفّراً كانت الإنسانيّة أفضل وأكمل، ومهما أبتعد الإنسان عنه خسِر بذلك كرامته في مفهوم الإسلام كائناً من كان، فلا الرجل بما هو رجل يفضُل المرأة، ولا المرأة بما هي امرأة تفضُل الرجل، ولا
يتعارض هذا مع الوظائف التي وزّعت على الرجل والمرأة في الأُسرة الإسلاميّة، ولا مع القيمومة التي أُعطيَت للرجل على المرأة فيها، فإنّ هذه القيمومة التي اضطلع الرجل بموجبها بإدارة معاش البيت، والحفاظ على وحدته لا تعبّر إلاّ عن توزيع طبيعي للوظائف، في مجتمعٍ صغير وهو الأُسرة المتكوّنة من أبٍ يعيل ويحافظ وأُمّ تلِد وتربّي فهي ليست قيمومة أفضليّة، وإلاّ لكان كلّ رجلٍ قيماً على المرأة التي يُعايشها، وإنْ كانت أُمّه أو أُخته وليس الأمر كذلك..
هذا بعض ما عناه الإمام الصادقعليهالسلام في قوله: (إنّ المرأة الصالحة خيرٌ من ألفِ رجلٍ غير صالح)، وقد أراد الإمام أيضاً أنْ يفتَح أمام المرأة مجالاً يُمكنّها فيه من أنْ تسمو بصلاحها على ألف رجل غير صالح، وأنْ تثبت للمجتمع أنّها مؤهّلة للتفوّق على الرجال إذا تقدّمت عليهم بالتقوى والصلاح، وانعكَس ذلك في مختلف حقول حياتها العائليّة والاجتماعية، ولا يكفي أنْ تكون صالحة في بعض تلك الحقول دون بعض، بل المرأة الصالحة هي التي أنشرح صدرها للإسلام ولتعاليمه، فطهّرت روحيّاتها من عوامل الشر، وعقمت فكرتها من شوائب الأهواء الشيطانية، وحسنت سيرتها في محيطها الخاص ومحيطها العام،
وأغلقت أمام عواطفها جميع أبواب الحسَد والرياء والمكر والخداع، وفتحت مشاعرها لتلقى كلّ ما هو خيرٌ وسليم، وسلّم منها المجتمع وسلّمت منه لا تظلم مسكيناً ولا تهضم حقّاً ولا تعتدي على أحد ولا تظنّ بأحدٍ السوء، وتحمل أختها المسلمة على سبعين محمل من الخير كما قد أوصاها به الله ورسوله، هذه هي المرأة الصالحة التي جعل منها الإمام خيراً من ألف رجل غير صالح.
وهذا هو مفهوم الإسلام عن المرأة بما هي إنسانة لها عملها الصالح الذي يرتفع بها إلى حيثما تشاء تبعاً لمدى توفّره فيها.
والآن فهل لي أنْ أقول كلمةً أخيرة، وقبل أنْ أبدأ بالبحوث الباقية فأقول: إنّ الصلاح بمعناه الحقيقي قلّما يتّفق لنا نحن بنات حوّاء، وإنْ صادف فاتّفق لواحدةٍ منّا قام مجتمعها الظالم في إبعادها عنه أو إبعاده عنها بأيّ سبيل، وحتى بدون أنْ تشعر هي أيضاً، والذنب في هذا ذنبنا نحن وذنب مجتمعنا الفاسِد الذي تنعكس فيه المفاهيم، وتنقلب القِيَم ويُتَنكّر للمُثل، وإلاّ فإنّ أبواب الرُقيّ الحقيقي مفتوحةٌ أمامنا لا تردّ وافدةً ولا تمتنع من قبول قاصدةٍ، وإسلامنا يعزّز ذلك ويشيد فيه ويدعو إليه.
المَرأة وَالعَمَل
يقوم تقسيم الوظائف في كلّ مجتمع ومحيط على أساس تقبّل الأشخاص لتِلك الوظائف، وإمكانيّاتهم للقيام بها على أحسَن وجه، وتقسيم العمل هو ضرورة من ضرورات المجتمع في جميع النواحي والمجالات، وتقسيم العمل يؤدّي إلى سهولة القيام به مهما كان صعباً، ويؤدّي أيضاً إلى سرعة الإنتاج مهما كان بطيئاً.
وتقسيم العمل والوظائف يُساعد المتخصّص في كلّ قسمٍ منه على النبوغ في ذلك القسم والتعمّق فيه، خلافاً لِما لو اختلف توزيع العمل وتعاقَبَت الأعمال المختلفة على العامل فإنّه سوف يخسَر مرونته وعبقريّته التي قد يُحرزها في عمل واحد.
فإنّ لكلّ شخصٍ من الأشخاص استعداده الخاص، وطبيعته الخاصّة به وتكوينه الفطري والنفسي، فنحن لا
ينبغي لنا مثلاً أنْ نجعل مِن فنّانٍ مهندساً، أو نجعل مِن مهندس فنّاناً؛ فإنّ لكلٍّ منهما هوايته واستعداده الخاص ولا ينبغي لأيٍّ منهما أنْ يُخالف اتجاهه الطبيعي أو يُعاكس أهواءه واستعداده.
فنحن إذا أَجبرنا العامل الميكانيكي مثلاً على أنْ يكون فنّاناً، وإذا أجبرنا الفنّان على أنْ يكون ميكانيكيّاً نحكُم على مواهب كلٍّ من الطرفين بالعدَم، في الوقت الذي نحصِل فيه على أبرَع عامل ميكانيكي وعلى أروع فنّان، لو تركنا كلاًّ منهما يسير وراء هوايته وطبيعته الفطرية.
فتقسيم العمل يعتبر من أهمّ الظواهر الطبيعية، وقد شمِل حتى تكوين الإنسان وتركيبه العضوي، فإنّ لكلّ عضوٍ من أعضاء الإنسان عمله الخاص وفائدته الخاصّة وبهذا تكون جميع أعضاء الإنسان متساوية من ناحية الاستهلاك ومتوازية في إنجاز المهام مثلها في ذلك كمثل تقسيم العمل في المعمل الصناعي، فتقسيم العمل في المعمل الصناعي مِن شأنِه أنْ يستوجب استعمال كافّة الآلات الموجودة في مصنع من المصانع في وقت واحد.
ولا شكّ أنّ هذا الاستعمال مفيد من عدّة نواحي،
فهو مفيد للآلات نفسها إذ أنّ الحركَة أفضل لها من الوقوف، كما هو مفيد بالنسبة للإنتاج إذ أنّ العامل الذي يتخصّص في إدارة آلةٍ معينة يستطيع أنْ يحصل على أكبر فائدة مرجوّة منها؛ وبذلك تصِل قوّة الإنتاج إلى أقصى درجتها، وحتى على الصعيد الدولي فإنّا نجد أنّ تقسيم العمَل قد انتشر بين الدوَل والأقاليم، بل وحتى في الدولة الواحدة نفسها، وذلك تبَعاً لصفات السكّان فيها واستعدادهم الذاتي لأيّ أنواع العمل، وبحسَب تربتها ومناخها ونوع المعادن الموجودة فيها ونوعيّة المحصولات التي تنتجها والقوى المتحرّكة وتوزيعها.
فقد تتخصّص بعض الدوَل في صناعة المنسوجات وبعضها في صناعة المواد الكيميائيّة مثلاً، وقد تتخصّص غيرها في تربية الأغنام أو زراعة القطن، أو إنتاج النفط بناءً على استعداد الدولة وإمكانياتها، ولا شكّ أنّ تقسيم العمَل بين الأفراد في جميع المجالات له أثَر كبير في حياتنا الاجتماعية فعلاوةً على المزايا العديدة التي يتضمّنها فإنّه يحكم الروابط بين الأفراد ويُشعِر الإنسان بحاجته إلى أخيه الإنسان وبأنّه لنْ يستطيع أنْ ينتج بنفسه كافّة الأشياء
اللازمة له فهو مضطر إلى أنْ يعتمد على غيره في الحصول عليها.
وعلى هذا فإنّ كلّ واحد من المجموعة البشريّة يشعر بأنّه مشدود جذرياً إلى أخيه الإنسان وهذا الشعور يولّد التقارب اللا اختياري في المجتمع، فإذا كان تقسيم العمَل شاملاً لكلّ المجالات في جميع الأحوال، وإذا كانت الحياة قائمة على أساس تقسيم العمل في جميع نواحيها، فمَن الطبيعي جدّاً أنْ يأخذ الإسلام بهذا المبدأ في تقسيم العمل بين المرأة والرجل، فيسند لكلّ منها الدور الذي هو أكثر كفاءة للقيام به.
فإنّ لكل من المرأة والرجل مزاجاً خاصّاً وتكويناً معيّناً لا ينبغي لأيٍّ منهما أنْ ينحرف عنه أو ينفصل منه.
فتوزيع المهام إذاً بين الرجل والمرأة لا يقوم على أساس تسخير أحدهما للآخر، بل على أساس تقسيم العمل وإعطاء كلّ منهما نوع المهمّة التي تنسجم مع طبعه ومزاجه، ولولا توزيع هذه الوظائف والتهيئة التكوينيّة، لهذا التوزيع لَما أمكَن للبشرية أنْ تعيش على وجه الأرض، فكما أنّ على المرأة أنْ تقوم بوظائفها الطبيعية في الحياة
كذلك على الرجل أيضاً أنْ يقوم بمهامّه بالنسبة للمجتمع والحياة، ويكون إنجاز هذه الوظائف الطبيعية على سبيل التعاون والتكافؤ لا على سبيل التسخير والاستخدام.
هذا هو التقسيم السماوي للوظائف البشرية دون استغلال من أحَد الطرفين، وهكذا شاءت العدالة الربّانية أنْ تجعل البشر متساوين في الوظائف متكافئين في الأعمال دون ظلم أو إجحاف، وتقسيم الوظائف على هذا النحو يحفظ لكلّ من الطرفين مكانته الاجتماعية ويُحافظ في الوقت نفسه على كيانه الخاص، ويجعلهما معاً خادِمَين للمجتمع على صعيدين متساويين، وكلٌّ حسبما تفرضه عليه طبيعته ويدلّه إليه تكوينه.
ولذلك فقد أسنَد للمرأة خِدمة المجتمع في داخل البيت وأسنَد للرجل خدمة المجتمع في خارج البيت؛ وذلك لأنّ المرأة بطبيعتها الأنثوية الرقيقة أجدر بإدارة البيت الذي يقوم على الحبّ والعطف والحنان.
ولكنّ هذا التوزيع العادِل للوظائف أخَذ يُستغَل من قِبَل بعض دعاة الشرّ؛ لإِبرازه في صورةٍ معاكسة تماماً للواقع، تنتج عنه تصوّرات خاطئة عن أنّ المرأة في الإسلام لا تُعَد
إلاّ كونها أداة عمل وآلة إنتاج تحت سيطرة الرجل، وكان نتيجة لهذه الدعايات السامّة أنْ أخذت المرأة المسلمة تستشعر بنقطة ضعف موهومة، وصارت تحاول أنْ تمحو عنها هذا النقص.
وبما أنّ الوسيلةالوحيدة التي تُمكّنها من ذلك هي عدالة السماء وتفهّمها الواقعي للحكمةالعادلة في هذا التوزيع، وبما أنّها قد انصرفت عن هذه الناحية بعد أنْتوهّمت اليأس منها، فإنّها لنْ تتمكّن من الاهتداء إلى ما تسعى، مهماحاولَت ذلك، ومهما بذلَت في سبيل ذلك الغالي والرخيص من عزّتها وكرامتهاوطهرها الغالي الثمين.
المَرأة وَالحِجَاب
الحِجاب ليس كما يتوهّم البعض من أنّه ختم ملكيّة المرأة للرجل، فإنّ المرأة والرجل من الناحية الإنسانية سَواء، لم يخلق أحدهما ليملِك الآخر، بل خلَق أحدهما ليتمّم الآخر ويُكمّله، ولكلٍّ منهما جانبان مزدوجان: فالرجل إنسانٌ وذكَر والمرأة إنسانٌ وأُنثى، وكلٌّ منهما بوصفه إنسان يسمح له بالمشاركة في خِدمة المجتمع، على أنْ يظهَر في مجال الخِدمة كإنسان لا أكثر ولا أقل.
إذن فعدَم تظاهِر المرأة بأُنوثتها لا يُؤخَذ دليلاً على أنّ الإسلام أراد أنْ يَحجبها من المجتمع، فهي عندما تتّصل بالمجتمع، تتّصل به لحساب كونها إنسان طبعاً، فكما أنّ للرجل أنْ يثبت إنسانيّته في الوجود، للمرأة أيضاً أنْ تُثبت وجودها الإنساني، حالها في ذلك حال الرجل سَواءٌ بسواء.
وفي النواحي التي يتحتّم على المرأة التستّر فيها يتحتّم على
الرجل ذلك أيضاً، فكما أنّ المرأة لا يُمكن لها أنْ تتظاهر بأُنوثتها وبكونها الجِنس الناعم، عن طريق الخلاعة والتبرّج، لا يمكن للرجل أنْ يتظاهر برجولته وذكورته، ولا يُمكن له أنْ يعيش في المجتمع الواسع إلاّ كإنسان، كالمرأة التي لا يُمكن لها أنْ تعيش في المجتمع الواسع إلاّ كإنسانة، وفي المَواطِن التي يظهر فيها الرجل كرجل علاوة على كونه إنساناً، يُمكن للمرأة، بل ويجب عليها أنْ تظهَر بمظهر الأُنثى علاوة على كونها إنسانة.
وبما أنّ جاذبية المرأة وسِحرها أقوى وأشدّ تأثيراً من جاذبيّة الرجل وسحره، كان حِجاب المرأة أوسَع وأشمَل من حِجاب الرجل، فالمرأة التي تظهَر في المجتمع بمظهر إنسانة بدون إشارات وهوامِش تشير إلى أُنوثتها، تكون مساوية للرجل، على العكس تماماً من المرأة الغربيّة، التي إنْ قال لها الرجل أنّها حرَّة في تصرّفاتها وفي كلّ شيءٍ، تكون في الواقع مقيّدة بإرضاء الرجل أي رجلٍ كان وإشباع رغباته، إذ فرَض عليها تظاهرها بأُنوثتها باسم الحرّية على ما يتطلّب ذلك من تعَبٍ وجُهد وعلى ما يستنفذ ذلك مِن وقت المرأة.
فهل من الإنسانية أنْ تكون المرأةُ سِلعةً تُعرَض
لعيونِ الرجال المتعطّشة؟ وهل أنّ مِن مستلزمات أنانية المرأة أنْ تَصرف الساعات الطِوال في محلاّت (الكوافير) وتحت أيدي المواشِط مع ما يَلزم ذلك من استهلاك وقتٍ مادّي ومعنوي؟
كلّ هذا لأجل أنْ تُرضي الرجل، فهل يمكن لهؤلاء النساء أنْ يظهرْنَ ولو مرّةً واحدة فقط بدون علامات تدلّ على أُنوثتهن معتمدات على شخصيّتهنّ أو على معارفهن؟ وهل خطَر لإحداهن مرّة في أنّها لو دُعيَت إلى الحفل الفلاني سَوف تكون المُبرزة بين لِدَاتها لما تملك من معرفة أو لِما تتمتّع به من شخصيّة؟ بل إنّ أفكارهن تتّجه أوّل ما تتّجه في أمثال هذه المناسبات إلى أناقتهن وإلى تحصيل الأسباب التي تجعل إحداهن أكثر جاذبية وفتنة من الأُخرى.
وأنا لا أُريد أنْ أقول أنّ مستلزماتالأناقة التبرّج، أو أنّ التبرّج من مستلزمات الأناقة، ولا أُريد أنْأدعو إلى التقشّف ولكنّي أُريد أنْ أُنبّه اللاتي جعلْنَ في التبرّجوالتأنّق عِماد شخصيّتهن، أنّ الواقع يؤكّد أنّ هذا شيء ثانوي لا يعدوكونه إرضاءً للرجل ولو بسبعين واسطة.
المَرأة وَالمِلكيّة
للمرأة المسلمة الحقُّ الكامل في التملّك الشخصي، والتصرّف الكلّي فيما تملك من مالٍ وعِقار، وفي كلّ أدوار حياتها، سَواء أكانت بنتاً أم زوجاً أم أُمّاً، وِفقاً للنظام العام، وليس للزوج المسلم حقٌّ في أنْ يتصرّف بما يخصّ زوجته المسلمة أو أنْ يمَسّ شيئاً ممّا تملِك بغير إذنٍ منها ورضاء.
ومِن هذا نرى أنّ الإسلام قد أعطى بتشريعه هذا للزوجة المسلمة حقوقاً، لم تحصل عليها في تشريعات أيّ حضارةٍ أُخرى منذ أقدم العصور، وحتى الآن، ففي الشرائع الحديثة التي تُعتبَر القمّة في التشريع البشري وُضِعت شروط عامّة للزواج وَرُبِطَ عقد الزواج بعقدٍ آخر أُطلق عليه اسم عقدِ ترتيب أملاك الزوجين، وهذا العقد يجعل ثروة الزوجة إلى حدٍّ كبير تحت سيطرة الزوج ويحرمها من
سيطرتها المطلقة بوصفها مالكةً للمال، بينما يمنح هذه السيطرة للزوج لا على ماله فحسب، بل على مال زوجته أيضاً، وفقاً لأحد أشكالٍ أربعة، سمَح القانون بصياغة العقد طِبقاً لأيّ واحدٍ منها تَبعاً لِما يقَع عليه اختيار الزوجين، والأشكال الأربعة هي كما يلي:
أوّلاً: شركة الزوجين، وهو تقسيم أملاك الزوجين إلى ثلاثة: قسمٌ عام للزوجين غير قابل للقِسمة، وقسمٌ خاصٌّ بالزوج، وقسمٌ خاصٌّ بالزوجة، وللزوج وحدَه حقّ إدارة الأقسام الثلاثة كرئيس للشركة.
والثاني: بدون شركة أو استبعاد الشركة: وهو أنّه لا يوجد في هذا القسم أملاك عامّة فكلُّ زوج يحتفظ بأملاكه الخاصّة، لكن للزوج وحده حقّ إدارة أملاكه وأملاك زوجته واستثمارها.
الثالث: فصل الأملاك، وفي هذا القسم منافع الزوجين منفصلة، فكلّ واحدٍ منهما يحتفظ بملكيّته لأملاكه واستغلالها وإدارتها، على شريطة أنْ تترك الزوجة إلى زوجها جُزءاً من إيرادها اشتراكاً معه في نفقات المعيشة.
الرابع: المهر، وهو تقسيم أملاك الزوجة إلى مهر
وغير مهر: فالمهر ما جعلته المرأة مهراً عند الزواج من أملاكها، أو ما أُعطي إليها في عقدِ ترتيب أملاكها من أقاربها مثلاً، وللزوج حقّ إدارته واستثماره فقط.
ولنقِف الآن عند الشكل الأوّل من هذه النُّظُم، وهو شكل الشركة الزوجية، ففيه أنّ للزوج إدارة ماله الخاص ومال الزوجة الخاص ومال الشركة، وحقّ إدارة أملاك شركة الزوجية خاصٌّ بالزوج كرئيسٍ لها، وهو حقٌّ خوّله له القانون، فلا يجوز انتقاصه ولا إلغاؤه بشرط في عقد ترتيب أموال الزوجين.
وسلطة الزوج في إدارة الأموال المشتركة تكون في الأعمال الإدارية ومباشرة رفع الدعاوى أمام القضاء، وفي الأعمال الإدارية المحضة تكون سلطة الزوج فيها غير محدودة، فيؤجِر ويستأجِر العقار من غير تحديد، وله قَبض الإيراد وله أنْ يتصرّف فيه كما يُريد، ويقبض رأس المال من غير مراقبة ولا إذنٍ من أحد، وكذلك له السلطة غير المحدودة في التقاضي، فسلطة الزوج في ذلك غير محدودة وليس للزوجة الرجوع عليه بأيّ تعويض، ولو أخطأ خطأ فاحشاً أو أدار إدارة سيّئة أو بذّر تبذيراً يجعله مسؤولاً قانونيّاً؛ فهو يعمل كمالك حقيقي ليس عليه أيّ مسؤولية قِبَل أيّ شخصٍ كان.
وللزوج أيضاً
إدارة أملاك الزوجة الخاصّة، لكنّ سلطة الزوج في ذلك تختلف عن سلطته في إدارة أموال شركة الزوجية كالآتي:
أوّلاً: لا يجوز منع الزوج من مباشرة سلطته في إدارة أموال شركة الزوجية، حتى ولو بشرطٍ في عقدِ ترتيب أموال الزوجين، ولكنّ منع الزوج من إدارة أملاك الزوجة الخاّصة يجوز اشتراطه في عقدِ ترتيب أموال الزوجيّة، فيُمكن للزوجة بعد الشرط أنْ تحتفظ بإدارة أملاكها لنفسها خاصّة.
ثانياً: سلطة الزوج على أموال شركة أموال الزوجية سلطةٌ مطلقة كمالكٍ حقيقي، ولكن سلطته على أملاك الزوجة الخاصّة سلطة إدارة عادية فقط.
ثالثاً: الزوج غير مسؤول في إدارته السيّئة والإسراف والتبذير في شركة أموال الزوجية، بخلاف إدارة أملاك الزوجة الخاصّة فهو مسؤولٌ عن كلِّ خطأ أو إسراف أو تبذير كمدير عادي، وعلى هذا فنحن نرى أنّ سلطة الزوج على الزوجة في أملاكها الخاصّة أقلّ منها في أموالها الخاصّة، إذا صحّ لنا أنْ نعتبر أنّ تلك الأموال تُعتَبر أموالاً لها بعد الزواج.
ولكنّ عقد الزواج في التشريع الإسلامي لا يتعدّى شخصَ الزوجين إلى مالهما أو عقارهما إطلاقاً، فلا علاقة للزوج بمالِ زوجته إطلاقاً لأيّ سببٍ كان، فالزوجة حرّة في أنْ تبيع وتشتري وترهَن وتوكِل مَن تشاء لما تشاء، بلا معارضةٍ من الزوج، إلاّ في حدود القانون العام من إسرافٍ أو تبذير أو سفَهٍ مثلاً، فليس للزوج إذاً دخْلٌ في ماليّة الزوجة ولا في أهليّتها.
فهي كاملة الأهليّة في التصرّف بأموالها وأملاكها قبل الزواج أو بعده بلا فارق، ومهما كانت الزوجة غنيّة فليست مُلزمة في المساهمة بنَفَقَات البيت، ولا في نَفَقَات الأولاد، وإذا أنفقت فإنما تنفق نتيجة لروحِ التعاون لا لحقٍّ شرعيٍّ أو عرفي، والمهر وما يُدفَع إلى الزوجة قبل الزواج أو بسببه، من الزوج أو من غيره مِن الأقارب والأصحاب هو ملكٌ خالصٌ للزوجة لا شأنَ للزوج به ككلّ أملاكها وأموالها.
هذا هو الزواج في الإسلام وهذه هي المقارنات التشريعيّة بينه وبين باقي القوانين الوضعية، وهذه هي أحكام المرأة في الإسلام والتي تدلّ على أنّ الزوجة المسلمة قد
حصلَت على حقٍّ لها في تشريعات الإسلام، كما لم تحصل عليه أيُّ زوجةٍ في أيِّ حضارة.
ثمّ هذه هي المرأة الغربيّة، وقد أعطيناك عنها لمحةً موجزة إذ هي زوجة، ورأينا استغلال الرجل لها وتلاعبه بأموالها دون حسيبٍ أو رقيب.
وبعد كلِّ هذا يُقال: إنّ المرأة الغربيّة حرّةٌ متحرّرة، وأنّ المرأة المسلمة أسيرةٌ مُستَعبدة، ونحن لو أردنا أنْ نأتي على جميع المقارنات التشريعية للمرأة المسلمة والمرأة الغربيّة لضاق بنا المجال، ولعلّنا سوف نبحث هذا الموضوع في رسالةٍ أُخرى إنشاء الله، ولكن الآن يكفينا لإثبات حرّية المرأة المسلمة وعبوديّة المرأة الغربية هذا المثَل الواحد الذي ذكرناه في حقِّ المرأة بالتملّك.
وقد قنعت المرأة الغربية من الرجل أنّه فتح أمامها أبواب الخلاعة والتكشّف، وهيّأ لها سبيل الاستهتار والتبرّج، وحتى هذا فإنّه لم يكن لحِساب المرأة الغربيّة، ولا كان إرضاءً لها ولرغبتها الخاصّة، بل كان لحساب الرجل وإشباعاً لنزَواته ورغباته، فحتّى في عالم الخلاعة والتبرّج ليست المرأة الغربية مختارةً حرّة، وإنّما هي خاضعة أيضاً
لشركةٍ جسديّة تُقابل الشركة الماليّة ويكون للرجل في هذه الشركة حقّ التصرّف والاختيار أيضاً، فقد تُعجِبه التسريحة الفلانيّة أو الزينة الفلانيّة، وقد لا يعجبه الزيّ الفلاني أو التصميم الفلاني، وفعلاً فإنّ أكثر مصمّمي الأزياء مِن الرجال يخلَعون على المرأة الزيّ الذي يَروقُ لهم والذي يرضي عيونهم وأذواقهم.
وعلى كلِّ حال فإنّ المرأة الغربيّة مسخّرة للرجل ولميوله ونزَوَاته.
وأمّا الإسلام فهو لا يُقيّد المرأة المسلمة بأيّ قيدٍ، ولا يوجّه إليها أيّ تكليفٍ خاصٍّ بها دون الرجل، إلاّ بالحجاب، والحِجاب كما قدّمنا في الفصول السابقة ضرورة مِن ضروراتها وحقيقة واقعيّة من حقيقتها الأُنثويّة، وليس له أيّ أثرٍ على سلوكها العام أو الخاص..
فتصوّروا أيّهما شريعة الكرامة والحرّية الحقيقيّة بالنسبة للمرأة، شريعةٌ تقول: مَن تزوج امرأة لِمالِها حرَمه الله مِن مالها؛ لأنّها تريد من الرجل أنْ ينظر إلى المرأة بالمقاييس الإنسانيّة، لا بالمقاييس النقديّة، وأنْ يعتبرها شريكةً له في حياته لا تجارةً رابحة، وبين شريعة أُخرى تنزل
بالزواج عن مفهومه الإنساني الخيّر، وتربط بينه وبين إنشاء شركة ماليّة لحساب الرجل، يخرج فيها الرجل وهو يملِك كلّ شيء وتخرج منها المرأة وهي لا تملِك شيئاً سِوى جواز المرور الذي حصلَت عليه من الرجل نفسه.
نعم سِوى جواز المرور في الشارع والدخول إلى المنتديات متكشّفة متهتّكة.
بقيَ علينا الحديث عن مسألة قد تُثار بشأن ملكيّة المرأة وحقّها مِن التملّك في الإسلام، وهي مسألة الإرث؛ إذ أنّ الإسلام جعَل للرجل فيه مثل حظِّ الأُنثيَين، وقد تُفسَّر هذه التفرقة لحساب الرجل.
ولكنّ الواقع أنّ هذا الفَرق مرتبطٌ بوضع الالتزامات التي وضَعها الشارع بين الرجل والمرأة، فالرجل المسلم هو المسؤول الشرعي والعُرفي لأعمال الزوجة والبيت، وهو المكلّف بتهيئةِ مؤونة العيش ومستلزمات الحياة لمَن يعول، ولهذا فإنّ من حقّه الطبيعي أنْ يختلف عن المرأة في الإرث، ويكون له من الإرث مثل حظّ الأنثيَين على العكس تماماً من المرأة المسلمة فهي غير مسؤولة شرعاً
ولا عُرفاً عن أيّ نفقةٍ أو صرف، كما قدّمنا في هذا الفصل؛ ولذلك فلَيس في هذا أيّ هضمٍ لحقوق المرأة ولا أيّ مكسَبٍ للرجل دونها من الميراث، فهي في الحقيقة تُشاركه في الزيادة التي يأخذها باعتبار المسؤولية التي تقَع على الرجل تجاهها.
المَرأةُ البنت
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (نعم الولَد البنات، ملطّفات مجهّزات مؤنسات)، هذا هو التقريظ النبوي المقدّس للبِنت، وهذه هي فكرة الإسلام عن الوليدة وعن أهمّيتها في الوجود.
وقد يعتبر هذا الحديث طبيعيّاً في مثل هذا العصر، وبعد أنْ ركّز الإسلام للمرأة كيانها الخاص وبعد أنْ عمّت فكرة الإسلام عن كون البنت والولد في ميزانٍ واحد، ولكنّ هذا الحديث جاء على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عصرٍ كانت العوائد الجاهليّة فيه مستحكمة، وكانت البنت فيه موءودة خوفاً من عار بقائها في الحياة.
وكان من أسباب عارِ الرجل أنْ يكون أبا بنات، حتى أنّ أعداء رسول اللهصلىاللهعليهوآله كانوا يجعلون مِن أبوّة رسول الله للبنات سبيلاً إلى الاستهزاء والسخرية، وقد جاء في
الروايات أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بُشّر بابنته فنظَر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم فقال: (مالكم؟!.. ريحانةٌ أشمّها ورزقها على الله عزّ وجلّ).
وهكذا نرى أنّ الإسلام أرتفَع بالبنت الموءودة إلى ريحانة وإلى خيرِ الولد، وقد رُويَ عن رسول الله الأعظمصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (إنّ الله تبارك وتعالى أرَقّ على الإناث منه على الذكور، وما مِن رجلٍ يُدخِل فرحةً على امرأة بينه وبينها قرابة، إلاّ فرَّحه الله يوم القيامة).
وهكذا وعلى هذا النحو غرَس الإسلام في صدور المسلمين حبّ البنات وأفهَمهم أنّها فلذّةٌ لهم، مثلها في ذلك مثل الولد سَواء بسَواء، وجاء في الروايات أنّه ولِد لرجلٍ من أصحاب الإمام أبي عبد اللهعليهالسلام جاريةٌ فدخل على أبي عبد الله فرآه مُسخِطاً فقال له: (أرأيت لو أوحى الله إليك أنْ أختار لك، أو تختار أنتَ لنفسك ما كنت تقول؟)، قال: كنت أقول يا ربّ تختار لي.
قال: (فإنّ الله عزّ وجلّ قد اختار لك). ثمّ قال: (إنّ الغلام الذي قتَلَه العالِمُ الذي كان مع موسى، وهو قول الله عزّ وجلّ،( فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ) الكهف / 81،
أبدلهما الله عزّ وجلّ بجاريةٍ ولَدَت سبعين نبيّاً).
وقد روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أيضاً، أنّ رجلاً تزوّج بالمدينة، فلمّا جاءه سأله أبو عبد الله: (كيف رأيت؟)، فقال: ما رأى رجلٌ من خير من امرأةٍ إلاّ وقد رأيته فيها، ولكنْ خانتني، فقال: (ما هو؟)، قال: ولدَت جارية.
فقال أبو عبد الله: (لعلّك كرهتها، إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً )) . النساء / 11.
وهذه الرواية تدلّنا على المهمّة العسيرة التي واجهت الإسلام في مطلعه الأوّل، عندما ركّز للبنت مقاماً معترفَاً به شرعيّاً ورسمّياً وعاطفياً، فبعد مضيّ حوالي القرن نرى أنّ هذا الرجل يعتبر أنّ زوجته قد خانته؛ لأنّها ولدت له جارية، وهذا هو السبب في كثرة الروايات التي وردَت عن النبيّ يُحبّب فيها البنت ويُقرّبها إلى القلوب ويجعلها ريحانة ونِعم الولد.
البنتُ حِينَما تُصبحُ زَوجَة
الزوجة في الإسلام هي رباطٌ مقدّس يقوم على أساس الوفاء والحبّ والإخلاص، وقد اهتمّ الإسلام في هذه الناحية من حياة المرأة المسلمة وأعطى الزوجة الصالحة مفهوماً طاهراً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، ولا هضم فيه لحق أيّ من الطرفين:( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (1).
ومن هذا نعرف أنّ الإسلام جعَل من العلاقة الزوجيّة علاقة متكافئة، للزوجة فيها ما للزوج وعليها ما عليه، وأمّا الدرجة التي أُعطيت للرجل على المرأة فذلك مردّه لتكوين المرأة وتكوين الرجل.
فالمرأة، ونظراً لطبيعتها التي خُلِقت لها، تكون
____________________
(1) سورة البقرة آية 228.
أضعَف من الرجل وأرَقّ، وهي تتعرّض في أدوار معيّنة من حياتها إلى أعراض طبيعيّة، لها التأثير البالغ على قِواها الجسمانيّة والفكريّة، خلافاً للرجل الذي هو في منأى عن أمثال هذه الأعراض وآثارها النفسانية والجسمانية، وقد أكّد الطب القديم والحديث على هذه الناحية، وعلى أنّ المرأة وفي معدل 74% تتعرّض في أدوار معيّنة ـ ونتيجةً لتركيبها العضوي وكيانها الأنثوي ـ إلى أعراض من نتائجها تقليل قوّة إمساك الحرارة في الجسم، وإعاقة النبض عن السرعة، وهبوط في ضغط الدم، وتقليل عدد خلاياه.
وتؤثّر هذه الأعراض أيضاً على الغدد الصمّاء واللوزتين، وعلى الغدد اللمفاوية وتقلّل إخراج أملاح الفوسفات والكلوريد من الجسم، ويختلّ فيها الهضم ويقلّ فيها التحام الشحم والأجزاء الهيولينية في المأكولات مع أجزاء الجسم، وفيها يبلد الحسّ وتتكاسَل الأعضاء، وتتخلّف الفطنةُ والذكاء وقوّة تركيز الأفكار، إلى آخر هذه الأعراض التي تكون المرأة في مَعرضٍ لتلّقيها بين حينٍ وحين.
ووجود أمثال هذه الأعراض أو بعضها من حقّه أنْ يؤثّر على المرأة وعلى وجودها الاجتماعي، وهذا ضرورة من ضرورات المرأة ونتيجة من نتائج تقسيم الوظائف بين
البشر، ولذلك فهي تحتاج دائماً وأبداً إلى من يشدّها في جميع الأحوال، وإلى مَن يسندها في كلِّ وقت وهي ستجد في الرجل وجودها الثاني الذي لا يطرأ عليه أيّ تغيّرٍ أو تبديل.
ولذلك جعل الإسلام للرجل درجة على المرأة، وليس في هذا أيّ إجحافٍ لحقِّ المرأة أو أيّ ظلمٍ لها، بل هو نتيجة طبيعية لما قدّمناه، وكذلك في أوقات الحمل ـ الذي يُعدّ أقدَس مهمّة تنجزها المرأة في الحياة ـ تُصاب أكثر النساء بأعراضٍ كثيرة، تكون من مستلزمات الحمل وتوابعه وتستهلك هذه الأعراض من المرأة جُهداً بدنيّاً شاملاً.
وقد صرّح كثير من الأخصّائيّين، أنْ الشهر الأخير من أشهِر الحمل لا يصح فيه أنْ تكلّف المرأة جهداً بدنياً أو فكرياً، وعند ذلك أيضاً يأتي دور الرجل الزوج لكي يُسيِّر معها دفّة الحياة، والمرأة بطبيعتها الناعمة تحتاج إلى ركنٍ قوي تستشعر في ظلّه الأمن والرضاء.
ولو لم يكن للرجل على المرأة درجة؛ لأصبح الرجل بالنسبة للمرأة كواحدة غيرها من النساء، وعند ذلك تفقد هذا الشعور الذي تحتاجه كلّ أُنثى، وهو شعورها بأنّها في حِمىً مكين وبأنّها مسنودة إلى جبهةٍ قوية.
فالمرأة ـ كما عرفنا ـ لا يمكن لها بأيّ حال من الأحوال أنْ تتجرّد عن أُنوثتها التي هي ضرورة من ضرورات وجودها الإنساني، والأُنوثة تعني الرقّة والنعومة، والرقّة والنعومة لابدّ لها ممّن يعوّضها عن ضعفها بقوّته وعن رقّتها بصلابته.
وإلاّ فإنَّ الإسلام هو أوّل نصير للزوجة بجميع أحكامه ومفاهيمه، وقد جاء في الروايات عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركُم لأهلي)، وجاء في الروايات أنّ النساء في عهد النبيّ كُنّ قد وجَدْن فيه لأنفسهنّ نصيراً مُشفقاً وملجأً، حتى أنّهن كُنّ يَشكين إليه أدنى اعتداء يَصلُهن من أزواجهنّ، وكان أزواجُهن يحذرون أنْ يبدر منهم إليهنّ ما يَشكينَهُ إلى النبيّ.
وجاء في الروايات عن الرسولصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (خيرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة)، وجاء عنه أيضاً: (ليس مِن متاع الدنيا شيءٌ أفضل من المرأة الصالحة).
وعلى هذا النحو جعل الإسلام من الزوجيّة نموذجاً جديداً، وأسبَغ عليها مفاهيماً سامية لا لبس فيها ولا غموض، والزوجة في الشريعة الإسلامية لها من الحقوق الزوجية ما عليها، وبهذا أوجَد الإسلام من الزوجية رباطاً
مُحكماً ثابت القواعد له شروطه وأحكامه، وليس متعةَ لهوٍ عابرة.
فالزوجة إذن ليست آلةً مستخدمةً للرجل، وليست وسيلةً لإنجاز مهامّه وقضاء حوائجه، وليس للرجل عليها أيّ حقٍّ في هذا الباب، كما قد أجمَعت عليه الروايات والأخبار، وأجمَع عليه أيضاً جميع الفقهاء، وقد ترَك الإسلام التعاون القائم بين الزوجين إلى رغبةِ الزوجين في هذا التعاون واستعدادهم لذلك، ولا ريبَ أنّ الحبّ المُتبادل والمودّة التي جعلها الله بينهما تدفعهما إلى التعاون، وتحبب إليهما ذلك التعاون، فهو تعاونٌ متكافئ قائمٌ على أساسِ الحبّ والرحمة والإخلاص.
وعلى هذا فإنّ المرأة لا تشعر بأيّ غضاضةٍ في ذلك؛ فهي مخيّرة لا مسيَّرة ومندفعة لا مدفوعة، وبما أنّ بيت الزوجيّة هو مملكةُ الزوجة الخاصّة وعشُّها السعيد، فلا ريب إذن من أنْ تكون المرأة أكثر اندفاعاً لتعمير هذا العشّ وتشييده من الرجل، الذي يكون نِطاقه أوسَع من البيت وأعم، فالمرأة عندما تشعر أنّها هي القائدة الواقعيّة للبيت وللمجتمع الصغير، الذي تحسُّ فيه براحةٍ نفسيّة إذا أحسنت قيادته وحدها، وأثبتت كفاءتها لتِلك القيادة التي هي في الواقع بدايةً لقيادة المجتمع الواسع.
الزَوجَة حِينَما تُصبحُ أُمَّاً
الأُمومة رسالةٌ مقدّسة كُلّفت المرأة بأدَائها، نظراً لكون دور الأُمومة هو أدقّ أدوار الوظائف في الحياة، والمرأة ولكونها عاطفيّة بالطبع والفطرة يكون لها من عاطفتها الفيّاضة دافعً يشدّها إلى تحمّل مهامِّ هذا الدور ومشاكله، والأُم وفي كلّ عصرٍ من العصور كانت لها الأهميّة القُصوى في ذلك العصر، وكانت الأُمَم المتقدّمة تولي الأُم اهتماماً خاصّاً وتتخيّرها وتنتقيها من بين مئات من النساء.
فقد كان يتّفق للرجل قبل الإسلام أنْ يقتني العديد من الجواري والزوجات، ولكنّه يُحدّد نسله في واحدة يكون على ثقةٍ من عراقة أصلِها وأصالَةِ فَرعها، ولكنّ ذلك كلّه كان لحِساب الولَد لا لحساب الأُم بما هي أُم، ولكنّ الإسلام فتَح أمام الأُمّ آفاقاً جديدة أُخرى تخصّ شخصها وكيانها الخاص، فمكانة الأُمّ قبل الإسلام مكانةَ آلةِ الإنتاج التي يَحرِص
على أنْ تكون سليمة مُستحكَمة لكي تنتج الإنتاج السليم، ومكانة الأُمّ بعد الإسلام مكانةَ الواهبة للحياة، بما يستلزم ذلك من حقوق والتزامات؛ ولذلك فقد خوّلها الإسلام إمكانيّات واسعة، وجعلها تحسّ بأنّها تلِدُ الولَد لنفسها وللمجتمع، وليس للمجتمع فحسب، وجعَل الولد يشعر بأنّه مدين بحياته ونشأته للأًم، وبذلك ارتفع بها مِن دائرتها الضيّقة في الأُمومة إلى أُفِقٍ عالٍ من الرفعة والمكانة، وأصدَق دليلٍ على ذلك ما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه قال:
(الجنّة تحت أقدام الأمهات).
فهل هناك غاية في السموّ أعلى من أنْ تكون الأُمّ طريقاً للجنّة، ومِن أنْ يكون رضاؤها باباً يلِج منه المؤمن إلى جنّات النعيم.
نعَم الجنّة التي وعِد المتّقون بها، والتي هي غاية كلّ مسلم، وحصيلةُ عمرٍ ينقضي بالخير والصلاح تكون تحت أقدام الأُمّهات، وتكون الأُم هي الطريق المؤدّي إليها برضاها عن الولد وبإرضائه لها، فالإسلام يعلم أنّ الأُم وبما تُكابده لأجل وليدها من آلامٍ ومحنٍ وأسقام، جديرةٌ بأنْ تكون وسيلةً لولدها في دخول الجنّة، وأنْ يكون إرضاؤها
شرطاً أساسيّاً من شروط الإيمان الكامل والإسلام الحقيقي، سَواء أكانت الأُمّ أرفع من الولد أصلاً أم دونَه في الأصل والنسب فهيّ أُمّ وكفَى.
هذه هي حكمة الإسلام ورحمته تجاه الأُم، فالإسلام لا يقرّ لولدٍ مهما كان شريفَ الحسَب والنسَب، أنْ يتطاول على أُمّه وإنْ كانت جارية، فحقّ الأُمومة في شريعة الإسلام حقٌّ مقدّس لا يتغيّر ولا يتبدّل مهما اختلفت الظروف والأحوال، والواقع أنّ العقل والمنطق يؤيّدان هذا ويؤكّدانه، فإنّ الولد لا يُمكن له أنْ ينال الحياة إلاّ بعد أنْ تُغذّيه الأُمّ من دمِها، وبعد أنْ تحمله معها في أحشائها وتحميه في كلّ جارحة من جوارحها، ولا يُمكن له أنْ يعيش أيضاً إلاّ إذا كفلته أُمّه في رعايتها وغذّته مِن لبَنِها وأحلّته في أحضانها.
وعلى هذا فإنّ الولد في الواقع قطعةٌ مِن الأُم قد انفصلت عنها وتكوّنت إلى جنين، فهل يُمكن لبعض الشيء أنْ يعلو على بعضه؟ وهل يُمكن للثمرة أنْ تسمو على الشجرة؟ وهل يُمكن للوردة أنْ تُباهي الغصن؟ ولولا الغصن لَما كان هناك زهرة على وجه الأَرض، والإسلام لاحظ هذا ولاحظ المشاكل التي تحدث من جرّاء هذا
الشعور، الذي كان الأولاد يشعرون به قبل الإسلام، تجاه الأُمّ التي هي دونهم في الأصل والنسَب، فأراد أنْ يخوّل الأُمّ ـ وأيّ أُمّ ـ مكانها الذي يُمكّنها مِن حفظ كيانها في كلّ المجالات والظروف، وتُلزِم أولادها الطاعة لها مهما اختلفت عنهم في الأصل والنسَب.
وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يكرّر في أكثر من مناسبة قوله: (وإنّما أنا ابن امرأة مِن قريش تأكُل القديد)، مع أنّ أُمّ الرسولصلىاللهعليهوآله كانت من أعرَق أُسَر قريش وأطهرها نسَباً وحسَباً، وقد جاء في الروايات أيضاً أنّ رجلاً سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن حقّ الوالدين فأجابه الرسول قائلاً: (أُمّك ثمّ أُمك، ثمّ أُمّك ثمّ أبوك).
فالأُمّ ـ بطبيعتها الأُنثوية ورقّتها الطبيعيّة ـ تهبّ لوليدها من حنانها وعطفها أكثر ممّا يُعطي الأب، بل أكثر ممّا يتمكّن أنْ يُعطيه الأب، نظراً لتكوينه الخاص الذي لا يُمكّنه مِن الاندفاع وراء عواطفه، في الوقت الذي تكون فيه الأُمُّ سريعةَ الاندفاع وراء عواطفها، قليلة التمكّن من التحكّم في مشاعرها، فعلى هذا فإنَّ الولَد يستهلك من عطفِ الأُم وحنانها أكثر ممّا يستهلك من عطف الأب وحنانه، وإنْ كان الحبِّ الواقعي عند الوالدين في حدٍّ سَواء.
وهذا هو السبب في تأكيد رسول الله على حقّ الأُم ثلاث مرّات، ونحن لا ننكر أنّ للولد حقّاً عند أُمّه، وأنّ على الأُم أيضاً أنْ تُحسِن تربية الولد وتغذّي روحيّاته، وتحميه من مهاوي الانزلاق بالمقدار الذي تمكّنها منه قابليّاتها ومعارفها، وعلى الأُم أنْ تشعر بخطَر مسؤوليّاتها وهي تضطلع بدور الأُمومة.
وعليها أيضاً أنْ تعرف أنّها مسؤولةٌ عن النشء الذي تنشئه أمام الله وأمام المجتمع؛ ولذلك فإنّ من ضرورات الأُمومة الصالحة أنْ لا تكون الأُمّ جاهلة؛ لكي تتمكّن من معرفة الطُّرُق السليمة في التربية، وأنا لا أُريد أنْ أقول أنّ على كلّ أُم أنْ تأخذ دبلوماً من معاهد التربية مثلاً، ولا أقصد مثل هذا من قريبٍ أو بعيد، ولكنّي أعني أنّ الأُم يجب أنْ تكون بصيرةً بأُمور دينها ومجتمعها، تتمكّن من تفّهم المشاكل الاجتماعيّة بسهولة، وتتمكّن من معرفة الأخطار التي تترتّب مِن جرّاء تلك المشاكل بسرعة؛ لكي تُجنّب وليدها تلك المشاكل.
وعلى العموم فالأُمّ يجب أنْ تكون واعية وعْياً إسلاميّاً كاملاً؛ لكي تتمكّن من أنْ تُنشئ وليدها على أُسُس الإسلام ومفاهيمه الواقعية.
الفهرس
مقَدّمة5
نِساءٌ في حياةِ النبيّ 9
المرأةُ في شَريعةِ النبيّ.. (قِيمةُ المَرأةِ في الإسلام)72
المَرأة77
المَرأة وَالعَمَل 81
المَرأة وَالحِجَاب 87
المَرأة وَالمِلكيّة91
المَرأةُ البنت 101
البنتُ حِينَما تُصبحُ زَوجَة105
الزَوجَة حِينَما تُصبحُ أُمَّاً111