في رحاب عاشوراء

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمد مهدي الآصفي
الإمام الحسين عليه السلام

في

رِحَابِ عَاشُورَاء

تأليف:

سماحة العلاّمة

الشيخ محمّد مهدي الآصفي



(في هذا الكتاب)

* عاشوراء في مرآة التاريخ

* ثأر الله

* خطاب الاستِنصار الحُسيني

* الولاء والبراءة في مرآة عاشوراء

* الـمُتَخلِّفون عن ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام

* قِيمَة الوراثة في حياة الإنسان

* الأبعاد السياسيَّة والحَركيَّة لثورة الإمام الحسينعليه‌السلام

* عاشوراء (ودٌّ) و (قُدْوة)


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا وارث آدم صِفوة الله

السلام عليك يا وارث نوحٍ نبيّ الله

السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله

السلام عليك يا وارث موسى كَليم الله

السلام عليك يا وارث عيسى روح الله

السلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله

السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين وليِّ الله


مُقدّمة المؤلِّف

هذه الحلقة الثانية من كتاب(وارث الأنبياء عليهم‌السلام ) ، تحدّثت فيها عن (ثقافة عاشوراء)، وهي ثقافة (الصِراع) و (التحدِّي) و (العَمَل).

ونحن اليوم في ساحة مواجهةٍ وصراع وتَحدِّي.

وهذه الثقافة الّتي ورثناها من الحسينعليه‌السلام ، والّتي ورثها الحسينعليه‌السلام من الأنبياءعليهم‌السلام ، هي من أهمِّ ما يجب أن نُقدّمه لشبابنا في هذه الساحة.

فإنّ ثقافة الصراع والمواجهة من أهمِّ أسباب مقاومة (الفئة القليلة الـمُستَضعَفة، للفئة الـمُستكبِرة والظالمة)، ومن دون هذه الثقافة لا نتمكَّن أن نُحقِّق أهداف رسالة الله، في هذه المعركة الضارية بين التوحيد والشرك.

وهذه الثقافة نجدها في القرآن، وفي يوم عاشوراء.

ويوم عاشوراء حافِل بثقافة المواجهة والتحدّي والمقاومة والصبر، وتجسيد لِما في القرآن من وعيٍ وثقافة في هذا الشأن.

وفي(رحاب عاشوراء) نجد نحن الكثير ممّا نحتاجه من وعي المعركة والمواجهة.

ويوم عاشوراء مِرآة صافية للتاريخ، نرى من خلال هذه المرآة صراع الحقِّ والباطل، ومقاومة الحقِّ واندحار الباطل، وقِيَم الحقِّ وسقوط


الباطل، وسُنَن الله في هذا الصراع.

ولابدّ أن يتناول (المِنبَر الحسيني) الـمُعاصِر هذه الدروس الّتي نستوحيها من يوم عاشوراء، بصورة تحليليّة دقيقة، تتطابق مع حياتنا السياسيّة الـمُعاصِرة، وصراعنا السياسي والحضاري.

وهذه المقالات الّتي يجمعها هذا الكتاب، محاولة بهذا الصدَد، أسأل الله تعالى أن ينفع به المِنبر الحسيني الّذي لا يزال سِراجاً لجمهورنا، ونِبراساً لهم في صراعهم مع الباطل، ورفضهم لسُلطان الظلم.

محمّد مَهدي الآصفي

قم المقدَّسة

1 رجب / 1419 هـ. ق


عاشوراء في مرآة التاريخ

* عاشوراء في وَعي الجمهور ووَعي النُخبة

* موقف السلاطين والحُكّام من عاشوراء

* عاشوراء مرآة للتاريخ

* كلُّ أرضٍ كربلاء وكلُّ يومٍ عاشوراء



بسم الله الرحمن الرحيم

عاشوراء في مِرآة التاريخ

عاشوراء في وعْيِ الجمهور ووَعْيِ النُخبة:

فيما يلي نُحاول أن نقف وقْفة تأمُّل في رحاب يوم عاشوراء، ونبحث عن العناصر والقِيَم والآفاق الواسعة لهذا اليوم العجيب، هذه الساعات القليلة والمعدودة من يوم العاشر من مُحرَّم تنطوي على آفاق واسعة جدّاً، وعلى معاني وقِيَم تستحقّ أن يتوقّف الإنسان عندها طويلاً، ويتأمّل فيها كثيراً.

هذه الآفاق لم تَلْقَ بَعْدُ العناية الكافية من قِبل الباحثين والـمُفكِّرين الّذين أَولَوا (عاشوراء) اهتمامهم، رغم كثرة الدراسات والأبحاث والجهود الفكريّة، الّتي تصبّ في الأحداث الّتي جرتْ على أرض كربلاء يوم العاشر من محرّم من سنة (61 هـ. ق).

وإنّني لا أشكّ أنّ وعي الجمهور لعاشوراء وعُمقه وآفاقه، أكثر بكثير من وعي الـمُفكِّرين الّذين تناولوا هذا اليوم العجيب من التاريخ بالدراسة والبحث.

إنّ الّذي يُدرِكه جمهور الناس بوَعيه الفِطري، شيء أعمق بكثير ممّا يَتلََقَّاه الباحثون والـمُفكِّرون من هذا اليوم، ولو أمعنّا النظر في وعي الجمهور ليوم


عاشوراء، وجدنا أنّ الجمهور يسبق الباحثين والمفكِّرين في وَعي هذا اليوم وآفاقه الواسعة، وما ينطوي عليه من القِيم والمفاهيم.

وأنا من الّذين يثقون بوعْيِ الجمهور المؤمن وحِسّه الـمُرهَف الدقيق في التشخيص والتقييم، وأُعارض الّذين ينتقصون من وعْيِ الجمهور المؤمن وفهْمه وتشخيصه. فالجمهور يملك حسَّاً مُرهَفاً ووَعياً فطريَّاً وبصيرةً نافذة - في حالات السلامة والصحوة - لا يملكه أولئك الّذين يتتبَّعون الأحداث من خلال التأمّلات الفكريّة والدراسات العلميّة.

وهذا الحسّ الفطري الـمُرهَف يجعل الجمهور سبّاقاً إلى درك ووعي هذه الآفاق الربّانيّة في حياة الإنسان.

وكثيراً ما يتّفق أنّ الباحثين والمفكّرين يتتبّعون خُطى الجمهور، ويقتفون أثره في الوعي والتفسير والتشخيص، ومع ذلك فإنّ الوعي الفطري للجمهور يبقى مُحتفِظاً لنفسه بقُدرة كبيرة جدّاً على التشخيص، والتقسيم، ونفاذ البصيرة، تقصر عنه أفكار وتفسيرات الباحثين والمفكّرين.

وهذا هو ما يتراءى لي فعلاً في (عاشوراء)، فكلّما يُمعِن الإنسان النظر في التعاطف الوجداني الكبير من قِبل جماهير المسلمين مع حادث الطفِّ في يوم عاشوراء، وقياس ذلك إلى التفسير والتقييم العلمي المطروح على الصعيد الفكري؛ يزداد إيماناً بأنّ الجمهور كان أقدر على استيعاب الآفاق الواسعة لهذا اليوم من الباحثين والمفكّرين، الذين تناولوا هذا الموضوع الخطير بالدراسة والبحث.

ويبدو أنّ الحسّ الفطري لدى جمهور المؤمنين، أسرع إلى فهْمِ ووَعْيِ الحقائق من أولئك الباحثين، الّذين يعتمدون (عصا) التفسير والتحليل العلمي بالوسائل العلميّة المعروفة، ويرى الجمهور - في حالة سلامة الفطرة - بنور الله ما لا يراه غيره.


وهذا ما نراه فِعلاً من حيويّة (عاشوراء) في وجدان جمهور المسلمين وعواطفهم، وتفاعل الجمهور الواسع والعميق مع عاشوراء خلال هذه الفترة الطويلة، والّتي تزيد على ثلاثة عشر قرن من الزمان، وعلى هذه المساحة الواسعة من الأرض.

وهذا أمر فوق العادة بالتأكيد، ولا ينبغي أن نمرَّ عليه مروراً سريعاً من دون وقفة تأمّل وتفكير.

ولا نعرف نحن إلى الآن حَدَثاً، يستقطب عواطف جماهير المسلمين بهذه الصورة من القوّة والفاعليّة كعاشوراء، ولا نعرف أمراً في حياة المسلمين يستقطب الجماهير بهذه الصورة الواسعة والقويّة إلاّ الحَجّ.

وقد رُوي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (إنّ لِقتل الحُسين حَرارَة في قلوبِ المؤمنين لا تَبرد أبداً)(1) .

مَوقف السلاطين والحُكّام من عاشوراء:

ولأمرٍ ما، كان يحسُّ السلاطين والملوك أنّ في مظاهر الحُزن والحِداد على الإمام الشهيد شيئاً يضرّهم، ويسيء إلى سُلطانهم ومُلكِهم، وكانوا يواجهون الجمهور الحسيني بالجَفاء والإنكار، وأحياناً بالإرهاب والـمُطارَدة، تماماً كما كان الجمهور يشعر أنّ في قضيّة الحسينعليه‌السلام شيئاً يرتبط بمصيره ومصير الإسلام.

وفي تاريخنا - منذ العصر الأمويّ وعبر العصر العبّاسيّ إلى اليوم - الكثير من الأمثلة على تَنَكّر السلاطين وامتعاضهم من إقبال الجمهور على زيارة الحسين، والتعاطف مع قضيّة الحسين، حتّى بلغ الأمر أنّ هارون الرشيد أمر بهَدمِ القَبْر

____________________

(1) مُستدرك الوسائل: 2 / 217.


الشَريف وكَرْبه(1) .

كما أمر الـمُتوكّل العبّاسي بهدم القبر وما حوله من المنازل والدُور، وأن يُبْذَر ويُسْقَى موضع القبر، ويُمنَع الناس من الزيارة(2) .

ومع كلّ هذه الضغوط السياسيّة، والإرهاب الّذي كان يُمارسه السلاطين بشأن قضيّة الحسين وعاشوراء، فإنّ عاشوراء كانت تتفاعل ولا تزال مع عواطف الجماهير ومشاعرهم في حركة تصاعديَّة.

وقد وضع علماء البِلاط الأموِي أخباراً وأحاديث كثيرة في يوم عاشوراء، وأنّه يوم بركة؛ (ليَعدل الناس - كما يقول الإمام الصادقعليه‌السلام - من الجَزع والبُكاء والمصيبة والحُزن في هذا اليوم، إلى الفَرَحِ والسُرور والتبرّك)، وقد بذلَ حُكّام بني أُميّة لذلك الجوائز والهدايا(3) .

ومع كلّ هذه الضغوط السياسيّة بشأن هذا اليوم، وبشأن قضيّة الطفّ، فقد بقتْ (عاشوراء) تتفاعل مع عواطف الجماهير ومشاعرهم، في حركة تصاعديّة يستلمها جِيل من جِيل، وتنتقل من جِيل إلى جِيل بنفس الحيويّة والقوّة، وتُضيف إليها الأجيال الـمُقبِلة الكثير من عواطفها ومشاعرها وأحاسيسها.

ولا أكاد أتصوَّر أنّ هذا التعاطف العميق والواسع من قِبل جماهير المسلمين، في رقعة واسعة من الأرض، وعبر تاريخ طويل، تتكوَّن وتستمر وتَشقّ طريقها عبر مُضايَقات الحُكّام والسلاطين، من دون أن يكون الجمهور قد وجد - بوَعيه الفِطري، في هذه الساعات القليلة من يوم عاشوراء - من الآفاق الواسعة

____________________

(1)تاريخ النياحة على الإمام الشهيد، للسيّد صالح الشهرستاني: 2 / 12، نقلاً عن: (نزهة أهل الحرمين، للسيّد حسن الصدر الكاظمي: 27).

(2)الكامل، لابن الأثير: 7 / 55 / في حوادث سَنة 236 هـ.

(3)بحار الأنوار: 44 / 270.


والصور والمعاني، والقيم الـمَخبوءة، ما لم تتمكّن من التقاطه وتسجيله ورسمه أقلام الباحثين والمفكّرين.

فلا يَسعنا أن نفْهم مثل هذا التعاطف الجماهيري الواسع مع عاشوراء، دون أن نقبل أنّ الجمهور قد تمكَّن أن يرى في هذا اليوم - بحِسّه الفطري - ما لم تتمكّن الدراسات العلميّة أن تُسجِّله وترسمه في هذا اليوم.

والحجم المطروح لعاشوراء من قِبل الباحثين والعلماء لا يُناسِب - بالتأكيد - هذا التعاطف والتفاعل الواسع من قبل الجماهير؛ وهذا هو الّذي يدعو إلى القول بأنّ الجمهور له دور السَبْقِ في اكتشاف آفاق (عاشوراء)، والباحثون - الّذين عملوا في تحليل وتفسير أحداث هذا اليوم - كانوا يتحرَّكون من وراء الجمهور، ويَضعون خُطاهم في التحليل والتفسير، مَوضع خُطى الجمهور.

وليس في هذا ضَيْر، إذا كانت أقلام الباحثين قادرة على مُتابعة ومُلاحَقة الجمهور، في وعيه ودَرْكِه للقضيّة الحسينيّة، وإنّما البأس أن تتوقَّف أقلام الباحثين وأفكارهم عن اكتشاف وتسجيل ما اكتشفه الجمهور، من الآفاق الرَحبة لعاشوراء، بحِسّه الفِطري.

عاشوراء مِرآة للتاريخ:

من خلال هذا اليوم، وساعاته القليلة الحاشِدة بالأحداث الكبيرة، يقرأ الناس التاريخ البشري كلّه.

ومن خلال هذا اليوم، نقرأ سُنَن الله في التاريخ، ونفهم كيف تسقط أُمّة، ويستدرجها الله تعالى، ويُعذّبها ويُهلكها، وكيف يستبدلها بأُمّة أُخرى، وكيف تسمو أُمّة في التاريخ وتسقط أُخرى، وكيف يُجري الله قانون الابتلاء على أُمّة فيُضيِّق عليها لتَنمو وتبلغ رُشدها، وكيف يستدرج أُمّة أُخرى


ليُحلّ عليها العذاب والنِقمة، وكيف يكون استبدال هذا بذاك.

(عاشوراء) مرآة صافية للتاريخ، تعكس التاريخ بصورة صادقة وأمينة. ومن خلال قراءة هذا اليوم يستطيع أن يقرأ الناس حركة التاريخ كلّها، منذ خلقَ الله تعالى الإنسانَ على وجه الأرض إلى اليوم.

ذلك أنّ التاريخ هو مجموعة (السُنَن الإلهيّة) في حركة الإنسان وصعوده وسقوطه، ولا يجري في التاريخ شيء بصورة اعتباطيّة وعَفَويّة، وإنّما يجري كلّ شيء بمُوجب سُنَن وقوانين دقيقة وبالغة في الدقَّة، كما يجري التغيير في الفيزياء والكيمياء والميكانيك؛ تَبَعاً لمجموعةٍ من القوانين والسُنن الخاصّة بهذه الحقول(1) .

والّذي يفهم هذا القوانين والسُنَن بشكلٍ دقيق، يفهم التاريخ وحركته وما يجري في هذه الحركة من هبوط وصعود، ومن هَلاك واستبدال للأُمم.

والصراع بين الحقّ والباطل، وبين جند الله وجند الشيطان، هو المرآة الّتي تعكس هذه السُنَن والقوانين بصورة دقيقة وكاشِفة.

ذلك أنّ (الصراع بين الحقّ والباطل، وحزب الله وحزب الشيطان) هو العامل الأكبر تأثيراً في حركة التاريخ، بخِلاف النظريّة الماركسيّة، الّتي تعتبر (الصراع الطَبَقِي) هو العامل الـمُحرِّك للتاريخ(2) .

والتاريخ يتلخّص في مُعظَم جوانبه في هذا الصراع، الّذي يقود طَرَفاً منه الأنبياء والمرسَلون، ويقود الطرف الآخَر أئمّة الكُفر.

____________________

(1)بالطريقة الّتي شرحناها في فصل (المذهب التاريخي في الإسلام)، وبيّنّا موضع إرادة الإنسان واختياره في هذه الحركة، في النظريّة الإسلاميّة. من كتاب (في رِحاب القرآن).

(2)والفرْق الآخَر: إنّ النظريّة الماركسيّة تُؤمن بالعامل الواحد في حركة التاريخ، بينما النظريّة الإسلاميّة لا تُؤمن بنظريّة توحيد العامل في حركة التاريخ.


والصراع الطَبَقِي حقيقة قائمة في ساحة التاريخ لا ننفيها، ولكنّه لا يُعتَبَر العمود الفقري للتاريخ، وإنّما يحتلّ جانباً من جوانب حركة التاريخ، ومهما كانت قِيمة هذه المساحة الّتي يحتلّها الصراع الطبقي في تاريخ الإنسان، فلن يُعتبر العمود الفقري للتاريخ. ولسنا الآن بصَدَد إثبات هذه الحقيقة القرآنيّة.

فالتاريخ - إذن - يتلخّص في مُعظَم جوانبه في هذا الصراع التاريخي، الّذي يقود طَرَفاً منه الأنبياء والمرسَلون والمؤمنون، ويقود الطرفَ الآخر الطاغوت وأولياءُه.

وفي هذا الصراع التاريخي تبرز أهمّ خصائص حركة التاريخ، وتتكشَّف للإنسان جوانب واسعة من التاريخ، لا يكاد يراها إلاّ في هذا الجوِّ من الصراع بين أولياء الله وأولياء الشيطان.

ذلك أنّ الصراع يستخرج بصورة قويّة خصائص كلّ أُمّة وكلّ فِئة من الناس، ويُبرِزها على حقيقتها، ويفرز الناس إلى فئتين مُتمايزتين.

فقد تنزع الأُمّة المؤمنة في حالات اليُسر والرَفاه إلى الدِعَة والتَرفِ، وإيثار العافية في حياتها، وتنسى ذكر الله (عزّ وجلّ). فإذا حلّ بها الابتلاء نزعتْ إلى الله نزوعاً قويّاً وقطعتْ ما بينها و بين هذه الدُنيا من أسباب، وذلك قوله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ) (1) .

والعكس أيضاً صحيح، فقد يتمكّن المنافقون والـمُتخلّفون وأولياء الشيطان من إخفاء حقيقتهم، وما تستبطن نفوسهم من حُبّ الدُنيا والانقياد للأهواء، والولاء للطاغوت والخوف والضعف في ساعات اليُسر والأمن، فإذا جَدّ الجِدّ ووقعتْ المواجهة والصِدام، طفحَ على حياتهم ما كانوا يستبطنونه من خوفٍ ونفاق.

____________________

(1)الأعراف: 94.


يقول تعالى:( قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً * أَشِحّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً ) (1) .

فيَكشف الصراعُ الخصائص الحقيقيّة لكلّ أُمّة من الناس، ويفرز الناس إلى مِحورين مُتميِّزين، ويعكس التناقضات القائمة في حياة الناس، ويعكس السُنَن الإلهيّة الّتي تجري في حياة الناس وحركتهم، وصعودهم وهبوطهم وسقوطهم، واستبدالهم بأُممٍ أُخرى؛ فإنّ هذه السُنَن جميعاً - أو في مُعظمها - تجري في جوِّ الصراع بين الحقِّ و الباطل، بقوّة ووضوح أكثر من أيّة حالة أُخرى.

ولنقرأ هذه الآيات المباركات من سورة الأحزاب، لنَجد كيف تهتزُّ النفوس الضعيفة في القتال، وكيف يجري فيها الزلزال، وكيف تَزيغ الأبصار وتنقلّب القلوب المؤمنة، الّتي لم يستقرّ فيها الإيمان إلى الظنِّ بالله، وكيف يكشف القتال المنافقين ويُلقي عليهم الضوء، بعد أن كانوا يُخفون أنفسهم في صفوف المسلمين، ومع ذلك كيف تتدخّل المشيئة الإلهيّة لإسناد ودعم القِلّة المؤمنة الثابتة، في هذه الساعات العَسِرة والحَرِجة.

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طّائِفَةٌ مّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ


لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النّبِيّ يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً ) (1) .

تَرى كيف يكشف القتالُ والصراع المنافقين؟!

وكيف يدخل النفوس في ساعة القتال الظنّ والرَيب، وكيف يهتزّ المؤمنون - الضعاف - من الأعماق؟!

وكيف يتحوّل دَور المنافقين في ساعة واحدة إلى التهريج والتَثْبيط؟!

وفي مقابل هؤلاء، الصادقون من المؤمنين الّذين تطمئنّ نفوسهم إلى الله، ويثبتون للأعاصير والعواطف، ولا يدخل نفوسهم شكّ أو رَيب، مهما اكفَهَرَّتْ الأجواء، ومهما ضاقتْ الأحوال.

( وَلَمّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً * لّيَجْزِيَ اللّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ... ) (2) .

وتتدخّل المشيئة الإلهيّة، ويُؤيَّد المؤمنون بجنودٍ لم يَروها:

( ... اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا... ) (3) .

ويَردّ الله الّذين كفروا بغيظهم، ويقذف في قلوبهم الخوف، ويُورث المؤمنين أرضهم وديارهم:

( وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ

____________________

(1)الأحزاب: 9 - 13.

(2)الأحزاب: 22 - 24.

(3)الأحزاب: 9.


قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنزَلَ الّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الْرّعْبَ فِرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها وَكَانَ اللّهُ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً ) (1) .

كلّ ذلك يتمّ في أجواء الصراع والمواجهة والقتال.

تهتزّ النفوس ويصيبها الزلزال، ويكشف النفاق عن نفسه، ويجدُ المنافقون فرصةً للتهريج والتَثْبيط، وتثبت النفوس المؤمنة وتطمئنّ إلى وعد الله، ويُنزل الله تأييده ونصره على المؤمنين، ويقذف في قلوب الّذين كفروا الرُعب والخوف، ويُهلكهم بأيدي المؤمنين، ويُورث المؤمنين أرضهم وديارهم.

كلّ هذه التحوّلات والانقلابات، والسُنَن والقوانين، والصعود والسقوط والثبات والانهيار، يحدث في ساحات المواجهة والقتال، وكلّ هذه الحركة القويّة التاريخيّة، والسُنن والقوانين الإلهيّة، والفَرْز والتفريق والكشف، يتمّ في جوِّ الصراع.

إذن، الصراع الحضاري بين الحقّ والباطل، يكاد أن يكون نموذجاً ممثّلاً لمساحة التاريخ، وللسُنَن الإلهيّة الجارية في هذه المساحة بشكلٍ كامل أو غالب. وما يجده الإنسان في امتداد التاريخ الطويل وعرضه العريض، يجده بصورة مُختَزلة ومُصغَّرة في الصراعات الحضاريّة الحقيقية، الّتي يقف جند الله في مواجهة جند الشيطان.

... تماماً كما أنّ قَدَحاً من ماء المحيط يستطيع أن يعكس لنا بصورةٍ مُصغَّرة ومُختزلة مُعظم الخصائص الموجودة في مياه المحيطات الكبيرة، من التبخير والتجميد والتموّج والتحرّك، وما يرسَب فيه من الأجسام وما يعوم فيه، وقانون الـمَدّ والجَزْرِ، والعناصر الّتي تُشكّل الماء، وما إلى ذلك من الخصائص الكيماويّة

____________________

(1)الأحزاب: 25 - 27.


والفيزياويّة لمياه المحيطات، والمطالعة الدقيقة لقدحٍ من الماء تُغنِي عن مُطالَعة المحيطات الواسعة في مُعظَم الخصائص الكيماويّة والفيزياويّة لمياه البحار.

وما يصحّ عن قانون الاخْتِزال والتمثيل في الفيزياء والكيمياء، يصحّ في التاريخ والـمُجتمَع.

فإنّ شريحة مُمثِّلة من المكان والزمان، يُمكن أن تعكس معظم الخصائص والسُنن القائمة في التاريخ والمجتمع.

وإنّما نقول شريحة زمانيّة ومكانيّة مُمثِّلة؛ لأنّ من الشرائح الزمانيّة والمكانيّة والاجتماعيّة ما لا يحمل هذه الصفة التمثيليّة.

فليس كلّ الشرائح الفيزياويّة الكيماويّة والاجتماعيّة تحمل هذه القوَّة التمثيليّة، الّتي تستطيع أن تعكس بها الخصائِص الموجودة في كلّ المساحة الّتي اقتطفنا منها هذه الشريحة، وهذه هي الشرائح غير الـمُمثِّلة.

أمّا الشريحة الـمُمثِّلة عن الزمان والمكان والتاريخ والمجتمَع، فإنّها تحمل هذه القوّة التمثيليّة، وهي بالذات ما نقصده في هذا الموضع.

ولا شكّ أنّ الصراع الحضاري بين جند الله والطاغوت، من أفضل الشرائح (الزَمَكانيَّة)، الّتي تختزِل وتُمثِّل حركة التاريخ، وتعكس هذه الحركة بقوانينها وسُنَنِها الإلهيّة.

* * *

و (عاشوراء) نموذج نادر من الصراع الحضاري، الّذي تتجسّد فيها سُنَن التاريخ بشكل قوي ومُركّز، وعَيِّنَة مُمثِّلة لـمَساحة التاريخ، بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى، ومِرآة صافية لحركة التاريخ، يجد فيها الإنسان الصراع القديم بين جُند الله وجند الشيطان، وأسباب ومُوجِبات هذا الصراع، وقِيَم كلّ من طَرَفَي المواجهة، وأساليبهم في هذا الصراع، وحَتْميَّة هذا الصراع، ومُعاناة طَرَفَي


الصراع في هذه المعركة التاريخيّة، وما يستتبع هذا الصراع من سقوط وثبات، وولادة وهلاك، واستبدال واستِدراج، وتساقط العناصر الضعيفة وصعود وتسامي العناصر القويّة المؤمنة، ونَصْر الله للفئة القليلة المؤمنة وهلاك جُند الشيطان...

كلّ ذلك ينعكس في مرآة عاشوراء، في هذه الساعات القليلة الحافِلة بالأحداث الكبيرة من يوم عاشوراء، والجمهور من المؤمنين يقرؤون كلّ ذلك، وغير ذلك من قوانين وسُنَن التاريخ والمجتمع والصراع في مرآة عاشوراء.

بل ماذا أقول؟! إنّ جمهور المؤمنين يرون أنفسهم في مرآة عاشوراء، فإنّ الإنسان المؤمن ليس نسيج وحده، وليس نبتة طُفيليّة مُجتَثَّة من فوق الأرض ما لها من قرار، وإنّما هو حصيلة هذا الصراع التاريخي بين الحقّ والباطل.

وكلّ هذا الصراع و ما استتبعه من معاناة وآلام، ونصر وتأييد وثبات وصبر، قد ساهم بصورة مَرئيّة أو غير مَرئيّة في ثباته وتكوين شخصيَّته، وعاشوراء امتداد لكلّ هذا الصراع، وتكريس لهذه المعركة التاريخيّة، ومرآة لهذا التاريخ الحافِل بالصراع والمعاناة.

والمؤمنون يرَون أنفسهم في مرآة عاشوراء رؤية صافية صادقة وواضحة؛ ولذلك يجذبهم عاشوراء، ويشعرون بأنّهم مَدينون لعاشوراء، وأنّ عاشوراء تُمثّلهم وتُساهم مساهمة فعّالة في تكوينهم، وتُشكّل المرآة الصافية الّتي تعكس وجودهم وكيانهم.

وهذا هو ما نعنيه عندما نقول: إنّ عاشوراء نافذة على التاريخ، يستطيع الجمهور بوعيه الفِطري البسيط أن يطلّ على التاريخ من خلال هذه الساعات القليلة من يوم عاشوراء.

أرأيت كيف تُمثّل صفحة الخارطة الجغرافيّة، وتعكِس إقليماً واسعاً من مساحة الأرض؟!

كذلك عاشوراء تُمثِّل مساحة واسعة من التاريخ.

ونحن لكي نستوعب عَيِّنَة ما، استيعاباً كاملاً بصورة علميّة، نقوم عادةً بواحد


من اثنين، حسب اختلاف العيّنة.

أمّا أن نُكبِّر العَيّنة تحت المجهر، حتّى يُمكن اكتشاف وفهم الجزئيّات الدقيقة منها الّتي لا تخضع للعين الـمُجرَّدة، أو نصغِّر المساحة مع الاحتفاظ بكلّ مُقوّماتها وأركانها ونختزلها، حتّى يُمكن استيعاب المساحة الواسعة بنظرة واحدة، وفي دائرة صغيرة.

و (عاشوراء) من النوع الثاني (اختزال شديد لحركة التاريخ وما في هذه الحركة من السُنَن والقوانين)، وهذا الاختزال يتّصف بالتمثيل الدقيق لمساحة التاريخ الكبيرة وسُنَنها وقوانينها.

* * *

ذلك أنّ (عاشوراء) من بين نماذج الصراع بين أولياء الله وأولياء الطاغوت، نموذج نادر من الصراع الحقيقي الحاسم في التاريخ.

ففي هذه المعركة التاريخيّة الحاسمة يتقرَّر مصير الإسلام، وبالتالي مصير رسالات الله تعالى، الّذي كاد أن يسقط في أيدي السلاطين الرسميِّين الّذين كانوا يحكمون باسم الإسلام.

وهذه المعركة وحدها استطاعتْ أن تضع حدّاً للسلطة الزمنيّة الحاكمة، وتفصل بين (الإسلام) وما كان في قصور الخلفاء وأجهزتهم، من لَهوٍ وسقوط في لذّات الحياة الدنيا، ومن ظلم واضطهاد واعتداء وتجاوز لحدود الله تعالى وأحكامه.

في (عاشوراء)، يتقابل صفوة مؤمنة خالصة، وعلى رأسهم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والصفوة الصافية من أهل بيته وأصحابه، مع رؤوس الإجرام والنفاق.

وفي هذا التقابل والمواجهة لا أدري ماذا يحسّ الإنسان من بَوْنٍ شاسِع وفاصل كبير بين نَمطين من الناس، وبين هذا السقوط إلى الحضيض والصعود إلى القمَّة، بين النور والظُلمة.

يشعر الإنسان بوجود نَمطين مختلفين تماماً من الناس، وبالفاصل الكبير


الشاسع الّذي يفصل في الأهداف والقِيَم، والأخلاق والتربية والقُرب والبُعد من الله، ثمّ يجد هذين النَمطين من الإنسان في مواجهة حقيقيّة حاسِمة في ساحة الطفّ.

يدعو أحدهما إلى الله تعالى، وإلى إقامة الصلاة وإلى العودة إلى الإسلام، وإلى الأخذ بأسباب العبوديّة.

ويدعو الآخر إلى الطاغوت والانقياد له.

يطلب أحدهما وجه الله ومرضاته في هذه الحركة والصراع ويقول:

إنْ كانَ دِينُ مُحمّد لم يَسْتَقمْ

إلاّ بقَتْلِي يا سيِوفُ خُذيني

ويقول:

والله إنْ قَطَعْتُم يَميْني

إنّي أُحامي أبداً عن دِيني

ويطلب الآخر سَقْط المتاع في الحياة الدنيا ويقول:

املأ رِكابي فِضّة أو ذهباً

إنّي قتلتُ السيّد الـمُهذّبا

يُجسِّد أحدهما في سلوكه وقتاله أسمى القِيَم وأنبلها، حتّى في القتال، ويُجسِّد الطرف الآخر أحطّ ألوان السلوك في ابتغاء الدنيا وفي الإجرام.

إنّ التقابل العجيب بين هاتين الفئتين اللّتين تُقاتِلان في كربلاء وبين أهدافهما، يعتبر واحداً من أغرب نماذج الصراع بين الحقّ والباطل في التاريخ.

لقد كان أحد الطرفين حقّاً امتداداً لإبراهيم وموسى وعيسى ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويحمل معه ميراث هؤلاء الصدّيقين وهمومهم وطموحاتهم، ويُعدّ الآخَر حقّاً امتداداً لقابيل وفرعون ونمرود، والقتَلة والـمُجرمين في التاريخ.

وعلى نتائج هذا الصراع يتوقّف مصير هذا الخطّ أو ذاك.

لقد كان أحد الخطّين يستجمع كلّ قِيم وعطاء وتضحيات الأنبياء، والخطّ الآخر يستجمع كلّ ألوان الانحطاط والسقوط الّذي يشهده الناس في التاريخ لهذا الخطّ.

لقد كان مشهد (عاشوراء) مشهداً غريباً في نوعه، ولم يكن يلتبس الأمر في


تمييز الحقّ والباطل وتشخيصهما على أحد بين هذين الـمُعسكرين، فقد بانَ الحقّ وبانَ الباطل وامتاز أمرهما، ولم يبق موضع للالتباس لأحد.

فمَن دخل مع هؤلاء، دخل على بيِّنة وبصيرة، وما بعدها بيّنة وبصيرة، ومَن انساق من وراء أُولئك، كان ممَّن أضلّه الله على عِلم.

فقد كان يوم عاشوراء يوماً من أيّام الفرقان في التاريخ حقّاً، افترق فيه الحقّ والباطل، ولم يعد لأحد فيها موضع للشكّ واللَبس.

كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء:

إذن، عاشوراء مرآة لكلّ حركة التاريخ، وامتداد للصراع القائم بين الحقّ والباطل في التاريخ.

والعكس أيضاً صحيح، فإنّ كلّ صراع في التاريخ بين الدعاة إلى الله وأولياء الطاغوت، نسخة من عاشوراء، على درجات مختلفة من التمثيل، وهذا هو معنى الكلمة المأثورة والدقيقة المعروفة: (كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء).

ففي كلّ أرض وفي كلّ يوم صراع بين الحقّ والباطل، بموجب قانون حتميّة الصراع بين أولياء الله وأولياء الطاغوت، ولا تخلو أرض من هذا الصراع، ولا يخلو يوم من أيّام التاريخ منه.

وكلّ صراع في هذه السلسلة الطويلة من الصراعات والحروب والقتال، يُعتبر نسخة من (كربلاء) ومن (عاشوراء)، على درجات مختلفة من التمثيل، حسب سِعَة وعُمق هذا الصراع وأبعاده في حياة الإنسان.

فالزمان: (كلّ يوم)، والمكان: (كلّ أرض)، أكثر من وعاءين لحضارة الإنسان.

إنّهما وعاءان لحضارة الإنسان، ومقوّمان لها أيضاً، يتفاعلان مع الإنسان،


يمنحانه ويأخذان منه. والإنسان في تفاعل مستمرّ مع الزمان والمكان، يأخذ منهما ويمنحها ويُؤثِّر فيهما ويتأثَّر بهما.

فالزمان والمكان - إذن - لا يُعتبران وعاءين لحضارة الإنسان فقط - بالمعنى المعروف للوعاء، الّذي ليس له أيّ تأثير فيما تحتويه -، إنّ الزمان والمكان جزءان مُقوّمان لحضارة الإنسان، ويحملان شُحنة وطاقة حضاريّة مُعيَّنة في تاريخ الإنسان، وعندما نقول (كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء)، يعني أنّ الصراع جزء حتميّ لا يتجزّأ من حضارة الإنسان.

وهذا الصراع يمتدّ زماناً ومكاناً مع حضارة الإنسان، وفي كلّ مراحله يُعتبَر نسخة مُمثّلة لكربلاء وعاشوراء، على درجات مختلفة من التمثيل.

فهذه ثلاثة أُصول وثلاثة قوانين:

1 - حتميَّة الصراع.

2 - استمراريَّة الصراع على خَطَّي الزمان والمكان.

3 - تمثيل عاشوراء بدرجات مختلفة.

* * *

إذن عاشوراء مرآة للتاريخ، والتاريخ مرآة لعاشوراء، ومن خلال عاشوراء نطِلُّ على حركة التاريخ، ومن خلال حركة التاريخ نطلُّ على عاشوراء.

إنّ عاشوراء تصغير واختزال شديد لمساحة التاريخ الكُبرى، وحركة التاريخ الـمُمتدَّة على بُعْدَي الزمان والمكان، تكبير لِعَيِّنَة عاشوراء، وتمديد لها. ولو وضعنا هذه العَيِّنَة - (عاشوراء) - تحت المِجهَر، شاهدنا حركة التاريخ، ولو اختزلنا حركة التاريخ وصغّرناها بدرجة عالية جدّاً، التقينا بعاشوراء.

* * *

إنّ (عاشوراء) ينبغي أن يُدرَس من خلال هذا الأفق التاريخي الواسع، من


خلال حركة التاريخ وسُنَن الله في التاريخ، وسقوط الأُمم وصعودها، وصراع الحقّ والباطل الـمُمتدّ في أعماق التاريخ، وفي ساحة التاريخ الكبرى.

وأعتقد أنّ الجمهور يَعي (عاشوراء) بمثل هذه الرؤية الشامِلة، من خلال وَعيه الفطري البسيط، ومن خلال تفاعله الروحي والوجداني العميق مع عاشوراء.

أمّا طريقة بعض الباحثين في دراسة عاشوراء، في اقتطاع هذا اليوم العجيب من مساحة التاريخ، ودراسته بمَعزَل عن مساحة التاريخ وحركة التاريخ الكبرى، وبَتْره عمّا قبله وبعده، وتَكلِيس عاشوراء وتعتيم هذه الرؤية النافذة، الّتي تنفذ بنا من خلال عاشوراء إلى مساحة التاريخ الواسعة، فهو من الظلم لهذا اليوم وقيمته التاريخيّة.

ولابدّ من الاعتراف بأنّ جمهور الناس أوعى لقيمة هذا اليوم من بعض الباحثين، الذين تناولوا هذا اليوم بهذه الطريقة التجزيئيّة.

وتبلغ السذاجة ببعض الكُتّاب أن يتصوَّر أنّ جذور معركة الطفّ تكمُن في قضيّة (أُرَينب)، وما تلفّ هذه القضيّة من ظروف، أو الخلاف والتنافس التاريخي بين (هاشم) و (أُميَّة).

إنّ عاشوراء أعمق بكثير من المستوى الذي يتناوله هؤلاء الكُتّاب وأمثالهم.



ثأر الله

* رُؤية قرآنيّة للنصر والهزيمة

* القيمة الذاتيّة للشهادة

* القيمة الحَركيّة للشهادة

* رِحلة الشهادة في القرآن الكريم

* رحلة الشهادة في السُنّة الشريفة



ثأرُ الله

رُؤيَة قرآنيَّة للنَصرِ والهَزيمَة

من المفاهيم العميقة الواردة في زيارة الحسينعليه‌السلام مفهوم (ثأر الله)، وهذا المفهوم يفتح عليناً آفاقاً واسعة للتفكير والتأمّل، ويطرح علينا مسائل من صُلب الرسالة والعمل والحركة والجهاد، وهي مسائل بالغة الحسّاسيّة والأهمِّيّة ممّا تواجهها أُمّتنا اليوم؛ ولذلك فسوف نتوقّف قليلاً عند هذه الكلمة، لنتأمَّل مُعطَياتها وإيحاءاتها.

الجذور اللُغَويّة للثأر:

يقول ابن سيده: (الثأر: الطَلَب بالدَم)(1) ، والثائر: الطالِب بالدم، وقيل: الثأر طلب الـمُكافأة بالجناية، والثائر: الطالِب بالـمُكافأة بالجناية والدَم.

ومنه حديث محمّد بن مسلم يوم خيبر: (أنا له يا رسول الله الـمَوتور الثائِر)، أي: طالِب الثأر، وهو طالِب الدَم(2) . ولهذه الكلمة جذور تاريخيّة وأصل قرآني؛ فقد كان الدم يستثير أولياء المقتول وذَويه للقصاص والانتقام من القاتل، وهذه

____________________

(1)يُراجَع: لسان العرب: 2 / 77، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

(2)النهاية، لابن الأثير: 1 / 204، دار إحياء الكتب العربيّة.


سُنّة تاريخيّة قديمة، والعرب قبل الإسلام كانوا من أكثر الأُمم والشعوب اهتماماً بمسألة القصاص والانتقام - (الثأر) - ومُلاحَقة الـمُجرِم، وكانوا يعتقدون أنّ الرجُل إذا قُتِل تمثَّلت روحه بشكل طير يُقال له: (الهامة)، ووقفتْ على قبره وصاحت: (اسقوني)، أي: اسقوني من دَمِ قاتلي، ولا يزال كذلك حتّى يثأر أهل القتيل من قاتله، ومن الـمَعيب على ذوي الـمَقتول أن يتركوا القاتِل ينعم بالحياة، دون أن يثأروا منه ويقتلوه.

يقول السَموأل في مَفاخر قومه:

وما ماتَ مِنّا سَيّدٌ حَتْفَ أنْفِه

ولا طُلَّ مِنّا حَيثُ كان قَتِيلُ

أي: لم يذهب دم قتيل منّا هَدراً دون أن نثأر له.

والعرب في الجاهليّة كانوا يتجاوزون في الثأر الحدود الـمَعقولة، حتّى قتلَ (مهلهل) بأخيه (كليبي) من بكر بن وائل مَقتلة كبيرة، وكاد يُفني بكر بن وائل، حتّى جاء الإسلام وشرَّع القصاص والمساواة والعدل في الأخذ بالثأر.

المعنى الاجتماعي للدَم:

ولمسألة (الثأر) تأريخ ينفعنا أن نلُمّ به في هذا العَرض، فقد كان الدم في حياة العرب القَبَليَّة، قُبيل الإسلام، مسألة اجتماعيّة تخصّ كرامة القَبيلة كلّها، ضدّ القَبيلة الّتي صدر العدوان منها كلّها.

فإذا اعتدى فرد من قبيلة على فرد من قبيلة أُخرى، لم يكن الدم يخصّ وليّ المقتول والقاتِل فقط، وإنّما كانت القبيلة الّتي وقعتْ عليها الظُلامة هي صاحبة الدم، والقبيلة الّتي كان الـمُعتدِي منها هي الّتي تتحمّل مسؤوليّة الدم، وليس شخص الـمُعتدي فقط، وكان كلّ فرد من القبيلة الأُولى يعطي لنفسه الحقّ أن يثأر من كلّ فرد من القبيلة الثانية، وإن كان الثائر بعيداً عن المقتول، والفرد الّذي يُقتَل به لا علاقة له قريبة بالقاتِل.

والسِرّ في هذا الاهتمام والتعميم في مسألة الدم، أنّ القبيلة العربيّة كانت تعتبر


الدم حقّاً للجميع، وعلى الجميع أن يعملوا لحماية دمائهم، وللثأر من القاتل أو القبيلة التي تُؤوي القاتل وتمنحه الحماية.

فالدم للقبيلة وليس للفرد، والدفاع عن الدم يقع على القبيلة وليس مسألة فرديَّة.

ولهذا التصوّر لمسألة الدم أصل صحيح في الإسلام في بعض الحدود، وإن كان الإسلام يختلف في أمر الدفاع عن الدم وحمايته والثأر من القاتل اختلافاً كبيراً عن قوانين الثأر في الجاهليّة، فالدم مسألة تخصُّ الجميع، ولا تخصّ المقتول فقط، يقول القرآن الكريم في التعقيب على أوَّل عدوان وقع على يَدِ قابيل ضدّ أخيه هابيل:

( مِن أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعا ً ... ) (1) .

فالعدوان على شخص عدوان على الجميع، أو كأنّه عدوان على الجميع.

إلاّ أنّ الإسلام هذَّبَ قانون الثأر، ولم يسمح للجميع بالثأر، وإنّما خصّ أولياء الدم بذلك، فإن لم يكن للمقتول وليّ تولَّى ولي الأمر هذا الأمر؛ وذلك لئلاّ يكون الأمر فوضى، ولم يسمح مطلقاً بالقصاص والثأر من غير القاتل، يقول تعالى:

( ... وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنصُوراً ) (2) .

فجعل الله تعالى لوَلي الدم الّذي أُريق بغير حقّ سلطاناً، ينتقم من الظالم ويقتصّ منه، على أن لا يُسرف في القتل ولا يتجاوز حدود الله (تعالى)، يقول تعالى:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ

____________________

(1)المائدة: 32.

(2)الإسراء: 33.


وَالأُنْثَى‏ بِالأُنْثَى‏ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتّبَاعٌ بِالـمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) .

فلكلّ دم أُريق بغير حقّ - إذن - ثأر، ولوليّ الدم أن يُطالب بإنزال العقوبة على الـمُعتدي مقابل الجريمة، فيُوكَل الأمر إلى وليّ الدم ليثأر للمقتول، وإن لم يكن للمقتول وليّ، فوَليّ الأمر؛ لأنّ هذا الدم من حقّ الأُسرة ووليّ الدم ينوب عن الأُسرة في الثأر، وإذا لم يوجد فوليّ الأمر يقوم بالثأر للأُسرة والقصاص من القاتل.

وهذا كلّه يُؤكد الصِبغة الاجتماعيّة أو العائلية للدم، وحقّ الأُسرة في المطالبة بالثأر من خلال وليّ الدم أو وليّ الأمر.

الثأر في أُسرة التوحيد:

وعندما تكون إراقة دم من أجْل قضيّة التوحيد والعبوديّة لله وتحكيم رسالة الله في الأرض، فإنّ الأمر يختلف؛ فالدم هنا أُريق في قضيّةٍ رساليّةٍ وليس في قضيّةٍ شخصيّة، والأمر يتعلّق بأُسرة التوحيد، ولا يتعلّق بالأسرة العائليّة بمعناها الضيِّق.

وأُسرة التوحيد بمجموعها ثائرة لهذا الدم، وليس ذَوو الدم من الأُسرة الشخصيّة للمقتول بمعناها المحدود والضيِّق، وكما أنّ الظُلامة تقع على كلّ أفراد أُسرة التوحيد، كذلك العدوان يصدر من أُسرة الشِرك بأسرها، وليس من فرد أو أفراد بخصوصهم، ما دام يجمعهم الرضا بذلك، فإنّ الآمر بالعدوان والـمُنفِّذ له، والّذي يعدّ له أسبابه ومُقدّماته، والـمُشاهِد لساحة الظلم الراضي به، كلّ أُولئك يجمعهم الرضا بالظلم، وكلّ أولئك مطالَبون بهذا الدم: (لعَن الله أُمّة قتلتك، ولعَن الله

____________________

(1)البقرة: 178.


أُمّة ظلمتك، ولعن الله أُمّة سمعتْ بذلك فرضيتْ به).

فالثأر - في مثل هذه القضيّة - لا يخصّ الأيدي الّتي تلطَّخت بالجريمة مباشرة، وإنّما يعمّ كلّ الراضين بذلك، والناس يجمعهم ويُفرّقهم الحُبّ والبُغض، والولاء والبراءة، والرضا والسخط، في مثل هذه الأمور الّتي ترتبط بالعقيدة والجهاد.

والناس في هذا الأمر ينقسمون إلى شطرَين وولاءَين وعقيدتَين، وأُسرتَين:

أحدهما: أُسرة (التوحيد).

والأُخرى: أُسرة (الشِرك).

والدم الّذي يُراق من أجْل قضيّة التوحيد دمٌ لا يخصّ ذوي المقتول فقط، وإنّما يعمّ كلّ أعضاء هذه الأُسرة، كما أنّ الـمُطالَبة بهذا الدم لا تتوقّف عند القاتل والـمُعتدِي فقط من أُسرة الشِرك والجاهليّة، وإنّما تعمّ كلّ أطراف العدوان من تلك الأُسرة، (الآمِر والـمُنفِّذ والـمُعِدّ، وحتّى الـمُشاهِد الراضي بذلك).

فالجريمة إذن من أُسرة الشِرك على أُسرة التوحيد، والثأر لأُسرة التوحيد من أُسرة الشِرك.

وحقّ الثأر هنا لا يتحدَّد بعصرٍ أو جيل، فما دامت الظُلامة باقية، وما دام هناك دمّ أُريق ظلماً وعدواناً على أُسرة التوحيد، وأُسرة الشِرك تَتَبَنَّى هذا العدوان وتدافع عنه وترضى به، فإنّ الثأر حقّ لهذه الأُسرة من أُسرة الشِرك والجاهليّة، وكلّ جيل من أجيال التوحيد لا بدّ أن يطالب بالثأر ويسعى له، ليرفع الظلامة.

والدم - وهو هنا دم الشهيد - لا يفتأ يستصرِخ الضمائر ويستثير الهِمَم في أعضاء الأُسرة للثأر، ولا يزال يغلي في ضمائر المؤمنين من كلّ جيل حتّى يثأروا له.

ثأرُ الله:

وإذا كان دم الشهيد يستصرخ كلّ الضمائر المؤمنة في كلّ الأجيال للثأر، وكانت مسؤوليَّة دم الشهيد على عُهْدَة كلّ عضوٍ في هذه الأُسرة، ومن كلّ


الأجيال، حتّى يتمّ الثأر؛ فإنّ وليّ الدم هنا ليس من قبيل وليّ الدم في الدماء الّتي تُراق في القضايا الشخصيّة، فهناك وليّ الدم الأب والجدّ، وإذا فُقدا فوليّ الأمر، وهنا في دم الشهيد الّذي يُراق من أجْل قضيّة توحيد الله و حاكميّته تعالى، فإنّ وليّ الدم هو الله تعالى، وهو وليّ أُسرة التوحيد كلّها:

( اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون َ ) (1) .

والله تعالى هو الّذي يتولّى الثأر لدم الشهيد، ويضمن له أن يأخذ بثأره من بين سائر الدماء.

وهذا هو معنى (ثأر الله) الوارد في زيارة وارث، أي أنّ الله تعالى هو وليّ الدم والـمُتصدِّي للثأر للشهيد، وأنّ دم الشهيد ثأر الله. فإنّ الدم هنا لكلّ أسرة التوحيد ولكلّ الأجيال، والله تعالى هو عميد هذه الأُسرة ووليّها الّذي يُطالِب بالثأر لدمها.

ومن هذا الباب، نُخاطب الحسين بن عليّعليهما‌السلام في زيارة (وارث)، فنقول: (السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره).

وقد كان من عادة العرب قبل الإسلام أن تنصب راية حمراء على قَبرِ القتيل حتّى يتمّ الثأر له، وتبقى هذه الراية؛ لتُذكِّر أفراد القبيلة بالدم الّذي أُريق ظُلماً، ولتستصرِخ ضمائر أفراد القبيلة.

والذين يزورون مَرقد الإمام الحسينعليه‌السلام اليوم، يرَون على قُبَّة الـمَرقد هذه الراية الحمراء، تُرفرف لتُذكِّر الأجيال من أُسرة التوحيد بالثأر؛ لئلاّ تنام هذه الأُمّة على الظلم، ولئلاّ تقرّ لها عَين، ولمّا يثأر المؤمنون بعد للدم الذي أُريق بكربلاء ظُلماً وعدواناً.

____________________

(1)البقرة: 257.


مَوقع الثأر في الصراع الحضاري بين التوحيد والشِرك:

ولنَقِف قليلاً عند هذه الكلمة؛ لننظر كيف يكون هذا الدم (ثأر الله) من دون سائر الدماء.

ليس المقصود بـ (الثأر) هنا القصاص؛ فإنّه تشريع عامّ لكلّ مَن قُتِل بغير حقّ، إذا طالب أولياء الدم بذلك، وليس للشهيد خصوصيّة في هذا الـمَجال. كما ليس المقصود بذلك معاقبة القاتل والـمُعتدي في الآخرة؛ فهو أيضاً حُكْم عامّ لا يخصّ عدواناً دون عدوان، فلابدّ أن يكون للثأر هنا معنى آخَر، غير المعنى المألوف الذي يعرفه الناس، فالثائر هنا الله، وهو تعالى وليّ الثأر.

فما عسى أن يكون معنى (الثأر) هنا؟

وكيف يتولَّى الله تعالى المطالَبة بدم الشَهيدَين، الولد والوالِد (ثأر الله وابن ثأره)؟

وما هو المقصود من كلمة (ثأر الله) الواردة في هذه الزيارة؟

إنّ الصراع هنا ليس صراعاً شخصيّاً؛ ليكون ثأراً من شخص - كما هو المألوف في الدماء والثارات -، وإنّما الصراع صراع حضاري، فيكون الثأر ثأراً للقضيّة والرسالة، وانتقاماً من الخطّ الحضاري الذي يريد أن ينالَ من خطّ الرسالة.

فالشهيد يقاتل في سبيل الله، ولتثبيت كلمة الله على وجه الأرض، ولإسقاط الطاغوت وإحباط دوره وعمله في الأرض وفي المجتمع، ولإزالة الفتنة الّتي تُعيق الناس عن سبيل الله.

الجريمة هنا ليست جريمة على شخص، وإنّما جريمة على الخطّ والرسالة الّتي يقاتل من أجْلها الشهيد، وهي تحكيم شريعة الله في الحياة.

فلابدّ أن يكون (الثأر) إذن من جنس الجريمة ومن جنس القضيّة، ثأراً


للقضيّة وانتقاماً من الخطّ الحضاري الـمُناوئ لسبيل الله وللصراط المستقيم، وانتصاراً للرسالة الّتي ضحّى من أجْلها الشهيد، وإحباطاً لدَور الطاغية وسَعيه في الأرض.

فكما أنّ إنزال العقوبة الـمُكافئة للإجرام بشخص المجرم من الثأر والانتقام، كذلك تَسقيط الطاغية و (المجرم) وإحباط دَوره في الأرض، والانتصار للرسالة وتأييدها ودعمها وإسنادها، يُعدّ انتقاماً من الطاغية وثأراً للشهيد.

والثائر الّذي يطلب بدماء الشهداء من أُسرة التوحيد (الإبراهيميّة)، ويتولّى الانتقام من الظالمين والمجرمين، والانتصار للشهداء، هو الله تعالى، فهو وليّ الثأر ووليّ الدم، والـمُنتقِم الثائر.

كربلاء الساحة النموذجيَّة للصراع بين الحقّ والباطل:

هذا المعنى من الثأر والانتقام الإلهي قد تحقَّق في الصراع التاريخي الّذي حدث في كربلاء سنة (61 هـ)، بين سيّد الشهداء الحسينعليه‌السلام ، ويزيد بن معاوية وجيشه.

لقد كانت هذه المعركة على صِغر مساحتها العسكريّة تُجسّد صراعاً ضخماً بين معسكرَين وحضارتين، وفكرَتَين ومدرستَين، بين الإسلام والجاهليّة، والّذي ينظر إلى هذه المعركة من بعيد تتراءى له أنّ المعركة كانت بين طائفتين من المسلمين، ولِخلافات ومسائل داخليّة وسياسيّة تتعلّق بالحُكم والسلطان في الحياة الدنيا.

ولكنّ الأمر أعمق بكثير من هذا البُعد؛ لقد اتّخذت الجاهليّة الأُولى - بعد هزيمتها أمام انطلاقة الرسالة الإسلاميّة - دولة بَني أُميّة مظلّة إسلاميّة واقية لها؛ لتعود من جديد إلى صُلب الحياة، ولتُصادر كلّ مكاسب الإسلام في الحُكم


والإدارة والاقتصاد، والتربية والتعليم والأخلاق والعقيدة. ونجحت هذه المحاولة الجاهليّة نجاحاً كبيراً، حتّى استطاعت أن تتسلّل من خلال آل أُميّة إلى الخلافة، وهو قمّة النجاح السياسي والحضاري.

والذي ينظر بإمعان في تأريخ معاوية وابنه يزيد، من غير تعصّب، لا يحتاج إلى عناء كبير؛ ليلمس عودة الجاهليّة الأُولى من خلال ولايتهما على المسلمين، في البَذخِ وتبذير أموال المسلمين، وفي استعمال الـمُحرّمات من غناءٍ وخَمْرةٍ وقِمار، وفي الاستهانة بحدود الله، وفي تَصْفِية قادة الأُمّة (الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه)، وفي الاعتداء على معاقِل العالم الإسلامي (مكّة المكرّمة والمدينة المنوَّرة)، وعشرات النماذج الأُخرى الّتي تكشف عن هذه الحقيقة، والّتي لا يحتاج فَهْمها إلى أكثر من التجرّد عن التعصّب.

وكان الحسينعليه‌السلام يُدرك هذه الحقيقة إدراكاً جيّداً، ويرى رؤية واضحة عودة الجاهليّة إلى صُلب المجتمع من جديد، تحت مظلّة بَني أُميّة، ويرى غفلة الأُمّة عن هذه المأساة، فلم يجد بدّاً من أن ينهض بأهل بيته وأصحابه؛ ليُكافح هذا التيَّار الجاهلي، ويصبغ هذه المقاومة بدمه ودماء الثُلّة المؤمنة الّتي واكَبَتْه في هذه المسيرة، وليُنبِّه الأُمّة إلى ضخامة الجريمة والمؤامرة الّتي تُنسَج خيوطها في قصور بَني أُميّة ضدّ الإسلام.

فكانت (واقعة كربلاء) مقاومة جريئة وفدائيّة وخالصة، دارت رَحاها حول مسألة حضاريّة مهمَّة هي: (إيقاف الرِدَّة الجاهليّة) إلى صُلب المجتمع - بعد أن أزاحها وعَزَلها الإسلام عنه - وإيقاف التيَّار الجاهلي وصدّه من التقدّم وفَضْحِه، وكَشْف أبعاد هذه الجريمة، وتنبيه الأُمّة إلى عُمقِ المأساة وخطورة تلك الرِدَّة، الّتي تسلَّلت إلى موقع الخلافة من خلال يزيد بن معاوية، ومن قبله أبيه معاوية بن أبي سفيان.


إنّ الانتقام الحقيقي لدماء شهداء كربلاء ليس في إنزال عقوبة ماديّة مُماثلِة بالقَتَلة، وإنّما الانتقام الحقيقي والـمُكافِئ للجريمة هو: تحقيق الغاية الّتي قاتلَ من أجْلها أهل البيتعليهم‌السلام ، وكشف حقيقة ونوايا الجهاز الحاكِم، وإيقاف تيّار الرِدَّة الجاهليّة، وإحباط المؤامرة الجاهليّة.

هذه النقاط في الحقيقة هي النقاط الأساسيّة للانتقام من الظالم، والانتصار للمظلوم، وتحقيق إرادة الشهيد وإحباط إرادة الطاغية.

والله (تعالى) هو الّذي يتولّى تحقيق هذه الغايات، وتوفير هذه الضمانات جميعاً للشهيد، فهو وليّ الدم وصاحب الثأر والـمُنتقِم من الطاغية، والـمُنتصِر للشهيد.

وهذا (الثأر الإلهي) من الظالم، يعمّ كلّ الشهداء بدرجات مختلفة، فكلّ دم أُريق في سبيل الله دم مضمون القضيّة، والله تعالى وليّ كلّ دم أُريق في سبيله، وهذه الضمانة الإلهيّة لدم الشهيد تُعطي دم الشهيد قِيمة حركيّة كُبرى في التأريخ، فهو الدم المضمون والـمُؤمَّن الّذي يتولّى الله تعالى الثأر له وتحقيق قضيّته ورسالته، ودَحْضِ أعدائه وإسقاطهم وفَضْحِهم، وقلّما يتمتّع شيء في حياة الإنسان بمثل هذه الحركيّة الّتي يمنحها الله تعالى لدم الشهيد.

الضمانة الإلهيّة لدم الشهيد:

وهذه الضمانة الإلهيّة لمسيرة الدعوة، يرسمها القرآن الكريم في أكثر من آية بطريقته الخاصّة؛ لِيَبعث في نفوس المؤمنين الثِقة والطمأنينة بالعاقبة، ولِيُثبِّتهم على طريق ذاتِ الشوكَة.

وآيات القرآن تتناول هذه الحقيقة - الضمانة الإلهيّة للمسيرة - بتعابير وصِيَغ مختلفة، وبصورة مؤكّدة وواثقة؛ وذلك إذا أخلص المؤمنون لله وصَدقوا وثبتوا، وانتزعوا من قلوبهم حُبّ الدنيا، وآثروا رضوان الله على كلّ شيء، وابتغوا طاعة


الله وحده، يقول تعالى:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (1) .

( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا... ) (2) .

( قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ... ) (3) .

( ... وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيٌ عَزِيزٌ ) (4) .

( بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ) (5) .

( وَإِن تَوَلّوْا فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ) (6) .

( ... وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ‏ِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ) (7) .

( ... فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (8) .

( ... وَكَفَى‏ بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى‏ بِاللّهِ نَصِيراً ) (9) .

( ... وَكَفَى‏ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) (10) .

وليست هذه الآيات المباركات ضمانات اعتباطيّة وخارجة عن دائرة السُنَن الإلهيّة، الّتي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، وإنّما تأتي هذه الضمانات الإلهيّة بموجب

____________________

(1)محمّد: 7.

(2)غافر: 51.

(3)التوبة: 14.

(4)الحجّ: 40.

(5)آل عمران: 150.

(6)الأنفال: 40.

(7)الحجّ: 78.

(8)المائدة: 56.

(9)النساء: 45.

(10)الفرقان: 31.


سلسلة من الأسباب والعِلَل، منها ما يرتبط بالقلب والجوانِح، ومنها ما يرتبط بالجوارح، وجملة هذه الأسباب هي الّتي تستنزِل النصر والقوّة من عند الله تعالى للجماعة المؤمنة، في صراعها مع قِوى الكُفر والجاهليّة على وجه الأرض.

وأهمّ هذه الأسباب هو: الإيمان والتوكّل على الله والثقة به، والجهاد والعمل في سبيله، والإخلاص وابتغاء وجهه الكريم، والانتصار لدِينه، والصبر والثبات، والصِدق في الموقِف، والإعداد الميداني للمعركة، وغير ذلك من الأسباب الّتي تستنزِل النصر من الله تعالى، وتُؤمّن الضمانة الإلهيّة للنصر في ساحات القتال والمواجهة.

والشهداء في طليعة المؤمنين، إيماناً وثِقة بالله، وجهاداً وتضحيةً، وعطاءً وبذلاً في سبيل الله تعالى، وابتغاءً لوجهه الكريم، وثباتاً وصِدقاً في القول والعمل، وصبراً في مواجهة التحدّيات.

هذه كلّها مفاتيح النصر، والأسباب الّتي تستنزِل النصر من عند الله تعالى، ودم الشهيد يجمع هذه الخِصال جميعاً، ويشهد للشهيد بالصِدق والصبر والعطاء.

معنى النصر والهزيمة:

وقبل أن نَسترسِل في الحديث عن الضمانة الإلهيّة لدم الشهيد، ومواكب الشهداء في التاريخ، ووَعْد الله تعالى لَهم بالنصر والتأييد والغَلَبة على معسكر الجاهليّة، لابدّ أن نقف هنا وقفة قصيرة لنقول:

إنّ هذا النصر ليس بالمعنى العسكري للنصر، فقد كان بنو أُميّة هُم المنتصرين يوم الطفّ على معسكر الحسينعليه‌السلام ، لو كُنّا نقصد بالنصر هذا المعنى الّذي يفهمه الناس من النصر عادةً، ولكنّنا عندما نتجاوز الشعاع المنظور للمعركة، والأبعاد العسكريّة والسياسيّة القريبة لها، نجد أنّ الحسينعليه‌السلام قد تَمَكَّن من


إسقاط يزيد وإسقاط القناع من وجهه كأمير للمؤمنين، وفضحه ومُصادرة الشرعيّة الّتي حاول أن يَسبغها على نفسه، والقواعد الّتي كان يستند إليها، وإنهاء خَطّه السياسي في تحريف الإسلام عن مجراه الصحيح.

وهذا هو كلّ ما كان يريده سيّد الشهداءعليه‌السلام في صراعه مع يزيد.

فلم يكن الحسينعليه‌السلام يطلب حُكماً أو سُلطاناً عاجلاً - وقد كان على بَيّنة من أمره هذا - عندما خرج من الحجاز إلى العراق، وإنّما كان يريد أن يُعرِّي يزيد أَمَام المسلمين، ويُسقِط القِناع عن وجهه؛ لئلاّ يتمكّن من تحريف مسيرة الإسلام وتحويله إلى مُلْكٍ عَضُوض، كما يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد استطاع الحسينعليه‌السلام أن يُحقِّق بالدِقّة كلّ ما يبتغيه من خروجه على يزيد.

إنّ المعركة التي خاضها سيّد الشهداء الحسينعليه‌السلام لم تكن تستهدف أهدافاً عسكريّة أو اقتصاديّة؛ لِنَقيس نجاح المعركة وفشلها بما حُقِّق من أغراض عسكريّة أو اقتصاديّة، وإنّما كانت معركة حضاريّة.

فقد استطاعت الجاهليّة الأمويّة التي هزمها الإسلام، أن تتسلّل إلى مراكز القيادة في المجتمع الإسلامي من جديد، بكلّ أبعادِها وتراثها الجاهلي، وكان هدف الحسينعليه‌السلام هو إيقاف هذا الـمَدّ الجاهلي الّذي بدأ يمتدّ إلى جسم الإسلام، وباسمِ الإسلام، وصَدّه وفضحه وتعرِيَته.

وقد حقَّقتْ ثورة الحسينعليه‌السلام كلّ ما كان يريده في هذه الحركة المباركة.

لقد أسقطتْ شهادةُ أبي الشهداءعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه القناعَ عن وجهِ يزيد، وعَرَّته تماماً للمجتمع الإسلامي وللتأريخ، وانتزعتْ منه وممَّن خلفه الشرعيّة الّتي كان يحرص عليها هؤلاء، فلم يَعد يزيد وخَلَفه - من حُكّام بَني أُميّة - يُشكّلون خطراً على أُصول هذا الدِين وفروعه، وخَطِّه ومقاييسه وتُراثه.

وقد تولّى الله تعالى قضيّة هذه الدماء ورسالتها، وثأر لها وحقّق قضيّتها، لو أنّنا


فهمْنا النصر بمعناه العميق الحضاري والتاريخي، وليس الفوز في جولةٍ عسكريّة، وليس من الصحيح أن نقيس النصر والهزيمة بمقياس النجاح والفشل في جولة عسكريّة.

ولو أردنا أن نفهم النصر والهزيمة في هذه الدائرة الضيِّقة، وبمثل هذا الفَهْمِ المحدود، لم نستطع أن نفهم حركة التاريخ وسُنَن الله في التاريخ؛ فقد يربح أحد الأطراف جولة من المعركة، ولا يكون مُنتصِراً بالمعنى البعيد والحضاري لهذه الكلمة، وقد يخسر أحد الأطراف الجولة والجولَتَين في المعركة، ولن يكون مهزوماً. وقد يربح الطرف الّذي يُحسِن اللعب على الحِبال، ويُحسِن شراء وبَيع الضمائر، ويُحسِن الخيانة وتجاوز القِيَم، ولكنّه لن يكون منتصِراً، وقد يخسر الطرف الذي يثبت عند القِيَم والمبدأ الجولةَ الواحدة والثانية والثالثة في المعركة، وتكون له العاقبة المحمودة والنصر.

إذن، لا يُقاس النصر بهذه المقاييس الآنيّة والوقتيَّة، وإنّما بتحقيق الأهداف والغايات الحضاريّة، والحسينعليه‌السلام - بهذا المقياس - قد انتصرَ على يزيد، وقَبله أخوه الحسن الـمُجتَبىعليه‌السلام على معاوية، وقَبلهما أبوهما عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام على معاوية.

وهذا هو المِقياس الصحيح لمعرفة النصر والهزيمة، وهذا الّذي نقصده نحن من النصر في الصراع الخالد بين الإسلام والجاهليّة، الذي يضمنه الله تعالى للصالحين من عباده.

* * *


ثأر الله

القِيمَة الذاتيَّة للشَهادة

في هذه النقطة نتناول قيمة الدَم ودَوره في تكامل شخصيّة الشهيد وسلوكه إلى الله تعالى.

إنّ (الدَمَ) في الوقت الّذي يُعتبَر من أقوى عوامل التحريك في المجتمع، يُعدّ من أهمّ عوامل بناء شخصيّة المؤمن وتكامله وسلوكه إلى الله تعالى.

ولكي نفهم قيمة الدم ودَوره في تكامل شخصيّة الإنسان وسلوكه إلى الله، لابُدّ أن نُلِمَّ إلمامَة سريعة بهذه الرحلة الطويلة والعسيرة، الّتي تنقل الإنسان من مِحوَر (الأنا) و (الذات) و (الهوى)، إلى مِحوَر (ولاية الله) وتمثّل حركة الإنسان وسَيرِه التكاملي إلى الله.

رِحلة الإنسان إلى الله:

ويوجز القرآن الكريم هذه الرحلة بقوله تعالى:( يَا أَيّهَا الإِنسَانُ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (1) .

وبالتأمّل في هذه الآية الكريمة نلتقي بالنقاط التالية:

____________________

(1)الانشقاق: 6.


1 - إنّ هذه المسيرة والنقلَة هي الهدف والغاية من خلقِ الإنسان؛ ولذلك يتوجّه الخطاب في الآية الكريمة إلى (الإنسان).

على غير طريقة القرآن في الخطابات الّتي تترتّب على الإيمان بالله، حيث يُوجّه القرآن فيها الخطاب إلى (الذين آمنوا)، وتوجيه الخطاب هنا إلى الإنسان، دون تخصيص بالّذين آمنوا فقط، ينمّ عن أنّ هذه المسيرة والرحلة هي الهدف والغاية من خلقِ الإنسان.

ومن دون أن يدخل الإنسان في هذه المسيرة، ويتعرَّض لكدحها وعنائها لا يمكن أن يحقّق الغاية والهدف من تكوينه وخَلْقه، ولا يتحقّق النُضج والرشد والكمال المطلوب منه.

2 - وتبدأ هذه المسيرة بـ (الأنا)، بما تَكتَنِف الأنا من الشهوات والأهواء والغرائز، بصورة طبيعيّة، وتنتهي إلى الله:( ... إِلَى‏ رَبّكَ... ). وهذا القوس الصعودي من الأنا إلى الله هو مسار حركة الإنسان ونموّه وتكامله.

3 - ولابُدّ أن تتمّ هذه الحركة بصورة اختياريّة وطوعيّة في حياة الإنسان.

وقيمة هذه الحركة أنّها تتمّ بصورة اختياريّة وطوعيّة وبإرادة الإنسان. ولو أنّ هذه الحركة كانت تتمّ بصورة قهريّة، لم تكن تُحقّق للإنسان هذا التكامل والنموّ الذي سوف نُشير إليه.

إنّ الموت ينتزع الإنسان بصورة قهريّة من مِحوَر (الأنا) ولذّاته وشهواته وأهوائه، وما يملك من متاع الحياة الدنيا، ومن الأبناء والأزواج والأموال، إلاّ أنّ هذا الانفصال - حيث يتمّ بصورة قهريّة - لا يُحقِّق للإنسان لقاء الله الذي تُشير إليه الآية الكريمة.

ولعلّ صعوبة (النَزْعِ) نابعة من هذه الانتزاع القهري من الحياة الدنيا، وكلّما تكون علاقة الإنسان بالحياة الدنيا أكثر وأعمق، تكون نَزعات الموت عليه أصعب وأقسى، وإنّ الإنسان ليَفقد دراهم معدودات من المال أو بعض أعزّائه، أو


بعض ما يملك من حُطام الدُنيا فيشقّ عليه ذلك مَشقّةً بالِغة، فكيف إذا قهره الموت؛ ليُنتَزع من كلّ علاقاته في الدنيا على الإطلاق، ومَرّة واحدة.

وهذا الانتزاع القهري الذي يحقِّقه الموت، لا يرفع من درجة الإنسان، ولا يحقّق للإنسان كمالاً؛ لأنّه تمّ بصورة قهريّة ومن دون إرادة الإنسان، وإنّما يتكامل الإنسان عندما يسعى لانتزاع نفسه من التعلّق بالحياة الدنيا ومتاعها ولذّاتها، بصورة اختياريّة، وبشَكلٍ تدريجي، حتّى يتحرّر من حُبّ الدنيا والتعلّق بها، ومن (الأنا) و (الهوى) بشكلٍ كامل.

ولعلّ الحديث المعروف: (موتوا قبل أن تموتوا)(1) يشير إلى هذه الحقيقة، ويكون المقصود بالموت الأوّل هو: الموت الاختياري، وبالموت الثاني هو: الموت القهري والطبيعي.

وهذه الحركة الطوعيّة إلى الله، تتطلّب من الإنسان الكثير من الجهد والمعاناة، وربّما تشير الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة، في قوله تعالى:( ... إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً... ) .

4 - وهذه المسيرة مسيرة كمال الإنسان وعروجه إلى الله، والغاية من هذه المسيرة هي أشرف الغايات وأسماها في حياة الإنسان على الإطلاق، وهي: لقاء الله، وإلى هذه الغاية العُليا تشير الآية الكريمة:( ... فَمُلاَقِيه ) .

فإنّ لقاء الله هو النتيجة الّتي تترتّب على مسيرة الإنسان الكادحة إلى الله، وحَسْب الإنسان في هذه الرحلة الشاقّة والكادحة أن ينال (لقاء الله)، وتلك غاية لا ينالها إلاّ القليل ممَّن ارتضاهم الله تعالى واختارهم.

5 - وهذه المسيرة بقَدر ما تُحقِّق للإنسان الكمال والتسامي، ونَيل لقاء الله - الّذي هو أشرف ما يناله الإنسان في دنياه وآخرته -، تتطلَّب منه الجُهد والعناء والكَدْح.

____________________

(1)بحار الأنوار: 72 / 59 / الحديث الأوّل.


وهذه الضريبة الحتميّة في الطريق إلى الله، هي التي تُشير إليها الآية الكريمة:( ... إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً... ) .

دراسةٌ للـمُنطلَق والغاية في حَرَكةِ الإنسان:

مُنطلَق الإنسان في هذه الحركة هو (الأنا)، وغاية الإنسان في هذه الحركة هو (الله) تعالى، والإنسان يكدح بين هذا المنطلَق وتلك الغاية.

والمنطلَق (الأنا) مَحفوف دائماً بالشهوات والأهواء، ويتطلَّب من الإنسان الركون إلى متاع الحياة الدنيا ولذّاتها، والتسليم لها، ويسعى لفرضِ سلطانه على الإنسان، وحَبسِه عن العروج والصعود إلى الله.

والغاية في هذه الرحلة هي الله تعالى، وهو سُبحانه يطلب من عباده الطاعة والانقياد، والتسليم والرضا، والحُبّ، والنصر، وتجتمع هذه المعاني جميعاً في كلمة (الولاء).

والإنسان يتحرّك كادحاً بين هذا المنطلق وتلك الغاية، بين جاذبيّة الـمُنطلَق بما تَحفّه من الشهوات والغرائز، وبين الكدح الشاقّ والعسير إلى الله تعالى.

ولابُدّ أن نقف وقفة قصيرة عند هذا المنطلق وتلك الغاية؛ لنعرف قوانين وسُنَن هذه الحركة الصاعدة (الكادِحة) إلى الله تعالى من (الأنا).

1 - الـمُنْطَلَق:

أوّل شيء يُوقفنا في هذه المسيرة نقطة الـمُنطلَق، وهي: (الأنا) والذات الإنسانيّة.

وتكتنف (الأنا) ثلاثة أنواع من العوامِل: اثنان منهما يتجاذبان الإنسان ويسحقانه كحَجَرَي الرَحى، ويشدّان الإنسان إلى الحياة الدنيا شدّاً وثيقاً، ويُقيِّدانه ويُعرقِلان تحرّكه وانطلاقه، ويُثقلانه بحُبّ الدنيا ومتاعها ولذَّاتها.


وأجمل تعبير عن هذا الانشداد هو قوله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ ) (1) .

وهذان العاملان اللَذان يضغطان على الإنسان، ويشدّان الإنسان إلى الأرض هما:

أ - الشهَوات والغرائز والأهواء والميول النفسيّة: وهذا النوع يكمن داخل النفس، ويصطلِح عليه القرآن بـ (الهوى).

ب - الـمُغريات والـمُثيرات التي تُحرّك الشهَوات وتُهيج الغرائز: وهذا النوع قائم في ساحة الحياة، ويُثير الشهوات والغرائز في نفس الإنسان، كالبَنين والنساء، والقناطير الـمُقنطَرَة من الذَهبِ والفضّة، ويصطلِح القرآن عليه بـ (الفتنة).

وبين هذا العامل وذاك يقعإبليس اللَعين وجنوده من شياطين الجنّ والإنس، الذين يقومون بدَور الوَساطة بين (الأهواء) و (الفِتن)، بتحريك الشهوات في نفس الإنسان بالـمُغريات والـمُثيرات، وجَذْب الشهوات إلى هذه الـمُثيرات.

والإنسان في نقطة (الـمُنطلَق) هذه، يقع تحت تأثير هذه العوامل الثلاثة، الّتي تضغط عليه وتُحدِّد حركته، وتُقيّده عن الانطلاق والصعود.

مُثَلّث الابتلاء في القرآنِ الكريم:

ونعود مرّة أُخرى إلى القرآن الكريم؛ لنتعرَّف على دَور (الأهواء) و (الفِتَن) و (الشيطان) في حياة الإنسان.

ونبدأ الحديث عن الشهوات والأهواء.

____________________

(1)التوبة: 38.


أ - الهَوى:

عن الهوى ودَوره التخريبي في حياة الإنسان، يقول تعالى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ ) (1) .

وفى الرواية: إنّ هذه الآيات نزلتْ في (بَلْعَم بن باعوراء) من علماء بَني إسرائيل، الّذي آتاه الله تعالى آياته فانسلخَ منها باتّباعه الهوى.

وسواء صحَّت هذه الرواية أمْ لم تصحّ، فإنّ الآية الكريمة تُشير إلى الدَور التخريبي الواسع لسُلطان الهوى على حياة الإنسان،وأوّل هذه الآثار هو: الخلود إلى الأرض: ( وَلكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ) .

والمقصود بالأرض: الحياة الدنيا، والخلود: السقوط.

وهذا هو الأثر الأوّل لسلطان الهوى على النفس، وهو السقوط في لَذّات الدنيا وحطامها، والالتصاق بها، وهذا السقوط - بطبيعة الحال - في مقابل العروج إلى الله، يحبس الإنسان عن الله.

والأثر الثاني هو: الانسلاخ عن آيات الله: ( فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) ، كما تنسلخ الحيَّة من جلدها وينفصل ويَبِين عنها تماماً، فلم تعد لها علاقة به، ولم يعد له علاقة بها. كذلك الإنسان إذا تمكّن منه الهوى، ينسلخ عن آيات الله وتَبِين عنه، ويصبح غريباً عنها وتصبح غريبة عنه، ويفقد كلّ بصيرة ووَعيٍ بآيات الله، ويرفضها كما يرفض المريض الطعام الشهيّ اللذيذ.

والأثر الثالث: إتباع الشيطان: ( فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ ) ، أي: أدركه وتمكَّن منه، ومَن تمكّن منه الشيطان ونشبتْ فيه مَخالِبه، سُلِب منه عقله وقلبه وضميره وفطرته،

____________________

(1)الأعراف: 175 - 176.


وكلّ ما آتاه الله تعالى من القِيَم، وذلك أقصى درجات السقوط في حياة الإنسان.

والأثر الرابع: الغِوايَة والضَلالَة: ( فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) ، وكيف يُمكن أن يستقيم على هدى الله مَن تمكَّن منه الشيطان، وسلبَ منه عقله وقلبه وضميره وفطرته ومَسَخَه، فلا مَحالة يكون سَعيه كلّه في ضلال وغَيّ.

والأثر الخامس: الجَشَع والحِرْص على حُطام الدنيا: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) ، فلا يروي ظمأهم إلى حطام الحياة الدنيا وزخرفها شيء، ومهما أكثروا منها ازدادوا إليها جشعاً، كما يُصيب الكلاب داء (الكلَب) فلا يرويها ماء، فهي تَلْهَث على كلّ حال، كذلك هؤلاء الّذين اتّبعوا أهواءهم فأخلدوا إلى الأرض، فلا يزيدهم السعي إلى الدنيا إلاّ لهاثاً وظَمأً.

ولست أقول لا تزيدهم الدنيا، وإنّما أقول لا يزيدهم السعي إلى الدنيا، فقد يسعى المؤمن إلى الدنيا فيُصيب منها ما يشاء الله، قَلَّ أو كَثُر، ولكنّه لا يلهث خلف الدنيا، ولا يزيده السعي إلى الدنيا ظمأً ولهاثاً من ورائها.

رُوي أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام قال لرجُلٍ اشتكى إليه حرصه على الدنيا، فقالعليه‌السلام : (إن كان ما يكفيك يُغنِيك، فأدنى ما فيها يُغنِيك، وإن كان ما يكفيك لا يُغنِيك، فكلّ ما فيها لا يُغنِيك)(1) .

تلك صورة عن سلطان الهوى على الإنسان، ودَوره التخريبي في حياة الإنسان، من القرآن الكريم.

ويرسم القرآن، على لسان امرأة العزيز في سورة يوسف، لَوْحَة أُخرى لسلطان الهوى على الإنسان، وهي لوحة مُعبِّرة وناطقة، وذلك في قوله تعالى:( ... إِنّ النّفْسَ لأَمّارَةُ بِالسّوءِ... ) (2) .

وتحمل هذه الآية المباركة، من معاني تأكيد سلطان الهوى على النفس، الشيء العظيم، وكان

____________________

(1)أُصول الكافي: 2 / 139.

(2)يوسف: 53.


أساتذتنا - عندما كنّا نقرأ (النحْو) - يستشهدون بهذه الآية الكريمة في تكرار التأكيد وتوكيدها.

فالجملة اسميّة ومُصَدَّرة بـ (إنّ)، و (الأمّارة) صِيغة مُبالَغة معروفة، ومُصَدَّرة بـ (اللام)؛ لتأكيد الـمُبالَغة والتأكيد.

وكلّ هذه التأكيدات؛ لِتُثبِت الدَور التخريبي السيّئ للهوى (الأمارة بالسوء)، ونكتفي بهاتين الآيتين من كتاب الله في تقرير الدَور السلبي لسُلطان الهوى في حياة الإنسان.

ب - الفِتْنَة:

وهذا هو الضِلع الثاني من مُثلَّث الابتلاء، والفِتنة والفِتَن: هي الـمُغريات والـمُثيرات الّتي تُغري الإنسان وتُثِير النفس، وهي تقع خارج النفس وفي الحياة الدنيا، بعَكس الهوى الّذي يَكْمن داخل النفس.

والدنيا فِتنة، وحُطامها فِتنة، وما فيها من الذهبِ والفِضَّة والأموال والأولاد والأزواج فِتنة. وهذه الفِتن تأسر الإنسان وتسلبه إرادته، وتَسْتَذلّه.

يقول تعالى:( ... أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (1) .

وهذه النقاط الّتي تذكرها الآية الكريمة، هي كلّ اهتمامات الإنسان عندما يَحوم حول مِحوَر (الدنيا).

وللشيخ بهاء الدِين العاملي (رحمه الله) التفاتَة طَريفة في

____________________

(1)الحديد: 20.


تفسير هذه الآية الكريمة، كما ينقل ذلك العلاّمة الطباطبائي في الميزان(1) .

يقول الشيخ: (إنّ الله تعالى استعرضَ هذه الحالات الخمس، بترتيب وموازاة مراحل عُمْرِ الإنسان المختلفة، فالإنسان يبدأ المرحلة الأُولى من عُمْرِه باللَعب، ثمّ تعقب هذه المرحلة مرحلة الـمُراهَقة، وهي مرحلة اللَهو، ثمّ بعد ذلك تأتي مرحلة الزينة والأناقة في حياة الإنسان، وهي مرحلة اكتمال ونضجِ الشباب، ثمّ في نهاية مرحلة الشباب تَبْرز في الإنسان حالة حُبّ التفاخر والرياء والتظاهر، فإذا تقدّم السِنّ بالإنسان وأشرفَ على الشيخوخة، ظهرت فيه حالة التكاثر في الأموال والأولاد).

ويقول تعالى:( زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (2) .

وهذه النقاط هي أهمّ المسائل الّتي تستثير غرائز الإنسان وتُهيّجها، وتشدّ الإنسان إلى هذه الـمُغريات الّتي يحصي القرآن طرفاً منها في هذه الآية.

ج - الشَيطان:

وإبليس وجنوده من الشياطين هُم الضِلع الثالث من (مُثَلَّثِ الابتلاء)، يُقرِّب البعيد للإنسان، ويُبعِّد القريب، ويُوسوِس في النفسِ، ويُزيِّن للإنسان القبيح ويُقَبِّح له الجميل، ويعرض عليه الفتنه عرضاً؛ ليزيد في إثارتِها وإغرائِها، ويُحرِّك أهواء الإنسان وشهواته، ويَفْتِنه بها:( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنّكُمُ الشّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ

____________________

(1)الميزان: 19 / 188.

(2)آل عمران: 14.


أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا ) (1) ،( وَلاَ تَتّبِعُوا خُطُواتِ الشّيْطانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ * إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (2) ،( الشّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً... ) (3) ،( ... وَقَالَ لأَتّخِذَنّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأُضِلّنّهُمْ وَلأُمَنّيَنّهُمْ... ) (4) ،( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللّهِ ) (5) ،( فَوَسْوَسَ إِلّيْهِ الشّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلّكَ عَلَى‏ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) (6) .

تلك هي الأضلاع الثلاثة لـمُثَلَّث الابتلاء الرهيب، الّذي يشدّ الإنسان إلى الحياة الدنيا، وتلك هي نقطة الـمُنطلَق في حياة الإنسان.

أعراضُ التَعلُّق بالدنيا في نقطةِ الانطلاقِ:

وينشأ من تعلّق الإنسان بالدنيا وانشداده إليها، ثلاثة أنواع من الأعراض الـمَرَضِيّة الصعبة:

منها: ما يتعلَّق بعلاقته بالدنيا.

ومنها: ما يتعلَّق بعلاقته بالله تعالى.

ومنها: ما يتعلَّق بعلاقته بالآخَرين.

والنوع الأوّل هو: الأمراض الأخلاقيَّة التي تخصّ علاقة الإنسان بالدنيا، مثل:

____________________

(1)الأعراف: 27.

(2)البقرة: 168 - 169.

(3)البقرة: 268.

(4)النساء: 118 - 119.

(5)المجادلة: 19.

(6)طه: 120.


(الحِرْص) و (الطَمَع) و (الجَشَع) و (الركون إلى الدنيا) و (البَطَر) و (طول الأمل)... وغير ذلك.

والنوع الثاني : الأعراض التي تخصّ علاقة الإنسان بالله تعالى، وهي كثيرة.

وممّا لاشكَّ فيه، أنّ علاقة الإنسان بالدنيا لها انعكاس مباشر ونسبة عكسيّة على علاقة الإنسان بالله تعالى، وكلّما كان إقبال الإنسان وانشغاله بالدنيا أكثر، قلّ إقباله على الله تعالى وذِكره إيّاه، والقرآن الكريم يُشير إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى:( كَلاّ إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى‏ * أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) (1) .

إنّ الإحساس بالاستغناء وَهْمٌ كاذبٌ، ناتج عن تعلّق الإنسان بالدنيا وإقباله عليها واعتماده عليها، وهو ليس من الاستغناء؛ فإنّ الإنسان لا يستغني عن الله تعالى في كلّ حال، يقول تعالى:( يَا أَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ... ) (2) ، وإنّما هو تَوَهّم كاذب للاستغناء، وتعبير القرآن عن ذلك دقيق:( أَن رَآهُ اسْتَغْنَى ) ، وليس (أن استغنى)، وبين هذا وذاك فرْق.

إذن، المسألة نفسيّة وليست موضوعيّة، وبتعبير آخر: ليس الغِنى والتمكّن من أسباب الحياة الدنيا، هو الذي يؤدّي بالإنسان إلى الطغيان، إذا كان الإنسان يشعر في قَرارَة نفسه في كلّ الحالات بفَقره وحاجته إلى الله، وإنّما الّذي يُؤدّي إلى الطغيان في علاقته بالله، هو وَهْمُ الاكتفاء بالدنيا عن الله، والاستغناء بالدنيا عن الله، وهو يُؤدّي إلى الشَرَهِ والحِرصِ، ويؤدّي إلى الطغيان والإعراض عن الله تعالى في وقتٍ واحد.

إذن، الإقبال على الدنيا، والاعتماد عليها، والتعلّق بها، يُؤدِّي بالإنسان إلى الإعراض عن الله بدرجات مختلفة، على قدرِ إقباله على الدنيا وتعلّقه بها

____________________

(1)العَلَق: 6 - 7.

(2)فاطر: 15.


وانشداده إليها، ويؤدِّي به إلى ضعفِ الثِقة بالله، وضعف التوكّل على الله وضعف اليقين بالله، وينعكس انعكاساً سلبيّاً على يقينه وثِقته وإقباله وتوَكّله على الله، وهذا هو النوع الثاني من الأعراض النابعة عن تعلّق الإنسان بالدنيا.

والنوع الثالث مِن هذه الأعراض: هي الأعراض الناجمة عن الاحتكاك والتنافس، والتزاحم فيما بين الناس على حُطام مَتاع الدنيا، كالحسد والبغضاء وسوء الظنِّ، والغِيْبَة والكذب والـمُمارَاة، والجدال والتقاطع، والتَسقيط والعدوان.

وهذه الأمراض الثلاثة نابعة من حُبِّ الدنيا، وهي من عوامل انحراف الإنسان وسقوطه؛ ولذلك ورَد في الحديث الشريف: (حُبُّ الدُنيا رأسُ كلّ خَطيئة)(1) .

هذا هو - على نحو الإيجاز الشديد - المِحور الأوّل أو الـمُنطلَق في حياة الإنسان، وهو (الأنا)، والأعراض الـمَرضيَّة الناجِمة عن ارتباط الإنسان بهذا المِحوَر، والّتي تَجرّه إلى السقوط والهلاك.

2 - الغايَة:

والمِحور الآخَر في حياة الإنسان هو: (الله).

فعندما ينتقل الإنسان إلى هذا المِحور، يضع نفسه بشكلٍ كامل تحت تصرُّف حُكم الله وإرادته وسلطانه، وأمرِه ونهيِه، وينقاد لسُلطان الله انقياداً كاملاً في كلّ أمرٍ يرتبط بحياته، فيما يتعلّق بجَوارِحِه وأعضائه، وما يتعلّق بجَوانِحِه وحُبِّه وبُغضِه، ويخرج بشكلٍ كامل من

____________________

(1)الدُنيا ليست مذمومة في الفكر الإسلامي، واقتناء مَتاع الدنيا ليس أمراً مذموماً، إنّما المذموم هو التعلّق بمتاع الحياة الدنيا والانشداد إليها، فليس من بأسٍ أن تكون الدنيا بمتاعها ولذَّاتها وطيّباتها في قبضتك، فليست هذه الطيِّبات مُحرَّمة على عباد الله، ولكن البأس كلّ البأس، أن يكون الإنسان في قبضةِ الحياة الدنيا، وتحت تأثيرها.


سلطان الهوى والأنا، وينتزع نفسه انتزاعاً كاملاً من سلطان هذا المحوَر، ويدخل في دائرة سلطان ولاية الله بشكل مُطلَق، ومن دون حدود وقيود، فلا يُحِبّ إلاّ ما يُحِبّ الله، ولا يُبغض إلاّ ما يُبغض الله، ويُحِبّ الله، ويُحِبّ لله، ويُحِبّ في الله، ويُبغض في الله وينقاد لأمر الله ونهْيِه، ويستسلم لمشيئة الله وحُكمه استسلاماً كاملاً.

والآية الكريمة التالية من سورة الأنعام تُعطي تصوّراً واضحاً ودقيقاً لهذا المحور الذي نتحدّث عنه، والذي هو دِين إبراهيمعليه‌السلام :( قُلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَى‏ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ‏ِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (1) .

فلن يكون الإنسان داخلاً في دائرة ولاية الله، وخاضعاً للمحوَر الربّاني في الحياة، إلاّ عندما يكون كلّ شيء في حياته لله تعالى من دون استثناء، (صلاته ونُسُكه)، (وحياته ومَماته).

الطاعَة والتَسْليم والذِكر والرجاء والرهبَة والحُبّ:

ومن أهمّ مقوِّمات هذا الارتباط: الطاعة والتسليم والذِكر، والرجاء والرهبة والحُبّ، ورأس كلّ ذلك (اليقين)، وهو من أعزِّ ما أنعم الله تعالى على عباده من النِعَم.

ولابدّ أن تجتمع هذه الأمور جميعاً حتّى يخرج الإنسان من دائرة الأنا، ويدخل في دائرة ولاية الله تعالى.

____________________

(1)الأنعام: 161 - 163.


ومن الطاعة: التَبَعِيَّة لأحكام الله، والالتزام بحدوده تعالى، والقيام بفرائضه، والتقوى.

ومن التسليم: الرضا بقضائه وقَدَرِه، والتسليم لـمَشيئته وإرادته.

ومن الذِكر: وَعْي حضور الله تعالى، واستحضار سلطان الله في كلّ الحالات، والمراقبة والـمُحاسَبة، وانفتاح القلب على الله، والانصراف إلى الله، وانشغال القلب بالله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى عن كلّ شيء آخر، إلاّ أن يكون في امتدادِ ذِكرِ الله وأمْره.

ومن الرجاء: الدعاء والسؤال والاستغفار.

ومن الرهبة: التَضَرّع والبكاء، والتقوى والخشية والخشوع.

ومن الحبّ: الأُنْس بالله والحُبّ في الله والبغض في الله، والحنين والشوق إلى لقاء الله، والابتهاج بذِكر الله وقضائه.

وسبيل الإنسان إلى حُبّ الله تعالى، الطاعة والتبعيَّة والتقوى والانقياد لأحكام الله، وإذا أحبّ الإنسان ربَّه أحبّه الله.

يقول تعالى:( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ... ) ، وإذا أحبّ الله عبداً رزقه نوراً في بَصَرِه وسَمْعِه وقَلْبِه، وقوّة في بطشِه، وتسديداً في كلامه ونُطقه وفِعله.

فقد ورد في الحديث القُدْسي: (ما يتقرَّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليّ ممّا افترضتُه عليه، وإنّه ليَتَقَرّب إليّ بالنوافل حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سَمْعه الّذي به يسمع، وبَصَره الّذي يُبْصِر به، ولسانه الّذي ينطق به، ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته)(1) .

____________________

(1)روى الفريقان هذا الحديث بشكلٍ متواتر.

فقد ورد عن طريق أهل البيتعليهم‌السلام بطُرقٍ متعدِّدة، رواها شيخ الإسلام الكُليني في الكافي، والبرقي في المحاسن، والحرّ العاملي في الأحاديث القدسيّة، وغيرهم.

كما ورَد عن طريق العامَّة بروايات متعدّدة، رواها البُخاري في الصحيح، والغزالي في الإحياء، وغيرهما من الرواة والعلماء.


وإذا خرج الإنسان من سلطان الهوى ودخل في دائرة ولاية الله، رزقه الله، كما في هذا الحديث (نوراً في بَصَرِه وسَمْعِه، وتسديداً في كلامه ومَنطقِه وفِعله، وقوّة في بَطْشِه. فيَسْمَع بالله ويُبْصِرُ بالله ويَنطق بتسديد الله ويَبْطش بحول الله وقوَّتِه).

كيف يأخذُ الإنسانُ ويُعطِي باللهِ؟

وبالتأمّل في هذا الحديث، نجد أنّ الإنسان عندما يتحوّل بشكلٍ كامل إلى محوَر الولاية الإلهيّة، يتحوّل إلى أداة طيّعة لتنفيذ مشيئة الله في الأخذ والعطاء معاً، فهو في الجانب الأوّل - الأخذ والتلقّي - يسمع بالله ويُبصر بالله، وفي الجانب الثاني - العطاء والإرسال - ينطق بتسديد الله ويبطش بحَول الله وقوّته، والله تعالى يختار الإنسان في هذه الحالة؛ ليكون أداةً لتنفيذ مشيئته وإرادته على وجه الأرض.

يأخذ بالله ويعطي بالله ولله، فلا يكون للأنا والذات والهوى دَور في عمله وحُبّه وبُغضه، وتحرّكه وكلامه ومَوقفه وسكوته، ولا يكون للأنا والهوى أيّ درجة من درجات السلطان والنفوذ والتأثير على حياته وسلوكه وفِكْرِه ورأيه.

وهذا هو معنى الانسلاخ والانتزاع الكامل من سلطان الأنا، والخضوع والارتباط التامّ بولاية الله تعالى، وهو معنى الانفصال الكامل عن المحور الأوّل، والانتقال الكامل إلى المحور الثاني.

ولهذا الانفصال والانتقال - من محورٍ إلى محورِ آياتٍ وعلاماتٍ في حياة الإنسان - يُشير إلى بعضها حديث الولاية القُدسي السابق: (إن دعاني أجبتُه، وإن سألني أعطيتُه).

هذه هي خلاصة شديدة الاختصار عن المحوَر الثاني في حركة الإنسان.


والآن نريد أن نتحدّث عن حركة الإنسان من نقطة البداية (محوَر الذات)، إلى نقطة النهاية والغاية في حركته ونموِّه وتكامله (محوَر الولاية الإلهيّة).

3 - الحَرَكَةُ مِن (الأنا) إلى (الله):

وخلاصة هذه الرِحلة: الانطلاق من الشهَوات والأهواء (المحوَر الأوّل) إلى الله (المحوَر الثاني)، والصعود من حضيض الذات والشهوات، إلى قِمَّة الحُبّ والارتباط بالله والولاء له.

وهذه الحركة ذات شَطرَين:

شَطْرٌ يتعلّق بالانطلاق من (الأنا).

والآخَر يتعلّق بالصعود والعروج إلى الله.

وعلى القاعدة العامّة، فإنّ الانطلاق أصعب من الصعود والحركة، والمعروف أنّ أكثر ما تحتاجه الصواريخ من الوقود والطاقة في الانطلاق من الأرض، والتحرّر من نفوذ جاذبيّة الأرض.

والانطلاق هنا من الذات، وما تكتنِف الذات من الشهوات.

وفي هذا الانطلاق يتحرّر الإنسان من الشهوات والأهواء، ويخرج من دائرة نفوذ الشهوات والأهواء، وهذه الدائرة تُطَوِّق الإنسان عادةً، وتُطبِق عليه وتحصره في نِطاقها، بين الأضلاع الثلاثة لـمُثلَّث الابتلاء الّذي تحدَّثنا عنه، فلا يستطيع الإنسان أن ينفلت من قبضة سلطان هذا المثلَّث الرهيب، ولن يتحرَّر منه إلاّ بمَشقّة بالغة.

فإنّ الشهوات والغرائز الكامنة في النفس تشدّ الإنسان شدّاً وثيقاً ومُحكَماً، بالمال والبنين والأزواج والمواقع، وما يشبه ذلك من زينة الحياة الدنيا، ولا يستطيع أن ينطلق إلى لقاء الله، ويدخل في دائرة ولاية الله قبل أن يتحرّر من هذه


القيود الّتي تُعيق تحرّكه وانطلاقه.

ولذلك، فالشطر الأوّل من مهمّة الإنسان هو التحرّر من هذه القيود والتَعَلّقات، والشطر الثاني هو الصعود والتحرّك إلى الله، والدخول في دائرة ولاية الله، ومن دون أن يتحرّر الإنسان من المحور الأوّل لا يستطيع أن يرتبط بالمحور الثاني، ومن دون أن يُنتزَع من سلطان الأنا والهوى لا يستطيع أن يدخل في دائرة سلطان ولاية الله.

(التقوى) و (ذِكر الله) في شَطْرَي الحَرَكة:

وإذا عرفنا أنّ لسَفرِ الإنسان من محوَر (الأنا) إلى محوَر (ولاية الله) مرحلتين:

مرحلة التحرّر من (الأنا)، ومرحلة الارتباط بمحوَر ولاية الله؛ فلابدّ أن نعرف الأداة الّتي تُمَكِّن الإنسان في كلٍّ من هاتين المرحلتين من العمل، وهما أداتان اثنتان:

(التقوى)، في التحرّر من أسرِ الشهوات ومكافحة الأهواء، (للمرحلة الأُولى).

(والذِكر)، في السَير إلى الله والارتباط بالله، والانضمام إلى محوَر (ولاية الله)، (للمرحلة الثانية).

وهاتان الأداتان هما قِوام كلّ التعليمات الإسلاميّة؛ لإعداد الإنسان وتربيته وتأهيله للتكامل.

وقد ورَد فيما أوصى الإمام أمير المؤمنين ابنه الحسنعليهما‌السلام : (أُوصيك (بتقوى) الله يا بُنيّ، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذِكره)(1) .

ولنتحدّث أوّلاّ عن الأداة الّتي تُمكِّننا من التحرّر من الهوى والذات في المرحلة الأُولى، وهي (التقوى)، وبعد ذلك نتكلّم عن الأداة الّتي تربطنا بمحور الولاء لله تعالى، وتقرّبنا من الله.

____________________

(1)بحار الأنوار: 77 / 199.


التقوى للتَحَرّرِ من الهوى:

إنّ العقبة الكبرى الّتي يواجهها الإنسان في حركته إلى الله هي (الهوى (.

قال الله تعالى:( ... وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ( (1) .

يقول الصادقعليه‌السلام : (احذروا أهواءَكم كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم وحصائِد ألسنتهم)(2) .

ويقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (إنّ أخْوَف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى، وطول الأمل.

فأمّا اتّباع الهوى فيَصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنْسِي الآخرة)(3) .

وكما أنّ تجاوز الهوى هو المرحلة الأُولى والأهمّ في حركة الإنسان التكامليّة إلى الله، كذلك في الاستجابة للهوى السقوط والتردّي الكامل للإنسان.

ودرجة سقوط الإنسان وانحطاطه الروحي والخُلقي، تتناسب تناسباً طرديّاً مع درجة استجابته واستسلامه للهوى.

يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (إنّكم إن أمَّرْتُم عليكم الهوى، أصمَّكم وأعماكم وأرداكم)(4) .

وعن الجوادعليه‌السلام : (مَن أطاعَ هواه، أعطى عدوَّه (الشيطان) مُناه)(5) .

وقد عدَّ الإسلامُ مكافحة (الهوى) الجهاد الأكبر، في الوقت الّذي يعدّ فيه مكافحة (الطاغوت) الجهاد الأصغر.

عن موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال: (إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث سَرِيَّة، فلمّا رجعوا

____________________

(1)ص: 26.

(2)سفينة البحار: 1 / 728 (هوى).

(3)نهج البلاغة: الكلام 42 / ص 83.

(4)غُرَر الحِكَم: 292.

(5)الـمَحجَّة البيضاء: 5 / 49.


قال: مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر، وبقى عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسولَ الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهادُ النَفْسِ)(1) .

الـمُقارَنة بين الهوى والطاغوت:

والمقارنة هنا بين مكافحة الهوى ومكافحة الطاغوت تُلفِت الانتباه؛ فإنّ العَقَبَة في طريق الإنسان إلى الله عقبتان: الهوى، والطاغوت. وكلاهما يُعيقان طريق الإنسان إلى الله.

وللطاغوت دَور بارز وفاعل ومُؤثِّر في تحدّي الأنبياء ورسالات الله، وإعاقة حركة الأنبياءعليهم‌السلام ، والصراع بين الأنبياء والطاغوت أبرز أحداث التأريخ، بل هو التأريخ، وما عدا ذلك أحداث على هامش التأريخ.

ومع ذلك، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ مواجهة (الطاغوت) من (الجهاد الأصغر)، ومواجهة (الهوى) من (الجهاد الأكبر).

الصِيغة الإيجابيّة للتقوى:

والأداة الـمُفضَّلة والقويّة في مكافحة الهوى ومجاهدة النفس في الإسلام هي التقوى، و (التقوى) هي: ضبط النفس على حدود الله وأحكامه، وتحكيم حدود الله وشريعة الله على تصرّفات الإنسان وتحرّكه وعملِه، وليست التقوى كَبْتاً للنفس، ولا حظراً على الإنسان من الاستجابة لرغبات النفس ومُشتهياتها، وإنّما هي: ضبط النفس فقط على حدود الله من الحلال والحرام، وفرْض سلطان الحدود الإلهيّة على النفس.

ليست التقوى حِرمان النفس من الاستجابة لـمُتطلَّباتها ورغباتها ومُشتهياتِها

____________________

(1)بحار الأنوار: 17 / 116.


الـمُحرَّمة فقط، وإنّما التقوى قبول سلطان الحدود الإلهيّة، وتحكيمها على النفس، والتمكّن من نزوات النفس ورغباتها، والتحرّر من سلطان الهوى، وانتزاع النفس من قبضة (الأهواء) و (الفِتن).

والتقوى بهذا المعنى معنى إيجابيّ، وهو التمكّن من النفس، والقُدرة على انتزاع النفس من سلطان الأهواء والشهوات، وليس معنىً سلبيّاً، بمعنى ترْك الحرام، وهي بهذا المعنى (الشوط الأوّل لحركة الإنسان إلى الله).

الشوطُ الثاني من حَرَكةِ الإنسان:

والمرحلة الثانية من هذه الرِحلة هي: العروج والصعود إلى الله، والدخول في دائرة ولاية الله تعالى، بعد أن يتمكَّن الإنسان من انتزاع نفسه من محوَر الأنا والذات والهوى.

ولابدّ في الشوطين جميعاً من الطاعة، فهو العنصر الـمُشترَك في كلٍّ مِن هاتين المرحلتين، إلاّ أنّ المرحلة الأُولى تتميَّز بالتحرّر من محوَر الهوى والأنا، والمرحلة الثانية تتميَّز بالتحرّك للدخول في دائرة نفوذ وسلطان ولاية الله، والارتباط بالمحوَر الإلهي.

ومعنى الارتباط بالله: أن يجعل الإنسان تعالى هَدَفاً في كلّ أعماله وتصرّفاته، ويُخلِص في كلّ أعماله لله:( قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِ‏ِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) ، ويجعل مَرضاة الله محوراً ثابتاً لكلّ حياته وتصرّفاته، ولا يبتغي غير مَرضاة الله شيئاً، وأن يدخل بشكلٍ كامل في دائرة ولاية الله، فلا يكون له رأي أو حُكْم، أو هوىً أو حُبّ أو بُغض أو عمل أو حركة أو كلمة، في غير ما يحكم الله (تعالى) ويُريد.

ويُحِبّ ويُبغض في الله، ويُحَكِّم إرادة الله ومشيئته وحُبّه وبُغضه على قلبه وصدره وعقله، وعواطفه وأحاسيسه وجوارحه وأعضائه، ويتجرَّد عن كلّ صِبغة ورأي وهوى، ويتَّخذ صِبغة الله تعالى صِبغة لنفسه،


ويُوجِّه نفسه ورأيه وهواه وحُبّه وبُغضه حيث يُريد الله، ويرضى به الله، ويُمكِّن حُبّ الله من قلبه ونفسه، فلا يكون هناك شيء أحبّ إليه من الله ورسوله.

فلن يكون الإنسان ذائباً في هذا المحوَر الربّاني، ولن يكون إيمانه من الإيمان الكامل، ولن يأمَن عذاب الله ومَكْره، إذا كان هناك في حياته شيء أحبّ إليه من الله ورسوله.( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (1)

ذلك أنّ هؤلاء لم يتمكَّنوا بعدُ من الانتقال من المحوَر الأوّل، ولم يتوفَّقوا في انتزاع أنفسهم من سلطان الآباء والأبناء، والإخوان والأزواج والعشائر، والأموال والتجارة والمساكن، وما زالوا تحت سلطان ونفوذ هذه الـمُغريات والـمُثيرات من مَتاع الحياة الدنيا، وعلاقاتها و (فِتَنِها).

أمّا الّذين آمنوا، والّذين انتزعوا أنفسهم من سلطان الهوى، وارتبطوا بمحوَر الإيمان بالله وولاية الله، فإنّهم أشدّ حبّاً لله من كلّ ذلك.

وهذا هو معنى الانفصال من محوَر الأنا، والانتقال إلى محوَر ولاية الله.( ... وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّاً للّهِ...‏ ) (2) .

وقد ورَد عن الإمام الصادقعليه‌السلام : (لا يُمَحِّض رجُل الإيمان بالله، حتّى يكون الله أحبّ إليه من نفسه، وأبيه وأُمّه ووُلده وأهله، ومن الناس كلّهم)(3) .

وعن الفُضيل بن يسار قال:سألت أبا عبد الله الصادق عليه‌السلام عن الحُبِّ والبُغضِ، أمِن الإيمان هو؟ فقال: (وهل الإيمان إلاّ الحُبّ والبُغض؟!)(4) .

____________________

(1)التوبة: 24.

(2)البقرة: 165.

(3)بحار الأنوار: 70 / 24.

(4)الكافي: 2 / 125.


وفي الحديث الشريف:(الدِينُ هو الحُبُّ والحُبُّ هو الدِين)(1) .

ذِكرُ الله للعروجِ إلى الله:

والأداة الـمُفضّلة والـمُؤثِّرة في تحكيم وتوثيق الارتباط بين المؤمنين وبين الله (عزّ وجلّ)، وتعميق الصِلة والعلاقة بين العبد وربّه، وربط الإنسان بهذا المحوَر الربّاني في الحياة، وإخلاص عمله وجهده لله تعالى...

أقول: إنّ الأداة التربويَّة الـمُفضّلة في الإسلام لتحقيق هذه الغاية هي (الذِكر)، وإنّ للذِكرِ دَوراً كبيراً وأساسيّاً في ربط الإنسان بالله، وفي انشداده بهذا المحوَر الإلهي الّذي تحدَّثنا عنه، وفي حركته التكامليّة إلى الله.

فإنّ (الذِكر) هو الصِلة القلبيَّة التي تربط الإنسان بالله، وتجعله على ذِكرٍ منه، ويجعل الإنسان واعياً وشاعراً لحضور الله (سُبحانه وتعالى) بصِفاته وأسمائه الحسنى، ومُستحضراً لعظمة الله وجلاله وجماله، ويُنبّه الإنسان إلى حضور الله، ويزيل عن نفسه الغفلة.

يقول (تعالى):( وَاذْكُر رَبّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوّ والآصَالِ وَلاَ تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ ) (2) .

ويَعصم صاحبه عن الذنْب. رُوي عن الباقرعليه‌السلام : (ثلاثٌ من أشدِّ ما عمل العباد: إنصاف الـمَرء من نفسه، ومواساة الـمَرء أخاه، وذِكر الله على كلّ حال. وهو أن يذكر الله (عزّ وجلّ) عند المعصية؛ يَهمّ بها، فيَحول ذِكر الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله عزّ وجلّ:( إِنّ الّذِينَ اتّقَوْا إِذَا مَسّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشّيْطَانِ تَذَكّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ ) ) (3) .

____________________

(1)نور الثَقلين: 5 / 205.

(2)الأعراف: 205.

(3)بحار الأنوار: 93 / 379، والآية في سورة الأعراف: 201.


وسِرّ هذه (العصمة) و (الحصانة): أنّ الذِكرَ استحضار لسلطان الله وحضوره الدائم، واستحضار لحضور العبد في كلّ حالاته بحضور الله تعالى، وهذا الإحساس والوعي لحضور الله يُعَمِّق في النفس حالة المراقبة الدائمة والانتباه الدائم، ويحجز الإنسان عن الانزلاق مع الشهوات والأهواء إلى معصية الله تعالى.

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : (الذِكرُ نور العقول وحياة النفوس وجَلاء الصدور)(1) و (ذِكرُ الله مُجالَسة الـمَحبوب)(2) و (الذِكرُ يُؤنس اللُبّ)(3) .

إذن، (الذِكر) يؤنس الإنسان بالله تعالى ويُشوّقه ويُحبِّبه إليه، ويقرِّب الإنسان من الله، كما يقرِّب الجليس من جليسه ويأنس به، وحاشاه سُبحانه من مُشابَهة خلْقه ومُجالَستهم.

وقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ موسى بن عمرانعليه‌السلام لمّا ناجى ربَّه (عزّ وجلّ)، قال: يا ربّ، أبعيدٌ أنت منّي فأُناديك، أمْ قريب فأُناجيك؟ فأوحى الله جلّ جلاله: أنا جليس مَن ذَكرني)(4) .

ومن الذِكرِ الذِكر الخفيّ، ومنه الدعاء والمناجاة، والأذكار الواردة والصلاة.( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) (5) .

وفي الحجِّ الكثير من الذِكر، والجهاد لا يتمّ إلاّ بذِكر الله واستحضار صفاته الجلاليّة والجماليّة، والشوق إلى لقاء الله وإيثار لقاءه على الحياة الدنيا.

____________________

(1)غُرر الحِكم: 111.

(2)غُرر الحِكم: 369.

(3)غُرر الحِكم: 101.

(4)بحار الأنوار: 93 / 153.

(5)طه: 14.


وعلى نحو الإجمال، فإنّ العبادات في الإسلام تشتمل على الكثير من أبواب الذِكر وألوانه؛ ولأهمّيَّة الذِكر بشكل خاصّ، فقد ورَد الأمر بالإكثار من الذِكر والمداومة على الذِكر في النصوص الإسلاميّة.

يقول تعالى في الإكثار من الذِكر:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (1) .

وفي الحديث الشريف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (عليك بتلاوة القرآن وذِكر الله كثيراً، فإنّه ذِكرٌ لك في السماء، ونورٌ لك في الأرض)(2) .

وروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام : (أكثروا ذِكر الله ما استطعتُم، في كلّ ساعة من ساعات الليل والنهار؛ فإنّ اللهَ أمَر بكثرةِ الذِكر له)(3) .

وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في داوم الذِكر: (المؤمنُ دائِم الذِكر، كثير الفِكر).

وفي وصيّة الإمام لابنه الحسنعليهما‌السلام : (وكُن للهِ ذاكراً على كلِّ حال)(4) ، وورد في الدعاء: (إلهي فألهِمْنا ذكرك في الخَلأ والـمَلأ، والليلِ والنَهار، والإعلان والإسرار، وفي السَرّاءِ والضَرّاء، وآنِسْنا بالذِكر الخَفيّ)(5) .

وبعد، فهذا هو المنهج العلمي في الإسلام لحركة الإنسان من محوَر (الأنا) إلى (الله)، ويتمّ هذا المنهج ضمن مرحلتين:

المرحلة الأُولى : في الإقلاع عن مِحوَر الذات والهوى، وأداة هذه المرحلة (التقوى).

والمرحلة الثانية : في الارتباط بالمِحوَر الإلهي، والدخول في دائرة ولاية الله، وأداة هذه المرحلة (الذِكر).

____________________

(1)الأحزاب: 41 - 42.

(2)بحار الأنوار: 92 / 198.

(3)بحار الأنوار: 93 / 160.

(4)بحار الأنوار: 42 / 203.

(5)بحار الأنوار: 94 / 151.


الـمَنهَجُ الأخلاقيّ في حَرَكَةِ الإنسان إلى الله:

وإلى جَنْب هذا المنهج العملي، هناك منهج تربوي وأخلاقي في الإسلام، يُعين الإنسان - في هذه المرحلة - في الحركة من الأنا إلى الله، ويُسرّع عمليّة الانفصال والانتقال التي تحدَّثنا عنها.

والفصل الأوّل من هذا المنهج، يُعين الإنسان على التغلّب على النفس وأهوائها ونزواتها، مثل: (الإيثار) و (الزُهد) و (الجُود) و (حُسن الظَنِّ)، الّذي يُكافِح حالات: (الحرص) و (الطَمع) و (البُخل) و (سوء الظنِّ) في نفس الإنسان، وغير ذلك من الوسائل الأخلاقيّة الّتي تُمكِّن الإنسان من أهوائه وشهواته.

والفصل الثاني ، يُعين الإنسان على الارتباط بالله، كـ (الشُكر) و (التسليم لله) و (والرضا بأمرِ الله) و (الأُنس بالله) و (الحُبّ)، وما إلى ذلك من أبواب وفصول الأخلاق الّتي تُعين الإنسان على الارتباط بالمحور الإلهي.

وبهذه الطريقة الـمُزدَوَجة (العمليّة - الأخلاقيّة)، يسعى الإسلام لنقل الإنسان من محوَر الأنا إلى محوَر ولاية الله.

ولا يُمكن أن يستغني الإنسان بأحد من المنهجين - العملي أو الأخلاقي - عن الآخر، فإنّ طريق الإنسان في الانتقال من الأنا إلى الله طريق شاقّ عسير وكادِح:( يَا أَيّهَا الإِنسَانُ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (1) ، ولا يتيسَّر للإنسان أن يسلك هذا الطريق الكادِح والـمُتعِب، إلاّ بالتنفيذ الكامل لهذا المنهج الإسلامي الـمُزدوَج (المنهج العملي والأخلاقي).

____________________

(1)الانشقاق: 6.


واستعينوا بالصَبْرِ والصَلاة:

ومع كلّ هذا الإعداد التشريعي والتربوي للإنسان، فإنّ مشقَّة الطريق وعناء الرحلة، والـمَزالِق الخطرة على الطريق وبُعْد الشُقَّة وطَور الـمُعاناة، والمراصِد الـمَبثوثة للشيطان على امتداد الطريق هنا وهناك، ووُعورَة السَير فيما بين هذين المِحورَين؛ يؤدِّي بالكثير من الناس إلى التباطؤِ والضعف عن مواصلة السَير، وإيثار العافية والراحة على وَعْثاءِ الحَركة والسَير، والتراجع والتساقط أثناء السَير.

ولذلك يأمرنا القرآن الكريم بالصبر والصلاة في هذه المسيرة الكادِحة دائماً:( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) (1) .

الصبر على عناءِ الطريق، ووَعْثاءِ السَفر ومواجَهة المتاعِب، والصلاة والدعاء والاستعانة بالله، والاستمداد من حول الله وقوَّته في هذه المسيرة الصعبة والطريق الطويل.

فإذا استسلم الإنسان للضعف والعَجزِ وحُبّ العافية والراحة، فلن يتمكّن من مواصلة السَير، وإذا اطمأنّ إلى حَوله وقوَّتِه، دون حَول الله وقوَّته، ووَثَقَ بقدرته على الاستمرار في الطريق، دون أن يطلب العَون والـمَدَد في هذا الطريق من الله، فلا يكاد يتمكّن من الاستمرار والـمُضِيّ في هذه الرحلة الكادِحة.

فلابدّ إذن - في هذه المرحلة - من (الصبر) ومن (الصلاة) معاً؛ حتّى يتمكّن الإنسان من الاستمرار والـمُضِيّ على هذا الطريق الطويل.

ضَريبَة الحَرَكَةِ إلى الله:

وبعد، فهذه النُبْذَة إجمال شديد الاختصار لمسيرة الإنسان الكادِحة، من مِحور

____________________

(1)البقرة: 45.


(الأنا) إلى محوَر (الله)، والّتي يقول عنها القرآن الكريم:( ... إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) .

وهذه الرحلة يقطعها الإنسان في عناءٍ ومَشقَّةٍ بالِغة:( لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلّ بِهذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) (1) ، فقد خلق الله تعالى الإنسانَ لهذه المسيرة الكادِحة في وَسَطٍ من العناء والجُهد والمشقّة والكَبَدِ، ولن ينال الإنسان حظّه من الكمال الّذي أعدَّه الله تعالى له، إلاّ في هذه الرحلة المحفوفة بالابتلاء والعناء والآلام والكَدح.

وليست هذه السُنّة الإلهيّة في الابتلاء خاصّة بهذه الأُمّة دون سائر الأُمم، وإنّما هي سُنّة لله تعالى عامّة، شملتْ مَن قَبْلنا من الأُمم كما شملتنا، وأحاطتْ مسيرتهم بالعناء والابتلاء كما حفَّتْ مسيرتنا:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ... ) (2) .

الشهادةُ اختزالٌ للحَركةِ من الأنا إلى الله:

والشهداء - وهنا نريد أن ننتقل إلى صُلب الموضوع، بعد هذه الجولة الواسعة في مسيرة الإنسان - يقطعون هذه المسيرة بحركةٍ سريعةٍ وقويّةٍ وخفيفةٍ واحدة، بالشهادة والتَضحية، فتنقلهم الشهادة والتضحية مرّة واحدة من محوَر الأنا والهوى إلى محوَر الله.

وتنتزعهم انتزاعاً كاملاً من الأهواء والشهوات، ومن كلّ العلاقات الّتي تربطهم بهذه الدنيا، إلى محوَر ولاية الله نقلةً واحدة من حُبّ النفس وحُبّ الدنيا إلى حُبِّ الله، ومن ولاية الطاغوت إلى ولاية الله، ومن الانهماك في لذَّات الدنيا إلى الاستغراق في رضوان الله تعالى، ومن ألوانِ التَعلُّقات والحُبِّ

____________________

(1)البلد: 1 - 4.

(2)البقرة: 214.


والبُغض الّتي تصبغ مشاعر الإنسان في هذه الدنيا، إلى صِبغةِ الله الفريدة.

هذه القفزة السريعة والخفيفة الّتي تنقل الإنسان مرّة واحدة من محوَرٍ إلى محوَر، هي من خصائص الشهادة، والشهيد عندما يُقْدِم على الشهادة، بوَعيٍ وبصيرة من أمرِه، ينتزع نفسه بحركةٍ قويّة وخفيفة واحدة من وَسَطِ كلّ العلاقات والصِلات والأواصر الّتي تشدّه إلى هذه الدنيا، من مالٍ وبنين وزوج، ومتاع الدنيا، ولذّات وشهوات، وجَاه واعتبارات اجتماعيّة، وبحركةٍ واحدة، يقطع كلّ هذه الحبال والخيوط والوشائج الّتي تشدّه إلى الدنيا، ويَخِفّ للصعود إلى الله.

أرأيت المِنطاد عندما تتقطع الحبال التي تشدّه إلى الأرض، كيف يَخِفّ للصعود ويرتفع إلى السماء؟

كذلك الشهيد، لا يُعيقه شيء - بعد أن ينتزع نفسه من وَسَطِ هذه الأواصِر الدنيويَّة - عن التحرّك والصعود إلى الله.

إنّ الشهادة عمليّة مباركة مُزدوَجة: انتزاع النفس من أواصِرها الّتي تشدّها بهذه الدنيا، والّتي قِوامها في هذه النفس، والصعود إلى الله.

ثمّ التحرّك إلى رضوان الله، وقوامه الحُبّ والتسليم والرضا، والطاعة والذِكر واليقين.

نَقْلَةُ الحُرّ (رحمه الله) من مِحوَر الطاغوت إلى مِحوَر الله:

فقد كان الحرّ بن يزيد الرياحي (رحمه الله) قائداً في جيش عُمَرِ بن سعد، وكان يقع تماماً في الجهة الـمُقابِلة للحسينعليه‌السلام ، فانتقل في أحرجِ اللَحظات بحركة سريعة وخاطِفة إلى جبهة الحسينعليه‌السلام .

يقول أصحاب السِيَر: إنّ الحرّ أقبل على عُمَر بن سعد وقال له: أمُقاتِل أنت هذا الرجُل؟

قال: إي والله، قتالاً أيسَره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي.

قال: ما لكم فيما عَرَضَه عليكم من الخِصال؟

فقال عُمَر بن سعد: لو كان الأمر إليّ لقَبِلتُ، ولكنّ أميرك (ابن زياد) أبى ذلك


فتركه ووقف مع الناس، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس، فقال لقرّة: هل سَقيت فرَسك اليوم؟

قال: لا.

قال: فهل تريد أن تسقيه؟

فظنّ قرّة أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يُشاهده، فتركه، فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟

فسَكَتَ وأخذته الرِعْدَة، فارتاب الـمُهاجر من هذا الحال وقال له: لو قيل لي مَن أشجع أهل الكوفة لَما عدَوتُك، فما هذا الّذي أراه منك؟

فقال الحرّ: إنّي أُخيِّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لا أختار على الجنَّة شيئاً ولو أُحرِقت، ثمّ ضربَ جواده نحو الحسينعليه‌السلام ، مُنْكِساً برأسه حياءً من الحسين، حيث جَعجَعَ بهم في هذا المكان(1) .

هكذا، في لحظات قصيرة وسريعة، وبحركةٍ خفيفة، ينتقل الحرّ من محوَر إلى محوَر، ومن مَوقعٍ إلى موقع مُعاكِس للأوّل تماماً، ويُهاجر من إمارَة جيش عُمَر بن سعد إلى جُند الحسين، ومِن الأنا إلى الله تعالى، وتلك هجرتان تتمّان في اللحظات الأخيرة من حياته، في لحظة قصيرة وسريعة.

نقلةُ زُهير (رحمه الله) من ولايةِ الطاغوت إلى ولايةِ الله:

ومثال آخَر على هذه الحركة السريعة إلى الله تعالى - عِبر الشهادة - هِجرة زهير بن القَيْن (رحمه الله).

فقد كان عُثماني الهوى، ولم يكن هواه مع آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد حجَّ البيت في عام (60 هـ) وكان يُسايِر موكب الحسينعليه‌السلام في الطريق إلى العراق، إلاّ أنّه كان يحرص ألاّ ينزل بالقُرْب من خيام الإمام؛ مَخافة الاجتماع به، حتّى انتهتْ قافلة الإمام إلى (زَرود)، فلم يجد زهير (رحمه الله) بُدّاً من أن ينزل بخيامه

____________________

(1)مقتل الـمُقرّم: 265 - 266.


بالقُرب من خيام الحسينعليه‌السلام .

فأرسل إليه الحسينعليه‌السلام رسولاً يدعوه إليه، وكان زهير مع صَحْبه يتناولون الطعام، فأبلغه الرسول دعوة الحسين، فطرحوا ما في أيديهم من طعام وكأنّ على رؤوسهم الطير، فأنكرت عليه زوجته - رحمها الله - ذلك، وقالت: (سُبحان الله، يبعث إليك ابن بنت رسول الله ثمّ لا تأتيه! لو أتيته فسمعتْ كلامه).

فانطلق زهير على كراهيّة منه إلى الإمام، فلم يَلْبث أن عاد مُسرعاً وقد تهلَّل وجهه وامتلأ غِبطة وسروراً، ثمّ أمر بفِسطاطِه وما كان عنده من ثِقْل ومَتاع، فحوَّله إلى خيام الإمام، وقال لزوجته: (أنت طالق)، ثمّ قال لأصحابه: سأُحدّثكم حديثاً:( غزونا (بلنجر)(1) ، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي، فقال لنا: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟

فقلنا: نعم، فقال: إذا أدركتُم سيّد شباب آل محمّد، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه ممّا أصبتم اليوم من الغنائم)(2) .

وينقلب زهير (رحمه الله)، وينقلب هواه من بَني أُميَّة إلى آل عليّ، وينتزع نفسه من كلّ ما يربطه بهذه الدنيا، حتّى زوجته الّتي أنكرت عليه تباطؤه عن استجابة دعوة الحسينعليه‌السلام ؛ حتّى يستطيع أن يَخفّ للقاء الله.

ولمّا جمع الحسينعليه‌السلام أصحابه وأهل بيته، قُرب المساء قبل مقتله بليلة، فقال لهم: (إنّي قد أذنتُ لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي ذِمام، وهذا الليل قد غَشيَكم فاتّخذوه جَمَلاً، وليأخذ كلّ رجُل منكم بيَد رجُلٍ من أهل بيتي

____________________

(1)احتملُ أنّ الكلمة الصحيحة هي (بالبَحْرِ). وقد بدأت عساكر المسلمين في ذلك التاريخ غزوات البحر، ولكنّ الكلمة وردتْ خطأً بأقلام بعض النُسّاخ (بلنجر). وقد وردتْ الكلمة في بعض المصادر (بالبَحْرِ).

(2)حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ، للشيخ باقر القرشي: 3 / 66 - 67. نقلاً عن الإرشاد: 264، وتأريخ ابن الأثير: 3 / 177، وأنساب الأشراف: ق 1 / 1، والدرّ النظيم: 167.


وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو أصابوني لذَهِلوا عن غيري).

قال زهير - بعدما سمع كلام الحسينعليه‌السلام -: والله لوَدَدْتُ أنّي قتلتُ، ثمّ نُشرت ثمّ قتلت، حتّى أُقتل كذا ألف مرّة، وإنّ الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك(1) .

هكذا تُحرِّر الشهادةُ الإنسان من كلّ القيود والأواصر الّتي تربطه بالحياة الدنيا مرّة واحدة، وبقوَّةٍ وخِفّة، وتدفعه إلى لقاء الله.

فالشهادة إذن: اختزال شديد، واختصار للطريق بين هذين المحورين. والمسافة التي يقطعها عامّة الناس بتكلُّفٍ وتعثُّر ومَشَقّة، يتعثَّر فيها أُناس ويتساقط فيها آخَرون، ويضعف عن السَير فيها قوم ويقوى عليه آخَرون، يقطعها الشهيد بوَعيٍ وبصيرة، وقوّة وثبات، في لحظات قصيرة وحركة خفيفة، تنتزعه من الدنيا وتعرُج به إلى لقاء الله.

* * *

____________________

(1)مقتل الحسينعليه‌السلام ، للـمُقرّم: 234 - 235.


ثأرُ الله

القِيمَة الحَرَكِيَّة للشَهادَة

تحدَّثنا في الفصل السابق بشيءٍ من التفصيل عن القِيمة الذاتيّة للشهيد، ودَور الشهادة في نموِّ وتكامل شخصيّة الشهيد.

والآن نتحدَّث من البُعْدِ الثاني (الأُفقي) للشهادة: (دَور الشهيد في تحريك المجتمع، والقيمة الحركيّة للشهادة في حياة الأُمّة).

ونبدأ حديثنا عن الشهيد من مادّة اشتقاق هذه الكلمة، ومنها نسترسل في الحديث عن دَور الشهيد في تحريك المجتمع.

(الشاهد) و (الشهيد) بمعنى واحد تقريباً، فإنّ الشاهد اسم الفاعل من هذه الكلمة، والشهيد فَعيل بمعنى الفاعل، كالنصير والناصر.

وَقْفَة عند اشتقاق كلمة (الشهيد):

وأصل الاشتقاق في هذه الكلمة: (الشهود) و (الشهادة)، وهما بمعنى: الحضور؛ يُقال: شَهِدَ المعركة، أي: حضرها، وفي المصطلح الشرعي، الشهادة تُستعمَل في معنيَين:

1 - تحمّل (الشهادة): بمعنى الحضور والرؤية؛ فإنّ الشخص الّذي يحضر


وَقْعَة ويراها عن قُرب، رؤيّة حسّية واضحة، يتحمَّل مسؤوليّة هذا الحضور والرؤية، فإذا حضر جريمة وشَهِدَها، تحمَّل مسؤوليّة هذه الرؤية والشهادة، وكأنّما تُحمِّله هذه الشهادة مسؤوليّة شرعيّة يجب عليه أن يُبرئ ذمّته منها.

2 - أداء الشهادة: وهذا المعنى شائع أيضاً في استعمالات الشهادة، فإذا بلّغ الشاهد ما شَهِدَه، أدّى ما تحمَّله من مسؤوليّة الشهادة، ولا يتحلّل الشاهد من مسؤوليّة الشهادة حتّى يُؤدِّيها ويُبلّغها.

والشهادة بهذا المعنى هي معيار ومِلاك الحُكمِ للقاضي، إذا كان الشاهد عدلاً.

ففي كلّ واقعة يختلف فيها الأطراف، قد يَجْنَح فيها بعض الأطراف أو كلّ الأطراف عن الحقّ، فيأخذ القاضي بشهادة الشاهد، فإنّ أمانة الأداء تتطلَّب منه أن يُؤدِّي ما رآه بالحسِّ من الواقعة، ويعتبر القاضي هذه الشهادة مِلاكاً للقضاء، ويَحكم بموجِبها - إذا تمَّت الشهادة بالموازين الشرعيّة -، فيكون الشاهد بهذا المعنى مِلاكاً للحُكْمِ ودليلاً عليه.

الشهيدُ مِقياسٌ للتَقييم:

واحتُمل أن تكون تَسْمِية الشهيد بالشهيد مُتأثرةً بالمعنى الثاني، وهو أداء الشهادة؛ فإنّ (الشاهد) و (الشهيد) يُستعملان بمعنى الدليل والميزان، والمِعيار والمقياس الذي نَزِن به الأحكام والأُمور كثيراً.

وهو معنى قريب من المعنى الثاني للشهادة، الذي أشرنا إليه قريباً.

والقرآن، وإن كان لم يستعمل هذه الكلمة في معناه الـمُصطلَح، إلاّ أنّه استعمل هذه الكلمة في هذا السِياق بالذات.

يقول تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً


لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ) (1) .

وهذه الآية تُصرِّح بأنّ الأُمّة المؤمنة بالله - الـمُعتدِلة - شهيدة على الناس، والرسول شهيد على هذه الأُمّة.

فماذا يُمكن أن يكون معنى الشهيد - في هذه الآية الكريمة - في الشهادتين جميعاً، شهادة الأُمّة المؤمنة على الناس، وشهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الأُمّة؟

وبأيِّ مِلاك تكون هذه الأُمّة شهيدة على الناس جميعاً، ويكون الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله شهيداً عليها؟

أعتقد أنّ الإجابة على التساؤل الثاني يفتح الطريق للإجابة على السؤال الأوّل.

إنّ المِلاك الذي جعل هذه الأُمّة شهيدة على سائر الناس هو الاعتدال والوسطيَّة، وعدم الجنوح إلى اليمين واليسار، وهذا الاعتدال والوسطيّة يُؤهِّلها لتكون شهيدة على الناس.

ونفس المِلاك - بالتأكيد وبدلالة السِياق - هو السبب في شهادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على الأُمّة، وهذا التفسير واضح من متْن الآية الكريمة:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ... ) .

إذن، سرُّ الشهادة كامِن في حالة الاعتدال والوسطيّة بالذات، وهذه الحالة هي الّتي تُؤهِّل الأُمّة لكي تكون شهيدة على الناس.

إنّ الناس يَجنحون لليمين واليسار في الأكثر، وترى هذه الكُتَل البشريّة تمتدّ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتتلاعب بهم أمواج الفِتَنِ، والشهوات والأهواء، والانفعالات النفسيّة والمصالِح والعواطِف، في اتّجاهاتٍ شتّى، ولابدّ لهذه الكُتَل البشريّة التائهة والضائعة في هذا الخِضَمّ البَشري الواسع، من (مَعالِم مَحسوسَة وملموسة) في الطريق، تستهدي بها، وتُميِّز بها الصحيح من السَقيم،

____________________

(1)البقرة: 143.


والاستقامة من الاعوِجاج والهُدى من الضلال، كما لابدّ لها من (كتابٍ) ووَحْيٍ وشريعة وتعاليم، ولا يُغنِي أحدهما عن الآخَر.

لابدّ لها من تعاليم ودروس وتوجيهات، ولابدّ لها كذلك من مَعالم ملموسة وقائِمة على الطريق.

والخاصيّة المطلوبة في هذه المعالم: أن تكون مُعتدلَة ومتوسّطة وعلى الطريق تماماً، ليس على اليمين ولا على اليسار، ولا تَجنح إلى يمين أو يسار.

وعند ذلك يمكن أن تكون (مَعالِم) على الطريق، يَهتدي الناس بمواقعِهم ومواقفهم قبل أن يهتدوا بكلامهم وتوجيهاتهم.

فمِن الناس مَن يكون موقفه وموقعه حُجَّة على الآخَرين، فيهتدي الناس بمواقفه ومواقعه وأعماله كما يهتدون بكلامه ورأيه وتوجيهه، وهؤلاء هُم (القدوات) في حياة الناس و (معالم الطريق) على الطريق، وهؤلاء سكوتهم وكلامهم، وحركتهم وسكونهم، وغضبهم وثورتهم وقيامهم وقعودهم، قُدْوة للآخَرين وحُجّة عليهم.

وهؤلاء هُم الشهداء؛ لأنّهم مقاييس للآخرين ومعالم على الطريق، ومعايير للحُكم وللحقِّ، كما يكون (الشاهد) معياراً للقاضي في معرفة الحقّ من الباطل، وتمييز الصحيح من السقيم، وفَرْز الرَديء عن الجيّد.

هذه الأُمّة شهيدة على سائر الأُمم:

وبهذا المعنى، فإنّ هذه الأُمّة - بما هداها الله تعالى إلى الوَسط من الطريق، وبما منحها الله من الاعتدال في الرأي والحياة - شهيدة على سائر الناس وقُدوة لهم، ومَعلَم على الطريق، ومقياس للناس في تصحيح أعمالهم وحركاتهم.

إنّ هذه الأُمّة - المتوسّطة - تصلح لأن تكون المقياس الذي يقيس به الناس أنفسهم، ويُصحِّحون به أعمالهم وتحرّكاتهم.


لقد أراد الله تعالى لهذه الأُمّة أن تكون قدوة للناس جميعاً، وأن تكون شهيدة على الناس جميعاً، ومَعْلَماً على طريق الناس، وأن تكون أفعالهم ومواقعهم مثالاً ونموذجاً للناس جميعاً، والّذي يُؤهّل هذه الأُمّة لهذا الموقع الرائد هو الاعتدال والتَوسّط في التفكير والعمل. (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ).

وكما أنّ الله تعالى أراد لهذه الأُمّة أن يكون لها موقع السيادة والقيادة والحاكميّة على وجه الأرض وعلى الناس، كذلك أراد الله تعالى لهذه الأُمّة أن يكون لها موقع القدوة والرِيادَة على وجه الأرض وبين الناس.

ورَسول الله شاهِد على هذه الأُمّة:

وبنَفْسِ المِلاك، فإنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يحتلّ موقع القدوة والريادة من هذه الأُمّة:( ... وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً... ) ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... ) (1) ، كما يحتلّ موقع القيادة والإمامة والحاكميّة من حياة هذه الأُمّة:( النّبِيّ أَوْلَى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ... ) (2) ، هذا إلى موقع التبليغ والرسالة:( ... وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... ) (3) .

عَودة إلى مُصطلَح (الشهيد):

والآن نعود إلى الشهيد في الـمُصطلَح الإسلامي، ضِمن هذه الصورة القرآنيّة.

____________________

(1)الأحزاب: 21.

(2)الأحزاب: 6.

(3)الحشر: 7.


فالشهيد ضمن هذا التصوّر يُعتبَر مقياساً في حياة الأُمّة، يقيسون به أنفسهم، وأساساً لمعرفة الحقّ والباطل وتمييز الرديء عن الجيّد.

إنّ الشهيد تَبَلْوُرٌ للصِدق والعطاء والوعي والبصيرة، يقيس به الناس أنفسهم، وعطاءهم ووَعْيهم، وصِدقهم وبصيرتهم واستقامتهم و...، والشهيد الـمَثَل الأعلى دائماً في حياة الناس، وهو القمّة في كلّ ذلك.

التوجيه بـ (التثقيف) و (القدوة):

لابدّ في هذه المسيرة الربّانيّة على وجه الأرض وفي حياة الناس من (قدوات)، للاقتداء والتأسّي، كما لابدّ من مُعلِّمين ومُوجّهين للتعليم والتوجيه والتثقيف، ولا يُغنِي أحدهما عن الآخَر. فإنّ التحرّك على طريق ذات الشوكة يُكلّف الإنسان الكثير، ويتطلَّب منه العناء والعطاء والتضحية والصدق، ولا يتيسَّر للإنسان أن يتجرَّد لهذه المسيرة الإلهيّة بسهولة ويُسْر.

ولابدّ من توجيه وإعداد وتربية، وتثقيف مُركَّز للدُعاة إلى الله تعالى، وللمؤمنين عامّة؛ ليتمكّنوا من مواصلة السَير والاستمرار على الطريق، ولئلاّ يتيهوا في متاهات الطريق، ويخضعوا لإغراءات الشيطان ومزالِق النفس.

وهذا الإعداد والتوجيه يتمّ على شَكلين، هما:

1 - (الإلقاء) والتَثقيف.

2 - (القُدوة).

ولا تقلّ قيمة التوجيه والإعداد بـ (القدوة) عن قيمة التوجيه والإعداد بـ (التثقيف).

والقرآن الكريم يُشير إلى كلّ من هذين النحوَين من التوجيه، يقول تعالى:( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ


الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (1) .

لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتلو على الناس آيات الله ويُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتاب والحكمة، وهذا يدخل في حقِّ التعليم والتثقيف، وهو الشطْر الأوّل من شطْرَي عمليّة الإعداد.

والشطْر الآخَر هو: التربية بـ (القدوة الصالحة) على طريق ذات الشوكة.( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .

إنّ دَور (التثقيف) في إعداد الناس هو دَور التوجيه و (الدلالة)، بينما دَور القدوة هو دَور القيادة إلى الله تعالى.

الـمُعلِّم الـمُربِّي يدلُّك إلى الله تعالى دلالة، بينما (القدوة الصالحة) يأخذك معه إلى الله.

وإنّ الإنسان ليُعطي للـمُعلِّم سَمْعَه وعَقله، ولكنّه عندما يجد قدوة صالحة، يُعطيه سَمْعَه وعقله وقلبه جميعاً، ويُمكِّنه من عقله وقلبه لِيَقوده إلى الله تعالى.

القدوة والأُسوة على طريق ذات الشَوكة:

إنّ حضور القدوة الصالحة على أرض المعركة ينفع العاملين في أمرَين، يأخذون منهم صبرهم وجهادهم وعطائهم، وتَرَفُّعهم عن الدنيا من جانب، ومن جانب آخَر يشهدون إمداد الله تعالى لهم، وتمكينهم من الـمُجابَهة، وتثبيتهم على أرض المعركة، ويشهدون مَعِيَّة الله تعالى لهم.

وهذه الإيحاءات الرساليّة التي تُعطيها حياة القدوات الصالحة، لا تتأتّى دائماً من الدرس والتعليم.

إنّ (القدوة الصالحة) تُوَطِّئ طريق ذات الشوكة الطويل للعاملين والسائرين، فعلى رأس كلِّ مُنعطَف وعند كلّ صعود وهبوط، وعند ملتقى كلّ طريق،

____________________

(1)الجمعة: 2.


وفي كلّ غَمْرَةٍ من غَمَراتِ السَير والحركة، وعندما تَهبّ العواصف العاتية في وجوه العاملين، وكلّما يتغلَّب اليأس والتعب والخوف على نفوس المؤمنين السائرين، يلتقي العاملون السائرون على طريق ذات الشوكة بهذه القدوات الربّانيَّة.

يلتقون بأنبياء اللهعليهم‌السلام ، إبراهيم ويحيى وعيسى وموسى وأيّوب وهود وصالح ونوح وزكريّا، فيطمئنّون إلى مَعيِّة الله تعالى، وإمداده لهم في وَحشَة الطريق والتباس الأُمور، وظروف الإرهاب والـمُلاحَقة والـمُطارَدة.

يَطمئنُّون إلى مَعيّة الله وإمداده، من خلال حركة وعمل هؤلاء الربّانيّين السائرين على الدرب الطويل، باطمئنان وثِقَة، وصدور مُنشرِحة.

يقول تعالى لنبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يريد أن يُثبِّت قَدَمه على أرض المعركة:( أُولئِكَ الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ فَإِن يَكْفُرْ بها هؤُلاَءِ فَقَدْ وَكّلْنَا بها قَوْماً لَيْسُوا بها بِكَافِرِينَ * أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (1) .

ويقول تعالى لنبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بعد أن يُذكِّره بمعاناة الأنبياء وقِصصهم وصبرهم، ودأبهم على السَير والعمل - في سورة هود -:( وَكُلاًّ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ به فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

فيُثبِّت الله فؤاد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسيرة هؤلاء الصالحين.

يا لله! ما هذا الأمر العظيم الّذي يُثبِّت تعالى به فؤاد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

ذلك هو القدوة الصالحة والحضور الرسالي الحيّ للربّانيِّين على ساحة المعركة، وعمارة الطريق الطويل بنجوم الهُدى، ومعالم الطريق:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ... ) (3) ،( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ

____________________

(1)الأنعام: 89 - 90.

(2)هود: 120.

(3)الـمُمتحنة: 4.


يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ... ) (1) .

وقد جعل الله تعالى من أنبياء السَلَف قدوات صالحة لنبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يُثبِّت بهم فؤادهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأفئدتنا، وجعل لنا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قدوة صالحة، نستهدي به وتطمئنّ به قلوبنا وأفئدتنا ونفوسنا، في زَحمةِ الصراع، ومخاوف الطريق. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...)(2) .

إنّ حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعناءه وجهاده ومُثابرته وصبره واستقامته، قدوة لكلّ العالَمين.

وعلى الدُعاة إلى الله أن يقرؤوا بإمعان سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحياته العامّة والخاصّة، وعناءه، وحركته في مكّة وبعد الهجرة، وسيرته في الحرب والسِلم، وقبل إعلان الدعوة وبعدها، وقبل إعلان الحرب على الـمُشركين وبعدها، ومع المؤمنين ومع الأعداء؛ فإنّها للعامِلين نور وهدى، وقدوة صالحة ومَثَل أعلى يَحتَذي به المؤمنون.

الشَهيدُ قُدوَة:

و (الشهيد) قدوة صالحة في طريق العامِلين، وهذه الكلمة على وَجازَتها، تُشكِّل كلّ قِيمة الشهيد في حركة التاريخ وتحريك الأُمّة.

والقيمة الحركيّة للشهيد تعود إلى هذه الحقيقة بالذات، فإنّ الشهيد عندما يتحوّل إلى (قدوة) للعمل الصالح وللعطاء والتضحية في حياة الناس، يستطيع أن ينقل هذه القِيَم من جيل إلى جيل.

وهذه خاصّة من خصائص (القدوة) في الحياة الاجتماعيّة، أنّه يُسهِّل ويُسرِّع

____________________

(1)الـمُمتحنة: 6.

(2)الأحزاب: 21.


عمليّة نقل القِيَم الحضاريّة من جيل إلى جيل، ويُعمِّق هذه القِيَم في حياة الناس.

وهذه القِيَم كلّما تنتقل من جيل إلى جيل تتَّسِع دائرتها من الناحية الكمِّية، وتتعمَّق وتترسَّخ من الناحية الكيفيّة.

وهذه الحقيقة تصحّ بشكل دقيق في أصل التضحية والعطاء، فقد يتصوّر بعض الناس أنّ الشهادة تُفقِد الأُمّة النُخبة الصالحة من أبنائها، وما تحمل هذه النُخبَة من قِيَمٍ ومزايا إيمانيّة وأخلاقيّة وجهاديّة.

والأمر على العكس تماماً، فإنّ الشهادة لا تُعتبَر خسارة مهما كانت قِيمة الشهيد وحجم الشهداء وعددهم، بل هي رِبْح ونموّ وبركة في حياة الأُمّة، وحتّى في الحسابات الماديّة.

والحديث التالي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوضّح لنا هذه الرؤية الإيجابيّة للشهادة:

خطبَ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين في المدينة، في اليوم الذي اُستشهد فيه زيد وجعفر وعبد الله بن رواحه (رحمهم الله) - في حرب مُؤتَة مع الروم -، وأخبرهم باستشهاد زيد، وجعفر، وعبد الله، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(أخذَ اللواءَ زيد، فقاتلَ به فقُتِل، رحِم الله زيداً.

ثمَّ أخذَ اللواءَ جعفر، وقاتلَ وقُتِل، رحِم الله جعفراً.

ثمَّ أخذ اللواءَ عبد الله بن رواحه، وقاتلَ فقُتِل، فرحِم الله عبد الله.

فبكى أصحابُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهُم حَوله، فقال لهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : وما يُبكيكم؟

قالوا: وما لنا لا نبكي، وقد ذهبَ خِيارُنا وأشرافنا، وأهلُ الفَضلِ منّا؟!

فقال لهم صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تَبكوا، فإنّما مَثَلُ أُمّتي مَثَلُ حديقة قامَ عليها صاحِبُها فأصلح رواكبها، وبَنى مساكنها، وحَلَقَ سَعْفها، فأطعمتْ عاماً فوجاً، ثمّ عاماً فوجاً، فلعلّ آخِرها طعماً أن يكون أجودها قِنْواناً وأطوَلها شِمْرَاخاً، والذي بَعَثَني بالحقّ نبيّاً، ليَجدنّ عيسى بن مريم في أُمّتي خلَفاً من حواريِّيه)(1) .

____________________

(1)بحار الأنوار: 21 / 51. ومقاتل الطالبيِّين: 7 - 8، طبعة النجف، المكتبة الحيدريّة 1385 هـ.


الوَعْيُ والعَطاء:

ويتساءل السائل: وفيمَ يكون الشهيد قدوة، وكيف؟

دم الشهيد يُجسّد نقطتين أساسيّتين في حياة الإنسان وفي مسيرة الحركة الإسلاميّة، وهما: (الوعي) و (العطاء).

وهاتان النقطتان تُعتَبران أساسيّتان لقيمة دم الشهيد، وبهما يكون الشهيد قدوة للآخَرين.

فهذا الدم يُجسِّد أوّلاً مستوىً رفيعاً من الوعي والبصيرة واليقين، وهذه هي النقطة البارزة الأُولى في قيمة دم الشهيد، ولا قِيمة للدم من دون هذا اليقين والوضوح، والدم الذي يُراق من غير يقين من الانتحار، وليس من الشهادة في شيء.

إنّ لدم الشهيد جذوراً تاريخيّة ضاربة في عُمقِ التاريخ، وأهدافاً وغايات حضاريّة يرتبط بها الدم.

أمّا الغايات والأهداف الّتي يُحقِّقها دم الشهيد فهي: تحكيمُ شريعة الله وإرادته تعالى على وجه الأرض، ومُجاهَدة الهوى والطاغوت، وتعميق خطِّ الحضارة الربّانيّة في الأرض وفي حياة الإنسان، وإنقاذ الإنسان من شَرَكِ الهوى والطاغوت.

أمّا الأُصول والجذور التاريخيّة لدم الشهيد: فإنّه يجري في امتداد تيَّار عميق وواسع من الدماء والدموع، والجهود والمعاناة والآلام والعذاب، والصمود والصبر والجهاد في التاريخ.

وفي هذا الإطار التاريخي والرسالي، يكتسب دم الشهيد قِيمته الرساليّة والحركيّة.

وهذه الأهداف والغايات والعُمق الحضاري، هي الّتي تمنح الشهيد هذا الوَعي


والبصيرة واليقين الّذي تحدَّثنا عنه، وإلاّ فكثير من الناس يبذلون أموالهم ودماءهم، ولن تعود عليهم هذه التضحية بجَدوَى، ولن تُخرِجهم من دائرة نفوذ الهوى، ولن تُدخِلهم في دائرة الهُدى.

( قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (1) .

ولا يشكّ أحدٌ في صدقهم في العطاء والتضحية، وأيّ عطاء وتضحية أكثر من التضحية بالنفس؟! ولكن، من دون أن يكون نابعاً من نَبْعِ الوعي والوضوح واليقين، بل هو الهوى يُزيِّن لهم أعمالهم ويخدعهم ويُريهم الحقّ باطلاً والباطل حقّاً، ويسلبهم الرؤية والبصيرة، وهؤلاء هُم ضحايا على مذابح الهوى، وهم يتصوّرون أنّهم أصحاب مبادئ وقضايا.

فاليَقين والوعي هو الأساس الأوّل في تقييم دم الشهيد، ومن دون ذلك لا قيمة للدم مهما كانت التضحية.

وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام : (نومٌ على يقين، خير من صلاة في شكّ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : (إنّ العمل الدائم القليل على اليقين، أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين)(2) .

ضحايا انعدام الوعي:

ومن ضحايا انعدام الوعي واليقين في تاريخ الإسلام (الخوارج)؛ كانوا يلتزمون بالحلال والحرام، ويتقيّدون بأحكام الله، ويتورَّعون عن الحرام، ولكنّ ذلك كلّه من دون وعي ولا بصيرة ولا يقين، ولقد كانوا يُريقون الدماء الـمُحرَّمة الزاكية من دون ورع ولا تقوى، ثمَّ يتورَّعون عن أن يأخذ أحدهم ثمرة سقطت من

____________________

(1)الكهف: 103 - 104.

(2)أُصول الكافي: 2 / 57.


نخلة!

يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ولقِيَهم - أي: الخوارج - عبد الله بن الخَبّاب (من أصحاب أمير المؤمنين، وابن الصحابي الجليل الخبّاب (رحمهما الله)) وهو راكب على حمار، ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا: إنّ هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتْلك - وكان يحمل معه قرآناً - فقال لهم: ما أحياه القرآن فأحيوه، وما أماته فأميتوه.

فوثبَ رجُل منهم على رُطبَة سقطتْ من نخلة فوَضعها في فِيه، فصاحوا به، فلفظها تورُّعاً.

وعرضَ لرجُلٍ منهم خنزير، فضربه فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض، وأنكروا قتْل الخنزير.

ثمّ قالوا لابن الخَبّاب: حدِّثنا عن أبيك، فقال: إنّي سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ستكون بعدي فِتنة يموت فيها قلْب الرجُل كما يموت بدَنه، يُمْسِي مُؤمِناً، ويُصبِح كافراً، فكُن عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل، قالوا: فما تقول في عليّعليه‌السلام بعد التحكيم والحكومة؟

قال: إنّ علياً أعلم بالله وأشدّ تَوقّياً على دينه، وأنفذ بصيرة، فقالوا: إنّك لست تتّبع الهدى، إنّما تتّبع الرجال على أسمائهم، ثمّ قرّبوه إلى شاطئ النهر، فأضجعوه فذبحوه.

قال أبو العبّاس: وساوموا رجُلاً نصرانيّاً بنخلةٍ له، فقال: هي لكُم.

فقالوا: ما كنّا لنأخذها إلاّ بثمن.

فقال: واعجباً! أتقتلون مثل عبد الله بن الخَبّاب ولا تأخذون نخلة إلاّ بثمن(1) .

وكان أمير المؤمنين يُخاطِب الخوارج، فيقول لهم: (فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَهَرِ، وبِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، ولا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ...)(2) .

____________________

(1)شرح نهج البلاغة: 2 / 281 - 282.

(2)نهج البلاغة، د. صُبحي الصالح: 8 / خ 36.


ومَرَّ أميرُ الـمُؤمنين بِقَتْلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَ النهروان، فقال: (بُؤْساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ.

فَقِيلَ لَهُ: مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟

فَقَالَ: الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ، والأَنْفُسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُمْ بِالأَمَانِيِّ وفَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي، ووَعَدَتْهُمُ الإِظْهَارَ، فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ)(1) .

وقُتل رجُل من الأصحاب، فعُرِف بقتيل الحمار؛ وذلك أنّه رأى مُشركاً على حمار فأعجبه الحمار، وبرز له لِيَقتله ويسلب منه حماره، فقُتِل، فعُرِفَ بقتيل الحمار. فلم يظفر بالحمار ولا بالشهادة.

وهذا هو الأساس الأوّل في تقييم دم الشهيد.

العَطاء :

والأساس الثاني في تقييم دم الشهيد: (العطاء والتضحية)، فالشهيد يُعتبَر قِمّة في العطاء والتضحية، وليس بعد هذه القمّة قمّة، فإنّ الجود بالنفس أقصى غاية الجود.

والشهيد يبذل لله تعالى كلّ ما يملك، ولا يدَّخر لنفسه شيئاً، فحَقيق أن يرزقه الله كلّ ما يتمنّى من رحمته.

وما أروع ما نُقلَ عن السيّد مهدي بحر العلوم (رحمه الله)، حيث لفتَ نظره كثرة ما يُروى من الثواب لـمَن زار الحسينعليه‌السلام ، فسأل أُستاذه عن سِرّ ذلك، فقال له: إنّ الحسينعليه‌السلام عبد فقير من عباد الله، أعطى كلّ ما يملك لله من غير تردّد، وحَقيق بالله - وهو الغني الـمُطلَق الّذي لا حدود لخزائن رحمته - أن يعطيه من خزائن رحمته من غير حساب، وفوق حساب الحاسبين.

____________________

(1)نهج البلاغة، د. صُبحي الصالح: ص 532 خ 323.


والعطاء هو التصديق العَمَلي للإيمان، فمِن الناس مَن لا تصدِّق أعمالهم إيمانهم، إذا وقفوا في مواجهة أئمّة الكفر، وفي مواجهة الـمُنكَرات، وليس دائماً ينشأ هذا التَخالف - بين الإيمان والعمل - من الغموض والشكّ - وإن كان يُؤدّي إليه دائماً -، وإنّما ينشأ أحياناً عن ضعف في النفس، وحُبّ للدنيا وإيثار للعافية؛ فيتخلّف الموقف العملي للإنسان عن إيمانه وعقيدته، وتكون نتيجته الشِحّ والبُخل.

والقرآن الكريم دقيق في تعبيره عن العلاقة بين الإيمان النظري، والصدق في الموقف العملي، حيث يقول:( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (1) .

فليس كلّ المؤمنين صادقين في العمل والفعل، في عهودهم مع الله تعالى، بل منهم الصادقون ومنهم غير ذلك.

رغم أنّهم مؤمنون، لكنّهم لم يصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وتخلّفوا في العمل عن الإيمان. وهذا النموذج من الناس شائع في مجتمعنا اليوم، وفي التاريخ.

إنّ التضحية تُعتبَر أعلى درجات التفاعل النفسي والعاطفي مع الإيمان والعقيدة.

إنّ الإيمان قد يكون إيماناً عقليّاً مُجرّداً، ذا صبغة عقليّة رياضيّة خالصة، إيماناً أكاديميّاً لا يغيّر شيئاً من واقع حياة الإنسان، ولا يصنع حُبّاً ولا بُغضاً ولا ولاءً ولا براءة، وليس له جَذْب ولا دَفْع في حياة الناس. وهذا هو إيمان الفلاسفة، الّذين يعرفون الله من خلال الـمُعادَلات والقوانين الفلسفيّة، إيمان الفارابي وابن سينا، وديكارْتْ وأمونوئَيل كَانْتْ.

____________________

(1)الأحزاب: 23.


أمّا إيمان الشهداء، فشيء آخَر يختلف عن هذا الإيمان.

إنّه عُملة ذات وجهين: وجه للعقل، ووجه آخَر للعاطفة والحُبّ والشوق، والولاء والحُبّ والعطاء والإيثار والفِعل والانفعال.

ترقُّ العاطفة حتّى تكون حُبّاً، ويسمو البذل حتّى يكون تضحية.

وما أجمل كلام هذا الشاعر الّذي يحدّثنا على لسان الحسينعليه‌السلام ، في مناجاة والِهَةٍ مع الله تعالى يوم عاشوراء، على مسرح الحُبّ والشهادة:

تَرَكْتُ الخَلْقَ طُرّاً في هَواكَا

وأيْتَمْتُ العِيال لِكَي أراكا

فلو قَطَّعْتَنِي في الحُبِّ إرباً

لَما مالَ الفؤادُ إلى سِوَاكا

إيمان الشهيد خليط من هذين الأمرين معاً: إيمان وحُبّ، إيمان يُصدِّق الحُبّ، وحُبّ يُصدِّق الإيمان، مزيج من العقل والعاطفة، يمزج بين منطق الفلاسفة والحُكماء، وعاطفة الـمُحبِّين الوالِهين.

دم الشهيد تعبير رائع عن هذا المزيج الـمُقدّس من العقل والحُبّ، من منطق الحُكماء ووَلَهِ الـمُحبِّين، ومن استحكام العقل وقوَّته وجاذبيّة الحُبّ وفَوَرانه.

وهذا التفاعل النفسي هو الّذي يُؤهّل النفس للعطاء والتضحية.

إنّ العقل وحده، والإيمان وحده، لا يكفي ليَبلغ الإنسان هذا المستوى الرفيع من تجاوز الذات، والإيثار والتضحية.

ولكي يبلغ الإنسان هذه القمّة من الكمال، لابدّ له من مدرسة أُخرى ومنطق آخَر وإعداد آخَر؛ وهي مدرسة الحُبّ ومنطق الـمُحبِّين، والعطاء، الذي يكوّن الشطْر الآخَر من شخصيّة الشهيد، نابع من هذا النَبْعِ.

وهذان الأساسان (اليقين والعطاء) هما الأساس والمفتاح لفَهم قِيمة الشهيد ودَوره في تحريك المجتمع.

ولابدّ من أن نبسط القول في هذه النقطة بعض البسط.


التَخَلّف في الوَعْي والعَطاء:

قلنا: إنّ الشهيد قدوة للمجتمع وللأجيال، في مسألتين أساسيّتين هما: الوَعْي والعطاء.

والتخلّف عن الأوّل يُعرِّض الأُمّة للانحراف عن طريق الله، والتخلّف عن الثاني يصيب الأُمّة بالعَجزِ عن التحرّك، والضعف والتعب واليأس.

وأكثر مشاكلنا السياسيّة والفكريّة، والحضاريّة والحركيّة تنبع من هذين، (التخلّف في الوعي، والتخلّف وفي العطاء).

والشهيد قدوة رفيعة للوعي والعطاء معاً.

وقد لا يتبيَّن في النظرة الأُولى أثر كلّ شهيد في مسيرة الحركة، ولكن الذين يرزقهم الله القدرة على رؤية المسيرة الربّانيّة الكبرى على وجه الأرض، يرَون دائماً - إلى جنب كلّ مسيرة حاشدة بالمؤمنين إلى الله - نهراً من الدم ومسيرة حافلة بالشهداء، يُمَوّن هذه المسيرة ويمدّها بالعزم والقدرة على المواصلة وتحدّي الصِعاب.

إنّ دماء الشهداء تَهب الأحياء عَزْماً على الاستمرار، ومواصلة الحركة والسَير، وقوّة على تجاوز العقبات والصِعاب، وتَهبهم القدرة على نُكران الذات وتجاوز النفس، والترفّع عن صغائر الأُمور، وانتزاع حُبّ الدنيا من النفوس، وإيثار الآخرة على الدنيا، واسترخاص الحياة الدنيا في سبيل مرضاة الله.

إنّ دماء الشهداء تعلِّم الأحياء الكثير، ومن أغرب ما في هذه المدرسة العجيبة في حياة الإنسان أنّ تلاميذها أحياء، وأساتذتها أموات!

ولكن، لا كما يتصوَّر الناسُ الأموات، وإنّما كما يقول ربّنا (سُبحانه):( ... أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) .


إنّ كلّ شهيد - في النظرة الكونيّة الشاملة لحركة الدم - يُربّي أجيالاً من العاملين الـمُخلصين لله، وكلّ قطرة من دم الشهيد تتحوَّل إلى أنهار من دم، يُفجِّر براكين من المقاومة والثورة والتمرّد على الظالمين في نفوس المؤمنين.

إنّ الشهادة تُعلّمنا كيف ينتصر المظلوم من الظالم، وكيف يستعيد المظلوم حقّه ومكانه في التاريخ، وكيف ينتصر الـمُستضعَفون على الـمُستكبرين ويستعيدون مواقِعهم في الحياة، وكيف ينتصر الدم على السيف، والحقّ على الباطل، وكيف يرزق الله القلَّة الـمُستضعَفة - التي تخاف أن يتخطَّفها الناس - على الكثرة القويّة من الـمُستكبرين وأضرابِهم وجنودهم.

والشهادة تُعلِّمنا كيف نكسر الأغلال والقيود من أيدينا، ونتمرّد على إرادة الذين يريدون أن يسلبونا الأمْن والإرادة والقدرة، والشهادة تُعلّمنا كيف نعيش أحراراً، وكيف نتحرَّر من القيود والأغلال، وكيف نسترجع كرامتنا وحُرِّيتنا ومواقعنا ومراكزنا على وجه الأرض، وكيف نتحوَّل من عبوديَّة الطغاة والـمُستكبرين إلى عبوديّة الله ربّ العالمين.

الشهادة: عقيدة وإيمان، وحُبّ وعطاء، وتضحية وإيثار في سبيل الله، وإخلاص وإقدام وشجاعة، وحياة جديدة.

وحاشا أن تكون الشهادة عقيمة، أو تكون موتاً كما يفهم الناس الموت.

الطاقة الحرَكيّة لدم الشهيد:

للدمِ قابليَّة كبيرة في تحريك الضمائر الخامِلة، ولا تهتزّ الضمائر الـمَيِّتة والخاملة لأمرٍ كما تهتزّ للتضحية والدم.

إنّ التضحية تُوقِظ العقول وتُنبِّه الضمائر، وتُحرِّك النفوس وتَهزّ الإنسان من الأعماق وتبعث فيه الحياة، وتفتح مغاليق القلوب وتشرح الصدور، وتُفجّر كلّ الطاقات الخيِّرة الكامنة في نفس الإنسان، وتقتلع الإنسان من مُستنقَع الحياة


الراكد، وتدفعه إلى قممِ الحياة العُليا، وتُمزِّق حُجُب التعلّق بالدنيا من على عينيه وسَمْعه وفؤاده؛ لِتفتح أمامه آفاق الحياة الواسعة، والّتي تمتدّ إلى مرضاة الله؛ ذلك أنّ الإنسان بفِطرته يَنْزعُ إلى الله تعالى ومرضاته.

وليست حقيقة الإنسان هي هذه الكُتلة من الأعصاب والعظام واللحم والجِلد والغرائز والشهوات فقط.

إلاّ أن التعلّق بالحياة الدنيا وأعْراضِها القريبة ومتاعها، يحجبه عن تلك الأهداف والغايات العُليا، فتَحبسه الحياة الدنيا وتَعلّقاتها وتُثْقِله، كما تُثْقل الجاذبيّة الأشياء، فتُعيق تحرّكه وصعوده.

والتعبير القرآني بهذا الصدد دقيق:( مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ ) (1) .

وكأنّ التعلّق بالحياة الدنيا يُثقل الإنسان، ويجرّه إلى الأسفل (الأرض)، ويُعيق تحليقه إلى الله تعالى، ويُرضيه من تلك القِمم الرفيعة والآفاق الواسعة في الآخرة بهذا العَرض الزائل القريب من الدنيا:( أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ... ) .

ولكي يُحلّق الإنسان ويرتفع لا يحتاج كثيراً إلى زَخم أو دفع، وإنّما يحتاج إلى مَن يُمزِّق عنه هذه الحُجُب الّتي تَحجبه عن الآخرة، ويُحرِّره ويكسر عن يديه ورجْليه هذه الأغلال الّتي تُعيق تحرّكه، فيفتح عليه آفاق الآخرة ويُطلق يديه ورجْليه للتحرّك. ودم الشهيد له هذا الدَور الكبير في حياة الناس.

إنّ دم الشهيد يزيل الخوف عن القلوب الضعيفة، ويقضي على رهبة الموت، ويُعطي للموت معنى الانتقال إلى لقاء الله تعالى، ويَهَبه نَكْهَة لقائه.

إنّ دم الشهيد يرفع من قِيمة الموت إلى قِمّة لقاء الله تعالى، ويضع من قِيمة الحياة الدنيا حتّى لا تُعدّ تَستَهوي أحداً من المؤمنين، إلاّ بقدر ما تكون مَتجراً للآخرة وطريقاً إليها.

____________________

(1)التوبة: 38.


وأكثر ما يُعيق حركة الإنسان إلى الله تعالى، الخوف من الموت والتعلّق بالدنيا، فإذا حلّ محلّه الإقبال على لقاء الله: (الشهادة) والزهد في الدنيا - بالمعنى الإيجابي من الزهد -، تغيّر وجه الحضارة والتاريخ.

إنّ التضحيات الكبيرة تُمزّق حُجُب التعلّق بالدنيا عن عينَي الإنسان، وتفتح عينَيه فجأةً على الآفاق الواسعة الـمُترامية من وراء هذه الحُجب.

إنّ هناك من وراء هذه الحياة اليوميّة الرَتِيبة، بما تحتويه من تجارة وعمل ومعيشة ومُعاشرة، ومشاكل صغيرة وخلافات وحساسيّات وصراعات - إنّ هناك من وراء هذا الـمُستنقَع - آفاقاً واسعة وقِمماً عالية لتَحرّك الإنسان وصعوده، تكشفها تضحية الشهداء ودماؤهم، وكأنّ الإنسان كان في غفلة منها في حياته اليوميّة، فيُنبّهه إليها الشهداء بتضحياتهم.

فدم الشهيد إذن، يبعث الحياة والتحرّك من جديد في المجتمع، ويمنح النور والرؤية والبصيرة للقلوب الّتي تَبَلَّدَتْ في الحياة الدنيا.

وعندما يمتلك الإنسان الرؤية الكافية، ينكشف له الهدف والغاية، فيسعى إليه ويتحرّك نحوه.

فدم الشهيد إذن، يمنح الإنسان الرؤية والهدف والتحرّك وفي مساحة واسعة من المجتمع، ويخلق من الأجواء الخامِلة والبليدة أجواء حركيّة وثوريَّة.

ولذلك، فليس في دم الشهيد خسارة إطلاقاً، حتّى بالمعنى المادِّي من الخسارة، بل الدم رَبيح دائماً، حتّى بالمعنى التجاري للربح؛ ذلك أنّ الشهيد، وإن كان يرحل عنّا ونخسر به عنصراً فاعلاً مُخلِصاً، إلاّ أنّ تضحية وإيثار شهيد واحد يخلق روح الإيثار والتضحية عند العشرات من الناس، ويكون قدوة لهم في الإيثار والتضحية، ويبعث القوّة والفاعليّة والإخلاص في نفوسهم.

فالشهادة موت للفرد وولادة للأُمّة، ومثل هذا الموت مُربِح، ولن يُعدّ خسارةً حتّى في الحسابات التجاريّة من الربح والخسارة.


دم الشهيد يُوسّع رقعة التضحية داخل الأُمّة:

إنّ تنامي مَوجة الاستعداد للتضحية والإيثار في الثورة الإسلاميّة المعاصرة - وعلى مساحة واسعة جدّاً - دليل واضح على خصوبة الشهادة وعطائها؛ فلقد بدأ الوعي الإسلامي يتنامى في هذه المنطقة، يرافقه الاستعداد للتضحية والشوق إلى الشهادة في سبيل الله، إلاّ أنّ هذا الاستعداد والشوق كان ضمن رقعة اجتماعيّة محدودة، هي المساحة الواعية من هذه الأُمّة.

وواضح لدينا أنّ المساحة الواعية من الأُمّة - والّتي انطلقت منها الحركة في مواجهة الطاغوت - كانت مساحة محدودة جدّاً، ولكن كلّما كان يزداد عدد الشهداء في الساحة الإسلاميّة، كانت تتَّسع رقعة الاستعداد للتضحية والشهادة.

وتجاوزَ الاستعداد للتضحية المساحة الواعية التي انطلقت منها الحركة والثورة إلى الشارع، وارتفع ابن الشارع والريف في حركة نامية سريعة إلى مستوى الاستعداد للتضحية والشهادة.

ومعنى ذلك، أنّ دماء الشهداء استطاعت أن تُوسِّع رقعة الوعي والتحرّك والإيثار والتضحية والشهادة، خلال هذه المدّة القصيرة بدرجة عالية جدّاً، تفوق تصوّراتنا الحسابيّة.

وهذا النموّ الـمُتصاعِد لحركة الإيثار والتضحية داخل الأُمّة، من أهمّ مصاديق الضمان الإلهي؛ لإنجاح رسالة دم الشهيد وقضيّته.

دمُ الشهيد يَحسم الخلاف ويقطع التردّد:

ودم الشهيد يقطع طريق العودة على المهزومين سياسيّاً وفكريّاً، إنّه أداة الحَسمِ في القضيّة الإسلاميّة، فكريّاً وسياسيّاً وعسكريّاً.

وقبل أن يصبغ الشهداء ساحة المواجهة بدمائهم، تتوفَّر الفُرَص بشكلٍ واسع دائماً للصُلح والتفاهم مع الكفر، والنزول عن المبادئ والحلول النصفيّة، لتَرضية أئمّة الكُفر.


أمّا عندما يُراق دم الشهداء في الساحة، فإنّ الأمر يختلف تماماً، وتنقطع الجسور بين هاتين الجَبهتين، وتبقى المبادئ هي سيِّدة الـمَوقِف.

والمجتمع الإسلامي لا يخلو - على كلّ حال - من حالات ولحظات ضعف، تدفع المجتمع غالباً باتّجاه التَرضِية والتفاهم وتَجَنُّب المواجهة؛ إيثاراً للعافية والاستقرار، وتحت غطاء من التبريرات الشرعيّة والسياسيّة، ولولا دم الشهيد لكان هذا الاتّجاه هو الاتّجاه السائد والغالب، إلاّ أنّ دم الشهيد يستلم الموقف السياسي والعسكري دائماً بالحَسمِ الثوري، ويُشكّل في المجتمع الإسلامي بُؤرة القوّة والثورة، في مقابل بُؤرة الضعف التي أشرنا لها.

ولا نذهب بعيداً في أعماق التاريخ، فالثورة الإسلاميّة المعاصرة في إيران، بمُعطياتها الثوريّة والسياسيّة في مُتناوَل أيدينا، ولم تَغِب عنّا أحداثها بعد.

لقد كانت قيادة الإمام الخميني (رضي الله عنه) حاسمة منذ المراحل الأُولى للثورة، وكانت هذه القيادة تتّجه من الأوّل باتّجاه إسقاط النظام - مرّة واحدة - وإقامة الحُكم الإسلامي وبصورة قاطعة، ولكنّ المساحة الواسعة من الأُمّة لم تكن بهذا المستوى من التفكير الثوري.

وكانت هناك قطاعات كبيرة من الأُمّة تميل إلى التفاهم مع النظام؛ للمحافظة على النظام والإسلام معاً بقدرِ الإمكان، وتجميع النظام القائم والإسلام - في الحدِّ الأدنى -، وكانوا يعتقدون بضرورة إيقاف الثورة عندما يتحقّق الحدّ الأدنى من المصلحة للإسلام.

وبدأ (الشاه) في أُخرَيات أيّامه يميل إلى هذا الرأي، ويعتقد بضرورة تقديم تنازلات شكليّة ومُؤقّتة للثورة؛ للإبقاء على عرشه ريثما تتمّ له فرصة الانقضاض من جديد على الإسلام.

ولو كان يحدث شيء من هذا القبيل، لحلّت بالإسلام كارثة يصعب علينا تقدير سلبيَّاتها وأضرارها الآن.

وقد كان لدماء الشهداء (رضوان الله عليهم) دور حاسم ومصيري في هذه


المرحلة من حياة الثورة، قطعت الطريق على الحلول النصفيّة الضعيفة، وقطعت جسور التفاهم مع النظام، وصادرت كلّ الحلول المطروحة للترضية والتفاهم.

وكلّما كان يكثر عدد الشهداء في الساحة، كانت ترتفع درجة مقاومة الثورة وقُدرتها على الـمُضيّ والاستمرار، وكانت الفجوة بين الجبهتَين تتّسع أكثر من ذي قبل، وتقلّ فُرَص اللقاء والتفاهم الذي كان الجناح الوطني لا يخفي رغبته إليه، حتّى بلغ الأمر حدّاً لم يكن من الـمُمكن اللقاء والتفاهم مع الشاه، على كلّ المستويات الاجتماعيّة المواكِبة للثورة، وانقطعتْ الجسور بصورة نهائيّة.

ولم يعُد لأحدٍ أمل معقول من الناحية السياسيّة في إمكانيّة الإبقاء على الشاه، حتّى السفير الأمريكي في طهران، فقد كان يُراسل حكومته؛ ليُؤكّد لهم أنّ فكرة المحافظة على الشاه في الظروف الموجودة في إيران لم يَعُد إلاّ وَهْماً سياسيّاً، وسراباً خادعاً... ومن الأفضل لأمريكا أن تُعيد النظر في حساباتها السياسيّة تجاه قضيّة إيران؛ لتُفكّر تفكيراً واقعيّاً ينسجم مع الواقع الإسلامي القائم في إيران.

وبالتأكيد، كان لدم الشهداء الدَور الكبير البارز والفاعل في الحسمِ السياسي، في هذه المرحلة الحسّاسة والمصيريّة من التاريخ، إلى جانب الموقف التاريخيّ الحاسِم الجَريء الذي كان يمتلكه الإمام في مواجَهة الأحداث.

وليس هذا فقط، بل كان لدم الشهداء (رضوان الله عليهم) في ساحة المواجهة دَور في قطْع طريق العودة على أمريكا وحلفائها إلى إيران، من خلال المؤامرات العسكريّة والالتفافات السياسيّة.

لقد كان من الـمُمكن أن تُفكّر أمريكا - بعد أن فقدَت الأمل في المحافظة على الشاه - في مؤامرة عسكريّة، من خلال العناصر الموالية لها من العسكر، لكنّ التضحيات الكبيرة التي قدَّمتها الأُمّة في مواجهة النظام بقيادة الإمام، قطعت الطريق عليهم أيضاً، فلم يكن من الـمُمكن أن تسكتْ الأُمّة - بعد تلك التضحيات والدماء المباركة - عن بديلٍ أمريكي آخَر،


مُقنَّع بقناعٍ جديد من الديمقراطيّة والوطنيّة والدِين، من خلال حركة العَسكرِ أو حركة السياسيِّين القُدامى.

لقد منحت دماء الشهداء - في (ساحة الشهداء) في طهران، وفي سائر سوح المواجهة - هذه الأُمّة الوعي والذكاء السياسيَّين، والحذر من لُعبة تبديل الأقنعة والوجوه، وقوّة الحسم في الموقف.

وهذه جميعاً وغيرها، هي الأدوات التي يضمن الله تعالى بها قضيّة دم الشهيد، والتي تُساهم - بإذن الله - في إنجاح رسالة الشهيد.

فدم الشهيد إذن، يقود المسيرة الحضاريّة باتّجاه المواقف القويَّة والحاسمة، ويفتح مغاليق القلوب الـمُعتِمة والـمُنغلِقة، ويُفجِّر الطاقات الكامنة في أعماق النفوس، ويهب النفوس البليدة والضعيفة ذكاءً ووَعياً وقوّةً.

ولا شكّ أنّ هذه النقاط الـمُضيئة في دم الشهيد - جميعاً - مواضع يهبط عليها نصر الله تعالى وتأييده.

الإمدادُ الغَيْبِي والضَمان الإلهي لدَمِ الشهيد:

وبعد، فليس معنى ما ذكرنا من نقاط حسيَّة لهبوط النصر والتأييد من الله تعالى، أنّ الضمانة الإلهيّة لقضيّة الشهداء تنحصر في هذه النقاط، فإنّ دائرة الإمداد الإلهي الغَيبي لدم الشهيد أوسع من هذه الدائرة الحسيّة التي رسمناها هنا، ومصادر النصر ومنابِعه في خزائن رحمة الله تعالى لا تنحصر فيما ذكرنا من نقاطٍ ووجوه، فإنّ خزائن رحمة الله تعالى ونصره وتأييده لمسيرة الشهداء واسعة وكثيرة، لا يُحدِّدها ما ذكرنا من أسباب وأساليب.

فقد نصر الله تعالى أنبياءه بطُرقٍ غيبيَّة لا تنالها يدُ الإنسان وقُدرته، فنَصَر الله تعالى نوحاًعليه‌السلام ، ففجَّر الأرض ينابيع، وأنزل من السماء أمطاراً غزيرة وأغرق قومه الذين كذَّبوه:


( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السّماءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى‏ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) (1) ، إلى قوله تعالى:( وَلَقَد تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُدّكِرٍ ) (2) .

ولقد أرسل الله تعالى على قوم عاد ريحاً صَرصَراً في يوم نَحْسٍ مُستمِر، فأبادتهم وأهلكتهم:

( إِنّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمٍ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ * تَنزِعُ النّاسَ كَأَنّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) (3) .

وأمَر الله تعالى الملائكة أن ينزلوا إلى ساحة بدر؛ لنصرة المسلمين وتَثبيتهم:

( إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ ) (4) .

وكذلك يُثبّت الله عباده الصالحين في المواجهة مع الكافرين، وعلى أرض المعركة، ويضمن الله تعالى في هذه المواجهة الحضاريّة العَنيفة أنّ العاقبة للـمُتَّقين:

( ... إِنّ الأَرْضَ للّهِ‏ِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ ) (5) .

وعلى نحوٍ من ذلك نفْهم نحن الضمان الإلهي لدم الشهيد، وهذه الضمانة الإلهيّة جزء من هذه الحقيقة والسُنّة الإلهيّة الشاملة في تأييد ودعم ونصر المؤمنين الـمُتَّقين، و (الثأر) لدماء الشهداء.

____________________

(1)القمر: 11 - 12.

(2)القمر: 15.

(3)القمر: 19 - 21.

(4)الأنفال: 12.

(5)الأعراف: 128.


ثأرُ الله

رِحلةُ الشَهادة في القرآنِ الكريم

في سورتَي التوبة وآل عمران

( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ... ) (1) .

( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (2) .

يُشير القرآن الكريم إلى هذه النقلة الإيمانيّة في حياة المؤمنين، من محوَر الأنا إلى محوَر الله، في أروعِ صورة وتمثيل:

آية (التوبة):

( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (3) .

والآية الكريمة تُعبِّر عن تجرّد الإنسان من ذاته وعلاقاته بالله تعالى

____________________

(1)التوبة: 111.

(2)آل عمران: 169.

(3)التوبة: 111 - 112.


باستخدام تعبير البيع والشراء، وهو تعبير ينطبق على الموضوع الذي نحن بصدَده بشكل دقيق.

وكلّ بيع يتطلَّب أُموراً خمسة: الـمُشتري، والبائع، والثمن، والـمُثمَن، ووَثيقة البيع.

والـمُشتري هنا هو: الله (عزّ اسمه).

والبائع: الإنسان.

والثمن: الجنَّة.

والـمُثمَن: هي النفس وعلاقاتها ومُتعلّقاتها، ولذّاتها وغرائزها، وحُبّها وبُغضها وميولها.

ووثيقة البيع: التوراة، والإنجيل، والقرآن.

البَيْعُ والشراء:

ويستوقِفنا هنا هذا التعبير الرائع:( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) .

إنّ المؤمنين يبيعون أنفسهم وأموالهم لله، والله يشتري منهم أنفسهم وأموالهم، وليس للبائع - بعد أن يتخلَّى عن نفسه وعن الأنفُس العزيزة عليه، وعن ماله لله، ويَقبض الثَمَن - أن يتراجع أو يتردَّد في تسليم البضاعة، أو يتحفّظ في التسليم أو يَستقطِع منها شيئاً أو تحنّ نفسه إلى شيء منها، فقد باعَ وقبضَ الثَمَن، ولا خِيار ولا رجوع ولا استقطاع.

وعمليّة البيع هنا شامِلة ومُستوعِبة، لا تترك للإنسان شيئاً:( ... أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) .

والأنْفُس هي أنْفُس المؤمنين والأنْفُس العزيزة عليهم، من أبناء وأزواج وإخوة وأعزّاء.

والأموال هي كلّ ما يملكونه من مَتاع وعِقار ونقْد.

فلا تبقى لهم بقيّة في هذه الدنيا يتعلّقون بها أو تحنّ إليها نفوسهم، ما داموا قد قَبِلوا البيع وأتمّوا الصَفقة وقبضوا الثَمن، فهي عائدة جميعاً لله، يتصرّف بها كيفما يشاء وكما يُحبّ وكما يريد، وليس للمؤمن أن يَتَلَكَّأ في التسليم والعطاء أو يتردَّد، فإنّ عمليّة التخلّي عن الأنفس والأموال تتمّ طَوَاعِيَة باختيار الإنسان ورغبته، وقِيمة هذه العمليّة في أنّها تتمّ باختيار الإنسان ورغبته، ومن الـمَعيب أنْ


يُتِمّ الإنسان صفقة بيع ويقبض الثمن، ثمّ لا تسمح له نفسه بالتخلّي عن البضاعة أو يتردّد في تسليمها، أو تُساوِره نفسه بالفَسخِ والتراجع.

النَقْلة الكاملة:

وعمليّة البيع - وهذا هو مَوضع استشهادنا بهذه الآية الكريمة - تُعبِّر عن كلّ المسيرة والرِحلة، وتطوي كلّ المسافة الفاصلة بين المحورَين، (محوَر الأنا) و (المحوَر الإلهي)، فيتخلّى المؤمن عن نفسه ومُشتهياتها، وعلاقاتها ولذَّاتها ومُتَعِها، وعن كلّ علاقاته في هذه الدنيا لله تعالى بصورة كاملة، وينتزع نفسه من هذا المحوَر انتزاعاً كاملاً؛ لِينقلها إلى المحوَر الآخَر، وليضعها تحت سلطان الله تعالى وأمره ونهْيِه.

وهذه النقلة أو البيعة هي كلّ المسيرة الإنسانيّة إلى الله، والمؤمنون في هذه البيعة يطوون كلّ تلك الرحلة الطويلة والشاقَّة.

أمثلة عن النقْلة في حياة المسلمين الأُولى:

ولقد كان المسلمون في صدر الإسلام يتلقّون هذه الحقائق والآيات من كتاب الله، ويفهمونها بوضوح وبساطة ومن غير تعقيد أو التواء، وتتحوّل هذه الآيات والمفاهيم القرآنيّة الجديدة في نفوسهم إلى وعيٍ عميق، وإيمان وسلوك.

وإليكم بعض الصور الـمُشرِقة من هذا التاريخ:

1 - في بيعة العَقَبَة الثانية - وهي التي أنافَ فيها رجال الأنصار على السبعين - اجتمع رجال الأنصار مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند العقبة لمبايعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والاتّفاق معه على قرار بخصوص الهجرة والنُصرة، فقال عبد الله بن رواحَه (رحمه الله) للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :اشترط لربِّك ولنفسك ما شئتْ.


فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أشترط لربِّي: أن تَعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.

قالوا: فإذا فَعلنا ذلك فما لنا؟

قال:الجنّة .

قالوا: ربح البَيع، لا نقِيْل ولا نَستَقيل (1) .

فنزلت: ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) )(2) .

2 - وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله)، قال: (نزلت هذه الآية على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في المسجد: ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) ، فكبّر الناس في المسجد، فأقبلَ رجُلٌ من الأنصار ثانِياً طرَفَي ردائه على عاتقه، فقال: يا رسول الله، أنزلتْ هذه الآية؟

قال:نعم .

فقال الأنصاري: بيع رَبيح لا نقِيْل ولا نَسْتَقيل) (3) .

3 - وصورة ثالثة من هذا التفاعل المباشر، والفهْم الواضح الصافي لـمَفاهيم الإسلام وتصوّراته الجديدة على حياة الناس، وهي ما جاء عن عُبادة بن الصامت: (أنّ أسعد بن زُرارَة أخذ بيد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة العَقبة، فقال: أيّها الناس، هل تدرون علامَ تُبايعون محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

إنّكم تبايعونه على أن تُحاربوا العربَ والعَجمَ والجنَّ والإنس كافّة.

فقالوا: نحن حرب لـمَن حارب، وسِلم لـمَن سالَم.

فقال أسعد بن زُرارة: اشترط عليّ.

____________________

(1)الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 8 / 367.

(2)بناءً على أن تكون الآية مكِّيَّة، والأرجح أنّها مدنيّة.

(3)الدُرّ المنثور: 3 / 280.


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : تُبايعوني على أن تشهدوا أن لا اله إلاّ الله وأنّي رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسَمع والطَاعَة، ولا تُنازِعوا الأمر أهله، وتمنعوني ممّا تَمنعون أنفسكم وأهليكم.

قالوا: نعم.

قال قائل من الأنصار: نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟

قال: الجنّة والنَصر)(1) .

4 - وصورة أُخرى، وهي ما أخرجه ابن سَعد عن الشَعْبِي، قال:(انطلَق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعبّاس بن عبد الـمُطّلب، وكان ذا رأي، إلى السبعين من الأنصار عند العَقَبة، فقال العباس: ليَتكلّم مُتَكَلِّمُكم، ولا يُطيل الخُطبة، فإنّ عليكم للـمُشركين عَيْناً، وإن يعلموا بكُم يفضحوكم.

فقال قائلهم، وهو أبو أُمَامَة أسعد: يا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سَل لربِّك ما شئتْ، ثمّ سَل لنَفسك ولأصحابك ما شئتْ، ثمّ أخبرنا ما لنا من الثواب على الله، وعليكم، إذا فعلنا ذلك؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أسألُكم لربِّي أن تعبدوه ولا تُشرِكوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تُؤوونا، وتنصُرُونا وتمنعُونا ممَّا تمنعون منه أنفُسكُم.

قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟

قال: (الجنّة).

فكان الشَعبي إذا حدّث هذا الحديث قال: ما سمعَ الشِيب والشُبّان بخطبةٍ أقصر ولا أبلغ منها) (2) .

ولهذه الصوَر أمثلة كثيرة في تاريخ الإسلام، عن التفاعل المباشر مع مفاهيم وتصوّرات الإسلام، والانصهار والذَوَبان في هذه المفاهيم والتصوّرات،

____________________

(1)الدرّ المنثور: 3 / 280.

(2)الدرّ المنثور: 3 / 280.


والفهْم الواضح لها.

لقد كان المسلمون الأوائل يفهمون هذه الآية الكريمة بهذه البساطة والوضوح، ويتفاعلون معها بمِثل هذه القوّة والعزم، ولعلّنا لا نبعُد عن الحقيقة إذا قلنا: إنّ أبناءنا من هذا الجيل بدؤوا يستعيدون تلك البساطة والوضوح في فهْمِ آيات الله، وأحداث الثورة الإسلاميِّة المعاصرة في إيران والعراق ولبنان...، وجَبَهات القتال الدامية مع النظام العراقي السَفَّاح، شاهِدة على هذه الحقيقة(1) .

تكريمُ الإنسانِ بالبَيع والشِراء:

ومِن عجَبٍ في هذه الشراء أنّ الشاري (سُبحانه وتعالى) له مُلك السماوات والأرض، وله الإنسان وما بيده من أموال، وله أن يتصرَّف في كلّ ذلك من غير بيعٍ ولا شراء، ومن غير سؤال ولا استئذان، والعبد وما في يدهِ لمولاه!

ولكنّه (عزّ وجلّ) شاء أن يُكرِم هذا الإنسان، ويرفعه إلى موضِع التَعاقد والـمُبايَعة معه، وذلك تكريم من لَدُنِ الله تعالى لعباده، بما يُناسب لُطفه وكرمه بهم.

وقد كان الحَسنُ إذا قرأ هذه الآية:( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) ، قال: (أنْفُسٌ هو خَلَقَها، وأموالٌ هو رَزَقها).

فهو سُبحانه خلقَ الإنسان وخلقَ له ما شاء من الطيّبات، وتلك كرامَة، ثم مَلَّكَه ذلك، وتلك كرامة أُخرى، ثمّ اشترى منه ما وهَبه وما ملَّكه، وتلك كرامة ثالثة أن يرفعَه إلى موضِع التعاقُد والـمُبايَعة معه، ثمّ جعل ثَمن ما يأخُذه منه من الـمَتاع الفاني الجنّةَ والخلود في رحمته ورضوانه، وتلك كرامة رابعة.

____________________

(1)كُتِبَ هذا البحث أيّام الحرب العراقيّة الإيرانيّة.


والعطاء جميل على كلّ حال، ولكن أجمل العطاء وأفضله ما يقترن بالتكريم، وقد قرَنَ الله تعالى عطاءه لعباده بالتكريم، وتلك غاية في الكرَمِ والتكريم، والحمد لله ربّنا الذي أكرمنا بكلّ هذه الكرامات، وأكرمنا بالإسلام والتقوى.

البَيْعَة:

والبَيْع والشراء من الله يستدرجنا للحديث عن مصطلحٍ إسلامي عريق، يتَّصل بهذا المفهوم من قريب، وذلك هو: (البَيْعَة).

والبَيْعَة مُشْتَقَّة من مادّة البَيْعِ، ولا نعلم ما إذا كان له في الجاهليّة أصل قريب أم لا؟ إلاّ أنّ الإسلام اتّخذ هذه الكلمة مُصطلَحاً للالتزام والتعهّد الكامل بالطاعة من قِبَل الأُمّة للإمام، فيكون معنى الكلمة الالتزام الكامل بالطاعة.

وذكروا في المناسبة الّتي اقتضَتْ تسمية هذا الالتزام بالبَيْعَة: أنّ العرب كانوا إذا تبايعوا تَصَافَقوا، وضربَ أحدُ الـمُتبايعَين بكفِّه على كفِّ الآخر، وكان ذلك علامة رضاهما بالبيع، والتزامهما به.

وقد أمضت السُنّة هذه الطريقة في التعبير عن التعهّد، والالتزام بالطاعة تجاه الإمام؛ فكان المسلمون إذا بايعوا رسول الله، استلموا كفَّه إيذاناً بالالتزام بالطاعة، ويُسمَّى هذا الالتزام بهذه المناسبة بَيْعَة ومُبايَعة.

ومن غير الـمُستبعَد أن تكون المناسبة في هذا الـمُصطلَح أنّ هذا الالتزام من مَقولَة البَيْعِ، ففي البيع يتخلّى البائع عن المتاع الّذي يملكه بشكل كامل في مقابل ما يتلقّاه من الثَمَن، وإذا أوجب البيع، فلا يحقّ له أن يتراجع عمّا أمضاه.

وكذلك الأمر في الالتزام بالطاعة (البَيْعَة)، فإنّ المرء إذا دخل البيعة والتزم بالطاعة، فليس له أن يتراجع أو يتخلَّى عن عهده والتزامه؛ فقد أمضى البيعَ وقبضَ


الثمن (الجنّة)، وأعطى الله ماله ونفسه والأنفس العزيزة عليه، فلا يحقّ له أن يتراجع أو يتردَّد أو يفسخ الالتزام.

ورحم الله ذلك الرجل الأنصاري الذي قال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : بَيْع رَبيح، لا نقِيْل ولا نستقيل.

البَيْعَة التجرّد الكامل عن الأنفسِ والأموال:

إنّ حقيقة البيعة التخلّي الكامل عن الأنفُس والأموال، والالتزام الكامل بالتسليم والطاعة في مُقابِل الثمن الكبير وهو الجنّة؛ فإنّ حقيقة الطاعة هي (الولاء) والتسليم لله، ولا يتمّ الولاء لله والتسليم لأمر الله ورسوله والانقياد والطاعة لهما، إلاّ عندما يتخلّى الإنسان المسلم عن كلّ شيء يتعلَّق به، من الأنفُس والأموال، ويتجرَّد من ملكيَّة كلّ شيء وضَعه اللهُ تحت تصرّفه ومُلْكه، ولا يرى لنفسه حقّاً في شيء منه، ويرى أنّ الله ورسوله أَولى بهما منه، وهي عنده وَدِيْعَة إلى حين يسترجعها الله تعالى منه، وهذا هو جوهر البيعة.

وعجيب أمر هذه الوَديعَة الإلهيّة، وعجيب كرم الله تعالى وفضله ورحمته بعباده!

فما بأيدينا من الأنفس والأموال لله تعالى، وليس لنا منه شيء، أودعَها عندنا وهو أَولى بها، وهو خالقها ومالكها، ثمّ يشتريها من عباده بعد ذلك، ويَعِدهُم بالجنّة ثَمَناً لها، ثمّ يُودِعها لدينا إلى حين الدعوة والطَلب، ثمّ إذا شاء بعد ذلك أن يسترجع وديعته.

قال عزّ مَن قائل:( مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ... ) (1) .

سُبحانك ما أكرمك، وأكرم عطاياك! وما أجملك وأجلّ أسماءك وصفاتك الحُسنى!

وما أبخلنا وألأمَنا! فنحن عبادك الذين نضنّ بأنفسنا وأموالنا عنك! فتَوَلّ اللّهمّ لُؤمنا بكرمِك، وشحّنا برَحمتك.

____________________

(1)البقرة: 245.


البَيْعَة ميثاق (الدعوة) والدولة:

والبَيْعَة ميثاق، وهذا الميثاق يُحمِّل الإنسان المسلم مسؤوليَّتين كبيرتين:

الأُولى: مسؤوليّة الدعوة إلى الله تعالى، والقيام بأعبائها وتحمّل الخسائر الـمُترتِّبة عليها، وتوطين النفس لذلك.

الثانية: مسؤوليّة الدولة الإسلاميّة، وبنائها والدفاع عنها.

وهاتان الـمُهمّتان شاقّتان عسيرتان، ولا ينتهي دَور الإنسان ومسؤوليَّته تجاه الإيمان بالله وبرسوله، ما لم يتعهَّد أمر الدعوة والدولة معاً.

وهذه المهمّة الـمُزدوَجة هي أساس معاناة وابتلاء ومتاعِب الأنبياءعليهم‌السلام ، فلن تستقرّ الدعوة، ولن تتمكّن من العقول والقلوب والحياة من دون التصدِّي والمواجهة، ولن تشقَّ طريقها إلاّ على أنقاضِ الدعوات الجاهليّة، وعلى أجساد الطغاة والجَبابرة الذين يَحولون بين الناس والاستجابة لدعوة الله.

وما يُقال في الدعوةِ يُقال في الدولة بشكلٍ أقوى وأوضح، فإنّ (الدولة) هي سيادة الدعوة وسُلطانها على الأرض، وكلمتها النافذة، ولا تستطيع الدولة أن تفرض سلطان الدعوة على الحياة الاجتماعيّة، دون أن تواجه صنوفاً من العَقَبات والتحدِّيات.

وهذه المواجهة في طريق تَمْكِين الدعوة والدولة وتذليل العَقبات، تتطلَّب البَذل والتضحية والصَبر، وتوطين النفس لكلّ ذلك من قِبل الأُمّة، حامِلة رسالة الدعوة والدولة، فلابدّ من مبايعة قائد المسيرة على البذلِ والعطاء والتضحية والفداء، وأن يُجاهدوا خِفَافَاً وثِقالاً، وألاّ يُعيقهم عن الجهاد في سبيل الله الأزواج والبنون والأموال والتَعلّقات والمواقِع، وأن يتجرَّدوا لله تبارك وتعالى من كلّ ارتباط وتعلُّق، عدا الارتباط بالله والتعلّق بالدعوة وهمومها وآلامها.


البَيْعَة طاعَةٌ وتَضحِية:

ولابدّ في البيعة من أمرين:

1 - الطاعة والانقياد.

2 - التضحية والعطاء.

قال ابن عُمَر: (كنّا نُبايع رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على السَمْعِ والطاعة)(1) .

وعن ابن عُمَر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (على الـمَرءِ المسلم السَمْع والطاعة فيما أحبَّ وكَرِهَ، إلاّ أن يُؤمَر بمَعصيةٍ، فإذا أُمِر بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعة)(2) .

وعن يزيد بن أبي عبيد - مولى سَلَمه بن الأكوع - قال: قلتُ لسَلَمه: (على أيِّ شيء بايعتُم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الحُديبَّية؟

قال: على الموت)(3) .

فلا تستقيم الدعوة ومسيرتها، ولا تحقِّق أهدافها من دون هذين الأمرين.

والطاعة والتضحية أمران مُتلازمان، وهما يُساويان التخلّي الكامل عن النفس ورغباتها ومشتهياتها لله تبارك وتعالى، والجنّة هي الثَمن الّذي يتقاضاه الإنسان المؤمن إزاء ذلك.

آيةُ البَيْعَة:

والبيعة بهذا الـمُحتوى الرفيع، لن تكون إلاّ مع الله تعالى، وأمّا الذين يُبايعون

____________________

(1)صحيح البُخاري: كتاب الأحكام / باب البيعة.

وصحيح مسلم: كتاب الإمارة / باب البيعة على السَمْعِ والطاعة / 6 / 29، دار الفكر.

(2)مسند أحمد بن حنبل: 2 / 17 و 142.

(3)صحيح مسلم: كتاب الإمارة / باب استحباب مُبايعة الإمام / 6 / 27، دار الفكر.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّما يُبايعون الله:( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (1) .

فلا تكون البيعة - بالـمُحتوى الّذي شرحناه - مع طرفٍ آخر غير الله، ولا يصحّ أن يتجرّد الإنسان ممّا آتاه الله تعالى لغير الله.

وكلمة (إنّما) في قوله تعالى:( إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ... ) ذات دلالة عميقة؛ فهي تأتي لحصرِ البيعة والولاء بالبيعة لله تعالى، ونفي أيَّة بَيْعة أُخرى غير البَيْعة لله.

( ... يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ... ) ، فاليد الّتي يُصافحونها في البيعة وإن كانت يد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكنّها تمثّل يد الله، وعلوّها من علوِّ يد الله، وهذه الجملة تُقرِّر عدّة حقائق إيمانيّة وسياسيّة في وقت واحد.

فلابدّ في هذه البيعة من يدٍ أعلى فوق أيديهم، ومن دون هذا العلوِّ لا تتمّ الولاية والبيعة والطاعة.

ولابدّ أن يكون هذا العلوّ علوّاً حقيقيّاً، فاستعلاء بعض الناس على بعضٍ ليس من ذلك، وإنّما هو من الاستكبار الذي يَمْقته الله تعالى.

و (يد الله) هي العُليا في هذه البيعة( ... يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ... ) ، وهي وحدها الحَرِيَّة بالبَيْعة والطاعة والولاء، أمّا يد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فليست هي المقصود بالذات في هذه البيعة، وإنّما المقصود يد الله، وتكتسبُ العلوّ والولاية من الله.

وهذه الحقائق بمجموعها، ترسم لنا الأبعاد الكاملة لتوحيد الولاء، وهو بعد (توحيد الإيمان بالله) يُعتبَر الأساس والرَكيزة لبناء المجتمع الإسلامي، وتنظيم شبكة العلاقات داخل المجتمع.

فالذي يتأمّل في نسيج (العلاقات) داخل

____________________

(1)الفتح: 10.


المجتمع الإسلامي، سواء ما يتعلّق منها بالعلاقة بالله ورسوله وأوليائه والقيادة الإسلاميّة (العلاقة العَموديّة)، أو العلاقات الّتي تربط أعضاء المجتمع الإسلامي بعضهم ببعض (العلاقات الأُفقيَّة)؛ يجد أنّ هذه العلاقات تُكوِّن جميعاً شبكة واحدة، ونظاماً واحداً يُسمَّى بـ (الولاء)، وليست مجموعة من الشبكات والأنظمة.

وأنّ هذه الشبكة الواحدة تَنْبع من مصدرٍ واحد، وهو الارتباط بالله تعالى والولاء له، (بمعنى الطاعة والنصرة والحُبّ)، ومن هذا المصدر الولاء.

ولابدّ من هذه البيعة في كلّ جولة للدعوة، وفي كلّ مرّة تتصدَّى فيها الدعوة، لإقامة الدولة وتتعرَّض فيها الدولة لتَحديّات الجاهليّة؛ وذلك لتعميق العلاقة بالقيادة، وتعميق الإحساس بالمسؤوليّة الكبيرة في قيام الدعوة والدولة، وتوطين النفوس للطاعة والتضحية والتجرّد لله.

أربعُ بَيْعَات في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

وقد دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين إلى البيعة أربع مرّات في حياته الـمُباركة:

1 - بَيعة العَقَبَة الأُولى.

2 - البَيْعة الكبرى بالعَقبة.

3 - بيعة الرضوان، أو بَيْعة الشجرة(1) .

4 - بَيْعة الغدير.

والبيعة الأُولى كانت تخصّ أمر التعهّد بالدعوة، والتزامها وتَبنِّيها.

والبيعة

____________________

(1)تُراجَع تفاصيل هذه البَيْعات في كتاب: (مَعالِم الـمَدرستَين)، للعلاّمة الـمُحقِّق السيّد مرتضى العسكري: 1 / 88 - 89.


الثانية والثالثة والرابعة، كانت تتعلَّق بأمر الدولة وبنائها وحمايتها.

البيعة الأُولى:

قال عبادة بن الصامت: (... بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله) بَيْعَة النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ الْحَرْبُ، عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيه بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِيَه فِي مَعْرُوفٍ.

فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فأخذتُم بحدِّه في الدنيا، فهو كفّارة له، وإن سترتُم عليه إلى يوم القيامة، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ عزَّ وجلّ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ)(1) .

البيعة الثانية:

قال كعب بن مالك: (خرجنا من المدينة للحجِّ وتواعدنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بـ (العقبة)، أواسط أيّام التشريق، وخرجنا بعد مُضيّ ثُلث الليل، مُتسلِّلين مُستخفين، حتّى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجُلاً وامرأتان.

فجاء رسول الله ومعه عمّه العبّاس، فتكلّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورَغَّب في الإسلام ثمّ قال: أُبايعكم على أن تَمنعوني ممّا تمنعون نساءَكم وأطفالَكم، فأخذ البَراءُ بن مَعْرُور بيَدِه، ثمّ قال: نعم والذي بعثك بالحقّ، لنمنعك ممّا نمنع به أُزُرَنا (نساءنا).

فبايعنا يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ بيننا وبين الرجال حِبالاً، وإنّا قاطعوها (يعني اليهود)، فهل عَسِيت إن نحن فعلنا ذلك، ثمّ أظهرك الله أن تَرْجِعَ إلى

____________________

(1)سيرة ابن هشام: 2 / 75، ط، مصطفى البابي الحلبي.


قومِك وتَدعنا؟

فتبسَّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال: بل الدَمَ الدَمَ، والهَدْمَ الهَدْمَ،(أي: ذمّتي ذمّتكم وحُرمتي حُرمتكم)) (1) .

قال ابن قُتيبة: (كانت العرب تقول عند الحِلف والجوار: دَمي دَمك وهَدمي هَدمك، أي: ما هدمتَ من الدماء هدمتُه أنا).

البيعة الثالثة:

وهي بيعة الرضوان أو (بيعة الشجرة).

(في سنة سبع من الهجرة استنفر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه للعُمْرة، فخرج معه ألف وثلاثمئة أو ألف وستمئة، ومعه سبعون بُدْنَة، وقال: لستُ أحمل السلاح، إنّما خرجت مُعتمِراً.

وأحرم من ذي الحُلَيْفَة، وصاروا حتّى دنوا من الحُديبيّة، على تسعة أميال من مكّة، فبلغَ الخبر أهل مكّة، فراعَهُم واستنفروا مَن أطاعَهم من القبائل حولهم، وقدموا مئة فارس، عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن أبي جهل، فاستعدّ لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: إنّ الله أمرني بالبَيْعَة، فأقبلَ الناس يُبايعونه على ألاّ يفرّوا، وقيل: بايَعَهُم على الـمَوت) (2) .

البيعة الرابعة:

وهي بَيْعَة الغدير المعروفة، ومنها أخذ رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله البيعة من المسلمين

____________________

(1)سيرة ابن هشام: 2 / 84 - 85.

(2)إمتاع الأسماع، للمقريزي: 274 - 291. ويُراجَع: ابن هشام: 3 / 330، ط. مصطفى البابي الحَلَبي.

وقد نقلنا نصوص البَيعة كلّها من كتاب (معالم المدرستَين) عن المصادر التي أشرنا إليها في الهامش.


- وقد رُوي أنّهم يوم ذاك في غدير خُمّ مئة وعشرون ألف شخص - لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، من بعده بالإمامة وقيادة الدولة من بعده.

والحادث معروف يرويه عدد كبير من أرباب الحديث والسِيَر والتاريخ.

* * *

( يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) :

نعود مرّة أُخرى للحديث عن آية الشهادة في القرآن:( ... يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ... ) ، وهذه ثلاث قضايا مُقترِنة ببعضها، لا يُمكن تفكيكها وتجزئتها، ولا يُمكننا أن نفهمَها فهماً صحيحاً إلاّ بهذه الصورة الـمُتّصلِة، وضمن هذا الإطار الواحد الّذي يرسمه القرآن( ... يُقاتِلون... فيَقتُلُون ويُقتَلُون... ) ، وتلك هي القضيّة الأُولى.

وفي سبيل الله، وليس في سبيل الطاغوت، وعلى طريق الدعوة إلى الله، ومن أجْل تقرير أُلوهيَّة الله على وجه الأرض، وبلوغ رضوانه ومَرضاته، وتلك القضيّة الثانية في هذه الكُلِّيّة.

وهذا الوعد بالجنّة، وهذه الدعوة إلى القتال وهذه الـمُبايَعة، لا تخصّ الّذين قاموا مع النبيّ الأُمّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لتطهير الأرض من الطاغوت وتقرير أُلوهيَّة الله على وجه الأرض، وإنّما هي سُنّة قديمة لله تعالى في عباده، منذ التوراة والإنجيل، ومنذ حياة الأنبياء السابقين (عليهم السلام ٍ) إلى اليوم.

وشأن هذه الأُمّة اليوم شأنها في زمن موسى وعيسىعليهما‌السلام ، ومَن قبلهما من الأنبياء والـمُرسَلين، لن تنال رحمة الله ورضوانه إلاّ بتحكيم أُلوهيَّة الله وحاكميّته على وجه الأرض، ولن تُحقِّق حاكميّة الله على وجه الأرض إلاّ من خلال هذه الـمُعاناة والقتال والدماء:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا


مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ... ) .

مسيرة واحدة مُخضَّبة بالدَم، منذ عهد موسى وعيسىعليهما‌السلام ، ومن قبلهما من الأنبياء، إلى أن يتولَّى المهدي من آل محمّدعليه‌السلام تطهير الأرض من رِجس الطُغاة وعَبثهم وفسادهم، وإلى أن تقوم القيامة ويُنشَر الناس للحساب.

وتلك القضيّة الثالثة في هذه الكلمة الّتي يعرضها هذا النصّ العجيب من كتاب الله تعالى.

حَتميَّة القتال في مَسيرة الدعوة:

ومن هذه النقاط الثلاث، نستطيع أن نُدرِك التصوّر الإسلامي الكامل لمسألة القتال ضرورة حتميّة من ضرورات الدعوة إلى الله تعالى، ولا يُمكن تفكيك مسيرة الدعوة إلى الله عنها، وهذه الضرورة والحتميّة ليست قضيّة جديدة في مسيرة الدعوة، وإنّما هي ضرورة تاريخيّة وحَتْمِيّة من الحتميّات التاريخيّة للدعوة إلى الله.

فإنّ الدعوة إلى الله لا يُمكن أن تشقّ طريقها على وجه الأرض إلى قلوب الناس وعقولهم، ولا يُمكن أن تتحرَّك الدعوة إلى الله لتحرير عقول الناس وقلوبهم من (الإصْرِ) و (الأغلال)، دون أن تُواجه سُخط الجاهليّة وتَحدّيها وغضبها؛ ذلك أنّ الدعوة لا تتحرّك في خَلاء سياسي واقتصادي واجتماعي، وإنّما تتحرّك في المساحة الّتي تحتلّها الجاهليّة من قَبْل، أو تريد احتلالها، وتتحرّك على حساب نفوذ وسلطان وطموحات الجاهليّة في هذه المساحات، ولا يُمكن أن تواجه الجاهليّة تقدّم الدعوة ومسيرتها بالسكوت والاستسلام، وتَفْسَح الطريق لها.

إنّ الّذين يتصوّرون أنّ الدعوة تتحرّك في منطقة فراغٍ سياسيّة واجتماعيّة

____________________

(1)البقرة: 214.


واقتصاديّة، بعيدون عن الواقع، وعلى درجة عالية من السذاجة والبساطة في فهْمِ الأمور.

والأمر الواقع أنّ الإنسان الّذي تُحرّره الدعوة من الإصرِ والأغلال، يخسره الطاغوت، ولن يعود أداة طَيّعة له، وموضِعاً لاستثماره.

وعليه، فلا يُمكن أن تتقدّم الدعوة على وجه الأرض من دون أن تواجه تحدّياً قويّاً من الجاهليّة، ومواجهة حادّة من الطاغوت، ومعارَضة بكلّ الوسائل الـمُمكنة من قِبل أقطاب الجاهليّة وأئمّة الكفر.

وللجاهليّة محاور وولاءات كثيرة، لكنّها جميعاً تجتمع عند هذه النقطة في مواجهة محور الولاء لله، وتتناسى كلّ ما لديها من خلافات قديمة وحديثة؛ لمواجهة العدوّ الـمُشترَك الّذي يُصادر وجودها جميعاً.

إنّ الجاهليّة فيما بينها ولاءات متعدِّدة ومُتقاطِعة أحياناً، ولكنّها في مواجهة الإسلام كُتلَة واحدة وبراءة واحدة، وهذه الحقيقة تجعل من الجاهليّة مُواجهة صارمة عَنِيفَة لمسيرة الدعوة.

الـمُواجَهة المصيريَّة بين الإسلام والجاهليَّة:

هذا هو التصوّر الواقعي لمسيرة الدعوة والمواجهة الجاهليّة لها.

ولا تنتهي هذه المواجهة والتحدّي الجاهلي إلاّ عند التَصْفية الكاملة لحركة الدعوة، والـمُصادَرة الكاملة لإرادة الإنسان، والسيطرة الكاملة على كلّ مساحات الدعوة، والإنهاء الكامل لكلّ مراكز ومواقع الدعوة إلى الله، وكلّ مراكز ومواقع الاستجابة لدعوة الله تعالى.

وإلى هذه الحقيقة - في تركيب وبُنْيَة الجاهليّة - يُشير القرآن الكريم:( ... وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثِيراً... ) (1) .

لا تتوقّف الجاهليّة إلاّ عند تصفية هذه

____________________

(1)الحجّ: 40.


المراكز جميعاً (البيَع، والصلوات، والمساجد)، وكلّ موقع ومركز يُذكَر فيه اسم الله ويُدعى فيه إلى الله تعالى.

ولا سبيل إلى إيقاف الجاهليّة وصدّها عن العدوان وعن الفتنة في طريق الدعوة إلاّ بالقتال والجهاد، واستئصال الكفر والجاهليّة( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ... ) (1) .

فالقتال إذن، ضرورة من ضرورات الدعوة، ولا يمكن أن تنطلق مسيرة الدعوة على وجه الأرض من دون قتال ودم، ولا يمكن أن تُؤدّي الدعوة رسالتها على وجه الأرض، دون أن تعدّ الإعداد الكامل لهذه الحرب المصيريَّة والحضاريّة، ودون أن تُوطِّن نفسها لهذه المواجهة العنيفة، التي لا ترحم صغيراً ولا كبيراً.

والتفكير في المصالحة والهُدْنَة والتفاهم مع الجاهليّة تفكير ساذج وغير واقعي، وغير مَبدئي في نفس الوقت، فليس لنا مع الجاهليّة والطاغوت غير خيار واحد، وقرار واحد، وهو الاستمرار في القتال - ضمن مراحل العمل والحركة - حتّى يتمّ القضاء الكامل على الجاهليّة، وبها يتمّ القضاء الكامل على الفتنة على وجه الأرض.( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ... ) .

العلاقة العضويَّة بين أطراف الجاهليّة:

إنّ الجاهليّة الـمُعاصِرة كالجاهليّة في أيّ وقت آخر، ذات ولاءات ومحاور مُختلفة، لكنّها قِبالة الإسلام تجمعها علاقة عضويّة واحدة، وهذه الحقيقة التاريخيّة هي التي تُفسِّر لنا كيف اجتمعت أميركا وروسيا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا، وغيرها من الدول الكبرى على دَعْمِ النظام العراقي في ضرب الثورة الإسلاميّة، والكيد للدولة الإسلامية.

____________________

(1)البقرة: 193.


إنّ هذه المسائل السياسيّة تكشف عن طبيعة الجاهليّة وارتباطها العضوي، ووحدة الموقف السياسي عندها في البراءة، وإن كانت هي في داخلها ذات محاور وولاءات مُتعدِّدة ومُتخالِفة.

شَراسَة الجاهليّة في صراعِها مع الإسلامِ:

إنّ الفَتْكَ والبَطش والشراسَة من خصائص الجاهليّة في صراعها مع الإسلام، وتُحاول الكيانات الجاهليّة في صراعها السياسي والعسكري مع الإسلام أن تَتَقَنّعَ بقناع الإنسانيّة والأخلاق، فإذا طال الصراع واستنفذتْ الجاهليّة وسائلها الـمُمكنة، ووجدت نفسها في خطرٍ حقيقي، ألقَتْ هذا القِناع جانباً، وظهرت بكلّ بَشاعَتها للساحة وللرأي العام.

ويطول هذا الصراع ولا يُمكن الوصول فيه إلى تفاهم أو مصالحة، ولا أمَد للحرب غير سقوط الجاهليّة ونهايتها، وإخلاء الساحة الإنسانيّة لحركة الدعوة إلى الله؛ فالصراع هنا ليس صراعاً على أرض وماء أو حقل من حقول النفط، وإنّما الصراع هنا (صراع حضاري) بكلِّ ما تحمله هذه الكلمة من دلالة وعُمق.

وبكلمة موجزة جدّاً: إنّ الصراع هنا صراع الولاءات وليس صراع المصالح، حتّى يُمكن فيه التفاهم والصُلح واللقاء.

الإيمانُ بالله يُساوي التخلِّي عن الأنفُسِ والأموال:

ولابدّ أن نقف وقفة أُخرى عند كلمة:( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم... ) ، فإنّ الآية الكريمة تُقرِّر قضيّة هذا البيع والشراء بصيغة الماضي وليس بصيغة المضارع، ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ... ) ، من كلّ المؤمنين دون تَخصِيص.

إنّها لآية عجيبة حقّاً، تهزّ الإنسان من الأعماق وتُشْعِر الإنسان بعُمق معنى


الإيمان، وبثُقل الإيمان الكبير.

فكلّ إيمان بَيْعَة مع الله، وكلّ مَن آمنَ فقد باع نفسه لله، وتخلّى عن نفسه وماله له تعالى من دون تردّد.

إنّ القضيّة أعمق من الاستعداد للتخلّي، انّه هو التخلّي الفِعلي عن النفس والمال لله، وهذا هو معنى (البيع) و (الشراء)، وليس الاستعداد للتنازل عن الأنفس والأموال، وإنّما التخلّي الفِعلي عن كلّ شيء يملكه لله تعالى، من دون تردّد ولا تراجع ولا نظرة إلى الوراء، فقد تمّ البيع وتمَّتْ الصفقة وحُسِمَ الأمر، فلا إقالة ولا رَجعة.

وهكذا كان يفهم المسلمون الأوائل هذه الآية الكريمة، عندما كبّروا لمّا تلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية عليهم، وقال قائلهم: (بَيْع رَبيْح لا نقيل ولا نستقبل).

وثيقة البيع:

وأمّا الوفاء بالثَمنِ ووثيقة البيع، فإنّ الشاري هو الله تعالى، وهو الـمُتعهّد بالثمنِ، ومَن أوفى بعهدِه من الله؟!

وإنّ المؤمن ليتصوَّر هذا الثمن الكبير الباقي لهذه البضاعة النافذة، ثمّ يعلم أنّ الله تعالى هو الذي يتولَّى الوفاء بهذا العهد، فتمتلئ نفسه غِبْطة وراحة ويقيناً، ويطمئنّ قلبه بعهد الله تعالى وميثاقه.

ومن عجيب أمر هذا البيع والشراء وثيقة هذا البيع، فإنّ وثائق البيوع تختلف باختلاف أهمِّيَّة درجة البيع وقِيمته، وإذا كان الـمُشتري في هذا البيع هو الله تعالى، والبضاعة هي الأنفس والأموال، والثمن الجنّة، فلابدّ أن تكون وثيقة هذا البيع على قَدَر قيمته.

وأعزّ الوثائق كُتُب الله تعالى، وألواح الوحي الـمُرسَلة إلى أنبيائه، ووثيقة هذا البيع من هذا النوع: (التوراة والإنجيل والقرآن)، وناهيك بها عن وثائق تبعث الطمأنينة والثِقة في أضعف النفوس.

ولأمرٍ ما، يأتي في هذه الآية الكريمة تأكيد الـمُوثِّق في هذا البيع، ويأتي ذِكر المواثيق التي سجّل الله تعالى فيها عهده لعباده بالجنّة، ويأتي قوله تعالى:


( ... وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ... ) (1) .

فإنّ القلوب كلّما كانت تطمئنّ أكثر لوعد الله، قَدمتْ على هذه المبايَعة مع الله بثِقةٍ ويقين أكبر، والضعف في الاطمئنان لا يُنافي الإيمان، فقد يكون الإنسان مؤمناً، ولكن لم يبلغ في تعامله مع الله تعالى درجة عالية من اليقين والاطمئنان، ومِثل هذا الإيمان، يَشوبه الكثير من الضعف والتخلّف عند المبايَعة والاستجابة لدعوة الله تعالى.

وأمّا عندما ترتفع درجة ثِقة الإنسان بوعد الله تعالى إلى مستوى (الطمأنينة) و (اليقين)، فإنّ الأمر يختلف بالنسبة إليه اختلافاً كبيراً، وتكاد تكون (الجنّة) ثمناً مقبوضاً، والبيع نَقْداً، وليس الثَمَن موعوداً.

إنّ الذين رزقَهم الله الطمأنينة واليقين، يرون وعد الله حاضراً، ويرون الجنّة ماثِلة أمام أعينهم، فلا يشكّون ولا يتردّدون ولا يُحجِمون، ولا يُساورهم شكّ ولا رَيب، ويُقدِمون على المبايعة مع الله من دون خوفٍ أو تراجع، أو نظر إلى الوراء، ويُقدِّمون أنفسهم وأموالهم لله ببساطة وارتياح، ومن غير معاناة.

روى مسلم، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأصحابه يوم بدر: (قوموا إلى جنّة عَرْضها السماوات والأرض.

قال عُمَر بن حمام الأنصاري: يا رسول الله، جنّة عرضها السماوات والأرض؟!

قال:نعم .

قال: بَخٍ بَخٍ.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟.

قال: لا والله يا رسول الله، إلاّ رجاء أن أكون من أهلها.

____________________

(1)التوبة: 111.


قال: فإنّك من أهلها.

فأخرج تَمْرات من قِرْبه، فجعل يأكل منهنّ.

ثمّ قال: لئن أنا حَييت حتّى آكل تمراتي هذه، إنّها لحياة طويلة.

قال: فرمى بما كان معه من التَمْرِ، ثمّ قاتلهم حتّى قُتِل ).(1)

وروى مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال: (سمعت أبي، وهو بحضرة العدوّ، يقول: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السيوف، فقام رجل رثّ الهَيئة، فقال: يا أبا موسى، أنت سمعتَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول هذا؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثمّ كسَرَ جَفن سيفه فألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدوّ، فضربَ به حتّى قُتِل) (2) .

بمثل هذه البساطة والثِقة والطمأنينة، كانوا يتعاملون مع الله تعالى.

وقد هازَلَ بُريْر عبد الرحمان الأنصاري، ليلة عاشوراء، فقال له عبد الرحمان الأنصاري: ما هذه ساعة باطل.

فقال بُرير: لقد علِم قومي، ما أحببتُ الباطل كَهلاً ولا شابّاً، ولكنّي مُستبشِر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العِين إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوَدَدت أنّهم مالوا علينا الساعة(3) .

وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحُصين: ما هذه ساعة ضحكٍ يا حبيب!

قال حبيب: وأيّ موضع أحقّ بالسرور من هذا؟! ما هو إلاّ أن يميل علينا

____________________

(1)الجامع الصحيح لمسلم: 6 / 44 / كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنّة للشهيد، دار الفكر - بيروت.

(2)الجامع الصحيح لمسلم: 6 / 45 / كتاب الإمارة / باب ثبوت الجنّة للشهيد.

(3)تاريخ الطبري: 6 / 241.


هؤلاء بأسيافهم فنُعانق الحُور(1) .

روي عن جابر، أنّ رجلاً قال - في ساحة المعركة -: (أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟

قال: في الجنّة. فألقى تمرات كنّ في يده، ثمّ قاتل حتّى قُتل) (2) .

والثَمن هو الجنّة:

ثمّ إنّ الجنّة هي الثمن في هذه المبايعة( ... بأنّ لهم الجنّة ) ، ويستتبع الوعد بالجنّة البُشرى السارَّة الّتي يزفُّها القرآن إلى المجاهدين:( ... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ، الجنّة والبشرى والفوز العظيم.

وتنتهي الآية الكريمة مرّة أُخرى بالبشارة( ... وبشّر المؤمنين ) .

إنّ جوّ الآية يطفح بالبُشرى والسرور والفوز، وهكذا يشعر الإنسان عندما يقرأ هذه الآية المباركة أنّه ينتقل فيها من الجنّة إلى البشرى، ومن البشرى إلى الفوز العظيم، ومن الفوز العظيم إلى البُشرى ثانية.

الفوز العظيم:

وأودّ أن أقف قليلاً عند هذه الكلمة( ... الفوز العظيم ) ، فهو مصطلَح محدّد في كتاب الله، والّذي يتتبَّع مواضع استعمال هذه الكلمة في القرآن، يجد أنّها تستعمل في موارد مُتقاربة مفهوماً ومترابطة أو متَّحدة مصداقاً، فالجنّة من الفوز العظيم( لكِنِ الْرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدّ اللّهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا

____________________

(1)مقتَل الـمُقرّم: 238.

(2)صحيح مسلم: 6 / 43.


ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (1) ، والمبايعة مع الله من الفوز العظيم:( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (2) .

وطاعة الله وطاعة رسوله (ولاية الله) من الفوز العظيم:( ... وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) (3) .

ورضوان الله وتبادل الرضا بين العبد وربّه من الفوز العظيم:( رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (4) .

ويُطلَق على الجنّة ورضوان الله معاً:( وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (5) .

ويُطلَق على الـمَغفرة والرحمة الإلهيّة، والوقاية من السيّئات( وَقِهِمُ السّيّئَاتِ وَمَن تَقِ السّيّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (6) .

وإجمال هذه المعاني: الرحمة، والـمَغفرة الإلهيّة، ورضوان الله وطاعة الله ورسوله (ولاية الله والجنّة).

وهذه النقاط كما هي واضحة، تُعتبَر بمجموعها المحور الثاني الّذي تحدّثنا عنه في هذه التأمّلات في مسيرة الإنسان إلى الله، والّذي يُقابِل محور (الأنا) و (الذات).

____________________

(1)التوبة: 88 - 89.

(2)التوبة: 111.

(3)الأحزاب: 71.

(4)المائدة: 119.

(5)التوبة: 72.

(6)المؤمن: 9.


وعليه، فإنّ الثمن في هذه الآية الكريمة من جنس الـمَبيع وهو (الفوز العظيم)، وليس من نوعٍ آخر كما في سائر البيوع، حيث يختلف الـمَبِيعُ عن الثمن، وهذه من لطائف ورِقاق القرآن في هذه الآية الكريمة.

فالفوز العظيم - في الحقيقة - هو: التجرّد من محور الأنا والارتباط بمحور ولاية الله، والخروج من دائرة نفوذ سلطان الأنا والدخول في دائرة ولاية الله وطاعته ورحمته ومغفرته.

وهذا هو الفوز العظيم - في رحلة الإنسان الكبرى إلى الله - في الدنيا وفي الآخرة، وهو يشمل الإنسان في الآخرة كما يَناله في الدنيا على نحوٍ سواء.

والـمُتأمِّل في هذه الآية الآية المباركة:( الّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى‏ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (1) ، يجد أنّ الفوز العظيم هو تحرّر الإنسان وانطلاقه من أسْرِ (الأنا) والشهوات وارتباطه بالله تعالى، وهو لا يخصّ الآخرة، وإنّما يشمل الإنسان في الدنيا والآخرة.

فإنّ الجنّة هي الفوز العظيم، وهي مآل الفائزين برحمة الله، والمنزل الذي أعدّه الله تعالى لهم في الآخرة، فالفوز العظيم إذن هو: مُبايَعة الله تعالى وتسليم الأنفُس والأموال له، وهو في نفسِ الوقت ثَمن هذا البيع(2) .

صفة الّذين باعوا أنفُسهم لله:

ثمّ تصف الآية الكريمة هؤلاء الّذين باعوا أنفسهم لله بأنّهم: (التّائِبُونَ

____________________

(1)يونس: 63 - 64.

(2)لست أُريد أن أقول إنّ الجنّة هي مبايعة الله تعالى وتسليم الأنفس والأموال لله، وإنّما أُريد أن أقول: إنّ المبايعة لله هي الفوز العظيم، فيتَّحد البيع والثَمن، والجنّة هي الدار الّتي أعدّها الله تعالى في الآخرة للفائزين الصالحين من عباده.


الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ)(1) .

تائبون عائدون إلى الله، أقلعوا عن الذنوب وفرّوا إلى الله تعالى.

عابدون حامدون، شوقاً إلى الله تعالى وأُنْساً بذِكره وعبادته؛ لأنّهم وجدوا الله أهلاً للعبادة فعبدوه، وأهلاً للحَمدِ والثناء فحمدوه.

وسائحون، وقد اختلفَ الـمُفسِّرون في تفسير هذه الكلمة، فقالوا: إنّها بمعنى الصيام، وقيل: إنّها بمعنى الجهاد، وقيل: إنّها بمعنى التأمّل والسياحة الفكريّة في آيات الله، وهو المعنى الّذي أُرجِّحه هنا.

الراكعون الساجدون لله، والركوع والسجود أقصى درجات الخضوع والتذلّل بين يَدي الله، يُجسّدان حالة الخشوع والخضوع والإخْبَات والإنابة عند المؤمنين:( ... الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ... ) ،( وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ... ) .

والأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكَر هو: الرقابة على تنفيذ أحكام الله ومُراقبتها.

وحِفظ حدود الله هو: تنفيذها، والعمل بها.

فهؤلاء المجاهدون إذن، منفّذون لأحكام الله، عاملون بحدود الله، وفي نفس الوقت يُراقبون تنفيذها، يُنفّذون أحكام الله بأنفسهم ويراقبون تنفيذها في حياة الآخرين، فهم يشعرون بالمسؤوليّة تجاه حدود الله وأحكامه، في حياتهم وفي حياة الآخرين.

____________________

(1)التوبة: 112.


آيةُ (آل عِمْرَان):

وفي سورة (آل عمران)، نلتقي هذه اللوحة القرآنيّة الرائعة عن الشهيد، والتي تستوقِف الإنسان طويلاً، وتُخرِجه من دائرة تصوّراته البشريّة المحدودة عن الموت والحياة، إلى أُفقٍ واسع جديد لم تعهده تصوّراتنا المحدودة عن الموت والحياة، وتُعطي للحياة معنى جديداً لا تعرفه التصوّرات الجاهليّة للإنسان.

وها نحن نتلو معاً هذه الآيات المباركات من سورة آل عمران:( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِ‏ِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُؤءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) (1) .

____________________

(1)آل عمران: 169 - 175.


الحياة الطيِّبة:

الحقيقة الأُولى في هذه اللَوحة القرآنيّة:

إنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أحياء وليسوا بأموات، والنهي عن تصوّر أنّ الشهداء أموات:( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً... ) .

إنّ المسألة ليست من المجاز في التعبير، وإنّما هي حقيقة داخلة في حَيِّز النفي والإثبات - النهي عن حُسبان الشهداء أمواتاً، وإثبات أنّهم أحياء -، وهذا تصوّر جديد على الذهنيّة المادِّيّة تماماً.

ليست الحياة هي فقط هذه الفرصة، وهذه الرقعة الضيّقة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا.

وليست الحركة الحيوانيّة الّتي يُمارسها الإنسان في هذه الدنيا من أكل وشرب، وتسابق على متاع الحياة الدنيا وزُخرُفها، ونشاط وحركة في حقلِ الغرائز الحيوانيّة، هي المؤشِّر والمقياس الوحيد للحياة، فهذه رقعة صغيرة للحياة، محدودة الأمد قصيرة الـمَدى، حافلة باللَهو واللعب.

إنّ ما بأيدي الناس هنا سراب بقِيْعَة يحسبه الظمآن ماءً، وليس من الحياة في شيء، أمّا النبع الصافي والزلال للحياة، فشيء آخر يختلف تماماً عمّا يعرفه الناس، والله تعالى ورسوله يدعوانا إلى الحياة الطيّبة الحقيقية:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ‏ِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ... ) (1) .

وهذا الذي يدعونا إليه الله تعالى ورسوله من الحياة شيء آخر، غير ما يتنافس عليه الناس من اللَهو واللعب، والتفاخر والزينة، وما يَشُوبه من البعد عن الله

____________________

(1)الأنفال: 24.


والبَغضاء، والمعاصي والذنوب، والاستغراق في مَتاع الحياة الدنيا والتعلّق بها، وحياة الذُلِّ والهَوانِ والعبوديّة لغير الله، والاستسلام للأهواء والشَهوات.

إنّ الحياة في التصوّر الإسلامي انطلاق من القيود والأغلال، وتحرّر من أسْرِ الهوى والشهوات، وخروج من ذلِّ الانقياد والاستسلام للطغاة إلى عزِّ العبوديّة لله تعالى.

والحياة - في هذا التصوّر الجديد على البشريّة - تحرّر من كلّ تعلّق بالدنيا، لا بمعنى ترك الدنيا ولذّاتها، فإنّ الإنسان المؤمن يأخذ نصيبه ممّا خلق الله من الطيّبات، كالآخرين أو أفضل من الآخرين، إلاّ أنّه لا يقع في قَبْضةِ التعلُّق بالدنيا ولا تتحكّم فيه، ولا يكون مصداقاً لقولهعليه‌السلام : (حبُّ الدُنيا رأس كلّ خَطيئة)(1) .

إنّ ما بأيدي الناس من الحياة ليس من الحياة في شيء، وإنّما هي أقرب إلى حياة البَهائِم منها إلى حياة الإنسان، أمّا الحياة الحقيقية، فهي الّتي اختارها الله للصالحين من عباده في الدنيا والآخرة، وهي (الحيوان) في الآخرة:( ... وَإِنّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (2) ، والحيَوان: مبالغة في الحياة، إنّها الحياة الحافِلة بلقاء الله والإيمان، والحُبّ والشهود والصِدق والطَيّبات، وفي أُفقٍ واسعٍ عَريض، وعلى مدى الخُلودِ والأبديّة، حياة الروح والجسم والعقل معاً.

والشهيد في حركته الصاعدة إلى الله، ينتقل من هذه الرقعَةِ الضيِّقة من الحياة الفانية والـمُؤقَّتة إلى ذلك الأُفقِ الرحيب من الحياة، ومن هذه الـمَشوبة بالأكدار والابتلاءات إلى النبع الصافي الزُلال من الحياة، وليس إلى الموت والركودِ والغياب كما يتصوّره الناس.

____________________

(1)بحار الأنوار: 51 / 258.

(2)العنكبوت: 64.


أعلى دَرَجات القُربِ من الله:

(عِندَ رَبّهِمْ)، وهذه الفقرة تدخل لتُكمِل صورة هذه الحياة الحقيقيّة الّتي ينتقل إليها في مسيرته إلى الله تعالى.

إنّها غاية حركة الشهيد إلى الله، وهذه الغاية هي كلّ قيمة الحياة؛ وتكتسب الحياة قِيمتها الحقيقيّة عندما تقترن بالقُرب من الله، وتُوصِل الإنسان إليه وتجعله بجواره، أمّا عندما تنقطع الحياة من التحرّك إلى الله، ومن قربه ومن التوجّه إليه، فهي سَراب وضياع له في متاهات الدنيا، واستغراق في مَتاعها وحُطامها.

إنّ غاية الإنسان في مسيرته وحركته الكادحة الكبرى في الدنيا هي: (القُرب من الله ولقاء الله)، وهي الغاية التي يسعى إليها الشهيد (يَا أَيّهَا الإِنسَانُ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى‏ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ)(1) .

وما يُحقّق الإنسان في الدنيا من هذه الغاية هو قيمته ودرجته، والقرب من الله هو القياس الّذي يَقيسُ به الإسلامُ أقدارَ الناس ومراتبهم، والناس في القُربِ والبُعدِ من الله درجات ومراتب، حتّى يكون الإنسان (عند الله)، فلا تكون ثمّة درجة أقرب إلى الله منه إلى الله.

ولا تَجد في اللغة تعبيراً أقوى وأبلغ في (القُرب) من كلمة (عند)، وكأنّ الفواصل تنعدم في هذه الدرجة من القرب. وحاشا ربّنا من مُلابَسَة خَلْقِه وعبادِه، وتبارك وتعالى من أن يرتفع عبادُه إلى مستوى كبريائه وعزِّه وجلاله، ولكنّه تعبير بليغ عن أقربِ درجات القرب إلى الله.

وقد ورد في الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فوق كلّ بِرٍّ بِرّ، حتّى يُقتَل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتِلَ في سبيل الله عزّ وجلّ، فليس فوقه بِرّ)(2) .

وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فوق كلّ ذي بِرٍّ بِرّ

____________________

(1)الانشقاق: 6.

(2)بحار الأنوار: 100 / 10.


حتّى يُقتَل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه برّ)(1) .

إنّ كلمة (عند ربّهم) لتَستوقِف الإنسان طويلاً! أيبلغ الأمر بالعبد الوضيع أن يكون (عند ربّه)، هكذا من دون فواصل ومراحل، وبمِثل هذه الدرجة من القُرب (عند ربّه)، وتعالى الله عن ملابسة مخلوقاته علوّاً كبيراً؟!

وقد ورد مثل هذا التعبير في القرب من الله في سورة القمر، بالنسبة إلى الـمُتّقين:( إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (2) .

وفي الـمُناجاة الشعبانيّة: (... إلهي هَبْ لي كمال الانقطاع إليك، وأنِرْ أبصار قلوبِنا بضياءِ نَظَرِها إليك، حتّى تَخرق أبصار القلوب حُجُب النور، فتصل إلى مَعدنِ العَظَمَة...)(3) .

وحالة (كمال الانقطاع إلى الله تعالى)، هي الّتي تُوصِل الإنسان إلى مَعدنِ العظَمة، وتخرق له حُجب الظلمة والنور إلى الله تعالى.

وفي المناجاة: (إلهي فاسلُك بنا سُبل الوصول إليك، وسَيّرنا في أقربِ الطُرقِ للوفود عليك)(4) .

وليس من أحدٍ تنطبق عليه هذه الفقرات أكثر من الشهيد، فهو يسلك إلى الله تعالى أقرب الطرق، وليس من طريقٍ أقرب إلى الله من الشهادة، ثمّ يَفِد على الله تعالى.

يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (إنّ لله عباداً في الأرض كأنّما رأوا أهل الجنّة في جَنّتهم، وأهل النار في نارِهم، يَجْأرون إلى الله سُبحانه بأدْعيَتِهم، قد حَلا في أفواههم وحَلا في قلوبهم طَعْمُ مُناجاته، ولَذيذُ الخَلوة به. قد أقسمَ الله على نفسِه بجلاله وعِزّته، لَيُورثنَّهم الـمَقام الأعلى في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنده)(5) .

هؤلاء هم الذين يُورّثهم

____________________

(1)بحار الأنوار: 74 / 61.

(2)القمر: 54 - 55.

(3)مفاتيح الجِنان: 158 / مناجاة الأئمّةعليهم‌السلام في شعبان.

(4)بحار الأنوار: 94 / 147.

(5)تفسير البصائر: 42 / 391.


الله المقام الأعلى، ويرزقهم الله جواره في الجنّة، ويُسكنهم في مقعدِ صدقٍ عنده، وهم الّذين يَفِدون على الله.

( يُرْزَقُونَ ) :

وهذه الكلمة تُشخّص نوع الحياة، إنّها حياة حقيقيّة معنويّة خالصة، بل هي الحياة بكلِّ أبعادها المادِّيّة والمعنويَّة، وهذه الجُملة لا تُبقِي لأحد مجالاً للشكّ في تشخيصِ هذه الحياة بعد حياة الدنيا.

ومن العجب أنّ بعض الـمُفسِّرين يتردَّدون في تفسير هذه الآية بالحياة الحقيقيّة! والآية الكريمة ترسم الحياة بصورة واضحة؛ فالشهداء أحياء عند ربّهم يُرزَقُون في حياتهم الجديدة، ويفرحون بما آتاهم الله من فضلِه، ويستبشرون بالّذين من خلفِهم.

وهل بعد كلّ هذه النقاط غموض في معنى الحياة الّتي تَلِي هذه الحياة، والتي تَسبق الحياة الآخرة؟!

إنّ هذه الثانية ليست هي الحياة الآخرة، فالحياة الآخرة ليست موضع إنكار أحد من المؤمنين، والآية حيث تنهى عن حسبان الشهداء من الأموات، فإنّها تكاد تكون صريحة في أنّ المقصود من هذه الحياة (حياة أُخرى) غير حياة الآخرة، فإنّ أحداً من المؤمنين لا يشكّ في حياة الآخرة للشهيد ولغير الشهيد، فلابدّ أن يكون المقصود حياة أُخرى.

وبين حياة الدنيا وحياة الآخرة - وهي الّتي يجهلها الكثير من المؤمنين - ينتقل إليها الشهيد من الحياة الدنيا مباشرة، ويعيش فيها بجوار ربّه تبارك وتعالى، والناس ينظرون إلى الشهيد جثَّة هامِدة، فيتصوّرون أنّه ميّت، وليس هو بميّت، وإنّما ينعم في جوار ربّه بما أعدّ الله للصالحين من عباده من فضلٍ ورحمةٍ في الجنّة، حتّى ينتقل في الآخرة إلى حيث يختار الله تعالى له من مراتب رحمته وفضله، في جنّة عَرْضها السماوات والأرض.

وفي أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته شواهد كثيرة على هذه الحياة


البَرْزَخية الّتي يحياها الشهداءُ والصالحون من عباد الله في الجنّة، ويَنعمون فيها برحمة الله، قبل الحشر والحياة الآخرة.

ففي الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله، فيما جرى للمسلمين في حرب مُؤتة - بعد استشهاد زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحه الأنصاري (رحمهم الله)، الذين عَيَّنهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قادة للجيش على التوالي، إنْ استُشهد منهم أحد، تولَّى الآخر مَحلّه -، يقول جابر (رحمه الله):

(فلمّا كان اليوم الّذي وقعَ فيه حَرْبُهم، صلّى النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا الفجر، ثمّ صعد المنبر، فقال: قد التقى إخوانُكم مع المشركين للمحاربة - فأقبل يُحدِّثنا بكَرَّات بعضهم على بعض -، إلى أن قال:

قُتِل زيد بن حارثة وسقطت الراية، ثمّ قال: وقد أخذ الراية بيده الأُخرى، ثمّ قال: قُطِعَت يده الأُخرى، وقد أخذ الراية في صدره، ثمّ قال: قُتِلَ جعفر بن أبي طالب وسقطت الراية، ثمّ أخذها عبد الله بن رواحه، وقد قُتلَ من المشركين كذا، وقُتِل من المسلمين كذا: فلان وفلان، إلى أن ذكرَ جميع من قُتِلَ من المسلمين بأسمائِهم، ثمّ قال: قُتِلَ عبد الله بن رواحه، وأخذ الراية خالد بن الوليد، فانصرف المسلمون.

ثمّ نزلَ عن المنبر وصار إلى دار جعفر، فدعا عبد الله بن جعفر فأقعده في حِجره وجعلَ يمسح على رأسه، فقالت والدته - أسماء بنت عميس -: يا رسول الله، إنّك لتمسح على رأسه كأنّه يَتيم، قال: قد استشهدجعفرفيهذااليوم، ودمعتْ عينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: قُطِعَت يداه قبل أن يستشهد، وقد أبدَله اللهبجناحين من زُمرّد أخضر، فهو الآن يطير بهما في الجنّة مع الملائكة كيف يشاء)(1) .

____________________

(1)بحار الأنوار: 21 / 54، نقلاً عن الخرائج: 188.


( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ... ) (1) :

إنّ فرح الشهيد بما يُؤتيه الله من فضلِه ورحمته الواسعة لا حدَّ له.

إنّه يستقبل الرحمة الإلهيّة الواسعة، ويرى ما أعدّ تعالى من فضلٍ ورحمة قبل أن تفارق الروح جسده، وقبل أن يلفظ آخر أنفاسه.

روى زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين زين العابدينعليهما‌السلام ، عن آبائه، قال: (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : للشهيد سَبع خِصال من الله:

أوّل قطرة من دَمه: مغفور له كلّ ذنب.

والثانية: يقع رأسه في حِجر زوجتيه من الحُور العِين، وتَمسحان الغبار عن وجْهِه، وتقولان: مرحباً بك، ويقول: هو مثل ذلك لهما.

والثالثة: يُكْسَى من كسوة الجنّة.

والرابعة: يَبْتَدِره خَزنة الجنّة بكلّ ريحٍ طيّبة، أيّهم يأخذه معه.

والخامسة: أن يرى مَنزِله.

والسادسة: يُقال لروحه اسرحْ في الجنّة حيث شِئتْ.

والسابعة: أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد)(2) .

( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ ) (3) :

إنّ الشهداء لم يموتوا، ولم يَنل الموت منهم وَعْياً ودَرْكاً؛ إنّهم يرَون إخوانهم

____________________

(1)آل عمران: 170.

(2)تهذيب الأحكام: 6 / 122.

(3)آل عمران: 170.


المؤمنين الّذين لم يلحقوا بهم بَعد، ويُتابعون حركتهم ومسيرتهم، ويدعون الله تعالى لهم، ويستبشرون بوفودِ إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم بعد عليهم.

وإنّ لكلّ لقاء جديد فرحة جديدة وبُشرى جديدة، وفي كلّ يوم لهم بُشرى جديدة، بلقاء أخٍ جديد في الله، يَفِد على الله من بين لَظَى المعركة، ويُقبِل عليهم فيستقبلونه بالابتهاج والسرور.

إنّهم حاضرون و (شهداء) المعركة، لم يغيبوا عنها بالموت، ولم يكن الموت بالنسبة إليهم غياباً، إنّهم عند ربِّهم يشهدون المعركة ويتابعون أحداثها، ويدعون للـمُقاتِلين ويستبشرون بالقادمين منهم إليهم.

وحاشا أن يكون أُولئك أمواتاً، بل هم من شهداء المعركة وحُضّارِها.

إنّما الأموات هم أُولئك الغائبون عن مسيرة التأريخ وحياة الناس، وصراع الحقّ والباطل، وجهاد المؤمنين، وهم أُولئك الّذين يُؤثِرون الحياة الدنيا وعافيتها، ويخلدون إلى الراحة ويعتزلون تيّار العمل والحركة والجهاد، ويعيشون على هامش الحياة والتاريخ، يتفرَّجون على الصراع من بعيد، أُولئك هم الأموات، بالرَغم من أنّهم يستنشقون الهواء ويتحرَّكون.

أُولئك أحياء الأموات الذين لا يعرفون للحياة معنى غير هذه الحياة التي تعيشها البهائم، ولا يعرفون في الحياة لذَّة ومَتاعاً إلاّ ما يعرفه الحيوان من اللَذة والمتاع، ولا تتجاوز اهتماماتهم وطموحاتهم شهوات الحيوانات واهتماماتها، أُولئك هم الغائبون الأموات.

أمّا الشهداء، فلا يَغيبون عن هذه الساحة لحظة واحدة، ويشهدون عن كَثَبٍ من عند ربِّهم كلّ تطوّرات المسيرة وحركتها، وتقدّمها وانتصاراتها وانتكاساتها، وآلامها وآمالها وتَطَلُّعاتها وطموحاتها ومعاناتها، ولكن بنَفَسٍ يختلف عن أنفاسِنا، ورؤية تختلف عن رُؤانا، وتَصوّر يختلف عن تصوّراتنا المحدودة.


لا خوفٌ ولا حزن:

وذلك قوله تعالى:( ... وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1) .

فهم ينظرون إلى إخوانهم الّذين لم يلحقوا بهم بعد، وإلى المسيرة الحافلة بالدماء والجهاد والانتصارات والانتكاسات والآلام والمرارات، بهذه الرؤية الربّانية:( وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .

أمّا نحن هنا في هذه الدنيا، فرؤيتنا تختلف.

إنّنا ننظر إلى المسيرة من خلال تصوّراتنا البشريّة الّتي يشوبها الضعف وقصر المدى والتشويش، وينتابنا القلق والارتباك كلمّا توقّعنا مصيبة تنزل بنا في حركتنا، وكلّما توقّعنا عاصفة تعصِف بنا ولا تَذَر رَطباً ولا يابساً، وينتابنا الحزن والألم كلّما نزلتْ بنا داهية أو عَمّتنا مصيبة، فتضيق بنا الأرض بسِعتها، وتعتصرنا الآلام، آلام الفراق ومَرارة الانتكاسات، وشدَّة الابتلاء في الأنفس والأموال والأرزاق والأمن.

فالمسيرة بالنسبة إلينا - ومن خلال تصوّراتنا - حافلة بالخوف والحزن، الخوف على ما نتوقَّعه من الابتلاء، والحزن على ما نزل بنا من ابتلاء وشدَّة، وقليل من عباد الله الّذين تصفُو لهم الرؤية، في وسط هذه المسيرة الحافلة بالدماء والآلام، فلا يعيشون خوفاً ولا حزناً.

أمّا الشهداء، فرؤيتهم وتصوّرهم لهذه المسيرة تختلف عن رؤيتنا وتصوّراتنا البشريَّة الـمَشوبة بضعف الإنسان.

إنّها رؤية اكتسبوها من عند الله، صافية بعيدة المدى، مِلؤها الثقة والاطمئنان بالله تعالى، رزقهم الله تعالى إيّاها من عنده، فهُم يرون المسيرة الربَّانيّة على وجه الأرض بهذه الثقة والطمأنينة، وبهذه الرؤية الصافية، من غير خوف ولا قلقٍ ولا حُزن، ومن ثمّ يستبشرون بإخوانهم الذين لم

____________________

(1)آل عمران: 170.


يلحقوا بهم بعد، والّذين يخوضون غِمار المعركة، ألاّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، ألاّ يخافوا من شيء يستقبلهم ولا يحزنوا على شيء فاتَهم، فلن يتجاوزهم نصر الله الّذي وعد الله به الصالحين من عباده، ولن يتخطّاهم النصر والتأييد والدعم والإمداد من الله، في وسط هذا الصراع الحافل بالدماء والآلام والمرارات والمعاناة.

( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (1) .

فعلامَ الخوف والقلق والارتباك من المستقبل؟!

فلن يُصيبهم أذىً أو تعب في سبيل الله، ولن تقسُ عليهم الابتلاءات، إلاّ كتب الله تعالى لهم بكلِّ ذلك عملاً صالحاً وأجراً.

( ... ذلِكَ بِأَنّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَنَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ... ) (2) .

فعلامَ الحزن ممّا يُصيبهم من ابتلاءات ومِحن وآلام، وممّا يعانون في سبيل الله؟

إذن، (لا خوف ولا حزن) في هذه المسيرة، وليس على العاملين في هذه المسيرة الكادحة - ذات الشوكة - حزن أو خوف ممّا أصابهم أو يصيبهم من ابتلاء.

تلك هي الرؤية الربَّانيّة الصافية الواثقة بعيدة المدى للمسيرة، وأنّ علينا - نحن العاملين في سبيل الله، على خُطى الشهداء - أن نتسلَّح بهذه الرؤية، ونُبدّل رؤيتنا القَلِقة والـمُرتبِكة الخائفة بالرؤية الواثقة والـمُطمئنّة بعيدة المدى؛ لنتمكّن من حمل عبء المسؤوليّة الشاقّة ومواصلة السير على طريق الأنبياء والـمُرسَلين.

____________________

(1)القصص: 5 - 6.

(2)التوبة: 120.


ثأرُ الله

رِحلة الشهادة في السُنّة الشريفة

باقة عطرة من الحديث الشريف في قِيمة الشهيد:

وإليكم هذه الباقة العطرة من الروايات في فضل الشهادة وقيمتها:

* عن الصادقعليه‌السلام : (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فوق كلّ بِرٍّ بِرّ، حتّى يُقتَل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه بِرّ، وفوق كلّ عقوقٍ عقوق، حتّى يَقتُل الرجلُ أحدَ والديه، فإذا فعل ذلك فليس فوقه عقوق)(1) .

* عن الـمُقدام بن معدِ يَكرب، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (للشهيد عند الله ستّ خصال:

يُغفَر له من عذاب القبر.

ويَأمَنُ من الفَزعِ الأكبر.

ويحلَّى حِلْيَة الإيمان.

ويُوضَع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها.

ويُزوَّج اثنين وسبعين زوجة من الحُور.

ويُشفَّع في سبعين من أقاربه).

قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب(2) .

____________________

(1)بحار الأنوار: 74 / 61.

الكافي: 2 / 348.

وباختلافٍ يَسير: وسائل الشيعة: 11 / 10.

والتهذيب: 2 / 41.

والخصال: 1 / 8.

ومُستدرَك الوسائل: 2 / 242.

والفروع: 1 / 342.

(2)سُنَن الترمذي: 4 / 187 - 188 / الحديث 1663.

وقريب من هذا المضمون في: سُنَن ابن ماجه: 2 / 935 - 936 / الحديث 3799.


* سأل أبو ذرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :(أيّ الأعمال أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إيمانٌ بالله، وجهاد في سبيله.

قال: فقلت: أيّ الجهاد أفضل؟

قال: مَن عَقَرَ جواده، وأُهْرِيقَ دمه في سبيل الله) (1) .

* العيّاشي في تفسيره عن جابر عن أبي جعفر، قال: (أتى رجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: إنّي راغب نشيط في الجهاد. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : فجاهِد في سبيل الله، فإنّك إنْ تُقتَل كنت حيّاً عند الله وتُرزَق، وإنْ متَّ فقد وقعَ أجرُك على الله، وإنْ رجعتَ، خرجت من الذنوب إلى الله).هذا تفسير( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً ) (2) .

* عن مسعدة بن صدقة، عن الصادقعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (ثلاثة يُشفَّعون إلى الله عزّ وجلّ فيُشفِّعهم: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء)(3) .

* وكان الإمام الحسينعليه‌السلام يقول - في مسيرته إلى كربلاء -: (إنّي لا أرى الموت إلاّ سَعادَة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَما)(4) .

* وعن أنس بن مالك، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : قال: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا

____________________

(1)بحار الأنوار: 100 / 11، عن الخصال: 2 / 30.

وبمضمونه بطريق آخر: سُنَن ابن ماجه: 2 / 934 / الحديث 2794.

ومُستدرَك وسائل الشيعة: 2 / 244.

(2)مُستدرَك وسائل الشيعة: 2 / 244.

(3)مُستدرَك وسائل الشيعة: 2 / 245.

(4)تُحَفُ العقول: 176.


فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)(1) .

وعن سعيد بن الـمُسيّب، عن أبي هُريرة، قال: سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أَنَّ رِجَالاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)(2) .

* وعن جابر بن عبد الله: (قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ)(3) .

* عن ابن إسحاق عن البرّاء، قال:(جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ - قَبِيل مِنْ الأَنْصَارِ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله): (عَمِلَ هَذَا يَسِيراً، وَأُجِرَ كَثِيراً))(4) .

* وعن أنس بن مالك - في حوادث معركة بدر - قال، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (قوموا إلى جنَّة عَرضها السماوات والأرض.

قال: يقول عُمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله، جنّة عرْضها السماوات والأرض؟!

قال: نعم.

قال: بَخٍ بَخٍ، فقال رسول الله: ما يَحْملُك على قول (بَخٍ بَخٍ)؟!.

قال: لا والله يا رسول الله، إلاّ رجاء أن أكون من أهلها.

قال: فإنّك من أهلها.

فأخرج تَمرات من قرنه يأكل منهنّ، ثمّ قال: لئن أنا حييتُ حتّى آكل هذه، أنّها لحياة طويلة.

قال: فرمى بما كان معه من التمرِ ثمّ قاتلهم حتّى قُتل) (5) .

____________________

(1)صحيح البخاري: 2 / 112 / كتاب الجهاد.

الترغيب والترهيب: 2 / 311.

سُنَن الترمذي: 4 / 176.

مُستدرَك الوسائل: 2 / 243.

(2)صحيح البخاري: 2 / 112.

والترغيب والترهيب: 2 / 311.

(3)صحيح مسلم بن الحجاج: 6 / 43، طبعة دار الفكر.

(4)صحيح مسلم بن الحجاج: 6 / 44، طبعة دار الفكر.

(5)نفس المصدر السابق.


* وقال محمّد بن المنكدر: إنّه سمع جابراً يقول: (جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو.

فَقَالَ: لِمَ تَبْكِي؟! أَوَ لا تَبْكِي مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا)(1) .

* عن مسروق قال: سألنا عبد الله(2) عن هذه الآية:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ.

فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ)(3) .

* وكان أمير المؤمنين يقول:

(أيّها الناس، إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، ولا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ، ليس عن الـمَوتِ محيد ولا محِيص، مَن لم يُقْتَل مات، إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ، والَّذِي نَفْسُ عَليّ بِيَدِهِ، لأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ)(4) .

* وعن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء)(5) .

* عن علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، قال: (ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قطرتين:

قطرة دمٍ في سبيل الله.

____________________

(1)صحيح البخاري: 2 / 115.

والترغيب والترهيب: 2 / 313.

(2)الظاهر إنّه عبد الله بن مسعود (رحمه الله).

(3)صحيح مسلم بن الحجّاج: 6 / 38 - 39، طبعة دار الفكر.

ورواه: ابن ماجة في: السُنَن: 2 / 936 / الحديث 2801.

وقريب منه عن كعب بن مالك في: الترغيب والترهيب: 2 / 316.

(4)شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 1 / 306.

(5)بحار الأنوار: 100 / 12، نقلاً عن قُرب الإسناد: 31.

والخصال: 1 / 102.


وقطرة دمعة في سواد الليل، لا يريد بها عبد إلاّ الله عزّ وجلّ)(1) .

* وعن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : (ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرةِ دمٍ في سبيل الله، أو قطرةٍ من دموعِ عينٍ في سواد اللَيل من خشيَة الله.

وما من قدمٍ أحبّ إلى الله من خطوةٍ إلى ذي رَحم، أو خطوة بها زحفاً في سبيل الله.

وما من جُرْعَة أحبّ إلى الله من جُرعَة غيظٍ، أو جُرْعة تردّ بها العبد مُصيبة)(2) .

* عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ أبخلَ الناسِ مَن بَخلَ بالسلام، وأجودَ الناسِ مَن جادَ بنفسِه وماله في سبيلِ الله)(3) .

* عن الرضاعليه‌السلام ، عن آبائه، عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، قال: (بينما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام يخطب الناس، ويحضّهم على الجهاد، إذ قام إليه شابٌ فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن فضل الغُزاة في سبيل الله.

فقال عليّعليه‌السلام : كنت رديف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ناقته العَصْباء، ونحن قافلون من غزوة ذات السَلاسل، فسألته عمّا سألتني، فقال:

إنّ الغزاة إذا همّوا بالغزو، كتبَ الله لهم براءة من النار، فإذا تجهَّزوا لغزوٍ، باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودَّعهم أهلوهم، بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحيّة من سِلخها، ويوَكِّل الله (عزّ وجلّ) بهم، بكلِّ رجلٍ منهم، أربعين ألف مَلَك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. ولا يعمل حسنة إلاّ ضُعّفت له، ويكتب له كلّ يوم عبادة ألف رجل يعبدون ألف سنة، كلّ سنة ثلاثمئة وستّون يوماً، واليوم مثل عُمْر الدنيا.

وإذا صاروا بحضرة عدوّهم، انقطع عِلم أهل الدنيا عن ثواب الله إيّاهم، وإذا برزوا لعدوّهم وأُشرعت الأسنّة وفوقَتْ السِهام، وتقدّم الرجلُ إلى الرجلِ، حفَّتهم الملائكة بأجنحتهم، ويدعون الله لهم بالنصر والتَثَبّت

____________________

(1)بحار الأنوار: 100 / 10، نقلاً عن الخِصال: 1 / 31.

(2)بحار الأنوار: 100 / 14.

(3)بحار الأنوار: 100 / 15، نقلاً عن نوادر الراوندي: 5.


فيُنادي مناد: الجَنّة تحت ظلال السيوف، فتكون الطعنة والضربة على الشهيد أهوَن من شرب الماء البارد في اليوم الصائِف.

وإذا زلَّ الشهيدُ عن فرسِه بطَعنَة أو ضَرْبة، لم يصل إلى الأرض حتّى يبعث الله (عزّ وجلّ) زوجته من الحُورِ العين، فتُبَشِّره بما أعدَّ الله له من الكرامة، وإذا وصلَ إلى الأرض، تقول له: مرحباً بالروح الطيِّبة الّتي أُخرِجتْ من البدنِ الطيِّب، أبشر، فإن لك ما لا عينَ رأتْ ولا أُذن سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بَشر.

ويقول الله (عزّ وجلّ): أنا خليفَته في أهلِه، ومَن أرضاهم فقد أرضاني، ومَن أسخطَهم فقد أسخطَني، ويجعل الله روحه في حواصلِ طَير خُضْر تسرح في الجَنّة حيث تشاء، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش)(1) .

* ويقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ:( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) ، عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لا تَنْزِلُ بِنَا ورَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؟

فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي: يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ؟!

فَقَالَ لِي: إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، ولَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى والشُّكْرِ).

يقول ابن أبي الحديد(3) ، في شرح هذه الفقرة من نهج البلاغة: (وهذا الخبر مرويٌّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد رواه كثير من الـمُحدِّثين عن عليّعليه‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: (إنّ الله قد كتبَ عليك جِهاد الـمَفتونين، كما كتَبَ عليَّ جِهاد

____________________

(1)بحار الأنوار: 100 / 12 - 13، نقلاً عن: صحيفة الإمام الرضا: 26 - 28، طبعة المعاهد بمصر.

ومُستدرَك الوسائل: 2 / 242 - 243.

(2)العنكبوت: 201.

(3)شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 9 / 157.

ونهج البلاغة لصبحي الصالح: 22.


الـمُشركين)، قال، فقلت: يا رسولَ الله، ما هذه الفتنة الّتي كُتبَ عليّ فيها الجهاد؟

قال: قوم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله، وهم مخالِفون للسُنّة.

فقلت: يا رسول الله، فعلامَ أُقاتلهم وهُم يشهدون كما أشهد؟

قال: على الإحداث في الدِين، ومُخالَفة الأمر.

قلت يا رسول الله: إنّك كنت وعدْتَني الشهادة، فاسأل الله أن يجعلها لي بين يديك.

قال: فمَن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين؟! أمّا إنّي وعدتك الشهادة وسَتَسْتشهِد، تُضرَب على هذه فتُخضب هذه، فكيف صبرك إذن؟

قلت: يا رسول الله، ليس ذا بمَوطِن صبر، هذا مَوطن شُكر.

قال: أجَل، أصَبْتَ)(1) .

* ويقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (فوَ الله، لولا طَمَعي عند لقاءِ عَدوّي الشهادة، وتوطيني نفسي عند ذلك؛ لأحبَبْت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً)(2) .

ولمّا ضَرب ابن مُلجِم (لعنه الله) أميرَ المؤمنينعليه‌السلام على رأسه، قالعليه‌السلام : (فُزْتُ ورَبّ الكَعْبَة)(3) .

* وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بعدما ضَرَبَه ابن مُلجم: (واللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، ولا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ، ومَا كُنْتُ إِلاّ كَقَارِبٍ وَرَدَ، وطَالِبٍ وَجَدَ)(4) .

* عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدوّ يقول: (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ أبوابَ الجَنَّة تحت ظلال السيوف)، فقام رجُل رثّ الهيئة فقال: يا أبا موسى، أنتَ سمعتَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول هذا؟ قال:

____________________

(1)شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 9 / 206.

(2)شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 6 / 93.

(3)بحار الأنوار: 42 / 239.

(4)شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 17 / 6.


نَعم.

قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليهم السلام، ثمّ كسر جفْن سيفه، فألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدوِّ فضربَ به حتّى قُتِلَ)(1) .

* عن أنس بن مالك، قال: (جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) فَقَالُوا: أَنْ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمْ: (الْقُرَّاءُ)، فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ، بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ، وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ.

فَبَعَثَهُمْ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) إِلَيْهِمْ، فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ، وَرَضِيتَ عَنَّا.

قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) لأَصْحَابِهِ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا)(2) .

* وعن ثابت قال، قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) بَدْرًا فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) غُيِّبْتُ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) لَيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ.

قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله) يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.

قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ، عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاّ بِبَنَانِهِ.

وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا

____________________

(1)صحيح مسلم: 56 / 45، طبعة دار الفكر.

ورواه الترمذي في: السُنَن: 4 / 186 الحديث 1659.

(2)صحيح مسلم: 6 / 45، ط. دار الفكر.

ورواه البخاري، وعنهما المنذري في: الترغيب والترهيب: 2 / 316


بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (1) .

* وعن أنس، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يُؤتَى بالرجلِ من أهل الجنّة فيقول الله له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي ربّ، خير مَنزل.

فيقول: سَلْ وتَمَنَّ، فيقول: وما أسألك وأتمنَّى؟! أسألُك أن تَردّني إلى الدُنيا، فأُقتل في سبيلِك عشر مرَّات؛ لِما يرى من فَضْلِ الشهادة)(2) .

* وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (يُغفَر للشَهيدِ كلّ ذَنْبٍ إلاّ الدَّين)(3) .

* وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إنّ أوّل قطرة تنزل من دم الشهيد يُكفّر بها ذنوبه، والثانية يُكسى من حُلَلِ الإيمان، والثالثة يُزَوّج من حُورِ العِين)(4) .

* وعن أبي هريرة، قال: ذُكِرَ الشهيد عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: (لا تَجِفُّ الأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ، كَأَنَّهُمَا ظِئْرَانِ أَضَلَّتَا فَصِيلَيْهِمَا فِي بَرَاحٍ مِنْ الأَرْضِ، وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)(5) .

قال الـمُنذري في الترغيب - في التعليق على الحديث -: (الظِئْر) هي: الـمُرضِع، ومعناه: أنّ زوجتيه من الحُور العِين تبتدرانه وتَحنوان عليه وتُظَلّلانه، كما تَحنو الناقة الـمُرضِع على فصيلها.

* وعن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ - نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ -، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيّاً)(6) .

* وعن أنس بن مالك، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إذا وقف العِبادُ للحِساب، جاء قوم

____________________

(1)صحيح مسلم: 6 / 46، طبعة دار الفكر.

والترغيب والترهيب: 2 / 312 - 313.

(2)كنز العمّال: 4 / 406 / حديث 11135، طبعة دار الفكر.

والترغيب والترهيب: 2 / 311.

(3)الترغيب والترهيب: 2 / 311.

(4)كنز العمّال: 4 / 407 / حديث 11141.

(5)الترغيب والترهيب: 2 / 222.

(6)الترغيب والترهيب: 2 / 223.

وكنز العمّال: 4 / 397 / الحديث 11099.


واضِعي سيوفهم على رقابِهم، تقطرُ دَماً، فازدَحموا على بابِ الجَنّة، فقيل: مَن هؤلاء؟

قيل: هؤلاء الشهداء، كانوا أحياءً مَرزوقِين)(1) .

* وعن نعيم بن عمّار:(أنّ رجلاً سألَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ؟

قالَ: الَّذِينَ إِنْ يُلْقَوْا فِي الصَّفِّ يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَنْطَلِقُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنْ الْجَنَّةِ)(2) .

وعن أنس قال:قال رسول الله: (ألا أُخبركم عن الأجوَد؟!

الله الأجْوَد الأجْوَد، وأنا أجوَد ولد آدم، وأجودهم من بعدي، رَجُل عَلِمَ عِلْماً فنَشَرَ عِلمه، يُبْعَث يومَ القيامةِ أُمّة واحدة، ورَجُل جَادَ بنَفْسِهِ للهِ عزَّ وجَلَّ حتّى يُقْتَل). رواه أبو يعلى والبيهقي(3) .

* عن رجلٍ من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلاّ الشَّهِيدَ؟

قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً). رواه النسائي(4) .

* عن أنس بن مالك: (أنّ رجلاً أسود أتَى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا رسولَ الله، إنّي أسود مُنْتن الرَيْحِ قَبيْح الوَجْهِ، لا مال لي، فإنْ أنا قاتَلْتُ هؤلاء حتّى أُقتل، فأين أنا؟

قال: في الجَنّة.

فقاتل حتّى قُتِلَ، فأتاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: قَدْ بَيّضَ اللهُ وجْهَك وطَيَّبَ ريْحَك وأكثَر مَالك)(5) .

* (جاء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جَسَدِ شَهيدٍ نَجْدي، فقَعَدَ عند رَأسِه مُسْتَبْشِرَاً يَضْحَك، ثُمَّ

____________________

(1)الترغيب والترهيب: 2 / 318.

ورواه الطبراني، وقال المنذري في الترغيب: إسناده حسن.

(2)الترغيب والترهيب: 2 / 318 - 319.

وقريب منه في: كنزل العمال: 4 / 398 / الحديث 11104.

(3)الترغيب والترهيب: 2 / 320.

(4)الترغيب والترهيب: 2 / 323 - 324.

(5)الترغيب والترهيب: 2 / 324.


أعرَضَ عَنه، فقُلْنا: يا رسول الله، رأيناكَ مُسْتَبْشِراً تَضحك ثُمّ أعرَضْتَ عنه!

فقال: أمّا ما رَأيتم مِن اسْتبشاري، فلمّا رأيْتُ مِن كرامةِ روحِه على الله عَزَّ وجَلّ، وأمّا إعراضِي عنه، فإنَّ زوجَته من الحُورِ العِين الآنَ عند رأسه). رواه البيهقي، بإسناد حسن(1) .

* عن عامر بن سَعد، عن أبيه: (أنّ رجُلاً جاء إلى الصلاة والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يُصلِّي، فقال - حين انتهى الصف -: اللّهمَّ آتني أفْضَل ما تُؤتي عبادك الصالحين. فلمّا قَضى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الصلاة قال: مَنْ الـمُتكلِّم آنفاً؟

فقالَ الرجلُ: أنا يا رسول الله.

قال: إذاً يُعْفَر بجَوادِكَ وتسْتَشْهد). رواه أبو يعلى، والبَزّاز، وابن حيّان في صحيحه، وقال: صحيح على شَرطِ مُسلم(2) .

* عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الشهداءُ عند الله على مَنابِر من ياقوتٍ في ظلِّ عَرْشِ الله، يوم لا ظلَّ إلاّ ظِلّه، على كَثِيبٍ من مِسْك، فيقولُ لهم الرَبُّ: ألمْ أوفِ لَكم وأصْدُقكُم؟ فيقولون: بلى وَرَبّنا)(3) .

* عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أوّل ما يُهراق من دمِ الشَهيد، يُغْفَر لَه ذَنْبه كلّه إلاّ الدَّيْن)(4) .

يُعطَى الشهيد ثلاثاً:

أوّل دفعة من دَمِه يُغفَر له ذنوبه

وأوَّل مَن يَمسَح الترابَ عن وَجهِه زوجته من الحُور العِين.

وإذا وَجَبَ جَنْبه في الأرض وقَعَ في الجَنّة)(5) . (الدارقطني في الإفراد، والديلمي والرافعي عن أنس).

____________________

(1)الترغيب والترهيب: 2 / 324 - 325.

(2)الترغيب والترهيب: 2 / 327 - 328.

(3)كنز العمّال: 4 / 397 الحديث 11100.

(4)كنز العمّال: 4 / 399 الحديث 11109.

(5)كنز العمال: 4 / 410 الحديث 11153.


خطاب الاستنصار الحسيني:

* أ - الاستعراض

* نماذج من الاستنصار الحسيني

* ب - الدِلالات

* الدلالات الأربعة لخطاب

الاستنصار الحسيني



خِطابُ الاستنصار الحُسيني

الاستعراض والدلالات:

( فَلَمّا أَحَسّ عِيسَى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إَلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ)

آل عمران: 52

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ فَآمَنَت طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَائِفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَى‏ عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)

الصف / 14

الاستنصار الحُسيني:

يقول الشيخ جعفر التُسْتَري (رحمه الله) في الخصائص الحسينيَّة: (إنّ الحسينعليه‌السلام (استنصر) الناس سبع مرّات و (استغاث) سبعاً.

ثمّ يقول (رحمه الله): إنّ التَلبيات السبعة الواردة في زيارة الحُسينعليه‌السلام (لبّيك داعي الله)، إجابة وإشارة إلى هذه الاستنصارات والاستغاثات)(1) .

____________________

(1)الخصائص الحُسينيَّة: 177 - 178.


وفيما يلي نستعرض طائفة من استنصارات الحسينعليه‌السلام ، واستغاثته بالمسلمين، منذ خروجه من المدينة إلى اليوم العاشر من الـمُحرَّم سَنة (61 هـ) في كربلاء.

ثُمّ نقوم بدراسة دلالات الاستنصار الحُسيني.


أ - الاستعراض

نَماذِج من الاستنصار الحُسيني

في المدينة:

1 - خرج الحسينعليه‌السلام من المدينة مُتوجّهاً نحو مكّة، ليلة الأحد لِيومَين بَقيا من رجب، ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه الحسنعليه‌السلام وأهل بيته، وكتب قبل أن يخرج من المدينة وصيّته الّتي يستنصر فيها المسلمين، وأودَعها عند أخيه محمّد بن الحَنَفيّة.

قال فيها:

(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به الحسين بن عليّعليهما‌السلام إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة:

إنّ الحسين يشهد أن لا اله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور...

وأنّي لم أخرج أشِراً ولا بطِراً، ولا مُفسِداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب.

فمَن قَبلني بقبول الحقّ، فالله أولى بالحقّ، ومَن ردّ عليَّ هذا، أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم، وهو خير الحاكمين).


ثمّ طَوى الكتاب وختمَه، ودفعه إلى أخيه محمّد(1) .

2 - واستنصر الحُسين عبد الله بن عُمَر بن الخطّاب ، وقال لعبد الله بن عُمَر - لمّا طلب منه البقاء في المدينة -:

(يا عبد الله، إنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا يُهدَى إلى بَغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، وأنّ رأسي يُهدى إلى بغيٍّ من بَني أُميّة)(2) .

ولما عرف ابن عُمَر من الحسين العزم على مغادرة المدينة، قال له: يا أبا عبد الله، اكشف لي عن الموضع الذي لم يَزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبِّله منك، فكشف له عن سُرّته، فقَبَّلها ثلاثاً وبكى(3) .

فقال له: (اتقِ الله يا أبا عبد الرحمان، ولا تدعنَّ نصرتي)(4) .

في مكّة:

3 - وكتب الحسين نسخة واحدة (تَعميماً) إلى رُؤساء الأخماس بالبصرة، وهُم:

مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن القَيس، والجارود بن المنذر، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عبيد بن معمّر، وأرسله مع مولى له يُقال له سليمان(5) ، وفيه:

(أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله على خلْقه، وأكرمه بنبوّته واختاره لرسالته، ثمّ قبضه إليه، وقد نصح لعباده وبلّغَ ما

____________________

(1)مقتل العوالم: 54.

(2)مقتل الحسين، للسيّد عبد الرزاق المقرّم: 139.

(3)أمالي الصدوق: ص93 / الـمَجلِس 30.

(4)اللهوف: ص17.

(5)هذا في تاريخ الطبري: 6 / 200.

وفي اللهوف: 21 (يُكنَّى أبا رزين).

وفي مُثير الأحزان: ص 12 (أرسله مع ذراع السدوسي).


أُرسل بهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكُنّا أهله وأولياءه وأوصياءه ووَرَثته، وأحقّ الناس بمَقامه في الناس.

فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، وكرهنا الفُرقة وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحقّ الـمُستَحق علينا ممّن توَلاّه.

وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسُنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتَتْ، والبُدعَة قد أُحييتْ.

فإن تسمعوا قَوْلي، أُهدِكم إلى سبيل الرشاد).

فسلّم الجارود بن الـمُنذر العبدي رسولَ الحسين إلى ابن زياد، فصلبه عشيّة الليلة التي خرجَ في صبيحتها إلى الكوفة ليسبق الحسين إليها(1) . وكانت ابنة الجارود (بخرية) زوجة ابن زياد، فزعم أن يكون الرسول دسيساً من ابن زياد.

وأمّا الأحنف، فإنّه كتب إلى الحسينعليه‌السلام : (أمّا بعد، فاصبر، إنّ وعد الله حقّ ولا يَستخفنّك الّذين لا يُوقنون(2) .

وأمّا يزيد بن مسعود(3) ، فإنّه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلمّا حضروا قال: (يا بني تميم، كيف ترون موضعي فيكم وحسَبي منكم؟

قالوا: بَخٍ بَخٍ! أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر، حللتَ في الشرفِ وسطاً وتقدّمت فيه فرطاً، قال: فإنّي قد جمعتكم لأمرٍ أُريد أن أُشاوركم فيه، وأستعين بكم عليه فقالوا:

____________________

(1)تاريخ الطبري: 6 / 200.

(2)مثير الأحزان: 13.

(3)هذا في مثير الأحزان، وعند الطبري، وابن الأثير (مسعود بن عمرو).

وقال ابن حزم في: جمهرة أنساب العرب، ص218: (كان عباد بن مسعود بن خالد بن مالك النهشلي سيّداً، وأخته ليلى بنت مسعود تحت علي بن أبي طالب، ولدت له أبا بكر قتل مع الحسين، وعبد الله كان مع مصعب ابن الزبير على المختار وقُتل يوم هزيمة أصحاب المختار، وذكرنا في (زيد الشهيد: ص 101، طبع ثاني) نصوص المؤرّخين في قتله بالمذار، من سواد البصرة، ولم يُعلم قاتله.

وفي الخرايج للراوندي، في معجزات عليعليه‌السلام : وُجِد مذبوحاً في فسطاطه، ولم يُعلَم ذابحه.


إنّا والله نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقُل حتّى نسمع.

فقال: إنّ معاوية مات، فأهوِن به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وأنّه قد انكسر باب الجَور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة عقدَ بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكَمه، وهيهات الذي أراد، اجتهدَ والله ففشلَ، وشاورَ فخُذلَ، وقد قام يزيد - شارب الخمور ورأس الفجور - يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتآمر عليهم بغير رضاً منهم، مع قصر حلْمٍ وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطأ قدميه.

فأُقسم بالله قَسَماً مبروراً، لَجهاده على الدِين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن عليّ، وابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، له فضل لا يُوصَف وعِلم لا ينزف، وهو أَولى بهذا الأمر؛ لسابقته وسنّه وقِدمه وقَرابته، يعطف على الصغير ويُحسِن إلى الكبير، فأكرم به راعي رعيَّة، وإمام قوم وجبتْ لله به الحُجَّة، وبلغتْ به الموعظة، فلا تعشو عن نور الحقّ، ولا تَكْسَعوا في وهدِ الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذلَ بكم يوم الجَمَل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونصرته.

والله، لا يُقَصّر أحدكم عن نصرته، إلاّ أورثه الله تعالى الذلّ في ولده، والقلّة في عشيرته.

وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وادّرعتُ لها بدِرعِها.

مَن لم يُقتَل يَمُت، ومَن يهرب لم يَفتْ، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.

فقالت بنو حنظلة: يا أبا خالد، نحن نَبْلُ كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميتَ بنا أصَبتْ، وإن غزوتَ بنا فتحتْ، لا تخوض والله غمرة إلاّ خضناها، ولا تَلقى والله شدّة إلاّ لقيناها، ننصرك بأسيافنا، ونقيك بأبداننا إذا شئت.

وتكلّمتْ بنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالد، نحن بنو أبيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غضبت، ولا نبقى إن ظَعَنْتْ، والأمر إليك، فادعُنا إذا شئت.

وقالت بنو سعد بن زيد: أبا خالد، إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن


رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترْك القتال يوم الجمَل، فحمدنا ما أمرنا، وبقي عزّنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا.

فقال لهم: لئن فعلتموها، لا رفع الله السيف عنكم أبداً، ولا زال سيفكم فيكم.

ثُمّ كتب إلى الحسينعليه‌السلام : أمّا بعد فقد وصل إليّ كتابك، وفهمتُ ما ندبتَني إليه، ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نُصرتك، وإنّ الله لم يخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير، ودليل على سبيل نجاة، وأنتم حُجّة الله على خلْقه، ووديعته في أرضه، تفرّعتم من زيتونة أحمديّة، هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبلِ الظماء لورود الماء يوم خمْسها، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد، وغسلت دَرَن قلوبها سحاب مُزْن حين استهلّ بَرقُها فلَمَع.

فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام كتابه قال: (آمنكَ الله من الخوف وأعزّك، وأرواك يوم العَطش الأكبر).

ولمّا تجهّز ابن مسعود إلى المسير، بلَغه قتل الحسينعليه‌السلام ، فأشتدّ جزعة وكثُر أسَفه لفوات الأُمنية من السعادة بالشهادة(1) .

وكانت (مارية) - ابنة سعد، أو منقذ - من الشيعة الـمُخلصين ودارها مَألَفاً لهم، يتحدّثون فيه فضل أهل البيتعليهم‌السلام ، فقال يزيد بن نبيط - وهو من عبد القيس - لأولاده، وهم عشرة: أيّكم يخرج معي؟ فانتدب منهم اثنين، عبد الله وعبيد الله، وقال له أصحابه - في بيت تلك المرأة -: نخاف عليك أصحاب ابن زياد، قال: والله لو قد استوَت أخفافها بالجُدَد، لهانَ عليَّ طلبُ مَن طلبَني(2) .

وصحبه مولاه عامر،

____________________

(1)مُثير الأحزان: ص 13. واللهوف: ص21.

(2)تاريخ الطبري: 6 / 198.


وسيف بن مالك، والأدهم بن أُميّة(1) ، فوافَوا الحسين بمكّة وضمّوا رحلهم إلى رحله، حتّى وردوا كربلاء وقُتلوا معه.

4 - وخطب الحسين عليه‌السلام في المسلمين عشيّة خروجه من مكّة، وقال:

(خُطّ الموت على وُلد آدم مَخطّ القِلادة على جِيد الفتاة، وما أَولَهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مَصرَع أنا لاقيه.

كأنّي بأوصالي تُقطّعها عُسلان الفلَوات بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوَفاً، وأجربةً سغَباً، لا مَحيص من يوم خُطّ بالقلم.

رضا الله رضانا أهل البيت. نصبر على بلائه، ويُوَفّينا أُجور الصابرين.

لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لُحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده.

ألا ومَن كان فينا باذِلاً مُهجَته، مُوطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مُصبحاً إن شاء الله)(2) .

وفي هذه الخطبة، ينعى الإمام نفسه، ويستنصر المسلمين ويطلب منهم مُهجَهم، ويطلب ممَّن يُريد أن يخرج معه أن يُوطِّن نفسه للقاء الله، ويعلن للمسلمين أنّه يخرج غداً إلى العراق، ومَن أراد أن يلتحق به، فليعدّ نفسه للخروج منذ الليلة.

وهي دعوة غريبة من نوعها في تاريخ الثائرين والخارجين، فلا يُمنّيهم الحسينعليه‌السلام بمُلك ولا سلطان، وإنّما يدعوهم إلى القتل.

وهذه الدعوة بهذه الخصوصيّة، ممّا تتميَّز بها ثورة الحسينعليه‌السلام في التاريخ عن غيرها من الثورات والحركات.

____________________

(1)ذخيرة الدارين: ص224.

(2)اللهوف: 33. وابن نما: 20. والمقرّم: 173.


إنّ الحسينعليه‌السلام يطلب من الناس مُهجَهم، ويطلب منهم أن ينتزعوا أنفسهم من الدنيا ويوطّنوا أنفسهم للقاء الله.

والحسينعليه‌السلام يقصد ما يقول.

ولو خرج يومئذٍ مع الحسينعليه‌السلام ناس يريدون الدنيا، وليس وجه الله، ويطلبون المال والسلطان في خروجهم مع الحسينعليه‌السلام ؛ لأخلّوا بهذه الحركة، وأفقدوها قيمتها وتأثيرها العميق الخالد في التاريخ.

وبهذه الطريقة، يُعلن الحسينعليه‌السلام - من بدء خروجه - عن رفضه لأُولئك الذين يريدون أن يلتحقوا به للمال والسُلطان والدنيا.

هذه الخطبة عجيبة في لَهْجتها، عجيبة في مضامينها ودعوتها، وتتضمَّن الاستنصار، والاستماتة، والترغيب والتزهيد، والدعوة والرفض.

5 - في الحاجر:

ولمّا بلغ الحاجر(1) من بطن الرمة، كتب إلى أهل الكوفة جواب كتاب مسلم ابن عقيل، وبعثه مع قيس بن مسهر الصيداوي(2) ، وفيه: (أمّا بعد، فقد ورَد عليَّ كتاب مسلم بن عقيل، يُخبرني باجتماعكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسألت الله

____________________

(1)في معجم البلدان: (الحاجر: ما يُمسك الماء من شفة الوادي وفيه): ج4 / ص290، (بطن الرمة: منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، وفيه تجتمع أهل الكوفة والبصرة).

وفي تاج العروس: ج3 / ص136: (الحاجر: مكان بطريق مكّة).

(2)في روضة الواعظين لعلي بن محمّد الفتّال النيسابوري: ص152 (يُقال: بعثه مع عبد الله بن يقطر، ويجوز أنّه أرسل إليهم كتابين، أحدهما مع عبد الله بن يقطر، والآخر مع قيس بن مسهر).

وفي الإصابة: ج3 / ص492، بعد أن ذكرَ نسب قيس، قال: (وكان مع الحسين لمّا قُتلَ بالطفّ، وهو اشتباه، فإنّ ابن زياد قتله بالكوفة).


أن يُحسن لنا الصنع، ويُثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة، يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحُجّة، فإذا قدم عليكم رسولي، فانكمشوا في أمركم، فإنّي قادم في أيّامي هذه).

ولمّا وصل قيس إلى القادسيّة، أخذه الحُصين بن نمير التميمي - وكان صاحب شرَطة ابن زياد -، أمَره أن ينظِم الخيل ما بين القادسيّة إلى خفان(1) ، ومنها إلى القُطْقطانة، فأراد أن يُفتِّشه، فأخرج قيس الكتاب وخرّقه.

ولمّا مثُل بين يدي ابن زياد، قال: لماذا خرّقت الكتاب؟ قال: لئلاّ تطَّلع عليه، فأصرّ ابن زياد على الإخبار بما فيه، فأبى قيس، فقال: إن لم تخبرني، فاصعد المنبر وسُبّ الحسين وأباه وأخاه، وإلاّ قطّعتُك إرباً إرباً.

فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وآله، وأكثر من الترحُّم على أمير المؤمنين والحسن والحسين، ولعن عُبيد الله بن زياد وأباه، وبني أُميّة.

ثُمّ قال: أيّها الناس، أنا رسول الحسين إليكم، وقد خلّفته في موضع كذا، فأجيبوه.

فأمر ابن زياد أن يُرمَى من أعلى القصر، فتكسّرت عظامه ومات(2) .

ويُقال: أمر ابن زياد أن يُرمى مكتوفاً، فرُمي من أعلى القصر(3) ، وكان به رَمَق، فقام إليه عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فعِيب عليه، قال: أردتُ أن أُريحه(4) .

____________________

(1)في معجم البلدان: ج3 ص451: (خفان: موضع قرب الكوفة، وهو عين عليا قرية لولد عيسى ابن موسى الهاشمي)، وفيه: ج 7 / ص135: (القُطْقطانة، بالضمّ ثُمّ السكون: قُرب الكوفة، تبعد عن الرهيمة نيّفاً وعشرين ميلاً).

(2)تاريخ الطبري: 6 / 324. والبداية: 8 / 168. والإرشاد للمفيد. وروضة الواعظين: ص152. وأعلام الورى: ص136.

(3)الإرشاد للمفيد: ج2 / ص71.

(4)روضة الواعظين. والإرشاد. وفي ميزان الاعتدال: 2 / 151.


6 - في زرود:

ونزل الحسين في زرود، ونزل بالقرب منه زهير بن القَين البجلي، وكان غير مُشايع له، ويكره النزول معه، ولكنّ الماء جمعهم في المكان.

روى السدّي، عن رجل من بني فزارة - كان يُرافِق زهيراً (رحمه الله) في السفر الّذي التحق فيه بالحسين - قال:

(كُنّا مع زهير بن القَين البجلي (رحمه الله) حين أقبلنا مكّة نُساير الحسينعليه‌السلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نُسايره في منزله، فإذا سار الحسينعليه‌السلام تخلّف زهير بن القَين، وإذا نزل الحسين تقدَّم زهير، حتّى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بُدّاً من أن نُنازِله فيه، فنزل الحسينعليه‌السلام في جانب، ونزلنا في جانب، فبينما نحن جلوس نتغذّى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسينعليه‌السلام حتّى سلّم ثُمّ دخل، فقال:

يا زهير بن القَين، إنّ أبا عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام بعثني إليك لتأتيه، قال: فطرح كلّ إنسان ما في يده، حتّى كأنّنا على رؤوسنا الطَير.

قال أبو مَخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو - امرأة زهير بن القَين -، قالت، فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثُمّ لا تأتيه؟! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه ثُمّ انصرفت.

قالت: فأتاه زهير بن القَين، فما لبث أن جاء مُستبشِراً قد أسفر وجهه.

قالت: فأمر بفسطاطه وثِقْله ومتاعه فقَدم [ فقوّض ظ ] وحُمِل إلى الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قال لامرأته: أنتِ طالق، الحقي بأهلك، فإنّي لا أُحبّ أن يُصيبك بسببي إلاّ خير)(1) .

وفي رواية الملهوف قال: (قد عزمتُ على صُحبة الحسينعليه‌السلام لأفديه بنفسي،

____________________

(1)تاريخ الطبري: 7 / 290.


وأقيه بروحي، ثُمّ أعطاها مالها، وسلَّمها إلى بعض بني عمِّها ليُوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكَتْ وودّعته، وقالت: كان الله عوناً ومُعيناً، خارَ الله لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسينعليه‌السلام (1) .

قال الطبري: ثُمّ قال لأصحابه: مَن أحبَّ منكم أن يتبعني، وإلاّ فإنّه آخِر العهد، إنّي سأُحدِّثكم حديثاً:

غزونا بَلَنْجَر(2) ففتحَ الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي - وفي روايات أُخر سلمان الفارسي (رضي الله عنه) -: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من المغانم؟! فقلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّدعليهم‌السلام ، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم.

فأمّا أنا، فإنّي أستودعكم الله.

قال: ثُمّ والله ما زال في أوّل القوم حتّى قُتل (رضوان الله عليه)(3) .

____________________

(1)الملهوف: 64.

(2)بَلَنْجَر: من بلاد التُرك، غزاهم المسلمون وأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في سنة 22 هـ.

وفي القمقام: (بلنجر - بفتح الموحّدة واللام وسكون النون وجيم مفتوحة وراء -: مدينة ببلاد الخَزَر، خلف باب الأبواب، قالوا: فتحها عبد الرحمان بن ربيعة.

وقال البلاذري: سلمان (أي فتحها سلمان) بن ربيعة الباهلي، وتجاوزها، ولَقِيَه خاقان في جيشه خلف بلنجر، فاستشهد هو وأصحابه، وكانوا أربعة آلاف، وكان في أوّل الأمر قد خافهم التُرك، وقالوا إنّ هؤلاء ملائكة لا يعمل فيهم السلاح، فاتّفق أنّ تركيّاً اختفى في غيضه (يعني بيشه) ورشقَ مسلماً بسَهم فقتله، فنادى في قومه أنّ هؤلاء يموتون كما تموتون فلِمَ تخافونهم، فأجرَوا عليهم وأوقعوهم حتّى استشهد عبد الرحمان بن ربيعة، وأخذ الراية أخوه، ولم يزل يُقاتل حتّى أمكنه دفن أخيه بنواحي (بلنجر)، ورجع ببقيّة المسلمين على طريق جيلان وقُتل سلمان بن ربيعة وأصحابه، وكانوا ينظرون في كلّ ليلة نوراً على مصارعهم، فأخذوا سلمان بن ربيعة وجعلوه في تابوت، فهُم يستسقون به إذا فحطوا (منه).

واحتمل أنّ الكلمة (بالبَحْرِ) وليس (بَلَنْجر)، وقد اخطأ النُسّاخ في كتابة الكلمة.

وقد بدأ المسلمون في ذلك التاريخ بغزوات البحر.

(3)نفس المهموم للسيّد عبّاس القمّي: 180 - 182.


7 - في قصر بني مقاتل:

وفي قصر بني مقاتل رأى فسطاطاً مضروباً، ورُمحاً مركوزاً، وفرساً واقفاً، فسأل عنه فقيل: هو لعبيد الله بن الحُرّ الجعفي، وبعث إليه الحجّاج بن مسروق الجعفي، فسأله ابن الحُرّ عمّا وراءه؟

قال: هدية إليك وكرامة، إن قبلتها. هذا حسين يدعوك إلى نُصرته، فإن قاتلت بين يديه أُجِرت، وإن قُتلت استشهدت.

فقال ابن الحُرّ: والله ما خرجتُ مِن الكوفة إلاّ لكثرة ما رأيته خارجاً لـمُحاربته، وخذلان شيعته، فعلمت أنّه مقتول ولا أقدر على نصره، ولست أُحبّ أن يراني وأراه(1) .

فأعاد الحجّاج كلامه على الحسين، فقام (صلوات الله عليه) ومشى إليه في جماعة من أهل بيته وصحْبه، فدخل عليه الفسطاط فوسَّع له عن صدر المجلس.

يقول ابن الحُرّ: ما رأيت أحداً قطّ، أحسن مِن الحسين ولا أملأ للعَين منه، ولا رققتُ على أحدٍ قطّ رقّتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حَوله، ونظرت إلى لحيَته فرأيتها كأنّها جناح غراب، فقلت له أَسَواد أم خضاب؟.

قال: (يا ابن الحُرّ، عجَّلَ عليّ الشيب)، فعرفت أنّه خضاب(2) .

ولمّا استقر المجلس بأبي عبد الله، حمَد الله وأثنى عليه، ثُمّ قال: (يابن الحرّ، إنّ أهل مِصْركم كتبوا إليّ أنّهم مجتمعون على نصرتي، وسألوني القدوم عليهم، وليس الأمر على ما زعموا(3) . وإنّ عليك ذنوباً كثيرة، فهل لك مِن توبة تُمحي بها ذنوبك؟!).

____________________

(1)الأخبار الطوال: ص 249.

(2)خزانة الأدب للبغدادي: 1 / 298، ط بولاق. وأنساب الأشراف: 5 / 291.

(3)نفس المهموم: ص104.


قال: وما هي يا ابن رسول الله؟ فقال: (تنصر ابن بنت نبيّك وتُقاتل معه)(1) .

فقال ابن الحُرّ: والله إنّي لأعلم أنّ مَن شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أُغني عنك، ولم أُخلّف لك بالكوفة ناصراً؟ فأُنشدك الله أن تحملني على هذه الخطّة، فإنّ نفسي لا تسمح بالموت، ولكن فرَسي هذه (الملحقة) - والله - ما طلبت عليها شيئاً قطّ إلاّ لحِقته، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلاّ سبقته، فخُذها فهي لك.

قال الحسين: (أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا، فلا حاجة لنا في فرَسك(2) ولا فيك، وما كنتُ مُتّخذ الـمُضلّين عضداً(3) . وأنّي أنصحك كما نصحتني، إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا تشهد وقعتنا، فافعل، فو الله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلاّ أكبّه الله في نار جهنّم)(4) .

وندِم ابن الحُرّ على ما فاته مِن نصرة الحسينعليه‌السلام فأنشأ:

أيا لَك حسرةً ما دمتُ حيّاً

تردَّد بين صدري والتراقي

غَداة يقولُ لي بالقصر قولاً

أتتـركنا وتعزم بالفِراقِ

حسينٌ حين يطلب بذْل نصري

على أهل العداوة والشِقاقِ

فلو فلَقَ التلهّف قلب حُرٍّ

لهَمَّ اليوم قلبي بانفلاقِ

ولو واسيتُه يوماً بنفسي

لنلتُ كرامة يوم التلاقِ

مع ابن محمّد تُفديه نفسي

فودّع ثُمّ أسرع بانطلاق

لقد فاز الأُلى نصروا حُسيناً

وخاب الآخَرون ذَووا النفاق(5)

____________________

(1)أسرار الشهادة: ص233.

(2)الأخبار الطوال: ص249.

(3)أمالي الصدوق: ص94 (المجلس 30).

(4)خزانة الأدب: 1 / 298.

(5)مقتل الخوارزمي: 1 / 228. وذكره الدينوري في الأخبار الطوال: ص258.


وفي هذا الموضع اجتمع به عمرو بن قيس المشرقي وابن عمّه، فقال لهما الحسين: (جئتما لنُصرتي؟!) قالا له: إنّا كثيروا العيال، وفي أيدينا بضائع للناس، ولم ندرِ ماذا يكون، ونَكْره أن نُضيِّع الأمانة.

فقال لهماعليه‌السلام : (انطلقا، فلا تسمعا لي واعية ولا ترَيا لي سواداً، فإنّه مَن سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يُجيبنا، كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أن يكبّه على مِنْخريه في النار)(1) .

8 - في منزل شراف:

وفي (شراف) طلع عليهم الحُرّ الرياحي بألف فارس، بعثه ابن زياد ليحبس الحسينعليه‌السلام عن الرجوع إلى المدينة أينما يجده، أو يقْدِم به إلى الكوفة.

فسقاهم الحسينعليه‌السلام ماءً، وكانوا عطاشى، ثُمّ خطب فيهم الحسينعليه‌السلام وقال:

(إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم، وإنّي لم آتكم حتّى أتتني كُتبُكم، وقدِمت بها عليَّ رُسلُكم، أن اقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام، ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى، فإن كنتم على ذلك، فقد جئتكم، فاعطوني ما أطمئنّ به مِن عهودكم ومواثيقكم، وإن كنتم لمقدَمي كارهين، انصرفت عنكم)(2) .

9 - في منزل البيضة:

وفي منزل البيضة، خطب الحسينعليه‌السلام في أصحاب الحُرّ فقال:

(أيّها الناس، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن رأى سُلطاناً جائراً، مُستحِلاًّ لحرام الله،

____________________

(1)مقتل الحسين: للسّيد عبد الرزاق المقرّم: 202 - 205.

(2)مقتل الحسين: للسيّد عبد الرزاق المقرّم: 195.


ناكثاً عهده، مُخالِفاً لسُنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفِعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مَدخله.

ألا وأنّ هؤلاء قد لزِموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر، وقد أتتني كُتبكم، وقدِمَت عليَّ رسُلُكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني، فإن تممتُم على بيعتكم تصيبوا رُشدكم، فأنا الحسين بن عليّ وأمّي فاطمة بنت رسول الله. نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم، ولكم فيَّ أُسوة، وإن لم تفعلوا، ونقضْتُم عهدكم، وخلعتُم بيعتي مِن أعناقكم، فلَعمري ما هي لكم بنُكر. لقد فعلتموها، بأبي وأخي وابن عمّي مُسلم. فالمغرور مَن اغترّ بكم. فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(1) .

10 - في كربلاء:

وفي كربلاء أقبل حبيب بن مظاهر الأسدي إلى الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فقال: هاهنا حيّ مِن بني أسد بالقرب منّا، أتأذن لي أن أسير إليهم أدعوهم إلى نصرتك؟ فعسى الله أن يدفع بهم عنك بعض ما تكره، فقال له الحسينعليه‌السلام : قد أذِنتُ لك يا حبيب.

قال: فخرج حبيب بن مظاهر في جوف الليل متنكّراً حتّى صار إلى أولئك القوم، فحيّاهم وحيّوه وعرفوا أنّه مِن بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ يا ابن عمّ! فقال: حاجتي إليكم قد أتيتكم بخير ما أتى به وافدٌ إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّه في عصابة مِن المؤمنين، الرجُل منهم خيرٌ

____________________

(1)الطبري 6 / 229. ومقتل الحسين / للمقرّم: ص198.


مِن ألف رجُل، لن يخذلوه ولن يُسلموه وفيهم عينٌ نظرَت، وهذا عمَر(1) بن سعد قد أحاط به في اثنين وعشرين ألف، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد جئتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالون غداً شرفاً في الآخرة، فإنّي أُقسم بالله أنّه لا يُقتَل منكم رجُل مع ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صابراً محتسباً، إلاّ كان رفيق محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في أعلى علّيين.

قال: فوَثب رجُل مِن بني أسد يُقال له بشر بن عبيد الله فقال: والله أنا أوّل مَن أجاب إلى هذه الدعوة، ثمّ أنشأ يقول:

قد علِم القوم إذا توَاكلوا

وأحجم الفُرسان أو تناصلوا

إنّي شجاع بطل مقاتل

كأنّني ليث عرين باسل

قال: ثمّ تبادر رجال الحيّ مع حبيب بن مظاهر الأسدي.

قال: وخرج رجُل مِن الحيّ في ذلك الوقت حتّى صار إلى عمَر(2) بن سعد في جوف الليل فخبّره بذلك، فأرسل عمَر رجُلاً من أصحابه يُقال له الأزرق بن حرب الصيداوي، فضمّ إليه أربعة آلاف فارس، ووجّه به في الليل إلى حيّ بني أسد مع الرجُل الذي جاء بالخبر.

قال: فبينما القوم في جوف الليل قد أقبلوا يريدون معسكر الحسين، إذ استقبلهم جُند عمَر بن سعد على شاطىء الفرات، قال: فتناوش القوم بعضهم [بعضاً] واقتتلوا قتالاً شديداً، صاح به حبيب بن مظاهر: ويلك يا أزرق ما لك ولنا دعْنا؟ قال: واقتتلوا قتالاً شديداً.

فلمّا رأى القوم ذلك انهزموا راجعين إلى منازلهم، فرجع حبيب بن مظاهر إلى الحسينعليه‌السلام ، فأعلمه بذلك الخبر فقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم(3) .

____________________

(1)في النُسخ: عمْرو.

(2)في النُسخ: عمْرو.

(3)كتاب الفتوح لابن الأعثم الكوفي: ج5 / 159 - 162، ط 1.


11 - وفي كربلاء دعا الحسينعليه‌السلام بدَواة وبيضاء، وكتَب إلى أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه على رأيه:

(بسم الله الرحمن الرحيم، مِن الحسين بن عليّ إلى سليمان بن صرد الخزاعي(1) .

أمّا بعد فقد علِمتُم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال في حياته: مَن رأى سلطاناً جائراً إلى آخِر ما ذكره في خطبة الأصحاب).

يوم عاشوراء:

وللحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء استنصاران واستغاثة:

وفيما يلي تفصيل كلٍّ مِن الاستنصارين والإستغاثة الحسينية في يوم عاشوراء.

12 - الاستنصار الأوّل يوم عاشوراء:

دعا الحسينعليه‌السلام براحلته يوم عاشوراء، فركِبها ونادى بصوتٍ عال يسمعه جُلُّهم:

(أيّها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعِظكم بما هو حقّ لكم عليّ، وحتّى اعتذر إليكم من مقْدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي وأعطيتموني النَصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النَصف مِن أنفسكم).( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ

____________________

(1)نفس المهموم: ص 207، البحار 44 / 382.


وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمّةً ثُمّ اقْضُوا إِلَيّ وَلاَ تُنظِرُونِ ) (1) ( إِنّ وَلِيّيَ اللّهُ الّذِي نَزّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ ) (2) .

فلمّا سمعْنَ النساء هذا منه صحْنَ وبَكين وارتفعت أصواتهم، فأرسل إليهنّ أخاه العباس وابنه عليّ الأكبر وقال لهما: (سكّتاهن فلَعمري ليكثُر بكاؤهنّ).

ولمّا سكتْنَ، حمَد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يُحصى ذِكره، ولم يُسمَع متكلّم قبله ولا بعده أبلَغ منه في منْطقه(3) .

ثمّ قال: (الحمد لله الذي خلَق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور مَن غرّته والشقيّ مَن فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا فإنّها تقطع رجاء مَن ركن إليها، وتُخيّب طمَع مَن طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمرٍ قد أسخطتُم الله فيه عليكم، وأعرَض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنِعم الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم، أقررتُم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتْلهم، وقد استحوَذ عليكم الشيطان فأنساكم ذِكر لله العظيم، فتبّاً لكم ولِما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين)(4) .

(أيّها الناس، انسبوني مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحلّ لكم قتْلي وانتهاك حُرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّة وابن عمّه

____________________

(1)يونس / 71.

(2)الأعراف / 196.

(3)تاريخ الطبري: 6 / 242.

(4)مقتل محمّد بن أبي طالب.


وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء مِن عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي، أو ليس جعفر الطيّار عمّي، أوَ لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟

فإن صدّقتموني بما أقول، وهو الحقّ فوَ الله ما تعمّدت الكذِب منذ علِمتُ أنّ الله يمْقت عليه أهله، ويضرّ به مَن اختلقه، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس ابن مالك، يخبرونكم إنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي).

فقال الشمر: هو يعبُد الله على حرْف إن كان يدري ما يقول.

فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي أراك تعبُد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق، ما تدري ما يقول، قد طبَع الله على قلبك.

ثمّ قال الحسينعليه‌السلام : (فإن كنتم في شكٍّ مِن هذا القول أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوَ الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيركم، ويْحَكم! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة؟) فأخذوا لا يكلّمونه.

فنادى: ياشبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد ابن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن أقدِم قد أينع الثمار واخضرّ الجناب، وإنما تقدِم على جُندٍ لك مجنّدة.

فقالوا: لم نفعل.

قال: سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم. ثمّ قال: (أيّها الناس، إذا كرهتموني، فدَعوني أنصرف عنكم إلى مأمَني مِن الأرض، فقال له قيس بن الأشعث: أوَ لا تنزل على حُكم بني عمّك؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه.


فقال الحسينعليه‌السلام : أنت أخو أخيك أتُريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر مِن دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا إفرّ فِرار العبيد (1)، عِباد الله( إنّي عُذْت بربّي وربِّكم أنْ ترْجِمُونِ ) أعوذ بربّي وربّكم مِن كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب(2) .

13 - الاستنصار الثاني في يوم عاشوراء:

ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام ركِبَ فرَسه، وأخذ مصحفاً ونشَره على رأسه، ووقف بإزاء القوم وقال: (يا قوم، إنّ بيني وبينكم كتاب الله، وسنّة جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(3) .

ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة، وما عليه من سيف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ودرعه وعمامته، فأجابوه بالتصديق. فسألهم عمّا أقدمهم على قتله، قالوا: طاعة للأمير عبيد الله بن زياد، فقالعليه‌السلام :

(تبّاً لكم أيّها الجماعة وترَحاً! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجِفين، سللتُم علينا سيفاً لنا في أَيمانكم، وحششتُم علينا ناراً اقتدحناها على

____________________

(1)بالفاء الموحّدة فيما رواه ابن نما في مثير الأحزان: ص26، وهو أصحّ ممّا يمضي على الألسُن، ويوجد في بعض المقاتل بالقاف مِن الإقرار؛ لأنّه على هذا تكون الجملة الثانية غير مفيدة إلاّ ما أفادته التي قبلها، بخلاف على قراءة (الفرار) فإنّ الجملة الثانية تفيد أنّه لا يفرّ من الشدّة والقتل كما يصنعه العبيد، وهو معنى غير ما تؤدّي إليه الجملة التي قبلها، على أنّه يوجد في كلام أمير المؤمنين ما يشهد له، ففي تاريخ ابن الأثير: ج3 ص148، وشرح نهج البلاغة: ج1 ص 104 المطبعة الأميرية: أنّ أمير المؤمنين قال في مصقلة بن هبيرة لمّا فرّ إلى معاوية: ما له فَعل فِعْل السيّد، وفرّ فِرار العبد، وخان خيانة الفاجر؟

(2)مقتل الحسين للسيّد عبد الرزاق المقرّم: 254 - 257.

(3)تذكرة الخواص: ص143.


عدوّنا وعدوّكم؟ فأصبحتم ألباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدْلٍ أفشَوه فيكم، ولا أمَل أصبح لكم فيهم، فهلاّ لكم الوَيلات، تركتمونا، والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لمّا يُستحصف، ولكن أسرعتم كطَيرة(1) الدبا، وتداعيتم عليها، كتهافت الفَراش، ثمّ نفضتموها، فسُحقاً لكم يا عبيد الأمَة وشذّاذ الأحزاب، ونبَذة الكتاب، ومحرّفي الكلِم، وعصبة الإثم، ونفثة الشيطان، ومطفئي السُنن! وَيحَكم! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟ أجَل والله غدرٌ فيكم قديم وشِجَت عليه أُصولكم، وتأزّرت فروعكم، فكنتم أخبث ثمَر، شجىً للناظر وأكْلة للغاصب).

(ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعيّ قد ركَز بين اثنتين بين السِلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرَت وأنوفٌ حَمِية ونفوس أبيّة مِن أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأُسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر)(2) .

14 - الاستغاثة الأخيرة للحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء:

ولمّا نظر الحسينعليه‌السلام كثرة مَن قُتل مِن أصحابه، قبض على شيبته المقدّسة وقال: (اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبَدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتْل ابن بنت نبيّهم، أما والله لا أُجيبهم

____________________

(1)بالكسر فالفتح (تاج العروس).

(2)نقلناها من اللهوف: ص54، ورواها ابن العساكر في تاريخ الشام: ج4 ص333، والخوارزمي في المقتل: ج2 ص6.


إلى شيءٍ يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي)، ثمّ صاح: أما مِن مغيث يغيثنا، أما مِن ذابٍّ يذبّ عن حُرَم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) ، فبكت النساء وعَلا صراخهنّ.

وسمع الأنصاريّان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين واستغاثته وبكاء عياله وكانا مع ابن سعد، فمالا بسيفهما على أعداء الحسين، وقاتلا حتّى قُتلا(2) .

قال السيّد (رضي عنه الله): ولمّا رأى الحسينعليه‌السلام مصارع فتيانه وأحبّته عزم على لقاء القوم بمُهجته ونادى: هل مِن ذابٍّ يذبّ عن حُرَم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هل مِن موحّد يخاف الله فينا، هل مغيث يرجو الله بإغاثتنا، هل مِن معين يرجو ما عند الله في إعانتنا. فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب: ناوليني ولَدي الصغير حتّى أودّعه، فأخَذه وأومأ إليه ليُقبّله، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهْمٍ، فوقع في نحره، فذبحه(3) .

فقالعليه‌السلام لزينب: خُذيه، ثمّ تلقّى الدم بكفّيه، فلمّا امتلأت رمى بالدم نحو السماء، ثمّ قال: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعَين الله(4) .

وحكى السبط في التذكرة عن هشام بن محمّد الكعبي قال: لمّا رآهم الحسينعليه‌السلام مصرّين على قتْله، أخذ المصحف ونشره وجعله على رأسه ونادى: (بيني وبينكم كتاب الله وجدّي محمّد رسول الله، يا قوم بم تستحلّون دمي؟)، فَساقَ الكلام(5) إلى أن قال: فالتفت الحسينعليه‌السلام ، فإذا بطفل له يبكي عطشاً،

____________________

(1)اللهوف: ص57.

(2)الحدايق الوردية (مخطوط).

(3)الملهوف: ص102.

(4)الملهوف: ص103.

(5)هذا كلامهعليه‌السلام الذي ساقه: ألست ابن بنت نبيّكم، ألَم يبلغكم قول جدّي فيَّ وفي أخي =


فأخذه على يده وقال: يا قوم إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، فرماه رجُل منهم بسهْم فذبَحه، فجعل الحسينعليه‌السلام يبكي ويقول: (اللهم اُحكم بيننا وبين قومٍ دعونا لينصرونا فقتلونا). فنوديَ مِن الهواء: دعْه يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة.

ثمّ قال: ورماه حُصَين بن تميم بسَهْم فوقع في شفتَيه، فجعل الدم يسيل مِن شفتيه وهو يبكي ويقول: (اللهم أشكو إليك ما يُفعل بي وبإخوَتي وولْدي وأهلي - الخ)(1) .

15 - استنصار زهير (رحمه الله) يوم عاشوراء:

وخرج إليهم زهير بن القين على فرَس ذنوب، وهو شاكٍ في السلاح فقال: (يا أهل الكوفة نذار لكم مِن عذاب الله نذار، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة على دينٍ واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنّا أُمّة وأنتم أُمّة. إن الله ابتلانا وإيّاكم بذرّية نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء عُمر سلطانهما، لَيسملان أعْينكم ويقطّعان أيديَكم وأرْجُلِكم، ويمثّلان

____________________

= (هذان سيّدا شباب أهل الجنة)، إن لم تصدّقوني فاسألوا جابراً وزيد بن أرقم وأبا سعيد الخدري، أليس جعفر الطيّار عمّي؟ فناداه شمر: الساعة ترد الهاوية. فقال الحسينعليه‌السلام : الله أكبر أخبرني جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: رأيت كأنّ كلباً وَلغ في دماء أهل بيتي وما أخالك إلاّ إيّاه. فقال شمر: أنا أعبُد الله على حرف إن كنتُ أدري ما تقول. فالتفت الحسين فإذا بطفل له - الخ (منه). تذكره الخواص: 143.

(1)تذكرة الخواص / ص143.


بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني بن عروة وأشباهه).

فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودَعوا له وقالوا: لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سِلماً.

فقال زهير: عباد الله إنّ وُلد فاطمة أحقّ بالودّ والنصر مِن ابن سميّة، فإن لم تنصروهم فأُعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلّوا بين هذا الرجُل وبين يزيد، فلَعمري إنّه لَيرضى من طاعتكم بدون قتْل الحسينعليه‌السلام .

فرماه الشمر بسهم وقال: اسكُت أسكَت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك.

فقال زهير: يابن البوّال على عقِبَيه ما إيّاك أُخاطب، إنّما أنت بهيمة، والله ما أظنّك تُحكِم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال الشمر: إنّ الله قاتِلك وصاحبك عن ساعة.

فقال زهير: أفبالموت تخوّفني؟ فو الله للموت معه أحبّ إليَّ مِن الخُلد معكم، ثمّ أقبل على القوم رافعاً صوته وقال:

عِباد الله لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلَف الجافي وأشباهه، فو الله لا تنال شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قوماً هرقوا دماء ذرّيته وأهل بيته، وقتلوا مَن نصرَهم وذبّ عن حريمهم.

فناداه رجُل مِن أصحابه أنّ أبا عبدالله يقول لك: أقبِل، فلَعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء، فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت لو نفع النُصح والإبلاغ(1) .

____________________

(1)تاريخ الطبري 6 / 243.


ب - الدلالات

الدلالات الأربعة لخطاب الاستنصار الحسيني

لخطاب الاستنصار الحسيني أربع دلالات:

1 - الدلالة السياسية 2 - الدلالة الحركية 3 - الدلالة الولائية 4 - الدلالة الشمولية.

وفيما يلي توضيح وشرح لهذه الدلالات الأربعة التي يتضمّنها الخطاب الحسيني.

1 - المضمون السياسي لخطاب الاستنصار الحسيني

الاستنصار، والتعبئة، وتحشيد الرأي العام، والإعلام ضدّ الطاغية، مِن مقوّمات كلّ مواجهة سياسية ضد نظام حاكم، يحكم بالظلم.

فإنّ الصراع على الحكم بين الحاكم والمعارضة صراع غير متكافئ من الناحية الميدانية.

ذلك أنّ الحاكم يملك من القوّة والمال والإعلام والسلطان ما لا يتملّكه المعارضة.

ولا غِنى للمعارضة، أيّة معارضة، في معركة من هذا القبيل مِن أن تعمل كلّ جهدها، وتسعى لكسب الرأي العام إلى جانبها، وكسب القوّة والاستنصار،


وتحشيد الرأي العام والتعبئة.

ونحن على يقين أنّ الحسينعليه‌السلام لم يكن يفكّر، يوم أقدم على الخروج... في أن يهزم طاغية عصره في مواجهة عسكرية ميدانية، ولا نحتاج إلى محاسبات عسكرية وسياسية؛ لنعرف أنّ الحسينعليه‌السلام لم يكن بصدد إسقاط يزيد، وانتزاع السلطان والـمُلك والحُكم مِن يده، وهو أَولى به مِن غيره.

وإنّما كان الحسينعليه‌السلام يفكّر في أمرين أحدهما سياسي، والآخَر حرَكيّ.

أمّا الهدف السياسي مِن حركة الحسينعليه‌السلام : وهو إلغاء شرعية الخلافة الأُمَوية وفضْح يزيد، وكسْر هيبته وعزله سياسياً واجتماعياً.

وأمّا الهدف الحرَكي فهو توعية الناس، وكسْر حاجز الخوف، وتحريك الناس وتثويرهم؛ لإسقاط نظام الطاغية، واستنهاض الأمّة، وإعادة إرادتها المسلوبة ووَعيِها المسلوب إليها.

والهدف الأوّل هدف سياسي بالتأكيد، والحسينعليه‌السلام يدخل في مواجهة سياسية مع أعْتى نظام سياسي وأشرسه، والاستنصار جزء مِن هذه المعركة.

والاستنصار دعوة إلى تطويق النظام الأُمَوي ومحاصرته وعزله، وتحجيم دَوره وإلغاء شرعيّته... وهو جزء مِن رسالة الإمام الحسينعليه‌السلام في هذه المعركة الشاملة.

2 - المضمون الحركي لخطاب الاستنصار الحسيني

والدلالة الأخرى لخطاب الاستنصار الحسيني هي الدلالة الحركية...

ولتوضيح ذلك لا بدّ أن نرسم الإطار العام لخروج الحسينعليه‌السلام ، وعناصر هذا الإطار ثلاثة:

1 - رفض البيعة ليزيد: وقد أعلن الحسينعليه‌السلام رفضه لبيعة يزيد عندما أرسَل


الوليد والي بني أُميّة في المدينة، يطالبه بالبيعة بعد هلاك معاوية، وكان ذلك بحضور مروان بن الحكم، فامتنع الحسينعليه‌السلام مِن البيعة، وقال مثْلي لا يبايع سرّاً، فإذا دعوت الناس دعوتنا معهم.

فاقتنع الوليد، لكن مروان ابتدره قائلاً: إن فارقك الساعة، ولم يبايع لم تقدر منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتّى يبايع أو تضرب عُنقه.

فقال الحسينعليه‌السلام : يابن الزرقاء(1) أنت تقتلني أمْ هو، كذِبتَ وأثِمْت.

ثمّ أقبل على الوليد، وقال: أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجُل شارب الخمور، وقاتل النفس المحترمة، معلِن بالفِسق، ومثْلي لا يبايع مثْله، ولكن نصبح وتصبحون(2) .

وفي كربلاء خطَب الحسينعليه‌السلام وقال: (إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد خيَّر بين السِلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسولُه وحجورٌ طابت وطهُرَت).

2 - إعلان الرفض: لم يتكتّم الحسينعليه‌السلام برفضْه البيعة، وعرَف الناس جميعاً أنّ الحسينعليه‌السلام ممتنع عن البيعة، ونصَحه بعض الناس بالبيعة وآخَرون أن يُخفي نفسه عن الأمصار.

ولكن الحسينعليه‌السلام أعلن أنّه يرفض البيعة ويريد الخروج إلى مكّة، وترَك وصيّته إلى بني هاشم وكافّة المسلمين عند أخيه محمّد بن الحنفية، وغادر المدينة

____________________

(1)الزرقاء جدّة مروان وكانت مِن البغايا المعروفات. الفخرية: 88.

(2)مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرّم، عن الطبري وابن الأثير، والإرشاد، وأعلام الورى، ومثير الأحزان لابن نما الحلّي.


إلى مكّة، سالكاً الطريق العام الذي يسلكه الناس، ويراه الناس فيه، فقيل له لو تنكّبت الطريق الأعظم، كما فعل ابن الزبير قال: لا والله لا أُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاضٍ(1) .

ودخل مكّة، وهو يقرأ:

( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى‏ رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ ) (2) .

ونزل دار العباس بن عبد المطّلب(3) ، واختلف إليه أهل مكّة ومَن بها مِن المعتمرين وأهل الآفاق، وكان ابن الزبير يأتي إلى الحسينعليه‌السلام فيمَن يأتيه.

وكان بإمكان الحسينعليه‌السلام أن يأخذ بنصيحة مَن ينصحه، بإخفاء نفسه، فيخفي نفسه عن الأنظار، ويذهب إلى بعض الثغور، ويبتعد عن الأضواء، وبذلك يسلَم مِن أذى بني أُمية وكَيدهم، وكان لا يخفى هذا الوجه على الحسينعليه‌السلام ، كما صرّح بذلك لجُملةٍ مِن الذين نصحوه، ولكنّه أصرّ أن يرفض البيعة، وأصرّ أن يُعلِن رفْضه، ويبقى تحت الأضواء، ويصارح الناس برأيه في يزيد وبيعته، وبأنّه أحقّ بذلك مِن كلّ إنسان آخَر على وجه الأرض.

3 - الخروج والثورة: وأصرّ الحسينعليه‌السلام بعد ذلك أن يخرج مِن الحجاز إلى العراق؛ ليواجه فيه بني أُمية.

وإذا أنعمنا النظر في كلمات أولئك الذين نصحوا الحسينعليه‌السلام بالامتناع عن الخروج إلى العراق، نجد أنّ كلامهم يتضمّن ثلاث نقاط.

الأُولى: إنّ خروج الحسينعليه‌السلام إلى العراق بمعنى الثورة(4) والمواجهة

____________________

(1)إرشاد المفيد.

(2)القصص / 22.

(3)تاريخ ابن العساكر: 4: 328.

(4)انظر نصيحة محمد بن الحنفية للحسينعليه‌السلام في المدينة - الكامل في التاريخ لابن الأثير 4: 7، =


بعَينها لنظام بني أُمية.

والثانية: إنّ شيعة الحسينعليه‌السلام في العراق إذا وفَوا للحسينعليه‌السلام بعهودهم ومواثيقهم، فلن يستطيعوا أن يدفعوا عن الحسينعليه‌السلام كيد بني أُمية ومكْرهم وشرّهم، ولن يغلبوا سلطان بني أُمية على العراق.

والثالثة: وبناءً على ذلك فإنّ الحسينعليه‌السلام إذا خرج إلى العراق فهو مقتول لا محالة.

ولم تكن هذه الحقائق تخفى على الإمامعليه‌السلام ، ولم يكن يجهل الإمامعليه‌السلام أنّ خروجه إلى العراق بمعنى الخروج على سلطان بني أُمية علانية، ولم تكن تخفى على الحسينعليه‌السلام عاقبة هذا الخروج.

ولا يصحّ ما يرويه بعض الناس أنّ الحسينعليه‌السلام طلب منهم أن يُخلوا له الطريق إلى بعض الثغور، بعيداً عن الأضواء، وبعيداً عن التصدّي والمواجهة، فلا يعطيهم يده للبيعة، ولا يتصدّى للخروج والمواجهة.

روى الطبري وابن الأثير عن عقبة بن سمعان أنّه قال: صحبت حسيناً، فخرجت معه مِن المدينة إلى مكّة ومِن مكّة إلى العراق، ولم أُفارقه حتّى قُتِلعليه‌السلام ، وليس مِن مخاطبته الناس كلمة بالمدينة، ولا بمكّة، ولا في الطريق ولا بالعراق، ولا في معسكرٍ إلى يوم قتله إلاّ وقد سمعتُها. لا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون مِن أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن

____________________

ونصيحته له في مكّة - البحار: 44، ونصيحة عبدالله بن جعفر الطيّار له بالامتناع عن الخروج إلى العراق - الطبري 6: 219، ونصيحة عبدالله بن العباس له - الكامل في التاريخ لابن الأثير 4: 16، ونحن نشكّ في صدْق كلّ هؤلاء في نصيحتهم للحسينعليه‌السلام ، ولا نشكّ أنّ الحسينعليه‌السلام لم يكن يخفى عليه هذا الوجه مِن الرأي.


يُسيّروه إلى ثغْر مِن ثغور المسلمين، ولكنّه قال: (دعوني في هذه الأرض حتّى ننظر ما يصير أمر الناس)(1) .

وكان مِن رأي محمّد بن الحنفية أن يُخفي الحسينعليه‌السلام نفسه عن الأنظار، ويبتعد عن أجواء المواجهة والتصدّي، ويلتحق بالجبال وشُعَب الجبال، ويخرج مِن بلد إلى آخَر، حتّى ينظر ما يصير إليه أمر الناس(2) .

فأبى الحسينعليه‌السلام وأصرّ على الخروج.

ونصَحه ابن عباس أن يسير إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشِعاباً وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيهعليه‌السلام بها شيعة، وهو عن الناس في عزلة.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (يابن العمّ إنّي والله أعلم إنّك ناصح مشفق، وقد أزمعت على المسير)(3) .

إذن فإنّ الحسينعليه‌السلام كان يقصد الخروج ويريده، وهو على عِلم بكلّ لوازمه وتبِعاته وعواقبه.

هذا هو الإطار العام لحركة الإمام الحسينعليه‌السلام وموقفه مِن المدينة إلى كربلاء، وفي هذا الإطار نستطيع أن نفْهم الاستنصار الحسيني.

إنّ الحسين يعلم أنّه إن خرَج إلى العراق يُقتل لا محالة، وكلّ القرائن والدلائل تشير إلى هذه الحقيقة.

إذن فإنّ الحسينعليه‌السلام يطلب النصر بالقتْل والدم. ولم يكن يفطَن يومئذٍ ابنُ عباس وعبدالله بن جعفر الطيّار ومحمّد بن الحنفية لهذه الوسيلة التي اتّخذها

____________________

(1)تاريخ الطبري 7: 314، والكامل في التاريخ لابن الأثير 4: 15.

(2)تاريخ الطبري 6: 191، وأنساب الأشراف 4: 15.

(3)الكامل في التاريخ لابن الأثير 4: 16.


الحسينعليه‌السلام يومئذٍ طريقاً إلى النصر.

لقد كان الحسينعليه‌السلام شاهداً لنجاح المؤامرة الأُموية، التي قادها آل أبي سفيان للانقلاب على الأعقاب... وقد فقدت الأمّة في عرضها العريض حصانتها تجاه هذه المؤامرة، وعاد الضمير الإسلامي لا يملك الدرجة الكافية من المناعة والمقاومة.

ولا يختلف في ذلك أهل العراق عن أهل الشام، وأهل مصر عن أهل الحجاز، فأراد الحسينعليه‌السلام أن يُحدث هزّة بشهادته وشهادة الثُلّة الطيّبة مِن أهل بيته وأصحابه في الضمير الإسلامي، ويُعيد إليهم ما سلَبه منهم آل أبي سفيان مِن ضمائرهم وعزائمهم ورُشدهم.

وقد كان الذي يريده الحسينعليه‌السلام بمصرعه ومصرع أهل بيته وأصحابه والمأساة التي يتناقلها أهل السِيَر، فأحدث في الضمير الإسلامي هزّةً عنيفة، وصحوة ضميرٍ كانت مبدأ كثير مِن البركات والثورات والوعي واليقظة السياسية في تاريخ الإسلام.

المؤامرة الأُموية على دم الحسينعليه‌السلام

وقد خطّط آل أبي سفيان لإهدار دم الحسينعليه‌السلام في مكّة في موسم الحج، وبلغ الحسينعليه‌السلام أنّ يزيد أنفَذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر، وأمّره على الحج ووَلاّه أمْر الموسم، وأوصاه بالفتْك بالحسين أينما وجدَهُ(1) ، فعجّل الحسين بالخروج مِن مكّة قبل الوقوف بعرَفات يوم الترْوية، ولم يُمكّن بني أُمية مِن اغتياله فيذهب دمه هدراً؛ وبذلك أحبط المؤامرة التي خطّط لها بنو أُمية.

____________________

(1)مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرّم / ص172، والمنتخب / ص172.


يروي أبو مخنف عن أسديَّين قالا: خرجنا مِن الكوفة حتّى قدِمنا مكّة، فدخلنا يوم الترْوية فإذا نحن بالحسينعليه‌السلام وعبد الله بن الزبير قائمَين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحِجر والباب... فسمعنا ابن الزبير يقول الحسينعليه‌السلام : إن شئتَ أن تُقيم أقمتَ فوَليتَ هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك.

فقال الحسينعليه‌السلام : (إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبْشاً يستحلُّ حُرْمتها، فما أحبّ أن أكون ذلك الكبش)(1) .

ولمّا بلغ عمرو بن سعيد أنّ حسيناً قد خرج، فقال اطلبوه. اركبوا كلّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه. فعجِب الناس مِن قوله هذا(2) .

فاعترضهعليه‌السلام يحيى بن سعيد بن العاص ومعه جماعة أرسلهم عمرو بن سعيد إليه فقالوا لهعليه‌السلام : انصرف أين تذهب؟ فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسينعليه‌السلام وأصحابه امتناعاً قويّاً(3) .

وواضح لـمَن يعلم خفايا كيد بني أُمية، أنّ بني أُمية كانوا لا يريدون أن يعطوا للحسينعليه‌السلام فرصة للخروج والثورة، وكانوا يخطّطون لاغتيال الحسينعليه‌السلام .

وقد جاء عمرو بن سعيد بن العاص مِن عند يزيد بخطّة كاملة؛ لاغتيال الحسينعليه‌السلام في الموسم.

فلمّا علِم الإمام بذلك غادر مكّة إلى العراق يوم الترْوية، ليفوِّت على آل أبي سفيان فرصة المؤامرة، ويحبط عليهم خطّتهم.

وقد أزعج عمرو بن سعيد بن العاص نبأ مغادرة الحسينعليه‌السلام للموسم يوم

____________________

(1)تاريخ الطبري 7 / 275 - 276.

(2)العقد الفريد 4 / 377.

(3)الإرشاد / 201.


التروية بهذه الصورة، وأرسل إليه يحيى بن سعيد بن العاص ليطلب من الحسين أن يعود إلى الموسم، إلاّ أنّه رجع من دون أن يحقّق شيئاً ممّا كان يريده عمرو بن سعيد بن العاص، كما لم يصنع مروان بن الحكَم قبله شيئاً، عندما أنكر على الوليد أن يترك الحسينعليه‌السلام ليخرج مِن عنده مِن غير بيعة في تلك الليلة.

وقال له بصراحة (إن فارقك الساعة ولم يبايع، لم تقدر منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجُل حتّى يبايع أو تضرب عنقه).

ولكن الحسينعليه‌السلام كان قد أعدّ العدّة لمثْل هذه المفاجأة مِن قبْل، فصحِبَ معه جمْعاً مِن الفتيان، وقَفوا بسيوفهم على باب الأمير؛ ليتدخّلوا بالقوّة إذا اقتضى الأمر، وكان كذلك.

عَودة إلى الدلالة الحرَكية للخطاب الحسيني:

إذن كان الحسينعليه‌السلام يُعدّ نفسه للخروج والثورة على يزيد، وهو لا يريد بهذه الثورة إلحاق هزيمة عسكرية بيزيد، وإنّما يريد أن يستنهض المسلمين ويحفّزهم ويحرّكهم لمقاومة الظالم، ويُعيد إليهم وعْيهم وضمائرهم وعزائمهم كما قلنا.

فلست أدري ماذا دهى المسلمين حتّى رضوا بيزيد بن معاوية خليفة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يمض مِن وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر مِن نصف قرن.

وخطاب الاستنصار الحسيني يحمل الدعوة إلى الثورة والمقاومة في وجه الظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(أيّها الناس إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرام الله،


ناكثاً عهده مخالفاً لسُنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيَّر عليه بفِعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله). وهذه هي الصفة البارزة الأُولى في خطاب الاستنصار الحسيني.

3 - المضمون الوَلائي لاستنصار الحسينعليه‌السلام :

للاستنصار علاقة وثيقة بشبكة الولاء، فتجب النُصرة في شبكة الولاء عند الاستنصار. وشبكة الولاء ذات بُعدين: البُعد العمودي، والبُعد الأفقي، وهما سواء في وجوب النصرة عند الاستنصار.

البُعد العمودي مِن شبكة الولاء:

أمّا البعد العمودي في هذه الشبكة فهو الولاء لله ولرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولأئمّة المسلمين وأولياء أمورهم. يقول تعالى:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) وقد ورَد في تفسير هذه الآية المباركة بأسانيد مستفيضة عن طُرق الفريقين، أنّ الآية الكريمة نزلت في عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إمام المسلمين، وهو المقصود بقوله تعالى:( الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) عندما تصدّق بخاتمه وهو راكع في الصلاة خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقول تعالى:( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) .

البُعد الأفقي مِن شبكة الولاء:

وأمّا البُعد الأفقي في هذه الشبكة فهو الولاء للمؤمنين: (المؤمنون بعضهم

____________________

(1)المائدة / 55.

(2)النساء / 59.


أولياء بعض) وعلى هذا البُعد من شبكة الولاء: المؤمنون أُسرة واحدة، تربطهم رابطة الولاء، مهما كانت لُغاتهم وألوانهم وأوطانهم وطبقاتهم.

ويشترك البُعد العمودي والبُعد الأفقي في الولاء في وجوب الحبّ والنصر والنصيحة والسلام، ويتميّز البُعد العمودي من الولاء بوجوب الطاعة، فتجب طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أُولي الأمر، وطاعة مَن يأمر الله تعالى ورسوله وأُولوا الأمر بطاعتهم.

الصيغة التوحيدية في شبكة الولاء:

وكلّ ما يجب في هذه الشبكة على أعضائها من الحبّ والنصر والتعاون والنصيحة والسلام والتعاون والطاعة، إنّما يجب بأمر الله تعالى.

ويأتي في امتداد طاعة الله تعالى وحده، فلا طاعة لرسول الله ولا لأُولي الأمر مِن دون طاعة الله، وإنّما يجب طاعتهما بأمر الله.

ولا يجب حبّ رسول الله ولا أُولي الأمر ولا المؤمنين، ولا يجب نصرهم ولا تجب نصيحتهم، إلاّ بأمر الله تعالى.

وهذه هي الصيغة (التوحيدية) لشبكة الولاء، وهي خصوصية بارزة ومحوَرية في كلّ هذه الشبكة، وفي كلّ ما يجب ويحرم في هذه الشبكة الواسعة، وفي أعضاء أُسرة التوحيد الكبيرة.

مقوّمات الولاء في البُعد الأفقي:

يقول تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (1).

____________________

(1)الأنفال / 72.


وهذه المجموعة من العناصر هي التي تشدّ المؤمنين بعضهم ببعض بآصرة الولاء. وهذه المجموعة هي الإيمان، والهجرة، والجهاد، بالأموال والأنفس والإيواء والنُصرة.

والآية الكريمة وإن كانت تُشير إلى المهاجرين والأنصار صدر الإسلام. ولكن تبقى هذه العناصر بروحها مِن ثوابت الولاء، ولا ولاء مِن دونها بين المؤمنين.

ذلك أنّ أُسرة التوحيد الكبيرة كلّها في مواجهة الشِرك والكفر والظلم والاستكبار.

وهذه المواجهة حتمية مِن ناحية، ومصيرية مِن ناحية أخرى. فلا بدّ أن يدخل المؤمنون في هذه المواجهة كتلة واحدة وصفّاً واحداً، تربطهم آصرة الولاء أولئك بعضهم مِن بعض، كما أنّ الأمر كذلك في أُسرة الشرك والكفر تدخل في هذه المواجهة كتلة واحدة، تربطها علاقة الولاء العضوية بعضهم مِن بعض.

الولاء والإيمان الحقّ:

والإيمان الحقّ، هو الإيمان الفاعل المؤثّر الذي يشدّ بعض المؤمنين ببعض، ويجعلهم في مواجهة الكفر والشرك والاستكبار. والإيمان الحقّ خصيب وليس بعقيم. يوصِل ويفصل: يوصِل المؤمنين بعضهم ببعض، ويفصل المؤمنين عن المشركين والكافرين.

والإيمان الحقّ مصدر عطاء وثورة ونصر وفِعل في حياة الإنسان المسلم. ولا يكون الإيمان حقّاً إلاّ ضمن شبكة الولاء بكلّ مقوّماتها.

يقول تعالى:( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا


وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ) (1) .

وهذه هي القضية الأُولى، والقضية الثانية أنّ المؤمنين حقّاً بعضهم مِن بعض.

يعني أنّ الإيمان الحقّ يجمع شتات المؤمنين، ويجعلهم كتلة واحدة وصفّاً واحداً، ويجعل بعضهم مِن بعض كأعضاء الجسد الواحد.

خصائص وآثار شبكة الولاء

السلام والعِصمة في شبكة الولاء:

ومِن أهمّ خصائص شبكة الولاء حالة (السلام) و(العِصمة). الإنسان المسلم يتعامل مع الآخَرين بسلام. ويتمتّع تجاه تعامل الآخَرين بالعِصمة. يمنح الآخَرين السلام في تعامله معهم وعلاقته بهم، ويتمتع هو بالعصمة فلا يحقّ له أن يعتدي على أحد، ولا أن يؤذي أحداً من المسلمين ويظلمه، كما لا يحقّ لأحد أن يخترق العِصمة التي منحها الله تعالى، ويهتكها.

فهو يعيش مع الآخَرين (بسلام) مِن طرف، ويطالب الآخَرين (بالعصمة) مِن طرف آخَر، وهذا أحد أهمّ بنود الولاء في علاقة المؤمنين بعضهم ببعض داخل شبكة الولاء.

وإليكم توضيحاً موجزاً لهاتين الكلمتين: (السلام) و (العصمة).

معنى السلام:

رُوي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (المسلم مَن سلِم المسلمون مِن لسانه ويده إلاّ بالحقّ، ولا يحقّ أذى المسلم إلاّ بما يجب).

____________________

(1)الأنفال / 74.


وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يخونه، ويحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاقد على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم الله رُحماء بينكم، متراحمين)(1) .

وشبكة الولاء على متانتها واستحكامها وقوّتها حسّاسة شديدة الحساسية تجاه الإساءة والأذى.

عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : (إذا قال رجُل لأخيه المؤمن أُفٍّ، خرج مِن ولايته).

(وإذا قال: أنت عدوّي كفر أحدهما. ولا يُقبَل مِن مؤمن عملاً، وهو مضمِر على أخيه سوءاً)(2) .

وعن الصادقعليه‌السلام : (إنّ اللعنة إذا خرجت مِن صاحبها تردّدت بينه وبين الذي يُلْعَن، فإن وجدت مساغاً، وإلاّ رجعت إلى صاحبها، وكان أحقّ بها، فاحذروا أن تلعَنوا، فيحلّ بكم)(3) .

معنى العِصمة:

وفي العصمة روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (المسلم على المسلم حرام: دمه وعِرضه وماله)(4) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذّبه ولا يخذله. كلّ المسلم على المسلم حرام عِرضه وماله ودمه)(5) .

____________________

(1)وسائل الشيعة 8 / 543.

(2)وسائل الشيعة 8 / 611.

(3)وسائل الشيعة 8 / 613.

(4)مسند أحمد بن حنبل 2 / 491.

(5)سُنن الترمذي 4 / 325، ح1927.


وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (كلّ مسلم على مسلم محرّم)(1) .

عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقف بمِنى حين قضى مناسكها في حجّة الوداع فقال: (أيّها الناس اسمعوا ما أقول لكم واعقلوا عنّي، فإنّي لا أدري لَعلّي لا ألقاكم في هذا الموقف بعد عامِنا هذا، ثمّ قال: أيّ يوم أعظم حرمة؟ قالوا هذا اليوم، قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا: هذا الشهر. قال: فأيّ بلد أعظم حرمة قالوا: هذا البلد.

قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تلقَونه فيسألكم عن أعمالكم. ألا هل بلّغت؟ قالوا نعم(2) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أُمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا اله إلاّ الله، فإذا قالوا، فقد حَرُم عليَّ دماؤهم وأموالهم)(3) .

وعن أبي هُريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله. عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله)(4) .

علاقة النصر بشبكة الولاء:

وعلاقة النصر بشبكة الولاء علاقة وثيقة ومُحكمة.

يقول تعالى:( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) (5) .

____________________

(1)مسند أحمد بن حنبل 5: 4 و5.

(2)الكافي، الفروع 7: 373، ووسائل الشيعة 19: 2.

(3)بحار الأنوار 68: 242.

(4)مشكاة المصابيح / ص12 - 14.

(5)الأنفال / 72.


فإذا استنصر المسلمين مسلمون من مشارق الأرض أو مغاربها وجَب على المسلمين - على نحو الكفاية - المبادرة إلى نصرهم.

عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن أصبح ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم، ومَن سمع رجُلاً ينادي يا للمسلمين فلم يُجبه فليس بمسلم)(1) .

وعن البراء بن عازب قال: أمَر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بسبْع ونهانا عن سبْع. فذكَر ردّ السلام ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإبرار القسَم(2) .

وعن الصادق عن أبيهعليهما‌السلام قال: (لا يحضرنّ أحدُكم رجُلاً يضربه سلطان جائر ظُلماً وعدواناً، ولا مقتولاً ولا مظلوماً إذا لم ينصره؛ لأنّ نصرة المؤمن على المؤمن فريضة واجبة، إذا هو حضره، والعافية أوسع ما لم يلزمك الحجّة الظاهرة)(3) .

ويحرم خذلان المسلم إذا دعاه إلى نصرته وهو قادر على نصرته.

عن موسى بن جعفر عن آبائهعليهم‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن أصبح لا يهتمّ باُمور المسلمين فليس مِن الإسلام في شيء، ومَن شهد رجُلاً ينادي يا للمسلمين فلم يُجبه، فليس مِن المسلمين)(4) .

وقد سبق هذا الحديث بلفظٍ قريب.

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (ما مِن مؤمن يخذل أخاه، وهو يقدر على نصرته إلاّ خذله الله في الدنيا والآخرة)(5) .

____________________

(1)وسائل الشيعة 11 / 560.

(2)صحيح البخاري 2 / كتاب المظالم باب 5.

(3)بحار الأنوار 75 / 17 عن قرب الاسناد / ص26.

(4)بحار الأنوار 75 / 21 عن نوادر الراوندي / ص21.

(5)بحار الأنوار 75 / 17 عن آمالي الصدوق / ص291.


وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : (ما مِن مؤمن يُعين مؤمناً مظلوماً، إلاّ كان أفضل مِن صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام).

(وما مِن مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته، إلاّ نصره الله في الدنيا والآخرة)(1) .

استنصاران للحسينعليه‌السلام في قصر بني مقاتل:

وإذا لم يسع المسلم تلبية استنصار المسلمين وإجابة دعوتهم، ونصرهم فلا يحضر استغاثتهم واستنصارهم.

وقد مرّ بنا قريباً قول الإمام الصادقعليه‌السلام ، حسب الرواية: (لا يحضرنّ أحدكم رجُلاً يضربه سلطان جائر ظلماً وعدواناً).

وقد كان الحسينعليه‌السلام إذا استنصر رجُلاً فأبى عليه ينصحه أن يبتعد عنه، ويغيب عن مصرعه؛ لئلاّ يسمع باستغاثته.

وكان للحسينعليه‌السلام لقاءان في منزل قصر بني مقاتل(2) في طريقه إلى كربلاء:

اللقاء الأوّل بعبيد الله بن الحرّ الجعفي، واللقاء الثاني بعمرو بن قيس المشرقي وابن عمّه.

وقد استنصرهم الحسينعليه‌السلام جميعاً، فاعتذروا ولم تطب نفسهم بالموت، فنصحهم الحسينعليه‌السلام أن يبتعدوا عنه ويغيبوا عن مصرعه؛ لئلاّ يسمعوا

____________________

(1)بحار الأنوار 75 / 20 عن ثواب الأعمال / 133.

(2)يقول السيّد عبد الرزّاق المقرّم: إنّ القصر يُنسَب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة يقع بين عين التمر والقطقطانة والقربات، خرّبه عيسى بن علي بن عبد الله بن العبّاس، ثمّ جدّده.


استغاثته فلا يجيبوه، فيكبّهم الله تعالى في النار.

في اللقاء الأوّل التقى بعبَيد الله بن الحرّ الجعفي فاستنصره، فاعتذر عُبَيد الله كما ذكرنا ذلك من قبل، وقال له إنّه لا يشكّ أنّ مَن شايعه كان سعيداً في الآخرة، ولكن نفسه لا تطيب بالموت، وأهدى إلى الحسينعليه‌السلام فرَسه (الملحقة) ومدحها.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا فلا حاجة لنا في فرَسك، ولا فيك، وما كنت متّخذ المضلّين عضُداً، وإنّي أنصحك كما نصحتني: إن استطعت أن لا تسمع صراخنا، ولا تشهد وقعتنا فافعل، فو الله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلاّ أكبّه الله في نار جهنّم)(1) .

واللقاء الثاني في نفس المنزل بعمرو بن القيس المشرقي وابن عمّه، رواه الصدوق في عقاب الأعمال.

قال: دخلت على الحسين أنا وابن عمٍّ لي، وهو في قصر بني مقاتل فسلّمنا عليه.

فقال له ابن عمّي: يا أبا عبد الله هذا الذي أراه خضاب أو شَعرك، فقال: خضاب والشيب إلينا بني هاشم يُعجّل.

ثمّ أقبل علينا. فقال: جئتما لنصرتي، فقلت: إنّي رجُل كبير السِنّ، كثير الدَين، كثير العيال، وفي يدي بضائع الناس ولا أدري ما يكون، وأكره أن أضيع أمانتي.

____________________

(1)مقتل الحسين / لعبد الرزاق المقرّم / 202 - 204 نقلاً عن آمالي الصدوق، المجلس 30، وخزانة الأدب 1 / 298.


وقال له ابن عمّي مثل ذلك.

قال لنا: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، ولا ترَيا لي سواداً، فإنّه مَن سمع واعيتنا، أو رأى سوادنا فلم يُجِبنا، ولم يعبأ، كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أن يكبّه على منخره في النار.

الاستنصار لإتمام الحجّة:

عاشوراء مفترق طريق، ومَن فارق الحسينعليه‌السلام في عاشوراء عن عِلمٍ وعمْد، وسمع واعيته، وحضر استغاثته، فسبيله نار جهنم، لا شكّ في ذلك.

وقد شطر الناس عاشوراء منذ سنة 61هـ إلى اليوم، شطرين: شطْر إلى الجنّة وشطْر إلى النار.

فمَن كان رأيه مِن رأي الحسينعليه‌السلام ، وهواه مع الحسينعليه‌السلام ، وموقفه مع الحسينعليه‌السلام كان سبيله الجنّة.

ومَن كان رأيه مِن رأي يزيد، وهواه مع يزيد، وموقفه مع يزيد كان سبيله النار.

ذلك أنّ الحسينعليه‌السلام وارث الأنبياء والصدّيقين والمرسلين في مسير التاريخ كلّه، فمَن كان هواه مع الحسينعليه‌السلام ، كان لا محالة مع حركة الأنبياء والمرسلين والصدّيقين، ومَن كان هواه مع آل أبي سفيان، كان موقفه لا محالة، مع أعداء الأنبياء وخصومهم.

ولذلك فإن الحسينعليه‌السلام وارث الأنبياء، ويزيد وارث الطغاة والجبابرة، وعاشوراء مِن أيّام (الفرقان) في التاريخ.

وقد شطر عاشوراء الناس كما ذكرنا منذ سنة 61 هـ إلى اليوم شطرين: (أنصاراً) و (أعداءً).


ولسنا نعرف شطراً وسطاً بينهما إلاّ أن يكون مِن المستضعفين الذين يرجون رحمة الله بالاستضعاف. إذن (عاشوراء) مفترَق طريق.

وقد كان الحسينعليه‌السلام يحرص في يوم عاشوراء وقبله أن يتمّ الحجّة على كلّ أولئك الذين وقفوا مع آل أبي سفيان؛ (لئلاّ يكون للناس على الله حجّة)، وكان يحرص أن ينقذ مَن يمكن إنقاذه، ويُصلح مَن يمكن إصلاحه ويهدي مَن يمكن هدايته.

كان الحسينعليه‌السلام يتمّ الحجّة في استنصاره واستغاثته، الذي تكرّر منه على كلّ الذين قاتلوه وحاربوه وظلموه، أو وقفوا مِن مصرعه موقف المتفرّج الذي لا يبالي ماذا حدث.

فقد كانعليه‌السلام يعلم بأنّ لهذا اليوم شأناً كبيراً في التاريخ، وأنّه مفترق الطريق بين الحقّ والباطل والهدى والضلال، فأراد أن يتمّ الحجّة على الناس لئلاّ يكون للناس حجّة.

تنوّع الخطاب الحسيني:

ولذلك نجد أنّ الخطاب الحسيني للاستنصار خطاب متنوّع.

فهوعليه‌السلام حريص على أن ينْفُذ إلى تلك القلوب المغلقة، ويفتحها بأيّ أسلوب ممكن.

فهو يخاطب عقولهم تارة، ويخاطب ضمائرهم تارة، والضمير آخِر قلعة يقاوم الباطل في نفس الإنسان.

ويخاطب قلوبهم وعواطفهم تارة، والعاطفة خزين مبارك مِن الخير والرحمة في نفس الإنسان، وآخِر ما ينضب مِن نفس الإنسان قلبه وعاطفته.

لقد خاطب الحسينعليه‌السلام عقولهم يوم عاشوراء، فقال لهم: (أحين


استنصرتمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً لنا في أَيمانكم، وحشيتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، لا مِن عدْل أفشَوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم).

وخاطب ضمائرهم فقال: (يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دِين.. فكونوا أحراراً في دنياكم).

وخاطب عواطفهم ثالثاً فقال في آخِر استغاثة لهعليه‌السلام : (أما مِن مغيث يغيثنا، أما مِن ذابٍّ يذبّ عن حُرَم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومِن مشاهد الاستغاثة المؤثّرة استسقاؤه للطفل الرضيع يوم عاشوراء، وهو يتلظّى عطشاً، فرفع إليهم الرضيع وقال: (أما منكم مِن أحد يأتنا بشربةٍ مِن الماء لهذا الطفل الرضيع؟)، ثم قال لهم: (اسقوا هذا الرضيع)(1) .

والعاطفة خزين مبارَك مِن الخير والرحمة كما ذكرنا، وآخِر ما ينضب في نفس الإنسان، تفيض بالرقّة والرحمة.

وهذه الرقّة والرحمة التي تفيض بها العاطفة تطهّر القلب ممّا يعلق به مِن الدرَن وتلين القلب. وتفتح مغاليق القلوب.

وقد تنغلق العقول ويتصامم الناس عن نداء العقل، ولكنّهم يستجيبون لنداء العاطفة، وتنفتح له قلوبهم.

4 - المعنى الشمولي لخطاب الحسينعليه‌السلام :

لا نجد مبرّراً للقول بأنّ خطاب الحسينعليه‌السلام بالاستنصار كان مقتصراً على أولئك الذين عاصروا الحسينعليه‌السلام ، وشهدوا وقعة الطف.

____________________

(1)الخصائص الحسينية / للسيد التُستري / ص186.


وليس ثمّة دليل في خطاب الحسينعليه‌السلام لحجْب هذا الخطاب عن الأجيال التي تعاقبت مِن بعده، ممّن لبّوا هذا الخطاب وأسرعوا في الاستجابة له.. فقد كان المجتمع الإسلامي يومئذٍ يمرّ بفترة رهيبة من التاريخ، فقَدَ فيها الكثير من أخلاقيّته وقِيَمه وكفاءاته.

ولست أدري ماذا فعَل معاوية، خلال سِنيِّ حُكمه مِن إفساد وظلم، حتّى بلغ المجتمع الإسلامي في عصر ابنه يزيد هذا المبلغ من ضُعف الإرادة ونضوب القيَم، وفقدان الأخلاق، وليس أدلّ على ما نقول مِن أنّ ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوهم إلى الخروج على يزيد، وهم يعرفون الحسينعليه‌السلام ويعرفون يزيد. ثمّ لا يستجيب له مِن كلّ أولئك الذين خاطبهم الحسينعليه‌السلام ، أو بلَغَهم خطابه، إلاّ اثنين وسبعين رجُلاً فقط.

وأصدق وصف لهذا العصر هو الوصف الذي يصفهم به الحسينعليه‌السلام ، كما يرويه الطبري في التاريخ، وهو أوّل خطبة لهعليه‌السلام بعد وصوله إلى كربلاء:

يقولعليه‌السلام : (إنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلاّ صبابة كصُبابة الإناء، وخسيس عَيشٍ كالمرعى الوبيل. ألا ترَون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟).

وهو وصفٌ دقيق لذلك العصر، ولإثبات هذا الوصف يقول الإمامعليه‌السلام : (ألا ترَون إلى الحقّ لا يُعمل به؟).

ومِن أجْل ذلك نعتقد أنّ خطاب الحسينعليه‌السلام لا يقتصر على عصره، ليس مِن سبب لحجْب هذا الخطاب عن العصور التي تلي ذلك العصر.

ولسنا نريد أن ننفي مخاطبة الناس في ذلك العصر مِن جانب الحسينعليه‌السلام ، ولكنّا نريد أن نقول إنّ روح هذا الخطاب أوسع من ذلك العصر.

إنّ الصراع الذي خاضهعليه‌السلام في سنة إحدى وستين هجرية حلقة متوسّطة مِن


سلسلة طويلة من الصراع بين التوحيد والشِرك والهدى والضلال، يتّصل طرف منه بصراع الأنبياءعليهم‌السلام مع أئمّة الكفر، والحسينعليه‌السلام وارث هذه السلسلة المتّصلة مِن أئمّة التوحيد.

ويتّصل الطرف الآخَر منه بسلسلة طويلة من الصراع، في امتداد الطف يقوده أئمّة التوحيد، حتّى يتسلّم المهدي مِن آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لواء التوحيد، ويطهّر الأرض من رجْس الشِرك والظلم.

وعاشوراء مِن المفاصل الأساسية في هذه السلسلة الممتدّة من الصراع بين التوحيد والشِرك والهدى والضلال.

وخطاب الحسينعليه‌السلام خطابٌ شامل لكلّ أولئك الذين بلَغهم هذا الخطاب، ومكّنهم الله تعالى مِن وراثة تراث عاشوراء، ورزقهم الله الوعي والبصيرة.

التلبية:

والتلبية الواردة في نصوص الزيارات التي يزور المسلمون بها الحسينعليه‌السلام تُشير إلى هذه الحقيقة التاريخية.

فإنّ الحسينعليه‌السلام (داعيَ الله)، ونداؤه ودعوته توحيد الله.

وخطابه الدعوة إلى نصرة دِين الله وشريعته وأحكامه وحدوده، ورفض الطاغوت والكفر به.

وهذه دعوة عامّة، وخطاب شامل لتلك الأجيال الذين تعاقبوا بعد عاشوراء.

وإذا حجَبَنا عصرُنا عن التلبية المباشرة لدعوة الحسينعليه‌السلام لاستنصاره، فنحن اليوم نُلبّي ذلك الخطاب، ونستجيب لتلك الدعوة في إزالة الظلم والشِرك ومجاهدة الظالمين، وتثبيت أركان التوحيد في الأرض، وهدْم بُنيان الشِرك والظلم والاستكبار.

وقد ورَد في نصول زيارة الحسينعليه‌السلام : (لبّيك داعيَ الله. إن كان لم يُجبك بدَني


عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري ورأسي وهواي)، والتلبية مِن مقولة (العزم) و (الفِعل)، وليس من مقولة (القول). والقول تعبير عن عزم الإنسان على الفعل.

فالتلبية الحقيقية لخطاب الحسينعليه‌السلام ، أن يصُفَّ الإنسان مع الحسينعليه‌السلام في مواجهة الظالمين، وعدم الركون إليهم، ورفضهم، والبراءة منهم، والصمود والثبات في مواجهتهم.

ولست أعتقد أنّ مرور ألف وثلاثمائة عاماً على مصرع الحسينعليه‌السلام وأصحابه وأهل بيته الذين لبّوا دعوته... قد خفّف مِن قسوة الصراع وضراوة المعركة، ولا أعتقد أنّ التلبية لذلك الخطاب أيسر في عصرنا، مِن التلبية لنفس الخطاب في ذلك العصر.

فالمعركة هي المعركة، والخطاب هو الخطاب، والتلبية هي نفس التلبية، وضريبة التلبية هي نفسها.

حركتان في التاريخ (النصر والثأر):

ولا تختلف مسؤوليّتنا اليوم تجاه استنصار الحسين. فإنّ قضية عاشوراء هي رفض الظلم والكفر بالطاغوت، وطالما يوجد في حياة المسلمين ظلم وشِرك واستكبار، يبقى خطاب الحسين في يوم عاشوراء نافذاً فاعلاً في حياة المسلمين.

ونحن اليوم مسؤولون عن نصر الحسينعليه‌السلام ، مخاطَبون بالاستنصار، كما كان الناس مخاطَبون بالاستنصار، مطالَبون بالنصر في عصرهعليه‌السلام .

غير أنّا نحمل بعد مصرع الحسينعليه‌السلام مسؤولية أخرى غير مسؤولية (النصر)، وهي مسؤولية (الثأر) لدماء الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه (رضوان الله عليهم)، وهي مسؤولية أخرى غير مسؤولية النصر.


فهاتان مسؤوليّتان تتطلّبان حركتَين في تاريخ وارثي عاشوراء:

حركة باتّجاه النصر، وأخرى باتّجاه الثأر لدماء الشهداء في كربلاء.

وقضية (النصر) غير قضية (الثأر)، إنّ (النصر) يعني الاستنصار لدعوة الأنبياء في تشييد أركان التوحيد والعدل، وهدْم بنيان الشِرك والظلم، ونصر المسلمين المستضعفين وإمدادهم وإغاثتهم، في معاناتهم وعذابهم على أيدي الظالمين.

(والثأر) يعني المطالبة بدماء الشهداء مِن أُسرة التوحيد، وبدماء الشهداء في يوم عاشوراء. فهذه دماء حرّمها الله تعالى، وأهدرها الناس، ولابدّ مِن الثأر لها، شأن كلّ دم حرّمه الله تعالى.

غير أنّ دماء الشهداء لمّا كانت في سبيل الله، فإنّ الله تعالى هو الثائر الأوّل لها، وهي ثأر الله قبل كلّ شيء، وهذه قيمة كبيرة لدم الشهيد في هذا الدِين و مفهوم رفيع من مفاهيم هذا الدِين، ونحن نخاطب الحسينعليه‌السلام في الزيارة بثأر الله، فنقول السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، وعلينا نحن في امتداد (ثأر الله) أن نثأر لهذه الدماء، ودماء كلّ الشهداء التي أُريقت ظلماً وعدواناً في سبيل الله.

ولمّا كانت هذه الدماء قد أُريقت في الصراع بين الحقّ والباطل، فالـمُطالَب بالدم ليس هو شخص المجرم القاتل، بل يُطالَب به كلّ مَن وقف معه في تلك الجبهة، وكلّ مَن يقف معه بعد ذلك في تلك الجبهة...

شأن كلّ دم يُهراق في معركة. فإنّ المطالَب بالدم في ساحة المعركة لا يكون هو القاتل فقط، وإنّما كلّ مَن يقف مع القاتل في نفس الجبهة في نفس المعركة.

ولمّا كانت معركة عاشوراء قائمة مستمرّة ومتّصلة الحلقات إلى اليوم، فكلّ مَن يقف مع أعداء الحسينعليه‌السلام ، ويتعاطف معهم، ويهْواهُم ويميل إليهم، ويرضى بفِعلهم، ويحبّهم... يكون مطالباً بدماء الحسينعليه‌السلام والثلّة الطاهرة مِن أصحابه.


وهو شأن (عاشوراء) كما أنَّ ذلك شأن كلّ صراع قائم بين الحقّ والباطل، وكلّ دم يُهراق ظلماً في وسط المعركة. حيث تعمّ مسؤولية المطالبة بدم الشهيد كلّ الذين وقفوا معه وإلى جنْبه أو خلْفِه في المعركة، (فهُم أولياء الدم جميعاً).

وتعمّ الجريمة كلّ مَن وقف مع القاتل أو خلفه في نفس الصراع، فيكون مطالَباً بالدم الذي أُهريق ظلماً في ذلك الصراع.

إذن نحن اليوم بعد مصرع الحسينعليه‌السلام في عاشوراء مسؤولون عن قضيّتين، وليست قضية واحدة، وهما (النصر) و (الثأر).

وقضية الحسينعليه‌السلام حلقة واحدة، ولكنّها مفضّلة في مسلسل الصراع التاريخي بين الأنبياء وخصومهم مِن أئمّة الكفر.

والحسين وارث كلّ ذلك التراث، وحفيده المهدي من آل محمّد (عجّل الله فرجه) يرِث جدّه وينهض بتلبية خطاب جدّه الحسين لنصرة دِين الله، كما ينهض بالثأر لدماء الشهداء في كربلاء ودماء الشهداء قبل كربلاء وبعده؛ ولذلك فهو الإمام (الوارث) (الثائر) مِن آل محمّد، (عجّل الله فرجه).

تفسير وتحليل جملة مِن المضامين الواردة في خطاب الاستنصار الحسيني:

ويستوقفنا في خطابات الحسينعليه‌السلام خطابه المعروف في مكّة عَشِية خروجه إلى العراق، وقد تناقل أرباب السيَر هذا الخطاب، وورَد في أكثر المصادر التي دوّنت سيرة الحسينعليه‌السلام وخروجه إلى العراق.

وقد ذكرنا الخطاب في بداية هذه المقالة، ويبدأ الإمام الخطاب بهذه الكلمة العجيبة: (خُطّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جِيد الفتاة).

وهذه البداية تفسّر كلّ حرّكة الإمام وخروجه، وتوضّح للناس الذين


يستنصرهم الحسينعليه‌السلام ما يؤول إليه أمره وأمر مَن معه؛ ليخرج مَن يخرج معه، وهو على بيّنة مِن أمره، وهو أمرٌ يهمّ الإمام كثيراً، ويصرّ عليه في كلّ مراحل حركته بمقدار إصراره على استنصار الناس ودعوتهم للخروج معه على يزيد.

فهو يدعوهم ويعْفيهم في وقتٍ واحد، يدعوهم إذا صحّ عزمهم على لقاء الله في خروجهم هذا، وطابت أنفسهم بالقتل في سبيل الله.

ويعفيهم، إذا لم تطِب نفوسهم بالقتْل في سبيل الله، فإنّ الحسين يسعى إلى الموت، وليس إلى سلطان ولا مال.

ويطلب من الأنصار مَن يصدُق عزمه وتصدُق نيّته على ابتغاء القتل في سبيل الله.

ومصيبة الناس في دنياهم إقبالهم على الدنيا وتعلّقهم بها وهروبهم وخوفهم مِن الموت.

وهو سرّ ضَعْفهم، وسقوطهم، وخضوعهم للظالمين، وهَوان أنفسهم عليهم، هو نقطة الضعف الكبرى في حياتهم. فإذا هانت الدنيا في أعيُن الناس، وزال الخوف من الموت عن نفوسهم لم يتمكّن الظالم من ظُلمهم، ولم يعطوا أنفسهم للظلم. وكيف يهرب الإنسان من الموت وقد (خُطّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جِيد الفتاة).

فالموت يحاصر الإنسان، ولا يستطيع ابن آدم أن يخرج مِن حصار الموت، فلا ينفعه هروب.

ثمّ لماذا يخاف الإنسان من الموت، والموت جمال المؤمن وكماله، ويزدان به كما يزدان جِيد الفتاة بالقلادة... ولا ينقص مِن جمال الموت أنّه يحاصر الإنسان، كما لا ينقص من جمال القلادة أنّها تطوّق جِيد الفتاة. فليس كلّ طَوقٍ ذُلٍّ وأسْر.


ولست أعرف تصويراً للموت أجمل من هذا التصوير، الذي يقدّمه الحسينعليه‌السلام للموت عَشِيّة خروجه إلى العراق.

ثمّ يقولعليه‌السلام : (وما أَولَهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف).

إنّ الموت عند الحسينعليه‌السلام لقاء الله، ولقاء أسلافه الصالحين إبراهيم وموسى وعيسى ورسول الله. وهو يشتاق إلى هذا اللقاء اشتياق يعقوب إلى يوسف. فهو غصن من تلك الشجرة وثمرة طيّبة لها، يحنّ إليها حنين الفرع إلى أصله. فليس بالموت يمكن ردع الحسينعليه‌السلام عن رسالته وقضيّته.

وهذه رسالة الحسينعليه‌السلام إلى طاغية عصره وإلى أنصاره معاً.

ثمّ يقولعليه‌السلام : (لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت). وهي صورة أخرى لنفس المشهد ولكن بلَون آخَر... فقد كان المشهد السابق مشهد الشوق والوَلَه إلى لقاء الله ولقاء أحبّائه، وهذا مشهد التسليم والرضا لأمر الله.

وهو نفس المشهد، ولكن بصيغة أخرى: وسواء عرَض الإمام هذه العاقبة من خلال الاشتياق والوَله أو من خلال التسليم والرضا، فالرسالة واحدة والنتيجة واحدة. ثمّ يقولعليه‌السلام : (لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لُحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القُدس).

إنّه مِن لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودمه، وبَضعةٌ من رسول الله، من جسمه وروحه، ووعْيه، وهُداه، وبصيرته، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الخير والهدى كلّه، وما تفرّق مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجتمع له في حظيرة القدس، ولا تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمة ولا بَضعة له.

ومَن أراد أن يجتمع برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع الصدّيقين والصالحين في حظيرة القدس، فعَلَيه أن يلتحق بالحسينعليه‌السلام . ومَن شذّ عنهعليه‌السلام شذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . ثمّ يختمعليه‌السلام كلامه بهذا الخطاب: (ألا ومَن كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله


نفسه فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله).

إنّ السبط الشهيد يسعى إلى لقاء الله، ويطلب من الناس مُهَجَهم، ويدعو الناس إلى أن ينتزعوا حبّ الدنيا من قلوبهم، ويوطّنوا أنفسهم للقاء الله.

وهو خطاب عجيب. قلّما نعهد نظيراً له في خطابات القادة السياسيين والعسكريين إذا دعوا الناس للقتال.

فهوعليه‌السلام لا يُمنّيهم بمالٍ ولا سلطان، إنّما يمنّيهم بلقاء الله، ويطلب منهم أن يوَطّنوا أنفسهم للقاء الله، ولا يرضى منهم بغير (مُهَجِهم).

ثمّ يقول لهم إنّه يتقدّمهم في هذه الرحلة: (فإنّي راحل مصبحاً غداً إن شاء الله)، ولست أدري ماذا تستبطن هذه الجملة القصيرة (فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله) من العزم، والإرادة، والقوّة، والبصيرة، والهدى، والتسليم لمشيئة الله وإرادته.

وقد شاء الله تعالى أن يكون هذا العزم والإرادة والبصيرة والتسليم مبدأ لبركات كثيرة في تاريخ الإسلام.

* * *

وفي منزل البيضة خطب الحسينعليه‌السلام في أصحاب الحرّ فقال: أيّها الناس إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن رأى سلطاناً جائراً، ناكثاً عهده مخالفاً لسُنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفِعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله).

وهذا الحديث الذي يرويه السبط الشهيد عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منهجاً في العمل السياسي والحركي للمسلمين، يختلف عن المنهج الذي تبنّاه بنو أُمية في عصرهم، ويلخّصه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمَر بن الخطّاب في كلمته المعروفة (نحن مع مَن غلَب).

وقد عمل بنو أُمية على إشاعة هذا المنهج السياسي بين المسلمين، واختلقوا


في ذلك الأحاديث، وبشّروا به مِن على المنابر؛ لإجهاض كلّ معارضة سياسية وحرَكية في وجوههم، ولإسباغ الشرعية على حُكمهم.

فمِن هذه الأحاديث....

روى الحجاج قال: قال لي أبو هريرة:

ممّن أنت؟ قلت: مِن أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك رجال من أهل الشام، فيأخذوا صدقتك. فإذا أتَوك فتلَقّهم بها، فإذا دخلوها، فكن في أقاصيها، وخلَِّ عنهم وعنها، وإيّاك وأن تسبّهم فإنّك إن سببْتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة(1) .

وعن زيد بن وهب قال سمعت عبد الله قال: قال لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّكم سترَون بعدي إثرة وأموراً تُنكرونها.

قالوا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدّوا إليهم حقّهم، وسلوا الله حقّكم(2) .

وعن جنادة بن أُمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت، وهو مريض، فقلنا: (أصلحك الله حدّثنا بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: دعانا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وإثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم مِن الله فيه برهان)(3) .

وهذا أقصى ما يطلبه الحكّام الظلمة من الناس، وفي كتُب الحديث، الكثير من هذه الروايات التي يأباها القرآن ويرفضها الإسلام.

____________________

(1)الشعر والشعراء / لابن قتيبة / ص572.

(2)صحيح البخاري 4 / 181 (كتاب الفتن) ط مصر 1286هـ.

(3)صحيح البخاري 4 / 181 (كتاب الفتن) ط مصر 1286 هـ.


ونحن من دون أن نناقش هذه الأحاديث مناقشة سنَدية، نقطع بأنّها منحلّة موضوعة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونتّهم في ذلك بني أُمية أوّلاً. وقد خفيَ أمْر ذلك على كبار المحدّثين، الذين روَوا هذه الأحاديث وأكثروا من روايتها.

ودليلنا على ذلك هو القرآن.

ونعتقد أنّ المنهج العِلمي الصحيح في نقد الرواية هو عرْض الرواية على القرآن.

والنقد مِن حيث السنَد يأتي بعد العرْض على القرآن، فما خالف القرآن نرفضه ونردّه، صحّ سنده أمْ لم يصحّ. هذا هو منهج أهل البيتعليهم‌السلام في نقد الرواية.

ولذلك فنحن لا نطيل الوقوف عند مناقشة هذه الروايات ونقْدها من حيث السنَد، فالأمر عندنا أوضح مِن ذلك. ودليلنا على ذلك آيات محكَمات من كتاب الله تنهى عن الركون إلى الظالمين وعن طاعة المسرفين.

وإليك إضمامة من آيات كتاب الله:

يقول تعالى:( وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمْ النّارُ ) (1) .

ويقول تعالى:( وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ ) (2) .

ويقول تعالى:( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) (3) .

ويقول تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ

____________________

(1)هود / 113.

(2)الشعراء / 151 - 152.

(3)الكهف / 28.


مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُروا بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (1) .

وينهض أبو عبد الله سيد الشهداء يومئذٍ؛ لإزالة هذا اللبس عن سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيعلن في الناس، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (مَن رأى سلطاناً جائراً... فلم يُغيّر عليه بفِعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله).

وهي مسؤولية شاقّة وصعبة، وانطلاقاً من هذه المسؤولية خرج الحسينعليه‌السلام على طاغية عصره.

فإذا ابتلى الله تعالى المسلمين بسلطان جائر... فلا يسع المسلمين جميعاً إلاّ أن ينهضوا لتغييره، بفعل أو قول، ومَن يركن إلى الظالم ويسكت عنه (كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله)...

وهي كلمة عجيبة، تستوقف الإنسان طويلاً، وتُشعر الإنسان بثقل المسؤولية الصعبة في ظروف الظلم والاستبداد السياسي. فلا يكفي ألاّ يركن الإنسان إلى الظالم ولا يتعاون معه، ولا يسنده حتّى لا يدخل مدخله في النار، وإنّما يجب عليه أن يسعى إلى تغييره بفعل أو قول، فإن لم يفعل كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله.

ثمّ يقولعليه‌السلام : (وأنا أحقّ مَن غيّر)، ومَن أَولى مِن ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينهض بالتغيير ويقود حركة التغيير ويدعو إلى التغيير.

وهوعليه‌السلام في هذه الرحلة قائد وقدوة، قائد يقود حركة التغيير ويدعو إلى التغيير (وأنا أحقّ مَن غيّر).

و (قدوة)، يتقدّمهم في كلّ محنة وعذاب، ويكون نصيبه منه الأوفى. يقولعليه‌السلام : (فإن تممتُم على بيعتكم تصيبوا رُشدكم. فأنا الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله. نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، ولكم فيّ أسوة).

____________________

(1)النساء / 60.


ثمّ يقول: (وإن لم تفعلوا ونقضتُم بيعتي.... فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَن نكث فإنّما ينكُث على نفسه).

إنّ آل أبي سفيان أعداء الناس، وقد تمكّنوا من رقاب الناس، وأفسدوا أخلاق الناس ودينهم وقيَمهم وأذلّوهم... والحسينعليه‌السلام يخرج ليقود حركة التغيير، وإن نقضوا عهدهم، فلم يضرّوا إلاّ أنفسهم، وأمكنوا آل أبي سفيان مِن رقابهم، ووطّئوا أنفسهم لظلم آل أبي سفيان واستكبارهم، وأورَثوا أبناءهم ذُلاًّ، ومَن نكث فإنّما ينكُث على نفسه.


الولاء والبراءة في مرآة عاشوراء

* توحيد الولاء

* البراءة والمفاصلة

* التحدّي والصراع

* عاشوراء يوم الفرقان

* البراءة

* انتصار الثورة الإسلامية منطلق

ثوري، وقِيمة حضارية



الولاء والبراءة في مرآة عاشوراء

لـ (عاشوراء) علاقة وثيقة بـ (الولاء) و (البراءة).

فهي حركة سياسية كبرى في هذه الأُمّة في مواجهة الطاغوت نهض بها ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولهذه الحركة عُمق وامتداد. عُمْقٌ في حركة الأنبياءعليهم‌السلام في مواجهة طُغاة عصرهم، وامتداد في مواجهة الصالحين مِن هذه الأمّة ضدّ أئمّة الكفر.

وهذه الحركة بما لَها مِن عُمق وامتداد محفوفة بـ (الولاء) و (البراءة).

وفيما يلي توضيح لعلاقة (عاشوراء) بـ (الولاء والبراءة).

توحيد الولاء:

قبل أن ندخل في تفاصيل الكلام عن الولاء والبراءة، نقول: إنّ الولاء مِن مقولة التوحيد دائماً، فلا يقبل الولاء الشِرك مطلقاً، وتوحيد الولاء من أهمّ مقولات التوحيد.

وليس من الممكن أن يجمع الإنسان إلى ولاء الله ولاءً آخَر، مهما كان ذلك الولاء...

وأيّ ولاء آخَر غير ولاء الله، فهو لا محالة يقع في مقابل ولاء الله.

وإنّ أكثر مصاديق الشِرك الذي كان يحاربه الأنبياءعليهم‌السلام ، وينقله


القرآن الكريم، هو مِن شِرك الولاء، وليس من الشِرك بالخالق.

فقليل من الناس الذين يُشركون بالخالق، ويعتقدون بوجود إله خالق غير الله لهذا الكون... ولكن الكثير من الناس مَن يُشرك بالله في الولاء، ويُشرك غير الله تعالى مع الله في ولائه، ويوزّع ولاءه وطاعتهُ لله تعالى ولغير الله معاً، ويعطي للطاغوت حظّاً من وَلائه. وصراع التوحيد والشِرك في حياة الأنبياء، في هذا الأمر بالذات في أغلب الحالات.

وهذا الصراع في جوهره صراع عقائدي حضاري.

والبشرية تنشطر شطْرَين حَول هذه المسألة:

ـ شطْر يوحّد الله بالولاء والطاعة، ولا يقبل لله تعالى شريكاً في الولاية و الحاكمية.

ـ وشطْر آخَر يتّخذ في الحياة محاور أخرى للولاية، وينقاد لها...

وقد يكون الولاء للهوى، وقد يكون الولاء للطاغوت... ولا يختلف الأمر كثيراً.

والصراع بين هذين الشطرَين في حياة البشرية يعتبر كبرى قضايا الإنسان، وأهمّ الأحداث التي عاشتها البشرية على وجه الأرض في التاريخ.

عناصر الولاء:

الولاء: هو الارتباط بالله سبحانه وتعالى، وأهمّ عناصر الولاء هو:

أوّلاً: في الطاعة والانقياد والتسليم.

( إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنَا ) (1) .

____________________

(1)النور / 51.


( وَإِن تُطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1) .

( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (2) .

( قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرّسُولَ ) (3) .

( وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرّسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (4) .

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (5) .

( قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ ) (6) .

وكما إنّ الولاء لله يتطلّب الطاعة لله وللرسول والانقياد والتسليم... كذلك يتطلّب رفْض الطاعة لغير الله.

( فَاتّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) (7) .

ثانياً: الحبّ والإخلاص لله سبحانه وتعالى.

( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (8) .

( وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُوا

____________________

(1)الحجرات / 14.

(2)النساء / 13.

(3)آل عمران / 32.

(4)آل عمران / 132.

(5)النساء / 59.

(6)النور / 54.

(7)الشعراء / 150 و151.

(8)التوبة / 24.


أَشَدّ حُبّاً للّهِ ) ‏ِ (1) .

ثالثاً: النُصرة لله ولرسوله وللمؤمنين.

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (2) .

( وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيٌ عَزِيزٌ ) (3) .

قِيمة الولاية:

عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (بُنيَ الإسلام على خمسٍ على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء، كما نوديَ بالولاية)(4) .

وعن عجلان أبي صالح قال: (قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام أَوقِفْني على حدود الإيمان. فقال: بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء مِن عند الله، وصلاة الخَمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، وولاية وليّنا، وعداوة عدوّنا، والدخول مع الصادقين) (5).

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (بُنيَ الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية).

قال زرارة (راوي الحديث): فقلت: وأيّ شيء مِن ذلك أفضل؟ قال: الولاية أفضل؛ لأنّها مفتاحُهنَّ، والوالي هو الدليل عليهنّ... ثمّ قال: ذروَة الأمر، وسنامه ومفتاحه، وباب الأشياء، ورضى الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته.

____________________

(1)البقرة / 165.

(2)محمّد / 7.

(3)الحج / 40.

(4)أصول الكافي 2 / 18.

(5)نفس المصدر السابق.


إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلّى‏ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (1) .

أما لو أنّ رجُلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع مالِه، وحجّ بجميع دهره، ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حقّ في ثوابه ولا كان مِن أهل الإيمان. ثمّ قال: (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنّة بفضل رحمته)(2) .

وهذا الحديث يوقِف الإنسان للتأمّل طويلاً، فمَن قام ليله وصام نهاره... ولم يعرف وليّ الله لم يكن له على الله حقّ في ثواب، ولا كان من أهل الإيمان.

الولاية ومسألة الحاكمية والسيادة:

ولا تتمّ الولاية، من دون ممارسة فِعلية للحاكمية والسيادة في حياة الناس.

فإنّ الإسلام شريعة قائدة في حياة الإنسان يتولّى تنظيم وإدارة المجتمع، وتوجيه المجتمع الإسلامي باتّجاه تحقيق أهداف الدعوة وغاياتها، ولا يمكن أن يتحقّق شيء من ذلك دون وجود ممارسة فِعلية للقيادة والحاكمية في المجتمع الإسلامي.

وهذه القيادة و الحاكمية هي التي يسمّيها القرآن الكريم بـ (الإمامة).

وهي شيء آخَر غير الجانب التشريعي من هذا الدِين، فإنّ الطاعة فيما يبّلغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحكام وتشريعات، إنّما هي طاعة لله تعالى، وليس للأنبياء في ذلك دَور غير التبليغ والتوجيه.

____________________

(1)آل عمران: 79.

(2)أصول الكافي: ج2 ص18، وبحار الأنوار 68: 332 - 333.


والقرآن يصرّح بوجوب طاعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وطاعة أُولي الأمر من بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في امتداد طاعة الله ومِن بعد طاعة الله.

( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) .

وهذه الطاعة ليست هي طاعة الله في امتثال أحكامه، والالتزام بالحلال والحرام؛ وإلاّ لم يكن شيئاً آخَر غير طاعة الله.. ولم يكن معنى لطاعة الرسول وأُولي الأمر، بعد طاعة الله تعالى وفي امتداده.

فهي طاعة أخرى إذن غير طاعة الله، وإن كانت في امتدادها... تأتي في مساحة الفراغ التي تتركها الشريعة لأولياء أمور المسلمين، وتتطلّبه مصلحة الأمّة والإسلام، ممّا لا يمكن ضبطها في الشريعة بأحكام ثابتة؛ ولأجْل أن يمارس هذا الدِين دَوره في حياة الإنسان، لابدّ مِن وجود ممارسة فِعلية لهذه القيادة و الحاكمية في حياة الناس.

البراءة والمفاصلة:

إنّ طبيعة هذا الدِين طبيعة حرَكية جهادية؛ ذلك أنَّ مهمّة هذا الدِين إبلاغ رسالة التوحيد إلى البشرية جميعاً، وتحرير الإنسان من الطاغوت، وتعبيده لله تعالى. وتقرير إلوهية الله في حياة الناس. وهذا كلّه ممّا يغيظ الكفر، ويصادر نفوذهم وسلطانهم، ويدفعهم إلى عرقلة مسيرة هذا الدين وتطويقه وإعاقة حركته...

ولكي تستطيع هذه الأمّة أن تحتفظ بأصالتها في هذا الصراع الحضاري، وبموقعها الحضاري على وجه الأرض في الدعوة إلى الله، لابدّ لها من أن تقاوم كيد أئمّة الكفر ومكرهم، وتدخل معهم في مواجهة حقيقية أوّلاً، وتُعلن المفاصلة عنهم ثانياً. والأوّل (الجهاد)، والثاني (البراءة).

وهذه المفاصلة هي التي يقول تعالى عنها:( بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ


عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ... وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الأَكْبَرِ أَنّ اللّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (1) .

المواصلة والمفاصلة في المجتمع الإسلامي:

إنّ طبيعة هذا الدِين الحرَكية ورسالته تتطلّبان مِن الأمّة حالتين في الداخل والخارج:

التماسك والترابط في الداخل،( الّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (2) .

( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ ) (3) .

حتّى كأنَّ الأمّة جسم واحد متضامن الأعضاء والأطراف.

(مثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)(4) .

(المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضاً)(5) .

(تواصلوا وتبارّوا وتراحموا وكونوا إخْوة بَرَرة، كما أمركم الله)(6) .

هذا فيما يتعلّق بالعلاقة بين أطراف هذه الأمّة من الداخل، وأمّا العلاقة مع الخارج، مع أعداء الله ورسوله وأئمّة الكفر وقادة الاستكبار، فهي المفاصلة

____________________

(1)التوبة / 1 و3.

(2)الأنفال / 72.

(3)التوبة / 71.

(4)رواهما عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مسلم في صحيحه 8 / 4، دار الفكر.

(5)رواهما عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مسلم في صحيحه 8 / 4، دار الفكر.

(6)بحار الأنوار 74 / 399.


والبراءة. وتحريم موالاتهم ومودّتهم والتحبّب إليهم.

( لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنّصَارَى‏ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلّهُم مِنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ ) (3) .

( لاَ تَتّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ ) (4) .

وهاتان الحالتان: الترابط والتماسك من الداخل والمفاصلة من الخارج، يتطلّبان وجود قيادة مركزية، تربط هذه الأمّة بعضها ببعض في كُتلة متراصّة واحدة من الداخل، وتفصلها عن أعدائها الذين يريدون بها سوءاً من الخارج(5) .

ثمّ تُوَجّه هذه الكُتلة المجتمعة باتّجاه تحقيق الأهداف الكبرى لهذه الدعوة على وجه الأرض.

وهذه القيادة المركزية التي تمتلك من الأمّة الطاعة والنصرة والحبّ (العناصر الثلاثة للولاء)... هي التي يصطلح عليها القرآن الكريم باسْم (الوليّ) أو (الإمام).

وولايته على الأمّة امتداد لولاية الله ورسوله، وطاعته ونصرته وحبّه امتداد لِما يجب على المؤمنين مِن الطاعة والحبّ والنصرة لله تعالى، وليس محوَراً آخَر في عرْض هذا المحوَر.

____________________

(1)آل عمران / 28.

(2)النساء / 144.

(3)المائدة / 51.

(4)التوبة / 23.

(5)راجع البحث القيّم الذي كتَبه سماحة آية الله السيد عليّ الخامنئي وليّ أ مر المسلمين حفظه الله. بعنوان (الولاية).


التوحيد والشِرك في الولاء:

ذلك أنّ الولاء من مقولة التوحيد، ولا ولاية لأحد إلاّ في امتداد ولاية الله وبأمْرٍ وإذنٍ مِن الله.

والولاء لله إمّا أن يكون أو لا يكون... فإذا كان فلابدّ أن يكون بوجْهَيه الإيجابي والسلبي، ولا تقلّ قِيمة الوجه السلبي عن الوجه الإيجابي... والوجه السلبي هنا رفْض الولاء لغير الله... ولا يتمّ الولاء لله تعالى إلاّ برفض أيّ ولاء آخَر من دون إذن الله.

وقبول أيّ ولاء بغير إذن الله يعني الشِرك بالله العظيم، وأكثر مصاديق الشِرك في القرآن ليس هو الشِرك بالخالق، وإنّما هو الشِرك في الولاء.

تأمّلوا في قوله تعالى:

( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مَتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً... ) (1) .

يضرب الله لنا مثلاً في التوحيد والشِرك برجُلين: رجُل يتنازعه شركاء متشاكسون، كلٌّ له ولاية وسلطان عليه، وهُم فيما بينهم متشاكسون مختلفون، وهو موزّع بين هؤلاء الشركاء المشاكسين. ورجلٌ قد أسلَم أمره إلى رجُل واحد آخَر (ورجُلاً سَلماً لرجُل) يطيعه في كلّ شيء، وينقاد له، ويتقبّل ولايته و حاكميته.

كذلك التوحيد والشِرك، فالموحّدون من الناس كالرجُل الذي أسلم أمره لرجُل آخَر في راحةٍ مِن أمْره. والمشركون مِن الناس كالذي يتنازعه شركاء

____________________

(1)الزمر / 29.


متشاكسون... وواضح مِن هذا المثال أنّ المقصود بالشِرك والتوحيد، الشِرك في الولاء، والتوحيد في الولاء.

يقول القرآن عن لسان يوسفعليه‌السلام :

( يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ أَأَرْبَابٌ مّتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ ) (1).

إنّ صاحبَي يوسفعليه‌السلام لم يكونوا يُنكرون الله الواحد القهّار، وإنّما كانوا يُشركون أرباباً متفرّقين مع الله في الولاية و الحاكمية، فيُنكر عليهم يوسفعليه‌السلام ذلك؛ لأنّهم لم يُسلموا أمْرهم كلّه لله الواحد القهار.

يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في أسباب البِعثة: (بعَث الله محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ليُخرج عباده من عبادة عِباده، إلى عبادته، ومِن عهود عِباده إلى عهده، ومن طاعة عِباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته)(2) .

فالولاية إذن لله سبحانه وتعالى، وتمتدُّ الولاية الإلهية إلى مَن يشاء ومَن يرتضي مِن عِباده، فلن تكون ولاية في قِبال ولاية الله، ولن تكون ولاية بغير إذن الله.

مصدر الحاكمية في حياة الإنسان هو الله:

ويجب أن نقف عند هذه النقطة قليلاً، فإنّ الولاية المشروعة في حياة الأمّة لمّا كانت امتداداً لولاية الله، لابدّ أن تكون الولاية بإذن الله وأمْره، وما لم يأذن الله لأحد بأن يلي أمْر عباده، لن يكون له الحقّ في أن يتولّى شيئاً مِن أمور الأُمّة.

وبمراجعة القرآن الكريم نجد هذه الحقيقة واضحة، فيما يحكي الله تعالى لنا

____________________

(1)يوسف / 39.

(2)الوافي 3 / 22.


مِن تنصيب عِبادٍ له؛ ليكونوا أولياء وأئمّة على الناس، ولا تتمّ لهم إمامة وولاية على الناس، لولا أنّ الله تعالى قد خصّهم بذلك، وأناط إليهم هذا الأمر. ففي قضية إبراهيم يقول تعالى:

( قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (1) .

والإمامة هنا بمعنى الولاية... وقد جعل الله تعالى إبراهيمعليه‌السلام إماماً بعد أن كان نبيّاً.

وفي قصّة داودعليه‌السلام يقول تعالى:

( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ ) (2) .

والخلافة هنا بقرينة (فاحكم بين الناس بالحقّ) هي الولاية و الحاكمية.

ويقول تعالى في ذرّية إبراهيم لمّا نجّاه الله تعالى مِن القوم الظالمين:

( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (3) .

ولسنا نريد أن نُسْهب هنا في هذا القول، فله مجاله الخاصّ به في البحث، وإنّما نريد أن نشير إشارة سريعة فقط إلى أنّ مصدر الحاكمية والسلطان في حياة الإنسان هو الله تعالى، وليست الأمّة كما تُفسّر ذلك النُظُم والاتّجاهات الديمقراطية... فليس لأحد من دون إرادة الله أن يتولّى أمراً من أمور المسلمين.

والله عزّ وجلّ هو مصدر السلطة و الحاكمية في حياة الناس، ولا يقتصر أمر

____________________

(1)البقرة / 124.

(2)ص / 26.

(3)الأنبياء / 72 و73.


ولاية الله في حياة الناس على نفوذ الأحكام الشرعية المحدّدة مِن قِبَل الله في عباده، وإنّما تشمل الممارسة الفعلية للحاكمية، والأمر والنهي في حياة الإنسان من خلال الذين اتّخذهم الله أولياء وجعَلَهم أئمّة وخلفاء على الناس.

التحدّي والصراع:

وهذه الحقيقة تُقرِّر حتميّة الصراع بين محورَي الولاية والطاغوت بشكلٍ دائم في تاريخ الإنسان.

إنّ هذين المحورَين يعملان باتّجاهين متعاكسين في حياة الإنسان، وكلّ منهما يعمل لاستقطاب ولاء الناس، وقطع الإنسان من المحوَر الآخَر.

إنّ مهمّة هذا الدِين ورسالته هي استقطاب ولاء الناس لله تعالى، وإنقاذ الناس من التشتّت والتَيْه والضياع والاختلاف، وتحرير الإنسان من عبودية الطاغوت والهوى، وإزالة العقَبات من أمام طريق الإنسان إلى الله تعالى. وربط الإنسان بالله وتعبيده لله تعالى، وإخراجه من الظلمات إلى النور.

وفي قِبال هذا المحور الربّاني، يعمل الطاغوت على استقطاب ولاء الناس، ووضع الحواجز والعقبات في طريق الناس إلى الله تعالى، واستعباد الإنسان وإخراجه من النور إلى الظلمات.

وإلى هذا الصراع بين المحورَين، تشير الآية الكريمة:

( اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النّورِ إِلَى الظّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1) .

____________________

(1) البقرة / 257.


الاستضعاف والاستكبار:

ولمّا كانت هذه المهمّة التي يتولّى أمرها الطاغوت لا تتحقّق إلاّ من خلال استضعاف الإنسان، فإنّ الطاغوت يتّبع أساليب كثيرة في استضعاف الإنسان، وانتزاع ما أودع الله تعالى في نفسه مِن القيَم.

يقول تعالى عن فرعون وقوم فرعون:

( فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ) (1) .

ومهما يكن من أمْر فإنّ الصراع بين هذين المحورَين، مِن كُبريات قضايا التاريخ، ومِن أهمّ العوامل المحرّكة لعجَلة التاريخ.

ومِن خلال فهْم هذا الصراع نستطيع أن نفْهم الكثير من أحداث التاريخ وقضاياه الكبرى ومنعطفاته وثوابته ومتغيّراته.

خصائص الصراع:

ونشير هنا إلى بعض خصائص هذا الصراع التاريخي بين هذين المحورَين: (الحقّ والباطل).

إنّ هذه المعركة، معركة عقائدية تستبطن صراعاً عقائدياً ضارياً حَول الشِرك والتوحيد. وقد أشرنا قريباً، أنّ جوهر هذا الصراع يدور حول الشِرك والتوحيد، وإنّ أكثر معاني الشِرك والتوحيد في القرآن، الشِرك في الولاء والتوحيد في الولاء.

ولهذا السبب فهي معركة عقائدية في جوهرها. هذا أوّلاً.

وثانياً: هي معركة حضارية؛ لأنّها تعتبر صِداماً بين حضارتين: الحضارة

____________________

(1) الزخرف / 54.


الربانية والحضارة الجاهلية، ولكلّ منهما خصائصها... والانتماء إلى أيٍّ مِن المحورَين ليس انتماءً سياسياً فقط إلى أحد محاور القوّة والسيادة، وإنّما هو انتماء حضاري، ويستتبع هذا الانتماء خصائص وميّزات حضارية في أسلوب التفكير، والإخلاص، والعمل، والعلاقة مع الله تعالى، ومع النفس ومع الآخَرين ومع الأشياء... والصراع بين هذين المحورَين يعني الصراع بين حضارتين بشكلٍ دقيق.

وثالثاً: إنّ هذا الصراع معركة سياسية على مراكز القوى.

ولا شكّ أنّ كلاًّ من هذين المحورَين يعمل للاستيلاء على مراكز القوى في المجتمع: المال والسلطان، والقوى العسكرية، وثقة الناس ومراكز التوجيه، والإعلام، والثقافة.

وكلٌّ منهما يعمل لاستخدام هذه المراكز في تمكين محوَره وخطِّه.

رابعاً: هذه المعركة تدخل في حتميات التاريخ الكبرى، ولا يمكن أن يتخلّص منها الإنسان بحالٍ من الأحوال، فإنّ تعاكس المحاور والخطوط تستدعي بصورة حتمية هذه المعركة في كلّ زمان ومكان. ولا يمكن أن يتخلّص منها الإنسان.

إنّ هذا الدِين يصادر كلّ مصالح الطاغوت ووجوده ومراكزه ومواقعه، ولا يمكن أن يتخلّى الطاغوت عن دَوره في الإفساد على وجه الأرض من دون أن يخوض هو وجُنده صراعاً مريراً مع هذا الدِين. وهذا الصراع لم يخلُ منه عصر مِن العصور، منذ أن خلَق الله تعالى الإنسان بهذه التركيبة الخاصّة على وجه الأرض إلى اليوم الحاضر.

والقرآن الكريم يقرّر حتميّة الصراع بين هذين المحورَين بشكلٍ جازم، يقول تعالى:


( الّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (1) .

خامساً: إنّ هذا الصراع معركة مصيرية تدوم وتطول... ويعمل كلّ من المحورَين على استئصال المحور الآخَر من على وجه الأرض، وإنهائه وتصفيّة وجوده ومراكزه ومواقعه بشكلٍ عام... وليست معركة على قطعةٍ من الأرض، أو حدود برّية أو بحرية، وليست معركة على بضعة آبار من النفط، أو على كمّية من الذهب والفضة... إنّها معركة على الوجود والكيان، ولا يرضى كلّ من الطرفين إلاّ بالتصفية الكاملة للطرف الآخَر.

( وَلَنْ تَرْضَى‏ عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النّصَارَى‏ حَتّى‏ تَتّبِعَ مِلّتَهُمْ ) (2) .

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ للّهِ‏ِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلّوْا فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ) (3) .

فهذه المعركة تستمرّ حتّى الاستئصال الكامل للفتنة من على وجه الأرض... وبطبيعة الحال لن تكون معركة بسيطة، وإنّما هي معركة شرسة، لا يعرف التاريخ نظيراً لها في الحروب من حيث الشراسة والقسوة.

ولذلك فالتفكير في اللقاء والتفاهم والحلول النصفية مع الكفر والطاغوت، تفكيرٌ فيه كثير من الفجاجة والبساطة والضعف والهزيمة النفسية.

وإنّ بداية كلّ هزيمة ميدانية، هزيمة في النفس... وبداية الهزيمة النفسية التفكير في إمكان اللقاء والتفاهم مع الطاغوت، وإنهاء الصراع، والجلوس مع الطاغوت على موائد الصُلح.

____________________

(1)النساء / 76.

(2)البقرة / 120.

(3)الأنفال / 39 و40.


إنّ المعركة مع الطاغوت على الوجود، وليس على اختلاف الحدود أو اختلاف في الاعتبار، حتّى يمكن التفاهم والتصافي والتعايش بسلام، وتطبيع العلاقات.

وسادساً: إنّ هذه المعركة التاريخية تتطلّب مِن الأمّة مواقف واضحة، وحدّية وصارخة في إعلان الولاء والبراءة... الولاء لله ولرسوله ولأولياء أمور المسلمين، والبراءة من أعداء الله ورسوله وأوليائه.

فلابدّ من موقف...

ولابدّ أن يكون الموقف جدّياً...

ولابدّ أن يكون الموقف واضحاً ومعلَناً...

لأنّ المعركة مع أئمّة الكفر جدٌّ لا هزل فيه، ولا يكفي أن يضمر الإنسان الحبّ لله ولرسوله ولأوليائه، من دون موقف، ومن دون أن يعرف الناس عنه ذلك... ولا يكفي أن يكون قلبه مع الله ورسوله وأوليائه، وسيفه وحرابه عليهم(1) .

ولا يكفي أن يعطي لله ورسوله وأوليائه بعض وقته وماله... ليعطي للطاغوت البعض الآخَر...

إنّ الولاء كلٌّ لا يتجزّأ، فإمّا أن يكون الكلُّ لله، أو لا يكون لله منه شيء، فإنّ الله غنيٌ عن العالَمين.

إنّ الولاء يتطلّب الموقف المحدّد، والإشهار بالموقف في الانتماء

____________________

(1)التقى الحسينعليه‌السلام في مسيره إلى العراق بمنزل (الصفاح) بالفرزدق بن غالب الشاعر، فسأله عن خبر الناس خلْفه، فقال الفرزدق: قلوبهم معك والسيوف مع بني أُمية، فقال الحسينعليه‌السلام : والقضاء ينزل من السماء، وكلّ يوم ربّنا في شأن، إن نزل القضاء، بما نُحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتدّ مَن كان الحقّ نسَبُه والتقوى سريرته. مقتل الحسين للمقرّم / 182، نقلاً عن الطبري 6 / 218، وابن الأثير 4 / 16.


والانفصال... وفي الحبّ والبغض... وفي المودّة والمعاداة... وفي السِلْم والحرب...

وسابعاً: إنّ الولاء والبراءة وجْها حقيقةٍ واحدة في هذه المعركة... ولا ينفع ولاء مِن دون براءة، ولا يؤدّي الولاء دَوره الفاعل في حياة الأمّة، ما لم يقترن بالبراءة من أعداء الله ورسوله وأوليائه.

ولا يتكوّن الموقف هنا مِن الولاء فحسْب، إنّ للموقف وجهَين: وجْه إيجابي ووجه سلبي، سِلمٌ وحرب، وانتماء وانفصال، وحبٌّ وبُغْض، وما لم يجتمع هذا وذاك لن يكون الموقف موقفاً حقيقياً، وإنّما يكون شُعْبة من شُعَب النفاق، وطَوراً من أطوار المجاملة السياسية واللعب على الحبال...

يقول تعالى في هذين الوجهين:

( أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (1) .

ثامناً: وكما إنَّ محوَر الولاية، مركز واحد، وخطّ واحد، وامتداد واحد، على طول التاريخ، كذلك محور البراءة.

ونحن لا نفرّق في الولاء بين أنبياء الله وأوليائه، القريب منهم من عصرنا والبعيد منهم عن عصرنا... فكلّهم يحملون رسالة الله ويبلّغون دِين الله، وآتاهم الله من لدُنه النبوّة والإمامة والولاية على عباده... نواليهم جميعاً، ونؤمن بما أنزل الله إليهم، لا نفرّق بين أحدٍ منهم.

( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى‏ وَعِيسَى‏ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (2) .

____________________

(1)الفتح / 29.

(2)البقرة / 136.


( آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (1) .

كذلك.. نتبرّأ من أعدائهم جميعاً.. نتبرأ من فرعون ونمرود، كما نتبرّأ من أبي جهل ويزيد، وكما نتبرّأ من طُغاة وجلاوزة عصرنا.

وكما أنّ الولاء أمْرٌ واحد، كذلك البراءة أمْر واحد.

ومثلما نتبرّأ من طغاة عصرنا ونلعنهم؛ لنفس الأسباب نلعن الحجّاج ويزيد وأبي جهل ونمرود وفرعون وقابيل.

فإنّ المعركة بين محوَرَي الحقّ والباطل، ليست معركة شخصية، وإنّما هي معركة حضارية، تمتدّ جذورها إلى أعماق التاريخ.

وكما أنّ المعركة في جوهرها واحدة في كلّ مراحلها، كذلك الولاء والبراءة.

عاشوراء مسرح للولاء والبراءة:

وننتقل الآن إلى (عاشوراء)

إنّ وقعة الطف مِن المواقع المؤثّرة، العقائدية والحضارية الكبرى في التاريخ. التي لا يملك الإنسان نفسه مِن أن يمرّ عليها مروراً عابراً، أو يقف عليها وقوفاً متفرّجاً، أو يقرأها بلا مبالاة ولا اكتراث.. ورغم مرور أكثر من ألف وثلاثمائة عام على هذه الواقعة المفجعة.. فإنّها لا تزال تملك تأثيراً فوق العادة على النفوس والقلوب والعقول، وتفرض نفسها على كلّ مَن آتاه الله بصيرة ووعْياً في دِينه.

____________________

(1)البقرة / 285.


ولا تزال الأجيال تتلقّى قضية كربلاء بحرارة وحماسة، وتتفاعل معها في الإيجاب والسلب والولاء والبراءة.

فما هو السرّ الكامن في هذه الوقعة، والذي جعل منها مرآة للولاء والبراءة. عِبر هذا التاريخ الطويل.

عاشوراء يوم الفرقان:

إنّ عاشوراء تتميّز بالوضوح الكامل الذي لا يُبقي شكّاً لأحدٍ في طرفَي المعركة.

فلم يكن هناك التباس في أمْر المعركة التي حدثت على أرض الطف، ولم يكن أحدٌ من المسلمين يومئذٍ يشكّ في أنّ الحسينعليه‌السلام ، يدعو إلى الله ورسوله وإلى الاستقامة على صراط الله المستقيم، وأنّ يزيد بن معاوية قد تجاوز حدود الله، وأعلن الحرب على الله رسوله، وأعلن الفسْق والفجور، وهو يجلس مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولم يكن احدٌ من المسلمين يومئذٍ يتردّد لحظة واحدة، وهو يقف على ساحة الصراع بين أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ويزيد بن معاوية، أنّ الحسين على هدىً، ويزيد على ضلالة.

وعليه فلم يكن في أمر هذه المعركة خفاء أو لبْس.. فمَن وقف مع الحسينعليه‌السلام وقف عن بيّنة، ومَن وقف مع يزيد وقف عن بيّنة...

وقليلٌ مِن مشاهد الصراع بين الحقّ والباطل يمتلك هذا الوضوح، الذي تمتلكه واقعة الطف.

وقف الحسين يوم عاشوراء بين الصفّين، وقال مخاطباً جيش ابن زياد: (أيّها الناس أنبئوني مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحلّ لكم


قتْلي وانتهاك حُرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء مِن عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عمّي؟ أوَ ليس جعفر الطيّار عمّي؟ أوَ لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ. فو الله ما تعمّدت الكَذِب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرُّ به مَن اخْتلَقه.

وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم. سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة مِن رسول الله لي ولأخي. أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفْك دمي.

فقال شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول.

فقال له حبيب بن مظاهر: (والله إنّي أراك تعبُد الله على سبعين حرفاً. وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، وقد طبع الله على قلبك)(1) .

وقال الحسينعليه‌السلام للوليد عامل يزيد على المدينة، لمّا أراد أن يَجبُر الحسينعليه‌السلام على البيعة ليزيد والرضوخ له:

(يا أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجُل شارب الخمور، وقاتل النفس المحترمة مُعلن الفسْق، ومثْلي لا يبايع مثْله)(2) .

الفاصل الحضاري بين المعسكرَين في عاشوراء:

لقد كانت الجَبْهتان المتصارعتان في كربلاء متميّزتين في انتمائهما لمحوَر

____________________

(1)تاريخ الطبري 6: 223.

(2)مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرّم (رضي الله عنه): ص127 ط النجف.


الولاية الإلهية، والطاغوت، ولم يكن الأمر يخفى على أحد.

(لقد مضى أصحاب الحسينعليه‌السلام ليلة العاشر ولهم دويّ كدَويّ النحْل، بين قائم وقاعد وراكع وساجد)(1) .

سِمة العبيد من الخشوع عليهم

لله أن ضمّتهم الأسحار

وإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم

بِيض القواضب أنّهم أحرار

وتقول فاطمة بنت الحسين:(وأمّا عمّتي زينب فإنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة في محرابها تستغيث إلى ربّها.. والله، فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنّة) (2) .

كذلك كان الأمر في معسكر الحسينعليه‌السلام الشوق إلى لقاء الله و الإعراض عن الدنيا وزخْرفها، والانقطاع عن الدنيا إلى الله حتّى لقد كان بعضهم يداعب أصحابه ويمازحهم في الليلة العاشرة.

فقد هازل بُرَير عبد الرحمن الأنصاري رحمه الله. فقال له عبد الرحمن: (ما هذه ساعة باطل. فقال برير: لقد عَلِم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحُور العِين، إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم.. ولَوَددتُ أنّهم مالوا علينا الساعة)(3) .

والطرف الآخَر في هذه المعركة كان همّه ما يُصيب مِن الذهب والفضة، والإمارة والجائزة في قتال ابن بنت رسول الله.

فقد تولّى عمَر بن سعد أمْر قتال ابن بنت رسول الله طمعاً في إمارة الرَي.

____________________

(1)مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرّم: ص238.

(2)مثير الأحزان: ص56.

(3)تاريخ الطبري: 6 ص241.


يقول اليافعي: (ووَعد الأمير المذكور (عمَر بن سعد) أن يملّكه مدينة الرَي، فباع الفاسق الرُشدَ بالغيّ، وفيه يقول:

أأترك ملك الريّ والريّ بُغيَتي

وأرجع مأثوماً بقتل حسين

ثمّ يقول: (وحزّ رأس الحسين بعض الفجَرة والفاسقين، وحمَله إلى ابن زياد ودخل به عليه وهو يقول:

أوقِر ركابي فضةً أو ذهباً

إنّي قتلت الملك المحجّبا

قتلت خير الناس أمّاً وأبا

وخيرهم إذ يذكرون نسَبا

فغضب ابن زياد مِن قوله وقال له: (إذا علِمت أنّه كذلك فلِمَ قتلته؟ والله لا سُلِّمت منّي خيراً أبداً)(1) .

ويتبجّح الأخنس بن مرثد الحضرمي في رضّه للأجساد الطاهرة بعد استشهادهم، وهو يعلم أنّه يعصي الله تعالى في طاعة أميره، ويقول كما يروي الخوارزمي:

نحن رضضنا الظَهر بعد الصدر

بكلّ يعبوب شديد الأسْر

حتّى عصينا الله ربّ الأمر

بصُنعنا مع الحسين الطُهر(2)

لقد كان همّ الحسين وأصحابه في كربلاء مرضاة الله ولقاء الله... وكان همّ جُند ابن زياد، ما يدفع لهم الأمير مِن الجائزة والإمارة والذهب والفضة.

لم يكن في الأمْر إذن أيّ خفاء. وجميع الذين عاصروا المعركة أو شاهدوها أو وقفوا عليها من قريب أو بعيد... كانوا يُميّزون فيها الحقّ مِن الباطل، ودعوة الله عن دعوة الطاغوت.

____________________

(1)انظر مرآة الجنان لليافعي 1 / 132. روايات السيد المهزبان.

(2)مقتل الحسين للخطيب الخوارزمي 2 / 39.


ولم يتخلّف أحد عنها عن جهل أو لَبْس، وإنّما عن إيثار العافية والراحة على القتل في سبيل الله... ولم يشهر أحد فيها السيف على ابن رسول الله عن لبْس أو جهل... وإنّما عن وضوح وعِلم بأنّهم يحاربون الله ورسوله وأوليائه بقتال الحسينعليه‌السلام .

وهذا الوضوح في ساحة المعركة يجعل معركة الطف معركة متميّزة مِن بين سائر المواقع التاريخية... إنّها تعكس صورة صارخة من صراع الحقّ والباطل، ومجابهة بين الولاء لله والولاء للطاغوت؛ ولذلك كانت هذه المعركة رمزاً خالداً للصراع بين الحقّ والباطل. ومسرحاً للولاء والبراءة، في حياة المؤمنين.

إنّ وقعة الطف لا تُبقي مجالاً لأحد في التردّد والتأمّل.

فهي المواجهة الصارخة بين الحقّ والباطل، وجُند الله وجُند الشيطان، والهدى والضلال...

... فلابدّ من موقف محدّد واضح في هذه القضية... فإن لم يكن هذا الموقف موقف الولاء لجُند الله والبراءة من أعدائهم... فهو لا محالة موقف الرضا بفِعل يزيد وجُنده، وهو الموقف الذي يستحقّ اللعْن والطرد من رحمة الله، ففي زيارة وارث:

(فلعَن الله أُمّة قتلتك

ولعَن الله أُمّة ظلمتك

ولعن الله أُمّةً سمعت بذلك فرضيَت به)(1) .

إنّ فقدان الموقف في عاشوراء هو بنفسه الموقف الرافض. فمَن لم يقف مع الحسينعليه‌السلام يوم استنصر المسلمين، وخذله، فلابدّ أن يكون راضياً بفِعل يزيد،

____________________

(1)زيارة وارث.


ولو لم يكن راضياً بفِعل يزيد، لَما أبطأ عن تلبية دعوة الحسين ونصرته.

وحدة الولاء والبراءة في زيارة (وارث):

إنّ النصّ المعروف في زيارة الحسينعليه‌السلام باسم زيارة (وارث) نصٌّ حافل بمشاهد الولاء والبراءة.

ومِن أهمّ هذه المشاهد: وحدة الولاء والبراءة، ووراثة الحسينعليه‌السلام للأنبياءعليهم‌السلام ، وربْط الولاء للحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه بالولاء للأنبياء: وربْط قيَم عاشوراء بالقيَم الموروثة من تاريخ الأنبياءعليهم‌السلام .

ولعلَّ التسليم على الحسينعليه‌السلام في زيارة وارث، بصفته وارثاً للأنبياءعليهم‌السلام للإشارة إلى هذه الحقيقة.

(السلام عليك يا وارث آدم صَفوة الله،

السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله،

السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله،

السلام عليك يا وارث موسى كليم الله،

السلام عليك يا وارث عيسى روح الله،

السلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله،

السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين وليّ الله)(1) .

فإنّ هذه الصفْوة مِن أولياء الله وعباده الصالحين امتداد واحد لولاية الله على وجه الأرض، وخطٌّ حضاريّ واحد، يدعون إلى الالتفاف حَول محوَر واحد، ويحملون قضية واحدة، كما أنّ أعداءهم أُمّة واحدة، وخطٌّ حضاري واحد،

____________________

(1)زيارة وارث.


وحربٌ واحدة، رغم كلّ التباينات والتقاطعات الموجودة بينهم.

فالإحساس بوحدة الولاء، ووحدة البراءة، يُعمّق الشعور بأنّ الأمّة المسلمة على امتداد التاريخ منذ آدمعليه‌السلام إلى اليوم الحاضر أسرة واحدة، تلتفّ حول محوَر واحد، وتُحارب جبهةً واحدة، وتشترك في الحبّ والبغض والسِلم والحرب، وقضيّتها قضية واحدة، ومهمّتها على وجه الأرض مهمّة واحدة، وخطّها واحد، وحضارتها واحدة، وإيمانها واحد.

إنَّ هذا الإحساس بمعيّة الله ومعيّة المؤمنين يُزيل الشعور بالوَحشة عن نفوس الدُعاة إلى الله تعالى، في خِضَمّ الصراع مع الطاغوت، وفي مواجهة شَوكة الطاغوت وجبَروته وكبريائه.

فقد كان إبراهيمعليه‌السلام وحده أُمّة قانتاً لله في مواجهة نمْرود.

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1).

مشاهد الولاء في زيارة (وارث):

مشاهد الولاء في متْن هذه الزيارة ثلاثة:

1 - التسليم: السلام عليك يا وارث آدم صفوت الله..

2 - الشهادة: أشهد أنّك الإمام البَرّ التقيّ الرضيّ...

3 - الموقف: قَلْبي لقلْبِكم سِلم، وأمْري لأمْركم متّبِع...

وضِمن هذه المراحل الثلاثة يعبّر الزائر عن ولائه للحسينعليه‌السلام في المعركة الكبرى التي وقف فيها أبو عبد الله في مواجهة طاغية عصْره... ينطلق فيها مِن جذور هذه المعركة التاريخية إلى يومنا هذا.

____________________

(1)النحل / 120.


والولاء يتجسّد في هذه الزيارة ضمن هذه المفاهيم الثلاثة وهي:

1 - السلام والأمن والمحبّة (التسليم).

2 - الثقة المطلقة (الشهادة بالإمامة وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

3 - الموقف تجاه محوَر الولاية.

وسنعرض فيما يأتي هذه المشاهد الثلاثة للولاء في زيارة وارث.

السلام في (النفس) و (المجتمع):

وأوّل هذه المشاهد التسليم ضمن ثلاث فقَرات:

(السلام عليك يا وارث آدم صفْوة الله...

السلام عليك يا بن محمّد المصطفى...

السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره...)(1) .

والتسليم مِن أهمّ عناصر الولاء، وهو بمعنى ترك المشاكسة، والمشاققة، والاختلاف، واللجاج، والعناد، داخل النفس وفي السلوك، وإزالة عوامل البغضاء والكراهية والضغينة والاختلاف في الرأي والمخالفة، وإحلال المحبّة والمودّة والانسجام النفسي والطاعة والانقياد والتسليم محلّ المشاققة والمخالفة واللجاج والبغضاء.

وهذه العلاقة في التسليم، تأتي في خاتمة الصلاة، في السلام، (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته).

وكأنَّ حصيلة الصلاة، وحصيلة هذا العروج الروحي إلى الله تعالى هي التسليم والطاعة والانقياد والمحبّة والمودّة لله ولرسوله ولأوليائه.

____________________

(1)زيارة وارث.


و (السلام) ليس فقط أساساً للعلاقة مع الله ورسوله، وإنّما هو أيضاً أساس للعلاقة مع الأُمّة المسلمة الملتفّة حول هذا المحوَر.

وقد اعتبر الإسلام (السلام) تحيّة بين المؤمنين، وجعل هذه التحية خاتمة للصلاة (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).

وهذا الاهتمام بنشْر السلام بين أعضاء هذه الأسرة؛ للتأكيد على نوع العلاقة القائمة بين أفراد وأعضاء الأسرة المسلمة، وأنّ هذه العلاقة قائمة على أساس ترك المشاققة والمخالفة وإزالة البغضاء والضغائن والكراهية من النفوس، وبذْل المحبّة والمودّة في النفوس والانسجام والوفاق والتعاون والتناصر في السلوك.

الشهادة للحسينعليه‌السلام بإمامة المسيرة:

تأتي بعد ذلك الشهادة ضمن ثلاثة فقرات:

1 - الشهادة للحسينعليه‌السلام بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف: (أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمَرت بالمعروف، ونَهَيت عن المنكر، وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين)(1) .

و (إقامة الصلاة) هنا غير أداء الصلاة.

إنّ أداء الصلاة تكليف شخصيّ وفريضة شخصية.

أمّا إقامة الصلاة فهي تثبيت الصلاة، والارتباط بالله، وإعلان الصلاة وتفعيلها في حياة الإنسان.

... ثمّ (وأمرتَ بالمعروف ونهَيت عن المنكر).

فلم يكن الحسينعليه‌السلام يبتغي من خروجه على يزيد مُلكاً أو سلطاناً أو جاهاً،

____________________

(1)زيارة وارث.


وإنّما كان يعمل لتثبيت دعائم المعروف وهدْم أُسُس المنكر، وإقامة محوَر الولاية لله وهدْم محوَر الطاغوت.

وقد خطب الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء فقال:

(ألا ترَون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؛ ليرغب المؤمن في لقاء الله... وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَما)(1) .

وفي منزل (البيضة) خطب الحسينعليه‌السلام في أصحابه فقال: (أيّها الناس إنّ رسول الله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاًّ لحرام الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسُنّة رسول الله، يعمل في عِباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفِعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدْخله.

ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيئ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَن غيّر...)(2) .

فلم يكن الحسينعليه‌السلام يطلب سلطاناً أو مالاً... وهو يرى أنّه يستقبل الموت في سَفرِه هذا، وإنّما كان يرى ظالماً جائراً، يفسد في الأرض، ويهلك الحرْث والنسل، ويحلّل حرام الله، ويتجاوز حدود الله.. فنهضعليه‌السلام بالعُصبة المؤمنة التي احتفت به في كربلاء؛ لفضْح الطاغية وكسرِه والتشهير به و تسقيطه أمام الرأي العام الإسلامي المضلّل، وتوعية الرأي العام بحقيقة الطاغية وإفساده في الأرض، وانتزاع الأمّة من محوَر الطاغوت وإعادتها إلى محوَر الولاية الإلهية.

2 - الشهادة بـ (الطُهر) والنزاهة للحسينعليه‌السلام ، النزاهة مِن كلّ إثْمٍ وذَنْب،

____________________

(1)حلية الأولياء لأبي نعيم 2 / 39.

(2)تاريخ الطبري 6 / 229.


والعصمة مِن كلّ خطأ وزلَل وعصيان... طهارة النفس والسلوك...( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

والشهادة بأنّ هذه النزاهة وهذا الطُهر طُهرٌ موروث، خلَفاً عن سلَف. وقد شاء الله تعالى أن يحتفظ بهذا الطُهر في هذه السلالة الطيّبة، عِبر الحضارات الجاهلية التي سادَت حياة الإنسان... وعِبر ظُلمات الحضارات الجاهلية.

استمرّ إشعاع هذا النور الإلهي في ظلمات حياة الإنسان، واستمرّ هذا الطُهر بين أرجاس الجاهلية، لم يتلوّث، ولم يُلبِسْه شيء مِن مدلهمّات ثيابها...

وقد اصطفى الله تعالى هذه السلالة المباركة للإمامة في حياة الإنسان عِبر العصور المختلفة.

( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) .

ولنقرأ هذه الفقرة من الشهادة في زيارة وارث:

(أشهد أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة، لم تنجّسك الجاهليةُ بأنجاسها، ولم تُلبِسْك من مدلهمّات ثيابها...)(3) .

ولا أُحبّ أن أتجاوز هذه الفقرة دون أن أُشير إلى جمال التعبير في هذه الفقرة...

إنّ الطُهر في هذا البيت الطاهر حصيلة اللقاح بين أصلابٍ شامخة وأرحامٍ

____________________

(1)الأحزاب / 33.

(2)آل عمران / 32. (حُماة الوحي) للشيخ شهاب الدين الإشرافي والشيخ محمّد موحدي فاضل، في تفسير هذه الآية الكريمة وعلاقتها بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام ص176 - 168.

(3)زيارة وارث.


مطهّرة. أصلابٌ شمخَت وترفَّعت ممّا يتساقط حوله الناس مِن متاعٍ وزُخرُفٍ زائل، وأرحام طَهُرت وسلمت من أوضار وأوساخ وأدناس الحضارات الجاهلية التي تناوبت على حياة الإنسان...

3 - الشهادة بموقع الحسينعليه‌السلام مِن حياة الأمّة، ومركزه القيادي الذي وضَعه الله فيه، وما آتاه الله تعالى من الإمامة والولاية على المسلمين.

(أشهد أنّك مِن دعائم الدِين وأركان المؤمنين، وأشهد أنّك الإمام البرّ التقيّ، الرضيّ، الزكيّ، الهاديّ، المهديّ.

وأشهد أنّ الأئمّة مِن وُلدك كلمة التقوى، وأعلام الهدى، والعروة الوثقى، والحجّة على أهل الدنيا)(1) .

الـمَوقف:

ثمّ يأتي بعد هذه المرحلة من التعبير عن الولاء: (التسليم)، و (الشهادة) و (الموقف).

والـمَوقف هنا في (الإيمان والرأي) وفي (العمل).

الموقف النفسي في (الإيمان والرأي): (أنّي بكُم مؤمن وبإيابكم موقِن، بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلبي لقلبكم سِلم)(2) .

والموقف في (العمل): (وأمْري لأمْركم متّبع)(3) .

مؤمن بولايتكم وإمامتكم وقيادتكم. وأصدق دليل على هذه الدعوة: أنّني

____________________

(1)زيارة وارث.

(2)زيارة وارث.

(3)زيارة وارث.


أُسلّمكم شرائع دِيني وخواتيم عملي.. فليس شيء أعزّ عند الإنسان المؤمن من شرائع دِينه الذي يدين به لله تعالى، وخواتيم عمله، الذي يختم بها حياته، حيث لا يمكن أن يتدارك منه شيئاً.

فإنّ مِن الممكن أن يتدارك الإنسان ما فرّط فيه من أعماله، وإصلاحها بالتوبة.. ومراجعة النفس، وتصحيح العمل... أمّا خواتيم العمل فهي التي تقرّر عاقبة الإنسان ومصيره.. ونحن نأخذ منكم شرائع ديننا وخواتيم أعمالنا... وليس شيء أدَلّ على الثقة والصِدق في الولاء من ذلك.. ومِن خلالكم نأخذ معالم ديننا وبكُم هدانا الله تعالى.

ثمّ هذا التسليم المطلق الذي لا يشوبه شِقاق، ولا يعكّره رَيب في أعماق النفوس: تسليم القلْب للقلْب، (وقَلْبي لقَلْبكم سِلم)، فإنّ انسجام القلوب، وتلاقي القلوب، وتفاهم القلوب مِن أسمى معاني و مصاديق (السِلم).

ثمّ (التبعية المطلقة) والانقياد والتسليم في مقام العمل (وأمْري لأمْركم متّبع)، وهو يؤول إلى التسليم لأمْر الله تعالى.

والموقف هنا إيمان مطلق، وتسليم مطلق، وثقة مطلقة في النفس.. و يستتبعه الالتزام الكامل، والتبعية الكاملة في مقام العمل.

وورَد في زيارة الحسينعليه‌السلام الخاصّة في يوم عَرَفة (إنّي سِلمٌ لـمَن سالَمَكم، وحرب لـمَن حاربكم، ووليٌّ لـمَن والاكم وعدوٌ لـمَن عاداكم إلى يوم القيامة)(1) .

وفي زيارة الأربعين الخاصّة: (أشهدُ أنّي بكم مؤمن، وبإيابكم موقِن، بشرائع ديني وخواتيم عملي، وقلْبي لقلْبكم سِلم، وأمْري لأمْركم متّبع، ونُصرتي لكُم معدّة حتى يأذن الله لكم، فمعكم معكم، لا مع عدوّكم، صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم وأجسامكم وشاهدكم وغائبكم)(1) .

____________________

(1)انظر زيارة الحسين الخاصّة ليوم عَرفة، وزيارة عاشوراء.

(2)زيارة الأربعين.


فالنصرة معدّة وجاهزة، انتظرُ فيها إذن الله تعالى.

معكم، معكم:

ثمّ بعد ذلك يأتي هذا التشييد الولائي الرائع.. وهذه النغمة الإيمانية العذِبة... (فمعكم، معكم، لا مع عدوّكم...).

بالتأكيد، بتكرار المعيّة (فمعكم، معكم...) وبالسلب والإيجاب... والولاء والبراءة (لا مع عدوّكم). نردّد هذه التلبية الولائية لداعي الله، الذي وقف يوم عاشوراء في كربلاء... يدعو البشرية إلى العودة إلى الله وتحطيم الطاغوت، وكسْر كِبريائه وجبَروته، والعودة إلى عبودية الله.

(لبّيك داعيَ الله، إن كان لم يُجبْك بدَني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلْبي..)(1) .

وإنّ أفضل التلبية تّلبية القلب... فإذا فاتتنا تلبية داعيَ الله بأبداننا في كربلاء، فإنّ قلوبنا التي عمّرها الله تعالى بوَلائه ووَلاء أوليائه لا تنفكّ عن الاستجابة لدعوته، وبمقارعة الظالمين، وكسْر شَوكتهم وسلطانهم، وتعبيد الناس لله، وتحكيم شريعة الله تعالى وحدوده في حياة الإنسان، وانتزاع الإنسان من محوَر الطاغوت إلى محوَر الولاء لله تعالى.

البراءة:

والوجه الآخَر لمسألة الولاية البراءة.. ولا ولاية مِن دون البراءة.. والولاء والبراءة وجهان لقضية واحدة.

____________________

(1) الزيارة المخصوصة لأوّل مِن رجب.


ويصدق الإنسان في ولائه بقدَر ما يصدق في البراءة، فإنّ الولاء وحده لا يُكلِّف الإنسان كثيراً، وأكثر ما يُصيب الإنسان من أذى وعناء في أمره البراءة.

وليس من الصعب من أن يُجامِل الإنسان الجميع، ويمدّ يده إلى الجميع، ويعيش مع الكلّ بسلام، ويُداري كلّ العواطف والأحاسيس، ويلعب على كلّ الحِبال ويتجنَّب الصِدام مع الجميع، ويوزِّع الابتسامة في كلّ مكان، ويُرضي الجميع.

إنّ مثل هذا الإنسان يستطيع أن يعيش في رَغَد وعافية، ويستطيع أن يكسب ودّ الجميع وتعاطفهم، ويستطيع أن يعيش من دون مشاكل ومتاعب، ولكن لا يستطيع أن يرتبط بمِحور الولاية الإلهيّة على وجه الأرض، ولا يستطيع أن ينتمي إلى هذه الأُسرة المسلمة، التي أعطتْ ولاءها لله ولرسوله ولأوليائه.

ولا يستطيع أن يملك موقفاً، ولا يستطيع أن يُحبّ ويُبغِض ويرضى ويسخط بصدق، ولا يستطيع أن يتجاوز حدود الـمُجامَلة السياسيّة والاجتماعيّة في علاقاته.

إنّ الصدق في التعامل، والموقِف من الأحداث، والقوّة والحرّية والصراحة في المواقف، لا تتمّ من دون ولاء، والولاء لا يتمّ من دون براءة، والبراءة تُكلِّف الإنسان الكثير في علاقاته الاجتماعيّة وصِلاته في المجتمع وفي الأُسرة، وفي راحته وعافيته وفي استقراره. وهذه حقيقة من ورائها حقائق كثيرة.

إنّ البراءة ضريبة الولاء والتَعَب والعناء، والأذى ضريبة البراءة، وهذه مُعادَلات أجراها الله تعالى بسُنَّتِه التي لا تَتَبدَّل في حياة الإنسان.

* * *

عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال: (عشرٌ مَن لقيَ الله (عزّ وجلّ) بهِنَّ دخل الجنّة:

شهادة أن لا اله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحَجّ البيت، والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعداء الله، واجتناب كلّ مسكر)(1) .

____________________

(1)خِصال الصدوق: 2 / 52. =


فالفاصلة بين الإسلام والكُفر هي الولاية.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (... إنّ أوثقَ عُرى الإيمان الحبّ في الله، والبغض في الله، وتوالي وليّ الله، وتعادي عدوّ الله)(1) .

وعن الرضاعليه‌السلام : (روي أنّ الله أوحى إلى بعض عبّاد بني إسرائيل، وقد دخل قلبه شيء: (أمّا عبادتك لي فقد تَعزّزت بي، وأمّا زُهدك في الدنيا فقد تعجَّلت الراحة، فهل واليت لي وليّاً وعاديت لي عدوّاً؟ ثمّ أمر به إلى النار. نعوذ بالله منها...)(2) .

ولاء (الأعور):

روي أنّ رجلاً قدِم على أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أُحِبُّك وأُحِبُّ فلاناً، وسمّى بعض أعدائه. فقال لهعليه‌السلام : (أمّا الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمي وإمّا أن تُبْصِر)(3) .

ورؤية الأعور، نصف الرؤية، فهو يرى بإحدى عينيه فقط.

____________________

= وقد وَرَدَ في رسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى النجاشي - ملك الحبشة -: (وإنّي أدعوك إلى الله وحده ولا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتّبعني وتُؤمن بالّذي جاءني، إنّي رسول الله). (مكاتيب الرسول: 120).

وفي رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أسْقَفِ نَجران: (إنّي أدعوكم إلى عبادة الله عن عبادة العِباد، وأدعوكم إلى ولاية الله عن ولاية العِباد، فإن أتيتُم، لا جِزْيَة، وإن أبيتُم، آذنتُكم بحرب). (مكاتيب الرسول: 170).

(1)المحاسن: 165. وبحار الأنوار: 27 / 57.

(2)فقه الرضا: 51. وبحار الأنوار: 27 / 57.

(3)بحار الأنوار: 27 / 58.


وكذلك ولاء الإنسان الذي يفقد البراءة، ولا يجرأ على البراءة، ويريد أن يجمع يبن الكلّ ويُرضي الجميع.

ومثل هذا النَمَط من الناس، لا يبقى أعوراً إلى آخر عمره بنصف الرؤية، فإمّا يهديه الله تعالى فتَكتَمِل لديه الرؤية، وإمّا أن يفقد هذه الرؤية النصفيّة الضَعيفة فيَعمى ويفقد الولاء مُطلَقاً.

وقيل للصادقعليه‌السلام : إنّ فلاناً يُواليكم، إلاّ أنّه يضعف عن البراءة من عدوِّكم؟ فقالعليه‌السلام : (هيهات. كذبَ مَن ادّعى مَحبَّتنا، ولم يتبرَّأ من عدوِّنا)(1) .

والسائل في هذا الحديث دقيق في طرح السؤال: إنّ الشخص الذي هو موضِع السؤال لا يُشَكّ في ولائه، ولكنّه يضعف عن البراءة، وضعفه يجعل موقفه من البراءة مهزوزاً وضعيفاً، ولا يملك القوّة الكافية في أن يُعلِن عن موقفه في الولاء والبراءة، والوَصْلِ والفَصْل، والارتباط والـمُقاطَعة، بشكلٍ صريح وحاسِم.

فيُجيبه الإمامعليه‌السلام : إنّ الولاء الصادق لا يُمكن أن ينفصل عن البراءة، ومَن يجد في نفسه ضعفاً عن البراءة، فهو كاذب في ولائه.

وفي حديث الأعمش عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال: (حُبّ أولياء الله واجب، والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة... والبراءة من الناكِثين والقاسِطين والمارقين واجبة، والبراءة من الأنصاب والأزلام وأئمّة الضلال وقادَة الجَور كلّهم، أوّلهم وآخرهم، واجبة)(2) .

وعن أبي محمّد الحسن العسكري عن آبائهعليهم‌السلام ، قال: (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لبعضِ أصحابه ذات يوم: يا عبد الله، أحبّ في الله وأبغض في الله، ووالِ في الله

____________________

(1)بحار الأنوار: 27 / 58.

(2)الخصال: 2 / 153 و 154. وبحار الأنوار: 27 / 52.


وعادِ في الله، فإنّه لا تُنال ولاية الله إلاّ بذلك، ولا يجد رجُل طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه، حتّى يكون كذلك.

وقد صارت مؤاخاة الناس في يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يُغْني عنهم من الله شيئاً.

فقال له: وكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله (عزّ وجلّ)؟ ومَن وليّ الله (عزّ وجلّ) حتّى أُواليه، ومَن عدوّه حتّى أُعاديه؟

فأشار له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّعليه‌السلام ، فقال: أترى هذا؟ فقال: بلى.

قال: وليّ هذا وليّ الله فوالِه، وعدوّ هذا عدوّ الله فعادِه.

قال: والِ وليّ هذا ولو أنّه قاتل أبيك وولدِك، وعادِ عدوّ هذا ولو أنّه أبوك أو ولدُك)(1) .

وهذا المضمون قد وردَ تأكيده في حديث الغدير المعروف، والمروّي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(مَن كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذلَه).

وقد استوفى العلاّمة حُجّة الحقّ السيّد مير حامد حسين الكهنوي (رحمه الله) في عَبقات الأنوار، والعلاّمة الأميني (رحمه الله) في الغدير، دراسة هذا الحديث الشريف من حيث السَنَد والـمَتْن.

وقد صَدَّر العلاّمة الأميني كتابه القَيّم (الغدير) بحديثٍ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا المعنى، نودُّ أن نختم به أحاديث الولاء والبراءة.

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: (مَن سَرَّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويَسكن

____________________

(1)التفسير للإمام العسكري: 8. معاني الأخبار: 113.


جنّة عدن الّتي غَرَسَها ربِّي، فليُوالِي عليّاً من بعدي، وليُوالي وَليّه، وليَقتدِ بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عِترَتي، خُلِقوا من طينَتي، ورُزقوا فَهْماً وعِلماً، فوَيلٌ للـمُكذِّبين بفضلِهم من أُمَّتي، القاطعين فيهم صِلتي، لا أنالَهم اللهُ شفاعتي)(1) .

الطوائِف الثلاث الـمَلعونة:

وقد وردَ اللعن والبراءة في زيارة وارث لثلاث أُمَم وطوائف:

(فلَعنَ اللهُ أُمّة قَتَلَتكَ.

ولَعَنَ اللهُ أُمّة ظَلَمَتْكَ.

ولَعَنَ اللهُ أُمّة سَمعتْ بذلكَ فرَضيَت به)(2) .

والطائفة الأُولى : هي الطائفة التي باشرتْ قِتال الحسينعليه‌السلام . (لعنَ اللهُ أُمّة أسرَجَت وألجَمَت وتهيَّأت وتَنَقَّبَت لقتالِك يا مولاي، يا أبا عبد الله)(3) .

والطائفة الثانية: هي الطائفة الّتي ظلمت الحسينعليه‌السلام ، وجارَت عليه ومَكَّنَت منه، وشايَعَت وبايَعَت وظاهَرَت عليه، وخالَفَته.

وهذه الطائفة تشمل كلّ أُولئك الذين أعدّوا لقتالِ الحسينعليه‌السلام أو مَكَّنوا منه، أو خالفوه أو ظاهروا عليه، أو ساهموا في الإعداد لقتاله، أو أعانوا الطاغية في قتاله بطريقة أو أُخرى... وأشياع هؤلاء جميعاً وأتباعهم.

وقد ورد اللَعن والبراءة من هذه الطائفة، في طائفة واسعة من الزيارات بصيَغ

____________________

(1)أخرجه الحافظ أبو نعيم في (حلية الأولياء): 1 / 86. وأخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في (تأريخه): 4 / 410.

(2)زيارة وارِث.

(3)زيارة وارث الـمُطلَقة. وباختلاف يسير عن زيارة عاشوراء المخصوصة.


مختلفة.

ففي زيارة عاشوراء المخصوصة: (فلعن الله أُمّة أسّست أساس الظلم والجَور عليكم أهل البيت، ولعنَ الله اُمّة دفعتكم عن مقامكم، وأزالتكم عن مراتبكم الّتي رتَّبكم الله فيها... ولعن الله أُمّة قَتَلتكم، ولعن الله الـمُمَهِّدين لهم بالتَمكين من قتالِكم، برئتُ إلى الله وإليكم منهم ومن أشياعهم وأتباعهم)(1) .

وأيضاً جاء في زيارة عاشوراء: (وأبرأ إلى الله ورسوله ممَّن أسَّسَ أساس ذلك - الظلم والجَور عليكم أهل البيت - وبَنى عليه بُنيانه، وجرى في ظُلمه وجَوره عليكم وعلى أشياعِكم، برئتُ إلى الله وإليكم منهم)(2) .

وهذه الطائفة طائفة واسعة تشمل كلّ أُولئك الذين ساهموا في قتال الحسين أو مكّنوا من قتاله أو أعدّوا له، أو بايعوا الطاغية على قتاله أو شايعوا أو ظاهروا عليه...

الطائفة الثالثة (الشريحة الراضية):

والطائفة الثالثة:هي الطائفة التي سمعَتْ بذلك فرضيَت به.

وهذه الطائفة تستوقِف الإنسان طويلاً، فمَن هم أُولئك الّذين سمعوا بذلك فرضوا به؟

إنّ هذه الطائفة ليست بالتأكيد مُشارِكة في القتال، ولا هي مشاركة في مُمارسة الظلم بصورة عمليَّة، ولا كانت تدخل ضمن الطائفة الأُولى أو الثانية؛ وإلاّ لم يكن من موجب لإفرادها بالذكر ثالثاً.

____________________

(1)زيارة عاشوراء المخصوصة.

(2)زيارة عاشوراء المخصوصة.


فهذه الطائفة لابدّ أن تكون ممّن سمعوا استنصار الحسينعليه‌السلام ولم ينصروه، وآثروا العافية على الوقوف بجانب سيّد الشهداءعليه‌السلام في معركة الطفّ، وخذلوا سيّد الشهداءعليه‌السلام ولم ينصروه في يوم عاشوراء... وهذه الطائفة لابدّ أن تكون راضية بما حدث في يوم عاشوراء.

فلا يُمكن أن يتمّ هذا الخُذلان والسكوت والقعود عن نصرة ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في معركته مع طاغوت عصره، والقعود بعد ذلك عن أخذ ثأره، لولا أنّهم كانوا راضين بما حدث.

إنّ تخلّف هؤلاء عن الالتحاق بالحسينعليه‌السلام ، وتقاعسهم عن نُصرة الحسين، وإيثارهم للعافية في دنياهم على آخرتِهم، ينطوي على الرضا بما قام به يزيد، وإن لم يكن كذلك؛ فإنّ كلّ هذا التخلُّف والتقاعس وإيثار العافية يُؤدِّي أخيراً إلى الرضا بالظلم.

وقد ذُكرَت هذه الطائفة في نصوص أُخرى للزيارة بصِيغ مختلفة، كلّها تصبّ في معنى التخاذل عن نصرة (أبي عبد الله الحسين)عليه‌السلام ، والتقاعس عن الالتحاق به، وإيثار العافية على الوقوف إلى جانب سيّد الشهداءعليه‌السلام .

فقد ورد في الزيارة الـمُطلَقة الثانية: (لُعنَتْ أُمّة قَتَلَتكم، وأُمّة خالَفَتكم، وأُمّة جَحَدَتْ ولايَتكم، وأُمّة ظاهَرَت عليكم، وأُمّة شَهدَت ولم تَستشهِد...)(1) .

وموضع الشاهد الفقرة الأخيرة: (وأُمّة شهدَتْ ولم تَستَشهِد).

ووردَ في الزيارة الـمُطلَقة السابعة: (وأشهدُ أنّ قاتِلك في النار، أَدينُ الله بالبراءة ممَّن قتلَك، وممَّن قاتَلَك وشايَع

____________________

(1)الزيارة الـمُطلَقة الثانية.


عليك، وممَّن جمعَ عليك، وممَّن سمعَ صوتك ولم يُعِنك)(1) .

وموضع الشاهد: (وممَّن سمعَ صوتَك ولم يُعِنك).

ووردَ في زيارة ليلة القدر وليلة العيدَين: (أشهدُ أن الّذين خالَفوك وحارَبوك، والّذين خَذَلوك والّذين قَتَلوك، ملعونون على لسان النبيّ الأُميّ)(2) .

وواضح في هذا النص أنّ الطوائف الثلاث الملعونة هي:

1- الطائفة التي خالَفَتْ وظَلَمَتْ.

2 - والطائفة التي قاتَلَتْ الحسين وقَتَلَتْ.

3 - والطائفة التي خَذَلَتْ الحسينعليه‌السلام ، ولم تُلَبِّ دعوة الحسينعليه‌السلام ولم تَنصره.

فالذين سمعوا صرخة الحسينعليه‌السلام في وجه يزيد، وسمعوا نداء الحسينعليه‌السلام وهو يستنصر المسلمين فلم يتحرَّكوا، وخذلوا سيّد شباب أهل الجنّة، وآثروا عافية دنياهم على سلامة الآخرة، وتخلَّفوا عن الالتحاق بالحسينعليه‌السلام ... أُولئك من أهل البراءة، ومن الذين يستحقُّون اللَعن.

عاشوراء (يوم الفرقان):

إنّ معركة الطفّ كانت معركة حقيقيّة، في الأبعاد العقائديّة والحضاريّة والسياسيّة.

ولذلك؛ فهي تتطلَّب مواقف حقيقيّة من الولاء والبراءة، وترفض التفرُّج واللامبالاة.

____________________

(1)الزيارة الـمُطلَقة السابعة.

(2)الزيارة المخصوصة لِلَيلة القَدر وليلة العيدَين.


فطبيعة المعارك والصراعات الحضاريّة والعقائديّة أنّها تشطر الناس شَطرَين: مُخالِف ومُوافِق، ويجري هذا التشطير والانقسام بصورة مستمرَّة فيما بعد، وإلى ما شاء الله من العصور.

ومعركة الطفّ في القمَّة من هذه المعارك والصراعات؛ نظراً إلى المواجهة والـمُقابَلة العقائديّة والحضاريّة والسياسيّة الّتي تمَّت في هذه المعركة، ولوضوح الطرفَين في اتّجاهاتهما العقائديّة والحضاريّة، فلم يكن خافياً أمر الحسين ابن بنت رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة على أحد من المسلمين، كما لم يكن خافياً أمر يزيد بن معاوية ابن آكلِةِ الأكباد، وسلالة الشَجرة الملعونة في القرآن على أحد، ولا أحد يشكّ في ماهِيَّة وحقيقة الطَرفَين الـمُتصارعين، ومَن منهما كان يدعو إلى الله، ومَن منهما كان يُخالِف إرادة الله ويعصي الله.

هذه المأساة والمواجهة التاريخيّة شطرت الناس شَطرين مُتميِّزَين:

الشطْر الأول: الموالي والناصر والـمُنتَمي والـمُرتبِط والـمُسانِد.

والشطْر الثاني: الـمُخالِف والـمُعادِي.

وهذا الصراع لم يَدَع أحداً يقف بين الصفَّين ليَتفرَّج على المعركة من دون أن يصيبه غبار من هذا الطرف أو ذاك.

فلابدّ من موقِف مُحدَّد، من ولاء أو براءة.

ولذلك قُلنا: إنّ هذه المعركة شطرَتْ الناس في الولاء والبراءة شطرين مُتميِّزين، من سَنَة إحدى وستّين هجريّة إلى يومِنا الحاضر، وإلى ما شاء الله من العصور.

أبْعادُ وامتداداتُ المواجهة ليوم الفرقان:

ولقد كان يوم بدر (يوم الفرقان) الأوّل في تاريخ الإسلام، يقول تعالى:( يَوْمَ


الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) (1) .

وهو أوّل مواجهة قتاليّة بين التوحيد والشِرك في تاريخ الإسلام، وعلى نتائج هذه المواجهة الميدانيّة كان يتوقَّف مصير البشريّة جميعاً.

صحيح أنّ الّذين وقفوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بدر ثلاثمئة أو يزيدون، وأنّ الّذين وقفوا إلى جانب قريش لقتال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألف أو يزيدون قليلاً، إلاّ أنّ هذه المواجهة كانت أعمق وأوسع ممّا يتراءى لنا لأوّل مرّة من خلال التاريخ في وادي بدْر، في السَنَة الثانية بعد الهجرة.

فقد كان يقف من وراء المشركين من قريش في بدْر جَبهَة عريضة من الشِرك، في الجزيرة وخارجها؛ وتصاعد الأحداث بعد هذا اليوم أثبتَ هذه الحقيقة، ولقد وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه العصابة الصغيرة أمام جبهة الشِرك العريضة.

فيوم بدر إذن، فرَّق الناس إلى شطرين متمايزين في الولاء:

شطر قِوامه ثلاثمئة وخمسة مقاتِلين.

وشطر قوامه جبهة الشرك العريضة، وبكلّ إمكاناتها الواسعة.

فهو (يوم الفرقان) الأوّل حقّاً في تاريخ الإسلام.

إنّ النظرة الساذجة الأُولى لساحة بدْر - في السنة الثانية من الهجرة - لا تلتقي إلاّ بهذين الجَمعين الصغيرين الـمُتقاتلين، ولكنّ النظرة العميقة الـمُمْعِنة تلتقي في هذه الساحة بحَضارتين وعقيدتين تتصارعان على البقاء، وفي جبهات عريضة واسعة، وليس مع ألف من المقاتِلين أو يزيدون فقط.

ولم يكن يوم بدر (يوم الفرقان) الذي يشطر الناس في الولاء والبراءة إلى

____________________

(1)الأنفال: 41.


شطرَين في السنة الثانية من الهجرة فقط، وإنّما يظلّ هذا اليوم يوم فرقان في تاريخ الإسلام، إلى أن يأذن الله بنهاية الأرض.

يوم الفرقان الثاني في تاريخ الإسلام:

وإذا كان يوم بدر (يوم الفرقان) الأوّل في تاريخ الإسلام، فإنّ يوم عاشوراء (يوم الفرقان) الثاني في تاريخ الإسلام.

كان يقف فيه الحسينعليه‌السلام مع ثُلّة صغيرة من أهل بيته وأصحابه، وفي الجانب الآخر يقف ابن زياد مع جيش واسع، ومن ورائه يزيد وسُلطانه ومُلكه الواسع وأمواله الكثيرة وإمكاناته، وكلّ الموالين له والـمُستفيدين منه.

ففي يوم عاشوراء إذن، نجد كلّ خصائص (الفرقان)، فقد شُطِرَ الناس إلى شَطرَين متمايزين في الولاء والأخلاق والفكر والخطّ والعقيدة..

ولا يزال هذا اليوم (فُرقاناً) في تاريخ الإسلام، يُفرَّق الناس في الولاء والبراءة، إلى أن يأذن الله بنهاية الأرض.

يوم الفرقان الثالث في تاريخ الإسلام:

وما دُمنا قد أشرنا إلى يومين من أيّام (الفرقان) في التاريخ الإسلامي: (يوم بدر، ويوم عاشوراء)، فلا نستطيع أن نتجاوز هذا الحديث دون أن نُشير إلى اليوم الثالث من أيّام (الفرقان) في تاريخ الإسلام الحديث، والذي يأتي امتداداً ليوم بدر ويوم عاشوراء.

وهو: يوم انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.

والذي هو من أيّام الله الكبرى في التاريخ، هدمَ الله تعالى فيه عرشَ أكبر إمبراطوريّة في آسيا، تحمِيه أضخم الأجهزة السِريّة والعَلنيّة، وأكبر قلعة للاستكبار في المنطقة، تحميها سادس قوّة


عسكريّة في العالم، وذلك بقيادة الإمام الخميني (قدس سرّه).

إنّ هذا اليوم لا يعني فقط سقوط نظام أُسرة بهلوي في تاريخ إيران، وإنّما يعني نهاية مرحلة من التاريخ وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام.

فإنّ سقوط أُسرة بهلوي، وقيام الجمهوريّة الإسلاميّة يُعتبر نهاية لعصر من الخمول والركود والاستضعاف واليأس، والارتماء في أحضان الغرب والشرق، والتخلّف الفكري والثقافي والسياسي والعسكري والاقتصادي، والهزيمة النفسيّة...

وبداية عصر جديد من التحرّك باتّجاه حاكميّة دِين الله على وجه الأرض، وفكّ القيود والأغلال من الأيدي والأقدام، وكَسْر الطَوق السياسي والاقتصادي والعسكري والعلمي والحضاري، الّذي فرضَه الاستكبار الغربي والشرقي على العالم الإسلامي، والعودة إلى الله، وتعبيد الإنسان لله، وتحكيم شريعة الله في حياة الإنسان، وإعادة الأعراف والقِيَم والأخلاق، والحدود الإسلاميّة إلى صُلبِ الحياة من جديد.

وبالإجمال، مرحلة جديدة للتاريخ.

إنّ هذا اليوم امتداد حقيقي ليوم عاشوراء، كما كان يوم عاشوراء امتداداً واقعيّاً ليوم صفِّين وبدر.

انتصار الثورة الإسلاميّة مُنطلَق ثوري وقِيمة حضاريّة:

ونُلخّص فيما يلي أبرز نقاط وعناصر هذه الثورة المباركة:

إنّ هذه الثورة ثورة مبدئيّة بكلّ معنى الكلمة، وهي نوع جديد من العمل والحركة الثوريّة في تاريخنا المعاصر، وحدث سياسي بارِز لا شبيه له في الأحداث المعاصرة، وصراع جديد بين التوحيد والشِرك، بين التوحيد في الولاء والشِرك في الولاء.

فهي تتّجه لفكِّ ارتباط الإنسان المسلم بالاستكبار الشرقي والغربي، وفكّ ارتباطه بمحاور الولاء الـمُصطنَعة: (القوميّة، الوطنيّة، العشائريّة، الحزبيّة...)، وربط ولائه بالله تعالى، ورسوله وأوليائه، وتوحيد الولاء


لله تعالى، ومُقاطَعة ومُحاربة كلّ المحاور الأُخرى الّتي تعمل لانتزاع الولاء من الناس.

تلك كانت طبيعة الثورة ومحتواها.

إنّ من المهمِّ أن نفْهم نحن مسار الثورة الإسلاميّة المعاصِرة ومحتواها، ومن دون ذلك لا نستطيع أن نُساهِم أو ندعم أو نُسانِد هذه الثورة.

إنّها ليست ثورة على التخلُّف العلمي والتِقَني، ولا هي ثورة على التخلُّف الاقتصادي والفقر الاجتماعي، ولا هي ثورة ضدّ الاستعمار، ولا هي ثورة من أجل تحرير آبار النفط من قَبضةِ ملوك النفط أو من الشركات الاحتكاريّة، ولا هي ثورة طَبَقَة أُخرى (صِراع طَبَقِي)، كما حدثَ في ثورة الزنج في تاريخ الإسلام، وإن كانت تحتوي على كلّ هذه الأُمور، وتَطْمَح لكلِّ هذه المكاسب، وتُحقّق هذه النتائج كلّها إن شاء الله، إلاّ أنّها في جوهرها شيء آخر.

إنّها ثورة الولاء لله تعالى على الولاء للطاغوت، وثورة التوحيد على الشرك، وثورة الإسلام على الجاهليّة الحديثة.

وهي إذا حققَّتْ غايتها على وجه الأرض، فسوف تقضي على التخلُّف العلمي والثقافي والتِقَني، وتقضي على الفقر والتخلُّف الاقتصادي، وتقضي على الاستثمار والاستعمار، وتقضي على الاحتكار، وعلى الشركات الاستعماريّة، وتقضي على التلاعُبِ بأموال المسلمين وثرواتهم، وتقضي على الاستضعاف والاستكبار، وعلى استضعاف طَبَقة لطَبَقة أُخرى، ومُمارسة السيادة لطبقةٍ على أُخرى.

إنّ هذه الثورة سوف تُحقّق كلّ هذه الغايات، وغايات أُخرى أبعد من هذه وأسمى منها إن شاء الله. ولكن، على أن تُحافِظ على جوهرها ومحتواها الحقيق (ثورة التوحيد على الشِرك).

إنّ السِمَة البارزة والأُولى لهذه الثورة هي: (الربّانيّة)، وهذه السِمَة هي الّتي


تربطها ببدرٍ وصِفّين وعاشوراء، وبحركة الأنبياءعليهم‌السلام ، وبمَسارِ الصالحين من أولياء الله.

ومتى أُفرغت الثورة من هذه السِمة، وتشبَّعت بالأهداف والشعارات الجانبيّة، فقدت كلّ قيمتها، وفقدت تأييد الله تعالى لها.

إنّ هذه الثورة تختلف اختلافاً جوهريّاً عن كلّ الثورات المعاصِرة لنا، كالثورة الفرنسيّة، وثورة أكتوبر، والثورات الّتي قامت في القارَّة الأفريقيّة وفي آسيا بعد الحرب العالميّة الثانية، والثورات في المنطقة العربيّة.

إنّ الكثير من هذه الثورات كانت ثورات طَبَقيّة، ثورة طَبَقة مُستضعَفة على طَبَقة مُستأثِرة. أو ثورات تحرّريّة من الاستعمار وسَيطرة الأجنبي، أو القضاء على أنظمة ديكتاتوريّة.. أو حُكّام مُجرمين.

ولا نستطيع أن نستثني ثورة مُعاصِرة عن هذه الـمُنطلَقات.

والثورة الإسلاميّة هي الوحيدة الّتي انطلقت من مُنطلَق آخر، يختلف اختلافاً نوعيّاً عن هذه الثورات جميعاً.

انطلقت باتّجاه تحرير الإنسان من المحاور البشريّة للولاء، مهما كان نوعها، إن لم يكن مرتبطاً بالله تعالى، وتعبيد الإنسان لله تعالى، وتحكيم شريعته في حياة الإنسان، وترسيخ محوَر الولاية الإلهيّة بكلّ امتداداتها في حياة الإنسان.

تراكُم من الفعل والحراب (الفِعْل والانْفِعال):

إنّ هذه الثورة حصيلة جهود كثيرة وكبيرة، من قِبل كلّ العاملين في سبيل الله وطلائع العمل الإسلامي، من الذين وَعُوا محنة الأُمّة وتحمّلوا المسؤوليّة، ونهضوا بأعباء المسؤوليّة.

إنّ هؤلاء جميعاً لهم دَور في بناء قواعد هذه الثورة، وفي انجاز هذه الحركة الربّانيّة على وجه الأرض، وفي تحريك هذا السَيل


البَشَري الهادِر الذي زَعزَعَ مكان الطاغوت.

إنّ الطالب الّذي كان يدعو إلى الله ورسوله، وإلى تحكيم شريعة الله بين زُملائه الطلبة، له دَور في بناء هذه الثورة، والعامل الّذي كان يبثّ الوعي الإسلامي في صفوف إخوانه العمّال، له دَور في هذه الثورة، والخطيب الذي كان يخطب في المساجد والاجتماعات، وينشر هَديَ الإسلام ووَعيه، له دور في هذه الثورة، والعالِم، والكاتِب، والشاعر، والأديب، والمعلِّم وكلّ حَمَلَة الرسالة، من النساء والرجال، والّذين وضعوا حَجَراً في أساس هذه الثورة، من مشارق الأرض ومغاربها، لهم دور وحظّ في هذه الثورة المباركة.

إنّ هذه الثورة الّتي زلزلت الأرض تحت أقدام الطُغاة، لم تكن حصيلة فترة زمنيّة محدودة. وجُهْد جماعة من العاملين، وإنّما كانت حصيلة أجيال من العمل في سبيل الله، من قِبل كلّ العاملين في حقول العمل الإسلامي.

كما إنّ هذه الثورة حصيلة كلّ الآلام والحرمان، والاضطهاد والعذاب والعناء الّذي لاقاه المسلمون في مرحلة الركود والضعف.

وساهمَ في هذه الثورة كلّ الشهداء الّذين اضطُهِدوا في سبيل الله، وكلّ مَن التفّتْ السِياط على جسمه في غيابات السجون، وكلّ الدموع والدماء والآهات... وكلّ الهجرات الّتي كانت في سبيل الله.

أجَل، إنّ هذه الثورة كانت انفجاراً هائلاً لكلّ هذه الآلام والمِحن، ولو كان الأمر في هذه الثورة الإسلاميّة يقتصر على العامل الثاني: (ركام الآلام والعذاب)، لكان من الممكن أن تغلب على هذه الثورة الصِفة الانفعاليّة، إلاّ أنّ وجود العامل الأوّل وقوّته وفعاليّته في تحقيق هذه الثورة المباركة، كان عاملاً قويّاً في توجيه الثورة وتصحيح مسارها، والمحافظة عليها من الانحراف.

محاوَلات لأقْلَمَةِ الثورة:

فليست هذه الثورة ثورة إقليميّة، كما يحاول أعداء الإسلام أن يصفوها، وكما


تنطلي أحياناً على بعض السُذّج من المسلمين، وليست ثورة إسلاميّة إيرانيّة، وإنّما هي ثورة إسلاميّة شاملة، وشاء الله تعالى أن تكون نقطة انفجار هذه الثورة أرض إيران، والشعب الذي يُفجرّ هذه الثورة، الشعب الإيراني المسلم.

وأيّة محاولة لأقلَمَة هذه الثورة وعزلها عن مشاعر وأحاسيس وقلوب المسلمين خيانة لهذه الأُمّة، إن كانت من قِبل أعداء هذه الأُمّة والـمُتربِّصين بها سوءً، أو من أبنائها الّذين لم يعُوا خطورة هذا الدَور.

إنّ عزلَ الثورة الإسلاميّة عن مشاعر المسلمين وعن الرأي الإسلامي، وتطويقها، يُعدُّ خيانة كبرى ومقدّمة للإجهاز عليها. ويجب علينا كمسلمين أن نواجه هذه المؤامرات بوعي وانتباه، وبعيداً عن جوِّ الحساسيّات، وفي جوٍّ من المسؤوليّة الشرعيّة.

إنّ هذه الثورة بداية لانفجار شامل وثورات إسلاميّة كثيرة على وجه الأرض، وليست تلك الثورات شيئاً آخر غير هذه الثورة، ولا امتداداً لها، وإنّما هي مراحل مختلفة لثورة واحدة، شاء الله تعالى أن تتمّ المرحلة الأُولى منها في إيران، وفي أحضان هذا الشعب المسلم الشجاع.

أرأيت خطّ الزلزال ينطلق من نقطة ويمتدّ على منطقة واسعة من الأرض، بفِعل التفاعلات غير المرئيّة في طَبَقات الأرض؟!

كذلك هذه الثورة.

التفاعلات التي كانت تجري في الأعماق غير المرئيَّة لهذه الأُمّة:

لقد تمَّ في عُمق هذه الأُمّة تفاعلات واسعة وكبيرة وقويّة، بتأثير الفِعل (العامل الأوّل) والانفعالات (العامل الثاني)، في غياب مِن رَصدِ الاستكبار العالمي.

وحيث كان الاستكبار العالمي يزهو بانتصاراته الكبرى في العالم الإسلامي، ويعيش في نشوَة هذه الانتصارات على العالم الإسلامي، جرت هذه


الانفعالات في أعماق الأُمّة الإسلاميّة، وتفاعَلَت وتفاقمت، ثُمّ كانت الثورة الّتي تشبه الزلزال، فاهتزَّت الأرض من تحت أقدام حُكّام الغربِ وأتباعهم، ولم ينتبه هؤلاء الطغاة من نشوة وسكر السلطان إلاّ بعد أن حدث الزلزال.

إنّ الذي حدث في طهران كان شيئاً أكبر بكثير من تصوّراتنا المحدودة، كان تحقيقاً لوعد الله سبحانه وتعالى للصالحين الـمُستضعَفين من عباده في هذه الأُمّة( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) (1) .

وعلينا قبل كلّ شيء، أن نعي بصورة جيّدة الأبعاد الحقيقيّة لهذه الثورة، وأن ننشر هذا الوعي في صفوف المسلمين؛ لنُحبِط المؤامرات الّتي يحيكها أعداء الإسلام لتطويق ومحاصرة الثورة الإسلاميّة.

إنّ الذي يقرأ كتُب ومحاضرات الإمام الخميني (قدس سرّه)، يجد وعياً دقيقاً لهذه المؤامرة، وتوجيهاً عمليّاً لإحباطها، وحُرصاً مسؤولاً لوحدة ومصير المسلمين، ولارتباطهم بالثورة، سواء كانوا سُنّة أمْ شيعة، عرباً وفُرُساً، وتعميم مسؤوليّة المحافظة على هذه الثورة على المسلمين جميعاً.

إنّ هذه الثورة من عملِ وجُهد وعناء كلّ المسلمين الصالحين.

ورسالة هذه الثورة فكّ الأغلال والقيود عن أيدي وأقدام كلّ المسلمين.

ومسؤوليّة المحافظة على هذه الثورة من واجب كلّ المسلمين كذلك.

ومن أجْل هذه الشموليّة الواسعة في هذه الثورة، نجد أنّ فكرة تصدير الثورة رافقت ولادة.

إنّ مَن يعرف طبيعة وجذور وأعماق هذه الثورة، يُدرك أنّ هذه الثورة لا تعترف بالحدود الإقليميّة، ولا بالنزعة القوميّة، وأنّها لا تَقِف من وراء الحدود

____________________

(1)القصص: 5 - 6.


تستأذن سَدَنة الحدود؛ ليفتحوا إليها الطريق، إنّها السَيل الذي لا يقِف ولا يتردّد ولا ينتظر.

ونحن نضع هذه الحقائق في طريق الثورة، وبين يديّ هذه الأُمّة المؤمنة ومُفكّريها، وقادتها وعلمائها والعاملين في صفوفها؛ ليعرف كلّ واحد منّا مسؤوليّته إزاء هذا الحَدَث الكبير.

الولاء والبراءة بعد الثورة:

وهذه الثورة من أيّام الفرقان في تاريخ الإسلام، انشطر الناس تجاهها إلى شطرين:

شطْر الموالين، وشطْر المعادين.

وليس للثورة ولاء جديد في قِبال الولاء لله ولرسوله ولأوليائه، وإنّما هو امتداد للولاء لله.

إنّ هذه الثورة كانت من الأحداث القليلة والنادرة في التاريخ، التي لم تسمح لإنسان أن يقف منها موقف الـمُتفرِّج واللامبالاة، وإنّما تفرض على كلّ الناس أن يحكموا لها وعليها، ومنذ أيّام بزوغ هذه الثورة، ومنذ أن اندلع لَهيبُها في طهران، وجدنا كلّ القلوب المؤمنة والضمائر الحيّة قد تجمَّعت حول هذه الثورة، وتعاطفت معها.

وكانت تعيش باهتمام بالِغ ساعات ميلاد هذه الدولة المباركة، وحبسَ التاريخ أنفاسه ليُتابع لحظات هذا الميلاد، لحظات (عودة الحضارة الربَّانيّة، وعودة سيادة الإسلام على وجه الأرض) و (حاكميّة الله في حياة الإنسان)، بعد تلك السنوات العُجاف من الركود والخمول والضعف، والهزائم النفسيّة،


والانصهار الـمُذِلّ في حضارة الاستكبار الشرقي والاستكبار الغربي، ونفوذ وسيطرة الكفر العالمي على بلادنا وأُمّتنا وثرواتنا.

وفي مقابل ذلك، فقد أحسّ كلّ الظالمين العُتاة والجلاّدين والّذين باعوا دينهم وضمائرهم، كلّ أُولئك أحسّوا بالشرِّ وأحسّوا بالخطر، وبأنّ هناك حَدَثاً جديداً، وميلاداً جديداً، وأنّ الّذي يجري في طهران ليس أمراً كسائر الأُمور التي تجري هنا وهناك. إنّه نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة، ونهاية لحضارة وبداية لحاضرة.

لقد أحسّ هؤلاء بالشرِّ، وبالخطر يُفاجئهم على حين غَفلَة، فأعلنوا عدائهم تجاه الثورة منذ اللحظات الأُولى لانطلاقتها، ولم يُخفوا حقدهم وتخوّفهم من هذه الثورة.

لقد استقبلت الثورة طائفتان من الناس:

الطائفة الأُولى: استقبلتها بقلوب مِلؤها العطف والحبّ والحماس، والاندفاع لنصرتها، والدعاء إلى الله بتأييدها.

الطائفة الثانية: استقبلتها بقلوب حاقدة مُتخوِّفة مُتحسِّسة، لم تتمكّن من إخفاء هذا الحقد والخوف والتحسّس.

وهذا الانشطار في الولاء والبراءة في خصائص أيّام الفرقان في التاريخ، ولسوف تبقى هذه الثورة تحتفظ بهذه الخاصيّة المزدوجة في مراحلها المختلفة.

حتميَّة الصراع:

ولقد كان من الطبيعي أن يكون ميلاد هذه الدولة المباركة واستمرارها إيذاناً بصراع مُمتَدّ طويل، بينها وبين الجاهليّة الحديثة،


فلا يُمكن أن يسكت أو يهدأ الغرب أمام هذه الموجة الربّانيّة، دون إثارة الفتن والمتاعب في طريق دُعاة هذه الثورة، ودون أن يعمل على تطويق ومصادرة هذه الثورة.

إنّ الذي يتفهّم سُنَن الله في التاريخ، يستطيع أن يفهم بوضوح حتميّة هذا الصراع بين هاتين القوّتين: (القوّة الإسلاميّة النامية، وقوّة الكفر العالمي)، وأنّ هذا الصراع سوف يكون من أقسى أنواع الصراع وأطوله؛ ذلك أنّ هذا الصراع صراع من أجْل البقاء، والصراع على البقاء يطول ويَقسو ويستمرّ؛ لأنّه صراع عقائدي حضاري، وليس صراعاً على ماء وطين، وعلى نفط وصُلب ونحاس، حتّى يمكن اللقاء والتفاهم فيه.

ولا يُمكن تجنّب هذا بحالٍ من الأحوال.

إنّ هذه الثورة والدولة قد كسرتا دائرة النفوذ الاستكباري: (الشرقي والغربي) على العالم الإسلامي، وخرجت الدولة الإسلاميّة لأوّل مرّة عن منطقة نفوذ القوى الكبرى بشكلٍ كامل، وتعمل الثورة الآن لفكِّ هذا الحصار عن كلّ العالم الإسلامي.

ومن الطبيعي أن يُواجه الاستكبار هذه الثورة ودولتها الناشئة بكلّ أنواع الضغوط والمؤامرات، من الداخل والخارج؛ لتحجيمها واستهلاكها وتطويقها.

والعاقبة للـمُتّقين:

والعاقبة في هذا الصراع للـمُتّقين.

ومهما نشكّ في شيء فلا نشكّ في هذه الحقيقة، أنّ الأُمّة المؤمنة لا تدافع عن نفسها، وإنّما تدافع عن دين الله، وشريعة الله وحدوده، ولا تواجه أعداءها وإنّما تواجه أعداء الله، ولا تحارب بحَولها وقوّتها وإنّما تحارب بحول الله وقوّته.


فإذا استوفت هذه الأُمّة الشروط، ووضعت ثقتها في الله، وأعطت نفسها لله، وابتعدت عن التعلّق بالدنيا وحُبّها، وتخلَّصت من أهوائها، وقامت لله تعالى مثنى وفرادى؛ فإنّ الله تعالى ينصرها، طال عليها الأمر أم قصر، فإنّ ذلك وعْد الله تعالى، ولا يخلف الله وعده.

واستمعوا إلى كتاب الله الكريم وآياته البيّنات:

( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ ) (1) .

( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) (3) .

( فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (4) .

( وَكَفَى‏ بِاللّهِ وَلِيّاً وَكَفَى‏ بِاللّهِ نَصِيراً ) (5) .

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (6) .

إنّ المعركة إذا طالَت وإذا قَسَت، فلن يتركنا الله لأعدائنا، ولن يتخلّى الله تعالى عنّا، ولن يخلف وعْده، تبارك وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

( هذَا مَا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) (7) .

____________________

(1)الصافّات: 171 - 173.

(2)الروم: 47.

(3)غافر: 51.

(4)المائدة: 56.

(5)النساء: 45.

(6)محمّد: 7.

(7)الأحزاب: 22.


ليُحِقَّ الحَقَّ بكلماته ويقطع دابِر الكافرين:

وإن طالت هذه المحنة؛ فلكي يمتحِن الله قلوب عباده، ويعرف الثابتين منهم عن المهزومين، وهو العالِم بخفايا القلوب، ولكي يُثبّت الله للمؤمنين قدم صدق على أرض المعركة، ولكي يتخفَّف المؤمنون في هذا الصراع من حبِّ الدنيا والتعلّق بها، ولكي يزدادوا يقيناً بالله تعالى في هذا الصراع.

فإنّ الإنسان لا يُرزَق اليقين في ساعات الرخاء والراحة والعافية، مثل ما يناله في الابتلاء.

ولكي يتمرَّس المؤمنون على مواجهة التحدّيات الكبيرة، وتجاوز الصعاب في سبيل الله، ويزدادوا بأساً وقوّة وإيماناً، ولكي يقوى قبولهم الولاء والبراءة؛ فإنّ الولاء يقوى من خلال التضحية والعطاء، والبراءة تقوى من خلال المواجهة والقتال.

وليس هذا الصراع وما يستتبعه من آلام وعناء يخصّ هذه الثورة، أو يخصّ هذا الدِين، وإنّما هو سُنّة الله تعالى في حياة الصالحين من عباده، الذين يرتضيهم الله تعالى لرحمته، والذين يُسكنهم الله تعالى جنّته مع عباده الصادقين.

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (1) .

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ ) (2) .

إنّ نفوسنا الضعيفة لتهوى أن تقتطف النصر من أقرب وأيسر الأسباب، وأن

____________________

(1)التوبة: 16.

(2)البقرة: 214.


لا يُكلّفها دِينها شيئاً، وأن نمدّ أيدينا فننال النصر والإمامة والخلافة على وجه الأرض.

ولكنّ الله الحكيم يعلم أنّ النصر إذا جاء بيُسر، وعلى غير طريق ذات الشوكة، لا يُؤهَّل الإنسان للإمامة وخلافة الله على وجه الأرض، فيريد الله تعالى لنا أن نتمرَّس ونقوى، ونُحقِّق حاكميّة دين الله في الحياة، على طريق ذات الشوكة.

( وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (1) .

واستمعوا إلى هذه الآيات البيّنات من سورة آل عمران، تشرح الصراع والعناء والمحنة، والنصر والفتح، في تسلسل رائع جميل:( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ) (2) .

وفي هذه الآيات المباركة من سورة آل عمران إجابات شافية، على كلّ الأسئلة الّتي تخطر على بال المؤمنين، في هذا الصراع الرهيب بين الإسلام والكفر.

تداول النصر والهزيمة في ساحة المعركة:

لقد كان المسلمون يظنّون - بعد أن نصرهم الله تعالى ببدر - أنّ النصر حليف

____________________

(1)الأنفال: 7 - 8.

(2)آل عمران: 139 - 142.


الفئة المؤمنة دائماً، لا يُفارقهم ولا يعدوهم، وأنّهم إذا آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيل الله، فلن يتخلَّف عنهم النصر في حالٍ من الأحوال.

فلمّا أذاقهم الله مُرَّ الانتكاسة في أُحد، وانتكس المسلمون في هذه المعركة عندما خالف الرُماة أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتخلَّفوا عن مواقعهم بحثاً عن الغنائم، اهتزَّت نفوس المسلمين، واهتزَّت الثقة في نفوسهم بالنصر، وعادوا يشكّون في أن تكون لهم عاقبة الأمر، وغلب الضعف على النفوس، وتمكَّن الحزن في نفوسهم على الذين استشهدوا في هذه المعركة، من سراة المسلمين، ومن الصفوة المؤمنة الذين صدقوا الله وأخلصوا له في العمل والجهاد.

فيعيد الله تعالى إلى نفوسهم الثقة بالنصر أوّلاً، ويُطمئنهم بأنّ العاقبة للمؤمنين، مهما كانت القروح والآلام والانتكاسات والعناء خلال طريق ذات الشوكة.

ويُزيل الضعف والوَهن والحزن عن نفوسهم، ويثبِّت أفئدتهم وقلوبهم بالنصر والعُلوِّ:( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) .

ثُمّ يذكِّرهم الله تعالى أنّ ما مسَّهم من القرح في الحرب لم يخصّهم فقط، وإنّما مسَّ أعداءهم أيضاً، وهذا القرح وما يصيب المقاتلين، من أذى وتعب وخسائر، من مُتطلّبات المعركة، لا يمكن أن يخصّ طرفاً دون الآخر، ولا يمكن أن تجري معركة من دون قروح:( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) .

وقد جرت سُنّة الله تعالى أن يُداول الأيّام بين الناس، فيجعل يوماً للمؤمنين على الكافرين، وآخر للكافرين على المؤمنين، وينصر هؤلاء في يوم، ويُذيقهم مُرّ الانتكاسة في يومٍ آخر، وهكذا يُداول بينهم النصر، على أنّ العاقبة للمؤمنين فقط.


وهذه المداولة لا تُغيّر مشيئة الله تعالى، وتبقى العاقبة للـمُتّقين.

وإنّما يُداول الأيّام بين الناس، ويذيق المؤمنين الشدّة والرخاء، ونشوة النصر حيناً ومرارة الانتكاسة حيناً آخر؛ ليتميَّز الذين آمنوا وصدقوا في إيمانهم وثبتوا على الإيمان، عن المنافقين وضعاف النفوس وأصحاب النفوس المهزومة.

تَمْحِيص وتَهذيب المسيرة في المجتمع:

إنّ مسيرة الدعوة لو كانت محفوفة بالنصر دائماً، ومفروشة باليُسر والرخاء، تراكمت عليها العناصر المنافقة التي تُحسِن التسلُّق على الجدران العالية، أُولئك الّذين يغيبون حين البأس، ويحضرون حين توزيع الغنائم، وتطول ألسنتهم في المطالَبة بالغنائم:( فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالّذِي يُغْشَى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) .

إنّ مسيرة الدعوة إن كانت تخلو من الـمَكاره ومرارة الانتكاسات، تجمَّعت حولها طائفة واسعة من المنافقين وضعفاء النفوس، واحتلّوا منها المواقع الحسّاسة. وإذا ما تولَّت هذه الطائفة أُمور الدعوة والمسيرة، تعطَّل دَورها القيادي في حياة الناس، وفقدت الدعوة قُدرتها على التغيير والقيادة، وتحوَّلت الدعوة من طريق ذات الشوكة في مواجهة الطاغوت، إلى مسيرة مُترَفة، عامرة باللَذات ومُتَع الحياة، وفقدت كلّ إمكاناتها على العمل والتغيير والحركة، كما حصل ذلك في عصر بني أُميّة وبني العبّاس.

فلابدّ في هذه المسيرة - بين حين وآخر - من انتفاضة قويّة، يُطرَد فيها المنافقين وضعفاء النفوس عن موكب هذه الدعوة، وتستخلِص المؤمنين الأقوياء، الّذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأخلصوا لله في عملهم.

فليست مسيرة هذه الدعوة كسائر ما يألَفه الناس، من مسيرات الأنظمة


والحكومات التي تطلب الحياة الوديعة المترفة، والبعيدة عن المتاعب والـمُنغِّصات، فإنّ هذه الحياة الوديعة والـمُترَفة تجعل جوّ الدعوة مَرتعاً للمنافقين وضعفاء النفوس.

فإذا تعرّضت هذه المسيرة للآلام والمِحن والمصائب ومتاعب الطريق والدَم والانتكاسات الـمُرّة، صفا جوّ الدعوة للمؤمنين، وخلُصت هذه المسيرة للصفوة الصادقة من المؤمنين والمجاهدين، ويتميَّز المؤمنون عندها عن غيرهم:( وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ) .

متى يتَّخذ الله الشهداء في هذه الأُمّة قيّمِين على المسيرة؟:

وليس هذا فقط فائدة تداول الأيّام، وتناوب النصر والهزيمة والشدّة والرخاء، على المؤمنين، وإنّما يفيدهم عندما يريد الله تعالى أن يتَّخذ منهم شهداء وقدوات وقيّمين على حياة البشريّة.

فمن خلال الابتلاءات والمِحن التي تتناوب عليهم، يُؤهّلهم الله تعالى لموقع الشهادة والقيمومة على الناس، ويتَّخذ منهم شهداء وقيّمين.

ومن خلال هذه المعاناة، ومن خلال مرارة الانتكاسات وقرح الحروب وآلام المواجهة، يتكوّن في هذه الأُمّة شهداء على الناس، وأئمّة وقدوات في المجتمع، وأمثلة في الصبر والثبات والمقاومة.

إنّ النماذج الإيمانيّة الفريدة في تاريخ البشريّة، لا تتكوّن في الحياة الهادئة الوديعة الـمُترَفة، وإنّما تتكوّن في زُحام متاعب الحياة، وفي وسط متاعب العمل، وبين الدماء والدموع.

ولابدّ للمسيرة من هذه النماذج الفريدة في الإيمان والثبات، وهذه النماذج يتَّخذها الله تعالى ويختارها في ظروف المحنة والتداول:( وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ) .


التَمحيصُ والتَهذيب داخل النفوس:

ولهذا التداول فائدة ثالثة في تكوين هذه الأُمّة وتقويم شخصيّتها، وذلك هو تمحيص المؤمنين وتزكيتهم، وتطهير قلوبهم من رَيب الشكِّ ومن سلطان الهوى، وتخليص نفوسهم من نقاط الضعف؛ فإنّ الشدّة والمعاناة كما تُنقِّي صفوف المؤمنين من المنافقين، كذلك تُنقِّي قلوب المؤمنين من نقاط الضعف والنفاق، والوَهن والشكّ، وتُمحّص المؤمنين.

أمّا بالنسبة إلى الكافرين، فإنّ المعاناة والمحنة تمحقهم وتهلكهم وتبيدهم، فلا يستطيع أُولئك أن يقاوموا المعاناة والمحنة.

( وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) .

درجات المؤمنين في الجنّة على قدرِ معاناتهم في الدنيا:

فليس من الصحيح أن نتصوَّر أنّ كلّ مَن شهد الشهادتين وأسلم، أو آمن بالله ورسوله، يدخل الجنّة بدرجة واحدة.

فإنّ في الناس منافقين لا تتجاوز الشهادتان ألسنتهم، ولا تستقرّ في قلوبهم.

والمؤمنون درجات ومراتب في إيمانهم، فليس كلّهم بمستوى واحد من الإيمان والعمل الصالح.

فهناك المؤمنون الّذين يُؤثرون العافية على الجهاد والقتال في سبيل الله، وهناك المؤمنون المجاهدون الصابرون، ومن الخطأ أن نتصوّر أنّ هؤلاء جميعاً في الجنّة في درجة واحدة، فلكلٍّ درجته ومرتبته ومكانته عند الله.

وهذه المرتبة والمكانة تَتَحدّد في ظروف المحنة فقط، حيث يتميَّز المؤمن من المنافق، ويتميّز الصابرون عن غيرهم من المجاهدين.


( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) .

دولة الـمُوَطِّئين:

وهذه الثورة المباركة بداية انعطاف كبير في تاريخ وحضارة الإنسان، وأمْر ذو وَبال وذو خطر كبير في حياة الإنسان ومستقبله.

والّذي يستقرئ الروايات الواردة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن أهل بيته، لا يشكّ أنّ هذه الثورة، بخصائصها البارزة وقيادتها، سوف تُمهِّد للانقلاب الكبير في تاريخ الإنسان، وهو ظهور الإمام المهدي من آل محمّد (عجّل الله تعالى فَرَجَه).

وأنّ اليوم الموعود الّذي وعدَنا الله به ورسولُه، بقيام دولة الإسلام الكبرى، وتمكين الـمُستضعَفين من الأرض، وقيام الإمام المهدي بثورته الكبرى في الأرض، لقريب إن شاء الله.

وأنّ هذه الثورة توطّئ الأرض لتلك الثورة الكبرى، وتمهِّد الأُمّة لظهور وقيام القائم من آل محمّدعليه‌السلام .

وفيما يلي ننقل إضمامة من هذه الروايات:

عن عبد الله بن مسعود قال: (أتينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج إلينا مُستبشِراً، يُعرَف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلاّ أخبرنا به، ولا سكتنا إلاّ ابتدأنا، حتّى مرَّت فتية من بني هاشم، فيهم الحسن والحسين، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقُلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً تكرهه؟

فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وأنّه سيَلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد، حتّى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحقّ فلا يُعطونَه، ثُمّ يسألونه فلا يعطونَه، ثُمّ يسألونه فلا يعطونَه، فيُقاتِلون


فيُنصَرون. فمَن أدركهم منكم ومِن أعقابكم، فليأت إمام أهل بيتي ولو حَبْوَاً على الثلج، فإنّها رايات هُدى، يدفعونها إلى رجُل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملؤها قِسطاً وعَدلاً كما مُلئَت جَوراً وظلماً)(1) .

وروى المجلسي في بحار الأنوار عن الإمام الباقرعليه‌السلام ، قال: (كأنّي بقومٍ قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحقّ فلا يُعطونه، ثُمّ يطلبونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطَون ما سألوا فلا يقبلونه، حتّى يقوموا، ولا يدفعونها إلاّ إلى صاحبكم(أي: المهدي عليه‌السلام ) ، قتلاهم شهداء.

أما أنّي لو أدركت ذلك، لأبقيتُ نفسي لصاحب هذا الأمر)(2) .

وروي في البحار عن بعض أصحابنا، قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه‌السلام جالساً، إذ قرأ هذه الآية: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً ) ، فقلنا: جُعلنا فداك، مَن هؤلاء؟

فقال ثلاث مرّات: هُم والله أهل قُم، هُم والله أهل قُم، هُم والله أهل قُم)(3) .

وروي في البحار عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال: (رجُل مِن أهل قُم يدعو الناس إلى الحقّ، يجتمع معه قوم كزُبر الحديد، لا تزلّهم الرياح والعواصف، ولا يملُّون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكَّلون، والعاقبة للـمُتَّقين)(4) .

وروي في البحار عن علي بن ميمون الصائغ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال:

____________________

(1)أخرجه الحاكم في الـمُستدرك: ج4 / ص464 و ص553. والـمُتّقي في كنزل العمال: ج7 / ص187. وابن ماجة في سُنَنه: ج2 / ص518 و ص269. وابن حَجَر في الصواعق الـمُحرِقة: ص100. هذا الحديث.

(2)بحار الأنوار: ج51 / ص83، ج52 / ص243.

(3)بحار الأنوار: ج60 / ص216.

(4)البحار: ج60 / ص216 و 446.


(وسيأتي زمان تكون بَلْدَة قُم وأهلها حُجّة على أهل الخلائق، وذلك في زمان غَيبَة قائمنا إلى ظهوره، ولولا ذلك لساخَتْ الأرضُ بأهلِها).

وروي بأسانيد أُخرى أيضاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، أنّه ذَكر الكوفة وقال: (ستَخلو كوفة من المؤمنين، ويَأزر عنها العِلم كما تأزر الحيّة، ثُمّ يظهر العِلم ببلدة يُقال لها قُم، وتصير مَعدناً للعلم والفضل، حتّى لا يبقى في الأرض مُستضعَف في الدِين، حتّى الـمُخدَّرات في الحجال، وذلك عند قُرب ظهور قائمنا.

فيجعل الله قُم وأهله قائمين مَقام الحُجّة، ولولا ذلك لساخَتْ الأرضُ بأهلِها، ولم يبق في الأرض حُجّة، فيفيض العِلم منه إلى سائر البلاد في المشرق والمغرب، فتتمّ حُجّة الله على الخلقِ، حتّى لا يبقى أحد على الأرضِ لم يبلغ إليه الدِين والعِلم. ثُمّ يظهر القائم ويصير سبباً لنقمة الله وسَخَطه على العباد؛ لأنّ الله لا ينتقم من العباد إلاّ بعد إنكارهم حُجّته)(1) .

وقال صاحب تفسير الكشّاف في تفسير قوله تعالى:( وَإِن تَتَوَلّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ) (2) .

قال: (وسُئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن القوم، وكان سلمان إلى جنبِه، فضربَ على فخذه وقال: هذا وقومه)(3) .

هذه إضمامة من الروايات التي تُشير إلى استمراريّة هذه الثورة المباركة، حتّى ظهور الإمام المهدي من آل محمّدعليه‌السلام ، وأنّ هذه الثورة المباركة سوف تُمهِّد لظهور وقيام الإمام المهدي، عجّل الله فرَجه إن شاء الله.

____________________

(1)بحار الأنوار: ج60 / ص213.

(2)محمّد: 38.

(3)تفسير الكشّاف: ج4 / ص331.


الـمُتخلّفون عن ثورة الإمام الحسين عليه‌السلام

* الصراع في مرحلتَي التنزيل والتأويل

* خبر الضحّاك بن عبد الله المشرقي

* تأمّلات في خبر الضحّاك

1 - الاعتذار - وجها الحياة الدنيا -

كيف تتحوّل العوائق إلى الـمُنطلَقات؟

2 - الاستجابة المشروطة

3 - التَحلّل من الالتزام

* الجسر الذي مَدَّه الضحّاك

إلى الدنيا من عُمقِ (الطّف)



الـمُتخلّفون عن ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام

(الضحّاك بن عبد الله المشرقي)

( وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا حَتّى‏ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنّوا أَن لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) (1) .

الصراع في مرحلتَي التنزيل والتأويل:

مرَّت هذه الدعوة - خلال مسيرتها - بمرحلتَين من الصراع: مرحلة التنزيل، ومرحلة التأويل.

الأُولى : في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والثانية : تبدأ بخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

في المرحلة الأُولى كان الصراع يدور حول محوَر (التنزيل)، وكانت الجاهليّة الـمُتمثّلة يوم ذاك في مشركي قريش وحُلفائها، واليهود وحُلفاؤهم، يتصدّون لنفي (التنزيل) وإنكار علاقة هذا الدِّين بالله تعالى، ونزول القرآن من لَدُنِ الله تعالى.

____________________

(1)التوبة: 118.


واستمرَّ هذا الصراع قائماً في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّها، وانجلى هذا الصراع عن هزيمة قريش واليهود أمام الدعوة، وانتصارها.

ويبدو لأوّل وَهلة أنّ الجاهليّة انسحبت عن مواقعها الهجوميّة أمام حركة الدعوة، واستسلمت وانقادت، إلاّ أنّنا عندما نُمعِن النظر في تاريخ الإسلام، نجد أنّ الجاهليّة بدأت تُخطِّط - بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - للالتفات على هذه الدعوة، وتحريفها والدَسّ فيها، وتشويه مفاهيمها.

وأحسَّ وَرَثة الثورة بهذه المؤامرة الجديدة، وعرفوا قادة المؤامرة، وبدأت المرحلة الثانية من الصراع حول محوَر (التأويل)، وأبرز المعارك في هذه المرحلة من الصراع: (صِفِّين) و (الطَفّ).

والذي يُنعِم النظر في التأريخ الإسلامي، يجد أنّ (صفّين) و (الطفّ) امتداد لـ (بدر) و (أُحد)، وأنّ الذين حاربوا عليّاً والحسن والحسينعليهم‌السلام ، في صفّين والطفّ، هم الّذين قاتلوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قبل، في بدر وأُحد.

ورحم الله عمّار بن ياسر، فقد كان يقول في صفّين، لبعض مَن أنكر عليه محاربة معاوية وعمرو بن العاص:(هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي؟! فإنّها راية عمرو بن العاص، قاتلتُها مع رسول الله ثلاث مرّات، وهذه الرابعة، ما هي بخيرِهنّ ولا أبرَّهنّ، بل هي شَرّهنّ وأفجرهُنَّ) .

وقال لـمَن تردَّد يومئذٍ في قتال معاوية مع الإمام عليعليه‌السلام :

(أشهدتَ بدراً وأُحداً وحُنيناً، أو شهدها لك أب فيُخبرُك عنها؟

قال: لا.

قال: فإنّ مراكزنا على مراكز رايات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوم بدر ويوم أُحد ويوم حُنَين، وإنّ هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب.

هل ترى هذا المعسكر ومَن فيه؟!

فوالله لوَددتُ أنّ جميع مَن أقبل مع


معاوية، ممَّن يرى قتالنا مُفارقاً للّذي نحن عليه، كانوا خَلقاً واحداً فقطّعتُه وذبحتُه، والله لَدماؤهم جميعاً أحلّ من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراماً؟!...) (1) .

شريحة الـمُتخلِّفين عن الصراع:

وفي كلّ صراع ثلاثة أطراف: الطرفان المتصارعان، والطرف الـمُتفرِّج الـمُتخلِّف، والطرف الثالث أكثر تعقيداً من الطرفين الآخَرَين الـمُتقاتلَين في ساحة الصرْع والقتال.

وفَهْم هذا الطرف (الـمُتفرّج) على الساحة أشقّ من فَهمِ الطرفين الآخرَين.

وقد أعطى القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بتحليل هذا الطرف بالذات، والآية المباركة الّتي صَدَّرنا بها الحديث - من سورة التوبة المباركة - واحدة من الآيات القرآنيّة، في استعراض وتحليل هذه الشريحة الـمُتخلّفة من المجتمع الإسلامي يوم ذاك.

ونحن في هذه الدراسة نحاول أن نستعرض نموذجاً من الـمُتخلّفين عن ثورة الحسينعليه‌السلام .

ندرس ونُحلِّل مواقفهم.

ولا يكاد يختلف المتخلّفون عن معركة (الطفّ) عن المتخلّفين عن معركة (حُنين) في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلاّ أنّ حُنين تدور حول محور (التنزيل) والطفّ تدور حول محور (التأويل).

والصراع هو الصراع، ليس على أرض ولا على مال، وإنّما هو صراع حضاري حول الإسلام والجاهليّة.

وتعود الجاهليّة هذه المرَّة - بعد أن انكسرت

____________________

(1)وقعة صِفّين لنصر بن مزاحم، تحقيق عبد السلام محمّد هارون: ص321 - 322.


شوكتها في بدر، وأُحد، والأحزاب، وحُنين - من داخل صفوف المسلمين، لتُعاود الصراع مع الإسلام، بتحريف الإسلام عن مسيره الصحيح، وتشويه مفاهيمه وأفكاره وأُصوله، والدسّ فيه.

والصراع هذه المرّة كأيِّ صراع حضاري، يحمل نفس الضراوة والعُنف، ولا يقبل الهدنة ولا الصلح.

ولمّا كان الصراع في الطفّ نفس الصراع في حُنين، فإنّ الـمُتخلّفين هنا هم من شريحة الـمُتخلّفين هناك، والمواقف نفس المواقف، والقوانين والسُنَن في هؤلاء وأُولئك نفسها.

ولنتأمّل في نموذج مِن هؤلاء الـمُتخلّفين عن الحسينعليه‌السلام .

خبر الضحّاك بن عبد الله المشرقي:

وهذا نموذج من الـمُتخلّفين عن الحسينعليه‌السلام ، وقصّته معروفة في كُتبِ السيرة:

رافق الإمام الحسينعليه‌السلام إلى ساحة المعركة، ودخل المعركة معه، وقاتل قِتال الأبطال وأبلى بلاءً حسناً في القتال.

استحسَنَه الإمام، ولكنّه اشترط على الإمامعليه‌السلام - منذ أن التحق به - أن يجعله في حلٍّ منه، إذا دارت دائرة الحرب عليه ولم يعد ينفعه قتاله ودفاعه عنه.

فلمّا رأى أنّ المعركة قد دارت على الحسينعليه‌السلام ، ووجد أنّ الحسين وأهل بيته وأصحابهعليهم‌السلام لا مَحالَة مقتولين، ولم يعد ينفع الحسين قتاله ودفاعه، استأذن الحسينعليه‌السلام أن يترك ساحة القتال وينجو بنفسه، فأذنَ له الحسين كما وعَدَه من قبْل، فهرب الضحّاك بن عبد الله المشرقي بنفسه من ساحة المعركة، وترك الإمام ومَن معه من أهل بيته وأصحابه للقتْل في ساحة المعركة، ونَجا بنفسه.

فلنقرأ أوّلاً خبر الضحّاك بن عبد الله المشرقي برواية الطبري من أبي مَخنَف،


ثُمّ نحاول أن نُحلِّل هذا الخبر.

روى أبو مَخنَف عن الضحّاك بن عبد الله المشرقي، قال:(قدمتُ ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين، ثُمّ جلسنا إليه، فردّ علينا فرحّب بنا، وسألَنا عمّا جئنا له.

فقلنا: جئنا لنُسلّم عليك، وندعو الله لك بالعافية، ونُحدِث بك عهداً، ونُخبرك خبر الناس.

وإنّا نُحدِّثك أنّهم قد أجمعوا على حربك، فَرِ رأيك.

فقال الحسينعليه‌السلام : (حَسبي الله ونِعم الوكيل).

قال: فتَذمَّمنا، وسلَّمنا عليه، ودعونا الله له.

قال: (فما يَمنعُكما من نُصرتي؟)

فقال مالك بن النضر: عَلَيَّ دَين ولِي عِيال، فقلتُ له: إنّ عَلَيَّ دَيناً وإنّ ليَ لَعيالاً، ولكنّك إن جَعلتَني في حلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً، قاتلتُ عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً.

قال: (فأنت في حلّ))(1) .

قال أبو مَخنَف: حدَّثني عبد الله بن عاصم عن الضحّاك بن عبد الله المشرقي، قال:(لمّا رأيتُ أصحاب الحسين قد أُصيبوا وقد خلُصَ إليه وإلى أهل بيته، ولم يبقَ معه غير سويد بن عمرو بن أبي الـمُطاع الخثعمي، وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يا بن رسول الله، قد علمت ما كان بيني وبينك: (قلت لك: أُقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أرَ مقاتلاً فأنا في حلٍّ من الانصراف، فقلت لي: نعم)؟!

فقال: (صدقتَ، وكيف لك بالنجاة؟ إن قدرت على ذلك فأنت في حلّ).

قال: فأقبلت إلى فرَسي، وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقَر، أقبلت بها حتّى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أُقاتل معهم راجلاً، فقتلتُ

____________________

(1)تأريخ الطبري، طبعة ليدن: ج7 ص321.


يومئذٍ بين يدي الحسين رجُلَين وقطعتُ يد آخر.

وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً: (لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك)،صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلمّا أذن لي، استخرجت الفرَس من الفُسطاط ثُمّ استوَيت على متنها ثمّ ضربتها، حتّى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عَرض القوم، فأفرجوا لي، وأتبعني منهم خمسة عشر رجُلاً، حتّى انتهيت إلى (شفيّة) - قرية قريبة من شاطئ الفرات - فلمّا لحقوني عطفت عليهم، فعَرفني كثير بن عبد الله الشعبي، وأيّوب بن مشرح الخيواني، وقيس ابن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحّاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمّنا، ننشدكم الله لمّا كَفَفتم عنه.

فقال ثلاثة نفَر من بني تميم كانوا معهم: بلى، والله لنُجيبنّ إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم.

قال: فلمّا تابع التميميّون أصحابي، كفَّ الآخرون. قال: فنَجّاني الله) (1) .

وقال السماوي في (إبصار العين):(بقيَ الضحّاك بن عبد الله المشرقي مع الحسين عليه‌السلام ، حتّى إذا أمر ابن سعد بالرُماة فرموا أصحاب الحسين، وعقروا خيولهم، أخفى فَرَسه في فُسطاط، ثمّ نظر فإذا لم يبقَ مع الحسين إلاّ سويد بن عمر، وبشر بن عمرو الحضرمي، فاستأذن الحسين، فقال له: (كيف لك النجاة)؟قال: إنّ فرَسي قد أخفيتُه فلم يُصَب، فأركبُه وأنجو، فقال له: (شأنك)، فركب ونجا بَعْد لأيٍ) (2) .

تأمّلات في خبَر الضحّاك:

أقبل الضحّاك بن عبد الله المشرقي، ومالك بن النضر الأرحبي على

____________________

(1)تأريخ الطبري، الطبعة الأوربية: ج 7 / ص 354 - 355.

ونَفَس المهموم للشيخ عباس القمّي: ص 298 - 300.

(2)إبصار العين: ص101.


الحسينعليه‌السلام ؛ ليُسلّما عليه وليُجدِّدا به العهد - كما في رواية أبي مَخنَف -، ويظهر أنّ هذا اللقاء تمّ في موقع كربلاء (الطف)، بعدما استقرّ الحسينعليه‌السلام بأهله وأصحابه فيه، ولم يكن في الطريق.

وقبل أن يُحاصَر الحسينعليه‌السلام ؛ فقد استأذن مالك بن النضر الأرحبي الحسينعليه‌السلام في الانصراف، وانصرف من دون أن يواجه مشكلة من قِبل الجيش الأُمَوي.

ويظهر من الرواية أنّهما كانا عارفَين بموقع الحسينعليه‌السلام ، وحَقّه وذمّته وحُرمته في الإسلام، وموقعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ففي رواية أبي مَخنَف: (فتذمّمنا، وسلّمنا عليه، ودعونا الله له).

والتذمّم بمعنى: حفظ الذمام، وحفظ العهد والحَقّ والحُرمة، كما في الـمُدوَّنات اللُغويّة.

إذن، فهما قد عظما وأكبرا ما على ذمّتها من حقّ الحسين وحُرمته وعهده، فلمّا أرادا الانصراف، استوقفهما الحسينعليه‌السلام وقال لهما: (فما يمنعكما من نُصرتي؟).

ويُلفِت نظرنا أنّ الإمام يسألهما عمّا يمنعهما من نُصرته، قبل أن يسألهما النصرة ويدعوهما إليها.

وكأنّ في خروج الحسينعليه‌السلام على يزيد - بتلك العصابة القليلة - إلى العراق ما يُغني عن الدعوة والاستنصار، فلا حاجة مع ذلك إلى أن يستنصر أحداً أو يدعوه.

ففي خروج الحسينعليه‌السلام إلى العراق دعوة واستنصار لكلّ المسلمين، وللحسينعليه‌السلام حَقّ وحُرمة على ذمّة كلّ المسلمين.

إذن، يسأل الضحّاكَ وصاحبَه: (فما يمنعكما من نُصرتي؟).

أمّا مالك بن النضر الأرحبي، فقد أراح نفسه وأراحنا بوضوحه وصراحته


في الاعتذار عن الاستجابة للحُسين والتخلّف عنه، فقال: (عليّ دَين ولِيَ عيال)، فأعرَض عنه الحسينعليه‌السلام ، وانصرف هو لشأنه، فقد أقبلت السعادة والتوفيق عليه فأعرضَ عنها.

وأمّا الضحّاك بن عبد الله المشرقي، فأجاب الحسينعليه‌السلام بجوابٍ مُعقَّد، شديد الالتواء والتعقيد، فلا هو رفضَ دعوة الحسين وأعرَض عنها، كما رفضَها صاحبُه وأعرضَ عنه، ولا هو استجاب للحسينعليه‌السلام وقبِل عنه، كما استجاب له أهل بيته وأصحابه.

ولنتأمّل في جواب الضحّاك، فإنّه يُمثِّل شريحة واسعة من النفوس والمواقف إزاء (الدعوة).

وإنّنا ندرس من خلال الضحّاك بن عبد الله في موقع الطفّ، ومن خلال الـمُتخلّفين في موقع حُنين، شريحة كبيرة في التاريخ الإسلامي، وشريحة كبيرة في تأريخنا المعاصر، ونحاول أن نرسم أبعاد هذه الشريحة في حياتنا المعاصرة، ونُشخِّص نقاط الضعف في شخصيَّتها، عسى أن نقوِّم من سلوكها ما يمكن تقويمه.

وسوف نجعل جواب الضحّاك للحسينعليه‌السلام في موضع التأمّل والدراسة، ضمن مجموعة من النقاط:

النقطة الأُولى (الاعتذار):

قدّم الضحّاك أوّل ما قدّم الاعتذار للإمامعليه‌السلام ، بما عليه من ديون ومال، شأنه في ذلك شأن صاحبه، فقال: إنّ عَلَيَّ دَيناً، وإنّ لي لَعيالاً).

وأوّل ما يُلفِت نظرنا في هذا الجواب: أنّ الضحّاك ومالك بن النضر لم يختلفا في الجواب، فكلّ منهما اعتذر عن تلبية دعوة الحسينعليه‌السلام بالعيال والدَين، غير


أنّ الضحّاك استجاب لدعوة الحسين، استجابةً محدودة ومُقيَّدة ومشروطة، بعد أن اعتذر أوّلاً، وأمّا صاحبه الأرحبي، فلم يَستجب مُطلَقاً لدعوته.

وفي هذا الاعتذار والاستجابة المشروطة، من التعقيد ما ليس في موقف صاحبه، وقد كان أحرى به أن يستجيب استجابة محدودة ثمّ يعتذر. فلماذا قدّم الاعتذار على الاستجابة؟

إنّ في الأمر لسرّاً كامناً في أعماق نفس الضحّاك، فعندما طلب الحسينعليه‌السلام منه النصرة، تزاحمت في نفسه حالة الشُحّ وحالة الإنفاق، فغلبت حالة الشحّ حالة الإنفاق، وسبقتها إلى البروز، ولكن لم تُصادِر الحالة الأُخرى تماماً، كما كان في موقف مالك بن النضر الأرحبي.

ولنتأمّل إذن في اعتذار الضحّاك بعياله وديونه.

إنّ الابتلاء بالدَين والعيال من سُنَن الله في حياة الإنسان، وقلّما يشذّ عنه إنسان، شأنهما في ذلك شأن غيرهما من سُنَن الله تعالى في حياة الإنسان.

فلابدّ للإنسان من عيال، ولابدّ أن يدخل مع الناس في بيع وشراء، فيكون دائناً ومَديناً، يطلب الناس ويطلبونه.

وجها الحياة الدنيا:

والدَين والعيال هما وجهان مُختلفان للدنيا، فالعيال تعبير عن تعلّق الإنسان بالدنيا، وهو أحد وجهَي الدنيا، وهو ما يُسمّيه القرآن الكريم بـ (الشهَوات)، وتجمع هذه الآية الكريمة طائفة من هذه التعلّقات:

( زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَاللّهُ عِنْدَه ُ


حُسْنُ الْمَآبِ ) (1) .

والدَين هو الوجه الآخر للدنيا، وهو وجه التَبعات والمسؤوليّات.

والدنيا هي عبارة عن تعلّقات وتَبعات، ومن أجل لذّة التعلّقات يتحمّل الإنسان مرارة التَبعات، ولابدّ لكلّ إنسان من هذه التعلّقات ومن هذه التبعات، ولا يشذّ عن هذه السُنّة الإلهيّة في الحياة إلاّ القليل.

وهذه (التعلّقات) و (التَبعات) بمجموعها، هي العوائق في طريق الإنسان وحركته إلى الله تعالى، تُعيق الإنسان عن الله سبحانه، وقد أعاقتا - في هذه القضيّة - مالك بن النضر الأرحبي، إعاقة كاملة، وأعاقتا الضحّاك بن عبد الله المشرقي إعاقة ناقصة.

فكيف نتعامل نحن في الدنيا مع هذه العوائق؟ وما هو موقف الإسلام منها؟

إنّ الحلّ الذي يُعطيه الإسلام للتعامل مع هذه العوائق (التعلّقات والتَبعات) دقيق في غاية الدقّة، وأكثر الّذين شَطّوا في فهْمِ الحلّ الإسلامي لمسألة الدنيا بوجهيها، كانوا ضحيّة عدم الدقّة في تناول هذا الحلّ بأبعاده الكاملة.

فليس في الإسلام أن يتخلّى الإنسان عن عيال أو دَين، أو حتّى أن يتخفّف عنهما، والتخلّي أو التخفّف من العيال والمال من الرهبانيّة الّتي يرفضها الإسلام.

وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعيش مع الناس، ويتزوّج ويتعامل مع الدنيا، كما يتعامل غيره، وكان له عيال وعليه ديون وتبِعات كما كان لغيره، وكان له بيت يضمّ عياله، وكان يدخل السوق في حاجاته وشؤونه كما كان الآخرون يعملون.

وقِوام الحلّ الإسلامي هو: أن يتحرَّر الإنسان من أسرِ العيال والمال، وليس أن يتخلّى أو يتخفّف منهما، وبين الأمرين بَوْن بعيد، فليس من الإسلام أن يتخلّى

____________________

(1)آل عمران: 14.


الإنسان أو يتخفّف من عياله وماله، ولكن من صلبِ الإسلام وتعليماته وتوجيهاته أن يتحرَّر الإنسان من سلطان عياله وماله.

فلا يرفض الإسلام البيت أو السوق في حياة الإنسان، ولا يأمره أن يعتزل هذا أو ذاك، ولكن يرفض أن يتحوَّل البيت أو السوق إلى سجن في حياة الإنسان، يقيِّدان حركته ويمنعانه عن الانطلاق، ويحجزانه ويُعيقانه عن الله تعالى.

وبشكل أوضح وتعبير أدقّ، إنّ الإسلام يرفض أن يتحولّ العيال والمال في حياة الإنسان إلى عوائق، تعيق حركة الإنسان، كما أعاقت حركة مالك بن النضر الأرحبي، والضحّاك بن عبد الله المشرقي.

كيف تتحوّل العوائق إلى مُنطلَقات؟:

ومن عجَبٍ أنّ الطريقة الإسلاميّة الصحيحة للتعامل مع وجهي الحياة الدنيا، تحوُّل هذين الوجهين من الدنيا (التبِعات والتعلّقات) من عوائق إلى مُنطلَقات، فتكون الدنيا للإنسان مُنطلَقاً إلى الله سبحانه وليست عائقاً، ويكون ماله وعياله مادّة لحركته إلى الله تعالى، ومُنطلَقاً لعروجه إليه عزّ وجلّ.

وإلى هذه الحقيقة يُشير الإمام عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام في كلمته، وقد سمع رجلاً يذمّ الدنيا، فقال له فيما قال:

(إنّ الدنيا دار صدقٍ لِمَن صَدَقها، ودار عافية لـمَن فَهِمَ عنها، ودار غِنى لـمَن تزوَّد منها، ودار موعظة لـمَن اتّعظَ بها، مسجد أحبّاء الله، ومُصلّى ملائكة الله، ومَهبط وحي الله، ومَتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنّة، فمَن ذا يذمُّها، وقد آذنت بِبَينِها(1) ، ونادت بفِراقها، ونعَتْ نفسها وأهلها، فمثَّلت

____________________

(1)بَينِها: بُعدها وزوالها عنهم.


لهم ببلائها البلاء، وشوَّقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعافية، وابتَكَرَت(1) بفجيعةٍ ترغيباً وترهيباً، وتخويفاً وتحذيراً، فذمَّها رجال غَدَاةَ الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكَّرتهُم الدنيا فتذكّروا، وحدَّثتهم فصدَّقوا، ووَعظتهُم فاتّعظوا)(2) .

ويقولعليه‌السلام في كلمة أُخرى: (الدنيا دار مَمَرٍّ، لا دار مَقرٍّ، والناس فيها رَجُلان، رجلٌ باع نفسه فأوبَقَها، ورجلٌ ابتاعَ نفسه فأعتَقَها)(3) .

مقارنة بين زُهير بن القَين (رحمه الله) والضحّاك:

ولقد كان زهير بن القين (رحمه الله) يملك من المال والعيال ما كان يملكه الضحّاك ابن عبد الله، وكان يعيش في دنياه كما كان يعيش الضحّاك في دنياه، بل قد يكون حظّ زهير من الدنيا أعظم من حظِّ الضحّاك.

فقد كان زهير بن القين (رحمه الله) زعيماً في قومه، وجيهاً في بَلَدِه، ولم يحفل المؤرِّخون بأمر الضحّاك وصاحبه في شأنٍ من شؤون الدنيا، وكان الضحّاك أقرب إلى الحسينعليه‌السلام ، وأكثر مَيلاً إليه من زهير، فقد كان زهير (رحمه الله) عُثمانيّ الهوى، كما يذكر أصحاب السِيَر، وكان يحرص ألاّ يلتقي الحسينعليه‌السلام بمنزلٍ في طريقه إلى العراق، فإذا وجد الحسين قد نزل منزلاً فيه ماء، نزل غيره.

وأمّا الضحّاك وصاحبه مالك بن النضير، فقد قصدا الحسين في كربلاء، وجلسا إليه ودَعوا له، ولم يكن يحدث شيء من ذلك لو لم يكن الضحّاك ومالك بن النضر من شيعة الحسينعليه‌السلام ، وممَّن تميل إليه قلوبهم.

____________________

(1)ابتَكَرَت: أصبحت تبتكر، أي تصيح.

(2)نهج البلاغة: باب الحِكَم / الحكمة رقم: 126.

(3)نهج البلاغة: باب الحِكَم / الحكمة رقم: 128.


ومع ذلك كلّه، فإنّ (العيال و المال) قد أعاقاهما عن الالتحاق به بشكلٍ كامل، أو بشكلٍ ناقص.

وأمّا زهير بن القَين (رحمه الله)، فقد رجع من عند الحسينعليه‌السلام ، ولم يستغرق اجتماعه بالإمام في أغلب الظنِّ بِضْع دقائق، وقد أعدّ نفسه للوفود على الله مع الحسين، والانصراف الكامل عن الدنيا، فأقبل إلى زوجته (دَلْهم) بنت عمرو (رحمها الله) وقال لها بقوّة وعزم، وفي نفس الوقت بسهولة وراحة: (الحقي بأهلك، فانّي لا أُحبّ أن يُصيبك بسببي إلاّ خيراً)، ثُمّ قال لـمَن معه: (مَن أحبَّ منكم نصرة ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلاّ فهو آخر العهد)(1) ، ولم يَعقه عن ذلك مال ولا عيال.

وقد كانت زوجته (دلْهم) (رحمها الله) هي الّتي دفعته وشجَّعته على الاستجابة لدعوة الحسينعليه‌السلام ، فقد أصابه وأصاب رِفاقه ذُعر غريب عندما جاء رسول الحسين، وهو على الطعام يدعوه إلى زيارة الإمام، فصمتَ وصمتوا، وكأنّ على رؤوسهِم الطير.

فاخترقت المرأة المؤمنة الشجاعة (دلهم بنت عمرو) (رحمها الله) هذا الصمت والذعر بقوّة، وقالت لزوجها - ورسول الحسين يسمعها ويشهد الموقف -: (سبحان الله، أيبعث إليك ابن بنت رسول الله ثُمَّ لا تأتيه، لو أتيته فسمعت كلامه؟!)(2) .

ومع ذلك، فلم يَتَوان زهير - عندما قرَّر الوفود على الله تعالى مع الحسين - أن يقول لزوجته دلهم - هذه المرأة الشجاعة -: (الْحقي بأهلك).

إذن، ليست المسألة مسألة المال والعيال، وإنّما المسألة في أمر آخر، في طريقة

____________________

(1)مقتل الحسينعليه‌السلام ، للسيّد عبد الرزاق المقرّم: ص 188.

(2)حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ، للشيخ القرشي: ج 3 / ص 67.


التعامل مع المال والعيال.

والفرْق بين الضحّاك وزهير (رحمه الله) لم يكن في أنّ الأوّل كان يملك من المال والعيال ما لا يملكه الثاني، وإنّما كان في طريقة تعاملهما مع المال والعيال.

فقد كان الضحّاك وصاحبه الأرحبي أسيرَين للمال والعيال، فأعاقهما عن الانطلاق مع الحسين، وكان زهير بن القَين مُتحرِّراً من أَسرِ المال والعيال، فلم يُعيقاه عن الحركة مع الحسينعليه‌السلام للوفود على الله.

النقطة الثانية: (الاستجابة الـمَشروطة):

والنقطة الثانية في جواب الضحّاك أنّه لم يرفض القتال إلى جانب الحسينعليه‌السلام ، ولم يعتذر بصورة مُطلَقة، كما اعتذر صاحبه مالك بن النضر، بل قاتل مع الحسين، وضربَ الأعداء بين يديه، ودعا له الحسينعليه‌السلام .

وهذه نقطة أُخرى مُشرِقة في موقف الضحّاك من الحسين، فهو ليس من الذين وصفَهم الفرزدق الشاعر بقوله: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)، وإنّما كان قلبه وسيفه مع الإمام الحسين، وهو صادق في هذا وذاك، إلاّ أنه لم يعط سيفه للحسينعليه‌السلام ، ولم يضع سيفه تحت أمر الحسين إلاّ بمقدار، وحدَّد لذلك شَرطَين: (إذا لم أجد مُقاتلاً، قاتلت عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً)، وهذا شرط غريب!

إنّ الضحّاك يحصر نصرته للحسينعليه‌السلام بين شرطَين:

1 - أن يكون الحسينعليه‌السلام بحاجة إليه، ولا يُغني عنه غيره.

2 - وأن يكون قتاله دون الحسينعليه‌السلام نافعاً له، فإن لم يكن هذا أو لم يكن ذلك، فإنّ الضحّاك في حلِّ من أمره.

ونحن لا يُعجبنا أنّ نشكِّك في صِدق نيّة الضحّاك في موقفه من الإمام، رَغمَ


فراره من الزحف في اللحظات الأخيرة، وتركه الإمامعليه‌السلام في أحرجِ اللحظات، وإيثاره للعافية، فإنّ لدينا - مع كلّ ذلك - من الشواهد ما يكفي لإثبات حُسن نيّة الضحّاك، وصِدقه في الوقوف إلى جنبِ الإمام والدفاع عنه، إلاّ أنّنا نجد عنده إحساسا محدوداً بالمسؤوليّة تجاه الموقف، وتَقتِيراً شديداً في العطاء في إطارِ هذه المسؤوليّة، ومحاولة جادّة في إخضاع الإنفاق في سبيل الله لـمُعادَلات دقيقة شديدة التعقيد.

فهو يُعطي من نفسه لله تعالى، ولكنّه عطاء مشروط ومحدود وبحساب، وضمن تقديرات دقيقة، وليس كما يقول الله تعالى:

( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ ) (1) .

والدقّة في المحاسبة، والمحاسبة الدقيقة أمرٌ جيّد، لا نشكّ في حُسنه وفائدته، ولكن عندما يكون طرف المحاسبة هو نفس الإنسان، وقد ورد في الحديث: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا)، وأمّا عندما يكون طرف الحساب هو الله تعالى، فإنّ المحاسبة بهذه الدقّة، وضمن هذه الشروط والقيود أمر قبيح مع الله سبحانه.

والضحّاك هنا يتعامل مع الله تعالى، وإن كان طرف التعامل في ظاهر الأمر هو الحسينعليه‌السلام .

ولا يطلب الحسينعليه‌السلام أمثال الضحّاك في حركته هذه، وإنّما يطلب لنصرته أُولئك الّذين يبذلون كلّ ما عندهم من الأنفُس والأموال لله تعالى، من دون حساب وشروط وحدود وقيود.

فقد خطبعليه‌السلام في الناس لمّا أراد الخروج من مكّة إلى العراق وقال:

____________________

(1)التوبة: 111.


(ألا ومَن كان فينا باذلاً مُهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله)(1) .

ولا شكّ أنّ هذا العطاء الشحيح خير من النضوب على كلّ حال، ولكن أصحاب هذه العطاء المحدود لا يستطيعون أن يُسايروا الحسينعليه‌السلام في مثل هذه المرحلة.

وأعتقد أنّ عبارة (لم يوافق) في هذا الموضوع تساوي عبارة (لم يستطع)؛ فإنّ الضحّاك (لم يوافق) أن يُقاتِل من دون الحسين بلا حدود وقيود، وبنفس الملاك (لم يستطع) أن يُساير الحسين إلى الشوط الأخير من رحلته.

العلاقة بين العمل والجزاء:

إنّ العمل والجزاء نوعان من العطاء.

العمل: ما يقدّمه الإنسان لله تعالى:( اللّهَ غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (2) ، والجزاء: عطاء الله للإنسان في مقابل عمله.

العمل من الإنسان، والجزاء من الله سبحانه، وبين الجزاء والعمل صِلة وعلاقة يستعرضها القرآن الكريم بدقّة وتفصيل، ولسنا الآن بصدَدها، وإنّما نحن بصدَد اختلاف الجزاء من عند الله باختلاف العمل من جانب الإنسان، من حيث الحساب واللاحساب، وهي مسألة جديرة بالاهتمام وموضع الشاهد في حديثنا هذا، فإنّ عطاء الإنسان محدود على كلّ حال، إلاّ أنّه قد يُعطى لله تعالى بحساب ومقدار، وقد يعطى من دون حساب وتقدير.

____________________

(1)مقتل الحسينعليه‌السلام ، للسيّد المقرّم، منشورات مؤسّسة البعثة - طهران: ص 166.

واللهوف على قتلى الطفوف، للسيّد ابن طاووس: ص 33. وابن نما: ص 20.

(2)آل عمران: 97.


وهاتان طائفتان من الناس:

1 - طائفة تعطي لله بحساب وتقدير، كالضحّاك بن عبد الله المشرقي، يعطي لله شيئاً ويحتفظ لنفسه بشيء، وإذا تواردت على شيء إرادة الله تعالى وهواه، قدّمَ هواه على إرادة الله سبحانه.

2 - وطائفة أُخرى تعطي لله ما آتاها الله تعالى، من غير حساب ولا تقدير، وهؤلاء هم الّذين تقول عنهم الآية الكريمة:

( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ ) (1) .

هؤلاء اشترى منهم الله أنفسهم، وباعوها لله تعالى، وقطعوا علاقتهم بأنفسهم، فهي لله عزّ وجلّ، اشتراها منهم، ولا شأن له بها بعد، يصنع بها ما يشاء، والثمن مقبوض (بأنّ لهم الجنّة).

فقد تمّ البيع وتمّ الشراء، وتمّ استلام الثمن، فلا يملك المؤمن من نفسه وماله إذَن شيئاً، ليملك التقدير والحساب في عطائه وبَذلِه، فهي كلّها لله تعالى، يأخذ منها ما يشاء ويدع منها ما يشاء، والله تعالى يجزي هؤلاء وأُولئك على نحوين من الجزاء: جزاء محسوب ومحدود، وجزاء من غير حساب، وها نحن نشرح تفصيل هذا الأمر:

إنّ الأجْر الذي يعطيه الله لعباده في مقابل أعمالهم كريم وعظيم، وكبير وحسن وغير ممنون، وهذه خمسة أوصاف للأجر الذي يرزق الله عباده على حسناتِهم.

____________________

(1)التوبة: 111.


1 - فهو أجْر كريم: ( مَن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) (1) .

2 - وهو أجر عظيم: ( لِلّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ، ( وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (2) .

3 - وهو أجر كبير: ( وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) (3) ،( فَالّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) (4) .

4 - وهو أجر حسَن: ( فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّهُ أَجْراً حَسَناً ) (5) .

5 - وهو أجر غير ممنون: ( وَإِنّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ) (6) ،( إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (7) .

وهذه الأوصاف الخمسة عامّة شاملة لكلّ أجْرٍ يرزقه الله عباده، ممَّن يعطي لله بلا حساب أو بحساب، إلاّ أنّ الذين يعطون لله تعالى من دون حساب وتقدير، يُحاسبهم الله في السيّئات حساباً يسيراً:( فَأَمّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ) (8) .

____________________

(1)الحديد: 11.

(2)آل عمران: 97.

(3)فاطر: 7.

(4)الحديد: 7.

(5)الفتح: 16.

(6)القلم: 3.

(7)التين: 6.

(8)الانشقاق: 7 و 8.


هذا في حساب السيّئات، أمّا في الحسنات، فإنّ لله تعالى نوعين من الأجر: أجر محدود وبحساب، وأجر غير محدود ومن دون حساب.

والأوّل منهما للّذين يعطون لله تعالى بحساب وتقدير، والثاني منهما للّذين يعطون لله تعالى من أموالهم وأنفسهم بلا حساب وتقدير.

وليس معنى الحساب والتقدير من جانب الله المساواة بين العمل والجزاء، في الحجم والكَم، وإنّما معناه: وجود التناسب بين العمل والأجر.

وأمّا عندما يكون عطاء العبد لله من دون حساب، فإنّ جزاء الله تعالى له يكون من غير حساب وتقدير. يقول سبحانه:

( إِنّمَا يُوَفّي الصّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1) .

وتستوقفنا هذه الآية المباركة من سورة النور طويلاً في شأن الجزاء، عندما يكون العمل من جانب الإنسان من غير حساب:( رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزيدَهُم مِن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (2) .

وهذه ثلاث خصائص للجزاء الإلهي:

الخاصيّة الأُولى: ( لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ) .

فالجزاء من عند الله ليس بأسوأ ما يعمل العبد، ولا بمتوسّط ما يعمل العبد، وإنّما بأحسن ما يعمله.

ولابدّ من توضيحٍ لهذه الفقرة من الآية الكريمة؛ فإنّ للناس في الجزاء طريقين معروفين:

____________________

(1)الزمر: 10.

(2)النور: 37 - 38.


1 - الجزاء بأسوَأ ما يعمل الطرف الآخر. فقد يُحسِن الإنسان إلى صاحبه عُمْراً طويلاً، ثُمّ يُسيء إليه مرّة واحدة، فيجعل صاحبه هذه الإساءة ميزاناً لعلاقته به، وينسى كلّ ما سبق له من فضل وإحسان إليه، وهذا هو الجزاء بالأسوأ.

2 - وقد يكون الجزاء فيما بين الناس بأوسط ما يفعلون. كما يُقدِّر الـمُدرِّسون درجات طلاّبِهم بأوسط إجاباتهم في الامتحانات، وهو الحساب بالـمُعدَّلات.

والله تعالى لا يجزي عباده بأسوأ ما يعملون، ولا يجزيهم بأوسط ما يعملون، وإنّما يجزيهم بأحسن ما عملوا، وله الحمد ربّ العالمين.

والخاصيّة الثانية للجزاء - في هذه الآية المباركة -هي: ( وَيَزيدَهُم مِن فَضْلِهِ ) .

ولا علاقة لهذا بأعمالهم إطلاقاً، فهو تعالى يزيدهم في الجزاء من فضله بما يشاء وكيفما يشاء.

والخاصيّة الثالثة: ( وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) .

وهذا أعظم ما في هذه الآية؛ فإنّ رزق الله تعالى لعباده يوم القيامة في مقابل حسناتهم رزق من غير حساب ولا تقدير، فإنّ العبد لو كان يعطي لربِّه ممّا آتاه من غير حدود ولا حساب، فإنّ الله تعالى أولى بأن يعطي عبده يوم القيامة من غير حدود ولا حساب.

النقطة الثالثة (التَحلّل من الالتزام):

بعد أن يعتذر الضحّاك إلى الحسينعليه‌السلام بديونه وعياله، يطلب من الإمام أن يجعله في حلٍّ من الانصراف إذا شاء، فيقول: (ولكنّك إن جعلتَني في حلٍّ من الانصراف، إذا لم أجد مقاتلاً قاتلتُ عنك).

والحلّ في مقابل الالتزام، ولا يمكن أن يرتبط الإنسان بالتزامين مُتعاكسَين في وقت واحد، فإذا كان الضحّاك مُلتزِماً


تجاه ديونه وعياله، فمن الطبيعي أنّه لا يستطيع أن يكون مُلتزِماً تجاه الإمام، ولابدّ من أن يتحرَّر من أحد الالتزامَين، وقد آثر أن يتحرَّر من التزامه تِجاه الحسين، دون التزامه تجاه ديونه وعياله، والالتزام تجاه الحسين هو الالتزام تجاه الدعوة والجهاد.

(التزام) و (حِلّ):

والضحّاك يكشف لنا هنا عن موقف غريب، في سلوكه وتعامله مع عياله وماله من طرف، ومع الله تعالى من طرفٍ آخر.

ولابدّ من أن نكشف في هذه الوقفة هذا الموقف؛ لتكتمل عندنا الصورة الّتي نريد أن نرسمها للضحّاك، من خلال جوابه للحسينعليه‌السلام .

فهو يطرح أوّلاً عُذره من خلال التزامه بالنسبة إلى عياله وديونه، ثُمّ يطلب ثانياً منه أن يكون في حِلٍّ من أمره عندما يريد الانصراف، إذا لم يجد قتاله من دونه نافعاً له.

ثُمّ يعرض على الحسينعليه‌السلام استعداده للقتال والدفاع عنه، بصورة محدودة ومُقيَّدة.

فهو حسب هذا التسلسل - الّذي نجده في جوابه للإمام - يُقدِّم التزامه تجاه عياله وديونه أوّلاً، ثُمّ يطلب من الحسينعليه‌السلام أن يكون في حلٍّ من أمرهِ ثانياً.

وواضح أنّ هذا الالتزام الّذي يحرص عليه الضحّاك تجاه الدنيا، وهذا الحِلّ الّذي يطلبه الضحّاك من الحسين تجاه الله، أمرٌ غريب في شخصيّة الضحّاك، وقد كان أحرى به وأجدر أن يكون حريصاً بهذا الالتزام تجاه الله، وبهذا الحلِّ والتحلُّل والتحرّر تجاه الدنيا.

إنّ تفكير الضحّاك بن عبد الله في هذا الموقف تفكير مُحتاط ومُتحفِّظ بصورة غريبة، فهو في الوقت الذي يستجيب لدعوة الإمام، يُبقي الأبواب من خَلفِه


مفتوحة، ليتمكّن من العودة إلى الدنيا عندما يبلغ الـمُفترَق الّذي لا يستطيع بعده أن يجمع بين الدنيا والآخرة، ولابدّ من أن يختار أحدهما، إمّا ديونه وعياله، وإمّا الآخرة، فيُبقِي الأبواب من ورائه مفتوحة، ليتمكّن من أن يرجع إلى الدنيا في اللحظة الحَرِجة من الـمَسير.

ونحن إذا استثنينا أُولئك الّذين يتحرَّكون على غير صراط الله، ويَصدّون الناس عن الحركة إلى الله تعالى، نجد أنّ سائر الناس في تحرّكهم إلى الله على طائفتين:

الطائفة الأُولى: تتحرّك إلى الله سبحانه في جدٍّ وعَزم وصدق، تهدم من ورائها جسور العودة إلى الدنيا، لا يطردون الدنيا ولا يهجرونها، ولكنّهم إذا بلغوا الـمُفترَق الّذي لابُدّ لهم من أن يختاروا عنده الدنيا أو الآخرة، لا يُؤثرون على الآخرة شيئاً.

وهؤلاء هم (الصادقون) في التحرّك إلى الله( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) (1) ، وموقعهم من الله عزّ وجلّ في الآخرة( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) (2) .

وطائفة أُخرى من الناس : يتحرَّكون إلى الله في حَذرٍ واحتياط، يُحبّون الله ورسوله ولكن، ما لم يُزاحم دنياهم، وما لم يسلبهم دنياهم، فإذا بلغوا الـمُفترَق الذي لابُدّ فيه من الاختيار الصعب، آثروا الدنيا على الآخرة، واختاروا شقَّ الدنيا وعادوا إليها، ولكيلا ينقطع طريق العودة عليهم في اللحظات الأخيرة، لا يهدمون من ورائهم الجسور التي تنقلهم إلى الدنيا.

____________________

(1)الأحزاب: 23.

(2)القمر: 55.


فهؤلاء يتحرّكون إلى الله سبحانه، ولا نشكّ في نيِّتهم وصدقهم - في هذه الحدود -، ولكن كلّما قطعوا شوطاً من الطريق، مَدّوا من ورائهم بقدره جسراً ينقلهم إلى الدنيا.

وهكذا كان الضحّاك بن عبد الله، اشترط على الحسينعليه‌السلام - قبل كلّ شيء - أن يكون في حلٍّ من الانصراف إلى دَينِه وعياله، فدخل مع الحسين فيما دخل فيه من قتال جيش بني أُمية، وقاتل بين يدي الحسينعليه‌السلام ، وقتل منهم وجرح عدداً، ولكنّه قد تحوَّط لنفسه منذ أوّل ساعة، فأخفى فرسه داخل فسطاط بين البيوت، وقاتلَ راجِلاً بين يدي الحسين، لتُسلَّم له فرسه وليركبها ويفرّ بها إلى خارج ساحة المعركة، ويهرب عن جند ابن زياد، في اللحظة الحَرِجة الّتي لابُدّ له فيها من أن يختار أحد الأمرين.

فلمّا جدَّ الجِدُّ، ذكَّرَ الإمام الحسين بإذنه له في الانصراف متى شاء، ومتى لم ينفعه دفاعه عنه وقتاله من دونه، فصدقه الحسين، فركب فرَسه وهرب من الآخرة إلى الدنيا.

إنّ هذا الرجل دقيق في تقدير المسافة الّتي يستطيع أن يُساير الحسينعليه‌السلام فيها، يضبط حساباته في هذه الحركة بشكلٍ دقيق، ويَتَحوَّط للعودة إلى الدنيا عندما يصل إلى الـمُفترَق الذي يُؤثّر عنده الدنيا على الآخرة.

يُشخِّص الـمُفترَق بدقّة، ويُحدِّد المسافة الّتي يُساير فيها الحسين بدقّة، ويَتَحوّط للعودة من الله إلى الدنيا في اللحظة المناسبة، ويُبقِي من ورائه - وهو يتحرّك مع الحسينعليه‌السلام إلى الله - بابَين مفتوحين، يرجع من خلالهما إلى الدنيا عندما يريد:

أحدهما: مُوافَقة الحسينعليه‌السلام أن يكون في حلّ من أمره عندما يريد الانصراف إلى الدنيا.


وثانيهما: فَرسه التي احتفظ بها في فسطاط داخل البيوت، عندما حاصر جيش بني أُميّة الحسينعليه‌السلام ؛ ليستطيع أن يركبها في اللحظة المناسبة من الآخرة إلى الدنيا.

ومرّة أُخرى نريد أن نُقارِن - في هذه النقطة من البحث - بين الضحّاك وزُهير.

كلّ منهما أقبلَ على الله تعالى مع الحسينعليه‌السلام .

الضحّاك دخل معركة الطفِّ إلى جنب الإمام، وقاتل وجاهد بين يديه، وزهير (رحمه الله) أقبلَ مع الحسينعليه‌السلام وجاهد وقاتل.

ولكنّ الفرق بين هذا وذاك، أنّ الضحّاك أقبل على الله وأبقى الأبواب مفتوحة من خلفه، بكلّ دقّة واحتياط، وأبقى الجسور قائمة من ورائه إلى الدنيا؛ ليعود إليها في اللحظة التي يريد.

وأمّا زهير، فعندما قرّر الوفود على الله تعالى مع الحسينعليه‌السلام ، قطع كلّ ما كان بينه وبين الدنيا من جسور، وأغلق كلّ باب بينه وبين الدنيا، وقال لزوجته (دلهم) في عزم وقوّة ويُسر: (الْحقي بأهلك).

وإنّنا نتابع تفكير الضحّاك، وما أخذه الضحّاك من احتياط لنفسه في مثل تلك الساعة وتلك المعركة، فنرى أنّ هذه الدقّة في التقدير والضبط في الحساب، والتحفُّظ والاحتياط الشديدَين، جدير بالاحترام لو كان في علاقة الإنسان بنفسه ومحاسبته لها.

أمّا عندما يكون التعامل مع الله تعالى، فمثل هذا التقدير والدقّة والاحتياط للعودة إلى الدنيا، هو من الشُحِّ في العطاء، ومن التردّد في العمل وفقْدان العَزم.

الجسر الذي مدَّه الضحّاك إلى الدنيا من عُمق (الطفّ):

ولنستمع إليه مرّة أُخرى:


(لمّا رأيتُ أصحاب الحسين قد أُصيبوا، وقد خلُص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبقَ معه غير سويد بن عُمَر الحنفي، وبشير بن عمرو الحضرمي، قلتُ له: يابن رسول الله، قد علمتَ ما كان بيني وبينك، قلت لك: (أُقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أرَ مقاتلاً فأنا في حلٍّ من الانصراف، فقلتَ لي: (نعم))؟! فقال: (صدقت، وكيف لك النجاة؟ إن قدرتَ على ذلك فأنت في حلٍّ).

فأقبلتُ إلى فرَسي، وقد كنت حيث رأيت خَيل (أصحابنا) (1) تُعقَر، أقبلت بها حتّى أدخلتُها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلتُ أُقاتل معهم راجلاً... فلمّا أذِنَ لي، استخرجتُ الفرَسَ من الفسطاط، ثُمّ استويتُ على متنِها، ثُمّ ضربتُها حتّى إذا قامت على السنابك، رميتُ بها عرض القوم، فأفرجوا لي...) (2) .

إنّ أمر الضحّاك لغريب في نوعه، فهو يمدّ جسور الدنيا إلى عُمقِ معركة الطفّ، وإلى داخل خيام الحسينعليه‌السلام ، حيث لا يوجد فيها غير الآخرة!

فهذه الفرَس التي أخفاها الضحّاك في فسطاط لأصحاب الحسينعليه‌السلام بين البيوت يوم عاشوراء، هي الجسر الذي مدّه الضحّاك لينقله إلى الدنيا.

وقد رأينا وسمعنا كثيراً عن امتداد الدنيا إلى أعماق النفس، في مختلف مراحل الطريق إلى الله سبحانه، ولكنَّنا لم نرَ فيما رأينا، ولم نسمع فيما سمعنا، أنّ الدنيا تنفذ وتمتدّ وتكمُن في نفس الإنسان إلى هذا الحدّ، فيدخل الإنسان معركة

____________________

(1)يقول الضحّاك: خيل (أصحابنا)، وهو عازم على مفارقتهم والانفلات من مصيرهم! وأيّ صُحبة يا تُرى بعد أن فارقَهم وهجَرهم إلى دَينه وعياله، ولَحقَ بصاحبه مالك بن النضر الأرحبي؟!

(2)تاريخ الطبري، الطبعة الأوربيّة: ج7 / ص354 - 355.

ونفس الـمَهموم، للشيخ عبّاس القمّي: ص298 - 300.


الطفّ مع الإمام، ويسقط أهل بيت الحسينعليه‌السلام وأصحابه صرعى بين يديه، ويُقاتِل بين يديهعليه‌السلام ، ويدعو له الحسين، وهو يرى الإمام واقفاً وحده بين يدي الأعداء، ثُمّ لم يُفارقه حُبّ الدنيا ونفوذ الدنيا، وسلطانها على نفسه، في هذه المراحل جميعاً.

إنّ التصاق الدنيا بنفس الإنسان لَغريب، ومن الخطأ أن يغترَّ الإنسان بنفسه، فيتصوّر أنّه قد تحرَّر من سلطان الدنيا ونفوذها، ولم يعد بحاجة إلى معاناة وتزكية وجهاد للنفس.

إنّ في نفس الإنسان خبايا عميقة وأعماقاً مجهولة، يكمُن فيها حُبّ الدنيا، ويبقى هذا التعلّق يُطارِد الإنسان في حركته إلى الله تعالى، من حيث يعلم الإنسان أو لا يعلم، حتّى إذا بلغ الإنسان نقطة الاختيار الصعب، برزَ حُبّ الدنيا من أعماق النفس المجهولة إلى السطح البارز للنفس، وغيَّر وجْهَة الإنسان وحركته، من الله تعالى إلى الدنيا.

إنّ حُبّ الدنيا يلاحق الإنسان إلى هذه النقطة، الّتي لا يكاد أن يبلغها الإنسان إلاّ بعد أن يخرج من مصفاة الابتلاء عشرات المرّات، ومع ذلك كلّه، يبقى هذا الحُبّ كامناً في نفسه.

إنّنا لا نريد أن نتَّهم الضحّاك في صدقهِ وحُبّه للحسينعليه‌السلام ، وليس من سببٍ يدعونا أن نتّهم هذا الرجل الذي وقف هذا الموقف يوم عاشوراء من الحسينعليه‌السلام في نيّتِه وصدقِه، فلم يطلب الضحّاك من الدفاع عن الحسينعليه‌السلام ومن القتال بين يديه دنيا.

وهذا حقّ يجب أن نقول به ونعترف له به، لكنّه مع ذلك كلّه، لم يتحرَّر من حُبّ الدنيا، ومن التعلّق بالدنيا، ومن تبِعات الدنيا، حتّى عندما ساقه التوفيق والسعادة الإلهيّة إلى هذه المعركة الحاسمة بين الحقّ والباطل


في التاريخ، ووضَعه الله تعالى في أشرفِ موقِع يتصوّره الإنسان، وهو موقع الدفاع عن الإسلام إلى جنْب ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والآن، بعد هذا التحليل النفسي لموقف الضحّاك بن عبد الله المشرقي، يجب أن نوجز مرّة أُخرى العناصر التي تدخل في تكوين هذا الموقف الغريب، وأهمّ هذه العناصر هي:

1 - حبّ الدنيا والتعلّق بها : وهو رأس هذه العناصر جميعاً، وهو أوّل شيء اعتذر به الضحّاك إلى الحسينعليه‌السلام عن مسايرته ونصرته، فلم يتخفّف ولم يتحرَّر الضحّاك من الدنيا، وهو في وسط هذه المعركة المصيريّة، كما تخفّف وتحرَّر عنها (زهير) من قبل.

2 - شحّة العطاء: وهي غير نضوب النفس، ففي حالة النضوب والجفاف ينقطع كلّ خير عن نفس الإنسان، أمّا في حالة (الشحّ)، فيبقى للإنسان عطاء محدود وشحيح، وقد رأينا كيف وضع الضحّاك نصرته للحسينعليه‌السلام ضمن مجموعة من الشروط، ولم يبذل نصرته بَذلاً كما صنع سائر أصحاب الحسينعليه‌السلام ، ولم يُوطِّن نفسه لقاء الله، كما طلب الإمام الحسين من المسلمين في مكّة المكرَّمة.

3 - التحرّر عن الالتزامات التي تفرضها الدعوة والجهاد: والتحلّل عن القيود والعهود التي يفرضها الولاء لله تعالى، ولرسوله وللأئمّة المسلمين.

وهذه العناصر الثلاثة تؤدِّي إلى ظواهر سلبيّة كثيرة في شخصيّة الإنسان، من قبيل:

الخوف، والجُبن، والخضوع، والانقياد للطاغوت، وانحسار سُلطان الضمير عن حياة الإنسان وسلوكه.


ولسنا نريد أن نقول: إنّ هذه العناصر كانت موجودة مجتمعة في موقِف الضحّاك بن عبد الله، ولكنَّنا نريد أن نقول: إنّ أمثال هذه المواقف يُمكن أن تنحلَّ إلى هذه المجموعة من العناصر السلبيّة.

وفي ختام هذه التأمُّلات، نعتذر من الضحّاك بن عبد الله المشرقي، إذا كنّا قد أسأنا إليه، وتناولنا موقفه من الحسينعليه‌السلام بالتحليل والنقْد بهذه الصورة، ولا نريد أن نبخسه حقّه، فقد نال ما حُرِمنا منه نحن، من شرفِ القتال بين يدي الحسينعليه‌السلام ، ومن دعاء الحسينعليه‌السلام له...، وإنّما كنّا نريد أن نجعل من نقاط الضَعف في موقفه وسيلة لتقويم نقاط الضعف في مواقفنا وسلوكنا.


قِيمة الوراثة في حياة الإنسان

* تأمُّلات في زيارة وارِث

* 1 - القِيمة التكوينيّة للوراثة

دراسة في الشريحة الحضاريّة

الإطار الاجتماعي للشعائر الإسلاميّة

* 2 - القيمة الإيحائيّة والتربويّة للوراثة

كرامة الأُسرة وموقعها الاجتماعي



قيمة الوراثة في حياة الإنسان

تأمُّلات في زيارة وارث

تمهيد:

للوراثة في حياة الإنسان نوعان من التأثير، لهما قيمة وفاعليّة كبيرة، وهاتان القيمتان هما:

1 - القيمة التكوينيّة للوراثة.

2 - القيمة الإيحائيّة والتربويّة للوراثة.

وسوف نستعرض هذين النوعين من التأثير، وما لهما من دَور فاعل ومُؤثِّر في حياة الإنسان.

فنتحدّث أوّلاً عن القيمة التكوينيّة للوراثة، ونقصد بها التأثير الطبيعي والتكويني الّذي تتركه الوراثة في حياة الإنسان، في مقابل التأثير التربوي والإيحائي للوراثة، ونتحدّث ثانياً عن الإيحاءات التربويّة التي تتركها الوراثة في حياة الإنسان، وما لهذه الإيحاءات التربويّة من أثر فعّال في حياة الإنسان.

1 - القِيمة التكوينيَّة للوراثة:

في ضوء دراسة النظريّة الإسلاميّة من التاريخ، والارتباط السَبَبي بين مراحل التاريخ المختلفة، نقول: إنّ الحضارة الواحدة امتداد واحد على مراحل زمنيّة


مختلفة، وكلّ مرحلة من هذه المراحل ترتبط بالمراحل السابقة، تحكيها وتَرِثها.

ولا يمكن من الناحية العلميّة تفكيك المراحل المختلفة للحضارة الواحدة، واعتبار كلّ شطر منها وحدة قائمة بالذات.

إنّ اليوم الحاضر مرآة للأمس الماضي، وجزء لا يتجزّأ منه، ولا نستطيع أن نفهم اليوم إن لم نربطه بالأمس، ولا نستطيع أن نفْهم الشطر المعاصِر من أيّة حضارة، إذا لم نبحث عن جذورها ومكوّناتها في المراحل السابقة من التاريخ.

دراسة في الشريحة الحضاريّة:

إنّ كلّ شريحة حضاريّة تُعتبَر حصيلة جهود طويلة لأجيال من أبناء هذه الحضارة، في مراحل مختلفة من التاريخ، ووراثة لميراث الأجيال السابقة، في العادات والتقاليد والأعراف، والثقافة والتصورّات، والحبّ والبغض...، وعندما نقتطعُ نحن هذه الشريحة المعاصرة، أو هذا الجيل المعاصر من الحضارة عن جذوره وأُصوله، لا نكاد نستطيع أن نفهمه حقّ الفَهم.

ومن السذاجة أن نتصوّر أنّ هذه الشريحة أو تلك من الشرائح الحضاريّة قد تكوَّنت بصورة عفويّة، وبمَعزل عن التاريخ الّذي ترتبط به.

يقول الدكتور محمّد زكي العشاوي، في بحث له في مجلّة (عالم الفِكر):

(ونحن مع إيماننا الـمُطلَق بحركة التطوّر التي لا تعرف النكوص أو الرجوع إلى الخلف، فإنّنا نؤمن في الوقت ذاته، بأنّ كلّ ما يدَّخره الإنسان ويختزنه من ماضي الحياة البشريّة ليس حياة ميِّتة، بل لا يمكن أن تموت؛ لأنّها جزء لا يتجزّأ من الحياة الكبرى الّتي لا تفنى، والتي لا تهرم ولا تدركها الشيخوخة)(1) .

____________________

(1)مجلّة (عالَم الفكر) / المجلّد الرابع / العدد الأوّل / ص: 13 / الحاضر ضمير المستقبل، للدكتور العشماوي.


البُعْد الأُفقي والبُعْد العمودي لكلِّ حضارة:

إنّ من الخطأ أن نفهم المجتمع والحضارة الإنسانيّة في البُعد السطحي فقط، وأن يغيب عنّا البُعد العمودي الّذي يُعتبَر المصدر والأساس لأيّة حضارة.

فليست الحضارة - بالتأكيد - هي مجموعة التفاعلات الاجتماعيّة الّتي تحدث على مقطع زمني خاصّ، وعلى السطح المرئي من الحضارة فقط، وإنّما هناك من وراء هذا السطح المرئي من الحضارة الأعماق غير المرئيّة للحضارة.

وفي ضوء هذا الارتباط السَبَبي بين الماضي والحاضر، في المقاطع الزمنيّة الـمُتعدِّدة، والتفاعل بين عناصر الحضارة الواحدة في المقطع الزمني الواحد، نستطيع أن نفْهم الحضارة.

التبادل والتفاعل بين عناصر الحضارة الواحدة:

ففي المقطع الزمني الواحد، نجد أنّ عناصر المجتمع الواحد تتفاعل مع بعض في تأثيرٍ وحركة مُتبادَلة.

فالمدرسة تُؤثِّر في العائلة تأثيراً قويّاً، كما أنّ العائلة تُؤثِّر في المدرسة، ولا نستطيع أن نفهم عناصر الحضارة الواحدة إذا لم نفهم هذا التأثير الـمُتبادَل والمتقابل بين عناصر الحضارة الواحدة، وفي مقطع زمني واحد.

الأعماق الحضاريَّة:

وبمقياس أقوى وأبلغ، يكون تأثير الماضي في الحاضر في سلسلة مترابطة من الحلقات، من الأسباب والعِلل.

فمبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثلاً، في القرن السادس الميلادي، له تأثير بليغ وفوق


حدود التصوّر، في كلّ مراحل حضارتنا، خلال القرون الأربعة عشر التي مرّت على هذه الأُمّة.

ولا يمكن عزل هذا الحادث الكَوني الكبير عن كلّ مراحل تاريخنا وحضارتنا، وليس من الممكن أن تكون أيّة شريحة من شرائح هذه الحضارة معزولة عن هذا السَبب، أو نفهم أيّة شريحة من حضارتنا بمَعزل عنه.

والكلام نفسه يصدق في معركة بدر (يوم الفرقان)، ويوم الأحزاب، وفتح مكّة، ووقعة الطّف، وهكذا...

إنّ لكلّ واحد من هذه الأحداث وغيرها دوراً تأسيسيَّاً في بناء هذه الحضارة، وليس في الإمكان أن تتكوّن هذه الحضارة، بكلّ خصائصها القائمة فعلاً، بمعزل عن العوامل التاريخيّة التي ساهمت في بناء وتكوين تاريخنا ومجتمعنا.

وكلّما يزداد هذا العُمق، كلّما تزداد قيمته الحضاريّة في بناء المجتمع. فالمجتمع الذي تمتدُّ جذوره آلاف السنين، يتمتّع بقوّة وصلابة أكثر من المجتمع والحضارة التي تكوّنت في عدّة مئات من السنين فقط.

ذلك أنّ العمق التاريخي البعيد يُعتبَر تراكماً كبيراً من الأسباب والعلل من وراء المقطع الحضاري الذي نُعاصره.

فقد يكون من السهل أن يتجاوز الإنسان الظروف السياسيّة التي تكوّنت في عصره، من الحبِّ والبغض، والولاء والبراءة، والأخلاق والسلوك والتصوّرات، ولكن من الصعب جدّاً - ولا أقول من المستحيل - أن يتجاوز الإنسان الحبّ والبغض الذي تكوّن خلال ألف سَنة من الزمان.

فإنّ مرور هذه الحُقبة التاريخيّة الطويلة على هذه الحضارة، يُكسِبها الكثير من الصلابة والثبات، ممّا يجعل من الصعب جدّاً أن يتجاوزها الإنسان، وهذا هو (الميراث الحضاري) الّذي نتحدّث نحن عنه في الدراسة.


عراقة الميراث الحضاري:

كلّما يطول الزمن، فالظاهرة الحضاريّة تزداد تأصّلاً وعراقة وعُمقاً في وجود الأُمّة، وتتمتّع بقوّة وأصالة وقُدرة أكثر على مواجهة التحدّيات؛ ولذلك فإنّ التاريخ تراكم من العمل والجهد والتَبنِّي.

وكلّما يكون التاريخ أطول، يكون الجهد والعمل المبذول في تَبنِّي أيّة ظاهرة اجتماعيّة أكثر، ونتيجة لذلك؛ تكون الظاهرة الاجتماعيّة أقوى وأثبت، وأكثر أصالة وعُقماً ومَتانة، وأقوى على مواجهة التحدّيات.

فـ (الصلاة) مثلاً، ظاهرة حضاريّة عميقة الجذور في التاريخ، وميراث حضاري عريق في الأجيال، تنتقل من جيل إلى جيل، وكلّما يمرّ علينا زمن أطول تزداد أصالة وثباتاً وعمقاً في حياة الإنسان.

فالعراقة الّتي نجدها نحن في حياتنا اليوميّة للصّلاة، ليست حصيلة جهد وعمل فردي، وفي مقطع زمنيٍّ خاصّ، وإنّما هي حصيلة جهود وأعمال كبيرة وكثيرة عبر التاريخ، في تَبنِّي الصلاة وإقامتها، والدعوة إليها وتأكيدها وترسيخها، وهذه الجهود جميعاً تتمثّل اليوم في (الصلاة) التي نقيمها نحن في بيوتنا ومساجدنا.

و (الحجّ) ظاهرة حضاريّة وميراث حضاري، ورثناه نحن من أبي الأنبياء إبراهيم، خليل الرحمانعليه‌السلام .

ولهذه الظاهرة الحضاريّة عراقة وعُمق خاصّ، وأصالة في حياتنا، وجاذبيّه خاصّة في نفوسنا، فإذا حان وقت الحجّ، توجّه مئات الآلاف من المسلمين، من كلّ فجٍّ عميق، رجالاً وعلى كلّ ضامر إلى البيت العتيق؛ لأداء فريضة الحجّ.

يقول تعالى لعبده وخليله إبراهيمعليه‌السلام :


( وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى‏ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَمِيقٍ ) (1) .

التَبنّي الجَمعي والعُمق الحضاري لفريضتَي الصلاة والحَجّ:

وما دُمنا نتحدّث عن (الصلاة) و (الحجّ) كمثالين للظواهر والمواريث الحضاريّة، فلا بأس أن نقف وقفة قصيرة عند هاتين الظاهرتين الربّانيّتين في حياة الإنسان، فنقول:

إنّ القيمة والفاعليَّة والجاذبيَّة الّتي تملكها هاتان الفريضتان في حياتنا، تعود إلى أمرين اثنين:

الجُهد الجمعي الكبير المبذول في إقامة هاتين الفريضتين، في المقطع الزماني الواحد، في اجتماعات كبيرة وحاشِدة.

ولا شكّ أنّ هذا الجهد والاهتمام الجمْعي بهاتين الفريضتين، من قِبل الملايين من المسلمين، ينعكس في الصلاة والحجّ بشكل واضح، ويُكسِب هاتين الفريضتين هذه الجاذبيّة والتعاطف والقيمة والفاعليّة في نفوس جماهير المؤمنين.

وإلى جَنْب هذا البُعد، هناك بُعد آخر للصلاة والحجّ، وهوالبُعد التاريخي الذي تحدّثنا عنه.

فإنّ الإقامة الطويلة للصلاة والحجّ، والـمُمارَسة التاريخيّة الطويلة لهاتين الفريضتين عبر القرون، تمنح هاتين الفريضتين قيمة كبيرة، وفاعليّة وجاذبيّة خاصّة، وهذا هو الّذي نقصده من كلمة (الميراث).

ولهذا السَبب؛ يؤكِّد الإسلام تأكيداً كبيراً على الاهتمام بالإطار الاجتماعي: (البُعد الأوّل)، وبالإطار التاريخي: (البُعد الثاني) للفرائض.

____________________

(1)الحَجّ: 27.


الإطارُ الاجتماعي للشَعائِر الإسلاميَّة:

ففي الإطار الاجتماعي، وهو الإطار الأوّل، يتفاعل الفرد - تفاعُلاً قويّاً - مع الجوّ الاجتماعي الذي تُقام فيه الفريضة، فإنّ الصلاة جماعة وجُمعة لها تأثير مُتقابل في نفوس المصلِّين، والفرد الذي يُقيم الصلاة في وسط حاشد من جماعة المسلمين، يكتسب من حضور الآخرين اندفاعاً وقوّة وإقبالاً على فريضة الصلاة، وتفاعلاً معها، في الوقت الّذي يُكسِب الآخرين بحضوره نفس الاندفاع والقوّة والتفاعل والإقبال.

وهذا التعاطي والتبادل الـمُتقابَل من قِبل المصلِّين، يُكسب الصلاة في نفوس الجميع أصالة وثباتاً، وقوّة وجاذبيّة.

ولعلّ الاهتمام بالجُمعة والجماعة في الإسلام من هذا الـمُنطلَق.

ورغم أنّ الإنفراد والخَلوة في ذكر الله تفيد الإنسان في الإقبال على الذِكر كثيراً، رغم ذلك تُفضِّل الشريعة إقامة الصلاة جماعة على الصلاة فُرادى، وتُؤكِّدها، حتّى روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (لا صلاة لـمَن لا يُصلِّي في الـمَسجدِ مع المسلمين، إلاّ مِن عِلَّة)(1) .

وروي عن الصادقعليه‌السلام : (أنّ أُناساً كانوا على عهدِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبطأوا عن الصلاة في المسجدِ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لَيُوشك قوم يُدعَون للصلاة في المسجد أن نأمر بحَطَب ليُوضع على أبوابهم، فتُوقد عليهم نار، فتحرق عليهم بيوتهم)(2) .

____________________

(1)عِلل الشرائع، للصدوق: ص325. ووسائل الشيعة: ج 5 / ص377.

(2)التهذيب، للشيخ الطوسي: ج 3 / ص 25.


والجماعة - بحُكم هذا التأثير المتبادَل الذي يتركه كلّ واحد من الجماعة في الآخَرين - ليست كميّة عدديّة فقط، تساوي مجموعة الأفراد، وإنّما يتحوّل هذا الكَم إلى كيف خاصّ، تُعبِّر عنه الروايات بـ (يد الله)، فالجماعة ليست فقط مجموعة الأفراد، وإنّما تساوي (مجموعة الأفراد + يد الله).

يدُ الله على جماعةِ المسلمين:

وقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يدُ الله على الجَماعة، والشيطانُ مع مَن خالَفَ الجماعة)(1) .

ويدُ الله هنا هي القوّة والبركة والرحمة، فعندما يجتمع جَمْع من المؤمنين تنزل عليهم رحمة الله وبركاته، ويمنحهم الله القوّة والرحمة.

وهذا هو ما ذكرناه من أنّ الـمُمارَسة الاجتماعيّة للفرائض الإسلاميّة تمنح الفرائض الإسلاميّة كثيراً من الجاذبيّة والقوّة، والصلابة والأصالة، وتشدّ الناس إلى هذه الفرائض شدّاً نفسيّاً وعاطفيّاً قويّاً. وهذا هو بعض السرِّ في قوّة وجاذبيّة فريضة الحجّ، التي تجتذب الناس من كلّ فجٍّ عميق إلى هذا الوادي غير ذي الزرع حول بيت الله الحرام.

وبنفس الملاك، يصحّ أن نقول: إنّ هذه التجمّعات القائمة على ذكر الله تعالى وتقوى الله، تمنح الإنسان تقوى وعصمة، وتعصِم عن الشطَطِ والزَيغ والضّلال، وتُعتبَر الحصن الذي يُحصِّن المؤمنَ من عدوان الهوى والشيطان.

فقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يدُ اللهِ على الجَماعة، فإذا اشتَذّ الشَاذّ منهم، اختَطَفَه الشيطانُ، كما يَختَطِفُ الذِئْبُ الشاةَ الشاذَّة من الغَنَم).

____________________

(1)كنز العمّال: الحديث 1031.


وهذا هو الإطار الأوّل (الاجتماعي)، (الأُفقي) للصلاة والحَجّ.

الإطار التاريخي للشَعائر الإسلاميَّة:

والبُعد الآخر للشعائر والفرائض الإسلاميّة هو: البُعد التاريخي (العمودي).

ولهذا البُعد تأثير كبير في تعميق مشاعر العبوديَّة والإقبال على ذكر الله تعالى في حياة الناس؛ ولهذا الأمر يهتمّ القرآن كثيراً بالبُعد التاريخي للصلاة، والإيمان، والدِّين.

يقول تعالى:( شَرَعَ لَكُم مِنَ الدّينِ مَا وَصّى‏ بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏ وَعِيسَى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدّينَ وَلا تَتَفَرّقُوا فِيه ِ ) (1) .

( قُولُوا آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى‏ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى‏ وَعِيسَى‏ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رَبّهِمْ ) (2) .

( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (3) .

وانطلاقاً من هذا التصوّر للتاريخ والميراث، نقول: إنّ حَجَّ إبراهيمعليه‌السلام له تأثير في حجِّنا، وصلاة موسى وعيسىعليهما‌السلام لها تأثير في صلاتنا، ودعوة نوحعليه‌السلام لها تأثير مباشر وغير مباشر على دعوتنا إلى الله تعالى.

وأنّ جهاد الحسينعليه‌السلام في كربلاء ووقعة الطّف له تأثير مباشر على مسيرتنا ودعوتنا

____________________

(1)الشورى: 13.

(2)البقرة: 136.

(3)الأنبياء: 72 - 73.


ومواجهتنا اليوم لطواغيت عصرنا، وأنّ أجزاء هذه المسيرة الواحدة - من آدم ونوحعليهما‌السلام ، إلى اليوم الحاضر - أجزاء مُترابِطة مُتماسكة، السابق منه يدعم اللاحق، واللاحق منه يرِث السابق.

وعلى هذه المسيرة تنتقل القِيم والتُراث، والولاء والبراءة، والحُبّ والبغض، والتصوّرات والأخلاق، من جيل إلى جيل.

وحدة الـمَسيرة ووحدة الـمُعاناة ووحدة الثواب:

ومن أروع ما في هذا التصوّر الإسلامي للميراث، أنّ الأجيال اللاحقة لا ترِث فقط المواريث الحضاريّة من الأجيال السابقة، وإنّما تُشاركها أيضاً في ثواب معاناتها وعنائها الطويل، في صراعها مع الكفر والنفاق؛ لإقامة هذه الفرائض الإسلاميّة وتثبيتها.

فقد تحمّل سَلَفُنا الصالح على هذا الطريق الكثير من العناء والمعاناة في الصراع مع الطاغوت؛ لإقامة هذه الفرائض وتثبيتها، وتعبيد الإنسان لله.

ونحن (الوارثون)، لا تنتقل إلينا فقط هذه القِيم والمواريث - (العبوديَّة، والإيمان، والصلاة) - من سَلَفِنا، وإنّما ينتقل إلينا أيضاً ثواب معاناتهم وصبرهم وعنائهم، دون أن يكون لنا فِعل وتحمُّل في هذه المعاناة والعناء.

والجسر العجيب الذي ينتقل عليه هذا الثواب والأجر - من دون معاناة وعناء، ويُشرِك أُناساً في ثواب أُناس آخرين سبقوهم - هو الولاء والحُبّ.

وعجيب أمر الولاء والحُبّ! فهو يُوحِّد أطراف هذه المسيرة المتباعدة، ويجعلها قطعة واحدة، ويُشرِك اللاحق في ثواب السابق، ويجعل السابق مورداً ومُعيناً للاّحق. وهذا هو البُعد الثالث (المستقبليّ) لمسيرة الدعوة إلى الله.

روى الحكم بن عيينة، قال: لمّا قتلَ أمير المؤمنينعليه‌السلام الخوارجَ يوم


النهروان، قام إليه رجُل فقال: يا أمير المؤمنين، [ طوبى لنا إذ شهدنا معك هذا الموقف، وقتلنا معك هؤلاء الخوارج ]، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام (1) : (والّذي فلقَ الحبّة وبرأ النسمة، لقد شهدنا في هذا الموقف أُناس لم يخلق اللهُ آباءَهم ولا أجدادهم بَعدُ، فقال الرجل: وكيف يشهدنا قوم لم يُخلَقوا؟ قال:بلى، قوم يكونون في آخِر الزمان، يشركوننا فيما نحن فيه، ويسلِّمون لنا، فأُولئك شُركائنا فيما كنّا فيه حقّاً حقّاً)(2) .

وروى محمّد بن سلَمة، رفَعَه، قال: قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : (إنّما يجمعُ الناسَ الرضا والسُخط، فمَن رضي أمراً فقد دخلَ فيه، ومَن سخطه فقد خرجَ منه)(3) .

وعن سُليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: (لو أنّ أهل السماوات والأرض لم يُحبِّوا أن يكونوا شهداء مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكانوا من أهل النار)(4) .

وروى أبو جعفر، محمّد بن أبي القاسم الطبري، في كتابه (بِشارة المصطفى)، عن عطيّة العوفي، قال: (خرجتُ مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر الحسينعليه‌السلام ، فلمّا ورَدْنا كربلاء، دَنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل ثُمّ ائتزرَ بإزار وارتدى بآخر، ثُمّ فتح صُرَّة فيها سُعْد، فنشرها على بدنه، ثُمّ لم يخط خطوة إلاّ ذكر الله تعالى، حتّى دَنا من القبر، قال: ألمسنيه، فألمستُه، فخرَّ على القبر مَغشيّاً عليه، فرَششتُ عليه شيئاً من الماء، فلمّا أفاق قال:

يا حسين، ثلاثاً. ثُمّ قال: حبيبٌ لا يُجيب حبيبه، ثُمّ قال: وأنّى لك بالجواب، وقد شَخُبَت أوداجُك على أثباجِك، وفُرِّق بين بدنك ورأسك، فأشهدُ أنّك ابن خاتم النبِّيين، وابن سيِّد

____________________

(1)ما بين المعقوفتين زيادة من المصدر.

(2)المحاسن: ص262.

(3)نفس المصدر.

(4)نفس المصدر.


المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسَليل الهُدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيِّد النقباء، وابن فاطمة سيِّدة النساء.

وما لك لا تكون هكذا، وقد غَذَّتكَ كفّ سيِّد المرسلين، ورُبِّيت في حِجرِ الـمُتّقين، ورضعتَ من ثديِ الإيمان، وفُطِمتَ بالإسلام.

فطبتَ حيّاً وطبتَ ميِّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيِّبة لفراقِك، ولا شاكَّة في الخِيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه.

وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا.

ثمّ جال ببصره حول القبر وقال:

السلام عليكم - الشهداء من أصحاب الحسين وأهل بيته - أيّتها الأرواح التي حلَّت بفناء الحسين، وأناخَتْ برَحلِه، وأشهد أنّكم أقمتُم الصلاة، وآتيتُم الزّكاة، وأمرتُم بالمعروف ونهيتُم عن الـمُنكَر، وجاهدتُم الـمُلحِدين، وعبَدتُم الله حتّى أتاكم اليقين.

والذي بعث محمّداً بالحقِّ نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتُم فيه.

قال عطيّة: فقلت له يا جابر: كيف ولم نهبط وادِياً، ولم نعلُ جَبَلاً، ولم نضرِب بسيف، والقوم قد فُرِّقَ بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُوتمتْ أولادهم، وأُرملَتْ أزواجهم؟!

فقال: يا عطيّة، سمعتُ حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (مَن أحبَّ قوماً حُشِرَ معَهم، ومَن أحبّ عمل قوم أُشرِكَ في عملِهم).

والذي بعثَ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحقّ، إنّ نيَّتي ونيَّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابهعليهم‌السلام )(1) .

المواريث الحضارية والمواريث المدنية:

إنّ ما يُقال عن الظواهر الحضاريَّة كـ (الصلاة) و (الحجّ) و (التقوى) و (الإيمان) و (العفاف)، يُقال عن الظواهر المادّيّة للحضارة كـ (المسجد) و

____________________

(1)بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: ص74 - 75، ط النجف 1383 هـ.


(المنبر) و (المدرسة)، وغير ذلك من الظواهر والأدوات المادّيَّة للحضارة، أو ما يُطلَق عليها أحياناً بـ (الـمَدنيّة)، في مقابِل (الحضارة).

فانّ لهذه الظواهر المادِّيَّة - أيضاً - أبعاداً اجتماعيّة وتاريخيّة، كما للظواهر الحضاريّة، وكُلّما تتَّسع أبعادُها الاجتماعيّة، وتتعمَّق أبعادها التاريخيّة، تزداد أصالة وعُمقاً ورسوخاً في ضمير الأُمّة.

فـ (المساجد) مثلاً، تمتلك عُمقاً قيميّاً تاريخيّاً في حياة هذه الأُمّة، وهذا العمق التاريخي يمنح (المسجد) قيمة خاصّة في حياتنا الاجتماعيّة، ومركزاً حسّاساً، يجعل من الصعب تجاوزه أو تحدِّيه من قِبَل أعداء الإسلام.

وهذه القيمة والأصالة والرسوخ في ضمير الأُمّة، هي الّتي حفظت المساجد في تاريخ العدوان على الأُمّة وتراثها من اعتداء الـمُعتَدين.

وهكذا (الحجاب) للمرأة المسلمة، يمتلك بفضل هذا العُمق التاريخي قيمة كبيرة واحتراماً في ضمير الأُمّة، كما يُضفي احتراماً خاصّاً على شخصيّة المرأة.

وسوف نرى أنّ العُمق التاريخي لهذه الظواهر المادِّيَّة تجعل منها قِلاعاً، تحمي وتُحصِّن الكثير من القِيم الحضاريّة في الأُمّة، وتحميها من الاعتداء.

فالحجاب يحمي العفاف عند المرأة المسلمة...

والمسجد والمنبر يحميان الصلاة...

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحميان الفرائض والحدود الإلهيّة...

والحركة والثورة يحميان النظام الإسلامي وسيادته...

وللـمُحافظة على هذه القِيَم الحضاريّة، ينبغي أن نحافظ على الأدوات المادِّيّة لهذه الظواهر، وأحياناً نحرص على إبقائها على شكلها وهندَستِها الخاصّة.

فنحافظ على العِمارة التقليديَّة للمساجد، وعلى التصميم التقليدي للمنابر، وعلى الصورة التقليديّة المعروفة للمصاحف في طباعة المصاحف.


وبهذا الترتيب، نحرص على المحافظة حتّى على الوسائل المادِّيّة للحضارة الإسلاميّة - قدر الإمكان -، على صورتها التاريخيّة التي تتمتّع باحترام وتقدير خاصّ في ضمير الأُمّة(1) .

وهذا بعض سِرّ قوّة المواريث الحضاريّة في حياتنا.

وفشل أعداء الإسلام في إزالة هذه المواريث من الحياة، فليس الجُهد الذي يبذله أعداء الإسلامي في القضاء على الفرائض الإسلاميّة كالصلاة والحَجّ باليَسير، وليس الجُهد الّذي بذلوه للقضاء على الشَعائِر والشعارات والأعراف الإسلاميّة، كالحجاب، ومجالس عزاء الحسين، والتحيّة والسلام، بالشيء الهَيِّن.

فقد استخدم أعداءُ الإسلام كلّ الوسائل الـمُمكنة، من إغراء، وإرهاب، وترغيب، في اجتثاث هذه الأُمّة من جذورها، وتمييع أصالتها ومَسخ شخصيَّتها الحقيقية، واستيراد الأفكار والتصوّرات والظواهر الحضاريّة الشرقيّة والغربيّة، من هنا وهناك.

ولكنّ هذه الأعمال كانت تبوء غالباً بالفَشل، ولا يَجني منها أصحابها إلاّ القليل.

لقد بذلَ (رضا خان بهلوي) في إيران، و (مصطفى كمال أتاتورك) في تركيا، جُهداً ليس بالقليل في مكافَحة المواريث الإسلاميَّة، كالصلاة والحجّ، وحتّى أنّ رضا بهلوي منع الحجَّ، بحُجَّةٍ أو بأُخرى، لعدّة سنوات، وحارب الحجاب، وألزم النساء المؤمنات بالسفور، وحارب شعائر العزاء الحسيني الذي يُمارِسه المسلمون

____________________

(1)ينبغي ألاّ نُسيء فَهْم هذه الجملة، ونفسِّرها بما لا يريد الكاتب، فإنّني أقصد بهذا الكلام المحافظة على الصور التي تختزنها ذاكرة الأُمّة، وتتمتّع باحترام وتقدير خاصّ في ضمير الأُمّة، والاستفادة من هذه الصورة في تحصين وحماية القِيَم الحضاريّة الإسلاميّة.


الشيعة في كلّ أقطار العالم الإسلامي.

لكنّ بهلوي أخفق في تحقيق أكثر طموحاته، واستعادت الأُمّة رُشدها ووعيها، وارتباطها الرسالي التاريخي بالإسلام، وسُرعان ما طُهِّرت ساحة البلاد من مُخلَّفات بهلوي ونظامه.

ومن أسباب ذلك عراقة هذه الظواهر الحضاريّة في تاريخ الأُمّة.

مواقِع الثورة والمناعة في حياة الأُمّة:

إنّ هذه النقاط (المواريث الحضاريّة)، تُعتبَر نقاط القوّة ومراكز المناعة في حياة الأُمّة، وتشبه تماماً الجذور العميقة التي تحفظ الشجرة الباسقة من السقوط.

إنّ هذه الجذور هي الّتي تمدّ الشجرة بالغذاء والماء، وتحفظ الشجرة من السقوط، كذلك المواريث الحضاريّة، تُعتبَر الجذور والامتدادات العميقة، الّتي تحفظ الأُمّة وتمنحها المناعة وتحصّنها ضدّ الغزو الأجنبي(1) .

____________________

(1)روى أحد العلماء عن بعض السياسيِّين، أنّ الانجليز كانوا مندفعين بقوّة للقضاء على الإسلام في إيران، وكانوا يعملون لاستبدال الحضارة الإسلاميّة في إيران - في عهد بهلوي - بالحضارة الغربية، وربط البلد بعَجَلَة الحضارة الغربيّة بشكل كامل.

ولمّا توفّي السيِّد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله) - أحد كبار مراجع التقليد في النجف الأشرف -، أحدثت وفاته هزّة عميقة في كلّ إيران، ولبست إيران الحداد أربعين يوماً لوفاة هذا العالم الجليل، وأُقيمت له مجالس العزاء على مساحة واسعة جدّاً في إيران، فبدأ الانجليز يُراجِعون حساباتهم من جديد، في إمكانيّة القضاء على الإسلام بشكل كامل، في بلد يهتزّ من أقصاه بهذا الشكل القوي العنيف، لوفاة عالم من علماء الإسلام.

فكيف يُمكن القضاء على الإسلام، واجتثاث جذوره من قلوب وصدور هذه الأُمّة؟!

يقول هذا السياسي - وكان من الـمُرتبطين بعَجَلَة الاستكبار الغربي -: إنّ حادث وفاة السيّد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله) أثّرَ في تخفيف الضغط الـمُناوئ للإسلام من قبل الانجليز على إيران، لفترة من الوقت.


وفي تأريخنا السياسي المعاصر، كلّما تحرّك أعداء الإسلام لغزو المنطقة الإسلاميّة، فكريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً، اصطدموا بواحد من هذه المراكز - (مراكز القوّة والمناعة في حياة الأُمّة) - وتراجعوا أمامه.

فقد احتلّ العدوّ القلاع والحصون والقواعد العسكريّة الضخمة، ولكنّه عندما اصطدم بالمسجدِ اضطرّ للتراجع والانسحاب. وقد احتلّ العدوّ الإذاعة والتلفزيون والصحافة، وأخضعها جميعاً لحركة التغريب، ولكنّه عندما اصطدم بصَخرةِ المِنبَر والحوزات والمدارس الدينيَّة، والمساجد والأذان والصلاة، ومجالس العزاء الحسيني، اضطرّ للتراجع والانسحاب.

والسرّ كلّ السرّ في هذه القوّة، هو الامتداد التاريخي العميق لهذه المواريث الحضاريّة والمدنيّة في ضمير الأُمّة، ممّا يجعل من الصعب جدّاً مُداهَمة هذه المراكز من قِبل الأعداء واحتلالها والقضاء عليها.

المحافظة على المواريث الحضارية:

ومن هذا المنظور، يجب علينا نحن الدّعاة إلى الله تعالى، المحافظة على هذه المواريث الحضاريّة في حياة الأُمّة، وحمايتها وتَبنِّيها؛ لتحصين شخصيّة الأُمّة وتَثْبِيتها، والمحافظة على أصالتها وعراقتها.

وبعكس ذلك؛ فإنّ تعريض المواريث الحضاريّة العريقة للإهداء والضياع، يُعرِّض شخصيّة الأُمّة للـمَسخِ والضّياع.

ففي سورة مريم بعدما يستعرض القرآن الكريم شطراً من قصّة إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وإسماعيل، وإدريسعليهم‌السلام ، يقول تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى‏ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ


خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاَةَ وَاتّبَعُوا الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) (1) .

هؤلاء الخَلف الذين يذمُّهم القرآن الكريم، هُم الذين أضاعوا الصلاة - ميراث الآباء والسَلَف - واتّبعوا الشهوات. ويُنذرهم القرآن الكريم بأنّهم سوف يلقون غَيّاً.

إنّ من الناس مَن يحفظ الأمانة في مواريث السَلَف، ويستلمها ويُحافظ عليها من الضياع والدسّ والانحراف، ثُمّ يسلِّمها إلى الخَلف الّذين يلُونَهم من الجيل الجديد، وهؤلاء هم الخَلفُ الصالح للسَلَف الصالح، وحمَلَة الأمانة، الذين يصلون الرحِم، ولا يقطعونه.

ومن الناس مَن لا يحفظون الأمانة والعهد، وتضيع على أيديهم مواريث السلف. هؤلاء هم الذين تَعنِيهم الآية الكريمة:( ... فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاَةَ... ) .

إنّ من الناس مَن يكون جسراً بين جِيلَين: جِيل سابق عليه، وجيل يلحقه، ينقل مواريث الصالحين من الآباء والأسلاف إلى الجيل الذي يلي جيله، وهؤلاء هم الأُمناء.

ومن الناس مَن يُشكِّل فجوَة وقطيعة وحاجزاً بين جيلين، الجيل السابق والجيل اللاحق، فيفصل هذا الجيل عن ذلك الجيل، ويقطع الخَلفَ عن السَلَفِ، وهذه القطيعة هي أبرز صور الخيانة، والعقوق، وقطيعة الرّحم.

السُنّة والبُدْعَة:

وقد ورد التعبير في النصوص الإسلاميّة عن حالَتي الارتباط بالسّلف

____________________

(1)مريم: 58 - 59.


والقطيعة اللَّتَين تَحدَّثنا عنهما بالعمل بـ (السُنّة) و (البُدعَة).

فالعمل بـ (السُنّة) هو: الارتباط السلوكي بالسَلف الصالح، وحالة الاقتداء والتبعيّة الواعية.

في مقابل (البدعة) وهي: حالة القطيعة عن السلف وقطع الجسور، والانحراف عن مسيرة السلف الصالح إلى الأنماط الجاهليّة الـمُستحدَثة والقديمة.

إنّ الاهتمام الكبير في النصوص الإسلاميّة بمسألة السُنّة، قد ينشأ من هذه النظرة، ويُعبِّر عن اهتمام الإسلام بربطِ الأجيال الـمُتعاقِبة بميراث الأنبياء والـمُرسلين من السَلف الصالح، وشَدّهم بالأنبياء والأولياء والصالحين من سَلفنا.

والقرآن الكريم يدعو المسلمين إلى التأسّي بالأنبياء والصالحين بشكل عامّ، وبأبي الأنبياء إبراهيمعليه‌السلام ، وبخاتم الأنبياء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بشكل خاصّ:

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ ) (1) .

( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ ) (2) .

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) (3) .

وقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

(عَمَلٌ قليل في سُنّة، خَير من عَمَلٍ كثير في بُدعَة)(4) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

____________________

(1)الممتحنة: 6.

(2)الممتحنة: 4.

(3)الأحزاب: 21.

(4)بحار الأنوار: ج 2 / ص 261.


(لا يُقبَل قول إلاّ بعَمَل، ولا يُقبَل قول وعَمل ونيّة إلاّ بإصابة السُنّة)(1) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: (سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: عليكم بالسُنّة، فعَمَل قليل في سُنّة، خَيْر من عمل كثير في بُدْعة)(2) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن تَمسّك بسُنّتي في اختلاف أُمّتي، كان له أجر مئة شهيد)(3) .

وعن عليّ بن مَهزيار، عن منصور بن أبي يحيى، قال: سمعتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: (صعدَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنبرَ فتغيّرَت وَجْنتاه والتمع لَونُه، ثُمّ أقبل بوجهه فقال: يا معشرَ المسلمين، إنّما بعثْتُ أنا والسّاعة كهاتين، ثُمّ ضمّ السبّاحتين(4) .

ثُمّ قال: يا معشر المسلمين، إنّ أفضل الهُدى هدى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخير الحديث كتاب الله، وشرّ الأُمور مُحدَثاتها. ألا وكلّ بُدعَة ضلالة، ألا وكلّ ضلالة في النار)(5) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (في القلب نور لا يضيء إلاّ من اتّباع الحقّ وقَصْدِ السبيل، وهو نور من المرسلين الأنبياء يُودَع في قلوب المؤمنين)(6) .

وعن ابن حميد، رَفعَه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين فقال: أخبرني عن

____________________

(1)بحار الأنوار: ج2 / ص261.

(2)المصدر السابق: ص262.

(3)المصدر السابق: ص262.

(4)السبّاحة: الإصبع التي تلي الإبهام.

(5)بحار الأنوار: ج2 / ص263.

(6)بحار الأنوار: ج2 / ص265.


(السُنّة) و (البُدعَة)، وعن (الجماعة) وعن (الفُرقة).

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ((السُنّة) ما سَنّ رسول الله، و (البُدعَة) ما أُحدِث من بعده، و (الجماعة) أهل الحقّ وإن كانوا قليلاً، و (الفُرقة) أهل الباطل وإن كانوا كثيراً)(1) .

وعن موسى الكاظمعليه‌السلام : (ثلاثُ مُوبِقات: نكث الصَفقة، وترك السُنّة، وفِراق الجماعة)(2) .

وفي النصّين الأخيرين تتبيَّن أبعاد التلاحم العضوي الوثيق في بناء الأُمّة، في الارتباط بمنابع التشريع (السُنّة)، والارتباط بالقيادة (البَيعة)، والارتباط العضوي بالأُمّة (الجماعة).

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (رحمَ اللهُ خُلفائي، فقيل: يا رسول الله، ومَن خلفاؤك؟ قال: الّذين يُحيون سُنّتي، ويُعلّمونها عباد الله)(3) .

والارتباط بين الخلافة والسُنّة يُلفت النظر في هذا الحديث، فالخلافة تتحقّق باتّباع سُنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأيضاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (أمّا بعد، فإنّ خير الأُمور كتاب الله، وخير الهُدى هدى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشرّ الأُمور مُحدَثاتها، وكلّ بُدعَة ضلالة)(4) .

____________________

(1)بحار الأنوار: ج2 / ص266.

(2)بحار الأنوار: ج2 / ص266.

(3)بحار الأنوار: ج2 / ص25.

(4)سنن ابن ماجة: ج1 / ص17 / الحديث 45.


وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن أحيى سُنّة من سُنّتي، فعمل بها الناس، كان له مثل أجر مَن عمل بها، لا ينقص من أُجورِهم شيئاً، ومَن ابتدعَ بُدعَة، فعُمل بها، كان عليه أوزار مَن عمل بها، لا ينقص من أوزار مَن عمل بها شيئاً)(1) .

وكأنّ الذي يبتدع في الدِين ويقطع الأجيال اللاحقة عن اتّباع السُنّة، يتحمّل وزر كلّ الذين ينقطعون عن المسيرة والخطّ، دون أن ينقص من أوزارهم شيء.

بين التقليد والثوابت:

يُلاحظ كثيراً: أنّ بعض علماء الاجتماع يضعون علامة الاستفهام أمام حالة النزوع إلى السُنّة، ورفض البدَع في الأديان، وبشكل خاصّ في الإسلام، ويُفسِّرون هذه الحالة بالنزوع إلى القديم، والميل إلى التقليد، ورفض التجديد والتحرّك.

ومن هذه الزاوية يُدرِجون المجتمعات الدينيّة في قائمة المجتمعات المحافِظة، التي ترفض التحرّك والتجديد والتطوّر، في قِبال النوع الآخر من المجتمعات، وهي المجتمعات الّتي تَتَّسِم بالحركيّة، وترفض الجمود على القديم والركود والتقليد.

يقول الباحثان الاجتماعيّان (W. F. Ogburn) و (M. F. Nimkoff): (المجتمعات الجامِدة - بعكس المجتمعات الحركيَّة - لا تستجيب للتحوّلات الاقتصاديّة، وترفض التجديد، وتخضع الحياة في هذه المجتمعات لنظام ثابت تقريباً، والسُنَن والأعراف تتحكّم في حياة الناس بصورة قاهرة. والإنتاج

____________________

(1)سُنَن ابن ماجة: ج1 / ص76.


الاقتصادي يجري بصورة تقليديَّة.

ولا تتبدّل التصوّرات والأفكار الدِينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة.

والموقع العائلي والطَبقي والاجتماعي لأيّ شخص يُحدِّد دَوره الاجتماعي، وموقعه في المجتمع، وحتّى زواجه وموته، ويتحكّم العرفُ والتقليد على الأخلاق، ويندر الخروج على القواعد والأعراف والأساليب الحاكمة في المجتمع، وإذا حدث شيء من ذلك، يواجه ردود فعل قويّة مُعاكسة.

والطاعنون في السنِّ يُشكِّلون مصادر السُنَن والأعراف التقليديّة، ويتحكّمون في حركة المجتمع.

إنّ البيئة الاجتماعيّة لا تُمارس أيّ دور تحريكي على الأفراد، ولا تدفعهم إلى الإبداع والتجديد، ويجري كلّ شيء تقريباً بشكل تقليدي وثابت. حتّى الزيّ واللباس والأكل، يتحدَّد شكله بصورة مُسبَقة، ولا أمل يساور أحداً في أن تتطوّر مثل هذه المجتمعات وتتحرّك للأمام، وتجري في جوّ قائم ثابت غير مُتطوِّر.

هؤلاء الناس يعيشون للطموحات وللأفراح والمسرّات الصغيرة في مسير حياتهم اليوميّة، وسُعداء من ناحية أُخرى بالحياة الأبديّة السعيدة التي ينتظرونها بعد الموت)(1) .

مثل هذا التصوّر عن المجتمعات الخاضعة للسُنَن أمر شائع في الكتب الاجتماعيّة، وعلماء الاجتماع - في الغالب - ينظرون إلى المجتمعات المرتبطة بالسُنن والمواريث الحضاريّة بهذه النظرة السلبيّة والقاتِمة.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذا التصوّر يشمل المسيرة الإلهيّة على وجه الأرض في التاريخ، فإنّ هذه المسيرة مُرتبطة بسُنن ثابتة، تتوارثها جيلاً بعد جيل، وتحكمها ضوابِط وحدود، وأعراف وقِيم وأخلاق ثابتة وغير مُتغيِّرة، وتحرص أجيال هذه

____________________

(1)نقلاً عن كتاب (علم الاجتماع)، لـ أ. ج. آريان بور: ص478 - 479.


المسيرة أن لا تنحرف عن الخطِّ والطريق، وأن لا تُستبدَل المواريث الحضاريّة التي ورِثوها من السلف بالأعراف والقِيم والتصوّرات الجاهليّة التي استحدثها الناس، ويعتبرون أيّ انحراف عن طريق السَلف من البدعة الـمُحرَّمة، وكلّ اتّباع لمسيرة السّلف الصالح من السُنّة الواجبة والمندوبة.

وهذا التصوّر في حساب هذه الفئة من علماء الاجتماع، يُدخِل المجتمع ضمن التصنيف المذكور، في عداد المجتمعات الجامدة وغير الحركيّة.

ولابدّ أن نُشير هنا إلى المفارقة العلميّة الّتي يقع فيها كثيراً من الباحثين من هذا النمط. يختلط لديهم حساب الثوابت القائمة في حياة الإنسان، بحساب القديم وتقليد القديم والجمود على القديم، وهذا الخلط هو سَبب المفارقة الّتي يقع فيها هؤلاء.

إنّ في حياة الإنسان ثوابت لن تتغيَّر، ولا تخضع لحسابات الزمن، وهذه الثوابت هي الأبعاد الرئيسيّة للإنسان، والقِيم الحقيقيّة لشخصيّة الإنسان، وتجاوز هذه الثوابت يُؤدِّي إلى مَسخ شخصيّة الإنسان وتشويهه.

وللمحافظة على شخصيّة الإنسان بأبعاده الحقيقيّة، لابدّ من المحافظة على هذه الثوابت، وقد تكون هذه الثوابت في المحتوى فقط، وقد تكون في المحتوى والشكل معاً.

فالحاجة الجنسيّة من الحاجات الثابتة في حياة الإنسان، وطريقة تصريف هذه الحاجة أيضاً من العناصر الثابتة في حياة الإنسان، فلا يمكن أن يتجاوز الإنسان الحاجة الجنسيّة من حيث المحتوى والمضمون، كما لا يمكن أن يتجاوز الزواج وبناء العائلة من حيث الشكل.

ويصحّ أيضاً في حاجة الإنسان إلى المعاشرة الاجتماعيّة، من حيث المضمون أحياناً فقط دون الشكل، ومن حيث المضمون والشكل أحياناً


ويصحّ أيضاً في الجانب الاقتصادي من حياة الإنسان.

وهذه المجوعة من الثوابت، تُشكّل مجموعة كبيرة وواسعة من الحاجات الأساسيّة في شخصيّة الإنسان، لا يجوز للإنسان أن يتجاوزها أو يستبدلها بشكل من الأشكال، وأيّ محاولة لتخطّي هذه الحاجات، تجرّ الإنسان إلى أن يتجاوز نفسه.

وهذه الأبعاد الأساسيّة الثابتة لشخصيّة الإنسان، هي الّتي ترسمها الأديان الإلهيّة بالإجمال والتفصيل، ويدعو إليها ويعمل بها الأنبياء والمرسلون، وعباد الله الصالحونعليهم‌السلام ، وهي ما أسميناه بالتُراث والمواريث والسُنَن، في مقابل البُدَع التي تُعبِّر عن تجاوز الإنسان للسُنن الإلهيّة الثابتة في حياة الإنسان.

وإزاء هذه الحالة (حالة الالتزام بالثوابت الإلهيّة في حياة الإنسان)، هناك حالة أُخرى، وهي حالة التبعيّة والجمود على القديم، والتهيّب من تجاوز كلّ شيء قديم، والتعصّب للآباء.

والقرآن الكريم يذمّ هذه الطائفة من الناس:

( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ) (1) .

( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) (2) .

( قَالُوا إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُهْتَدُونَ ) (3) .

( وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى‏ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى‏ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى‏ مِمّا وَجَدْتّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُم

____________________

(1)الأعراف: 28.

(2)يونس: 78.

(3)الزخرف: 22.


قَالُوا إِنّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) (1) .

وهذه هي حالة الجمود والتبعيّة والتقليد غير الواعي، وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن حالة اتّباع السُنَن الإلهيّة التي يأمر بها الإسلام، والتي تُشكِّل العُمق الحقيقي للإنسان وأصالته، والثوابت الإلهيّة في حياته.

الثوابت والفطرة والصِبغَة:

وهذه الثوابت في شخصيّة الإنسان، هي التي يُعبِّر عنها القرآن الكريم بـ (الفطرة)، كما يبدو:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ) (2) .

ويظهر من الآية الكريمة أنّ الفطرة هي: مجموعة الخصائص التي أودَعها الله تعالى في الإنسان(3) ، والتي خلَق الله الإنسان عليها.

وهذه الخصائص تُشكِّل الجانب الثابت من شخصيّة الإنسان، وتُعقِّب الآية الكريمة على ذلك بقوله تعالى:( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) ، أي: لا يمكن التلاعب والتغيير والتبديل في خلْق الله بشكلٍ من الأشكال.

وإنّما (الدِين) استجابة تشريعيّة لهذه الحاجات والأبعاد التكوينيّة الثابتة في شخصيّة الإنسان، والإنسان عندما يستجيب لسُنَن الله التشريعيّة، ومنهجه الذي

____________________

(1)الزخرف: 23 - 24.

(2)الروم: 30.

(3)معنى الفطرة: الخلْق والإبداع، ومعنى الآية الكريمة على هذا تكون كما يلي: لا تبديل لخلق الله في الكيفيّة والشكل الذي خلَق الله الناس وأبدعهم عليها.


سلَكَه الأنبياء والمرسلون، يستجيب لهذا الجانب الثابت من شخصيّته.

وقد ورد التعبير عن هذه الثوابت في شخصيّة الإنسان في القرآن بـ (صِبغَة الله):(صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) (1) .

وهو تعبير بديع عن الجانب الثابت في الإنسان.

فإنّ الله تعالى قد خلق الإنسان بلَونه وصِبغته الخاصّة التي ميّزه بها، وهذه الصبغة واللون الذي يتميّز به الإنسان صِبغة من صِبغِ الله، صبغَ بها شخصيّة الإنسان، والدِين، هو الآخر، الجانب التشريعي من هذه الصِبغة، الذي يتناسق مع الصِبغة الإلهيّة في جانبه التكويني، وهما معاً صِبغة الله، أحدهما الوجه التكويني والأُخرى الوجه التشريعي لها؛ ولذلك فهما متناسِقان مُنسجمان.

أمّا الأصباغ والألوان الجاهليّة الّتي يصبغون بها حياة الإنسان، في الأخلاق والأعراف والقوانين والتصوّرات والرؤى، فهي لَمّا كانت صِبغة غير صِبغة الله؛ تأتي غير مُتناسقة لهذه الصِبغة الإلهيّة التي صبغَ الله تعالى شخصيّة الإنسان بها في التكوين.

روي عن رسول الله قال: (يا عباد الله، أنتم كالـمَرضى، وربّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلَمه الطبيب، وتدبيره به، لا فيما يشتهيه المريض ويَقترحه، ألا فَسلِّموا لله أمره تكونوا من الفائزين)(2) .

ويقول الإمام الصادقعليه‌السلام للـمُفضّل بن عُمَر:

____________________

(1)البقرة: 138.

(2)مجموعة ورّام: ج2 / ص117.


(ولكنّه خلقَ الخلقَ، فعلـمَ ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم، فأحلَّه لهم وأباحه، تفضُّلاً منه عليهم، لـمَصلحتِهم، وعَلِم ما يضرّهم، فنهاهم عنه وحرَّمه عليهم)(1) .

2 - القيمة الإيحائيّة والتربويّة للوراثة:

تُعطي التربية الإسلاميّة أهمِّيّة خاصّة للوراثة في بناء شخصيّة الإنسان المسلم؛ ذلك أنّ تعميق الإحساس بالوراثة للأنبياء والشهداء والصدِّيقين، والارتباط بهذه المسيرة المباركة، يمنح الإنسان حالة الاستعلاء على الحياة الدنيا وزُخارفها، والترفّع عن الهوى والأنا والشهوات.

فإنّ الإنسان إذا عمّقَ في نفسه الإحساس بالارتباط الأُسري، لا يسمح لنفسه التفريط في ما أعطاه الله من المواهب والنِعَم.

كرامة الأُسرة وموقعها الاجتماعي:

وهذا هو سرّ تأثير الوضع العائلي للإنسان في سلوكه ومعيشته، فإذا شَعَر الإنسان بأنّه يرتبط بأكرمِ أُسرة في حضارةِ الإنسان، وهي أُسرة الأنبياءعليهم‌السلام ، وأنّه خَلَف هذه الأُسرة، وحلقة الارتباط بين أجيال هذه الأُسرة، فليس من شكٍّ أنّ هذا الإحساس يبعث في نفسه قدرة كبيرة على الترفّع على الـمُنكَرات والـمُرْديات، ويمنحه القدرة على مكافحة الشهوات والأهواء، ويضعه في موضع الاستعلاء على اللذّات والشهوات التي حرَّمها الله عليه.

إنّ الشعور بالبنوَّةِ والوراثة لأُسرة التوحيد والارتباط بها، يمنح الإنسان

____________________

(1)وسائل الشيعة: كتاب الأطعمة والأشربة / ص 236. عن المصدر السابق.


إحساساً قويّاً بقيمته التاريخيّة والحضاريّة، فلا يُفرِّط في قِيَمِه وموقعه.

وهذا هو سرّ اهتمام الإسلام بالأساليب التي تشدّ الإنسان بهذا المحور الحضاري الربَّاني.

فالقرآن الكريم يعتبر إبراهيمعليه‌السلام أباً للمؤمنين:( مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) .

ولاشكّ أنّ هذه البنوّة ليست هي البنوّة النسبيَّة، وإنّما هي بنوّة العمل، ووراثة العقيدة والرسالة.

وعن هذه النبوّة والانتماء يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لسلمان الفارسيّ: (سلمانُ منّا أهل البيت).

وينفي القرآن الكريم أن يكون ابن نوحعليه‌السلام من أهلِه:( إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) .

والأهليّة هنا تساوي العمل، والعمل وحده هو الّذي يرفع الإنسان، ويضع الإنسان، ويربطه بإبراهيم خليل الرحمانعليه‌السلام وأُسرته من الأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام ، ويقطعه عنهم، ويجعله في امتداد هذه المسيرة المباركة ويَبتره عنها.

إذن، فهناك تَداعي مباشر بين الوراثة والعمل، فالعمل يُحقّق الوراثة الصالحة، والإحساس بالوراثة يعدّ الإنسان للعمل الصالح.

ومن هنا تأتي قيمة زيارة الأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام بعد وفاتهم، وخطابهم بالنصوص الواردة في الزيارات.

فإنّ السعي لزيارة الأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام يُعمِّق في نفس الإنسان الإحساس بالارتباط بهم باستمرار، ويغذّي هذا الشعور بصورة مُستمرّة، كما أنّ إحياء مناسباتهم يُؤدِّي دوراً فعّالاً في تحقيق هذه الصلة الروحيّة، بين الإنسان المؤمن وهذه المسيرة الحضاريّة الربّانيّة المباركة.


وبشكلٍ خاصّ، تؤكِّد النصوص على زيارة الحسينعليه‌السلام ، سيّما زيارة عاشوراء، وفي كلّ يوم؛ للموقع الحسّاس الّذي يحتلّه سيِّد الشهداء الحسينعليه‌السلام في هذه المعركة المصيريّة بين مُعسكَر الرحمان ومُعسكَر الشيطان، ولأجل تعميق الصِلة بالموقف الحسيني الشامخ والصلب في كربلاء.

والذين يُحرِّفون ويُكافحون هذه الشعائر الإسلاميّة، يفهمونها ويتعاملون معها بسطحيَّة ظاهرة، وباسم الشريعة.

إنّ الارتباط بالأنبياء والمرسلين والأئمّة والصالحينعليهم‌السلام ، بالوسائل والطُرق المشروعة، من المسائل الّتي يتّخذها الإسلام أداة للتربية، وشدّ الإنسان المسلم بالمسيرة الإسلاميّة الكبرى في التاريخ؛ ولذلك يُذكِّر القرآن بقصص الأنبياء والصالحين، وبصورة مُكثَّفة، وبتكرار وتأكيد بليغ.

ولاشكّ أنّ توفير هذا المناخ الحضاري للإنسان المسلم، والارتباط بهذا الجوّ، منذ آدمعليه‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من أهمِّ أهداف القرآن الكريم في التذكير بقصص الأنبياء والصالحين.

والإحساس بالوراثة يُعمِّق شعور الإنسان بالمسؤوليّة، بصورة مؤثِّرة وقويّة؛ ذلك أنّ الإنسان عندما يشعر أنّه جزء لا يتجزّأ من مسيرةٍ طويلة، ذات جذور بعيدة في التاريخ، يستشعر بمسؤوليّة الـمُحافَظَة على خطِّ الآباء والأسلاف ومكاسبهم وإنجازاتهم، وتثمينها ودعمها، ويشعر أنّ عليه مسؤوليّة نقل هذه الأمانة الّتي استلمها من الجيل السابق إلى الأجيال التي تأتي من بعد، وأنّه حَلَقَة من حلقات هذه السلسلة الطويلة، يربط الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، والجسر الّذي يمتدّ بين الأجيال، يصل فيما بينها.

إنّ هذه المحاسبة في المواريث تُعمّق شعور الإنسان بالمسؤوليّة، وتبعث في نفسه الغيرة على مواريث السَلف، والوفاء لهم، والحرص على الأجيال الـمُقبِلة، وتُشعِره أنّه جزء لا يتجزّأ من سلسلة طويلة مُمتدَّة، وليس من حقِّه أن يُفرِّط في


هذا الميراث الكبير الذي ورثه من أسلافه وآبائه الصالحين.

وهذه الحالة تختلف كثيراً عمّا لو كان الإنسان يشعر أنّه لوحده مشروع مُستقلّ، غير مرتبط بمَن قبله ومَن بعده، وهو كيان قائم بنفسه، ولا يرتبط بمسؤوليّة تجاه الآباء، ولا بمسؤولية تجاه الأبناء.

وشتّان ما بين هذين الشعورين، وما ينشأ عنهما من مواقف.

إنّ النمط الأوّل هو النمط المسؤول من الناس، والنمط الثاني هو النمط اللامسؤول من الناس. والإحساس من النوع الأوّل هو الإحساس الّذي يبني في نفس الإنسان الشعور العميق بالمسؤوليّة، والإحساس من النوع الثاني يرفع الإحساس بالمسؤوليّة عن كاهل الإنسان.

والإحساس من النوع الأوّل يبني في نفس الإنسان شعوراً بأنّه جزء من كلّ مُترابِط ومُتضامن على البُعدين، الزماني والمكاني. والإحساس من النوع الثاني يخلق في نفس الإنسان شعوراً بأنّه شيء مُنفصِل عن التاريخ، وعن المستقبل، ولا يحمل أيّ مسؤوليّة عن الماضي والمستقبل، وإنّما يعيش لنفسه، وفي حدود إطار ذاته وشخصيّته.

وهكذا نجد أنّ الإحساس بالارتباط بالسَلف يحمي الإنسان عن سلطان الهوى والشهوات، ويمنحه المناعة ويُحصِّنه ضدّ الشيطان ووساوسه ووسائله ومَكْره، ويُعطي الإنسان قدرة على الصمود والثبات أمام الضغوط الّتي يمارسها الطاغوت على المؤمنين لحرفهم عن مسيرة السَلف.

ونذكر هنا بعض الشواهد التاريخيّة على هذه النقطة:

موقف الحسينعليه‌السلام من البيعة ليزيد:

لمّا مات معاوية، أرسل يزيد إلى الوليد بن عتبة، عامله على المدينة، ليأخذ


البيعة من الحسينعليه‌السلام ، وعبد الله بن عمر، وعبد الرّحمان بن أبي بكر، وعبد الله ابن الزبير.

فأرسل الوليد إلى الحسينعليه‌السلام وابن الزبير منتصف اللّيل، فصار إليه الحسينعليه‌السلام في ثلاثين من مواليه وأهل بيته وشيعته، شاكِّين الأسلحة؛ ليكونوا على الباب فيمنعوه إذا علا صوته، وبيده قضيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد اللهعليه‌السلام ، نعى الوليد إليه معاوية، ثُمّ عرضَ عليه البيعة ليزيد، فقال له الحسينعليه‌السلام :

(مثلي لا يُبايِعُ سرّاً، فإذا دعوتَ الناس إلى البيعة، دعوتنا معهم، فكان أمراً واحداً).

فاقتنع الوليد منه، لكنَّ مروان ابتدرَ قائلاً: إنْ تركته وفارقك الساعة ولم يُبايِع، لم تقدر منه على مثلها حتّى تَكثُر القتلى بينكم، ولكنْ احبس الرّجل حتّى يُبايِع أو تضرب عُنقه.

فقال الحسينعليه‌السلام : (يا ابن الزرقاء(1) ، أنتَ تقتُلني أم هو؟! كذبتَ وأثمتَ).

ثُمَّ أقبل على الوليد وقال:

(أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، ومُختلَف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل فاسِق شارب الخَمر، قاتل النفس الـمُحترَمة، مُعلِن بالفِسق، ومثلي لا يُبايِعُ مثله، ولكن نُصبِح وتُصبِحون، ونَنظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة).

____________________

(1)نقل سبط ابن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواص: ص218، ط النجف) عن الأصمعي، عن ابن إسحاق: أنّ أُمّ مروان اسمها أُميّة، وكانت من البغايا في الجاهليّة، وكان لها راية مثل راية البيطار تُعرَف بها، وكانت تُسمَّى (أُمّ جبتل الزرقاء)، وكان مروان لا يُعرَف له أب، وإنّما نُسِب إلى الحَكمِ كما نُسِب عمرو إلى العاص.


فأغلظَ الوليد في كلامه وارتفعت الأصوات، فهجمَ تسعة عشر رجلاً قد انْتَضَوا خناجرهم، وأخرجوا الحسينعليه‌السلام من منزلِه قَهراً(1) .

والذي يتأمّل في الحوار الّذي جرى بين الحسينعليه‌السلام ومروان، يلمس بوضوح خلفيّات كلام كلّ منهما. أنّ مروان يتسلَّح بقوّة الأمير (الوليد)، وقُدرته على السجن والقتل والبطش: (ولكن احبس الرّجل حتّى يُبايِع، أو تضرب عُنقه).

وأمّا الحسينعليه‌السلام ، فهو يتحدَّث عن خلفيَّة تاريخيّة ذات جذور راسخة وعميقة، وأصالة، ويقول:

(إنّا أهلُ بيت النبوّة) من بيت النبوّة وأُسرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(ومعدن الرسالة، ومُختلف الملائكة) والنبع الصافي.

وللرسالة والنبوّة جذور عميقة في هذه الأُسرة، كما أنّ للـمَعدن جذور عميقة في الأرض.

(بِنا فتح الله وبِنا يختم) وقد فتح الله تعالى الرسالة بهذه الأُسرة، وختمها بها.

ومن الأُسرة أبو الأنبياءعليه‌السلام ، ومن هذه الأسرة خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ يقول:

(ويزيد شارب الخَمر، قاتِل النفس الـمُحترَمة، مُعلِن بالفسق) فالفاصلة بين هاتين الأُسرتين كبيرة، ولا يمكن أن يُصافِح الحسينعليه‌السلام يزيد، أو يبايعه ويعترف بإمارته، وهو الفاسق الـمُعلِن للفسق، شارب الخمر، وقاتل الأنفس البريئة، (ومثلي لا يُبايع مثله).

الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء:

وللحسينعليه‌السلام كلام آخر في يوم عاشوراء، خاطب به جيش عُمَر بن سعد، ننقل منه الجملة التي نُريد أن نستشهد بها فقط.

____________________

(1)مقتل الحسينعليه‌السلام ، للسيّد عبد الرزّاق المقرّم: ص127 - 128. نقلاً عن ابن الأثير، الكامل: ج4 / ص6. ومقتل الخوارزمي: ج1 / ص183. والطبري: ج6 / ص189. ومناقب ابن شهر آشوب.


(ألا وأنّ الدَّعيَّ قد ركَزَ بين اثنتين: بين السِلّة والذِلّة، وهيهات منّا الذِلّة، يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، وحُجور طابَت وطَهُرت، وأُنوف حَميّة ونفوس أبيَّة، مِن أن نُؤثِر طاعة اللئام على مَصارِع الكرام)(1) .

وما أروع الصورة التي يرسمها الحسينعليه‌السلام - وهو في قلب الأعداء يوم عاشوراء - لهذه المعركة.

إنّه يُشخِّص أوّلاً العدوّ تشخيصاً دقيقاً، ويُشخِّص موضعه وأصله ونَبعه، أنّه على وجه الدّقّة (الدعيّ ابن الدعيّ)، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من هذا التشخيص والتوضيح، ويَصفع الطاغية بهذا الكلام أمام جُنده وقُوّاته، وهو في قبضتهم، ويُعلِن أنّ الدعيّ ابن الدعيّ يُخيِّره بين (الذِلّة) ومبايعة يزيد بن معاوية الفاسق، وبين (سِلَّة) البطش والقتل.

ثُمّ يعلِن موقفه من هذا الخيار الصعّب: (وهيهات منّا الذِلّة).

يقول لهم: إنّ هذا الموقف ليس موقفاً شخصيّاً، يمكن أن يتزلزل أو يخضع للإغراء والوعود، أو للضغط والإرهاب، وإنّما هو موقف يفرضه عليه (الله) و (رسوله)، وهذا هو البُعد الأوّل لموقف الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء، ينبع من الولاء (لله) و (الرسول)، والإيمان بالله والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ يقولعليه‌السلام : (والمؤمنون)، وهذا هو البُعد الثاني للموقف.

فالمؤمنون في كلّ مكان يرفضون له الاستسلام والانقياد للفاسق يزيد بن معاوية، ويطلبون منه الثبات والصمود، وعدم الخضوع للإغراء والإرهاب.

____________________

(1)نقلَ الخطبة السيّد عبد الرزّاق المقرّم في مقتله: ص262 - 263، عن اللُهوف، للسيّد ابن طاووس: ص54. وابن عساكر في، تاريخ الشام: ج4 / ص334. والخوارزمي في، المقتل: ج3 / ص6.


ثُمّ يقولعليه‌السلام : (وحُجور طابَتْ وطَهرتْ وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة). وهذا هو البُعد التاريخي الثالث، والجذور التاريخيّة العميقة لهذا الموقف.

وكأنّ الحسينعليه‌السلام يريد أن يقول لجيش ابن زياد يومئذٍ: إنّه ليس كسائر الناس؛ خَشَبة عائمة على مجرى الماء، يأخذه التيّار حيث يتَّجه، وإنّما هو جزء من بُنيان كبير وعريق وأصيل، يرتبط بالله ورسوله من جانب، ويرتبط بالمؤمنين من جانب آخر، ويرتبط بأُسرة طاهرة نقيّة، أبيَّة للضَيم رافضة للظلم من جانب ثالث، فلا يمكن أن يختار طاعة اللئام على مصارع الكرام.

محمّد بن أبي عُمير في سجون العبّاسيِّين:

وأودّ أن أذكر نموذجاً آخر من نماذج الصمود والثبات من تاريخنا، من المؤمنين الذين تعرّضوا للفتنة، فحماهم الله تعالى بمواقف آبائهم وإخوانهم الذين سبقوهم في الإيمان والابتلاء، فلم يخضعوا للإرهاب والتعذيب، وهو (محمّد بن أبي عمير (رحمه الله)).

كان من خِيار أصحاب الإمام موسى بن جعفر، والإمام الرضا (عليّ بن موسى)، والإمام الجواد محمّد بن عليّعليهم‌السلام ، وقد أدرَكهم جميعاً، وروى عن الإمام الرضا والجوادعليهما‌السلام .

ذكر ابن بطّة: أنّ له أربعاً وتسعين كتاباً(1) .

يقول النجاشي: (رُوي أنّه حبسَه المأمون، وقيل أنّ أُخته دفنَت كُتبَه في حالة اختفائه، وكونه

____________________

(1)معجم رجال الحديث، لآية الله السيّد الخوئي: ج14 / ص281.


في الحبسِ أربع سنين، فهلكت الكتب. فحدَّث مِن حفْظِه، وممّا كان سَلَف له في أيدي الناس؛ فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله. وقد صنَّفَ كُتباً كثيرة)(1) .

وقد كان (رحمه الله) طويل السجود، كثير الذِكر والعبادة.

روى الكشّي عن الفضل بن شاذان، قال: (دخلتُ العراقَ فرأيتُ واحداً يُعاتِب صاحبه ويقول له: أنت رجل عليك عيال وتحتاج أن تكسب عليهم، وما آمن عليك أن تذهب عيناك لطولِ سجودك.

فلمّا أكثر عليه، قال: أكثرتَ عليّ، ويحك، لو ذهبت عين أحد من السجود، لذهبت عين ابن أبي عمير. ما ظنَّك برجل سجدَ سجدة الشكر بعد صلاة الفجر، فما يرفع رأسه إلاّ زوال الشمس؟!)(2) .

ويقول فضل بن شاذان: أخذ يوماً شيخي بيدي، وذهب إلى ابن أبي عمير، فصعدنا في غرفة وحوله مشايخ له يُعظِّمونه ويُبجِّلونه. فقلت لأبي: مَن هذا؟ قال: هذا ابن أبي عمير.

قلت: الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم(3) .

وقد ألقى هارون عليه القبض (وضُرِبَ ابن أبي عمير مئة خشبة، وعشرين خشبة بأمر هارون - تولَّى ضربه السندي بن شاهك - على التَشيّع)(4) .

وروى الفضل بن شاذان قال: (سُعِيَ بمحمّد بن أبي عمير إلى السلطان، أن يُعرِّف أسامي الشيعة بالعراق،

____________________

(1)رجال النجاشي: ص229، الطبعة الحجرية.

(2)رجال الكشّي: ص494، طبعة النجف.

(3)المصدر السابق.

(4)المصدر السابق.


فأمَره السلطان أن يُسمِّيهم، فامتنع، فجُرِّد وعُلِّق بين القفّازين، فضُرِبَ مئة سوط.

قال الفضل: فسمعت ابن أبي عمير يقول: لمّا ضُربتُ فبلغَ الضربُ مئة سوط، أبلغ الضرب الألم إليّ، فكدتُ أن أُسمِّي، فسمعت نداء محمّد بن يونس بن عبد الرحمان يقول: يا محمّد بن أبي عمير، اذكر موقفك بين يدي الله تعالى، فتقوَّيتُ بقوله وصبرت، ولم أُخبر، والحمد لله)(1) .

والإنسان العامل، عندما يشعر أنّه جزء لا يتجزّأ من مسيرة مُتّصلة، بعيدة الأغوار في التاريخ، مُمتدَّة على امتداد الزمان، لا يشعر بالفشل والانكسار والضّعف.

فإنّ الفشل يُصيب الإنسان، إذا كان لوحده مشروعاً قائماً بالذات، يموت العمل بموته، ويعيش بحياته، وينجح بنجاحه ويسقط بفَشلِه.

وأمّا حينما يكون الإنسان جزءاً من مسيرة مُترابِطة متماسكة، تمتدّ عبر الزمان، فلن تتوقّف المسيرة إذا مات، ولن تفشل إذا فشل، ولن يكون الفشل إلاّ انتكاسة في المسيرة، سرعان ما تستطيع المسيرة أن تتجاوزه، وأن تجبر الخسارة.

إنّ هذه المسيرة قد جاوزت نمرود وفرعون، وقوم عاد وثمود، ومئات الجبابرة والطغاة الـمُستكبرين على وجه الأرض، الذين كانوا يتحدّون الأنبياء والمرسلينعليهم‌السلام ، فلم تتوقّف المسيرة، وواصلت عملها وتقدّمها.

ومن هذه الزاوية، فليس في حساب هذه المسيرة الفشل والهزيمة، بالمعنى الذي يعرفه الناس، وأكثر ما فيها انتكاسة، أو كما يقول القرآن الكريم: قرح، قد أصاب العدوّ مثله أو أكثر منه.

وسُرعان ما تتجاوز المسيرة الانتكاسة، ويَندمِل

____________________

(1)تنقيح المقال في علم الرجال للعلاّمة المامقاني / ج2، حرف الميم، ص62.


القَرح، وتنشط المسيرة، ولن يكون القَرح إلاّ تمحيصاً وتزكية للّذين آمنوا، وهذا هو شعور الدُعاة إلى الله، العاملين في سبيل الله، إذا أصابهم قرح في المعركة، أو أصابتهم انتكاسة في ساحات القتال والصراع.

ولنتأمّل هذه الآيات المباركات من سورة آل عمران:

( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ) (1) .

لم تنزل هذه الآيات بعد معركة ظافرة، وبعد نشوة من نشوات النصر، وإنّما نزلت بعد مرارة نكسة أُحد بالذات.

بعد هذه النكسة الـمُرَّة يقول الله تعالى للمؤمنين:( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ) .

وليس من مُوجِب للإحساس بالوَهنِ والحُزن؛ فإنّ ما أصابهم في أُحُد لن يزيد على أن يكون قرحاً قد أصاب العدوّ مثله.

( وأنتم الأعلَون ) ، ومسيرتكم هي الظافرة الـمُؤيَّدة من عند الله، والنصر لا يتجاوزكم.

وما أصابكم من قرح في (أُحد) فهو لكم تمحيص وتطهير وتزكية، ويريد الله أن يزكّيكم به، ولن تدخلوا الجنّة ما لم يصبكم أمثاله، وما لم يُطهِّركم الله ويزكِّيكم ويمحِّصكم به.

إنّ الإنسان العامل الداعية إلى الله يشعر أنّ هذه المسيرة لن تُبتَدأ به، ولن تُختَم به، ولن يكون جهده وعمله إلاّ جزءً من المجهود الكبير المتواصل الّذي تبذله

____________________

(1)آل عمران: 139 - 142.


الأجيال من المؤمنين.

وهذا المجهود عتيد ومُتّصل عبر الأجيال والزمان، ولن ينقطع.

فإذا نصره الله خلال تحرّكه وعمله، فسوف يُضيف على مكاسِب السَلف مكسباً جديداً، وعلى إنجازاتهم إنجازاً جديداً في حساب النصر.

وإذا ابتلاه الله بقَرح وانتكاسة، فسوف يكون سَبَباً في تمحيصه وتمحيص المؤمنين، وتمحيص المسيرة جميعاً، ويُطهِّر المسيرة والصفّ من نشوات النصر، وما يلحق هذه النشوات من الغرور والبَطر والرياء.

فلا مُوجِب إذن للإحساس بالوَهن والحزن، ولا موجب للشعور باليأس والخوف.

إنّ الداعية عندما يندمج في المسيرة، ويتحوَّل من مشروع مُستقلّ قائم بذاته إلى جزء من هذه المسيرة، لا يكاد أن يُساوره شعور بالخوف واليأس، والوهن والضعف، إلاّ عندما تنتابه حالات ضعف الإنسان، فيُدركه الله تعالى برحمته ونوره وقوّته، ويبعث في نفسه الأمل والقوّة والثقة بالله تعالى، ويشرح صدره ويُذهب عنه الخوف واليأس والشكّ.

وممّا يُصيب العاملين في سبيل الله، عندما ينهضون برسالة الله في أجواء الجاهليّة، الإحساس بالوَحشة والغُربة.

الغُربة في كلّ شيء، في التصوّرات والأفكار والعقائد، والأعراف والـمُصطلحات، والأخلاق والتقاليد، والصلاة والصيام وذكر الله.

والشعور بالوحشة والغربة، عندما يتعمَّق في نفس الداعية، يعزله ويَزويه، ويبعث في نفسه اليأس والوَهن، وأحياناً الخوف.

إنّه يتحرّك على عكس التيّار، وماذا تراه يستطيع أن يفعل في وسط هذا الجوّ الحاشد بمظاهر الجاهليّة والفساد.


وليس أضرّ على الدعاة من هذا الشعور، ولا شيء يبعث في نفوسهم اليأس والخيبة أكثر من هذا الإحساس.

أمّا عندما يرتبط الداعية نفسيّاً بأُسرة التوحيد، الضاربة في أعماق التاريخ والـمُمتدّة في أعماقه، ويشعر بأنّه عضو في هذه الأُسرة المباركة، وشوط من هذه المسيرة الربّانيّة على وجه الأرض، وصدى لدعوات الأنبياء والمرسلين وامتداد لهم؛ يشعر بالراحة والطمأنينة، والثقة والإلفة والقوّة.

وتتمكّن الثقة من نفوس الدعاة العاملين في سبيل الله، عندما يُراجعون مراحل تاريخ ومعاناة أُسرة التوحيد في التاريخ، فيرون إلى جانب هذه المعاناة والتمحيص، والمطاردة والاضطهاد والتعذيب، والتشهير والتسقيط الّذي يُرافِق حياة هذه الصفوة من الدعاة العاملين في سبيل الله.

يرون إلى جانب هذه الصورة الدامية، وإلى جانب الدموع والدماء، نصر الله تعالى لهذه العُصبة المؤمنة وتأييده، ويرون يد الله القويّة والقاهرة والرحيمة معاً، في كلّ مراحل حياتهم، كلّما نزلت بهم محنة، وكلّما حلّت بهم كارثة، وكلّما ضاقت بهم الأرض بما وَسعتْ، وكلّما قَسَت عليهم الظروف.

ويرون أنّ هذا النصر والتأييد الإلهي للعصبة المؤمنة العاملة في سبيل الله ليس صدفة، ولا حادثاً طارئاً، وإنّما هو سُنّة من سُنن الله الثابتة، الّتي لا تتحوّل ولا تتبدّل.

( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (1) .

____________________

(1)القصص: 5 - 6.


( وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى‏ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُم مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (1) .

( فَإِنّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) (2) .

( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ ) (3) .

( كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ) (4) .

( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ ) (5) .

( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) (6) .

فيزول من نفوس الدعاة العاملين في سبيل الله كلّ شكّ وريب، وكلّ يأس وخوف، وتنشرح صدورهم بالثِقة بالله تعالى ونصره وتأييده.

فمهما تطول معاناة المؤمنين، ويطول عذابهم، وتطول محنتهم، فإنّ الله تعالى لن يتخلّ عنهم، ولن يتركهم لوحدهم في مواجهة الظالمين والطغاة، ولابدّ أن ينصرهم الله، كما نصر الله تعالى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسىعليهم‌السلام ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكما نصر الله تعالى الصالحين من عباده.

وهذا الإحساس بمَعيّة الله تعالى وتأييده ونصره لأُسرة التوحيد، يبعث في

____________________

(1)النور: 55.

(2)الانشراح: 5 - 6.

(3)الصافّات: 171 - 173.

(4)البقرة: 249.

(5)آل عمران: 123.

(6)التوبة: 25.


نفوس الدُعاة إلى الله الثقة والأمل، والطمأنينة والثبات، ويدعم نفوسهم ويربط على قلوبهم، ويشرح صدورهم، ويزيل عنهم الإحساس بالوحشة والغربة في الطريق، مهما قلَّ العاملون على الطريق.

يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام :

(أيُّها الناس، لا تستوحشوا من طريق الهُدى لقلّة أهله، فإنّ الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعُها قصير، وجوعها طويل)(1) .

وإذا كانت الموائد الّتي تستقطب الناس شبعها قصير، وجوعها طويل، فما أحرى بالدُعاة إلى الله أن يعتزلوا هذه الموائد إلى المائدة الإلهيّة، الّتي يجتمع حولها الأنبياء والدُعاة إلى الله، والصالحون من عباد الله:

( وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏ لِلّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى‏ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ ) (2) .

( وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (3) .

ويكتب أمير المؤمنينعليه‌السلام لأخيه عقيل، وقد آثر الحياة الدنيا على أخيه أبي الحسن:

(ولا يَزيدُني كثرة الناس حولي عزَّةً، ولا تفرُّقُهم عنّي وحشةً. ولا تحسبنَّ ابن أبيك ولو أسلَمَه الناسُ مُتضرّعاً مُتخشّعاً، ولا مُقِرّاً للضيمِ واهِناً، ولا سلِسَ الزِّمام للقائد، ولا وَطيءَ الظهر للرّاكب الـمُتقعِّد)(4) .

وفي هذه المسيرة عملُ الآباء للأبناء ذكرى ودرس، وخبرة الآباء تنتقل إلى الأبناء كدروس، ولا يبدأ الدُعاة إلى الله عملهم من نقطة الصفر، لا في العمل

____________________

(1)نهج البلاغة: خطبة 201.

(2)الشورى: 36.

(3)طه: 131.

(4)نهج البلاغة: الكتاب رقم 36.


ولا في خبرات العمل.

وإنّما تنتقل خبرات العمل من جيل إلى جيل، وفي كلّ مرحلة يزداد العاملون في سبيل الله نضجاً في العمل، وخبرة في أساليب الدعوة إلى الله، وفي أساليب مواجهة الطغاة، ووعياً للعَقبات وصعوبات الدعوة إلى الله، وفَهماً لأساليب مواجهة هذه الصعوبات والعقبات.

والله تعالى يُعلِّم نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتعلَّم الصبر ممّن سبقه، حتّى أُولي العزم من الأنبياء:

( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَهُمْ ) (1) .

ويقصُّ الله تعالى على نبيّه وعلى المؤمنين قٌصصاً من أنباء الرُسل؛ ليكون لهم عِظة وذكرى:

( وَكُلاًّ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

وبعد، فهذه بعض الإيحاءات التي يُعطيها الإحساس بالانتماء إلى أُسرة إبراهيمعليه‌السلام ، والشعور بوراثة الأنبياء والأولياء والصالحين من عباد الله.

والحمد لله ربّ العالمين.

____________________

(1)الأحقاف: 35.

(2)هود: 120.


الأبعاد السياسيَّة والحَرَكيّة

لثورة الإمام الحسينعليه‌السلام

* العامل السياسي

الخيار الثالث

* العامل الحركي

التحذير من الخروج إلى العراق



الأبعاد السياسية والحركية لثورة الإمام الحسينعليه‌السلام :

حينما نستعرض كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام ومواقفه، حين تولّى (يزيد) الأمر بعد أبيه (معاوية)، ودُعِيَ الإمام من قبل عامل يزيد على المدينة إلى البيعة، إلى أن هبط الإمام أرض كربلاء، ووقف بها في مواجهة جيش بني أُميّة، نجد عاملين اثنين كانا السبب الباعث على الخروج والثورة على الحُكم الأمَوي، والذي انتهى إلى استشهاد الإمامعليه‌السلام في وقعة الطف.

الأول: العامل السياسي.

الثاني: العامل الحركي.

لابدّ لنا من أن ندرس هذين العاملين في كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام ، في هذا المسير (من المدينة إلى كربلاء)؛ لنستطيع أن نُقدِّم تفسيراً وافياً ودقيقاً لحركة الإمام وثورته.

العامِل السياسي:

ونبدأ بدراسة العامل السياسي في هذه القضيَّة.

كان أوّل شيء اهتمّ به يزيد بن معاوية بعد أن تولّى الخلافة من بعد أبيه، هو فرض البيعة على الحَرمين الشريفين. وكان الحرمان الشريفان يُعتبران نقطتي الثقل السياسي في إعطاء الشرعيّة، أو سلب الشرعيّة من مركز الخلافة في الشام.

وأكثر ما كان يهمّ يزيد من أمر البيعة


ثلاثة أشخاص: الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله ابن الزبير.

ولذلك فقد كانت بيعة الحرمين الشريفين أوّل ما فكر فيها يزيد بن معاوية، بعد أن تولّى الأمر في الشام.

ولا شكّ أنّ أمر الحسينعليه‌السلام كان يشغل بال الخليفة الجديد ومُستشاريه من بني أُميّة أكثر من أيّ شخص آخر. وكان معاوية قد سعى من قبل لأخذ البيعة من الحسينعليه‌السلام بولاية العهد لابنه يزيد فلم يفلح.

وكان من جواب الإمام الحسينعليه‌السلام له - حين دعاه إلى قبول ولاية العهد لابنه يزيد -:

(وهيهات هيهات يا معاوية، فضحَ الصبحُ فَحْمة الدُجى، وبهرَتْ الشمسُ أنوار السرج، ولقد فضَّلتَ حتّى أفرطت، واستأثرتَ حتّى أجحفتَ، ومنعتَ حتّى مَحَلت، وجُزتَ حتّى جاوزتَ، ما بذلتَ لذِي حقٍّ من اسم حقّه بنصيب، حتّى أخذ الشيطانُ حظَّه الأوفر، ونصيبَه الأكمل.

وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تريد أن تُوهِم الناس في يزيد، كأنَّك تصف مَحجوباً، أو تنعَت غائباً، وقد دلَّ يزيدُ من نفسه على موقع رأيه، فخُذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب الـمُهارشة عند التهارش، والحَمام السِبق لأترابهنّ، والقِيان ذوات المعازِف، وضربِ الملاهي، تجده باصراً. ودَع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وِزرِ هذا الخلْق بأكثر ممّا أنت لاقيه.

فو الله ما برحت تقدح باطلاً في جَور، وحنقاً في ظلم، حتّى ملأت الأسقِية. ما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتُقدِم على عملٍ محفوظ في يومٍ مشهود، ولاتَ حين مَناص)(1) .

فلمّا مات معاوية وتولَّى يزيد الأمر، كان أوّل ما فكَّر فيه أن يأخذ البيعة من

____________________

(1)الإمامة والسياسة: ص186، ط مصر - 1969م.


الحسينعليه‌السلام ، فكتب في ذلك إلى عامله المدينة (الوليد بن عتبة)(1) ، فامتنع الحسينعليه‌السلام امتناعاً شديداً في قصّة طويلة، يذكرها الطَبرى(2) ، وابن أعثم(3) ، وغيرهما من الـمُؤرِّخين.

فقد قال الحسينعليه‌السلام لمروان، وكان حاضراً ذلك المجلس، وكان يحثّ الوليد ألاّ يترك الحسين حتّى يأخذ البيعة منه في ذلك المجلس، وإلاّ فيضرب عنقه، فقال له الإمام الحسين:

(ويلي عليك يا ابن الزرقاء *، أتأمر بضربِ عُنقي؟! كذبتَ والله.

والله، لو رام ذلك أحد من الناس، لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك، فرُم ضرب عُنقي إن كنت صادقاً).

ثُمّ أقبل الحسينعليه‌السلام على الوليد بن عتبة فقال:

(أيّها الأمير، إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومُختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس الـمُحترَمة، مُعلِن بالفسق، ومثلي لا يُبايع مثله)(4) .

وعندما خرج الحسينعليه‌السلام من عند الوليد، لامَهُ مروان على ذلك لَوماً شديداً، فقال له عامل يزيد:

(ويحك، أتُشير عليّ أن أقتل الحسين؟! فو الله ما يسرّني أنّ لي الدنيا وما فيها،

____________________

(1)الفتوح، لابن أعثم: 5 / 10. وتاريخ الطبري: 7 / 316.

وقد ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسية: (أنّ عامل المدينة حينذاك كان خالد بن الحكم، كتب إليه يزيد يطلب منه أن يأخذ البيعة من الحسينعليه‌السلام )، كتابه الإمامة والسياسة: ص203.

(2)الطبري: 7 / 216 - 219، ط ليدن.

(3)الفتوح: 5 / 10 - 19، ط حيدر آباد - 1968م.

(*) الزرقاء: هي جدّة مروان، وكانت من البغايا المومِسات ذوات الرايات.

(5)الفتوح لابن أعثم: 5 / 18.


وما أحسب أنّ قاتله يلقى الله بدمه إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة).

فقال له مروان مُستهزئاً:

(إن كنتَ إنّما تركت ذلك لذلك، فقد أصبتَ)(1) .

وقد كان موقف الإمامعليه‌السلام في الامتناع من البيعة ليزيد موقفاً واضحاً، لا يشكّ فيه أحد، وكلمات الإمام في مواقف مُتعدِّدة - في مسيرة من المدينة إلى كربلاء - توضِّح هذه الحقيقة.

يقول الإمامعليه‌السلام لمحمّد بن الحنفيّة (أخيه):

(يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأً ولا مأوىً، لما بايعتُ والله يزيد بن معاوية أبداً)(2) .

وخطب الإمام يوم عاشوراء في جيش بني أُميّة فقال:

(ألا وأنّ الدَعيّ بن الدَعيّ قد رَكزَ بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة. يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطَهرتْ، تُؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام)(3) .

وقال لأخيه عُمَر الأطرف، عندما دعاه إلى أن يتجنَّب مُجاهَدة يزيد:

(إنّي لا أُعطي الدَنيَّة من نفسي أبداً، ولتلقينّ فاطمة أباها، شاكيةً ممّا لقيَت ذرّيّته من أُمّته)(4) .

وعندما خرج الإمامعليه‌السلام يوم عاشوراء، ليقاتل جيش ابن سعد بنفسه، كان يرتجز ويقول:

____________________

(1)الإمامة والسياسة: ص 205.

(2)الفتوح، لابن أعثم: 5 / 32. والمقتل، للخوارزمي: ص188. ومقتل المقرّم: ص134، ط 2 النجف 1956م. ونفس المهموم، للشيخ عبّاس القمّي: 74.

(3)إثبات الوصيّة، للمسعودي: 142، ط النجف، الحيدريّة.

(4)اللهوف: ص15، ط صيدا.


الموتُ أوْلى من ركوبِ العَارِ

والعارُ أوْلى من دخولِ النارِ(1)

فلم يكن الإمام - إذن - ليبايع يزيد مهما يكن من أمر.

ومن طرف آخر، لم يكن يزيد ليترك الإمامعليه‌السلام من دون بيعة مهما تكن النتيجة.

وقد كان الإمام الحسينعليه‌السلام يُؤمن بهاتين القضيّتين معاً، فلا سبيل إلى بيعة يزيد مهما يكن من أمر، ولا يمكن أن يتركه يزيد من دون بيعة أيضاً، وكانت النتيجة الـمُترتّبة على هذين الأمرين واضحة للإمام كلّ الوضوح، لا يشكّ فيها لحظة واحدة.

وقال الإمام لأصحابه، حينما أرادوا الخروج من الحجاز إلى العراق: (وأيم الله، لو كنتُ في جُحر هامَّة لاستخرجوني)(2) .

ولمّا علم عبد الله بن جعفر أنّ الحسين يريد الخروج إلى العراق، كتب إليه يدعوه إلى البقاء، فكتب إليه الحسينعليه‌السلام :

(والله يابن عمّي، لو كنتُ في جُحر هامّة من هوام الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني. والله يابن عمِّ، لَيعدينَّ عليّ كما عدَتْ اليهودُ على السبت)(3) .

وفي رواية أُخرى، يرويها الشيخ المفيد في الإرشاد عن الإمامعليه‌السلام بنفس المضمون:

(والله لا يَدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العَلقة من جَوفي، فإذا فعلوا، سلَّطَ الله عليهم مَن يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الأُمم)(4) .

____________________

(1)نفس المهموم: ص353، تحقيق الشيخ رضا أُستادي، 1405 هـ - قم.

(2)الطبري: 7 / 276. الكامل لابن الأثير: 4 / 28.

(3)الفتوح لابن أعثم: 5 / 116. مقتل الخوارزمي، ط المفيد - قم: 8 / 2، باختلافٍ يسير.

(4)الإرشاد، للشيخ المفيد: ص206. وفي رواية ابن الأثير في الكامل: 4 / 39 (حتى يكونوا أذلّ من فرام المرأة) أو (الأُمّة في بعض الروايات).

وفرم المرأة: الخرقة الّتي تستعملها المرأة في الحيض.

راجع كذلك: بحار الأنوار: 44 / 375.


إذاً فلم يكن للإمام الحسينعليه‌السلام غير طريق واحد، وهو الشهادة؛ فإنَّ يزيد لا يقبل من الإمام بغير البَيعة، والحسينعليه‌السلام لا يعطي البَيعة ليزيد، مهما تكن الأسباب، فلا طريق للحسين إلاّ الشهادة، ولابدّ أن يكون الحسينعليه‌السلام عازماً على الشهادة، حين خرج من الحجاز إلى العراق.

الخيار الثالث:

وكان هناك طريق آخر ثالث، اقترحه عليه بعض الناصحين، رفَضه الإمام رفضاً قاطعاً، وهو: أن يبتعد عن ساحة المعركة ويعتزل الناس، ويذهب بعيداً إلى اليمن، أو إلى بعض شُعَبِ الجبال، ويحتجب عن الناس، فيكون قد حقّقَ الغاية، وهو الامتناع عن البيعة ليزيد، دون أن يُعرِّض نفسه وأهل بيته وأصحابه للأذى والهلاك من قِبَل يزيد ووُلاته وعُمّاله.

يقول ابن الأثير: لمّا عزم الحسينعليه‌السلام على الخروج من الحجاز إلى العراق، جاءه ابن عبّاس فقال:

(يا ابن العمّ، إنّي أتصبّر ولا أصبر. إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. إنّ أهل العراق قوم غُدَّر، فلا تقربنّهم. أقِم في هذا البلد (مكّة المكرّمة)، فإنّك سيّد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثُمّ أقدِم عليهم، فإن أبَيتَ إلاّ أن تخرج، فسِر إلى اليمن؛ فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عُزلة)(1) .

وكان ممّن يحمل هذا الرأي أخوه محمّد بن الحنفية؛ إذ جاء إلى الحسينعليه‌السلام ، لمّا عزم على مغادرة المدينة بأهل بيته، فقال له - كما يروي ابن الأثير -:

____________________

(1)الكامل لابن الأثير: 4 / 38 - 39، دار صادر - بيروت 1965.


(يا أخي، أنت أحبّ الناس إليَّ، وأعزّهم عليّ، ولستُ أدّخِر النصيحة لأحدٍ من الخلْقِ أحقّ بها منك.

تَنَحّ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وابعث رسُلك إلى الناس، فإن بايعوا لك، حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك، لم يُنقِص الله بذلك دِينك ولا عقلك.

قال الحسين عليه‌السلام : فأين أذهب؟قال: انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار، فبسبيل ذلك، وإن نأَتْ بك لحِقتَ بالرمال وشُعَب الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد، حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس) (1) .

وفي العراق، اقترح الطرمّاح بن عدي على الإمام، أن يمتنع عن جيش يزيد بن معاوية بمعاقِل طَيّ المنيعة، فقال للإمام: فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به، حتّى ترى من رأيك وتستبين لك ما أنت صانع، فسِر حتّى أُنزلك مناع جبلنا، الذي يُدعى (أجا). امتنعنا والله به عن ملوك غسّان، وحميَر، ومن النعمان بن الـمُنذر، ومن الأسود والأحمر. والله أن دخل علينا ذلّ قط، فأسير معك حتّى أُنزلك القرية)(2) .

إلاّ أنّ الإمام ردّ هؤلاء جميعاً من دون تردّد، لا لأنّه كان يشكّ في صدْقهم ونُصحهم له، ولا لأنّهم كانوا موضع ارتياب وشكّ عند الإمام، ولكن؛ لأنّ هؤلاء لم يكونوا يفهمون الإمام ورأيه وموقفه بالشكل الصحيح.

فلم يكن همّ الإمام فقط أنّه لا يُبايع يزيد، وألاّ يَضع يده في يد ابن معاوية، ولو كان الإمام يكتفي بهذا الحدّ ما كلّفه ذلك كثيراً، فما كان أيسر على الإمام أن يعتزل الناس ويغادر الحجاز إلى بلدٍ ناءٍ من هذه البلاد النائية، الّتي نصحه بها أخوه محمّد، وابن عمّه عبد الله بن عبّاس، أو نصحه بها الطرمّاح بن عديّ.

إلاّ أنّ الإمام لم يكن يكتفي

____________________

(1)الكامل لابن الأثير: 4 / 16 - 17.

(2)تاريخ الطبري: 7 / 304. وكذلك كتاب نفس المهموم للشيخ عبّاس القمّي: ص194. وكذلك المقتل للسيّد عبد الرزاق الـمُقرّم: ص200. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 369، دار إحياء التراث - بيروت، 1983م.


بهذا الموقف السلبي في أمر خلافة يزيد بن معاوية، ولم يكن هذا الموقف السلبي في رفض البيعة إلاّ وَجهاً واحداً من وجهَي الموقف، أمّا الوجه الآخر، وهو الأهمّ، والذي كلَّف الإمام نفسه وأهل بيته وأصحابه وشيعته، فهو إعلان هذا الرفض على الـمَلأ من المسلمين.

وهذا الإعلان، هو الّذي أغضب بني أُميّة وأثارهم، فقد اعتبروه تحدّياً صارخاً لسُلطانهم وحُكمهم، وخروجاً على حُكمهم وسلطانهم، ولم يكن بنو أميّة يتحمّلون شيئاً من ذلك في أيّام سطوَتهم وسلطانهم وزهوِّهم.

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام يتوخّى من هذا الإعلان مطلباً سياسيّاً، لم يكن يتحقّق لولا إعلان الرفض، وهو: إسقاط شرعيّة خلافة بني أُميّة في نظر العامّة من المسلمين.

فقد كانت الخلافة - رغم كلّ السلبيّات الّتي أحاطت بها إلى هذا الحين - تتمتَّع بالشرعيّة في نظر الأكثريّة من المسلمين، وكانت هذه الشرعية تُمكِّن بني أُميّة من رقاب المسلمين، وتَشلّ عمل ودَور المعارضة، وتُعطي للنظام الأموي قوّة ومقاومة كبيرة.

وأخطر من هذا كلّه، أنّ هذه الشرعيّة كانت تُمكّن بني أُميّة من إدخال الانحرافات الجاهليّة - الّتي جاء بها بنو أُميّة معهم إلى الحكم - إلى الإسلام، فيمسّ الخطر عندئذٍ الإسلام، وتكون مصيبة المسلمين مُصيبتَين: مصيبة في حياتهم ونظام أمورهم، ومصيبة أُخرى، أكبر وأخطر، في دينهم.

وكانت هذه النقطة الثانية تشغل بالَ سيّد الشهداء أكثر من أيّ شيء آخر، فقد بدأ هذا الانحراف يتسرّب إلى هذه النقطة بالذات. يُشير الإمامعليه‌السلام في كلامه مع مروان بن الحكم، صبيحة الليلة الّتي خرج فيها الإمام من بيت الوليد، رافضاً البيعة، حيث التقى مروان بالإمام في الطريق فنصح الإمام بالبيعة ليزيد، فقال الإمام لمروان:

(على الإسلام السلام، إذ بُليَت الأُمّة براعٍ مثل يزيد. ولقد سمعتُ جدِّي


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة مُحرَّمة على آل أبي سفيان)(1) .

إذن، كان الإمام يخشى أكثر ما يخشى على الإسلام - بالذات - من أن يدخل عليه ما جاء به بنو أُميّة إلى الحكم، من انحراف وفساد، وإذا كان لا يُمكن إسقاط الخليفة وانتزاع السلطان منه، فإنّ من الـمُمكن انتزاع الشرعيّة من الخلافة، وتجريد الحُكم الأموي من الشرعيّة التي كان يحرص عليها حُكّام بني أُميّة.

ومثل هذا الأمر يتطلّب موقفاً صريحاً مُعلَناً في رفض البيعة، والامتناع عن قبول خلافة يزيد من جانب الإمام في وَسطِ الرأي العام الإسلامي حينذاك، وهذا ما عمد إليه الحسينعليه‌السلام عندما رفض البيعة، ورفض أن يُخفي موقفه السلبي هذا، ويعتزل الوسط السياسي إلى بعض الشعاب والوديان والجبال؛ ليسلم بنفسه وأهل بيته وأصحابه من ملاحقة حُكّام بني أُميّة.

لقد كان الإمام يُخطِّط ليجعل من موقفه هذا موقفاً سياسيّاً صارخاً، واحتجاجاً في وجه حُكّام بني أُميّة، وإعلاناً لسحب الثِقة والشرعيّة من حُكّام بني أُميّة، وإعلام الأُمّة كلّها بذلك، وهذه بعض النماذج من كلمات الإمام ومواقفه الصريحة في هذا الصدَد:

أوّلاً: غادر الإمام المدينة إلى مكّة ليلاً بجميع أهله، وسار على الجادّة الّتي يسلكها الناس، فقال له ابن عمّه مسلم بن عقيل: (لو عَدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة، كما فعل عبد الله بن الزبير(2) ، كان عندي الرأي، فإنّا نخاف أن يلحقنا الطلب. فقال له الحسينعليه‌السلام :

____________________

(1)اللهوف للسيّد ابن طاووس: 13. والفتوح لابن أعثم: 5 / 24. مقتل الخوارزمي: 184 - 185.

وليس في المصدرين الأخيرين عبارة (ولقد سمعتُ جدّي رسول الله). ومقتل الـمُقرّم: ص130.

(2)تنكّب عبد الله بن الزبير عند مغادرة المدينة الجادّة العامّة التي يسلكها الناس. راجع: الطبري: 7 / 219 - 220. وكذلك الإرشاد للمفيد: ص203، مكتبة بصيرتي - قم.


(لا والله يا ابن عمِّ، لا فارقت هذا الطريق أبداً، أو أنظر إلى أبيات مكّة، أو يقضي الله في ذلك ما يحبُّ ويرضى)(1) .

ثانياً: دخل الإمام مكّة بصورة علنيّة، مُتحدّياً بني أُميّة. ويصف الخوارزمي نزول الحسينعليه‌السلام بمكّة فيقول: (وكان قد نزل بأعلى مكّة، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً، ثُمّ تحوّل الحسين إلى دار العبّاس، وحوّلها إليه عبد الله بن عبّاس، فأقام الحسين مُؤذّناً يُؤذِّن، رافعاً صوته، فيُصلي بالناس)(2) .

(دخل الحسين إلى مكّة ففرح به أهلها فرحاً شديداً، وجعلوا يختلفون إليه بكْرَة وعشيّة، واشتدَّ ذلك على عبد الله بن الزبير؛ لأنّه قد كان طمع أن يُبايعه أهل مكّة، فلمّا قدم الحسين شقَّ ذلك عليه، لكنّه كان يختلف إليه [ إلى الحسين ]، ويُصلِّي بصلاته، ويقعد عنده، ويسمع من حديثه، وهو - مع ذلك - يعلم أنّه لا يُبايعه أحد من أهل مكّة والحسين بن علي بها؛ لأنّ الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير)(3) .

وكان عمرو بن سعيد الأشدق يومئذٍ عامل يزيد على مكّة، فهاب الحسين وهرب إلى المدينة، وكتب إلى يزيد بأمر الحسين، يقول الخوارزمي: (وهاب ابن سعيد أن يميل الحُجّاج مع الحسين، لِما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق، فانحدر إلى المدينة، وكتب بذلك إلى يزيد)(4) .

ثالثاً: تتَّفق المصادر التاريخيّة أنّ الحسينعليه‌السلام خرج من مكّة إلى العراق

____________________

(1)الفتوح لابن أعثم: 5 / 34 - 35. وكذلك مقتل الخوارزمي: ص189. وكذلك الطبري: 7 / 232.

(2)مقتل الخوارزمي: ص190.

(3)الفتوح لابن أعثم: 5 / 36 - 37.

(4)مقتل الخوارزمي: ص190.


يوم الثامن من ذي الحجّة (يوم التروية)، عندما كان الحُجّاج يتوجَّهون إلى عرفات، استعداداً ليوم عرفة، وقد أثار خروج ابن بنت رسول الله يوم التروية - من بين الحُجّاج - إلى العراق انتباه عامّة الحُجّاج، الّذين كانوا قد أمّوا البيت الحرام من مختلَف الآفاق، فهذا ابن بنت رسول الله يحلّ من العمرة، ويُغادر مكّة في وقت يتوجَّه فيه الحُجّاج إلى عرفات لأداء الحَجّ.

ولا نحتاج إلى تأمُّل طويل لنكشف أنّ طريقة الحسينعليه‌السلام في الخروج من المدينة إلى مكّة، ثُمّ مقامه في مكّة، ثُمّ مغادرته لها إلى العراق؛ كان بهدف التعبير والإعلان عن رفْضه للبيعة.

ولو كان الإمام يريد أن يتجنَّب البيعة فقط، دون تنبيه وإلفات الرأي العام الإسلامي لهذا الموقف السياسي؛ لما احتاج إلى كلّ هذه الخطوات التي كلَّفته، وكلَّفت أهل بيته وأصحابه كثيراً، وأثارت عليه سُخط بني أُميّة وغضبهم.

ولقد كان بنو أُميّة يكتفون من الحسينعليه‌السلام - في أغلب الظنِّ - أن يحتجب ويبتعد عن الرأي العام، ويخرج إلى ثَغر بعيد من ثغور المسلمين، بعيداً عن الأجواء السياسيّة، لكنّ الحسين أبى أن يبايع إباءً قاطِعاً، وأبى أن يخرج إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، ويترك الساحة السياسيّة والاجتماعيّة ومسؤوليَّته الشرعيّة، وإليك النصّ الذي يبيِّن اتّجاه هذه الساحة:

هناك نصّ يرويه الطبري عن عقبة بن سمعان بهذا الشأن، وعقبة هذا كان قد رافق الحسينعليه‌السلام من المدينة إلى كربلاء، ولم يَفته شيء من كلمات الإمام وإشاراته ومواقفه.

يقول ابن سمعان: (صحبتُ حسيناً، فخرجتُ معه من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أُفارقه حتّى قُتِل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة، ولا في الطريق، ولا بالعراق، ولا في عسكر، إلى يوم مقتله، إلاّ وقد سمعتُها.

لا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون، من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية،


ولا أن يسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، ولكنّه، قال: (دعوني، فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس)(1) .

الخيارات الثلاثة:

إذن، كان أمام الإمام الحسينعليه‌السلام خيارات ثلاثة:

الأوّل: أن يُبايع يزيد بن معاوية.

الثاني: أن يُغادر الساحة السياسيّة ووَسط الرأي العامّ إلى ثَغرٍ ناءٍ من ثغور المسلمين. حتّى لا يكون خطراً على الحكم الأموي.

ونكتشف من كلمة عقبة ابن سمعان أنّ هذا الخيار كان أيضاً ممّا يطرحه عليه بنو أُميّة، على شكلِ الإبعاد والإقصاء، كما فعَل عثمان بن عفّان بأبي ذَرّ من قبل.

وهذه الطريقة من الإقصاء عن الساحة السياسيّة؛ لتعطيل المعارضة وإفشال دورها، كان معمولاً بها في تلك الأيّام. وكلمة عقبة بن سمعان واضحة أيضاً في ذلك: (أن يُسيِّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين).

وأمّا الناصحون للإمام، فكانوا يقترحون عليه أن يختار هذا الشقّ، ويختار الجهة الّتي يعتزل فيها الساحة السياسيّة، دون أن يُسيّروه إليها.

ومهما كان من أمر، فقد رفض الإمام هذا الخيار من بني أُميّة، ومن مُحبِّيه، ورفض أن يترك الساحة ويعتزلها، ولم يقتصر في أمر رفض البيعة على هذا الحدِّ السلبي، الّذي كان لا يرفع التكليف الشرعي والمسؤوليّة عن عاتقه.

فقد كان الإمام يُصرُّ على أن يُترَك لشأنه ليذهب - كما يقول عقبة بن سمعان في كلمته - في هذه الأرض العريضة مُعلِناً عن رأيه في يزيد، ورفضه لبيعته، وعاملاً بتكليفه الشرعي في الحُكم الأموي، وهذا ما كان يرفضه بنو أُميّة رفضاً قاطعاً، وقد عبَّرَ

____________________

(1)تاريخ الطبري: 7 / 314.


الإمام عن ذلك لأصحابه، حينما أراد الخروج من الحجار إلى العراق بقوله:

(والله لو كنتُ في جُحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني)(1) .

الثالث: هو خيار المواجهة والشهادة. وقد اختاره الإمام - بالذات - من بين هذه الخيارات.

ومن كلمات الإمام في كربلاء، أمام جيش ابن سعد:

(لا والله، لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد)(2) .

فلا يُعطيهم يده للبيعة، إعطاء الذليل، وهو الخيار الأوّل الّذي تحدّثنا عنه، ولا يفرّ فرار العبيد، وهو الخيار الثاني الذي أقترحه عليه بنو أُميّة، لإلغاء دوره وتعطيل موقفه، عن خُبثٍ ومَكْر، واقترحه عليه بعض الناصحين له عن عدمِ وعي.

وهذا هو العامل الأوّل لثورة الإمام الحسينعليه‌السلام .

العامل الحركي:

العامل الثاني لحركة الإمام وخروجه وثورته هو: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)؛ لتحريك الأُمّة وتوعيتها، وكسر حالة الركود والجمود والاستسلام في الأُمّة.

وقد بيَّنّا - فيما مرّ - كيف عمل حُكّام بني أُميّة على نشر الإرهاب والفساد في المجتمع، وقد تمكَّنوا فيما أرادوا من تمييع المجتمع الإسلامي، والقضاء على

____________________

(1)الطبري: 7 / 276. وكذلك الكامل: 4 / 38.

(2)مقتل الـمُقرّم: 256، وقد أورد النص بعض أرباب المقاتل بصيغة (ولا أقرّ لكم إقرار العبيد). وكذلك مثير الإحزان: 62، ط النجف - الحيدريّة، 1386.

وفي رأينا أنّ النصّ الأوّل أرجَح وأوفق إلى موقف الإمام.


روح المقاومة والثورة والتمرّد في المسلمين، ونشر روح الاستكانة والاستسلام للواقع الفاسد.

وأبرز دليل على انتشار هذه الحالة السلبيّة في المجتمع الإسلامي - يوم ذاك - هو أن يتولَّى يزيد أُمور المسلمين، ثُمّ لا ترتفع صرخات الاستنكار والاحتجاج في العالم الإسلامي، إلاّ ما كان هنا وهناك، من اعتراضات ضعيفة ومبتورة للمعارضة، لا يسمعها ولا يدعمها أحد.

وكان لابُدّ من حركة قويّة في وسط العالم الإسلامي، تهزّ ضمائر المسلمين هزّة عنيفة، وتبعث في نفوسهم الحياة والإحساس بالمسؤوليّة، وتكسر عنهم طوق الخوف والرُعب الّذي كان يملأ نفوسهم آنذاك، وتُعيد إليهم ثقتهم بالله، ثُمّ بأنفسهم.

لقد كان لابُدّ من تضحية عزيزة نادرة، تهزّ ضمائر المسلمين من الأعماق، وتُعيد إليهم شخصيّتهم وإرادتهم الّتي انتزعها النظام الأموي منهم، وتُشعِرهم بعُمق المأساة، وعُمق المسؤوليّة.

وإنّ للدم والتضحية والفداء من الأثر في تحريك النفوس، وكسر حاجز الخوف، وإعادة الثقة إلى النفوس، والتحسيس بالمسؤوليّة، ما ليس لغيره من عوامل التحريك.

فإقدام الإمام على الخروج والثورة على النظام الأموي، والمواجهة والمجابهة، لم يكن فقط لغَرضِ رفض البَيعة، وإعلان هذا الرفض، وإنّما كان أيضاً لتحريك المسلمين، وتحسيسهم بالمسؤوليّة، وإعلان الموقف الشرعي، ودعوة المسلمين إلى المواجهة والـمُجابهة والمعارضة، والتمرّد على النظام والسُلطة الأمويّة. والإنكار بالعمل والتضحية والقوّة، من أهمّ شُعَب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد رُوى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن رأى منكم مُنكَراً، فليُنكِر بيده إن استطاع، فإن لم يَستطع فبِلسانه، فإن لم يستطع فبقلبِه، فحسْبه أن يعلم الله


أنه لذلك كاره)(1) .

وروي عن عليّعليه‌السلام أنّه قال في صفّين:

(أيّها المؤمنون، إنّه مَن رأى عدواناً يُعمَل به، ومُنكَراً يُدعَى إليه، فأنكره بقلبِه، فقد سَلِمَ وبَرئ، ومَن أنكرَه بلِسانه، فقد أُجِر، وهو أفضل من صاحبه، ومَن أنكره بالسيف، لتكون كلمة الله العُليا، وكلمة الظالمين السُفلى، فذلك الّذي أصاب سبيل الهُدى، وقامَ على الطريق)(2) .

والخروج والثورة لإنكار الـمُنكَر والأمر بالمعروف، ولتحريك المسلمين وتنبيههم، من أوضح مصاديق (الإنكار باليَد)، وأقوى عوامل التحريك والتوعية في صفوف المسلمين، وعندما نستعرض كلمات الإمام في مسيره من المدينة إلى كربلاء، نجد أنّ مسألة رفض البيعة، وإعلان الرفض كموقف سياسي ضدّ النظام الحاكم، لا تُعبِّر عن كلّ أبعاد حركة الحسينعليه‌السلام وثورته، فهناك بُعد آخر لهذه الحركة هو: الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكَر؛ لتحريك المسلمين لمواجهة الطاغية ومُجابهته وإسقاطه.

وعنصر الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكَر عنصر بارز في حركة الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما نقرأ في زيارته (أشهدُ أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكَر)(3) .

يقول أصحاب السيَر: إنّ الحسينعليه‌السلام لمّا تهيَّأ لـمُغادَرة المدينة، زار قبر جدّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصلّى ركعتين، ثُمّ قال: (اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد، وأنا ابن

____________________

(1)وسائل الشيعة: 6 / 407، دار إحياء التراث، بيروت - 1391هـ، عن تفسير الإمام العسكري.

(2)وسائل الشيعة: 6 / 405. وكذلك روضة الواعظين للفَتّال النيسابوري: 2 / 364 - 365، المطبعة الحيدريّة النجف - 1386هـ. ق.


بنت محمّد، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت.

اللهمّ إنّي أُحبّ المعروف؛ وأكره المنكَر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام، بحقّ هذا القبر ومَن فيه، إلاّ ما اخترت من أمري هذا ما هو لك رضى)(1) .

وعندما نستعرض كلمات الإمام في مسيرته من المدينة إلى كربلاء، نجد أنّ الإمام يُؤكِّد كثيراً في حركته هذه على عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الكثير من المواقف، ويُعلِن للمسلمين أنّ خروجه على بني أُميّة لم يكن من أجل أن ينال سلطاناً أو مُلكاً، وإنّما ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وفي وصيَّتهعليه‌السلام الّتي أودعها عند أخيه محمد بن الحنفيّة، قبل الخروج من المدينة إلى مكّة، يقول:

(إنّي لم أخرج أشِراً ولا بَطراً، ولا مُفسِداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكَر، وأسيرُ بسيرة جدّي محمّد، وسيرة أبي علي بن أبي طالب)(2) .

وفي مكّة، كتب الإمام نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة، جاء فيها:

(وأنا أدعوكم إلى كتاب الله، وسُنّة نبيِّه، فإن السُنّة قد أُميتَت، وأنّ البُدعة قد أُحييَت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري، أُهدكم سبيل الرشاد)(3) .

____________________

(1)الفتوح لابن أعثم: 5 / 27. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 328. مقتل الخوارزمي: 1 / 186. وكذلك مقتل الـمُقرّم: 130. وكذلك نفس المهموم: 73.

(2)مقتل الخوارزمي: 10 / 188. وكذلك الفتوح لابن أعثم: 5 / 33 - 34. وكذلك نفس المهموم: 74. وكذلك معالم المدرستين: 3 / 61. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 329.

(3)الطبري: 7 / 240. وكذلك مقتل المقرّم: 142 - 143. وكذلك نفس المهموم: 90.


وفي منزل (البيضة(*) )، في طريق العراق، خطب الحسينعليه‌السلام في أصحابه وأصحاب الحرّ، فقال:

(أيّها الناس، إنّ رسول الله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مُستحِلاًّ لحرمِ الله، ناكثاً لعهد الله، مُخالِفاً لسُنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعمل في عباد الله بالإثمِ والعدوان، فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله، ألا أنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفَيء، واحلّوا حرام الله، وحرَّموا حلاله، وأنا أحقّ مَن غيّر)(1) .

وفي منزل (ذي حسم) (بالقُربِ من كربلاء)، خطب الحسينعليه‌السلام بعد أن حمد الله وأثنى عليه قائلاً:

(إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وأنّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت، وأدبرَ معروفها، واستمرّت جذّاء، فلم يبقََ منها إلاّ صُبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل. ألا ترَون أن الحقّ لا يُعمَل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليَرغب المؤمنُ في لقاء الله مُحقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً)(2) .

وممّا يُؤكِّد عزم الإمام على الخروج والثورة، أنّ الإمام صادر أموالاً كان قد بعثها عامل يزيد على اليمن إلى يزيد (بالتنعيم) بالقرب من مكّة المكرّمة. يقول الطبري:

____________________

(*) البيضة: ما بين واقصة إلى عذيب الهجانات، وهي أرض واسعة لبَني يربوع بن حنظلة.

(1)تاريخ الطبري: 7 / 300. وكذلك نفس المهموم: 190. وكذلك مقتل المقرّم: 197 - 198.

وفي بحار الأنوار - رواه باختلاف يسير، بعنوان كتاب بعثه الإمام من كربلاء إلى أشراف الكوفة -: 44 / 381 - 382. وكذلك الفتوح لابن أعثم: 5 / 143 - 144.

(2)الطبري: 7 / 300 - 301. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 381. وكذلك نفس المهموم: 191.


(ثُمّ أنّ الحسين أقبل حتّى مرّ بالتنعيم، فلقى بها عِيراً قد أُقبل بها من اليمن، بعث بها مجير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العِير الوَرس والحَلّ، ينطلق بها إلى يزيد، فأخذها الحسين، فانطلق بها. ثُمّ قال لأصحاب الإبل: (لا أُكرهكم، مَن أحبَّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفَينا كِراءه، وأحسنّا صُحبته، ومَن أحبَّ أن يفارقنا من مكاننا هذا، أعطيناه من الكِراء على قدر ما قطَع من الأرض))(1) .

* * *

وعليه، فإنّ حركة الإمامعليه‌السلام - كانت ذات بُعدَين: سياسي، وحركي.

فيالبُعد الأوّل ، كان هدف الإمام الحسينعليه‌السلام رفض البيعة، وإعلان هذا الرفض على المجتمع الإسلامي - يوم ذاك - والاستفادة من الجانب الإعلامي للفرض.

وفيالبُعد الثاني ، كان الإمام يُخطِّط للخروج على النظام الحاكِم، وما يُسمّى اليوم بـ (الثورة الـمُسلَّحة)، والجهاد الـمُسلَّح؛ بهدف تحريك المجتمع ضدّ الظلم، وإيقاظ الأُمّة، وبعث روح الجهاد ومقاومة الظالم في نفوسهم، ودفع الناس للثورة على الظالم وإسقاطه، وكسر حاجز الخوف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر.

وهذان البُعدان واضحان من كلمات الإمام ومواقفه في مسيره من المدينة إلى كربلاء، كما رأينا طرفاً من ذلك في هذه الدراسة.

وقد كان الإمام خلال هذه الحركة السياسيّة الجهاديّة على بيّنة من أمرَين اثنين، لابُدّ أن نُشير إليهما؛ لنتمكن من رسم الصورة الكاملة للمسيرة الحسينيّة:

____________________

(1)تاريخ الطبري: 7 / 277. كذلك راجع: الكامل لابن الأثير: 4 /40. والبداية والنهاية: 8 / 166. ومقتل الخوارزمي: 1 / 220. ونفس المهموم: 171 - 172. ومقتل المقرّم: 181.


الأمر الأوّل: إنّ هذه الحركة - ببُعدَيها السياسي، والحركي - غير قادرة على إسقاط النظام الأموي، فقد كان النظام الأموي قويَّاً مرهوب الجانب، قد أعدَّ له معاوية كلّ أسباب القوّة والمنعة، من مال وقوّة عسكريّة، وإعلام، وإرهاب، وإدارة، ولم يكن الإمامعليه‌السلام بقادر - بما كان يتهيّأ له يوم ذاك من أنصار - أن يُقاوم قوّة الشام المركزيّة، بصورة أكيدة.

كما أنّ النظام الأموي استطاع خلال هذه الـمُدّة أن يُخمِد جذوة الثورة في نفوس الناس، وأن يُقنِع الناس بأنّ من الخير لهم أن يُؤثروا السلامة والعافية على الثورة والتمرّد على النظام، وأن يخلدوا إلى الهدوء والسكينة والسمع والطاعة، ولا يُفكِّروا في شيء من أُمور الدولة ونظامها، ولا ينقادوا لدعوات دُعاة المعارضة. وقد أفلح معاوية بشكل خاصّ في تدجين الناس للنظام، وتثبيت رهبة النظام وسطوته في نفوس الناس، وتعويدهم على الاستسلام والرضوخ.

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام يعرف هذا جيداً ولا يجادل فيه، ولم يكن يأمل أن يجد في العراق جيشاً قويّاً، يدعمه في موقفه ضدّ سلطان بني أُميّة، ويتبنَّى دعوته لإسقاط النظام، ويقف إلى جانبه ويثبت، وكان يعلم جيّداً أنّ هؤلاء الناس الّذين تجمّعوا لدعوته وبيعته وكتبوا إليه، سُرعان ما ينقشعون أمام قوّة الشام والحكومة المركزيّة، ولا يبقى معه غير قلَّة قليلة من شيعته، الّذين دبّ فيهم التفكّك والضعف، وروح الاستسلام والانهزاميّة.

ولقد كان الإمامعليه‌السلام يعرف ذلك أيضاً معرفة جيدة. ولم يكن خروج أخيه الحسنعليه‌السلام لقتال معاوية، وما أصاب جيشه من التفكّك والخيانة، واضطرار الإمام الحسن لإيقاف القتال، ببعيد عنه، ولم يكن الإمام الحسينعليه‌السلام يتوقَّع أن تتهيَّأ له من الظروف السياسيّة والقتاليّة أفضل ممّا توفَّرت لأخيه الحسنعليه‌السلام من قَبل.


التحذير من الخروج إلى العراق:

ولم يكن يغيب عن الإمام الحسينعليه‌السلام ما كان يراه، ويُذكّره به الكثير من شيعته والناصحين والـمُحبِّين له، ممَّن كان الإمام لا يَتّهم نُصحهم وصدقهم، وفَهْمَهم لساحة العراق.

يقول ابن أعثم في (الفتوح)، والخوارزمي في (الـمَقتَل): (قدم ابن عبّاس إلى مكّة، وقد بلغه أنّ الحسينعليه‌السلام عزم على المسير، فأتى إليه ودخل عليه مُسلِّماً، ثُمّ قال له: جعلت فداك، إنّه قد شاع الخبر في الناس، وأرجفوا بأنّك سائر إلى العراق. فقال: (نعم، قد أزمعتُ على ذلك في أيّامي إن شاء الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم)، فقال ابن عبّاس: أُعيذك بالله من ذلك، وأنت تعلم أنّه بلد قد قُتل فيه أبوك، واغتِيل فيه أخوك)(1) .

ودخل عليه عُمَر بن عبد الرحمان بن هشام المخزومي، فقال: يابن رسول الله، إنّي أتيتُ إليك لحاجة أُريد أن أذكرها، فأنا غير غاشّ لك فيها، فهل لك أن تسمعها؟ فقال الحسين: (هات، فو الله ما أنت عندي بسيّء الرأي، فقُل ما أحبَبت).

فقال: قد بلغَني أنّك تريد العراق، وإنّي مُشفِق عليك من ذلك، أنّك تَرِد إلى قوم فيهم الأُمراء، ومعهم بيوت الأموال، ولا آمن عليك أن يُقاتِلك مَن أنت أحبّ إليه من أبيه وأُمّه؛ ميلاً إلى الدينار والدرهم، فقال له الحسين: (جزاك الله خيراً يا بن عمّ، فقد علمتُ أنّك أمرت بنُصح. ومهما يقضي الله من أمرٍ فهو كائن، أخذتُ برأيك أم تركته)(2) .

ولم يكن الإمام يُكذِّب هؤلاء، أو يتردّد في كلامهم، وقد كانوا يُؤكِّدون للإمام

____________________

(1)مقتل الخوارزمي: 1 / 216. وكذلك الفتوح لابن أعثم: 5 / 111 - 112.

(2)الفتوح لابن أعثم: 5 / 110 - 111. وباختلاف يسير، مقتل الخوارزمي: 1 / 216.


أنّ أهل العراق لا يثبتون طويلاً أمام جيوش الشام، وأنّ العاقبة لن تختلف عن عاقبة الجيش الّذي صحب أخاه الحسنعليه‌السلام من قبل.

كان الإمام يتقبَّل كلّ ذلك ويُصدّقه، من دون مناقشة أو تردّد.

يقول الخوارزمي: إنّ الإمام عندما بلغ (ذات عرق)، في خروجه إلى العراق، لَقيه رجل من بني أسد، يُقال له بِشر بن غالب، فقال له الحسينعليه‌السلام : (ممَّن الرجُل؟ قال: من بني أسد.

قال: فمن أين أقبلت؟ قال: من العراق.

قال: فكيف خلّفت أهل العراق؟

فقال: يا بن رسول الله، خلّفت القلوب معك، والسيوف مع بني أُميّة.

فقال له الحسين: صدقت يا أخا بني أسد. إنّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد)(*) .

وفي الطريق في منزل (الصفاح)، لقي الإمامُ الفرزدقَ بن غالب (الشاعر)، فواقف حسيناً فقال له: (أعطاك سؤلك، وآملك فيما تحبّ. فقال له الحسينعليه‌السلام : بيّن لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: من الخبيرِ سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أُميّة... والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.

فقال له الحسينعليه‌السلام : صدقت، للهِ الأمر، ويفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربّنا في شأن)(1) .

ولمّا بلغ عبد الله بن جعفر سفر الحسينعليه‌السلام إلى العراق، أرسل إليه كتاباً مع وَلدَيه، عون ومحمّد، يُخبِره بأنّه خائف عليه من الوجه الّذي يسير إليه

____________________

(*) مقتل الخوارزمي: 1 / 220 - 221. وكذلك مثير الأحزان لابن نما: 31. وكذلك المقتل للمقرّم: 182 - 183.

(1)تاريخ الطبري: 7 / 277 - 278. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 365. وكذلك إرشاد المفيد: 218. وكذلك مقتل المقرّم: 182. والكامل: 4 / 40. وكذلك الفتوح لابن أعثم: 5 / 124.

وبين النصّ الأوّل وبين النصوص اختلاف يسير.


(العراق)(1) ، فلم ينثنِ الإمام عن عزمه.

ومع هذه التأكيدات الّتي ذكرنا طرفاً منها هنا، فإنّ من غير المعقول أن يغيب عن الإمام ما كان يعرفه هؤلاء الناس، الّذين لم يكن الإمام يشكّ في نصحهم وصدقهم وحُبّهم له.

فلم يكن الإمام - إذن - يطمح في إسقاط نظام بني أُميّة بهذه القوّة الّتي تطّوعت له في العراق، وكلّ القرائن التاريخيّة الّتي رافقت خروج الإمام تنفي هذا الاحتمال من الأساس.

إذن، لم يُفكِّر الإمام في خروجه إلاّ بتوعية الرأي العامّ، وإثارة سخط الناس ضدّ حُكم بني أُميّة، وتثوير المجتمع الإسلامي وتحريكه ضدّ سلطان بني أُميّة، دون الإسقاط المباشر.

والأمر الثاني: إنّ الإمامعليه‌السلام كان مُصمّماً على الشهادة، عالماً بأنّ غاية خروجه هذا هي الشهادة في سبيل الله، وكلّ القرائن الّتي رافقت حركة الإمامعليه‌السلام تُؤكِّد هذه الحقيقة.

فلم يكن من الممكن أن يترك بنو أُميّة الحسينعليه‌السلام مُعلِناً رفضه للبيعة، خارجاً على بني أُميّة في رفضه وامتناعه عن البيعة، ولم يكن الإمام يقبل بالتنازل عن رفضه للبيعة وإعلانه للرفض، وخروجه على يزيد، مهما بلغ الأمر، في وقت لم تكن له قوّة تحميه.

فليس بُدّ - إذن - من الشهادة، إلاّ أن يتنازل الحسينعليه‌السلام عن رفضه للبيعة والخروج على يزيد، ويتقبّل بيعة يزيد، أو يعتزل الساحة السياسيّة إلى بعض شعاب الجبال أو البوادي، وهو ما كان يرفضه الإمام رفضاً قاطعاً وأكيداً لا يقبل المناقشة، وكلمات الإمام في هذه المسيرة صريحة أيضاً على عزمه الأكيد على الإقدام على الشهادة.

ونذكر فيما يلي بعض النصوص:

____________________

(1)الكامل: 4 / 40. وكذلك الطبري: 7 / 279. وكذلك الفتوح لابن أعثم: 5 / 115. وكذلك الإرشاد للمفيد: 219، مكتبة بصيرتي - قم.


أوّلاً: كان الإمام الحسينعليه‌السلام قد وعد أخاه محمّد بن الحنفية، بأن ينظر في رأيه في الإعراض عن العراق، فلمّا غادرعليه‌السلام مكّة مُتوجِّهاً إلى العراق، جاءه محمّد بن الحنفية، وأخذ بزمام ناقته، واستنجزَه الوعد، فقال:

يا أخي، ألَم تعِدني النظر فيما سألتُك؟!، قال: بلى. قال: فما حداك على الخروج عاجِلاً؟

قال: أتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعدما فارقتك، فقال: يا حسين، اخرج، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً.

فقال محمّد بن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حمْلك هؤلاء النسوة معك، وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟!

قال: فقال ليصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا.

فسلَّم عليه ومضى)(1) .

ثانياً: لمّا عزم الإمام على الخروج من المدينة، أتتْه أمّ سَلَمَه - رضي الله عنها - فقالت: (يا بُني، لا تحزنِّي بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعتُ جدّك يقول: يُقتَل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يُقال لها كربلاء.

فقال لها: يا أماه، أنا والله أعلـمُ ذلك، وأنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بُدّ)(2) .

ثالثاً: في الليلة الثانية، أو الثالثة، من دعوة الوليد الإمام إلى البيعة، ذهب الإمام إلى قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقضى الليل كلّه في الصلاة والدعاء، حتى إذا كان في بياض الصبح، وضع رأسه على القبر، فأغفى ساعة، فرأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كوكبة من الملائكة... حتّى ضمّ الحسينعليه‌السلام إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقال: (يا بُنيّ يا حسين، كأنّي عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء

____________________

(1)الملهوف: 56. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 364. وكذلك نفس المهموم: 164 - 165. وكذلك مقتل المقرّم: 174.

(2)بحار الأنوار: 44 / 331.

وقريباً من هذا المضمون، في إثبات الوصية: 141. ونفس المهموم: 77. ومقتل المقرّم: 135.


من عصابةٍ من أُمّتي، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقَى، وظمآن لا تروى، وهُم مع ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة)(1) .

رابعاً: روي أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا عزم على الخروج إلى العراق من مكّة، قام خطيباً فقال: (الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله وسلَّم.

خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جِيد الفتاة، وما أولَهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخِير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطِّعها عسلان الفلَوات، بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم.

رضا الله رضانا أهل البيت. لن تشذَّ عن رسول الله لُحمَته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تُقِرُّ بهم عينه، وتنجز لهم وعْده، مَن كان فينا باذلاً مُهجَته، موطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإنّي راحل مُصبِحاً إن شاء الله تعالى)(2) .

خامساً: يقول الإمام الصادقعليه‌السلام : (لمّا مضى الإمام مُتوجّهاً، دعا بقرطاس وكتُب فيه إلى بني هاشم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ بن أبي طالب، إلى بني هاشم.

أمّا بعد، فإنّه مَن لحقَ بي منكم استُشهد، ومَن تخلَّف لم يبلغ مبلَغ

____________________

(1)الفتوح لابن أعثم: 5 / 27 - 28. وقد أورد هذه الرواية آخرون:

كالمقتل للخوارزمي: 1 / 186 - 187. والمجلسي في البحار: 44 / 328. وكذلك نفس المهموم: 72 - 73. وكذلك مقتل المقرّم: 130 - 131. ورُويت الرواية أيضاً في معالم المدرستين: 2 / 185 - 186. ط 1، 1405هـ.

(2)بحار الأنوار: 44 / 366 - 367. وكذلك اللهوف: 52 - 53. وكذلك نفس المهموم: 163. وكذلك معالم المدرستين: 2 / 199. وكذلك لواعج الأشجان للسيّد محسن الأمين، مكتبة بصيرتي: 63. وكذلك الوثائق الرسميّة لثورة الحسين: 77 و 78، دار التعارف للمطبوعات.


الفتح والسلام)(1) .

سادساً: كتَب الإمام من كربلاء إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة:

(بسم الله الرحمن الرحيم.

من الحسين بن عليعليه‌السلام ، إلى محمّد بن عليّ، ومَن قبلَه مِن بني هاشم.

أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل، والسلام)(2) .

فالإمام إذن، كان قد خرج بدافع إعلان رفض البيعة، وإعلان الثورة على يزيد، ولم تكن لدعوة أهل العراق أثَر في مسيرة الحسينعليه‌السلام وحركته، إلاّ بقَدرِ ما يتعلَّق بتحديد الجِهة في حركة الإمام وسَيره.

ولمّا تبيَّن الإمام أنّ القوم قد انقلبوا عن رأيهم وموقفهم، عندما اعترضه الحُرّ بن يزيد الرياحي بجيشه، عرض عليهم الحسين أن ينصرف عنهم إلى حيث يشاء من الأرض، على أن يختار هوعليه‌السلام الجهة الّتي يريدها، لا أن تُفرَض عليه من قِبل ابن زياد.

وقد عرض الإمامعليه‌السلام هذا الأمر على الحُرّ مرّتين يوم اللقاء، مرّة بعد صلاة الظهر، ومرّة بعد صلاة العصر(3) .

وليس في كلام الإمام هذا إشارة إلى أنّه إن انصرف عن العراق فسوف يكفّ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ودعوة الناس للثورة ضدّ سلطان

____________________

(1)اللهوف: 57. وكامل الزيارات: 75. والمقتل للمقرّم: 48. ونفس المهموم: 75.

وفي الروايات اختلاف يسير في النصّ.

(2)كامل الزيارات: 75، المطبعة المرتضويّة في النجف، 1956. وكذلك مثير الأحزان للجواهري: 48.

(3)الفتوح لابن أعثم: 5 / 135 - 137. وكذلك الإرشاد للمفيد: 224 - 225. ونفس المهموم: 188 - 190.

إلاّ أنّ رواية الإرشاد حدَّدت المرّتين، قبل صلاة الظهر وبعد صلاة العصر من نفس اليوم، واتبعه في ذلك الشيخ عبّاس القمّي في نفس المهموم.


بني أُميّة، أو يحتجب برأيه وموقفه السلبي تجاه بني أُميّة في بعض شعاب الجبال أو ثغور المسلمين.

ولم يتعهّد الإمام للحُرّ يوم ذاك بشيء من هذا، وإنّما طلب منه أن يتنحّى عنه، حتّى ينصرف إلى حيث يشاء من أرض الله الواسعة. وقد ذكرنا قبل هذا كلمة عقبة بن سمعان - الّتي رواها الطبري - في امتناع الحسينعليه‌السلام من أن يضع يده بيَد يزيد، أو يعتزل الناس في ثغرٍ ناءٍ من ثغور المسلمين.

إذن، كان الحسينعليه‌السلام مُقدِماً على إعلان الخروج على يزيد على كلّ حال، وكان يبحث عن الفرصة الّتي تُهيّئ له هذا الإعلان، ووجد في دعوة أهل العراق وبَيعتهم هذه الفرصة، وكان على يقين أنّ هذا الموقف السياسي والثوري سوف يُكلِّفه نفسه، والنُخبة الصالحة من أهل بيته وأصحابه، ولم يكن من ذلك بُدّ، ولذلك فقد قدمَ الإمام على الشهادة، راضياً مُطمئنّ البال.

وكان هناك من شيعة الإمام الناصحين له مَن كان يحمل رأياً آخر، يختلف عن رأي الإمام، ويعتقد أنّ الإمام إذا خرج وقُتل، انتُهكت بقتله حُرمة الإسلام، ولا يحترم بعده بنو أُميّة أحداً من وجوه المسلمين وأعلامهم، ومن هؤلاء ابن عمّه عبد الله بن جعفر، وكان ممَّن لا يشكّ الإمام في صدقه ونُصحه.

أرسل إلى الإمام كتاباً مع ولديه، عون ومحمّد - كما أسلفنا -، والإمام في طريقه إلى العراق، يقول فيه للإمام:

(فإنّي مُشفِق عليك من هذا الوجه، أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك.

إن هلكتَ اليوم، أُطفئ نور الأرض، فإنّك علَم الـمُهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسَير، فإنّي في أثَرِ كتابي)(1) .

____________________

(1)الكامل: 4 / 40. وكذلك الطبري: 7 / 279. والبداية لابن كثير: 8 / 163. وكذلك الإرشاد للمفيد: 219. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 366. وكذلك مقتل المقرّم: 174 - 175. وكذلك مقتل الخوارزمي: 1 / 218. وكذلك لواعج الأشجان: 77 و 78.


ومنهم عبد الله بن مطيع العدوي، التقى الإمام في الطريق إلى العراق، على ماء من مياه العرب، فقال للإمام:

(بأبي أنت وأُمّي يا بن رسول الله، ما أقدَمك؟ فقال له الحسينعليه‌السلام : (كتَب إليّ أهلُ العراق، يدعونني إلى أنفسهم). فقال له عبد الله بن المطيع: أُذكّرك الله يا بن رسول الله، وحرمة الإسلام أنّ تنتهك... فو الله لئن طلبت ما في أيدي بني أُميّة ليقتُلنَّك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً)(1) .

وكان الإمامعليه‌السلام يرى على خلاف هؤلاء، أنّ الشهادة هي الفتح، وأنّ هذه الأُمّة لا يُمكن تحريكها، ولا يُمكن أن تُبعَث فيها الحياة والحركة والعزم من جديد إلاّ بشهادته، وشهادة النُخبة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه. وقد كتب بذلك إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة:

(بسم الله الرحمن الرحيم.

من الحسين بن علي، إلى محمّد بن علي، ومَن قَبِلَه من بني هاشم.

أمّا بعد، فإنّ مَن لَحقَ بي استُشهد، ومَن لم يلحق بي لم يُدرِك الفتح، والسلام)(2) .

وليس من الـمُمكن الإجابة بأفضل من هذا الجواب، فمَن لحق بالحسينعليه‌السلام لابُدّ أن يستشهد، ومَن لم يلحق به فاتَته الشهادة، وهي الفتح الّذي لا يشكّ به الحسين؛ عندما ينظر إليها في امتداداتها البعيدة، والنتائج التي تُحقّقها في حياة المسلمين.

فلولا شهادة الحسينعليه‌السلام ، والنخبة المؤمنة التي خرجت معه إلى العراق،

____________________

(1)الطبري: 7 / 290. وكذلك بحار الأنوار: 44 / 371. وكذلك نفس المهموم: 179. وكذلك معالم المدرستين: 2 / 202. وجاء في المصدر السابق: 3 / 63 (لا يهابون بعدك أحداً أبداً).

(2)كامل الزيارات لابن قولويه: 75 / الباب الثالث والعشرون. وكذلك اللهوف: 57. وكذلك مقتل المقرّم: 48. وكذلك نفس المهموم: 75.


والهزَّة العميقة الّتي أحدثَتها في وجدان الأُمّة وضميرها... لـمَضى بنو أُميّة في غَيِّهم وطيشهم، وعبثهم بمُقدَّرات الأُمّة ورسالتها.

بَيد أنّ شهادة الحسينعليه‌السلام أعادت الأُمّة إلى وعيها ورشدها، وأحسَّتها بمسؤوليّتها الشرعيّة في مواجهة طغيان بني أُميّة وضلالهم.

يقول الشيخ جعفر التُستري (رحمه الله) في كتابه القيِّم (الخصائص الحسينيّة):

(فلو كان الحسين يُبايعهم [ بني أُميّة ] تقيّة، ويُسلِّم لهم، لم يبقَ من الحقِّ أثَر، فإنّ كثيراً من الناس اعتقدوا أنّه لا مُخالِف لهم في جميع الأُمّة، وأنّهم خلفاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حقّاً.

فبعد أن حاربهم الحسينعليه‌السلام ، وصدر ما صدر إلى نفسه، وعياله وأطفاله، وحُرَم الرسول، تَنبَّه الناس لضلالتهم، وأنّهم سلاطين الجَور، لا حُجَج الله وخلفاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وقد سأل إبراهيم بن طلحة بن عبد الله الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، عن الغالب في معركة الطفّ، حين الرجوع إلى المدينة، فقال الإمام زين العابدينعليه‌السلام :

(إذا دخل وقت الصلاة، فأذِّن وأقِمْ، تعرف الغالِب)(2) .

وجواب الإمام السجادعليه‌السلام دقيق متين، لـمَن يتمكّن أن ينفذ من ظواهر الأحداث وسطحها إلى الأعماق، وعندما يتمكّن الإنسان من رؤية الامتدادات والنتائج البعيدة للأحداث.

____________________

(1)الخصائص الحسينيّة للشيخ جعفر التستري: 44، المطبعة الحيدريّة في النجف - 1956م.

(2)مقتل الـمُقرّم: 48. عن أمالي الشيخ الطوسي: 66، مكتبة الداوري - قم.


عاشوراء (ودّ) و (قُدوة)

* ودّ يقذفه الله في قلوب المؤمنين،

وقُدوة في حياتهم

* عصمة الإمام

* شهادة رسول الله والأُمّة الشاهِدة



عاشوراء (ودّ) و (قُدوة)

وُدّ يقذفه الله في قلوب المؤمنين وقدوة في حياتهم:

إنّني ألـمَس في تفاعل الجماهير مع (عاشوراء) أمرين، لا أشكّ فيهما مهما شككت في شيء:

ألـمَس يد الله عزّ وجلّ في هذا التلاحم العجيب بين الجماهير وعاشوراء، فلا يكاد يتمّ هذا التلاحم والتعاطف والتفاعل بصورة عفويّة، وصدفة، ويدوم ويستمرّ بهذه الدرجة من القوّة، لو لم تتدخّل الإرادة الإلهيّة في تحريك جماهير المؤمنين باتّجاه عاشوراء، وربط عواطف جمهور المؤمنين ومشاعرهم بهذا اليوم.

الوُدّ الذي يجعله الرحمان للذين آمنوا:

إنّ حُبّ الصالحين ومودّتهم، أمْر يقذفه الله تعالى في قلوب عباده، ولا يمكن أن يصنعه الناس، أو ينتزعه الناس.

والأساليب الإعلاميّة الـمُتطوّرة قد تُحرِّك عواطف الناس باتّجاه مُعيَّن، وتخلق موجة من العواطف والأحاسيس تجاه شخص، وترفع شخصاً من حالة الخمول إلى قمَّة الـمَجد أيّاماً أو سنين، وتُحيطه بهالَة من العواطف والمشاعر والأحاسيس.

ومن الممكن أن تخدع وسائل


الإعلام عواطف الناس وأحاسيسهم، ولكنّ ذلك شيء يختلف اختلافاً كيفيّاً وكميّاً عن حالة التعاطف والتفاعل الوجداني العميق، الـمُستقرَّة والثابتة في قلوب المؤمنين، كما كانت تختلف عصا موسىعليه‌السلام عمّا كان يصنعه سحَرة فرعون، عندما حاولوا أن يعارضوا معجزة موسىعليه‌السلام بسِحرِهم.

وهذا هو الودّ والحُبّ الذي يجعله الله للصالحين في قلوب عباده:

( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) (1) .

وهذا الودّ الـمُتميّز هو ممّا يجعله الله تعالى في قلوب عباده، وليس للإنسان دور في ذلك، إلاّ أن يُعدّ نفسه لذلك إعداداً، ويجعل نفسه في موضع نزول الرحمة الإلهيّة.

وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُعلِّم عليّاًعليه‌السلام أن يقول في دُعائه (اللّهمّ أجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في قلوب المؤمنين ودّاً)(2) .

فإنّ الله تعالى يتصرّف في قلوب عباده كما يشاء، وقد ورد في الرواية: أنّ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمان(3) .

ولا شكّ أنّ للقلوب جَذْب ودَفْع، فقلوب الصالحين تنجذب للصالحين وتُحبّ الصالحين، وتنفر من الفاسدين وتبرأ منهم، والقلوب الفاسدة تنجذب لأمثالها، وتنفر من الصالحين. وهذا الجذب والدفع من خلقِ الله تعالى وصنعه.

ونحن نعلم، علم اليقين، أنّ الله تعالى يتصرّف في قلوب عباده كما يُحبّ ويشاء، ويبعث فيها ما يشاء من حُبٍّ ونفور، وإقبال وإدبار، واستجابة وإعراض، كما يصنع الله تعالى في سائر مُلكه وسُلطانه.

والتعبير القرآني دقيق ورقيق في هذا المجال.

____________________

(1)مريم: 96.

(2)تفسير الميزان: 14 / 115، ط بيروت.

(3)قد سمعت هذه المأثورة كثيراً. ولم أعثر عليها في مظانّها من كُتبِ الحديث.


( ... وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ... ) (1) .

ولكلّ امرئ ما يشتهيه ويكرهه ويُحبُّه ويبغضه، وهذا قِوام شخصيّة (الإنسان)، والحُبّ والبغض، والرغبة والنفور، من فِعل القلب...

ومع ذلك، ومع هذا الالتصاق الشديد بين (المرء وقلبه) فإنّ الله تعالى (يحولُ بين المرء وقلبه).

ولا أعرف تعبيراً أبلغ من هذا التعبير في نفوذ سلطان الله تعالى على القلوب، وانقياد القلوب ورضوخها لمشيئة الله تعالى وصُنعه وفعله.

وقد ورد في تفسير هذه الآية الكريمة، عن الإمام الصادقعليه‌السلام : أنّ الإنسان قد يشتهي شيئاً بسمعه وبصره، فإذا أراد أن يغشى شيئاً منه أنكره قلبه(2) .

ومهما أنعم الإنسان النظر، فلا يكاد يبلغ عُمق هذا التعبير القرآني، في نفوذ سلطان الله تعالى ومشيئته على القلوب.

فهذه القلوب - الّتي يقول عنها الإمام الصادقعليه‌السلام : (إزالة الجبال أهوَن من إزالة قلبٍ عن موضعه)(3) ـ تستجيب هكذا، طائعة ومُنقادَة لمشيئة الله تعالى، ويَنفذ فيها أمر الله تعالى نفوذاً مُطلقاً، في الحُبّ والبُغض، والإقبال والإدبار، والاستجابة والإعراض، والرغبة والكراهيّة. ويصنع الله تعالى فيها ما يشاء وما يُحبّ، كما يصنع في سائر مُلكه وسلطانه.

وليس من مؤمن صالح، أو مُتكبِّر طالح، إلاّ كان قلبه تحت نفوذ سلطان الله تعالى، وأمره المباشر.

____________________

(1)الأنفال: 24.

(2)بحار الأنوار: 70 / 58 أوردتُ الرواية بالمضمون، ونصّ الرواية: (يشتهي الشيء بسمعه وبصره ولسانه ويده، أمّا أنّه لا يغشى شيئاً منها، وإن كان يشتهيه، فإنّه لا يأتيه إلاّ وقلبه مُنكر، لا يقبل الذي يأتي، يعرف أنّ الحقّ ليس فيه).

(3)بحار الأنوار: 78 / 197.


وقد حكى لنا القرآن الكريم كيف جعل الله عزّ وجلّ في قلب فرعون حُبّ موسىعليه‌السلام ، منذ أن التقطه من البحر، وكيف ألقى الله عزّ وجلّ حُبّ موسىعليه‌السلام على قلب عدوِّه فرعون(1) .

ولست أشكّ أنّ هذا الالتحام والتفاعل، الّذي يشدّ جمهور المؤمنين بيوم عاشوراء، شيء من أمر الله تعالى، وإرادة الله تعالى، هيَّأ له أسبابه.

عاشوراء قُدوة للجمهور في حركته إلى الله:

والأمر الآخر الذي ألـمَسه في هذا الانشداد والتفاعل الجمعي العجيب هو: أنّ الجمهور يجد في (عاشوراء) شيئاً يتفاعل مع ضميره وعقله وقلبه، ويجد في هذا اليوم بُغيته التي يطلبها في حركته ومسيرته.

فإنّ الناس يحتاجون في حركتهم الشاقّة إلى الله في الحياة الدنيا إلى (توجيه) وإلى (مثال)، يقتدون به، ولا يكفي التوجيه وحده. والإنسان يحتاج دائماً إلى مَن يُرشده ويُعلّمه، وهذه ضرورة لا نقاش فيها. ولكنّه يحتاج أيضاً إلى مَن يتقدَّمه ليمشي خلفه باطمئنان وثقة.

وهذا الاطمئنان والثقة في الحركة، لا يصنعه التوجيه والإرشاد وحده، وإنّما يصنعه الّذي يتقدّم المسيرة بنفسه، ويكون قدوة ومقياساً ومعياراً عينيّاً مُتجسّداً، في حركة واقعيّة على طريق العاملين.

والناس في مسيرة الحياة، كما (يطلبون الـمُعلِّم) والـمُوجِّه، يطلبون (القُدوة) والمثال أيضاً، فإنّ الحركة إلى الله تعالى شاقّة وعسيرة وكادحة، وعندما تكون الحركة شاقّة وكادحة، لا يكفي التوجيه وحده، وإنّما يحتاج الإنسان إلى قُدوة أمامه، يضع خُطاه في موضعِ خُطاه، ويسير من خلفه.

إنّ الحركة الكادحة إلى الله، تختلف عمّا يتلقّاه الطلبة في المعاهد والمدارس من

____________________

(1)طه: 39.


العلم؛ فإنّ العلم لا يحتاج إلى أكثر من (الـمُعلِّم)، وأمّا السير والحركة إلى الله، واجتياز عقبات (الهوى) و (الطاغوت)، واقتحام أهوال الطريق، فلا يُؤدِّي فيه (الـمُعلِّم) إلاّ دوراً ناقصاً، ولابُدّ من قُدوة ومثال على الطريق؛ ليبعث الثقة والطمأنينة والشجاعة في نفوس العاملين.

إنّ الحركة إلى الله تتطلّب الكثير من الإخلاص والوعي واليقين، والتضحية والعطاء والقِيَم، ولابُدّ من أن يتجسّد كلّ ذلك في (القُدوة) بصورة عينيّة وحقيقيّة، وماثِلة أمام أعيُن العاملين.

ولابُدّ أن يُبرّأ (القُدوة) من الشكّ، والضعف والزلَل والانكسار، والهزيمة النفسيّة أمام العقبات وأهوال الطريق. ولابُدّ أن يتجسّد في القُدوة كلّما تَتَطلَّبه هذه الحركة من قُدرة روحيّة وثقة عالية بالله، تُمكِّن الإنسان من مواجهة وتحدّي العقبات ومتاعب الطريق.

إنّ (القُدوة) في هذه الحالة، تكون له قيمة توجيهيّة وحركيّة عالية في تحريك الأُمّة، ويُعتبَر عاملاً أساسيّاً لا يمكن الاستغناء عنه في حركة المجتمع.

إنّ في نفوس الناس خيراً وشرّاً، وقوّة وضعفاً، وإيماناً وشكّاً، وثقة وقَلَقاً، وشجاعة وجُبناً، وإقداماً وتراجعاً، وتختلط هذه المعاني في نفوس الناس بدرجات مختلفة، ونقاط الضعف هي العقبات الداخليّة في نفوس العاملين؛ ولكي يتغلَّبوا على نقاط الضعف هذه في نفوسهم، لابُدّ لهم من صور مُشرقة متكاملة، تخلص من نقاط الضعف هذه.

وعندما لا يجد الإنسان هذه الأمثلة على ساحة الحركة، يلجأ إلى التجريد والتخيّل؛ لتكتمل الصورة، تماماً كما يعمل الإنسان لتكميل النقص الواقع في قوس الدائرة في خياله، فيلجأ إلى التجريد الخيالي لإبراز هذه الصورة الّتي يحتاجها في حركته.

وهذا هو الدور الّذي يقوم به الشِعر والفَنّ، في رسم الصورة التجريديّة للقُدوة


الّتي يحتاجها الإنسان في حركته وعمله.

وهذه الحاجة، ما دامت حاجة حقيقيّة في حركة الإنسان المسلم إلى الله، فلابُدّ أن يكون له موضع مُشخّص وواضح في المنهاج الإلهي لهداية الإنسان وحركته.

ولا يمكن أن تُهمِل العناية الربَّانيّة حاجة أساسيّة للإنسان في الحركة مثل هذه الحاجة، وهو سبحانه يقول:( الّذِي أَعْطَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى ) (1) .

فلا يُمكن أن يخلو منهج الخلقِ والهداية من عنصر أساسي وضروري في حركة الإنسان.

عِصمة الإمام:

وهذا هو أحد الـمُنطلَقات العقليّة للقول بعصمة الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام .

إنّ العصمة هي الصورة الواقعيّة الـمُتكاملة للإنسان (القدوة)، والّتي يحتاجها الناس في حركتهم وكدحهم إلى الله في ساحة عملهم، ولأمرٍ ما، جعل الله (عزّ وجلّ) الأنبياء والأئمّة معصومين في مسيرة حركة الإنسان، وفي ساحة حياته وعمله، وجعل منهم قُدوات للتأسّي والاقتداء؛ ليكونوا أمثلة عينيّة وواقعيّة ومُتحرّكة في واقع الحياة.

لن يكون الظالم إماماً للناس:

وبعد أن مَنَّ اللهُ تعالى على عبده وخليله إبراهيمعليه‌السلام ، فجعله إماماً للناس، طلب إبراهيمُعليه‌السلام من الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذرّيَّته، فاستثنى الله تعالى من ذرّيَّته الّذين تلبَّسوا بالظُلم، فلا يمكن أن ينالهم عهد الله تعالى، ولا يمكن أن

____________________

(1)طه: 50.


يكونوا أئمّة للمسلمين.

( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (1) .

فالإمام لابُدّ أن يكون قدوة للناس، يقتدي به الناس في حياتهم، ومَن يتلبَّس بالظلم على نفسه أو على الآخرين، لا يستطيع أن يكون مثالاً يتقدّم الآخرين، ويقتدي به الناس.

الدعوة إلى الاقتداء بالصالحين:

وتكتمل هذه الصورة في المنهاج الإلهي، في تربية الناس وتوجيههم بالآيات الّتي تدعوا الناس إلى أن يجعلوا من أنبياء الله ورُسله قُدوة لهم، وأُسوة في العمل والحركة والقول والفعل. يقول تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وللمؤمنين - بعد أن يذكر أسماء جملة من الأنبياء والـمُرسَلين بتفصيل -:( أُولئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ... ) (2) .

ويدعو الله تعالى المؤمنين أن يجعلوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُسوة حَسنة لهم:

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً ) (3) .

ويدعونا الله تعالى أن نجعل من إبراهيمعليه‌السلام ومَن معه من المؤمنين الصالحين قُدوة وأُسوة:

( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ... ) (4) .

____________________

(1)البقرة: 124.

(2)الأنعام: 90.

(3)الأحزاب: 21.

(4)الممتحنة: 4.


العناصر الثلاثة الضروريَّة في الحركة:

ولكي تكتمل هذه الصورة الّتي رسمناها لموضع القدوة في حركة الناس إلى الله تعالى، نقول:

إنّ الحركة إلى الله تتطلَّب ثلاثة عناصر أساسيّة، يتولاّها الله تعالى، ويُعدّها للناس في أنبيائه ورسله، ومَن يختارهم الله تعالى ويجتبيهم أئمّةً للمسلمين، وهي:

أوّلاً: الهداية والتوجيه، والتزكية والتعليم. وينهض الأنبياء في هذا الأمر بدَور الـمُعلِّم والـمُربِّي، لتزكية الأُمّة وتربيتها وتعليمها.

( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (1) .

( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (2) .

ثانياً: القيادة والولاية والإمامة. وهذه مهمّة أُخرى، تختلف عن المهمّة الأُولى، ضروريّة وأساسيّة في توجيه المجتمع وحركته إلى الله، فلا تتمّ هذه الحركة من دون قيادة وطاعة.

( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (3) .

( مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ... ) (4) .

____________________

(1)الجمعة: 2.

(2)آل عمران: 164.

(3)المائدة: 55.

(4)النساء: 80.


( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم ) (1) .

( ... وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ... ) (2) .

ثالثاً: القُدوة والأُسوة. وهو العنصر الضروري الثالث في هداية الإنسان وحركته، والّتي يتولاّها الله تعالى ويُعدّها لعباده في أنبيائه ورُسله، ومَن يختار ويجتبي لعباده من الأئمّة.( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) .

وهذه الثلاثة لابُدّ منها جميعاً، وفي إطار واحد؛ ليُكمّل بعضها بعضاً، وليُؤدّي جميعها مهمّة توجيه الإنسان إلى الله.

شهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأُمّة الشاهِدة:

وإلى هذا المعنى يُشير القرآن الكريم، حيث يتَّخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شهيداً على هذه الأُمّة، ويتّخذ هذه الأُمّة شهيدة على الناس أجمعين، يقول تعالى:

( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (4) .

وفي الآية الكريمة يتّخذ الله تعالى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله شاهِداً على هذه الأُمّة، كما يتّخذ هذه الأُمّة شاهدة على الناس.

والشاهد هنا بمعنى: القدوة(5) ، بقرينة السِياق، فإنّ شهادة الأُمّة على الناس لا تستقيم إلاّ بهذا المعنى الذي ذكرناه، وشهادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على الأُمّة تأتي

____________________

(1)النساء: 69.

(2)النساء: 59.

(3)الأحزاب: 21.

(4)البقرة: 143.

(5)راجع من التفاسير: تفسير نمونه: 1 / 355. والمنار: 2 / 5.


بنفس السِياق(1) .

فهذه الأُمّة - بمجموعها - قُدوة للناس جميعاً، حيث جعلها الله تعالى أُمّة وسطاً، لا تفريط فيها ولا إفراط، ولا تَجْنَح إلى اليمين ولا إلى اليسار، ولا تحكم فيها النزعة المادِّيَّة البَحتة، ولا النزعة الروحيّة الخالصة.

والخطاب للأُمّة ككلّ، وليس إلى أفراد الأُمّة، والأُمّة بهذه الصِفة وفي هذا الموقع الوسط من حضارة الإنسان، مُؤهّلة من جانب الله تعالى لأن تكون قُدوة وشاهِدة على الناس جميعاً، وأن يجد فيها الناسُ مثالاً عينيّاً واقعيّاً، للاعتدال والاستقامة على منهج الله في الحياة.

كما أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قُدوة لهذه الأُمّة المسلمة، في علاقته بالله تعالى، وفي علاقته بالناس، وفي سلوكه وحركته وعمله وقوله وفعله.

الأُمّة الشاهِدة مِعيار للقِياس:

والتعبير بالشهادة عن القُدوة، من التعبيرات القرآنيّة الـمُتميِّزة الخاصّة بالقرآن، وكأنّ هذه الأُمّة في موقعها الحضاري الوسط، تصلح أن تكون معياراً لتشخيص الموقع الحضاري الصحيح في الحياة، وشاهدة على ألوان الانحرافات الحضاريّة في حياة الإنسان.

فكلّما يتقدّم هذا الموقع الحضاري الوسط، فهو انحراف، وكلّما يتأخّر عن هذا الموقع الوسط، فهو من الانحراف، والشاهد على هذه الانحرافات هو: الموقع الوسط الّذي أحلّ اللهُ تعالى فيه هذه الأُمّة، تماماً كما تشهد الوحدة القياسيّة

____________________

(1)تفسير السيّد الطباطبائي في الميزان: 2 / 320 - 323، ط بيروت.

الشهادة هنا بمعنى: تلقّي الشهادة وأداءها إلى الله يوم القيامة، كما يقرب من هذا الـمَنحى الشيخ البلاغي في (آلاء الرحمان): 133، مطبعة العرفان، صيدا - 1933م. وتفسير الكاشف: 1 / 124 و 5 / 353.


بالزيادة والنقصان في الكمِّيّات الّتي تُقاس بها، فإنّنا لا نستطيع أن نفهم بالنظرة الأوّليّة الزيادة والنقيصة في الكمّيّات بشكل دقيق، ولكن عندما نقيس هذه الكمّيّات بالوحدات القياسيّة، نستطيع أن نُشخِّص الزيادة والنقيصة (بشهادة) هذه الوحدات القياسيّة بشكل دقيق.

وكذلك هذه الأُمّة في موقعها الحضاري الوسط، تصلح أن تكون شاهدة على انحرافات الناس، وأداة لتشخيص هذه الانحرافات، ومقياساً للتصحيح والتعديل، والتهذيب والإصلاح.

ولابُدّ في هذا الخِضَمّ الهائج، من الأفكار والاتّجاهات، والأهواء والنزاعات، من وجود أُمّة في موقع حضاريّ وسط على وجه الأرض، يقيس الناسُ أنفسهم بها، وتشهد على الناس في انحرافاتهم وزيغهم وشَطَطِهم.

وأقول: أُمّة ولا أقول أفراداً وجماعات؛ ففي هذه الأُمّة أيضاً من الانحراف والزَيغ الشيء الكثير، ولكن من الصحيح أيضاً أن نقول: إنّ هناك أُمّة مؤمنة في هذا البحر الهائج الـمُضطرِب، في الموقع الحضاري الوسط المعتدل، وأنّ هذه الأُمّة مِعيار ومقياس دقيق للتشخيص والتمييز لسائر الناس، وقُدوة لسائر البشر، وحركة عينيّة واقعيّة إلى الله، بين هذه الحركات الـمُضطرِبة والقَلِقة في واقع حياة الناس.

وكما تتطلَّب رحمة الله تعالى بعباده وجود أُمّة مؤمنة في هذا الموقع الحضاري الوسط على وجه الأرض؛ لتكون قدوة للناس، كذلك تتطلَّب الرحمة الربّانيّة أن تكون هناك قُدوة للمؤمنين من أنفسهم، ولهذه الأُمّة منها؛ ففي هذه الأُمّة - كما ذكرنا - الكثير من الزَيغ والانحراف الّذي يختلط بالكثير من الحقِّ والصواب، ومن مجموعها تتكوَّن هذه المسيرة الإلهيّة.

فلابُدّ من وجود قُدوة


لهذه الأُمّة ولهذه المسيرة أيضاً، كما كان لابُدّ من قدوة للناس أجمعين.

وإذا كانت هذه الأُمّة هي الصفوة من البشريّة، الّتي اجتباها الله تعالى لتكون قُدوة للناس، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو صفوة الصفوة في هذه الأُمّة، اتّخذه الله تعالى قُدوة لهذه الأُمّة؛ ليكون مقياساً ومعياراً للاستقامة والاعتدال، والسلوك والحركة إلى الله، وليَقس المؤمنون أنفسهم به، ويجدوا فيه مثالاً كاملاً للإنسان العامل الكادح إلى الله.

ولنقرأ هذه الآية المباركة من سورة الحجّ:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ‏ِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ) (1) .

يدعو الله تعالى في هذا النداء عباده المؤمنين - والخطاب هنا خاصّ بالمؤمنين -:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا... ) -، يدعوهم إلى إقامة الصلاة، وإلى عبادته، ويدعوهم إلى فعل الخيرات والجهاد في الله، حقّ الجهاد؛ فإنّ الله تعالى قد اجتباهم وأحلَّهم في هذا الموضع الوسط من حضارة الإنسان، واختارهم لهذا الموقع الخطير من الأرض ومن حياة الناس.

( هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) وسمّاهم المسلمين من قبل، في حياة إبراهيمعليه‌السلام ، وفي الكُتب السابقة على القرآن،( وفي هذا ) وفي القرآن، فشرَّفهم الله تعالى بهذه

____________________

(1)الحجّ: 77 - 78.


التسمية( مِن قَبْلُ وفي هذا ) ، وجعلهم امتداداً لإبراهيم( مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) ، وجعلهم أُسرة واحدة ممتدَّة على وجه الأرض وفي التاريخ.

كلّ ذلك من دون أن يُكلِّفهم في هذا الاجتباء شِدّة وضِيقاً لا يطيقونه( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) .

كلّ هذا النداء والدعوة إلى إقامة الصلاة، وفعل الخير، والجهاد، وكلّ هذا الاجتباء والاختيار والتشريف لهذه الأُسرة الإبراهيميّة، والتسمية... كلّ ذلك( لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ ) .

كلّ ذلك لإيجاد تيَّار مُعتدِل مستقيم نظيف، في وسط هذه التيّارات الـمُتضارِبة والـمُنحرِفة؛ ليكون قدوة للناس، وليكون مَعلَماً على طريق الناس إلى الله، مَعلَماً محسوساً عينيّاً في حياة الناس، وليس من قبيل الأفكار والنظريّات، مَعلَماً يراه الناس، ويَحسّونه، ويعيش معهم في السَرّاء والضَرّاء( وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ ) .

ثُمّ بعد ذلك، ليكون في وسط هذا التيّار قُدوة، هو صفوة الصفوة، للسائرين في هذا التيّار ومن هذه الأُمّة؛ ليكون شاهداً عليهم وعلى المسيرة والحركة، وليكون مقياساً لتشخيص حالات الضعف والعجز والتخلّف، وباعثاً على تلافي نقاط الضعف والتخلّف، وقُدوة في المسيرة والحركة، ومَعلَماً على طريق العاملين والسائرين إلى الله، يضعونه نَصْبَ أعيُنهم، ويضعون أقدامهم مواضع خُطاه( لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ) .

فلا يُمكن أن تستقيم حياة الناس وحركتهم من دون وجود هذا التيّار في وسط الناس، ولا يمكن أن تستقيم حركة هذا التيّار من دون وجود قدوة صافية نقيّة في قلبِ هذا التيّار.


ولنَعُد إلى حيث كنّا من حديث، قلتُ: إنّني ألمس في التحام الناس بعاشوراء، وتعاطفهم مع قضيّة الحسين، أنّ الناس يجدون في هذا اليوم، وفيما جرى فيه من أحداث، وفيما يَستبطِنه هذا اليوم من القِيَم والمعاني، شيئاً يتفاعل مع ضمائرهم وقلوبهم وعقولهم.

إنّ الناس يبحثون في حركتهم الشاقّة والعسيرة إلى الله تعالى عن الصور الصافية والنقيّة لهذا الكدح وهذه الحركة، الصور الّتي تخلِص من كلّ كَدرٍ وغِش، وتَسلم من كلّ نقص وضعف، ليضعوا أمامهم هذه الصور الحيّة الـمُتحرِّكة.

ففي خِضَمّ الحياة، وخِضَمّ الصراع ومتاعب الحركة، يلتقي الإنسان - في نفسه وفي واقع الحياة - الكثير من الضَعف، والشكّ والجُبن، والحَسَد والطَمع والجَشع، وحُبّ الذات والاستئثار والظلم...، فيجد نفسه بحاجة إلى هذه الصورة النَقيَّة الصافية من الإيمان بالله، واليقين والإخلاص لله تعالى، والثِقة والتوكّل على الله، والقوّة والشجاعة والإيثار، ونُكران الذات والإخلاص...، فيجد كلّ هذه العناصر، الّتي يبحث عنها، والّتي تتطلَّبها الحركة، مُتجسِّدة مُتحرّكة في ساحة الطفّ، في يوم عاشوراء، في هالة من النور.

وفي مقابل هذه القمّة السامِقة من القِيَم والأخلاق الربّانيّة الـمُتجسّدة في الحسينعليه‌السلام وأصحابه، يجدُ حضيضاً من الدناءة واللُؤم، والاستئثار والتعلّق بحُطام الدنيا، وحبّ الذات والكبرياء، والشكّ والجُبن، والحَسد والطَمع والجَشع، في الجانب الآخر من المعركة.

وكما تتجمَّع القِيَم وتتكامل، وتُشكّل قمّة سامِقة وهالَة من النور في الجانب الأوّل، يتجمَّع اللُؤم، والـمَكر، والكَيد، والظُلم في الجانب الثاني بشكلٍ صارِخ.

وهذا من خصائص الصراع والمواجهة.


فإنّ الصراع يُبرِّز كلّ طرف على حقيقته، ويكشف حقيقة كلّ طرف، وكلّ القِيَم والـمَساوئ الّتي يَستبطنها الإنسان ويَتستَّر عليها، أو يشهرها ويُعلِن عنها؛ فإنّ الصراع بطبيعته كَشّاف.

وأكثر ما ينكشف الإنسان ويظهر على حقيقته( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) (1) ، وساعات المواجهة والصِراع.

فيجد الجمهور أمامه طرفين مُتصارعين يوم عاشوراء، يُمثِّل أحدهما قِمّة القِيَم والأخلاق، ويُمثِّل الآخر حضيض اللُؤم والسقوط، فيتعلَّق بذا وينفر من ذاك.

ويجد في يوم عاشوراء كلّما يطلبه ويحتاجه من القِيَم والـمُثل والأخلاق، والإخلاص والشجاعة، والثِقة والإقدام.

وهذا في رأيي، هو الّذي يشدّ الجمهور إلى عاشوراء، ويدعوه إلى التفاعل والتعاطف مع هذا اليوم بمثل هذه الدرجة من القوّة والعُمق.

فإنّ أكثر ما يحتاج الإنسان إلى القدوة في حياته في ساحات الصراع والمواجهة، ومن ساحات الصراع والمواجهة؛ ذلك أنّ الإنسان لا يحتاج إلى أن يستجمع كلّ عزمه وقوَّته وعقله وإيمانه وثِقته بالله، كما يحتاجه في ساحات المواجهة وساحات الصراع، ولا يهتزّ الإنسان ويتزلزل، ويتعرَّض للزلازل والهزَّات، كما يتعرّض لها في ساحات المواجهة والصراع.

فمِن السهل أن يُحافِظ الإنسان على اتّزانه وتعقّله، ودينه وثقته بالله، في أيّام اليُسر والرَفاه، وعندما يعتزل المجتمع والعمل، أمّا عندما ينزل إلى ساحة العمل والمواجهة، ويتعرَّض للزلازل والهزّات والأعاصير، من داخل نفسه ومن الخارج، فسوف يجد نفسه بحاجة شديدة وماسّة إلى أن يلتمس لنفسه أمثلة، وشواهد وقُدوات،

____________________

(1)الطارق: 9.


على الطريق ومن ساحة الصراع، تُثبِّته على أرض المعركة، وتبعث في نفسه الإيمان واليقين، والثبات والثقة والصبر.

ولابُدّ أن تكون هذه الأمثلة والقُدوات في الساحة الساخنة بالصراع، لتطمئنّ إليها قلوب العاملين.

وهذا بالذات ما يجده المؤمنون في حركتهم ومسيرهم إلى الله، وفي مواجهتهم الحامية للهوى والطاغوت في (رحاب عاشوراء)، فإنّ مسيرة التاريخ مسيرة حافلة بالصراع والمواجهة والفتن والابتلاء، وخلال هذه المسيرة يجد المؤمنون في (عاشوراء) النموذج والقدوة، لكلّ القيم الّتي يتطلّبها الصراع، ويحتاجها المؤمنون في حركتهم وعملهم، فينشدّون إليها بقوّة، ويتعاطفون ويتفاعلون معها بهذه الصورة القويّة والمـُؤثِّرة.


الفهرس

مُقدّمة المؤلِّف 5

عاشوراء في مرآة التاريخ 7

عاشوراء في وعْيِ الجمهور ووَعْيِ النُخبة:9

مَوقف السلاطين والحُكّام من عاشوراء:11

عاشوراء مِرآة للتاريخ:13

كلّ أرض كربلاء وكلّ يوم عاشوراء:23

ثأر الله 27

رُؤيَة قرآنيَّة للنَصرِ والهَزيمَة29

الجذور اللُغَويّة للثأر:29

المعنى الاجتماعي للدَم:30

الثأر في أُسرة التوحيد:32

ثأرُ الله:33

مَوقع الثأر في الصراع الحضاري بين التوحيد والشِرك:35

كربلاء الساحة النموذجيَّة للصراع بين الحقّ والباطل:36

الضمانة الإلهيّة لدم الشهيد:38

معنى النصر والهزيمة:40

القِيمَة الذاتيَّة للشَهادة43

رِحلة الإنسان إلى الله:43

دراسةٌ للـمُنطلَق والغاية في حَرَكةِ الإنسان:46

1 - الـمُنْطَلَق:46

أ - الشهَوات والغرائز والأهواء والميول النفسيّة:47

ب - الـمُغريات والـمُثيرات التي تُحرّك الشهَوات وتُهيج الغرائز:47

مُثَلّث الابتلاء في القرآنِ الكريم:47

أ - الهَوى:48

ب - الفِتْنَة:50


ج - الشَيطان:51

أعراضُ التَعلُّق بالدنيا في نقطةِ الانطلاقِ:52

2 - الغايَة:54

الطاعَة والتَسْليم والذِكر والرجاء والرهبَة والحُبّ:55

كيف يأخذُ الإنسانُ ويُعطِي باللهِ؟57

3 - الحَرَكَةُ مِن (الأنا) إلى (الله):58

(التقوى) و (ذِكر الله) في شَطْرَي الحَرَكة:59

التقوى للتَحَرّرِ من الهوى:60

الـمُقارَنة بين الهوى والطاغوت:61

الصِيغة الإيجابيّة للتقوى:61

الشوطُ الثاني من حَرَكةِ الإنسان:62

ذِكرُ الله للعروجِ إلى الله:64

الـمَنهَجُ الأخلاقيّ في حَرَكَةِ الإنسان إلى الله:67

واستعينوا بالصَبْرِ والصَلاة:68

ضَريبَة الحَرَكَةِ إلى الله:68

الشهادةُ اختزالٌ للحَركةِ من الأنا إلى الله:69

نَقْلَةُ الحُرّ (رحمه الله) من مِحوَر الطاغوت إلى مِحوَر الله:70

نقلةُ زُهير (رحمه الله) من ولايةِ الطاغوت إلى ولايةِ الله:71

القِيمَة الحَرَكِيَّة للشَهادَة74

وَقْفَة عند اشتقاق كلمة (الشهيد):74

الشهيدُ مِقياسٌ للتَقييم:75

هذه الأُمّة شهيدة على سائر الأُمم:77

ورَسول الله شاهِد على هذه الأُمّة:78

عَودة إلى مُصطلَح (الشهيد):78

التوجيه بـ (التثقيف) و (القدوة):79

القدوة والأُسوة على طريق ذات الشَوكة:80

الشَهيدُ قُدوَة:82


الوَعْيُ والعَطاء:84

ضحايا انعدام الوعي:85

فَقِيلَ لَهُ: مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟87

التَخَلّف في الوَعْي والعَطاء:90

الطاقة الحرَكيّة لدم الشهيد:91

دم الشهيد يُوسّع رقعة التضحية داخل الأُمّة:94

دمُ الشهيد يَحسم الخلاف ويقطع التردّد:94

الإمدادُ الغَيْبِي والضَمان الإلهي لدَمِ الشهيد:97

رِحلةُ الشَهادة في القرآنِ الكريم 99

في سورتَي التوبة وآل عمران 99

البَيْعُ والشراء:100

النَقْلة الكاملة:101

أمثلة عن النقْلة في حياة المسلمين الأُولى:101

تكريمُ الإنسانِ بالبَيع والشِراء:104

البَيْعَة:105

البَيْعَة التجرّد الكامل عن الأنفسِ والأموال:106

البَيْعَة ميثاق (الدعوة) والدولة:107

البَيْعَة طاعَةٌ وتَضحِية:108

آيةُ البَيْعَة:108

أربعُ بَيْعَات في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله:110

البيعة الأُولى:111

البيعة الثانية:111

البيعة الثالثة:112

البيعة الرابعة:112

(يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ):113


حَتميَّة القتال في مَسيرة الدعوة:114

الـمُواجَهة المصيريَّة بين الإسلام والجاهليَّة:115

العلاقة العضويَّة بين أطراف الجاهليّة:116

شَراسَة الجاهليّة في صراعِها مع الإسلامِ:117

الإيمانُ بالله يُساوي التخلِّي عن الأنفُسِ والأموال:117

وثيقة البيع:118

والثَمن هو الجنّة:121

الفوز العظيم:121

صفة الّذين باعوا أنفُسهم لله:123

آيةُ (آل عِمْرَان):125

الحياة الطيِّبة:126

أعلى دَرَجات القُربِ من الله:128

(يُرْزَقُونَ):130

(فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ...):132

(وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ):132

لا خوفٌ ولا حزن:134

رِحلة الشهادة في السُنّة الشريفة136

باقة عطرة من الحديث الشريف في قِيمة الشهيد:136

خطاب الاستنصار الحسيني:147

الاستعراض والدلالات:149

الاستنصار الحُسيني:149

أ - الاستعراض 151

نَماذِج من الاستنصار الحُسيني 151

في المدينة:151

1 -وصيَّتهالّتييستنصرفيهاالمسلمين 151


2 - واستنصر الحُسين عبد الله بن عُمَر بن الخطّاب في مكّة 152

3 - كتاب الحسين إلى رؤساء الأخماس 152

4 - خطاب الحسين عَشيّة خروجه من مكّة 156

5 - في الحاجر:157

6 - في زرود:159

7 - في قصر بني مقاتل:161

8 - في منزل شراف:163

9 - في منزل البيضة:163

10 - في كربلاء:164

11 - وفي كربلاء166

يوم عاشوراء:166

12 - الاستنصار الأوّل يوم عاشوراء:166

13 - الاستنصار الثاني في يوم عاشوراء:169

14 - الاستغاثة الأخيرة للحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء:170

15 - استنصار زهير (رحمه الله) يوم عاشوراء:172

ب - الدلالات 174

الدلالات الأربعة لخطاب الاستنصار الحسيني 174

1 - المضمون السياسي لخطاب الاستنصار الحسيني 174

2 - المضمون الحركي لخطاب الاستنصار الحسيني 175

1 - رفض البيعة ليزيد:175

2 - إعلان الرفض:176

3 - الخروج والثورة:177

المؤامرة الأُموية على دم الحسين عليه‌السلام 180

عَودة إلى الدلالة الحرَكية للخطاب الحسيني:182

3 - المضمون الوَلائي لاستنصار الحسين عليه‌السلام:183


البُعد العمودي مِن شبكة الولاء:183

البُعد الأفقي مِن شبكة الولاء:183

الصيغة التوحيدية في شبكة الولاء:184

مقوّمات الولاء في البُعد الأفقي:184

الولاء والإيمان الحقّ:185

خصائص وآثار شبكة الولاء186

السلام والعِصمة في شبكة الولاء:186

معنى السلام:186

معنى العِصمة:187

علاقة النصر بشبكة الولاء:188

استنصاران للحسين عليه‌السلام في قصر بني مقاتل:190

الاستنصار لإتمام الحجّة:192

تنوّع الخطاب الحسيني:193

4 - المعنى الشمولي لخطاب الحسين عليه‌السلام:194

التلبية:196

حركتان في التاريخ (النصر والثأر):197

تفسير وتحليل جملة مِن المضامين الواردة في خطاب الاستنصار الحسيني:199

الولاء والبراءة في مرآة عاشوراء207

توحيد الولاء:209

عناصر الولاء:210

قِيمة الولاية:212

الولاية ومسألة الحاكمية والسيادة:213

البراءة والمفاصلة:214

المواصلة والمفاصلة في المجتمع الإسلامي:215

التوحيد والشِرك في الولاء:217

مصدر الحاكمية في حياة الإنسان هو الله:218


التحدّي والصراع:220

الاستضعاف والاستكبار:221

عاشوراء مسرح للولاء والبراءة:226

عاشوراء يوم الفرقان:227

الفاصل الحضاري بين المعسكرَين في عاشوراء:228

وحدة الولاء والبراءة في زيارة (وارث):232

مشاهد الولاء في زيارة (وارث):233

السلام في (النفس) و (المجتمع):234

الشهادة للحسين عليه‌السلام بإمامة المسيرة:235

الـمَوقف:238

معكم، معكم:240

البراءة:240

ولاء (الأعور):242

الطوائِف الثلاث الـمَلعونة:245

الطائفة الثالثة (الشريحة الراضية):246

عاشوراء (يوم الفرقان):248

أبْعادُ وامتداداتُ المواجهة ليوم الفرقان:249

يوم الفرقان الثاني في تاريخ الإسلام:251

انتصار الثورة الإسلاميّة مُنطلَق ثوري وقِيمة حضاريّة:252

تراكُم من الفعل والحراب (الفِعْل والانْفِعال):254

محاوَلات لأقْلَمَةِ الثورة:255

التفاعلات التي كانت تجري في الأعماق غير المرئيَّة لهذه الأُمّة:256

الولاء والبراءة بعد الثورة:258

حتميَّة الصراع:259

والعاقبة للـمُتّقين:260

ليُحِقَّ الحَقَّ بكلماته ويقطع دابِر الكافرين:262


تداول النصر والهزيمة في ساحة المعركة:263

تَمْحِيص وتَهذيب المسيرة في المجتمع:265

متى يتَّخذ الله الشهداء في هذه الأُمّة قيّمِين على المسيرة؟:266

التَمحيصُ والتَهذيب داخل النفوس:267

درجات المؤمنين في الجنّة على قدرِ معاناتهم في الدنيا:267

دولة الـمُوَطِّئين:268

الـمُتخلّفون عن ثورة الإمام الحسين عليه‌السلام 271

الضحّاك بن عبد الله المشرقي 273

الصراع في مرحلتَي التنزيل والتأويل:273

شريحة الـمُتخلِّفين عن الصراع:275

خبر الضحّاك بن عبد الله المشرقي:276

تأمّلات في خبَر الضحّاك:278

النقطة الأُولى (الاعتذار):280

وجها الحياة الدنيا:281

كيف تتحوّل العوائق إلى مُنطلَقات؟:283

مقارنة بين زُهير بن القَين (رحمه الله) والضحّاك:284

النقطة الثانية: (الاستجابة الـمَشروطة):286

العلاقة بين العمل والجزاء:288

طائفتان من الناس:289

النقطة الثالثة (التَحلّل من الالتزام):292

(التزام) و (حِلّ):293

الجسر الذي مدَّه الضحّاك إلى الدنيا من عُمق (الطفّ):296

قِيمة الوراثة في حياة الإنسان 301

تأمُّلات في زيارة وارث 303

تمهيد:303

1 - القِيمة التكوينيَّة للوراثة:303


دراسة في الشريحة الحضاريّة:304

البُعْد الأُفقي والبُعْد العمودي لكلِّ حضارة:305

التبادل والتفاعل بين عناصر الحضارة الواحدة:305

الأعماق الحضاريَّة:305

عراقة الميراث الحضاري:307

التَبنّي الجَمعي والعُمق الحضاري لفريضتَي الصلاة والحَجّ:308

الإطارُ الاجتماعي للشَعائِر الإسلاميَّة:309

يدُ الله على جماعةِ المسلمين:310

الإطار التاريخي للشَعائر الإسلاميَّة:311

وحدة الـمَسيرة ووحدة الـمُعاناة ووحدة الثواب:312

المواريث الحضارية والمواريث المدنية:314

مواقِع الثورة والمناعة في حياة الأُمّة:317

المحافظة على المواريث الحضارية:318

السُنّة والبُدْعَة:319

بين التقليد والثوابت:323

الثوابت والفطرة والصِبغَة:327

2 - القيمة الإيحائيّة والتربويّة للوراثة:329

كرامة الأُسرة وموقعها الاجتماعي:329

موقف الحسين عليه‌السلام من البيعة ليزيد:332

الحسين عليه‌السلام في يوم عاشوراء:334

محمّد بن أبي عُمير في سجون العبّاسيِّين:336

الأبعاد السياسيَّة والحَرَكيّةلثورة الإمام الحسين عليه‌السلام345

العامِل السياسي:347

الخيار الثالث:352

الخيارات الثلاثة:358

العامل الحركي:359

التحذير من الخروج إلى العراق:366


عاشوراء (ودّ) و (قُدوة)375

وُدّ يقذفه الله في قلوب المؤمنين وقدوة في حياتهم:377

الوُدّ الذي يجعله الرحمان للذين آمنوا:377

عاشوراء قُدوة للجمهور في حركته إلى الله:380

عِصمة الإمام:382

لن يكون الظالم إماماً للناس:382

الدعوة إلى الاقتداء بالصالحين:383

العناصر الثلاثة الضروريَّة في الحركة:384

شهادة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والأُمّة الشاهِدة:385

الأُمّة الشاهِدة مِعيار للقِياس:386

الفهرس 393


في رحاب عاشوراء

في رحاب عاشوراء

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمد مهدي الآصفي
الناشر: نشر الفقاهة
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 402