المنبر الحسيني نشوؤه وحاضره وآفاق المستقبل
مؤلف: الشيخ فيصل الخالدي الكاظميالإمام الحسين عليه السلام
المنبرُ الحُسيني
نشُوؤه وحاضره وآفاق المستقبل
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول:
المنبر لغةً واصطلاحاً
تمهيد
في مقدمة كتابنا حول (المنبر الحسيني)، لابدّ أنْ نتوقّف أوّلاً عند معنى لفظ (المنبر) لغةً واصطلاحاً، ثمّ نبحث هل للمنبر وجود قبل الإسلام؟ وكيف كان الخطباء آنذاك؟
لقد أولى الإسلام، موضوع الخطابة، اهتماماً كبيراً، وربط بها شعيرة من أبرَز شعائره العبادة وهي صلاة الجمعة.
وعلى هذا، فإنّ من المستحسن، أنْ نتوقّف - أيضاً - عند خطبة الجمعة باعتبارها أمراً مألوفاً عند جميع المسلمين، وعلى اختلاف مدارسهم الفقهية، كل ذلك مقدّمة، لمعرفة المنبر الحسيني، موضوع بحثنا.
فمن خلال مراجعة معاجم اللغة ومراجعها، نجد أنّ لفظ (المِنْبَر) يعود إلى الفعل (نَبَرَ) فلنحاول معرفة معنى ذلك.
حينما يُقال نَبَرَ - الشيء - نَبْرَاً، أي رفعه. ويُقال نَبَرَ في قراءته أو غنائه، أي رفعه(1) .
ونَبَرَ الحرف ينبُرُهُ، أي الهمزة(2) .
ولهذا، فالنبرة: هي كل مرتفع من الشيء(3) .
____________________
(1) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، 2 / 933.
(2) الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، 2 / 142.
(3) المصدر نفسه، ص / 142.
وعن الجوهري، نَبَرْتُ الشيء أنبرهُ نبراً، رفعته(1) .
وعلى هذا، فإذا قيل: انتبر الجرح أي تورّم(2) .
وكل شيء رفع شيئاً فقد نبره(3) .
ومن كل ما مرّ بنا، عرفنا أنّ لفظ (نَبَرَ) يعني رفَع. ومن هنا جاء معنى المنبر. ولهذا يقول صاحب الصحاح: نبرتُ الشيء انبرهُ نبراً: رفعته، ومنه سميّ المنبر(4) .
المنبر: مرقاة الخطيب، يسمّى منبراً لارتفاعه وعلوّه. وانتبر الأمير: ارتفع فوق المنبر(5) .
وبهذا عُرّف المنبر في المعجم الوسيط، حيث ذكر:
المنبر: مرقاةٌ يرتقيها الخطيب أو الواعظ في المسجد، والجمع: منابر(6) .
ونلاحظ هنا إضافة المكان إلى لفظ المنبر، وهو المسجد، ولهذا سبب سيتّضح بيانه، حينما نذكر كيف بدأ اتخاذ المنبر للخطابة، وارتباط ذلك بالمسجد، ولأنّ الخطابة خارج المساجد لا تعتمد على المنابر عادةً، وكل ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.
أمّا صاحب المنجد، فإنّه يُضيف إلى تعريف المنبر أمراً آخر، وهو رفع الصوت، فيقول:
____________________
(1) الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين 4 / 263.
(2) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، 2 / 933.
(3) ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، 5 / 189.
(4) الجوهري، إسماعيل بن حمّاد: الصحاح، 2 / 821.
(5) المصدر نفسه، 5 / 189.
(6) مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، 2 / 933.
المِنبَرُ، (جمعهُ منابر): محلّ مرتفع يرتقيه الخطيب أو الواعظ، يكلّم منه الجمع، سُمّي به لارتفاعه، ولرفع الصوت عليه، وكُسرت الميم على التشبيه بالآلة(1) .
المبحث الأوّل: قبل الإسلام
إنّ الخطابة قديمة، قِدم تكوُّن المجتمعات البشريّة، وتعرّف الخطابة بأنّها: (صناعة علمية، بسببها يمكن إقناع الجمهور، في الأمر الذي يتوقع حصول التصديق به بقدر الإمكان)(2) . ولا نريد هنا الولوج إلى أعماق التاريخ، ومتابعة مسألة الخطابة، وكيف اهتمّت بها الشعوب المختلفة والأمم المتباينة، ولأنّ ذلك بحاجة إلى إشباع ومتابعةٍ، وقد نخرج بهما عن موضوع البحث حول المنبر الحسيني.
ولكن نريد هنا التوقّف، قليلاً، عند الخطابة عند العرب قبل الإسلام. وهل أنّ العرب عَرفوا المنبر؟ وكيف كانت خطابتهم؟ والهيئة التي يخطبون عليها؟ لأنّ ذلك يعتبر أمراً مرتبطاً بموضوعنا.
ومن خلال مراجعة، بعض كتب الأدب، نجد أنّ الخطابة، قبل الإسلام، كان لها الموقع المهم، في حياتهم الاجتماعية، والأدبيّة.
فقد كانت الظروف، جدُّ مهيأة للعرب قبل الإسلام في تطوّر الخطابة، من حيث اهتمامهم بقوّة البيان والفصاحة، وأجواء الحرّية وظروف المنازعات القبلية، أو مجالس الصلح بين القبائل، والمناسبات والأسواق التي تؤهلهم للرقي في مضمار الخطابة.
وكما تتفاخر إحياء العرب وقبائلهم بالشعراء، فكذلك نجدهم
____________________
(1) معلوف، لويس: المنجد، صفحة 785.
(2) المظفر، محمد رضا: المنطق، 2/269.
يتفاخرون بخطبائهم في المحافل...
يقول أحد الشعراء في مديح قومه:
وهـم يدعمون القولَ في كلِ موطنٍ |
بـكلِّ خـطيبٍ يـترك القوم كظّماً |
|
يـقومُ فـلا يـعيا الـكلامَ خـطيبنا |
إذا الكربُ أنسى الجبسَ أنْ يتكلّما(1) |
وتذكر بعض كتب الأدب، أنّ الخطيب صار يفضّل على الشاعر. فالجاحظ(2) يقول: (كان الشاعر في الجاهليّة يُقدّم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم، ويفخّم شأنهم، ويهوّل على عدوّهم ومن غزاهم، ويهيّب من فرسانهم، ويخوّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم، فيراقب شاعرهم.
فلمّا كثر الشعر والشعراءُ، اتخذوا الشعر مكسبةً، ورحلوا إلى السَوَقَةِ، وتسارعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، ولذلك قال الأوّل: (الشعر أدنى مروءة السريّ، وأسرى مروءة الدني)(3) .
____________________
(1) د. ضيف، شروقي: تاريخ الأدب العربي، 1 / 414 ومعنى البيتين: أنّ الشاعر حين يمتدح قومه يذكر أنّ من خصالهم؛ إنّهم يؤكّدون أقوالهم، عبر خطباء في غاية الفصاحة، والوصول إلى المرام بحيث يتركون الآخرين يمتلأون غيظاً وحنقاً بقوّة فصاحتهم وبيان حجّتهم. فالخطيب منهم؛ منطيقٌ لا يعجز عن الكلام، إذا اشتدّ الأمر وصعب الموقف، وليس هو بالجبان الذي يذهله الخوف عن الكلام. فالكرب يعني الشدّة والجبس هو الجبان.
(2) هو أبو عثمان عَمْر بن بحر بن محبوب الليثي البصري ولد بالبصرة (163 هـ) وتوفّي فيها. درّس في البصرة وبغداد، تُنسب إليه فرقة الجاحظية من فرق المعتزلة. متنوع المعرفة، راجح العقل كثير العلم. سجّل أحوال عصره وحياة رجال زمانه، له كتب مشهورة منها الحيوان في سبعة مجلدات، البيان والتبيين، البخلاء، توفّي في البصرة عام 255 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 5 / 74).
(3) الجاحظ، عَمْر بن بحر: البيان والتبيين، 1 / 136. ومعنى ذلك أنّ الشعر لمّا صار وسيلة للارتزاق والتكسّب وفقد أغراضه النبيلة، عاد الشعر ليحطّ من قدر الشريف الكريم، وليرفع من مستوى الهابط اللئيم.
والجاحظ لا يكتفي بمجرّد عرض هذا الرأي - في تفضيل العرب أخيراً الخطباء على الشعراء - بل نجده يرسل هذا الرأي إرسال المسلّمات، في موضع آخر من الكتاب نفسه؛ البيان والتبيين. فيقول: (وكان الشاعر أرفع قدراً من الخطيب، وهمّ إليه أحوج. لردّه مآثرهم، وتذكيرهم بأيامهم. فلمّا كثر الشعراء وكثر الشعر، صار الخطيب أعظم قدراً من الشاعر)(1) .
ولعل ذلك يبدو من خلال اهتمام العرب بحفظ أسماء الخطباء، وتسجيل خطبهم وحفظها، والإشارة إلى مواضع البلاغة والإبداع فيها.
ونجد ذلك واضحاً في كتب الأدب التي تناولت موضوع الخطابة عند العرب.
فمن مشاهير الخطباء: (قيس بن ساعدة الأيادي، ولقيط بن معبد، وزيد بن جندب، وصعصعة بن صوحان، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطّان، ومن الخطباء القدماء: كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب كافة، فلمّا مات أكبروا موته، وأرّخوا بموته إلى عام الفيل. ومن خطباء اليمن: حِمْيَر بن الصباح، وكان المفضّل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلّماً قاصّاً يقعد إليه عمرو بن عبيد...)(2) .
ولا يفوت الجاحظ أن يذكر العديد من مشاهير الخطباء، حسب قبائلهم وأحيائهم. وذلك في أكثر من موضع وموضع من كتابه الشهير: البيان والتبيين(3) .
ويتوقّف الدكتور شوقي ضيف، عند ظاهرة تفضيل العرب
____________________
(1) المصدر نفسه، 1 / 136.
(2) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد: محاضرات الأدباء، 1 / 138.
(3) الجاحظ، عمرو بن بحر: البيان والتبيين، 1 / 192، 188، 178، 158.
للخطباء على الشعراء أخيراً، ويحاول أن يعطي لذلك تعليلاً نعرضه إتماماً للفائدة، وإحاطة بالموضوع، فيذكر: «وربما كان من أسباب ذلك، ان الشاعر - إذا استثنينا زهيراً(1) - كان هو الذي يهيّج النفوس للحرب، بما يدعو للأخذ بالثأر، أمّا الخطيب؛ فكان غالباً يدعو إلى السلم، وأنْ تضع الحرب أوزارها بين القبائل المتخاصمة، وكثيراً ما يقف من قومه موقف الناصح الأمين، يهديهم ويرشدهم. أمّا الشاعر، فأكثر مواقفه هجاء، وتنابز بالألقاب والأحساب، والمآثر والمعايب»(2) .
إذن فقد برز دور الخطيب عند العرب، بما ناظر به الشاعر، أو ربّما بما زاد عليه.
ولما بزَغَ نور الإسلام، وعمّ ضياؤه أطراف جزيرة العرب، أخذت الوفود تترى على المدينة المنوّرة، تعلن إسلامها على يدي الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومعها شعراؤها وخطباؤها وكمثال على ذلك؛ قدوم وفد قبيلة تميم على الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة المنورة، سنة تسع للهجرة المباركة. وهم الذين نادوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من وراء الحُجُرات، ونزل فيهم قرآن.
ثمّ إنّهم بعد أنْ آذوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصياحهم خرج إليهم، فقالوا: (يا محمّد! جئناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا.
قال: نعم،
____________________
(1) هو زهير بن أبي سُلمى عاش وتوفّى 13 ق. هـ - 627م تقريباً، شاعر جاهلي من أصحاب المعلّقات دقيق الوصف، متين التنسيق، رزين متروّ، ميّال إلى الحكم يحث قومه على الصلح، يعتبر من أشعر شعراء عصره.
كانت قصائده تسمّى الحوليّات، كان ينظم القصيدة في شهر ويهذّبها في سنة. كان أبوه شاعراً وخاله شاعراً وأخته سلمى شاعرة وابناه كعب وبُجير شاعرين وأخته الخنساء شاعرة. توفّي 609م). (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 3 / 52).
(2) د. ضيف شوقي: تاريخ الأدب العربي، 1 / 416.
فأذنتُ لخطيبكم فليقل).
فقام خطيبهم، عطارد بن حاجب، وخطب. ثمّ التفت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لثابت بن قيس بن شماس أخِ الحارث بن الخزرج وقال له: (قم فأجب الرجل في خطبته)، ثمّ جاء دور الشعراء فأبرزوا شاعرهم الزبرقان بن بدر، فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى حسّان بن ثابت(1) ، ليجيب شاعرهم، حتى انتهى الأمر بإعلان إسلامهم ودخولهم في دين الله عزّ وجل(2) .
والملاحظ أيضا ً، أنّ كتب الأدب لم تكتفِ بمجرّد ذكر أسماء الخطباء أو بعض نماذج من خطاباتهم، بل إنّ هذه الكتب، قد أشارت، إلى أوصاف كل خطبة ومناسباتها(3) .
ومن تلك الخطب، كانت خطبة النكاح، حيث أكّد العرب؛ أنّه ينبغي على الخاطب أنْ يطيل، فيما ينبغي على المجيب أن يقصّر(4) .
وكنموذجٍ لذلك نذكر خطبة نكاح النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من خديجة (رض)(5) .
____________________
(1) حسّان بن ثابت الأنصاري ولد في يثرب، وهو من الشعراء المخضرمين، اتصل بالغساسنة وملوك الحيرة ومدحهم ثمّ أسلم وحسن إسلامه وصار من الأنصار. لقّب بـ (شاعر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم له ديوان شعر). مات في المدينة عام (673 م - 54 هـ) (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 174).
(2) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 2 / 377 - 380.
(3) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد: محاضرات الأدباء 1 / 137.
(4) الجاحظ، عمرو بن بحر: البيان والتبيين، 1 / 64.
(5) أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى القرشية، زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأولى أمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم القرشية، ولدت سنة 68 ق. هـ بمكّة، من سيدات قريش قبل الإسلام وكانت تلقّب بالطاهرة. أوّل أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأوّل امرأة آمنت به. بذلت أموالها في سبيل الله تعالى. توفيت في السنة العاشرة بعد البعثة النبوّة الشريفة ودفنت بمكّة المكرذمة.
(الزركلي، خير الدين: الأعلام 2 / 302).
حيث تولّى أبو طالب(1) عمُّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . ذلك قائلاً:
(الحمد لله، الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل ضئضئي معدٍ، وعنصر مضر، وجعلنا حَضَنة بيتهِ، وسُوّاس حرمهِ، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً، وجعلنا حكّام الناس. ثمّ إنّ ابن أخي هذا، محمّد بن عبد الله، لا يُوزن به رجل، إلاّ رجَح به شرفاً ونُبلاً وفضلاً وعقلاً، وإنْ كان في المال قلّ، فإنّ المال ظلٌ زائل، وأمرٌ حائل، وعاريةٌ مُسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأٌ عظيم، وخطرٌ جليل. وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذلك لها من الصداق: ما عاجله وآجله اثنتي عشرة أوقيةٍ ونشاً...)(2) .
عند ذلك قال عمّها، عمرو بن أسد(3) : (هو الفحل لا يقذع أنفسه، وأنكحها منه)(4) .
ثمّ لابدّ أنّ نتوقّف عند بيان الكيفية التي كان يتّبعها الخطيب أثناء خطبته حيث يمكن ملاحظة، ما يلي:
(1) إنّ العرب، كانت تستخدم العصا، أثناء خطبتها، إذ (كانت
____________________
(1) وهو عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم القرشي. ولد في مكّة قبل ثلاثين عاماً من عام الفيل. تولّى رعاية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاة جدّه عبد المطّلب. عرف بالمحامي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . توفّي في مكّة المكرّمة سنة 10 بعد البعثة، وهي عام وفاة خديجة الذي سميّ بعام الحزن. (القمّي، عبّاس: الكنى والألقاب، 1 / 108).
(2) الذرّية هي: الولد والنسل، الضئضئي: الأصل والمعدن، العنصر: الأصل، حضَنَة: جمع حاضن من الفعل حضَنَ: أي ضمّ الشيء إلى صدره وجعله في حضنِه، سوّاس: جمع سائس: من يرعى الشيء ويقوم بأمره. العارية: الشيء الذي تملك منفعتهُ بدون عوض. الأوقيّة: مقدار نصف رطل. النّش هو: النصف مِن كل شيء.
(3) وهو عم أمّ المؤمنين خديجة (رض).
(4) الحلبي، علي بن برهان الدين: السيرة الحلبية، 1 / 138 - 139. هو الفحل لا يقذع أنفسه: الفحل هو الذكر من كل حيوان، وهو الكريم النجيب أيضاً، وقذع الرجل أي شتمه ورماه بالفُحش ومعنى هذا القول هو الثناء والمدح وأنّه كريم لا تجد الشتيمة إليه سبيلاً لكرمه واصله وخلقه.
العرب تخطب بالمخاصر(1) ، وتعتمد على الأرض بالقسيّ، وتشير بالعصيّ والقنا)(2) ويقول شاعرهم مادحاً قومه:
يصيبون فصل القول في كل خطبةٍ |
إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر(3) |
قال شاعر آخر يخاطب رجلاً:
إذا اجـتمع القبائل جئت ردفاً |
أمـام الـماسحين لك السبالا |
|
فلا تعطى العصا الخطباء يوماً |
وقد تكفى المقادة والمقالا(4) |
بل يصل الأمر بهم، إلى القول: (إنّ حمل العصا والمخصرة، دليل على التأهّب للخطبة، والتهيّؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصورٌ عليهم ومنسوب إليهم)(5) .
ويظهر من عدّة نصوص، إنّ الخطيب لا بدّ أنْ يحمل بيده، شيئاً يشير به في خطبته، فبالإضافة إلى المخصرة (ربّما كان - المحمول باليد - قضيباً وربّما كانت العصا وربّما كانت قناة)(6) .
(2) يظهر كذلك أنّ المهم مع حمل العصا في الخطبة، كون الخطيب معتّماً بعمامة، أمّا الأمور الأخرى، فليست ذات أهميّة؛ يقول الجاحظ:
(فعند العرب: العمّة وأخذ المخصرة من السيما، وقد لا يلبس الخطيب الملحفة ولا الجبّة ولا القميص ولا الرداء، والذي لا بدّ منه
____________________
(1) المَخاصِر: جمع مِخْصَرة، وهي كالسوط، وقيل هي شيء يأخذهُ الرجل بيده ليتوكأ عليه، مثل العصا ونحوه. والقسيّ جمع القوس، والقنا، هي: الرماح.
(2) الجاحظ، عمرو بن بحر: البيان والتبيين، 1 / 197.
(3) المصدر نفسه: 1 / 198.
(4) المصدر نفسه: 1 / 199. ومعنى الردف هو التابع، والسبالا: جمع السبلة وهي اللحية المسبلة على الصدر، والقادة: هي القيادة.
(5) المصدر نفسه 3 / 61.
(6) المصدر نفسه 3 / 48.
العمّة والمخصرة. وربما قام فيهم، وعليه إزاره قد خالف بين طرفيه، وربما قام فيهم وعليه عمامته، وفي يديه مخصرته)(1) .
(3) كان الخطيب، إضافة إلى اعتماده على العصا أثناء خطبته، يرتقي على ظهور الرواحل(2) أحياناً لإلقاء خطبته، فيظهر من ذلك؛ إنّ العرب لم تكن تعرف المنابر قبل الإسلام، وإنّما كان ذلك بعد هجرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المدينة المنورة، كما سيتضح ذلك في هذا الفصل.
ويلجأ الخطيب إلى اتخاذ ظهور الرواحل كمنصّات للخطابة، في حال خطابتهم في الأسواق والمنتديات العامّة.
وقد سجّل أكثر من مصدر، سواء مصادر كتب الأدب أم السيرة، الرواية التي رواها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينما حَضَرَ عكاظ(3) وشاهد قس بن ساعدة(4) يخطب على راحلته. تلك الخطبة التي اشتهرت عنه، والتي منها... (أيّها الناس اجتمعوا فاسمعوا وعُوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، آيات مُحكماتٌ، مطرٌ ونباتٌ، آباء وأمهات، وذاهبٌ وآت..)(5) .
وبمناسبة ذكرٍ قس بن ساعدة الأيادي، فإنّ بعض الآراء تذهب إلى أنّ قس بن ساعدة، هو أوّل من اتكأ على العصا في خطابته، وأوّل
____________________
(1) المصدر نفسه 3 / 48.
(2) الرواحل؛ جمع راحلة، وهي التي يُرحل عليها ويُسافر من الإبل.
(3) عكاظ: من أسواق العرب في الجاهلية، تجتمع فيه القبائل عشرين يوماً في شهر ذي القعدة من كل عام، قرب الطائف. وكان الشعراء يحضرونه ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر. (معلوف، لويس: المنجد الإعلام، ص472).
(4) قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي، من بني إياد: أحد حكماء العرب ومن كبار خطبائهم في الجاهلية: يقال إنّه أول عربي خطب متوكّئاً على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه (أمّا بعد). من المعمّرين. أدرك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل النبوّة. مات نحو 23 قبل الهجرة - 600م.
(الزركلي، خير الدين: الأعلام 5 / 196).
(5) المصدر نفسه: 2 / 141.
من قال: (أمّا بعد) فيها، وهو أول من خطب على الراحلة كذلك(1) إذن العرب لم تكن قد عرفت المنبر قبل الإسلام، وكانت تستخدم العصّي، أو القسيّ تعتمد عليها أثناء الخطبة، وربما كانت تستخدم ظهور الجمال كمنابر في وقت الحاجة إلى ذلك.
وسنجد فيما سيأتي(2) ، إنّ حمل العصا صار سنّة. حيث قالت معظم المذاهب الإسلامية باستحباب، أنْ يتخذ خطيب الجمعةٍ العصا، أثناء خطابته، يتّكئ عليها.
المبحث الثاني: المنبر في الإسلام
عريقة هي علاقة الأديان السماويّة بمسألة الخطابة، وذلك واضح من خلال معرفتنا بأنّ الإنسان هو المُخاطَب، وهدايتُه واستقامته، هما هدف إرسال الأنبياءعليهمالسلام . ولهذا فقد ذكر القرآن الكريم في عدّة مواضعَ، خطابَ الأنبياء مع أقوامهم، بما يعكس لنا، حالة عرض الدين وقِيَمِهِ ومبادئه على الناس، في تجمعاتهم وأسواقهم ومحافلهم... ولهذا كان أسلوب الأنبياءعليهمالسلام ، في كثير من الأحيان هو أسلوب الخطابة، في شدّ الناس لدين الله وإقامة الحجّة والبرهان على صدق منهجهِم.
وتيمّناً، نذكر بعض مقالات الأنبياء وهم يخاطبون أقوامهم، داعين إلى دين الله:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )( 59 ) (3) .
( وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُون ( 124 ) أَتَدْعُونَ
____________________
(1) العسكري، الحسن بن عبد الله، الأوائل، ص67.
(2) وذلك في مطلب (خطب الجمعة) من هذا الفصل.
(3) سورة الأعراف: 59.
بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ( 125 ) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ )( 126 ) (1) .
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 142 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 143 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 144 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 145 ) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ) (2) .
( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )( 85 ) (3) .
وهكذا عشنا، مع أربعة أنبياء، وهم يعظون أقوامهم مخاطبين لهم.
والأنبياء، هم أول خطباء البشريّة. هناك روايات عدّة عن الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم تقول: (كان شُعيبُ خطيبَ الأنبياء)(4) .
ولمّا بدأ سيدُنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بدعوة الناس إلى دين الله، كان يلتقي الناس على مختلف طبقاتهم، يدعوهم إلى الإسلام، وكان يستثمر موسم الحج لبثّ مبادئ الدين الحنيف بين الناس.
حينما كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في مكّة المكرمة، لم يكن بحاجة إلى اتخاذ منبر للخطابة، نظراً لطبيعة دعوته فيها، وما يثيره المشركون ضدّه من إثارات، وما يعضونه في طريق الدعوة من عراقيل. وكانوا يمنعون الناس من الاستماع إلى كلامه ويصدّونهم عن حديثهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(1) سورة الصافّات: 123، 126.
(2) سورة الشعراء: 141، 146.
(3) سورة الأعراف: 85.
(4) الجاحظ، عَمْر بن بحر: البيان والتبيين، 1 / 113.
الطباطبائي، محمد حسين: تفسير الميزان، 10 / 361.
أمّا متى بدأ المنبر بالظهور في المجتمع والبيئة العربية والإسلامية؟ فقد كان ذلك في المدينة المنوّرة، بعد هجرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين إليها وتشريع صلاة الجمعة، حيث تأخذ خطبتا الجمعة حيّزاً مهمّاً وأساسيّاً في الصلاة.
لمّا هاجر النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، باتجاه يثربَ، بقي أيّاماً في قبا(1) ، وبعدها أكمل وجهته إلى المدينة المنوّرة، وفي طريق انصرافهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من قبا إلى المدينة، كانت هناك أول جمعة أُقيمت في الإسلام. حيث كان معه المهاجرون ومَن جاء من الأنصار لاستقباله ومَن نزل معه من أهل قبا.
وكان إقامة أول صلاة جمعة من الأحداث الهمّة، التي سجّلها كتّاب التاريخ والسيرة، فنجد في: (ذِكْر ما كان من الأمور أول سنةٍ من الهجرة... فمن ذلك تجميعهُصلىاللهعليهوآلهوسلم بأصحابه الجمعة، في اليوم الذي نزل فيه من قبا في بني سالم في بطن وادٍ لهم، وهي أول خطبة. وكان رَحَلَ من قباء يريد المدينة...)(2) ونجد كذلك في مصدر آخر: (فمن ذلك تجميعهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأصحابه الجمعة، في اليوم الذي ارتحل فيه من قباء. وذلك أنّ ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامداً المدينة. فأدركته الصلاة، صلاة الجمعة في بني سالم ابن عوف، في بطن وادٍ لهم، وقد اتخذ اليوم ذلك الموضع مسجداً - فيما بلغني - وكانت هذه الجمعة أول جمعة....)(3) .
وهناك تفصيلٌ أكثر، في مصدر ثالث، حينما يذكر لنا اسم ذلك
____________________
(1) قبا وقباء: وأصلها اسم بئر هناك عرفت القرية به، وهي على ميلين من المدينة، على يسار القاصد إلى مكّة فيها مسجد التقوى. (الحموي، ياقوت معجم البلدان، 4 / 342).
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، 2 / 76.
(3) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 2 / 114، أقول: ومسجد الجمعة اليوم من المساجد المعروفة ويقع بين قبا والمدينة.
الوادي الذي أٌقيمت فيه أول صلاة جمعة: (... وكان بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاع النهار... حتى أدركتهُ الصلاةُ في بني سالم، فصلّى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جُمعة صُلّيت في الإسلام،... وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادي رَانُونَاء إلى هذه الغاية...)(1) .
وأوردتْ عدةُ مصادر نص خطبتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في أول جمعة في بني سالم، ونذكرها في الملحق، معتمدين على ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه الأوّل.
وإلى هنا، فالمنبر لم يبرز ولم يذكره أحد. حتى دخل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة، وأوعز ببناء المسجد الشريف، ومن بعد ذلك أُقيمت أول جمعة في المدينة المنورة. وهكذا أخذ المسلمون، ولاسيما المهاجرون منهم، يعيشون أجواء الأمان والاستقرار، يقصدون المسجد، ينهلون من نمير أخلاق الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وتوجيهاته، ولاسيما في خطب الجُمَع.
أمّا كيف ومتى، أُنشِئ المنبر في المسجد ولم يكن موجوداً في أول الأمر؟ فإن كُتُب السيرة أوردت عدّة روايات في هذا الصدد..
(1) رواية، تعزو اقتراح بناء المنبر إلى تميم الداري(2) ، (كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائماً، فقال: إنّ القيام قد شقّ عليّ، فقال له تميم الداري: ألا أعملُ لك منبراً كما رأيت يُصنع في الشام؟ فشاور الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين، فقال عباس بن
____________________
(1) المسعودي، علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجواهر، 2 / 279.
(2) تميم الداري: هو تميم بن أوس بن حارثة الداري، صحابي، كان نصرانيّاً وقدم المدينة وأسلم سنة تسع للهجرة هو وأخوه نعيم. وكان راهب فلسطين وهو أول من قصّ. انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان. (العسقلاني، أحمد بن حجر: الإصابة 1 / 488).
عبد المطّلب(1) : إنّ لي غلاماً يُقال له كُلاب، أعملُ الناس. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم مرهُ أنْ يعمله، فأرسلهُ إلى أثلة(2) بالغابة فقطعها ثمّ عمل منها درجتين ومقعداً، ثمّ جاء به فوضعه في موضعه اليوم)(3) .
ويشرح صاحب السيرة الحلبية مقالة تميم الداري (كما يصنع في الشام) فيقول: (أي تصنعه النصّارى في كنائسهم لأساقِفتهم تُسمّى المرقاة يصعدون إليها عند تذكيرهم)(4) .
فهل يعنى هذا، أنّ المنبر الذي صُنع ووضع في المسجد، كان شبيهاً بمنصّات الكنائس؟ أم أنّ الفكرة أُخذت فقط، ومن ثمّ صُنع المنبر في هذا الشكل، الذي نجده اليوم مختلفاً عن منصّات الكنائس الحالية؟ الظاهر من النّص السابق، إنْ المنبر لم يكن شبيهاً بمنصّات الكنائس.
(2) إنّ المنبر كان باقتراح من المسلمين، دون ذكر أحدٍ منهم بالخصوص. حيث تذكر بعض المصادر، إنّ المسلمين هم الذين بادروا بذلك، بعدما كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يتّكئ على جذع، (فقال له أصحابه: يا رسول الله، إنّ الناس قد كثروا، فلو اتّخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس! فقال:(ما شئتم). قال سهل(5) : ولم يكن
____________________
(1) عبّاس بن عبد المطّلب الهاشمي القرشي: عمّ النبي، وهو آخر من بقي منهم بعد وفاته. حيث توفي سنة 32 هـ في المدينة. إليه ينتسب العباسيون. أسر في معركة بدر من قبل المسلمين أسلم وحسن إسلامه قاتل مع المسلمين في واقعة حنين. كان سخياً وجواداً، توفي بالمدينة. (معلوف، لويس: المنجد 2 / 446) وغيره.
(2) الأثلة: نوع من الشجَر يكون في الأراضي الصحراوية، واعمل الناس أي أكثرهم خبرة في العمل.
(3) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 525.
(4) الحلبي، علي بن برهان الدين: السيرة الحلبية، 2 / 138.
(5) هو سهل بن سعد بن مالك الخزرجي الأنصاري الساعدي، كان عمره خمس عشرة سنة حينما مات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم . وطال عمره حتّى أيام الحجاج، وامتحن معه، وكان عمره حين وفاته ست وتسعين وقيل مِئة سنة، ويقول هو آخر من بقي من الصحابة بالمدينة. (ابن الأثير علي بن عبد الواحد: أسد الغابة، 2 / 576).
بالمدينة إلاّ نجّار واحد، فذهبتُ أنا وذلك النجّار إلى الخافقين فقطعنا هذا المنبر من أثلةٍ. قال: فقام عليه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ...)(1) .
وفي رواية أُخرى، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حينما أُقترح عليه اتخاذ شيءٍ يقوم ومحل الجلوس، فكان ثلاث درجات، وقام عليه في يوم الجمعة...)(2) .
ففي الرواية الثانية، نجد أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر صراحةً ببناء منبر، ولم يترك الأمر لاختيار صحابته، الذين اقترحوا عليه أنْ يتّخذ شيئاً يقوم عليه أثناء خطبته.
(3) إنّ المنبر كان باقتراح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(.. حدّثني مَن سمع جابر بن عبد الله يقول: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقوم على جذع نخلةٍ منصوبٍ في المسجد، حتى إذا بدا له أنْ يتّخذ المنبر، شاور ذوي الرأي من المسلمين، فرأوا أنْ يتّخذه، فاتخّذه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم )(3) .
ويؤيّد ذلك مصدر آخر، حيث يذكر: (وقال سهل بن سعد: أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى فلانة - امرأة سمّاها سهل - أنْ مُري غلامك النّجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهنّ إذا كلّمت الناس، متّفق عليه)(4) ومنه يفهم أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو صاحب الاقتراح.
(4) إنّ المنبر كان باقتراح مِن أحد الصحابة لم يذكر اسمه.
____________________
(1) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 251.
(2) الحلبي، علي بن برهان الدين: السيرة الحلبية، 2 / 137.
(3) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 251.
(4) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد: المغني الكبير، 2 / 144.
فحينما (كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلّي إلى جذع، إذ كان المسجد عريشاً، فكان يخطب إلى ذلك الجذع. فقال رجلٌ من أصحابه: يا رسول الله، هل لك أنْ أعمل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة، حتى يراك الناسُ وتُسمعَهم خطبتكَ؟ قال: (نعم)، فصُنع له ثلاث درجات هنّ اللائي على المنبر...)(1) .
ويمكن أنْ نجمع بين القول الأوّل؛ بأنّ الذي اقترح إشادة المنبر، هو تميم الداري وبين القول الرابع، والأخير، من أنّ ذلك، باقتراح من صحابي، لم يُذكر اسمه، من احتمال؛ أنْ يكون الصحابي هو نفسه تميم الداري، والله أعلم.
وهكذا عرفنا السبب في بروز المنبر في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة المنورّة، حتى أصبح المنبر أساسيّاً في إنشاء المساجد، وإلى جانب المحراب يقوم المنبر في تناغم وانسجام بين الصلاة والخطابة، في تصاميم المسجد وبنائها، ونشر قِيَم الإسلام ومبادئه.
واكتسب المنبر قدسيّةً وحرمةً متميزة، بما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مِن أحاديث تبيّن ذلك وتوضّحه، فمّما نقل عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
(منبري هذا على تُرعة(2) مِن ترع الجنّة، وقوائم منبري رواتب(3) في الجنّة).
(ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنّة).
(منبري على حوضي)(4) .
____________________
(1) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 252.
(2) الترعة: مسيل الماء إلى الروضة.
(3) رواتب جمع راتب، وهو الثابت.
(4) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 251.
وسنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأيمان على الحقوق عند منبره، وقال:
(مَن حَلَف على منبري كاذباً، ولو على سواك أراكٍ، فليتبوّأ مقعده من النار)(1) .
(وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط، قال: رأيت ناساً من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذا خلا المسجد، أخذوا برمّانِة المنبر الصلعاء، التي تلي المنبر، بميامنهم، ثمّ استقبلوا القبلة يَدْعون)(2) .
وأمّا عن الكيفية، التي كان يخطب عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد سجّلتْ ذلك بعض المصادر حيث (جاء: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كان على المنبر، يعتمد على عصاً من الشوحط(3) . وفي الهدى، لم يعتمد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في خطبته على سيفٍ أبداً، وقبل أن يُتخذ له المنبر كان يعتمد على أقواسٍ أو عصا، وقيل: كان يعتمد على قوسٍ إنْ خطَب في الحرب، وعلى عصا إنْ خطب في غيره...)(4) .
وكما سبق ذكره سنجد، كيف أنّ أخذ العصا أثناء الخطبة صار سُنّة يستنّ بها خطيبُ الجمعة، كما سننقل ذلك، عن آراء المذاهب الإسلامية. ومن المصادر الأخرى، التي أشارت إلى كيفيّة الخطبة:
(كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يتوكّأ على عصاً، يخطب عليها يوم الجمعة، وكانت من شوحط)(5) . (وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطب بالقضيب...)(6) .
____________________
(1) الحلبي، علي بن برهان الدين: السيرة الحلبية، 2 / 139. السواك: هو الذي تدلك به الأسنان وتنظف. أراك: شجر صحراوي طيّب الرائحة.
(2) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 254.
(3) الشوحط: وهي من شجر الجبال، جبال السراة.
(4) الحلبي، علي بن برهان الدين السيرة الحلبية، 2 / 139.
(5) ابن سعد، محمد بن سعد البصري: الطبقات الكبرى، 1 / 250.
(6) الجاحظ، عمرو بن بحر: البيان والتبيين، 3 / 34. القضيب: العصا.
والذي نصل إليه في هذا المبحث، أنّ المنبر إنّما عرفُه المسلمون بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وبروز الحاجة إلى مرقاة يرتقيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أثناء خطبته في يوم الجمعة، لاسيّما بعد ازدياد عدد المسلمين، واكتظاظ المسجد بالمصلّين، فكان المنبر جهازاً إعلاميّاً مباركاً، مارس دوره، ولا يزال، في مساجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
منبر الجمعة
إذا ذكرت الكتب المهتمّة بعالم الخطابة، أنواع الخطبة، فإنّها تقسّمها إلى: خطبة اجتماعية، وسياسية، وعسكرية، واقتصادية، والخطبة الدينية... إلخ.
ولعل الخطبة الدينية، هي من أقدم أنواع الخطب، ولقد كان الأنبياءعليهمالسلام أوّل خطباء البشرية، كما سبق الإشارة إلى ذلك.
وتعتبر خُطبة الجمعة في التشريع الإسلامي، أهم الخطب الدينيّة، حيث اللقاء الأسبوعي مع المصلّين، وفيها بيان أحكام الدين، والدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وتربية المجتمع تربيةً صالحة، والبحث في شؤون المسلمين.
وقد عرفنا قبل قليل، أنّ صلاة الجمعة، لم تشرّع في مكة، وإنّما شُرّعت بعد الهجرة وإنّ أول جمعةٍ أُقيمت، كانت في بني سالم، في منصرف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من قباء إلى المدينة المنورة، ولهذا لابدّ لنا هنا أنْ نتوقف عند منبر الجمعة، وآراء مذاهب المسلمين في شروط خطبة الجمعة وسننها، كمقدّمة لمعرفة المنبر الحسيني وأوجه المقارنة بين المنبرين؛ منبر الجمعة والمنبر الحسيني، موضوع البحث.
فالشافعية يقولون: (ولا تصحّ الجمعة حتى يتقدمها
خطبتان.....
(وفرضها - الخطبة - أربعة أشياء؛ أحدها: أنْ يحمد الله تعالى.... والثاني: أنْ يصلّي على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ... والثالث: الوصية بتقوى الله عزّ وجل.... والرابع: أنْ يقرأ آية من القرآن...)(1) .
ثمّ تذكر سنن الخطبة، وفق المذهب الشافعي، (وسننها: أنْ يكون على منبر، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يخطب على منبر، ولأنّه أبلغ في الإعلام. ومن سننها، إذا صعد على المنبر، ثمّ أقبل على الناس، أنْ يسلّم عليهم... ومن سنها، أنْ يجلس إذا سلّم حتى يؤذّن المؤذِّن.. ويستحب أنْ يعتمد على قوس أو عصا... ومن سننها أنْ يقبل على الناس ولا يلتفت يميناً وشمالاً...)(2) .
أمّا المذهب الحنفي، فقد (قال أبو حنيفة: أنّ الشرط؛ أنْ يذكر الله تعالى على قصد الخطبة، وكذا نُقِلَ عنه في الالي مفسّراً، قلّ الذكر أم كثر، حتى لو سبّح وهلّل أو حمد الله على قصد الخطبة أجزأه)(3) .
(وأمّا سنن الخطبة: فمنها أنْ يخطب خطبتين... يخطب خطبة خفيفة، يفتتح فيها بحمد الله تعالى ويثني عليه، ويتشهد، ويصلّي على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويعظ ويذكّر، ويقرأ سورة ثمّ يجلس جلسة خفيفة، ثمّ يقوم فيخطب خطبة أُخرى، يحمد الله ويثني عليه، ويصلّي على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات... ومنها أنْ يخطب قائماً... وأنْ يستقبل القوم بوجهه)(4) .
____________________
(1) الفيروز آبادي، إبراهيم بن علي: المهذّب في فقه الإمام الشافعي، 1 / 209 - 210.
(2) المصدر نفسه 1 / 211.
(3) الكاساني الحنفي، علاء الدين بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1 / 262.
(4) المصدر نفسه، 1 / 263.
وهذا المصدر، لم يُشِرْ إلى مسألة المنبر، أو العصا في سنن خطب الجمعة، فيما يذكر صاحب كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة): إنّ من سنن الخطبة عند الحنفية (وأنْ يعتمد على سيف، متّكئاً عليه بيده اليسرى، في البلاد التي فُتحت عنوة، بخلاف البلاد التي فُتحت صلحاً فإنّه يخطب فيها بغير سيف)(1) .
أمّا على المذهب المالكي، فإنّهم يؤكّدون، أنّ (الخطبة فرض في الصلاة، قاله جمهور المالكية.. ويكفي من ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم اللغوي: أعني اسم خطبة عند العرب)(2) .
ولم يذكر هذا المصدر سنن الخطبة ولهذا رجعت إلى كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة)، والذي ذكر ان من سننها عن المالكية: (ويُندب أنْ تكون الخطبةُ على منبر، والأفضل أنْ لا يصعد إلى أعلاه بغير حاجة... وأنْ يسلّم للناس حال خروجه للخطبة.. وأنْ يعتمد في الخطبتين، على العصا ونحوها، وابتداء كل من الخطبتين، بالحمد والثناء على الله تعالى)(3) .
وما يقوله المذهب الحنبلي، فإنّ من شروط الخطبة يوم الجمعة (اشتراط القيام في الخطبة، وأنّه من خطب قاعداً، بغير عذر لم تصح.. ويشترط لكل واحدةٍ منهما - الخطبتين - حمداً لله تعالى، والصلاة على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ... فأمّا القراءة، فقال القاضي: يحتمل أنْ يشترط لكل واحدة من الخطبتين...)(4) .
أمّا سنن الخطبة، عند الحنابلة، (فيُستحب أنْ يُصعد للخطبة،
____________________
(1) الجزيري، عبد الرحمان: الفقه على المذاهب الأربعة، 1 / 396.
(2) القرطبي، محمد بن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 1 / 160.
(3) الجزيري، عبد الرحمان: الفقه على المذاهب الأربعة، 1 / 395.
(4) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد: المغني، 2 / 152.
على منبر ليُسمع الناس ويستحب أنْ يكون المنبر، على يمين القبلة، يستحب للأمام، إذا خرج أنْ يسلّم على الناس، إذا صعد المنبر، فاستقبل الحاضرين، سلّم عليهم وجلس... ويستَحب أنْ يعتمد على قوسٍ أو سيفٍ أو عصا...)(1) .
والذي تذهب إليه الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، في واجبات صلاة الجمعة أنّه (يجب فيها - صلاة الجمعة - تقديم الخطبتين المشتملتين، على حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله والوعظ، وقراءة سورة خفيفة...)(2) .
(ويستحب بلاغة الخطيب ونزاهته، ومحافظته على أوائل الأوقات، والتعمّم شتاءً وصيفاً للتأسّي، مضيفاً إليها الحنك والرداء، ولبس أفضل الثياب والتطيّب، والاعتماد على شيءٍ حال الخطبة، من سيفٍ أو قوسٍ أو عصا للإتّباع..)(3) .
وأمّا الزيدية، فإنّ من السنن التي يرونها في خطبتي صلاة الجمعة، أنّه قد (ندب في الأولى الوعظ، وسورة وفي الثانية، الدعاء للإمام الصادق، صريحاً أو كناية ثمّ للمسلمين. وفيها القيام، والفصل بقعود أو سكتة، ولا يتعدّى ثالثة المنبر، إلاّ لبعد سامع، والاعتماد على سيف أو نحوه، والتسليم قبل الأذان)(4) .
____________________
(1) المصدر نفسه، 2 / 144 - 1 / 155.
(2) العاملي، محمد بن مكّي: اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، 1 / 296.
(3) المصدر نفسه، 1 / 298.
(4) اليماني، أحمد بن يحيى: الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، ص11.
المنبر الحسيني
سبق لنا، وأنْ عرّفنا(المنبر) ، لغةً واصطلاحاً، في أوّل هذا الفصل.
وبقي علينا أنْ نعرّف اللفظ المركّب، من المنبر وإضافته إلى (الحسيني). كما لا بدّ، أنْ نوضّح، لماذا أضيف المنبر إلى (الحسيني) هنا، ولمْ يُضفْ إلى (العلوي) أو (الحسني) مثلاً.
أمّا لفظة منبر، فقد سبق لنا الوقوف على تعريفها.
وأمّا (الحسيني) فإنّ (الحسين) هنا هو الذي نعني به: الإمام السبط الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، الشهيد بكربلاء يوم عاشوراء عام 61 للهجرة، وأُمّه فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
إذن، فهو منبر مضاف إلى الإمام الحسينعليهالسلام ، والياء للنسبة.
وإذا أردنا أنْ نعرّفالمنبر الحسيني ، فيمكن لنا أنْ نقول:
إنّ المنبر الحسيني عبارة عن نوعٍ من أنواع الخطابة الدينية عند أغلب المسلمين الشيعة(1) ، يعرّج في نهايتها - وبأسلوب فنّي خاص - على ذكر فاجعة مؤلمة، من فجائع مقتل الإمام الحسين، أو أهل بيته، أو أصحابه، يوم عاشوراء. أو ما جرى على عياله بعد مقتله، أيام السبا(2) . ولابدّ أنْ يقترن هذا الذكر، بأشعار مختارةٍ من الرثاء سَواء
____________________
(1) إنّما قلنا (أغلب) لأنّ أتباع المذهب الإسماعيلية في شبه القارة الهنديّة، المعروفين بالبهَرة، يقيمون هذه المنابر أُسوة بالاثني عشرية. فيما لا يقيمها أتباع الآغاخان من الإسماعيليين. بينما لا يعرف الشيعة الزيديون هذا النمط من المنابر كذلك. والغالبية هنا تعود إلى أنّ الشيعة الاثني عشرية يشكّلون غالبيّة الشيعة حالياً.
(2) وهي الأيام التي بدأت بعد يوم عاشوراء، أي يوم 11 محرّم سنة 61 هـ، إلى نهاية شهر صفر من نفس السنة، إذ وصل الحسين إلى كربلاء في اليوم الثاني من المحرّم عام 61 هـ. وقُتل في العاشر منه. وأُخذت نساؤه وعياله وأطفاله سبايا، يوم الحادي عشر من =
أكان بالشعر العربي الفصيح، أم بالشعر الشعبي العاميّ. كما ويتميز بمقدمةٍ، تُقرأ بصورة خاصة. ويمكن أنْ يبدأ هذا المنبر - هذا الخطبة - في بعض الأحيان، بقصيدة يعرّج منها إلى ذكر أحدى الفجائع التي جرت للحسينعليهالسلام ، أو لِمن كان معه، فيكون في مقدّمته ونهايته يتضمّن ذلك الشدّ العاطفي. يتخللها الموضوع الذي يطرقه خطيب المنبر الحسيني.
ومن هنا، عرفنا سبب هذه النسبة، إلى (الإمام الحسين)، دون سواه من أئمة أهل البيت. ذلك؛ لأنّه منبر لابدّ فيه، من ذكر إحدى المصائب المرتبطة بالإمام الحسين دون أي إمام آخر، والأمر راجع إلى الخصوصيّة المأساويّة والفجائعيّة الحزينة، التي تميّزت بها عملية استشهاد الإمام الحسين، هو وأهل بيته وأصحابه، وما جرى على نسائه وأطفاله بعده من آلام السبا، بما لم تحدث حتّى مع من هو خيرٌ منه؛ كجدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبيه علي وأمّه وأخيه.. ولما توارثه الشيعة عن أئمتهم، في الحثّ على إقامة مجالس عزاء الإمام الحسينعليهالسلام .
ولهذا لا يقال منبر (علوي) لأنّه ليس منبر يهتم - فَرَضَاً - ببلاغة الأئمّة، فيفضّل علياًعليهالسلام على غيره، أو (منبر حسني). أو حتى (منبر محمديصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرته. أو بقية الأئمّة والصحابة، ورموز الإسلام. ولكن -
____________________
= المحرّم، من كربلاء باتجاه الكوفة، ومنها إلى دمشق. حيث وصلوها في أوّل شهر صفر من السنة نفسها ثمّ عادوا إلى المدينة. ويقال: إنّهم مرّوا بكربلاء، في طريق العودة وذلك في العشرين من شهر صفر من السنة نفسها. (الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، حوادث سنة 61 هـ، ولاحظ منها 3 / 298، 300)، (الخوارزمي، الموفق بن أحمد: مقتل الحسين، 2 / 62).
في نهاية الخطبة - لا بدّ من ربط الموضوع بمصيبة الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء، كما أسلفنا.
وستتّضح الصورة إنْ شاء الله تعالى، في الفصل الرابع من هذا البحث، حينما نتعرّض إلى موضوع (هيكلية المنبر الحسيني)، بتفصيل يفي بالتوضيح، ولأنّ منبر الجمعة منبرٌ معروفٌ ومألوفٌ من قِبَل جميع المسلمين، بينما يكون المنبر الحسيني مقتصراً على أتباع المذهب الأمامي الاثني عشري بشكلٍ خاص وواضح تقريباً.
ولكي نوضّح واقع المنبر الحسيني، نعقد مقارنةً بينه وبين منبر الجمعة.
وسنحاول أنْ تكون أوجه المقارنة، من لحظات مختلفة؛ مساهمة في إجلاء الصورة، وذلك من خلال ما يلي:
(1) الموقع: فموقع منبر الجمعة - كما هو معروف - المساجد، وعلى يمين المتّجه نحو المحراب، ولا يخرج من المساجد(1) . أمّا المنبر الحسيني فقد يكون في المساجد، وقد يكون في (تكايا) خاصّة تقام لأجل خطابة المنبر الحسيني (الحسينيات)(2) ، أو في البيوت، أو الأسواق، أو الساحات العامّة.
ويمكن أنْ يكون المنبر مجرّد كرسي عادي، يطرح عليه قماش
____________________
(1) وممّا ذكره أبو هلال العسكري، في كتابه الأوائل صفحة 247 (أوّل مَن أخرج المنبر في يوم العيد مروان فبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام إليه رجل فقال: خالفت السنّة، فأخرجت المنبر ولم يكن يُخرَج وبدأت بالخطبة قبل الصلاة).
(2) الحسينيات: جمع مفردها (حسينيّة) وهي (تكية) تبنى لأجل إقامة عزاء الإمام الحسين وسيأتي تفصيلٌ عنها في الفصل الرابع تحت عنوان (أماكن إقامة المنبر الحسيني)، ص248.
أسوَد، ويطلق عليه حينئذٍ (منبر). وإنْ كان في الواقع كرسيّاً أو أي شيء يجلس عليه، ولاسيما إذا أُقيمت المجالس في القرى أو الأماكن التي تخلو من المنابر.
(2) هيئة الخطيب: فخطيب منبر الجمعة، يكون قائماً، وهو يخطب في المصلّين. أمّا خطيب المنبر الحسيني اليوم، فيكون جالساً على آخر مرقاة، أو أي مرقاة يختارها(1) .
والسنّة - كما عرفنا - في الخطيب، أنْ يكون قائماً و(أوّل من خطب جالساً معاوية)(2) ولا يُعلم متى صار خطيب المنبر الحسيني، يجلس في خطبته.
كما يمكن لخطيب منبر الجمعة، أنْ يحمل بيده ورقةً فيها خطبته، أو نقاطها المهمّة. فيما جرت العادة أنّه لا يمكن لخطيب المنبر الحسيني أنْ يحمل معه أي ورقة، بل يُعدّ ذلك قَدحاً في منزلته الخطابيّة، وملكة الحفظِ؛ التي تُعتبر رَكناً أساسيّاً في مواصفات الخطيب الحسيني - كما سيأتي في فصل لاحق -.
(3) الوقت: إذ من المعلوم أنّ منبر الجمعة إنّما يُعقد في يوم الجمعة، بعد أذان الظهر، وقبل صلاة الجمعة. أمّا المنبر الحسيني، فليس له وقت معيّن، فيمكن أنْ يعقد فجراً أو صباحاً أو ظهراً أو ليلاً، بل وفي أي ساعة من ساعات النهار أو الليل وحسب الظروف. نعم، إنّ المنابر المهمّة تعقد عادةً في المساء، ولاسيما ليلاً. بينما تعقد مجالس البيوت والأسواق صباحاً أو نهاراً، عادة. ويمكن لهذه المنابر أنْ تعقد في أي يوم من أيّام الأسبوع طوال أشهر السنة.
____________________
(1) هكذا هي العادة المتّبعة اليوم، وربما قام بعض خطباء المنبر الحسيني - أثناء خطبتهم - في بعض الأوقات في بعض مجالس بلدان الخليج.
(2) العسكري، الحسن بن عبد الله: الأوائل، ص240.
(4) المادّة: قد مرّ بنا، ما قالته المذاهب الإسلاميّة، حول خطبة الجمعة، وشروط كل خطبة من الخطبتين، وسنّها وآدابها؛ مَن حمد الله والثناء عليه، والصلاة على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو قراءة شيء من القرآن، والدعاء للمسلمين. ولخطيب الجمعة، أنْ يذكر ما يراه مناسباً من المواضيع التربويّة، أو الاجتماعية، بل حتّى السياسيّة والاقتصادية، وذلك حسب حاجة المجتمع، وظروفه.
أمّا بالنسبة لخطيب المنبر الحسيني، فإنّه مُلزمٌ بمقدّمة يُعرف بها المنبر الحسيني وتقرأ بطريقة معيّنة أولاً.
وثانياً، هو ملزمٌ أيضاً بأنْ ينهي خطابته، بذكر مصيبة من المصائب والفجائع، التي جرت على الإمام الحسينعليهالسلام ، وأهل بيته وأصحابه، كما أسلفنا وبالشعر الرثائي.
أمّا ما بين تلك المقدّمة، وهذه النهاية فإنّ لخطيب المنبر الحسيني، الحرية الكاملة، في اختيار نوع الموضوع، وأسلوبه، وفي مختلف شؤون الحياة. وبهذا يتميّز الخطيب المطّلع المُتابع عن غيره، من الخطباء الحسينيين. من حيث سعة الثقافة، وإحاطته بالعوم المختلفة، وسنوضح ذلك لاحقاً.
(5) خطيب الجمعة، يمارس خطابته في مسجد خاص عادة، لا ينتقل منه إلى غيره وإنْ حدث فبعد مدة وقد تكون طويلة عادة. فلكل مسجد خطيبه الخاص به.
أمّا خطب المنبر الحسيني، فشأنه التنقّل في محاضراته - حسب الدعوات الموجّهة إليه - فقد يقضي العشرة الأولى من محرّم، في مكان، والثانية منه في مكان آخر، وهكذا في شهر صفر. كما وقد يدعى لإلقاء محاضرات، في شهر رمضان، في نفس الأماكن السابقة أو أماكن أخرى، وربّما في دولة أخرى.
هذه النقاط الخمس، والتي قارنّا من خلالها، ما بين خطبة
الجمعة من جهة، وخطبة المنبر الحسيني وخطيبيهما - ولو بشكل سريع - من جهة أخرى، أحسبها قد أسهمت في رسم ملامح ولو عامة، للمنبر الحسيني، ونقاط اللقاء أو الاختلاف بين المنبرين. والذي وصلنا إليه، أن المقصود بالمنبر الحسيني، نوع من أنواع الخطبة الدينية، فإذا قيل المنبر الحسيني، فإننا لا نقصد به المنبر الخارجي، المصنوع من الخشب أو غيره، وإنما نقصد؛ الخطبة الخاصة به، وإذا قيل عن رجل انه منبري، فإننا نعني به انه خطيب.
كما أنّ هناك عدّة ألفاظ مرادفة(1) لمؤدّى لفظة (المنبر الحسيني)، ستصادفنا أثناء الكتاب مثل لفظة (المأتم الحسيني) و(المجلس الحسيني) و(مجلس تعزية) و(مجلس عزاء). وذلك حسب اختلاف المصطلحات المستعملة في المناطق الشيعية المختلفة.
وستكون مباحث الفصول القادمة - إنْ شاء الله تعالى - كفيلةً بإعطاء صورة واضحة المعالم، عن موضوع بحثنا (المنبر الحسيني).
ومِن الله تعالى نستمد التسديد والتوجيه، وهو المستعان.
ملحق: أوّل خطبة جمعة
أوّل خطبة جمعة خطبها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
(أخبرنا أبو أحمد، عن عبد الله بن العبّاس، عن الفضل بن عبد العزيز، عن إبراهيم الجوهري، عن الواقدي، قال: حدثنا أبو سعيد القرشي.
قال: أوّل خطبة خطبها الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في يوم أوّل جمعة، صلاّها في بني سالم فقال:
____________________
(1) الألفاظ المترادفة: ألفاظ مختلفة موضوعة لمعنى واحد. مثل أسد وسبع وليث.
(الحمدُ لله أحمده وأستعينُه، وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفرهُ، وأعادي من يكفرهُ، وأشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبدُه ورسولُه، أرسله بالهدى والنور والموعظَة، على فترةٍ من الرسُلِ وقلّةٍ من العمل، وضلالةٍ من الناس، وانقطاعٍ من الزمان، ودنوٍ من الساعة وقرب من الأجل، مَن يُطع الله ورسوله فقد رشَد، ومَن يعصي الله ورسوله فقد غوى وفرطَ وضلّ ضلالاً مبيناً).
(أوصيكم بتقوى الله، فإنّه خيرُ ما أوصى به المسلمُ المسلمين، أنْ يحضّهم على الآخرةِ، ويأمرهم بالتقوى. فاحذروا ما حذّركم الله من نقمته، فلا أفضل من ذلك نصيحةً، ولا أجلّ منه ذكرى، تكون لمن عمل به على وجلٍ ومخافةٍ من ربّه، عونَ صدقٍ على ما ينوي، بذلك من أمر آخرته، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره، في السّرِ والعلانية، لا ينوي بذلك إلاّ وجه الله، يكن ذلك دَرَكاً لعاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما سوى ذلك( تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) (1) .
فسبحان الذي صدق قوله وأنجز وعده، بلا خلف، لقوله ذلك فإنّه يقول:( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) (2) فاتقوا الله في عاجل أمركم، وآجله، في السرّ والعلانية فإنّه( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ) (3) ومَن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وإنّ تقوى الله تقوى نعمته، وتقوى سخطهِ. وإنّ تقوى الله تبيّض الوجه وتُرضي الربّ، وترفع الدرجة.
خذوا بحقّكم، لا تفرّطوا، وأحسنوا كما أحسن الله إليكم،
____________________
(1) 30 / سورة آل عمران.
(2) 29 / سورة ق.
(3) 5 / سورة الطلاق.
وعادوا أعداءه( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) (1) وسمّاكم المسلمين( فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )( 43 ) (2) .
ولا قوّة إلاّ بالله، أكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإنّه من يُصلح ما بينه وبين الله، يكْفِهِ الله الذي بينه وبين الناس. ذلك بأنّ الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملكُ من الناس ولا يملكون منه)(3) .
____________________
(1) 78 / سورة الحج.
(2) 43 / سورة الأنفال.
(3) العسكري، الحسن بن عبد الله: الأوائل ص11، وقد أورد ابن هشام، في سيرته نصاً آخر يمكن مراجعته 2 / 110.
الفصل الثاني:
نشوء المنبر الحسيني
تمهيد
لقد كان لقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، ومن كان معه من أهل بيته وأنصاره، ثمّ لحمل رأسه بعد الواقعة، أثر كبير على مشاعر المسلمين وعواطفهم. انعكس في مظاهر الحزن والبكاء، (وكان مقتله (رض) يوم الجمعة عاشر المحرّم، وقد ظل هذا اليوم، يوم حزن وكآبة عند جميع المسلمين)(1) وبرزت بعض مظاهر الحزن هذه، أحياناً، في تجمّع هنا أو هناك يقام للنوح والبكاء على الإمام الحسين، إمّا تأثّراً بقصيدة رثاء، وإمّا تذكّراً لحادثة مؤلمة، تتفاعل معها النفوس بالحزن والحسرة.
ثمّ تطوّر الأمر، لتتحوّل مظاهر الحزن وتجمعّات البكاء، إلى ظاهرة دينية - اجتماعية عند المسلمين الشيعة، حتى صارت تقليداً سنوياً، قطبها ما يُعرف بالمنبر الحسيني، وخطيبُه المتخصّص في هذا الشأن. وسنحاول في هذا الفصل دراسة الآراء التي ذُكرت في مسألة نشوء هذه الظاهرة ومناقشتها، وقبل ذلك، سنتوقّف عند بعض مظاهر الحزن والتأثّر العاطفي، التي كانت لقتل الحسين، مِن بعض أعلام المسلمين من الصحابة والتابعين، ثمّ نتابع المظاهر العزائية العامة، التي بدأت في كربلاء، وترافقت مع مسيرة السبايا في الكوفة والشام، وإلى حين الرجوع إلى المدينة المنورة.
ولنطلق عليها: (المآتم العفويّة).
وسنحاول تسجيل ورصد بعض ما وصل إلينا من مظاهر العزاء، التي تلت حادثة كربلاء، والتي كانت عن قصدٍ واستجابة لدعوة بهذا الخصوص. أي إنّها لم تكن مجرّد مآتم عفوية، متأثّرة بأحداث
____________________
(1) الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 243.
كربلاء، وإنّما أقيمت خصّيصاً كي تستمر الجذوة العاطفية المتأثرة بذلك. وهي ما نطلق عليه مصطلح (المآتم الهادفة). وهذه النقطة هي مدار دراستنا في هذا الفصل.
إنّ المآتم العفويّة، شكّلت أرضيةً لبروز المآتم الهادفة، أي إنّ المآتم الهادفة لم تنطلق من فراغ، بل سبقتها مآتم أُخرى، كانت قد برزت تعاطفاً مع أحداث كربلاء.
أمّا بالنسبة للنقطة الأولى، فإنّ التاريخ سجّل لنا، بعض من بكى على الحسينعليهالسلام ، من الصحابة والتابعين نذكر منهم:
1 - أم سلمة (رض)(1) : حيث (ذكر ابن سعد عن أمّ سلمة: إنّها لمّا بلغها قتل الحسينعليهالسلام ، قالت: أوَقَد فعلوها؟، ملأ الله قبورهم ناراً، ثمّ بكت حتى غشي عليها)(2) .
2 - أنس ابن مالك(3) : عن الصواعق المحرقة (لمّا حمل رأس
____________________
(1) أمّ سلمة: وهي هند بنت سهيل المعروف بأبي أميّة ابن المغيرة، القريشية المخزومية. ولدت سنة 28 قبل الهجرة، من زوجات النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تزوّجها في السنة الرابعة للهجرة وكانت مِن أغنى النساء عقلاً وخلقاً. هاجرت مع زوجها الأول أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة إلى الحبشة، ثمّ رجعت إلى مكّة، ثمّ هاجرا إلى المدينة، ومات زوجها في المدينة متأثّراً بجرح. روت 378 حديثاً ماتت بالمدينة سنة 62 للهجرة. (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 8 / 97).
(2)سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواص، ص240. ابن حجر، أحمد الهيثمي: الصواعق المحرقة ص293 / ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 4 / 38.
(3) أنس ابن مالك بن النصر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري. أبو ثمامة أو أبو حمزة خادم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحد المكثرين من الرواية. ولد في المدينة سنة 10 قبل الهجرة وأسلم صغيراً وخدم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أنْ قُبض. ثمّ رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة فمات فيها سنة 93 للهجرة وهو آخر من مات في البصرة من الصحابة.
(العسقلاني، أحمد بن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 71).
الحسين لابن زياد(1) ، جعله في طست وجعل يضرب ثناياه(2) بقضيب ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، إنْ كان لحَسَن الثغر! وكان عنده أنَس فبكى. وقال: كان أشبههم برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورواه الترمذي وغيره)(3) .
3 - زيد بن أرقم(4) : جاء في الأخبار الطوال: (ولما أُدخل رأس الحسينعليهالسلام على ابن زياد فوضع بين يديه، جعل ابن زياد ينكت بالخيزرانه ثنايا الحسين، وعنده زيد بن أرقم، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال له: مَه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا، فلقد رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يلثمها، ثمّ خنقته العبرة فبكى، فقال ابن زياد: ممّ تبكي؟ أبكى الله عينيك، والله لولا أنّك شيخ قد خرفت لضربت عنقك)(5) .
____________________
(1) هو عبيد الله بن زياد بن أبيه والٍ وفاتح معروف ولد في البصرة 28 للهجرة. ولاّه معاوية خراسان سنة 53 للهجرة، ثمّ البصرة سنة 55 للهجرة، أقرّه يزيد على البصرة وضمّ إليه الكوفة (60 هـ) لمّا بلغه تحرّك الإمام الحسين إليها. أمر بقتل الحسن سنة 61 للجرة. ثار عليه أهل البصرة سنة 65 للهجرة. هرب إلى الشام ثمّ عاد إلى العراق فقتل في واقعة الزاب سنة 67 للهجرة. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 4 / 192).
(2) ثنايا جمع ثنية، وهي أسنان مقدّم الفم، اثنتان من أعلى وأثنتان من أسفل.
(3) العسقلاني، أحمد بن حجر: الصواعق المحرقة، صفحة 300. البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري. (لم يذكر البخاري بكاء أنس). 5 / 32. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواصّ صفحة 231. الترمذي، محمد بن عيسى: صحيح الترمذي، 5 / 653.
(4) زيد ابن أرقم بن قيس بن النعمان الخزرجي الأنصاري. مختلف في كنيته. استصغر سنّة يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، غزا مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سبع عشرة غزوة، له حديث كثير شهد صفّين مع علي، مات بالكوفة أيام المختار سنة 66 للهجرة. (العسقلاني، أحمد بن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 56).
(5) الدينوري، أحمد بن داود: الأخبار الطوال، ص260. الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 4 / 349. ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، ص296. العسقلاني، أحمد بن حجر: الصواعق المحرقة، ص300. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواص، ص231. القسطلاني، أحمد بن محمد: إرشاد الساري في شرح البخاري، 6 / 129.
4 - مأتم لعبد الله بن جعفر(1) : جاء في تاريخ الطبري: (لمّا بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، مقتل ابنيه مع الحسين، دخل عليه بعض مواليه والناس يعزّونه... ثمّ أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله عزّ وجل على مصرع الحسين، إنْ لا يكن آستْ حسيناً يدي فقد آساه ولدي)(2) .
5 - الحسن البصري(3) : ور د في تذكرة الخواص: (ولمّا بلغ الحسن البصري قتْل الحسين بكى حتى اختلج صدغاه(4) ثمّ قال: وا ذلّ أمّة قتلت ابن بنت نبيّها. والله ليردّن رأس الحسين إلى جسده، ثمّ لينتقمن له جدّه وأبوه من ابن مرجانة(5))(6) .
هذه هي خمسة نماذج، لبعض أعلام المسلمين من الصحابة وتابعي واحد، سجّلت لنا بعض المصادر التاريخية، تأثّرهم بواقعة كربلاء وبكاءهم للحسين.
____________________
(1) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي القرشي أبو هاشم وأمّه أسماء بنت عميس، صحابي ولد في بأرض الحبشة سنة 1 للهجرة لمّا هاجر أبواه إليها. وهو أول من ولد بها من المسلمين. أتى البصرة والكوفة والشام. وكان كريماً يسمّى بحر الجود وقطب السخاء وللشعراء فيه مدائح. أحد أمراء جيش علي يوم صفّين. مات بالمدينة سنة 80 للهجرة. (العسقلاني، أحمد بن حجر: الإصابة 2 / 289).
(2) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، 4 / 357. ابن الأثير، علي بن عبد الواحد، الكامل في التاريخ 3 / 301.
(3) الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي ولد في المدينة سنة 21 هجرية. وكان إمام أهل البصرة وصفه الغزالي بأنه أقرب الناس هدياً من الصحابة، له مواقف مع الحجاج بن يوسف له كتاب في فضائل مكة. توفي بالبصرة سنة 110 هجرية (وقبره لا يزال مشهوراً فيها)(الزركلي، خير الدين، الأعلام 2 / 226).
(4) اختلج صدغاه، اختلج: أي اضطرب وتحرك، والصدغ: هو ما بين العين إلى الإذن واختلج صدغاه بيان لشدّة البكاء.
(5) ابن مرجانة: لقب لعبيد الله بن زياد، يعيّر بأمٍّ كانت لأبيه زياد في الجاهلية.
(6) سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواص، 265. البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف، 3 / 227. الطبراني، إسماعيل بن أحمد: المعجم الكبير، 3 / 127.
كما سجّل لنا التاريخ، بعض مظاهر الحزن والعزاء العامّة، والتي أطلقنا عليها مصطلح (المآتم العفوية) والتي رافقت أحداث ما بعد قتل الإمام الحسينعليهالسلام .
ولنقف عند هذه المآتم بشكل موجز:
1 - بكاء من حضر وداع السيدة زينب(1) عليهاالسلام ، لجسد أخيها الحسينعليهالسلام ، يوم الحادي عشر من المحرّم، حينما أخذت النساء المسبيّات إلى الكوفة. فقد ورد في تاريخ الطبري: (قال: فما نسيت من الأشياء، لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة، حين مرّت بأخيها الحسين بالعراء مرمّلٌ بالدماء(2) مقطّع الأعضاء، يا محمداه... وبناتك سبايا وذريّتك مقتّلة، تسفي(3) عليها الصبا. قال: فأبكت والله كل عدوّ وصديق)(4) .
2 - بكاء أهل الكوفة حين وصول السبايا إليها: ضجّت الكوفة بأهلها، حين دخول ركب السبايا. فـ (عن خدّام الأسدي قال: دخلتُ الكوفة، سنة أحدى وستين وهي السنة التي قتل فيها الحسينعليهالسلام - فرأيت نساء أهل الكوفة يومئذ، يلتدمن، مهتّكات الجيوب(5) . ورأيت علي ابن
____________________
(1) هي السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب شقيقة الحسن والحسين، ولدت سنة 7 للهجرة في المدينة المنورة. تزوّجت من ابن عمّها عبد الله بن جعفر. رافقت أخاها الحسين في خروجه من العراق ثمّ أخذت أسيرة من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام. وكانت ثابتة الجنان رفيعة القدر خطيبة فصيحة، لها أخبار وتوفّيت سنة 62 للهجرة (الزركلي، خير الدين: الأعلام 2 / 66).
(2) المرمّل: هو الملطّخ بالدماء.
(3) أي تسرع رياح الصبا الرمال على تلك الأجساد.
(4) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 4 / 61. ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 3 / 296. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواص صفحة 231.
(5) يلتدمن: يضربن صدورهن ووجوههن. الجيوب جمع جيب وهي الصدور.
إنّ هتك المرأة لجيبها، وإبراز صدرها، محرّم على غير المحارم باتفاق جمهور المسلمين على اختلاف اتجاهاتهم الفقهية. وحينما نورد نصّاً تاريخياً في بحثنا هذا، فإنّنا نذكره كما =
الحسينعليهالسلام (1) وهو يقول بصوت قد نحل من المرض: (يا أهل الكوفة، إنّكم تبكون علينا فمن قلتنا غيركم؟!)(2) .
وعلت أصوات الكوفيين بالبكاء. وكذلك كان الأمر بعد خطبة السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالبعليهالسلام (3) حيث وصَفت حالة الناس بعد خطبتها (فرأيت الناس حيارى، وقد ردّوا أيديهم إلى أفواههم ورأيت شيخاً كبيراً من بني جحفى، وقد اخضلّت لحيته من دموع عينيه وهو يقول:
كهولهم خيرُ الكهول ونسلهم |
إذا عُدّ نسلُ لا يبور ولا يخزى)(4) |
3 - نساء أمويات يبكين الحسين في الشام: يقول الطبري: (ثمّ أُدخل نساء الحسين على يزيد، فصاح آل يزيد وبنات معاوية وأهله،
____________________
= أوردته المصادر، وإنْ كان لنا على بعضها ملاحظات. وسيأتي تعليق أحد العلماء الشيعة على ما ذكرته بعض كتب التاريخ من خروج النساء - أيام البويهيين في بغداد - ناشرات الشعور. ص54).
(1) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشيعليهالسلام . ولد في المدينة المنورة عام 38 هـ. أمّه شاه زنان بنت الملك يزدجر. وله عدّة ألقاب من أشهرها زين العابدين. خرج مع أبيه الحسين إلى كربلاء، ومرض بمرض حال دون قتاله، أرادوا قتله يوم عاشوراء فأنجاه الله. انحصرت فيه ذرّية الحسين. عرف بكثرة عبادته ودعائه توفّي بالمدينة عام 95 هـ. (الحسني، هاشم معروف: سيرة الأئمّة الاثنا عشر، 2 / 109).
(2) ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر - بلاغات النساء - ص34 / 35ك الخوارزمي، الموفّق بن أحمد: مقتل الحسين - 2 / 40. ابن أبي يعقوب، أحمد: تاريخ اليعقوبي 2 / 158، وكذلك البراقي، حسين بن أحمد: تاريخ الكوفة، ص460.
(3) أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية القرشية وأمّها السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت رسول الله ولدت في المدينة سنة 5 للهجرة خرجت مع أخيها الحسين إلى كربلاء وأُخذت مسبيّة إلى الكوفة فالشام ثمّ عادت إلى المدينة، ويقال أنّها توفّيت فيها بعد بضع سنين. تعرف أيضاً بزينب الصغرى، تذكر بعض المصادر تزويجها من الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. وتوقّف آخرون عن ذلك (الحكيمي، أحمد رضا، أعيان النساء عبر العصور المختلفة: ص51).
(4) بنت الشاطئ، عائشة عبد الرحمان: السيدة زينب ص152، 155. يبور، من البوار: أي الهلاك. يخزى: يذل ويهون..
وولوَلن...)(1) .
وقال ابن الأثير: (لم تبقَ امرأة من آل يزيد إلاّ أتتهن وأقمن المآتم)(2) وأضاف سبط ابن الجوزي في التذكرة:(فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً) (3) .
4 - بكاء أهل الشام في الجامع الأموي بدمشق: أقيمت الصلاة في دمشق، لمّا وصلها رأس الحسين، وطلب علي بن الحسينعليهالسلام - في خبر طويل - من يزيد أنْ يأذن له في أن يكلّم الناس، وبعد إلحاح بعض الحاضرين، أذن للإمام علي بن الحسين أنْ يخطب... (ولم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أنْ تكون فتنة، فأمر المؤذّن أنْ يؤذّن، فقطع عليه الكلام وسكت)(4) .
5 - بكاء الهاشميات والأنصار في المدينة: لمّا وصل خبر قتل الحسين، إلى المدينة، (... فصاح نساء بني هاشم، وخرجت ابنة عقيل بن أبي طالب، ومعها نساؤها حاسرةً تلوي ثوبها وهي تقول:
ماذا تـقولون إنْ قـال الـنبي لـكم |
ماذا فـعـلتم وأنـتـم آخـرالأُمـمِ |
|
بـعـتـرتي وبـأهـلي بـعـد مفتقدي |
مـنهم أُسـارى وقتلى ضرّجوا(5) بدمِ |
|
مـا كـان هـذا جزائي إذ نصحت لكم |
أنْ تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي)(6) |
____________________
(1) ولولت المرأة: دعت بالويل وأعولت: أي رفعت صوتها بالبكاء والصياح. الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك 4 / 355.
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد، الكامل 3 / 299.
(3) سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواصّ، ص231. وانظر كذلك ابن عبد ربّه أحمد بن محمد: العقد الفريد، 4 / 183.
(4) الخوارزمي، الموفق بن أحمد: مقتل الحسين، 2 / 17. سيد الأهل، عبد العزيز: الإمام زين العابدين، ص29.
(5) ضرّجوا أي لُطّخوا.
(6) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل، 3 / 300 الطبري - تاريخ الأمم والملوك - 4 / 357. المسعودي، علي بن الحسين: مروج الذهب 3 / 68. سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي: تذكرة الخواص ص90.ابن كثير، البداية والنهاية، الدمشقي، إسماعيل بن كثير: 8 / 198.
(ولمّا دخل حرم الحسينعليهالسلام المدينة، عجّت نساء بني هاشم، وصارت المدينة، صيحة واحدة)(1) .
(.. تصارخت النساء من كل ناحية، حتى ارتفعت المدينة، بالرجّة التي ما سمع بمثلها قط)(2) .
و(وضجّت بنو هاشم والأنصار، ضجّة لم يسمع بمثلها من قبل)(3) .
وفي مقاتل الطالبيين، حينما يذكر أخوة الحسين الأربعة، الذين قتلوا معه في كربلاء، وأمّهم أمّ البنين(4) (وكانت أُم البنين، أُم هؤلاء الأربعة الأخوة القتلى، ترجع إلى البقيع، فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها. فيجتمع الناس إليها يسمعون منها. فكان مروان(5) يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي...)(6) .
____________________
(1) الخوارزمي، الموفق بن أحمد: مقتل الحسين 2 / 76.
(2) ابن أبي يعقوب، أحمد: تاريخ اليعقوبي، 2 / 159.
(3) سيد الأهل، عبد العزيز: زينب عقيلة بني هاشم، ص96.
(4) أم البنين: هي فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابي، تزوجها علي بن أبي طالب بإشارة من أخيه عقيل بن أبي طالب الذي كان عالماً بأنساب العرب، فأولدها أربعة قتلوا مع أخيهم الحسن في كربلاء وهم العباس وعبد الله وعثمان وجعفر وذلك يوم عاشوراء سنة 61 للهجرة. (بحر العلوم، محمد تقي: مقتل الحسين، ص210).
(5) مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي.. أبو عبد الملك، خليفة أموي، وهو أول من ملك من بني الكم بن أبي العاص. ولد سنة 2 هـ ونشأ بالطائف وسكن المدينة. خرج مع طلحة والزبير إلى البصرة في حرب الجمل. ولاّه معاوية المدينة من 42 - 49 هـ. بويع له بالخلافة 64 هـ مات بدمشق سنة 65 هـ بالطاعون، وقيل غطّته زوجته أم خالد بوسادة وهو نائم فقتلته. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 7 / 207).
(6) الأصفهاني، علي بن الحسين (أبو الفرج): مقاتل الطالبين - ص56.
6 - استقبال أهل مصر للسيدة زينبعليهاالسلام بالبكاء: لمّا قدمت زينب بنت علي من الشام، مع النساء والصبيان، ثارت فتنة بينها وبين عَمْر بن سعيد الأشدق والي الأمويين من قِبل يزيد فكتب إلى يزيد، يشير عليه بنفيّها من المدينة، ويقول له: (إنّ وجودها بين أهل المدينة مهيّج للخواطر، وأنّها فصيحة عالمة لبيبة، وقد عزمت هي ومَن معها، على القيام للأخذ بثأر الحسين). فرجع الأمر من يزيد بإخراجها من المدينة. ولكنّها رفضت ذلك قائلةً:(قد علم والله ما صار إلينا، قُتل خيُّرنا وسيق الباقون كما تساق الأغنام، وحُملنا على الأقتاب، فوالله لا خرجنا وإْن أريقت دماؤنا) .
ولكن نساء بني هاشم أشفقن عليها، فدخلت عليها زينب بنت عقيل بن أبي طالب قائلة:(يا ابنة عمّي، قد صدَقنا الله وعده، وأورثنا في الأرض نتبوأ (1) منها حيث نشاء، وسيجزي الله الظالمين. ارحلي إلى بلد آمن). فخرجت من المدينة إلى مصر، فقدمتها لأيام بقين من رجب واستقبلها الوالي، وهو مسلمة بن مخلّد الأنصاري، في شعبان من سنة 61 للهجرة.
وجاء الناس لاستقبالها عند قرية قرب (بلبيس)(2) ؛ وفيهم العلماء والوجهاء والوالي. فلمّا أطلت عليهم، أجهشوا بالبكاء (فتقدّم إليها مسلمة بن مخلّد، وعبد الله بن الحارث، وأبو عميرة المزني فعزّاها مسلمة وبكى، فبكت، وبكى الحاضرون، وقالت: هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون، ثمّ احتملها إلى داره بالحمراء)(3) .
____________________
(1) اللبيبة: العاقلة، ما صار إلينا: أي ما جرى علينا، الأقتاب: القتب وهو رحل البعير، نتبوأ: نتّخذ.
(2) بلبيس: بكسر البائين، مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ، على طريق الشام، فتحت سنة 18 أو 19 هـ على يد عمرو بن العاص. ذكرها المتنبي في بعض شعره. (الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان 1 / 479).
(3) العبيدلي، يحيى بن الحسن: أخبار الزينبات ص116 - 120.
إذن فالمسلمون عموماً، قد تأثّروا لما جرى على الحسين؛ من قتل، ومعه أولاده وأهل بيه وأصابه، ثمّ لمّا جرى على النساء والأطفال، بعد ذلك من السبي، وما صاحبه من المحن والآلام.
ولهذا فإنّ القسطلاني، في باب(مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما) يقول: (ولما قُتل الحسين بكى الناس فأكثروا...)(1) .
وممّا أسهم في ازدياد تأثر الناس بأحداث كربلاء، عودة (الجنود إلى بلدانهم وقبائلهم، ينشرون الأخبار عن الهول الذي رأوه، وشاركوا في صنعه، وعن النهاية الفاجعة للثائرين. وشاهد الناس، على امتداد الطرق؛ من كربلاء والكوفة والشام والمدينة؛ قافلة السبايا والرؤوس، وانفعلوا بالمآتم العرضية العائلية، التي كانت تقام هنا وهناك.
ولابدّ أنّ الانفعال العفوي بالثورة ونهايتها المأساوية، بما يثيره من حزنٍ عميق وأسىً بالغ، قد أعطى الناس الذين عرفوا بما حدث، مبرّراً للتجمّع، ومادّة للحديث وحافزاً على مراجعة المواقف والآراء...)(2) .
وظاهرة الحزن والبكاء، التي برزت في أكثر من موضع في الأقاليم الإسلاميّة، قامت بتهيئة الأجواء لتلك المآتم، التي تقام على الحسينعليهالسلام بقصدٍ وإعدادٍ مُسبَقَين، والتي هي موضوع دراستنا هنا، والتي عرّفناها بـ: (المآتم الهادفة).
وهذه (المآتم الهادفة) قامت بعملية استمرار للمآتم العفوية، والتي كان من المتوقّع أنْ تخبو جذوتُها، وتخمد حرقُتها بعد مدّة تطول أو تقصر، مع تقادم الأيام، وابتعاد
____________________
(1) القسطلاني، أحمد بن محمد: إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري - 6 / 134.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص233.
الناس عن واقعة كربلاء زمنياً ونفسياً.
إذاً فقد كانت هناك مآتم مصاحبة للفاجعة، وهي عادة ما تصاحب الأحداث ذات الإثارة العاطفية البارزة، ثمّ نشأت مآتم أخرى بعد عصر الفاجعة بقصد وهدف.
فمتى نشأت هذه المآتم الهادفة؟ ومن دعا الناس إلى التجمّع بهدف البكاء على الحسينعليهالسلام بحيث برز البعض، ممّن يجيد فن النوح، وإنشاد الشعر الرثائي بحزن. وهذا البعض؛ كان هو السلف القديم، لخطيب المنبر الحسيني اليوم.
المبحث الأول: الآراء في نشوء المنبر الحسيني
لقد ذكرت آراء عدّة، في مسألة نشوء المآتم الهادفة، والتي شكّلت الأساس لقيام المنبر الحسيني وتوسّع مدرسته. وأهم هذه الآراء هي:
الرأي الأوّل: التوّابون (1)
يذهب أحد المستشرقين، إلى أنّ أوّل من أقام المآتم على
____________________
(1) التّوابون: جيش كوفي قوامه أربعة آلاف رجل، ممّن ندم على خذلانه الحسين وعدم نصرته له. فتوجّهوا إلى كربلاء سنة 65 هـ. وأبرزوا ندمهم وتوبتهم، ثمّ اتجهوا إلى بلاد الشام حتى كانت معركة عين الوردة في أعالي نهر الفرات سنة 65 هـ. ولم يرجع منهم إلاّ القليل بعد قتالٍ شديد مع الجيش الأموي، وقد عرف هذا الجيش بـ (التوابون) لما أبرزوه من ندمٍ وتوبة. واسم (التوابون) قديم، حيث نجد أنّ ابن الأثير في الكامل يضع عنواناً حول التوابين وأخبارهم. وأنّ التوابين هم من أطلق هذا الاسم. حيث كانوا (قد أحسّوا بالخطر الفادح بخذلانهم الحسينعليهالسلام ، ورأوا أنّ هذا الخذلان لا يغسله إلاّ قتل من قتله، أو القتل =
الحسين، هم جيش التوابين، حينما غادروا الكوفة، ووصلوا إلى موضع قبور شهداء كربلاء، حيث أقاموا المأتم ثلاثاً، وعلت أصواتهم بالبكاء والنحيب، عند قبر الحسين(1) ، إذ (عندما ثار التوابون سنة 65 للهجرة (684م)، أخذوا أسلحتهم إلى هناك ورفعوا عقائرهم(2) معاً، في نحيب عالٍ. وبكوا وابتهلوا إلى الله أنْ يغفر لهم تخلّيهم عن حفيد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ساعة ضيقة. وصاح زعيمهم(3) : اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي بن المهدي، الصدّيق ابن الصدّيق. اللهم اشهد إنّنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء مقاتليهم وأولياء محبّيهم.
وهنا تكمن، نواة التعزية، ومسرحيات المآتم، التي تمثّل كل عام، في العاشر من محرّم حيثما وجد الشيعة)(4) .
وهذا هو الرأي الأوّل، في مسألة نشوء المنبر الحسيني، التي عبّر بها بـ (التعزية) - وهو المصطلح الشائع في البلاد الهندية اليوم - ونشوء ظاهرة تمثيل الواقعة، والتي هي ليست محل دراستنا هنا.
ومن المناسب هنا، أنْ نذكر أنّ هذا البكاء والنحيب العام، الذي أطلقه التّوابون عند قبر الحسينعليهالسلام بكربلاء سنة 65 هجرية، رافقه في تلك الفترة حدث آخر، سجلته بعض المصادر التاريخية
____________________
= في سبيله، وأكثروا من البكاء على الحسين، وسمّوا أنفسهم التوابين) (الحسني، هاشم معروف: الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ، ص324). وعين الوردة: رأس عين، المدينة المشهورة بالجزيرة، كانت فيها وقعة للعرب، ويوم من أيّامهم، وكان أحد رؤسائهم يومئذ: رفاعة بن شدّاد. (الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، 4 / 180).
(1) لمزيد من التفصيل في أمر التوابين يراجع (تاريخ الطبري 4 / 427) و(تاريخ ابن الأثير 3 / 332 و 341).
و(مروج الذهب للمسعودي 3 / 93)، ومصادر أخرى.
(2) عقائرهم جمع عقيرة وهي الصوت.
(3) وهو الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي. المقتول في واقعة عين الوردة سنة 65 هـ.
(4) تكلسن، ريولد: تاريخ العرب الأدبي في الجاهلية وصدر الإسلام، ص329.
وهذه المرّة من رجل آخر، رفع شعار طلب ثأر الإمام الحسينعليهالسلام وهو المختار بن أبي عبيدة الثقفي(1) ، الذي سيطر على الكوفة، بُعيد خروج التوابين إلى الشام، لمواجهة الجيش الأموي، في واقعة عين الوردة عام 65 هجرية.
إذ لما بلغ المختار بن أبي عبيدة الثقفي، عدم رضا محمد بن الحنفية(2) عنه، لأنّه يُجلس عمر بن سعد(3) ، على وسائده (... قال المختار لأبي عمرو صاحب حرَسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين، قال عمر لابنه حفص: يا بني، ائت الأمير فقل له: ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي؟)(4) .
فهنا نجد أنّ المختار قصد استئجار نساء ينُحْ على الحسين، أي أنّه أمر بإقامة مأتم يندب فيه الحسين. ممّا يمكننا القول، بأنّه من أوائل المآتم التي أقيمت بقصدٍ بعد واقعة كربلاء. ولكنّنا لم نجد من
____________________
(1) المختار بن أبي عُبيدة بن المسعود الثقفي، أبو إسحاق، من زعماء الثائرين على بني أمية. ولد سنة 1 للهجرة بالطائف، ثمّ انتقل إلى المدينة بعد أبيه الذي استشهد في فتوح فارس. نزل مسلم بن عقيل بن أبي طالب في منزله بالكوفة حينما بعثه الحسين إلى أهلها. سجنه ابن زياد ثمّ بايع عبد الله بن الزبير وعاد إلى الكوفة. قتل الكثير ممّن شرك في قتل الحسين. ثمّ قُتِل في معركة مع مصعب بن الزبير عام 67 للهجرة. (ودفن في الكوفة وقبره معروف)(الزركلي، خير الدين: الأعلام 7 / 192).
(2) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو القاسم، عرف بنسبه إلى أمّه الحنفيّة وهي خولة بنت جعفر بن قيس، من بني حنيفة، من الأبطال الأشدّاء في صدر الإسلام. ولد سنة 21 للهجرة في المدينة. توفي في المدينة 81 للهجرة. (بحر العلوم، محمد تقي: مقتل الحسين، 136).
(3) عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهري القريشي، أبو حفص من الأمراء والقادة، سيّره عُبيد الله بن زياد على أربعة آلاف لقتال الديلم وكتب له عهده على الريّ. فلمّا علم ابن زياد بمسير الحسين في الكوفة، كتب إليه أنْ يعود. فلمّا عاد ولاّه قتال الحسين فاستعفاه فهدّده ابن زياد فأطاعه. حتى خرج لقتال الحسين في كربلاء 61 للهجرة. ثمّ بقي في الكوفة حتى قتله جماعة المختار الثقفي سنة 66 للهجرة. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 5 / 47).
(4) ابن قتيبة، عبد الله: الإمامة والسياسة 2 / 24.
يذهب إلى أنّ المختار، هو أوّل من أسّس، ودعا إلى إقامة المآتم على الإمام الحسينعليهالسلام . ربّما لأنّ التوابين قد سبقوه إلى إقامة تلك النياحة الكبرى، عند قبر الإمام الحسين، والتي كانت مسألة أشهُر فقط.
والنتيجة؛ أنّ التوابين أقاموا مأتماً كبيراً على قبر الحسين بكربلاء، وهناك رأي يقول: أنّ التوابين - بذلك - هم المؤسّسون للعزاء والمآتم الحسينية وإنّ هم وضعوا نواة ذلك.
مناقشة الرأي الأوّل:
لو أردنا مناقشة هذا الرأي، فيمكن أنْ نسجّل عليه هذه الملاحظات:
(1) إنّ المأتم أو النواح، الذي أقامه التوابون عند قبر الحسين واستمرّ ثلاثة أيام، هو من المآتم العفوية، وليس من المآتم الهادفة، والتي هي موضوع بحثنا؛ لأنّ التوابين حينما توجّهوا إلى كربلاء، لم يتوجّهوا إليها بهدف إقامة مراسم العزاء، ولكنّهم مرّوا على كربلاء - وهم في طريقهم إلى مواجهة أعدائهم الأمويين - من أجل تجديد العهد، على الأخذ بثأره، وقتال من أمَر بقتله. ثمّ إنّ العواطف أخذت مأخذها، حينما رأوا القبور، وتذكّروا ما جرى يوم عاشوراء سنة 61 هـ ولهذا فإنّ المأتم الذي دعا إليه المختار، يمكن أنْ يكون أقرب إلى المأتم الهادفة، من بكاء التوابين عند قبر الحسينعليهالسلام بكربلاء.
(2) لقد مرّ بنا أن المأّتم أخرى عفوية، قد رافقت مسيرة السبايا في كربلاء والكوفة والشام حتى المدينة، فلماذا لا تعتبر تلك المآتم هي (نواة التعزية). خاصة أنّها تتضمّن بكاء بعضٍ من أهل البيت، ومجموعة من الصحابة وسادة المسلمين، ممّا يعطيها قدسية خاصة.
(3) مهما قيل في نبل موقف التوابين وصدق نياتهم، حتى مضوا
في واقعةٍ من أندر الوقائع التاريخية، التي اندفع أصحابها للقتل بشكل تضحوي بارز، رغم كل ذلك، فإنّ التوابين لا يملكون المؤهّلات الشرعية والدينية التي تجعل تصرّفاتهم سنّة يستنّ بها الشيعة، ويُعظّمها أئمتُهم وعلماؤهم.
الرأي الثاني: البويهيّون (1)
إنّ مَن يراجع المصادر التاريخية، التي تحدثت عن حوادث سنة ثلاثمِئة واثنتين وخمسين للهجرة، أي بعد ما يقارب من ثلاثة قرون على واقعة كربلاء، وحينما كان البويهيون، يسيطرون على مقاليد الخلافة العبّاسية في بغداد، يجد أنّ تلك المصادر سجّلت ما أمر به معزّ الدولة البويهي يوم عاشوراء من تلك السنة. يقول ابن الأثير في الكامل: (في هذه السنة عاشر المحرّم. أمر معزّ الدولة(2) الناس أنْ يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء. وأنْ يُظهِروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح(3) ، وأنْ تخرج النساء، منشّرات الشعور، مسودّات الوجوه، وقد شقَقن ثيابهن في البلد ويلطمن وجوهن، على الحسين بن
____________________
(1) بنو بويه: أسرة فارسية من أصل ديلمي، حكمت (334 - 447هـ) الموافق (932 - 1055م) أسّس حكمهم أبو شجاع بويه. استولى أولاده علي عماد الدولة والحسن ركن الدولة، وأحمد معزّ الدولة على أصفهان وشيراز وكرمان وبغداد. وبقوا في حكم بغداد حتى غلبهم السلطان السلجوقي طغرل بك سنة 447 هـ 1055 م (معلوف، لويس: المنجد / الأعلام ص155).
(2) معزّ الدولة: أحمد بن بويه بن فناخسرو بن تمام، من سلالة سابور ذي الأكتاف الساساني ولد سنة 303 هجرية في بلاد الديلم. فارسي الأصل مستعرب. يقال له الأقطع لأنّ يده اليسرى قطعت في معركة مع الأكراد. سيطر على بغداد سنة 334 هجرية في خلافة المستكفي. حكم 22 عاماً، مات ببغداد سنة 356 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 1 / 105).
(3) المسوح: جمعهُ مِسْح وهو الكساء من الشَعر.
علي رضي الله عنهما ففعل الناس ذلك...)(1) .
هذا، وقد شكّك علماء الشيعة، ببعض ما ذكر آنفاً:
يقول: السيد محسن الأمين في موسوعة (أعيان الشيعة) معلّقاً على ما ذكرته المصادر التاريخية من خروج النساء على تلك الهيئة التي وصفت، فيقول: (مُبالغ فيه فإبراز النساء شعورهن أمام الأجانب محرّم بضرورة الدين، فكيف يقدم عليه وهو إنّما يفعل ذلك تدّيناً؟ وكيف يمكّنه أهل الدين منه)؟(2) ويذكر أحد العلماء، إنّ مواكب الحزن والبكاء هذه، لم يكن فيها اختلاط بين الرجال والنساء (فكانت النساء تخرج ليلاً والرجال نهاراً)(3) .
وعلى كل حال، فقد رصد هذه الظاهرة، في بغداد، كل المصادر التي تحدثت عن تلك الفترة.
ولكن بعض هذه المصادر، لم تكتفِ برصد الظاهرة وتسجيلها، بل أبدى بعض المؤرِّخين رأياً فيها، فالحافظ جلال الدين السيوطي، يعلّق بعد ذكره لحوادث يوم عاشوراء ذاك فيقول: (وهذا أوّل يوم نِيْحَ على الحسينعليهالسلام فيه ببغداد.
ويقول الذهبي في تاريخ الإسلام: (هذا أوّل يوم نيح عليه ببغداد)(5) .
____________________
(1) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد، الكامل في التاريخ، 7 / 7 راجع كذلك (السيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر: تاريخ الخلفاء ص401)، (ابن كثير: إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية - 11 / 243)، (ابن الجوزي، عبد الرحمان، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، 7 / 15) ولم يؤرّخ الطبري ذلك؛ لأنّ آخر سنة أرّخها هي 310 هجرية.
(2) الأمين، محسن: أعيان الشيعة، 2 / 486.
(3) الشهرستاني، هبة الدين: نهضة الحسين، ص175.
(4) السيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر: تاريخ الخلفاء ص401.
(5) الذهبي، محمد بن أحمد: تاريخ الإسلام. حوادث (357 - 480هـ) 17 / 11، وقاله الذهبي كذلك في كتابه (العِبر في خبر من غبر، 2 / 89).
وردّد هذه المقالة آخرون من القدماء والمحدثين(1) حتى تولّد فهم مفاده أن ّّّالبويهيّين، هم أول مَن أقام المأتم الحسيني (المنبر الحسيني). باعتبار إنّ مظاهر العزاء المذكورة، يصاحبها إنشاد للشعر الرثائي، وقراءة لمقتل الحسينعليهالسلام ، وهما العنصران المؤسّسان، لظاهرة المنبر الحسيني، كما سيأتي بيانها.
مناقشة الرأي الثاني:
وهنا لابدّ أنْ نثير بعض النقاط:
(1) إنّ المصادر التاريخية، التي أرّخت ليوم عاشوراء عام 352هـ، قد ذكرت؛ أنّه أوّل يوم نيح فيه على الحسينعليهالسلام ببغداد، ولم تقل أنّه أوّل يوم أقيمت فيه المأتم على الحسين مطلقاً. وفي كل البلدان. فلا يمنع هذا القول من احتمال قيام مآتم للحسين، سبقت هذا التاريخ، في بلدان أخرى غير بغداد، لو سلمّنا بما قالته هذه المصادر.
(2) إنّ البويهيّين، ومهما قيل عنهم، فإنّهم لا يعدون أنْ يكونوا سلاطين وأُمراء، كانت لهم مقادير الحكم في بغداد. ولكنّهم لا يمتلكون الأهلية الشرعية، والقداسة الدينية، حتى يمكن أنْ يكون عملهم سنّة وقدوة. فإذا كان التوّابون مع كل ما عُرفوا به، من صدق وإخلاص واندفاع نحو الموت، وفيهم بعض الصحابة، ومع ذلك قلنا: إنّ مأتمهم في كربلاء، لا يصلح أنْ يكون سنّةً ومبرّراً شرعياً عند الشيعة في هذه المسألة، فكيف يمكن أنْ يكون ذلك لبني بويه، وهم دون التوّابين في تديّنهم والتزامهم؟ أي إنّ ما قيل في مناقشة الرأي
____________________
(1) على سبيل المثال، ما ذكره د. فاروق عمر في كتابه (الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية)، ص11 حيث جاء فيه: (إنّ معزّ الدولة، هو الذي استنّ (هكذا) سُنّة النواح على الحسين (رض) في يوم عاشوراء، وجعلها عزاءً رسمياً، ولم تكن كذلك قبله. فأمر بغلق الدكاكين والأسواق، وإظهار النواح).
الأول، يقال هنا وبشكل أقوى وأكثر دلالة.
(3) ونعود إلى ما ذكره المؤرّخون، من تحديد يوم عاشوراء سنة 352 هـ، من أنّه أول يوم نيح على الحسينعليهالسلام فيه. ونسأل: هل يمكن لنا أنْ نجد ما يثبت، أنّ هناك مآتم كانت موجودة في بغداد أو غيرها قبل هذا التاريخ أم لا؟ فإذا لم يثبت ذلك، رجّحت كفّة قول هؤلاء المؤرّخين. وإنْ وجدنا إنّ هناك مآتم أقيمت في غيرها، فهذا يدل على أنّ المأتم الحسيني، عُرف له وجودٌ قبل هذا التاريخ في غير مدينة بغداد. أمّا إذا وجدنا، أنّ ّهناك مآتم، كانت قائمةً حتى في بغداد وقل هذا التاريخ، فإنّ من حقّنا أنْ نسجّل ملاحظة على دقّة ما ذكره بعض المؤرّخين سابقاً، حول هذه النقطة.
رصد بعض أدلّة وجود المنبر الحسيني قبل البويهيّين
قد بذلت ما بوسعي من جهد، لرصد ما أمكنني رصده، من تلك الأدلة، ولا يخفى أنّ هذا العمل تكتنفه الصعوبة من جوانب عدّة، منها:
1 - أنّ كتب التاريخ، إنّما تهتم - عادةً - بتسجيل أعمال وأحداث الخلفاء والحكّام والسلاطين، الذين حكموا بلاد المسلمين، ورصد بعض الوقائع في عهودهم. ولولا أنّ البويهيّين كانوا قد حكموا بغداد، لما اهتمّت كتب التاريخ بأمرهم ولما رصدته أساساً، ومنه ما كان يوم عاشوراء عام 352 هـ. وعليه، فإنّ المصادر التاريخية لم تتعرّض إلى موضوع المأتم الحسيني إلاّ ما جاء عرضاً.
2 - ولا نريد أنْ نغفل بعض الأجواء المذهبية، والظروف التاريخية، والتي جعلت المنبر الحسيني ينحصر في الشيعة، دون بقية مذاهب المسلمين، ممّا يعني عدم إيلاء عموم كتب المسلمين
مسألة المنبر الحسيني اهتماماً، ممّا يجعل البحث أكثر صعوبة. ببداهة، أنّ البحث في مسألة أو أمر يهتمّ به جميع المسلمين، غير البحث في مسألة خاصة، ببعض مذاهبهم ومدارسهم. ممّا يعني بالتالي، قلّة المصادر وندرة المراجع.
3 - لعل للأجواء السياسية الضاغطة والمتحسّسة، من مسألة إقامة المآتم على الحسينعليهالسلام في فترة الحكم الأموي؛ بما تتضمّنه المآتم من إدانة لقتلته، قد ساهمت بشكل كبير، في إبقاء هذه المآتم في أجواء التكتّم. وقد أشارت بعض المصادر إلى هذه المسألة. وكمثال؛ ما علّق به ابن الأثير في الكامل، على قصيدةٍ لأعشى همدان(1) قالها في رثاء التوابين بقوله: (وهي ممّا يكتّم ذلك الزمان)(2) ، ومطلع القصيدة:
ألّمَّ خيال منك يا أمّ غالب |
فحيّيت عنّا مَن حييت بجانبِ |
ثمّ إنّ العباسيّين، بعد ذلك، كانوا كالأمويّين في تحسّسهم من مسألة المأتم الحسيني، كما سيتّضح لاحقاً.
4 - إنّ الساحة الإسلامية، لم تبرز دولاً شيعية قبل البويهيّين في بغداد، والحمدانيّين في حلَب والفاطميّين في مصر، والتي جاءت بفترات زمنية متقاربة، وما أدرانا لو أنّ الشيعة حكموا قبل هذا التاريخ، لجاءت المصادر مسجّلةً للمآتم الحسينية عنهم، بمثل ما جاءت كتب التاريخ وسجّلته عن البويهيين في بغداد.
وبعد عرض النقاط الأربع الآنفة، نعود إلى بحثنا حيث لابدّ أنْ نذكّر، أنّا نرصد المآتم التي أقيمت بوعيٍ وقصد، بعد انتهاء واقعة كربلاء،
____________________
(1) أعشى همدان: عبد الرحمان بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم الهمداني. شاعر اليمانيين بالكوفة وفارسهم في عصره. من شعراء الدولة الأموية. غزا الديلم وله شعر كثير في وصف بلادهم. انضمّ إلى عبد الرحمان بن الأشعث. أسر وأمر به الحجاج فضرب عنقه سنة 83 للهجرة. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 3 / 312).
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 3 / 345.
ولسنا معنيين بتلك المآتم العفوية، التي رافقت حوادث كربلاء وما تلاها.
المآتم الحسينية قبل سنة 352 هـ
من المآتم التي أقيمت بقصد ما يلي:
(1) المأتم الذي أقامه التوابون، عند قبور شهداء كربلاء عام 65 للهجرة (وقد سبقت الإشارة إليه)، وباعتباره مأتماً أقيم بعد واقعة كربلاء بأربع سنين، حسب بعض الآراء.
(2) ما أمر به المختار بن عبيدة الثقفي، لنوائح يُنحن على الحسين، عند باب عمر بن سعد (وقد سبقت الإشارة إليه أيضاً) سنة 65 أو 66 للهجرة.
(3) ذكرت بعض المصادر الأدبية، أنّ السيدة سكينة بنت الحسين(1) كانت تولي شعر النياحة اهتماماً كبيراً، (وقال ابن جامع(2) : وحدثني جماعة من شيوخ أهل مكّة أنّهم حدّثوا: إنّ سكينة بنت الحسين، بعثت إلى ابن سريج(3) بشعر أمرته أنْ يصوغ فيه لحناً يناح به، فصانج(4) به، وهو الآن داخل في غنائه، والشعر:
____________________
(1) السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية القريشيّة. نبيلة من سيّدات المسلمين. روي عنها مجالستها لأجلّة الشعراء من قريش. ونفاها قوم آخرون. تزوجها مصعب بن الزبير. (كانت سبية مع أهلها في واقعة كربلاء). توفّيت في المدينة سنة 117 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 3 / 106).
(2) أبو القاسم إسماعيل بن جامع السهلي القريشي. ويعرف أيضاً بابن أبي وداعة. من أشهر المغنّين ومن أحفظ الناس للقرآن الكريم. ولد بمكّة ومن ثمّ انتقل إلى المدينة المنوّرة واحترف الغناء حتى اشتهر فيها. اتصل بالرشيد فحظي عنده حتى مات سنة 192 هجرية. (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 1 / 311).
(3) ابن سريج: هو أبو يحيى عبيد الله بن سريح، ولد في مكة، مغنٍ وملحّن، ويُقال هو أوّل من أدخل العود الفارسي إلى مكة، وقد تعلّم الضرب من صنّاع الفرس الذين أعادوا بناء الكعبة. اشتهر بصياغة الألحان توفّي بعد 724 م. (معلوف، لويس: المنجد 2 / 354).
(4) صانج: اسم فاعل من الصنج (فارسية) معناها: الصوت المستخدم في الغناء. والصنج =
يا أرضُ ويحك أكرمي أمواتي |
فلقد ظفرتِ بسادتي وحُماتي |
فقدّمه ذلك عند أهل الحرمين، على جميع ناحية مكّة والمدينة والطائف)(1) .
ولا نحتاج إلى مزيد اهتمام، لنربط بين اهتمام السيدة سكينة بالنوح، وبين كون هذا النوح هو على الإمام الحسينعليهالسلام .
وهذا النصّ، يدلّ على وجود مختصّين بشعر النياحة وإنشاده، في مكة والمدينة والطائف، على الأقل تقيّداً بما ذكره النصّ. ولا شكّ أنّ بعض هؤلاء النياحة، قد وجد في شعر الرثاء الحسيني مادةً خصبة لتخصّصه.
ثمّ يذكر أنّ السيدة سكينة، لم تكتف بنوح ابن سريج بل (بعثت إلى ابن سريج، بمملوك لها، يقال له عبد الملك، وأمرته أنْ يعلّمه النياحة، فلم يزل يعلّمه مدّة طويلة)(2) .
(4)_ورد في ترجمة السيد الحِمْيَري(3) ، كما جاء في الأغاني، أنّه قد (ذكر التميمي - وهو علي بن إسماعيل - عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد(4) ، إذ استأذن آذنه للسيد، فأمره بإيصاله،
____________________
= صفيحة من النحاس (الصُفر) مدوّرة تضرب على أخرى مثلها عند الغناء. (ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب 20 / 311).
(1) الأصفهاني، علي بن الحسين: الأغاني - 1 / 255 ولابدّ أنْ نسجّل هنا تحفّظنا على ما ذكره صاحب الأغاني من أمور أُلصقت بالسيدة سكينة لا تناسب موقعها الديني ووضعها والنفسي، خاصّة بعد استشهاد أبيها الحسينعليهالسلام .
(2) المصدر نفسه 1 / 205.
(3) السيد الحميري: أبو جعفر محمد بن وهيب الحميري البصري، ولد في البصرة وعاش في بغداد. كان يتكسب المديح ويتشيع. له مراثٍ في أهل البيت. (كان من أبوين أباضيّين). عهد إليه بتأديب الفتح بن خاقان. توفّي سنة 115 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 7 / 134).
(4) أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، أمّه أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر. ولد في المدينة سنة 83 للهجرة. من أئمّة المسلمين =
وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلّم وجلس، فاستنشده فانشد، قوله:
أُمرر على جَدَثِ الحس |
ين وقل لأعظمهِ الزكيّة |
|
أأعـظماً لا زلـتِ مِن |
وطـفاء سـاكبةٍ رويّـة |
|
وإذا مررتِ بـقبرهِ |
فأطـل بهِ وقفَ المطيّة |
|
وأبـكِ الـمطهّر لـلمط |
هّـرِ والـمطهّرةِ النقيّة |
|
كـبكاء مـعولةٍ أتـت |
يوماً لواحدها المنيّة(1) |
قال: فرأيت دموع جعفر بن محمّد تنحدر على خدّيه، وارتفع الصراخ من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك)(2) .
فهذا النصّ، يكشف أنّ الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، قد طلب من الشاعر، السيد الحميري، أنْ يُنشده شعراً في رثاء الحسينعليهالسلام ، ولم يكتف بذلك بل أقام ستاراً وأجلس نساءه خلفه.
ولمّا أنشد الحميري، بكى الإمام الصادق، وارتفعت أصوات الصراخ من الدار.
وفي مكان آخر من الأغاني، (قال التميمي، وحدّثني أبي قال: قال لي فضيل الرسّان: وأُنشد جعفر بن محمّد الصادق قصيدة السيّد:
____________________
= والسادس من أئمّة أهل البيت شهد بفضله وعلمه كبار الفقهاء والعلماء. انتقل من المدينة إلى الكوفة بطلبته ومدرسته، له عدّة ألقاب، أشهرها الصادق، مات سنة 148 هجرية ودفن في البقيع. (الأربلي، علي بن عيسى: كشف الغمة في معرفة الأئمة، 2 / 367).
(1) الجَدَث هو القبر، والوطفاء هي جمع وُطُفُ وهي المطر، والمُعولة هي التي تبكي مع رفع الصوت. ومعنى الأبيات: أنّها دعوة لِمن يمرّ على قبر الحسين أنْ يقف عنده وهو يخاطب جسده وإنّما خوطبت العظام لأنّها آخر ما يبقى من الميت في قبره، وهكذا جرت عادة شعراء العرب. يخاطب تلك العظام الزكية ويدعو لها بأنْ تدوم عليها الأمطار الساكبة الغزيرة، وأنْ يقف طويلاً إذا وصل القبر. ولا يكتفي بالوقوف حتى يشفعه بالبكاء؛ لأنّه مطهّر بن مطهّر بن مطهّرة وهما علي وفاطمة. وأنْ يكون بكاؤه بحرقة وحزن كبكاء أمٍّ فقدت ولدها الوحيد.
(2) الأصفهاني، علي بن الحسين (أبو الفرج): الأغاني 7 / 240.
لأمِّ عمرو باللوّى مربع |
دارسةٌ إعلامه بلقعُ(1) |
فسمعتُ النحيب من داره، فسألني لمَن هي؟ فأخبرته إنّها للسيّد. وسألني عنه فعرّفته وفاته. فقال: رحمه الله..)(2) .
وهنا نجد، أنّ شعر السيد الحميري، أنشده شخص آخر، وجرى ما جرى مع إنشاد السيد الحميري السابق من البكاء والنحيب، من دار الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام . وهي إشارة إلى بروز البعض، ممّن أخذ ينشد الشعر الرثائي في الإمام الحسينعليهالسلام ، وربّما نشير إلى أسماء بعض أولئك المنشدين فيما يأتي إنّ شاء الله تعالى.
(5) كما ورد في ترجمة الشاعر الكميت بن زيد الأسدي(3) . وهو من شعراء العصر الأموي، أنه وفد على الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهالسلام (4) ، (فأذن له ليلاً فأنشده: فلمّا بلغ قوله:
____________________
(1) اللّوى: هو اسم مكان، والمربع: هو المكان الذي يُقام فيه زمن الربيع. الدارسة أي الأمكنة المختفية وما انمحى وذهب أثره، والبلقع هو المكان المقفر، الذي لا شيء فيه، والعرب من عادتها أنْ تبدأ قصائدها بالوقوف على الأطلال. وهنا يخبرنا الشاعر أنّ لأمّ عمرو - وهي امرأة يجعلها محلاًّ للخطابة - دار كانت ذات خصب باللوى، وهي الآن قد انمحت آثارها وصارت معالمها مقفرة موحشة. (ابن منظور، محمّد بن مكرم: لسان العرب 8 / 104، 6 / 79، 8 / 21).
(2) الأصفهاني، علي بن الحسين: الأغاني 1 / 241.
(3) الكميت بن زيد بن قيس الأسدي، شاعر الهاشميين وفارس من أهل الكوفة. من شعراء العصر الأموي ولد (سنة 60 هـ، 680م) كان عالماً بآداب العرب وأخبارها وأنسابها. يتشيّع، كثير المدح لبني هاشم. وله قصائده المعروفة بالهاشميات توفّي سنة 126 هـ 744م. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 5 / 233).
(4) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام . أمّه فاطمة بنت الحسن بن عليعليهالسلام أبو جعفر. من أئمّة المسلمين وخامس أئمّة أهل البيت ولد في المدينة عام 57 للهجرة ومن أشهر ألقابه الباقر لأنّه بقَر وعاء العلم فنشره، أي شقّه. حضر عنده جمع من كبار التابعين والفقهاء. وفد على عبد الملك بن مروان في مسألة النقد الإسلامي. حضر واقعة كربلاء وكان طفلاً فأخذ أسيراً. مات في المدينة المنورة ودفن في البقيع سنة 114 هجرية. (الأربلي، علي بن عيسى: كشف الغمة في معرفة الأئمّة، 2 / 328).
وقتيلٍ بالطّفِ غودر منهمُ |
بين غوغاء أمةٍ وطُغامِ(1) |
بكى أبو جعفر، ثمّ قال: (يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لحسّان بن ثابت:
لا زلتَ مؤيّداً بروح القُدُس، ما ذببت(2) عن أهل البيت، فخرج من عنده)(3) .
وبعد سنين، وفي أيام الحجّ الكريمة، ينقل عن صاحبٍ للكميت، أنّه قال: (دخلت مع الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد، فقال له: جعلت فداك، ألا أُنشدك؟ قال: (إنّها أيامٌ عِظام)، قال: إنّها فيكم، قال: (هات) - وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقُرّب - فأنشده، فكثر البكاء. وحين أتى على هذا البيت:
يصيب به الرامون عن قوسِ غيرهم |
فيا آخراً سدّى له البغيّ أول(4) |
فرفع أبو عبد الله - - يديه فقال: (اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم وأخّر، وما أسرّ وما أعلن، وأعطهِ حتى يرضى)(5) .
ففي هذا الخبر؛ نجد أنّ الكميت، هو الذي بادر الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، واستأذنه بالإنشاد. والإمام ذكّره، أنّ تلك الأيام كانت
____________________
(1) الطف: في اللغة: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق. والطف، أرض من ضاحية الكوفة، في طريق البرية، كان فيها مقتل الحسين بن علي (رضي الله عنه). (الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، 4 / 35). غوغاء: الجراد حين يخف للطيران ثمّ استعير للسفلة من الناس المتسرعين إلى الشر والطغام هم أوغاد الناس. (ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب 8 / 444).
(2) ذببت من ذبّ: أي دافع.
(3) المسعودي، علي بن الحسين: مروج الذهب 3 / 229. وراجع كذلك (الأصفهاني، علي بن الحسين: الأغاني 17 / 24).
(4) أي إنّ الذين صوّبوا السهام على الحسين لم يكونوا المبتدئين بالظلم بل مهّد لهم ذلك آخرون.
(5) الأصفهاني، علي بن الحسين (أبو الفرج): الأغاني - 17 / 24.
أيام الحجّ العظيمة، والتي يُكرهُ فيها قول الشعر.
ولمّا أذن له الإمام بالإنشاد، لم يكتف بالاستماع إليها بمفرده، بل ودعا بعض أهله، ليكون هناك تجمّع ومأتم، يستمع فيه إلى قصيدة رثاء للإمام الحسين.
وقد كان الكميت، موضع إكرام أهل البيت، لقوله الشعر فيهم، ورثاء الحسينعليهالسلام وأهله.
(6) وورد في ترجمة الشاعر دعبل بن علي الخزاعي(1) ، كما جاء في معجم الحموي (... وقصيدته التائيّة في أهل البيت، من أحسن الشعر، وأسنى المدائح، قصَدَ بها أبا علي بن موسى الرضا(2) بخراسان. فأعطاه عشرة آلاف درهم، وخلع عليه بردة من ثيابه(3) ). ثمّ أورد الحموي ما صحّ عنده من هذه التائية ومنها الأبيات:
فأمّا الممضّات التي لستُ بالغاً |
مبالغها مني بكُنْهِ صفاتِ |
____________________
(1) دعبل بن علي بن رزين الخزاعي الكوفي، أبو علي، شاعر فحل عرفه المؤرّخون بأنّه هجّاء، ولد سنة 148 هجرية في الكوفة. أقام ببغداد وله أخبار وشعر جيد. صنّف كتاباً في طبقات الشعراء. هجا الخلفاء: الرشيد، المأمون، الأمين، المعتصم والواثق. كان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على مَن يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك!! مات ببلدة تسمّى الطيب قرب واسط سنة 246 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 339).
(2) والأصح هو علي بن موسى الرضاعليهالسلام وليس أبا علي، وهو الإمام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. الثامن من أئمة أهل البيت ولد عام 148 هـ أمه أمّ ولد اسمها تكتم. نشأ في المدينة ثمّ استدعاه المأمون العباسي إلى مرو وجعله ولياً لعهده، ولمّا أعلن ذلك قصده الكثير من الشعراء منهم دعبل بن علي الخزاعي. توفّي عام 203 هجري في طريق عودته مع المأمون إلى بغداد في طوس بخراسان دفنه المأمون بجوار قبر أبيه هارون الرشيد. (الأربلي، علي بن عيسى: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، 3 / 53) أقول: وقبره الآن مشهور ومعروف بمدينة مشهد الإيرانية.
(3) الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم الأدباء 11 / 99.
نفوسٌ لدى النهرين مِن أرض كربلا |
معرسُّهُم فيها بشطّ فرات(1) |
كما ويورد المصدر نفسه قصيدة أخرى لدعبل، وهي عينية أولها:
رأس ابن بنت محمد ووصيّه |
يا للرجال على قناةٍ يرفع(2) |
فيما يذكر مصدر آخر، كيفية دخول الشاعر، على الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام (قال: دخلت على علي بن موسى الرضاعليهالسلام فقال لي: أنشدني شيئاً، ممّا أحدثت، فأنشدته:
مدارس آيات خلَت من تلاوةٍ |
ومنزلُ وحيٍّ مقفرُ العرصاتِ |
حتى انتهيت إلى قولي:
إذا وتُروا مدّوا إلى واتريهم |
أكفّاً عن الأوتار منقبضات |
قال: فبكى حتى أغمي عليه، وأومأ إليّ خادمٌ كان على رأسه: أنْ اسكت! فسكتّ ساعة. ثمّ قال لي: أعد لي، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل ما الذي أصابه في المرة الأولى)(3) .
____________________
(1) الممضّ: الأمر المحزن والموجع، المعرّس: هو المكان الذي ينزل فيه. ومعنى البيتين: إنّ المصائب الموجعة التي لا يمكن أنْ يصل إلى أبعاد ألمها وحزنها، هي مصائب تلك النفوس التي قضت قتلاً في كربلاء حينما نزلوا إلى جنب الفرات حيث قضوا عطشاً. والنهران هما دجلة والفرات. وممّا يعرف به العراق أنّه، بلد ما بين النهرين.
(2) الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأدباء 11 / 210.
الوصي لقب من ألقاب الإمام علي. القناة: هي الرمح. والمعنى أنّ رأس الحسين الذي هو ابن بنت محمد والسيدة فاطمة الزهراء وابن الإمام علي يرفع على رمح، في استغراب واستهجان لما جرى.
(3) الأصفهاني، علي بن الحسين: الأغاني 20 / 148. وأمّا البيتان: فالأوّل واضح وهو يحكي عن منازل أهل البيت التي صارت خالية بما جرى على أهلها من قتلٍ وتشريد، فهي مدارس خلت من تلاوة آيات وهي كذلك منازل كان ينزل الوحي فيها على جدّهمصلىاللهعليهوآلهوسلم وإذا بها موحشة خالية. والعَرْصة هي ساحة الدار أو المكان الذي ليس فيه بناء والأوّل أقرب مع مؤدّى البيت. القفر: الأرض التي لا ماء فيها ولا كلأ ولا ناس. وأمّا البيت الثاني: الوتر هو الظلم، ومعنى البيت: إنّ من صفات أهل البيت، أنّهم إذا ظُلموا لم يواجهوا الإساءة بمثلها، بل مدّوا إلى من ظلمهم أيادٍ خالية ومنقبضة عن الظلم والأحقاد.
وقد بلغ من اشتهار هذه القصيدة، أنّ المأمون(1) حين عفا عن دعبل - بعدما هجاه - وأعطاه الأمان، (فلمّا دخل - أي دعبل - وسلّم عليه - أي على المأمون - تبسّم في وجهه، ثمّ قال: أنشدني.
مدارس آيات خلَت من تلاوة |
ومنزلُ وحيٍ مقفرُ العرصاتِ |
فجزع! فقال له: لك الأمان فلا تخفْ. وقد رويتُها، ولكنّي أحبّ سَماعها من فيك. فأنشده إيّاها إلى آخرها، والمأمون يبكي حتى أخضلّت لحيته بدمعه!)(2) .
أقول: وسيأتي بيان آخر، لوفود هؤلاء الشعراء على أئمّة أهل البيتعليهمالسلام كما تنقلها المصادر الشيعية، التي سنوردها إجلاءً للصورة، وتوضيحاً للمطلب، إنّ شاء الله.
وقصيدة دعبل التائية هذه، من أشهر القصائد الرثائية في الإمام الحسينعليهالسلام إلى الآن، ولا نكاد نجد خطيباً من خطباء المنبر الحسيني اليوم لا يحفظها.
(7) في بداية بروز الدولة العباسيّة، ذُكر: أنّ القائد العبّاسي قحطبة بن شبيب، الزاحف بالخراسانيّين إلى العراق، قد ولّى محمد بن خالد بن عبد الله القسري الكوفة. فلمّا وصل كتاب الولاية، ما كان من الأخير إلاّ أنْ يظهر بقوّته (فأتى المسجد الأعظم، في جمع كثير من اليمانيّة، وقد أظهروا السواد، وذلك يوم عاشوراء من المحرّم سنة
____________________
(1) المأمون: عبد الله بن هارون الرشيد، الخليفة العبّاسي السابع ولد عام 170 هـ ببغداد. من أمٍّ فارسية. عهد إليه أبوه بالقسم الشرقي من الدولة الإسلامية. دخلت جيوشه بغداد وقتلت الأمين أخاه سنة 198 هـ. اهتم بالعلم والأدب والترجمة وأشاد (بيت الحكمة) توفّي عام 218 بالقرب من طرسوس. (معلوف، لويس: المنجد 624).
(2) المصدر نفسه: 20 / 181. والجزع هو: عدم الصبر على المصيبة حتى يبدو الحزن والأسى، واخضل: أي أبلّ. وعلى صحّة هذا الخبر، فإنّه يدل على ميل المأمون وتعاطفه مع أئمّة أهل البيت.
اثنتين وثلاثين ومِئة)(1) ، ولعلّ الظهور بالسواد في يوم عاشوراء، كان إشارة إلى أجواء الحزن في هذا اليوم، الذي قد ترافقه المناحات والبكاء.
(8) وممّا ورد في ترجمة ديك الجني(2) :
حيث ذكر: بأنّ (له مرّاثٍ كثيرة في الحسين بن علي -عليهالسلام - منها قوله:
ياعين لا للقضا ولا الكتب |
بكّا الرزايا سوى بكا الطرب |
وهي مشهورة عند الخاصّ والعام. ويناح به ا، وله عدّة أشعار في هذا المعنى(3) ).
ولو توقّفنا عندما أورد صاحب الأغاني أعلاه لوجدنا:
أ - انتشار الشعر الرثائي في الإمام الحسين وعلى الأقل كثرة ما نظمه ديك الجن في هذا الشأن.
ب - إنّ بعضاً منها قصائد مشهورة.
ت - والأهم من كل هذا، أنّها قصائد يُناح بها على الحسينعليهالسلام . وهو ما نبحث عنه، ممّا يعني بدوره، وجود تجمّعات خاصّة للنوح والبكاء.
ويذكر بعض المحقّقين(4) ، أنّ ديك الجن، لم يغادر مدينة حمص طول حياته، ممّا يرجّح أنّ تلك النياحة كانت قد انتشرت في
____________________
(1) الدينوري، أحمد بن داود: الأخبار الطوال ص367.
(2) ديك الجن: عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي، شاعر مجيد، فيه مجون، من شعراء العصر العبّاسي، لُقّب بديك الجن لأنّه عينيه كانتا خضراوين أصله من سلمية قرب حمص. ولد فيها عام 161 هـ لم يفارق بلاد الشام. ولم ينتفع بشعره، له ديوان شعر. مات بحمص سنة 625 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 4 / 1).
(3) الأصفهاني، علي بن الحسين: الأغاني 14 / 52. والرزايا جمع رزيّة، وهي المصيبة.
(4) كرد علي، محمد: خطط الشام - 6 / 250.
بلاد الشام أيضاً.
وعلى هذا فلنا أنْ نتساءل، كيف كانت هذه المناحات في العراق؟ وخاصّة عند قبر الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء.
وكشاهد؛ نذكر بيتاً من قصيدة للسيد الشريف الرضي(1) ، يقول فيه:
كانت مآتمُ في العراق تعدّها |
أمويّةً في الشام من أعيادها |
وممّا يفهم من هذا البيت، أن المآتم كانت في العراق، أيام حكم الأمويين في الشام، الذين كانوا يعدّون عاشوراء من أعيادهم.
وقد أنشد الشريف الرضي قصيدته هذه، يوم عاشوراء من سنة 391 هـ(2) .
(9) المآتم في كربلاء.
لقد شهدت كربلاء أوّل المناحات على قتل الحسين وأهل بيته وأنصاره، حينما بكت النساء قتلاهن - كما ذكرنا بعضاً من ذلك في المآتم العفويّة -.
كما شهدت كربلاء أوّل من رثا الحسين، وهوسليمان بن قتّه العدوي (3) حيث مرّ بعد ثلاث ليالٍ فنظر إلى مصارعهم واتّكأ على
____________________
(1) الشريف الرضي: محمد بن الحسين بن موسى الرضي العلوي الحسيني الموسوي. أبو الحسن. هو أشعر الطالبيين ولد ببغداد سنة 359 هجرية. انتهت إليه نقابة الإشراف في حياة أبيه. له ديوان شعر في مجلدين. جمع خطب الإمام علي في نهج البلاغة توفّي ببغداد سنة 406 هجرية. ودفن بمقابر قريش وقبره معروف. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 6 / 99).
(2) الرضي، محمد بن الحسين: ديوان الشريف الرضي 1 / 278.
(3) سليمان بن حبيب بن محارب العدوي التميمي، مولى بني هاشم اشتهر بابن قتّه وكان منقطعاً إلى بني هاشم. توفّي بدمشق سنة 126 هجرية. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص41).
فرس له، وهو يقول:
مررت على أبيات آل محمد |
فلم أرها أمثالها يوم حلّت(1) |
إلى آخر أبياته.
ولم تنقطع المناحات وأصوات الباكين عند قبر الحسينعليهالسلام . وقد مررنا بما صنعه التوابّون، قبل خروجهم إلى واقعة عين الوردة(2) . وسنورد ما ذكرته المصادر الشيعيّة، عن وجود تجمّعات عند قبر الحسين، من الكوفة وأطرافها، وهم يبكون وينوحون على الحسين. أيّام الإمام جعفر بن محمّدعليهالسلام المتوفّى سنة 148 هجرية.
ويظهر أنّ قبر الإمام الحسين، برز كمكان له مَن يقوم بخدمته ورعايته منذ وقتٍ مبكّر. فمّما حدّث به الطبري في أحداث سنة 193 هجرية، أنّه قد (بعث الرشيد(3) إلى ابن أبي داود، والذين يخدمون قبر الحسين بن علي في الحائر(4) ، فأتى بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد وقال: مالك؟ قال: بعث إليّ هذا الرجل - أي الرشيد -
____________________
(1) الأصفهاني، علي بن الحسين: مقاتل الطالبين، صفحة 81. ابن عساكر، علي بن الحسن: تاريخ دمشق الكبير، 14 / 245.
(2) عين الوردة: راجع ص49.
(3) الرشيد: هارون بن محمّد المنصور العبّاسي، أبو جعفر، خامس الخلفاء العبّاسيين في العراق وأشهرهم. ولد بالرّي سنة 149 هجرية نشأ في بغداد، غزا الروم. بويع له بالخلافة سنة 170 هجرية، تبادل الهدايا مع شارلمان ملك فرنسا، يلقّب بجبّار بني العبّاس. حكم 23 سنة توفّي بطوس من قرى خراسان سنة 193 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 8 / 62). ويظهر من الخبر، أنّ (ابن أبي داوود) هو الموكّل بقبر الحسين آنذاك.
(4) الحائر، الحاير: هو في الأصل، حوض يصبّ إليه سيل الماء من الأمطار. سمي بذلك؛ لأنّ الماء يتحيّر فيه، يرجع من أقصاه إلى أدناه.
والحائر: قبر الحسين بن علي رضي الله عنه. (الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان 2 / 208) أقول: وهناك عوائل في العراق وإيران تنسب إلى كربلاء، فيقال للفرد منهم أنّه حائري، أي كربلائي.
فأحضَرَني ولستُ آمنه على نفسي!.. قال له: فإذا دخلت عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعَني في هذا الموضع. فلمّا دخل إليه، قال هذا القول. قال: ما أخلق أنْ يكون هذا من تخليط الحسن، أحضروه. فلمّا حضر، قال: ما حمَلك على أنْ صيّرت هذا الرجل في الحَير (الحائر)؟ قال: رحم الله من صيّره في الحير، أمَرتني أمّ موسى أنْ أصيّره فيه. وأنْ أجري عليه في كلّ شهر ثلاثين درهماً. فقال: ردّوه إلى الحير، وأجروا عليه ما أجرته أم موسى(1) ). والظاهر، أنّ أمّ موسى هنا هي أمّ الرشيد، وموسى هذا أخوه الأكبر الملقّب بالهادي العباسي(2) .
ومن هنا يظهر أنّ قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، كان يُقصد للزيارة قبل أنْ يلي الرشيد الخلافة، التي بدأت عام 170 للهجرة(3) ، أو على الأقل في خلافته. كما يظهر أنّ الرشيد امتعض ممّا رآه عند قبر الحسين، وهذا ما برّر خوف متولّي القبر من استدعاء الرشيد له.
ولا شكّ أنّ الحضور عند قبر الحسينعليهالسلام ، يستدعي دائماً تذكّر مقتله وأحزانه، ثمّ التأثّر والحزن والبكاء لذلك.
وقد أخذ قبر الحسينعليهالسلام ، يتحوّل شيئاً فشيئاً، إلى موضع يقصده بعض الشيعة للسكن والاستقرار فيه، حتى غدا قرية أو ما قاربها، يبرز فيها تجمّع شيعيّ كبير، في مواسم الزيارة وإقامة العزاء، ممّا حدا بالخليفة العبّاسي المتوكّل(4) أنْ يصدر قراره بهدم القبر. فقد
____________________
(1) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك - 6 / 537.
(2) موسى بن محمّد بن أبي جعفر العباسي الهاشمي، رابع الخلفاء العبّاسيين ولد بالرّي سنة 144 هـ ودفن في بستان بعيسى آباد ولى الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 169 هـ. أراد خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد، فأمرت أُمّهُ جواريها أنْ يقتلنه فخنقنه سنة 170 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 7 / 327).
(3) الدميري، زكريا بن أحمد: حياة الحيوان الكبرى 1 / 107.
(4) المتوكل: جعفر بن محمد بن هارون الرشيد، أبو الفضل، ولد سنة 206 ببغداد، بويع له =
جاء في أحداث سنة مِئتين وثلاثين، أنّه قد (أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأنْ يُرث ويُبذر ويُسقى، في موضع قبره. وأنْ يُمنع الناس من إتيانه. فذُكر؛ أنّ عامل صاحب الشرَطة نادى في الناحية: مَن وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المُطبق، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحُرث ذلك الموضع، وزُرع ما حوله)(1) .
والمُطْبِق: سجن تحت الأرض، سيء الصيت آنذاك.
وأمّا ابن الأثير، فإنّه يزيد على ما ذكره الطبري، بما عُرف عن المتوكّل من بغضه لعلي وأبنائه(2) . وزادت بعض المصادر في أوامر المتوكل حول قبر الحسين، بأنّه أمر جنده أنْ (لا يجدون أحداً إلاّ أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة)(3) .
ويذهب بعض الباحثين، إلى أنّ مِن أسباب هدم قبر الحسينعليهالسلام ، منع المتوكّل (للشعائر التقليدية في ذكرى الحسين)(4) .
وتغيّر الوضع بعد ذلك في حكم ولده المنتصر بالله العباسي(5) حيث (كان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعارف، راغباً
____________________
= بالخلافة سنة 232 بعد وفاة أخيه الواثق. نقل الخلافة من بغداد إلى دمشق لشهرين ثمّ عاد إلى سامراء. عرف ببغضه للعلويين، هدم قبر الحسين سنة 236 هجرية فهجاه بعض الشعراء. مات مقتولاً بسامراء 247 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 127).
(1) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأُمم والملوك 7 / 365.
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 5 / 287.
(3) الأصفهاني، علي بن الحسين: مقاتل الطالبين ص395.
(4) الأمين، حسن: من نوافح خراسان، ص142. نقلاً عن الخلافة العبّاسية - للدكتور فاروق عمر، ص42.
(5) المنتصر العباسي: محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، أبو جعفر. خليفة عباسي ولد بسامراء سنة 223 هجرية. بويع بالخلافة بعد قتل أبيه سنة 247 =
في الخير، جواداً كثير الإنصاف، حسن العشرة.
وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسينعليهالسلام ، وآمن العلويين، وكانوا خائفين أيّام أبيه)(1) .
ومن مظاهر البكاء عند قبر الحسينعليهالسلام ؛ ما سجّله بعض المؤرّخين عرضاً، وهم يؤرّخون لبدايات نشؤ الدولة الفاطميّة في بلاد المغرب، ثمّ مصر بعد ذلك.
فقد جاء في حوادث سنة ست وتسعين ومِئتين، مجيء اثنين من المؤسّسين لفكرة الدولة الفاطمية، إلى كربلاء، ولقائمها عند قبر الحسين، رجلاً يمانيّاً. (وكان باليمن رجل اسمه محمد بن الفضل، كثير المال والعشيرة من أهل الجند، متشيّع. فجاء إلى مشهد الحسين بن علي يزوره، فرآه أحمد ورستم يبكي كثيراً. فلمّا خرج اجتمع به أحمد وطمع فيه لما رأى من بكائه)(2) .
ولسنا معنيّين هنا بمسألة بدايات الفاطميّين، والذين سنفرد لهم مبحثاً خاصّاً في هذا الفصل، إنْ شاء الله. إلاّ أنّ ما يعنينا مسألة شيوع ظاهرة البكاء عند قبر الحسين، وما يرافق ذلك؛ من قول شعر الرثاء هي الظاهرة التي لا تزال موجودة إلى الآن عند قبره في كربلاء.
كما ويذكر القاضي التنوخي(3) ، أنّ أبا الحسن الكاتب، بعث أبا القاسم علي بن محمد التنوخي، إلى نائح كان في الحائر (كربلاء) يسمّى أصدق، ينوح علي الحسينعليهالسلام ، كي ينوح بقصيّدة لبعض
____________________
= هجرية. لم تطل مدّته. مات مسموماً بسامراء سن 248 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 6 / 70).
(1) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ - 5 / 311.
(2) المصدر نفسه 6 / 126.
(3) القاضي التنوخي: علي بن المحسن بن علي التنوخي. ولد سنة 365 هجرية بالبصرة. قاض من علماء المعتزلة. تقلّد في نواح عدّة. هو حفيد القاضي التنوخي الكبير. توفّي سنة 447 هجرية ببغداد (القميّ، عباس: الكنى والألقاب، 2 / 124).
الشعراء الكوفيين، وأوّلها:
أيّها العينان فيضا |
واستهلاّ لا تغيضا |
|
لم أمرّضْهُ فأسلو |
لا ولا كان مريضا(1) |
وأبو القاسم التنّوخي ولد سنة 278 هجرية وتوفي سنة 342 هجرية(2) .
ويظهر من هذا الخبر، أنّ هذه المسألة كانت أيّام سيطرة الحنابلة على بغداد، حينما قرر أبو القاسم الخروج من بغداد، متوجّهاً إلى كربلاء، كي يلقي ذلك النائح، ويطلب منه أنْ ينوح بتلك القصيدة، فيقول (وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يلقون جهداً جهيداً من الحنابلة، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر، فلم أزل أتلطّف، حتى خرجت، فكنت في الحائر ليلة النصّف من شعبان. فسألت عن ابن أصدق حتى رأيته)(3) وسيأتي بعد قليل في موضوع مآتم بغداد، ترجمة رئيس الحنابلة الذي مات عام 329 هجرية، ممّا يعني أنّ الخبر كان قبل سن 329 هجرية.
(10) النياحة في مصر قبل الفاطميّين (322 - 358) هـ
وحينما يؤرّخ المقريزي في خُططه، لاهتمام الفاطميّين بأيام عاشوراء وإقامة المآتم على الإمام الحسينعليهالسلام ، يقول: (انصرف خلق
____________________
(1) التنوخي، علي بن المحسن: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 2 / 230. (استهلّ من هلّ، إذا اشتد المطر. تغيض، من غضّ، وهو المنع، ومنه غضّ البصر إذا صرفه عمّا لا يحل رؤيته).
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 6 / 345.
(3)التنوخي، علي بن المحسن: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة - 2 / 232. أقول: ولا تزال ليلة النصف من شعبان من أكبر مواسم زيارة الحسين في كربلاء إلى أيّامنا هذه، ويبدو أنّها بدأت في أيام الإمام الصادق ت: 148، كما سيأتي بيان ذلك.
من الشيعة وأشياعُهم إلى المشهدين، قبل كلثوم(1) ونفيسة(2) ، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم، بالنياحة والبكاء على الحسينعليهالسلام ... وقد كانت مصر لا تخلو منهم، في أيّام الأخشيدية(3) والكافوريّة(4) في أيّام عاشوراء عند قبر كلثوم وقبر نفيسة)(5) . ويفصّل المقريزي ذلك حينما يذكر عاشوراء سنة 350 هجرية، (وما زال أمر الشيعة يقوى في مصر، إلى أنْ دخلت سنة 350 هجرية. ففي يوم عاشوراء، وقعت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلويّة، بسبب ذكر السلف والنوح. وقُتِل فيها جماعة من الطرفين)(6) .
____________________
(1) كلثوم أو أم كلثوم وهي: زينب بنت يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، شريفة علويّة، وكانت عابدة صالحة، يتبرك بها الناس، توفيت بمصر عام (240 هـ 854م) ودفنت في المشهد المجاور لقبر عمرو بن العاص. كان الظافر الفاطمي يأتي إلى زيارتها ماشياً (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 3 / 67).
(2) نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. دخَلت مصر مع زوجها إسحق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وكانت تقية صالحة. سمع عليها الإمام الشافعي الحديث. ولمّا توفّي أُدخلت إلهيا جنازته فصلت عليها. توفّيت سنة 208 هجرية، صاحبة المشهد المعروف بمصر. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 8 / 42).
(3) الإخشيديون: أسرة حكمت مصر وفصلتها عن الخلافة العباسيّة ببغداد. وأشيد عنوان رسمي وهم قوم من ابن طغج الفراغنة. أول حكّامهم محمد حسين الأخشيد وكان أبوه خادماً عند الخليفة العباسي الراضي بالله فغضب عليه الخليفة وسجنه، حتى مات في السجن فعيّن ولده محمد على الشام فضمّ إليه مصر وأعلن تمرّده على بغداد سنة 323، انتهى حكمهم على يد الفاطميين سنة 356 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 6 / 174).
(4) الكافوريّة نسبة إلى كافور بن عبد الله الإخشيدي ولد سنة 292 هجرية وهو أمير مشهور، مدحه المتنبّي. ملك مصر عام 355 هجرية وكانت مدة إمارته 22 عاماً وتوفي في القاهرة سنة 357 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 5 / 216).
(5) المقريزي، أحمد بن علي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - 2 / 212.
(6) المصدر نفسه 3 / 270 - 271.
ففي هذا النصّ، دليل على أن مظاهر الحزن على الإمام الحسين، التي عبّر عنها بـ (النوح)،كانت موجودة في مصر قبل سنة 350 هـ. ثم قوي الأمر في هذه السنة. وهذا التاريخ هو قبل إعلان البويهيين المشهور عام 352 هـ في بغداد. وكما هو معروف، فإنّ الإخشيديين، قد ملكوا مصر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمِئة، حين استقلّ محمد الإخشيد عن الخلافة العباسيّة(1) .
(11) مآتم للحسينعليهالسلام في بغداد قبل عام 352 هجرية
أ - أودت بعض المصادر، أنّ النياحة على الحسين، كانت معروفة ببغداد قبل مجيء البويهيين إليها. وربّما أقيمت بعض تلك النياحات في الأسواق أو المساجد. وسنحاول ذكر بعض الأمثلة.
يذكر القاضي التنوخي (قال أبي، وابن عيّاش: كانت ببغداد، نائحة مجيدة حاذقة، تعرف بخِلْب (والخلب هو حجاب القلب) تنوح بقصيدة منه ا:
أيّها العينان فيضا |
واستهلاّ لا تغيضا |
فسمعناها في دور بعض الرؤساء، لأنّ الناس إذ ذاك كانوا لا يتمكّنون من النياحة إلاّ بعزّ السلطان، أو سرّاً لأجل الحنابلة.
ولم يكن النوح إلاّ مراثي الحسين وأهل بيته فقط، قالا: فبلغنا أنّ البربهاري(2) قال: بلغني أنّ نائحة يُقال لها خِلب، تنوح،
____________________
(1) حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام، 3 / 144.
(2) يقول ابن الأثير في من توفي سنة 329 من الأعيان: وتوفي أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، رئيس الحنابلة، توفي مستتراً ودفن في تربة قصر القشوري وكان عمه ستاً وسبعين عاماً. (الكامل في التاريخ - 6 / 282).
أما ابن كثير فيقول في ترجمة البربهاري: أبو محمد البربهاري العالم الزاهد الحنبلي الواعظ صاحب المروزي وسهلاً التستري، وتنزّه عن تراث أبيه - وكان سبعين ألفً - لأمر كرهه، وكان شديداً على أهل البدع والمعاصي وكان كبير القدر، تعظّمه الخاصة والعامّة. =
اطلبوها فاقتلوها)(1) .
ويبدو أنّ خِلب قد قُتلت في تلك السنة، التي كانت فيها قوّة الحنابلة في بغداد، وهي سنة 323 هجرية. حيث كانوا يستخدمون القوّة، (ويكبسون بيوت القادة والعامّة. حتى إذا مرّ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان الذين استعانوا بهم وهم ممن يأوون المساجد، فيضربونه بعصيّهم حتى يكاد يموت)، حتى اضطر الخليفة الراضي(2) ، إلى إصدار بيان بشأنهم تراجع أحداث سنة 323 هجرية(3) .
وليس المهمّ لدينا أنّ خِلب قُتلت أم لم تقتل، لكن المهمّ هنا أنّ المآتم كانت معروفة قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً، من أمر معزّ الدولة البويهي في عاشوراء عام 352 هجرية. كما أنّ خِلب - كما يبدو من الرواية - كانت مشهورة. وشهرتها هي التي أدّتْ بها إلى أنْ تنوح في بعض دور الرؤساء، ثمّ إلى قتلها بعد ذلك. ولابدّ أنّ تكون الشهرة قد سبقت أحداث سنة 323 تلك. والبربهاري مات عام 329 مختفياً من السلطان، وعلى هذا؛ فحتى لو فرضا أنّ البربهاري أمَر بقتل خلب في سنة وفاته، فإنّ هذا يعني؛ أنّ المآتم الحسينية كانت معروفة في
____________________
= وقد عطس يوماً - وهو يعظ - فشمته الحاضرون ثمّ شمته من سمعهم حتى شمته أهل بغداد! فانتهت الضجّة إلى دار الخلافة، فغار الخليفة من ذلك!! وتكلّم فيه جماعة من أرباب الدولة فطلب فاختفى عند أخت بوران شهراً. ثمّ أخذه القيام - داء - فمات عندها. فأمرت خادمها فصلّى عليه فامتلأت الدار رجالاً عليهم ثياب بيض ثمّ دفن عندها ثمّ أوصت إذا ماتت أنْ تدفن عنده، وكان عمره يوم مات ستّاً وتسعين سنة. (البداية والنهاية 11 / 169).
(1) التنوخي، علي بن المحسن: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 2 / 233.
(2) محمد بن جعفر المقتدر، الخليفة العباسي العشرون، ولد ببغداد 297 هـ، وتولّى الخلافة سنة 322 هـ. ضعفت سيطرته على مقاليد الأمور، وبرز وزيره ابن رائق الشخصية الأبرز في أيامه. توفّي 329 هـ. (معلوف، لويس: المنجد الأعلام ص302).
(3) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 6 / 248.
بغداد قبل ثلاث وعشرين سنة من أمر البويهيين أيّام عاشوراء.
ثمّ إنّ النصّ السابق، يوضّح؛ أنّ نساءً في بغداد كُنّ ينُحَن على الحسينعليهالسلام ، ولم يقتصر الأمر على الرجال. مثل ابن أصدق الذي ذكر سابقاً، والذي كان في كربلاء أيّام تعاظم قوة الحنابلة في بغداد أي عام 323 هجرية.
يقول التنوخي: (حدّثني أبي قال: خرج إلينا يوماً أبو الحسن الكاتب فقال: أتعرفون في بغداد رجلاً يقال له ابن أصدق؟ قال: فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، فقلت: نعم، فكيف سألت عنه؟ فقال: أي شيء يعمل؟ قلت: ينوح على الحسين)(1) . إنّ وجود رجال ونساء متخصّصين بالنياحة على الحسينعليهالسلام ، يعني فيما يعنيه، وفرة الطلب على مجالس النياحة، التي تحتاج إلى زمن يعتّد به كي تُعرف بين الناس وتشتهر.
ومن جهة أخرى، يروي الحموي في معجمه (.... حدّثني الخالع، قال: اجتزت بالناشئ(2) يوماً هو جالس في السرّاجين(3) ، فقال لي: قد عملت قصيدة وقد طُلِبَتْ وأريد أنْ تكتبها بخطّك حتى أخرجها. فقلت: أمضي في حاجة وأعود، وقصدت المكان الذي أردُته، وجلست فيه، فحملتني عيني، فرأيت في منامي، أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح، فقال لي: أحبّ أن تقوم، فتكتب قصيدة
____________________
(1) التنوخي علي بن المحسن: نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 2 / 230.
(2) الناشئ: علي بن عبد الله بن وصيف الحلاّء، أبو الحسن المعروف بالناشئ الصغير أو الأصغر. شاعر مجيد من أهل بغداد، ولد فيها سنة 271 هجرية. كان إمامياً له قصائد كثيرة في أهل البيت. أخذ علم الكلام عن ابن نوبخت وغيره. صنّف كتباً وقصد سيف الدولة بحلب. أملى ديوان شعر في مسجد الكوفة وحضر مجلسه بها المتنبّي وهو صغير. توفّي ببغداد سنة 366 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 4 / 304).
(3) سوق من أسواق بغداد. أقول: ولا يزال اليوم في بغداد القديمة، سوق يُعرف بسوق السّراجين في الجانب الشرقي منها.
الناشيء البائية؛ فإنا نُحنا بها البارحة في المشهد(1) . وكان هذا الرجل قد توفّي وهو عائد من الزيارة. فقمت ورجعت إليه، وقلت: هات البائية حتى أكتبها، فقال: من أين علمت أنّها بائية، وما ذكرتُ بها أحداً. فحدثته بالمنام، فبكى، وقال: لا شك أنّ الوقت قد دنا، فكتبتها فكان أولها:
رجائي بعد والممات قريب |
رويُخطئ ظنّي والمنون تصيب)(2) |
وقد برز إلينا في هذا النصّ، اسمٌ لنائحٍ آخر، وهو عبد العزيز الشطرنجي، وكان معروفاً ببغداد في تلك السنين. كما يدل الخبر على شيوع ظاهرة النياحة عند قبر الحسين واشتهارها.
(ب) يذكر الحموي في معجمه، وهو يترجم للخالع(3) الشاعر (حدّثني الخالع، قال: كنت مع والدي في سنة ست وأربعين وثلاثمِئة، وأنا صبي في مجلس الكبوذي في المسجد بين الورّاقين والصاغة (سوقان من أسواق بغداد) وهو غاصّ بالناس. وإذا برجل قد وافى، وعليه مرقعة، وفي يده سطحية وركوة ومعه عكاز، وهو شعث(4)
____________________
(1) المشهد مصطلح يطلق على كل موضع فيه قبر لأحد أئمّة أهل البيت، فقد يعني به مشهد الإمام علي أو مشهد الحسين أو مشهد الإمامين موسى بن جعفر الكاظم ومحمد الجواد ببغداد، وقد يعني به مشهد الإمام الرضاعليهالسلام في خراسان. وفي أيامنا هذه إذا قيل مشهد فإنّه ينصرف إلى قبر الإمام الرضاعليهالسلام ، وقد سميت به حالياً مدينة طوس القديمة. أمّا في هذا النص فإنّ المقصود من لفظة (مشهد) هو قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، حيث كان يناح بالقصائد الرثائية هناك. (المصنّف).
(2) الحموي، ياقوت: معجم الأدباء - 13 / 280. المنون، جمع منيّة وهي الموت، و(عائد من الزيارة) أي من زيارة الإمام الحسينعليهالسلام بكربلاء.
(3) الخالع: هو الحسين بن محمد بن جعفر الرافقي نسبة إلى الرافقة وهي بُلَيدة كانت ملاصقة للرقّة على الفرات. أديب له شعر حسن. يقال أنّه من ذرية معاوية بن أبي سفيان. ولد سنة 333 هجرية. سكن بغداد وتوفي سنة 422 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 254).
(4) مرقعة: ثوب فيه رقعة. سطحية: (السطحية) وهي المزادة، إناء يوضع فيه الزاد. ركوة إناء صغير من الجلد يشرب فيه الماء. عكاز: عصا ذات زجّ في أسفلها يتوكّأ عليها. =
(وهي من صفات المتصوّفة آنذاك). فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه، وقال: أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها!! فقالوا: مرحباً بك وأهلاً. ورفعوه. فقال: أتعرّفون لي أحمد المزوّق النائح؟ قال: ها هو جالس. فقال: رأيت مولاتنا في النوم فقالت: امضِ إلى بغداد واطلبه، وقل له: نُحْ على ابني بشعر الناشيء(1) الذي يقول فيه:
بَني أحمد قلبي لكم يتقطّع |
بمثل مصابي منكم ليس يُسمع.. |
وكان الناشئ حاضراً، فلطم لطماً عظيماً على وجهه، وتبعه المزوّق(2) . والناس كلّهم. وكان أشدّ الناس في ذلك الناشئ ثمّ المزوّق ثمّ ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم. إلى أنْ صلّى الناس الظهر وتقوّض المجلس. وجهدوا بالرجل أنْ يقبل منهم شيئاً، فقال: والله لو أعطيت الدنيا ما أخذتها، فإنّني لا أرى أنْ أكون رسول مولاتيعليهمالسلام ، ثمّ آخذُ على ذلك عوضاً. وانصرف ولم يقبل شيئاً، قال: ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتاً:
عجِبت لكم تفنون قتلاً بسيفكم |
ويسطوا عليكم مَن لكم كان يخضَع |
|
كأن رسول الله أوصى بقتلكم |
وأجسامكم في كل أرضٍ تُوزَعُ)(3) |
ومن هذه القصيدة كذلك:
____________________
= شعث: ذو الشعر المتلبّد المغبّر.
(1) الناشئ: سبقت ترجمته.
(2) المزوّق: وهو أحمد النائح، من النائحين المعروفين ببغداد في النصف الأول من القرن الرابع. ولد ببغداد أواخر القرن الثالث وتوفّي بحدود سنة 350 هجرية. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص47). أقول: وهذا اسم نائح آخر بعد ابن أصدق والشطنجي وخِلب وكلّهم من بغداد.
(3) ياقوت الحموي - معجم الأدباء - 13 / 292.
(فما بقعةٌ في الأرض شرقاً ومغرباً |
وليس لكم فيها قتيلٌ ومصرعُ |
ظُلمتم وقتُلتم وقسّم فيئُكم=وضاقت بكم أرض فلم يُحْمَ موضع)(1)
والذي يهمّنا من ما ذُكر أعلاه؛ هو المأتم الذي أٌيم على الحسينعليهالسلام في بغداد، وذلك سنة 346 هجرية. أي قبل أمر معزّ الدولة بست سنين.
وبهذا الخبر نصل إلى نهاية ما سجّلنا من الأدلّة التي عثرنا عليها، وفيها بيان - بنسب متفاوتة - على أنّ ظاهرة النياحة وإقامة المآتم على الإمام الحسين، كانت معروفة قبل عام 352 هـ.
ولقد توسّعت - بعض الشيء - في إيراد هذه الشواهد التاريخية والأدبية، إجلاءً للصورة، وتقوية للبحث، وتنويعاً للمصادر.
الرأي الثالث: الإمام زين العابدين علي بن الحسين
يذكر أحدُ الكتّاب المصريّين المعاصرين، في كتاب له، وصول ركب السبايا إلى الشام، وخطبة الإمام زين العابدين في المسجد الأموي بدمشق، لمّا وصلها مع عمّاته وأخواته في الأوّل من شهر صفر عم 61 هـ.
فيقول: (جعل علي بن الحسين، يخطب، ويفتخر بأهل بيته، ويسمّيهم بأسمائهم فرداً، فرداً، ويذكر فضائلهم، وأياديهم على الملّة والناس، وما زال يقول ويطنب حتى بكى الناس وانتحبوا، وتحرّكوا أو كادوا)(2) .
____________________
(1) الأميني، عبد الحسين أحمد، الغدير، 4 / 31. الفيء: من الفعل فاء أي رجع، والمعنى هنا: الغنيمة أو مطلق المال.
(2) سيد الأهل، عبد العزيز: الإمام زين العابدين، ص29.
ثمّ يعلّق على كلامه هذا، صاحب كتاب تاريخ النياحة، بما يلي: (... فكان أيضاً أوّل انتحاب)(1) .
ولقد سبق لنا، لمّا مررنا على ذكر المآتم العفوي، في بداية هذا الفصل، سبق وإنْ اعتبرنا أنّ بكاء أهل الشام، على إثر خطبة الإمام زين العابدين، هو من مصاديق المآتم العفوية.
إلاّ إذا اعتبرنا أنّ الكاتب، كان يرى في الخطبة وفقراتها ومفرداتها، تهييجاً للنفوس، وإذكاءً للعواطف، وإبرازاً للمواقف المحزنة، ممّا أدّى إلى البكاء بل والانتحاب.
ولمزيد من الاطلاع على هذا الخطبة، فإنّنا سنورد نصّها في ملحق هذا الفصل، إكمالاً للفائدة، وتقويماً لهذا الرأي.
ويمكن لهذا الرأي - الثالث - أنْ يضاف إلى ما سنذكره في الرأي الرابع التالي، الذي يعتمده الشيعة في هذه المسألة، فيكون ضمن ذلك الرأي.
الرأي الرابع: أئمّة أهل البيت عليهمالسلام
وهذا الرأي يتبناه الشيعة، في مسألة نشوء المنبر الحسيني وبداياته، التي كانت عبارة عن دعوات للاجتماع، من أجل الاستماع، إلى ما قيل من شعر في رثاء الحسين، والحثّ على البكاء، وثواب ذلك، كما وقد ورد الحث على قول الشعر.
____________________
(1) الشهرستاني، صالح إبراهيم: تاريخ النياحة، 1 / 73. ويمكن مراجعة نص هذه الخطبة في مقتل الخوارزمي 2 / 76 واعتماداً على ما ذكره الخوارزمي، فقد أحدثت خطبة الإمام علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، تأثيراً كبيراً على مستمعيها، ممّا أحدث تجاوباً عاطفياً مع أهل بيت الحسين. ويعزو بعض من كتب في مقتل الحسين، أنّ إرجاع النساء المسبيّات إلى المدينة بالرفق وإخراجهن من الشام، إلى خطبة الإمام هذه، وما تركه مِن أثر في النفوس.
حيث أورد علماء الشيعة العديد من الروايات والأخبار، والممارسات عن أئمتهم، والتي تدعو شيعتهم إلى إقامة مجالس العزاء، وثواب البكاء على الحسين فيها.
يقول السيد محسن الأمين(1) : (إمّا إنّهم - أي أئمّة أهل البيت -... بكوا على الحسين، وعدّوا مصيبته أعظم المصائب، وأمروا شيعتهم ومواليهم وأشياعهم بذلك، وحثّوا علي، واستنشدوا الشعر في رثائه وبكوا عند سماعه، وجعلوا يوم قتله يوم حزنٍ وبكاء، وذمّوا من اتخذه عيداً، وأمروا بترك السعي فيه في الحوائج، وعدم ادّخار شيء فيه. فالأخبار فيه مستفيضة عنهم، تكاد تبلغ حدّ التواتر، رواها عنهم ثقات شيعتهم ومحبّيهم بأسانيدها المتصلة إليهم)(2) .
إذن، فالشيعة يعتقدون أنّ الأخبار في هذه المسألة، قد بلغت حدّ التواتر، وأنّ رواتها ثقات يُعتمد عليهم.
وسنتوقف عند بعض ما أورده علماؤهم من أقوال الأئمّة من أهل البيت، في هذا الباب ضمن نقطتين:
الأولى: حثّ الأئمّة على البكاء على الإمام الحسينعليهالسلام
روى الشيخ ابن قولويه(3) في الكامل:
____________________
(1) السيد محسن الأمين: محسن بن عبد الكريم العاملي ولد في شقراء بجبل عامل عام 1248 هجرية وهاجر إلى النجف الأشرف حتى نال درجة الاجتهاد ورجع إلى دمشق واستقر فيها، له مواقف وطنية ومشاريع إصلاحيّة، كثير التأليف مصلح كبير ومحقّق معروف توفّي في بيروت عام 1371 هجرية وحمل ليدفن في دمشق. من أوسع مؤلّفاته: أعيان الشيعة. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 173.
(2) الأمين، محسن: إقناع اللائم على إقامة المآتم، ص174. ويمكن مراجعة هامش ص133 حول مسألة اتخاذ عاشورا عيداً.
(3) الشيخ جعفر بن محمد بن قولوية القمّي: فقيه ومحدّث من أبرز علماء الشيعة الإمامية، =
كان علي بن الحسين عليهالسلام يقول: (أيّما مؤمن دمِعت عيناه لقتل الحسين بن علي دمعةً حتى تسيل على خدّه، بوّأه الله بها في الجنّة غُرَفاً يسكنها أحقاباً)(1) .
وعنهعليهالسلام أيضاً:
(أيّما مؤمن دمِعت عيناه حتى تسيل على خدّه، فيما مسّنا مِن الأذى من عدوّنا في الدنيا، بوّأه الله في الجنّة مُبوّأ صدق)(2) .
ب - وعن الإمام محمد بن علي الباقرعليهالسلام فيما ينبغي عمله يوم عاشوراء:
(.. ثمّ ليندب الحسينعليهالسلام ويبكيه، ويأمر مَن في داره بالبكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسينعليهالسلام ..)(3) .
ج - وعن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام :
(كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين)(4) .
____________________
= وهو أستاذ الشيخ المفيد (المعلّم). له كتب حسان معتبر عند علماء الطائفة.
توفّي ببغداد سنة 367 هجرية ودفن بمقابر قريش. (القمّي، عباس: الكنى والألقاب، 1 / 391) عالم شارك في أنواع من العلوم. من آثاره: الجمعة والجماعة، تاريخ الشهور والحوادث، الرضاع، كامل الزيارات، النوادر (كحالّه، عمر رضا: معجم المؤلفين، 3 / 146).
(1) ابن قولويه، جعفر بن محمد: كامل الزيارة، ص201.
(2) الصدوق، محمد بن علي بن بابوية: ثواب الأعمال، ص111.
(3) ابن قولويه، جعفر بن محمد: الكامل في الزيارات، ص326.
(4) الطوسي، محمد بن الحسن: الأمالي ص163.
ذكر ذلك الشيخ الطوسي(1) في أماليه.
وعن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام أيضاً:
(وما بكى أحد لنا، ولما لقينا، إلاّ رحمهُ الله قبل أنْ تخرج الدمعة من عينيه)(2) .
ويخاطب الإمام الصادقعليهالسلام أحد تلامذته واسمه فضيل بن يسار:
(تجلسون وتتحدّثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال: إنّ تلك المجالس أُحبّها، فأحيوا أمرنا رحم الله مَن أحيا أمرنا، يا فضيل؛ من ذَكَرَنا أو ذُكْرَنا عنده، فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله ذنوبه..)(3) .
وعن الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام :
(إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل عيوننا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كربٍ وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء. فعلى الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام)(4) .
وعنهعليهالسلام أيضاً: (من ترك السعيّ في حوائجه يوم عاشوراء، قضى الله له حوائج
____________________
(1) الشيخ جعفر بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولد سنة 385 هجرية من علماء الإمامية المعروفين تتلمذ على يد أكابر علمائها، سكن بغداد ثمّ تركها إلى النجف بعد عدّة سنين، واستقرّ في النجف سنة 448 هجرية فالتحق به تلامذته ومريدوه، وتصدّى للتدوين والتأليف ويعتبر المؤسّس الأوّل للجامعة الدينية في النجف، وتوفّي بها سنة 460 هـ. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 2 / 853).
(2) ابن قولويه، جعفر بن محمد: كامل الزيارات، ص179.
(3) المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار 44 / 282.
(4) الصدوق محمد بن علي بن بابويه: الأمالي ص111. المجلسي، محمد باقر: البحار 44 / 282.
الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء، يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعل الله عزّ وجل يوم القيامة، يوم فرحه وسوره، وقرّت بنا في الجنان عينه)(1) .
ح - ويخاطب الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام أحد أصحابه، وهو الريّان بن شبيب وقد دخل عليه في أوّل يوم من المحرّم:
(يا ابن شبيب، إنْ كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب؛ فإنّه ذُبح كما يذبح الكبش، وقُتِل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم على الأرض شبيهون، يا ابن شبيب، إنّ سرّك أنْ تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة، مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالعن قتلة الحسين.
يا ابن شبيب، إنْ سرّك أنْ يكون لك من الثواب، ما لمن استشهد مع الحسين بن عليعليهالسلام فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً)(2) .
وعن الإمام الرضاعليهالسلام أيضاً:
(من تذكّر مصابنا، وبكى لما ارتكب بنا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذُكّر بمصابنا، وبكى وأبكى، لم تبك عينُه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا، لم يمت قلبه، يوم تموت القلوب)(3) .
وأحسب أنّ ما ورده أعلاه من الروايات، وأخبار بعض أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، في مسألة البكاء والحزن على الإمام الحسينعليهالسلام والحثّ عليه، أحسب أنّ ذلك، يوضّح النقطة الأولى في حث أئمة أهل البيت شيعتهم على البكاء وإقامةِ العزاء على الإمام الحسين.
____________________
(1) الحر العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 10 / 394.
(2) الصدوق، محمد بن علي: عيون أخبار الرضا 2 / 267.
(3) المصدر نفسه: 2 / 268.
حثّ أئمة أهل البيت على قول الشعر في الإمام الحسينعليهالسلام
شجّع أئمة أهل البيت، على قول الشعر في الإمام الحسين وإنشاده. وما يصاحب ذلك من إبكاء وانتحاب، ممّا شكّل البدايات الأولى للمنبر الحسيني، وإقامة المآتم ومجالس العزاء. إنّ الشعر - كان يعتبر - ذو شأن بالغ الأهمية والتأثير في المجتمع، وله انعكاسات حسّاسة، خاصة فيما يتعلّق بنقد السلطة آنذاك، في قتلها الحسين وأصحابه.
وقد أفرد الشيخ ابن قولويه، في كتابه (كامل الزيارات) باباً خاصّاً وهو الباب الثالث والثلاثون تحت عنوان:(ثواب من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى).
والكتاب، من الكتب الحديثية التي نالت اهتماماً كبيراً عند فقهاء الطائفة.
فعن أبي عمارة المُنشد(1) ، حينا دخل على الإمام جعفر بن محمد، قال: قال لي: (يا أبا عمارة، أنشدني في الحسينعليهالسلام ).
قال: فأنشدته، فبكى، ثمّ أنشدته فبكى، ثمّ أنشدته فبكى. قال: فوالله ما زلت أنشده ويبكي، حتى سمعت البكاء من الدار...
فقال لي: (يا أبا عمارة، من أنشد في الحسينعليهالسلام شعراً فأبكى خمسين، فله الجنّة، ومَن أنشد في الحسين شعراً، فأبكى أربعين فله الجنّة....)(2) .
____________________
(1) أبو عمارة المنشد: عاصَر الإمام جعفر بن الصادق، أوّل من لقّب بهذا اللقب (المنشد) ممن رثا الإمام الحسين، لم يعرف إلاّ بكنيته، من أهل المدينة، مات فيها في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني ص318).
(2) ابن قولويه، جعفر بن محمد: كامل الزيارات 208.
فوجود الخمسين أو الأربعين، فيه دلالة على وجود تجمّع يستمع لهذا الشعر.
وفي رواية أخرى للإمام جعفر الصادقعليهالسلام أنّه قال: (مَن أنشد في الحسين بيت شعَر فبكى وأبكى عشرة فله الجنّة...)(1) .
ودخل جعفر بن عفّان الطائي(2) على الإمام الصادق، فقرّبهُ وأدناه، ثمّ قال: (يا جعفر)، قال: لبيك جعلني الله فداك.
قال: (بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين وتجيد)، فقال: نعم جعلني الله فداك. قال: (قل)، فأنشدته فبكى ومن حوله، حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته)(3) .
ويصل الأمر إلى أنْ يتدخّل الإمام جعفر الصادقعليهالسلام في أُسلوب إنشاد الشعر الرثائي، حيث يطلب من بعض المنشدين أنْ يكون إنشادُه بأسلوب رقيق وطريقة شجيّة... فعن أبي هارون المكفوف(4) ، قال: (قال لي الإمام أبو عبد اللهعليهالسلام : (يا أبا هارون، أنشدني في الحسين)، قال: فأنشدته فبكى، فقال: (أنشدني كما تنشدون) - يعني بالرقّة - قال فأنشدته:
أمرر على جدَث الحسين |
فقل لأعظمـه الزكية |
____________________
(1) المصدر نفسه: 211.
(2) هو أبو عبد الله جعفر بن عفّان الطائي الكوفي، مدحه علماء الرجال ووثّقوه، من رجال الشيعة المعروفين وفاته بحدود سنة 150 هجرية له أبيات كثيرة في أهل البيت. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص42).
(3) الطوسي، محمد بن الحسن: الرجال 289 / 508.
(4) أبو هارون موسى بن عمير الكوفي، من أصحاب الإمامين محمد بن علي الباقر (ت: 114) وولده الإمام جعفر الصادق (ت: 148هـ)، كان ينشد قصائد السيد الحميري وغيره، ومن أوائل من عرف بالمنشد، توفّي سنة 150 هجرية. (الكرباسي: مصدر سابق، ص42).
قال: فبكى، ثمّ قال: (زدني)، قال: فأنشدته القصيدة الأخرى، قال: فبكى. وسمعت البكاء من خلف الستر)(1) . والبيت أعلاه هو من قصيدة للشاعر الحِمْيَري(2) . وأمّا البكاء من خلف الستر؛ فهو بكاء نساء الإمام الجالسات خلف الستر.
ويعقّب السيد محسن الأمين على لفظة (الرقّة) فيقول:
(قوله: بالرقّة - بكسر الراء المشدّدة - أي بالطريقة التي تستعملونها عند الإنشاد، التي فيها الرقّة والطلاوة(3) ، والتي توجب التأثير في القلب - لا مجرد التلاوة)(4) .
وهذا يعني؛ أن هنا تطوّرّاً شكلياً أخذ يُراعى في المأتم الحسيني وهو أخذ عامل الصوت، وحُسن الإنشاد بالاعتبار، كي يتمّ التفاعل العاطفي الحزين، مع واقعة كربلاء. حتى برز من عُرفوا(بالمنشدين) في مجالات إنشاد الشعر الرثائي الذي قيل في الحسين وأحداث عاشوراء علم 61 هـ.
وأخيراً نذكر حادثة، دخول الشاعر دعبل بن علي الخزاعي، على الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام (الثامن من أئمّة أهل البيت)، في مرو، حينما كان وليّاً لعهد المأمون العباسي(5) . والتي سبق لنا أنْ
____________________
(1) الصدوق، محمد بن علي: ثواب الأعمال، ص111.
(2) يمكن مراجعة ص59 من هذا البحث.
(3) الطلاوة: بفتح الطاء أو كسرها. الحُسن والبهجة.
(4) الأمين، محسن: إقناع اللائم إلى إقامة المآتم ص186.
(5) في الثاني من شهر رمضان سنة 201 هـ أعلن الخليفة العباسي المأمون، أنّ علي بن موسى بن جعفر، صار ولي عهده والخليفة من بعده. وهي سابقة فريدة في علاقة خلفاء بني العبّاس مع أئمّة أهل البيت. وللمؤرّخين والمحلّلين التاريخيين، آراء عدّة في تفسير هذا الحدث. فمنهم من قال: إنّ المأمون شيعيّ الهوى ولذا اتخذ هذه الخطوة. ومنهم من قال: إنّه نذر نذراً لئن ظفر بأخيه الأمين ليردّن الخلافة إلى أحقّ الناس بها. وآخرون قالوا: إنّ المأمون يريد - بهذا الأمر - أنْ يردّ الجميل على العلويين؛ لأنّ الإمام علي بن أبي =
ذكرناها في ص64 من هذا الفصل، حيث قد أوردتها العديد من المصادر الشيعية، مع تفصيلات مختلفة ومنها هذه الصورة حيث يقول دعبل:
(دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا بمرو(1) ، في أيّام عشرة محرّم. فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه جلوس، فأجلسني إلى جانبه. ثمّ قال: (يا دعبل، أُحبّ أنْ تنشدني الشعر، فإنّ هذه الأيام أيذام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيام سرور - كانت على أعدائنا - خصوصاً بني أميّة). ثمّ التفت إليّ وقال: (يا دعبل، ارثِ الحسين، فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً). قال دعبل: فاستعبرتُ، وسالت دموعي وأنشدت:
أفاطمُ لو خلت الحسين مجدّلاً |
وقـد مـات عطشاناً بشط فراتِ |
|
إذا للطمت الخدّ فاطمُ عنده |
وأجريت دمع العين في الوجناتِ) |
(ولمّا فرغ مِن إنشادها، قام أبو الحسنعليهالسلام ودخل منزله، وبعث إليه بخرقة خزّ فيها ستمِئة دينار، وقال للجارية: (قولي له، يقول لك مولاي: استعن بهذه على سفرك واعذرنا). فقال لها دعبل: لا والله ما
____________________
= طالبعليهالسلام ، أعطى المناصب لأولاد العباس أيام حكمه.
ومهما كان من أمر، فإنّ هذه الولاية لم تتم، إذ توفّي الإمام علي بن موسىعليهالسلام الذي لقّب بالرضا أو الرضا من آل محمد، توفّي بطوس من بلاد خراسان في طريق عودته مع المأمون من مرو إلى بغداد في صفَر من سنة 203 هـ، وصلّى عليه المأمون ودفنه بجنب قبر أبيه الرشيد. (الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 7 / 139)
(ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، 5 / 183) (المسعودي، علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر، 3 / 440) (السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر: تاريخ الخلفاء، ص307). ولكنّي أرجّح أن هذه البادرة كانت مناورة سياسية قصد بها المأمون، إسكات عدّة من حركات التمرّد على حكمه، والتي كان من ورائها العلويون.
(1) مرو: أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً. عرفت بجمالها وكثرة مياهها. سكنها المأمون العباسي وجعلها عاصمة للدولة العبّاسية بعد قتل أخيه الأمين. واستدعى إليه الإمام علي بن موسى الرضا جعله ولياً لعهده. (الحموي، ياقوت، معجم البلدان 5 / 112).
لهذا أردت، ولا له خرجت. ولكن قولي له: هب لي ثوباً من ثيابك، فردّها عليه أبو الحسن، وقال له: (خذها، وبعث إليه بجبّة من ثيابه)(1) .
هذه مجموعة، من تأكيدات بعض الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام (2) ، على مسألَتي البكاء على الإمام الحسين والتشجيع على إنشاد الشعر فيه.
وقد بلغ، من وفرة تلك الروايات والأخبار المرويّة عن أئمّة أهل البيت، أنْ صنّفتْ كتبٌ خاصّة في هذا الشأن، لعلّ من أشهرها وأكثرها توثيقاً عند علماء الشيعة كتاب (كامل الزيارات)، كما مرّ ذكره.
ومن جانب آخر، فأنّ زيارة قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، صارت موسماً متّصلاً لإقامة المآتم، وإنشاد الشعر عنده. إذ حثّ أئمة أهل البيت شيعتهم على الزيارة في أيام ولياليَ، ذاتَ بُعدٍ عباديّ، يشترك
____________________
(1) العطاردي، عزيز الله، مسند الإمام الرضا 2 / 444.
(2) لقد تمّ تركيز البحث على مظاهر الحزن لقتل الإمام الحسين، بعد أحداث كربلاء سنة 61 هـ. وهذا لا يعني أنّ بداية هذا الحزن كانت بعد هذه الأحداث، حيث أوردت مجموعة من المصادر الحديثة والتاريخية، بكاء رسول الله على ما سيجري على سبطه الشهيد، بما أخبره جبرئيلعليهالسلام عن الله تبارك وتعالى.
فعلى سبيل المثال؛ فقد جاء في (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى)، بكاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حين ولادة الحسين بما روته أسماء بنت عُميس (وجعله في حجره فبكىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قلت: فداك أبي وأمّي ممّ بكاؤك؟ فقال:
(يا أسماء، إنّه تقتله الفئة الباغية من أمّتي، لا أنالهم الله شفاعتي...) (الطبري، أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبى، ص119). وفي الصواعق المحرقة عن الإمام عليعليهالسلام : قال:(دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يبكي: فقلت: ما يبكيك. قال: كان عندي جبرئيل آنفاً، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يُقتل بشاطئ الفرات) (العسقلاني، أحمد بن حجر: الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة، ص192).
وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل: عن علي بن أبي طالب: قال:(دخلت على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل قبلُ فحدثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات) (ابن حنبل، أحمد بن محمد: مسند الإمام أحمد بن حنبل: 1 / 137) ويمكن كذلك مراجعة منتخب كنز العمّال للهندي، علي بن حسام الدين: 5 / 266 وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص225، والعقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 359 ومصادر أخرى.
في معظمها عموم المسلمين؛ مثل ليلة منتصف شعبان وليالي القدر المباركة، وليلة عرفة ويومها، وليلة العيد ويومها إضافة إلى زيارة يوم عاشوراء، ويوم الأربعين (أي الأربعون يوماً بعد قتل الحسينعليهالسلام ، ويقع في العشرين من شهر صفر).
فغدت هذه المواسم، مواسم عبادة وزيارة لقبر الإمام الحسين، ولا تزال كربلاء إلى اليوم، تزدحم بوفود الزائرين من كل أنحاء الأقاليم الشيعيّة، من العراق وخارجه في تلك المناسبات، والتي توفّر أجواءً مؤاتية لازدهار ونمو مؤسّسة المنبر الحسيني.
وتطوّر مواسم زيارة الإمام الحسينعليهالسلام ، إلى مآتم للبكاء كان قديماً، ولعلّ أوّل إشارة إلى ذلك كانت في زمن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام (ت 148 هجري). ففي رواية، يستوضح الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، من أحد أصحابه الكوفيين عمّا سمعه من اجتماع الزائرين عند قبر جدّه الحسين، حيث يسأل الإمام الصادق:
(بلغني أنّ قوماً يأتونه - أي قبر الحسين - من نواحي الكوفة، وناساً من غيرهم، ونساءً يندبنه، وذلك في النصّف من شعبان. فمن قارئٍ يقرأ، وقاصٍ يقصّ، ونادبٍ يندب، وقائل يقول المراثي). فقلت له: نعم جُعلت فداك، قد شهدت بعض ما تصف. فقال: (الحمد لله الذي جعل في الناس، من يَفِد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا...)(1) .
وأحسب، أنّ ما ذُكر من روايات عن أئمّة أهل البيت، سَواء فيما يخص حث الشيعة على البكاء على الإمام الحسين، أو القسم الثاني
____________________
(1) ابن قولويه، جعفر بن محمد: كامل الزيارات، ص539.
أقول: وفي عصرنا الحالي، لا نجد ظاهرة البكاء موجودة في زيارة منتصف شعبان؛ لأنّها اقترنت بعد ذلك بمولد الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت وهو محمد بن الحسن المهديعليهالسلام عام 255 هـ فتحولّت بتقادم الزمن إلى زيارة ابتهاج وأفراح. في حين تشهد بقية مواسم الزيارة مآتم ضخمة ولاسيما تلك التي تكون في يوم عاشوراء ويوم العشرين من شهر صفر، والتي تعرف بزيارة الأربعين.
المتعلّق بتشجيعهم للشعراء والمنشدين. أو حتى اهتمام الأئمة بمسألة زيارة قبر الحسين، حتى غدت أغلب مواسم الزيارة مواسم مآتم.
أظن أنّ ذلك، قد أوضح الفكرة التي يتبناها الشيعة، من أنّ أئمّتهم هم أوّل من دعا إلى إقامة المآتم والتجمّعات، لإنشاد الشعر والبكاء على الإمام الحسين، وشهداء كربلاء. والتي تطوّرت بعد ذلك إلى المنبر الحسيني اليوم. هذه التوصيات التي بدأت بعد أحداث كربلاء، وتحديداً بالإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام ، استمرّت مع بقية الأئمّة من ولده.
وقد بلغ من اعتماد الشيعة على تلك الروايات، أنّ كتب الأخلاق، ضمّت توصيات تحثّ على إقامة مجالس العزاء في البيوت، حتى ولو كانت في دائرة الأهل. كما ورد ذلك في كتاب مرآة الرشاد، والذي صِيغَ على شكل وصايا، من أحد العلماء إلى ولده (وعليك - بُني - بإقامة عزاء أبي عبد الله في كل يوم وليلة حسب مقدورك، حتى إنّ لم يتيسر لك مؤنتها، ولم تقدر إلاّ على قراءة كتاب التعزية، لعيالك في اليوم والليلة مرّة فافعل، فإنّه عزيز الله تعالى، بلغ في الإطاعة (هكذا)، إلى درجة تفرّد بها، فبذل نفسه وماله وعياله كلّها في سبيله تعالى...)(1) .
ومن ناحية أخرى، فإنّ العادة المتّبعة حالياً بالنسبة لخطباء المنبر الحسيني، أنْ تخصّص الليلة الأولى من المحرّم، لبيان وشرح الروايات الواردة من أئمّة أهل البيت في إقامة المآتم والبكاء على الحسين، وإنشاد الشعر فيه(2) .
وفي نهاية عرض الآراء الأربعة، حول مسألة نشوء المنبر الحسيني، بصورته البسيطة تلك، رأيت أنّ من المناسب، أنْ أذكر هنا
____________________
(1) المامقاني، عبد الله محمد باقر: مرآة الرشاد ص106.
(2) راجع ص219.
آراء بعض علماء الشيعة المعاصرين وكتّابهم، في موضوع البويهيين ودورهم، في مؤسّسة المأتم الحسيني.
فنجد أنّ الشيخ محمد جواد مغنيّة(1) يقول، في أثناء ذكره الدول الشيعيّة، البويهيّين ومعزّ الدولة، الذي يعرّفه بأنّه (هو الذي جعل اليوم العاشر من المحرّم يوم حزن لذكرى واقعة كربلاء).
ويوضح ذلك فيقول: (أي جعلهُ يوم حزن بصفة رسمية، تعطّلُ فيه الدوائر الحكومية، وتقف الأسواق. وإلاّ فإنّ هذا اليوم، هو يوم حزن عند الشيعة قبل المعزّ، ومنذ اليوم الأوّل الذي استشهد فيه سيد الشهداء)(2) .
ويقول السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني(3) :
(وقد سجّل التاريخ اهتمام معزّ الدولة البويهي وسائر الملوك البويهيّين في الدولة العباسيّة ببغداد عام 352 هجرية، بشأن إقامة مأتم الحسين وإبرازها في هيئة مواكب خارج البيوت. فكانت النساء (يخرجن) ليلاً ويخرج الرجال نهاراً....)(4) .
____________________
(1) محمد جواد بن عبد الكريم بن محمود العالمي ولد بطيردبا بجبل عامل عام 1323. عالم محقّق ومؤلف مكثر. بأسلوب سلس، هاجر إلى النجف الأشرف لطلب العلم حتى نال المستويات الرفيعة. من آثاره تفسير الكاشف. فقه الإمام الصادق، الفقه على المذاهب الخمسة، والإسلام العقل وتوفّي ببيروت، عام 1400 هجرية (ودفن في النجف الأشرف) (الأميني، محمد هادي، معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 66).
(2) مغنية، محمد جواد: الشيعة في الميزان ص141.
(3) هو السيد محمد علي بن حسين بن محسن الحسيني الحائري الكاظمي. ولد في سامراء عام 1301 هجرية. عالم مجتهد فاضل مجد من العلماء المصلحين. سياسي محنّك. هاجر إلى النجف. له جولات في جهاد الإنكليز حتى سُجن. تولّي عدّة مناصب سياسيّة هامة. توفّي سنة 1386 هجرية ببغداد. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 2 / 761).
(4) الشهرستاني، هبة الدين: نهضة الحسين، صفحة 175.
فهو إذن اهتمام وإبراز لمظاهر العزاء على شكل مواكب تخرج إلى الشوارع.
ويرسل الشيخ محمد مهدي شمس الدين هذا الرأي إرسال المسلّمات بقوله وهو يعلّق على ما ذكره ابن الأثير في أحداث عاشوراء سنة 352، فيقول:
(ومن المعلوم أنّ المأتم الحسيني في العراق، لم يبدأ في هذا الوقت، وإنّما يعود إلى أقدم العصور الإسلامية، كما ذكرنا فيما سبق، وإنّما انتشر واتّسع في هذا العصر، وغدا في أيّام البويهيين عملاً رسميّاً)(1) .
وحينما يُسأل السيّد محمد حسين فضل الله عن هذه النقطة، بهذا السؤال: يقول البعض: إنّ المأتم الحسيني، أسّسه البويهيون عندما سيطروا على بغداد، فما مدى دقّة هذا القول؟
فإنّه يجيب: (إنّ المأتم الحسيني أسّسه أئمة أهل البيت، الذين كانوا يعقدونه في بيوتهم، ويستدعون من يقرأ الأشعار، التي تذكر مصيبة الحسينعليهالسلام بطريقة عاطفيّة)(2) .
كما أنّ المؤرّخ السيد حسن الأمين، حينما يذكر هذه المسألة يقول:
(إنّ الاحتفال بعاشوراء، كان سابقاً العهد البويهي بأزمان بعيدة، ولم يكن يجري بشكل جماهيري واسع؛ لأنّ السلطات كانت تمنع ذلك، وكان يجري ضمن البيوت الرحبة (الواسعة) ويضمّ من الناس
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص263.
(2) فضل الله، محمد حسين: الندوة، 5 / 509 (إعداد عادل القاضي) كذلك حديث عاشوراء ص238.
بما يتّسع له كل بيت. وكانت تنشد في هذه الاحتفالات، الأشعار الرقيقة، التي تُبكي الناس وتشجيهم، وكل ما فعله معزّ الدولة، هو أنّه أباح الاحتفالات الجماهيرية، ومنح أصحابها حريّتهم، فأخرجوها من دائرتها الضيّقة، إلى الدائرة الأوسع)(1) .
وقد وصل بعض الباحثين من غير الشيعة إلى هذه النتيجة وأذكر بهذه المناسبة الأستاذ محمد كرد علي، في كتابه (خطط الشام) حيث يقول:
(وتجتمع الشيعة في أيام عاشوراء، فتقيم المآتم على الحسين بن علي شهيد كربلاءعليهالسلام . وعهدهم بذلك بعيد يتصل بعصر الفاجعة، وأوّل من رثاه أبو دهبل الجمحي(2) بقصيدة يقول فيها:
تبيت النشاوى من أمية نوّماً |
وبالطف قتلى ما ينام حميمها(3) |
والظاهر من سيرة ديك الجنّ الحمصي في كتاب الأغاني، أنّ هذه الاجتماعات للمآتم كانت معروفة في زمانه، ثمّ إنّ بني بوية أيام دولتهم، عنوا بها مزيد العناية، ولا تزال إلى اليوم تقام في جميع أقطار الشيعة(4) ).
ويؤكّد ذلك، أحد المؤرّخين المصريّين، وهو يعلّق على ما كان
____________________
(1) الأمين، حسن: من نوافح خراسان، ص142.
(2) أبو دهبل الجمحي: وهو وهب بن زمعة بن أسد، من أشراف بني جمح بن لؤي بن غالب. أحد الشعراء العشّاق المشهورين من أهل مكة. في شعره رقة وجزاله، له ديوان شعر. ولاّه عبد الله بن الزبير بعض أعمال اليمن توفي سنة 63 هـ 682م بعليب (موضع في تهامة) (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 8 / 125).
(3) النشاوى، جمع نشيان: أي السكران. الحميم: هو قريب الرجب الذي يهتم بأمره. ومعنى البيت: إنّ السكارى أمّا بالمعنى الحقيقي وهو شرب الخمر أو المجازي أي سكارى من نشوة نصرهم الذي زعموه بقتل الحسين وأصحابه، فإنّهم ينامون نشاوى ولكن لقتلى الطف (كربلاء) قوم لا ينامون إمّا تألّماً وإمّا طلباً للثأر.
(4) كرد علي، محمد: خطط الشام 6 / 250.
يجري في القاهرة، من مظاهر العزاء في أيام عاشوراء، في عهود الفاطميّين، يعلّق بقوله: (وقد ظلّ الشيعيّون، يحتفلون بذكرى هذا اليوم، في عهد الأمويين والعباسيّين، ويلقون ألوان الاضطهاد، حتى قامت الدولة الفاطميّة الشيعية في المغرب ومصر، واستولى بنو بويه الشيعيّون على السلطة في بغداد، حاضرة الدولة العباسيّة السنّية، فغدا يوم عاشوراء، عيداً من أعياد الفاطميّين والبويهيّين)(1) .
وعلى ضوء ما مرّ بنا، من أدلّة وشواهد تاريخية وأدبية من جهة، وما توارثه علماء الشيعة وفقهاؤهم من أحاديث صحيحة مسندة إلى الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام ، من جهةٍ أخرى. وأخذاً بما ذكره بعض المحقّقين من أنّ المآتم الحسينية رأت النور قبل البويهيين بأمدٍ بعيد، من جهة ثالثة... فأنّي أرجّح الأخذ بالرأي القائل بأنّ المآتم على الإمام الحسين كانت قد بدأت بعد أحداث كربلاء. وبهذا تكون قد سبقت البويهيين بأقلّ من ثلاثة قرون. وإنّ أهل التواريخ وغيرهم، ممّن ذكر أنّ البويهيّين هم أوّل من أمر بالنوح على الحسينعليهالسلام ببغداد عام 352 هـ، قد يكونوا ممّن لم يطّلع على هذه الروايات والأخبار. ممّا يجعل ما أطلقوه من رأي لا يتناسب مع ما أوردنا من أدلة.
____________________
(1) حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، ص654.
المبحث الثاني: علاقة المنبر الحسيني بالأوضاع السياسية
كان حركة الإمام الحسينعليهالسلام ، حركة سياسية في بعض أبعادها وجوانبها؛ لأنّها حركة خرجت على وضع سياسي قائم، وسعت إلى أبداله بوضع آخر. وقد جنّد الأمويون قوتهم، من أجل تطويق حركة الإمام الحسين حتى قُتل ومعه أهل بيته وأنصاره يوم عاشوراء، في سنة أحدى وستين للهجرة في كربلاء. ولم تنته فصول هذه الحركة، حيث أُخذت نساء الحسين وعياله أسرى، وطيف بهن كسبايا من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، عبر طريق طويل يمرّ بتكريت والموصل ونصيبين حتى حلب وحماة وحمص وبعلبك، وانتهاء بدمشق.
وحدث جرّاء ذلك ألم وتأثّر كبيران لدى المسلمين؛ بما كانوا يرون من سبايا آل محمد، وبما كانت تُحدثُه خطب وحوارات بعضهم، لاسيما السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب والإمام علي بن الحسينعليهالسلام ، ممّا أزاد الحنق على الأمويين.
وبرزت معادلةٌ مفادها: إنّ ذكر ما جرى على الحسين، يعني إدانةً وتعريضاً بالدولة الأموية، وخاصة بن يريه بالشعر الذي كان له أثر كبير على الناس آنذاك.
فكيف إذا تضمنت قصيدة الرثاء نقداً للأمويين وشجباً لمواقفهم؟ الذي هو أمر يلازم ذكر ما جرى على الحسين وعياله من بعده.
وهكذا ارتبط رثاء الإمام الحسينعليهمالسلام بانتقاد السلطة الأموية.
وكان بعض ذلك الرثاء يكتّم، وبعضه ينسب لغير قائله، لئلاّ يصيب صاحبه مكروه.
وكشاهد على ذلك، ما ذكرنا سابقاً، من قول ابن الأثير في تاريخه وهو يعلّق على قصيدة لأعشى همدان يرثي بها التوابين، حينما ذكر: (وهي مما يكتّم ذلك الزمن)(1) .
كما أنّ أبا الفرج الأصفهاني، في كتابه (مقاتل الطالبيّين)، بعد ذكره لأول قصيدة رثاء للإمام الحسين، يقول: (وقد رثى الحسين بن علي - صلوات الله عليه - جماعة من متأخري الشعراء، أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع، كراهية الإطالة. وأمّا من تقدّم، فما وقع إلينا شيء رثي به، وكانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافة من بني أمية، وخشية منهم)(2) .
إضافة إلى أنّ الحركات التي خرجت للطلب بثأر الإمام الحسين، قد زادت من توتّر الأوضاع، وقوّت أطراف المعادلة، من أنّ رثاء الإمام الحسينعليهالسلام ، يستدعي حتماً نقداً للأمويين وتعريضاً بهم.
مثل حركة التوابين، وما صنعه المختار في الكوفة، وقتل عبيد الله بن زياد في واقعة الزاب(3) . ثمّ برزت ظاهرة - تحتاج إلى دراسة - وهي نسبة بعض ما قيل من شعر في رثاء الإمام الحسين إلى الجنّ. وقد ذكرت بعض كتب التاريخ والأدب بعضاً من تلك الأشعار. وأعتقد أنّ تلك القصائد، كانت لأناس خافوا من أن تُعرف أسماؤهم،
____________________
(1) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ، 3 / 345.
(2) الأصفهاني، علي بن الحسين: مقاتل الطالبيين 81.
(3) واقعة الزاب: معركة نشبت يوم عاشوراء سنة 67 للهجرة عند نهر الزاب في شمال العراق بين الجيش الأموي بقيادة عبيد الله بن زياد وجيش المختار بقيادة إبراهيم بن مالك الأشتر، قُتل فيها عبيد الله بن زياد مع جمع من الأمويين. وجيء برأسه إلى المختار. راجع الزاب في: (الحموي، ياقوت: معجم البلدان، 3 / 123).
في زمن كانت فيه القصائد الشعرية بمثابة المنشورات السياسية في هذه الأيام.
وقد كان المعارضون لبني أمية، يتذكرون مواقف الحسينعليهالسلام في ساعات مواجهتهم للأمويين؛ فهذا مصعب بن الزبير(1) ، لمّا أحيط به من قِبَل الأمويين، وهم يحاصرون جيشه في البصرة، إذا به قد (التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة، فاستدعاه، فقال له: أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه عن النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب؟ فأخبره، فقال:
إنّ الأُلى بالطفّ من آل هاشم |
تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا |
قال عروة: فعلمت أنّه لا يبرح حتى يُقتل!!)(2) .
ولا شك أنّ ما جرى على زيد بن علي الحسين(3) بعد ذلك، قد عمّق من تلك الجراح، وأكّد على مسألة تلازم رثاء الحسين مع نقد
____________________
(1) مصعب بن الزبير بن العوّام بن خويلد الأسدي القريشي، أبو عبد الله، ولد سنة 26 للهجرية، من الولاة والفرسان في صدر الإسلام، نشأ بين يدي أخيه عبد الله بن الزبير فكان عضده الأقوى في تثبيت ملكه في الحجاز والعراق. تولّى البصرة سنة 67 للهجرة بعدها أضيفت الكوفة إليه. تجرّد عبد الملك بن مروان لقتاله. رفض كل العروض، حتى قتل عند دير الجاثليق (شمال بغداد) سنة 71 للهجرية. (الزركلي، ير الدين: الأعلام 7 / 48).
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ - 4 / 11. والبيت يشيد بمواقف الهاشميين في كربلاء الذين صارت مواقفهم أسوة وقدوة لكل الكرام.
(3) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القريشي الهاشمي، أبو الحسن، ولد في المدينة 79 للهجرة. يعرف بالإمام زيد عن الزيدية التي تنسب إليه. ويعرف بزيد الشهيد، من شجعان بني هاشم وخطبائهم، قال عنه الإمام أبو حنيفة: ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً ولا أبين قوّة. أُشخِص إلى الشام فحبسه هشام بن عبد الملك.
عاد إلى الكوفة ثمّ المدينة ثمّ الكوفة سنة 120 هجرية وبايعه أربعون ألفاً، قاتل الأمويين حتى قتل بالكوفة سنة 122 للهجرة. (حمل رأسه إلى الشام فنصب على باب دمشق، ثمّ أرسل إلى المدينة فنصب عند قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً وليلة. وحمل إلى مصر فنصب بالجامع، فسرقه أهل مصر ودفنوه). (الزركلي، خير الدين: الأعلام 3 / 59).
السلطة الأموية.
وكانت المتوقّع، أنّ مجيء العباسيين سوف ينهي حالة التأزّم والعداء مع السلطة، ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً؛ حيث بدأت حالات التنافر تزداد بعد بضع سنوات من الحكم العباسي، وبدأت السلطة العباسية، تنظر من جديد، بحساسة إلى مسألة الإمام الحسين، وإلى التجمّعات التي تعقد عند قبره في كربلاء.
ومرّ بنا النصّ الذي ذكره الطبري، حول تحسّس الرشيد العباسي، من وجود من يرعى قبر الحسينعليهالسلام . وتأزّم الوضع بشكل خطير أيّام المتوكّل العباسي، الذي أمر بهدم قبر الإمام الحسين سنة ست وثلاثين ومِئتين، كما ذكر ذلك الطبري وابن الأثير في تاريخهما وتبعهما آخرون.
وأمّا أبو الفرج في مقاتله فقد أضاف إلى خبر هدم القبر، أنّ المتوكّل قد (وضع على سائر الطرق مسالح(1) ، لا يحدون أحداً زاره إلاّ أتوه به فقتله، أو أنهكه عقوبة)(2) أمّا السوطي، فيعلّق على مسألة هدم قبر الحسين، أيام المتوكّل بقوله (وكان المتوكّل معروفاً بالتعصّب، فتألّم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء؛ وممّا قيل في ذلك:
تالله إنّ كـانت أُمـيّةُ قـد أتت |
قـتل ابـن بنت نبيّها مظلوماً |
|
فـلقد أتـاه بـنو أبـيه بـمثله |
هـذا لـعَمريَ قـبرُه مـهدوماً |
|
أسفوا على أنْ لا يكونوا شاركوا |
فـي قـتله فتتبّعوه رميماً)(3) |
____________________
(1) مسالح، جمع مسلحة وهي مجموعة من الرجال المسلحين الموكّلين بأمر، من قبل السلطة.
(2) الأصفهاني، علي بن الحسين: مقاتل الطالبيين، 195.
(3) السيوطي، عبد الرحمان بن أبي بكر: تاريخ الخلفاء - 347 والأبيات تقول: إنْ كان الأمويون قد قتلوا الحسين مظلوماً فإنّ العباسيين قاموا بأمر يُشابه ما فعله الأمويون حيث هدموا قبره، فكأنّهم أرادوا أنْ يعبّروا عن أسفهم لعدم اشتراكهم في قتل الحسين فتتبّعوا =
ويعلقّ ابن خلكان في وفيّاته حيث يقول: (وكان المتوكّل كثير التحامل على علي وولديه الحسين والحسين رضي الله عنهم جميعاً، فهدم هذا المكان بأصوله ودوره وجميع ما يتعلّق به، وأمر أنْ يُبذر ويُسقى موضع قبره، ومنع الناس من إتيانه)(1) ثم ذكر الأبيات أعلاه.
وبهذا، صار الإنسان الشيعي ينظر إلى العباسيّين كامتداد للأمويين في ظلمهم لأهل البيت. وهذا ما أعطى مبرّرات أخرى لاستمرار المآتم الحسينية وحالات رثاء الإمام الحسين ونقد الذين قتلوه أو ظلموه. وامتدّت المآتم لتضمّ بقية الأئمة من أهل البيت، وفي محاولة ربط ما جرى عليهم من ظلم، بما جرى على الإمام الحسين من قبل.
وهذا لا يعني عدم وجود حالات انفراج، كما حدث بعد ذلك في حكم المنتصر ابن المتوكّل الذي ألغى ما أمر به أبوه من منع الناس عن زيارة القبر. ولكن الأمر لم يستمر كثيراً.
إنْ منع الناس، من الوفود على قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، لا يعني المنع من الزيارة فقط، بل يعني منع المآتم والنياحات التي تعقد هناك.
ومهما يكن من أمر، فإنّ تحسّس السلطات من ظاهرة المآتم الحسينية، قد جعل هذه المآتم تتأثّر كثيراً بالأوضاع السياسيّة، فمع مجيء سلطة متسامحة نجد أنّ المأتم الحسيني ينمو ويتّسع، فإذا جاءت سلطة متشددة، فإنّ مساحته تقل وتختفي عن الأنظار. ولهذا
____________________
= جسده وهو مدفون. والأبيات للشاعر البسامي، وهو علي بن محمد بن منصور بن بسّام. ولد ببغداد 230 هـ وتوفّي بها سنة 302 هـ، شاعر هجّاء له علم بالأدب والأخبار، تولّى البريد نشأ في بيت كتابة، له عدّة كتب (الزركلي، خير الدين: الأعلام 4 / 324).
(1) ابن خلكان، أحمد بن محمد: وفيّات الأعيان 3 / 465، وانظر كذلك ابن الساعي، علي بن أنجب: مختصر أخبار الخلفاء ص16.
فكثيراً ما كانت المآتم الحسينية تعقد بصورة سرّية. واستمر ذلك إلى عهد قريب في بعض المناطق، كما كان الحال، في منطقة جبل عامل بجنوب لبنان أيام العثمانيّين. بل ولا تزال بعض المناطق تعيش حالات المدّ والجزر مع المأتم الحسيني حسب الوضع السياسي إلى الآن.
وعلى هذا، فمع مجيء دول شيعية. فإنّ من الطبيعي جداً، أنْ تنتعش مؤسّسة المنبر الحسيني ويتّسع نطاقها وتمتد آفاقها، وهذا ما نجده في ما صنعه البويهيون في بغداد، والفاطميون في القاهرة، والحمدانيون في حلَب، والصفويّون في إيران بعد ذلك. وسنأخذ البويهيين والفاطميين كنموذجين لمدى علاقة السلطة الشيعية بظاهرة المأتم والمنبر الحسيني واتساع دائرته.
البويهيّون في بغداد
بدايةً لابدّ أنْ نمرّ مروراً سريعاً بما ذكرها المؤرّخون عن البويهيّين وأصولهم. وقد جاءت عدة أقوال في ذلك؛ فالبعض نسبهم إلى الديالمة، والبعض الآخر: يرجع نسبهم إلى بعض ملوك ساسان، بل وادعى قومٌ بأنّهم ينتسبون إلى يعقوب بن إبراهيمعليهالسلام . فيما ذكر آخرون: إنّهم يرجعون إلى بني ضُبّة، القبيلة العربية المعروفة(1) .
وهذا الاختلاف، يكاد يكون أمراً يلازم الذين يبرزون فجأة، في ساحة الملك والحكم. أمّا بُويهْ، فقد كان رجلاً معدماً، يعمل صيّاداً في بحر الخزر. وله أبناء ثلاثة، هم علي وحسن وأحمد. ويقال أنّه ترك العمل مع السامانيّين عام 318 هجرية وتقرّب إلى أحد ملوك الأقاليم يُدعى مرداويج، حتى صار من أعوانه المقرّبين.
____________________
(1) حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام - 3 / 42.
فقام هذا الملك، بتعيين ابنه علي (الذي لُقّب بعماد الدولة بعد ذلك) حاكماً على كَرَج(1) وبرز عماد الدولة قائداً لمولك ورؤساء كيلانن والديلم، حتى فتح أصفهان، واستولى على مدينة أرجان عام 320 هجرية.
وأمّا الابن الثاني؛ وهو حسن، والذي عُرَف بعد ذلك بـ (ركن الدولة) فقد توجّه إلى فتح شيراز، حتى تمّ له ذلك سنة 322 هجرية، بعدما التحق به أخواه الآخران. واستمر حسن ركن الدولة بحروبه حتى فتح كرمان والأهواز واستولى عليهما.
أمّا الابن الثالث، وهو أحمد الذي عُرفَ بعد ذلك بـ (معزّ الدولة) والذي كان مع أخويه في فتوحات شيراز، وما تبعها، فقد دخل إلى بغداد سنة 334 هجرية أيام الخليفة العباسي المستكفي بالله(2) .
هذه جولة سريعة، في آل بويه وتحرّكاتهم، أمّا اتجاهُهم المذهبي فقد صرحت مصادر عدّة أنّهم كانوا من الشيعة(3) ، حتى قالت بعض المصادر: (إنّ الديلم كانوا يتشيّعون، ويغالون في التشيّع)(4) وكانت (بلاد الديلم، تدين بديانات مجسوسية ووثنيّة، حتى أوائل عهد العباسيّين. ثمّ بدأ الإسلام بالانتشار فيها، حين فرّ إليها يحيى بن عبد الله الحسني، وجمع حوله أتباع يبشّرون بالإسلام على المذهب الشيعي. وقد قاوم الديلمُ العباسيين، حين انضمّوا إلى حركة الحسين
____________________
(1) ضاحية كبيرة في شمال غرب مدينة طهران الحالية.
(2) بول، استانلي: طبقات سلاطين الإسلام - 134.
المستكفي بالله: هو عبد الله بن علي العباسي الهاشمي، بن الخليفة العباسي المكفي (عليه بن أحمد المعتضد). هو الخليفة العباسي الثاني والشعرون، كان ضعيفاً والعوبة بين الأتراك، حكم سنة واحدة من 333 - 334 هـ. عزله معزّ الدولة البويهي، ومات في السجن (معلوف، لويس: المنجد / الأعلام ص660).
(3) المصدر نفسه صفحة 135 وراجع كذلك: الأمين، محسن: أعيان الشيعة 2 / 485.
(4) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 7 / 149.
بن زيد العلوي الذي ثار في الريّ. ثم ظهر في بلاد الديلم داعية شيعي آخر هو الحسين بن علي الملقّب بالأطروش...)(1) ، ومع ذلك، فإنّه لم يصل إلينا أنّ البويهيين، قد دعوا إلى إقامة المناحات، والمآتم العامة، في البلدان، التي وقعت تحت سيطرتهم، قبل بغداد. مثل مدن شيراز وكرمان والأهواز وغيرها من البلاد الإيرانية. فضلاً عن إقامتهم للمآتم في بلادهم الأصليّة.
وأغلب الظن، إنّ السبب في ذلك؛ يعود إلى وجود الأرضية المساعدة والمشجّعة على إقامة المآتم في بغداد، التي كان فيها الشيعة بكثرة، انعكست على أحداث عاشوراء سنة 352 هجرية ببغداد، على حدّ قول بعض المصادر التاريخية (لكثرة الشيعة ولأنّ السلطان منهم)(2) ويؤكّد ذلك الحافظ ابن كثير، فيقول: (لكثرتهم وظهورهم)(3) .
وقد يؤيّد هذا القول، ما ذكرناه سابقاً في حادثة هدم المتوكل لقبر الحسينعليهالسلام ، عام 236 هجرية، وكيف إن أهل بغداد كتبوا شتم المتوكّل على الجدران.
في حين لم يكن التشيّع معروفاً آنذاك في إيران، إلاّ بشكل محدود في مدينة قم وأطراف خراسان. والذي نشر التشيّع بعد ذلك الصفويّون كما هو معروف.
ونقطة أخرى، جديرة بالتوقّف هنا، وهي أنّ البويهيين، وبالأخص أحمد (معزّ الدول)، كان قد دخل بغداد عام 334 هجرية، في حين أنّ أمره بإقامة النياحات، والمآتم العامة في بغداد، كان عام 352 هجرية. أي بعد ثمانية عشر عاماً من وجوده في بغداد، فلماذا لم يعلن عن ذلك،
____________________
(1) فاروق، عمر: الخلافة العباسية في عصر الفوضى السياسية، ص87.
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل - 7 / 7.
(3) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية 11 / 243.
ويأمر به في سنيّه الأولى؟ ولماذا تأخّر إلى هذه المدّة؟. إنّا لا نجد في المصادر أي تفسير لذلك، ولعلّ الأجواء والظروف، لم تكن مهيّأةً لمثل هذه المسألة، أو لعلّ حادثاً ما، أو تطوّراً معيناً، شجّعه على قراره. نقول ذلك؛ لأنّه قد مرّ بنا: إنّ المآتم كانت معروفة في أسواق بغداد ودور رؤسائها قبل مجيء البويهيين إليها وبعد دخولها. أمّا الحِداد العام فلم يعلن إلاّ عام 352 هجرية كما سبق ذكره.
نعم قام معزّ الدولة البويهي، بعد سنتين من وصوله بغداد، أي عام 336 هجرية، بتشييد بناء ضخم، وتوسيع المقام القديم للإمامين السابع والتاسع، من أئمّة أهل البيت - وهما الإمام موسى بن جعفر الكاظم وحفيده الإمام محمد بن علي الجوادعليهالسلام (1) - وبناء قبّة على قبريهما في مقابر قريش، بضاحية بغداد الشمالية(2) والتي تسمّى اليوم بمدينة الكاظميّة، وهي قضاء تابع لمحافظة بغداد حالياً، ولكن دون أيّ إشارة إلى مسألة النوح والبكاء، على الإمام الحسينعليهالسلام أو أيّ إمام آخر.
وعلى كل حال، فإنّ سلطان بني بويه على بغداد بدأ سنة 334 هجرية، واستمرّ إلى حين دخول السلاجقة(3) إليها
____________________
(1) الإمام موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام الهاشمي القريشي، ولد في المدينة المنورة سنة 128 هجرية، عاصر من الخلفاء العباسيّين المنصور، المهدي والهادي، توفّي في السجن ببغداد أيّام الرشيد العباسي سنة 183 هجرية. يعرف بالكاظم إليه ينسب الأشراف الموسويون. دفن بمقابر قريش شمال بغداد هجرية. يعرف بالكاظم إليه ينسب الأشراف الموسويون.
دفن بمقابر قريش شمال بغداد وخلف قبره حفيده الإمام محمد بن علي الرضا بن موسى، ويعرف بالجواد ولد في المدينة المنوّرة سنة 195 وعاصر الخلفاء: الرشيد، الأمين، المأمومون والمعتصم، استُدعى من المدينة إلى بغداد أيام المعتصم ومات فيها سنة 220 هجرية. (الأربيلي، علي بن عيسى: كشف الغمّة في معرفة الأئمة، 3 / 2، 134).
(2) الأمين، حسن: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 9 / 327.
(3) السلاجقة: أمراء تركمانيون ينسبون إلى جدّهم سلجوق كان منهم عدّة فروع أشهرها: السلاجقة الكبار 1037 - 1175م. أنشأهم غرل بك وجغري بك حفيدا سلجوق، اشتهر منهم ألب أرسلان وملكشاه. (معلوف، لويس: المنجد، الأعلام ص360).
سنة 447 هجرية، وسيطرة طغرل بك(1) على مقاليد الأمور، وقراءة الخطبة باسمه(2) .
ولهذا سنتابع انعكاس وجود البويهيين في السلطة ببغداد على موضوع بحثنا، وهو المنبر الحسيني، طوال وجودهم في بغداد، وبالتحديد من سنة إعلان المأتم والحداد العام سنة 352 هجرية إلى حين زوال دولتهم عن بغداد سنة 477 هجرية.
وقد تابعت هذا الموضوع عبر ثلاثة مصادر، هي: الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لأبي الفداء ابن كثير، والمنتظم لابن الجوزي.
ووجدت أنّ المصدر الثاني أي تاريخ ابن كثير، هو أكثر المصادر إحاطة بموضوع بحثنا، واهتماماً به.
إذاً نبدأ من سنة 352 هجرية، وهي أوّل سنة برزت فيها مظاهر الحزن والحداد العام. والواقع، أنّ المصادر هنا، لم تذكر لنا بشكلٍ دقيق أو مفصّل، كيفية النوح، ودور النائحين، أو التقاليد التي تستخدم في ذلك. (كما سنجدهُ واضحاً عند الحديث عن الفاطميّين بعد ذلك).
نعم، إنّ مظاهر الحزن العام، تكون مترافقة عادةً مع إنشاد المنشدين، ونوح النائحين، والذي يهمّنا من كل ذلك أنّ هذا الإنشاد والنوح - والذي يمثّل جذور المنبر الحسيني بعد ذلك - قد وجد أجواءً
____________________
(1) طغرل بك بن مكائيل بن سلجوق ركن الدولة، قائد سلجوقي ومؤسّس السلالة السلجوقية، قضى على البويهيين ودخل بغداد 1055م 477 هجرية، فخلَع عليه الخليفة القائم العبّاسي لقب السلطان، ملك الشرق والغرب، توفّي سنة 1063م. (معلوف، لويس: المنجد / الأعلام ص436).
(2) بول، استانلي: طبقات سلاطين الإسلام، ص142.
واسعة للامتداد والانتشار.
سنة 352: أوّل سنة يأمر فيها معزّ الدولة بن بويه، بالنياحة ومظاهر الحزن في بغداد.
سنة 353: تجدّد ما حدث في عاشورا سنة 352 إلاّ أنّ أحداثاً طائفية وصلت إلى حدّ الاقتتال قد رافقت الحداد العام(1) . إنّ توتّر الأجواء الطائفية، بدا أمراً كثير المصاحبة لمظاهر الحداد ليوم عاشوراء، في بغداد أيام البويهيين، ولهذا سنعرض عن ذكره، حتى لا نخرج عن موضوع دراستنا، وهو المنبر الحسيني.
سنة 354 تجددت مراسم يوم عاشوراء(2) .
ويستمر ابن كثير في متابعته ما يجري كل سنة في يوم عاشوراء، منذ سنة 355 إلى سنة 362، بدون أي حوادث طائفية. ثمّ عادت الفتنة الطائفية مرّة أخرى، في يوم عاشوراء عام 363 هجرية(3) . أمّا ابن الأثير فيذكر عاشوراء سنة 354 بقوله: (وفيها عمل أهل بغداد يوم عاشوراء وغدير خم(4) كما جرت عادتهم؛ من إظهار الحزن يوم
____________________
(1) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 7 / 12، وانظر ذلك ابن كثير، إسماعيل الدمشقي، البداية والنهاية 6 / 214، وان الجوزي، عبد الرحمان بن علي: المنتظم 7 / 23.
(2) ابن كثير، أبو الفداء الدمشقي: البداية والنهاية 6/ 215.
(3) المصدر نفسه 6 / 233.
(4) غدير خمّ: نبع في واد قريب من الجحفة على الطريق بين مكّة والمدينة. توقّف فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد حجة الوداع، وقال فيها:(من كنت مولاه فهذا علي مولاه) في الثامن عشر من ذي الحجّة 10 للهجرة. أقول: ولا يزال الشيعة - إلى الآن - يولون هذا اليوم اهتماماً واضحاً.
وينقل المقريزي في خططه (وأصلهم - أي الشيعة - فيه، ما خرّجه الإمام أحمد في مسنده الكبير في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال (كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفر فنزلنا في غدير خم ونودي الصلاة جامعة، وكسح رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في سفر فنزلنا في غدير خم ونودي الصلاة جامعة، وكسح رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) تحت شجرتين فصلّى الظهر، وأخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: =
عاشوراء والسرور يوم الغدير)(1) .
ومنه يُعرف، أنّ المظاهر كانت مستمرة. وعدم ذكرها لا يعني عدم وجودها.
أمّا ابن الجوزي في المنتظَم، فقد أخذ يردّد ما يعملهُ أهل بغداد، في عاشوراء، من سنة 353 حتى عام 361.
والظاهر أنّ ما يحدث في يوم عاشوراء صار عادة لأهل بغداد، ولهذا لم يعد التوقّف عندها وإعادة ذكرها، شيئاً مهمّاً لدى المؤرّخين، ولكن تطوّراً حدَث سنة 382، إذ (في عاشر محرمها أمر الوزير أبو الحسن علي بن محمد الكوكبي، وكان قد استحوذ على السطان - أهل الكرخ وباب الطاق(2) من الرافضة(3) ، بأنْ لا يفعلوا شيئاً من تلك
____________________
=(ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) . قالوا: بلى.. قال:(ألستم تعلمون أنّي أولى بكل مؤمن من نفسه؟) قالوا: بلى. قال:(مَن كنت مولاه فعلي مولاه اللهمّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه) (المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 116). للمزيد يمكن مراجعة كتاب الغدير للعلاّمة الأميني رحمه الله حيث أثبت ذلك من أُمّهات المصادر.
(1) ابن الأثير، علي بن الواحد: الكامل في التاريخ - 7 / 29.
(2) الكرخ وباب الطاق، محلّتان من أحياء بغداد من جانبها الغربين كان التشيّع فيهما شائعاً.
(3) الرافض، من الفعل (رَفَض) بمعنى الترك (الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس 18 / 348) والروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكل طائفة منهم رافضة. (ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب 7 / 156) وورد اسم (الرافضة) في كتاب بعثهُ معاوية إلى محمد بن مكرم، لسان العرب 7 / 156) وورد اسم (الرافضة) في كتاب بعثهُ معاوية إلى عمرو بن العاص: (... فقد سقط إلينا مروان في رافضة أهل البصرة) (اليعقوبي، أحمد بن يعقوب: تاريخ اليعقوبي، 2 / 83).
وأمّا في المصطلح فإنّ (الرافضة) قد يقصد بهم قوم من الشيعة (الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل، 1 /138(وقد يقصد بها كل الشيعة (ابن رستة، أحمد بن عمر: الأعلام النفيسة، ص195 / 197) وقال آخرون: إنّهم ليسوا من الشيعة (الأندلسي، ابن عبد ربّه: العقد الفريد، 2 / 230). ويبدو أنّه قد اجتهد في دلالة هذا المصطلح (الرافضة) على مصاديقه. أمّا أوّل من استخدمه بهذا المعنى، فالمشهور أنّه زيد بن علي بن الحسين (الطبري محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 7 / 181) وقيل رجل آخر اسمُه المغيرة بن سعيد (الأشعري، سعد بن عبد الله: المقالات والفرق، ص77) (النوبختي، الحسن بن موسى: فرق الشيعة، ص62).
البدع، التي كان يتعاطونها في يوم عاشوراء؛ من تعليق المسوح وتغليق الأسواق، والنياحة على الحسين، فلم يفعلوا شيئاً من ذلك، ولله الحمد)(1) ومن هذا النصّ يمكن ملاحظة ما يلي:
1 - إنّ إغفال المصادر التاريخية، ما يجري يوم عاشوراء في بغداد، من سنة 364 هجرية إلى سنة 381، لا يعني زوال تلك الظاهرة العزائيّة. بدليل قوله أعلاه: (بأنْ لا يفعلوا شيئاً من تلك البِدَع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء). ثمّ إنّ المنبع يعني الأمر بالكفّ عن شيء موجود فعلاً، فلا معنى لمنع أمر غير موجود.
2 - إن وجود وزير، كان كافياً في منع ما يجري يوم عاشوراء. رغم وود بني بويه في السلطة والتأثير في بغداد. فهل يعتبر ذلك مؤشّراً على ضعف البويهيين؟. أو عدم رغبتهم آنذاك، بأنْ يكونوا طرفاً مباشراً في المسألة؟ خاصّة، بعد الفتن الطائفيّة التي رافقت يوم عاشوراء لسنين عدّة، أم إنّ البويهيين أنفسهم لم يكونوا على مستوى واحد من الاهتمام بموضوع بحثنا؟
ونعود إلى متابعة مظاهر الحِداد والعزاء العام، في بغداد في عهد البويهيين. حيث يظهر أنّ الأمور رجعت إلى سابق عهدها بعد سنة 382. ثمّ حدث شيء طريف لا بأس بالتوقّف عنده، وهو ما ذكره ابن كثير في حوادث سنة 389 بقوله: (ولمّا كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يُظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة أهل السنّة، فادّعوا أنّه في اليوم الثاني عشر من المحرّم، قتل مصعب بن الزبير، فعملوا له مأتماً كما تفعل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة
____________________
(1) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية 11 / 265، وانظر كذلك ابن الجوزي، عبد الرحمان بن علي: المنتظم 7 / 167 في حين لم يذكر ذلك ابن الأثير في حوادث هذه السنة.
البدعة ببدعة مثلها، ولا يُرجع البدعة إلاّ السنة الصحيحة)(1) !!
أمّا ابن الأثير، فيذكر في حوادث سنة 389 (وفيها عمل أهل باب البصرة(2) ، يوم السادس والعشرين من ذي الحجّة، زينة عظيمة، وفرحاً كبيراً، وكذلك عملوا ثامن عشر من المحرّم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء، وسبب ذلك أنّ الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب، وتعليق الثياب للزّينة ليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو يوم الغدير، وكانوا يعملون يوم عاشوراء من المأتم والنوح وإظهار الحزن، ما هو مشهور. فعمل أهل باب البصرة في مقابل ذلك، بعد يوم الغدير بثمانية أيام مثلهم، وقالوا: هو يوم دخلَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر رضي الله عنه الغار)(3) .
يبدو أنّ مظاهر الحزن الجديدة في بغداد، لقتل مصعب بن الزبير، استمرّت عدّة سنين. حيث سنجد في حوادث سنة 393 هجرية أنّ (فيها منَع عميد(4) الجيوش، الشيعة من النوح على الحسين، في يوم عاشوراء، ومنَع جهلة السنّة بباب البصرة، وباب الشعير، من النوح على مصعب بن الزبير بعد ذلك بثمانية أيام، فامتنع الفريقان ولله الحمد والمنّة)(5) .
____________________
(1) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية 11 / 265.
(2) (محلّة باب البصرة، من محلاّت الجانب الغربي، وهو الذي عمّر أولاً. وكان بها جامع الخليفة أبي جعفر المنصور، وفيها قبر الشيخ معروف الكرخي). اللواتي - رحلة ابن بطوطة 1 / 24.
(3) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 7 / 200.
(4) هو الحسين (أبو علي) بن أبي جعفر، يقال له: ابن أستاذ هرمز. أبوه من حجّاب عضد الدولة، استعان به بهاءُ الدولة على استتباب الأمن فقصد إليها سنة 396 هـ ولد ببغداد ومات بها سنة 401، وجهّزه وصلّى عليه الشريف الرضي، ودفنه في مقابر قريش، ورثاه هو وغيره. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 2 / 234) وغيره.
(5) ابن كثير - البداية والنهاية - 11 / 274 وكذلك ابن الجوزي - المنتظم - 7 / 122. أمّا ابن الأثير فقد ذكر أنّ عميد الجيوش قد أنهى فتنة في بغداد عام 392 دون أي إشارة إلى موضوع بحثنا (الكامل - 7 / 214).
والظاهر أنّ المنع قد استمر بعد ذلك إلى سنة 341 هجرية. (وهي السنة التي توفّي فيها عميد الجيوش، الذي منع ما يجري في عاشوراء، سنة 393 هجرية). وهذا يفهم من حوادث سنة 402 هجرية، إذ يؤكّد ذلك ابن الجوزي بقوله: (أذِنَ فخر الملك(1) ، لأهل الكرخ، وباب الطاق في عمل عاشوراء، فعلّقوا المسوح وأقاموا النياحة في المشاهد)(2) . أمّا ابن كثير، فيعرض الأمر بأسلوبٍ آخر حيث يقول:
(في المحرّم منها، إذن فخر الملك الوزير، للروافض، أنْ يعملوا بِدعَتهم الشنعاء، والفضيحة الصلعاء، من الانتحاب والنوح والبكاء وتعليق المسوح، وأنْ تُغلق الأسواق من الصباح إلى المساء. وأنْ تدور النساء حاسرات عن وجوههن ورؤوسهن، يلطمن خدودهن كفعل الجاهلية الجهلاء على الحسين بن علي، فلا جزاه الله خيراً وسوّد الله وجهه يوم الجزاء إنّه سميع الدعاء!!)(3) .
ولم يذكر ابن كثير، أي شيء بما يتعلّق بالحزن على مصعب بن الزبير.
أمّا ابن الأثير، فلم يُشِرْ إلى هذا الأذن، حينما تعرّض إلى حوادث تلك السنة.
أقول: والنصّان الأخيران يذكران مسألة النوح والبكاء والانتحاب، بجلاء ممّا يعني؛ أنّها كانت تلازم مظاهر الحزن، في يوم عاشوراء، مع العلم أنّ المؤرّخين أشاروا إلى مظاهر العزاء في الشوارع
____________________
(1) فخر الملك: محمد بن علي خلف، وزير بهاء الدولة البويهي، ويقال له: ابن الصيرفي، ولد بواسط سنة 345 هجرية. من أعم وزراء بني بويه مدحه عدد من الشعراء منهم مهيار الديلمي، ولي العراق بعد عميد الجيوش فعمّرت البلاد وعمل الجسر ببغداد، قُتِل بالأهواز سنة 407 هجرية.
(الزركلين خير الدين: الأعلام، 6 / 274).
(2) ابن الجوزي - المنتظم - 7 / 254.
(3) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية - 11 / 396.
وغيرها، حينما ذكروا أحداث سنة 352 هجرية وما تبعها، ولم يشيروا إلى النوح والبكاء الذي يعني فيما يعنيه وجود المنشدين وقرّاء المراثي الملازم لتلك الحالات. كما ويظهر من نص ابن الجوزي أنّ تلك المناحة امتدّت من بغداد إلى المشاهد، وهي مراقد أئمّة أهل البيت، وأقربها إلى بغداد، قبر الإمامين موسى بن جعفر الكاظم، ومحمد بن علي الجواد في مقابر قريش شمال بغداد.
وفي حوادث سنة 418 هجرية، ذكر أنّ الكرخ، وهي معقل الشيعة في بغداد، قد نهبت يوم عاشوراء(1) . أمّا ابن الأثير فقد ذكر أنّ الجند الأتراك هم الذين نهبوا الكرخ بعدما عاثوا ببغداد فساداً(2) .
أمّا ابن كثير فلم يذكر شيئاً عن أيام عاشوراء. حتى سنة 421 هجرية (وفيها عملت الروافض، بدعتهم الشنعاء، وحادثتهم الصلعاء، في يوم عاشوراء: من تعليق المسوح، وتغليق الأسواق، والنوح والبكاء في الأزقّة)(3) .
وذكر ابن الجوزي: (أنّه قد أغلق أهل الكرخ أسواقهم، وعلّقوا المسوح على دكاكينهم، رجوعاً إلى عادتهم الأولى في ذلك وسكوناً إلى بُعد الأتراك. وكان السلطان قد انحدر عنهم، فحدثت فتنة وقتل ناس من الفريقين)(4) .
وفي حوادث سنة 423 هـ، ذكر ابن كثير، ما جرى يوم عاشوراء
____________________
(1) ابن الجوزي، عبد الرحمان: المنتظم - 8 / 24.
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ - 7 / 325.
(3) ابن كثير - البداية والنهاية - 12 / 25.
(4) ابن الجوزي - المنتظم - 8 / 46. أقول وقول ابن الجوزي (وكان السلطان قد انحدر عنهم) يعني به أنّ جلال الدولة كان خارج بغداد. يذكر ابن الأثير: أنّ عقلاء بغداد لمّا رأوا أنّ البلاد قد خربت أرسلوا إليه حتى عاد إلى بغداد سنة 418. راجع الكامل في التاريخ 7 / 329.
بقوله: (عملت الروافض بدعتهم وكثُر النوح والبكاء، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق)(1) .
ومن هنا نجد، إنّ مسألة، النوح والبكاء المتعلّقة بالمنبر الحسيني، والمنشدين والراثين، لم تتأثّر بتلك الأحداث. بل زادت واتّسعت، في الشوارع العامّة والأسواق. إضافة إلى ما سبق ذكره في المشاهد.
ولم يُعِرْ ابن الجوزي أو ابن الأثير أي اهتمام لهذه السنة وما بعدها فيما يتعلّق بيوم عاشوراء كل سنة.
أمّا ابن كثير، فإنّه ذكر فتنة وقعت سنة 425 وكذلك سنة 432، دون الإشارة إلى ارتباط تلك الحوادث بعاشوراء ومراسمها. ثمّ أغفل ذكر الأحداث من سنة 432 حتى سنة 439، حيث ذكر تجدّد فتن طائفية وكذا الحال سنة 440 هجرية(2) . وهو ما ذكره ابن الجوزي كذلك(3) .
في حين أنّ ابن الأثير قد ذكر، أنّ العيّارين في بغداد، كبسوا دار الشريف المرتضى(4) سنة 425 هجرية(5) ولم يذكر شيئاً عن حوادث
____________________
(1) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية - 12 / 30.
(2) المصدر نفسه - 12 / 42، 50، 52.
(3) ابن الجوزي - المنتظم - 8 / 132، 136.
(4) الشريف المرتضى: علي بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، علم الهدى، متكلّم فقيه، أصولي، مفسّر، أديب، نحوي، لغوي وشاعر، ولِد في رجب 355 هـ / 966م. وليَ نقابة الطالبيين، توفّي ببغداد 25 ربيع الأوّل 436 هـ (1044م).
من تصانيفه الكثيرة: إيقاظ البشر في القضاء والقدر، غرر الفرائد ودرر القلائد، ديوان شعر، الذخيرة في الأصول والشافي في الإمامة، وقد ذكر له (87) مؤلّفاً. (كحالة، عمر رضا: معجم المؤلّفين: 7 / 81).
(5) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 8 / 7.
سنة 432 أو حوادث سنة 439 هجرية. (والعيّارون: مجاميع من الرعاع، كانت لهم سطوة وقوّة في بغداد، ولهم أخبار كثيرة).
ثمّ ذكر، في أحداث هذه سنة 441 هـ، (أنّ فيها مُنعَ أهل الكرخ من النوح، وفعل ما جرت به عادتهم بفعله يوم عاشوراء. فلم يقبلوا وفعلوا ذلك)(1) .
في حين أنّ ابن الجوزي، يعطي وصفاً آخر، فيقول: أنّه قد (طلب ليلة عاشوراء إلى الكرخ، في أنْ لا ينوحوا ولا يعلّقوا المسوح، على ما جرت به عادتهم خوفاً من الفتنة فوعدوا وأخلفوا...)(2) . أي قاموا بما اعتادوا عليه.
والشيء، الذي ذكره ابن الأثير في حوادث هذه السنة، هو اجتماع الشيعة والسنّة، حتى (أذّنوا في القلاّئين، وغيرها، حيّ على خير العمل، وأذّنوا في الكرخ: الصلاة خيرٌ من النوم!)(3) .
هذا ما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة 441 هجرية. أمّا ابن كثير الدمشقي، فقد ذكر بعض مظاهر الصلح في حوادث سنة 442 إذ (فيها اصطلح الروافض، وأهل السنّة ببغداد، وذهبوا كلّهم لزيارة مشهد عليّ ومشهد الحسين، وترضّوا في الكرخ على الصحابة كلّهم وترحّموا عليهم)(4) .
وبقيت مظاهر العزاء مستمرّة في بغداد، بين شدٍّ وجذب حتى نهاية فترة البويهيّين، سنة 447 هـ.
وهكذا وصلنا في متابعتنا، لما يجري في بغداد، أيّام عاشوراء،
____________________
(1) المصدر نفسه: 8 / 53.
(2) ابن الجوزي، عبد الرحمان بن علي: المنتظم 8 / 140.
(3) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 8 / 53.
(4) ابن كثير، إسماعيل الدمشقي: البداية والنهاية - 12 / 56.
في ظل حكم البويهيين لها إلى نهاية المطاف.
وقد استمرّت مظاهر العزاء تلك في بغداد، بعد البويهيّين. وكأمثلة، نذكر أنّه( في حوادث سنة 598 هجرية، قد توفّي أبو المنصور محمد بن محمد المبارك الكرخي المنشد، شيخ حافظ للقرآن المجيد، قرأه بالقراءات. وكان حسن القراءة جيّد الأداء، طيّب الصوت، شجيّه وكان يتشيّع، وينشد في المواسم بالمشاهد المقدّسة، ويعظ في (الأعزية). توفّي سنة في الحادي عشر من محرّم ودفن بمشهد موسى بن جعفرعليهالسلام )(1) .
فوجود منشد، وهو يقوم بالوعظ في (الأعزية)، ويُقصد بها المآتم، إضافة إلى إنشاده في مراقد أهل البيت في مواسم الزيارة، يعني استمرار تلك المظاهر.
وكذلك، ورد في حوادث سنة 641 هجرية أنّه قد( تقدّم الخليفة المستعصم بالله(2) ، إلى جمال الدين عبد الرحمان بن الجوزي المحتسب، بمنع الناس من قراءة المقتل في يوم عاشوراء، والإنشاد في سائر المحال بجانبي بغداد، سوى مشهد موسى بن جعفرعليهالسلام )(3) .
فمنعُ قراءة المقتل من كل أحياء بغداد، بجانبيها الكرخ والرصافة (الغربي والشرقي) يعني استمرار تلك المآتم. ولم يسمح لهم تلك السنة بقراءة مقتل الحسينعليهالسلام إلاّ عند مرقد الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام ، الذي يقع في مقابر قريش، وهي الضاحية الشمالية لمدينة بغداد.
____________________
(1) جواد، مصطفى: موسوعة العتبات المقدّسة - 9 / 100 نقلاً عن الجامع المختصر 9 / 85.
(2) عبد الله بن منصور، بن محمد: المستعصم بالله العباسي، آخر الخلفاء العباسيين في بغداد، ولد عام 609 هـ ولي الخلافة بعد أبيه المستنصر بالله عام 640 هـ. وقتل بأيدي المغول حينما دخلوا بغداد وأسقطوا الحكم العباسي عام 656 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 4 / 140).
(3) ابن الفوطي، عبد الرزّاق، البغدادي: الحوادث الجامعة ص93.
أقول: ولا تزال المآتم الحسينية مستمرّة إلى العصر الحاضر في بغداد، وبقيّة المدن العراقية الأخرى.
الفاطميّون في القاهرة
مرّ بنا آنفاً كيف عمل بنو بويه في بغداد، على أنْ يجعلوا من يوم عاشوراء، يوم حداد عام رسميّ في البلاد. وبقي الأمر مستمّراً فترة حكمهم لبغداد حتى سنة 447. وكانت الأوامر، تصدر في بعض السنين، بمنع مظاهر العزاء والحداد، ثمّ استمر بعد ذلك حتى مع زوال بني بويه وحتى وقتنا الحاضر.
أمّا في مصر، والتي لم تكن تخلو من المتشيّعين لأهل البيت(1) . فقد حدث فيها تطوّر مهم، في مراسم العزاء الحسيني، مع وصول الفاطميين إلى القاهرة واتخاذها عاصمة لحكمهم، إنّ تأثّر المصريين، بما جرى على أهل البيت في كربلاء، كان مبكّراً، ويمكن تحديد ذلك بدقّة في شعبان من سنة 61 هجرية. حين وصلت السيدة زينب بنت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، بعد أنْ أخرجها والي يزيد من المدينة إلى مصر. واستُقبلت من قبل والي مصر مسلمة بن مخلّد الأنصاري، وأعيان مصر وعلمائها بالبكاء والنحيب، راجع ص47 من هذا البحث.
وقبل الدخول إلى موضوع الفاطميين، وتطويرهم للعزاء الحسيني، ودعمهم لمظاهره، لابدّ أنْ نتوقّف قليلاً - استكمالاً للبحث - عند الفاطميّين ونسبهم، وما قيل فيهم بشكل سريع؛ لأنّه لا يهمّنا كثيراً - في هذا البحث - التوقّف عند نقطة النسب، بقدر ما يهمّنا كل ما يتعلّق بموضوع بحثنا. وعلى أيّة حال لا بدّ من إضاءة في هذا الجانب.
____________________
(1) كما سيمرّ معنا أثناء هذا البحث. ويمكن أنْ تراجع أيام ولاية محمد بن أبي بكر في عهد أيام خلافة الإمام علي بن أبي طالب، ووقائع تاريخيّة أخرى.
فقد ذكرت بعض المصادر التاريخية، واليتي تؤرّخ لبداية ظهور الدعوة إلى إقامة الدولة الفاطمية، أنّ بداية الحركة كانت عند مشهد الإمام الحسين في كربلاء، ثمّ إلى بلاد اليمن وبعدها مكّة مروراً بمصر حتى بلاد المغرب.
حيث يُذكر، أنّ رجلاً اسمهأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي ، وكان من نواحي الكرخ (بغداد)، قد صحب رجلاً يُسمّىرستم بن الحسين بن حوشب بن دادان النجّار من أهل الكوفة، وهما يدعوان إلى التشيّع. وأخذا يقصدان المشاهد فشاهدا عند مشهد الحسين رجلاً يكثر البكاء، من أهل اليمن، واسمه محمد بن الفضل، وكان صاحب عشيرة وكثير المال من أهل الجند. فطمعا فيه وعرضا عليه أمرهما فقبل ذلك(1) . وتصف بعض المصادر التاريخية، رستم النجّار هذا، بأنّه (له علمٌ وفهمٌ ودهاءٌ ومكر)(2) .
أمّا الحسين بن أحمد فقد بقي في الكوفة.
هذا وقد سبق للشيعة أنْ بعثوا من اليمن إلى المرغب، داعيتين لهم أحدهما يعرف بالحلواني والآخر يعرف بأبي سفيان. نزل أحدهما بأرض كتامة من المغرب ومالت إليهما قلوب الناس، وماتا بعد أنْ أقاما هناك سنين كثيرة.
وبعد موت هذين الداعيتين، تحرّك أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشيعي، بعد أنْ قيل له: إنّ أرض كتامة من المغرب، قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر فإنّها موطأة ممهدّة لك. فسار أبو عبد الله الشيعي إلى مكّة وسأل عن حجّاج كتامة، ونزل بقربهم وتعرّف عليهم حتى أنس بهم، وأنسوا به دون أنْ
____________________
(1) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل، 6 / 126.
(2) المقريزي، أحمد بن علي: اتعاظ الحنفا ص55.
يعرّفهم قصده. ثمّ قال لهم: إنّي ماضٍ إلى مصر ففرحوا بصحبته.
ولمّا وصل معهم إلى مصر، سألوه عن سبب قدومه، فقال لهم: طلباً للعلم، فقالوا: تعال معنا إلى المغرب حيث يتوافر العلماء ومجالس العلم. وهكذا سار معهم إلى المغرب ووصلها سنة 288 هجرية. ولمّا وصل المغرب سألهم عن فجّ الأخيار، وأخبرهم أنّ المهدي يهاجر إليه. فعظم أمره عند البربر، ثمّ تطوّرت الأمور، حتى استولى على المغرب، وكان بِدء تحرّك الفاطميّين، وظهور الإمام المهدي سنة 296 هجرية(1) .
(وكان لوجود الأدارسة(2) قبل ذلك، وانتشار دعاتهم بشكل كبير بين البربر أثرٌ كبير في نجاح دعوة الفاطميّين)(3) .
وأمّا نسب الفاطميّين، فقد برز فيه تضارب كثير للآراء، واختلفت فيه الأقوال.
فالبعض قال: (إنّهم يُنسبون إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وآخرون قالوا: إنّهم ينتسبون إلى رجل فارسي هو عبد الله بن ميمون القدّاح الأهوازي الثنوي المذهب، الذي يقول بوجود إلهين اثنين: إله
____________________
(1) نقل ذلك - باختصار وتصرّف عن ابن الأثير -، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ - 6 / 126 - 128، والمقريزي، أحمد بن علي: - الخطط - صفحة 388، والمقريزي - اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلفا - صفحة 134، ومصادر أخرى.
(2) الأدارسة: (دولة حكمت المغرب من سنة 172 - 375 ينسبون إلى مؤسّس دولتهم: وهو إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي هرب من المدينة، بعد قمع الجيش العبّاسي، أيام الخليفة الهادي العبّاسي - لحركة قام بها العلويّون فيما عرف بواقعة (فخ) سنة 169 هجرية. وصل مصر ثمّ المغرب وأسّس فيها دولة عرفت بعد ذلك بالأدارسة توفّي بالمغرب عام 177 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 1 / 279)(وتقع فخ حالياً في أوّل مكّة بالنسبة للقادم إليها من المدينة) - المصنّف -.
(3) بول، استانلي: طبقات سلاطين الإسلام - ص68.
النور وإله الظلمة)(1) .
وينقل ابن الأثير، أنّه قد (زعم عبد العزيز، صاحب تاريخ أفريقية والمغرب، أنّ نسبه معروف في اليهودية ونقل فيه عن جماعة من العلماء)(2) .
وذكر أيضاً، أنّ الحسين بن محمد بن أحمد الذي ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب، كان قد قدم السَلَميّة(3) من أرض الشام، وتزوّج من أرملة يهودية، لها ولد من زوجها اليهودي السابق، وهذا الولد هو الذي نسب إليه واسمه عبيد الله الذي لقب بالمهدي، وهو أوّل الخلفاء الفاطميّين(4) .
كما وأورد ابن الأثير أسماء جماعة من العلويين وغيرهم، كذّبوا، مَن قال بأنّ نسب الفاطميّين يرجع إلى الإمام علي بن أبي طالب(5) وأورد كذلك أنّ مَن صحّح نسبهم، قالوا عن ذلك: (وإنّما كتبوا خوفاً وتقية، ومَن لا علم عنده بالأنساب، فلا احتجاج بقولهم)(6) .
ولعلّ هذا الاختلاف والتضارب في مسألة نسب الفاطميّين، مؤشرٌ يدل على تدخّل الأهواء السياسية، والميول المذهبيّة وغيرها فيها.
أقول: ولهذا يعلّق ابن الأثير على الأقوال التي تطعن في النسب بقوله: (وأنا أذكر ما قاله - أي الأمير عبد العزيز صاحب تاريخ أفريقية والمغرب - مع البراءة من عهدة طعنة في نسبه)(7) .
____________________
(1) حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام 3 / 151.
(2) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل في التاريخ 6 / 125.
(3) السلميّة: بليدة في ناحية البريّة من أعمال حماة بينهما مسيرة يومين، وكانت تعدّ من أعمال حمص. يقال أنّه لمّا نزل بأهل المؤتفكة ما نزل من العذاب، رحم الله منهم مِئة نفس فنجّاهم فانزاحوا إلى سلميّة فعمّروها وسكنوها، فسمّيت، سلم مِئة، ثمّ حرّف الناس اسمها فقالوا: سلميّة. (الحموي، ياقوب بن عبد الله: معجم البلدان، 3 / 240).
(4) الدميري، زكريّا بن أحمد: حياة الحيوان الكبرى - 1 / 145.
(5) (6) (7) ابن الأثير، علي بن عبد الواحد: الكامل، 6 / 125.
وأمّا المقريزي فيقول: (وأنت إذا سلمت من العصبية والهوى، وتأمّلت ما قد مرّ ذكره من أقوال الطاعنين في أنساب القوم، علمت ما فيها من التعسّف، والحمل، مع ظهور التلفيق في الأخبار، وتبيّن لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، وشهد الحسّ السليم بكذبه)(1) .
وأرى من المناسب هنا أنْ نختم هذا الموضوع، بأبيات الشريف الرضي، التي قالها ببغداد أيّام الخليفة العبّاسي، القادر بالله(2) وتسبّبت في أزمة لأسرته مع الخليفة، حتى أبدى الشريف أبو أحمد الموسوي غضبه على ولده الشريف الرضي، وطالبه بتكذيب ما ورد فيها، فيما يتعلّق بنسبة الفاطميّين إلى العلويّين ولكنّه أبى ذلك.
والأبيات
ما مقامي على الهوان وعندي |
مـقْولٌ صـارم وأنفٌ حميّ |
|
وإبـاءٌ محلّق بي عن الضيم |
كـما راع طـائرٌ وحـشيّ |
|
أيّ عذرٍ له إلى المجد أنْ ذلّ |
غـلامٌ فـي غمدهِ المشرفيّ |
|
أحمل الضيم في بلاد الأعادي |
وبـمصر الـخليفة الـعلويّ |
|
مَـن أبـوه أبي ومولاه مولا |
ي إذا ضامني البعيد القصيّ |
|
لـفّ عـرقي بعرقه سيّد النا |
س جـميعاً مـحمّد وعـليّ |
|
مـثل ما يركب الظلام وقد أ |
رى من خلفه هلالَ مضيّ(3) |
____________________
(1) المقريزي، أحمد بن علي: اتعاظ الحنفا ص52.
(2) القادر بالله: أحمد بن إسحاق أبو العباس الهاشمي، الخليفة العباسي الخامس والعشرون، حكم سن 381 هـ، وتوفّي سنة 422 هـ. طالت أيامه كان حازماً مطاعاً حليماً كريماً، هابه الآخرون فأطاعوه، أحبّه الناس فصفا له الملك، جدّد ناموس الخلافة، من علماء الخلفاء (الزركلي، خير الدين، الأعلام، 1 / 95).
(3) المقريزي، أحمد بن علي: اتعاظ الحنفا - ص32. انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير 6 / 124 حيث قد أورد خمسة أبيات منها على اختلاف يسير في بعضها.
والأبيات صيغت على شكل حوار بين الشاعر ونفسه أو إنسان آخر حيث يقول: لماذا أبقى مقيماً على الذل: والهوان وأنا صاحب اللسان الذي هو كالسيف لحدّته مع الإباء والشمم (المقول: اللسان). (الصارم: من أسماء السيف). هذا الإباء الذي يرتفع عن كل =
وأبيات الشريف الرضي هذه، تؤكّد كون الفاطميّين ممّن ينتسبون لأهل البيت.
ومهما يكن من أمر فإنّ رابع الخلفاء الفاطميّين؛ وهو المعزّ الدين الله الفاطمي(1) وصل إلى القاهرة في شهر رمضان لسنة 362 هجرية. بعدما مهّد له قائده جوهر الصقليّ(2) الأمر، حيث انتزع مصر من الاخشيديّين.
إنّ وصول المعزّ إلى القاهرة في شهر رمضان، قد تبعه تطوّر مهم في مسألة بروز واشتداد مظاهر الاحتفال بالمناسبات الشيعيّة، فقد ذكر المؤرّخون أنّه (في الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو يوم غدير خم، تجمّع خلق من أهل مصر، والمغاربة للدعاء، فأعجب المعزّ ذلك، وكان هذا أوّل ما عمل عيدُ الغدير بمصر)(3) .
أي، بعد ثلاثة أشهر فقط من دخول المعزّ إلى القاهرة. وأحسب
____________________
= موارد الخنوع، كذلك الطير الوحشي الذي ريع وخوّف فطار عالياً في الفضاء. ثمّ كيف يُعذر الفتى عن الارتقاء لذرى المجد وفي غمده (الغمد هو قراب السيف) سيف ينسب إلى مشرف. (قيل هي أطراف الشام وقيل في اليمن) معروف بالقوة والقطع، ثمّ يأتي إلى أبيات القصيد حيث يقول: لماذا أظلُّ متحمّلاً الأذى في بلاد الأعداء، وفي مصر خليفة علوي أبوه أبي (يرجعان إلى الإمام علي بن أبي طالب) ومولاه مولاي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا آلمني بعيدٌ عنّي (قصيّ: بعيدٌ أيضاً) عن نسبي ويقصد به الخليفة العبّاسي.
(1) هو معد بن إسماعيل بن القائم بن المهدي الفاطمي، صاحب مصر وأفريقيا ولد بالمهدي في المغرب عام 319 هجرية بويع له بالخلافة سنة 341 هجرية، ودخل إلى مصر فاتحاً سنة 358 اختط مدينة القاهرة ثمّ دخل إليها سنة 362 ومات سنة 365. (الزركلي: خير الدين، الأعلام 7 / 265).
(2) جوهر بن عبد الله الرومي الصقليّ قائد الفاطميين، بني القاهرة والجامع الأزهر، كان من موالي المعزّ الفاطمي، سيّره من القيروان إلى مصر بعد موت كافور الأخشيدي، فدخلها سنة 358 هجرية، أرسل الجيوش لفتح الشام. كثير الإحسان، شجاع، لم يبقَ في مصر شاعر إلاّ رثاه توفّي سنة 381 هجرية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 2 / 148).
(3) المقريزي، أحمد بن عليّ: اتعاظ الحنفا ص142.
أنّ هذا الاحتفال، قد هيّأ الأجواء بشكلٍ كبير، للاحتفال بالمناسبة الثانية، وهي يوم عاشوراء وبصورة أوسع. ويوم عاشوراء يأتي بعد اثنين وعشرين يوماً، من يوم الغدير، الذي يوافق اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة.
ويلاحظ من النّص أعلاه، أنّ الاحتفال بيوم الغدير، قد شارك فيه جماعة من أهل مصر، مع المغاربة، أي الذين جاؤوا مع المعزّ الفاطمي وسكنوا القاهرة. وهذا مؤشّر على وجود شيعي في مصر، قبل الفاطميّين. وهو ما يؤيّد الذي ذُكر في هذا البحث سابقاً، من أنّ مراسم العزاء بمصر، في يوم عاشوراء كانت سابقة، على الوجود الفاطمي(1) ، من أيّام الأخشيديين وكافور.
فمن الطبيعي جدّاً أن تجد مؤسّسة العزاء الحسيني، أفضل أيامها مع الفاطميّين، ولهذا فقد ذكر في حوادث سنة ثلاث وستين وثلاثمِئة أنّه (في يوم عاشوراء، انصرف خلق من الشيعة، وأتباعهم من المشاهد، من قبر كلثم بنت بن جعفر الصادق ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالاتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أواني السقّائين في الأسواق. وشقّوا الروايا(2) وسبّوا من ينفق في هذا اليوم. وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمّار ومنع الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتن؛ لأنّ الناس كانوا غلّقوا الدكاكين، وعطّلوا الأسواق وقويت أنفس الشيعة بكون المعزّ بمصر)(3) .
والملاحظ هنا، أنّ الاحتفال بيوم عاشوراء، لم يمرّ دون توتّر،
____________________
(1) راجع فقرة النياحة في مصر من هذا الفصل ص52.
(2) الروايا جمع مفرده الراوية وهي الدابة يستقي عليها، أو المزادة من جلد يوضع فيها الماء، والمقصود هنا المعنى الثاني.
(3) المقريزي، أحمد بن علي، اتعاظ الحنفا - ص145.
كاد يصل إلى فتنة طائفيّة. أقول: وكانت الحوادث الطائفيّة في بغداد تشتد في عاشوراء، كما أشرنا إلى ذلك، في الفقرة السابقة من هذا البحث. كما وإنّ المقريزي هنا، قد علّق على أنّ قوّة الشيعة، اشتدّت مع وجود المعزّ بالقاهرة. وهو عين ما ذكره بعض المؤرّخين، في أيام عاشوراء، أيام معزّ الدولة البويهي، بأنّ نفوس الشيعة قويت لكثرتهم في بغداد، وكون السلطان منهم.
ولم تتحدّث المصادر، عن أيّ حالة تشنّج، أو توتّر طائفي، فضلاً عن الفتن، في أيّام الفاطميّين، سوى ما ذكر أعلاه. خلاف ما كان عليه الأمر في بغداد، ولسنين عدّة.
ولدى تتبّعي للمراجع التاريخيّة، التي اهتمّت بتسجيل الحوادث، التي مرّت على بلاد المسلمين؛ مثل تاريخ ابن الأثير أو المنتظم لابن الجوزي، والبداية والنهاية لابن كثير ومروج الذهب للمسعودي، لدى تتبّعي لهذه المصادر، لم أجد مواكبةً واهتماماً لما كان يحدث في مصر أيام عاشوراء في ظل حكم الفاطميّين، كما وجدت من اهتمام وتسجيل لما كان يحدث فيها ببغداد أيام البويهيين.
بل حتى المصادر. التي اهتمّت بمصر وتاريخها، أو تاريخ الفاطميّين بالذات، فإنّها لم تكن متابعةً لما يجري في مصر، سنة بعد سنة في يوم عاشوراء، مثل؛ النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لـ (يوسف تغري بردي) أو اتعاظ الحنفا والخطط للمقريزي، كما تابعنا ذلك سابقاً في حوادث عاشوراء ببغداد.
نعم، ذكرت هذه المصادر الأخيرة إشارات متقطّعة لما كان يجري من الخلفاء الفاطميّين في بعض السنين. ومنها ما يجري في عاشوراء كنوع من المناسبات العامّة في الدولة الفاطميّة. ممّا يوحي، أنّ تلك المظاهر العزائية كانت مستمرّة طوال الحكم الفاطمي لمصر حيث لم يُشَرْ إلى منعها، بل تحوّلت، إلى عرف وتقليد يتبعه كل خليفة فاطمي.
وأفضل مصدر وجدته مهتمّاً بذكر تفاصيل ما كان يجري في بعض السنين، بما يتعلّق بموضوعنا هو كتاب (النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة).
وسنحاول الولوج إلى موضوع المأتم الحسيني في مصر أيام الفاطميّين، عبر ثلاثة محاور هي:
1 - عرضٌ لما أوردَتْهُ المصادر من اهتمام الفاطميّين، بما يتعلّق بموضوع بحثنا في فترات متفاوتة من تلك المرحلة.
2 - ذكر ما أوردته المصادر من كيفية إحياء الفاطميّين لمراسم يوم عاشوراء.
3 - ذكر الأماكن التي كانت تتّخذ لإقامة المآتم ومجالس العزاء.
المحور الأوّل
وهو المحور المتعلّق بما كانت قد سجّلته المراجع التاريخية، عن ما كان يجري في مصر أيام الفاطميّين، ممّا يتعلّق بمراسم العزاء يوم عاشوراء، ونورد فيه ما يلي:
1 - ذكرنا سابقاً أنّ اهتمام القاهرة بعاشوراء ومجالس العزاء فيها كان مألوفاً أيام الأخشيدية والكافورية - كما سبقت الإشارة إليها ص52.
2 - في سنة 363 هجرية وبعد أشهر من دخول المعزّ الفاطمي إلى مصر، وفي يوم عاشوراء، كان البروز الأول لمظاهر الحزن والبكاء الشعبي، في الحكم الفاطمي من قبل شيعة مصر والمغاربة القادمين مع المعزّ الفاطمي - كما سبق ذكره آنفاً ص121 -.
3 - ثمّ أغفلت المراجع التاريخية أي ذكر لما كان يجري في مصر أيام عاشوراء منذ سنة 363 هجرية وحتى سنة ست وتسعين وثلاثمِئة و(396) هجرية أي بعد ثلاثة وثلاثين سنة مع أيام حكم الخليفة
الفاطمي الحاكم بأمر الله(1) أبي علي المنصور الذي حكم بين (386 - 411)، حيث ذكر (وفي يوم عاشوراء يعني من سنة ست وتسعين وثلاثمِئة، جرى الأمر فيه على ما يجري كل سنة؛ من تعطيل الأسواق، وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة، ونزولهم مجتمعين بالنوح والبكاء والنشيد)(2) .
حيث نلاحظ الإشارة، إلى استمرار مظاهر الحزن والحداد في القاهرة، بقوله (جرى الأمر فيه على ما يجري كل سنة). ثمّ يبرز النصّ كذلك دور المنشدين منطلقين إلى جامع القاهرة، ثمّ خروجهم منه وهم ينشدون ويقرأون المراثي بشكل جماعي. وهذا النصّ يبيّن بشكل أوضح وأدق ما كان يقوم به المنشدون، من دور، في احتفالات يوم عاشوراء.
وهو ما كنّا نفتقدهُ، في المصادر التي كانت تحكي لنا، ما كان يجري في بغداد، أيام البويهيّين.
كما ويؤكّد بقية النصّ أعلاه، أنّ المنشدين كانوا يأخذون الأجرة على إنشادهم المراثي، حينما يقفون على حوانيت الناس(3) . حتى اضطر قاضي القضاة، إلى أنْ يطلب منهم، عدم إلزام الناس بالدفع لهم (ثمّ جمع هذا اليوم، قاضي القضاة، عبد العزيز بن نعمان سائر
____________________
(1) الحاكم بأمر الله: منصور ابن نزار بن المعزّ الفاطمي. أبو علي، الحاكم بأمر الله ولِد في القاهرة سنة 375 هجرية. وقُتل فيها في ظروف غامضة. تولّى الخلافة سنة 386 هـ وعمره 11 سنة، اهتم بالفلسفة وعلم الفلَك وعمِل مرصداً قتل العديد من الوزراء. (متألّه، غريب الأطوار. مات سنة 411 هـ) (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 7 / 305).
(2) المقريزي، أحمد بن عليك الخطط 2 / 212.
(3) أقول: وظاهرة وجود المنشدين والنائحين في الأسواق ووقوفهم على الحوانيت، ظاهرة لا تزال موجودة في بعض المناطق الشيعية في العراق وإيران وبلاد شيعيّة أخرى، كما وينشد هؤلاء في وسائل النقل العامّة كالحافلات والقطارات، إضافة إلى أماكنهم الأساسية في المراقد المقدّسة.
الذين يكسبون بالنوح والنشيد، وقال لهم: لا تلزموا الناس بأخذ شيءٍ منهم، إذا وقفتم على حوانيتهم، ولا تؤذوهم، ولا تكسبوا بالنوح والنشيد. ومَن أراد ذلك فعليه بالصحراء!! ثمّ اجتمع بعد ذلك طائفة منهم يوم الجمعة في الجامع العتيق - وهو جامع عَمْر بن العاص - بعد الصلاة وأنشدوا وخرجوا إلى الشارع بجمعهم)(1) حيث يبدو أنّ المنشدين احتجّوا على ذلك المنع، وخرجوا بجمعهم، ولم يوضّح النصّ ماذا ترتب على احتجاج المنشدين والنائحين هذا.
4 - وفي سنة أربع وأربعمِئة، نجد أنّ الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله المذكور في النصّ السابق، قد أصدر أوامر بإغلاق الدواوين، وأماكن بيع الغلّة والفواكه لمدّة ثلاثة أيام. ابتداءً من اليوم السابع من محرّم. أمّا في اليوم العاشر، فإنّ كل الحوانيت تغلق في مصر باستثناء حوانيت الخبّازين(2) .
وهذا يعتبر تطوّراً مهمّاً، في توسعة أيّام الحداد، التي كان محصورة بيوم عاشوراء فقط. حيث أضيفت الأيام: السابع والثامن والتاسع من المحرّم، لتكون النتيجة أربعة أيام. إذ تعطّل الدوائر الرسميّة (الدواوين)، وأماكن بيع اللحوم والأسماك (الغلّة). أقول: وأمّا في هذا الأيّام فإنّ أيام الحزن العامّة؛ عشرة أيام تبدأ من اليوم الأول للمحرّم، كما أنّ بعض أصحاب المحلاّت وذوي المِهن يعطّلون أعمالهم في بعض مناطق العراق (وربّما في بلدان أُخرى) ابتداءً من اليوم السابع من المحرّم. ويتفرّغون لحضور مجالس المنبر الحسيني، كثيرة الانتشار.
5 - كما ورد ما يدلّ، على استمرار الخلفاء الفاطميّين على ما
____________________
(1) المقريزي، أحمد بن عليك الخطط 2 / 212.
(2) المقريزي، أحمد بن عليك اتّعاظ الحنفا 2 / 100.
جرت به عادتهم من إحياء مآتم الإمام الحسين يوم عاشوراء.
ففي أيام حكم المستعلي بالله الفاطمي(1) (487 - 495)، جاء (أنّه كان كآبائه وأجداده، في إحياء يوم عاشوراء بالنوح والحزن)(2) .
وورد في مصدر آخر (وفي عهد المستعلين الذي سار على نهج أبيه في التعصّب للشيعة، زاد النياح، والصياح، والبكاء والعويل، في اليوم العاشر من المحرّم، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين، وظهر ذلك بصورة لم تعهد من قبل)(3) .
6 - ثمّ حدث تطوّر كبير على شدّة المآتم الحسينية وقوّتها، بعد سنة ثمان وأربعين وخمسمِئة بعدما نقل رأس الحسينعليهالسلام - على أحد الأقوال - من مدينة عسقَلان(4) في فلسطين إلى القاهرة، حيث مدفنه
____________________
(1) المستعلي بالله الفاطمي: أحمد بن معد المستنصر بالله التاسع من الخلفاء الفاطميين. ولد بالقاهرة سنة 487 هـ، وصل إلى الحكم بسعي الوزير بدر الدين الجمالي وابنه الأفضل الذي سيطر على شؤون الدولة استعاد أفاميه وصور من الصليبيين توفّي سنة 495 هـ. (معلوف، لويس: المنجد 2 / 660).
(2) تغري بردي، يوسف، النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، 5 / 153، 154.
(3) حسن، حسن إبراهيم - تاريخ الدولة الفاطمية - ص657.
(4) اختلفت الأقوال في الموضع الذي دُفن فيه رأس الإمام الحسينعليهالسلام ، فقد ذكر سبط ابن الجوزي أنّها خمسة مواضع هي: (1) كربلاء (2) المدينة (3) دمشق (4) الرقّة (5) عسقلان ثمّ إلى القاهرة.
وجعل الاحتمال الأول هو الأشهر (سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغل: تذكرة الخواص، ص238 - 239) في حين يرى الإمام ابن تيمية أنّ المدينة هو الموضع الأكثر رجحاناً (ابن تيمية، أحمد: مكان رأس الحسين، ص17، ص25). ويفصّل العسقلاني في صواعقه كيفية الدفن في دمشق، وأنّه كان أيام الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك (العسقلاني، أحمد بن حجر: الصواعق المحرقة، ص199).
ويرى الخوارزمي أنّ الخليفة الأموي عُمَر بن عبد العزيز سأل عن مكان دفن رأس الحسين (.. فنبشه، وأخذه والله أعلم بما صنع به والظاهر من دينه أنّه بعثه إلى كربلاء...) (الخوارزمي، الموفق بن أحمد: مقتل الحسين 2 / 84).
في حين أنّ الشبراوي يذكر أنّ الرأس دُفن في المدينة، وقيل أُعيد إلى كربلاء بعد أربعين =
اليوم، والمسجد المنسوب إليه. ممّا زاد في البكاء والنوح بعد ذلك. (وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء، الإبل والبقر والغنم، ويكثرون النوح البكاء ويسبّون من قتل الحسين. ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم)(1) .
7 - ورد في ذكر بعض مراسم عاشوراء، السماط الذي يوضع لمجلس العطايا ودار الملك بمصر. ذلك في يوم عاشوراء منذ سنة خمس عشر وخمسمِئة 515 هجرية(2) .
8 - ثمّ وردت إشارة إلى عاشوراء سنة 516 هجرية، حيث ذكر (ولمّا كان عاشوراء من سنة ست عشر وخمسمِئة، جلس الخليفة
____________________
= يوماً من قتله (الشبراوي، عبد الله بن محمد بن عامر: الإتحاف بحب الأشراف، ص41) ولم يذكر الرقّة أحد غير صاحب التذكرة أعلاه. وهو نفسه يذكر أنّ الفاطميين هم الذين نقلوا الرأس من دمشق إلى عسقلان وبعد مدّة طويلة نقل إلى القاهرة. وهو ما ذكره الشبراوي أيضاً (ص75) ومشهد رأس الحسين في عسقلان سجّلته بعض كتب الرحلات، راجع ابن بطوطة، محمد بن إبراهيم اللواتي، رحلة ابن بطوطة (ص60) وكذلك (القزويني، زكريّا بن محمد: آثار البلاد وأخبار العباد، ص222) وصار مشهد الرأس في القاهرة من المعالم البارزة فيها منذ ذلك الحين. (الكناني، محمد بن أحمد بن جبير: رحلة ابن جبير، ص19)، وتبقى مسألة نقل الرأس إلى عسقلان مسألة تحتاج إلى تأمّل، ولماذا لم ينقل الفاطميون الرأس مباشرة إلى القاهرة؟ ويورد الشيخ محمد جواد مغنية، احتمالاً غير مستبعد بأنّ المشهد المنسوب للحسين في القاهرة يعود إلى زيد بن علي بن الحسين (مغنية، محمد جواد: الشيعة والحاكمون، ص118).
وأجد نفسي تميل إلى قبول هذا الاحتمال الأخير. وأمّا الراجح من مواضع دفن الرأس الشريف عند الشيعة، فهو كربلاء، وهو المشهور عند علمائهم (بحر العلوم، محمد تقي: مقتل الحسين، ص472). وأظن أنّه أقوى الاحتمالات لارتباط المسألة باهتمام أكبر عند علماء الشيعة، ولأنّه أمر راجح أنْ يسلّم يزيد رأس الإمام الحسين إلى ولده الإمام زين العابدينعليهالسلام ، خاصة بعد الأجواء التي أحدثتها خطبته في المسجد، ممّا جعل يزيد يعجّل بإخراجهم من الشام، وهذا الاحتمال هو الذي جعله سبط ابن الجوزي الأشهر كما مرّ أعلاه.
(1) المقريزي، أحمد بن علي: الخط 2 / 204.
(2) المقريزي، أحم بن علي: الخطط 2 / 213.
والسماط هو ما يبسط من الأفرشة ليوضع عليه الطعام.
الآمر بأحكام الله(1) على باب الباذهج، يعني من القصر، بعد مقتل الأفضل(2) وعود الأسمطة إلى القصر)(3) .
ويبدو من النصّ التالي، أنّ الخليفة الفاطمي، كان له عطاء خاص للقرّاء، إذ قد (خرج الرسم المطلق للمتصدّرين، والقرّاء الخاصين، والوعّاظ والشعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم)(4) .
9 - أمّا في سنة 517 هجرية فإنّ مجالس العزاء والوعظ، لم تنحصر في يوم عاشوراء، بل راحت تبدأ من ليلته فقد ذُكر أنّه (في ليلة عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمِئة، اعتمد لأجل الوزير المأمون على السنّة الأفضلية، من المضي إلى التربية الجيوشيّة، وحضور جميع المتصدّرين والوعّاظ، وقرّاء القرآن إلى آخر الليل وعوده إلى داره. واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك.
وجلس الخليفة على الأرض، مثلما يُرى به الحزن وحضر من شرّف بالسلام عليه، والجلوس على السماط بما جرت به العادة)(5) .
حيث يلاحظ، دخول عنصري قراءة القرآن والوعظ. في ضمن عناصر مراسم العزاء والمآتم التي تقام في ليلة عاشوراء ويومها.
____________________
(1) الأمر بأحكام الله: هو أبو علي منصور بن أحمد (المستعلي بالله) الفاطمي عاشر الخلفاء الفاطميين في مصر، ولد 1096م - 490 هـ وبويع له بالخلافة وهو ابن خمس سنين بعد وفاة أبيه المستعلي. توفّي سنة 1130م - 524 هـ. قام وزير أبيه الأفضل بشؤون الدولة، وفي عهده استفحل أمر الصليبين. (الزركلي، خير الدين: الأعلام 72 / 297).
(2) الأفضل بن أمير الجيوش، قائد كبير، كان قد توجّه إلى القدس سنة 491 وملكها بعد قتال، وكان للأفضل تأثير كبير على البلاد الفاطمي، حيث تدخّل وغيّر ولاية عهد المستنصر بالله الفاطمي المتوفّي سنة 487 هـ، من ولده الأكبر الذي كان قد ولاّه أبوه عهده، وشرع بأخذ البيعة له في مرضه، فأخذ الأفضل يماطله حتى مات، فقام الأفضل، بالاجتماع بالأمراء وكبار رجال الدولة وأثار مخاوفهم من نزار، حتى بويع لأخيه الصغير أحمد، فبويع ولقبه المستعلي بالله (حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام 4 / 171).
(3) (4) (5) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 213.
هذا ما استطعت أنْ أسجّله، من إشارات وأدلّة على ما كان يهتم به الخلفاء الفاطميون، في مصر أيّام دولتهم فيها وهو المحور الأول من هذه الدراسة.
المحور الثاني
في بيان المراسم والكيفيّة، التي كان الخلفاء الفاطميّون، يحيون بها مجالس العزاء في عاشوراء.
لقد ذكرت بعض المصادر ذلك، بشيء من التفصيل، بما لم نعهده في أي مصدر تحدث عن البويهيين في بغداد، ومقدار اهتمامهم بمظاهر الحداد والحزن، في يوم عاشوراء، إذ لم توضّح تلك المصادر، كيف كان يحيي البويهيون، تلك المظاهر وهل كانت لهم مراسم خاصّة بها.
أمّا مراسم عاشوراء عند الفاطميّين، فقد ذكر في هذا الصدد: (فإذا كان يوم العاشر من المحرّم، احتجب الخليفة عن الناس. فإذا علا النهار، ركب قاضي القضاة والشهود، وقد غيّروا زيّهم ولبسوا لباس الحزن، ثمّ صاروا إلى المشهد الحسيني بالقاهرة، وكان قبل ذلك يعمل المأتم بالجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه، بمن معهم مع الأمراء والأعيان وقرّاء الحضرة، والمتصدّرين في الجوامع جاء الوزير فجلس صدراً... والقاضي وداعي الدعاة من جانبيه. والقرّاء يقرؤون نوبة فنوبة، ثمّ ينشد قوم من الشعراء - غير شعراء الخليفة - أشعاراً يرثون بها الحسن والحسين وأهل البيت. وتصيح الناس بالضجيج والبكاء والعويل.
فإذا كان الوزير رافضيّاً على مذهب القوم، تغالوا في ذلك وأمعنوا، وإنْ كان الوزير سنّياً اقتصروا. ولا يزالون كذلك حتى تمضي
ثلاث ساعات، فيُستَدعون إلى القصر عن الخليفة، بنقباء الرسائل. فيركب الوزير، وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما، إلى باب الذهب (أحد أبواب القصر) فيجدون الدهاليز، قد فُرِشت مساطبها بالحُصر والبُسط، وينصب في الأماكن الخالية الدكك لتلحق بالمساطب والفرش، ويجدن صاحب لباب جالساً هناك. فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه، والناس على اختلاف طبقاتهم، فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون، ثمّ يفرش وسط القاعة بالحصر المقلوبة (وليس على وجوهها وإنّما تُخالف مفارشها) ثمّ يفرش عليها سماط الحزن، مقدار ألف زبدية من العدَس والمسلوقات والمخلّلات والأجبان والألبان الساذجة، وأعسال النحل والفطير المغيّر لونه بالقصد، لأجل الحزن.
فإذا اقترب الظهر وقف صاحب الباب ببابه، ومن الناس مَن لا يدخل من شدّة الحزن، فلا يُلزِم أحد بالدخول. فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أمكانهم ركباناً، بذلك (الزيّ) الذي ظهروا فيه من قماش الحزن. وطاف النّواح في القاهرة في ذلك اليوم، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى ما بعد العصر، والنوح قائم بجميع شوارع القاهرة وأزقّتها، فإذا فات العصر يفتح الناس دكاكينهم، ويتصرّفون في بيعهم وشرائهم، فكان (ذلك) دأب الخلفاء الفاطميّين مِن أوّلهم المعزّ لدين الله إلى آخرهم العاضد عبد الله)(1) .
إن النصّ السابق، قد أوضح لنا أنّ هناك ثياباً خاصة للحزن،
____________________
(1) تغري بيدي، يوسف: النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، 5 / 153، 154. والعاضد بالله هو عبد الله بن يوسف ابن الحافظ، العلوي الفاطمي ولد عام 544 هـ آخر الخلفاء الفاطميين. استنصر بنور الدين لقتال الصليبيين دفاعاً عن مصر، فأرسل إليه صلاح الدين الأيّوبي، الذي تولّي الوزارة، وتصرّف في شؤون الملك حتى قضى على الفاطميين، توفّي في القاهرة سنة 567 هـ.
تُلبَس يوم عاشوراء ويتّجه الكل إلى جامع الأزهر، ثمّ انتقلت المراسم إلى مشهد الحسين بعد ذلك، ولا يحضر الخليفة إلى المسجد، بل يتولّى الوزير رعاية تلك المراسم، وبعد قراءة القرآن وإنشاد الشعر الرثائي وارتفاع الصياح والبكاء، يرجع الناس إلى قصر الخليفة حيث يعدّ طعام خاص بأهل العزاء ليس فيه للأُبّهة والترف أثر.
وتُنشَد المراثي هناك مرّة أُخرى، قبل تناول الطعام، ثمّ ينصرف الناس بعد ذلك بثياب الحزن إلى أماكنهم، بينما يبقى النائحون والمنشدون، يطوفون في شوارع القاهرة وأزقّتها، ثمّ تعود الحياة مرّة أُخرى إلى الأسواق، بعد العصر حيث يفتح الناس حوانيتهم.
ويبدو أنّ تلك المراسم التي كانت تجري تحت إشراف الخليفة الفاطمي، قد تغيّرت، وانتقلت من قصر الخلافة، إلى قصر أحد الأمراء، كان مستولياً على مقاليد الأمور، حيث ذُكر أنّه (في يوم عاشوراء يعني من سنة خمس عشرة وخمسمِئة عُبّي السماط بمجلس العطايا، من دار الملك بمصر، التي كانت يسكنها الأفضل، بن أمير الجيوش، وهو السماط المختص بيوم عاشوراء، وهو في غير المكان، الذي الجاري به العادة (هكذا) في الأعياد ولا يعمل مدوّرة خشب، بل سفرة كبيرة من أدم(1) والسماط يعلوها من غير مرافع نحاس.
وجمع الزبادي؛ أجبان وسلائط ومخلّلات وجميع الخبز من شعير. وخرج الأفضل من باب فرد الكم. وجلس على بساط الصوف من غير مشورة، واستفتح المقرؤون، واستدعى الأشراف على طبقاتهم وحمل السماط لهم، وقد عمل في الصحن الأول؛ الذي بين يدي الأفضل إلى آخر السماط عدَس أسود، ثمّ بعده عدس مصفّى إلى آخر السماط، ثمّ رُفِع وقُدّمت صحون كلّها عسل ونحل)(2) .
____________________
(1) الأدم: الجلد.
(2) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 213.
ويبدو أنّ الأمر لم يستمر، إذ عادت الأمور إلى ما كانت عليه، في قصر الخليفة الفاطمي، في السنة التالية وهي سنة 516 هجرية.
إذ (لمّا كان يوم عاشوراء من سنة ست عشر وخمسمِئة، جلَس الخليفة الآمر بأحكام الله على باب الباذهبج - يعني القصر - بعد قتل الأفضل، وعود الأسمطة إلى القصر، على كرسيّ جريدٍ بغير مخدّه، مثلما هو وجميع حاشيته). وهنا بيان لكيفية جلوس الخليفة الفاطمي من شدّة حزنه على كرسي متّخذ من جريد النخل بدون وسائد، بما لم يوضّح في النصوص السابقة.
ونعود إلى النصّ، إذ يُذكر أنّه قد (سلّم عليه الوزير المأمون، وجميع الأمراء الكبار والصغار، بالقراميز، وأُذن للقاضي والداعي والأشراف والأمراء بالسلام عليه، وهم بغير مناديل ملثّمون حفاة)(1) .
والظاهر أنّ القائد الأفضل قد أحدث أساليب جديدةً في مراسم عاشوراء، استمرّت حتى بعد مقتله، كما نجد ذلك في مراسم عاشوراء، من سنة سبع عشرة وخمسمِئة، النصّ التالي (وفي ليلة عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمِئة، اعتمد الوزير المأمون على السنّة الأفضلية، من المضي فيها إلى التربة الجيوشيّة، وحضور جميع المتصدّرين والوعاظ وقرّاء القرآن إلى آخر الليل وعوده إلى داره. واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك، وجلس الخليفة على الأرض، مثلما يُرى به الحزن، وحضر من شرف بالسلام عليه، والجلوس على السماط بما جرت به العادة)(2) .
وهكذا استمرت هذه المراسم في يوم عاشوراء، طوال حكم الفاطميّين لمصر (فلمّا زالت الدولة اتخذت الملوك من بني أيّوب،
____________________
(1) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 213.
(2) المصدر نفسه، ص2 / 213.
يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم، ويتبسطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات ويتّخذون الأواني الجديدة ويكتحلون ويدخلون الحمّام، جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج، في أيّام عبد الملك بن مروان ليرغموا بذلك أناف شيعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجه، الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن فيه على الحسين بن عليّ؛ لأنّه قُتل فيه. وقد أدركنا بقايا ما عمله بنو أيّوب من اتخاذ يوم عاشوراء يوم سرور وتبسّط)(1) . وبهذا انتهى المحور الثاني، الذي كان حول المراسم والكيفيّة، التي كان الفاطميون يُحيون بها موسم عاشوراء.
____________________
(1) لم يذكر المقريزي في نصّه هذا، المصدر الذي اعتمده في قوله، أنّ الحجّاج هو الذي سنّ لأهل الشام، اتخاذ يوم عاشوراء يوم سرور وفرح.
وذكرت كتب المقاتل أنّ الصحابي سهل بن سعد الساعدي، كان قد دخل دمشق أيام دخول ركب السبايا إليها، حيث يصف أهلها بأنّهم (قد علّقوا الستور والحجُبُ والديباج، وهم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء لعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعلّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن)! (الخوارزمي، الموفق بن أحمد: مقتل الحسين 22/67).
ومرّ بنا في ص48 من هذا البحث بيت الشريف الرضي:
كانت مآتم بالعراق تعدّها |
أمويّة في الشام مِن أعيادها |
(ديوان الشريف الرضي، 1 / 278) وقد أورد المقريزي في خططه قصيدة لأحد الشعراء يذكر فيها بعض مظاهر الفرح والسرور يوم عاشوراء (الخطط: 2 / 459). وذكر صاحب الغدير في ترجمة الشاعر ابن منير الطرابلسي، 0ت: 548 هـ) قصيدته التي بعثها للشريف المرتضى. بعدما حبَس غلاماً له اسمه تتر، حيث قال له على سبيل الدعابة: إنّه إذا لم يردّ إليه غلامه، فإنّه سيظهر السرور والفرح يوم عاشوراء، نكاية به:
وحلقت في عشر المحرّم |
ما استطال من الشعر |
|
ولبست فيه أجلّ ثوبٍ |
للمواسم يدّخر |
|
وغدوت مكتحلاً أُصا |
فحُ مَن لقيت من البشر |
(الأميني، عبد الحسين أحمد: الغدير، 4 / 326).
المحور الثالث
أمّا المحور الثالث، والأخير، من هذه الدراسة، المتعلّقة بالفاطميّين، فيهتمّ بالأماكن التي كان الفاطميون يقيمون فيها، مراسم عاشوراء ومظاهر الحزن والمأتم.
فمن خلال النصّوص التي مرّت، ونصوص أخرى، سنتوقّف عندها، يمكن إحصاء تلك الأماكن بما يلي - وذل حسب التسلسل التاريخي لإقامة المآتم في القاهرة -:
1) قبر السيدتين كلثوم ونفيسة
مرّ بنا أنّ تاريخ المآتم الحسينية في القاهرة كان سابقاً على وصول الفاطميّين (.. وقد كانت مصر تخلو منهم - الشيعة - في أيام الأخشيدية والكافورية في يوم عاشوراء عند قبر كلثوم وقبر نفيسة)(1) .
وعندما دخل المعزّ الفاطمي إلى القاهرة سنة 363 هجرية استمرت مظاهر العزاء عند قبري السيدتين المذكورتين.
وهذان القبران هما أقدم الأماكن التي كانت تُحيى عندها مراسم عاشوراء..
2 - جامع القاهرة
حيث ورد أنّ المنشدين والنائحين كانوا يتّجهون إلى جامع القاهرة ثمّ ينحدرون منه وهم في حالة إنشاد ونياحة. (وفي يوم
____________________
(1) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط.
عاشوراء يعني من سنة ست تسعين وثلاثمِئة، جرى الأمر فيه على ما يجري كل سنة من تعطيل الأسواق، وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة ونزولهم مجتمعين بالنوح والنشيد)(1) .
وجامع القاهرة هو جامع عمرو بن العاص(2) ويعرف أيضاً بالمسجد العتيق. (تأسس سنة إحدى وعشرين من الهجرة).
3) الجامع الأزهر
لقد أشاد الفاطميون مساجد عدّة في القاهرة. كان أبرزها وأشهرها، هو الجامع الأزهر. حيث شاده جوهر الصقلّي لما اختطّ القاهرة، واكتمل بناؤه سنة إحدى وستين وثلاثمِئة. ويبدو أنّ الخلفاء الفاطميين كانوا يميلون إلى نقل مراسم عاشوراء إلى الجامع الأزهر. دعماً لهذا المسجد الذي أشادوه. وبذلك انتقلت تلك المناحات من المسجد العتيق (القاهرة) إلى الجامع الأزهر(3) .
4) المشهد الحسيني
وهو ما يُعرف اليوم بمسجد سيّدنا الحسينعليهالسلام بالقاهرة، حيث كان لنقل رأس الإمام الحسين من مدينة عسقلان بفلسطين ودفنه هناك في جمادي الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمِئة(4) ، كان ذلك أثر
____________________
(1) المصدر نفسه، 2 / 213.
(2) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القريشي، صحابي ولد بمكة، عام 50 قبل الهجرة، عرف بالدهاء، فتح مصر أيام الخليفة عمر بن الخطاب، وصل إلى الإسكندرية وبنى الفسطاط بمصر. مال إلى جهة معاوية في حرب صفّين، وكان أحد الحكمين فيها، مات سنة 43 هـ. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 5 / 79).
(3) ابن تغري بردي، يوسف: النجوم الزاهرة 5 / 153. وانظر كذلك المقريزي، أحمد بن علي: الخطط، 431.
(4) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 204.
كبير في اشتداد مظاهر الحزن يوم عاشوراء، وكان من الطبيعي جداً أنْ تنتقل مراسم عاشوراء ومناحاتها إلى الموضع الذي دفن فيه الرأس الشريف. (وقد ناقشنا موضوع ما قيل من انتقال رأس الحسين من عسقلان، ومها إلى القاهرة، ص126، الهامش 4).
(فإذا كان يوم عاشوراء من المحرّم، احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار، ركب قاضي القضاة والشهود، وقد غيّروا زيّهم، ولبسوا قماش الحزن، ثمّ صاروا إلى المشهد الحسيني بالقاهرة. وكان قبل ذلك يعمل المأتم بالجامع الأزهر)(1) ، ثمّ برزت ظاهرة الذبائح عند هذا المشهد؛
(وكانا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر، الإبل والبقر والغنم، ويكثرون النوح والبكاء، ويسبّون من قتل الحسين ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولته)(2) .
فالنصّ الأول أعلاه: يوضّح أنّ مراسم عاشوراء، انتقلت من الجامع الأزهر إلى المشهد الحسيني. بعد انتقالها من جامع الأزهر في أوائل الحكم الفاطمي.
5) التربة الجيوشيّة:
حيث انتقلت بعض ممارسات الحزن والنياحة، في بعض السنين، إلى التربة الجيوشية، بأمر بعض القوّاد، (في ليلة عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمِئة اعتم الأجل الوزير المأمون على السنة الأفضلية، من المضي إلى التربة الجيوشية وحضور جميع المتصدّرين
____________________
(1) ابن تغري بردي، يوسف: النجوم الزاهرة، 5 / 153.
(2) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 204.
الوعاظ وقرّاء القرآن إلى آخر الليل)(1) .
والتربة هي المقبرة، ويبدو أنّها مقبرة للجيوش وكبار العسكر.
6) قصور الخلفاء:
حيث مرّ بنا سابقاً في المحور الثاني، عن كيفية إحياء عاشوراء، أنّ المنشدين والنائحين بعدما يحضرون ثلاث ساعات، في الجامع ينحدرون إلى الخليفة. حيث يقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضاً(2) ثمّ يهيّأ سماط عاشوراء، عند الظهر ويدخل الناس للطعام.
7) الحسينية:
يمكن أنْ نقول، أنّ أهم تطوّر جرى على المأتم الحسيني، من حيث الأمكنة التي يقام فيها، هو إشادة أمكنة خاصة بإقامة المآتم. وهي ما تعرف اليوم (بالحسينية)، التي تنتشر في الأقاليم الشيعية في العالم. وسنأتي على تفصيل ذلك، في الفصل الرابع من هذا البحث، حين الحديث عن الأماكن، التي يقام فيها المنبر الحسيني في العصر الحالي.
إنّ أوّل بناء شيّد كي يكون مخصّصاً لإقامة المآتم ومجالس العزاء كان في أيام الفاطميّين بمصر.
إذ (كان من أهمّ ما تميّزت به القاهرة في عهد الفاطميّين (الحسينية) وهو بناء كان الفاطميون يقيمون في كل عام، ذكرى مقتل
____________________
(1) المصدر نفسه، 2 / 213.
(2) تغري بردي، يوسف: النجوم الزاهرة 5 / 153، 154. المقريزي، أحمد بن علي: الخطط، 2 / 212.
الشهيد الحسين، في موقعة كربلاء)(1) .
هذا وقد ذك المقريزي في خططه، حينما تعرّض إلى حارات القاهرة، أنّ هناك حارة باسم (الحسينيّة) وقد ذكرها فيها بناءً ضخماً(2) . ولكن دون أنْ يربط ذلك بإقامة المآتم الحسينيّة.
وبنهاية هذا المحور، وهو الثالث، من هذا المبحث نكون قد شارفنا على نهاية المبحث الثاني من هذه الدراسة.
وإكمالاً للفائدة، ارتأيت أنْ أجري مقارنة بين مظاهر الحزن والمآتم، التي كانت تقام في بغداد أيام البويهيين، وبين ما كان منهما في القاهرة أيام الفاطميّين.
نقاط الاتفاق والاختلاف بين البويهيين والفاطميين فيما يتعلّق بالمآتم الحسينية
1 - تأخُّر البويهيّين، فيما يتعلّق بالإعلان عن مراسم عاشوراء ومآتمهما، فقد دخل أحمد بن بويه، (معزّ الدولة)، إلى بغداد، سنة 334 هـ بينما أصدر أوامره بالحداد العام في بغداد في سنة 352 هـ. أمّا المعزّ الدين الله الفاطمي، فقد دخل القاهرة في شهر رمضان 362 هجرية، وعبد أربعة أشهر جاء شهر المحرّم 363 هجرية. فاشتدت مظاهر الحزن، حينما انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم إلى مشهدَي السيدتين كلثم ونفيسة.
2 - سبق أنْ أثرنا تساؤلاً حول موقف البويهيّين من مراسم العزاء والحِداد، في هل أنّهم أمروا بإقامة هذه المآتم على الحسين في البلدان
____________________
(1) علي، سيد أمير: مختصر تاريخ العرب - ص499.
(2) المقريزي، أحمد بن علي: الخطط 2 / 409.
التي كانت تحت سيطرتهم في بلاد إيران وبل وصولهم إلى بغداد، أم لا؟ حيث لم تذكر المصادر التاريخيّة أيّ شيء عن هذا الأمر. وكذلك نتساءل هنا: هل أنّ الفاطميّين أقاموا تلك المآتم في المغرب، قبل وصولهم إلى القاهرة؟ والإجابة هي ذاتها، حيث لم تذكر لنا المصادر التاريخية شيئاً عن ذلك. ولقد مرّ بنا النصّ التالي: (في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة وهو يوم غدير خم، تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء فأعجب المعزّ ذلك) وتعجّب المعزّ هنا قد يعني أنّه لم يشاهد إحياء هذه المناسبة من قبل، ولعلّ هذا هو الذي شجّعه، على تأييد ما كان يفعله الشيعة بمصر أيام عاشوراء. ولهذا يمكن لنا أنْ نقول: إنّ الفاطميّين قد وجدوا أرضيةً للمآتم الحسينية في القاهرة - كما وجدها نظراؤهم البويهيون في بغداد.
3 - في بغداد(1) ، كانت مظاهر النياحة والعزاء، تقام في الشوارع والبيوت، ثمّ تطوّر الأمر إلى إحيائها عند مشهد الإمامين موسى بن جعفر الكاظم ومحمد بن علي الجوادعليهالسلام في شمال بغداد. أمّا في القاهرة فإنّ مظاهر العزاء كانت تتّجه قبل الفاطميّين إلى مشهدي السيدتين كلثوم ونفيسة، ثمّ إلى مساجد القاهرة والأزهر ومشهد الإمام الحسينعليهالسلام ، أيام الفاطميّين. وما تزال المراقد المقدّسة سواء في العراق أم إيران تستقطب أضخم مظاهر العزاء الحسيني وتكون عندها أكبر التجمّعات والمآتم.
4 - مما يّميّز إقامة العزاء في القاهرة، مشاركة الخليفة الفاطمي، إضافة إلى أركان الدولة، حينما تبدو المآتم وكأنّها مراسم رسميّة للدولة حتى إنّها تقام في قصور الخلفاء الفاطميين. بينما لم تنقل
____________________
(1) البحث هنا عن مظاهر العزاء في بغداد أيام البويهيين، أمّا عموم العراق وخاصة كربلاء (100 كم جنوب غرب بغداد) فإنّها كانت تضمّ تجمّعات الزائرين ومجالس العزاء في وقت مبكر جداً، راجع ص47.
المصادر التاريخيّة مثل ذلك أو حتى أقل منه في بغداد أيام البويهيين، بل كانت المظاهر في بغداد تبدو شعبية إلى حدٍ كبير. أو في بيوت بعض وجهاء بغداد (الرؤساء)، راجع ص53.
5 - بيّنتْ المصادر التاريخية تفصيلات للأعراف والأساليب والتقاليد، التي كانت تُحيى فيها مراسم عزاء يوم عاشوراء بالقاهرة، وكيف يجلس الخليفة والوزير وقاضي القضاة وغيرهم وبيان وصف سماط عاشوراء، وخروج المنشدين، وتفصيلات أخرى كمراسيم احتفالية خاصة. بينما كانت أساليب إحيائها في بغداد مجملة غير واضحة التفاصيل.
6 - كانت الفتن الطائفية في بغداد تصاحب أيام الحداد في عاشوراء، في سنين عديدة. بحيث صارت تلك الفتن ملازمة لأيام عاشوراء، بشكل يكاد يكون سنويّاً، وقد يؤدّي إلى حوادث مؤسفة. بينما لم تنقل مصادر التاريخ أي فتنة طائفيّة في مصر أيام الفاطميّين، إلاّ بعض حالات التشنّج التي كانت ستؤدّي إلى فتنة، لولا تدخّل رجال الدولة، في سنة 363 هـ، ثمّ لم يشار إلى أي إشكالٍ أو توتّر طائفي، حتى نهاية الدولة الفاطمية.
7 - حدث تطوّر مهم في مؤسّسة المأتم الحسيني في القاهرة، عبر إنشاء بناء خاص بإقامة المآتم الحسينية، وأطلق عليها اسم (الحسينيّة). بينما لم يذكر التاريخ شيئاً من ذلك في بغداد. نعم تنتشر الآن مئات الحسينيّات في بغداد، ولا أحسب أنّ هناك بناءً يعرف بالحسينية في القاهرة حاليّاً.
8 - كان البويهيون، قد أصدروا أوامرهم في إقامة العزاء، وخروج مواكب النياحة في بغداد، في أيام عاشوراء. ولم يثبت أنّهم وسّعوها إلى أكثر من ذلك، في حين نجد إنّ بعض الخلفاء الفاطميّين (وهو الحاكم بأمر الله) قد أصدر أوامره، بالإعلان عن تعطيل دوائر
الدولة، وبعض الحوانيت، اعتباراً من اليوم السابع من المحرّم، وكان هذا سنة 404 هجرية.
9 - بروز المنشدين والنائحين، وقرّاء الشعر الرثائي في الدولة الفاطمية، كان أوضح في مراسم عاشوراء، من تلك التي كانت تقام في بغداد، حيث جاء وصف كيفيّة خروج المنشدين، بشكل جماعي من المساجد إلى قصور الخلفاء الفاطميّين. وكما مرّ بنا، أنّ قاضي القضاة قد أمر المنشدين بعدم التكسّب بالنياحة، وأنْ لا يثقلوا على الناس، في هذا الأمر. وأكّدنا على هذه النقطة بالذات؛ لأنّ المنشدين والنائحين يعتبرون أسلاف ما يعرف الآن بخطباء المنبر الحسيني.
ولعلّ الكثير من نقاط الاختلاف أعلاه، عائد إلى أنّ الفاطميين كانوا خلفاء مطلقي السلطة، بينما كان البويهيون أمراء ضمن الخلافة العباسية وإنْ كانت شكلية.
وبهذه المقارنة، بين مراسم العزاء الحسيني ومواصفاته، في عهدي البويّهيين في بغداد، والفاطميّين في القاهرة، ينتهي تمام حديثنا عن الفصل الثاني، من هذا البحث.
ملحق
نص خطبة الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين، في مسجد دمشق
كما نقلها الموقف بن أحمد الخوارزمي في مقتل الحسينعليهالسلام
ورُوي: أنّ يزيد أمرَ بمنبرٍ وخطيب، ليذكر للناس مساوئ للحسين وأبيه عليّعليهالسلام ، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وأكثر الوقيعة في عليّ والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد، فصاح به عليّ بن الحسين:
(ويلك، أيّها الخاطب! اشتريت رضا المخلوق بسخَط الخالق؟ فتبوّأ مقعدك من النار).
ثمّ قال: (يا يزيد! ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلّم بكلمات فيهن لله رضا، ولهؤلاء الجالسين أجرٌ وثواب)، فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! ائذن له ليصعد، فلعلّنا نسمع منه شيئاً، فقال لهم: إنْ صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: وما قدر ما يُحسِن هذا؟ فقال: إنّه من أهل بيتٍ قد زُقّوا العِلم زقّاً، ولم يزالوا به حتى أذِن له بالصعود، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ خطب خطبةً أبكى منها العيون؛ وأوجلّ منها القلوب، فقال فيها:
(أيّها الناس! أُعطينا ستّاً، وفُضّلنا بسبع: أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبّة في قلوب المؤمنين، وفضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة، وسيّد شباب أهل الجنّة، فمن عرفَني فقد عرفّني، ومَن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي: أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزمَ والصفا، أنا ابن مَن حمَل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى، أنا ابن خير مَن انتعل واحتفى، أنا ابن خير مَن طاف
وسعى، أنا ابن خير مَن حجّ ولبّى، أنا ابن مَن حُمِل على البراق في الهوا، أنا ابن مَن أُسرِي به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان مَن أسرى، أنا ابن من بلغَ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن مَن دنا فتدلّى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السما، أنا ابن مَن أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن مَن ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا: لا إله إلاّ الله، أنا ابن مَن ضرب بين يدَي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وصلّى إلى القبلتين، وقاتل ببدرٍ وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.
أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيّين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، ورسول ربّ العالمين، أنا ابن المؤيّد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر مَن مشى من قريش أجمعين، وأوّل مَن أجاب واستجاب لله من المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبير المشركين، وسهمٌ مِن مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، ناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علم الله، سمِحٌ سخي، بهلولٌ زكي أبطحي رضي مرضي، مقدامٌ همام، صابر صوّام، مهذّب قوّام، شجاع قُمقام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم جناناً، وأطبقهم عناناً، وأجرأهم لساناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة، أسدٌ باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب - إذا ازدلفت الأسنّة، وقَرُبت الأعنّة - طحن الرحى، ويذروهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز؛ وصاحب الإعجاز؛ وكبش العراق، الإمام بالنصّ والاستحقاق مكّيٌّ مدنيّ، أبطحيٌّ تهاميّ، خيفيّ عقبيّ، بدريٌّ أحديّ، شجريٌّ مهاجري، من
العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين، الحسن والحسين، مُظهِر العجائب، ومفرّق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كلّ طالب، غالب كلّ غالب، ذاك جدّي عليّ بن أبي طالب.
أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول).
قال: ولم يزل يقول:(أنا أنا) حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أنْ تكون فتنة، فأمرَ المؤذّن: أنْ يؤذن، فقطع عليه الكلام وسكت، فلمّا قال المؤذن: الله أكبر! قال علي بن الحسين:
(كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا يُدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله)، فلمّا قال: أشهد أنّ لا إله إلاّ الله! قال علي:
(شهد بها شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومخّي وعظمي)، فلمّا قال: أشهدُ أنّ محمداً رسول الله! التفت عليٌّ من أعلى المنبر إلى يزيد، وقال: (يا يزيد! محمد هذا جدّي أم جدك؟ فإنْ زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإنْ قلت: أنّه جدي فلِمَ قتلت عترته؟)
قال: وفرغ المؤذّن من الأذان والإقامة، فتقدّم يزيد وصلّى صلاة الظهر.
(الخوارزمي، الموفّق بن أحمد: مقتل الحسين 2 / 76 - 78).
الفصل الثالث:
مراحل تطوّر المنبر الحسيني
تمهيد
لقد شهد المنبر الحسيني تطوّراً كبيراً، على صعيدي الشكل والمضمون. فمن يقف عند نصّ من النصوص، التي جاءت في الفصل الثاني، من هذا البحث، وهي تنقل كيف كان يفد شاعرٌ أو منشدٌ، إلى إمام من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، وكيف كان يتفاعل معه الحاضرون القليلون آنذاك، باللّوعة والأسى، ثمّ يحضر - في هذه الأيام - مجلساً حسينياً، لأحد خطباء المنبر الحسيني المبرّزين، مبتدءاً محاضرته بنصٍ قرآني، أو حديث شريف، ثمّ ينتقل إلى فنونٍ عدّة، من علم الرجال والتفسير والأخلاق والعقائد، وهو يطعّم محاضراته، بشواهد من الأدب والتاريخ، وأرقام علمية، ثمّ يتخلّص من كل هذه المواضيع المتنوّعة، بأسلوبٍ فنّي دقيق، حيث لا يشعر المستمع، إلاّ وقد دخل في أجواء الحزن والبكاء، على الإمام الحسينعليهالسلام ، في نهاية المحاضرة(1) ، ومع جمهورٍ كبيرٍ من الحاضرين.
إنّ مَن يقارن بين هاتين الصورتين، سوف يدرك، بلا ريب، مدى التطوّر الكبير الذي طرأ على المنبر الحسيني، وأداء خطبائه، وما ينتظره جمهور المنبر منه. (سيأتي تفصيل مواصفات المنبر الحسيني في عصرنا الحالي في الفصل الرابع، إنْ شاء الله تعالى).
____________________
(1) سيأتي بيان فقرات خطبة المنبر الحسيني، في موضوع (هيكليّة المنبر الحسيني) من الفصل القادم.
ولكي نواكب مسيرة التطوّر هذه - ولو عبر المفاصل الأساسية - لا بدّ أنْ نتابع وندرس، الأدوار أو المراحل التي مرّ بها المنبر الحسيني.
وخلال متابعتي لموضوع مراحل التطوّر هذه، وجدت أنّ هناك ثلاثة آراء هي:
1 - رأي طرحه الشيخ محمد مهدي شمس الدين(1) ، في كتابه (ثورة الحسن في الوجدان الشعبي) ويكاد يكون هذا الكتاب، أول من أثار هذا الموضوع، وبحثه. - حسب اطلاعي -.
2 - رأي ثانٍ، للخطيب داخل السيد حسن(2) ، في مدخل المجلّد الأوّل، من موسوعته (معجم الخطباء).
3 - رأي ثالث، لمركز دراسات الإمام الحسين في لندن، في مجلد (معجم خطباء المنبر الحسيني)، ضمن موسوعة (دائرة المعارف
____________________
(1) الشيخ محمد مهدي ابن عبد الكريم الحارثي الهمداني العاملي، عالم فقيه ومفكّر ومؤلّف إسلامي بارز، ولد في النجف الأشرف سنة 1931م. أنهى المقدمات الدراسية وحضور الدروس العليا، على أكابر العلماء والمجتهدين. هاجر إلى لبنان سنة 1969م، وعُيّن نائباً لرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ثمّ رئيساً له عام 1993م. حاضر وشارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات الدينية والفكريّة. (توفّي في بيروت سنة 2001) من آثاره: بين الجاهلية والإسلام، دراسات في نهج البلاغة، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية، ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، العلمانيّة... وآثار أخرى. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف 2 / 757).
(2) السيد داخل السيد حسن الخضري: ولد في مدينة الخضر التابعة لمحافظة المثنى (جنوب العراق) عام 1952، وهاجر إلى النجف الأشرف للدراسة الدينية عام 1967م. انخرط في صفوف طلبة العلوم الدينية، وكان يمارس الخطابة الحسينية، من خطباء المنبر الحسيني المعروفين المعاصرين، من مؤلّفاته: من لا يحضره الخطيب، أدب المنبر الحسيني، ومعجم الخطباء. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص184).
الحسينية)، والتي صدر منها أكثر من عشرين مجلّداً حتى الآن.
وذلك حسب التسلسل التاريخي لصدور هذه الآراء فالأوّل سنة 1980م، والثاني سنة 1996م، والثالث في سنة 1999م.
فبالنسبة للرأي الأوّل، فقد ذكر الشيخ محمد شمس الدين، ثلاثة أدوار لهذا التطوّر وهي:
الدول الأول: من سنة 61 للهجرة إلى سقوط بغداد على يد هولاكو(1) سنة 654 هـ أو قبل ذلك بقليل.
الدور الثاني: من سقوط بغداد، وما تلته من قرون التخلّف، حتى عصر النهضة الحديث.
الدور الثالث: من بدايات العصر الحديث إلى الآن(2) .
أمّا بالنسبة للرأي الثاني، فقد أشار السيد داخل السيد حسن، إلى ثلاثة أدوار كالآتي:
الدور الأول: المآتم التي أقامها أهل البيت، أثناء رحلة السبا، في كربلاء والكوفة ودمشق والمدينة.
الدور الثاني: أدب الرثاء والفن والقصص، حيث كان يفد الشعراء، على أئمّة أهل البيت، وبروز القصّاصين.
الدور الثالث: تلخيص النشاطات الحسينية المختلفة في المجلس
____________________
(1) هولاكو: وهو حفيد جنكيز خان، ولد في سنة 1217م. فاتح مغولي، ومؤسّس دولة المغول الايلخانية في إيران. وصل بغداد وقتل آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله عام 1258م واحتلّ سورية ثمّ عاد إلى إيران. مات سنة 1265م. (1661 هـ) (معلوف، لويس: المنجد 2 / 734).
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص249.
الحسيني الحالي(1) .
في حين أنّ مركز دراسات الإمام الحسينعليهالسلام ، في لندن، وسّع هذه الأدوار في مجلّد (معجم خطباء المنبر الحسيني) ليجعل مراحل التطوّر، تمتدّ إلى سبع مراحل(2) ، سنذكرها عند مناقشة هذا الرأي. حيث تجمع المرحلة الأولى، الدورين الأوّل والثاني، اللذين ذكرهما الرأي الثاني أعلاه. فيما يذكر خمس مراحل، للفترة الانتقالية، منذ نهاية فترة أئمّة أهل البيت، حتى العصر الحديث، ومعه مرحلة المستقبل.
المبحث الأوّل: الراء في مراحل تطورّ المنبر الحسيني
سنحاول مناقشة الآراء الثلاثة الواردة أعلاه، واستخلاص ما نراه الأدق من هذه التقسيمات.
الرأي الأوّل ومناقشته
لقد اعتمد هذا الرأي، على مصدرين، في متابعة الأدوار التي مرّ بها المنبر الحسيني، وهما كتب المقتل، والشعر الرثائي. واعتبر المصدر الأوّل، مصدراً أساسياً، فيما اعتبر المصدر الثاني (الشعر) مصدراً ثانوياً. وما اعتمده الشيخ محمد مهدي شمس الدين، صاحب هذا الرأي، بيّنهُ بأنّ (الذي حملنا على اعتبار كتب المقتل، مصدراً أساسياً لهذا البحث، هو ما نعلمه من أنّ المؤلّفين الشيعة، قد كتبوا كثيراً في مقتل الحسينعليهالسلام .
____________________
(1) السيد حسن، داخل: معجم الخطباء: 1 / 41 - 46 (اقتصرنا على نقل عناوين الأدوار).
(2) مركز دراسات الإمام الحسين، معجم خطباء المنبر الحسيني، ص37 - 77.
وإذا كان البعض منهم، قد كتب في هذا الموضوع، استجابة لحافز علمي محض، فإنّنا نقدّر أنّ هذا الفريق من المؤلّفين في هذا الموضوع نادرٌ وقليل، ولا شك أنّ أكثر المؤلّفين قد كتبوا، استجابة لحافزين متكاملين:
أحدهما: حافز التقوى الدينيّة، والولاء العاطفي لأهل البيت. ثانيهما: تلبيةً لحاجة الجماهير إلى مادّة مكتوبة، مبرمجة، لمقتل الحسين، لاستعمالها في التجمّعات، والمجالس، التي تُعقد في العصور التي دوّنت فيها. إذ أنّها بلا شك مرآة للنظرة العامّة إلى المأتم، ومحتواه الثقافي، والعناصر المكونة لهذا المحتوى)(1) .
أمّا بالنسبة لما اعتبره مصدراً مساعداً فإنّه يقول عنه:
(وأمّا المصدر المساعد، فهو شعر الرثاء الحسيني، في مختلف العصور الإسلامية. حيث إنّه يعكس - من بعض الجهات - حالة المآتم في عصره. وإنْ كان يفقد الدقّة النسبيّة في تصوير واقع المأتم الحسيني؛ لأنّ العامل الشخصي والذاتي فيه، يغلب على الجانب الموضوعي، الذي يفترض أنّه سمة الكتابة النثرية في كتب المقتل)(2) .
إنّ ما ذكره الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في اعتماده على كتب المقتل والشعر الرثائي، حيث يعتبران المصدران اللّذان يكاد ينحصر البحث فيهما، بالنسبة لهذا الموضوع. إذ لم يكتب أحد من القدامى، في مسألة تطوّر المنبر، أو يرصد حركته في بحث أو كتاب مستقل، بل لا بد للباحث اليوم، أنْ يتابع كتب الأدب، والتراجم، وغيرها، علّه يحصل على ما يعينه على هذا البحث.
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص250 - 251.
(2) المصدر نفسه، ص273.
ثمّ يذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أسماء المصادر التي اعتمدها من كتب المقتل وهي:
(1 - مقتل الحسين، لأبي مخنف لوط بن يحيى(1) ، وهو النصّ الموجود، في تاريخ محمد بن جرير الطبري(2) .
2 - مقاتل الطالبين: لأبي الفرج الأصفهاني (توفّي سنة 356).
3 - وآيات ابن أعثم(3) أبي محمد أحمد (توفّي سنة 314) المنقولة في مقتل الحسين للخوارزمي.
4 - كتاب الإرشاد، للشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي(4) (توفّي 413 للهجرة).
5 - مقتل الحسين للخوارزمي(5)(6) .
____________________
(1) لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف، يُعرَف بأبي مخنف، وجدّه مخنف بن سليم، صحابي شهد الجمل مع الإمام علي وكان يحمل راية الأزد وقتل فيها 36 هـ من أقدم مؤرّخي العرب ومحدّثيهم، له رسائل عن حوادث القرن الأول الهجري، احتفظ الطبري بالكثير منها في تاريخه، توفّي سنة 157 هـ. (القمّي، عباس: الكنى والألقاب 1 / 155).
(2) محمد بن جرير الطبري، أبو يعقوب، مؤرّخ موسوعي، مفسّر ومحدّث، ولد في آمل بطبرستان، تنقّل بين إيران والعراق والشام ومصر، أقام أخيراً في بغداد حيث توفّي سنة 310 هـ له مذهب في الفقه، وله عدّة آثار، أشهرها كتابُه: تاريخ الأمم والملوك، (معروف، لويس، المنجد، الأعلام، ص434).
(3) أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي، المؤرّخ، له كتاب الفتوح، معروف ذكر فيه إلى أيام الرشيد، وله كتاب التاريخ إلى أيام المقتدر. توفّي سنة 314 هـ (القمّي، عباس: الكنى والألقاب، 1 / 215).
(4) محمد بن النعمان البغدادي، أبو عبد الله، فقيه، توفّي في 28 رمضان 413 هـ / 1022 وكان قد ولد في 338 هـ / 949 م من آثاره: كتاب أوائل المقالات في المذاهب والمختارات. (كحالة، عمر رضا: معجم المؤلّفين 12 / 80).
(5) أبو بكر محمد بن أحمد الخوارزمي، من أهل خراسان، شاعر عالم من أئمّة الكتّاب، ثقة في اللغة ومعرفة الأنساب، اتصل الوزير العتبي، توفّي في نيسابور سنة 1997م - 387 هـ له كتاب (مفاتيح العلوم) ويُعَد من أقدم ما صنّفه العرب على الطريقة الموسوعية. (الزركلي، خير الدين: الأعلام، 5 / 312).
(6) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص289.
والملاحظ، أنّ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لم يستفد من هذه المقاتل في الدور الأول، من أدوار المأتم الحسيني، كما لم يستفد منها كذلك في الدور الثالث. وهو يعلّق على عدم استفادته من المقاتل، التي كتبت في الدور الثالث، بقوله: (إنّ كتب المقتل التي كتبت في هذا الدور، لم تعد تصلح أنْ تصبح مصدراً لرصد التغيرات الشكليّة والنوعيّة، التي دخلت على المأتم الحسيني، في هذا الدور، إلاّ في حدود ضيّقة. فن المأتم ذات طبيعة، تختلف اختلافاً أساسياً، عن كتب المقتل فهذه الكتب مختصّة بحكاية قصّة الواقعة. وسنرى أنّ التغيّرات جعلت المأتم يتجاوز قصّة الواقعة إلى أغراض ومضامين أخرى)(1) .
أقول: وأودّ هنا أنْ أناقش ما أورده الشيخ شمس الدين، حينما اعتبر كتب المقتل، كمصدر أساسي في معرفة أدوار المنبر الحسيني، حيث إنّه لم يبيّن الفرق بين الكتب، التي أوردت قصّة واقعة كربلاء وأحداثها، وهي التي تعرف بكتب المقتل، وبين تلك الكتب التي أُلّفت على شكل موضوعات تُتلى، في المآتم الحسينية، تشتمل الموعظة، وأبيات العشر الرثائي، إضافة إلى ذكرها، بعضاً من تاريخ واقعة كربلاء.
فكتاب المقتل اليوم، هو كتاب المقتل نفسه قبل ألف سنة أو يزيد؛ لأنّ موضوعه واحد؛ وهو تسجيل واقعة كربلاء وأحداثها. وعلى هذا فإنّي أرى أنّ الاعتماد على كتب المقتل، بما هي كتب، جاءت لتسجيل أحداث كربلاء، لا تُعيننا على موضوعنا. نعم إنّما يفي بالغرض هنا، ما كُتب من مؤلّفات، على شكل مجالس، وموضوعات تتلى في المآتم، التي تقام أيام عاشوراء وغيرها. وهو ما وفّق إليه الشيخ شمس الدين، حينما اعتمد على كتاب المنتخب، للشيخ فخر
____________________
(1) المصدر نفسه، ص289.
الدين الطريحي النجفي(1) ، الذي أُلّف لغرض تلاوته كمجالس.
وأمّا كتاب مثير الأحزان، لابن نما الحلّي(2) فلم يكن كتاب مجالس حسينية ككتاب الطريحي، وإنّما كان كتاب مقتل، من ثلاثة أجزاء؛ في الأحداث قبل كربلاء، ثمّ أحداث يوم عاشوراء، وأخيراً الحوادث المتأخّرة عن القتل، وهي نفس الأجزاء في كتاب(اللهوف في قتلى الطفوف) وهو كتاب مقتل، ولكن المؤلّف وهو السيد ابن طاووس الحلّي(3) قد وضع له مقدّمة حزينة وختمه بأخرى، ولمّا أراد الشيخ شمس الدين، الاستشهاد بهذا الكتاب، فقد جاء موضعُه من خاتمة المؤلّف، ولم يورد شيئاً من نفس نصّ المقتل، للسبب الذي قلناه من أنّ كتب المقتل بحدّ ذاتها، هي تاريخ أحداث جرت ليس إلاّ.
ولهذا السبب أيضاً، لم يتمكّن الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله، من الاستفادة مِن كتب المقتل بما هي كتب مقتل،
____________________
(1) هو الشيخ فخر الدين بن محمد علي الطريحي، ولد في النجف عام 979 للهجرة وتوفّي عام 1085 للهجرة، من آثاره: تفسير غريب القرآن، مجمع البحرين، جواهر المطالب، والمنتخب، وكتاب المنتخب مؤلّف من جزئين، في كل جزء عشرة مجالس، وقد خُصّص كل مجلس ليلةٍ من ليالي العشرة الأولى، من شهر محرّم الحرام. أقول ولا يزال هذا الكتاب معتمداً في مآتم منطقة الخليج إلى الآن. وعادة ما يُتلى شيء منه قبل أنْ يترقّي خطيب المنبر الحسيني المنبر. (القمّي، عباس: الكنى والألقاب، 2 / 448) (الكرباسي، محمد صادق: معجم الخطباء المنبر الحسيني ص60).
(2) الشيخ جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله الحلّي، المتوفّي سنة 680 للهجرة من مشايخ العلامة الحلّي من آثاره: قرّة العين في أخذ ثأر الحسين، ومثير الأحزان، وهو مؤلّف من ثلاثة فصول. (القمّي، عباس: الكنى والألقاب 1 / 442).
(3) هو السيد رضي الدين علي ابن موسى بن جعفر ابن محمد بن طاووس الحسيني الحلي، ولد سنة 589 هجرية في مدينة الحلة في وسط العراق. درس في بغداد والنجف وتولّى نقابة الطالبين عام 661، توفّي سنة 664 هجرية. من آثاره: إغاثة الداعي، الإقبال لصالح الأعمال، الدروس الوفيّة. وغيرها ومنها: كتاب اللّهوف في قتلى الطفوف؛ من مقدمةٍ وثلاثة فصول وخاتمة. (القمّي، عباس؛ الكنى والألقاب، 1 / 3392).
والتي ذكرها آنفاً مثل: مقتل أبي مخنف، ومقتل الخوارزمي، ومقاتل الطالبيين، وما ذكره الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد من مقتل الحسين.
إنّ العرف الشيعيّ اليوم، يميّز بين كتب المقتل، وكتب المجالس الحسينية. حيث تهتم الأولى بتاريخ أحداث كربلاء، فيما تهتم الثانيّة، بإعداد مجالس ومحاضرات، تتناول شؤوناً مختلفة. إلاّ أنّها صيغت على شكل خاص، بحيث تنتهي بذكر بعض المصائب التي جرت يوم عاشوراء، أو بعده على الحسينعليهالسلام أو أهل بيته.
وأمّا بالنسبة للمصدر الثاني، الذي اعتمده الشيخ شمس الدين، في كتابه (ثورة الحسين في الوجدان الشعبي) - الذي يعتبر فتحاً مهمّاً في المكتبة الحسينية في عصرنا الحالي - وهو الشعر الرثائي، الذي اعتمده كمؤشّر لمدى التطوّر، الذي طرأ على المأتم والمنبر الحسيني عبر مراحلهِ الثلاث، فلي عنده توقّف.
هذا التوقّف مفاده، إنّ الشعر الذي قيل في الإمام الحسينعليهالسلام ، عبر القرون، ومنذ واقعة كربلاء، إنّما يعكس - فيما يعكس - مقدار وعي الأمّة عبر شعرائها، لأبعاد وأهداف ومرامي واقعة كربلاء، فقد كان الشعر بُعَيد الواقعة (ساذجاً في طبيعة الرثاء، ثمّ أخذ في التدرّج الطبيعي، تبعاً للخصائص والإمكانيات التي تظلّه، من الثقافة والزمان والبيئة والمواهب... وكان ذلك بعد مدّة طويلة من حادثة الطف..)(1) .
أمّا مسألة توظيف الشعر الرثائي في المنبر الحسيني، فمسألة تعود - وإلى حدّ كبير - إلى اختيار الراثي أو المنشد، شعراً دون آخر، أو أبياتاً بالخصوص دون غيرها، يجد فيها هذا الراثي، إذكاءً
____________________
(1) نعمة، عبد الله: الأدب في ظل التشيع، ص166.
للعواطف وشدّاً لجماهير المنبر(1) ، وهو ما نراه الآن في خطباء المنبر الحسيني المعاصرين. فمستوى وعي الخطيب، وتذوّقه الأدبي، وأدائه الثقافي، وظروف أخرى كلّها تسهمُ في اختيار القصيدة الشعرية، أو مقاطع منها.
ولهذا لو كانت دراسة الشعر الرثائي، باعتباره مؤشّراً على تطوّر المنبر الحسيني، عبر مراحله، قد اهتمت بالشعر الذي يذكر أثناء المجالس الحسينية، كما أورد ذلك - على سبيل المثال - الشيخ الطريحي في كتابه (المنتخب)، المارّ ذكره، نعم لو كانت الدراسة متابعة، لهذا اللون من الشعر، لكانت الدراسة - حسب اعتقادي - أكثر دقّة حيث ندرس الشعر المستخدم فعلاً في المنبر الحسيني، لا أي شعر رثاء قيل في الإمام الحسينعليهالسلام .
إنّ واقع المنبر الحسيني المعاصر، يمكن أنْ يعيننا على تلمّس واقعة في الأدوار السابقة، حيث نجد اليوم بين أيدينا مساهمات نوعيّة في الأدب والشعر، ولكبار شعراء العصر، في كربلاء وموقف الإمام الحسين، ومع ذلك فإنّ هناك لوناً خاصاً وذوقاً معيّناً لخطباء المنبر الحسيني، في اختيارهم لقصائد الشعراء، التي لها إطلالة أخرى على واقعة كربلاء، إطلالة فيها إشباع للجانب العاطفي، والحماسي بشكل واضح.
نعم إنّ خطيب المنبر الحسيني - بلا شكّ - يراعي الذوق العام
____________________
(1) يعتبر الجانب العاطفي ركناً أساسياً في خطبة المنبر الحسيني على طول المراحل التي مرّبها هذا المنبرفي تطوره.بل ان بدايته كانت عبارة عن قصيدة رثاء تتلى بأسلوب عاطفي
حزين، كما مرّ بنا في وفود بعض الشعراء على بعض أئمّة أهل البيت. وفي عصرنا الحديث، فإنّ ما يميّز الخطبة الدينية العامّة عن خصوص خطبة المنبر الحسيني، هو التعريج آخر الخطبة الثانية على جانب عاطفي وإشباعه بالشعر والرثاء المناسب. (وسيأتي مزيدُ توضيحُ لهذه النقطة في الفصل الرابع في مسألة هيكلية المنبر الحسيني).
في اختيار الشعر الرثائي، ولعلّ هذه المراعاة تسهم في انعكاس الوعي العام - ومستويات مختلفة - على شعر الرثاء المستخدم في المأتم الحسيني.
ومِن هنا يمكن فهم اعتماد الشيخ شمس الدين، على الشعر الرثائي عبر العصور، في رأيه الذي تبقى له أهمّية وأسبقيّته.
الرأي الثاني
هذا كلّه فيما يتعلّق بالرأي الأوّل، الذي أورده الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في بحث أدوار تطوّر المنبر الحسيني. وهناك رأي ثان، أورده الخطيب داخل السيد حسن، حيث قسّم الأدوار إلى ثلاثة: أعتبر الأوّل منها المآتم التي كانت تُعقد أيام السبا، وهي المآتم التي لم نعتبرها في بحثنا هذا، تخضع لبحث المنبر الحسيني؛ لأنّ تلك مآتم، كانت تتجاوب عفويّاً، مع مأساة كربلاء وأحداثها المحزنة، بينما نحن نبحث في المأتم الذي كان يقام، عن قصد تخطيط، بعد انتهاء واقعة كربلاء.
كما أنّ هذا الرأي، لم يتعرض أبداً لفترة الركود التي مرّ بها عموم الوضع المسلم، في الفترات المظلمة، كما لم يتعرّض هذا الرأي، لتأثير الدول الشيعيّة في تطوير المنبر الحسيني وتوسيع دائرته. ولم يحدّد تاريخاً معيّناً لبداية كل دور أو نهايته.
إنّ هذا الرأي أورد بشكل سريع، لم يقصد فيه صاحبه - كما يبدو - التحقيق في المسألة، بل ذكر هذه الأدوار، من أجل توضيح صورة ولو إجماليّة للأدوار، التي مرّ بها المنبر الحسيني.
الرأي الثالث
إنّ الاختصار الواضح في الأدوار التي مرّ بها المنبر الحسيني تاريخياً في الرأي الثاني. نجد خلافه في الرأي الثالث هذا، حيث قد وسع من هذه المراحل، والأدوار لتكون سبعة جاءت كالتالي:
1 - المرحلة الأولى: منذ استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام 61 للهجرة، إلى نهاية الغيبة الصغرى، للإمام الثاني عشر؛ وهو الإمام المهدي المنتظرعليهالسلام (1) ، عام 329 للهجرة. وهي فترة حياة أئمّة أهل البيت. وقُسّمت هذه المرحلة إلى فترتين؛ الأولى تأسيسيّة: حيث كان يتولّى أهل البيت الخطابة بعد واقعة كربلاء، وأثناء رحلة السبا، في الأمصار التي مرّوا بها. والثانية؛ الانتقالية: وهي الفترة التي كان يحثّ أئمّة أهل البيت فيها الشعراء، والمنشدين، وشيعتهم، على إقامة المآتم.
2 - المرحلة الثانية: منذ سنة 329 للهجرة إلى بداية القرن السابع الهجري. وهي الفترة التي شهدت ظهور دول شيعيّة؛ في بغداد، وحلب والقاهرة، حيث شهد المنبر الحسيني تطوّراً كبيراً.
3 - المرحلة الثالثة: منذ أوائل القرن السابع الهجري، إلى نهاية
____________________
(1) يعتقد الشيعة الاثنا عشرية، إنّ الأئمةعليهمالسلام هم اثنا عشر إماماً، أولهم الإمام علي ابن أبي طالب، وآخرهم الإمام المهدي المنتظر وهو، محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. هم يذكرون إنّ الإمام المهدي ولد في سامراء في العراق سنة 255 هجرية، وتولّي الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 260 هجرية. وبقي لقرابة سبعين عاماً يتولّى الأمور عبر أربعة من الوكلاء واحداً تلو الآخر، وتسمّى الغيبة الصغرى ثمّ بدأت الغيبة الكبرى، حيث يتولّى الفقهاء، أمور الناس وتوجيههم، وينتهي دورهم بظهوره في مكّة بين الركن والمقام. (المظفر، محمد رضا: عقائد الإمامية، ص77) (السبحاني، جعفر: الأئمّة الاثنا عشر ص122).
أمّا الشيعة الإسماعيلية والشيعة الزيدية فلا يذهبون إلى ما ذهبت إليه الشيعة الاثنا عشرية في تحديد اسم الإمام المهدي المنتظر فضلاً عن القول بالغيبة الصغرى أو الكبرى.
القرن التاسع الهجري، وهي فترة سقطت فيها الدول الشيعية تلك، واشتدّت فيها الضغوط على الشيعة. ولهذا شهد المنبر الحسيني انحساراً من بعض مناطقه، وتضييقاً في مناطق أخرى.
4 - المرحلة الرابعة: تبدأ بأوائل القرن العاشر الهجري، أو قبله بقليل، وتنتهي تقريباً في القرن الثالث عشر الهجري. وهي مرحلة شهدت بروز خطباء حسينيين، كتبوا كتباً خاصة، تقرأ على المنبر، ممّا أشاع مجالس الوعظ والإرشاد، في المنبر الحسيني.
5 - المرحلة الخامسة: من منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتنتهي بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري، حيث برز فيها خطباء عظام، أحدثوا نقلة نوعيّة في أساليب الطرح على المنبر الحسيني، فحالوا دون انهيار مؤسّسة المنبر الحسيني أمام تطوّر الوسائل الإعلامية الحديثة، مع بداية عصر الاستعمار، والأحداث الساخنة في العالم.
6 - المرحلة السادسة: بعد منتصف القرن الرابع عشر للهجرة، حيث بدأ الاستعمار الغربي، بالجلاء عن الوطن الإسلامي، وبروز تحدّيات كبيرة أمام الإسلام والمسلمين، ممّا حتّم ضرورة بروز خطباء حسينيين كفوئين، يواجهون تحدّيات المرحلة وحاجة الأمّة. وهكذا شهد المنبر الحسيني خطباء كباراً كان لهم الفضل الكبير، في تطوّر المنبر الحسيني ونموّه.
7 - المرحلة السابعة: وهي مرحلة المستقبل وكيفيّة العمل، ليواكب المنبر الحسيني آفاق الغد(1) .
____________________
(1) مركز دراسات الإمام الحسين، معجم خطباء المنبر الحسيني، من ص37 إلى صفحة 77 باختصار وبعض التصرّف.
لقد أكثر هذا الرأي، من الأدوار بشكل واضح، دون بيان الأُسس التي اعتمدها في عملية التطوّر، وجعل - في المرحلة الأولى - المآتم العفوية، والمآتم الهادفة على حدٍّ سواء في هذا الموضوع. وفي هذا الرأي إيجابية مهمة، حين أشار إلى تأثير الدول الشيعية على تطوّر المنبر الحسيني.
المقارنة بين الآراء الثلاثة
لأول وهلة، ونحن نقارن بين هذه التقسيمات، التي أوردتها الآراء الثلاثة المتقدمة، نجد أنّ الرأي الثالث أورد أدواراً ومراحل أكثر ممّا أورده الرأي الأول (مع العلم أنّ الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لم يجعل للمستقبل مرحلة خاصة، ضمن مراحل تطوّر المنبر الحسيني، وإنّما خصّص له فصلاً خاصاً في كتابه). والشيء نفسه يقال عن الأدوار الثلاثة التي أوردها الرأي الثاني.
ولو أردنا المقارنة بين هذه الآراء، وما جاء في كل منها من أدوار ومراحل تطوّر المنبر الحسيني، فسنجد ما يلي:
1 - إنّ الرأي الأول، و هو للشيخ محمد مهدي شمس الدين، يبدو أكثر علمية، حينما ذكر الأدوات والمصادر التي يعتمدها، في ملاحقة مسألة تطوّر المنبر الحسيني، وهي كتب المقتل والشعر الرثائي، كما بيّن سابقاً. في حين أنّ الرأيين الثاني والثالث، أهملا ولم يوضّحا الأسس، التي اعتمدا عليها في بيان المراحل والأدوار.
2 - وظّف الرأي الأول، نصوصاً من كتب المقاتل، والكتب التي كانت متداولة، في فترات زمنية، ومقاطع شعرية، ضمن الأدوار التي يذكرها. فيما لم يذكر الرأي الثاني أو الثالث نصوصاً تُعيّن على بيان مراحلهما تلك.
3 - جاءت دراسة الشيخ شمس الدين متأنّية، فيما جاءت الدراستان الأخريان سريعتان وأكثر استرسالاً.
وقد يكون ذلك عائداً إلى أنّ رأي الشيخ شمس الدين، جاء ضمن بحث يهدف إلى دراسة المأتم الحسيني فيما كان الرأيان الآخران ضمن موضوع عامّ، لم يُقصد فيه التتبع والبحث.
4 - أحسب أنّ الرأي الثالث، كان موفّقاً حينما أكّد على مرحلة بروز الدول الشيعيّة، وتأثيرها الإيجابي على تطوّر المنبر الحسيني واتّساعه. وهو الأمر الذي أغفله الرأي الأول، وكذلك فعل الرأي الثاني.
5 - إنّ المرحلتين اللّتين تمّ الاتفاق عليهما، ضمن هذه الآراء الثلاثة، هما: المرحلة الأولى؛ والتي كانت بعد واقعة كربلاء، وضمن حياة أئمّة أهل البيت، وتوجيهاتهم لشيعتهم، بإقامة المآتم وإحياء أيام عاشوراء.
وأمّا الثانية، فهي المرحلة الأخيرة (الثالثة ضمن تقسيم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وما أورده معجم الخطباء، والسادسة، ضمن تقسيمات مركز الدراسات الحسينيّة)، وهي المرحلة التي تناولت، بداية العصر الحديث، وعودة الوعي إلى الأمة الإسلامية، والتي لا تزال تمتد إلى زمننا الحاضر.
وأرى أنّ كل دراسة، تريد البحث في متابعة الأدوار، والمراحل، التي مرّ بها المنبر الحسيني، سوف توافق الآراء الثلاثة، على المرحلتين الأولى والأخيرة، ولكن الاختلاف في وجهات النظر، ومعرفة الأدوار، تأتي في الزمن الممتد بين هاتين المرحلتين.
ولا أعتقد، أنّي أُجانب الحقيقة، إذا ما قلت: إنّ الأساس الذي يُعتمد في مسالة تطوّر المنبر الحسيني، هو مقدار الوعي، الذي يسود الأمّة، في أي مرحلة من مراحلها. فالمنبر الحسيني، هو ظاهرة دينيّة اجتماعية، على حدّ سَواء، وإنّ حالة الوعي، سوف تترك أثرها
واضحاً، على هذه الظاهرة، في نوعية التطوّر، ومستوى أداء المنبر، وسعة المساحة التي يتناولها في امتداداته.
ولتوضيح المسألة؛ يمكن لنا أنْ نستعين بمنبر الجمعة، وتطوّر الموضوعات، والأبحاث والاهتمامات، التي يتناولها خطيب الجمعة. إذ لا شك ولا ريب، أنّ منبر الجمعة في أيام الإسلام الأولى، وارتباط المسلمين الشديد والواعي بدينهم، كان منبراً حيّاً فاعلاً في الأمّة.. ومع شيوع حالة الضمور في وعي الأمّة، ودخولها في عصور الظلام والتخلّف، فإنّ منبر الجمعة لم يكن إلاّ متأثّراً بتلك الظروف والأحوال. ولهذا فإنّنا نلمس اليوم مع عودة الوعي والصحوة الإسلامية المباركة، كيف عاد منبر الجمعة، منبراً فاعلاً، ينتظر الناس من خطيبه، أنْ يكون بمستوى من الوعي، والطرح، يتناسب وهموم الناس، وآمالهم وآلامهم على حدٍّ سواء.
فوعي الأمّة، ومستوى فهمها، وتفقّهها في دينها، أمور أساسيّة، تؤثّر على مستوى أداء منبر الجمعة.
وهذا ما ينطبق كذلك على المنبر الحسيني ومستوى عطائه، ضمن الدوائر التي ينشط فيها. وكملاحظة واقعيّة، فإنّ المنبر يختلف في زمنٍ واحدٍ، وضمن المرحلة الواحدة بين مكان وآخر ومنطقة وثانية، حسب مستوى الوعي، والأرضية الثقافيّة والتعليميّة.
فالمنبر الحسيني اليوم، لا يختص بأداء واحد، في كل الأقاليم والمناطق. فهو في العواصم، أو مهاجر المسلمين في العالم الغربي، حيث المستوى الثقافي المرتفع، غير المنبر، في المناطق الريفيّة أو ذات الحظ الثقافي المتواضع(1) .
____________________
(1) ستتضح هذه النقطة أكثر في الفصل الرابع حيث نتحدّث عن أوصاف الخطيب الحسيني، وخاصة فيما يتعلّق بالمستوى الثقافي، والتعليمي له.
فإذا كان المنبر يختلف في أدائه، وهو في فترة زمنية واحدة من مكان إلى آخر، فكيف لا يختلف ولا يتميّز، من جيل إلى آخر، ومن قرن إلى آخر؟!
ولهذا فإنّي أذهب إلى ضرورة أخذ عامل الوعي والمستوى الفكري والثقافي، كعامل مهم من عوامل تطوّر المنبر الحسيني. ولا شك أنّ الأحداث المهمّة والمفاصل الأساسية في حياة الأمّة وتاريخها، هي من مسببات زيادة الوعي، وتفتّح الأذهان، وارتفاع مستوى التفكير. وقد كانت بعض مراحل الآراء الثلاثة أعلاه، قد تأثّرت بمثل تلك الأحداث في بداياتها. مع التأكيد على أنّه لا يوجد حد فاصل وواضح، يمكن أنْ نفصل فيه دوراً عن دور آخر، كما الوضوح والدقّة مثلاُ، في نهاية الدولة الأمويّة وبداية الفترة العبّاسية حيث يمكن أنْ تحدّد باليوم، في بداية حكم ونهاية آخر.
نقول هذا، مع عدم إغفال خصوصيّة المنبر الحسيني، وطبيعة تأثّره بالأوضاع، بما يتلاءم مع مهمّاته، التي تختزن الجوانب المُحزنة وذات التأثير العاطفي، بشكل بارز.
الرأي المختار:
ولهذا فإنّ المراحل التي مرّ بها المنبر الحسيني، كما أراها هي أربع، وكما سبق ذكره، فإنّ الآراء لم تختلف لا في تحديد المرحلة الأولى (في عهد الأئمّة من أهل البيت، بعد الإمام الحسينعليهمالسلام )، ولا في المرحلة الأخيرة، وهي منذ بداية العصر الحديث، وعصر الاستعمار، إلى الوقت الحاضر.
وأحب أنْ أضيف كذلك، أنّ المنبر الحسيني، أصيب بما أصيب به عموم وضع المسلمين، في عصور التخلّف والركود، وذلك قبل
العصر الحديث، حيث ضعف المسلمون، وتشتّت كلمتهم.
وعلى ضوء ذلك، لابدّ أنْ نتوقّف عند هذه المراحل، بشيء من التوضيح والبيان.
1 - المرحلة الأولى:
وهي المرحلة التي تبدأ بعد واقعة عاشوراء سنة 61 هـ، إلى حين قيام الدول الشيعيّة، ولا سيما البويهيين في بغداد ومجيء سنة 352 هجرية.
وتحديدي لهذه المرحلة، على أساس، أنّ أئمّة أهل البيتعليهمالسلام عملوا على أنّ تستمر المآتم، على الإمام الحسينعليهالسلام ، بشكل مقصود وهادف، لا أنْ تنتهي مع ضمور التعاطف المأساوي مع الواقعة، الذي شهدته الكوفة والشام والمدينة. حيث أفلح الأئمّة في تركيز هذه المسالة، في وجدان الإنسان الشيعي، عبر الحثّ المستمر، وبيان ثواب البكاء على الحسين، وقول الشعر الرثائي فيه، والدعوة إلى حضور المآتم والمجالس، التي يرثى فيها الحسينعليهالسلام .
وقد سجّلنا بعض تلك التوجيهات، التي صدرت عن أئمّة أهل البيت لشيعتهم في هذا الشأن حينما تحدّثنا عن المنبر الحسيني، ونشوئه والآراء في ذلك، وأدلّة كل رأي، في الفصل السابق وفي الرأي الرابع من تلك المسألة (الفصل الثاني ص59 - 64)، واستمر الوضع بالاتساع، حتى صار قبر الحسين في كربلاء، محجّاً لزوّاره، وكان رثاء الحسينعليهالسلام ، والبكاء والإنشاد الحزين، أمور ملازمة للزيارة. ولم يكن كل الأئمّة على وتيرة واحدة، من حيث الظروف التي تعينهم، على إقامة المآتم واستقبال الشعراء والمنشدين.
فالحالة التقليديّة هي حالة التشنّج مع خلفاء بني أمية وبني العبّاس، إلاّ في فترات خاصة حيث هدأت الأوضاع السياسية، ممّا مكّن الأئمة من أهل البيت وشيعتهم من
توسيع نطاق المنابر والمآتم الحسينية، بشكل أكثر بروزاً واتساعاً من المستوى العادي والمحدود، في ظل الظروف السياسية الخانقة.
وأفضل تلك الفترات، كانت فترة الإمام الصادقعليهالسلام (جعفر بن محمد) (83 - 148 هجرية) حيث شهدت انتقال الخلافة من بني أميّة إلى بني العباس، ممّا هيّأ ظروفاً مميزةً انتعش فيها المأتم الحسيني. وقد انعكس ذلك، على وفرة الأحاديث والروايات الواردة، عن هذا الإمام في الحث على إقامة المجالس الحسينية، وعلى زيارة قبر الحسين في كربلاء، بما سجّله التاريخ، عن وفود العديد من الشعراء والمنشدين والراثين، على بيت الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام .
والفترة الثانية، التي شهدت توسّعاً في المآتم الحسينية، كانت فترة إمامة حفيده، الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام (148 - 203 هجرية)، حيث انتعشت المآتم، بشكل واضح، حينما صار الرضا وليّاً لعهد المأمون العباسي(1) . ممّا مكّن العديد من الشعراء وشجّعهم، على قصده وإنشاد الشعر الرثائي بحضرته وقد سجّلت بعض كتب الأدب وتراجم الشعراء، دخول بعض الشعراء على هذين الإمامين،
____________________
(1) لا يذهب الشيعة - حسب ما يرونه - إلى شرعية الخلافة العباسية وما سبقتها من أموية. وأمّا مسألة ولاية عهد الإمام علي بن موسى الرضا للمأمون العباسي، فهم يرون أنّ المأمون هدّد الرضا بقبول ولاية عهده، فلمّا رأى الإمام ذلك، شرط على المأمون أنْ لا يأمر ولا ينهى ولا يعزل ولا يولّي، ولا يتكلّم بين اثنين في حكومة، ولا يغيّر شيئاً ممّا هو قائم على أصله.
وفي مصدر آخر عن الإمام الرضا (ولا أفتي ولا أقضي) (قد علم الله كراهتي لذلك، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترتُ القبول على القتل). وعلى كل حال، فإنّ الشيعة يرون أنّ قبول الإمام علي بن موسى الرضا بولاية العهد يعني إضفاء الشرعية على الخلافة العباسية.
بل قد أجمعت الشيعة على أنّ موضوع ولاية العهد كان عملاً سياسياً ومناورة قام بها المأمون لإخماد ثورات العلويين. (الحسني، هاشم معروف: سيرة الأئمّة الاثني عشرة 2 / 383) (القمّي، عباس: الأنوار البهيّة، ص191) (الأمين، محسن: في رحاب أئمّة أهل البيت، 4 / 119) (ابن بابوية، محمد بن علي بن الحسين: عيون أخبار الرضا، 1 / 150) (دخيّل، علي محمد علي، أئمّتنا، 2 / 138).
كما بيّن شيء من ذلك في الفصل الثاني من هذا البحث.
وفي الفترة الأولى، أيام الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، استخدم مصطلح (منشد) لأوّل مرّة في تاريخ المأتم الحسيني. ولعلّ أوّل من لقّب به، في هذا الحقل كان أبو عمارة المنشد(1) ، كما وبرز آخرون كمنشدين، وإنْ لم يلقّبوا بهذا اللقب، مثل أبو هارون(2) المكفوف، وجعفر بن عفان الطائي(3) .
نجد من ناحية ثانية في رواية متقدّمة عن الإمام جعفر بن محمدعليهالسلام ، حينما يسأل رجلاً من أهل الكوفة، عن الحالة التي وصفت له، عند قبر الحسين: (بلغني أنّ قوماً يأتونه، (قبر الحسين عليه السلام) من نواحي الكوفة، وناساً من غيرها ونساءً يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قاري يقرأ، وقاصٍ يقصّ، ونادبٍ يندب، وقائل يقول المراثي...)(4) .
فقد وردت الإشارة لأول مرّة إلى وجود (قصّاصين) يقصّون على الناس، ما جرى على الإمام الحسينعليهالسلام وعياله بعده.
ويعتبر ذلك (تطوّراً شكليّاً آخر طرأ على ممارسة المأتم الحسيني، وذلك بأنْ غدا ثمّة رجال ونساء، متخصّصون في تلاوة
____________________
(1) أبو عمارة المنشد، ولد في المدينة عرف برثائه للإمام الحسين، من أعلام القرن الثاني الهجري. (الكرباسي، محمّد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني ص318).
(2) هو موسى بن عمير الكوفي، من أصحاب الإمامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (ت: عام 148م) كان يدخل على الإمام الصادق ويرثي الإمام الحسين عنده، بقصائد الشاعر السيد الحميري. (الكرباسي، محمد صادق، معجم خطباء المنبر الحسيني، ص42).
(3) جعفر ابن عفان الكوفي الطائي، من الشعراء الشيعة توفي في حدود 150 هـ عرف بإنشاده الشعر في أهل البيت وربّما ذكرته بعض المصادر بـ جعفر بن عثمان وهو تصحيف. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص42).
(4) ابن قولويه، جعفر بن محمد: كامل الزيارات ص539.
سيرة الحسين، وآخرون متخصّصون، في إنشاد الشعر المقول في رثائه، بأسلوب النوح. فبعد أنْ كانت السيرة حواراً بين مجتمعين غدت نصّاً، يتلى ويستمع إليه الآخرون. والذين يتولّون التلاوة، هم القصّاص)(1) .
والقصّاصون لم يوجدوا في هذا العصر، بل سبقوه (ولم يكن القصّاص، زمن النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لاجتماع كلمة المسلمين، ولقرب العهد من الرسالة، وإنّما أحدثت القصص زمن معاوية، حيث كانت الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم، وكانت مقصورة على الموعظة الحسنة والتذكير وما إلى ذلك..)(2) .
والقصّاصّون أو القصاص (هم الذين يقصّون على الناس، ويكون من علمهم التفسير والأثر والخبر عن الأمم البائدة وغيرهم، ينقلون ذلك تعليماً وموعظةً،.. ثمّ صار القصص، ممّا يلقى في مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأول من لزم ذلك؛ مسلم بن جندب الهذلي)(3) .
ويورد الجاحظ(4) في بيانه، عدداً من أسماء من عرفوا كقصّاص(5) .
فالقصّاصون، كانوا موجودين، حتى قبل واقعة كربلاء ولكن (يبدو أنّ المأتم الحسيني، بعدما غدا مؤسّسة نامية، تجتذب مزيداً من الجماهير، قد غدا من جملة اهتمامات القصّاص، أو أنّه قد أوجد
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص258.
(2) الرافعي، مصطفى صادق: تاريخ آداب العرب، ص379.
(3) المصدر نفسه، ص379.
(4) سبقت ترجمته.
(5) الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين 1 / 195.
قصاصه الخاصّين به)(1) .
إذن فقد برز مصطلحان، أو قل استخدم مصطلحان، فيما يتعلّق بالمنبر الحسيني، أحدهما؛ المنشد (وأحياناً يعبّر عنه بالنائح أيضاً) والثاني؛ هو القاص. حيث يتولّى الأول، إنشاد ما قيل من شعر، في رثاء الإمام الحسين، فيما يتولّى الثاني؛ مسألة سرد قصة وسيرة الإمام الحسينعليهالسلام ، وحوادث كربلاء، وما بعدها.
وإنّ خطيب المنبر الحسيني اليوم، يقوم بإنشاد أبيات من الشعر الرثائي، إضافة إلى ذكر شيءٍ من قصة كربلاء(2) .
إذن، لقد كانت هاتان الفترتان، في عهدَي الإمامين جعفر ابن محمد الصادق وحفيده بعد ذلك، علي بن موسى الرضاعليهمالسلام ، أفضل الفترات التي مرّت على المنبر أو المأتم الحسيني، في المرحلة الأولى.
فيما كانت أحرج تلك المرحلة، هي في زمن الإمام علي بن محمد بن علي بن محمد بن جعفر الملقّب بالهاديعليهالسلام (3) ، والذي كانت إمامته قد شملت فترة حكم المتوكّل العباسي، وإجراءاته العنيفة ضدّ قبر الإمام الحسين وعموم الشيعة.
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص239.
(2) سنفصل ذلك، في الفصل الرابع، من هذه الدراسة إنْ شاء الله في مبحث أوصاف خطيب المنبر الحسيني ومبحث هيكلية المنبر الحسيني.
(3) الإمام علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام ، الهاشمي القرشي العسكري (نسبه إلى عسكر وهي مدينة سامراء)، أبو الحسن، العاشر من أئمّة أهل البيت، ولد في المدينة المنورة عام 212م عاصر الخلفاء العباسيين، من المعتصم حتى المعتمد، استدعاه المتوكّل العباسي مع أهله من المدينة إلى سامراء، حينما كانت عاصمة العباسيين، وله مواقف معه، وبقي في سامراء وتوفّي في سنة 254 هـ وقبره معروف بارز. (الطبرسي: الفضل بن الحسين: تاج المواليد ص105).
وكان المنبر الحسيني، يتّسع ويضيق، تبعاً لتلك الظروف السياسية. وكان يجد الدعم والتأييد، من أئمّة أهل البيت في هذه المرحلة. وقد تبيّن لنا في الفصل السابق، من هذا البحث، مدى الارتباط الواضح بين المنبر الحسيني، والأوضاع السياسية المحيطة به.
2 - المرحلة الثانية: 334 - 567 هجرية
وهي الفترة التي تلت، ما عرف عند الشيعة، بالغيبة الصغرى، لآخر إمام من أئمّة أهل البيت، محمد بن الحسن المهديعليهالسلام ، حيث طرأت أحداث مهمّة، أسهمت إلى حد كبير في توسيع دائرة المنبر الحسيني وإبرازه بصورة علنية وجليّة في العديد من البلاد الإسلامية آنذاك. ممّا أدخل المنبر الحسيني في مرحلة جديدة، حينما ظهرت الدول الشيعية، حيث سيطر آل بويه على مقاليد الأمور في بغداد سنة 334 هجرية، والفاطميّون على القاهرة سنة 362 هجرية، فيما سيطر الحمدانيّون على حَلَب وأماكن أخرى، سنة 333 هجرية.
إنّ بروز هذه الدول الشيعية الثلاث، وفي فترة زمنية تكاد تكون واحدة، قد شكل دفعاً كبيراً للمأتم، أو المنبر الحسيني، وقد مرّ بنا في الفصل الثاني من هذا البحث، كيف عمّت المآتم وانتشرت النياحات، في بغداد والقاهرة، أيام البويهيين، والفاطميين.
لقد أسهم في دعم مؤسّسة المنبر الحسيني، أيام هذه الدول، الانتماء المذهبي لملوكها وسلاطينها من جهة، وتلك الجدلية، التي عاشها الإنسان الشيعي، في مسألة المأتم الحسيني، طوال الحكمين الأموي والعباسي. حيث كان التضييق والاضطهاد، سمة تكاد تكون عامّة، في تعامل الخلافتين السابقتين، مع ظاهرة المآتم، التي كانت تقام أيام عاشوراء، أو مع ظاهرة زيارة قبور شهداء كربلاء، من جهة أخرى.
فكأنّ الإنسان الشيعي، قد وجد في دوله هذه متنفّساً وفرصةً، كان ينتظرها طويلاً لترجمة ما كان يعتقده من الولاء لأهل البيت. كما أنّ الدول الشيعية، من جهتها أرادت أنْ تبرهن للشيعة، صدقها في ولائها، عبر تشجيعها للمآتم والنياحات(1) .
ولقد تحوّل المنبر الحسيني، والمآتم التي كانت تقام في عاشوراء، تحوّل كل ذلك، إلى جوٍّ نفسي يجتذب الإنسان الشيعي، ينفّس فيه من كُربَهِ وآلامه، ويجد في إصراره على إقامة هذه المآتم نوعاً من التحدّي، يواجه به الحاكم الذي يضطهده. وهذا الشعور ما يزال إلى الآن، ولاسيما في تلك الأماكن التي لا يزال فيه المنبر الحسيني ومريدوه مضطهدين.
إذن فقد كان بروز تلك الدول الشيعية، قد هيّأ لفترة ازدهار كبيرة وواسعة، للمنبر الحسيني، والمآتم مع امتداد حكم تلك الدول.
____________________
(1) إنّ علماء الشيعة لا يرون في هذه الدول الشيعية الأطروحة المطلوبة، ولا يعتقدون إنّها كانت تمثّل الدولة الشرعية التي تطبّق أحكام الله تعالى في كل شؤونها، فهي دول ضمن ما كان قائماً من دولٍ في تلك الفترة الزمنية، نعم هي دول كانت تتميّز بالتعاطف والاندكاك مع مدرسة أهل البيت بأنحاء متفاوتة وقد وجدت جماهير الشيعة فيها متنفّساً، فراحت تبرز بعض طقوسها وممارساتها المذهبية بشكل واضح، وأنقل هنا نصّاً لأحد العلماء الشيعة حول البويهيّين فقد ورد في كلمة للشيخ محمد مهدي شمس الدين، قالها أيام عاشوراء وهو ينتقد مذهبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين، فيقول: (على مدى التاريخ المتأخّر في الإسلام، من العصر البويهي، ولدواع طائفية محضة، أعطيت هذه الذكرى، مضموناً شيعياً، وكان تزويراً حقيراً وإجرامياً في حق هذه الذكرى، وتزويراً للتاريخ واستغلالاً، على أننا نكنّ احتراماً للبويهيين، ولكنهم زوّروا التاريخ، وسرقوا الذكرى، وأعطوها مفهومها الطائفي، على حساب جوانبها الإسلامية) (شمس الدين، محمد مهدي: عاشوراء، ص7).
نعم (راجَ مذهب الشيعة في عصرهم واستنشق رجاله نسيم الحريّة بعدان تحمّلوا الظلم والاضطهاد طيلة الحكم العبّاسي...) (السبحاني، جعفر: الشيعة في موكب التاريخ، ص98).
فقد (تشجّع الشيعة بمصر، وتظاهروا بشعائرهم... واشتكى المتردّدون على المسجد العتيق، بأنّ امرأة عجوزاً عمياء، تنشد بباب المسجد قصائد في رثاء الحسين والثناء عليه)(1) .
وعلى هذا الأساس؛ فإنّ زوال ونهاية دول الشيعة هذه - من طرف آخر - لا شك أنّه قد أثّر سلباً، على فترة الازدهار تلك. وإنْ كانت تلك المناطق تختلف فيما بينها، في مسألة امتداد ظاهرة النياحة وإقامة المآتم. إذ استمر أهل بغداد في إقامتها، حتى مع زوال حكم البويهيين سنة 447 هجرية. فيما لم ينقل التاريخ شيئاً من ذلك عن القاهرة، بعد انهيار الحكم الفاطمي سنة 567 هجرية. ويبدو أنّ الأيّوبيّين، الذين حكموا مصر بعد ذلك، واجهوا تلك المآتم والتجمّعات، التي كانت مألوفة في القاهرة، حتى في أيام الإخشيد وكافور، واجهوا تلك المظاهر بشدّة، بحيث إنّها انتهت إمّا بشكل سريع، وإمّا بعد أمدٍ ليس بالبعيد.
أمّا الحمدانيون، فلم يستمروا طويلاً في حلَب وأطرافها (333 - 394 هجرية)، ويبدو أنّ حظّ حلب، كان كالقاهرة، في مسألة المأتم الحسيني، بعد غياب الفاطميّين والحمدانيين عنها، أو بمستوىً قريبٍ منه. حيث لا تزال المآتم الحسينية، موجودة في قرىً شيعية في أطراف مدينة حلَب الحاليّة. فيما لا يوجد أثر لهذه المآتم في القاهرة اليوم(2) .
3 - المرحلة الثالثة: 567 - 1300 هجرية
بعد أنْ شهد المنبر الحسيني، عصراً مزدهراً، في عهود الدول
____________________
(1) جلال، إبراهيم: المعز لدين الله.
(2) يمكن مراجعة المزيد من موضوع التشيع في حلب في كتاب (حلب والتشيّع) للشيخ إبراهيم نصر الله، مؤسّسة الوفاء بيروت.
الشيعية الثلاث السابقة، صار بعد ذلك إلى مستويات بروز مختلفة. كان أفضلها وأكثرها دواماً، في العراق، كما ذكرنا.
حيث يبدو؛ أنّ المنبر الحسيني عاد إلى مستواه الذي كان عليه في بغداد، قبل البويهيّين. ولكن مع امتداد أكبر. وأحسب، أنّ وجود قبور أئمّة أهل البيتعليهمالسلام في العراق(1) ، وخاصّة قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، حيث كربلاء وساحتها، قد أسهم إلى حدٍ كبير، في بقاء مؤسّسة المأتم الحسيني وثباتها، رغم الظروف والمتغيّرات الكبيرة التي مرّت على العراق.
إضافة إلى عوامل أخرى، لعلّ من أبرزها تمركز الدراسات الدينية الشيعية (الحوزات العلمية) بين بغداد والنجف والحلّة وكربلاء، أي بقاؤها في العراق.
ولهذا فلا يمكن أنْ نؤرّخ لهذا الفترة، بتاريخ محدّد؛ لأنّ وضع المنبر الحسيني يختلف، من منطقة إلى أخرى، حسب امتداده واستمراره، بعد انتهاء فترة الدول الشيعية.
ولكن يمكن لنا أنْ نقول، بأنّ المنبر الحسيني عاد إلى الوضع الذي كان عليه، قبل هذه الدول، مع زيادة ملحوظة في الممارسات، لما تراكم في الذهنية الشيعية طوال تلك المدّة الممتدّة، مع الدول الشيعية، واتساع المآتم في أيامها.
____________________
(1) يوجد في العراق، قبور ستة من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، وهم 1 - الإمام علي بن أبي طالب (الإمام الأول) في النجف الأشرف 165 كلم جنوب غرب العراق. 2 - قبر الإمام الحسين بن علي (الإمام الثالث) في كربلاء 100 كلم جنوب غرب بغداد حيث الواقعة وأحداث عاشوراء. 3 - قبر الإمام موسى بن جعفر الكاظم (الإمام السابع). و4 - قبر الإمام محمد بن علي الجواد (التاسع) في الكاظمية، ضاحية بغداد الشمالية. 5 - قبر الإمام علي بن محمد الهادي (العاشر). و6 - قبر الإمام الحسين بن علي العسكري (الحادي عشر) في سامراء 120 كلم شمال بغداد. إضافة إلى عشرات القبور، المنسوبة إلى أبناء الأئمة الذين كانوا يهربون إلى الكوفة وأطرافها، أيام العباسيّين، وللتوسع يمكن مراجعة: (أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبين) وكذلك (الشيخ محمد حرز الدين: مراقد المعارف).
وقد تستثنى من ذلك القاهرة، التي عرفت النوح على الحسينعليهالسلام قبل الفاطميّين، ولكن المظاهر العزائية اختفت مع مجيء الأيّوبيّين.
وعاد المنبر الحسيني، ليكون مجرّد استذكار لأيام عاشوراء بشكل سلبي، حيث اعتبر أمثل حالة، يلتجئ إليها الإنسان الشيعي ليخفّف من معاناته، وينفّس عن شعوره بالألم. ولهذا طغت حالات التزهيد في الدنيا، حتى صار البكاء، غاية ما يأمله قاصد تلك المنابر، في هذه المرحلة.
ويمكن لنا أنْ نستشهد بفقرات، من الكتب التي أُلّفت في تلك الفترة، حيث جاءت حاكية، لما كان المنبر الحسيني آنذاك.
فقد ورد في كتاب(اللهوف في قتلى الطفوف) لمؤلّفه علي ابن موسى بن جعفر بن طاووس الحسيني (المتوفّي سنة 664)، والذي كان عبارة، عن كتاب مقتل الحسينعليهالسلام ، وسيرته قبل كربلاء، ثمّ حالة القتال يوم عاشوراء، ثمّ ذكر الحوادث بعد مقتله. ولكنّنا سنوظف نصّاً، من مقدمة هذا الكتاب، يعيننا على تلمّس وضع المنبر الحسيني في تلك الفترة، حيث يذكر ابن طاووس في مقدمة كتابه (فيا ليت لفاطمة وأبيها، عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها، ما بين مسلوب وجريح، ومسحوب وذبيح، وبنات مشققات الجيوب، ومفجوعات بفقد المحبوب، وناشرات الشعور، وبارزات من الخدور(1) ، ولاطمات للخدود، وعادمات للجدود(2) ومبديات للنياحة والعويل، وفاقدات للمحامي والكفيل.
فيا أهل البصائر من الأنام؛ ويا ذوي النواظر والأفهام؛ حدثوا أنفسكم بمصارع تلك العترة(3) ، ونوحوا بالله لتلك الوحدة والكثرة،
____________________
(1) الخدور: جمع خدر، وهو ستر يمدّ للجارية، من طرف البيت.
(2) الجدود: جمع، مفردة جدّ، وهو هنا الحظّ.
(3) العترة، ولد الرجل وذريته، من العَتَر، وهو الأصل والمقصود هنا، عترة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وساعدوهم بموالاة الوجد والعبرة(1) ، وتأسّفوا على فوات تلك النصّرة، فإنّ نفوس هؤلاء الأقوام ودائع سلطان الأنام، وثمرة فؤاد الرسول، وقرّة عين البتول، ومَن كان يرشف(2) بفمه الشريف ثناياهم(3) ، ويفضل على أمّه أمهم وأباهم)(4) .
فالنصّ أعلاه يكاد يحصر مسألة الإمام الحسينعليهالسلام ، وهو يقدّم لكتاب في مقتله، في ضرورة البكاء والنحيب، على تلك المصائب. دون أن يدعوا مثلاً، إلى أخذ الدروس والعبر من موقف الإمام الحسين، أو التزوّد من واقعة كربلاء، بما يعين على حياة حرّة كريمة. وهذا الكتاب، وإنْ لم يكن في الأساس، كتاباً يُتلى كمجالس حسينية في المآتم، إلاّ أنّه يوضّح مستوى التعامل، مع أحداث كربلاء، في ذلك العصر.
كما إنّ أسلوب السجع، وترتيب الكلمات، سمة أخرى واضحة فيه.
ونأخذ نصّاً آخر، ومن كتاب آخر، جاء في أخريات هذه المرحلة. وهو كتاب صيغ على شكل مجالس تتلى في المآتم، وهو كتاب (المنتخب) لمؤلّفه الشيخ فخر الدين الطريحي (المتوفّي سنة 1085 هجرية) وقد قلنا في هذا الفصل، أنّ هذا الكتاب، لا يزال يُتلى في بعض مآتم منطقة الخليج، ممّا يعني أنّه بقي طوال المرحلة، وفي قسمها الأخير بالتحديد، من الكتب المعتمدة عند خطباء المنبر الحسيني. وهو في غاية الأهمية، بالنسبة إلى دراستنا هذه، ولم يصل إلينا كتاب، صيغ على شكل مجالس حسينية، تُقرأ في المآتم، إلاّ هذا الكتاب، والبقية كانت كتب مقاتل، كما بيّن سابقاً.
____________________
(1) العبرة: هي الدمعة، أو الحزن بلا بكاء.
(2) يرتشف: من رشف أي مصّ، يقال رشف الماء إذا مصّه بشفتيه.
(3) الثنايا: هي أسنان مقدم الفم.
(4) ابن طاووس، ع لي بن موسى: اللهوف في قتلى الطفوف، ص7.
يقول هذا النصّ:
(أيّها الأخوان! كيف تخفى زفرات الأحزان؟ أم كيف تطفى لهبات الأشجان؟ أتراكم تعلمون ما جرى على سادات الزمان، في تلك الأماكن والأوطان؟ قسَماً بالبيت العتيق، لو فكّر المؤمن فيما أصابهم من المِحَن، لغدى روحه أنْ تخرج من البدَن! كيف لا وهم أنوار الله في أرضه وسمائه، وأصفياء الله وأبنا أصفيائه، اجتروا عليهم فقطعوا منهم الأوصال، وجدّلوهم على الرمال، وجرّعوهم كؤوس الحتوف، بأرض الطفوف)(1) . (الزفرات: جمع زَفْرة: وهي النَفَس الحارّ. لهبات بالجمع لَهَبة وهي اللسان من النار بدون دخان، والأشجان؛ جمع شجَن، وهو الحزن، اجترأ: أقدم، الأوصال: جمع وُصل أو وِصل: وهو كل عضوّ على حدة. جدّله: رماه، الحتوف: جمع حتف وهو الموت).
وهذا النصّ كسابقه، يحكي طبيعة ما يقال في المآتم الحسينية، في هذه المرحلة، من التركيز على جانب الحزن، واستخدام لغة السجع، وتنسيق الألفاظ. ثمّ حدث تطوّر مهم في هذه المرحلة، كان له - ولا شكّ - أثرٌ واضح وجلي على تعميق جذور المنبر الحسني واتساعه، وبالأخص في العراق. إنّ هذا التطوّر، قد تمثّل ببروز الدولة الصفوية(2) في إيران، وامتداد نفوذها ليشمل العراق، ولاسيما المدن المقدّسة فيه. حيث دخل الشاه إسماعيل الصفوي(3) بغداد، سنة
____________________
(1) الطريحي، فخر الدين: المنتخب ص177.
(2) الصفويون: سلالة فارسية، اتخذت قزوين منطلقاً لها. تُنسب إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم وهو السابع من أئمّة أهل البيت، بدأوا كأصحاب طريقة صوفيّة وانتهوا إلى دولة، حتى سيطروا على معظم إيران وأفغانستان والعراق. وكانت عاصمتهم أصفهان في إيران، حكموا من (1502 - 1736م) (معلوف، لويس: المنجد، 2 / 424).
(3) الشاه إسماعيل بن حيدر بن جنبل بن صفي الدين، ينتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر =
914 هـ. (وفي اليوم الثاني بلا فصل توجّه إلى كربلاء، وأدّى مراسم الزيارة، وبات ليلته معتكفاً في الحائر)(1) .
لقد لقي المنبر الحسيني، رعاية خاصّة، من قبل الصفويّين، حينما كانت الدائرة لهم. وكان الصفويون حريصين على ضمّ بغداد، ومعها ضاحيتها الشمالية (الكاظمية). ومدينتَي كربلاء والنجف. إضافة إلى الطرق الموصلة إليها.
ولقد هيّأ هذا الحدث أجواءً سياسية وأمنية واقتصادية، مشجّعة لتطوير، واتساع المنبر الحسيني.
فـ (عندما تولّى السلطة على العراق، الملوك الصفويون، أو غيرهم من الإيرانيين، كان الإقبال على إقامة هذه المآتم والنياحات عظيماً. وكانت حرّية الشيعة في إحياء هذه الذكرى الأليمة مضمونة. وقد غالى الشيعة في إقامتها)(2) .
فقام الشاه إسماعيل (بتنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين..)(3) .
لقد أولى الصفويون، اهتماماً كبيراً بالمنبر الحسيني، وبقية مراسم العزاء، باعتبارها من أنجح الطرق الشعبية العاطفية في نشر التشيع، الذي تبنّاه الصفويون، وعملوا على نشره في البلاد الإيرانية.
فـ (الوضع كان قد تغيّر، عند مجيء الصفويين، إلى الحكم في
____________________
= الكاظم (ت: 183 هـ) أول ملوك الصفوية، ومؤسّس دولتهم، برز موحّداً للقبائل الفارسية ثمّ بدأ معاركه وفتوحاته ليدخل بغداد عام 914 هـ توفّي سنة 930 هـ. (معلوف، لويس: المنجد 2 /).
(1) مغنية، محمد جواد: دول الشيعة في التاريخ، ص122.
(2) صالح، الشهرستاني: تاريخ النياحة، 2 / 32.
(3) الوردي، علي: لَمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 1 / 59.
إيران، في بداية القرن السادس عشر الميلادي، وإعلانهم المذهب الشيعي، مذهباً رسمياً للبلاد، واستخدامهم مراسيم العزاء الحسيني، سياسياً ودعائياً لنشر التشيع وبسط نفوذهم، في جميع أنحاء إيران. وممّا ساعد على نشر العزاء الحسيني، وتطويره، أنّ الصفويين، كانوا قد شجّعوا ممارسة الشعائر والطقوس الدينية، ومراسيم العزاء الحسيني، وزيارة العتبات المقدّسة في العراق، لنشر التشيع في إيران)(1) .
وقد بذل الصفويون أموالاً طائلة على عمارة مراقد الأئمّة، في العراق، ورعاية العلويين الساكنين هناك.
وأعتقد - من ناحية أخرى - إنّ فترة الحكم الصفوي في العراق، قد مكّنت مؤسّسة المنبر الحسيني، من الاستثمار والديمومة. فلو تمكّنت القاهرة كبغداد، من أنْ تعيش تجربة حكم شيعي آخر، بعد الفاطميّين، فإنّه من غير المستبعد أنْ نرى اليوم في القاهرة، وجوداً للمنبر الحسيني، استمراراً لما كانت عليه مصر، أيام الفاطميّين.
لقد حكم الصفويون بغداد ومدن عراقية أخرى، لاسيما المقدّسة منها من فترة (914 - 1114 هجرية) وهي تقع ضمن هذه المرحلة، أي المرحلة الثالثة، من المراحل التي مرّ بها المنبر، أو المأتم الحسيني.
ومن الغريب أنّ الآراء الثلاثة، التي ذُكرت آنفاً، في مسألة أدوار ومراحل المنبر الحسيني، قد أهمَلت هذا التطوّر المهم، على صعيد المنبر الحسيني، ولا سيّما في العراق(2) .
____________________
(1) الحيدي، د. إبراهيم: تراجيديا كربلاء، ص60 - 61.
(2) للدولة الصفوية تأثير بالغ على المسيرة المذهبية في إيران، وقد استثمر الصفويون المأتم الحسيني كأداة من أفضل السُبل التي انتهجوها في التبليغ المذهبي. ومسيرة المنبر الحسيني في إيران أو في البلاد الهندية، يحتاج إلى بحث مستقل، لأنّنا ركّزنا الحديث في =
فلم يذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين أي إشارة إلى الدولة الصفويّة، كذلك فعل صاحباً الرأيين الثاني والثالث.
إنّ هذا المرحلة الثالثة قد انتهت مع نهاية فترة الركود والتخلّف، التي مرّ بها العالم الإسلامي عموماً، حتى جاءت بشائر الصحوة الحديثة، بعدما تلقت الأمّة الإسلامية ضرباتٍ قاسية من المستعمر الكافر، وتعرّضت إلى تحدّيات مصيريّة ممّا حدا المستعمر الكافر، وتعرّضت إلى تحدّيثات مصيريّة ممّا حدا بالمخلصين، والواعين من العلماء وروّاد الإصلاح إلى العمل الجاد، لإعادة الحياة إلى هذه الأمّة.
وبهذا بدأ عصر جديد، من الوعي والثقافة والانفتاح البصير، على مفاهيم الإسلام، وقيمه وبمبادئه. في أجواء من التحدّي الواضح للأمّة وعقيدتها.
وبهذا نصل إلى المرحلة الرابعة من هذا التقسيم.
4 - المرحلة الرابعة
وهي المرحلة التي تبدأ مع بدايات القرن العشرين الميلادي، وإلى عصرنا الحالي.
إذ عملت أحداث عالمية، وتغيرات كبيرة في الحرب العالمية، وحركة الاستعمار، والتقدّم التقني المبهر، ووصول تيارات فكريّة إلحادية، وغير الحادية، تتحدّى الإسلام وأهله. هذه الأمور وغيرها أسهمت في إيقاظ المسلمين وتنبيههم على الأخطار المحيطة بهم، فبرزت حركات الإصلاح وشارك العلماء والمثقّفون المصلحون، في
____________________
= هذا البحث، على تطوّر المنبر الحسيني، والأدوار التي مرّ بها من مهده الأول في البلاد العربية، خاصة المدينة المنورة، والكوفة، وامتداده إلى بغداد والقاهرة.
خضم معترك فكري، وتيارات شرقية وغربية.
وحينما عمّ الوعي أغلب المرافق الثقافية والدينية للمسلين، شمل ذلك بصورة جلية وواضحة، المنبر الحسيني؛ لأنّ خطيب المنبر الحسيني عند المسلمين الشيعة، في تماس مباشر مع الناس، فلكي يؤدّي دوره كمبلّغ إسلامي من جهة، وحتى يكون منبره نافعاً(1) ، وجاذباً للجمهور من جهة أخرى، كان على الخطيب الحسيني، أنْ يكون مواكباً للتطوّرات الفكرية والحياتية، التي يعشها الناس، ويشعرون بأهمية الحديث عنها، وتسليط الأضواء عليها.
لقد حدث تطوّر نوعي واضح للمنبر الحسيني في هذه المرحلة، حيث توسّع أفقه بشكل جليّ. فالمنبر الحسيني الذي كان لا يتجاوز سرد قصة كربلاء، وأحداثها الحزينة، مع حفظ القصائد والأشعار الرثائية، (باللغة الفصحى واللهجة الشعبية الدارجة)، وبعض موضوعات التزهيد السلبي، في الدنيا ومتعها، أو مناقشة قضية تاريخية محدّدة، وإذا بهذا المنبر يقفز قفزات نوعية كبيرة، حيث راح شيوخ المنبر الحسيني، من الخطباء المبدعين يخوضون في مواضيع: فكرية، وأخلاقية، وأدبية، متنوعة، وعميقة. وراح الخطباء، ولاسيما الرساليين منهم. يناقشون الأفكار الوافدة، ويحاكمونها، كالمراكسية والرأسمالية، ويردّون شبهات أثيرت حول الإسلام، وأحكامه. كموضوعات حقوق المرأة في الإسلام، والرق، ونظام الأسرة، وعلاقة الدين بالعلم، وأهمية الإسلام كنظام سياسي أو اقتصادي...
وستتوضّح لدينا الصورة بشكل أفضل، إنْ شاء الله في الفصلين
____________________
(1) مصطلح يطلق على الخطيب، حيث يقال عن فلان: إنّ منبره نافعٌ، أي أنّ الموضوع الذي يتناوله على المنبر هو موضوع نافع، ولا يقتصر في منبره على الجوانب العافية والحزينة في أحداث كربلاء.
القادمين، حينما نتحدّث عن أوصاف خطيب المنبر الحسيني، ومنها الثقافية والمعلوماتيّة العامة، وحينما نبحث المدارس الخطابية في عصرنا.
وكلّما كان خطيب المنبر الحسيني، أكثر إحاطة بالجوانب الثقافيّة والتربوية والفكرية، كان الطلب عليه من قبل الهيئات المشرفة، على إقامة المآتم الحسينية، أكثر إلحاحاً(1) .
ولهذا فإنّ من الحقائق المعروفة الآن، أنّه (قد غدت، هذه الدراسات الإسلامية والقرآنية، في بلاد كثيرة، ولدى مساحات واسعة، من الرأي العام مقياساً تعتمد عليه الجماهير، في الإقبال على المأتم الحسيني، أو انكفائها عنه، كما أنّ هذا المقياس، يعتمد، في اختيار الخطيب الحسيني، المجوّد في هذا الشأن)(2) .
لقد شهدت هذه المرحلة تطوّراً في المنبر الحسيني، على صعيد المضمون، كما ذكرنا في نوعية الموضوعات، والأبحاث التي يتعرّض لها خطيب المنبر الحسيني. وكذلك على صعيد الشكل الفنّي - إنّ صحّ التعبير - وأقصد به، أنّ خطيب المنبر الحسيني في العصر الحديث، راح يطعّم أبحاثه بالعديد من الشواهد الأدبية، والتاريخية وأرقام علمية، ونتائج، وإحصاءات، ومعلومات حديثة. يدعم بها الموضوع الذي يطرحه، بما يناسبه من أرقام وشواهد. كما أنّ الخطيب، أخذ يسلك طريقة فنية، في السير بالمستمعين، وإدخالهم إلى أجواء كربلاء الحزينة، في نهاية محاضرته، وبانسيابيّة فنّية بحيث لا يشعر المستمع، إلاّ وقد دخل في الأجواء العاطفيّة الحزينة، حينما يجد الخطيب نقطة في بحثه يتخلّص بها من موضوع
____________________
(1) هناك مبحث خاص في الفصل القادم، حول الهيئات التي تشرف على إقامة المآتم الحسينية، ودعوة خطباء المنبر الحسيني إليها.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص299.
بحثه، إلى حدث من أحداث كربلاء، له ثمّة علاقة وتشابه مع تلك النقطة.
والانتقال من المحاضرة، التي يتناولها خطيب المنبر الحسيني، إلى فترة الختام، وهي التعريج على كربلاء وأحزانها، هذا الانتقال يمر بفقرة (التخلّص) وهي فقرة فنية يبدع فيها الخطيب. وتعتمد على ملكته البيانية، والبلاغية، وقوّة تصويره، واطّلاعه على أدقّ التفاصيل في واقعة كربلاء وسِيَر رجالها.
وفقرة التخلّص هي من فقرات المنبر الحسيني الجديد، وسيأتي التفصيل في الحديث عنها، في الفصل القادم من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
المبحث الثاني: خطباء بارزون في المنبر الحسيني
سنقف ونحن نؤرخ لهذه المرحلة، عند تراجمٌ أربعة من مشاهير خطباء المنبر الحسيني، والذين كان لهم دور مميز وواضح، في النقلة الكبيرة للمنبر الحسيني، مع بيان ابرز ما يميّزهم عن بقية الخطباء، وذلك حسب تسلسلهم التاريخي:
1 - الشيخ كاظم سبتي
هو الشيخ كاظم بن حسن بن علي بن سبتي النجفي السهلاني الحِميَري.
ولد في النجف الأشرف سنة 1265 هجرية، نشأ يتيماً و(أودعته أُمه عند أحد الصاغة، ليحترف الصياغة، ولكنّه رغب عن صياغة
الذهب، والفضّة، إلى صياغة الكلام ومجلوّ النظام)(1) .
(قرأ المقدّمات، والفقه، والأصول، بجدّ ورغبة، حتى حاز على درجة الفضل، وحضر الدروس الخارجية(2) من الأصول والفقه الكلام، وبلغ مرتبة الاجتهاد، غير أنّه كان مولعاً بالخطابة والأدب الشعر، فأخذ يرقى المنابر، للوعظ والإرشاد، ويشاطر الشعراء)(3) .
(كان من أشهر الخطباء، ومن أوفى الذاكرين البلغاء... ولم يكن في عصره من يماثله أو يشاكله، في سعة الخبرة، وطول الباع، وعلوّ الكعب، وفي الضبط وغزارة المادة، وحسن الإلقاء، وانتقاء المواضيع، واختيار الصحيح المأثور... وحقّاً أقول إنّه مخترع ومبتدع في فن الخطابة.. طبقت شهرته جميع البلدان العراقية، وغيرها، من الأقطار الشيعية... يعسر على الماهر، أنْ يحصي عليه زلّة لحن واحدة، في مادة أو إعراب...)(4) .
إذ، ممّا ميّز خطيبنا الشيخ كاظم سبتي، ما ذكر أعلاه من علمه، ودقّة ما يختاره، والإلقاء الحسن فهناك معلومات دقيقة وصحيحة، وهناك أيضاً حسن إلقاء وتوفيق في الطرح والبيان.
وليس هذا كل شيء، في الشيخ كاظم سبتي، إذ يقول عنه الإمام المصلح، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(5) : (وكان
____________________
(1) شبر، السيد جواد: أدب الطف، 9 / 75.
(2) الدروس الخارجية: هي مرحلة متقدّمة من الدراسات الدينيّة، يمنح المتفوّقون والمبرّزون فيها، درجة الاجتهاد.
(3) الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 2 / 666.
(4) محبوبة، جعفر باقر: ماضي النجف وحاضرها، 2 / 340.
(5) الشيخ محمد حسين ابن الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا ابن الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء، الذي نسبت الأسرة العلمية له. مجتهد كبير وأديب علم ومصلح إسلامي بارز، وهو من مراجع الدين في النجف الأشرف، سافر إلى العديد من الأقطار الإسلامية، ساهم في المؤتمرات الإسلامية، أمّ العلماء المسلمين والمشاركين، =
المنبري(1) ذلك اليوم، لا يتعدى غير رواية قصة الإمام الحسينعليهالسلام ، ومقتله يوم عاشوراء، وإذ بهذا المتكلّم، يروي خطب أمير المؤمنينعليهالسلام ، عن ظهر غيب فعجب الناس، واعتبروه فتحاً كبيراً في عالم الخطابة. ثمّ قام يروي السيرة النبوية، وسيرة أهل البيت، وربّما روى سيرة الأنبياء السابقين، وقصصهم. فكان بهذه الخطوة يراه الناس مجدّداً، حيث حفظ وقرأ، وهكذا من يحفظ ويقرأ يراه الناس مجدّداً؛ لأنّهم كانوا لا يحسنون أكثر من قراءة المقاتل، في ذلك الحين)(2) .
إذن، والذي جعل من الشيخ كاظم سبتي، خطيباً حسينيّاً مميزاً، مع وفرة معلوماته وغزارتها ودقّتها، وحسن إلقائه وخطابته، أنّه جاء بما لم يأتِ به الخطباء قبله، والذين كانت خطابتهم، لا تتعدّى واقعة كربلاء وأحداثها، حيث أخذ يطرح سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيرة أهل البيت، بل ويحفظ خطب الإمام علي ابن أبي طالبعليهالسلام عن ظهر قلب. والأهم في شهادة الشيخ كاشف الغطاء هذه، ذلك التطوّر والإبداع اللذان قام بهما الشيخ كاظم سبتي. حيث جاء بأداء جديد، استحق أنْ يكون به، فاتحاً لباب مرحلة جديدة، من مراحل تطوّر المنبر الحسيني.
كما أنّه كان أوّل خطيب حسيني، يستخدم أسلوب التخلّص، في خطابه المنبر الحسيني. وهو من التطوّرات الفنية، التي طرأت على
____________________
= في مؤتمر القدس عام 1935م. شارك في جهاد الإنجليز، حينما دخلوا العراق. له أكثر من ثلاثين مؤلّفاً مطبوعاً. منها: أصل الشيعة وأصولها، المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون، جنة المأوى، وغيرها، ولد في النجف 1294 وتوفّي فيها عام 1373 هجرية. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1048) ومصادر أخرى.
(1) المنبري: هو من أسماء خطيب المنبر الحسيني.
(2) شبر، جواد: أدب الطف، 9 / 75.
المنبر الحسيني، في هذه المرحلة.
إذ (يقال: كان القارئ(1) يقرأ نبذة من تاريخ، أو سيرة، أو موعظة، ثمّ يذكر المصيبة(2) ، ولم يكن بيهما ارتباط بل مفكّكة. والمترجم هو الذي اخترع التخلّص9903).
وهذه ميزة أخرى، تضاف لشيخنا المترجَم له، حيث أنّه هو الذي أبدع هذه الالتفاتة الفنّية في الخطابة الحسينيّة. فقد أحدث تطوّرّا في المضمون، عبر الأداء الجديد للمواضيع، وأحدث تطوّراً في الشكل، أبدع أسلوب التخلّص في خطابة المنبر الحسيني.
وذاع صيت الشيخ كاظم سبتي، في مختلف المناطق، التي تهتم بالمنبر الحسيني، ولهذا (طلبه جماعة من وجهاء بغداد، وأكابرهم، ليسكن هناك، فهاجر إليها سنة 1308 هجرية، وبقي سبع سنين يرقى الأعواد(4) ، في المحافل الحسينية... وفي سنة 1315 هجرية ألزمه جماعة من علماء النجف، بالعودة إلى النجف، فكان خطيب العلماء وعالم الخطباء، يلتذّ السامعون بحديثه، ويقبلون عليه بلهفة وتشوّق، ولهم كلمات بحقّه تدلّ على فضله)(5) .
وكانت وفاة الشيخ كاظم سبتي، في النجف الأشرف سنة 1340 هجرية. فكان المجتهد العالم، ثمّ الخطيب الحسيني المبدع، ويعتبر ذلك من الأمور البارزة التي ميّزته، على خلاف ما كان سائدا آنذاك من أنّه لا ينبغي ولا يليق بالعالم، أنْ يرتقي المنابر(6) .
____________________
(1) القارئ: اسم آخر يطلق على خطيب المنبر الحسيني، وهو مصطلح متأخّر.
(2) وهي الفقرة الأخيرة من الخطبة، وتذكر فيها إحدى فجائع كربلاء. سيأتي الحديث عنها في الفصل القادم.
(3) محبوبة، جعفر باقر: ماضي النجف وحاضرها، 2 / 340.
(4) الأعواد: بمعناها المنابر.
(5) شبّر، السيد جواد: أدب الطف، 9 / 76.
(6) الحلو، السيد مضر: مجلة رسالة الحسي، 1 / 187.
2 - السيد صالح الحلّي
وهو النموذج الثاني، من الخطباء الحسينيين في العصر الحديث، جاء زمنيّاً بعد الشيخ كاظم سبتي، الذي تقدّم الحديث عنه. وهو السيد صالح بن السيد حسين بن السيد محمد الحسيني الحلّي (نسبة إلى الحلّة وهي مدينة عراقية، هي مركز محافظة بابل حالياً تبعد 100 كم غرب بغداد) ولد في الحلّة سنة 1289 هجرية، ثمّ هاجر مع عائلته إلى النجف الأشرف سنة 1308 هجرية، وهو بعمر التاسعة عشرة من عمره(1) .
انخرط في العلوم العربية، والفقهية والأصولية، حتى (أصبح من العلماء أو المجتهدين الأفاضل، غير أنّه انصرف إلى الخطابة والوعظ)(2) . (ولع باستظهار طائفة من نصوص البلاغة، حفظ القرآن الكريم، وحفظ نهج البلاغة عن ظهر قلب، ثمّ رقى المنبر ذات يوم، في بيت صديق له بمناسبة محرّم الحرام، حين استبطؤا مجيء الخطيب، فأنس في نفسه المقدرة، وزاده إعجاب المستمعين إليه، رغبةً في الاستمرار على صعود المنابر، فلم يلبث حتى امتهن الخطابة، وصار أشهر خطباء المنابر الحسينية، على غير قصد سابق. واجتمعت القدرة والجرأة واللسان الذرب(3) فيه، فأخرجت منه شخصاً قليل النظير، يهابه الجميع ويخافه الرعاع(4)(5) .
وكان السيد صالح الحلي، وهو يجد ويعمل جاهداً لكي يرفع من مستوى أداء منبره، (مستعيناً بإرشادات العلامة الأديب، السيد باقر الهندي الموسوي(6) ، الذي كان له الفضل الأكبر، في توجيهه،
____________________
(1) شبّر، السيد جواد: أدب الطف، 9 / 204.
(2) الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 444.
(3) الذَرِب: الحاد، رجل ذرب: سليط اللسان.
(4) الرعاع: سلفة الناس وعامهم وأظن أنّ المقصود هنا عامّة الناس.
(5) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم، 1 /108.
(6) السيد باقر ابن السيد هاشم الرضوي النجفي الموسوي الهندي، عالم وشاعر كبير ولد في =
واختيار المواضيع المنبرية له، في شتّى المناسبات)(1) .
ومن الميزات، التي رفعت من شأن خطابة السيد صالح الحلّي، سعة اطلاعه، وإحاطته بفنون الأدب والثقافة. (فكان يرقى المنبر، وتتدافع الجماهير عل اختلاف طبقاتها، وعلى اختلاف رغباتها واتجاهاتها، للاستماع إلى أحاديثه، الذي كان يعطي بذلك لكل صنف من الناس، حقّه في الموضوع)(2) .
وكان السيد صالح الحلّي، إضافة إلى هذه المواهب والقدرات الكبيرة، ذا حس جهادي كبير، في مقاومة المستعر الكافر، الذي غزا البلاد الإسلامية. (ففي سنة 1333 كان في طليعة المحرضين على الإنكليز، وقد سار مع ركب العلماء المجاهدين، نحو (الشعيبة - البصرة) حتى سقطت البصرة بيد الإنكليز، ثمّ سقطت بغداد. وهو فيها خائف يترقّب من حكام الإنكليز، حتى حدثت الثورة العراقية سنة 1338 (1920 م) على حكّامهم، فقام السيد بواجبه الديني، يحرّض القبائل في العراق، وأصبح مطارداً في القرى والأرياف، حتى ألقوا القبض عليه، ونفوه من العراق إلى إمارة (الشيخ خزعل)(3) ، وصار عنده موضع عناية وتكريم، سنين، حتى عاد
____________________
= النجف عام 1285 هجرة. درس على يد أكابر علمائها. له شعر كثير بالفصحى والعاميّة. رثى أهل البيت بقصائد كثيرة (ما تزال تُتلى على المنابر) توفّي بالنجف عام 1329 هجرية (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1346).
(1) اليعقوبي، محمد علي: البابليات، 4 / 134.
(3) الشيخ خزعل الكعبي، أمير المحمّرة والمناطق العربية في جنوب إيران، التي تُعرف بعربستان، ورسميّاً بخوزستان، ولد بالمحمّرة سنة 1279 هـ 1862 م تولّى الإمارة سنة 1315 هـ الموافق لـ 1897م. كان يطمح لحكم العراق له علاقات واسعة برجال العراق وشيوخ الخليج. قبض عليه عن طريق الخدعة من قبل شاه إيران رضا بهلوي، سنة 1925م وبقي رهن الإقامة الجبرية بطهران، حتّى وفاته 1355 هـ 1936م (الزركلي، خير الدين: الأعلام 2 / 304).
بعدها إلى العراق وسكن الكوفة، ومات عام 1359 هجرية، ودفن في النجف)(1) .
ولهذه الصفات، التي اجتمعت في الخطيب السيد صالح الحلّي؛ من علم وسعة إطلاع، وقوّة حافظة، وبلاغة لسان، وجرأة جنان، ووعي بقضايا المسلمين. نجد أنّ السيد محسن الأمين العاملي، وهو المجتهد المصلح المعروف، حينما يذكره يقول عنه: (هو أحسن خطيب عرفته المنابر الحسينية)، وأنا أودّ أنْ نعدّ الخطباء على غراره، إذا ما أردنا أنْ ننبّه الناس، ونوقظهم، ونوجّههم، توجيهاً صحيحاً)(2) .
لقد لمس روّاد المنبر الحسيني، أنّ ذلك التطوّر النوعي، الذي جاء به الشيخ كاظم سبتي، لم يعد ظاهرةً طارئةً، حيث راح السيد صالح الحلّي، يزيد في ذلك التطوّر، وهو يُسهمُ بدور كبير وأساسي.
3 - الشيخ محمد علي اليعقوبي
ومن خطباء هذه المرحلة، الذين أغنوا المنبر الحسيني، وصيّروا منه جهازاً تربوياً، وتثقيفياً بارزاً، بما كانوا عليه من سعة إطّلاع وروائع ما يقتنصونه، من شواهد الأدب والتاريخ ونكاتهما، ومن إحاطة بعلوم التفسير والفقه والأصول والعربية، ممّا جعل المنبر الحسيني؛ حديقة غنّاء، تجد فيها كل الثمار اليانعة، والقطوف الطيبة.
من هؤلاء، كان الشيخ محمد علي بن يعقوب بن محمد حسين الحلّي النجفي، ولد في النجف الأشرف عام 1313 هجرية، قيل عنه أنه: (قاموس الأدب، ولسان العرب، وخطيب العصر، وشيخ الخطباء بحق، وأحد أمراء الكلام، والشعر، والخطابة، والتحقيق، والتتبّع.
____________________
(1) الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 445.
(2) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم، 1 / 4.
نشرت له في الصحف، دراسات قيمة، وبحوث تاريخية، ومواضيع أدبية)(1) .
لقد حدث تطوّر نوعي، في خطباء هذه المرحلة، إذ قد ارتقى أعواد المنابر الحسينية فيها، رجال جمعوا بين العلم والأصول والفقه من جهة، وبين فنّ الخطابة من جهة أخرى.
فأين ما كان عليه المنبر الحسيني أيام أئمّة أهل البيت، حيث كان المنشدون والقاصّون؟ وكيف وصل الأمر، إلى هذه المستويات العلمية الممتلئة، وهي تمارس خطابة المنبر الحسيني، في هذه المرحلة؟
إنّ الشيخ محمد علي اليعقوبي، من أولئك الخطباء الحسينيين، الذين جمعوا بين العلم والخطابة، حتى عُرف بشيخ الخطباء. وقد عرف عنه (صندوقُه) الذي كان يلقي فيه، ما كان يقتنصه من شوارد الأدب وشواهده، والتاريخ والعقائد والتفسير، حينما كان يراجع أمّهات المصادر التاريخية، والأدبية، ويغوص في أعماقها. فيشد إليه العقول، وتتعلّق بمحاظراته القلوب.
(فكان الشيخ محمد علي اليعقوبي، دائرة معارف، يخرج للناس، ببعض ما في صندوقه، من اللآلئ التي تُعجب النظّار، وتكاد تذهب بالأبصار)(2) .
وكان يتناول، أبحاثاً علمية دقيقة، يجعل من المنبر الحسيني
____________________
(1) الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 1367.
(2) عبد الزهراء الحسيني الخطيب، من لا يحضره الخطيب 2 / 16. من مقدّمة الكتاب والعلاّمة السيد عبد الزهراء الحسيني هو عالم جليل وملف محقّق، وخطيب حسيني معروف، ولد في بلدة الخضر بجنوب العراق سنة 1338 / 1918م (توفّي في دمشق ودفن فيها سنة 1414 / 1994م) وله عدّة آثار من أبرزها مصادر نهج البلاغة وأسانيده (وحقّق مجموعة من الكتب التاريخية، وكتب دورة كاملة في الفقه). (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف 1 / 506).
معهداً علمياً متنقّلاً، وهو بذلك قد أسهم - مع بقية شيوخ الخطباء المبدعين - في رفع مستوى أداء المنبر الحسيني، وإثقال كاهل من يريد ارتقاءه!، بأنّ عليه أنْ يجهد نفسه، ويتعبها، ويأتي بالموضوع الدقيق، والتحقيق الرصين، البحث الخصب.
ففي أحد المجالس الحسينية، كان الشيخ محمد علي اليعقوبي، قد (تناول موضوع الاجتهاد والأصول، عند الأصوليين... فوفّاها اليعقوبي حقّها، كما لو كان مجتهداً بارعاً، درس الاجتهاد ومراحله ودرجاته... وأبدع اليعقوبي في ذلك اليوم، بما أورد من شواهد وأمثال على محاضرته، ورصع المحاضرة بالشعر، والنصّوص الأدبية. ثمّ ربط ببراعة حسن التخلّص، بين موضوعه، وبين ذكر شهادة الحسينعليهالسلام ، ونزل من المنبر وقد خلب ألباب الحاضرين وسحَرهم)(1) .
وإضافة إلى خطاباته، فقد كان الشيخ محمد علي اليعقوبي، عضواً في جمعية الرابطة العلمية الأدبية(2) في النجف الأشرف، وعميدها لعدّة سنين.
كما كان الشيخ اليعقوبي شاعراً، انتقد بشعره الاستعمار الانجليزي، في أحداث حركة عام 1941م، التي اصطدم فيها الجيش العراقي مع الجيش الإنكليزي، فأنشد قصيدة كان من أشهرها:
(جاءت لتحميك على زعمها |
ولنـدن ليس بهـا حـامية |
وكان اليعقوبي مهدّداً بعد عودة الإنكليز، بسبب هذه القصيدة،
____________________
(1) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم، 2 / 148.
(2) جمعية الرابطة العلمية الأدبية: وهي أول جمعية أدبية تؤسّس في النجف بصفة رسمية، وكان ذلك عم 1351 هـ. ضمّت مجموعة من العلماء والأدباء والخطباء المشهورين، وصار بعض أعضائها بعد ذلك، أساتذة في الجامعات العراقية. (محبوبة جعفر الشيخ باقر: ماض النجف وحاضرها، 1 / 396).
وغيرها)(1) .
وأود أنْ أذكر شهادة معاصرة للسيد محمد حسين فضل الله، في حق الشيخ محمد علي اليعقوبي، أيام إقامة السيد في النجف الأشرف، حيث كان منشغلاً بتحصيل العلم:
(هناك في المرحلة التي كنا نعيشها، في النجف، كان الخطباء، يمثّلون - في البدايات - المنبر الحسيني، الذي يمكن أنْ يحصل الإنسان من خلاله على ثقافة واسعة. إنّ الخطباء كانوا مثقّفين، أدبياً وتاريخياً، ومن هؤلاء الخطباء الذين تركوا أثراً كبيراً في نفسي، هو الشيخ محمد علي اليعقوبي، الذي كان من الشخصيات الأدبية، وكان من الشخصيات التي تملك خبرة تاريخية، على الأقل بحسب بعض جوانب تاريخ العراق.
وكان له كتاب البابليات. كان يمتلك ثقافة أدبية حيّة، تميّز بها كل الأدباء النجفيّين، الذين كانوا يعيشون ثقافة تلك المرحلة، في النكتة اللاذعة، واللفتة الأدبية التي كانت تنزل تأثيراتها على الشعب. فكان الناس ينشدّون إلى خطابته، باعتباره كان يمثّل كشكولاً أدبياً وتاريخياً. كما كان حديقة متنقّلة، وكان يمتاز إضافةً إلى ذلك، بالصوت الحنون، والطريقة المؤثّرة، في اجتذاب الدمعة وما إلى ذلك)(2) .
إنّ ارتفاع أداء خطباء المنبر الحسيني المتميزين في هذه المرحلة، قد أدّى إلى ارتفاع مستوى جمهور المنبر الحسيني، وراحوا يتطلّعون إلى مواصفات جديدة، في الخطيب الذي يحضرون منبره، أو إذا أرادوا اختيار خطيب لإحياء موسم من مواسم الخطابة الحسينية. ولذا كان على الخطباء أنْ يجهدوا أنفسهم، ويتنافسوا في معلوماتهم،
____________________
(1) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم، 2 / 157.
(2) الخالدي، فيصل: المنبر الحسيني في العراق.
وحسن أدائهم، من أجل أنْ يكون لهم حضور ووجود، مع بروز مواصفات جديدة في المنبر الحسيني وخطبته. ولم يبق المنبر الحسيني، محصوراً في إطار عرض مصائب كربلاء، بأسلوبٍ شجيّ، ولحن حزين، بل راح يطرق أبواباً جديدة تمسّ واقع الحياة، وثقافة الإنسان، وبناء شخصيته.
توفّي الشيخ محمد علي اليعقوبي سنة 1385 هجرية الموافق لعام 1965م، ودفن بالنجف الأشرف.
4 - الشيخ أحمد الوائلي
يعتبر الشيخ أحد الوائلي، أشهر خطيب حسيني، في عصرنا الحاضر، ذاع صيته في كل الأوساط الشيعية العربية في العالم. وراحت أشرطة التسجيل، توزّع محاضراته، إلى مساحات كبيرة في البلاد العربية والمَهاجر.
والشيخ أحمد الوائلي هو عصارة ذلك البروز المميّز، للمنبر الحسيني في هذه المرحلة، (حيث استوعَب ودرَس كل عوامل النجاح والتطوّر، ثمّ أضاف إليها الشيء الكثير، حتى لقّب بأمير المنبر الحسيني)(1) .
ولد الشيخ أحمد بن الشيخ حسّون بن سعيد الليثي الوائلي النجفي، في النجف الأشرف سنة 1346 هجرية (1927م). وسار على سيرة الخطباء، في التلمذة على خطباء مرموقين(2) ، ثمّ (واصل دراسته بجد واجتهاد، في المدارس الرسمية والتحق بكلّية الفقه - في النجف الأشرف - وتخرّج منها وانتقل إلى بغداد، لمواصلة دراسته في
____________________
(1) الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، 361.
(2) سيأتي في الفصل القادم إن شاء الله وفي مبحث (إعداد الخطيب الحسيني) بيان طريقة التلمذة هذه.
معهد العلوم الإسلامية، ونال منه شهادة الماجستير، ثمّ سافر إلى القاهرة، وحصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية)(1) . (وهي أول شهادة لأول خطيب في النجف)(2) . (وهو مع جميع هذه المراحل الدراسية الشاقّة، كان يصعد أعواد المنابر، للتوجيه والإرشاد والدعوة، ويسهمُ في المؤتمرات والمهرجانات الأدبية)(3) .
ويعتبر الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، الحلقة الأخيرة، والأبرز، في سلسلة الخطباء المميزين، الذين نقلوا المنبر الحسيني، إلى آفاق واسعة، ومعالجات متعدّدة. فهو وريث، في حسن الخطابة والأداء، للشيخ كاظم سبتي، والسيد صالح الحلّي، والشيخ محمد علي اليعقوبي، ويعتبر الأخير أكثر الأساتذة تأثيراً في خطابة الشيخ أحمد الوائلي، كما يصرّح هو بذلك.
(أمّا الخطباء الذين تتلمذت عليهم بمعنى التلمذة، من حيث الاستفادة، من مجمل منابرهم شكلاً ومضموناً فهما اثنان: المرحوم الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي، والمرحوم الشيخ محمد علي القسّام(4) )(5) ثمّ يذكر ميّزات الشيخ محمد علي اليعقوبي، بما أشرنا إلى معظمها في ترجمته السالفة.
(وتمرّن في الخطابة منذ النشأة، فقد صحب عن طريق التلمذة
____________________
(1) الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1316.
(2) المرجاني، حيدر: خطباء المنبر الحسيني، 1 / 116.
(3) الأميني، محمد هادي: مع رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1316.
(4) هو الشيخ محمد علي بن حمودي بن خليل الخفاجي القسّام: خطيب بارز وشاعر مجيد، وسياسي حر. ولد في النجف الأشرف سنة 1291 هجرية. ثار مع العلماء ضد الإنكليز. استوطن بغداد ومات فيها سنة 1373 هجرية. من آثاره: الأخلاق المرضية في الدروس المنبرية، أسنى التحف في شعراء النجف، وديوان شعر. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1000).
(5) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص98.
فريقاً من الأساتذة)(1) .
وبالتالي يمكن أنْ نقول: إنّ الشيخ أحمد الوائلي هو الأول من الخطباء المبرّزين، الذين جمعوا بين الأسلوب التقليدي في الثقافة الدينية، والأسلوب الحديث في الدراسة الأكاديمية.
ويمكن أنْ نُجمل النقاط الأساسية التي ميّزت خطابة الشيخ أحمد الوائلي بما يلي:
1 - التلمذة الموفّقة على كبار شيوخ المنبر الحسيني، من الخطباء، وحسن استفادته من تلك التلمذة.
2 - الجهود الذاتية في سعة الاطلاع، ومتابعة الإصدارات الفكرية، والثقافية، حتى غدا موسوعة ثقافية، متعدّدة الجوانب.
3 - حسّه الأدبي، وشاعريته الوقادّة، حيث يعتبر الشيخ الوائلي، من شعراء العراق والعرب، وله دواوين شعر.
4 - شهادته الجامعيّة الأكاديمية، التي كانت تعتبر فتحاً، في عالم خطباء المنبر الحسيني. حيث مكّنت له هذه الشهادة اجتذاب الطبقات المثقّفة، والطلبة الجامعيّين إلى عالم المنبر الحسيني، كما فتحت له أبواباً واسعة في مجالات متعدّدة.
5 - بحثه للأمور ذات العلاقة بحياة المسلم، والتحدّيات التي تواجهه، وردّ الشبهات عن الإسلام، ومحاكمة التيارات الفكرية الأخرى، إضافة إلى بحوث اقتصادية واجتماعية وتربوية متعدّدة.
6 - من الأمور، التي ميّزت طريقة الشيخ الوائلي في الخطابة؛ هو ابتداؤه المحاضرة بآية من القرآن الكريم، وهو تطوّر نوعي آخر في
____________________
(1) الخاقاني، علي: شعراء الغربي، 1 / 294.
المنبر. فبعدما أحدث الشيخ كاظم سبتي تغييراً نوعيّاً في خطبة المنبر الحسيني، حينما راح يحفظ خطب نهج البلاغة، ويبدأ بها حديثه. يأتي بعد ذلك الشيخ أحمد الوائلي، ليبدأ الحديث، بآيات القرآن الكريم.
وكانت بداية هذا التغيير الكبير في خطبة المنبر الحسيني عند الشيخ الوائلي إلى صدفة - كما حكى هو عن ذلك - مكّنته من أنْ يطّلع على تفسير الفخر الرازي، وحسن استفادته من الآية القرآنية، (ولمّا قرأت ما كتبه، وتعرّفت على أسلوبه في التفسير والتحليل، وغزارة فكره وديباجته العلميّة، شدّني إليه شدّاً... وكان لهذه القراءة، أثر كبير عليّ، للتوجيه نحو كتب التفسير، والاستفادة من عطائها.
وشرعت أجعل عنوان بعض المجالس الحسينية، آية من كتاب الله، ثمّ أشرح مضمونها في حدود قدراتي وأشرح ما فيها، بمعلومات، وشواهد تاريخية وأدبية وعقائدية إلخ)(1) ويُعدّ أسلوب البدء بآية قرآنية كريمة، هو الأسلوب الأكثر رواجاً والأشدّ جذباً للجمهور المثقّف والواعي من رواد المنابر الحسينيّة، في عصرنا الحاضر.
7 - يضاف إلى كل النقاط أعلاه، مسألة مهمّة في المنبر الحسيني، وهي شجاء الصوت وعذوبته، والقدرة والتمكّن من تصوير واقعة كربلاء، بحيث يتفاعل المستمع منها بالحزن والبكاء.
ولقد وهب الشيخ أحمد الوائلي، صوتاً شجياً، ونبرات قويّة، وظّف لها ثقافة أدبية وشعرية، في حسن اختيار المفردة الأدبية، الأبلغ تصويراً، والأقوى عرضاً. وإنْ كان الشيخ الوائلي، قد أحدث في أسلوبه، عزوفاً واضحاً، عن فقرة القصيدة الشعرية الرثائيّة التي تُتلى
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص113.
في مقدمة المنبر الحسيني(1) .
حتى إذا قيل عن خطيب، أنّ أسلوبه هو أسلوب الشيخ أحمد الوائلي، فهذا يعني أنّه يبدأ بآية قرآنية، ويختصر موضوع المصيبة(2) ، ويحاول الاقتصار على الشعر القريض - جهد الإمكان - في عرض تلك المصيبة.
ولهذا أوجد (المترجم له، مدرسة مستقلّة للخطابة، وأسلوباً حديثاً للوعظ والإرشاد، انسجم مع روح الشبيبة والعصر، ولذلك انجذب إليه الشباب والمثقفون، وتمكن أن يخترق صفوف أبناء الجامعات العلمية، وفتح آفاقاً جديدة للمنبر الحسيني)(3) .
ولهذا فلم يكن اختيار الشيخ الوائلي، من قبل قناة تلفاز المنار بلبنان، إلاّ تصديقاً لهذا الموقع، الذي يحتلّه في ساحة المنبر الحسيني. فقد سجل تلفاز المنار محاضرات منبرية للدكتور الشيخ الوائلي، للعشرة الأولى من المحرّم عام 1422 هجرية. وبثت على قناته الفضائية.
وعن هذا الأمر سألت الشيخ نعيم قاسم(4) فأجاب:
____________________
(1) (2) خطبة المنبر الحسيني مؤلّفة من عدّة فقرات ستدرس في فقرة (هيكلية المنبر الحسيني) في الفصل القادم، منها فقرة القصيدة الرثائية في مقدمة المحاضرة وتأتي فقرة (المصيبة) في آخر الفقرات.
(3) الكرباسي، محمد صادق: خطباء المنبر الحسيني، ص360، 361.
(4) الشيخ نعيم قاسم من مواليد عام 1953 في كفر كلا جنوب لبنان، حصل على الليسانس في الكيمياء ودرّسها في المدارس الثانوية. وتزامنت دراسته الدينية مع دراسته الأكاديمية حتى نال درجات عليا في الدراسة الحوزويّة. عالم حركي مجاهد، شارك في تاسيس الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين، وعمل مع الإمام موسى الصدر، في بداية تأسيس حركة المحرومين، وساهم في تأسيس حزب الله عام 1982، وصار نائباً للأمين العام لهذا الحزب منذ سنة 1991م ولأربع دورات متتالية. (مكتب الشيخ نعيم قاسم - بيروت).
(بما أنّنا اعتبرنا (تلفزيون) المنار موجّهاً لتقديم الصورة الصحيحة، للمنبر الحسيني رأينا أنْ ندقّق في الاختيار، فوجدنا أنّ الدكتور الوائلي، هو خير مَن يقدّم هذه الصورة الرائعة، للثورة الحسينية. وهذا ليس انتقاصاً من قيمة الخطباء الآخرين، ولكن هذه شاشة فيها مسؤوليةّ، فهناك من يتمكّن أنْ يُعبّر عن هذه المسؤولية، تعبيراً أفضل من غيره. وعلينا أنْ نتقن تقديم هذا الأمر)(1) .
وما زال الشيخ الوائلي، يمارس دوره كخطيب هو الأبرز، من خطباء المنبر الحسيني في هذا العصر. حتى إذا برز خطيب جديد، وتوسّم فيه النبوغ والإبداع، قال عنه الناس: هذا شبيه بالشيخ الوائلي(2) .
وبهذه الإلمامة السريعة، بتراجم أربعة من أشهر خطباء المنبر الحسيني، الذين برزوا في المرحلة الأخيرة والمعاصرة لهذا المنبر. حيث بدأنا بالشيخ كاظم سبتي، الذي عاش في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين الميلاديَّين، حتى ترجمة الشيخ أحمد الوائلي، الذي دخلنا بترجمته القرن الواحد والعشرين الميلادي، أي إنّنا تابعنا تطوّر المنبر الحسيني الواضح، الذي برز في القرن الأخير. ولابدّ أنْ أؤكّد على نقطة مهمّة في نهاية هذه المرحلة، والتي ينتهي بها هذا الفصل، وهي؛ أنّ من ذكرت من الخطباء، هم نماذج بارزة في هذه المرحلة، ولا يعني هذا إغفال الأدوار الكبيرة، والمساهمات
____________________
(1) في مقابلة شخصية مع الشيخ نعيم قاسم في بيروت الخميس 29 / 8 / 2001 الموافق 10 جمادي الآخر 1422 هـ.
(2) فجع المنبر الحسيني بفقدان فارسه المتألّق ورائده المجدّد الشيخ الوائلي ببغداد بعد عودته بعدّة أيّام من منفاه الذي قارب الربع قرن، وذلك في يوم الاثنين 13 جمادي الأولى 1424 الموافق 14 تموز 2003. وشيعت جنازته في حشود مليونيّة من الكاظمية حتى كربلاء ومنها إلى النجف الأشرف حيث ورّي الثرى في مقبرته بجوار ميثم التمّار رضوان الله عليه.
النوعية، في تطوير مسيرة المنبر الحسيني، من قبل خطباء آخرين، كلّ أدى دوره وأسهم من موقعه؛ لأنّ تطوّر المنبر تمّ عبر تراكمات كبيرة من تجارب وجهود خطباء المنبر الحسيني.
فساحة المنبر الحسيني، في عصرنا الحاضر تزخر بأرقام مهمّة، ونماذج رائعة، من خطباء المنبر. يقومون بحمل أعباء هذا المنبر ومسؤوليته. سواء من شيوخ الخطباء وأساتذتهم، أم بجيل واع وهادف من شباب الخطباء، الذين يحمل العديد منهم شهادات (أكاديمية) عالية، إضافة إلى الأرضية القوية، من الدراسات الدينية المركّزة.
الفصل الرابع:
المنبر الحسيني المعاصر
تمهيد
كلّ ما بحثناه حتى الآن، أمور تتعلّق بتاريخ المنبر الحسيني وماضيه، إنْ صح التعبير. ولكي تكتمل الصورة، وحتى نطّلع على المساحة التي يشغلها المنبر الحسيني حالياً، والدور الذي يمكن لخطيبه أنْ يقوم به من جهة، ولكي ننطلق من واقع هذا المنبر إلى التفكير بترشيده وتوجيهه، حتّى يؤتي أفضل الأُكل في المستقبل، من جهة أخرى. كان لابدّ لنا أنْ نتوقّف، وندرس المنبر الحسيني المعاصر، وأهم ما يتعلّق بخطيب هذا المنبر.
وهذه المهمّة، سيتكفّل بها الفصل الرابع هذا، من هذا البحث.
وسيكون البحث فيه منصبّاً على مسألتين:
الأولى: فيما يتعلّق بالمنبر الحسيني المعاصر، من حيث محتواه ومواسمه، واللجان المشرفة على إقامته، والأمكنة التي تُتّخذ لهذا المنبر، وأمور أخرى، تُجلي صورة هذه الظاهرة الدينية الاجتماعية.
والمسألة الثانية: في
أمور تتعلّق بخطيب هذا المنبر، وأوصافه، وكيف يتم إعداده لهذا النوع من الخطابة الدينية. محاولين إبراز موقع هذا الخطيب، في الأوساط التي تعنى بالمنبر الحسيني.
وعلى هذا سيكون الفصل الرابع من مبحثين هما:
المبحث الأول: المنبر الحسيني، صفته ومساحته اليوم
إنّ المنبر الحسيني، في بداياته كان مقتصراً على جانب الحزن والبكاء، ثمّ دخل عنصر الوعظ والإرشاد، مع هذا الجانب، وقد كان ذلك في زمن متقدّم نسبيّاً. فقد ذكرنا في الفصل الثاني، وفي نهاية مظاهر المأتم الحسيني أيام البويهيّين، وما بعدهم في بغداد، أنّه توفّي سنة 598 هجرية في بغداد، قارئ أو منشد اسمه أبو منصور محمد بن مبارك الكرخي، ووصف بأنّه (يعظ في الأعزية)، (راجع ص114).
وأخذ المنبر الحسيني، بعد ذلك، يهتمّ بسرد بعض الأحداث التاريخيّة.
وقد سبق كل ذلك عنصر مهم جدّاً، وسّع من دائرة المنبر الحسيني، والمناسبات التي يهتم بها، حيث لم يقتصر على ما يتعلّق بالإمام الحسين، بل راح يمتد في اهتماماته ليشمل مناسبات وذكريات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والسيدة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب، وبقية الأئمّة من أولادهعليهمالسلام .
ولم تحدّد بالضبط، الفترة التي برزت فيها هذه التطوّرات. وأحسب أنّ الاهتمام بذكريات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت، والإشارة إلى
بعض محنهم، كانت قد برزت في المرحلة الأولى، وتحديداً في قصيدة دعبل الخزاعي التائية، التي ألقاها على الإمام الثامن من أئمّة أهل البيت. وهو علي بن موسى الرضاعليهالسلام (ت: 203 هجرية). حيث أشار إلى قبور ضمت بعض رموز أهل البيت من الذين قضوا بعد الحسينعليهالسلام . وبعض معاناة هؤلاء الرموز.
ثمّ استمر المنبر الحسيني في تطوّره، حتى وصل مرحلته الأخيرة، حيث راح خطيب هذا المنبر، يطرح مختلف القضايا، والشؤون التي تهم الإنسان المسلم، ويناقش العديد من المسائل الاجتماعيّة، والعقيدية، والتربويّة، وغيرها.
وأحسب أنّ فكرةً، ولو بسيطة، قد تكوّنت عندنا حينما ترجمنا للخطباء الأربعة، في نهاية الفصل الثالث، عن سعة الاهتمامات، التي أخذ المنبر الحسيني بتناولها.
ولمزيد من التوضيح، وللوقوف على مدى التطوّر، الذي حصل للمنبر الحسيني في عصرنا الحديث، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل تطوّر، سنتوقّف عند بعض النقاط في هذا المبحث، وهي:
هيكليّة المنبر الحسيني
ونعني بها، الفقرات التي تشكّل الخطبة، التي يتناولها خطيب المنبر الحسيني، والتي يتميّز بها المنبر الحسيني، عن بقية أنواع الخطابة الدينيّة.
إنّ المنبر الحسيني اليوم، يختصر كلّ مراحل التطوّرات النوعيّة،
والشكليّة، التي واكبت مسيرته، إلى عصرنا الحالي. إنّ هناك، ست فقرات أساسيّة، يتألّف منها خطاب المنبر الحسيني، والتي ينبغي على خطيبه مراعاتها، وإشباع كل فقرة منها. ويمكن توضيحها بالشكل التالي:
1 - المقدّمة
ونعني بها، جُمَلاً يبدأ بها خطيب المنبر الحسيني محاضرته، وتقرأ بطورٍ خاصّ، وأُسلوبٍ قريب إلى بعض طُرق ترتيل القرآن الكريم. ولكلّ خطيب مقدّمة يختارها. وهي تقع ضمن فقرات؛ حمد الله تعالى، والصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله، ولابدّ أنْ يخصّ الإمام الحسينعليهالسلام بصلاة خاصة، وربّما ذكر الشهداء معه كذلك، ثمّ لابدّ أنْ تنتهي كل مقدّمة بالجملة المعروفة والمشهورة عن خطباء المنبر الحسيني، عند عموم جمهور هذا المنبر، وهي جملة(يا ليتنا كنا معهم - أو معكم - فنفوز فوزاً عظيماً) (1) ، وهي فقرة وردت في الفصل الثاني، من هذا البحث، حينما تحدّثنا عن حثّ أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، على إقامة المآتم الحسينية، حيث ذكرنا حديث الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام ، مع أحد أصحابه، بقوله: (فقل كلّما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً). (راجع ص84).
فإذا ذكر الخطيب هذا المقطع، علم المستمعون أنّه انتهى من المقدّمة وسينتقل إلى الفقرة الثانية.
وفيما يلي نموذج عن هذه المقدّمة:
(الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين.
صلّى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، صلّى الله عليك يا ابن
____________________
(1) وهذه الجملة، كما هو معلوم، مستلّة في الأساس من الآية القرآنية (73) من سورة النساء، وهي قوله تعالى:( وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) .
رسول الله
يا رحمة الله الواسعة وباب نجاة الأمّة
يا ليتنا كنّا معكم سادتي فنفوز فوزاً عظيماً)
وهذه الفقرة، من مبتكرات المرحلة الأخيرة، من مراحل تطوّر المنبر الحسين. إذ لم يرد لها ذكر في المراحل السابقة، فقد كان المنشد، أو الشاعر، يبدأ مباشرة بإنشاد القصيدة. كما أنّ كتب المجالس الحسينيّة، التي وصلت إلينا من المرحلة الثالثة من مراحل تطوّر المنبر الحسيني، حسب ما اخترناه، ومنها كتاب (المنتخب) للشيخ الطريحي: نجدها خالية من هذه المقدّمة.
2 - القصيدة
وهي الفقرة الثانية، التي يتناولها خطيب المنبر الحسين. حيث يختار الخطيب، إحدى القصائد الرثائيّة المناسبة لمقتضى الحال، وطبيعة الموسم الخطابي، ونوعية المناسبة التي يقام المنبر الحسيني من أجلها.
ويرث خطيب المنبر الحسيني، في هذه الفقرة، ما كان يؤدّيه الشاعر، أو المنشد، الذي كان يفد على أحد أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، كما مرّ بنا سابقاً. والشعر الرثائي في الحسينعليهالسلام أكثر من أنْ يُحصى. (وقد كثُر هذا النوع في أدب الشيعة كثرةً هائلةً. حتى إنّه ليندر أنْ تسمع بشاعرٍ شيعي لم يرثِ الحسين)(1) .
____________________
(1) نعمة، عبد الله: الأدب في ظلّ التشيّع ص166.
لقد أحدث استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، مجالاً خصباً وثرياً للشعر. حيث راح الشعراء، قديماً وحديثاً، يتبارون في رثائه، وتعداد مواقفه، وشجب قتلته، والإشادة بأنصاره. وقد أُلّفت موسوعات في ترجمة الشعراء الذي رثوا الإمام الحسين(1) . الذي (قيل فيه من الشعر ما لم يُقَل في أحد على الإطلاق، إنْ من حيث الكمّية أو الكيفية أو عدد الشعراء الذي تغنّوا بكربلاء)(2) .
وعلى خطيب المنبر الحسيني، أنْ يحفظ عيون الشعر الرثائي، الذي قيل في الإمام الحسين، ويتقنهُ، ثمّ يصوغه وينشده بأسلوبٍ فنّي رقيق، يتدّرج فيه الخطيب من الأسلوب الهادئ في بداية القصيدة، حتى يرفع من طريقة إنشاده، لتصل في النهاية إلى إنشاد حماسي حزين.
وهناك طُرق وأساليب وأطوار، معروفة بين خطباء المنبر الحسيني، ويألفها جمهور هذا المنبر. ويتفاعل جمهور المنبر الحسيني، مع بعض أطوار الإنشاد، بأنين يرفعونه في أصواتهم، فيكون هناك تناغم بين إنشاد الخطيب وأنين الحاضرين، وأكثر ما تبرز هذه الحالة، في مجالس منطقة الخليج العربية.
كما أنّ الخطباء المشهورين، عادةً، ما يتميّزون بأسلوبٍ خاص، في إنشاد الشعر الرثائي، حتى تعرف عنهم، طريقة خاصة. فإذا ما قرأ - مثلاً - خطيب شاب قصيدة ما، قال الحاضرون فيما بينهم، إنّ هذا الخطيب الشاب يقلّد الخطيب الفلاني، وطريقته شبيهة بطريقة ذاك
____________________
(1) حدّثني السيد محمد الموسوي الهندي، رئيس جماعة علماء الهند (مواليد النجف الأشرف 1953م) أنّ هناك درساً في كلّيات الآداب في الهند اسمه (مرثيّة). وتدرّس فيه القصائد الرثائية التي قيلت في الإمام الحسين. مقابلة شخصية معه في لندن. 7 محرّم 1421 هجرية / 12 نيسان 2000 م.
(2) نصر الله، حسن عباس وآينة، صادق: الأدب السياسي الملتزم في الإسلام، ص98.
الخطيب المشهور.
وحتى نوضّح الصورة، فإنّ ذلك شبيه، بتميّز بعض قرّاء القرآن الكريم، بأساليب وطرق في التلاوة، ترتيلاً وتجويداً بحيث يعرف بها قارئ عن آخر(1) .
وعادةً، ما يختم خطيب المنبر الحسيني، قصيدته الرثائيّة، بأبيات من الشعر الرثائي الشعبي العراقي، وأحياناً البحراني. وهي الأبيات التي تؤجّج حالة التفاعل العاطفي، وتقرأ كذلك بأسلوب وطريقة خاصة، ويتميّز بها، كذلك، خطيب حسيني عن آخر. وهنا يبرز عنصر الصوت ورخامته، وحسنه، في تألّق بعض الخطباء وانشداد الجماهير إليهم.
وقد صنفت بعض الكتب، التي جمعت القصائد الرثائيّة، من النوعين، القريض الفصيح، والشعبي المتداول. وهي تشكّل رصيداً جاهزاً لمن أراد أنْ يعتلي أعواد هذا المنبر.
ولعلّ من أشهر مصنّفات الشعر الرثائي القريض، والتي ضمّت أشهر قصائد الرثاء، من المحدّثين والقدامى، كتاب؛ (الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد) لمصنّفه السيد محسن الأمن العاملي، وكتاب (رياض المدح والرثائي للسادة النجباء) للشيخ حسين علي البلادي البحراني.
وأمّا ما صنّف، من كتب الشعر الشعبي، لشعراء العراق، والمنطقة العربية في إيران، وشعراء البحرين، والمنطقة الشرقية في
____________________
(1) لا يمكن بما لا يقبل الشك أن يقاس كلام الله المجيد بأيّ كلام آخر. ولكن المشبّه به (أساليب، تلاوة القرآن الكريم لبعض مشاهير القرّاء) هو أجلى وضوحاً وانتشاراً عند كل المسلمين... وذكرته لأوضّح تميّز بعض خطباء المنبر الحسيني بأُسلوبٍ خاص في إنشاد الشعر وهو المشبّ هنا. وجهة الشبة هو التميّز هنا وهناك.
السعودية. فهي كتب ومصنّفات، يصعب إحصاؤها؛ لكثرتها ووفرتها، واستمرارية ظهروها في الأسواق. وتحظى بعض دواوين الشعر الرثائي الشعبي، باهتمام خاص، وشهرة، ما عُرف بجزالة اللفظ، وروعة التصوير، واتقاد العاطفة. إنّ للشعر الشعبي الذي قيل في الإمام الحسين، مجالات واسعة للحديث، تخرج بنا عن خطّة هذا البحث حتى صارت، بعض مقاطع الشعر الحسيني الشعبي أمثلة، تردّدها الألسن في مناسباتها.
وعلى خطيب المنبر الحسيني، أنْ يختار القصيدة الملائمة للمناسبة التي يحييها. إذ لكلّ ليلة من الليالي العشر الأوائل، من المحرّم، قصائد خاصة بها، كما أنّ قصائد العشرة الثانية من المحرّم، إلى نهاية شهر صفر، تركز على حالة السبايا بعد العاشر من المحرّم.
في حين أنّ لوفيّات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل البيتعليهمالسلام قصائد خاصة، في كلّ مناسبة)(1) .
ومن النتائج الإيجابية، لتعامل خطباء المنبر الحسيني مع الشعر، وتذوّقهم لغرره؛ نمو الحسّ الأدبي، وتفتح القريحة الشعرية، عند العديد منهم. فقلّما نجد خطيباً حسينياً مشهوراً، لا يكتب شعراً أو هو شاعر بالفعل، مسلّم بشعره وإجادته.
ولو رجعنا إلى الشكل التوضيحي السابق، لرأينا أنّ هذه الفقرة. أي القصيدة. خطّطت بخط متقطّع، وهدفي؛ أنْ أوضّح أنّ فقرة القصيدة، لا تعتبر أساسيّة في كل حال.
حيث يمكن الاستغناء عنها، في بعض المجالس، مثل مجالس
____________________
(1) يضاف إلى ذلك مجالس تأبين الموتى، حيث تقرأ قصائد الوعظ والإرشاد. وسيأتي لاحقاً تفصيل هذه المجالس ومناسباتها في فقرة (مواسم الخطابة الحسينيّة).
شهر رمضان الفضيل. كما أنّ الاهتمام بالقصيدة، يختلف من بيئة إلى أخرى. فمجالس الطبقات المثقّفة، وبعض تجمّعات المغتربين، وبعض المجالس المهمّة في المدن الشيعية الكبرى، قد تستغني عن القصيدة. حيث يبدأ الخطيب بمحاضرته مباشرة بعد المقدّمة.
وكان ممّا ميّز أشر خطيب حسيني معاصر، وهو الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، أنّه لا يبدأ بقصيدة رثاء، وإذا أراد ذلك اكتفى ببعض أبيات، تقرأ بهدوء واسترسال. إذا ما تطلب الموقف ذلك، مثل مجلس ليلة عاشوراء.
في حين، تعتبر القصيدة أمراً أساسيّاً في مجالس العشرة الأولى من المحرّم، بل وفي كل مجلس، في مآتم منطقة الخليج، ومجالس لبنان وأغلب مجالس التأبين، ومجالس البيوت الخاصّة.
3 - المحاضرة
كان من نتائج التطوّرات، التي حدثت على المنبر الحسيني، أنّه لم يعد مقتصراً على الجانب المأساوي والعاطفي لأحداث كربلاء. فقد تحوّل المنبر إلى مؤسّسة ثقافيّة وتربوية بارزة، في الأوساط الشيعية. وأخذ المشرفون على إقامة المنابر الحسينيّة، ومعهم طبقات الواعين والمثقّفين، يولون شروطاً أخرى، في خطيب المنبر الحسيني، الذي يُرشّح لإحياء مناسبة ما، غير شروط أجادة إنشاد الشعر الرثائي، والتفنن في الجانب العاطفي الحزين.
وتمثلت تلك الشروط الجديدة، بثقافة خطيب المنبر الحسيني، وتمكّنه من معالجة القضايا التي تهمّ الإنسان، من قضايا تربوية أو سلوكيّة، أو اجتماعيّة، أو اقتصاديّة، وحتى سياسيّة أو جهاديّة، إذا سمحت الظروف بذلك، أو اقتض الحاجة والمصلحة العامّة.
إنّ ثقافة الخطيب، وسعة معلوماته، صارت شرطاً أساسيّاً في المجالس المهمّة، والرئيسيّة، في العالم الشيعي، حيث (قد غدت هذه الدراسات الإسلاميّة، والقرآنيّة في بلاد كثيرة، ولدى مساحات واسعة من الرأي العام، مقياساً تعتمد عليه الجماهير، في الإقبال على المأتم الحسيني، أو انكفائها عنه، كما أنّ المقياس يعتمد، في اختيار الخطيب الحسيني، المجوّد في هذا الشأن)(1) .
لقد غدت مسألة اختيار خطيب المنبر الحسيني، المثقّف، والمربّي، والقادر على معالجة حاجات العصر، غدت مسألة يهتم بها المشرفون على إقامة المجالس الحسينيّة، ولاسيما العلماء منهم.
وكمثال، فقد ورد في ترجمة الشيخ حسين معتوق العاملي (1330 - 1401 هجرية)، وبيان نوعي اهتماماته، حينما عاد إلى بيروت، قادماً من النجف الأشرف، بعد فترة قضاها في طلب العلم هناك (1347 - 1371 هـ) حيث عاد عالماً في منطقة الغبيري، ببيروت.
إنّ من تلك الاهتمامات؛ كانت مسألة المجالس الحسينيّة، فيذكر: (وفي هذا المجال، يظهر دوره التأسيسي واضحاً، إذ كانت المجالس قل قدومه، وفي الفترة الأولى لاستقراره في بيروت. بدائيّة سطحية، لا تتناسب مع مستوى هذه الذكرى، ومعطيات تلك الثورة العظيمة، فكان دائماً (ما) يفكّر في تطويرها، بحيث تلتقي مع المستوى الثقافي، الذي كان يرتقي شيئاً فشيئاً، في بيروت وخاصة على صعيد الشباب، وبالأخص طلاب الجامعات، فكان أنْ اهتدى أخيراً إلى فكرة استقدام قارئ من أفذاذ النجف الأشرف، التي يتخصّص فيها، بعض أصحاب الكفاءات، في قراءة المجالس الحسينية، ويتفرّغون لكيفيّة تطويرها، بحيث تتلاءم مع هذا الزمن)(2) .
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الإمام الحسين في الوجدان الشعبي، ص266.
(2) معتوق، أحمد: الحسين مهاجراً وثائراً، ص13.
إنّ عظَم مهمّة خطيب المنبر الحسيني وأهمّيتها في المجالات، الثقافيّة، والتربويّة، والاجتماعية، وغيرها، أملت عليه أنْ يجهد نفسه، ويتعبها في المطالعة المستمرّة، والدراسات العلمية المتواصلة، ومتابعة الإصدارات الثقافيّة، والأدبية، والإسلاميّة العامّة. كما صار الخطيب الذي يريد لمنبره أنْ يكون نافعاً ومستقطباً للجماهير، أنْ يعيش في حالة طوارئ ثقافية وفكريّة - إنّ صحّ التعبير - فهو دائم الملاحظة يسجّل الشاردة والواردة، لا يمرّ به بيت شعر يُمكن توظيفه في محاضرته إلاّ وسجّله، أو فكرة هنا، أو خبر علمي هناك، أو فقرة ثقافيّة أو فكريّة يجدها في كتاب أو مقالة، إلاّ أودعه في دفتر ملاحظاته.
ولكلّ خطيب من خطباء المنبر الحسيني، مجموعة خاصّة به، يسجل فيها كل ما يُمكن، أنْ يُغني محاضراته. وسنأتي على مزيد من توضيح هذه النقطة، في فقرة أخرى، حينما نتحدّث عن الأوصاف المطلوبة في خطيب المنبر الحسيني.
فقد المحاضرة، تبدأ عادة إمّا بآية من القرآن الكريم، أو حديث شريف، أو مقطوعة من نهج البلاغة، أو ربّما بيت أو بيتين من الشعر، ثمّ يشرع الخطيب بعد ذلك بالشرح، وبيان ما يمكنه استفادته من النصّ في جوانب عدّة. وينقل مستمعيه، من فكرة إلى أخرى، ومن قضية إلى ثانية، مستعيناً في ذلك، بالشواهد الأدبية والتاريخية، وربّما العلمية، وبعض الإحصائيات، بما يوضّح الفكرة من جهة، وبما يرفع الملل والسأم عن المستمعين من جهة أخرى.
بل، وقد نجد بعض الخطباء، أحياناً، يذكرون بعض اللطائف الخفيفة، وربّما يضحك المستمعون لها(1) ، من أجل شدّ الأذهان،
____________________
(1) لم يعد خطيب المنبر الحسيني محصوّراً في حقل إنشاد الشعر الرثائي أو قراءة مقطع من أحداث واقعة كربلاء، بل توسّع الأمر ليتحوّل المنبر الحسيني إلى محاضرات تلقى فيها موضوعات مختلفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ البعد الزمني للمنبر الحسيني =
ورفع حالة الملل، أو الرتابة، عن أجوا المحاضرة.
ويتميّز الخطباء في قوّة الطرح، ويتفاوتون فيما بينهم. فهذا الخطيب يُعرف عنه بأنّه صاحب منهج في تفسير القرآن الكريم، وخطيب آخر، يعرف عنه، أنّه خطيب يهتم بالجوانب العلمية الحديثة وربطها بالإسلام، وثالث يغلب على محاضراته والوعظ والإرشاد أو الأبحاث التاريخيّة وهكذا(1) .
وهناك مجالس تُعقد في تأبين الموتى، وفيها يركّز الخطيب، على مجالات الوعظ، وذكر الموت والآخرة.
4 - التخلّص
وهي الفقرة الرابعة، من فقرات المنبر الحسيني، في عصره الأخير. والتخلّص هنا بمعنى؛ انتقال خطيب المنبر الحسيني، من المحاضرة التي كان يلقيها، والموضوع الذي كان يتناوله، إلى أجواء الحزن والبكاء على الإمام الحسينعليهالسلام والذي يختم بها محاضرته. ويتم هذا الانتقال، بطريقة فنّية، وأُسلوبٍ انسيابي، بحيث لا يشعر المستمع، إلاّ وقد نقله الخطيب، من أجواء تلك المحاضرة، وآفاقها المختلفة، إلى أجواء كربلاء وأحداثها المحزنة.
إنّ هذه الطريقة تسمّى (التخلّص)، أي يتخلّص من موضوعه،
____________________
= شهد توسّعاً كذلك، حيث لم يعد الزمن محصوراً بأيام عاشوراء ذات البعد العاطفي الواضح، بل راح المنبر الحسيني يغطّي محاضرات في كل شهور السنة. وهذا ما يفسّر حاجة المحاضرة أحياناً للطيفة تطرح بشكل عابر في أثناء المحاصرة. إنّ البكاء أصبح فقرة تأتي في آخر المحاضرة. وقد يمتدح بعض خطباء المنبر الحسيني، بأنّه يمتلك قدرة فاقئة في نقل الحاضرين من أجواء الضحك إلى أجواء البكاء (المصنّف).
(1) سيأتي بيان المدارس الخطابية الحاليّة في الفصل الخامس، من هذا البحث.
إلى موضوع آخر، وقد ورد في لسان العرب: خَلَصَ (الشيء)، يَخلَصُ خُلُوصاً وخَلاصاً، إذا كان قد نشب ثمّ نجا وسلِم، والتخليص: التّنجِيَة من كل منشَب(1) .
و(التخلّص، أمر معروف في الشعر العربي، منذ أقدم العصور. فكلّما شعر السامع، بأنّه يعيش بأجواء ذهنية، ونفسية، متجانسة، مع الانتقال، من موضوع إلى آخر، كان دليلاً على توفيق الشاعر، وإجادته وإحسانه، والشواهد على التخلّص، في الشعر العربي، أكثر من أنْ تحصى، ومنها قول زهير بن أبي سلمى(2) :
إنّ البخيل ملومٌ حيث كان ولـ |
ـكنّ الجواد على علاّته هَرِمُ(3) . |
إنّ الخطيب الحسيني المُبدع، هو ذلك الخطيب، الذي يحسن كيفيّة نقل مستمعيه، من أجواء محاضراته إلى أجواء كربلاء. بأنّ يجد مسألة متشابهة، بين محاضرته، وبين مفردةٍ أو موقف، جرى في كربلاء وأحداثها. فإذا كان الخطيب يتحدَث - فرضاً - عن الطفل في المنظور الإسلامي، وكيفية تربيته، كعنوان لمحاضرته، فإنّ عليه أنْ يربط، نهاية هذه المحاضرة، وبطريقة فنّية، مع طفل الإمام الحسينعليهالسلام ، الذي رُمي يوم عاشوراء، وقتل وهو في أحضان أبيه(4) . كأن يقول - مثلاً - وهو يذكر اهتمام الإسلام بالطفل ورعايته..
____________________
(1) ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، 7 / 26.
(2) زهير بن أبي سلمى بن ربيعة بن رباح المزني: شاعر جاهلي من أصحاب المعلّقات شعره يميل إلى الحكمة. وذكر في معلقته سعيه نحو الصلح. ولد نحو 530م توفّي نحو 609م. (الزركلي، خير الدين: الأعلام: 3 / 52).
(3) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الإمام الحسين في الوجدان الشعبي، ص300.
حيث تخلّص الشاعر (زهير) من موضوع ذمّ البخيل إلى مدح صاحبه الجواد، وهرم هذا، اسم رجل كان صاحباً لزهير واسمه: هرم بن سنان بن أبي حارثة المري (راجع ابن منظور - لسان العرب 12 / 608).
(4) جاء في تذكرة الخواص، في ذكر من قتل مع الحسينعليهالسلام من أهله: (وقُتل عبد الله بن الحسين، وأمّة الرباب بنت امرئ القيس...) (سبط ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي، =
هكذا هي مفاهيم الإسلام، وتعاليمه في حق الطفل والطفولة، ولكن لا أعلم - والحديث لا يزال للخطيب الحسيني - أين ذهبت هذه التعاليم، ولماذا لم تُرعَ مع أطفال الحسين يوم عاشوراء؟، نعم لقد نسيُت تعاليم السماء، مع ذرّية وأبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كربلاء..
ثمّ يزيد خطيب المنبر الحسيني، من تفصيلات ذلك، وكيف جاء الإمام الحسين حاملاً لطفله، يطلب له الماء. وبهذا نقل الجمهور من محاضرة عامّة حول الطفل وحقوقه، إلى مسألة خاصة، بأحداث عاشوراء، وهي مسألة قتل طفل من أطفال الحسينعليهالسلام . (وسنورد، في نهاية هذا الفصل، نموذجاً لمحاضرة من محاضرات المنبر الحسيني).
وكلّما كان خطيب المنبر الحسيني، مطّلعاً على تفاصيل أحداث كربلاء، وسيرة الحسينعليهالسلام ، وكل ما يتعلّق بحركته، كان أقدر على اختيار وجه الشبه المناسب، الذي يعتبره جسراً ينتقل عليه من محاضرته، إلى أجواء المصيبة.
يُضاف إلى ذلك، حسّ الخطيب الأدبي، وتجربته الطويلة، وبما استفاده من أساتذته وربّما من خطباء آخرين مثله.
____________________
= تذكرة الخواص ص229).
وفي البداية والنهاية: (ثمّ إنّ الحسين أعيا، فقعد على باب فسطاطه، وأُتي بصبي صغير من أولاده، اسمه عبد الله، فأجلسه في حجره، ثمّ جعل يقبّله ويشمّه ويودّعُه، ويوصي أهله، فرماه رجل من بني أسد يقال له ابن موقد النار بسهم فذبح ذلك الغلام...) (ابن كثير، إسماعيل الدمشقي، البداية والنهاية، 8 / 203).
وأورد الطبري حديثاً للإمام محمد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام مع رجل من بني أسد قال فيه:(إنّ لنا فيكم يا بني أسد دماً) ، ولما سألهُ الأسدي عن ذلك قال:(أُتيَ الحسين بصبيّ له فهو فيّ حجره، إذا رماه أحدكم يا بني أسد، بسهم فذبحه فتلقّى الحسين دمه فلمّا ملأ كفّيه صبّه في الأرض...) (الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، 4 / 342). ويمكن كذلك مراجعة تاريخ اليعقوبي، 2 / 158. ومقتل الخوارزمي 2 / 37 وغيرها من المصادر.
إنّ فقرة التخلّص في المنبر الحسيني، هي من التطوّرات الشكلية والفنّية، التي طرأت عليه في المرحلة الأخيرة، من مراحل تطوّره.
ومرّ بنا، في ترجمة الخطيب الشيخ كاظم سبتي (ت: 1340 هـ)، في نهاية الفصل الثالث، إنّ المترجم له هو أوّل من ابتكر هذه الطريقة، والأسلوب الفنّي، في أداء المنبر الحسيني، وقد تطوّر التخلّص، مع تراكم الخبرات، وتجارب كبار خطباء المنبر الحسيني، حتى تميّز به بعض الخطباء، حيث يشيد به الناس، ويقولون: إنّ أُسلوب الخطيب الفلاني في التخلّص، فنّي ودقيق جدّاً، وعاطفي بشكلٍ واضح.
لقد أُلّفتْ بعض الكتب، التي يمكن أنْ تُعَدّ مصدراً لمجموعة كبيرة من حالات (التخلّص)، التي يحتاج إليها خطيب المنبر الحسيني ولاسيما المبتدئ منهم(1) .
إنّ توسّع آفاق المنبر الحسيني، وتناوله لأبعاد مختلفة للحياة، قد وسّعت من مجالات الاستفادة من أدق تفاصيل واقعة كربلاء. إنّ (باستطاعة المرء، أنْ يتحدّث عن أي شيء ثمّ يربطه بكربلاء.. كربلاء لها علاقة بكل شيء في الحياة)(2) .
وفي الأوساط الشعبية العراقيّة، والخليجيّة، يُعرف التخلّص بلفظ؛ (الگريز) بالكاف الأعجميّة، وهو يعني الانتقال. ويرى بعض شيوخ خطباء المنبر(3) ، هذا اللفظ جاء من (القريض)، ثمّ صحّف شعبيّاً فصار (الگُريز). إذ يذكر الخطيب بعد التخلّص، أبياتاً في الرثاء، من الشعر الفصيح، أي القريض.
____________________
(1) ومن تلك الكتب كتاب (الخصائص الحسينيّة) لمؤلّفه الشيخ جعفر التستري (ت 1303 هجرية).
(2) هويدي، فهمي: إيران من الداخل، ص225.
(3) هو الخطيب الحسيني المعروف السيد عبد الزهراء الحسيني، صاحب كتاب مصادر نهج البلاغة وأسانيده (ت 1414 - 1994).
5 - المصيبة
سبق وعرفنا أنّ المنبر الحسيني، إنّما نشأ أساساً في بداياته البسيطة، لأجل تذكّر الأحداث المؤلمة والمفجعة، التي مرّ بها الحسين وأهل بيته، ثمّ يُتلى الشعر الرثائي المذكر بذلك، فيتفاعل الحاضرون بالبكاء والحسرة وهو ما نعنيه بـ (المصيبة) هنا.
ومع كل التطوّر، الذي طرأ على المنبر الحسيني، وتوسّع الأمور التي يعالجها في أبحاثه، فإنّ عنصر المصيبة، وذكرها مع ما يناسبها من شعر رثائي حزين، وتصوير ذلك تصويراً عاطفيّاً، يبقى هو العنصر الثابت، في كل مراحل تطوّر المنبر الحسيني.
فإذا كان المنبر الحسيني في بدايته، لا يعني سوى الشعر الرثائي والحزن والبكاء، فإنّ هذه الفقرة لم تُلغَ، وإنّما تحرّكت لتصير في نهاية محاضرة المنبر الحسيني اليوم. إذ لابدّ لكل خطيب، من خطباء المنبر الحسيني، أنّ يذكر حادثة أو موقفاً ما من الحوادث والمواقف المحزنة، ويصوغها صياغة عاطفيّة متقنة، مع تهيئة ما يناسبها من شعر رثائي، بالأُسلوبين الفصيح والشعبي، وبأطوار وطرق خاصّة، فيتفاعل معها الحاضرون باللوعة والبكاء.
وإنّ ممّا يعين خطيب المنبر الحسيني، على اختيار الحدث المأساوي المناسب، مع محاضرته التي كان يتناولها، ويريد أنْ ينتقل منها إلى فترة المصيبة، ما يعينه على ذلك ما تركه الشعراء من شعر رقيق، قد تناول أدق التفاصيل، التي جرت للحسين وأهل بيته وأصحابه، وحال نسائه بعد شهادته. فهناك شعر رثائي، يتناسب مع كل حدث من أحداث حركة الإمام الحسينعليهالسلام ؛ منذ خروجه إلى مكة من المدينة، وحتى أحداث كربلاء ثمّ العودة إلى المدينة.
وفي فقرة المصيبة هذه، تظهر كفاءة الخطيب، ومقدرته الفنية،
على تصوير الواقعة، وبأطوارٍ، وطرق إنشاد حزينة، بما يجعل جمهور المجلس يتجاوبون معه عاطفياً. ينقل أحد الأدباء المصريّين، تأثره وبكاءه، حينما حضر عند أحد خطباء المنبر الحسيني، بقوله: (وصديقنا الأستاذ محمد نجيب زهر الدين، هو خطيب منبر الحسين، وفارسهُ المظفّر، وقد جلسنا إليه وسمعنا منه، فلم نملك للدمع طرفاً فنمنعه أنْ يسيل، ولا للقلب جلداً فنحبسهُ أنْ يطير، ولا للنفس مسكةً، فنبقي عليها دون أنْ تتمزّق أو تتفرّق...)(1) وكلّما كان الخطيب أقدر على إذكاء العاطفة، واستدرار الدموع، كان هو المطلوب الأكثر، وصاحب الحظ الأوفر. حيث تنهال عليه الطلبات، في إحياء مواسم المنبر الحسنين هنا وهناك.
إنّ المجالس الشعبية، ومجالس القُرى، وبعض المجالس التي تُعقد في البيوت، تعتبر المصيبة، وعذوبه صوت الخطيب الحسيني، وإجادته في عرض أحزان كربلاء، هي أهم ما يطلب في الخطيب. أمّا في مجالس الطبقات المثقّفة، والتي يشرف عليها الواعون من علماء ورساليين، والتي عادة ما تكون في المدن الكبرى والمراكز الإسلاميّة المهمّة، وبعض تجمّعات المغتربين، فإنّ محاضرة الخطيب تعتبر هي الأهم في اختياره، مع عدم إغفال جانب المصيبة، التي تبرز أهميتها، وبشكل واضح في مجالس عاشوراء، حيث موسم الحزن والأسى الأبرز، في مواسم المنبر الحسيني.
إنّ اختيار المصيبة ونوعيتها يختلف من مناسبة لأخرى، ومن موسم خطابي لآخر..
فالخطيب، يكون حرّاً في اختيار المصيبة، التي يختم بها
____________________
(1) سيد الأهل، عبد العزيز: زينب عقيلة بني هاشم - ص10، والطَرفْ: العين، الجلَد: الصبر، مسكة: بقيّة.
محاضرته، في شهر رمضان، أو شهر صفر، أو تلك التي تعقد في العشرة الثانية، والثالثة من المحرّم، وبشكل أقل. بل وفي كل المجالس التي تعقد طوال السنة.
أمّا العشرة الأولى من المحرّم، فإنّ الخطيب ملزم، بأنْ ينهي محاضرته في كل ليلة، بنقطة خاصة، وحديث معيّن، يتعلّق بحركة الإمام الحسين، وأبرز شهداء كربلاء. فمع إنّ كل شهداء كربلاء قتلوا في يومٍ واحد وهو يوم عاشوراء سنة 61 هـ. إلاّ أنّه جرت العادة، على أنْ تنتهي محاضرات ومجالس العشرة الأولى من المحرّم، على الشكل التالي:
في الليلة الأولى: في أهمية إقامة المآتم الحسينية، وفوائدها، وحثّ أئمّة أهل البيت، شيعتهم عليها. (وكأمثلة على ذلك ما أوردناه في ص81 وما بعدها).
في الليلة الثانية: خروج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة، ووداعه قبر جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيته.
في الليلة الثالثة: خروج الإمام الحسينعليهالسلام ، من مكة، يوم 8 من ذي الحجّة، وبكاء المودعين له.
في الليلة الرابعة: وصول الحسينعليهالسلام إلى كربلاء، ومحاصرة الجيش الأموي له.
في الليلة الخامسة: حركة مسلم بن عقيل(1) بن أبي طالبعليهالسلام واستشهاده في الكوفة.
____________________
(1) مسلم بن عقيل بن أبي طالب أمّه أمّ ولد تسمّى عليّة، أرسله الإمام الحسين إلى الكوفة لمّا راسله أهلها، يطلبون مجيئه إليهم، وصل الكوفة وبايع له ثمانية عشر ألف رجل، ثمّ قتل بعد ذلك في 8 ذي الحجّة 60 للهجرة وقبره مشهور في الكوفة. (الزنجاني، إبراهيم: وسيلة الدارين في أنصار الحسين، ص234).
في الليلة السادسة: أنصار الحسين، ومواقفهم، واستبسالهم في شهادتهم.
في الليلة السابعة: في استشهاد العباس(1) بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
في الليلة الثامنة: في استشهاد القاسم(2) بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
في الليلة التاسعة: في استشهاد علي الأكبر(3) بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
في الليلة العاشرة: في استشهاد الطفل الرضيع(4) عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب. أو وداع الحسينعليهالسلام عياله وأطفاله يوم عاشوراء(5) .
أمّا بالنسبة للمجالس، التي تعقد في وفيّات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل البيت من الأئمّةعليهمالسلام ، فإنّ المصيبة، تنتهي بذكر وفاته والحزن الذي تركه، ثمّ يُعرّج إلى واقعة كربلاء. في حين أنّ مجالس تأبين الموتى، تُختم بمصيبة الحسينعليهالسلام ، إذا كان المتوفّي رجلاً ومصيبة علي
____________________
(1) العباس بن علي بن أبي طالب أمّه فاطمة بنت حزام الكلابية، ولد سنة 26 للهجرة وهو أكبر مَن قُتل من أولاد علي والهاشميين، يوم عاشوراء، كان يحمل لواء الحسين. قُتل في كربلاء سنة 61 للهجرة، وقبره معروف وبارز. (المصدر نفسه، ص264).
(2) القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أمّه ولد تسمّى رملة، ولد في المدينة سنة 47 للهجرة. قُتل مع عمّه الحسين وله ثلاث عشرة سنة. (المصدر نفسه 277).
(3) علي الأكبر بن الحسين، ولد سنة 42 للهجرة، أُمّه ليلى بنت مرّة الثقفية، قتل مع أبيه الحسين في عاشوراء 61 للهجرة. (المصدر نفسه، ص285).
(4) عبد الله بن الحسين: طفل رضيع، أمع تسمّى الرباب بنت امرئ القيس الكلابية. قُتل في حِجر أبيه الحسين، وله ستة أشهر. (المصدر نفسه، ص280).
(5) هذا الترتيب لموضوعات المنبر الحسيني في العشرة الأولى من المحرّم هو الأشهر، وقد يوجد بعض التغيير في تقديم موضوع ليلة على أخرى، في بعض الأقاليم الشيعية. (الوحدة الثقافية المركزيّة - زاد المنبر الحسيني).
الأكبر، إذا كان المتوفّى شابّاً، وبالعبّاسعليهالسلام إذا كان أخاً، وبالسيدة الزهراءعليهاالسلام إذا كانت امرأة.
إنّ نجاح خطيب المنبر الحسيني، في إبراز فجائع كربلاء، بصورة عاطفيّة حزينة مؤثّرة، لا يعتمد على خصائص، وأوصاف الخطيب ذاته فقط، بل أنّ الأمر المهم، والأكثر تأثيراً، في إذكاء العاطفة، هي نفس أحداث واقعة كربلاء. فهي مقدار ما ضمّت من مواقف جهادية ورسالية، فقد حوت أحداثاً مؤلمة مُفجعة، ونستشهد هنا بأسطر من تفسير (في ظلال القرآن)، حيث نجد أنّ (الحسين - رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، والمفجعة من جانب، أكانت هذه نصراً أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة.
فأمّا في الحقيقة الخالصة، وبالقياس الكبير، فقد كانت نصراً. فما من شهيد في الأرض، تهتزّ له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب، وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيّعون وغير المتشيّعين، من المسلمين وكثير من غير المسلمين)(1) .
ويؤكّد هذين الجانبين، في موقف الإمام الحسينعليهالسلام ، أديب آخر، حينما يقول: (إلى روح أبي، التي علّمتني، منذ طفولتي، أنْ أحبّ الحسين ذلك الحب الحزين، الذي يخالطه الإعجاب، والإكبار، والشجن، ويثير في النفس أسىً غامضاً، وحنيناً خارقاً إلى العدل والحرّية والإخاء، وأحلام الخلاص)(2) .
ثمّ يضاف إلى إجادة الخطيب، وطبيعة أحداث كربلاء، نقطة ثالثة، تتمثل في نفسية الإنسان الشيعي، المهيّأة أساساً، للتفاعل مع
____________________
(1) قطب، سيد: في ظلال القرآن 5 / 3086.
(2) الشرقاوي، عبد الرحمان: الحسين ثائراً الحسين شهيداً، ص7.
الإمام الحسينعليهالسلام ، وأهل بيته، بما تراكم فيها من تاريخ موروث، وتربية طويلة، وأجواء عاطفيّة حزينة يألفها. كل ذلك، ممّا يسهّل عمل الخطيب الحسيني ومهمّته. إنّ للإمام الحسين، وكربلاء، وعاشوراء، مواقع خاصّة، في وجدان ونفسيّة الإنسان الشيعي، إذ (في يوم عاشوراء، وفي صحراء كربلاء، بدأ عصر التوحّد النفسي عند الشيعة الاثني عشرية. هذا الذي تنتزعه من الذاكرة بصعوبة، يحفظه أطفال الشيعة، بكل تفاصيله وشخوصه، يستحضرونه في كل مناسبة، ويتمثّلونه في كل موقف)(1) .
نعم إنّ مِن الصعب جداً (ومِن المحال، أنْ لا يذرف الشيعي الدموع؛ لأنّه جعل من قلبه، قبراً حياً، ومثوىً حقيقياً للإمام الشهيد)(2) .
وهذا هو حال الإنسان المسلم الشيعي، أينما وجد وحيثما حلّ. وتسجّل إحدى الأديبات، بعض ملاحظاتها، عن أجواء الحزن في العراق:
(أجل، إنّ السنين لتمضي والقرون، وأهل العراق، مقيمون على الحزن، يستمرئون طعمه، ويتعذّبون مذاقه، ويرهقون أنفسهم، بالإصرار على إحياء ذكرى خطيئة الذين ذهبوا، بإثم الإمام الشهيد.
وما أحسب أنّ التاريخ قد عرف حزناً كهذا، طال مداه حتى استغرق بضعة عشر قرناً، دون أنْ يفتر. فمراثي شهداء كربلاء، هي الأناشيد التي يترنم بها العراقيون، في عيد حزنهم، يوم عاشوراء من كل عام، وشاعرهم المفضّل، هو الذي يهيج لواعج شجنهم، ويغذي النار المتّقدة بوقودٍ جديد....
____________________
(1) الشيبي، د. كامل: الصلة بين التصّوف والتشيّع، ص97.
(2) هويدي، فهمي: إيران من الداخل، ص224.
شاعرهم المختار، هو الذي يُعيد على أسماعهم - في إثارة عنيفة - قصة تلك الفئة المؤمنة، التي آثرت الموت على التخلي عما تراه حقاً)(1) .
إنّ مَن لم يألَف حالة البكاء والتفاعل العاطفي للإنسان الشيعي، ولاسيما في عاشوراء، وبالأخصّ حين تلاوة نص مقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وبيان كيفيّة استشهاده، مع أهله وصحبه يوم العاشر من المحرّم، إنّ مَن لم يألَف ذلك، يبقى مندهشاً لهذه الظاهرة، وقد لا يتمالك نفسه، دون أنْ يشارك الآخرين لوعتهم وأحزانهم، يقول أحد الأدباء: (ولقد استمعتُ لشخص يدعى - عبد الزهراء الكعبي(2) - وهو تسجيل لمقتل الحسين، بأداء مؤثّر أيّماً تأثير، يروي مقاطع، ويغنّي مقاطع، ويكون الغناء بألحان متنوعة، وحزينة، آناً باللغة الفصحى، وأخرى بالعاميّة العراقية.
واستمعت إلى أصداء المشاركة الجماهيريّة الواسعة، والتأثير العميق لهذا الأداء في الناس، ولا أنكر، أنّني تأثّرت أشدّ التأثير وأبلغه، ممّا سمعت، وتدرّج تأثيره، بشكل (درامي) متصاعد، في نفسي، حتى وجدت الدمع ينساب مِن عيني أحياناً، والغصّة تملأ حلقي، بالرغم من أنّني كنت قد قرأت، في التاريخ، والقصص التاريخية، ما جرى على الحسين وركبه)(3) .
____________________
(1) عبد الرحمان، عائشة (بنت الشاطيء): السيّدة زينب ص167 - 168.
(2) الشيخ عبد الزهراء بن فلاح الكعبي، ولد في كربلاء سنة 1327 هجرية / 1907 م، درس فيها، ثمّ تخصّص بالخطابة الحسينية حتى برع فيها، أحيا مواسم خطابية داخل العراق وخارجه، اشتهر بقراءة نصّ قصّة مقتل الحسين يوم عاشورا الذي نقلته إذاعات بغداد والكويت والبحرين وبيروت في فترات زمنية مختلفة، توفّي في كربلاء ودفن فيها سنة 1394 هجرية / 1974م. (طعمة، سلمان هادي: معجم رجال الفكر والأدب في كربلاء، ص123) (نخبة من أدباء كربلاء: الشيخ الكعبي صوت حزين وعبرة ساكبة ص14 - 15).
(3) عرسان، علي عقلة: الظواهر المسرحيّة عند العرب، ص661.
إنّ إجادة خطيب المنبر، لفقرة المصيبة، يدل على مدى تمكّنه، من الجوانب الفنّية للخطابة الحسينية. (وقد تفنّن خطباء الشيعة في ذلك تفنّناً عجيباً، بحيث استطاعوا أنْ يحدثوا في كل مجلس، يخطبون فيه عويلاً شديداً، وهؤلاء الخطباء يتحدّثون إلى الناس، على قدر عقولهم، وباللغة التي يفهمونها، وكثيراً ما يُنشدون الأشعار العاميّة، بصوتٍ حزين، ومنغّم، فيُحدثون تأثيراً بالغاً في النفوس)(1) . وفي حقيقة الأمر، إنّ خطيب المنبر الحسيني يعتبر المحور في مراسم العزاء والمجالس التي تعقد في أيّام المحرّم، هذا أمرٌ واضح، ولكنّ هناك عوامل عدّة تعين الخطيب هنا على مهمّته.
فإنّ الإنسان الشيعي يعيش حالة انشداد وتفاعل كبيرين مع أحداث كربلاء في شهر المحرّم، ولاسيما العشرة الأولى منه، وبالأخص اليوم العاشر.
فإنّ أجواء كربلاء تحيط به أينما التفت، وحينما اتجّه!
فإذا أراد أنْ يكتب شيئاً في مفكرته الشخصية، وجد أمامه هذه المفكّرة تذكّره بأيام الحسين. وإذا تناول كتاب أدعية، لتلاوة دعاء مأثور، وجد أنّ كتب الأدعية هذه تفرز حيّزاً مهمّاً لشهر المحرّم وأجواء الحزن فيه وأعمال يوم عاشوراء التي ينبغي على المسلم الشيعي المبادرة إليها. فإذا خرج إلى الشوارع، وجد اللافتات السوداء التي كتبت عليها مقاطع مِن أقوال الإمام الحسين أو بقية الأئمّة فيه وفي أيام عاشوراء، وجدها مرفوعة أمامه، في الشوارع والساحات العامّة. وإذا تناول مجلّة شيعية، وجدها تولي هذه المناسبة اهتماماً واسعاً.
____________________
(1) الوردي، علي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص237.
كما ويجد أنّ أغلب الناس يلبسون الملابس السوداء لهذه الأيام.
فإذا ما دخل مسجداً للصلاة، وجد المساجد - هي الأخرى - قد كسيت بالقماش الأسود ولافتات الحداد. والتي تبقى طوال شهري محرم وصفر.
وكل هذه الأمور وغيرها، ممّا يسهّل عمل خطيب المنبر الحسيني، ويهيّئ النفوس لمحاضرته بشكلٍ كبير. وفي الملاحق وثائق عمّا يلي:
1 - صورة عن مفكرة شخصية شيعية، وكيف تنظر إلى أيام عاشوراء.
2 - صورة عن أكثر كتب الأدعية انتشاراً في الأوساط الشيعية حول شهر المحرّم وعاشوراء.
3 - صورة عن مجلّة إسلامية شيعية تصدر في بيروت. لشهر المحرّم.
4 - منشورات وزّعتها جمعية المعارف الإسلامية الثقافية التابعة لحزب الله تحثّ فيها على إظهار أدواء الحزن والعزاء.
5 - صورة لمحراب مسجد الحسنين في حارة حريك ببيروت في شري محرم وصفر.
6 - الدعاء
وهي الفقرة الأخيرة، من فقرات المنبر الحسيني، وبها ينهي الخطيب حديثه. وعادةً ما يبتهل الخطيب إلى الله تعالى، بطلب المغفرة، والعافية، وحسن العاقبة. ويدعو لعلماء المسلمين، ومجاهديهم، وللحاضرين.
ويخصّ المؤسّسين، أو الباذلين أموالهم، بدعاءٍ خاص.
ثمّ يهدي ثواب الفاتحة، إلى أموات هؤلاء، وعموم المؤمنين والمسلمين.
ولكل خطيب، من خطباء المنبر الحسيني، أُسلوب دعاء اعتاده، يختم به محاضرته ومنبره.
وأودّ أنْ أختم موضوع هيكلية المنبر الحسيني، بقطعة من أرجوزة شعرية، لأحد خطباء المنبر الحسيني، في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، حيث يقول:
في بلدتي من الخصال الجيّدة |
مـجالسُ الوعظ بها مشيّدة |
|
مـجالسٌ عـلى مدى الأيام |
يـحضرها جمعٌ من الأنام |
|
فـخطبةٌ تُـتلى بـها وشعرُ |
وآيـةٌ أنـبأَ عـنها الـذِكّرُ |
|
مختومة بذكرِ آل المصطفى |
أعلا بها الله بلادي شَرفاً(1) |
ويصف أحد طلبة العلوم الدينيّة اللبنانيين، حينما كان يدرس في النجف الأشرف، مجلساً يُقام فيه المنبر الحسيني ملخصاً ما ذكرنا من
____________________
(1) الطريحي، محمد سعيد: مجلّة الموسم، العدد (9 - 10) ص327.
الفقرات بقوله:
(يردّد القرّاء بعض العبارات، باعتبارها، مدخلاً لجميع قرّاء التعزية فيقول: صلّى الله عليك يا رسول الله، وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين.. ما خاب من تمسّك بكم، وأمِن مَن لَجأ إليكم، يا ليتنا كنّا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً.
ويختلف القرّاء في بدء القراءة، فمنهم مَن يقرأ آيات من القرآن الكريم، ويفسّرها، ويعرّج بها على قضية الإمام الحسينعليهالسلام . ومنهم مَن يبدأ بخطبة من خطب نهج البلاغة، أو قصيدة بحق آل البيتعليهمالسلام ، ويتدرّج بالحديث حتى ينتهي إلى جانب من ثورة الحسينعليهالسلام .
ويتخلّل كل ذلك أبيات، أو قطع شعرية، لبعض الشعراء تخص الموضوع، ويعرّج في النهاية على الأحداث التي تجسّدت في اليوم العاشر من المحرّم. ويختم المجلس بقراءة بعض أبيات الرثاء الشعبية، وعندها يضجّ الحاضرون بالبكاء، وبعد ذلك بيتاً، أو صدر بيت من الشعر القريض، يختم به القراءة، ثمّ يدعو للمسلمين، وأعلام الدين، والمؤسّس للمجلس ومَن يلوذ به، ويطلب قراءة سورة الفاتحة، وإهداء ثوابها إلى أرواح المؤمنين والمؤمنات)(1) .
مواسم المنبر الحسيني
يحتلّ المنبر الحسيني في عصرنا الحاضر مساحة واسعة، في الأوساط الشيعيّة في العالم. وتمتد مناسباته في أغلب أيام السنة، ليشمل نشاطات دينيّة واجتماعيّة مختلفة. وكان لإنشاء أمكنة خاصة، لإقامة المنابر الحسينية(2) أثر واضح على نمو هذه المنابر، واتساعها، واستمراريّة إقامتها.
____________________
(1) العاملي، عبد الحسين نور الدين: مأساة إحدى وستين ص130.
(2) وهي ما تعرف اليوم بـ (الحسينيات)، أو النوادي الحسينية. والتي سنتوقّف عندها، في نقطة أخرى إنْ شاء الله.
ويصل الأمر، أنّ حسينيات، في مناطق مختلفة من العالم الشيعي، يعقد فيها المنبر الحسيني، كل يوم وعلى طوال السنة! نجد ذلك في بعض حسينيات، الكويت، والبحرين، والمنطقة الشرقية في السعودية وعُمان... إضافة إلى مناطق أخرى خارج الأقاليم العربية.
وممّا أسهم في اتساع المنبر الحسيني، وامتداده بهذه الصورة، التطوّر النوعي الكبير، الذي راح معه خطيب المنبر الحسيني يعالج مختلف القضايا، التي تقع ضمن دائرة اهتمام الإنسان المسلم، في تربية نفسه أو شؤون أسرته، أو التعامل الاجتماعي.
وكان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، أثر بالغ على اتساع المنبر الحسيني، وعظم مساحته في بعض الأقاليم الشيعية، أو في المهاجر.
والمثال الأبرز في هذا الشأن، ما نجده في لبنان، حيث امتد المنبر الحسيني، في المناطق الشيعيّة في لبنان، بشكل كبير وواضح جداً بعد عام 1979م. ولا ننسَ العامل المهمّ، والأساسي الذي يشدّ الإنسان الشيعي، لحضور المنبر الحسيني، وهو عامل التقوى والتقرّب إلى الله تعالى، حيث يعتبر حضور المنابر الحسينية عملاً عبادياً، يرجو به مزيداً من الثواب، وموالاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله.
وإنّ العديد من المبلغين والدعاة إلى الإسلام، لا يجدون مناخاً في الأوساط الشيعية، يوفّر لهم حضوراً جماهيرياً، ومبرّراً حاضراً طوال العام، مثل دعوة الناس، إلى حضور مأتم حسيني.
ولهذا فضّل العديد من العلماء، والمبلّغين، والدعاة إلى الإسلام - أنْ يسلكوا سبيل المنبر الحسيني؛ لأنّه المنبر الأقدر على شدّ الناس، والأفضل في التأثير عليهم، في الأوساط الإسلامية الشيعية.
وللوقوف على المناسبات، التي تبرز ظاهرة المنبر الحسيني، نذكر ذلك، ضمن قسمين رئيسيين هما:
1 - مجالس المناسبات العامّة
فالمجالس والمناسبات العامّة، نعني بها المنابر الحسينية التي تُعقد في المواسم الدينية العامّة، ولا تخص الجهة، أو الشخص الذي يقيمها، ويدعو إليها.
وهي كالتالي:
1 - مجالس شهر محرّم الحرام.. وهي أبرز موسم للمنبر الحسيني، وأشدها اتساعاً وجذباً للجمهور. وخاصّة العشرة الأولى من الشهر، والتي طلق عليها (أيام عاشوراء)، حيث تشتدّ المجالس، وتتّسع المنابر فيها، بحيث لا يتخلّف عنها، حتى قليلو الالتزام الديني من الشيعة.
2 - مجالس شهر صفر.. حيث تستمر المجالس، والمآتم الحسينيّة لتحتضن المنبر طوال هذا الشهر؛ لأنّه الشهر الذي شهد حركة ركب السبايا - بعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام - من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام رجوعاً إلى المدينة المنورة في آخر شهر صفر، أو بعده.
وتعتم طريقة (العشرات) في قراءة المنابر الحسينية، في مآتم وحسينيات؛ العراق والكويت والبحرين، والمنطقة الشرقية في السعودية. وهي: أنْ يقرأ خطيب المنبر الحسيني، عشر ليالٍ. في مكان، أو حسينية ما، ثمّ ينتقل إلى حسينية أخرى في عشرة ثانية وهكذا.
وذلك طوال شهري محرّم وصفر. وهكذا يتجدّد خطباء المنبر الحسيني. ويتم الاستفادة من أكبر عدد ممكن منهم. كما يمكن للجمهور الحسيني، أنْ يقارن بين خطيب وآخر، من حيث المستوى، والأداء وأسلوب الطرح.
أما في الإمارات، وعُمان، فإن الخطيب الحسيني، عادةً ما يتفق معه على شهر كامل، مثل شهر محرم الحرام، أو شهر صفر(1) . فيمكن أنّّّْ تكون القراءة في مكان ما في شهر المحرّم، فيما ينتقل إلى محل آخر في شهر صفر.
3 - مجالس شهر رمضان المبارك.. وهي مجالس تأتي، بعد مجالس المحرّم، من حيث الحضور؛ لأنّ الشدّ العاطفي المميّز لأيام عاشوراء، والذي يعيشه الإنسان الشيعي، لا يكون موجوداً في هذا الشهر الكريم. ولهذا؛ فإنّ حضور مجالس شهر رمضان التي يركز فيا على المفاهيم القرآنية والتربوية والتاريخية - هو غير حضور مجلس المحرّم، لاسيما العشرة الأولى منه، حيث موضوعات السيرة الحسينية ذات البعد العاطفي المتّقد.
كما أنّ أغلب روّاد مجالس شر رمضان، من الملتزمين دينيّا، بينما تشمل مجالس عاشوراء كل شيعي، بغض النظر عن مدى التزامه.
إضافة إلى أن مجالس المحرّم تشمل كل المناطق الشيعيّة، بينما تختص مجالس رمضان، ببعض تلك المناطق. وتعقد أغلب المجالس الرمضانية في المساجد.
4 - مجالس وفيّات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والسيدة الزهراء، وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ..
____________________
(1) جرت العادة على أنْ يتعلّق خطيب المنبر الحسيني أُجرة على محاضراته المنبريّة. وتزداد هذه الأجرة مع اتساع شهرة الخطيب وعلوّ مكانته، كما ويتفاوت مقدارها من منطقة لأخرى، ومن مجلس لآخر، ومن موسم خطابي لثانٍ. وقد يتمّ الاتفاق على مقدار الأجر مقدّماً، وقد يوكل إلى التراضي بعد انتهاء الموسم التبليغي. وفي الملاحق مجموعة من الاستفتاءات أرسلتها إلى اثنين من المراجع الشيعة في مسائل تتعلّق بأجرة الخطيب الحسيني. أوردتها توضيحاً لهذه المسألة.
لقد تقدّم أنّ المنبر الحسيني، تطوّر في اهتمامه والمساحة التي يشغلها، ليشمل مناسبات أخرى، غير عاشوراء وما جرى للإمام الحسينعليهالسلام . وبدأ ذلك - كما ذكرنا - في المرحلة الأولى مراحل تطوّر المنبر الحسيني. وساعد على ذلك، ما يشعر به الإنسان الشيعي، من أنّ ما لاقاه الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام من أذىً، وظلم، هو نوع آخر ممّا جرى عل الإمام الحسين من آلام ومعاناة.
إنّ هناك مجالس خاصة، يتحدّث فيها خطيب المنبر الحسيني، عن سِيَر ومواقف، وتوصيات صاحب الذكرى التي تُحيى. ولابدّ أنّ يبدأ الخطيب، في هذا النوع من المجالس بقصيدة خاصة بتلك المناسبة، ثمّ يذكر وفاة أو معاناة صاحب الذكرى. ولابدّ في النهاية من التعريج على الحسين وكربلاء. كي يُشبع الجانب العاطفي من الخطبة(1) .
ويقيم علماء، ووجوه اجتماعيّة، وحسينيات، هذه المجالس المختصّة بأهل البيت، ووفيّاتهم، وهذه المناسبات كالتالي:
1 - وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في 28 صفر.
2 - وفاة السيدة الزهراءعليهاالسلام في 13 جمادي الأوّل أو 3 جمادي الثاني (حسب اختلاف الروايات).
3 - وفاة الإمام عليعليهالسلام في 19 - 21 شهر رمضان.
4 - وفاة الإمام الحسنعليهالسلام في 7 صفر.
5 - وفاة الإمام علي بن الحسين (زين العابدين)عليهالسلام في 25 محرّم.
6 - وفاة الإمام محمد بن علي (الباقر)عليهالسلام في 7 ذي الحجّة.
____________________
(1) وهو ما عرفناه سابقاً بفقرة (المصيبة) في فقرات هيكلية المنبر الحسيني. وهي الفقرة الأخيرة التي تأتي بعد المحاضرة التي يتم فيا الحديث عن جوانب مختلفة في شؤون المعرفة والثقافة الدينية والعامّة، كما وضّح ذلك سابقاً.
7 - وفاة الإمام جعفر بن محمد (الصادق)عليهالسلام في 25 شوال.
8 - وفاة الإمام موسى بن جعفر (الكاظم)عليهالسلام في 25 رجب.
9 - وفاة الإمام علي بن موسى (الرضا)عليهالسلام في 17 صفر.
10 - وفاة الإمام محمد بن علي (الجواد)عليهالسلام في 30 ذي القعدة.
11 - وفاة الإمام علي بن محمد (الهادي)عليهالسلام في 3 رجب.
12 - وفاة الإمام الحسن بن علي (العسكري)عليهالسلام في 8 ربيع الأوّل.
كما ونلاحظ، أنّ بعض هذه المناسبات يقع ضمن المواسم المنبرية الرئيسيّة؛ محرّم وصفر وشهر رمضان، بينما تتوزّع المناسبات الأخرى، على طوال العام. ويلاحظ أنّ المجالس، التي تخص وفاة السيدة الزهراءعليهاالسلام والإمام موسىعليهالسلام بن جعفر، تتميّز بحضور جماهيري واضح.
2 - مجالس المناسبات الخاصة
وهي القسم الثاني من المناسبات، التي ينشط بها المنبر الحسيني، فهي مناسبات خاصة، بالشخص، أو الجهة التي تقيمها، وهذه المناسبات هي:
1 - مجالس العادات الأسبوعية: وهي مجالس العلماء، وبعض الوجوه الاجتماعية. ويختار لذلك وقت المساء بعد صلاة العشاء عادة، وهناك مجالس تقام عصراً أو صباحاً في أحيان أخرى. ولكلّ مجلس من هذه المجالس، يوم محدّد في الأسبوع، فهنا، مجلس كل ليلة جمعة، وهناك مجلس آخر عصر يوم الجمعة، وثالث في مساء كل يوم ثلاثاء.. الخ.
وهي مجالس، تتميّز بحضورها المحدود والخاص. وتتحوّل إلى مجالس اجتماعيّة، ولقاءات عامّة، أو مجال للبحوث العلميّة
الفقهية بالنسبة لمجالس العلماء.
وعادة ما يكون لكل مرجع من مراجع الدين، في النجف الأشرف، أو قم، أو أي مدينة أخرى، مجلس أسبوعي معرو ف.
2 - مجالس تأبين الموتى: جرت عادة الشيعة على أنْ يُختم مجلس الفاتحة، والتأبين الذي يقام في مناسبات الوفاة وتُتلى فيها آيات من الكتاب العزيز، أنْ يختم المجلس بمنبر حسيني. حيث يرتقي الخطيب، ليذكّر الناس بالآخرة والموت، ثمّ يختم حديثه بالتعريج على مصائب الحسينعليهالسلام . أو أحد أهل بيته بما يناسب حال الميت.
(فإذا كان الميت طفلاً، يقرأ عن الطفل الرضيع عبد الله، وإذا كان شاباً يقرأ عن القاسم أو علي الأكبر، وإذا كان أخاً، يقرأ عن العباس، وإذا كان رجلاً، يقرأ عن الحسين، وإذا كانت سيدة، يقرأ عن السيدة الزهراء أو عن السيدة زينب)(1) . (وفي الملحق، نموذج من ملصقات الإعلان عن مجلس تأبين لميت شيعي).
3 - مجالس المناسبات: لم تقتصر المنابر الحسينية على ما ذكر أعلاه بل راحت تشمل مناسبات أخرى، قد يستغرب البعيد عن عالم المنبر الحسيني، أنْ يقام في أمثالها، مثل: الانتقال إلى منزل جديد، الرجوع من الحجّ، الوفاء بنذر، على تحقّق أمر محبوب أو دفع آخر مكروه. وفي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة استقدام حملات الحج، بعضاً من خطباء المنبر الحسيني ليكون مرافقاً للحجّاج، في مكّة والمدينة(2) ، وبقية المشاعر المقدّسة.
____________________
(1) البعيني، حسن أمين: العادات والتقاليد في لبنان، ص122.
(2) تضم المدينة المنوّرة، إضافة إلى قبرَي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم ّ) والسيدة الزهراء، قبور أربعة من أئمّة أهل البيت هم، الإمام الحسن، الإمام عليّ بن الحسين، الإمام محمد بن علي الباقر، الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهمالسلام ، وكلّهم في مقبرة البقيع، وتتركّز المجالس الحسينية المقامة في المدينة المنورة، من قِبَل الحجاج الشيعة، على سيرة هؤلاء المقدسين ثمّ لا بد بعد ذلك من التعريج على كربلاء.
حيث يزدهر المنبر الحسيني، في موسم الحج، بشكل واضح في الحملات الشيعيّة، سَواء الخليجيّة أم اللبنانية، أو تلك التي تنظمها الجاليات الشيعيّة المغتربة في العالم. وهذا التوسّع في مجالس المناسبات، كان متلائماً مع التطوّر النوعي في مادّة المنبر الحسيني ومحاضرته، التي راحت تتّسع لحاجات ثقافية، واجتماعية متنوّعة، وعادة ما تكون مجالس المناسبات هذه عند الفئة الملتزمة دينياً منم الشيعة. ومن باب أولى انتشارها في بيوت العلماء وطلبة العلوم الدينية.
ويتولّى الشخص صاحب المناسبة مهمّة الدعوة إلى مجلسه، وتهيئة مستلزماته، ولمزيد من التوضيح نراجع الشكل التوضيحي رقم(2) التالي:
الشكل التوضيحي رقم(2)
حيث تتّضح كثافة المنابر الحسينية في المناطق الشيعية، طوال أشهر السنة. وضمن عدّة مستويات هي:
1 - المستوى (أ) يعتبر قمّة ما يصل غليه المنبر الحسيني من اتساع وقوّة حضور وذلك في العشرة الأولى من المحرّم.
2 - المستوى (ب) مستوى المنبر وحضوره في بقية شهر محرم وطوال شهر صفر.
3 - المستوى (ج) مستوى المنبر وكثافة الحضور في شهر رمضان الفضيل.
4 - المستوى (د) المستوى الطبيعي لكثافة المنابر طوال السنة عدا ما ذكرناه أعلاه.
5 - النتوءات البارزة، تشير إلى الكثافة المفاجأة للمنبر الحسيني، في مناسبات وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والسيدة الزهراء وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام . كما بُيّن تاريخ كل مناسبة في الشكل المجاور.
د - من يتولّى إقامة المنبر الحسيني؟
بعد أنْ عرفنا في النقطتين السابقتين، من هذا البحث، هيكليّة المنبر الحسيني والمواسم التي يعقد فيا المنبر الحسيني، وبما اتّضح لنا من سعة هذه المؤسّسة التبليغيّة الكبيرة في أوساط الشيعة. لابدّ أنّ سؤالاً يتبادر إلى الذهن، حول الجهات أو الهيئات، التي تتولّى مهّمة دعوة خطيب المنبر الحسيني، وتهيّئ لإقامة المنبر الحسيني ومتطلباته.
إنّ الجهات التي تتولّى مهمّة إقامة المنابر الحسينية، وتدعو إليها، جهات مختلفة. ففي مجالس المناسبات الخاصّة - التي سبق بيانها - يتولّى الشخص صاحب المناسبة مهمّة الدعوة إلى مجلسه وتهيئة مستلزماته؛ إذا كان عنده حفل تأبين لميّت له، أو إذا كانت عنده مناسبة خاصة به. أو لمجلسه الأسبوعي الخاص به، والذي يعقد في بيته. في حين تتولّى جهات وأشخاص متنوّعون، مهمّة الدعوة إلى إقامة المنابر الحسينيّة، في المناسبات والمجالس العامّة. وهذه الجهات هي:
1 - أئمّة المساجد أو الهيئات واللجان المشرفة عليها
إنّ أوسع المنابر الحسينية، وأهمّها، هي تلك التي تعقد في المساجد الكبيرة، أو الحسينيات الضخمة، والتي عادةً ما يشرف عليها العلماء وأئمّة المساجد، أو اللجنة المكلّفة بشؤون هذا المسجد أو تلك الحسينية.
ويتولّى إمام المسجد، أو المسؤول على الحسينية، مهمّة اختيار
خطيب المنبر الحسيني المناسب، وتهيئة كل مستلزمات إقامة تلك المنابر، من إضاءة، وأفرشة، وما يُقدّم من أشربة وأطعمة، حسب العادات المتّبعة في ذلك البلد. بينما تتشكّل لجان خاصة - في بعض المناطق ولاسيما منطقة الخليج - من أجل اختيار الخطيب المطلوب.
وعادة ما ُتقدّم الهبات، والنذور، والتبرّعات، لإرفاد هذه المجالس، وتغطية مصروفها. وأغلب هذه المآتم تقام عادةً في الليالي.
2 - الأسر العلمائية
يقيم العديد من الأسر العلمائية مجالس خاصة باسمها، تؤمّها طبقات مختلفة من المجتمع، وخاصة العلماء، وطلاّب الدراسات الدينيّة، والوجهاء من المجتمع. وعادة ما تكون هذه المجالس - التي تُشرف عليها الأسر العلمائيّة - في المدن المقدّسة. حيث الحوزات العلميّة والمدارس الدينيّة مثل النجف الأشرف، وكربلاء والكاظميّة ومناطق أخرى...
وقد تعقد هذه المجالس صباحاً وربّما عصراً. وتحضى مجالس مراجع الدين بأهمّية خاصة. إذ (تمتاز النجف، بمجالسها العامرة بالجماهير، ومنها مجلس الإمام السيد محسن الحكيم(1) ، وكان مخصّصاً لقراءة المآتم الحسيني لمدّة خمسة عشر يوماً. وكان يؤمّه كبار العلماء، والشخصيات الاجتماعية، والعلميّة والسياسيّة والطبقات كافّة، وكان هذا المجلس يعقد أيام حياته)(2) .
____________________
(1) السيد محسن بن السيد مهدي بن صالح الطباطبائي الحسني الحكيم، فقيه عصره وسيد الطائفة وكبير المراجع. له مشاريع ومآثر خالدة، قاوم المستعمر الانكليزي منذ دخوله العراق عام 1914م. تصدّى للشيوعيين بفتواه الشهيرة (الشيوعيّة كفر والحاد) ازدهرت الحوزة العلميّة والحركة الإسلامية في عهده مات سنة 1390 هجرية ودفن في النجف. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 423).
(2) السّراج، عدنان إبراهيم: الإمام السيد محسن الحكيم، ص161.
وهناك مجالس علمائية تاريخيّة، مثل مجلس آل بحر العلوم والتي بدأها (سيد الطائفة، وزعيمها السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفّي في 1212 هجرية. الذي كان يقيم مجالس عاشوراء في داره، وهي الآن تقام من قِبل أحفاده، بل إنّ ذلك المحفل يُعد من أعظم محافل النجف الأشرف، في العشرة الأولى وأكثرها تجمّعاً. وهو خاتمة المجالس الصباحيّة حيث يختم قريباً من الظهر)(1) .
3 - الأعيان والوجهاء
يتولّى بعض أعيان المناطق الشيعية ووجهائها، مهمّة إقامة مجالس للمنبر الحسيني، ولاسيما في العشرة الأولى من المحرّم، وهذه المجالس هي غير المجالس التي تقام لمناسبة خاصة؛ بل هي مجالس عامّة، أي تقام لأجل مناسبة عامة مثل عاشوراء، غاية ما هنالك، إنّ الذي يتولّى الإنفاق عليها، وتهيأتها شخص، وليس لجنة أو أسرة، وكذلك مهمّة اختيار الخطيب، (إنّ كل وجيه أو غني من الشيعة، يميل إلى إقامة مجلس يقرأ فيه مقتل الإمام الحسين، لمدّة عشرة أيام، خصوصاً في شهر محرّم، وشهر صفر من كل عام)(2) .
4 - الأحياء والمناطق الشعبية
تنتشر في المناطق الشعبية في العراق، وفي مناطق متفرّقة من الأقاليم الشيعية الأخرى، مجالس للمنابر الحسينيّة، تشرف عليها الأحياء الشعبيّة، حيث يتولّى أهل ذلك الحيّ، مهمّة الدعوة إلى المنبر الحسيني، واختيار الخطيب المطلوب، وتهيئة مستلزمات إقامة هذه المجالس.
____________________
(1) الخالدي، فيصل: المنبر الحسيني في العراق.
(2) الوردي، علي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص237.
وعادة ما تُتّخذ الساحات العامّة، أو مفارق الطرق المهمّة في الأحياء، محلاًّ لإقامة تلك المنابر الحسينيّة حيث تُفرش الأرض، وربّما أخرج بعض الناس أفرشتهم أو ما عندهم من الأرائك. كما وتوضع مكبّرات الصوت على سطوح المنازل، ويوضع المنبر في موضع بارز يشرف من خلاله خطيب المنبر الحسيني على المستمعين.
5 - أصحاب الاختصاص الواحد أو الحرفيون
لقد امتدّ تأثير المنبر الحسيني في العراق - وربّما في مناطق شيعية أخرى - ليشمل النقابات، وأهل الأصناف المختلفة. حيث لم تقتصر مهمّة إقامة مجالس المنابر الحسينية، على العلماء أو متولّي شؤون المساجد أو الحسينيات أو اللجان الشعبية في المحلاّت والأحياء الشعبية. بل اتسعت المهمّة لتشمل أهل الحِرَف والأعمال، والمشتركين في مهمّة أو صناعة خاصة. فـ (مع تنامي الأحوال، تنعقد مجالس على مستوى المهن والفئات. مثلاً: مجلس باعة الأقمشة، ومجلس تجّار الحبوب، ومجلس الخيّاطين، ومجلس النسّاجين... وهكذا)(1) .
ولهذا نجد أنّ الأسواق، تعتبر مكاناً بارزاً لإقامة المنبر الحسيني. ففي هذا السوق - مثلاً - مجلس يقيمه بائعوا الأقمشة، حيث يغلقون دكاكينهم ومتاجرهم، ويفرشون أرض السوق بأنواع الأفرشة. في حين يقام مجلس حسيني آخر، في سوق آخر لبائعي الخضروات والفواكه وهكذا.
ويختار كل صنف، لجنة معينة من الملتزمين دينيّاً، والمؤهّلين
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص48.
لإدارة مثل هذه المهمّة، وتقوم تلك اللجنة بجمع التبرعات، والاشتراكات من أهل ذلك الصف طوال السنة، استعداداً لأيام عاشوراء. وربما توزّع صناديق خاصة بالتبرعات في الدكاكين والمتاجر.
ويمكن لمن يشترك في مجلس حسيني، لصنف من الأصناف أعلاه، أنْ يشارك في مجلس منبر حسيني آخر، في حسينيّة ما، أو في حيّه الذي يعيش فيه.
6 - القبائل والعشائر
تولي العشائر العربية الشيعية في العراق، مسألة المنبر الحسيني، اهتماماً بارزاً. إذ صار من المعتاد أنْ يقام منبر حسيني عند كل قبيلة أو عشيرة، في مضاربها وأماكن تواجد أفرادها. وعادة ما تقام هذه المنابر، في بيوت واسعة من الشعر (خيام كبيرة). حيث تخلو مضارب القبائل والعشائر في العراق من الحسينيات، ويقوم رئيس العشيرة بالإشراف على تلك المجالس، ويتولّى - قُبيل المحرّم - مراسلة مَن يعرف من العلماء أو المختصين، ليتم اختيار الخطيب الحسيني. وعادة ما ينزل الخطيب في ضيافة رئيس القبيلة.
ويسهُم أفراد القبيلة، برفد هذه المجالس، وإعداد ما تحتاجه من مصروفات. ويمكن مشاهدة هذه القبائل والعشائر بشكل واضح، وهي تؤم مدينة كربلاء، في يوم العشرين من صفر (مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين).
7 - أبناء المدن المقيمون في مدن أخرى
إنّ ظاهرة انتقال الإنسان من بلده إلى بلدٍ آخر طلباً للرزق، أو
بما تقتضيه مهنته، كموظّف أو عامل في دائرة ما، هي ظاهرة موجودة في مختلف الشعوب.
وفي العراق تبرز تجمّعات من أبناء منطقة ما، الذين تركوا بلدتهم الأولى، وسكنوا في بلدة أخرى، لأي سبب كان، حيث تُعقد مجالس المنابر الحسينيّة، والمآتم التي يشرف عليها هؤلاء المقيمون في مدينة ثانية. وأكثر ما تبرز هذه المجالس، في العاصمة بغداد، وبعض المدن الكبرى، التي تستقطب جموع المهاجرين، من بقية المدن.
فنجد في بغداد مثلاً مأتم لمنبر حسيني يشرف عليه أهل مدينة السماوة(1) المقيمون في بغداد، في حين يقيم أهل بغداد المقيمون في كربلاء مجلساً خاصاً وهكذا...
8 - الجاليات الإسلامية الشيعية في بلدان الاغتراب
إنّ عموم المسلمين المهاجرين إلى بلدان الاغتراب، في أمريكا وأوروبة واستراليا وأفريقيا، يولون اهتماماً بإنشاء المساجد، والمراكز الإسلامية، لتأدية الشعائر الدينية، وللمحافظة على الهوية الإسلاميّة، ورعاية أجيال الشباب المسلم الناشئ هناك. والمسلمون الشيعة يهتمّون - بالإضافة إلى ما سبق - بإقامة المنابر الحسينية، ولاسيما في العشرة الأولى من المحرّم، وربّما لفي ليالي شهر رمضان الكريم. (في ملحق هذا الفصل، صورة عن إعلان لمجالس عزاء في مدينة برلين بألمانيا).
ويقوم العلماء المقيمون هناك، أو المشرفون على المراكز الإسلامية، ومسؤولوا الجاليات، بمهمّة اختيار الخطيب الحسيني،
____________________
(1) مدينة على أطراف الصحراء، تقع على نهر الفرات جنوب بغداد بـ 220 كم.
وتهيئة المسائل التي تتعلّق، بالتأشيرة، ومكان الإقامة وكل المصروفات التي تتعلّق بالمنبر الحسيني.
ويمكن أنْ نلحق بهذه الفقرة، المآتم الحسينية التي تقيمها الأقليات القوميّة الشيعية المهاجرة، مثل مأتم الهنود في كربلاء، أو مأتم العرب المهاجرين في مدن إيران مثل قم ومشهد وهكذا.
9 - التنظيمات السياسية
إنّ علاقة المنبر الحسيني بالظروف السياسية، هي علاقة حادّة وحرجة. وقد تعرّض المنبر الحسيني، لمضايقات في أغلب الظروف السياسية، التي مرّت بالمسلمين، وكما شهد ازدهاراً في ظروف أخرى مؤاتية، مثل أيام البويهيين والصفَويين في بغداد، والفاطميين في القاهرة، والحمدانيين في حلب، كما سبق الإشارة إلى بعض ذلك.
وتنشط اليوم في الساحات الشيعية، عدّة تنظيمات إسلامية، تجد في أيام عاشوراء فرصة لا تضاهيها فرصة، طوال العام. من أجل الانفتاح على الأمّة، وتوظيف عواطفها، ضمن قضايا الإسلام الكبرى. وسنأتي على مزيد من توضيح هذه النقطة، في الفصل التالي، وهو الأخير من هذا البحث إنّ شاء الله تعالى.
وربّما قامت، بعض تلك التنظيمات الإسلامية الشيعية، بالإشراف، أو التأثير على بعض المجالس الحسينية، وهذا الإشراف قدي كون سرياً أو معروفاً ظاهراً، حسب الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية لكلّ بلد.
وقد برزت في السنوات الأخيرة، ظاهرة جديدة في الساحة اللبنانيّة - حيث أجواء الحرية والمميزات الخاصة بها - وهي ظاهرة المجالس الحسينية التي يشرف عليها، التنظيمان الشيعيان المعروفان:
حركة أمل وحزب الله. وذلك في كل المناطق التي تشهد تواجداً شيعياً، سواء في بيروت وضاحيتها الجنوبية، أم الجنوب والبقاع. حيث (تشارك الأحزاب حالياً في إحياء احتفالات عاشوراء، تنظيماً وحضوراً، بشكل يُظهر مدى تنظيمها وقوّتها. فترفع اللافتات والشعارات الكربلائية، والأعلام في أمكنة نفوذها. وتنظّم الاحتفالات ومجالس العزاء، وتتّخذ منها مناسبات للتعبير عن مواقفها ونظراتها، إلى الأوضاع والمشاكل الراهنة)(1) .
ويتولّى كل من التنظيمين الشيعيين، مهمّة الدعوة إلى تلك المجالس الحسينية، واختيار خطيب المنبر الحسيني المناسب. وعادة ما يستفاد من الباحات العامة. وقد تنصب الخيام في الشوارع. أو تقام في مساجد وحسينيات المدن والقرى الشيعية. وقد يتّفق التنظيمان على إقامة مجالس مشتركة في بعض الحالات. وما يقال عن حركة أمل وحزب الله في لبنان، يقال عن بقية التنظيمات الإسلامية الشيعية في مناطق أخرى، ولو بأنحاء مختلفة، لاختلاف الظروف.
ومتابعةً لهذه المسألة، فقد أجريت مقابلة شخصية مع الدكتور زكي جمعة(2) ، المسؤول الثقافي في حركة أمل، إقليم بيروت وفي سؤال لي حول اهتمام حركة أمل بالمجالس الحسينية أجاب:
(كانت الحركة سبّاقة في إقامة مأتم الإمام الحسين، بحيث إنّ الإمام السيد موسى الصدر(3) ، قد أعلن عن قيام وإنشاء حركة أمل ضمن الاحتفال
____________________
(1) البعيني، حسن أمين: العادات والتقاليد في لبنان، ص131.
(2) الدكتور زكي جمعة، مواليد 1967 علي النهري البقاع، دكتوراه دولة في العلوم الاجتماعية، الجامعة اللبنانية 2001م. دبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع 1993. له عدّة دراسات وأبحاث منشورة في الصحف والمجلات، وله كتابان تحت الطبع. المسؤول الثقافي لحركة أمل - إقليم بيروت. (معلومات من المترجم له شخصياً).
(3) السيد موسى بن صدر الدين الموسوي العاملي ولد في إيران بمدينة قم عام 1348 هـ نشأ وقرأ المقدّمات الحوزوية العلمية، حتى حضر درس الخارج على أكابر أساتذة وعلماء =
بأربعينية الإمام الحسين، في مدينة بعلبك عام 1974)(1) .
(والجالس التي تشرف عليها الحركة، في ازدياد، ففي بيروت هنا 36 مجلساً في عاشوراء، عام 1422 هـ ضمن بيروت وضواحيها فقط. ويتم الاستعانة ببعض الخطباء، من العراقيين والخليجيين)(2) .
وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله، حيث أكد السيد علي فحص(3) مسؤول الوحدة الثقافية في بيروت:
(إنّ هذه الوحدة وبقية الوحدات الثقافية التابعة لحزب الله تعيش حالة طوارئ عمل ضخمة أيام عاشوراء، في تهيئة خطباء المنبر الحسيني ومستلزمات إقامة المجالس، التي بلغ عددها في بيروت وضواحيها 98 مجلساً، في عاشوراء عام 1422)(4) .
ويمكن لنا أنْ ندرك مدى اهتمام الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الشيعية بالمجالس والمنابر الحسينية، عبر زيارة لمجلس عاشوراء المركزي لحزب الله، في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث الحضور الجماهيري المذهل، والانشداد الشعبي المنقطع النظير، مما أدّى إلى إنشاء بناء غاية في الضخامة والاتّساع، ليستوعب هذه الجماهير الكبيرة.
____________________
= الحوزة ومنهم الإمام الخميني. هاجر بعدها إلى النجف للدراسة ثمّ عاد مرّة أخرى إلى إيران وأصدر مجلّة. ثمّ هاجر إلى صور بلبنان، أسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وبقي شخصية دينية وسياسية مرموقة حتى سافر إلى ليبيا عام 1978 واختفى أثره. (الدجيلي، جعفر: موسوعة النجف الأشرف 14 / 253).
(1) (2) لقاء شخصي مع الدكتور زكي جمعة، بيروت في 29/1/2002م 15 ذو الحجّة 1422 هـ.
(3) السيد علي بن عزّ الدين فحص ولد في جبشيت عام 1964 أكمل الدراسة الثانوية عام 1981. ثمّ التحق بالدراسة الحوزوية في لبنان ثمّ عام 1986 م في مدينة قم بإيران. ثمّ العودة إلى لبنان عام 1998 بعد أنْ حضر دروس الخارج لمدّة خمس سنوات. ثمّ التزم عدّة مهمّات ثقافية منها مسؤولية وحدة بيروت الثقافية في أواخر سنة 1998.
(4) لقاء شخصي مع السيد علي فحص، بيروت، في 30/1/2002م.
10 - الشباب والأطفال
لم تقتصر مهمّة إقامة مجالس المنبر الحسيني، على الكبار من المجتمع. بل توسّعت دائرتها، لتشمل قطاعات من الشباب الصغار، والأطفال. فمن الظواهر الدينيّة - الاجتماعية البارزة، في العديد من الأقاليم الشيعيّة، ما يُعرف بمجالس أو مواكب الشباب والأطفال حيث تأسر الأجواء العاطفيّة الواسعة أعداداً كثيرة من الشباب، والأطفال، فيقومون بإنشاء مجالس خاصة بهم، ويتّخذون من بعض زوايا الأحياء الشعبيّة، محلاً لإقامة تلك المنابر الحسينية، على شكل (تكايا). ويهيّؤون ما يقدرون على تهيئته، من أفرشة، وأجهزة تكبير صوت، وبعض الأشربة، والأطعمة، التي عادة ما توزّع على الحاضرين ويقوم العديد من الناس بالتبرع لهذه المجالس الشبابيّة وتشجيعها.
وربّما يتبرع بعض خطباء المنبر الحسيني، بالقراءة لهم، لمزيد من التشجيع والدعم.
وعادة ما يختارون لهذه المجالس، أسماءً من شبّان شهداء كربلاء أو الأطفال. فهنا موكب علي الأكبر (ابن الحسّي) وهنا موكب (القاسم ابن الحسن) أو مأتم (عبد الله الرضيع)...
تلك عشرة كاملة، وبها نأتي على بيان اللجان، أو الهيئات المشرفة، على إقامة هذه المنابر الحسينيّة. والتي ينشط أغلبها في العشرة الأولى من المحرّم، وربّما كانت هناك جهات أخرى لم نذكرها هنا.
أماكن إقامة المنابر الحسينيّة
في نهاية هذا المبحث، من هذا الفصل نريد أنْ نتوقّف عند موضوع الأماكن والأبنية، التي تقام فيها المنابر الحسينيّة. وذلك لمزيد من محاولة إجلاء الصورة كاملةً، حول ظاهرة المنبر الحسيني اليوم، ومدى سعته، ومؤسساته في الأوساط الشيعية.
لقد مرّ با في النقاط السابقة، إشارات وبيان - أحياناً - للأمكنة التي ترعى المنبر الحسيني، وتهيأ له. ويمكن لنا أن نحضر تلك الأمكنة، بما يلي:
1 - المساجد
تتوسّع دائرة نشاطات العديد من المساجد، في المناطق الشيعية، لتضيف إلى مهمّة الصلاة، وتلاوة القرآن الكريم والأدعية، وخطبة يوم الجمعة (في المساجد الجامعة بالتحديد)، لتضيف مهمّة أخرى، وهي احتضانها للمنبر الحسيني.
وتختلف هذه المساجد، في مهمّتها هذه. حيث يُلجأ أحياناً إلى المساجد لعدم وجود الحسينية، أو لأنّ الحسينيّة لا تستوعب الذين يؤمّون المنابر الحسينية، فتفتح أبواب المساجد لاستقبالهم. وفي الأساس، فإنّ (الحسينيات موضوعة للرثاء والوعظ والإرشاد، ويمكن الاستفادة من المساجد كذلك في هذه الجهة..)(1) .
وفي بعض مناطق العراق الشيعيّة وبعض مناطق الخليج، تقتصر إقامة المنابر الحسينيّة في المساجد، على مجالس شهر رمضان
____________________
(1) الشيرازي، محمد بن المهدي: تجارب المنبر، ص11.
الفضيل؛ لأنّ المنبر الحسيني في شهر رمضان، يعنى كثيراً بالمحاضرات القرآنية والتربوية والأخلاقية، بما تنسجم كثيراً مع مهمّة المسجد. كما وتتبنّى بعض المساجد إقامة المجالس الحسينية في يوم معين بالأسبوع طوال السنة عدا موسمي المحرّم وشهر رمضان وأحياناً صفر.
إنّ إقامة مجالس العزاء في المساجد، مسألة قديمة، وقد مرّ بنا أنّ بعض مساجد القاهرة - أيام الفاطميّين - كانت تحتضن مراسم العزاء الحسيني يوم عاشوراء. مثل مسجد القاهرة (مسجد عمرو بن العاص) والجامع الأزهر وغيرهما.
2 - المراقد المقدّسة
تعتبر المراقد المقدّسة، وهي المراقد التي تضم قبور أئمة أهل البيت، أو أبنائهم، في العراق، وإيران، والشام، من أبرز الأماكن التي ينشط فيها المنبر الحسيني اليوم.
وتُسهم الأجواء الروحيّة فيها، والمساحات الواسعة، والحضور المستمر لوفود الزائرين، في جعل تلك المراقد، أماكن مثالية للمنبر الحسيني. بل نجد في العديد من تلك المراقد منابر منتشرة وموزّعة على أطراف الصحون(1) المحيطة بها، حيث تتّخذ لأجل استقبال خطباء المنبر الحسيني.
أمّا في داخل الأضرحة، حيث مجاميع الزائرين والعبّاد، فإنّ من المألوف جدّاً، وجود أشخاص يرثون الإمام الحسينعليهالسلام بشكل دوري
____________________
(1) الصحون جمع صحن، وهي هنا عبارة عن الساحات التي تحيط بالمرقد. إنّ طريقة بناء المراقد المقدّسة في العراق وإيران، تكاد تكون واحدة، حيث المرقد الذي تحيط بن الأروقة المسقوفة. حيث ساحة كبيرة مكشوفة تحيط بالبناء وهي (الصحن) ثمّ سور كبير.
مستمر. وبعضهم يعتبر ذلك عملاً يومياً راتباً له، طوال العام.
لقد كان قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، من أوائل الأماكن التي كانت تتخذ لإنشاد الشر الرثائي، وتذكّر الأحداث التي جرت عليه. منذ أيام التوابين، مروراً بالعهود الأموية، والعباسية وحتى عصرنا الحاضر.
وقد مرّ بنا؛ إنّ مجالس العزاء، تحوّلت أيام الفاطميّين، إلى مشهد الإمام الحسين في القاهرة، بعدما نقل إليها الرأس الشريف، من عسقلان بفلسطين. (على أحد الأقوال في المسألة).
وما يقال عن مرقد الإمام الحسينعليهالسلام ، يقال عن بقية المراقد؛ في النجف الأشرف والكاظميّة في العراق، ومدينة مشهد في إيران، والسيد زينب في الشام. إضافة إلى عشرات المراقد المنتشرة، في العراق وإيران، والمنسوبة لأولاد الأئمة. وكان مشهد الغمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، (الكاظمية حالياً) من الأماكن التاريخية لإقامة المآتم الحسينية، فقد تقدّم أنّه في سنة 641 هجرية، أوعز الخليفة المستعصم بالله إلى (جمال الدين عبد الرحمان ابن الجوزي المحتسب، بمنع الناس من قراءة المقتل في يوم عاشوراء، والإنشاد في سائر المحال بجانبي بغداد، سوى مشهد موسى بن جعفر)(1) .
3 - الحسينيّات
لقد بلغ من اهتمام الإنسان الشيعي بالمنبر الحسيني، وعموم مراسم العزاء، التي تقام للإمام الحسينعليهالسلام ، إلى حد أنْ شُيدت أماكن خاصة بها، حيث (قد أدّت هذه التطوّرات، التي جعلت من المآتم الحسينية، مناسبةً كثيرة التكرار على مدار السنة، وتجذب أعداداً
____________________
(1) ابن الفوطي، عبد الرزّاق بن أحمد: الحوادث الجامعة، ص183.
كبيرة من الناس، أدّت إلى إنشاء أماكن خاصّة بالمأتم الحسيني تسمّى: الحسينيّة)(1) .
(وهي بمثابة تكية منسوبة إلى الإمام الحسين السبط الشهيد)(2) .
وقد ذُكر، أنّ أوّل حسينيّة شيّدت، تلك التي كانت موجودة في القاهرة، أيام الفاطميّين حيث (كان من أهم ما تميّزت به القاهرة في عهد الفاطميّين، (الحسينيّة)؛ وهو بناءٌ كان الفاطميون يقيمون فيه كل عام، ذكرى مقتل الشهيد الحسين، في موقعة كربلاء)(3) .
والحسيني، قد تسمى في بعض المناطق اللبنانية، باسم النادي الحسيني، كالنادي الموجود في مدينة صور، وغيرها.
وتبقى الحسينية محافظة على هذا الاسم في العراق والكويت، بينما يتحوّل اسمها إلى (المأتم) في بقية دول الخليج: كالبحرين، المنطقة الشرقية في السعودية، قطر، الإمارات، وعُمان. وتوجد في البحرين الآن ثلاثة آلاف وخمسمِئة مأتم (حسينيّة)(4) .
ممّا تعكس كثرة مجالس المنبر الحسيني في البحري، وسعة المناسبات التي يحييها.
وفي البلاد الإيرانيّة، فإنّ لفظ (حسينية) هو المعروف. فيما يكون اسمها في بلاد الهند والباكستان (إمام بارة) أي: مركز الإمام، وهو هنا الإمام الحسين.
وللسيد محسن الأمين العاملي، رأي آخر في أصل نشوء
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص291.
(2) الأمين، محسن: خطط جبل عامل، ص181.
(3) علي، سيد أمير: مختصر تاريخ الغرب ص499.
(4) كريم محروس، مجلّة النور اللندنيّة، العدد 50 تموز 1995 ص42.
الحسينية، إذ يقول: (وأصل الحسينيّات من الإيرانيين والهنود، بنوها في بلادهم، وبنوها في العراق، وأوقفوا لها الأوقاف، وجعلوا لكل منها ناظراً وقوّاماً)(1) . ولعلّ السيد الأمين أرّخ للحسينيات في العصور الأخيرة، ولم ينظر إلى أصلها القديم، والحسينية (عبارة عن دار، ذات حُجرَ وصحنٍ فيها منبر. يأوي إليها الغريب، وتقام فيها الجماعة، وينزلها الفقراء، ويقام فيها عزاء سيد الشهداء في كل أسبوع، في يوم مخصوص وفي عشر المحرّم.
وتختلف حالتها في الكبر والصغر، والإتقان، وكثرة الريع باختلاف أحوال منشئيها)(2) . (وقد أنشأ ناصر الدين شاه(3) حسينيّة من عدّة طوابق، على شكل المسرح، وفي وسطها منصّة واسعة تعلوها أضلاع حديديّة، توضع عليها الخيم في أوقات إقامة العزاء)(4) .
أقول: وصف الحسينيّة أعلاه وصف غير ثابت، حيث لا يوجد طراز خاص من البناء، تقيّد به الحسينية، فقد تكون عبارة عن قاعة ضخمة، كأنّها حرم المسجد، وقد تكون عبارة عن قاعة ذات كراسي وأمامها منصّة. والطراز الأوّل في العراق والكويت وبقية دول الخليج، والثاني في لبنان. وتخصّص بعض الحسينيات، في لبنان وبلاد الخليج وغيرها، بالنساء، فهناك حسينيات خاصة بمجالس العزاء النسوية تحضرها خصوص النساء.
كما لا يوجد تحديد خاص، للوقت الذي يُقام فيه المجلس
____________________
(1) (2) الأمين، محسن: خطط جبل عامل، ص181.
(3) ناصر الدين شاه: أحد الشاهات (الملوك) الذين حكموا إيران، من سلالة القاجار. ولد في طهران سنة 1831 م واستلم مقاليد الأمور عام 1847م. تجوّل في البلدان الأوروبية واهتمّ بإدخال المدنيّة الحديثة إلى إيران. زار العراق وعمّر العديد من المراقد المقدّسة فيها. مات مقتولاً في طهران عام 1896م. (معلوف، لويس: المنجد، الأعلام ص704).
(4) البعيني، حسن أمين: العادات والتقاليد في لبنان، ص141.
الحسيني، فالأمر يختلف من بلد إلى بلد، ومن حسينيّة لأخرى، فهناك حسينيّة يقام فيها مجلس حسيني كل يوم، وهناك - وهي الأكثر - كل أسبوع. أمّا المجالس في شهري محرّم وصفر وربّما شهر رمضان - على نطاق أضيق - فهي تقام كل ليلة أو كل يوم.
ثمّ قد تُبنى الحسينيّة كبناء خاص، وقد تكون ملحقة بالمسجد. وأخيراً، فإنّ الحسينيّات في لبنان، قد تعتبر دوراً من أدوار بناية، فيما يكون للمسجد دور آخر، ودور أو أكثر لنشاطات طبيّة أو اجتماعية، وقد يطلق بعض الشيعة، اسم الحسينية على حُجرة من حُجَر الدار، يقام فيها مأتم الحسين.
والحسينية، يمكن اعتبارها حلاًّ لمسألة إقامة مجالس التأبين أو المحاضرات العامّة، التي يؤمّها مختلف الناس وفيهم المسلم، وفيهم غير ذلك، وفيهم الطاهر وفيهم المُحدِث، ولا يمكن لبعض هؤلاء الناس، دخول المساجد؛ لما لها من أحكام خاصة. في حين لا توجد للحسينيّات، تلك الأحكام التي تقيّد نوعيّة روّادها وقاصديها، خاصة فيما يتعلّق بدخول غير المسلمين.
والحسينيّة (قاعدة معنويّة تلي المسجد في الأهمية، إلاّ أنّه لا تنطبق عليها الأحكام الخاصة بالمساجد، من حيث القيود الخاصة بالدخول)(1) .
ولم تنقل المصادر التاريخيّة، شيئاً عن الحسينيّات، بعد ذكر المقريزي في خططه، لحسينية القاهرة. وأقدم حسينيّة قائمة لحدّ الآن - حسب تتبّعي - هي حسينيّة (إمام دالان) في مدينة دكّا ببنغلاديش، من القارّة الهنديّة، حيث بُنيت عام 1052 هجرية(2) .
____________________
(1) المصدر نفسه، ص140.
(2) الحيدري، إبراهيم: تراجيديا كربلاء، ص162.
وبعدها تأتي إيران، حيث شيدت حسينيّة مدينة استراباد، وذلك في عام 1202 / 1786م هجرية(1) . وفي زمن مقارب، كان تأسيس حسينية (مأتم بن أمان) قبل قرنين من الزمان في وسط المنامة عاصمة البحرين وتمّ تجديدها في عام 1969 م(2) .
أمّا أقدم حسينيّة، ما تزال قائمة في العراق فهي حسينيّة (الحيدريّة)، في مدينة الكاظمية ببغداد حيث أُنشأت عام 1297 هجرية كما في تاريخها:
مشيرُ المـُلْكِ شيّدها فأرّخ |
هي الفردوس شيّدها المـُشيرُ(3) |
فيما تعتبر الحسينية الشوشترية، (نسبة إلى مدينة شوشتر(4) ، تستر سابقاً)، أقدم حسينية حاليّاً في النجف الأشرف، حيث أُسّست عام 1884م(5) . أمّا مدينة كربلاء، فقد أُسّست أول حسينية قائمة فيها لحدّ الآن عام 1318 هجرية / 1900م(6) .
(وأوّل حسينية أنشأت فقي جبل عامل، حسينية النبطيّة التحتا، ثمّ أنشأت عدّة حسينيات في صور والنبطية الفوقا، وبنت جبيل، وحاروف، والخيام، والطيبة، وكفرصير وغيرها)(7) .
وقد زرت حسينية النبطية التحتا، فوجدت لوحة رخام، قد
____________________
(1) المصدر نفسه، ص139.
(2) المصدر نفسه، ص176.
(3) المصدر نفسه، ص68.
(4) شوشتر، مدينة في غرب إيران تابعة لمحافظة خوزستان (عربستان)، عرفت قديماً بتستر، فتحها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب، بقيادة البراء بن مالك. وأقام بعض أهلها في بغداد أيام العباسيين وعرف مكانهم (بمحلّة التستريين).
(5) محبوبة، جعفر: ماضي النجف وحاضرها، 1 / 170.
(6) طعمة، سلمان هادي: تراث كربلاء، ص224.
(7) الأمين، محسن: خطط جبل عامل، ص181.
حُفرت عليها أبيات تؤرّخ بناءها، وتشير إلى الإمام الحسينعليهالسلام وهي:
مَـن زكَـى جـدّاً وأُمّـاً وأباً |
وأخـاً بـرّاً ونـفساً وبَـنين |
|
مـعشرٌ أذهـب عـنهم ربُّهم |
كلَّ رجسٍ واصطفاهم أجمعين |
|
فـبهِ حـين اسـتطالت أرّخوا |
(فـي بـناها أزلَفت للمتّقين) |
وبحساب الحروف(1) تكون السنة هي 1327 هجرية.
وقد انتشرت اليوم، الحسينيات في لبنان، بشكل واسع جدّاً(2) .
وأخيراً يمكن لنا أنْ نصنّف الحسينيات إلى قسمين:
1) الحسينيات التي تشاد في المدن والقرى والمناطق الشيعيّة. وهي المنتشرة في الدول والأقطار الشيعيّة في العالم.
2) الحسينيات التي تشاد في المدن المقدّسة. وتتميّز بأنها تُبنى، لكي تكون مكاناً، لإيواء أفراد الجهة التي أشادتها، حين قدومهم للزيارة. وأوضح مكان مقدّس هو في كربلاء فـ (هناك عدّة حسينيات، منتشرة في أرجاء المدينة، يأوي إليها الزوّار)(3) . حيث تنتشر فيها أعداد كبيرة من الحسينيات التابعة لمدن وأحياء وجماعات شيعية، من
____________________
(1) حساب الحروف: وهو أنّ لكل حرف من حروف اللغة الأبجدية رقم خاص به، فمن أ إلى ط تكون الأرقام من 1 إلى 9، ومن حرف ي إلى ص تكون الأرقام من 10 إلى 90، ومن حرف ق إلى ظ تكون الأرقام من 100 إلى 900 بينما حرف غ الأخير بـ 1000، فإذا أريد حساب جملة، جمعت حروفها التي لكل منها رقم معيّن.
(2) هذا بالنسبة لأوّل حسينية في جنوب لبنان أمّا أوّل حسينية في لبنان فهناك قول بأنّها واقعة في منطقة الغبيري ببيروت المعروفة)(بحسينية آل الخنسا). والتقيت في قرية المعيصرة في منطقة جبيل بمن يقول: إنّ أول حسينية في لبنان كانت هناك. وقد قمت بزيارة حسينية آل الخنسا والتي تُعرف أيضاً (بحسينية الإمام الحسين) وعلى بابها أبيات شعر تؤرّخ لتأسيسها عام 1952م وبقربها حسينية أخرى باسم حسينية الزهراء أُسّست عام 1947م، كما قمت بزيارة أخرى إلى قرية المعيصرة في قضاء جبيل فلم أجد لها أثراً ولم يذكرها شخص هناك.
(3) طعمة، سلمان هادي: كربلاء في الذاكرة، ص180.
مختلف أنحاء العالم. فإذا جاء أفراد تلك الجماعة، اتخذوا من حسينيتهم في كربلاء محلاً لإقامتهم وسكنهم، وإقامة العزاء بالطبع، (وحسب إحصائيّة جرت في كربلاء عام 1968 م فأن هناك 100 حسينية في مدينة كربلاء)(1) .
فهناك عدّة حسينيات، لمحلاّت بغداد، أو مدن وقرى عراقية كثيرة، كلّها في مدينة كربلاء، وكذلك المدن الإيرانية الكبيرة. وللشيعة الإسماعيلية من طائفة البهرة(2) حسينية كبرى فيها عدّة مرافق، تسمّى (فيض حسيني)؛ وهي عبارة عن (مجمّع سكني كبير، يقع بين شارعي العباس والإمام الحسن وهو مخصّص لأبناء طائفة البُهرة (إحدى الفرق الإسماعيلية) من أبناء الطائفة الوافدين، من جميع أنحاء العالم، لأداء مراسيم الزيارة. وتتوافر في هذا المجمّع كل مستلزمات الراحة، من سكن، وطعام، ومعالجة طبيّة وتقدّم لأبناء الطائفة مجّاناً)(3) .
وازدادت الحسينيات ضخامة، (حيث قد أنشأت في السنوات الأخيرة، حسينيات فخمة، فكلّفت مبالغ باهظة)(4) .
وبين يدي قائمة بأسماء أربع وثمانين حسينية، في كربلاء. فيها تسع حسينيات تابعة لمدينة البصرة، وسبع عشرة لبغداد، وإحدى
____________________
(1) المصدر نفسه: ص177.
(2) البهرة قسم من الشيعة الإسماعيلية، وهم القائلون بإمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام وبقوا كذلك حتى خلافة المستنصر الفاطمي، فلمّا تولّى ولده المستعلي انشقّ عن خلافته فريق من الإسماعيلية وبايعوا لأخيه نزار، وأعلن زعيمهم الحسن بن محمّد إسقاط الشعائر والعبادات سنة 558 هجرية، وهم أتباع الأغا خان حاليّاً، وأمّا القسم الآخر الذي ظلّ ملتزماً بإقامة الشعائر والعبادات فهم المسمّون بالبُهرة. (معلوف، لويس: المنجد 2 / 45).
ويعتقد الشيعة أنّ مَن أنكر ضرورة من ضروريات الدين يعتبر مرتدّاً عنه.
(3) طعمة، سليمان هادي: دليل كربلاء المقدّسة، ص57 / 58.
(4) طعمة، سليمان هادي: تراث كربلاء، ص225.
عشرة للكاظمية، وست لعشائر عربية عراقية، وتسع عشرة لمختلف مراكز محافظات ومدن عراقية وثلاث لمن إيرانية، وثلاث أخرى للبلاد الهندية، ولكل من البحرين والكويت ومسقط وأذربيجان حسينية واحدة، فيكون مجموع الحسينيّات العائدة لجهات غير كربلائية هو اثنتين وسبعين حسينية من مجموع أربعة وثمانين(1) .
كما أنّ (للحسينيات أهمية دينيّة واجتماعية وسياسية وثقافية، وقد تحوّلت من بداية هذا القرن (العشرين) إلى نواد اجتماعية، ومنتديات ثقافية، للمجتمع وتبادل الآراء والتعارف والتثاقف (هكذا..) وكانت مركزاً لنشاطات اجتماعية وترفيهيّة وبخاصة في الأعياد الدينيّة..)(2) .
4 - البيوت
قد مرّ في الفصل الثاني من بحثنا هذا أنّ الشعراء كانوا يفدون على أئمّة أهل البيت، في بيوتهم، وينشد المنشدون، قصائد الرثاء هناك. وبذا يمكن اعتبار البيوت، من أقدم الأماكن، التي تُتّخذ لإقامة مجالس المنبر الحسيني.
ولا زالت البيوت تحتضن المنبر الحسيني، سَواء في أيلام المحرّم، أم صفر، أم في المجالس الأسبوعية، أم مجالس المناسبات الخاصة، التي يعقدها الناس في بيوتهم.
5 - الشوارع والساحات العامّة
تبيّن لنا في النقطة السابقة، أنّ توسّع المنبر الحسيني، وضخامة
____________________
(1) طعمة، سليمان هادي: تاريخ مساجد وحسينيات كربلاء، (مخطوط).
(2) الحيدري، إبراهيم: تراجيديا كربلاء، ص29 - 265.
الحضور الجماهيري، ولاسيما في العشرة الأولى من المحرّم، يؤدّي إلى خروج المنبر، نحو الشوارع والساحات العامّة، وربّما يصل إلى قطع حركة السير في بعض الطرق العامّة، أثناء انعقاد المنبر الحسيني.
إنّ أول حالة سجّلها التاريخ لنزول مظاهر العزاء الحسيني إلى الشوارع والساحات العامّة، كان أيام البويهيين في بغداد، والفاطميين في القاهرة، ولا تزال هذه الظاهرة موجودة، في العديد من شوارع وساحات بغداد، والمحافظات الوسطى والجنوبية حيث الكثافة الشيعية.
كما تبرز هذه الظاهرة في البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية، والأمر نفسه في ضاحية بيروت الجنوبية، وبعض قرى مدن البقاع والجنوب. إضافة إلى مناطق ودول شيعية أخرى.
6 - القاعات المستأجرة
وفي بعض الحالات، يشغل المنبر الحسيني قاعات ومحلات عامّة، توضع للاستئجار حيث يلجأ البض إلى استئجار قاعة أو بناية كبيرة، لإقامة العزاء الحسيني وتبرز هذه الظاهرة، في بعض تجمّعات المغتربين، خاصة المدن التي تخلو من مسجد، أو مركز إسلامي، أو إنّ كثافة الحضور الجماهيري، يفوق طاقة استيعاب المسجد أو المركز.
ويمكن لنا أنْ نضيف إلى هذه النقطة، المراكز الإسلامية للجاليات الإسلامية في المهاجر.
7 - السرادقات
عرفت الخيام قديماً كبيوت للاستقرار والسكن، وقد اتخذت
الخيام الكبيرة (السرادقات) في بعض الأقاليم الشيعية، مكاناً للمنبر الحسيني، ففي بعض قرى القبائل العربية الشيعية، في العراق، تنصب بيوت من الشعر، لإقامة مظاهر العزاء أيام عاشوراء بشكل أخص.
كما وتنصب الخيام الضخمة في المدن، وخاصة في الشتاء حيث برودة الجو وهطول الأمطار. وقد عرفت الساحات المحيطة، بالمراقد المقدّسة، في العراق، خياماً واسعة جداً تنصب داخل الصحن المحيط بالمرقد في الأركان الأربعة.
ثمّ انتشرت أخيراً الخيام في مآتم لبنان في بيروت وغيرها، خاصة تلك المآتم التي يقيمها حزب الله أو حركة أمل، حينما لا تعود المساجد والحسينيات، قادرة على استيعاب الحشود الجماهيرية الكبيرة أيام عاشوراء. وقد برز مصطلح (خيمة عاشوراء) في الأجواء الشيعية اللبنانية أخيراً.
8 - وسائل النقل
تتّخذ بعض وسائل النقل أحياناً موضعاً لتذكير الناس، بفجائع كربلاء، ولقراءة المراثي الخاصة بها، حيث يعتمد بعض الناعين القطارات المنطلقة، من المناطق الجنوبية في العراق إلى كربلاء، أو الحافلات العامّة المنطلقة إليها من بغداد، ومحافظات أخرى، يعتمدها هؤلاء موضعاً لإنشاد الشعر والرثاء، وتنشط الظاهرة في مواسم الزيارة، مثل أيام عاشوراء، والعشرين من صفر، وأول رجب، ومنتصف شعبان. وتكون المجالس في وسائل النقل، مختصرة عادة، ولا تذكر فيها أبحاث أو محاضرات، وإنّما يُكتفى بالشعر وأبيات النعي والرثاء.
أقول: وحدث في طائرة كانت منطلقة من دمشق إلى طهران، أنْ استأذن أحد خطباء المنبر الحسيني، طاقم الطائرة ليقرأ أشعاراً رثائية في الإمام الحسينعليهالسلام ، عبر صوتيات الطائرة فكان له ما أراد، ويبدو أنّ
ظاهرة المآتم في وسائل النقل العامّة، تنحصر في العراق وإيران، حيث يذكر أحد الكتّاب، عن ذكرياته في مدينة طهران عام 1979م، وعن مرافقيه أنّهم (قادونا إلى حافلة كانت بالانتظار، وقف أحد رجال حرس الثورة في المقدّمة، وقال كلمات بالفارسية، انفجر الجميع بعدها باكين، تبخّرت البهجة في لحظة، وتحوّلت الحافلة إلى سرادق للعزاء. صدّقتُ مَن نعَتَ الشيعة بـ (البكّائين) أخذتني المفاجأة: استفهمت من جاري الطبيب العائد من أمريكا، فكَفكَفَ دموعه، وقال بصوت بلّله الأسى: لقد ذكّرنا الرجل بكربلاء وما جرى للإمام الحسين)(1) !
9) الأسواق
قد مرّ بنا، في الفصل الثاني من هذا البحث، إنّ مآتم للحسينعليهالسلام شوهدت في بعض أسواق بغداد.
وقد عرفنا في نقطة الهيئات المشرفة على إقامة المنابر الحسينية، أنّ هناك منابر تشرف عليها جمعيات أهل الحرف والأصناف المهنية، حيث يتّخذ هؤلاء من الأسواق التي يشغلونها، مكاناً لإقامة هذه المجالس. فهناك، على سبيل المثال، مجلس المنبر الحسيني للتجّار في سوق التجّار، ومجلس للخيّاطين في سوقهم وهكذا.
10) المدارس الدينية
تنتشر المدارس الدينية، في المدن المقدّسة، التي تنتشر فيها الحوزات العلمية، مثل النجف وقم ومشهد. وليقوم طلبة هذه المدارس الدينية، بإقامة مجالس عزاء حسينية، يحيّيها خطباء منهم أو
____________________
(1) هويدي، فهمي: إيران من الداخل، ص222.
من مدارس أخرى.
وتلك عشرة كاملة أخرى. في الأمكنة التي تُتّخذ، لإقامة مجالس المنابر الحسينية، وفي أماكن وظروف مختلفة، يعيشها الشيعة، في مناطق متنوّعة، وبهذا يتمّ المبحث الأوّل، المتعلّق بالمنبر الحسيني المعاصر.
* * *
المبحث الثاني:
خطيب المنبر الحسيني المعاصر، أوصاف وطُرق إعداد
بعد تلك الجولة في عالم المنبر الحسيني، في عصرنا الحالي، توضّحت لنا صورة، أراها كافية لبيان تلك الظاهرة التي تهتم بها الساحات الشيعية في العالم.
وحتى تبدو لنا الصورة، أكثر وضوحاً، لابدّ من دراسة خاصة لخطيب هذا المنبر، الذي يقوم بهذه المهمّات الكبيرة، وله موقع خاص في الأوساط الشيعية، سواء ذات الالتزام الديني أو غيرها؛ لأنّ المآتم الحسينية أخذت بعداً شعبياً وعاطفياً ونفسياً، عند الإنسان الشيعي، فراح يتفاعل معها كل فرد شيعي مهما كانت درجة التزامه الديني..
كما أنّ سعة الدائرة، التي يشغلها المنبر الحسيني، وشموله لمناسبات كثيرة، كما عرفنا في نقطة مواسم المنبر الحسيني الآنفة، جعلت خطيب المنبر الحسيني، شخصية حاضرة وبارزة في الأوساط الدينية والاجتماعية، فلم يعد نشاطه محصوراً في أيام عاشوراء - والتي نشأ المنبر الحسيني، أساساً لإحياء ذكراها - وإنّما راح يمتدّ مع العديد من النشاطات التي تستوعب السنة بشهورها الاثني عشر.
والواقع أنّ الخطيب الحسيني، وأوصافه ومهمّاته، وموقعه
الاجتماعي، والديني، وأمور أخرى كثيرة متعلّقة به، تحتاج إلى بحث خاص، ودراسة مستوعبة وشاملة، ليتسنّى لنا أنْ نقف بدرجة وضوح كاملة، عند هذا النوع الخاص من الوعّاظ أو المحاضرين الدينيين، الذي تتميز به الأوساط الشيعية، في كل أقاليمها وتجمعاتها.
أمّا في هذا المبحث فسنتوقّف عند النقاط التالية:
أ) من هو خطيب المنبر الحسيني؟
يمكن لنا أنْ نعرّف الخطيب، الذي يعتلي المنبر الحسيني، بأنّه خطيب ديني إسلامي شيعي، له صفات خاصة تؤهّله أنْ يجمع بين المحاضرة، التي يشترك فيها مع المحاضر أو الواعظ أو عموم الخطيب المسلم، وبين إنشاد الشعر الرثائي، بطرق أو أطوار معيّنة، بحيث يُحدث تجاوباً عاطفيّاً حزيناً مع فقرة من فقرات، حركة الغمام الحسينعليهالسلام ، حتى استشهاده أو ما جرى بعد الشهادة، موظّفاً طرقاً فنّية خاصّة بالمنبر الحسيني.
فخطيب المنبر الحسيني، بينه وبين الوعّاظ والخطباء والمحاضرين المسلمين، من الشيعة والسنّة، ما يعرف في المنطق بنسبة العموم والخصوص المطلق(1) ، إذا يمكن لنا أنْ نقول: إنّ كل خطيب منبر حسيني، هو واعظ أو محاضر، ولكن ليس كلّ واعظ أو
____________________
(1) يذكر المناطقة أربع نسب في علاقة مصاديق مفهومين، فقد يكون بين مصاديق المفهوم الأوّل ومصاديق المفهوم الثاني إحدى هذه النسب. وهي
أ) نسبة التساوي: مثل إنسان وبشر، حيث إنّ كل إنسان هو بشر وبالعكس. ب) نسبة العموم والخصوص المطلق: مثل حيوان وإنسان. إذ أنّ كل إنسان هو حيوان ولكن ليس كل حيوان هو إنسان. ج) نسبة العموم والخصوص من وجه: مثل الطائر والأبيض، فإنّ لكل منهما مصاديقهما ولكنّهما يجتمعان في الطائر الأبيض. د) نسبة التباين: مثل إنسان وحجر، فلا لقاء بين مصداقي الإنسان والحجر.
(الفضلي، عبد الهادي: خلاصة المنطق، ص26 - 28).
محاضر هو خطيب منبر حسيني.
أي أنّ خطيب المنبر الحسيني، عنده ما عند المحاضر أو الواعظ الإسلامي، ولكنّه يزيد عليه بالتعريج على كربلاء وأحداثها بأسلوب عاطفي وإنشاد حزين خاص.
الأسماء والألقاب التي يُعرف بها خطيب المنبر الحسيني
ولخطيب المنبر الحسيني عدّة أسماء يعرف بها، بعضها خاص ببعض المناطق الشيعية، وبعضها يتّسع لأكثر من منطقة.. وهذه الأسماء - حسب استقصائي - هي ما يلي:
1 - خطيب المنبر الحسيني
وهو الاسم الرسمي أو العلمي أو (الأكاديمي)، وقد مرّ بنا هذا الاسم كثيراً خلال الكتاب. وقلتُ (اسمٌ رسمي) لأنّ الأوساط الشيعية، شعبية أو علمائية، لا تذكر هذا الاسم بكامله (خطيب المنبر الحسيني) بل قد تكتفي بالاسم الثاني أدناه. بينما يذكر هذا الاسم في الأبحاث العلميّة، أو الكتب المهتمّة بشأن المنبر الحسيني.
2 - الخطيب
وهو الاسم الأكثر شهرة، وفي خارج الأوساط الشيعية، لا يتبادر الذهن، إلى خطيب المنبر الحسيني، إذا ورد اسم أو لفظ (خطيب)، بينما يكون هو المتبادر طبيعيّاً، في الأوساط الشيعية فإذا قيل هذا خطيب، أو جاء الخطيب، فإنّ ذلك يعني نحواً خاصاً من الخطباء، وهو خطيب المنبر الحسيني بالخصوص.
وهذا الاسم، هو الشائع في المجالس الحسينية المهمّة والكبيرة، والتي تعقد في المدن والأوساط المثقفّة في العراق، وبلدان الخليج العربية، وكذلك في التجمّعات المهاجرة من هذه البلدان.
3 - القارئ (القاري)
وهو اسم تطلقهُ الأوساط الشعبية، على خطيب المنبر الحسيني، وعادة ما تخفّف اللفظة حيث تحذف الهمزة ليُقال (قاري). ويشتهر هذا الاسم في المجالس الشعبية العامّة في العراق، والخليج والمناطق العربية في جنوب إيران، ولذا فالاسم الشعبي لمجلس المنبر الحسيني هو (القراية) أي القراءة.
4 - المنبريّ
وهو مصطلح يطلق على خطيب المنبر الحسيني، إذ يُنسب مباشرةً إلى المنبر، بياء النسب. وهذا الاسم إنّما يذكر لشدّة وضوح وارتباط المنبر بالخطيب الحسيني، فإذا قيل: هذا منبريّ، فهو يعني نسبة خاصة، فلا يطلق على كل من يعتلي المنبر، وإنّما هو اسم خاص بخطيب المنبر الحسيني.
وهذا الاسم، أكثر ما يعرف في الأوساط العلمائية، ومجالس الحوزات العلمية الدينية. أكثر من أي وسط آخر من أوساط المجالس الحسينية. واعتقد أنّ شيوع هذا المصطلح في أوساط العلماء، والحوزات العلمية الشيعية يعود إلى العرف، الذي لا يرى أنّ ارتقاء المنبر يناسب العلماء والفقهاء. فلكي يُفرّق بين العالم والخطيب، يقال للثاني: منبري.
5 - قارئ أو (مقرئ) السيرة الحسينيّة
6 - قارئ عزاء
7 - قارئ مجلس عزاء
8 - المُعزّي
والمصطلحات أو الأسماء الأربعة أعلاه، تُطلق على خطيب المنبر الحسيني، في الأوساط الشيعية في لبنان، وبعض المناطق الشيعية، في سوريا، مثل أطراف مدينتي حمص وحلَب.
ولنا عودة إلى هذه المصطلحات ودلالاتها، في الفصل الأخير من هذا الكتاب، إنْ شاء الله.
وهذه المصطلحات الأخيرة غير متداولة في العراق، أو بلدان الخليج العربية.
9 - قارئ تعزية
وهو مصطلح على نطاق ضيّق يُطلق على خطيب المنبر الحسيني في أماكن مختلفة.
10 - رَوْزَة خون (رَوْزَخون)
إلى الآن، كانت الأسماء والمصطلحات، التي تُطلق على خطيب المنبر الحسيني، ألفاظاً عربية واضحة. لكنّنا هنا أمام مصطلح
ذي أصلٍ فارسي أعجمي، وهو مؤلّف من لفظين: (روزة) و(خون) ومعناه بالعربية قارئ الروضة. أمّا ما هي الروضة وما علاقتها بالمنبر الحسيني فيمكن توضيحها بما يلي:
لمّا انتشر التشيّع في إيران إبّان الحكم الصفوي لها، شجّع الصفويون الإيرانيين على زيارة العتبات المقدّسة، في العراق من جهة، وإقامة مجالس العزاء على الإمام الحسيعليهالسلام ، من جهة أخرى. وبرزت في تلك الفترة، بعض الكتابات التي ألّفت كمجالس تُقرأ على المنابر الحسينية. أشهر تلك المؤلّفات، كان كتاب (روضة الشهداء) للشيخ حسين الكاشفي(1) ، والذي نال شهرة كبيرةً جدّاً. حتى اصطلح على مجالس المنبر الحسيني بـ (روضة)، أي يُتلى فيه كتاب الروضة هذا.
وهو (أوّل كتاب يتعرّض لواقعة الحسين، التاريخية باللغة الفارسية. لذلك فإنّ قرّاء التعزية، والذين هم غالباً، ممّن يجهلون اللغة العربية، فإنّهم كانوا يتناولون هذا الكتاب، ويقرؤن منه مباشرة، في المجالس الحسينية)(2) .
وعُرف من يتولّى القراءة فيه، وإنشاد مقاطعه الرثائيّة، باسم (قارئ الروضة) أي (روضة خون)(3) وانتقل ذلك عبر جموع الزائرين الإيرانيين، والمهاجرين إلى العراق، من علماء وطلبة علوم دينية وغيرهم.
____________________
(1) الشيخ الملا حسين الكاشفي: توفّي في حدود 910 هجرية من آثاره، الأنوار السهيليّة، ولد وعاش وتوفّي في إيران. (معجم خطباء المنبر الحسيني ص60).
(2) المطهري، مرتضى: الملحمة الحسينية، 1 / 43.
(3) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص293.
وهذا المصطلح (روزة خون) هو ما يطلق على خطيب المنبر الحسيني، في الأوساط الشعبية والقرويّة، ومجالس الأرياف في العراق، وبعض مناطق الخليج العربي.
وقد يستعمله البعض مصحّفاً، فيقال (رَيْزخون) في الأوساط الأكثر قرويّة.
كما غدا هذا المصطلح، لقباً ينبز به بعض من يعتلي المنبر الحسيني، بلا أهلية ثقافية أو علمية، تؤهّله لمهمّة المنبر الحسيني، ورسالته. فيقال: أنّ فلاناً مجرّد (روز خون) وليس بخطيب، أي أنّه لا يعدو إلاّ مجرّد ناعٍ ومنشد للشعر الرثائي الحسيني. وليس خطيباً ذا عِلم وثقافة واطّلاع يغني بها حديثه ومحاضرته.
ولا يُعرف هذا المصطلح في لبنان ومجالسه الحسينية، وإذا وجد فهو بنطاق ضيّق جدّاً، عند بعض العلماء، أو طلبة العلوم الدينيّة الذين كانوا يدرسون في النجف الأشرف، أو أوساط الطلبة والأساتذة العراقيين، المتواجدين في الحوزة العلمية الدينيّة في قم الإيرانيّة.
(واليوم تُطلق كلمة (روزة خون)، على من يكتفي في خطابته، على فضائل وتاريخ ومصائب النبي وأهل البيتعليهمالسلام . أمّا من تطرّق في خطابته إلى أنواع العلوم، ويتحدّث عن جوانب ثقافيّة، واجتماعية علمية فيطلق عليه اسم الخطيب)(1) .
وهذه عشرة أسماء ومصطلحات، تُطلق على خطيب المنبر الحسيني اليوم، وهي تختلف في انتشارها، واستعمالاتها من منطقة شيعية إلى منطقة ومن أوساط إلى أخرى. إنّ كثرة المصطلحات، التي
____________________
(1) المقدسي، باقر: فن الخطاب من المقدّمة، ص9.
تشير إلى خطيب المنبر الحسيني، يعكس سعة المنبر، في جميع الأقاليم الشيعية، وما يستتبعه من كثرة خطباء المنبر الحسيني، بحيث راحوا يمثّلون طبقة اجتماعية دينية خاصة.
وقد انعكس الوجود البارز، لخطباء المنبر الحسيني، على فتاوى العلماء ورسائلهم الفقهيّة(1) فقد ورد في باب صلاة المسافر. وحُكْمِ صلاته بين الإتمام والقصر(2) ذِكْر نماذج من المسافرين؛ مثل الطالب والموظّف والعسكري والتاجر، ثمّ يذكر خطيب المنبر كنموذج آخر، فقد ورد، كمثال على ما ذكرنا في:
(خطيب من خطباء المنبر الحسيني، يتعاطى الخطابة في بلدته، ولكنّه يتّفق أحياناً أنْ يُستدعى للخطابة في بلدٍ آخر، فيسافر ويطوي المسافة إليه، ويبقى هناك يوماً أو يومين أو أياماً، وهذا يقصِّر إذا طوى المسافة المحدّدة، وفقاً لحالة المسافر الاعتيادي؛ لأنّ عمله ليس مبنيّاً على السفر. ولكن إذا كان ما يمارسه من العمل والخطابة، من خلال السفر، أساسياً ومهماً في مهنته على نحو لو اقتصر عليه، لكفى ذلك عرفاً في صدق هذه المهنة عليه - كالخطابة التي يسافر إليها في محرّم وصفر - إذا كان الأمر كذلك، فعليه أنْ يصلّي صلاته تامّة في سفره؛ لأن هذا السفر عمله)(3) .
وقد أخذ المنبر الحسيني ومادته، وأمور وأساليب العزاء الأخرى حصة من الأسئلة الفقهية والشرعية، التي ترد إلى مراجع الدين، والتي
____________________
(1) الرسائل الفقية، وتُعرف أيضاً بالرسالة العمليّة؛ وهي كتاب الفتاوى الذي يضمّ آراء المجتهد والمرجع الديني كي يرجع الناس في أحكامهم إليها.
(2) صلاة الإتمام هي: الصلاة اليومية التي يصلّيها المسلم في وطنه. والقصر: هي أنْ تصلّى الصلاة الرباعية بركعتين فقط عند السفر.
(3) الصدر، محمد باقر: الفتاوى الواضحة، ص334.
فضل الله، محمد حسين: الفتاوى الواضحة، ص273.
تُنبئ عن مدى حاجة الناس، إلى إجابات عن تلك الأسئلة كما نجد ذلك - على سبيل المثال - في كتاب أجوبة المسائل الشرعية حيث ورد سبعة عشر سؤالاً فيما يخص المنبر الحسيني وأمور أخرى تتعلّق بعاشوراء(1) .
أوصاف خطيب المنبر الحسيني
ويعتبر خطيب المنبر الحسيني، هو قطب الرحى، في تلك التجمّعات الضخمة والمحافل الكبيرة، فهو العامل الأوّل، الذي يؤدّي إلى نجاح المآتم الحسينية. فبقدر إجادة خطب المنبر الحسيني لمهمّته، وتمكّنه من إشباع بحثه، ومحاضرته، علمياً وعاطفياً يتقرّر مقدار حضور الناس إليه أو انكفاؤهم عنه.
ولهذا، فإنّه لا بدّ من توافر شروط، ومؤهّلات، في مَن يريد اعتلاء أعواد المنبر الحسيني، وهي قد تكون من الكثرة والتنوّع ممّا يجعل مصاديقها في الخطباء قليلة.
وقديماً قال المناطقة: إنّ الشيء كلّما كثرت شروطه عزّ وجوده.
إنّ هذه الأوصاف والمؤهّلات قد تتغيّر من بيئة لأخرى، ومن مستوى ثقافي وعلمي لثانٍ، حسب نوعية الحاضرين، وما ينتظره روّاد المجالس من أبحاث ومحاضرات، أو بما يستطيعه خطيب المنبر الحسيني، من إشباع الجانب العاطفي، وإثارة كوامن الحزن لواقعة كربلاء، ويمكن لنا أنْ نصنّف المواصفات والمؤهّلات هذه إلى ثلاثة أصناف؛ يشترك فيها الخطيب الحسيني مع العلماء والمثقّفين والمحاضرين في بعضها، ويختصّ في بعضها الآخر، والمؤهّلات هي:
____________________
(1) الخوئي، أبو القاسم: أجوبة المسائل الشرعية، ص26.
1 - المؤهلات العلمية والثقافية
على كل خطيب، في أي شأن من الشؤون، أنْ يكون ذا اطلاع ودراية بالموضوع، أو البحث الذي يريد طرحه. وبقدر ما كان هذا الخطيب أو المحاضر، ملمّاً بأطراف الموضوع وامتداداته وشواهده، تكون محاضرته أدقّ وأنجح، وبالتالي أكثر فائدة. وهذا الأمر يشترك فيه خطيب المنبر الحسيني، مع كل خطيب أو متحدّث. إلاّ أنّ الاختلاف هو في طبيعة المحاضرات موضوع البحث لكل خطيب. ولهذا فإنّ خطيب المنبر الحسيني، يشترك عموماً مع كل خطيب أو محاضر، من علماء المسلمين وخطبائهم ومحاضريهم، وبشكل واضح، إلاّ في بعض الموارد التي تمليها طبيعة المنبر الحسيني. وأهم هذه المؤهّلات هي:
أ - دراسة تخصّصية في العلوم الإسلامية: بما يصطلح عليه الشيعة (الدراسات الحوزوية). من مقدّمات، كعلوم العربية المتنوعة والمنطق، والتفسير، والحديث، ثمّ الفقه وعلم الأصول. وكلّما تقدّم خطيب المنبر الحسيني، في الدراسات الإسلامية، كلّما كان أقدرَ على الطرح الإسلامي الأصيل، وأكثر إحاطة بالمسائل ذات الأبعاد الفقهية، أو التفسيرية التي يتعرّض لها في محاضراته.
وهذه النقطة، في غاية الأهميّة، لا من حيث التعمّق، في فهم المسألة الفقهية، وأسلوب طرحها منبريّاً فقط، بل إنّها تُسهمُ في عملية اندماج خطيب المنبر الحسيني، في أجواء طلاّب الحوزة العلميّة، فقد كان مألوفاً - سابقاً - أنْ يعتلي المنبر بعض مَن لاحظّ له في الدراسات الدينية، خاصّة في المآتم التي تهتم بحسن صوت الخطيب، ممّا أنتج وجوداً غير مرتبط بالحوزة العلمية، وطبيعتها، وانعكس بالتالي على نظرتها إلى خطيب المنبر الحسيني.
نعم، قد لا يصل خطيب المنبر الحسيني، في متابعته للدروس الحوزوية، إلى مستوى التخصّص الذي يصل إليه طلاّب العلوم الدينية المتفرّغون لهذه الدروس، ولكن لابدّ من دراسة حوزوية على قدر مهم من التتبّع. إنّ هذه النقطة تميّز خطيب المنبر الحسيني، عن المحاضر المسلم والمثقّف المسلم، اللذين قد يكتفيان بمعلومات فقهيّة وأصولية عامّة، بينما ينبغي على خطيب المنبر الحسيني، أنْ ينال حظّاً كبيراً من الدراسات الإسلامية التخصصية.
ب - ثقافة تاريخية مركّزة: لمّا كان خطيب المنبر الحسيني، يولي المسائل التاريخية، فيما يتعلّق بتاريخ الإسلام والمسلمين، بل ودراسة التاريخ قبل الإسلام، وفي الحضارات الأخرى، كل هذا من جهة، وبما يخصّ سيرة النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وسير أهل بيتهعليهمالسلام ، والصحابة، والتابعين من جهة أخرى. إضافة إلى مزيد عناية بأدق التفاصيل، لكل ما تعلّق بسيرة الإمام الحسينعليهالسلام منذ ولادته وحتى استشهاده، وبما جرى على أهل بيته بعد ذلك من جهة ثالثة. كل ذلك يحتّم على خطيب المنبر الحسيني، أنْ يولي المسائل والأبحاث والدراسات التاريخية، اهتماماً بالغاً ودقيقاً.
ونظرة ولو سريعة، على مكتبات خطباء المنبر الحسيني الخاصّة، تكشف ضخامة الجانب التاريخي في ثقافتهم، وخاصة فيما يتعلّق بواقعة كربلاء.
وقد انعكس اهتمام خطباء المنبر الحسيني بالتاريخ، وأحداثه على ثقافة الإنسان الشيعي، بحيث غدا مطّلعاً على أدق التفاصيل التاريخية، التي قد لا تتأتّى إلاّ لأهل الاختصاص والتتبّع. ممّا كان يُدهش الكثيرين. يقول أحد الكتّاب الإسلاميين (ولم أستطع أنْ أخفي دهشتي من أولئك الذين يحملون التاريخ على أكتافهم أبداً)(1) .
____________________
(1) هويدي، فهمي: إيران من الداخل، ص222.
جـ - ثقافة إسلامية عامّة: بعد أنْ اتسعت المساحة التي راح المنبر الحسيني يعالجها، ولم يعد مقتصراً على إنشاد الشعر الرثائي، أو الوقوف عند بعض الأحداث التاريخية المحدّدة، وأخذ الجمهور يتطلّع إلى خطيب المنبر الحسيني، كمحاضر ذي ثقافة واسعة وعميقة، هذا الأمر الذي حتّم على خطباء المنبر الحسيني، أنْ يولوا اهتماماً كبيراً، بكل ما يتعلّق بجوانب الثقافة الإسلامية، والفكر الإسلامي.
ولذا أخذ خطيب المنبر الحسيني الناجح، بتناول كل نتاجات المثقّفين، والكتّاب والمفكّرين الإسلاميين كمؤلّفات: سيد قطب، وأخيه محمد قطب، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد الغزالي، ومحمد البهيّ، ونديم الجسر، وعبد الرزاق نوفل وغيرهم من الكتّاب والمفكّرين الإسلاميين السنّة، إضافة إلى نتاجات المفكّرين والعلماء الشيعة، كمؤلّفات: السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ مرتضى المطهّري، والشيخ محمد جواد مغنيّة، وغيرهم...
مع متابعة الدوريّات والإصدارات الإسلامية العامّة... فتجد خطباء المنبر الحسيني، ذوي علاقات أكيدة مع المكتبات ودور النشر ونتاجات المؤلّفين.
وهناك اهتمام خاص، بكل المؤلّفات التي تناولت ثورة الإمام الحسين وأبعادها وآثارها بالدراسة والتحليل والمتابعة.
د - إلمام جيّد بالثقافة التربوية، والاجتماعية، والنفسية والسياسية، وعموم الثقافة الموسوعية: إنّ تنوع الأبحاث، والمحاضرات التي يوليها المنبر الحسيني اهتمامه، حتّمت على خطيبه، أنْ يكون ذا إلمام، في جملة تخصّصات، وثقافات تعينه على أداء مهمّته، وقوّة محاضرته، وكبير انشداد الجمهور إليه.
فالخطيب الحسيني، لا يكتفي بالثقافة الإسلاميّة والدراسات الدينيّة فقط، بل يحاول أنْ يكون له حظّاً من كل ألوان الثقافة، خاصّة بما يتعلّق بمنبره، كالثقافة التربويّة والنفسيّة وأنْ يكون ذا وعي وثقافة سياسيّة، تعينه على الطرح المناسب وطبيعة الظروف.
إنّ الثقافة الموسوعيّة أمر مطلوب في ثقافة خطيب المنبر الحسيني، وكلّما كانت ثقافته متعدّدة وواسعة، كلّما كان أكثر نجاحاً وأعلى شأناً في ميدان الخطابة.
وهناك اهتمام خاص، بالتقاط الشواهد الأدبية، والعقائديّة، والعلميّة وغيرها، ممّا يطعّم بها الخطيب محاضرته، كي يُغنيها من جهة، ويرفع حالة السأم والملل من جهة ثانية.
ولهذا يحتفظ، كل خطيب منبر حسيني، بدفتر أو دفاتر خاصّة به يجمع فيها كل شاردة وواردة، من كل ما تقع عليه عينه أو تسمعه أذنه من المعلومات، التي يتوقّع أنْ يستفيد منها ذات يوم، ويوظّفها في محاضراته ومجالسه.
إنّ جمهور المنبر الحسيني ينظر إلى الخطيب ذي الثقافة الموسوعيّة المتنوّعة، بأنّه خطيب يولي محاضرته وجمهوره اهتمامه، وأنّ حديثه ليس مجرّد كلمات يلوكها اللسان، بل هي أرقام ومعلومات جاءت بعد تتبّع، وبحث وتدقيق، ومزيد عناية.
وأودّ أن أذكر مثالاً على القسم الأول، من مؤهّلات خطيب المنبر الحسيني - وهي فيما يتعلّق بالمؤهّلات العلميّة والثقافيّة، وخاصة فيما يبرز أهمية الثقافة الموسوعيّة، وهذا المثال عن الخطيب البارز السيد صالح الحلّي - الذي سبقت ترجمته، في نهاية الفصل الثالث - والذي (بلغ من قدرته أنْ التزم قراءة المأتم الحسيني، لجمعيّة (المكارين)، الذين يؤجرون حميرهم وبغالهم للمسافرين بين النجف
والمدن المتصلة بها، فقرأ لهم عشرة أيام، بل الأصح أنّه حاضر لهم عشرة أيام؛ لأنّ خطب السيد صالح، كلّها أشبه بالمحاضرات منها، بأيّ شيء آخر، فلم يخرج خلال هذه الأيام العشرة عن حديث الحمير، والبغال، والقوافل، وأخبارها القديمة، والحديثة، وقصصها!!
فكان الناس بمختلف طبقاتهم يعافون أشغالهم، ويحضرون تلك المحاضرات التي ظلّت مدّة طويلة موضوع أحاديث الناس، وتفكههم ومثار إعجابهم، وغبطتهم له على هذه الموهبة!!)(1) .
وتعتبر المكتبات الخاصة، بخطباء المنبر الحسيني، من أغنى المكتبات، في تنوّعها وتوسعها وإحاطتها بفنون المعرفة، لذلك فإنّ (من أهمّ مكتبات النجف الخاصة، مكتبات خطباء المنابر الحسينية، الذين تلزمهم مهمّتهم كخطباء، الإحاطة بالتاريخ، والشعر، والأدب، واللغة، إحاطة لا يمكن أنْ تتيسّر بدون مكتبة زاخرة بالمصادر المهمّة من أمّهات الكتب)(2) .
2 - المؤهّلات الفنيّة
إن ما ذكرناه في الصنف الأول من المؤهّلات، كانت تتعلّق بما يمكن أنْ نطلق عليه مصطلح (المعلومة). ومجرّد حصول الخطيب - أيّ خطيب - على المعلومة، لا يصيّر منهُ خطيباً.. إذ أنّ الخطابة تحتاج إلى مؤهّلات فنيّة تمكّن الخطيب من صيغة، وطرح المعلومات التي عنده بما يفعّل تأثيرها، من خلالها على الجماهير.
وبهذه المؤهّلات الفنية، يتميّز الخطيب عن المحاضر؛ الذي
____________________
(1) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم ن1 / 108.
(2) الخليلي، جعفر: موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف 7/309.
يكتفي بطرح المعلومات، التي عنده بأسلوب هادئ وينمط واحد تقريباً. بينما ينبغي على الخطيب، أنْ يكون طرحه وأسلوبه، مراعياً فيه الجماهير بمستوياتها المختلفة، وشدّها إليه، وإيصال معلوماته إليه. في حين أنّ المحاضر عادة يخاطب مستوىً معيناً وشريحة خاصة من الناس.
وبعض هذه المؤهلات الفنية ضروريّة لكل خطيب.
مثل: إبراز المقاطع المهمة في الخطبة، عدم جعل الصوت على وتيرة واحدة، تغيير سرعة الحديث، التوقّف قبيل وبعيد كل فكرة مهمّة، استعمال إشارات اليدين والرأس أثناء إلقاء الخطبة وإلى غير ذلك من المواصفات الفنية(1) .
ومع ذلك فلابدّ من أنْ نؤكّد على بعض المؤهّلات الفنية، التي تكون وثيقة الصلة، بخطيب المنبر الحسيني، وأهمّها:
ـ أ - امتلاك مستوى جيد من القدرة على الحفظ
ينبغي على خطيب المنبر الحسيني، أنْ يحفظ العديد من النصوص، التي تشكل عنصراً مهمّاً وأساسيّاً في نجاحه خطابياً.
فبالإضافة إلى استظهار آيات قرآنية كريمة، وبعضاً من الأحاديث الشريفة وما ينقل عن توجيهات الأئمة والصالحين، فإنّ هناك عناية خاصة تبذل لحفظ خطب أو مقاطع من نهج البلاغة، وكذلك تحفظ خطبة السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، ذات المضامين اللغويّة العالية، وكذلك النصّوص المتعلّقة بواقعة كربلاء، مثل الكتب التي راسل بها الإمام الحسينعليهالسلام الآخرين، وخطبه، وكذلك خطب بعض أصحابه
____________________
(1) كارنيغي، دايل: التأثير في الجماهير عن طريق الخطابة، مقاطع مختلفة من الكتاب
يوم عاشوراء. وهناك اهتمام خاص بخطبتي الإمام زين العابدين علي بن الحسين، والسيدة زينب بنت علي بن أبي طالبعليهمالسلام في الشام حينما وصلتها السبايا.
لقد كان خطيب المنبر الحسيني سابقاً يتلو خطبته، من كتاب أو دفتر يقرأ على الناس. ولكن ومنذ عهد الشيخ كاظم سبتي (المارّة ترجمته) أخذ خطباء المنبر الحسينيّون، يتبارون بكثرة محفوظاتهم. فهم بالإضافة إلى حفظ المحاضرة بأكملها بما تحتوي من أفكار، وآراء ومطارحات ونقاط وشواهد، تحفظ بعض النصّوص الخاصة، وكذلك لابدّ من حفظ القصائد الشعريّة، التي تُتلى في مقدّمة المحاضرة، لاسيما في مجالس، العشرة الأولى من المحرّم، ووفيات النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبقية أهل البيتعليهمالسلام .
إنّ مَلَكة الحفظ تبلغ ببعض الخطباء، أنْ يستظهروا كل حوادث يوم عاشوراء بأسماء أشخاصها، وأشعارهم، وحواراتهم مرتّبة تاريخيّاً، مع ما يناسب كل مقطع من شعر رثائي، باللغة الفصحى، أو العاميّة العراقيّة الدارجة. ويستمر الخطيب يوم عاشوراء في قراءة المقتل، لما يزيد على ساعتين متّصلتين، بصوتٍ مرتفع، وإنشاد للشعر، وأُسلوبٍ عاطفي حزين. إنّ زيادة رصيد الخطيب الحسيني، من المحفوظات الشعريّة والتاريخيّة والنصوصيّة يعني زيادة فرص نجاحه، وتميّز منبره وشدّة إقبال الناس على محاضراته.
ـ ب - التمتّع بقدر جيّد من رقّة الصوت
لمّا كانت خطابة المنبر الحسيني، قد ارتبطت بشكل أساسي، بالتعريج على واقعة كربلاء، والتوقّف عند مقطع منها، وإشباعه بالشعر والإنشاد الحزين، بل إنّ بداية المنبر الحسيني، كانت عبارة عن إنشاد الشعر الرثائي، الذي قيل في الإمام الحسينعليهالسلام . حيث كان أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، يعقدون تلك المجالس في بيوتهم، كما مرّ علينا في
الفصل الثاني من هذا البحث، ولقد وجدنا، أنّ اهتمام الأئمّة بعنصر الصوت ورقّته كان مبكّراً، فيما نقلنا من رواية دخول أبي هارون المكفوف على الإمام الصادقعليهالسلام ، وإنشاده قصيدة للشاعر السيد الحِمْيَري، فعلّق الإمام على ذلك الإنشاد، وطلب من هذا المنشد قراءة المراثي بصوتٍ رقيق.
ولا يزال الصوت ورقّته، من المؤهّلات الفنّية المهمّة في خطيب المنبر الحسيني، بل يُعتبر هو العنصر الأهم إطلاقاً، في المجالس التي تُعقد في القرى والأرياف، وبعض مجالس البيوت في العراق، وبلدان الخليج. أمّا في لبنان، فإنّ الصوت ورقّته، هو العنصر الأهم في خطيب المنبر الحسيني، في كل المجالس تقريباً كبيرها وصغيرها، المهّم منها ومتواضع الأهميّة.
ولهذا، إذا اكتشف طلاب العلوم الدينيّة المبتدئون، أحد زملائهم، ممّن يمتلك حسن الصوت، انهالوا عليه، ناصحين ومشجّعين، أنْ ينخرط في صفوف خطباء المنبر الحسيني!.
كما تنهال نصائح مغايرة أخرى، على مَن يعتلي أعواد المنبر الحسيني، وصوته ليس بتلك الرّقة والعذوبة المتوقّعة، بأنْ يترك الخطابة الحسينية؛ لأنّ صوته لا يساعد عليها.
وقد كان عنصر رقّة الصوت من الأمور التي حالت دون توجّه الكثيرين، نحو حقل خطابة المنبر الحسيني. وفيهم من لا يُستهان بعلمه ومعلوماته وتقواه.
والواقع أنّ (حسن الصوت وحسن الإلقاء، والتمكّن من التصرّف بنبرات الصوت، وتغييره حسب الحاجة، من أهمّ ما يميّز الخطيب الناجح. وذلك في أصله موهبة ربّانيّة، يختص بها البشر من غير كسب، غير أنّها تقوى وتنمو بالتمرين، والتعلّم، كجميع المواهب
الشخصيّة)(1) .
إنّ الصوت الجميل الرقيق، له أبلغ الأثر، في إثارة الشحنة العاطفيّة، التي تنتهي بالبكاء، في نهاية فقرات المنبر الحسيني، والبكاء كان ولا يزال أمراً أساسيّاً، يتميّز به خطاب المنبر الحسيني، عن بقية المنابر، إسلاميّة وغيرها.
ويعلّق الخطيب السيد صالح الحلّي (المارّة ترجمته في نهاية الفصل الثالث) على هذه النقطة بقوله: (إنّ خطيب المنبر الحسيني، يحتاج إلى حاءات ثلاثة هي: الحظ والحفظ والحسّ)(2) أي الصوت(3) ، ومنه قوله تعالى:( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) (4) .
وإذا كان عنصر الصوت، من العناصر المهمّة، في خطابة كل خطيب؛ فإنّه في الخطابة الحسينيّة في غاية الأهمية؛ لأنّ خطيب المنبر الحسيني لا يكتفي بالخطبة العادية ككل خطيب، بل لابد له من إنشاد الشعر الرثائي، باللغتين الفصحى والعاميّة، واستخدام أطوار وطرق متنوعة، وبما يستلزم ذلك من ترجيع للصوت وتغيير نبراته.
ـ جـ - التوافر على خبرة بفن الخطابة الحسينيّة
إنّ خطيب المنبر الحسيني، لا يكتفي بإبراز الجوانب العلميّة والثقافيّة والمعلوماتيّة العامّة التي يرعاها كل خطيب. أو بمشاركة كلّ الخطباء في ضرورة توافره على المؤهّلات والأوصاف الفنّية، المرتبطة
____________________
(1) المظفر، محمد رضا: المنطق، 3/373.
(2) السيد حسن، داخل: معجم الخطباء، 1/95.
(3) ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، 1/49.
(4) الأنبياء (102).
بالخطابة بشكل عام. ويزيد عليهم في نمط خاص، من الأساليب الفنية التي يتميّز بها، فمثلاً في بعض بلدان الخليج، لا يكتفي خطيب المنبر الحسيني، بإلقاء محاضرته وإنشاد الشعر الرثائي، بعد ذلك على المنبر، بل ينزل من على منبره، ولاقطة الصوت بيده، يختلط بالجمهور المحتشد، بين يديه ليزيد من بكائهم وانفعالهم، وإذا كان أحد العلماء الكبار، أو أحد السادة الأشراف المبرزين، حاضراً في المجلس، فإنّ الخطيب ينزل ليوجّه له أبيات العزاء، ممّا يزيد في بكاء الناس وتأثرهم.
وقد نجد بعض خطباء المنبر الحسيني يرمي بعمامته إلى الأرض، في بعض مقاطع ذكر المصيبة، مثل لحظة ضرب رأس أمير المؤمنينعليهالسلام ، في محراب جامع الكوفة، ليلة 19 شهر رمضان، أو لحظة قطع رأس الحسينعليهالسلام ، ظهيرة يوم عاشوراء... وما أنْ يرى الناس ذلك، حتى ترتفع أصواتهم بالنحيب والبكاء.. (وبقدر ما يمتلك من يتلو السيرة الحسينيّة، من براعة في الأداء، وفي تغيير نبرات الصوت وجعلها متّسقة مع الكلمات والمعاني، وبقدر ما يبدو متأثّراً مع تلاوته للسيرة، ومع إنشاده لأبيات الشعر بأسلوب النوح، بقدر ما يؤثّر في السامعين ويحدث فيهم توتّراً نفسياً وعاطفياًَ يقودهم إلى البكاء)(1) .
ويحتفظ خطباء المنبر الحسيني، وجمهورُه بلقطات فنيّة، برزت من بعض مشاهير الخطباء، ويتداولونها بينهم، ويتناقلون تأثيرها في المستمعين.
إنّ الحضور الجماهيري، الحاشد أيام عاشوراء يتطلّب قدرة خطابية فائقة، للسيطرة على جمهوره وشدّه إليه. وعلى الخطيب الحسيني، أنْ يكون متهيّئاً لكل طارئ في أثناء خطبته، ماذا يصنع إذا
____________________
(1) البعيني، حسن أمين: العادات والتقاليد في لبنان، ص193.
انقطع التيار الكهربائي؟ وكيف يخاطب جمهوره ليبقي على حالة الانشداد إليه؟ كيف يتصرّف الخطيب إذا دخل المجلس، عالم كبير أو شخصية مرموقة جدّاً؟ كيف يتعامل الخطيب، مع خطيب آخر إذا حضر في مجلسه؟
وغير ذلك من احتمالات، وموارد تحتّم على خطيب المنبر الحسيني، أنْ يتمتّع بقدرة كبيرة، وخبرة واسعة، في فن الخطابة الحسينية وأصولها وتقاليدها وأعرافها.
ومن هنا تبرز أهمية، تتلمذ الخطيب الناشئ، على يد خطيب أستاذ متمرّس، يضع بين يديه خبرته، ويبيّن له وصاياه ونصائحه ويحكي له جوانب من تجاربه.
ـ د - مراعاة الحكمة
إنّ الحكمة كما عرّفها البعض، من أنّها (وضع الشيء في محلّه)، وإذا كان كل خطيب، يحتاج إلى مراعاة الحكمة، في خطابته، فإنّ ذلك يبرز بصورة أوضح، وأشد، في خطابة المنبر الحسيني.
إنّ المنبر الحسيني يخاطب شرائح متنوعة من المجتمع، ويحضر المنبر مستويات متباينة من الناس، كما يعقد في ظروف مكانية وزمانيّة واجتماعيّة مختلفة. ولمناسبات وأغراض كثيرة.
وعلى خطيب المنبر الحسيني، أنْ يكون حكيماً في خطابته، مراعياً الظروف المكانيّة والزمانيّة من جهة، وتنوّع المستمعين من جهة أخرى، وتباين مستوى تلقّيهم، من جهة ثالثة، وانسجام حديثه مع نوعيّة المناسبة من جهة رابعة..
وكأمثلة على ما ذُكر أعلاه، نورد ما يلي:
1) دُعي الخطيب المعروف الشيخ كاظم سبتي (المارّة ترجمته، في نهاية الفصل الثالث) للقراءة في منزل أحد السادة الأشراف، في النجف الأشرف، بمناسبة انتقاله إلى دار جديدة. وإذا بهذا الخطيب، رغم كل خبرته، ومعرفته، يبدأ خطبته، بمقطوعة من خطب الإمام أمير المؤمنين، وهي في ذمّ الدنيا وتبدأ بقوله" (دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، أحوال مختلفة وثارات متصرّفة، العيش فيها مذموم والأمن فيها معدوم..)(1) ممّا جعل صاحب الدار مذهولاًَ يضرب على فخذه، ويردّد: ما هذا الافتتاح يا شيخ كاظم(2) ؟؟ فهنا لم تكن الخطبة مناسبة، لمقتضى الحال، بل هي على عكسها تماماً..
2) ومثال آخر جرى مع الشيخ حسن بن الشيخ كاظم سبتي المذكور أعلاه، حينما كان يقرأ في مجلس مختصر، ليس فيه إلاّ بضعة مستمعين، من طلبة إحدى المدارس الدينيّة في النجف. ولمّا مرّ الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، جلس مع أولئك الطلبة، ليشاركهم في المجلس الحسيني طلباً للثواب. ولكن الخطيب لم يراعِ ظروف مجلسه، وقلّة الموجودين، فراح يطنب في ذكر وصيّة الإمام علي لولده الحسن وشرحها، والتي تبدأ في كل مقطع بـ (بني حسن..) حتى طال وقت المحاضرة، أكثر من المعتاد. ممّا جعل الإمام الشيخ كاشف الغطاء، يبادر إلى ذلك الخطيب ويخاطبه: (بُني حسن، أما أوصاك أبوك، أنّه إذا كان في المجلس ثلاثة مستمعين، فلا تطيل الحديث عليهم؟؟)(3) . وجاء تعليق سماحة الإمام كاشف الغطاء باللفظة نفسها التي كان يستخدمها الخطيب..
____________________
(1) علي الجندي: سجع الحمام في حكم الإمام، ص84.
(2) شبر، السيد جواد: أدب الطف 9/74.
(3) حسن، داخل السيد: معجم الخطباء، 1/34.
3) ذكر لي أحد أساتذة الخطباء وهو السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب؛ (أنّ خطيباً دعي لقراءة مجلس حسيني في منزل أحد العلماء، وكان جلّ الحضور من العلماء وطلبة العلوم الدينيّة، وإذا بذلك الخطيب يتناول موضوع الخمر، ومضارّها وعقوبة شاربيها.. فانبرى له أحد الحاضرين مؤنّباً.. وهل وجدت في مجلسنا هذا من يشرب الخمر؟؟، ألم تجد غير هذا الموضوع لتتحدّث عنه؟؟ ممّا أربك الخطيب وأفشل المحاضرة)(1) .
هذه هي أهمّ المؤهلات الفنيّة، التي ينبغي توافرها في خطيب المنبر الحسيني، وقد ركّزنا على تلك المؤهّلات، التي يتميّز بها خطيب المنبر الحسيني، عن بقيّة الخطباء، وإنّ كان يشترك معهم، في المؤهلات الفنيّة العامّة، التي لابدّ من اتصاف الخطيب، أي خطيب بها.
ثمّ نأتي الآن إلى الصنف الثالث من المؤهّلات، وهي:
3 - المؤهّلات الرساليّة
إنّ الصنفين الأول، والثاني، من المؤهلات العلميّة والفنيّة، إنّما يوفران شروط الخطابة الناجحة. ويمكن اعتبار ذلك طاقة، لابدّ من توجيهها التوجيه الصحيح، حتى تؤتي الخطابة ثمارها ومنافعها. فتأتي المؤهلات الرساليّة، لتقوم بهذه المهمّة، وهي مؤهلات ضروريّة لكل خطيب رسالي، سواء كان خطيب منبر حسيني، أو خطيب منبر الجمعة، أو أي خطيب ملتزم بأحكام دينه وأهداف رسالته.
فهي إذن من المؤهلات المشتركة بين كل الخطباء الرساليّين
____________________
(1) لقاء شخصي مع الخطيب السيد عبد الزهراء الحسيني، دمشق. 26 رجب 1413هـ 1/1/1993م.
الملتزمين.
وقد تكون هذه المؤهلات الرساليّة مثل: الالتزام والأخلاقيّة والهادفيّة أكثر ضرورة في خطيب المنبر الحسيني، الذي يخاطب جماهير كثيرة واسعة، وينتقل إلى أماكن ودول متعدّدة، بما قد لا يتوافر لخطيب المسجد.
فالخطيب الرسالي، هو الذي يراعي مسائل هداية الشباب، والتزام المرأة المسلمة، والدفاع عن المظلومين.. وغيرها من الأبحاث التي تنبع من وعي الخطيب وتقديره لحاجة المجتمع إلى موضوعاته ومنبره.
فرق كبير بين الخطيب الناجح، أي الذي يوفّر كل المؤهلات العلميّة والثقافيّة والمؤهلات الفنّية، وبين الخطيب النافع، الذي لا يكتفي بتلك المؤهّلات، بل يزيد عليها، مؤهّلات رساليّة، تجعله يختار الحديث الذي يزيد في الوعي؛ لأنّه خطيب نافع، فالخطيب النافع هو الخطيب الهادف.
إنّ التزام الخطيب، وأخلاقيته، وهادفيّته، ووعيه، أمورٌ أساسيّة لإيجاد المنبر الهادف، الذي يُغني الساحة، وينمّي درجة الوعي ويزيد من التزامها، وتبنّيها لنهج الإسلام وأحكامه.
وكما قلنا، هي مؤهلات من الواجب توافرها في كل خطيب إسلامي، ولكنّها قد تكون أكثر بروزاً في خطيب المنبر الحسيني، لسعة المساحة التي يخاطبها في الأمّة، وتنوّع الساحات واتساع نطاق تحرّكه.
إنّ شدّة ارتباط الخطيب الملتزم بالله تعالى، والتزام تقواه، والعمل من أجل مرضاته، أمورٌ في صدارة ما ينبغي على الخطيب الملتزم والهادف أنّ يتحلّى بها، ويعيش آثارها، في نفسه وسلوكه وخطابته.
إنّ حالة تقوى الله، وصدق الإنسان في التعامل مع ربّه الكريم، وخلوص النيّة وصفائها، من الأُسس بالغة الأهمية في توفيق الخطيب، وانعكاس ذلك على شدّة تأثّر الناس به وبكلامه ومواعظه، ومن ثَمّ ما يذكر من مصيبة الإمام الحسينعليهالسلام .
نعم (كم من خطيبٍ في مجالس ذكرى مصرع سيد الشهداءعليهالسلام ، يدفع الناس إلى البكاء، والرّقة بمجرّد مشاهدة هيئته وسمتّه، قبل أنْ يتكلّم)(1) !
هذه هي الشروط والمؤهلات التي ينبغي حضورها في خطيب المنبر الحسيني، وبعضها يشترك فيها مع كل خطيب، والبعض يشترك فيها مع الخطيب الإسلامي، فيما يختص خطيب المنبر الحسيني ببعضها الآخر.
طرق إعداد خطيب المنبر الحسيني
هذه هي النقطة الثالثة، في هذا المبحث المتعلّق بخطيب المنبر الحسيني المعاصر، وبها ينتهي الفصل الرابع من هذه الرسالة إنْ شاء الله تعالى.
فبعد أنْ جلنا في عالم المنبر الحسيني، ووقفنا على كثرة مناسباته ومواسمه، وسعة امتداده وحضوره، وما ينبغي أنْ تتوافر، من أوصاف ومؤهلات في خطبائه، لابدّ أنْ يقفز إلى الأذهان سؤال يفرض نفسه، وهو: كيف يتم إعداد خطيب المنبر الحسيني؟ وما هي الطرق المتّبعة لإعداده؟ وهل هناك جهة أو جهات، متخصّصة بتهيئة خطباء المنبر الحسيني؟
____________________
(1) المظفر، محمد رضا: المنطق، 3/373.
خاصة، إذا تأمّلنا العدد الكبير للخطباء، فهناك المئات منهم في العراق وربّما وصلوا إلى بضعة آلاف. وفي مناطق الخليج العربية لاسيما البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية، يشكّل خطباء المنبر الحسيني طبقة اجتماعيّة - دينيّة بارزة، وفي لبنان تتّسع يوماً بعد يوم دائرة الشباب وطلبة العلوم الدينيّة الذين يرتقون أعواد المنبر الحسيني بشكل واضح. أمّا في البلاد الشيعيّة غير العربيّة فحدّث ولا حرج، حيث ينقل، إنّ عدد خطباء المنبر الحسيني في بلاد الهند وحدها يصل إلى عشرين ألف خطيب حسيني!!(1) . (فإذا كانت الحواضر الإسلامية، قد شاركت النجف الأشرف في إقامة حوزات علمية كبيرة، فإنّ النجف الأشرف انفردت بتخريج آلاف الخطباء الحسينيين الذين غطّوا العراق - على كثرة مجالسه - ويملأون الخليج بأسره، ويذهب البعض منهم إلى أفريقيا، وبعض الدول الأوروبيّة)(2) .
وسبق لنا أنْ ذكرنا في موضوع (الحسينيّة) وجود (3500) حسينيّة في البحرين وحدها ممّا يستلزم كثرة خطباء المنبر الحسيني.
ونعود إلى سؤالنا، كيف يتم إعداد هذا العدد الكبير من خطباء المنبر الحسيني؟ للإجابة عن هذا السؤال، نذكر الطرق المتّبعة في عملية الإعداد والتي تختلف في سعتها قوةً وضعفاً، تبعاً لعدّة عوامل كما سيأتي بيانها:
1 - طريقة التلمذة (التصنّع)
إنّ أخذ التلميذ عن أستاذه ومعلمه أسلوبٌ قديم، نشأ عليه علماء المسلمين في مساجدهم ومعاهدهم العلميّة، حيث كان يتّجه
____________________
(1) مجلّة الموسم، 7/831.
(2) دخيل، علي محمد علي: نجفيّات، ص42.
طلاب العلم من أقاصي الأرض، إلى حيث يوجد هذا العالم أو يحاضر ذاك.
والطريقة التقليديّة المتّبعة، في إعداد خطباء المنبر الحسيني، هي ملازمة التلميذ، الذي يريد أنْ يكون خطيباً حسينياً، لأحد كبار خطباء المنبر الحسيني، حيث يتعلّم منه، ويأخذ منه أصول هذه الصناعة ودقائق هذه الخطابة.
وتسمّى بطريقة (التلمذة) أو التتلمذ، وبالمصلح الشعبي العرابي بـ (التصنّع) ويسمّى التلميذ صانعاً. والتصنّع الذي هو أخذ الصنعة، مصطل فصيح معناه في اللغة مأخوذ من (اصطنع)، فإذا قيل: اصطنع فلان خاتماً، إذا سأل رجلاً أنْ يصنع له خاتماً والمصانعة: أنْ تصنع لشخص شيئاً، ليصنع بدوره لك شيئاً(1) .
وهذا المصطلح مضطرد، في كل حرفة في العراق، فالغلام الذي يبعثه أهلُه، لتعلّم الحدادة يقال له صانع حدّاد، وعند النجّار يسمّى صانع نجّار وانسحب هذا المصطلح، بدوره على من يقصد أستاذاً مِن أساتذة المنبر الحسيني، طالباً تعليمه فن الخطابة الحسينية، فيسمّى صانعاً لذا الخطيب أو ذاك.
فإذا ما أراد أحدهم التخصّص في الخطابة الحسينية، فإنّه يعتمد إلى اختيار أحد الخطباء المتمرّسين والمعروفين، فيقوم بملازمته في مجالسه، يأخذ بتوجيهاته، ويحفظ ما يطلبه أستاذه منه، وهو في كل ذلك يحضر دروساً عملية منه حينما يرتقي المنبر.
هذا وقد أجريت مقابلات، مع بعض خطباء المنبر الحسيني المبرزّين، وهم خطباء عراقيون مقيمون في دمشق، لمزيد من توضيح
____________________
(1) ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، 8 / 209، 212.
لهذه الطريقة، التي يعود إليها الفضل، في إعداد أبرز خطباء وأساتذة المنبر الحسيني اليوم.
وبدأت بسؤال الدكتور أحمد الوائلي، وهو يعدُّ أبرز خطيب حسيني في عصرنا هذا، وسألته عن طريقة التلمذة، أو التصنّع فأجاب( وهي أنْ يختار الفرد أو أهله، خطيباً للتتلّمذ عليه، من الذين يرونهم بارزين في هذا الميدان. وغالباً ما كان الخطيب، لا يردّ من يرد عليه من التلامذة؛ لأنّ الخطيب يكتسب بذلك مكانة، حيث إنّ كثرة تلامذته تعني ارتقاء منزلته، وكذلك التلميذ، فقد يكون له عدّة أساتذة) فبادرته بالسؤال، وكم أستاذ كان لكم؟ فأجاب: (كان التتلمذ على ثمانية أساتذة) منهم الخطباء: محمد علي قسّام(1) ، والسيد باقر الموسوي(2) ، (المعروف بسيلمون) والشيخ جواد القسّام(3) ) (4) .
ثمّ حوّلت رحلي إلى خطيب آخر، من أساتذة المنبر الحسيني، وهو الشيخ جعفر الهلالي وسألته عن طريقة التلمذة
____________________
(1) محمد علي القسام: بن الشيخ حمّودي بن خليل، ولد في النجف الأشرف سنة 1290 هجرية تعلّم وقرأ المقدمات، ثمّ برع في الشعر والأدب، اتجه إلى الخطابة، وهبه الله حافظة قويّة وصوتاً عذباً وطريقة حسنة، ثار مع العلماء المجاهدين، ضد المستعمر الانجليزي، سكن بغداد حتى وفاته عام 1373. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف 3 / 1000).
(2) السيد باقر الموسوي بن تقي بن سليمون: ولد في النجف الأشرف سنة 1317 هجرية. ونشأ فيها، وحضر مجالسها، واتصل بخطبائها، عرف بمجالس الوعظ والإرشاد ويُكثر من استشهاده بخطب نهج البلاغة، كان أستاذاً لعدّة خطباء توفّي في النجف 1371 هجرية. (المرجاني، حيدر: خطباء المنبر الحسيني، 1 / 134).
(3) الشيخ جواد القسّام: بن الشيخ جاسم بن خليل الخفاجي، ولد في النجف الأشرف عام 1326 هجرية، وأخذ العلم عن أساتذة النجف ومدرسّيها، كان منبره ساحراً ومؤثّراً في الناس. عالم وأديب وشاعر، توفي في أواخر الستينيات الميلادية. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 999).
(4) لقاء شخصي في دمشق. 8 رجب 1412 هـ، 7 / 1 / 1993.
(5) الشيخ جعفر بن الشيخ حميد بن إبراهيم الإحسائي الهلالي النجفي، ولد في البصرة عام =
هذه، فقال: (يقوم والد التلميذ - عادة - باختيار الخطيب الأستاذ الجيّد، ذا الدين، وبتطوّر طالب العلم، وقيامه بالمهام التبليغيّة، يقترح عليه أن يتوجه إلى الخطابة فينفرد عن أستاذه). وسألته كيف أخذتم الخطاب فقال: (نشأت في التصنّع عند أستاذ، لعدم وجود الكتب والأشرطة ولقلّة الخطباء)(1) . وبعدها سألت أستاذاً ثالثاً من أساتذة المنبر الحسيني، وهو السيد طاهر ملحم الحسيني(2) فأجاب عن سؤالنا أعلاه:
(إنّ والد الخطيب الجديد (التلميذ) يسلّم ولده لأحد الخطباء الجيدين، فيعطيه الأخير قصائد مع تحريكها ليسلم نطقه، ويكون ذلك بدون مقابل (مجاناً)، وبعد فترة يعتمد فيها عليه، ينفصل عنه، فتكون بدايته بسيطة، ثمّ يتطوّر حسب قابليّته)(3) .. ومن دمشق إلى مدينة بيروت، حيث التقيت الخطيب الحسيني الذي كان الخطيب الأبرز وأستاذ المنبر، في لبنان لما يقارب الثلاثين عاماً، وهو المرحوم الشيخ عبد الوهاب الكاشي(4) ،
____________________
= 1351 هجرية. أخذ مقدمات العلوم وانتقل إلى النجف. برز كخطيب ناجح وشاعر متميّز ومتتبّع معروف، تخرّج من كلية الفقه بالنجف سنة 1964م. (ارتقى المنابر في العراق وبلدان الخليج) (المرجاني، حيدر: خطباء المنبر الحسيني، 1 / 164).
(1) الخالدي، فيصل: المنبر الحسيني في العراق، ص94. دمشق 24 رجب 1413.
(2) طاهر بن السيد حسن بن السيد ملحم الحسيني، ولد في النجف سنة 1353 هجرية. نشأ في النجف ودرس وترعرع فيها، أخذ الخطابة عن أبيه، خرّيج كلية الفقه في النجف، له عدّة مؤلّفات ولا يزال يمارس الخطابة في الخليج. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 2 / 505).
(3) الخالدي: فيصل: المنبر الحسيني في العراق، ص94. دمشق 19 جمادي الثاني 1412.
(4) الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ عبد الحسين الكاشي النجفي، ولد في البصرة سنة 1344 هجرية. ثمّ انتقل مع والده الذي كان من الخطباء المعروفين - إلى النجف ودخل مدارس منتدى النشر، وحضر عند مجموعة من العلماء والأساتذة، حتى برز خطيباً مفوّها، وهبه الله عذوبة صوت وحسن إلقاء، دعي إلى مدينة صور لأوّل مرة سنة 1959م، ثمّ تواصل حُضور إلى لبنان حتى استقر فيه من سنة 1971م حتى وفاته عام 1997 ببيروت، وكل خطباء المنبر الحسيني اللبنانيين اليوم، يأخذون بطريقته وأسلوبه الخطابي. (المصنف).
فوضّح تجربته في طريقة التلمذة، التي نشأ عليها (إنّ التلمذة تعني ملازمة أستاذ من الخطباء المرموقين، وقد كان أستاذي هو عمي الخطيب الشيخ محمد الذي كان يقول لي: انظر لي كيف أقرأ.. إذا صعدت فاصعدْ، وإذا نزلت فانزلْ.. أي اقتبس منّي.. وبهذا يقوم التلميذ بتقليد الخطيب الأستاذ في إنشاد الشعر، ويقلّد خطيب آخر في كيفيّة طرح الموضوع، ومع اجتماعهما يتولّد خطيب جديد.. وكنت أحضر كل ليلة ثلاثة مجالس على الأقل، حيث أقرأ المقدّمات (أي القصيدة والنعي)(1) ، ويقوم التلميذ بقراءة القصيدة واقفاً، وأستاذه جالس على المنبر.. ويتدخّل الأستاذ فيقول: ارفع صوتك أو اخفضه، أو أعد البيت. ويقوم التلميذ باستنساخ القصائد من المجموعة(2) الخاصّة بالأستاذ، ثمّ يقوم بعرضها عليه ويأخذ ملاحظاته).
ثمّ نعود إلى الشيخ جعفر الهلالي، وهو يبيّن كيفيّة تحرّك التلميذ أو التلاميذ، مع أستاذهم (فإذا حلّ الموسم الخطابي، فإنّ الخطيب حينما يُدعى إلى منطقة ما، فإنّه يستصحب معه تلميذه أو تلامذته الذين يكونون عنده، وقد يكون عددهم من 3 - 5 تلاميذ، يستصحبهم ليقوموا بقراءة المقدّمات قبله، في المجالس اليوميّة التي يعهد إليه إحياؤها، فترى الخطيب الأستاذ، يوزّع تلامذته على مجالسه لهذه المهمّة)(3) .
واستصحاب الأستاذ لتلميذه إلى مجالس في مواسم المنبر الحسيني، إنّما يكون بعد أنْ يطلب الأستاذ منه أنْ يحفظ مجموعة من القصائد مع تشكيلها وتحريكها، ثمّ يتعلّم بعد ذلك كيفيّة الأداء
____________________
(1) لقاء مع الشيخ عبد الوهاب الكاشي، قبل وفاته بشهر من 14 شوال 1417 هـ. بيروت.
(2) المجموعة: دفتر خاص بكل خطيب، أشبه شيء بالكشكول، يجمع فيه الخطيب، أفضل ما يجده من قصائد ومعلومات، وشواهد أدبية وتاريخية، ممّا يعينه على خطابة المنبر الحسيني.
(3) مصدر سابق.
وأسلوب الإنشاد، متأثراً إلى حدّ كبير بطريقة أستاذه في الإنشاد، ويتقن الأطوار المتّبعة في الشعر الرثائي الحسيني، فإذا ما أتق التلميذ ذلك، صاحب أستاذه إلى مجالسه التي يلتزمها، فيكون هو أوّل من يشرع بقراءة القصيدة، ثمّ يتبعها بأبيات نعي باللغة الشعبية العراقية (وأحياناً البحرانيّة) ثمّ ينتهي دور التلميذ، ليبدأ الأستاذ بعده بطرح موضوعه الذي يريد طرحه، وأمّا التلميذ، فإنه يجلس ليصغي إلى أستاذه، فيأخذ منه ويتابع حركته، وأسلوبه الخطابي، ويسجّل الملاحظات، حتى نهاية محاضرته بفقرتي التخلّص والمصيبة.
ويقول الخطيب الحسيني داخل السيد حسن(1) ، في مقابلة لي معه في دمشق: (قد يبرز أحد التلامذة بقراءة القصيدة، وإنشادها قبل الأستاذ، بحيث إنّ أصحاب المجالس يدعونه شخصياً لقراءة المقدّمات قبل الخطيب. فهناك دعوة موجّهة إلى التلميذ ودعوة أخرى وجهة إلى أحد الخطباء(2) ).
وكما يستفيد التلميذ من أستاذه، خطابته وطريقته، بل وتعرّفه على المجالس الحسينية وأصحابها فإنّ الأستاذ يستفيد يدروه؛ لأنّ كثرة التلامذة يعني علّو شأنه خطابيّا، ثمّ إنّه يستطيع التزام عددّ أكبر من المجالس، بدون أنْ يشكّل ذلك، إجهاداً على حنجرته وصوته، حيث تولّى تلامذته إنشاد القصائد بأطوارها. وإنشادها هو الذي يستوجب شدّاً واضحاً للأوتار الصوتيّة.
وقد يبقى التلميذ ملازماً لأستاذ، يجد فيه ضالّته، في حين نجد آخرين ينتقلون من أستاذ إلى آخر. وتبقى علاقة الاحترام والأستاذيّة، قائمة بين التلميذ وأستاذه، وربّما ترجمت إلى رعاية الأستاذ في كبره
____________________
(1) تقدمت ترجمته.
(2) لقاء شخصي في دمشق. 2 رجب 1413 هـ.
وشيخوخته.
إنّ شيوخ خطباء المنبر الحسيني اليوم، وأساتذته هم خريجو طريقة التلمذة هذه.
ويمكن أنْ نذكر إيجابيات هذه الطريقة بما يلي:
1 - يتوافر التلميذ على أفضل قصائد الرثاء الحسيني، وأكثرها شهرة في أوساط المنابر الحسينية وجمهورها، والتي تعود - القصائد - إلى مشاهير الشعراء من قدامى ومحدّثين. يأخذ القصيدة مشكّلة مضبوطة الأداء، وتُتلى بأصل الإنشاد الرثائي وأطواره المعهودة، فينمو بذلك حسّه لأدبي وذوقه الفنّي واستماعه المميّز.
2 - يحظى التلميذ بتوجيه مباشر، من أستاذه، في إعداد المحاضرة، ويدلّه على مصادر المعلومات، ومراجع الشواهد الأدبية والتاريخية. وهو يتابع توجيهاته ويأخذ بملاحظاته.
3 - يدخل التلميذ حقل التجربة العمليّة، ويحصل على الجرأة الأدبية مبكّراً، وهو تحت رعاية أستاذه وحثّه، وبما تُشيعه أجواء المنافسة مع زملائه من التلاميذ الآخرين من فرص للنجاح. إنّ هناك أموراً منبرية، لا يمكن أنْ تكتسب من كتاب نظري، بل تؤخذ من التجربة والتطبيق العلمي، لأسلوب الخطابة الحسينية ودقائق فنونها وتقاليدها.
4 - كما أشرنا سابقاً، إنْ هذه الطريقة؛ تمهّد للتلميذ خطوات المستقبل العمليّة، في أنْ يكون خطيباً ذات يوم، بما يمكّنه تنقّله مع أستاذه من مدّ شبكة العلاقات مع المساجد، والحسينيّات، والوجهاء، والهيئات الأخرى، المشرفة على المنبر الحسيني، فيبدأ بإعداد رصيد اجتماعي مستقبلي.
وفي نهاية هذه الطريقة، في إعداد المنبر الحسيني، أنقل ما يراه السيد محمد حسين فضل الله في لقاء لي معه في بيروت، من إيجابية هذه الطريقة وهو يستعيد ذاكرته مع الخطباء الكبار، الذين كان يحضر منابرهم أيام إقامته ودراسته في النجف فيقول:
(وأستطيع أنْ أعطي عن كل خطباء تلك المرحلة سواء الشيخ محمد علي قسّام، أم الشيخ محمد الكاشي، أم الشيخ جواد القسّام.. إنّهم كانوا يملكون فنّ الخطابة، باعتبار أنّ خطابتهم لم تكن مبادرة ذاتيّة، من خلال عناصر الشخصيّة والثقافيّة التي يتمتّعون بها، ولكنّهم كانوا يتتلمذون على أساتذة في أسلوبهم الخاص، بما جعلهم يمتلكون الجانب الفنّي من الخطابة، بحيث إنّك تستطيع عندما تجلس تحت منبر هؤلاء أنْ تطمئن إلى أنّهم لن يخرجوا عن الموضوع، وإلى أنّهم لنْ يعيشوا في متاهات يشعرون فيها بالضياع، على اعتبار أنّهم كانوا يكتبون موضوعاتهم، وعلى الأسس الفنّية التي تلّقوها من أساتذتهم، وبذا كانوا يمثّلون الامتداد الثقافي لفنّ قراءة التعزية، الذي تطوّر على مدى التاريخ، على حسب طبيعة المرحلة الثقافية.
بينما نلاحظ في الكثير من الخطباء المُحْدَثين، أنّهم لا يتقنون فن الخطابة، واحدهم قد يملك ثقافة، ولكنّك تتصوّره حينما يصعد المنبر، تماماً كأي إنسان خطيب يخطب خطبة حماسية أو ما إلى ذلك. وحتى الذين يستغرقون في مسألة المأساة الحسينية، فإنّك لا ترى عندهم الأسلوب الفنّي، الذي يجعلهم يختارون القصيدة التي يقرؤونها، وأبيات النعي التي يثيروها، وتوزيع عناصر المأساة على مفرداتهم الخطابية، ومن هنا فإنّك تشعر مع الخطباء، الذين لم يتتلمذوا على أساتذة، أنّهم قد يتيهون، وقد يضيّعون السامع، وقد يجلبون الملل)(1) .
____________________
(1) لقاء شخصي في بيروت.
2) طريقة البناء الذاتي
أخذت الطريقة القديمة، في إعداد خطباء المنبر الحسيني (التلمذة)، بالضمور شيئاً فشيئاً، منذ ما يقارب من نصف قرن مضى. فبعد أنْ ازدادت دور النشر الحديثة، وما ترتّب عليها من وفرة المصادر التاريخية والأدبية، والتراجم من جهة، واهتمام بعض خطباء المنبر الحسيني، بإصدار مؤلّفات تتضمّن ترتيب مجالس حسينية كاملة، يمكن أنْ يعتمد عليها بعض مَن يريد، أنْ ينطلق في أجواء المنبر الحسيني، من جهة أخرى، إضافة إلى مصنّفات ضمّت أشر القصائد الرثائية من الشعراء القدامى والمعاصرين.
كما أنّ الأجهزة الصوتيّة، ولاسيما أجهزة التسجيل، من جهة ثالثة قد وفّرت تجارب حيّة لخطب المنابر الحسينية. وفيها تتّضح، نبرات صوت الخطيب وطريقة الخطابة، واختيار الكيفيّة المناسبة، والطور الملائم لإنشاد الشعر الرثائي، بنوعيه: القريض والشعبي. وبما يحفظ شريط التسجيل، من معلومات، وشواهد، وأفكار. كل ذلك وفّر مادةً فنّية جاهزة، أمام تلامذة المنبر والخطباء المبتدئين، تتظافر مع وفرة الإنتاج، في عالم المكتبات؛ ممّا أسهم في تهيئة مواد أساسيّة، ومهمّة تعين من يجد في نفسه قابليّة ورغبة في انتهاج سبيل خطابة المنبر الحسيني.
وقد مرّ بنا في اللقاء السابق، مع الخطيب الأستاذ الشيخ جعفر الهلالي، بأنّه اتجه إلى التلمذة، باعتبارها طريقة، كانت تعتمد، لعدم وجود الكتب والأشرطة (أشرطة التسجيل). ولقد رأيت شخصيّاً، بعض كبار خطباء المنبر الحسيني، لا يسمحون لأحد بتسجيل محاضراتهم ومجالسهم. ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ ما يجهدون أنفسهم في اقتناصه من الشواهد، أو ما يعصرون أذهانهم من أفكار، سوف لن
يعود مختصّاً بهم، بل قد يصل هذا العطاء إلى مَن ليس أهلاً له.
وطريقة البناء الذاتي، هي الطريقة المتوفّرة حاليّاً، حيث إنّ مواد خطابة المنبر الحسيني، موجودة بشكل كبير واسع، فهناك المئات من أشرطة التسجيل للمشاهير من خطباء المنبر الحسيني، بل إنّ بعض أصحاب محلات التسجيل، راحوا يعتنون في أعداد الأشرطة، حيث يجمعون مقتطفات من القصائد الرثائيّة، وأبيات النعي التي تنشد في أول فقرات المنبر الحسيني (القصيدة)، لكل خطيب من خطباء المنبر الحسيني المشهورين، والمجيدين لطرق الإنشاد النوح، حتى إذا لم تكن محاضراتهم بالمستوى المطلوب. حيث يستفاد من طرق الإنشاد والنعي. إنّ هذه الأشرطة المسجّلة تسهم كثيراً في توفير (المؤهلات الفنّية) المطلوبة.
إنّ طريقة البناء الذاتي تعني، أنْ يعتمد المرء على نفسه في إعداد المحاضرة وتهيئة أبيات الرثاء الحسيني، مستفيداً من التجارب الحيّة، المسجّلة، أمامه؛ إمّا في الكتب المطبوعة، وإمّا في الأشرطة المسجّلة. وفيها طرق وأطوار، وكيفيّة استخدام النبرات الصوتية في تصوير الفاجعة، وإذكاء حالة الحزن، وصولاً إلى إحداث الانفعال النفسي بالبكاء.
كما ينبغي على الخطيب المبتدئ أنْ يحضر بصورة مباشرة مجالس خطباء المنبر الحسيني، في المساجد والحسينيّات والأماكن الأخرى وكله آذان صاغية لهذا الخطيب أو ذاك وهو يتابع محاضرته، واستخدامه للشواهد وأسلوب خطابته، حتى وصوله فقرة التخلّص وانتهائه بفقرة المصيبة. ويمكن كذلك لأشرطة التسجيل المصوّرة إنْ توفّر بعض هذه الجوانب.
إنّ من الأسباب التي أدّت إلى ضمور طريقة التلمذة السابقة، وبروز طريقة البناء الذاتي، غياب ظاهرة استصحاب الخطباء الكبار
لمجموعة من الطلاب المبتدئين في المواسم التبليغية، ولاسيما في شهر محرّم.
وممّا أسهم كذلك في ضمور طريقة التلمذة (الطريقة التقليدية)، الأوضاع السياسية الشديدة في العراق، والظروف القاسية التي عصفت بالحوزة العلمية في النجف الأشرف بالخصوص، والتي أدّت إلى غياب مشاهير خطباء المنبر الحسيني عن الساحة وتشتتهم في المهاجر، ممّا أدّى إلى فقدان الظروف الموضوعية والحالة الاجتماعية الدينيّة، التي كانت تشجّع على التلمذة ومتابعة الأستاذ الخطيب في مجالسه.
إذن نستطيع أنْ نُجمل الأسباب التي أدّت إلى بروز طريقة البناء الذاتي بما يلي:
1 - توفّر المصادر والمراجع التاريخية والأدبية، ومصنّفات الخطباء والمجاميع، والدواوين الشعريّة.
2 - انتشار أشرطة تسجيل المحاضرات الحسينية، وأساليب الإنشاد، والنعي، لأشهَر خطباء المنبر وأكثرهم إجادة.
3 - غياب ظاهرة تناوب أكثر من خطيب على منبر واحد. واستصحاب الخطباء تلامذتهم معهم.
4 - الأوضاع السياسيّة والأمنيّة القاهرة.
ويثبت الواقع، أنّ القليلين ممّن اعتمد طريقة البناء الذاتي، قد أعطى مسألة التتبّع والتدرّج والتدريب أهميتها، حتى يكون أهلاً لارتقاء المنبر. ولهذا يتألّم كبار الخطباء من ظاهرة البروز غير الناضج، لبعض من يدّعي أهلية الخطابة الحسينيّة وهو غير مؤهّل لها. يقول الدكتور أحمد الوائلي: إنّ مثل أولئك (كمن يخرج من البيضة، كاملاً
مكمّلاً، ولا يمر بأي مرحلة من المراحل وما عليه سوى أنْ (يدرخ)(1) بعض (الكاسيتات) لبعض الخطباء الناجحين بالساحة ويشفعها بشيء من الادّعاءات والعبارات المعلّبة، التي هي الأخرى تُقتبس وتقرأ دون فهم معناها، وبعد ذلك قد يحتل مكاناً في الساحة، على حساب الأصالة والفن)(2) . ولا تبدو الصورة قاتمة دائماً في عموم الخطباء، الذين اعتمدوا طريقة البناء الذاتي، حيث تشهد ساحة الخطابة الحسينية حاليّاً، نخبة جيّدة من الخطباء الذين برزوا، ولم يكونوا قد اعتمدوا على ملازمة أستاذ منبري. وفي هذه النخبة من الخطباء، مجموعة من خرّيجي الجامعات والدراسات الحديثة، الذين اتجهوا بعد ذلك للمنبر الحسيني، فأبدعوا في ذلك وبرزوا كخطباء موازين للخطباء المعروفين، مستفيدين من ثقافتهم العصرية والأسلوب الأكاديمي في البحث وطرح الموضوعات.
فالأمر يبدو وإلى حدٍّ بعيد، يعتمد على نفس الراغب بالخطابة الحسينيّة، فليس كل من تتلمذ على خطباء كبار أبدع وتميّز، ولا كل من اعتمد طريقة البناء الذاتي تخلّف وتأخّر.
ومن شباب الخطباء الذين اتّبعوا طريقة البناء الذاتي، وبرزوا كخطباء معروفين في ساحة الخطابة الحسينية اليوم،الشيخ عامر الكوفي (3) ؛ الذي وجّهت إليه بعض الأسئلة، أثرتُ فيه الأسباب التي
____________________
(1) دَرخْ: لفظة عاميّة عراقيّة تعني الحفظ، عن ظهر قلب، بدون فهم المعنى، فإذا قيل هذا درّاخ فمعناه، حفّاظ، ووجدت أنّدَرْبَخَ معناها الإصغاء إلى الشيء (ابن منظور، لسان العرب، 2 / 15) ولعلّها مصحّفة عنها.
(2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص90.
(3) الشيخ عامر بن عبد الله، أبو حيدر، ولد بمدينة الكوفة 1953 أنهى دراسة الثانوية في النجف الأشرف ودراسته الجامعيّة ببغداد، هاجر إلى قم للدراسة الدينيّة علم 1980 ثمّ تخصّص بالخطابة الحسينية، حتى برز فيها، نال شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية بتقدير ممتاز بكلية الإمام الأوزاعي ببيروت، له منابر في بلدان إسلامية عديدة وبعض بلدان المهجر، مدرّس في حوزة المرتضى بدمشق. (من المترجم له).
يراها قد هيّأت منه خطيباً حسينيّاً ناجحاً، فذكر أنّ هذه الأسباب - بعد أنْ أكّد أنّه لم يدرس عند أحد من الخطباء ولم يشترك في دورة خطابية - هي ما يلي:
1 - وجود الثقافة الإسلامية الموسوعية، المادة الأساسيّة في نجاح الخطيب الحسيني، فقد نشأت في بيئة، منابرها عامرة ومنابرها زاخرة.. وانفتحت على المكتبة الإسلامية، وأخذت أقرأ كتبها بنهم، فحين تخرّجت من الجامعة كنت قد قرأت دورة تفسير كاملة للقرآن الكريم، وموسوعة شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، ودورة كاملة في التاريخ الإسلامي، وسيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وموسوعة الغدير للعلامة الأميني..
2 - القدرة الخطابية والإحاطة بالأطوار الحسينية.. حيث درجت منذ الصغر، على حضور المجالس، واستمعت إلى الكثير من الخطباء المشهورين، واستمتع أكثر بمجالس الأستاذ الدكتور أحمد الوائلي، حيث تأثّرت بخطوط منهجه، وأُسلوب عرضه وفن أدائه.. وكنت قد حفظت كثيراً من الشعر الحسيني - العمودي والشعبي - وبالأطوار المناسبة، التي أخذتها عن ألسنةِ الخطباء المشهورين، ساعدني في ذلك طبيعة نبراتي الصوتيّة.
3 - خدمة الإسلام بالكلمة والموعظة الحسنة. لكي ينجح الخطيب في مسؤوليته الرسالية، لابدّ من توافر الدافع الذاتي، والحبّ الشديد للخطابة، حتى يتفاعل معها بقوة وإخلاص.. ولقد امتلكني شعور بالمسؤولية الدينيّة، وأيقنت أنّ الأمّة بحاجة إلى مبلّغين واعين، وإنّ المنبر الحسيني وسيلة إعلاميّة خالدة.. وهكذا اتّجهت نحو المنبر الحسيني مع تشجيع العلماء والرساليين، فتوفّقت بحمده تعالى لأنْ أكون من خطباء المنبر الحسيني)(1) .
____________________
(1) رسالة خاصة من الخطيب الشيخ عامر الكوفي مؤرخة 5 جمادي الثاني 1422 هـ / 24 / 8 / 2001م.
3) طريقة الدورات الخطابيّة
بعد أن غابت الطريقة التقليديّة، في إعداد خطيب المنبر الحسيني، ولجوء الخطباء المبتدئين، إلى طريقة (الإعداد الذاتي)، برزت الفجوة الواضحة في الطريقة الثانية، من حيث التجربة العمليّة، والتمرين، والممارسة في إنشاد القصائد الرثائيّة، واستخدام الطور المناسب لمقاطع النعي، إضافة إلى امتلاك الجرأة الأدبيّة والاستفادة من التوجّهات والخبرات العمليّة، في هذا الحقل.
ولهذا برزت طريقة (الدورات الخطابيّة)، حينما يدعو لها أحد أساتذة المنبر الحسيني، أو يتمّ ذلك بطلب من بعض الخطباء المبتدئين. وبهذه الدورة يأخذ التلميذ، أساليب القراءة الحسينيّة، من أستاذ ويشترك الطالب مع زملاء في تلك الدورة، في محاولة للتعويض عن طريقة التلمذة التي كان يأخذ الخطاب من خلالها، عن أحد الخطباء البارزين.
ويزداد الطلب على الدورات الخطابيّة، عند اقتراب المواسم الكبيرة للمنبر الحسيني. فهناك دورات تعقد في شهر شعبان، أو شهر رجب، في التهيّؤ لموسم شهر رمضان المبارك، ومجالسه ومناسباته. كما وتعظم هذه الدورات الخطابيّة، بشكل واضح، في أشهر الحجّ (شوال، ذي القعدة، ذي الحجّة) استعداداً لموسمي شهري محرّم وصفر.
وتختلف الدورات الخطابيّة، في عدد المنتسبين إليها، فقد تكون محدودةً لبضعة أشخاص، وقد تتّسع للعشرات منهم. وتختلف كذلك في مدّتها، فقد تكن لعشرة أيام وربّما أسبوع، وقد تطول لشهر أو أكثر. إذاً قد تقتصر على مجرد تهيئة عشرة مجالس، بقصائدها وموضوعاتها، وأبيات النعي المناسبة لها، خاصة للعشرة الأولى من
المحرّم. أو تكون لثلاثين مجلساً أو أكثر. كما وتختلف الدورات في موادّها فربّما اتبع بعض الأساتذة، أُسلوب بيان قواعد عامة للخطابة الحسينية، دون الخوض بمسألة إعداد مجلس خاص، من مجالس المنبر الحسيني، كما يصنع ذلك الآخرون.
وقد جمعت طريقة (الدورات الخطابيّة) بين طريقتي التلمذة والبناء الذاتي.
كما وفّرت هذه الطريقة، مجالاً عمليّاً للخطيب المبتدئ، إذ قد يُطلب من طلاّب الدورة أن يهيئ كلٌّ منهم، مجلساً مختصراً، يُقرأ أمام طلاب الدورة وأستاذها، وهو ما كان محروماً منه في طريقة البناء الذاتي.
ولدى تتبّعي لتاريخ الدورات الخطابية، تهادى إلى سمعي، أنّ أول دورة أقيمت كانت في النجف الأشرف، من قبل أحد أبر خطباء المنبر الحسيني، وهو الخطيب الشيخ عبد المجيد الصيمري البصري(1) ، والمقيم حالياً في كندا، فبعثت إليه بكتاب، أسأله فيه أن يتفضّل بتوضيح مهمة (دورة الخطابة الحسينية)، التي اشرف عليها، والظروف المحيطة بتلك التجربة الجديدة آنذاك، فأجاب مشكوراً، بكتاب كريم، بيّن فيه أنه في نهاية الستينات، من القرن العشرين الماضي، فاتح أستاذه السيد حسين بحر العلوم(2) بنيّته في افتتاح (دورة
____________________
(1) الشيخ عبد المجيد بن الشيخ عبد الكريم الصيمري البصري، ولد في محافظة ذي قار في جنوب العراق عام 1931م، نشأ طالب للعلم وخطيباً منذ نعومة أظفاره، هاجر إلى البصرة عام 1949م، ثمّ إلى النجف عام 1961، وأكمل دراسته في كلية الفقه. خطيب رسالي من أساتذة المنبر الحسيني ومن روّاد الحركة الإسلامية في العراق، اوذيَ في الله تعالى كثيراً، هاجر إلى كندا عام 1990م وما زال يمارس خطابته وإرشاده الديني هناك / من مؤلّفاته: الزواج الإسلامي، في ظلال السيرة بجزأين. (السيد حسن، داخل: معجم الخطباء، 2 / 237).
(2) السيد حسين بن محمد تقي بن حسن بن إبراهيم الحسني الطباطبائي، من أسرة آل بحر العلوم العريقة، ولد في النجف عام 1348 / 1928م، عالم بارز وأديب ملتزم وشاعر محقّق، =
للخطابة الحسينية) بشرط أنْ يكون مّن يودّ الانتماء لهذه الدورة الخطابية، طالباً في الدراسات الدينيّة (الحوزة العلميّة)(1) . ليكون (الخطيب هو العالم، والعالم هو الخطيب) كما ذكر في كتابه. وتمّ الإعلان عن قرب افتتاح هذه الدورة، فاتّصل به ما يقارب الثلاثين، من الشبّان منهم من كان يمارس خطابة المنبر الحسيني في بداياتها، ومنهم، من لم يرتق أعواد المنبر الحسيني.
ثمّ إن الشيخ عبد المجيد الصيمري، حدّث المفكر الإسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر(2) ، بشأن تسهيل قبول طلاب هذه الدورة، من غير المنتمين للحوزة العلميّة إليها، حتى يكون كل طلاّب الدورة الخطابيّة، هم في الوقت نفسه، طلاّباً في الدراسات الدينيّة الحوزويّة. بحكم موقع السيد محمد باقر الصدر آنذاك، في جهاز
____________________
= نشأ في أجواء الدراسات الإسلامية الحوزوية وبرز فيها، أسس مكتبة العلمين في النجف، له عدّة آثار وديوان شعر، برز أخيراً في مقدمة علماء النجف ومراجعها توفّي عام 1422 هجرية 2001 م في النجف ودفن فيه (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 215).
(1) لا يُشترط أنْ يكون خطيب المنبر الحسيني طالباً في الدراسات الدينيّة الحوزويّة، حيث إنّ الكثيرين من الخطباء، كانوا يبدأون حياتهم كتلامذة لأحد الخطباء المعروفين، حتى يصل إلى الاستقلال، والخطباء، كانوا يكتفون بالدراسات اللغوية بما يعينه على تخصصه عُرف الخطباء بصغر عمائمهم وتخفيف لحاهم، وكان الأمر لا يخلوا من منافسة أو عدم انسجام بين الفريقين، وفي العقود الأخيرة. أخذت هذه الظاهرة بالضمور، إذ أنّ أغلب الخباء الجدد طلبة وعلماء في الدراسات الحوزويّة.
(2) السيد محمد باقر بن إسماعيل الصدر العاملي الكاظمي، مفكّر إسلامي فذّ ومجتهد مطلق، وصاحب نبوغ وعبقريّة كبيرين، ولد في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1350 هجرية. ثمّ هاجر إلى النجف وبلغ مرحلة الاجتهاد في العلوم الإسلامية قبل بلوغه العشرين، أغنى المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلّفات التي سدّت فراغاً كبيراً، من أشهرها كتابا: اقتصادنا وفلسفتنا، ثنيت له وسادة التقليد والمرجعية، مجاهد لم يخشَ في الله لومة لائم حتى استشهد ببغداد 1400 / 1980م. (الأميني، محمد هادي راجع سابق، 2 / 809).
المرجعيّة الدينية، ومنزلته المميّزة عند المرجع السيد محسن الحكيم(1) .
وينقل الشيخ الصيمري، مدى سعادة السيد محمد باقر الصدر، وسروره لفكرة دورة الخطابة الحسينيّة، (وحين علم سماحته بذلك، كاد أن يطير فرحاً، وأخذ بالدعاء بالتسديد والتوفيق. وكان يبشّر كافة الشباب بفتح دورة الخطباء، ويحثّهم على الانتماء إليها. كما كان يخبر كل وفد يصل إليه من محافظات العراق، بأنّ دورة للخطباء فُتحت في النجف الأشرف. ويشملها بإطرائه وثنائه، ويعدهم بأنّها، ستخرج الخطباء النافعين الواعين)(2) ، هذا وقد استمت هذه الدورة إلى عام 1971م، ولم تستمر أكثر من ذلك لأسباب عدّة أبرزها الظروف الأمنية الحرجة آنذاك.
هذه هي ظروف وأجواء تلك الدورة الخطابيّة الأولى، وقد أقيمت بعدها دورات كثيرة في مناطق متعدّدة. واليوم، هناك خطباء منبر حسيني، مرموقون، هم من خريجي تلك الدورة الخطابيّة الأولى في النجف الأشرف.
وعادة ما تنتشر هذه الدورات الخطابيّة، في المدن التي تضمّ مدارس دينيّة، وحوزات علميّة، فهناك دورات في مدينة قم الإيرانية، حيث تواجد أكبر حوزة علمية شيعية الآن، وتضم عدداً كبيراً من الأساتذة والطلبة العرب. كما وتوجد دورات أخرى في دمشق، حيث تنتشر اليوم عدّة مدارس دينيّة شيعيّة، في منطقة السيدة زينب، بضواحي دمشق ودورات ثالثة في لبنان، تشرف عليها حوزات وجهات شيعية مختلفة. وفي الملحق إعلان عن افتتاح دورة عزاء حسيي بمدينة بيروت.
____________________
(1) تقدّمت ترجمته.
(2) ضمن الرسالة الجوابية لي من الشيخ عبد المجيد الصيمري. والمؤرّخة في 15 رجب 1419.
هذه هي ثلاث طرق في أعداد وتهيئة خطباء المنبر الحسيني، فالطريقة الأولى كانت هي الطريقة التقليديّة، وهي أُسلوب التلمذة، ومنها تخرّج كبار خطباء المنبر اليوم. ثمّ الطريقة الثانية، وهي طريقة البناء الذاتي، والتي برزت بعد غياب الطريقة الأولى.
أمّا الثالثة والأخيرة، فهي عبارة عن طريقة تجمع بين الطريقتين، وهي طريقة الدورات الخطابيّة. وبها يكون الخطيب المبتدئ، معتمداً على نفسه في تحصيل أوليّات وأسس الخطابة الحسينية، وهو في الوقت نفسه يعيش تجربة عمليّة مع أستاذ الدورة الخطابية وتلامذتها في الإنشاد الرثائي، واكتساب الجرأة الأدبية ومنافسة زملائه بما عنده من قدرات خطابية علميّة وفنّية.
وبهذا البيان، نكون قد وصلنا إلى نهاية الفصل الرابع، من هذا البحث، والذي جرى الحديث فيه، حول دراسة المنبر الحسيني في عصرنا الحاضر.
بالإضافة إلى أنّ هناك طريقة رابعة لإعداد خطباء المنبر الحسيني، آثرنا أنّ نتحدّث عنها في الفصل الأخير من هذا البحث، وهي طريقة المعاهد الخطابيّة - والتي هي أفكار وأمنيات، أكثر منها واقعية وحقيقة حيّة، ولهذا ستقع ضمن موضوع آفاق مستقبل المنبر الحسيني.
وفي نهاية هذا الفصل، نورد نموذجاً لخطبة منبر حسيني، استكمالاً للبحث، ومن أجل المزيد من التوضيح لعناصر، وفقرات هذه الخطبة، التي ذكرناها في أبحاث هذا الفصل.
نموذج لمحاضرة من محاضرات المنبر الحسيني
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
صلّى الله عليك يا مولاي يا أبا عبد الله(1) صلّى الله عليك يا ابن رسول الله، يا باب نجاة الأمّة، يا مظلوم كربلاء.
يا ليتنا كنا معكم - سيدي - ففوز فوزاً عظيماً
(أرى العُمر في صَرف الزمان يبيدُ |
ويـذهَب لـكنْ مـا نـراه يـعودُ |
|
فـكن رجلاً إنْ تُنضَ أثوابُ عيشهِ |
رثـاثاً فـثوب الفخر منه جديدُ(2) |
|
وإيّـاك أنْ تـشري الـحياةَ بـذلّةٍ |
هـي الموت والموتُ المريحُ وجودُ |
|
وغـيرُ فـقيدٍ مـن يـموتُ بـعزّةٍ |
وكـلُّ فـتىً بـالذلِّ عـاش فـقيدُ |
|
لـذاك نـضا ثوبَ الحياةِ ابنُ فاطم |
وخاض عباب الموت وهو فريدُ(3) |
|
ولاقى خميساً(4) يملأ الأرض زحفُةً |
بـعزمّ لـه الـشُمّ الـشداد تـميدُ |
|
تـرى لـهمُ عـند الـقراع تباشراً |
كـأن لـهم يـوم الكريهة عيدُ(5) |
|
وما برحوا عن نصرةِ الدين والهدى |
إلـى أنّه تفانى جمعهم وأبيدوا)(6) |
|
لمّا رأى السبط أصحاب الوفا قُتلوا |
نادى أبا الفضل أين الفارس البطلُ |
|
وأيـن مَـن دوني الأرواح قد بذلوا |
بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا |
وخلّفوا في سويدا القلب نيراناً
____________________
(1) أبو عبد الله: كنية الإمام الحسين بن عليعليهالسلام .
(2) انضى وانتضى الثوب أي أبلاه. رثّ الثوب، أي بلي، وفي البيت حثّ على بقاء المرء مرتدياً ثوب الفخر والموقف الكريم متجدّداً حتى إذا بليت ثيابه المادّية وتمزّقت.
(3) نضا الثوب نضواً: أي نزعه، وعُباب: الأمواج. بعد أنْ حثّ الشاعر على الحياة الكريمة، استشهد بموقف الإمام الحسين - ابن فاطم - الذي نزع رداء الحياة ومضى شهيداً رغم قلّة أنصاره.
(4) الخميس: الجيش لأنّه كان مؤلّفاً من خمسة أقسام؛ المقدمة، القلب، الجناحان، المؤخّرة.
(5) القراع: الاشتباك بالحرب والكريهة معناها: الشدّة في الحرب، ومعنى البيت وهو يصف أنصار الحسين بأنّهم يفرحون عند القتال، أو عند اختيارهم للحرب، ووقوع القرّة عليهم، وكأنّ الحرب لهم عيد.
(6) الأمين، محسن: الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد، ص127 (من قصيدة للسيد سليمان الحلّي المتوفّي سنة 1211 هجرية).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (1) .
تعدّدت أوجه العبادة في الإسلام، فمنها بدَنية مثل الصلاة والصيام، ومنها عبادة ماليّة مثل الزكاة والخمس، ومنها عبادات تجمع بينهما مثل الحج..
وقد حثّ القرآن الكريم الإنسان المسلم، على مسألة الإنفاق في سبيل الله، في آيات كثيرة. والإسلام لا يعتبر الإنفاق إعانة للجهة المحتاجة من فقراء وأيتام وغيرهما فقط، بل إنّ الإنفاق يستبطن عملية تربويّة، تسمو من خلالها نفس الإنسان، وهو يسهُم في إسعاد الآخرين، ويكون من المهتمّين بأمور المسلمين.
ولهذا قامت رؤية الإسلام، على أنّ لا تتولّى الدولة الإسلامية، عملية الإنفاق فقط، بل يُسهم بها الإنسان المسلم، جنباً إلى جنب مع مسؤولية الدولة.. فينمّي حسّه الأخلاقي، وحبّه للخير. فالإسلام (لا يكتفي بالحقوق التي تنظّمها القوانين، وتنفذها الحكومات؛ لأنّ هذا الجانب في نظره ليس مجرد وسيلة لتحقيق التكافل بين الناس، بل هو أيضاً غاية من غاياته في تربية الإنسان الصالح، الجدير برضا الله ومرافقة النبيّين في جنّته)(2) .
ومن أجل تنمية الإحساس بإسعاد الآخرين، والمساهمة في ذلك، - وإنْ كانت قليلة - نجد أنّ الفقهاء يذكرون، استحباب أنْ يستخرج الفقير زكاة فطرة واحدة، - وهي التي تؤدّي في نهاية شهر رمضان - ويمرّرها على جميع أفراد أسرته ثمّ يعطيها لفقير آخر(3) .
____________________
(1) 91 سورة آل عمران.
(2) القرضاوي، يوسف: مشكلة الفقر. ص129.
(3) السيستاني، علي الحسيني: المسائل المنتخبة، ص234.
ولو نظر الإنسان بعين الحقيقة، فإنّ المال الذي ينفقه هو الذي يبقى له، وأمّا ما تركه فهو لغيره فقد روي عن الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام - قوله (ما جمعت من المال فوق قوتك، فإنّما أنت فيه خازن لغيرك)(1) .
وهذا المعنى صاغه الشريف الرضي بقوله:
يـا آمـن الأيام بادر صرفها |
وأعـلم بـأنّ الطالبين حثاثُ |
|
خذ من ثرائك ما استطعت فإنّما |
شـركاؤك الأيـام والـورّاث |
|
مـا كان منه فاضلاً عن قوته |
فـلـيعلمنّ بـأنّـه مـيراثُ |
ولم يكتفِ القرآن الكريم، بالحثّ على مطلق الإنفاق، فجاءت هذه الآية المباركة لتقول:( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) (2) .
نعم (إذا أعطى الإنسان، فإنّه لا يختار الأشياء التي تعافها نفسه، ويكرهها طبعه فيمنحها للآخرين؛ لأنّ ذلك ليس مظهراً للعطاء، بل هو وسيلة من وسائل التخلّص، من هذه الأشياء باسم العطاء، بل يختار الأشياء التي يحبّها ويريدها ممّا هو أثير عنده، وقريب إلى حاجاته وضروراته، فإنّ ذلك يحمل معنى التضحية التي تمثّل فيها روح العطاء السمح)(3) .
وكم كان تفاعل المسلمين الأوائل عظيماً مع القرآن وآياته، وبرامجه، في تربية الإنسان وسموّه، فقد كان الصحابي أبو طلحة (أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحبّ أمواله إليه بير حاء مستقبلة المسجد. وكان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.
قال أنَس: فلمّا نزلت:( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) قال أبو طلحة: يا رسول الله، إنّ الله يقول:( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ... ) وأنّ
____________________
(1) الأبشهيني، شهاب الدين: المستطرف من كل فن مستظرف، ص174.
(2) 91 سورة آل عمران.
(3) فضل الله، محمد حسين: تفسير من وحي القرآن، 6 / 95.
أحبّ أموالي إليّ بير (حاء) وأنّها لصدقة لله، أرجو بها برّها، وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح..)(1) .
ولهذا (كان السلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله.. ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي: إنّ هذه الآية منسوخة بآية الزكاة. وهذا في غاية البعد؛ لأنّ إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذلك المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى)(2) .
إنّ حبّ الإنسان المسلم، لله تعالى ولنيل ثوابه، يدفعه إلى مزيد من العطاء والإنفاق، وأنّنا نسمع العرب تحثّ على الإنفاق والجود والكرم كقول حاتم طي:
(فلا الجود يفني المال قبل فنائه |
ولا البخل في مال الشحيح يزيدُ |
|
فـلا تـلتمس رزقاً بعيشٍ مقترٍّ |
لـكلّ غـدٍ رزقـاً يـعودُ جديدُ |
|
ألـم تـرَ أنّ الرزق غادٍ ورائحٌ |
أنّ الذي أعطاك سوف يعودُ)(3) |
فإذا كان هذا الإنسان قبل الإسلام يثق بعطاء الله وعوده بالخير والرزق، فكيف يكون حال الإنسان المسلم، مع عظيم ثقته بالله، ورزقه، وعطائه؟
يقول الراغب في مفرداته: إنّ لفظ نفق الشيء، مضى ونفذ..
ثم يعقّب بقوله: (والإنفاق قد يكون في المال، وفي غيره وقد يكون واجباً أو تطوّعاً)(4) .
نعم فهناك من ينفق ماله، وهناك من ينفق من علمه، أو موقعه
____________________
(1) قطب، سيد: تفسير في ظلال القرآن، 1 / 424.
(2) الفخر الرازي، محمد بن عمر: التفسير الكبير، 8 / 135، 134.
(3) الجاحظ، عمرو بن بحر: المحاسن والأضداد، ص85.
(4) الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص523.
الاجتماعي أو الوظيفي.. وكلّما كان المؤمن أشدّ حباً لله( وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) (1) كان عطاؤه أوسع، وإنفاقه متعدّد الأوجه..
فالمؤمن لا يعرف حدّاً في العطاء والبذل من أجل الله.. فإذا نال البر مَن أنفق ممّا يحب من أمواله، فكيف لا ينال أعلى درجات البر، مَن لم يكتفِ ببذل ما يُحب من أمواله، بل بذل أمواله وأحبّته وأخوته ولم يبخل على الله تعالى حتى بطفله الرضيع؟
نعم هكذا وقف الحسين يوم عاشوراء وهو يقدّم الضحيّة بعد الضحيّة، والشهيد بعد الشهيد، وكلما هوى شهيد جلس عنده وهو يقرأ قوله تعالى:( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) .
وكان آخر مَن قدّمه الإمام الحسين طفله (الرضيع عبد الله)، الذي له من العمر ستة أشهر، فلمّا (دعا بولده الرضيع يودّعه، فأتته زينب بابنه عبد الله، وأمّه الرباب، فأجلسه في حجره يقبّله، ويقل: بُعداً لهؤلاء إذا كان جدّك المصطفى خصمهم.. ثمّ أتى نحو القوم يطلب له الماء.. فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهمٍ فذبحه... فتلقّى الحسين الدم بكفّه ورمى به نحو السما!!)(3) .
ودعـا الأقـوام يالله مـن خَـطْبٍ فظيع |
نـبّؤني أأنـا الـمذنبُ أم هـذا الرضيع |
|
لاحـظوه فـعليه شـبه الـهادي الشفيع |
لا يكن شافعكم خصماً لكم في النشأتين(4) |
____________________
(1) 165 سورة البقرة.
(2) 23 سورة الأحزاب.
(3) المقرّم، عبد الرزاق: مقتل الحسين، ص272.
(4) البحراني، الشيخ حسن: رياض المدح والرثاء، ص613 (من قصيدة للشيخ حسن البحراني توفّي سنة 1181 هجرية).
ولنا أنْ نتصوّر الحال، التي كان عليها الحسين، وطفله الرضيع بين يديه، مخضّباً بدمه، والسهم شاكّ في رقبته!!
مـدري اشـقال قلب حسين وشجان |
قـومه امـطرّحه ابـحومة الميدان |
|
آه.. والـحرَق القلب ذبحة الرضعان |
اشحاله الفوق صدره انذبح طفلين(1) |
|
ولو تراه حاملاً طفله |
رأيت بدراً يحمل الفرقدا |
نسألك اللهمّ وندعوك، أنْ تقضي حوائج المحتاجين، اللهمّ اشف مرضى المسلمين.. المؤسّسون لهذا المأتم تقبّل اللهم عملهم، إلى أرواحه أمواتهم وأرواح المؤمنين والمسلمين وأرواح أموات الحاضرين رحم الله من قرأ الفاتحة مع الصلوات.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد
ملاحظات على المحاضرة
إشارات إلى بعض النقاط الواردة في هذه الخطبة.
1 - البداية بالحمد والصلاة، ثمّ لابدّ أنْ تنتهي بلفظ (يا ليتنا كنا معكم (أو معهم) فنفوز فوزاً عظيماً)، وهو مقطع مأخوذ من حديث للإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام مع أحد أصحابه حول عاشوراء ذُكر في الفصل الثاني.
2 - بعدها تأتي القصيدة، التي يختارها خطيب المنبر الحسيني،
____________________
(1) دكسن، محمد حسن: الروضة الدكسنية، صفحة 42.
والبيتان باللهجة العراقيّة معنى البيت الأوّل: لا أدري ماذا قال قلب الحسين وكيف كان، وقومه وأصحابه مطرّحين في ميدان القتال، وأمّا البيت الثاني: وإنّ الذي أحرق القلب هو فقد الرضيع، فكيف بمَن ذُبِح له طفلان على صدره..؟! في إشارة إلى رواية تفيد بأنّ طفلين للحسين قتلا يوم عاشوراء.
منسجمة مع المناسبة، أو عامّة تشمل مناسبات مختلفة، وقد يكتفي بعض خطباء المنبر الحسيني، بإنشاد بضع أبيات من قصيدة، في حين قد ينشد آخرون ما يصل إلى ثلاثين بيتاً من الشعر الرثائي. ويتدرّج الخطيب في الإنشاد مراعياً الأطوار والطرق المألوفة لدى المنبر.
3 - تبدأ المحاضرة بعنوان آية قرآنية كريمة. وقد تكون حديثاً شريفاً، أو حكمة، أو حتى بيت أو بيتان من الشعر.
4 - المحاضرة:
أ - مقدمة حول العبادات والإنفاق بالخصوص.
ب - شرح مفاهيم إسلاميّة حول الإنفاق من بعض المفكرين والكتّاب الإسلاميين.
ت - استشهاد بمقطوعتي شعر، تناسبان الموضوع مأخوذتان من مصادر أدبية عامّة.
ث - الاستفادة من أكثر من رأي، في تفسير الآية، موضوع البحث، وسبب نزولها وغير ذلك.
ج - إشارة إلى موضوع النسخ المدّعى في الآية الكريمة. وبيان حكم شرعي في زكاة الفطرة من كتاب فقهي.
إن التنوّع في المحاضرة، يختلف من خطيب لآخر، ومن مجتمع لآخر، ويعتمد على سعة ثقافة خطيب المنبر الحسيني وغزارة معلوماته، وتجربته من جهة، وطبيعة المتلقين، والمستمعين من جهة أخرى. كلّها أمور تتحكّم في نوعيّة المحاضرة، وكما أن اختيار الشواهد الأدبية والتاريخية، من الأمور التي يتمايز بها الخطباء فيما بينهم،
ويمكن للمحاضرة أنْ تأخذ أبعاداً أوسع، ومجالات أدق، ولكنّها مجرّد نموذج لما يطرح على المنبر.
5 - بعد أنْ وجد خطيب المنبر الحسيني، أنّ المحاضرة قد أُحيط بجوانبها، أخذ يفكّر بكيفيّة (التخلّص) من محاضرته، ونقل المستمعين إلى أجواء كربلاء فهنا، يورد الخطيب مسألة يمهّد بها أذهان السامعين إلى نهاية محاضرته، فذكر تعليق الراغب الأصفهاني على اختلاف نوعية الإنفاق.. ثمّ راح الخطيب يعطي أمثلة عن الإنفاق، في جوانب عدّة. حتى وجد الجسر الذي يعبر عليه، إلى أحداث عاشوراء حينما ذكر أوجه الإنفاق المتعدّدة للإمام الحسينعليهالسلام .
وحينما يذكر خطيب المنبر الحسيني، اسم الحسينعليهالسلام أو لفظ كربلاء فإنّ المستمع يتهيّأ نفسيّا للتفاعل مع واقعة كربلاء وهنا وبعد أنْ تمّ للخطيب، نقل المستمع من المحاضرة إلى كربلاء، عليه أنْ يختار الآن حادثةً ما يركّز عليها، وهنا تتغير نبرات صوت الخطيب، حيث يبدو الشجوّ والحنين واضحاً، في رسم صورة تلك الحادثة.
وهو يعتمد على ما تنقله كتب المقتل في ذلك مستثمراً مستواه الأدبي والفنّي في تصوير الموقف فإذا اطمأنّ الخطيب، إلى وصول المستمع إلى حالة التفاعل النفسي والعاطفي، سارع إلى تفجير ذلك، بكاءً من خلال مختارات شعريّة، تناسب الحادثة تلك، من الشعر الفصيح والعاميّ الذي يلقى رواجاً في أوساط الناس وتُنشد بأسلوب حزين وصوت رقيق شجيّ.. فإذا تفاعل الجمهور مع الخطيب بالبكاء، وأدرك الخطيب أنّ المجلس قد أخذ كفايته، فعليه أنْ ينهي محاضرته ببيت، يتخلّص فيه من مجلسه وتأتي فقرة الدعاء في نهاية المطاف.
هذا مجرّد نموذج، لخطبة من خطب المنبر الحسيني، ومحاضراته، وفيها تتضح أهمية تنوّع ثقافة الخطيب واختياره الشواهد
الأدبية المناسبة، وطبيعة المحاضرة، التي تُبرز مدى إحاطة الخطيب بتفاصيل أحداث كربلاء، والتي تسهّل عملية انتقاله من موضوع بحثه إلى فقرة (المصيبة).
وتتّضح مواهب الخطيب الفنّية، في تغيير نبرات الصوت، وهو يصوّر الموقف، ويناغم العواطف، بأبيات رثاء شجية يختارها من الدواوين، المختصّة بهذا النوع من الشعر، وبطرق إنشاد مؤثّرة ومعروفة، في أوساط المنبر الحسيني.
الفصل الخامس:
المنبر الحسيني... التأهيل والمستقبل..
تمهيد
بعد هذه الدراسة التي مرّت بالمنبر الحسيني، من حيث تعريفه، ونظريات نشوئه والأدوار والمراحل التي قطعها، ثمّ الوصول إلى واقع المنبر الحسيني في العصر الحديث ومدى أهميته وسعة تأثيره، في الأوساط الإسلامية الشيعية. حيث أسهمت التطوّرات التي شملت المنبر الحسيني، من خلال تراكم خبرات وجهود خطباء المنبر الحسيني عبر قرون، وبروز خطباء نوعيين استطاعوا أنْ يرتفعوا بمستوى أداء المنبر ليواجه التحديات الفكرية والثقافية التي غزت العالم الإسلامي في العصر الحديث. وأسهم - كذلك - اهتمام الطبقة الواعية من روّاد المنبر الحسيني، بالخطيب الذي يعالج على منبره مشكلات العصر، ورأي الإسلام فيها.
بالإضافة إلى عوامل أخرى، كلّها أوصلت المنبر الحسيني إلى هذا المستوى الجيّد، الذي هو عليه الآن، في أغلب الأقاليم الإسلامية الشيعية في العالم، حيث لم يعد المنبر الحسيني مقتصراً على الجانب العاطفي الحزين من واقعة كربلاء، بل راح يُعالج مختلف شؤون الحياة واهتمامات الإنسان المسلم.
وأستثني من ذلك، بعض حالات المنبر الحسيني، في مناطق
الأرياف والقرى، وكذلك المنبر الحسيني الموجود حالياً في أغلب مجالس لبنان، وبعض مناطق الخليج العربية حيث لا يزال يُطلَب من خطيب المنبر الحسيني، التأكيد فقط على إنشاد الشعر الرثائي، وإجادة عرض الأحداث الحزينة في واقعة عاشوراء، وذكر ما يناسبها من السيرة التاريخية.
إنّ للمنبر الحسيني بُعدَين، الأوّل: ديني تعبّدي، والثاني تثقيفي تربوي؛ لأنّ المسلم الشيعي حينما يقصد مكاناً يقام فيه منبر حسيني، فإنّما يقصد الحصول على مزيد من الأجر والثواب، يتقرّب بذلك إلى الله تعالى بمواساة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وحبّاً بأهل البيتعليهمالسلام . وهذا الجانب يُشبع مع كل خطيب حسيني؛ سَواء كان مجيداً أم لا واعياً أم غير واع.
أمّا إذا قصد هذا الإنسان، طلب المعرفة والثقافة والأفكار الإسلامية، إضافة إلى مسألة التعبّد وطلب الأجر، فليس له إلاّ الخطيب الواعي والنافع، وبهذا تمتاز المنابر الحسينية من حيث روّادها؛ فنجد المثقّفين والواعين، يقصدون خطيباً دون آخر، طلباً للاستزادة، من العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية.
ولقد كان لبروز خطباء حسينيّين نوعيين دور كبير في رفع أداء المنبر الحسيني، وشدّ مستويات متنوعة من الأمّة كما ذكرنا.
ولمّا كان اختلاف، مستوى وعي خطباء المنبر الحسيني، وثقافتهم أمراً طبيعياً، من جانب، ومع تنوّع الحاجات وكثرة الجوانب التي تنتظر المنبر الحسيني أنْ يبحث فيها من جانب آخر، فقد برزت في عالم المنبر الحسيني عدّة مدارس منبرية تعود لعدّة من أساتذة المنبر الحسيني. حيث اكتسبت محاضراتهم المنبرية طابعاً معيناً واتجاهاً محدّداً، وأبرز هذه المدارس هي:
(1) مدرسة الاتجاه العلمي: حيث برَزت في أُسلوب خطابة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، الذي بذَل جهوداً مشكورة في سعيه لتربية جيل إسلامي، يعي الأبعاد العلمية في الإسلام وتشريعاته وأحكامه. في مرحلة كان شباب المسلمين مبهورين، بما أحرزه العالم الغربي من منجزات علمية ومكتسبات مدنية حديثة. فأخذ الشيخ الوائلي يؤكّد على الجوانب العلمية في التشريع الإسلامية، من أجل إعادة الوعي إلى الأمّة وشبابها، وعدم الانسياق وراء العالم الغربي وأفكاره.
(إنّ الإبداع الذي حقّقه الشيخ الوائلي في خطابته، أنّه غيّر طريقة الخطابة الحسينية، وفق نمطٍ جديد تَمثّل في افتتاح مجلسه بآية من القرآن الكريم، ثمّ يبدأ بالحديث عنها وتفسيرها والتوسّع في مضامينها العقائدية والاجتماعية والأخلاقية أو ما إلى ذلك من مواضيع تتّصل بالآية)(1) .
وكنت ظاهرة متابعة طلاب الجامعات لمجالس ومحاضرات الشيخ الوائلي ظاهرة واضحة في نوعية الحضور الجماهيري لتلك المجالس.
(2) مدرسة الاتجاه الروحي: حيث برز خطيب المنبر الحسيني السيد حسين الشامي(2) مؤكّداً للجوانب الروحية والتربوية وضرورة عودة الأمّة إلى قِيَمِها وأخلاقها، وعطائها الروحي
____________________
(1) الشامي، حسين برَكة: المرجعية الدينية من الذات إلى المؤسّسة، ص281.
(2) السيد حسين بن السيد هادي الشامي الكربلائي.
ولد في كربلاء عام 1341 هـ 1920م. أخذ الخطابة لنفسه اطلع كثيراً واختار طريقة الوعظ والإرشاد وبالأسلوب الشعبي ممّا لاقى قبولاً ونجاحاً كبيرين. مارس الخطابة ولا يزال يمارسها في عدّة أقاليم. (المرجاني، حيدر: خطباء المنبر الحسيني، 1 / 250).
خطيب فاضل ومؤلّف جليل، صدر له: كلمة الإنسانية العليا، زواج بلا اعوجاج، حقيقة الحجاب، (طعمة، سلمان هادي: معجم رجال الفكر والأدب في كربلاء ص69).
والأخلاقي في مقابل التيارات المنحرفة، ومناهج الإفساد التي غزت أخلاق الأمّة، واستهدفت بناءها الروحي وقيمها الإيمانية.
(3) مدرسة الاتجاه الفكري: حيث برز خطباء رساليون، هبّوا للدفاع عن الفكر الإسلامي، في مقابل التيارات الفكرية والثقافية المخالفة للإسلام ولعقيدة الأمّة، حيث راحوا يحاكمون تلك التيارات الوافدة من إلحادية وعلمانية وغيرها، ويعطون البديل من الفكر الإسلامي الخالد؛ كي يتسلّح شباب الأمّة بما يواجهون به المدارس الفكرية الأخرى، وبرز في هذا الاتجاه الخطيب الحسيني الشيخ جعفر الهلالي، والخطيب الرسالي الشيخ عبد المجيد الصيمري.
واستقطبت كل مدرسة من هذه المدارس، مجموعة من الخطباء الحسينيين. إلاّ أنّ الاتجاه الذي ساد أخيراً، اتجاه يدعو إلى الأخذ من كل هذه المدارس الخطابية، من أجل التكامل في بناء الأمّة وتربيتها.
إنّ بروز مدارس المنبر الحسيني المتنوّعة هذه، أسهم كثيراً في رفع مستوى أبناء الأمّة، الذين يؤمّون المجالس الحسينية في مناطق العراق والخليج وأماكن أُخرى.
فالمنبر الحسيني (حين يقوم به الأكفّاء من رجال المنبر المتخصّصين في شأنه... هو مؤسّسة من أعظم المؤسّسات الإسلامية الثقافية خيراً وبركة، بما يقوم به من دور فعّال في التوعية الدينية، ونشر الثقافة الإسلامية، وبما يقوم به من الكشف عن ثروتنا الفكرية والحضارية، وبما يؤدّيه من توجيه إسلامي صحيح في غمرة التوجيهات الفكرية والعقيدية والاجتماعية، الغريبة عن تراثنا وعن حضارتنا)(1) ولهذا فإنّنا سنقف في هذا الفصل عند ثلاثة مباحث أساسية:
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص302.
المبحث الأوّل:
رسالة المنبر الحسيني ومشاريع التأهيل
رسالة المنبر الحسيني
إنّ المنبر الحسيني، لم يعد اليوم مقتصراً على سرد حوادث كربلاء، والتوقّف عند الجانب العاطفي في بعض تلك الحوادث، حيث (أصبحت مسألة الطف في المنبر الحسيني، مجرّد عنوان، بينما توسّعت مادّة المنبر، لتتناول معظم أبعاد المعرفة)(1) .
إنّ بروز العشرات من الخطباء المجيدين، وشيوع روح التنافس بينهم، لإبراز أفضل الملَكَات التي تتناول مختلف جوانب المعرفة، وأنواع حقول الثقافة الإسلامية والمعلومات العامّة، أدّى إلى قيام المنبر الحسيني بعدّة أدوار ومهمّات، وأسهَم في هذا الأداء وعي الأمّة، وحاجة الساحة إلى طرح إسلامي، يواكب التحدّيات المطروحة. ونحاول التأكيد هنا على أبرز هذه الأدوار والمهمّات وأجلاها:
1 - الدور المعلوماتي والثقافي العام
لقد شهد المنبر الحسيني، في المرحلة الأخيرة من مراحل تطوّره(2) ، توسّعاً واضحاً في نوعية اهتمامات خطباء المنبر الحسيني،
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص43. والطف اسم من أسماء كربلاء كما سبق بيانه.
(2) يمكن مراجعة الفصل الثالث من هذا البحث.
حيث راحت تطرح دراسات تاريخية وأدبية وروحية، إضافة إلى بيان المدارس المتعدّدة لتفسير القرن الكريم، وإحاطة كبيرة بسيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين،إضافة إلى سيرة الأئمّة من أهل البيتعليهمالسلام .
وكان هذا التطوّر في مادّة الطرح، قد رافقه اتّساع واضح وانتشار كبير لمجالس المنبر الحسيني، ممّا يعني بالضرورة ازدياد عدد خطباء المنبر الحسيني، وازدياد المجالس التي يقصدها المسلم الشيعي، خاصة في موسمَي شهر المحرّم وشهر رمضان الفضيل.
والذي يدرس حركة الإنسان الشيعي في شهر محرّم، وخاصة العشرة الأولى منه، يجد أنّ هناك حركة استثنائية، تجعل هذا الإنسان ينتقل من مجلس إلى آخر، ويستمع إلى خطيب بعد ثان. يساعده على ذلك عدم انقطاع أوقات المنابر الحسينية، التي تبدأ بعد صلاة الفجر، لتنتهي في ساعة متأخّرة من الليل، في مختلف المساجد والحسينيات والساحات العامّة، والبيوت الخاصة. حتى قد ورد في ترجمة أحد وجهاء مدينة النجف الأشرف، إنّه حضر في أحد أيام عاشوراء أكثر من عشرين مجلساً(1) .
إنّ وفرة المنابر الحسينية وتنوّع الخطباء في ثقافاتهم، وأساليب الطرح قد أسهمت إلى حدٍ كبير، في تثقيف الإنسان الشيعي، ثقافة متعدّدة الجوانب متنوّعة الأبعاد. ممّا هيأ لعوامّ الشيعة، أنْ ينفتحوا على كنوز المصادر الأدبية والتاريخية، ويحفظوا الكثير من الحوارات الفكرية والعقيدية، ويطّلعوا على العديد من مدارس التفسير والفقه فقد (لوحظ أثر
____________________
(1) الكاظمي، فيصل: مجلة الموسم - 30 / 151. في حديث عن المرحوم عبود الصائغ النجفي ت1418 هـ. ومن المعروف إنّ المجالس الحسينية في أيام عاشوراء ولاسيما في البيوت عادة ما تكون مجالس مختصرة؛ لأنّ الخطيب يلتزم بمجالس عديدة عليه أنْ يمرّ عليها كل يوم.
هذه المجالس في ثقافة طبقات العوام وأهل الحرف، فالمجالس الحسينية تشيع الأدب وتثير الفكر في كل الأمكنة وبين كل الأوساط إذ أنّها كما تعقد في الأماكن الخاصة - كالبيوت والمدارس - تعقد أيضاً في الشوارع والساحات العامّة، ولا تلتزم وقتاً معيناً، بل تعقد في كل وقت وبذلك لا يحرم منها عامل ولا صاحب حرفة ولا موظف ولا طالب علم.... هذا وظاهرة استشهاد عوام النجف بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأبيات الشعر متفشية في كل مكان، كما تنتشر بينهم ظاهرة النقاش التاريخي أو الفقهي، خلال أوقات الفراغ)(1) .
كما تترتّب فائدة أخرى، على متابعة أخبار واقعة كربلاء وتاريخها الخاص بها، حيث (إنّ في تلاوة أخبار هذه الواقعة العظيمة، وتذكّرها في كل عام فائدة عظيمة، هي الفائدة في تدوين التواريخ وحفظها وضبطها)(2) .
إنّ المنابر الحسينية، (مدرسة يسهل فيها التعلّم والاستفادة لجميع طبقات الناس، فيتعلمون فيها التاريخ والأخلاق والتفسير والخطاب والشعر واللغة وغير ذلك، وتوقّف السامع على بليغ الكلام، من نظمٍ ونثر)(3) .
نعم إنّ (مِن عطاء هذه المجالس أنّها تثقّف جميع طبقات الشعب، ومن هنا جاء المثل المتداول (إنّ عَتّال النجف قد يضاهي عالماً في غيرها)... إنّ جميع البلدان التي تقيم عزاء الحسينعليهالسلام تجد عامّة الشعب فيها، قد تثقّف وفهِم الكثير عن التاريخ والسير والتفسير، وحفظ البعض شواهد من روائع الشعر)(4) .
____________________
(1) الموسوي، عبد الصاحب: الشيخ اليعقوبي دراسة نقدية في شعره ص11.
(2) الأمين، السيد محسن: إقناع اللائم على إقامة المأتم، ص314.
(3) المصدر نفسه ص316.
(4) رسالة شخصية بعثها الأستاذ الحاج علي محمد علي دخيل صاحب دار المرتضى للنشر في بيروت، 21 رجب 1420.
2 - الدور التربوي والأخلاقي
يقوم المنبر الحسيني، بدورٍ أساسيّ في تربية الأمّة، وتنشئة أبنائها على الارتباط بالقيم والمفاهيم الإيمانية والروحية. وقد ذكرنا في هذا الفصل. إنّ المدرسة الروحية كانت، من أبرز مدارس المنبر الحسيني، وإنّ ممّا يميز الشيعة في العالم، أنّهم يولون أيام عاشوراء اهتماماً بارزاً؛ ممّا ينعكس على الحالة الروحية التي يعيشها الإنسان الشيعي. فحتى غير الملتزمين دينياً منهم، يجدون أنفسهم قريبين من أجواء الهداية والالتزام، ولهذا يكثر المصلّون في المساجد أيام عاشوراء، وهناك الكثير ممّن قد اهتدى إلى طريق الالتزام الديني، بفضل المنابر الحسينية وخطبائها الذين يؤكّدون على مسائل تؤثّر كثيراً في توجيه الناس نحو طاعة الله تعالى.
مثل: إنّ الحسينعليهالسلام لم يدَعْ الصلاة يوم عاشوراء رغم تلك الحرب القاسية والظروف الاستثنائية، حيث كان يصلّي ببعض أصحابه، فيما يقف البعض الأخر في موقف الدفاع عن المصلّيين(1) .
ولهذا يعتبر مجلس المنبر الحسيني، (نادٍ للوعظ والإرشاد، والأم بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يجري هذا المجرى. ففيها جلب إلى طاعة الله، وإبعاد عن معصيته بأحسن الطرق وأنفعها، بما يُلقي فيها من المواعظ المؤثّرة، وقضايا الصالحين والزهّاد والعبّاد وغير ذلك)(2) .
ويقول الشيخ جعفر الشيخ باقر محبوبة(3) عن مجالس المنبر
____________________
(1) أبو مخنف، لوط بن يحيى بوقعة الطف، 323. وكذلك بقية كتب المقاتل، كمقتل الخوارزمي، واللهوف في قتلى الطفوف وغيرهما.
(2) الأمين، محسن: إقناع اللائم على إقامة المآتم - ص316.
(3) الشيخ جعفر بن الشيخ باقر بن الشيخ جواد، عالم فاضل ومؤرّخ جليل. ولد في النجف عام 1314 هـ. وأخذ علومه من شيوخ وأساتذة حوزة النجف الدينية. وحضر الدروس =
الحسيني في مدينة النجف الأشرف (عُرفت النجف بإقامة المآتم العزائية، ولها الميزة في ذلك على سائر المدن الشيعية. ولا ريب أنّ هذه المآتم تعود على مجتمع النجف؛ بتهذيب الأخلاق، وحسن السلوك، أضف إلى ذلك، ما يلقيه الخطيب من الأحاديث المكمّلة والقصص التاريخية، التي هي مرآة تتجلّى بها الأفعال الطيبة والعادات الجميلة)(1) .
كما لا ننسى، أنّه قد جرت العادة في الأوساط الشيعية، أنْ تختم مجالس تأبين الموتى، بمحاضرة لخطيب المنبر الحسيني، حيث يركز الخطيب في هذه المناسبات، على جوانب الموعظة وذكر الموت، وأهوال يوم القيامة، ممّا له أثر محمود على تربية الناس وهدايتهم من أهل المتوفّى أو أقربائه أو جيرانه... في مناسبات الأسبوع، والأربعين، ومرور سنة أو أكثر على الوفاة.
(فكم هُدى بالمنبر الحسيني من ضال، من أثر ما يسمعه من المواعظ والتذكير)(2) .
3 - الدور الاجتماعي
إن استقطاب المنبر الحسيني، لشرائح مختلفة من المجتمعات التي يعقد فيها، وذلك الحضور الجماهيري الكبير الذي يحظى به، إضافة إلى الدور البارز، لخطيب المنبر الحسيني وتأثيره العميق في
____________________
= العالية في الفقه والأصول. ثمّ انصرف إلى التأليف والبحث والتحقيق وبلغ فيه جهداً مثمراً. توفّي عم 1377 هـ بالنجف من آثاره: تعليقات على كتب: فرائد الأصول، والكفاية والمكاسب. ماضي النجف وحاضرها، المختار من لآئي الأخبار. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف 3 / 1154).
(1) محبوبة، جعفر باقر: ماضي النجف وحاضرها، 1 / 402.
(2) ملاحظات المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب التي بعثها إليّ 8 رجب 1413.
نفوس المستمعين، كل هذه الأمور تهيّئ للمنبر الحسيني دوراً اجتماعياً مهمّاً، فبالإضافة إلى ما يطرحه خطباء المنبر الحسيني من موضوعات اجتماعية وأخلاقية عامّة، تُسهمُ في إشاعة روح المحبّة والتعاون وحبّ الخير، فإنّ في حضور هذه المجالس (تأليفاً للقلوب بالتزاور والاجتماع، والتحادث والتعاون والتعارف)، إضافة إلى( ما فيها من البرّ والمواساة وإعانة الفقراء والضعفاء، بما ينفق فيها من المال والزاد في ثواب الحسينعليهالسلام )(1) .
نعم فكم (أُسعف في المجالس الحسينية من فقير، وكم بنُيت بفضلها مساجد ومعاهد ومآتم)(2) .
فمن التقاليد الشائعة في أجواء المنابر الحسينية، أنّ يقصد ذوو المشاريع الخيريّة خطباء المنبر الحسيني، كي يحثّوا الناس على التبرّع، والمساهمة في تلك المشاريع، حيث يتصدّى الخطيب لذلك إمّا في بداية صعوده المنبر، أو أثناء المحاضرة، في استثمار الحضور الكبير للناس، وما يعيشونه من أجواء روحية تساعدهم على البذل والإنفاق.
وبتذكّر ما بُيّن في الفصل الرابع، من هذا البحث حينما بحثنا عن الهيئات المشرفة على إقامة المنابر الحسينية، حيث ذكرنا؛ إن هناك مجالس تتبناها أصناف من أهل المهن والاختصاصات، وأخرى لسكان الأحياء والمناطق، وثالثة لأبناء القبائل والعشائر، وكل ذلك يسهُم في تقوية العلاقات، وشدّ الأواصر بين أبناء الاختصاص الواحد أو أهل المنطقة والحي، أو أبناء القبائل والعشائر، ويتمّ كل ذلك في أجواء إيمانية، وروحية تشجّع على الخير والهدى والصلاح.
____________________
(1) الأمين، السيّد محسن: إقناع اللائم على إقامة المأتم - ص318.
(2) من ملاحظات المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب.
4 - الدور الحركي
لمّا كانت حركة الإمام الحسينعليهالسلام وشهادته، من أبرز الأمثلة على مواجهة الاستبداد والقهر، ولما تهيّؤه أجواء عاشوراء من زخم جماهيري كبير، وأجواء عاطفية عميقة في التفاعل مع شهادة الإمام الحسين ومواقفه ورفضه للظلم والجور. فقد استغلّت بعض الأحزاب السياسية اللاإسلامية تلك الأجواء الشعبية، من أجل نشر أفكارها الإلحادية وضمّ الشباب إلى صفوفها. بادعاء إنّها حركات ضدّ الظلم كما كانت حركة الإمام الحسين، وذلك أيام غياب الوعي الإسلامي وخلوّ الساحة من الحركيّين الإسلاميّين.
ومع بروز حركات سياسية إسلامية، نشطت في الوسط الشيعي، كان لابدّ أنْ تولي هذه الحركات السياسية الإسلامية، أيام عاشوراء والمنبر الحسيني اهتماماً خاصّاً. وأمامنا نموذج من هذه الحركات السياسية الإسلامية وهو حزب الدعوة الإسلامية(1) في العراق، حيث تذكر أدبيّات هذا الحزب، مدى اهتمامه بالمناسبات الإسلامية، ولاسيما ما يتّصل منها بواقعة كربلاء. ففي موضوع النشاطات الإسلامية جاء: (وموقفنا إزاء المناسبات الإسلامية، التي يحتفل بها المسلمون على مدار السنة، تطويرها فكرياً وتنظيماً، وتوسيع مدارها، بحيث تكون منابر دعوة للإسلام ومظاهر قوة للأمّة، ومجال اتّصال وتعارف بين مختلف المناطق المتقاربة. ويتوقّف هذا على عدة أمور منها: أنْ يكون تخطيط
____________________
(1) حزب إسلامي تأسّس في العراق عام 1957م بجهود مجموعة من العلماء والمثقّفين الإسلاميين وكان المؤسّس هو المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر. قام بدورٍ كبيرٍ في بثّ الوعي الإسلامي في العراق ومناطق إسلامية أخرى وخاصّة بين المسلمين الشيعة. صدَر في عام 1980 قانون في العراق بإعدام أعضائه والمتعاونين وترويج أفكاره، وبأثر رجعي. (العجلي، شمران: الخارطة السياسية للمعارضة العراقية، ص176).
الاحتفالات بيد الدعوة، ومظاهر العمل بيد البارزين من الأمّة. وخطباء المنبر الحسيني، منهم من يعي الإسلام، وعلى الدعاة ترويجهم لبثّ الوعي الإسلامي وتهيئة أجواء للدعوة، ومنهم من يسلك السلوك، التقليدي وهؤلاء نرفع مستواهم بقدر الإمكان وبمختلف الوسائل)(1) .
إذن، فقد كان هناك اهتمام، بل تبنٍّ لخطباء المنبر الواعين من أجل بثّ الوعي الإسلامي، وكذلك تهيئة أجواء لضمّ عناصر جديدة، إلى الاتجاهات الإسلامية.
وفي مكان آخر من هذه الأدبيات، يذكر تأثير حزب الدعوة على الحوزة والمجتمع، ومنها بروز خطباء المنبر الحسيني الواعين. وكذلك الإصدارات التي تحلّل ثورة الإمام الحسينعليهالسلام وربطها بالمفاهيم الإسلامية.
(ومن آثار الدعوة على الحوزة والمجتمع، ظهور مدرسة جديدة للمنبر الحسيني، ولأحياء ذكرى ثورة سيد الشهداء الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ، حيث تبدّل أسلوب عرض تاريخ الملحمة الحسينية الخالدة. فقد صدرت دراسات متعدّدة تربط ثورة الإمام الحسين - عليه سلام الله - بالمفاهيم الإسلامية، كمثال بارز يحتذيه المسلمون لتصحيح الأوضاع وتغييرها، وإبراز النصّوص الإسلامية الحسينية كمفاهيم للعمل)(2) .
وقمت بتوجيه بعض الأسئلة إلى الأستاذ جواد المالكي(3) ،
____________________
(1) حزب الدعوة الإسلامية - ثقافة الدعوة الإسلامية / القسم التنظيمي / - 1 / 282.
(2) المصدر السابق ص411.
(3) جواد المالكي ولد في محافظة كربلاء عام 1950م أكمل دراسته الجامعية في كلية أصول الدين ببغداد سنة 1973. ثمّ الماجستير في اللغة العربية سنة 1995م. عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامي منذ عام 1986م. مسؤول مكتب حزب الدعوة الإسلامية في دمشق (من المترجم له).
عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية، منها سؤال وجّهته له، حول اهتمام حزب الدعوة بأيام عاشوراء عموماً والمنبر الحسيني خاصة، بقوله:( إنّ حزب الدعوة ركّز اهتمامه على إيجاد الصِّيَغ البديل، عن التعبير الساذج، فكانت بداية الاهتمام بالمنبر الحسيني، الذي كان هو الوسيلة المثلى في الإعلام والتبليغ، والتصدّي لمظاهر الانحراف. والاهتمام؛ كان تارة في الحثّ على الحضور والإحياء، وآخر بخطباء المنبر وكيفية تأهيلهم وإعدادهم لتحمّل مسؤولياتهم...
فقد تصدّى - فعلاً - للمنبر الحسيني، خيرة الدعاة الذين أصبحوا لامعين في عالم المنبر الحسيني وتشهد الأوساط المهتمّة بالمنبر الحسيني لهم بالفضل، وتحويل المنبر إلى مدرسة عطاء حقيقية، على المستويات الفكرية والعقائدية، وحتى السياسية والتعبوية، وصحّحوا الكثير من الصور المنافية لواقع مدرسة الحسينعليهالسلام )(1) .
وفي سؤال آخر عن اهتمام حزب الدعوة بإعداد خطباء المنبر الحسيني وتربيتهم فأجاب الأستاذ المالكي: (وأمّا عن اهتمام حزب الدعوة الإسلامية، بإعداد وتربية خطباء المنبر الحسيني فقد سعى في العراق، وفي وقتٍ مبكّر، لتأسيس جماعة المنبر الحسيني الواعي، التي ضمّت خيرة الخطباء، وأكثرهم وعياً وتحمّلاً للمسؤولية، ولكن هذه الجمعية قوبلت بالهجوم من مختلف المواقع الاجتماعية، وحتى الدينية، مثل بعض الحوزات. ومن الطبيعي إنّ الذين ألفوا هذه الممارسات، اعتبروا تطوير المنبر وتنويره وتسييسه، هو إنهاء له وحرف عن مسيرته)(2) .
وبهذا ينكشف وجه آخر، من أوجه تأثير المنبر الحسيني وأدواره، في مجتمعات المسلمين الشيعة، بحيث يكون ضمن أوليات اهتمام الحركات الإسلامية العاملة في تلك المجتمعات. وأنّ من يعيش أجواء عاشوراء، حيث التفاعل النفسي والعاطفي مع الإمام الحسينعليهالسلام
____________________
(1) (2) رسالة شخصية من الأستاذ جواد المالكي دمشق في 16 / 9 / 2001م.
وشهادته يدرك بلا ريب، إنّ هذه الأجواء توفّر أجواءً في غاية الخصوبة للدعاة إلى الإسلام، والعاملين من أجل أطروحته في الحياة.
(فأيام عاشوراء من أفضل الأيام من أجل الدعوة إلى الإسلام وأفكاره ومبادئه؛ لأنّ المنبر الحسيني يعتبر موقعاً متقدّماً من مواقع التثقيف الإسلامي، فهو المنبر الذي يجتذب الجماهير الإسلامية اجتذاباً تقليدياً، الأمر الذي منحنا الفرصة للنفاذ إلى عقولهم وقلوبهم، من خلال العنوان الإسلامي الكبير للذكرى فيدفعهم إلى الانفتاح على إسلام الفكرة والحركة والثورة. من خلال انفتاحهم على الإمام الحسينعليهالسلام ؛ الذي يمثّل التجسيد الحي لذلك كلّه، فتكون الذكرى مدرسة إسلامية شعبية متنوعة الأبعاد والأساليب، ووسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام)(1) .
5 - الدور السياسي والجهادي
لا غرابة أنْ يكون للمنبر الحسيني دور في التوعية السياسية والأعمال الجهادية، ببداهة أنّ ثورة الإمام الحسينعليهالسلام كانت ذات بعد سياسي وجهادي واضح. فقد رفض الإمام الحسينعليهالسلام البيعة وخرج من المدينة إلى مكّة، وكان يعقد مجالس لأهلها وللحجّاج والمعتمرين، يبيّن فيها ما صنعه الأمويون، ثمّ خرج إلى العراق، بعدما جاءته كتب الكوفيّين حتى أُحيط به فقاتل حتى استُشهِد هوعليهالسلام ومن كان معه.
لقد بقيَ هناك عنصران ثابتان، في كل أدوار ومراحل المنبر الحسيني، العنصر الأوّل؛ هو الجانب العاطفي والمأساوي في أحداث كربلاء، والعنصر الثاني؛ نقد الوضع السياسي الأموي ومحاكمته. وقد تمتد عمليه النقد لتشمل - أحياناً - الوضع السياسي القائم فعلياً، وذلك
____________________
(1) فضل الله، محمد حسين: من وحي عاشوراء، ص22.
حسب ظروف وعوامل عدّة.
وقد امتزج حبّ الإمام الحسينعليهالسلام ، في نفسية الإنسان الشيعي، مع رفضه للظلم واستعداده للتضحية... ولهذا يحاول المتقاعسون، أنْ يُفرغوا ثورة الإمام الحسين من أبعادها السياسية والجهادية، لما يرون فيها من أكثر الأدلّة قوّة على أهمّية هذين البعدين. فـ (لقد كان دور الخطابة خطيراً، وما يزال في أوساط الشعب العراقي، الذي كان يتّخذ من المناسبات الدينية جسراً للعبور إلى قِلاع النظم المعادية للإسلام، والانقضاض عليها بشكل أو بآخر)(1) .
(فكان المنبر ولا يزال موضع رهبة الطغاة والظالمين والحكّام المستبدّين، ولم نرَ الحكومات في العراق، سواء في العهد العثماني أم العهد الملكي أم العهد الجمهوري، أشد خوفاً وحذراً منها - خصوصاً في المناسبات - كعاشوراء. فنراهم يأخذون التعهّدات من أهل المجالس، والكفالات على أهل المواكب (الحسينية)، ويكثرون من تجميع القوات في الأماكن التي يكثر فيها الإقبال على المجالس، والالتفاف حول المنبر)(2) .
والأمر لا يقتصر على العراق والمنابر الحسينية فيه، فهذا الإمام الخميني(3) ، يؤكّد في أحد نداءاته أيام عاشوراء على أنّ (المجالس
____________________
(1) الموسوي، عبد الصاحب: الشيخ اليعقوبي دراسة نقدية في شعره - ص24.
(2) من ملاحظات المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب.
(3) الإمام روح الله الموسوي الخميني مرجع ديني وثائر كبير، وشخصية ملأت الدنيا وطبقت شهرته الأرض. ولد في مدينة خُمَين وسط إيران سنة 1903م وأعلن ثورته على نظام الشاه عام 1962م، ثمّ نُفي إلى تركيا ثمّ النجف الأشرف حتى أخرج سنة 1978 مهاجراً إلى باريس حتى نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م حيث تولّى قيادة الثورة والدولة حتى وفاته في عام 1989م ودفن في مقبرة جنّة الزهراء بطهران بعد تشييع شارك فيه الملايين. (يعقوب، أحمد حسين: الإمام الخميني والثورة الإسلامية في إيران، ص11).
الحسينية التي تُعقد في ذكرى استشهاد سيد المظلومين والأحرارعليهالسلام ، هي مجالس غلبة جنود العقل على الجهل، العدل على الظلم، والأمانة على الخيانة، والحكومة الإسلامية على حكومة الطاغوت، وينبغي أنْ تعقد هذه المجالس بروعة وازدهار، وتنشر بيارق عاشوراء الحمراء كرمز لحلول يوم انتقام المظلوم من الظالم)(1) .
وكان لخطباء المنبر الحسيني في إيران، دور كبير جدّاً في توعية الناس وتثويرهم، في مواجهة نظام الشاه حتى تم القضاء عليه. ولهذا كان الإمام الخميني دائماً ما يردّد مقالته التي اشتهرت عنه (إنّ كل ما عندنا هو من عاشوراء)(2) .
ويرى علماء الشيعة، أنّ أئمّة أهل البيت كانوا يريدون إبقاء الروح الثورية والجهادية، في نفوس الأمّة من خلال أحيائها لأيام عاشوراء( وقد بذل الأئمّةعليهمالسلام جهوداً كبيرة في ربط الأمّة فكرياً وعاطفياً بالثورة الحسينية وبأهدافها ومنطلقاتها، ومن خلال هذا الترسيخ للثورة وأهدافها في وعي الأمّة، وفي وجدانها كان الأئمّةعليهمالسلام يهدفون إلى تأصيل الحالة الثورية الجهادية والروح الاستشهادية في حركة الأمّة، كما يهدفون إلى ترشيد هذه الحالة، بشدّها وربطها بالأهداف والمنطلقات الواضحة لثورة الإمام الحسينعليهالسلام )(3) .
وقام خطباء المنبر الحسيني في العراق، بدور بارز في جهاد المستعمر الانجليزي، حينما غزى العراق عام 1914م. فبعد أنْ أصدر مراجع الدين في النجف الأشرف فتاواهم التي تدعو إلى محاربة الانجليز وجهادهم، وتأييد الدولة العثمانية آنذاك، اندفع خطباء المنبر
____________________
(1) الخميني، روح الله: نهضة عاشوراء ص115.
(2) فضل الله، محمد حسين: من وحي عاشوراء ص72.
(3) الغريفي، عبد الله: التشيّع ص468.
الحسيني، لينشروا هذه الفتاوى بين الناس، ويدعونهم إلى الجهاد متّخذين من مواقف الإمام الحسين وتضحياته منطلقاً لذلك، وقد مرّ بنا في تراجم بعض خطباء المنبر الحسيني، بيان مواقفهم السياسية والجهادية فقد (كان الأستاذ الشيخ محمد علي اليعقوبي، يقضي شهرَي محرّم وصفر في السماوة(1) مرشداً منبرياً، فزوّده الحبّوبي(2) (السيد محمد سعيد) بكتاب يأمره فيه بتحريض عشائر الرميثة ومَن والاها على الانضمام في صفوف المجاهيدين فتمّ له ما أراد)(3) .
وأيام المدّ الإلحادي، كان لخطباء المنبر الحسيني، تأثير كبير في توعية الناس فكرياً وسياسياً، خاصّة بعد فتوى المرجع السيد محسن الحكيم؛ بأنّ الشيوعية كفرٌ وإلحاد(4) . حتى تعرّض بعض خطباء المنبر الحسيني لمحاولات اغتيال. فقد تعرّض خطيب المنبر الحسيني البارز (السيد جواد شبّر إلى محاولة اغتيال أثر تصدّيه الفاعل للأفكار الإلحادية)(5) .
____________________
(1) السماوة هي الآن مركز محافظة المثنى في منطقة الفرات الأوسط بالعراق والرميثة قضاء تابع لها حالياً.
(2) السيد محمد سعيد من محمود بن قاسم الحسيني الحبّوبي عالم كبير وشاعر مشهود له قاد صفوف المجاهدي لمواجهة جيش الاحتلال البريطاني عام 1333 هـ - 1914م. ولد في النجف عام 1266 هـ وتوفّي في مدينة الناصرية بجنوب العراق عام 1333 كمداً بعد اندحار المجاهدين - نقل جثمانه إلى النجف ودفن فيها. له ديوان شر، وكتابات في الفقه والأصول. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 1 / 387) و(الصغير، محمد حسين: هكذا رأيتهم، ص 17).
(3) الصغير، محمد حسين: هكذا رأيتهم ص17.
(4) رؤوف، عادل: محمد باقر الصدر بين دكتاتوريّتين، الوثيقة رقم 23 صفحة 466.
ونص الفتوى (لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي، فإنّ ذلك كفرٌ وإلحاد، أو ترويج للكفر والإلحاد، أعاذكم الله وجميع المسلمين عن ذلك، وزادكم إيماناً وتسليماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
(5) شبر، جواد: مقتل الحسين - ص16. وستأتي ترجمته في تجربة منتدى النشر إن شاء الله.
وما زال خطباء المنبر الحسيني في بعض الدول، يتعرّضون لكثير من المضايقات، وصنوف الأذى، (حتى إنّ الكثير قد تعرّض إلى مآسٍ من التشريد والملاحقة بأهله وماله، وبالتالي بنفسه واستشهد الكثير منهم - تغمّدهم الله برحمته - على أيدي الجلادّين والقلّة)(1) .
ويعكف الآن أحد خطباء المنبر الحسيني على إصدار معجم في تراجم مَن استشهد من خطباء المنبر الحسيني، ممّا يعكس الدور السياسي والجهادي لهم، وبهذا العدد الذي يضمّه كتاب.
وفي لبنان كانت لأيام عاشوراء ولخطباء المنبر الحسيني، أبلغ الأثر في حثّ الأمّة على مواجهة قوّات الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان. حيث استثمرت التجمّعات الجماهيرية الواسعة وحالات التعاطف العميقة مع ثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، من أجل حثّ الناس على الجهاد والمقاومة، وكان علماء وخطباء المقاومة الإسلامية، يؤكّدون حالة الربط بين موقف الإمام الحسين، وما ينبغي أنْ تكون عليه مواقف المؤمنين اليوم.
(ونحن لا نتذكر أبا عبد الله الحسينعليهالسلام وكربلاء عندما يسقط لنا شهيد في المقاومة. إنّما نتذكرهعليهالسلام أيضاً عندما نقتحم القلاع ونزرع أعلامنا في أعالي القمم)(2) . واستثمرت مجالس عاشوراء عام 2003م، وبشكل واضح لدعم انتفاضة الأقصى في فلسطين، حتى تحوّلت مسيرة اليوم العاشر من المحرّم إلى مسيرة بيعة للنهج المقاوم من أجل تحرير القدس.
وأحسب أنّ النقاط السابقة قد بيّنت ما يقصد، من مهمّات المنبر.
وبهذا نكون قد بيّنا الأدوار والمهمّات التي يتولاّها المنبر
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر ص52.
(2) نصر الله، حسن: حديث عاشوراء - ص257.
الحسيني في واقعنا اليوم، حيث رأينا تنوّع تلك الأدوار واستيعابها لنشاطات عدّة.
(إنّ المنبر الحسيني - على صاحبه أفضل التحية والسلام - هو منبر دعوة وهو منبر توعية وهو منبر حركة، وهو منبر ثورة، وهو منبر الإسلام كلّه؛ لأنّ الحسينعليهالسلام كان مسلماً وكان إمام المسلمين وكان داعية للإسلام، ولأنّ الحسين كان ثائراً يريد أنْ يُصلح أمّة جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)(1) .
إصلاح المنبر الحسيني وتأهيله
أمّا الشقّ الثاني من المبحث الأول، فإنّه يبحث عن مسألة غاية في الأهمية، وهي مسألة إصلاح المنبر، إذ أنّ ما ذكر من فوائد مترتّبة على المنبر الحسيني، إنّما تتصوّر مع وجود خطيب كفوء وهادف، يمتلك من المؤهّلات ما يكون معها جديراً بحمل هذه المسؤولية، والقيام بهذه الأعباء، وأداء هذه المهمّة.
ولكن الأمر لا يبدو هكذا دائماً، فلا نفاجأ إذا رأينا أُناساً يرتقون أعواد المنبر الحسيني، وهم غير كفوئين ولا مؤهّلين، لإعطاء المنبر تلك الأدوار والمهمّات.
يقول المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين: (والمأتم الحسيني الآن في أفضل حالاته، وحين يقوم به الأكفّاء من رجال المنبر المتخصّصين في شأنه، وليس الجهلة المتطفّلين - كما يحدث في حالات كثيرة -)(2) .
____________________
(1) فضل الله، محمد حسين: الندوة - 1 / 447.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص303.
وحالات تطفّ الجهلة وأشباههم، من الظواهر المرضية التي نجد مصاديق لها في نواح مختلفة من نشاطاتنا الإسلامية والاجتماعية وغيرهما...
وقول الشيخ شمس الدين بأنّها (حالات كثيرة) يضع أصبعنا، على ظاهرة سلبية؛ يعيشها المنبر الحسيني في مناطق عدّة وأمكنة كثيرة.
إنّ مَن ترجمنا لهم من خطباء المنبر الحسيني، يُعتبرون من أساتذة هذا الفن وأهل الإبداع فيه، ولم نذكر من يعتلي المنبر الحسيني وقد لا يملك من الكفاءات والمؤهّلات إلاّ حسن صوته ورقّة حنجرته، بل وقد لا يمتلكهما أيضاً!
لقد كان لارتباط المنبر الحسيني بوجدان الإنسان الشيعي عاطفياً، وميول عامّة الناس وانجذابهم للصوت الشجي الرقيق، والمُجيد في إذكاء الأحزان واستدرار الدموع من جهة أخرى، ولغياب دور المنبر الحسيني، وما ينتظره من مهام تربوية وثقافية وعلمية عن أذهان الكثيرين من جهة ثالثة، قد مكّنتْ السبيل ومهّدَتْهُ، لبعض من وُهب حنجرة قوية شجيّة من أنْ يرتقي المنبر. وليته اكتفى بإنشاد ما يحفظ من شعر رثائي وأبيات في النعي والإبكاء، ولكنّ المصيبة تشرع حينما يبدأ هذا الراثي بعرض الأفكار ومناقشتها، وتقييم العلماء والفتاوى، ثمّ يقحم أنفه في أمور وتخصّصات قد لا يعرف لها مبدءاً أو مستقراً، فيجعل من نفسه مفكّراً وفيهاً وفيلسوفاً!
وممّا يزيد في خطورة المسألة، أنّه لو أراد أحد الحاضرين الاعتراض أو تنبيه الآخرين على أخطاء هذا الراثي، فإنّك لا تعدم من ينبري ليدافع عنه بل قد يلام المعترض؛ إنّك كيف تجرؤ على الاعتراض على أحد خدّام سيد الشهداء؟ (وهو اصطلاح شعبي يطلق على من يعتلي المنبر الحسيني)، وذلك لما يأخذه خطباء المنبر الحسيني من احترام وتقديس عند عامّة الناس.
وبذلك قد يتحول المنبر الحسيني من أداة للتعليم والتثقيف والتربية - كما هو المتوقّع منه وكما يحسنه الأكفاء من الخطباء - إلى أداة من أدوات التجهيل، من قبل بعض مَن يرتقن أعواد المنبر ولا يمتلكون مؤهلاته، أو قد يمالئون الجهل والتخلف طمعاً في متاع دنيوي زائل.
وهذا همّ كان ولا يزال يؤرّق المصلحين والواعين من العلماء والخطباء والمثقّفين الشيعة. وأنّ ما أورده الشيخ محمد مهدي شمس الدين من نعت (الجهلة والمتطفّلين)، قد سبقه إلى هذا التشخيص أو أكّد عليه عدد من العلماء والخطباء والمثقّفين.
فالسيد محسن الأمين العاملي، يذكر في مقدّمة كتابه الموسوم بـ (المجالس السنية) من أنّ العقل والشرع لا يعارضان احترام أعاظم الرجال أحياءً وأمواتاً. ثمّ يمرّ على ما جرى للإمام الحسينعليهالسلام ، وحثّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام على إحياء ذكراه ثمّ يعقّب بقوله رحمه الله:
(ولكن الكثيرين من الذاكرين (أي المنبريّين) قد اختلقوا أحاديث في المصائب. وغيرها لم يذكرها مؤرّخ ولا مؤلّف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة، وزادوا ونقصوا فيها، لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحّة الأخبار، حتى حُفظت على الألسن وأودعت في المجاميع)(1) .
واللافت في النصّ أعلاه، إنّ السيد الأمين قال (إنّ الكثيرين من الذاكرين) وهو التشخيص نفسه الذي مرّ بنا عن الشيخ شمس الدين بقوله: (كما يحدث في حالات كثيرة)، ممّا يعكس وضوح هذه الظاهرة
____________________
(1) الأمين، محسن: المجالس السنية - 1 / 11.
السلبية واتّساعها.
وينقل الكاتب والصحافي جعفر الخليلي (توفّي عام 1982م) أنّه ذهب إلى الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، واستفتاه في (صعود عدد من أشباه الأميّين المنابر الحسينية، والإتيان بأحاديث ملفّقة مكذوبة على الله ورسوله وأوليائه).
يقول الخليلي: (فرأيته يكاد ينفجر غيظاً، وقد صبّ جام غضبه عليهم... فاستكتبه، فكتب لي رأيه فيهم واعتبر الإصغاء إلى مثل هؤلاء الخطباء، وحضور مجالسهم والاستماع إلى خطبهم، من الأمور المحرّمة التي لا يجيزها الشرع بوجه من الوجوه..)(1) .
وكان الأستاذ جعفر الخليلي مهتّماً بضرورة العمل على ترشيد المنبر الحسيني، ورفع مستوى أدائه، فيقول: (أردت ذات يوم أنْ أقوم بدعوة منظمّة لتهذيب خطباء المنابر الحسينية في جريدة الهاتف)(2) . (وهي جريدة كان يشرف الخليلي عليها بنفسه، وكانت تصدر بالنجف في أربعينات القرن العشرين).
ويعرب الشيخ محمد جواد مغنية(3) ، عن حرقته وألمه لما يجده في بعض أوضاع المنبر الحسيني، فيقول في كلمته التي صدّر بها موسوعة أدب الطف لمؤلّفها السيد جواد شبّر بقوله: (... ومن هنا كان العبء ثقيلاً على خطباء هذا المنبر الخطير، إلاّ على الأكفّاء منهم... والحق، إنّ بعضهم أدّى المهمّة على وجهها، واهتدى بهم الكثير من الشباب إلى سواء السبيل. ولكن هؤلاء - وللأسف - قليلون جداً، والأكثرية الغالبة مرتزقة متطفّلون أو ممثّلون، لا يهتمّون بشيء
____________________
(1) الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم 1 / 244.
(2) المصدر نفسه 1 / 244.
(3) سبقت ترجمته ص65.
إلاّ بعاطفة المستمع وميوله، تماماً كالمهرّج، يقف على خشبة المسرح ليؤنس المتفرّجين ويضحكهم ويجهلون، أو يتجاهلون أنّ مهمّة المرشد الواعظ، كمهمّة الطبيب الجرّاح، يستأصل بمبضعهِ الداء من جذوره ولا يكترث باحتجاج المريض وصراخه. والحديث عن قرّاء التعزية وخطباء المنبر الحسيني، متشعب الأطراف، بخاصة عن الذين لا يشعرون بالمسؤولية، ولا يقدّرون لهذا المنبر هيبته وقداسته)(1) .
وأحسب أنّ المرحوم الشيخ مُغنية، قد أورد كلمات أقسى ممّا أورده الآخرون، حينما نعت غير المؤهّلين بأنّهم (مرتزقة متطفّلون أو ممثّلون كالمهرّج). وقساوة هذه النعوت إنّما تدلّ على مدى تألّمه وانزعاجه من الصور الباهتة المشوّهة، التي تبدو للمنبر الحسيني من قِبَل أمثال هؤلاء. وقد سبق ذلك إشادته بالخطباء، الذين يعطون المنبر الحسيني ما يستحقّ من اهتمام وأهليّة وإخلاص.
والملاحظة الثانية: إنّ التشخيص كان مطابقاً لتشخيصي السيد الأمين والشيخ محمد مهدي شمس الدين، من أنّ القلّة ممّن يعتلي المنبر هم أهل لذلك، وأنّ الأكثرية على الخلاف، بل وقال: (الأكثرية الغالبة) في مقابل (قليلون جداً).
لقد كان العلماء الواعون وما زالوا يناشدون خطباء المنبر الحسيني، أنْ يرتقوا بأدائهم ليكونوا بمستوى مواقف الإمام الحسينعليهالسلام وأهداف ثورته، وأنْ يكون المقياس في اختيار الخطيب، هو علمه وثقافته، لا مجرّد حسن إبكائه وشجاء نعيّه.
يقول السيد محمد حسين فضل الله: (إنّ في إمكاننا أنْ ننطلق في هذه المجالس، نحييها ونؤيّدها ونجعلها تستمر. ولكن بشرط أنْ تتغير
____________________
(1) مغنية، محمد جواد: أدب الطف، 1 / 15. (مقدمة الموسوعة التي ألّفها السيد جواد شبر).
العقلية، التي تعتبر نجاح القارئ (أي الخطيب) بمقدار ما يستطيع أنْ ينوح أكثر، وبمقدار ما يستطيع أنْ يُبكي أكثر. علينا أنْ نطلق من مجالسنا ليشعر هؤلاء القرّاء، بأنْ نتعاطف معهم عندما يستطيعون أنْ يجسّدوا عاشوراء بالكلمة، ويجسدون المآسي من خلال الرسالة)(1) .
وإذا كانت نداءات العلماء في ذمّ المتطفّلين وغير المؤهّلين، ممّن يعتلي المنبر الحسيني، نداءات مؤثّرة ومؤلمة في آن واحد، فإنّ نداءات أساتذة المنبر الحسيني، والواعين منهم تكون أشدّ تأثيراً وإيلاماً، لأنّهم يعيشون المنبر الحسيني، ويولونه كل حياتهم وعلمهم وتخصّصاتهم...
فعميد المنبر الحسيني اليوم؛ الدكتور الشيخ أحمد الوائلي يبدي ألمه بقوله: (إنّ ممّا يبعث على الألم أنْ لا تكون هناك رقابة على ما يقال على منبر يقوم بحملِ رسالتنا للجماهير، وينبغي أنْ يشعر بمسؤولية الكلمة وخطر الفكرة وصلة ذلك بوضعنا ككل)(2) .
ثمّ يذكر الشيخ الوائلي بعد ذلك، إنّ مجموعة من المثقّفين وأهل الاختصاص جاؤوا إليه، ومعهم بعض أشرطة التسجيل لبعض من يعتلي المنبر بلا كفاءة، وقالوا له وهم يشكون الحال: إنّ (في هذه الأشرطة إحصاءات وادعاءات لا تلتقي والواقع، كما لا تلتقي والعلم. وقد سبّب لنا ذلك إحراجاً، بل وأضعف ثقة الناس في مؤسّساتنا الدينية)(3) .
ومن أروع وأدقّ ما سجّله خطيب آخر، من أستاذة المنبر الحسيني؛ وهو المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في
____________________
(1) فضل الله، محمد حسين، آفاق إسلامية، ص131.
(2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر ص21.
(3) المصدر نفسه ص65.
تصديره لكتاب (من لا يحضره الخطيب) لمؤلّفه السيد داخل حسن بقوله رحمه الله: (هذا وقد تطفّل على المنبر أُناس لا يعرفون للمنبر قيمة، ولا يقيمون له وزناً، وإنّما اتخذه بعضم وسيلة للعيش، وسبباً لتحصيل المال. حتى قال رجل من أهل المعرفة، وقد سمع بعض هؤلاء يخبط على المنبر خبط عشواء(1) : إنّ ظلامات الحسين كثيرة، ومنها صعود أمثال هذا على المنبر!! وأرى أنّ هذا مصدره التسيّب في كثير من الأمور.... فلا رقيب ولا حسيب على كل ما يقال ويُفعل، ويكتب وينشر. وعسى أنْ يقيّض الله سبحانه لهذه الأمّة، من يتحمّل مسؤولية الإصلاح، فيصلح الفاسد، ويقوّم المعوّج، ويأخذ على أيدي السفاء، ويكمّ أفواه الجهلاء.
وشيء آخر أريد أنْ اذكره وأُنبّه عليه، وهو أنّ بعض الخطباء - أصلحهم الله تعالى - يدخلون في ما ليس يعنيهم، ويخوضون في ما ليس من اختصاصهم، كالطب والصيدلة والكيمياء والفيزياء، والميكانيك والهندسة، وعلم النبات والمعادن وطبقات الأرض، وكل ما هو بين السموات والأرض وما فوقهنّ وما تحتهنّ!! مع أنّه لم يعرف أوّلياتها ولم يدرس مقدّماتها، وربّما ذكر نظريات علمية، أكل الدهر عليها وشرِب وظهر بطلانها. بل أخذها عن كتاب قديم، ثمّ لا يدري ماذا حدث بعد ذلك. فيدع أهل الاختصاص يتغامزون عليه ويسخرون منه!!)(2) .
وأهل الاختصاص هؤلاء، هم من أخذ بعض تلك الأشرطة المسجّلة وذهبوا يشكون الأمر إلى الشيخ الوائلي كما مر بنا قبل قليل.
ولقد ذكرتني عبارة السيد الخطيب التي نقلها عن بعض أهل
____________________
(1) العشواء: الناقة الضعيفة البصر، أو التي لا تبصر في الليل تطأ كل شيء. مثل يضرب للمتدخّل في الشيء والذي يركب رأسه ولا يهتم لعاقبة.
(2) الحسيني، عبد الزهراء: من لا يحضره الخطيب 2 / 19 (للخطيب السيّد داخل حسن).
المعرفة من أنّ من ظلامات الحسينعليهالسلام صعود غير الكفوئين للمنبر، ذكّرتني عبارته بما نقله الشيخ مرتضى المطهّري(1) - أحد المفكرين والعلماء الإيرانيين - عن أحد كبار المحقّقين بقوله: (إنّنا يجب أنْ نبكي على الحسينعليهالسلام ، ولكن ليس بسبب السيوف والرماح، التي استهدفت جسده الطاهر الشريف في ذلك اليوم من التاريخ، بل بسبب الأكاذيب التي أُلصقت بالواقعة)(2) .
وبمناسبة ذكر الشيخ مرتضى المطهّري، وسُئِلَ السيد محمد حسين فضل الله في دمشق بهذا السؤال: هناك مقولة للشهيد المطهري حول المنبر يقول فيها: (لقد استشهد الحسين مرّتين، مرّة في كربلاء على أيدي الجناة، والثانية على أيدي بعض خطباء المنبر الحسيني، من خلال ما يُطرح من أكاذيب وتحريفات للواقع) فما رأيكم بهذه المقولة؟ فأجاب السيد فضل الله: (أنا معه مِئة في المِئة؛ لأنّ كثيراً من مظاهر المنبر الحسيني أصبحت تثير التخلّف بكل ما للتخلّف من معنى. وأصبحت تثير الكثير من الأكاذيب التي تصل إلى حدّ الخرافة، من أجل أنْ تصبح القضية، هي كيف يمكن أنْ نستنزف دموع الناس، لا كيف يمكن أنْ نفتح عقولهم على الرسالة، وعلى الحق)(3) .
أقول: ونعود مرّة أخرى إلى تشخيص من سبق من العلماء، حول نسبة التخلّف في المنبر وأعني به نسبة (الكثرة)، التي أطلقها السيد فضل
____________________
(1) الشيخ مرتضى المطهّري عالم ومفكر إسلامي إيراني بارز تتميّز كتبه بعمق الأصالة الإسلامية ممّا حدا بالإمام الخميني أنْ يدعو إلى قراءة كتبه. أغنى المكتبة الإسلامية بالعديد من البحوث والمؤلّفات منها، الإنسان الكامل، النبي الأمّي، مسألة الحجاب، الملحمة الحسينية وغيرها كثير. اغتيل في طهران بعيد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979م. (المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية: قبس من حياة الشهيد المطهّري، ص21).
(2) مطهري، مرتضى: الملحمة الحسينية - 1 / 13.
(3) فضل الله، محمد حسين: الندوة - 6 / 500.
الله هنا وأطلقها قبله السيد الأمين، والشيخ مغنية، والشيخ شمس الدين. ولا أظنّ أنّ كل ذلك ينطلق من مصادفة، بل هي الدقّة في تشخيص واقع المنبر الحسيني؛ لأنّه صدر عن علماء واعين وخطباء مجيدين مخلصين، أثرَوا الساحة بعلمهم وكتبهم وثقافتهم ومحاضراتهم.
بعد كل ما ذكر آنفاً، اتّضحت لنا صورة التشخيص، الذي أبرزه الواعون والمصلحون من علماء الشيعة وخطبائهم لما هو عليه المنبر الحسيني في حالات كثيرة، ما زالت تؤرِّق المخلصين وتدعوهم إلى التفكير الجدّي والعملي لتغييرها.
ولنا أنْ نسأل، عن الخطوات العملية، ومحاولات الإصلاح وتجاربه، التي قام بها العلماء والخطباء المهتمّون بمسألة ترشيد المنبر الحسيني ورفع مستوى أدائه؛ لأنّ تشخيص الداء خطوة في طريق العلاج، ولا يمكن له أنْ يغني عن الإجراءات العملية في هذا الصدد.
وسنركّز هنا، على أبرز تجارب ومحاولات إصلاح المنبر الحسيني تاريخياً، مع تركيز واضح على تجربة أظنّها تحتاج إلى دراسة خاصة، كانت قد جرت في النجف الأشرف، وستأتي ضمن التجربة الثانية من:
تجارب إصلاح المنبر الحسيني وترشيده
1) تجربة السيد محسن الأمين في دمشق
تولّى السيد محسن الأمين، مهمّة الرعاية الدينية والاجتماعية لشيعة مدينة دمشق، بتكليف من المرجعية الدينية، في النجف الأشرف، حيث ينقل رحمه الله: (وردنا دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319 هـ في أواخر الخريف، فوجدنا أمامنا أموراً هي علّة العلل
ولا بدّ في إصلاح المجتمع من النظر في إصلاحها:
1 - الأميّة والجهل المطبق.
2 - وجدنا إخواننا في دمشق متشاكسين منقسمين.
3 - مجالس العزاء وما يتلي فيها من أحاديث غير صحيحة..
فوجّهنا اهتماماً إلى إصلاح هذه الأمور الثلاثة)(1) .
ومن خلال تشخيص السيد محسن الأمين، لكوامن التخلّف، وكيفية العمل على الإصلاح، تبرز أهمّية إصلاح المنبر الحسيني، باعتباره جهازاً إعلامياً تثقيفياً مهمّاً في الوسط الشيعي.
وشمّر السيد الأمين عن ساعد العمل، حيث راحت أنامله تسطّر ما صحّ من السيرة المتعلّقة بكربلاء وأخبارها، وصدرت عنه عدّة مصنّفات لتهيئة المادّة الصحيحة، من أخبار السيرة إضافة إلى قصائد منتقاة ومختارة، في رثاء الإمام الحسينعليهالسلام ، ممّا يعين خطيب المنبر الحسيني المبتدئ على انتهاج طريقٍ صحيحٍ في خطابته.
نعم فالسيد الأمين، قد( انبرى إلى تلك النصّوص يخلّصها من تلك الزيادات، فجمع ما سلم من كلماتها، بعد أنْ نسقّها ورتّبها فكانت كتاباً دعاه:(لواعجُ الأشجان في مقتل الحسين) ، ثمّ أردفه بكتاب آخر هو(أصدق الأخبار في قصّة الأخذ بالثأر) . ثمّ خرج من بين يديه كتاب(الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد) . من مطبعة الإتقان بدمشق عام 1365 هـ 1946 م. وأخيراً رأى الأمين أنّ ذلك كلّه لن يستقيم طويلاً، إلاّ بوضع كتاب مفصّل مبوّب، فكان كتاب(المجالس السنية)) (2) .
____________________
(1) الأمين، محسن: أعيان الشيعة، 1 / 361 (في ترجمة المنصف بخطّ يده).
(2) الأمين، علي مرتضى: السيد محسن الأمين سيرته ونتاجه - ص59.
ولم يكتفِ السيد محسن الأمين، بوضع المصنَّفات وتهيئة المادّة التي يحتاج إلهيا خطباء المنبر الحسيني، من سرد لمقتل الحسين، وما صنعه المختار الثقفي في قصة أخذ الثار، وما اختاره من أمّهات القصائد من قدامى الشعراء ومحدثيهم، وما وصل إليه أخيراً من إعداد محاضرات وأحاديث جاهزة وكاملة للمنبر الحسيني... أقل لم يكتف السيد الأمين بكل هذه الخطوات المهمة، التي أسهمت كثيراً في التوجيه الصحيح والدقّة في الانتقاء والاختيار، بل أضاف، رحمه الله، خطوة عملية مهمّة، حيث راح يدرّب بعض شبّان الشيعة في دمشق على اعتلاء المنبر الحسيني، وإلقاء تلك المحاضرات والدروس، التي وضعها في كتابه (المجالس السنية).
فقد ذكر الكاتب، جعفر الخليلي، أنّه قد مرّ بالسيد محسن الأمين وزاره في بيته بدمشق، وأنّه دعاه إلى حضور مجلس، من تلك المجالس الحسينية التي يلقيها خطباء شبّان كان قد أعدّهم ودرّبهم على خطابة المنبر الحسيني وقال له:
(إنّك ستسمع في هذا المجلس، ما لم تكن سمعت، وسترى خطباءً جُدداً أعددتهم لمثل هذا، وأنا أسعى لإعداد المزيد منهم)(1) .
إنّ اهتمام السيد محسن الأمين، بمسألة تطوير المنبر الحسيني، وإصلاحه، كتابةً لمادّته وإعداداً لخطبائه، كان ولا يزال خطوة أساسية في هذا الصدد. نعم( فلا يسع مهتمّاً بدراسة هذه المسألة أنْ يغفل جهود المرحوم السيد محسن الأمين رحمه الله، الذي ساهم بقلمه وممارساته الشخصية، مساهمة فعّالة في تطوير المأتم الحسيني من جهات متعدّدة، ولا يسع باحثاً في هذا الموضوع أنْ يغفل أثر كتبه، (المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية)، و(إقناع اللائم) و(لواعج الأشجان في
____________________
(1) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم - 1 / 215.
مقتل الحسين) و(رسالة في التنزيه في أعمال الشبيه))(1) .
وللأمانة التاريخية، فإنّ مساهمة كتابيّة أخرى كان لها أثر طيب في توفير المادّة الدقيقة والمحقّقة تاريخياً، التي يمكن لخطيب المنبر الحسيني الاعتماد عليها في مجالسه ومنابره، تلك هي مساهمة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي(2) عبر أثره القيّم (المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) وقد ألّف عام 1330 هـ وكان مكوّناً من مقدّمة وأربعة أجزاء. ولكن لم يسلم من الكتاب إلاّ القليل منه، في حين تلف أكثره أثناء هجوم المستعمر الفرنسي على مكتبته في صور وحرقها(3) .
وأوّد أنْ أسجّل ملاحظة، حول ما ألّفه العلماء والمحقّقون، من مصنّفات تُسهم في إصلاح مادّة المنبر الحسيني، وتهيئة الموضوعات المناسبة لمهمّته، حيث إنّه لم ينبرِ عالم شيعي من العرب، إلى تصنيف مثل هذه الكتب، إلاّ بعض علماء جبل عامل، وهما بالخصوص السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين. ولا أعرف مصنفاً - حسب اطلاعي - جاء كمصنفي (المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية) للسيد محسن الأمين و(المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة) للسيد عبد الحسين شرف الدين.
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي - ص302.
(2) السيد عبد الحسين بن يوسف بن جواد شرف الدين الموسوي العاملي. فقيه ومجتهد معروف. ومجاهد مشهور ولدفي مدينة الكاظمية ببغداد عام 1290 هـ. وأخذ فيها مبادئ العلوم ثمّ انتقل إلى النجف الأشرف حيث راح يتخطّى مراحل العلم حتى وصل إلى الدرجات العليا. عاد سنة 1322 هـ إلى جبل عامل فتصدّى للدعوة والتأليف. بعد جهاد ومواقف كريمة حيث أراد الفرنسيون قتله فلجأ إلى = مشق وأحرقت داره ومكتبة ومن دمشق إلى مصر، ثمّ فلسطين حتى عاد إلى بلَده ظافراً، توفّي عام 1377 هـ. ترك عدّة مؤلّفات منها: الفصول المهمّة، الكلمة الغرّاء، المراجعات، النص والاجتهاد وغيرها كثير. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأب في النجف، 2 / 736) (ومن مقدمة كتاب (المجالس الفاخرة) للمترجم له بقلم السيد محمد بحر العلوم).
(3) بحر العلوم، محمد: مقدمة كتاب: المجالس الفاخرة، ص2، 4.
فلم نجد لعلماء النجف الأشرف، أو غيرها من محقّقين ومجتهدين، مساهمة في هذه المسألة المهمة، وهذه حسنة يجب أنْ تسجّل لهذين العالمين من علماء جبل عامل.
نعم انتشرت في العراق ولا زالت تنتشر، مصنّفات لمجالس حسينية ألّفها بعض خطباء المنبر الحسيني، تتفاوت مستوياتها كثيراً. أمّا أنْ نجد فقيهاً أو عالماً، أولى جانب المنبر الحسيني ومحاضراته ومجالسه اهتماماً، تصنيفات وكتابةً فهو أمرٌ لم يُعْهَد إلاّ في من ذكرنا. وهذا مؤشّر من مؤشرات نأي الحوزة العلمية عن ساحة المنبر الحسيني، وعدم اهتمامها الجدي بدراسة المنبر الحسيني، والسعي من أجل ترشيده ورفع كفائته، إلاّ في حالات نادرة ومنها:
2) تجربة جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف
تجربة منتدى النشر هي التجربة الأهمّ، والحدث الأبرز في محاولات رفع أداء المنبر الحسيني، وإعداد خطباء مؤهّلين لرسالته. وقد اكتسبت أهميتها من عدة جوانب منها:
أ - إنّها التجربة الأولى في هذا الميدان.
ب - إنّها حدثت في حاضرة الدراسات الدينية الأولى عند الشيعة، وهي مدينة النجف الأشرف، ومن قبل علماء بارزي في حوزتها العلمية.
ج - لِما جوبهت به من ردود فعل عنيفة جدّاً، ممّا عكس عظم الأمر الذي أريد معالجته.
ولنبدأ مع جمعية منتدى النشر، صاحبة المشروع ورائدة التجربة... فهي جمعية علمية ثقافية أدبية، كانت ثمرة لأفكار عدد من
العلماء المصلحين وطموحاتهم، من المتفاعلين مع ظاهرة التطوّر العلمي، والفكري والمنهجي، الذي عمّ المجتمعات والمعاهد العلمية آنذاك.
فهي (أوّل جمعية دينية فكّرت في تطوير الدراسة الدينية، وإدخال نظام الصفوف والامتحانات في دراسة النجف... أسّسها رهط من الشيوخ وفضلاء النجف الأشرف، لغرض الأخذ بالعلوم الحديثة إلزامياً، إلى جانب الأخذ بالعوم الدينية)(1) .
وقد (ولدت فكرة الجمعية عام 1924م من قبل بعض العلماء الواعين، وحصلت على الموافقة الرسمية عام 1935م)(2) .
ولم تقف مشروعات جمعية منتدى النشر، عند فكرة تطوير أُسلوب الدراسة الدينية، أسوة بالجامعات الحديثة، وإنّما امتدت لكي (تقوم بمشروع خطير، ربما كان هو الأوّل من نوعه في تاريخ العراق، وهو فتح صفوف لتدريس خطباء المنابر وإعدادهم إعداداً منهجياً صالحاً)(3) .
وحينما يقال إنّه المشروع الأوّل في تاريخ العراق، فهذا يعني أنّه المشروع الأوّل في كل العالم الشيعي؛ لأنّه لم يكن غير العراق وغير النجف بالخصوص، مؤهّلَين للقيام بهذه المهمّة. حيث مراكز المراجع الدينية وأروقة الحوزة العلمية الكبرى عند الشيعة من جهة، ولتوافر العدد الأكبر والأهم من خطباء المنبر الحسيني وأساتذته، والذين ينطلقون من النجف الأشرف لينتشروا في كل أنحاء الوجود الإسلامي الشيعي في العالم أيام أشر محرّم وصفر وشهر رمضان من جهة أخرى.
____________________
(1) الخليلي، جعفر: موسوعة العتبات المقدّسة - 7 / 182.
(2) البهادلي، علي: الحوزة العلميّة في النجف - ص217.
(3) الخليلي، جعفر: المصدر السابق، 7 / 182.
فـ (إذا كانت بعض الحواضر الإسلامية قد شارك النجف الأشرف في إقامة حوزات علمية كبيرة، فإنّ النجف الأشرف انفردت بتخريج آلاف الخطباء الحسيين الذين يغطّون العراق - على كثرة مجالسه - ويملأون الخليج بأسره...)(1) .
ولا يزال الخطباء العراقيون هم الأبرز، من خطباء المنبر الحسيني، ويمتلكون أكبر الأرصدة في جذب الجماهير إلى مجالسهم، وذلك في كل المناطق الشيعية العربية في بلدان الخليج العربية، ولبنان، والمناطق العربية في جنوب إيران والمهاجر المختلفة.
ولا يمكن لأي باحث في مسألة المنبر الحسيني تطوّره إلاّ أنْ يمر بتجربة جمعية منتدى النشر، والواقع أنّها بحاجة إلى دراسة خاصة بها مستفيضة لجوانبها ونشاطاتها، حيث يؤكّد الشيخ محمد مهدي شمس الدين أنّ (أوّل من دعا إلى تطوير المأتم الحسيني في العراق بما يلائم روح العصر، هو جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف، وكان من جملة أهداف جمعية منتدى النشر، تأسيس كلية لتخريج خطباء المنبر الحسيني، المستوعبين للمتغيّرات، والواعين لظروف العصر، القادرين على مواجهته بالثقافة الرصينة العميقة، والعلم والموضوعية لا بالخرافة والتهريج...)(2) .
ويسجّل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، ذكرياته عند تلك التجربة وهو ممّن قد عايشها آنذاك، فيقول: أنّه (في أواخر العقد الخامس من النصّف الأوّل من القرن العشرين أوشكت تجربة رائدة أنْ تتحقّق - ولم تتحقّق! - تلك هي محاولة جمعية منتدى النشر الدينية، من قبل جملة من أعضائها من العلماء الكفوئين، والذين أدركوا
____________________
(1) دخيل، علي: نجفيّات، ص22.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص205.
المنبر الحسيني إلى النهوض، على مستوى يتناسب مع التراث الفكري للشيعة، كما ويرتفع بالمنبر عن الهبوط)(1) .
وكان قد تحمس للفكرة المثقفون الشيعة، ممّن يهمّهم أمر المنبر الحسيني، ومسألة تطويره(2) .
وأبرز من قاد مشروع جمعية منتدى النشر، في شأن المنبر الحسيني، اثنان من أفاضل العلماء المصلحين وهما: الشيخ محمد رضا المظفر(3) والشيخ محمد بن شيخ الشريعة(4) .
وكان معهم جمع من العلماء البارزين، والخطباء المعروفين، وشباب الخطباء، من الذين آمنوا بالفكرة، وراحوا يسعون بكل جدّ لتجسيدها. حيث (اشترك في هذه المحاولة مع الشيخ المظفر والشيخ الشريعة، كل من: الحجّة الراحل الشيخ عبد المهدي مطر(5) ، والشيخ
____________________
(1) الوائلي، أحمد تجاربي مع المنبر - ص183.
(2) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم - 1 / 245.
(3) الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد بن عبد الله المظفّر العقيلي المسروحي. عالم جليل، من أعلام الفقه الأصولي والفلسفة والأدب. ولد في النجف عام 1322 هـ ثمّ اتجه نحو الدراسات الدينية حتى بلغ درجاتها العالية على أشهر علماء عصره. من مؤسّسي جمعية منتدى النشر وعميدها لعدّة سنين. ثمّ أسّس كلية الفقه في النجف. له عدّة آثار بعضها يُدرّس في الحوزات الدينية، ثمّ توفّى بالنجف عام 1383 هـ ودُفن فيها. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 1217).
(4) الشيخ محمد بن الشيخ فتح الله الملقّب بشيخ الشريعة ولد في مدينة أصفهان عام 1322 هـ ثم ّهاجر بعدها إلى النجف الأشرف لغرض الدراسة. أديب فاضل وعالم جليل، له جرأة في الحق وإصرار على الإصلاح ويعتبره الكثيرون المحرّك الأساسي لمشروع جمعية منتدى النشر. ترك النجف بعد تجربته القاسية متوجّهاً إلى كراجي في الباكستان. [وبقي عالماً فيها حتى وفاته عم 1398هـ]. (الكرباسي، محمد صادق: معجم خطباء المنبر الحسيني، ص67).
(5) الشيخ عبد المهدي بن الشيخ عبد الحسين بن حسين بن مطر، ولد في النجف الأشرف عام 1318 هـ، عالم معروف وأديب مشهور، وأستاذ في كلية الفقه، له ديوان شعر وترك عدّة آثار وتوفّي سنة 1395 هـ. منها الإحراز المجربة، تقريب الوصول، ديوان الشعر. (الخاقاني، علي: شعراء الغري، 6 / 97).
محمد حسين المظفر(1) والخطيب الجليل - خطيب الثورة العراقية - الشيخ محمد علي القسّام(2) ، وجملة من الخطباء منهم: الشيخ جواد قسّام(3) والسيد جواد شبّر(4) والشيخ مسلم الجابري(5) ، والسيد عبد الحسين الحجّار(6) )(7) .
____________________
(1) الشيخ محمد الحسين بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله المظفّر المسروحي. ولد في النجف عام 1312 هـ. أكمل دراسته الدينية ونبغ في الأدب. له عدة تصانيف من أشهرها: الإسلام نشؤوه وارتقاؤه، تاريخ الشيعة. أسهم في تأسيس اللجنة الثقافية بمنتدى النشر توفّي في النجف عام 1381 هـ. (الأميني، محمد هادي معجم رجال الفكر والأدب في النجف الأشرف: 3 / 1216).
(2) مرّت ترجمته، ص136.
(3) الشيخ جواد بن الشيخ جاسم بن الشيخ حمّودي قسّام النجفي الخفاجي، ولد في النجف عام 1326 هـ. من علماء الخطباء وخطباء العلماء وشاعر موهوب. من الهيئة التدريسيّة لجمعية منتدى النشر عام 1354 هـ. ودرّس كذلك في مدارس النشر وله ديوان شعر، توفّي في النجف في العقد الأخير. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 999).
(4) السيد جواد بن علي بن محمد بن علي آل شبّر الحسيني النجفي، ولد في النجف عام 1332 هـ عالم فاضل وخطيب مفوّه واع، مدافع صادق عن عقيدته، جريء في قول الحق. اعتقل في شهر رمضان عام 1400 ضمن حملة لاعتقال خطباء المنبر الحسيني والعلماء وانقطع خبره إلى الآن من آثاره موسوعة أدب الطف، المقتطفات، شواهد الأدب، إلى ولدي وغيرها. (الأميني: محمد هادي، مع رجل الفكر والأدب في النجف 2 / 713).
(5) الشيخ مسلم بن الشيخ محمد علي بن جاسم بن محمد الجابري النجفي، ولد في النجف الأشرف عام 1331 هـ، أديب بارع درّس إضافة إلى العلوم الدينية والأدبية علوم الهندسة والحساب. من فضلاء خطباء المنبر الحسيني ومتكلميه الأجلاّء. من مدرسي جمعية منتدى النشر توفّي في النجف عام 1383 هـ. (المصدر نفسه، 1 / 329).
(6) السيد عبد الحسين بن عباس بن سلمان الحجّار الموسوي البصري. ولد في مدينة البصرة عام 1330 هـ، عالم فاضل وشاعر مبدع وأستاذ في الأدب العربي هاجر إلى النجف طلباً للعلم، فدرس على مشاهير علمائها وأساتذتها. حتى برز عالماً وأديباً من أساتذة كلية الفقه في النجف. برع في الخطابة والبيان انتقل إلى بغداد كأستاذ في كليّاتها. (المصدر نفسه، 1 / 392).
(7) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص182.
ويقول الأستاذ جعفر الخليلي: (إنّ الشيخ محمد الشريعة، كان أوّل من أوجد فكرة، وجوب فتح صفوف لخطباء المنابر الحسينية)(1) .
أمّا كيفية تحرّك التجربة هذه، فإنّنا سنرجع فيها إلى أحد الذين عاشوها ولا يزال يتفاعل مع نتائجها، إنّه عميد المنبر الحسيني الشيخ أحمد الوائلي، حيث يذكر أنّ من ترجمنا لهم من العلماء والخطباء أخيراً، كانوا قد تحركوا (إلى المرجعية الدينية واستحصلوا منها أذناً في تحويل (بناء) وقف قديم مهجور، أُعدّ لاستقبال الزائرين، على أنْ تتولّى جمعية منتدى النشر إعادة ترميمه وصيانته، ولكن العقبات بدأت توضع في الطريق، من خلال من لم ترقهم الفكرة، أو أنّهم استشعروا منها خطراً، على بعض الأوضاع القائمة للمنبر الحسيني آنذاك. إضافة إلى أنّ هناك دائماً معارضين، لكل فكرة إصلاحية، أو خطوة نحو الوعي، فسحبت تلك الإجازة!!)(2) ممّا يعني سحب التأييد المرجعي ولو بنحو من الأنحاء.
ثمّ يقول الشيخ الوائلي: إنّ أعضاء الجمعية تحرّكوا نحو استئجار دار في حي من أحياء النجف الأشرف، حيث (نقلت إليه حاجات الصف الأوّل من: رحلات - مقاعد - وكراسي وسبّورات ووسائل إيضاح. وتمّ الإعلان عن الاستعداد للقبول، وبالفعل انتمى جماعة. وبعد هذه البدايات المذكورة، بدأ التحرّك المضاد واشتركت فيه عناصر منوّعة في طليعتها حواشي(3) بعض العلماء، الذين تتّجه
____________________
(1) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم - 2 / 24.
(2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص184.
(3) الحواشي، ج مع مفردها حاشية، والحاشية لغة، من كل شيء، هي جانبهُ وطرفُهُ، فإذا قيل جاء الرجل في حاشيته، أي في قومه الذين في حشاه (ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب 14 / 180) وورد معنى آخر لحاشية، فإذا قيل: إنّ فلان من حشوة بني فلان، بالكسر، أي من رُذالهم والحشو والحاشية - صغار - الإبل، لا كبار فيها. (الجوهري، إسماعيل بن حمّاد: الصحاح 4 / 2313) هذا في اللغة وأمّا هنا، فهي مصطلح حوزوي =
معارضتهم أوّلاً وبالذات لأي محاولة ابتداع أُسلوب جديد في الدراسة الحوزوية)(1) .
كما وقف ضد هذه الفكرة، بعض ذوي النيّات السليمة (ممّن هو على دين، ولكن (بعدما) عكسوا لهم أجواء تؤدي إلى المساس ببعض الأمور العقائدية، فثاروا وحركّوا العوام - وتحرك - أصحاب المصالح، وفي طليعتهم مجموعة ممّن يمتهن الخطابة!! وانتشرت شائعات تقول: إنّ منتدى النشر يريد تغير صورة الأمويين في أعين الناس، والقضاء على الشعائر الدينية، تزوير التاريخ!!
إلى آخر ما هناك من افتراءات، أدّت إلى صدور تصريحات من الزعامات الدينية تدين منتدى النشر، وانتهى الأمر بالهجوم على المؤسّسة المعدّة للتدريس، وعلى جمعية منتدى النشر هي الأخرى... فكسّرت الكراسي، وحطّم ما في البنايات من أدوات!! وهرب القائمون على العمل واختبأوا عن الأعين!!
وكان أحد التصريحات من بعض المراكز الدينية: بأنّ الحسينعليهالسلام قتل مرتين، مرّة يوم الطف وأخرى في حركة منتدى النشر!!)(2) .
لقد ضرب معارضو الإصلاح على وترٍ حسّاس؛ حينما خوّفوا عوام الناس من أنّ تجربة منتدى النشر تسعى إلى تغيير عقائدهم وتبرئة
____________________
= بمعنى البطانة، يطلق على مجموعة من العلماء والمستشارين الذين يحيطون بالمرجع الديني، يرجع إليهم ويأخذ برأيهم. ولعب الحواشي دوراً مهمّاً في قرارات وفتاوى بعض المراجع. ويتناسب تأثيرهم مع شخصية المرجع قوّة وضعفاً. وبذا يكون المعنى اللغوي الأوّل هو المتعيّن هنا.
(1) المصدر نفسه، ص185.
(2) المصدر نفسه، ص185.
يزيد من قتله للإمام الحسينعليهالسلام ، وإنّها تريد القضاء على المنبر الحسيني وعلى حب الناس لأهل البيتعليهمالسلام !!.... وهذا ممّا أثار الناس وأهاجهم...
لو أنّ تجربة منتدى النشر بدأت بمشروع إصلاح أُسلوب الدراسة في الحوزة العلمية لَما أحدث هذه ردّة الفعل العنيفة تلك. لأن مسألة الإمام الحسين وما يرتبط بها من منبر حسيني هي مسألة حساسة ذات بعد عاطفي ووجداني عميقين في نفسية الإنسان الشيعي.
ولهذا لا نتوقع لهذا المشروع النجاح بعدما شوهت صورته في عيون الناس حيث (انتهى الأمر بفشل المشروع وموت الفكرة في مهدها واختفاء كل عنصر له صلة بالموضوع مدّة طويلة)(1) .
ونورد شهادة ثانية عن هذه التجربة، إذ لمّا (مشت جمعية المنتدى في أمر إصلاح خطباء المنابر وفتحت صفاً خاصاً للخطباء، وكانت للشيخ محمد الشريعة وقفته التي لا تنسى، وأحدثت هذه الوقفة ضجّة كبيرة في وسط النجف لم يعبأ بها الشيخ محمد الشريعة، ولم يلن، وتبلورت الضجة والنقمة على جمعية المنتدى حتى صارت ثورة...)(2) .
وكان إلصاق تهمة (الأمويّة) بمن يحاول إصلاح المنبر الحسيني، أو تنقية الممارسات التي تؤدّ تحت عنوان الشعائر الحسينية، من أكثر الأساليب تأليباً لعواطف الناس وتهيجاً لهم. وصفة (الأمويّة) هي عين الشبهة التي أثيرت في النجف الأشرف ضدّ السيد محسن الأمين العاملي ومن ناصره، حينما أصدر فتوى بحرمة بعض
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص186 / 189.
(2) الخليلي، جعفر: هكذا عرفتهم، 2 / 25.
الممارسات التي تنتشر في بعض المناطق الشيعية أيام عاشوراء، مثل ضرب الرؤوس بالسيوف وضرب الظهور بالسلاسل...
فقد أُطلق مصطلح (الأمويون) على السد الأمين، ومن أيّده وناصره من علماء ومثقّفين، كما أطلق في المقابل مصطلح (الحسينيون) على من عارض السيد الأمين وفتواه وأتباعه(1) .
نعم، إنّ (هذه الدعوة إلى التغيير، قد جوبهت في النجف بعنف فاق كل توقّع، وأثارت ردود فعل سلبية حادّة، في بعض الأوساط)(2) .
وبهذه التطوّرات السلبية التي رافقت هذه التجربة، فقد أحبطت الآمال المنعقدة عليها باعتبارها تجربة رائدة كان يؤمّل منها أنْ تُحدث تغييراً إيجابياً في مسيرة المنبر الحسيني وانتقاء الخطباء المؤهلين لاعتلائه.
نعم (لقد خسرنا بفشل تلك التجربة والمحاولة، مردوداً يتلخّص في طلائع من المبلّغين يثرون ساحة الخطابة، وتكون منافذ يطلّ منها من يريد التعرّف على مضموننا)(3) .
ثمّ لابدّ بعد هذه النتيجة السلبية، التي بلغتها تجربة جمعية منتدى النشر، أنْ نقف عند الأسباب التي أدّت إلى ذلك، وعند بعض الملاحظات التي كان ينبغي الأخذ بها، في مشروع يستهدف تشخيص بعض السلبيات في مؤسّسة ذات عمق عاطفي وتقديسي، عميقين في
____________________
(1) المصدر نفسه: 2 / 25.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص205.
(3) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر، ص186 / 189.
نفوس الشيعة من خاصة وعامّة.
ولم أج أسباباً أكثر دقّة وإحاطة، من تلك الأسباب التي أوردها الشيخ الوائلي نفسه، وهو يعرض هذه التجربة ونتائجها، حيث يذكر الملاحظات التالية:
(1) (كان من الضروري أنْ ينضج تصوّر المشروع، في نظر المرجعية إلى درجة توفير غطاء له من المرجعية نفسها، إنْ لم يُتبنَّ من قبلها)(1) .
وذلك راجع إلى الدور الأبرز، الذي تقوم به المرجعية الدينية، خاصة وأنّ المشروع كان في النجف الأشرف، حيث الحضور المباشر واليومي للمرجعية الدينية هناك. إنّ اقتناع المرجعية بالمشروع، كفيل بتسهيل العيد من العقبات وفسح الطري واسعاً أمام حركة المشروع. لشدّة ارتباط الناس بالمرجع الديني والتزامهم بآرائه وفتاواه.
وسنجد، إن هذه النقطة، ستبقى شرطاً أساس في كل مشروعات الشيخ الوائلي، من أجل النهوض بالمنبر الحسيني وأدائه.
(2) وكذلك كان ينبغي على القائمين بالمشروع (القيام بدور دعائي كبير، في أوساط الخطباء، وطمأنتهم وطرد المخاوف التي تهدّدهم بأنّهم ستقطع أرزاقهم، وسيكونون على الهوامش، وسينتفي الموضوع الذي يدورن حوله من واقعة الطف، إلى آخر ما هنالك من إشاعات رافقت التحرك نحو المشروع. والخطباء قوّة كبيرة مؤثّرة في الساحة، وبوسعهم تحريك الجمهور، بأنْ يصوّروا له خطراً داهماً تتعرض له العقيدة)(2) .
____________________
(1) (2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص186 / 189.
وهذه حقيقة بارزة أخرى، في المجتمعات الشيعية، حيث يتبوّأ خطيب المنبر الحسيني منزلة كبيرة الأهمية، من حيث التأثير على الناس وعواطفهم وتوجيههم. وهذا كما يكون في التوجيه الإيجابي نحو الإسلام ومفاهيمه وجهاد المستعمر ومحاربة الإلحاد، يمكن أنْ يكون توجيهاً سلبياً، إذا لم يراعي الخطيب الحق أو عندما تكون الصورة غير واضحة عنده، فيُستغلَّ المنبر لأغراض خاصة وأهداف لا تلتقي مع رسالته.
وإذا كانت مادة مشروع جمعية منتدى النشر، هم الخطباء، فكان الأحرى بالقائمين عليه، إبلاء هؤلاء الخطباء اهتماماً خاصاً، وتثقيفاً مميزاً، بأهداف المشروع والأسباب التي حدت بهم إلى الدعوة إليه. وأحسب إنّ هذه الخطوة، كان ينبغي التحرك عليها قبل التحرّك على المرجعية الدينية.
(3) لقد أثّرت عوامل أخرى قد تكون غير ظاهرة في إحباط المشروع وإخماد الفكرة، منها إنّ (علاقات بعض القائمين على فكرة المعهد بالأوساط الدينية المتنفذة كانت علاقات متشنجة. ممّا أدّى إلى أنّ تدفع فكرة المعهد (فواتير) علاقة هؤلاء بالآخرين)(1) .
وهي حقيقة مؤلمة قائمة، في أغلب مجتمعاتنا، فأين من يجرّد تقييمه للفكرة، بمعزّل عن صاحبها ومؤيّدها، إلاّ من عصم الله، وقليلٌ ما هم.
ولهذا كان على أصحاب المشروع، اختيار أشخاصٍ آخرين يطرحون الفكرة، ممن ترتاح لهم نفوس المتنفذين، وتطمئن لهم قلوبهم.
(4) إنّ رغبة المصلحين واندفاعهم نحو الإصلاح والتغيير، قد
____________________
(1) المصدر نفسه: ص186/189.
يجعلهم يرفعون شعارات كبيرة ويبدؤون بخطوات واسعة، ممّا يحدث في المقابل ردّة فعل قد تكون عنيفة. ولهذا لابدّ من إيلاء فكرة التدرّج والمرحلية اهتماماً واضحاً. حيث ينساب المشروع إلى المجتمع انسياباً طبيعياً وبشكل هادئ.
وعليه (كان ينبغي عدم طرح المشروع بصورة مؤسّسة كبيرة، لها واجهة وكيان مستقل، بل يقتصر على فتح صف، ضمن مدرسة منتدى النشر التي كانت قائمة آنذاك، فيدرس فيها الطالب الذي يودّ الإلمام بالدروس المتعلّقة بفنون الخطابة، وبعض المواد المعدّة لذلك، ويستمر الآخرون، على مفردات منهجهم العادية السائدة آنذاك)(1) .
(5) قد يسهُم بعض المتحمّسين لفكرة ما - أحياناً - بإفشال تلك الفكرة، وذلك بفعل عدة ممارسات، لعلّ منها أنْ يخوّف المتحمّسون الآخرين بأنّ تغييراً كبيراً سوف يحدث، وسوف تنتهي فترة التخلّف وسوف لا يبقى متطفّل أو جاهل... وما إلى ذلك من الشعارات التي تحفّز الآخرين، وتجعلهم يتوثّبون بكل قواهم لمحاربة ذلك المشروع. خاصة مع وجود أعداء فكرة الإصلاح، الذين يستغلون الشعارات الحماسية لإبطال المشروع وإفشاله، ولهذا فقد رافقت فكرة منتدى جمعية النشر من أجل إصلاح المنبر الحسيني، (مقالات نشَرها بعض المتحمّسين للفكرة، مفادها: إنّ هذا التحرّك يستهدف تصحيح مسار المنبر وإبعاد المرتزقة والجهلة، وأمثال ذلك من العناوين المثيرة. ولا أستبعد أنْ يشترك بعض مَن يهمّه فشل التجربة، في طرح أمثال هذه الشعارات بقصد استثارة الشعور بالكرامة عند خطباء المنبر، وإثارة مشاعر الخوف عند المتديّنين الحقيقيّين)(2) .
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص186 / 189.
(2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص186 / 189.
إنّ تجربة منتدى النشر في مسألة تطوير المنبر وخطبائه تجربة حرية بدراسة متسفيضة؛ لأنّها تجربة لامست مسألة ذات حساسية دينية ومذهبية، في بيئة قد يحرص البعض فيها على استمرار حالة التخلّف لسبب أو لآخر.
واستمرت جمعية منتدى النشر، بعد هذه التجربة القاسية، حتى استطاعت الحصول على موافقة رسمية، بتأسيس كلية للدراسات الإسلامية في النجف الأشرف، تمنح شهادة البكالوريوس في العلوم العربية والإسلامية وذلك عام 1959م، فكانت (كلية الفقه) في النجف الأشرف.
والملاحظ، إنّ مجموعة رائدة من خطباء المنبر الحسيني، ممّن لا يزال يحمل فكرة إصلاح المنبر، قد انتمت إلى الكلية وتخرّجت منها. وأبرز خطباء المنبر الحسيني اليوم، وممّن يعدّون أساتذته هم في الغالب من خريجي كلية الفقه هذه.
أمّا المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين فكان يرى أنّ من أهداف إنشاء كلية الفقه، إحياء مشروع معهد الخطابة. فـ (قد أسّست جمعية منتدى النشر بعد ذلك (كلية الفقه)، فجعلت من جملة أهدافها التغييرية العلمية الثقافية هذا الهدف الكبير. وقد تخرّج منها جملة من الخطباء المتخصّصين في شأن المأتم الحسيني، والمسلحين بالوعي لمشكلات عصرهم، والمعرفة الكافية باتجاه عملهم وشروطه)(1) .
وهذا رأي انفرد به الشيخ شمس الدين رحمه الله؛ من أنّ من جملة أهداف إنشاء كلية الفقه، إعداد خطباء المنبر الحسيني. نعم قد يكون ذاك قد جاء ضمن الأجواء، التي يعيشها الطالب في الكلية ومنهجها الأكاديمي العلمي.
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، ص306.
وهناك التفاتة مهمّة من قِبل الشيخ شمس الدين، حيث يذكر أنّ فكرة إعداد خطباء حسينيين نافعين، لم تنتهِ مع فشل التجربة، بل راحت الفكرة تسير بصورة أخرى، حيث يرى (إنّ القائمين على دعوة التغيير ثبتوا بالرغم من أنّهم لم يتمكّنوا من تحقيق طموحهم، إلى تأسيس كلية لتخريج خطباء المنبر الحسيني، فقد عملوا بأساليب غير نظامية على نشر الفكرة الطموحة، التي لاقت قبولاً بل ترحيباً في أوساط كثيرة. وكان من خيرات هذه الفكرة تكوين عدد من الخطباء البارزين في حقل المأتم الحسيني، يحظون بإقبال واسع من الجماهير، ويحققون نفعاً كبيراً، وقد زاد عددهم في السنين الأخيرة والحمد لله)(1) .
نعم، فعلى الرغم من الفشل الظاهري لفكرة منتدى النشر، فقد بقيت تلك الفكرة ولا زالت، طموحاً لكلّ من يولي المنبر الحسيني، ورفع مستوى أدائه اهتماماً، كما سيتضح ذلك في الصفحات المقبلة إنْ شاء الله، حيث نجد إجماعاً، على أنّ أفضل الطرق لإعداد خطيب حسيني نافع، تتأتّى عبر إنشاء معهد خاص للخطابة الحسينية.
إنّ زيادة الوعي واتساع أفق التفكير، كفيل بتسهيل العديد من العقبات، التي توضع عادة في طرق المشاريع الإصلاحية والتغييرية.
3) تجربة جمعية التوعية الإسلامية في البحرين
كما سبق أنْ ذكرنا من أنّ تجربة منتدى النشر، رغم فشلها وإحباطها في وقتها، إلاّ أنّها ظلّت تمثّل حالة تحث ذوي الوعي، من يعنيهم أمر المنبر الحسيني، إلى ضرورة العمل وفق آفاق تلك التجربة وأهدافها.
____________________
(1) المصدر نفسه: ص306.
وقد شهدتْ منطقة البحرين في الخليج، تجربة يمكن اعتبارها حلقة، في سلسلة تجارب ومحاولات، عاشتها مناطق مختلفة من أماكن الوجود الشيعي، على غرار تجربة منتدى النشر.
وتمتاز البحرين بكثافة المجالس الحسينية، والعدد الهائل من الحسينيات، ممّا يعني وفرة خطباء المنبر الحسيني هناك. (كما سبق الإشارة إلى ذلك في الفصل الرابع من هذا الكتاب).
وتعتبر مسألة رفع مستوى أداء المنبر الحسيني، همّاً يعيش مع العلماء المصلحين والخطباء الواعين، وعموم المثقّفين الملتزمين. ولهذا شهدت عدّة مناطق محاولات متفاوتة في سعتها وتأثيرها في هذا المجال. ومن تلك المناطق كانت البحرين.
فقد أُسّست في البحرين جمعية إسلامية هادفة تحت اسم (جمعية التوعية الإسلامية) عم 1971م. وراحت تستضيف مفكّرين إسلاميين، لإلقاء المحاضرات، وإقامة مؤتمرات فكرية وثقافية. وكان من ضمن نشاطات هذه الجمعية، السعي نحو رفع مستوى خطباء المنبر الحسيني، وتثقيفهم ليرتفع مستوى الأداء تبعاً لذلك.
والتقيت أحد علماء البحرين المعروفين، وهو السيد عبد الله الغريفي البحراني(1) في بيروت، وسألته عن تلك التجربة فأجاب: (إنّه قد نضجت في البحرين عام 1974، فكرة مشروع لجمع خطباء المنبر
____________________
(1) السيد عبد الله بن عدنان الغريفي الموسوي البحراني. ولد في البحرين عام 1944م ثمّ هاجر إلى النجف لطلب العلم عام 1965 حتى بلغ مستوى متقدّماً في الدراسات الحوزوية، ثمّ أكمل دراسته الأكاديمية وتخرّج من كلية الفقه عام 1973 ثمّ اختير وكيلاً للمرجعية في دولة الإمارات لعدّة سنين ثمّ انتقل إلى سوريا محاضراً ومدرّساً ثمّ عاد إلى البحرين ولا يزال يزاول نشاطه الثقافي والديني، له عدّة آثار منها: التشيع نشوؤه وأدواره، أحاديث في الشباب والأسرة، الإمام المهدي. (الغروي، محمد: تلامذة الإمام الشهيد الصدر، ص165).
الحسيني، ووضع منهج ثقافي تربوي هادف. وفعلاً فقد استجابت أعداد غفيرة من خطباء المنبر الحسيني، وكان الأمل يحدو المشرفين على هذا المشروع في تقديم خطوة مهمّة على طريق ترشيد المنبر ورفع مستوى أداء الخطباء.
ولكن الأمر لم يستمر طويلاً حيث ما لبث الوضع أنْ تغيّر حينما تحرّك البعض في إثارة شبهات وإشكالات حول هذا المشروع... وأُشيع في البحرين؛ إنّ هذا المشروع يقوم به أناس، يهدفون تبرئة يزيد من قتل الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه يوم عاشوراء!! ممّا أهاج العوام وخوّف أهل الدين الطيبين، بحيث أدّى إلى أنْ يبتعد الخطباء عن هذا المشروع)(1) والشيء الجدير بالملاحظة هنا، إنّ أُسلوب محاربة مشروع النهوض بالمنبر الحسيني وأدائه، كان هو الأسلوب نفسه الذي حوربت من خلاله فكرة ومشروع جمعية منتدى النشر، في النجف قبل ما يقرب الثلاثين عاماً من ذلك.
ورغم هذه التجارب الثلاث، سواء التي نجحت نجاحاً محدوداً، في تجربة السيد محسن الأمين دمشق، أم التي أحبطت وجوبهت مجابهة شديدة، كما حدث في تجربة جمعية منتدى النشر في النجف الأشرف، أو التي انتهت في بداياتها عبر الإشاعة المغرضة، كما حدث في تجربة جمعية التوعية الإسلامية في البحرين...
رغم كل ما تلك التجارب، فإنّ الأمل ما يزال يرتسم أمام كل المهتمّين بشأن مؤسّس المنبر الحسيني، وضرورة رفع مستوى طرها، لتواكب حاجة الأمّة وطموحاتها. من علماء وأعين وخطباء منبر مخلصين، وشرائح ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية وشعبية متنوعة، تزداد يوماً بعد يوم.
____________________
(1) لقاء شخصي مع السيد عبد الله الغريفي البحراني، بيروت 11 رجب 1420 هـ.
وهذا ما انعكس، على عدة مشروعات لمعهد خطابي، يراه الأكثرون أنّه أفضل السبل وأنجحها، في هذا الهدف الكبير الذي يشعر بأهميته من يرى سعة دور المنبر الحسيني، وكثافة التواجد الشعبي عند الشيعة، في مناطق العالم المختلفة.
وفي المبحث الثاني من هذا الفصل سنتناول مشروع المعهد الخطابي، سَواء ما تحقّق منه أم ما يُسعى لإنشائه، ثمّ نختم الفصل، بعدّة اقتراحات وتوصيات، من أجل تطوير المنبر الحسيني ورفع مستوى خطبائه، في الحاضر والمستقبل.
المبحث الثاني: المعهد الخطابي
لقد مرّ بنا في نهاية الفصل الرابع من هذه الدراسة، أنّ هناك عدّة طُرق لإعداد خطباء المنبر الحسيني؛ وهي طرق التلمذة، والإعداد الذاتي، والدورات الخطابية.
وهناك طريقة رابعة في هذا المجال، وهي طريقة معهد مختصّ بتنشِئة خطباء المنبر الحسيني وتأهيلهم لمهمّاته.
فقد بقيت فكرة جمعية منتدى النشر، التي تحدّثنا عنها قبل قليل، والتي سعت إلى إيجاد مدرسة أو معهد أو كلّية - على حد تعبير الشيخ محمد مهدي شمس الدين - لترشيد وإعداد خطباء المنبر الحسيني، بقيت تلك الفكرة تشكّل طموحاً تشدّ إليها المهتمين بشأن هذا المنبر.
ولهذا نجد أنّه متى ما توافرت الظروف التي تعين على تنفيذ هذه الفكرة، فإنّ الجهود لنْ تتلكّأ دون هذا التنفيذ.
مشروع المرجع السيّد محمد باقر الصدر والشيخ أحمد الوائلي
يعتبر آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، من المفكّرين الإسلاميين الذين أغنوا الساحة بآثارهم العلمية ومواقفهم الإسلامية. ومن جوانب اهتمامات هذا المرجع الإسلامي، جانب المنبر الحسيني، فقد ذكر الشيخ أحمد الوائلي أمراً كان يدور بينه وبين السيد محمد باقر الصدر، وذلك عام 1978م في النجف الأشرف. حيث يذكر: (كنت أتردّد على مجلس آية الله(1) الشهيد الصدر محمد باقر، تغمّده الله برحمته... وكان يطرح هموم الساحة من كل أبعادها، ومن الهموم التي شغلت باله، قضيّة المنبر الحسيني، وكان يدعوني إلى تحمّل شيء من مسؤولية المنبر، ولو بعمل بسيط يتطوّر بعد ذلك.
وبعد محاولات كثيرة، انتهى الأمر إلى أنْ قال (أي السيد محمد باقر الصدر): إنّ لك عليّ الأمور التالية:
1 - أنْ أدمج خطباء المنبر بالحوزة العلمية، حتى يحصلوا على ما يحصل عليه طالب العلم، من مكاسب ماديّة وروحيّة وعلميّة. وبذلك تزول كثير من المشاكل عن طريقهم.
2 - أنْ أعمل على إيجاد صيغة تؤمّن لهم ضماناً لأيام عجزهم، حتى لا يتعرّضوا لذلٍ أو ضياع كما هو الوضع السائد.
3 - أنْ تكون لهم مؤسّسة مركزي، يصدرون عنها في مناهج موحّدة، وتوجيهات تصدر لهم في ذلك، كما تعمل هذه المؤسّس، على التعريف بهم في داخل العراق وخارجه ممّا
____________________
(1) آية الله: مصطلح متداول في الحوزات العلمية الشيعية يطلق على من بلغ مرحلة الاجتهاد في الأحكام الشرعية.
يعطيهم زخماً ومكانة معترف بها، وتكون هذه المؤسّسة تحت ظلّ المرجعية.
أمّا الذي عليك - يخاطبني - فهو أنْ تضع خبرتك في هذا الميدان تحت أيدي طلاّب هذه المؤسّسة، وتتعاون مع زملائك الذين تعرفهم بالكفاءة، لسدّ الثغرات المحتملة. وتقومون بأدوار تنويه عن هذه المؤسّسة، في التجمعّات ذات الشأن، وفي الوقت ذاته أنْ تستمرّوا في تطوير أنفسكم...)(1) .
وفي مقال للشيخ أحمد الوائلي، في مجلّة المنهاج، تحت عنوان: (هموم المنبر عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر)، يذكر تفصيلات أكثر للحوار الذي كان يجري بينه وبين السيد السيد الصدر. حين كان يعطي تصوراته عن تطوير المنبر الحسيني وتوجيهه، وكذلك فيما يعلّق بأوصاف خطيب هذا المنبر، حتى انتهى مع الشيخ الوائلي إلى ضرورة العمل، على تنفيذ تلك الأفكار، بتبنّي وإعداد نخبة ممّن يكونون مؤهّلين لاعتلاء أعواده، كانت هناك تفصيلات أدق في الخطوات العملية، من أجل إنشاء معهد أو مؤسّسة، ترعى وتتبنّى خطباء المنبر الحسيني الجُدد.
فيذكر الشيخ الوائلي تلك الخطوات كما يلي:
1 - أنْ يُتم العمل لذلك بهدوء ومن دون واجهات بارزة، وإنّما بعمل بسيط وفي خطوات حذرة، ومن دون استفزاز للآخرين. مع التبيّن بعد كلّ خطوة في مدى صوابها قبل البدء بالخطوة الثانية. وذلك تحاشياً للمضاعفات، وهذه الأمور استفدتها قبل ذلك من تجربة (جمعية منتدى النشر العلميّة) في النجف
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص141 / 143.
الأشرف، عند البدء بتأسيس معهد الخطابة الذي انتهى إلى الإخفاق، فلا ينبغي أنْ تتكرّر التجربة ما دام معظم العوامل لا يزال قائماً بالفعل)!!
2 - أنْ يتمّ اختيار مجموعة من المأمولين، يتراوح عددها بين الخمسة والعشرة أشخاص، تكون خميرة التجربة، والنموذج الممثّل لما يراد الحصول عليه من المنبر ليطرح في الساحة، وإذا قدّر له النجاح فسيخدم فكرة إيجاد مؤسّسة للخطابة.
3 - لابدّ مِن تضير الوسائل اللازمة؛ من مفردات المنهجين الحوزوي والخطابي، في حدود القدرات المتاحة، حتى يبدأ العمل فوراً...
4 - ممّا يكلّف به هؤلاء الطلاّب، وفي أثناء الدراسة، تأليف مواضيع خطابية متنوّعة، ويسايرهم الأستاذ في خطواتهم حل ذلك، ثم يكلّفون بقراءتها في مجلس، يتمّ فيه حضور زملائهم...
5 - يفترض وجود حدّ أدنى، لا بدّ من أنْ يصل إليه الخطيب، قبل ترشيحه لممارسة رسالته....
6 - في أثناء ذلك يتم ترويض أذهان الجمهور، لقبوله عن طريق التنويه به والإشادة لمؤهّلاته، وإعلان اجتيازه للامتحان، فيما إذا اجتازه بنجاح...
7 - إذا تمّ له اجتياز العقَبات ينصرف إلى العمل....
8 - ليس من الضروري أنْ تكون فعّاليات الدراسة هذه، في محلّ معيّن خاص، بل تتم على نمط الدراسة الحوزوية الحرّة، في مسجد أو بيت أو مؤسّسة، إلى أنْ يُتاح لنا الوصول بعد ذلك إلى مدرسة متخصّصة.
9 - في ما يخصّ المنهجين المذكورين، من الدراسة الحوزوية والدراسة الخطابيّة، فقد تكفّل السيد بالمنهج الأوّل عن طريق توفير المدرٍسين، والكتب. أمّا المنهج الثاني، فقد اتفقنا على أنّ أقوم أنا مع اثنين مع زملائي اللذين اختارهما، بتهيئة المنهج الثاني...)(1) .
وبعد الوصول لكل هذه التفصيلات، فقد كان الشيخ الوائلي متفائلاً بنجاح هذا المشروع، علّه يبلغ ما لم يبلغه مشروع جمعية منتدى النشر قبل ذلك، بما يقارب الثلاثين عاماً، حيث يقول:(وتابعت المشروع معه، يشجعني على ذلك صدره الرحب، واستيعابه لمشاكل الساحة، ووضوحه في المطارحة، وشجاعته التي لا تعترف بالصعاب، وفوق ذك كلّه إيمان عميق ونزوع لخدمة الإسلام ومبادئ أهل البيت واستباق للوقت، ينمّ عن شعوره واستلهامه لقصر المدّة التي يعيشها، فكأنّه والشهادة على ميعاد)!!
وهذا ما حدث فعلاً، حيث أُعلن عن نبأ استشهاد السيد محمد باقر الصدر في ذي القعدة عام 1399 الموافق لشهر نيسان عام 1980م. (حيث نزل علينا نبأ استشهاده نزول الصاعقة، وشعرنا بفداحة الخطب وشراسة الهجمة)(2) .
وهكذا أُحبط هذا المشروع. الذي توافرت فيه أقوى عوامل النجاح، من حيث تبنّي المرجعية الدينية له من جهة، وبرعاية واهتمام أبرز خطباء المنبر الحسيني المعاصرين من جهة ثانية، ولكونه في حاضره النجَف الأشرف، حيث الحوزة العلمية والعدد الأكبر، من طلبة العلوم الدينية والعلماء والخطباء، من جهة ثالثة.
____________________
(1) مجلة المنهاج - العدد 17 - ص 407 / 409. مقالة للشيخ أحمد الوائلي.
(2) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر ص142.
وكان إحباط هذا المشروع هذه المرّة، لأمر خارج عن أجواء الحوزة العلمية وعقباتها الذاتية.
ولا يزال الشيخ الوائلي يرى، كما يرى أغلب العلماء وخطباء المنبر الحسيني، إنّ (الجهة التي نراها متعينة، هي المرجعية الدينية فتكون (مؤسّسة الخطابة)، مؤسّسة من مؤسّسات المرجعية الحوزوية)(1) .
وحينما يعطي الشيخ الوائلي رأيه في هذه القضية، فإنّه يدعم هذا الرأي بعدة نقاط هي.
(أ - توفير الجانب الروحي في ممارسات المنبر، وسلوكيته والتقيد بأخلاقيات الحوزة العلمية.
ب - ضمانة مسألة علمية المنبر وتظلّعه بأهم المقوّمات، وهي العلوم الإسلامية التي تشكّل القاعدة الأساسية لثقافة المنبر وفعاليته المطلوبة....
ج - توفير عملية ربط المنبر بالمرجعية، ضماناً للخطيب الذي قد يعجز عن ممارسة مهمته؛ لكبرٍ أو لتعذّر الحصول على مجلس يمارس فيه القراءة...
د - يوجد ذا الانتماء تلاحماً في كل الهيئات، ذات الارتباط بالمرجعية، وخصوصاً الخطباء، لقيامهم بدورٍ هام، في تثبيت أركان المرجعية، ودعوة القواعد للارتباط بأئمتها)(2) .
وفي لقاءات وحوارات عدّة، أجريتها مع الشيخ الوائلي، حيث وجدّته لا ينفك عن تأكيده على ضرورة تبنّي المرجعية الدينية لهذا
____________________
(1) المصدر نفسه: ص80.
(2) المصدر نفسه: ص80 / 81.
المشروع...
فقمتُ بدوري، باللقاء بالسيد محمد حسين فضل الله في بيروت، وسألته عن مدى استعداده، باعتباره أحد المراجع لتبنّي مشروع المعهد الخطابي، فكان سماحته يؤكّد لي، أنّه من المهتمّين بهذه المسألة ودائماً ما كان يطرحها مع الشيخ الوائلي، وعدّة من أساتذة المنبر الحسيني ثمّ قال:
(لقد درسنا الموضوع، وتمّ الاتّفاق على افتتاح معهد للخطابة في حوزة المرتضى بمنطقة السيدة زينب بالشام، ووضعت الشروط المطلوبة، إلاّ أنّ الفكرة لم تُنفّذ لقلّة المتقدّمين للمعهد، ممّا حدانا أنْ نحوّل المشروع، ولكن بمستوى أقل من الطموح إلى المعهد الشرعي الإسلامي، لتكون الخطابة الحسينية ضمن الفقرات الدراسية للمعهد)(1) .
وهذا ما حداني أنْ آخذ أوراقي، إلى بناية المعهد الشرعي الإسلامي ببيروت والتقيت مديره، الدكتور خنجر حمية(2) حيث سألته عن مسألة إدراج درس الخطابة الحسينية ضمن دروس المعهد فقال:
(إنّه كانت هناك فكرة لإعداد دورة خطابية، ولكن لم يتهيّأ العدد الكافي لذلك، ولهذا عمدَت إدارة المعهد الشرعي الإسلامي، إلى ابتكار طريقة جديدة في مسألة تهيئة وإعداد خطباء
____________________
(1) لقاء شخصي مع السيد محمد حسين فضل الله، بيروت، 26 جمادي الأولى 1422 هـ 16 / 8 / 2001م.
(2) خنجر حمية من مواليد 1966 البقاع، إجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانية ودبلوم دراسات عليا في الفلسفة، ثمّ الدكتوراه في الفلسفة. إضافة إلى دراسة دينية في قم لمدّة 4 سنوات له أبحاث منشورة، في الصحف والمجلاّت. مدير المعهد الشرعي الإسلامي حالياً. (المترجم له).
المنبر الحسيني، وذلك بافتتاح درس خاص في المعهد الشرعي، باسم (درس الخطابة الحسينية)(1) .
ثمّ سألته عن ماهية هذا الدرس، وشروط المنضمين إليه، فأجاب:
(الدرس على مدى ساعتين أسبوعياً، يتضمّن أصول الخطابة العامّة، ثمّ ما يميّز الخطابة الحسينية، مع كل ما يتعلّق بالثورة الحسينية من تاريخ وسيرة وتحليل. ممّا يجعل بين يدي الطالب، مادّة يمكن اعتمادها في محاضراته المنبرية المستقبلية.
كما ويركز على الطالب، في مسالة صقل موهبته في طرح قضايا مستجدّة راهنة، واستجلاء الموقف المناسب من واقعة كربلاء.
إضافة إلى المسألة المهمّة في المنبر الحسيني، وهي مسألة إنشاد الشعر، وكيفية التعريج على واقعة كربلاء.
أمّا بالنسبة للشروط المطلوبة في الطلاب فهي:
أ - أنْ يكون من طلاب المعهد الشرعي.
ب - أنْ يمتلك الرغبة في الخطابة الحسينية.
ج - أنْ يتوافر على بعض المؤهّلات المطلوبة ، مثل حسن السمت ورقّة الصوت وغيرها)(2) .
أمّا أوّل معهد خطابي رأى النور فهو:
____________________
(1) مقابلة شخصية في بيروت. الاثنين 24/9/2001م. الموافق لـ 6 رجب 1422هـ.
(2) المصدر نفسه.
معهد الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم للخطابة والتبليغ في (قم)
وهذا هو اسم المعهد، الذي أبرزه إلى الوجود، مجموعة من العلماء وخطباء المنبر الحسيني، من العراقيين المهاجرين إلى مدينة قم الإيرانية، في عام 1406 هـ 1986م، أي بعد ما يقارب من أربعين عاماً على تجربة منتدى النشر.
وفي رسالة جوابية، بعثتها إدارة المعهد لي، أثر رسالة أرسلتها إلى المعهد، مستفسراً عن بعض المعلومات حوله. حيث ذكت هذه الرسالة؛ أنْ (مدة الدراسة في هذا المعهد هي سنتان، ويدرس الطلاب فيهما دروساً في علوم القرآن وآيات الأحكام، والتاريخ الإسلامي، والفلسفة وعلم النفس والأخلاق، إضافة إلى ما يمس الخطابة الحسينية بشكل خاص، حيث تدرّس نصوص من نهج البلاغة، ونصوص من الشعر الرثائي، باللغة العربية الفصحى، واللهجة العراقية الشعبية المستخدمة في فقرة المصيبة، إضافة إلى دراسة فنّ الخطابة العام وفنّ الخطابة الحسينية بشكلٍ خاص، ويتولّى هذه المهمّة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية، وأساتذة المنبر الحسيني، ويستوعب هذا المعهد ثلاثين طالباً كل عام).
وفي سؤال عن شروط القبول، كان الجواب: (إنّ مِن شرط القبول أنْ يكون المتقدّم للدراسة، قد أنهى الدراسة الثانوية ثمّ أضاف عليها أربع سنوات من دراسة العلوم الدينية، ضمن منهج الحوزة العلمية. أو يكون المتقدّم، قد تخرّج من أحدى كليات الدراسات الإسلامية، مثل كلية الفقه في النجف، أو كلية أصول الدين في بغداد).
ثمّ يكون (المتقدم من أصحاب الخلق الملتزم، والاستقامة في السلوك، ويشهد له اثنان من العلماء. بعد ذلك يخضع المتقدّم لمقابلة شخصية، من قبل لجنة خاصة. ومن الأمور التي تلاحظ في مسالة القبول؛ عنصر الصوت ورقّته، حيث يكون لهُ الأثر المهم في نجاح خطيب المنبر الحسيني).
(واستمر المعهد حتى خرّج ثلاث دفعات.... برز منهم الآن خطباء معروفون، يُطلبون في مناطق عدّة من الأماكن التي تهتم بالمنبر الحسيني)(1) .
ولكن هذا المعهد لم يستمر بعد ذلك بسبب انقطاع المدد المالي، الذي كان يصل من بعض مناطق الخليج.
ثمّ أنشأت بعده معاهد، تتفاوت في سعتها واستمراريتها، إلاّ أنّها لا تمثّل الطموح المنشود، في معهد يقوم على أُسس علمية رسالية هادفة.
المعهد الخطابي أفضل طرق إعداد خطيب المنبر الحسيني
من خلال عدّة لقاءات وحوارات أجريتها مع نخبة من العلماء وخطباء المنبر الحسيني، وجدت أنْ فكرة المعهد الخطابي، تعدّ في نظر الجميع أفضل الطرق من أجل السعي، إلى ترشيد المنبر الحسيني ورفع مستوى أدائه عبر تربية وأعداد طلبة ينهضون بهذه المهمّة، حينما يبرزون كخطباء للمنبر الحسيني.
____________________
(1) المعلومات عن المعهد مأخوذة عن رسالة جوابية احتفظ بها ردّاً على أسئلة بعثها إلى إدارة هذا المعهد، في 2 جمادى الأولى 1419 هـ.
ففي لقاء لي مع السيد محمد حسين فضل الله، وحوار معه بشأن المنبر الحسيني كان رأيه:
(إنّي أرى، أنّ المعهد الخطابي هو أفضل الطرق التي يمكن أنْ تُعتمد، من أجل إيجاد خطيب حسيني، واع ومفيد، ينهض بمهمّات المنبر، ويؤدّي دوره المنتظر منه)(1) .
وفي لقاء آخر في بيروت مع الشيخ حسن طراد(2) حيث حاورت سماحته، حول أفضل طرق إعداد خطباء المنبر الحسيني، فكان جوابه:
(إنّي أؤكّد أنّ أفضل طريقة لإعداد الخطباء، ي طريقة المعهد الخطابي)(3) ولقاء ثالث، في بيروت أيضاً مع الشيخ عبد لأمير قبلان(4) ، في دار الإفتاء الجعفري، حيث أثرت مع سماحته مسألة المنبر الحسيني، وكيف يتأتّى لنا تهيئة خطباء أكفّاء، ودور المعهد الخطابي في ذلك. فكان جوابه لي عبر كلمة وجّهها إلى جمع كبير
____________________
(1) لقاء شخصي مع سماحته ببيروت لي يوم الخميس 16/8/2001م، 26 جمادي الأوّل 1419هـ.
(2) الشيخ حسن بن محمد بن حسين طراد العاملي - ولد في مدينة معركة بجنوب لبنان عام 1931. عالم جليل وأستاذ مبرّز في الحوزات العلمية، بدأ دراساته الدينية في جبل عامل، ثمّ هاجر إلى النجف عام 1954 وأكمل دراسته هناك حتى بلغ درجاتها العليا وحضر على أبرز فقهاء ومراجع النجف وحوزتها. عاد إلى لبنان عم 1981 وما زال إمام مسجد المهدي في منطقة الغبيري وأستاذ لدراسات العليا في حوزات بيروت، صدرت له عدّة مؤلّفات منها فلسفة الصلاة في الإسلام، فلسفة الحج، وله مخطوطات في علمي الفقه والأصول (من المترجم له).
(3) مقابلة شخصية لي معه في بيروت السبت 18/8/2001م.
(4) الشيخ عبد الأمير بن الشيخ محمد بن علي بن الشيخ موسى العاملي. ولد في عام 1357 هـ / 1926م بعد أخذه المقدّمات من والده وعلماء آخرين هاجر إلى النجف عام 1952م وتتلمذ على كبار علمائها ومجتهديها. عاد عام 1964م ليتولّى المسؤولية الدينيّة في منقطة برج البراجنة ببيروت من قبل المرجع السيد محسن الحكيم. له مشاريع اجتماعية ودينية عديدة. تولّى منصب المفتي الجعفري الممتاز ونيابة رئيس المجلس =
من العلماء، في بناية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بقوله:
(علينا أنْ ننشئ معهداً لتعليم الخطابة، والتخصّص في مبادئ وأهداف الثورة الحسينية. فإذا نجحنا في إنشاء المعهد نكون قد وضعنا الخطيب الحسيني على جادّة الصواب. نحن بحاجة ماسّة إلى خطيب فيه علم، وبحاجة ماسّة إلى خطيب متدين ملتزم متقي)(1) .
وقد كان المرحوم، الشيخ محمد مهدي شمس الدين قد نبّه على هذه النقطة في وقت مبكر حينما ذكر في أثره المهم، (ثورة الحسين الوجدان الشعبي) وهو يتحدّث عن مشكلات المنبر الحسيني المستقبلية، وكيفية حلّها، وأنّ الحلّ لا يتم إلاّ باعتماد الأسلوب العلمي، الذي بدوره (لا يتمّ إلاّ بإنشاء معهد دراسي ذي مرحلتين ثانوية وعامّة)(2) .
فهو رحمه الله لم يكتفِ بمجرّد عرض الفكرة وإنّما أعطى بعض التفصيلات في شأنها.
وإزاء هذا الإجماع من قبل أغلب علماء الشيعة، على أهمية المعهد الخطابي، ودوره المؤمّل في إبراز الوجه الناصع والمرتجى، من المنبر الحسيني، فإنّنا نفاجأ إذا عرفنا أنّه رغم كل ما قيل وما يمكن له يقال، فإنّه لا يوجد في ساحة الواقع أي معهد خطابي لإعداد وتهيئة خطباء المنبر الحسيني!! وإنْ وجد فهو بشكل محدود. حسب المعلومات المتوافرة عندي، فالمسألة لا زالت
____________________
= الإسلامي الشيعي الأعلى. (الأميني، محمد هادي: معجم رجال الفكر والأدب في النجف، 3 / 971).
(1) بحث للشيخ عبد الأمير قبلان في يوم 88/2001 الموافق لـ 18 جمادى الأولى 1422 هـ بعنوان: الإعلام والإعلام الإسلامي.
(2) شمس الدين، محمد مهدي، ثورة الإمام الحسين في الوجدان الشعبي - ص312.
مجرّد أمنيات وأفكار...
وحتى (معهد الرسول الأعظم للخطابة والتبليغ) الذي ذكر سابقاً، لم تعد الحياة إليه إذ لا يزال معطّلاً رغم المستويات الجيدة، التي رفد بها ساحة المنبر الحسيني ضمن الخطباء الذين تخرّجوا منه.
ولا تزال طريقة البناء الذاتي، وطريقة الدورات الخطابية هما المعتمدتان واقعياً في هذا المجال.
ولمّا سألت الشيخ نعيم قاسم، مساعد الأمين العام لحزب الله في بيروت عن خطط الحزب واهتماماته، بموضوع الخطباء الحسينيين، وإعداد نخبة من الخطباء الواعين فكان جوابه:
(منذ فترة فكرّنا أنّ هذا الأمر، ينبغي أنْ لا يبقى متروكاً وأنْ لا يبقى في دائرة الاستعداد الشخصي، فأجرينا عدّة دورات، التي ساعدت بتأهيل عدد من قرّاء العزاء، من أجل تكوين المادّة والأسلوب والقدرة على العطاء. والوحدة الثقافية هي المعنية بشكل مركزي، في الإشراف على الموضوع.... والأمر لا يقتصر على الدورات التي نقيمها، بل نستعين بالقدرات الموجودة في الساحة؛ لأنّه بكل صراحة لم تصل حوزاتنا إلى مستوى إعداد معهد منظم، يستطيع أنْ يُخرّج العدد الكافي، أو يهيّئ كل ما هو مطلوب، فنحن نقوم الآن بما يسدّ الثغرات، أكثر ممّا نقوم بما تنشئ قارئاً قديراً وفاعلاً)(1) .
ومن خلال حديث لشيخ نعيم قاسم أعلاه، حيث إشارة إلى أنّ الوحدة الثقافية في حزب الله هي المسؤولة عن مسألة إعداد وتهيئة خطباء المنبر الحسيني، ممّا حداني أنْ أُراجع مسؤول هذه الوحدة،
____________________
(1) لقاء شخصي مع الشيخ نعيم قاسم بيروت الخميس. في 16/8/2001.
وهو الشيخ أكرم بركات(1) حيث طرحت معه هذا الموضوع، وكيفية اهتمام الوحدة الثقافية فأجاب:
(إنّ الاستعدادات قد كملت تقريباً، لافتتاح المعهد الخطابي، وعيّن المكان الذي سيشغله، والمعهد يهدف إلى أمرين:
الأوّل: تدريب العلماء على القواعد العلمية والفنية، في الحوار والمقابلات.
والثاني: رفع كفاءة خطباء المنبر الحسيني، بحيث يقوّى على طرح الموضوعات التربوية والاجتماعية، إضافة إلى ما صحّ من السيرة الحسينية(2) .
وأثناء إعداد هذا الكتاب، أعلن عن افتتاح معهد خطابي في ضاحية بيروت الجنوبية، تحت اسم (معهد سيد الشهداء للتبليغ والمنبر الحسيني). وإكمالاً للتحقيق، فقد أجريت مقابلة شخصية مع المشرف على هذا المعهد، هو السيد علي الحجازي(3) . ووجهت له بعض الأسئلة.
متى أنشئ هذا المعهد؟
____________________
(1) الشيخ أكرم بن أحمد بركات، مواليد ثلاثين قضاء مرجعيون عام 1968، ماجستير في الفلسفة ودراسات عليا في حوزة قم الدينية. له جولات تبليغية في أمريكا الجنوبية يتولّى إمامة مسجد القائم في الضاحية الجنوبية لبيروت. ومسؤولية الوحدة الثقافية لحزب الله. له عدّة مؤلّفات منها، دروس في علم الدراية، محاضرات عاشورائية. (المترجم له).
(2) لقاء شخصي مع الشيخ أكرم بركات، ببيروت، 2 شهر رمضان 1422 هـ، 17/10/2001م.
(3) السيد علي بن عبد علي حجازي مواليد طبريخا 1963، أنهى الدراسة الثانوية 1981، ثم ّسافر إلى إيران، واتجه نحو الدراسة الحوزوية في قم منذ عام 1983 إلى 2001 حيث عاد إلى لبنان بعدما حضر دروس أكابر العلماء، والآن يشرف على إدارة معهد سيد الشهداء، للتبليغ والمنبر الحسيني. (من المترجم له).
ج: كانت فكرة إنشاء معهد خاص بالمنبر الحسيني من توصيات المؤتمر العاشورائي، وبعد ذلك أخذت الفكرة مجالها بالبحث والحوار وإعداد البرامج، حتى تمّ افتتاح المعهد في السابع من ذي القعدة 1422 هـ الموافق لـ 21/1/2002م.
وعن سؤال، حول الخطوات التي خطاها المعهد في صدد إعداد خطباء المنبر الحسيني، أجاب:
(بدأت أُولى خطوات المعهد بدورات مجالس عزاء، وبعدّة مستويات. فكان هناك دورة للأخوة العلماء المعمّمين، ودورة أخرى لطلاّب الحوزات من غير المعمّمين، ودورة ثالثة للمبتدئين).
وسؤال ثالث، حول برامج هذا المعهد، أجاب السيد علي حجازي:
(إنّ برنامج المعهد يشمل إضافة إلى تعليم أساليب مجالس العزاء، موضوعات في الخطابة وعلم الأديان، والتعريف بالمكتبة التاريخية، وخاصة فيما يتعلّق بالنهضة الحسينية، وأساليب التبليغ ومناهج التحقيق التاريخي).
وعن الآفاق المستقبلية لمشروعات المعهد، قال:
(إنّ المعهد يسعى إلى تأسيس مكتبة خاصة، بالسيرة الحسينية ودراساتها وثقافاتها، وكذلك يسعى إلى إصدار مجلّة خاصة بشؤون النهضة الحسينية.
كما ويهتم المعهد بإصدار خاص في أيام عاشوراء يتناول الموضوعات التي يمكن أنْ تُطرح من خلال المنبر العاشورائي). (صورة عن هذا الإصدار آخر الفصل).
(كما يأمل المعهد إلى سدّ حاجة كل الأراضي اللبنانية لخطباء
المنبر الحسيني)(1) .
فهل ستحتضن بيروت معهداً للخطابة الحسينية، غاب عن ساحات النجف وقم وغيرهما من مناطق الحوزات العلمية الشيعية العريقة؟
أين يقام المعهد الخطابي؟
هذا السؤال قد يبدو غريباً لأوّل وهلة؛ لأنّ المعهد الخطابي ينبغي أنْ يكون ضمن بقية المؤسّسات الدينية، التي تعنى بتربية الطلاب ضمن الدراسات الشرعية، ولهذا فالكلام الأنسب لها هي بلاد المسلمين، ولاسيما المدن التي تضمّ حوزات علمية ومدارس شرعية، وحيث يتوافر العدد الكافي والمؤهّل من طلبة العلوم الدينية، الذين يودّون الانخراط في مجال خطابة المنبر الحسيني.
ولكن وجه الغرابة ينتهي، حينما نعرض رأياً للدكتور الشيخ الوائلي الذي يرى أنّ البلدان الإسلامية لم تعد مهيّأة، لاحتضان هكذا معهد، فلا يبقى سوى بلدان المهاجر في العالم الغربي! حيث نجد الشيخ الوائلي يطرح سؤالاً، ثمّ يجيب عنه: (مكان المعهد أين سيكون؟ وهنا لابد من افتراض كونه مستقلاً، لا يحسب على جهة من الجهات، سَواء كانت حكومية أم حوزوية ولكن البلدان الإسلامية في أغلب الظن لا تسمح بوجود مؤسّسة، مهمّتها نشر الفكر الإسلامي والشيعي فيه خصوصاً دون أنْ تجنّدها في خطوطها العامّة.
كما أنّها قد لا تسلم من المشكلات، وتنفرد بخطّها فيما لو حسبت على جهة حوزوية معيّنة. من أجل هذا لابدّ من وجوده - المعهد - في مكان لا يرتبط وجوده بأي التزامات، والجهة المتصوّرة
____________________
(1) لقاء شخصي مع السيد علي حجازي، مدير معهد سيد الشهداء للتبليغ والمنبر الحسيني. بيروت في 25 صفر 1423 هـ الموافق لـ 8/5/2002م.
فعلاً هي أوروبا لا غيرها، مع وجود إشكالات من نواحٍ أخرى، أهمّها ارتفاع التكاليف في كل جهات المعهد، وبعده عن الجهات التي تمدّ بالطلاّب، وكون المناخ الاجتماعي إلى حدّ ما غريباً عن طبيعة أمثال هذه المؤسّسات، إلى غير ذلك من إشكالات...)(1) .
هكذا يطرح الشيخ الوائلي رأيه في مسألة مكان المعهد الخطابي.
ولي عليه ملاحظتان:
الأولى: إنّ أحد المحذورين اللذين ذكرهما، كسبب لعدم أهلية البلدان الإسلامية لمشروع المعهد، وهو أنّ المعهد سوف يحسب على جهة دون أخرى، فإنّ هذا المحذور موجود حتى في البلدان الأوروبية؛ لأنّ مادّة المعهد هم المسلمون الشيعة. وهم كبقية الناس يحملن ولاءاتهم وانتماءاتهم معهم، أينما حلّوا أو ارتحلوا، فكيف سيتخلّص معهد الخطابة في أوروبا، من هذه المحسوبية، على هذه الجهة أو تلك...
ففي لندن، عاصمة بريطانيا، توجد مكاتب للمرجعيات الشيعية، الموجودة في مدينة النجف بالعراق وقم بإيران، وكل المؤسّسات الإسلامية الشيعية وهي محسوبة على طرف من الأطراف، فكيف سينجو المعهد الخطابي من هذه الظاهرة؟ وأعتقد أنّ المشكلة - إنْ وجدت - لا تكمن في أنْ تحسب هذه المؤسّسة أو تلك، على هذه الجهة أو تلك، بقدر المنهج الذي ينبغي العمل بمقتضاه، من حيث الانفتاح على الآخرين وروح التعاون وعدم التشنّج من الآخر.
الملاحظة الثانية: إنّ التطوّر الذي حدث في العالم، أثر حوادث
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص193.
11/9/2001 في نيويورك، وانعكاس ذلك على وضع المسلمين عموماً في العالم الغربي، ومؤسّساتهم ونشاطاتهم، ستفقد المعهد الخطابي هناك من بعض ميزته، في تخلصه من هيمنة الأنظمة في بلدان المسلمين.
هذا كل ما لدينا من موضع المعهد الخطابي والآراء حوله وبه ينتهي من المبحث الثاني.
المبحث الثالث:
المنبر الحسيني بين تحدّيات الواقع وآفاق المستقبل
التحدّيات التي تواجه المنبر حاضراً ومستقبلاً
يشترك المنبر الحسيني، مع بقية المؤسّسات الدينية الإسلامية، التي تتولّى مهمّة التبليغ والوعظ والإرشاد، يشترك معها، في جملة من التحدّيات التي تواجه هذه المؤسّسات، إضافة إلى تحدّيات تخصّه دون غيره.
ويمكن أنْ نجمل هذه التحدّيات بما يلي:
1) تحدّيات تواجه ثقافة المنبر وأفكاره
إنّ التطوّر النوعي والكمّي الثقافي، الذي طرأ على الأمّة، حتّمتْ على خطيب المنبر الحسيني، أنْ يرتفع بمستوى الرؤى والأفكار المطروحة؛ لتواكب هذا التطوّر النوعي والكمّي، وعلى الخطيب أنْ يوسع من آفاقه الثقافية والمعلوماتية، حتى يفلح في شدّ الناس إلى منبره، حيث يجدون المستوى الذي يناغم ثقافتهم، والطرح الذي يزيدهم معرفة وعلماً.
2) تحدّيات تواجه لغة المنبر وأُسلوبه
كما أنّ التغيّر أو التطوّر الفكري والثقافي، قد يصاحب بتطوّر في استخدام لغة جديدة في التخاطب، وألفاظ ومصطلحات جديدة في
عملية إيصال المعلومة والمفهوم إلى الآخرين.
وعلى خطيب المنبر الحسيني - بل على كل داعية إسلامي - أنْ يراعي هذه المسألة؛ في استخدام اللغة والأُسلوب والمصطلح الملائم، مع التطوّر الثقافي والمعلوماتي.
وفي اللغة العربية كنزٌ هائل لمصطلحات أصيلة، تراعي كل تطوّر في عالم الأفكار والثقافة. وهذا يؤكّد أنّ استخدام لغة جديدة في الخطاب، لا يعني ترك لغتنا أو إغفال أصولها.
وإضافة إلى لغة الخطاب، تبرز مسألة موازية في أهميتها لمسألة اللغة والخطاب، وهي فيما يخص الأسلوب والمنهج، الذي لابدّ للخطيب أنْ يراعيهما في عرضه للأفكار والمبادئ الإسلامية، وصياغتها ضمن منهجية علمية وأسلوب رصين، يشدّ إليه المستمعين، فيخرجون منه عن علم، ويصدرون منه عن ثقافة ودين.
وما أروع أنْ يتحلّى الداعية المسلم، بالأسلوب العلمي الأكاديمي، وهو يصيغ مبادئ الإسلام بعمق وأصالة، ومراعياً الأسلوب الهادف، واللغة الملائمة.
إنّ وسائل الإعلام تتبع أساليب متنوّعة من أجل شدّ الجماهير، وتشويقهم إلى برامجها. وعلى الدعاة إلى الإسلام، أنْ يولوا هذه المسألة اهتماماً كبيراً.
إذ (لابدّ أنْ تستجيب المؤسّسة الثقافية الاجتماعية، ذات المحتوى الديني الإسلامي، لوسائل عصرها المتطوّرة لتكون أكثر فاعلية وتأثيراً في الجمهور الذي تخاطبه وتتعامل معه، ولتكون مساوية في القدرة مع المؤسّسات الأخرى المنافسة لها، ولتكون قادرة على تغطية مساحة من الجمهور بنشاطها)(1) .
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص307.
3) تحدّيات تواجه رسالة المنبر
كن المنبر الحسيني، قد نشأ في أوّل الأمر ليذكّر الناس بواقعة كربلاء، ثم تطوّر الأمر - كما مر بنا في هذا الكتاب - حتى راح هذا المنبر يعالج قضايا الإسلام الكبرى، ومهمات التربية والإعداد الروحي والبناء الفكري، والثقافة الإسلامية العامة.
وعلى خطيب المنبر الحسيني، مراعاة رسالة المنبر هذه. فكلّما كانت المواضيع التي يتناولها ذات مساس بواقع الناس وحاجاتهم، وما يعيشون من آمال وآلام، كان المنبر أكثر توافراً على أداء رسالته ومهمّاته.
وهذا الأمر نجده واضحاً في جماهير المنبر الحسيني، حيث نراها تؤم خطيباً دون آخر، وربّما قصدته لمسافات بعيدة نسبياً. وتكون حريصة على اقتناء أشرطة محاضراته المسجّلة؛ لأنّها تجده خطيباً يعيش معها في أبعاد حياتها وهمومها.
ونجد لذلك مثالاً واقعياً، في قصد المصلين مسجداً دون آخر، لأداء فريضة صلاة الجمعة؛ لأنّهم يجدون في إمام هذا المسجد وخطبهِ ما لا يجدونه في خطب إمام مسجد آخر، من حيث طرحه لمواضيع الحياة اليومية، ومشاغل الإنسان المعاصر.
إضافة إلى مهمّة أخرى، تقع على عاتق خطيب المنبر الحسيني، وهي إبقاء مسألة الشحنة العاطفية، وبأسلوبٍ راقٍ يتناسب مع ثقافة المجتمع وتطوّره، عبر اختيار الشعر الرثائي الرصين، والكلمة الأدبية المناسبة وإتباع الأُسلوب المؤثّر روحياً وعاطفياً.
إذ (لابدّ في المأتم الحسيني من المحافظة على مبرِّر وجوده؛ وهو تاريخ ثورة الإمام الحسين، فلا يلغى تاريخها من المأتم تحت
شعار الحداثة، وما تقضي به من تناول القضايا الاجتماعية والثقافية الملحّة...)(1) .
كما لابدّ أنْ يتم عرض مأساة كربلاء بأُسلوبٍ مناسب لأبعادها، ويناط ذلك بخطيب المنبر الحسيني في فقرة المصيبة،(فحريّ بها أن تقدر بقدرها، وأنْ تأتي بصورة عفوية وبدون تكلّف يخرجها من الطبيعي إلى المصطنع... إنّنا إذا أسرفنا وأكّدنا على الدمع على حساب الأهداف الأخرى، وقعنا فيما لا ينفع بل يضرّ)(2) . ومن النتائج السلبية وراء حالة الاستغراق في الدمع والجانب المأساوي من واقعة كربلاء، (حصر الحسين في نطاق الدمع والمأساة، بينما هو ثورة على الباطل، ومنهج سلك الشهادة لبناءِ مجتمع، وردّ طغيان والوقوف بوجه الباطل...)(3) .
لقد ازدادت الأصوات التي تدعو إلى ضرورة تهذيب أُسلوب استدار الدمعة، وتجنّب الطريقة التي تسيء إلى أهل البيتعليهمالسلام ، أكثر ممّا ترفع من شأنهم.
4) تحديات تواجه فاعلية المنبر
إلى الآن كانت التحديات السابقة، تكمن في خطيب المنبر الحسيني وثقافته وأسلوب أدائه.. فهي تحدّيات، يمكن أنْ نُسميها تحدّيات داخليّة. وهناك تحدّيات أخرى تواجه المنبر الحسيني من خارجه، أي ليس لها علاقة بخطيب المنبر ومستوى ثقافته وطريقة عرضه لأفكاره...
إنّ المنبر الحسيني - كما مرّ بنا - يحظى بحضور جماهيري لافت في المدن والأقاليم الشيعية في العالم. ويؤدّي أدواراً بالغة
____________________
(1) المصدر نفسه ص308.
(2) (3) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر - ص60 / 61.
الأهمية في التربية والثقافة والالتزام الديني، وهذا الحضور وهذا التأثير يمكن أنْ تواجههما جملة من التحديات أهمّها:
أ - تحدّيات سياسية وأمنية
تعتبر التجمعات الجماهيرية الكبرى للمنبر الحسيني، لاسيما في العشرة الأولى من شهر المحرّم، ذات تأثير كبير في جملة أبعاد تهمّ هذه التجمّعات وقضاياها. ولهذا قد تخشاها أنظمة سياسية معيّنة، أو تحول معادلات أمنية خاصّة، دون هذا النوع من التجمّعات.
وكما مرّ بنا في بداية هذا الفصل، من أنّ للمنبر الحسيني جملة من الأدوار، منها الدور الجهادي والسياسي، ممّا يجعل من خطيب المنبر الحسيني ذي تأثير عميق وواسع على الجماهير... وهذا بدوره يثير التخوّف والتحسّس من قبل بعض الحكومات والأنظمة. فتراها تحشد القوّات وتبثّ العيون، وتعيش حالة طوارئ أيام عاشوراء، خاصة في الأماكن التي تشهد توتّرات سياسية أو أمنية معينة.
وكمثال على ذلك، فإنّ هناك سجلاً حافلاً لكيفية تعامل الحكومات العراقية المتتالية، مع ظاهرة المآتم الحسينية، حيث كانت تصدر أوامر بإلغائها ومنع الناس من ارتيادها، بل قد وصلت إلى حدّ التصفية الجسدية لخطباء المنبر الحسيني، إعداماً وسمّاً ودهساً بالسيارات.
ومن بعدٍ آخر، نجد أنّ المنابر الحسينية، التي تُرعى من قبل جهة سياسية معيّنة قد تحاصر وتحارب من قبل جهة سياسية أخرى.
كما قد تحول ظروف سياسية وأمنية خاصة أو عامّة دون منح تأشيرات الدخول، لبعض خطباء المنبر الحسيني، بشكل خاص أو بشكلٍ عام. ومن الأمثلة الواضحة في هذا الباب؛ أنّه لم تمنح تأشيرة
لأيّ خطيب منبر حسيني عراقي، إلى بعض الدول الخليجية منذ نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980م ولحدِّ الآن... تلك المناطق التي كانت تستوعب العشرات منهم كل موسم.
ب - تحدّيات اجتماعية
ويُضاف إلى التحديات السياسية والأمنية، التي قد تحول دون التجمّعات الجماهيرية للمنبر الحسيني، فإنّ هناك تحديات من نوعٍ آخر، تشارك في هذه النتيجة، وهي التحديات الاجتماعية. فإنّ ظروفاً اجتماعية معينة قد تُسهم في بعض الحالات، في تضييق دائرة المنبر الحسيني أو منعه. مثل تشنّج بعض الأوضاع والعلاقات العشائرية والقبلية، أو تنازع الأُسر، أو اختلاف سكان الأحياء والمناطق التي ترعى المنابر الحسينية. وقد يشجّع على ذلك بعض الزعامات والواجهات الاجتماعية التي قد تسعى لتوظيف المنبر وجماهيره، لأهداف خاصة أو إغراض معينة.
ويمكن أنّ نقدّر هذه التحدّيات، بعدما علمنا سعة المساحة التي يشغلها المنبر الحسيني، وكثرة المؤسّسات والجهات التي توليه اهتمامها.
ج - تحدّيات اقتصادية
إنّ إقامة مجالس المنابر الحسينية، واستقدام الخطباء إليها، مسألة تكتنفها استعدادات مالية قد تكون ضخمة أحياناً. خاصة إذا تمّ استدعاء خطيب من خارج البلاد.
لأنّ خطباء المنابر الحسيني المشهورين، يمنحون مستوىً مهمّاً من العطاء المالي، ويحضون بمستوىً راقٍ من الخدمات، كما
وتتنافس المآتم الحسينية في تقديم أنواع الأشربة والأطعمة التي توزّع على روّادها، وذلك حسب العادات المتّبعة من بلد إلى بلدٍ آخر.
وهناك مسألة توفير الخدمات، من إضاءة وكراسي وأفرشة ومكبّرات صوت. فمع ازدهار الأوضاع الاقتصادية لبلدٍ ما، تزدهر بدورها مجالس المنبر الحسيني وتزداد، ويُستقدم أشهر الخطباء وأبرزهم، والنتيجة عكسية مع زوال الازدهار أو ضعفه.
وكمثال عملي فإنّنا إذا استقرأنا ساحة الخطابة الحسينية في العالم الشيعي العربي، نجد أنّ أفضل خطباء المنبر الحسيني، وهم في غالبيتهم العظمى من العراقيين، تستقطبهم مآتم منطقة الخليج العربية في الكويت وقطر والإمارات وعُمان، والبعد الاقتصادي واضح في عملية الاستقطاب هذه.
كما ونجد أنّ ما من خطيب جديد، يبرز في عالم المنبر الحسيني بكفاءة منظورة، إلاّ وتروح المآتم الحسينية ذات المستوى الاقتصادي الكبير، ساعية نحوه لجذبه، وحينما برزت الجاليات الشيعية في المهاجر، راحت بدورها تتنافس في عملية استقطاب خطباء المنبر الحسيني، حسب قدراتها الاقتصادية.
ومع ضمور الموارد المالية وتلكّؤ الأوضاع الاقتصادية، فإنّ انعكاسها يؤثّر بشكلٍ واضح، في تضييق مساحة المنبر الحسيني وانحسار أو تواضع الخدمات، التي تمنح لخطيبه وروّاده على حدٍّ سَواء.
هذه هي أبرز التحديات، التي تواجه المنبر الحسيني، وقد تشترك معه المؤسّسات التبليغية الإسلامية الأخرى، في بعض تلك التحدّيات كما ذكرنا سابقاً.
ب - توصيات واقتراحات مستقبليّة
هذا من ناحية التحديات، التي تواجه المنبر الحسيني، وهناك ناحية ثانية، نختم بها بحثنا هذا، وهي المتعلّقة ببعض التوصيات والاقتراحات، التي يؤمّل أنْ تُسهم في مواجهة تلك التحديات من طرف، وتطوّر المنبر الحسيني ومستوى أدائه من طرفٍ آخر، وتعين على استشراف آفاقه المستقبلية من طرفٍ ثالث.
إنّ أهم الاقتراحات والتوصيات المتصوّرة في هذا المجال هي:
1) تشكيل لجنة متخصّصة، لدراسة وضع المنبر الحسيني، ومشكلاته الآنيّة والمتوقعة مستقبلياً، والعمل على بحث الأساليب الكفيلة بتطويره وتكامله.
ومن أبرز المهمّات، التي ينبغي أنْ تناط بهذه اللجنة؛ وضع الدراسات التي تولي مسألة توسيع دائرة المنبر الحسيني، لتشمل جميع المسلمين على اختلاف مدارسهم المذهبية والفقهية، وعدم اقتصاره على الشيعة، كما هو حاصل حالياً. ببداهة أنّ موقف الإمام الحسينعليهالسلام لم يكن ينطوي على بعدٍ مذهبي معيّن... بل كان موقفاً للإسلام وأفكاره ومبادئه.
ويمكن اعتماد المنابر الحسينية، التي تعقد في الأقاليم والمدن التي تشهد تنوعاً مذهبياً، وحضوراً يتجاوز الوجود الشيعي، يمكن اعتمادها كمادّة للدرس تعين على الوصول لتلك المهمة.
فالشيخ أحمد الوائلي يدعو إلى (الانفتاح على تراث المذاهب الإسلامية الأخرى والتفاعل معها)(1) ، كما وأنّه يرى أنّ من ضمن النتائج السلبية، لطغيان ظاهرة البكاء في المنبر الحسيني، أنّه (قد أدّى
____________________
(1) الوائلي، أحمد: تجاربي مع المنبر ص152.
استبداد الدمع ومظاهر الحزن في إحياء مراسم الطف، إلى مقاطعة أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى لهذه المناسبات)(1) .
ويذهب الشيخ محمد مهدي شمس الدين، إلى أنّ مسألة تمذهب ذكرى عاشوراء كانت ذات أبعاد تاريخية، حيث يقول:
(على مدى التاريخ المتأخّر في الإسلام، من العصر البويهي، ولدواع طائفية محضة، أُعطيت هذه الذكرى مضموناً شيعيّاً وكان تزويراً حقيراً (هكذا) وإجرامياً في حق هذه الذكرى، وتزويراً للتاريخ واستغلالاً، على أنّنا نكنّ احتراماً للبويهيين، ولكنّهم زوّروا التاريخ وسرقوا الذكرى، وأعطوها مفهومها الطائفي على حساب جوانبها الإسلامية.
وكان من خطأ أرباب الفكر في ذلك، أنّ استجابوا لهذا التغيير. ودرج المسلمون من ذلك الحال، وإلى هذا العصر الحديث، على هذا اللون من الفهم التاريخي، والمزوّر والمخالف لروح الإسلام ولحقيقة التاريخ الإسلامي)(2) .
هذه مهمّة جليلة وكبيرة، من ضمن مهمّات كبيرة أخرى، تقع على عاتق هذه اللجة المتخصّصة بالمنبر الحسيني.
2) محاولة وضع منهج علمي متكامل، يسعى لصياغة أسس تعتمد في إعداد وتهيئة خطيب المنبر الحسيني النموذجي. على أنْ يتوافر هذا المنهج، على الشروط والمواصفات التي ينبغي، حضورها في الخطيب الهادف. ويمكن أنْ يُسهم في وضع هذا المنهج العلماء والمفكّرون، خاصة مَن عُرفوا باهتمامهم بهذا الشأن. إضافة إلى شيوخ خطباء المنبر وأساتذته، والمختصّين في
____________________
(1) المصدر نفسه ص61.
(2) شمس الدين، محمد مهدي: عاشوراء ص7.
العلوم والفنون التي تشارك في صياغة المواصفات المطلوبة، مثل علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وغيرها.
إنّ هذا المنهج العلمي، يشكّل القاعدة التي يمكن اعتمادها في أي مشروع من مشروعات المعهد الخطابي المؤمّل.
لأنّ (الذي يحدث الآن - كما في الماضي - إنّ الحوزات الدينية الشيعية، في العراق وإيران وغيرها، تقدّم إلى المنبر الحسيني خطباءه، من رجال يفضّلن سلوك هذا المنهج، على متابعة تحصيلهم العلمي في حقول الدراسات الفقهية والأصولية. هذا ما يحدث في الغالب، وثمّة حالات نادرة، يبتدئ خطيب المنبر الحسيني حياته في هذا الحقل، متدرّباً بين يدي خطيب كبير الشأن.
وفي جميع الحالات ينمو هذا الفريق من رجال التوجيه الديني، نموّاً عشوائياً، بدون تخطيط وبدون مناهج تستجيب للحاجات ولنوعية الجمهور. ولا يمكن التغلّب على الصعوبات الحاضّرة والمستقبلية إلاّ باعتماد التخطيط والمنهجية)(1) .
3) السعي لإنشاء مركز للدراسات المنبرية، يتولّى دراسة كل ما من شأنه أغناء هذه المؤسّسة التبليغية، التي تُسهم في تربية شريحة مهمّة من المسلمين. وتُدرّس فيه تجارب خطباء المنبر الحسيني، ومستوى تفاعل واستفادة الجمهور منهم. كما يتولّى هذا المركز استيعاب ودراسة كل المؤلّفات والبحوث والدراسات، التي اهتمت بالمنبر أو التي يمكن توظيفها في طريق ترشيده وإغنائه.
ويمكن الاستفادة من كل الملاحظات والاقتراحات، الواردة من
____________________
(1) شمس الدين، محمد مهدي: ثورة الحسين في الوجدان الشعبي ص211.
العلماء، والهيئات المشرفة على إقامة المنابر الحسينية، وأهل الاختصاصات المختلفة. خاصة تلك التي يهتم بها روّاد المنبر الحسيني، أثناء المواسم التبليغية خاصة في شر المحرّم، ويقدّمونها لخطباء المنبر.
إنّ المتتبّع لما كتب وألّف في شأن ثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، وأبعادها المختلفة، يجد أمامه قائمة طويلة جدّاً، يمكن أنْ تكون النواة التي يعتمدها مركز الدراسات هذا، في توسيع آفاق أبحاثه واهتماماته.
كما يمكن مفاتحة الحوزات والمدارس الدينية، ومراكز الأبحاث الإسلامية والعلمية ذات الشأن، إضافة إلى بعض أبحاث الجامعات والمعاهد الأكاديمية.
4) إنّ المقترحات الثلاثة أعلاه، إنّما تتوّج في حالة إخراج المعهد الخطابي إلى دنيا الواقع، وفق المستوى المطلوب، مستوعباً كل التجارب، التي مرّت بها مشروعات إنشاء وإقامة المعاهد الخطابية، وناظراً إلى الأبعاد الإسلامية والحضارية الكبيرة، التي يمكن أنْ ينهض بها مثل هكذا معهد، ليوسّع من آفاق وعطاءات المنبر الحسيني، ليعالج أموراً وأبحاثاً تحتاج إليها الأمّة، منطلقاً من الرؤية الإسلامية للحياة وللإنسان، آخذاً بنظر الاعتبار، طبيعة التحدّيات والتيارات التي تواجه الإسلام وأطروحته.
وهذا المعهد، كفيل بأنّ يبعد المنبر الحسيني، عن حالات الاضطراب والعشوائية، وبعض الظواهر السلبية، إلي تحدّ من دور المنبر وتأثيره في الساحة.
لقد آن الوقت للعمل الجدّي والهادف والدؤوب، من أجل إيجاد هذا المعهد الذي عاش عدّة محاولات، من الإحباط والإفشال.
والذي يعتبر من ناحية أخرى، أفضل الطرق وأنجح الأساليب لترشيد المنبر الحسيني وأبعاد المظاهر السلبية، كما يراها أغلب علماء الشيعة وخطبائهم ووراءهم المثقفون والمتخصّصون، وعموم جمهور المنبر.
5) العمل على عقد ملتقيات ومؤتمرات، لخطباء المنبر الحسيني، يتباحثون فيها واقع المنبر الحسيني وآفاقه المستقبلية، ويسعون فيها إلى إعداد الدراسات الكفيلة، بتجاوزه للحالات السلبية، سواء في الأداء أم الانتشار أو التأثير.
ويمكن لهذه المؤتمرات أنْ تكون البذرة الأولى التي قد تنهض وإلى حدّ كبير بتنفيذ المقترحات الأربعة السابقة، إذ مع التقاء الخطباء الحسينيين وبحثهم لهمومهم المشتركة، تتوافر أفضل الظروف لتنفيذ المشاريع والمقترحات المنظورة.
وإذا كان العلماء أو المثقّفون الإسلاميون، أو الدعاة، يولون اهتماماً بارزاً لأهمية المنبر الحسيني، لما يرون من تأثيره الكبير والواسع على الساحة الإسلامية الشيعية، فإنّ على خطباء المنبر الحسيني أنْ يكونوا في مقدمة هذا الركب، وأوائل هؤلاء المهتمّين؛ لأنّهم الأقدر على تلمّس مشكلات المنبر الحسيني وحاجاته المختلفة.
فإنّ (ممّا يسهّل الوصول إلى رؤية واضحة للمشكلات التي تواجه المنبر الحسيني ورجاله، أنْ يتداعى البارزون في حقل المنبر الحسيني، في كل بلد إلى مؤتمر عام، يتدارسون في مهمّتهم وسبل حلّها، والطرق الكفيلة بتطوير أساليب الخطابة على المنبر الحسيني.
ويمكن أنْ يسبق ذلك، مؤتمرات محليّة للبارزين من خطباء المنبر الحسيني، يتدارسون فيها مشكلات محيطهم الخاص. ويعدّ بعضهم دراسات عن هذه المشكلات والاقتراحات، التي تعرض في
الموضوع، وأساليب الحلول ثمّ يتداعى الجميع بعد ذلك إلى مؤتمر عام ووضع خطّة شاملة)(1) .
وهناك فكرة أخرى في أنْ تتجاوز هذه المؤتمرات تتجاوز خطباء المنبر الحسيني، لتضمّ إليهم مجموعة من العلماء والمثقّفين، وأهل الاختصاص، من المهتمّين بشأن المنبر الحسيني. وقد وجدت هذه الفكرة تطبيقاً علمياً لها في بيروت.
حيث عقد مؤتمر باسم(المؤتمر الثقافي العاشورائي الأوّل) من قبل الوحدة الثقافية التابعة لحزب الله للفترة من 15 - 18 ربيع الثاني 1420 الموافق للفترة 29 تموز - 1 آب عام 1999م. تحت عنوان(المجالس الحسينية وآفاق الدور المنشود) وقد حضره حشدٌ من العلماء والخطباء والباحثين.
ولم يعقد المؤتمر الثاني لحد تاريخ اليوم. وهناك نسخة عن مقرّرات المؤتمر في الملحق، كما وتوجد صورة عن كتيّب توزّعه الوحدة الثقافية التابع لحزب الله في لبنان، يتضمّن عناوين لموضوعات ولمحاضرات مقترحة في العشر الأوائل من المحرّم، وهي تنفع المبتدئين كثيراً.
وفي لقاء لي سابق مع مسؤول الوحدة الثقافية، الذي قال: إنّ معهد الخطابة المنتظر، يأتي تنفيذاً لفقرة من مقرّرات هذا المؤتمر. (وهذا ما سنجده في مقرّرات هذا المؤتمر).
6) الاهتمام بمجموعة من النشاطات والفعاليات، التي تسعى لتنمية القدرات الخطابية، وتعمل على صقل المواهب ورفع مستوى
____________________
(1) المصدر لسابق ص312.
أداء وطرح خطباء المنبر الحسيني، وتعميق حالات الوعي والهدفية في المحاضرات المنبرية.
من هذه النشاطات والفعاليات
أ - ندوات تعقد للخطباء، في كل منطقة من المناطق، وعلى فترات متعدّدة. يستمع فيها إلى أبحاث ودراسات ومحاضرات في الشأن الخطابي، ويتدارسون فيا أمورهم وهمومهم المشتركة، ويمكن أنْ تكون هذه الندوات لمتابعة القرارات والتوصيات، التي تتبنى في المؤتمرات والملتقيات العامّة.
ب - مواسم ثقافية، تهتم بالشأن الخطابي، وكل ما يتّصل بالدراسات التي تتناول أبعاد ثورة الحسين وآثارها، بالتحليل والمتابعة، ويطلب من الخطباء متابعة هذه الأبحاث. وتقديم دراسات خاصة بها. وإحياء ذكريات أبرز خطباء المنبر وميّزاتهم وظروف خطابتهم، وكل مَن له شأن بالجانب الثقافي والمعلوماتي حول المنبر واهتماماته.
كما يمكن دعوة بعض العلماء والمختصّين، لإلقاء محاضراتهم ودراساتهم، ومشاركة الخطباء في المناقشة وإبداء الرأي.
ج - عقد دورات خطابية، تُسهم في تنضيج وإعداد بعض الشبّان، الذين يرغبون في الخطابة الحسينية، ضمن الخطّة العامّة التي يتبنّاها مشروع العهد الخطابي، فتكون هذه الدورات ضمن اهتماماته ونشاطاته، أو ربّما يلجأ إليها في حالة عدم توفّر شروط إنشاء هذا المعهد، والدورات الخطابية - كما سبق ذكره - أمرٌ مألوف تنشط في أماكن تواجد الحوزات العلمية الشيعية قبل شهر المحرّم بالخصوص (وفي الملحق أيضاً: صورة عن دعوة لإقامة دورة خطابية).
كما يمكن لنا أنْ نهتم بدورات خطابية، على مستوىً رفيع تضم بعض الخطباء الفعليين، من أجل المزيد من الترشيد والتفعيل، وهو
أمر طبيعي في العديد من الدوائر، حيث تُخضع موظّفيها والمنتمين إليها لدورات في مجال اختصاصاتهم لرفع مستوى الأداء وزيادة الخبرة، والوقوف على آخر الأبحاث والدراسات.
د - إنشاء مكتبة متخصّصة بالشأن الحسيني
إنّ ثورة الحسينعليهالسلام حرّكتْ العديد من المشاعر والنشاطات، منذ أيام الواقعة، من شعر وقصص ثمّ طرق إنشاد. حتى وصل الأمر إلى إصدار الكتب والدراسات والأبحاث، إضافة إلى دواوين شعر باللغة الفصحى واللهجات المحليّة، ومجالس رتّبها بعض الخطباء، وطبعت لتكون في متناول أيدي المؤمنين، وغيرها من إصدارات حتى غدت المكتبة الحسينية من أغنى جوانب المكتبة الإسلامية.
إنّ الاهتمام بجمع وتصنيف المؤلّفات والإصدارات، المتعلّقة بالإمام الحسين وثورته، وما نتج عنها، يسهم في إيجاد مكتبة متخصّصة بالدراسات الحسينية، ممّا يوفر لدى خطباء المنبر الحسيني أو مَن له اهتمام بهذا الحقل، أجواء ثقافية تعينهُ على الوصول إلى مبتغاه بطرق ميسّرة وعلمية.
إنّ المتتبّع لحركة الكتاب في المكتبة الشيعية، يجد أنّ ما يتعلّق منها بالإمام الحسينعليهالسلام ، تشهد نموّاً وتوسّعاً بشكلٍ كبير، ممّا يستدعي وجود مكتبة متخصّصة، تهتم بكل تلك الإصدارات ودراستها وتصنفيها، لتوضع بين يدي ذوي الشأن.
هـ - إصدار مجلّة متخصّصة بشؤون المنبر الحسيني
إنّ لكل حقل من حقول العلم والمعرفة، إصدارات دورية تعني به وبالمختصّين في شأنه وما يقدمونه من أبحاث ودراسات وآراء ومَن أراد النمو والتطوّر فإنَّ عليه أنْ يُتابع تلك الإصدارات، ويسهم في تلك النشاطات.
ولكي نرفع من مستوى ثقافة وأداء ووعي خطباء المنبر الحسيني، لابدّ من العمل على إصدار مجلّة دورية، تعنى بشؤون المنبر وترصد حركة الكتاب والبحوث وتعالج بعض الأمور، التي تقع ضمن دائرة اهتمام المنبر وخطبائه، كما وتُسهم في أنْ يتحوّل بعض الخطباء إلى كتّاب ومفكّرين، عبر كتاباتهم وأبحاثهم ومناقشاتهم لتلك الدراسات.
وقد أصدر مجموعة من العراقيين المهاجرين، إلى مدينة قم الإيرانية، مجلّة كانت تعنى بشأن القضية الحسينية تحت عنوان (رسالة الحسين) وعرّفت بأنّها (فكرية إسلامية فصلية متخصّصة بالشؤون الحسينية)، يصدرها مركز دراسي باسم (مركز دراسات نهضة الإمام الحسين).
ولم يصدر من هذه المجلّة إلاّ عددان فقط(1) .
وفي الملحق صورة عن غلاف أحد هذين العددين.
كما وتصدر الآن في دمشق في منطقة السيدة زينب، مجلّة أخرى بعنوان (المنبر الحسيني) صدر منها أربعة أعداد، وهنا أيضاً صورة في الملحق لأحد أعدادها.
كانت تلك بعض المقترحات والتوصيات، التي من شأنها أنْ تنهض بمستوى أداء المنبر الحسيني، بما توفّره من عوامل، رفع مستوى خطيب المنبر نفسه.
وهي توصيات، يمكن أنْ نأخذ بها أو ببعضها في مجالات الدعوة والإرشاد والأخرى.
____________________
(1) ويبدو أنّ أسباب مالية حالت دون استمرارها.
وبهذه المقترحات والتوصيات، يكون الفصل الخامس من هذا البحث قد وصل إلى نهايته.
ومن الله تعالى التوفيق، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
الفهرس
الفصل الأول:المنبر لغةً واصطلاحاً5
تمهيد 7
المبحث الأوّل: قبل الإسلام9
المبحث الثاني: المنبر في الإسلام17
منبر الجمعة25
المنبر الحسيني 29
الفصل الثاني:نشوء المنبر الحسيني 37
تمهيد 39
المبحث الأول: الآراء في نشوء المنبر الحسيني 49
الرأي الأوّل: التوّابون 49
مناقشة الرأي الأوّل:52
الرأي الثاني: البويهيّون 53
مناقشة الرأي الثاني:55
المآتم الحسينية قبل سنة 352 هـ58
الرأي الثالث: الإمام زين العابدين علي بن الحسين 79
الرأي الرابع: أئمّة أهل البيت عليهمالسلام 80
المبحث الثاني: علاقة المنبر الحسيني بالأوضاع السياسية96
البويهيّون في بغداد101
الفاطميّون في القاهرة115
1) قبر السيدتين كلثوم ونفيسة134
2 - جامع القاهرة134
3) الجامع الأزهر135
4) المشهد الحسيني 135
5) التربة الجيوشيّة:136
6) قصور الخلفاء:137
7) الحسينية:137
نقاط الاتفاق والاختلاف بين البويهيين والفاطميين فيما يتعلّق بالمآتم الحسينية138
الفصل الثالث:مراحل تطوّر المنبر الحسيني 145
المبحث الأوّل: الراء في مراحل تطورّ المنبر الحسيني 150
الرأي الأوّل ومناقشته150
الرأي الثاني 157
الرأي الثالث 158
المقارنة بين الآراء الثلاثة160
الرأي المختار:163
1 - المرحلة الأولى:164
2 - المرحلة الثانية: 334 - 567 هجرية169
3 - المرحلة الثالثة: 567 - 1300 هجرية171
4 - المرحلة الرابعة178
المبحث الثاني: خطباء بارزون في المنبر الحسيني 181
1 - الشيخ كاظم سبتي 181
2 - السيد صالح الحلّي 185
3 - الشيخ محمد علي اليعقوبي 187
4 - الشيخ أحمد الوائلي 191
الفصل الرابع:المنبر الحسيني المعاصر199
المبحث الأول: المنبر الحسيني، صفته ومساحته اليوم202
هيكليّة المنبر الحسيني 203
مواسم المنبر الحسيني 227
د - من يتولّى إقامة المنبر الحسيني؟236
أماكن إقامة المنابر الحسينيّة246
المبحث الثاني:خطيب المنبر الحسيني المعاصر، أوصاف وطُرق إعداد259
أ) من هو خطيب المنبر الحسيني؟260
الأسماء والألقاب التي يُعرف بها خطيب المنبر الحسيني 261
أوصاف خطيب المنبر الحسيني 267
طرق إعداد خطيب المنبر الحسيني 282
نموذج لمحاضرة من محاضرات المنبر الحسيني 300
الفصل الخامس:المنبر الحسيني... التأهيل والمستقبل 311
المبحث الأوّل:317
رسالة المنبر الحسيني ومشاريع التأهيل 317
رسالة المنبر الحسيني 317
إصلاح المنبر الحسيني وتأهيله331
تجارب إصلاح المنبر الحسيني وترشيده339
المبحث الثاني: المعهد الخطابي 360
مشروع المرجع السيّد محمد باقر الصدر والشيخ أحمد الوائلي 361
معهد الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم للخطابة والتبليغ في (قم)368
المعهد الخطابي أفضل طرق إعداد خطيب المنبر الحسيني 369
أين يقام المعهد الخطابي؟375
المبحث الثالث:المنبر الحسيني بين تحدّيات الواقع وآفاق المستقبل 378
التحدّيات التي تواجه المنبر حاضراً ومستقبلاً 378