الخصائص العباسية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: محمد إبراهيم الكلباسي النجفي
الإمام الحسين عليه السلام

الخصائصالعبّاسيّة

لمؤلّفه

الحاج محمّد إبراهيم الكلباسي النجفي

انتشارات المكتبة الحيدريّة


بسم الله الرحمن الرحيم


الإهداء

إليك يا معلّم البرّ والخير، والكرم والتقوى.

إليك يا مدرّس الوفاء والصفاء، والشهامة والإباء.

إليك يا ملهم المكارم والمحاسن، والأخلاق والآداب.

إليك يا ملقّن العزم واليقين، والصبر والثبات.

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نكون في ديننا بُصراء، وفي شريعتنا علماء حكماء، ولا نكون من الهمج الرعاع يميلون مع كلّ ريح.

إليك يا مَنْ علّمتنا كيف نعلوا على التهديد والتنديد، ونفوق الهوى والمغريات، ونزهد في المناصب ومباهج الحياة.

إليك يا مَنْ ألهمتنا كيف ندافع عن الحقّ والصدق، ونضحّي من أجل الله ودينه، وكتاب الله وأحكامه، و رسول الله وأهل بيته.

إليك يا مَنْ لقّنتنا كيف نكون مع الصادقين، مع الذين اصطفاهم الله واختارهم وزادهم بسطة في العلم والجسم، ولا نكون رؤوساً متناقرين متنافرين، وكباشاً متناطحين متشاجرين، وأئمة متناحرين متباغضين، كلّ يجرّ النار إلى قرصه، ويدعو الناس إلى نفسه، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

وقال تعالى:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) . وقال تعالى:( وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) . وقال تعالى:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) .

إليك يا قمر بني هاشم، و يا قمر العشيرة.


إليك يا حامل اللواء، ويا بطل العلقمي، وكبش الكتيبة.

إليك يا حامي الظعينة، ويا ساقي عطاشى كربلاء، ويا قائد الجيش، ويا ظهر الولاية والإمامة.

إليك يا باب الحوائج، ويا باب الإمام الحسينعليه‌السلام ، و يا أيها العبد الصالح.

إليك أيها الشهيد الصدّيق، المؤثر المواسي، الفادي الواقي، المستجار الساعي.

إليك يا أبا الفضل العبّاس، يابن أمير المؤمنين وابن سيّد الوصيِّين، ألف تحية وسلام.

إليك يا سيّدي وابن سيّدي أهدي ترجمة هذا الكتاب (الخصائص العبّاسيّة)، وأملي بك قبولك إيّاه، على ما فيه من نقص أو ضياع؛ فإنّها بضاعة مزجاة، وأنت ممّن يقبل اليسير، ويوفي الكيل،، ويجزل العطاء،( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِين ) .

المُترجم

أوّل ربيع الميلاد / 1420 هـ


بسم الله الرحمن الرحيـم

إجازة حديث، وشهادة اجتهاد

لقد حصل مؤلّف هذا الكتاب الخصائص العبّاسيّة شيخ العلماء العاملين، وسند الفقهاء الراشدين، حاوي دقايق المعقول والمنقول، وجامع الفروع والأصول، حجة الإسلام، ومرجع الخاص والعام، آية الله في الأنام، وحيد العصر ومجتهد الزمان الحاج محمّد إبراهيم الشهير بالكلباسي النجفي - نزيل الري - على إجازات متعددة في الفقه والحديث.

نقل باقتراح بعض المؤمنين وثلّة من رجال الدين صورة منها تخصّ إجازة رواية الحديث، تعمّ شهادة الاجتهاد في الفقه؛ وذلك دعماً لِما جاء في هذا الكتاب من مطاليب، وسنداً لِما رواه فيه من روايات أهل البيتعليهم‌السلام وأحاديثهم الشريفة التي نقلها المؤلِّف الكريم في شؤون مختلفة، وزوايا متفرّقة من هذا الكتاب.

والصورة هي ما أجازه بها شيخ العلماء والأفاحم، وسند الفقهاء الأعاظم، سلمان زمانه ولقمان عصره، حجة الإسلام آية الله الشيخ محمّد حسين النجفي الأصفهاني الفشاركي (أعلى الله مقامه)، ووقّع عليها اُستاذ الفقهاء والمجتهدين، وسيّد العلماء العاملين، مصدر الصلاح ومنبع الفلاح، محيي السنن وعلاّمة الزمن، آية الحقّ المبين، وحجة الإسلام والمسلمين، السّيد أبو الحسن الأصفهاني (أعلى الله مقامه).

وإليك صورة الإجازة:


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رفع قدر العلماء وفضّل مدادهم على دماء الشهداء، وأوطأهم أجنحة ملائكة السماء، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأمناء على عباده بعد الحجج الأطهار، وصلّى الله على خازن علم الله، ومعدن حكمة الله، وحامل سرّ الله، صاحب الشرع القويم، وهادي الناس إلى صراط الله المستقيم، المبعوث على كافة الخلائق أجمعين، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى الأمين، وعلى آله الغرّ الميامين سيّما بقية الله في الأرضين إلى يوم ينصب فيه الموازين.

وبعد، فلا يخفى على أولي الرشاد والسداد من العباد أنّ من أعظم مواهب الله سبحانه على الأنام في زمن غيبة الإمامعليه‌السلام وجود العلماء الأعلام، والفقهاء البررة الكرام، ولولاهم لاختلّ النظام، واضمحلّت الأحكام؛ فإنّ بيدهم أزمّة الاُمور، ومن ميامن أنفاسهم يسهل كلّ معسور، وهم المرجع في الأحكام، وبقولهم يعرف الحلال من الحرام.

فكم لهم من كتب التصنيف، وجمع وتأليف لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل، وترويج الدين، وإطفاء نار الغوائل؛ ولذا اشتاقت النفوس إلى تحصيل العلم وطلبه على ما فيه من تعبه وكربه، فنفروا عن جمعهم وأوطانهم، وتغرّبوا عن مسكنهم وبلدانهم، وجدّوا واجتهدوا في طلبه واكتسابه، وانتقاء درره من أصداف أربابه، حتّى تفقّهوا في الدين، وتروّوا من عيون الفقاهة واليقين؛ فشكر الله سعيهم الجميل بثوابه الجزيل.

وممّن قد جدّ وجد، وكدّ وأكد في تحصيل المطلب وتكميل الطلب حتّى فاز من مراتب العلم أعلاها، وحاز في درجات العمل أرفعها وأزكاها، نتيجة العلماء الأعلام، والفقهاء الكرام، والجهابذة العظام، والحجج بين الأعلام، ودرّ يتيمة الفقهاء الفخام، العامل


الفاضل الباذل الكامل، الناهج مناهج الفضل والرشاد، والدارج مدارج الرشد والسداد، والسالك مسالك التحصيل عند أرباب التحقيق والتعميق والتدقيق، المهذّب الصفيّ والمولى الوفي، ذو الفهم العالي، والفكر الكافي، البالغ بجده الأكيد، وسعيه البليغ إلى منتهى الرشاد ودرجة الاجتهاد، الموفّق بتوفيق خالق الخلق والعباد، ذو المجد العلي، ذاك أخانا الوفي الشيخ محمّد إبراهيم - سلّمه الله تعالى - ابن العالم الفاضل الكامل، الناسك السالك، فخر العلماء العظام، وشيخ المشايخ الكرام، أبي المكارم وحاوي المفاخر، مولانا الجليل الآقا ميرزا عبد الرحيم دام ظلّه العالي.

فإنّه - زيد فضله العالي - بالغ فيما هو مراد من العلم والاجتهاد، وفائز بأسنى مراتب الرشاد والإرشاد، وأعلى منازل الصلاح والسداد، وقد وهبه الله تعالى القدرة على الاستنباط وقوة الاجتهاد، واستفادة الأحكام من الأخبار المرويّة المعتمدة، المبنية عليها عمل العلماء الأعلام في المؤلّفات والمصنّفات، فشكر الله سعيه الجميل، وأعطاه الله التوفيق لصرف عمره الشريف في هذا المقام الرفيع والعزّ المنيع، ولا زال مؤيّداً مسدّداً موفّقاً للجمع والتدوين، وكتابة رسائل مبنية على التحقيق والتدقيق، فأعطاه الله مزيد التوفيق، وأعانه على ما وجب عليه من الشكر لله (جلّ جلاله) بما منحه وأولاه، وخصّه وأولاه، فإنّ ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء.

ثمّ إنّه - زيد فضله - استجاز منّي لحسن ظنّه بي فأجزته - تبرّكاً للانتظام في سلك الرواة الأعلام، ومبلّغي الأحكام - أن يروي عنّي كلّما صحّت لي روايته، ووضحت لي درايته من كتب الأخبار التي عليها المدار في الأعصار والأمصار، كالكافي والتهذيب والفقيه والاستبصار، وما أرويه عن مشايخي الكرام، وأساتيذي العظام (عليهم رضوان الله الملك العلاّم)، ومنهم: الشيخ الجليل، والعامل الكامل، والمحقّق المدقّق، والفقيه الوحيد، والنبيه السديد، شيخ العلماء


والفقهاء، مرجع الأنام في الأقطار والأمصار، ومَنْ عليه الاعتماد في الإجازات والتصديقات، البحر القمقام، وعلم الأعلام، والعابد الناسك في بقعة خامس أصحاب الكساء، شيخنا وشيخ العلماء والمتعلّمين مولانا الشيخ زين العابدين، المازندراني الأصل، الحايري المسكن، والمعبد المدرس، والمسجَد والمرجَع (طيّب الله رمسه)، عن شيخه الأجل صاحب جواهر الكلام الشيخ محمّد حسن، عن اُستاذه العماد السّيد جواد، عن بحر العلوم، عن اُستاذه ذي الفضل الباهر الآقا محمّد باقر، عن والده الأكمل الأفضل محمّد أكمل، عن المجلسي، عن والده التّقي النقي مولانا محمّد تقي، عن بهاء الملّة والدين بإسناده المزبور في الأربعين المتّصلة بالأئمّة الطاهرين.

وأوصيته بملاحظة التقوى، ونهي النفس عن الهوى، ومراقبة الوقوف على الاحتياط في العمل والفتوى، وبيان الحلال والحرام عند الشبهات؛ فإنّه المنجي لسالكه عن ورطة الهلكات، وأن لا ينساني من صالح الدعوات في حياتي ومماتي عند مظانّ الإجابات، وعقيب الصلوات، كما لا أنساه إنشاء الله تعالى.

وكتب هذه الورقة مستخيراً من الله تعالى ولي كلّ حسنة، وذلك في الليلة الحادية عشرة من ربيع الثاني من سنة 1335 هجريّة، وأنا العبد الجاني محمّد حسين بن محمّد جعفر الفشاركي غفر الله له ولآبائه واُمّهاته، ولجميع المؤمنين والمؤمنات بمحمّد وآله الطاهرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

قد صدر من أهله في محلّه: الأحقر أبو الحسن الموسوي الأصفهاني.

محل الخاتم الشريف

قد صدر من أهله في محلّه: الأحقر عبد الكريم الحائري.

محل الخاتم الشريف


المدخـل

الحمد لله الذي خصّ بالبلاء عباده الأصفياء، وشرح صدورنا بمعرفة الأولياء، ونوّر قلوبنا بمحبّة الأزكياء، وزكّى نفوسنا بالرقّة والرجاء، وهذّب آماقنا بالدموع والبكاء، والصلاة والسّلام على محمّد أشرف الأنبياء وآله النجباء النقباء، سيّما خامس أصحاب الكساء وأنصاره المجاهدين النبلاء، الذين لم يرضوا دونه إلاّ ببذل الأرواح والدماء؛ خصوصاً مولانا أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المعروف بالإيثار والوفاء، وحامل لواء الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، وصاحب الشجاعة والغيرة والجود والسخاء، ولعنة الله على أعدائهم بدوام الأرض والسماء.

الخصائص العبّاسيّة لماذا؟

يقول غريق بحر المعاصي محمّد إبراهيم الكلباسي: لمّا رأيت آثار الشيخوخة قد ظهرت عليّ، وعلامات الضعف والنقاهة قد بدت فيّ، فقواي الجسمية نحو الانحطاط، وشمس عمري تقرب من الأُفول والغروب، ولم أرَ في ديوان عملي عملاً صالحاً مقبولاً، ولا في ما سلف منّي أثراً خالصاً مفيداً، فكدت آيس لولا أن تداركتني رحمة ربّي.

وإذا بي أتذكّر ما روي متواتراً عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح مَنْ ركبها نجا...». ولكن كيف لي الركوب في سفينتهم؟ وأنّى لي الكون معهم (صلوات الله عليهم أجمعين) بلا وجاهة ولا لياقة منّي، ولا وسيلة ولا واسطة من ذي وجاهة وكفاءة؟! هذا وهم نور الله في الأرض، وحجج الله على الخلق، وأصحاب البسط والقبض، ووديعة


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخلفاؤه من بعده فينا، فخطر على بالي قوله تعالى:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .

ورأيت أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو باب الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومَنْ أستطيع بوسيلته التمسّك بحجزة خامس أهل الكساء وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وألج عبره إلى سفينة نجاة أهل البيتعليهم‌السلام .

فكما إنّ الإمام عليّاً أمير المؤمنينعليه‌السلام باب علم مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكذلك أبو الفضلعليه‌السلام باب عناية أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام .

ولذلك قرّرت مع قلّة بضاعتي وضعف بياني أن أطرق باب الإمام الحسينعليه‌السلام وجهدي الضعيف، فأكتب من فضائل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومناقبه، وما تيسّر لي انتقاؤه من كتب شتّى، وما سمح لي التوفيق بجمع ما تفرّق من خصائصه الكبرى، وأنا أعترف بقصوري وعجزي عن درك ساحل يمّه الوارف، ونَيل قليلٍ ممّا يحويه بحر جوده الجارف، وبلوغ وصف شيء ممّا يحمله من فضائل ومكارم.

ولكن ما لا يُدرك [ جلّه ] لا يُترك كلّه، والميسور لا يُترك بالمعسور؛ فرتّبته على مقدّمة وخصائص وخاتمة، وسمّيته (الخصائص العبّاسيّة)، وأهديته على وضاعته إلى كبير سماحته، راجياً من جنابه القبول والعفو عن التقصير والقصور، والوساطة لي عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام أوسع وأسرع، والنجاة في زمرتهم؛ فإنّه لا نجاة إلاّ بهم، ولا خلاص إلاّ عن طريقهم، ولا سعادة إلاّ باتّباع مسيرتهم وأخلاقهم، وانتهاج نهجهم وتعاليمهم، ورجائي منه القبول والوساطة؛ فإنّه خير مرجوّ ومأمول للوساطة والشفاعة.


المقدّمة

حبّ أهل البيت ومودّتهم

إنّ محبّة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومودّتهم التي فرضها الله تعالى على عباده في كتابه ومحكم آياته، وجعلها أجراً لنبوّة سيّد رسله وخاتم أنبيائه، كما تشمل الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام تشمل ذراريهم الذين ساروا في طريقهم واتّبعوا نهجهم، وخاصّة مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي أطاع إمامه وضحّى بنفسه من أجله، وقدّم دمه وقاءً لدمه.

ففي مجمع البيان عن ابن عبّاس قال: أنّه لمّا نزلت هذه الآية:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قالوا: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء القربى الذين أمر الله بموالاتهم؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((علي وفاطمة وَوُلدهما)).

وفي الخصال عن عليعليه‌السلام قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث: إمّا منافق، وإمّا لزنيّة، وإمّا حملت به اُمّه في غير طهر)).

وقال الفخر الرازي صاحب التفسير المعروف، في ذيل تفسير الآية المباركة( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، أقول: آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ مَنْ كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعلي والحسن والحسينعليهم‌السلام كان التعلّق بينهم وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر.


حديث الحبّ والبغض

وأتبرّك بنقل هذا الحديث الشريف الذي نقله صاحب تفسير الكشّاف، والفخر وغيرهما، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير.

ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة.

ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد مات كافراً، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة)).

وجاء في تفسير البيضاوي نقلاً عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((حرّمت الجنّة على مَنْ ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومَنْ اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه فأنا اُجازيه)).

الذرّيّة الطاهرة

هذا وقد ذكرت في كتابي (التذكرة العظيميّة) ستّين حديثاً ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وآلهعليهم‌السلام في فضائل الذريّة، ومناقب السّادة من بني الزهراء


وعليعليهما‌السلام ، وفي فرض محبّتهم وولايتهم على الناس، وقد طبع هذا الكتاب وانتشر عام (1346) هجريّة قمريّة، وهنا أذكر بعض الأحاديث الأخرى تبرّكاً وتيمّناً مكتفياً ومعتبراً بها.

منها: ما جاء في كتاب مودّة القربى، لشهاب الدين العلوي، أحد أعظم علماء العامّة نقلاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((أحبّوا الله لِما أرفدكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي)).

ومنها: أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أنا أوّل الناس شأناً، ثمّ علي، ثمّ ذرّيتي، ثمّ مُحبّونا يدخلون الجنّة بغير حساب، لا يسألُنّ عن ذنبهم بعد المعرفة والمحبّة)).

ومنها: ما رواه ابن مسعود عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((حبّ آل محمّد يوم واحد خير من عبادة سنة، ومَنْ مات على حبّهم دخل الجنّة)).

ومنها: ما رواه أبو محمّد القمي نزيل الرّي في كتابه المسلسلات، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((مَنْ آذى شعرة منّي فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد آذى الله، ومَنْ آذى الله فعليه لعنة الله ملأ الأرض والسماء)).

ويعنيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالشعرة: مَنْ له قرابة إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله تجعله من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو بمنزلة شعرة من جسمهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومنها: ما جاء في كتاب الصواعق المحرقة، عن الطبراني نقلاً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((إنّ لله حرمات ثلاث، فمَن حفظها حفظ الله له دينه ودنياه، ألا وهي: حرمة الإسلام، وحرمتي، وحرمة رحمي وقرباي)).

خلاصة الكلام

وحاصل الكلام: إنّ هذه الأحاديث الشريفة التي ذكرناها وغيرها ممّا لم نذكرها وما أكثرها تفيد وجوب محبّة عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومودّة ذرّيته، وهو يشمل ذراريهم الذين انتهجوا نهجهم، وساروا بسيرتهم، وخاصّة أولئك الذين


أظهر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو وصيّه الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، أو كريمته فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، أو واحد من الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام علاقته به ومحبّته له، مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الذي كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يجلسه في حضنه، وينثر على وجناته وخده وهامته ويده قبلاته الحارّة من الحبّ والرحمة، ولثماته المستعرة من الحزن والأسى ممزوجة بدموعه الساخنة وعبراته السائلة، وكأنهعليه‌السلام ينبئ ببكائه ذلك عمّا سيجري على ولده هذا في نصرة إمامه من أعداء الإنسانية، ويرى ما سيصيبه في سبيل الله من بني اُميّة الظالمة الغاشمة، التي عزمت لولا إرادة الله على إبادة أهل البيت ودفن التوحيد والنبوّة.

وهو الذي كانت فاطمة الزهراءعليها‌السلام - على ما روي - تقول في حقّ أبي الفضل العبّاس ما تقوله من المدح والثناء، وتعتبره ولدها وتدعوه ابناً لها، وترى في يديه المقطوعتين في سبيل الله ونصرة ولدها الإمام الحسينعليه‌السلام كفاية لشفاعة اُمّة أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم القيامة.

وهو الذي كان أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام يخاطبه بقوله في غير مرّة: ((بنفسي أنت يا أخي)). ممّا يدلّ على عظيم مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام .

ومن المعلوم أنّ مَنْ قد حاز على ما حازه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من محبّة المعصومينعليهم‌السلام له، والزلفى عندهم، والحظوة لديهم حتّى أحبّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحبّه أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأحبّته حبيبة رسول الله فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وأحبّته ابنتها الكبرى السيّدة زينبعليها‌السلام ، وأحبّه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، والإمام الحسين الشهيدعليه‌السلام ، وباقي الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، فكيف لا يكون في مقامه [ ما ]


يستدعي وجوب محبّته على سائر الناس أجمعين؟!

وها نحن بدورنا المتواضع، وبضاعتنا المزجاة، نقدّم وبإخلاص ما تكنّه قلوبنا لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من حبّ وولاء، ومودّة وعُلقة، مظهرين ذلك ما يتسنّى لنا من فضائل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومناقبه، وسرد بعض ما امتاز بهعليه‌السلام من مميّزات، وانفرد به من خصائص، راجين عفوه عنّا وقبوله منّا؛ فإنّه من أهل بيت لا يخيب آملهم، ولا يحرم راجيهم إن شاء الله تعالى، وإليك تلكم الخصائص.


الخصّيصة الأُولى

النّسب الناصع

لا شكّ في أنّ الانتماء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنّسب يعدّ فخراً للإنسان وشرفاً، كيف لا ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو فخر البشرية وشرفها، وعزّ الإنسانية وسؤددها؟ فكيف بمَنْ انتمى إليه عن قرب، ومتّ إليه بصلة غير بعيدة؟! وذلك مثل العبّاس بن عليعليه‌السلام الذي ولد مباشرة وبلا فصل لنفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّه الأمين، الإمام أمير المؤمنين علي أبي طالبعليه‌السلام ، الذي قال في حقّه القرآن الحكيم:( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .

وقال في شأنه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه)). أي مَنْ كنت سيّده وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم فهذا علي سيّده من بعدي، وأولى به من نفسه بنصّ القرآن الحكيم.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ما اجتبيته ولكن الله اجتباه)).

الرجل الذي لا يعرفه أحد

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما رواه الفريقان أنّه قال: ((إنّ لأخي علي بن أبي طالبعليه‌السلام فضائل لا تحصى كثرة، وإنّ الجنّ والإنس لا يقدرون على إحصائها)).


وعن كتاب (مشارق الأنوار) إنّ أبا ذر خرج يوماً من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمرّ به في بعض الطريق عمر بن الخطاب، وكان عمر في طريقه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأل أبا ذر عمّن كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له أبو ذر: كان عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجل لم أعرفه.

فلمّا جاء عمر ودخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى عنده علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فتنمّر في قلبه من أبي ذر ونقم عليه، ثمّ التفت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال - وهو يشكو أبا ذر ـ: يا رسول الله، ألست القائل في حقّ أبي ذر: ((ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر))؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((نعم، قلت ذلك في حقّه وإنّه لكذلك)).

فقال عمر: لقد سمعت اليوم منه كذبة؛ وذلك إنّي التقيت به وكان قد خرج لتوّه من عندك، فسألته عمّن كان من الرجال لديكم، فأجابني: بأنّه كان عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجل لم أعرفه، مع أنّه يعرف علي بن أبي طالب جيداً، فكيف يقول لم أعرفه؟!

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جواب عمر: ((لقد صدق أبو ذر، إنّ علياً لم يعرفه أحد إلاّ الله وأنا)). وقد ذكر هذه الرواية الفريقان أيضاً.

ليلةُ القِربة

وعن كتاب (ينابيع المودة) للشيخ سليمان البلخي الحنفي، عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عباس (رضي الله عنه): أسألك عن اختلاف الناس في علي (رضي الله عنه).

قال: يابن جبير، تسألني عمّن كان له ثلاثة آلاف منقبة في ليلة واحدة، وهي: ليلة القِربة في قليب بدر؟! فقد سلّم عليه في تلك الليلة وحدها ثلاثة


آلاف من الملائكة من عند ربّهم.

ثمّ أضاف قائلاً: تسألني عن وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصاحب حوضه، وصاحب لوائه في المحشر؟ والذي نفس عبد الله بن عباس بيده، لو كانت بحار الدنيا مداداً، وأشجارها أقلاماً، وأهلها كتّاباً، فكتبوا مناقب علي بن أبي طالبعليه‌السلام وفضائله ما أحصوها.

وعن أبي ذر: إنّ علياًعليه‌السلام قال في احتجاجه على أصحاب الشورى: ((هل فيكم مَنْ سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ليلة قليب بدر، لمّا جئتُ بالماء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟)). قالوا: لا.

سقّاء بدر

هذا وقد ذكر المحدّث الجليل، والثقة النبيل، صاحب التأليفات القيّمة، والتصانيف المفيدة، الشيخ عباس القمّيرحمه‌الله في كتابه الثمين (مفاتيح الجنان) هذه القصّة، قائلاً: جاء في روايات عديدة إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأصحابه ليلة بدر: ((مَنْ منكم يمضي في هذه الليلة إلى البئر فيستقي لنا؟)).

فصمتوا ولم يقدم منهم أحد على ذلك، فأخذ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام قِربة وانطلق يبغي الماء، وكانت ليلة ظلماء باردة ذات رياح حتّى ورد البئر، وكان عميقاً مظلماً فلم يجد دلواً يستقي به، فنزل في البئر وملأ القربة وارتقى، وأخذ في الرجوع فعصفت عليه عاصفة جلس على الأرض لشدّتها حتّى سكنت فنهض واستأنف المسير، وإذا بعاصفة كالأولى تعترض طريقه فتجلسه على الأرض، فلمّا هدأت العاصفة قام يواصل مسيره، وإذا بعاصفة ثالثة تعصف عليه فجلس على الأرض للمرّة الثالثة،


فلمّا زالت عنه قام وسلك طريقه حتّى إذا بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سأله قائلاً: ((يا أبا الحسن، لماذا أبطأت؟)).

فأجاب عليعليه‌السلام : ((يا رسول الله، عصفت عليّ عواصف ثلاث زعزعتني، فمكثت لكي تزول)).

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((وهل علمت ما هي تلك العواصف يا علي؟)).

فقال عليعليه‌السلام : ((وما كانت تلك يا رسول الله؟)).

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((كانت العاصفة الأولى جبرائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، والثانية كانت ميكائيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، والثالثة كانت إسرافيل ومعه ألف ملك سلّم عليك وسلّموا، وكلهم قد هبطوا مدداً لنا)).

وإلى هذا المعنى أشار السّيد الحميري في قصيدته، قائلاً:

أقسمُ باللهِ وآلائهِ

والمرءُ عمّا قالَ مسؤولُ

إنّ عليَّ بن أبي طالبٍ

على التّقى والبرِّ مجبولُ

إلى أن قال:

ذاكَ الـذي سـلّمُ في ليلةٍ

عـلـيـه ميكالُ وجبريلُ

ميكالُ في ألفٍ وجبريلُ في

ألـفٍ ويـتـلوهُمْ سَرافيلُ

لـيـلةُ بـدرٍ مدداً أنزلوا

كـأنّـهـم طـيـرٌ أبابيلُ

سقّاء كربلاء

نعم، كما إنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام استقى للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، فكذلك ابنه العبّاس بن عليعليه‌السلام استقى لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام يوم كربلاء، ولكن بفارق كبير وهو أنّ الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام


سلّم عليه جبريل وميكائيل وإسرافيل وآلاف من الملائكة المقرّبين، وحيّوه بتحيّات طيّبة مباركة من عند الله تبارك وتعالى، بينما ولده العبّاس بن عليعليه‌السلام أحاط به آلاف النبّالة الموكّلين بالمشرعة يرشقونه بالسهام والنبال، ويمنعونه من الماء، ويحولون بينه وبين إيصال القربة إلى الخيام، وهم يسمعون صراخ الأطفال العطاشى، وعويل النساء الظمأى.

هذا والفصل صيف قائظ، والطقس حار شديد الحرارة، والشمس وهّاجة تصهرهم بأشعتها المحرقة وترشقهم بشررها القاتل، ومع ذلك لم يرحموا أهل بيت نبيّهم، ولم يدعوا الماء يصل إلى خيامهم، فقد كمنوا وراء النخيل وغدروا بالسقاء واستهدفوا القربة وأراقوا الماء، وملائكة الرحمن تلعنهم وتلعن طاغيتهم يزيد، وتقدّس روح السقّاء وتحيّيه بتحية الرحمن:( سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .

إذعـان واعتراف

وجاء في كتاب (الأنوار البهيّة) ما نصّه: حكي عن الشافعي أنّه قيل له: ما تقول في عليعليه‌السلام ؟

قال: ما نقول في حقّ مَنْ أخفت أولياؤه فضائله؛ خوفاً، وأخفت أعداؤه فضائله؛ حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين؟!

وقال مثل ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدّمة شرحه على النهج عند القول في نسب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وذكر لمع يسيرة من فضائله قال: فأمّا فضائلهعليه‌السلام فإنّها قد بلغت من العظم والجلالة، والانتشار والاجتهاد، مبلغاً يسمج معه التعرّض لذكرها، والتصدّي لتفصيلها...

إلى أن قال: وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنّه استولى بنو اُميّة على سلطان الإسلام في شرق


الأرض وغربها، واجتهدوا بكلّ حيلة في إطفاء نوره والتحريض عليه، ووضعوا المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمّن له فضيلة، أو يرفع له ذكراً، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسموّاً.

وكان كالمسك كلّما سُتر انتشر عَرفُه، وكلّما كُتم تضوّع نَشرُه، وكالشمس لا تُستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

ثمّ أضاف: وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة، وتنتهي إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل، وينبوعها وأبو عُذرها، وسابق مضمارها ومجلّي حلبتها، كلّ مَنْ بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى...

نعم، مَنْ كان هذا والده وأبوه فحقّ له أن يرث منه الشرف والسموّ، والرفعة والعلو، وأن يستلهم منه الأخلاق والآداب، والمحاسن والمكارم، والفضائل والمناقب، فهنيئاً لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام حسبه الوضّاء، ونسبه الناصع المبارك.


الخصّيصة الثانية

الرحم الطاهر

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((الجنّة تحت أقدام الأُمّهات)). وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((تزوّجوا في الحجر الصالح فإنّ العرق دسّاس)). وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((اختاروا لنطفكم)). وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((إنما المرأة قلادة، فانظر ما تتقلّد)).

ومن ثمّ قال الإمام أمير المؤمنين لأخيه عقيل، وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم: ((انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها، فتلد لي غلاماً فارساً)).

وفي خبر: ((لكي أُصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين، ويواسيه في طفِّ كربلاء)).

فقال له عقيل: تزوّج يا أمير المؤمنين اُمّ البنين الوحيديّة الكلابيّة؛ فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها. فتزوّجها عليعليه‌السلام .

وكان اسم اُمّ البنين فاطمة الوحيديّة الكلابيّة، واُمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة هذه أديبة أريبة، وعاقلة لبيبة، فأدّبت ابنتها اُمّ البنين بآداب العرب، وعلّمتها ما ينبغي للبنت الرشيدة تعلّمها من الأخلاق والآداب الحميدة.

وأبوها أبو المحل واسمه حرام، وفي بعض النسخ حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، من شجعان العرب وفرسانهم، ودُعيت اُمّ البنين بالوحيديّة والكلابيّة نسبةً إلى الوحيد بن كعب وكلاب بن ربيعة.

وكان أهلها من سادات العرب وأشرافهم، وزعمائهم وأبطالهم المشهورين.


لماذا التشاور مع عقيل؟

وهنا سؤال يفرض نفسه ليقول: أليس الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام باب مدينة علم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والعارف بأهل زمانه، بل والأعرف بهم من كلّ أحد، فكيف يسأل بأمر الزواج من مثل أخيه عقيل؟

والجواب: صحيح أنّهعليه‌السلام أعلم الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالاُمور، وأعرف الناس بأنساب الناس، ولكنهعليه‌السلام فعل ذلك لاُمور لا تخلو عن حكمة، ولعلّ من أهمّها ما يلي:

1 - أنّهعليه‌السلام أراد أن يعلّمنا بذلك كيف نبني أمورنا؛ صغيرها وكبيرها، اجتماعيّها وشخصيّها، اقتصاديّها وسياسيّها، على التحاور والتشاور، ونسير فيها على علم ومعرفة، ونشارك الناس في عقولهم وتجاربهم، فنتجنّب بذلك مفاسد الأنانية والاستبداد بالرأي، وما يتبعها من مساوئ ومهالك، وخاصة في مثل أمر الزواج الذي هو أهمّ لبنة في تكوين الاُسرة، وإنجاب الذرّية والأولاد، وبناء المجتمع الصالح.

2 - لعلّه أرادعليه‌السلام بذلك التجاهر والإعلان عن هذه السنّة المباركة التي سنّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي سنّة الزواج، حيث ورد الأمر بإعلانها والإشهاد عليها.

3 - لعلّه كان المرسوم في ذلك الزمان والمعتاد في تلك الأيام وهو استنابة الآخرين في أمر الزواج، وعدم الإقدام من الزوج شخصيّاً عليه.

4 - لعلّهعليه‌السلام أراد بذلك تعليم الأمّة إرجاع الاُمور إلى الخبراء من أهل الفنِّ، وبيان أهمّية التخصّص، ومكانة المتخصّصين في المجتمع الإسلامي.

ففي كلّ أمر يرى الإسلام الرجوع فيه إلى أهل فنّه وخبرته؛ ففي أمر الزواج إلى العارف


بالأنساب، وفي العمران إلى المهندس العالم بالعمارة، وفي التجارة إلى الخبير في أمرها، وفي الدين إلى المرجع الديني، وفي الحكومة والقيادة إلى مَنْ اختاره الله حاكماً وقائداً من الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام زمن حضورهم، وشورى المراجع الفقهاء زمن غيبتهمعليهم‌السلام وهكذا.

5 - لعلّه أراد بذلكعليه‌السلام إظهار شخصية عقيل، وإثبات تخصّصه في مجال الأنساب؛ حتّى يكون مَنْ يمدحه عقيل في نسبه - من أمثال حزام واُمّ البنين - مرفوع الرأس بين الناس ومعتمداً، ومَنْ يذمّه عقيل في نسبه - من أمثال معاوية وهند - سنداً لخزيهم في الناس ومستنداً.

6 - لعلّهعليه‌السلام أراد الإخبار عن قضية كربلاء، والإشارة إلى فاجعة عاشوراء من شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومظلوميّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وجناية بني اُميّة في حقّ أهل بيت نبيّهم، وقتل ذرّيته وسبي حريمه، حتّى لا يجعل مجالاً لأحد أن يدّعي بعد ذلك عدم علم الإمام الحسينعليه‌السلام بشهادته من نهضته الإصلاحية، وأنه خرج يطلب الحكومة والسلطان - والعياذ بالله - ليؤكّد للناس أنّهعليه‌السلام إنما يخرج ليُحيي بشهادته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينقذ بذلك الإسلام والأمّة الإسلاميّة.

الاُمّ المباركة

نعم، كانت اُمّ البنين كما أرادها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وبشهادة عقيل من أصل كريم وفرع قويم، ومن خيرة النساء الفاضلات والمعتقدات بحقّ أهل البيتعليهم‌السلام ، وكانت مخلصة في ولائها لهم، ممحّضة في مودّتهم ومحبّتهم حتّى حضت عندهم بالجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، والمقام المنيع.


ولقد زارتها السيّدة زينب الكبرىعليها‌السلام - على ما نقل من مجموعة الشهيد الأوّل - بعد وصولها إلى المدينة، أي عند عودتها من سفرة كربلاء المفجعة؛ وذلك لتعزّيها بأولادها الأربعة الذين استشهدوا بين يدي إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، كما كانت تزورها أيّام العيد أيضاً، وهذا ممّا يدلّ على علوّ مقام هذه الاُمّ المباركة اُمّ البنين، وسموّ منزلتها عند أهل البيتعليهم‌السلام .

كيف لا وقد كانت اُمّ البنين بمنزلة الاُمّ للسّيدة زينبعليها‌السلام وأختها اُمّ كلثوم، وشقيقيها الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ؛ فإنّها حينما جاءت إلى بيت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام عاملت أبناء الزهراءعليها‌السلام معاملة الاُمّ الحنون، وكانت لهم كما تكون الاُمّ العطوفة لأولادها بل وأكثر.

فإنّها كانت ترى نفسها فخورة بخدمتهمعليهم‌السلام ؛ ولذا كانت تقدّمهم على أولادها وتعتني بهم أكثر ممّا تعتني بأبنائها، وترى القيام بشأنهم واجباً عليها وفريضة كتبها الله في ذمّتها، فإنّهم قربى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين أوجب الله تعالى على العباد مودّتهم ومحبّتهم وتبجيلهم وإكرامهم.

حتى روي أنّها لمّا زفّت إلى بيت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام صادفت الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام مريضين فأخذت تمرضهما، وتقوم برعايتهما وتلاطفهما في القول، وتطيّب لهما في الكلام، حتّى عوفيا من مرضهما، وبرئا من علّتهما.

ثمّ إنّها - على ما قيل - طلبت من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يعهد إلى أهل بيته بأن لا يَدعوها أحد بعد ذلك باسمها فاطمة؛ مخافة أن يتذكّر أبناء الزهراءعليها‌السلام اُمّهم، فيتجدّد لهم حزنهم ويعود لهم مصابهم، ويتذكّروا غصصهم وأشجانهم، وإنّما أرادت منهعليه‌السلام أن يدعوها بكنيتها اُمّ البنين، وكذلك فعلعليه‌السلام .


مقام اُمّ البنين عند الله

ثمّ إنّه على إثر إخلاص السيّدة اُمّ البنين في ودّها ومحبّتها بالنسبة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذرّيته الطيّبين، وما قدّمته من عناية ورعاية لأبناء الزهراءعليها‌السلام ، وما عرفته لهم من الحقوق التي فرضها الله تعالى لهم على عباده من السمع والطاعة، والتبجيل والتكريم، خصّها الله تعالى بمقام شامخ، وجعلها باباً من أبواب الحوائج، كما خصّ ولدها العبّاسعليه‌السلام بذلك أيضاً، حيث جعله باباً للحوائج، وملجأً في المهمّات والمصاعب.

فما رجاها طالب حاجة، أو قصدها صاحب هَمّ وغَمّ، ونذر لله تعالى أن يهدي لروحها شيئاً من الدعاء والصلاة، والبرّ والخيرات إلاّ وقضى الله تعالى له حاجته، وفرّج عنه همّه وغمّه؛ كلّ ذلك إكراماً من الله تعالى للسّيدة اُمّ البنين (سلام الله عليها)، مقابل إخلاصها ووفائها.

اُمّ البنين وإرهاصات الولادة

قيل: إنّ والد اُمّ البنين حزام بن خالد بن ربيعة كان في سفر له مع جماعة من قومه فرأى ذات ليلة في منامه أنّه جالس في أرض خصبة، وقد انعزل في ناحية وفي يده درّة يقبّلها وهو متعجّب من صفائها وتلألئها، وإذا بفارس قد أقبل إليه من صدر البريّة وقال له بعد السّلام والتحية، وهو يشير إلى الدرّة: بكم تبيع هذه؟

فقال له حزام: إنّي لم أعرف قيمتها، ولكن أنت بكم تشتريها؟

فقال الفارس: إنّي أيضاً لم أعرف قيمتها، ولكن اقترح عليك أن تهديها إلى مَنْ هو جدير بأن يهدى إليه، وحقيق بأن يتحف بها، وأنا أضمن لك عنده شيئاً هو أغلا من الدراهم والدنانير.


فقال له حزام: وما هو ذلك الشيء الأغلى من الدراهم والدنانير؟

قال الفارس: أضمن لك الحظوة عنده، والزلفى لديه، والشرف والسؤدد أبد الآبدين.

فقال حزام: أو تضمن لي ذلك؟

فقال الفارس وبكلِّ صلابة: نعم، أضمن لك ذلك.

فقال حزام: وتكون أنت الواسطة والكفيل أيضاً في ذلك؟

قال الفارس وبكلَِّ قوّة: نعم، وأكون أنا الواسطة والكفيل لو فوّضتني أمرها وخوّلتني فيها. فأعطاه حزام إيّاها وفوّضه في أمرها.

فلمّا انتبه حزام من نومه قصّ رؤياه على مَنْ كان معه من قومه، فقال له أحدهم: إن صدقت رؤياك فإنك ترزق بنتاً، ويخطبها منك أحد العظماء، وتنال عنده بسببها الشرف والسؤدد.

فلمّا رجع حزام من سفره وكانت زوجته ثمامة حاملاً بفاطمة اُمّ البنين رآها قد وضعت بها، فبشّروه بذلك، فتهلّل وجهه فرحاً، وسرّ سروراً كبيراً، وقال في نفسه: قد صدقت الرؤيا. فلمّا قيل له: ما نسمّيها؟ أجاب: سمّوها فاطمة، وكنّوها اُمّ البنين.

ثمّ نشأت الوليدة نشأة صالحة في أحضان اُمّها ثمامة وعلى يدي أبيها حزام، وتأدّبت في بيت الوالدين بآداب العرب، وأخلاق الصالحين الأبرار، وشيم النبلاء الأحرار، حتّى بلغت مبلغاً لائقاً تأهّلت به للزواج وتمكنت من إدارة الشؤون البيتيّة والعائلية، وذلك بعد أن ارتفعت إلى مستوىً عالٍ من الأدب والكمال، بحيث استطاعت عبره لأن تكون زوجة لأشرف خلق الله تعالى بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُمّاً لذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .


عقيل يخطب للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام

نعم، لمّا طرح الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على أخيه عقيل أمر الزواج، وطلب مشورته فيه اقترح عليه عقيل أن يتزوج بفاطمة الوحيديّة الكلابيّة، ذات الاُسرة العريقة والمنزلة الرفيعة، والأصالة والنجابة والشجاعة والشهامة. وما أن وافق الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على اقتراح أخيه وقَبِل منه مشورته إلاّ وأخذ عقيل يهيّئ مقدمات هذا الزواج المبارك، ويعدّ له مستلزماته، فقام بخطبة فاطمة الكلابيّة من أبيها حزام.

كان مسكن حزام حينئذ خارج المدينة فقصده عقيل بكل رجاء وأمل، ونزل بكل عزّ وشرف على حزام في مضيفه هناك، فرحّب به حزام ونحر له واستضافه بكل حفاوة، وأكرمه غاية الإكرام، وكانت العادة حينئذ جارية على أنهم كانوا لا يسألون الضيف عن حاجته إلاّ بعد ثلاثة أيام من استضافته، فلمّا صار اليوم الرابع أقبل حزام وجلس إلى جانب عقيل وقال له بكل احترام وتبجيل: هل لك يا أخي من حاجة فتُقضى، أو ملمّة فتُمضى من مال أو رجال وعدد أو عدّة، فإنا نحن رهن إشارتكم، ومن المؤتمرين بأوامركم؟

فأجابه عقيل شاكراً عواطفه وشعوره الطيّب قائلاً: جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ.

فقال حزام مستفسراً: وما هو ذلك يابن عمّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال عقيل: جئتك خاطباً.

فقال حزام وبكلِّ حرارة: مَنْ ولمَن؟

فأجابه عقيل بكامل الصدق والصراحة: جئتك لأخطب ابنتك الحرّة


فاطمة اُمّ البنين إلى يعسوب الدين وقائد الغرّ المحجّلين، وإمام المتّقين، وسيّد الوصيِّين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف (صلوات الله عليهم أجمعين).

عندها هشّ حزام وبشّ، والتفت إلى عقيل وهو لا يتمالك نفسه فرحاً وسروراً وقال: على الرحب والسعة، والإقبال والدعة؛ فلقد جئتنا بخير الدنيا والآخرة، وجلبت لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع، ونحن نتشرّف بهذه المصاهرة ونفتخر بهذه الوصلة، فمَنْ مثل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ووصي رسول ربّ العالمين، وحجّة الله على الخلق أجمعين، إمام الإنس والجن، قسيم النار والجنة؟

ولكن يابن عمّ رسول الله، أين نحن منه؟ وأين ابنتنا من جنابه؟ فبالإضافة إلى أننا اُناس عاديّون نحن أُناس قرويّون، وإنّ ابنتنا من أهل القرى والبادية، وهل تصلح قرويّة ريفيّة لإمام مكّي مدني؟!

وما أن أتمّ حزام كلامه حتّى ابتدره عقيل قائلاً: اعلم يا أبا المحل - وأبو المحل كنية حزام - بأنّ أخي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يعلم كلّ ما قلته، ولا يخفى عليه شيء ممّا بيّنته، وأنه مع ذلك يرغب في مصاهرتكم ويحبّ أن يتزوج منكم، وقد رضي بأن تكون ابنتكم زوجةً له، وربّة بيته، واُمّاً حنوناً لأولاده.

عندها قال حزام: إذاً يابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمهلني حتّى أستشير أُمّها في ذلك، وأسألها عن صلاحيّة ابنتها وأهليّتها للزواج؛ فإنّ الاُمّ أعلم بحال ابنتها من الأب، وأعرف منه بأخلاق ابنتها وآدابها، حتّى إذا أشارت عليّ بالقبول عرضت على ابنتي فاطمة أمر زواجها، لأعرف موافقتها ورضاها بذلك.


حزام يستشير ثمامة

فقال له عقيل: لك ذلك يا أخا بني هوازن.

لمّا أذن عقيل لحزام بالاستشارة قام حزام وأقبل إلى البيت، وعندما دخله إذا به يرى ابنته فاطمة جالسة بين يدي اُمّها ثمامة لترجيل شَعْرها، فالاُمّ تمشط رأس ابنتها وتسرح شَعْرها والبنت تحدّث اُمّها وتستأذنها بأن تقصّ عليها رؤيا كانت قد رأتها وهي تقول: أُمّاه لقد رأيت في منامي البارحة رؤيا عجيبة أُحبّ أن أقصّها عليك يا اُمّاه.

فقالت الاُمّ بحرارة وبكلِّ عطف وحنان: خيراً رأيتِ يا بنيّة، نعم، قصّيها عليّ.

وهنا وقف حزام في مكان لا يراه فيه أحد وأخذ يسمع رؤيا ابنته، فسمعها تقول: يا أُمّاه، رأيت في منامي البارحة كأنّي جالسة في روضة غنّاء، ذات أشجار مثمرة، وأنهار جارية، وكان الوقت ليلاً لكن ليلة مقمرة، حيث السماء صاحية، والنجوم ساطعة، والقمر تامّاً، وقد أرسل القمر أضواءه الفضيّة على الروضة وأكسبها جمالاً فائضاً، وبهجةً رائعة.

وكنت أنا في تلك اللحظات أُفكر في عظمة الله خالق السماء والأرض، ومبدع الشمس والقمر، فبينا أنا كذلك وإذا بالقمر قد انقضّ من كبد السماء وهوى نحو الأرض ووقع في حجري، وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار ويبهر العيون، فتعجّبت من ذلك كثيراً! ولكن زاد تعجّبي عندما رأيت ثلاث نجوم زواهر تنقضّ من السماء نحو الأرض وتسقط في حجري أيضاً، وهي تتلألأ نوراً وتشعّ سناً وضوءاً، وإذا بهاتف يهتف بي حينئذ ويقول:


بـشراكِ فـاطمةٌ بالسادةِ الغررِ

ثـلاثةِ أنـجمٍٍ والـزاهرِ القمرِ

أبـوهم سـيّدٌ فـي الخلقِ قاطبة

بعدَ الرسولِ كذا قد جاءَ في الخبرِ

ثمّ أضافت قائلة: فما أن سمعت ذلك حتّى انتبهت من نومي وأنا فزعة. ثمّ قالت: هذه يا اُمّاه كانت رؤياي التي رأيتها البارحة في منامي، فما هو تأويلها وتفسيرها؟

فقالت لها اُمّها وهي تفسّر لها رؤياها: خيراً يا بنيّة، رؤياك تنبئ عن أنّك ستصبحين زوجة لرجل له عند الله جاه عظيم، وشأن رفيع، وقدر كبير، سيّد في قومه، مطاع في عشيرته، عظيم عند الناس، كبير عند الله، وترزقين منه أربعة أولاد أوّلهم أكبرهم قدراً، وأعظمهم منزلة، ويكون كالقمر، ويكون الثلاثة الباقون بالنسبة إليه كالنجوم الزواهر.

وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله:

صـدقـتْ بهِ رؤيا رأتْها فاطمٌ

قبلَ القران بمَنْ بهِ عُرفَ التقى

قمراً رأتْ ينقضُّ من كبدِ السما

يهوي بأحضانِ الحصانةِ مشرقا

تـقفوهُ مـن أبهى النجومِ ثلاثةٌ

يـغدو الـزمانُ لحسنِهم متشوّقا

الرؤيا الصادقة

وهنا عندما تمّ حديث الاُمّ وبنتها ظهر عليهما حزام وحيّاهما بالسّلام، وقال مبتسم الثغر، مبتهج القلب: لقد تحقّقت رؤياك يا بنيّة، فهذا ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام جاء يخطبك منّا.

فوجئت الاُمّ وابنتها بهذا النبأ السار الذي جاء مفسّراً للرؤيا ومطابقاً لها، فطأطأت البنت رأسها حياءً، وغضّت طرفها خجلاً، بينما رفعت الاُمّ رأسها


والتفتت إلى حزام وهي تقول: لمَن يخطبها؟

قال حزام: لفلاّل الكتائب، ومظهر العجائب، فارس المشارق والمغارب، أسد الله الغالب علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

فقالت الاُمّ بلهفة واشتياق: وما الذي أجبت به عقيلاً يا حزام؟

قال حزام: استمهلته حتّى أستشيرك في الأمر، وأرى رأيك في ذلك، ثمّ أضاف: فما ترين يا ثمامة؟ هل ترين ابنتنا مؤهّلة للزواج، وكفؤ لأن تكون زوجة لوصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحجة على خلق الله الإمام أمير المؤمنين وإمام المتّقين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؟

فأجابت الاُمّ وبكلِّ بهجة وإعجاب: نعم يا حزام، إنّ ابنتنا وبحمد الله عاقلة نبيهة، وأديبة أريبة، لقد رأيت فيها الكفاءة منذ صغرها، وأحسست منها التفوّق والنبوغ من أيّامها الأولى، فأدّبتها بآداب العرب، وربّيتها تربية الصالحين، وأعددتها إعداداً تأهّلت عبره لأن تكون زوجة صالحة واُمّاً عطوفاً، وربّة بيت مديرة ومدبّرة، فأرجو الله أن تكون عند حسن ظنّنا، وأن تبيّض بسيرتها الحسنة عند الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وجوهنا.

عندها تهلّل وجه حزام، وأقبل على ابنته يسألها عن رأيها ويستعلم موافقتها ورضاها بالزواج من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ بقي بعد أن عرض عليها أمر الزواج يترقّب رأيها وينتظر جوابها، لكن ما كان جواب البنت اللبيبة عن رضاها بهذا الزواج المبارك إلاّ سكوتها؛ فإنّ السكوت علامة الرضا.

عندها طار الأب فرحاً، وغادر البيت مسرعاً، واتّجه إلى المضيف ليلتقي بعقيل الذي تركه هناك ينتظره، ويترقّب جوابه حتّى يبشّره بالموافقة والقبول.


مهر السنّة

فلمّا دخل حزام المضيف تلقّاه عقيل متسائلاً وهو يقول: ما وراءك يا أبا المحل؟

فأجابه حزام: يابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كلّ الخير إنشاء الله تعالى، لقد رضينا أن تكون ابنتنا خادمة متواضعة في بيت النبوة والإمامة إن قبلها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بذلك؟

فقال له عقيل: يا أبا المحل، لا تقل خادمة متواضعة ولكن قل: زوجة وفيّة، وقرينة كريمة.

ثمّ واصل عقيل كلامه وقال: لا بدّ للمرأة من صداق، فهل لكم اقتراح فيه؟

قال حزام: لا، إنما نفوّض ذلك يابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليك.

فقال عقيل وهو يشكره على ذلك: اعلم يا أبا المحل، إنّ أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتجاوزون في صداق بناتهم ونسائهم ما سنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الصداق لبناته ونسائه هو خمسمئة درهم.

فقال له حزام: ونحن أيضاً لا ينبغي لنا أن نتجاوز ما سنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المهر والصداق، رضينا وسلّمنا.

ثمّ نهض حزام لإبلاغ الأمر إلى عياله، وذلك بعد أن استأذن من عقيل واسترخصه فتوجّه نحو البيت، فلمّا دخله التفت إلى زوجته ثمامة وابنته فاطمة وقال لهما بكل بهجة وسرور: البشارة البشارة، لقد رضي عقيل بن أبي طالب ابنتنا فاطمة لأخيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على مهر السنّة وهو خمسمئة درهم؛ فإنّه الصداق الذي سنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأزواجه وبناته.


فسجدت ثمامة شكراً لله تعالى وهي تقول: أحمد لله الذي شرّفنا بهذه المصاهرة، وكرّمنا بوصلة وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ أقبلت على ابنتها فاطمة تقبّلها، كما وأخذت تهنّئها بهذه الكرامة التي أكرمها الله بها، والشرف الذي تشرّفت به، وتوصيها بحسن الأخلاق والسيرة، وتحثّها على خدمة زوجها وخدمة أولاده ذريّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك بكل إخلاص وكامل الجهد والجد.

إعلان الخطبة

ثمّ إنّ حزام خرج بعد ذلك ودعا عشيرته وقومه من بني كلاب وبني عامر؛ ليحضروا مجلس الخطبة، فلمّا حضروا قام فيهم عقيل خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام .

ثمّ قال: أمّا بعد، فاعلموا يا بني كلاب، ويا بني عامر بن صعصعة، إنّ الله قد منّ علينا إذ بعث فينا رسولاً من أنفسنا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجاءنا بدين الله القويم الذي ارتضاه الله لنا، إذ يقول تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ ) (1) . ويقول تعالى:( ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) (2) .

وأمرنا بنبذ البغضاء والشحناء، وأوجب علينا التعارف وصلة الأرحام، إذ يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (3) .

وحرّم علينا الزنا والسفاح، وأحلّ لنا الزواج والنكاح، إذ يقول تعالى:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (4) .وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((تناكحوا تناسلوا فإنّي مباهٍ بكم الاُمم)).

وهذا وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن عمّ نبيّكم، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشمعليه‌السلام ، قد أحبّ مصاهرتكم، وخطب

____________________

(1) سورة آل عمران / 19.

(2) سورة آل عمران / 85.

(3) سورة الحجرات / 13.

(4) سورة الرّوم / 21.


إليكم كريمتكم فاطمة اُمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة على كتاب الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد قال الله تعالى:( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (1) . والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثمّ جلس.

عندها قام حزام بن خالد وقال بعد الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على رسوله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الطاهرين: أمّا بعد، فيا قوم قد سمعتم ما قاله ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عقيل بن أبي طالب من ذكر نبينا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ودين الإسلام القويم.

وإنّي أُشهدكم وأُشهد الله أنّي اُدين بدين هذا النبي الكريم، وأطيعه فيما أمر به ونهى عنه، وقد ارتضيت وصيّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام لابنتي فاطمة بعلاً، وارتضيتها له سكناً، وأنتم عشيرتي وقومي فما تقولون في هذا الأمر؟

فقالوا في جوابه: ما تريد أن نقول في وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن عمّ نبيّكم؟ إنّه أكرم الناس نسباً وحسباً، وأعظمهم شرفاً وسؤدداً، ولنا الفخر والشرف في الانتساب إليه والوصلة معه، فنعم ما صنعت وخير ما فعلت.

في بيت الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام

ثمّ إنّه بعد إتمام الخطبة، وإجراء صيغة العقد، وإرسال الصداق والهدايا، وتجهيز الجهاز واللوازم، زفّت فاطمة اُمّ البنين إلى زوجها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان ذلك - طبعاً - بعد شهادة الصدّيقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ؛ فإن السيّدة اُمّ البنين - على ما يراه بعض المؤرّخين - كانت هي أوّل مَنْ تزوّجها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، أو أنّها كانت الثانية بعد تزوّجهعليه‌السلام أوّلاً

____________________

(1) سورة الشّورَى / 11‏


باُمامة بنت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما يراه بعض آخر من المؤرّخين.

وكيف كان، فإنّ اُمّ البنين لمّا جاءت في بيت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كانت له ولأولادهعليهم‌السلام كما رجاها أبوها حزام واُمّها ثمامة، وكما وصفها عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام ، فإنّها عاشت معهعليه‌السلام زوجة وفيّة، وقرينة كريمة، وربّة بيت مدبّرة، واُمّاً حنوناً لأولادهعليهم‌السلام ، ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ إنّها أنجبت له بنيناً أربعة، أوّلهم وأفضلهم: قمر العشيرة أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وثانيهم: عبد الله، وثالثهم: جعفر، ورابعهم: عثمان.

وتحقّق صدق كنيتها اُمّ البنين بهؤلاء الأشبال الأربعة، بل الأُسود البواسل، بل إنّهم وخاصةً أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، قد ورثوا الشجاعة من أبيهم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن اُمّهم فاطمة الوحيديّة الكلابيّة التي كانت قد ورثت الشجاعة من آبائها وأسلافها الفرسان الشجعان.

كما إنّهم ورثوا منها المحاسن والمكارم، والفضائل والمناقب، والصدق والوفاء، والمحبّة والولاء؛ فقد كانوا لأخيهم الإمام الحسينعليه‌السلام مطيعين موالين، وفي حبّهم له من المخلصين الصادقين، وبإمامته من المعترفين المقرّين، ولم يرضوا بأقلّ من أن يضحّوا بأنفسهم من أجله، وبأرواحهم دون روحه.

وبالفعل فإنّهم رغم المغريات والتطميع بإمارة جيش بني اُميّة، ومواثيق الأمان التي عرضت عليهم من قِبَل ابن زياد لم يتركوا أخاهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم ينصرفوا عنه، بل قاتلوا دونه حتّى قُتلوا فداءً له، وتضرّجوا بدمائهم وقاءً لدمه، وذلك كلّه بفضل وفاء اُمّهم اُمّ البنين، وإخلاصها لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذرّيته.

حيث كانت تعلّمهم كيف يضحّوا من أجل إمامهم الحسينعليه‌السلام ، وكيف يقوه بأنفسهم ويفدوه بأرواحهم، ويرخصوا دماءهم الغالية وقاءً لدمه الطاهر، وذلك من حين طفولتهم ونعومة أظفارهم، فقد دأبت في تعليمهم وتربيتهم على ذلك، وتنشئتهم عليه.


الزواج الأمثل

لقد كان في طريقة زواج الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وكيفية انتخابه لاُمّ البنين، واختياره إيّاها زوجةً له واُمّاً لأولاده درس للمسلمين وعبرة لهم؛ حتّى يكونوا في أمر الزواج على بصيرة، ويقدموا على ذلك عن تحقيق ومشورة؛ فإن الزواج هو اللبنة الأولى في بنيان الاُسرة، والحجر الأساس لتشييد أركانها، وبصلاح الاُسرة يصلح المجتمع والعكس بالعكس؛ ولذلك اعتنى الإسلام بالزواج وبالزوجين - وخاصةً المرأة - ما لم يعتنِ بها وبشؤونها دين من الأديان السماوية، ولا مبدأ من المبادئ الأرضية.

والإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إنما جسّد بزواجه هذا ما جاء في القرآن الحكيم، والسنّة الكريمة، والأحاديث الشريفة من الحثّ على التحقيق والتدقيق في أمر الزواج، وانتخاب ذوي البيوتات والشرف، والإيمان والتقوى، واجتناب ما خبث ولَؤم.

فقد روي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قام خطيباً وقال: ((أيها الناس، إيّاكم وخضراء الدمن!)). قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((المرأة الحسناء في منبت السوء)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أغلب الأعداء للمؤمن زوجة السوء)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ذروا الحسناء العاقر، وعليكم بالسوداء الولود، فإنّي مكاثر بكم الاُمم حتّى بالسقط)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((اعلموا أنّ المرأة السوداء إذا كانت ولوداً أحبّ إليّ من الحسناء العاقر)).

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقول في دعائه: ((اللّهم إنّي أعوذ بك من ولد يكون عليّ ربّاً، ومن مال يكون عليّ ضياعاً، ومن زوجة تشيّبني قبل أوان مشيبي)).


الزوجة الصـالحة

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ألا أُخبركم بخير نسائكم؟)). قالوا: بلى. قال: ((إنّ خير نسائكم الولود الودود، السّتيرة العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرّجة مع زوجها، الحصان عن غيره، التي تسمع قوله وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما أراد منها، ولم تتبذّل له تبذّل الرجل)). أي لم تترك الزينة له.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((تزوّجوا للرزق، فإنّ لهنّ البركة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((ألا أُخبركم شرّ نسائكم؟)). قالوا: بلا يا رسول الله أخبرنا.

قال: ((إنّ شرّ نسائكم الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود التي لا تتورّع عن قبيح، المتبرّجة إذا غاب عنها زوجها، الحصان معه إذا حضر، التي لا تسمع قوله ولا تطيع أمره، فإذا خلا بها تمنّعت تمنّع الصعبة عند ركوبها، ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً)).

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ((تزوّج عيناء سمراء، عجزاء مربوعة، فإن كرهتها فعليّ الصداق)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((مَنْ أراد الباءة فليتزوّج بامرأة قريبة من الأرض، بعيدة ما بين المنكبين سمراء اللون، فإن لم يحظَ بها فعليّ مهرها)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((عقول النساء في جمالهنّ، وجمال الرجال في عقولهم، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد أن يتزوج امرأة بعث إليها مَنْ ينظر إليها، وقال: شمّ ليتها، فإن طاب ليتها طاب عرفها، وإن درم كعبها عظم كعثبها)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((يظهر في آخر الزمان واقتراب القيامة، وهو شرّ الأزمنة، نسوة متبرّجات كاشفات، عاريات من الدين، داخلات في الفتن،


مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللذات، مستحلاّت للمحرمات في جهنم خالدات)).

وقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ((إذا أراد أحدكم أن يتزوّج فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها؛ فإن الشعر أحد الجمالين)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((خير نسائكم الطيّبة الريح، الطيّبة الطعام، التي إن أنفقت أنفقت بمعروف، وإن أمسكت أمسكت بمعروف، فتلك من عمّال الله، وعامل الله لا يخيب ولا يندم)).

وقال أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : ((خير نسائكم التي إن غضبت أو أغضبت قالت لزوجها يدي في يدك، لا أكتحل بغمض حتّى ترضى عنّي)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((من بركة المرأة قلّة مؤونتها، وتيسير ولادتها، ومن شؤمها شدّة مؤونتها، وتعسير ولادتها)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((الخيّرات الحسان من نساء أهل الدنيا هنّ أجمل من الحور العين)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضل نساء اُمّتي أصبحهنّ وجهاً، وأقلهنّ مهراً)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((الحياء عشرة أجزاء؛ تسعة في النساء وواحد في الرجال، فإذا خفضت المرأة ذهب جزء من حيائها، وإذا تزوّجت ذهب جزء، وإذا افترعت ذهب جزء، وإذا ولدت ذهب جزء وبقي لها خمسة أجزاء، فإن فجرت ذهب حياؤها كلّه، وإن عفّت بقي لها خمسة أجزاء)).

وعن داود الكرخي قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ صاحبتي هلكت وكانت لي موافقة، وقد هممت أن أتزوج.

فقال: ((انظر أين تضع نفسك، ومَنْ تشركه في مالك، وتطلعه على دينك وسرّك وأمانتك، فإن كنت لا بدّ فاعلاً


فبكراً تنسب إلى الخير وإلى حسن الخلق)).

ولقد أوصت بنت الحارث ابنتها حين زفّت إلى زوجها قائلة: يا بنية، احملي عنّي إلى بيت زوجك عشر خصال تكن لك ذخراً وذكرى:

1 - الصحبة بالقناعة.

2 - والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.

3 - والتعهّد لموقع عينه، والتفقّد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشمّ منك إلاّ أطيب ريح.

4 - والتعهّد لوقت طعامه.

5 - والهدوء عنه عند منامه.

6 - والاحتفاظ ببيت ماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله.

7 - ولا تفشي له سرّاً.

8 - ولا تعصي له أمراً.

9 - ثمّ اتّقي الفرحة أمامه إن كان ترحاً، والاكتئاب عنده إن كان فرحاً.

10 - وكوني أشدّ ما تكونين له إعظاماً يكن أشدّ ما يكون لك إكراماً، وأشدّ ما تكونين له موافقة يكن أطول ما يكون لك مرافقة.

الزوج الصالح

عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)).

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : ((حبّ النساء من أخلاق الأنبياء)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((ما أظنّ رجلاً يزداد في هذا الأمر - أي التشيّع واتّباع


طريقة أهل البيتعليهم‌السلام - خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً: ((العبد كلّما ازداد في النساء حبّاً ازداد في الإيمان فضلاً)).

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ شرب الخمر بعدما حرّمه الله ليس بأهل لأن يُزوّج إذا خطب)).

وعن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: ((إيّاك أن تُزوّج شارب الخمر، فإن زوّجته فكأنما قدت إلى الزنا)).

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ((لا تتزوّجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوّجوا الرجل المستعلن بالزنا إلاّ أن تعرفوا منهم التوبة)).

وعن الحسين بن بشار قال: كتبت إلى أبي الحسنعليه‌السلام : إنّ لي ذا قرابة قد خطب إليّ وفي خلقه سوء. قال: ((لا تزوّجه إن كان سيّئ الخلق)).

وعن الحسين بن بشار أيضاً قال: كتبت إلى أبي جعفرعليه‌السلام في رجل خطب إليّ، فكتبعليه‌السلام : ((مَنْ خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته كائناً مَنْ كان فزوّجوهإِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) )(1) .

وكتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر في أمر بناته: أنّه لا يجد أحداً مثله. فكتب إليه أبو جعفرعليه‌السلام : ((فهمت ما ذكرت من أمر بناتك، وأنك لا تجد أحداً مثلك فلا تنظر في ذلك يرحمك الله؛ فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: إذا جاءكم مَنْ ترضون خلقه فزوّجوهإِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ )).

وروي أنّه جاء رجل إلى الإمام الحسنعليه‌السلام يستشيره في تزويج ابنته، فقالعليه‌السلام : ((زوّجها من رجل تقي؛ فإنّه إن أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها)).

____________________

(1) سورة الأنفال / 73.


المؤمن كفؤ المؤمن

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنما أنا رجل مثلكم أتزوّج فيكم وأزوّجكم، إلاّ فاطمة فإنّ تزويجها نزل من السماء)).

وروي أنّه نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أولاد علي وجعفر، فقال: ((بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا)).

وقال أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : ((المؤمنون بعضهم أكفّاء بعض)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار)).

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أنكحت زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وأنكحت المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب؛ ليعلموا أنّ أشرف الشرف الإسلام)).

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((إذا تزوّج الرجل المرأة لمالِها أو جمالها لم يرزق ذلك، فإن تزوّجها لدينها رزقه الله (عزّ وجلّ) مالها وجمالها)).

وقال علي بن الحسينعليه‌السلام : ((مَنْ تزوّج لله (عزّ وجلّ) ولصلة الرحم توّجه الله تاج الملك)).

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال: ((قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتّى يجمع الله بينهما)).

وعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً لعلّ الله أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلاّ الله)).

وعن أبي الحسنعليه‌السلام قال: ((جاء رجل إلى أبي جعفرعليه‌السلام فقالعليه‌السلام له: هل لك من زوجة؟ قال: لا. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : لا أحبّ أنّ لي الدنيا وما فيها وأن


أبيت ليلة وليس لي زوجة. ثمّ قال: إنّ ركعتين يصلّيهما متزوّج أفضل من رجل عَزِبٍ يقوم ليله ويصوم نهاره)).

وعن الإمام الرضاعليه‌السلام : ((إنّ امرأة سألت أبا جعفر الباقرعليه‌السلام فقالت: إنّي متبتّلة. فقال لها: وما التبتّل عندك؟ قالت: لا اُريد التزويج أبداً. قال: ولِمَ؟ قالت: التمس في ذلك الفضل. فقال: انصرفي، فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمةعليها‌السلام أحقّ به منك، أنّه ليس أحد يسبقها إلى الفضل)).

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((مَنْ زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها، وتشدّ من عضده ويستريح إليها، زوّجه الله من الحور العين)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ما بُني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله من التزويج)).

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ سرّه أن يلقى الله طاهراً مطهّراً، فليلقه بزوجة صالحة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((تزوّجوا النساء فإنهنّ يأتين بالمال)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ كان له ما يتزوّج به فلم يتزوّج فليس منّا)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((التمسوا الرزق بالنكاح)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أراذل موتاكم العزاب)).

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((أكثروا الخير بالنساء)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((تزوّجوا ولا تطلّقوا؛ فإنّ الطلاق يهتزّ منه العرش)).

الزوجان الكفؤان

عن كتاب الوافي عن أبي حمزة الثمالي ما مضمونه قال: كنت عند الإمام الباقرعليه‌السلام إذ دخل عليه رجل فرحّب به الإمامعليه‌السلام ، وأقبل عليه يتفقّد عن حاله، فقال له الرجل: يابن رسول الله، لقد خطبت من فلان - وهو أحد مواليكم - ابنته


فردّني، وأعرض عنّي واستحقرني؛ نظراً لذمامتي وغربتي، فدخلني من ذلك ما ضقت به ذرعاً حتّى أنّي تمنّيت موتي على إثره.

فقالعليه‌السلام له: ((لا بأس عليك، أنت رسولي إلى منجح بن رماح لتقول له: إنّ محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يقول لك: زوّجني ابنتك ولا تردّني)).

فقام ذلك الرجل مسرعاً وتوجّه إلى بيت منجح بن رماح ليبلغه رسالة الإمام الباقرعليه‌السلام في أمر زواجه.

فقال أبو حمزة: عندها التفت الإمام الباقرعليه‌السلام إلينا وقال: ((جاء رجل من اليمامة واسمه جويبر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يريد الإسلام، فأسلم وحسن إسلامه، وكان رجلاً قصيراً ذميماً محتاجاً عارياً، وكان من قباح السودان، فتكفّله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقام برعايته وهو ملازم للمسجد، حتّى إذا كثر عدد المسلمين الملازمين للمسجد نزل الوحي بإخراجهم عن المسجد، وبسدّ الأبواب المفتوحة على المسجد إلاّ باب بيت علي وفاطمةعليهما‌السلام .

ففعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أمره الوحي بسدّ الأبواب وإخراج مَنْ كان يلازم المسجد وينام فيه، وبنى لهم خارج المسجد صفّة يلجؤون إليها. وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم بنفسه برعايتهم وكفالتهم، ويتفقّد أحوالهم كلّ صباح ومساء، والمسلمون يقتدون بهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالعطف عليهم.

وذات مرّة التفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جويبر وقال له: ألا تحبّ أن تتزوّج امرأة تحصن بها فرجك، وتكون عوناً لك على دنياك وآخرتك؟

فقال جويبر بلهفة مشوبة بيأس: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله! ومَنْ ترغب فيّ؟! فوالله ما لي من حسب ولا نسب، ولا مال ولا جمال، فأي امرأة ترغب في الزواج منّي؟


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله بعطف وحزم: يا جويبر، إنّ الله قد وضع بالإسلام مَنْ كان في الجاهلية شريفاً، ورفع بالإسلام مَنْ كان في الجاهلية وضيعاً، وأباد نخوة الجاهلية وغرورها، وأزال بالإسلام التفاخر بالآباء والعشائر، قال الله تعالى:إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : فإنّ الناس اليوم كلّهم، أبيضهم وأسودهم، قرشيهم ونبطيّهم، عربيّهم وعجميهم، من آدم، وإنّ آدم خلقه الله (عزّ وجلّ) من طين، وإنّ أحبّ الناس إلى الله (عزّ وجلّ) يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم، وإنّي يا جويبر لم أعرف أحداً من المسلمين يكون أفضل منك إلاّ مَنْ كان هو أكثر منك تقوىً وطاعة لله تعالى)).

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد؛ فإنّه من أشرف بني بياضة حسباً فيهم، وقل له: إنّي رسول من رسول الله إليك لأُبلغك قوله إليك بتزويجي ابنتك الدلفاء.

فأقبل جويبر مسرعاً، واستأذن من زياد في الدخول عليه - وكان عنده جماعة من قومه - فدخل وقال بعد السّلام والتحية: إنّي رسولٌ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليك في حاجة، فهل أبوح لك بها علانية أم أسرّ بها إليك خُفية؟

فقال زياد: بل قلها علانية؛ فإنّها شرف لي وفخر.

فقال جويبر: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي أن أقول لك: زوّجني ابنتك الدلفاء.

وهنا فوجئ زياد من وقع الرسالة ومضمونها؛ وذلك لأنّها كانت على خلاف عاداتهم في الجاهلية، فالتفت إليه وقال له متلكّئاً ومتعجباً: أحقّاً أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثك إليّ بهذه الرسالة؟!

فقال جويبر بلا تردّد ولا تأمّل: نعم، فإنّي لا أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال زياد: إنّا لا نزوّج بناتنا إلاّ من الأكفاء من بين الأنصار، فارجع حتّى


أتشرّف عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأعتذر منه على ذلك.

فرجع جويبر وهو يقول: والله ليس هذا حكم القرآن، ولا سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فسمعت كلامه الدلفاء وهي في مخدعها، فأرسلت إلى أبيها تدعوه، فلمّا جاء قالت له: يا أبه، ما خبر جويبر؟ فقصّ عليها أبوها قصّته وما كان من جوابه له، فقالت له: والله، ما كان جويبر ليكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأرسل إليه مَنْ يردّه إلينا.

فأرسل زياد إلى جويبر مَنْ يردّه، فلمّا جاء قال له: مرحباً بك، اطمئن حتّى أعود إليك.

ثمّ أتى زياد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال له بعد التحية والسّلام: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله! لقد جاءني جويبر برسالة لم أطمئن بها منه، فاستمهلته حتّى أتشرّف بخدمتكم وأقول: بأنّا لا نزوّج إلاّ الأكفاء من بين الأنصار.

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا زياد، إنّ جويبر مؤمن، والمؤمن كفؤ المؤمن، والمسلم كفؤ المسلم، فزوّجه يا زياد ولا ترغب عنه.

فرجع زياد وقصّ على ابنته الدلفاء ما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ جويبر، ورسالته في الزواج منها، عندها التفتت الدلفاء إلى أبيها وقالت له: يا أبه، إيّاك وأن تخالف أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فتنقلب كافراً.

فلمّا رأى زياد موقف ابنته المشرّف من أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج من عندها وأخذ بيد جويبر وأدخله على مَنْ كان عنده من قومه، وزوّجه ابنته على دين الله وسنّة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وضمن له المهر، ثمّ هيّأ له جهاز العرس وأثاثه،


ووهب لجويبر بيتاً مؤثّثاً وملابس فاخرة، وزفّوا العروس إلى بيته.

فلمّا وقع نظر جويبر على ما أنعم الله عليه من زوجة وبيت وأثاث اعتزلها يعبد الله إلى الصباح ثلاث ليال سوياً، ولم يمسسها، فاطّلعت النسوة باعتزاله فأخبرن أبوها، فشكاه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال جويبر: أردت أن أشكر الله تعالى على ما أنعم به عليّ، غير أنّي سأرضيها وأرضيهم الليلة إنشاء الله تعالى. وهكذا فعل، ثمّ استشهد جويبر في إحدى حروب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

من حقِّ الزوجين

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله)).

وفي تفسير أبو الفتوح نقلاً عن ميمونة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((خيار الرجال من اُمّتي خيارهم لنسائهم، وخير النساء من اُمّتي خيرهنّ لأزواجهن)).

وروي أنّه جاء رجل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: إنّ لي زوجة؛ إذا دخلت تلقّتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمّك؟ إن كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل به غيرك، وإن كنت تهتمّ بأمر آخرتك فزادك الله همّاً.

فقال رسول الله (ص): ((بشّرها بالجنة، وقل لها: إنك عاملة من عمّال الله، ولك في كلّ يوم أجر سبعين شهيداً)).

وعن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، فلتدخل من أي أبواب الجنّة شاءت)).


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما امرأة أعانت زوجها على الحج والجهاد، أو طلب العلم أعطاها الله من الثواب ما يعطى امرأة أيوبعليه‌السلام )).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما امرأة أدخلت على زوجها أمر النفقة، وكلّفته ما لا يطيق، لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً، إلاّ أن تتوب وترجع، وتطلب منه طاقته)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لو أنّ جميع ما في الأرض من ذهب وفضة حملته المرأة إلى بيت زوجها، ثمّ ضربت على رأس زوجها يوماً من الأيام تقول: مَنْ أنت؟ إنّما المال لي، حبط عملها ولو كانت من أعبد الناس، إلاّ أن تتوب وترجع وتعتذر إلى زوجها)).

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: ((سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حُشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدرك الأسفل من النار، إلاّ أن تتوب وترجع)).

وقال سلمان: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ((أيّما امرأة منّت على زوجها بمالها فتقول: إنّما تأكل أنت من مالي. لو أنّها تصدّقت بذلك المال في سبيل الله لا يقبل الله منها إلاّ أن يرضى عنها زوجها)).

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ تزوّج امرأة ولم ينوِ أن يوفيها صداقها فهو عند الله زان)).

تعاليم اُسريّة

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوبعليه‌السلام على بلائه، ومَنْ صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسيا بنت مزاحم)).


وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً، ولا حسنة من عملها حتّى ترضيه، وإن صامت نهارها وقامت ليلها، وأعتقت الرقاب وحملت على جياد الخيل في سبيل الله. فكانت أوّل مَنْ يرد النار، وكذلك الرجل إذا كان لها ظالماً)).

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما امرأة لم ترفق بزوجها وحملته على ما لا يقدر عليه وما لا يطيق لم يقبل منها حسنة، وتلقى الله وهو عليها غضبان)).

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ((حقّ الرجل على المرأة إنارة السراج، وإصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بيتها فترحّب به، وأن تقدّم إليه الطشت والمنديل، وأن توضّئه، وأن لا تمنعه نفسها إلاّ من علّة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لو أنّ المرأة وضعت إحدى ثدييها طبيخة، والاُخرى مشويّة ما أدّت حقّ زوجها، ولو أنّها عصت مع ذلك زوجها طرفة عين اُلقيت في الدرك الأسفل من النار، إلاّ أن تتوب وترجع)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لا تؤدّي المرأة حقّ الله (عزّ وجلّ) حتّى تؤدّي حقّ زوجها)).

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : ((أيّما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حقّ لم يقبل منها صلاة حتّى يرضى عنها)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((أيّما امرأة قالت لزوجها ما رأيت منك خيراً قط فقد حبط عملها)).

وقال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام : ((مَنْ احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار، وأوجب له الجنّة، وكتب له مئتي ألف حسنة، ومحي عنه مئتي ألف سيّئة، ورفع له مئتي ألف درجة، وكتب الله له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة)).

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ما من عبد يكسب ثمّ ينفق على عياله إلاّ أعطاه


الله بكل درهم ينفقه على عياله سبعمئة ضعف)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((خير الرجال من اُمّتي الذين لا يتطاولون على أهلهم، ويحنون عليهم ولا يظلمونهم، ثمّ قرأ:الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ).

حقوق زوجية متقابلة

لقد عدّ بعض علماء الأخلاق في بعض كتبهم التي كتبوها في حقوق الزوجين أنّ للزوج على زوجته سبعة عشر حقّاً، وللزوجة على زوجها ثلاثين حقّاً، وذلك استناداً إلى الروايات الواردة عن المعصومينعليهم‌السلام في بيان اجتماعيات الإسلام، والحقوق الاجتماعية المتقابلة، بما فيها حقّ الزوجين، فلقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((عيال الرجل اُسراؤه، وأحبّ العباد إلى الله (عزّ وجلّ) أحسنهم صنيعاً إلى اُسرائه)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((المرأة لعبة، فمَن اتّخذها فليصنها)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ويل لامرأة أغضبت زوجها، وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها)).

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((قول الرجل للمرأة إنّي أحبّك لا يذهب من قلبها أبداً)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ألا وإنّ الله ورسوله بريئان ممّنْ أضرّ بامرأة حتّى تختلع منه)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّي لأتعجّب ممّنْ يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لا يخدم العيال إلاّ صديق، أو شهيد، أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة)).


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((جلوس المرء عند عياله أحبّ إلى الله من اعتكافٍ في مسجدي هذا)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إلى فم امرأته)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((يا علي، خدمة العيال كفّارة للكبائر، وتطفئ غضب الرب، ومهور الحور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات)).

أجر النساء أكثر

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله - كما في تفسير أبي الفتوح الرازي ـ: ((فإذا حملت المرأة كان لها في كلّ يوم وليلة أجر ألف شهيد قد قُتل في سبيل الله والحقّ، صابراً محتسباً، وفضّلها الله في الجنّة على الحور العين فضلاً كبيراً كفضلي على أدناكم.

وخير نساء اُمّتي مَنْ ابتغت رضا زوجها، واستجابت له إلى ما أراد منها ما لم يكن فيه معصية إلى الله تبارك وتعالى.

وخير رجال اُمّتي مَنْ رفق بزوجته ولطف بها، وعاش معها بعطف وحنان كما تعطف الاُمّ على ولدها وتحنّ إليه؛ فإنّ لكلّ رجل منهم بذلك أجر مئة شهيد قد قُتل في سبيل الله والحقّ، صابراً محتسباً)).

فقال عمر بن الخطاب: كيف يكون يا رسول الله للرجل أجر مئة شهيد، وللمرأة أجر ألف شهيد؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ أجر النساء أكثر من أجر الرجال، وثوابهنّ عند الله أكبر وأتمّ، وإنّ الله تبارك وتعالى ليرفع برضا المرأة عن زوجها وبدعائها له درجات


الرجل في الجنّة)).

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أما علمت أنّه لم يكن هناك بعد الشرك بالله ذنب أعظم وبالاً على الإنسان من عصيان المرأة زوجها ومخالفتها له؟)).

ثمّ قال: ((اتقوا الله في الضعيفين: المرأة واليتيم؛ فإنكم مسؤولون عنهما، وإنّ الله (عزّ وجلّ) سائلكم عنهما يوم القيامة، فمَنْ أحسن إليهما نال من الله الرحمة والرضوان، ومَنْ أساء إليهما استوجب سخط الله تعالى.

ألا وإنّ حقّ الرجل على المرأة مثل حقّي عليكم، ومَنْ ضيّع حقّي كان كمَن ضيّع حقّ الله، ومَنْ ضيّع حقّ الله فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)).

المرأة إذا تزيّنت وتعطّرت

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلام له: ((والمرأة إذا خرجت من باب دارها متزيّنة متعطّرة، والزوج بذلك راضٍ، بُني لزوجها بكلِّ قدم بيت في النار)).

وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه نهى أن تتزيّن المرأة لغير زوجها، فإن فعلت كان حقّاً على الله أن يحرقها بالنار.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أي امرأة تطيّبت وخرجت من بيتها فهي تُلعن حتّى ترجع إلى بيتها متى ما رجعت)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((اشتدّ غضب الله على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها، أو غير ذي محرم منها؛ فإنّها إن فعلت ذلك أحبط الله (عزّ وجلّ) كلّ عمل عملته)).

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام في كلام له: ((وأيّما امرأة تطيّبت لغير زوجها لم يقبل منها صلاة حتّى تغتسل من طيبها)).


الزوجة نعمة من الله تعالى

عن الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام أنّه قال: ((أمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله جعلها لك سكناً واُنساً، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عليك فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقّك عليها أوجب فإنّ عليك أن ترحمها)).

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: ((رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته)).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ حَسُنَ برّه بأهله زاد الله في عمره)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((ملعونة ملعونة امرأة تؤذي زوجها وتغمّه، وسعيدة سعيدة امرأة تكرم زوجها ولا تؤذيه، وتطيعه في جميع أحواله)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((سألت اُمُّ سلمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن فضل النساء في خدمة أزواجهن، فقال: أيّما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى موضع تريد به صلاحاً إلاّ نظر الله إليها، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((أيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيّام إلاّ أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنّة تدخل من أيّها شاءت)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((ما من امرأة تسقي زوجها شربة ماء إلاّ كان خيراً لها من عبادة سنة)).

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال: ((لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته، وهي: الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبّتها وهواها، وحسن خلقه معها واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها)).

وعن الإمام الكاظمعليه‌السلام : ((جهاد المرأة حسن التبعّل)).

وعن الحسن بن الجهم قال: رأيت أبا الحسن الكاظمعليه‌السلام اختضب،


فقلت: جُعلت فداك! اختضبت؟ فقال: ((نعم، إنّ التهيئة ممّا يزيد في عفّة النساء، ولقد ترك النساء العفّة بترك أزواجهنّ التهيئة)). ثمّ قال: ((أيسرّك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهيئة؟)). قلتُ: لا. قال: ((هو ذاك)).

من آداب الزواج

للزواج في الإسلام آداب كثيرة وسنن جمّة، وقد جاءت في روايات المعصومينعليهم‌السلام لتضمين نجاح هذا الجانب المهم من الحياة الإنسانية، المتكفّل للسعادة الفردية والاجتماعية بنجاحه واستمراره، ولتحصين هذا الأمر العظيم من الفشل والانهيار المتضمّن شقاء الفرد والمجتمع بفشله وانهياره، وقد جمعت تلك الآداب والسنن في كتاب طبع عام (1348) اُشير إلى بعضها:

عن الراوندي في نوادره، عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ أراد منكم التزويج فليصلِّ ركعتين بفاتحة الكتاب ويس، فإذا فرغ من الصلاة فليحمد الله تعالى وليثنِ عليه، وليقل: اللهمّ ارزقني زوجةً صالحةً، ولوداً ودوداً شكوراً، قنوعاً غيوراً؛ إن أحسنتُ شكرت، وإن أسأتُ غفرت، وإن ذكرتُ الله تعالى أعانت، وإن نسيتُ ذكّرت، وإن خرجتُ من عندها حفظت، وإن دخلتُ عليها سرتني، وإن أمرتُها أطاعتني، وإن أقسمتُ عليها أبرّت قسمي، وإن غضبتُ عليها أرضتني.

يا ذا الجلال والإكرام هَب لي ذلك، فإنّما أسألكه ولا أجد إلاّ ما مننت وأعطيت)).

ثمّ قالعليه‌السلام : ((مَنْ فعل ذلك أعطاه الله ما سأل)).

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه سأل أبا بصير قائلاً: ((إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع؟)).

فقال: ما أدري.

قال: ((إذا همّ بذلك فليصلِّ ركعتين، وليحمد الله (عزّ وجلّ)، وليقل: اللهمّ إنّي اُريد أن أتزوّج، اللهمّ فقدّر لي من النساء أحسنهنّ خَلقاً وخُلقاً،


وأعفهنّ فرجاً، وأحفظهنّ لي في نفسها ومالي، وأوسعهنّ رزقاً، وأعظمهنّ بركة، واقض لي منها ولداً طيّباً تجعله لي خَلَفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي)).

وروي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: أوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقال: ((يا علي، إذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفّها حين تجلس، واغسل رجليها، وصبّ الماء من باب دارك إلى أقصى دارك؛ فإنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين ألف لون من الفقر، وأدخل فيها سبعين ألف لون من الغنى، وسبعين لوناً من البركة، وأنزل عليك سبعين رحمة ترفرف على رأس العروس حتّى تنال بركتها كلّ زاوية في بيتك، وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص أن يصيبها ما دامت في تلك الدار.

وامنع العروس في اُسبوعها من الألبان والخلّ، والكزبرة والتفاح الحامض، من هذه الأربعة...)). إلى آخر الرواية الشريفة ومضامينها المنيفة، وإنها جديرة بالمطالعة والتطبيق، فلتراجع في مظانّها.

الزفاف وآدابه

عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((زفّوا عرائسكم ليلاً، واطعموا ضحىً)).

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أوصى علياًعليه‌السلام بقوله: ((يا علي، لا وليمة إلاّ في خمس: في عرس، أو خُرس، أو إعذار، أو وكار، أو ركاز)).

فالعرس: التزويج، والخُرس: النفاس بالولد، والإعذار: الختان، والوكار: في شراء الدار، والركاز: الرجل يقدم من مكّة.

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال لبعض أصحابه: ((إذا أُدخلت عليك أهلك فخذ بناصيتها، واستقبل بها القبلة وقل: اللهمّ على كتابك تزوّجتها، وبأمانتك


أخذتها، وبكلماتك استحللت فرجها؛ فإن قضيت لي منها ولداً فاجعله مباركاً سوياً، ولا تجعل للشيطان فيه شركاً ولا نصيباً)).

ومن كتاب النجاة المروي عن الأئمّةعليهم‌السلام : ((إذا قرب الزفاف يستحب أن تأمرها أن تصلّي ركعتين استحباباً، وأن تكون على وضوء إذا أُدخلت عليك، وتصلّي أنت أيضاً مثل ذلك، وتحمد الله وتصلّي على النبي وآله، وتقول: اللهمّ ارزقني أُلفها وودّها ورضاها بي، وارضني بها، واجمع بيننا بأحسن اجتماع، وأيسر ائتلاف، فإنك تحبّ الحلال وتكره الحرام)).

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ((فقل إذا أردت المباشرة: اللهمّ ارزقني ولداً واجعله تقيّاً زكيّاً، ليس في خلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته إلى الخير. وتسمّي الله (عزّ وجلّ) عند الجماع)).

وهناك للمباشرة - من حيث الوقت والمكان والحالات النفسية - أثر كبير في سعادة الجنين وشقائه، وبركة النسل وشؤمه، وقد دلّتنا الأحاديث الشريفة عليها؛ وقايةً من حزازتها، وتجنّباً عن مكارهها؛ فقد ورد مثلاً: أنّ النطفة لو انعقدت في الشمس على أثر المباشرة تحت أشعّتها عاش ذلك الإنسان ما عاش فقيراً معدوماً، وأنه لو باشر زوجته الحامل بلا وضوء أصبح ذلك الطفل بخيلاً أعمى القلب.

وهكذا فإنّه يجدر بالإنسان مطالعتها وتطبيقها في حياته الزوجية حتّى يسعد بحياة زوجية سعيدة، ويحظى بنسل طيّب، وخلف صالح يخلّف للإنسان الذكر الحسن، ويعقّب له الثناء الجميل، كما سعد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في زواجه، وحظى بأولاد صالحين، مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .


الخصّيصة الثالثة

الاُسرة المباركة

امتاز أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على غيره بانتمائه إلى أسرة كريمة وبيت مبارك، فلقد تولّد في أسرة رفيعة وترعرع في بيت منيع، حتّى أنّه باعتراف التاريخ قد فاقت أسرته كلّ أسرة طهارةً وشرفاً، وعلا بيته كلّ بيت مجداً وعزّاً.

كيف لا وهو من الاُسرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء؟ ومن البيت الذي وصفه الله تعالى بقوله:( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ؟

نعم، لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من أسرة كريمة وبيت شامخ، يتكوّن أعضاؤه الأوّلون ممّا يقرب من أربعين إلى خمسين عضواً، كلّهم صالح مبارك، وطيّب حميد.

لقد كان يضمّ هذا البيت بين جوانحه أشرف أهل الأرض بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأكرم خلق الله على الله (عزّ وجلّ) بعد النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نَفْسَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنصّ القرآن الكريم، وأخاه وابن عمّه وصهره، أعني الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

ويضمّ أيضاً ريحانتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيّدي شباب أهل الجنّة الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فهل يا ترى هناك اُسرة أطيب وأطهر من هذه الاُسرة، وبيت أكرم من هذا البيت المنيف؟

____________________

(1) سورة النّور / 36 - 37.


لقد كان سيّد هذه الاُسرة المباركة وقمّة هذا البيت الكريم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ما دام كان حيّاً، حيث كان هو الأب العطوف، والوالد الحنون لكلّ الاُسرة.

وكانت إلى جنبه أوّلاً وقبل كلّ أحد السيّدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، التي سرعان ما قضت نحبها على أيدي المبتزّين لنحلتها وبُلغة ابنيها فدكاً، ومضت شهيدة مظلومة في الدفاع عن حقّ بعلها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد ارتحال أبيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك بعد أن أسقطوها جنينها الذي سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محسناً.

ثمّ كان سيّد هذه الاُسرة بعد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هو سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأكبر الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، ثمّ من بعده الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان قاعدة هذه الاُسرة المباركة وبقية أعضاء هذا البيت الكريم يتجسّد في العبّاس بن عليعليه‌السلام وأشقّائه وإخوته الميامين، ويتمثّل في السيّدة زينب بنت عليعليها‌السلام وأخواتها وشقيقاتها الطاهرات.

أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام

نعم، لقد ذكر المؤرّخون لأمير المؤمنينعليه‌السلام من الأولاد - ومن نساء متعدّدات - ما يتراوح عددهم بين سبعة وعشرين وستة وثلاثين ولداً بين ذكر واُنثى، لمع من بينهم من البنين بعد الإمامين الهمامين سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وريحانتيه وسيّدي شباب أهل الجنّة الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسين الشهيدعليهما‌السلام ، اسم قمر العشيرة، وبطل العلقمي، أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ لِما كان يحمله من أهليّة وكفاءة، ونبل وكرم.

ومن البنات عقيلة بني هاشم التي ورثت اُمّها الزهراءعليها‌السلام عصمةً وطهارةً، ونبلاً وشرافة، وبطولة وشهامة، وفصاحة


وبلاغة، ومصائب وآلاماً، أعني السيّدة زينب الكبرىعليها‌السلام التي نزل جبرائيل حين ولادتهاعليها‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عند الله تعالى باسمها (زينب)، وبخبر ما يجري عليها من سبي وأسر، ومن رزايا ومصائب، والتي كانت من صغر سنّها تسكن إلى أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام وتطمئن إليه، ولا تفارقه ولا تنفصل عنه، إنّما كانت معه دائماً وأبداً، وحتّى شاركته في نهضته الإصلاحية، وشاطرته بنفسها وأولادها.

كما وقد ذكر المؤرّخون لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ما لا يقلّ عن ولد واحد، ولا يزداد عن ستة أولاد ذكور، استشهد بعضهم معه في كربلاء وبقي بعضهم، وكان عقبه من الباقين منهم.

فضل الأولاد في الإسلام

ولا يخفى أنّ الإسلام قد حبّذ على التوالد والتناسل، ودعا إلى كثرة الأولاد والأحفاد، وحثّ الناس وحرّضهم عليه، حتّى قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جملة ما قال: ((الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنّة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((نِعم الولد البنات المخدّرات)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((خير أولادكم البنات)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ الله على الإناث أرأف منه على الذكور)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((البنات حسنات والبنون نعمة، فالحسنات يثاب عليها والنعمة يسأل عنها)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((نِعم الولد البنات المخدّرات، مَنْ كانت عنده واحدة جعلها الله ستراً له من النار، ومَنْ كانت عنده اثنتان أدخله الله بهما الجنّة، وإن كنّ ثلاثاً أو


مثلهنّ من الأخوات وضع الله عنه الجهاد والصدقة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((من سعادة الرجل الولد الصالح)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((من سعادة الرجل أن يكون له ولد يستعين بهم)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أكثروا الولد اُكاثر بكم الاُمم غداً)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((اطلبوا الولد فإنّ الله (عزّ وجلّ) يرزقهم)).

وقد قال الإمام الصادقعليه‌السلام : ((أولاد المسلمين موسومون عند الله شافع مشفع، فإذا بلغوا اثنتي عشرة سنة كانت لهم الحسنات، وإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيّئات)).

وقالعليه‌السلام : ((إنّ الله (عزّ وجلّ) ليرحم الرجل لشدّة حبّه لولده)).

وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : ((إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً لم يمته حتّى يريه الخلف)).

وروي: مَنْ مات بلا خلف فكأن لم يكن في الناس، ومَنْ مات وله خلف فكأن لم يمت.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((قبّلوا أولادكم - وفي نسخة اُخرى: أكثروا من قبلة أولادكم - فإنّ لكم بكلّ قبلة درجة في الجنّة، وما بين كلّ درجة خمسمئة عام)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق)).

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : ((برّ الرجل بولده برّه بوالديه)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((دع ابنك يلعب سبع سنين، وأدّبه سبعاً، والزمه نفسك سبع سنين، فإن فلح وإلاّ فلا خير فيه)).

وقالعليه‌السلام أيضاً: ((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)).


الخصّيصة الرابعة

مميزات ولادتهعليه‌السلام

لقد امتاز أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في ولادته على سائر الناس بما يمتاز به العظماء من أولياء الله في ولادتهم، حيث كانت ولادته محفوفة بالإرهاصات، ومشحونة بالقرائن والمقدّمات الدالّة على عظم منزلة المولود عند الله تعالى، ومقامه الشامخ لديه.

فهذا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قبل أن يولد له العبّاسعليه‌السلام ، بل وقبل أن يتزوّج باُمّه اُمّ البنين ينبئ عن ولادته ويخبر عن مواصفاته، ويشير إلى ما يتحلّى به من قوّة الإيمان، وطهارة النفس، وشجاعة القلب، ورحابة الصدر، ومكارم الأخلاق، وأنه سوف يعضد أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في مهمّته، ويفديه بنفسه ويضحي بما لديه من أجله، ويستشهد في كربلاء بين يديه.

وصرّحعليه‌السلام بذلك كلّه عندما أفضى بأمره إلى أخيه عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام وهو يستشيره بقضية زواجه، بعد استشهاد سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث قال له: ((انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها؛ فتلد لي ولداً يكون شجاعاً وعضداً ينصر ولدي الحسين، ويواسيه في طفّ كربلاء)).

هذا مضافاً إلى أنّ أنباء ما سيأتي ويتحقق في المستقبل من واقعة عاشوراء، وأخبار طفّ كربلاء، والتي من أظهرها وأبرزها وفاء العبّاسعليه‌السلام


ومواساته لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحراسته لخيام النساء ومَنْ فيها من بنات الرسالة وودائع النبوّة، وسقايته لأطفال أخيه، وتقديم يديه من أجل إيصال الماء إليهم، وتعويض الله تعالى له عنهما بجناحين يطير بهما في الجنّة، كلّ ذلك ممّا نزل به جبرائيل عن الله تبارك وتعالى على قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخبر بها علياًعليه‌السلام وبقية أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك قبل أن يولد أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام .

وعليه فهذه نبذة من مميزات ولادة العبّاسعليه‌السلام ، والمقدّمات التي احتفت بولادته من جهة أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وأمّا المميزات التي امتازت بها ولادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من جهة اُمّ البنينعليها‌السلام فقد مرّ سابقاً الإشارة إلى شيء منها، حيث إنّه قبل ولادة اُمّه اُمّ البنين يرى أبوها حزام، وهو جدّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لاُمّه، تلك الرؤيا التي تبشّره بولادة اُمّ البنين.

وبعد ولادة اُمّ البنين وترعرعها وبلوغها سنّ الرشد ومرحلة الزواج ترى هي بنفسها تلك الرؤيا المباركة المبشّرة بزواجها من رجل عظيم، والمنبئة عن حصولها على أنجال أربعة: أوّلهم كالقمر المنير، والثلاثة الباقون كالأنجم الزُهر، وذلك كلّه قبل زواجها، بل وحتّى قبل أن يخطبها عقيل من أبيها حزام للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

كلّ ذلك وغيره ممّا يدلّ على امتياز أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في ولادته المنبئ عن عظمته، ورفيع مقامه، ومنزلته عند الله تبارك وتعالى، والشهداء السعداء وعباد الله الصالحون لديه (عزّ وجلّ).


بشـرى الولادة

هذا وقد روي أنّ قنبراً مولى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قال ما مضمونه: بينما كنّا ذات يوم من الأيام مع الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة وهو يعظنا ويرشدنا ويحذّرنا من النار ويرغّبنا بالجنة، إذا بأعرابي قد أقبل نحو المسجد، فأناخ راحلته على باب المسجد ودخل متّجهاً نحونا، حتّى إذا وصل إلينا سلّم علينا وخصّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بالتحية والسّلام، وقبّل يده الكريمة، ووقف بين يديه وكأنه يطلب إليه حاجة، فقال له الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام برأفة وحنان: ((يا أخا العرب، كأنّك جئتنا في حاجة، فما هي حاجتك؟ فإنّها منقضية إن شاء الله تعالى)).

فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بها منّي.

قال قنبر: عندها التفت إليّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال: ((يا قنبر، امض إلى المنزل وقل لمولاتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تناولك السّفط الفلاني في موضع كذا وكذا)).

فقلت: سمعاً وطاعة، وحبّاً وكرامة لله تعالى ولسيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنين.

قال قنبر: فقمت مسرعاً ومضيت إلى منزل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وطرقت الباب مرّتين، وفي الثالثة جاءت فضة وراء الباب وقالت: مَنْ الطارق؟

أجبتها قائلاً: أنا قنبر مولى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وخادم أهل البيتعليهم‌السلام .

فقالت فضة: أهلاً ومرحباً بك، وما حاجتك يا قنبر؟

فأخبرتها بما قال لي سيّدي ومولاي وما يريده.


فقالت فضة: مكانك حتّى آتيك به. فوقفت بالباب انتظر مجيئها، وإذا بي أسمع جلبة الفرح وصخب السرور يعلو من داخل المنزل، فتعجّبت، وانتظرت حتّى إذا رجعت إليّ فضة وأتتني بالسفط سألتها عن سبب ذلك، فقالت فضة: لقد ولد الساعة للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام غلام أزهر كأنّه فلقة قمر.

فقلتُ لها، وقد امتلأت أنا الآخر فرحاً وسروراً: وممّن هذا المولود الأغر؟

فقالت فضة: إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة، ثمّ أضافت قائلة: وقد أوصتني سيّدتي وسيّدتك السيّدة زينب ابنة فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أقول لك: إذا رجعت إلى مولاي ومولاك الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فبشّره بولادة هذا المولود الأغر، واسأله عن اسمه وكنيته ولقبه.

فقلت، وأنا لا أمتلك نفسي بهجة وفرحاً: حبّاً وكرامة، وسمعاً وطاعة، ثمّ هنّأتها وودّعتها. وأقبلت بالسفط مع البشارة بالمولود الجديد مسرعاً إلى سيّدي ومولاي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فلمّا سلّمته السفط وقفت بين يديه لأُبشّره بما عندي من خبر الولادة، غير أنّي بقيت أترصّد الفرصة المناسبة لإعلان هذا الخبر وتقديم هذه البشارة السّارة، حتّى إذا فرغ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من حاجة الأعرابي وأعطاه ذلك السفط التفت إليّ وقال مبادراً: ((ما وراءك يا قنبر، فإنّي أرى أثر البهجة والسرور طافحاً على أسارير وجهك؟)).

فقلت، وقد رأيت الفرصة مناسبة: نعم يا سيّدي ومولاي، لقد جئتك ببشارة.

فقالعليه‌السلام : ((وما هي تلك البشارة يا قنبر؟ بشّرك الله بالجنّة)).

قلت: لقد وُلد لك يا سيّدي ومولاي غلام أغر.

فقالعليه‌السلام : ((وممّنْ هذا المولود الجديد؟)).


قلت: لقد سألت عن ذلك فضّة عندما أخرجت إليّ السفط، فقالت: إنّه من اُمّ البنين فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة، كما وأنها قالت لي: بأنّ سيّدتي السيّدة زينبعليها‌السلام أوصتني أن اُبشّرك بهذا المولود عندما أرجع إليك وأن أسألك عن اسمه وكنيته ولقبه.

فلمّا سمع الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ذلك تهلّل وجهه فرحاً وسروراً وشكرني على هذه البشارة، وقال: ((يا قنبر، إنّ لهذا المولود شأناً كبيراً عند الله ومنزلة عظيمة لديه، وأسماؤه وكناه وألقابه كثيرة، وسأمضي أنا بنفسي إلى المنزل لإنجاز ما سنّه لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للمولود عند الولادة، وبعدها من سنن الإسلام، فهيّا بنا إلى ذلك يا قنبر)).

الولادة وسننها

ثمّ إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قام من مجلسه ذلك وودّع أصحابه ومَنْ كان معه، ثمّ خرج من مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متّجهاً نحو البيت، فلمّا دخل المنزل سلّم - على عادته ولاستحبابه - على مَنْ كان في المنزل من أهله واُسرته الذين كانوا بانتظار قدومه، وحيّاهم بتحيّة الإسلام ثمّ قال: ((ائتوني بولدي)).

فقوبلعليه‌السلام بالتحية والبشارة، ثمّ جيء بولده إليه ملفوفاً في خرقة بيضاء ومقمّطاً بها، فأخذه وضمّه إلى صدره، ونثر قبلاته الحارّة على وجهه وخدّيه، ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، وبعدها أخذ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يطيل النظر إليه.

وهنا تمطّى المولود الجديد لاُمّ البنين في قماطه حتّى قطعه، وأخرج كلتا يديه من القماط؛ ممّا أثار بذلك ذكريات الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام التي كانت في


ذاكرته ممّا نزل بها جبرائيل في حقّ هذا الوليد الجديد من عند الله تبارك وتعالى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخبره بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كيفية شهادته في نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام في طفّ كربلاء.

عندها اغرورقت عينا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بالدموع، وتناثرت قطرات الدمع على خدّيه كالدرر ورطّبت كريمته الشريفة، فنظرت إليه إحدى النسوة وقالت: ما يبكيك يا أبا الحسن ونحن في هذه الساعة من فرح وسرور، وابتهاج وحبور؟!

فالتفت إليها أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يكفكف دموعه بيديه الكريمتين وقال لها ما مضمونه: ((لا تلوموني، فإنّي لمّا نظرت إلى هاتين اليدين وتمطّيه في القماط تذكّرت تمطّيه على جواده في كربلاء، وانفصال يديه عن جسمه يوم عاشوراء)). ثمّ أخذ يبكي ويكثر من قولهعليه‌السلام : ((ما لي وليزيد؟)).

تاريخ ولادة أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام

هذا، ولا يخفى أنّ ولادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام - على المشهور وذلك حسب بعض الكتب التاريخية - كانت في المدينة المنورة، وبتاريخ اليوم الرابع من شهر شعبان المعظّم سنة ست وعشرين هجرية (على هاجرها آلاف التحية والسّلام).

وعلى هذا فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قمر بني هاشم تلا في ولادته ولادة أخيه شمس الكونين الإمام أبي عبد الله الحسين من حيث اليوم والشهر بيوم واحد وفي نفس الشهر، ومن حيث السنين والأعوام بثلاث وعشرين سنة وكان - على ذلك - له من العمر حين استشهد أربعة وثلاثون عاماً.


الخصّيصة الخامسة

في تسميتهعليه‌السلام

لقد سنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنناً ندب إليها الإسلام وحبّذها؛ وذلك لِما فيها من زكاة ورشد للطفل، وطهارة وبركة لروحه وجسمه، وفائدة ومنفعة لدنياه وآخرته.

ففي حديث شريف عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((سبع خصال في الصبي إذا ولد من السنّة:

أُولاهن: يُسمّى.

والثانية: يُحلق رأسه.

والثالثة: يُتصدّق بوزن شعره ورقاً وذهباً إن قدر عليه.

والرابعة: يُعتق عنه.

والخامسة: يُلطخ رأسه بالزعفران.

والسادسة: يُطهّر بالختان.

والسابعة: يُطعم الجيران من عقيقته)).

وفي أحاديث مباركة اُخرى تؤكّد إجراء بعض هذه السنن الإسلاميّة المباركة في اليوم السابع من الولادة، كالتسمية والحلق، والختان والعقيقة والوليمة.


كما إنّ هناك روايات كريمة اُخرى تؤكّد - في خصوص التسمية من بين بقية السنن - على تقديم الاسم على الولادة، وتحبّذ أن يسمّى الجنين وهو حمل في بطن اُمّه.

ولم تكتفِ تلك الروايات بالتسمية في أيام الحمل فحسب وإنّما حبّذت أن يوضع للحمل حتّى الكنية واللقب أيضاً؛ وذلك - على ما في الرواية - كي لا يسمّى الطفل فيما بعد ولا يكنّى، وكذلك لا يلقّب بما يكرهه وما هو شين عليه، حتّى أنّه - لا سمح الله - لو سقط ذلك الحمل قبل تمامه وكماله كان له اسم يدعى به يوم القيامة.

ولهذا كان أهل البيتعليهم‌السلام يسمّون أولادهم في أيام الحمل ويكنّونهم ويلقّبونهم، كما فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك حيث سمّى حمل ابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام - الذي أسقطه الغاصبون للخلافة - محسناًعليه‌السلام .

هذا ولا يخفى أنّه لا منافاة بين هذه الطوائف الثلاث من الأحاديث الشريفة، إذ يوضع الاسم على الجنين وهو حمل في بطن اُمّه، وكذلك الكنية واللقب في اليوم الأوّل من ولادة ذلك الطفل، وفي اليوم السابع من ولادته. كما أن للأبوين إذا رأيا تغيير الاسم أو الكنية واللقب من الحسن إلى الأحسن كان لهما ذلك، وغيّرا في اليوم الأوّل وفي اليوم السابع من ولادة طفلهما.

إذاً فالتسمية وأخويها - اللقب والكنية - تكون جميعاً على الحمل في أيام حمله، ثمّ تجدّد نفسها للطفل، وتبدّل إلى غيرها في اليوم الأوّل، واليوم السابع من ولادته وذلك حسب إرادة الوالدين التثبيت والتغيير.


تسمية الوليد الجديد

وكيف كان، فإنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كما كان هو أوّل مَنْ آمن برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكذلك كان هو أوّل مَنْ سار بسيرته واتّبع طريقته؛ ولذلك لم يكن ليتعدّ عن نهج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سنن الولادة ومستحباتها؛ فإنّهعليه‌السلام لمّا أجرى المستحبات المأثورة على مولوده الجديد التفتت إليه - على ما قيل - ابنته عقيلة بني هاشم، وربيبة الوحي والعصمة السيّدة زينب الكبرىعليها‌السلام وقالت له: يا أبه، هل اخترت لهذا المولود اسماً، وانتخبت له كنية ولقباً؟

فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بعطف وإقبال: ((نعم يا بُنيّة، لقد اخترت له كلّ ذلك)).

فقالتعليها‌السلام بلهفة وتعطّش: وما هي؟

فقالعليه‌السلام : ((أمّا الاسم، فاسمه العبّاس؛ وأمّا الكنية، فكنيته أبو الفضل؛ وأمّا اللقب، فلقبه قمر بني هاشم، وقمر العشيرة، والسقّاء)).

فأعجب السيّدة زينب ذلك وقالت متفائلة: يا أبه، أمّا أنّ اسمه عبّاس فعلامة البسالة والشجاعة؛ وأمّا كنيته أبو الفضل ففيها علامة الشهامة والنبالة؛ وأمّا لقبه قمر بني هاشم وقمر العشيرة فهو علامة الجمال والكمال والهيبة والجلال، ولكن يا أبه، ما معنى أنّه السقّاء؟

فالتفت إليها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وبعد أن توسّم في الوليد الجديد شريط المستقبل، وتصفّح في ملامح وجهه سجلّ الواقع القريب، وقال وهوعليه‌السلام يستعرض على ابنته بعض ما في ذلك السجلّ من أنباء وأخبار، ويحدّثها عن بعض ما فيه من حوادث وملاحم، وذلك بزفرات متواصلة، ونبرات متقطّعة


وخافتة: ((يا بُنيّة، إنّه ساقي عطاشى كربلاء)).

وما أن سمعت السيّدة زينبعليها‌السلام من أبيها هذا الجواب، ورأته مختنقاً بعبرته إلاّ وانخطف لونها، وانصدع قلبها، وأجهشت بالبكاء، فلقد ذكّرها أبوها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بما حدّثته به اُمّ أيمن عن جدّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قصة كربلاء وفاجعتها الأليمة، فلم تتمالك نفسها.

عندها رقّ لها أبوها أمير المؤمنينعليه‌السلام فعطف عليها، وأخذ يسلّيها ويخفّف عنها وطأة الخبر المفجع، ووقعة النبأ العظيم نبأ كربلاء وسقاية العطاشى، قائلاً: ((بنية زينب، تجلّدي واصبري، وكفكفي دموعك، وخذي أخاك إلى اُمّه؛ فإنّ له معك لموقف مشرّف، وشأن عظيم)).

وهنا سكنت السيّدة زينبعليها‌السلام من بكائها وهدأت من فورتها، وكفكفت دموعها، ثمّ تناولت أخاها الوليد من يدي أبيها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأخذت تنثر على وجهه لثماتها الحارّة وقبلاتها الساخنة، وأقبلت به إلى اُمّه اُمّ البنين التي بقيت بانتظارها.

نعم، كانت اُمّ البنين تنتظر السيّدة زينبعليها‌السلام بفارغ الصبر؛ لتطّلع عبرها على اسم وليدها الجديد وكنيته ولقبه؛ لذلك لمّا رأتها مقبلة به استقبلتها بنظراتها الحانية، وقالت متسائلة: وهل انتخب مولاي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لولدنا اسماً، واختار له كنية ولقباً؟

فأجابتها السيّدة زينبعليها‌السلام بانطلاق وحبور: نعم يا اُمّاه، لقد انتخب له أحسنها وأجملها.

عندها قالت اُمّ البنين بلهفة واشتياق: تفضّلي يا سيّدتي عليّ ببيانها.

فقالت السيّدة زينبعليها‌السلام : أمّا اسمه فهو عبّاس؛ وأمّا كنيته فهي أبو الفضل؛ وأمّا لقبه فهو قمر بني هاشم.


وما أن سمعت اُمّ البنين بلقب وليدها الجديد قمر بني هاشم الذي لقّبه به أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلاّ وتذكّرت رؤياها التي رأتها قبل زواجها؛ فتهلّل وجهها وانشرح صدرها، وانطلق لسانها بالحمد والشكر على الله سبحانه وتعالى، وأخذت تقول: الحمد لله الذي صدقني الرؤيا وحقّق لي وعده.

عندها سألتها السيّدة زينبعليها‌السلام عن منامها وعن قصة رؤياها، فقصّت عليها اُمّ البنين رؤياها التي كانت قد رأتها قبيل زواجها من الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكيف انقضّ القمر من كبد السماء في حجرها.

فقالت السيّدة زينبعليها‌السلام وهي تلثم أخاها الرضيع وتقبّله: نعم، لقد صدقت رؤياك، إنّ وليدك هذا قمر بني هاشم، وهو أجلّ من القمر وأفضل، إنّه قمر العشيرة أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام .

التسمية برواية اُخرى

وجاء في بعض الكتب المعتبرة أنّ اُمّ البنين يوم وضعت حملها، وولدت أوّل أشبالها قمّطته بقماط أبيض، وقدّمته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ليجري عليه سنن الولادة من التسمية وغير ذلك، فلمّا أخذه أمير المؤمنينعليه‌السلام قرّبه إلى فمه ومسح على عينيه وفمه بلسانه الشريف - ولعلّه حتّى يكون ممّن يرى الحقّ ويسمع الحقّ وينطق بالحقّ - ثمّ أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ التفت إلى زوجته الوفيّة اُمّ البنين ومَنْ حولها وقال: ((ما سمّيتموه؟)).

فأجابته اُمّ البنين بتأدّب واحترام قائلة: وما كنّا لنسبقك في شيء يا أمير المؤمنين.

فشكر الإمام أمير المؤمنين شعورها الطيّب ووفائها الجميل، ثمّ قال: ((إنّي سمّيته باسم عمّي العبّاس عباساً)). ثمّ ضمّه إلى صدره، وأخذ بيديه الصغيرتين


ورفعهما إلى فمه ولثمهما بقبلاته الساخنة، واستعبر باكياً وهو يقول: ((كأنّي بيديه هاتين تقطعان يوم الطفّ عند مشرعة الفرات في نصرة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام )). فاستعبرت اُمّه ومَنْ كان معها، وفوّضت أمره وأمرها إلى الله تعالى.

استنباط واستنتاج

لا يخفى أنّ من قصّة تقبيل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يدي ولده الرضيع أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يعلم - بالإضافة إلى ما فيه من بيان عظمة مقام الوليد وشرف منزلته عند الله تعالى - أنّ تقبيل الإنسان يدي أولاده من باب المحبّة لهم والشفقة عليهم جائز، كما كان يفعل ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من باب المحبّة، ومن باب التعظيم والتشريف، وبيان المقام والمنزلة مع ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمينعليها‌السلام ؛ حيث كان يقبّل يديها، ويقوم لها من مقامه ويجلسها في مجلسه.

كما إنّه يعلم من تقبيل أمير المؤمنينعليه‌السلام يدي ولده العبّاسعليه‌السلام ، ومن تسميته باسم عمّه العبّاس شدّة محبّته لابنه هذا، وكبير احترامه، وعلقته بعمّه ذاك، كيف لا وقد أوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعمّه العبّاس خيراً، وقال على ما روي: ((لا تؤذوني في عمّي العبّاس))؟

سؤال وجواب

قيل: إنّه لمّا مضت أيام على ولادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام جاءت السيّدة زينبعليها‌السلام إلى أبيها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يوماً وهي تحمل أخاها العبّاسعليه‌السلام ، وقد ضمّته إلى صدرها، وقالت له: أبه يا أمير المؤمنين، ما لي أرى قلبي متعلّقاً بهذا الوليد أشدّ التعلّق، ونفسي منشدّة إليه أكبر الانشداد؟


فأجابها أبوها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بلطف وحنان قائلاً: ((وكيف لا تكونين يا أبه كذلك وهو كفيلك وحاميك؟)).

فقالت السيّدة زينبعليها‌السلام بتعجّب: إنّه كفيلي وحاميني؟!

فأجابهاعليه‌السلام بعطف وشفقة: ((نعم يا بُنيّة، ولكن ستفارقينه ويفارقك)).

فقالت السيّدة زينبعليها‌السلام باستغراب: يا أبتاه، أيتركني هو أم أتركه أنا؟

فقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يجيبها بلهفة ولوعة: ((بل تتركينه يا بُنيّة وهو صريع على رمضاء كربلاء، مقطوع اليدين من الزندين، مفضوخ الهامة بعمد الحديد، ضامٍ إلى جنب الفرات)).

فلم تتمالك السيّدة زينبعليها‌السلام لمّا سمعت ذلك حتّى أعولت وصاحت: وا أخاه! وا عبّاساه! وإلى هذا أشار الشاعر حيث يقول:

جـاءتْ بهِ الحوراءُ تحملُه وقد

شـغـفـتْ بهِ وبهِ الفؤادُ تعلّقا

تـحـنو عـليهِ وتنثني لأبيهما

مَـنْ كانَ كالاُمِّ الرؤومِ وأشفقا

حـلو الشّمائلِ مذ رآهُ وفيهِ من

معنى البسالةِ والجمالِ مع التّقى

سمّـاه عـبّـاساً وقالَ ملقّباً

قـمراً فقل أسمى وأجمل رونقا


الخصّيصة السادسة

في بعض خصائص اسمهعليه‌السلام

واسـمهُ العبّاسُ وهو اسمُ الأسدْ

بل هو الأشجعُ إنْ في الحربِ شدْ

العبّاس في اللغة

جاء في لسان العرب: العبّاس: الأسد الذي تهرب منه الأسود، وبه سمّي الرجل عبّاساً.

وفي كتاب آخر: العبّاس والعبوس، كثير العبس، وهما من أسماء الأسد.

وفي منتهى الأرب: العبّاس بصيغة المبالغة يقال: للشجاع المقدام، والشديد البأس، وعظيم الكرّ، وهو بمعنى الأسد أيضاً؛ ولهذا عبّر عنه الأكثر - وهو يصف العبّاس في ساحة الحرب - بالأسد الغضبان.

قيل أيضاً العبّاس: بفتح العين وتشديد الباء يعني: الأسد، وهو اسم عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واسم نجل أمير المؤمنينعليه‌السلام من زوجته الوحيديّة الكلابيّة التي تزوّجها بعد فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وحيث كان العبّاس هذا شجاعاً مقداماً، يكرّ على الأعداء في الحروب كالأسد الغضبان سمّي بالعبّاس.

وعن منتخب الطريحي: كان العبّاس بن عليعليه‌السلام كالجبل العظيم، وقلبه


كالطود الجسيم؛ لأنّه كان فارساً هماماً، وبطلاً ضرغاماً، وكان جسوراً على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحرب.

وفي مصدر آخر: وسمّاه أمير المؤمنينعليه‌السلام بالعبّاس لعلمه بشجاعته وشهامته، وسطوته وصولته، فلقد كانت الأعداء ترتجف أبدانهم وترتعد فرائصهم، وتعبس وجوههم خوفاً من العبّاسعليه‌السلام إذا برز، وكان في الحروب والغزوات يحارب الشجعان وينازلهم كالأسد الضاري حتّى يجدّلهم صرعى.

وفي مقاتل الطالبيِّين: كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض خطّاً.

وفي كتاب آخر: الذين قُتلوا مع الإمام الحسينعليه‌السلام كانوا جميعاً في أعلى درجات الشجاعة، وأرفع مراتب الشهامة، إلاّ أنّ العبّاس بن عليعليه‌السلام كان له من قداحها المعلى، ورتبته أنبل وأعلى، يقتبس أنوارها، ويقتطف ثمرها ونورها، وناهيك بمَنْ كان ضلعاً من أضلاع أشجع البريّة، ودوحة من الروضة العلويّة، وغصناً من أغصان الشجرة المباركة الزيتونة النورانية.

أبوه الإمام أمير المؤمنين سيّد البريّة، وأخوه الإمام الحسن والإمام الحسينعليها‌السلام سيّدا أهل الإباء وأهل الحميّة، ولا يقاس بشجاعته إلاّ شجاعة أبيه وأخويه، ولقد ادّخره أبوه لينصر أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام بمهجته ويواسيه بنفسه.

من بركات اسم أبي الفضل عليه‌السلام

جاء في كتاب منتخب التواريخ ما مضمونه: أنّ اسم العبّاس من حيث حساب الأبجد يساوي عدد حروف اسمه بالجُمل ما عدا الألف واللام: (133)، كما إنّ عدد حروف لقبه (باب الحسينعليه‌السلام ) بالجمل ما عدا الألف واللام أيضاً يساوي (133).


ومن الختومات المجرّبة لتسهيل الحوائج وقضائها، وإنجاحها وإمضائها هو مخاطبة العبّاسعليه‌السلام بعدد حروف اسمه (133) بما يلي:يا كاشف الكرب عن وجه أخيه الحسين عليه‌السلام ، اكشف كربي بحقّ أخيك الحسين عليه‌السلام .

ولعلّه إلى هذا المعنى أشار الشاعر حيث يقول:

يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهدى

والشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها

العبّاس يجير مَنْ استجار به

وجاء في كتاب (الكبريت الأحمر) للعلاّمة النحرير الشيخ البيرجندي أنّه قال وهو يتحدّث عن نفسه، ويقصّ بعض خواطره: أنّه كان قد توسّل بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى الله تعالى في إنجاز بعض مهمّاته، ووسّطه في حلّ شيء من مشكلاته، ولكنه لم يرَ أثراً من الإجابة.

فرأى ذات ليلة رؤيا صادقة في منامه أنّه رأى شخصاً يقول له: كلّ مَنْ كانت له حاجة إلى الله تعالى فليقرأ هذه العبارة متوسّلاً بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى الله؛ فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته بوجاهة أبي الفضلعليه‌السلام عنده، والعبارة هي كالتالي:عبد الله، أبا الفضل، دخيلك .

قال الشيخ البيرجندي: فما توسّلت إلى الله تعالى بعد ذلك بأبي الفضلعليه‌السلام وقرأت هذه العبارة إلاّ وقضى الله تعالى حاجتي، وكشف عنّي همّي وغمّي، وبلغني مناي وأملي.


إغاثة العبّاس عليه‌السلام المستغيثين به

ونقل عن أحد المراجع العظام نقلاً عن بعض العلماء المقيمين في قم المقدّسة أنّه قال: عرضت لي مشكلة فتوسّلت بإمام العصر الحجة بن الحسن العسكريعليه‌السلام إلى الله تعالى في حلّها، وكنت أذهب في ذلك إلى مسجد جمكران المعروف في قم المقدّسة.

مضت على ذلك مدّة من الزمان ولم أرَ أثراً من الإجابة، فانكسر قلبي ذات مرّة وأنا في الصلاة المستحبة التي تُصلّى في مسجد جمكران، وأخذت أُخاطب سيّدي ومولاي الإمام الحجةعليه‌السلام وأقول: سيّدي ومولاي، لقد توسّلت بك إلى الله تعالى في حلّ مشكلتي وقضاء حاجتي فلم أرَ أثراً للإجابة، فهل يسوغ لي أن أتوسّل بغيرك وأنت إمامي، ومَنْ له حق الطاعة عليّ في عنقي؟!

ثمّ قلت: فإنّي لا أسمح لنفسي أن أتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى بأحد سواك حتّى لو كان وجيهاً عند الله مثل باب الحوائج أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

ثمّ قال: وهنا غلبني الحزن والبكاء وانكسار القلب والخاطر، وبينما أنا كذلك إذ سمعت مَنْ يقول لي: لا بأس عليك بالتوسّل إلى الله تعالى بعمّنا أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ونحن ندلّك على ما تقوله عند التوسّل إلى الله تعالى به، فإذا كانت لك حاجة فتوسّل به إلى الله تعالى بهذه العبارة وقل:يا أبا الغوث أغثني .

التوسّل إلى الله بالعباس عليه‌السلام

ونقل عن العلاّمة المازندراني صاحب كتاب معالي السبطين أنّه قال: مَنْ كانت له حاجة ويشكو مشكلة فليتوسّل إلى الله تعالى بأبي الفضل


العبّاسعليه‌السلام ، وليكرّر هذا التوسّل أياماً حتّى تُقضى حاجته، وترتفع مشكلته، وذلك بأن يصلّي على محمّد وآل محمّد (133)، ثمّ يقول: يا عبّاس (133) مرّة، ثمّ يعود فيصلّي على النبي وآله (133) مرّة، فإنّ الله تعالى يقضي له حاجته، ويفرّج عنه مشكلته.

وجاء في كتاب معالي السبطين أيضاً: أنّ مَنْ كان في الصحراء، وفي مكان قفر لا ماء فيه، وأضرّ به العطش وخاف الهلاك، فليتوسّل إلى الله تعالى بالعباسعليه‌السلام ولينادي:يا أبا القربة ، فإنّه يروى من العطش، ويرفع عنه الظمأ بإذن الله تعالى.


الخصّيصة السـابعة

في نشـأتهعليه‌السلام

ارتضع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من اُمّ وفيّة، ووالدة كريمة منتمية إلى بيت كريم، وأسرة نجيبة، وذات عراقة وأصالة، ومجد وسؤدد، ألا وهي - كما عرفت - فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة المكنّاة بـ (اُمّ البنين)عليها‌السلام ، وتربّى في أحضانها، وتروّى من إيمانها وولائها، وعلمها ومعرفتها؛ حيث إنّها كانت من الفاضلات العالمات.

كما وترعرع في حجر والد كريم وسيّد عظيم، نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيّه، وخليفته من بعده، وارث علم النبيِّين وسيّد الوصيِّين، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنات النعيم، الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه‌السلام .

لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ملازماً لأبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أيام إقامته في المدينة المنورة، ثمّ هاجر معهعليه‌السلام إلى العراق وأقام معه في الكوفة، وهو في كلّ ذلك تحت عنايته الشفيقة، ورعايته التربوية الحكيمة، فاكتسب من هذين الأبوين الكريمين كلّ مكرمة وفضيلة، وورث منهما بالتربية والوراثة المكارم والأخلاق الحميدة، والعلم الجمّ والمعارف الإلهية النبيلة.


قُل: واحـد

ففي التاريخ: أنّ أباه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام دعاه يوماً وهو بعد في سنّ الطفولة وقد انطلق لسانه، وتعلّم النطق ببعض الكلمات، فأخذه وضمّه إليه، ثمّ أجلسه في حجره وقال له: ((بُني عبّاس، قل: واحد)).

فقال العبّاسعليه‌السلام : واحد.

فقال لهعليه‌السلام : ((يا ولدي، قل: اثنين)).

فأبى وامتنع من أن يقول اثنين، ثمّ التفت إلى أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال: إنّي يا أبه أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحداً.

وكان هذا الجواب هو الذي ينتظره الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من ولده العبّاسعليه‌السلام ؛ لذلك التفت إليه وقال: ((أحسنت يا ولدي، وبارك الله فيك)). ثمّ أخذه وضمّه إلى صدره ثانية وقبّل ما بين عينيه.

ملازمة السّبطيـن عليهما‌السلام

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام بقي بعد أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ملازماً لأخويه السّبطين الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وهما اللذان قد أثنى عليهما وعلى ابن عمّهما عبد الله بن جعفر حتّى مثل عثمان بن عفان؛ فإنّه قال للسائل الذي سأله فأعطاه هو خمسة دراهم فقط، فسألهم فأغدقوا عليه المال: ومَنْ لك بمثل هؤلاء الفتية؟ اُولئك فطموا العلم فطماً، وحازوا الخير والحكمة.

نعم، لقد لازم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد أبيه أخويهعليهما‌السلام ، ورجع معهما إلى المدينة المنورة، وبقي في خدمتهما مدّة إقامتهما فيها، وتعلّم منهما أيضاً معالم


الدين واُصوله، وأحكام الإسلام وفروعه، ومحاسن الأخلاق ومكارمه، حتّى إذا استشهد السّبط الأكبر الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام على يدي معاوية بالسمّ غدراً صار ملازماً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وبقي معه ما دام الإمامعليه‌السلام في المدينة المنورة؛ يتلقّى من علومه ويتروّى من جميل أخلاقه وآدابه، حتّى إذا خرج الإمام الحسينعليه‌السلام إلى العراق خرج معه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ولازم ركابه حتّى قُتل بين يديه شهيداً صابراً محتسباً.

نسخة طبق الأصل

لقد امتازت نشأة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عن غيره من أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأنّه اختصّ من ينهم بصحبة والده وأخويه السّبطين، بل وابن أخيه الإمام زين العادينعليه‌السلام أيضاً، وملازمته لهم والتلمذة عندهم، والتروّي من معين علمهم، وزاكي أخلاقهم، ولذلك جاء نسخة طبق الأصل من حيث الفضائل والمكارم والعلم والمعارف، حتّى قال الشاعر في حقّه وهو يصف مناقبه وفضائله:

وفي العبّاسِ من كرمِ السجايا

كثيرٌ ليس يحصرُ في مقالِ

وفاءٌ، نجدةٌ، زهدٌ، وعلمٌ

وإيثارٌ، وصدقٌ في المقالِ

عـفافٌ ظاهرٌ، حلمٌ وجودٌ

وبـأسٌ صادقٌ عندَ النزالِ


الخصّيصة الثامنة

في كُنى العبّاسعليه‌السلام

الكنية من حيث اللغة هو: الاسم المصدّر بالأب مثل: أبو الحسن، والاُمّ مثل: اُمّ أيمن. وقيل المصدّر بالابن أيضاً مثل: ابن الرضا، والمصدّر بالابنة أيضاً مثل: ابنة فاطمة.

وقيل: إنّه يشترط في الكنية أن يكون مشعراً بالمدح والذم، كما أنّهم جعلوا حكمة الكنية هو التعظيم والتحقير، فقالوا: إنّ هناك مَنْ لا يدعونه باسمه بل بكنيته تبجيلاً وتكريماً، كما إنّ هناك مَنْ يدعونه بكنيته توهيناً وتحقيراً.

وعلى كلّ حال، فقد اشتهر العبّاس بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام بكنى متعدّدة، وكلّها تحكي الثناء والتعظيم، وتفصح عن المدح والتبجيل للعبّاسعليه‌السلام ، غير أنّ الأشهر من بين الجميع هو: أبو الفضل. ويتلوه شهرة: أبو فاضل، ثمّ أبو القاسم، ثمّ ابن البدوية، ثمّ أبو القربة، وأبو الشارة، وأبو رأس الحار، وأبو فرجة.

كناهعليه‌السلام مشعرة بالتعظيم

لقد سبق في تعريف الكنية ومعناها اللغوي: بأنّها الاسم المصدّر بالأب والأم والابن والابنة، مضافاً إلى شروطها الاُخرى: من إشعار المدح والذم،


وحكمة التعظيم والتحقير؛ فإنّ هذا التعريف يوقفنا على أنّ الاسم المصدّر بواحد من الأب والأم، والابن والابنة يعدّ كنية حتّى وإن لم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالأب والأم ابن - مثلاً - يدعى بذلك الاسم، ولم يكن لصاحب ذلك الاسم المصدّر بالابن أو الابنة أب - مثلاً - يدعى بذلك الاسم.

أبو الفضل، وأبو فاضل

وعليه فيكون أبو الفضل وكذا أبو فاضل وهكذا غيره من كنى العبّاسعليه‌السلام مشعراً بالمدح والثناء، وحاكياً عن التعظيم والتبجيل، وليس مستلزماً لأن يكون له ابن يدعى بـ (الفضل) وبـ (فاضل) - مثلاً - حتّى وإن قيل بأنّهعليه‌السلام كان له ابن يدعى بـ (الفضل) بن العبّاسعليه‌السلام .

وكيف كان فإنّ كنى العبّاسعليه‌السلام كلّها مشعرة بالمدح والثناء عليه، كما إنّ الحكمة من وضعها له هي تعظيمه وتبجيلهعليه‌السلام بها؛ ولذلك نرى الشاعر يقول في حقّهعليه‌السلام :

أبا الفضلَ يا مَنْ أسسَ الفضلَ والإبا

أبـى الـفضلُ إلاّ أن تـكونَ لهُ أبا

وقال آخر:

فأنتَ أخو السبطينِ في يومِ مفخرٍ

وفي يومِ بذلِ الماءِ أنتَ أبو الفضلِ

وأمّا (أبو فاضل) فإنّ العرب قد تعارفوا على أن يُكنّوا كلّ مَنْ كان اسمه (عبّاس) بكنية معروفة لديهم هي (أبو فاضل)، سواء كان لديه ابن بذلك الاسم أم لا.


أبو القاسـم

وأمّا (أبو القاسم) فهو كنية سيّد المرسلين، وخاتم النبيِّين محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد كُنّي العبّاسعليه‌السلام بها تشريفاً له وحفاوة به؛ وذلك كما ورد في زيارة الأربعين المنقولة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، حيث إنّه وقف على قبر أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وقال: السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا عبّاس بن علي...، وإن قيل: بأنّه كان للعبّاسعليه‌السلام ابن يدعى باسم القاسم بن العبّاسعليه‌السلام .

ابن البدوية

وأمّا (ابن البدوية) بفتح الباء والدال، أو سكون الدال وكسر الواو فهو إشارة إلى فروسيّة العبّاسعليه‌السلام وشجاعته التي ورثها عن طريق اُمّه اُمّ البنينعليها‌السلام ، التي كانت تنحدر من قبيلة بدوية معروفة بالشجاعة والفروسيّة.

كما إنّ فيها إشارة إلى حسن الطباع وكرم الأعراق، وطيب الأخلاق والآداب التي كانت تتحلّى بها اُمّ البنين، والتي ورّثتها لابنها العبّاسعليه‌السلام ؛ وذلك نظراً لانتمائها إلى البادية التي تشبع روح ساكنيها بالصفاء والوفاء، وتروي نفوسهم بالعزّة والإباء، وتقوّي عقولهم بالرحابة والطلاقة.

أبو القربـة

وأمّا (أبو القربة) بكسر القاف وسكون الراء فهو ممّا جاء من ألقابهعليه‌السلام في كتاب مسار الزائرين لابن إدريس، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج، والأنوار النعمانيّة، وتاريخ الخميس وهو كناية عن تصدّيهعليه‌السلام لمهمّة السقاية، يعني


سقاية الماء التي لها عند الله أجراً كبيراً وثواباً جزيلاً.

فقد كان العبّاسعليه‌السلام المسؤول عن سقاية الماء إلى موكب الإمام الحسينعليه‌السلام عند خروجه من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة ومنها إلى العراق، وبالخصوص في كربلاء، وخاصة بعد تحريم الماء من قِبَل يزيد بن معاوية على آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنعه عنهم.

كما إنّ فيها إشارة إلى مواساتهعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، حيث ورد المشرعة وملأ القربة ماءً، ولكنه لم يذُق من الماء ولا قطرة مع شدّة عطشه وكبير ظمأه؛ وذلك احتراماً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأطفال أخيه وبنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله العطاشى.

كما إنّ فيها إشارة أيضاً إلى طريقة شهادتهعليه‌السلام وكيفية قتله؛ حيث إنّه حفاظاً على القربة ومائها، وإيصالها سالمة مع الماء إلى حرم الإمام الحسينعليه‌السلام وأطفاله عكف كلّ همّه على بلوغ هذه الأُمنية، ممّا ترك لأجلها المبارزة مع الأعداء ومجابهتهم في ساحة الحرب، حتّى طمع الأعداء في قتله وتجرّؤوا على الكمين له في طريقه، وكذلك فعلوا؛ حيث كمنوا له في طريقه من وراء النخيل وقطعوا أوّلاً يديه، ثمّ استهدفوا القربة وأراقوا ماءها، ثمّ أردوه قتيلاً.

أبو الشـارة

وأمّا (أبو الشارة) من شوَّر بالرجل فتشوّر، أي إذا خجّله فخجل، فهو كناية عن كونهعليه‌السلام صاحب الكرامات المعروفة التي تحصل عندهعليه‌السلام من مراجعة المتخاصمين الذين انسدّت عليهما طرق المصالحة والاعتراف بالحقّ، وأعيتهما كثرة المرافعة وتداول المنازعة وتبادل الاتهامات فيما بينها؛ حيث يلجؤون إلى


روضتهعليه‌السلام ويطلبون منه فضح المتّهم منهما؛ فإنّه بمجرد ما يحلف المتّهم كذباً بالعباسعليه‌السلام ليثبت بزعمه براءته، يشوّر العبّاسعليه‌السلام به فيفضحه، ويخجّله بتلجلج لسانه، وتغيّر لونه، وتربّد وجهه.

وكثيراً ما [ يحدث ] برفعه من الأرض وضربه بقسرٍ عليها، وكبسه بها، ممّا يؤدّي إلى موته أحياناً كثيرة؛ فإنّه لكثرة وقوع هذه الكرامات في روضته المباركة عُرف عند العامّة بهذه الكنية المباركة (أبو الشارة) التي ترتجف من صداها فرائص الأشرار، وترتعب من ذكراها قلوبهم القاسية، حتّى قال فيه الشاعر:

وشاراته كالشّمسِ في الأفقِ شوهدت

لـها من بناتِ المجدِ أومت إشاراتِ

أبو رأس الحار

وأمّا (أبو رأس الحار) فهو كناية عن سرعة غضبهعليه‌السلام في الله تعالى، وخاصّة بالنسبة إلى المظلومين الذين يستجيرون به، ويلجؤون إلى روضته المباركة، ويطلبون منهعليه‌السلام أن ينتقم لهم من ظالميهم، وأن يريهم فيهم ثأرهم ومآربهم؛ فإنّهعليه‌السلام لا يخيّب أمل مَنْ استجار به وطلب منه ذلك، وإنّما يأخذ له بحقّه من ظالمه سريعاً عاجلاً.

وكم على ذلك من شواهد وعلامات، وفي ذلك من قصص عجيبة وقضايا غريبة امتلأت بذكرها الكتب المعنيّة بذكر هذه الكرامات الظاهرة من ضريحه الأنور، في مشهده المقدّس، وتحت قبّته المباركة، وفي روضته المنوّرة.

أبو فُرجه

وأمّا (أبو فُرجه) بضم الفاء وسكون الراء وفتح الجيم، فهو إشارة إلى


تفريجهعليه‌السلام همّ مَنْ شكا إليه همّه، وتنفيسه كرب مَنْ بثّ إليه كربته، وكشف غمّ مَنْ أباحه ما أغمّه، وإغاثته للمستغيثين به، وإجارته للمستجيرين بضريحه واللائذين بقبره الشريف، وإجابته الملهوفين الذين يلجؤون إلى روضته المباركة ويلتمسون من جنابه الوساطة إلى الله تعالى في الفرج عنهم، والكشف عمّا بهم؛ فإنّهعليه‌السلام سريعاً ما يشفع لهم، ويتوسّط في اُمورهم فيفرّج الله تعالى عنهم، ويكشف ما بهم من كرب وضرّ، وذلك كما قال الشاعر:

كـم فرّجَ اللهُ عنّا كربَ معضلةٍ

كـرامةً منهُ للعبّاسِ شبلِ علي

ورحـمةُ اللهِ خـصّتْنا بفضلِهمُ

عندَ الصعابِ عمّتْ فيهِ كلّ ولي


الخصّيصة التاسعة

في ألقاب العبّاسعليه‌السلام

اللّقب على ما عرّفوه هو: ما يسمّى به الإنسان بعد اسمه العَلَم من لفظٍ يدلّ على المدح والذم، وحيث إنّ أبا الفضل العبّاس بن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان حاوياً على جميع الخصال الحميدة، وجامعاً لكلّ الصفات الحسنة والخلال الخيّرة، كان كلّ ما لقّب به دالاً على المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل.

ولم يكن لهعليه‌السلام هنالك قطّ لقب فيه دلالة على الذم والجفاء، والخفّة والشقاء؛ وذلك لأنّهعليه‌السلام لم يكن له ثغرة في حياته، ولا منقصة في صفاته وخلاله حتّى يستطيع أحد من أعدائه ومناوئيه - مثلاً - نبزه بذلك اللّقب، وانتقاصه بتلك الثغرة والفجوة، كيف وهو ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأخو الإمامين الهمامين ريحانتي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسينعليها‌السلام ؟!

وهو بالإضافة إلى نسبه الشريف ربيب أهل بيت الوحي والنبوّة، وأديب مَنْ تأدّبوا على يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، علماً بأنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أديب الله تعالى، فقد ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله المشهور: ((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)).

وعليه فقد ظهر من ذلك كلّه أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو مَنْ ورث الفضائل والمكارم من معدنه، وتخلّق بالآداب والمحاسن من معينه ونميره؛ ولذلك صار مجمعاً للجمال والكمال، وأصبح منبعاً يفيض بالجود والنوال، حتى


قال فيه الشعراء قصائد المدح والثناء، ونظموا فيه قوافي الخير والإطراء، وممّا جاء منظوماً في حقّهعليه‌السلام ما قاله الشاعر:

هو البحرُ من أيِّ النواحي أتيتهُ

فلجّتهُ المعروفُ والجودُ ساحلُه

وقال آخر:

هـو العبّاسُ ليثُ بني نزارِ

ومَنْ قد كانَ للاّجي عصاما

هزبرٌ أغلبُ اتّخذ اشتباكَ الـ

ـرمـاحِ بحومةِ الهيجا أجاما

فـمـدتْ فوقهُ العقبانُ ظِلاً

لـيقرّيها جـسومهمُ طعاما

أبيٌّ عندَ مسِ الضيمِ يمضي

بعزمٍ يقطعُ العضبَ الحساما

العبّاس عليه‌السلام مجمع الجمال والكمال

نعم، إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد حوى من المكارم والمحاسن، ومن الأخلاق والآداب ما لا يمكن قصرها في مجال، ولا حصرها في مقال؛ ولذلك جاءت ألقابه الدالّة على بعض من تلك المكارم والمحاسن، والمشيرة إلى نماذج من تلك الآداب والفضائل، عديدة وكثيرة، ورفيعة ومنيعة، نذكرها أوّلاً سرداً بحسب ترتيب اشتهارها لدى الناس، ثمّ نشرح ما تيسّر لنا منها إن شاء الله تعالى فيما يأتي، وهي كالتالي:

باب الحسينعليه‌السلام .

باب الحوائج.

السقّاء.

ساقي عطاشى كربلاء.

قمر بني هاشم.


قمر العشيرة.

حامل اللواء.

بطل العلقمي.

كبش الكتيبة.

حامي الظعينة.

سبع القنطرة.

الضيغم.

العبد الصالح.

العابد.

الطيار.

الشهيد.

الصدّيق.

الفادي.

المؤثر.

المواسي.

الحامي والمحامي.

ظهر الولاية.

قائد الجيش.

المستجار.

الوافي.

الساعي.

المستعجل.

المصفّي، وغير ذلك.


الخصّيصة العاشرة

في أنّهعليه‌السلام باب الحسين عليه‌السلام

أبا الفضلِ أنتَ البابُ للسبطِ مثلما

أبـوكَ عـليٌّ كـان باباً لأحمدا

وقد كتب على مصراعي الباب الفضّي في الأيوان الذهبي من روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المباركة أبيات من قصيدة الخطيب الشهير الأُستاذ الشيخ محمّد علي اليعقوبي، منها الأبيات التالية:

هو بابُ الحسينِ ما خابَ يوماً

وافـدٌ جـاءَ لائذاً في حماهُ

إنّـهُ بـابُ حطّةٍ ليسَ يخشى

كلَّ هولٍ مستمسكٌ في عراهُ

قـفْ بـهِ داعياً وفيهِ توسّل

فـبـهِ المرءُ يستجابُ دعاهُ

أنت الباب للسبط

في البيت الأوّل من مطلع هذه [ القصيدة ] يشير الشاعر الموالي إلى أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد احتذى حذو أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في إيمانه وأخلاقه، حيث كان من شدّة إيمان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وكرم أخلاقه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعدّه لكلّ عظيمة، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة.

وكان هوعليه‌السلام قد وقف نفسه على خدمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحمايته والذبّ عنه، حتّى اشتهر عنه قولهعليه‌السلام : ((أنا عبدٌ من عبيد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله )). وحتّى قال فيه تعالى وهو يصف موقفه


ليلة المبيت حين نام على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله موقياً له بنفسه:( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) . وغيرها من المواقف الاُخرى حتّى قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمَنْ أراد المدينة فليأت الباب)).

فكانعليه‌السلام باباً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومصاحباً له في حلّه وترحاله، وحضره وسفره، وسلمه وحربه، وواقياً له بنفسه وروحه، وماله وولده، وقد عرف بذلك حتّى أنّه صار مَنْ يريد الزلفى عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتقرّب بالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إليه.

ومَنْ يريد الحظوة لدى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوسّط الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لديه، ومَنْ أراد أن يقضي الله حاجته جعله بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوسيلة إلى الله تعالى في قضاء حوائجه.

وكذلك كان ولده أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام باباً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ حيث كان من شدّة إيمان العبّاسعليه‌السلام ونُبل أخلاقه أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان يعدّه لكلّ عظيمة، ويدعوه عند كلّ نازلة وملمّة.

وكان هوعليه‌السلام قد وقف نفسه لخدمة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحمايته والدفع عنه حتّى اشتهر قوله في مخاطبته له: سيّدي ومولاي.

ولم يعرف عنه أنّه خاطبه يوماً وذات مرّة بقوله: يا أخي، إلاّ في يومٍ واحد وذات مرّة واحدة فقط وهي في يوم عاشوراء؛ وذلك حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض، وهي ساعة حرجة يحنّ فيها الإنسان إلى أقرب ذويه وأخصّ خاصّته، ولحظة يتلهّف الإنسان فيها إلى أن يتصفّح وجوه كلّ أقربائه وجميع حامته؛ وذلك لأنّه يريد أن يلقي فيها بنظراته الأخيرة على وجوههم، ويتصفّح ولآخر مرّة للوداع مُحيّاهم، ويحبّ أن يرى في النهاية رأسه في حجرهم، وجسمه بين جموعهم وحضورهم.

في هذه الساعة بالذات، وفي تلك اللحظة الحسّاسة نفسها سمح أبو الفضل لنفسه أن ينادي أخاه بقوله: يا أخاه! أدرك أخاك.

____________________

(1) سورة البقرة / 207.


موقف الإمام الحسين عليه‌السلام من أخيه

وهنا كان الموقف الرشيد من الإمام الحسينعليه‌السلام حيث لم يصل صوت أخيه المواسي إلى مسامعه الكريمة إلاّ ولبّى نداء أخيه، وأسرع إليه كالصقر المنقضّ، ونزل عنده وجعل رأسه في حجره، وأخذ يمسح الدم والتراب من على عينيه، ويناشده عمّا يشتكي منه ويؤلمه، ويناجيه بتوجّع وتألّم مشاركاً له آلامه، ومشاطراً إيّاه همومه وغمومه.

ففتح على إثر ذلك أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عينه في وجه أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وألقى بنظرته الأخيرة عليه، وودّع أخاه وإمامه ببسمة ارتسمت على شفتيه تحكي كلّ معاني الإخلاص والمحبّة، وتفصح عن آيات الولاء والأخوّة.

فما كان من الإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ أن ردّ على أخيه الوفي جواب سلامه وتحيّاته، ولكن لا بنبرات صوته وجهير كلامه وإنّما بزفراته وعبراته، وأنينه وحنينه، وقطرات دموعه وحرارة آهاته، ممّا ألهب بها مُحيّا أخيه وأبرد به فؤاده وصدره، حتّى إذا أحسّ بها العبّاسعليه‌السلام لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر إمامه العظيم، وأحضان سيّده الكريم قرير العين ثلج الفؤاد.

الأهداف من ترك العبّاس عليه‌السلام في مكانه

وكان من دأب الإمام الحسينعليه‌السلام وهو دأب كلّ قائد رؤوف وإمام عطوف أن يحمل جثث أنصاره، وأجساد قتلاه الذين استشهدوا في المعركة معه إلى فسطاط أعدّه للشهداء قرب معسكره ومخيّمه، فكان يضع بعضهم مع بعض، وهو يقول كما عن غيبة النعماني: ((قَتْلة مثل قتلة النبيِّين وآل النبيِّين)).


لكن لمّا وقف الإمام الحسينعليه‌السلام هذه المرّة على جسد أخيه الوفي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ورآه بتلك الحالة بكى حوله ساعة، وانصرف ولم يحمله إلى الفسطاط، بل ترك جسد أخيه الشهيد في مكانه، وغادر جثّته موذّرةً ومقطّعة في محلّ شهادته ومصرعه؛ وذلك إمّا نزولاً إلى رغبته وتلبية لطلبهعليه‌السلام ؛ حيث إنّه - على ما روي - طلب من أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام مُقسماً عليه بجدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتركه مكانه ما دام به رمق، وأن لا يحمله إلى فسطاط الشهداء؛ لأنّه قد وعد سكينة بالماء وهو يستحي منها.

ولأنّه أشفق على أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام فأراد أن يعفيه من عناء حمله ومشقّة نقله إلى الفسطاط؛ ولأنّه أراد بذلك الحفاظ على عواطف النساء والأطفال، وأراد أن يخفي عنهم خبر شهادته المفزعة لهم ولو إلى لحظات، وأن يحجب جسمه الموذّر المفجع لهم عن أنظارهم ولو بضع ساعات.

ولأنّ الأعداء كانوا قد قطعوا جسمه الشريف إرباً إرباً بحيث لم يمكن حمله - حسب الظاهر - إلى الخيام ولا نقله إلى الفسطاط؛ ولأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام ترك أخاه العبّاسعليه‌السلام في مكانه ولم يحمله إلى الفسطاط إشارة منه إلى أنّ أخاه يستحق التعظيم والتبجيل باتّخاذ مرقد منفرد له، ونصب شبّاك مجلّل على قبره، ورفع بنيان شامخ حول ضريحه، وتشييد روضة مباركة أطراف مرقده؛ وذلك تقديراً منه لوفائه، وشكراً منه على مواقفه الرشيدة تجاه إمامه.

وليكون بعد شهادته - كما كان أيام حياته - باباً للإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فيقصده الزائرون، ويؤمّه الموالون والمحبّون، ويحجّ إليه أرباب المسائل والحوائج وأصحاب الضرّ والفاقة، والفقر والمسكنة أوّلاً، ويشفّعونه عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ويوسّطونه في حوائجهم إليه، ثمّ يقصدون روضة الإمام


الحسينعليه‌السلام للزيارة والاستشفاع به إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم وبلوغ أمانيهم وآمالهم ثانياً.

مرقد منفرد وحرم خاص

ولعلّ الأمر الأخير كان هو الهدف من وراء ترك الإمام الحسينعليه‌السلام أخاه العبّاسعليه‌السلام في مكانه، وعدم حمله إلى الفسطاط، كما عليه المحقّقون من كبار العلماء والفقهاء.

ويؤيّده أنّه لمّا جاء الإمام زين العابدينعليه‌السلام في اليوم الثالث من شهادة أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، وذلك بطريق المعجزة، وأراد دفن الشهداء السّعداء ومواراة أجسادهم الطاهرة، التفت إلى بني أسد بعد أن وارى بنفسه جسد أبيه الطاهر، ووارى بمعاونة بني أسد أجساد الشهداء الأبرار وقال: ((انظروا هل بقي من أحد؟)).

قالوا: نعم، بقي بطل مطروح حول المسنّاة وهو موذّر ومقطّع إرباً إرباً، وإنّا كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر!

فقالعليه‌السلام : ((امضوا بنا إليه)).

فمضوا جميعاً إليه، فلمّا رآه انكبّ عليه يلثم نحره الشريف، وهو يقول: ((على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته)). ثمّ شقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وقال لبني أسد: ((إنّ معي مَنْ يعينني)).

وعليه فإنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام مع إمكانه ولو بطريق المعجزة،


وتعاون مع بني أسد أن ينقل الجسد الطاهر إلى الحائر الشريف، لكنهعليه‌السلام مع ذلك لم ينقل جسد عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عن مكانه، ولم يحمله إلى بقعة أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام ولا إلى روضة الشهداء من أهل بيته وأصحابه، وإنّما حفر له حيث مرقده الآن مرقداً، وشقّ له ضريحاً وواراه فيه؛ ليكون قبره الشريف ومرقده المنيف محطّاً ومزاراً، وملاذاً ومعاذاً، وباباً للذين يفدون لزيارة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وبوّاباً للذين يقصدونه بحوائجهم وآمالهم.

وهكذا كان، فإنّ الوافدين والزائرين وكذلك هيئات المعزّين والمسلّين، ومواكب العزاء كموكب السلاسل والتّطبير، واللطم والتشبيه وغيرهم من الآمّين إلى كربلاء المقدّسة من ذلك الزمان وحتّى يومنا هذا يقصدون أوّلاً مشهد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ويأمّون روضته المباركة، ويوسّطونه لحوائجهم عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ثمّ بعد ذلك يقصدون مشهد الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويتشرّفون بزيارته ويتبرّكون بحرمه وروضته ثانياً وأخيراً.

اقتداء العبّاس عليه‌السلام بأبيه

نعم، إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام اقتدى بأبيه في الكرم والجود، فصار باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام باباً لأخيه وابن عمّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

بل إنّ العبّاسعليه‌السلام أصبح بمؤهّلاته الخلقية وكفاءاته الإنسانية العالية باباً لولاية الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام ، بحيث لا يمكن لأحد أن يرد إلى مدينة حبّهم وحصن ولايتهم إلاّ عن باب محبّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وولايته؛ وذلك كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام باباً لنبوّة ابن عمّه رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورسالته، بحيث لا يمكن لأحد أن يدخل مدينة علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحصن معارفه، ويكون من الموقنين بنبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن المؤمنين برسالته إلاّ من باب ولاية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقبول ولايته وخلافتهعليه‌السلام ؛ وذلك حسب ما اشتهر من قولهعليه‌السلام : ((علي باب علمي، ومبيّن لاُمّتي ما أرسلت به من بعدي)). وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((علي وعاء علمي ووصيّي، وبابي الذي اُوتى منه)).

الباب المعنوي لا السياسي

ومن هنا علم أنّ المراد من معنى كون العبّاسعليه‌السلام باباً لأخيه وسيّده الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام باباً لأخيه وابن عمّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أنّه باب معنوي وروحي إلى مدينة المعنويات، والمعارف والروحانيات والفضائل، وإلى حصن الإيمان والتقوى والقرب إلى الله تعالى، وإلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى أوليائهعليهم‌السلام .

وليس هو بالمعنى اللغوي المتعارف في الأوساط السياسية التي كلّ عليها الدهر وشرب من الأمس الغابر إلى اليوم الحاضر؛ حيث قد تعارف أن يكون للملك والرئيس بوّاب وحاجب يمنع الناس من الوصول إليه والالتقاء به، فقد كان هذا من شأن الجاهلية الأولى، وعاد أيضاً على ما كان عليه في الجاهلية الثانية. وبين الجاهليتين جاء الرسول الحبيبصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإسلام الحكيم والكتاب المنير، وحارب كلّ الطواغيت وعاداتهم، وتوعّدهم بالعقاب ونار الجحيم.

وقد كان من عادة حكّام الجاهلية التي حاربها الإسلام بشدّة التقوقع على النفس، والانهماك في لذّاتها وشهواتها، والانفصال عن الناس وعن حوائجهم ومشاكلهم باتّخاذ البوّابين والحَجَبة، ثمّ تطوّروا في ذلك فاتّخذوا لأنفسهم رؤساء الديوان الملكي، والقصر الجمهوري، وما أشبه ذلك


من الأسماء الجديدة والعناوين الكاذبة والخداعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقرّها إلاّ الشيطان والأهواء، ممّا هي بعيدة غاية البعد عن ساحة أهل البيتعليهم‌السلام ، وعن مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إذن هو الباب المعنوي للإمام الحسينعليه‌السلام ، والبوّاب الروحي إلى مدينة المعارف والفضائل، والمكارم والأخلاق المتجسّدة في الإمام الحسينعليه‌السلام .


الخصّيصة الحادية عشرة

في أنّهعليه‌السلام باب الحوائج

بـابَ الـحوائجِ ما دعتهُ مروعةٌ

فـي حـاجةٍ إلاّ ويقضي حاجَها

بأبي أبا الفضلِ الذي من فضلهِ الـ

سـامي تـعلّمتِ الورى منهاجَها

زجّ الـثّرى من عزمهِ فوق السما

حـتّـى عـلت في تربةٍ أبراجَها

قُـطـعتْ يـداهُ وطالما من كفّه

ديـمُ الـسماحةِ أمطرت ثجّاجَها

وقال آخر:

أبـا الفضلِ إنّي جئتكَ اليوم سائلاً

لـتيسيرِ ما أرجو فأنتَ أخو الشبلِ

فـلا غـرو إنْ أسعفتَ مثلي بائساً

لأنّك للحاجاتِ تُدعى: (أبو الفضلِ)

الأبواب والوسائل إلى الله

إنّ كلّ المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام وهم: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، والأئمة الاثنا عشر من أهل البيتعليهم‌السلام ، وكذلك بعض خاصّتهم وذويهم هم أبواب الحوائج إلى الله تعالى، والوسائل إلى رضوانه وجنّته.

وهم الأسماء الحسنى التي أمر الله تعالى أن ندعوه بها، ونتوجّه عبرها إليه؛ حيث قال سبحانه:( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) . وقال سبحانه:( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .


لكن هناك من بينهم مَنْ عُرف واشتهر بكونه باب الحوائج أكثر من البقية، علماً بأن اُولئك الذين اشتهروا بكونهم أبواب الحوائج هم أربعة أشخاص: واحد منهم من الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام والثلاثة الباقون من ذويهم وخاصّتهم.

أوّل أبواب الحوائج

أمّا باب الحوائج من الأئمّةعليهم‌السلام فهو الإمام الكاظم موسى بن جعفرعليه‌السلام ، فإنّه عُرف لدى المسلمين باب الحوائج، واشتهر به؛ وذلك لكثرة ما ظهر منهعليه‌السلام ومن مرقده الشريف من كرامات ومعجزات، ومن كفاية المهمّات والحاجات، حتّى اعترف بذلك كبار علماء العامّة وأئمتهم، ناهيك عن عامة الشيعة وخاصّتهم.

فقد قال إمام الشافعيّة محمّد بن إدريس الشافعي على ما في تاريخ بغداد: مرقد الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ترياق القلوب، وشفاء الأمراض الروحية والقلبية.

وقال شيخ الحنابلة الحسن بن إبراهيم أبو علي الخلاّل كما في تاريخ بغداد أيضاً: كلّما عرضت لي حاجة ملحّة وأردت إمضاءها وإنجاحها زرت مقابر قريش، وذهبت إلى حائط شونيزية، ووقفت على قبر باب الحوائج موسى بن جعفرعليه‌السلام وتوسّلت به إلى الله تعالى في قضاء حاجتي ومرحومة عبرتي.

هذا بعض اعترافات علماء العامّة، ناهيك عن علماء الخاصة فإنّ كتبهم مليئة بذلك.


ثاني أبواب الحوائج

وأمّا الثلاثة الباقون ممّن عُرفوا بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام وخاصّتهم فهم كالتالي:

1ـ الطفل الرضيع: وهو الجندي الصغير من حيث السنّ، والكبير من حيث القدر والمعنى، الذي استشهد على يدي أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء؛ وذلك حين أخذه إلى عسكر يزيد بن معاوية ليسقوه شربة من الماء الذي كانوا قد منعوه على الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه وأهل بيته.

ولكنهم بدل أن يعطفوا على هذا الرضيع ويسقوه الماء مع ما كانوا يرونه كيف يتلظّى من شدّة العطش، ويلوك لسانه من حرارة الظمأ سقوه بكأس الموت، ورموه بسهم المنيّة؛ فذبحوه على يدي أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام من الوريد إلى الوريد، ومن الأذن إلى الأذن، وتركوه يرفرف كالطير المذبوح على يدي أبيه حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة في وجه أبيه بابتسامة ارتسمت على شفتيه؛ كناية عن رضاه بتقديم نفسه هدية صغيرة، وفداءً متواضعاً لله تعالى، فتقبّله الله بأحسن قبوله، وجعله باباً من أبواب الحوائج إليه حتّى عُرف بباب الحوائج.

ثالث أبواب الحوائج

2 - الثاني ممّن عُرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام وخاصّتهم اُمّ البنينعليها‌السلام ، وهي اُمّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، يعني فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة، وقد نالت هذا المقام عند الله تبارك وتعالى بحسن اعتقادها وإيمانها بالله ورسوله، وشدّة إخلاصها وولائها لأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقد


نذرت نفسها، ووقفت طاقاتها - لما تقلّدت وسام الزوجيّة من ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن حين دخلت بيته - لخدمة ابني رسول الله وريحانتيه الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وقدّمتهما على نفسها وعلى أولادها وذويها، وعلّمت أولادها ودّهما والإخلاص في ولائهم لهما، وربّتهم على محبّتهما وعلى إيثارهما، وتقديمهما على أنفسهم والتضحية والفداء من أجلهما بالروح والدم، والغالي والرخيص، وأرسلتهم مع إمامهم الحسينعليه‌السلام في خروجه من المدينة نحو مكة والعراق، وأمرتهم بنصرته والذبّ عنه، وأوصتهم على أن لا يبخلوا بأنفسهم وبذل أرواحهم في حفظه والدفاع عنه.

وكذلك فعلوا حيث إنهم لم يقصّروا في نصرة إمامهم، ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وإنّما قدّموها فداءً لإمامهم الحسينعليه‌السلام ، ووقاءً له، ونالوا بذلك شرف الدنيا وثواب الآخرة.

هذا وعندما جاء بشر بن حذلم ينعى الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أهل المدينة، خرجت اُمّ البنين فيمَن خرج من الناس، لكنها لم تسأل بشراً عن أولادها وإنّما سألته عن سيّدها الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكلّما كان بشر يخبرها بقتل واحدٍ من أولادها كانت تجيبه بكل رباطة جأش وسكون نفس: فداءً لسيّدنا الحسينعليه‌السلام .

ثمّ كانت تقول له: أسألك عن سيّدنا الحسينعليه‌السلام وتخبرني عن أولادي؟! حتّى إذا سمعت بنعي الإمام الحسينعليه‌السلام بكت واعولت ووقعت مغشياً عليها.

وهنا لمّا رأى الله تعالى كبير إخلاصها، وعظيم حبّها وولائها، وصدق قولها وفعلها أثابها على ذلك بعزّ الدنيا وشرف الآخرة، وجعلها باباً من أبواب الحوائج إليه، ووسيلة من وسائل رضوانه وغفرانه، فما رجاها مؤمل حاجة ولا صاحب مشكلة ووسّطها إلى الله تعالى إلاّ وانقلب بقضاء حاجته، ونجاح مهمّته، وحلّ مشكلته.


رابع أبواب الحوائج

3ـ الثالث والأخير ممّن عرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام وخاصّتهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وهو محطّ بحثنا ومحور حديثنا في هذا الكتاب، وأنعم به باباً للحوائج، فقد نال هذا المقام واتّسم بهذا الوسام ثواباً من عند الله تبارك وتعالى على عظيم عنائه وبلائه، وتقديراً له على كبير مواساته وإيثاره، حتّى جاء في زيارته المعروفة المنقولة عن الإمام الصادقعليه‌السلام : ((أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك، فنِعم الأخ المواسي... إلى أن يقولعليه‌السلام : فنِعم الصابر المجاهد، المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه...)).

نعم، لقد واسى أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام مواساة عظيمة، وأدى ما كان عليه من حقوق الأخوّة؛ ممّا استحقّ بها المدح من الإمام الصادقعليه‌السلام والثناء عليه بقوله: ((فنِعم الأخ المواسي)).

هذا وحيث كان كلّ همّ أبي الفضلعليه‌السلام هو نصرة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام والذبّ عنه، وحمايته والدفع عنه استحقّ بسببه أيضاً إطراء الإمام الصادقعليه‌السلام عليه والاعتزاز به بقوله: ((فنِعم الصابر المجاهد، المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه)).

أجل، لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من عظيم إيمانه بالله ورسوله وأهل بيته، وكبير تأدّبه مع أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام يرى نفسه على ما كان عليه من فضل وعلم وشرف وسؤدد جندياً صفراً تجاه قائد سماوي عظيم، وعبداً رقّاً أمام مولىً كريم.

كيف لا والإمام الحسينعليه‌السلام حجّة الله على خلقه، والإمام المنصوب من


عند الله تبارك وتعالى في بريّته كما نصّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك عليه، وأبو الفضلعليه‌السلام هو مَنْ يعرف حقّ الحجة؛ ولذلك كان العبّاسعليه‌السلام حتّى في يوم عاشوراء لا يتصرّف من عند نفسه ولا يجتهد برأيه، بل كان يتعبّد بكل الأوامر الصادرة إليه من مولاه وإمامه، ويطبّقها تطبيقاً حرفيّاً بلا زيادة ولا نقصان من عنده.

وقد تجلّى ذلك في موقفه عندما جاء إلى الإمام الحسينعليه‌السلام يستأذنه في البراز ومقاتلة القوم الظالمين الذين لم يحفظوا حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذرّيته، ولم يرعوا شخصه الكريم بعد غيابه في أبنائه وأهل بيته، لكن الإمام الحسينعليه‌السلام أبى أن يأذن له وقال: ((إن كان ولا بدّ فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء)).

العبّاس عليه‌السلام عند طلب أخيه

امتثل أبو الفضلعليه‌السلام كلام أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وانصرف عن مقاتلته الأعداء، وأقبل نحو الخيام وأخذ منها قربةً خاوية واتّجه بها نحو العلقمي ليأتي بالماء إلى الأطفال.

أقبل العبّاسعليه‌السلام حتّى اقتحم الفرات، ولمّا أحسّ ببرد الماء اغترف منه غرفة بيده وقرّبه إلى فمه، فقد كان عطشانَ شديد العطش، ظمآن عظيم الظمأ، لكنه عندما قرّب الماء من فمه تذكّر عطش أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام فأبى أن يشرب؛ مواساةً لأخيه.

وصبّ الماء على الماء وملأ القربة، وخرج من الفرات متّجهاً نحو مخيّم النساء والأطفال، وكل همّه إيصال الماء إلى الأطفال العطاشى الذين بقوا بانتظار مجيئه عندما رأوه أخذ القربة واتّجه نحو الفرات.


ترك البراز من أجل الماء

لقد ترك أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام مقاتلة القوم الذين قتلوا إخوته وأبناء إخوته، ولم يشف صدره منهم ابتغاء طلب الماء وإيصاله إلى الأطفال العطاشى.

هذا وهو البطل العظيم الذي ورث الشجاعة من أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والذي لو كان همّه بدل إيصال الماء مقاتلة هؤلاء الظالمين لَما ترك على وجه الأرض منهم أحداً ينجو بنفسه، ولا شخصاً منهم يسلم على روحه، لكنه امتثل أمر إمامه واكتفى بطلب الماء عمّا فيه شفاء صدره.

ودخل الماء ولم يذُق منه شيئاً مع شدّة أواره واستعار قلبه؛ مواساةً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، كلّ ذلك وهو راضٍ بما عنده من الماء، مؤملاً إيصاله إلى الأطفال الذين تصاعد صراخهم من ألم العطش نحو السماء، وعلا صراخهم من شدّة الظمأ أجواء كربلاء.

وعندما عرف الأعداء انشغال العبّاس بالماء عن مقاتلتهم انتهزوا الفرصة، وجنّدوا كلّ طاقاتهم للتخلّص من بأسه؛ لأنهم كانوا يعلمون أنّه لو تفرّغ العبّاس لقتالهم لأتى على آخرهم.

وكانت المصيبة الكبرى والرزية العظمى حين كَمَن له أحد الأشقياء وراء نخلة وغدر به بضربة مفاجئة قطع بها يمينه، ثمّ كَمَن له شقي آخر فقطع يساره، وكان الخطب الأعظم والبلاء الجلل عندما أُصيبت القربة بسهم وأُريق ماؤها، عندها تحيّر أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فلا ماء عنده ليوصله إلى الأطفال العطاشى الذين ينتظرون قدومه بالماء، ولا يدين عنده حتّى يحارب بهما.

وحيث خابت آمال أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأيس من تحقيق أمانيه وبلوغ مآربه، جازاه الله عن ذلك لإخلاصه، وعوّضه بها لوفائه؛ بأن جعله باباً للحوائج إليه في الدنيا. فما أمّه أحد بحاجة إلاّ ورجع مقضياً حاجته، مستجاباً دعاؤه، ووهبه جناحين في الآخرة يطير بهما في الجنّة حيث يشاء، وأعطاه مقاماً هناك يغبطه به جميع الشهداء.


الخصّيصة الثانية عشرة

في أنّهعليه‌السلام السقّاء

ورث العبّاسعليه‌السلام عمل السقاية من أجداده الطاهرين وآبائه الكرام، فقد كانت السقاية من مختصّات بني هاشم دون سائر قريش؛ وذلك لِما كان يتّصف به بنو هاشم من النُبل والشرف، والسخاء والكرم، فقد كانوا هم وحدهم الأسخياء فيما يصرفونه من أموال ويبذلونه من طاقات في سبيل تأمين الماء، وتأمين الطعام على ضيوف الرحمن وحجاج بيت الله الحرام، وعلى غيرهم من سائر الناس، وهذا ممّا اشتهر في الناس واعترف به حتّى أعداؤهم؛ فقد قال معاوية بن أبي سفيان العدو اللدود لبني هاشم: إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه أصله.

وقصي بن كلاب كما في التاريخ كان أوّل مَنْ أسّس سقاية الحاج، وقام بإطعامهم، ثمّ ورثها من بعده ابنه عبد مناف، ثمّ ابنه هاشم، وعندما أدركت هاشم الوفاة ووافته المنيّة كان ابنه عبد المطلب بن هاشم صغيراً عند أخواله، فقام بها عمّه المطلب بن عبد مناف.

حتّى إذا كبر عبد المطلب بن هاشم سلّمها عمّه إليه، فقام بها عبد المطلب أحسن قيام، ثمّ أتحفه الله بإظهار زمزم له وأكرمه بها، كما كان أكرم بها جدّه إسماعيل بن إبراهيمعليه‌السلام من ذي قبل. ولمّا مات عبد المطلب ورثها منه أبو طالب، ثمّ سلّمها أبو طالب لأخيه العبّاس بن عبد المطلب؛ كرامةً أكرمه بها.


ثمّ إنّ العبّاس بن عبد المطلب سلّمها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكة، لكن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ردّها إليه ثانية؛ فقد كان من دأب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن تعاليم دينه الحنيف ردّ كلّ مأثرة لا تتنافى مع الإسلام إلى أصحابها، وإقرارها فيهم وفي أيديهم؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يخلع أحداً من منصبه، ولم يدفعه عن حقّه الذي كان له قبل الإسلام إذا لم يكن ممّا ينافي الإسلام، ورضي به الناس.

استسقاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

نعم، لقد سقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الماء من أنامله عمّه أبا طالبعليه‌السلام ومَنْ كان معه في قافلته التجارية إلى الشام حين كانوا في الطريق ورأوا أنّ البئر التي كانوا يستسقون منها قد أُعميت وطمست.

كما وسقىصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه في مرّات عديدة حين أضرّ بهم العطش ولم يجدوا ماءً طبيعياً يشربوه، فسقاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الماء عن طريق المعجزة وشربوا منه حتّى رووا.

وقد استسقى أبو طالب بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين أجدب أهل مكة وأقحطوا، فأنزل الله تعالى عليهم الغيث وأخصب ناديهم وباديهم، حتّى قال أبو طالبعليه‌السلام في ذلك:

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ

ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ

واستسقى هوصلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل المدينة فما استتمّ دعاءه حتّى التفّت السماء بأروقتها، فجاء أهل البطانة يضجّون: يا رسول الله الغرق!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((حوالينا لا علينا)). فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل، فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ضاحكاً حتّى بدت نواجذه، وقال: ((لله درّ أبي طالب! لو كان حيّاً لقرّت عيناه)).


وهنا قام رجل من كنانة وأنشد:

لكَ الحمدُ والحمدُ ممّنْ شكرْ

سُـقينا بوجهِ النبيّ المطرْ

إلى أن قال:

وكـانَ كـما قـالهُ عمّهُ

أبو طالبٍ أبيضُ ذو غررْ

بهِ اللهُ يسقي صوبَ الغمام

وهـذا العيانُ لذاكَ الخبرْ

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يسقي أهل بدر

وهكذا كان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فقد استسقى ليلة بدر بعد أن أحجم الجميع عنه وأتى بالماء إلى مخيّم المسلمين، مع ما كانت عليه الليلة من ظلام قاتم وبرد شديد، وكان معسكر المشركين قريباً من البئر بحيث يخاف الوقوع في أيديهم، كما إنّ ماء البئر كان ممّا لا تناله اليد، ولم يكن دلو يستقى به، فنزل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في البئر وملأ القربة ماءً، ثمّ خرج منها وتوجّه إلى معسكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي الطريق مرّت به عواصف ثلاث أقعدته عن المشي، ولمّا سكنت أقبل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقصّ عليه خبر العواصف، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أمّا العاصفة الأولى فجبرائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك؛ وأمّا الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك؛ وأمّا الثالثة فإسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، وكلّهم أُنزلوا مدداً لنا)).

ومنه اشتهر قول القائل: بأن لعليعليه‌السلام في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة وثلاثة مناقب، وقال في معناه السّيد الحميري قصيدة عصماء جاء فيها:

ذاكَ الـذي سـلّمَ في ليلةٍ

عـلـيهِ ميكالُ وجبريلُ

جبريلُ في ألفٍ وميكالُ في

ألـفٍ ويـتلوهمُ سَرافيلُ

لـيـلةُ بـدرٍ مدداً اُنزلوا

كـأنّـهـم طـيراً أبابيلُ


السقاء يوم الحديبية

وقد استسقى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أيضاً يوم الحديبية حين نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأصحابه الجُحفة فلم يجد بها ماءً، وذلك بعد أن بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالروايا سعد بن أبي وقاص، فرجع مع السّقاة خالياً وهو يقول: يا رسول الله، لم استطع أن أمضي وقد وقفت قدماي رعباً من القوم.

فبعثصلى‌الله‌عليه‌وآله بالروايا رجلاً آخر، فرجع هو الآخر مع السّقاة خالياً أيضاً، وقال كما قال الأول: يا رسول الله، ما استطعت أن أمضي رعباً.

فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حينئذ الإمام أمير المؤمنينصلى‌الله‌عليه‌وآله وأرسله بالروايا، فخرجعليه‌السلام بالسّقاة - ومعهم الروايا - وهم لا يشكّون في رجوعه خالياً كما رجع الذين من قَبله، حتّى إذا ورد الحرار استقى ثمّ أقبل مع السّقاة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالماء، ورآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والماء معه كبّر الله ودعا له بخير.

إرسال الماء إلى عثمان

كما إنّ التاريخ أثبت في صفحاته استقاء عليعليه‌السلام الماء وإرساله مع أولاده إلى عثمان وهو في الحصار الذي أوجده بنفسه على نفسه، وذلك بعد أن صُدّت السيّدة اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ومنعت، وأُريق الماء الذي كانت تحمله إلى عثمان.

كما وسقى جيش معاوية من الفرات لمّا استولىعليه‌السلام على الماء، وذلك بعد أن منعهم معاوية عنه قائلاً: اقتلوهم عطشاً.


استسقاء سبطي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

وهكذا كان الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسينعليهما‌السلام ؛ فقد استسقى بهما لإبانة فضلهما أبوهما الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام حين أضرّ الجدب بأهل الكوفة، فما أن أتمّ الإمام الحسن والإمام والحسينعليهما‌السلام حتّى هطلت السماء على أهل الكوفة بالماء، وأبدلت جدبهم بالخصب، وقحطهم بالغيث والبركة.

السقاية لأهل الكوفة

هذا ولم ينسَ التاريخ سقاية الإمام الحسينعليه‌السلام أهل العراق، وذلك بعد مغادرة مكة والمدينة متّجهاً نحو الكوفة وفي منزل شراف؛ حيث لمّا كان وقت السحر أمر فتيانه بأن يستقوا من الماء ويكثروا، ففعلوا ذلك وهم لا يعلمون أنّه لماذا أمرهمعليه‌السلام بالإكثار من الماء.

ثمّ ارتحلوا، وفي الطريق إذا بهم قد التقوا بالحُر وجيشه، وكان قد أضرّ بهم العطش، وأسعر قلوبهم حرّ الشمس وثقل الحديد، وهنا عرف الفتية الهدف من إكثار الماء عندما قال لهم الإمام الحسينعليه‌السلام : ((اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً)).

فقام الفتية بسقي القوم حتّى أرووهم من الماء، ثمّ اقبلوا يملؤون القصاع والأواني بالماء ويدنونها من الخيل، فإذا عبّت فيها ثلاثاً وأكثر وارتوت منه صبّوا بقية الماء عليها.

وكان آخر مَنْ جاء من جيش الحُر رجل يقال له: علي بن الطحان المحاربي، فلمّا رأى الإمام الحسين ما به وبفرسه من العطش قال له: ((أنخ الراوية)). أي الجمل المحمل بالماء، لكنه لم يعرف ما يفعل، فقال له: ((يابن أخي، أنخ الجمل)).

فأناخه، فقال له: ((اشرب)). فجعل كلّما يشرب سال الماء من السقاء، فقال له: ((أخنث السّقاء)). أي اعطفه، لكنه


أيضاً لم يدرِ كيف يفعل، فقام الإمام الحسينعليه‌السلام بنفسه وخنث له السّقاء، وقال له: ((اشرب واسق فرسك)). فشرب وسقى فرسه أيضاً ورشّفه ترشيفاً.

سقاية العبّاس عليه‌السلام في الظروف الصعبة

واقتدى أبو الفضل العبّاس بأجداده وآبائه الطاهرين، وبأخويه الكريمين الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام في السّقاية، وانتحل لنفسه بكل اعتزاز وافتخار لقب (السّقّاء)، وكان يقوم بالسّقاية في كلّ مناسبة وفي كلّ فرصة تتيح له القيام بها؛ وخاصةً في كربلاء وعلى الأخص عندما منع ابن سعد الماء عن الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه، وحرّمها عليهم بأمر من يزيد وابن زياد.

وكان ذلك في اليوم السابع من المحرم الحرام عام واحد وستين للهجرة، واستمرّ ذلك التحريم حتّى مساء يوم عاشوراء، هذا مع أنّ الفصل الزماني تلك السنة كان هو فصل الصيف، وصيف المنطقة الوسطى في العراق يكون حارّاً شديد الحرارة، وجافّاً كثير الجفاف.

وكان الذي يشدّد تلك الحرارة ويضاعف ما كان موجوداً هناك من الجفاف استعار نار الحرب وتطاير شررها، والتهام الأسنّة والسيوف نفوس الأعزّة وأرواح الإخوة والأحباب؛ فإنّ كلّ ذلك كان ممّا يزيد في التهاب القلوب واستعارها، ويؤثّر في شدّة عطشها وأوارها.

ومعلوم أنّ السّقاية في هذه الظروف الصعبة والقاسية كم يكون لها من أهمية كبيرة وعظيمة، خاصةً وأنّ السّاقي والحال هذه كم يكون له من مقام رفيع ودرجة عالية، وقد نال الحظّ الوافر من هذه السّقاية، وحصل على السهم الأكبر من ثوابها وأجرها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام حتّى قيل كما في كتب التاريخ


والأخبار؛ مثل تاريخ الخميس، وسرائر ابن إدريس: إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لمّا تعهّد سقي موكب كربلاء وإغداق الماء عليهم في أيّام محرّم وعشرة عاشوراء، وخاصةً أيام تحريم الماء عليهم ومنعه عنهم، لُقّب باللقب الكبير، ووسم بالوسام النبيل وسام (السّقاء).

السّقاء منذ الأيام الأولى

وروي على ما في ثمرات الأعواد: أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كان ذات يوم جالساً وحوله ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانتاه الإمامان الهمامان الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وإلى جنبهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فعطش الإمام الحسينعليه‌السلام ، فعرف ذلك أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فقام وهو إذ [ ذاك ] صبي صغير وأقبل إلى الدار وقال لأُمّه اُمّ البنين: يا اُمّاه، إنّ سيّدي ومولاي الإمام الحسينعليه‌السلام عطشان، فهل لي إلى إيصال شربة من الماء العذب إليه من سبيل؟

فقالت له اُمّه اُمّ البنين بشغف وشفقة: نعم يا ولدي. ثمّ قامت مسرعة وأخذت معها قدحاً وملأته بالماء العذب ووضعته على رأس ولدها العبّاس، وقالت له وبكلّ رأفة وحنان: اذهب به إلى سيّدك ومولاك الإمام الحسينعليه‌السلام .

فأقبل العبّاسعليه‌السلام بالماء نحو الإمام الحسينعليه‌السلام والماء يتصبّب من القدح على كتفيه، فوقع عليه نظر أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ورآه قد حمل قدح الماء على رأسه والماء يتصبّب من القدح على كتفيه، تذكّر وقعة كربلاء فرقّ له، وقال وهو يخاطبه ودموعه تتقاطر على وجنتيه: ((ولدي عبّاس، أنت ساقي عطاشى كربلاء))؛ فسمّي من ذلك (السّقاء).


الخصّيصة الثالثة عشرة

في أنّهعليه‌السلام ساقي عطاشى كربلاء

إذا كانَ ساقي الناسِ في الحشرِ حيدرٌ

فـساقي عُطاشى كربلاءِ أبو الفضلِ

على أنّ ساقي الناسِ في الحشرِ قلبُهُ

مـريعٌ وهـذا بـالظما قـلبُهُ يغلي

وقال السّيد جعفر الحلّي في سقاية العبّاسعليه‌السلام لعطاشى كربلاء:

وتشتكي العطشَ الفواطمُ عندهُ

وبصدرِ صعدتهِ الفراتُ المفعمُ

لو سدّ ذو القرنين دونَ ورودهِ

نـسـفتهُ همّتهُ بما هو أعظمُ

ولو استقى نهرَ المجرّةِ لارتقى

وطـويـلُ ذابـلهِ إليها سلّمُ

يصوّر الشاعر الموالي لأهل البيتعليهم‌السلام السّيد جعفر الحلي في هذه الأبيات الأخيرة جدارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لحمل وسام (ساقي عطاشى كربلاء)، وتأهّله للقيام بهذه المهمّة الشريفة، ويصفه بأنّه من عظيم همّته وكبير عزمه وشدّة غيرته لا يسمح لنفسه أن يرى واحدة من الفواطم تتلوّى عطشاً، ويسمع منها تشتكي ظمأً؛ فإنّه يوفّر لها الماء حتّى ولو كان بينه وبين الماء سداً منيعاً كسد ذي القرنين المعروف بالقوة والإحكام.

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لو استقى من نهر المجرّة - ناهيك عن نهر الفرات - لجعل رمحه الطويل سلّماً يصعد عليه، ومدرجاً يرتقي عبره إلى السماء ليحمل منه الماء ويأتي به إليهم، وكذلك كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأنعم به شهماً غيوراً، وبطلاً مقداماً.


أمران مهمّان

ثمّ إنّ في البيتين الأوّليين إشارة إلى أمرين مهمّين يتطلّبان الوقوف عندهما قليلاً، وهما كما يلي:

الأمر الأوّل: فيهما إشارة إلى مقام السّقاية وعظم مكانتها، والمماثَلة بين ساقيين أحدهما أعظم من الآخر وأكبر درجة عند الله، وهو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وذلك في يوم القيامة الكبرى وعلى حوض الكوثر، والآخر هو ابن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وذلك في يوم عاشوراء يوم القيامة الصغرى وعلى نهر الفرات.

الأمر الثاني: فيهما إشارة إلى عظمة الساقي وكبير فضله، والمقارنة بين موقفي الساقيين أحد الموقفين أرقّ من الموقف الآخر وأشجى للقلوب، وهو إنّ ساقي العطاشى في كربلاء أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام كان يغلي قلبه من شدّة العطش والظمأ، مع أنّ الساقي يقتضي أن يكون راوياً هانياً لأنّه صاحب ماء؛ إذ لو لم يكن له ماء فكيف يصحّ أن يكون ساقياً؟!

وهذا ما يبعث على تساؤل السامع عن أنّه كيف يمكن أن يكون ساقياً للماء وهو في نفس الوقت عطشان ويقضي ظامياً؟

نعم، إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام كان ساقياً للماء ومع ذلك كان عطشان وقضى ظامياً؛ مواساةً لسيّده وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام .

وكفى به كرماً ونبلاً، وعزّاً وشرفاً، وقد نحله الإمام الصادقعليه‌السلام على عمله الكبير هذا وساماً بقي ولا يزال إلى يوم القيامة فخراً ولآخرته ذخراً؛ وذلك حين خاطبه في زيارته المعروفة قائلاً: ((فنِعم الأخ المواسي)).


السّقاية في القرآن والحديث

هذا ولا يخفى أنّ عمل السّقاية من الأعمال الشريفة، والأفعال الحسنة الجميلة التي امتدحها الله ورسوله، وندب إليها الإسلام والعقل، وحبّذها القرآن والسنّة، قال تعالى:( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ) .

وقال سبحانه:( وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً ) .

وقال تعالى:( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُوراً ) .

وقال (عزّ وجلّ) في حقّ موسى لمّا ورد ماء مدين ورأى امرأتين تذودان وهما تريدان الاستقاء:( فسقى لهما ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أفضل الأعمال إبراد الكبد الحرّى)). يعني سقي الماء.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((أفضل الصدقة إبراد كبد حارّة، وأفضل الصدقة صدقة الماء)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((مَنْ سقى عطشانَ أعطاه الله بكل قطرة يبذلها قنطاراً في الجنّة، وسقاه من الرحيق المختوم، وإن كان في فلاة من الأرض ورد حياض القدس مع النبيِّين)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((إنّ الله تعالى يحبّ إبراد الكبد الحرّاء، ومَنْ سقى كبداً حرّاء من بهيمة وغيرها لأظلّه الله تعالى يوم لا ظلّ إلاّ ظله)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((ثمان خصال مَنْ عمل بها من اُمّتي حشره الله مع النبيِّين والصدّيقين والشهداء والصالحين... وأروى عطشانَ...)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((سبعة أسباب يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته... وحفر بئراً وأجرى نهراً...)).


وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ((خمس مَنْ أتى الله بهنّ أو بواحدة منهنّ وجبت له الجنّة: مَنْ سقى هامة صادية...)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً لمن سأله أن يدلّه على عمل يدخل به الجنّة: ((اشترِ سقاءً جديداً ثمّ اسقي بها حتّى تخرقها، فإنك لا تخرقها حتّى تبلغ أعلى الجنّة)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه يوماً، وذلك بعد أن صلّى بهم الصبح: ((معشر أصحابي، رأيت البارحة عمّي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين أيديهما طبق من نبق، فأكلا ساعة ثمّ تحوّل النبق عنباً فأكلا ساعة، فتحوّل العنب رطباً، فدنوت منهما فقلت: بأبي أنتما! أي الأعمال وجدتما أفضل؟

قالا: فديناك بالآباء والاُمّهات! وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك، وسقي الماء، وحبّ علي بن أبي طالب)).

وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومَنْ سقى مؤمناً ظامئاً سقاه الله من الرحيق المختوم)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ سقى مؤمناً شربة ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله بكل شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل)).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال: ((مَنْ سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمَنْ أعتق رقبة، ومَنْ سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء كان كمَن أحيا نفساً، ومَنْ أحياها فكأنّما أحيا الناس أجمعين)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((ما من مؤمن يطعم مؤمناً شبعة من طعام إلاّ أطعمه الله من طعام الجنّة، ولا سقاه ريّه إلاّ سقاه الله من الرحيق المختوم)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((أربع مَنْ أتى بواحدة منهنّ دخل الجنّة: مَنْ سقى هامة ظامئة...)).


وقال الإمام الصادقعليه‌السلام لمَنْ كان معه في طريق مكة، وقد رأوا رجلاً قد استلقى تحت ظلال شجرة شوك الجمال: ((اذهب إليه وانظر ما به، لا يكون قد صرعه العطش)).

قال الراوي: فذهبت إليه وترجّلت عن مركبي، وأخذت أفحص عنه، فإذا هو رجل نصراني قد أضرّ به العطش، فأقبلت إلى الإمام الصادقعليه‌السلام وأخبرته بخبره وقلت: إنّه رجل نصراني قد صرعه العطش. فقالعليه‌السلام : ((اذهب إليه بالماء واسقه، فإن لكلِّ كبد حرّاء أجر)).

وعن أبي الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن آبائه، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنّه رأى ليلة المعراج في الجنّة صاحب الكلب الذي سقى الكلب ماءً وأنقذه من أن يموت عطشاً؛ يعني الرجل الذي أدخله الله تعالى الجنّة بسبب سقيه الحيوان وإروائه من الظمأ.

وروي عنهعليه‌السلام أيضاً: ((إنّ امرأة رأت في الصحراء كلباً ظامئاً قد أشرف على الموت من شدّة العطش، وكان هناك بئر بعيدة القعر قليل الماء، فدخلت البئر وملأت حذاءها ماءً وأخذته بفمها وخرجت، وسقت به ذلك الكلب حتّى ارتوى ونجا من الموت، فرحم الله تعالى تلك المرأة بعملها هذا، وعفا عنها وغفر لها)).

وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتوضّأ فمرّت به هرّة وأخذت تنظر إلى الماء، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أظنّ هذه الهرّة عطشى)). ثمّ قرّب الماء إليها فشربت الهرّة منه ثمّ توضّأصلى‌الله‌عليه‌وآله بفضلتها.

العبّاس عليه‌السلام وسقايته الأولى

نعم، إنّ السِّقاية هي عمل الأبرار والصالحين، ودأب ذوي المكانات والمروءات، ولها أجر عظيم وثواب جزيل، وقد نال شرفها وحصل على أرفع


وسام فيها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام .

ففي التاريخ: أنّه لمّا كتب ابن زياد إلى ابن سعد بأن يمنع الماء عن الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويحرّمه عن أهل بيته، قلّ الماء في الخيام وعند معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، فاستدعىعليه‌السلام أخاه العبّاس وضمّ إليه عشرين فارساً وأرسله إلى الفرات ليستقي لهم، والظاهر أنّ هذا الاستقاء كان في مساء يوم السابع من المحرّم، أي ليلة الثامن منه.

فأقبل العبّاسعليه‌السلام بهم نحو الفرات، وكان الوقت ليلاً والظلام قد طبق الكون، وغطّى بأجنحته السوداء كلّ مكان، وكان ما بين الفرسان العشرين هلال بن نافع البجلي، وكان بينه وبين الموكّل على الفرات عمرو بن الحجاج قرابة وصداقة، فتقدّم هلال الفرسان واقتحم الفرات فأحسّ به عمرو فصاح: مَنْ الوارد؟ أجاب هلال: أنا واحد من أولاد عمّك، جئت لأشرب الماء، فعرفه عمر وقال له: اشرب هنيئاً مريئاً.

هنا انتهز هلال الفرصة ليقدّم نصيحته لابن عمّه عمرو ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ولذلك قال له: يا عمرو، أتأذن لي بشرب الماء وتمنعه من ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته وهم عطاشى؟!

هزّ هذا الكلام كيان عمرو وأوقفه على سوء فعله وشناعة أمره، لكنه سرعان ما غضّ عنه بصره، وأغفل عن وقعه قلبه، وأخذ يوجّه موقفه غير الإنساني بقوله: صحيح كلامك، ولكن ما أفعل والأمر ليس بيدي، وإنّما أنا مأمور وعليّ التنفيذ.

قرأ هلال عبر هذا الكلام كلّ ما يدور في نفس عمرو من تسويلات الشيطان، وكل ما يحمل في ذهنه من مكائد النفس والهوى؛ ولذلك أعرض عن جوابه وتوجّه نحو فرقة السِّقاية وقال: هلمّوا واملؤوا أوعيتكم من الماء.

اقتحمت فرقة السِّقاية وفي مقدّمتها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام الفرات وملؤوا أوعيتهم، وذلك بعد أن انقسموا إلى فرقتين: فرقة تقاتل الأعداء وتشغلهم بذلك، وفرقة يملؤون أوعيتهم، حتّى إذا فرغوا من ملء أوعيتهم واتّجهوا نحو الخيام


تركت الفرقة الثانية القتال وأحاطوا بالفرقة الأولى وساروا معاً نحو المخيّم، وكان حصيلة هذه المهمّة قتل عدّة من جيش العدو، وجرح عدّة آخرين من محافظي الشريعة الذين كانوا يبلغون أربعة آلاف تحت قيادة عمرو بن الحجاج، ووصول أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومَنْ معه بالماء إلى المخيّم سالمين.

وعلى إثر هذه المهمّة عُرف أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام حيث أوصل الماء بسلامة إلى الخيام بـ (السّقاء )، ولُقّب بساقي عطاشى كربلاء.

وكانت هذه السِّقاية التي قام بها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هي أُولى سقاياته في كربلاء بعد منع الماء عنهم وتحريمه عليهم، ومنها عُرف بالسّقاء. ولكن لم تكن هي الأولى والأخيرة، وإنّما كانت هناك سقايات اُخرى قام بها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في كربلاء أيام ضرب الحصار عليهم، نذكر منها ما يلي:

السِّقاية الثانية

جاء في هامش منتهى الآمال للمحدّث القمّي، عن كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي في ورود الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه بكربلاء ما مضمونه: أنّه كان بين معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام والفرات فاصلة قريبة، فحال الأعداء بين الإمام الحسينعليه‌السلام ومنعوا أصحابه من الوصول إليه، فصاح الشمر فيهم قائلاً: انظروا إلى هذا الماء كيف يجري كبطون الحيّات، لا ندعكم تذوقون منه شيئاً حتّى تردوا الحامية.

عندها التفت أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وقال: ألسنا على الحقّ؟ فأجابه الإمام الحسينعليه‌السلام : ((بلى والله، نحن على الحقّ)).

فاستلهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من جواب أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام الإذن في الاستقاء، وطلب الماء للنساء والأطفال الذين أضرّ بهم


العطش في الخيام فحمل عندها على القوم الموكّلين بالفرات حملة أزالهم عن الماء وكشفهم عن الشريعة، وخلّى الطريق بين معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام وبين الفرات حيث تسنّى للإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه أن يشربوا من الماء، ويحملوا منه معهم إلى النساء والأطفال، وكانت هذه السِّقاية على الظاهر في اليوم التاسع من المحرّم؛ وذلك بعد ورود الشمر في كربلاء.

السِّقاية الثالثة

ثمّ لمّا كان يوم عاشوراء وبدأ ابن سعد القتال، وشنّ الحرب على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثر القتلى في صفوف الإمام الحسينعليه‌السلام ، وبان الانكسار فيهم، عندها أخذ الإمام الحسينعليه‌السلام ينادي؛ إتماماً للحجّة ودفعاً للعذر: ((أما من مغيث يغيثنا! أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله !)).

فلمّا سمع ذلك أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أقبل إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فقبّل ما بين عينيه واستأذنه في البراز فلم يأذن له، وطلب منه الاستقاء للأطفال، فودّعه ممتثلاً أمره، وحمل القربة واتّجه نحو الفرات.

فلمّا أراد أن يقتحم الشريعة أحاطوا به ليمنعوه، ففرّقهم وهو يقول: أنا العبّاس بن علي، أنا ابن أُختكم الكلابيّة، أنا عطشان وأهل بيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله عطاشى، وهم يذادون عن الماء وهو مباح على الخنازير والكلاب!

ثمّ دخل الفرات وملأ القربة وخرج بالماء نحو المخيّم، فاعترضه الموكّلون بالشريعة ليمنعوه من إيصال الماء إلى المخيّم، فقاتلهم وهو يقول:

أنا الذي اُعرفُ عند الزمجرهْ

بـابنِ عـليٍّ المسمّى حيدرهْ

إن أثـبتوا اليوم لنا يا كفرهْ


فقتل منهم كلّ مَنْ اعترضه حتّى قتل مئة فارس من فرسانهم، وأوصل الماء بسلامة إلى المخيّم، ففرح الأطفال بوصول الماء إليهم وتواسوا به ولم يرووا.

وكانت هذه السِّقاية - على ما روي - هي السِّقاية الثالثة لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقد وقعت في يوم عاشوراء.

وهناك لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام سقاية رابعة انجرّت إلى مصرعه، وأدّت إلى شهادته، وهي السِّقاية المعروفة في يوم عاشوراء.


الخصّيصة الرابعة عشرة

في أنّهعليه‌السلام ساقي كلّ عطشان

لقد ثبتت فضيلة السِّقاية وإرواء العطاشى لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام حتّى عُرف بالسّقّاء، واشتهر أنّه ساقي عطاشى كربلاء، بل أنّه روي أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان قد عطش يوماً وهو في مسجد جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة المنورة، فأحسّ بعطشهعليه‌السلام أخوه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وكان إذ ذاك صغيراً.

فقام من مجلسه وهو ينوي سقي أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ماءً، فخرج من المسجد ولم يقُل لأحد ما يريده، ولم يطلع أحداً على ما نواه أبداً، وإنّما جاء مسرعاً حتّى دخل المنزل وأخذ كأساً نظيفاً وملأه ماءً، ثمّ أقبل نحو المسجد بالماء، فقدّمه - وبكلِّ احترام - إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، فشكره الإمام على ذلك ودعا له بخير، ولعلّ منها لُقّب العبّاسعليه‌السلام بالسّقّاء، وكُنّي بأبي القربة كما قيل.

دور الماء في الحياة

هذا ولا يخفى ما للماء من دور كبير في الحياة، وأثر بالغ في استمرارها وبقائها، وطراوتها ونظارتها، حتّى قال تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه:( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام في جواب مَنْ سأله عن طعم الماء: ((إنّه طعم الحياة)).

كما إن ابن عبّاس الذي استقى علمه من


أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتعلّم تفسير كتاب الله تعالى منه، استند إلى الآية الكريمة في حلّ لغز ملك الروم الذي أرسل إلى معاوية قارورة وطلب منه أن يضع فيها من كلّ شيء، فتحيّر معاوية واستعان بابن عبّاس في ذلك، فقال له ابن عبّاس: لتملأ له ماء؛ فإنّ الله تعالى يقول:( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ ) .

فتعجّب ملك الروم واستحسنه قائلاً: لله أبوه ما أدهاه!

الماء من أجل الإمام الحسين عليه‌السلام

ثمّ إنّ الله تعالى خلق ماءً موّاجاً متلاطماً، وذلك قبل أن يخلق سماءً وأرضاً، وشمساً وقمراً. قال تعالى:( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) ، ثمّ خلق من ذلك الماء ما خلق من سماوات وأرضين، وبثّ فيهما ما بثّ من شيء كما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فالماء هو أساس الخلقة، والخلقة لأجل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعليه فالعالم طفيليّ وجود الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك إن لم يكن بالمباشرة فبالواسطة. ألا تسمع قول جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه: ((حسين منّي وأنا من حسين))؟

وقد قال تعالى من قبل كما في الحديث القدسي مخاطباً رسوله الكريم محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لولاك لما خلقت الأفلاك)). فيكون الإمام الحسينعليه‌السلام لقول جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه مشمولاً لهذا الحديث الشريف.

إذاً فالحياة كلّها والعالم كلّه خلق من ماء، والماء خلق من أجل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وقد جعله جبرائيل بأمر من الله تعالى صداقاً لفاطمة الزهراءعليها‌السلام على ما جاء في الخبر، كما وأباحه الله تعالى لكل الناس؛ فقد جعل الله الماء من المباحات العامة، وجعل الناس فيه شرعاً سواء، وجعل أوّل ما يثيب عليه من


الأعمال الصالحة في يوم القيامة هو ثواب عمل السِّقاية وأجر السِّقاية، وهذا كلّه يدلّ على خصوصية في الماء ليس في غيره من الأشياء، ويشير إلى امتياز في سقايته لم يكن في عملٍ سواه.

مكانة أبي الفضل عليه‌السلام

من هذا وغيره يعلم مكانة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند الله تبارك وتعالى؛ حيث إنّهعليه‌السلام وقف نفسه لسقاية أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأطفاله ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونسائه حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وجدّ واجتهد في ما أوقف نفسه له حتّى استشهد في هذا الطريق صابراً محتسباً، فحباه الله تقديراً له وإكراماً به وسام السِّقاية؛ سقاية كلّ شيء وليس سقاية الماء فحسب، بل منحه الله تعالى أن يسقي بإذنه تعالى كلّ عطشان، سواء كان عطشان ماء، وعطشان علم، وعطشان مال وولد، وعطشان حجّ وعمرة، وعطشان زيارة وتشرّف إلى تربته وروضتهعليه‌السلام ، وزيارة أحد الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام وغير ذلك؛ فإنّه ما توسّل به إلى الله متعطّش إلى شيء من الاُمور الماديّة والمعنوية إلاّ وسقاه الله ممّا أراد، ورواه بما شاء ببركة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

الاقتداء بالعباس عليه‌السلام في سقايته

وجاء في كتاب (طروس الإنشاء) للعلاّمة السّيد محمّد نجل آية الله السّيد مهدي القزويني (طاب ثراه) ما مضمونه: أنّ نهر الحسينيّة المعروف الذي كان يسقي كربلاء المقدّسة وضواحيها بعد انقطاع نهر العلقمي وجفافه انقطع سنة


(1306) هجرية قمرية، وأصبح أهل كربلاء يعانون على أثره من قلّة الماء وشحّه، ويقاسون العطش والظمأ؛ فأمرت الحكومة العثمانية آنذاك بحفر نهر جديد في أراضي السّيد النقيب السّيد سلمان، فامتنع السّيد النقيب من الموافقة على ذلك ولم يسمح بحفر النهر الجديد في أراضيه.

قال السّيد محمّد القزويني: فاتّفق أن تشرّفت بزيارة أعتاب كربلاء المقدّسة والتبرّك بتربتهم وروضتهم، فاجتمع إليّ أهالي كربلاء وطلبوا منّي أن أكتب إلى السّيد النقيب في خصوص الماء وما يعانونه من العطش والظمأ، وأن استحثّه في سقيهم الماء بالسماح لهم في حفر نهر جديد في أراضيه يسقي كربلاء وأهلها.

فكتبت إليه استحثّه أن يقتدي بأبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ساقي الكوثر، وبعمّه العبّاسعليه‌السلام ساقي العطاشى، واستعطفه بذكر ما يعانونه أهل كربلاء من قلّة الماء وما يقاسونه من عطشٍ وظمأ، البيتين التاليين:

في كربلا لكَ عصبةٌ تشكو الظّما

مـن فـيضِ كفّكَ تستمدُ رواءَها

وأراكَ يـا ساقي عطاشى كربلا

وأبوكَ ساقي الحوض تمنع ماءَها

فلمّا وصل كتابي إلى السّيد النقيب تأثّر بما فيه، وأجاز حفر النهر الجديد في أراضيه، مفتخراً بوسام السِّقاية ولقب السقّاء، وارتوى أهل كربلاء من الماء، وانتفعوا بالنهر الجديد ببركة هذا الوسام الكبير ولقب (السقّاء) الشريف.

من آداب السِّقاية وشرب الماء

وجاء في كتاب كامل الزيارات مسنداً عن داود الرقي قال: كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذ استسقى الماء، فلمّا شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه


بدموعه، ثمّ قال لي: ((يا داود، لعن الله قاتل الحسين! فما من عبدٍ شرب الماء فذكر الحسينعليه‌السلام ولعن قاتله إلاّ كتب الله له مئة ألف حسنة، وحطّ عنه مئة ألف سيّئة، ورفع له مئة ألف درجة، وكأنّما أعتق مئة ألف نسمة، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد)).

وفي الخبر أيضاً ما مضمونه: إنّ مَنْ كان في يوم عاشوراء عند مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام وسقى الناس العطاشى ماءً كان كمَنْ سقى أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، وكان كمَنْ حضر كربلاء لنصرة الإمام الحسينعليه‌السلام في ذلك اليوم.


الخصّيصة الخامسة عشرة

في أنّهعليه‌السلام قمر بني هاشم

يا هـاشماً إنّ الإله حباكمُ

ما ليسَ يبلغهُ اللسانُ المفصلُ

قومٌ لأصـلهمُ السيادةُ كلّها

قـدماً وفرعهمُ النبيُّ المرسلُ

بيضُ الوجوهِ ترى بطونَ أكفهم

تندى إذا اغبرّ الزمانُ الممحلُ

هذا ما قاله كعب الأنصاري شاعر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في بني هاشم عامة، وقد قال الإمام الحسينعليه‌السلام في أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام خاصة، وذلك عندما وقف عليه يوم عاشوراء ورآه مضرّجاً بدمه:

أيابن أبي نصحتَ أخاك حتّى

سـقاكَ اللهُ كـأساً من رحيقِ

ويـا قمراً منيراً كنتَ عوني

على كلّ النوائبِ في المضيقِ

وقال السّيد جعفر الحلي في العبّاسعليه‌السلام خاصة وهو يحكي لسان حال الإمام الحسينعليه‌السلام عندما مشى إلى مصرعه قائلاً:

فمشى إلى مصرعهِ الحسينُ وطرفُه

بـيـن الـنـساءِ وبـينه مـتقسّمُ

ألـفاه مـحجوبَ الـجمالِ كـأنّه

بدرٌ بـمنحطمِ الـوشيحِ مـلثّمُ

هاشم وبنوه سادة البطحاء

نعم، لقد كان هاشم بن عبد مناف وبنوه سادة البطحاء وقادتها؛ وذلك لِما


منحهم الله تعالى من حسن الخلق والسيرة، وجمال الوجه والصورة؛ فلقد كان هاشم في حسن الخلق والسيرة، وكرم الأصل والأعراق بمكانة ساد بها في كلّ العرب، فأصبح هو الأصل للسّيادة، والسيادة فرع عليه؛ ومنه اُطلق اسم (السّيد) على أولاده وبنيه، وكُنّي السّادة بأبناء هاشم، أو كما في عُرف الناس قد عرفوا بأبي هاشم، كلّ ذلك نسبةً إلى هاشم جدّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا كان من حيث الخلق والسيرة؛ وأمّا من حيث الوجه والصورة، فلقد كان هاشم وكذلك أبوه عبد مناف وكذلك أجداده صِباح الوجوه، حِسان الغرر، يحملون في وجوههم إضافة إلى جمالهم وحسنهم نور النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي كان في أصلابهم يتوارثونه خلفاً من سلف، ويورّثونه سلفاً لخلف، حتّى قيل لعبد مناف قمر مكّة، وإنه البدر، وقيل لهاشم وإخوته أقداح النضار - والنضار: جمع النضر، وهو الذهب - وقيل لعبد المطلب إنّه البدر، وقيل لعبد الله والد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه بدر الحرم، وقيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه أضوء من القمر.

النبي وأهل بيته أنوار الأرض

ولقد جاء في وصف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً كما في رواية عن الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، عن خالهما هند بن أبي هالة التميمي، وكان وصّافاً أنّه قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.

وكما عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رُئي في الليلة الظلماء رُئي له نورٌ كأنّه شقّة قمر)).

وكما عن لسان عمّه أبي طالبعليه‌السلام أنّه قال:

وأبيضَ يستسقى الغمامَ بوجههِ

ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ


وكما عن لسان شاعره حسان بن ثابت:

وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني

وأجـملُ منكَ لم تلدِ النساءُ

خُـلقتَ مبرّأً من كلّ عيبٍ

كـأنّكَ قـد خُلقتَ كما تشاءُ

وقيل في صفة علي أمير المؤمنينعليه‌السلام : أزجّ العينين، أدمج العينين، أنجل يميل إلى الشّهلة، كان وجهه القمر ليلة البدر حسناً.

وقيل في وصف الإمام الحسن المجتبى سبط رسول الله الأكبر: كان شبيه جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خَلقاً وخُلقاً، وسمتاً ومنطقاً.

أشبه الخلق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

وقيل في صفة الإمام الحسين الشهيد سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأصغر: كان له جمال عظيم، ونور يتلألأ في جبينه، وخدّه يضيء حواليه في الليلة الظلماء، وكان أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقيل في وصفه أيضاً كما كان عن لسان الغلام الذي قُتل أبوه في المعركة، واستشهد مع مَنْ استشهد من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، حيث إنّه برز إلى الأعداء وهو يرتجز ويقول:

أمـيري حسينٌ ونعمَ الأميرْ

سرورُ فؤادِ البشيرِ النذيرْ

عـلـيٌّ وفـاطـمةٌ والداه

فهل تعرفونَ لهُ من نظيرْ

لهُ طلعةٌ مثلُ شمسِ الضّحى

لـهُ غـرّةٌ مثلُ بدرٍ مُنيرْ

وقال هلال بن نافع وهو يصف الإمام الحسينعليه‌السلام في لحظاته الأخيرة: كنت واقفاً نحو الحسينعليه‌السلام وهو يجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاً قطّ مضمّخاً بدمه أحسن منه وجهاً ولا أنور، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله.


وعن مسلم الجصّاص وهو يصف رأس الإمام الحسينعليه‌السلام محمولاً على القنا في سوق الكوفة بقوله: إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسينعليه‌السلام وهو رأس زهري قمري، أشبه الخلق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولحيته كسواد السّبَج قد انتصل منها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً.

ورثاه الكعبي بقوله:

ومُـجرّحٍ مـا غـيّرت منهُ القنا

حُـسناً ومـا أخـلقنَ مـنهُ جديدا

قد كانَ بدراً فاغتدى شمس الضحى

مـذ ألـبستهُ يـدُ الـدماءِ لـبودا

وقال في صفته أعداؤه -والفضل ما شهدت به الأعداء - كما عن لسان يزيد العدو اللدود للإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك عندما جيء بالرؤوس إليه في الشام، فأخذ يقلّب رأس أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ويقول متشمّتاً:

يا حبذا بردكَ في اليدينِ

ولونكَ الأحمرُ في الخدّينِ

كـأنّما حـفَّ بـوردتينِ

شفيت نفسي بدمِ الحسينِ(1)

وبرواية اُخرى قال:

يـا حُـسنهُ يـلمعُ بـاليدينْ

يـلمعُ في طشتٍ من اللجينْ

كـأنّـما حُفَّ بـوردتينْ

كيفَ رأيتَ الضربَ يا حسينْ

شـفيتُ غلّي من دمِ الحسينْ

وقال أيضاً وكان جالساً في منظرة على جيرون لمّا رأى السبايا والرؤوس على أطراف الرماح تُهدى إلى الشام، وقد أشرفوا على ثنيّة جيرون:

لـمّا بـدتْ تلكَ الرؤوسُ وأشرقتْ

تـلكَ الـشموسُ على رُبى جيرونِ

نَعِبَ الغرابُ فقلتُ صحْ أو لا تصِح

فـقد اقـتضيتُ من الرسولِ ديوني

____________________

(1) يبدو أن هناك خطأً وقع فيه المؤلِّف أو مَن أخذ عنه في نسبة الرجز إلى يزيد بن معاوية؛ حيث إن المشهور بين المؤرّخين نسبته إلى مروان بن الحكم.(موقع معهد الإمامين الحسَنَين)


وضاءة العبّاس عليه‌السلام وصباحته

وجاء في وصف أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، كما عن أبي الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيِّين: وكان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يقال له قمر بني هاشم.

وقيل في صفتهعليه‌السلام أيضاً: ويقال له قمر بني هاشم لوضاءته وجمال هيئته، وإنّ أسرّة وجهه تبرق كالبدر المنير، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء

وجاء في فرسان الهيجاء: أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام إنّما دُعي قمر بني هاشم؛ لأن نور مُحيّاه كان يُضيء كلّ ظلمة، وجمال هيئته كان يبهر كلّ ناظر؛ فإنّ نور وجه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وجمال مُحيّاه كان بدرجة من العظمة والبهاء، بحيث أنّه لو اتّفق أن رافق في الطريق ابن أخيه علي الأكبر الذي كان أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً بجدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اصطفّ أهل المدينة في طريقهما ليتفرّجوا على جمالهما، ويزوروا مُحيّاهما، ويتزوّدوا من نور إيمانهما ومعنوياتهما العالية.

نعم، ورث أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من آبائه وأجداده حسن السيرة وجمال الصورة، واجتمع فيه بعد أخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام كلّ آيات الحسن والجمال، وعلامة الشرف والجلال، حتّى عُرف عند الجميع بـ (قمر بني هاشم).


الخصّيصة السادسة عشرة

في أنّهعليه‌السلام قمر العشيرة

العشيرة هي القبيلة، وقبيلة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من طرف الأب لبّ قريش ومخّها، وأشرف العرب وأكرمها، أعني قبيلة بني هاشم والهاشميِّين.

كما إنّ قبيلة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من طرف الاُمّ هي قبيلة بني كلاب من آل الوحيد، وكانوا من أبرز القبائل العربية شرفاً وأظهرهم مناقب، وأجمعهم بالمآثر الكريمة والأخلاق النبيلة؛ ولذلك جاء اختيار عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام عندما استشاره الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في الزواج من أكرم بيوتات العرب وأشجعها على هذه القبيلة، فاختار له منها كريمة قومها وعقيلة أسرتها فاطمة الوحيديّة الكلابيّة اُمّ البنينعليها‌السلام .

العبّاس مفخرة بني هاشم

ومن الطبيعي لكل عشيرة وقبيلة أن تنتخب نوادر شخصياتها ونوابغ رجالها؛ لتجعلهم قدوة تقتدي بهم، وأُسوة حسنة لغيرهم، وعلماً تفتخر على الآخرين بهم، ونبراساً تستلهم من نورهم.

والعباس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام هو مَنْ تفوّق بين القبيلتين في كلّ معاني الخير والجمال، والشجاعة والشهامة، والفصاحة والنباهة. لقد كان في حسن السيرة والأخلاق قمّة، وفي جمال الوجه والمُحيّا روعة.


كان وجهه كالقمر ليلة البدر، حيث إنّه ورث الجمال من آبائه وأجداده، وفعاله كالشمس في ضاحية النهار، حيث إنّه قد تأدّب على يدي أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليها‌السلام ؛ ولذلك أسرع بنو هاشم عشيرته من ناحية الأب إلى الافتخار به والاعتزاز بشخصيته، فأطلقوا عليه وبكلِّ كفاءة لقب (قمر بني هاشم)، فاشتهر العبّاسعليه‌السلام بهذا اللقب بين الهاشميين، ثمّ فشا لقبه هذا وبكلِّ سرعة بين الناس.

آل الوحيد ومفخرتهم

وهنا لمّا رأى بنو كلاب من آل الوحيد ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام متفوّقاً على كلّ أفراد عشيرتهم في الجمال والجلال، متميّزاً على كلّ قبيلتهم في المكارم والكمال، وهو بنبوغه هذا فخر لعشيرتهم وعزّ لقبيلتهم، ولا بدّ أن يعتزّوا به ويفتخروا بانتسابه إليهم؛ ليزدادوا بين العشائر وجهةً، ويكتسبوا عن طريقه في الناس رفعةً ومكانة، ولئلاّ ينفرد بالافتخار به بنو هاشم وحدهم ويعتزّوا به دونهم؛ جاؤوا وأطلقوا على ابن اُختهم العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام لقب (قمر العشيرة)، فعُرفعليه‌السلام بعد ذلك به.

وهكذا حصل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على لقب قمر بني هاشم، ولقب قمر العشيرة، فهو بكل جدارة قمر العشائر والقبائل كلّها، بل هو قمر متلألئ في سماء الإنسانية وآفاق البشرية جميعها؛ يضيء لهم الدرب ويهديهم إلى الصراط المستقيم، صراط علي أمير المؤمنينعليه‌السلام والأئمة المعصومين من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويحذّرهم ظلام السّبل المعوجّة والملتوية، سبل بني اُميّة وآل أبي سفيان ومعاوية ويزيد، وكلّ مَنْ سار على طريقهم وسلك في سبيلهم.


الجمال وحسن الفعال

نعم، إنّ صباحة الوجه ووضاءته من النعم الإلهية على الإنسان، وقد جاء في تفسير قوله تعالى:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن.

وبرواية اُخرى: ((إنّ الله جميل ويحبّ الجمال)).

وقيل: ما أحسن لو يجمع الجمال مع حسن الفعال. يعني بأن يجمع إنسان جمال السيرة وجمال الصورة.

هذا وقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من اُولئك القلائل المتميّزين، بل المنفردين في عالم الجمال وحسن الفعال معاً، فقد حازعليه‌السلام جمال السيرة في أعلى مراتبه، كما أنّه قد فاز بجمال الصورة في أرفع مراقيه أيضاً، حتّى اشتهر في الناس بقمر بني هاشم وبقمر العشيرة.

وإلى هذا المعنى أشار المرحوم العلاّمة الشيخ محمّد حسين الأصبهاني في قصيدته المعروفة في العبّاسعليه‌السلام حيث يقول فيها:

وقـد تجلّى بالجمالِ الباهرِ

حتّى بدا سرّ الوجودِ الزاهرِ

غـرّتُهُ الغرّاءُ في الظهورِ

تكادُ أن تغلبَ نورَ الطورِ

رقـى سماءَ المجدِ والفخارِ

بـالحقِّ يُدعى قمرَ الأقمارِ

بـل في سماءِ عالمِ الأسماءِ

كـالقمرِ البازغِ في السماءِ

بل عالمُ التكوينِ من شعاعهِ

جـلّ جلالُ اللهِ في إبداعهِ


الخصّيصة السابعة عشرة

في أنّهعليه‌السلام حامل اللواء

لقد عقد الإمام الحسينعليه‌السلام لأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لواءً ودفعه إليه منذ خروجه من الحجاز متوجّهاً إلى العراق، وكان اللواء الأعظم يوم عاشوراء بيدهعليه‌السلام ؛ ولذلك كلّما استأذن للبراز قال له الإمام الحسينعليه‌السلام : ((أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري)).

وقال بعض الشعراء عن لسان حال الإمام الحسينعليه‌السلام حين وقف على أخيه العبّاسعليه‌السلام :

لمَنْ اللوا أعطي ومَنْ هو جامعٌ

شملي وفي ضنكِ الزحامِ يقيني

أمـنازلُ الأقرانِ حاملُ رايتي

ورواقُ أخبيتي وبابُ شؤوني

لـكَ موقفٌ بالطفِّ أنسى أهلهُ

حـربُ العراقِ بملتقى صفّينِ

وجاء في المناقب لابن شهر آشوب ما مضمونه: كان العبّاس السقّاء قمر بني هاشم صاحب لواء الإمام الحسينعليه‌السلام وأكبر إخوته.

من مواصفات حملة الألوية

ومن المعلوم أنّ اللواء لا يعقد إلاّ لمَنْ عُرف بالشجاعة والشهامة، والنبل والشرف؛ لأنّ حامل اللواء هو مَنْ يريد ضمّ كلّ أفراد الجيش تحت لوائه، ودرجهم في سلكه وظلاله، فلا بدّ أن يكون ممّنْ يقبله الجميع، ويرتضيه الكل من


حيث الشرف والشجاعة حتّى ينتظموا في سلكه وينضووا تحت لواءه.

هذا مع أنّ اللواء في نفسه مفخرة كبيرة، ومكرمة عظيمة، ووسام شريف، وله منزلة في نفوس الناس ولدى جميع الأمم والشعوب، وعلى مرّ الأزمنة والعصور، كما إنّ لحامل اللواء مكانة راقية، ودرجة رفيعة، ومرتبة سامية، لا من حيث شجاعة حامل اللواء وشهامته فحسب، بل من حيث انتظام الجيش واستماتته مقابل العدو.

فإنّه ما دام اللواء قائماً والعلم مرفوعاً يكون الجيش منتظماً وشمله ملتئماً، وأفراده مقاومين ورجاله مستميتين؛ حيث إنّ اهتزاز اللواء ورفرفته بيد حامله يعطي الأمل للمقاتلين، ويبعث في نفوسهم القوّة والشجاعة، ويرفع فيهم المعنويات القتالية العالية، ويقرّبهم من الغلبة والنصر، بينما إذا سقط اللواء انكسر الجيش وانهزم، وتبدّد العسكر وتفرق، وآل أمرهم إلى الاندحار والموت، والأسر والسّبي.

ومن أجل ذلك كله يأتي انتخاب حملة اللواء، وانتخاب أصحاب الألوية من وسط الشجعان والأعيان، ومن خلال ذوي البيوتات والشرف، ومن بين المعروفين بالنبل والكرم، والدين والتقوى. كما إنّ ذلك كله كان هو الذي يدعو حامل اللواء إلى أن يبذل ما في وسعه للحفاظ على سلامة اللواء، والاستماتة من أجل بقاء اللواء مرفوعاً عالياً، خفّاقاً منشوراً على رؤوس أفراد الجيش ورجاله.

ومن أجل ذلك كلّه أيضاً نرى أنّ حملة اللواء وأصحاب الألوية في الإسلام كانوا غالباً ما يقون اللواء بأنفسهم، فلا يدعون اللواء يسقط من أيديهم ما دام في أجسادهم حياة، وفي أبدانهم رمق، وفي قلوبهم ضربان، وفي شرايينهم دم ينزف، فإذا قطعت يمناهم أخذوا اللواء بيسارهم، وإذا قطعت يسراهم أخذوا اللواء بركبتيهم، وهكذا كانوا يحمون اللواء بأنفسهم عن السقوط حتّى يسلّموه إلى كفؤ آخر غيرهم، كما اشتهر ذلك في حقّ جعفر بن أبي طالب في حرب مؤتة.


مع أصحاب الرايات

ولقد جاء في تعليمات الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فيما يخصّ آداب الحرب والقتال - كما في نهج البلاغة ـ، حيث يقولعليه‌السلام : ((... ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها، ولا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم؛ فإنّ الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم، ويكتنفونها حفافَيها، ووراءها وأمامها؛ لا يتأخّرون عنها فيسلموها، ولا يتقدّمون عنها فيفردوها...)).

وما كان الإمام الحسينعليه‌السلام ليتخطّى تعليمات أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فيما يخصّ حامل اللواء؛ ولذلك اختار لحمل لوائه أخاه الأكبر أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وكان كما اختاره الإمام الحسينعليه‌السلام كفؤاً بحمل اللواء، وأهلاً للقيام بحقّه.

حيث إنّهعليه‌السلام وحفاظاً على سلامة اللواء وبقائه مرفرفاً خفّاقاً بقي في آخر مَنْ بقي مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، مع شدّة ضيق صدره وكثرة أسفه وهمّه من فَقْد إخوته وأبناء إخوته، وعظيم اشتياقه للقاء العدو ومنازلتهم، وكبير تلهّفه على الانتقام منهم ومقاتلتهم؛ فإنّهعليه‌السلام مع كلّ ذلك لم يشفِ قلبه من الأعداء بالبراز إليهم امتثالاً لأمر أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام الذي كان يقول له كلّما استأذنه للبراز: ((أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري)).

كما إنّه لمّا استسقى لأطفال أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام الذين أضرّ بهم العطش، وذلك في المرّة الأخيرة التي انجرّت إلى شهادته، لم يسمح لنفسه ما دام له رمق بترك اللواء وسقوطه، فإنّه لمّا قطعوا يديه يمينه وشماله احتفظ باللواء من السقوط بساعديه وعضديه، وألصقه بهما إلى صدره، وإنّما سقط اللواء بسقوطهعليه‌السلام من على جواده، وذلك بعد أن رشقوه بالنبل كالمطر، وخاصةً عندما خسفوا هامته بعمدٍ من حديد، فهوى إلى الأرض مع اللواء منادياً: يا أخي، أدرك أخاك.


أوّل مَنْ عقد له اللواء

نعم، لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام حامل لواء أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام حامل لواء أخيه وابن عمّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلقد كان لواء الحقّ بيد أنبياء الله وأوليائه؛ حيث كان أوّل مَنْ عقد اللواء وحمله هو شيث بن آدمعليه‌السلام على ما قيل، ثمّ انتقل إلى خليل الرحمن النبي إبراهيمعليه‌السلام ، ومنه إلى ابنه إسماعيل الذبيحعليه‌السلام ، ومنه إلى ابنه نابت بن إسماعيلعليه‌السلام ، ومنه إلى أبنائه وأحفاده أجداد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وآبائه، حتّى انتقل إلى قصي بن كلاب، ومنه إلى عبد مناف.

ثمّ ورثه منه ابنه هاشم، ثمّ ابنه عبد المطلب، ثمّ ابنه أبو طالب، ثمّ صار اللواء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدفعها إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فأصبح هو حامل لواء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأصبح من بعده ابنه العبّاسعليه‌السلام حامل لواء الإمام الحسينعليه‌السلام وعُرف بذلك، أعني عُرف بأنّهعليه‌السلام حامل اللواء.

اللواء مع الغنائم في الشام

ولقد جاء في التاريخ: إنّ جيش بني اُميّة بقيادة ابن سعد لمّا أغاروا على مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام بعد الظهر من يوم عاشوراء ونهبوا ما فيه، وكذلك جمعوا ما في ساحة الحرب من غنائم وبعثوا بها إلى الشام كان في جملتها اللواء الذي كان يحمله العبّاسعليه‌السلام ، فلمّا وقع عين يزيد عليه وأجال بصره فيه تعجّب هو ومَنْ كان معه، حيث رأوا أنّ هذا اللواء لم يسلم منه مكان إلاّ محل قبضته وموضع اليد منه، فسأل يزيد متعجّباً وهو يقول: مَنْ كان يحمل هذا اللواء في كربلاء؟


قالوا: العبّاس بن عليعليه‌السلام .

فلمّا سمع يزيد بأن حامله كان هو العبّاسعليه‌السلام قام من مكانه وجلس ثلاث مرّات؛ تعجّباً من شجاعة العبّاسعليه‌السلام ، واندهاشاً من شهامته وبطولته، ثمّ التفت إلى مَنْ حضره وقال: انظروا إلى هذا العلم، فإنّه لم يسلم من الطعن والضرب إلاّ مقبض اليد التي تحمله! إشارة إلى أنّ سلامة المقبض دليل على شجاعة حامله وشهامته، حيث كان يتلقّى كلّ الضربات والرشقات بصبر وصمود دون أن يترك اللواء لينتكس ويدعه ليسقط.

ثمّ قال: أبَيت اللعن يا عبّاس! هكذا يكون وفاء الأخ لأخيه. وهذا اعتراف من العدو في حقّ العبّاسعليه‌السلام ،والفضل ما شهدت به الأعداء .

الألوية في الشعائر الحسينيّة

ثمّ إنّ هذا اللواء، أعني لواء الحقّ الذي كان بيد الأنبياء والأولياء، وحمله أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في كربلاء، وهو اليوم في يد إمام العصر وبقية الله في أرضه الإمام المهدي الحجّة بن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه)، قد أُرمز إليه بالألوية والأعلام التي تُرفع في الشعائر الحسينيّة، وتُنصب على الحسينيات، وتُقام بباب المجالس والمحافل الدينية، ويُطاف بها في المواكب والمآتم الحسينيّة؛ إحياءً لسنن الحقّ، وإبقاءً على معالم الإسلام ولوائه عالياً خفّاقاً على رؤوس المسلمين، حتّى يأتي يوم تتوحّد فيها الأعلام والألوية، وتذاب معها القوميّات والتعصّبات الجاهلية، ولا يبقى لواء إلاّ لواء الإسلام، ولا شعب غير شعوب المسلمين.

بل يدخلون الناس كلّهم في دين الله أفواجاً برغبة وطواعية؛ لِما يرونه في الإسلام من منطق وعدل، واحترام وسواسية، فإلى ذلك اليوم المأمول والأمل المنشود.


وهنا لا بأس بذكر هذه القضية التاريخية، فإنّه قد جاء في التاريخ: إنّ الفاطميين كانوا يهتمّون اهتماماً كبيراً بالألوية والرايات والدرق، حتّى أنهم خصّصوا مكاناً في مصر يُقال له: خزانة البنود، اختزنوا فيها الأعلام والرايات والأسلحة، والسروج، واللجم المذهّبة والمفضضة، وكانوا ينفقون عليها في كلّ سنة ثمانين ألف دينار، ولمّا احترق ذلك المكان بما فيه قدّرت الخسارة الناجمة عن هذا الحريق بثمانية ملايين دينار، وكان في جملة الألوية والرايات لواء يسمّونه (لواء الحمد).


الخصّيصة الثامنة عشرة

في أنّهعليه‌السلام بطل العلقمي

وهوى بجنبِ العلقميِّ فليتهُ

لـلشاربينَ بهِ يُدافُ العلقمُ

وقال السّيد الطحان:

جرّعتَ أعداءَكَ يومَ الوغى

فـي حدِّ ماضيكَ من العلقمِ

وقد بذلتَ النفسَ دونَ الحمى

مـجاهداً يـا بطلَ العلقمي

الياء في العلقمي ياء النسبة، والمراد به نهر علقمة، وهو نهر كان متفرّعاً من الفرات ومنشعباً منه، وكان يمرّ بأرض كربلاء وضواحيها ويسقيها جميعاً، وعلى مقربة منه صرع أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وسقط شهيداً، وذلك حيث يكون مرقده الشريف الآن.

قيل: إنّ هذا النهر - أي نهر العلقمي - كان هو النهر الوحيد الذي يجري في كربلاء أيام نزل الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته بها، وقد شهد هذا النهر بطولات كثيرة من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، بطولات روحية وجسمية معاً.

العلقمي وبطولات العبّاس عليه‌السلام الجسميّة

أمّا بطولات أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الجسمية التي شهدها العلقمي منه فحدّث ولا حرج، فلقد كان أوكل ابن سعد عمرو بن الحجاج مع أربعة آلاف


فارس على العلقمي يحموا ماءه ذرّية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويمنعونه من الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه وأهل بيته، فاستقى العبّاسعليه‌السلام منه لمعسكر الإمام الحسينعليه‌السلام مرّات عديدة، وذلك بعد أن فرّق جموع الموكّلين به وبدّد شملهم.

ومن المعلوم أنّ تفريق أربعة آلاف فارس عن العلقمي، مع أنّ مهمّة هؤلاء الفرسان كان هو الحيلولة بينه وبين كلّ وارد إليه من أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك بكل ما يملكونه من أسلحة وعتاد وجزم وعزم، هو أمر عظيم لا يقدر عليه أحد سوى أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، حيث كان يحمل عليهم كالليث الغضبان، ولا يعبأ بالسهام التي كانت تقبل نحوه كالمطر، فكان جسمه الشريف يصبح من كثرة ما يصيبه من النبل والسهام كالقنفذ وهو لا يكترث بشيء من ذلك، بل كان كلّ همّه اقتحام العلقمي والدخول فيه وحمل الماء إلى مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام ومعسكره، وكان يفعل في كلّ مرّة ذلك وبكلِّ جدارة.

العلقمي وبطولات العبّاسعليه‌السلام الروحية

وأمّا بطولات أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الروحية التي شهدها العلقمي من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام فحدّث أيضاً ولا حرج، فإنّ مَنْ يستطيع تفريق أربعة آلاف فارس ويقدر على تبديد جمعهم، صحيح أنّه دليل على بطولته الجسمية الجسدية.

ولكن لولا قدرته الروحية الكبيرة التي لا تهاب من الإقدام على الموت، ولا ترهب من اقتحام لجج الحرب المدمرّة لَما كان يستطيع التقدّم نحو العدو حتّى شبراً واحداً، ولا أن يدنو من العلقمي بمقدار أنملة، فكيف بأن يقتحمه ويملأ الوعاء منه؟ فما ظهور بطولته الجسمية وبروز قوته الجسدية إلاّ عن دافع الروح القوية وقدرتها المعنوية العالية.


ألم تسمع بخبر ابن الحنفية في وقعة الجمل، وذلك على ما اشتهر عليه ابن الحنفية من البطولة والشجاعة؟ فإنّه لمّا أمره أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام بأن يحمل على القوم تريّث وأبطأ عن مهاجمتهم ومداهمتهم، فلمّا استفسرعليه‌السلام منه عن سبب تثاقله؟ أجاب: بأنّه يتريّث انقطاع رشق السهام التي تتوالى نحوه كالمطر. فدفععليه‌السلام في صدره وقال له: ((لقد أصابك عرق من اُمّك)).

ممّا يظهر منه أن موقف ابن الحنفية من رشق السهام، مع قوّته الجسدية الفائقة، كانت قد نتجت عن ضعف الروح التي لحقته من اُمّه، وإلاّ فأبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو مَنْ يُضرب بقوة روحه وعلو معنوياته المثل، بينما اُمّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هي اُمّ البنينعليها‌السلام المعروفة ببيتها العريق في الشجاعة والبطولة، والتي قد ورثت من آبائها الفروسية والشهامة، وورّثتهما ابنها أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فأبو الفضل وريث شجاعة أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام واُمّه اُمّ البنينعليها‌السلام ، ولا كلام في شجاعة مثلهعليه‌السلام روحاً وجسداً.

المواساة: بطولة معنوية

أضف إلى كلّ ذلك بطولته الروحية الاُخرى التي هي أعظم كلّ البطولات الروحية، وأكبر كلّ القدرات المعنوية التي شهدها العلقمي من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ألا وهي بطولة المواساة وقدرة التغلّب على النفس، وزمّ جماحها إلى الماء وتلهّفها إلى شربه.

فإنّ إنساناً مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام قد كابد شحّ الماء وقلّته، وأعطى حصّته من الماء لأطفال أخيه العطاشى، وعانى من ثقل الحديد ومطاردة الأعداء، وعانى حرّ الشمس وحرّ الحرب حتّى أصبح فؤاده كالجمر، وقلبه كالبركان، قد دخل العلقمي وأحسّ ببرده، فكان من الطبيعي له وبدافع حسّ العطش الكبير والظمأ الشديد، وعبر حركة طبيعية أن تمتدّ يداه إلى الماء


وتغترف منه غرفة لتقرّبه من فمه، حتّى يُطفئ بها فورة العطش، ويُخمد عبرها أوار الظمأ، وكانت هذه الغَرفة من الماء وتعقيبها بثانية وثالثة واستساغتها.

ولكن حاشا لمثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ربيب أمير المؤمنينعليه‌السلام والمترعرع في حجر اُمّ البنينعليها‌السلام أن ينزل إلى ما تتطلّبه طبيعته الجسدية، ويسف إلى مستوى غرائزه الجسمية، وقد تعلّم من أبيه واُمّه كيف يحلّق في سماء الفضيلة ويعلو في أجواء المعنويات الروحية، وكيف يكبح جماح نفسه ويغلب فورة هواه؛ ولذلك عندما قرّب الماء من فمه وتذكّر عطش أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام صبّ الماء على الماء، وملأ القربة ماءً وخرج من العلقمي متّجهاً نحو الخيام، وهو يخاطب نفسه ويقول:

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني

وبـعدهُ لا كنتِ أنْ تـكوني

هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ

وتـشـربـينَ باردَ المعينِ

تاللهِ مـا هـذا فـعـالُ ديني

ولا فـعـالُ صـادق اليقينِ

جفاف العلقمي واندثاره

نعم، لقد شهد العلقمي هذه البطولات الروحية والجسمية من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وأعجب بها كما أعجب بصاحبها الأبي وراعيها الوفي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وراح يهتزّ له سروراً، ويموج به مرحاً، ويتبختر اعتزازاً وافتخاراً.

لكنه لمّا شهد مصرع هذا الشهم النفل، واغتيال هذا الطاهر المبارك على مقربة من شواطئه وسواحله، وضفافه وحافّته وهو ظامئ عطشان، وذلك على أيدي الغدرة الفجرة، والخونة الكفرة، اُصيب بخيبة أمل كبيرة، وفجع بمَنْ كان قد اعتزّ به وافتخر، وبقي متحيّراً لا يدري ما يفعل، ولا يعرف كيف يتصرّف في ردّ فعل منه على هذه الاُمور الصعبة التي وقعت بجواره، والظروف القاسية التي جرت على


مرأى منه ومسمع. حتّى إذا وقف على ضفافه الإمام الصادقعليه‌السلام وخاطبه قائلاً: ((إلى الآن تجري - يا علقمي - وقد حرم جدّي منك؟!)).

وبراوية معالي السبطين: أنّه وقف عليه الإمام زين العابدينعليه‌السلام عند رجوعه من الشام وخاطبه بقوله: ((منعت ماءك - يا علقمي - عن أبي عبد اللهعليه‌السلام وتجري؟!)). فاستحيى العلقمي من ذلك وعرف من مخاطبة الإمام الصادقعليه‌السلام ، ومخاطبة الإمام السجادعليه‌السلام له كيف يتعامل مع الواقع المرّ الذي شهده، والمنظر المفجع الذي رآه؛ فغار من حينه وجفّ الماء، وصار العلقمي بعد ذلك أثراً تاريخياً مسطوراً في كتب التاريخ، ومدوّناً في ذاكرة الأيام، حيث صار العبّاسعليه‌السلام ينسب في بطولته وشجاعته إلى هذا النهر، ويعرف من بعد ذلك ببطل العلقمي.

ولنِعم ما قيل في هذا المعنى:

يـا مـنْ إذا ذُكرتْ لديهِ كربلا

لـطمَ الـخدودَ ودمعهُ قد أهملا

مهما تمرُّ على الفراتِ فقل: ألا

بُـعداً لـشطّكَ يا فراتُ فمرّ لا

تـحلو فـإنّكَ لا هنيّ ولا مري

أيُـذادُ نسلُ الطاهرينَ أباً وجدْ

عن ورودِ ماءٍ قد أُبيحَ لمَنْ وردْ

لو كنتَ يا ماءَ الفراتِ مِنَ الشّهَدْ

أيسوغُ لي منكَ الورودُ وعنكَ قدْ

صُـدّ الإمامُ سليلُ ساقي الكوثرِ


الخصّيصة التاسعة عشرة

في أنّهعليه‌السلام كبش الكتيبة

عـبّاسُ كبش كتيبتي وكنانتي

وسريّ قومي بل أعزُّ حصوني

وقال الأُزري في رثائه للعبّاسعليه‌السلام :

اليومُ بانَ عن الكتائبِ كبشُها

اليومُ فلَّ عن البنودِ نظامُها

الكبش يطلق على البطل الشجاع الذي يعجز عن مقاومته الأبطال والشجعان، علماً أنّ الشجاعة هي قوّة القلب، ورباطة الجأش، فقد روي: أنّ كسرى أنوشيروان سأل الحكيم (بوذر جمهر) عن الشجاعة ما هي، فأجاب: إنّها قوّة القلب.

فقال له كسرى: لم لا تقول إنّها قوّة اليد؟

فأجاب: إنّ قوّة اليد فرع على قوّة القلب.

كما يطلق الكبش أيضاً على مقدّم الجيش أميراً كان وملكاً، ويطلق أيضاً على سيّد القوم وقائدهم، والكتيبة يعني الجيش.

وفي العرف: إنّ الكبش لا يطلق في الحرب على أحد إلاّ على مَنْ تكاملت فيه معاني البطولة، واجتمعت فيه خصال الرجولة والفروسيّة؛ ولذلك لم يطلقوا هذا اللّقب في الإسلام على أحد قبل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إلاّ على الأشتر مالك بن حارث النخعي صاحب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث كانوا يطلقون عليه لقب كبش العراق، وقد عُرف به.


كبش الكتيبة وسام عظيم

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الذي فاز بهذا اللقب الكبير (كبش الكتيبة) من بين أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأهل بيته الذين استشهدوا معه في يوم عاشوراء، ولقد وسمه به أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومنحه إيّاه تقديراً على شجاعته وبطولته، وتبجيلاً إيّاه على شهامته ومراجله.

فلقد كان ظهراً للإمام الحسينعليه‌السلام على أعدائه، وأمناً لنسائه وأطفاله، ورعباً في قلوب مناوئيه والمجتمعين على قتاله، فإنّ جيش ابن سعد كانوا يهابونه مهابة الكلب الأجرب من الأسد الغاضب، ويخافون منه مخالفة الثعلب الجبان من الليث الغضبان.

وما قصة عرض الأمان عليه الذي جاء به الشمر من عند ابن زياد، ولعبة إغرائه بالمال، وعرض إمارة جيش ابن زياد عليه إلاّ خوفاً من سيفه وصارمه، وذعراً من صولاته وسطواته، وتخلّصاً من شدّته وبأسه. فلقد كانوا عرفوه من صفّين وهابوه منها؛ لِما أبدى فيها من شجاعة وشهامة، وصلابة وبسالة فكانوا لا ينامون ولا يهدؤون خوفاً من قوّة ساعده وفتك صمصامه، حتّى قيل فيه:

قسماً بصارمهِ الصقيلِ وإنّني

في غيرِ صاعقةِ السما لا أقسمُ

لولا القضا لمحا الوجودَ بسيفهِ

واللهُ يـقضي ما يشاءُ ويحكمُ

مصرع كبش الكتيبة

ولذلك لما صرع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام واستشهد صابراً مظلوماً، اشتدّ الحال على الإمام الحسينعليه‌السلام ، وقال حين وقف على مصرعه معبّراً عن ذلك: ((الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي)).

وأمّا حال المعسكرين: معسكر


الإمام الحسينعليه‌السلام من نساء وأطفال، ومعسكر ابن سعد من خيّالة ورجالة، فقد أصبح كما قال الأُزري فيهم:

اليوم نامتْ أعينٌ بكَ لمْ تنم

وتسهّدتْ اُخرى فعزَّ منامُها

يعني إنّ أعين الأعداء التي كانت قد بقيت ساهرة خوفاً من سيف أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وصارمه، وذعراً من سطوته وصولته، قد آمنت بعد مصرعه، ونامت هانئة بعد مقتله.

بينما حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأطفال والنساء الذين كانوا يعتزّون بوجود أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ويفتخرون بأنّه في معسكرهم، وينامون آمنين؛ لأن عيني أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ساهرة في حمايتهم، ويرقدون مطمئنّين؛ لأنّ قلب أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يقظان لحراستهم، أصبحوا بعد قتله خائفين، وعلى إثر مصرعه وجلين؛ قد تسهّدت عيونهم وقلقت قلوبهم، فعزّ منامهم وسهرت جفونهم، واستسلموا للأسر والسبي، وتوقّعوا السلب والنهب، وقد وقع كلّ ذلك بعد استشهاد كبش الكتيبة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

إني كبش كتيبتك

ثمّ إنّه جاء في بعض كتب المقاتل: أنّه لمّا أقبل الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مصرع أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ورآه بتلك الحالة، وقال فيه ما يقوله الأخ الشقيق في فراق أخيه العزيز، أراد أن يحمله بعدها إلى المخيّم، فقال له العبّاسعليه‌السلام : ما تريد أن تفعل يا أخي؟

فقالعليه‌السلام : ((اُريد أن أحملك إلى المخيّم)).

فقال العبّاسعليه‌السلام : سألتك بحقّ جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما تركتني في مكاني هذا.

فقالعليه‌السلام : ((ولماذا يا أخي يا أبا الفضل؟)).

فقال أبو الفضلعليه‌السلام : إني مستحٍ من ابنتك سكينة، فقد وعدتها بالماء ولم آتها به، ثمّ إنّي كبش كتيبتك فإذا رآني أصحابك


مقتولاً فلربما قلّ عزمهم ووهنت إرادتهم.

فقال له أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو يشكره على موقفه الجميل وشعوره الطيّب: ((جُزيت عن أخيك خيراً، فلقد نصرته حيّاً وميّتاً)).

وهكذا كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فلقد نصر أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في حياته ولم يقصّر عن نصرته حتّى بعد مصرعه واستشهاده، وكلامه المذكور آنفاً إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على كبير وفائه، وعظيم إخلاصه، وتأدّبه مع أخيه وسيّده أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأهل بيته.

كما إنّه يدلّ على مهارته بفنون الحرب وخبرته بتعاليم القتال والمجابهة، ممّا يدلّ كلّ ذلك على إنّهعليه‌السلام قد نال بجدارة وسام كبش الكتيبة، وكبش كتيبة الإمام الحسينعليه‌السلام .


الخصّيصة العشرون

في أنّهعليه‌السلام حامي الظعينة

حامي الظعينةِ أينَ منهُ ربيعةٌ

أم أيـنَ مـن عليا أبيهِ مكدّمُ

فـي كتفهِ اليسرى السقاءُ يُقلّهُ

وبكفّهِ اليمنى الحسامُ المخذّمُ

مـثـلُ السحابةِ للفواطمِ ريّهُ

ويصيبُ حاصبهُ العدوّ فيرجمُ

الظعينة هي المرأة في الهودج، وجمع الظعينة هو: ظعائن وظُعُن. وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو حامي الظعينة، وحامي الظعن، وحامي ظعينة كربلاء، وحامي ظعينة الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل حامي ظعن الرسالة والنبوّة، كما كان أخوه الإمام أبو عبد الله الحسين حامي الشريعة وأحكامها، وحافظ الكتاب وحدوده، ومن أحكام الشريعة وحدود الكتاب حماية الظعن وكفالة الظعينة.

فكان الإمام الحسينعليه‌السلام كباقي الأئمّة من أهل البيتعليهم‌السلام هو حافظ أساس هذا الحكم الإنساني والإسلامي، وحامي أصله وفرعه، وقد وكّل أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لهذه المهمّة الإنسانية والإسلاميّة وهي حماية الظعن، حتّى يقوم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بحماية موكب النساء والأطفال ذراري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحريمه الذين اصطحبهم معه في سفره إلى العراق، فقام بها أحسن قيام، وأدّاها أجمل أداء حتّى عُرف منها بهذا اللقب الكريم، ووسم بهذا الوسام العظيم حامي الظعينة.


إنّ الغيرة الإسلاميّة والإنسانية، والكرامة النفسية والاجتماعية تحثّ الإنسان إلى حماية نسائه وأطفاله، وتحضّه على توفير الأمن والأمان لهم، وتدعوه إلى حياطتهم ورعايتهم، وذلك في كلّ مكان وزمان، في السفر والحضر، وفي الحلّ والترحال، وفي النزول والركوب.

ومَنْ أولى برعاية هذا الخلق النبيل من مؤسس الأخلاق ومهذّبه، ومعلم الإنسانية ومزكّيها، ومبلّغ الإسلام وحاميه الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة من أهل بيتهعليهم‌السلام ؟

ولذلك كانواعليهم‌السلام إذا أرادوا بنسائهم وأطفالهم السفر أركبوهم في هوادج مغطّاة بأغطية ومسدلة بستور حتّى يأمنوا من نظر الأجانب، ويحفظوا من الحرّ والبرد، وكذلك فعل الإمام الحسينعليه‌السلام حين خرج بنسائه وأطفاله من مدينة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متّجهاً نحو مكّة المكرّمة ومنها إلى العراق، وأوكل بذلك أخاه الأغر وعضيده الوفي أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام .

وكان موكب النساء على إثر ذلك قرير العين هادئ البال، مطمئن النفس والقلب، إذ على رأسه سيّده الإمام الحسينعليه‌السلام ، وفي حمايته أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام وسائر أبطال بني هاشم.

مع ربيعة بن مكدم

وفي البيت الأول الذي جعلناه مطلع هذه الخصّيصة يقول ناظمها السّيد جعفر الحلّي وهو يخاطب أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام : لقد نال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام وبكلّ جدارة لقب حامي الظعينة، وتفوّق في تضحيته من أجل ظعائن الرسالة والإمامة على جميع أقرانه ممّنْ ضرب به المثل في هذا المجال، كربيعة بن مكدم الكناني.

وكان ربيعة واحداً من بني فراس بن غنم، حيث عُرف بحامي الظعن حيّاً وميّتاً، وأثنى عليه الشعراء وتغنّوا بموقفه الشجاع فخراً واعتزازاً، وترنّموا بكبير


شهامته وشدّة غيرته على ظعنه في كلّ موطن وموقف.

وكان من قصته على ما حكي من مجمع الأمثال عن أبي عبيدة: إنّ نبيشة بن حبيب السلمي خرج غازياً، فلقي ظعناً من كنانة بالكديد فأراد أن يحتويها، فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس، وكان غلاماً له ذؤابة، فشدّ نبيشة فطعنه في عضده، فأتى ربيعة اُمّه فقال:

شدّي عليَّ العصبَ اُمَّ سيّارْ

فـقد رُزئتُ فارساً كالدينارْ

فأجابته اُمّه قائلة:

إنّـا بنو ربيعة بنِ مالكِ

نُـزرأُ في خيارنا كذلكِ

ما بينَ مقتولٍ وبينَ هالكِ

ثمّ ضمّدت له جراحه وعصّبته، فلمّا أراد أن يذهب إلى القوم استسقاها ماءً، فقالت له اُمّه: اذهب فقاتل القوم، فإنّ الماء لا يفوتك.

فرجع فكرّ على القوم فكشفهم، ورجع إلى الظعن وقال لهنّ: إنّي ميّت من هذه الطعنة، ولكن سأحميكنّ ميّتاً كما حميتكنّ حيّاً؛ وذلك بأن أقف بفرسي على العقبة وأتّكئ على رمحي، فإذا فاضت نفسي كان الرمح عمادي، فالنجاء النجاء؛ فإنّي أردّ بعملي هذا وجوه القوم ساعة من النهار.

فقطعت الظعن العقبة، ووقف هو بإزاء القوم على فرسه متّكئاً على رمحه، ونزف من الدم إلى أن فاضت روحه، ومات وهو يتمنّى أن يأتي إليه مَنْ يحمله إلى أهله ويجعله بينهم، ولكن خاب أمله ومات وهو معتمد على رمحه كأنّه حي، والقوم بإزائه يحجمون عن الإقدام عليه.

فلمّا طال وقوفه في مكانه ورأوه لا يزول عنه رموا فرسه، فقمص الفرس وسقط ربيعة لوجهه على الأرض فعلموا أنّه ميّت، فتوجّه القوم عندها لطلب الظعن فلم يلحقوهنّ. ومن هذه القصّة اشتهر أنّه لم يعرف قتيل حمى الظعائن مثل ربيعة بن مكدم.


بين ربيعة والعبّاس عليه‌السلام

ولكن أين ربيعة بن مكدم من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؟ إنّ ربيعة لو كان حيّاً لافتخر بغيرة العبّاس على ظعائنه، ولاندهش من شدّة غيرته، وعظيم حيطته ورعايته لظعائنه، إنّ ربيعة لمّا طعن راح يلتجئ إلى اُمّه كي تضمّد جرحه وتعصّبه، فتقوم اُمّه بتشجيعه وبعث الحمية فيه، بينما العبّاسعليه‌السلام لمّا قطعوا يمينه أخذ يرتجز ويقول ما يبعث الغيرة في نفس كلّ سامع، والحمية في قلب كلّ إنسان حرٍّ، إنّه كان يقول: يمناي لديني ولإمامي - اللذين علّماني حماية الظعن والغيرة على الأهل والعيال، وخاصّةً على مثل ربيبات الرسالة والإمامة - الفداء والوقاء.

نعم، إنّ ربيعة بن مكدم يطلب الماء من اُمّه ليروي به عطشه فتصرفه اُمّه عن شرب الماء، وتوقفه على أنّ حماية الظعن أهمّ من انشغالك بشرب الماء وهنّ معرّضات للخطر، بينما أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام يدخل العلقمي فاتحاً للماء، ويقتحمه مستولياً عليه، ويدني الماء من فمه ويقرّبه إلى فيه بلا أي مانع ولا رادع، ودون أي انشغال به، وتثبّط له على الأمر الأهم الذي هو حماية ظعائن الرسالة والإمامة.

فإنّهعليه‌السلام مع أنّ الماء في متناوله ورحابه، والشرب جائزاً له ومباحاً عليه، أعرض عن شرب الماء مواساةً لأخيه وسيّده الإمام الحسينعليه‌السلام ولظعائن النبوّة والولاية، وصرف نفسه عن الالتذاذ بشرب الماء مع شدّة العطش وعظيم ظمأه؛ ليشتغل بالأهم من ذلك ألا وهو حماية الظعن والسّقاية لهنّ.

إنّ ربيعة يقف بفرسه على العقبة ويتّكئ على رمحه حتّى إذا نزف دمه ومات يبقى معتمداً على رمحه؛ إنّه أراد بذلك ردّ وجوه القوم عن الظعائن ساعة من النهار، ثمّ لمّا رموا فرسه، قمص الفرس، سقط على وجهه إلى الأرض ميّتاً.


فعل ربيعة كلّ ذلك ولكنه كان يتمنّى عند سقوطه أن يأتي إليه مَنْ يحمله إلى أهله، ويجعله بين أسرته وينقذه من غربته ووحدته، بينما أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام لمّا سقط من على ظهر جواده وأتاه أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام كالصقر المنقض، وأراد أن يحمله إلى المخيّم يأبى عليه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ذلك، ويقسمه بحقّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدعه في مكانه؛ حتّى لا تندهش الظعائن بقتله، ولا تنذعر ربيبات الرسالة والإمامة بنبأ استشهاده، وحتّى لا يستسبع العدو لفقده، ولا يتجاسر على اقتحام المخيّم بعد موته ولو ساعة من النهار، أي بمقدار ما بقي خبر شهادته مخفيّاً عليهنّ وعليهم.

الإمام الحسين عليه‌السلام وحماية الظعائن

وهكذا فاق أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كلّ أقرانه في هذه المكرمة النبيلة، وزاد عليهم أيضاً في التضحية من أجلها، والفداء في حمايتها حيّاً وميّتاً، حتّى صار هو وحده الجدير بهذا اللقب الكريم حامي الظعينة.

نعم، إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام هو الإمام المنصوص عليه من عند الله تبارك وتعالى، والإمام المنصوص عليه هو إمام في كلّ المحاسن والمكارم ومنها مكرمة حماية الظعن؛ ولذلك يكون الإمام الحسينعليه‌السلام هو السبّاق حتّى في هذه المكرمة.

ويكفي له دليلاً موقفهعليه‌السلام بعد سقوطه من ظهر جواده في يوم عاشوراء؛ حيث إنّهعليه‌السلام بقي بعدها مدّة طريح الأرض وقد أعياه نزف الدم، والقوم يهابون الدنوّ منه والاقتراب إليه، وقد اختلفوا بينهم في حياته وموته، فمن قائل: إنّه قد مات، ومن قائل: إنّه لم يمُت، وإنّما عمل هذا مكيدة.

فقال شمر بن ذي الجوشن: اقصدوا مخيّمه؛ فإن كان حيّاً لم تدعه غيرته الهاشمية أن يسكت عنكم


فقصدوا الخيام فتصارخت النسوة وعلا أصواتهن، فأراد الإمام الحسينعليه‌السلام النهوض إليهم فلم يستطع، فنادى بهم: ((ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعراباً)).

فناداه شمر وقال: ما تقول يابن فاطمة؟

قال: ((أقول: أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً)).

فقال شمر: لك هذا.

ثمّ صاح بالقوم: إليكم عن حرم الرجل فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفؤ كريم. فقصده القوم وعطفوا عليه.

وإلى هذا المعنى أشار الشاعر الحسيني حيث يقول:

قالَ اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي

قـد حـانَ حيني وقد لاحتْ لوائحهُ

فالإمام الحسينعليه‌السلام إذاً مؤسّس هذه المكارم والمضحّي من أجلها، وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو خير مَنْ اقتدى بأخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وفاز السّبق في هذه المكرمة، ونال وسام حامي الظعينة وحامي الظعن، وحامي ظعينة الإمام الحسينعليه‌السلام بجدارة.


الخصّيصة الواحدة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المعروف بسبع القنطرة

السبع: يُقال للأسد ولكلّ حيوان مقدام فتّاك، ويطلق على الرجل الشجاع البالغ في الشجاعة والإقدام.

والقنطرة: يقال للجسر، ولكلّ ما بني على الماء من أنهار وجداول للعبور.

وسبع القنطرة يعني الرجل الشجاع الذي حمى الجسر من عبور الأعداء عليه، وأثبت من نفسه جدارة الحراسة للجسر، وسجّل عليه مواقف بطولية مشرّفة.

كيف عرف عليه‌السلام بهذه الخصّيصة؟

وإنّما عُرف أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بسبع القنطرة؛ لأنّه - على ما روي - قد أبدى من نفسه في حرب النهروان - والنهروان بلد من بغداد بأربعة فراسخ - جدارة عالية في حراسة القنطرة، والجسر الذي كان قد أوكله أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام مع مجموعة من الفرسان بحفظه يوم النهروان من الخوارج، وسجّل عليه مواقف شجاعة وبطولات هاشمية مشرّفة.

فإنّه لم يدع بشجاعته وبسالته جيش الخوارج أن يعبروا من عليه، ولا أن يجتازوه إلى حيث يريدون، بل صمد أمامهم بسيفه وصارمه، وصدّهم عمّا كانوا ينوونه بعزمه وبأسه؛ ولذلك لمّا دخل وقت


الصلاة وطلب الإمام أمير المؤمنين ماءً يتوضّأ به أقبل فارس والإمامعليه‌السلام يتوضّأ، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عبر القوم - ويقصد بهم الخوارج - وإنهم عبروا القنطرة التي أوكل بها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ابنه العبّاسعليه‌السلام مع مجموعة من الفرسان.

فلم يرفع الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إليه رأسه، ولم يلتفت إليه؛ وذلك وثوقاً منه بشجاعة ولده المقدام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي أوكله بحفظ القنطرة من سيطرة الأعداء، وأمره بحراستها من عبورهم عليها وتجاوزهم عنها.

هذا مضافاً إلى ما أخبره به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله في شأن الخوارج، وما يؤول إليه أمرهم وفتنتهم، وما أطلعهصلى‌الله‌عليه‌وآله على جزئيات قضيّتهم، وكيفية مقاتلتهم له، ومواقع نزولهم وركوبهم، وسوء عواقبهم ومصارعهم.

على إثر ذلك كلّه أجاب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ذلك الفارس بقوله: ((إنّهم ما عبروا ولا يعبرونه، ولا يفلت منهم إلاّ دون العشرة، ويقتل منكم إلاّ دون العشرة)). ثمّ قالعليه‌السلام : يؤكد ذلك: ((والله ما كذبتُ ولا كُذّبت)). فتعجّب الناس من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام لذلك الفارس.

وكان هنالك مع الإمام رجل وهو في شكّ من أمره فقال: إن صحّ ما قال فلا أحتاج بعده إلى دليل غيره، فبينما هم كذلك إذ أقبل فارس فقال: يا أمير المؤمنين، القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة.

مع خوارج النهروان

ثمّ إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام صلّى بالناس صلاة الظهر وأمرهم بالمسير إليهم وهم دون القنطرة، ثمّ حملعليه‌السلام عليهم بأصحابه حملة رجل واحد، وذلك


بعد أن أتمّعليه‌السلام الحجّة عليهم، واستتابهم ممّا جنوه من قتل عبد الله بن خباب وبَقْر بطن زوجته وإخراج طفلها وقتله، فرجع منهم ثمانية آلاف وبقي أربعة آلاف لم يتوبوا، وقالوا له: لنقتلنّك كما قتلناه.

فحملعليه‌السلام عليهم، واختلطوا فلم يكن إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم ولم يفلت منهم إلاّ تسعة أنفس؛ فرجلان هربا إلى خراسان وإلى أرض سجستان وبهما نسلهما، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يسمّى السّن، ورجلان صارا إلى بلاد عمّان وفيها نسلهما إلى الآن، ورجلان صارا إلى بلاد اليمن، ورجل آخر هرب إلى البرّ ثمّ بعد ذلك دخل الكوفة وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.

كما إنّه لم يقتل من أصحاب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلاّ تسعة، فكان كما أخبر به أمير المؤمنينعليه‌السلام تماماً من دون زيادة ولا نقصان.


الخصّيصة الثانية والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المعروف بالضيغم

حتّى إذا اشتبكَ النزالُ وصرّحتْ

صـيدُ الرجالِ بما تجنُّ وتكتمُ

وقـعَ العذابُ على جيوشِ أُميّةٍ

مـن باسلٍ هو في الوقائعِ معلمُ

ما راعـهم إلاّ تقحّمُ ضيغمٍ

غـيـرانَ يـعجمُ لفظهُ ويدمدمُ

الضيغم هو الأسد، ويقال: للرجل الشجاع البالغ في الشهامة والشجاعة، والبطولة والإقدام، وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عُرف بين الناس بالضيغم؛ لكبير شهامته وعظيم شجاعته، وشدّة بأسه وخفّة ساعده. فقد كان إذا قابله العدو وواجهه ضربه بضربة قاضية تأتي على حياته، ولكن من سرعة الضربة وخفّة الساعد، وحدّة السيف وقوّة القبضة كان لا يلتفت المضروب إلى ما جرى عليه.

فلو أنّهعليه‌السلام كان قد ضرب رقبته بقي رأسه ثابتاً على جثّته، فإذا فرّ لينجو بنفسه وتحرّك سبقه الرأس متقدّماً على الجثّة وسقط ومات.

وقد وصف السّيد جعفر الحلّي هذا المعنى من شجاعة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في قصيدته حيث يقول:

ما كرَّ ذو بأسٍ لهُ متقدّماً

إلاّ وفـرَّ ورأسهُ المتقدّمُ

مع أبي أيوب الهمداني

وجاء في كتاب صفّين لنصر بن مزاحم، عن أبي روق الهمداني، عن أبيه،


عن عمّ له يدعى بأبي أيوب قال: حمل يومئذ أبو أيوب على صفوف أهل الشام ثمّ رجع، فوافق رجلاً صادراً قد حمل على صفوف أهل العراق، ثمّ رجع فاختلفا بضربتين، فنفحه أبو أيوب فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو، وكذب الناس أن يكون أبو أيوب قد ضربه، وأرابهم أمره، حتّى إذا دخل في صفوف أهل الشام وقع ميّتاً وندر رأسه، فقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : ((والله، لأنا من ثبات رأس الرجل أشدّ تعجّباً منّي لضربته! وإن كان إليها ينتهي وصف الضارب)).

وغدا أبو أيوب إلى القتال، فقال له عليعليه‌السلام : ((أنت كما قال القائل:

وعلّمنا الضربَ آباؤنا

وسوفَ نعلّمه أيضاً بنينا))

من مواقف العبّاس عليه‌السلام في صفين

ولقد جاء في كتاب الكبريت الأحمر وغيره: بأن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام قد اشترك مع أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام في حرب صفّين وأبدى من نفسه مواقف بطولية مشرّفة، أثبتت جدارته لمنازلة الأبطال ومقارعة الأقران، ولعلّه منها ومن أمثالها عُرف عند الناس بالضيغم واشتهر لديهم به.

ومن تلك المواقف الشجاعة موقف احتلال الفرات وإزاحة جيش معاوية عن الماء؛ فإنّ معاوية كان قد سيطر على الفرات ووكّل به آلاف المقاتلين ليمنعوه عن معسكر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حتّى أضرّ العطش بجيش الإمامعليه‌السلام ، وعند ذلك ألقى الإمامعليه‌السلام خطبة حماسية على أصحابه حرّضهم فيها على احتلال الفرات، ثمّ انتدب لهذا الأمر سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسينعليه‌السلام ، فحمل الإمام الحسينعليه‌السلام مع جماعة من الفرسان، وكان يعضده أخوه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام حتّى احتلّوا الفرات، وأزاحوا جيش معاوية عنه وارتووا من الماء.

ثمّ إنهم لم يقابلوا معاوية بالمثل وإنّما أباحوا الماء لهم، ولم يمنعوهم عنه.


العبّاسعليه‌السلام بين الصّفَّين

ومن تلك المواقف الشجاعة لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في صفّين خروجه مبارزاً بين الصّفَّين وعلى وجهه نقاب، فهابه الناس وخافوا منه، فانتدب له معاوية أبا الشعثاء، فكبُر على أبي الشعثاء ذلك وأنف من الخروج إليه وقال: إنّ أهل الشام يعدّونني بألف فارس فلا يليق بي أن أخرج إليه، ولكن سوف أبعث له أحد أولادي، وكانوا سبعة.

وكلّما خرج إليه واحد منهم قتله حتّى أتى عليهم جميعاً، فغضب أبو الشعثاء غضباً شديداً، وامتلأ على هذا الشاب غيضاً وحنقاً وقال: لأخرجنّ إليه ولأثكلنّ بقتله والديه.

ثمّ خرج يشتدّ نحوه، حتّى إذا اقترب منه حمل عليه فابتدره أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بضربة قاضية أتت عليه وألحقته بأولاده السبعة، عندها خافه جيش معاوية وهابوه، ولم يجرأ أحد منهم بعد ذلك على مقارعته وقتاله، ولا على مبارزته ومنازلته؛ ممّا اضطرّه للرجوع إلى وحدته ومقرّه.

هذا من جهة جيش معاوية؛ أمّا من جهة جيش الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فقد تعجّبوا من شجاعة هذا الشاب وشهامته، وتلهّفوا إلى معرفته والتطلّع عليه، ولذلك عندما رجع هذا الشاب إلى مقرّه أقبل إليه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يحبّذه ويستحسنه، ثمّ أزال النقاب عن وجهه فإذا هو ولده قمر بني هاشم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام .


الخصّيصة الثالثة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المعروف بالعبد الصالح

لعلّ أسمى المنازل وأرفع المقامات، وأرقى الأوسمة، وأرفع النياشين لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هو وسام ونيشان العبد الصالح، الذي وسمه به الإمام الصادقعليه‌السلام ، وذلك في زيارته المعروفة التي نقلها عنه أبو حمزة الثمالي، والتي جاء فيها: ((السّلام عليك أيّها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلّى الله عليهم وسلّم)).

فإنّ تركيب كلمة العبد مع كلمة الصالح والتعبير به عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حقّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ينبئ عن عظيم إيمان أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بالله، وشدّة عبوديته له، وكبير إخلاصه وتسليمه لأمر الله، وجميل هديه وصلاحه في نفسه إذ العبودية لله تعالى هي في نفسها منزلة المعصومين من الأنبياء والأوصياء، وما مدح الله أنبياءه إلاّ بأنّهم عباده، كما لم يعتزّ الأنبياء والأولياء إلاّ بكونهم عباد الله، فإذا قرنت العبودية لله بالصلاح والهدى ازدادت نظارةً وجمالاً، وعلواً وارتفاعاً.

عباد الله الصالحون في القرآن

قال تعالى في خصوص (عباده الصالحين) مبشّراً لهم من بين الناس كلّهم بوراثة الأرض والتمكين منها، وإقامة العدل والقسط فيها:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ

____________________

(1) سورة الأنبياء / 105.


مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) .

قال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام كما في شرح الآيات الباهرة: ((هم آل محمّد صلوات الله عليهم)).

وفي تفسير قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) . قال الإمام العسكريعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام : ((أي اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:ومَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النبيِّين وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً ) ).

وفي شرح الآيات الباهرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((أمّا النبيّون فأنا؛ وأمّا الصدّيقون فأخي علي؛ وأمّا الشهداء فعمّي حمزة؛ وأمّا الصالحون فابنتي فاطمة وأولادها الحسن والحسين)).

استنتاج واستنباط

فعباد الله الصالحون في الآية الأولى، كما عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام : ((هم آل محمّد صلوات الله عليهم)). وإذا كان كذلك فإعطاء الإمام الصادقعليه‌السلام لعمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وسام (العبد الصالح) إدخال لهعليه‌السلام في آل محمّد (صلوات الله عليهم).

كما إنّ عباد الله الصالحين في الآية الثانية حسب ما جاء تفسيرها عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هم: ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة الزهراءعليها‌السلام وأولادها الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، ومنح الإمام الصادقعليه‌السلام عمّه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام نيشان العبد الصالح حشر لهعليه‌السلام في أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام .

وليس ذلك بعجيب، ألم يرو عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((القريب مَنْ قرّبته المودّة))؟ ومَنْ أكبر مودّة من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لإماميه وسيّديه سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانتيه الإمام الحسن والإمام الحسينعليهما‌السلام ؟


ألم ينقل عن فاطمة الزهراءعليها‌السلام أنّها كانت تدعو العبّاسعليه‌السلام ابناً لها، وتعدّه في زمرة أولادها؛ وذلك تقديراً لإخلاصهعليه‌السلام ومودّته، وشكراً له على تضحيته وحسن بلائه؟

وممّا يذكر شاهداً على ذلك قصّة ذلك الزائر المعروف بالصلاح والسّداد، والخير والتقوى الذي كان يزور الإمام الحسينعليه‌السلام في كلّ يوم مرّتين وثلاث مرّات، ولا يزور أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام إلاّ مرّة واحدة كلّ عشرة أيّام.

فإنّه بحسب نقل أحد العلماء الثقاة رأى ذات ليلة في المنام فاطمة الزهراءعليها‌السلام فتقدّم إليها وسلّم عليها، فأعرضت عنه ولم تعبأ به، فتأثّر من ذلك وأحسّ بالتقصير من نفسه، وأخذ يعتذر منها قائلاً: إنّي أعترف بالتقصير، ولكن اُريد يا سيّدتي أن تعرّفيني بتقصيري حتّى اجتنّبه ولا يتكرر عندي.

فقالتعليها‌السلام : ((إنّ تقصيرك هو الإقلال من زيارة ولدي)).

فأجاب وبكلّ انشراح قائلاً: إنّي أزوره يا سيّدتي في كلّ يوم أكثر من مرّة، وأحياناً تصل زيارتي إلى ثلاث مرّات يومياً، ولست تاركاً لزيارتهعليه‌السلام .

فقالتعليها‌السلام له: ((صحيح إنّك تزور ولدي الإمام الحسين كذلك، ولكنك لا تزور ولدي العبّاس إلاّ قليلاً)).

نعم، كان كلّ ذلك وليس هو ببعيد، فقد تواتر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال في حقّ سلمان الفارسي: ((سلمان منّا أهل البيت)). وتواتر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله النهي عن تسمية سلمان باسم (سلمان الفارسي)، وأمر أن يسمّونه باسم (سلمان المحمدي).

وإذا كان مثل ذلك في حقّ سلمان تقديراً لولائه ومحبّته، وشكراً له على حسن فعاله وعظيم بلائه، فليس هو عن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بغريب من عظيم بلاء أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يوم عاشوراء، وكبير عنائه في الله تعالى، وجميل تضحيته من أجل سيّده وإمامه وأخيه الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .


الإمام الكاظم عليه‌السلام ووسام العبد الصالح

وممّا يدلّ على أنّ وسام العبد الصالح لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إدخال له في آل محمّد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وحشر له في أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، هو منح الله تعالى الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام الذي هو من آل محمّد (صلوات الله عليهم) بنصّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو أيضاً من أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام من حيث النسب وسام العبد الصالح.

كما في تلك القصة المعروفة المنقولة في المناقب عن كتاب الأنوار: وهي أنّ هارون العباسي كان يحاول بشتّى الوسائل والطرق أن ينال من شخصية الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام وأن يخدش سمعته، فكان يتذرّع بكلّ الحيل والمكائد لإلقاء التهمة على الإمامعليه‌السلام ، ويسعى في الافتراء عليه حتّى يتمكّن من قتله والانتقام منه علانية.

وذات مرّة فكّر في حيلة جديدة وهي أن ينفذ إلى الإمام جارية له كانت ذات جمال ووضاءة بعنوان أنّها تخدمه في السجن؛ ليتسنّى له أن يتّهمه عبرها ويفتري عليه بواسطتها. فما أن جاء بها السجّان إلى الإمامعليه‌السلام رفض قبولها منه، وقال له: ((قُل لهارون:...بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ، إنّه لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها)).

فلمّا رجع السجّان إلى هارون وأخبره بالخبر استطار هارون غضباً وغيظاً، وقال: ارجع إليه وقل له: ليس برضاك حبسناك، ولا برضاك أخذناك، ثمّ اترك الجارية عنده وانصرف.

فعل السجّان كلّ ما أمر به هارون، وترك الجارية في السجن عند الإمامعليه‌السلام ورجع،


عندها قام هارون من مجلسه وأنفذ الخادم إليه ليتجسّس عن حالها ويستعلم أخبارها، ولكن ما راع الخادم إلاّ أن رأى الجارية قد وقعت على الأرض ساجدة لربّها، لا ترفع رأسها من سجدتها، وهي في سجودها تكرّر تقديس ربّها وتنزيهه، وتقول: قدوس قدوس، سبحانك سبحانك! فهرع الخادم إلى هارون ورفع إليه خبرها.

وهنا حيث رأى هارون عكس ما كان يتوقّعه من مكيدته هذه، فإنّه كان يحاول بها النيل من الإمامعليه‌السلام ، والتذرّع عبرها لإلصاق التهمة به والانتقام منه وقتله، بينما قد انقلبت مكيدته إلى منقبة للإمامعليه‌السلام ، ورفعة لشخصيته ومقامه؛ ولذا تشبّث بكيل التهمة المتعارفة لدى فراعنة كلّ زمان وهو القذف بالسحر، فالتفت إلى مَنْ كان عنده وقال: سحرها والله موسى بن جعفر بسحره.

تحوّل وانقلاب

ثمّ قال هارون: عليّ بالجارية. فاُتي بها وهي ترعد شاخصة ببصرها نحو السماء، فانتهرها هارون قائلاً: ما شأنك؟

قالت: شأني الشأن البديع؛ إنّي كنت واقفة عند العبد الصالح وهو قائم يصلّي ليله ونهاره، فلمّا انصرف عن صلاته التفتُ إليه وهو يسبّح الله ويقدّسه، وقلت: يا سيّدي، هل لك حاجة أعطيكها؟

فقال لي متسائلاً: ((وما حاجتي إليك؟)).

قلت: إنّي أُدخلت عليك لحوائجك.

فقال وقد أشار بيده إلى جانب من السجن: ((فما بال هؤلاء؟)).

قالت: التفتُ إلى جانب الإشارة ونظرت فإذا روضة مزهرة غنّاء، لا أبلغ


آخرها من أوّلها بنظري، ولا أوّلها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههم حسناً، ولا مثل لباسهم لباساً؛ عليهم الحرير الأخضر والأكاليل والدرّ والياقوت، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ومن كلّ الطعام، فخررت ساجدة لله تعالى، خاشعة لعظمته، مسلّمةً لأمره، معترفة بما أنعم به على أوليائه، وما أتحفهم به من عظيم كرامته، وكنت في حالتي هذه حتّى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت.

فغضب هارون عندما سمع ذلك منها، وازداد عليها غيظاً وحنقاً، ثمّ أخذ يحاول التنويه لِما قالته والتشويه للحقائق التي أبدتها، والتغطية على السامعين؛ لذلك قال لها وبكلِّ غلظة: يا خبيثة، لعلّك سجدت فنمت فرأيت ما قصصتيه علينا في منامك، وما ذلك إلاّ أضغاث أحلام؟!

فقالت وهي منبهرة بما رأته من الواقع، ومتأثّرة به: لا والله، ما رأيت كلّ ذلك إلاّ قبل سجودي، وإنّما سجدت لمّا رأيت ما رأيت.

عندها اغتاظ هارون من كلامها بشدّة، وقال: اقبض إليك هذه الخبيثة واحبسها حتّى لا يسمع أحد منها هذا الكلام.

قال الخادم: فأخذت الجارية وحبستها، فأقبلت الجارية في الصلاة، وكانت إذا سألت عن قصّتها وقيل لها في ذلك أجابت قائلة: هكذا رأيت العبد الصالحعليه‌السلام .

قال فسألتها عن قولها: العبد الصالح.

فقالت: إنّي لمّا عاينت من الأمر ما عاينت، ورأيت ما رأيت نادتني الجواري: يا فلانة، ابعدي عن العبد الصالح حتّى ندخل عليه، فنحن له دونك.

ثمّ قال: فما زالت كذلك حتّى ماتت قبل الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام بأيام يسيرة.

ولا يبعد أنّ هارون أمر بدسّ السمّ إليها كما أمر بدسّ السمّ إلى الإمام الكاظم موسى بن جعفرعليه‌السلام .


السّلام على العبّاس في الصلاة

إذاً فكما أنّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام الذي هو من أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وهو من آل محمّد (صلوات الله عليهم) يدعى عند الله باسم العبد الصالح، فكذلك يكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عندما دعاه الإمام الصادقعليه‌السلام باسم العبد الصالح، وإذا كان كذلك شمل أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام التحية والسّلام المخصوص في تسليم الصلاة؛ حيث نقول في التسليم الثاني، أي بعد التسليم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقولنا: السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، نقول بعدها: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

فقولنا هذا في تسليم الصلاة يشمل وبكلِّ كفاءة أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام أيضاً، فكلّ مصلِّ مسلم هو في الواقع يدعو لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ويسلّم عليه في صلاته، وذلك في كلّ يوم خمس مرّات على الأقل، وهذا حظّ عظيم لا يناله إلاّ مَنْ هو أهل له كأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .


الخصّيصة الرابعة والعشرين

في أنّهعليه‌السلام المعروف بالعابد

قال الله تعالى:( سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : ((أفضل طبائع العقل العبادة)).

وروى الصدوق في ثواب الأعمال عن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بأنّه كان يبصر بين عينيه أثر السجود.

وروي أيضاً خبر ورود الرؤوس ورأس أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى الكوفة، مسنداً عن القاسم ين الأصبغ بن نباته، صاحب أمير المؤمنينعليه‌السلام وحواريّه، أنّه قال: قدم علينا رجل من بني دارم ممّن شهد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام وحضر وقعة كربلاء، وهو مسودّ الوجه، وكان قبل ذلك رجلاً جميلاً، شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك لتغيّر لونك، فما هو السبب في ذلك؟!

فقال بتلكّؤ وانفعال: لقد قتلت في كربلاء رجلاً من أصحاب الإمام الحسين أبيض، بين عينيه أثر السجود، وجئت برأسه إلى ابن زياد في الكوفة، وهو يعني من الذي قتله أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي كان بين عينيه من كثرة العبادة لله تعالى آثار العبادة والسجود.

قال القاسم: لقد رأيته على فرس له وقد علّق الرأس بلبانها، وهو يصيب ركبتها، فقلت عندها لأبي: لو أنّه رفع الرأس قليلاً حتّى لا تصيبه الفرس بيديها.

فقال لي أبي: يا بُني، ما أُصيب به هو أشدّ؛ لقد حدّثني قائلاً إنّه ما نام ليلة منذ أن قتل العبّاس بن عليعليه‌السلام إلاّ وأتاه في منامه، وأخذ بضبعه وقاده منطلقاً به إلى


جهنّم وقذف به فيها حتّى يصبح.

قال القاسم: فسمعت امرأة بذلك الذي قاله إلى أبي، وكانت جارة لذلك الرجل، فقالت مؤيدة قول أبي: إنّ الرجل ما يدعنا ننام شيئاً من الليل من صياحه وصراخه.

قال القاسم: فقمت في مجموعة من شباب الحي وأتينا امرأة ذلك الرجل وسألناها عن أمر زوجها، فقالت: إنّه قد فضح نفسه، وأبدى سرّه، وقد صدقكم.

سمة العابد: الحرية والتحرر

سمةُ العبيدِ من الخضوعِ عليهمُ

لـلـهِ إنْ ضـمّتهمُ الأسـحارُ

فإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم

بـيضُ الـصوارمِ أنّهم أحرارُ

هذان البيتان من قصيدة للسيّد حيدر الحلّي يصف فيها الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وفي طليعة أصحابه هو أخوه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، كما هو واضح.

ونظم الدمستاني قصيدة أيضاً في وصف الإمام الحسينعليه‌السلام والشهداء معه، وفي مقدمة الشهداء أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقد جاء فيها:

ألا تـرى أولـيـاءَ اللهِ كـيفَ قَلَتْ

طيبَ الكرى في الدياجي منهمُ المقلُ

يدعـونَ ربَّـهـمُ في فكِّ عنقهمُ

مـن رقِّ ذنـبـهـمُ والدمعُ ينهملُ

نُـحفُ الـجسومِ فلا يُدرى إذا ركعوا

قـسـيُّ نـبـلٍ هـمُ أمْ ركّعٌ نُبْلُ

خمصُ البطونِ طوىً ذبلُ الشفاهِ ظمىً

غـمـشُ الـعيونِ بُكاً ما عبّها كحلُ

يُـقالُ مرضى وما بالقومِ من مرضٍ

وخـولـطـوا خبلاً حاشاهمُ الخبلُ

تـعـادلَ الـخوفُ فيهم والرجاء فلمْ

يُـفـرّط بـهم طَمَعٌ يوماً ولا وجلُ

إنْ يـنطقوا ذكروا أو يسكتوا شكروا

أو يغبطوا غفروا أو يقطعوا وصلوا


توضيـح وتبيين

نعم، لقد أجاد السيّد حيدر الحلّي في بيتيه وأبدع، وكذلك أبدع الدمستاني وأجاد، غير أنّ وصف الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وسائر أصحابه في قصيدة الدمستاني اقتباس من خطبة المتّقين التي خطبها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بالتعريف بالمتقين، بينما وصف الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخيه أبي الفضل العبّاس، وسائر الشهداء في البيتين من قصيدة السيّد حيدر الحلّي تصوير لمعنى جميل ورد به الكتاب والنص الشريف، وهو أنّ العبودية لله تعالى تساوي الحريّة في كلّ ما هو سوى الله تعالى.

فالعابد هو حرّ بمعنى الكلمة؛ لأنّه بعبادته لله تعالى يستلهم الكرامة والإباء، ويستوحي الحريّة وعزّة النفس، والإنسان الحرّ لا يخضع لشيء من التهديد والتطميع، ولا يركع أمام الهوى والمغريات، ولا يكسره ما يحدق به من البلايا والرزايا وما يحيط به من المصائب والشدائد.

وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام حيث كان هو العابد الناصح، والناسك المخلص، فإنّه كان كذلك أيضاً؛ إذ هو إلى جنب عبوديته لله تعالى، وظهور آثار السجود على جبهته، وسيماء الصالحين في وجهه كان فوق التطميع والتهديد، وأرفع من الإغراء والتسويل؛ وموقفه المشرّف في كربلاء تجاه الإغراء من عرض الأمان، والوعد بالجاه والمقام هو خير دليل على ذلك.

بين الرهبانيّة والماديّة

ثمّ لا يخفى أنّه ليس في الإسلام رهبانيّة صرفة كما ابتدعها النصارى، ولا ماديّة صرفة كما اخترعها اليهود، وإنّما الإنسان دين المعنويّات والماديّات معاً،


ودين الروح والجسم مجتمعين، ودين الدنيا والآخرة مقترنين.

والنبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الأطهار قد جمعوها معاً؛ فكانوا في وقت واحد رهباناً وساسة، وعُبّاداً وقادة، وزهّاداً وسادة.

وكان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام خير مَنْ اقتدى بهم (صلوات الله عليهم) في هذه الصفة، وانتهج نهجهم في هذه الخصلة؛ فكان راهباً في الليل، يبيت لله تعالى قائماً وراكعاً وساجداً، ويقضي ليله في عبادة ربّه حتّى بان على جبهته من شدّة عبادته لله تعالى وكثرة سجوده لربّه آثار العبادة، وصار مصداقاً لقوله تعالى:( سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ) .

وفي نفس الوقت كان أسداً في النهار، وقائداً في جيش أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحاملاً للوائه العظيم منذ بداية نهضتهعليه‌السلام وحتّى استشهاده هو في يوم عاشوراء وعلى أرض كربلاء؛ فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو العابد المتهجّد في الليل، والأسد الباسل، والمحنّك العاقل في النهار.

هذا، وقد قال الشيخ المفيد في إرشاده في أخبار ليلة العاشر من المحرّم: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قام ليله كلّه يصلّي ويستغفر، ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون.

ومن المعلوم أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام كان في طليعة أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام في كلّ خير ومكرمة؛ فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام في ليلة عاشوراء مضافاً إلى قيامه بحراسة المخيّم كان في طليعة المتعبّدين لله تعالى، والراكعين والساجدين له من بين أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام

وقال السيّد ابن طاووس في كتابه المعروف (اللهوف) مثل ما قاله الشيخ المفيد في كتابه المزبور (الإرشاد)، أنّه قال: وبات الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل، بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم والتحق بهم في تلك الليلة من معسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً على أثر ذلك،


وجاهدوا في يوم عاشوراء بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام حتّى استشهدوا.

ومن الواضح أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو في مقدّمة الأصحاب في السبق إلى المكارم والفضائل، وفي مقدّمة مَنْ كان مع الإمام الحسينعليه‌السلام من أهل بيته أيضاً.

العابـد: هو المطيـع

ولقد ذكرنا فيما سبق أنّه جاء في زيارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المرويّة عن الإمام الصادقعليه‌السلام بسند معتبر ما يثبت لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هذا الوسام المنيف، ويحرز له هذا النيشان الشريف؛ وذلك حيث يقولعليه‌السلام : ((السلام عليك أيّها العبد الصالح)).

فإنّ الإمام الصادقعليه‌السلام الذي بيده موازين السماء، ولا يمنح أحداً ما لا يستحق، قد منح عمّه العبّاسعليه‌السلام وسام العبوديّة لله تعالى، مقروناً بوصف الصدق والصلاح، وليس وساماً مجرّداً عن هذه الصفة؛ فإنّ العبوديّة المحبوبة عند الله تعالى والممدوحة عند رسوله وأوصيائه هي العبوديّة المقرونة بالصدق والصلاح.

ثمّ يفسّر الإمام الصادقعليه‌السلام معنى العبوديّة المقرونة بالصلاح التي أثبتها لعمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بقوله: ((المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلّى الله عليهم وسلم))؛ فإنّ العبادة الخالصة، والعبوديّة الصادقة هي الإطاعة لله تعالى ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة الطاهرين من آل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام المثل الأعلى، والنموذج الأفضل في مضمار العبادة، ومعنى الطاعة، فهو إذاً بحقّ وجدارة العابد والمطيع.

الوحي ووسام العبوديّة

العبوديّة لله تعالى حيث تربط العبد بخالقه، وتقطعه عمّن سواه، وتفطمه عن


العبوديّة لغير الله من الهوى والشهوات، والطواغيت والشياطين.

هي أكبر الأوسمة، وأعلى النياشين التي يمكن لإنسان أن ينالها منحة من السماء، وهديّة من خالق الإنسان؛ ولذلك نرى أنّ الله سبحانه وتعالى منح هذا الوسام، وأهدى هذا النيشان إلى الصفوة من خلقه، والخيرة من بريته، ألا وهم الأنبياءعليه‌السلام ، وعلى رأسهم الرسول الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي خلق الله الكون لأجله، وبرء الخلق في محبّته ومحبّة أهل بيتهعليهم‌السلام ، فقال في محكم كتابه الكريم ومبرم خطابه العظيم، واصفاً معراج رسوله الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى‏ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى‏ الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) (1) .

وقال تعالى واصفاً عبادة نبيّه الكريم، واجتماع الجنّ للإسلام على يده:( وَأَنّهُ لَمّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ) (2) .

كما وأمرنا أن نقول في تشهّد الصلاة: (وأشهد أنّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ) مقدّمين العبوديّة على الرسالة.

وقال تعالى في حقّ سائر أنبيائه:( كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) (3) .

وقال عزّ من قائل:( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبصَارِ ) (4) .

وقال سبحانه وتعالى:( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (5) .

وقال سبحانه وتعالى:( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إنّه أَوّابٌ ) (6) .

وقال سبحانه وتعالى:( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيّوبَ إِذْ نَادَى‏ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الشّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) (7) .

وقال تعالى على لسان عيسى بن مريمعليه‌السلام :( قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) (8) . وغير ذلك ممّا يدلّ على أنّ وسام العبوديّة خاصّ بالأنبياء والأوصياء ومَنْ حذا حذوهم، كأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

____________________

(1) سورة الإسراء / 1. (2) سورة الجن / 19.

(3) سورة القمر / 9. (4) سورة ص / 45.

(5) سورة ص / 17.(6) سورة ص / 30.

(7) سورة ص / 41. (8) سورة مريم / 30.


الخصّيصة الخامسة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المعروف بالطيّار

الطيّار: صيغة مبالغة، من طار يطير طيراناً، ويصطلح اليوم على قائد الطائرة ومديرها، فيقال لقائد الطائرة والمحترف لسياقتها في هذا الزمان: (الطيّار).

ولكنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أطلق اسم الطيّار على ابن عمّه جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام ، كما إنّ ابنه الإمام زين العابدينعليه‌السلام أطلق اسم الطيّار على عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فعُرِفَ على إثرهما كلّ من جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بالطيّار؛ وذلك لشبه كبير بينهما في التضحية، وكيفية الشهادة في سبيل الله، بحيث استحقّا بسببه النيل على وسام (الطيّار).

الطيّـار الأول

أمّا جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام فهو ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ورأس المهاجرين إلى الحبشة، الذين استطاعوا إدخال الإسلام إليها، وجذب النجاشي إلى الإسلام، وقصته في التاريخ مندرجة وواضحة.

وهو الذي لمّا قدم من الحبشة كان قد تمّ فتح خيبر على يد أخيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فالتزمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعل يقبّل بين عينيه، ويقول: ((ما أدري بأيهما أشدّ فرحاً؟ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟)).


وهو الذي بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مؤتة لحرب هرقل ملك الروم، ودفع الراية إليه، واستعمل على الجيش معه زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وقال: ((إن قُتِلَ جعفر فزيد بن حارثة على الناس، وإن قُتِلَ زيد فعبد الله بن رواحة، وإن أُصيب ابن رواحة فليرتضِ المسلمون أحدهم)).

قال رجل من اليهود: إن كان محمّد نبيّاً كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة؛ لأنّه ما بعث نبي سرية وقال: إن قُتِلَ فلان فبعده فلان إلاّ وقُتِلَ. وكان كذلك؛ فقد قُتِلَ هؤلاء الثلاثة، ونالوا درجة الشهادة معاً.

من أنبـاء مؤتة

قال جابر: فلمّا كان اليوم الذي وقع فيه القتال صلّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا الفجر، ثمّ صعد المنبر فقال وهو يرى بأمر الله ساحة الحرب: ((قد التقى إخوانكم مع المشركين)). فأقبل يحدّثنا بكرّات بعضهم على بعض إلى أن قال: ((لقد أخذ الراية جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام وتقدّم للحرب بها)).

ثمّ بكىصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: ((قُطِعَتْ يده، وقد أخذ الراية بيده الاُخرى)). ثمّ قال: ((قُطِعَتْ يده الاُخرى، وقد ضمّ اللواء إلى صدره)). إلى أن أخبر بشهادته، فبكى عندها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبكى جميع مَنْ حضر من المسلمين.

ولم يكن عليعليه‌السلام حاضراً، فعند ذلك دخل عليعليه‌السلام في المسجد، فلمّا بصر به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ((إنّ علياً لا يطيق أن يسمع خبر أخيه فأنصتوا واسكتوا)). فسكتوا.

فلمّا دخل عليعليه‌السلام ونظر في وجوه الناس قال متسائلاً: ((يا رسول الله، هل لك علم بأخي جعفر؟)). فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: ((آجرك الله يا أبا الحسن في جعفر، لقد قُتِلَ)). فبكى أمير المؤمنينعليه‌السلام وقال: ((إنّا لله وإنا إليه راجعون، الآن انقصم ظهري)).


في دار جعفر

ثمّ نزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن المنبر وصار إلى دار جعفر، فدعا بعبد الله بن جعفر فأجلسه في حجره، فجعل يمسح على رأسه، فقالت اُمّه أسماء بنت عميس: إنّك لتمسح على رأسه كأنّه يتيم؟!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد دمعت عيناه: ((لقد استشهد جعفر، وقد قُطِعَتْ يداه قبل أن يُقتل)). فبكت أسماء، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لها: ((لا تبكي؛ فإنّ جبرائيل أخبرني أنّ الله تعالى قد أبدله من يديه جناحين من زمرد أخضر، فهو يطير بهما في الجنّة مع الملائكة كيف يشاء)).

فهدأت أسماء لمّا سمعت ذلك وسكنت، ثمّ قالت: يا رسول الله، لو أعلمت الناس بذلك. فعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عقلها، فقام ورقى المنبر والحزن يعرف عليه، وقال: ((إنّ المرء كثير بأخيه وابن عمّه، ألا إنّ جعفراً قد استشهد، وجُعِلَ له جناحان يطير بهما في الجنّة)). ثمّ نزلصلى‌الله‌عليه‌وآله ودخل بيته، وقال لفاطمةعليها‌السلام بعد أن أمرها أن تتّخذ طعاماً لأسماء بنت عميس ثلاثة أيام: ((يا فاطمة، اذهبي فابكِ على ابن عمّك، فإن لم تدعي بثكل فما قلت فقد صدقتِ)).

فاجتمعت النسوة يساعدن أسماء بالبكاء على جعفر، وفاطمةعليها‌السلام تقول: ((وا عمّاه!)). فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((على مثل جعفر فلتبكِ الباكية)).

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ذلك إذا دخل بيته كثر بكاؤه على جعفر حتّى تقطر لحيته، وهو يقول: ((اللّهمّ إنّ جعفراً قد قدم إليك إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذرّيّته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذرّيّته)).

وجعفر الطيّار هذا قد أثنى عليه بعد الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمير المؤمنينعليه‌السلام وسائر الأئمّة الطاهرينعليه‌السلام ؛ ففي نهج البلاغة وفي كتاب للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى معاوية جاء فيه: ((إنّ قوماً قُطِعَتْ أيديهم في سبيل الله، ولكلّ


فضل، حتّى إذا فُعل بواحدِنا ما فُعل بواحدهم قيل له: الطيّار في الجنّة، وذو الجناحين)).

الطيّار الثـاني

وأمّا العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فهو أخو الإمام الحسينعليه‌السلام ، وابن والده، وكافل أهل بيته، وحامل لوائه، وقائد جيشه، وكبش كتيبته، وحامي ظعنه، وساقي عطاشى حرمه، وأنفس ذخائره.

الأخ الناصح، الشقيق المدافع، والمحامي الناصر، والوفي المناجز، أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي لم يستطع صبراً على البقاء بعد أن رأى أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام وحيداً فريداً، قد قُتِلَ جميع أصحابه وأهل بيته، فأقبل أوّلاً نحو القوم فوعظهم وأرشدهم، فلمّا لم يرَ أثراً فيهم أقبل نحو أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام بتواضع وتأدّب، وطلب منه الرخصة للقتال، قائلاً: هل من رخصة؟

فلم يأذن له الإمام الحسين، وقال له وهو يبكي بكاءً شديداً: ((يا أخي أنت صاحب لوائي، والعلامة من عسكري)).

فقال العبّاسعليه‌السلام بالتماس وانكسار: قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، وأريد أن آخذ ثأري منهم، فأمره الإمام الحسينعليه‌السلام أن يطلب الماء للأطفال، فركب العبّاسعليه‌السلام جواده، وأخذ القربة، واتّجه نحو المشرعة، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال، فلم يعبأ بهم ابن أمير المؤمنين؛ أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، بل حمل عليهم وكشفهم عن المشرعة وحده، ونزل إلى الفرات وملك الماء، ولواء الحمد يرفّ منشوراً بيده، ويلوح خفّاقاً على رأسه.

وروى البعض بأنّ الموكّلين بالشريعة واصلوا حملاتهم على أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ست مرّات، وكان في كلّ مرّة يحمل عليهم فيكشفهم حتّى أبعدهم في المرّة الأخيرة عن المشرعة كثيراً ودخل الماء.


الفرات في تصرّف العبّاس عليه‌السلام

استولى أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام استيلاءً كاملاً على الماء، ولم يجرأ أحد من اُولئك الموكّلين بالماء بعد انكشافهم على أن يذوده عنه ويصدّه عن الشرب، وعن أن يملأ القربة ماءً؛ ولذلك أقبل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام وبكلّ تؤدة واطمئنان، وبدون أيّ خوف واضطراب على اغتراف غرفة من الماء ليروّي بها عطشه، ويطفئ عبرها حرّ كبده.

لكنّه لمّا قرب الماء من فمه تذكّر عطش أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما وتذكّر وصيّة أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقوله له: ((بُني عبّاس، إذا كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة فإيّاك أن تشرب الماء وأخوك الإمام الحسينعليه‌السلام عطشان))؛ لذا صبّ الماء على الماء، وهو يقول: والله، لا أذوق الماء وسيدي الإمام الحسين عطشان.

ثمّ خاطب نفسه:

يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني

وبـعـدهُ لا كـنتِ وتكوني

هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ

وتـشـربـينَ باردَ المعينِ

تاللهِ مـا هـذا فـعـالُ ديني

ولا فـعـالُ صـادقِ اليقينِ

ثمّ ملأ القربة ماءً وركب جواده، وتوجه نحو المخيّم فقطعوا عليه الطريق، فوقع فيهم يحصد رؤوسهم، ويختطف أرواحهم حتّى كشفهم عن الطريق، وهو يقول:

لا أرهـبُ الموتَ إذا الموتُ زقا

حـتّى اُوارى في المصاليتِ لقى

نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقى

إنّـي أنـا الـعبّاس أغدو بالسقا

ولا أخـاف الـشرَّ يـومَ الملتقى


من أساليب العدو الجبان

عرف العدوّ عجزه، وعدم قدرته على مقابلة العبّاس بن عليعليه‌السلام وجهاً لوجه، وخاف من جهة ثانية وصول الماء إلى مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام ، فأخذ يفكّر في صدّه بالوسائل الجبانة، ويتذرّع للتخلّص منه بما يتذرّع به الجبناء اللئام، ففكّر في نصب الكمين له والإرصاد لقتله غدراً وغيلة، وانتخب لتنفيذ هذه الخطّة الجبانة أشدّ الأعداء قساوة وأكثرهم شراسة وضراوة ألا وهو زيد بن الرقّاد الجهني؛ فكمن له زيد من وراء نخلة، وعاونه على ذلك حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فقطعها، فأخذ السيف بشماله، وجعل يضرب فيهم ويقول:

واللهِ إنْ قـطعتمُ يـميني

إنّي اُحامي أبداً عن ديني

وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ

نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ

ثمّ كمن له حكيم بن الطفيل من وراء نخلة فضربه على شماله فبراها، فضمّ اللواء إلى صدره، وهو يقول:

يا نفسُ لا تخشي من الكفّارِ

وأبـشري بـرحمةِ الجبّارِ

مـع الـنبيِّ السيّدِ المختارِ

قـد قطعوا ببغيهم يساري

فـأصلهم يا ربِّ حرَّ النارِ

الأعداء يمثّلون بالعباس عليه‌السلام

عند ذلك أمِنَ الأعداء سطوة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وبأسه، ولم يرهبوا بعد من سيفه ورمحه، ولا من ضربه وطعنه.

وهل يملكُ الموتورُ قائمَ سيفهِ

ليدفعَ عنهُ الضيمَ وهو بلا كفِّ


فتكاثروا عليه من كلّ جانب ينتقمون منه ويمثّلون به، وأتته السهام كالمطر، فأصاب القربة سهم وأُريق ماؤها، وجاء سهم فأصاب صدره، وسهم آخر أصاب عينه، وحمل عليه رجل فقطع رجله اليمنى، ثمّ حمل عليه آخر فقطع رجله اليسرى، ثمّ حمل عليه ثالث فضربه بعمد من حديد على رأسه ففلق هامته، وهوىعليه‌السلام عندها من على ظهر جواده إلى الأرض، وهو ينادي: يا أخاه! أدرك أخاك.

فأتاه الإمام الحسينعليه‌السلام ، فلمّا رآه بتلك الحالة انحنى عليه وبكى بكاءً شديداً عالياً، وقال: ((وا أخاه! وا عبّاساه! الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي))، ثمّ أنشأ يقول:

تـعـدّيتم يـا شرَّ قومٍ ببغيكمْ

وخـالـفتمُ ديـنَ النبيِّ محمدِ

أما كانَ خيرُ الرسلِ أوصاكم بنا

أما نحنُ من نجلِ النبيِّ المسدّدِ

أمـا كانت الزهراء اُمّيَ دونكمْ

أمـا كان من خيرِ البريّةِ أحمدِ

لُـعنتم وأُخـزيتم بما قد جنيتمُ

فـسوفَ تُـلاقوا حرَّ نارٍ توقدِ

وفي رواية أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا جاء إلى مصرع أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ورآه بتلك الحالة جلس عنده، وأخذ رأسه ووضعه في حجره، وأخرج السهم من عينه، ثمّ مسح الدم والتراب عن عينيه، وكانعليه‌السلام به رمق فتح عينيه في وجه أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وبكى، فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام بلوعة ورحمة: ((ما يبكيك يا أخي يا أبا الفضل العبّاس؟)).

فقالعليه‌السلام بصوت منقطع ضعيف: وكيف لا أبكي، وقد جئتني ورفعت رأسي عن التراب وجعلته في حجرك، ولكن بعد ساعة مَنْ يأتي إليك ليرفع رأسك عن التراب ويضعه في حجره، ويمسح الدم والتراب عن وجهك؟

وبينا هو يكلّمه وإذا به يشهق شهقة وفارقت الدنيا روحه الطيّبة، عندها بكى الإمام الحسينعليه‌السلام ونادى: ((وا أخاه! وا عبّاساه!)).


العبّاس عليه‌السلام وإصابة السهم عينه

نُقِلَ عن المرحوم آية الله السيّد محمّد إبراهيم القزويني أنّه يؤم الناس في صلاة الجماعة في صحن الروضة المقدّسة لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وكان يرق المنبر بعد انقضاء صلاة الجماعة، الخطيب الشهير، والواعظ المعروف آنذاك سماحة الشيخ محمّد علي الخراساني، وفي ليلة من الليالي تعرّض سماحة الشيخ الخراساني في منبره لطريقة استشهاد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وتذكّر بالخصوص إصابة السهم عينه الكريمة، فبكى المرحوم آية الله السيّد القزويني على إثر حكاية سماحة الشيخ الخراساني هذا المصاب بكاءً شديداً، وتأثّر من ذلك تأثّراً كبيراً.

فلمّا نزل سماحة الشيخ الخراساني من المنبر قال له آية الله السيّد القزويني: شيخنا، أرجو من سماحتكم أن لا تذكروا في منبركم مثل هذه المصائب العظيمة، والرزايا المفجعة والمشجية التي يظنّ أنّه لا سند قوي لها، ولا أصل ثابت يمدها ظاهراً.

ولكن المرحوم آية الله السيّد القزويني نفسه التقى سماحة الشيخ الخراساني في اليوم التالي وأخذ يعتذر من سماحة الشيخ، ويطلب عفوه من اعتراضه عليه يوم أمس، فلمّا سأله سماحة الشيخ الخراساني عن سبب الاعتذار أجاب قائلاً: لقد رأيت البارحة في منامي أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام فتشرّفت بخدمته، وفزت بلقائه، وسعدت بتنبيههعليه‌السلام إيّاي؛ فإنّهعليه‌السلام التفت إليّ مشيراً إلى ما جرى بيني وبينك بالأمس، وقال مخاطباً إيّاي: أيّها السيّد، كيف اعترضت على الشيخ الخراساني في ما ذكره من المصاب مع أنّك لم تكن حاضراً واقعة كربلاء، ولم تكن شاهداً ما جرى عليَّ يوم عاشوراء؟

اعلم أيّها السيّد إنّهم لمّا قطعوا يديّ


غدراً وغيلة، وظلماً وعدواناً، رشقوني بالسهام كرشق المطر، ورموني بالنبال رمي النار الشرر، فأصاب عيني سهم منها ونبت في حدقتها، فحاولت إخراجه وإزاحته من عيني، وحيث أنّه لا يد لي حركت رأسي بشدّة ليقع السهم منها، ولكن كلّما حركت رأسي لم يخرج السهم وإنّما وقعت العمامة من رأسي، عندها رفعت ركبتي وقربت رأسي حتّى أخرج السهم بركبتي، فإذا بي اُجابه بضربة عمد من حديد على رأسي أدّت بي إلى أن أهوى من على ظهر جوادي إلى الأرض.

قال السيّد: عندها بكيت واشتدّ بكائي، وعلى إثره انتبهت من نومي نادماً حزيناً، وعلمت أنّي كنت مشتبهاً في اعتراضي، مخطئاً في انتقادي، وأنا الآن استغفر الله وأتوب إليه ممّا صدر منّي.

الإمام الحسين عليه‌السلام بعد مقتل العبّاس عليه‌السلام

ثمّ إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قام من عند مصرع أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ورجع إلى المخيّم منكسراً كئيباً حزيناً باكياً، وهو يكفكف دموعه بكمّه، ويكتم آثار الحزن عن وجهه؛ كي لا تراه النساء، ولا تعرف ما اعتراه، وقد تدافعت الرجال على مخيّمه، فنادى بصوت عالٍ يسمعه الجميع، ويعيه الكلّ، قائلاً: ((أما من مغيثٍ يُغيثنا! أما من مجيرٍ يُجيرنا! أما من طالبِ حقٍّ يُنصرنا! أما من خائفٍ من النارِ فيذبّ عنّا)).

فأتته ابنته سكينه وأخذت بعنان جواده، وقالت متسائلة: يا أبة، أين عمّي العبّاس، أراه قد أبطأ علينا بالماء؟! فقال لها، وقد تمالك نفسه: ((بُنيّة، استرجعي واصبري؛ فإنّ عمّك العبّاس قد قُتِلَ)).

فسمعته السيّدة زينبعليه‌السلام فلم تملك نفسها حتّى صرخت، ونادت: وا أخاه! وا عبّاساه! وا ضيعتنا بعدك! فبكت النسوة، وبكى الإمام الحسينعليه‌السلام معهنَّ، ونادى مواسياً لهن: ((وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل!)).


نـادى وقـد ملأ البواديَ صيحةً

صمّ الـصخورِ لهولها تتألمُ

أأخـيّ مَـنْ يحمي بناتَ محمدٍ

إذ صرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ

ما خلتُ بعدكَ أنْ تُشلَّ سواعدي

وتكفَّ باصرتي وظهريَ يُقصمُ

هـذا حسامُكَ مَنْ يذلُّ بهِ العِدى

ولواكَ هـذا مَـنْ بهِ يتقدّمُ

هـوّنتَ يابنَ أبي مصارعَ فتيتي

والـجرحُ يسكنُهُ الذي هو أألمُ

فـأكـبَّ مـنـحنيّاً عليه ودمعُهُ

صـبـغَ البسيطَ كأنّما هو عندمُ

قـد رامَ يـلثمُهُ فلمْ يرَ موضعاً

لـمْ يُـدمِهِ عضُّ السلاحِ فيُلثمُ

بين الطيّارَين: العبّاس وجعفر عليهما‌السلام

نعم، لقد شارك أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في شهادته عمّه جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام ، وشابهه من حيث قطع يمينه وشماله قبل قتله، ولكن زاد ابن الأخ على عمّه أن قطع العدو الحاقد رجلي أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ورضخوا هامته بعمد من حديد، وقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً؛ ولذلك كان الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجّادعليه‌السلام كلّما تذكّر عمّه العبّاس بكى وتذكّر به عمّه جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام وبكى عليه أيضاً.

وذات مرّة - كما في أمالي الصدوق عن أبي حمزة الثمالي - وقع نظرهعليه‌السلام على عبيد الله بن العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فاستعبر ثمّ قال: ((ما من يوم أشدّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من يومٍ قُتِلَ فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتِلَ فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام .

ولا يوم كيوم الحسين؛ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الاُمّة، كلّ يتقرّب إلى الله بدمه، وهو يذكّرهم بالله فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً)).

ثمّ قال: ((رحم الله عمّي العبّاس؛ فلقد آثر وأبلى


وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطِعَتْ يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالبعليه‌السلام . وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)).

ومن المعلوم إنّ كلمة (جميع) في قول الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ((يغبطه بها جميع الشهداء)) عامّة وشاملة، فتشمل غير المعصومين عامّة حتّى مثل حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب؛ فإنّهم جميعاً يغبطون العبّاس بن عليعليه‌السلام على منزلته ومقامه عند الله في القيامة؛ وما ذلك إلاّ لعظيم بلائه، وشديد محنته، وكبير رزيته؛ حيث إنّ جيش بني اُميّة في كربلاء نكّلوا به، ومثّلوا بجسمه وهو حيّ؛ وذلك حنقاً منهم عليه، وحقداً وغيظاً منهم له، وانتقاماً من شجاعته وشهامته.

فإنّهم من قساوتهم وضراوتهم لم يكتفوا باغتياله والغدر به بقطع يمينه ويساره، وإنّما قطعوا رجله اليمنى، وبتروا رجله اليسرى، ورضخوا هامته، وقطّعوه إرباً إرباً بعد أن رشقوه بالسهام حتّى صار جلده كالقنفذ من كثرة النبال التي نبتت في جسمه.

من أدلّة قساوة بني أميّة

ويدلّ على قساوة جيش بني اُميّة، وأنّهم نكّلوا بالعباسعليه‌السلام ، ومثّلوا به وهو حيّ، وقطّعوه إرباً إرباً وهو بعد به رمق، اُمور كثيرة نشير إلى واحدة منها، وهي كالتالي:

جاء في التاريخ أنّ مرقد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أصابه ذات مرّة خسف، واحتيج إلى التعمير والترميم، وكان ذلك في زمان العلاّمة السيّد محمّد مهدي بحر العلوم، المتوفّى أوائل القرن الثالث عشر الهجري القمري، والذي كان هو واحد من


كبار علماء الشيعة، وكان كثيراً ما يتشرّف بزيارة الإمام المهدي صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وله المقام المرموق عند أهل البيت وشيعتهم، فأخبروا العلاّمة بذلك، فانتدب العلاّمة أحد المعماريين الماهرين لترميم المرقد الشريف، وجاء معه إلى روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ونزلا معاً في السرداب الذي يقع فيه القبر الطاهر.

فلمّا وقع عين المعمار على القبر المبارك ورآه من حيث الحجم والمساحة أقل من الحجم والمساحة المتعارفة لبقيّة قبور الناس المتوسطين في الطول والقامة، بينما يلزم أن يكون قبر العبّاسعليه‌السلام مع ما اشتهر عن العبّاسعليه‌السلام من طول القامة، ورشادة الهيكل والهندام أن يكون في الحجم والمساحة أكبر وأطول من بقيّة القبور المتعارفة، فتولّد في ذهن المعمار سؤال حول هذا الموضوع الذي أثار تعجّبه وحيرته، فالتفت إلى العلاّمة السيّد بحر العلوم، وقال له: أتأذن لي يا سيّدي في السؤال عن موضوع بدر إلى ذهني، وأشغل بالي منذ رأيت قبر العبّاس بن عليعليه‌السلام ؟

فقال له العلاّمة وبكلّ رحابة: نعم، تفضّل واطرح سؤالك.

فقال المعمار، والتعجّب ظاهر على ملامح وجهه ونبرات صوته: إنّ كلّ ما سمعناه وقرأناه عن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هو أنّه كان رشيداً، طويل القامة، بحيث إنّه إذا ركب الفرس المطهّم بقيت رجلاه تخطّان في الأرض خطّاً، وهذا لا يتلائم مع صغر القبر وقصر مساحته طولاً، وإنّما يستدعي امتداد مساحة القبر في الطول بصورة أكثر من القبور المتعارفة!

ثمّ أضاف قائلاً: فما هو - يا سيّدنا - حلّ ما سمعناه وقرأناه، وهذا الذي نراه بأمّ أعيننا؟!

طرح المعمار سؤاله على العلاّمة وبقي ينتظر الجواب على ذلك، لكنّه فوجئ حيث إنّه لم يسمع من العلاّمة جواباً سوى رجعات صوت بكائه، وزفرات حنينه وأنينه، فندم المعمار من سؤاله، وأخذ يعتذر من العلاّمة على إزعاجه وإبكائه، فأجابه العلاّمة بعد بكاء طويل: إنّما سمعته وقرأته عن رشادة أبي الفضل العبّاس، وطول قامته صحيح، غير أنّ


جيش بني اُميّة القساة نكّلوا بالعباسعليه‌السلام ومثّلوا به، وبتروا يديه ورجليه، وقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً، وسؤالك هذا عن صغر قبره ذكّرني بما جرى عليهعليه‌السلام من المصائب والبلايا، ونبّهني على عظيم مصاب الإمام زين العابدينعليه‌السلام الذي جمع بيديه الشريفتين أشلاء عمّه العبّاسعليه‌السلام ، ودفنه بنفسه الكريمة في هذا القبر الذي شقّه له بيديه، فلم أتمالك نفسي، وأخذتني العبرة وأجهشت بالبكاء.

مع بني أسـد

نعم، إنّ صغر قبر أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام مع ما روي من رشادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يذكّرنا بدناءة بني اُميّة وخسّتهم؛ حيث قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً، ويشير إلى عظيم محنة العبّاسعليه‌السلام وجليل رزئه، كما يوحى بثقل المصاب وشديد وطأته على الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، الذي جاء إلى دفن الأجساد الطاهرة؛ دفن أبيه، وأعمامه، وإخوته، وأهل بيته، وأصحاب أبيه، وذلك بعد ثلاثة أيّام من شهادتهم، حيث إنّ جيش بني اُميّة رحلوا من كربلاء، ولم يدفنوا أبدان الشهداء، ولم يسمحوا لأحدٍ بدفنها.

فلمّا كان اليوم الثالث وأمِنَ الناس شرّ بني اُميّة وابن زياد أقبل بنو أسد رجالاً ونساءً ليدفنوا أجساد الشهداء، فلم يعرفوا الأبدان لمَنْ هي؛ لأنّ بني اُميّة كانوا قد احتزّوا الرؤوس من الأبدان وأخذوها معهم هديّة إلى الكوفة، ومنها إلى الشام إلى الطاغية يزيد بن معاوية.

وبينا هم كذلك إذ أقبل عليهم عن طريق الإعجاز الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فأخذعليه‌السلام يعرّفهم بالشهداء واحداً واحداً، وقام بنو أسد يساعدونهعليه‌السلام على دفنها، وذلك بعد أن ارتفع صوتهم بالبكاء والعويل، وسالت دموعهم على خدودهم كلّ مسيل، ونشرت النسوة الأسديّات الشعور ولطمن الخدود.


طوبى لأرض كربلاء

ثمّ مشى الإمام زين العابدينعليه‌السلام إلى جسد أبيه فاعتنقه وبكى بكاءً عالياً، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب، فبان قبر محفور، وضريح مشقوق، فبسط كفيه تحت ظهره، وقال: ((بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم)). وأنزله وحده، ولم يشاركه بنو أسد فيه، وقال لهم: ((إنّ معي مَنْ يعينني)).

ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره المقدّس، وقال: ((طوبى لأرض ضمّت جسدك الطاهر! فإنّ الدنيا بعدك مظلمة، والآخرة بنورك مشرقة. أمّا الليل فمسهّد، والحزن سرمد، ويختار الله لك دارك التي أنت بها مقيم، وعليك السلام يابن رسول الله ورحمة الله)).

ثمّ كتب على تراب القبر بسبابته: ((هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام الذي قتلوه عطشانَ غريباً)).

عند جسد العبّاس

ثمّ إنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام التفت إلى بني أسد، وقال: ((انظروا هل بقي أحد؟)).

فقالوا: نعم، بقي بطل مطروح حول المسنّاة، فإنّ هناك على مقربة من العلقمي جسداً آخر لم يُدفن بعد، وهو جسد موذّر، ومقطّع بالسيوف إرباً إرباً، بحيث كلّما حملنا جانباً منه سقط الآخر.

فبكىعليه‌السلام لمّا سمع قولهم، وقال بأنين وزفير: ((أتعرفون يا بني أسد جسد مَنْ هذا؟! إنّه جسد عمّي العبّاسعليه‌السلام )).

ثمّ مشى إليه، فلمّا وقع نظره عليه ألقى بنفسه على جسده يلثم نحره الطاهر، وهو يقول:


((على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منّي السلام من شهيد محتسب، ورحمة الله وبركاته)). وشقّ له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه، وقال لبني أسد: ((إنّ معي مَنْ يعينني)).

المعصوم لا يلي أمره إلاّ المعصوم

لقد انتخب الإمام زين العابدينعليه‌السلام لمواراة أجساد الشهداء اليوم الثالث من مقتل أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه، وجاء بطريق المعجزة في ذلك اليوم إلى كربلاء؛ لأنّهعليه‌السلام كان في تلك الأيّام بحسب الظاهر مسجوناً مع بقيّة الأسرى في سجن ابن زياد في الكوفة.

وإنّما انتخب اليوم الثالث وجاء فيه إلى كربلاء لعلمه بمجيء بني أسد نساءً ورجالاً إلى مصارع الشهداء في هذا اليوم، وهم يحاولون مواراة الأجساد الطاهرة ودفنها، فيكونون خير أعوان له على هذه المهمّة العظيمة، وأحسن شهود يشهدون هذا الواجب الشرعي المفروض.

وبالفعل فقد استعان الإمام زين العابدينعليه‌السلام في دفن الشهداء الأبرار ومواراة أجسادهم الطاهرة ببني أسد، ما عدا جسد أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام وجثمان عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ حيث قالعليه‌السلام لبني أسد: ((إنّ معي مَنْ يعينني)). وانفرد هو بتجهيزهما، وقام وحده بمواراتهما.

وهذا من الإمام زين العابدين بالنسبة إلى أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام واضح لا غبار عليه؛ وذلك لأنّ المعصوم لا يواريه إلاّ المعصوم، فالإمام الحسينعليه‌السلام معصوم، والإمام السجّادعليه‌السلام معصوم مثله فيلي أمره منفرداً، ويقوم بتجهيزه ومواراته لوحده.

ولكن هذا بالنسبة إلى عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقيامه بتجهيزه لوحده، وانفراده بمواراة جسده الطاهر مع أنّه ليس من المعصومين، ينبئ عن


عظيم مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وعلوّ رتبته عند الله تعالى، ورفيع منزلته، وعلوّ شأنه عند أهل البيتعليهم‌السلام حتّى أنّه جعله في مصاف المعصومين، وفي مستوى أهل البيتعليهم‌السلام الطاهرين المطهرين.

وأنعم بأبي الفضل العبّاس فإنّه أهل لذلك؛ فلقد أثبت من خلال سيرته الطيّبة، وسلوكه الجميل، ومواقفه الإنسانيّة المشرّفة جدارته لهذا المقام المنيف، وأهليّته لهذه المنزلة الرفيعة، ألا وهي ولاية الإمام المعصوم أمره، وتولّيه تجهيزه ومواراته، وانفراده بكلّ ذلك، قائلاً لبني أسد: ((إنّ معي مَنْ يعينني)).

كما إنّه يدلّ على تأهيله لذلك من ذي قبل مشاركته أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في تغسيل أخيه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ؛ فإنّ الإمام الحسنعليه‌السلام معصوم، ولا يغسله إلاّ معصوم وهو الإمام الحسينعليه‌السلام ، فمشاركة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ومشاطرته أخاه في هذه المهمّة العظيمة خير دليل على مكانة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ومقامه الشامخ عند رسول الله والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين).

ولعلّه لأجل ذلك كلّه قال مرجع عصره وفقيه دهره الشيخ محمّد طه نجف في كتابه (الإتقان): العبّاس ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، أبو الفضل هو أجلّ من أن يُذكر في هذا المقام، بل المناسب أن يُذكر عند ذكر أهل بيته المعصومين (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسّلام).


الخصّيصة السادسة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المعروف بالشهيد

الشهيد: هو المقتول في سبيل الله.

والشهيد: هو الحي، أي هو عند ربّه حيّ يرزق.

وقيل: سمّي الشهيد شهيداً؛ لأنّ الله وملائكته شهود له في الجنّة، والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الاُمّة، وأفضلهم مَنْ قُتِلَ في سبيل الله، مُيّزوا عن الخلق بالفضل، وبيّن الله أنّهم( أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه ) .

وقيل: سمّي الشهيد شهيداً؛ لأنّه حيّ لم يمت، كأنّه شاهد، أي حاضر.

وقيل: لأنّ ملائكة الرحمة تشهده.

وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله حتّى قُتِلَ.

وقيل: لأنّه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل.

وقيل غير ذلك.

السماء ووسام الشهيد

وكيف كان فإنّ مَنْ عُرِفَ من قبل السماء بالشهيد، وتزيّن بوسام سماوي رفيع المستوى باسم الشهيد، وتوفّق لحمل نيشان الشهادة من بين الشهداء جميعاً هم اثنان:


أحدهما: من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام المعصومين، وهو سيّد الشهداء وأبو الأحرار، سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه هو الذي عُرِفَ من بين الأئمّة الأطهار من أهل البيتعليهم‌السلام بالإمام الشهيد، مع أنّ الأئمّة الأطهار من أهل البيتعليهم‌السلام ، بل المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام ما عدا الإمام الثاني عشر الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى ظهوره) كلّهم استشهدوا في سبيل الله تعالى، كما في الخبر المأثور: ((ما منّا إلاّ مقتول ومسموم)).

فكلّهمعليهم‌السلام شهداء إلاّ أنّ الذي أُطلق عليه اسم الشهيد من بينهم هو الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فقد روي أنّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: ((أنت شهيد هذه الاُمّة)).

ثانيهما: من ذوي أهل البيتعليه‌السلام ، وخاصّة الأئمّة الأطهار، وحامّة المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام ، وتالي تلوهم، والمحلّق في مصافهم وأجوائهم، وهو حامل لواء الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكبش كتيبته، المواسي له بنفسه، والمضحي من أجله، بطل العلقمي، أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فلقد مرّ أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كان كلّما تذكّر عمّه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قال في حقّه: ((... وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)).

ومرّ أيضاً من الإمام زين العابدينعليه‌السلام عندما جاء لمواراة جسد عمّه الطاهر أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بكى وألقى بنفسه عليه، وأخذ يلثم نحره الشريف وهو يقول: ((على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب، ورحمة الله وبركاته)).

فإطلاق (الشهيد) من الإمام زين العابدينعليه‌السلام على عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هو وسام سماوي رفيع المستوى وسم به عمّه؛ لأنّ المعصومعليه‌السلام هو الذي بيده معايير السماء، وموازين الوحي، وقد فوّض إليه تعالى جعل الحكم على المواضيع، وإعطاء الحقّ لذي الحقوق، ومنح الأوسمة السماوية لمستحقيها.

وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو مَنْ استحقّ وسام (الشهيد) مُنحةً


من السماء لعظيم بلائه في الله، وشدّة إخلاصه لله، وكبير ولائه لأولياء الله، فمنحهعليه‌السلام وسام الشهيد؛ وذلك ليس مجرّداً، وإنّما مقروناً بكلمة (محتسب)، أي الشهيد الذي نوى بشهادته وجه الله تعالى، ورجا ثوابه وأجره، كما إنّه ليس مجرّد الشهيد المحتسب، بل الشهيد المحتسب الذي يغبطه على منزلته، وعلوّ درجته يوم القيامة جميع الشهداء.

العبّاس عليه‌السلام الشهيد المظلوم

وكذلك كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّ مواقفه المشرّفة في كربلاء، وفي يوم عاشوراء وغيرها لهي خير دليل على ما قاله الإمام زين العابدينعليه‌السلام في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأجلى برهان على جدارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بنيل هذا الوسام المنيف، وسام (الشهيد المحتسب).

كما وقد وسمه الإمام الصادقعليه‌السلام بهذا الوسام العظيم أيضاً، وذلك حين خاطبه بزيارته المعروفة بقوله: ((أشهد أنّك قُتِلْتَ مظلوماً)).

وقد مرّ تفسير الشهيد: بأنّه المقتول في سبيل الله، والإمام الصادقعليه‌السلام يشهد لعمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بأنّه المقتول في سبيل الله، فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إذن بشهادة الإمام الصادقعليه‌السلام هو شهيد، وليس مجرّد شهيد فحسب، بل هو شهيد مظلوم؛ لأنّه كما مرّ لم يأذن له أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام في البراز إلى الميدان ومقاتلة الأعداء، وإنّما أذن له في الاستسقاء، وطلب الماء للأطفال فقط.

ومعلوم إنّ الذي مهمّته طلب الماء والاستسقاء ليس كالذي يهمّه القتال ومنازلة الأبطال؛ فإنّ مَنْ يهمّه القتال يتفرّغ له، بينما مَنْ يهمّه الاستسقاء وطلب الماء يتفرّغ للاستسقاء دون القتال، فلم يكن أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في كربلاء مقاتلاً حتّى يشف صدره من


الأعداء، ويذهب غيظ قلبه بالانتقام منهم، بل كان سقّاءً، وقُتل من أجل الاستسقاء، فقتل مظلوماً.

أضف إلى ذلك: أنّ الأعداء من دناءتهم وخستهم لم يبارزوه وجهاً لوجه، وإنّما اغتالوه في كمين لهم، فقتلوه غيلة وغدراً، ومن قساوتهم وغلظتهم لم يكتفوا بقتله بضربة وضربتين، وإنّما قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً بعد أن بتروا يديه، وأبانوا رجليه، وأصابوا عينيه، وخسفوا رأسه، وقتلوه مظلوماً، فصدق عليه أنّه الشهيد المظلوم، كما شهد له الإمام الصادقعليه‌السلام بذلك.

الفارس إذا سقط من فرسه

وجاء في كتاب (مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ) للمقرّم: أنّ العالم الفاضل، والخطيب البارع الشيخ كاظم السبتيرحمه‌الله قال لي ذات مرّة: أتاني بعض العلماء الثقاة وقال: إنّي رسول من قبل العبّاسعليه‌السلام إليك، فقد رأيتهعليه‌السلام في المنام يعتب عليك، ويقول: إنّ الشيخ كاظم السبتي لم يذكر مصيبتي، ولم يتعرّض لها.

فقلت له: يا سيّدي، ما زلت أسمعه يذكر مصائبك ويندبك بها!

فقالعليه‌السلام : أعني هذه المصيبة فإنّه لم يذكرها ولم يتعرّض لها؛ قل له يذكر هذه المصيبة للناس، ويقول لهم: إنّ الفارس إذا سقط من فرسه يتلقّى الأرض بيديه، فإذا كانت السهام في صدره ويداه مقطوعتان فبماذا يتلقّى الأرض؟

وهذا أيضاً ممّا يدلّ على شدّة مظلوميّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وكبير مصيبته وعظم رزيّته.

والمظلوم إضافة إلى وجوب نصرته وإعانته على ظالميه، يستحب البكاء عليه وله - على ما في فقه الزهراءعليه‌السلام ـ، كما ويستحبّ مشاركة المفجوعين به في بكائهم له؛ وذلك لتضمّنه تأييداً للمظلوم ونصرة له.


وقد بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ وحنّ لبكاء عمّته صفية على أخيها حمزة، وأنينها له وحنينها عليه.

وفي فضل زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام ورد: أنّ فاطمةعليها‌السلام إذا نظرت إليهم، ومعها ألف نبي، وألف صدّيق، وألف شهيد، ومن الكرّوبيّين ألف ألف يسعدونها بالبكاء، وإنّها تشهق شهقة فلا يبقى في السماوات ملك إلاّ بكى رحمة لصوتها...

مقام الشهيد وأجر الشهادة

وهنا إشارة إلى بعض ما لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وسائر الشهداء عامّة من الفضل عند الله تبارك وتعالى، قال تعالى:( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ) .

وقال سبحانه وتعالى:( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أشرف الموت قتل الشهادة)).

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((فوق كلّ برٍّ برٌّ، حتّى يُقتل الرجل في سبيل الله (عزّ وجلّ) فليس فوقه برّ)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ أوّل مَنْ قاتل في سبيل الله إبراهيم الخليلعليه‌السلام ، حيث أسرت الروم لوطاًعليه‌السلام ، فنفر إبراهيمعليه‌السلام واستنقذه من أيديهم)).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمع في جوف الليل من خشية الله)).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((وأجود الناس مَنْ جاد بنفسه وماله في سبيل الله)).


وعن علي (صلوات الله عليه) أنّه قال: ((أوّل مَنْ جاهد في سبيل الله إبراهيمعليه‌السلام ، أغارت الروم على ناحية فيها لوطعليه‌السلام فأسروه، فبلغ ذلك إبراهيمعليه‌السلام فنفر فاستنقذه من أيديهم، وهو أوّل مَنْ عمل الرايات عليه أفضل السلام)).

وفي تذهيب الشيخ الطوسي مسنداً عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، عن آبائهعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((للشهيد سبع خصال من الله:

الأولى: أوّل قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب.

الثانية: يقع رأسه في حجر زوجته من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه وتقولان مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك لهما.

الثالثة: يُكسى من كسوة الجنّة.

الرابعة: تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه.

الخامسة: أن يرى منزله.

السادسة: يُقال لروحه اسرح في الجنّة حيث شئت.

السابعة: أن ينظر إلى وجه الله، وإنّها راحة لكلّ نبي وشهيد)).


الخصّيصة السابعة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام الصدّيـق

الصدّيق: هو الدائم التصديق، ويكون الذي يُصدّق قوله بالعمل، وقيل: الصدّيق هو المبالغ في الصدق، وقيل: كلّ مَنْ صدّق بكلّ أمر الله لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدّق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو صدّيق، وهو قول الله (عزّ وجلّ):( هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ ) .

هذا معنى الصدّيق من حيث اللغة وعلماء العربية.

وأمّا مَنْ هو الصدّيق من حيث الاصطلاح القرآني، والسنّة النبويّة، وأحاديث أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فهو على ما يلي:

قال الله تعالى:( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) .

وقال سبحانه:( ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً ) .

وفي الخصال مسنداً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((الصدّيقون ثلاثة: علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وحبيب النجّار، ومؤمن آل فرعون)).

وفي عيون الأخبار مسنداً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((لكلّ اُمّة صدّيق وفاروق، وصدّيق هذه الاُمّة وفاروقها علي بن أبي طالبعليه‌السلام )).


وفي روضة الكافي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال في خطبته المعروفة بخطبة الوسيلة: ((وإنّي النبأ العظيم، والصدّيق الأكبر)).

وفي شرح الآيات الباهرة مسنداً عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن آبائه عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أنّه قال في كلام طويل: ((والميّت من شيعتنا صدّيق شهيد، صدّق بأمرنا، وأحبّ فينا، وأبغض فينا، يريد بذلك وجه الله؛ مؤمن بالله وبرسله، قال الله تعالى:( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) )).

وفي محاسن البرقي مسنداً عن الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه قال: ((ما من شيعنا إلاّ صدّيق شهيد)).

وفي مزار ابن قولويه، في زيارة عن الإمام الصادقعليه‌السلام بسند معتبر يعلّمنا أن نزور فيها عمّه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، يقول فيها: ((السلام عليك أيّها الولي الصالح الناصح الصدّيق)).

وفي زيارة اُخرى يقول: ((أشهد لك بالتسليم والتصديق)).

العبّاس عليه‌السلام هو الصديق لغة واصطلاحاً

فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الصدّيق من حيث اللغة؛ لأنّهعليه‌السلام كان هو الدائم التصديق لله ولرسوله، ولإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو الذي كان عمله يصدّق قوله، وهو أيضاً كان المبالغ في الصدق، وأنّه كان الذي لم يختلج في قلبه شك في كلّ ما أمر الله به.

وهو الصدّيق من حيث الاصطلاح أيضاً؛ لأنّهعليه‌السلام كان النموذج الأفضل والمصداق الأمثل بعد الأئمّة الأطهارعليه‌السلام لمَنْ آمن بالله ورسوله، وأطاع الله


ورسوله، كما كان هوعليه‌السلام أيضاً في مقدّمة الشيعة وطليعتهم، والسباق في متابعة أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ومشايعتهم؛ لأنّ الشيعي هو مَنْ شايع عليّاًعليه‌السلام ، والأئمّة من بنيه الذين سمّاهم القرآن أهل البيتعليهم‌السلام ، والتزم متابعتهم، والسير على هداهم.

وكيف لا يكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كذلك وهو ابن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأخو الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وقد تلقّى تربيته الأخلاقيّة والعلميّة الراقية في أحضانهم ومدرستهم، ونال شهادته الثقافيّة والإنسانيّة العالية على أيديهم وبتأييدهم؟

إذاً فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الصدّيق بالمعنى العام الذي جاء بالصدق في اللغة والإصلاح؛ وذلك على ما عرفت.

وهو أيضاً الصدّيق بالمعنى الخاصّ للصدّيق، فقد شهد الإمام الصادقعليه‌السلام - كما في الزيارة المأثور عنه - بالصدق في خصوص أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ حيث يقول مخاطباً إيّاه: ((السلام عليك أيّها الولي الصالح، الناصح الصدّيق)).

وفي زيارته الاُخرى قالعليه‌السلام : ((أشهد لك بالتسليم والتصديق))، ويقول في مكان آخر من الزيارة وهو يخاطبه أيضاً: ((السلام عليك أيّها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلّى الله عليهم وسلّم))).

ففي الزيارة الأولى شهادة صريحة بكون أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الصدّيق، كما إنّ في الفقرة الأوّلى من الزيارة الثانية شهادة خاصة لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بالتسليم والتصديق، فهو الصدّيق لغة؛ لمكان لفظ التصديق.

وفي الفقرة الثانية من الزيارة شهادة خاصّة لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بالإطاعة لله ولرسوله ولأوصيائهعليهم‌السلام ، فهو الصدّيق اصطلاحاً أيضاً؛ لأنّ الصدّيق كما مرّ في اصطلاح القرآن، والسنّة النبويّة، وأحاديث أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو المطيع لله ولرسوله ولأوصيائهعليه‌السلام .


الحائزون على وسام الصدّيق

نعم، وسام الصدّيق بالخصوص منح لشخصين من هذه الأمّة هما كالتالي:

1 - الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : فقد سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالصدّيق، ومنحه هذا الوسام العظيم، وذلك على ما عرف في تفسير قوله تعالى:( وَالّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئك هُمُ الصّدّيقُونَ ) .

وقوله سبحانه وتعالى:( ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ ) ، حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((الصدّيقون ثلاثة: علي بن أبي طالب، وحبيب النجار، ومؤمن آل فرعون)).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((لكلّ اُمّة صدّيق وفاروق، وصديق هذه الاُمّة وفاروقها علي بن أبي طالبعليه‌السلام )).

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في خطبة الوسيلة: ((وإنّي النبأ العظيم والصدّيق الأكبر)).

فالفائز الأوّل على وسام الصدّيق، بل وسام الصدّيق الأكبر هو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

2 - أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ حيث قد شهد له الإمام الصادقعليه‌السلام على ما عرفت في زيارتهعليه‌السلام بالتسليم والتصديق، ومنحه هذا الوسام الرفيع، وأعطاه هذا النيشان المنيع، أعني وسام (الصدّيق) ونيشانه، فيكون على هذا أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الفائز الثاني الذي حاز على وسام الصدّيق ونيشانه، فهو إذاً الصدّيق حقّاً.


الخصّيصة الثامنة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام الفـادي

روي عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام كلاماً جاء فيه: ((رحم الله عمّي العبّاس؛ فلقد آثر، وأبلى، وفدى أخاه بنفسه)).

والكلام هنا في تفدية العبّاسعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام بنفسه؛ حيث منه عُرفعليه‌السلام بالفادي، علماً بأنّ الفادي من حيث المعنى الغوي هو مَنْ يقدّم ماله ويقدّم نفسه ودمه فداءً لغيره حتّى يخلّصه به، ويقيه عبره من الأسر والقتل، فكأنّه يشتري بذلك حياة غيره، ويخلّصه من الخطر المحدق به.

الفداء العظيم

قال الله تعالى في قصة إبراهيم الخليلعليه‌السلام عندما أمره بذبح ابنه إسماعيل الذبيحعليه‌السلام ، ثمّ عفا عن ذلك:( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ؛ فلقد جاء في عيون الأخبار مسنداً عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: ((لمّا أمر الله تعالى إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيمعليه‌السلام أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده، وأنّه لم يُؤمر بذبح الكبش مكانه؛ ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.


فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: يا إبراهيم، مَنْ أحبّ خلقي إليك؟

قال: يا ربّ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، أفهو أحبّ إليك أو نفسك؟

قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي.

قال: فولده أحبّ إليك أو ولدك؟

قال: بل ولده.

قال: فذبحُ ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟

قال: يا ربّ، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي.

قال يا إبراهيم، إنّ طائفة تزعم أنّها من اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ستقتل الحسينعليه‌السلام ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي.

فجزع إبراهيم لذلك وتوجّع قلبه، وأقبل يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم، قد قبلت جزعك على ولدك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسينعليه‌السلام وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات الثواب على المصائب. وذلك قول الله (عزّ وجلّ):( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) .

فالفادي هنا في هذه القصة هو إبراهيم الخليلعليه‌السلام ، والفداء هو الكبش الذي أتى به جبرائيلعليه‌السلام من الجنّة، والمُفدّى هو إسماعيل الذبيح، فكون إبراهيم الخليلعليه‌السلام قد اشترى حياة ابنه إسماعيل الذبيحعليه‌السلام بتفدية الكبش عنه)).

ولكن في قصّة كربلاء كان الفادي هو أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، والفداء هو نفسه الزكيّة، ودمه الشريف، والمُفدّى هو الإمام الحسينعليه‌السلام ، فيكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قد اشترى حياة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام بتفدية نفسه، وبذل دمه عنه.


العبّاس عليه‌السلام يشبه أباه

ولقد أشبه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في تفدية أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام بنفسه أباه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ حيث فدى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أخاه وابن عمّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، وذلك في ليلة المبيت.

فقد روى الشيخ الطوسي في أماليه مسنداً عن الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام في قول الله (عزّ وجلّ):( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) أنّه قال: ((نزلت في عليعليه‌السلام حين بات على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

وفي شرح الآيات الباهرة وغيره من كتب التفسير: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أراد الهجرة خلّف عليّاًعليه‌السلام لقضاء ديونه، وردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خروجه إلى الغار وقد أحاط المشركون في الدار أن ينام على فراشه، قائلاً: ((أُخبرك يا عليّ، إنّ الله يمتحن أوليائه على قدر إيمانهم ومنازلهم في دينه، فأشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل. وقد امتحنك يابن العمّ وامتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيمعليه‌السلام والذبيح إسماعيلعليه‌السلام ، فصبراً صبراً؛ فإنّ رحمة الله قريب من المحسنين)).

ثمّ ضمّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى صدره وبكى وجداً به، وبكى عليّعليه‌السلام جشعاً لفراق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ أوصاه بوصاياه، وأمره في ذلك بالصبر حتّى صلّى العشائين، ثمّ خرجصلى‌الله‌عليه‌وآله في فحمة العشاء الآخرة والرصد من قريش قد أطافوا بداره.

نام عليعليه‌السلام على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله موطّناً نفسه على القتل، فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل: ((إنّي آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بحياته؟)).

فاختار كلّ منهما الحياة، فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليهما: ((أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ آخيت بينه وبين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره


بالحياة؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه)).

فنزلا، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجيله، وجبرائيل يقول: بخٍ بخٍ! مَنْ مثلك يا عليّ بن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة!

فأنزل الله (عزّ وجلّ) على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) .

الفادي بزعم المسيحيِّين

يزعم المسيحيون أنّ الفادي هو المسيح عيسى بن مريمعليه‌السلام ، فإنّهم يقولون (الفادي) لقب السيّد المسيح الذي فدى البشر بدمه الكريم، ثمّ يرتّبون على زعمهم هذا غفران كلّ ما يرتكبونه من ذنوب وخطايا، ويبرّرون به جميع جرائمهم وجناياتهم بحجّة أنّ المسيح كفّرها عنهم، وهذا غير تامّ من وجوه:

1 - إنّ المسيحعليه‌السلام لم يصلب ولم يُقتل، وإنّما رفعه الله تعالى إليه، كما في القرآن الكريم:( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) .

وفي تفسير مجمع البيان عن ابن عبّاس أنّه قال: لمّا مسخ الله تعالى الذين سبّوا عيسى واُمّه بدعائه، بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه، فجمع اليهود فاتّفقوا على قتله، فبعث الله تعالى جبرائيل يمنعه منهم ويعينه عليهم، وذلك معنى قوله تعالى:( وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) .

فاجتمع اليهود حول عيسى فجعلوا يسألونه فيقول لهم: يا معشر اليهود، إنّ الله تعالى يبغضكم. فساروا إليه ليقتلوه، فأدخله جبرائيل في خوخة البيت الداخل لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرائيل إلى السماء، فبعث يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه


اسمه (طيطانوس) ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ عليهم فظنوا أنّه يقاتله في الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلمّا خرج على أصحابه قتلوه وصلبوه.

وقيل: أُلقي عليه شبه وجه عيسى ولم يلقَ عليه شبه جسده، فقال بعض القوم: إنّ الوجه وجه عيسى، والجسد جسد طيطانوس! وقال بعضهم: إن كان هذا طيطانوس فأين عيسى؟! وإن كان هذا عيسى فأين طيطانوس؟! فاشتبه الأمر عليهم.

ومع هذا الترديد والتشكيك من الذين تولّوا القتل والصلب لا يثبت كون المقتول والمصلوب هو عيسىعليه‌السلام وإن تواتروا وأجمعوا عليه، وهو واضح لا غبار عليه.

فالقصّة إذاً من أساسها متزلزلة ومشكوكة، فلا يعتمد عليها؛ إذ لا أساس رصين لها رأساً.

2 - إنّ المسيحعليه‌السلام بعد إخبار الله تعالى بعدم قتله لم يكن فادياً، وإذا كان كذلك لم يصدق عليه لقب (الفادي) فبطل مزاعم المسيحيّين.

3 - إنّ (الفادي) على زعم المسيحيّين بالمعنى الذي يصوّرونه للسيّد المسيحعليه‌السلام هو إسفاف بالسيّد المسيحعليه‌السلام ، وهبوط به من مستواه الرفيع، ومقامه المنيع الذي هو هداية البشر إلى مستوى تكفير خطايا البشر، الذي يكون هو خير مبرّر لارتكاب البشر كلّ ما يشتهيه من جرائم وجنايات، وما يهواه من خطايا وذنوب والذي من جملتها، بل ومن أكبرها وأعظمها جناية هو الإسفاف بالسيّد المسيحعليه‌السلام إلى مستوى تكفير خطايا البشر وتبريرها.

الفادي لدى المسلمين

بينما (الفادي) عند المسلمين هو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ حيث فدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، ثمّ من بعده ابنه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي فدى أخاه


الإمام الحسينعليه‌السلام بنفسه.

وما كان فداء (الفادي) الأوّل إلاّ لخلاص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الأعداء، وبقائه سالماً قادراً على تبليغ رسالات الله، وهداية الناس إلى الله تعالى وإلى دينه الحنيف. كما إنّه لم يكن فداء (الفادي) الثاني إلاّ وقاءً لابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي فدى دين الله بنفسه، وقدّم دمه لإنقاذه وإبقائه، والحفاظ على أتعاب جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأيقض به عقول البشر وضمائرهم، وأرهف عبره شعورهم وعواطفهم؛ ليدلّهم على الله، ويهديهم إلى دينه القويم، وسراطه المستقيم، وذلك كما قال فيه الإمام الصادقعليه‌السلام عند زيارته: ((وبذل مهجته فيك؛ ليستنقذ عبادك من الجهالة وحَيرة الضلالة)).

المقارنة بين الفاديين

ومن المعلوم أنّ هناك فرقاً كبيراً وواضحاً بين أن يكون (الفادي) مكفّراً لذنوب البشر بدمه الكريم كما يزعمه المسيحيّون بالنسبة إلى السيّد المسيحعليه‌السلام ، وبين أن يكون (الفادي) مضيئاً لدرب التائهين من البشر، وهادياً لهم إلى الطريق القويم، ودالاً إيّاهم على الصراط المستقيم، ومنقذاً لهم من ظلمات الجهل والجهالة إلى نور العلم والثقافة، ومن حيرة الباطل والضلالة إلى مرفأ الحقّ والهداية.

وذلك على ما يعتقده المسلمون بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وابنه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّ (الفادي) بالمعنى الأوّل الذي يزعمه المسيحيّون بالنسبة إلى السيّد المسيحعليه‌السلام ، إضافة إلى أنّه إسفاف بالسيّد المسيحعليه‌السلام من مستواه الرفيع إلى هوّة الحضيض، هو ترويج للظلم والجرم، والذنوب والخطايا، وتشجيع للجناة والظالمين، والعصاة والمذنبين، وتبرير لأعمالهم


السيئة وأفعالهم القبيحة.

أليس مَنْ يعلم بأنّ سيّئاته وقبائحه مكفّرة يتمادى في ظلمه وجوره، وينغمر في السيئات والقبائح، بينما (الفادي) بالمعنى الثاني الذي يعتقده المسلمون بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وابنه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّه إضافة إلى إعطاء الإمام وابنه ما يستحقّانه من المقام الذي خصّهما الله تعالى به، هو ترويج للعدل والإحسان، والمثل والقيم، وتشجيع للمحسنين والمقسطين، والمؤثرين والمواسين، وترغيب في الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة؟!

أليس مَنْ يرى إمامه ويرى ابن إمامه يفدي نفسه للهدى والحقّ، ويبذل دمه لنصرة دين الله، ويضحّي بكلّ ما لديه لأجل هداية الناس إلى نور العلم والعدل، والخير والتقوى، يرغب في الخير والتقوى، ويضّحي من أجل تعميم القسط والعدل، وتعزيز المثل والقيم؟!


الخصّيصة التاسعة والعشرون

في أنّهعليه‌السلام المؤثِـر

المؤثِر: من الإيثار، وهو تقديم الغير وتقديمه على النفس، وفي التنزيل قال الله تعالى على لسان إخوة يوسف:( لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا ) ، أي فضّلك وقدّمك.

وآثرت فلاناً على نفسي، أي قدّمته وفضّلته، وآثرتك إيثاراً، أي قدّمتك وفضّلتك تفضيلاً، وهو مقابل الاستئثار. يُقال: استأثر بالشيء على غيره، أي خصّ به نفسه واستبدّ به، ورجل آثُر وآثِر، أي يستأثر على أصحابه ويفضّل نفسه عليهم في نصيبه، والاستئثار هو الانفراد بالشيء.

وبعبارة اُخرى: الإيثار هو تقديم الغير على النفس، المعبّر عنه بالرؤية الاجتماعية ومحبّة الآخرين، بينما الاستئثار هو تقديم النفس على الغير، المعبّر عنه بالأنانية والاستبداد الفردي.

بين الأنانية وحبّ النفس

أمّا الأثر والاستئثار، المسمّى بالأنانية: فهو من الصفات الرديئة، والخصال الذميمة النابعة من حبّ النفس المفرط، وعبادة الذات المذموم، فإنّ حبّ النفس - بما هو هو - غريزة أصيلة في الإنسان، وصفة عريقة فيه، وقد أودعها الله تعالى فيه؛ لأن إليها يعود نشاط العمران على ظهر المعمورة، وإليها


يرجع السير الحثيث، والاتّساع المستمر في دائرة الحياة من التقدّم العلمي، والتطوّر الصناعي، والاختراعات والاكتشافات التي طوّرت الحياة، كما أنّها أيضاً السبب لطلب الآخرة وإحرازها، والزحزحة عن النار، والفوز بالجنّة.

إذاً فغريزة حبّ النفس بما هي من لوازم سعادة الإنسان، وتقدّم الحياة وتطوّرها، وإنّما الخطر يكمن وراء تضخّم هذه الغريزة وتجبّرها، وخروجها عن حدّ الاعتدال الذي أراده الله تعالى لها إلى ما حرّمه تعالى عنها من الأنانية، وعبادة الذّات التي قد تصل أحياناً إلى ادّعاء الربوبيّة، كفرعون الذي كان يقول:( أَنَا رَبّكُمُ الأَعْلَى ) ، وكيزيد الذي كان ينشد:... فلا خبر جاء ولا وحي نزل.

فإنّ عبادة الذّات والعيش في إفرازاتها حتّى لو كانت تلك الإفرازات حريراً، كالتي تفرزها دودة القز، منتهية إلى الاختناق الروحي، ومؤدّية إلى الموت المعنوي؛ فإنّ الأناني ميّت في الناس حتّى وإن بلغ في الدنيا قمّة الملك والسلطان، وإنّ الأنانيّين في كلّ زمان فتنة ساحقة، ولعنة ماحقة تحترق في سعيرها المُثُل والقِيَم، وتذوب في جحيمها الفضائل والمكارم، وتتبخّر في مرضاتها مصالح الآخرين أفراداً وجماعات.

وقد وصف الله تعالى الفارّين من معركة أُحد، والتاركين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحده بين الأعداء وصفاً يكشف عن داء الأنانية المتغلغل في نفوسهم، وعن مرض عبادة الذّات المتعرّق في قلوبهم، حيث يقول تعالى:( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) .

الأنانيّون وخطرهم على الدين والمجتمع

والأنانيّون عندما يسلّطون أفكارهم الضيّقة على الدين الإسلامي الحنيف يمسخون نصوصه، ويحرّفون اُصوله، ويفهمونه ثواباً بلا عمل، وثمرة بلا غرس،


وعقاباً على الآخرين وحدهم، ونكالاً على الناس سواهم، دون أن يمسهم منه لفح ويصيبهم منه أذى؛ وذلك لأنّ الأنانيّين محصورون في حدود أنفسهم وإثرتهم، ومقصورون على رؤية مصالحهم الفرديّة ومنافعهم الذاتيّة، لا يفهمون من القرآن إلاّ ما يشتهون، ومن الإسلام إلاّ ما يلبّي أهواءهم ومصالحهم.

وإنّ هذا لخطر كبير يهدّد كيان الاُمّة، وينذر بفناء الدين والدنيا معاً؛ ممّا يؤكّد على معالجة الإثرة منذ الطفولة المبكّرة حتّى تنبت الناشئة وهي تنظر إلى نفسها وإلى غيرها بنظرة معتدلة، ورؤية متّزنة، لا جنف فيها ولا قصور.

ومن هنا يظهر سرّ التأكيد الشديد في الإسلام على تعديل هذه الغريزة، ويعلم سبب الاهتمام الكبير من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على تأطيرها وتحجيمها، وتزكيتها وتهذيبها؛ ففي نهج البلاغة يقول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في وصيّة له لابنه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام : ((يا بني، اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك؛ فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تُحبّ أن تُظلم، وأحسن كما تحبّ أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم، وقل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أن يُقال لك)).

وجاء في ما كتبه لعامله محمّد بن أبي بكر: ((أحبّ لعامّة رعيتك ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك؛ فأنّ ذلك أوجب وأصلح للرعيّة)).

فالإسلام يحذّر الناس من الأنانيّة، ويدعوهم إلى الاعتدال، بل إلى الإيثار، وتقديم الآخرين على أنفسهم. وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو أوّل ممتثل لما يدعو إليه الإسلام بعد الأئمّة المعصومينعليه‌السلام في كلّ مجال، وخاصّة في مجال الإيثار وترك الإثرة.


الإيثار في القرآن والحديث

هذا بالنسبة إلى الاستئثار، وأمّا بالنسبة إلى الإيثار: فهو من الصفات الحسنة، والخصال الطيّبة، ومن مكارم الأخلاق، ومعالي الآداب؛ فإنّ الإنسان قد يجود بشيء وهو غني عنه، فهذا هو الجود الممدوح، وقد يجود بشيء هو محتاج إليه، وهذا أفضل من الأوّل وهو الإيثار. ولا يتحلّى بالإيثار إلاّ الأوحدي من الناس، كما إنّه لا يتّصف به إلاّ ذو حظ عظيم.

وقد زخر الكتاب، وكذلك فاضت السنّة النبويّة، وأحاديث أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بمدح الإيثار، والتأكيد عليه، والثناء على مَنْ تحلّى به، واتّخذه خُلقاً له، ووعدت على ذلك الثواب الكبير، والأجر الجزيل. قال الله تبارك وتعالى:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

نؤثر به ضيفنا

جاء في تفسير الآيات الباهرة في تفسير الآية المباركة مسنداً: أنّ رجلاً جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فشكا إليه الجوع، فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلاّ الماء. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ لهذا الرجل الليلة؟)).

فقال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ((أنا يا رسول الله)). وأتى فاطمةعليها‌السلام فقال لها: ((أعندك يا بنت رسول شيء؟)).

فقالت: ((ما عندنا إلاّ قوت الصبية، ولكنّنا نؤثر به ضيفنا)).

فقال عليعليه‌السلام : ((يابنة محمّد، نوّمي الصبية، وأطفئي السراج)).

فلمّا أصبح غدا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنزلت هذه الآية:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .


جبرئيل أنبأني بذلك

وقال في شرح هذه الآيات الباهرة مسنداً أيضاً: بينا عليّعليه‌السلام عند فاطمةعليها‌السلام إذ قالت: ((اذهب إلى أبي فابغنا منه شيئاً)). فقالعليه‌السلام : ((نعم)).

فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعطاه ديناراً، وقال: ((يا علي، اذهب فابتع به لأهلك طعاماً)).

فخرج من عنده فلقيه المقداد بن الأسود وقاما ما شاء الله أن يقوما وذكر له حاجته، فأعطاه الدينار وانطلق إلى المسجد فوضع رأسه فنام، فانتظره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يأتِ، فخرج يدور في المسجد فإذا بعليٍّعليه‌السلام نائم في المسجد، فحرّكه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقعد، فقال: ((يا علي، ما صنعت؟)).

فقال: ((يا رسول الله، خرجت من عندك فلقيني المقداد بن الأسود، فذكر لي ما شاء أن يذكر فأعطيته الدينار)).

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أما إنّ جبرائيل قد أنبأني بذلك، وقد أنزل الله فيك كتاباً:وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )).

أنت يعسوب المؤمنين

وفي شرح الآيات الباهرة أيضاً عن أبي جعفرعليه‌السلام مسنداً قال: ((اُوتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمال وحُلل، وأصحابه حوله جلوس فقسّمه عليهم حتّى لم يبقَ منه حلّة ولا دينار، فلمّا فرغ منه جاء رجل من فقراء المهاجرين كان غائباً، فلمّا رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: أيّكم يعطي هذا نفسه ويؤثره على نفسه؟

فسمعه عليعليه‌السلام فقال: نصيبي. فأعطاه إيّاه، فأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعطاه الرجل، ثمّ قال: يا عليّ، إنّ الله جعلك سبّاقاً للخير، سخّاءً بنفسك عن المال؛ أنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظَلَمة، والظَلَمة هم الذين يحسدونك ويبغون عليك، ويمنعونك حقّك بعدي)).


أبشر يـا علي

وفي الآيات الباهرة أيضاً مسنداً عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: ((إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لجالس ذات يوم وأصحابه جلوس حوله، فجاء عليّعليه‌السلام وعليه سمل ثوب منخرق عن بعض جسده، فجلس قريباً من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنظر إليه ساعة ثمّ قرأ:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام : أما إنّك رأس الذين نزلت فيهم هذه الآية، وسيّدهم وإمامهم.

ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام : أين خلعتك التي كسوتكها يا علي؟

فقال: يا رسول الله، إنّ بعض أصحابك أتاني يشكو عريه وعري أهل بيته فرحمته، وآثرته بها على نفسي، وعرفت أنّ الله تعالى سيكسوني خيراً منها.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : صدقت، أما إنّ جبرائيل قد أتاني يحدّثني أنّ الله اتّخذ لك مكانها في الجنّة حلة خضراء من استبرق، وضيقها من ياقوت وزبرجد، فنعم الجواز جواز ربّك بسخاوة نفسك، وصبرك على سملتك هذه المنخرقة! فأبشر يا علي.

فانصرف عليعليه‌السلام فرحاً مستبشراً بما أخبره به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

نعم، هناك روايات كثيرة في فضل الإيثار، ومدح المؤثرين، منها قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته، وآثر على نفسه - أي آثر الله على نفسه - غفر له)).

وسُئل الإمام الصادقعليه‌السلام : أيّ الصدقة أفضل؟ فقالعليه‌السلام : ((جُهد المُقِلّ، أما سمعت قول الله (عزّ وجلّ):وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )).


سيّد المؤثرين وإمامهم

فسيّد المؤثرين وإمامهم بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المعصومين هو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ إنّ سيّد المؤثرين وإمامهم بعد المعصومينعليه‌السلام هو أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، كما قال في حقّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وذلك في قوله المعروف: ((رحم الله عمّي العبّاس فلقد آثر))، أي آثر الله، وآثر دين الله، وآثر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي كان يمثّله الإمام الحسينعليه‌السلام على نفسه وإخوته، وكلّ ما يملكه من غالٍ ورخيص.

وكما قال في حقّه الإمام الصادقعليه‌السلام ، وذلك في زيارته المأثورة عنه، حيث جاء فيها: ((أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود)). أي أعطى أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كلّ ما في وسعه، وغاية ما يملكه من جدّ وجهد؛ من بذل نفسه وإخوته، وكلّ طاقاته وإمكاناته ليشتري به صيانة دين الله، وسلامة حياة إمامه الممثّل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الناس في الأرض، والامتداد الحقيقي لهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأنام الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولو كان ذلك في مقابل بقائهعليه‌السلام حيّاً بلحظات قليلة.

نماذج من إيثار أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام

نعم، لقد آثر أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام على نفسه منذ أيّامه الأولى، فكان لا يجلس بين يدي أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ بعد أن يأذن لهعليه‌السلام بالجلوس، ثمّ إذا جلس بعد الإذن له جلس جلسة العبد بين يدي مولاه، والرّق أمام سيّده.

وكان من إيثار أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أنّه كان يدعو أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام


دائماً بمثل كلمة سيّدي، ومولاي، ويابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما أشبه ذلك. ولم يعهد منه أن يدعو أخاه بكلمة أخي وصنوي، وما أشبه ذلك أبداً، إلاّ في موضع واحد، وهو حين مصرعهعليه‌السلام .

وكان من إيثار أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أيضاً: أنّه إذا حصل على شيء آثر به أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام وقدّمه على نفسه، فقد قُدّم له ذات مرّة وهو في سنيّه الأولى عنقود من العنب الشهي، فأخذه واتّجه به نحو باب الدار مسرعاً، فسألوه عمّا يريد، فأجاب: اُريد أن اُقدّم هذا العنقود من العنب الشهي إلى سيّدي ومولاي الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكذلك فعل.

ومن إيثار أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أيضاً: خروجه مع الإمام الحسينعليه‌السلام من المدينة يحميه بنفسه، ويقي أهل بيته بدمه، ويحمل لواءه بيده، ويذب عنه طول سفرته، بدءاً بالمدينة المنوّرة ومروراً بمكة المكرّمة، ومنازل الطريق بين الحجاز والعراق، وانتهاءً بكربلاء على ما كان في السفر في ذلك الزمان من مشاقّ ومتاعب بصورة عامّة، وما كان في تلك السفرة من تهديدات ومخاوف بصورة خاصّة؛ فلقد كانت التحرّكات المشبوهة لبني اُميّة تغطّي المنطقة، والرصد الاُموي بجواسيسه وعيونه يعقّب قافلة الإمام الحسينعليه‌السلام ويراقبه من كثب.

وقد أشار الإمام الحسينعليه‌السلام عند خروجه إلى ذلك؛ فإنّه لمّا خرج من المدينة قرأ قوله تعالى:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ ) .

من قِمَم الإيثـار

ولقد ارتقى أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قُلّة الإيثار، وبلغ قمّته، وذلك حينما وصل موكب الإمام الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء، وخاصّة في الأيام الأخيرة التي كانت


تقترب من يوم عاشوراء، وبالذّات في الأيام التي منع بنو اُميّة فيها الماء، وحرّموه على موكب الإمام الحسينعليه‌السلام ، حيث كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام يؤثر أطفال أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام بحصّته من الماء.

وعلى الأخص في اليوم الذي ورد فيه كزمان إلى كربلاء ومعه أمان من عبيد الله بن زياد للعبّاسعليه‌السلام وإخوته، وكزمان هذا كان مولى لعبد الله بن أبي المحلّ بن حزام، وكانت أم البنين عمّته؛ فإنّ ابن أبي المحلّ هذا كان قد قدم إلى ابن زياد وتوسّط من نفسه إلى أبناء عمّته عنده، وأخذ لهم منه الأمان، وبعث به مع مولى له إليهم، فلمّا قدم كزمان برسالة الأمان إلى كربلاء قدّمها إلى أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقال: هذا أمان من ابن زياد بعثه إليكم خالكم عبد الله.

فقالوا له: أبلغ خالنا السلام، وقل له: لا حاجة لنا في أمان ابن زياد؛ فإنّ أمان الله خير من أمان ابن سميّة.

وعلى الخصوص في يوم تاسوعاء، وذلك حين ورد الشمر إلى كربلاء ومعه أيضاً أمان من ابن زياد للعبّاسعليه‌السلام وإخوته، وكذلك كان معه ما فيه تطميع لهم بإمارة الجيش، وإغراء لهم برتب عسكريّة، وأوسمة ونياشين قياديّة رفيعة المستوى، وغير ذلك من مغريات، فأقبل حتّى وقف على عسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ونادى: أين بنو أُختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟

فأعرضوا عنه ولم يجيبوه، فقال لهم الإمام الحسينعليه‌السلام : ((أجيبوه ولو كان فاسقاً)).

فقاموا إليه وقالوا له: وما تريد يا شمر؟

فقال الشمر مراوغاً مكايداً لهم: يا بني اُختي، أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. ثمّ وعدهم ومنّاهم، وطمّعهم وأغراهم.

فقال العبّاسعليه‌السلام وبكلّ صلابة وقوّة؛ ليقطع عليه مكره وخداعه، ويردّ عليه كيده ونفاقه: لعنك الله ولعن أمانك! أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!


فعرف الشمر فشله في مراوغته، وخيبته في نفاقه، فلم يتكلّم معهم بشيء، ورجع خائباً مغضباً.

العبّاسعليه‌السلام يؤثر إمامه على ولديه

وخصوصاً إيثار أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في يوم عاشوراء، وذلك في موارد عديدة، منها: تقديم ولديه محمّد وعبد الله بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإيثاره عليهما وفدائهما له؛ فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لمّا رأى أنّه لا يملك شيئاً يؤثر به أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ويقدّمه فداءً له، سوى نفسه وولدَيه وإخوته، حاول أوّلاً أن يؤثر بولدَيه ويقدّمهما فداء لله بين يدي أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك لأنّ للأولاد في قلب الإنسان من المحبّة والعلقة ما لم يكن لأحد غيرهم.

فالأولاد أعزّ شيء على قلب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأغلى شيء عنده، وفي الحديث الشريف: ((أولادنا أكبادنا)). وفي حكمة الشعر والنظم: أولادُنا أكبادُنا تمشي على الأرضِ

ومعلوم أنّ فقد الأولاد والإصابة بهم من أعظم المصائب، وأشد الفجائع على قلب الأب، وكلّما كان المصاب أكبر والفجيعة أعظم، وخاصة إذا كان في سبيل الله ونصرة الحقّ كان الأجر أكبر والثواب أعظم؛ ولذلك قدّرت الروايات، وعدت لفقد الأولاد والمصاب بهم من الأجر ما لم تقدّره في فقد أحد والمصاب به.

وأراد أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أن ينال هذا الثواب العظيم، ويحصل على هذا الأجر الكبير قبل أن يفوز هو بالشهادة، فقدّم ولده وفلذة كبده محمداً على نقل بعض، وولديه محمداً وعبد الله على نقل بعض آخر؛ فداء بين يدي أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وواسى في هذه المصيبة الكبرى، والفجيعة العظمى، وهي مصيبة فقد الأولاد أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخته السيّدة زينبعليها‌السلام في كتمان هذه المصيبة، وعدم الإعلان بها.

فإنّ السيّدة زينبعليها‌السلام لمّا قدّمت


ولديها وفلذتي كبدها عوناً ومحمداً فداءً بين يدي أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام ، احتسبتهما لله، فلم تحضر مصرعهما، ولم تجهر بالبكاء عليهما، ولم تذكرهما في شيء من مراثيها، ولم تنوّه باسمهما، ولم تتطرّق لشيء يخصهما، ويذكّر بشهادتهما؛ كلّ ذلك تجلّداً منها وصبراً وتفانياً ومواساة؛ كي لا تمنّ على أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام بهما، ولا يمس أخاها الضرّ من أجلهما.

وكذلك كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بالنسبة إلى شهادة ولديه بين يدي أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ حيث شاطر أخته السيّدة زينبعليها‌السلام في ذلك.

إيثار العبّاسعليه‌السلام إمامه على إخوته

ومنها: تقديم إخوته الثلاثة لاُمّه وأبيه بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام وإيثاره عليهم؛ فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لمّا رأى كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من اُمّه وأبيه، وهم: عبد الله، وعثمان، وجعفر: تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله.

والتفت إلى عبد الله، وكان أكبر من عثمان وجعفر، وقال: تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك. فكان أوّل مَنْ قُتِلَ من إخوته.

وفي الأخبار الطوال: أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قال لإخوته: تقدّموا بنفسي أنتم! وحاموا عن سيّدكم حتّى تموتوا دونه. فتقدّموا جميعاً وقتلوا.

وكم كان صعباً على قلب أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام العطوف، الذي زقّ العاطفة من أبيه معدن العاطفة والحنان، وإمام الرأفة والرحمة، الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يرى مصارع إخوته من أُمّه وأبيه ويقف على أجسادهم المضرّجة بالدماء، وأشلائهم المقطّعة بالسيوف!

ولكن الذي كان يهوّن الخطب ويسهّل المصاب عليه، هو أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام كان يرى أنّ من واجبه الديني والأخلاقي أن يؤثر أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام على نفسه وعلى إخوته.

وعلى كلّ، ما كان يحوطه برعايته من غال ورخيص، فإنّ الله تعالى قد جعل رسوله الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله أولى


بالمؤمنين من أنفسهم، وجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر من الله عليّاًعليه‌السلام ، والأئمّة الأحد عشر بنيهعليهم‌السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وعلى المؤمنين أن يقدّموهم على أنفسهم وأهليهم، وأن يؤثروهم على أولادهم وإخوتهم، وذويهم وعشيرتهم، وكذلك فعل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ولا يبعد أن يكون قد أوصاه أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام بذلك، وأوكل أمر إخوته من اُمّه وأبيه إليه ليحتسبهم؛ تحريضاً وتأكيداً.

العبّاسعليه‌السلام والإيثار الأخير

ومنها: أنّه لمّا رأى مصارع إخوته وذويه، ونظر إلى كثرة القتلى منهم، ضاق صدره وسئم الحياة، فجاء إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام يطلب منه الإجازة ويستأذنه للبراز، يريد منه السماح والإذن في الانتقام من الأعداء، فلم يأذن له الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم يرخّصه بذلك، وطلب منه أن يستقي للأطفال والرضعان ماءً.

فآثر أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إرادة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام على إرادته، وقدّم طلب إمامه على طلبه، فترك النزال والقتال، وراح يستقي للنساء والأطفال، مستقبلاً مصاعب هذه المهمّة برحابة صدر وسعة باع.

ولولا الختل وغدر الأعداء لأنجز أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام مهمّته هذه بنجاح، كما أنجز التي كانت قبلها بنجاح أيضاً، ولما استطاع العدوّ أن يحول بينه وبين إيصال الماء إلى الخيام؛ فإنّ العدوّ الجبان كان قد كمن له في هذه المرّة من وراء النخلة، واغتاله جبناً ولؤماً حتّى استشهد (سلام الله عليه) دون أن يوصل الماء إلى المخيّم، مؤثراً أخاه على نفسه، وباذلاً دمه في نصرته، كما قال فيه الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ((رحم الله عمّي العبّاس! فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه)).


الخصّيصة الثلاثون

في أنّهعليه‌السلام المواسي

أحـقُّ الناسِ أن يُبكى عليه

فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ

أخـوهُ وابـنُ والـدهِ عليٍّ

أبو الفضلِ المضرّج بالدماءِ

ومَـنْ واساهُ لا يثنيهِ شيءٌ

وجـادَ لـهُ على ظمأ بماءِ

وقال آخر:

لـم يـذق الـفـراتَ اُسوةً به

مـيـمّماً بـمـائِهِ نحو الخِبا

لم يـرَ فـي الدينِ يبلّ غلّة

وصـنـوهُ فيهِ الظما قد ألهبا

والمرتضى أوصى إليه في ابنه

وصـيّة صدّتهُ عن أن يشربا

لـذاك قـد أسـنـدهُ لـديـنهِ

وعـن يـقينٍ فيه لن يضطربا

هذا مـن الشرعِ يرى فعلته

ومـن صراطِ أحمدٍ ما ارتكبا

ومـثـلـهُ الحسينُ لمّا ملك الـ

مـاءَ وقـيـلَ رحـله قد نُهبا

أمَّ الـخـيـام نـاقـضاً لمائهِ

إذ عظُمَ الأمرُ بهِ واعصوصبا

فكـانَ لـلـعبّاس فيه اُسوةٌ

إذ فاضَ شهماً غيرَ مفلول الشبا

وقال الشيخ جعفر بن نما الحلّي، وهو يصف مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام :

حـقيقٌ بالبكاءِ عليهِ حزناً

أبو الفضلِ الذي واسى أخاهُ

وجـاهدَ كـلّ كـفّارٍ ظلومٍ

وقـابلَ مـن ضلالهمُ هداهُ


فـداهُ بـنفسهِ للهِ حتّى

تفرّقَ من شجاعتهِ عداهُ

وجادَ لهُ على ظمأ بماءٍ

وكان رضا أخيهِ مبتغاهُ

وقال آخـر:

لا تـنـسَ للعبّاس حُسنَ مقامهِ

بـالـطفِّ عند الغارةِ العشواءِ

واسى أخـاهُ بها وجادَ بنفسهِ

في سـقي أطفالٍ له ونساءِ

ردَّ الاُلوفَ على الاُلوفِ معارضاً

حـدَّ الـسـيوفِ بجبهةٍ غرّاءِ

وقال الشيخ محسن أبو الحبّ في مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في قصيدة يحكي بها لسان حال العلقمي، ومصرع العبّاسعليه‌السلام بجنبه:

جـزى اللهُ عـنّي في المواساةِ عمّهمْ

أبا الفضل خيراً لو شهدتَ أبا الفضلِ

لـقـد كـانَ سـيـفاً صاغهُ بيمينهِ

عـليٌّ فـلمْ يحتج شباه إلى الصقلِ

إذا عُـدَّ أبـنـاءُ الـنـبـيّ مـحمدٍ

رآهُ أخـاهـم مَـنْ رآهُ بـلا فضلِ

ولـمْ أرَ ضـامٍ حـولـهُ الماءُ قبلهُ

ولـمْ يـرو منهُ وهو ذا مهجةٍ تغلي

وما خـطـبهُ إلاّ الوفاء وقلّ ما

يُرى هـكـذا خلاً وفيّاً مع الخلِّ

وسام المواسـاة

وممّا يشهد لمواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أن جاء في زيارته المعروفة المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام : ((أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك، فنعم الأخ المواسي)). وهذا وسام، وأكرم به من وسام، وسم به الإمام الصادقعليه‌السلام عمّه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام .

ولم يكن الإمام الصادقعليه‌السلام هو وحده الذي منح عمّه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هذا الوسام، بل اقتدى الإمام الهاديعليه‌السلام بأبيه الإمام الصادقعليه‌السلام ووسم عمّه


العبّاسعليه‌السلام بهذا الوسام أيضاً؛ وذلك في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة، حيث جاء فيها: ((السّلام على أبي الفضل العبّاس، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الواقي له، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه)).

ومن المعلوم أنّ حصول أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام على وسام المواساة من قبل إمامين همامين، معصومين مسدّدين من قبل الله تبارك وتعالى؛ لهو خير دليل على بصيرة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في دينه، ومعرفته بحقّ إمامه، وإخلاصه في مواساته له.

الوصيّة بالمواساة والوفاء بها

بل كانت مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وفاءً لما عاهد عليه أباه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتنفيذاً لوصيّتهعليه‌السلام التي أوصاه بها ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، وذلك في اللحظات الأخيرة التي ودّع بها أمير المؤمنينعليه‌السلام أهل بيته وذويه وأولاده وبنيه.

فلقد جاء في التاريخ، كما عن معالي السبطين وغيره: أنّه ما كانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان عام أربعين هجرية، أي في الليلة الأخيرة من عمر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أخذ الإمام يودّع أهل بيته ويوصيهم بوصاياه، فالتفت إلى ولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من بين أولاده، وقرّبه من نفسه، وضمّه إلى صدره، وقال له: ((ولدي عبّاس، وستقرّ عيني بك يوم القيامة. ولدي إذا كان يوم عاشوراء ودخلت الماء وملكت المشرعة، فإيّاك أن تشرب الماء وأن تذوق منه قطرة وأخوك الحسينعليه‌السلام عطشان)).

ولذا عندما قرب أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام الماء من فمه بعد أن ملك المشرعة تذكّر عطش أخيه، وجال في ذهنه وصيّة أبيه، فرمى الماء على الماء، وملأ القربة، وخرج عطشانَ؛ مواساة ووفاءً.


مواساة العبّاس عليه‌السلام للسيّدة زينب عليها‌السلام

كما أن مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام كان وفاءً منه لما عاهد عليه أباه أمير المؤمنينعليه‌السلام في حقّ أخته المبجّلة، عقيلة بني هاشم، السيّدة زينبعليها‌السلام وذلك في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان أيضاً، أي في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث كان الإمام قد جمع خاصته وذويه وأولاده وبنيه للوداع معهم.

فقد ورد أنّ السيّدة زينبعليه‌السلام لمّا رأت أباها أمير المؤمنينعليه‌السلام قد جمع أولاده وأهل بيته ساعة الاحتضار، وأخذ يودّعهم ويوصيهم، ويعيّن الوصيّ والإمام من بعده عليهم، تقدّمت إليه وقالت بكلّ حزن وأسى على ما كانت تراه بأبيها، وعلى ما أخبرها به من وقعت كربلاء: اُريد يا أبتاه وأنت بعدُ في الحياة أن تختار لي من إخوتي مَنْ يواسيني في رخائي وشدّتي، ويكفلني في سفري وحضري.

فقال لها أمير المؤمنينعليه‌السلام بكلّ عطف وحنان: ((هؤلاء إخوتك ورجال أهل بيتك فاختاري منهم مَنْ تريدين، فإنّهم أكفاء لما ترومين)).

فقالتعليها‌السلام وببصيرة كاملة: يا أبتاه، إنّ الحسن والحسينعليه‌السلام أئمّتي وسادتي، وعليَّ أن أخدمهما وأقوم بحمايتهما، وأن اُواسيهما واُؤثرهما على نفسي، ولكنّي اُريد من إخوتي مَنْ يخدمني ويواسيني، ويقوم بحمايتي وكفالتي.

فقالعليه‌السلام لها وهو يرقّ على حالها ومصابها بأبيها: ((اختاري منهم مَنْ شئتِ)).

فأجالت السيّدة زينبعليها‌السلام ببصرها على إخوتها حتّى إذا وقع نظرها على أخيها أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لم تتجاوزه إلى غيره، وإنّما التفتت إلى أبيها أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأشارت بيدها إلى أخيها أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقالت: يا أبتاه، اُريد أخي هذا.


عندها التفت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى ولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأشار عليه بالدنو منه، فلما دنا منه أخذ بيده ووضع يد السيّدة زينبعليها‌السلام في يده، وقال: ((ولدي عبّاس، عليك بأختك هذه؛ فإنّها بقيّة اُمّها الزهراءعليها‌السلام ، فلا تقصّر في خدمتها ورعايتها، ولا تتوان في حفظها وحمايتها)).

فقال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقد تحادرت دموعه على خدَيه: يا أبتاه، لأنعمنَّكَ عيناً، ولأكوننَّ عند حسن ظنّك، فإنّي سأبذل قصارى جهدي، وغاية جدّي ومجهودي في حفظها وحراستها، وأرعى حرمتها وحقّها.

وهنا أخذ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يطيل النظر إلى ولده العبّاسعليه‌السلام وإلى ابنته السيّدة زينبعليه‌السلام ، ويبكي من موقفهما وموافقتهما، وكأنّه يستعرض ما سيجري عليهما، ويتذكّر ما سيصيبهما من الشهادة والأسر في كربلاء.

فكان أبو الفضل العبّاس نِعْمَ الأخ المواسي ليس لأخيه فحسب، بل لاُخته أيضاً؛ فإنّه هو الذي واسى أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في عطشه، فلم يشرب الماء مع الحصول عليه والوصول إليه، كما إنّه واسى في نفس الوقت أخته المكرّمة عقيلة بني هاشم السيّدة زينبعليه‌السلام عطشها وظمأها أيضاً، إضافة إلى وفائه بالعهد لهما، وتنفيذه وصيّة أبيه بالنسبة إليهما (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

أبو ذر يواسي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله

وجاء في تفسير علي بن إبراهيم عند تفسير التوبة في واقعة تبوك وغيره من الكتب الاُخرى أنّ أبا ذر تخلّف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غزوة تبوك ثلاثة أيّام؛ وذلك لأنّ جمله كان أعجف، وقد وقف عليه في بعض الطريق.


فلمّا أبطأ عليه تركه، وأخذ متاعه وثيابه فحمله على ظهره، ولحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ماشياً، فأدركه بعد ثلاثة أيّام كاملة، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد نزل في بعض منازله، فلمّا ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل فقالوا: يا رسول الله، إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((كن أبا ذر)). فلمّا تأمّله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أدركوه بالماء؛ فإنّه عطشان)). فأدركوه بالماء، ووافى أبو ذر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه إداوة فيها ماء، فقال له: ((يا أبا ذر، معك ماء وعطشت؟!)).

فقال: نعم يا رسول الله بأبي أنت واُمّي! انتهيت على صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((رحمك الله يا أبا ذر، أنت المطرود عن حرمي بعدي؛ لمحبتك لأهل بيتي؛ تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنّة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك، اُولئك رفقائي في جنّة الخلد التي وعد المتّقون)).

الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يشكر أبا ذر

نعم، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشكر أبا ذر على مواساته، ويدعو له بقوله رحمك الله يا أبا ذر، ويخبره بما يجري عليه من بعده في سبيل الله، ومحبّة رسوله وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، ويبشّره والذين يقومون بتجهيزه بالجنّة؛ كلّ ذلك جزاءً له على مواساته، وتقديراً له على إنسانيته.

ومن المعلوم أنّ شكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا ذر إنّما هو شكر الله على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.


وقد شكر الله تعالى مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولكن لا على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ لم يكن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في الحياة، بل على لسان وصي رسوله الإمام الصادقعليه‌السلام ، وذلك في الزيارة المعروفة المأثورة عنهعليه‌السلام في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، حيث جاء فيها: ((السلام عليك أيّها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين...

إلى أن يقولعليه‌السلام : أشهد وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى عليه البدريون، والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذّابون عن أحبائه، فجزاك الله أفضل الجزاء، وأكثر الجزاء، وأوفر الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممّن وفى ببيعته، واستجاب له دعوته، وأطاع ولاة أمره)).

وفي مكان آخر من الزيارة: ((السلام عليك يا أبا الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، إلى أن يقول: أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك، فنعم الأخ المواسي)).

وعلى لسان الإمام علي بن محمّد الهاديعليه‌السلام ، وذلك حيث يقولعليه‌السلام في زيارة الناحية المقدّسة على ما مرّ: ((السلام على أبي الفضل العبّاس، المواسي أخاه بنفسه)).

بل إنّ الله تعالى قد شكر العبّاس بن عليعليه‌السلام على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا واسطة، وذلك لمّا قد تواتر عند الفريقين من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ الإمام الحسينعليه‌السلام : ((حسين منّي، وأنا من حسين))، فتكون مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام هي مواساة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإذا كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد شكر - على ما عرفت - أبا ذر على مواساته فهو لمواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي كان أعظم من مواساة أبي ذر أكثر شكراً، وأكبر تقديراً.


المواساة سيّد الأعمال

هذا وقد جاء فيما أوصى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام - على ما في كتاب الخصال - أن قال له: ((يا علي، سيّد الأعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس إلى نفسك، ومواساتك الأخ في الله (عزّ وجلّ)، وذكرك الله تبارك وتعالى على كلّ حال)).

وفي أمالي الطوسي عن الحذّاء مسندا قال: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ((ألا أخبرك بأشدّ ما افترض الله على خلقه؟ إنصافك الناس من أنفسهم، ومواساة الإخوان في الله (عزّ وجلّ)، وذكر الله على كلّ حالٍ، فإن عرضت له طاعة الله عمل بها، وإن عرضت له معصية تركها)).

وفي الكافي عن الحسن البزّاز قال: قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : ((ألا اُخبرك بأشدّ ما فرض الله تعالى على خلقه؟)).

قلت: بلى.

قالعليه‌السلام : ((إنصاف الناس من نفسك، ومواساتك أخاك، وذكر الله في كلّ موطن. أما إنّي لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كلّ موطن إذا هجمت على طاعة، وعلى معصية)).

الوفاء من سمات المؤمنين

كما إنّ صدق الوعد، والوفاء بالعهد هو أيضاً من الخصال الحميدة، والصفات الكريمة التي مدحها الله تعالى في كتابه، وجعلها من صفات المؤمنين وعلاماتهم، ومدح الملتزمين بها، فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ أنّه كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) .

وفي الخصال عن أبي مالك مسنداً قال: قلتُ لعلي بن الحسينعليه‌السلام : أخبرني بجميع شرايع الدين.

قالعليه‌السلام : ((قول الحقّ، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد)).


وفي الخصال أيضاً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مسنداً قال: ((ثلاثة لم يجعل الله لأحد من الناس فيهم رخصة؛ برّ الوالدين بَرّين كانا أم فاجرين، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر)).

وفي الخصال أيضاً عن الإمام الرضا، عن أبائهعليهم‌السلام أنّه قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ عاملَ الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممّن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت اُخوّته، وحرُمَتْ غيبته)).

وفي كشف الغمّة مسنداً عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن عليعليه‌السلام ، قال: ((سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: عِدَة المؤمنين نذر لا كفّارة له)).

وفي مشكاة الأنوار عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: ((إنّا أهل البيت نرى ما وعدنا علينا ديناً، كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو فرع هذا البيت الطاهر، الذي يرى ما وعده ديناً عليه، ويعلم أنّ العهد حقّ للغير في ذمّته ولا بد من الوفاء به والأداء إليه.

من وفاء أبي الفضلعليه‌السلام

ومن هنا يعلم صحة ما جاء في بعض المقاتل من أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا جاء، ووقف على مصرع أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأراد أن يحمله إلى المخيّم حيث فسطاط الشهداء أقسم عليه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بحقّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتركه في مكانه؛ معتذراً عن ذلك أنّه كان قد وعد سكينة بالماء، وهو يستحي منها حيث لم يستطع على الوفاء لها.

ويعلم أيضاً صحة ما روي من أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لم يكن ليدعو يوماً


أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام بكلمة أخي، ويا صنوي، ويابن والدي، وما أشبه ذلك، وإنّما كان يدعوه دائماً وأبداً بكلمة سيّدي ومولاي، ويابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما شابه ذلك؛ وفاءً منه لإمامه، وتأدباً منه مع مَنْ جعله الله تعالى أولى به من نفسه، إلاّ في مكان واحد دعا فيه أخاه بكلمة يا أخي، وهو حين هوى من على ظهر جواده إلى الأرض.

وينقل أيضاً أنّ ملكة الهند توسّلت في حاجة لها بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ونذرت إن قضى الله لها حاجتها أن تطلي منائر الروضة العبّاسيّة المقدّسة بالذهب، فقضى الله لها حاجتها ببركة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وعزمت على أن تبرّ نذرها وتفي بعهدها، فأخذت معها ذهباً كثيراً، واصطحبت في سفرها مهندسين ماهرين بارعين، واتّجهت نحو المشاهد المشرّفة والأعتاب المقدّسة.

حتّى إذا وصلت الملكة بموكبها إلى كربلاء المقدّسة، وحاولت أن تبدأ عملية تطلية المنائر بالذهب؛ إذ قد تمّ إعداد كلّ شيء، واستعدّ المهندسون والعمّال لأن يبدؤوا عملهم في الصباح المبكّر من يوم غد، لكن في نفس الليلة التي كان من المفروض أن يبدأ عمل التذهيب في صبيحتها رأى سادن الروضة العبّاسيّة المباركة أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام في منامه، وهو يقول له ما معناه: إنّي لا أرضى بتذهيب منائر قبّتي؛ فإنّ منائر روضة سيّدي الإمام الحسينعليه‌السلام مذهبة، ويلزم الاحتفاظ بالفرق بين روضة العبد وروضة سيّده.

وفي الصباح المبكّر وقبل أن يبدأ المهندسون عملهم أقبل سادن الروضة العبّاسيّة المباركة وأخبرهم بما قاله أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأدّى رسالته إليهم، فكفّوا عن العمل، وصرفوا الذهب الذي جاءت به ملكة الهند بحساب أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في موضع آخر، وبقي إلى يومنا هذا الفرق الذي أراده أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام لمنائر روضته، فارقاً مع منائر روضة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام .


نعم، إنّ تأدّب أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ووفاءه لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن مقصوراً على أيّام حياته، بل بقي مستمراً حتّى بعد شهادتهعليه‌السلام .

علماً بأنّ الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فكيف بشهيد يغبطه جميع الشهداء يوم القيامة مثل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؟ ومعه فلا عجب إذاً من هذه القصة وأمثالها، ممّا يدلّ على وفاء أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وحسن أدبه مع أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكبير وفائه مع شيعته ومحبيه، ورواده وزائريه، والأمين له، والوافدين عليه.


الخصّيصة الواحدة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام الحامي والمحامي

يُقال: حاميت عنه محاماةً، أي منعته من العدوّ، ودافعت عنه، فالحامي والمحامي هو الذي يمنع الإنسان من عدوّه ويدافع عنه، وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كان خير حامٍ ومحامٍ لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، حتّى إنّه جاء في زيارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام أجمل الثناء على أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأفضل المدح والدعاء له؛ لحمايته عن أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ونصرته له؛ وذلك حيث يقولعليه‌السلام : ((فنعم الصابر المجاهد، المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه)).

وقال السيّد جعفر الحلّي عن لسان الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو يندب أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لمّا وقف على مصرعه:

أاُخـيَّ مَـنْ يحمي بناتَ محمدٍ

إنْ صرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ

ما خلتُ بعدكَ أن تُشلَّ سواعدي

وتكفّ باصرتي وظهريَ يُقصمُ

وقال آخر:

أوَلستَ تسمعُ ما تقولُ سكينةٌ

عمّاه يوم الأسرِ مَنْ يحميني

إذاً فالعباسعليه‌السلام هو مَنْ شهد له الإمام الصادقعليه‌السلام والتاريخ، وأقرّ له الشعراء والأدباء بالحماية عن أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، والدفاع عنه.


ولا بأس بأن نذكر هنا بعض تلك المواقف التي بدت فيها حماية أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ومحاماته عن أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام جليّة واضحة.

العبّاسعليه‌السلام علي باب الوليد

لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بمواقفه المحمودة، وسيرته الطيّبة قد احتلّ لنفسه في قلب أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام مكاناً مرموقاً، ومنزلة رفيعة، بحيث صار مورد اعتماده، ومحلّ ثقته، ومَنْ يعوّل عليه، ويطمئنّ إلى نجدته وحمايته.

حتّى إنّه لمّا مات معاوية وكتب يزيد إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأن يأخذ الإمام الحسينعليه‌السلام بالبيعة له، وإن أبى ضرب عنقه، وأرسل برأسه إليه، أنفذ الوليد إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في الليل واستدعاه، فعرف الإمام الحسينعليه‌السلام ما يريد، فدعا ثلاثين رجلاً من أهل بتيه ومواليه - ولا شك أنّه كان على رأسهم أخوه الوفي أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام - وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: ((إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن من أن يكلّفني فيه أمراً لا أُجيب إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي)).

وكان كما قالعليه‌السلام ، فإنّ الوليد دعاه إلى بيعة يزيد فامتنع الإمام الحسينعليه‌السلام من ذلك، وقال: ((إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل شارب الخمور، وقاتل النفس المحرّمة، ومعلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة)).

وكان مروان حاضراً، فأشار على الوليد بحبس الإمام الحسينعليه‌السلام حتّى


يبايع أو يضرب عنقه، وأغلظ الوليد في كلامه لهعليه‌السلام ، فعلا صوت الإمام الحسينعليه‌السلام مع مروان والوليد، فهجم على الوليد قصره كلّ مَنْ كان مع الإمام الحسينعليه‌السلام بالباب، وقد شهروا أسلحتهم، وأحاطوا بالإمام الحسينعليه‌السلام يحمونه، ويحامون عنه، وأخرجوه إلى منزله.

ومن المعلوم أنّ الأخ الحامي، والصنو المحامي، أعني أبا الفضل العبّاس كان بلا شك هو قائد هؤلاء الثلاثين الذين دخلوا على الوليد لحماية الإمام الحسينعليه‌السلام والدفاع عنه.

موقف العبّاس عليه‌السلام ليلة عاشوراء

ثمّ إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا جمع أصحابه وأهل بيته ليلة العاشر من المحرّم، وخطب فيهم خطبة أخبرهم فيها بأنّ القوم لا يطلبون سواه، وإنّهم لو أصابوه لذهلوا عن غيره أذِنَ لهم بالانصراف عنه، قائلاً: ((ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذِنْت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، وجزاكم الله جميعاً خيراً، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم)).

فكان أوّل مَنْ قام وأجاب وبدأ القوم بالكلام هو أخوه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّه أجاب جواب الحامي الوفي، والمحامي الناقد البصير، جواباً فتح على الآخرين كيف يجيبون إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ حتّى يرضى الله عنهم ورسوله، وعرّفهم كيف يقفون من إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام موقف النصح والوفاء، والنُبل والشرف؛ لينالوا عزّ الدنيا وكرامة الآخرة.

إنّه قام فقال: لِمَ نفعل ذلك! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك اليوم.

وقام الآخرون وقالوا ما يشبه هذا الكلام، فأجابهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو


يشكرهم على معرفتهم وشعورهم الطيّب، ويثني على إيمانهم وإخلاصهم البالغ بقوله: ((إنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، وجزاكم الله عنّي خيراً)).

وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو أوّل مَنْ فاز بهذا الوسام وناله بكفاءة.

يوم عاشوراء وبطولة العبّاسعليه‌السلام

نعم، كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الحامي الكفوء، والمحامي الشجاع، والمدافع الجريء الذي كان يجاهد بثبات، ويدافع بعزم وبصيرة عن أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعن أهل بيته وأُسرته، بل عن كلّ معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ إذ كان معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام آمناً بوجوده، مطمئناً إلى قيادته وحمايته، مفتخراً بنجدته وشهامته.

فقلد جاء في تاريخ الطبري وغيره: أنّ أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام بعد الحملة الأولى التي استشهد فيها خمسون منهم كان يخرج الاثنان والثلاثة والأربعة، وكلّ يحمي الآخر من كيد عدوّه، فكان ممّن خرج الجابريان وقاتلا حتّى قُتلا، والغفاريان فقاتلا معاً حتّى قُتلا، والحرّ الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره، فقاتلا ساعة، وكان كلّما شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه حتّى قُتل الحرّ.

وكان ممّن خرج أيضاً عمر بن خالد الصيداوي وسعد مولاه، وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي، فشدّوا جميعاً على أهل الكوفة، فلّما أوغلوا فيهم عطف عليهم الناس من كلّ جانب وقطعوهم عن أصحابهم، فندب إليهم الإمام الحسينعليه‌السلام أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام فاستنقذهم بسيفه، وقد جُرحوا بأجمعهم.

والشاهد هنا هو في انتداب الإمام الحسينعليه‌السلام أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لهذه المهمّة الصعبة، مهمّة استنقاذ


المنقطعين، والأصعب منه هو قوّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام على إنقاذهم من بين تلك الجموع المتكدّسة والحشود الغفيرة؛ فإنّهعليه‌السلام أنقذهم على ما بهم من جراح، وأثبت بذلك حمايته لأخيه ولمَنْ كان مع أخيه.

العبّاس عليه‌السلام واللقاء بين المعسكرين

ثمّ إنّه لمّا أراد الإمام الحسينعليه‌السلام أن يلتقي بعمر بن سعد ويتمّ الحجّة عليه، أرسل إليه عمرو بن قرظة الأنصاري يطلب منه اللقاء به ليلاً بين المعسكرين، ولمّا جنّ الليل وحان وقت اللقاء خرج كلّ منهما في عشرين فارساً حتّى إذا التقيا بين المعسكرين، وكان هذا هو اللقاء الأوّل من نوعه، أمر الإمام الحسينعليه‌السلام مَنْ معه أن يتأخر إلاّ أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام وابنه عليّاً الأكبرعليه‌السلام ، وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص وغلامه دريد.

عندها التفت الإمام الحسينعليه‌السلام ، وقد حفّ به أخوه الحامي له والمحامي عنه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وابنه الكمي الوفي علي الأكبرعليه‌السلام ، إلى ابن سعد وقال له: ((ويلك يا ابن سعد! أما تتّقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابنُ مَنْ علمت؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى)).

فقال عمر بن سعد: أخاف أن تُهدم داري.

فقال الإمام الحسينعليه‌السلام : ((أنا أبنيها لك)).

فقال عمر: أخاف أن تُؤخذ ضيعتي.

فقال الإمام الحسينعليه‌السلام : ((أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي في الحجاز)).

وفي رواية أنّهعليه‌السلام قال له: ((أُعطيك البغيبغة)). علماً بأنّها كانت ضيعة عظيمة فيها عين تتدفق كعنق البعير، وبها نخل وزرع كثير، وقد دفع معاوية فيها ألف ألف


دينار (أي مليون مثقال ذهب) ليشتريها فلم يبعهاعليه‌السلام منه.

وهنا عندما انقطعت أعذار ابن سعد أبدى في جواب الإمام الحسينعليه‌السلام مقالة أبانَ فيها عن نفاقه الباطن وكفره المكتوم، مقالة تكشف عن سوء نيّته بالنسبة إلى نبيّه وآل نبيّه (صلوات الله عليهم)، وتعبّر عن عدم غيرته على نبيّه، وعلى أهل بيته وحرمه وعقائله ومخدراته.

مقالة تبدي رضاه بسبي آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وتخدير إمائه هو ونسائه، مع أنّ الله تعالى جعل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأمرهم بأن يموتوا دونهم، وأن يحفظوهم بأنفسهم وأموالهم، وأهليهم وعشيرتهم.

لقد تجاهل ابن سعد كلّ أوامر الله تعالى بالنسبة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو لم يكن ممّن يجهلها، وانبرى يقول بكلّ صلافة: إنّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم.

وهنا لمّا رأى الإمام الحسينعليه‌السلام شدّة جفاء ابن سعد، وعظيم صلافته، وتفضيل عياله على عيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيالات أهل بيتهعليه‌السلام ، وهو ممّن يعلم بوجوب حقّهعليه‌السلام وأهل بيتهعليهم‌السلام عليه أيسَ منه ومن هدايته، وانقطع رجاؤه من إنابته وأوبته إلى الحقّ، فتركه وانصرف وهو يقول: ((ما لك! ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك. فوالله، إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً)).

فأجاب ابن سعد، وقد شغف قلبه حبّ الدنيا، وغطّى عقله وعود حكومة الري، ولو كان بثمن قتل ابن بنت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال مستهزئاً: في الشعير كفاية عن البُرّ.

ولكنّ الاستهزاء بكلام المعصومين والناصحين، وعدم الاكتراث بنصائحهم ومواعظهم لا يجرّ على الإنسان إلاّ الندم والحسرة، ولا يعود عليه إلاّ بالضلال والخسران المبين، وكذلك كان مصير ابن سعد؛ فقد خسر الدنيا والآخرة.


الراية في حماية العبّاسعليه‌السلام

ولمّا كان يوم عاشوراء وعبّأ الإمام الحسينعليه‌السلام أصحابه للقتال، أعطى الراية أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وخصّه بها من بين جميع أهل بيته وأصحابه، وإنّ هذا ليدلّ على جدارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بحماية الراية وحفظها، وكفاءته في القيام بهذه المهمّة، مهمّة الدفاع والحماية عن معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ومحاماته لهم.

وبعد أن عبّأ الإمام الحسينعليه‌السلام أصحابه، وأعطى الراية أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، دعا براحلته فركبها، ونادى بصوت عالٍ يسمعه جلّهم، قائلاً: ((أيّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليَّ، وحتّى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل.

وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم فاجمعوا أنفسكم وشركائكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثمّ اقضوا إليّ ولا تُنظرون، إنّ وليّي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين)).

فلمّا سمعن النساء هذا من الإمام الحسينعليه‌السلام صحنَ وبكينَ، وارتفعت أصواتهنَّ، فأرسل الإمام الحسينعليه‌السلام أخاه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وابنه علي الأكبرعليه‌السلام ، وقال لهما: ((سكّتاهنَّ، فلعمري ليكثر بكائهنَّ)).

فأقبلا إليهنَّ وسكّتاهنَّ، ولمّا سكتنَ واصل الإمام خطبته في الناس، واستمر في موعظته لهم.

وما كان انتخاب أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لإسكات النسوة إلاّ لجدارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام للقيام بهذه المهمّة، ومكانته المرموقة عند النسوة، وإيمانهنَّ بنجدته وحمايته، ودفاعه وذبّه عنهنَّ؛ ولذلك لما رأينه مقبلاً إليهنَّ سكتنَ اطميناناً


إلى وجوده، وركوناً إلى حمايته لهنَّ ومحاماته عنهنَّ، فلمّا طلب منهنَّ السكوت حذار شماتة الأعداء، وهو بشخصه حاضر بينهنَّ، أطعنه وسكتنَ وسكنَّ.

إعداد العبّاس عليه‌السلام لكربلاء

وروي أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كان ذات يوم جالساً في مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه يحدّثهم، ويعظهم ويبشرهم وينذرهم، إذ جاء أعرابي وعقل راحلته على باب المسجد، ودخل ومعه صندوق، وأقبل نحو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فسلم على الإمامعليه‌السلام ، ووضع الصندوق بين يديهعليه‌السلام ، ثمّ قبل يدي الإمامعليه‌السلام ، وقال: جئتك يا أمير المؤمنين بهدية.

فقالعليه‌السلام : ((وما هي هديتك؟)).

قال: هديتي في هذا الصندوق، ثمّ فتح الصندوق، وإذا فيه شيء ملفوف، ففلّه فإذا هو سيف عضب من السيوف الجيّدة، وله حمائل جميلة، وقدّمه للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأخذه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وشكره على هديته، ثمّ أخذ يقلّب السيف بيده وينظر إليه، وهو يقول لمَنْ كان معه من أصحابه: ((أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون حقيقاً بأن أهديه له؟)).

وبينما الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يكلّم أصحابه إذ دخل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام المسجد - وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم ـ، وأقبل نحو أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام فسلّم عليه، ووقف بين يديه متأدّباً، وأخذ يُطيل النظر إلى السيف الذي في يد أبيه، فأجاب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام سلام ولده، ثمّ أخذ ينظر إليه وهو يعيد مقالته ويقول: ((أيّكم يستطيع أن يؤدّي حقّ هذا السيف فيكون جديراً بأن أهديه له؟)).

فقال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام : وما حقّ هذا السيف يا أبتاه؟


فقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : ((ولدي عبّاس، حقّ هذا السيف هو أن تحمي به أخاك الإمام الحسينعليه‌السلام وتحامي عنه)).

فقال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وبكلّ انشراح ورحابة: أنا لذلك يا أبتاه.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد ابتهج بشجاعة ولده العبّاسعليه‌السلام ، وهشّ لبسالته ووفائه: ((نعم، أنت له)).

وقد أشار إليه بأن يدنو منه، فلمّا دنا منه قلّده إيّاه، فطال نجاد السيف على العبّاسعليه‌السلام فقصّره له، ثمّ جعل ينظر إليه ويطيل نظره، وهو يبكي ودموعه تتحادر على خدّيه، فقال له أصحابه: وما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ لا أبكى الله عينيك!

فقالعليه‌السلام ، وقد اختنق بعبرته: ((كأنّي بولدي هذا وقد أحاطت به الأعداء من كلّ جانب، وهو يضرب فيهم بهذا السيف يمنة ويسرة، ويحمي به أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويحامي عنه حتّى تقطع يداه في نصرته، ويقصف رأسه بعمد من الحديد في حمايته والدفاع عنه)).

ثمّ بكىعليه‌السلام ، وبكى مَنْ كان حاضراً عنده من أصحابه.


الخصّيصة الثانية والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام ظهر الولاية

لـهـفي لـهُ إذ رأى العبّاس منجدلاً

عـلـى الترابِ صريعاً عافرَ البدنِ

نادى بصوتٍ يُذيبُ الصخرَ يا عضُدي

ويـا مـعـيني ويا كهفي ومؤتمني

عـبّاس قد كنتَ لي عضداً أصولُ به

وكـنـتَ لـي جُنّةً من أمنعِ الجُننِ

عـبّاس هذي جيوشُ الكفرِ قد زحفت

نـحـوي بثاراتِ يومِ الدارِ تطلبني

كـسرتَ ظـهري وقلّتْ حيلتي وبما

لاقـيتُ سُـرّتْ ذوو الأحقادِ والإحنِ

بـذلـتَ نـفسكَ دوني للعدى غرضاً

حـتّى قـضيتَ نقيَّ الثوبِ من درنِ

بـقـيـتُ بـعـدكَ بين القومِ منفرداً

اُقـلّـبُ الـطرفَ لا حامٍ فيسعدني

العبّاس عليه‌السلام عضد الإمام الحسين عليه‌السلام وظهره

لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عضداً وظهراً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن قبله أبو طالبعليه‌السلام عضداً وظهراً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقد جاء في التاريخ، وباعتراف من علماء الفريقين: أنّ عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أعني أبا طالبعليه‌السلام ، كان ظهراً لابن أخيه في كلّ موطن وموقف وقف فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما أكثر تلك المواقف والمواطن في التاريخ.

وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يرى عمّه أبا طالبعليه‌السلام ظهراً له يواصل طريقه بكلّ جدّ، ويستمر في تبليغ رسالات ربّه بكلّ صلابة.


أبو طالبعليه‌السلام ظهر النبوّة

ثمّ إنّه لمّا رأى المشركون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، ورأوا أنّ عمه أبا طالبعليه‌السلام قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلّمه لهم، مشى ملأ منهم إلى أبي طالبعليه‌السلام وقالوا له: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا؛ فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه.

فقال أبو طالبعليه‌السلام في جوابهم قولاً رفيقاً، وردّ عليهم ردّاً جميلاً، ثمّ بعث إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والملأ عنده، فلمّا دخل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: يابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم، وقد سألوك أن تكفّ عنهم، وعن شتم آلهتهم، ويدَعوك وإلهك.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جواب عمّه: ((يا عمّ، أفلا تدعوهم إلى ما هو خير لهم؟)).

فقال أبو طالبعليه‌السلام : وإلى ما تدعوهم يابن أخي؟

قال: ((أدعوهم يا عمّ، إلى أن يتكلّموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم)).

فابتدر إليه أبو جهل من بين الملأ قائلاً: ما هي وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها؟

وهنا أجاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا السؤال بعد أن جلب انتباه الملأ إليه، وعطف مشاعرهم نحوه، بقوله: ((تقولون لا إله إلا الله)).

فنفروا عندما سمعوا ذلك، وقالوا: سلنا غيرها.

فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نفورهم من الله تعالى، وعكوفهم على آلهتهم التي


لا تضرّ ولا تنفع، ولا تسمن ولا تغني من جوع، وأحسّ بعنادهم وتعصّبهم للباطل، وتغاضيهم وجحودهم للحقّ، التفت إليهم، وقال: ((لو جئتموني بالشمس حتّى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها)).

فقاموا من عنده غضاباً، وولّوا على أدبارهم نفوراً، ولكن قبل أن يتفرّقوا التفت أبو طالبعليه‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال على مسمع من اُولئك القوم ومرأى منهم: يابن أخي، ادعُ كما أُمرت.

ثمّ أنشأ يقول:

واللهِ لـن يـصلوا إليكَ بجمعهمْ

حـتّـى اُوسـدَ في الترابِ دفينا

فاصدع بأمركَ ما عليكَ غضاضةٌ

وابـشر وقـرّ بذاك منك عيونا

ودعـوتني وعلمتُ أنّكَ ناصحي

ولـقـد صدقتَ وكنتَ ثمَّ أمينا

ولـقـد عـلمتُ بأنّ دينَ محمدٍ

من خـيرِ أديانِ البريّةِ دينا

وهكذا فإن المشركين لم يتمكّنوا أن يصلوا بجمعهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى قُبض أبو طالبعليه‌السلام ، فلمّا قُبض نزل جبرائيل من عند الله تبارك وتعالى ليقول للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : لقد فقدت مَنْ كان لك ظهراً، وعُدمت نصره ومظاهرته، فلا مكان لك بعد في مكة.

مع أبي طالبعليه‌السلام مرّة اُخرى

وفي مرّة اُخرى مشى الملأ من قريش إلى أبي طالبعليه‌السلام أيضاً، وقالوا له: يا أبا طالب، إنّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلة، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنا والله لا نصبر على هذا؛ من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا، وننازله وإيّاك في ذلك حتّى يهلك أحد الفرقين.

وهنا لمّا سمع أبو طالبعليه‌السلام مقالة القوم بعث إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أقبل


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله التفت إليه عمّه أبو طالبعليه‌السلام ، وقال له: يابن أخي، إنّ قومك جاؤوني قالوا لي: كذا وكذا، فما تقول؟

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبكلّ عزم وحزم: ((يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك فيه)).

ثمّ استعبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فبكى ثمّ قام، فلمّا ذهب ناداه عمّه أبو طالبعليه‌السلام قائلاً: أقبل يابن أخي. فأقبل عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أقبل التفت إليه عمّه أبو طالب وهو يطمئنه ويحمي ظهره بقوله: قل يابن أخي ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً.

وكان كما قالهعليه‌السلام ، فإنّه ما دام كان في قيد الحياة لم يسلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لشيء أبداً، ولم يتجرّأ أحد من مشركي قريش ولا غيرهم على استئصاله وتصفيته، ولا على صده عن رسالته، وكفّه عن تبليغها إلى الناس.

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ظهر النبوّة والرسالة

وكان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يواصل خُطى أبيه أبي طالبعليه‌السلام ، ويسير بسيرته؛ فكانعليه‌السلام ظهراً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلّ موطن وموقف وقف فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما كان أبوه أبو طالبعليه‌السلام ظهراً له.

فلقد كان هوعليه‌السلام ربيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل البعثة، يعني كانعليه‌السلام منذ أيّامه الأولى عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي بيته، يتعلّم منه مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، كما كان تلميذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد البعثة؛ حيث إنّهعليه‌السلام كان أوّل مَنْ آمن به وصدّقه، وآزره ونصره.

وكان يصحبه مصاحبة الظلّ صاحبه، ويتبعه متابعة الفصيل أثر اُمّه، ويرى نور الوحي حين ينزل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويسمع حسيس الملائكة، كما سمع رنّة الشيطان جزعاً من نزول الوحي، ويشمّ ريح النبوّة، حتّى قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّك تسمع ما أسمع


وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير، وإنّك لعلى خير)).

ولقد زخر تاريخ الإسلام الناصع بمواقف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المشرّفة تجاه الإسلام وتجاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث كان للإسلام عوناً وناصراً، ولرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ظهراً وحامياً؛ فذلك موقفه المشرّف يوم الدار ويوم الإنذار، وتلك تضحيته العظيمة ليلة المبيت وليلة الهجرة، وذلك مقامه البطولي يوم بدر وأُحد، ويوم الأحزاب وخيبر، وتلك منزلته العظيمة يوم تبوك ويوم نزول سورة براءة، ويوم المباهلة ويوم غدير خم.

وكثير غيرها من المواقف المشرّفة التي بدت منها واضحة كون الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ظهراً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وثبت منها للتاريخ أنّهعليه‌السلام كان ظهراً للنبوّة والرسالة، وأنّه لولا مواقفه العظيمة تلك لاندرس اسم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسنته وسيرته، ولانمحت معالم النبوّة وآثار الرسالة والوحي.

العبّاسعليه‌السلام يواصل خطي أبيه عليه‌السلام

وكما كان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يواصل خطى أبيه أبي طالبعليه‌السلام ، ويسير بسيرته بالنسبة إلى حماية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومظاهرته له، فكذلك كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام يواصل خطى أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويسير بسيرته بالنسبة إلى حماية الإمام الحسينعليه‌السلام وكونه ظهراً له.

وكيف لا يكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ظهراً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وقد ولد - على ما مرّ - من أجل ذلك؟!

فإنّ أباه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كما عرفت كان قد اقترح على أخيه عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام أن يشير عليه بالزواج من امرأة ولدتها الفحولة من العرب، أي بأن تكون من بيت معروف بالشجاعة والفروسية والنبل والكرامة حتّى تلد له ولداً غيوراً وشجاعاً يكون عضُداً وظهراً للإمام الحسينعليه‌السلام ، فأشار عليه عقيل


بالزواج من فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة، المكناة باُمّ البنين، فتزوّجها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فولدت له بنين أربعة؛ أوّلهم وأكبرهم العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وإنّما سمّاه أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام باسم العبّاس، مع أنّ العبّاس من حيث اللغة هو الأسد الذي تهرب منه الاُسود خوفاً وذعراً؛ ليكون حافزاً له على الشجاعة والشهامة، ومذكّراً له بالبطولة والبسالة، فيكون اسماً على مسمّى، ويقوم بنصرة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام في كلّ موطن وموقف، وخاصّة في موقف كربلاء ويوم الطفِّ.

ومعلوم إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي كان - على ما عرفت - يفكّر في إعداد مَنْ يكون ظهراً للإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك قبل ولادة ابنه العبّاسعليه‌السلام ، بل وقبل أن يتزوّج باُمّ العبّاسعليه‌السلام ، اُمّ البنينعليها‌السلام .

كم كان يسعى بعد أن ولد له العبّاسعليه‌السلام في أن يؤدّبه ويربّيه على إكبار أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويمهده ويعدّه ليكون للإمام الحسينعليه‌السلام ظهراً وعضُداً، ويعلّمه ويوصيه بأن لا تؤثّر في المغريات، ولا تستهويه الأطماع، وأن لا يؤثر على أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام شيئاً، ولا يقدّم على حماية أخيه ونصرته أحداً.

فكان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو خير تلميذ لأفضل أُستاذ في هذا المجال؛ حيث إنّهعليه‌السلام طبّق كلّ ما تعلمه من أُستاذه تطبيقاً حرفيّاً، ونفّذ كلّ وصاياه تنفيذاً دقيقاً وصحيحاً، ولم يتخلّف عمّا تلقّاه من تعاليم ووصايا قيد شعرة، ولم يبتعد عنها بقدار أنمُلة.

وإنّما أدّى كلّ ما كان عليه تجاه أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان له وبأحسن ما يكون، وأفضل ما يمكن عضُداً وظهراً، فكان بذلك ظهراً للولاية والإمامة كما كان أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ظهراً للنبوّة والرسالة.


حديث زهير لأبي الفضلعليه‌السلام

لقد مرّ أنّ شمر بن ذي الجوشن قد طمع في أن يستهوي أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ويغريه بالأمان الذي عرضه عليه، والمنصب الذي جاء به من ابن زياد إليه؛ ليدخله في ما دخل فيه هو من ظلمات الظالمين وعبوديتهم، ظاناً بأنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ممّن يستبدل النور بالظلام، والحقّ بالباطل، والهدى بالظلال، والآخرة بالدنيا.

ولكن ما راعه إلاّ أن رأى أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام حين عرض عليه الأمان، ومنّاه بالجاه والمقام، يزمجر في وجهه زمجرة الأسد الباسل، ويزأر على مزاعمه وأباطيله زئير الليث الغضبان، ويرمي شباكه وخداعه بشرر أنفاسه الغاضبة رمي البركان قواصف النيران، وقواذف الجحيم، ويصرخ بوجهه معلناً عن كلمته الخالدة ومقالته الشامخة: ألا لعنك الله يا شمر ولعن أمانك! أتؤمننا وابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا أمان له؟! وتأمرنا بأن نترك مَنْ خلقنا الله لأجله، وأن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!

ثمّ عرض عليه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أن ينتقل هو إلى معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وله جائزة عند جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأعرض الشمر بوجهه عن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وعمّا طرحه عليه، وتضاءل ذلاً وصغاراً، ورجع بخسّة وخفّة، وهو يجرّ ذيول الخيبة والفشل، والمذلّة والهوان.

ورجع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام مع إخوته مرفوعي الرأس إلى معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخبروا سيّدهم وإمامهم الحسينعليه‌السلام بالخبر، فقام عندها زهير بن القين من بين معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام وأقبل نحو أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وجلس إليه، وأخذ يحدّثه حديثاً تاريخيّاً صادقاً، ويذكّره بقصّة حقيقيّة واقعيّة، وهو


يشكره، ويمدحه على موقفه البطولي من الشمر وأمانه، ويحضّه ويشجّعه على نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام والذبّ عنه، ويقول له: ألا أُحدّثك بحديث وعيته؟

قال له العبّاسعليه‌السلام : بلى حدّثني به.

قال زهير: اعلم يا أبا الفضل، إنّ أباك أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا أراد أن يتزوّج بأمّك أمّ البنين طلب من أخيه عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام - وكان عارفاً بأنساب العرب وأخبارها - أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب، وذوو الشجاعة منهم؛ ليتزوّجها فتلد له غلاماً فارساً شجاعاً، وشهماً مقداماً، ينصر الإمام الحسينعليه‌السلام بطفّ كربلاء، ويكون له عضُداً وظهراً، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تقصّر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك.

السيّدة زينب عليها‌السلام تلتقي أخاها العبّاس عليه‌السلام

كان هذا - كما سبق - هو حديث زهير للعبّاسعليه‌السلام وتشجيعه لأبي الفضلعليه‌السلام على حمايته لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحراسته أخواته عقائل بني هاشم وبنات الرسالة، وهناك خبر يقول: إنّ السيّدة زينبعليها‌السلام التقت أخاها أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد ذلك أيضاً، فتقدّمت إليه تشجّعه على موقفه المشرّف من أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتحرّضه على الصمود في موقفه ذلك، والثبات على نصرة إمامه والذبّ عنه.

وهي في نفس الوقت تشكره وتثني عليه وعلى وفائه ومواساته وثباته وشجاعته، كما إنّهاعليها‌السلام أخذت تذكّره بما كان من اهتمام أبيها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بهذا اليوم، وبقضيّة كربلاء، وقلقهعليه‌السلام ممّا يجرى فيها على ولده السبط من شدائد ومصاعب، وعلى بناته عقائل بني هاشم من رزايا ومصائب، وتخبره أيضاً عن أنّ أباهاعليه‌السلام قد تزوّج على أثر ذلك بامرأة من أشجع


العرب حتّى تلد له غلاماً شجاعاً؛ يكون عضُداً لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وظهراً له وعوناً، فكان هو، يعني أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، نتيجة ذلك الزواج وثمرته، وعليه فيكون هو الذي قد أعده أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لهذا اليوم، وادخّره لنصرة الإمام الحسينعليه‌السلام وحماية عقائله.

ثمّ إنّهاعليه‌السلام عقّبت كلامها ذلك بقولها له: أخي يا أبا الفضل، الخيام خيامك، والنساء أخواتك، فلا تقصّر عنّا بنصرتك.

العبّاسعليه‌السلام يعلن مظاهرته

وهنا لمّا سمع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كلام زهير، وما خصه به عليه، كما في الخبر الأول، وكذلك سمع ما قالته السيّدة زينبعليها‌السلام وحدّثته به، كما في الخبر الثاني، ثارت غيرته الهاشميّة، وتفجّرت همّته العلويّة، فتمطّى في ركابه حتّى قطعه، ثمّ التفت إلى زهير - على الخبر الأول - وقال له وبكلّ عزم وحزم، وشدّة وصلابة: تشجّعني يا زهير في مثل هذا اليوم؟! فوالله لأُرينّك شيئاً ما رأيته.

كما إنّهعليه‌السلام التفت إلى أخته عقيلة الرسالة والإمامة، السيّدة زينبعليها‌السلام وقال لها ما يطمئنها، ويشدّ قلبها، ويسكن روعها وخوفها.

وهكذا كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فلقد أرى زهيراً وغير زهير ما لم يروه في حياتهم، وأتي بما لم يسمعوا به في التاريخ الغابر، ولا التاريخ المعاصر، بل ولا يمكن أن يسمع بمثله في المستقبل والزمان الآتي، أنّه وقف لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام مواقف بطوليّة رائعة، أعلن فيها مظاهرته العمليّة والقوليّة لأخيه الإمام الحسين وأهل بيتهعليهم‌السلام ، حتّى أصبح معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام آمناً مطمئناً إلى مظاهرته وحمايته، وأصبح معسكر يزيد خائفاً ساهراً، وقلقاً مضطرباً من شدّة بأسه وكبير عزمه وهمّته.

إنّه كان في مجابهة الأعداء كفوءاً، وفي كشف


الموكّلين بالشريعة جسوراً، وكان كلّما طلب الماء، واستقى لأطفال أخيه وذراري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نفى عسكر الشريعة عن الفرات مع كونهم آلافاً مؤلفة، حتّى قيل: إنّهم كانوا عشرة آلاف، فكان في ذلك كما قال الشاعر في حقّه:

يـلـقى الـرماحَ بـنحرهِ فـكأنّما

فـي ظـنّه عـودٌ مـن الـريحانِ

ويرى السيوفَ وصوتَ وقعِ حديدها

عـرسـاً تـجلّيها عـليهِ غـواني

وكان في مقارعته لهم ومنازلته إيّاهم، وذلك كلّما أراد استنقاذ أحد، أو كشفهم عن معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام كما قال الآخر في حقّه:

وقعَ الـعـذابُ على جيوشِ أُميّةٍ

من بـاسـلٍ هو في الوقايعِ معلمُ

ما راعـهـم إلاّ تـقحّمُ ضيغمٍ

غيـرانَ يـعـجـمُ لفظَهُ ويدمدمُ

عـبست وجوهُ القومِ خوفَ الموتِ والـ

عـبّـاسُ فـيـهـم ضـاحكٌ متبسّمُ

قلبَ اليمينَ على الشمالِ وغاصَ في الـ

أوسـاطِ يحصدُ في الرؤوسِ ويحطمُ

قـسـمـاً بـصـارمهِ الصقيلِ وإنّني

في غـيـرِ صاعقةِ السما لا أُقسمُ

لولا الـقـضا لمحى الوجودَ بسيفهِ

واللهُ يـقـضـي مـا يـشاءُ ويحكمُ

وعلّق على ذلك في معالي السبطين، قائلاً: لعمر الله، لو لم يكن ما جرى على اللوح من أن يستشهد أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في يوم عاشوراء فينكسر بفقده ظهر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وينال درجة الشهادة، لأفنى العبّاسعليه‌السلام بسيفه معسكر يزيد، ومحا بصارمه جيش بني اُميّة جميعاً.

تحريض العبّاس عليه‌السلام الهاشميّين على المظاهرة

وجاء في معالي السبطين عن بعض الكتب حديث جميل عن مظاهرة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك عن لسان السيّدة زينبعليها‌السلام


فإنّها روت قائلة: لمّا كانت ليلة عاشوراء خرجت من خيمتي لأتفقّد أخي الإمام الحسينعليه‌السلام وأنصاره، وقد أفرد له خيمة، فوجدته جالساً وحده وهو يناجي ربّه، ويتلو القرآن، فقلت في نفسي: أفي مثل هذه الليلة يُترك أخي وحده؟! والله لأمضينَّ إلى إخوتي وبني عمومتي وأعاتبهم على ذلك.

فأتيت إلى خيمة أخي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام فسمعت منها همهمة ودمدمة، فوقفت على ظهرها ونظرت فيها، فوجدت بني عمومتي وإخوتي وأولاد إخوتي مجتمعين كالحلقة، وبينهم أخي أبو الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد جثا على ركبتيه كالأسد على فريسته، وهو يخطب فيهم خطبة ما سمعت مثلها إلاّ من أخي الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فأصغيت إليه فسمعته يقول في آخرها: يا إخوتي، ويا بني إخوتي، ويا بني عمومتي، إذا كان الصباح فما تقولون، وما أنتم عاملون؟

فقالوا في جوابه قولة رجل واحد: نحن رهن إشارتك، وتحت قيادتك، والأمر إليك فانظر ماذا ترى؟

فقال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وهو يشكرهم على شعورهم، ويثني على معرفتهم: إنّا نعدّ من أهل البيت، وهؤلاء الأصحاب يعدّون قوماً غرباء، والحمل الثقيل لا يقوم إلاّ بأهله؛ فإذا كان الصباح فعلينا أن نكون أوّل مَنْ يبرز للقتال ومجابهة الأعداء، ولا ندع الأصحاب يتقدّمون علينا في هذا المجال، ويسبقونا في هذه المهمّة الشريفة، وحتّى لا يقول أحد من الناس بأنّهم قدّموا أصحابهم وأنصارهم للقتل، فلمّا قُتلوا بأجمعهم عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة.

ولما وصل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في كلامه إلى هذا الموضع، قام بنو هاشم وسلّوا سيوفهم وهزّوها في وجه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام تأييداً له، وهم يقولون: الرأي رأيك، ونحن على ما أنت عليه. فشكرهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على ذلك وأثنى عليهم.


مع حبيب بن مظاهر

قالت السيّدة زينبعليها‌السلام فلمّا رأيت كبير اهتمامهم، وشدّة عزمهم سكن قلبي واطمأنّت نفسي ولكن خنقتني العبرة، فأردت أن أرجع إلى أخي الإمام الحسينعليه‌السلام وأخبره بذلك فسمعت من خيمة حبيب بن مظاهر همهمة ودمدمة، فاقتربت منها ووقفت بظهرها، ونظرت فيها فوجدت الأصحاب على نحو بني هاشم مجتمعين كالحلقة، وبينهم حبيب بن مظاهر يقول لهم: يا أصحابي، لِمَ جئتم إلى هذا المكان؟ تكلّموا وأوضحوا كلامكم رحمكم الله.

فقالوا بأجمعهم: جئنا لننصر ابن بنت نبيّنا غريب فاطمةعليه‌السلام .

فقال لهم: لِمَ تركتم حلائلكم وطلقتم نساءكم؟

فقالوا: لذلك.

فقال: فإذا كان الصباح فما أنتم فاعلون؟

قالوا: الرأي رأيك، والأمر إليك فانظر ماذا ترى؟

قال: أرى أنّه إذا جاء الصبح وبدأ القتال أن نكون أوّل مَنْ يبرز بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولا ندع هاشميّاً يتقدّمنا؛ فإنّه من الصعب علينا أن نرى هاشميّاً مضرّجاً بدمه وفينا عرق يضرب، ولئلاّ يقول الناس إنّهم قدّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم وأرواحهم.

وهنا قام الأصحاب وسلّوا سيوفهم وهزّوها في وجه حبيب، وهم يهتفون في تأييده قائلين: الرأي رأيك يا حبيب، نحن على ما أنت عليه. فشكرهم حبيب وأثنى عليهم.

قالت السيّدة زينبعليها‌السلام : ففرحت من ثباتهم وعزمهم، ولكن خنقتني العبرة، فانصرفت عنهم وأنا باكية، وإذا أنا بأخي الإمام الحسينعليه‌السلام قد اعترضني، فسكتّ وتبسّمت، فقالعليه‌السلام : ((أُخيّة زينب،)).

فقلت: لبيك يا أخي يا أبا عبد الله.

فقالعليه‌السلام : ((أُخيّة، أراكِ متبسّمة مع إنّي ما رأيتك منذ خروجنا من المدينة متبسّمة، فما هو سبب تبسّمك؟)).

فقلت: يا أخي، رأيت من إخوتي وبني هاشم والأصحاب كذا وكذا، وقصصت عليه خبرهم.

فقالعليه‌السلام : ((اعلمي يا أُخيّة، إنّ هؤلاء أعواني وأنصاري من عالم الذرّ، وبهم وعدني جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).


الخصّيصة الثالثة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام قائد الجيش

القائد: من القَوْد، والقود: نقيض السَّوْق، يُقال: قاد البعير، أي جرّه خلفه، وفي الحديث - كما عن لسان العرب ـ: قريش قادة ذادة، أي يقودون الجيوش. وقادة: جمع قائد.

وروي أنّ قصيّاً قسّم مكارمه؛ فأعطى قَوْد الجيوش عبد مناف، ثمّ ورثها من بعده ابنه هاشم، ثمّ عبد المطلب، ثمّ أبو طالب، ثمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

هذا وقد جاء في كتاب الخصال أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّعليه‌السلام : ((يا علي، سألت ربّي فيك خمس خصال:.... خامستها: أن يجعلك قائد اُمّتي إلى الجنّة فأعطاني)).

وفي نوادر الراوندي مسنداً عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((والمجاهدون في الله تعالى قوّاد أهل الجنّة)).

وفي كتاب الاختصاص عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: ((وأنا قائد المؤمنين إلى الجنّة)).

وفي خطبة فاطمة الزهراءعليها‌السلام أنّها قالت في وصف كتاب الله، القرآن الكريم: ((قائد إلى الرضوان أتباعه)).

وفي كتاب فقه الزهراءعليها‌السلام : ((يجب أن يكون القائد بحيث يقود أتباعه إلى الرضوان وإلى السعادة)).


وكذلك كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّه كان قائد جيش الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعميد عسكره، وقد قاد كلّ أفراد جيشه ببصيرة ومعرفة، وفي ظلّ إمامة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام المنصوص على إمامته من جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حيث رضوان الله والسعادة الأبديّة، فأوردهم جنان الخلد ونعيم الأبد، وأكسبهم عزّة الدارين، وشرف الدنيا والآخرة.

العبّاسعليه‌السلام وقيادة الجيش والقافلة

نعم، إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا أصبح في يوم عاشوراء عبّأ أصحابه للقتال والمنازلة بعد أن صلّى بهم صلاة الغداة، أعطى الراية لأخيه العبّاس، وذلك بعد أن كان عقدها له في يوم خروجه من مدينة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد جعله بها قائداً لقافلته يوم ذاك، وجعله بها في يوم عاشوراء قائداً على جيشه، وعميداً لعسكره.

فلمّا شبّ القتال بين الفريقين، وألهب نيرانها قائد جيش يزيد عمر بن سعد، الذي لم تؤثّر فيه مواعظ الإمام الحسين وأصحابه، وباع آخرته بدنيا غيره؛ فإنّه تقدّم ورمى بسهم نحو معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام وقال: اشهدوا لي عند الأمير بأنّي أوّل مَنْ رمى، ثمّ تبعه جيشه ورموا معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام بالسهام كالمطر.

فإنّه لمّا نشب القتال وشبّ نيرانها، أثبت أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام نبوغه في فنون الحرب، وتفوّقه في إنجاز مهمّة القائد، وتأهّله لإدارة المعسكر والجيش واُمور القيادة.

كما وأثبت كفاءته لهذا المنصب الرفيع، وجدارته بإدارة هذا المقام المنيع، كيف لا وقد تدرّب في معسكر أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتعلم على يديه فنون الحرب، وأساليب القتال والمنازلة؟! ولذلك استطاع أن يقف بجيشه القليل أمام جيش العدوّ الكثير وقفة الأسد الباسل أمام هجمة الثعالب الجبانة.


فقد كانت النسبة بين جيش الإمام الحسينعليه‌السلام بقيادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وبين جيش يزيد بقيادة ابن سعد أقل من نسبة الواحد إلى الألف حسب بعض المصادر، ومع ذلك استطاع جيش الإمام الحسينعليه‌السلام بقيادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الرشيدة وإدارته الحكيمة، الصمود أمام ذلك السيل الجارف، والتصدّي لتلك الجموع الغفيرة، والتحدّي لها والاستهانة بها، والتوطين على مقارعتها ومنازلتها بما لا نظير له في تاريخ الحروب، ولا سابق له في ميادين النضال والكفاح.

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام منذ الصباح المبكّر من يوم عاشوراء، وحتّى لحظة الشهادة وساعة الوداع والرحيل لم يهدأ لحظة، ولم يسكن آناً، وإنّما كان في سعي دائم، وحركة دائبة، وكفاح مستمر، ونضال متواصل؛ بين إنقاذ الجرحى من محاصرة الأعداء، وبين صدّ هجوم العدوّ على مخيّم النساء، وبين الدفاع عن معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ومطاردة المهاجمين والمتسللين، وبين الاستقاء وإيصال الماء إلى العطاشى والظمآنين، وفي كلّ ذلك رافعاً اللواء بكفّه، مجابهاً العدوّ ببأسه وصموده، مروّعاً لهم بشجاعته وشهامته حتّى سلب العدوّ الأمن والأمان، والراحة والاطمئنان.

من آثار حسن القيادة

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام - وعلى إثر حسن قيادته - لمّا رأى قلّة الأنصار، وندرة أفراد معسكر أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، قدّم إخوته من اُمّه وأبيه للشهادة بين يدي الإمام الحسينعليه‌السلام ، واحتسبهم في الله؛ لينال بذلك ثواب الصابرين، وأجر الناصحين المخلصين.

ثواب الصابرين لصبره على مصابهم، وافتجاعه بهم،


وأجر الناصحين لنصحه إيّاهم بالشهادة بين يدي إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، ونيلهم ذلك الفوز في الدنيا والآخرة.

ثمّ إنّهعليه‌السلام لمّا أراد رخصة لنفسه، والإذن من سيّده وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام للمبارزة والقتال، لم يأذن له الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ معلّلاً ذلك بقوله له: ((أنت صاحب لوائي، ومجمع عددي، والعلامة من عسكري)).

وهذا التصريح من الإمام الحسينعليه‌السلام يثبت لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أنّه كان قائد جيش الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، وعميد عسكره.

وكذلك يدلّ عليه ما جاء في بعض الروايات من أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا حضر عند مصرع أخيه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام وأراد حمله إلى الفسطاط المعدّ للشهداء - وذلك بحسب الرواية - التفت أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام وهو في لحظاته الأخيرة إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأقسم عليه بحقّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتركه في مكانه، ولا يحمله إلى المخيّم حيث فسطاط الشهداء؛ معبراً عذره عن ذلك بصوت ضعيف، ونبرات متقطّعة، قائلاً: أنا كبش كتيبتك، ومجمع عددك، والعلامة من عسكرك.

عندها تركه الإمام الحسينعليه‌السلام في مكانه وجزّاه خيراً، وقال له: ((جُزيت عن أخيك خيراً، فلقد نصرته حيّاً وميّتاً)).

وهذا الاعتذار من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لعدم حمله إلى فسطاط الشهداء قد تشابه تماماً مع تعليل الإمام الحسينعليه‌السلام في عدم الإذن له بالبراز، ومقاتلة الأعداء.

وأقلّ ما يدلّ عليه هذا هو قيادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لجيش الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأنعم به قائداً.

نعم، لقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قائد جيش الإمام الحسينعليه‌السلام وعميد عسكره، وكان من حسن قيادته العسكريّة، وجميل فنونه الحربيّة، أن زرع


الخوف والذعر في قلب معسكر يزيد، وجيش بني اُميّة، وبعثر جمعهم، وفرق جماعاتهم؛ فلقد ضرب الأعناق، وحصد الرؤوس، وأطار الأيدي والأرجل، وترك جيش العدوّ العنيد بأرقامه الكبيرة، وأعداده الغفيرة، وأفواجه الضخمة يموج بعضه في بعض، وذلك على قلّة أفراد جيشهعليه‌السلام ، وندرة تعداد عسكره.

كما إنّهعليه‌السلام أبقى الراية مرفوعة، واللواء مرفرفاً خفاقاً حتّى اللحظات الأخيرة من حياة الجيش، وبقاء أفراده؛ فإنّه ما دام كان هناك في معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام فرداً من أفراد الجيش حيّاً، وجنديّاً من جنود المعسكر الحسيني مدافعاً، أبقى أبو الفضل العبّاس اللواءعليه‌السلام عالياً مرفرفاً، والراية الشامخة خفّاقة، تروّع الأعداء وتخوّفهم، وتؤمّن الأحباء وتطمئنهم؛ فإنّ الراية بحسب الأعراف العسكرية ما دامت تخفق، واللواء ما دام يرفرف، يبقى العدوّ خائفاً مرعوباً، ونائياً بعيداً، لا يتجرّأ على الاقتراب والمداهمة، والاكتساح والإبادة المتعقّبة للسلب والنهب، ثمّ الأسر والسبي.

ومن أجل تحقيق ذلك كلّه، أي من أجل أن لا يقترب الأعداء من معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأن لا يتجرؤوا على مداهمة خيام النساء والأطفال، وأن لا يفكّروا في اكتساح معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام وإبادته جميعاً؛ ليتسنّى لهم السلب والنهب، ثمّ الأسر والسبي.

حافظ أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على إبقاء الراية عالية مرفرفة، واللواء منشوراً خفّاقاً ما كان به رمق، وما دام قلبه ينبض بالحياة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ بالإضافة إلى قوّة إيمان أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وشدّة إخلاصه، يدلّ على كفاءة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لقيادة جيش الإمام الحسينعليه‌السلام ، وجدارته بحمل لوائه، والتزامه برايتهعليه‌السلام ، وكفى به فخراً وشرفاً، وعزّة وكرامة.


الخصّيصة الرابعة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام المستجـار

أجار الرجل إجارة: خفره وأمّنه، وأغاثه وأنقذه، واستجار به: استغاث به، والتجأ إليه، واستجاره: سأله أن يجيره، وفي التنزيل العزيز:( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى‏ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) .

قال الزجاج: المعنى إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره، أي أمّنه وعرّفه ما يجب عليه أن يعرفه من أمر الله تعالى الذي يتبيّن به الإسلام، ثمّ أبلغه مأمنه؛ لئلاّ يصاب بسوء قبل انتهائه إلى مأمنه.

وكيف كان، فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد حصل على وسام المستجار للدور الذي كان لهعليه‌السلام في معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وخاصّة في يوم عاشوراء، فلقد استجار به جميع أفراد الجيش الذين كانوا تحت قيادته، ولجأ إليه كلّ مَنْ كان في معسكر أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل استجار به، وبحسب الظاهر حتّى أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام .

العبّاسعليه‌السلام الركن الوثيـق

ففي معالي السبطين أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام بكى على أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد مصرعه، وأنشأ يقول:


أخـي يا نورَ عيني يا شقيقي

فـلي قد كنتَ كالركنِ الوثيقِ

أيابن أبي نصحتَ أخاكَ حتّى

سـقاكَ اللهُ كـأساً من رحيقِ

أيـا قـمراً منيراً كنتَ عوني

على كلّ النوائبِ في المضيقِ

فـبـعدكَ لا تـطيبُ لنا حياةٌ

سنجمعُ في الغداةِ على الحقيقِ

ألا لـلـهِ شـكوائي وصبري

ومـا ألـقاهُ من ظمأٍ وضيقِ

العطشان الذي جاد بالماء

وفي جلاء العيون نسب السيّد عبد الله شبّر الأبيات التالية إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك عندما وقف على مصرع أخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فإنّه بكى، وأنشأ يقول:

أحـقُّ الناسِ أن يُبكى عليه

فتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ

أخـوهُ وابـنُ والـدهِ عليٍّ

أبو الفضلِ المضرّجِ بالدماءِ

ومَـنْ واساهُ لا يُثنيهِ شيءٌ

وجـادَ لهُ على عطشٍ بماءِ

أبو الفضلعليه‌السلام ووسام المستجار

وفي معالي السبطين عن منتخب التواريخ: أنّ الشيخ الأُزري (رحمة الله تعالى عليه) لمّا كان ينظم في أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام قصيدته الهائيّة المعروفة، والتي فاقت في قوّتها معلّقة لبيد، ووصل في نضمه إلى قوله: يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهُدى

يعني: إنّ يوم عاشوراء يوم استجار الإمام الحسينعليه‌السلام فيه بأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، توقف في ذلك، وفكّر في نفسه أنّه لا يكون قد غالى في ذلك في حقّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقال بما لا يناسب مقام الإمام الحسينعليه‌السلام .


وعلى إثره تصوّر بأنّ هذا المصراع من البيت لعلّه لا يكون مقبولاً عند الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ ولذلك توقّف في نظم مصراعه الأخر ولم يكمل البيت، محاولاً تعديله وحذفه.

فلمّا جنّه الليل ونام رأى في منامه الإمام الحسينعليه‌السلام وهو يثنى على مصراعه الذي نظمه، ويقول له: ((لنِعْمَ ما قلت يا أُزري، وأحسنت وأجدت!)).

ثمّ أضافعليه‌السلام قائلاً: ((نعم، لقد استجرت بأخي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يوم عاشوراء؛ وذلك حين اشتدّ الضرّ، وعظم البلاء)).

ثمّ قال له: ((أفلا أكملت البيت وأتممته، وقلت بعده: والشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها)).

يعني: إنّي استجرت به حين اغبرّت الأرض والسماء من كثرة العجاج، وشدّة الغبار المثار من وقع الخيل، وهجوم الأعداء حتّى صارت حجاباً للشمس، ولثاماً لها، واحتجبت بذلك عن الأبصار.

وبعبارة اُخرى: أراد الإمام الحسينعليه‌السلام أن يستجير بأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في ذلك اليوم العصيب، يوم عاشوراء الرهيب؛ ليمنح أخاه وسام (المجير والمستجار)؛ لأنّهعليه‌السلام رآه أهلاً لذلك، وعرفه جديراً بهذا التقدير والامتنان.

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومسألة الاستجارة

وفي التاريخ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد استجار بأحد شخصيات مكّة، يدعى (المطعم بن عدي)، وذلك بعد فقده عمّه أبي طالبعليه‌السلام ؛ فإنّه لمّا مات عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو طالبعليه‌السلام اشتدّ بلاء قريش على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة مولاه؛ رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم.

فاجتمع بهم في ناديهم ودعاهم إلى الله، فلم يرَ فيهم مَنْ يجيبه ويؤويه وينصره، ونالوه مع ذلك بأشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه، فأقامصلى‌الله‌عليه‌وآله بينهم عشرة أيّام لا


يدع أحداً من أشرافهم إلاّ جاءه وكلّمه، فما كان جوابهم إلاّ أن قالوا له: اخرج من بلادنا.

وأغروا به سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتّى شجّوا رأسه وأدموا رجليه، فخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله من الطائف متّجهاً إلى مكّة، ونزل بالطريق بنخلة وأقام بها أيّاماً، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل مكّة وتعود إلى قريش وقد أخرجوك منها؟!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((يا زيد، إنّ الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإنّ الله ناصر نبيّه، ومظهر دينه)). ثمّ انتهىصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى مكّة، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي ليقول له: ((أدخل في جوارك؟)).

فقال: نعم. ودعا بنيه وقومه، فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت؛ فإنّي قد أجرت محمّداً.

فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه زيد بن حارثة حتّى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إنّي قد أجرت محمّداً فلا يهيجه منكم أحد.

فانتهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الركن فاستلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتّى دخل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي مكّة عاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى تبليغ رسالات ربّه كما كان عليه من قبل، وهو في إجارة المطعم بن عدي وحمايته.

فإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد استجار بأحد شخصيات مكّة، وهو المطعم بن عدي في هذه القصّة، فإنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد استجار بأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فأنعِمْ بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام مجيراً ومستجاراً.

المجير لكلّ مَنْ استجار به

نعم، لقد أصبح أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد أن استجار به أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومنحه وسام المستجار، مستجاراً لكلّ ملهوف ومكروب، ومجيراً لكلّ ضعيف ومغلوب، فليس هناك مَنْ استجار به في مهمّ إلاّ وتيسّر له مهمّه، ولا


استغاث به مستغيث في ملمّة إلاّ وانجلى عنه ملمّته، ولا التجأ إليه خائف إلاّ وأمن، ولا أَمَّلهُ مؤمّل حاجة إلاّ وبلغ أمله، وقضيت له حاجته.

وتاريخ مرقد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ويوميّات روضته المباركة، بل ساعاتها ولحظاتها مليئة بهذه الكرامات، وحافلة بهذه العنايات والألطاف.

وقد نظم الشعراء قصائد مطوّلة وكثيرة في هذا المجال، نشير إلى مقطع منها للسيّد صالح الحلّيرحمه‌الله . قال وهو يصف استشفاء أحد المؤمنين يدعى باسم (سعيد) بهعليه‌السلام ، وحصوله على الشفاء الكامل:

بأبي الفضلِ استجرنا

فـحبانا مـنه مِنحهْ

وطـلـبنا أن يداوي

ألـمَ القلبِ وجرحهْ

فـكـسـا اللهُ سعيداً

بعدَ سقمٍ ثوبَ صحّهْ

بـدّل الرحمنُ منهُ

قرحةَ القلبِ بفرحهْ


الخصّيصة الخامسة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام الواقـي

وقاه يقيه وقاية، أي صانه ومنعه من الأذى. وقيت الشيء أقيه: إذا صنته وسترته عن الأذى.

وفي التنزيل:( فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذلِكَ الْيَوْمِ ) ، أي كفاهم الله، ومنع منهم أهوال يوم القيامة وشدائده.

وفي الكتاب الحكيم:( مَا لَهُم مِنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ) ، أي من دافع.

ووقاه الله أي حفظه. والتوقية: الكلاءة والحفظ.

إذاً فالواقي من حيث اللغة: هو مَنْ يقوم بعملية الحفظ والوقاية، والمنع والصيانة، ويشتغل بالدفع والكفاية، والإغاثة والإعانة.

وفي ثواب الواقي روايات نذكر بعضها:

ففي الحديث الشريف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((مَنْ أغاث أخاه المؤمن حتّى يخرجه من همّ وكربة وورطة كتب الله له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، وأعطاه ثواب عتق عشر نسمات، ودفع عنه عشر نقمات، وأعد له يوم القيامة عشر شفاعات)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عونك الضعيف من أفضل الصدقة)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((ما من مؤمن يعين مؤمناً مظلوماً إلاّ كان أفضل من صيام شهر، واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر


على نصرته إلاّ نصره الله في الدنيا والآخرة)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام أيضاً أنّه قال: ((نزعك القذاة عن وجه أخيك عشر حسنات، وتبسّمك في وجهه حسنة، وأوّل مَنْ يدخل الجنّة أهل المعروف)).

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام أيضاً أنّه قال: ((مَنْ أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده فنفّس كربته، وأعانه على نجاح حاجته، كانت له بذلك اثنان وسبعون رحمة لأفزاع يوم القيامة وأهواله)).

وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قد فاز بما بشّرت به هذه الروايات من أجر وثواب؛ إذ كان وهو الواقي بنفسه ودمه بالنسبة إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك بكلّ ما لكلمة الواقي من معنى، كما كان أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام هو الواقي بكلّ ما للكلمة من معنى أيضاً بالنسبة إلى أخيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى إنّه نزلت في حقّه آية الذكر الحكيم، وهي تشهد له بالوقاية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة المبيت، وتثني عليه قائلة:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) .

(الواقي) وسام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام

نعم، لقد حصل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على أثر إخلاصه في حفظ معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكلاءة مخيّم النساء والأطفال؛ بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذريته الأطيبين، وصيانة رسول الله في ذرّيّته ودينه على وسام الواقي، وكفى به شرفاً وعزّاً وفخراً وكرامة.

فلقد جاء في إحدى زياراتهعليه‌السلام المرويّة عن الإمام الصادقعليه‌السلام أن قال: ((تقف عند مرقده الشريف وتقول: السّلام عليك أيّها الولي الصالح الناصح الصديق، أشهد أنّك آمنت بالله، ونصرت ابن رسول الله، ودعوت إلى سبيل الله،


وواسيت بنفسك، وبذلت مهجتك، فعليك من الله السّلام التام)).

ثمّ قال: ((تنكبّ على القبر المنيف وتقول: بأبي أنت واُمّي يا ناصر دين الله! السّلام عليك يابن أمير المؤمنين، السّلام عليك يا ناصر الحسين الصدّيق، السّلام عليك يا شهيد ابن الشهيد، السّلام عليك منّي أبداً ما بقيت، وصلّى الله على محمّد وآله وسلم)). فإنّه يستفاد من هذه الزيارة أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد حصل على أوسمة رفيعة، ونياشين عالية، وهي تتضمّن على نيشان الواقي.

ولقد جاء في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة، المنقولة في البحار عن كتاب الإقبال مسنداً عن الإمام الهاديعليه‌السلام ، المشتملة على أسماء الشهداء وبعض أحوالهم، ما يلي: ((السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له الواقي)).

وهنا كما رأيت تصريح من الناحية المقدّسة بمنح أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وسام (الواقي)، وقد نالهعليه‌السلام بكفاءة وجدارة.

ثمّ إنّ هناك أوسمة قيّمة اُخرى نالها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بجدارة وكفاءة، حتّى صار يُعرف بها ويُدعى إليها. مثل: الساعي، والمستعجل، والمصفّي، وغير ذلك، نشير إليها باختصار.

الساعي

سعى يسعى سعاية: إذا عمل ومضى في مهمّة، ومشى فيها، وباشر إنجازها وتحصيلها، والساعي هو مَنْ يقوم بذلك.

ولقد عُرف أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بالساعي؛ لسعيهعليه‌السلام في إنجاز مهمّة الاستسقاء، وطلب الماء لمعسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وخاصّة لأهل بيته وعيالاته بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذريته، ولسعيهعليه‌السلام في حماية أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وحماية أهل بيته وذويه وأصحابه


وأنصاره، بل ولسعيه في حفظ دين الله وكتابه، والذبّ عن رسول الله وذريّته، ونصرة الحقّ ومعالمه، حتّى وسمه الإمام الهادي علي بن محمّدعليه‌السلام في زيارة الناحية المقدّسة المنقولة في البحار، والمشتملة على أسماء الشهداء بوسام الساعي، وذلك حيث يقولعليه‌السلام فيها: ((السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له الواقي الساعي)).

وخاطبه قبل ذلك الإمام الصادقعليه‌السلام في زيارته المعروفة، قائلاً: ((أشهد أنّك لم تهن، ولم تنكل، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك))، كناية عن شدّة سعي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وعظيم وفائه بعهده مع سيّده وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكبير معرفته بالله ورسوله وولاية أئمّة الحقّ، ونفوذ بصيرته باُمور دينه ودنياه وآخرته وعقباه، فهنيئاً لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وسام (الساعي)؛ فإنّه قد ناله بجدارة، وكفاءة ولوذعيّة وألمعيّة.

أجر السـاعي وثوابه

وهناك روايات تعرّضت لبيان ثواب الساعي، وأجر الماشي في حوائج الناس بين يدي إمامه، والماشي في قضاء حوائجه، وإنجاز مهمّاته، كأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ن ونحن نشير إلى بعضها:

في الكافي مسنداً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله (عزّ وجلّ) له ألف ألف حسنة، يغفر فيها لأقاربه وجيرانه وإخوانه ومعارفه...)).

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي الحسنعليه‌السلام أنّه قال: ((إنّ لله عباداً في


الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة. ومن أدخل على مؤمن سروراً فرّح الله قلبه يوم القيامة)).

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال: ((مَنْ مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك، ولم يرفع قدماً إلاّ كتب الله له حسنة، وحطّ عنه بها سيئة، ويرفع له بها درجة، فإذا فرغ من حاجته كتب الله (عزّ وجلّ) له بها أجر حاج ومعتمر)).

وفي الكافي أيضاً مسنداً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: ((لأن أمشي في حاجة أخ لي مسلم أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة)).

وفي الاختصاص عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((مشيُ المسلم في حاجة المسلم خير من سبعين طوافاً بالبيت الحرام)).

وفي الكافي مسنداً عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: ((ما من مؤمن يمشي لأخيه المسلم في حاجة إلاّ كتب الله (عزّ وجلّ) له بكلّ خطوة حسنة، وحطّ بها عنه سيئة، ورفع له بها درجة، وزيد بعد ذلك عشر حسنات، وشفّع في عشر حاجات)).

المستعجـل

العجل والعجلة: السرعة خلاف البطء، وفي التنزيل العزيز:( وَلَوْ يُعَجّلُ اللّهُ لِلنّاسِ الشّرّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) ، أي لو عجّل الله للناس الشرّ إذا دعوا به على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم وأولادهم، واستعجلوا به كما يستعجلون بالخير فيسألونه الخير والرحمة لقضي إليهم أجلهم، أي ماتوا وهلكوا، ولكن الله تعالى لا يعجل لهم الهلاك، بل يمهلهم حتّى يتوبوا.

وقد دعي أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بالمستعجل، وعرف به؛ لأنّهعليه‌السلام يسرع في إغاثة الملهوف، وإعانة


الضعيف، وإسعاف المحتاجين والزمنى؛ فإنّه ما توسّل به إلى الله تعالى أحد، ولا استشفع به مستشفع، ولا أمله مؤمل إلاّ ورجع بقضاء حاجته وقبول شفاعته، وتحقيق آماله وأمانيه، حتّى دُعيعليه‌السلام على إثر ذلك باسم المستعجل وعرف به.

المصـفي

صفا يصفو صفاءً: إذا أخلص من الكدر، ونقي ممّا لا خير فيه. واستصفيت الشيء إذا استخلصته، وأصفى الشاعر إذا انقطع شعره ونفد، واستصفى ماله إذا أخذه كلّه.

وكيف كان، فإنّ (المصفّي) الذي هو اسم فاعل من صفّى، يصفّي، تصفية، يُقال لمَنْ يقوم بعملية التصفية والتنقية، والقطع والحسم، والاستخلاص والأخذ؛ وحيث إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام عُرف باستخلاص قضيّة المتنازعين عند مراجعتهما إليه من الكدر، وإنقاء نزاعهما من الشبهة، وأخذ الظالم الجاحد للحقّ من المتنازعين أخذاً شديداً يقطع به مادة النزاع، دُعي باسم (المصفّي).

نعم، إنّه اشتهر في الناس وخاصّة عند أهل القرى والأرياف القانطين في العراق بأنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو خير مَنْ يقطع مادة النزاع ويحسمها من أصلها؛ وذلك بأخذ الظالم، والانتقام من الجاحد للحقّ والمنكر له من المتنازعين.

ولذلك إذا حدث لهم نزاع وتشاجر، ولم يرضخ الظالم من المتنازعين للحقّ، ولم يعترف به أو يخضع له، جاؤوا بالقضيّة إلى أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فيأتون إلى روضته المباركة، ويدخلون حرمه الشريف، ويطلبون من المتهم في القضيّة الذي يصرّ على الجحود والإنكار أن يحلف بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام على براءته.

فالمتّهم حينئذ يرى نفسه أمام الواقع الصريح الذي لا مفرّ منه، والحقّ الواضح الذي لا غبار عليه، فهو إمّا بريء في نفسه، أو ظالم منكر


للحقّ، وبكلّ صورة سوف ينقطع النزاع وينحسم؛ وذلك لأنّه إن كان بريئاً حلف ولم يمسه سوء فيُعلم أنّه كان بريئاً ممّا اتُّهم به، وإن كان واقعاً غير بريء فهو إمّا يحلف أو لا يحلف؛ فإن تعقّل واشترى خزي الدنيا عن عذاب الآخرة لم يحلف؛ خوفاً من أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فيعترف بالحقّ ويرضخ له.

وإن جازف بنفسه وباعها بخزي الدنيا وعذاب الآخرة حلف، فيؤخذ بذنبه، ويعاقب على جنايته، ويُنتقم منه، وأحياناً كثيرة يقضى عليه من طريق الغيب؛ لكرامة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام على الله، ومنزلته عنده، انتصافاً للمظلوم المُعتدى عليه، وانتقاماً من الظالم الجاحد للحقّ.

هذا إن كان (المصفّي) على وزن اسم الفاعل، وإن كان على وزن اسم المفعول (المصفّى) فإنّ معناه الخالِص والمخلِّص والمستخلَص، أي إنّ الله تبارك وتعالى قد استخلص أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام واتّخذه خالِصاً له، وجعله من عباده المخلصين، وهو مقام رفيع، ووسام عظيم، لا يناله إلاّ ذو حظ عظيم، كأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .


الخصّيصة السادسة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام سفير أخيه الإمام الحسين عليه‌السلام

السفير: هو الرسول المصلح الذي يمثّل أحد طرفي القضيّة الدائرة بين فئتين، ويقوم بينهما بعمليّة السفارة والوساطة، والتنسيق والوفاق.

ومعلوم أنّه كلّما كانت القضيّة الدائرة بين الطرفين أكثر أهميّة وحساسيّة، وأعظم دوراً وفاعليّة، كما لو كانت حيويّة ومصيريّة، كانت السفارة فيها أصعب وأعقد، وكان السفير فيها أكبر مسؤوليّة وأعظم عبئاً وحملاً، فيلزم أن يكون السفير بمستوى القضيّة، بل فوق مستواها.

إذاً فالقضايا المصيريّة المهمّة تتطّلب سفيراً أميناً كريماً، وعالماً حازماً، وشجاعاً شهماً، وأبيّاً وفيّاً. وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو مَنْ قد تجمّعت فيه كلّ خصال السفير الناجح، والرسول الصالح، ولم يكن هناك في كربلاء أحد أجدر منه وأفضل؛ ولذلك اختاره أخوه الإمام الحسينعليه‌السلام لمهمّة السفارة بينه وبين جيش بني اُميّة عندما زحف الجيش بقيادة ابن سعد نحو مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام ، مساء يوم التاسع من محرّم الحرام سنة إحدى وستّين للهجرة.

تاسوعاء وأهم واقعة فيها

لقد سجّل التاريخ في صفحاته، ودوّنت كتب المقاتل في طيّاتها وقائع


مهمّة وقعت في اليوم التاسع من محرّم الحرام، ذلك اليوم العصيب المسمّى بيوم تاسوعاء، وسمّي تاسوعاء؛ لأنّه - على ما قيل - اسم لليوم التاسع من السنة، إذ شهر محرّم الحرام أوّل شهور السنة، وتاسعه تاسع أيّام السنة، ويُقال لليوم التاسع منها: تاسوعاء، ولليوم العاشر منها: عاشوراء.

وعليه، فلعلّ الواقعة التالية من بين وقائع يوم تاسوعاء، التي سوف نتعرّض لذكرها قريباً إن شاء الله تعالى، تكون من أهم تلك الوقائع وقعاً، وأعظم تلك القضايا عِضة ودرساً، وعبرة وحكمة؛ وذلك لأنّها كشفت عن علوّ مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند الله ورسوله، وعن كبير منزلته ومكانته لدى أخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك عندما زحف الجيش الأموي نحو المخيّم الحسيني، حيث خاطبه الإمام الحسينعليه‌السلام بقوله: ((يا عبّاس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم)).

كما إنّ هذه الواقعة كشفت عن تولّي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام منصب السفير، وأداء مهمّة السفارة عن أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإحراز كفاءته لها وجدارته بها؛ فقد أثبت كونه سفيراً ناجحاً، ورسولاً موفّقاً، استطاع عبر سفارته تقديم ما قام بالسفارة من أجله، وتمكّن بواسطته إنجاز ما توسّط له من مهامّه.

كما إنّ هذه الواقعة كشفت أيضاً عن اهتمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام بالقرآن وتلاوته، والصلاة وإقامتها، والدعاء وإكثاره، والاستغفار وملازمته، واللّجاء إلى الله تعالى والإنابة إليه، وتبليغ رسالات الله إلى الناس والاستمرار فيه، والتوجيه إلى المعنويّات والدار الآخرة والإصرار عليها، والتضحية من أجل الله ودينه والاستقامة فيها، وإلى غير ذلك من الدروس والعظات، والعِبَر والحِكَم الكامنة في طيّات هذه الواقعة المهمّة التي اتّفقت للإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، وفي يوم تاسوعاء من سنة إحدى وستين هجريّة


على هاجرها آلاف التحيّة والسّلام. والواقعة هي على ما جاءت في معالي السبطين كالتالي:

إطلالة تاسـوعاء

أطلّ يوم تاسوعاء بوقائعه المؤلمة، وحوادثه المفجعة على الإمام الحسينعليه‌السلام ، ونشرت الشمس اشعّتها الباهتة والكئيبة من شدّة الرزايا والمصائب على ربوع كربلاء؛ فقد حوصر هذا اليوم كما عن الإمام الصادقعليه‌السلام الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه (رضي الله عنهم) بكربلاء، واجتمع عليه خيل أهل الشام، وناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه، واستيقنوا أنّه لا يأتي الإمام الحسينعليه‌السلام ناصر، ولا يمدّه أهل العراق بعدّة وعدد، ثمّ بكى الإمام الصادقعليه‌السلام وقال: ((بأبي المستضعف الغريب)).

نعم، في هذا اليوم اجتمعت عدّة أهل الشام، وكثر جمعهم، وتوافرت كثرتهم، ونزل شمر بن ذي الجوشن على ما روى الصدوق (عليه الرحمة) في أربعة آلاف، ومعه كتاب من عبيد الله بن زياد.

وفي القمقام: قال سعد بن عبيدة: كنّا في حرّ شديد في ذلك اليوم، وقد دخلنا الماء مع عمر بن سعد للنزهة والتبريد، وبينا نحن كذلك إذ جاء إلى ابن سعد رجل وأسرّ إليه ما نغّص علينا نزهتنا واستجمامنا، أنّه همز في أُذنه قائلاً: إنّ ابن زياد قد بعث إليك شمر بن ذي الجوشن ليرى ما أنت صانعه مع الإمام الحسين؛ فإن رآك متوقّفاً في قتاله ومنازلته ضرب عنقك، وتصدّى هو بنفسه لقيادة الجيش وإمارة العسكر، فانظر في أمرك، وأعدّ له عدّتك.


وما أن علم ابن سعد بالخبر حتّى خرج من الماء وتعجّل في حرب الإمام الحسينعليه‌السلام ، فركب في ساعته ونادى في معسكره بأعلى صوته مراوغاً ومخادعاً بقوله: يا خيل الله اركبي، وبالجنّة أبشري، معلناً في ذلك عن بدء القتال، وانطلاق الحرب والمناوشة.

وزحف الجيش نحو معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ومخيّمه، فركبوا وزحفوا نحوهعليه‌السلام ، وكان الوقت بعد العصر من يوم تاسوعاء.

زحف الجيش الاُموي

اقترب الجيش الأموي الزاحف إلى معسكر جيش بني هاشم الرابض، وذلك في حين كان سيّد المعسكر الإمام الحسينعليه‌السلام جالساً أمام خيمته، محتبياً بسيفه، خافقاً برأسه على ركبتيه، فسمعت السيّدة زينبعليها‌السلام الصيحة والهيجة، فأسرعت نحو أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ لتعلمه بالخطر الذي أصبح يهدّدهم، فلمّا رأت أخاها بتلك الحالة بعيداً عن الخطر المحدق به، دنت منه وقالت: أخي يا أبا عبد الله، أخي يا أخي، أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت منّا؟

عندها رفع الإمام الحسينعليه‌السلام رأسه واستوى جالساً، وقال: ((أُخيّه زينب، كنت قد غفوت الساعة فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في غفوتي ونومي وهو يقول لي: إنّك تروح إلينا)).

وفي اللهوف: قالعليه‌السلام : ((إنّي رأيت الساعة جدّي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبي عليّاًعليه‌السلام ، واُمّي فاطمةعليها‌السلام ، وأخي الحسنعليه‌السلام وهم يقولون لي: يا حسين، إنّك رائح إلينا عن قريب))، وفي بعض الروايات ((إنّك رائح إلينا غداً)).

وما أن سمعت السيّدة زينبعليها‌السلام رؤيا أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام حتّى بكت وأعولت، ولطمت وجهها وخدها، وصرخت وصاحت وا ويلاه!

فقال لها الإمام الحسينعليه‌السلام بشفقة ورحمة، وهو يسكتها ويسكّنها: ((ليس


الويل لك يا أُخيّه بل لأعدائك، اسكتي رحمك الله؛ كي لا يشمت القوم بنا)). فسكتتعليها‌السلام وسكنت.

السفارة بين الجيشين

وهنا تقدّم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأخبره بأن الجيش الاُموي قد زحف نحوهم قائلاً: يا أخي، قد أتانا القوم وزحفوا نحونا.

فنهض الإمام الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قال: ((يا عبّاس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم، وتقول لهم ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم؟)).

فركب أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام وأتى القوم في نحو عشرين فارساً؛ فيهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، فجاء حتّى إذا وقف عليهم قال: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟

فأجابوه بقولهم: قد جاءنا أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم.

فقال لهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام : إذاً مكانكم لا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام فأعرض عليه ما ذكرتم، وأخبره بما قلتم.

كان لكلام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام هذا وقعاً شديداً على قلوب القوم، وتأثيراً كبيراً في إرعاب نفوسهم؛ حيث إنّهم لم يجرؤوا بعد هذا على مواصلة زحفهم نحو معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإنّما أحجموا ووقفوا، وهم يقولون: نعم، ألقه واعلمه بالخبر، ثمّ القنا بما يقول لك واعلمنا به.

فرجع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويكلّمونهم.


حبيب وزهير يعظان القوم

ثمّ التفت حبيب بن مظاهر إلى زهير بن القين وقال له: يا زهير، كلّم القوم إن شئت، وإن شئت كلّمتهم أنا.

قال زهير: يا حبيب، أنت بدأت بهذا، فكن أنت الذي تكلّمهم.

فتقدّم حبيب بن مظاهر وخاطب القوم بقوله: أما والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّة نبيّه وعترته وأهل بيته، وعبّاد أهل هذا المصر، المتهجّدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيراً!

فقاطعه عزرة بن قيس قائلاً: إنّك يا حبيب لتزكّي نفسك ما استطعت.

فأجابه زهير بقوله: يا عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتّق الله يا عزرة وخفه، فإنّي لك من الناصحين. أُنشد الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضُلاّل على قتل النفوس الزكيّة.

فقال له عزرة، شامتاً به وطاعناً فيه: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت أنت عثمانيّاً.

فأجابه زهير قائلاً: أفلست تستدلّ بموقفي هذا على أنّي منهم؟ ثمّ أضاف: أما والله، ما كتبت كتاباً قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .


السفير الناجح والسفارة الموفّقة

وبينما كان زهير يناقش عزرة، وحبيب ينصح القوم ويعظهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إذ وصل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وأخبره بما قاله القوم، فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام : ((ارجع يا أخي إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غد، وتدفعهم عنّا العشية؛ لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت أحبّ الصلاة، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار)).

فمضى أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إلى القوم واستمهلهم تلك الليلة، وكانت ليلة جمعة، فتوقّف عمر بن سعد في ذلك.

وفي المنتخب: إنّه التفت إلى شمر بن ذي الجوشن وقال له: ما تقول يابن ذي الجوشن؟

فقال شمر بن ذي الجوشن: أمّا أنا فلو كان الأمر لي وكنت أنا الأمير ما كنت أمهلهم، ولا أنظرهم ساعة، فكيف بليلة؟

فقاطعهم عمر بن الحجاج الزبيدي قائلاً: ويلكم! والله لو أنّهم كانوا من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم، فكيف وهم آل محمّد؟!

وهنا التفت ابن الأشعث قيس إليه وقال له: لا تجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحُنّك بالقتال غدوة.

فردّ على قيس مجيباً له بقوله: والله، لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشية.

ثمّ استقر رأيهم أخيراً على أن يمهلوهم تلك الليلة، فرجع أبو الفضل العبّاس من عند القوم ومعه رسول من عند عمر بن سعد، حتّى إذا وصلا إلى الإمام الحسينعليه‌السلام قام ذلك الرسول حيث يسمع الصوت، ونادى قائلاً: إنّا قد


أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرّحنا بكم إلى ابن زياد، وإن أبيتم فإنّا لسنا بتاركيكم، ثمّ انصرف.

وفي أمالي الصدوق: إنّ ابن سعد أمر مناديه أن ينادي في الناس: إنّا قد أجّلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم، فرجع على أثره كلّ من الجيشين إلى معسكرهم ومخيّمهم.

وهكذا استطاع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أن يؤدّي سفارته بأحسن وجه، وأن يقوم بوساطته خير قيام؛ حيث إنّه لم يجد القوم بعد عرضهعليه‌السلام عليهم إمهال ليلة إلاّ النزول إلى عرضه، والسماح بإمهالهم، والقبول لإنظارهم، وتركهم وشأنهم في تلك الليلة التاريخيّة الحاسمة، ليلة عاشوراء المصيريّة الصارمة.

من أحداث ليلة عاشوراء

غربت شمس تاسوعاء، ولملمة ذيولها الباهتة في الأُفق، وغابت في المجهول، ولاح سواد ليلة عاشوراء على أُفق كربلاء، وأخذ الظلام يغزو كلّ ثغر ومكان، حتّى أصبح الكون مظلماً وكأنّه قد طبّق بأجنحة حالكة سوداء، وستور قاتمة دكناء، ولاذ كلّ إلى وكره ومأمنه، ومأواه ومستراحه، غير ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته وأصحابه، وعقائل بني هاشم وذراري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّهم قد جنّ عليهم الليل، وغطّاهم سواده وظلامه، ولا وكر لهم ولا مأمن ولا مستراح ولا مأوى.

نعم، في هذه الليلة التاريخيّة الصعبة، والظروف القاسية المرّة، لم يرتبك الإمام الحسينعليه‌السلام ، وينشغل عمّا يهمّ أمر دينه ودنياه، وحاشاه أن يرتبك وينشغل؛ فإنّهعليه‌السلام إمام معصوم، قد أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيراً، بل أنّه كما كان


يفكّر في أمر آخرته، كان يفكّر في أمر دنياه أيضاً، وهذا هو ما أكّد عليه الإسلام، وطبّقه الإمام الحسينعليه‌السلام في أصعب ظروفه تعليماً لنا وحجّة علينا.

ولذلك فإنّهعليه‌السلام قسّم ليلته تلك، ليلة عاشوراء الرهيبة، إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الاجتماع بالأصحاب

1 - خصّص الإمام الحسينعليه‌السلام قسماً من ليلة عاشوراء للاجتماع بأصحابه واختبارهم، ورفع البيعة عنهم، وإتمام الحجّة عليهم، بقوله لهم: ((يا قوم، اعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم، وقد انعكس الأمر؛ لأنّه استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، والآن ليس لهم قصد سوى قتلي، وقتل مَنْ يجاهد بين يدي، وسبي حرمي بعد سلبهم، وأخشى أنّكم ما تعلمون، وتعلمون وتستحيون، والخِدَع عندنا أهل البيت محرّمة.

فمَنْ كره منكم ذلك فلينصرف؛ فإنّ الليل ستير، والسبيل غير خطير، والوقت ليس بهجير، ومَنْ واسانا بنفسه كان معنا في الجنان، نجياً من غضب الرحمن، وقد قال جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ولدي الحسين يُقتل بطفّ كربلاء غريباً وحيداً، عطشانَ فريداً، فمَنْ نصره فقد نصرني ونصر ولده الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه)، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة)).

وما أن أتمّ الإمام الحسينعليه‌السلام كلامه إلاّ وتفرّق كثير ممّن كان قد جاء مع الإمام الحسينعليه‌السلام لطلب الدنيا، ولم يبقَ معه إلاّ نيف وسبعون رجلاً ممّن صحبهعليه‌السلام لطلب الآخرة، إضافة إلى مَنْ كان معهعليه‌السلام من أهل بيته وإخوته، وشبّان بني هاشم.

وفي رواية اُخرى: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام خطب ليلة عاشوراء في أهل بيته


وفيمَنْ بقي معه من أصحابه، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله وأهل بيته الطاهرين: ((أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي لا أظنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم منّي حرج ولا ذمام؛ هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً)).

وهنا لمّا أتم الإمام الحسينعليه‌السلام كلامه قام إليه بنو هاشم، وعلى رأسهم الناطق عنهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وقال: لِمَ نفعل ذلك يابن رسول الله؟! لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً.

ثمّ قام الأصحاب وقال كلّ منهم كلاماً أظهر فيه وفاءه بعهده، وافتخاره بالشهادة بين يديهعليه‌السلام ، فجزّاهم الإمام الحسينعليه‌السلام خيراً، وانصرف إلى مضربه وخيمته.

وكان من نتائج هذا الاجتماع والاختبار: أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا التقى بأخته عقيلة بني هاشم السيّدة زينبعليها‌السلام وسألته عن وفاء أصحابه له قائلة: أخي يا أبا عبد الله، هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة.

فأجابها الإمام الحسينعليه‌السلام مطمئناً لها، ومشفقاً عليها، وهو يبكي، ويقول: ((أما والله، لقد لهزتهم وبلوتهم، وليس فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل بلبن اُمّه)).

القسم الثاني: التخطيط العسكري

2ـ وخصّص الإمام الحسينعليه‌السلام قسماً ثانياً من ليلة عاشوراء للتخطيط العسكري، وترسيم سُبل الذبّ والدفاع عن النفس، وصدّ هجوم القوم إذا بدؤوا الحرب في الصباح عليهم، وتنظيم جبهة واحدة للمقابلة والمواجهة، وتهيئة


معدّاتهم وإصلاحها وصقلها. فقد دعا الإمام الحسينعليه‌السلام أصحابه، وأمرهم بأن يقرّبوا بيوتهم بعضها من بعض، وأن يدخلوا أطناب الخيام بعضها في بعض حتّى يحتوي معسكره على أقل مساحة ممكنة من الأرض.

ثمّ أمرهم بأن يحفروا خندقاً حول الخيام، وفي كلّ أطراف المعسكر، ما عدا طرف واحد وهو طرف المواجهة، ثمّ أمر أن يملؤوه بالقصب والحطب حتّى يكون جاهزاً عند الصباح لإضرام النار فيه، فيكون بذلك خطّاً دفاعيّاً لهم، يقيهم من هجوم الأعداء من كلّ الجوانب، ويحفظهم من محاصرة القوم لهم من كلّ الأطراف، وليكون دفاعهم عن أنفسهم على جبهة واحدة، ومن طرف واحد.

وقد كانت هذه الخطّة خطّة عسكريّة ناجحة، تحكي عن نبوغ مخطّطها وحكمة طرّاحها، وتفصح عن حنكة مؤسّسها، وتجربته العسكريّة العاليّة، ومعرفته الفائقة بفنون الحرب والقتال؛ فإنّ العدو لمّا بدأ القتال صباح يوم عاشوراء دار حول الخيام، وفكّر في محاصرة معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام في أوّل لحظات الحرب، والقضاء على معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام في الجولة الأولى من بدء القتال، لكنّهم لمّا واجهوا الخندق المضطرم بالنار حول الخيام فشلوا ورجعوا خائبين، وخسروا وعادوا أذلّة صاغرين.

نعم، هكذا خطّط الإمام الحسينعليه‌السلام لحفظ معسكره، وصيانة مخيّمه؛ وذلك بعد أن سلّم حراسة المخيّم ومحافظة المعسكر كلّه إلى عضده وظهره، وأخيه وصنوه، قمر العشيرة، وكبش الكتيبة الذي كانت ترتعد فرائص الأعداء من اسمه، وترتجف قلوبهم من رسمه، أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فكانعليه‌السلام من أكبر مهامّه في تلك الليلة العصيبة هو حفظ المعسكر، وحراسة مخيّم النساء. ولعلّ لقاء السيّدة زينبعليها‌السلام به، وإيقافه على أنّه الذي ادّخره أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لهذه الليلة ولهذه الأيّام، وتشجيعه على نصرة أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحماية


أخواتها عقائل بني هاشم، وحراستهم من الأعداء، كان قد اتّفق في هذه الليلة بالذات، كما إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكذلك الأصحاب دخلوا بعد ذلك خيامهم، وأخذوا يعدّون سيوفهم ويصلحونها، ويهيّئون عتادهم ويصقلونها، وكان الإمام الحسينعليه‌السلام يصلح سيفه ويعالجه، وهو ينعى نفسه ويقول:

يـا دهرُ أفٍّ لكَ من خليلِ

كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ

مـن صاحبٍ وطالبٍ قتيلِ

والـدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ

وإنّـما الأمـرُ إلى الجليلِ

وكـلّ حـيّ سالكٌ سبيلي

القسم الثالث: الاشتغال بالعبادة والتلاوة

3ـ وخصّص الإمام الحسينعليه‌السلام قسماً ثالثاً وأخيراً من ليلة عاشوراء للعبادة والتوجّه إلى الله تعالى، وذلك بالصلاة، وبتلاوة القرآن، وبالدعاء والاستغفار، واقتدى به كلّ أصحابه وأهل بيته. وفي طليعة أصحابه وأهل بيته أخوه العبد الصالح المطيع لله ولرسوله أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فإنّه إلى جانب حراسته كان قد شارك الأصحاب في ابتهالهم ولجئهم إلى الله تعالى، فقاموا يصلّون، ويتلون القرآن، ويدعون ويستغفرون حتّى كان لهم على أثر ذلك دويّ كدويّ النحل.

فقد روى السيّد ابن طاووس في لهوفه قائلاً: وبات الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه في تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من معسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً. يعني: التحقوا بهم، وفازوا بالشهادة والجنّة مع الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وذلك على إثر عبادتهم وصلاتهم التي كانوا يصلّونها لله تعالى، وإخلاصهم فيها، وتوديعهم لها، لإيقانهم بالشهادة والسعادة غداً في يوم عاشوراء.


الخصّيصة السابعة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام صاحب العصمة الصغرى

العصمة في كلام العرب: المنع. وعِصمة الله عبده: أن يعصمه ويمنعه ممّا يوبقه ويهلكه. وعصمه يعصمه عصماً: منعه ووقاه. وفي التنزيل العزيز:( لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ ) ، أي لا مانع. واعتصم فلان بالله إذا امتنع به. والعصمة: الحفظ، يُقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله: إذا امتنعت بلطفه من المعصية.

إذاً فالعصمة من حيث اللغة هي: الحفظ والوقاية، والصون والمنع، ومن حيث الاصطلاح هي: قوّة معنويّة، وملكة روحيّة يهبها الله لمَنْ يشاء من عباده، يحفظه بها من العيوب والذنوب، ومن الخطأ والزلل، ويقيه عبرها من السهو والنسيان، ومن العثرات والهفوات، لكن لا على وجه يسلب منه الاختيار، بل على وجه يبقى له حقّ الاختيار محفوظاً؛ وذلك لأنّ الاختيار هو من لوازم التكليف، فإذا سلب منه الاختيار كان معناه سلب التكليف عنه، والحال أنّ المعصومينعليهم‌السلام مكلّفون بالتكاليف الشرعية كسائر الناس، فتكليفهم دليل على أنّ العصمة التي جعلها الله تعالى فيهم غير سالبة لاختيارهم.

إذا عرفنا معنى العصمة، فلا بدّ لنا أن نعرف بعدها أنّ العصمة على قسمين: ذاتية واجبة، وعرضية مكتسبة.


العصمة الكبرى وأصحابها

أمّا القسم الأوّل من العصمة، وهي العصمة الذاتيّة الواجبة: فهي العصمة الكبرى، التي جعلها الله تعالى في ذات الأنبياء وأوصيائهم، وأوجبها لهم، وجلبها عليهم، وخصّهم بها، حتّى قال تعالى، وهو أصدق القائلين، وأعدل المخبرين في محكم كتابه ومبرم خطابه، وهو يخبر عن نبيّه الكريم ورسوله المصطفى، خاتم أنبيائه وسيّد رسله محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن ابنة نبيّه الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليه‌السلام ، وعن أوصياء نبيّه الطيّبين الطاهرين؛ أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام والأئمّة الأحد عشر من ذريّته، بدءاً بالإمام المجتبى، وختماً بالإمام المهديعليه‌السلام ، ويصفهم بالعصمة في هذه الآية الكريمة من سورة الأحزاب القائلة:( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

وإنّما جعل الله تعالى العصمة في ذات أنبيائه وأوصيائه، وجبلهم عليها، وأوجبها لهم، وزيّنهم بها، وخصّ من بينهم المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام بأعلى درجاتها وأرقى مراقيها؛ لأنّ الله تعالى خوّل نبيّه الكريم وأهل بيته الطاهرين حقّه وشريعته، وفوّض إليهم ولايته ودينه، وجعلهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأمر الناس بطاعتهم والانقياد لهم.

فإذا لم يكونوا مع ذلك كلّه معصومين من الزلل والخطل، والسهو والنسيان، كان معناه إيقاع الناس في الخطأ والاشتباه، وسوقهم إلى الضلال والفساد، وحاشا لله أن يفعل ذلك؛ فإنّ الله تعالى حكيم، ولا يفعل الحكيم ما يخالف الحكمة.

هذا مضافاً إلى أنّ الله تبارك وتعالى جعل مهمّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أداء الرسالة وتبليغها، وجعل مهمّة أوصيائه والأئمّةعليهم‌السلام من بعده حفظ تلك الرسالة


وحراستها، فإذا لم يسلّح الله تعالى نبيّه الكريم، وكذلك أوصيائه والأئمّة الطاهرين من بعده بالعصمة لم يكن أحد منهم مصوناً من الاشتباه والنسيان، والزيادة والنقصان، وإذا احتمل في حقّهم ذلك لعدم عصمتهم انعدمت الثقة بهم وممّا جاؤوا به، وسلب الاطمينان إليهم وبما قالوا، وبذلك تبطل الشرايع والأديان، وتنسخ الإمامة والوصاية والنبوّات.

ونسخ الإمامة والنبوّات، وبطلان الشرايع والأديان خلاف حكمة الله تعالى، ونقضاً لغرض الله الحكيم، فلا بدّ إذاً من كون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصيائه، والأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام من بعده معصومين، وفي أرقى مراقي العصمة، وأرفع درجاتها وأعلى قممها.

الصورة التي لن تراها

ولقد أجاد الشيخ كاظم الأُزري في قصيدته التي يصف فيها عصمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام حيث يقول:

مـعقلُ الخائفينَ من كلّ خوفِ

أوفرُ الـعربِ ذمّةً أوفاها

مـصدرُ الـعلمِ ليسَ إلاّ لديه

خـبرُ الـكائناتِ من مبتداها

فـاضَ لـلخلقِ منهُ علمٌ وحلمٌ

أخـذتْ مـنهما العقولُ نُهاها

نوّهتْ باسمهِ السماواتُ والأر

ضُ كما نوّهتْ بصبحٍ ذُكاها

وغـدت تـنشرُ الفضائلَ عنه

كـلّ قومٍ على اختلافِ لُغاها

طربت لاسمهِ الثرى فاستطالت

فـوقَ عُـلويّةِ السما سفلاها

تـلـكَ نـفسٌ أعزّها اللهُ قدراً

فـارتضاها لنفسهِ وارتضاها

حـازَ من جوهرِ التقدّسِ ذاتاً

تـاهت الأنـبياءُ في معناها

لا تُجِل في صفاتِ أحمدَ فكراً

فـهي الصورةُ التي لن تراها


أيّ خـلـقٍ لـلـهِ أعـظـمُ مـنهُ

وهو الـغايةُ الـتي استقصاها

قلّـبَ الـخـافقينِ ظهراً لبطنٍ

فـرأى ذاتَ أحـمـد فـاجـتباها

لـسـتُ أنـسـى له منازلَ قدسٍ

قد بـنـاها التقى فأعلى بناها

ورجالاً أعـزّةً فـي بـيوتٍ

أذِنَ اللهُ أن يعـزَّ حـمـاهـا

سادةٌ لا تـريـدُ إلاّ رضا اللـ

ـه كـمـا لا يـريـدُ إلاّ رضـاها

خـصّـهـا عـن كـمالهِ بالمعاني

وبـأعـلـى أسـمـائـه سمّاها

لـم يـكـونـوا للعرشِ إلاّ كنوزاً

خـافـيـاتٍ سـبـحانَ مَنْ أبداها

كم لـهـم ألسنٌ عن اللهِ تُنبي

هـي أقـلامُ حـكـمـةٍ قد براها

وهـمُ الأعـيـنُ الصحيحاتُ تهدي

كلّ عـيـنٍ مـكفوفةٍ عيناها

علمـاءٌ أئـمـةٌ حـكـماءُ

يـهـتـدي الـنـجمُ باتّباعِ هداها

قـادةٌ عـلـمُـهـم ورأيّ حجاهم

مـسـمـعـاً كلّ حكمةٍ منظراها

ما أُبالي ولو أُهيلت على الأرضِ الـ

سـمـاواتُ بـعـد نَـيْـلِ ولاها

العصمة الصغرى وأربابها

وأمّا القسم الثاني من العصمة، وهي العصمة العرضية المكتسبة: فهي العصمة التي نالها أولياء الله المخلصون بجدهم وجهدهم، وحصل عليها عباد الله الصالحون بتعبهم وعنائهم، وهم اُولئك الذين عرفوا الله تعالى حقّ معرفته، وأيقنوا به عين اليقين، فأحسّوه بكلّ وجودهم وكيانهم، ولمسوه بكلّ قلوبهم وأرواحهم، فآمنوا به أخلص الإيمان، وأذعنوا له غاية الإذعان، وسلموا إليه منتهى التسليم، وتوكّلوا عليه أصدق التوكّل.

إنّهم علموا بأنّه تعالى مطّلع عليهم فاستحيوا من أن يعصوه، وأيقنوا بأنّه


قادر عليهم فهابوا من أن يخالفوه، إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى سيحاسبهم على ما عملوه فأحجموا إلاّ عن البرّ والإحسان، وعرفوا بأنّه سيؤاخذهم على ما قالوه فسكتوا إلاّ عن المعروف والخير، وحسبوا بأنّه سيجازيهم على كلّ صغيرة وكبيرة فعملوا بما أمر الله به حتّى المستحبّات، فكيف بالواجبات والفرائض؟ واجتنبوا عمّا نهى الله عنه حتّى المكروهات، فكيف بالمعاصي والمحرّمات؟

إنّهم لم يفكّروا في شيء إلاّ في عظمة الله وكبريائه، وعزّته وقدرته، وعلمه حكمته، وحلمه وغضبه، ورأفته ورحمته، وآثاره وصنعه، وآلائه ونعمه، فرأوه أهلاً للعبادة فعبدوه، وأهلاً للشكر فشكروه، وأهلاً للتعظيم والتقديس فعظّموه وقدّسوه.

إنّهم عرفوا أنّ الدنيا والهوى، والنفس والشيطان، عدوّاً لهم فاتّخذوهم عدوّاً، فرغبوا عن الدنيا، وخالفوا أهواءهم، وروّضوا أنفسهم على التقوى، وعصوا الشيطان، وأطاعوا الرحمن، ونفعوا عباد الله، وخدموا خلق الله، وأرضوا بذلك الرحمن، وأرغموا أنف الشيطان.

إنّهم اطمأنّوا إلى أنّه تعالى طبيبهم فاتّبعوا وصفته، وحكيمهم فانتهجوا حكمته، وربّهم وخالقهم فعملوا برضاه واجتنبوا سخطه وغضبه، ورازقهم وهاديهم فأحبّوه وأخلصوا له في حبّه، وأحبّوا مَنْ أمر الله تعالى بحبّهم ومودّتهم، وأبغضوا مَنْ أوجب الله تعالى بغضهم وعداوتهم، وأطاعوا مَنْ فرض الله تعالى طاعتهم، وخالفوا مَنْ أمر الله تعالى بمخالفتهم، ونصروا الله ودينه، وكانوا مع رسوله وأهل بيته، فقدّموهم على أنفسهم، وبذلوا أرواحهم وقاءً لهم، واستشهدوا بين أيديهم.


العبّاس عليه‌السلام ووسام العصمة

وليس هذه المواصفات التي ذكرناها كلّها إلاّ معنى العصمة، وقد نالها أبو الفضل العبّاس بجدارة وكفاءة، واكتسبها لنفسه بهمّة واجتهاد، واتّصف بها بكلّ قوّة وصلابة.

أليس هو الذي أطاع الله، وكان مع الصادقين مع ريحانة رسول الله، وسبطه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعصى الهوى والشيطان لمّا عرض عليه الإمارة والأمان، فلعن أمانه وخداعه، وفخه ومكره؟

وأليس هو الذي رغب عن الدنيا، وروّض نفسه على التقوى، وواسى أخاه العطشان، فلم يشرب من الماء وهو على الماء، مع عظيم عطشه وشدّة ظمئه، فنال بذلك وسام (المواسي) كما جاء في زيارتهعليه‌السلام : ((فنعم الأخ المواسي))؟

وأليس هو الذي قدّم دمه وبذل نفسه في نصرة الله وكتابه، وحماية رسول الله وذريّته، وطاعة إمامه ووليّه، ومضى شهيداً محتسباً، حميداً طيّباً حتّى قال في حقّه الإمام الصادقعليه‌السلام ، كما في الزيارة المأثورة عنه، وهو يلعن قاتليه: ((فلعن الله اُمّة قتلتك، ولعن الله اُمّة ظلمتك، ولعن الله اُمّة استحلّت منك المحارم، وانتهكت حرمة الإسلام))؟

وهل يُنتهك بقتل كلّ أحد حرمة الإسلام؟ طبعاً لا، إلاّ مَنْ نال وسام العصمة بكفاءة، وحصل عليها بجدّ وجهد، كأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، فإنّه بقتله، وهكذا بقتل الإمام المعصوم الذي جعل الله العصمة في ذاته، وأوجبها له في جبلته، كالإمام الحسينعليه‌السلام يتمّ انتهاك حرمة الإسلام.

فهذه الفقرة من الزيارة إذن تشير إشارة ضمنيّة واضحة إلى أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو من أصحاب العصمة الصغرى، وأنّه قد نال بجدارة العصمة من القسم الثاني، فهنيئاً لأبي الفضل


العبّاسعليه‌السلام وسام العصمة الصغرى.

ولقد أجاد الشيخ محمّد رضا الأُزري، وهو يصف عصمة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وشجاعته ومواساته في قصيدته، ويقول:

يـومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهُدى

والـشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها

والبيضُ فوقَ البيضِ تحسبُ وقعها

زجـلَ الرعودِ إذا اكفهرّ غمامُها

فـحـمـى عـرينتهُ ودمدمَ دونها

ويذبَّ من دونِ الشّرى ضرغامُها

من بـاسلٍ يلقى الكتيبةَ باسماً

والـشوسُ يـرشحُ بالمنيّةِ هامُها

وأشـمُ لا يـحـتـلّ دارَ هضيمةٍ

و يـسـتقلّ عن النجومِ رغامُها

أو لـم تـكـن تدري قريشٌ أنّه

طـلاّعُ كـلّ ثـنـيّـةٍ مقدامُها

بـطلٌ أطـلَّ على العراقِ مجلّياً

فـاعصوصبتْ فرقاً تمورُ شئامُها

وشـأى الـكرامَ فلا ترى من اُمّةٍ

لـلـفخرِ إلاّ ابن الوصيِّ إمامُها

هـو ذاكَ مـوئلها يرى وزعيمُها

لو جـلَّ حادثُها ولدَّ خصامُها

وأشـدّهـا بـأساً وأرجحها حِجاً

لـو نـاصَ موكبُها وزاغَ قوامُها

مـن مُـقدمٍ ضربَ الجبالَ بمثلِها

من عـزمهِ فتزلزلتْ أعلامُها

ولـكـم لـهُ من غضبةٍ مُضريّةٍ

قـد كادَ يلحقُ بالسحابِ ضرامُها

ثـمّ انـبـرى نحو الفراتِ ودونَهُ

حـلـبـاتُ عاديةٍ يصلُّ لجامُها

فـهـنالِكمْ مـلكَ الشريعةَ واتّكى

مـن فـوقِ قـائمِ سيفهِ قمقامُها

فـأبـتْ نـقـيـبتُهُ الزكيّةُ ريَّها

وحشى ابنِ فاطمةٍ يشبُّ ضرامُها


الخصّيصة الثامنة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام عالماً فاضلاً، وفقيهاً كاملاً

لقد ورد في الخبر: ((إنّ العبّاس بن عليعليه‌السلام زق العلم زقاً)). واشتهر أيضاً قولهم: ((إنّه كان من فقهاء أولاد الأئمّةعليهم‌السلام )). وهذا يدلّ على أنّ من خصائص أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وامتيازه على معاصريه من سائر بني هاشم وغيرهم هو تفوّقه في العلم والمعرفة، والفضل والكمال؛ وذلك لملازمتهعليه‌السلام لثلاثة من الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، وتتلمذه على يدهم، وطلب العلم لديهم.

وكان أوّل هؤلاء المعصومين الذين لازمهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وتتلمذ على يدهم هو أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو الذي روي عنه أنّه قال: ((يُرخى الصبي سبعاً، ويؤدّب سبعاً، ويستخدم سبعاً، وينتهي طوله في ثلاث وعشرين، وعقله في خمس وثلاثين، وما كان بعد ذلك فبالتجارب)).

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل ذلك: ((الولد سيّد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين، فإن رضيت أخلاقه لأحدى وعشرين وإلاّ فاضرب على جنبه؛ فقد أعذرت إلى الله تعالى)).

وفسّر ذلك حفيده الإمام الصادقعليه‌السلام المروي عنه قوله: ((دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدّب سبعاً، وألزمه سبع سنين، فإن فلح وإلاّ فلا خير فيه)).

وفي رواية اُخرى أنّهعليه‌السلام قال: ((احمل صبيّك حتّى يأتي عليه ست سنين، ثمّ أدّبه في الكتاب ست سنين، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين فأدّبه بأدبك، فإن قبل وصلح وإلاّ فخلّ سبيله)).

وجاء في الخبر: ((العلم في - وفي نسخة: من - الصغر كالنقش في الحجر)).


بخلاف العلم في الكبر فإنّه ليس كذلك.

فالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام نظراً إلى أنّه هو إمام علم النفس والاجتماع، والتربية والتعليم، والأخلاق والآداب، وقد أدرك عنده نجله أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أربعة عشر عاماً من عمره، فعلى فرض أنّه تركه يلعب سبعاً فقد أدّبه سبعاً، وعلّمه من علومه ما يجب أن يعلّمه فيها، وثقّفه بثقافته ما يلزم تثقيفه بها، وذلك في هذه السنوات السبع المهمّة من عمر أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

السنوات السبع الثانية من عمر الإنسان

وعليه، فإنّ السبع الثانية من عمر كلّ إنسان جعلها الله تعالى حسب الأحاديث الشريفة الآنفة أفضل مقطع من عمر الإنسان لتحصيل العلم والمعارف، وأنسب حصّة من حياته لنيل التهذيب والتثقيف، كما وأعطى الله سبحانه وتعالى بحسب الروايات المباركة المزبورة نفسها هذه السنوات السبع أهميّة كبرى، ودوراً مصيريّاً في حياة الإنسان؛ حيث إنّها تكون قاعدة رصينة لتحليق الإنسان منها إلى سماء الفضيلة والسعادة إن اغتنمت هذه السنوات السبع في التعليم الصحيح والتثقيف المطلوب، وإلاّ كانت قاعدة صلبة لقذف الإنسان في هاوية الرذيلة والشقاء.

وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى يمنّ على الإنسان في هذه السنوات السبع، وخاصة في السنة الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة من عمر الإنسان بإيقاض غريزة حبّ التحقيق والتحري، وحبّ الاطّلاع على الحقائق ومعرفة الواقعيات، وحبّ التوصّل إلى المعنويات والروحانيات، وحبّ الحصول على العقائد والإلهيات، وحبّ العبادة والتديّن، كلّ ذلك استعداداً للسفر إلى السنوات السبع الثالثة من عمر الإنسان، والرحيل إلى سنّ المراهقة المشحون بالرهق والتعب من حياة الإنسان.


مبادرة ناشئتنا بالتربية والتعليم

وقد نبّه على حساسيّة هذه السنوات السبع من عمر الإنسان، وأهميّة دورها في مستقبل حياة الإنسان نبيّنا الحبيبصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة من أهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام ، حيث أوقفونا على أهميّة هذا المقطع الحساس من عمر الإنسان، وعلّمونا كيف ننتهز هذه الفرصة الذهبيّة من حياة أجيالنا المهيّأة لتلقّي التربية والتعليم، والمستعدة لمعرفة المذهب والدين؛ وذلك بتقديم ما يلزم من التعليم والتثقيف، وعرض ما يجب من تهذيب وتزكية.

وأمرونا بالاهتمام في ذلك، والإسراع في تعليم أحداثنا وناشئتنا أحاديثهم الشريفة، وكلماتهم الثمينة بعد تعليمهم القرآن الحكيم وتثقيفهم فيه، وحذّرونا من التسامح والتساهل في ذلك؛ لئلاّ يسبقنا المرجئة (وهم أصحاب الباطل، وجميع أنواع المنحرفين) إلى تعليم أحداثنا زخارفهم، وتثقيفهم بأباطيلهم.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أيّما ناشئ ينشأ في العلم والعبادة حتّى يكبر أعطاه الله يوم القيامة ثواب اثنين وسبعين صدّيقاً)).

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما في نهج البلاغة في وصيّته لابنه الإمام الحسنعليه‌السلام : ((إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسوا قلبك، ويشغل لبّك)).

وعليه، فإنّ الإنسان إذا لم يُثقّف ثقافة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام ، وهي الثقافة الصحيحة المنشودة من أوّل شبابه، ولم يهذب بتعاليم الإنسانيّة الراقية في هذه السنوات السبع المهمّة من عمره تلاقفته الثقافات الاُخرى، وقسا قلبه عن قبول الحقّ والإذعان له، واشتغل لبّه بما يصرفه عن التوجّه للحقّ والاشتغال بتعلمه وقبوله، وهذا هو ما يعانيه مجتمعنا الإسلامي،


وتئن منه اُمّتنا الإسلاميّة في هذا اليوم، حيث تلاقفت شبابنا الثقافات الاُخرى، وخدعتهم تعاليمهم البراقة، وجرّتهم إلى الرذيلة والشقاء، ثمّ قست قلوبهم على الباطل، واشتغلت ألبابهم عن معرفة الحقّ إلاّ مَنْ عصم الله.

السنوات السبع الثالثة في حياة الإنسان

فالتعليم والتربية في هذه السنوات السبع الثانية إضافة إلى فوائدها الجمّة هي تحصين للأجيال من الانزلاق في المبادئ الباطلة، كما إنّها هي تحصين لهم أيضاً من الانزلاق في هاوية الجنس والاعتياد وغير ذلك؛ لأنّ الإنسان عندما يدخل في السنوات السبع الثالثة من عمره تستيقظ عنده غريزة الجنس وتوابعها، وينمو في الجانب الجسدي والمادي.

فإذا كان قد تثقّف بالثقافة الصحيحة، وأشبع روحه وفكره بالتعاليم الإنسانيّة العالية استطاع أن يواكب النمو الروحي والمعنوي فيه، مع النمو الجسدي والمادي فيه، وأن يكون في توازن معقول وانسجام مقبول بين الجانب الروحي والجانب الجسمي، وأن يعيش على أثر ذلك التوازن والانسجام في سنّ المراهقة بسلام وأمان.

بينما لو لم يتدارك الإنسان بواسطة والديه والمسؤولين السنوات السبع الثانية من عمره، وأهمل تثقيفها بالثقافة الصحيحة، وتساهل في إشباعها بتعاليم أهل البيتعليهم‌السلام الأخلاقيّة العالية، طغى نمو الجانب الجسدي والمادي في الإنسان على حساب هزال الجانب الروحي والمعنوي، وهو أمر خطير جدّاً، وخاصّة عندما يدخل الإنسان في السنوات السبع الثالثة، وهي سنّ المراهقة من عمر الإنسان، فإن الجانب الجسمي والمادي ينمو فيه آنذاك نموّاً كبيراً وسريعاً، ومعه لا بدّ أن يواكب الجانب الروحي والمعنوي أيضاً، بينما قد بقي الجانب الروحي


والمعنوي فيه هزيلاً وضعيفاً؛ فيفقد التوازن المطلوب والانسجام اللازم بين الجانب الروحي والجانب الجسمي، فيعيش على أثره سنّ المراهقة بقلق واضطراب؛ وذلك لأنّ الجسم قد تضخّم، وهو يطالبه بإشباع رغباتها من الجنس، وما أشبه ولو عن طريق الاعتداء على شرف مجتمعه، وسؤدد أمّته، والروح قد بقي هزيلاً لا يستطيع من زمّ الجسم وتأطير رغباته بالمشروع من الجنس وغير ذلك.

ومعلوم أنّ تضخّم الجسم ينتصر بتحقيق رغباته ولو بالطرق غير المشروعة، ومعنى انتصار الجسم في تحقيق رغباته بأيّ طريق كان هو شقاء الإنسان والمجتمع، وسقوطه في هاوية الرذيلة والفساد، وابتلاؤه بالأمراض الروحيّة من معاناة القلق والأرق، والتوتّر والاضطراب، وإلى غير ذلك، إلى جانب الأمراض الجسديّة الفتّاكة أيضاً.

تصحيح المناهج الدراسية

هذا وقد عرف الاستعمار والمستعمرين، وخاصّة منهم الذين يحقدون لأجل مصالحهم الفرديّة، ومنافعهم الشخصيّة على الإسلام الحكيم والمسلمين الأبرياء، ويتجاهلون نعمة الإسلام ورحمته، وأحكامه وقوانينه، وسماحته وسلمه، وحبّه لكلّ الناس، وإسعافهم بكلّ خير مهما كانت قومياتهم ولغاتهم، وحرصه على منافع كلّ الناس ومصالحهم الخاصّة والعامة مهما كانت مواقعهم وطبقاتهم.

فإنّ الاستعمار المتجاهل لنعمة الإسلام ورحمته، والمتناسي لخدمة المسلمين وفضلهم، قد خطّط تخطيطاً دقيقاً، ونسّق تنسيقاً مدروساً، ودسّ في مناهجنا الدراسيّة مناهج فارغة من الدين، جوفاء من حيث التعاليم الأخلاقيّة


والإنسانيّة، وخاصّة في هذه السنوات السبع من حيث ناشئتنا، وعمر أجيالنا، فأعدموهم على أثر تلك المناهج النمو الروحي والمعنوي، وجعلوهم مغلوبين أمام نموّ الجانب الجسدي والمادي، ومقهورين تجاه رغباتهم ومتطلباتهم، فأدخلوهم بذلك في معترك شاق بين الروح والجسد، وأنزلوهم إلى بؤر القلق والاضطراب، ودرك الرذيلة والفساد، وسلّموهم إلى هاوية التذمّر والشقاء، ودوّامة الفضيحة والهلاك.

أجل، إنّ الاستعمار خطّط ونفّذ فأفرغ مناهجنا الدراسيّة في بلادنا الإسلاميّة عبر أياديه عن التعاليم الأخلاقيّة العالية، والمفاهيم الدينيّة الراقية، مع غنى الإسلام بكلّ العلوم الراقية، واحتوائه على جميع المفاهيم العالية، والاجتماعيّات المطلوبة، والآداب المحبوبة، بينما هو ملأ مناهجه الدراسيّة في بلاده، وجعل على ما قيل ستين بالمئة منها فيما يسمّونه بالتعاليم الليبراليّة، وسمّوه بذلك؛ لأنّ دينهم ليس فيه تعاليم اجتماعيّة دينيّة شاملة، وأربعين بالمئة منها في بقيّة العلوم الطبيعية من رياضيات وغيرها.

بينما مناهجنا الدراسيّة نحن خاويّة عبر عوالمهم من الموادّ المعنويّة والروحيّة، مصفرة عبر أياديهم من الدروس الأخلاقيّة والدينيّة، حيث النسبة المعنويّة والدينيّة، وكذلك القرآنيّة والحديثيّة فيها لا تصل العشرة بالمئة إلى جانب تسعين بالمئة من المواد الاُخرى التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ومعلوم أنّ هذه النسبة الضئيلة لا تشبع حاجات الروح، ولا تسدّ جوعته المعنويّة أمام طغيان الجسم، وشدّة رغباته الجنسيّة؛ فينشأ جيلنا الإسلامي الناشئ خاوياً فارغاً، متواتراً متناقضاً، تتلاعب به وبأفكاره الشياطين، ودعاة الثقافات الاُخرى، وتتقاذف به وبمقدّراته أصحاب الأطماع والأغراض، وأهل البدع والضلال، وعلينا إذا أردنا انتشال شبابنا من مهاوي السقوط، وتدارك


مستقبلنا ومستقبل ناشئتنا من المخاطر والمهالك أن نضع مناهجنا الدراسيّة بأيدينا، وكما أراد الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لنا، وأمر أئمّتنا الطاهرينعليهم‌السلام به، بتغطية كلّ المواد الدراسيّة بالمواد القرآنيّة والحديثيّة، والدينيّة والأخلاقيّة المرويّة عن الرسول الحبيبصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة الطاهرين من أهل بيته، حتّى نتدارك ما فاتنا، ونتلافى ما ضيّعوه عنّا وأخذوه منّا إن شاء الله تعالى، فإلى هذا الأمل المنشود، والهدف المحمود بإذن الله وتوفيقه.

العبّاس عليه‌السلام وتلمّذه عند الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام

وكيف كان، فإنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي أمرنا بأن نبادر ناشئينا وشابنا بالتعليم والتثقيف، وننتهز الفرص الذهبيّة من أعمارهم، ولا ندعها تذهب أدراج الرياح سُدى بلا تزود ولا استفادة كاملة منها، والذي قال: ((الأدب لقاح العقل، وذكاء القلب، وعنوان الفضل)). قد بادر نجله الأغر قمر بني هاشم أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام بالتهذيب والتزكيّة، والتربيّة والتعليم.

ومعلوم أنّ مَنْ يتأدّب على يد والد شفيق، وأب عطوف، واُستاذ أديب، ومعلّم أريب كالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي هو أديب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أديب الله تعالى كما قال هوصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((أدّبني ربّي فأحسن تأديبي))، كم يكون مؤدّباً ومهذّباً؟!

وكيف لا يكون كذلك والحال أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام الذي هو أديب أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والإمام أمير المؤمنين هو أديب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أديب الله، فأبا الفضل العبّاسعليه‌السلام يكون حينئذ هو الآخر أديب الله أيضاً؛ فإنّ أديب أديب الله هو أديب الله أيضاً؟

فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو أديب الله، وكفاه فخراً.


ملازمة العابسعليه‌السلام لأخيه الإمام المجتبى عليه‌السلام

هذا وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قد أكمل السنوات السبع الثانية من عمره، وقضى تلك الفترة الذهبيّة من عمره في التأدّب على يدي أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، الذي هو أديب أديب الله تعالى، أعني أنّهعليه‌السلام أديب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث قضى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام شهيداً ومضى حميداً سعيداً، وذلك عندما أكمل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام السنة الرابعة عشرة من عمره.

ثمّ لازم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أخاه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام في السنوات السبع الثالثة من عمره، وهو سنّ المراهقة التي أمرتنا روايات أهل البيتعليهم‌السلام بملازمة الوالد لولده، والأخ الأكبر أخاه الأصغر - مثلاً - الذي هو في سنّ المراهقة، وضمّه إلى نفسه، واصطحابه معه؛ ليكون من جهة رقيباً عليه، وحسيباً لتصرفاته وأعماله.

ومن جهة اُخرى شريكاً له في اُموره، ووزيراً ومشاوراً له في قبضه وبسطه وحلّه وترحاله، حتّى يُلبس ما تعلّمه من نظريّات في السنوات السبع الثانية ثوب العمل والتجسيد الخارجي في السنوات السبع الثالثة، ويقرن النظريات العلميّة بالتجارب الخارجيّة.

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد لازم في هذه السنوات السبع الثالثة أخاه المجتبى سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأكبر، وريحانته من الدنيا، والإمام المجتبىعليه‌السلام ، الذي هو من أهل البيتعليهم‌السلام الذين علّمونا اُسلوب تربية الناشئة وطريقتها، وأمرونا بملازمة الذين وصلوا سنّ المراهقة واصطحابهم، قد التزم بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وضمّه إليه، واهتمّ به وأشرف عليه؛ ليكمل دورته العلميّة النظريّة، وينضجها عبر مرورها بمرحلة التطبيق والعمل الخارجي، وليكون مشرفاً على


تصرّفاته وتقلّباته في الاُمور، ومرشداً له ومسدّداً إيّاه فيها.

ومعلوم أنّ مَنْ يكون ملتزمه وموجّهه سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته من الدنيا، وذلك في أهم مقطع من عمره، وأغلى فرصة ذهبيّة في حياته، كم يكون موفّقاً ومتفوّقاً، وحميداً وسعيداً؟ وكم يصبح أديباً أريباً، وعالماً نحريراً، وفاضلاً قديراً؟

الإمام الحسينعليه‌السلام والتزامه أخاه العبّاس عليه‌السلام

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد أن قضى من عمره أربعة وعشرين عاماً، والتي كان في الأعوام العشرة الأخيرة منها في ملازمة أخيه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام والتلمّذ عليه والتفقّه لديه، فارقه على إثر استشهادهعليه‌السلام مظلوماً مسموماً، وذلك بالسم القاتل الذي دسّه إليه معاوية بن أبي سفيان، ثمّ لازم بعد ذلك أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ ليواصل تلمّذه عليه، والاستمرار في تفقّهه لديه.

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام هو الآخر بعد أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأخيه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، الذي التزم بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وضمّه إليه، وأشرف على تكميل رحلته العلميّة والثقافيّة، واعتنى بمواصلة دورته التهذيبيّة والأخلاقيّة حتّى تخرّج أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام على يدي ثلاثة من الأئمّة المعصومينعليه‌السلام ، ومن معهد علوم وثقافة أهل البيتعليه‌السلام ، عالماً فاضلاً، وأديباً بارعاً، وزكيًّا مهذّباً، وإنساناً كاملاً، وجامعاً للفضائل والمناقب، والمكارم والمحاسن، والأخلاق والآداب، والعلم والحلم، والمعقول والمنقول، والتفسير والتأويل، والفصاحة والبلاغة، وما إلى ذلك من كمال وجمال، فهنيئاً له على توفيقه وسعادته، ومباركاً عليه وسام العالم الفاضل، والفقيه الكامل الذي ناله بجدارة، وحصل عليه بكفاءة، ووصله بوسام الشهادة في سبيل الله، واختتم به حياته العلميّة، وصدّق


بها دورته الثقافية؛ حيث أمضاها بدمائه الحمراء، ووقع عليها بيديه المقطوعتين في سبيل الله ونصرة دينه، والذب عن إمامه.

من فصاحة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وبلاغته

عرف أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كبقيّة بني هاشم بالفصاحة والبلاغة، والسلامة وحسن التعبير، حتّى قيل عنهعليه‌السلام أنّه كان بليغاً في كلامه، وفصيحاً في نطقه وأدائه.

وقد ذكر الفاضل الدربندي في أسراره بأنّ بعض مَنْ يدّعي الشجاعة والبسالة برز في يوم عاشوراء وأخذ يهدّد أبا الفضل العبّاس، ويندّد به، ويريد منه الاستسلام له، وإلقاء السلاح أمامه، ويحذره شدّة بأسه وطعنه، وقوّة مراسه وضربه.

فسخر منه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ومن كلامه، ولم يعبأ به وبشجاعته، ولم يكترث بتهديده وتنديده، وإنّما أجابه بكلّ قوّة وصلابة، ورباطة جأش ومناعة طبع، قائلاً: إنّي أرى كلامك هذا كالسراب الذي يلوح، فإذا قصد صار أرضاً بواراً، والذي أملته منّي بأن أستسلم لك فذلك بعيد الحصول على صعب الوصول، وإنّي يا عدوّ الله ورسوله معوّد للقاء الأبطال، والصبر على النزال، ومكافحة الفرسان، وبالله المستعان.

ثمّ أضاف قائلاً: ومَنْ كملت هذه الصفات فيه فليس يخاف مَنْ برز إليه، ولا يهاب منازلته ومقارعته. ويلك! أليس لي اتّصال برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فأنا غصن متّصل بشجرته، وزهرة من نور ثمرته، ومَنْ كان من هذه الشجرة فلا يدخل تحت الذمام، ولا يخاف ضرب الحسام، وأنا ابن علي بن أبي طالب، لا أعجز عن مبارزة الأقران، ولا أملّ من الضرب والطعان، وما أشركت بالله لمحة بصر، ولا


خالفت رسول الله فيما أمر، وأنا منه كالورقة من الشجرة، وعلى الاُصول تنبت الفروع، فاصرف عنّا ما أمّلت، واقطع منّا ما رجوت، فما أنا ممّن يأسى على الحياة، ويجزع من الوفاة، فخذ في الجدّ، واصرف عنك الهزل.

ثمّ أنشأ يقول:

صبراً على جورِ الزمانِ القاطعِ

ومـنـيّةٍ مـا إن لها من دافعِ

لا تـجـزعنَّ فكلّ شيءٍ هالكٌ

حـاشى لمثلي أن يكونَ بجازعِ

فـلـئن رمانا الدهرُ منه بأسهمٍ

وتـفرّقٍ مـن بعدِ شملٌ جامعِ

فـلـكم لنا من وقعةٍ شابت لها

قممُ الأصاغرِ من ضرابٍ قاطعِ

ثمّ تصاولا، واختلفا بضربات، وكان النصر أخيراً لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، والموت والهلاك لذلك المغرور الخاسر.

هل ضوء الشمس ضحىً يُنكر؟

قد تبيّن ممّا مضى أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام في الفضل هو ذاك كالشمس في الضحى، يُنير علماً وحلماً، ويضيء فقهاً وحكمة؛ إذ هو مَنْ حصل في الفضل والعلم على أكبر شهادة عالميّة يمكن تحصيلها لأحد في أحدث الجامعات العلميّة الغابرة والمعاصرة والمستقبليّة.

كيف لا وهو خريج جامعة رسول الله الحبيبصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وطالب معهد الأئمّة الطاهرين من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومتلمّذ على يد ثلاثة من أئمّة أهل البيت المعصومينعليه‌السلام ؟ وهذا واضح ولا غبار عليه.

ولكن قد يتّفق أن يشكّ الجاهل بمقامات أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام العلميّة في مراتب علميّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ويتردّد في درجات كماله وفضله؛ فإنّ مَنْ لا معرفة له بشهادة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام العلميّة، ومداركه الثقافيّة العالية، قد يشكّ في مقاماته تلك، كما يشكّ في بقيّة الأشياء التي يجهلها الإنسان، ويعدم معرفتها.


كما إنّه قد يشكّ في ذلك من اغترّ بعلمه، وأعجب بفضله، وتصوّر في نفسه اغتراراً وجهلاً بأنّه فوق الجميع علماً وفضلاً، فإنّ مثل هذا قد يشكّ أيضاً في مدارج علميّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ويرتاب في مدارك فضله، ويتردّد في تفوّق مقاماته العلميّة، وكمالاته الروحيّة والجسديّة.

ولذلك ينقل عن بعض العلماء أنّه شاهد في كربلاء المقدّسة وحوزاتها العلميّة المشرّفة رجلاً من الأفاضل قد اغترّ بعلمه، وأعجب بفضله، وأبعد في غلوائه ودعواه، شاهده وقد كان في منتدى من أصحابه، وجمعاً من أترابه، حيث جرى بينهم ذكر أبي الفضل العبّاس وما كان يحمله من المعارف الإلهيّة، والثقافة الدينيّة التي امتاز بها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام في هذا المجال، وصارحهم بأفضليّته هو بالنسبة إليه، وأعلميّته منه.

وما إن صرّح هذا الرجل المغرور بذلك حتّى قوبل بإنكار من جماعته وأصحابه، واستغراب من جرأته واغتراره؛ فأخذوا يصبّون اللوم عليه وعلى ادّعائه، ويحذّرونه من غروره وغلوائه، ولكن بدل أن يتنبّه الرجل المغرور، ويرجع من غلوائه ودعواه قام يبرهن على ادّعائه ذلك بتعداد مآثره ومناقبه، وذكر علومه وفضائله، وتفصيل تهجّده وتنفّله، وتشريح عبادته وزهادته، قائلاً: إن كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام يُفضّل عليه في مثل هذه الاُمور فإنّ عنده مثلها، وإن كان يُفضّل بالشهادة قال: فإنّ الشهادة لا تعادل ما يحمله هو - ذلك المغرور - من العلوم الدينيّة، والاُصول الإسلاميّة وعقائدها.

وهنا انفضّ المجلس، وقام الجماعة من عنده منكرين عليه، ومعرّضين به، بينما هو بقي متغطرساً في كبريائه، ومصرّاً على غروره وغلوائه، غير نادم على ما صدر منه، ولا متهيّب ممّا قاله.


مع الرجـل المغرور

تفرّق الجمع وذهب كلّ واحد من الجماعة والمغرور إلى منزله ومأمنه، وفي الصباح المبكّر أسرع كلّ واحد من الجماعة الذي أسهر ليلتهم همّ هذا الرجل المغرور، وأقلق فكرهم كبير ما ادّعاه ذلك الرجل المعجب بنفسه، والمنبهر بعلمه وفضله إلى داره، وقصدوا منزله ليروا هل هداه الله تعالى ورجع من غيّه؛ لأنّهم قد دعوا الله تعالى ليلتهم وسألوه هدايته، أم لم تشمله عناية الله وبقي على غيّه؟

فلمّا طرقوا عليه الباب قيل لهم: إنّ الرجل قد بكّر في زيارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وهو الآن في روضته المباركة، فأقبلوا مسرعين إلى روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ليعرفوا خبره، فلمّا دخلوا الروضة المباركة وإذا بالرجل قد ربط نفسه بالضريح المقدّس عبر حبلٍ قد شدّ طرفاً منه في عنقه، والطرف الآخر في الضريح وهو تائب من تكبّره وغلوائه، ونادم على ما سلف منه وفرّط فيه، فأحاطوا به عند ذلك وسألوه عن أمره.

فأجاب قائلاً: لمّا تركتكم بالأمس وذهبت إلى منزلي أخذت مضجعي في فراشي ونمت وأنا على ما فارقتكم عليه، فرأيت في المنام كأنّي في مجلس حافل قد ضمّ جمعاً من أهل العلم والفضل بين جوانحه، وبينما أنا كذلك إذ دخل علينا رجل، وقال: تهيّؤوا واستعدوا لاستقبال أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام فها هو قادم إليكم ووافد عليكم، فأخذ ذكره من القلوب مأخذاً عظيماً حتّى دخلعليه‌السلام والنور الإلهي يسطع من وجهه، والجمال العلوي يزهو في محيّاه، فاستقبلناه بحفاوة حتّى جلسعليه‌السلام على كرسي كان قد أُعدّ له في صدر المجلس، عندها جلس


الحاضرون وكأنّهم على رؤوسهم الطير؛ إجلالاً له وهيبة منه، وقد أخذني من بين الجميع قزق كبير، ورهب شديد؛ لما سلف منّي في حقّهعليه‌السلام .

إرشاد وتنبيـه

ثمّ إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام بدأ يحيّي أهل المجالس واحداً واحداً حتّى إذا وصل إليّ قال لي: ماذا تقول أنت يا فلان؟

فكاد أن يرتجّ عليَّ القول عندما واجهني بسؤاله هذا لولا أن تداركتني رحمة ربّي، فعزمت على أن أبوح بكلّ ما قلته بحقّه دون زيادة ولا نقيصة، وأن اُصارحه بما تصوّرته وتخيّلته بالنسبة إليَّ وإليه، فقصصت عليه ما جرى بيني وبينكم من حوار في حقّه، وذكرت له من الحديث والاستدلال حسب ما مضى معكم، وأنا في كلّ ذلك مستحي منه، طالب عفوه وإعذاره.

عندها التفتعليه‌السلام إليَّ مبتسماً، وقال معذراً: لا بأس عليك إن ندمت وتبت تاب الله عليك، ولكن كن على علم بأنّي لست كما تصوّرته وتخيّلته أنت؛ وذلك لأنّي قد تلقّيت العلم من معينه ونميره، وأخذت الفضل من أصله ومعدنه؛ فقد تلمّذت على نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأديبه، أعني أبي ووالدي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتفقّهت لديه، ثمّ تلمّذت من بعده وتفقّهت على يد أخوي الإمامين الهمامين سيّدي شباب أهل الجنّة وريحانتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وأنا على أثر ما تلقّيته من أئمّتي وسادتيعليهم‌السلام من المعارف الإلهية والتعاليم الإسلاميّة كنت على يقين من ديني، وبصيرة من أمري.

بينما أنت بعكس ذلك كلّه؛ فقد أخذت أنت ممّن لا يقين له، وصرت أنت الآخر على أثره أيضاً لا يقين لك؛ تعوّل على الاُصول والقواعد المعدّة للجاهل


بالأحكام، وتعمل بها عندما يعوزك الوصول إلى الواقع، وأنا في غنى من ذلك كلّه؛ لمعرفتي بواقع الأحكام من مصدر الوحي ومعدن النبوّة والإمامة.

أضف إلى ذلك إنّي تأدّبت وتهذّبت على يدي أدباء الله، ومَنْ زكّاهم الله وهذّبهم، وطهّرهم من الرجس تطهيراً، فصرت منهم مهذّباً ومؤدّباً، أحمل بين جوانبي من المحاسن والمكارم ما لو قسمته على جميعكم ما أمكنكم حمل شيء منها، ولا القيام بعبئها، بينما أنت بعكس ذلك كلّه إذ أنّك تحمل بين جوانبك من الصفات الرذيلة ما يبغضك الله تعالى عليها، ومن غرور ورياء، وجدال ومراء وغير ذلك، ثمّ ضربعليه‌السلام بيده الشريفة على فم الرجل، وقال مؤكّداً: قم وتب إلى الله تعالى، وحاول أن تطهّر نفسك ممّا يبغضه الله تعالى، ويمقتك عليه.

قال الرجل: فانتبهت عندها من نومي فزعاً مرعوباً، نادماً تائباً، معترفاً مذعناً، وأسرعت إلى روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ولذت بضريحه، متوسّلاً به إلى الله تعالى ليغفر لي، ومشفّعه إلى الله تعالى فيّ ليعفو عنّي ويرضى عليّ؛ فإنّي لما قلت من النادمين، وعلى ما صدر منّي من التائبين المنيبين.

أيّهما أكثر علماً وفضلاً

وهنا قصّة ثانية تشبه القصّة الآنفة وتضاهيها، وهي: أنّه دار في مجلس فيه جماعة من أهل الفضل والعلم بحث حول أنّه أيّهما أكثر فضلاً وعلماً، هل هو أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، أو سلمان الفارسي الذي قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((سلمان منّا أهل البيت))؟

فأجاب أحدهم: الظاهر أنّ أكثرهما علماً وفضلاً هو سلمان الفارسي، ثمّ قال: وذلك لأنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا قيل له حدّثنا سلمان الفارسي،


أجابهم قائلاً: ((أدرك سلمان العلم الأوّل والآخر، وهو بحر لا ينزح، وهو منّا أهل البيت)).

لكن سرعان ما رجع هذا القائل عن رأيه؛ حيث إنّه لم تمضِ عليه إلاّ مدّة قليلة حتّى عدل من كلامه وقوله ذلك، فلمّا سألوه عن سبب عدوله ورجوعه قال: بعدما أبديت رأيي في أفضلية سلمان الفارسي وأعلميّته رأيت في منامي في تلك الليلة بأنّي أحضر مجلساً ضخماً حافلاً بأهله، وغاصّاً بروّاده، ونظرت وإذا بي أرى أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام في غاية الجلال والبهاء جالساً في صدر المجلس، ورأيت سلمان الفارسي قائماً بين يديه يخدمه، ويأتمر بأوامره، فلمّا وقع نظري عليه تذكّرت ما جرى من الحديث حوله في اليقظة، وما أبديته من رأيي فيه.

وبينا أنا اُفكر في ذلك إذ بدرني سلمان الفارسي، وهو يشير بيديه إليّ، ويقول: يا هذا، لقد اشتبه الأمر عليك، إنّي بحر لا ينزح بالنسبة إلى أترابي وأقراني، مثل أبي ذر وحذيفة وعمّار وابن مسعود، وأمّا بالنسبة إلى شبل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قمر بني هاشم أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام فإنّي أفتخر بأن أكون خادماً له، وتلميذاً صغيراً عنده؛ لكي أرتشف من علمه، وأتزوّد من فضله وكماله.


الخصّيصة التاسعة والثلاثون

في أنّهعليه‌السلام كان عاملاً بعلمه

إنّ العلم الذي عُدّ في الروايات المرويّة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن أهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام أنّه فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، وأنّه يجب على كلّ فرد من المسلمين بنحو الواجب العيني كالصلاة والصيام أن يتفرّغ لطلبه، ويتصدّى لتحصيله، وأنّه مَنْ أهمل معرفة هذا العلم كان كمَنْ ترك الصلاة والصيام.

هو على ما يستفاد من الروايات الشريفة والأحاديث الكريمة، مثل قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسنّة قائمة، وما خلاهنَّ فهو فضل)).

ومثل قول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : ((ثلاث بهنَّ يكمل المسلم: التفقّه في الدين، والتقدير في المعيشة، والصبر على النوائب)).

ومثل قول الإمام الصادقعليه‌السلام : ((وجدت علوم الناس كلّها في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك)).

ومثل قولهعليه‌السلام أيضاً: ((العلم أصل كلّ حال سنيّ، ومنتهى كلّ منزلة رفيعة؛ لذلك قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة)).

أي علم التقوى واليقين هو العلم بثلاثة أشياء:


الأوّل ممّا يجب العلم به

1 - العلم باُصول الدين، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة الاعتقاد بأصول الدين الخمسة عن دليل وبرهان، وذلك بأن يعلم بأنّ الله واحد لا شريك له، وأنّه عالم قادر مريد، مدرك حي قيوم، غني متكلّم صادق سرمدي، لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنّه عادل لا يظلم أحداً مثقال ذرّة، وأنّه أرسل الرسل لهداية البشر، وأنزل معهم الكتاب لإرشاد الناس إلى الحقّ؛ أوّلهم آدمعليه‌السلام وآخرهم النبيّ الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأنّه تعالى جعل لهم أوصياء معصومين، وأنّ أوصياء نبيّنا اثنا عشر وصيّاً؛ أوّلهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وآخرهم المهدي المنتظر، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملأت ظلماً وجوراً، وأنّهم جميعاً مع السيّدة فاطمة الزهراءعليه‌السلام معصومون، قد أنزل الله تعالى فيهم:( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فيكون عدد المعصومين في اُمّتنا المرحومة أربعة عشر معصوماً.

وأنّ الله أعدّ للحساب ومجازاة الناس يوم القيامة في الآخرة؛ ليجزي المحسنين بالجنّة والمسيئين بالنار، وذلك كما قال تعالى:( كلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وإنّما تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمََنْ زُحْزِحَ عِنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الجنّة فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) .

هذا، ولا يخفى أنّ هذه الاُصول الخمسة من التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد في يوم القيامة من الاُصول الاعتقاديّة التي لا تقبل التقليد، بل يجب فيها الاجتهاد، وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين.


الثاني ممّا يجب به العلم

2 - العلم بفروع الدين، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة العلم بأحكام فروع الدين العشرة من: الصلاة والصيام، والخمس والزكاة، والحج والجهاد، والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، والتولّي لأولياء الله والتبرّي من أعداء الله، بل معرفة أحكام الدين في كلّ ما يحتاجه الإنسان في حياته من صغيرة وكبيرة، وكلّية وجزئيّة، ما عدا اُصول الدين الخمسة؛ فإنّ كلّ ما عدا الاُصول الخمسة تعدّ فروعاً للدين، وعلى كلّ مسلم ومسلمة معرفة ما يبتلى بها من مسائل شرعية، ويحتاج إليها من أحكام دينيّة بالنسب إلى الفروع.

هذا، ولا يخفى بأنّ الفروع يجوز التقليد فيها، أي يجوز الرجوع فيها إلى مرجع جامع للشرائط، وأخذ المسائل والأحكام منه، ولا يجب الاجتهاد فيها وتحصيلها عن دليل وبرهان وعلم ويقين، كما كان يجب ذلك في اُصول الدين، وهذا هو نوع تسامح من الله تبارك وتعالى للإنسان؛ لأنّ فروع الدين كثيرة وتحصيلها عن اجتهاد يستغرق كلّ وقت الإنسان، ولذلك أجاز فيه التقليد من مرجع جامع للشرائط.

الثالث ممّا يجب العلم به

3 - العلم بالأخلاق والآداب الفرديّة والاجتماعيّة، فإنّه يجب على كلّ مسلم ومسلمة العلم بالاُمور التالية:

أوّلاً: العلم بكيفيّة تنسيق رابطته مع الله تعالى، وكتابه ودينه ورسله وأوليائه.


ثانياً: العلم بكيفيّة تنسيق رابطته مع نفسه وروحه، وفكره وعقله، وعواطفه وغرائزه، وجوارحه وأعضائه، وسائر شؤونه الفرديّة.

ثالثاً: العلم بكيفيّة معاشرته مع والديه وذويه، وإخوته وأخواته، وزوجته وأولاده، وأصدقائه وشركائه، وأقربائه وأرحامه، ومعلمه وأستاذه، وحاكمه وسلطانه، وسائر أفراد المجتمع؛ سواء المجتمع الصغير، وهو محيط الاُسرة والعائلة، أم المجتمع الكبير، وهو محيط المحلّة والبلدة، والدولة والعالم.

رابعاً: العلم بكيفيّة تعامله مع الآخرين في بيعه وشرائه، وحرفته ومهنته، وقبضه وبسطه، وحلّه وترحاله، وسفره وحضره، وإلى غير ذلك من الاُمور التي يجمعها رابط العلاقات والروابط الفرديّة والاجتماعيّة، ويعمّها عامل العشرة والمعاشرات الخصوصيّة والعموميّة.

هذا، ولا يخفى أنّ هناك في مجال الأخلاق والآداب الفرديّة والاجتماعيّة روايات وأحاديث كثيرة تدّلنا على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ما فيها لنا غنى عن غيرها، ولعلّ من أجمعها وأشملها هي (رسالة الحقوق) المرويّة عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فإنّه يجب على كلّ مسلم، بل على كلّ إنسان حرّ مطالعة هذه الرسالة بدقّة، ومدارستها بهمّة وعلقة، ثمّ تطبيق ما جاء فيها تطبيقاً حرفيّاً في كلّ شؤونه الفرديّة والاجتماعيّة، وروابطه ومعاشراته الخصوصيّة والعموميّة.

علماً بأنّ تطبيقها ضامن لسعادة الفرد والمجتمع، ومتكفّل للتقدّم في الحياة الخاصّة والعامّة، وعلينا أن نؤسس دورات تعليميّة، وحلقات تمرينيّة نعلّم فيها ناشئتنا وشبابنا كيف يمارسون تعاليم هذه الرسالة المباركة (رسالة الحقوق)، وندرّبهم فيها على أنّه كيف يطبّقونها في حياتهم العمليّة تطبيقاً حرفيّاً، وذلك إن أردنا أن نستعيد عزّنا وسعادتنا، ونسترجع كياننا وسؤددنا إن شاء الله تعالى.


أبو الفضل عليه‌السلام وهذه العلوم الثلاثة

سبق أن قلنا إنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام قد تخرّج وهو متقن لهذه العلوم الثلاثة: أصول الدين، وفروع الدين، والأخلاق والآداب، وغيرها من العلوم الإسلاميّة والإنسانيّة الاُخرى من معهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجامعة الأئمّة من أهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام ، وعلى يدي أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأخويه الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام .

فهو إذاً عالم كامل، وفقيه فاضل، واُستاذ بارع، وعالم متضلّع باُمّهات العلوم الإسلاميّة واُصولها، وجذور الأخلاق الإنسانيّة وفروعها.

هذا من جهة العلم والفضل، وأمّا من جهة العمل والتطبيق الخارجي، فقد كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من خصوصيّاته وامتيازاته أنّه كان يعمل بما يعلمه ويفقهه، ويطبّق في حياته الفرديّة والاجتماعيّة معارفه وثقافاته تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً بلا زيادة ولا نقصان.

العلم مقرون بالعمل

وإنّما كان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عاملاً بعلمه، مطبّقاً لمعارفه في الخارج؛ لأنّه كان قد تعلّم أيضاً من أساتذته الميامين وأئمّته المعصومينعليهم‌السلام أنّ: ((العلم مقرون إلى العمل؛ مَنْ علم عمل، ومَنْ عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه)).

وتعلّم أيضاً أنّ: ((العالم بلا عمل كالشجرة بلا ثمر)).

وتعلّم أيضاً: ((إنّ العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه)).


وتعلّم أيضاً أنّه: ((مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم؛ فإنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً، ولم يزدد من الله إلاّ بعداً)).

وتعلّم أيضاً أنّ: ((العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناجٍ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الله الجنّة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتّباعه الهوى وطول الأمل؛ أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وطول الأمل ينسي الآخرة)).

وسمع أيضاً أباه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يخطب في الناس على منبر الكوفة، ويقول: ((أيّها الناس، إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون؛ إنّ العالم بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أنّ الحجّة عليه أعظم، والحسرة أدوم على هذا المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله، وكلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكّوا، ولا تشكّوا فتكفروا، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحقّ فتخسروا.

وإنّ من الحقّ أن تفقّهوا، ومن الفقه أن لا تغترّوا، وإنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه، وأغشّكم لنفسه أعصاكم لربّه، ومَنْ يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب ويندم)).

وعرف أيضاً أنّه: ((لا يقبل الله عملاً إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بعمل، فمَنْ عرف دلّته المعرفة على العمل، ومَنْ لم يعمل فلا معرفة له، ألا إنّ الإيمان بعضه من بعض)).

وعرف أيضاً أنّه: ((مَنْ عمل بما علم كُفي ما لم يعلم)).

وعرف أيضاً ما [ أُخبر عن ] عيسىعليه‌السلام حيث قال: ((رأيت حجراً مكتوباً عليه قلّبني فقلّبته، فإذا على باطنه: مَنْ لا يعمل بما يعلم مشومٌ عليه طلب ما لا يعلم،


ومردود عليه ما علم)).

وعرف أيضاً ما قالهعليه‌السلام : ((مَنْ علم وعمل فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء)).

وعلم ما أوحى الله تبارك وتعالى إلى داودعليه‌السلام ، حيث قال له: ((إنّ أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشدّ من سبعين عقوبة؛ أن أخرج من قلبه حلاوة ذكري... والعامل حقّاً هو الذي ينطق عنه أعماله الصالحة، وأوراده الزاكية، وصدقه وتقواه، لا لسانه وتصاوله ودعواه...)).

وعلم أيضاً أنّ: ((العلم وديعة الله في أرضه، والعلماء أمناؤه عليه، فمَنْ عمل بعلمه أدّى أمانته، ومَنْ لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الخائنين)).

وتعلّم أيضاً ما أوصى به أبوه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من قوله: ((لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكّاً، وإذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقّنتم فأقدموا)).

وعلم أيضاً بأنّ: ((أشدّ الناس عذاباً عالم لا ينتفع من علمه بشيء)).

وعلم أيضاً بأنّ: ((العلم الذي لا يُعمل به كالكنز الذي لا يُنفق منه؛ أتعب صاحبه نفسه في جمعه ولم يصل إلى نفعه)).

وعلم أيضاً بأنّ: ((مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه)).

وعرف أيضاً أنّه: ((ما ازداد العبد علماً فازداد في الدنيا رغبة إلاّ ازداد من الله بُعداً)).

وعرف أيضاً أنّ: ((كلّ علم وبال على صاحبه إلاّ مَنْ عمل به)).

وعرف أيضاً أنّ: ((أشقى الناس مَنْ هو معروف عند الناس بعلمه، مجهول بعمله)).


العبّاس عليه‌السلام السباق في ميدان العمل والتطبيق

وعليه، فأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام كان من حسن تعلّمه، وجميل تفقّهه، وفضل تأدّبه، ومن إلمامه بالروايات الكريمة، ومعرفته بالأحاديث الشريفة، هو السبّاق في ميدان العمل بما تعلّمه، والمقدام في ساحة التطبيق الخارجي لما تفقّه فيه.

وأدلّ دليل على ذلك: كونهعليه‌السلام مع الصادقين، الذين أمر الله تعالى بالكون معهم، فكانعليه‌السلام ما عرفت مع أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، ثمّ مع أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وبقاؤه معه حتّى آخر لحظة من حياته، متحدّياً كلّ الوعود والمغريات من عرض الأمان، وتقديم الإمارات والمناصب وغير ذلك، والوقوف إلى جانبه حتّى آخر قطرة من دمه، معلناً عن نصرته له، والحماية عنه حتّى أريق دمه في سبيل الله، ونصرة دينه وكتابه، وحماية [ ابن ] رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإمامهعليه‌السلام ، وسقط شهيداً مظلوماً بين يدي أخيه وإمامه، الإمام الحسينعليه‌السلام ، ونال بذلك شرف الدنيا، وفاز بسعادة الآخرة والجنّة.

هذا مع أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام كان يحمل بين جوانبه كلّ مؤهّلات الرئاسة، وكان يضمّ بين جوانحه جميع معدّات الزعامّة والقيادة، من جمال وكمال، وعلم وحلم، وحسب ونسب، وعزّ وشرف، وفصاحة وبلاغة، وجود وكرم، وشجاعة وشهامة، وبالتالي كان فيه كلّ مستلزمات القائد الحكيم، والزعيم المجرّب، والرئيس المحبوب المقدام.

فكان باستطاعته أن يطرح نفسه رأساً، ويدعوا الناس إلى ذلك، ويكون رئيساً وزعيماً في قومه، كما فعل مَنْ هو أقلّ منه بكثير، بل مَنْ هو بالنسبة إليه كالقطرة مقابل البحر، والرشفة أمام اليمّ، والذرّة لدى المجرّة، والهباءة عند الكون العظيم، أعني به عبد الله بن الزبير، الذي نصب نفسه علماً، ودعا الناس إلى نفسه، وكان من أمره ما كان.


نموذج من التطبيق العملي لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام

نعم، كان باستطاعة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لولا التزامه بأن يعمل بما علمه، ويطبق ما عرفه تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً أن يطرح نفسه رأساً، ويدعو الناس إلى نفسه كما فعل ابن الزبير، وكان حينئذ نسبة موفقيّته في ذلك بالنسبة إلى موفقيّة ابن الزبير أكثر بكثير، وهو واضح لا غبار عليه. ولكنّهعليه‌السلام لم يفعل ذلك، ولم ينصب نفسه علماً للناس، ولم يدعُ الناس إلى نفسه.

كما إنّه لم يتّخذ موقف الحياد من إمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم ينعزل عن الساحة وعن مجتمعه، ولم يترك الأمر على عواهنه دون أن يقوم بما يجب عليهعليه‌السلام تجاه ربّه ودينه، وقبال كتاب الله ورسولهعليه‌السلام ، وإزاء أخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام .

بل إنّهعليه‌السلام حدّد موقفه في الحياة حسب ما أملاه عليه دينه وعقيدته، وما أوجبه عليه علمه ومعرفته، وقام بما يجب عليه بكلّ إخلاص وتسليم، وأدّى ما فرض عليه بأمانة ونصيحة، فعاضد أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في كلّ موقف ومشهد، ودافع عنه بكلّ قوّة وقدرة، وكان معه ناصراً ومعيناً، وله وليّاً وحميماً، وعليه حدباً وحانياً، وبه شفيقاً ورفيقاً حتّى نال وسام الشهادة بين يديهعليه‌السلام ، وفاز بسعادة الدنيا والآخرة.

وبذلك علّمناعليه‌السلام كيف نكون مع الصادقين، وكيف نضمّ أصواتنا إلى أصواتهم، وهممنا إلى هممهم حتّى ينتصر الحقّ ويندحر الباطل، ويعلو الإسلام والمذهب الحقّ، مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، على ما سواه، ويغطّي ربوع الأرض


بظِلاله، ويسعد الناس بأحكامه وتعاليمه.

علماً بأنّ الصادقين على ما في مجمع البيان، عن جابر الأنصاري، عن أبي جعفرعليه‌السلام هم آل محمّد (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين)؛ فآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذين عيّنهم آل محمّد في حياتهم ومن بعدهم مرجعاً يرجع الناس إليهم في دينهم ودنياهم، وهم اليوم الفقهاء والمراجع.

هم الذين أمرنا الله تعالى بأن نكون معهم، ولا نتفرّق عنهم، حقّ يتحقّق، الإسلام يعلو ولا يُعلا عليه؛ وذلك لأنّ يد الله مع الجماعة، وأنّ نصر الله معقود على نواصي الذين أخلصوا لله، واتّحدوا في الله، ونصحوا لعباد الله، لا على نواصي الذين تفرّقوا وتشتّتوا، وتخاذلوا وتحاقدوا، ونصبوا أنفسهم علماً ورأساً، ودعوا الناس إلى أنفسهم، وصاروا بذلك رؤوساً كمزرعة البصل، كلّها رؤوس يقتلعها الزرّاع في الدنيا بسهولة، ويدّخرها الملائكة في الآخرة لشجرة الزقوم التي طلعها كأنّه رؤوس الشياطين بمرونة؛ فإنّهم بذلك لم ينالوا ما أمّلوا، ولم يبلغوا ما راموا، وسوف يحاسبهم التاريخ في المستقبل حساباً عسيراً مخزياً، ويعاقبهم الله في القيامة عقاباً شديداً مهيناً.

أوسمة أبي الفضل عليه‌السلام على عمله بعلمه

أجل، لقد امتاز أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من بين أقرانه وأصحابه في مجال العمل بعلمه، وميدان التطبيق الحرفي لمعارفه بالسبق عليهم جميعاً، والتقدم من بينهم قاطبة حتّى فاز عند الله بأعلى الدرجات، وحصل من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، والأئمّة من أهل بيتهعليهم‌السلام على أرفع الأوسمة، وأعظم النياشين.

ونحن نشير إلى ما تيسّر لنا منها باختصار إن شاء الله تعالى حتّى يكون


نبراساً لنا نستضيء بنوره، وقدوة لنا نتعلّم من هديه؛ كيف نكون مثلهعليه‌السلام عاملين بعلمنا، مطبّقين لمعتقداتنا، محقّقين في الخارج لمعارفنا وثقافاتنا.

علماً بأنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام لم يكن نبيّاً ولا وصيّاً، ومع ذلك نراه قد جاز على أرقى مدارج العلم المقرون بالعمل، عملاً عينيّاً خارجيّاً لِما علِمه، وفاز على أعلى مراقي المعرفة المحفوفة بالتطبيق العملي، تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً لِما اعتقده وعرفه، ونال سبب ذلك المقام الرفيع عند الله تبارك وتعالى، والمنزلة السامية لدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابنته الصدّيقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، والأئمّة من أهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام .

وعليه فيكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بذلك حجّة بالغة علينا، لا نستطيع أن نقول بعدها كيف لنا الحصول على المقام الرفيع، والمنزلة السامية عند الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع إنّا لسنا بأنبياء ولا بأوصياء أنبياء؟

فإنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام مع أنّه لم يكن نبيّنا ولا بوصيّ نبيّ قد نال ما ناله من العظمة والزلفى عند الله ورسوله، وعند أهل بيت رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بسبب عمله بعلمه عملاً دقيقاً من غير زيادة ولا نقصان، ولا اجتهاد منه مقابل النصّ، ولا تحوير وتحريف للواقعيّات العقائديّة، وتمويه وتشويه للحقائق العلميّة، كما فعل ذلك عمر بن سعد وأمثاله حيث حرّف كلّ الحقائق، وشكّك فيها؛ للوصول إلى ولاية الري، ولم يصل إليها، ولم يتهنّأ بها؛ بل عمل بها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بكلّ أمانة وصداقة، وإذعان وتسليم.

وإليك بعض تلك الأوسمة والنياشين، والمقامات الرفيعة، والمنازل السامية لهعليه‌السلام عند الله ورسوله وأهل بيتهعليهم‌السلام في الخصّيصة الأخيرة من هذا الكتاب، وهي الخصّيصة الأربعون من خصائص أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام إن شاء الله تعالى.


الخصّيصة الأربعون

في أنّهعليه‌السلام الوجيه عند الله ورسوله والأئمّة الطاهرين

لقد استطاع أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام عبر إيمانه الراسخ، وعقيدته الصلبة، ونفسيّته الطيّبة، وأخلاقه الكريمة، وبتطبيق معارفه الربّانيّة في الخارج تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً، وتحقيق ثقافته الإسلاميّة في حياته العلميّة تحقيقاً وافياً واضحاً، أن يحلّق في مقام القرب والوجاهة إلى الله تعالى، ويعلو في درجات الفضل والجلال عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام والأئمة الطاهرين من أهل بيت رسول الله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وذلك بما لم يستطع أحد ليس هو بنبيّ ولا بوصيّ نبيّ أن يصل إلى ما وصل إليه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من الوجاهة عند الله تبارك وتعالى وعند رسوله الحبيب وابنته الوفيّة وأهل بيته الطاهرين.

ونحن نذكر شيئاً منها، ونستعرض نماذج عليها بعون الله تعالى وقوّته وحوله وطوله.

العبّاسعليه‌السلام ومنزلته عند الله

قال الله تعالى:( وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ واخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِن لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * ومَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ


فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيِّين وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُولئك رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً) (1) .

ومن أجلى مصاديق هذه الآيات الكريمة هو سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الشهيد بكربلاء الإمام الحسينعليه‌السلام وأخوه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ؛ فلقد كتب الله تعالى على سبط رسوله الحبيب، ووصيّ وصيّه الكريم الإمام الحسينعليه‌السلام الهجرة والقتال، والخروج على يزيد عدوّ الله وعدوّ رسوله، وأبلغ ما كتبه عليه عبر أمين وحيه جبرائيل، وبواسطة حبيبه الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله إليه، فامتثل الإمام الحسينعليه‌السلام أمر ربّه وخرج، فلم يخرج معه ولم يقاتل بين يديهعليه‌السلام إلاّ القليل، وكان في مقدّمة هذا القليل أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام .

وحيث إنّهعليه‌السلام فعل ما وُعِظ به، وعمل بما علِم، كان خيراً له وأشدّ تثبيتاً، ونال من الله أجراً عظيماً، وهُدي صراطاً مستقيماً، وحُشر كما في زيارتهعليه‌السلام أيضاً المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام على أثر طاعته لله ولرسوله ولإمامه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن اُولئك رفيقاً، فصدق في حقّهعليه‌السلام ، وتحقّق عليه قوله تعالى:( ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى‏ بِاللّهِ عَلِيماً ) .

فطوبى لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام مقامه الرفيع عند الله تبارك وتعالى، وهنيئاً له على منزلته السامية لديه!

مشاهد العبّاس عليه‌السلام الأربعة

كان هذا شيئاً قليلاً من جزاء الله (عزّ وجلّ) لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ونزراً يسيراً من ثواب الله تبارك وتعالى له في الآخرة.

وأمّا جزاؤه تعالى له وأجره إيّاه في الدنيا فحدّث ولا حرج؛ فتلك روضته المباركة، وقبّته السامية ملاذاً للاّئذين، وأمنا للاّجئين، ومقصداّ للزّائرين، ومحطّاً للوافدين، وتلك كراماته الباهرة وعناياته الخاصة ظاهرة منها للناس أجمعين.

____________________

(1) سورة النساء / 66 - 70.


أضف إلى ذلك مزاراته الثلاثة، ومشاهده المباركة الاُخرى، فإنّها أيضاً كروضته المباركة مقصداً ومزاراً للناس، وملاذاً ومعاذاً لهم.

علماً بأنّ تلك المزارات الثلاثة والمشاهد المباركة الاُخرى هي عبارة عمّا يلي:

المشـهد الأول

1 - مشهد الرأس الشريف: جاء في كتب المقاتل أنّ عمر بن سعد أمر جيشه بعد أن قتلوا ابن بنت رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وآله ومَنْ كان معه من أهل بيته وأصحابهعليهم‌السلام بأن يحتزّوا رؤوسهم، ويحملوها مع السبايا إلى ابن زياد ومنها إلى يزيد بن معاوية.

وكذلك فعلوا، فكانت للرؤوس الطاهرة في كلّ مكان وخاصة في الشام معجزات باهرة، وكرامات ظاهرة، افتضح على أثرها الأمويّون، وخُزي من جرائها يزيد وابن زياد؛ ممّا أدّى بيزيد أن يسلّم الرؤوس الشريفة كلّها إلى الإمام زين العابدينعليه‌السلام حتّى يلحقها بالأبدان الطاهرة ويدفنها معها، وهذا هو المعروف والمشهور.

فإنّ الإمام السجّادعليه‌السلام ردّ الرؤوس الكريمة كلّها إلى كربلاء، وألحقها بالأبدان الطاهرة، ودفنها معها، غير أنّ هناك بدمشق الشام، وفي المقبرة المعروفة باسم (مقبرة باب الصغير) مشهد كان قد وضع على بابه - وذلك أوائل القرن الرابع عشر الهجري - صخرة منحوت عليها (هذا مدفن رأس العبّاس بن عليعليه‌السلام ...)، وفي أواسط القرن الرابع عشر الهجري انهدم هذا المشهد فأُعيد بناؤه، وأُزيلت تلك الصخرة من على بابه، وبُني ضريح داخل المشهد، ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء.

هذا ما جاء في التاريخ، وتعرّض له كتاب (أعيان الشيعة)، إلاّ أنّ الظاهر القوي، والقريب غير البعيد هو: أنّ هذا المشهد محلّ صلب تلك الرؤوس الكريمة لا محل دفنها.


المشهد الثـاني

2 - مشهد الكفّ اليمنى: لقد قُطعت يدا أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام في كربلاء غدراً وغيلة؛ فإنّ العدو الجبان لمّا لم يتجرأ على مواجهة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام يوم عاشوراء ومقاتلته وجهاً لوجه، كمن له وراء نخلة وضربه على يده اليمنى فبترها من الزند، فاتّخذ محلّ سقوطها بعد ذلك مشهداً ومزاراً.

ويقع مقام هذا المشهد (مشهد الكفّ اليمنى) في جهة الشمال الشرقي من الروضة المباركة، وذلك على حدّ محلّة باب بغداد، ومحلّة باب الخان، قريباً من باب الصحن الشريف الواقع في الجهة الشرقيّة، وعلى جدار المقام شبّاك صغير نقش في أعلاه بيتان من الرثاء باللغة الفارسية.

المشهد الثالـث

3 - مشهد الكفّ اليسرى: وهي أيضاً اليد الاُخرى التي قُطعت في كربلاء غدراً وغيلة؛ وذلك في كمين آخر كمِن له شقي آخر من وراء نخلة وضربه على يده اليسرى فقطعها من الزند أيضاً، فاتّخذ ذلك الموضع بعدها مشهداً ومزاراً أيضاً.

ويقع هذا المشهد (مشهد الكفّ اليسرى) في جهة الجنوب الشرقي من الروضة المباركة، وذلك في السوق الصغير المعروف بـ (سوق باب العبّاس الصغير)، قريباً من باب العبّاس الصغير من الصحن الشريف الواقع في الجنوب الشرقي، وعلى جدار المقام شبّاك صغير كتب في أعلاه بالقاشاني الرثاء التالي:

سلْ إذا ما شئت واسمع واعلمِ

ثـمّ خـذ منّي جوابَ المفهمِ

إنّ فـي هـذا المقامِ انقطعتْ

يـسرةُ الـعبّاس بحرِ الكرمِ


ها هنا يا صاح طاحتْ بعدما

طاحتِ اليُمنى بجنبِ العلقمي

اِجـرِ دمعَ العينِ وابكيهِ أساً

حـقَّ أنْ يُبكى بدمعٍ من دمِ

هذه المشاهد الثلاثة بالإضافة إلى مشهد روضته المباركة، ومحلّ مرقده الشريف، أربعة مشاهد ومزارات يؤمّها الناس في حوائجهم ومهمّاتهم هي من امتيازات أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ومن خصائصه التي خصّه الله بها؛ إكراماً له على عمله بعلمه ومعرفته، وتقديراً له على تطبيقه لمعتقداته وثقافاته في الخارج، تطبيقاً حرفيّاً دقيقاً.

فهنيئاً لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ما ناله من عزّة وكرامة، ومباركاً عليه ما منحه الله تعالى من مقام ومنزلة، ومن جاه عريض وشرف رفيع، وعزّ منيع وشفاعة مقبولة، ووساطة مرضيّة محمودة.

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

لا شكّ في أنّ جبرائيلعليه‌السلام لمّا أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الله تبارك وتعالى بشهادة سبطه الأصغر، وريحانته في الدنيا، الإمام الحسينعليه‌السلام وما يجري عليه، أخبره أيضاً عن شهادة مَنْ يستشهد معه، وخاصّة عن شهادة أخيه وصنوه، وحاميه والمدافع عنه، والذي أبلى في نصرته بلاءً حسناً، وفداه بروحه ودمه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

ولا شكّ في أنّ اطّلاع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن مواساة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أخاه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتعرّفه على إيثاره له، علماً بأنّ هذه المواساة، وهذا الإيثار منهعليه‌السلام هو نتيجة عمله بعلمه، وتطبيقه لمعرفته، ومعتقده بإمامهعليه‌السلام ؛ فإنّ ذلك جعل لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكانة مرموقة، ومنزلة محمودة، ممّا دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى التصريح بفضل أبي الفضل


العبّاسعليه‌السلام وكرامته، والتلويح بمقامه ومنزلته عند الله وعند رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما صرح بذلك في حقّ سبطه وريحانته الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومن قبله في حقّ سبطه الأكبر وريحانته المجتبى الإمام الحسنعليه‌السلام .

ولكن لم يصلنا شيء من تصريحاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام - وللأسف - كما وصلنا - والحمد لله - بعض تصريحاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ الإمامين الهمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام .

ويدلّ على ذلك ما جاء في كتاب الخصال للشيخ الصدوق، باب الاثنين، الحديث الواحد بعد المئة، فإنّهرحمه‌الله بعد أن يروي فيه عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام في حقّ عمّه العبّاس بن عليعليه‌السلام الرواية المعروفة، ويذكر فيها إنّ الله أبدله مكان يديه المقطوعتين جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالبعليه‌السلام ، يقول ما نصّه: والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة... ثمّ يضيف: وقد أخرجته بتمامه مع ما رويته في فضائل العبّاس بن عليعليه‌السلام في كتاب (مقتل الحسين بن عليعليه‌السلام ).

انتهى كلامه (رفع الله مقامه)، فإنّه كما لم يصلنا كتاب مقتل الشيخ الصدوق، فكذلك لم يصلنا ما جاء فيه، وما جاء في غيره من الكتب الاُخرى من فضائل أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام التي ربّما نقلت في حقّه عن الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

العبّاس عليه‌السلام في طليعة العلماء العاملين

هذا، ولكن يمكن أن يدّعي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد عنى أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام أيضاً في روايته المرويّة عنه في مدح العلماء الأبرار العاملين بعملهم، والمطبّقين لما عرفوه واعتقدوه من الحقّ في الخارج تطبيقاً عمليّاً دقيقاً؛ وذلك لأنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو في طليعة العلماء العاملين فيشمله مثل


قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((المتّقون سادة، والفقهاء قادة، والجلوس إليه عبادة)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((مَنْ يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((نِعْمَ الرجل الفقيه في الدين؛ إن احتيج إليه نفع، وإن لم يحتج إليه نفع نفسه)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((الفقهاء أمناء الرسل)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم، وجدّهم في إرشاد عباد الله، حتّى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور...)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((علماء اُمّتي كأنبياء بني إسرائيل)). وفي رواية اُخرى: ((أفضل من أنبياء بني إسرائيل)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ مثَل العلماء في الأرض كمثَل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((... وإنّ خير الخير خيار العلماء)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((إنّ فضل العالم العابد كفضل الشمس على الكواكب)).

ومثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ((ألا اُحدّثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور؟)). فقيل: مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: ((هم الذين يحبّون عباد الله إلى الله، ويحبّون عباد الله إليّ، قال: يأمرونهم بما يحبّ الله وينهونهم عمّا يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبّهم الله)).

فكيف بأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ؟! فإنّه إضافة إلى كونه من طلايع هؤلاء العلماء العاملين هو في مقدّمة الشهداء السعداء أيضاً.

اشفع لمَنْ شئت

وهنا يمكن الاستدلال أيضاً على علوّ مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورفيع منزلته لديه، ما جاء في كتاب معالي السبطين من قول


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله له: ((ارجع أقرّ الله عينك، فأنت باب الحوائج، واشفع لمَنْ شئت)).

وهذا الكلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام على ما في الكتاب المذكور يكون كما يلي:

قال صاحب كتاب معالي السبطين: سمعت بعض مَنْ يعتمد عليه من الأساتيذ يقول: كان رجل من أهل الخير والصلاح يسكن كربلاء المقدّسة، ويقطن في أرضها المباركة، وكان له ولد صالح قد مرض، فجاء به بعد أن أعيا الأطباء علاجه ويئسوا منه إلى روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وتوسّل به إلى الله تعالى، وشفّعه في طلب شفاء ابنه من الله (عزّ وجل)، فبات ليلته عند مرقده الشريف، لائذاً بضريحه المنيف، وعائذاً به.

وفي الصباح أقبل إليه أحد أخلاّئه وأصدقائه ليقول له: إنّي رأيت البارحة رؤيا اُريد أن أقصّها عليك، وهي إنّي رأيت في المنام كأنّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام قد شفع إلى الله تعالى في ولدك، وطلب منه شفاء ابنك، وسأل له العافية.

عندها أقبل إليه ملك من الملائكة رسولاً من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليقول له: يا أبا الفضل، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخصّك بالسلام ويقول لك: ((لا تشفع في شفاء هذا الشاب؛ فإنّه قد بلغ الكتاب أجله، وقد انقطعت مدّته، وتصرّمت أيّامه)).

فقال أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام لذلك الملك: أبلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عنّي السّلام، وقل له: إنّي استشفع بك إلى الله، وأطلب منه بحقّك شفاءه.

فمضى إليه ذلك الملك، ثمّ عاد إليه، فقال له مثل كلامه الأوّل، فأجابه أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام أيضاً بمثل جوابه الأوّل.

تكررت هذه العملية ثلاث مرّات، وفي المرّة الرابعة لمّا جاء الملك وأعاد الكلام، قام أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام من مجلسه، وقصد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، حتّى إذا دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك بعد أن استأذنه بالدخول عليه، أقبل عليه وقال له بعد التحيّة والسّلام: يا رسول الله، صلّى عليك مليك الأرض والسماء،


وليس من الصحيح بأنّ الله تعالى قد منحني وسام باب الحوائج وسمّاني به، والناس قد علموا بذلك فقصدوني وأمّوني، وهم يستشفعون ويتوسّلون بي إلى الله (عزّ وجلّ)؛ فإن لم يكن كذلك فليسلب الله سبحانه وتعالى هذا الاسم منّي، وليسحب هذا الوسام عنّي.

وهنا التفت إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مصدّقاً له، والابتسامة على شفتيه رضىً به وقبولاً منه، وقال له: ((ارجع أقرّ الله عينك، فأنت باب الحوائج، واشفع لمَنْ شئت، وهذا الشاب المريض قد شفاه الله ببركتك)).

وكان كما قصّ الرجل رؤياه؛ حيث إنّ ذلك الشاب المريض قام من مرضه وشوفي من علّته، وعاش ما عاش بعدها بصحة وسلامة، وعافية وكرامة، كلّ ذلك ببركة شفاعة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ووساطته عند الله (عزّ وجلّ).

ومن ذلك ظهر أنّ الرؤيا كانت من المنامات الصادقة والأحلام الطيّبة التي أخبرت الروايات الكريمة عنها قائلة: بأنّ رؤيا المؤمن جزءاً من سبعين جزء من النبوّة، كناية عن صدقها وتحققها في الخارج.

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده

جاء في كتاب (قمر بني هاشم): أنّ اُمّ البنينعليها‌السلام رأت أمير المؤمنينعليه‌السلام في بعض الأيام قد أجلس ولده أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام وهو صغير في حضنه، وشمّر عن ساعديه وكفّيه الصغيرتين، وأخذ يقبّلهما ويبكي، فأدهشها الحال، وتعجّبت من هذا الأمر، فأقبلت على الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام تسأله مندهشة، وتقول: لا أبكى الله عينك يا أمير المؤمنين، وهل في ساعدَي ولدي وكفّيه ما يستدعي التأثر والبكاء؟!


فأوقفها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على ما لهذا الطفل من شأن كبير عند الله، ومنزلة رفيعة لديه على ما سيقوم به من نصرة أخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء، والذبّ عنه حتّى تُقطع كلتا يديه في نصرته.

فلم تتمالك الاُمّ الحنون نفسها من وقع هذا الخبر حتّى بكت وأعولت، وشاركها مَنْ كان في الدار الزفرة والحسرة، والبكاء والعويل، فهدّأهم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأسكتهم، ثمّ بشّر اُمّ البنينعليها‌السلام بمكانة ولدها العزيز عند الله (جلّ شأنه)، وأخبرها بأنّه سوف يعوّضه الله عن يديه المقطوعتين بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل مثل ذلك لجعفر بن أبي طالبعليه‌السلام أيضاً.

ومعلوم أنّ تقبيل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام كفّي ولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وساعديه ليس هو من باب الشفقة والمحبّة فقط، بل هو من باب المقام والمنزلة أيضاً.

ستقر عيني بك

وجاء في كتاب معالي السبطين وغيره أيضاً: أنّه لمّا كانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة، أي في ليلة استشهاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهي الليلة الأخيرة من عمر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث أخذ الإمام يودّع فيها أهل بيته وخاصّته، ويوصيهم بوصاياه ومواعظه، وفيها التفت إلى ولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وضمّه إلى صدره، وقال له: ((ولدي عبّاس، وستقرّ عيني بك يوم القيامة.

ولدي أبا الفضل، إذا كان يوم عاشوراء، ودخلت الماء وملكت المشرعة، فإيّاك أن تشرب الماء وأن تذوق منه قطرة وأخوك الحسينعليه‌السلام عطشان)).


والشاهد من هذا الخبر هو قول الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام : ((وستقرّ عيني بك في يوم القيامة))؛ فإنّ قرّة عين الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لا يكون إلاّ بما يراه الإمام من علوّ مقام ولده أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند الله تبارك وتعالى، ورفيع منزلته لديه.

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند فاطمة الزهراء عليها‌السلام

جاء في كتاب (أسرار الشهادة) نقلاً عن بعض كتب المقاتل: أنّه إذا كان يوم القيامة واشتدّ الأمر على الناس، بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإذن من الله تعالى الإمامَ أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى ابنته الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليها‌السلام لتحضر مقام الشفاعة.

فيقبل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إليها ويخبرها بما قاله أبوها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويطلب منها حضور مقام الشفاعة، ثمّ يسألها قائلاً: ((يا فاطمة، ما عندك من أسباب الشفاعة؟ وما الذي ادّخرتيه لأجل هذا اليوم الذي فيه الفزع الأكبر؟)).

فتجيبه فاطمةعليها‌السلام بقولها له: ((يا أمير المؤمنين، كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العبّاس)).

وفي هذا الخبر دلالة كافية على قبول الله تعالى اليدين المقطوعتين لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، [ اللّتين ] قطعتا في سبيله، وفي نصرة دينه ووليّه.

وهو يدلّ أيضاً على علوّ مقام صاحب اليدين المقطوعتين عند الله تبارك وتعالى، وسموّ منزلته لديه، إضافة إلى علوّ مقامه عند فاطمة الزهراءعليها‌السلام ؛ حيث إنّها دعته ابناً لها عند قولها: ((كفانا لأجل هذا المقام اليدان المقطوعتان من ابني العبّاس))، بعد جعلها يديه القطيعتين وسيلة للشفاعة في ذلك اليوم العظيم والموقف الرهيب.


العبّاس عليه‌السلام ومنزلته عند الإمام المجتبى عليه‌السلام

لقد خاطب الإمام الصادقعليه‌السلام عمّه العبّاسعليه‌السلام في الزيارة المعروفة، التي علّم شيعته زيارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام بها، وقال: ((السّلام عليك أيّها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله، ولأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلّى الله عليه وسلّم)).

فإنّ طاعة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام لأخيه الإمام المجتبى الحسن الزكيعليه‌السلام تكشف عن مقامه عنده ومنزلته لديه، وليس مقاماً متواضعاً ومنزلة عادية، بل مقاماً رفيعاً ومنزلة سامية؛ وذلك لأنّهعليه‌السلام كان يطيعه عن علم تام، ومعرفة كاملة، ويقين راسخ؛ لأنّهعليه‌السلام كان يرى في إطاعته له إطاعة لأمر أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حيث أوصى بنيه وجميع أهل بيته، وشيعته ومحبّيه بالسمع والطاعة للإمام المجتبى الحسن الزكيعليه‌السلام ، ثمّ بعده لأخيه الإمام الحسينعليه‌السلام .

وممّا يدلّ أيضاً على عظيم منزلة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخيه الإمام المجتبىعليه‌السلام ، ورفيع مقامه لديه أن شرّكه الإمام الحسينعليه‌السلام في تجهيز الإمام المجتبىعليه‌السلام ، وتغسيله له وتكفينه إيّاه، مع أنّه لا يلي تجهيز المعصوم إلاّ المعصوم، ومَنْ أوصى المعصوم، ورآه المعصوم صالحاً لأن يشارك المعصوم في تجهيزه.

والظاهر: أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هو مَنْ قد أوصى الإمام المجتبىعليه‌السلام أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام بمشاركته له في تجهيزه، ورآه الإمام الحسينعليه‌السلام أيضاً صالحاً لذلك، فشرّكه معه في تجهيزه كما شرّك الإمام أمير المؤمنين ابن عمّه الفضل بن العبّاس بن عبد المطلب في تجهيز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن مع إلزامه في تعصيب عينيه؛ خشية العمى إن وقع بصره على ذلك الجسد الطاهر؛ فإنّ غير المعصوم كما


لا يحقّ له تجهيز المعصوم؛ لعدم المجانسة في العصمة والطهارة معه، فكذلك لا يحقّ له النظر إلى جسد المعصوم عند تجهيزه، وإلاّ عمي بصره.

بينما أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام قد شارك أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام في تجهيز الإمام المجتبىعليه‌السلام ، ولم يذكر في التاريخ أنّه عصّب عينيه أوغضّ طرفه عند مشاركته له، وهذا يدلّ على عظمة شأن أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وجلالة قدره.

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند الإمام الحسين عليه‌السلام

وأمّا منزلة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام فحدّث ولا حرج، فكم من موقف للإمام الحسينعليه‌السلام مع أخيه أبي الفضل العبّاس كشف فيه عن علوّ مقامه عنده، وسموّ منزلته لديه.

فقد خاطبهعليه‌السلام يوم التاسع من المحرّم عندما زحف الجيش الأموي على مخيّم الإمام الحسينعليه‌السلام بقوله: ((اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتسألهم عمّا جاءهم، وما الذي يريدون؟)).

وهذه الكلمة لها أهميتها وقدرها؛ فإنّها تنبئ عن مكانة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتخبر عن خطر منزلته لديه.

وقد خاطبهعليه‌السلام يوم عاشوراء أيضاً، وذلك لمّا استأذنه للبراز إلى الأعداء والقتال بين يديه، بقوله: ((أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري)). وفي رواية اُخرى قال له، وهو يريد استبقاءه: ((أنت العلامة من عسكري، وأنت مجمع عددنا، فإذا مضيت يؤول جمعنا إلى الشتات، وعمارتنا تنبعث إلى الخراب)).

وخاطبه في يوم عاشوراء أيضاً، وذلك لمّا وقف على مصرعه، وأراد حمله إلى المخيّم، فأقسم عليه العبّاسعليه‌السلام بحقّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتركه مكانه؛ لئلاّ


يتجرّأ الأعداء عليه، بقوله: ((جزيت عن أخيك خيراً، فقد نصرته حيّاً وميّتاً)).

وخاطبه أيضاً لمّا قام من مصرعه، وهو يبكي ويكفكف دموعه بيديه، بقوله: ((الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي))، وغيرها من المخاطبات الدالة على عظيم مقام العبّاسعليه‌السلام عند أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وسموّ منزلته لديه.

الإمام زين العابدين عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده

جاء في كتاب معالي السبطين إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا تفقّد ولده الإمام زين العابدينعليه‌السلام وعاده ليودّعه سأله عن عمّه العبّاسعليه‌السلام ، فاختنقت عمّته زينبعليها‌السلام التي كانت تمرّضه بعبرتها، وجعلت تنظر إلى أخيهاعليه‌السلام كيف يجيبه؛ لأنّه لم يكن يخبره لحد الآن بشهادة عمّه العبّاسعليه‌السلام خوفاً من أن يشتدّ مرضه، فقالعليه‌السلام له، وهو يرى أنّه لا بد من إخباره، ولا طريق لحجب هذا الخبر المفجع عنه: ((يا بني، إنّ عمّك قد قُتل، وقطعوا يديه على شاطئ الفرات)). فبكى علي بن الحسينعليه‌السلام بكاءً شديداً حتّى غشي عليه.

ومعلوم أنّ سؤال الإمام زين العابدينعليه‌السلام أوّلاً وقبل كلّ أحد عن عمّه العبّاسعليه‌السلام ، وكذلك بكاؤه لمّا سمع باستشهاده حتّى الإغماء دليل على عظمة مقام العبّاسعليه‌السلام عند الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، ورفيع منزلته لديه.

على الدنيا بعد العبّاسعليه‌السلام العـفا

وجاء في كتب المقاتل أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام لمّا جاء لمواراة الأجساد الطاهرة والأبدان الزاكية، ووارى بنفسه جثمان والده سيّد الشهداء الإمام الحسينعليه‌السلام ، واستعان ببني أسد في مواراة بقيّة الشهداء السعداء، وفرغ منها،


التفت إلى بني أسد وقال لهم: ((انظروا هل بقي من أحد؟)).

قالوا: نعم، بقي بطل مطروح حول المسنّاة، وإنّا كلّما حملنا منه جانباً سقط منه الجانب الآخر لكثرة ما به من ضرب السيوف، وطعن الرماح، فبكىعليه‌السلام من قولهم ذلك، وقال: ((امضوا بنا إليه)).

فلمّا رآه ألقى بنفسه عليه يلثم نحره الطاهر، ويقبّل يديه المقطوعتين، وهو يقول: ((على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم! وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب، ورحمة الله وبركاته)).

ثمّ قامعليه‌السلام وتولّى أمره بنفسه، فشقّ له ضريحاً وأنزله في مثواه وحده، ولم يشرك أحداً من بني أسد في ذلك كما فعل بأبيه سيّد الشهداءعليه‌السلام ، ولمّا أراد بنو أسد إعانته عليه قال لهم: ((يا بني أسد، إنّ معي مَنْ يعينني)).

وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على ما لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من مقام كبير، وشأن عظيم عند الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، بل عند الله تبارك وتعالى، وعند رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند الأئمّة من أهل بيتهعليه‌السلام .

رحـم الله عمّي العبّاسعليه‌السلام

وجاء في كتاب أمالي الصدوق أنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام وقع نظره يوماً على عبيد الله بن العبّاس بن عليعليه‌السلام ، فتذكّر به عمّه أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام فاستعبر، ثمّ قال: ((ما من يوم أشدّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من يوم قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلبعليه‌السلام أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام )).

ثمّ أضاف: ((ولا يوم كيوم الحسينعليه‌السلام ؛ ازدلف إليه فيه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة، كلّ يتقرّب بدمه إلى الله، وهو يذكّرهم بالله، فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً، وظلماً وعدواناً)).

ثمّ قال: ((رحم الله عمّي العبّاس،


فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالبعليه‌السلام ، وإنّ للعبّاسعليه‌السلام عند الله منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)).

بعد فاجعـة الطفِّ

وجاء في بعض الكتب أيضاً إنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام لمّا رجع إلى المدينة بعد فاجعة الطفِّ لازم الحزن والبكاء على أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعلى عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وعلى سائر شهداء كربلاء.

وكان لا يجلس بعد ذلك في الأعياد للناس، بل كان يوم العيد يوم حزنه وبكائه، ويوم تجدّد المصاب عليه، فأراد منه شيعته ذات مرّة وبإصرار أن يجلس لهم في عيد مقبل عليهم، كما وأرسلوا نساءهم إلى مخدّرات الرسالة ليسألن منه ذلك، فأجابهمعليه‌السلام إلى ذلك على شرط أن لا يأتوه مهنئين ولا مباركين له بالعيد.

فلمّا كان يوم العيد جلسعليه‌السلام لهم، فلمّا رأى عبيد الله بن العبّاس بن عليعليه‌السلام - وكان صغيراً - أنّ ابن عمّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد جلس للناس في هذا العيد ظنّ أنّ حزن الإمام وبكاءه قد انقضى، فأقبل إلى جدّته اُم البنين وأراد منها أن تلبسه ثياب العيد حتّى يزور بها الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، الذي جلس للناس في هذا العيد، فقالت له اُمّ البنين: نعم يا بني.

وكانت اُمّ البنين قد ادّخرت ثياباً للعبّاسعليه‌السلام من أيّام الصغر، فأخرجتها وألبسته، فجاء عبيد الله بن العبّاسعليه‌السلام فيها ودخل على الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، فلمّا رآه مقبلاً وقد لبس ثياب أبيه العبّاسعليه‌السلام قامعليه‌السلام من مجلسه، وقد تحادرت دموعه على خدّيه؛ ليستقبل ابن عمّه الصغير باكياً، فقيل له: لا أبكى الله عينك يابن رسول الله، ممّ بكاؤك؟

فقالعليه‌السلام : ((لمّا وقع نظري على ابن عمّي هذا عبيد الله بن


العبّاسعليه‌السلام المقبل عليّ، وقد لبس ثياب أبيه تذكّرت عمّي العبّاس، وتصوّرت أنّه هو الذي يدخل عليّ، فتذكّرت بذلك موقفه يوم الطفّ فبكيت)).

ثمّ فتح الإمامعليه‌السلام باعه وضمّ ابن عمّه عبيد الله بن العبّاسعليه‌السلام إلى صدره وقبّله، ثمّ أجلسه في حجره، والتفت إليه وهو يمسح على رأسه بيده الكريمة، ويقول له: ((أظننت يابن العم أنّ حزننا على عمّك الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعلى أبيك العبّاسعليه‌السلام ، وسائر بني هاشم والشهداء قد انقضى؟! هيهات يابن العم! إنّ حزننا عليهم لا ينقضي إلى يوم القيامة)).

ثمّ أنشأ يقول:

نحنُ بنو المصطفى ذوو غُصصٍ

يـجـرعـها في الأنامِ كاظمُنا

عـظـيمةٌ فـي الأنـامِ محنتُنا

أوّلُـنـا مـبـتـلـى وآخرُنا

يـفـرحُ هـذا الـورى بعيدِهمُ

ونحـنُ أعـيـادُنـا مآتمُنا

والناسُ في الأمنِ والسرورِ وما

يـأمـنُ طـولَ الزمانِ خائفُنا

وما خـصصنا بهِ من الشـ

رفِ الـطـائلِ بين الأنامِ آفتُنا

يـحـكمُ فـيـنا والحكمُ فيهِ لنا

جـاحـدُنـا حـقّـنا وغاصبُنا

ثمّ بكى، وبكى مَنْ كان حاضراً معه.

منزلة العبّاسعليه‌السلام عند الإمام الباقر عليه‌السلام

جاء في كتب المقاتل إنّ الإمام محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، المكنى بـ (أبي جعفر)، والملقّب من قبل جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله تبارك وتعالى بلقب (الباقر)عليه‌السلام ، كان مع أبيه الإمام السجّادعليه‌السلام وجدّه الإمام الحسينعليه‌السلام قد حضر كربلاء، ومر عليه يوم عاشوراء وهو ابن خمس سنين، فكان يدرك كلّ الوقائع المؤلمة التي وقعت فيه، ويتحسّس جميع الأحداث المفجعة التي


اتّفقت لهم عنده، فكان المصاب الأليم يعصر قلبه، والرزايا العظيمة تستدرّ دمعه، وخاصّة عندما سمع بمقتل عمّ أبيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ذلك البطل الضرغام الذي كان معسكر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وخاصّة مخيّم النساء آمناً في ظِلاله، ومطمئناً إلى حمايته ودفاعه، والذي بشهادتهعليه‌السلام أمِنَ العدوّ جانب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأيقن بالسيطرة عليه، وسهرت عيون الهاشميات، وباتت خائفة من الأسر، مرعوبة من السبي، وتسلّط الأعداء الجفاة عليهم.

ولذلك يمكن لنا القول بأنّ الإمام الباقرعليه‌السلام تقديراً لمواقف عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المشرّفة، وشكراً لمساعيه الطيّبة، وإعلانا عن مقام عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عنده، ومنزلته لديه، قد لثم يدَي عمّه المقطوعتين، وقبّلهما بحرقة ولوعة؛ اقتداءً بأبيه الإمام السجّادعليه‌السلام ، وجدّه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وذلك حين مرّوا به وبعمّاته والهاشميات على مصارع القتلى، وأطافوا بهم حول أجسادهم الموذرة وأعضائهم المقطّعة.

وبذلك يكون قد قبّل يدَي أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ولثمها خمسة من الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، وهم: الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، والإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام ، فإنّهما قبّلا يديه في حال صغره، وحين كانتا مثبتتين في جسمه، والإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه قبّلهما في صغره مثبتتين، وفي كبره مقطوعتين، والإمام السجادعليه‌السلام والإمام الباقرعليه‌السلام ؛ فإنّهما قبّلا يدَيه وهما مقطوعتان عن جسمه، مرميّتان على رمضاء كربلاء.


الإمام الصادق عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده

لقد روي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام الشيء الكثير، والجم الغفير في حقّ عمّه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وكلّ واحد منها ينبئ عن علوّ مقامه عنده، وسموّ منزلته لديه، بل كلّ واحد منها صريح في بيان ما لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من الجاه والجلال عند الله تعالى، وعند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند فاطمة الزهراءعليه‌السلام ، وعند الأئمّة من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد اشتهر منها قولهعليه‌السلام في حقّه: ((كان عمّنا العبّاس بن عليعليه‌السلام نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد اللهعليه‌السلام وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً)).

ويكفي أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام هذا الوسام الكريم من الإمام الصادقعليه‌السلام ، الذي هو وسام من الله تعالى؛ لأنّهعليه‌السلام يتكلّم عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن جبرائيل، عن الله تعالى، وقد أبان فيه عن مدى شخصيّة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام الكبيرة، وكشف عبره عن مغزى نفسية العبّاسعليه‌السلام الرحبة، وأفصح في طيّاته عن معنوياته الواسعة والصلبة.

وقد اشتهر منها أيضاً قولهعليه‌السلام فيما علّمه شيعته وأصحابه إذا حضروا عند مرقد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام أن يخاطبوه به من لفظ الزيارة المرويّة بسند صحيح متّفق عليه، والتي تبتدئ بتقديم التحيّة، وإهداء السّلام من الله وملائكته وأنبيائه ورسله، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصدّيقين، زاكيّة طيّبة في كلّ صباح ومساء على العبّاس ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتنتهي بالدعاء والثناء، وطلب المغفرة والرضوان، ونيل الفلاح والنجاح للزائرين الوافدين، وتضمّ فيما


بين البدء والختم معانٍ شامخة، ومقامات سامية تضاهي ما جاء من المعاني الشامخة في زيارات المعصومينعليهم‌السلام ، وتوازي ما روي من المقامات السامية لهم (سلام الله عليهم أجمعين).

فالزيارة هذه إذاً صريحة في عظمة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وجلالة قدره.

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند باقي الأئمّة عليهم‌السلام

ثمّ إنّ باقي الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد الإمام الصادقعليه‌السلام وحتّى الإمام المهديعليه‌السلام وإن لم يصلنا منهم تصريح في حقّ عمّهم أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام سوى ما وصلنا من الإمام الهاديعليه‌السلام ؛ وذلك على ما في الإقبال من زيارة الناحية المقدّسة الصادرة عنها سنة مئتين واثنين وخمسين هجريّة، المتعرّضة لأسماء الشهداء، والتي يقول فيها الإمامعليه‌السلام مخاطباً عمّه العبّاسعليه‌السلام : ((السّلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه...)).

وسوى ما بلغنا من الزيارة الصادرة من الناحية المقدّسة لصاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، والتي يقول فيها الإمامعليه‌السلام : ((السّلام على الأعضاء المقطّعات)).

إلاّ أنّهمعليهم‌السلام أقرّوا ما روي صحيحاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام من لفظ زيارة عمّهم أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأمروا شيعتهم أن يزوروا عمّهم العبّاسعليه‌السلام بتلك الزيارة المأثورة، فيكونون بذلك قد قبلوا ما تضمّنته الزيارة من مقام رفيع لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وما صرّحت به من مرتبته السامية؛ فيصح لنا حينئذ أن نقول: إنّ مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند مَنْ لم يصلنا منه تصريح في حقّه من الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام هو نفس مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند مَنْ وصلنا من الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام تصريح منه في حقّهعليه‌السلام .


اُمّ البنين عليها‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عندها

إنّ الاُمّ وإن عُرف بأنّه يشدّها إلى ابنها محبّة الاُمومة، وعلاقة الحمل والرضاع ن والتربية والحضانة، إلاّ أنّ اُمّ البنينعليها‌السلام قد فاقت في محبّتها لولدها العبّاسعليه‌السلام على محبّة الاُمومة، وسمت في علاقتها به علاقة القرابة القريبة؛ وذلك لمعرفتها بما يحمله أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بين جوانبه من إيمان راسخ وولاء كبير لأخيه وإمامه الإمام الحسينعليه‌السلام .

وما يضمّه بين أضلاعه من إخلاص لله تعالى ولرسوله ولدينه وإمامه، وما ينطوي عليه من صفات خيّرة وخلق كريم؛ حيث اجتماع كلّ ذلك في أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، والذي بشّرته به إرهاصات ولادتهعليه‌السلام ، بل وقبل ولادته وحمله، جعلت له مكانة عظيمة لدى اُمّه اُمّ البنينعليها‌السلام ، وأحرزت له منزلة رفيعة لديها؛ ولذلك نراهاعليها‌السلام تعوّذه من صغره بقولها:

أُعـيـذهُ بـالواحدِ

من عينِ كلّ حاسدِ

قـائـمِهمْ والقاعدِ

مـسلمِهمْ والجاحدِ

صـادرِهم والواردِ

مـولودِهمْ والوالدِ

وترثيه بعد شهادته بقولها:

يا مَنْ رأى العبّاس كرّ

عـلـى جماهيرِ النّقدْ

ووراه مـن أبناءِ حيـ

ـدرِ كـلُّ ليثٍ ذي لُبدْ

نُـبّئتُ أنّ ابني أُصيـ

ـبَ بـرأسهِ مقطوعَ يدْ

ويـلي على شبلي أما

لَ برأسِهِ ضربُ العمدْ

لو كانَ سيفكَ في يدِيـ

ـك لـما دنا منكَ أحدْ


وقولها الآخر:

لا تـدعـوَنّـي ويكِ اُمَّ البنينْ

تـذكّـريني بـليوثِ العرينْ

كـانـت بـنونَ ليَ أُدعى بهمْ

والـيومُ أصبحتُ ولا من بنينْ

أربـعـةٌ مـثـلُ نسورِ الرُّبى

قد واصلوا الموتَ بقطعِ الوتينْ

تـنـازعُ الـخرصانُ أشلاءَهم

فـكـلّهم أمسى صريعاً طعينْ

يـا لـيتَ شعري أكما أخبروا

بأنّ عـبّاساً قطيعَ اليمينْ

نعم، إنّ اُمّ البنينعليها‌السلام كانت هي أوّل مَنْ رثى العبّاسعليه‌السلام على ما في مقاتل الطالبيِّين؛ فإنّها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها الأربعة؛ العبّاسعليه‌السلام وإخوته عبد الله وجعفر وعثمان، أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس لسماع ندبتها والبكاء معها مساعدة لها، حتّى إنّ مروان هذا العدو اللدود لبني هاشم كان إذا مرّ بالبقيع وسمع ندبة اُمّ البنين أقبل وجلس يبكي مع الناس لبكائها.

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند السيّدة زينب عليها‌السلام

وأمّا منزلة العبّاسعليه‌السلام عند السيّدة زينبعليها‌السلام فقد ظهر منذ ولادتهاعليها‌السلام ، فكانت بعد اُمّه اُمّ البنينعليها‌السلام هي كالأم الحنون له، تناغيه في المهد، وتربّيه في أحضانها، وتغذّيه بعلمها ومعرفتها.

وهي التي أتت به عند ولادته إلى أبيه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ ليقيم عليه سنن الولادة من الأذان والإقامة في أذنيه اليمنى واليسرى، ومن التسمية، وجعل الكنية واللقب له، ثمّ سألت أباها عن اسمه، فقال لها: ((إنّه عبّاس))، وعن كنيته، فقال: ((إنّه أبو الفضل))، وعن لقبه، فقال: ((إنّه قمر بني هاشم، وقمر العشيرة، والسقّاء)).

فقالتعليها‌السلام متفائلة: أمّا اسمه (عبّاس) فهو علامة الشجاعة والبسالة، وأمّا كنيته (أبو الفضل) فهو آية


الفضل والكرامة، وأمّا لقبه (قمر بني هاشم، وقمر العشيرة) فهو وسام الجمال والكمال، والصباحة والوجاهة، ولكن يا أبه، ما معنى أنّه السقّاء؟

فقال لها أبوها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد استعبر: ((إنّه ساقي عطاشى كربلاء)). وقصّ عليها شيئاً من حوادث عاشوراء، فأجهشت السيّدة زينبعليها‌السلام بالبكاء لمّا سمعت ذلك، فهدّأها أبوها بقوله: ((بُنية زينب، تجلّدي واصبري، وخذي أخاك إلى اُمّه، واعلمي أنّ له معك لموقف مشرّف وشأن عظيم)).

وهذا ممّا زاد في مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام عند أخته السيّدة زينبعليها‌السلام ، وأضاف في منزلته لديها، حتّى أنّهاعليها‌السلام طلبت من أبيها عند ارتحاله على ما في بعض الكتب بأن يتكفّلها أخوها أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ويلتزم بحمايتها وحراستها، وخاصّة في كربلاء، وعند السفر إليها.

فدعاعليه‌السلام ولده أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وأخذ بيد ابنته الكبرى السيّدة زينبعليها‌السلام ووضعها في يدهعليه‌السلام ، وقال له: ((بني عبّاس، هذه وديعة منّي إليك، فلا تقصّر في حفظها وصيانتها)). فقال العبّاسعليه‌السلام لأبيهعليه‌السلام ودموعه تجري على خديه: لأنعمنّك يا أبتاه عيناً.

وكان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام بعد ذلك يهتمّ باُخته الكبرى السيّدة زينبعليها‌السلام أكثر من ذي قبل، ويرعاها أشدّ رعاية من الماضي، وخاصّة في أسفارها التي اتّفقت لهاعليها‌السلام بعد ذلك.

فإنّ أوّل سفرهاعليها‌السلام كان في أيّام خلافة والدها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام الظاهرية، حيث هاجرعليه‌السلام من المدينة إلى الكوفة وجعلها مقرّاً لخلافته، فهاجرت هيعليها‌السلام إليها أيضاً.

وأمّا أسفارها الباقية، وهي عبارة عن سفرها مع أخيها الإمام المجتبى الحسن الزكيعليه‌السلام إلى المدينة المنوّرة، والرجوع إلى مدينة جدّهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك سفرها مع أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام حين خروجه على يزيد بن معاوية - عدوّ الله وعدوّ رسوله - من المدينة إلى مكّة ومنها إلى كربلاء، فكان أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو الذي تكفّل ركوبها ونزولها، وتعهّد حراستها


ورعايتها في طوال الطريق، وخاصّة عند نزولها في كربلاء، وعلى الأخصّ في الأيّام الصعبة والظروف العصيبة التي أحاطت بهم في كربلاء من كلّ جانب وإلى يوم عاشوراء.

ولذلك لمّا أراد الأعداء السفر بها وببقية السبايا إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وأحضروا النياق الهزّل الخالية عن الوطاء، والعارية عن المحامل، ليركبوهم عليها ويعرجوا بهم من ربوع كربلاء، التفتت السيّدة زينبعليها‌السلام نحو العلقمي وصاحت برفيع صوتها، والأسى يقطّع نبرتاها: أخي عبّاس، أنت الذي من المدينة أركبتني، وها هنا أنزلتني، قم الآن فركّبني، فها هي نياق الرحيل تجاذبنا بالمسير.

عـبّاس يا حامي الظعينةِ والحرمْ

بحماك قد نامتْ سكينةُ في الحرمْ

صرختْ ونادتْ يومَ إذ سقطَ العلمْ

الـيومُ نـامتْ أعـينٌ بكَ لمْ تنمْ

وتـسهّدتْ اُخـرى فـعزَّ منامُها

عـبّاس تـسمعُ ما تقولُ سكينةٌ

عـمّاه يـومَ الأسرِ مَنْ يحميني

العبّاس عليه‌السلام ومقامه عند محبّيه وشيعته

لقد رفع الله مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وأعلى منزله في الدنيا والآخرة، ولدى محبّيه وشيعته، بل ولدى الناس أجمعين، حتّى إنّ العلاّمة الدربندي في أسرار الشهادة كما عن معالي السبطين، قال وهو يصف بعض ما لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من الجاه والمقام عند الناس:

ثمّ انظر إلى اسمه الشريف عند المخالف والموالف؛ فإنّه قد جعل قريباً من أسماء الأئمّة الحجج، ولا تمضي ساعة إلاّ وقد وقع الحلف باسمه الشريف، بل الرعب منه أكثر من غيره، بحيث لا يحلفون باسمه كذباً؛ خوفاً من الابتلاء والافتضاح، وقد شاهدوا ذلك باُمّ أعينهم.


وقصة التوسل به في قضاء الحوائج معروفة، بحيث إنّه لا يمضي أسبوع واحد إلاّ وقد علا أحدهم المنارة العبّاسيّة المباركة، وأخذ ينادي بأعلى الصوت: رفع الله راية العبّاس، وبيّض وجهه؛ فإنّه قد قضيت حوائجنا بتوسّلنا به إلى الله تعالى، ونزولنا بفنائه، ولجوئنا ببابه، ثمّ قال: وكيفيّة النذورات له وكثرتها معلوم وواضح.

ويشهد لهذا التصريح المذكور في معالي السبطين، والمحكي عن أسرار الشهادة، التاريخ الغابر والمعاصر، وكلّ مَنْ توفّق لأن يقصد أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ويتشرّف بالحضور في روضته المباركة، ويزوره في كربلاء المقدّسة عن كثب؛ حيث إنّه يشاهد كلّ هذه الاُمور قائمة في روضته المباركة على قدم وساق، ولا عجب من ذلك؛ إذ هو الذي منحه الله تعالى وسام (باب الحوائج)، وآلى على نفسه أن لا يردّ صاحب حاجة من بابهعليه‌السلام خائباً، ولا مؤمّلاً به محروماً، بل يردّهم بحوائجهم مفلحين منجحين، وسالمين غانمين.

العلماء إذا زاروا مرقد العبّاس عليه‌السلام

هذا، وقد جاء في المأثور من زيارة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المرويّة في المزار الكبير لابن المشهدي، بسند صحيح عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، إنّ من آدابها هو أن ينكبّ الزائر على مرقد أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ويقبّله، ويقول كذا وكذا.

وجاء في مزار الشيخ المفيد، ومزار السيّد ابن طاووس، أنّه عندما يستأذن الزائر في الدخول إلى روضة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المباركة، يدخل وينكبّ على القبر الشريف، ويقول وهو مستقبل القبلة: ((السّلام عليك أيّها العبد الصالح...)).

وفي زيارة اُخرى لهعليه‌السلام : ((ثمّ تنكبّ على القبر وتقبّله، وتقول: بأبي أنت واُمّي يا ناصر دين الله!...)).


ومن أجل ذلك كان العلماء الأعلام والمراجع العظام إذا قصدوا أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وتشرّفوا بزيارته في روضته المباركة، قبّلوا عتبته الشريفة ولثموها عند دخولهم إليه، كما يلثمون عتبة الإمام الحسينعليه‌السلام ويقبلونها عند الدخول إليه والتشرّف بزيارتهعليه‌السلام .

وينقل عن صاحب كتاب [ أسرار الشهادة ] العلاّمة الدربندي أنّه قال يوماً للشيخ الأنصاري، وذلك في أيّام مرجعية الشيخ: إنّ الشيعة يرجعون إليكم ويقتدون بكم ويقتفون آثاركم، فلو كنتم عند تشرّفكم إلى زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام تقبّلون عتبته المقدّسة حين دخولكم في روضته المباركة، اقتدى الشيعة بكم في ذلك، وفعلوا كما تفعلون، فتشتركون في ثوابهم، وتؤجرون بأجرهم.

فأجابه الشيخ الأنصاري قائلاً: إنّي اُقبّل عتبة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام المقدّسة وألثمها، ناهيك عن أعتاب الأئمّة الطاهرين من أئمّة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كالإمام الحسينعليه‌السلام .

ثمّ أضاف قائلاً: إنّي إنّما أقبّل عتبة أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وألثمها؛ لأنّها موطئ أقدام زواره الكرام، ناهيك عن أنّها عتبة باب الحوائج وباب الإمام الحسينعليه‌السلام أبي الفضل العبّاس ابن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

هذا بعض ما لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام من الجاه العظيم، والمقام الرفيع عند الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند ابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام وعند الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند أمّه اُمّ البنينعليها‌السلام وعند أخته السيّدة زينبعليها‌السلام ، وعند شيعته ومحبّيه.

وأمّا حقيقة مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وواقع منزلته فممّا لا يعلمها إلاّ الله تبارك وتعالى. رزقنا الله زيارته، وحشرنا معه في الدنيا والآخرة، آمين ربّ العالمين.


الخاتمة

في خصائص حواريّ الإمام الحسينعليه‌السلام

ولـيسَ لـديه نـاصرٌ غـيرُ نيفٍ

وسـبعينَ لـيثاً مـا هـناكَ مزيدُ

سـطتْ وأنـابيبُ الـرماحِ كأنّها

أجـامٌ وهـم تـحتَ الرماحِ أسودُ

تـرى لـهمُ عـندَ الـقراعِ تباشراً

كـأنّ لـهم يـومَ الـكريهةِ عـيدُ

وما برحوا عن نصرةِ الدين والهدى

إلـى أن تـفانى جـمعُهمْ واُبيدوا

ولنذكر بتوفيق من الله تعالى في خاتمة كتابنا هذا (الخصائص العبّاسيّة) بعض خصائص حواريّ الإمام الحسينعليه‌السلام من أصحابه وأهل بيته، الذين استشهدوا معه في كربلاء، وشيئاً ممّا امتازوا به على سائر حواريّ الأنبياء، وأوصيائهم من موسى وعيسى وهارون ويوشع إلى نبيّنا الحبيب، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأشرف خلق الله أجمعين محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووصيّه الكريم، سيّد الأوصياء، وإمام المتّقين، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

هذا، ولا يخفى أنّ أبا الفضل العبّاسعليه‌السلام على ما سبق هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام وسيّدهم، وأفضلهم وأشرفهم، وإذا كان كذلك فإنّه إذا تكلّمنا عن خصائص حواريّ الإمام الحسينعليه‌السلام وامتيازاتهم، فقد تكلّمنا في الواقع عن خصائص أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام وامتيازاته أيضاً، علماً بأنّ أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ليس هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام فحسب، بل هو إمام كلّ


الحواريّين؛ وذلك لأنّهعليه‌السلام هو إمام حواريّ أخيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحواريّو الإمام الحسينعليه‌السلام هم أفضل كلّ الحواريّين من الأوّلين والآخرين، فيكون أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام إذن هو إمام كلّ الحواريّين وأفضلهم من الأوّلين والآخرين، ويكون الحديث عنهم هو حديث عنه أيضاً.

وحيث اتّضح ذلك، فلنبدأ الآن بما تيسّر لنا ذكره من تلك الخصائص والامتيازات الواردة في حقّهم بإذن الله تعالى وتأييده:

الامتياز الأوّل:

1 - إنّهم كانوا بعد المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام في مقدّمة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؛ وذلك على ما جاء في ثواب الأعمال عن الإمام الصادقعليه‌السلام من أنّه أوصى بقراءة سورة (الفجر) في الصلوات الفريضة والنافلة، وقال: ((إنّها سورة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، مَنْ قرأها كان مع الإمام الحسينعليه‌السلام يوم القيامة في درجته في الجنّة)).

وفي شرح الآيات الباهرة، مسندا عن الإمام الصادقعليه‌السلام في حديث جاء فيه:( يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ ...) ، ((إنّما يعني بها الحسين بن عليعليه‌السلام ؛ فهو ذو النفس المطمئنة، الراضية المرضيّة، وأصحابه من آل محمّدعليهم‌السلام الراضون عن الله يوم القيامة وهو راضٍ عنهم. وهذه السورة نزلت في الحسين بن عليعليه‌السلام وشيعته، وشيعة آل محمّد خاصّة...)).

الامتياز الثاني:

2 - إنّهم كانوا أبرّ وأوفى جميع مَنْ صحب الأنبياء والأوصياء قاطبة؛ وذلك لأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام برواية الإرشاد للمفيد، مسندا عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام


جمعهم غروب يوم التاسع من المحرّم، أي في أوّل الليل من ليلة عاشوراء، ورفع عنهم بيعته، وأذن لهم بالانصراف فلم يرضوا إلاّ ببذل أرواحهم دونه، وكان أوّل مَنْ بدأهم هو أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام ، عندها قال لهم الإمام الحسينعليه‌السلام : ((أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله خيراً)).

الامتياز الثالث:

3 - إنّهم كانوا خير مَنْ نصر الله، ونصر دين الله، ونصر أنبياءه وأوصياءهم من الأوّلين والآخرين، وذلك كما في الزيارة الصادرة عن الناحية المقدّسة، حيث جاء فيها: ((السّلام عليكم يا خير أنصار، السّلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)).

ولعلّ تفوّق هؤلاء على الجميع يكون لأجل شدّة إيمانهم وإخلاصهم لإمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولأجل أنّ نسبتهم إلى نسبة العدوّ كانت حسب بعض الروايات التاريخية نسبة الواحد إلى الألف، بل أكثر، ومعه قد حصل لهم العلم بأنّهم سوف يُقتلون عن آخرهم، ويُقتل معهم الإمام الحسينعليه‌السلام أيضاً، وعلموا أيضاً أنّه لا ظفر ظاهري لهم على العدوّ.

كما إنّهم أيقنوا بأنّهم لو تركوا نصرة إمامهم، وانسحبوا عن ساحة القتال، وغادروا كربلاء لم يُقتلوا، ومع ذلك نصروه وأرخصوا دماءهم، وبذلوا أرواحهم في نصرته. بينما لم تجتمع هذه الاُمور في غيرهم، لا من حيث شدّة الإخلاص، ولا من حيث قلّة العدد وكثرة العدوّ، ولا من حيث اليقين بالقتل؛ فإنّ غيرهم كانوا على الأقل يأملون بقاء مَنْ ينصرونه.


الامتياز الرابع:

4 - إنّهم كانوا قد أُثبتوا بأسمائهم وأشخاصهم، وعددهم وعدّتهم في اللوح المحفوظ، بحيث إنّهم لم ينقصوا ولم يزدادوا، ولم يتغيّروا ولم يتبدّلوا، ولذلك لمّا عُنّف ابن عبّاس على عدم نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام أجاب كما عن مناقب ابن شهر آشوب: إنّ أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

وقال المحدّث القمّي في مقتله المعروف بـ (نَفَس المهموم)، نقلاً عن محمّد بن الحنفيّة، أنّه قال: وإنّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم.

الامتياز الخامس:

5 - إنّهم كانوا هم السباقون إلى الخير والجنّة، بحيث إنّه لم يستطع أحد من الأوّلين والآخرين اللحوق بهم وبدرجاتهم، فكيف بالسبق عليهم؟! وذلك لأنّ في تهذيب الشيخ رواية عن الإمام الصادقعليه‌السلام يقول فيها: مرّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في طريقه بكربلاء فاستعبر عندها، وقال - ما مضمونه: ها هنا مناخ ركابهم، ومصارع رجالهم، شهداء لا يسبقهم مَنْ كان قبلهم، ولا يلحقهم مَنْ كان بعدهم.

وروي في البحار عن خرائج الراوندي، عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال ما معناه: ها هنا مناخ ركابهم، ومصارع عشّاقهم، شهداء لا يسبقهم مَنْ كان قبلهم، ولا يلحقهم مَنْ كان بعدهم.

ولا يخفى إنّ التعبير بكلمة العشق لم يأت في الروايات المعتبرة سوى في هذه الرواية، وفي رواية وروايتين فقط غير هذه الرواية.


الامتياز السادس:

6 - إنّهم كانوا أرفع الشهداء درجة عند الله تعالى؛ وذلك على ما جاء في البحار عن الأمالي، عن جبلّة المكيّة أنّها قالت: قال لي ميثم التمّار: يا جبلّة، اعلمي أنّ الحسين بن عليعليه‌السلام سيّد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة.

ومعناه: إنّ حواريّ الإمام الحسينعليه‌السلام في أسمى درجة من الدرجات التي أعدّها الله تعالى للشهداء في الجنّة؛ لأنّهم يفوقونهم جميعاً بدرجة.

الامتياز السابع:

7 - إنّهم كانوا أعبد أهل زمانهم، فقد روى السيّد ابن طاووس في لهوفه، وهو يصف حال أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ليلة عاشوراء، قائلاً: وبات الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً.

وكذا كانت سجية الإمام الحسينعليه‌السلام حتّى قال في العقد الفريد: قيل لعليّ بن الحسينعليه‌السلام : ما أقلّ ولد أبيك؟!

فقالعليه‌السلام : ((العجب كيف ولدت له! فإنّهعليه‌السلام كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرّغ للنساء؟!)).

وقال المفيد في إرشاده وهو يذكر حوادث ليلة عاشوراء: فقام الإمام الحسينعليه‌السلام الليل كلّه يصلّي ويستغفر، ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون، ويستغفرون ويتضرّعون.


الامتياز الثامن:

8 - إنّهم كانوا أتقى الناس، وأقوى شاهد على تقواهم هو استئذانهم من الإمام الحسينعليه‌السلام في القتال بين يديه، مع أنّ أنفسهم كانت تائقة للشهادة بين يديه.

والعقل يحكم بوجوب نصرة مَنْ أوجب الله تعالى على الإنسان نصرته، حيث جعله أولى بالإنسان من نفسه، ولكن مع ذلك لم يبرزوا إلاّ بإذن منه (سلام الله عليه)، فكان إذا أذنعليه‌السلام لهم تقدّموا للشهادة.

الامتياز التاسع:

9 - إنّهم كانوا القمّة في قوّة القلب، ورباطة الجأش، بحيث إنّهم في ليلة عاشوراء مع إنّهم كانوا قد أيقنوا بأنّهم في الليلة الأخيرة من أعمارهم، وأنّهم سوف يقتلون غداً بأجمعهم، لم يقلقوا ولم يضطربوا، بل كانوا قد اشتغلوا بفارغ البال، وسلامة الفكر، واطمئنان القلب، بالصلاة لربّهم والعبادة لخالقهم، وقراءة القرآن، وترديد الأذكار، والتضرّع والاستغفار، وبالمزاح بعضهم مع بعض أحياناً.

ولنعلم ما قيل في حقّهم:

اُسـودُ الوغى غاباتُهم أجمُ القنا

لـهم في متونِ الصافناتِ مقيلُ

ليوثٌ لهم بيضُ الصفاحِ مخالبٌ

غـيوثٌ لهم صبُّ الدماءِ مسيلُ

الامتياز العاشر:

10 - إنّهم كانوا بعد المعصومينعليه‌السلام أعلى الناس همّة؛ فقد عمدوا في ليلة عاشوراء وهم يعلمون أنّها آخر ليلة من حياتهم بعد أن تفرّغوا فيها للعبادة


والصلاة، والقرآن والدعاء، إلى القيام بحفر شبه خندق حول معسكرهم، ومخيّم النساء بتعليم من الإمام الحسينعليه‌السلام ، وملؤوه بالحطب والقصب حتّى يشعلوه بالنار في الصباح؛ لئلاّ يستطيع العدوّ من محاصرتهم، وإحاطتهم من كلّ الأطراف، بل يكون القتال من جهة واحدة فقط، وكذلك كان؛ فإنّ العدوّ لمّا بدأ القتال دار خلف المعسكر ليحاصرهم ويأتي عن آخرهم في أوّل جولة من الحرب، ولكنّه فوجئ بالخندق المملوء بالنار، فتراجع خائباً خاسراً.

الامتياز الحادي عشر:

11 - إنّهم كانوا طلايع الذين نصر الله تعالى دينه بهم؛ لأنّهم كانوا نخبتهم وزبدتهم جميعاً.

ففي مروج الذهب إنّ الله تعالى نصر دينه بألف رجل؛ ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً منهم أصحاب طالوت، وثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً منهم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حرب بدر الكبرى، وثلاثمئة وثلاثة عشرة رجلاً منهم أصحاب المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)، والباقون هم واحد وستون رجلاً وهم أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام الذين قتلوا معه في كربلاء.

وقد عرفت أنّهم في مقدّمة الكلّ وطلايع الجميع، وأمّا عدّتهم فقد قال ثقة الإسلام النوري: إنّ ما ذكره في مروج الذهب من عدّهم هو خلاف المشهور بين أصحاب السيَر والتواريخ؛ فإنّ المشهور بينهم اثنان وسبعون، وليس أقلّ إلاّ أن يُقال: إنّ مراد مروج الذهب الأصحاب من غير بني هاشم.

الامتياز الثاني عشر:

12 - إنّهم كانوا أخلص الناس في حبّهم وولائهم لله ورسوله وأهل بيته،


وخاصّة الإمام الحسينعليه‌السلام ، حتّى عدّهم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هم المحبّين الواقعيّين، والموالين الحقيقيّين، وذلك في كلام له عند مروره بكربلاء.

ففي التهذيب عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: مرّ عليعليه‌السلام في كربلاء في اثنين من أصحابه، فقال وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وهو يشير إلى الإمام الحسينعليه‌السلام وحواريّه: ((ها هنا مهراق دمائهم)).

ثمّ خاطب أرض كربلاء بقوله: ((طوبى لك من أرض يراق فيها دماء الأحبّة!)).

فـأظـلّتهم جـنـودٌ كـالـجرادِ الـمنتشرْ

مـعَ شـمرٍ وابـن سـعدٍ كـلّ كذّابٍ أشرْ

فاصطلى الجمعان نارَ الحربِ في يومٍ عسرْ

واستدارت في رحى الهيجاءِ أنصارُ الحسينْ

الامتياز الثالث عشر:

13 - إنّهم كانوا هم الصفوة الذين اختار الله لهم أرض كربلاء المقدّسة مثوى ومضجعاً؛ وذلك إكراماً منه لأرض كربلاء المشرّفة، بسبب تواضعها لله تعالى.

ففي كامل الزيارة عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال: ((لمّا تفاخرت قطع الأرض بعضها على بعض، قالت أرض كربلاء بتواضع: أنا أرض الله المباركة المقدّسة، الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر، بل أنا خاضعة وذليلة لمَنْ فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني، بل شكراً لله. فأكرمها الله وزادها بتواضعها شكراً لله بالحسينعليه‌السلام وأصحابه)).

ولنعم ما قيل في حقّها:

هي الطفوفُ فطفْ سبعاً بمغناها

فـما لـمكّة مـغنى مثلَ مغناها

أرضٌ ولـكنّما السبعُ الشدادُ لها

دانتْ وطـأطأ أعـلاها(1)

____________________

(1) لا يخفى ما في المصراع الثاني من سقوط تفعيلة أخلّت بعروضه.(موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


وكيفَ لا وهي أرضٌ ضمّنت جثّة(1)

ما كـانَ ذلـك لا والله لـولاها

فـيها الـحسينُ وفـتيانٌ لـهُ بـذلوا

فـي اللهِ أيّ نـفوسٍ كـانَ زكّـاها

الامتياز الرابع عشر:

14 - إنّهم هم الذين دعاهم سلمان الفارسي بكونهم إخوانه.

ففي كتاب (نفس الرحمان) عن رجال الكشي، عن المسيّب بن نجيّة الفزاري روى قائلاً: إنّه لمّا أتانا سلمان الفارسي قادماً تلقّيناه فيمَنْ تلقّاه فسار بنا إلى كربلاء، فلمّا وصلنا قال: هذه مصارع إخواني، هذا موضع رحالهم، وهذا مناخ ركابهم، وهذا مهراق دمائهم، يُقتل بها ابن خير النبيِّين، ويقيل بها خير الآخرين.

الامتياز الخامس عشر:

15 - إنّهم هم سادة الشهداء يوم القيامة، كما إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام هو سيّد الشهداء من الأوّلين والآخرين، وذلك على ما جاء في (نفس المهموم) عن الشيخ ابن نما، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ((وذكرت ما يصنع بولدي الحسينعليه‌السلام ، كأنّي به قد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار، ويرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه، أرض كرب وبلاء، فتنصره عصابة من المسلمين، اُولئك سادات شهداء اُمّتي يوم القيامة)).

الامتياز السادس عشر:

16 - إنّهم السادات والسابقون والأنصار والمهاجرون، وذلك على ما جاء في (تحفة الزائر) في فقرات زيارة الشهداء المأثورة من قولهعليه‌السلام : ((أنتم سادات

____________________

(1) في المصراع خلل عروضي واضح.(موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


الشهداء في الدنيا والآخرة، وأنتم السابقون والمهاجرون والأنصار)).

نعم، إنّهم سادات الشهداء بعد المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام ، فلا أحد من الشهداء في درجتهم، لا من الأوّلين ولا من الآخرين. كما إنّهم بعد المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام هم أوّل السابقون إلى رضوان الله، وأوّل الفائزين بأرفع الدرجات التي أعدّها الله تعالى للمهاجرين في سبيل الله، والأنصار لدين الله من الأوّلين والآخرين.

كيف لا وقد سبقوا الناس أجمعين إلى إجابة إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهجروا أوطانهم ودنياهم ونصروا ابن بنت نبيّهم (صلوات الله وسلامه عليه)؟!

الامتياز السابع عشر:

17 - إنّهم كانوا قد ضاهوا في شهادتهم شهادة النبيِّين وآل النبيِّين، فكانوا أشبه الناس بهم في الشهادة، وذلك لِما جاء في (غيبة النعماني) من أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان يحمل قتلاه إلى المخيّم حيث فسطاط الشهداء، فكان يضع بعضهم فوق بعض وهو يقول: ((قتلة مثل قتلة النبيِّين وآل النبيِّين)).

الامتياز الثامن عشر:

18 - إنّهم كانوا قد ساووا مَنْ استشهد من الأنبياء، ومَنْ قُتل بين أيديهم، وفي نصرتهم.

ففي الخبر إنّ الله تبارك وتعالى هو أوّل مَنْ لعن قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، ثمّ لعنته الملائكة، ثمّ الأنبياء واحداً بعد واحد، وكانوا يوصون به أولادهم وذويهم، ويأخذون منهم الميثاق والعهد عليه، ثمّ لعنه داود وأمر بني إسرائيل بذلك، ثمّ لعنه عيسى وأكثر، فقال: ((يا بني إسرائيل، العنوا قاتليه، وإن


أدركتم أيّامه فلا تجلسوا عن نصرته؛ فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء مقبل غير مدبر)).

الامتياز التاسع عشر:

19 - إنّهم يرجعون مع الإمام الحسينعليه‌السلام في زمان الرجعة، ويؤدّون عنه، ويعرّفونه للناس؛ وذلك على ما ورد في (نفثة الصدور) عند قوله تعالى:( ثمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ ) ، من خروج الإمام الحسين في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهبة لكلّ بيضة وجهان، المؤدّون إلى الناس إنّ هذا الإمام الحسينعليه‌السلام قد خرج حتّى لا يشك المؤمنون فيه.

الامتياز العشرون:

20 - إنّهم الموصوفون بالأولياء والأصفياء، والأودّاء والأحبّاء، وإنّهم الطيّبون الفائزون كما جاء في (تحفة الزائر) عن الإمام الصادقعليه‌السلام في رواية أنّه قال لصفوان الجمال، وهو يعلّمه كيف يزور الشهداء السعداء: ((ثمّ توجّه إلى الشهداء وقل: السّلام عليكم يا أوصياء الله وأحباءه، السّلام عليكم يا أصفياء الله وأودّاءه، السّلام عليكم يا أنصار دين الله، بأبي أنتم واُمّي طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم! وفزتم والله فوزاً عظيماً، فياليتني كنت معكم فأفوز معكم)).

الامتياز الواحد والعشرون:

21 - إنّهم المعروفون بشيعة الله ورسوله والأئمة الطاهرين، والأبرار المتّقون، وذلك على ما جاء في زيارة الأربعين المرويّة عن


جابر بن عبد الله الأنصاري؛ حيث إنّه توجّه نوح الشهداء، وقال في زيارتهم: السّلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد الله، السّلام عليكم يا شيعة الله وشيعة رسوله، وشيعة أمير المؤمنين والحسن والحسين، السّلام عليكم يا طاهرون، السّلام عليكم يا مهديّون، السّلام عليكم يا أبرار...

الامتياز الثاني والعشرون:

22 - إنّهم هم الذين من شدّة نورهم وتلألئهم شبّههم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنجوم السماء.

ففي البحار نقلاً عن تفسير فرات، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((كان الحسينعليه‌السلام مع اُمّه تحمله، فأخذه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وضمّه إلى صدره، وقال: لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك، ولعن الله المتوازرين عليك، وحكم الله بيني وبين مَنْ أعان عليك.

فقالت فاطمة الزهراءعليها‌السلام مستفسرة: يا أبتاه يا رسول الله، ما الخبر؟!

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله في جوابها: يا بنتاه يا فاطمة، لقد رأيت ابني هذا فذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم، والغدر والبغي، وهو يومئذ في عصبة كأنّهم نجوم السماء، فيتهادون إلى القتل، وإنّي أنظر إلى معسكرهم وإلى مواضع رحالهم وتربتهم)).

ولنعم ما قيل:

قـومٌ إذا اقتحمَ العجاجُ رأيتهمْ

شـمساً وخلتَ وجوهَهُمْ أقمارا

وإذا الـصريخُ دعـاهمُ لملمّةٍ

بذلوا النفوسَ وفارقوا الأعمارا

الامتياز الثالث والعشرون:

23 - إنّهم هم المقرّبون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّه لو أدركهم لأكرمهم، فقد جاء في البحار نقلاً عن تفسير الثعلبي: أنّ الربيع بن خيثم قال لمّا وصله خبر


شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه من أهل بيته وأصحابه: جئتم بها؟! فوالله، لقد قتلتم صفوةً لو أدركهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأعزّهم وأكرمهم، ولأشفق عليهم وتلطّف بهم.

الامتياز الرابع والعشرين:

24 - إنّهم كانوا لشدّة اشتياقهم للشهادة لا يجدون ألم مس السلاح والحرب، وذلك لِما قد روي في (خرائج الراوندي) عن الإمام الباقرعليه‌السلام ، عن الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه قال لأصحابه: ((إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي: يا بُني، إنّك ستساق إلى العراق وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيِّين، وهي أرض تدعى عمّورا، وإنّك تستشهد بها، ويستشهد جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مس الحديد.

ثمّ قرأ:( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ ) . ثمّ أضاف: يكون الحرب برداً وسلاماً عليك وعليهم)).

الامتياز الخامس والعشرون:

25 - إنّهم كانوا الشجعان في دينهم فلا تستهويهم المغريات، والأبطال في دنياهم فلا يهابون الموت.

ففي (رجال الكشي) روي في وصف حبيب بن مظاهر قائلاً: كان حبيب من الرجال الذين نصروا الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتلقّوا جبال الحديد، واستقبلوا الرماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يعرضون عليهم الأمان والأموال فيأبون، ويقولون: لا عذر لنا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن قُتل الإمام الحسينعليه‌السلام وفينا عين تطرف، حتّى قُتلوا حوله واستشهدوا بين يديه.

كـأنّي بـهِ في ثلّةٍ من رجالهِ

كما حفَّ بالليثِ الاُسودُ اللوابدُ

يخوضُ بهم بحرَ الوغى فكأنّه

لـواردِهمْ عذبُ المجاجةِ باردُ


الامتياز السادس والعشرون:

26 - إنّهم هم الأُباة الحماة الذين فضّلوا الموت تحت ظلال السيوف على الحياة بذلّة.

فقد جاء في (شرح النهج) لابن أبي الحديد: أنّ سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة، والموت تحت ظلال السيوف اختياراً عن الدنيّة، هو أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام ؛ عُرض عليه الأمان ويستسلم، فأنف من الذلّ، وذلك كما قال:

الموتُ خيرٌ من ركوبِ العارِ

والعارُ أولى من دخولِ النارِ

وحواريّو سيّد أهل الإباء تعلّموا منه الإباء والحميّة، واختاروا الموت تحت ظِلال السيوف على الذلّة والدنيّة.

ولنعم ما قيل فيهم:

بـنفسي وآبـائي نـفوسٌ أبـيّةٌ

يـجرّعها كـأسُ الـمنيّةِ مترفُ

وهم خيرُ مَنْ تحتَ السماءِ بأسرِهم

وأكـرمُ مَنْ فوقَ السماءِ وأشرفُ

أي أكرم على الله من الملائكة المقرّبين عنده، وأشرف منهم لديه.

الامتياز السابع والعشرون:

27 - إنّهم هم المخصوصون بعد شهادتهم بتجهيز السماء لهم، والصلاة عليهم؛ وذلك لِما روي في البحار عن كامل الزيارات، مسنداً عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، عن عمّته الكبرى السيّدة زينبعليها‌السلام ، عن اُمّ أيمن، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن جبرائيل أنّه قال: ((فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولّى الله (عزّ وجلّ) قبض أرواحهم بيده، وأهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرّد مملوءة من ماء الحياة، وحلل من الجنّة، وطيب من طيب الجنّة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنّطوها بذلك الطيب، وصلّى الملائكة صفاً صفاً عليهم)).


الامتياز الثامن والعشرون:

28 - إنّهم المتأهلون لأن يتولّى موارتهم ودفنهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك على ما جاء في البحار نقلاً عن أمالي الشيخ الطوسي، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ((أصبحت اُمّ سلمة يوماً باكية حزينة، فسألوها عن سبب حزنها وبكائها، فقالت: لقد قُتل ولدي الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك أنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام الليلة الماضية، مع أنّي لم أره في منامي منذ ارتحاله من الدنيا، فرأيته البارحة وهو أشعث مغبر، وعلى رأسه التراب، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك أشعثاً مغبراً؟!

فقال بحزن وكآبة: قُتل ولدي الحسينعليه‌السلام ، وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه)).

وقد جاء في المناقب لابن شهر آشوب عن ابن عبّاس، أنّه قال: كنت نائماً في منزلي وإذا بي أسمع صرخة عظيمة، وضجّة عالية من بيت اُمّ سلمة، فأصغيت لها فإذا هي تنادي وتقول: يا بنات عبد المطلب، أعنّني على النياحة، وساعدنني على البكاء؛ فإنّ سيّدكم ومولاكم الإمام الحسينعليه‌السلام قد قُتل.

فقيل لها: من أين علمت ذلك؟!

فقالت: رأيت الساعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، وهو أشعث أغبر، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك أشعثَ أغبرَ؟!

فقال بحرقة ولوعة: ((قُتل ولدي الحسينعليه‌السلام ، وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه)).

ثمّ قالت: فانتبهت فزعة، ونظرت إلى القارورة التي فيها تراب كربلاء، وكان قد دفعه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إليها، وأمرها أن تحتفظ به، قائلاً: ((إذا انقلب دماً فقد قُتل ولدي الحسينعليه‌السلام )). فرأيته قد انقلب دماً.


الامتياز التاسع والعشرون:

29 - إنّهم كانوا قد رأوا منازلهم في الجنّة بأمّ أعينهم وهم في الدنيا أحياء، وذلك قبل قتلهم وشهادتهم.

فقد جاء في علل الشرايع مسنداً عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، أنّ واحداً من أصحابه قال له متسائلاً: أخبرني يابن رسول الله عن تسابق أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام إلى القتل والشهادة.

فقالعليه‌السلام : ((إنّهم قد كُشف لهم الغطاء حتّى رأوا منازلهم من الجنّة؛ فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى الحور فيعانقها، وإلى مكانه من الجنّة فينعم به)).

لـهفي لركْبٍ صُرّعوا في كربلا

كـانت بـها آجـالُهم مـتدانيهْ

نصروا ابنَ بنتِ نبيِّهم طوبى لهمْ

نـالوا بـنصرتِهمْ مراتبَ ساميهْ

الامتياز الثلاثون:

30 - إنهم كانوا قد تأهّلوا لكي يخبرهم المعصوم بنهاية أمرهم وخاتمة عمرهم، ولأن يريهم منزلتهم عند الله ودرجتهم لديه؛ وذلك على ما جاء في كتاب (نفس المهموم) نقلاً عن القطب الراوندي، عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال: ((جمع أبيعليه‌السلام أصحابه مساء يوم تاسوعاء وقام فيهم خطيباً، وقال: هذا الليل فاتّخذوه جملاً؛ فإنّ القوم إنّما يريدوني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، وأنتم في حلٍّ وسعة.

فقالوا: والله لا يكون هذا أبداً.

فقال: إنّكم تقتلون غداً كلّكم، ولا يبقى منكم رجل.

فقالوا: الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك.

ثمّ رفع يديه بالدعاء وقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا. فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة)).


وجاء في زيارة الناحية المقدّسة: ((وكشف الله لهم الغطاء)).

ولنعم ما قيل:

قومٌ إذا نـودُوا لـدفعِ مـلمّةٍ

والـخيلُ بـين مدعّسٍ ومكردسِ

لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا

يـتهافتونَ إلـى ذهـابِ الأنفسِ

الامتياز الواحد والثلاثون:

31 - إنّهم فور استشهادهم دخلوا الجنّة وعانقوا الحور العين، فقد جاء في كتاب الأمالي عن سالم أنّه روى قائلاً: سمعت كعب الأحبار يقول: إنّ في كتابنا أنّ رجلاً من ولد محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقتل، ولا يجفّ عرق دواب أصحابه حتّى يدخلون الجنّة فيعانقون الحور العين.

قال: فمرّ بنا الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقلنا له، وقد أشرنا إليه: هو هذا؟ فقال: نعم.

الامتياز الثاني والثلاثون:

32 - إنّهم يوم القيامة في طليعة مَنْ يدخل الجنّة بغير حساب، فقد روي في الأمالي عن هرثمة بن أبي مسلم أنّه قال: غزونا مع الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام صفين، فلمّا انصرفنا نزل بكربلاء، وصلّى بها الغداة، ثمّ رفع إليه شيئاً من تربها وشمّها، ثمّ قال: ((واهاً لك أيّتها التربة! ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب)).

ومن المعلوم إنّ حواريّ الإمام الحسينعليه‌السلام مع إمامهم الإمام الحسينعليه‌السلام هم في مقدّمة اُولئك الذين يحشرون من أرض كربلاء إلى المحشر، ويدخلون الجنّة من غير وقوف ولا حساب.

هي كربلاءُ فقف على عَرصاتِها

ودعِ الـجفونَ تسحُّ في عبراتِها


سلها بأيّ قرىً تعاجلتِ الاُلى

نزلُوا ضيوفاً عند قفرِ فلاتِها

مـا بالُها لمْ تروِهم من مائِها

حتّى تروّتْ من دِما رَقباتِها

الامتياز الثالث والثلاثون:

33 - إنّهم قد ارتووا من الماء على يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووصيّة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في يوم عاشوراء حين الشهادة، وذلك على ما جاء في كتاب (دار السّلام)، نقلاً عن أمالي الشيخ الطوسي، عن السدي أنّه روى قائلاً: قلت لرجل يشمّ منه رائحة القطران، هل أنت تبيع القطران؟

فقال: لا والله، إنّي لا أعرف القطران ولا أراه، غير أنّي دهّان، وكنت أبيع الدهن في كربلاء لجيش ابن سعد ومعسكره، وبعد واقعة كربلاء رأيت في المنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهما يسقيان الشهداء السعداء ماءً، فأقبلت من شدّة العطش إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وطلبت منه أن يسقيني فلم يسقيني، فتوجّهت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأردت منه أن يسقيني، فالتفت إليّ وقال لي: ((ألست أنت الذي أعنت في كربلاء الأعداء على ولدي؟)).

ثمّ أمر بأن يسقوني شربة من قطران فسقوني، فإذا بي انتبه من نومي وأنا أحترق من ريح القطران، وإلى اليوم ريح القطران تؤذيني ولم تفارقني بعد.

الامتياز الرابع والثلاثون:

34 - إنّهم تأهّلوا بسبب نصرتهم لابن بنت نبيّهم أن يهتمّ بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويجمع دماءهم في قارورة ليشتكي مظلوميّتهم إلى الله تعالى.

ففي الكامل لابن الأثير، والتذكرة لابن الجوزي، عن ابن عبّاس أنّه قال: رأيت رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام مساء اليوم الذي استشهد فيه الإمام الحسينعليه‌السلام كئيباً حزيناً، وفي يده قارورة مملوءة بالدم، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الكآبة والحزن؟! وما هذه القارورة والدم؟!

فأجابني قائلاً: ((يابن عبّاس، هذا دم ولدي الحسينعليه‌السلام وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم؛ ليكون سنداً لشكواي مظلوميّتهم إلى الله تعالى)).

فلمّا أصبح ابن عبّاس أخبر الناس بما رآه فأرّخوا ذلك اليوم وكان يوم عاشوراء، فلمّا جاء الخبر بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه رأوه مطابقاً لما أرّخوه.

الامتياز الخامس والثلاثون:

35 - إنّهم كانوا متأهّلين لأن يبشّرهم الإمام الحسينعليه‌السلام بالجنان الواسعة والنعيم الدائم؛ شكراً منه على موقفهم، وتقديراً لهم على وفائهم.

فقد روي في البحار عن معاني الأخبار، عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال ما معناه: إنّه لمّا اشتدّ الأمر بالإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه في يوم عاشوراء، وأحدقت المنايا بهم، نظر الإمام الحسينعليه‌السلام إلى أصحابه نظرة إشفاق ورحمة، وقال لهم، مبشراً ومشجّعاً: صبراً يا بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة، والنعيم الدائم، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟!

وما هو لأعدائكم إلاّ كمَنْ ينتقل بهم من قصر إلى سجن وعذاب.

ثمّ قالعليه‌السلام : ((إنّ أبي حدّثني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبتُ ولا كُذّبت)).


الامتياز السادس والثلاثون:

36 - إنّهم كانوا في قمّة الفضائل والمكارم، بحيث قد أذعن العدو لهم بذلك ولم يستطع إنكاره،والفضل ما شهدت به الأعداء ؛ فإنّه جاء في شرح الشافية لأبي فراس أنّه قيل لرجل كان قد شهد يوم الطفّ مع عمر بن سعد: ويحك! أقتلت ذريّة رسول الله؟!

فأجاب قائلاً: عضضت بالجندل، إنّك لو كنت شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا؛ فلقد ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها، كالاُسود الضاربة، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي بأنفاسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة، والاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنهم رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيره، فماذا كنّا فاعلين لا اُمّ لكم؟!

الامتياز السابع والثلاثين:

37 - إنّهم كانوا الأحرار حقّاً؛ لأنّهم قد تحرّروا من هوى النفس، وعن مغريات الحياة، ومن تسويلات الشيطان، وقد قال تعالى:( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنّ الجنّة هِيَ المَأوَى ) .

ونُقل أنّ ملكاً قال لواحد من رعيته، وكان فاضلاً: لو ما تأتينا فتنال من معروفنا فإنّك رعيّتنا.

فقال له الفاضل: كيف ذاك وأنت رعيّة لرعيّتي؟!

فقال له الملك بتعجب مشوب بغضب: كيف أكون أنا رعيّة رعيّتك؟!

فأجابه الفاضل قائلاً: إنّك أنت رعيّة الهوى، مع أنّ الهوى رعيّتي؛ فإنّي سيّد هواي، والهوى سيّدك ومولاك، فتكون أنت رعيّة للهوى الذي هو رعيّة لي.


الامتياز الثامن والثلاثون:

38 - إنّهم أدركوا بتسليمهم لله ولرسوله ولأوصيائه مقام العبوديّة الحقيقيّة لله تعالى، وهو مقام عظيم؛ فقد قال الله تعالى وهو يُثني على عباده المخلصين:( عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (1) .

وقال تعالى، وهو يصف سيّد رسله وأشرف بريّته في معراجه إلى سمواته:( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى‏ بِعَبْدِهِ ) .

وقدّم في تشهّد الصلاة الشهادة بعبوديّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على الشهادة برسالته، وأمرنا أن نقول بعد الشهادة لله تعالى بالوحدانيّة وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله.

فالعبوديّة الحقيقيّة لله تعالى هي مقام عظيم، ولا يناله إلاّ ذو حظ عظيم؛ فإنّ كنهها الحريّة والسيادة، وثمرتها العزّ والشرف، وعائدها الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، وقد نالها حواريّو الإمام الحسينعليه‌السلام بكلّ كفاءة وجدارة.

الامتياز التاسع والثلاثون:

39 - إنّهم كانوا قد نالوا بوفائهم لإمامهم الحسينعليه‌السلام وسام الفتوّة، وهو وسام شريف، فإنّ الله تبارك وتعالى لمّا أراد أن يعرّفنا عن أصحاب الكهف، وعن موقفهم المشرّف، وصفهم بالفتوّة، فقال عزّ مَنْ قائل:( إنّهم فتية ) ، ثمّ قال تعالى في إدامة وصفهم:( آمَنُوا بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ) .

وفي روضة الكافي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال لرجل: ((ما الفتى عندكم؟)).

____________________

(1) سورة الأنبياء / 26 - 27.


فقال له: هو الشاب.

فقالعليه‌السلام : ((لا، الفتى المؤمن؛ إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخاً، فسماهم الله (عزّ وجلّ) فتية بإيمانهم)).

وعليه، فحواريّو الإمام الحسينعليه‌السلام وإن كان فيهم شيوخ معمّرون؛ مثل حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وبرير بن خضير، يكونون فتية، بل سادة الفتيان بعد المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام ؛ وذلك لما سبق ممّا هو واضح أيضاً.

ولنعم ما قيل فيهم:

ولـم أنـسَ فـتـياناً تداعوا لنصرِه

ولـلذبِّ عنهِ عانقوا البيضَ والسمرا

حـمـاةٌ حـمَوا خدراً أبى اللهُ هتكَه

فـعـظّـمهُ شـأنـاً وشـرّفهُ قدرا

فـأصـبـح نـهـباً للمغاويرِ بعدَهمْ

ومنهُ بناتِ المصطفى أُبرزتْ حسرى

يـقـنّعُها بـالسوطِ شمرٌ وإنْ شكتْ

يـؤنّـبُـهـا زجرٌ ويوسعُها زجرا

الامتياز الأربعون:

40 - إنّهم بشهادتهم الخالصة لله أحرزوا حياة الأبد، والرزق الدائم عند ربّهم؛ وذلك لقول الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه، وهو يصف فضل الشهداء:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .

وحواريّو الإمام الحسينعليه‌السلام على ما عرفت هم سادة الشهداء السعداء بعد الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأبو الفضل العبّاسعليه‌السلام هو سيّدهم وسندهم وفي مقدّمتهم وطليعتهم.

____________________

(1) سورة آل عمران / 169 - 171.


وعليه، فأبوا الفضل العبّاسعليه‌السلام فيما ذكرناه من الخصائص لحواريّي الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعدّدناه من امتيازاتهم؛ كان هو الفائز الأول من بينهم عليها، بل هو الحائز على أرفع درجاتها وأسمى مراقيها، وذلك بكلّ كفاءة وجدارة، مضافاً إلى ما ذكرناه لهعليه‌السلام بخصوصه من خصائص وامتيازات.

فهنيئاً لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام مقامه الرفيع، وشأنه العظيم، ومنزلته السامية عند الله تبارك وتعالى، وعند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وعند الأئمّة الطاهرين من أهل بيت رسول الله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) حتّى عُدّة زيارتهعليه‌السلام ، وخاصة الزيارة المأثورة عن الإمام الصادقعليه‌السلام بسند صحيح، ومتّفق عليه، من أفضل القربات إلى الله، ومن أنجح الوسائل إليه تعالى لقضاء الحوائج وتيسير الاُمور، وتفريج الكرب وكشف الغموم.

نسأل الله تعالى التوفيق لزيارته في الدنيا، والحصول على شفاعته في الآخرة، والفوز بمرافقته في الجنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر، آمين ربّ العالمين.

تنصّل واعـتذار:

لقد تمّ الفراغ بحمد الله تعالى ومنّه من ذكر ما تيسّر لنا في ترجمة (الخصائص العبّاسيّة) من فضائل باب الحوائج، وقمر بني هاشم أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ومناقبه، علماً بأنّ هذه الترجمة قد ضمّت بين دفتيها كلّ ما جاء في الأصل: (الخصائص العبّاسيّة) تقريباً، مع إضافة بعض ما لم يكن في الأصل ممّا رأيناه منسجماً مع الأصل، وإضافة بعض الخصائص الاُخرى إليها لإكمال عدّة الخصائص إلى أربعين خصيصة، فكملت والحمد لله تعالى.


وقد قمنا بذلك من باب القاعدة المعروفة التي تقول: ما لا يدرك [ جلّه ] لا يُترك كلّه؛ وذلك أداءً لبعض الواجب الذي هو علينا تجاه مقام أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، ومنزلته عند الله، وحقّه الكبير علينا؛ فإنّهعليه‌السلام على ما عرفت هو الشخصيّة الثانية من الرجال بعد شخصية الإمام الحسينعليه‌السلام التي دارت على أكتافهم قضية كربلاء وواقعة عاشوراء، والتي لولاها لما بقي من الدين اسم، ولا من القرآن رسم، ولا للإنسانية والعاطفة، والأخلاق والآداب، والكرامة والشهادة، والرحمة والرفق، والحضارة والمدنية، والشورى والتعدّديّة، والقانون والحريّة عين ولا أثر.

فبقاء شيء منها إلى يومنا هذا إنّما هو مدين للإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخيه أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام ، وسائر الشهداء السعداء في يوم عاشوراء، وعلى أرض كربلاء.

وعليه، فيكون هذا الشيء القليل، والنزر اليسير منّا لأبي الفضل العبّاسعليه‌السلام العظيم ليس إلاّ بضاعة مزجاة، راجين من الله تعالى المغفرة والرضوان، ومن أبي الفضل العبّاس العذر والقبول، ومن القرّاء الكرام العفو والإغماض عمّا فيه من قصور وتقصير، والإكمال والإتمام لما فيه من خطأ ونقصان، وسهو ونسيان إن شاء الله تعالى.

المترجم - ربيع الميلاد عام / 1420هـ

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

الإهداء3

إجازة حديث، وشهادة اجتهاد5

المدخـل 9

الخصائص العبّاسيّة لماذا؟9

المقدّمة11

حبّ أهل البيت ومودّتهم11

حديث الحبّ والبغض 12

الذرّيّة الطاهرة12

خلاصة الكلام13

الخصّيصة الأُولى: النّسب الناصع 16

الرجل الذي لا يعرفه أحد 16

ليلةُ القِربة17

سقّاء بدر18

سقّاء كربلاء19

إذعـان واعتراف 20

الخصّيصة الثانية: الرحم الطاهر22

لماذا التشاور مع عقيل؟23

الاُمّ المباركة24

مقام اُمّ البنين عند الله 26

اُمّ البنين وإرهاصات الولادة26

عقيل يخطب للإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام 28

حزام يستشير ثمامة30

الرؤيا الصادقة31

مهر السنّة33


إعلان الخطبة34

في بيت الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام 35

الزواج الأمثل 37

الزوجة الصـالحة38

الزوج الصالح 40

المؤمن كفؤ المؤمن 42

الزوجان الكفؤان 43

من حقِّ الزوجين 47

تعاليم اُسريّة48

حقوق زوجية متقابلة50

أجر النساء أكثر51

المرأة إذا تزيّنت وتعطّرت 52

الزوجة نعمة من الله تعالى 53

من آداب الزواج 54

الزفاف وآدابه55

الخصّيصة الثالثة: الاُسرة المباركة57

أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام 58

فضل الأولاد في الإسلام59

الخصّيصة الرابعة: مميزات ولادته عليه‌السلام 61

بشـرى الولادة63

الولادة وسننها65

تاريخ ولادة أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام 66

الخصّيصة الخامسة: في تسميته عليه‌السلام 67

تسمية الوليد الجديد 69

التسمية برواية اُخرى 71

استنباط واستنتاج 72

سؤال وجواب 72


الخصّيصة السادسة: في بعض خصائص اسمه عليه‌السلام 74

العبّاس في اللغة74

من بركات اسم أبي الفضل عليه‌السلام 75

العبّاس يجير مَنْ استجار به76

إغاثة العبّاس عليه‌السلام المستغيثين به77

التوسّل إلى الله بالعباس عليه‌السلام 77

الخصّيصة السـابعة: في نشـأته عليه‌السلام 79

قُل: واحـد 80

ملازمة السّبطيـن عليهما‌السلام 80

نسخة طبق الأصل 81

الخصّيصة الثامنة: في كُنى العبّاس عليه‌السلام 82

كناه عليه‌السلام مشعرة بالتعظيم82

أبو الفضل، وأبو فاضل 83

أبو القاسـم84

ابن البدوية84

أبو القربـة84

أبو الشـارة85

أبو رأس الحار86

أبو فُرجه86

الخصّيصة التاسعة: في ألقاب العبّاس عليه‌السلام 88

العبّاس عليه‌السلام مجمع الجمال والكمال 89

الخصّيصة العاشرة: في أنّه عليه‌السلام باب الحسين عليه‌السلام 91

أنت الباب للسبط 91

موقف الإمام الحسين عليه‌السلام من أخيه93

الأهداف من ترك العبّاس عليه‌السلام في مكانه93

مرقد منفرد وحرم خاص 95


اقتداء العبّاس عليه‌السلام بأبيه96

الباب المعنوي لا السياسي 97

الخصّيصة الحادية عشرة: في أنّه عليه‌السلام باب الحوائج 99

الأبواب والوسائل إلى الله 99

أوّل أبواب الحوائج 100

ثاني أبواب الحوائج 101

ثالث أبواب الحوائج 101

رابع أبواب الحوائج 103

العبّاس عليه‌السلام عند طلب أخيه104

ترك البراز من أجل الماء105

الخصّيصة الثانية عشرة: في أنّه عليه‌السلام السقّاء106

استسقاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 107

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يسقي أهل بدر108

السقاء يوم الحديبية109

إرسال الماء إلى عثمان 109

استسقاء سبطي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 110

السقاية لأهل الكوفة110

سقاية العبّاس عليه‌السلام في الظروف الصعبة111

السّقاء منذ الأيام الأولى 112

الخصّيصة الثالثة عشرة: في أنّه عليه‌السلام ساقي عطاشى كربلاء113

أمران مهمّان 114

السّقاية في القرآن والحديث 115

العبّاس عليه‌السلام وسقايته الأولى 117

السِّقاية الثانية119

السِّقاية الثالثة120


الخصّيصة الرابعة عشرة: في أنّه عليه‌السلام ساقي كلّ عطشان 122

دور الماء في الحياة122

الماء من أجل الإمام الحسين عليه‌السلام 123

مكانة أبي الفضل عليه‌السلام 124

الاقتداء بالعباس عليه‌السلام في سقايته124

من آداب السِّقاية وشرب الماء125

الخصّيصة الخامسة عشرة: في أنّه عليه‌السلام قمر بني هاشم127

هاشم وبنوه سادة البطحاء127

النبي وأهل بيته أنوار الأرض 128

أشبه الخلق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله 129

وضاءة العبّاس عليه‌السلام وصباحته131

الخصّيصة السادسة عشرة: في أنّه عليه‌السلام قمر العشيرة132

العبّاس مفخرة بني هاشم132

آل الوحيد ومفخرتهم133

الجمال وحسن الفعال 134

الخصّيصة السابعة عشرة: في أنّه عليه‌السلام حامل اللواء135

من مواصفات حملة الألوية135

مع أصحاب الرايات 137

أوّل مَنْ عقد له اللواء138

اللواء مع الغنائم في الشام138

الألوية في الشعائر الحسينيّة139

الخصّيصة الثامنة عشرة: في أنّه عليه‌السلام بطل العلقمي 141

العلقمي وبطولات العبّاس عليه‌السلام الجسميّة141

العلقمي وبطولات العبّاس عليه‌السلام الروحية142

المواساة: بطولة معنوية143

جفاف العلقمي واندثاره144


الخصّيصة التاسعة عشرة: في أنّه عليه‌السلام كبش الكتيبة146

كبش الكتيبة وسام عظيم147

مصرع كبش الكتيبة147

إني كبش كتيبتك 148

الخصّيصة العشرون: في أنّه عليه‌السلام حامي الظعينة150

مع ربيعة بن مكدم151

بين ربيعة والعبّاس عليه‌السلام 153

الإمام الحسين عليه‌السلام وحماية الظعائن 154

الخصّيصة الواحدة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المعروف بسبع القنطرة156

كيف عرف عليه‌السلام بهذه الخصّيصة؟156

مع خوارج النهروان 157

الخصّيصة الثانية والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المعروف بالضيغم159

مع أبي أيوب الهمداني 159

من مواقف العبّاس عليه‌السلام في صفين 160

العبّاس عليه‌السلام بين الصّفَّين 161

الخصّيصة الثالثة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المعروف بالعبد الصالح 162

عباد الله الصالحون في القرآن 162

استنتاج واستنباط 163

الإمام الكاظم عليه‌السلام ووسام العبد الصالح 165

تحوّل وانقلاب 166

السّلام على العبّاس في الصلاة168

الخصّيصة الرابعة والعشرين: في أنّه عليه‌السلام المعروف بالعابد 169

سمة العابد: الحرية والتحرر170

توضيـح وتبيين 171

بين الرهبانيّة والماديّة171

العابـد: هو المطيـع 173

الوحي ووسام العبوديّة173


الخصّيصة الخامسة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المعروف بالطيّار175

الطيّـار الأول 175

من أنبـاء مؤتة176

في دار جعفر177

الطيّار الثـاني 178

الفرات في تصرّف العبّاس عليه‌السلام 179

من أساليب العدو الجبان 180

الأعداء يمثّلون بالعباس عليه‌السلام 180

العبّاس عليه‌السلام وإصابة السهم عينه182

الإمام الحسين عليه‌السلام بعد مقتل العبّاس عليه‌السلام 183

بين الطيّارَين: العبّاس وجعفر عليهما‌السلام 184

من أدلّة قساوة بني أميّة185

مع بني أسـد 187

طوبى لأرض كربلاء188

عند جسد العبّاس 188

المعصوم لا يلي أمره إلاّ المعصوم189

الخصّيصة السادسة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المعروف بالشهيد 191

السماء ووسام الشهيد 191

العبّاس عليه‌السلام الشهيد المظلوم193

الفارس إذا سقط من فرسه194

مقام الشهيد وأجر الشهادة195

الخصّيصة السابعة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام الصدّيـق 197

العبّاس عليه‌السلام هو الصديق لغة واصطلاحاً198

الحائزون على وسام الصدّيق 200

الخصّيصة الثامنة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام الفـادي 201

الفداء العظيم201


العبّاس عليه‌السلام يشبه أباه203

الفادي بزعم المسيحيِّين 204

الفادي لدى المسلمين 205

المقارنة بين الفاديين 206

الخصّيصة التاسعة والعشرون: في أنّه عليه‌السلام المؤثِـر208

بين الأنانية وحبّ النفس 208

الأنانيّون وخطرهم على الدين والمجتمع 209

الإيثار في القرآن والحديث 211

نؤثر به ضيفنا211

جبرئيل أنبأني بذلك 212

أنت يعسوب المؤمنين 212

أبشر يـا علي 213

سيّد المؤثرين وإمامهم214

نماذج من إيثار أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام 214

من قِمَم الإيثـار215

العبّاس عليه‌السلام يؤثر إمامه على ولديه217

إيثار العبّاس عليه‌السلام إمامه على إخوته218

العبّاس عليه‌السلام والإيثار الأخير 219

الخصّيصة الثلاثون: في أنّه عليه‌السلام المواسي 220

وسام المواسـاة221

الوصيّة بالمواساة والوفاء بها222

مواساة العبّاس عليه‌السلام للسيّدة زينب عليها‌السلام 223

أبو ذر يواسي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 224

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يشكر أبا ذر225

المواساة سيّد الأعمال 227

الوفاء من سمات المؤمنين 227

من وفاء أبي الفضل عليه‌السلام 228


الخصّيصة الواحدة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام الحامي والمحامي 231

العبّاس عليه‌السلام علي باب الوليد 232

موقف العبّاس عليه‌السلام ليلة عاشوراء233

يوم عاشوراء وبطولة العبّاس عليه‌السلام 234

العبّاس عليه‌السلام واللقاء بين المعسكرين 235

الراية في حماية العبّاس عليه‌السلام 237

إعداد العبّاس عليه‌السلام لكربلاء238

الخصّيصة الثانية والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام ظهر الولاية العبّاس عليه‌السلام عضد الإمام الحسين عليه‌السلام وظهره240

أبو طالب عليه‌السلام ظهر النبوّة241

مع أبي طالب عليه‌السلام مرّة اُخرى 242

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ظهر النبوّة والرسالة243

العبّاس عليه‌السلام يواصل خطي أبيه عليه‌السلام 244

حديث زهير لأبي الفضل عليه‌السلام 246

السيّدة زينب عليها‌السلام تلتقي أخاها العبّاس عليه‌السلام 247

العبّاس عليه‌السلام يعلن مظاهرته248

تحريض العبّاس عليه‌السلام الهاشميّين على المظاهرة249

مع حبيب بن مظاهر251

الخصّيصة الثالثة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام قائد الجيش 252

العبّاس عليه‌السلام وقيادة الجيش والقافلة253

من آثار حسن القيادة254

الخصّيصة الرابعة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام المستجـار257

العبّاس عليه‌السلام الركن الوثيـق 257

العطشان الذي جاد بالماء258

أبو الفضل عليه‌السلام ووسام المستجار258

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومسألة الاستجارة259

المجير لكلّ مَنْ استجار به260


الخصّيصة الخامسة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام الواقـي 262

(الواقي) وسام أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام 263

الساعي 264

أجر السـاعي وثوابه265

المستعجـل 266

المصـفي 267

الخصّيصة السادسة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام سفير أخيه الإمام الحسين عليه‌السلام 269

تاسوعاء وأهم واقعة فيها269

إطلالة تاسـوعاء271

زحف الجيش الاُموي 272

السفارة بين الجيشين 273

حبيب وزهير يعظان القوم274

السفير الناجح والسفارة الموفّقة275

من أحداث ليلة عاشوراء276

القسم الأول: الاجتماع بالأصحاب 277

القسم الثاني: التخطيط العسكري 278

القسم الثالث: الاشتغال بالعبادة والتلاوة280

الخصّيصة السابعة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام صاحب العصمة الصغرى 281

العصمة الكبرى وأصحابها282

الصورة التي لن تراها283

العصمة الصغرى وأربابها284

العبّاس عليه‌السلام ووسام العصمة286

الخصّيصة الثامنة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام عالماً فاضلاً، وفقيهاً كاملاً 288

السنوات السبع الثانية من عمر الإنسان 289

مبادرة ناشئتنا بالتربية والتعليم290

السنوات السبع الثالثة في حياة الإنسان 291


تصحيح المناهج الدراسية292

العبّاس عليه‌السلام وتلمّذه عند الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام 294

ملازمة العابس عليه‌السلام لأخيه الإمام المجتبى عليه‌السلام 295

الإمام الحسين عليه‌السلام والتزامه أخاه العبّاس عليه‌السلام 296

من فصاحة أبي الفضل العبّاس عليه‌السلام وبلاغته297

هل ضوء الشمس ضحىً يُنكر؟298

مع الرجـل المغرور300

إرشاد وتنبيـه301

أيّهما أكثر علماً وفضلاً 302

الخصّيصة التاسعة والثلاثون: في أنّه عليه‌السلام كان عاملاً بعلمه304

الأوّل ممّا يجب العلم به305

الثاني ممّا يجب به العلم306

الثالث ممّا يجب العلم به306

أبو الفضل عليه‌السلام وهذه العلوم الثلاثة308

العلم مقرون بالعمل 308

العبّاس عليه‌السلام السباق في ميدان العمل والتطبيق 311

نموذج من التطبيق العملي لأبي الفضل العبّاس عليه‌السلام 312

أوسمة أبي الفضل عليه‌السلام على عمله بعلمه313

الخصّيصة الأربعون: في أنّه عليه‌السلام الوجيه عند الله ورسوله والأئمّة الطاهرين 315

العبّاس عليه‌السلام ومنزلته عند الله 315

مشاهد العبّاس عليه‌السلام الأربعة316

المشـهد الأول 317

المشهد الثـاني 318

المشهد الثالـث 318

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله 319


العبّاسعليه‌السلام في طليعة العلماء العاملين 320

اشفع لمَنْ شئت 321

الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده323

ستقر عيني بك 324

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند فاطمة الزهراء عليها‌السلام 325

العبّاس عليه‌السلام ومنزلته عند الإمام المجتبى عليه‌السلام 326

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند الإمام الحسين عليه‌السلام 327

الإمام زين العابدين عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده328

على الدنيا بعد العبّاس عليه‌السلام العـفا328

رحـم الله عمّي العبّاس عليه‌السلام 329

بعد فاجعـة الطفِّ 330

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند الإمام الباقر عليه‌السلام 331

الإمام الصادق عليه‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عنده333

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند باقي الأئمّة عليهم‌السلام 334

اُمّ البنين عليها‌السلام ومنزلة العبّاس عليه‌السلام عندها335

منزلة العبّاس عليه‌السلام عند السيّدة زينب عليها‌السلام 336

العبّاس عليه‌السلام ومقامه عند محبّيه وشيعته338

العلماء إذا زاروا مرقد العبّاس عليه‌السلام 339

الخاتمة: في خصائص حواريّ الإمام الحسين عليه‌السلام 341

الامتياز الأوّل:342

الامتياز الثاني:342

الامتياز الثالث:343

الامتياز الرابع:344

الامتياز الخامس:344

الامتياز السادس:345


الامتياز السابع:345

الامتياز الثامن:346

الامتياز التاسع:346

الامتياز العاشر:346

الامتياز الحادي عشر:347

الامتياز الثاني عشر:347

الامتياز الثالث عشر:348

الامتياز الرابع عشر:349

الامتياز الخامس عشر:349

الامتياز السادس عشر:349

الامتياز السابع عشر:350

الامتياز الثامن عشر:350

الامتياز التاسع عشر:351

الامتياز العشرون:351

الامتياز الواحد والعشرون:351

الامتياز الثاني والعشرون:352

الامتياز الثالث والعشرون:352

الامتياز الرابع والعشرين:353

الامتياز الخامس والعشرون:353

الامتياز السادس والعشرون:354

الامتياز السابع والعشرون:354

الامتياز الثامن والعشرون:355

الامتياز التاسع والعشرون:356

الامتياز الثلاثون:356


الامتياز الواحد والثلاثون:357

الامتياز الثاني والثلاثون:357

الامتياز الثالث والثلاثون:358

الامتياز الرابع والثلاثون:358

الامتياز الخامس والثلاثون:359

الامتياز السادس والثلاثون:360

الامتياز السابع والثلاثين:360

الامتياز الثامن والثلاثون:361

الامتياز التاسع والثلاثون:361

الامتياز الأربعون:362

تنصّل واعـتذار:363


الخصائص العباسية

الخصائص العباسية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: محمد إبراهيم الكلباسي النجفي
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدرية
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 378