حول نهضة الحسين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
الإمام الحسين عليه السلام

حولنهضةالحسينعليه‌السلام

السيّد محمّد الرضا الحسيني الجلالي


مقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمّد وآله الطاهرين.

إنّ في تاريخ الإسلام الأبلج قضايا غربت بعد أن نبعت، وأحدثت في النفوس آثاراً متوقّعة منها، وما دار عليها زمن قصير إلاّ وذهبت أدراج الأمور المعطّلة لا يجري لها ذكر.

وهناك قضايا غمرت أفكار المفكّرين قبل أن تحدث، فيبحثون فيما هو السبب أن تحدث، والنتائج المترتّبة على وقوعها، والقائم بها، وبعد وقوعها تسري في أعمق طالبي الحقائق باستطلاع صميم الوقائع، واستقصاء القرائن من قريب وبعيد. وهذه الثلّة من القضايا هي المرتكزة في قرارة النفوس، والمرتسمة في مرايا الأفكار؛ لا يمحوها كرّ الأزمان، وانقلاب الأعمار.

وفي مقدّمة هذه الثلّة قضيّة تاريخية عظيمة استعملت من إمكانيات المفكّرين والمصلحين أكثر ممّا حصلت عليه أيّة قضيّة أُخرى، وهي نهضة أبي الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام ؛ فإنّها بعظمة الناهض بها، وهول وقوعها، وعمق أسرارها انطوت على عظمة محيّرة للعقول، شذّ تفسيرها عن قول العقل، وليس بإمكانه تفسيرها إلاّ بـ (السرّ الإلهي الخالد).

ولذلك لا يمرّ بها عابر على سطح التأريخ الإسلامي إلاّ وتدور في خلده أسئلة تدلّ على شعوره بعظمة الأمر، فيروح سائلاً: لماذا خرج الحسينعليه‌السلام إلى العراق من مقرّه؟ وما هي نتائج


نهضته المقدّسة؟ ولماذا لم يصالح يزيد؟ ولماذا أخرج أهل بيته؟ إلى غيرها من الأُمور، وكذلك جوبهت (لجنة الثقافة الدينيّة) الموقّرة من أحد قرّائها بهذه الأسئلة، واختارتني اللجنة لأُمثّلها في الجواب ; فكان - ممّا بذلت من الجهد - للجواب هذا الكتاب.

وبعد، فهذا عرض وجيز في هذه المواضيع تلقّيته من أُمّهات المصادر التأريخيّة عسى أن أكون محلّلاً بعض هذه الأبحاث، ومؤدّياً لبعض ما يجب عليّ تجاه هذه الثورة المقدّسة.

ووطيد الأمل أن يجوز رضا المتأمّلين فيه، وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم إنّه قريب مجيب.

كربلاء المقدّسة 3/12/1385

محمّد الرضا الحسيني الجلالي


تمهيد

إنّ ثورة سيّد الشهداءعليه‌السلام من الحركات الإصلاحية التي حازت السبق في ميادين الخلود والذكر، وفاقت كلّها للحقّ غناءً وخصباً؛ فعلينا إذا أردنا الإحاطة بها، ومعرفة فلسفتها أن نعرف:

أوّلاً: البيئة التي قامت فيها الثورة.

ثانياً: السلطة المسيطرة في ذلك الأوان.

أمّا بيئة الثورة، فبإمكاننا أن نلخّصها تحت كلمة وسيعة المحيط، عميقة الغور [وهي] (الخمود) بجميع معانيه:

1 - الخمود الديني: حيث لم يبقَ للإسلام إلاّ اسمه، وللقرآن إلاّ رسمه، ومعالم الدين منطمسة، وأعلامه منكّسة، لا حرمة لمظاهر، ولا ذكر عن مآثره.

2 - الخمود العلمي: حيث لم يقم فيه المسلمون بعمل يذكر في التأريخ، والتأخّر مسيطر عليهم في كلّ أُمورهم ; فلا فتح، ولا ظفر، ولا ثقافة، ولا ثروة إلاّ الخسائر المتعاقبة من كلّ الجهات.

3 - الخمود الفكري: حيث لم ينشأ فيها مفكّر بصير، أو مخترع يفتخر به، إلاّ قتل الأحرار من المفكّرين، وإخلاء الأرض منهم.

4 - خمود القوّة في الأُمّة: حيث لم يوجد فيها مَنْ يحفّزهم إلى جمع الشمل ونبذ البغضاء، أو مَنْ يفكّر في تحريرهم من ذلك الهوان، أو مَنْ يقدم إلى تحسين الحالة الاجتماعية السوأى حينذاك؛ فالخوف مطبق على حركاتهم وسكناتهم، لا يتمكّنون الفرار منه، إلى غير هذه ممّا يدخل في مفهوم (الخمود الوسيع).

وأمّا السلطة الحاكمة، فكانت سلطة الحكم الأُموي، وسيطرة الأُمويين الذين ما


كان جهدهم إلاّ إخماد (صوت الإسلام)، وإحياء (كلمة الجاهلية).

وحقيقة هذا الحكم وتأريخه يتّصل بتأريخ عليعليه‌السلام ومعاوية، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي سفيان، فكانت قلوبهم البعيدة عن الحقّ ملأى بالأحقاد البدرية والحنينية وغيرهما؛ يتربّصون الدوائر لإظهار ما بباطنهم من داء، وما بجوانبهم من رواسب الجاهلية، حتّى إذا تربّعوا على أريكة الحكم فكان من معاوية ما كان؛ من منعه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام عن نشر حقائق الإسلام، وصدّه عن إرشاد الأُمّة إلى ما فيه خيرها وصلاحها، ومن بثّ الغوغاء في الأُمّة بتتابع شنّ الغارات، وتوالي إيقاد الحروب، ومن إطلاق سراح المجرمين الجامحين عن حكم الإسلام يعيثون في الأرض فساداً، ومن قتل الأبرياء من الصلحاء مهاجرين وأنصاراً، إلى غيرها من المفاسد التي ابتدعها في الإسلام، وأعظمها تولية ابنه الفاجر (يزيد) على دست الحكم الإسلامي.

وما تولّى يزيد الحكم (وهو الذي يريد هتك كلّ حرمات الدين) إلاّ وتجسّد فيه عداء أبي سفيان جدّه ومعاوية أبيه للحقّ مجتمعاً إلى عدائه، وكان الحقّ متجسّداً في الحسين السبطعليه‌السلام ، متمثّلاً في دعوة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الواضحة على جبهته، وإيمان أبيه علي بن أبي طالبعليه‌السلام المزيد على قوّته، فكان هناك صدام عنيف.

وماذا ترى حصل من هذا الاصطدام؟ نعم، حصلت من ذلك ثورة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، وهذا بيّن لمَنْ تنقّب المواضع المارّة.

أمّا لماذا خرج الحسينعليه‌السلام من مدينة جدّه؟


الفصل الأوّل

أسباب خروج الإمام من المدينة إلى العراق

وقف الإمام - آنذاك - موقفاً عصيباً من أدقّ المواقف وأحرجها؛ فإمّا أن يبايع يزيد الكفر وبذلك يُقضى عليه وعلى دين الله، وإمّا أن لا يبايع وهذا هو المتوقّع منه؛ فإمّا أن يكره على البيعة، وإمّا أن يُقتل دون أن يبايع، وبقتله تقتل قريش كلّها، وبقتلها تكون مقتلة عظيمة.

إذاً، فماذا يفعل؟ ماذا يلزم عليه؟ إنّه لا يبايع، ولكنّه يهاجر من المدينة إلى مكّة، ويهاجر من مكّة إلى العراق ليأمن بغي يزيد وأُمرائه وأحزابه، فارّاً مختفياً مترقّباً.

فيمكن بالنظر إلى الأمرين المارّين أن نحصر أهمّ أسباب خروجه من الحجاز إلى العراق في ما يلي:

الأوّل: الإصلاح

وهو أهمّ أسباب خروجهعليه‌السلام ، وبه صرّح في أوّل وثيقة لثورته - وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة - قائلاً: «وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً(1) ، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب».

يُريدعليه‌السلام إصلاح الأُمّة، وبإصلاحها يصلح الحكم، فهمّته العلياعليه‌السلام هي إرشاد الأُمّة إلى السعادة، والأمان والثروة.

يُريد هداية الأُمّة إلى محاسن الإسلام، ويردّهم عن الظلام الأُموي. يُصلحها باسترجاع الإسلام، ورفع أعلامه؛ لأنّها كادت أن

____________________

(1) الأشر والبطر: المتكبّر عن قبول الحقّ.


تنكس بتلك الأيدي الآثمة.

يريد بذلك السير على كتاب الله، لا على خطط الوثنيّة، وعلى سنّة نبيّه، لا على سنن الجاهلية، وإحياء السنّة التي أماتها الأُمويون، وإماتة البدعة التي أحيوها كما عبّر عن ذلك في كتابه إلى أهل البصرة: «وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت...» إلخ.

الثاني: الفرار من يزيد

لِما كان فيه من العداء البغيض، والحقد المتراكب على فؤاده للحسينعليه‌السلام ؛ لإبائه البيعة له، وقد تربّص للإمام الدوائر، وتعقّبه في مواقع كثيرة:

منها: حين كتب إلى واليه على المدينة (الوليد بن عتبة) يأمره بأخذ البيعة من الحسين، وقال في آخر كتابه: (أمّا بعد، فخذ الحسين وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة، فمَنْ أبى عليك فاضرب عنقه... إلخ)(1) .

ومنها: حين أرسل عمرو بن سعيد في عسكر عظيم إلى الحجاز وولاّه أمر الموسم، وأمره على الحاج كلّهم، وأمره أن يناجز الحسين إن هو ناجزه، وأن يقتله إن تمكّن عليه، وإلاّ فيقتله غيلة.

ومنها: حين دسّ في تلك السنة مع الحاج ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة وأمرهم بقتل الحسينعليه‌السلام على أيّ حال اتّفق، ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، فلمّا علم الحسينعليه‌السلام بذلك جعل حجّته عمرة مفردة وخرج.

وهكذا في غير موقف وموطن كان يأمر بقتله،

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180.


والحسين يفرّ منه مترقّباً إلى أن انحصر في وادي الطفّ فأعلن الثورة.

الثالث: إتمام الحجّة على أهل الكوفة

ومن أسباب خروجه إلى العراق ودواعيه المهمّة إجابة دعوة الكوفة إيّاه ; فإنّهم أرسلوا إليه أن (أقدم على جند لك مجنّدة)، حتّى اجتمع عنده اثنا عشر ألف كتاب، اشترك في الكتاب الخمسة والعشرة يستنجدون به من الذلّ والهوان، ويعدونه النصر، فكان من الواجب عليهعليه‌السلام الذهاب إليهم ; لإتمام الحجّة عليهم، سيّما بعد أن أرسل إليه نائبه ورسوله مسلم بن عقيل بإقبال الناس عليه، وتوافرهم على البيعة له، وأنّهم بلغوا ثلاثين ألفاً.

وأمّا عدم رجوعه بعد علمه بغدر أهل الكوفة ; فلأنّ أهل بيته أبوا الرجوع، فقد قالعليه‌السلام لهم حينئذ: «ما ترون، فقد قُتل مسلم؟». فقالوا: والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق، فما كان من العدل أن يتركهم وهم الذين واسوه إلى ذلك الموقف، فقال: «لا خير في العيش بعد هؤلاء».

هذا مع أنّهعليه‌السلام لم يجد ملجأً يلجأ إليه، فما كان عليه إلاّ أن يتابع السير ليلقى مقرّه.

الرابع: حفظ حرمة الحرمين

كانعليه‌السلام حريصاً على الخروج من الحجاز بأسرع وقت ممكن أشدّ الحرص ; لئلاّ يقع بينه وبين حزب يزيد في الحرم قتال فتُهتك حرمته، وأمّا يزيد فهو الذي أمر بقتل الحسين ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، ومع هذا فهل يرى للحرم حرمة؟!


الخامس: نشر دعوته

لما كان لخروجهعليه‌السلام في ذلك الوقت من تأييد حركته ودعوته حتّى صار لإبائه على يزيد البيعة، وخروجه من الحجاز حديث كلّ اثنين يجتمعان، فأوجدعليه‌السلام بمسيره في ذلك الوقت ثورة فكريّة سبّبت إفشاء دعوته بسرعة البرق، وكان لخروجه في غير أوانه دويّ يرنّ صداه في الداخل والخارج، والناس يتساءلون عن نبأه العظيم، وعن أنّهعليه‌السلام هل حجّ وخرج؟ ولماذا خرج؟ وإلى أين؟ ومتى؟

هذا، والحسينعليه‌السلام يسير بموكبه الفخم وحوله أهله كهالة حول القمر، وكان موكبهعليه‌السلام داعية من دعاته ; فإنّ الخارج يومئذ من أرض الحجّ والناس متوجّهون إلى الحجّ لا بدّ أن يستلفت إلى نفسه الأنظار وإن كان راكباً واحداً، فكيف بركب وموكب؟ إنّه لأمر مريب وغريب يستوقف الناظر ويستجوب العابر(1) .

لهذا خرج الحسينعليه‌السلام من الحجاز إلى العراق ليثور هناك، ويفيض العوائد الثمينة علينا من وراء ثورته، فكان خروجه السبب الأوّل لثورته؛ حيث إنّ يزيد لمّا أُخبر بخروجهعليه‌السلام غلب على عقله أنّه يتأهّب للخروج عليه في العراق مهد الشيعة ; فأمر واليه على الكوفة (عبيد الله بن زياد) أن يُقابل الحسين بالقتال، فخرج جيش الوالي إليه، والتقوا في وادي الطفّ (أرض البسالة والشهادة).

____________________

(1) نهضة الحسين - للشهرستاني / 57.


الفصل الثاني

نتائج تلك النهضة

عوائد حركة الحسين ليست كالعوائد الشخصيّة، أو المرهونة بوقت تموت بوفاة أو فوات، بل هي آثار خالدة تعود إلى المجتمع كلّه خلود الدهر، ومناهج للبشر مدى الأجيال؛ لإعلاء الحقّ وإزهاق الباطل، فهي صرخة كانت للحقّ، وكان نتاجها الحقّ، وفوائدها كثيرة يمكن حصر، أهمّها فيما يلي:

الأوّل: صدّر الحكم الأُموي الغاشم عن السير على خططه الهدّامة التي محورها (محق الإسلام)، وموادّها (ما ملأت صحف التأريخ)؛فمنها: معاداة (معاوية) أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومعارضته إيّاه في جميع الحالات، الأمر الذي أنتج استهانة الناس بالسيادة الإسلامية (الخلافة)، وأصبحت الأُمّة من جرّاء ذلك لا تعني بعظمائها، ولم يأخذوا أفعالهم مناهج في سيرهم، ولم يتّبعوا آثارهم وأقوالهم، ولم ينتهوا بمناهيهم، حتّى إنّهم جعلوا القرآن وراء ظهورهم، وعرض بذلك عليهم الذلّ والهوان إلى أن انتبهوا (بصرخة الحقّ).

ومنها: قتلهم ونفيهم أصحاب الحقّ والفضيلة، والإيمان والجهاد ; من كلّ صحابي جليل، أو مجاهد قدير، أو آمر بالمعروف، أو ناهٍ عن المنكر؛ كتبعيد عثمان أبا ذرّ الصحابي الأكبر، الصدّيق الأمين إلى الربذة، وكسحقه وقتله ابن مسعود الصحابي الكبير ذا المناقب الجمّة، وقتل معاوية عمّار الصابر في سبيل الله، وقتله حِجر


ابن عدي الصالح التقي، ورفاقه الأبرار أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقتله محمّد بن أبي بكر وأشياعه المتّقين إلى غيرهم من أصحاب أمير المؤمنين، أصحاب الحقّ والفضيلة والجرأة، فعلوا كلّ ذلك ليصفو لهم الجوّ حتّى إذا أخلوا الأُمّة منهم تسلّطوا عليها ملوكاً إلى أن أخرج الله مَنْ ادّخره لإنقاذ دينه (الحسين بن علي) فنهض تلك النهضة التي بدّدت كيانهم.

ومنها: تأميرهم كلّ فاجر فاسق، وكافر منافق على الأُمّة المؤمنة يعيثون في الأرض فساداً، ويكثرون في الأرض العتوّ، كتأمير معاوية على الشام، والوليد على الكوفة، وكاستخلاف معاوية ابنه يزيد، وكتأمير يزيد عبيد الله بن زياد... إلى غيرهم ممّن يبرأ منهم الحقّ من مجرمي التأريخ.

ومنها: عداؤهم لأهل البيت (النبوي)، وسعيهم في تحطيم شوكتهم، والجدّ في إبادتهم، وإهانتهم بشتّى الأسباب من قتل وسبّ، وغصب وتشريد، وهتك حرمة، إلى غيرها من الإرهابات التي تحطّ من شأنهم وقوّتهم.

فكانت ثورة أبي عبد الله بتراً لحكمهم، وصدّاً لهم، وردعاً لعدائهم، وبثورتهعليه‌السلام تنبّهت الأُمّة إلى التأخّر الذي أوقعه الحكم الأُموي في مجتمعهم ; فتمسّكوا بأهل البيت، واتّبعوا الحقّ.

الثاني: كشف الحجب عن أعمال تلك السياسة السوداء، وإبانة المقاصد الخبيثة التي أكنّوها في أعماقهم لإصابة الإسلام والمسلمين؛ فأحرقعليه‌السلام تلك الأغشية الخلاّبة الخدّاعة التي نصبوها ستراً لقبائحهم ومنكراتهم بلهب ثورة شعّ نوره حتّى أوضح الحقائق للعالم.

تلك ثورة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام كانت


بدواً وختاماً فضيحة لبني أُميّة.

أمّا ابتداءً، فإخراج سيّد شباب أهل الجنّة من مقرّه إلى العراق، وحصر الطريق عليه، وصدّه عن الرجوع، أو دخوله أحد بلدان المسلمين يكون كأحدهم.

ثمّ بعد الحصر (في أرض الشهادة) أعمال العنف والظلم الشديدين عليه وعلى أهل بيته وأطفاله، مع منع الماء عنهم ثلاثاً بلياليها في ذلك الموقف، حيث الحرّ والغربة في القفر، وهكذا في مقاتلة النفر النزر بأشنع محاربة وأفضع قساوة.

وأمّا ختاماً، فحرق مأوى حرائر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الثواكل وذريّته حيث لا مقرّ ولا مأوى، وسبيهم من (الطفّ) بأبشع صورة إلى (الكوفة)، ثمّ إلى (الشام)، وإهانتهم في الطرق والمجالس كأنّهم سبايا الترك أو الديلم... إلى غير ذلك من المظالم والفجور. فهذا كلّه أثّر في أنفس الأُمّة، وأنتج المقصود من إبادتهم واجتثاث أُصولهم.

الثالث: بثّ روح الحركة والشعور بالمسؤولية في أنفس المصلحين من المؤمنين، وتنبيه الغافلين عن التأخّر إلى التقدّم والسعادة.

وكذلك حفّزت المنكرين على يزيد فحشاءه الشنيع وبذيه الذريع، إلى الإصلاح، وزادتهم قوّة وعزماً؛ فما مضت برهة من الزمن على ثورته إلاّ والمصلحون يثبون للإصلاح في وجه الأُمويين، والمنكرون يعلنون الإباء ضدّ حكمهم، فاقتفى بالحسينعليه‌السلام أهل المدينة في واقعة (الحرّة)، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن عبيدة الثقفي، وابن الأشتر النخعي، والتوّابون، وزيد بن علي الشهيد، والحسين بن علي شهيد فخّ... إلى غيرهم من المصلحين في ثوراتهم


التي استحوت النضال ضدّ الباطل من ثورة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

الرابع: إحياء العزم والقوّة اللذين ماتا - تلك الفترة - في المسلمين؛ ذلك العزم الذي استولوا به على نصف المعمورة، وتلك القوّة التي زلزلوا بها عرش الروم؛ فإنّهعليه‌السلام أعاد بثورته ذلك الخُلق السامي إليهم فأخذوا يجاهدون في سبيل الله، وينبذون الباطل وأولياءه، ويتّبعون الحقّ ودعاته.

وأخيراً: فثورته ينبوع خير أفاضه علينا لنعيش في نعمائه سعداء، ومنار قدس مضيء لنسير عليه في الحياة برغد.

وهي جهاد روحي متواصل ضدّ الظلم، تبقى آثارها مع الحياة؛ ليجعلها كلّ من يريد الإصلاح نصب عينيه شعاراً ينهج على سبيله.


الفصل الثالث

الصلح مع يزيد

كان يزيد يحقد على الحسينعليه‌السلام أُموراً كثيرة غير ما كان فيه من تضاغن وحقد لآبائه على الإسلام والمسلمين، ونحن نذكر أهمّها موقعية في التاريخ، وأحزمها حقداً على يزيد:

فمنها: صدّه عن نيل أوطاره وإظهار فحشائه، والإنكار عليه في كلّ المجالات، وكان هذا ممّا يغيضه كثيراً ; لأنّه كان يرى الحسين - وهو (لع) ابن الخليفة - رجلاً من الأُمّة وهو سلطانها، ولكن كلّما أراد أن يحمل على الإمام حملة الذئب، منعه أبوه الداهية عن ذلك.

ومن الموارد التاريخيّة التي تُنبئ عن عظمة الحسينعليه‌السلام وحقيقته وفضيلته، وعن رذالة معاوية وابنه، قصّة أُرينب بنت إسحاق القرشي؛ وذلك إنّ يزيد كان يتحرّى أخبار الفتيات الحسان، فسمع يوماً بحسن أُرينب وكمال جمالها، فرغب فيها، وكان يتحيّن الفرصة لإخبار أبيه برغبته.

وبينا ذلك تزوّجها ابن عمّها (عبد الله بن سلام) فاشتدّ ذلك على يزيد، وأخبر أباه بأمره وما اعتراه من الغمّ، فأمره بكتمان أمره، وأرسل إلى عبد الله بن سلام أن يأتي إلى الشام، فلمّا استقرّ به المقام أرسل إليه أبا هريرة يخبره بأنّ معاوية يرغب في مصاهرته، فرحّب عبد الله بذلك كثيراً، وأخبر أبو هريرة معاوية بذلك، فقال له معاوية: سرّ يا أبا هريرة إلى ابنتي، وأخبرها برغبتي؛ فإنّ الإقدام على ما فيه رضاها أحوط (وكان قد تكلّم معها بم تجيب).

فلمّا أتاها أبو هريرة وأخبرها برغبة أبيها أجابت إلى ما رأوا لها، ولكنّها قالت:


إنّي أخشى وجود زوجته أُرينب فيدركني ما يدرك المرأة من الضرّة.

فخرج أبو هريرة إلى عبد الله بالخبر، واستقرّ الرأي على طلاق أُرينب فطلّقها عبد الله، وبعد ما توثّق معاوية من الطلاق أرسل أبا هريرة إلى أُرينب ليخبرها بأمر زوجها، ويزوّجها من يزيد.

فذهب أبو هريرة إلى الكوفة، ومرّ فيها على الحسين بن علي (سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله))، فاحتفل به الإمام واستخبره مجيئه، فأعلمه الخبر، فناشده - الحسينعليه‌السلام - الله أن يذكره عندها، فأجاب أبو هريرة، وصار إليها وأخبرها بخبر زوجها، فبكت وجزعت، وبعد أن هدأت أعلمها بأنّ معاوية يستنكحها من ابنه يزيد، والحسين بن عليعليه‌السلام يريدها لنفسه، فرغبت في الحسينعليه‌السلام سبط الرسول وتزوّجها.

وإلى هنا انقطع أمل معاوية، وانظر إلى عظمة حسين المجد والخلود فيما فعل: ولمّا عاد عبد الله بن سلام المخدوع إلى الكوفة طلب من الحسين أن تردّ عليه أُرينب وديعته التي أودعها عندها، وصدّقته أُرينب على ذلك ; فأمره الحسين أن يستلم وديعته بنفسه كما أودعها بنفسه، ولمّا تراءى عبد الله وأُرينب جعلا يبكيان بكاء تحسّر وحزن.

وهناك نطق الحسين المجد والعزّ بقوله: «ارجعا إلى ما كنتما عليه؛ فإنّي أشهد أنّها طالقة، وأنّي لم ألمسها، وما أدخلتها في بيتي وتحت نكاحي إلاّ محافظة لها من يزيد ومن كيد أبيه».

هذا الحسينعليه‌السلام .

وأمّا معاوية فانتشر نبأه في الشام بأنّه دعا (عبد الله) إلى الشام، ومكره على ابنته ليطلّق أُرينب فيزوّجها من ابنه، وذلك هدّ لركن معاوية عند شيعته.

فما ترى مبلغ الحقد الذي يحمله معاوية


وابنه يزيد في الحسين(1) ؟

ومنها: إباؤهعليه‌السلام عن بيعة يزيد، وإنكاره تحكيمه على معاوية، وقد صرّح بذلك في كلّ مجال ومكان في خطبه ورسائله ومجالسه. وحسبك الكتاب الذي أرسله الإمام إلى معاوية في استخلافه يزيد؛ فانّهعليه‌السلام صرّح فيه ممّا احتواه لحمه وشحمه، وما عملته يداه واستوت عليه فطرته(2) .

ومعاوية لدهائه لم يرَ من صلاحه معارضة الحسين وتحريك عواطفه. وأمّا يزيد الكفر فلم يرَ للحسين إلاّ القتل والحرق والإفناء ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، والحسينعليه‌السلام يعلم ذلك كما صرّح به في أقواله، مثل قوله: «لو كنت في حجر(3) هامة من هوام الأرض لاستخرجوني ويقتلوني».

وقوله لابن عبّاس حين أشار إليهعليه‌السلام بالصلح: «هيهات هيهات يابن عبّاس! إنّ القوم لن يدعوني، وإنّهم يطلبونني أينما كنت حتّى أُبايعهم كرهاً، أو يقتلونني».

وقوله للفرزدق لمّا قال له: ما أعجلك عن الحجّ؟

- «لو لم أعجل لأُخذت».

وقوله لشيخ بني عكرمة: «والله، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي».

فهل بعد هذا كلّه كان له أن يصالح يزيد المتجاهر بالكفر؟!

فتلخّص أهمّ أسباب عدم مبايعته يزيد في أُمور:

الأوّل: علمه بأنّ يزيد يريد التشفّي منه بقتله لأحقاده عليه ; سواء بايعه أم لم يبايعه، صالحه أم لا؛ سواء من إخبار جدّه،

____________________

(1) انظر قصّة أُرينب مفصّلة في الإمامة والسياسة وغيرها من التواريخ والسير.

(2) تجد نصّ الكتاب في الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 180.

(3) هكذا ورد، والصحيح (جحر). انظر مقتل الحسين لأبي مخنف / 67، تاريخ الطبري 4 / 289، الكامل في التاريخ 4 / 38.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


وأبيه وأخيه أو من الظواهر التي كانت تدلّ عليه؛ من تعقيبه بالجيوش أينما ذهب، وأمر الولاة بقتله ومحاربته، إلى غير ذلك.

الثاني: عدم اطمينانهعليه‌السلام بيزيد وأتباعه، وكيف يوثق مَنْ شيمتهم الغدر، وسجيّتهم الخيانة؟!

أما صالح معاوية الإمام الحسنعليه‌السلام بشروط لم يفِ بواحدة منها؟ ألم يعطوا مسلم بن عقيل الأمان فغدروا به؟

الثالث: علمهعليه‌السلام بأنّه إن بايع ذهب مجد الدين وعزّه ; فإنّ بيعته بمعنى إمضائه أعمال يزيد وبني أُميّة المخالفة لصميم الدين والشريعة، ولذهبت معارف المبدأ والعقيدة هباءً من دون أثر.

صلح الحسنعليه‌السلام

وأمّا صلح الإمام الحسينعليه‌السلام مع معاوية فقد كان مقتضى بيئته؛ لأنّه كان في بيئة غير ما كان الحسينعليه‌السلام فيها، وقد أحسّ من أصحابه الغدر والخيانة ووقع بالعيان منهم ذلك ; فإنّهم راسلوا معاوية بكونهم معه، وأنّهم يرسلون الحسن إليه مكبّلاً إن أراد، بخلاف الإمام الثالث؛ فإنّهعليه‌السلام غلبه ظنّ الفوز بالكوفة، وبعد علمه بالغدر حُصر عليه الطريق، وصُدّ عن الرجوع فلم يرَ إلاّ النضال.

وأمّا الإمام الحسنعليه‌السلام فلم يرَ حينئذ إلاّ الصلح والنجاة بأهله وأولاده من القتل بعد أن شرط تلك الشروط، ومع هذا فلا يُقاس معاوية - الداهية الذي كان بمكره يحافظ على ظواهر الشريعة - بيزيد المتجاهر بفسقه المعلن كفره.

وأخيراً: هل كان يصالح يزيد الحسين إلاّ بالبيعة أو القتل؟


الفصل الرابع

لماذا أخرج أهل بيتهعليهم‌السلام ؟

ما انقطعت دعوة الحسينعليه‌السلام بقتله، ولكن ما برح جهاده مستمرّاً بعد قتله من كربلاء أرض الشهادة إلى الكوفة، ثمّ إلى الشام عاصمة أُميّة، ثمّ منها إلى المدينة.

فسار جهاد الحسين مع الأُسارى أينما ساروا؛ يدعو كلّ حي إلى الجهاد عن العقيدة، فما مرّ ركب الأُسارى على بلد إلاّ وأهلها يلبّون دعوة الحسينعليه‌السلام ، إلى أن انقلب الشام على يزيد وحكمه ودكدك عرشه.

وكذلك كان ركب الأسر مهيّجاً للخواطر الغافلة ضدّ الظلم المطبق، فلم تمت مقاصد الحسينعليه‌السلام بموت شخصه؛ فالحسينعليه‌السلام أخرج أهل بيته لتكون ثورته متّصلة الحلقات إلى تحقيق مقاصده السامية؛ فكان ركب أهل بيت الحسين يسير أسيراً وينادي: نحن عيال الحسين الشهيد بأرض الطفّ، سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي قتله يزيد ظلماً وعدواناً؛ فالقلوب تثور على يزيد، والأفكار تهيج ضدّه وتتلوها الأبدان.

وفي أخذ الحسينعليه‌السلام أهل بيته إلى أرض الثورة والشهادة (كربلاء) تأييد عظيم لدعوته، ورسالة مرفوعة إلى كلّ الأنحاء؛ فكم موقف وقفت فيها عيالات الحسينعليه‌السلام محاربات باللسان، ناشرات مبدأ الحسينعليه‌السلام في هذا الأسر.

فمنها: بسالة الحوراء زينب بنت الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام حين رأت الناس يبكون في سكك الكوفة، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأجراس، وهدأت الأنفاس، فانطلقت قائلة:


الحمد لله، والصلاة على محمّد وآله الطيبين الأخيار. أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل(1) والغدر! أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة(2) ، ولا هدأت الرنّة؛ إنّما مثلكم كمثل التي نقضت(3) غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف(4) النطف(5) ، والعجب والكذب والشنف(6) ، وملق الإماء(7) وغمز الأعداء(8) ، أو كمرعى على دمنة(9) ، أو كفضّة على ملحودة(10) ، ألا

____________________

(1) الختل: الخداع في غفلة.

(2) لا رقأت: دعاء بمعنى لا سكنت، ولا انقطعت.

(3) اقتباس من قوله تعالى في سورة النحل 16 / 90( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ... ) الآية، إيماءً إلى أنّ أهل الكوفة خالفوا نصّ الكتاب في نقضهم العهود المنهي عنها في الآية السابقة على هذه الآية:( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) .

ومعنى كلامها (سلام الله عليها): أنتم يا أهل الكوفة كالمرأة التي نقضت غزلها وأفسدتها بالحلّ من بعد إعمال القوّة والإبرام في نسجه، فجعلت غزلها أنكاثاً (وهو جمع نكث - بكسر الأوّل - وهو المنقوض بعد الفتل) أي خيوطاً.

والمعنى: نقضت غزلها نقض أنكاث (بمعنى المصدر)، كما تتّخذون حلفكم على عهودكم خيانة ومكراً.

وهكذا جعلت العقيلة القرآن شعاراً لها في جميع خطاباتها الجبّارة؛ لتعلن إلى الملأ أنّ الثائرين مع القرآن والثورة للقرآن.

(4) الصلف: مصدر بمعنى التمدّح بما ليس له.

(5) النطف: مصدر بمعنى القذف بالفجور، وبمعنى الشرّ والفساد.

(6) الشنف: المبغض بغير الحقّ.

(7) ملق الإماء: ودّها ومحبّتها من دون النساء.

(8) غمز الأعداء: الطعن فيهم باللسان والكلام عليهم فقط.

(9) الدمنة: المزبلة. تريدعليها‌السلام أنّه ليس فيكم إلاّ كالمرعى في حسن الظاهر على المزبلة في قبح الباطن.

(10) وفي رواية (أو كقصّة) - بالقاف المفتوحة - وهي (الجصّ)، والملحودة: القبر، والمقصود إنّه ليس منكم أحد في حسن ظاهره وقبح باطنه إلاّ كالفضّة، أو الجصّ الأبيض الموضوع على القبر النتن.


( لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) (1) .

أتبكون وتنتحبون؟!( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ) (2) ؛ فلقد ذهبتم بعارها وشنارها(3) ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، ومدرأ(4) حجّتكم، ومنار محجّتكم(5) ، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، وسيّد شباب أهل الجنّة؟!( أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) .

فتعساً لكم ونكساً، وبعداً لكم وسحقاً ; فلقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبئتم بغضب من الله ورسوله، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم، وأيّ كريمة

____________________

(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة المائدة 5/80:( تَرَى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) . إشارة إلى أنّ الفعل الذي صدر منهم بئس العمل، وإنّ أوليائهم الذين يتولّونهم هم الكافرون.

(2) اقتباس من قوله تعالى في سورة التوبة 9/82 في المخلّفين عن الجهاد:( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) . إيماءً إلى أنّ القاعدين عن الجهاد بين يدي أبي عبد الله الحسين سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كالمخلّفين عن الجهاد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(3) الشنار: أقبح العيب، أي تحمّلتم عار الأُمّة، ولن تغسلوها عن أنفسكم بعد الفعلة التي فعلتموها أبداً.

(4) المدرأ: ما يدفع به.

(5) المحجّة: الطريق.


له أبرزتم، وأيّ دم له سفكتم، وأيّ حرمة له انتهكتم،( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (1) * تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (2) ، ولقد أتيتم بها فرقاء(3) شوهاء(4) ، كطلاح الأرض(5) وملأ السماء.

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً؟( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى‏ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ) . فلا يستخفنّكم المهل(5) ؛ فإنّه لا يحفزه البدار(6) ، ولا يخاف فوت الثأر، وإنّ ربّكم لبالمرصاد(7) .

هذه إحدى المقامات الثورية للعقيلة، فقد قلبت لأوّل مرّة الكوفة من الفرح إلى بكاء وحزن وحيرة، وكاد الركب أن يحدث ثورة فيها فانتبه الأمير لذلك ووجّههم إلى الشام، وأوردوا على يزيد - وكان محتفلاً بسرور - ورود أُسارى الخوارج (على ما أذاعه) إلى الشام، وحضر المحفل كلّ ذي شأن من جميع الطوائف؛ أُمراء وعلماء، وشيوخ ووفود.

فرأت عقيلة حيدر أنّ هذا هو المحلّ الذي يلزم أن تجاهد فيه، وأن تؤدّي فيه رسالة الحسين أخيها الشهيد ; فصرخت في وجه يزيد قائلة: الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول:( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى‏ أَن

____________________

(1) أي منكراً فظيعاً.

(2) سورة مريم / 89 - 90.

(3) أي حمقاء، والضمير عائد إلى الفعلة التي فعلوها.

(3) أي قبيحة.

(4) أي كقدر الأرض في الكبر والعظم.

(5) أي لا يصدنّكم الرفق بكم عن ترك طاعة الله وفعل معصيته.

(6) أي فإنّ الله تعالى لا يحثّه على العمل لزوم المسارعة إليه.

(7) عن اللهوف - لابن طاووس (رحمه الله).


كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (1) .

أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة؟ وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده(2) ؛ فشمخت بأنفك(3) ، ونظر في عطفك(4) جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة(5) ، والأُمور متّسقة(6) ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً! أنسيت قول الله تعالى:( وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (7) .

أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك(8) ، وسوقك بنات رسول الله سبايا؛ قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ(9) أهل المناهل(10) والمعاقل(11) ، ويتصفّح(12) وجوههنّ القريب والبعيد، والداني والشريف، ليس معهنّ من حماتهنّ حمي، ولا من رجالهنّ ولي؟!

وكيف يُرتجى مراقبة مَنْ لفظ فوه أكباد الأزكياء(13) ، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟ وكيف

____________________

(1) سورة الرّوم / 10.

(2) عظم الخطر: كرامة القدر ورفعة المنزلة.

(3) شمخ بأنفه: أي تكبّر وتعزّز ورفع أنفه.

(4) نظرت في جانبك. والعطف: الجانب، والمراد: هو التكبّر والعجب بذلك.

(5) الاستوساق: الاجتماع.

(6) متّسقة: أي مستوية، أي لا خلاف عليك فيها.

(7) سورة آل عمران / 178.

(8) من خدر البنت، جعل لها خدراً، وألزمها الخدر، أي بوّأها محلاً مستوراً.

(9) استشرف: أي مدّ عنقه لينظر إليه وطلب الإشراف عليه.

(10) المناهل: جمع منهل الموضع الذي فيه الماء على الجادة.

(11) المعاقل: جمع المعقل، بمعنى الملجأ، والمراد المنازل التي يلجأ الناس إليها.

(12) تصفّح وجهه: تأمّل في وجهه، نظر إلى حليه وصورته، ويتعرّف أمره.

(13) أي كيف يُرجى خوف مَنْ لفظ فمه أكباد الأزكياء من الله. تشيرعليها‌السلام إلى فعل هند (لعنها الله) بكبد عمّ النبي حمزة (رضي الله عنه).


يُستبطأ في بغضنا أهل البيت مَنْ نظر إلينا بالشنف(1) والشنآن(2) ، والإحن(3) والأضغان(4) ، ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم(5) :

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشلْ

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها(7) بمخصرتك(8) ؟!

وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة(9) بإراقتك دماء ذريّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونجوم

____________________

(1) الشنف: أي البغض والنكراء.

(2) الشنآن: هو البغض مع عداوة.

(3) الإحن: أي الأحقاد والعداء المضمر.

(4) الأضغان: الأحقاد أيضاً.

(5) أي لا تحسب قولك إثماً ولا شيئاً عظيماً.

(6) هذا البيت من أبيات تمثّل بها يزيد في ذلك المجلس قبل خطبة العقيلة، وهي لابن الزبعرى، وتمثّلُ يزيد بها لا يدلّ إلاّ على اعتقاده بما فيها، وهو دليل جازم على كفره، وخروجه عن الإسلام، وهي:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشلْ

قد قتلنا القرمَ من ساداتهمْ

وعدلناهُ ببدرٍ فاعتدلْ

لعبت هاشمُ بالملك فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلْ

لستُ من خندفَ إن لم أنتقمْ

من بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

(7) تنكتها: أي تضربها.

(8) المخصرة: شيء كالسوط.

(9) نكأ القرحة: إذا قشّرها قبل أن تبرأ. والشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم. واستأصل الشافة: أي أزالها، والمقصود إنّك أقشرت قرحة قلوبنا بالقتل، وأزلت قرحة نفسك باستشفائك.


الأرض من آل عبد المطلّب؟ وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تُناديهم! فلتردنَّ وشيكاً موردهم، ولتودّنَّ أنّك شُللت وبُكمت، ولم تكن قلت ما قُلت، وفعلت ما فعلت.

اللّهمّ خذ لنا بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، وأحلل غضبك بمَنْ سفك دماءنا وقتل حماتنا.

فوالله ما فريت(1) إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنَّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما تحمّلت من سفك دماء ذريّته، وانتهكت من حرمته في

____________________

(1) أي ما قطعت بقتل أولياء الله إلاّ جلدك وقوّتك وحكمك.


عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم،( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) ، وحسبك بالله حاكماً، وبمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصيماً، وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك(2) ، إنّي لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك(3) ، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى(4) ، ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء!

فهذه الأيدي تنطف(5) من دمائنا، والأفواه تتحلّب(6) من لحومنا، وتلك الجثث

____________________

(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة آل عمران / 169، تشيرعليها‌السلام إلى أنّ الثائرين قُتلوا في سبيل الله لا كما أذاعه يزيد في حزبه أنّهم خوارج على الإسلام.

(2) عجباً لبراعة البلاغة! تعبّر بمنطقها الساحر عن حطّ منزلة يزيد ودناءة نسبه وحسبه، وعن فضيلة أصلها الثابت وفرعها المتلائي، وعن كرامة أخيها الشهيدعليه‌السلام ، وتتحسّر على تكلّمها معه، وتُعلن إلينا أن تتحجّب عن مكالمة الأجانب إلاّ في مثل موقفها الحرج؛ حيث أداء رسالة الحسين (شهيد العقيدة والدين).

(3) أي أحسب تقريعك وضربك ثنايا الحسين فعلاً عظيماً صادراً من شخص لئيم مثلك.

(4) الحروة: حرقة في الصدر من الوجع.

(5) تنطف: أي تقطر وتسيل.

(6) تتحلّب: أي تشرب الحليب وتتغذّى به.


الطواهر الزواكي تنتابها(1) العواسل(2) ، وتعفّرها(3) أُمّهات الفراعل(4) .

ولئن اتّخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك،( ... وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (5) ، وإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك؛ فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها.

وهل رأيك إلاّ فند(6) ، وأيّامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، والحمد لله ربّ العالمين الذي ختّم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يُكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويُحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وهكذا تُحارب العقيلة، فتقلب الأفكار على الظلم والباطل، إنّه حقّاً أعظم من البسالة في ميادين الجهاد.

____________________

(1) تنتاب: أي تأتيها مرّة بعد أُخرى.

(2) العواسل: الذئاب.

(3) تعفّرها: تمرّغها في التراب.

(4) الفراعل: أولاد الضباع.

(5) سورة فصلت / 46.

(6) أي إلاّ عجز عن مقاومة الدين.


وكذلك خطبة الإمام زين العابدين [عليه‌السلام ] وسائر الآل في الكوفة والشام توضّح حال الأُسراء، وأنّهم مَنْ؟ ولماذا أُسروا؟ ومَنْ أسرهم؟ وكشف القناع عن فضائح بني أُميّة، وذكر أنسابهم الحافلة بالإجرام.

فأسباب إخراج الحسينعليه‌السلام أهل بيته معه إلى أرض كربلاء تتلخّص في ما يلي:

الأوّل: إنّ مشيئة الله تعلّقت بذلك؛ لينتج نتائجه القيّمة من نشر الحقّ ودفع الباطل.

وقد أفصحعليه‌السلام عن ذلك بقوله لأُمّ سلمة: «قد شاء الله أن يراني مقتولاً ظلماً وعدواناً، وشاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردّين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً».

وفي قوله لأخيه ابن الحنفيّة لمّا قال له: إذا علمت أنّك مقتول، فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك؟

- «لقد قال لي جدّي: قد شاء الله أن يراهنّ سبايا متهتّكات».

وأمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للرضا بذلك كما قالعليه‌السلام لابن عبّاس حين أشار إليه بعدم المسير بهنّ خوفاً من القتل والسبي: «يابن العمّ، إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي، وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه، وإنّه أمرني بأخذهنّ معي».

الثاني: عدم ائتمان أحد عليهنّ كما صرّح هو به في تتمّة قوله لابن عبّاس الآنف: «وإنّهنّ ودائع رسول الله، ولا آمن عليهنّ


أحداً». ولخوفهعليه‌السلام من تعرّض يزيد لهنّ إن تركهنّ بقتل أو سبي أو اعتداء وهو حي، وذلك أعظم مصيبة عليه.

الثالث: عدم مفارقتهنّ له؛ لأنّهعليه‌السلام كان عميداً لآل البيت، وسيّداً للعلويين، وحامي حماهم، وملجأهم الوحيد عند الشدائد، فكيف يتركه أهل بيته وأخواته؟ كما قال هو أيضاً في قوله لابن عبّاس: «وهنّ أيضاً لا يفارقنني».

ويدلّ عليه أيضاً قول العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين حين سمعت كلام ابن عبّاس في إخلافهنّ في المدينة: (يابن عبّاس، أتشير إلى شيخنا وسيّدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده؟! وهل أبقى الزمان لنا غيره؟ لا والله، بل نحيى معه ونموت معه).

الرابع: كشف الحُجب عن ظلم بني أُميّة وعدائهم إلى آل البيت النبوي، وإبانة واقعهم المرموق في الملأ، وتمويه سعي يزيد من قلب الواقع على الأُمّة، حيث أذاع فيهم أنّ الثائرين خوارج، وأنّ الأُسارى أُسارى الخارجين، فأبانت عيالات الحسين بذلك الجهاد المقدّس الواقع للأُمّة، مبيّنة أنّ الثائرين هم حسين وأصحابه - أصحاب الحقّ والإيمان - والأُسارى هم آل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان ذلك أقوى ذريعة لدكّ صروح الظلم.

الخامس: بثّ دعوة الحسين ووصل حلقاتها، فبالأُسارى انتشر نبأ الحسينعليه‌السلام إلى العالم الإسلامي؛ فإنّ آل البيت لم تدخل بلدة أو محفلاً إلاّ ونادوا بنداء الحسين، فأبانوا واقع ثورته.

ولولا الأُسارى لأنقطع نداؤهعليه‌السلام ، ولأخمد الأُمويّون نور دعوته ونار ثورته، وذلك


غير ما جعله هدفاً لثورته.

السادس: تحريض الأُمّة على أخذ الثار من الأُمويين الكفرة، وإرسال خبر قتله بتلك القساوة إلى كلّ ذي ضمير عادل حي وشعور يقظ، حتّى حنق كلّ سامع على يزيد، وأصبح كلّ صغير وكبير سمع نعيه يبرأ من يزيد وفعله، ولم يبقَ مَنْ لم يسمع نداءهعليه‌السلام الرفيع ; فلذلك تلت ثورته وسبي عياله ثورات عدّة:

منها: حركة أهل المدينة؛ فإنّ أهل البيت بعد رجوعهم إلى المدينة كانوا ينوحون على الحسين، ويذكرون مصائبه التي تحرق القلب، وتذيب الكبد، فكان أهل المدينة يسمعون ذلك وهم يحبّون أهل البيت، فينقلبون حميماً على يزيد إلى أن حدثت تلك الثورة الأليمة وقعة الحرّة، وتلتها ثورة ابن الزبير، والمختار، والتوّابين، وابن الأشتر، وبعدها نهوض زيد بن علي الشهيد (رضي الله عنه)، والحسين بن علي الشهيد - صاحب فخّ - (رضي الله عنه)... إلى العشرات من الثورات التي قام بها المصلحون.

فأخذُ الحسينعليه‌السلام أهله وأطفاله معه إلى أرض شهادته نصرةٌ للدين، وتأييدٌ لما خرج لأجله، وبعد ذلك كان ما أراد، وأُزيل ذلك الحكم الغاشم، وقُطعت تلك الشجرة الملعونة، وانقطع دابر الكافرين، وعاش المسلمون بعدهم بهناء وعزّ وسيادة وازدهار، وفاقت الأُمم كلّها قوّة وعلماً وثروة وتقدّماً، وذلك ما أراده الحسينعليه‌السلام بعد إرادة الله ورسوله.


الفصل الخامس

المآتم الحسينيّة

إنّ ثورة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام حقّاً لعطاء سخي للأُمّة من جميع جوانبها؛ ففي عهدها الأوّل أفاضت على المسلمين خير الإصلاح والقوّة، وأبادت الظلم عنهم؛ فتمكّنوا من السير في الحياة آمنين، وصار الحكم يترقّب رضاهم، وارتقت ثقافتهم، وصناعتهم وثروتهم إلى ما يحيّر العقول. كلّ ذلك من بركات تلك الثورة المقدّسة.

وأمّا في العهود المتأخّرة، فخيرها أكثر، ودرّها أوفر، وذلك بـ (المآتم) التي كانت تُقام له وباسمهعليه‌السلام ؛ فبمآتمه تمكّن التشيّع أن يترقّى ويتقدّم حتّى فاقت الشيعة الأُمم كلّها ثقافة وعزماً، وقوّة وثباتاً وثروة. والمآتم الحسينيّة تعبير صادق عن شعور المسلمين في مبدئهم وقادتهم، وهي قوّة لهم على محق الظلم ونصرة الحقّ.

وحديث (المآتم الحسينيّة وفائدتها) ممّا ملّته الأسماع والألسن والأقلام؛ فما أكثر ما كتب أو قيل فيه، حتّى إنّ المستشرقين من فلاسفة الغرب تعرّضوا له في مؤلّفاتهم، وأفصحوا عن آرائهم المجيدة عنه وعن فائدته؛ وعلى هذا فليس مجال للتساؤل لكثرة الباحثين عنه، ومع ذلك فنحن نشير إلى مختصر البحث فنقول:

(المآتم الحسينيّة) أرض خصبة خلقها الله، ومهّدها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحرثها الحسينعليه‌السلام بسيفه وقوائم خيله، وزرع فيها بذور الإيمان والنضال، والعزم والقوّة، ورواها بدمه الطاهر ودماء أصحابه وأهل بيته الأنجبين، وأصلحها ذرّيّتهعليهم‌السلام من بعده؛ فارتفعت بأغصانها المتشعّبة، وأظلّت بأوراقها على الأُمّة بكلّ خير، وأثمرت للمسلمين


أغنى ثروة ممّا حصدته الأجيال الموالية له، السائرة على نهجه وسيرته.

وللمآتم الحسينيّة منافع يسيح المسلمون فيها، وخير يغورون في فيضه، ونذكر المهمّ من فوائد تلك (المآتم) فيما يلي:

الأوّل: أنّها مدرسة قائمة مدى الدهر، تعلّم أبناءها كلّ علم وكلّ ثقافة؛ فهي توضيح لأحكام الشريعة والقوانين الإسلامية للأُمّة، وتبحث عن التأريخ بأهمّ أطواره وأبهى صوره، ويبحث فيها عن الجغرافية بأوسع مناهجها، وأضبط طرقها.

وفيها تحقيق عن الرجال - مسلمين وغيرهم - بأحسن الأُصول، وبيان للعقائد الكلامية بالأدلّة الرصينة؛ من توحيد، ونبوّة، وإمامة، وعدل، ومعاد.

وهكذا يدرس فيها كلّ ما ينشئ المجتمع، ويرقي الإنسان؛ فلهذا ترى الشيعي أكثر من أفراد كلّ أُمّة علماً وثقافة، وفراسة ومهارة.

وحبّذا ما يقوله الفيلسوف المستشرق (جوزف) الفرنسي في كتابه (الإسلام والمسلمون): (... ولو نظرنا اليوم في أقطار العالم نرى أنّ الأفراد التي هي أولى بالمعرفة والعلم، والصنعة والثورة، إنّما توجد بين الشيعة...).

أقول: وذلك ببركة هذه المدرسة المجيدة.

الثاني: أنّها مؤتمر ديني يجتمع فيه المسلمون، ويبحثون عن أحوالهم، ويتداركون مواقع الضعف، ويتبادلون الآراء في شؤونهم، فيتمكّنون من التآزر والاتّحاد ليسيروا على النهج القويم؛ وهذا ممّا لا يتمكّن عليه إلاّ بالجهد الكثير، والمال الوافر، والمشقّة العظيمة، ولكن هذه الأُمّة لمّا اعتادت عقد هذا المؤتمر


الذي وضع أساسه الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام يحصل في كلّ آن بدون أيّ مشقّة وعناء.

الثالث: أنّها تثبيت لعقائد الأُمّة، وردّ للشبه عن مبدئها، وهذا هو أسمى الغايات؛ فلذلك ترى العامي الشيعي قوي في عقيدته وإيمانه بأدلّة قاطعة وبراهين ساطعة، وهذا عطاء من الحسينعليه‌السلام إلى هذه الأُمّة.

الرابع: أنّها محكمة سلميّة قائمة بين الحقّ والباطل، وهي واسعة المجال للنقد والبحث في المسائل الدينيّة والسياسيّة والعلمية وغيرها من مختلف المسائل؛ وبذلك تتوسّع دائرة التفكير، وينبلج الحقّ لمريده، وتزداد المعرفة والثقافة، وبحضورها يتّضح الواقع لمَنْ انحاز عنه ولم يتمكّن من طلبه بالسؤال.

وهذا ممّا اختّصت به هذه الأُمّة بـ (المآتم الحسينيّة).

الخامس : أنّها بثّ للمبدأ ونشر للدعوة، وهو الذي قام الحسينعليه‌السلام لأجله وأُريق دمه في سبيله؛ فكم من ضالّ اهتدى بحضور هذه المآتم، وكم من مسيحي أو يهودي أو مجوسي استسلم فيها، وكم من منحرف استقام.

وهذا كلّه بتوضيح الواقع والمناقشة مع الباطل في تلك المحافل.

السادس : أنّها جهاد متواصل ضدّ الظلم في جميع الأزمان، وهذا شيء لا غبار عليه.

السابع: ذكر فضائل قادة الدين ورؤساء المسلمين ممّا


يوجب ثبات العقيدة بهم، واتّباع آثارهم الحكيمة، وآرائهم الرصينة، والاقتداء بهم في أخلاقهم الإسلامية السامية؛ فإنّها هي التي توجب عزّ المسلمين، وتقدّمهم في جميع مجالات الحياة، وكذلك فضل الرجال الصلحاء، والعلماء والزهّاد، والحكّام العدول المؤمنين للاقتداء بهم في صفاتهم الحسنة ومآثرهم الحميدة.

الثامن: تأثّر النفوس بمصائب آل البيت ومظلوميتهم، وهو الذي يكون حافزاً للتفاني في سبيل الحقّ وإعلاء كلمته والتشبّث به، كما حدث - عياناً - في هدم كيان الظلم عندما انتشرت أخبار الحسين ومظلوميته ومصائبه إلى العالم، وتبيّن مدى ظلم بني أُميّة وقساوتهم تجّاه أهل البيتعليهم‌السلام .

وكثيراً ما سمعناه أنّ أفراداً لا يعتقدون بالإسلام، أو أشخاصاً من غير الشيعة استسلموا وتشيّعوا؛ لِما أثّر في قلوبهم من المصائب التي تحمّلها الحسينعليه‌السلام بصبر كبير، وفعلها يزيد بعنف كثير. تلك المصائب التي لا تتحمّل إلاّ في سبيل الحقّ وإعلاء كلمته.

هذه بعض تلك الفوائد الثمينة من المآتم الحسينيّة، وما لم نذكره ضعف ما تلوناه.

وفي الواقع لو إنّا أقمنا المآتم الحسينيّة بنظامها وقانونها لفقنا جميع الأُمم عدّة وعدداً، كما قال المستشرق (جوزف) في (الإسلام والمسلمون) أيضاً: (لا يمضي على هذه الفرقة زمان قليل إلاّ وتفوق سائر المسلمين من حيث العدد).

هذا إن سرنا على هذا النهج باعتقاد وعزم ثابتين.

وإلى هنا نطوي آخر الكلام، ولعلّنا أتينا على شيء في هذه


الوجيزة حول نهضة الحسينعليه‌السلام .

ونسأل الله أن يوفّقنا وإيّاكم وجميع المسلمين لما فيه رضاه، إنّه خير موفّق ومعين.

كربلاء المقدّسة: 21/12/84هـ

محمّد الرضا الحسيني الجلالي

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على محمد وآله الطاهرين


وجهُ الصباحِ عليّ ليلٌ مظلمُ

وربيعُ أيَّامي عليَّ محرمُ

والليل يشهدُ لي بأنّي ساهرٌ

إن طابَ للناسِ الرقادُ فهوَّموا

قلقاً تقلّبني الهمومُ بمضجعي

ويغورُ فكري في الزمانِ ويتهمُ

من قرحةٍ لو أنّها بيلملمٍ

نسفت جوانبهُ وساخَ يلملمُ

ما خلتُ إنّ الدَّهرَ من عاداتهِ

تُروى الكلابُ بهِ ويظمى الضيغمُ

ويقدمُ الأموي وهو مؤخرٌ

ويُؤخرُ العلوي وهو مقدَّمُ

مثلُ ابن فاطمةٍ يبيتُ مشرداً

ويزيدُ في لذاتهِ يتنعَّمُ

يرقى منابرَ أحمدٍ متأمّراً

في المسلمينَ وليسَ ينكرُ مُسلمُ

ويضيّقُ الدُنيا على ابنِ محمدٍ

حتى تقاذفهُ الفضاءُ الأعظَمُ

خَرَجَ الحسينُ من المدينةِ خائفاً

كخروجِ موسى خائفاً يتكتَّمُ

وقَد انجلى عن مكةَ وهو ابنها

وبهِ تشرَّفَتْ الحطيمُ وزمزمُ

لَمْ يدرِ أينَ يُريح بُدنَ رِكابِهِ

فكأنَّما المأوى عليهِ مُحرَّمُ


من صبح اعلى السير عازم

لأهل الغدر واهل النمايم

آمر على اشبول الهواشم

اتشد المحامل عالنعايم

او صدّ العضيده ابگلب هايم

ناداه يا بحر المچارم

خل تطلع اوياك الفواطم

لفه الزينب العبّاس باسم

گاللها گومي الظعن والم

او عالسير اخويه اليوم جازم

نادته او دمع العين ساجم

ويّاك اگومن وانته غانم

لچن يخويه ابحالي عالم

ما أحمل مذلّه او لا هضايم

واشوف الگدر بالظعن حايم

ما ندري بالكوفة اشنوالم

لـمَّن سمع جرَّد الصارم

تخافين گلها وآنه سالم

صاحت يوالي الحرم دايم

طلعت او حفّتها الضياغم

عون او علي او جعفر او جاسم

واحسينها اعله الخيل جادم

واخوته اليحلّون اللوازم

جدّامها امنشره العمايم

وامجرّده البيض الصوارم

او عباس للهودج املازم

خايف تصد لخته الوادم

چا وين عنهم جان نايم

من صبحّن بالطف غنايم

ما بين ضاربهن او شاتم

ولسان حال زينب:

يبو فاضل يبدر التام يسراي

عگبكم ما دريتوا اشلون يسراي

خايف تصد لخته الوادم

وشاچف باليمين اسياط اميه

يا ناقتي لا تذغري من زجر

واسرِ بنا قبلٍ طلوع الفجرِ

بخيرِ فتيانٍ وخيرِ سَفرِ

آل رسولِ اللهِ آلِ الفخرِ

السادة البيضِ الوجوه والزهرِ

الضاربين بالسيوفِ البترِ

الطاعنين بالرماحِ السمرِ

يا مالك النفعِ معاً والضرِ

أيد حسيناً سيّدي بالنصرِ

على اللعينينِ سَليلي صخرِ


الفهرس

مقدّمة2

تمهيد 4

الفصل الأوّل: أسباب خروج الإمام من المدينة إلى العراق 6

الفصل الثاني: نتائج تلك النهضة10

الفصل الثالث: الصلح مع يزيد 14

الفصل الرابع: لماذا أخرج أهل بيته عليهم‌السلام؟18

الفصل الخامس: المآتم الحسينيّة30


حول نهضة الحسين (عليه السلام)

حول نهضة الحسين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 37