نظرة في إحياء مراسم عاشوراء
تأليف: الشيخ مصباح اليزدي
سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيتعليهمالسلام (118)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: ثورة السماء
الأرض... هي الأرض، لم تزل منذ خُلقت مسرحاً لتصارع قيم السماء مع قيود الأرض المادية؛ فقيم السماء تريد بالإنسان الانشداد إلى الأعلى، والسير إلى الكمال المطلق، وتأبى قوانين الأرض إلاّ أن تُخلده إلى القاع وتجره إليها.
آدم، وهابيل، ونوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ويحيى و...، ثم قابيل، ونمرود، وفرعون، وقارون، وهامان، وأبو جهل، و...
ويشتد الصراع، فكلما أخلد البشر إلى الأرض واتبعوا أهواءهم جهلاً بعث الله إليهم من يستنقذهم منها، ويكسّر القيود عنهم، ويرفعهم إلى السماء.
ثم كان ابن محمّدصلىاللهعليهوآله ، إنه الحسين السبط الذي ادّخرته السماء ليقوم بالإنسان، ويزيح عنه كل ما يشده إلى الأرض. إنه الإنسان الكامل، يقود الصراع كما قاده من كان قبله؛ فكان صراعه خلاصة صراع الأنبياءعليهمالسلام مع طواغيت
زمانهم، فتجسدت فيه كل ظلامات من كان قبله؛ عطش، جوع، ألم، جراحات، قتل أولاد، قتل إخوة، قتل أصحاب، سبي نساء، انتهاك حرمات...
إنها ظلامة الإنسان الكامل حينما قام بوجه الظلم؛ فحق لكلِّ إنسان أن يبكي الحسينعليهالسلام .
تقول الكاتبة الإنجليزية فرياستارك: إنّ مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتّى تصل إلى الأسس، وهي من القصص القليلة التي لا أستطيع قراءتها من دون أن ينتابني البكاء(1) .
لقد حيّرت - يا حسين - ألباب ذوي الألباب حتّى عشقك البعيد والقريب؛ فهذا غاندي - الزعيم الهندي الكبير - يقول: أنا هندوسي بالولادة، ومع ذلك فلست أعرف كثيراً عن الهندوسية... ولقد تناقشت مع بعض الأصدقاء المسلمين وشعرت بأنني
____________________
(1) راجع كتابها: صور بغدادية / 145 - 150.
كنت أطمع أن أكون صديقاً صدوقاً للمسلمين....
وخاطب شعبه الهندي قائلاً: على الهند إذا أرادت أن تنتصر أن تقتدي بالإمام الحسين.
وقال أيضاً: تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر(1) .
وها هو المستشرق الأمريكي غوستاف غرونيبام يؤكد بأنّ أهمية ثورة الحسينعليهالسلام امتدت إلى الكون كله، فيقول في ذلك: إنّ وقعة كربلاء ذات أهمية كونية؛ فلقد أثّرت الصورة المحزنة لمقتل الحسين - الرجل النبيل الشجاع - في المسلمين تأثيراً لم تبلغه أية شخصية مسلمة أخرى...(2) .
بل لقد عشقك غير المسلم مع المسلم على حدٍّ سواء؛ لأنك أيقظت ضمير الإنسان فراح يبحث عن ذاته فيك كما الفراشة تبحث عن الضوء لتحترق فيه.
____________________
(1) راجع كتابه: قصص تجاربي مع الحقيقة.
(2) راجع كتابه: حضارة الإسلام.
انطوان بارا، مفكر مسيحي، يقول في ذلك: لو كان الحسين منّا لنشرنا له في كلِّ أرضٍ راية، ولدعونا الناس إلى المسيحيّة باسم الحسين.
كتابنا هذا الذي بين يديك - عزيزي القارئ - بحث علمي موجز عن سبب إقامة شعائر عاشوراء، قائم على أساس متبنيات علم النفس، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها الشيخ مصباح اليزدي نُقلت بتصرّف.
فهو على إيجازه كعدة الراحل، خفيفة الوزن غالية الثمن، نرجو أن يروق لك، سائلين المولى (عزّ وجلّ) القبول والصفح، إنه نعم مسؤول، وبه المستعان.
بقلم: الشيخ محمّد الكروي
نظرة في إحياء مراسم عاشوراء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على سيد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
سنبدأ بحثنا مفترضين أنّ شابّاً قد نال حديثاً نضجه الفكري، وهو يحاول أن يفهم جميع المسائل والظواهر الاجتماعيّة التي تحدث من حوله، ويحاول الإحاطة بعللها حتّى يتمتّع بتقييم واضح للمسائل والظواهر التي تحيط به.
وقد لاحظ ذلك الشاب - ومع بدء شهر محرم الحرام - تشكيل مجالس العزاء، ويرى الناس يرتدون الملابس السوداء ويرفعون الأعلام السود، ويشاهد قيام هيئات للعزاء واللطم، وينظر اليهم وعيونهم تسكب الدموع الغزيرة... إنها ظواهر لا تنتشر في الأيام العادية ولا
تُلاحظ في سائر المجتمعات.
إذاً من الطبيعي عندئذ أن يُطرح أمامة هذا السؤال، وهو: لأيّ هدف تُقام مثل هذه المراسم؟ لماذا لا بدّ أن يرتدي الإنسان الملابس السود؟ لماذا يلطم الناس على رؤوسهم وصدورهم إلى وقت متأخر من الليل؟ لأيّ شيء تجري كل هذه الدموع؟
ويمكننا تقسيم الأسئلة التي تُطرح في هذا المضمار إلى أربعة أسئلة، وسوف نحاول - بعون الله - الإجابة على كلِّ سؤال منها بشكل منفصل حتّى نوفّر الأرضية لرقي معرفة شبابنا الأعزاء بالنسبة لمراسم عاشوراء، وحتّى نسلط الأضواء بصورة أكبر على ثقافة عاشوراء.
السؤال الأول: لماذا لا بدّ من تخليد واقعة عاشوراء؟
لماذا لا بدّ من إحياء حادثة قد مر عليها ما يناهز 1360 عاماً؟
ولماذا لا بدّ من إقامة مراسم الإحياء لهذه الذكرى؟ إنها حادثة تاريخيّة قد تقادم عليها الزمن، وسواء أكانت مُرّة أم حلوة فإنها قد انتهت؛ فلماذا بعد مرور ما يقرب من أربعة عشر قرناً نلجأ إلى إحياء ذكرى هذه الحادثة ونقيم مراسم لذلك؟
إنّ الجواب على هذا السؤال ليس عسيراً جداً؛ لأنّه من الممكن أن نبيّن لأيّ شاب أنّ الحوادث الماضية في كل مجتمع يمكن أن تكون لها آثار ضخمة في مصير ذلك المجتمع ومستقبله، وإحياء تلك الحوادث هو في الواقع لون من إعادة النظر والصياغة الجديدة لتلك الحادثة حتّى يتيسر للناس أن ينتفعوا منها؛ فإذا كانت الحادثة نافعة عند حدوثها، وكانت منشأ لآثار طيّبة وبركات كثيرة فإنّ إعادة النظر إليها وإعادة صياغتها يمكن أن تكون منشأ لكثير من المنافع.
وعلاوة على ذلك فقد اعتادت المجتمعات البشرية
على أن تقوم بإحياء حوادث الماضي بشكل من الأشكال، وأن تجلّها وتضفي عليها ألواناً من الاحترام والتقدير؛ سواء أكانت تلك الحوادث متعلقة بأشخاص كان لهم دور مؤثر في رقي مجتمعاتهم كالعلماء والمكتشفين، أم كانت متعلقة بأشخاص تميّزوا بدور حسّاس في تحرير اُممهم من الناحية السياسيّة والاجتماعيّة وأصبحوا أبطالاً وطنيين.
إنّ جميع العقلاء في العالم يحيون ذكريات مثل هذه الشخصيات البارزة، ويتم هذا الأمر حسب واحدة من أقدس الرغبات الفطرية التي أودعها الله سبحانه في أعماق جميع الناس، ويعبّر عنها بـ (حس الاعتراف بحق الآخر، أو الاعتراف بالجميل للآخر).
فهناك رغبة فطرية موجوده في أعماق جميع الناس وهي تدفعهم للاعتراف بحقِّ مَن أسدى إليهم خدمة، وعليهم أن يتذكّروها ويحترموا ذكراها، وبذلك ستكون الأفعال العظيمة لتلك
الشخصيات قد تجددت.
ولما كنّا نعتقد أنّ وقعة عاشوراء كانت حادثة عظيمة في تاريخ الإسلام، وكان لها دور مصيري في سعادة المسلمين وتبيين سبيل الهداية للناس؛ لهذا أصبحت تلك الواقعة ذات قيمة عظيمة عندنا، ويغدوا إحياؤها وتذكّرها وإعادة صياغتها أمراً لا يمكن التفريط به؛ لأنّ بركات ذلك سوف تشمل مجتمعنا المعاصر.
السؤال الثاني: لماذا لا نكتفي بالبحث والنقاش في إحياء عاشوراء؟
السؤال الثاني الذي يمكن أن نستخلصه من تحليل السؤال الأول هو: إنّ إحياء ذكرى عاشوراء ليس منحصراً في البكاء واللطم على الصدور، ورفع الأعلام السود، وإقامة مجالس العزاء إلى منتصف الليل، الأمر
الذي يؤدي إلى تعطيل الأعمال في النهار، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ هذه الاُمور تستتبع أضراراً اقتصاديّة، بينما يمكننا إحياء هذه الذكرى بشكل تترتب عليه أضرار اقتصاديّة واجتماعيّة أقل؟
إنّ هذا السؤال نطرحه على أساس هذا الفرض، وهو: إنّ الوضع الروحي لكثير من الناس ينجسم أكثر مع الاُمور الماديّة والاقتصاديّة، واهتمام الناس منصب على هذه الاُمور أكثر من غيرها، وحينئذ يقيّم هؤلاء الحوادث على أساس ما لها من منافع أو أضرار ماديّة واقتصاديّة.
ونحن نفترض أنّ هذا التساؤل قد اختلج في نفس شاب لم تكتمل بعد تربيته الدينية، فقد يخطر على باله أنّ هذه المجالس تستتبع أضراراً اقتصاديّة بسبب قلة الانتاج؛ نتيجة ضياع الوقت؛ إذ إنّ سهر الناس في إقامة العزاء إلى منتصف الليل يفقدهم القدرة على العمل في اليوم التالي؛
وعلى هذا فإنّ المجتمع سيعيش ولمدة شهرين في حالة ارتخاء لكي يتم إحياء هذه الحادثة، بينما توجد هناك سبل اُخرى لإحياء واقعة عاشوراء، مثل إقامة جلسات البحث وتنظيم الندوات وما شابه ذلك، ومن خلال متابعة البحث والنقاش يتم إحياء هذه الحادثة للناس.
وبكلام مختصر فإنه يقال: سلّمنا بأنّ إحياء ذكرى عاشوراء وما جرى على الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام يرجع بالنفع لنا، وله آثار ممتازة في مجتمعنا؛ فإنه يطرح سؤال ثانٍ وهو: لماذا لا بدّ أن يتم هذا الإحياء بهذه الصورة ونحن نلاحظ في كل أرجاء العالم أنّ الشعوب التي تريد إحياء ذكرى عظمائها فإنها تعقد الندوات ومجالس البحث والنقاش؛ فلماذا نصرّ نحن على إحياء ذكرى عاشوراء بهذه الصورة؟
إنّ الجواب على هذا السؤال سيكون أكثر تعقيداً من
الجواب على السؤال الأول.
ويتلخص الجواب على هذا السؤال بأنّ البحث حول شخصية سيد الشهداءعليهالسلام ، وتنظيم الندوات والمحاضرات، وكتابة المقالات، وأمثال هذه الأعمال الثقافية والعلميّة هي اُمور نافعة وضرورية، وتجري في مجتمعنا ببركة إقامة العزاء على سيد الشهداءعليهالسلام ؛ إذ يتم من خلال إقامة العزاء البحث والتحقيق حول هذه الاُمور ويستفيد الناس معارفاً قيمه في هذا المجال.
إنّ هذه النشاطات ضرورية في مجالها، ولكن هل هي كافية لكي ننتفع بشكل كامل من حادثة عاشوراء، أم هناك أمور أخرى ضرورية أيضاً مثل إقامة العزاء في مجاله الخاص؟
إنّ الجواب على هذا السؤال يتوقف على القيام بتحليل نفسي للإنسان لمعرفة العوامل المؤثرة في سلوكه الواعي،
وهل إنّ المؤثر في سلوك الإنسان هو عامل المعرفة فحسب، أم هناك عوامل أخرى تؤثر في بلورة هذا السلوك؟
عندما نتأمل في سلوكنا ندرك أنّ هناك - على أقل تقدير - طائفتين من العوامل تنهض بالدور الرئيس في هذا المضمار:
الطائفة الأولى: عوامل المعرفة، ويكون تأثيرها من بعد أن يفهم الإنسان شيئاً ويتقبله. ومن البديهي أن يستدل على الموضوع المطلوب بما يتناسب معه من الأدلة؛ فإن كان الموضوع عقلياً - كما في الفلسفة - استدل عليه بأدلة عقليّة، وإن كان الموضوع تجريبياً - كما في الكيمياء والفيزياء - استدل عليه بأدلة تجريبية، و... إلخ.
ومن الواضح جداً أنّ للمعرفة تأثيراً كبيراً في سلوكنا،
ولكنها ليست هي العامل الوحيد، بل هناك عوامل اُخرى لعل تأثيرها في سلوكنا أكبر من عامل المعرفة.
وتسمى هذه العوامل بـ (الدوافع أو الأحاسيس أو العواطف أو الميول أو الرغبات)، إنّها مجموعة من العوامل الباطنية النفسيّة المؤثّرة في سلوكنا.
كلما قمت بتحليل سلوكك - سواء أكان السلوك المتعلق بالحياة الفردية أم الحياة العائليّة أم الحياة الاجتماعيّة أم الحياة السياسيّة - فستلاحظ أن الأمر الأساس الذي دفعك للقيام بذلك السلوك هو هذه البواعث والعوامل المحركة.
ويوجد في هذا المجال تشبيه لطيف؛ حيث يشبّه السلوك الإنساني بالسيارة التي تسير في ظلمة الليل، فهي تحتاج إلى عاملين لتتحرك: أحدهما الطاقة الميكانيكية للسيارة حتّى تتيسر لها الحركة بواسطتها، والعامل الآخر هو أنه لا بدّ للسيارة أيضاً من مصباح يُضاء به الطريق حتّى
لا تقع السيارة في المطبات والحفر والمزالق الخطيرة.
فلو فرضنا أنّ السيارة تتحرك في تلك الأجواء، فحتّى لو كانت ماكنتها تعمل بشكل جيد وتنتج طاقة ميكانيكيّة كافية فإنّ سائقها إذا لم يرَ الطريق فلعلّه يواجه مخاطر عظيمة، ويتعرض لحادثة قد تودي بحياته مع جميع الركّاب. وكذا الأمر في سلوك الإنسان، فهو بحاجة إلى لونين من العوامل:
أحدهما: لا بدّ من توفّره في أعماقه حتّى يبعثه ويحركه، ويوفر له الرغبة في الفعل كي يشتاق إليه يوماً ويقوم به.
والثاني: لا بدّ أن يعرف لماذا يجب القيام بهذا الفعل؟ ما الفائدة من هذا الفعل بالنسبة إليه؟ وكيف ينبغي انجازه؟
إنّ هذه الأسئلة وأمثالها هي من جملة عوامل المعرفة؛ فعلينا إذاً أن نتأمل في مثل هذه العوامل ونتعرّف عليها؛ إمّا عن طريق التجربة، وإمّا عن طريق الاستدلال.
ومن الضروري الرجوع إلى المصادر المناسبة للفعل الذي نريد القيام به لكي نظفر بالمعارف اللازمة، [أي العامل الأول]، لكن المعرفة وحدها غير كافية لتدفعنا نحو الحركة، وإنما نحن بحاجة إلى عامل نفسي آخر ليبعثنا نحو ذلك الفعل ويقودنا إلى إنجازه، ومثل هذه العوامل يطلقون عليها اسم الدوافع النفسيّة، ولها أسماء اُخرى كالأحاسيس والعواطف وغير ذلك.
فلو عرف الإنسان بصورة يقينيّة أنّ غذاءً ما مفيد لجسمه فإنّه لن يندفع لتناوله ما لم تتحرك الرغبة في نفسه لذلك الغذاء ويشتهيه، فلو فرضنا أنّ الرغبة قد انعدمت عند شخص، أو أنه ابتلي - والعياذ بالله - بمرض لا يكون معه راغباً في شيء، فمهما قيل له: إنّ هذا الغذاء نافع
لجسمك فإنه لا يتحرك لتناوله، إذاً بالإضافة إلى المعرفة لا بدّ من وجود الرغبة والدافع في أعماق الإنسان.
والقضايا الاجتماعيّة والسياسية لها نفس هذا الحكم، فحتّى لو عرف الشخص أنّ هناك حركة اجتماعيّة حسنة ونافعة فإنه لا يتحرك نحوها ما لم يكن هناك دافع للقيام بتلك الحركة، وحتّى لو صرّح ذلك الشخص نفسه بأن القيام بهذه الحركة حسن لكنه لا بدّ له من دافع وعامل يحركه للقيام بذلك الفعل.
ثمَّ بعد أن عرفنا وسلّمنا بأنّ السلوك والحركات الإنسانيّة الواعية تحتاج إلى طائفتين من العوامل؛ إحداهما عوامل المعرفة، والثانية عوامل العواطف والأحاسيس، وبعد أن عرفنا مدى ما لحركة سيد الشهداءعليهالسلام من دور مهم في سعادة الناس، فإنّنا سوف نلتفت إلى أن المعرفة وحدها لا تحقق فينا الحركة ومعرفة تلك الوقعة،
وتذكّرها لا تقودنا إلى فعل مشابه لفعل الإمام الحسينعليهالسلام ، ولا تحملنا على اقتفاء أثره إلاّ إذا تحقق في أنفسنا الدافع، ثمّ على أساسه نغدو مشتاقين للقيام بما يشبه ذلك الفعل، إذاً تحقق مثل هذا الأمر يحتاج إلى طائفتين من العوامل.
وجلسات البحث والتحقيق والخطابة توفر لنا الطائفة الأولى من تلك العوامل، أي إنها تزوّدنا بالمعارف اللازمة، لكن لا بدّ لنا من الطائفة الثانية حتّى يتم من خلالها تنمية العواطف وتقوية المشاعر. ومن الواضح أنّ للمعرفة ذاتها دوراً في تذكّر ودراسة الواقعة، لكن الدور الأساس تنهض به الاُمور التي لها تأثير مباشر على العواطف والمشاعر، ويلاحظ ذلك عندما تعاد صياغة مشهد معين، ويتأمّل المرء في ذلك المشهد عن كثب؛ فإنّ هذا يختلف كثيراً عمّا لو اكتفى بسماعه فقط.
ونستطيع نحن تجربة هذا الأمر بأنفسنا؛ إذ نجد اختلافاً كبيراً بين شيء عرفنا أنه قد تحقّق أو سوف يتحقق، لكننا لم نشاهد وقوعه، وشيء شاهدنا بأعيننا تحققه، فمثلاً نحن نعلم جميعاً بوجود اُناس كثيرين محرومين في هذه المدينة، ولكن رؤية إنسان محروم يعيش حالة مثيرة للشفقة يمكنها أن تترك فينا أثراً لا يمكن أن تتركة المعرفة المجردة عن النظر والمشاهدة. عندما يشاهد الإنسان حالة مريض أو طفل يتيم مثيرة للرقة فإنّ هذه المشاهدة تترك أثراً في روحه لا تتركها المعرفة لوحدها.
إنّ هذا الموضوع يمكننا تجربته في حياتنا، ويمكننا أيضاً أن نلاحظه في المصادر الدينية.
وفي هذا المضمار نشير إلى قصة واردة في القرآن الكريم تصلح أن تكون مثالاً على ما ذكرناه: فنحن نعلم أن النبي موسىعليهالسلام قد دُعيَ من قبل الله تعالى إلى جبل الطور ليعبد الله تعالى هناك، وقيل لقومه:
إنّ موسىعليهالسلام سوف يبقى هناك شهراً من الزمان، لكن إرادة الله سبحانه قد اقتضت أن يبقى هناك أربعين يوماً، يقول تعالى:( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ) (1) .
ولم يكن بنو إسرائيل عالمين بهذه الليالي العشر الإضافية، وقد كان هذا اختباراً لهم؛ ليتبيّن مدى تمسكهم بإيمانهم. ولما انتهت الليالي الثلاثون جاء بنو إسرائيل إلى هارونعليهالسلام - وهو خليفة موسىعليهالسلام - وسألوه عن سبب عدم عودة أخيه، فأجاب بأننا منتظرون، وسوف يعود سريعاً، وفي اليوم التالي لم يعد موسىعليهالسلام ، فكرروا السؤال عنه، وبدأ هاجس الخوف يلوح عندهم بالاُفق، فظنوا أن تأخّر موسى يعني أنه تركهم وذهب إلى حال
____________________
(1) سورة الأعراف / 142.
سبيله، فاستغلّ السامري هذه الفرصة؛ فصنع لهم عجلاً ودعا الناس إلى عبادته قائلاً:( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) (1) .
لقد خدعهم مدّعياً أنّ هذا العجل الذي صنعته لكم إله موسى الذي دعاه للمناجات في جبل الطور والذي بعث موسى بالرسالة إلى الناس، فوقع كثير من بني إسرائيل ساجدين لهذا العجل، وراحوا يعبدونه. فأوحى الله تعالى إلى موسىعليهالسلام مخبراً إياه بما جرى لقومه (بنو إسرائيل)، وأنهم قد عبدوا العجل خلال غيبته عنهم في هذه الليالي العشر، وقد سمع موسىعليهالسلام بهذا النبأ ولكنه لم يبدِ رد فعل عليه.
انتهت الليالي الأربعون وعاد موسىعليهالسلام إلى بني إسرائيل وهو يحمل الألواح السماوية التي أُنزلت عليه
____________________
(1) سورة طه / 88.
لكي يدعو الناس إلى طاعة الله تعالى والعمل بالشريعة النازلة إليهم، عندما حضر موسىعليهالسلام بينهم ونظر إليهم وهم يعبدون العجل تغيّر وضعه، واستولى عليه الغضب، قال تعالى في ذلك:( وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) (1) ، إذ سأل أخاه هارون معترضاً عليه قائلاً: لماذا سمحت للناس أن يسلكوا سبيل الضلال،( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) (2) .
ولا نحتاج هنا إلى إكمال بقية القصة؛ لأنّ شاهدنا هو هذا القسم، ومنها يعلم الفرق الكبير بين العلم لوحده وبين المشاهدة.
إنّ الله سبحانه كان قد أخبر موسىعليهالسلام بما جرى على قومه من عبادة العجل، ولم يكن لدى موسىعليهالسلام
____________________
(1) سورة الأعراف / 150.
(2) سورة طه / 93.
أدنى شك في حدوث ذلك؛ لأنّ المخبر هو الله تعالى أصدق الصادقين، وعندما سمع بذلك الخبر لم تبدُ عليه آثار الغضب، لكن لمّا شاهد ما جرى باُمِّ عينيه أبدى تأثّره بالصورة المذكورة.
فما نبتغيه هو بيان الفرق بين المعرفة والمشاهدة.
إنّ الله سبحانه قد خلق الإنسان على هيئة بحيث يتأثّر بالشيء الذي يراه تأثّراً لا يمكن أن يحصل من خلال سماعه لذلك الشيء أو علمه به؛ فإذا قمنا نحن بإعادة صياغة بعض مشاهد يوم عاشوراء - سواء أكان ذلك في الإطار التقليدي أم باستخدام الأساليب الحديثة - وأخرجناها بصورة تمثيل أو فلم يجسّم للناس أحداث ذلك اليوم الرهيب فإنّ لهذه المشاهد آثاراً لا تدانيها آثار الأقوال والمعلومات التي تعكس نفس الموضوع.
وقد جرّب أكثرنا نماذج لهذا الموضوع مراراً في
حياته، فسمع حوادث عاشوراء مكرّرة واستقرت في ذهنه، وعلم كيف استشهد الإمام الحسينعليهالسلام في ذلك اليوم، ولكن هل هذه المعلومات لوحدها تجري الدموع من عينيه؟
أمّا إذا حضر أحدنا في مجلس العزاء وبدأ الخطيب يقرأ الرثاء، ولا سيما إذا كان الشعر رائعاً والصوت حزيناً، واستغرق بصورة جذابة في بيان قصة كربلاء، فسوف لن يتمالك نفسه، وسيجهش بالبكاء من دون اختيار. إنّ هذا الاُسلوب يؤثّر في تحريك المشاعر بصورة أكبر بكثير من تأثير الاطّلاع والمعرفة، فما يُرى أكثر تأثيراً مما يُسمع.
ومقصدونا من هذه التوضيحات هو أننا علاوة على كوننا لا بدّ أن نعرف لماذا نهض الإمام الحسينعليهالسلام ؟ ولماذا استشهد مظلوماً؟ لا بدّ أيضاً أن تُعاد صياغة هذا الموضوع بشكل أفضل؛ بحيث نسمع تلك الأحداث
ونشاهدها لتستثار عواطفنا ومشاعرنا بشكل قوي، وكلما كانت هذه المشاهد أكثر تاثيراً في إثارة مشاعرنا وعواطفنا فإنّ حادثة عاشوراء تصبح أعمق تأثيراً في حياتنا.
وبناءً على هذا فإنّ مجرد البحث والدراسة العلميّة لواقعة عاشوراء لا يمكن أن يقوم بالدور الذي تقوم به مجالس العزاء، فلا بدّ من توفير مشاهد في المجتمع تحرك مشاعر الناس. مثلاً أنّ خروج الإنسان من بيته في صباح اليوم الأول من شهر محرم الحرام ومشاهدته السواد قد عمّ شوارع المدينة، والأعلام السود قد انتشرت فيها، فنفس هذا التغيير في الوضع العام يحرّك القلوب ويهزّ المشاعر.
صحيح أن الناس يعلمون أنّ غداً هو اليوم الأول من شهر محرم، ولكنْ لمشاهدة الاعلام السود أثرٌ في قلوبهم لا يستطيع أن يوجده في أنفسهم مجرد العلم بأن
غداً هو بداية شهر محرم.
إنّ تشكيل هيئات العزاء بذلك الحماس الخاص يمكن أن تكون له آثار لا يحققها أي عمل آخر، فلا بدّ من إيجاد مثل هذا العامل في المجتمع كي يدفع الناس إلى الحركة بهذه الصورة من الحماس والرغبة، ويحقق هذا العشق المقدّس ليجعل الناس يتسابقون في طلب الشهادة.
وقد أثبتت هذه الاُمور جدارتها بشكل رائع خلال ثلاثة عشر قرناً في إثارة الروح الثورية لدى الجماهير الحسينيّة، ولعل أقرب مصداقين في زماننا الحاضر هما انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وانتصارات حزب الله في جنوب لبنان؛ إذ كان للروح الحسينيّة المنبثقة من العزاء الحسيني الدور الرئيس في إذكاء روح الشهادة؛ ولأجل ذلك قال السيد الخميني (رحمه الله):(كلُّ ما لدينا من محرم وصفر) .
ولو قلنا: إنّ هذا العامل غير متوفّر في أي مدرسة اُخرى، وفي أي مجتمع آخر لما جانبنا الحقيقة.
السؤال الثالث: لماذا لا بدّ من إقامة العزاء في ذكرى واقعة عاشوراء؟
إلى هنا عرفنا أنه لا بدّ من إيجاد عوامل في المجتمع لكي تحرك في الناس عواطفهم ومشاعرهم الدينيّة، ولتدفعهم ليقوموا بعمل مشابه لما فعله سيد الشهداءعليهالسلام ، وليواصلوا سبيله وليعشقوا طريقه.
وفي هذا المضمار يطرح موضوع آخر وهو: إنّ سبيل بعث المشاعر وإثارة العواطف ليس منحصراً في إقامة العزاء والبكاء؛ فقد تُثار عواطف الإنسان بإقامة مراسم الفرح والسرور، ونحن نعلم في مناسبات الولادة لأهل البيتعليهمالسلام ، ولا سيما ولادة سيد الشهداءعليهالسلام عندما تُقام
حفلات الفرح والسرور، ويجري على الألسن مدحهم فإنّ الناس تستولي عليهم حالة من الحماس والحيويّة.
ويطرح هنا السؤال الثالث وهو: لماذا لا تستغل مراسم الفرح لإثارة المشاعر؟ ولماذ هذا الإصرار على البكاء؛ إقامة مجالس العزاء؟
تعالوا لنحتفل بدل هذا، ونوزّع الحلوى ونقرأ المدح والثناء والأناشيد لنحرّك بها مشاعر الناس.
الجواب: إنّ للمشاعر والعوطف ألواناً متنوعة، ويتم تحريك كل لون من المشاعر والعواطف بواسطة الحادثة المناسبة له. فالواقعة التي نهضت بأكبر دور في التاريخ الإسلامي هي حادثة استشهاد أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، وهي التي غيّرت مسيرة التاريخ الإسلامي، وهي التي زوّدت الإنسان إلى يوم القيامة بدروس الجهاد والنهضة، والمقاومة والاستقامة، وميّزت بين الإسلام الحقيقي
والخط المزيّف الذي أراد أن يحرّف الدين. ولتجديد تلك الواقعة لا يكفي إقامة مجالس الفرح والسرور، بل لا بدّ من القيام بعمل مناسب لتلك الحادثة، أي لا بدّ من القيام بعمل يثير حزن الناس ويجري دموعهم ويغرس العشق والحماس في قلوبهم. والشيء الذي يمكن أن يقوم بهذا الدور في هذه الحادثة هو إقامة مراسم العزاء والبكاء، وخلق الأجواء التي تُبكي الناس، بينما السرور والضحك لا يستطيع أن ينهض بهذا الدور.
إنّ الضحك لا يخلق من الإنسان إنساناً طالباً للشهادة، ولا يعبّد الطريق للإنسان المؤمن لكي يتحمل آلام ومصائب الحروب التي تفرض عليه، إنّ مثل هذه الاُمور تحتاج إلى عشق من نوع آخر نابع من البكاء والحماس والحرقة، وسبيل هذا هو إقامة مجلس العزاء.
السؤال الرابع: لماذا لا بدّ من صب اللعن على أعداء الإمام الحسينعليهالسلام ؟
وبعد ذلك السؤال قد يطرح سؤال آخر يثيره (دعاة تذويب الشخصيّة الإسلاميّة بالمفاهيم الغربية) غالباً في هذه الأيام؛ إذ قد يقال: سلّمنا بأنّ تاريخ الإمام الحسينعليهالسلام مؤثر ومحرك، وعرفنا أنه لا بدّ من إحيائه بعمق، وإقامة العزاء في ذكراه، ولكنكم تقومون بشيء آخر في مراسم العزاء؛ فلا تكتفون بالذكر الحسن والثناء العطر للإمام الحسينعليهالسلام والبكاء على ما جرى من أحداث مؤلمة في استشهاده، وإنما تصبّون اللعنات على أعداء الإمام الحسينعليهالسلام ، فلماذا هذا الفعل؟ ولماذا هذا اللعن لأعداء الحسينعليهالسلام ؟
إنّ هذا الفعل يُعتبر لوناً من العنف والتشاؤم، إنها مشاعر سلبية ولا تنسجم مع عقلية (الإنسان المتحضّر). فعندما تُستثار مشاعركم حاولوا أن تشبعوها
بالبكاء والعزاء، ولكن لا تتلفظوا بألفاظ اللعن، ولا تقولوا: (أتقرب إلى الله بالبراءة من أعدائك)(1) .
لماذا ترسلون اللعن مئة مرة إلى أعداء الإمام الحسينعليهالسلام في زيارة عاشوراء؟ استبدلوا بهذا اللعن السلام على الحسين مئة مرة.
لماذا هذه اللعنات التي تسمم الأجواء وتخلق في الناس رؤية تشاؤميّة بالنسبة للآخرين؟ إنّ هذا زمان لا بدّ فيه من التعايش مع جميع الناس بسلام وابتسام ووجه طلق مبتشر، إنّ هذا زمان لا بدّ فيه من الحديث عن الحياة، وعن الفرح والسرور، وعن السلام والوئام، أمّا عقلية اللعن والتبرؤ والإعراض عن الآخرين ومقاطعتهم فهي من ألوان العنف التي تنتسب إلى ما قبل أربعة عشر قرناً، وهو الزمان الذي قُتل فيه الإمام الحسينعليهالسلام ، فهي عقليّة
____________________
(1) زيارة عاشوراء.
تتناسب مع ذلك الزمان، أمّا اليوم فإنّ الناس لا يحبّذون مثل هذه الأساليب؛ فلنستبدل هذه الأساليب البالية باُسلوب الوئام والسلام، ولنبتسم حتّى في وجوه أعدائنا ونعاملهم بالمحبة، أليس الإسلام هو دين المحبة ودين الرأفة والرحمة؟ هل يتناسب هذا الدين مع لهج ألسنتنا باللعن والكلام الجارح؟
الجواب:
إنّ هذا السؤال لو كان مطروحاً عن جهل فإنّ جوابه سهل يسير، لكننا نحتمل بقوة أن كثيراً ممن يتحدث بهذه الطريقة إنّما يحمل أفكاراً اُخرى، وتدور في مخيلته أغراض خاصة، ومن المحتمل جداً أنه يقتفي أثر سياسات اُخرى، أو أنه ينفّذ خططاً قد رسمها آخرون.
وعلى كل حال فنحن نفترض أن هذا السؤال كان بدافع عقلي وعلمي، وهو بحاجة إلى جواب علمي.
وبغض النظر عن التقييم في مجال طرح مثل هذه الأسئلة، نفرض أن شاباً توجّه إلينا بالسؤال: لماذا لا بدّ من لعن قاتلي الحسينعليهالسلام ؟ فبدل أن نلعن أعداءه مئة مرة في زيارة عاشوراء فلنسلّم على الحسين ولنحيّه مئة مرة، أليس في السلام على سيد الشهداء ثواب عظيم، فما الداعي إلى كل هذا اللعن وإظهار البراءة؟
والجواب العلمي لمثل هذا السؤال هو:
كما أنّ فطرة الإنسان لم تتشكّل من المعرفة فقط، بل من المعرفة والعواطف، فكذا الأمر في مجال العواطف والمشاعر فهي لم تتشكل من العواطف والمشاعر الإيجابيّة فقط، بل الإنسان موجود يتمتّع بالمشاعر الإيجابيّة والمشاعر السلبيّة، بالعواطف الإيجابيّة والعواطف السلبيّة؛ فكما الفرح موجود في أنفسنا فإنّ الحزن موجود فيها أيضاً.
هكذا خلق الله الإنسان، أي
إنسان لا يستطيع أن يعيش بلا حزن وبلا فرح، فكما زوّدنا الله تعالى بالاستعداد للضحك فإنّه زوّدنا بالاستعداد للبكاء أيضاً؛ ففي المجال المناسب للضحك لا بدّ أن يضحك الإنسان، وفي المجال المناسب للبكاء لا بدّ أن يبكي؛ فتعطيل جانب من وجودنا يعني عدم الانتفاع من بعض نعم الله التي وفّرها لنا.
إنّ السبب في أنّ الله تعالى خلق فينا الاستعداد للبكاء هو أنه لا بدّ من البكاء في بعض الموارد، ويجب علينا أن نبحث ونشخّص هذه الموارد، وإلاّ أصبح الاستعداد للبكاء لغواً في وجودنا.
لماذا جعل الله هذا الإحساس في الإنسان بحيث يستولي عليه الحزن والغم، وتجري الدموع من عينيه؟ فيُعلم من هذا أنّ للبكاء في حياة الإنسان دوره ومجاله المناسب.
إنّ للبكاء من الله - مثلاً - بدافع الخوف من عذابه، أو بدافع الشوق إلى لقائه دوراً في تكامل الإنسان، فهذه هي طبيعة الإنسان، إنّها تقتضي أن يرقَّ
قلبه في بعض الموارد وعندئذ تنهمر الدموع من عينيه.
لقد غرس الله تعالى في أنفسنا المحبة حتّى نظهر الحب للذين يستحقون منّا ذلك، كمن يسدي لنا خدمات أو كمن يتمتّع بكمال ما؛ فالإنسان مشدود بفطرته إلى الكمال؛ سواء أكان كمالاً جسمياً أم عقلياً أم نفسياً أم عاطفياً، فإذا شعر الإنسان بوجود كمال أو صاحب كمال فإنّه يحبه ويتعلق به، وعلاوة على هذا فقد جعل الله البغض والعداوة في نفس الإنسان في نقطة مقابلة للمحبّة.
فكما أنّ الإنسان مفطور على أن يحب من قدّم إليه خدمة فهو مفطور أيضاً على أن يكره ويبغض من ألحق به ضرراً. وليس هناك ضرر أبلغ وأشدّ على الإنسان من هدم دينه؛ إذ إنّ الأضرار الماديّة الدنيويّة لا أهمية لها عند المؤمن؛ لأنّ الدنيا برمّتها لا قيمة لها عنده.
فالعدو الحقيقي للإنسان هو من يحاول أن يسرق من الإنسان دينه، والعدو الذي لا يدّخر جهداً في أن يسلب من الإنسان سعادته الأبدّية هل يمكن السكوت عنه؟ يقول الله تعالى في القرآن الكريم:( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ) (1) ، فهل يمكن الابتسام للشيطان؟ وهل يمكن الوئام والسلام معه؟
إذا تورط الإنسان في ذلك فسيصبح شيطاناً مثله. إذا كان من الضروري المحبة لأولياء الله فإنّه من الضروري أيضاً العداوة لأعداء الله، هكذا هي فطرة الإنسان، وهذا هو عامل تكامل الإنسان وسعادته، إذا لم تتحقق (العداوة) مع أعداء الله فإنّ سلوك الإنسان معهم يرق تدريجيّاً، وتنشأ الصداقة فيما بينه وبينهم. ونتيجة
____________________
(1) سورة فاطر / 6.
لمعاشرته لهم سيتأثر بسلوكهم، وسيفتح قلبه وعقله لأقوالهم، ويغدو شيئاً فشيئاً شيطاناً مثلهم.
قال تعالى:( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) (1) . اذا رأيت اُناساً يتحدثون عن الدين بصورة السخرية والاستهزاء، وبطريقة مهينة فلا تقترب إليهم، ولا تصغَ إلى ما يقولون حتّى ينتقلوا إلى موضوع آخر.
وفي آية كريمة اُخرى يقول الله تعالى:( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) (2) .
____________________
(1) سورة الأنعام / 68.
(2) سورة النساء / 140.
فمن يحب الذين يستهزؤون بالدين ويبتسم في وجوههم فإنّ كلامهم سيؤثر فيه تدريجياً، ويخلق الشك في نفسه، وعندئذ يصبح إظهاره للإيمان نفاقاً؛ إذ إنّ النفاق هو أن لا يكون الإيمان في قلب الإنسان، ولكنه في الظاهر يدّعي أنه مؤمن.
فواحدة من النتائج التي تلحق المرء بركب المنافقين هو الوئام معهم، وإذا أصبح المرء منافقاً في الدنيا بسبب مجالسته ومعاشرته للكافرين فإنه في الآخرة سوف يكون رفيقهم في جهنم:( إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) .
وبعبارة اُخرى: إنّ العداوة مع الأعداء هي نظام دفاعي في مقابل الأضرار والمخاطر، فكما أنّ جسم الإنسان مزوّد بعامل الجذب، يجذب المواد النافعة؛ فإنّه مزوّد أيضاً بنظام دفاعي يطرد السموم والجراثيم، ويقاومها ويقضي عليها، وهذه هي مهمة الكريات البيض في الدم،
أمّا إذا اُصيب النظام الدفاعي للبدن بالضعف فإنّ الجراثيم تنمو وتستفحل، ويؤدي ذلك إلى إصابة الإنسان بالأمراض، ولعله بالتالي يواجه الموت.
فإذا قلنا: إنّ دخول الجراثيم إلى بدن الإنسان لا مانع منه، ورحّبنا بها على أساس أنّها ضيف كريم يجب احترامه، فهل يبقى البدن سالماً في هذه الحالة؟
إنّ الإنسان العاقل لا يمكن أن يتصرف بهذه الصورة؛ إذ لا بدّ من القضاء على الجراثيم، هذه سنة إلهية؛ فقد أخذت الحكمة الإلهية بعين الاعتبار نظامين لكل موجود حيٍّ: أحدهما نظام للجذب، والآخر نظام للطرد. فكما أن جذب المواد النافعة ضروري لنمو كلِّ موجود حي فإنّ طرد السموم والمواد الضارة من البدن أمر ضروري أيضاً، ولو لم يطرد الإنسان السموم من بدنه فإنّه لا يستطيع أن يستمر في حياته.
إنّ في بدن الإنسان والحيوان أجهزة - مثل الكلية
والمثانة وغيرهما - تقوم بهذه المهمة بشكل طبيعي، وتطرد المواد الضارة إلى خارج البدن، وفي بعض الأحيان تهاجم البدن جراثيم من الخارج؛ فهنا تنشط الكريات البيض في الدم وتتصدى لها، وتقاومها وتقضي عليها، ثمّ تطردها خارج البدن، وكذا الأمر في روح الإنسان، فلا بدّ من وجود مثل هذا الاستعداد فيها، لا بدّ من وجود عامل جذب نفسي فيها حتّى يأنس وينجذب لكلِّ مَن ينتفع من وجوده، فيحبّه ويتقرّب إليه، ويكتسب منه العلم والكمال والأدب والمعرفة والأخلاق، فلا بدّ من إظهار المحبة للناس الطيِّبين الذين هم منشأ للكمال، ولهم تأثير ضخم في تقدّم المجتمع وإزدهاره.
وفي المقابل لا بدّ من إظهار العداوة عملياً لمن يلحقون الضرر بمصير المجتمع، قال الله تعالى في القرآن الكريم:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ
وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) (1) .
فإنّ الله تعالى أمرنا بالتأسّي بإبراهيم وأصحابه، ونحن نعلم أنّ لإبراهيمعليهالسلام مكانة رفيعة في الثقافة الإسلاميّة؛ فالنبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ذاته يصرّح بأنني تابع لإبراهيم، والإسلام هو الاسم الذي أطلقه إبراهيمعليهالسلام على هذا الدين، يقول تعالى:( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) (2) ، فماذا كان يفعل إبراهيمعليهالسلام وأصحابه؟
كانوا يعادون عَبَدة الأصنام ويطردونهم، ويعلنونها بوجوههم:( إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ) ، ولا يكتفون بالبراءة منهم، بل يقولون لهم: بدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة
____________________
(1) سورة الممتحنة / 4.
(2) سورة الحج / 78.
إلاّ إذا توقفتم عن الخيانة.
ونحن إذ نعلن العداوة والبغضاء للشيطان الأكبر وأعداء الإسلام فهذا إنّما هو تأسٍ بإبراهيمعليهالسلام ؛ فقد أمرنا القرآن الكريم بالتأسي بإبراهيمعليهالسلام بعداوتنا لأعداء الدين؛ فالإنسان العاقل لا يوزّع الابتسامات في كل آن ومكان، بل لا بدّ له أن يعبس في وجوه البعض ويقولها صريحة له: أنا عدوك، وليس بيني وبينك سلام إلاّ إذا كففت عن خيانتك، هذا هو أمر القرآن.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن فروع الدين عشرة، وبعد (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يُعدّ من فروع الدين (التولّي والتبرّي)، أي من جملة الواجبات التي لا بدّ أن يهتم بها جميع المسلمين ويعملوا بمضمونها هو أن نحبَّ أولياء الله، وأن نعادي أعداء الله أيضاً، ولا يكفي محبة أولياء الله؛ فاذا لم تكن العداوة لأعداء الله فإنّ المحبة للأولياء سوف تزول وتضمحل، فلو انعدم النظام
الدفاعي للبدن فإنّ نظام الجذب سوف يتعطل أيضاً.
والشيء المهم هو أن نعرف بدقة مجالات الجذب والطرد؛ فقد تختلط الاُمور في كثير من الأحيان؛ إذ في المورد الذي لا بدّ أن نقوم فيه بالجذب فإننا قد نخطئ ونستخدم الطرد، فمثلاً لا ينبغي معاداة الشخص الذي أخطأ في القول عن جهل، وزلت قدمه ثمَّ ندم واعترف بخطئه عند بيانه له.
إنّ مثل هذا الشخص لا ينبغي معاداته، ولاينبغي طرده من المجتمع، بل لا بدّ من التصدّي لإصلاحه، فهو مريض لا بدّ من معالجته، وفي مثل هذا المورد لا يتم اللجوء إلى العداوة. نعم إذا كان الشخص متعمداً، ويشيع المعصية في المجتمع بشكل علني فإنّ هذه خيانة لا بدّ من التصدّي لها وإعلان العداوة لصاحبها، أمّا إذا ارتكب الشخص الذنب خطأً فلا بدّ من التعامل معه برفق ومودة، ولا يجوز هتك حرمته وإسقاط شخصيته، بل لا بدّ من السعي لإصلاحه؛ لأنّه يعاني من مشكلة
ويجب حلُّ مشكلته.
أمّا أعداء الدين فيجب علينا أن نتعامل معهم بكلِّ غضبٍ وعنفٍ، وأن نعبس في وجوههم.
وخلاصة كلامنا هو: إنّ إحياء ذكرى سيد الشهداء هي إعادة لصياغة الحياة الحسينيّة؛ وذلك لننتفع بتلك الحياة الكريمة على أحسن نحو، ولا ينبغي الاكتفاء بالدراسات العلميّة؛ لأنّ الإنسان بحاجة إلى استثارة عواطفه ومشاعره، ولا ينبغي الاقتصار أيضاً على العواطف الإيجابيّة كالفرح والسرور، والضحك والابتسام؛ وذلك لأن إحياء ذكرى سيد الشهداءعليهالسلام ومظلوميته لا يتيسر إلاّ عن طريق مشاعر الحماس والحزن، والبكاء والحداد.
ومع إرسالنا لآلاف التحية والسلام للإمام الحسينعليهالسلام ، ولتراب قبره الطاهر فإننا نرسل آلاف اللعن لأعداء
الحسينعليهالسلام ؛ أعداء الله والإسلام. والسلام وحده لا يحل المشكلة؛ لأننا لا نستطيع أن ننتفع من بركات الحسينعليهالسلام إلاّ إذا قمنا باللعن أولاً لأعدائه، ثمَّ نرسل إليه التحية والسلام.
والقرآن يذكر أولاً في صفات المؤمنين من أصحاب الرسولصلىاللهعليهوآله ( أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ) (1) ، ثم يقول:( رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ) ، فلا بدّ من وجود اللعن إلى جانب السلام، ولا بدّ من إظهار التبرّي والعداوة لأعداء الإسلام إلى جانب التولّي لأولياء الله، إذا كنّا بهذه الصورة فنحن حسينيّون، وإلاّ فإنه لا ينبغي أن نلصق أنفسنا بالحسينعليهالسلام من دون استحقاق.
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
____________________
(1) سورة الفتح / 29.
الفهرس
مقدمة: ثورة السماء5
السؤال الأول: لماذا لا بدّ من تخليد واقعة عاشوراء؟12
السؤال الثاني: لماذا لا نكتفي بالبحث والنقاش في إحياء عاشوراء؟15
الجواب على السؤال الأول 18
السؤال الثالث: لماذا لا بدّ من إقامة العزاء في ذكرى واقعة عاشوراء؟33
السؤال الرابع: لماذا لا بدّ من صب اللعن على أعداء الإمام الحسين عليهالسلام؟36
الجواب:38
والجواب العلمي لمثل هذا السؤال هو:39