نهضة الحسين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني
الإمام الحسين عليه السلام

نَهضة الحسين

تأليف

العَلاَّمة السيِّد هِبَة الدِّين الحسيني الشّهرستاني (قُدِّس سِرُّه)

تَحقيق

مؤسَّسة إحياء الكُّتب الإسلاميَّة



تَرجمة المؤلِّف

هو السيِّد محمد علي، هِبَة الدين، ابن السيِّد حسين عابد، ابن السيِّد مُرتضى، ابن السيِّد محمد، ابن أمير سيِّد علي الكبير، ابن السيِّد منصور الخراساني، ابن أبي المعالي المشهور بـ (مِير سيِّد علي). ويصل نسبه الشريف إلى (زيد الشهيد) بن الإمام زين العابدينعليه‌السلام .

حياته:

ولِد 23 رجب، عام 1301 الهجريَّة في سامراء،، ابتداء بالدرس الحوزوي، في عاشرٍ مِن عُمره الشريف وإلى تِسعة عشر، قرأ الدروس السطحيَّة مِن: المنطق، والحديث، والدراية، والهيئة والنجوم، والفقه والأُصول.

وبعد انتقاله إلى حوزة النجف الأشرف؛ لوجود ذهنه وحفظه، تلْمَذ عند أكابر علماء النجف وأساطينهم، منهم: آية الله الوحيد الآخوند الخراساني، وآية الله اليزدي، وآية الله الشريعتي الأصفهاني، والعلاَّمة ميرزا محمد حسين مرعشي الشهرستاني (الثاني).

وفي زمان قليل، صار مِن أكابر أساتذة الحوزة، وترقَّى إلى درجة الاجتهاد المـُطلَق.


آثاره:

إنَّ السيِّد - مع كثرة اشتغاله بالأمور الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وتصديته لوزارة الثقافة مِن العراق، ومَجلس التمييز الجعفري - صَنَّف أكثر مِن مائة كتاب في جميع العلوم، وتُرجِمت أكثر كُتبِه إلى لُغات مُختلِفة في ذلك الزمان.

ومِن مُصنَّفاته في التفسير:

المـُحيط، حُجَّة الإسلام، تفسير سورة الواقعة، سراج المعراج، رسالة ذو القرنين.

وفي الفِقه والكلام:

الانتقاد حول تصحيح الاعتقاد، والمعارف العالية للمدارس الراقية، الروحيات، دين البشر، توحيد أهل التوحيد، فيض الباري، الإمامة والأُمَّة، مواهب المشاهد، نظم العقايد، الفاروق في فرق الإسلام، فيض الساحل، أصفى المشارب، التنبيه على حُرمة تشبيه المرأة بالمرء، تحريم الجنائز المـُتغيرة، الدخانيَّة، ياقوت النحر، خُطب في الجهاد، أحكام أهل الكتاب، حِكمَة الأحكام، حُريَّة الفكر بالاجتهاد، الفياض، التكتُّف والإسبال، دليل القُضاة، الزواج الموقَّت في الإسلام، وقاية المحصول في شرح كفاية الأُصول.

وفي الرياضيات والهيئة والطبيعيات:

الهيئة والإسلام، الشريعة والطبيعة، فيصل الدلائل، مواقع النجوم، أداء الفرض في سكون الأرض، نقض الفرض في إثبات حركة الأرض، زينة الكواكب، الوافي الكاف.

وفي التاريخ:

نهضة الحسين، المـَصنوع في نَقد اكتفاء القَنوع، تاريخ أمير المؤمنين عليٍّعليه‌السلام ، سيرة خِيرة البشر، الخيبة في الشعبيَّة، ثقاة الرواة، ترجمة جابر بن حيّان الصوفي، الرويَد، زيد الشهيد،


الشمعة في حال ذي الدمعة، طيِّ العوالم في أحوال مَشيخة مُلاَّ كاظم صاحب الكفاية، سُلالة السادات وذوي المعالي.

وفي العلوم الأدبيَّة:

رواشح الفيوض في علم العروض، تحول العُجمة والعروبة، مجموعة الرسائل، وهي رسالة عقد الحبَّاب، الدُّرُّ والمـَرجان، السِّرُّ العجيب في منطق التهذيب، قِلادة النحو في أوزان البحور، نتيجة المنطِق، مُتون الفنون، نادرة الأزمان.

وفي المـُتفرِّقات:

المـَنابِر، زَبور المسلمين، إصرار التدخين، التذكرة لآل محمد الخَيَرة، فضايل الفُرْس، الفوائد، أنيس الجَليس، المـَجاميع الاثنا عشر، ما هو النهج البلاغة، حَلُّ المشاكل، مَسيح الإنجيل أو مَسيح القرآن، الباقيات الصالحات جوامع الكلم، المـَناط في شرف الأسباط وطِبُّ الضُّعفاء، فلسفة هِبَة الدين، التمهيد في ترجمة الشيخ المـُفيد، مائة كلمة وغيرها مِن الكُتب الثَّمينة والقيِّمة.

هذا الكتاب:

لقد أجاد القلم، بكتابة هذا الكتاب الشريف، الذي أثار كثيراً مِن تقاريظ العلماء، في الشرق والغرب، وترجمه محمد بهادر خان إلى اللُّغة الأنجليزيَّة، وكذلك غيره مِن المـُستشرقين ترجموه إلى لُغات مُختلِفة، في أنحاء العالم، وكان له دورٌ كبير في إلفات النظر إلى الثورات الدينيَّة، ودورها لإعادة الحَقِّ إلى صاحبه؛ فهذا الكتاب ليس بكتابٍ تاريخيٍّ ومقتل فقط، بَلْ تحليليٌّ فلسفيٌّ، فقد حَلَّل فيه نَهضة مولانا الإمام حسينعليه‌السلام ، مِن جِهات علم النفس، وعلم الاجتماع وفلسفتهما، وبيَّن مَكانة تأثيرها في كُلِّ الثورات التي بعدها. (ولله دُرُّه وعليه أجرُه).


تقريظ الكتاب

لقد جادت لتاريخ تأليف هذا الكتاب الجليل، قَريحة العالِم الهُمام، عَلَم الفُقهاء والأعلام، فضيلة الشيخ جعفر النَّقدي (دامت إفاضاته) بما يأتي على سبيل البَداهة:

هِبَة الدين هُمام قد سما

في سَماء العِلم أعلى الرُّتَب

نَصَرَ الدين بفِكر ثاقبٍ

ويَراعٍ فاقَ بيضَ القُضب

قامَ حقَّاً بين أرباب الهُدى

لرُحى العِلم مَقام القُطب

جاء في أعلى كتاب ما رأتْ

مِثله قَبل عيون الحُقب

خير سُفْرٍ حَقَّ للأسفار أنْ

تَجثوا تَعظيماً له في الرُكب

فَخر أهل الدين قد جادَ بهِ

أرَّخوه (هو فَخْر الكُتُب)

سنة 1344 = 11+ 880 + 453


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أمَّا بعد الحمد والصلاة، فقد حدا بيَّ إلى تأليف كتابي هذا، غفلة أكثر الأجانب مِن تاريخ الحركة الحُسينيَّة، وجهلهم بخَفاياها ومَزاياها (وهي النَّواة لحركات عالميَّة)، حتَّى أنَّ بعض الأغيار؛ إذ وجد هياج العالم، وحِداد الأُمَم، ومُظاهرات العرب والعَجم، اندفع بتأثُّره العظيم، قائلاً: (ما هذا؟ ولماذا؟ وهل الحسين إلاَّ رجُلٍ خرج على خليفة عصره، ثمَّ لمْ يَنجح؟).

نعم، سنَعرفه ما هذا ولماذا، ومَن الحسين الناهض، ومَن المـُعارَض، وما هي غايات الفريقين، كلُّ ذلك بهذا الكتاب، الذي جمع النظريَّات النفيسة، مع النظريَّات التاريخيَّة، إلى المـَرويَّات المـُوثَّقة مِن كُتُب التواريخ المـُعتبرة المـُؤرَّخة قبل سنة أربع مائة هِجريَّة، في سَبك وَجيز، وأُسلوب مُمتاز،( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) .

هِبَة الدين الحسيني الشهرستاني

15 مُحرَّم الحرام سنة 1344 هـ



النَّهضة الحسينيَّة

النَّهضة قيام جماعة، أو فرد بأمر مشروع، أيْ ما يقتضيه نظام الشرع، أو المصلحة العامَّة، كالحركة التي قام بها الحسين بن عليعليهما‌السلام (1).

وحقيقة النَّهضة سيَّالة في الأشخاص والأُمَم، وفي الأزمنة

____________________

(1) الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، أُمُّه فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، بنت محمد المـُصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن زوجته الكبرى خديجة أُمُّ المؤمنين (رضوان الله عليها)، هو أحد السبطين، وخامس أهل الكِساء.

ولِد في المدينة عام الخَندق، في السنة الرابعة للهِجرة، في ثالث شعبان المـُوافق شهر كانون لسنة 626 ميلادي، وعاش مع جَدِّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سِتَّ سنواتٍ وشهوراً، وبَقي بعد أخيه الحسن عشرة أعوام وأشهراً، وكان مجموع عُمُره ستَّةً وخمسين عاماً، وكانت شهادته بعد الظهر مِن يوم الجمعة عاشر مُحرَّم الحرام سنة 61 هجري، الموافق سنة 680 ميلادي، بحاير الطَّف مِن كربلاء في العراق، واشترك في قتله، شِمر بن ذي الجوشن، وسِنان بن أنس، وخولِّي بن يزيد مِن قوّاد جيش عمر بن سعد، الذي أرسله والي الكوفة عبيد الله بن زياد، بأمر مِن أمير الشام يزيد بن مُعاوية؛ ليحصروا الحسين ورجاله، ويقتلوهم عُطاشى، فقتلوهم، ثمَّ نهبوا رِحاله، وسبوا آله مُسفَّرين إلى الكوفة، ثمَّ إلى الشام، فالمدينة.

وإنَّ اشتهار فضائل الحسين والآثار المرويَّة فيه، ومنه، وعنه، في كتب الحديث والتاريخ، ليُغني عن التوسُّع في ترجمته الشريفة.


والأمكنة، ولكنْ بتبدُّل أشكال، واختلاف غايات ومَظاهر.

وما تاريخ البشر سِوى نَهضات أفراد بجماعات، وحركات أقوام لغايات؛ فوقتاً الخليل ونمرود، وحيناً محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو سفيان(1) ، ويومَاً عليّعليه‌السلام ومُعاوية.

ولمْ تَزل، ولنْ تَزال في الأُمم نهضات لأئمَّة هُدى تِجاه أئمَّة جَور.

ونَهضة الحسين - مِن بين النهضات - قد استحقَّت مِن النفوس إعجاباً أكثر؛ وليس هذا لـمُجرَّد ما فيها مِن مَظاهر الفضائل، وإقدام مُعارضيه على الرذائل، بلْ لأنّ الحسينعليه‌السلام في إنكاره على

____________________

(1) هو صخر بن حرب بن أُميَّة بن عبد شمس. كان في الجاهليَّة بيّاع الزيت والأديم. ذميم الخِلْقة، ومِن كبار قريش، حتَّى قامت قيامة قريش على الهاشميّين قُبيل الهِجرة؛ فترأّس في المـُحالفة القرشيَّة، وأخذ على عاتقه مُناوأة الإسلام، ومُقاتلة المسلمين. وله في عام الهِجرة، نحو سبع وخمسين سنة، ولم تُقصِّر عنه أُخته أُمُّ جميل العوراء، في إيذاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسعيها بالنميمة والفساد بين بني هاشم والقبائل؛ إذ كانت تَحتَ أبي لهب، والمقصودة مِن آية( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) إلى آخره.

ولم يَبرح يُثير الأقوام، ويُشكِّل الأحزاب ضِدَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما في بدر الكُبرى، وبدر الصُّغرى، وفي أحُدٍ، والأحزاب، وفي وقائعه الأُخرى، ولم يهدأ ساعة عن مُعاداة النبي في السِّر والعَلانية، وبإثارة النفوس والجيوش ضِدَّه، ويُجاهد المسلمين جِهده إلى يوم فتح مَكَّة؛ حيث أسلم مع بَقيّة قريش.

أوَّل مَشاهد أبي سفيان مع المسلمين، كان في غزوة حُنين؛ فمنحه المـُصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مائة بَعيرٍ مِن غنائم الحرب، مُنوِّهاً به وبمكانته، ثمَّ اشترك أبو سفيان يوم الطائف، فأصابته نَبلة في إحدى عينيه؛ ففُقِأت وأصبح أعور.

ثمَّ اشترك في واقعة اليرموك، في السنة الثالثة عشرة للهِجرة، على عَهد أبي بكر؛ فأصابت نبلةٌ عينه الثانية ففَقأتها، وأصبح أعمى.

ماتَ في دِمشق، عند ولده مُعاوية، سنة إحدى وثلاثين هِجرية، عن ثماني وثمانين سَنة، ودُفِن بها.


يزيد(1)، كان يُمثِّل شعور شَعبٍ حَيِّ، ويَجهر بما تُضمره أُمَّة مَكتوفة اليد، مَكمومة الفَم، مُرهَقة بتأثير أُمراء ظالمين.

فقام الحسينعليه‌السلام مَقامهم، في إثبات مَرامهم، وفَدَّى بكلِّ غالٍ ورخيصٍ لديه، أو في يديه باذلاً في سبيل تحقيق أُمنيَته وأُمَّته، مِن الجهود ما لا يُطيقه غيره، فكانت نهضته المـَظهر الأتمَّ للحَقِّ، حينما كان عمل مُعارضيه المـَظهر الأتمَّ للقوّة فقط، مِن غير ما حَقٍّ، أو شُبهة حَقٍّ.

____________________

(1) إنَّ مَشاهير الفُضلاء يومئذ في الأُمة الإسلاميَّة، كسيِّدنا الحسينعليه‌السلام ، وسعد بن أبي وقاصّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم أنكروا على مُعاوية استخلاف يزيد الخَمور والفَجور.

وقد توجَّس يزيد مِن مُخالَفة هؤلاء الوجوه خِيفة؛ لعِلمِه بأنَّ الرأي العامّ في جانبهم.

ولو كان أميناً مِن اتِّفاق العامَّة معه، لَما اهتمَّ في اضطهاد هؤلاء وإرغامهم أبداً، فثبت أنَّ الحسينعليه‌السلام يومئذٍ، كان يُمثِّل في قيامه على يزيد رأي الجمهور، وشُعور الشعب الحيّ.


الحسين رَمز الحَقِّ والفَضيلة

لا عَجَبَ إنْ عُدَّت نَهضة الحسينعليه‌السلام المـَثلَ الأعلى، بين أخواتها في التاريخ، وحازت شُهرة وأهميَّة عظيمتين؛ فإنَّ الناهض بها (الحسين)، رَمز الحَقِّ، ومِثال الفَضيلة.

وشأنُ الحَقِّ أنْ يَستمرَّ، وشأنُ الفَضيلة أنْ تَشتهر، وقد طُبعَ آلُ عليٍّعليه‌السلام على الصدق؛ حتَّى كأنَّهم لا يَعرفون غيره، وفُطِروا على الحَقِّ، فلا يتخطّونه قَيد شعرةٍ. ولا بُدع؛ فقد ثبت في أبيهم، عن جَدِّهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (عليُّ مع الحَقِّ، والحَقُّ مع عليٍّ، يدور معه حيثُما دار)؛ فكان عليعليه‌السلام لا يُراوغ أعدائه، ولا يُداهن رقبائه، وهو على جانب عظيم مِن العلم والمـَقدِرة، وتاريخه كتاريخ بنيه - يَشهد على ذلك؛ فشعور التفادي (ذلك الشعور الشريف) كان في عليٍّ وبنيه، ومِن غرائزهم، ولا سيِّما في الحسين بن عليٍّعليه‌السلام (وما في الآباء ترثه الأبناء) .

وقد تفادى عليٌّعليه‌السلام ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه كَرَّاتٍ عَديدة، وكذلك الحسينعليه‌السلام


تفادى لدين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأُمَّته؛ إذ قام بعمليَّة أوضحت أسرار بَني أُميَّة ومَكايدهم، وسوءَ نواياهم في نَبيِّ الإسلام، ودينه ونواميسه.

وفي قضيَّة الحسينعليه‌السلام حُجَجٌ بالغةٌ؛ برهنت على أنَّهم يقصدون التشفِّي منه والانتقام، وأخذهم ثارات بَدرٍ وأحقادها، وقد أعلن بذلك يزيدهم طُغياناً، وهو على مائدة الخَمر ونشوان بخمرتين، خمرة الكِرم، وخَمرة النَّصر؛ إذ تمثَّل بقول بن الزبعرى:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدو

جَزع الخَزرج مِن وَقع الأسل

وأضاف عليها:

لعِبَت هاشم بالمـُلك فلا

خَبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

لستُ مِن خِندفَ إنْ لم أنتقم

مِن بَني أحمد ما كان فعل

إلى آخره.


الحركات الإصلاحيَّة الضروريَّة

إذا كان نجاح الأُمَّة على يد القائد لزمامها، وإصلاحها بصلاح إمامها، فمِن أسوأ الخِيانات والجِنايات ترشيح غير الأكُفَّاء لرئاستها ورئاسة أعمالها، وسَيَّان في المِيزان أنْ ترضى بقتل أُمَّتك، أو ترضى برئاسة مِن لا أهليَّة له عليها، وأيُّ أُمَّة اتَّخذت فاجرها إماماً، وخَوَنَتها حُكَّاماً، وجُهَّالها أعلاماً، وجُبناءها أجناداً وقوّاداً، فسُرعان ما تنقرض، ولابد أنْ تنقرض.

هذا خطر مُحدِق بكلِّ أُمَّة، لو لمْ يَتداركه ناهضون مُصلحون، وعلماء مُخلِصون، وألسنة حَقٍّ، تأمر بالمعروف وتَنهى عن المـُنكر، فيوقِفون الـمُعتدي عند حَدِّه، ويضربون على يده.

وبتشريع هذا العِلاج، درأ نَبيُّ الاسلام عن أُمَّته هذا الخطر الوبيل، ففرض على الجميع أمر المعروف، ونهي المـُنكَر بعد تهديداته المـُعتدين، وضماناته للناهضين، وقد صَحَّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله: (سيِّد الشهداء عند الله عَمِّي حَمزة، ورجُلٌ خرج على إمام جائِر، يأمره وينهاه؛ فقتله)، كما صَحَّ عنه قوله: (كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مَسؤول عن رعيَّته)؛ ذلك لكي لا يَسود على أُمَّته مَن لا يَصلح لها، فيُفسد أمرها، وتَذهب مَساعي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومَن معه أدراج الرياح، وقد كان هذا الشعور الشريف، حيَّاً في نفوس المسلمين، حتَّى عصر سيِّدنا الحسن السبطعليه‌السلام ، وناهيك أنَّ أبا حفص، خَطب يوماً، فقال:(إنْ زِغتُ فقوّموني) ، فقام أحد الحاضرين يَهزُّ السيف في وجهه، ويقول:(إنْ لمْ تَستقمْ، قوَّمناك بالسيف) .

غير إنَّ امتداد السلطان لمـُعاوية، وإحداثه البِدع، وإماتته السُّنَن، وإبادته الأبرار والأحرار بالسيف والسَّم والنار، وبَثَّه الأموال الوفيرة في وجوه الأُمَّة، أخرست الألسن، وأغمدت السيوف، وكَمَّت الأفواه، وصَمَّت الآذان، وحادت الشعور السامي الإسلامي، وأوشك أنْ لا يَحسَّ أحٌد بمسؤوليَّته عن مَظلمة أخيه، ولا يعترف بحَقِّ مُحاسبَة آمريه، أو مُعارضة ظالميه، وكاد أنْ تَحِلَّ قاعدة:(قَبِّلوا أيَّ يدٍ تَعجزون عن قَطعها) ، مَحلَّ آية( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) .


آثار الحَركة الحسينيَّة

كان مآل الأحوال السالفة، مَحقَ الحَقِّ بالقوَّة، وسَحقَ المـَعنويَّات بالمادِّيَّات، وانقراض الأئَّمة والأُمَّة بانقراض الأخلاق والمعارف.

لولا أنْ يُقيِّضَ الرحمان، لإنقاذ هذا الأُمَّة حُسيناً، آيةً للحَقِّ، ورايةً للعدل، ورمزاً للفضيلة، ومِثالاً للإخلاص، يوازن نفسه ونفوس الأُمَّة في ميزان الشهامة؛ فيَجد الرُّجحان الكافي لكَفَّة الأُمَّة؛ فينهض مُدافِعاً عن عقيدته، عن حُجَّته، عن أُمَّته، عن شريعته، دفاع مَن لا يبتغي لقُربانه مَهراً، ولا يَسئلُكم عليه أجراً، ودون أنْ تَلوي لِوائه لامَةُ عدوٍّ، أو لائِمة صديق، ولا يَصدُّه عن قَصده مالٍ مُطمَع، أو جاهٍ مُطمَح، أو رأفة باله، أو مَخافة على عياله.

هذا حسين التاريخ، والذي يَصلح أنْ يكون المـَثلَ الأعلى لرجال الإصلاح، وقَلْب حُكمٍ غاشمٍ ظالمٍ، دون أنْ تأخذه في الله لومةُ لائِم، وقد بدت لنهضته آثار عامَّة النفع، جليلة الشأن؛ فإنَّها:

أوَّلاً: أولدت حركةً وبركةً، في رجال الإصلاح والمـُنكرين لكلِّ أمرٍ مُنكَرٍ؛ حيث اقتفى بالحسين السبطعليه‌السلام أبناء الزبير،


والمـُختار، وابن الأشتر، وجماعة التوَّابين، وزيد الشهيد؛ حتَّى عهد سَميِّه الحسين بن علي شهيد فَخٍّ، وحتَّى عَهْدِنا الحاضر مِمَّن لا يُحصَون في مُختلَف الأزمنة والأمكنة، فخابت آمال أُميَّة فيه؛ إذ ظنَّت أنَّها قَتلت حسيناً، فأماتت بشخصه شخصيَّته، وأبادت روحه ودعوته.

كلاّ ثمَّ كلاَّ! لقد أحيت حسيناً في قتله، وأوجدت مِن كلِّ قَطرةِ دَمٍ منه حُسيناً ناهضاً بدعوته، داعياً إلى نهضته.

أجلْ، فإنَّ الحسين لمْ يَكُن إلاَّ داعي الله، وهاتف الحَقِّ، ونور الحَقِّ لا يَخفى، ونار الله لا تَطفى، ويأبى الله إلاَّ أنْ يُتِمَّ نوره، ويَعِمّ ظهوره.

ثانياً: إنَّ الحسين بقيامه في وجه الجَور والفجور، مُقابِلاً ومُقاتِلاً، أحيى ذلك الشعور السامي الإسلامي، الذي مات في حياة مُعاوية، أو كاد أنْ يموت، ونبَّه العامَّة إلى أنَّ حُبَّ الحياة، ورعاية الذات واللَّذات، والتخوُّف على الجاه والعائلات، لو كانت تبرز لأولياء الدين مُصافات المـُعتدين؛ لكان الحسين أقدر وأجدر مِن غيره، لكنَّه أعرض عنها؛ إذ رآها تُنافي الإيمان والوجدان، وتُناقض الشهامة والكرامة، فجدَّدت نهضته في النفوس روح التديُّن الصادق، وعِزَّةً في نفوس المؤمنين عن تَحمُّل الضيم والظلم، وعن أنْ يَعيشوا سوقة كالأنعام، وانتعشت إحساسات تحرير الرقاب، أو الضمائر مِن أغلال المـُستبدِّين، وأوهام المـُفسدين.

ثالثاً: إنَّ النهضة الحسينيَّة، هزَّت القرائح والجوارح، نحو الإخلاص والتفادي، وأتبعتْ الصوايح بالنوايح لتلبية دُعاة الحَقِّ،


واستجابة حُماة العدل في العالم الإسلامي، وإنعاش روح الصدق، وهو أُسُّ الفضائل.

وبوجه الإجمال، عُدَّت نهضة الحسينعليه‌السلام ينبوع حركات اجتماعيَّة، باقية الذكر والخير في مَمالك الإسلام، خَفَّفت ويلات المسلمين بتخفيف غلواء المـُعتدين، فأيُّ خيرٍ كهذا الينبوع السيَّال، والمِثال السائر في بطون الأجيال.


الفَضيلة

الفَضيلة مَحبوبة الجميع، والرذيلة مكروهتهم، إلاَّ أنَّها محبوبة لدى صاحبها فحسب، وإذا عُدَّت الفضائل فَضيلةً، فَضيلة مِن وفاء، وسخاء، وصِدْق، وصفاء، وشجاعة، وإباء، وعلم، وعِبادة، وعِفّة، وزهادة، فحسينُ التاريخ رجُلُ الفَضيلة بجميع مَظاهرها، كما أنّ قاتليه رجال الرذائل بكلِّ معانيها، لا يتناهون عن مُنكر فعلوه؛ فكانت مِن أجل ذلك نهضة الحسينعليه‌السلام أُمثولة الحَقِّ والعدل؛ إذ بَطَلُ روايتها أقوى مِثال للفضيلة، وقد كانت حركة ابن زياد أُمثولة الباطل والظلم؛ إذ بَطَلُ روايتها أقوى مِثال للرذيلة والفجور، وما حربهما إلاَّ تمثيلاً لصراع الحَقِّ والباطل، والحَقُّ مَهْما قَلَّ مُساعده، وذَلَّ ساعدُه في البداية، فإنَّ النصر والفخر حليفاه عند النهاي،( ... وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .


مبادئ قضيَّة الحسين عليه‌السلام

كلُّ الذين دوّنوا قضية الحسينعليه‌السلام ، أخذوا سِلسلتها مَن أوساطها، أيْ مِن حين البيعة ليزيد، في حين أنَّ القضية تَبتدئ مِن عَهد أبي سفيان، ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إنْ لمْ نَقُل مِن قبل، ومِن عَهد هاشم وعبد شمس؛ فإنّ أبا سفيان (جَدَّ يزيد)، إذ رأى محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (جَدَّ الحسين)عليه‌السلام ، قد نهض في مَكَّة سنة 610 ميلادي، يدعو العرب إلى توحيد المعبود، والاتِّحاد في طاعته، حَسِبَ أنَّه سيَهدم مَجْد عبد شمس ورياستهم، ويبني بيت مَجد مرصوص الأساس، ويَعمّ ظِلّه الظَليل عامَّة الناس؛ فاندفع بكلِّ قِواه إلى مُعارضته؛ ففعل ما فعل في مُقاومة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإهانته، وتفريق أعوانه، وتحشيد الناس لمـُحاربته؛ حتَّى كان ما كان بأيِّام بدر وأُحد، وهما مِثالان للحَقِّ والباطل، وأمْرُ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوى انتشاره ومَناره؛ حتَّى رمى حِزبُ أبي سفيان آخر نَبلة مِن كنانته، ولم يُفلح،( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ... ) ، وذلك أنَّ


الله سبحانه، فتح لنبيِّه مَكَّة فَتحاً مُبيناً، ونصره على قريش نصراً عزيزاً،( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) .

انتهت الحركة السُفيانيَّة، ولكنْ في الظاهر، أمَّا الحزب الخاسر المـُنكسر، فقد كان يَعمل ليلاً ونهاراً في تلافي خُسرانه، وإرجاع سُلطانه، ولكنْ تحت الستار، وبأخفى مِن دبيب النمل على الصَّفا، يرسم الخُطَّة للقيام بحركة وسيعة الدائرة، حتَّى إذا قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحبه، تنفَّس ورغب في الانتقام.

أجلْ، لقي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربَّه، وأبو سُفيان حيٌّ يسمع الناعية على جَنازة محمد الهاشميصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنْ لا يَسعه إظهار شيء، وكان العباس (رضي الله عنه)، عَمُّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرف مِن أمره شيئاً؛ إذ كان صديقه الحميم في الجاهليَّة والإسلام، فأشار على عليٍّعليه‌السلام ابن أخيه أبي طالب، وهو يُغسِّل جَنازة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قائلاً له: (يا علي، مُدْ يَدك؛ لأبايعك؛ حتَّى يقول الناس عَمُّ رسول الله بايع ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان)، فلم يَسمع مِن ابن أخيه جواباً، سِوى كلمة: (يا عمُّ، أوّلُها غيري).

وقبل أنْ يُدفَن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، نَجَمَ الخِلاف حول خِلافته بين المـُهاجرين والأنصار، وربَّما كان للحزب السُفياني يَداً في إثارته، ونفخاً لإضرامه.


حركات أبي سُفيان

لكنَّ الذي نعلمه، أنّ أبا سُفيان لم يكنْ مِن الأنصار، ولا مِن المـُهاجرين عندما قالا: (مِنَّا أمير، ومِنكم أمير)، حتَّى يَحْسَب لنفسه حِساباً، في التحيُّز إلى طرفٍ بالصراحة، ورأى انضمامه إلى أضعف الأحزاب (أيْ حزب عليعليه‌السلام )، أقرب إلى مَقصده مِن إيجاد موازنة في القِوى، وخَلْق عراقيلَ تكاد تمنع مِن حَسْم الخِلاف، فجاء عليَّاً قائلاً له:(لو شِئت مَلأتُها لك خَيلاً ورجالاً) ، وعليٌّعليه‌السلام يومئذٍ، يَطرق الأبواب على المـُهاجرين والأنصار، يتمنَّى ناصراً لقضيِّته، فلو كان مِمّن يَضيع رُشده بالمواعيد الخَلاَّبة، لاغتنم مِن أبي سُفيان هذا الاستعراض، ولكنَّ الإمام عرف سوء قَصده - وقصدُه الصيد في الماء العَكِر - فأجابه بالردِّ والاستنكار، قائلاً: (مَهْ يا أبا سُفيان، أجاهليَّة وإسلاماً؟!)، أيْ: إنَّك تتربَّص دوائر السوء بدين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عَهديك، عَهد الجاهليَّة، وعهد الإسلام، وتَفرَّس سوء مَرامه مِن كلامه)، وإنَّه انتهز فُرصة الخِلاف مِن حاشية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقصد احتلال مدينة الرسول، عاصمة الإسلام بحُجَّة


نُصرة الضعيف، أو تسوية الخِلاف، وما جيوشه سِوى مَردة العرب مِن أهل النِّفاق، فإذا نزل هؤلاء في عاصمة التوحيد؛ سادت مُنافَقة العرب، وعادت مَبادئ الجاهليَّة والناس حديثو عهد بالإسلام؛ فيكون الرجعيُّون أولى بالقوَّة والنُّصرة، والموحِّدون أولى بالضُّعف والذِّلَّة، ويُخرجُنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ.

قرأ هذه الشروح، وأكثر منها عليٌّعليه‌السلام مِن كلمة أبي سُفيان، فرَدَّه رَدّاً قارصاً؛ لأنَّ عليَّاًعليه‌السلام رجُلُ الحَقِّ، وبَطَلُ الإيمان، لا يُضحِّي بالدين، أو المصلحة العامَّة في سبيل نَفْعٍ ذاتيٍّ، أو شَهوة وانتقام.

ولمـَّا عَرِف أبو سُفيان أنَّ عليَّاًعليه‌السلام لا ينخدع، وأنَّه عند تداخل الأغيار، لَيُصافِح إخوانه المسلمين، ويتحدَّث معهم؛ لحفظ بَيضة الدين، مَهْما كان ضِدَّهم وكانوا أضداده، نَدم أبو سُفيان على لفظته، وهرع إلى الحزب الغالِب، وانضمَّ إليهم؛ ليَحفظ مركزه الاجتماعي، قبل أنْ يَخسر الطرفين، وتأخّرت مَنْويَّاته إلى حين، حينما يَخضرُّ عود أُميَّة بإمارة مُعاوية على الشام، وعود سلطانهم.

وبعدما نبغ فيهم مُعاوية، أخذ على عاتقه القيام بنوايا أسلافه، ومعه يومئذ أبوه، يَنصب عليَّاً دون المسلمين هدفاً لسهامه الفتَّاكة؛ إذ عرفه الينبوع الوحيد لِسيَّال وحي المـُصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنَّه البطل المـُناوئ لهم بكلِّ قِواه، والعَميد القائم ببيت بني هاشم، والمركز القويُّ لإبطال الحركة السُفيانيَّة، وإنَّ عليَّاً هو وأبوه نَصيرا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حين لا ناصر له، حتَّى أنَّه فداه بنفسه ليلة مَبيته على فراشه، وضَيَّع على قريش هِجرته، ونقض ما


أبرموه عليه، وعليُّ القاتل صناديد قريش، وأركان حزبهم في بدر وغيرها، ولولاه لقضوا على حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بدرٍ، وأُحُدٍ، وحنين، ومَواقف أُخرى، ولولا علي لظفر عمرو بهم بالمدينة يوم الخَنْدَق، وعلي الفاتح قلوب أهل مَكَّة في وجه المـُصطفى؛ إذ تلى عليهم سورة البراءة في الموقف العامِّ العَصيب، بكلِّ ثَباتٍ وجَسارةٍ وإقدام، الأمر الذي لم يَكُن يَقُمْ به أحد مِن المسلمين غيره، إلى غير ذلك مِن مواقفه المـُهمَّة التي ضَيَّع فيها على أُميَّة مَكايدها، وكانت صدور أُميَّة تَغلي كالمِرجل على رجُلِ الإيمان.


مُعاوية وتعقيباته

ناصب مُعاوية وحِزبه عليَّاً وصَحبه، وكان ما كان مِن أيَّام البصرة، وصِفِّين، والنَّهروان، وعليٌّعليه‌السلام في كلِّها غير مَخذول، ولا يزداد مُعاوية إلاِّ حِقداً عليه ومَوجدة، وتعقَّب الضغائن أثر الضغائن، وكان مُعاوية مَعروفاً بالغَدر حليماً، إلاَّ على عليٍّعليه‌السلام وخاصَّته.

فلمـَّا تُوفِّي أمير المؤمنين، سنة 40 هجرية بسيف ابن مُلجَم الخارجي، ساجداً في مِحرابه، زال مِن بين عينَي مُعاوية ذلك الشبح الرهيب، الذي كان يُخيفه في منامه، وفي خلواته، وقويت عزائمه وتوجَّهت شَطره أكثر النفوس، التي كانت رهن سجايا عليٍّعليه‌السلام وعلومه، ومُنقادةً لصوته، وسوطه، وصِيت شجاعته وسَماحته، سيَّما وإنَّ الآثار النبويَّة المشهورة فيه، كانت لا تُقاس كثرةً وشُهرةً بما في شأن غيره، والخدمات التي قام بها أبو الحسن، كانت قاطعة الألسُن، فضلاً عن طول عَهد الإمارة لمـُعاوية، وانتشار حزبه الفعّال، وتوزيعه الأموال.


هذه العوامل وغيرها، ضيَّقت دائرة النفوذ على الحسن بن عليٍّعليه‌السلام وخليفته، وأوسعت المجاري والميادين لمـُعاوية وحزبه، فانتقم مِن عليٍّعليه‌السلام بعد وفاته، وسبَّه على المـَنابر، والمـَعابر، والألسن، والكُتب (ويا بأسها مِن حِيلة ووسيلة!)، لاستئصال مَجد بني هاشم بثَلب كبيرهم، وقد قال ابن عباس (رضي الله عنه): (إنَّهم يُريدون بسبِّ عليٍّ، سَبَّ رسول الله { صلَّى الله عليه وآله وسلَّم })، ثمَّ لم يَقنع بذلك، فأخذ يتتبَّع خاصَّة عليٍّ بالسَّم وغيره، ويتمثَّل بقوله: (إنَّ لله جُنوداً مِن عَسل)، يعني: السَّمُّ والمـَعسول إلى أعدائه، ولمْ يَسع حلمه أصحاب عليٍّعليه‌السلام وبَنيه قَطٍّ، فدسَّ سَّماً ذريعاً إلى زوجة الحسن السبطعليه‌السلام ؛ فقتلته اغتراراً بموعد زواجها مِن يزيد.


تأثُّرات الحسين الروحيَّة

هُنا حريٌّ بنا، أنْ ندرُس حالة سيِّدنا الحسينعليه‌السلام ، ذلك المـُتفاني في حُبِّ شَقيقه الحسنعليه‌السلام ، ماذا يَجري على قلبه، وهو يرى أحشاء أخيه مَقذوفةً في الطست مِن سَّم مُعاوية، ثمَّ تُمنَع - بدسيسة مروانيَّة - جَنازة أخيه، مِن زيارة جَدِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهما ريحانتاه، ويسمع سبَّ أبيه وأخيه في المـَعابر، وعلى المـَنابر، وتَنعى إليه صحابة أبيه مَن فَتك مُعاوية بهم، وسَحق العهود الشريفة، ومَحق شعائر الإسلام، وتبديل سُنَن جَدِّه بالبِدَع، وتحويل الإسلام مِن روح دينيَّة عالميَّة، إلى روح القوميَّة والملوكيَّة، وتمهيد أُسُس للرُجعى إلى الجاهليَّة، هذا كلُّه عدا ما سبق مِن أمْرِ مُعاوية وعليٍّعليه‌السلام ، في حروب وفتن، أوجدها مُعاوية لأغراضٍ ذاتيَّةٍ، وفَتٍّ في عَضد الدين، وشتَّت بها شَمل المسلمين.

أضفْ عليها ما جرى على جَدِّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مِن الحِزب السُفياني، في أثناء البِعثة، وبعد الهجرة؛ أفلا يكون بعد ذلك كلِّه قَلب الحسين دفتراً مِلئوه المؤلِمات، ولابُدَّ وأنْ تكون


هذه الموجدات في الحسينعليه‌السلام ، وفي صدره بُركاناً قويَّاً مُشرِفاً على الانفجار، وحسين الشهامة لم يكُن بالذي يُقيم على الضيم، لولا أنَّ الوصيَّة تتلو الوصيَّة، مِن أخيه، وجَدِّه، وأبيه، وخاصَّة مواليه بالصبر، والصبرُ أمرُّ مِن الصبر.


كيف يُبايع الحسين عليه‌السلام

غريب والله، أنَّ يزيد المشهور بالسفاسف والفُجور، يُريد التقمُّص لخِلافة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المبعوث لتكميل مَكارم الأخلاق، وذلك في حياة الحسينعليه‌السلام ابن ذاك النبي وحبيبه، فيزيد يعلم نفسيَّة الحسين، ويعلم أنَّ صدر الحسينعليه‌السلام أصبح بُركاناً قريب الانفجار، ومع ذلك لا يقنع بسكونه وسكوته عمَّا هو فيه، بلْ يُريد منه - فوق ذلك كلِّه أنْ يعترِف له بالخلافة عن الرسول، وهل ذاك إلاَّ رابع المـُستحيلات، فإنَّ اعتراف الحسينعليه‌السلام بخِلافة يزيد، عُبارة أُخرى عن أنّ الحسين ليس بالحسين، أيْ أنَّ معنى قبوله البيعة ليزيد؛ بيعُ دين جَدِّه، وكلِّ مَجْده، وكلُّ شعور شريف للعرب، وكلُّ حَقٍّ للمسلمين، وكلُّ آمال لقومه يبيعها جمعاء برضى يزيد عليه، وهذا مُحال على الحسينعليه‌السلام ، وعلى كلِّ أبطال الفضائل؛ فإنَّ قبوله بيعة يزيد، عُبارة أُخرى عن اعترافه بتساوي الفضيلة والرذيلة، واستواء العدل والظلم، واتِّحاد الحَقِّ والباطل، وتماثُل النور والظلام، وأنَّ العلم والجهل مُستويان،


وأنّ الخفيف والثقيل سَيَّان في الميزان، فهل يَسوغ بعد هذا كلِّه سكوته وسكونه؟ كلاَّ ثمَّ كلاَّ!

وقد يزعم البُسطاء: أنَّ الحسينعليه‌السلام لو استعمل التقيَّة، وصافح يزيد، لاتَّقى ببيعته شَرّ أُميَّة، ونجا مِن مَكرها، وصان حُرمته، وحفظ مُهجته، لكنَّ ذلك وَهمٌ بعيد.

فإنّ يزيد المـُتجاهر بالفُسوق، لا يُقاس بمُعاوية الداهية المـُتحفِّظ، فبيعة مِثل الحسينعليه‌السلام ، لمِثل يزيد، غير جائزة بظاهر الشريعة؛ ولذلك تخلَّف عن بيعته سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير أيضاً، فأنكروا على مُعاوية استخلاف يزيد، وامتنعوا عن بيعته حتَّى فارقوا الحياة، وكان سيدنا الحسينعليه‌السلام أولى بهذا الامتناع والإنكار، وأمَّا مع غَضِّ النظر عن التكليف الشرعي، ومُطالبة وجه غير التمسُّك بظواهر الكتاب والسُّنَّة، فنقول:

إنَّ التحري في الوثائق التاريخيَّة، والكتب المـُعتبرة؛ يؤدِّي إلى الاعتقاد بأنَّ سيِّدنا الحسينعليه‌السلام ، كان يعلم أنَّ خصومه مِن بَني أُميَّة، مُنطوون على نيَّة التشفِّي مِن قتله (بايع أو لم يُبايع)، وقد صَرَّح في مواطنَ عِدَّة: بأنَّ بَني أُميَّة غير تاركيه، حتَّى لو كان في جِحر ضَبٍّ لاستخرجوه وقتلوه.

قال العَكرمي في (بَطن عقبه): (ليس يَخفى عليَّ الرأي، ولكنَّهم لا يدعونني، حتَّى يُخرجوا هذه العَلقة مِن جوفي)، وأكَّد ابن زياد نيَّة التشفِّي مِن قَتْل الحسينعليه‌السلام ، في كتابه لابن سعد، قائلاً: (حِلْ بين الحسين - عليه السلام - وأصحابه، وبين الماء، فلا يذوقوا مِنه قَطرة، كما صُنِع بالتقيِّ


الزكيِّ عثمان بن عفَّان)، وأعلن يزيد بقصده الانتقام في شعره:

لستُ مِن خِندفَ إنْ لمْ أنتقم

مِن بَني أحمد ما كان فعل

علِم ابن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تصميم آل حربٍ، على انتقامهم مِن آل عليٍّ، مَهْما تظاهر هؤلاء بمُسالمتهم ومُطاوعتهم، ومَهْما تظاهر آل حربٍ لهم بالأمان والإيمان، وقد أكَّد هذا العِلْم غَدر ابن زياد بابن عمِّه مُسلم، وإعطائه الأمان، حتَّى إذا خَلع سلاحه قتله شرَّ قتله.

وأجلى مِن ذلك غَدر مُعاوية بأخيه الحسنعليه‌السلام ، ودسِّه السَّمَّ إلى مَن قتله، بعد أنْ صالحه وصافحه وتنازل له عن خِلافته المعقودة له، فهل ترى ابن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ذلك كلِّه يُعيد الامتحان ويُجرِّب المـُجرَّب؟

كلاَّ، إذن فالحسين وجد نفسه مَقتولاً إذا لم يُبايع، ومَقتولاً إذا بايع، لكنَّه إنْ بايع اشترى مع قتله قَتْل مَجدِه، وقَتْل آثار جَدِّه، أمَّا إذا لم يُبايع، فإنَّما هي قتلة واحدة تُحيي بها آلامه، وشعائر الدين، والشرافة الخالدة.


البيعة ليزيد

صفى لمـُعاوية الجوُّ، ومَلك نحو أربعين سنة، مُلكَاً قلمـَّا يسمح الزمان بمِثله لغيره، وهو في خِلال ذلك، لا يفترُ عن عمله ليله ونهاره، فيستكثر أعوانه، ويُعزِّز إخوانه، ويستحوذ على مَن يشاء، بما أوتي مِن مال ودهاء، واستمال إلى أهوائه أمثال زياد، وابن العاص، والمـُغيرة، فمَدَّ أطناب حِزبه، ورواق مأربه، وانقادت إليه حتَّى آل هاشم، ولكنَّ الرجُل استحبَّ دوام هذا السؤدَد لبيته، ومَن يَخلفه في إنفاذ نواياه، عرف أنَّ سُلطانه وقتيٌّ وقسريٌّ، وما بالقسر لا يدوم؛ فأراد تثبيته في بيته مادام حيَّاً؛ لأنَّه يَخشى مِن موته على بنيه انقلاب الأُمور، لا سيَّما وابنه يزيد موضع نِقمة الجمهور، وفي الناس مَن هو أقدم مِن ابنه، وأولى مِن جميع الوجوه، فأخذ البيعة ليزيد حال حياته، بعد أنْ ذلَّلَ الصعاب، ومَهَّد السبُل لغاياته، غير أنّ جماعة مِن الصَّفوة البارزة، مِن أولاد الخُلفاء وغيرهم، مِمَّن ذكرناهم سابقاً، أبوا عليه البيعة ليزيد، واتَّخذت عملية مُعاوية هذه كمُناورة يُمتحَن بها مُخالفيه، ثمَّ أوصى ولده يزيد بأنْ لا يمسَّ هؤلاء بسوءٍ، إذا أبو عليه البيعة بعد موته، إلاَّ ابن


الزبير؛ والسِّرُّ فيما ارتآه داهية قريش، هو أنّ البعض مِن هؤلاء ضعيف النفس، وغير مسبوق بغَضاضة.

وأمّا الحسين، فنفس أبيه بين جنبيه، ويخشى على البيت الأُموي مِن التعرُّض إليه، وبما أنّه رجُلُ الفضيلة، يؤمْل فيه أنْ يَستمرَّ على سكوته وسكونه، إذا عمل برغائبه ومُداراته، ويُخشى مِن قيامه أنْ يقوم الحِجاز والعراق معه، حين لا مُعاوية لديه، ولا ابن العاص.

أمَّا ابن الزبير، فذو نفسيَّة حربيَّة مع أعدائه، وذو دَهاءٍ مع رُقبائه، ولكنَّه كأبيه شحيح لا مطمع فيه؛ فالعدوُّ لا يَأمن منه، والصديق لا يأمل فيه، فاستهان به، وبالقضاء عليه مِن دون توقُّع مَحذور في مُعاداته، لكنَّ يزيد لم يَعمل بهذه الوصيَّة الجوهريَّة؛ وذلك لأنَّه عاش عِيشَةً مُترَفة قضاها في الصيد والسِّكْر واللَّهو، ومِثل هذه التربية تَسوق صاحبها دائماً لعبادة الهَوى، والاعتراف بسلطان الشهوات، فلا يَحترِم قديماً، ولا يَحتشم عظيماً، ولا يحتفل بالدين، ولا برغائب الجمهور.

وعليه؛ فما مات مُعاوية، إلاِّ والأوامر تَترى مِن يزيد على ابن عمِّه الوليد، وإلى المدينة بأخذ البيعة له مِن الناس عامَّة، ومِن الحسينعليه‌السلام ، وابن الزبير للخِلافة خاصَّة؛ فتلقَّى الوليد أوامره بكلِّ رَهبة واحتياط، وكان يَعرِف سوء سُمعة يزيد كحُسن شُهرة هؤلاء عند المسلمين عامَّة، وعند أهل الحِجاز خاصَّة، فأدَّت سياسته إلى إعلام هؤلاء بالأمر، بصورةٍ ودِّيَّةٍ مع المـُداراة لرغائبهم وحركاتهم، قبلما يأخذ البيعة العامَّة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليزيد كخليفة، أرسل إلى الحسينعليه‌السلام ، وإلى زُملائه للحضور في بيته لمـُذاكرةٍ مُهمّةٍ، فجاءه الحسينعليه‌السلام ، ومعه ثُلَّةٌ مِن أقربائه،


ولكنْ لم يدخلوا معه، فاستقبله الوليد بالترحاب والآداب، ومروان جالسٌ مُتغيِّرٌ، تكاد تقرأ ما في قلبه مِن سحنات وجهه، وابتدأ الوليد يَنعى مُعاوية، فاسترجع الحسينعليه‌السلام ، ثمَّ قال الوليد:(إنَّ يزيد استحبَّ اقتراح البيعة عليك، فماذا ترى؟) .

فأجابه الحسينعليه‌السلام : (إنّ البيعة تَحْسُن مِن مِثلي، لمِثل يزيد أنْ تكون علانيةً، وبمِلأٍ مِن الناس، فالأوْلى أنْ تؤجِّلها إلى مَوعد اجتماع الناس في المـَسجد).

فأجابه الوليد، بكلِّ لِيْنٍ وتساهُل، غير أنَّ مروان عكَّر صَفو السِّلْم، وقال:(يا أمير، لا تدعْ حسيناً يخرج مِن عندك بلا بيعة، فيكون أولى مِنك بالقوَّة، وتكون أولى منه بالضُّعف، فاحبِسه حتَّى يُبايع، أو تَضرب عُنقه) .

فوثب عندئذٍ حسينُ المـَجد، قائلاً: (يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟! كَذِبت والله ولئِمت)، ثمَّ انصرف هو وبنو هاشم.

كان الوليد ومروان كِلاهما يَبغيان إخضاع الحسينعليه‌السلام ليزيد، ولكنْ ذاك بالسياسة، وهذا بالتهديد.

وكأنَّ الوليد أراد أنْ يَستميل قلب الحسينعليه‌السلام ، ويسترقَ مِن لسانه كلمة القَبول، ولو سُرّاً؛ لعلمه أنّ الحسينعليه‌السلام ، رجُلُ الصِّدق والثَّبات؛ فلا يَعدل عن كلمته، وليس بذي لسانين: إسرار، وإجهار، ولا ذا وجهين: مُحضر، ومَغيب.

وأمَّا مروان، فكأنَّه علم أنَّ المسلمين، إذا اجتمعوا في مسجد النبي بين قبره ومِنبره، وحضر لديهم ريحانة النبي، وبنو هاشم وقوف، وبنو الأنصار جلوس؛ فإنّ المؤثِّرات المعنويَّة، والحِسيَّة لا تُسفِر إلاَّ عن البيعة للحسين، وخُسران صَفقة يزيد.


وعلى أيِّ حال؛ فإنِّ مروان نقض على الوليد أمراً كان قد أبرمه، غير أنّ الخبر لم يكُ يَنتشر خارج المدينة لمـُراقبة الوالي، وفَقْد وسائل المـُخابرات.

أمّا الحسينعليه‌السلام ، فقد عَرِف أنَّ مروان سوف يُخابِر يزيد على عزل الوالي، أو يَحمل الوالي على الوقيعة بالحسينعليه‌السلام وآله، وأنَّ يزيد وحزبه يَنقادون لإرادات مروان، بشخصيَّته البارزة في الحِزب السُفياني، وقديم عِدائه للنبي وآله، وقد كان هو وأبوه طريدَي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وملعونيَنِ على لسانه، فلابُدَّ وأنْ يَنتقم مِن ريحانة الرسول بالمِثل، أو يزيد، فلم يَجد الحسينعليه‌السلام بُدَّاً سِوى الهِجرة سِرّاً إلى حرم الله، ومِنه إلى اليمن.


نَظرة في هِجرة الحسين عليه‌السلام

يَصْفُ الواصفون لتاريخ الحسينعليه‌السلام أشدَّ ليالي حياته عليه، ليلة مَقتله في الطفِّ - تلك الليلة التي حوصِر فيها هو وذووه، في بقعةٍ جَرداء، وضاقت عليه الأرض بما رَحبُت، ومُنِع حتَّى مِن شِرب الماء المـُباح، فلم تهجع عيناه فيها حتَّى الصباح - ولا يبعُد أنْ يكون أشدَّ ليالي حياة الحسين، ليلة مَرجعه مِن مَجلس الوالي في المدينة، وحَيرته في سيرته مع القوم الظالمين، إذا كان الحسينعليه‌السلام ليلة مَقتله على بصيرةٍ مِن أمره، وإنَّ ليس بينه وبين الجَنَّة سِوى سويعات، لكنَّما الحسينعليه‌السلام في ليلة هِجرته مِن مدينة جَدِّه كان في جِهادٍ فِكريٍّ، وألمٍ عقليٍّ؛ يُفكِّر في مُتابعته ليزيد وكونها ضرباً مِن المـُحال، ثمَّ يُفكِّر في بقائه في حرم جَدِّه، لكنَّ ذلك استسلام لمروان، فيما يفعل به وبأسرته: مِن قَتله المـُستلزِم لقتال رجاله، وذبح أطفاله، ونهب أمواله، وإرسال بناته مع رأسه إلى يزيد، كان مروان مِمَّن يَفعل ذلك، ويزيد عليه تشفِّياً لنفسه، وانتقاماً لأُميَّة، وتَزلُّفاً ليزيد، ولم يَكُن ابن مرجانة بأوتر منه، ولا أشقى.


إذنْ، فماذا يَصنع الحسينعليه‌السلام ، إلاَّ أنْ يُهاجر إلى مَكَّة ابتغاء الابتعاد مِن المنطقة المروانيَّة، ولقاء وجوه المسلمين في الحَجِّ، وانتظار الفرج؟ ولكنْ كيف يُهاجِر بأُسرته الوفيرة العدد بلا عُدَد، والهِجرة بالأهل ليس بالسَّهل، سيَّما في مَسالكَ وعِرةٍ غامضةِ الحال، مُبهَمة الاستقبال.

وفي النهاية، اختار الحسينعليه‌السلام هذا الرأي الأخير على حَراجته، وأوحى بذلك إلى إخوانه ورجال أُسرته، وهم يُلبونه فيما يرغب، مَهْما كانوا كارهين، التأهب لِما يُحِب كما يَجب، إلاَّ محمد بن الحنفية؛ فإنَّه سأل أخاه البقاء في حَرم جَدِّه بين أنصاره، فأجابه الحسينعليه‌السلام بمَبلغ عَداوة يزيد معه، وسوء نيَّته فيه، وضُعف ثقته في ناصريه.

فقال ابن الحنفية:(إنْ كان ولابُدَّ مِن ذلك، فما معنى حملُك النسوة والذُّريَّة؟).

فلمْ يَجِد الحسينعليه‌السلام مُقنِعاً لأخيه، إلاَّ أنْ يقول له: إنَّه مِن فَرط الحُبِّ المـُتبادل بينه وبينهنَّ، لا يستطيع فِراقهنَّ، كما لا يرضيْنَ بفِراقه، ولو جرى عليهم ما شاء الله أنْ يَجري.

فقال ابن الحنفية:(إنّك يا أخي، أحبُّ الناس إليَّ، وأعزُّهم عليَّ، ولست أدّخِر النصيحة لغيرك، تَنحَّ بيعتك عن يزيد، ثمَّ ابعث رسُلك إلى الناس، فإنْ بايعوك حمدتَ الله، وإنْ اجتمعوا على غيرك، لم يَنقص دينك، ولا فضلك، ولم تَذهب به مروَّتك) .

قال الحسينعليه‌السلام : (فأينَ أذهب يا أخي؟)

قال:(انزل مَكَّة، فإنْ اطمأنَّت بك الدار فيه، وإلاّ لَحِقت بالرمال


والجبال، ومِن بَلدٍ إلى بَلدٍ، حتَّى تنظر ما يصير إليه الناس، فتكون أصوبَ رأياً) .

فجزَّاه الحسين خيراً، وقد استبقاه أخوه؛ لضرورة وجود مَن يعتمد عليه في مركزه عِماداً للبيت، ومُحافظاً لودايع أهله، كما استبقى على مِثل ذلك ابن عمِّه عبد الله بن جعفر الطيار.

وكان عبد الله بن جعفر خَتْنَ الحسين على، أخته وشقيقته زينب الكُبرى، بنت عليٍّعليها‌السلام ، ولمـَّا عَلِم عبد الله بتوجُّه الحسينعليه‌السلام من مَكَّة نحو العراق، ألحقه بولديه عون ومحمد، وكتب على أيديهما إليه كتاباً، يقول فيه:

(أمَّا بعد، فإنِّي أسألك بالله لَمْا انصرفت حين تنظر في كتابي؛ فإنِّي مُشفقٌ عليك مِن الوجه الذي توجَّهت إليه، أنْ يكون فيه هَلاكُك، واستيصال أهل بيتك، وإنْ هَلكتَ اليوم طَفئ نور الأرض؛ فإنِّك عَلَم المـُهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تُعجِّل بالمسير،؛ فإنِّي في أثر كتابي والسلام) .

وسار عبد الله إلى عمرو بن سعيد، فسأله أنْ يكتب للحسينعليه‌السلام أماناً ويُمنِّيه؛ ليَرجع عن وجهه؛ فكتب إليه عمرو بن سعيد، ولحِقه يحيى بن سعيد، وعبد الله بن جعفر، بعد نُفوذ ابنيه، ودفعا إليه الكتاب، وجهدا به في الرجوع، فقال: (إنِّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المـَنام، وأمرني بما أنا ماضٍ له).

فقالا:(فما تلك الرؤيا؟) .

قال: (ما حَدَّثتُ أحداً به، ولا أنا مُحدِّثٌ، حتَّى ألقى ربِّي عزَّ وجلَّ).

فلمـَّا يَئس منه عبد الله بن جعفر، أمر ابنيه عوناً، ومحمداً


بمُلازمة خالهما الحسين، والمسير معه والجهاد دونه.

لقد فَشِل ابن سعيد(والي الحجاز بعد الوليد) ، في تدابيره لا قناع الحسينعليه‌السلام بالرجوع إلى مَكَّة؛ كيْ يَحصره فيها، وفي منطقة نفوذه.

وقَنع عبد الله بن جعفر الطيَّار، مِن الإمام بإجازة بقائه في وطنه، وقَنع الحسينعليه‌السلام ، منه بإرسال شِبليه الباسليَن، وقد كانا ناصريَه بالنفس والنفيس، وكانت أُمّهما زينب نصيرتَه في نَهضته، وخليفته على صِبْيَته، وسَلوته مِن كلِّ أحزانه، ومُديرة أمر عياله وبيوت أصحابه ورجاله، ولولاها لانفرط عَقْد يتاماه بعد قتله، ولولاها لانتثر نظام أهله بعد انتهاب رحله، ولولاها لقُضي على خَلَفِه العليل، وانقرض نَسله الأصيل.


هِجرة الإمام مِن مدينة جَدِّه

سار الحسين مِن حَرم جَدِّه، ولم يقتصر في الوداع على قبره الطاهر؛ إذ المـُسافِر يوادِع مِن وطنه المـَحبوب، كلَّما وقع نظره عليه: مِن أصحاب، وأحباب، وغيرهم، حتَّى الماء والتراب، أمّا ركب الحسينعليه‌السلام ، فكانوا يوادعون الربوع وداعَ مَن لا يأمل الرجوع.

خرج الحسينعليه‌السلام مِن حَرم جَدِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خائفاً يترقَّب، يُناجي ربَّه؛ ليُنجيه مِن فراعنة مَصره، ونماردة عصره، ذِكراه رحمة ربِّه، ومَبدؤه خوف ربِّه، وغايته بيت ربِّه، سائراً في المـَنهج الأكبر(أيْ الشارع السلطاني) .

فقيل له:(لو تَنكَّبت الطريق، كما فعل ابن الزبير؛ لئلا يلحقك الطلب) .

فقال: (لا والله، لا أُفارق الطريق الأقوم، حتَّى يقضى الله ما هو قاضٍ).

ونزل مَكَّة يوم الجمعة ثالث شعبان، وهو يتلو:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) .


الهِجرة الحسينيَّة وانقلابات حَول الستِّين

للحوادث أدوار تَتعاقِب كالليل والنهار، والتاريخ يُعيد نفسه باختلاف الأطوار؛ فما أشبه هِجرة الحسينعليه‌السلام ، بأهله مِن المدينة إلى مَكَّة؛ خَوفاً مِن آل أبي سفيان، وبهِجرة جَدِّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بأهله إلى المدينة مِن مَكَّة؛ خَوفاً مِن أبي سفيان وحِزبه، وبين اليومين نحو سِتِّين عاماً؛ كذلك مَجْدُ أُميَّة وأبي سفيان انقرض في فَتح مَكَّة، على يدي محمد بن عبد الله، النبي الهاشميصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وانقرضت ثانية دولة آل أبي سفيان، بعد مَقتل الحسينعليه‌السلام ببِضع سِنين، وبين اليومين نحو سِتِّين عاماً، ثمَّ بُنيت على أنقاضها حكومة مروانيَّة، عاشت نحو سِتِّين عام، ثمَّ انقرضت هي وكلُّ مَجدٍ لأُميَّة على يدي محمد بن عبد الله القائد الهاشمي.

وأولوا المـَبادي والهِمم، والعلماء، بمَجاري الحركات في العالم، لا تَبرد عزائمهم مَهْما خابت مَساعيهم، ويواصلون المـَسعى بالمسعى وإن فشلوا، والدهر دوَّار، وللتاريخ تَكرار، وللنفوس إقبال وإدبار،


فالناهض بفِكرة صالحة، لابُدَّ وأنْ يُثابِر على نشره، والدعوة إليه، ثابت العَزم، راسخ القَدم، لا تُزحزحه عواصف العواطف، ولا تُزلزله قواصف المـَخاوف، ولكنْ عليه أنْ يستخدم في سبيلها العِبر، والغير والأحوال، وبقاء الحال مُحال، حتَّى لو وجد مُحيطه بالغ الفساد، غير صالح للإصلاح، استبدل عن المكان بمكان، وعن الجيران بجيران، تلك سُنَّة الأنبياء والمـُصلحين، حتَّى إذا فاز بهيئةٍ صالحةٍ، وقوَّة مُسلَّحة، عاد إلى مركزه(والعَود أحمد) كذلك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن مَكَّة، ثمَّ إليها وذاك موسى مِن مِصره، ثمَّ إليه، هذا، وليس حسينُ التاريخ بِدْعاً مِن رُسل الإصلاح؛ إذا هاجر مِن موطنه خَوفاً على مَسلكه، أو أملاً بنهضته.

فقد سَمِعتَ الأسباب، التي دَعت حسيناً أنْ يُغادر يثرب خائفاً يترقَّب، فاسمع الآن آثار هذه الهِجرة، وحُسْن انعكاسها في العالم الإسلامي.

قد سَبق أنَّ المـُخابرات بين المدينة والمـُدْن، كانت تحت المـُراقبة ومفقودة الوسائل والوسائط، فصارت حركة الحسينعليه‌السلام قضيَّة ذات بالٍ تَناقلتها المـَحافل والقَوافل، والناس بعد حُلوله أُمَّ القُرى، ومَن حولها سوابلَ جاريةً إلى الجهات، فانتشر الخبر بأهميَّة لا مزيد عليها، حتَّى صار حديث كلِّ اثنين يَجتمعان.

-(ما وراك؟) .

-(هاجر الحسين عليه‌السلام مِن مدينة جَدِّه) .

-(لماذا؟) .

-(لأنَّ يزيد قصد إرغامه على مُبايعته) .


-(نَعمْ، نِعْمَ ما صنع الحسين عليه‌السلام ، فإنّه لو بايع يزيد الجائر المـُتجاهر بفِسقه؛ فعلى الإسلام السلام، إذاً ما ترى أنْ يكون؟) .

-(ليس سوى اجتماع المسلمين حوله، ونصبه خليفة كأبيه عليٍّ عليه‌السلام ؛ ليُحيي بعلمه معالم دين جَدِّه؛ ويُحامي بغيرته الهاشميَّة عن مصالح المسلمين؛ ويُنقذ بقوَّة إيمانه العلويِّ أحكام القرآن النازل في بيته) .

هذه وأمثالها، كانت أحاديثَ أكثر المـَجامع يومئذٍ في الحِجاز أوَّلاً، وفي سائر الأقطار بعده، وما فاز الحسين بهذه الإذاعة والإشاعة، إلاَّ بخروجه مِن المدينة مَظلوماً، وناقماً على الظالمين.


الحسين وابن الزبير

استقوت بحركة الحسينعليه‌السلام عزائم ابن الزبير، وأجهر أيضاً بخِلاف يزيد ورفض بيعته، ولازم مَكَّة أُمَّ القُرى، يسلُك مَسلك الحسينعليه‌السلام لمْ يصرّح بالدعاء إلى شَخصه، وإنَّما أجهر برفض بيعة يزيد فقط بالتقيَّة مِن شَرِّ أُميَّة، راضياً بأنْ يُخلِّي له السِّرب؛ كي يَنفذ إلى ثَغرٍ مِن الثغور.

كذلك الشريعة تَقضي على المسلم، إذا لم يَسعه إظهار دينه في بلده، أنْ يُهاجر منها إلى مأمن، لا يضطرَّه إلى التقيَّة، وسبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحرى بالتزام شريعته، وكان يتَّسع نطاق شيعته يوماً فيوم، لإخلاص الحسينعليه‌السلام في أمره، وجليِّ فضله وسموِّ شَرفه، وكرم مَحتدِه، لكنَّ حزب ابن الزبير، وإنْ كان صغير، قد نفع الحسينعليه‌السلام ، في تنفير العامَّة مِن بَني أُميَّة، وكانت لابن الزبير وأبيه سابقة سوء مع عليِّعليه‌السلام ، في بدء خِلافته، بالرغم مِن القُربى الماسَّة بينهم؛ حتَّى قال عنهما عليٌّعليه‌السلام :


(لمْ يَزل الزبير مِنّا، حتَّى نشأ ابنه عبد الله)، لكنَّما الغاية المـُشتركة وضُعفهما تجاه العدوِّ القوي، دعاهما إلى تجديد عهود الولاء، ونسيان سوالف البَغضاء؛ فصار يزور كلٌّ منهما الآخر عَشيَّةً وضُحاه، وقد صار لمـَظهر اتِّحاد ابن الزبير مع الحسين أثرٌ حَسَنٌ، ورهبة في نفوس مَن عاداهم، ومَن عداهم، وذهبت الرُّسل مِن الحَرمين إلى يزيد بأخبارٍ مُذعِرة، وبصورةٍ مُكبرة؛ دعته إلى التأهُّب عليهما بكلِّ ما أوتي مِن قوَّة ومَكيدة، فأرسل عمرو بن سعيد والياً على المدينة، وأميراً على الموسم، مُزوَّداً بالتعاليم، وموعوداً بالتأييد، فقَدِم مَكَّة ليلة التروية.


وضعيَّة الإمام في مَكَّة

حَلَّ الحسينعليه‌السلام في حرم الله؛ مُستجيراً به مِمَّن يريدون إرغامه على مُبايعته لرجُلِ الجَور والفُجور، وقد استحسن المسلمون اعتصابه واعتصامه بالتقاليد المـُقدَّسة عند المسلمين، فأخذ المـُتقدّمون إلى الحَجِّ يتهافتون عليه، ويهتفون بالدعوة إليه، يطوفون حوله، هذا يلتمس العِلْم والحديث، وذاك يقتبس منه الحِكَم النافعة، والكَلِم الجامعة؛ ليهتدي بأنوارهما في ظلمات الحياة، والرجُل بينهم مِرآة الكرامة والشهامة، ومِثال الحِكمة والسلامة؛ فطارت في الأقطار أخباره وآثاره، فتواترت الكُتب والرُّسل، والوعود والوفود، سيَّما مِن كوفة العراق (عاصمة أبيه) مِن وجوه شيعته ومواليه؛ إذ بلغهم هلاك معاوية، فارجفوا بيزيد، وعرفوا خبر الحسينعليه‌السلام ، وامتناعه مِن بيعته، وما كان مِن أمر ابن الزبير في ذلك، وخروجهما إلى مَكَّة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة، في مَنزل سليمان بن صرد الخزاعي، فذكروا هلاك معاوية؛ فحمد الله سليمان وأثنى عليه، ثمَّ قال:(إنَّ مُعاوية قد هلك، وإنَّ حسيناً قد نقض على القوم أمرهم، وقد خرج إلى مَكَّة،


وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإنْ كنتم تعلمون أنَّكم ناصروه ومُجاهدوعدوّه، فاكتبوا إليه، وإنْ خِفتم الفَشل والوَهن، فلا تغرُّوا الرجُل في نفسه...) .

قالوا:(لا، بلْ نُقاتل عدوَّه، ونقتل أنفسنا دونه) ، وكتبوا إليه الكتب في أواخر شعبان.

وشَذَّ ما ترى في الكتب المـُرسلة، كتاباً بإمضاء الواحد والاثنين، وإنَّما هي رِقاع (مَضابط)، موقَّعة بأسماء آحاد وعشرات مِن وجهاء ورؤساء (شيوخ) يعترفون بإمامته، ويتمنّون قدومه إليهم، بألفاظ جَذَّابة، ولكنْ كذَّابة، ومواعيد جَلاَّبة، ولكنْ خَلاَّبة.

والمشهور أنَّه أحصوا عليه في أيَّام قلائلَ كُتُبَ اثني عشر ألف، فاختلف عند ذلك الإشارات عليه مِن أصحابه وخاصَّته، فمنهم المـُشير عليه بإقامة مَكَّة، وإرسال عُمّاله ودُعاته إلى الجِهات.

ومنهم المـُشير عليه بالذهاب إلى اليمن، مَنبت الصدق والإيمان، ومَهبِّ الحِكمة والعروبة، وقد سبق منهم لأبيه ولاؤهم الصادق، منذ ولاَّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لولا أنّ المتوّجه إلى اليمن ينقطع خَطّ رجعته، كما تَنقطع مواصلاته مع الآفاق.

ومنهم المـُشير عليه بالمـَسير إلى العراق، عاصمة أبيه، ومَوطن أصحابه ومواليه، ومَعدن الفروسة والفراسة، ومَنبت الأموال والرجال، وهما قوْام كلِّ حكومة.


الحسين عليه‌السلام يَختار الكوفة

كانت خُطَّة الحسينعليه‌السلام ، إلى حين تواتر الرُّسل والكتب إليه، خُطَّة دفاعٍ عن نفسه، والالتجاء مِن آثام بيعة يزيد إلى مَلجأ حَصين.

غير إنَّ صَريخ البلاد والعباد، وهِتاف الأنصار والأمصار به، وله، وإليه حولا فِكره مِن دفاع مَحدود، إلى دفاع وسيع النِّطاق، رجاء نُصرة الدين، ودفع عادية الظلمة عن المسلمين، فاستخار الله، وندب إلى العراق، بعدما أرسل إليهم ليث بني عقيل، مُسلماً ابن عمِّه، حتَّى إذا وجدهم على ما كتبوا إليه، توجَّه إليهم بنفسه وأهله، وكان مسلم كبقيَّة آل عليعليه‌السلام ، رجُلَ الصدق والصَفاء، ومِثال الشجاعة والإيمان، فقام لأمر صِهره وسيّده الحسينعليه‌السلام ، وما قَدِم الكوفة إلاَّ وتكوَّفت جماهير الرؤساء لأخذ يمينه؛ يُبايعونه نائباً عن الحسين، وقد كان لآل عليعليه‌السلام ، وفي صدورهم عِتاب مع أهل الكوفة، في خُذلانهم الحسن بن عليعليهما‌السلام ، واغترارهم بدراهم معاوية، لكنْ حُسْن استقبالهم لمسلم مَحى كلَّ عِتاب، وكفَّر كلَّ ذنبٍ، سيَّما وإنَّ الكرام سريعو الرضا، والمـُصلِح لا يَحفظ غِلاً أو حِقداً.


فكتب مسلم إلى الحسينعليه‌السلام بإقبال العامَّة، وإخلاص الخاصَّة، نادمين على ما فرَّطوا في جنب البيت الهاشمي، الذي كان سلطانه أنفع لدينهم، وحَثَّ الحسينعليه‌السلام على القدوم إلى العراق؛ ليُجدِّد على ربوعه معالم أسلافه.


بنو أُمية والخطر الحسيني

أخذت قضيَّة الحسينعليه‌السلام تُحرِّك العزائم، وتُنبِّه المشاعر في الدوائر الأُمويَّة، وساد القَلق على حُلفائهم وأوليائهم، وهم عالِمون أنَّ حسيناً يضرب على أيدي الجائرين، ولا يُولِّي فاسقاً أمر المسلمين؛ فغدت رجال الحكم الأُموي ألسِنَةً وعيوناً، وأقلاماً وسيوفاً، ضِدَّ الحركة الحسينيَّة، سيَّما في مناطق العِراق والحِجاز، واستفزَّوا قبل كلِّ شيء حكومة الشام، والهيئة المـَركزيَّة بالتأهُّب للخطر الهاشمي؛ فكتب عمر بن سعد، وعمارة بن عقبة، وعبد الله بن مسلم، وأضرابهم إلى يزيد:

(أمَّا بعد، فإنَّ مسلم بن عقيل قَدِم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسينعليه‌السلام ، فإنْ يَكُن لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجُلاً قويَّاً، يُنفِّذ أمرك، ويعمل مِثل عملك في عدوِّك؛ فإنّ النعمان بن بشير (والي الكوفة) رجل ضعيف أو يتضعَّف).

وكأنَّهم ورُسلهم استلفتوا أنظار حكومة الشام، إلى أنَّ العراق مفتاح الشرق الأدنى، وهو باب الشرق الأوسط؛ فالحسين (عليه


السلام) إذا رسخت أقدامه بين النهرين، وأهلوهما شيعة أبيه، ومَدائن كِسرى تواليه(مُنذ وَلْيَها سلمان، وتزوَّج بشاه زنان) ، فأنوار مباديه تشعُّ على ربوع إيران؛ فيكون له منهم أنصارُ المال، وأنصارُ الحرب، وأنصارُ الرأي والإرادة، وأنصارٌ لنشر مَعارف القرآن، وعلوم شرع جَدِّه الزاهر، فإذا توفَّق بهم على تكوين حكومة راقية؛ صار أولى مِن أُميَّة بالولاية على الأقطار، حتَّى الحجاز والشام؛ لأنَّ المـُهيمن على العراق يُهدِّد أبداً خُطوط مواصلات الشام للحرميَن، وربَّما يُجدِّد العراق على الشام حرب صِفِّين، حينما أرض الشام خالية مِن الداهيتيَن: مُعاوية، وابن العاص.

أمَّا يزيد، فلم يَكُن منه بادي بدء، سِوى استشارة (سرجون) مولى أبيه معاوية، في كُتُب القوم إليه؛ فأشار عليه باستعمال عبيد الله بن زياد على العراق، وكانت بينه وبين يزيد برودة، وأبرز سرجون ليزيد عهداً كان معاوية قد كتبه في هذا الشأن، قُبيل وفاته(1) ، فوافق يزيد على ذلك، وانتهى إلى ابن زياد أمره، وكتب إليه:

(أمَّا بعد: فإنَّه كتب اليَّ شيعتي مِن أهل الكوفة، يُخبرونني أنَّ ابن عقيل فيها، يجمع الجموع؛ ليَشُق عصا المسلمين، فسِرْ حين تقرأ كتابي هذا، حتَّى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتَّى تُثقِّفه، وتوثقه، أو تقتله، أو تنفيه. إلى آخره).

فأخذ ابن زياد مِن كتاب يزيد ورسوله، قوَّة وبصيرة، وصلاحيَّة واسعة في صرف المال، وبَثَّ المواعيد، ومَنحه الاختيارات التامَّة.

____________________

(1) العقد الفريد، لابن عبد ربَّه ج2 ص306، وإرشاد المـُفيد ص184.


رأت حكومة يزيد مِن الدهاء والحزم، سكوتها عن ابن الزبير مُوقَّتاً، حتَّى يَحسم الزمان أمر الحسينعليه‌السلام ، الذي أصبح يُهدِّد كيان أُميَّة أيَّ تهديد، فإذا قضت أُميَّة لُبانتها مِن الحسينعليه‌السلام ، سَهل عليها أمر ابن الزبير؛ لأنَّ المرعوبيَّة تسود على أضداد يزيد، بعد الإجهاز على الحركة الحسينيَّة؛ ولأنَّ موقع ابن الزبير في النفوس، ليس كموقع الحسينعليه‌السلام ، سيَّما وابن الزبير شحيح (ولا يَسود إلاّ مَن يجود)؛ ولأنَّ ابن الزبير لم يرتبط ببلاد ذات خيرات وبركات، كالعراق واليمن، حتَّى يستفيد مِن مِيرتها وذخيرتها لجيشه، لو انتضى له جيش! فلو فُرِض استمراره على خِلاف يزيد بعد الحسينعليه‌السلام ؛ فجُند أُميَّة يُحاصره في بلاد الحجاز، القاحلة بين الجبال والرمال، حتَّى يُسلِّم هو وجُنده، أو يُقاتل وحده والوحيد مغلوب.


الكوفة في نَظر الحسين عليه‌السلام

شاعت مُبايعة العراق للحسينعليه‌السلام بالإمامة، ففَرِح أولياؤه وأهل الحَرمين، وتفاءلوا مِن ذلك بعود الحَقِّ إلى أهله، عسى أنْ تموت البِدع، وتحيا السُّنن، لكنَّ خاصَّة الحسينعليه‌السلام بعد الإطلاع على سَفر مسلم إلى الكوفة، كانوا بين مُحبِّذٍ ومُخطِّيء، ويُمثِّل الأخير عبد الله بن عباس (رضي الله عنه)، فجاء إلى الحسينعليه‌السلام يُحذّره مِن الرواح إلى العراق، ويُذكِّره بخُذلانهم أخاه وعصيانهم أباه، في حين أنَّهم لم يكونوا يحلمون بإمام كأبي الحسينعليهما‌السلام ، أشرف الناس، وأذكاهم، وأفصحهم، وأسخاهم وأعلمهم، وأتقاهم، يلبس الخشِن ويكسوهم حِلله، ويبيت طاوياً ويُنفِق عليهم مأكله، ويَكدُّ مِن سَعي وسَقي، ويتصدَّق على الفُقراء، وإذا شُنَّت عليهم الغارات؛ فهو في مُقدِّمة المـُدافعين عنهم، يخوض بنفسه حومة الوغى، حتَّى يهزم الجمع ويولّون الدُّبُر، فأيُّ إمامٍ يكون لهم كعليٍّعليه‌السلام ، وكيف كافئوه وأهله في حياته وبعد وفاته.

نعم، إنَّ ابن عباس كان حِبرَ الأُمَّة، ووليَّ الأئمة، ربَّاه


أمير المؤمنينعليه‌السلام وعلَّمه، وأسرَّ إليه مِن صَفوة مَعارفه، وكان راجحَ العقل والفضل والأخلاق، وكان مِن أعزِّ أقرانه على الحسينعليه‌السلام ؛ فإنَّ عليَّاً قام في سنوات اعتزاله الخِلافة بتربية غُلمـَة في المدينة مِن أُسرته وأحبته.

لكنَّ الإمام لم يأخذ برأي مُحذِّرٍ؛ إذ كان يَحسب نفسه في وادٍ والمـُحذِّر في وادٍ؛ فحسين الفِخار(ونفس أبيه بين جنبيه) لا يَسعه إلاّ أنْ يُلبِّي المـُستغيث به، ولا يُطيق الصبر على مَحْق الدين، وسَحْق الموحِّدين، ولو ذاق في جهاده الأمرَّين.

إنَّ غاية ما كان يراه الحسينعليه‌السلام ، في تحذير المـُحذِّرين، أنَّ العراق لا يَفي بوَعده، ولا يقوم على عهده، فهبْ أنَّ ذلك كذلك، فما ضَرَّ الإمام أنْ يُتمَِّ الحُجَّة عليهم، قبل أنْ يُتمِّوا الحُجَّة عليه، فإنْ ظفر بمَطلبه مِن إبادة الظالمين فبها ونِعْمَتْ، وإلاَّ سار عنهم إلى الثغور القاصية، حتَّى يفتح الله عليه بالحَقِّ وهو خير الفاتحين، أو يأتيه الموت؛ فيُلاقي ربَّه غير خاضع لأعدائه.

أمَّا رَحْلُ الحسينعليه‌السلام وفِتيته، فكانوا كلَّما ذكروا العراق، تجلَّت لديهم ذكرياته الحُسنى، وتذكَّروا حَنانه نحو الغريب وطلاوة الحديث الجَذَّاب، والعواطف الرقيقة، وذكروا عذوبة ماءه، وطْيب هوائه، عِلاوةَ ذِكرى مَن ألفوه بالكوفة، مِمَّن تبودِلت بينه وبينهم الحقوق، والنِّعم، والعواطف، والحسنات.

فكأنَّ هذه، والتي سبقت، خواطرَ مُهمَّة أدَّت إلى المسير نحو العراق، وقَبول ما استدعاه وكيله الأمين (مسلم) في كتابه؛ غير إنَّ الجميع واثقون مِن أنَّ الرحيل إلى العراق لو كان، فإنَّما يكون بعد فريضة الحَجِّ، وبعد الأضحى.


خُروج الحسين عليه‌السلام مِن مَكَّة

كان الحسينعليه‌السلام أوسع علمٍ، وأقوى ديناً مِمَّن انتقدوا عليه الخروج مِن مَكَّة، قبل إكمال الحَجِّ، مُستبدِلاً حَجَّه بعُمرةٍ مُفرَدة؛ ليتسنَّى له الخروج يوم التروية، ومُجاوزة حدود الحرم بأقرب وقت مُمكِن؛ إذ صار بين جاذبٍ ودافعٍ، تجذبه ظاهراً أنباء حِجَّاج العراق، بأنّ ابن زياد تأهَّب للخروج مِن البصرة نحو الكوفة، والحسينعليه‌السلام يعرف مَبلغ دهائه وريائه، وقوَّة إقدامه وجَسارته، وأنَّه إذا سبق الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة، قَلَب القلوب، وقَطَع عليه الدروب، واستعمل لخُذلان مسلم كلَّ وسيلةٍ وحيلةٍ، وأنَّ مُسلماً بنفسيَّته الحربيَّة، قد تَخْفَى عليه الحركات السياسيَّة؛ فلا يَنجح مع ذلك الشيطان رجُل المروءة والإيمان؛ فخرج إلى الكوفة مُسرعاً، إنقاذاً لمـُسلم وللمسلمين.

وأمَّا دافعه مِن الحرم، فعلمه بالمـَكايد المـُدبَّرة مِن خصومه لحصره، أو اغتياله في مَكَّة مِن حين تَفرُّق الحاجِّ منه؛ فيُصبح إمَّا مَقتول، أو مُقاتَل، وفي كِلا الأمرين هَتْكُ الحرم، المـَمنوع فيه سَفك


الدم، وقد بدت قرينة مُناوأته، في قُدوم عمرو بن سعيد، عامل يزيد قَبل التروية بيوم، وتَقدُّمه إلى الصلاة بالمسلمين، وبَثِّه العيون حول الحسينعليه‌السلام ، وحول ابن الزبير، فصلَّى الإمام، فطاف وسعى، وحَلَّ الإحرام، ثمَّ خرج. وبعدما عَرِف عمرو بن سعيد، صرخ بالناس قائلاً:

(أركبوا كلَّ بَعير بين السماء والأرض، واطلبوا حسيناً، ولم يَحتشم حُرمة البلد الأمين، ولا النبيِّ الأمين).

بادر الحسينعليه‌السلام بمسيره، قبل أنْ يُبادر العدوُّ إلى صَدِّه وإحصاره، أو اغتياله؛ وألجأته الضرورة إلى حركة غير مُنتظَرة، وخارج الحُسبان، وأوجد بمسيره هذا ثورة فِكريَّة؛ أوجبت انتشار خبره بسرعة البرق.

وحقَّاً أقول: إنَّ الحسينعليه‌السلام مُجتَهد في نيَّته، ومُستفرِغ كلَّما في وسعه، في نشر دعوته، في عصرٍ ومِصرٍ شحَّت وسائل النشر فيهم؛ فكان لخروجه في غير أوانه دويٌّ يَرنُّ صداه في الداخل والخارج، والناس يتسائلون عن نبأه العظيم، وعن أنَّ الحسينعليه‌السلام هل حَجَّ أو خرج؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وإلى أين؟

هذا والحسينعليه‌السلام يسير بموكبه الفخيم، وحوله أهله كهالَةٍ حول القمر، كأنَّ موكبه داعية مِن دُعاته؛ فإنّ الخارج يومئذ مِن أرض الحَجِّ والناس متوجهون إلى الحَجِّ، لابُدَّ وأنْ يستلفِت إلى نفسه الأنظار، وإنْ كان راكباً واحداً، فكيف برَكبٍ أو موكبٍ؟

إنَّه لأمر مُريب وغَريب، يستوقف الناظر، ويستجوب كلَّ عابرٍ.

وهذه أيضاً عمليَّة، مِن شأنها شُهرةَ أمر الإمام، وانتشار خبره الهامِّ، ومِمَّن كان قادِماً إلى الحَجِّ، واستجلب نظره الركب والموكب


الفرزدق الشاعر.

قال:حَجَجت بأُمِّي في سنة سِتِّين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحَرم، إذ لقيت الحسين بن علي عليهما‌السلام خارجاً مِن مَكَّة مع أسيافه وأتراسه، فقلت لمـَن هذا القطار؟

فقيل: للحسين بن عليعليهما‌السلام ، فأتيته وسلَّمت عليه، وقلت له:(أعطاك الله سؤلك، بأبي أنت وأُمِّي، يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحَجِّ؟)

فقال: (لو لمْ أُعجِّل لأُخِذت).

ثمَّ قال لي: (مَن أنت؟).

قلت:(أمرؤ مِن العرب، فلا والله ما فتَّشني عن أكثر مِن ذلك) .

ثمَّ قال لي: (أخبرني عن الناس خلفك).

فقلت:(مِن الخَبير سألتَ، قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل مِن السماء) .

وسألته عن أشياء: مِن نذورٍ، ومناسك فأخبرني به، وحَرَّك راحلته، وقال: (السلام عليك).

وكان موكب الحسينعليه‌السلام ، يسير في بطون الفيافي والمفاوز، وقوافل القلوب تُشايعه مِن بُعدٍ بَعيد، وخفيف إلحاذ مِن عُشّاقه مُصمِّمٌ على الالتحاق بموكبه، بعد أداء فريضة الحَجِّ بأقرب ساعة، لكنَّ الإمام يُجِدُّ في مَسراه، والقمر دليل الركب ورفيقه، ولمـّا بلغ بَطْنَ عقبة، لقيه شيخ مِن بَني عِكرمة، فسأله أين تريد؟

فقال الشيخ:(أنشدك الله لَمْا انصرفت، فو الله، ما تُقدِم إلاَّ على الأسنَّة وحَدِّ السيوف، وإنَّ هؤلاء الذين بعثوا إليك، لو كانوا كفوك مَؤنة القتال، ووطئوا


لك الأشياء، فقَدِمت عليهم كان ذلك رأياً) .

فقال له الإمام: (ليس يَخفى عليك الرأي، ولكنَّ الله تعالى لا يُغلَب على أمره).

ثمَّ قالعليه‌السلام : (والله، لا يدعونني حتَّى يستخرجوا هذه العَلقة مِن جَوفي، فإذا فعلوا سَلَّط الله عليهم مَن يُذلّهم، حتَّى يكونوا أذلَّ فِرق الأُمَم).


ابن زياد على الكوفة

أمّا عبيد الله بن زياد، فقد ضَمَّ يزيد الكوفة إليه، مع البصرة، فحَسِب ذلك ضَرباً مِن الترفيع، سيَّما وقد أُعطي سِعة في النفوذ، والسلطة التامَّة العامَّة، فمهَّد أمره في البصرة، وعهد بأزمَّتها إلى أخيه، وإلى أعوانه المـُجرَّبين، خَوفاً مِن نشر الدعاية فيها لابن الزبير، أو الحسينعليه‌السلام ، وتأهَّب إلى الكوفة، مِن حيثُ لم يعلم العامَّة أمره، وسُرعان ما قَدِمها بكلِّ جَسارة، ودخلها مُتنكِّراً ومُتلثِّماً، وعليه عِمامة سوداء، يوهِم الناس إنَّه الحسين بن عليعليهما‌السلام ، وصار مَن يُصادفونه في خِطط الكوفة وطُرقاتها، يزعمونه الحسين السبط، فيُسلِّمون عليه بالإمامة، ويُحيِّونه بكلِّ كرامة، ويقبِّلون يديه ورُجليه، وهو لا يُكلِّم أحداً فوق راحتله، حتَّى بلغ قصر الإمارة، فطرق الباب على واليِّها المحصور النعمان بن البشير، حتَّى إذا عرفه فتح الباب ودخل.

عند ذلك فشى خبره أنَّه ابن زياد؛ فباتت الكوفة تلك الليلة تَغلي كالمـَرجِل، والناس بين مُثبِّت ومُثبِّط، وابن زياد دخل البلدة وَحْدَه،


وعلى حين غُرَّة، ولم ينزل إلاَّ في مَركز الحُكم، وأخذ في قبضته المال والسلاح، ورتَّب في ليلته على الدوائر المـُهمَّة مَن لم يَتجاهروا بمَعيَّة مسلم، وأصبح مُناديه يجمع الناس لخِطابته في الجامع الأعظم، فرقى المِنبر بكلِّ جَسارة - وجَسارة الخطيب تُعطي لكلامه قوَّة نفوذ، وتأثير على الأوهام - فصار يَعِدُ ويوعد، لا عن لسان الله ورسوله، بلْ عن لسان أميره يزيد، فبلَّغهم سلامه، ولكنَّ الناس لم يردُّوا السلام عليه أوَّلاً، حتَّى أخذ يُطمِّع المـُطيع بمواعيدَ جِسام، ويُهدِّد مُخالفيه بحَدِّ الحِسام، والسيف مُصلَت بيده، فعند ذلك ردَّ السلام عليه نَفر قليل، ثمَّ أضحى مُناديه يَجمع الرؤساء والعُرفاء إليه؛ لأخذ المواثيق، وإنجاز المواعيد، وتوزيع العطاي، ومُعاقبة المـُتخلِّفين عقوبة صارمَة؛ فهرع لندائه خَلْق كثير، وانقلبت القلوب، وانحرفت الوجوه، وتبدلَّت لهجات الأندية، ونشريَّات الشيع.

نعم، لا ينقضي العَجب، مِن خَيبة الكوفة في نَهضتها، إلاَّ بعد التدبُّر في أسبابها وأسرارها؛ إذ باغت ابن زياد الكوفييِّن بزيِّ الحسينعليه‌السلام ، حتَّى استقرَّ في دار الإمارة بين حامية مُستعدَّة، وقد كان الواجب على أهل الكوفة بعدما لبَّى الحسين دعوتهم، وإرساله مُسلماً وكيلاً عنه، أنْ تَجتمع أحياؤها، وتتَّحد رؤساؤه؛ فيُخرجوا عامل يزيد وحاشيته، ويُسلّموا دوائرها إلى وكيل الحسينعليه‌السلام ، أو أنْ يقترحوا عليه مِن الأعمال المـُهمَّة ما هم أدرى به وأعرف، ومسلم لمْ يقَدِم عليهم كوالٍ مُختار، أو مُفوَّضٍ مُطلَق؛ ليستقلَّ في أعماله وأعمالهم بالتصرُّف والمسؤليَّة، وإنَّما بعثه الحسينعليه‌السلام كمُعتَمد، يُشرف على أمرهم، ويستطلع حقيقة خبرهم،


ولكنَّ الكوفيِّين (يا للأسف) غَرّوا مسلماً واغترّوا، ولم يغتنموا صَفاء جَوّهم، وتواني عَدوّهم إلى أنْ دَهمهم ابن زياد، وفرّق جمعهم بالوعد والوعيد، وسكَّن فورتهم بالطَّمع والتهديد، حتَّى إذا سكت الضجيج مِن حول مسلم، نَفى الرجال العاملين لمعونة مسلم مِن بلده، وزجَّ في السجن مِن وجوه الشيعة: أمثال المـُختار الثقفي، والمـُسيَّب بن نجيبة، وسُليمان، ورفاعة وغيرهم، مِمَّن لم تؤثِّر عليهم التضييقات، ولا اغترّوا بباطل الوعد، واستوظف آخرين، واختفى بعد ذلك أكثر المـُتهوِّسين في زوايا البيوت.


مَقتل مُسلم وهاني

إنَّ مُسلماً - وهو الذي بايعه أكثر مِن ثلاثين ألف مسلم - بقي وحيداً فريد، بعد القبض على الوجوه مِن أوليائه: كالمـُختار الثقفي، وسُليمان الخزاعي، فلاذَ بصَديقه (هاني) أكبر مشايخ الكوفة سِناً، وشأناً، وبصيرة، وعِشرة؛ إذ كان مُعمِّراً فوق الثمانين، وشيخ كِندة، أعظم أرباع الكوفة، وكان إذا صرخ لبَّاه ثلاثون ألف سيفٍ، وكان هو وأبوه مِن أحبَّة عليٍّ وأنصاره في حروبه العراقيَّة.

فهنأ هاني مسلماً بالرحب والسعة والحفاظ، حتَّى يُفرِّج الله عنه، والتزم هاني بالتمارض مُجاملة مع ابن زياد في عدم إجابته لدعوته، لكنَّ ابن زياد يَطمع في هاني وسابقته معه، ويرى في جَذب أمثاله مِن المـُتنفِّذين الحقيقيِّين معونة كُبرى لإنفاذ مقاصده.

ويروى أنَّ هاني، أو شُريك، أقترح على عميد آل عقيل، ومندوب الحسين (مسلم) الفتك بابن زياد غِيلةً وغَفلةً، لكنَّ مسلماً لم يجب بسِوى كلمة: (إنِّا أهل بيت نَكْرَه الغَدر).

هذا كلمة كبيرة المـَغزى، بعيدة المـَرمى؛ فإنَّ آل علي


عليه‌السلام مِن قوَّة تَمسُّكهم بالحَقِّ والصدق، نبذوا الغَدر والمـَكر، حتَّى لدى الضرورة، واختاروا النصر الآجل بقوَّة الحَقِّ على النصر العاجل بالخديعة، شِنْشِنة فيهم معروفة عن أسلافهم، ومَوروثة في أخلافهم، كأنَّّهم مَخلوقون لإقامة حكومة الحَقِّ والفضيلة في قلوب العُرفاء الأصفياء، وقد حَفِظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب.

وبالجملة: فقد دبَّر ابن مرجانه حيلة الفتك بهاني، فأحضره لديه بحُجَّة مُداولة الرأي معه في الشؤون الداخليَّة، غير إنَّ هانياً بعدما حضر لديه، غَدر به ابن زياد، وشَتم عرضه، وهَشم أنفه، وقطع رأسه.

وكان لهذه الحادثة دويٌّ في الرؤوس وفي النفوس، واستولت بذلك دهشة على الجمهور، أدّت إلى تفرُّق الناس مِن حول مسلم، فأمسى وحيداً، حائراً بنفسه ومَبيته، وأشرف في طريقه على امرأة صالحة في كِِندة(1) جالسة على باب دارها، فاستسقاها ماءً، فجائته به وشرب، ثمَّ وقف يُطيل النظر الى مَبدء الشارع تارةً، وإلى مَنفذه أُخرى، كأنَّه يتوقَّع مَن يتطلَّبه، فتوسَّمت المرأة فيه غُربته وسألته.

فقال:(نَعَم، أنا مسلم بن عقيل، خذلني هؤلاء) .

فاستعظمت طوعة ذلك، ودعته إلى بيتها؛ لتُخفيه حتَّى الصباح، وفرشت له في بيتٍ، وعرضت عليه العِشاء، فلم يتعشَ، ولم يَكُن بأسرع مِن أنْ جاء ابنها، وقد كان مع الغوغاء، فأوهمه تَردُّد أُمِّه إلى البيت، وقال لأُمِّه: والله لتُريبني كَثرة دخولك هذا البيت، ثمَّ ألحّ عليها، فأخذت عليه العهود؛ كي لا يُفشي سِرَّها وسِرَّ مَندوب الحسين

____________________

(1) تُسمَّى طوعة، وهي أُمّ ولد، حازت شرف التاريخ؛ إذ عرفت قيمة الفضيلة، بينما قومها ضيَّعوا هذا الشرف الخالد وغرَّتهم المطامع.


عليه‌السلام ، وأخبرته بالأمر بعد الأيمان.

ثمَّ إنَّ الغُلام غَدا عند الصباح إلى ابن الأشعث، وأفشى له سِرَّ مسلم ومَبيته، فأبلغ بذلك ابن زياد، فأرسل الجموع للقبض عليه.

بَلى، أنّ أبطالاً صادقين، كبني هاشم، لو تأخَّروا في ميدان السياسة والخُداع، فلهم قصب السَّبق في ميادين العلم، والدين، والجود، والشرف، ومُقارعة الكتائب.

وكان نَدب بني هاشم، يتلو القرآن دُبُر صلاته، إذ سمع وقع حوافر الخيل، وهَمهمة الفُرسان، فأوحت إليه نفسه بدنوِّ الأجل، فبرز ليث بني عقيل مِن عَرينه مُستقبلاً باب الدار والعسكر، وعليهم محمد بن الأشعث، وانتهى أمر المـُتقابلين إلى النِّزال، ونزيل الكوفة راجل وهم فُرسان، لكنَّ فَحل بني عقيل شَدَّ عليهم شَدّ الضُّرغام على الأنعام، وهم يولّونه الأدبار، ويستنجدون بالحاميات، وقذائف النار تُرمى عليه مِن السطوح.

إضطرَّ ابن الأشعث إلى وعده مُسلماً بالأمان، إذا ألقى سلاحه فقال:(لا أمان لكم!) .

وبعد ما كرّروا عليه رأي التسليم فريضة مُحافضة للنفس، وحِقناً للدماء، فسلَّم إليهم نفسه وسلاحه، ثمَّ استولوا عليه، فعَرِف أنَّه مَخدوع، فنَدِم ولاتَ حينَ مَندم.

ولمـَّا أدخلوه على ابن زياد، لم يُسلِّم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي:(ألاْ تُسلِّم على الأمير؟) .

فقال:(إنْ كان يُريد قتلي، فما سلامي عليه؟) .


فقال له ابن زياد:(لَعمري لتُقتلَنَّ) .

قال:(فدعني أوصي بعض قومي).

قال:(افعل) .

فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله، وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقَّاص، فقال:(يا عمر، إنَّ بيني وبينك قَرابة، ولي إليك حاجة، وهي سِرٌّ) .

فامتنع عمر أنْ يَسمع منه، فقال له عبيد الله:(لِمَ تمتنع أنْ تَنظر في حاجة ابن عمّك؟) .

فقام معه، فجلس حيثُ ينظر إليهما ابن زياد، فقال له مسلم:(إنّ عليَّ بالكوفة دَيناً، استدنته مُنذ قَدِمت الكوفة (سبع مائة دِرهَم)، فبع سيفي ودِرعي، فاقضها عنِّي، وإذا قُتلت فاستوهب جُثَّتي مِن ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين عليه‌السلام مَن يَردُّه؛ فإنِّي قد كتبت إليه وأعلمته أنَّ الناس معه، ولا أراه إلاِّ مُقبلاً، ومعه تسعون إنساناً بين رجُل وامرأة وطفل) .

فقال عمر لابن زياد:(أتدري أيُّها الأمير ما قال لي؟) .

فقال له ابن زياد:( - على ما رواه في الفريد -اكِتم على ابن عَمّك) .

قال:(هو أعظم مِن ذلك، إنَّه ذكر كذا وكذا) .

فقال له ابن زياد:(لا يَخونك الأمين، ولكنْ قد ائتمن الخائن، أمّا ماله فهو له، ولسنا نَمنعك أنْ تَصنع به ما أحببت، وأمّا جُثَّته، فإنَّا لا نُبالي إذا قتلناه ما صُنع بها، وأمّا الحسين عليه‌السلام ، فإنْ هو لم يُردِنا لم نُردِه) .

ثمَّ قال لعمر بن سعد:(أمْا والله، إذ دَللت عليه لا يُقاتله أحد غيرك) .

ثمَّ أقبل ابن زياد على مسلم يَشتمه، ويَشتم الحسين وعليَّاً وعقيلاً، ومسلم لا يُكلِّمه، ثمَّ قال ابن زياد:(اصعدوا فوق القَصر، واضربوا عُنقه، ثمَّ اتّبعوه جسده) .


فصعدوا به، وهو يُكبِّر ويَستغفر الله، ويُصلِّي على رسوله، ويقول:

(اللَّهمَّ أحكم بيننا وبين قوم غرُّونا، وكذَّبونا، وخذلونا) .

فضُرِبت عُنقه، وأُتبع جسدُه، وكان هذا مَقتل مسلم يوم الأربعاء، لستعٍ مَضين مِن ذي الحِجَّة (يوم عرفة) سنة ستِّين مِن الهِجرة، وقد كان خروجه في الكوفة، يوم الثلاثاء ثامن ذي الحِجَّة (يوم التروية)، وهو اليوم الذي قُتل فيه هاني، ويوم خرج فيه الحسينعليه‌السلام مِن مَكَّة يَقصد الكوفة مُلبِّياً دعوتها.

أجلْ، قُتِل مسلم، وقُتل به أمل كلِّ مُسلمٍ، وأسقطوا بجسمه مِن أعلام القصر(وسقوط الجسم ليس بسقوط الاسم) .

هذا وعيون الناس ترى هانئاً في السوق، وابن عقيل، وما جُثَّة الرجليَن بذلك المـَنظر الفظيع، إلاّ آية انحراف الحِزب السُّفياني، عن سُنَن الدين ومَوعظة مُوقِظة للغافلين، وفي ذلك عِبرةٌ لمـَن يَعتبر، وفي كوفة الخُذلان، ما أكثر العِبر، وأقل المـُعتبِر؟


الإمام ونَعْيُ مُسلم

روى عبد الله بن سليمان، والمـُنذر بن المشمعل الأسديَّان، قالا: لمـَّا قضينا حَجَّنا، لم تَكُن لنا هِمَّة إلاَّ اللحاق بالحسينعليه‌السلام في الطريق؛ لننظُر ما يكون مِن أمره، فأقبلنا تَرقل بنا ناقتانا مُسرعَين، حتَّى لحقناه بزرود، فلمـَّا دَنونا منه، إذا نحن برجُلٍ مِن أهل الكوفة، قد عدل عن الطريق، حتَّى رأى الحسين، فوقف الحسينعليه‌السلام كأنَّه يُريده، ثمَّ تركه ومضى.

فقال أحدنا لصاحبه:(اذهب بنا إلى هذا لنسأله، فإنَّ عنده خبر الكوفة) ، فمضينا حتَّى انتهينا إليه.

فقلنا:(السلام عليك) .

فقال:(وعليكم السلام).

قلنا:(مَن الرجُل؟) .

قال:(أسديٌّ) .

قلنا له:(ونحن أسديَّان، فمَن أنت؟) .

قال:(أنا بكر بن فلان) .

وانتسب وانتسبنا، ثمَّ قلنا له:(أخبرنا عن الناس ورائك) .

قال:(نَعمْ، لم أخرج مِن الكوفة حتَّى قُتِل مسلم بن عقيل وهاني بن


عُروة، ورأيتهما يُجرَّان بأرجلهما في السوق) .

فأقبلنا حتَّى لحقِنا بالحسينعليه‌السلام ، فسايرناه، حتَّى نزل الثعلبيَّة مُمسياً، فجئناه حين نزل، فسلَّمنا عليه، فرَدَّ علينا السلام، فقلنا له:(رحمك الله، إنَّ عندنا خبر، إنْ شِئت حدّثناك عَلانية، وإنْ شِئت سِرَّاً) . فنظر إلينا، وإلى أصحابه، ثمَّ قال: (ما دون هؤلاء سِرٌّ).

فقلنا له:(أرأيت الراكب الذي استقبلته عشيَّة أمس؟) .

قال: (نَعمْ، وقد أردت مسألته).

فقلنا:(والله قد استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو أمرؤ مِنَّا، ذو رأي، وصِدق، وعَقل، وإنَّه حدَّثنا إنَّه لم يخرج مِن الكوفة، حتَّى قُتِل مسلمٌ وهاني، ورآهما يُجرَّان في السوق بأرجُلهما) .

فقال: (إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، رحمة الله عليهما)، يُردِّد ذلك مِراراً.

فقلنا له:(نَنشدك الله في نفسك، وأهل بيتك، إلاَّ انصرفت مِن مَكانك هذا؛ فإنَّه ليس لك بالكوفة ناصرٌ، ولا شيعة، بلْ نتخوَّف أنْ يكونوا عليك).

فنظر إلى بَني عقيل، فقال: (ما تَرون، فقد قُتِل مسلم؟).

فقالوا:(والله، لا نَرجع حتَّى نُصيب ثأرنا، أو نَذوق ما ذاق) .

فأقبل علينا الحسينعليه‌السلام ، وقال: (لا خيرَ في العَيش بعد هؤلاء).

فعلِمنا أنَّه قد عَزم رأيه على المسير.

سَمع الحسينعليه‌السلام حوالي (زرود) نَعي عَميد بيته، ولكنَّه لم يتحوَّل عن نيَّته، ولا غيَّر وضيَّعته مع صحبه وأهله، ولا أبدى مِن مَظاهر الحُزن، سِوى الاسترجاع، وأخفى كلَّ حُزنه في أعماق قلبه؛ لأنَّ العيون لدى الشدائد شاخصة إلى الزعيم، فإنْ بدا عليه لائحة حُزن، عمّ الغَمُّ أحبّائه، وتوهّم كلٌّ منهم ما شاء الله أنْ يتوهَّم، وارتبك


على الزعيم أمر نَظمه وحُكمه.

غير أنَّ حسيناً دخل خِبآءً، وطلب طفلة مسلم، وأجلسها في حِجرة يَمسح على رأسها بيده، يُسلِّي بها نفسه، ويُسلِّيها بذلك.

نعمْ، حسّ الجميع - وفي مُقدِّمتهم الحسينعليه‌السلام - بالانكسار النهائي، بعدما جرى على مسلم، وتبدُّل حالة الكوفة، وكانت هي المـَطمع الوحيد لصَحب الحسينعليه‌السلام ، والمـَلجأ الحصين لرحله وأهله، فإذا كانت آمال الحسينعليه‌السلام معقودة على الكوفة، وقد انقلبت هي عليه، وقتلت مُعتمده، فما معنى التوجُّه إليها؟، وأيُّ اعتمادٍ بقي عليها؟

لكنَّ ثَبات الحسينعليه‌السلام على سيرته ومَسراه، ضرب على هذه الأوهام، وصانها مِن التفرُّق، وشِبل عليٍّعليه‌السلام يرى في توجُّهه إلى الكوفة بعد كلِّ ذلك، إبلاغ الحُجَّة، والإعلام بأنَّه أجاب دعوتهم، ولبَّى صرختهم، وأنَّه لم ينحرف عن نُصرتهم، حتَّى بعد انحرافهم عن نُصرته، وقتلهم مبعوثه مع شيعته؛ فإنَّ الإمام يُعامل المِلَّة دون الأشخاص والشخصيَّات، وهو يأمل مع ذلك في مَسلكه التحاق الأنصار، وتلبية الأمصار، وانقلاب حالة الكوفة كَرَّة أُخرى.

ولمـَّا شاع نَعي مسلم في رَكب الحسينعليه‌السلام ، وانقلاب الكوفة ضِدَّه، بعد أنْ كانت المـَطمع الوحيد لتحقيق آمال أهله وصَحبه، صار كثير مِن ذوي الطمع، وذباب المـُجتمع يتفرَّقون عنه سِرّاً وجِهاراً، ليلاً ونهاراً، وسلَّموا وليَّ نِعمتهم حين الوثبة، وخذلوه عند النَّكبة، بعدما كانوا يُضيِّقون فسيح خوانه، حتَّى على إخوانه.

لا ضَيَرَ، فإنْ خَفَّ رحل الحسينعليه‌السلام مِن القَشِّ وذوي


الغِشّ، فقد ملأ فراغهم أبطال صِدق مِمَّن عَشِقوا الحسينعليه‌السلام ، لا خَوفاً مِن رجاله، ولا طَمعاً في ماله، بلْ وجدوا مَن اختار نفسه ونفيسه فداءً للإسلام، ففدَّوه بكلِّ ما أعزَّ وهان.


استعداد ابن زياد

بعدما تَمكَّن ابن زياد، مِن إبطال الحركة الحسينيَّة في داخليَّة الكوفة، واستأصل جذوره، وأباد بذوره، بالوعد والوعيد، والسجن والتبعيد، والفَتك والهَتك، والتخويف والتوظيف، واستعماله السيف والرغيف، ومزاج الضرب بالضرب، واطمأنّ مِن داخليَّة الكوفة، وكسب الأمنيَّة التامَّة، عَمد إلى الخارج، وتَمسَّك بالوسائل الفعّالة ضِدَّ الحسينعليه‌السلام ، حينما أُستخبر نزوله في ذات عِرق، ودخوله العِراق، وبابه القادسيَّة(الرحبة) ، فأرسل إليها جيشاً، عليه الحُصين بن نُمير، صاحب شرطة عبيد الله في الكوفة؛ ليقطع على القادمين مِن الحِجاز طريقهم؛ ويؤمِّن الضواحي والنواحي مِن الغارات والثورات؛ ويَحفظ خطوط المواصلات بين الكوفة والشام؛ فأمر أنْ تؤخَذ الطرق بينها وبين واقصة إلى البصرة، فلا يدعون أحداً يَلِج، ولا أحداً يخرُج، ومَدَّ نِطاق جيشه إلى جذعان(خفَّان) مِن جِهة، وإلى(القَطقطانيَّة) مِن الأُخرى؛ فأحتلها حُصين بجيشه، وحصّنها، ثمَّ أرسل إلى العيون والآبار، التي على طول طريق الحِجاز، مَفارز مِن عسكره؛ إذ القوافل


مَهْما حادت في مسيرها عن الطُّرق المعروفة، فهي مُضطرَّة إلى النزول على الآبار والعيون، سَقياً للراحلة، أو ترويحاً للسابلة، وكان مِمَّن أرسله إلى حراسة البَرّ، الحُرّ بن يزيد الرياحي، ومعه ألف فارس.


الرياحي يَمنع الحسين عليه‌السلام

النياق في بادية الحِجاز نقليَّته الوحيدة، والإبل تطيق الظمأ أيّام، وتقنع بالقوت الزهيد، مع تحمُّلها ما لا يُطاق مِن الأثقال والمـَشاقِّ، ولكنَّها في ثالث يوم مِن ظمئها تُشرِف على العَطب، سيَّما في الحَرِّ، فلابُدَّ مِن تنشيطها بالنغمات الخاصَّة(الحَدْي) ، أو التزوُّد مِن الماء، ومياه الآبار والعيون نزرة وقليلة، في مَفاوز الحِجاز، وبَرِّ الشام؛ فتبعُد الواحدة عن الأُخرى مرحلة، أو مراحل على خطوط الطُّرق المألوفة، أمَّا مَن حاد عنها، فقد لا يَجد الماء مَهْما هام بوجهه في المـَهامة والقِفار، فلا مَنهل يُرويه، ولا مأهل يؤويه.

وقد تلقّى ركب الحسينعليه‌السلام ، بعد وصوله إلى(شَراف) ، أمرهم بالتزوُّد مِن مائها فوق قَدَر الحاجة بكثير، ولم يعرفوا سِرّ ذلك، حتَّى إذا بلغوا(ذا حُسم) كبَّر رجُل مِن أصحابه تكبيرة الإعجاب، وزعم أنَّه رأى نخيل الكوفة، وبعد أنْ أجمعوا على استبعاد رأيه وتحقَّقوا، علموا أنَّها رؤوس رماح، وطالعة كِفاح؛ فتحيَّز الحسينعليه‌السلام رحله إلى هضاب(ذا حُسم)، وأخذ التحوّطات الحربيَّة؛ ليلوذ رحله


بالهضاب؛ فيُدافع الرمات مِن فوقها؛ تأميناً لخُطَّة الدفاع عن النواميس بكلِّ معانيها.

وما لبِثوا حتَّى أسفرت الآثار عن الحُرِّ بن يزيد الرياحي، ومعه ألف فارس، أرسلته القيادة العامَّة الأُمويَّة لحراسة البَرّ؛ ولكي يَقطع على الحسينعليه‌السلام طريقه أينما صادفوه، ثمَّ لا يُفارقونه إلى أنْ يأتوا به إلى أقرب مركز للحكومة، حتَّى إذا اطمأنّوا مِن مُسالمته ومُبايعته، أدخلوه على ابن زياد.

أمّا الحُرّ وأصحابه، فقبل أنْ يُظهِروا مُهمَّتهم، أظهروا بلسان الحال والمـَقال عطشهم المـُفرِط، وأنَّهم مِن طول جولاتهم في البَرِّ وفي الحَرِّ؛ حيث لا ماء ولا مأوى، قد أشرفوا على العطب، فأمر حسينُ الفضيلةعليه‌السلام فِتيانه وغُلمانه، بسقاية الأعداء، وإرواء خيلهم.

فعرف عندئذٍ صَحب الحسينعليه‌السلام سِرّ استعداده بالماء ليوم سَماح أو كفاح، ولمـَّا استعبد الحسينُ الحُرَّ بالبِرّ(وبالبِرِّ يُستعبَد الحُرُّ) ، سأله عن غايته، فأجاب على استحياء، بأنَّه مرسول إليه؛ ليوفده على ابن زياد، ولمـَّا قال له الحسينعليه‌السلام : (قُمْ إلى أصحابك فصَلِّ بهم، ونحن نُصلِّي مع أصحابنا)، أجابه الحُرُّ:(بلْ تَقدَّم إلى الصلاة، يا بن رسول الله، ونحن نُصلِّي بصلاتك) ، كأنّه يُذكِّر الحاضرين أنَّ الحسينعليه‌السلام إمام حَقٍّ، وابن إمام، وأنَّ صلاة غيره بصلاته تَصحُّ، وبصلاته تُقام.

ثمّ إنَّ الحسينعليه‌السلام لم يَسعه -بعد أنْ رأى مَنْ كتبوا إليه كتائب عليه - إلاَّ الذِّكرى والاحتجاج، فقال:

(يا أهل الكوفة، إنَّكم كتبتم إليَّ، ودعوتموني إلى العراق؛ لإنقاذكم مِن


سُلطة الجَور والفجور؛ فجئتكم مُلبِّياً دعوتكم، فإنْ كُنتم قد تغيّرتم عَمَّا كنتم عليه، فاتركوني أرجع مِن حيث أتيت).

قال هذا، وأخرج لهم الكُتب اعتماداً على شَهامة الحُرِّ، وصُدور الأحرار قبور الأسرار؛ ولإتمام الحُجَّة على الناظرين مِن أصحابه، فاعتذر الحُرُّ بأنَّه ليس مِمَّن كتب إليه.

ولا نَنسى أنَّ الحُرَّ قد هاجت عليه، في ذلك الموقف الرهيب، أفكار مُتضاربة، لم تُطاوعه الحالة الحاضرة أنْ يختار منها، سِوى طريقة مُتوسِّطة عرضها على الإمام، وهي(أنْ يَسلُك مِن فِجاج البَرّ سَبيلاً وسطاً، لا يؤدِّي به إلى الشام، ولا يُدخله الكوفة؛ حتَّى يكون بذلك نَجات الطرفين)، واستحسنه الحسينعليه‌السلام ؛ لأنَّه يُريد الاتِّقاء مِن شَرِّ الأشرار، دون أنْ يَبلغ أحداً بسوء؛ وظَنّ الحُرّ لنفسه في ذلك مَناصاً، مِن مظلمة إيذاء العِترة النبويَّة، ومُقنِعاً لأُمراء أُميَّة؛ إذ دفع عن عِراقهم نَهضة الحسينعليه‌السلام ، وأراحهم عنه، بدون سَفك مُهج، ولا خوض لُجَج؛ فكتب بعد نزوله(أقساس مالك) كتاباً إلى ابن زياد يتضمَّن الرأي والرواية.


الكوفة تُقاد إلى الحرب

خضعت الكوفة لدَهاء ابن زياد بعد مَقتل مسلم، وانقادت إليه أحياؤها ورؤساؤها، وذُلّلِت صِعابها تَذليلاً، لكنَّه لم يَزل قَلِق البال، غير مُستريح الخَيال؛ لعلمه بمبلغ تأثير الدعوة الحسينيَّة في المـَجامع والمـَسامع، وما له في العِراق من سابقة ولاء وأولياء، وكان ابن زياد مُحنَّكاً، قد درس هو وأبوه حالة العراق الروحيَّة، وسرعة انقلاب هوائه وأهوائه، وأنَّ لأبنائه نائمة وقائمة، كمْ اغترَّت بهما أولياء الأُمور والسياسة! فجائز أنْ يأتيها الحسينعليه‌السلام بجنود لا قِبَل له بها، أو يتَمرْكز بالقادسيَّة؛ فتلتفّ حوله قبائل بادية الشام، وعشائر الفرات، مِمَّا بين الكوفة والبصرة، أو يَحدث مِن اقترابه دويٌّ ينعكس صَداه في داخل الكوفة؛ فيَستفِّز الحِسِّيَّات والنفسيَّات؛ فيثورون عليه؛ ويستخرجون مِن سجونه وجوه الشيعة، ورؤوس القبائل، فلا يُمسي ابن زياد إلاّ قتيلاً، أو أسيراً، وعلى أيٍّ، يتهدّم كلُّ ما بناه، ولا يعود عليه التسامح إلاّ بالخُسران؛ وعليه اندفع ابن زياد بجميع قِواه إلى تأمين الخارج، بعد تعزيز الأمن في الداخل، وتحشيده الكوفيِّين؛ لمـُحاربة


الحسينعليه‌السلام ، فبادر إلى احتلال القادسيَّة، قبل أنْ يَسبقه إليها الحسينعليه‌السلام ، والنقاط المـُهمَّة في الحدود على خطوط سابلة الحِجاز، وما لبث أنْ ورد عليه كتاب الحُرِّ الرياحي، وأتته البشائر تَترى، على أنّ الحسينعليه‌السلام ورَدَ وأُبعِد عن حدود الكوفة، إلى جِهة الشمال الغربي مسافة قاصية، هو ونفر قليل مِن خاصَّته، بحيث لا يعود مِن المـُمكن أنْ يُهيمن على ضواحي الكوفة، فَضلاً عَمَّا بينها وبين البصرة، وأنَّ جيش الحُرّ الرياحي، أصبح يُراقبه في المسير، وهو كافٍ لصَدِّه أو رَدِّه.

بات ابن زياد ليلته هادئ البال، مُستقرَّ الخيال، وكتب بذلك كلِّه إلى يزيد؛ لتأمين خواطر الهيئة المركزيَّة، والمـُبادرة بتسجيل خدماته عند سلطانه، وكأنّي به قد نبَّه على مَيلان الحُرّ، وصلاته بجيشه مع الحسينعليه‌السلام ، وأنّ ابن رسول الله جذَّاب النفوس بهديه، ومُستملِك القلوب بحديثه، فلا يَبعُد أنْ يُعلِن الحُرّ في صحبته ولاءه وانضمامه إليه، ويَسري نبأ تمرُّده في أمثاله مِن أركان القيادة العسكريَّة، ويتَّسع الخَرق على الراقع، أو يتَمرْكز الحسينعليه‌السلام في الأنبار؛ فيحصر على ابن زياد المِيرة والذخيرة، ولا يسع ابن زياد أنْ يُحاصره؛ بسبب وضعيَّة النهر وموالاة عشائر البَرِّ، وقربه مِن مدائن كِسرى، وأينما حَلَّ سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ناشراً دعوته الصالحة سواء العراق وإيران؛ فإنَّها تُصادف انتشاراً، ولا تُعدَم أنصاراً، فوثب ابن زياد يبثُّ المواعيد ثانية، ويوزِّع الأموال بين العشائر والأكابر؛ ليؤلِّف منها أجناداً وقوَّاداً.


وِلاية ابن سعد وقيادته

كان التخوّف مِن تسرُّب الدعوة الحسينيَّة، إلى ما وراء الفرات وحدود العَجم، لا يقتصر عن التخوُّف مِن قدومه الكوفة؛ لأنّ القِطريَن العراقي والفارسي، بينهما عَلائق مُتواصلة، ومصالح مُتبادلة، حتَّى لقد كان إعزام عمر بن سعد، إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، مع ترشُّحه لولاية الري، بعض فصول هذه الرواية المـُحزِنة؛ فإنَّ ولاية إيران لا تكاد تَستقرُّ لابن سعد، والحسينعليه‌السلام مُتوجِّه إليها بدعوة نافعة، وحُجَّة بالغة، وعائلة مِن لُحمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين الحسينعليه‌السلام ، وبين الفرس مُصاهَرة في العائلة المالكة المـُنقرضة، وكلّ هذه عوامل قويَّة، لنفوذ الدعوة الحسينيَّة في بلاد كِسرى؛ فلم يَجِد والي العِراقين سبيلاً إلى إماتة هذا الشِعار، وإيقاف هذا التيَّار، خَيراً مِن ترشيح عمر بن سعد لولاية الري، وقد كان أبوه سعد بن أبي وقَّاص مِن قوَّاد جيشها الفاتح، فلهم مِن شهرته كلُّ الرعب، وله تمام الرغبة فيهم؛ إذ كانت ولاية الري مُمتازة المـَنافع، مُتنوِّعة المـَطامع، وظاهر أنَّ ولايتها يومئذ كانت ذات صلة قويّة، بإضعاف


الحركة الحسينيَّة؛ ليتسنَّى لواليها حُرّية الإدارة والإرادة، مِن مُزاحمٍ مِثل الحسينعليه‌السلام ؛ لذلك أقنع ابن زياد عمراً، بأخذ التدابير اللازمة لإخضاع حسين الشرفعليه‌السلام ، قبل التوجُّه إلى مُهمَّته الأصليَّة في إيران.

نعمْ، وجد ابن زياد عمراً أصلح الناس، لإخضاع الحسينعليه‌السلام سواء بغرض الإخضاع، أم الإقناع؛ إذ كان يومئذٍ أمسَّ الكوفييِّن رَحماً بالحسينعليه‌السلام ، وعليه مَسحة شرف مِن قريش، ونسبة إلى الحَرمين؛ فسرَّحه لمـُقابلة الإمام خِداعاً وإطماعاً(وأكثر مَصارع العقول تحت بروق المـَطامع) .

أمّا ابن سعد، فقد استمهل ابن زياد ليلته؛ ليُفكِّر مُستعظِماً إقدامه إلى مُقابلة الحسينعليه‌السلام ؛ لعلمه أنَّ الحسينعليه‌السلام داعية حَقٍّ، وأنَّه كأبيه عليعليه‌السلام أفضل مِن أنْ يُخدَع، وأعقل مِن أنْ يَنخدع، ولا يسع ابن سعد إذا قابله أنْ يُقاتله، بلْ يَقضي عليه واجبه الديني والرحمي أنْ يَنضمَّ إليه، ويُقاتل خصومه بين يديه، غير إنَّ له في مُلك الري قُرَّة عين، وبَهجة نفس، وراحة عائلة، وتأمين مُستقبَل مَديد؛ فبات ليلته قَلقاً أرقاً بين جاذب ودافع، يُجيل فكرته بين المـَضارِّ والمـَنافع، ويُردِّد أبياته المعروفة:

فو الله ما أدري وإنِّي لحائر

أُفكِّر في أمري على خَطرين

أأترك مُلك الرَّيِّ والرَّيُّ مُنيتي

أمْ أرجِع مأثومَاً بقتل حسين

إلى آخره.

وكأنَّ خاطره الأخير حدَّثه بأنَّه إنْ ظَهر على الحسين


عليه‌السلام فبها، وإلاَّ فحسين الفتوَّة، أكرم مِن أنْ يُعاقبه، أو يَنتقم!!

وبالجُملة: فلم يَشعر بنفسه، إلاَّ قائداً جيشاً كثيفاً، إلى حرب الحسينعليه‌السلام في نَينوى؛ إذ بها يلتقي الخطَّ العراقيِّ الإيرانيِّ، بالخَطِّ العراقي الحِجازي، وهي المرحلة المـُشرفة على نقطة الأنبار، فبلغه نزول الحسينعليه‌السلام بكربلاء، قبله بيوم واحد، مع قائد المـَفرزة الحُرِّ الرياحي.


منزل الحسين عليه‌السلام بكربلاء

إنَّ عوامل اليأس، التي تبعت نَعي مسلم، وسوء صَنيع الكوفة به، لم تؤثِّر في عزيمة الحسينعليه‌السلام ، ولا ما بلغه مِن فاحش فعلهم برسوليه عبد الله بن يقطر، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي، ولا ما رآه في مُلتقاه بجيش الحُرّ؛ لأنَّ داعي الحَقِّ لا يَقنط مِن روح الله؛ ولكنَّما جيش الكوفة، هو الذي صَدَّه وصرف بوجهه عنها، وعن كلِّ آماله فيها، فسلك ركبَه وموكبه سَبيلاً وَسطاً لا يدرون الغاية، ولا يعرفون النهاية، والحُرّ يُساير الإمام؛ كي يُخرجه عن حدود أميره؛ حتَّى يَعود إليه ببشارة تؤمِّن باله، وتُطمِّن خَياله.

ويُخيَّل للناظر في الحركة الحسينيَّة، أنَّ في خُلد الإمام أنْ يَعبر الفرات إلى الأنبار، أو المدائن عسى أنْ يَجد لدعوته أنصاراً وشيعة وبيئة وَسيعة، فبينا هم والحُرّ في تَيامُن وتَياسُر، إذ لحقهم راكب مُتنكِّب قوسه، فسلَّم على الحرّ وأصحابه، ودفع إليه كتاب ابن زياد، فقرأه الحُرّ على الحسينعليه‌السلام ، وإذا فيه:

(أمَّا بعد، فجَعْجِع بالحسين حين يَبلغك كتابي هذا، ولا تتركه إلاَّ


بالعَراء في غير خضر، وعلى غير ماء...) إلى آخره.

فعرضوا عليه النزول، فسأل الحسينعليه‌السلام عن اسم الأرض، فقيل:(كربلاء) .

فقال: (نَعوذُ بالله مِن الكَرب والبلاء، هل لها اسم غير هذا؟).

فقيل له:(العَقر) .

فقال: (نَعوذُ بالله مِن العَقر ما شاء الله كائن).

ثمَّ قال للحُرِّ: (دعنا ننزل في هذه القرية- يعني نَينوى -، أو هذه- يعني الغاضريَّة -، أو هذه- يعني الشفثيَّة -) .

فقال الحُرّ:(هذا رجل قد بعث إليَّ عَيناً عليَّ) .

فقال زهير بن القين:(إنِّي والله، لا أرى أنْ يكون بعد الذي ترون، إلاّ أشدُّ مِمَّا ترون، وإنَّ قتال هؤلاء القوم الساعة، أهونْ علينا مِن قتال مَن يأتنيا مِن بعدهم، فلَعمري ليأتينا مِن بعدهم ما لا قِبَل لنا به) .

فقال الحسينعليه‌السلام : (ما كنتُ لأبدأهم بالقتال)، ثمَّ نزل وذلك يوم الخميس ثاني مُحرَّم.


جُغرافيَّة كربلاء القديمة

إنَّ لهذا البحث صِلة قويَّة، بوضوح مَقتل الحسينعليه‌السلام وحوادثه التاريخيَّة، واستيفاء هذا البحث يُكلِّف صاحبه؛ إذ لا يَجد المـَنابع الوافية بالتفاصيل الجغرافيَّة عن كربلاء القديمة، في أيَّام قتل الحسينعليه‌السلام ، وإنِّي أجتزي في أداء هذا الواجب بالمـُمكِن، فحسب ما أظنُّه:

أنَّ كربلاء اسم قديم، مأثور في حديث الحسين، وأبيه، وجَدِّهعليهم‌السلام ، ومُفسَّر بالكرب والبلاء، وإنَّ كربلاء مَنحوتة مِن كلمة (كوربابل) العربيَّة، بمعنى مجموعة قُرى بابليَّة، منها نينوى القريبة مِن أراضي سَدَّة الهنديَّة، ثمَّ الغاضريَّة، وتُسمَّى اليوم أراضي الحسينيَّة، ثمَّ كربله بتفخيم اللام بعدها هاء، وتَقرُب اليوم مِن مدينة كربلاء جَنوباً وشرقاً، ثمَّ كربلاء أو عَقر بابل، وهي قرية في الشمال الغربي مِن الغاضريَّات، وبأطلالها أثريَّات مُهمَّة.

ثمَّ النَواويس، وكانت مَقبرة عامَّة قبل الفتح الإسلامي، ثمَّ الحَير رواق بقعته المـُشرِّفة، أو إلى حدود الصَحن الشريف، وكان لهذا الحائر وهدة فَسيحة، محدودة بسِلسلة تِلال مَمدودة، وربوات تبدأ مِن


الشمال الشرقي(حيث مَنارة العبد) ، مُتَّصلة بموضع باب السِّدرة في الشمال، وهكذا إلى موضع الباب الزينبيَّة مِن جِهة الغرب، ثمَّ تنزل إلى موضع الباب القبليَّة في جِهة الجنوب، وكانت هذه التِّلال المـُتقاربة تُشكِّل للناظرين نصف دائرة، على شاكلة نون مدخلها الجَبهة الشرقيَّة، حيث يتوجَّه منها الزائر إلى مَثوى سيِّدنا العبّاس بن عليعليهما‌السلام ، ويَجد المـُنقِّبون حتَّى يومنا، في أثافي البيوت المـُحدِّقة بقبر الحسينعليه‌السلام ، آثارَ ارتفاعها القديم في أراضي جِهات الشمال والغرب، ولا يجدون في الجِهة الشرقيَّة سِوى تربة رخوة واطئة الأمر، الذي يُرشد العرفاء إلى أنَّ وضعيَّة هذه البقعة، كانت مُنذ عصرها القديم واطئة مِن جِهة الشرق، ورابية مِن جِهتَي الشمال والغَرب على شَكل هلالي، وفي هذه الدائرة الهلاليَّة حوصر ابن الزهراءعليه‌السلام ، في حربه حين قُتِل كما سيأتي.

وأمَّا نهر الفرات، فكأنَّه عموده الكبير يَنحدر من أعاليه، يَسقي القُرى إلى ضواحي الكوفة، وكذلك يَنشقُّ مِن عمود النهر، الشَّط مِن لدُن الرضوانيَّة نهر كفرع منه، يَسيل على بطاح ووهاد شمال شرقيِّ كربلاء، حتَّى ينتهي إلى قُرب مَثوى سيِّدنا العباس (رضوان الله عليه)، ثمَّ إلى نواحي الهنديَّة، ثمَّ يَنحدر فيقترن بعَمود الفرات في شمال غربيّ قرية ذي الكِفل(الكوثي القديمة) ، ويُسمّى حتَّى اليوم(العَلقمي) ، وكان هذا الفرات الصغير مِن صدره إلى مَصبِّه يُسمَّى(العلقمي) .

والطفُّ إسم عامٌّ لأراضي تَنحسر عنها مياه النهر، وسُمّيت حوالي نهر العَلقمي البارزة مِن شواطئه،(طفَّاً) لذلك، وسُمّيت حادثة الحسينعليه‌السلام فيه بواقعة الطفِّ.


الإمام مَصدود مَحصور

حَلَّ حرم الحسينعليه‌السلام حدود كربلاء، في ثاني مُحرَّم، سنة 61 هِجريَّة، وأُنزل في بِقعة منها جَرداء، بعيدة عن الماء والكلاء، وصار مُعسكره زاوية مُثلث، يُقابله جيش الحُرِّ في الغاضريَّات، وجيش ابن سعد في نَينوى، وكان الحُرُّ يرى مُهمَّته المـُراقبة على مسير الحسينعليه‌السلام فقط، غير مُهتمٍّ في إخضاعه، ولا في إقناعه، ولا في إرجاعه، حتَّى وافاه ابن سعد مُهتمَّاً في إقناعه وإخضاعه؛ فصار هو والحسينعليه‌السلام يتبادلان الرأي والرُّسل، ابتغاء الوصول إلى حَلٍّ مُرْضٍ؛ وكلَّف ابن سعد مِن بين حاشيته رجالاً لمواجهة الإمام، فأبوا مُعتذرين أنَّهم مِمَّن كتبوا إليه يدعونه، فعمَّ يتساءلون؟

فأرسل ابن سعد، إلى ابن الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم)، رسوله الحَنظلي، فجاء إلى الإمام، وسأله عن لسان أميره عن موقفه ومسيره، فأجابه الحسينعليه‌السلام : (قد كتبَ إليَّ أهل مِصركم يدعونني إليهم، أمَّا إذا كَرِهتم ذلك، فأنْا أنصرف عنكم).

قال حبيب بن مُظاهر للرسول، وهو مِن أخواله:(ويحَك يا قُرَّة،


أينَ ترجع؟ إلى القوم الظالمين؟ أُنصُر هذا الرجُل، الذي بآبائه أيَّدك الله بالكرامة) .

فقال له الحنظلي:(أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي) ، ثمَّ أنصرف إلى عمر بن سعد، وأخبره الخبر.

فقال عمر:(أرجو أنْ يُعافيني الله مِن حربه وقتاله) ، ثمَّ كتب إلى ابن زياد ما جرى بينه وبين الحسينعليه‌السلام ، وأنَّ الإمام مُستعدٌّ للانصراف عن العراق، وعن كلِّ أمل فيه.

قال حسان العَبسي: كنت عند ابن زياد، حينما جاءه هذا الكتاب، وقرأه، فقال:

الآن إذ عَلقت مَخالبُنا به = يرجو النجاة ولاتَ حينَ مَناص

ثمَّ اجتمع الحسينعليه‌السلام بعمر بن سعد، تَحرِّياً منه للسِّلم، واحتراماً للدماء، فتناجيا طويلاً، فكتب هذا إلى ابن زياد:

(أمَّا بعد، فإنَّ الله قد أطفئ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمره الأُمَّة، هذا حسين قد أعطاني عهداً أنْ يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو يسير إلى ثَغرٍ مِن الثغور؛ فيكون رجُلاً مِن المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم... ) إلى آخره.

ولمـَّا تلاه ابن زياد، قال:(هذا كتاب ناصحٍ مُشفقٍ على قومه) (يعني على قريش).

فقام إليه شِمر بن ذي الجوشن قائلاً:(أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك، والله لَئن رحل مِن بلادك، ولم يَضع يده في يدك؛ ليكونَنَّ أولى بالقوَّة؛ ولتكونَنَّ أولى بالضُّعف والعَجز، فلا تُعطه هذه المنزلة؛ فإنَّها مِن الوَهن، ولكنْ ليَنزل على حُكمِك هو وأصحابه، فإنْ عاقبت، فأنت


أولى بالعقوبة، وإنْ عَفوت كان ذلك لك) .

فلمـَّا رأى ابن زياد، في شِمر غلوَّاً في عداء الحسينعليه‌السلام وشَوقاً إلى حربه، قال له:(نِعمَ ما رأيت، والرأي رأيك، أُخرج بكتابي إلى ابن سعد، فإنْ أطاعني فأطِعه، وإلاَّ فأنت أمير الجيش، واضرب عُنقه)، وكتب إلى عمر كتاباً يقول فيه:(إنِّي لم أبعثك إلى الحسين شَفيعاً، ولا لتُمنِّيه السلامة، ولا لتَعتذر عنه، فإنْ نزل هو وأصحابه على حُكمي؛ فابعث بهم إليَّ، وإلاَّ فازحف عليهم واقتلهم، ومَثِّل بهم؛ فإنَّهم بذلك مُستحقِّون، وإنْ قَتلت حسيناً، فأوطئ الخيل صَدره وظهره؛ فإنَّه عاقٌّ ظَلوم، ولستُ أرى أنَّ هذا يَضرُّ بعد الموت شيئاً، ولكنْ على قول قد قتلتَه...) إلى آخره.

جاء شِمر بكتابه إلى ابن سعد(والرجُل السوء يأتي بالخبر السوء) ، فلمـَّا قرأ ابن سعد كتاب أميره، وتلقَّى أسوأ التعاليم مِن نَذيره، تَغيَّر وجهه، وقال:(لعنك الله يا شمر، لقد أفسدتَ علينا أمراً كُنَّا نرجو إصلاحه) .

لكنَّما ابن سعد، بعدما حَسِب شِمراً رَقيباً عليه، ومُهدِّداً له تَجاهر، إذ ذاك بلزوم إخضاع حسين العُلا، فتبدَّلت منه لهَجته، وفِكرته، وهَيئته؛ فانتقل بجنوده إلى مَقرُبةٍ مِن الحسينعليه‌السلام ، وثلَّث جِباه الحرب، فصار هو في القلب بين الحِير والنهر؛ لصدّ الحسينعليه‌السلام مِن عبور النهر، ومِن الورود منه، فإذا وجد الحسينعليه‌السلام سُبل سَيره مَقطوعة، ومَشارع وروده مَمنوعة، اضطرَّ إلى النِّزال معهم، أو النزول على حُكمهم، وهم واثقون مِن الغَلبة عليه في الحالين معاً.


ولمـَّا رأى الإمام ذلك، علم أنَّه مقتولٌ لا مَحالة؛ إذ هو نازل بالعَراء في منطقة جَرداء، لا ماء فيها ولا كلاء، فإنْ انتظر قدوم الأنصار؛ هَلكتْ صِبيتهم وماشيتهم مِن الجَوع والعَطش، وإنْ خَضع للقوم وبايع أُميَّة؛ فقد باع الأُمَّة والشريعة، بعدما انعقدت فيه الآمال، وإنْ بدأ بحربهم خالف خُطَّته الدفاعيَّة، حينَ لا مأمل في الانتصار عليهم في ظاهر الحال، والحُرَّ إنْ لم يستطع أنْ يَعيش عزيزاً، فأحرى به أنْ يموت كريماً.


الحسين مُستميت ومُستميتٌ مَن معه

في مَكارم الأخلاق تتلألأ خِلَّة التضحية، تلألأ القمر البازِغ بين النجوم الزواهر، فإذا شوهد في امرءٍ شعور التضحية، اكتفى الناس بها عن أيِّ مَكرُمة فيه، أو أيَّة مأثرة له.

ولا عَجب، فإنَّ الصِّدق إذا عُدَّ أصل الفضائل، فإنَّ شعور التضحية هو مِن أجلّ مظاهر الصدق، والمـُستميت يُميت مع نفسه كلَّ شُبهة وشائبة: مِن سُمعة، أو رياء، أو مَكر، أو دهاء.

إذنْ، فشعور شريف كهذا يَنجم في تربة الصدق، ويُسقى بماء الإخلاص، لابُدَّ وأنْ يُثمر لأهل الحَقِّ بالخير الخالد، وإذا كان الموت ضربةَ لازبٍ لا مَهرب منه، ولا مَحيد عنه، فلنشتر بهذا العمر القصير نَفعاً عامَّاً، وخيراً خالداً، هي هي، والله الصفة الرابحة، وتجارة لنْ تَبور.

فخير الموت، الفداء، وأفضل الأضاحي مَن أمات هيكله البائد؛ لإحياء نفعٍ خالد، وكذلك الشهداء في سبيل إصلاح الأُمَّة، أو تحريرها مِن أسر الظالمين.


وسيد هؤلاء الشهداء، الحسين بن عليعليه‌السلام الذي أحيى(هو والذين معه) مَجد هاشم، ودين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعارف القرآن، وشعائر الإسلام، وأخلاق العرب في وثباتهم ضِدَّ سلطة الجَور والفجور، فلم تختلف لهجته، ولا تخلَّفت سيرته، ولا وهنت عزيمته، ولا ضعُفت حركته، ولا ضيَّع مصالح أعوانه لترضية عدوانه.

ونفس قويَّة وأبيَّة مِثل هذه، أضحت كالمـُغناطيس جذّابة، إليها أمثاله، ومَن على شاكلتها في الإخلاص والتضحية (وشبه الشيء مَجذوب إليه).

فالتفَّ حول حسين المـَجد، مِن صَحبه وآله، مَن يَجرون على مِنواله، بتضحية النفس والنفيس في سبيل الدين، وصالح الأُمَّة؛ حتَّى أنَّه يوم أحس بالصَّدِّ والحصار بكربلاء، وأنَّه مقتول لا مَحالة، عَزَّ عليه أنْ يُقتل بسببه غيره، فأذِنَ لأهله وصحبه بالتفرُّق عنه - حيث إنَّ القوم لا يُريدون غيره -؛ ليدرأ عنهم الموت بحِلِّ بيعته عن ذِممهم، فخطب فيهم قائلاً:

(أُثني على الله أحسن الثناء، وأحَمده على السرَّاء والضرَّاء، اللّهم إنِّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة، وعلَّمتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين، وجعلتَ لنا أسماعاً، وأبصاراً، وأفئدة، فاجعلنا مِن الشاكرين.

أمَّا بعد، فإنِّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً مِن أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ، ولا أوصل مِن أهل بيتي، فجزاكم الله عنِّي خيراً، ألاْ وإنِّي قد أذِنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حِلٍّ، ليس عليكم حرج مِنِّي ولا ذِمام، هذا الليل مِن بيعتي قد غَشيكم، فاتَّخذوه جَملاً...) إلى آخره.


فقال له أخوه، وأبناؤه، وبنو أخيه، وأبناء عبد الله بن جعفر:(لِمَ نَفعل ذلك؟ لنَبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً) .

فقال الحسينعليه‌السلام : (يا بَني عقيل، حَسبُكم مِن القَتلى بمسلم، فاذهبوا أنتم، فقد أذِنت لكم).

فقالوا:(سبحان الله، فما يقولون لنا؟ إنَّا تركنا شيخنا، وسيِّدنا، وبَني عمومتنا خير الأعمام، ولم نَرمِ معهم بسهمٍ، ولم نَطعن معهم برُمحٍ، ولم نَضرب معهم بسيف، ولا نَدري ما صَنعوا، لا والله لا نفعل، ولكنْ نَفديك أنفسنا وأموالنا، ونُقاتل معك حتَّى نَرِد موردك، فقبَّح الله العيش بعدك) .

وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال:(أنحن نُخلِّي عنك؟! وبما نَعتذر إلى الله في أداء حَقِّك؟ لا والله حتَّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضرِبهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي، ولو لم يَكُن معي سلاح أُقاتلهم به، لقذفتهم بالحِجارة، والله لا نُخليك حتَّى يَعلم الله أنَّا قد حَفظنا عَيبة رسوله فيك، أما والله لو قد علمت أنِّي أُقتل، ثمَّ أُحيى، ثمَّ أُحرَق، ثمَّ أُحيى، ثمَّ أذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مَرَّة، ما فارقتك، حتَّى ألقى حِمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنَّما هي قَتلة واحدة، ثمَّ هي الكرامة التي لا نَفاد لها أبداً!) .

وقام زهير بن القين، فقال:(والله، لوددت أنِّي قُتلت، ثمَّ نُشرت، ثمَّ قُتلت، حتَّى أُقتل هكذا ألف مَرَّة، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفِتيان مِن أهل بيتك) .

وتكلَّم جماعة مِن أصحابه بكلام يُشبِه بعضه بعضهاً في وجه واحد، فجزَّاهم الحسين خيراً.

وروي أنَّ رجُلاً جاء حتَّى دخل عسكر الحسينعليه‌السلام ، فجاء إلى رجُل مِن أصحابه، فقال له:(إنَّ خبر ابنك فُلان وافى أنَّ الديلم


أسروه، فتنصرِف مَعي؛ حتَّى نسعى في فِدائه) .

فقال:(حتَّى أصنع ماذا؟! عند الله أحتسبُه ونفسي!) .

فقال الحسينعليه‌السلام : (انصرف، وأنت في حِلٍّ مِن بيعتي، وأنا أُعطيك فِداء ابنك).

فقال:(هيهات أنْ أُفارقك، ثمَّ أسأل الركبان عن خَبرك، لا يَكُن والله هذا أبداً، ولا أُفارقك) .


رُسُل السلام ونَذير الحرب

قدم إلى كربلاء شِمر الخارجي شَرَّ مَقدم؛ إذ كان نَذير الحرب، وحاملاً مِن ابن زياد إلى ابن سعد أسوأ التعاليم القاسية، وحَسِبه ابن سعد رَقيباً عليه، ومُهدِّداً له، فانقلبت فِكرته - إذ ذاك - رأساً على عَقب؛ لكي يدرأ عن نفسه تُهمة الموالاة للحسينعليه‌السلام ، طَمعاً بإمرة الريِّ؛ فنقل مُعسكره إلى مَقربة مِن الحسينعليه‌السلام على ضِفاف العَلقمي، وأوصد عليه باب الورود منه بمُصراعية، عهد بحراسة المـَشرعة إلى عمرو بن الحَجَّاج، كما فعله معاوية بجيش أمير المؤمنينعليه‌السلام في صِفِّين، وأخذ يتظاهر على الحسينعليه‌السلام ؛ تَقرُّباً إلى ابن زياد، ويتشبَّه بغُلاة الخوارج؛ إرضاءً لمـَن معه منهم، ولم يَقنع بكلِّ ما وقع، حتَّى زحف بخاصَّته على الحسينعليه‌السلام ، وتناول مِن دُريد سَهماً ووضعه في كَبِد قوسه، ورمى به إلى مُعسكر الحسينعليه‌السلام قائلاً:(اشهدوا لي عند الأمير، إنَّني أوَّل مَن رمى الحسين) .

ورأى المـُتزلِّفون هذه أسهل وسيلة، إلى نَيل القُربى مِن أولياء


السلطة؛ فتكاثرت السهام على مُعسكر الحسينعليه‌السلام .

فقال حسين المـَجد لأصحابه: (قوموا يا كِرام، فهذه رُسُل القوم إليكم)، يعني أنَّ الخصوم بدؤونا بالنضال والنزال، بدل النزول على حُكم الكتاب والسُّنَّة، ولا يَسعنا في هذه الحال سِوى استمهالهم إلى حين، حين تهدأ فورتهم، وإنْ أبوا إمهالنا، فلابُدَّ مِن الدفاع عن مُقدَّساتنا، والذَّبِّ عن النواميس والحُرمات، أُسوة بالكرام عند اليأس مِن السلام.


حَول مُعسكر الحسين عليه‌السلام

بعدما أيقن الحسينعليه‌السلام ، أنَّ أعداءه لا يَتناهون عن مُنكر في سبيل النَّكال والنِّكاية به، استعدَّ لدفاع الطوارئ عن أهله، ورحله وانتظار قتله، لكنَّما وجد مُعسكره في أجرد البِقاع عن مَزايا الدفاع، وكان مع العدوِّ رِجالة سوء مِن أسقاط الكوفة، تَبعوا شِمراً الضبابي؛ لطمعهم في الجوائز المـُشاعة، وجَشعهم على بقايا موائد الرؤساء، وشَوقاً إلى غَنيمةٍ باردةٍ، ولا سلاح لدى هؤلاء، سِوى الحِجارة والجَسارة؛ فكان يَخشى منهم على مُعسكر الحسينعليه‌السلام مِن كلِّ الوجوه، سيَّما وإنَّ هؤلاء الأذناب، لا يلتزمون بما تلتزم به رؤساء القبائل، مِن آداب العرب؛ فخرج الحسينعليه‌السلام مِن مُعسكره، يَتخيَّر مَوضعاً مُناسباً للدفاع.

وبعدما سَبَر غَور الوهّاد والأنجاد، أشرف على سِلسلةِ هِضاب، وروابي تُليق حسب مزاياها الطبيعيّة، أنْ تُتَّخذ للحرم والخِيَم، وهذه الروابي والتِّلال مُتدانية على شاكلة الهلال، وهو المـُسمَّى بـ(الحِير) أو(الحائر) ، لكنَّ هذا الحِصن، إنَّما يُفيد مَن استغنى عن الخروج لطلب ماء،


أو ذخيرة، أو عتاد، وأمَّا مَن لا يَجد القَدر الكافي منها، كالحسينعليه‌السلام ، فإنَّ تَحصُّن في مِثل الموضع، فكأنَّه يَبغي الانتحار، أو إلقاء أهله في التَّهلُكة؛ لأنَّ عدوَّه يَتمكَّن مِن حصاره مِن فُرجَة الجِهة الشرقيَّة بكميَّة قليلة، وإهلاك المـَحصور جوعاً وعَطشاً في زمن قصير.

لكنَّ الحسينعليه‌السلام ، رأى بجنب هذه وجنوبها رابيةً مُستطيلة، أصلح مِن أُختها للتحصين؛ لأنَّ المـُحتمي بفِنائها يَكتنفه مِن الشمال والغرب ربوات، تَقي مِن عاديات العدوِّ، برُماة قليلين مِن صَحب الحسينعليه‌السلام ، إذا اختبأوا في الروابي، وتَبقى مِن سَمتي الشرق والجنوب، جوانب واسعة تحميها أصحاب الحسينعليه‌السلام ورجاله، ومنها يخرجون إلى لقاء العَدوِّ، أو تَلقِّي الرُّكبان؛ فنقل إلى هذا الموضع حرمه ومعسكره، ويعرف الآن(بخيمكاه) ،(أي المخيم) ؛ فصارت مُحوَّطة الحِير خير فاصلة بينهم وبين مُعسكر الأعداء، وأمر أصحابه أنْ يُقرِّبوا البيوت بعضها مِن بعض، ويُدخلوا الأطناب بعضها مِن بعض، وأنْ يُضرِموا النار في قَصب وحطب، كانا مِن وراء الخِيم في خَندق حفروه مِن شِدَّة الاحتياط، وأوجد في مُخيَّمه مزايا الدفاع المـُمكِنة، وهو ينتظر الفرج كلَّما ضاق المـَخرج.


عُطاشى الحرب في الشريعة

لا يَبرح البشر، مِن احترام بعض الآداب في المـُحاربات، مَهْما كان المـُحاربون وحوشاً وكَفرة، كاجتنابهم قتل النساء والأبرياء، ومنع الماء والطعام عنهم، وأصبحت حكومات اليوم تُراعي هذه الأُصول بعَين الاحترام، وتُعَدُّ ارتكاب هذه المظالم مِن أقبح الجرائم، وقد نهى شرع الإسلام كبقيَّة الشرائع السماويَّة عن: حصار الأبرياء، والتعرُّض بالنساء، ومَنع الماء والطعام عنهم، أو عن المرضى والأسرى والأطفال؛ لأنّهم بُراءٌ مِمَّا قامت به رجالهم المـُحاربون، وقد مَنعت الشريعة والعاطفة أيضاً ذبح الحيوان عَطشاناً.

أمَّا الحزب السُّفياني، فقد ارتكب كلَّ هذه المـَظالم والجرائم؛ حَنقاً على حسين الفضيلة وآله.

ولا نَنسى ما حَدث يوم الدار، يوم ثار المـُهاجرون والأنصار؛ فحاصروا الخليفة عثمان بن عفَّان، وطالبوه أنْ يُسلِّم إليهم ابن عمِّه (مروان)، فاستغاث بعليٍّعليه‌السلام ، وشكا إليه العَطش -وعليٌّ يومئذٍ مُلتزم الحِياد التامَّ -؛ فأرسل إليه مع ذلك، وَلديه الحسن


والحسينعليهما‌السلام يَحملان له الماء، وهو مَحصور، ويَحاميان عنه وعن بيته الجمهور، وتَحمَّلا في سبيله الجروح والحرايج، غير إنَّ محمد بن أبي بكر (رضي الله عنه)، تَسوَّر هو ومَن معه مِن وراء البيت، وكان منهم ما كان.

أمَّا معاوية الدَّهاء، فقد شَيَّع الأمر في أهل الشام بالعكس، مِمَّا كان بغرض بعثهم إلى حرب أمير المؤمنين؛ فنشر بينهم أنَّ عثماناً قُتِل عَطشان، وأنَّ عليَّاً منع الماء عنه؛ لذلك سَبَق عليَّاً في صِفِّين إلى استملاك المـَشرعة، ومنع أهل العراق مِن ورودها.

أمَّا عليعليه‌السلام ، فأرسل مِن أبطال العراق مَن فتحوه، ثمَّ تركها مُباحةً للجانبين، فأبت نفسه الكريمة أنْ يُقاتلهم بالسوء، وقال: (كلاَّ، لستُ أمنع عنهم ماءً أحلَّه الله لهم).

فجدَّد ابن زياد هذه البِدعة، وأمر بمنع الماء عن الحسينعليه‌السلام ومَن معه، وروَّج أكذوبته؛ فكتب إلى ابن سعد:(حِلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا مِنه قَطرة، كما فُعِل بالتقيِّ الزكيِّ عثمان...) إلى آخره.

مع أنَّ الحسينعليه‌السلام ، هو الذي حمل الماء إلى عثمان يوم الدار، وعانى في سبيله المـَشاقَّ، وحاشا حسين الفضيلة، وعليَّ الفتوَّة أنْ يرتكِبا منع الماء على ذي نفس، ولو فرض الأمر كذلك، فهل تؤخَذ عشرات النساء ولفيفٌ مِن الصِّبيَة والأطفال والمرضى بذلك؟! فيُحرَمون مِن الماء المـُباح!! كلاّ!! فالإسلاميَّة بريئة، والإنسانيَّة ناقِمة مِن هذه المـَظلمة الفاحشة.

تُرِك ابن ساقي الكوثر، مَمنوعاً مِن الماء المـُباح ثلاثة أيَّام، هو


وصحبه وآله، وعشرات مِن نسوة وصِبيَة، يُعانون هم وخيلهم العَطش في شهر آب اللَّهاب بعراء، لا ماء فيه ولا كَلاء، والخيل تصهل طالبة الماء، والنسوة تَعجُّ لحاجتها إلى الماء، والصِبيَة تَضجُّ وتنتظر الماء، والرضيع يَصرخ؛ إذ جفَّت مَراضعه، والماء يَلمح جارياً بأعينهم، والمانعون ينتحلون الإسلام، وكلُّ هاتيك المـَظالم القاسية، مِن أجل أنَّ الحسينعليه‌السلام ، لم يَضع يده في أيدي الظالمين، يُبايعهم على مَحو كتاب الله، وسُنَّة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد كان لسان الحال مِن حسين العُلا يقول:(إنَّ في وِسعكم أيُّها الأعداء، تُضيِّقوا حدود مبدئي العالي، ومقصدي العامّ، وكذا في وسعكم أنْ تقضوا على حياتي، وعلى صَحبي وعلي صِبيَتي، ولكنْ ليس في وسعكم قَطّ، أنْ تقضوا على قَضيَّتي، ولا على دعوتي، ولا على فِكرتي ما دُمت حيَّاً، وما دام المسلمون أحياء) .


اهتمام الإمام بالمـَوعظة والنصيحة

سيرة الحسينعليه‌السلام ، سِلسلة أدلَّة على قوَّة حُسن ظَنِّه بالناس، وإنَّ نفسه كانت مُفعَمة بآمال الخير فيهم، ولا غَرو؛ فإنَّ قوَّة آمال الناهضين تُقاس بقوَّة اعتقادهم بحَقِّهم، والحسينعليه‌السلام كان رمز الإيمان، وآية الحَقِّ، ويرى حَقَّه كما يرى الشمس في رابعة النهار، فحَريٌّ بأنْ يكون على الدوام مُتفألاًّ وبشيراً، وهو يرى أكثر الناس، نحو ما يرى نفسه مُستعدِّين لعبادة الحَقِّ، إذا صادفوا الدليل، فكان الحسينعليه‌السلام يُعامل أعداءه مُعاملة مَن يَحترمون الحَقَّ، بينما هم غافلون عنه، فكان يبذل قُصارى الجُهد في تنوير أفكارهم بالاحتجاجات، وإقامة المـُظاهرات، ويستفرغ وسعه في إنذارهم وإخطارهم، بالرُسل والخُطب.

وجمهور خصومه كانوا مِن سَفلة البشر، وعَبدة الطاغوت، أولئك الذين لا يُقيمون للحَقِّ وزناً، ولا يرون لغير المال والقوَّة شأناً؛ وعليه قام حسين الإيمان، بمُظاهرة باهرة، بعد اليأس مِن سماح القوم له بالرجوع، فلَبس عِمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


ورداءه، وتقلَّد بسيف جَدِّه النبي، وركب ناقته أو فرسه المـَعروفة، وخرج إلى العدوِّ بهيئة جَدِّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزيِّه، وقد كان هو في مَلامحه شَبيه جَدِّه، وكانت هذه الهيئة وحدها، كافية لإظهار أولويَّته بخِلافة جَدِّه مِن طاغية الشام، لو كانوا يعقلون.

وعَرف شياطين القوم، أنّ هذه المـُظاهرة تعود على الحسينعليه‌السلام بفائدة، سيَّما لو وجد مجالاً للكلام، وذكَّر السامعين بآيات مِن وحي جَدِّه، فولولوا بلَغطٍ وضَجيج؛ ليُضيِّعوا على السامعين كلام الله، مِن فَم وليِّ الله، بهيئة نبيِّ الله، وهو ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، غير إنَّ حسين المـَجد، لم يُضيِّع فُرصته، فاستنصتهم فأبوا أنْ يُنصتوا له؛ لجُاجاً وعِناداً، فنادى فيهم: أيُّها الناس، اسمعوا قولي، ولا تَعجلوا، حتَّى أعِظكم بواحدة، وحتَّى أُعذر إليكم، فإنْ أعطيتموني النَّصف كُنتم بذلك سعداء، وإلاّ فاجمعوا رأيكم، ثمَّ لا يَكُن أمركم عليكم غُمَّة، ثمَّ اقضوا إليَّ ولا تُنظرون،( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) .

فلمـَّا ساد الصَّمت، وهدأ الضجيج خَطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ونعت النبي، فصلَّى عليه، فلم يَسمع أبلغ مَنطقاً منه.

ثمَّ قال: (أمَّا بعد، فانسبوني مَن أنا، ثمَّ راجعوا أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هلْ يَحلُّ لكم قتلي وانتهاك حُرمتي؟

ألستْ ابن بنت نبيِّكم، وابن وصيِّه، وابن عمِّه، وأوَّل المؤمنين المـُصدِّق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبما جاء مِن عند ربِّه؟

أوليس حمزة سيِّد الشهداء عَمِّى؟ أوليس جعفر الطيار في الجَنَّة بجَناحين عَمِّي؟


أولم يَبلغكم ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لي ولأخي: (هذان سيِّدا شباب أهل الجَنَّة)، فإنْ صدَّقتموني فيما أقول وهو الحَقُّ، والله، ما تعمَّدت الكذب مُنذ علمت أنَّ الله يَمقت أهله، وإنْ كذَّبتموني، فإنَّ فيكم مَن إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سَلوا جابر الأنصاري، وأبا سعيد الخِدري، وسهل الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنَّهم سمعوا هذه المـَقالة، مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أما في هذا حاجز لكم عن سَفك دمي؟) - إلى أنْ قال - (فإنْ كنتم في شَكٍّ مِن ذلك، أو تَشكُّون في أنِّي ابن بنت نبيِّكم، فو الله لا يوجد بين المشرق والمغرب، ابن بنت نَبيٍّ غيري، ويَحكم، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته؟).

ثمَّ نادى: (يا شَبث بن ربعي، ويا حجَّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ويا عمرو بن الحجَّاج، ألم تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار، واخضرَّت الجِنان، وإنَّما تُقدِم على جُند لك مُجنَّد).

لقد أسمعهم شِبل عليعليه‌السلام خِطاباً قويم اللَّهجة، قويَّ الحُجَّة، لو كان ثَمَّة مُنصِفٌ؛ لكنَّما القوم لم يُقابلوه إلاَّ بكلمة(إنَّا لا ندري ما تقول! انزل على حُكم بَني عَمِّك، وإلاِّ فلسنا تاركيك) .

كلمة مُرَّة طُليت بالقحة، وتُبطُّنِت بالعَجرفة والانحراف، نحو الزور والغُرور، فأجابهم حسين العُل ا: (لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد، يأبى الله ذلك لنا ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحُجور طابت وطَهُرت، فلا نؤثِر طاعة اللئام على مَصارع الكرام).

لكنَّما المـُظاهرة باحتجاجه، لم تَذهب سُدى وعَبثاً، فما مَدَّ الظلام رواقه، حتَّى انجذب إلى الحسينعليه‌السلام ، عديد مِن فرسان ابن سعد، مِن ذوي المروءة والفتوَّة، ثائبين تائبين عند المـُخيَّم الحسيني.


الحسين عليه‌السلام يَنعى نفسه لأخته

لزينب(1) شأن مُهمٌّ، ودور كبير النطاق في قضيَّة الحسينعليه‌السلام ، وفي نساء العرب نوادر أمثالها مِمَّن قُمْنَ في مُساعدة الرجال، وشاركْنَهم في تاريخهم المـَجيد، وقد صحُبت زينب أخاها في سفره الخطير، صُحبة مَن تَقصد أنْ تُشاطره في خدمة الدين، وترويج أمره؛ فكانت تُدير بيمناها ضيافة الرجال، وباليُسرى حوائج الأطفال، وذاك بنشاط لا يُوصَف، والمرأة قد تقوم بأعمال يَعجز عنها الرجُل، ولكنْ مادام منها القلب في ارتياح ونشاط.

وأمّا لو تَصدَّع قلبه، أو جرحت منها العواطف، فتراها زُجاجة أوراق، وكسرها لا يُجبر؛ ولذلك أوصى بهنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ قال: (رفقاً بالقَوارير)، فجَعلهنَّ كزجاج القوارير، تحتاج إلى لُطف المـُداراة.

فكانت ابنة عليعليه‌السلام قائمة بمُهمَّات رحل الحسين

____________________

(1) هي (أخت الحسينعليه‌السلام ، وزوجة ابن عَمِّها عبد الله بن جعفر الطيَّار).


عليه‌السلام وأهله، غير مُبالية بما هنالك مِن ضائقة عدوٍّ، أو حصار، أو عُطاش؛ إذ كانت تنظر في وجه الحسينعليه‌السلام تراه هشاً بشَّاً، فتزداد به أملاً.

وكلَّما ازداد الإنسان أملاً، ازداد نشاطاً وعملاً، وفي بَشاشة وجه الرئيس أثراً كبيراً، في قوَّة آمال الأتباع، ونشاط أعصابهم، غير إنَّ زينب باغتت أخاها الحسينعليه‌السلام في خبائه ليلة مَقتله؛ فوجدته يَصقل سيفاً له، ويقول:

يا دهرُ أُفٍّ لك مِن خَليل

كمْ لك بالإشراق والأصيل

مِن صاحبٍ وطالبٍ قتيلِ

والأمر في ذاك إلى الجَليل

إلى آخره.

والمـَعنى: يا دهرُ، كمْ لك مِن صاحب قَتيلٍ في مَمَرِّ الإشراق والأصيل، فأُفٍّ لك مِن خَليل.

ذُعِرت زينب، عند تَمثُّل أخيها بهذه الأبيات، وعَرفت أنَّ أخاها قد يَئس مِن الحياة، ومِن الصُّلح مع الأعداء، وأنَّه قَتيل لا مَحالة، وإذا قُتِل فمَن يكون لها؟ والعيال والصِبيَة في عَراء وغُربة، وألدُّ الأعداء مُحيط بهم، ومُتربِّص لهم الدوائر؛ لهذه ولتلك، صرخت أخت الحسينعليه‌السلام نادبة أخاها، وتمثَّل لديها ما يَجيء عليها، وعلى أهله ورحله بعد قتله، وقالت: (اليوم مات جَدِّي، وأبي، وأُمِّي، وأخي)؛ ثمَّ خَرَّت مَغشيَّاً عليها، إذ غابت عن نفسها، ولم تَعد تَملك اختيارها، فأخذ أخوها الحسينعليه‌السلام رأسها في حِجره يَرشُّ على وجهها مِن مَدامعه، حتَّى أفاقت وسَعد بصرها بنظرةٍ مِن شَقيقها، وأخذ يُسلِّيها(وبعض التسلية تورية) .


فقال: (يا أُختاه، إنَّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يَبقون، فلا يبقى إلاَّ وجهه، وقد مات جَدِّي وأبي وأُمِّي وأخي، وهم خيرٌ مِنِّي، فلا يَذهبنَّ بحِلمك الشيطان).

ولم يَزل بها، حتَّى أسكن بروحه روعها، ونشَّف بطْيب حديثه دمعها، ولكنْ في المـَقام سرٌّ مَكتوم.

فإنَّ زينب، تلك التي لم تَستطع أنْ تَسمع إشارة مِن نَعي أخيها وهو حَيٌّ، كيف تَجلَّدت في مَذبح أخيها وأهلها بمشهد منها، ورأت رأسه ورؤوسهم مرفوعة على القَنا، وتلعب بها صبيان كالأُكر، وينكت ابن زياد ويزيد بثنايا أخيها، بين المـَلأ بالقضيب، إلى غير ذلك مِن مَصائب، لا تُطيق رؤيتها الأجانب، فَضلاً عن أمسِّ الأقارب.

فليتَ شِعري، ما الذي حَوَّل ذلك القلب الرقيق، إلى قَلبٍ أصلد وأصلب مٍن الصخر الأصمِّ؟ نعمْ، كانت شَقيقة الحسينعليه‌السلام أُخته بتمام معاني الكلمة، فلا غَرو إنْ شاطرت سيَّدة الطفِّ زينب، أخاها الحسينعليه‌السلام في الكوارث وآلام الحوادث، فقد شاطرته في شرف الأبوين، ومواريث الوالدين خَلقاً وخُلقاً ومَنطقاً.

وعليه، فإنَّها على رِقَّة عواطفها، وسرعة تأثُّرها، تَمكَّنت مِن تبديل حالتها، والاستيلاء على نفسها بنفسها مِن حين، ما أوحى إليها الحسينعليه‌السلام بأسرار نهضته، وآثار حركته، وإنَّه لابُدَّ أنْ يَتحمَّل أعباء الشهادة، وما يتبعها مِن مَصائب ومَصاعب، في سبيل نُصرة المِلَّة، وإحياء شريعة جَدِّه، وشعائر مَجده.

لكنَّه سيَّار يَطوي السُّرى، إلى حَدّ مَصرعه في كربلاء، ثمَّ لابُدَّ وأنْ تنوب هي عن أخيها، في تَحمُّل المـَشاقِّ، ومُكابَدة الآلام، مِن كربلاء إلى


الشام، قائمة بوظائفه المـُهمَّة، مُحافظة على أسرار نَهضته، ناشرة لدعوته وحُجَّته، في كلِّ أينٍ وآنٍ، مُنتهزة لسوانح الفُرص، وهو معها أينما كانت يُباريها، لكنَّه على عوالي الرماح، خَطيباً بلسان الحال، كما هي الخطيبة بلسان المـَقال.


السباق إلى الجَنَّة

التسابُق إلى النَّفع غريزة في الأحياء، لا يَحيدون عنها، ولا يُلامون عليها، وقد يَؤول إلى النزاع بين الأشخاص والأنواع، ولكنَّ التسابُق إلى الموت، لا يُرى في العقلاء إلاَّ لغايات شريفة، تبلغ في مُعتقدهم مِن الأهميَّة مَبلغاً قَصيَّاً، أسمى مِن الحياة الحاضرة، كما إذا اعتقد الإنسان في تسابقه إلى الموت، نيل سعادات ولذَّات، هي أرقى وأبقى مِن جميع ماله في الحياة الحاضرة.

ولهذه نظائر في تواريخ الغُزاة والمـُجاهدين؛ فإنَّ في صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ... رِجَالٌ صَدَقُوامَاعَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ... ) ، وتسابقوا إلى القتال بين يديه، مُعتقدين أنَّ ليس بينهم وبين جِنان الخُلد والفِردوس الأعلى، سِوى سويعات، أو تُميرات يأكلونها، أو حَملات يحملونها.

وهذا مِن أشرف السِّباق، وموته أهنأ موت، وشعاره أقوى دليل على الفضيلة والإيمان، ولم يَعهد التاريخ لجماعة بِداراً نحو الموت، وسباقاً إلى الجَنَّة والأسنَّة مِثل ما عهدناه في صَحب الحسين (عليه


السلام)، وقد عَجِم الحسينعليه‌السلام عْودَهم، واختبر حُدودهم، وكسب منهم الثقة البليغة، وأسفرت امتحاناته كلُّها عن فوزه بصحب أصفياء، وإخوان صِدق عند اللقاء، قلَّ ما فاز أو يفوز بأمثالهما ناهض، فلا نَجِد أدنى مُبالغة في وصفه لهما عندما قال:

(أمّا بعد، فإنِّي لا أعلم أصحاباً خيراً مِن أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوفى مِن أهل بيتي).

وكان الفضل الأكبر في هذا الانتقاء، يعود إلى حُسْن انتخاب الحسينعليه‌السلام ، وقيامه بكلِّ وجائب الزعامة والإمامة، وقيام الرئيس بالواجب يقود المرؤوسين إلى أداء الوجائب، واعتصام الزعيم بمبدأه القويم، يسوق الأتباع بالطبع إلى شِدَّة التمسُّك،بالمبدأ، والمـَسلك، والغاية.

فكان سُرادق الحسينعليه‌السلام - بما فيه مِن صَحبٍ وآلٍ، ونساءٍ وأطفالٍ، كالماء الواحد، لا يفترق بعضه عن بعض؛ فكان كلٌّ منهم مُرآة سيِّده الحسينعليه‌السلام بحاله، وفِعاله، وأقواله، وكانوا يفتدونه بأنفسهم، كما كان يتمنَّى القتل لنفسه قبلهم ودونهم، وأخيراً توفَّقوا إلى إرضاء سيِّدهم بأنْ يتقدّموا إلى جهاد أدبيٍّ، في زيِّ دفاعٍ حربيٍّ، واحداً بعد واحد، فيُعلنوا بالمبادئ العلويَّة، وينشروا الدعوة الحسينيَّة، إرشاداً للجاهلين، وعِظةً للجاحدين، وإيقاظاً للغافلين( ... لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ... ) ، حتَّى لو أثَّرت عِظاتُهم المـُتواترة( ... كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ... ) ، وإنْ قُتلوا، فسبيلهم سبيل مَن قبلهم مِن الأنبياء والمـُصلحين إلى رَوحٍ وريحان، وجَنَّةٍ ورضوان؛ فيستريحون مِن آلام الحياة الدنيا الفانية، ويَسعدون بحياة راقيةٍ باقية، فإذا كانت هذه


الدنيا غير باقية لحيٍّ، ولا حيَّ عليها بباقٍ، فالأحرى أنْ يكون الهيكل الفاني قُربان خير خالد، ومَهراً لحياة الأُمَّة.

أجلْ، كانت جماعة الحسينعليه‌السلام كؤوس رؤوسها مُفعمَة بشعور التضحية، حتَّى إذا أذِنَ لهم بذلك، لبسوا القلوب على الدروع، وأقبلوا يتهافتون كالفراش على المـُصباح، لتضحية الأرواح، فكلَّما أذِنَ حُجَّة الله لأحدهم، وادعه وداع مَن لا يعود، وهم يتطايرون مِن مُخيَّمه إلى خصومه تطايُر السهام، لإنفاذ الغرض المـُقدَّس بأراجيز بَليغة، وحُجَج بالغةٍ، مِن شأنها إزاحة الشبهات عن البعيد والقريب، وعن الشاهد والغائب، لكنَّ المـُستمعين( ... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ، قد غَشيت الأطماع أبصارهم، وغَشت المخاوف بصائرهم؛ فلا يُفكِّرون بسِوى دنانير ابن زياد وعصاه، ومَن لا يهتمُّ إلاّ بالسيف والرغيف؛ فلا نَصح تفيده، ولا دليل يَحيده.

بلى، إنَّما تُجدي العِظات في ظلِّ المطامع، والحُجَّة تَهدي تحت بارقة السلاح؛ لذلك لم يَجِد رُسل الحسينعليه‌السلام مِن عِداهم الجواب، إلاَّ على ألْسنة الأسنَّة والحِراب، وقُتِّلوا تقتيلاً،( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ،(أحياءٌ بأرواحهم، أحياءٌ بتاريخهم المـَجيد، ولهم لسان صدق في الآخرين، وأُسوة بالأوَّلين) .


مَقتل عليٍّ شِبْه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لم يَزل، ولا يزال عُرفاء الأُمَم، مِن عربٍ وعجمٍ، يعتقدون توارث السَجايا والمـَزايا، بالتناسل والتناسب، وأنَّ الولد يرث مِن أبويه ووالديهم، مَواهبهم العقلية، أو سَجاياهم الأخلاقيَّة، كما يَرثهم أشكال الخُلقة وطبائع الجِسم، وأمراض الأعضاء، وقد أكَّد الفَنُّ الحديث ذلك، وأنَّ التشابُه في الخِلقة، لا ينفكُّ عن التشابُه الأخلاقي؛ فنَجِد العائلة بعد فُقدان أكبرها، تَجمع توجُّهاتها في أشبه أفرادها بالفقيد، توسَّماً بقيام الشبيه مَقام الفقيد، في إعادة آثاره وأدواره لإجماع الغرائز، على أنَّ الأعمال نتائج الأخلاق، وأنَّ الطفل الشبيه بآبائه خَلقاً وخُلقاً، يَغلب أنْ يُجدِّد مآثرهم ومَفاخرهم.

وكان آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أسفٍ مُستمرٍّ على فُقدان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وخَسارة كلِّ مَجدٍ في فَقده، حتَّى ولِد للحسين بن عليعليه‌السلام ولدٌ، أشبه الناس بجَدِّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خَلقاً وخُلقاً ومَنطقاً، فتَمرْكزت فيه كلُّ آمالهم وأمانيِّهم، وصاروا كلَّما اشتاقوا إلى زيارة النبي (صلّى


الله عليه وآله وسلَّم) شَهِدوا مَحضرة، وشاهدوا مَنظره، وسُمِّي شبيه النبي، فترَعْرَعَ الصبيُّ، وترَعْرَع معه جَمال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونَمَا فيه الكمال، وأزهرت حوله الآمال، وبلغ تصابي آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه مَبلغ الولَه والعِشق، فكان إذا تلا آية، أو روى رواية مَثَّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلامه ومَقامه، وأضاف على شَبَه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجِسم، شَبَهاً بجَدِّه عليٍّعليه‌السلام في الاسم، كما شابَهه في الشجاعة، وفي تَعصُّبه للحَقِّ؛ حتَّى أنَّه يوم قال الحسينعليه‌السلام أثناء ميسره: (كأنِّي بفارس، قد خَطر علينا قائلاً: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم).

أتاه قائلاً:(يا أبتِ، أوَلسنا على الحَقِّ؟) .

فقال له الحسينعليه‌السلام : (إي والذي إليه مَرجع العِباد).

قال عليٌّ هذا:(إذنْ، لا نٌبالي بالموت) .

فكان في موكب الحسينعليه‌السلام مِثل كوكب الفَجر يزهو بجَماله، وأنظار أهله دائرة حوله، غير إنَّ الحصار والحُزن ضيَّقا على نفسه مَجرى النفس، فلم يَجِد مَظنَّة للخلاص منهم، إلاَّ في الموت؛ فجاء لَيستأذن أباه، لكنَّه مُنكسِر الطرف؛ إذ يعلم مَبلغ تأثُّر الوالد مِن هذا الكلام.

وقد شوهد سيِّد الطفِّ، في أقواله وأحواله على جانب عظيم مِن التَجلُّد، لكنَّ قيام هذا الفتى ضَيَّع جانباً مِن تَجلُّده؛ فصار كغيره لا يَملك مِن التَجلُّد شيئاً، فيما يقول في ولده، أو عن ولده.

وأيْمَ الله، إنَّه أذِنَ له كمَن يُريد أنْ لا يُجرح عاطِفة فتاه، فأسرع


عليٌّ نحو الأعداء، وعين أبيه تُشيِّعه، وتُرسِل دموعها الحارَّة مصحوبة بالزفرات، والنساء على أثره تولوِل، وتُعوِل أُمُّه بشَجو فاقدة الاصطبار؛ إذ فقدت مركز آمالها، والإمام يٌنادي بأعلى صوته: (يا ابن سعد، قطع الله رَحمك، كما قَطعت رَحمي، ولم تَحفظ قَرابتي مِن رسول الله).

أمَّا الغُلام، فقد تَجلَّى على القوم بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعِمامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسلحة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى فَرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونَطَقَ بمَنطق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائلاً:

أنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليِّ

نحنُ وبيتِ الله أولى بالنبي

والله لا يَحكم فينا ابنُ الدعي

أيْ: أنا المـَثل الأعلى لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيكم، بصورتي وسيرتي، وحَسَبي ونَسَبي؛ فأنا تِذكار جَدِّي عليٍّعليه‌السلام ، وأنا شبيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنَّ أبي الحسينعليه‌السلام سِبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنَّ جَدِّي عليَّاً أخو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيُّه؛ فنحن جميعاً أُولو قُرباه، وأهل بيته، الذين أذهبَ الله عنهم الرِّجس وطَهَّرهم تطهيراً؛ فـ( ... أُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ... ) ؛ فنحن أولى بخِلافة جَدِّنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مِن الأجنبي.

وبعد هذا البرهان الجَليّ، لا يَسوغ أنْ نُسلِّم أزِمَّة دين جَدِّنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ابن الدعي -والدعي هو المنسوب


إلى غير أبيه الشرعي - وقد كان عبيد الله بن مَرجانة، مُستلحَقاً بزياد، كما أنَّ زياداً صار مُستلحَقاً بأبي سفيان، بخِلاف حكم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القائل: (الوَلد للفِراش، وللعاهِر الحَجر)، فهل يُسوَّغ في شرع الشرف، ودين العَدل، أنْ يَخضع مَن يُمثِّل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدعيٍّ وابن دعيٍّ؟

بارز الغُلام جيش الكوفة، وشَدَّ عليهم شَدَّة الليث بالأغنام، وكلَّما كَرَّ عليهم، رجع إلى أبيه قائلا:(العَطش قد قتلني) ؛ فيقول له أبوه: (اصبِر يا حبيبي، فإنَّك لا تُمسي حتَّى يَسقيك رسول الله بكأسه)، والغلام يَكرُّ الكَرَّة بعد الكَرَّة؛ فنظر إليه ابن مُرَّة العبديّ، فقال: عليَّ آثامُ العرب، إنْ كَرَّ ومَرَّ بي لو لمْ أثكُل أُمَّه.

فبينا هو يَشدُّ على الجيش ويرتجز، إذ ضربه العبديُّ وصرعه، فنادى(يا أبتاه، عليك مِنِّي السلام، هذا جَدِّي قد سقاني بكأسه الأوفى، وهو يُقرِئك السلام، ويقول لك: العَجل العَجل) .

ثمَّ شَهَقَ شَهقةً كانت فيها نفسه، فانقضَّ إليه الحسينعليه‌السلام قائلاً: (يا بُنَي، قَتل الله قَوماً قتلوك، ما أجرأهم على الله، وعلى انتهاك حُرمَة الرسول، يا بُنَي، على الدنيا بعدك العَفا)، ثمَّ قال لفُتيانه: (احملوا أخاكم إلى المـُخيَّم).

إذا كان أوَّل قتيلٍ مِن جيش الحسينعليه‌السلام ، وحاذر على النساء وعقائل الرسالة أنْ يَخرجُن إلى مَصرعه حاسرات(فإنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون) .


توبة الحُرِّ وشهادته

مَن يدرس أحوال البشر مِن وِجهتها النفسيَّة، ويَسبر غَوره، يَجد الأخيار صِنفين: صِنفٌ يَتطلَّب مصالحه الشخصيَّة في ظِلّ إحياء عقيدته واحترامه، وهؤلاء أكثر الأخيار، ثمَّ أرقى منه صِنفٌ يُقدِّم إحياء عقيدته، حتَّى على حياته الشخصية، وقد كانت وضعيَّة الحُرِّ الرياحي، بادئ بدء تُنزَّل مَنزلة مَن يُحبُّ الجَمع بين احترام مصالحه الذاتيَّة، في ضِمن احترامه لعقيدته في الحسين بن فاطمةعليه‌السلام ، زعماً منه أنَّ الحسينعليه‌السلام لابُدَّ وأنْ سيصالح أُميَّة القويَّة، أو يُسامحونه بمغادرته بلادهم؛ فيكون الحُرّ حينئذ غيرَ آثمٍ بقتال الحسينعليه‌السلام ، وغير خَاسر جوائز الوِلاة وترفيعاتهم.

وعليه، فقد كان يُساير الحسينعليه‌السلام بالسَّماح والتساهل، ويُصاحبه بتأدُّب واحترام، غير إنَّ المـُظاهرات القاسية، التي قام بها جيش الكوفة مِن جِهة، والمـُظاهرات الدينيَّة الأخلاقيَّة، التي قام بها حسين الفضيلة مِن جِهة أُخرى، أنارتا فِكرته، وأثارتا عاطفته، فارتقى في استكمال نفسه إلى العُلوِّ، أو الغلوِّ في حُبِّ السعادة والشهادة؛


فجاء إلى ابن سعد قائلاً:

(أمُقاتل أنت هذا الرجل؟).

فأجابه:(نعمْ، قتالاً أيسره أنْ تَسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي) .

فقال الحُرّ:(أفما لكم فيما عرضه عليكم رضا؟) .

فأجابه:(أمْا لو كان الأمر إليَّ لفعلت، ولكنَّ أميرك قد أبى) .

فرجع الحُرُّ وهو يتمايل ويَرتعد، وأخذه مِثل الإفْكَل؛ إذ شعر بأنَّه كان السبب لحصر الإمام.

فقال له مَن يُجاوره، وهو يُحاوره:إنَّ أمرك لمـُريب، فوالله، لو سُئلتُ عن أشجع أهل العراق لمـَا عدوتك، فماذا أصابك يا بن يزيد؟

فأجابه الحُرّ:(ويحَك، إنِّي أُخيِّر نفسي بين الجَنَّة والنار، ووالله لا أختار على الجَنَّة شيئاً، وإنْ قُطِّعت وحُرِّقت) ، قال هذا، وضرب بجَواده إلى الحسينعليه‌السلام .

وصادف قُرَّة بن قيس، فقال له:(يا قرة هل سَقيت فرسك؟) .

قال قُرَّة:(قلت له: لا، وظننتُ أنَّه يُريد أنْ يتنحَّى القتال كراهة أنْ يَشهده، فوالله، لو أطلعني على الذي يُريد؛ لخرجت معه إلى الحسين) .

أخذ يَدنو الحُرّ مِن الحسين رويداً رويداً، وكان ذلك منه خَجلاً لا وَجلاً، حتَّى وقف قريباً منه، فقال:(جعلتُ فِداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حَبستك عن الرجوع، وجَعْجَعْت بك في هذا المكان، وما ظَننتُ أنَّ القوم يَردُّون عليك ما عرضته عليهم، ووالله لو علمت أنَّهم ينتهون بك إلى ما أرى، ما رَكبت مِثل الذي رَكبت، وإنِّي تائب إلى الله مِمَّا صَنعت، فهل ترى لي مِن توبة؟) .

فأجابه الحسينعليه‌السلام : (نعمْ، يتوب الله عليك فانزل).


فقال الحُرُّ:(أنا لك فارس، خيرٌ مِنِّي راجل، أُقاتلهم لك على فرسي ساعة، ويصير النزول آخِر أمري) .

فقال له الحسينعليه‌السلام : (فاصنع - يَرحمك - الله ما بدا لك).

قابل الحُرّ بعدئذٍ جيش ابن سعد، وصاح بهم:(يا أهل الكوفة، لأُمِّكم الهَبَل؛ دعوتم هذا العبد الصالح لتنصروه، حتَّى إذا جاءكم أسلمتموه، وكتبتم إليه أنَّكم قاتلوأنفسكم دونه، ثمَّ عدوتم عليه تقاتلونه، وأمسكتم بنفسه، وأخذتم بكَظمه، وأحطتم به مِن كلِّ جانب؛ لتمنعوه التوجُّه في بلاد الله العريضة؛ فصار كالأسير في أيديكم، لا يَملك لنفسه نَفعاً ولا يَدفع عنها ضرَّاً، وحلأتموه ونساءه وصِبيَته عن ماء الفرات الجاري، تَشربه اليهود والنصارى والمـَجوس، وتَمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فها هم قد صرعهم العطش، بِئسَ ما خَلَّفتم محمداً في ذُريَّته، لا سقاكم الله يوم الظمأ).

فساد القوم سُكوت، كأنَّ على رؤوسهم الطير، ثمَّ لم يُجيبوه بسِوى النِّبال، فحمل عليهم، وهو يَرتجز ويقول:

(إنِّي أنا الحُرُّ ومأوى الضيف

أضربكم ولا أرى مِن حَيف)

وقاتلهم قتالاً شَديد، حتَّى عقروا فرسه، وتكاثروا عليه، فلم يزل يُحاربهم، وهو راجل، حتَّى أثخنوه بالجراح وصرعوه، فنادى:

(السلام عليك يا أبا عبد الله).

وقد أبَّنه الإمامعليه‌السلام بقوله: (أنت - كما سمَّتك أُمُّك - حُرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة)؛ فطوبى له وحَسن مآب.


أصدق المـَظاهر الدينيَّة

ليس في التعبير عن الحسينعليه‌السلام بآية الحَقِّ، أو رمز السلام، أو نحوهما مُبالغة ما؛ إذ كان -والحَقُّ يُقال - مِثال الحَقِّ والإسلام، في كلِّ أحواله وأقواله وأعماله، فلمْ تَكن المـُرآة المواجهة للشمس، أصدق حكاية عنها، مِن الإمامعليه‌السلام عن الإسلام.

ولا بُدع، فإنَّ الناهض حَقَّاً بحقيقة، يجب أنْ يُمثِّلها بكلِّ أطواره في كلِّ أدواره، والحسين بن عليعليه‌السلام غَدا في نهضته، أُمثولة الحَقِّ الصرَّاح، وحاكياً عنه حكاية الزجاجة عن المِصباح؛ فأظهر الحقيقة في: كُتبه، وخُطبه، وأقواله، وأحواله، فقدَّم خُطورة الدين على خُطورة السكن والوطن، وقَدَّم حُرمة حرم الله وحرم رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حُرمة نفسه، وأجاب دعوة مَن لا يُوثَق بولائهم ودعائهم، وخَسر في سبيل أُمَّته، صَفوة أحبَّته ونُخبَة عشريته، وضايق نفسه حِفظاً لظواهر الدين، واستفرغ وِسعه وقواه في نصيحة أعداء الدين، وبذل النفس والنفيس في سبيل مَصلحة الدين.

كلُّ ذلك، وغير ذلك؛ ليذُكِّرهم الله، ويستهديهم بكتاب الله،


حتَّى حانت ساعة القيام بأصدق المـُظاهرات الدينيَّة، وهي ساعة الصلاة الشمس، في الهاجِرة مِن ظهيرة اليوم العاشر مِن مُحرَّم، ولم يَكُ الحسينعليه‌السلام مِمَّن ينسى، أو يَتناسى الصلاة المـَوقوتة، ولو في أحرج ساعاته، قدوةً بأبيه عليٍّعليه‌السلام رجُل الإيمان؛ فإنَّه لم يؤخِّر صلاته، في أحرج ساعات الوغى ليلة الهَرير في صِفِّين، فصَفّ قدميه لوجه الله مُصلِّياً، والحرب ثائرة مِن حوله، ودائرة، ولمـّا لاموه عليها أجاب: (ألسنا نُحارب لإقامة الصلاة؟).

كذلك ابنه الحسينعليه‌السلام - والشبل مِن ذاك الأسد - فاهتمَّ بها عندما صاح مُؤذِّنه أبو ثمامة الصائدي، وصلَّى بأصحابه، ولكنْ صلاة الخوف، وسهام الأعداء تَتْرى عليه، بالرغم مِن استمهالهم.

أيخشى الإمامعليه‌السلام قتله في الصلاة، وقد مضى أبوه قَتيلاً في مِحرابه؟! أمْ يَخشى الموت صحبه، وهم يتسابقون إليه تسابق الجياع إلى القِصاع؟! ويُحبِّذون الموت بوجه الله، وفي سبيله مع ابن رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!

ولقد كانت صلاة الحسينعليه‌السلام مِن أصدق مَظاهر إخلاصه لله، وتمسُّكه بالشريعة، وبَعيدةً عن كلِّ شُبهة أو شائبة.

وإذا كانت المـُظاهرات الحسينيَّة، تكشف مساوئ أخلاق أعدائه، ومبلغ حِرمانهم مِن الإنسانيَّة، فإنَّ مُظاهرة صلاة الخوف بين أولئك المـُعارضين، برهنت على سوء نيَّة العدوِّ،واستهانته بشريعة الإسلام، فهي إنْ لم تُبطِل سِحر العدوِّ في أعيُن الناظرين، فقد أبلغت حُجَّة الحسينعليه‌السلام إلى مسامع الغائبين؛ حيث إنَّ العدوّ كان مُتذرِّعاً بحبائل الدين ضِدَّ الدعوة الحسينيَّة، يوهم البسطاء والحُمقاء


أنَّ يزيد، خليفة النبيّ، بمُبايعةٍ مِن أكثر المسلمين، وأنَّ حسيناً خارج على إمام زمانه! لغايات دنيويّة! فيجب إعدامه أو إرغامه! واسم الدين قد يغشُّ العامَّة، ولو كان بقصد مَحو الدين.

ولَكَمْ تذرّع المـُبطلون بأسحلة الحَقِّ ضِدَّ أهل الحَقِّ؛ فخدعوا بذلك العامّة، كما انخدع الخوارج ضِدَّ أمير المؤمنين بشُبهة مُخالفته للدّين، وأيُّ دين؟ أهو ذلك الدين الذي قام واستقام، بخَدمات عليعليه‌السلام ، ومَعاركه ومَعارفه؟ وكان شمر الفاشِل الخارجي وأشباهه، مِن بقايا الخوارج، فائمين بحَركات أسلافهم، في تمويه حقائق الدين، بالظواهر الخداعة، مُستعملين اسم الإسلام آلةً لإجراء مَنْويَّاتهم في الحسينعليه‌السلام ، ولكنَّ إقامة الإمامعليه‌السلام صلاة الخوف، في أحرج المواقف والمواقيت بين الأسنَّة والحِراب، بين العدى والردى، كانت أقوى آلةً فَعَّالة في إبطال سِحرهم ومَكرهم؛ فإنَّهم لم يُمهِلوا الحسينعليه‌السلام وصحبه أنْ يتعبَّدوا لله، في حين أنَّ الدّين يفرض إمهال المـُتعبِّدين، والعبادة شعار الموحِّدين، فما عُذرهم عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مَوقفه بعد موقفهم هذا؟!

أفلم يروا ريحانته، يُصلِّي إلى قبلة الإسلام، مع صَحبه المسلمين؟!

أفلا تُحتَرم الصلاة، وهي حَرم الله؟!

أولم يسمعوا كلام الله:( ... وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً... ) ، وصَحب الحسينعليه‌السلام ألقوا السلاح، واظهروا السلام والإسلام، واستمهلوا للصلاة، واستأمنوهم لذِكر الله، فهل ترى مَظهراً للدين والحَقِّ أصدق مِن هذا؟!


لكنَّ أعداء الحسينعليه‌السلام ،( ... قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً... ) ، فلم تَعُدْ تؤثِّر فيهم مَظاهر إسلاميَّة، أو عواطف إنسانيَّة سِوى السيف المـُخيف، أو الرغيف، وقد كانا يومئذٍ في أيدي أعداء الهدى( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ... ) .


الطفل الذبيح

إذا وصف القرآن قُربان إبراهيم بالذَّبْح العظيم؛ نَظراً لآثاره الباقية في الحَجِّ والإسلام؛ فإنَّ المـُظاهرة الأخيرة، التي قام بها الحسينعليه‌السلام ، أثَّرت تأثيراً عظيماً، مِن بين مُجاهداته الأدبيَّة في كَشف حقائق النزعة الأُمويَّة، وهذه الحادثة الأليمة، بالرغم مِن استحقاقها التوسُّع، فإنَّني لا أستطيع فيها سِوى الإيجاز.

والحسينعليه‌السلام بعدما خَلا رحله مِن الماء، وطال على أهله الضماء، حتَّى جَفَّت المـَراضع، وشَحَّت المدامع، تناول طفله الرضيع واسمه(علي) أو(عبد الله) ؛ ليُقدِّمه إلى العدوِّ، وسيلة لرفع الحَجْر عن الماء، فأشرف على الأعداء بتلك البيِّنة، المعصومة مِن أيَّة جانحة أو جارحة، قائلاً:

(يا قوم، إنْ كنَّا في زعمكم مُذنبين، فما ذنب هذا الرضيع؟! وقد ترونه يتلظَّى عَطشاً، وهو طفل لا يعرف الغاية، ولم يأت بجِناية، ويلَكم اسقوه شِربة ماء، فقد جَفّت مَحالب أُمِّه).

فتلاوم القوم بينهم: بين قائل: لابُدَّ مِن إجابة الحسين (عليه


السلام)؛ فإنَّ أوامر ابن زياد، بمنع الماء خصوص الكبار دون الصغار، والصغير تستثنيه الشرائع والعواطف، مِن كلِّ جريمة وانتقام، حتَّى لو كان الأطفال مِن ذراري الكفَّار، وقائل: إنَّ الحسين قد بلغ الغاية مِن الضمأ والضرورة، فإنْ صبرتم عن سقايته سويعَة؛ أسلم أمره إليكم وتنازل لكم.

فخشي ابن سعد مِن طول المـَقام والمقال أنْ يَتمرَّد عليه جيشه المـُطيع، فقال لحرملة: اقطع نزاع القوم، وكان مِن الرماة، فعَرف غرض ابن سعد، فرمى الرضيع بسهم نَحَرَه به، وصار الحسينعليه‌السلام يأخذ دَمَه بكَفِّه، وكلَّما امتلأت كَفُّه دَماً، رمى به إلى السماء، قائلاً: (اللَّهمَّ، لا يكونَنَّ أهون عليك مِن فصيل...)، يعني فصيل ناقة صالح.

ولمـَّا أحسَّ الرضيع بحَرارة الحديد وألمه، فتح عينيه في وجه أبيه، وصار يُرفرف كالطير المذبوح، وطارت روحه رافعة، شكاية الحال إلى العَدل المـُتعال، وترك القلوب دامية مِن مُصيبَته المـُفتِّتة للأكباد، وقد بلغ أمر الرضيع الذبيح، مَبلغاً مِن قوّة الدلالة على انحراف قلوب القوم، عن سُنَن الإنسانيَّة، وعلى سَفالة أخلاقهم، بحيث يَئس الحسينعليه‌السلام - عند ذلك - مِن رُشدهم، وعاد عنهم خائباً، وربَّما كانت مُصيبته في خيبته أعظم عليه مِن مُصيبته في الرضيع، فاستقبلته صَبيَّة قائلة:(يا أباه، لعلَّك سَقيت أخي ماءً) .

فأجابها: (هاكِ أخاك ذبيحاً)، ثمَّ حفر الأرض بسيفه، ودفن الرضيع، ودفن معه كلَّ آماله.

وكان حسين الحَقِّ، لم يَدَّخر في وسعه أيَّ قوَّة، ولم يُضيِّع أيَّ فرصة، في إفشاء سرائر الحزب السُّفياني؛ فإنَّ قتل الذراري، وذبح


الأطفال كانت الشرائع والعادات تَمنع عنه أشَدَّ المـَنع.

وقد روى المـُحدِّثون: أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث سريَّة، فقتلوا النساء والصبيان، فأنكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك عليهم إنكاراً شديداً، فقالوا:(يا رسول، الله إنَّهم ذراري المـُشركين) .

فقال: (أوليس خيارُكم ذراري المـُشركين؟!)، وإنَّ خالد بن الوليد، لمـَّا قتل بالغميصا الأطفال، رفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يديه، حتَّى رأى المسلمون بياض أُبطيه، وقال: (اللَّهمَّ إنِّي أبرء إليك مِمَّا صنع خالد)، ثمَّ بعث عليَّاًعليه‌السلام فودَّاهم.

فلم يَعهد ذبح الأطفال بعد ذلك، إلاَّ ما كان مِن مُعاوية في قتله أطفال المسلمين في الأنبار، وفي اليمن على يدي عامله بِسر بن أرطاة، وكان فيمن قتلهم وَلَدان لعبيد الله بن عباس (رضي الله عنه)، وكرَّرت ذلك أشياعه في الطفِّ، فذبحوا مِن الصِبيَة والأطفال ما ظهروا عليهم، وظفروا بهم، بغير رحمة منهم، ودون أدنى رِقَّة أو رأفة، والأمر الذي برهن على غُلوِّهم، في القسوة والفسوق عن الدين، وأوضح بلا مرآء ولا خفاء، أنَّ قصد التشفّي والانتقام، بلغ بهم إلى العزم على استئصال ذُرَّية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقطع نسله، ومَحو أصله.

أمّا عليُّ بن الحسين العَليل، فلم يَفز بالنجاة مِن أيديهم العادية بصغر سنِّه، ولا بتعلُّق عمَّته به قائلة: (لا يُقتَل إلاَّ وأُقتل)، ولا بشفاعة حميد بن مسلم وإضرابه فيه، بلْ إنَّما نَجا مِن حَدِّ الحديد، بشِدَّة مرضه، وقوَّة عِلَّته، وضعف أملهم بحياته، ونجا الحسن بن الحسن باختفائه، وهو جريح طريح؛ وفاءً مِن الله بوعده، وحِفظه لنَسل نبيِّ الرحمة، بإكثار المـُصلحين في الأُمَّة، وهدايتها بعلوم الأئمَّة.


العَطش ومَقتل العبَّاس

يقفُ العقل حائراً، كلَّما فَكَّر في النظام العائلي، أو الداخلي، سواء لأُسرة الحسينعليه‌السلام ، أم لصحبه وحسن تربيته لآله وعياله؛ فكانوا حتَّى في الشدائد أتبع له مِن ظِلاله، وأطوع مِن خَياله، ولا ينهض بأمر الجماعة مِثل حُسن الطاعة، ولستُ مُغالياً في قولي: طاعة أميركم فيما تكرهون، ولا عُصيانه فيما تُحبِّون، فالانكسار كان أبعد شيءٍ مِن مِثل هذه الجماعة، لو لم تُصبهم فاقة جوع أو عَطش، فلا نرى شِمراً مُبالغاً في قوله لقومه، عن الحسينعليه‌السلام وأهله:(إنَّهم إذا وصلهم الماء، أبادوكم عن آخركم).

وكان إحصار جيش الحسينعليه‌السلام عن الماء، أقوى أسلحة عدوِّه عليه، ومَن عَدَّ الصبر على الجوع مُتعسِّر، يَعدُّ الصبر على العَطش مُتعذِّر، سيَّما مِن فحولة هاشم وسيوفهم في أيمانهم، والماء بين أعينهم، ويَسمعون بآذانهم ضَجَّة صِبيَتهم، عُطاشى ومرضى، ونَخصُّ مِن بينهم الفتى الباسِل، أبا الفضل العباس (رضوان الله عليه)، فقد أثَّرت عليه الوضعيَّة، وأثارت عواطفه؛ فتقدّم


إلى أخيه الحسينعليه‌السلام ؛ يستميحه رُخصة الدفاع مُعتذراً بأنَّ صدره قد ضاق مِن الحياة، ويكره البقاء.

نعم لا شيء أشهى مِن الحياة وأطيب، لكنَّما الحيَّ إنَّما يُحبُّها ما دامت مُنطوية على مَسرَّات ولذَّات، أمَّا إذا خَلت مِن تِلكُما الحُسنيَين، وأمْسَتْ ظرف آلام لا تُطاق؛ استحالت الحياة الحُلوة، كأساً مُصبَّرة غير أنَّ أقوياء النفوس، لو أفضى الزمان بهم، إلى مِثل هذه الحالة العَصيبة، وعجزوا عن سلوان أنفسهم بمَهلِّ التاريخ؛ فإنَّهم يَختارون الموت، في سبيل دفع الموت، ويفضلونه على الموت، في سبيل انتظار الموت.

أجلْ، إنَّ الموت في سبيل دفاعه أفضل وأحوط مِن الموت في سبيل انتظاره، وقد كان الحسينعليه‌السلام مُستميتاً، ومستميتاً كلُّ مَن كان معه، وكانت أنفسهم الشريفة مُتشرِّبة مِن كأس التضحية، وريَّانة مِن مَعين التفادي؛ وفي مُقدِّمة هؤلاء، أبو الفضل العباس (رضوان الله عليه)، أكبر إخوة الحسينعليه‌السلام المـُمتاز في الكمال والجَمال، وقَمر بني هاشم، وحامل راية الحسينعليه‌السلام ، وعقيد آماله في المـُحافظة على رَحله وعياله.

لذلك شَقَّ على الحسينعليه‌السلام ، أنْ يأذن له بالبِراز إلى الأعداء، غير أنَّه يأمَل في مُبارزته القوم إبلاغ الحُجَّة، وإحياء الذُّرَّيَّة، وأنْ يُعين على حياة العائلة بالسقاية والرواية، كما سبق منه ذلك، سِيَّما وإنَّ أخبث رؤساء جيش العدوِّ شِمر الكِلابي، وهو على شَقائه آمن العبَّاس (رضوان الله عليه) وأشقائه؛ لنسبة بينه وبين أُمِّ العبَّاس (أُمِّ البنين)؛ ولأنَّ عبَّاس الفتوَّة إذا عهدت إليه السقاية، يعود مُهتمَّاً بعودته إلى الحسينعليه‌السلام ، فكأنَّ مِن هذا وذاك وذياك كان جوابه


لأخيه العبَّاس: (إذنْ، فاطلب مِن القوم لهؤلاء الأطفال جُرعةً مِن الماء).

فتوجَّه العبَّاس بن عليعليه‌السلام ، نحو الجيوش المـُرابطة حول الشرائع، فأخذوا يمانعونه عن الماء، ويَستنهض بعضهم بعضاً، على مُعارضته ومُقاتلته، خَشية أنْ يَصل الماء إلى عِترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يَزل العبّاس (رضوان الله عليه) يُقارعهم ويُقاتلهم، ويُقلِّب فِئةً على فِئةٍ، ويَفلُّ العِصابَة تِلو العِصابَة، حتَّى كمنوا له وراء نَخله مِن نُخيلات الغاضريَّة، فقطعوا يُمناه، فتلقَّى السيف بيُسراه، مُثابِراً على الدفاع غير مُكترث بما أصابه، وهو يتلو الأراجيز تِلو الأراجيز، ويُذكِّر القوم بمآثر أهل البيت، وحَسَبهم، ونَسبهم مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُدافع عن نفسه، وهو مقطوع اليدين، وكأنَّ القوم قطعوا بيديه، يدي الحسينعليه‌السلام .

فعند ذلك تَقدَّم إليه دارميٌّ غير هيَّاب له، وضربه بعمود مِن حديد، فَخرَّ صريعاً وصارخاً:(يا أخاه، أدرِك أخاك) .

ولم يُدرك الحسينعليه‌السلام ظَهيره ونَصيره، إلاَّ بعد اختراق الجموع والجنود، وفي آخر لحَظة منه، نادِباً له، وقائلاً: (الآنْ انكسر ظهري، وقَلَّت حيلتي، وشَمُت بي عدوِّي).


الشجاعة الحُسينيَّة

إنَّ وضعيَّة الحسينعليه‌السلام تِجاه عِداه، كانت دفاعيَّة وسِلسلة تَحفُّظات وتَحوُّطات، عن سَفك الدم، أو هَتك الحُرَم: مِثل هِجرته عن حَرم الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمُّ مُصافاته مع الحُرِّ، والمـُحايدة عن طرق الكوفة، ثمَّ تقديمه ابن سعد لدى ابن زياد، للكَفاف عنه؛ حتَّى يعود مِن حيث أتى، أو يُغادر إلى ثغور العَجم والدَّيلم، ثمَّ طلبه الإفراج عن حِصاره؛ ليَذهب بنفسه إلى يزيد؛ يُذاكره في مَصيره ومَسيره، ثمَّ تَحصُّنه خَلْفَ الروابي والهِضاب؛ سِتراً على العائلة مِن العادية، ثمَّ مُطالبته السقاية والرواية بواسطة رجاله، والتَشفُّع لديهم بأطفاله، وإيفاد رُسل النصح والسلام إليهم، وإلقاء الخُطب عليهم، وإلى غيرها مِن شواهد مَسلكه الدفاعي الشريف.

لكنَّ عِداه، تناهوا في خُطط الاعتداء عليه، في جميع المـَشاهد والمـَواقف، وبرهنوا للمـَلأ الإسلامي، أنَّهم لا يَقصدون به سِوى التَشفِّي والانتقام، بكلِّ قَسوة وفظاعة، وكانت خاتِمة مُدافعته عند الذَّود عن حياض شرفه بالسلاح، حينما يَئس، ولم يَبقَ له في هدايتهم مَطمع،


وغدت أبواب رجاء الحياة وآمالها موصَدة في وجهه، ورأى بعينيه مَصارع صَحبه وآله مِن جِهة، ومِن الأُخرى مَصرع العبَّاس (رضوان الله عليه)، أخيه وذخيرته الوحيدة لنائبات الزمان، وأيقن بتصميم القوم على مُمانعة الماء عنه، وعن صِبيَته بكلِّ جَهد وجَدٍّ؛ حتَّى يُميتوها ويُميتوه عطشاً؛ فجاهد جهاد الأبطال، ونَكَّس فُرساناً على رجال، عندما عاد مِن مَصرع أخيه، وحال القوم بينه وبين مُخيَّمه، ولم يُرَ مَكثوراً قط، قُتِل وِلده، وإخوانه، ومَن معه أربط جأشاً، وأمضى جِناناً مِن الحسينعليه‌السلام ، وإنَّه كانت الرجال لتَشدُّ عليه؛ فيَشدُّ عليها، ثمَّ تَنكشف عنه انكشاف المـَعزى إذا شَدَّ عليها الليث، ويَفرُّون مِن بين يديه، كأنَّهم الجُراد المـُنتشر وهو يقول:

أنا الحسينُ بنُ علي = آليتُ أنْ لا انثني

فذكَّرهم أيّام أبيه في صِفِّين، والجَمل، وردَّدت أندية الأخبار، ذِكرى الشجاعة الحُسينيَّة، بكلِّ إعجاب واستغراب؛ إذ حفَّت بحالته حالات شَذَّ ما يُصادف بطلٌ واحدةً منها، مِن عَطش مُفرِط، وحَرَم مُهدَّد، وافتجاع بجمهور الأحبَّة والأرحام، وتَفردُّه - غريباً - بين أُلوف المـُقاتلين؛ ولكنَّ شِبل عليعليه‌السلام ، لم يَحسب لجمهرتهم أيَّ حِساب، ولم تَبدُ منه - في مِثل هذه الحالة الرهيبة العَصيبة - ما يُنافي الشرف، ولا ما يُخالِف الدين، ولا ما يُحاشي الإنسانيَّة؛ وهي - والله - مُعجزِة البشر، وإنَّها لإحدى الكِبر، ويُنشد في كَرَّاته:

إذا كانت الأبدانُ للموت أُنشِئتْ

فقتل امرءٍ في الله أولى وأفضل

ولم يَزل يُدافعهم في مُتَّسع مِن الأرض، فِئةً بعد فِئة، حتَّى أدَّت الأفكار والأحوال، إلى فِكرة حِصاره أثناء الكَرِّ والفَرِّ في دائرة تلال


الحائر، وسَدُّوا في وجهه مَنافذ خروجه، وافترقوا عليه أربع فِرَق، مِن جهاته الأربع: فِرقة بالسيوف، وهم الأدنون منه، وفِرقة بالرماح، وهم الجَوّالة حوله، وفِرقة بالنِّبال، وهم الرماة مِن أعالي التِّلال، وفِرقة بالحِجارة، وهم الرَجَّالة المـُنبثَّة حوالي الخَيَّالة.

وأثخنوا جثمان سِبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجروح الدامية، وأكثرها في مَقاديمه، وأضحى جِلده كالقُنفذ، وكلَّما تمايل ليهوي إلى الأرض توازن معه فرسه (وكانت مِن الجياد الأصائل)، حتَّى إذا ضَعف الفرس أيضاً، بما أصابها مِن الجروح خَرَّ مِن سَرجه على وجهه، وأقبل فرسه نحو مُخيَّمه يَصهل ويُحمحِم، فخرجت زينب مِن فِسطاطها، واضعة عشرة أصابعها على رأسها، قائلة:(ليتَ السماء أطبقتْ على الأرض، وليتَ الجبال تَدكدكت على السهل) .

ثمَّ صاحت بابن سعد، قائلة:(يا عمر، أُيقتَل أبو عبد الله، وأنت تَنظر إليه؟!) ؛ فدَمِعت عينا عمر، وسالت دموعه على لِحيته، لكنَّه صرف بوجهه عنها.

ثمّ أقبل شِمر على الحسينعليه‌السلام يُحرِّض الجيش عليه، والحسين يَحمِل عليهم؛ فينكشفون عنه، وهو يقول: (أعلى قتلي تجتمعون؟! وأيْمَ الله، إنِّي أرجو أنْ يُكرِمني الله بهوانكم، ثمَّ يَنتقِم لي منكم، مِن حيث لا تَشعرون، أما والله، لو قتلتموني؛ لألقى الله بأسَكم بينكم، ثمَّ لا يرضى بذلك حتَّى يُضاعِف لكم العذاب الأليم).

ولم يَزل يُدافِع عن نفسه، وقد قاتلهم راجِلاً قتال الفارس المِغوار، يتَّقي الرَّمية، ويفترص العَوار، لكنَّه يقوم ويكبو والرَجَّالة تَفرُّ مِن بين يديه، ثمَّ تَكرُّ عليه.


مَصرع الإمام ومَقتله

لقد توالت على ابن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جروح دامية، مِن مُطارَدة الأبطال، ومُضارَبة الفُرسان، وأثناء مُناصرته لأنصاره، وكاشفة الجيش عن أهل بيته، وعندما بلغ المـُسنَّاة، رماه ابن نُمير بسهمٍ؛ فجرح ما بين فَمِه وحِنكه، وملأ كَفَّيه دَماً، فحمد الله وقال: (اللَّهمَّ احصِهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تُبقِ منهم أحداً).

ثمَّ ضربه كندي على رأسه بالسيف؛ فقطع البرنس وأدمى رأسه، وامتلأ البرنس دَماً، فقال الحسينعليه‌السلام : (لا أكلتَ بيمينك، وحَشرك الله مع الظالمين)، وألقى البرنس، ولبس القُلنسوة، ثمَّ شجَّ جبينه أبو الحتوف الجُعفي بالحِجارة؛ فسالت الدماء على وجهه.

وأفضت الإصابات والعصابات، إلى هواه نحو مَصرعه، وأقبل شِمر برجاله يحول بين الحسينعليه‌السلام ورِحاله، واغتنمت رَجَّالة الجيش عندئذٍ فُرصة مَصرعه، لاغتنام ما في رَحله، وما على أهله، أولئك الذين فقدوا - في تلك الساعة الرهيبة - حامي حماهم؛ فاستفزَّت ضجَّتهم مَشاعر الحسين الهادئة؛ فرفع رأسه وبصره، وإذا


بأجلاف القوم، زاحفون مِن سَفح التِّلال، نحو مُخيَّمه للسَّلب والنَّهب؛ فأثارت الغيرة في حسين المـَجد روحاً جديدة؛ فنهض زاحفاً على رُكبتيه قائلاً: (يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لم يَكُن لكم دين، وكُنتم لا تَخافون يوم المـَعاد، فكونوا أحراراً في دُنياكم، وراجعوا أحسابكم وأنسابكم إنْ كُنتم عُرباً).

فصاح شِمر:ما تقول يا بن فاطمة؟

قال الإمام: (أقول: أنا الذي أقاتلكم وتُقاتلونني، والنساء ليس عليهنَّ جِناح؛ فارجعوا بطُغاتكم وجُهَّالكم عن التعرُّض لحُرمي).

فقالوا: ذلك لك؛ ورجعوا.

ومَكث الإمامعليه‌السلام صريعاً، يُعالج جروحه الدامية، والناس يتَّقون قتله، وكلٌّ يَرغب في أنْ يَكفيه غيره، فصرخ بهم شِمر قائلاً:ويَحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟!، أقتلوه ثَكلتْكم أُمَّهاتُكم.

فهاجوا على الحسينعليه‌السلام واحتوشوه، فضربه زُرعة على عاتقه بالسيف، وأقبل عندئذٍ غُلامٌ مِن أهله، وقام إلى جنبه، وقد هوى ابن كعب بسيفه، فصاح به الغُلام:(يا بن الخبيثة، أتقتل عَمِّي؟!) ، واتَّقى السيف بيده، فأطنَّها وتعلَّقت بالجِلدة؛ فنادى الغُلام:(يا أُمَّاه) ، فاعتنقه الحسينعليه‌السلام ، قائلاً: (صَبراً - يا بن أخي - على ما نزل بك، فإنَّ الله سيُلحقك بآبائك الطاهرين الصالحين، برسول الله، وبعليٍّ، وبالحسن).

ثمَّ قال: (اللَّهمَّ أمسك عنهم قَطر السماء، وأمنعهم بركات الأرض، اللَّهمَّ إنْ متَّعتهم إلى حين، ففرِّقهم فرقاً، واجعلهم قِدداً، ولا تُرضِ عنهم الولاة أبداً؛ فإنَّهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا يقتلونا).


ثمَّ تضاعفت الرَجَّالة والخيَّالة على الحسينعليه‌السلام .

وطعنه سِنان برمحه.

وقال لخولِّي احتزَّ الرأس.

فضعُف هذا وأرعد.

فقال له سِنان: فَتَّ الله عَضدك، ونزل وذبح الإمام، ودفع رأسه إلى خولِّي.

وسَلبوا ما على الحسينعليه‌السلام ، حتَّى سراويله ونَعليه، ثمَّ تمايل الناس إلى رحله وثقله، وما على أهله، حتى أنَّ الحُرَّة كانت لتُجاذِب على قناعها وخِمارها، والمرأة تُنتزَع ثوبها مِن ظهرها فيؤخَذ منها، والفَتاة تُعالَج على سَلب قِرطها وسوارها، والمريض يُجتَذب الأديم مِن تَحته.

ثمَّ نادى ابن سعد في أصحابه: مَن يَنتدب إلى الحسين؛ فيوطئ الخيل صدره وظهره؟

فانتدب عشرة فوارس، وداسوا بحوافر خيلهم جَنازة الإمام، ورضُّوا جَناجِن صدره.

وصلَّى ابن سعد على قتلى جيشه، ودفنهم، وترك الشهداء الصالحين على العَراء( ... وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .


بعد مَقتل الحسين عليه‌السلام

قتل الظالمون حسين الفَضيلة، وفرِحوا بمَقتله فَرحاً عظيماً؛ إذ حَسِبوا أنَّهم قتلوا به شخصيَّته ودعوته، وصرعوا به كلمته، وحَسِبوا أنَّهم أخذوا به ثار أسلافهم، وانتقام أشياخهم، داسوا بخيلهم جَناجِن صدر الحسينعليه‌السلام ، وسَحقوا جُثمانه، وزعموا أنَّهم سَحقوا به كلمة الحسينعليه‌السلام ، ومَحقوا دعوته.

تركوا جَسد الحسينعليه‌السلام وأجساد مَن معه، عُراة على العَراء، بلا غُسلٍ، ولا كَفن، ولا صلاة عليه، ولا دفن، زاعمين أنَّهم أهملوا بذلك شخصيَّة الحسينعليه‌السلام وأهميَّة الحَقِّ والإيمان، مثَّلوا بجُثَّة الحسينعليه‌السلام - وقد مَنع الإسلام عن المـُثلَة - زاعمين أنَّهم جعلوا داعية العَدل، وآية الحَقِّ، أُمثولَة الخيبة والفَشل، وأنَّه سيُضرَب به المـَثل.

لعبوا برأسه على القَنا، وبرؤوس آله وصَحبه، أمام العِباد والبلاد، زاعمين أنَّهم سيَلعبون بعده بعقائد العِباد، ومصالح البلاد ما داموا ودامتْ.

سلبوه وسلبوا أهله، ونَهبوا رَحله، وأحرقوا خِيَمه، وأبادوا


حُرمه، زاعمين أنَّها هي الضربة القاضية، فلن ترى بعدئذٍ مِن باقية.

ظنَّ ذلك القوم، وأيَّدتهم كلُّ شواهد الأحوال يومئذٍ، حتَّى دفن ابن سعد جميع قتلى جُنده، في يومه وغده، ودفن معهم كلَّ خَشيةٍ أو خَيبةٍ، كانت تجول في واهمته، ورَحَلَ عن كربلاء برَحْل الحسينعليه‌السلام ، وأهله، والرؤوس إلى ابن زياد الجَور، وترك أشلاء حامية الحَقِّ،وداعية العَدل، جَرداء في العَراء، بين لَهيب الشمس والرمضاء، وعُرضةً للنسور والعقبان.

ومِمَّا يُثير الشجون والأحزان، أنَّ علي الإيمانعليه‌السلام ، حارب البُغاة مِن أقطاب الحركة الأُمويَّة في صِفِّين والجَمل، وبعد قتلهم أجرى عليهم سُنَن التجهيز والدفن، مُراعياً حُرمة الإسلام وحِشمَة الشهادتين.

أمَّا المـُنتقمون مِن حسين الحَقِّ وصَحبه، فلم يَحترموا فيه أيَّ شِعار ديني، أو أدب قومي، قَنعوا منهم بدمائهم عن التغسيل، وبالتُّرب عن التحنيط، وبنسج الرياح عن التجهيز.

وليتَ شعري، ماذا يصنع أولياء الحَقِّ بصَلاة أولياء الشيطان؟!

وحَسْبُهم منهم أنْ صَلَّت على جُسومهم سيوفهم، وشيَّعت أجسادهم نِبالهم، وألحدت أشلاءهم العَوادي والعاديات، عليهم وإليهم صلوات الله والصالحين، ودعوات طُلاَّب العَدل وعُشَّاق الحَقِّ ما لاحت الأصباح، وروَّحت الرياح.

هذا، وما عتَّمت عشيَّة الثاني عشر مِن مُحرَّم، إلاّ وعادت إلى أرياف كربلاء عشائرها، الضاعنة عنها بمُناسبة القتال، وقُطَّان نينوى والغاضريَّات مِن بَني أسد، وفيهم كثير مِن أولياء الحسين (عليه


السلام)، وقليل مَن اختلطوا برَجَّالة جيش الكوفة، فتأمَّلوا في أجساد زكيَّة، تَرَكَها ابن سعد في السُّفوح، وعلى البطاح، تَسفي عليها الرياح، وتساءلوا عن أخبارها العُرفاء، فما مَرَّت الأيّام والأعوام، إلاَّ والمـَزارات قائمة عليها، والخيرات جارية، والمـَدائح تُتلى، والحَفلات تتوالى، ووجوه العُظماء على أبوابها، وتيجان المـُلوك على أعتابها، وامتدَّت جاذبيَّة الحسينعليه‌السلام وصَحبه، مِن حَضرة الحائر، إلى تُخوم الهند والصين، وأعماق العَجم، وما وراء التُّرك والدَّيلم، يُردِّدون ذِكرى فاجعته، بمَمرِّ الساعات والأيَّام، ويُقيمون مأتمه في رِثائه ومواكب عزائه، ويُجدِّون في إحياء قضيَّته في عامَّة الأنام، ويُمثِّلون واقعته في مَمرِّ الأعوام.

هذا بعض ما فاز به حسين النهضة، مِن النَّصر الآجل، والمـُظفَّريَّة في المـُستقبل( ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .

أمَّا الحزب السُّفياني، فقد خاب فيما خاله، وخَسرت صَفقته، وذاق الأمرَّين بعد مَقتل الحسينعليه‌السلام ، في سبيل تهدئة الخَواطر، وإخماد النوائر، حتَّى صار يُعالج الفاسد بالأفسد، ويَستجير مِن الرمضاء بالنار: كقيامه باستباحة مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإخافة أهلها، وقتاله ابن الزبير في مَكَّة حَرم الله والبلد الأمين، حتَّى حاصروه ورموه بالمـَنجنيق، وقطعوا سُبُل الحَجِّ على المسلمين، وهَتكوا مُعظم شعائر الدين.

وبعد أوآنٍ نهض المـُختار الثقفي، وزعماء التوَّابين العِراقيِّين، طالبين ثار الحسينعليه‌السلام ؛ فقتلوا ابن زياد، وابن سعد وأشياعهما شَرَّ قتلة، وأهلكوا شِمراً بكلِّ عَذاب، وأحرقوا حرملة


حيَّاً، وتتبَّعوا قَتَلَة الحسينعليه‌السلام ومُحاربيه، في كلِّ دَيْر ودار، وقتلوهم تحت كلِّ حَجر ومَدر، وأصلوهم الحَميم والجَحيم، واستجاب الله دعوة الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء؛ إذ قال: (وسَلِّط عليهم غُلام ثَقيف، يَسقيهم كأساً مُصبَّرة) إلى آخره.

ولم تَزل عليهم ثائرةٌ أثر ثائرة، ونَائرة حرب تِلو نائرة، حتَّى أذِن الله سبحانه بزوال مُلك أُميَّة، وسقوط دولة بَني مروان، على يدي السفَّاح الهاشمي العبَّاسي، أحمد، وأخيه محمد، ابني عبد الله، والقائد الباسل أبي مُسلم الخُراساني، وثِلَّة مِن فُحولة هاشم؛ فثَلَّت عُروش تلك الدولة الجائرة، ودَكَّت أركان حكومتها الغَدَّارة، واستأصلوا شأفتهم، وأبادوهم رِجالاً ونِساءً، حتَّى لم يَبقَ منهم آخذ ثارٍ، ولا نافخ نارٍ، وأحرقوا مِن آثارهم حتَّى الرَّميم المـَنبوش، ولُعنوا حيثما ذكروا، وقُتِّلوا أينَما ثُقِّفوا؛ فتَجِد حتَّى اليوم قبر يزيد الجَور في عاصمة مُلكِه، كومَة أحجار، ومَسبَّة المارَّة، لا يُذكَر في شرق الأرض وغربها، إلاَّ بكلِّ خِزيٍ وعار، هذه عاقبة الجائِر الفاجِر، وتلك عُقبى المـُجاهد الناصح.

( ... إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .


مَصادر التصنيف

1 - مُروج الذهب، علي بن الحسين المـَسعودي، المـُتوفَّى سنة 335 هِجريَّة.

2 - مَقاتل الطالبيِّين، أبي الفرج علي بن الحسين الأُمَويُّ المـَرواني الأصفهاني، المـُتوفَّى سنة 336 هِجريَّة.

3 - الإرشاد، الشيخ المـُفيد محمد، المـُتوفَّى سنة 413 هِجريَّة.

4 - تاريخ الطبري، أبي جعفر محمد بن جُرير الطبري، المـُتوفَّى سنة 310 هِجريَّة.

5 - العقد الفريد، ابن عبد ربَّه المغربي، المـُتوفَّى قبل سنة 328 هِجريَّة.

6 - وغير ذلك مِن الكُتب الـمُؤلَّفة قبل سنة 400 للهِجرَة.


الفهرس

تَرجمة المؤلِّف 3

النَّهضة الحسينيَّة9

الحسين رَمز الحَقِّ والفَضيلة12

الحركات الإصلاحيَّة الضروريَّة14

آثار الحَركة الحسينيَّة15

الفَضيلة18

مبادئ قضيَّة الحسين عليه‌السلام 19

حركات أبي سُفيان 21

مُعاوية وتعقيباته24

تأثُّرات الحسين الروحيَّة26

كيف يُبايع الحسين عليه‌السلام 28

البيعة ليزيد 31

نَظرة في هِجرة الحسين عليه‌السلام 35

هِجرة الإمام مِن مدينة جَدِّه39

الهِجرة الحسينيَّة وانقلابات حَول الستِّين 40

الحسين وابن الزبير 43

وضعيَّة الإمام في مَكَّة45

الحسين عليه‌السلام يَختار الكوفة47

بنو أُمية والخطر الحسيني 49

الكوفة في نَظر الحسين عليه‌السلام 52

خُروج الحسين عليه‌السلام مِن مَكَّة54

ابن زياد على الكوفة58

مَقتل مُسلم وهاني 61

الإمام ونَعْيُ مُسلم66


استعداد ابن زياد70

الرياحي يَمنع الحسين عليه‌السلام 72

الكوفة تُقاد إلى الحرب 75

وِلاية ابن سعد وقيادته77

منزل الحسين عليه‌السلام بكربلاء80

جُغرافيَّة كربلاء القديمة82

الإمام مَصدود مَحصور84

الحسين مُستميت ومُستميتٌ مَن معه88

رُسُل السلام ونَذير الحرب 92

حَول مُعسكر الحسين عليه‌السلام 94

عُطاشى الحرب في الشريعة96

اهتمام الإمام بالمـَوعظة والنصيحة99

الحسين عليه‌السلام يَنعى نفسه لأخته102

السباق إلى الجَنَّة106

مَقتل عليٍّ شِبْه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم 109

توبة الحُرِّ وشهادته113

أصدق المـَظاهر الدينيَّة116

الطفل الذبيح 120

العَطش ومَقتل العبَّاس 123

الشجاعة الحُسينيَّة126

مَصرع الإمام ومَقتله129

بعد مَقتل الحسين عليه‌السلام 132

مَصادر التصنيف 136

الفهرس 137


نهضة الحسين (عليه السلام)

نهضة الحسين (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 138