الحسين (عليه السلام) ريحانة النبي (صلى الله عليه وآله)

مؤلف: الشيخ كمال معاش
الإمام الحسين عليه السلام







بسم الله الرحمن الرحيم

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس

أهل البيت ويطهركم تطيراً

صدق الله العلي العظيم

قالت عائشة خرج النبي (ص) غداةً وعليه مرط مرحل(1) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

_________________

(1) مرط مرحل: المرط: كساء المرحل: هو الموش المنقوش عليه صور رحال الابل.

(2) صحيح مسلم ج 5ص 37 ح 2424 باب فضائل أهل البيت النبي (ص) شواهد التنزييل ج 2ص 33ح 676 المستدرك على الصحيحين ج 3ص 147 وفيه (هذا حديث صحيح) ينابيع المودة: ص 124 سنن البيهقي: ج 2 ص 149 ورواه ابن جرير في تفسيره ج 22 ص 5.


قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:

الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(1)

اللهم اني أحبهما فأحبهما(2)

ويل للمكذبين بفضلهم(3)

_________________

(1) سنن الترمذي: ج 5ص 656 ح 3768 باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام.

(2) صحيح البخاري: ج 3ص 1369 ح 3537 باب مناقب الحسن والحسين (رضى الله عنهما).

(3) كنز العمال: ج 12ص 98 ح 34161.


المقدّمة

بقلم: انطون بارا

اُهزوجة حبّ لقمر كربلاء

ما سرّ هذا الألق الروحي الجاذب للنفوس النزّاعة لقدسية كربلاء وكيف نفهم ما تعنيه ثورة سيّد الشهداء إذا لم نكن حسينيين قلباً وقالباً؟!

ومن رحاب حبّ الشهيد الحسينعليه‌السلام تطلّ المحبّة الفوّاحة ناشرة ضياءها بين السطور ساطعة أنوارها خلف الكلمات توحي لمسطّرها روعة ما قام به سبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتصوّر لسريرته النقيّة هلع السرائر والحنايا من هول الفاجعة.

ملحمة إنسانيّة روحانية لم يشهد لها التاريخ شبيهاً رقت درجات فوق مستوى الملحمة؛ لأنّها استمدّت عزمها من عزم عترة النبي وآل بيته الأخيار فكانت هزَّة مهَّدت لثورة روحيّة تُذكِّر المسلمين خاصّة والمؤمنين عامّة بمعنى أنّه ينتصب المؤمن كالطود الصلب في وجه المتاجرين بالدين وموقظي الفتنة لأغراض دنيويّة ليست بذات قيمة حيال استمرارية صفاء الشريعة والسنّة قرناً بعد قرن مجلّلة بالغار وهادية بالحقّ؛ لأنّ خير الأمم أُمّة هُدِيتْ إلى الحقّ فهدت به والتزمته بالعدل(1) .

_________________

(1) لاحظ نصوص الآيات الواضحة لقوله تعالى:( وممّن خَلقْنا أُمةٌ يهدون بالحقّ وبه يعدلون ) . سورة الأعراف: الآية 181.


ومن هذا الفهم لأهمّية هداية الحقّ ننظر إلى اجتهاد الشيخ كمال معاش في كتابه (الحسين ريحانة النبي) حيث قدّم إضافة متواضعة لخدمة أهداف كربلاء؛ ليكون من الحائزين لنعمة المنافحة عن هيوليّة حركته العظيمة التي وزّعت سناها على توالي القرون كما توزّع بلّورة صافية ضوء الشمس المنعكس عليها فتتداعى إليها القلوب وتشخص ناحيتها الأبصار؛ تيمّناً بقول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح مَنْ ركبها نجا ومَنْ تخلّف عنها هلك - أو غرق -)(1) .

والمقصود في هذا القول الكريم ليس مَنْ ركبها ركوباً ماديّاً في حينها أو تخلّف عنها في ساعتها بل يشمل هذا المغزى كافّة الأجيال التالية التي تستلهم سيرة أهل البيتعليهم‌السلام وتسير على هديها فتكون كمَنْ تركب سفينتها لتنجو في أيّ وقت صحت عزيمتها. ومَنْ ينافح عن مصداقيّة حركة الحسينعليه‌السلام بقلمه وفكره ووجدانه بعد أربعة عشر قرناً من حدوث الملحمة يكون كمَنْ شارك فيها حقّاً باسترجاعه لمبادئها ورفضه لمنطق الهدم وبذلك يكون بمقياس المعنى النبوي المقصود مشاركاً كالقاسم وأخيه العباس وإخوته وآل عقيل وعابس والحجّاج وسويد وبرير والحرّ وكلّ الذين جاهدوا جهاداً ماديّاً إلى جانب الحسينعليه‌السلام وسقوا غرسه الشهادة في صحراء كربلاء بدمائهم الزكية. وقد أخرج ابن ماجة وأبو يعلى عن الحسينعليه‌السلام قوله: «سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ما من مسلم تُصيبه مصيبة وإن قدم عهدها فيحدث لها استرجاعاً إلاّ أعطاه الله ثواب ذلك».

والمؤلّف الشيخ كمال يهدي سطوره المتواضعة إلى مَنْ تربته جُعلت للشفاء إلى مَنْ نظر إليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ففاضت عيناه بالدموع ويؤكّد في مقدّمته حقيقة خالدة بقوله: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يكن رجل حرب أو مجرّد بطل مواقف

_________________

(1) كنزل العمال: ج 12 ص 98 ح 34169 مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 104.


وميادين فحسب بل نتج عن نهضته الرائدة مسيرة عباديّة جهاديّة سياسيّة تظلّلت في ظلّ مبادئ مقدّسة مستوحاة من روح نصوص الشريعة الإلهية. وهذا القول يتّفق مع ما أوردته في كتابي (الحسين في الفكر المسيحي)(1) من أنّ واقعة كربلاء لم تكن موقعة عسكرية انتهت بانتصار وانكسار بل كانت رمزاً لموقف أسمى لا دخل له بالصراع بين القوّة والضعف بين العضلات والرماح بقدر ما كانت صراعاً بين الشكّ والإيمان بين الحقّ والظلم.

يقول الحسينعليه‌السلام : «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». وفي هذا الإعلان انسجام الإنسان مع الحقّ. وقد آثر الحسينعليه‌السلام صلاح أُمّة جدّه الإنسانيّة الهاديّة بالحقّ العادلة به على حياته فكان في عاشوراء رمزاً لضمير الأديان على مرّ العصور فاستشهاده وسيرته عنوان صريح لقيمة الثبات على المبدأ ولعظمة المثالية في أخذ العقيدة وتمثّلها.

فالشكر كلّ الشكر للشيخ كمال معاش على مسعاه( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (2)

انطون بارا

الكويت 27 / 7 / 2001 م

_________________

(1) الحسين في الفكر المسيحي: ص 173 وما بعدها.

(2) سورة التوبة: الآية 105.



مقدّمة المؤلّف

عندما نتأمّل شخصية الإمام الحسينعليه‌السلام في التاريخ نراها شخصية متميّزة سواء في أخلاقه أو أفعاله أو أقواله أو صمته أو مواقفه كلّ ذلك يدفعنا إلى تأمّلات ثاقبة من خلال أحاديثه العطرة والتي هي بلسم للقلوب. لا شكّ أنّ القرآن الكريم معجزة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بينما الحسينعليه‌السلام هو صوت القرآن وحركته التي قادها وجسّدها على أرض الواقع بطفّ كربلاء حركة قرآنية ورسالية وثورة إنسانيّة.

ومن الخطأ أن نفكّر بأنّ الحسينعليه‌السلام كان حكراً على طائفة وإنّما هو إمام لكلّ المسلمين؛ لأنّه استشهد من أجل دين الله ودفاعاً عن حقوق العباد بل هو حامل رسالة جدّه الحبيب المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو للعالم أجمع بمختلف أديانه ومذاهبه وطوائفه وطبقاته إنّه لملايين البشر؛ لأنّ البشرية عقدتْ آمالها على شخصيّته وإنسانيتهعليه‌السلام ؛ لأنّ رسالته رسالة إنسانيّة قبل كلّ شيء.

ولم يكن الإمام الحسينعليه‌السلام رجل حرب أو مجرّد بطل مواقف وميادين فحسب كما لم تكن واقعة كربلاء حادثة عابرة في التأريخ وإنّما اقترن الحسينعليه‌السلام وحركة نهضته الرائدة بهدف سام أعلى نتجت منه مسيرة عبادية جهاديّة سياسيّة تظلّلت في ظلّ مبادئ مقدّسة مستوحاة من روح نصوص


الشريعة الإلهية والرسالة المحمديّة. لقد أراد الحسينعليه‌السلام أن يحرّرنا من عبودية الطاغوت إلى عبودية الله سبحانه وتعالى؛ ليُعبِّر عن إرادته وكرامته ولكي نتنفّس الحرية بكلّ طلاقة كما قال أبوه عليعليه‌السلام : «ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً»(1) .

وقد سار الإمام الحسينعليه‌السلام على نهج جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ لينقذ الأمّة من براثن الجهل والظلمات إلى عالم النور.

وبدورنا نقدّم هذه الأوراق الحسينيّة المتواضعة إلى سيدي ومولاي حجّة الله على الأرض أبي عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام ؛ ليكون لنا ذخراً وشرفاً وشفاعة في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَنْ أتى الله بقلب سليم.

المؤلّف

6 / ذو القعدة / 1421 هـ

Kamal-m@maktoob.com

_________________

(1) نهج البلاغة ص 401، من وصية له لابنه الحسنعليهما‌السلام رقم 31 / 87.


شخصيّة الحسينعليه‌السلام



الإمام الحسينعليه‌السلام شخصية مثالية متميّزة ليس لها في الوجود نظير؛ فقد تغذّى في حجر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله العطف والحبّ والحنان وفي ظلّ أُمّه فاطمة الزهراءعليها‌السلام وجد الأُمومة الرؤوفة وهي مهجة قلب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وترعرع مع أبيه عليعليه‌السلام ومنه تلقّى الرعاية والعناية والمعرفة وعاش مع إخوته وأولاده أعواماً مليئة بالحبّ المتبادل والاحترام المقدّس.

وبعبارة أُخرى: إنّه تخرّج من جامعة الحبيب المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام حيث شملتهم العناية الإلهية بقوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

وحديث الكساء أكبر شاهد على مكانتهم ومنزلتهم عند الله تعالى وكتب وأحاديث أهل السُنّة تُصرّح بذلك والتي منها: عن أُمّ سلمة أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جَلَّلَ على الحسن والحسين وعليٍّ وفاطمة كساءً ثمّ قال: (اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً). فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: (إنّكِ إلى خير). قال: هذا حديث حسن وهو أحسن شيءٍ رُويَ في هذا الباب(2)

____________________

(1) سورة الأحزاب: الآية 33.

(2) المعجم الصغير: ج 1 ص 176 ح 177، سنن الترمذي: ج 5 ص 699 ح 3871، ص


وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن فاطمة الزهراءعليها‌السلام قالت: «... فقال اللهعزوجل : يا ملائكتي ويا سُكّانَ سماواتي إنِّي ما خلقتُ سماءً مَبنْيَّةً ولا أرضاً مَدْحِيَّةً ولا قَمَراً مُنيراً ولا شَمْساً مُضيئةً ولا فَلَكاً يَدُور ولا بَحْراً يَجْري وَلا فُلْكاً يَسْري إلاَّ في مَحَبَّةِ هؤلاءِ الخَمْسَةِ الذين هُمْ تحت الكِساءِ. فَقَال الأمينُ جَبرائيل: يا رَبِّ وَمَنْ تحت الكِساء؟ فقالعزوجل : هم أهلُ بيتِ النبوَّةِ وَمَعْدِنُ الرِّسالةِ؛ هُمْ فاطمةُ وأَبوها وَبَعْلُها وَبَنُوها ...»(1) .

وأحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ ولديه الحسن والحسينعليهما‌السلام شاهدة على علاقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بهما ومنها التي رواها أهل السُنّة في صحاحهم وكتبهم.

منها: عن الحسين بن عليعليهما‌السلام قال: «دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعنده أُبيّ بن كعب فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرض. قال أُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ قال: يا أُبيّ والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض وإنّه المكتوب على يمين العرش أنّه مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام غير وهن وعزّ وفخر وعلم وذخر. وإنّ اللهعزوجل ركّب في صلبه نطفة مباركة طيّبة زكيّة خُلقت من قبل أن

____________________

663 ح 3787، سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 384، بغية الطلب: ج 6 ص 2580، انظر المعجم الكبير وفيه وحامتي: أي خاصة الرجل من أهله وولده وذوي قرابته، حامة الإنسان: خاصته ومَنْ يقرب منه، لسان العرب: ج 12 ص 153 م.

(1) مفاتيح الجنان: ص 405 حديث الكساء، ينابيع المودّة: ص 125.


يكون مخلوق في الأرحام ما يدعو بهنَّ مخلوق إلاّ حشره اللهعزوجل معه وكان شفيعه في آخرته وفرّج الله عنه كربه وقضى بها دينه ويسَّر أمره وأوضح سبيله وقوّاه على عدوّه ولم يهتك ستره ...)(1) .

عن أنس بن مالك قال: كتب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لرجل عهداً فدخل الرجل يسلِّم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي فرأى الحسن والحسين يركبان على عنقه مرَّة ويركبان على ظهره مرَّة ويمرّان بين يديه ومن خلفه. فلمّا فرغصلى‌الله‌عليه‌وآله من الصلاة قال له الرجل: ما يقطعان الصلاة؟ فغضب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: «ناوِلْني عَهْدَك». فأخذه ومزَّقه ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ لم يرحم صغيرنا ولم يُوَقِّر كبيرنا فليس منّا ولا أنا منه»(2) .

عن مدرك بن زياد قال: كنت مع ابن عباس في حائطٍ فجاء الحسن والحسينعليهما‌السلام فسألا الطعام فأكلا ثمّ قاما فأمسك لهما ابن عباس الركاب فقلت: أتمسك الركاب لهذين وأنت أكبر منهما؟ فقال: ويحك! هذان ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوَ ليس هذا ممّا أنعم الله عليَّ به أن أمسك لهما واُسوّي عليهما(3) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سمّى هارون ابنيه شبّراً وشبيراً وإنّي سمّيت ابني الحسن والحسين بما سمّى به هارون ابنيه»(4) .

____________________

(1) فرئد السمطين: ج 2 ص 155، ح 447.

(2) ذخائر العقبى: ص 229.

(3) فرائد السمطين: ج 2 ص 72 ح 395.

(4) المعجم الكبير: ج 3 ص 97 - 2778، كنز العمال: ج 12 ص 117 - 34271، انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 2 ص 159 ح 769، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1


في حديث أسماء بنت عميس في مجيء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيت فاطمة عندما ولد الحسينعليه‌السلام قالت أسماء: فجاءني النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: «يا أسماء هلّمي بابني». فدفعته في خرقة بيضاء فأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ووضعه في حجره وبكى.

قالت أسماء: قلت: فداك أبي وأُمّي! ممَّ بكاؤك؟ قال: «على ابني هذا». قلت: ولد الساعة وتبكيه؟! قال: «يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي». ثمّ قال: «يا أسماء لا تُخبري فاطمة بهذا؛ فإنّها قريبة عهد بولادة». ثمّ قال لعليّ: «أيّ شيء سمَّيت ابني؟». فقال: «ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله ...». قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ولا أنا أسبق باسمه ربّي».

ثمّ هبط جبرئيلعليه‌السلام فقال: يا محمد العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول: «عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون». قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وما اسم ابن هارون؟» قال: شبير. قال: «لساني عربيّ يا جبرئيل». قال: سمّه الحسين(1) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة ما سُمّيت العرب بهما في الجاهليّة»(2) .

____________________

ص 384، أنساب الاشراف: ج 3 ص 144، المعجم الكبير: ج 3 ص 96 ح 2773، الأغاني: ج 16 ص 145، أسد الغابة: ج 2 ص 24، ذخائر العقبي: 208، تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 118 ج 3411، بغية الطلب: ج 6 ص 2566.

(1) فرائد السمطين: ج 2 ص 103 ح 412.

(2) الصواعق المحرقة: ص 192.


عن أبي رافع عن أبيه قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أذّن في أُذن الحسين حين ولدته فاطمةرضي‌الله‌عنها (1) .

عن عبد العزيز بإسناده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالساً فأقبل الحسن والحسين فلمّا رآهماصلى‌الله‌عليه‌وآله قام لهما واستبطأ بلوغَهُما فاستقبلهما وحملهما على كتفيْه وقال: «نِعْمَ المطيُّ مطيُّكما ونِعْمَ الراكبان أنتما»(2) .

عن ابن عباس قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حامل الحسين بن علي على عاتقه فقال رجل: نِعْمَ المركب ركبت يا غلام. فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ونِعْمَ الراكب هو»(3) .

عن جابر قال: دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يصلّي والحسن والحسين على ظهره وقلت: نعم الجمل جملكما. ولمّا فرغ قال: «نعم نِعمَ العدلان أنتما»(4) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا»(5) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: ج3 ص 179.

(2) ذخائر العقبى: ص 226.

(3) سنن الترمذي: ج 5 ص 661 ح 3784: سير أعلام النبلاء ج 4 ص 385 رقم 270 ينابيع المودّة: ص 262، ص 194 اُسد الغابة: ج2 ص 16.

(4) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 385؛ ينابيع المودّة: ص 263 مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 99؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2574.

(5) الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ الفصول المهمة: ص 152؛ ينابيع المودّة: ص


وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خيرُ رجالكم علي بن أبي طالب وخيرُ شبابكم الحَسَن والحُسَيْن وخير نسائكم فاطمة بنت محمد»(1) .

عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: «بايع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وهم صغار ولم يُبايع قطّ صغيرٌ إلاّ همعليهم‌السلام »(2) .

وروي عن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «اصطرع الحسن والحسينعليهما‌السلام بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إيهاً حسن. فقالت فاطمةعليها‌السلام : يا رسول الله استنهضت الكبير على الصغير! فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : هذا جبرائيلعليه‌السلام يقول للحسين: إيهاً حسين خذ الحسنعليه‌السلام »(3) .

فشخصية الحسينعليه‌السلام وهو فتىً كانت بلا حدود وقد ورثها من جدّه وأبيه وأُمّه وأخيهعليهم‌السلام فكانت قوّته وجرأته قد ظهرت منذ صباه؛ فقد ورد عن الحسين بن عليعليه‌السلام أنّه قال: «أتيت عمر بن الخطاب وهو يخطب على المنبر فصعدت إليه فقلت له: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك. فقال عمر:

____________________

193؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 129 ح 3419؛ كنز العمال: ج 12 ص 113 ح 34251؛ النهاية: ج 2 ص 288.

(1) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 167 ح 3505؛ كنزالعمال: ج 12 ص 102 ح 34191.

(2) العقد الفريد: ج 4 ص 351؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 180 ح 3517.

(3) الفصول المهمة: ص 169 الاصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ ذخائر العقبي: ص 233؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 165 ح 3500؛ سير أعلام النبلاء: ج 4ص 405 رقم: 270؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 105؛ أسد الغابة: ج 2 ص 26؛ نور الأبصار: ص 221.


لم يكن لأبي منبر منبر أبيك والله لا منبر أبي. ثمّ قال لي: مَنْ علّمك هذا؟ فقلت: والله ما علّمني أحد. فقال: لا تزال تأتينا. فجئت يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر على الباب فرجعت فلقيني فقال: ألم أقل لك تأتينا؟ قلت: قد جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر على الباب. قال: أفأنت مثل ابن عمر؟ وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلاّ الله ثمّ أنتم؟ إذا جئت فلا تستأذن»(1) .

كلّ هذا إشارة إلى أهليتهم للإمامة والخلافة وهم صغار؛ لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». وقول الحسينعليه‌السلام لعمر كلام خطير للغاية حيث نبّهه على عدم التصدّي للخلافة؛ لأنّ صعود المنبر معناه تزعّم الخلافة.

عن هشام بن محمد قال: لمّا أُجري الماء على قبر الحُسَيْن نضب بعد أربعين يوماً وامتُحي أثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمّه حتى وقع على قبر الحسين وبكى وقال: بأبي وأُمّي! ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً! ثمّ بكى وأنشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبرهُ عن وليِّه

فطيبُ ترابِ القبرِ دلّ على القبرِ(2)

____________________

(1) تهذيب التهذيب: ج 3 ص 436؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333؛ ينابيع المودة: ص 197؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 157 ح 3517؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 145؛ سيرأعلام النبلاء: ج 4 ص 405 - 270، وفيه (أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا) تهذيب الكمال: ج 6 ص 404؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2584.

(2) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 245 ح 3547؛ سير اعلام النبلاء: ج 3 ص 317 وفيه: (انمحى بدل امتحى) كفاية الطالب: ص 397؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 444؛ بغية


وأمّا نظمهعليه‌السلام فمن ذلك ما نقله عنه ابن أعثم صاحب كتاب الفتوح وهو أنّهعليه‌السلام لمّا أحاطت به جموع ابن زياد (لعنه الله)(1) وقتلوا مَنْ قتلوا من

____________________

الطلب: ج 6 ص 2657.

(1) اللعن في اللغة: هو الطرد والإبعاد من الخير ولعنهم الله: أي طردهم وأبعدهم من رحمته. واللعن في القرآن الكريم بمعنى الطرد من رحمة الله وقيل اللعن: هو العذاب وقيل: الدعاء. واللعين: هو الشيطان؛ لأنّه أبعد من رحمة الله. وهناك فرق بين السب واللعن لغوياً مع أنّ كثيراً من الناس خلطوا بينهما؛ حيث اعتبروا اللعن هو السب.

وأمّا السب: بمعنى الشتم أي شتمه شتماً وجيعاً أي نال من عرضه. وحتى النظر يأتي بمعنى السب إذا كان نظر شامت. وفي القرآن الكريم يوجد أكثر من أربعين آية في اللعن وإن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على مشروعية اللعن وجوازه بل ورد الاستحباب به. ومن الآيات قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) . سورة الأحزاب / 57( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) سورة البقرة: الآية 159 (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) سورة هود: الآية 18. وأمّا الروايات في اللعن منها:

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ملعون ملعون مَنْ سبّ أباه ملعون ملعون مَنْ سبّ أُمّه ملعون ملعون مَنْ عمل عمل قوم لوط ملعون ملعون مَنْ أغرى بين بهيمتين ملعون ملعون مَنْ غيَّر تخوم الأرض ملعون ملعون مَنْ كمه أعمى عن الطريق». تاريخ بغداد: ج 4 ص 330 ح 2146؛ ميزان الاعتدال: ج 1 ص 106 ح 420.

عن أبي يحيى قال: كنت يوماً مع الحسن والحسين فسبّهما مروان سبَّاً قبيحاً حتى قال: والله إنّكم أهل بيت ملعونون. فقال الحسن والحسين أو أحدهما: «والله والله والله لقد لعنك الله على لسان نبيّه وأنت في صلب الحكم». فسكت مروان. المطالب العالية: ج 4 ص 329 ح 4522.

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم». تاريخ بغداد: ج 10 ص 254 ح 5370.


أصحابه ومنعوهم الماء كان له ولد صغير فجاءه سهم فقتله فرمّله الحسينعليه‌السلام وحفر له بسيفه وصلّى عليه ودفنه وقال شعراً منه:

غدرَ القومُ وقدماً رغبوا

عن ثوابِ اللهِ ربِّ الثقلين

قتلوا قدماً علياً وابنه

حسنَ الخيرِ كريمِ الأبوين

حسداً منهم وقالوا أقبلوا

نقتلُ الآن جميعاً للحسين

خيرةَ اللهِ من الخلقَ أبي

ثمّ أُمّي فأنا ابن الخيرتين

فضةٌ قد صُفيت من ذهبٍ

فأنا الفضةُ وابنُ الذهبين

مَنْ لهُ جدّ كجدّي في الورى

أو كشيخي فأنا ابن القمرين

فاطمُ الزهراءِ أُمّي وأبي

قاصمُ الكفرَ ببدرٍ وحنين(1)

____________________

عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «شارب الخمر ملعون في التوراة والإنجيل والقرآن». كتاب فردوس الأخبار: ج 2 ص 507 ح 3427.

عن جابر قال: لعن رسول الله آكل الربا ومُوكِلَهُ وكاتبه وشاهديْه وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هم سواء». صحيح مسلم: ج 3 ص 407 ح 1598 - باب لعن آكل الربا ومؤكله.

عن أبي سعيد: لعن رسول الله الفاعل والمفعول به وأنا منهم بريء. ميزان الاعتدال: ج 2 ص 50 ح 2780

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ تغوّط على ضفة نهر يُتَوضأ منه ويُشرب فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». تاريخ بغداد: ج 8 ص 356 ح 4456.

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ لم تكن عنده صدقة فليلعن اليهود؛ فإنّها صدقة له». تاريخ بغداد: ج 1 ص 258 ح 87.

راجع كتابنا أهل البيتعليهم‌السلام - امتداد القرآن الفصل الخامس مشروعية اللعن [المؤلّف].

(1) الفصول المهمة: ص 177 مقتل الحسين - لأبي مخنف: ص 134 وفيه: بعد جدّي فأنا ابن الخيرتين. كتاب الفتوح: ج 5 ص 210؛ نور الأبصار: ص 242.



أخلاق الحسينعليه‌السلام



من صفات المعصوم القائد والإمام الاتصاف بالخُلق الرفيع وهذه ميزة متجسّدة في خُلق الإمام أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام ؛ باعتباره صاحب مسيرة كبرى لتركيز إسلام جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وفيما يلي بعض ما روي في هذا الباب:

روى عن الحسن بن على قال: وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها فدُلَّ على الحسينعليه‌السلام فدخل المسجد فوجده مصلّياً فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يخب الآن مَنْ رجاكَ ومَنْ

حرَّكَ من دون بابكَ الحلقهْ

أنتَ جوادٌ وأنتَ معتمدٌ

أبوكَ قد كانَ قاتلَ الفسقهْ

لو لا الذي كانَ من أوائلكمْ

كانت علينا الجحيمُ منطبقهْ

قال: فسلَّم الحسينعليه‌السلام وقال: «يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شيء؟» قال: نعم أربعة آلاف دينار. فقال: «هاتها؛ قد جاء مَنْ هو أحقٌّ بها منّا». ثمّ نزع بُرديه ولفَّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقِّ الباب؛ حياءً من الأعرابيِّ وأنشأ:

خذها فإنّي إليكَ معتذرٌ

واعلم بأنّي عليك ذو شفقهْ


لو كانَ في سيرنا الغداةَ عصاً

أمست سمانا عليكَ مندفقهْ

لكنَّ ريبَ الزمانِ ذو غِيَرٍ

والكفُّ منِّي قليلةُ النفقهْ

قال: فأخذها الأعرابيُّ وبكى فقال له: «لعلّك استقللت ما أعطيناك؟». قال: لا ولكن كيف يأكل التراب جودك؟ وولّى وهو يقول:

مُطهرونَ نقياتٌ جيوبهمُ

تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا

وأنتمُ أنتمُ الأعلونَ عندكمُ

علمُ الكتابِ وما جاءت بهِ السورُ

مَنْ لم يكن علوياً حينَ تنسبهُ

فما لهُ في جميعِ الناسِ مفتخرُ(1)

ومن أخلاقهعليه‌السلام : مرَّ الحسين بمساكين يأكلون في الصفة فقالوا: الغداء. فنزل وقال: «إنّ الله لا يحبّ المتكبّرين». فتغدّى معهم ثمّ قال لهم: «قد أجبتكم فأجيبوني». قالوا: نعم. فمضى بهم إلى منزله فقال للرباب: «أخرجي ما كنت تدّخرين»(2) .

قال أنس: كنت عند الحسينعليه‌السلام فدخلتْ عليه جارية فحيّته بطاقة ريحان فقال لهاعليه‌السلام : «أنت حرّة لوجه الله». فقلتُ له: تجيئك جارية تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟! قالعليه‌السلام : كذا أدّبنا الله قال الله:( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) وكان أحسن منها عتقها ) (3) .

عن علي بن موسى عن آبائهعليهم‌السلام : «أنّ الحسين بن علي دخل المستراح

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 185 ح 3517؛ مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 65؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2593.

(2) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 181 ح 3517.

(3) الفصول المهمة: ص 175.


فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له فقال: يا غلام اذكرني هذه اللقمة إذا خرجت. فأكلها الغلام فلمّا خرج الحسين قال: يا غلام اللقمة. قال: أَكلتها يا مولاي. قال: أنت حرّ لوجه الله تعالى. فقال له رجل: اعتقته يا سيدي؟! قال: نعم سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَنْ وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح وغسل منها ما غسل وأكلها لم يسغها في جوفه حتّى يعتقه الله من النار ولم أكن لأستعبد رجلاً أعتقه الله من النار»(1) .

رويَ أنّ أعرابياً من البادية قصد الحسينعليه‌السلام فسلَّم عليه فردّعليه‌السلام فسأله حاجة وقال: سمعت جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إذا سألتم حاجةً فاسألوها من أحد أربعة؛ إمّا من عربي شريف أو مولى كريم أو حامل القرآن أو ذي وجه صبيح». فأمّا العرب فشرفت بجدّك وأمّا الكرم فدأبكم وسيرتكم وأمّا القرآن ففي بيوتكم نزل وأمّا الوجه الصبيح فإنّي سمعت جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين». فقال الحسين له: «ما حاجتك؟». فكتبها على الأرض فقال له الحسينعليه‌السلام : «سمعت أبي علياًعليه‌السلام يقول قيمة كلّ امرئ ما يحسنه وسمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث خصال؛ فإن أجبتني عن واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبتني عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبتني عن الثلاث فلك كلّ ما عندي وقد حملت إليَّ صرّة مختومة وأنت أولى بها». فقال: سل عمّا بدا لك؛ فإن أجبت وإلاّ

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 / 148؛ ذخائر العقبى: ص 231.


تعلّمت منك فأنت من أهل العلم والشرف ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

فقال الحسينعليه‌السلام : «أي الأعمال أفضل؟».

قال: الإيمان بالله والتصديق برسوله.

قالعليه‌السلام : «فما نجاة العبد من الهلكة؟».

قال: الثقة بالله.

قالعليه‌السلام : «فما يزين المرء؟».

قال: علم معه حلم.

قالعليه‌السلام : «فإن أخطأه؟».

قال: فمال معه كرم.

قالعليه‌السلام : «فإن أخطأه ذلك؟».

قال: فقر معه صبر.

قالعليه‌السلام «فإن أخطأه ذلك؟».

قال: فصاعقة تنزل عليه من السماء فتحرقه. فضحك الحسينعليه‌السلام ورمى له بالصرّة وفيها ألف دينار وأعطاه خاتمه وفيه فصّ قيمته مئتا درهم وقالعليه‌السلام : «يا أعرابي أعط الذهب إلى غرمائك واصرف الخاتم في نفقتك». فأخذ ذلك الأعرابي وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته(1) .

هذه الأخلاق العالية لم تصدر من إنسان عادي بل هي أخلاق الأنبياء

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 156.


والأوصياء وإنّها لدليل على أهليته للإمامة والخلافة والرئاسة.

ومن أخلاقهعليه‌السلام : لمّا التقى الحسينعليه‌السلام وأصحابه مع الحرّ بن يزيد التميمي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم فقال الحسين لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشِّفوا الخيل ترشيفاً». فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفاً فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطِّساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس فإذا عبَّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوا الخيل كلّها. ولمّا حضر وقت الصلاة قال الحسينعليه‌السلام للحرّ: «أتريد أن تصلّي بأصحابك؟».

قال: لا بل تصلّي ونصلّي بصلاتك(1) .

نعم هذه أخلاق الحسينعليه‌السلام يسقي أعداءه الماء ويرشّف خيلهم اقتداءً بأبيه عليعليه‌السلام في واقعة صفين عندما استولىعليه‌السلام على الماء سمح لهم بالسقي والشرب بعكس معاوية وأصحابه حينما كانوا مستولين على الماء منعوا علياً وأصحابه منه وهكذا في واقعة الطفّ لمّا أمر عبيد الله بن زياد جيش عمر بن سعد بأن يمنعوا الماء عن الحسين وأصحابه وأهل بيته. وقد تمّ ذلك بالفعل عندما أقبل الحرّ بن يزيد على أهل الكوفة وهو عند الحسينعليه‌السلام فقال: لأُمّكم الهَبل والعُبْر! دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه فصار في

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 3 ص 169؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 302؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 551؛ الأخبار الطوال: ص 249.


أيديكم كالأسير قد حلأتموه ونساءه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس وتتمرّغ فيه خنازير السواد لبئسما خلفتم به محمداً في ذرّيته! فدعوا هذا الرجل يمضي في بلاد الله؛ أما أنتم مؤمنون وبنبوة محمّد مصدّقون وبالمعاد موقنون؟! لا سقاكم الله يوم الظماء(1) .

وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد يأمره أن يمنع الحسين ومَنْ معه الماء فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمئة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام. ونادى ابن حصين الأزدي: يا حسين أما تنظر إلى الماء؟ لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً. فقال الحسينعليه‌السلام : «اللّهمّ اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً». قال: فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء القُلّة ثمّ يقيء ثمّ يعود فيشرب فمازال كذلك حتّى مات. وذكر البلاذري: فمات ابن حصين بالعطش كان يشرب حتّى يبغر(2) فيما يروى فما زال ذاك دأبه حتّى لفظ نفسه(3) .

ويُقال: إنّ عمرو بن الحجّاج قال: يا حسين هذا الفرات تلغ فيه الكلاب وتشرب منه الحمير والخنازير والله لا تذوق منه جرعة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم(4) .

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 3 ص 189؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 326؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 564؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 252.

(2) يبغر: أي كان يشرب إلى أن يمتلئ جوفه من الماء فما يروى ولا يسكن عطشه.

(3) لفظ أنفاسه: أي حتّى مات يُقال: لفظ فلان نفسه.

(4) أنساب الأشراف: ج 3 ص 181؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 556 تاريخ الطبري: ج 4 ص 311.


ونادى المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين ألا ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيّات(1) والله لا تذوقه أو تموت. فقال الحسينعليه‌السلام : «إنّي لأرجو أن يوردنيه الله ويحلئكم(2) عنه»(3) .

هذا موقف معسكر يزيد بن معاوية من الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه لمّا منعوهم الماء وإن دلّ على شيء إنّما يدلّ على قساوة قلوبهم إضافة إلى مروقهم من الدين فبالأمس كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتحمل عطش ولده الحسينعليه‌السلام لمّا طلب منه الماء. وهذا ما رويَ عن جابر قال: كنّا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الحسين بن علي فعطش فطلب له النبي ماء فلم يجده فأعطاه لسانه فمصّه حتّى روي(4) .

____________________

(1) المضبوط في جل المصادر (الحيتان) وهو جمع حوت والكلام كناية عن شعشعة الماء وتموّجه.

(2) يحلئكم: أي يطردكم عنه ويمنعكم عن وروده.

(3) أنساب الأشراف: ج 3 ص 181.

(4) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 152.



كلمات الحسينعليه‌السلام



ومن كلماتهعليه‌السلام التي دوَّت في تاريخ البشرية وكانت مدرسة للأجيال ولكلّ الأحرار والمفكّرين والعظماء بل مدرسة لا يمكن التخلّي عنها هي:

قولهعليه‌السلام : «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درَّتْ معائشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلَّ الديّانون». ثمّ قال لهمعليه‌السلام : «أهذه كربلاء؟». قالوا: نعم. فقالعليه‌السلام : «هذه موضع كرب وبلاء. ها هنا مناخ ركابنا ومحطّ رحالنا ومسفك دمائنا»(1) .

وقولهعليه‌السلام - مخاطباً أصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه -: «أيّها الناس خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخُيِّر لي مصرع أنا لاقيه كأنّي بأوصالي تُقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خطّ بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا أُجور الصابرين. لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته هي مجموعة لنا في حظيرة القدس؛ تقرّ بهم عينه

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 237 بغية الطلب: ج 6 ص 2613.


وينجز لهم وعده. فمَنْ كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معي فأنا راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»(1) .

وقولهعليه‌السلام لمّا خرج من منزله ذات ليلة وأتى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك والثقل الذي خلّفته في أُمّتك فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك صلّى الله عليك»(2) .

وقولهعليه‌السلام في وصية إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمّد بن الحنفيّة المعروف بابن الحنفيّة. إنّ الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله جاء بالحقّ من عنده وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور. وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدُي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة أبي علي بن أبي طالب فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ومَنْ ردَّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين»(3) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 2 ص 5.

(2) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 186؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 396؛ الفصول المهمة: ص 180؛ مقتل الحسين - لأبي مخنف: ص 24.

(3) كتاب الفتوح: ج 5 ص 33.


وقولهعليه‌السلام للوليد بن عتبة والي المدينة عندما طلب من الحسين البيعة ليزيد: «أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الرحمة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع لمثله ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة»(1) .

وقولهعليه‌السلام : «ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والفهود ونحن بقيّة آل الرسول لا والله لا يكون ذلك أبداً»(2) .

وقولهعليه‌السلام لمّا نزل عمر بن سعد بالحسين وأيقن أنّهم قاتلوه: «أمّا بعد إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرّت جدّاً فلم يبقَ منها إلاّ صُبابة كصُبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً»(3) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ص 184؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 18.

(2) نفس المصدر: ص 182.

(3) مجمع الزوائد: ج 9 ص 195؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 114 ح 2842؛ العقد الفريد: ج 4 ص 348؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 305؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 2 ص 5؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 217 ح 3543؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 - 270؛ حلية الأولياء: ج 2 ص 39 - 132؛ ذخائر العقبى: ص 255؛ حياة الصحابة: ج 3 ص 541؛


وقالعليه‌السلام : «أيّها الناس اعلموا أنّ الدنيا دار فناء وزوال مُتغيّرة بأهلها من حال إلى حال. معاشر الناس عرفتم شرائع الإسلام وقرأتم القرآن وعلمتم أنّ محمّداً رسول الملك الديّان ووثبتم على قتل ولده ظلماً وعدواناً. معاشر الناس أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيَّات يشربه اليهود والنصارى والكلاب والخنازير وآل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يموتون عطشاً؟».

وقولهعليه‌السلام يعظ به أهل العراق: «الحمد لله خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال مُتصرّفة بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور مَنْ غرّته والشقي مَنْ فتنته فلا تغرّنكم هذه الدنيا؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها وتُخيّب طمع مَنْ طمع فيها. وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلّ بكم نقمته وجنَّبكم رحمته فنعم الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ إنّكم زحفتم على ذرّيته وعترته تريدون قتلهم! لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم. فتبّاً لكم ولما تريدون! إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين اتقوا الله ربّكم ولا تقتلوني؛ فإنّه لا يحلّ لكم قتلي ولا انتهاك حرمتي؛ فإنّي ابن نبيّكم وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم ولعلّه قد بلغكم قول نبيّكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة»(1) .

____________________

استشهاد الحسين: ص 97.

(4) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 252.


وقولهعليه‌السلام في احتجاجه على أهل الكوفة: «أمّا بعد فانسبوني فانظروا مَنْ أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح ويحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست أنا ابن بنت نبيّكم وابن وصيه وابن عمّه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبما جاء به من عند ربّه؟ أوَ ليس حمزة سيد الشهداء [عمّ أبي]؟ أوَ ليس الشهيد جعفر الطيار في الجنّة عمّي؟ أوَ لم يبلغكم ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ والله ما تعمّدت كذباً مذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله وإن كذبتموني فإنّ فيكم مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي والبراء بن عازب أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لي ولأخي. أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فإن كنتم في شك من هذا أفتشكّون في أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم. ويحكم! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص من جراحة؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقرّ إقرار العبيد»(1) .

وقولهعليه‌السلام : «ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة؛ يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنين،

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج 4 ص 323؛ الكامل في التاريخ: ح 2 ص 561؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 188 وفيه: «ولا أفرّ فرار العبيد» مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 253.


وحجور طابت وحجور طهرت وأُنوف حميّة ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا قد أعذرت وأنذرت ألا وإنّي زاحف بهذه الأُسرة مع قلّة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر وخذلة الأصحاب»(1) .

وقولهعليه‌السلام لعبد الله بن الزبير: «أمّا أنا فلا أُبايع أبداً؛ لأنّ الأمر كان لي بعد أخي الحسن فصنع معاوية ما صنع وكان حلف لأخي الحسن أن لا يجعل الخلافة لأحد من ولده وأن يردّها عليَّ إن كنت حياً فإن كان معاوية خرج من دنياه ولم يفِ لي ولا لأخي بما ضمن فقد جاءنا ما لا قرار لنا به. أتظن أبا بكر أنّي أُبايع ليزيد ويزيد رجل فاسق معلن بالفسق يشرب الخمر ويلعب بالكلاب والفهود ونحن بقية آل الرسول؟! لا والله لا يكون ذلك أبداً»(2) .

وقولهعليه‌السلام لمروان بن الحكم: «ويحك! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق؟! لقد قلت شططاً من القول يا عظيم الزلل. لا ألومك على قولك؛ لأنّك اللعين الذي لعنك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص؛ فإنّ مَنْ لعنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد»(3) .

وقولهعليه‌السلام : «اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ورجائي في كُلِّ شدّة وأنت

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 2 ص 7؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 219 ح 3543؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2588.

(2) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 182.

(3) كتاب الفتوح: ج 5 ص 24.


فيما نزل بي ثقة وأنت وليُّ كلِّ نعمة وصاحبُ كلِّ حسنة». وقال لعُمر وجندِه: «لا تعجلوا والله ما أتيتكُم حتّى أتتني كتبُ أماثلكم بأنَّ السُّنَّةَ قد أُميتت والنفاق قد نجم والحدود قد عُطِّلت؛ فاقدم لعلَّ [الله] يُصلح بك الأُمّة. فأتيتُ فإذْ كرهتُم ذلك فأنا راجع فارجعوا إلى أنفسكم هل يصلح لكم قتلي أو يحلُّ دمي؟ ألستُ ابنَ بنتِ نبيّكم وابنَ ابنِ عمّه؟ أوَ ليس حمزةُ والعباسُ وجعفر عمومتي؟ ألم يبلغكم قولُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيَّ وفي أخي: هذان سيِّدا شباب أهل الجنّة»(1) .

وقولهعليه‌السلام لمّا جمع أصحابه بعد رجوع عمر: «أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً. ألا وإنّي لأظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً وإنّي قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حلٍّ ليس عليكم منّي ذِمام. هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرّج الله؛ فإنّ القوم يطلبونني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري»(2) .

لذا ورد أنّ الفرزدق لقيهعليه‌السلام وهو متوّجه إلى الكوفة فقال له: يابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل؟ فترحَّم على مسلم بن عقيل وقال: «أما إنّه صار إلى رحمة الله تعالى

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 417 رقم 270.

(2) الكامل في التاريخ: ج 2 ص 559؛ مقاتل الطالبيين: ص 112 استشهاد الحسين: ص 110.


ورضوانه وقضى ما عليه وبقي ما علينا». وأنشد يقول:

وإن تكن الدنيا تعد نفيسة

فإن ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدانُ للموتِ

فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللهِ

وإن تكن الأرزاقُ قسماً مقدّراً

فقلّةُ حرصِ المرءِ في الكسبِ

وإن تكن الأموالُ للتركِ جمعُها

فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يبخلُ(1)

____________________

(1) الفصول المهمة: ص 178؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 125؛ بغية الطالب: ج 6 ص 2595؛ نور الأبصار: ص 242.


الحسينعليه‌السلام ثمرة النبوة



أصبح الحسينعليه‌السلام المثل الأعلى للفداء والتضحية ونبراساً للحقّ ومناراً للهدى تستضيء به الأُمّة الإسلاميّة من أجل بناء مجتمع إسلامي متكامل.

فقد جسَّد قول جدّه الرسول الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً»(1) . وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي» بدليل آية المباهلة:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ... ) (2) وأمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وأنا من حسين» يريد أنّ بقاء شريعته كان بسبب نهضة ولده الحسينعليه‌السلام ولولا هذه النهضة المباركة لأعاد الأُمويون المسلمين إلى الجاهليّة الأولى. وهذا يظهر واضحاً جلياً من خلال سيرتهم فهذا يزيدهم الطاغي نراه مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه بقوله:

ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزَعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ

قد قتلنا القرمَ من ساداتهم

وعدلنا ميْلَ بدرٍ فاعتدلْ

فأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيدَ لا تُشلْ

لستُ من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

____________________

(1) سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775.

(2) سورة آل عمران: الآية 61.


لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحي نزل(1)

هذا هو المروق من الدين وقول مَنْ لا يرجع إلى الله وإلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله. ثمّ من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع موقعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل وشهادة رسول الله له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة. نعم عمل كلّ ذلك اجتراءً على الله وكفراً بدينه وعداوةً لرسوله ومجاهدةً لعترته واستهانةً بحرمته فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم لا يخاف من الله نقمةً ولا يرقب منه سطوةً فبتر الله عمره واجتثَّ أصله وفرعه وسلبه ما تحت يده وأعدَّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه بمعصيته(2) .

ولكن الحسينعليه‌السلام بتلك الدماء الزاكية زلزل عروش الظالمين وهدم طغيانهم ورست قواعد الدين الحنيف حتّى يومنا هذا وكلّ ما عندنا من إسلام ومسلمين بفضل تضحية وبطولة الإمام الحسينعليه‌السلام وأصبح الإسلام محمدي الوجود وحسيني البقاء. وهذا ما أكّده وأجمع عليه روَّاد الفكر وحملة العلم في أرجاء المعمورة حتّى قال رئيس جامع الأزهر الشيخ محمّد عبده: لولا الحسين لما بقي لهذا الدين من أثر. إضافة إلى انعدام الرؤية

____________________

(1) ينابيع المودّة: 379؛ تاريخ الطبري: ج 5 ص 623.

(2) تاريخ الطبري: ج 11 ص 358.


الواضحة في تمييز الحقّ فثورة الحسين هي السبب في بقاء الدين حيث وقفعليه‌السلام أمام أئمّة الفسق والجور والفساد في أرجاء العالم الإسلامي الذين عاثوا في الأرض فساداً أمثال يزيد بن معاوية المتكبِّر الخميِّر صاحب الديوك والفهود والقرود وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والوعيد والإخافة والتهديد والرهبة.

فلا يُلام الشيعة الإماميّة - أتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام - بتعظيمهم الشعائر الحسينيّة في أيام عاشوراء كإقامة المراسم التي تُذكِّرنا بثورة الحسينعليه‌السلام .

ونرى في مقابل ذلك كتب معاوية إلى سائر الأمصار طالباً منهم أن يفدوا عليه ليرى رأيهم في بيعة يزيد وممّن حضر يزيد بن المقُفّع قام فقال: أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - فمَنْ أبى فهذا - وأشار إلى سيفه. فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء(1) .

كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة في صحيفة صغيرة كأنّها أُذن فأرة: أمّا بعد فخذ الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطّاب أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة فمَنْ أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه(2) .

وكتب الحرّ إلى ابن زياد يعلمه بنزول الحسينعليه‌السلام بأرض كربلاء:

____________________

(1) العقد الفريد: ج 4 ص 338.

(2) كتاب الفتوح: ج 5 ص 10.


فانظر ما ترى في أمره. فكتب عبيد الله بن زياد كتاباً إلى الحسينعليه‌السلام يقول فيه: أمّا بعد إنّ يزيد بن معاوية كتب إليَّ أن لا تغمض جفنك من المنام ولا تشبع بطنك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمي أو تقتله والسّلام.

هذا منطق يزيد بن معاوية. وعندما أُدخل نساء الحسينعليه‌السلام والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتنظرا إلى الرأس وجعل يزيد يستره عنهما فلمّا رأينه صرخن وأعلن بالبكاء فبكت لبكائهنّ نساء يزيد وبنات معاوية فولولنّ وأعلن. فقالت فاطمة - وكانت أكبر من سكينةرضي‌الله‌عنها -: بنات رسول الله سبايا يا يزيد! يسرّك هذا؟(1) .

هذا ونرى في مقابل تلك الشعائر موجة إلحادية بكلّ قواها تحاول طمس معالم الدين والعودة إلى الجاهليّة الأُولى وهذا ما حدث بعد رحيل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وما صرَّح به أبو سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو اُميّة فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عَمِيَ قالوا: لا. قال: يا بني اُميّة تَلَقَّفُوها تلقُّف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيَرنَّ إلى صبيانكم وراثة. فقام عمّار في المسجد فقال: يا معشر قريش أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ها هنا مرّة وهنا مرّة فما أنا بآمِنٍ من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله.

____________________

(1) الفصول المهمة: ص 188، 192؛ نور الأبصار: ص 231.


وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به(1) أهل هذا البيت بعد نبيّهم. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إنّي - والله - لأُحبّهم لحبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاهم وإنّ الحقّ معهم وفيهم. يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنّما تطوُّلُّهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعده من أيديهم! أما ولأيم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إيّاهم مع النبي (عليه الصلاة والسلام) يوم بدر(2) .

ولمّا رأى عمر بن الخطاب نزاع القوم على خلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيُّها من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولِّي أمرها مَنْ كانت النبوّة فيهم وولي أمرهم منهم ولنا بذلك على مَنْ أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته(3) ؟

وذكر ابن عساكر في تأريخه: لمّا دخل أبو سفيان على عثمان بعدما عَمي وقال: هل هنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال: اللّهمّ اجعل الأمر أمر جاهليّة والملك غاصبيَّة واجعل أوتاد الأرض لبني اُميّة.

وجاء في الاستيعاب عن الحسن: أنَّ أبا سفيان دخل على عثمان حين

____________________

(1) أودى به: ذهب به.

(2) مروج الذهب: ج 2 ص 360.

(3) تاريخ الطبري: ج 2 ص 457.


صارت الخلافة إليه فقال: صارت إليك بعد تيم وعديّ فأَدرها كالكرة واجعَل أَوتادَها بني اُميّة؛ فإنّما هو الملك ولا أَدري ما جَنّة ولا نار(1) .

أبو سفيان بن حَرْب وأشياعه من بني اُميّة الملعونون في كتاب الله ثمّ الملعونون على لسان رسول الله في عِدّة مواطن وعدّة مواضع؛ لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهداً ودافع مكابداً وأقام منابذاً حتّى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون. فتقبّل بالإسلام غير منطوٍ عليه وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه فعرفه بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والمسلمون وميّز له المؤلّفة قلوبهم فقبله وولده على علم منه فمّما لعنهم الله به على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنزل به كتاباً قوله:( والشَّجَرةُ الملعُونَةَ في القُرآنِ ونُخوِّفُهُم فما يزيُدهُمْ إلاَّ طُغياناً كَبيراً ) (2) ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني اُميّة

ومنه قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد رآه مقبلاً على حمار ومعاويةَ يقودُ به ويزيد ابنه يسوق به: «لعن الله القائد والراكب والسائق».

ومنه ما يرويه الرواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة فما هناك جنّة ولا نار. وهذا كفر صُراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت( الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (3) .

____________________

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 4 ص 1679.

(2) سورة الإسراء: الآية 60.

(3) سورة المائدة: الآية 78.


ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحُد بعد ذهاب بصره وقوله لقائده: ها هنا ذببنا محمّداً وأصحابه(1) .

ومن خطبة لعليعليه‌السلام لمّا رفع أهل الشام المصاحف على الرماح: «عباد الله إنّي أحقّ مَنْ أجاب إلى كتاب الله ولكنَّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم؛ قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال إنّها كلمة حقّ يراد بها الباطل. إنّهم والله ما رفعوها ثمّ لا يرفعونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ووهن ومكيدة. أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعةً واحدة؛ فقد بلغ الحقّ مقطعه ولم يبقَ إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا»(2) .

ومن كتاب لقيس بن سعد بن عبادة أمير الخزرج إلى معاوية: أمّا بعد فإنّما أنت وثني ابن وثني دخلت في الإسلام كرهاً وأقمت فيه فرقاً وخرجت منه طوعاً ولم يجعل الله لك فيه نصيباً لم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك ولم تزل حرباً لله ولرسوله وحزباً من أحزاب المشركين وعدواً لله ولنبيّه وللمؤمنين من عباده.

ولو سارت الأُمة الإسلاميّة في خطى الإمام الحسينعليه‌السلام الذي سار على نهج جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لكان خيراً للأُمة الإسلاميّة في نهضتها ومسيرتها.

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج 5 ص 621؛ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 232.

(2) تاريخ الطبري: ج 5 ص 49.


لعلَّ البعض يتصوّر أنّ نهضته وثورته كانت مجرّد فتنة وقعت بين الظالم يزيد بن معاوية المعلن بالفسق والفجور وبين سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا التصوّر ناشئ من عدم الرؤية التأريخية فعليه أن يكون جاداً في البحث الدقيق في مجاري التأريخ وأحداثها التي حدثت في الأُمة الإسلاميّة بعد رحيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فكلّ مَنْ كانت له بصيرة نافذة يرى الحسينعليه‌السلام ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وفلذة كبده وسيد شباب أهل الجنّة وقد ترعرع في حجر النبوة والإمامة وأمّا يزيد فقد نشأ في أحضان الغواني والفجور والخمور فلمّا عُرض على الحسينعليه‌السلام البيعة ليزيد رفض الحسينعليه‌السلام من البداية قائلاً: «إنّا أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ويزيد رجل فاسق فاجر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله». هذه الكلمات التي هزَّت عرش يزيد الفجور الذي أباح المدينة ثلاثة أيام بقيادة مسلم بن عقبة المرّي الذي أخاف المدينة ونهبها وقَتل أهلها وبايعه أهلها على أنّهم عبيد ليزيد وسمّاها نتنه وقد سمّاها رسول الله طَيْبة وقال صلى الله عليه وآله: «مَنْ أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فسمّى مسلم هذا لعنه الله بمجرم ومسرف؛ لما كان من فعله. وكانت وقعة الحرّة عظيمة قُتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وراح ضحيتها أكثر من أربعة آلاف من سائر الناس ممّن أدركه الإحصاء دون مَنْ لم يعرف وافْتُضَّ فيها ألف عذراء فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ورميه الكعبة بالمجانيق فتواردت أحجار المجانيق والعرادات(1)

____________________

(1) العرادات: جمع عرادة وهي آلة من آلات الحرب وهي منجنيق صغير والمنجنيق: سلاح


على البيت ورُمي مع الأحجار بالنار والنفط ومشاقات الكتان وانهدمت الكعبة واحترقت الأبنية ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق(1)

وكان سبب خلع أهل المدينة له أنّ يزيد أسرف في المعاصي. وأخرج الواقدي من طرق أنّ عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء! إنّه رجل ينكح أُمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويَدَعُ الصلاة(2) .

وذكر أبو إسحاق الإسفرايني في كتابه: وأمّا ما كان من أمر يزيد بن معاوية فإنّه أقام بدمشق خليفة مكان أبيه وأطاعه جميع العربان وطغى وتجبّر وعمّ ظلمه سائر الأماكن والبلاد وصار يقتل الأنفس وينهب الأموال ويسلبها وظهر منه الجور والظلم في سائر الأفعال. وقد كان ابن زياد أظلم وأطغى من يزيد فنزل البصرة بعسكره وأقام بالكوفة نائباً يحكم من تحت أمره وأقام هو بالبصرة بالظلم والجور وقتل النفس ونهب الأموال وقتل جميع الرجال والأبطال وعمّ ظلمه سائر العباد(3) .

وإقدامه على قتل سيد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليعليهما‌السلام وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإخوته وأولاده وأصحابه وسبي نسائه فأصبح الحسين من أعظم الثائرين انتصاراً وبطولة وتضحية ومدرسة وشعاراً وراحت كلّ

____________________

قديم يعتمد على رمي الحجارة.

(1) مروج الذهب: ج 3 ص 81؛ تاريخ الخلفاء: ص 209.

(2) تاريخ الخلفاء: ص 209.

(3) نور العين في مشهد الحسين: ص 10.


الأقلام إسلاميّة وغيرها تشيد بكتاباتها بعظمة الحسينعليه‌السلام ؛ أمثال (انطون بارا) الكاتب المسيحي في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي) يقول: رؤيا الفكر المسيحي لثورة الحسين دلالة كافية على إنسانيّة هذه الثورة؛ لأنّ هذه الثورة إنسانيّة أوّلاً وآخراً فالفكر المسيحي يُقدِّس آل البيتعليهم‌السلام كما المسلم. إنّ الفكر المسيحي العربي يستمدّ تراثه الفكري من تراث عربي إسلامي. كيف أمكن الربط بين ثورة الإمام الحسين وبين فكر أهل الكتاب؛ إذ لم يسبق هذا الربط أي اهتمام فكري مسيحي بعلم من أعلام الإسلام.

فشخصية الحسين محيط واسع من المُثُلِ الأدبية والأخلاق النبوية وثورته فضاء واسع من المعطيات الأخلاقية والعقائدية ولعلَّنا نتمثل أهم سِمَةٍ من سمات العظمة في هذه الشخصية من قول جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين». فارتقت إنسانيّة السبط إلى حيث نبوّة الجدّ (أنا من حسين) وهبطت نبوّة الجدَّ إلى حيث إنسانيّة السبط (حسين منّي).

وإذا كان العالم المسيحيُّ الغربي له مآخذ على الإسلام فإنّما ينظر إلى هذه المآخذ من كُوَى مثالب عهود بني اُميّة والتشويهات التي استهدفت أُمّة الإسلام فيما بعدها حيث نظر الحكّام إلى الدنيا والملك بالشكل الذي صوَّره معاوية بعد احتلاله الكوفة؛ إذ قال: إنّي لم أُقاتلكم لكي تُصلُّوا أو تصوموا بل قاتلتكم لكي أتأمر عليكم(1) .

____________________

(1) روى أبو الحسن المدائني: أنّه قد خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح


هذا المظهر الخارجي لجوهر الصراع الذي استشرى بعد ذلك بين أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين ذرَّية أبي سفيان فأهل البيت يرون أنّ الخلافة مركب يقود إلى الآخرة وفق أحكام الله وبنو اُميّة يتطلّعون إليها باعتبارها مركباً يقود للجاه والسلطان وانقياد الدنيا وفق أهواء النفس ومطالبها. وبين أحكام الله وبين أهواء النفس أحدث الانقسام المربع في جسد أُمّة الإسلام والتفّ الأبناء حول الرمز الأقرب لما تهيّأت له أنفسهم( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ) (1) . فالفكر المسيحي الغربي لا يعي هذا التناقض الصارخ بين الحقّ المقهور وبين الباطل المنتصر.

كيف صارت الشهادة التي أقدم عليها الحسينعليه‌السلام وآل بيته وصحبه الأطهار رمزاً للحقّ والعدل؟ وكيف صار الذبيح بأرض كربلاء نوراً لا ينطفئ لكلّ متطلّع باحث عن الكرامة التي خصّ بها سبحانه وتعالى؟ والسيرة العطرة لحياة سيد شباب أهل الجنّة واستشهاده الذي لم يسجّل التاريخ شبيهاً له كانا عنواناً صريحاً لقيمة الثبات على المبدأ.

أحد القساوسة قال: لو كان الحسين لنا لرفعنا له في كلّ بلدٍ بيرقاً ولنصبنا له في كلّ قرية مِنبراً ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين(2) .

____________________

الحسنعليه‌السلام فخطب معاوية أهل الكوفة فقال: يا أهل الكوفة أتروْني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحجّ وقد علمت أنّكم تصلُّون وتزكّون وتحجّون؟ ولكنّني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابِكم وكلّ شرط شرطته - أي للحسنعليه‌السلام - فتحت قدميَّ هاتين. شرح نهج البلاغة: ج 16 ص 14؛ ترجمة الحسن بن عليعليه‌السلام .

(1) سورة آل عمران: الآية 152.

(2) الحسين في الفكر المسيحي: ص 24.


ونقل لي عندما كنت في لبنان عن بولس سلامه صاحب ملحمة الغدير عن طريق ولده بأنّ والده عندما كان يقرأ واقعة الطفّ كانت دموعه تسيل على خدّه مع أنّه مسيحي وعالم المكتبات مليء بكتب تتحدّث عن شخصية الإمام الحسينعليه‌السلام وثورته التي جاءت لخلاص الإنسان من عبودية الطغاة إلى عبودية الله تعالى.

وشتان بين الشجرتين: شجرة طيِّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وشجرة خبيثة أُجتثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار. وما أبعد ما بين الشجرتين: شجرة مباركة زيتونة والشجرة الملعونة في القرآن:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ ) (1) بتأويل من النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا اختلاف بين اثنين في أنّهم (بنو أميَّة) هم المراد من الشجرة الملعونة كما ورد ذلك في كتب الحديث والتاريخ(2) .

وعن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بني اُميّة على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله إليه: إنّما هي دنيا أعطوها. فقرّت عينه وهي قوله:( ومَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) (3) يعني بلاء للناس(4) .

____________________

(1) سورة الإسراء: الآية 60.

(2) التسهيل لعلوم التنزيل: ج 2 ص 174، الكشاف: ج 2 ص 455؛ الدر المنثور: ج 5 ص 309 - 310؛ تفسير البيضاوي: ج 1 ص 575؛ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 2 ص 522؛ مجمع الزوائد: ج 5 ص 240؛ الخلفاء الراشدون: ص 209 - 210.

(3) سورة الإسراء: الاية 60.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 57 ص 266 ح 11989؛ شواهد التنزيل: ج 2 ص 457.


ومن الرؤيا التي رآها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فوجم لها فما رُئي ضاحكاً بعدها فأنزل الله:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) .

فذكروا أنّه رأى نفراً من بني اُميّة ينزون على منبره(1) .

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج 5 ص 621.



الحسينعليه‌السلام شبيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله



عن عليّرضي‌الله‌عنه قال: «مَنْ سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين عنقه إلى وجهه فلينظر إلى الحسن بن عليّ ومَنْ سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن عليّ»(1) .

عن عليّعليه‌السلام قال: «الحسين أشبهُ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من صدره إلى قدميه»(2) .

عن أنس بن مالك قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً! قلت: أما إنّه كان من أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

____________________

(1) المعجم الكبير: ج 3 ص 95 - 2768 - 2769، سنن الترمذي: ج 5 ص 660 ح 3779؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 384، أنساب الأشراف: ج 2 ص 453 ح 289؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 126 ح 3416، بغية الطلب: ج 6 ص 2574.

(2) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402 - 270؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 396 - هامش الإصابة - مقتل الحسين - للخوارزمي: ص 90؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 659 ح 3778؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛ نور الأبصار: ص 220.

(3) المعجم الكبير: ج 3 ص 118 ح 2854؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 659 ح3778؛ تهذيب


عن أنس قال: كان الحسن والحسين أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

عن ابن الضحّاك قال: كان جسد الحسين شبه جسد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

وقال سفيان بن عُيَيْنَة: قلت لعُبَيد الله بن أبي يزيد: رأيتَ الحُسين بن عليّ؟ قال: نعم أسود الرأس واللحية إلاّ شُعيرات هاهنا في مُقَدَّم لحيته فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان شَبَهاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو لم يكن شابَ غير ذلك(3) .

____________________

الكمال: ج 6 ص 400؛ ومعنى يقول: القول هنا يطلق على الفعل كفاية الطالب: ص 396؛ كتاب التاريخ الكبير: ج 2 ص 381 ح 2846؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2577 و 2632.

(1) الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

(2) مجمع الزوائد: ج 9 ص 188.

(3) تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402؛ رقم: 270.


سجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله



روى ابن حازم بسنده قال: خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للصلاة وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ وضعه عند قدمه اليمنى فسجد سجدة أطالها فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلمّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أُمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: «كلّ ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته»(1) .

عن عبد الله قال: كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهم فلمّا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال: «مَنْ أَحبّني فليحب هذين»(2) .

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 165؛ وبذيله تلخيص للحافظ الذهبي - كتاب معرفة الصحابة - قال الحاكم: هذا آخر ما أدّى إليه اجتهاد مَنْ ذكر مناقب أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يصح منها بالأسانيد المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 180؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346.

(2) فرائد السمطين: ج 2 ص 107 ح 414.


عن أبي بُريدة قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطبنا إذ جاء الحسن والحسينعليهما‌السلام عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثمّ قال: «صدق الله( أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) ( 1 ) فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما»( 2 ) .

عن أبي سعيد قال: جاء الحسين يشتدّ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي فالتزم عنق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقام به وأخذ بيده فلم يزل ممسكها حتّى رجع( 3 ) .

عن زينب بنت جحش قالت: قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّي واحتضنه - يعني الحسين - فكان إذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله فلمّا جلس جعل يدعو ويرفع يديه ويقول فلمّا قضى الصلاة قلت: يا رسول الله لقد رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه؟ قال: «إنّ جبريل أتاني فأخبرني أنّ ابني يُقتل. قلت: فأرني إذاً. فأتاني بتربة حمراء»( 4 ) .

كلّ ذلك إشارة إلى منزلة ومكانة الإمام الحسينعليه‌السلام عند رسول الله

____________________

(1) سورة التغابن: الآية 15.

(2) سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3774؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ ذخائر العقبى: ص 228؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 403؛ ينابيع المودّة: ص 263؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 161 ح 3490؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 385 رقم 269؛ اُسد الغابة: ج 2 ص 16؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 94.

(3) مجمع الزوائد: ج 9 ص 189.

(4) مجمع الزوائد: ج 9 ص 191.


صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى المسلمين أن يحافظوا على ما كان يكنّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لولده الحسينعليه‌السلام حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسيناً حسين سبط من الأسباط»(1) .والإسلام الذي وصلنا إلى هذا اليوم هو ببركة ثورة الحسينعليه‌السلام في كربلاء؛ لأنّ الإسلام محمدي الوجود وحسيني البقاء.

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 453؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 - 270؛ الفصول المهمّة: ص 169.



أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله



رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت(1) فروع النبوة والرسالة وينابيع السماحة والبسالة صوفة آل أبي طالب وسراة بني لؤي(2) بن غالب الذين حياهم الروح الأمين وحلاّهم الكتاب المبين لولاهم ما عبد الرحمن ولا عهد الإيمان وعقد الأمان(3) .

عن أنس بن مالك قال: سُئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أي أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: «الحسن والحسين». وكان يقول لفاطمة: «ادعي ابني». فيشمّهما ويضمّهما إليه(4)

عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حَجَّته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: «يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(5) .

____________________

(1) سورة هود: الآية 73.

(2) من أجداد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(3) دُرر السّمط في خبر السّبط: ص 61.

(4) سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3772؛ ذخائر العقبى: ص 214؛ كنز العمال: ج 12 ص 116 ح 34265.

(5) سنن الترمذي: ج 5 ص 662 ح 3786.


عن أنس بن مالك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يمرّ بباب فاطمةرضي‌الله‌عنها ستّة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1) .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللّهمّ إنّك جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم وآل إبراهيم اللّهمّ إنّهم منّي وأنا منهم فاجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم» يعني عليّاً وفاطمةوحسناً وحسيناً(2) .

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ لكلّ بني أب عصبة ينتمون إليها إلاّ ولد فاطمة فأنا وليُّهم وأنا عصبتُهم وهم عترتي خُلِقوا من طينتي ويل للمكذّبين بفضلهم! مَنْ أحبَّهم أَحبهُ الله ومَنْ أبغضَهُم أبغضَهُ الله»(3) .

عن أبي بَرْزَة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا تزول قدما عبدٍ حتّى يُسأل عن أربعة؛ عن جسده فيما أبلاه وعُمُرِهِ فيما أَفْنَاه وماله من أين اكتسبَهُ وفيما أنفقه وعن حُبِّ أهل البيتعليهم‌السلام ». فقيل: يا رسول الله فما علامة حُبِّكُمْ؟ فضرب بيده على منكب عليرضي‌الله‌عنه (4) .

وأنشد الشيخ أبو بكر بن فضل الله الحلّي الواعظ في المعنى لبعضهم:

ياحبّذا دوحةٌ في الخلدِ ثابتةٌ

ما في الجنانِ لها شبهٌ من الشجرِ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 158؛ شواهد التنزيل: ج 2 ص 11 ح 637.

(2) كنز العمال: ج 12 ص 101 ح 34186.

(3) كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34161، وص 114 ح 34253؛ مقتل الحسين: ج 1 ص 89.

(4) المعجم الأوسط: ج 3 ص 104 ح 2212.


المصطفى أصلها والفرعُ فاطمةٌ

ثمّ اللقاحُ عليٌّ سيّدُ البشرِ

والهاشميانِ سبطاها لها ثمرٌ

والشيعةُ الورقُ الملتفّ بالثمرِ

هذا حديثُ رسولِ اللهِ جاءَ به

أهلُ الروايةِ في العالي من الخبرِ

إنّي بحبّهم أرجو النجاةَ غداً

والفوزَ مَعْ زمرةٍ من أحسنِ الزمرِ(1)

         

عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإذنيَّ وإلاّ فصّمتا وهو يقول: «أنا شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها والمحبّون أهل البيت ورقها من الجنّة حقّاً حقّاً»(2) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله تعالى اصطفى العرب من جميع الناس واصطفى قريشاً من العرب واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من قريش واختارني في نفر من أهل بيتي؛ عليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين»(3) .

عن أُمّ سَلَمة قالت: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى صرحة هذا المسجد فقال: «ألا لا يحلّ هذا المسجد لجُنُب ولا حائضٍ إلاّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحَسَن والحُسَيْن ألاَ قد بيّنت لكم الأسماء أن تضلّوا»(4) .

عن ابن مسعود قال: بينما نحن جلوس عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ دخل عليه فتية من قريش فتغيرّ لونه ورئي في وجهه كآبة فقلنا: يا رسول الله لا

____________________

(1) كفاية الطالب: ص 383.

(2) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 168 ح 3506؛ انظر: كفاية الطالب: ص 383؛بغية الطلب: ج 6 ص 2582.

(3) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 172 ح 3513.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 166 ح 3502؛ كنز العمال: ج 12 ص 101 ح 34183.


نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه! فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّا أهل بيت اختار الله تعالى لنا الآخرة على الدنيا وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي تطريداً وتشريداً»(1) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح؛ مَنْ رَكبها نجا ومَنْ تخلّف عنها هلك»(2) . فإذا كان ركوب سفينة نوح نجاة من الغرق فسفينة الحسينعليه‌السلام نجاة من النار؛ لأنّه من أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قالت عائشة: خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غداة وعليه مِرْط مُرَحَّلٌ من شعر أسود فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ثمّ جاء الحسين فدخل معه ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ثمّ جاء عليّ فأدخله ثمّ قال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3) .

عن ابن عباس قال: خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل موته بأيام يسيرة إلى سفر له ثمّ رجع وهو متغيّر اللون محمرّ الوجه فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعاً قال فيها: «أيها الناس إنّي خلّفت فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي واُرومتي ومزاج مائي وثمرتي ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض. ألا وإنّي انتظرهما ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أن أسألكم به: المودّة في القربى فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي

____________________

(1) الفصول المهمّة: ص 171.

(2) كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34169؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 104.

(3) صحيح مسلم: ج 5 ص 37 ح 2424؛ باب فضائل أهل بيت النبي سنن الترمذي: ج 5 ص 663 ح 3787؛ سنن الكبرى: ج 5. مرط: كساء. المرحل: هو الموشى المنقوش عليه صور ورحال الإبل ينابيع المودّة: ص 197.


وظلمتموهم. ألا وإنّه سترد عليّ في القيامة ثلاث رايات من هذه الأُمة؛ راية سوداء مظلمة فتقف عليّ فأقول: مَنْ أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: أهل التوحيد من العرب. فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم. فيقولون: نحن من أُمتك يا أحمد. فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربّي؟ فيقولون: أمّا الكتاب فضيّعناه ومزّقناه؛ وأمّا عترتك فحرصنا على أن ننبذهم عن جديد الأرض. فأُولّي وجهي عنهم فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم. ثمّ ترد عليَّ راية أُخرى أشدّ سواداً من الأُولى فأقول لهم: مَنْ أنتم؟ فيقولون كالقول الأوّل بأنّهم من أهل التوحيد فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني وقالوا: نحن أُمتك. فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه؛ وأمّا الأصغر فخذلناه ومزّقناهم كلّ ممزق. فأقول لهم: إليكم عنّي. فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم. ثمّ ترد عليّ راية أُخرى تلمع نوراً فأقول لهم مَنْ أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى نحن أُمّة محمّد ونحن بقيّة أهل الحقّ الذين حملنا كتاب ربّنا؛ فحلّلنا حلاله وحرّمنا حرامه وأجبنا ذرية محمّد فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا وقاتلنا معهم وقتلنا مَنْ ناواهم. فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيكم محمّد ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم. ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون رواء. ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر»(1) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 164.


عن زيد بن أرقم قال: جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيت فاطمة فأخذ بعضادتي الباب وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام فقال: «أنا حربٌ لمَنْ حاربتم وسلمٌ لمَنْ سالمتم»(1) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 99؛ انظر سنن الترمذي: ج 5 ص 699 ح 3870؛ ينابيع المودّة: ص 193؛ سير أعلام النبلاء: ج 14 ص 386 رقم 269؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 157 ح 3481؛ تاريخ بغداد: ج 7 ص 137؛ بقية الطلب: ج 6 ص 2576؛ وفيه: «أنا حرب لمَنْ حاربكم سلم لمَنْ سالمكم».


محبّة الحسينعليه‌السلام



لقد احتل الإمام الحسينعليه‌السلام الصدارة عند جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصبح محطّ محبّته والكثير من أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تدلّ على منزلة ومكانة وعظمة الإمام الحسينعليه‌السلام منها:

عن أبي أيّوب الأنصاري قال: دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحَسَن والحُسَيْن يلعبان بين يديه في حجره فقلت: يا رسول الله أتحبّهما؟ قال: «وكيف لا أُحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما؟!»(1) .

عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسين بن عليعليه‌السلام : «مَنْ أحبّ هذا فقد أحبّني»(2) .

عن عليعليه‌السلام : «إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ بيد الحسن والحسين فقال: مَنْ أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة»(3) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3422؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270؛ كفاية الطالب: ص 379.

(2) مجمع الزوائد: ج 9 ص 188.

(3) الرياض النضرة في مناقب العشرة: ج 2 ص 189؛ كنز العمال: ج 12 ص 96 رقم: 34161 ص 103 ح 34196؛ ينابيع المودة: ص 192 بغية الطلب 6 / 2578 وفيه: «كان معي في الجنّة؛ المرء مع مَنْ أحبّ المرء مع مَنْ أحبّ المرء مع مَنْ أحبّ».


عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان يأخذه والحسن ويقول: «اللّهمّ إنّي أُحبّهما فأحبّهما»(1) .

عن سلمانرضي‌الله‌عنه قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «الحسن والحسين ابناي؛ مَنْ أحبّهما أحبّني ومَنْ أحبّني أحبّه الله ومَنْ أحبّه الله أدخله الجنّة ومَنْ أبغضهما أبغضني ومَنْ أبغضني أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخله النار»(2) .

عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ أحبّهما فقد أحبّني ومَنْ أبغضهما فقد أبغضني» يعني حسناً وحسيناً(3) .

عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم - أي يقبّل - هذا مرةً وهذا مرّة حتّى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنّك تحبّهما؟ فقال: «نعم مَنْ أحبّهما فقد أحبّني ومَنْ أبغضهما فقد أبغضني»(4) .

____________________

(1) صحيح البخاري: ج 3 ص 1369 ح 3537؛ باب مناقب الحسن والحسينرضي‌الله‌عنها تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 155 ح 3476؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب - هامش الإصابة: ج 1 ص 376.

(2) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166 - كتاب معرفة الصحابة ينابيع المودّة: ص 198 وص 262؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 رقم 270.

(3) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 13 ص 260 ح 7876؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 49؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 152 ح 3469.

(4) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166 - كتاب معرفة الصحابة الصواعق المحرقة: ص


عن أبي هريرة قال: دخل الأقرع بن حابس على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فرآه يُقَبِّل إمّا حسناً أو حسيناً فقال: تُقبّله ولي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّه مَنْ لا يَرحم لا يُرحم»(1) .

عن البراء قال: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أبصر حسناً وحسيناً فقال: «اللّهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما»(2) .

عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حامل الحسين بن علي على عاتقه وهو يقول: «اللّهمّ إنّي أُحبّه فأحبّه»(3) .

عن أُسامة بن زيد قال: طرقت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلمّا فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ قال: فكشفه فإذا حسن وحسينعليهما‌السلام على وركَيْه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي اللّهمّ إنّي أُحِبُّهما فأَحبَّهُما وأَحِبَّ مَنْ يُحبُّهما»(4) .

____________________

192، مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 15 ص 420 ح 9673 - 2 / 440؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 91.

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 102.

(2) سنن الترمذي: ج 5 ص 661 ح 3782؛ ينابيع المودّة: ص 193.

(3) الفصول المهمّة: ص 170؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 399؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 177؛ كنز العمال: ج 12 ص 125 ح 34311؛ نور الأبصار: ص 221.

(4) سنن الترمذي: ج 5 ص 656 ح 3769؛ كنز العمال: ج 12 ص 114 ح 34255؛ الصواعق المحرقة: ص 191؛ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: ص 211؛ مقتل الحسين


عن أبي هريرة قال: ما رأيت الحسين بن علي إلاّ فاضت عيناي دموعاً فجلس رسول الله في المسجد فأتى حسين يشتدّ حتّى وقع في حجره ثمّ أدخل يده في لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: «اللّهمّ إنّي اُحبّه فأحبّه»(1) .

وقال يونس بن أبي إسحاق بسنده: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظِلّ الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلاً فقال: هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم(2) .

عن رجاء بن ربيعة قال: كنت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ مرّ الحسين بن علي فسلّم فردّ عليه القوم السلام وسكت عبد الله بن عمرو ثمّ رفع ابن عمرو صوته بعد ما سكت القوم فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثمّ أقبل على القوم فقال: ألا أُخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى. قال: هو هذا المقفى - أي الذاهب المولى - والله ما كلّمته كلمة ولا كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين ووالله لأن يرضى عنّي أحبّ إليَّ من أن يكون لي مثل أُحد فلمّا اجتمع ابن عمرو بالحسينعليه‌السلام بعد ما أذن له فقال الحسينعليه‌السلام : «أكذاك يابن عمرو؟ أتعلم أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟». قال: إي وربّ الكعبة إنّك لأحبّ أهل الأرض

____________________

للخوارزمي: ج 1 ص 92؛ أُسد الغاية: ج 2 ص 162.

(1) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 178؛ مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 149.

(2) تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 179 ح 3517؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 333؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 406.


إلى أهل السماء. قالعليه‌السلام : «فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين؟ والله لأبي خير منّي»(1) .

عن زيد بن أبي زياد قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت عائشة فمرّ على بيت فاطمة فسمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حسيناً يبكي فقال: «أَلَمْ تَعْلَمِي أنَّ بُكاءَهُ يُؤْذيني؟»(2)

فعلاقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بولده الحسينعليه‌السلام علاقة متميّزة وفريدة مليئة بالحبّ والعطف والحنان حتّى إنّ بكاءه كان يؤذيه. ومن خلال الحديث الشريف نرى أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتحمّل سماع بكاء ولده الحسينعليه‌السلام أسفي عليك يا رسول الله لو كنت حاضراً في كربلاء كي ترى ماذا صنعت أُمّتك بولدك الحسينعليه‌السلام ؛ حيث داست كلّ القيم والمبادئ وأدارت ظهرها لك يا رسول الله ولأحاديثك كأنّها وضعت أصابعها في آذانها كما صنعت الجاهليّة الأُولى؛ حيث وضعوا أصابعهم في آذانهم حتّى لا يسمعوا كلام الله تعالى:( وإِنِّي كلّما دَعَوْتُهُم لتغِفرَ لَهُم جَعَلوا أصابعَهُم في ءَاذَانِهم واستغْشَوا ثيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكبْرَوُا استِكْباراً ) (3) . إنّها تجربة جاهليّة ثانية

____________________

(1) مجمع الزوائد: ج 9 ص 189.

(2) أنساب الأشراف: ج 3 ص 144؛ مجمع الزوائد: ج 9 ص 204؛ الفصول المهمّة: ص 169؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 116 ح 2847؛ ينابيع المودّة: ص 266؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 171 ح 3512؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 405 رقم 270؛ ذخائر العقبى: ص 246؛ كفاية الطالب: ص 389؛ نور الأبصار: ص 221.

(3) سورة نوح: الآية 7.


حيث أعرضوا عن القرآن الناطق.

لقد وصل الأمر بهم أنّهم لم يكتفوا بقتل الحسينعليه‌السلام وإخوته وأولاده وأصحابه وسبي نسائه وحرق خيامه بل حرموهم الماء حتّى وصل بهم العطش إلى الموت ولم يرحموا حتّى الطفل الرضيع. فهذا عبد الله الرضيع عندما عرضه الحسينعليه‌السلام ليسقوه شربة ماء وكان يبكي من شدّة العطش فكان مصيره الذبح من الوريد إلى الوريد حتّى صيّروه كالطير المذبوح بل راحوا يصبّون حقدهم بحزّ الرؤوس بدءاً برأس الحسينعليه‌السلام ؛ نكاية به وبغضاً لأبيه ولجدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهذا يظهر جليّاً من قولهم للحسينعليه‌السلام لمّا طلب منهم الماء: لا تذوق الماء حتّى تموت عطشاناً؛ بغضاً لأبيك. وكان جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يطيل النظر إلى ولده الحسينعليه‌السلام وكانت دموعه تسيل على خدّه وهو يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين».

هل هذا جزاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي أنقذهم من دياجير الظلمات إلى عالم النور؟! وكما قالت فاطمةعليها‌السلام في خطبتها المعروفة في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وكنتم على شفا حفرة من النار(1) مذقة الشارب ونهزة الطامع(2) وقُبسة العجلان(3) وموطئ الأقدام(4) تشربون الطرْق وتقتاتون القد(5) أذلّة

____________________

(1) شفا كلّ شيء: طرفه وشفيره أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم وكفركم.

(2) أي كنتم قليلين أذلاّء يتخطّفكم الناس بسهولة.

(3) والقُبسة - بالضم -: شعلة من نار يقتبس من معظمها والإضافة إلى العجلان لبيان القلّة والحقارة.

(4) ووطئ الأقدام: مثل مشهور في المغلوبيّة والمذلّة.

(5) الطرق: ماء السماء الذي تبول فيه الإبل وتبعر والقد: يقد من جلدٍ غير مدبوغ والمقصود


خاسئين تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم(1) فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد اللتيا والتي»(2) (3) .

إنّ فاطمةعليها‌السلام جاءت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تبكي فقال: «ما يبكيك؟». قالت: «ضاع منّي الحسين فلا أجده». فقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد اغرورقت عيناه وذهب ليطلبه فلقيه يهودي فقال: يا محمّد ما لك تبكي؟ فقال: «ضاع ابني». فقال: لا تحزن فإنّي رأيته على تلّ كذا نائماً(4) .

عن يعلى بن مرّة العامري قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً حسين سبط من الأسباط»(5) .

عن يعلى العامري قال: إنّه خرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طعام دعوا له.

____________________

وصفهم بخباثة المشرب وجشوبة المأكل لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم ولفقرهم.

(1) الخاسئ: المبعد المطرود والتخطف استلاب الشيء وأخذه بسرعة اقتبس من قوله تعالى:( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطّفكم الناس فأواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيّبات لعلّكم تشكرون ) سورة الانفال: الآية 26.

وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّ الخطاب في تلك الآية لقريش خاصّة فالمراد بالناس سائر العرب أو الأعمّ.

(2) اللتيا والتي: وهما كنايتان عن الواهية الصغيرة والكبيرة.

(3) الاحتجاج ص 97 احتجاج فاطمة الزهراء عليها السلام على القوم.

(4) مقتل الحسين - للخوارزمي: ج 1 ص 144.

(5) أنساب الأشراف: ج 3 ص 142؛ الفصول المهمّة: ص 169؛ينابيع المودّة: ص 264، ص193 سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775؛سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 404 - 270؛ذخائر العقبى: ص 231؛اُسد الغابة: ج 2 ص 26.


قال فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذه فطفق الصبي يفرّ هاهنا مرّة وهاهنا مرّة فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه حتّى أخذه. قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأُخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبّله فقال: «حُسينٌ منّي وأنا من حُسين أحَبَّ اللهُ من أحَبَّ حُسَيناً حُسينٌ سبط من الأسباط»(1) .

عن عائشة قالت: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جائعاً لا يقدر على ما يأكل فقال لي: «هات ردائي». فقلت: أين تريد؟ قال: «إلى فاطمة ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين فيذهب ما بي من جوع». فخرج حتّى دخل على فاطمة فقال: «يا فاطمة أين ابناي؟». فقالت: «يا رسول الله خرجا من الجوع وهما يبكيان». فخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في طلبهما فرأى أبا الدرداء فقال: «يا عويمر هل رأيت ابنَيّ؟». قال: نعم يا رسول الله هما نائمان تحت ظِلّ حائط بني جدعان. فانطلق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فضمّهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما فقال له أبو الدرداء: دعني أحملهما. فقال: «يا أبا الدرداء دعني امسح الدموع

____________________

(1) سنن الترمذي: ج 5 ص 658 ح 3775؛مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 29 ص 102 ح 17561؛ تهذيب التهذيب: ج 2 ص 346؛ المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 177 - كتاب معرفة الصحابة؛ كنزل العمال: ج 12 ص 129 رقم 34328، ص 115 ح 34264؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 146؛ الصواعق المحرقة: ص 192؛ينابيع المودّة: ص 264؛ذخائر العقبى: ص 231؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 402؛بغية الطلب: ج 6 ص 2583؛نور الأبصار: ص 220؛ كتاب التاريخ الكبير: ج 8 ص 414 ح 3536، باب يعلى؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 130 ح 429.


عنهما فو الذي بعثني نبيّاً لو قطرت قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أُمّتي إلى يوم القيامة».

ثمّ حملهما وهما يبكيان وهو يبكي فجاء جبرئيل فقال: السلام عليك يا محمّد ربّ العزّة يقرئك السلام ويقول: ما هذا الجزع؟ فقال: «يا جبرئيل ما أبكي من جزع بل أبكي من ذلّ الدنيا».

فقال جبرئيل: إنّ الله تعالى يقول: أيسرّك أن أُحوّل لك أُحداً ذهباً ولا ينقص لك ممّا عندي شيء؟ قال: «لا». قال: لِمَ؟ قال: «لأنّ الله لم يحبّ الدنيا ولو أحبّها لما جعل للكافر أكلة». فقال جبرئيل: يا محمّد ادعُ بالجفنة المنكوسة التي في ناحية البيت. فدعا بها فلمّا حملت إذا فيها ثريد ولحم كثير فقال: كل يا محمّد وأطعم ابنيك وأهل بيتك. قالت: فأكلوا وشبعوا(1) .

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 129.



جنّة الحسينعليه‌السلام



عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة»(1) .

عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة وأبوهما خير منهما»(2) .

عن حذيفة قال: رأينا في وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تباشير السرور فقلنا: يا رسول الله لقد رأينا اليوم في وجهك تباشير السرور! فقال: «وما لي لا أُسرّ

____________________

(1) سنن الترمذي: ج 5 ص 656 ح 3768؛مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 18 ص 138 ح 11594 - المسند: 3 / 62، ص 301 - 11777 - المسند: 3 / 82؛ ص 161 ح 11618 -، المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 166، كتاب معرفة الصحابة، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 391؛الفصول المهمّة: ص 152؛ كنز العمال: ج 12 ص 112 ح 34246؛الصواعق المحرقة: ص 191؛تاريخ بغداد: ج 2 ص 184 وص 185، ج 4 ص 207 و ج 6 ص 372 و ج 9 ص 232؛ينابيع المودّة: ص 262؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3423؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270؛الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 376، هامش الإصابة؛ السنن الكبرى: ج 5 ص 50 ح 8169 / 9؛المعجم الأوسط: ج 3 ص 2211؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 92؛ذخائر العقبى: ص 225؛ اُسد الغابة: ج 2 ص 15؛بغية الطلب: ج 6 ص 2578؛فرائد السمطين: ج 2 ص 98 ح 409.

(2) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 167، كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال: ج 2 ص 112 ح 34247 وص 115 ح 34259 -؛الصواعق المحرقة: ص 191؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 133 ح 3429.


وقد أتاني جبريل فبشّرني أنّ حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة وأبوهما أفضل منهما»(1) .

عن جابر بن عبد الله قال: مَنْ سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليّ؛ فإنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوله(2) .

عن جابر أنّه قال - وقد دخل الحسين المسجد -: مَنْ أحبَّ أن يَنظُرَ إلى سيِّدِ شبابِ أهل الجنّة فلينظر إلى هذا؛ سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

عن عليعليه‌السلام قال: «شكوت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسد الناس إيّاي فقال: يا عليّ إنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذرارينا». قال عليّ: «قلت: يا رسول الله فأين شيعتنا؟ قال: شيعتكم من ورائكم»(4) .

____________________

(1) كنز العمال: ج 2 ص 107 ح 34017 وص 113 ح 34249 وص 102 ح 34192؛تاريخ بغداد: ج 10 ص 231؛ ينابيع المودّة: ص 195؛حلية الأولياء: ج 4 ص 190، وفيه: «وإنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»؛السنن الكبرى: ج 5 ص 95 ح 8365 / 1؛ كفاية الطالب: ص 380؛ذخائر العقبى: ص 224.

(2) مجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ميزان الاعتدال: ج 2 ص 40 رقم: 2737 -؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 147؛ ينابيع المودّة: ص 262؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 137 ح 34166؛ ذخائر العقبى: ص 225؛بغية الطلب: ج 6 ص 2583، نور الأبصار: ص 220.

(3) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 403 رقم: 270.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 169 ح 3508؛ كنز العمال: ج 12 ص 98 ح 34166 وص 104 ح 34205؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 109.


عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا أُسري بي إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوباً بالذهب: لا إله إلاّ الله محمّد حبيب الله علي ولي الله فاطمة أَمة الله الحسن والحسين صفوة الله على مبغضيهم لعنة الله مهما ذكر الله»(1) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بي أُنذرتم ثمّ بعلي بن أبي طالب اهتديتم - وقرأ:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (2) - وبالحسن أُعطيتم الإحسان وبالحسين تسعدون وبه تشقون. ألا وإنّ الحسين باب من أبواب الجنّة مَنْ عانده حرّم الله عليه رائحة الجنّة»(3)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا استقرّ أهل الجنّة قالت الجنّة: يا ربّ أليس وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك؟ قال: ألم أُزينك بالحسن والحسين؟ قال: فماست الجنّة ميساً(4) كما تميس العروس في خدرها»(5) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هلمّ يا بلال وناد في الناس واجمعهم لي في المسجد». فلمّا اجتمعوا قام على قدميه وخطب الناس بخطبة أبلغ فيها حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ومستحقّه ثمّ قال: «يا معشر المسلمين هل

____________________

(1) كفاية الطالب: ص 381؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 108.

(2) سورة الرعد: الآية 7.

(3) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 145.

(4) الميس: التبختر ماس يميس ميساً: تبختر واختال. لسان العرب: ج 6 ص 224 «ميس» أي: إنَّ الجنّة تبخترت وافتخرت بتزيّنها بالحسن والحسينعليهما‌السلام .

(5) تاريخ بغداد: ج 2 ص 238؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 103.


أدلُّكم على خير الناس جدَّاً وجدَّة؟». قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الحسن والحسين جدّهما رسول الله خاتم المرسلين وجدّتهما خديجةُ بنت خُوَيلد سيدة نساء أهل الجنّة. ألا أدُلُّكم على خير الناس أباً وأُمّاً؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب وأُمُّهما فاطمة بنت خديجة وهي سيدة نساء العالمين. هل أدلُّكم على خير الناس عمَّاً وعمةً؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الحسن والحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب وعمتهما أُمُّ هانئ بنت أبي طالب. أيّها الناس هل أدلُّكم على خير الناس خالاً وخالةً؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الحسن والحسين خالهما القاسم ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخالتهما زينب بنت رسول الله». ثمّ قال: «اللّهمّ إنّك تعلم أنَّ الحسن والحسين في الجنّة وجدّهما في الجنّة وجدتّهما في الجنّة وأباهما في الجنّة وأُمّهما في الجنّة وخالهما في الجنّة وخالتهما في الجنّة وعمّهما في الجنّة وعمّتهما في الجنّة ومَنْ يحبّهما في الجنّة ومَنْ يبغضهما في النار»(1) .

هذه الأحاديث تدلّ على مكانة الحسينعليه‌السلام عند الله تعالى وعند رسوله؛ لشموله بالعناية الإلهيّة الخاصّة وأنّها رسالة إلى العالم ليقتدوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في محبّته وعلاقته بولده الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّه يحمل رسالة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ نهج الحسينعليه‌السلام هو نهج جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فالمحبّة له في الواقع هو حفظ الرسالة من الانحراف وأكثر من ذلك جعل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مساواة النظر

____________________

(1) ذخائر العقبى: ص 226؛ كفاية الطالب: ص 378؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 112.


إليه هو نفس النظر إلى ولد الحسينعليه‌السلام .

لقد ترك الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الأمانة الإلهيّة السماويّة في أعناقنا من خلال وصاياه ولكن سرعان ما انقلبت الأُمّة على سبط النبوّة والإمامة وأرادوا الحطّ من شأن الحسينعليه‌السلام في واقعة الطفّ ومخالفة المشيئة الإلهيّة( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .

____________________

(1) سورة التوبة: الآية 32.



إبراهيم فداءٌ للحسينعليه‌السلام



لقد قدّم الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ابنه إبراهيم فداءً لولده الحسينعليه‌السلام وهو ابن ابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على مكانة الإمام الحسينعليه‌السلام على الرسالة والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله . وقد جاءت كتب التاريخ والحديث ملأى بالروايات التي تشير إلى ذلك منها:

عن أبي العباس قال: كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن عليّ تارةً يقبّل هذا وتارة يقبّل هذا إذ هبط عليه جبرائيلعليه‌السلام بوحي من ربّ العالمين فلمّا سرى عنه قال: «أتاني جبرائيل من ربّي فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرأ عليك السلام ويقول لك: لست أجمعهما لك فافدِ أحدهما بصاحبه». فنظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى إبراهيم فبكى ونظر إلى الحسين فبكى ثمّ قال: «إنّ إبراهيم أُمّه أَمة ومتى مات لم يحزن عليه غيري وأُمّ الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمّي لحمي ودمي ومتى مات حزنت ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنتُ أنا عليه وأنا أُوثر حزني على حزنهما. يا جبرئيل تقبض إبراهيم فديته بإبراهيمعليه‌السلام ». قال: فقُبض بعد ثلاث فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى الحسين مقبلاً قبَّله وضمّه إلى صدره ورشف ثناياه وقال: «فديت مَنْ فديته بابني إبراهيم»(1) .

____________________

(1) تاريخ بغداد: ج 2 ص 204.


عن أنس قال: لقد رأيت إبراهيم وهو يكيد بنفسه(1) بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدمعت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلاّ ما يُرضي الربّ وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون»(2) .

____________________

(1) يكيد بنفسه: أي يجود بها لسان العرب: ج 3 ص 383، كيد.

(2) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 57؛ذخائر العقبى: ص 264.


إمامة الحسينعليه‌السلام



الإمامة هي امتداد النبوّة وكما أنّ النبوّة منصب عظيم من قبل الله تعالى كذلك الإمامة فلا بدّ أن تحمل الإمامة شرائط النبوّة لكلّ مَنْ تصداها والتي منها العصمة. وقد ذهبت الإماميّة إلى أنّ الأئمّة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً؛ لأنّهم حفظة الشرع والقوّامون به حالهم في ذلك كحال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولأنّ الحاجة إلى الإمام إنّما هي للانتصاف للمظلوم من الظالم ورفع الفساد وحسم مادّة الفتن وأنّ الإمام لطف من قبل الله تعالى ليمنع القاهر من التعدّي ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرّمات. وذهب أهل السنّة إلى جواز إمامة الفسّاق والعصاة والسرّاق كما قال الزمخشري وهو من أفضل علمائهم فأيّ عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني والتقرّب إلى الله تعالى بامتثال أوامر مَنْ كان يفسق طول وقته وهو غائص في المعاصي وأنواع الفواحش؟!(1) .

وقد أشار الله تعالى في كتابه إلى عصمة الإمامة:( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ

____________________

(1) دلائل الصدق: ج 2 ص 3 «بتصرّف». أنظر التمهيد للباقلاني: ص 186: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه الاموال ولايجب الخروج عليه، واحتجوا بالأخبار عن النبي وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة إن جاروا وصلوا وراء كل بر وفاجر أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك؛ وصحيح مسلم: ج 6، ص 20، كتاب الإمارة، ط دار الفكر، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي: ج 11 و 12، ص 478 ح 1847، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، وصحيح البخاري: المجلد 3، ج 9، ص 78، كتاب الأحكام، ط بيروت دار إحياء التراث العربي.


عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) فإنّه دالّ على كون الإمامة من عهد الله تعالى وعلى اعتبار عصمة الإمام حين الإمامة وقبلها؛ لأنّ كلّ عاصٍ ظالم لقوله تعالى:( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .

عن ابن عباس قال: معناها أنّه كائن لا ينال عهده مَنْ هو في رتبة ظالم ولا ينبغي أن يوليه شيئاً من أمره.

وعن مجاهد في قوله لا ينال عهدي الظالمين قال: لا أجعل إماماً ظالماً يُقتدى به(3) .

فالإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية وإلاّ كان غير مهتد بنفسه كما يدلّ عليه قوله تعالى:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (4) فأفعال الإمام خيرات يهتدي إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي وتسديد ربّاني ومَنْ ليس بمعصوم فلا يكون إماماً هادياً إلى الحقّ.

والمراد بالظالمين مطلق مَنْ صدر عنه ظلم؛ من شرك أو معصية وإن كان منه في برهة من عمره؛ سواء في الجاهليّة أو الإسلام ثمّ تاب وصلح فلا بدّ أن لا يكون ظالماً في جميع عمره.

وإبراهيمعليه‌السلام حينما سأل الإمامة لبعض ذرّيتّه أجابه المولى سبحانه:

____________________

(1) سورة البقرة: الآية 124.

(2) سورة البقرة: الآية 229.

(3) تفسير الدر المنثور: ج 1 ص 118.

(4) سورة الأنبياء: الآية 73.


إنّه لا ينال عهدي الظالمين مَنْ عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً للناس ولو تاب بعد ذلك وأصلح.

وفي الدرّ المنثور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»(1)

فأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام هم المعنيون بهذه الآية الشريفة وقد صرَّحت الأحاديث الشريفة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الأئّمّة من بعده اثنا عشر خليفة وقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرَةَ يقول: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة». ثمّ قال كلمةً لم أفْهَمْهَا فقلت لأبي: مَا قال؟ فقال: «كلّهم من قريش»(2) .

وهذا الحديث شاهد على وجود الإمامة حتّى قيام الساعة ومصداقيّة هذا الحديث الشريف هم أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أولّهم الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وآخرهم الإمام المهدي (عجّل الله تعالى وجوده الشريف). بينما أهل السنّة طبَّقوا الاثني عشر خليفة وجعلوا مصداقيّتها في الخلفاء الأربعة وخامسهم عمر بن عبد العزيز ثمّ توقّفوا أكثر من ثلاثة عشر قرناً لم يظهر لهم خليفة سادس فتبيّن أنّ مصداقيّة الاثني عشر خليفة كلّهم من قريش في أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

____________________

(1) تفسير الدرّ المنثور: ج 1 ص 118.

(2) صحيح مسلم: ج 4 ص 101، كتاب الإمارة، ح 1821، رقم 7؛ فرائد السمطين: ج 2 ص 147 ح 442.


وقد ثبت أنّه لا يوجد أحد أحقّ وأولى بهذا الأمر من علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ حيث توفّرت فيه شرائط النبوّة والتي منها العصمة ولم يدّعِ أحدٌ من الصحابة العصمة إلاّ علياًعليه‌السلام . وقد صرّح أبو بكر بذلك عندما قال: أما والله ما أنا بخيركم ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً ولوددت أنّ فيكم مَنْ يكفيني. أفتظنّون أنّي أعمل فيكم بسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ إذاً لا أقوم بها؛ إنّ رسول الله كان يُعصم بالوحي وكان معه ملك وإنّ لي شيطاناً يعتريني ولقد قلّدت أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يد(1) .

وذكر أبو إسحاق الإسفرايني في كتابه: لمّا مرض معاوية أرسل خلف ولده يزيد فقال يزيد: ومَنْ يكون الخليفة من بعدك؟ فقال له: يا يزيد أنت الخليفة. ثمّ أوصاه بعدة وصايا منها:

واُوصيك يا بُني بالحسين وأولاده وإخوته وأولاد إخوته وجميع عشيرته وجميع بني هاشم الوصية التامة؛ لأنّ الخلافة يا بُني ليست لنا وإنّما هي له ولأبيه وجدّه من قبله ولأهل بيته من بعده. ولا تستخلف يا يزيد إلاّ مدّة يسيرة حتّى يبلغ الحسين مبالغ الرجال ويمضي إلى مكة في أحسن حال ويكون هو الخليفة أو مَنْ يشاء من أهل بيته وترجع الخلافة إلى أهلها؛ لأنّنا يا بُني ليس لنا خلافة بل نحن عبيد له ولأبيه وجدّه. ولا تنفق يا ولدي نفقة إلاّ وللحسين

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج 2 ص 450، ص 460؛ الطبقات الكبرى: ج 3 ص 183، ص 212؛الكامل في التاريخ: ج 2 ص 15، ذكر استقالة أبي بكر من البيعة؛ الإمامة والسياسة: ج 1 ص 16؛ الرياض النضرة في مناقب العشرة: ج 1 ص 253؛شرح نهج البلاغة: ج 1 ص 169؛ العقد الفريد: ج 4 ص 61؛الأخبار الموفقيات ص 579 ح 379.


نصفها واحذر يا ولدي من غضبه عليك؛ فإنّه إن غضب عليك يغضب عليك الله ورسوله فإنّ جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الشفيع يوم القيامة في الأولين والآخرين وله الشفاعة العظمى من الأنس والجن أجمعين ولواء الحمد بيده وأُمّه فاطمة الزهراءرضي‌الله‌عنها هي سيدة النساء وجدّته خديجة الكبرى وهم الذين أظهروا الدين وهدانا الله بهم إلى الصراط المستقيم فاحذر يا بُني من غضبهم؛ فإنّ بغضبهم يغضب الله عليك ورسوله(1) .

وإنكار إمامة أهل البيتعليهم‌السلام إنكار للنبوّة وإنكار النبوّة إنكار لربوبيّة الربّ كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا علي مَنْ أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي ومَنْ أنكر نبوّتي فقد أنكر ربوبيّة الربّ»(2) . والقرآن الكريم عبَّر عن إنكار الإمامة بالانقلاب لقوله تعالى:( وما مُحمدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خلَتْ مِن قبلهِ الرُّسلُ أفإِن مات أو قُتل انقلبتُم على أعقابِكم ) (3) ؛ لأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين.

وقد نصَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على إمامة الحسن والحسينعليهما‌السلام حيث قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». وقال تعالى:( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) (4) . ولا يسبق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضيلة وليس أحقّ بهذا الدعاء بهذه الصيغة منه وذرِّيّته فقد وجبت لهم الإمامة.

____________________

(1) نور العين في مشهد الحسين: ص 5.

(2) بحار الأنوار: ج 42 ص 191 ح1.

(3) سورة آل عمران: الآية 144.

(4) سورة الفرقان: الآية 74.


ويستدلُّ على إمامتهما بما رواه الفريقان من نصِّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على إمامة الاثني عشر وإذا ثبت ذلك فكلُّ مَنْ قال بإمامة الاثني عشر قطع بإمامتهما ويدلُّ أيضاً ما ثبت بلا خلاف أنّهما دعوا الناس إلى بيعتهما والقول بإمامتهما.

ويستدلُّ أيضاً بأنَّ طريق الإمامة لا يخلو إمّا أن يكون هو النصُّ أو الوصف والاختيار وكلُّ ذلك قد حصل في حقّهما فوجب القول بإمامتهما.

ويستدلُّ أيضاً بما قد ثبت بأنّهما خرجا وادَّعيا ولم يكن في زمانهما غير معاوية ويزيد وهما قد ثبت فسقهما بل كفرهما(1) فيجب أن تكون الإمامة للحسن والحسينعليهما‌السلام .

____________________

(1) انظر شرح نهج البلاغة: ج 2 ص 233، قيل لعليعليه‌السلام ، حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام: أَتُقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون؟! فقال عليعليه‌السلام : «ما أقرّ لمعاوية ولأصحابه أنّهم مؤمنون ولا مسلمون».

وذكر المسعودي: وكان يسمّى يزيد الخمير وكتب إلى ابن الزبير:

ادعو إلهك في السماء فإنّني

أدعو عليك رجال عكَّ وأشْعرِ

كيف النجاة أبا خُبَيْبٍ منهمُ

فاحتل لنفسك قبل أتْي العسكرِ

وذكر أيضاً: وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ومنادمة على الشراب وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين عليه‌السلام فأقبل على ساقيه فقال:

اسقني شربةً تروِّي مُشَاشِي

ثمّ مِلْ فاسق مثلها ابنَ زيادِ

صاحب السرّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

ثمّ أمر المغنين فغنّوا له. مروج الذهب 3 / 79. جوارح: أي طيور جوارح كالنسر والعقاب والبازي وسواها. المشاش: النفس.


ومن كلام لعليعليه‌السلام : «واللهِ ما معاويةُ بأَدهى مِنِّي ولكنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ ولوْلا كراهيةُ الغَدْرِ لكنتُ من أدهى الناسِ ولكنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وكلّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ ولِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يُعْرَفُ بهِ يَوْمَ القيامةِ»(1) .

ومن كلامٍ لعليعليه‌السلام لأصحابه في بيان حقيقة معاوية بن أبي سفيان حيث وصفه قائلاً: «أَما إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُم بَعْدي رَجُلٌ رَحْبُ البُلْعُوم مُنْدَحِقُ البَطْنِ يَأْكُلُ ما يِجِدُ وَيَطْلُبُ ما لا يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ تَقْتُلُوهُ. أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأمُرُكُم بسبِّي والبَراءَ مِنِّي؛ فأمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي(2) ؛ فإِنّهُ لي زَكَاةٌ وَلكُمْ نَجاةٌ؛ وَأَمّا البَراءَةُ فلا تَتَبرّؤوا مِنِّي؛ فإنِّي وُلدِْتُ على الفطرةِ وَسَبقْتُ إلى الإيمانِ والهِجْرَةِ»(3) .

____________________

(1) نهج البلاغة: ص 318 رقم 200 قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: ج 10 ص 211 رقم 193: والفجرة والكفرة: الكثير الفجور والكفر وقولهعليه‌السلام : «لكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة». مرويّ عن النبي.

(2) كلام الإمامعليه‌السلام يحمل على الترخيص وليس الإلزام، فترخيص الإمامعليه‌السلام لأصحابه بالسبّ كاشف عن التخيير فيظهر لهمّ سبّ الإمامعليه‌السلام حتّى يدفع عن نفسه القتل والضرر، لأهمية الملاك.

(3) نهج البلاغة /92 رقم 57 عن أبي عبيدة قال: كتبَ معاويةُ إلى علي بن أبي طالب: يا أبا الحسن! إنّ لي فضائل كثيرةً وكان أبي سيّداً في الجاهليّة وصرتُ ملكاً في الإسلام وأنا صهرُ رسول الله وخال المؤمنين وكاتبُ الوحي. فقال علي: «أبالفضائل يفخَرُ عليَّ ابن آكلةِ الأكباد؟!». ثمّ قال: «اكتب يا غلام:

محمد النبيُّ أخي وصهري

وحمزةُ سيدُ الشهداء عَميِّ

وجعفر الذي يُمسي ويُضحي

يطير مع الملائكة ابن أُمي


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يطلع من هذا الفجّ رجل من أُمّتي يُحشر على غير ملتي». فطلع معاوية( 1 ) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».

وفي الحديث المرفوع المشهور أنّه قال: «إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي: يا حنّان يا منّان! الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ».

ويستدلُّ أيضاً بإجماع أهل البيتعليهم‌السلام لأنّهم أجمعوا على إمامتهما وإجماعهم حجّة.

ويستدلُّ بالخبر المشهور أنّه قالعليه‌السلام : «ابناي هذان إمامان قاما وقعدا»؛ لأنّه أوجب لهما الإمامة؛ سواء نهضا بالجهاد أو قعدا عنه وسواء دعيا إلى أنفسهما أو تركا ذلك فبالعصمة والنصوص وكونهما أفضل الخلق يستدلُّ على إمامتهما.

وكانت الخلافة في أولاد الأنبياءعليهم‌السلام وما بقي لنبيّنا ولد سواهما ويمكن البرهنة على إمامتهما ببيعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لهما؛ لأنّه لم يبايع صغيراً

____________________

وبنت محمّد سَكْني وعِرسي

منوط لحمُها بدمي ولحمي

وسبطا أحمدٍ ولداي منها

فأيكم له سهمٌ كسهمي

سَبَقْتُكُم إلى الإسلام طُراً

صغيراً ما بلغتُ أوان حِلْمي

فقال معاوية: أخفوا هذا الكتابَ؛ لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب. كنز العمال: ج 13 ص 112 ح 36366.

(1) تاريخ الطبري: ج 5 ص 621.


غيرهما وبنزول آيات من القرآن بحقّهما وبإيجاب ثواب الجنّة على عملهما مع ظاهر الطفوليّة منهما وذلك بقوله تعالى:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ) (1) فعمّهما بهذا القول مع أبويهما وبإدخالهما في المباهلة. قال ابن علاّن المعتزلي: هذا يدلُّ على أنّهما كانا مكلّفين في تلك الحال؛ لأنَّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين.

وقال أصحابنا: إنَّ صغر السنِّ عن حدِّ البلوغ لا ينافي كمال العقل وبلوغ الحلم حدُّ لتعلّق الأحكام الشرعية فكان ذلك لخرق العادة فثبت بذلك أنّهما كانا حجّة الله لنبيّه في المباهلة مع طفوليّتهما ولو لم يكونا إمامين لم يحتجَّ الله بهما مع صغر سنّهما على أعدائه ولم يتبيّن في الآية ذكر قبول دعائهما. ولو أنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجد مَنْ يقوم مقامهما غيرهما لباهل بهم أو جمعهم معهما فاقتصاره عليهما يبيّن فضلهما ونقص غيرهم.

وقد قدَّمهم في الذكر على الأنفس ليبيّن لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنّهم مقدَّمون على الأنفس معدُّون بها وفيه دليل لا شيء أقوى منه هو أنّهم أفضل خلق الله.

واعلم أنَّ الله تعالى قال في التوحيد والعدل:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) (2) وفي النبوَّة والإمامة:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا

____________________

(1) سورة الدهر: الآية 7.

(2) سورة آل عمران: الآية 64.


وَأَبْنَاءَكُمْ ) (1) وفي الشرعيّات:( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ) (2) . وقد أجمع المفسّرون بأنَّ المراد بأبنائنا الحسن والحسينعليهما‌السلام .

قال أبو بكر الرازيُّ: هذا يدلُّ على أنّهما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنَّ ولد الابنة ابنٌ على الحقيقة(3) .

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة». الإمام: هو خليفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وممثله في أُمته في تبليغ أحكام الشريعة فإذا غفل المسلم معرفة إمامه ولم يستهد به ضلّ عن نهج الإمام ومات كافراً منافقاً. وقد أشعر الحديث بضرورة وجود الإمام ووجوب معرفته مدى الحياة؛ لأنّ إضافة الإمام إلى الزمان تستلزم استمراريّة الإمامة وتجدّدها عبر الأزمنة والعصور.

قال اللهعزوجل :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ ) (4) فكان علي صلوات الله عليه ثمّ صار من بعده حسن ثمّ حسين ثمّ من بعده علي بن الحسين ثمّ من بعده محمّد بن علي وهكذا يكون الأمر. إنّ الأرض لا تصلح إلاّ بإمام ومَنْ مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ها هنا - وأهوى بيده إلى صدره - يقول: حينئذ لقد كان على أمر أحسن»(5) .

____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 61.

(2) سورة الأنعام: الآية 151.

(3) بحار الأنوار: ج 43 ص 277.

(4) سورة النساء: الآية 59.

(5) ينابيع المودّة: ص 137.


وقد كان عمرو بن عبيد اجتمع مع هشام بن الحكم وهشام يذهب إلى القول بأنّ الإمامة نصٌّ من الله ورسوله على علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) وعلى مَنْ يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين ومَنْ يلي أيامهم وعمرو يذهب إلى أنّ الإمامة اختيار من الأُمّة في سائر الأعصار. فقال هشام لعمرو بن عبيد: لِمَ خلق الله لك عينين؟ قال: لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السماوات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلاً عليه. فقال هشام: فلِمَ خلق الله لك سمعاً؟ قال: لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي. فقال له هشام: لِمَ خلق الله لك لساناً؟ فقال عمرو: لأَعبّر به عمّا في قلبي وأُخاطب به مَنْ افترض عليَّ أمره ونهيه. قال هشام: فلِمَ خلق الله لك قلباً؟ قال عمرو: لتكون هذه الحواسّ مؤدّية إليه فيكون مميّزاً بين منافعها ومضارّها. قال هشام: فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسّك ولا يخلق لك قلباً تؤدّي هذه الحواسّ إليه؟ قال عمرو: لا. فقال هشام: ولِمَ؟ قال: لأنّ القلب باعث لهذه الحواسّ على ما يصلح له فلو لم يخلق الله فيها انبعاثاً من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثاً يبعثها على ما خلقت له إلاّ بخلق القلب فيكون هو الباعث لها على ما تفعله والمميّز لها بين مضارّها ومنافعها ويكون الإمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواسّ إذا كانت الحواسّ راجعة إلى القلب لا إلى غيره ويكون سائر الخلق راجعين إلى الإمام لا إلى غيره. فلم يأت عمرو بفرق يعرف(1) .

____________________

(1) مروج الذهب: ج 4 ص 115.


وأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام لا يفتون برأيهم كما يُفتي الناس في أُمور الدين وقد جاء عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: «يا جابر لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ولكنّا نُفتيهم بآثار من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأُصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر(1) نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم»(2) .

عن سلمان المحمّدي قال: دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإذا الحسين على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه ويقول: «إنّك سيّد ابن سيّد أخو سيّد أبو السادة إنّك إمام ابن إمام أخو إمام أبو الأئمة إنّك حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم»(3) .

عن أبي المهزم قال: كنّا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة فصلّى عليها فلما أقبلنا أعيا الحسينعليه‌السلام فقعد في الطريق فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه فقال الحسينعليه‌السلام : «يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا؟». فقال أبو هريرة: دعني - فو الله - لو علم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(4) .

____________________

(1) كابر عن كابر: أي ورثته عن آبائي وأجدادي كبيراً عن كبير في العزِّ والشرف.

(2) بحار الأنوار: ج 2 ص 172 ح 3.

(3) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 146؛انظر: ينابيع المودة: 198، وفيه: «خديه بدل عينيه».

(4) كفاية الطالب: ص 381.


الحسينعليه‌السلام وعالم الرؤيا



عن اُم الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت: يا رسول الله إنّي رأيت البارحة حُلماً منكراً. قال: «وما هو؟». قالت: إنّه شديد. قال: «وما هو؟». قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووُضِعت في حجري. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «رأيت خيراً؛ تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك». فولدت فاطمة الحسينعليه‌السلام فكان في حجري كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فدخلت يوماً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعته في حجره ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تهريقان من الدموع فقلت: يا نبيّ الله بأبي أنت وأُمي! ما لك تبكي؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أتاني جبرئيلعليه‌السلام فأخبرني أن أُمّتي ستقتل ابني هذا». فقلت: هذا؟! فقال: «نعم وأتاني بتُربةٍ من تُربته حمراء»(1) .

عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما يرى النائم بنصف النهار

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 176، كتاب معرفة الصحابة؛ الفصول المهمة: 170؛البداية والنهاية: مجلد 3 ج 6 ص 262؛ ينابيع المودة: ص 261؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 159 تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 196 ح 3537؛ كفاية الطالب: ص 377؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 397 الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ نور الأبصار: ص 221.


وهو قائم أشعث أغْبر بيده قارورة فيها دم فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: «دم الحسين وأصحابه لم أزل ألْتَقِطُهُ منذ اليوم». فاُحصي ذلك اليوم فوجدوه وقد قُتل في ذلك اليوم. فاستشهد الحسينعليه‌السلام كما قال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة ويُعرف الموضع أيضاً بالطفّ قتله سنان بن أنس النخعي وقيل غيره(1) .

وقد ذكر ابن أعثم في كتابه رؤيا الحسينعليه‌السلام قال: وسار الحسين حتّى نزل الثعلبيّة وذلك في وقت الظهيرة فنزل وترك أصحابه ثمّ وضع الحسينعليه‌السلام رأسه ونام ثمّ انتبه من نومه باكياً فقال له ابنه علي الأكبر: ما لك تبكي يا أبت لا أبكى الله لك عيناً؟ فقال الحسينعليه‌السلام : «يا بُنيّ إنّها ساعة لا تكذب فيها الرؤيا اُعلمك أنّي رأيت فارساً على فرس حتّى وقف عليَّ فقال: يا حسين إنّكم تسرعون المسير والمنايا بكم تسرع إلى الجنّة فعلمت أنّ أنفسنا قد نُعيت إلينا». فقال له ابنه: يا أبت ألسنا على الحق؟ قال: «بلى يا بُني والذي ترجع العباد إليه». فقال عليٌّرضي‌الله‌عنه : إذاً لا نبالي بالموت. فقال الحسينعليه‌السلام : «جزاك الله عني يا بُنيّ خير ما جزى به ولد عن والد»(2) .

____________________

(1) المعجم الكبير: ج 3 ص 110 ح 2822؛الصواعق المحرقة: ص 193؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 395 ح 556؛ذخائر العقبى: ص 253؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 439؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 427 رقم: 270 تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 237 ح 3547؛اُسد الغابة: ج 2 ص 30؛بغية الطلب: ج 6 ص 2635؛تاريخ الخلفاء: ص 208؛ مجمع الزوائد: ج 9 ص 196.

(2) كتاب الفتوح: ج 5 ص 123.


عن سلمى الأنصارية قالت: دخلت على أُمّ سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي تبكي فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت الآن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفاً»(1) .

عن الشعبي قال: رأيت في النوم كأنّ رجالاً نزلوا من السماء معهم حراب يتتبعون قتلة الحسينرضي‌الله‌عنه فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم(2) .

هذا وقد التقيت قريباً بأحد الإخوة اليمنيّين فسرد لي قصّة رآها في عالم الرؤيا وهي كالآتي:

رأيت في عالم الرؤيا في يوم مقتل سيدنا الحسينعليه‌السلام - أي يوم العاشر من شهر محرم - أنّي مسافر من أرض إلى أرض فوجدت نفسي في صحراء كبيرة ورأيت جيشاً قد سدَّ الأرض - أي ملأها - خيولاً وأسلحة ورجالاً ورأيت في الجهة المقابلة رجلاً على فرس ووراءه نساء وأطفال سمعته يقول: «هل من مغيث يغيثنا؟ هل من مجير يجيرنا؟ هل من موحّدٍ يخاف الله فينا؟ هل

____________________

(1) سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3771؛تهذيب التهذيب: ج 2 ص 356؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ كفاية الطالب: ص 390؛الصواعق المحرقة: ص 193؛ ذخائر العقبى: ص 253 اُسد الغابة: ج 2 ص 29؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 238 ح 3547؛سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 427 رقم: 270؛مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛تاريخ الخلفاء: ص 208؛بغية الطلب: ج 6 ص 2644.

(2) المعجم الكبير: ج 3 ص 113 ح 2833.


من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟». فقلت في نفسي: هذا سيدي الحسينعليه‌السلام هؤلاء هم آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله . فجئت إليه وقلت له: لبيك وسعديك يابن رسول الله سأُقاتل عنكم؛ مخافةً من الله وحبّاً لنبيكم ومخافة من النار. فقال: «خذ بارك الله فيك». وأعطاني سيفاً لم أرَ أحسن منه وكان شديد اللمعان فنظرت إلى وجه سيدي الحسينعليه‌السلام وله لحية سوداء شديدة السواد شبية بسواد الكحل إلاّ أنّه به شعرات بيض يشعّ منها نور عجيب كنور المصباح الأبيض وحانت منّي التفاتة إلى جبهته الكريمة فرأيت نوراً يسطع منها كنور الشمس بل أقوى فأحرق عيني فصرخت بأعلى صوتي: قد عميت عيني! فمسح بيده اليمنى الكريمة على عيني فردَّ لي بصري وأصبح بصري قوياً وقال لي: «قاتل بارك الله فيك». فقاتلت الأعداء قتال المستميتين وقد قتلت منهم ما يقارب الثلاثين فارساً وكنتُ أضربهم بالسيف فيموتون وهم يضربونني وتخرج الدماء منّي ولكنّي لا أموت.

وكان سيدي الحسينعليه‌السلام يُقاتل على الجهة اليمنى فحال الفرسان بيني وبين الحسينعليه‌السلام فرأيتهم أحاطوا به فحاولت أن أمضي إليه لأخلّصه منهم وهم يحيطون بي من كلّ مكان فرأيتهم قد أثخنوه بالجراح وسقط - بأبي وأُمّي - على الأرض. والعجيب في الأمر أنّ جواد سيّدنا الحسينعليه‌السلام لا يفرّ عنه ولا يهرب وكان الجواد متعلّقاً بسيدنا الحسينعليه‌السلام كتعلّق الأُمّ بولدها وبقي يدافع عنه ويضرب برجليه كلّ فارس يقترب من جسد الحسينعليه‌السلام ورأيتُ نوراً يخرج من الجواد وكان قد أصيب بجراحات كثيرة يخرج منها نور وبدا لي كأنّه ليس من خيول الأرض؛ حيث إنّه كان


مطيعاً لسيدنا الحسينعليه‌السلام وكانت دموعه تسيل على خديه ويكثر النظر إلى السماء وينظر إلى سيدنا الحسين وهو مُلقىً على الأرض فيأتيه ويشمّ جراحات الحسينعليه‌السلام ثمّ يلطّخ جبينه بدمه.

انشغلت بالقتال ولم أرَ الجواد وجعلت أنظر إلى الحسينعليه‌السلام وقد اشترك في قتله ثلاثة أحدهم ضربه برمح والآخر بسيف ضربات ثمّ نزل الثالث - وكان الإمامعليه‌السلام ملقىً على الأرض - فضرب برجله صدر الحسينعليه‌السلام ثمّ أمسك برأس الحسين وذبحه كما تذبح الشاة. فجئت إلى الرجل وأمسكته من رقبته ودفعته عن جسد سيدي الحسينعليه‌السلام وقلت: لعنك الله! أتدري مَنْ قتلت؟! هذا سيد شباب أهل الجنّة هذا ابن سيد المرسلين وحبيب ربّ العالمين! كأنّي أُلهمت وقلت ذلك على الطبيعة فقال: أعطوني مالاً. وقالوا: اقتله. فقتلته فاستيقظتُ من النوم مرعوباً محزوناً وقد توقّف شعر رأسي وأصابني حزن وبكاء عظيم. بعد ذلك أعطاني الله قوّة عجيبة في بصري فصرت أرى النملة السوداء في الغرفة الظلماء كأنّما في وضح النهار وصرت أرى أُموراً عجيبة.

واستمرّ في حديثه قائلاً: كنت أبكي على سيدنا الحسينعليه‌السلام في ذات ليلة وكانت ليلة جمعة فدعوت اللهعزوجل أن يبلغ روحه منّي السلام وأنا في أرض بعيدة لا أستطيع زيارة قبر سيدنا الحسينعليه‌السلام وفي عالم الرؤيا جاءني رجل مرتدياً عمامةً مثل عمامتكم ولباسكم في المنام وقال لي: أتريد أن تزور الحسين؟


قلت: نعم. قال: قم. فأخذ بيدي وذهب بي إلى مكان في منزلي لا يوجد فيها أثاث ولا فرش بل أرض خالية قال لي: انظر. فإذا أنا بحفرة في وسط المنزل فقال لي: انظر هذا قبر الحسينعليه‌السلام ؛ بحبّك للحسين وآله يسّر لك قبره وأنت في بيتك. فنزلت إلى هذه الحفرة فوجدت فيها حفرة ثانية داخل تلك الحفرة الأُولى فنزلت فرأيت جسداً بدون رأس ولمسته بيديَّ هاتين فرأيت أنّه لا يوجد موضع من جسده إلاّ وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح وكان مقطّع الأعضاء قطعة قطعة.

والعجيب في الأمر أنّ هذه الأوصال المقطعة مخيطة بخيوط سود ويخرج منها دم قانٍ كأنّه قتل في هذه الساعة وتفوح منه رائحة طيّبة أطيب من رائحة المسك لم أشمّ مثلها قبل ذلك اليوم.

فجعلت أبكي عليه واجتمع أهلي على صوت بكائي وكان ضمن مَنْ اجتمع من أهلي هو خالي وكان يشكو ألماً في رجله اليمنى لا يستطيع المشي فقلت لهم وأنا أبكي داخل القبر: انظروا ما فعل بنو اُميّة لعنهم الله! لقد قطعوا جسده الشريف تقطيعاً - وأنا في حالة بكاء شديد - لقد فصلوا رأسه عن بدنه! فبكى أهلي بكاءً شديداً فاستيقظت من نومي وقد زاد حزني وبكائي وحبّي للحسين وآل الحسينعليهم‌السلام .

وفي الصباح جاء خالي لزيارتنا فإذا هو سالم معافىً فأخبرت أهلي بهذه الرؤيا فازدادوا يقيناً وحبّاً لآل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

____________________

(1) التقيت به ليلة الثامن من شهر ربيع الأول سنة 1422 هـ المصادف ليلة الجمعة (المؤلّف).


وأمّا الدليل الشرعي على الرؤيا في المنام فقد تطرّق القرآن الكريم وأشار إليها منها قوله تعالى:( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ للإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (1) و:( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (2) و:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ ) (3) .

وذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ رآني في المنام فقد رآني؛ فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي»(4) .

ولمّا كان الحسينعليه‌السلام ملاحقاً من قبل عمّال يزيد بن معاوية؛ لرفضه بيعة يزيد راح يشكو من ظلمه إلى قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد ذكر أحمد بن أعثم في كتابه قائلاً: وخرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة وأتى إلى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: «السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة أنا فرخك وابن فرختك وسبطك في الخلق الذي خلفت

____________________

(1) سورة يوسف: الآية 4 و 5.

(2) سورة الصافات: الآية 102.

(3) سورة الإسراء: الآية 60.

(4) صحيح مسلم: ج 4 ص 451 ح 2266، باب قول النبي (عليه الصلاة والسلام): «من رآني في المنام فقد رآني» بغية الطلب: ج 6 ص 2644 وفيه: «لا يتصوّر بي».


على أُمّتك فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذولني وضيّعوني وأنّهم لم يحفظوني وهذا شكواي إليك حتّى ألقاك صلّى الله عليك وسلم». ثمّ وثب قائماً وصفّ قدميه ولم يزل راكعاً وساجداً.

ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً فصلّى ركعتين فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول: «اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللّهمّ إنّي أُحبّ المعروف وأكره المنكر وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه ما اخترت لي من أمري هذا ما هو لك رضاً».

قال: ثمّ جعل الحسين يبكي حتّى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة فرأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتّى ضمّ الحسينعليه‌السلام إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال: «يا بني يا حسين كأنّك عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من اُمّتي وأنت في ذلك عطشان لا تُسقى وظمآن لا تُروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي! ما لهم؟! لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة فما لهم عند الله من خلاق. حبيبي يا حسين إنّ أباك وأُمّك وأخاك قد قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون وإنّ لك في الجنة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة». قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جدّه ويسمع كلامه وهو يقول: «يا جدّاه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبداً فخذني إليك واجعلني معك إلى منزلك». قال:


فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا حسين إنّه لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ...».

قال: فانتبه الحسين من نومه فزعاً مذعوراً فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطّلب فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشدّ غمّاً من أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أكثر منه باكياً وباكية(1) .

____________________

(1) كتاب الفتوح: ج 5 ص 26.



إرادة الله شاءت



لمّا هلك معاوية بن أبي سفيان طلب يزيد بن معاوية من عمّاله في جميع الأمصار تجديد البيعة له ولكنّ الحسينعليه‌السلام رفض بيعة يزيد؛ لكونه متلبّساً بالفسق والفجور والخمور. إضافة إلى أنّه ليس أهلاً للخلافة والإمامة؛ لكونه من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وشجب المسلمون هذا العمل الشنيع ومصادر كتبهم تُصرّح بذلك.

ولهذا الأمر قرّر الحسينعليه‌السلام الخروج إلى العراق وقد نصحه بعض الصحابة والتابعين بعدم الخروج إلى العراق إلاّ إنّهعليه‌السلام رفض ذلك؛ لأنّه لا يريد مخالفة الإرادة الإلهيّة فكان خروج الإمام الحسينعليه‌السلام مستنداً إليها أي إنّه سار بأمر من قبل الله تعالى كما تُصرّح أحاديث الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وإخبار جبرائيل النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك. ولقد أشرنا إلى بعض تلك الروايات من طرق أهل السنة في واقعة فاجعة الطفّ.

وإليك بعض النصائح التي وجهت إليه منها:

عن الشعبي قال: إنّ ابن عمر كان بماء له فقدم المدينة فأُخبر بخروج الحسين فلحقه على مسيرة ثلاث ليال من المدينة فقال له: أين تريد؟ قال: «العراق». قال: لا تأتهم؛ لأنّك بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والله لا يليها


منكم أحد أبداً وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير لكم. فقال له الحسين: «هذه بيعتهم وكتبهم». فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل والسّلام(1) .

ومن وصايا محمّد بن الحنفيّة إلى الحسينعليه‌السلام عند خروجه: اُشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت فقال له الحسينعليه‌السلام : «يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللّهمّ لا تبارك في يزيد». ثمّ قال: «وإنّي قد عزمت على الخروج إلى مكة»(2) .

وعن ابن سعد بسنده قال: فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله إنّي لكَ ناصحٌ ومُشفِقٌ وقد بلغني أنّه كاتَبَكَ قومٌ من شيعتك فلا تخرجْ إليهم فإنّي سمعتُ أباك يقول بالكوفة: «والله لقد مَلِلْتُهم ومَلُّوني وأبغضتهم وأبغضوني وما بلوتُ منهم وَفَاءً ولا لهم ثَبَاتٌ ولا عَزْمٌ ولا صَبْرٌ على السيف»(3) .

وأتاه عبد الله بن عباس ومعه جماعة من أهل ذوي الحنكة والتجربة والمعرفة بالأُمور فقال له: يابن عمّ إنّ الناس قد أرجفوا بأنّك سائر إلى

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 466؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 221؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛ذخائر العقبى: ص 256؛بغية الطلب: ج 6 ص 2604؛تاريخ الخلفاء: ص 206.

(2) كتاب الفتوح: ج 5 ص 30.

(3) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 411 رقم: 270؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 413.


العراق؟ فقال: «نعم». قال ابن عباس: فإنّي أُعيذك بالله من ذلك أتذهب - رحمك الله - إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوّهم فلا آمن أن يغرّوك ويكذّبوك ويخذلوك ويُستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك.

قال الحسينعليه‌السلام : «وإنّي استخير الله وأنظر».

ثمّ عاد ابن عباس إليه فقال: يابن عمّ إنّي أتصبّر فلا أصبر إنّي أتخوّف عليك الهلاك؛ إنّ أهل العراق [أهل] غدر فأقم بهذا البلد؛ فإنّك سيد أهل الحجاز ألا فإنّ في اليمن جبالاً وشعاباً وحصوناً ليس لشيء من العراق مثلها واليمن أرض طويلة عريضة ولأبيك بها شيعة فَأَتِها ثمّ ابثث دعاتك وكتبك يأتك الناس.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «يابن عمّ أنت الناصح الشفيق ولكنّي قد أزمعت المسير ونويته». فقال ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إنّي لخائف أن تُقتل ...

ثمّ خرج ابن عباس من عنده فمرَّ بابن الزبير وهو جالس فقال له: قرّت عينُك يابن الزبير بشخوص الحسين عنك وتخليته إيّاك والحجاز. ثمّ قال:

يا لَكِ من قُبّرةٍ بمعمَرِ

خَلا لكِ الجَوُّ فبيضي واصفُري

ونَقِّري ما شئتِ أن تُنقِّري(1)

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 465 ح 293؛الأخبار الطوال: ص 244؛بغية الطلب: ج 6 ص 2611.


قالوا: ولمّا كتب أهل الكوفة إلى الحسينعليه‌السلام بما كتبوا به فاستحفّوه للشخوص جاءه عمرو بن عبد الرحمن المخزومي بمكّة فقال له: بلغني أنّك تريد العراق وأنا مشفق عليك من مسيرك؛ لأنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأُمراؤه ومعهم بيوت الأموال وإنّما الناس عبيد الدينار والدرهم فلا آمن عليك أن يُقاتلك مَنْ وعدك نصره ومَنْ أنت أحبّ إليه ممّن يُقاتلك معه وذلك عند البذل وطمع الدنيا. فقال له الحسينعليه‌السلام : «جزاك الله خيراً من ناصح نصحت ويقضي الله»(1)

وكتب إليه عبد الله بن جعفر يُحذِّره ويُناشده الله فكتب إليه: «إنّي رأيتُ رؤيا رأيت فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له»(2) .

وقالوا: وعرض ابن الزبير على الحسينعليه‌السلام أن يُقيم بمكّة فيبايعه ويبايعه الناس كأنّما أراد بذلك أن لا يتّهمه وأن يُعذر في القول فقال الحسينعليه‌السلام : «لئن أُقتل خارجاً من مكّة بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتل فيها ولئن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحبّ إليَّ من أن أُقتل خارجاً منها بشبر»(3) .

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 465، أنّهعليه‌السلام أجاب ابن عباس بما أقنعه وأنّه لو لم يخرج لكانوا يستحلّون به حرمة الكعبة!! الفصول المهمّة: ص 185؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 415؛الأخبار الطوال: ص 244؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 202 ح 3542.

(2) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 414 رقم 270.

(3) أنساب الأشراف: ج 2 ص 467، هذا الحديث أيضاً دالّ على أنّهعليه‌السلام كان يعلم بأنّه يُقتل وإنّما خرج من مكة لئلاّ يُقتل فيها فيستحلّ به حرمة الحرم.


فقام ابن الزبير وخرج من عنده فقال الحسينعليه‌السلام لجماعة كانوا عنده من خواصه: «إنّ هذا الرجل - يعني ابن الزبير - ليس في الدنيا شيء أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز وقد علم أن الناس لا يعدلون بي ما دمت فيه فيود أنّي خرجت منه لتخلوا له»(1)

وهذه النصحية عكس نصيحته عندما رأى اختلاف أهل مكة إلى الحسينعليه‌السلام لمّا وردها؛ لأنّه أراد أن يتخلّص منه حتّى يتوجّه أهل مكة إليه فقدّم إليه نصيحة مغشوشة كما ذكرها المسعودي في تاريخه.

وبلغ ابن الزبير أنّه - يعني الحسين - يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه قد غمّه مكانه بمكّة؛ لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين فلم يكن شيء يُؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين عن مكة فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك؟ فو الله لقد خفت في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله. فقال الحسينعليه‌السلام : «قد عزمتُ على إتيان الكوفة». فقال: وفَّقَكَ الله أما لو أنّ لي بها مثل أنصارك ما عدلْتُ عنها. ثمّ خاف أن يتّهمه(2) ....

وخرج الحسينعليه‌السلام وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكّة فقدما مكّة؛ فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطّلب ولزم ابن الزبير الحِجْر ولبس المَعَافريَّ وجعل يُحَرِّض الناس على بني اُميّة وكان يغدو ويروح

____________________

(1) الفصول المهمّة: ص 184.

(2) مروج الذهب: ج 3 ص 67.


إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك. وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول: لا تفعل(1) .

قال الحسينعليه‌السلام لابن عباس: «فإنّي مستوطن هذا الحرم - يعني مكّة - ومُقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليلعليه‌السلام يوم أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل فكانت النار عليه برداً وسلاماً»(2) .

فلمّا أصبح الحسينعليه‌السلام وإذا برجل من الكوفة يُكنّى أبا هرّة الأزدي أتاه فسلّم عليه ثمّ قال: يابن بنت رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال الحسينعليه‌السلام : «يا أبا هرة إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت وطلبوا دمي فهربت. وأيم الله يا أبا هرة لتقتلني الفئة الباغية وليلبسهم الله ذُلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً وليُسلطنَّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهنّ فحكمت في أموالهم وفي دمائهم»(3) .

وقالوا: وكان زهير بن القين البَجَلي بمكّة وكان عثمانيّاً فانصرف من مكة متعجّلاً فضمّه الطريق وحسيناً فكان يسايره ولا ينازله؛ ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية فأرسل الحسين إليه في إتيانه فأمرته امرأته دملم

____________________

(1) تهذيب الكمال: ج 6 ص 415.

(2) كتاب الفتوح: ج 5 ص 44.

(3) المصدر نفسه: ص 123.


بنت عمرو أن يأتيه فأبى فقالت: سبحان الله! أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه؟! فصار إليه ثمّ انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق فالحقي بأهلك؛ فإنّي لا أُحبّ أن يُصيبك بسببي إلاّ خير ثمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد وصار مع الحسين(1) .

هذا الرجل لقد وصل به الموقف الحسيني إلى طلاق زوجته هذا هو العشق الإلهي للشهادة من أجل نصرة الإسلام فكلّ واحد منّا إمّا أن ينضمّ إلى معسكر الحسينعليه‌السلام أو إلى معسكر يزيد بن معاوية؛ لأنّه صراع بين الحقّ والباطل والخير والشرّ ولا ثالث لهما أليس كذلك؟

وكان موقف الحرّ واضحاً للعيان في واقعة الطفّ يوم عاشوراء وذلك لمّا زحف عمر نحو الحسينعليه‌السلام أتاه الحرّ بن يزيد فقال له: أصلحك الله أمقاتل أنتَ هذا الرجل؟ قال له: إي إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي فأقبل يدنو نحو الحسين قليلاً قليلاً وأخذتْه رِعدة فقال له رجل من قومه يُقال له: المهاجر بن أَوْس: والله إنّ أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن! ولو قيل: مَنْ أشجعُ أهل الكوفة؟ لما عدوتُك. فقال له: إنّي - والله - أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحُرقت. ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسينعليه‌السلام فقال له: جعلني الله فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 470.


عليك ما عرضتَ عليهم أبداً ولا يبلغون منك هذه المنزلة. فقلت في نفسي: لا اُبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم وإنّي لو سولت لي نفسي أنّهم يقتلونك ما ركبت هذا منك وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منِّي إلى ربّي ومواسياً لك نفسي حتّى أموت بين يديك أفترى ذلك لي توبة؟ قال: «نعم يتوب الله عليك ويغفر لك. ما اسمك؟». قال: أنا الحرّ بن يزيد. قال: «أنت الحرّ كما سمّتك أُمّك أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة. انزل». قال: أنا لك فارساً خير منّي راجلاً اُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري. قال الحسينعليه‌السلام : «فاصنع يرحمك الله ما بدا لك».

ثمّ قال: يابن رسول الله كنت أوّل خارج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك؛ فلعلّي أن أكون ممّا يصافح جدّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله غداً في القيامة. فقال له الحسينعليه‌السلام : «إن شئت فأنت ممّن تاب الله عليه وهو التواب الرحيم»(1) .

قال الراوي: هذا ما كان من أمر الحسينعليه‌السلام ونزوله بأرض كربلاء وأمّا ما كان من أمر ابن زياد فإنّه أتاه رجل من عسكر الحرّ من غير علمه وقال: اعلم أيّها الأمير أن الحسين نزل في أرض كربلاء فعند ذلك أطلق منادياً في الكوفة: يا معشر الناس مَنْ يأت برأس الحسين فله ملك الرّي عشر سنين. وأرسل في البصرة منادياً بمثل ذلك. فقام إليه عمر بن سعد وقال: أنا آتيك برأسه. فقال له: امضِ وامنعه من شرب الماء وائتني برأسه. فقال: سمعاً وطاعة فعند ذلك عقد له الراية والإمرة على ستة آلاف فارس.

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج 2 ص 563 تاريخ الطبري: ج 4 ص 324؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 9.


وسار قاصداً كربلاء لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام . وهناك ينبري لنا في ميدان الطفّ موقف الحر بن يزيد الرياحي الذي سيبقى عالقاً في ذاكرة تاريخ الأحرار في العالم؛ لِما لموقفه من أثر بالغ لفعله في النفوس حيثُ إنّ الحُرَّ تَركَ وراء ظهره زعامة قبيلته تميم ومنصبه الدنيوي فهو قائد لشرطة ابن زياد ووجيه من وجهاء الكوفة وشجعانها. لم يمتّ للإمام الحسينعليه‌السلام بصلة قربى سوى الدين فتراه انحازَ لمعسكر ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليختم حياته بنصرته والذود عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مضحّياً بحياته دونهم؛ ليبقى خالداً ما بقي في الحياة نبض لقلب.

بينما نرى لعمر بن سعد موقفاً مغايراً لموقف الحرّ بالرغم من أنّ لعمر هذا صلة قرابة بالإمام الحسينعليه‌السلام ولكن الدنيا أغرته فأعمت بصيرته واستسلم لها طائعاً؛ لضعف إيمانه بالله والدين الحنيف فرضيَّ بعافيتها وقدّمها على سعادة الآخرة؛ طمعاً بملكِ الري الذي وعده به ابن زياد فتهالَك دونه. وقاد البغاة لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم عاشوراء وبلغ ولوغه في الإثم أن يُحرق الخيام ويسبي عيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويحمل رأس الحسين على قناة إلى الكوفة؛ أملاً في إمارة الرّي فلا بلغ مناه وأذلّه الله في الدنيا والآخرة.

وشتان ما بين موقف الحرّ العظيم في نبذة الانحراف والانصياع إلى أوامر السلطة الباغية وموقف ابن سعد الوضيع الذي تبع هوى نفسه قائلاً:

فو اللهِ ما أدري وإنّي لواقفٌ

اُفكرُ في أمري على خطرينِ

أأتركُ ملكَ الرّي والرّي مُنيتي

أم أرجعُ مأثوماً بقتلِ حسينِ


فإنْ صدقوا فيما يقولونَ إنّني

أتوبُ إلى الرحمنِ من سنتينِ

وإن كذبوا فزنا بدنيا دنيةٍ

وملكٍ عقيمٍ دائمِ الحجلينِ

ألا إنّما الدنيا لخيرٍ معجّلٍ

وما عاقلٌ باعَ الوجودَ بدينِ(1)

وهكذا سقته تلك النفس الأمارة بالسوءِ الذلّة والهوان فنبذه ابن زياد صاحبه وأنكر وعده له واقتصاص المختار منه ثأراً للإمام الحسينعليه‌السلام فمضى إلى جهنم بوجهٍ كالحٍ وهذا مصير كلّ مَنْ يبيع آخرته بدنياه وشتان ما بين الموقفين فأين الثرى من الثريا وهل مِن مُعتبر.

أينَ مَنْ خانوا حسيناً أين هم

جلّل التاريخُ عاراً فعلَهُمْ

هل ترى يا صاحبي قبراً لهم

وق هذي الأرض في عرضٍ وطول

____________________

(1) الفصول المهمة: ص 187؛مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.


فاجعة الطفِّ



قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: مصرع الحسينعليه‌السلام يسكب المدامع من الأجفان ويجلب الفجائع ويثير الأحزان ويلهب النيران الموجودة في أكباد ذوي الإيمان بما أجرته الأقدار للفجرة من الاجتراء وفتكها واعتدائها على الذريّة النبويّة بسفح دمائها وسفكها واستبائها مصونات نسائها وهتكها. كيف لا وهم رجال الذرّيّة النبويّة بنجيعها مخضوبة وأبدانها على التراب مسلوبة ومخدّرات حرائرها سبايا منهوبة! فكم كبيرة من جريمة ارتكبوها واجترموها وكم من نفس معصومة أزهقوها واخترموها وكم من كبد حرّى منعوها ورود الماء المباح وحرموها ثمّ احتزوا رأس سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) !

هذا مع علمهم بأنّها الذريّة النبويّة المسؤول لها المودّة بصريح القرآن وصحيح الاعتقاد فلو نطقت السماء والأرض لرثت لها ورثتها ولو اطّلعت عليها مردة الكفر لبكتها وندبتها ولو حضرت مصرعها عتاة الجاهليّة لأبكتها ونعتها ولو شهدت وقعتها بُغاة الجبابرة لأغاثتها ونصرتها.

فيا لها مصيبة أنزلت الرزية بقلوب الموحّدين فأورثتها وبليّة أحلّت

____________________

(1) الفصول المهمة: ص 187؛مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.


الكآبة بنفوس المؤمنين سلفاً وخلفاً فأحزنتها فوا لهفتاه لذرية نبويّة طلّ دمها وعترة محمديّة فلّ مخذمها وعصبة علوية خُذلت فقتل مقدمها وزمرة هاشمية استُبيح حرمها واستُحل محرمها(1) !

لذا ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «قام عندي جبريل من قبل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات وقال: هل لك أن أُشمّك من تربته؟ قلت: نعم. فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا»(2) .

عن ابن سُحَيم عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّ ابني هذا - يعني الحسين - يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء فمَنْ شهد ذلك منكم فلينصره».

قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقُتل مع الحسينعليه‌السلام (3) .

عن ابن عباس قال: كان الحسين جالساً في حجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال جبريل: أتُحبُّه؟ فقال: «وكيف لا أُحبّه وهو ثمرة فؤادي؟!». فقال: أما إنّ اُمّتك ستقتله ألا اُريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربته حمراء(4) .

____________________

(1) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 261.

(2) المعجم الكبير: ج 3 ص 105 ح 2811؛ كنز العمال: ج 12 ص 127 ح 34321؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 189 ح 3520.

(3) ذخائر العقبى: ص 250؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 224 ح 3543؛ كنز العمال: ج 12 ص 126 ح 34314؛ كفاية الطالب: 386؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125.

(4) مجمع الزوائد: ج 9 ص 194؛المعجم الكبير: ج 3ص 106 ح 2813؛كنز العمال: ج 12 ص 126 ح 34313 و ح 34315؛ للصواعق المحرقة: ص 192؛البداية والنهاية:


عن اُمّ سلمة أنّها قالت: كان جبرئيلعليه‌السلام عند النبي والحسين بن علي معي فغفلت عنه فذهب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وجعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على فخذه فقال له جبرئيل: أتحبّه يا محمّد؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «نعم». فقال: أما إنّ اُمّتك ستقتله وإن شئت أريتك تربة الأرض التي يُقتل فيها. فبسط جناحيه إلى الأرض وأراه أرضاً يُقال لها: كربلاء تربة حمراء بطفّ العراق(1) .

عن اُمّ الفضل قالت: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحسين في حجره: «إنّ جبريلعليه‌السلام أخبرني أنّ اُمّتي تقتل الحسين»(2) .

عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ معاذ بن جبلة أخبره قال: خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مصفرّ اللون فقال: «أنا محمّد أُوتيت جوامع الحكم؛ فواتحها وخواتمها فأطيعوني ما دمت بين أظهركم يزيد لا بارك الله في يزيد». ثمّ ذرفت عيناه بالدموع ثمّ قال: «نُعي إليَّ الحسين ثمّ أُتيت بتربته وأُخبرت بقتله وقاتله أو قتلته. والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً». ثمّ قال: «آه لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف يقتل خلفي وخلف الخلف!»(3) .

____________________

مجلد 3 ج 6 ص 261.

(1) الفصول المهمة: ص 170؛نور الأبصار: ص 221.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 / 179 كتاب معرفة الصحابة؛ كنز العمال: ج 12 ص 123 ح 34300، ص 127 ح 34319؛الصواعق المحرقة: ص 192.

(3) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 160.


وعن يحيى الحضرمي قال: إنّه سار مع عليّرضي‌الله‌عنه وكان صاحب مطهرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين فنادى عليٌّ: «صبراً أبا عبد الله صبراً أبا عبد الله». وهو بشطّ الفرات فقلت: وما ذاك؟ قال: «دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وإذا عيناه تذرفان قلت: يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريلعليه‌السلام آنفاً فأخبرني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات. قال: فقال: هل لك أن أُشمك من تربته؟ قلت: نعم. قال: فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا»(1) .

ذكر الحاكم الجشمي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا سار إلى صفّين نزل بكربلاء وقال لابن عباس: «أتدري ما هذه البقعة؟». قال: لا. قال: «لو عرفتها لبكيت بكائي». ثمّ بكى بكاءً شديداً ثمّ قال: «ما لي ولآل أبي سفيان!» ثمّ التفت إلى الحسينعليه‌السلام وقال: «صبراً يا بُني فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده»(2) .

عن أنس بن مالك قال: استأذن مَلَكُ القَطْرِ والمطر ربّهعزوجل أن يزور

____________________

(1) تهذيب التهذيب: ج 2 ص 347؛ مجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 170؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 407؛سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 407 رقم 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 187 ح 3517 وح 3518 و 3519؛إحقاق الحق: ج 8 ص 148؛ذخائر العقبى ص 253؛بغية الطلب: ج 6 ص 2596.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 162.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذن له فجاءه وهو في بيت اُمّ سلمة فقال: «يا اُمّ سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد». فبينما هم على الباب إذ جاء الحسين ففتح الباب فجعل يتقفز على ظهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - يعلو رقبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويعبث به والملك ينظر - يلتثمه ويقبّله فقال له الملك: أتحبّه يا محمّد؟ قال: «إي والله إنّي لأُحبّه». قال: أما إنّ اُمّتك ستقتُلهُ وإن شئت أن أُريك من تربة المكان الذي يُقتل فيها. قال: فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل فيه فأتاه بسِهْلة حمراء فأخذته اُمّ سلمة فجعلته في طرف ثوبها. قال: فكنّا نسمع يُقتل بكربلاء(1) .

عن عائشة قالت: دخل الحسين بن عليرضي‌الله‌عنها على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يوحى إليه فنزا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو منكبّ وهو على ظهره فقال جبرئيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتحبّه يا محمّد؟ قال: «يا جبريل وما لي لا أُحبّ ابني». قال: فإنّ اُمّتك ستقتله من بعدك. فمدّ جبريلعليه‌السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال: في هذه الأرض يُقتل ابنك هذا واسمها الطفّ(2) . فلمّا ذهب جبريلعليه‌السلام من عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج رسول الله

____________________

(1) المعجم الكبير: ج 3 ص 106 ح 2813، البداية والنهاية 6 / 260؛العقد الفريد: ج 4 ص 350؛مجمع الزوائد: ج 9 ص 190 - 193؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 160؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 408 رقم: 270؛ الخصائص الكبرى: ج 2 ص 125؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 189 ح 3521 وح 3522 وح 3523؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 408؛ ذخائر العقبى: ص 251 بغية الطلب: ج 6 ص 2600؛النهاية: ج 2 ص 428، وفيه: «السِّهْلة رملٌ خَشِن ليس بالدُّقاق النَّاعِم».

(2) الطف: سُمّي به لأنّه طرف البرّ ممّا يلي الفرات والمعركة جرت يومئذٍ قريباً منه؛ لسان العرب


صلى‌الله‌عليه‌وآله والتزمه في يده يبكي فقال: «يا عائشة إنّ جبريل أخبرني أنّ ابني حسين مقتول في أرض الطفّ وأن اُمّتي ستفتن بعدي». ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وعمّار وأبو ذرّ وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: «أخبرني جبريلعليه‌السلام أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطفّ وجاءني بهذه التربة وأخبرني أنّ فيها مضجعه»(1) .

عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: لّما ثقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه والبيت غاصّ بمَنْ فيه قال: «ادعوا لي الحسن والحسين». فجاءا فجعل يلثمهما حتّى أُغمي عليه فجعل عليٌعليه‌السلام يرفعهما عن وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ففتح عينيه وقال: «دعهما يتمتعا منّي واتمتّع منهما؛ فستصيبهما بعدي أثرة ...»(2) .

عن الأصبغ بن نباتة قال: أتينا مع علي بن أبي طالب فمررنا بأرض كربلاء فقال عليعليه‌السلام : «ها هنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم ومهراق دمائهم؛ فتية من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقتلون في هذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض»(3) .

____________________

ج 9 ص 221 «طفف».

(1) مجمع الزوائد: ج 9 ص 190؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 107 ح 2815؛ البداية والنهاية مجلد 3 ج 6 ص 261؛ الصواعق المحرقة: 192 أخرجه ابن سعد.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 114.

(3) الصواعق المحرقة: ص 192؛شرح نهج البلاغة: ج 3 ص 169؛الفصول المهمة: ص 171؛ الأخبار الطوال: ص 253؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛إحقاق الحق: ج 8 ص 143؛مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 262 بغية الطلب: ج 6 ص


عن عليّرضي‌الله‌عنه قال: «ليُقتلنّ الحسين قتلاً وإنّي لأعرف التربة التي يُقتل فيها قريباً من النهرين»(1) .

لمّا أُحيط بالحسين بن علي قال: «ما اسم هذه الأرض؟». قيل: كربلاء. فقال: «صدق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّها أرض كَرْبٍ وبَلاء»(2) .

عن أبي وائل عن اُمّ سلمة قالت: كان الحسن والحسينرضي‌الله‌عنها يلعبان بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيتي فنزل جبريلعليه‌السلام فقال: يا محمّد إنّ اُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك. وأومأ بيده إلى الحسين فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وضمّه إلى صدره ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا اُمّ سلمة وديعةٌ عِنْدَكِ هذه التربةُ». فشمّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: «وَيْحَ كرْب وبلاء». قالت: وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا اُمّ سلمة إذا تحوَّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنَّ ابني قد قُتل». قال: فجعلتها أُم سلمة في قارورة ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم(3) .

____________________

2625؛نور الأبصار: ص 221.

(1) مجمع الزوائد: ج 9 ص 193؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 110 ح 2824؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 409 رقم 270؛إحقاق الحق: ج 8 ص 149.

(2) مجمع الزوائد: ج 9 ص 195؛المعجم الكبير: ج 3 ص 2812؛الفصول المهمة: ص 188؛ذخائر العقبى: ص 255؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 رقم 270؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 220 ح 3543؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2598

(3) تهذيب التهذيب: ج 2 ص 347؛مجمع الزوائد: ج 9 ص 192؛المعجم الكبير: ج 3 ص 108 ح 2817؛الكامل في التاريخ: ج 2 ص 582؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص


وكان أوّل صارخة صرخت في المدينة اُمّ سلمة زوج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان دفع إليها قارورة فيها تربة وقال لها: «إنّ جبرائيل أعلمني أنّ اُمّتي تقتل الحسين». [قالت:] وأعطاني هذه التربة وقال لي: «إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنّ الحسين قد قُتل». وكانت عندها فلّما حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كلّ ساعة فلمّا رأتها قد صارت دماً صاحت: وا حسيناه! وابن رسول الله! فتصارخنَ النساء من كلّ ناحية حتّى ارتفعت المدينة بالرجّة التي ما سمع بمثلها قطّ(1) .

قالت اُمّ سلمة: فأصبته يوم قُتل الحسينعليه‌السلام وقد كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول:

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذاب والتذليلِ

كلّ أهلِ السماءِ يدعو عليكم

من نبيٍّ ومَلكٍ وقبيلِ

قد لعُنتم على لسان ابن داو

د وموسى وحاملِ الإنجيلِ

قالت: فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً(2) .

عن شهرْ بن حَوْشب قال: كنت عند اُمّ سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين أتاها قتل الحسين فقالت: قد فعلوها! ملأ الله بيوتَهم وقبورَهم ناراً

____________________

163؛ ذخائر العقبى: ص 252؛ كفاية الطالب: ص 384؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2599.

(1) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 245.

(2) الصواعق المحرقة: ص 193؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 580؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 358؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2650؛استشهاد الحسين: 157.


ووقعت مغشيَّةً عليها فقمنا(1) .

وعن بن أبي عمّار عن اُمّ سلمة قال: سمعت الجنّ تنوح على الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنها (2) .

عن الفقيمي قال: كان الجصّاصون إذا خرجوا من السحر سمعوا نوح الجن على الحسينرضي‌الله‌عنه :

مسحَ الرسولُ جبينهُ

فلهُ بريقٌ في الخدودِ

أبواه في عليا قريشٍ

جدُّه خيرُ الجدودِ(3)

أمّا بلاؤه في القتال فقد أبلى بلاءً حسناً ولم يتمكّنوا منه حتّى أُثخن بالجراح وسقط على الأرض فحزّوا رأسه يوم عاشوراء عام 61 هـ ولمّا وضِع الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد أنشد قاتله سنان بن أنس النخعي لعنه الله تعالى:

املأ ركابي فضّة أو ذهبا

إنّي قتلتُ السيدَ المحجّبا

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 - 270؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 238.

(2) مجمع الزوائد: ج 9 ص 202، البداية والنهاية: ج 6 ص 263؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 122 ح 2868؛ كفاية الطالب: ص 399؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 441؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 335؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 - 270؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 239 و ص242 ح 3547؛ذخائر العُقبى: ص 255 وفيه: لمّا قتل الحسينرضي‌الله‌عنه ناحت عليه الجنُّ ومُطِرنا دماً حياة الصحابة: ج 3 ص 743.

(3) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 428 رقم: 270؛تاريخ الخلفاء: ص 208؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2651 وفيه: «فله بياض في الخدود».


ومَنْ يُصلّي القبلتين في الصبا

وخيرهم إذ يذكرون النسبا

قتلتُ خيرَ الناسِ أُمّاً وأبا

فقال له عمر بن سعد: أشهد أنّك مجنون ما صَحْت قط! أدخلوه إليّ. فلمّا دخل حذفه بالقضيب وقال: يا أحمق! أتتكلّم بهذا الكلام؟! والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك.

وأرسل عمر بن سعد - خذله الله - بالرأس إلى ابن زياد مع سنان بن أنس قاتل الحسينعليه‌السلام فلمّا وضع الرأس بين يدي عبيد الله بن زياد وأنشد الأبيات غضب عبيد الله بن زياد من قوله وقال: إذا علمت ذلك فلِمَ قتلته؟ والله لا نلت منّي خيراً ولألحقنّك به. ثمّ قدّمه وضرب عنقه(1) .

عن ابن أبي نُعْمٍ قال: إنّ رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يُصيبُ الثوْبَ فقال ابن عمر: اُنظروا إلى هذا يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

____________________

(1) أنساب الأشراف: ج 2 ص 502؛مجمع الزوائد: ج 9 ص 197؛المعجم الكبير: ج 3 ص 117 ح 2852؛ العقد الفريد: ج 4 ص 348؛الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 393؛ مروج الذهب: ج 3 ص 73؛الفصول المهمة: ص 190؛الكامل في التاريخ: ج 2 ص 573؛مقتل أبي مخنف: ص 201؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 428؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 422 رقم270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 252 ح 3547؛اُسد الغابة: ج 2 ص 28 وفيه: أوقر بدل املأ؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 221؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 265 بغية الطلب: ج 6 ص 2571؛نور الأبصار: ص 229؛ استشهاد الحسين: ص 145؛ مقاتل الطالبيين: ص 119.


«هُمَا رَيْحانتايَ من الدنيا»(1) !

وروى أنّه سأله عن المحرم يقتل الذباب فقال: يا أهل العراق تسألون عن قتل الذباب وقد قتلتم الحسين بن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) !

وأُخذ ثَقَل الحُسينعليه‌السلام وأخذ رجل حليَّ فاطمة بنت الحسين وبكى فقالت: لِمَ تبكي؟ فقال: أأَسلبُ بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أبكي؟ قالت: فدعه. قال: أخاف أن يأخذه غيري(3) .

عن الزهري قال: إنّه لم يُرفع تلك الليلة التي صبيحتها قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب حجرٌ في بيت المقدس إلاّ وُجد تحته دم عبيط(4) . قال عبد الملك: صدقت حدّثني الذي حدّثك وإنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان(5) .

____________________

(1) صحيح البخاري: ج 5 ص 2234 ح 5648، كتاب الأدب، باب رحمة الولد؛ سنن الترمذي: ج 5 ص 657 ح 3770؛أنساب الأشراف: ج 3 ص 227؛المعجم الكبير: ج 3 ص 127؛الفصول المهمة: ص 170؛الصواعق المحرقة: ص 196؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 400؛الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1 ص 332؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 402 رقم270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 130 ح 3421 مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 90؛اُسد الغابة: ج 2 ص 26؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2576؛ نور الأبصار ص 221؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

(2) الفصول المهمة: ص 170؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 91؛ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص 250؛بغية الطلب: ج 6 ص 2577؛ وفيه: وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هما ريحانتاي من الدنيا» فرائد السمطين: ج 2 ص 109 ح 415.

(3) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 418 رقم 270.

(4) دم عبيط: طري شديد الحمرة.

(5) مجمع الزوائد: ج 9 ص 199؛المعجم الكبير: ج 3 ص 119 ح 2856؛العقد الفريد: ج


وممّا ظهر يوم قتله من الآيات:

عن اُمّ سلمة قالت: لمّا قُتل الحسين بن علي مُطرنا مطراً كالدم على البيوت والجدر. قالت: وبلغني أنّه كان بخراسان والشام والكوفة.

وعن مروان مولى هند بنت المهلَّب قال: حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد أنّه لمّا جيء برأس الحسين فوضع بين يديه رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً(1) .

عن محمّد بن سيرين قال: لم تُرَ هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتّى قُتل الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما)(2) .

وعن هشام بسنده قال: تعلم هذه الحمرة في الأُفق مِمَّ؟ هو من يوم قتل الحسينعليه‌السلام (3) .

عن أبي قبيل قال: إنّ السماء أظلمت يوم قتل الحسين حتّى رأوا الكواكب(4) .

عن الأسود بن قيس قال: أحمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة

____________________

4 ص 353؛ سير أعلام النبلاء: 4 ص 426 رقم270؛كفاية الطالب: 400؛الخصائص الكبرى: ج 2 ص 126؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545.

(1) تهذيب الكمال: ج 6 ص 433؛ ذخائر العقبى: ص 249؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم270؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545؛بغية الطلب: ج 6 ص 2636.

(2) حلية الأولياء: ج 2 ص 276 رقم: 193 ابن سيرين؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 228 ح 3545. وفيه: «لم تكن ترى»؛بغية الطلب: ج 6 ص 2639؛ تاريخ الخلفاء: ص 207.

(3) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم: 270؛المحاسن والمساوئ: ص 63.

(4) أنساب الأشراف: ج 2 ص 505؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545.


أشهر يُرى ذلك في آفاق السماء كأنّها الدم(1) .

عن معمر قال: أوّل ما عُرف الزُّهري تكلَّم في مجلس الوليد بن عبد الملك فقال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي؟ فقال الزهري: بلغني أنّه لم يُقلب حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(2) .

أرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال: نعم ما كُشف عن حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(3) .

عن أبي بكر الشاهد بسنده قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال ابن رأس الجالوت: ما كُشف يومئذٍ حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط(4) .

عن ابن سيرين قال: لم تبكِ السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلاّ على الحسين بن عليعليه‌السلام (5) .

عن عيسى بن الحرث الكندي قال: لمّا قُتل الحسين مكثنا سبعة أيام إذا صلّينا العصر نظرنا إلى السماء على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف

____________________

(1) عن الأسود بن قيس قال: احمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة أشهر يُرى ذلك في آفاق السماء كأنّها الدم.

(2) تهذيب الكمال: ج 6 ص 434؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2637؛نور الأبصار: ص 233.

(3) كفاية الطالب: ص 399.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 229 ح 3545.

(5) كفاية الطالب: ص 393؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم: 270؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2634.


المعصفرة ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً(1) .

وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس فقال له: يا هذا ارفع قضيبك؛ قد طالما رأيت رسول الله يُقبِّل هذه الثنايا(2) .

عن أنس قال: لمّا قُتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد فجعل ينكت بقضيب على ثناياه وقال: إن كان لحسن الثغر! فقلت: أما والله لأسوؤنّك؛ فقلت: لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبّل موضع قضيبك من فيه(3) .

وروى ابن أبي الدنيا أنّه كان عنده زيد بن أرقم فقال له: ارفع قضيبك؛ فوالله لطالما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبّل ما بين هاتين الشفتين. ثمّ جعل زيد يبكي فقال ابن زياد: أبكى الله عينيك لولا أنّك شيخ قد خرفت لضربت عنقك. فنهض وهو يقول: أيّها الناس أنتم العبيد بعد اليوم؛ قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة! والله ليقتلنّ خياركم ويستعبدون

____________________

(1) مجمع الزوائد: ج 9 ص 200؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 209؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 433؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424 رقم: 270؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545؛تاريخ الخلفاء ص 207.

(2) أنساب الأشراف: ج 3 ص 207؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 125 ح 2878؛تاريخ الطبري: ج 4 ص 293؛الكامل في التاريخ: ج 2 ص 577؛ البداية والنهاية: مجلد 3 ج 6 ص 265؛مروج الذهب: ج 3 ص 73؛الفصول المهمة: ص 191؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 423 رقم: 270؛الأخبار الطوال: ص 259؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 240.

(3) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 235 ح 3545؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 426 رقم: 270؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2633؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 410.


شراركم فبعداً لمن رضي بالذّلة والعار(1) !

وقال سبط ابن الجوزي وغيره: المشهور أنّه جمع أهل الشام وجعل ينكت الرأس بالخيزران وليس العجب إلاّ من ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب وحمل آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على أقتاب الجمال أي موثقين في الحبال والنساء مُكشّفات الرؤوس والوجوه(2)

وقال ابن الجوزي: وحكمته أنّ غضبنا يؤثر حمرة الوجه والحق تنزّهه عن الجسمية؛ فأظهر تأثير غضبه على مَنْ قتل الحسينعليه‌السلام بحمرة الأُفق؛ إظهاراً لعظم الجناية. قال: وأنين العباس وهو مأسور ببدر منع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله النوم فكيف بأنين الحسينعليه‌السلام ؟ ولمّا أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «غيِّب وجهك عنّي؛ فإنّي لا أُحبُّ أن أرى مَنْ قتل الأحبّة». هذا والإسلام يجبّ ما قبله فكيف بقلبهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يرى مَنْ ذبح الحسينعليه‌السلام وأمر بقتله وحمل أهله على أقتاب الجمال(3) ؟!

ولمّا بلغ أهل المدينة قتل الحسينعليه‌السلام خرجت زينب ابنة عقيل بن أبي طالب في نساء من بني هاشم خرجن معها وهي حاسرة تلوي ثوبها وتقول:

ماذا تقولون إنْ قال النبيُّ لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخِرُ الأُممِ

____________________

(1) الأخبار الطوال: ص 260؛اُسد الغابة: ج 2 ص 21؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2631؛نور الأبصار: ص 229؛الصواعق المحرقة: ص 198؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 410؛ الإتحاف بحبّ الأشراف: ص 53.

(2) الصواعق المحرقة: ص 198؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 574.

(3) الصواعق المحرقة: ص 194.


بعتَرتِي وبأهلي بعد مُفْتَقَدِي

منهم أُسارى وقتلى ضُرِّجُوا بِدَمِ

ما كان هذا جزائي إذ نَصَحْتُ لكم

أن تخْلفوني بَشرٍّ في ذوي رَحمي ِ

ضَيَّعتُم حقّنا واللهُ أوجبهُ

وقد رعى الفيلُ حقّ البيتِ والحرمِ(2)

عن أبي المعالي بسنده قال عن أشياخ له قالوا: غزونا بلاد الروم فوجدنا في كنيسة من كنائسها مكتوباً:

أترجو اُمّةٌ قتلت حُسيناً

شفاعةَ جدّه يومَ الحسابِ

فقلنا للروم: مَنْ كتب هذا في كنيستكم؟ قالوا: قبل مبعث نبيكم بثلاثمئة عام(3) .

وحكى الشيخ نصر الله بن يحيى مشارف الصاغة وكان من الثقاة

____________________

(1) مروج الذهب: ج 3 ص 80؛ تاريخ الطبري: ج 4 ص 294؛الكامل في التاريخ: ج 2 ص 579؛مقتل أبي مخنف: ص 161؛مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 76؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 429؛ كفاية الطالب: ص 397؛ تذكرة الخواص: ص 267؛ كتاب الفتوح: ج 5 ص 245.

(2) مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 2 ص 76؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 422.

(3) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 242 ح 3547؛ذخائر العقبى: ص 248؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 421؛بغية الطلب: ج 6 ص 2653؛الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 395 ح 556؛ كفاية الطالب: ص 394 الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 442 وفيه: فقالوا: «منذ كم وجدتم هذا الكتاب في هذه الكنيسة؟ قالوا: قبل أن يبعث نبيّكم بستّمئة عام»؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 93 وفيه: فوجدنا في الحائط صخرة فيها مكتوب:

اترجو اُمّة قتلت حسيناً

شفاعةَ جدّهِ يومَ الحسابِ

فلا واللهِ ليس لهم شفيعٌ

وهم يومَ القيامةِ في العذابِ


الخيِّرين قال: رأيت علي بن أبي طالبعليه‌السلام في المنام فقلت: يا أمير المؤمنين تقولون يوم فتح مكة مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثمّ يتمّ ولدك الحسين يوم كربلاء منهم ما تمّ؟!فقال ليعليه‌السلام : «أمّا سمعت أبيات ابن الصيفي التميمي في هذا المعنى؟». فقلت: لا. فقال: «اذهب إليه واسمعها». فاستيقظت من نومي مفكّراً ثمّ إنّي ذهبت إلى دار ابن الصيفي وهو الحيص بيص الشاعر الملّقب بشهاب الدين فطرقت عليه الباب فخرج عليَّ فقصصت عليه الرؤيا فأجهش بالبكاء وحلف بالله إن كان سمعها منّي أحد وإن نظمتها إلاّ في ليلتي هذه ثمّ أنشد:

ملكنا فكانَ العفو منّا سجيّةً

فلمّا ملكتم سالَ بالدمِ أبطحُ

وحلّلتم قتلَ الأُسارى وطالما

غدونا على الأسرى نعفُّ

وحسبكمُ هذا التفاوتُ بيننا

وكلُ إناءٍ بالذي فيهِ ينضحُ(1)

وقد رثاه الناس بمراث كثيرة ومن أحسن ما أورده الحاكم النيسابوري:

جاؤوا برأسكَ يابن بنت محمّد

متزمّلاً بدمائهِ تزميلا

فكأنّما بكَ يابن بنت محمّد

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قتلوكَ عطشاناً ولم يترقّبوا

في قتلكَ التنزيلَ والتأويلا

ويكبّرونَ بأن قُتلت وإنّما

قتلوا بكَ التكبيرَ والتَّهليلا(2)

___________________

(1) الفصول المهمة: ص 194؛بغية الطلب: ج 6 ص 2656؛ نور الأبصار: ص 232؛ حياة الحيوان الكبرى: ج 1 ص 185.

(2) أنساب الأشراف: ج 3 ص 221؛تهذيب التهذيب: ج 2 ص 353؛ المعجم الكبير: ج 3 ص 124 ح 2875؛البداية والنهاية: مجلد 3 ج 2 ص 264.


وللإمام الشافعي (150 - 204 هـ) قصائد عدّة في مدح ورثاء آل البيتعليهم‌السلام ومن قصائده المعروفة في رثاء الحسينعليه‌السلام ما مطلعها:

تأوُّه قلبي والفؤادُ كئيبُ

وأرّقَ نومي فالسهادُ عجيبُ

فمَنْ مبلغ عنّي الحسينَ رسالةً

وإن كرهتها أنفسٌ وقلوبُ

ذبيحٌ بلا جرمٍ كأنّ قميصَهُ

صبيغٌ بماءِ الأرجوانِ خضيبُ

فللسيفِ إعوالٌ وللرمحِ رنةٌ

وكادت لهم صمُّ الجبالِ تذوبُ

لئن كان ذنبي حبُّ آلِ محمّدٍ

فذلكَ ذنبٌ لستُ عنهُ أتوبُ(1)

وقال أبو دهبل الجمحي:

وإِنَّ قَتيِلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ

أذلَّ رقاباً من قريشٍ فذلَّتِ

وكانوا رجاءً ثمّ اضحوا رزيّةً

لقد عظمت تلك الرازيا وجلّتِ

وعند غنيٍ قَطَرةٌ من دمائنا

سنجزيهمُ يوماً بها حيثُ حلّتِ

مَرَرْتُ على أبياتِ آلِ مُحمَّدٍ

فلم أر من أمثالها يوم حلّتِ(2)

___________________

(1) مقتل الحسين، للخوارزمي: ج 2 ص 126؛تراجيديا كربلاء: ص 57؛ جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 424.

(2) أنساب الأشراف: ج 3 ص 220؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 580؛الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 294؛مروج الذهب: ج 3 ص 220؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 447؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج 1 ص 379 - هامش الإصابة -: اُسد الغابة: ج 2 ص 29؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 259 ح 3547؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 429 رقم: 270؛جواهر العقدين في فضل الشرفين: 422؛بغية الطلب: ج 6 ص 2668؛ مقاتل الطالبيين: ص 121، أي وجدتها موحشة خالية بعد أن رأيتها مؤنسة مأهولة.


عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال: لمّا قُتل الحسين بن عليعليه‌السلام جاء غراب فوقع في دمه وتمرّغ ثمّ طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب - وهي الصغرى - ونعب الغراب فرفعت رأسها فنظرت إليه فبكت بكاء شديداً وأنشأت تقول:

نعبَ الغرابُ فقلتُ مَنْ

تنعاهُ ويلكَ يا غرابْ

قالَ الإمامُ فقلتُ مَنْ؟

قال الموفّقُ للصوابْ

قلتُ الحسينُ فقال لي

ملقىً على وجهِ الترابْ

إنّ الحسينَ بكربلا

بين الأسنّةِ والضرابْ

فابكِ الحسينَ بعبرةٍ

تُرضي الإلهَ مع الثوابْ

ثمّ استقلّ بهِ الجنا

حُ فلم يُطق ردّ الجوابْ

فبكيت مما حل بي

بعد الوصي المستجاب(1)

         

ومن الغريب إذ يرى البعض أنّ مقتل الحسينعليه‌السلام كان خروجاً عن طاعة يزيد بن معاوية؛ لأنّه في رأيهم اجتهد وأخطأ وله أجر واحد أو كما قال القاضي الأندلسي ابن العربي: بأنّ الحسين قُتل بسيف جدّه!

ومن المعروف أنّ يزيد بن معاوية كان مستبدّاً طاغياً ومارقاً نزقاً قتل الإمام الحسين بن علي سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واستباح المدينة وضرب الكعبة بالمنجنيق وهو لا يمكن تبريره لا بسنّة نبويّة ولا بحنكة سياسيّة؛ لأنّ قتل الحسينعليه‌السلام كان في الحقيقة محاولة فاشلة لاغتيال فكر أهل البيت

____________________

(1) بغية الطلب: ج 6 ص 2647؛فرائد السمطين: ج 2 ص 163 ح 451؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 92.


وتشويه مبادئهم التي هي فكر ومبادئ الإسلام الحنيف.

يبقى سؤال يطرح نفسه دوماً وهو: لماذا يُقيم المسلمون المآتم بذكرى عاشوراء منذ قرون عديدة وإلى اليوم؟ لقد قُتل الحسين ومات يزيد فهل هناك فائدة من إعادة الماضي وتكرار الخلاف؟

الجواب: هو أنّ الحقيقة والواقع غير ذلك فمازال المرء يجد أمامه دوماً حسيناً ويزيد في كل زمان ومكان وهما يتصارعان وهو صراع بين الحقّ والباطل وإنّ هذا النزاع هو في الواقع تجسيد للصراع بين الخير والشرّ الذي ما زال قائماً وعلينا أن نختار أحد الموقفين؛ إمّا اتّخاذ موقف الحسين أو يزيد.

لقد خرج الحسين واعداً ومتحدّياً وداعياً بحقيقة هدفه فكان بطلاً؛ وبذلك سجّل أوّل قوّة تحدٍّ وأوّل نموذج صادق ثوري في تأريخ المسلمين؛ قدّم حياته وهو مظلوم وتحوّل مقتله إلى شهادة وتحوّلت الشهادة إلى مدرسة ومشعل حرّيّة ينير درب الثائرين(1) .

____________________

(1) تراجيديا كربلاء: ص 18.


رأس الحسينعليه‌السلام



واقعة الطفّ كان لها صدى عالمياً؛ ولشناعتها فقد استنكرها الجميع من مسلمين وغيرهم ولم يرتضها العقل البشري؛ لأنّها لم تنسجم مع قوانين الكون ومبادئه الإنسانيّة. وقد أحدثت هذه الجريمة زلزالاً في عالم الكون وقد نقل لنا التاريخ شواهد كثيرة منها:

دخل على يزيد بن معاوية رأس الجالوت فرأى الرأس بين يديه قال: أيّها الخليفة رأس مَنْ هذا؟ قال: هذا رأس الحسين. قال: فمَنْ اُمّه؟ قال: فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . قال: فبِمَ استوجب القتل؟ قال: أهل العراق كتبوا إليه ودعوه أن يجعلوه خليفة فقتله عاملي عبيد الله بن زياد. فقال رأس الجالوت: ومَنْ أحقّ منه بالخلافة وهو ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فما أكفركم! وقال: اعلم يا يزيد أنّ بيني وبين داود مئة وثلاثة جدّاً واليهود يعظّموني ولا يرون التزويج إلاّ برضاي ويأخذون التراب من تحت أقدامي ويتبركون به وأنتم بالأمس كان نبيكم بين أظهركم واليوم وثبتم على ولده فقتلتموه! فتباً لكم ولدينكم! فقال يزيد: لولا أن بلغني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «مَن قتل معاهداً كنت خصمه يوم القيامة» لقتلتك لتعرّضك. فقال رأس الجالوت: يا يزيد يكون خصم مَنْ قتل معاهداً ولا


يكون خصم مَنْ قتل ولده؟! ثمّ قال رأس الجالوت: يا أبا عبد الله اشهد لي عند جدّك؛ فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له،وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. فقال له يزيد: الآن خرجت من دينك ودخلت في دين الإسلام فقد برئنا منك. ثمّ أمر بضرب عنقه(1)

عن أبي الأسود قال: لقيت رأس الجالوت(2) فقال: إنّ بيني وبين داود سبعين أباً وإنّ اليهود إذا رأوني عظَّموني وعَرفوا حقّي وأوجبوا حِفْظي وإن ليس بينكم وبين نبيكم إلاّ أب واحد قتلتم ابنه(3) !

وعن زيد بن أرقم قال: كنت عند عبيد الله بن زياد (لعنه الله) إذ أُتي برأس الحسين بن علي فوضع في طست بين يديه فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن شفته وعن أسنانه فلم أرَ ثغراً أحسن منه كأنّه الدرّ فلم أتمالك أن رفعت صوتي بالبكاء فقال: ما يبكيك أيّها الشيخ؟ قلت: يبكيني ما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبِّل بعض موضع هذا القضيب ويلثمه ويقول: «اللّهُمّ إنّي أُحبّه فأَحِبَّه»(4) .

عن المنهال بن عمر قال: أنا والله رأيت رأس الحسين حين حُمل وأنا

____________________

(1) مقتل الحسين لأبي مخنف: ص 202.

(2) الجالوت: الجالية من اليهود أي الذين جلوا عن أوطانهم ببيت المقدس، ورأس الجالوت: رئيسهم وكان من ولد داودعليه‌السلام العقد الفريد: ج 4 ص 351.

(3) العقد الفريد: ج 4 ص 351؛جواهر العقدين في فضل الشرفين: ص 414.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 236 ح 3545؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 426 رقم 270.


بدمشق وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ قوله تعالى:( أَم حَسِبْتَ أنَّ أصحابَ الكَهْفِ والرقيم كانوا من آياتِنا عَجَباً ) (1) . فانطق الله الرأس بلسان ذرب فقال: «أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي»(2) .

عن عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال: «لمّا أُتي برأس الحسينعليه‌السلام إلى يزيد كان يتّخذ مجالس الشرب ويأتي برأس الحسين فيضعه بين يديه ويشرب عليه فحضر ذات يوم أحد مجالسه رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائها فقال: يا ملك العرب رأس مَنْ هذا؟ فقال له يزيد: ما لك ولهذا الرأس؟ قال: إنّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته فأحببت أن أخبره بقصّة هذا الرأس وصاحبه. فقال يزيد: رأس الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال: ومَنْ اُمّه؟ قال: فاطمة الزهراء. قال: بنت مَنْ؟ قال: بنت رسول الله. فقال الرسول: أفٍّ لك ولدينك! ما دين أخسّ من دينك! اعلم أنّي من أحفاد داود وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظّموني ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركاً؛ لأنّي من أحفاد داود وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله وما بينه وبين رسول الله إلاّ اُمّ واحدة فأي دين هذا؟!

ثمّ قال له الرسول: يا يزيد هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟ فقال

____________________

(1) سورة الكهف: الآية 9.

(2) الخصائص الكبرى: ج 2 ص 127.


يزيد: قل حتّى اسمع. فقال: إنّ بين عمان والصين بحراً مسيرته سنة ليس فيه عمران إلاّ بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخاً وعرضها كذلك وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها ومنها يُحمل الكافور والياقوت والعنبر وأشجار العود وهي في أيدي النصارى لا ملك لأحد فيها من الملوك. وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقّة من ذهب معلّقة فيها حافر يقولون: إنّه حافر حمار كان يركبه عيسى وقد زُيّنت حوالي الحقّة بالذهب والجواهر والديباج والإبرسيم وفي كلّ عام يقصدها عالم من النصارى؛ فيطوفون حول الحقّة ويزورونها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله ببركتها هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم! لا بارك الله فيكم ولا في دينكم.

فقال يزيد لأصحابه: اقتلوا هذا النصراني؛ فإنّه يفضحنا إن رجع إلى بلاده ويشنع علينا. فلمّا أحسّ النصراني بالقتل قال: يا يزيد أتريد قتلي؟

قال: نعم.

قال: فاعلم أنّي رأيت البارحة نبيّكم في منامي وهو يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنّة. فعجبت من كلامه حتّى نالني هذا؛ فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله. ثمّ أخذ الرأس وضمّه إليه وجعل يبكي حتّى قُتل»(1) .

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 72؛ الصواعق المحرقة: ص 198 جواهر العقدين في


روي أنّه كان في مجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود فقال: يا أمير المؤمنين مَنْ هذا الغلام؟ قال: علي بن الحسين. قال: فمَنْ الحسين؟ قال: ابن عليّ بن أبي طالب. قال: فمَنْ اُمّه؟ قال: فاطمة بنت محمّد. فقال له الحبر: يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة؟! بئسما خلفتموه في ذرّيّته! فوالله لو ترك نبيّنا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننت أنّا كنّا نعبده من دون ربّنا وأنتم فارقتم نبيّكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه! سوأة لكم من اُمّة! فأمر يزيد به فوجئ بحلقه ثلاثاً فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاقتلوني وإن شئتم فذروني إنّي أجد في التوراة: مَنْ قتل ذريّة نبي فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي فإذا مات أصلاه اللهُ نارجهنّم.

قال بعض العلماء: إنّ اليهود حرّموا الشجرة التي كان منها عصا موسى أن يخبطوا بها وأن يوقدوا منها النار؛ تعظيماً لعصا موسى وإنّ النصارى يسجدون للصليب؛ لاعتقادهم فيه أنّه من جنس العود الذي صُلب عليه عيسى وإنّ المجوس يعظّمون النار؛ لاعتقادهم فيها إنّها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم بنفسها وهذه الأمّة قد قتلت أبناء نبيّها وقد أوصى الله تعالى بمودّتهم وموالاتهم فقال عزَّ من قائل:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

وخرج علي بن الحسين ذات يوم فجعل يمشي في سوق دمشق فاستقبله

____________________

فضل الشرفين: ص 413.

(1) سورة الشورى: الآية 23. مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 101.


المنهال بن عمرو الضبابي فقال: كيف أمسيت يابن رسول الله؟ فقال: «أمسيت - والله - كبني إسرائيل في آل فرعون؛ يُذبِّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله عربي وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمداً قرشي منها وأمسينا آل بيت محمّد ونحن مغصوبون مظلومون مقهورون مقتولون مشردّون مطرودون فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أمسينا يا منهال»(1) .

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 71.


جزاء مَنْ قتل الحسينعليه‌السلام



إنّ من صفات الله تعالى العدل؛ فلذلك جَعل يومَ المعاد يوماً للجزاء ولإحقاق الحقّ وإنّ الله تعالى يمهل ولا يهمل فإن لم ينتقم لعباده الصلحاء في دار الدُنيا فهو مقتصّ لهم من خصومهم في الآخرةِ وإنّه ناصرٌ مؤيَد لعبادهِ الصالحين. فقد روي أنّ قومَ نبي الله صالح قد عقروا ناقته فأنزل الله عذابه الربّاني عليهم بعد ثلاثة أيام( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (1) .

عقروا ناقة نبيّه فأنزل غضبه عليهم منتصراً لنبيّه فكيف لا ينصرُ مَنْ ينبري للثأر من قتلة أولاد الأنبياء والأوصياء وهو ينتقمُ لِمَنْ ضحّى بدمه وآل بيته وأولاده من أجل بسط شريعة الله على الأرض والحكمُ بدستوره إنّ الله غضب للإمام الحسينعليه‌السلام فكُسفت الشمس لمصرعه ومطرت السماء دماً عبيطاً وكادت الأرض أن تميدَ بأهلها. واشتدّ غضبه على البغاة العصاة يوم رفعوا رؤوس آل البيت على أسنة الرماح يطوفون بهم البلدان وسبوا بنات وحفيدات المصطفى نكاية بآل محمّد الذي هدم أصنامهم وقتل رجالهم العتاة البغاة الخارجين عن إرادة السماء.

____________________

(1) سورة هود: الآية 65.


عن السُّدِّي قال: أتيت كربلاء لأبيع التمر بها فعمل لنا شيخ من طيء طعاماً فتعشّينا عنده فذكرنا قتل الحسين فقلت: ما شَرِكَ أحدٌ في قتل الحسين إلاّ مات بأسوأ ميتَة. قال: ما أكذبكم يا أهل العراق! أنا ممَّن شَرِكَ في ذلك. فلم يبرح حتّى دنا من المصباح وهو متَّقد بنفط فذهب يُخرج الفتيلة بأصبعه فأخذتِ النارُ فيها فذهب يُطفئها بريقه فأخذت النار في لحيته فغدا فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنَّه حُمَمَة(1) .

وعن أبي رجاء العطاردي أنّه كان يقول: لا تسبُّوا علياً ولا أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إنّ جاراً لنا من بني الهُجيم قدم من الكوفة فقال: ألمْ تَروْا هذا الفاسق ابن الفاسق إنّ الله قتله - يعني الحسين رضي الله عنه - فرماهُ الله بكوكبين في عينيه وطمس الله بصره. قال أبو رجاء: فأنّا رأيته - لعنه الله -(2) .

وعن هشام بن الكلبي عن أبيه قال: كان رجل يُقال له: زُرْعة شهد قتل الحسين فرمى الحسينَ بسهم فأصاب حنكَه وكان الحسين دعا بماء ليشرب فرماه فحال بينه وبين الماء فقال: «اللّهمّ أظِمئْه». قال: فحدّثني

____________________

(1) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم: 270؛تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 231، ص 234 ح 3545؛ذخائر العقبى: ص 248؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 436؛ كفاية الطالب: ص 393 بغية الطلب: ج 6 ص 2641.

(2) سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 425 رقم: 270؛ذخائر العقبى: ص 248؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 436، وفيه: «بلهجيم بدل: الهجيم»؛ كفاية الطالب: ص 400؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2642؛ تاريخ الخلفاء ص 207.


مَنْ شهد موته وهو يصيح من الحرِّ في بطنه ومن البرد في ظهره وبين يديه الثلج والمراوح وهو يقول: اسْقُوني أهلكَني العطش! فيؤتى بالعُسِّ العظيم فيه السويق والماء واللبن لو شربه خمسة لكفاهم فيشربه ثمّ يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش قال: فانقَدَّ بطنُه كانقداد البعير(1) .

عن أبي محمّد الهلالي قال: شرك منّا رجلان في دم الحسين بن عليرضي‌الله‌عنها فأمّا أحدهما فابتلي بالعطش فكان لو شرب راويةً ما روي(2) .

وعن أبي زرعة بسنده قال: جاء رجل يبشر الناس بقتل الحسين فرأيته أعمى يُقاد(3) .

قال الحجّاج: مَنْ كان له بلاء فليقم. فقام قوم يذكروا وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل حسين. فقال: بلاء حسن. ورجع إلى منزله فاعُتقل لسانه وذهب عقله فكان يأكل ويحدث في مكانه(4) .

وقال الأعمش: أحدث رجل من أهل الشام على قبر الحسين بن عليّ فأبرص من ساعته(5) .

____________________

(1) ذخائر العقبى: ص 246؛ سير أعلام النبلاء: ج 4 ص 424، وفيه: «ظَمِّئه بدل أظِمئْه»؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 430؛ كفاية الطالب: ص 391؛بغية الطلب: ج 6 ص 2620.

(2) ذخائر العقبى: ص 247؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 438؛ بغية الطلب: ج 6 ص 2621.

(3) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 227 ح 3545؛ تهذيب الكمال: ج 6 ص 433.

(4) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 231 و 234 ح 3545.

(5) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 244 ح 3547؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 444.


وعنه أيضاً قال: تغوّط رجل من بني أسد على قبر الحسين بن علي قال: فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وجُذام ومرض وفقر(1) .

وروى سبط ابن الجوزي أنّ شخصاً علّق رأس الحسينعليه‌السلام في لبب فرسه فرؤي بعدَ أيام ووجهه أشدّ سواداً من القار ومات على أقبح حالة. ويُقال: إنّ رجلاً أنكر ذلك فوثبت النار على جسده فحرقته.

وعن الزهري: أنّه لم يبقَ أحد ممّن قتل الحسين إلاّ عوقب في الدنيا قبل الآخرة؛ إمّا بالقتل أو سواد الوجه أو تغيير الخلقة أو زوال الملك في مدّة يسيرة(2) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 244 ح 3547؛تهذيب الكمال: ج 6 ص 444.

(2) نور الأبصار: ص 233.


زيارة قبر الحسينعليه‌السلام



زيارة قبور الشهداء والأولياء والعظماء والأنبياء والخلفاء والعلماء والمصلحين عملٌ محبوبُ عقلاً وشرعاً؛ لأنّ تقديس العظماء والأبطال بعد موتهم نزعة فطريّة وسنّة عقلائيّة سائدة في كلّ أنحاء العالم وبين جميع الأُمم والشعوب على مختلف المستويات منذ أقدم العصور. فمنذ عصر حمورابي وإلى هذا اليوم ينصبون التماثيل والنصب التذكارية في الساحات كالجندي المجهول الذي يرمز إلى التضحية والفداء وحتى الشعوب غير المسلمة تنحت التماثيل لرجالها الصالحين والمصلحين في الساحات العامة؛ وذلك تكريماً لهم وزيارة الملوك والرؤساء والقادة ووضع أكليل الزهور على قبورهم؛ تعظيماً لهم.

فحرمة الإنسان ميتاً كحرمته حيّاً كما وردَ في الحديث الشريف قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حرمة المسلم ميتاً كحرمته حيّاً سوياً»(1) .

ومن ذلك الحديث النبوي نستنبط أنّ للأمواتِ حقّ الزيارة علينا مثلما كانوا أحياءً يرزقون؛ فقد جُبلت البشرية على ذلك وقد وردت أحاديث نبويّة تحثُ على زيارتهم فالأموات ينتظرون منّا الصدقة والعمل الصالح والعلم

____________________

(1) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 419 ح 43.


الذي ينتفعُ به وزيارتهم وقراءة الفاتحة ترحماً على أرواحهم يعتبرُ عملاً صالحاً نُكافأ عليه بالأجر والثواب فلِمَ لا نقتفي الأثرَ في حصاد الفضائل ومنها زيارة الأولياء الصالحين.

والأُمّة الإسلاميّة تمتلك رصيداً كبيراً من عمالقة الدنيا وأفذاذ التاريخ وعظماء الرجال تمجّدهم وتستعيد ذكرياتهم وتقف على مراقدهم وقفة المستلهم لمعاني الخير وروح البطولة والعطاء. فإذا كانت زيارة قبور العظماء والأبطال وأضرحة الشهداء سيرة عقلائيّة وسنّة نبويّة لا تخصّ قوماً أو اُمّة فلا يُلام أتباع مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام عندما يزورون أئمتهم بالأخصّ رمز الإنسانيّة والحريّة والإباء سبط هذه الأُمّة وسيد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليعليه‌السلام وهو أبو الأحرار وقدوة الأبطال والمثل الأعلى؛ لذا نرى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام يشيرون في أحاديثهم إلى زيارة القبور لما فيها من آثار تربويّة واجتماعية. وقد ذكر العلاّمة الأميني في كتابه (الغدير 5 / 93) عشرات المصادر من صحاح المسلمين ومسانيدهم تؤكّد شرعية زيارة القبور ونحن نشير إلى بعضها:

عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي»(1)

وعنه أيضاً: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ حجّ فزار قبري بعد موتي كان

____________________

(1) سنن الدارقطني: ج 2 ص 278، باب المواقيت إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490؛الوفا بأحوال المصطفى: ص 817 ح 1530.


كمَنْ زارني في حياتي»(1) .

وقال سليمان بن سحيم: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في النوم فقلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: «نعم وأردّ عليهم»(2) .

عن أبي هريرة قال: زار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قبر أمّه فبكى وأبكى مَنْ حَوْلَهُ(3) .

عن جعفر بن محمّد عن أبيه: «أنّ فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت تزور قبر عمّها حمزة في الأيّام فتصلّي وتبكي عنده»(4) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ زار قبر والديه أو أحدهما في كلّ جمعةٍ غفر له وكتب بارّاً»(5) .

قال ابن أبي مليكة: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «زوروا موتاكم وسلّموا عليهم وصلّوا عليهم؛ فإنّ لكم فيهم عبرة»(6) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما الميت في قبره إلاّ كالغريق المتغوّث ينتظر

____________________

(1) السنن الكبرى: ج 5 ص 245؛باب زيارة قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سنن الدار قطني: ج 2 ص 278 وفيه «وفاتي بدل موتي»؛ الوفا بأحوال المصطفى: ص 816 ح 1529.

(2) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490.

(3) صحيح مسلم: ج 2 ص 365 ح 976، باب استئذان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ربّهعزوجل في زيارة قبر اُمّه.

(4) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490 وص 491.

(5) المصدر نفسه.

(6) المصدر نفسه.


دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدنيا وما فيها»(1) .

وأردف الغزالي في كتابه: زيارة القبور مستحبّة على الجملة؛ للتذكّر والاعتبار وزيارة قبور الصالحين مستحبّة لأجل التبرك مع الاعتبار(2) .

عن ابن بُريدة عن أبيه قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون وأنتم لنا فرط ونحن لكم تبعاً نسأل الله لنا ولكم العافية»(3) .

عن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما كان ليلتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأَتاكم ما تُوعدون غداً مؤجَّلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»(4) .

ونحن نقتدي برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أعظم قدوة لنا والتاريخ يشهد بأنّ

____________________

(1) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490 وص 491.

(2) إحياء علوم الدين: ج 4 ص 490.

(3) السنن الكبرى للبيهقي: ج 4 ص 79؛ صحيح مسلم: ج 2 ص 365 ح 975.

(4) صحيح مسلم: ج 2 ص 363 ح 974 باب ما يُقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها. بقيع الغرقد: مقبرة لأهل المدينة سُمّيت بذلك لغرقد كان فيها وهو ما عظم من العوسج. لسان العرب: ج 3 ص 325 غرقد. وإطلاق لفظ الأهل على ساكن المكان من حيّ وميّت السنن الكبرى: ج 4 ص 79.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يزور قبور البقيع وشهداء أُحد بل يحثّ المسلمين على زيارة القبور من أجل العظة والعبرة. هذه الخصوصية لمجرّد أنّه يحمل هوية مسلم فكيف بالحسينعليه‌السلام وهو ابن أوّل مَنْ أسلم وقد أسلم كثيراً من الناس ببركة ثورته الإنسانيّة بواقعة الطفّ وهو سيد الشهداء وسبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبو الأئمة أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام ؟! ويكفينا قول جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسين منّي وأنا من حسين». فزيارة الحسينعليه‌السلام هي زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وشفاعة الحسينعليه‌السلام هي شفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه بضعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

من الروايات التي أشارت إلى زيارة قبر الحسينعليه‌السلام منها:

عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن آبائهعليهم‌السلام قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كأنّي بالقصور قد شُيّدتْ حول قبر الحسين ولا تذهب الأيام والليالي حتّى يُسار إليه من الآفاق وذلك عند انقطاع ملك بني مروان»(1) .

سُئل جعفر بن محمّد عن زيارة قبر الحسين فقال: «أخبرني أبي قال: مَنْ زار قبر الحسين بن عليعليهما‌السلام عارفاً بحقّه كتبه الله في عليّين. ثمّ قال: إنّ حول قبره سبعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكون عليه إلى أن تقوم الساعة»(2) .

عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ موسى بن عمران سأل ربّهعزوجل زيارة قبر الحسين بن علي فزاره في سبعين

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 166.

(2) فرائد السمطين: ج 2 ص 174 ح 461؛ ذخائر العقبى: ص 151؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 169.


ألف من الملائكة»(1) .

عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائراً قبر الحسين بن علي فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثمّ اتّزر بإزار وارتدى بآخر ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثره على بدنه ثمّ إنّه لم يخط خطوة إلاّ ذكر فيها الله تعالى حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه يا عطية. فألمسته فخر على القبر مغشياً عليه فرششت عليه شيئاً من الماء فأفاق وقال: يا حسين يا حسين يا حسين ثلاثاً ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه وأنّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك وفُرّق بين رأسك وبدنك! فأشهد أنّك ابن خاتم النبيين وابن سيّد الوصيّين وحليف التُّقى وسليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وابن سيّد النقباء وابن فاطمة سيّدة النساء ....

قال عطية: ثمّ جال ببصره حول القبر فقال: السلام عليكم أيتّها الأرواح الطيبة التي بفناء الحسين أناخت برحله أشهد أنّكم قد أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين(2) .

فزيارة الحسينعليه‌السلام لها الخصوصيّة المتميّزة فعند وقوفك أمام ضريحه المقدّس بكلّ خشوع واحترام تأخذك الهيبة وتشدّك بالدين الحنيف؛ حيث

____________________

(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 169.

(2) المصدر نفسه: ص 167.


تتجسد أمامك رسالة الأنبياء ومواقفهم الرساليّة ومواجهتهم لفراعنة عصرهم ووقوفك أمام ضريحه المقدّس سرعان ما ينقلك إلى عصر النبوّة والرسالة عصر جبرائيل عصر نزول القرآن عصر إسلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبوقوفك أمام ضريحه المقدّس تستلهم منه الشجاعة والشهامة والبطولة والإباء ووقوفك أمام ضريحه المقدّس يذكّرك بفرعون عصره يزيد بن معاوية يزيد الخمر والفجور ذلك الذي رفع لواء جاهليّة جدّه أبي سفيان جاهليّة ملؤها القساوة والأنانية والعصبية العمياء والحقد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام .

نعم سيدي يا أبا عبد الله موقفك يذكّرني بموقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام فرعون عصره أبي سفيان حيث أصبح هو وأحفاده لعنة التاريخ ولازالت لعنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله سُنّة جارية إلى هذا اليوم تأخذ مجراها كما نصَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك في أحاديثه. منها:

ما ذكره الطبري في تاريخه: قد رأىصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا سفيان مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لعن الله القائد والراكب والسائق»(1) .

وعن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللَّهُمّ العن التابع والمتبوع اللَّهُمّ عليك بالأُقيعس». فقال ابن البراء لأبيه: مَنْ الأُقيعِس؟ قال: معاوية. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج 5 ص 622.


رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه». قال أبو سعيد الخدري: فلم نفعل ولم نُفلح(1) .

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه». قال الحسينعليه‌السلام : «فما فعلوا ولا أفلحوا».

عن ابن [عمر] قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يموت معاوية على غير الإسلام».

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يموت معاوية على غير مِلَّتي»(2) .

سيدي أبا عبد الله بقتلك استقام دين جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبزيارتك يا سيدي ثبتت أركان العقيدة وبزيارتك سيدي معانٍ جسام؛ فبها نتحدّى الباطل والمنكر وهذا ما يخشاه كلّ ظالمٍ وطاغٍ وسفّاك فزيارتك سيدي تذكّرنا بعظمة الله تعالى بل بتقرّبك إليه سبحانه وتعالى.

____________________

(1) النصائح الكافية: ص 72؛وقعة صفّين: ص 217؛انظر كتاب الفتوح: ج 5 ص 24: أقبل الحسينعليه‌السلام على مروان وقال: «ويحك! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق؟! لقد قلت شططاً من القول. يا عظيم الزلل لا ألومك على قولك؛ لأنّك اللعين الذي لعنك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص؛ فإنّ مَنْ لعنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد». ثمّ قال: «إليك عنّي يا عدو الله؛ فإنّا أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحقّ فينا وبالحقّ تنطق ألسنتنا وقد سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء فإذا رأيتم معاوية على منبري فافقروا بطنه. فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما أُمروا به قاتلهم الله بابنه يزيد زاده الله في النار عذاباً».

(2) وقعة صفّين: ص 216 - 218.


أما كيفية زيارة الإمام الباقرعليه‌السلام لجدّه الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام نشير إلى مقتطفات من زيارتهعليه‌السلام ؛ مراعاةً للاختصار:

عن محمّد بن عليعليهما‌السلام قال: «فإذا أتيت قبر أبي عبد الله - يعني الحسين بن عليعليهما‌السلام - فاغتسل من الفرات موضع الدالية ثمّ ائتِ وعليك السكينة والوقار حتّى تنتهي إلى باب الحير ثمَّ قل:

بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمك الله يا أبا عبد الله ولعن الله مَنْ قتلك وانتهك حرمتك. أشهد أنّ الذين خالفوك وحاربوك وقتلوك ملعونون على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والسلام عليك وعلى أبيك وأُمّك وأشهد أنّك قد بلّغت من الله ما أُمرت به ولم تخشَ أحداً غيره وعبدته حتّى أتاك اليقين.

أشهد أنّكم كلمة التقوى وأبواب الهدى والعروة الوثقى والحجّة على مَنْ بقي ومَنْ تحت الثرى.

اللّهمَّ العن الذين بدّلوا دينك واتّهموا رسولك وصدّوا عن سبيلك ورغبوا عن أمرك.

أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وتلوت القرآن حقّ تلاوته.

السلام على ملائكة الله المقرَّبين السلام على أنبياء الله المرسلين الذين هم في خلقه مقيمين.


اللّهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد ولا تجعله آخر العهد من زيارة قبر وليّك وابن رسولك وصلّى الله عليه وعلى آله ورحمة الله وبركاته»(1) .

فسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تُبعث حَيَّاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

____________________

(1) فرائد السمطين: ج 2 ص 175 ح 462.


مقتطفات من قصيدة للشاعر الشهير السيد حيدر الحليّ:

كفاني ضنى أن أرى في الحسين

شفتْ آلُ مروانَ أضغانَها

فأغضبت اللهُ في قتلهِ

وأرضتْ بذلكَ شيطانَها

عشيةَ أنهضها بغيُها

فجاءتهُ تركبُ طغيانَها

بجمعٍ من الأرضِ سدّ الفروج

فغطّى النجودَ وغيطانَها

وسامتهُ يركبُ إحدى اثنتين

وقد صرّتِ الحربُ أسنانَها

وإمّا يُرى مذعناً أو تموت

نفسٌ أبى العزُّ إذعانَها

فقالَ لها اعتصمي بالإبا

فنفسُ الأبيّ وما زانَها

إذا لم تجد غيرَ لبسِ الهوان

فبالموتِ تنزعُ جثمانَها

رأى القتلَ صبراً شعارَ الكرام

وفخراً يُزينُ لها شأنَها

فشَّمَر للحربِ عن معركٍ

بهِ عَرَكَ الموتُ فرسانَها

تزيدُ الطلاقةُ في وجههِ

إذا غيّرَ الخوفُ ألوانَها

ولمّا قضى للعُلا حقّها

وشيّدَ بالسيفِ بُنيانَها

ترجّلَ للموتِ عن سابقٍ

لهُ أخلتِ الخيلُ ميدانَها

عفيراً متى عاينتهُ الكماة

يختطفُ الرعبُ ألوانَها

فما أجلتِ الحربُ عن مثلهِ

صريعاً يجبّنُ شُجعانَها

تريبُ المُحيّا تظنُّ السما

بأنَّ على الأرضِ كيوانَها

غريباً أرى يا غريبَ الطفوف

توسّدَ خدّكَ كثبانَها

اتقضي فداكَ حشى العالمين

خميصَ الحشاشةِ ظمئانَها

ألستَ زعيمَ بني غالبٍ

ومطعامَ فهرٍ ومطعانَها(1)

____________________

(1) رياض المدح والرثاء: ص 61.


مقتطفات من ملحمة الغدير لشاعر المسيحيّة بولس سلامة:

وقفَ الظامئ الحسينُ ونادى

يا جنودَ العراقِ عُرا كلماتي

أوَليسَ الرسولُ جدِّي وأُمّي

خيرُ بنتِ وأطهرُ الزوجاتِ

واسمها يُمْنُ كلّ فاطمة في الأر

ض تأتي في الأعصرِ المقبلاتِ

اُمّها جدّتي خديجةٌ كانت

وردةُ المشرقين في السيّداتِ

بيتُها مهبطُ النبوّة إذ جبريلُ

يأتي بالوحي والآياتِ

شهدت للرسولِ والجوّ خنّاقٌ

فكانت باكورةَ المسلماتِ

أوَليسَ الضرغامُ حمزة عمّي

أسدُ اللهِ كاشف الكرباتِ

كفّهُ ما تشاءُ سمرُ العوالي

قلبهُ للسماحِ والمكرماتِ

أوَلستُ الحسين نجلَ عليٍّ

وعليٌّ أُنشودةٌ للحداةِ

يذكرون اسمهُ فتخشعُ أُسدُ البيدِ

من هيبةٍ لذاكَ الرفاتِ

أعلمُ الناسِ، أطهرُ الناسِ كفّاً

وأعزُّ الفرسانِ في الصهواتِ

أوّل المسلمين يحملُ بندَ الحمدِ

يومَ الأشرارِ في الغمراتِ

يمنعُ الحوضَ غبّ هولٍ وحشرٍ

يومَ تأتي النفوسُ مبترداتِ

وهو مولىً لكلّ مَنْ قالَ هيّا

لفلاحٍ ومَنْ دعا لصلاةِ

أيّ شيءٍ أنتم فلولا جدودي

ما عرفتم (منى) ولا (عرفاتِ)

ليس غيري في الأرضِ سبطُ نبيٍّ

فلماذا تطفونَ نورَ الهداةِ

كذّبوني إذا قدرتم فنورُ الشمسِ

دونَ الوضاءِ من بيّناتي(1)

____________________

(1) عيد الغدير: ص 190.


مقتطفات من القصيدة العينية للشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري:

فِداءٌ لمَثواكَ مِنْ مَضجعِ

تَنوّرَ بالأبلجِ الأروَعِ

بأعبقَ من نَفَحاتِ الجِنانِ

رَوحاً ومن مِسكها أضوَعِ

ورَعياً ليَومِكَ يومِ (الطُفوفِ)

وسقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَعِ

وحُزناً عليكَ بِحَبسِ النُفوسِ

على نهجِكَ النيِّرِ المَهيَعِ

وصَوناً لمجدِك مِنْ أن يُنال

بما أنتَ تأباهُ مِنْ مُبدَعِ

تعاليتَ من مُفزِعٍ للحتُوف

وبُورِكَ قَبرُكَ مِن مَفزَعِ

شَمَمتُ ثَراكَ فَهَبَّ النسيمُ

نَسيمُ الكَرامةِ مِن بلقَعِ

وعفّرتُ خدّي بحَيثُ استراح

خَدٌّ تَفَرَّى ولمْ يَضْرَعِ

وخِلتُ وقد طارَتِ الذّكرَيات

بِروحِي إلى عالَمٍ أرْفَعِ

وطُفْتُ بِقَبْركَ طَوْفَ الخَيالِ

بِصَومَعَةِ المُلهِمِ المُبدعِ

كأنَّ يَداً من وَراءِ الضّريح

حَمراءَ مَبْتُورَةَ الإصبِعِ

تَمُدُّ إلى عَالَمٍ بالخُنوع

والضّيمِ ذيِ شَرَقٍ مُترعِ

لتُبدِلَ مِنهُ جَديبَ الضّميرِ

بآخَر مُعشوشِبٍ مُمرِعِ

ويا بنَ التي لم يَضَعْ مِثلُها

كَمِثلِكَ حَملاً ولم يُرضعِ

ويابنَ البطين بِلا بِطنَةٍ

ويابن الفَتَى الحاسِرِ الأنزَعِ

ويا غُصْنَ (هاشم) لم يَنفَتِحْ

بأزهر مِنكَ ولم يُفرعِ

تَمَثّلتُ (يَومَكَ) في خاطِري

وَوَددتُ (صَوْتَك) في مَسمَعي

وجدّتُكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ

بأعظَمَ مِنها ولا أروعِ

وأن تُطعِمَ المَوتَ خَيْرَ البنينَ

مِنَ (الأكهلين) إلى الرُّضَّعِ


وقال الفرزدق في الحسينعليه‌السلام : هذا الحسين بن فاطمة الزهراء بنت محمّدعليهم‌السلام هذا والله ابن خيرة الله وأفضل مَنْ مشى على وجه الأرض بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . ثمّ أنشد أبياتاً في مدح آل بيت رسول اللهعليهم‌السلام :

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتهُ

والبيتُ يعرفهُ والحلُ والحرمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلّهمُ

هذا التقي النقي الطاهرُ العلمُ

هذا حسين رسولُ اللهِ والدُهُ

أمست بنورِ هداهُ تهتدي الأُممُ

هذا ابنُ فاطمةَ الزهراء عترتُها

في جنّةِ الخلدِ مجريّاً بها القلمُ

إذا رأتهُ قريشٌ قالَ قائلُها

إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ

يكادُ يمسكهُ عرفانُ راحتهِ

ركنُ الحطِيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ

بكفّهِ خيزرانٌ ريحهُ عبقٌ

بكفِّ أروع في عرنينهِ شممُ

يغضي حياءً ويُغضى من مهابتهِ

فلا يكلّمُ إلاّ حينَ يبتسمُ

ينشقّ نورُ الدجى عن نورِ غرّتهِ

كالشمسِ تنجابُ عن إشراقِها الظلمُ

مشتقّةٌ من رسولِ اللهِ نبعتهُ

طابت أرومتهُ والخيمُ والشيمُ

إن عُدّ أهل الندى كانوا أئمّتهم

أو قيل مَنْ خيرُ أهلِ الأرضِ قيلَ هُمُ

لا يستطيعُ جوادٌ بعدَ جودهمُ

ولا يدانيهمُ قومٌ وإن كرموا

فجدّهُ من قريشٍ في أرومتِها

محمّدٌ وعليٌّ بعدهُ عَلمُ(1)

____________________

(1) كتاب الفتوح: ج 5 ص 126. ثمّ أقبل الفرزدق على ابن عمّه فقال: والله لقد قلت فيه هذه الأبيات غير متعرّض إلى معروفه غير أنّي أردت الله والدار الآخرة.


وأنشد بعض الشعراء في الحسين بن عليعليه‌السلام ريحانة رسول ربّ العالمين:

لقد هدَّ جسمي رزءُ آلِ محمّدٍ

وتلكَ الرزايا والخطوبُ عظامُ

وأبكت جفوني بالفراتِ مصارعٌ

لآلِ النبيِّ المصطفى وعظامُ

عظامٌ بأكنافِ الفراتِ زكيّةٌ

لهنّ علينا حرمةٌ وذمامُ

فكم حرّةٌ مسبيّةٌ فاطميّةٌ

وكم من كريمٍ قد علاهُ حُسامُ

لآلِ رسولِ اللهِ صلّت عليهمُ

ملائكةٌ بيضُ الوجوهِ كرامُ

أفاطمُ أشجاني بنوكِ ذوو العُلا

فشبتُ وإنّي صادقٌ لغلامُ

وأصبحتُ لا ألتذ ّطيبَ معيشةٍ

كأنّ عليَّ الطيّباتِ حرامُ

ولا الباردُ العذبُ الفراتُ أسيغهُ

ولا ظلّ يهنيني الغداةَ طعامُ

يقولونَ لي صبراً جميلاً وسلوةً

وما لي إلى الصبرِ الجميلِ حرامُ

وكيفَ اصطباري بعدَ آلِ مُحمّدٍ

وفي القلبِ منهم لوعةٌ وسقامُ(1)

____________________

(1) كفاية الطالب: ص 401؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 14 ص 260؛وفيه: أنشدنا محمّد بن الفضل الفُراوي قال: أنشدت لبعض الشعراء في مرثية الحسين بن عليعليه‌السلام .


مقتطفات من القصيدة العينية للشاعر السيد محمّد رضا القزويني:

توارثتُ حُبَّكَ عبرَ الدموعِ

فأودعتُه في حنايا الضلوعِ

وما أنْ ذكرتُكَ بالوجدِ إلاَّ

وحرَّم ذِكرُك طيبَ الهجوع

فيا مَنْ ورِثتَ كيان الرسولِ

وسرَّ البتول وحبَّ الجموعِ

وأشرقتَ نوراً بعمقِ الزمانِ

فهامَ الزّمانُ بذاك الطلوعِ

وألفاكَ طِفلاً بحجرِ النبيِّ

فبأهى السماءَ بذاك الرضيعِ

يُحيط بجنبيهِ أهلُ الكساءِ

وكلٌّ يقبّلُهُ في خشوعِ

فهاجَ الملائكُ في بَهجةٍ

وطافوا من العرش طوف الخضوعِ

وجبريلُ يهبط بالبُشريات

وفطرسُ يسأله عن شفيعِ

فناداه دونكَ مهدَ الحسين

تَنَلْ عنده بانفراجٍ سريعِ

فيا أيّها المهد ماذا حويتَ

فأمَّلَهُ كلُّ قلب مروعِ

لقد عرفتكَ مَلاكُ السما

وما سوف تلقى بُعيد الشفيعِ

فقلبُ النبيِّ سعيدٌ به

وبالحسن السبطِ زهيرِ الربيعِ

فنادى النبي وسمع الزمانِ

يصيحُ له بين تلك الجموعِ

(إمامان قاما هما في الخطوبِ

وإن قعدا) عند أمرٍ فضيعِ

فيا من حملتَ جمالَ النبيِّ

وهيبةَ حيدرةٍ في الطلوعِ

ومنْ فاطمٍ كلَّ معنى الجلالِ

وسرّاً تكامَنَ بين الضلوعِ

تقاسمتَ والمُجتبى في الحياة

دَورَيْن فازدهرا في الربوعِ

فذاك أتمّ له حجةً

بصُلعٍ أميَّةَ غير خَنوعِ

بأنّ معاويةَ لم يُرِدْ

لهذي الرسالة غير النزوعِ

سوى أن يُحكَّمَ فوق الرقابِ

وإن فاضَ أنهارها بالنجيعِ


فيجتثَّ ما قد بناه الرسولُ

ويُرغمَ أصحابَهُ بالخضوعِ

فلما تراءى لدى المسلمين

وبانت جرائمُهم للجميعِ

وإنّ يزيداً تولّى الزِمامَ

يُحيط به كلّ وغدٍ ضليعِ

نهضتَ على قِلَّةِ الناصرين

لتنقِذَ ديناً هوى للهجوعِ

وقدَّمت لله أبهى الوجوهِ

من الغرر الزهر غيرَ جزوعِ

من الصَّحب لا مثلهم في الصحاب

عهدنا لموسى ولا في اليسوعِ

ولا عرفَ الدهرُ من عصبةٍ

تسارع للموت سيرَ الولوعِ

وأبناك كلّ عَلٍ أشوسٍ

أطل عليهم كزهرٍ طليعِ

فقدَّمتَهم كرماً للإله

ولم تُبقِ حتّى دماء الرضيعِ

تراموا حواليك شُمَّ الاُنوفِ

من كل أزهرَ شهمٍ صريعِ

فشيَّدتَ صرحك ترقى به

إلى العرش في خير سدٍّ منيعِ

فيا مَنْ أُصيبت به اُمّةٌ

بما لم تُصبه بأمرٍ فجيعِ

فقد قطَّعوا فيك قلبَ النبيِّ

وداسوا لفاطمَ خيرَ الضلوعِ

وأنت تصارعُ حرَّ الظّما

وسيفاً علاك لوغد وضيعِ

سألتُ الملاكَ ملاكَ السماءِ

من الوافدين لمهد الرضيعِ

فهلاّ عرفت الحسين الذبيحَ

على الأرض ظلَّ برأس قطيعِ



المصادر

القران الكريم

وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري م 213 ط المدني مصر.

كتاب التاريخ الكبير للبخاري م 256 هـ. ط بيروت دار الكتب العلمية.

صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج النيسابوري م 261 هـ. ط بيروت مؤسسة عز الدين.

الإشراف على مناقب الاشراف لابن أبي الدنيام 281 هـ ط بيروت دار الكتب العلمية

الاخبار الطوال لأبى حنيفة الدينوري م 282 هـ.

تاريخ اليعقوبي لابن واضح م 292 هـ ط النجف الأشرف.

سنن الترمذي لابن سوره م 297 هـ.

استشهاد الحسين لابن جرير الطبري م 310 ط مصر دار الريان للتراث.

الذرية الطاهرة للدولابي م 310 هـ الطبعة الثانية بيروت مؤسسة الاعلمي.

سر السلسلة العلوية لابي نصر البخاري من أعلام القران الرابع الهجري سنة 314 هـ ط دار قابس.

مروج الذهب للمسعودي م 346 هـ ط بيروت مؤسسة الأعلمى.

المعجم الكبير للطبرانى م 360 هـ ط 2 بيروت دار إحياء التراث العربي.

المعجم الاوسط للطبرانى م 360 هـ مكتبة المعارف الرياض.


المعجم الصغير للطبراني م 360 هـ.

مقاتل الطالبين لأبى الفرج الأصفهاني م 365 هـ ط بيروت دار المعرفة.

حلية الأوصياء وطبقات الأصفياء لأبى نعيم الأصفهاني م 430 هـ. ط بيروت دار الكتب العلمية.

دلائل النبوة ومعرفة احوال صاحب الشريعة للبيهقي م 458 ط بيروت دار الكتب العلمية.

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي م 463 هـ. ط بيروت دار الفكر.

إحياء علوم الدين للغزالي م 505 هـ. ط بيروت دار المعرفة.

كتاب فردوس الأخبار للديلمي م 509 هـ. ط بيروت دار الكتاب العربي.

مقتل الحسين لاخطب خوازم 568 هـ.

تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر م 571 هـ. ط بيروت دار الفكر.

الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي م 597 هـ. ط بيروت دار الكتب العلمية.

النهاية في غريب الحديث والاثر لابن أثيرم 606 هـ الناشر المكتبة الإسلامية.

جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير الجزري م 606 هـ. ط بيروت دار إحياء التراث العربي.

أسد الغابة في معرفة الصحابة للجزري م 630 هـ. ط بيروت دار الكتب العلمية.

مطالب السؤول في مناقب آل الرسول للنصيبي م 652 هـ. ط بيروت مؤسسة البلاغ.

درر السمط في خبر السبط لابن الأبار م 658 هـ. ط بيروت دار الغرب الإسلامي.


كفاية الطالب في مناقب على بن أبي طالب للكنجي الشافعى م 658 هـ.

بغية الطلب في تاريخ حلب لابن عديم م 660 هـ. ط بيروت مؤسسة البلاغ.

ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للطبرانى المكي م 694 هـ.

رأس الحسين لابن تيمية م 728 هـ. ط مصر دار الريان للتراث.

فرائد المسمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذريتهم عليهم السلام للجويني الخرسانى م 730 هـ. ط بيروت مؤسسة الحمودي.

عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير لابن سيد الناس م 734 هـ. ط بيروت دار القلم.

تهذيب الكمال في اسماء الرجال للمزي م 742 هـ. ط 5 بيروت مؤسسة الرسالة.

ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبى م 748 هـ. ط دار الفكر.

حياة الحيوان الكبرى للدميري م 808 هـ. ط بيروت دار إحياء التراث العربي.

الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلانى م 825 هـ. ط بيروت مؤسسة الرسالة.

عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عتبة م 828 هـ.

جواهر العقدين في فضل الشرفين للسمهودي و 844 هـ. ط العانى بغداد.

الفصول المهمة لابن الصياغ المالكي م 855 هـ. ط بيروت مؤسسة الأعلمي.

تاريخ الخلفاء للسيوطي م 911 هـ. ط مصر السعادة.

الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي م 911 ط بيروت.


الخصائص الكبرى للسيوطي م 911 هـ. ط بيروت دار الكتب العلمية.

ينابيع المودة للقندوزي الحنفي م 1294 هـ الناشر الشريف الرضى.

النصائح الكافية لابن عقيل العلوي م 1305 هـ. ط بيروت مؤسسة الفجر.

حياة الصحابة لكاندهلوي م 1363 هـ. ط القاهرة دار النصر.

كنز العمال للبرهان ط بيروت مؤسسة الرسالة.

الاتحاف بحب الأشراف للشبراوي الشافعي ط مصر.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ط دار النهضة - مصر.

الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني ط بيروت دار الفكر.

الإمامة والسياسة لابن قتيبة ط 2 بيروت مؤسسة الفواء.

البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ط بيروت مؤسسة الوفاء.

الحسين في الفكر المسيحي لانطوان بارا ط 2 الكويت.

الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري ط بيروت دار الكتب العلمية.

السنن الكبرى للنسائى ط بيروت دار الكتب العلمية.

السنن الكبرى للبيهقي م 458 هـ. ط بيروت دار المعرفة.

الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ط 2 مكتبة القاهرة.

الطبقات الكبرى لابن سعد ط بيروت دار صادر.

العقد الفريد لابن عبد ربه ط بيروت دار الكتاب العربي.

الكامل في التاريخ لابن أثير ط بيروت دار إحياء التراث العربي.

المحاسن والمساؤئ لإبراهيم البيهقي ط بيروت دار صادر.

المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ط بيروت دار المعرفة.

المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني م 852 هـ.


أنساب الأشراف للبلاذري ط بيروت دار الفكر.

تاريخ الطبري لابن جرير الطبري ط بيروت دار الفكر.

تراجيد با كربلاء لإبراهيم الحيدري ط بيروت دار الساقي.

تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ط بيروت دار صادر.

رياض المدح والرثاء للبلادي البحراني ط بيروت مؤسسة البلاغ.

سير أعلام النبلاء للذهبي م 478 هـ. ط بيروت دار الفكر.

شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد ط 2 دار إحياء الكتب العربية.

شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحاكم الحسكاني ط بيروت مؤسسة الأعلمي.

صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري ط الهندي.

عيد الغدير لبولس سلامة ط بيروت الشركة العالمية للكتاب.

كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي م 314 هـ. ط بيروت دار الندوة الجديدة

لسان العرب لابن منظور المصري نشر أدب الحوزة.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي ط بيروت مؤسسة المعارف.

مسند الإمام أحمد بن حنبل ط بيروت مؤسسة الرسالة.

مقتل الحسين لأبي مخنف ط بيروت مؤسسة الوفاء.

نهج البلاغة للإمام عليعليه‌السلام د. صبحي الصالح.

نور الأبصار في مناقب آل البيت النبي المختار للشبلنجي ط بيروت الدار العالمية.


الفهرس

المقدّمة9

مقدّمة المؤلّف 13

شخصيّة الحسين عليه‌السلام 15

أخلاق الحسين عليه‌السلام 27

كلمات الحسين عليه‌السلام 37

الحسين عليه‌السلام ثمرة النبوة47

الحسين عليه‌السلام شبيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 63

سجود النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله 67

أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .... 73

محبّة الحسين عليه‌السلام 81

جنّة الحسين عليه‌السلام 93

إبراهيم فداءٌ للحسين عليه‌السلام 101

إمامة الحسين عليه‌السلام 105

الحسين عليه‌السلام وعالم الرؤيا 119

إرادة الله شاءت 131

فاجعة الطفِّ 143

رأس الحسين عليه‌السلام 165

جزاء مَنْ قتل الحسين عليه‌السلام 173

زيارة قبر الحسين عليه‌السلام 179

المصادر199