نفحات عاشوراء

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ كاظم البهادلي
الإمام الحسين عليه السلام

نفحات عاشوراء

تأليف: الشيخ كاظم البهادلي



بسم الله الرحمن الرحيم



اللّهمّ كُنْ لوليك الحجّة بن الحسن

صلواتُك عليه وعلى آبائه

في هذه الساعة وفي كلّ ساعة

ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً

ودليلاً وعيناً

حتّى تسكنه أرضك طوعاً

وتمتعه فيها طويلاً



الإهداء

* إلى مَنْ كانت اُمّاً لأبناءِ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

* إلى مَنْ واست سيّدة نساء العالمينعليها‌السلام .

* إلى مَنْ قدمّت أولادها في سبيل الدين.

* إلى مَنْ كانت ولا زالت سبيلاً في قضاء حوائج المؤمنين.

* إلى اُمّ قمر بني هاشم وإخوته الميامين.

* إليك يا سيّدتي يا أُمّ البنين اُقدم تعابير ولائي بين يديك، عسى أن تشملني شفاعتُك، وشفاعة أولادِك الطّاهرينعليهم‌السلام .

المحبّ للعترة الطّاهرةعليهم‌السلام

الشيخ كاظم البهادلي



كلمة الناشر

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه أبي القاسم محمّد وعلى آله المظلومين.

السّلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : «كلّ الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين»(1) .

وعن بكير بن محمّد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال للفضيل: «تجلسون وتتحدّثون؟». قال: نعم جعلت فداك. قال: «إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، رحم الله مَنْ أحيا أمرنا. يا فضيل، مَنْ ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(2) .

وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : «إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء»(3) .

«فلئن أخّرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمَنْ حاربك محارباً، ولمَنْ نصب العداوة مناصباً، فلأندبنَّك صباحاً ومساءً، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً؛ حسرة عليك، وتأسّفاً على ما دهاك وتلهّفاً، حتّى أموت بلوعة المصاب وغصّة الاكتئاب»(4) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 2 / 923، أمالي الطوسي / 62.

(2) وسائل الشيعة 14 / 501.

(3) أمالي الصدوق / 190.

(4) المزار - لمحمد المشهدي / 501، بحار الأنوار 98 / 320.


وهكذا أولى الخطباء البارعون قضية الإمام الحسينعليه‌السلام جلَّ اهتمامهم، بعظيم أدائهم في تبليغ رسالة الحسينعليه‌السلام ، رسالة الإسلام المحمّدي الأصيل التي كانت تهدف في كلّ فصل من فصولها، وكلمة من كلماتها لإنقاذ الأمّة من شفا جرف هار، ومن أجل إحياء شريعتها، وحفظ كتابها من دنس الأوغاد والفسقة في أحلك الظروف التي مرّ بها وأصعبها؛ حيث الباطل لا يُتناهى عنه، والمعروف لا يُؤمر به كما وصفه الإمام الحسينعليه‌السلام : «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً»(1) .

وها هم اليوم أنصار الحسينعليه‌السلام تتجدّد بهم صرخة الإمام الحسينعليه‌السلام ، واستنصاره واستنهاضه للأمّة من نوم الغفلة؛ لتجعل من منبره الشريف مجالس للوعظ والإرشاد والتعليم، ومنصّة لقمع الظلم والظالمين، بأمرها للمعروف ونهيها للمنكر الذي كاد يكون أمره في حاضرنا آخر أمر يُفكّر به، ويُسعى لأجل إحيائه.

فقد جعلوا من منبر الحسينعليه‌السلام أعظم وسيلة إعلامية للصوت الإسلامي الأصيل؛ ليقرعوا به مسامع الظالمين والمضلّين، ويهدوا به المسترشدين؛ فهم اليوم بحقّ حملة الدين، والمبلّغين عنه بصدق وأمانة لجميع المخلوقين؛ للقاصين والنائين، ولمَنْ لم يصل إليه نور الإسلام المبين.

____________________

(1) مقتل الحسين - لأبي مخنف / 86.


فالمنبر الحسيني اليوم كما كان بالأمس أفضل وسيلة لإيصال صوت الإسلام الحنيف، وبيان معارفه وأحكامه لأبناء الاُمّة الإسلاميّة، وأنفع وسيلة لتحريك العواطف، والمشاعر الإنسانيّة، والغيرة الدينية من خلال استنهاض الأمّة، وإحياء روح التضحية والجهاد في سبيل الله عن تقوية إرادتها وتنشيط عزيمتها. كلّ ذلك من أجل إحلال العدل، ونبذ الظلم، وإقصاء الظالمين ومحاربتهم بشتى الوسائل المتاحة لرجال الدين وأبنائه المؤمنين.

لقد قام الإمام الحسينعليه‌السلام في نهضته بتعبئة المؤمنين المخلصين؛ شيوخاً وشباباً، ونساءً وأطفالاً لنصرة الدين، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لمّا استفحل داء بني أُميّة في جسد الأمّة؛ حيث أخذ يتّسع يوماً بعد يوم حتّى وصل الأمر أن تكون الأمّة لقمة سائغة في حلق يزيد المجن والكفر اللعين، كمَنْ أودع شاة عند ذئب جائع، فعندها قال الإمام الحسينعليه‌السلام كلمته الحقّ: «فعلى الإسلام السّلام إذا ابتُليت الاُمّة براع مثل يزيد»(1) .

ولمّا علم الإمام الحسينعليه‌السلام بأنّ مثل هذا الأمر لا يُجدي به النصح والإرشاد، خصوصاً أنّه بدأ بسياسته الخاطئة، وعدوانه المتكرر، يستهدف الشريعة الإسلاميّة للقضاء عليها؛ وذلك من خلال استخفافه بمشاعر المسلمين، واستهزائه بأحكام الدين علناً وأمام الحاضرين من وعّاظ السلاطين، وقيامه

____________________

(1) مثير الأحزان - لابن نما الحلّي / 15.


باجتثاث المؤمنين، ومطاردة الصالحين، وقطع صلة المخلصين، وبأخذ البيعة بالقهر والغلبة من المسلمين؛ فإنّ مثل هذه الأساليب تتطلب من المؤمنين، ومن حماة الدين وأمنائه أن يقفوا بوجهه أيّما وقفة، تحول دون تحقيق مآربه ونواياه السيئة تجاه الدين ورجاله الرساليين.

وعلى أيّة حال قام الإمام الحسينعليه‌السلام بثورة عارمة هزّ بها عروش الظالمين، صارت مناراً للمجاهدين، وأنشودة للثائرين، يخسأ مَنْ يقول مات الحسينعليه‌السلام وهو حي في ضمير المجاهدين، وكلمة حقّ ينطق بها المستضعفين والمظلومين، وليخسأ مَنْ يقول: مضى دور الحسينعليه‌السلام .

كيف مضى وهو اليوم حيّاً في قلوب المؤمنين، وذكره يتجدّد على ألسن الخطباء وخدام الحسينعليه‌السلام ، وصوته يعلو كلّ صوت؛ لأنّه الإسلام، لأنّه القرآن؛ فالحسين روحه روح الإسلام، وجسده جسد الإسلام، فما قتلوا حسيناً، ولكن قتلوا تهليلاً وتكبيراً كما يقول أحد شعراء الطفِّ:

ويكبّرون بأن قُتلت وإنّما

قتلوا بك التكبيرَ والتهليلا

فما كان علينا أيّها الإخوة الأعزاء إلاّ أن نقوم بخدمة بسيطة للإمام الحسينعليه‌السلام ؛ تكريماً لأنصاره المؤمنين، والعلماء الرساليِّين المبلّغين لأحكام الدين، وتجسيداً لأهداف الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك بأن نقوم بنشر آثارهم


القيّمة؛ لتكون لنا ولهم حسنة نستثقل بها ميزان أعمالنا، ونشتري بها شفاعة ورضا الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام ، فبرضاهم رضا المولى تبارك وتعالى.

وهكذا سعينا دائبين أن نقوم بنشر مجالس لأربعة عشر خطيباً من خطبائنا المعاصرين عبر سلسلة سمّيناها (نفحات عاشوراء)؛ تكريماً لهم منّا، وتعظيماً لجهودهم المبذولة في سبيل الدين وإحياء قضية الإمام الحسينعليه‌السلام .

ومن الله نستمد العون والمساعدة، وأملنا به كبيراً بأن يقبل منّا هذا اليسير، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

دار الإمام الجوادعليه‌السلام

الشيخ زهير البغدادي (عيد الغدير الأغر / 1429)



المقدّمة

بسم الله كلمة المعتصمين، ومقالة المتحرّزين، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الخلق أجمعين، المحمود الأحمد، والمصطفى الأمجد، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد، هذه مجموعة من المحاضرات والمجالس العزائية في سادتي الأطهارعليهم‌السلام ، كتبتها ووفقتُ لإلقاء أكثرها، فنالت إعجاب جماعة من المؤمنين، فالتمسوني استنساخها، فنسخت مرّات عديدة، ثمّ طلب منّي جماعة من الخطباء الأعزاء طباعتها ونشرها حتّى تعمّ الفائدة، فاستجبت لهم بعد أن راجعتها، وقمت بإجراء بعض التعديلات عليها، فجاءت - بحمد الله ومنّه - بالمستوى المقبول، وصارت أحسن حالاً ممّا كانت عليه أوّلاً.

وهي ثلاثون مجلساً، اشتملت على مجالس مُحرّم الحرام، وبعض مناسبات شهر صفر، وشهر رمضان، ومجلسين اثنين في الصدّيقة الشهيدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، ومجلس في السيدة زينب الكبرىعليها‌السلام ، ومجلس في السيدة فاطمة المعصومةعليها‌السلام .

ولا يخفى على إخوتي الخطباء وأهل الفنّ أنّ بإمكانهم إجراء التغييرات عليها، والزيادة والنقص فيها بحسب ما تقتضيه المناسبة من ولادة أو شهادة.


وأخيراً أقول: فما كان فيها من نفع وفائدة فيعود فيه لله تبارك وتعالى، ولأساتذتي المخلصين، وما فيها من نقص أو قصور أو عثرة أو زلّة فهو دليل قصور باعي، وقلّة اطلاعي، والمسؤول عنه أنا وحدي. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، ومقبولةً عنده، وأن يثقل بها ميزان حسناتي يوم ألقاه، إنّه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول.

كاظم البهادلي

الأوّل من شهر صفر الخير 1429 هـ

قم المقدّسة


المجلس الأوّل

وجوب تنصيب الإمامعليه‌السلام



المجلس الأوّل

وجوب تنصيب الإمامعليه‌السلام

عِـشْ في زمانك ما استطعت نبيلا

واتـرك حـديثك لـلرواةِ جـميلا

ولـعزِّك اسـترخص حـياتك إنِّه

أغلی وإلّا غـادرتـك ذلـيلا

تُـعطي الـحياةُ قـيادها لـك كُلمّا

صـيّـرتها لـلـمكرماتِ ذلـولا

الـعزُّ مـقياسُ الـحياةِ وضلُّ مَنْ

قـدْ عـدَّ مـقياسَ الـحياةِ الطولا

قل كيفَ عاشَ ولا تقلْ كم عاش مَنْ

جـعلَ الـحياةَ إلی عـلاهُ سـبيلا

لا غـرو إن طـوتِ الـمنيّةُ ماجداً

كـثَرتْ‌ مـحاسنُه وعـاشَ قـليلا

مـا كـان لـلأحـرارِ إلّا قـدوةً

بـطلٌ تـوسَّد فـي الطفوفِ قتيلا

بـعـثتهُ أسـفارُ الـحقائقِ آيـةً

لا تـقـبلُ الـتـفسيرَ والـتأويلا

يـدوي صداها في المسامعِ زاجراً

مَـنْ عَـلَّ ضـيماً واستكانَ خمولا

لا زالَ يـقرؤها الـزمانُ مُـعظّما

فـي شـأنها ويـزيدها ترتيلا(1)

سيدي:

فليت أكـُفـّاً حاربتك تقطّعت

وأرجُلَ بغي ٍ جـاوبتك جُذامُ

____________________

(1) القصيدة للشاعر الحاج عبد الحسين الأزريرحمه‌الله ، قال عنه السيد جواد شبّررحمه‌الله في كتابه القيّم (أدب الطّف 10 / 79): الحاج عبد الحسين الأزري من شعراء العراق اللامعين، حرّ التفكير والعقيدة، ومن أوائل دعاة التحرير، وقد أصدر في العهد العثماني جريدة ببغداد كانت من أوائل الجرائد إن لم تكن أوّل جريدة طالبت بحقوق العرب وحريتهم، وقد نفاه الأتراك وحُبس في الأناضول...

ولد الحاج عبد الحسين في بغداد سنة 1298 هـ، وترعرع في زمن كثرت فيه الانتفاضات على النظم السياسية وعلى العادات والتقاليد البالية، من أجل ذاك نشأ وهو ثورة أدبية اجتماعية... وكان الشاعر يتقن الفرنسية، فكان محلقاً في خياله، ومبدعاً في أسلوبه القصصي.

من آثاره: (بطل الحلّة) رواية عصرية، (البوران) رواية عصرية، (قصر التاج)، (ديوان شعر).

توفيرحمه‌الله في بغداد يوم الأحد 21 ربيع الثاني 1374 هـ، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف بتشييع مهيب فدفن في وادي السّلام، ونعته الصحف العراقية والعربية، ورثاه عارفوه وأبَّنوه.


إنّها هي الأكُفُ الأثيمة والأرجلُ التي سعت إلی أعظم جريمة،‌ أبكت عين رسول الله وأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وتركت أمَّك الزهراءعليها‌السلام تقيم مأتمها إلی جنب جسدك الطاهر ليلة الحادي عشر، وهي تلثم نحرك وتطالُبُك بحقوق الأمومة.

تگلك يا عزيز الروح يا سبّاح

گلبي ويـا ظـيا بـالـعين اُمَّك لاح

يـبني مـا تگلي وين راسك راح

آيـحسين يـومك بـيش أوصفنَّه

***

مـاني أمّك وجيت اطلب ابحكَ ارباي

يـماي الـعين يـلّي ما شربت الماي

آنَه الكسروا ضلعها گوم واحچي اوياي

ولـهانه اعـلی صوتك وارد أسمعنه

اشكثر يبني اتعبت برباك أنه ولاليت

يـا شمعة اعـيوني أويـا عمود البيت

يـبني أمـن الـمدينة الكربله اتعنيت

دسـولفلي عـليك اشـصار يا مچنه

إگعـد شـوف جـدّك گاعـد إگبالك

يـنادي احسين يبني اشصاير ابحالك

يـبني مـن گطـع يـمناك وشمالك

اُوصـدرك لـيش يبني الخيل رضنّه

يُـمّـه إبـيا ذنب چتلوك هـالعدوان

يـبني اُوليش جسمك عالترب عريان

يـم شـاطي الفرات اُوتنذبح عطشان

أريـد أعـرف إعـليمن تنحرم منه

يـبني وهـاي جيتي انشوفك إبياحال

أويـاهو اللي يباري البگه امن الأطفال

أوحمل زينب دگلي اعلی الجمل لو مال

يـاهو اللي يـعـدله اولـيه يـتدنه

* * *


عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «اللّهمّ بلی، لا تخلوا الأرض من قائم لله بحُجةٍ؛ إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً؛ لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته»(1) .

هذا المقطع من كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام سيد البلغاء والمتكلّمين، الذي كلامه أمير الكلام، بل كلّ شيء فيه أمير، وهو الذي فقأ عيون البلاغة بكلمات ثلاث حسب ما عبّر العروضي الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث قال: لقد فقأ علي بن أبي طالبعليه‌السلام عيون البلاغة عندما قال: «إلهي، كفی بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفی بي فخراً أن تكون لي ربّاً»(2) . أو قوله الآخر: «المرء مخبوء تحت طيِّ لسانه لا طيلسانه»(3) .

وعلی أيّة حال فهذا المقطع من كلامه الشريف كان من ضمن الحكم التي وجّهها لكميل بن زياد النخعي، وهي من الحكم الجامعة لمحاسن الكلام، وقد خرج بكميل نحو الجبّان - أي المقبرة - ثمّ أصحر به - أي أخذه نحو مكان صحراء - بعد ذلك تنفّس الصعداء، ثمّ قال هذه الحكمة المشهورة التي ابتدأها من قوله: «يا كميل، إنَّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك».

وبدأ يستدرج معه في الحديث إلی أن وصل به المقام إلی بيان حاجة الإمام، فذكر هذا المقطع: «اللّهمّ بلی، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّةٍ؛ إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً؛ لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته».

____________________

(1) نهج البلاغة - قسم الحكم / 147.

(2ـ3) الخصال / 420، رواه عن الشعبي لا عن الخليل.


قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: كيلا يخلو الزمان ممّن هو يهيمن لله تعالی ومسيطر عليهم، وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإماميّة، إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه علی أنّ المراد به الأبدال الّذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنّهم في الأرض سائحون(1) .

وهذا صرف لكلام أمير المؤمنينعليه‌السلام بلا قرينة حالية ‌أومقالية فلا يُعتنی به ولا يُلتفت إليه؛ فكلّ إنسان عاقل يفهم من كلام الأمير (سلام الله عليه) حاجة الأمّة إلی الإمام؛ إذ التعليل الذي ذكره الإمامعليه‌السلام لا يُناسب إلاّ ذلك؛ وذلك عند قوله: «لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته»، فهو يُناسب أن يكون هناك مَنْ يكون قوله حجّة لله تعالی، وليس هناك مَنْ يكون قوله حجّة علی الناس إلاّ حجج الله ومَنْ جعلوه هم. فمن هنا اتضح أنّ المقصود هو الإمامعليه‌السلام .

أضف إلی ذلك ما ورد من نصوص عديدة عن الأئمّةعليهم‌السلام بأنّهم حجّة الله علی العباد، كما ورد في كتاب الكافي الشريف روايات وروايات بهذا الخصوص في كتاب الحجّة منه الذي يأتي بعد كتاب التوحيد مباشرةً.

ومن هذه الروايات ما روي في الكافي الشريف عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «إنّ الحجّة لا تقوم لله عزَّ وجلَّ علی خلقه إلاّ بإمام حتّی يُعرف»(2) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 18 / 163.

(2) الكافي 1 / 177، كتاب الحجة ح2.


الإمامة عند الشيعة

إنّ الإمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها وجوهرها عمّا لدی أهل السُنة؛ فهي عندنا إمرة إلهية، واستمرار لوظائف النبي والنبوّة سوی تحمّل الوحي الإلهي. ومقتضی هذا اتصاف الإمام بالشروط المشترطة في النبي، وعلی هذا سوف يَنحصر طريق ثبوت الإمامة بتنصيص من الله، وتنصيب من النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو الإمام السابق.

أمّا عند غير الشيعة فهي لا تخضع إلی ميزان بل ليس لها ميزان؛ فتارةً يعتمدون علی تعيين السابق لللاحق، وأُخری علی الشوری، وثالثة علی السيف، إلی غير ذلك، وهي ليست عندهم من الاُصول الاعتقاديّة، أمّا عندنا فهي أصل من الاُصول الاعتقاديّة.

الأدلّة على هذا الأصل

الدليل الأوّل: الآيات والروايات

إنّ النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ‌ لم تكن مهمّته مقتصرة علی تلقّي الوحي الإلهي وتبليغه إلی الناس، بل كان يقوم بعدّة أمور:

منها: تفسيره للكتاب العزيز، وشرح مقاصده، وكشف أسراره، قال سبحانه وتعالی:( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) .

ومنها: بيان أحكام الموضوعات التي تحدث في زمن دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

(1) سورة النحل / 44.


ومنها: دفع الشبهات والجواب عن التساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصاری.

ومنها: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصون الدين من التحريف والدسِّ، ويراقبُ ما أخذه عنه المسلمون من اُصول وفروع حتّی لا تزلّ فيه أقدامهم.

هذه جملة من الأمور التي مارسها النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أيام حياته الشريفة، ومن المعلوم أنَّ رحلته تخلّف فراغاً هائلاً في هذه المجالات، فلا بُدّ من وجود مَنْ يسدّ هذا الفراغ الهائل؛ لأنّ الأمّة تحتاج إلی مَنْ يراقبها ويوضّح لها، ويأخذ بها إلی الطريق المستقيم في كُلِّ زمانٍ وفي كُلِّ مكانٍ، وإلاّ كيف يترك الله تبارك وتعالی هذه الأمّة بلا شخصٍ يُِرشدها ويفسرُّ لها، ويردّ الشبهات التي تعرَضها أو التساؤلات التي تتلقّاها، والأمّة لم تصل إلی مقام العصمة حتّی في زمن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

وعليه فلا يمكن أن يكون هذا الفراغ الهائل بلا مَنْ يشغله، فلا بُدّ إذاً من وجود مَنْ يستودعه النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ ما تلقّاه من المعارف والأحكام بالوحي، وأن تكون هذه الشخصية شخصية مثالية، لها كفاءة تقبّل هذه المعارف والأحكام وتحمّلها.


الدليل الثاني: الأمّة الإسلاميّة ومثلّث الخطر الداهم

إنّ الدولة الإسلاميّة التي أسسها النبّي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت محاصرةً حال وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله من جهتي الشمال والشرق بأكبر إمبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا علی جانب كبير من القوّة والبأس، وهُما: الروم والفرس.

الروم من الشمال، والفرس من الشرق، ويكفي في خطورة إمبراطورية الفرس أنّه كتب ملكها إلی عامله باليمن - بعد ما وصلت إليه رسالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تدعوه إلی الإسلام ومزّقها -: « ابعث إلی هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به »(1) . هذه ‌هي الخطورة الخارجية التي تواجهها الأمّة الإسلاميّة من الخارج.

وأمّا من الداخل: فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من وطأة مؤامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عُدوانية داخلية حتّی إنّ الباري عزّ وجلَّ أنزل فيهم سورة خاصة.

إذاً، عدّوان خارجيان وعدٌّو داخلي، فالمثلّث تام، ومن المحتمل جدّاً أن يتّحد هذا المثلث ليزلزل ما بناه النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله . فما هي الوظيفة مع وجود هذا الخطر العظيم؟

هل الوظيفة هي تنصيب قائدٍ عارف حكيمٍ، له القدرة علی قيادة الأمّة ووظائفها حتّی يجتمع المسلمون تحت رايته، ويكونوا صّفاً واحداً في مُقابل

____________________

(1) تاريخ الطبري 2 / 296.


ذاك الخطر؟ أو أنّ الوظيفة والمصلحة العامة تقتضي تفويض الأمر إلی الأمّة حتّی يختاروا لأنفسهم أميراً مع ما يحكيه لنا التاريخ من سيطرة الروح القبلية عليهم(1) ؟

إنَّ القائد العارف البصير هو مَنْ يعتني بالأوضاع الاجتماعية لأمتّه، ويلاحظ الظروف المحيطة بها، ويرسم علی ضوئها ما يراه صالحاً لمستقبلها، وعليه فلا بدّ من تعيين القائد والمدّبر، لا دفع الأمر إلی الأمّة، ومتی عرفت الأمّة مصلحتها؟!

الدليل الثالث: نصب الإمام لُطفٌ إلهي

والدليل الثالث والمهم في المقام هو ما سلكه السيد المرتضیرحمه‌الله في الاستدلال، بأنَّ نصب الإمام لطف من الله علی العباد، واللطف واجبٌ علی الله تعالی؛ لِما تقتضيه حكمته؛ وذلك لأنَّ اللطف ما يُقّرب إلی الطاعة ويُبعّد عن المعصية ولو بالإعداد، وبالضرورة أن نصب الإمام كذلك؛ لِما به من بيان المعارف والأحكام الإلهية، وحفظ الشريعة من الزيادة والنقصان، وتنفيذ الأحكام، ورفع الظلم والفساد ونحوها.

وأمّا كونه واجباً عليه تعالی؛ فلأنّ ترك اللطف من الله سبحانه وتعالی إخلال بغرضه ومطلوبه، وهو طاعة العباد له وترك معصيته فيجب نصبه لئلاّ

____________________

(1) الكامل في التاريخ 2 / 145، وانظر الإلهيات / 361.


يخلّ بغرضه(1) .

ولذا استدلّ أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام بأدلّة قوية لبيان أهمّية الإمام، منها هذه الرواية الشريفة: روى عليُّ بن إبراهيم عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد اللهعليه‌السلام جماعة من أصحابه، منهم: حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيّار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم، وهو شابٌّ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «يا هشام، ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد، وكيف سألته؟».

فقال هُشام: يابن رسول الله، إنّي أجلُّك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد الله: «إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجتُ إليه، ودخلتُ البصرة يوم الجُمعة، فأتيتُ مسجد البصرة فإذا أنا بحلقةٍ كبيرة فيها عمرو بن عبيد، وعليه شملةٌ سوداء متّزر بها من صُوفٍ، وشملة مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجتُ الناس فأفرجوا لي، ثمّ قعدتُ في آخر القوم علی ركبتيّ، ثمّ قُلتُ: أيُّها العالم، إنّي رجلٌ غريبٌ تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلتُ له: ألك عينٌ؟

‌فقال: يا بُني، أي شيء هذا من السؤال؟! وشيء تراه كيف تسأل عنه؟!

فقلتُ: هكذا مسألتي.

فقال: يا بُني، سَلْ وإن كانت مسألتك حمقاء.

قُلتُ: أجبني فيها.

قال لي: سل.

____________________

(1) نقلنا ذلك من كتاب الإلهيات - للشيخ جعفر السبحاني / 357 - 364.


قُلتُ: ألك عينٌ؟ قال: نعم. قُلتُ: فما تصنع بها؟ قال: أری بها الألوان والأشخاص. قُلتُ: فلك أنفٌ؟ قال: نعم. قُلتُ: فما تصنع به؟ قال: أشمُّ به الرائحة. قُلتُ: ألك فمٌ؟ قال: نعم. قُلتُ: فما تصنع به؟ قال: أذوقُ به الطعام. قُلتُ: فلك اُذنٌ؟ قال: نعم. قُلتُ: فما تصنع بها؟ قال: أسمعُ بها الصوت.‌ قلتُ: ألك قلبٌ؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع به؟ قال: اُميزُّ به كلّما ورد علی هذه الجوارح والحواسّ. قُلتُ: أوَليس في هذه الجوارح غنیً عن القلب؟ فقال:‌ لا. قُلتُ: وكيف ذلك وهي صحيحة ٌ سليمة؟ قال: يا بُني، إنَّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلی القلب؛ فيستيقن اليقين ويُبطل الشكّ. قال هُشام: فقُلت له: فإنّما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم. قُلتُ: لا بُدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم.

فقلتُ له: يا أبا مروان، فالله تبارك وتعالی لم يترك جوارحك حتّی جعل لها إماماً يُصحّحُ لها الصحيح، ويتيقن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كُلهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيمُ لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيمُ لك إماماً لجوارحك تردُّ إليه حيرتك وشكّك!

قال: فسكت ولم يقُلْ شيئاً، ثمّ التفت إليّ فقال لي: أنت هُشام بن الحكم؟

فقلتُ: لا. قال: أمن جُلسائه؟ قُلت: لا. قال: فمن أين أنت؟ قال: قُلتُ من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذاً هو. ثمّ ضمنّي إليه، وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه وما نطق حتّی قُمت.


قال: فضحك أبو عبد اللهعليه‌السلام وقال: «يا هُشام، مَنْ علَّمكَ هذا؟».

قُلتُ: شيءٌ أخذته مِنْكَ وألَّفته.

فقال: «هذا والله مكتوبٌ في صُحف إبراهيم وموسی»(1) .

فهكذا هو حال الإمام المعصومعليه‌السلام قلبُ الإنسان، فهو بلا إمام كأنّما بلا قلب، وكيف بالإنسان إذا كان بلا قلب، أو دخل السهم المثلّث إلی قلبه؟!

قال أربابُ المقاتل: كان الحسينعليه‌السلام يقول: عندما برز إلی القتال:

أنـا الحسينُ بنُ علي

آلـيت أن لا أنـثني

أحـمي عـيالات أبي

أمضي علی دين النبيّ

وأخذ يضرب فيهم يميناً وشمالاً حتّی قتل منهم خلقاً كثيراً، فلّما نظر الشمر إلی ذلك أقبل إلی عمر بن سعد وقال: أيُّها الأمير، إنَّ هذا الرجل يفنينا عن آخرنا مبارزةً. قال: كيف نصنعُ به؟

قال: نفترق عليه من كلِّ مكانٍ، فافترقوا عليه؛ فرقةٌ ترميه بالنبال والسهام والحجارة، وفرقة يطعنونه بالرماح، وفرقة يضربونه بالسيوف حتّی أثخنوه بالجراح.

قال في اللهوف: حتّی أصابته اثنان وسبعون جُراحة.

فوقف ليستريح ساعةً وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقفٌ إذ أتاه حجرٌ فوقع في جبهته، فسالت الدماء علی‌ وجهه ولحيته.

____________________

(1) الكافي 1 / 169 - 171، كتاب الحجة ح3.


فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه إذ أتاه سهمٌ محدّد له ثلاث شُعب فوقع في قلبه، ثمّ أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده علی الجرح، فلّما امتلأت رمی بها إلی السماء فما رجع من ذلك الدم قطرة، ثمّ وضع يده تحت الجُراح، فلّما امتلأت دماً لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: «هكذا والله أكونُ حتّی ألقی جدّي محمداً وأنا مخضوبٌ، وأقولُ: يا رسولَ الله، قتلني فلان وفلان»(1) .

هذا وزينبعليها‌السلام تنظر أخاها بلا معين، ولا مؤازر، ولا عشيرة بعد ما خرجت مع أهل بيتها:

دنـظر لـلعشيره اشـكثر حلوه

تـحلّ الـموزمه أو تكشف البلوه

أدّوا لـبو اليمه اشـروط الأخوه

أو سـوّوا يـوم إله للحشر تذكار

الـفواطم لـو اثلاثه مـن زلمها

عگب احسين كون احضرت يمّها

چا مـحّد جـسر يـحرك خيمها

ولا سـلبوا يتيمه ولا نهب صار

أنـه اتمنيت هالنهضه انهضوها

الـزينب يـوم اجـوها ايسلبّوها

والـذيـج الـيتيمه الـروّعوها

ابـضربها أوتلتهب بذيالها النار

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 253 - 255.


(بحراني):

فـرّت يـتيمة امدوهنة امن اخيام الحسين

تـبچي أوتنادي ياخلكَ درب الغري منين

گلـها عـدوا من الگوم اسـمعي ياحزينه

ابـعيد الـغري ويـنچ يـهالحرة ويـنه

مـمشه ثـلث تـيّام چانچ تـوصلينه

واشـلون بـس وحدچ إبهذا البر تسيرين

گالـت أبـوي حـسين دلـيني بـجسمه

إيگولـون من فوگ الثری امخضّب إبدمه

إبـيا كتر صارت صيحته أرد أصل يمّه

بلچت يحاچيني أمن أنادي ابصوت يحسين

* * *

أحـبايَ لو غيرُ الحِمام أصبابَكُم

عتبتُ ولكن ما على الموتِ معَتَبُ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



المجلس الثاني

معجزات الحسينعليه‌السلام



المجلس الثاني

معجزات الحسينعليه‌السلام

اللهُ أيُّ دمٍ في كـربـلا سُـفكا

لم يجرِ في الأرض حتّى أوقف الفلكا

وأيُّ خيلِ ضلالٍ في الطفوفِ عدت

عـلى حـريمِ رسـولِ اللهِ فانتهكا

يـومٌ بـحاميةِ الإسـلامِ قد نهضتْ

لهُ حـمـيةُ ديـنِ اللهِ إذ تـركا

رأى بأنّ سـبيلَ الـغي مـتّبعٌ

والـرشدَ لـم تـدرِ قـومٌ أيّةً سُلكا

والـناسَ عـادت إلـيهم جاهليتهمْ

كـأنَّ مَـنْ شـرّع الإسلامَ قد أفكا

وقد تـحكّمَ بـالإسلامِ طـاغيةٌ

يُـمسي ويُـصبحُ بالفحشاءِ منهمكا

لـم أدرِ أين رجالُ المسلمينَ مضوا

وكـيفَ صـارَ يـزيدٌ بـينهم ملكا

الـعاصرُ الـخمرَ من لؤمٍ بعنصره

ومـن خـساسةِ طبعٍ يعصرُ الودكا

لـئن جـرت لفظةُ التوحيدِ في فمهِ

فـسيفهُ بـسوى الـتوحيدِ مـا فتكا

قـد أصـبحَ الدينُ منه يشتكي سقماً

ومـا إلـى أحـدٍ غيرَ الحسينِ شكا

فـما رأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفا

إلاّ إذا دمـهُ فـي كـربلا سُفكا(1)

____________________

(1) القصيدة للسيد جعفر الحلّيرحمه‌الله ، قال عنه السيّد جواد شبّررحمه‌الله في أدب الطفّ: السيد جعفر كمال الدين الحلّي النجفي. عُرفت هذه الأسرة بالانتماء إلى الجدّ السادس لصاحب هذه الترجمة، وهو السيد كمال الدين بن منصور، فهو جدّ الأسرة الكمالية المنتشرة في الحلّة وضواحيها، والنجف والكوفة، وقد كتب عنها مفصّلاً الخطيب اليعقوبي في (البابليات).

كما أقام الشواهد على شاعريته، وسرعة البديهة عنده، وديوانه أصدق شاهد على سموّ شعوره، وكان من حقّه أن يطلق اسم (سحر بابل وسجع البلابل) على ديوانه قبل أن يُجمع، والذي جمعه أخوه السيد هاشم بعد وفاة الشاعر. توفي فجأة في شعبان لسبع بقين من سنة 1315 هـ، ودُفن في وادي السلام بالنجف الأشرف عند قبر والده على مقربة من مقام الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)...

نشأ السيد جعفر فاستطرف قدر حاجته من مبادئ النحو والصرف، والمنطق والمعاني والبيان، وصار يختلف إلى مدارس العلماء وحوزاتها الحافلة بالفقه، وهو في كل ذلك حلو المحاضرة، سريع البداهة، حسن الجواب، نبيه الخاطر، متوقد القريحة، جريّ اللسان...

برع في نظم الشعر وهو دون الثلاثين، وأصبح من الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم... وأشهر قصيدة له رائعته التي مطلعها:

وجهُ الصباح عليّ ليلٌ مظلمُ

وربيعُ أيامي عليّ محرّمُ

وهذه القصيدة التي تزيد على السبعين بيتاً كلّها من الشعر المنسجم. (أدب الطفّ 8 / 99 - 110).


ولسان حال الزهراءعليها‌السلام لمّا نظرت إلى ولدها، يصفها الشاعر:

(فايزي):

شـلتك ابـطني تسعة أشهر يا حنيني

وسـهرت لـيلي اُووسديتك عن يميني

تـاليها مرمي عله الثرى تنظرك عيني

عگب الدلال على التريبه اتنام يحسين

***

يـحسين يـبني مصرعك گطّع گليبي

يـاريت دونـك يـذبحوني يا حبيبي

أبـروحي فديتك وشربت صافي حليبي

اُو برباك يوليدي اسهرت يا گرة العين

(أبو ذيّة):

الحراير من لهيب النار هاجن

ولعد جسمك يبو السجاد هاجن

تگللك عـلينه الـليل هاجن

وانـته امـوسد الغبره رميه

وكأنّي بالحرائر:

يفترّن خوات احسين من خيمة لعد خيمه

ينخن وين راحوا وين ما كو بالكفر شيمه

كلّ خيمه تشبّ ابنار ردّن ضربن الهيمه

والسجّاد إجوسحبوه أودمعه على الوجن ساله


روى محمّد بن مسلم عن الإمامين الباقر والصادقعليهما‌السلام ، قال: سمعتهما يقولان: «إنّ الله تعالى عوّض الحسينعليه‌السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعدّ أيام زائره جائياً وراجعاً من عمره».

قال محمّد بن مسلم: فقلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : هذه الخلال تنال بالحسين، فما له هو في نفسه؟

قال: «إنّ الله تعالى ألحقه بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فكان معه في درجته ومنزلته». ثمّ تلا أبو عبد اللهعليه‌السلام :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم ) (1) .

الإمام الحسينعليه‌السلام مدهش للعقول، محيرٌّ للألباب؛ لكثرة ما صدر منه من معجزات ظاهرات، وكرامات باهرات، حتّى نُقل عن السيد البحراني أنّه ذكر مئتين في كتابه « مدينة المعاجز ».

ويمكن تقسيم تلك المعجزات إلى عدّة أقسام من حيث كونها قبل الولادة وبعد الولادة وبعد الشهادة إلى غير ذلك.

روى الأوزاعي عن عبد الله بن شدّاد، عن اُمّ الفضل أنّها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت: يا رسول الله، رأيت الليلة حُلماً منكراً!

قال: «وما رأيت؟».

فقالت: إنّه شديد!

قال: «وما هو؟».

قالت: رأيت كأنَّ قطعةً من جسدك قُطعت ووضِعت في حجري.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خيراً رأيتِ؛ تلد فاطمة غلاماً فيكون في حجرك».

فولدت الحسينعليه‌السلام وكان في حجري كما قال (صلوات الله عليه وآله). قالت: دخلت به يوماً على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تهرقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله! ما لك؟!

____________________

(1) إعلام الورى 1 / 431، والآية من سورة الطور / 21.


قال: «أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ اُمّتي ستقتل ابني هذا، وأتاني بتربة من تربة حمراء»(1) .

وعن اُمّ سلمة (رضي الله عنها) قالت: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج من عندنا ذات ليلة فغاب عنّا طويلاً، ثمّ جاءنا وهو أشعث أغبر، ويده مضمومة، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك شعثاً مغبرّاً؟!

فقال: «أُسِري بي في هذه الليلة إلى موضع من العراق يُقال له: كربلاء، فاُريت فيه مصرع الحسين ابني، وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل ألقط من دمائهم، فها هي في يدي»، وبسطها فقال: «خذيه واحتفظي به».

فأخذته فإذا هو شبه تُراب أحمر، فوضعته في قارورة، وشدّدت رأسها واحتفظت بها، فلمّا خرج الحسينعليه‌السلام متوجّهاً نحو العراق كنت أخرج تلك القارورة في كلّ يوم وليلة فأشمّها، وأنظر إليها ثمّ أبكي لمصابه.

فلمّا كان يوم العاشر من المحرّم - وهو اليوم الذي قُتل فيه - أخرجتها أوّل النهار وهي بحالها، ثمّ عُدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي، وكظمت غيظي؛ مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتّى جاء الناعي ينعاه فحقّق ما رأيت(2) .

وأمّا معجزاته في يوم عاشوراء فهي عديدة، نذكر بعضاً منها:

فمنها: دعاعليه‌السلام على أحد أعدائه « حويزة » الذي قال للإمامعليه‌السلام : تعجّلت

____________________

(1) إعلام الورى 1 / 427.

(2) المصدر نفسه / 429.


بالنار قبل يوم القيامة؟

فقالعليه‌السلام : «الَّلهُمّ حزه إلى النار». فوقع في النار(1) .

ودعاعليه‌السلام على ذاك الذي قال: يا حسين، لن تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها.

فقالعليه‌السلام : «الَّلهُمّ اقتله عطشاً». فما زال يشرب حتّى فتقت بطنه(2) .

ودعاعليه‌السلام على ذاك الذي اعترضه في خطابه، فقالعليه‌السلام : «الّلهمّ أرنا فيه ذلاً بارزاً». فمضى لقضاء حاجته فلسعته عقرب، فسقط وهو يستغيث ويتقلّب على حدثه(3) . وغيرها من المعجزات الباهرة، والكرامات التي حيّرت العقول، وأذهلت البشر، وكيف لا وهو ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

ويكفيه فخراً (صلوات الله عليه) ما ذكرناه في الحديث الذّي افتتحنا به المجلس أن جعل الله الأئمّة من ذرّيته، والشفاء في تربته لكثير من الأمراض المستعصية وغيرها، حتّى روي عن العلاّمة السيد نعمة الله الجزائري أنّه كان يُطالع على ضوء القمر؛ لأنّه كان لا يمتلك ثمن زيت للسراج؛ لشدّة فقره، فكان يضعف بصره، فيكتحل بتربة سيد الشهداءعليه‌السلام فيتضاعف بصره أضعافاً مضاعفةً.

ومن هنا ينبغي الالتفات جيداً إلى الاهتمام بتربة الأئمّةعليهم‌السلام ، وبالخصوص تربة سيد الشهداءعليه‌السلام ؛ فقد ظهرت من التربة الشريفة كرامات مشاهدة

____________________

(1) تاريخ الطبري4 / 327، مناقب آل أبي طالب 3 / 214.

(2) تاريخ الطبري 4 / 312.

(3) مناقب آل أبي طالب 3 / 215، بحار الأنوار 45 / 302.


قال في البحار: روى شيخنا الطوسيعليه‌السلام عن موسى بن عبد العزيز قال: لقيني يوحنّا بن سراقيون النصراني الطبيب فأستوقفني، وقال لي: بحقّ نبيّك ودينك، مَنْ هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر بن هبيرة؟ مَنْ هو من أصحاب نبيّكم؟

قلت: هو ابن بنت نبيّنا، فما دعاك إلى المسألة عنه؟

فقال: عندي حديث طريف.

قلت: حدّثني به.

فقال: وجّه إليّ خادم الرشيد شابور الكبير في الليل، فصرت إليه، فقال: تعال معي. فمضى وأنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل، متكئاً على وسادة، وإذا بين يديه طشت فيها حشو جوفه، فأقبل شابور على خادم موسى وسأله عن سبب تغيّر حاله، وقال له: ويحك فأخبره!

فقال له: أخبرك؛ إنّه كان من ساعته جالساً وحوله ندماؤه، وهو من أصح الناس جسماً وأطيبهم نفساً؛ إذ جرى ذكر الحسين بن عليعليه‌السلام ، فقال موسى: إنّ الرافضة ليغلون فيه حتّى أنّهم يجعلون تربته دواءً يتداوون به!

فقال لهم رجل من بني هاشم كان حاضراً: قد كانت بي علّة غليظة فتعالجت لها بكلّ علاج فما نفعني حتّى وصف لي كاتب أن آخذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني الله بها، وزال ما كنت أجده.

فسأله موسى: هل بقي منها عندك شيء؟

قال: نعم.

فوجّه فجيء منها بقطعة، فناولها إيّاه، فأخذها موسى وأدخلها في دبره؛ استهزاءً بمَنْ تداوى بها، واحتقاراً وتصغيراً بالحسينعليه‌السلام ، فما


هو إلاّ أن استغلها دبره حتّى صاح: النار النار! الطشت! فجئناه بالطشت، فأخرج فيها ما ترى، فانصرف الندماء، فصار المجلس مأتماً. فأقبل عليّ شابور وقال: انظر هل لك فيه حيلة؟

فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله، وريته وفؤاده خرجت منه في الطشت، فقلت: ما لأحد في هذا صنع إلاّ أن يكون لعيسى بن مريم الذي يحيي الموتى.

فقال شابور: صدقت، ولكن كن هاهنا في الدار حتّى تتبيّن ما يكون أمره. فبتّ عندهم وهو بتلك الحالة، ما رفع رأسه حتّى هلك في وقت السحر.

قال الراوي: كان يوحنّا يزور قبر الحسينعليه‌السلام وهو على دينه، ثمّ أسلم بعد هذا وحسن إسلامه(1) .

ومن كراماتهعليه‌السلام ومعجزاته الباهرة إجابة الدعاء عند قبره، حتّى إنّ المعصوم نفسه يرسل أصحابه ليدعو عند قبرهعليه‌السلام .

قال أبو هاشم الجعفري صاحب الإمام الهاديعليه‌السلام : دخلت على أبي الحسن الهادي وهو محموم عليل، فقال: «يا أبا هاشم، ابعث رجلاً من موالينا إلى الحائر يدعو الله لي».

فخرجت من عنده، فاستقبلني علي بن بلال فأعلمته ما قال الإمامعليه‌السلام ، وسألته أن يكون هو الرجل الذي يخرج، فقال: السمع والطاعة، ولكنّني أقول: إنّه أفضل من الحائر إذا كان بمنزلة مَنْ في الحائر، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له في الحائر.

فأعلمته ما قال: فقال لي: قل له: «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل من البيت والحجر، وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر. وإنّ لله

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 399 «مع اختلاف يسير».


تبارك وتعالى بقاعاً يحبّ أن يُدعى فيها، فيجيب لمَنْ دعاه، والحائر منها»(1) .

ونفس زيارة الحسينعليه‌السلام معجزة بحدّ ذاتها، وخاصة زيارة عاشوراء؛ فإنّ لها أثراً عجيباً في حلّ المشكلات ودفع البلاءات.

يروى أنّه أُصيبت مدينة سامراء بالطاعون، فكان يتساقط عشرات الناس في كلّ يوم، يحدّث الشيخ عبد الكريم الحائري: إنّي كنت عند اُستاذي محمّد فشاركي، فقدم الميرزا محمّد تقي الشيرازي وقال: إذا حكمت بحكم تلتزمون به؟

فأجابوا: نعم.

فقال: أحكم أن يقرأ الشيعة من اليوم وحتّى عشرة أيام زيارة عاشوراء، ويهدون ثوابها إلى نرجس والدة الإمام الحجّةعليهم‌السلام . فقام الشيعة بتنفيذ الحكم، وبدؤوا بزيارة عاشوراء، فارتفع الوباء ولم يسقط شيعي واحد بعد ذلك.

فزيارته لا تعدّ من العمر، بل أكثر من ذلك زيارته تهب العمر، ولا يستطيع أيّ إنسان أن يحصي معاجزه (صلواته الله عليه)؛ ومن أجل ذلك بقي مأتم سيد الشهداء، وشاء الله أن يبقى مجلسهعليه‌السلام خالداً وينتشر يوماً بعد يوم بشكلٍ أوسع رغم منع المانعين وحقد الحاقدين؛ لأنّ الحسينعليه‌السلام نور الله، ونور الله لا يطفأ؛ ولأنّ الحسينعليه‌السلام كلمة الله، وكلمة الله هي العليا؛ ولأنّ الحسينعليه‌السلام يد الله، ويدُ الله فوق أيديهم؛ ولأنّ الحسينعليه‌السلام ذكر الله، وذكر الله باقٍ،( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) .

وهذا ما أكّدته

____________________

(1) بحار الأنوار 98 / 114 - 115، ح34.

(2) سورة الحجر / 9.


العقيلة زينبعليها‌السلام في مجلس يزيد (لعنه الله)، حيث قالت: « كِد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك؛ فوالله لا تُميت وحينا، ولا تمحو ذكرنا »(1) .

هذه المآتم التي كانت وما زالت لم ولن تنطفئ منذ أن انعقد أوّل مجلس على سيد الشهداءعليه‌السلام إلى يومنا هذا، وكان أوّل مأتم أُقيم على الحسينعليه‌السلام بعد شهادته الشريفة كان لجموع الأنبياء والأولياءعليهم‌السلام ، بحضور النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام كما ذكر ذلك الجمّال (لعنه الله) الذي جاء لسلب أبي عبد اللهعليه‌السلام ، يقول:

بينا أنا كذلك وإذا سحابتان نزلتا على مصرع أبي عبد اللهعليه‌السلام ؛ السحابة الأولى مجموعة رجال يقدمهم شخص أزهري قمري، أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والسحابة الثانية مجموعة نساء تقدمهنَّ امرأة عليها ثياب سواد، تقوم وتقع، وهي تنادي: «أي وا ولداه وا حسيناه! بُني حسين، قتلوك! ومن شرب الماء منعوك! وما عرفوا مَنْ اُمّك ومَنْ أبوك!».

أقبلت إلى مصرع ولدها الحسينعليه‌السلام ، عزّ عليها أن تراه مقطّع الأعضاء، الدماء تسيل من نحره الشريف، وقعت عليه تضمّه، تشمّه، تُقبّله، قالت: «أبه يا رسول الله، دعني اُخضّب وجهي بدم ولدي». فقال لها: «بُنية، أخضبي ونحن نخضب».

فالسيدة الزهراءعليها‌السلام أقامت المأتم على عزيزها الحسينعليه‌السلام ، ولكن مَنْ الذي قرأ التعزية في ذلك المجلس؟

____________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف / 218، بحار الأنوار 45 / 135.


أقول: التي قرأت التعزية ابنتها العقيلة زينبعليها‌السلام .

يقول بعض العلماء: لمّا خرجت زينبعليها‌السلام من الخيمة يوم عاشوراء تمثّل لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واقفاً على مصرع أبي عبد الله، قابضاً على كريمته المباركة، ودموعه تتحادر على لحيته؛ ولذا وجّهت الخطاب مباشرة إلى جدّها: يا جدّاه يا رسول الله، صلّى عليك ملائكة السماء، هذا حسينك بالعراء، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، مرفوع الرأس على القنا، وبناتك سبايا، وإلى الله المشتكى، ثمّ إليك يا رسول الله(1) .

يـهلنا احـسينكم رضّوا اضلوعه

وضـاگ الموت روعه بعد روعه

يـجدّي گوم شوف احسين مذبوح

عله الشاطي وعله التربان مطروح

يـجدّي ما بگتله امن الطعن روح

يـجدّي گلـب خويه احسين فطّر

يـجدّي مـات مـحّد وگف دونه

ولا نـغّـار غـمـضله اعـيونه

يـعالج بـالشمس مـنخطف لونه

ولا واحـد ابـحلكه مـاي گطـر

____________________

(1) الطريق إلى منبر الحسينعليه‌السلام / 116 - 121.


يـجدّي مـات مـحّد مـدد إيديه

ولا واحـد يـجدّي عـدل رجليه

يـعالج بـالشمس محّد وصل ليه

يـحطله اظـلال يا جدّي مِن الحر

***

يـجدّي الـرمح بـفّاده تـثنّه

يـجدّي بـالوجه للسيف رنّه

يجدّي الخيل صدره رضرضنه

ويـجدّي بـالترب شيبه تعفّر

ثمّ وجّهت التعزية إلى أبيها أمير المؤمنينعليه‌السلام :

يـبويه تـعالوا لـبنكم غـسلوه

والچفن ويـاكـم دجـيـبوه

وجـيبوا كـطن لـلجرح نشفوه

وعـله اجـتافكم لـحسين شيلوه

***

يبويه گوم شوف اعزيزك إحسين

عـله التربان محزوز الوريدين

وعـباس النفل مگطوع اليدين

وباگي اقمارنه فوگ الوطيّه


يـبويه گوم شوف اشلون ولياي

كـلها امذبّحه وما ضاكت الماي

يـبويه لـو تشوف اشماتة اعداي

وتـشوف ابـناتك مسلّبه بهلبر

***

يـبويه شـلسبب ما جيت للساع

تشوف اعزيزكم عاري عله الگاع

أريـدك تـجي لـحسين فـزاع

ونشوف اغبار ميمونك امن ايثور

* * *

يا ليتَ في الأحياءِ شخصك حاضرٌ

وحـسينُ مطروحٌ بعرصة كربلا

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس الثالث

الحسد



المجلس الثالث

الحسد

ولّـى الـشبابُ وأيـامُ الصبا دُرست

وشـعلةُ الـشيبِ مـنها مـفرقي التهبا

والـدهرُ شـنَّ عـليَّ الـيومَ غـارتَه

كـأنّـما ترة عـنـدي لـهُ طـلبا

ولا ملاذَ ولا مـلـجأ ألوذُ بـهِ

مـن الـزمانِ إذا طـرفُ الزمانِ كبا

سـوى إمـامِ الهُدى المهدي مُعتصمي

وجـنـةٍ أتّـقي عـنّي بـها الـنوبا

مَـنْ يـملأ الأرضَ عدلاً بعد ما مُلئت

جوراً ويـوردنـا تـيّارَهُ الـعذبا

مـتى نـراه وقـد صـفّت بـهِ زمرٌ

من آلِ هـاشمٍ والأمـلاكُ والـنقبا

يـا ثائراً غـضَّ جـفنَيهِ على مضضٍ

هـلاّ أتـاك بـأخبارِ الـطفوفِ نـبا

غـداة حـلّ أبـو الـسجادِ سـاحتَها

واُسدُ هـاشم لـلهيجا قـد انـتدبا

يـأبـى الـدنـيةَ سـبطُ الـمصطفى فلذا

عن ذلّةِ العيشِ في عزِّ الوغى رِغبا

وبـعـد مـا لـفَّ أولاهـم بـآخرِهم

وسـاقـهم فـسـقاهم أكـؤساً عـطبا

أصـابـه حَـجرٌ قـد شـجّ جـبهته

وشـيبه مـن مُـحيّاه قـد اختضبا(1)

____________________

(1) القصيدة للسيد مهدي السيد هادي القزوينيرحمه‌الله ، قال عنه في (أدب الطفّ 9 / 311 - 312): السيد مهدي ابن السيد هادي ابن الميرزا صالح ابن العلاّمة الكبير السيد مهدي الحسيني القزويني الحلّي، علم من الأعلام، وفذّ من أفذاذ الأسرة القزوينية، ويُطلق عليه لقب الصغير؛ تمييزاً له عن جدّه الأعلى.

ولد في بلدة طويريج (الهندية) عام 1307 هـ، ونشأ فيها منشأ العزّ والفخار... وبعد ذلك أخذ يتملّى من دروس إخوته الأعلام؛ فحضر عند أخويه الباقر والجواد واستفاد منهما كثيراً، وهاجر إلى بلد جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام فأتمّ علومه اللسانية والبيانية، كما حضر على السيد كاظم اليزدي في الفقه والاُصول، كما حضر عند الحجة الشيخ هادي كاشف الغطاء وغيرهما من الأساطين، ثمّ هاجر إلى مسقط رأسه ليسدّ الثغرة، ويرشد الضالّ، ويهدي المجتمع،

وكان على جانب من دماثة الخُلق والتواضع، رحب الصدر، يودّ جليسه أن يطيل معه الجلوس، وأن لا ينتهي المجلس مهما امتدت ساعاته الطوال؛ حيث كان لطيف المعشر، خصب المعلومات.

هذا وكانت وفاة المترجم له عشية الأربعاء 13 ربيع الأوّل من سنة 1366 هـ، وقد شُيّع إلى مرقده الأخير في مقبرة الأسرة بالنجف الأشرف، ولم يعقب من الذكور ذرّية.


(نصاري):

هوت فوگه اُوگلبها عليه طاير

هذا حسين اخوي اشلون صاير

بـيت الچان مگصـد للعشاير

طـاح الواسطة اوللگاع هوّد

(موشح):

اعله الترب طايح وهو نايم جريح

اُوظـلّت اجروحه يويلي دم تسيح

وهو ابهذا الحال لن زينب تصيح

گوم يـابن الفحل واحمي العايله

هـجمت اعلينه تره اخيول العده

أو صارت اخيامك يخويه امفرهده

هـذا بـينه الصار واعليه السده

وابـنك الـسجّاد يـا خويه انوله

(أبو ذيّة):

روحـي ما زهت ساعة وصاحت

الـمثلي مـنسبت حرّه وصاحت

عله التل اوچبت زينب وصاحت

انـهبوا يـحسين خدر الفاطميه

* * *


قال تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) (1) .

الحسد: هو تمنّي زوال النعمة عن الآخرين؛ سواء وصلت تلك النعمة إلى الحسود أم لم تصل إليه؛ وعلى هذا الأساس تنصبّ جهود الحسود على فناء ما لدى الآخرين وزواله عنهم، أو تمنّي ذلك.

والحسد مذموم، ويدعو الإنسان إلى الحقد والبغض والكره، وهو من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تُداوى أمراض القلب إلاّ بالعلم والعمل؛ وذلك بأن تعلم حقيقة الحسد وضرره على الإنسان في دار الدنيا والآخرة، وأنّ المحسود لا ضرر عليه، بل يستفيد من ذلك بأن يحصل على الثواب.

ويجب أن يعرف الحاسد أنّ ما عنده وعند غيره هو من قضاء الله وقدره، وأنّ الحسد لا يورّث إلاّ التألّم والعذاب، والهم والغم بلا مقابل وبلا فائدة.

ومن هنا قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد؛ نفس دائم، وقلبٌ هائم، وحزنٌ لازم»(2) .

وقال الشاعر:

اصبر على حَسدِ الحَسو

دِ فإنَّ صـبرَكَ قـاتلُه

كـالنارِ تـأكلُ نـفسها

إنْ لـم تـجدْ مـا تأكلُه

____________________

(1) سورة النساء / 54.

(2) بحار الأنوار 70 / 256.


والواقع هو هذا؛ إذ إنّك تجد الحاسد دائماً متألّماً، يتتبّع أحوال الناس، مراقباً لهم، وقد قيل: « مَنْ راقب الناس مات همّاً »(1) . فتجده دائماً مهموماً مغموماً، هائم القلب، ملازماً للحزن كما عبّر أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وهذه الخصلة الخبيثة أورثت الحزن الدائم لكثير من الناس؛ فهذا هو القرآن الكريم يُصرّح بأنّ أوّل جريمة قتل أُرتكبت في الأرض كان منشؤها الحسد. قال تعالى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (2) .

ومناشئ هذه الخصلة الذميمة - من الناحية المعنوية - الضعف في الشخصية، وعقدة الحقارة والجهل، وقصر النظر، وقلّة الإيمان؛ لأنّ الحاسد - في الحقيقة - يرى نفسه أعجز وأقل من أن يبلغ ما بلغه المحسود.

هذا مضافاً إلى أنّه بعمله هذا يعترض على حكمة الله سبحانه وتعالى، واهب جميع النعِم وجميع المواهب، وعلى إعطائه سبحانه وتعالى إلى مَنْ تفضّل بها عليه من الناس؛ ولهذا جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «الحسد أصله من عمى القلب، والجحود لفضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً»(3) .

وقد حصر بعضهم - كالعلاّمة المجلسيرحمه‌الله - أسباب الحسد في سبعة اُمور:

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 20 / 240.

(2) سورة المائدة / 27.

(3) بحار الأنوار 70 / 255، وانظر تفسير الأمثل 3 / 275.


الأوّل: العداوة.

الثاني: التعزز، أن يكون من حيث يعلم أنّه يستكبر بالنعمة عليه، وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزّة نفسه.

الثالث: الكبر، أن يكون في طبعه أن يتكبّر على الحسود، ويمنع ذلك عليه بنعمته، وهو المراد بالتكبّر.

الرابع: التعجّب، أن تكون النعمة والمنصب كبيراً فيعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة، كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا:( قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ) (1) ، وأمثال ذلك كثير، فتعجّبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنّهم بشّر مثلهم فحسدوهم، وهو المراد بالتعجّب.

الخامس: الخوف، أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة، بأن يتوصّل بها إلى مزاحمته في أغراضه.

السادس: حبّ الرئاسة، أن يكون يحبّ الرئاسة التي تبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها.

السابع: خبث الطينة، أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله(2) .

هذه هي أهم مناشئ وأسباب حصول الحسد وصدوره.

____________________

(1) سورة يس / 15.

(2) الأربعون حديثاً / 108 - 109 ضمن الحديث الخامس، وانظر بحار الأنوار 70 / 240.


فلو صدرت هذه الخصلة الخبيثة - لا سمح الله - فسوف تترتّب النتائج السلبية عليها، وهناك عدّة نتائج وخيمة تترتّب على الحسد؛ سواء أكانت راجعة إلى نفس الحاسد من حقد وغير ذلك، أم راجعة إلى المحسود نفسه، أم للمجتمع الذي تقع فيه هذه الجريمة الوقحة والخصلة المذمومة عند الله عزّ وجلّ وعند الناس.

ومن أهم هذه النتائج: إنّ الحسود يصرف كلّ أو جلّ طاقاته البدنية والفكرية - التي يجب أن تُصرف في ترشيد الأهداف الاجتماعية - في طريق الهدم والتحطيم لما هو قائم؛ ولهذا فهو يبدّد طاقاته الشخصية والطاقات الاجتماعية معاً.

ومن النتائج الخطيرة أيضاً: هي أن الحسد هو الدافع لكثير من الجرائم في هذا العالم، فلو أنّنا درسنا العلل الأصلية وراء جرائم القتل والسرقة والعدوان وما شابه ذلك لرأينا - بوضوح - أنّ أكثر هذه العلل تنشأ من الحسد، ولعلّه لأجل هذا شُبّه الحسد بشرارة من النار يمكنها أن تهدّد كيان الحاسد، أو المجتمع الذي يعيش في وسطه بالخطر وتعرضه للضرر.

يقول أحد العلماء: إنّ الحسد من أخطر الصفات، ويجب أن يُعتبر من أعدى أعداء السعادة، فيجب أن يجتهد الإنسان لدفعه والتخلّص منه.

والملفت للنظر هو أنّ المجتمعات أصبحت اليوم أكثرها مملوءة بالأمراض والآلام الجسدية من عصبية وغيرها، ومردّ الأكثر من هذه الأمراض إلى خبث


السريرة والحقد والحسد.

ومن هنا ورد عن طبيب النفوس أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «صحة الجسد من قلّة الحسد»، و «العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد»(1) . بل وردت روايات تصرّح بأنّ الحسد يضرّ بالحاسد قبل أن يَضُرَّ بالمحسود بل ويؤدّي إلى القتل والموت تدريجاً، وربما يؤدّي إلى الموت دفعه، كما حكي ذلك في التاريخ أنّ رجلاً من أهل النعمة ببغداد في أيام موسى الهادي حسد بعض جيرانه، وسعى عليه بكلّ ما يمكنه ممّا قدر عليه، فاشترى غلاماً صغيراً فربّاه، فلمّا شبّ واشتدّ أمره بأن يقتله على سطح جاره المحسود؛ ليؤخذ جاره به ويُقتل.

حُكي أنّه عمد إلى سكين فشحذها ودفعها إليه، وأشهد على نفسه أنّه دبّره(2) ، ودفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم، وقال: إذا فعلت ذلك فخذ في أي بلاد الله شئت.

فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنّع والالتواء، وقوله له: الله الله في نفسك يا مولاي وأنت تتلفها للأمر الذي لا يُدرى أيكون أم لا يكون؛ فإن كان لم ترَ مِنه ما أمّلت وأنت ميّت.

فلمّا كان في آخر ليلة من عمره قام في وجه السحر وأيقظ الغلام، فقام مذعوراً، وأعطاه المُدية(3) ، فجاء حتّى تسوّر حائط جاره برفق، فاضطجع على سطحه، فاستقبل القبلة ببدنه وقال للغلام: ها

____________________

(1) نهج البلاغة 4 / 50 و 55، وعنه بحار الأنوار 70 / 256 ح28، تفسير الأمثل 3 / 274.

(2) دبّره: بأن قال للعبد: أنت حُر دبر - أي بعد - حياتي.

(3) المدية: السكين الكبير.


وعجّل، فترك السكين على حلقه وفرى أوداجه، ورجع إلى مضجعه وتركه يتشحّط في دمِه، فلمّا أصبحَ أهله خفي عليهم خبره، فلمّا كان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولاً، فأُخذ جاره فحبس، فلمّا ظهر الحال أمر الهادي بإطلاقه(1) .

ومن النتائج المهمّة أيضاً - بالإضافة إلى ما تقدّم من الحزن والهمّ والضرر للنفس وغير ذلك - هو ذهاب حسنات الحاسد إلى المحسود، وغضب الله عليه. فعن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «إيّاكم والحسد؛ فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»(2) .

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام : «إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب»(3) . بل إنّ الحسد هو أصل الكفر كما ورد ذلك عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «إيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً؛ فإنّ الكفر أصله الحسد»(4) .

ولو تأمّلنا في معنى الآية التي افتتحنا بها المجلس لرأينا أنّ الآية موجّهة خطابها إلى اليهود بحسب السياق في الآيات التي قبلها؛ حيث إنّ الكلام في الآيات التي قبلها موجّه إلى اليهود من حيث اتصال الكلام لا من حيث حجية السياق دائماً.

____________________

(1) بحار الأنوار 70 / 260 عنه سفينة البحار 2 / 178.

(2) الدّر المنثور 2 / 173.

(3) الكافي 2 / 306 باب الحسد ح1.

(4) تحف العقول / 135.


فالآيات التي قبل هذه الآية موجّهة خطابها إلى النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله قال تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ... أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ... ) . حتّى أنّ بعض المفسّرين فسّر (أم) هنا بـ (بل)، بمعنى: بل اليهود يحسدون الناس على ما آتاهم الله. ومن هنا لا بدّ من معرفة هؤلاء الناس، فمَنْ هم الناس المحسودون؟

قلنا: إنّ الآية موجّهة خطابها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن ينظر إلى اليهود بأنّهم لماذا يتعجّبون من إعطائنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبني هاشم ذلك المنصب الجليل، وذلك المقام الرفيع، وقد أعطاكم الله سبحانه وتعالى، وأعطى إلى إبراهيمعليه‌السلام الكتاب السماوي والعلم والحكمة والملك العريض، مثل « ملك موسى وسليمان داود »، ولكنّكم - مع الأسف - أسأتُم خلافتهم ففقدتم تلكم النعم المادية والمعنوية القيّمة بسبب فسوقكم وشروركم:( فقد آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) .

والمراد من الناس في قوله:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) - كما أسلفنا - هم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ؛ لإطلاق لفظة الناس على جماعة من الناس، وأمّا إطلاقها على شخص واحد - وهو النبي خاصة - فلا يصح ما لم تكن هناك قرينة على إرادة الواحد فقط.

هذا مضافاً إلى أنّ كلمة إبراهيم قرينة اُخرى على أنّ المراد من « الناس » هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ؛ لأنّه يستفاد من قرينة المقابلة أنّنا إذا أعطينا لبني هاشم مثل هذا المقام ومثل هذه المكانة فلا داعي للعجب؛ فقد


أعطينا آل إبراهيم أيضاً تلك المقامات المعنوية والمادية بسبب أهليتهم وقابليتهم(1) .

أضف إلى ذلك كلّه ما ورد في الروايات في تفسير هذه الآية من طرق الخاصة والعامة(2) أنّ المقصود من الناس هم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام .

والمقصود بالملك العظيم الذي أعطاه الله تبارك وتعالى لآل إبراهيم هو الطاعة لهم ولآل المصطفىعليهم‌السلام ، بقرينة المقابلة. وفي بعض الروايات(3) في قوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ) ، قال: «نحن الناس والله»(4) .

ولكن، هلمَّ معي وانظر ماذا صنعوا بهم، يا ليتهم اكتفوا بالحسد بالقلب واللسان، ولكن أبى القوم إلاّ أن يجزروهم على رمضاء كربلاء، ومن بعد ذلك سبوا العيال والأطفال حتّى وصل بهم الأمر إلى سلب النساء.

قالت فاطمة بنت الإمام الحسينعليه‌السلام : كُنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر إلى أبي وأصحابه مجزّرين كالأضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول، وأنا أفكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني اُميّة؛ أيقتلوننا أو يأسروننا! فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بكعب رمحه، وهنَّ يلذنَ بعضهنَّ ببعض،

____________________

(1) تفسير الأمثل 3 / 272 - 273، وانظر الميزان أيضاً 4 / 376.

(2) نسبه في الأمثل إلى الدرّ المنثور وروح المعاني فلاحظ.

(3) تفسير البرهان 2 / 240 - 246.

(4) المصدر نفسه.


وقد أخذ ما عليهنَّ من أخمرة وأسورة، وهنَّ يصحنَ: وا جدّاه! وا بتاه! وا عليّاه! وا قلّة ناصراه! وا حسيناه! أما من مجير يجيرنا؟! أما من ذائد يذود عنّا(1) ؟!

اشـصـاير بـهـلنه اُولا لـفونه

أو بـيـن الأعادي ضـيّعونه

نـنـخه اُولاهم يـسـمعونه

اُو يدرون بـينه راح اُخـونه

***

يـسـلبها الـعـدو اُويشتم ولـيها

اُوجـاير بـالضرب ويـلي عليها

تـهبّط راسـها اُوتـشگف بـديها

اُودمعها ايسيل على الوجنات محمر

(نعي مجاريد):

أنـه شـايطه ونده ابصوتي

يسمعوني أو يغضون اخوتي

يا ريـت گبـل احسين موتي

ولا أشوف العده تنهب ابيوتي

مجمع المصائب

____________________

(1) 1 / 270 - 271.


(أبو ذيّة):

لا تـرفـع الـشيعة بـعد هـامات

أو بنات أهل الوحي امن الخيم هامات

هـا حـيٍّ تـصيح احـسين ها مات

لـون بـيه روح مـحّد وصـل ليَّه

***

أخي كيف أمشي في البوادي مضامةً

وأنـت بـأسياف الأعادي موزَّعُ

***

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس الرابع

الرضا بقضاء الله



المجلس الرابع

الرضا بقضاء الله

يـا مَنْ يلومُ على البكاءِ عيوني

دعـها تُخفِّف لوعتي وشجوني

مَـن مُـبلغٌ أُمَّ الـبنين رسـالةً

مِـنْ والـهٍ بـشجونه مرهونِ

لا تـسألُ الـرُكبانَ عن أبنائها

فـي لـوعةٍ لـفراقهم وحـنينِ

أوَ مـا درت بفعالهم يومَ الوغى

فـي كـربلاءَ وهُـم أعزُّ بنينِ

فلتأتِ أرضَ الطفِّ تنظرُ ولْدَها

ثـاوينَ بـين مـقطَّعٍ وطـعينِ

ومُـوسَّدين على الصعيدِ فديتُهمْ

صـرعى بـلا غُسلٍ ولا تكفينِ

وقضوا ضحايا كالحسينِ زعيمهمْ

مـا بـلَّلوا أحـشاءَهم بمعينِ(1)

____________________

(1) القصيدة للشيخ حسن قفطان، قال عنه السيد جواد شبّر في أدب الطفّ: الشيخ حسن بن علي بن عبد الحسين بن نجم السعدي الرباحي (نسبة إلى آل رباح؛ فخذ من بني سعد العرب المعروفين بالعراق، قال السيد مهدي القزويني في (أنساب القبائل العراقية): بنو سعد بطن من العرب، منهم في الدجيل، ومنهم في كربلاء)، الدجيلي الأصل، اللملومي المحتد، النجفي المولد والمسكن والمدفن، الشهير بقفطان.

ولد في النجف الأشرف سنة 1199، وتوفي بالنجف سنة 1279 عن عمر يناهز الثمانين كما في الطليعة، ودُفن في الصحن الشريف العلوي عند الإيوان الكبير المتصل بمسجد عمران.

كان فاضلاً ناسكاً تقيّاً، محبّاً للأئمّة الطاهرين، وأكثر شعره فيهم. درس الفقه على الشيخ علي ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر حتّى نبغ فيه، وعُدّ من الأعلام الأفاضل، واختصّ أخيراً بصاحب الجواهر، وكان يُعدّ من أجلّ تلامذته وأفاضلهم، اتخذ الوراقة مهنة له، وورث ذلك عنه أبناؤه وأحفاده، إلاّ أنّه كان يمتاز عنهم بإتقان الفقه واللغة والبراعة فيهما.

وهذا ما حدا باُستاذه أن يحيل إليه وإلى ولده الشيخ إبراهيم تصحيح الجواهر ومراقبته حتّى قيل: إنّه لولاهما لما خرجت الجواهر؛ لأنّ خطّ المؤلّف كان رديّاً، وقد كتب النسخة الأولى عن خطّ المؤلّف، ثمّ صارا يحترفان بكتابتها وبيعها على العلماء وطلاب العلم، وأكثر النسخ المخطوطة بخطهما، وهذا دليل على أنّ المترجم كان يعرف ما يكتب، وكان جيّد الخطّ والضبط.

ويظهر من ترجمة سيدنا الصدر له أنّه كان جامعاً مشاركاً في العلوم بأكثر من ذلك؛ فقد قال في (التكملة): كان في مقدّمي فقهاء الطائفة، مشاركاً في العلوم، فقيهاً اُصولياً، حكيماً إلهياً، وكذلك له التقدّم والبروز في الأدب وسبك القريض، وله شعر من الطبقة العليا. توفي سنة 1275 كما في التكملة، أو 77 كما في (الطليعة)، وقال: ودُفن في الصحن العلوي الشريف عند الإيوان الكبير المتصل بمسجد عمران.

وترك آثاراً هامة، منها: (أمثال القاموس)، و (الأضداد)، و (طبّ القاموس)، ورسالة في الأفعال اللازمة المتعدية في الواحد.

وخلف من الذكور الشيخ إبراهيم، والشيخ أحمد، والشيخ حسين، والشيخ محمّد، والشيخ علي، والشيخ مهدي. وفي (الكرام البررة) أنّ الشيخ حسين توفي في حياة أبيه حدود سنة 1255. (أدب الطفّ 7 / 105 - 107).


(بحراني):

بالله اسـتعدى لـلبواچي يـم البنين

ردّوا يـتامى وانذبح عباس واحسين

اُمّ الـبنين أتـذبّحوا كلّهم على الگاع

وحسين ظل امجرّد ومكسور الاضلاع

ومـخدّرة حـيدر علي فرّت بلا اقناع

ويّـه الحرم والنار تسعر بالصواوين

اُمّ البنين الأربـعة انـذبحوا ضمايا

وظـلّوا ثـلث تـيّام بـالغبره عرايا

ليتچ نظرتي على النهر صاحب الرايه

مفضوخ راسه امگطّعه اشماله واليمين

وكأنّي بها صاحت:

(قطيفي):

يا ليت عندي من الولد سبعين مولود

بـالمرجله كـلها مثل عبّاس وتزود

تـنذبح وابن المصطفى لدياره يعود

سـالم ولا تـنظام زينب والخواتين


عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «يقول الله (عزّ وجلّ): مَنْ لم يرضَ بقضائي، ولم يشكر لنعمائي، ولم يصبر على بلائي، فليتخذ ربّاً سوائي»(1) .

الرضا بقضاء الله تبارك وتعالى معناه أنّ الإنسان يترك الاعتراض والسخط على قضاء الله وقدره. والرضا بقضاء الله وقدره متعلّق بالحبّ، فإذا حصلت المحبّة بين الإنسان وربّه حصل الرضا بالقضاء النازل من المولى (عزّ وجلّ)؛ لأنّ الحبيب لا يتوقّع من حبيبه إلاّ الخير، بل يحمل جميعَ أفعالِه وما يَصنع به على أحسنها وأتمّها وأقومها.

والرضا بقضاء الله هو أحد أركان الإيمان على ما ورد في بعض الروايات، منها ما روي عن النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه سأل طائفة من أصحابه، فقال: «ما أنتم؟».

فقالوا: مؤمنون.

فقال: «ما علامة إيمانِكم؟».

فقالوا: نصبر عند البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مؤمنون وربِّ الكعبة»(2) .

ونُقلَ أنّ أحد الصالحين كان له ولدٌ مريضٌ، فرآه صاحبه في حالة من

____________________

(1) بحار الأنوار 5 / 95 ح18.

(2) مُسكّن الفؤاد / 79.


الحزن والارتباك، والخوف على طفله، وشاهده يدخل ويخرج من باب بيته ويدعو الله (عزّ وجلّ) أن يشفيه، وبعد ساعات مضت رآه وقد خرج من منزله وهو مرتاح، فظنَّ أنّ الطفلَ شُوفي... فقال له: الحمدُ لله على شفاء الولد.

فقال له الرجل الصالح: لقد مات الطفل.

فتعجّب الرجل وقال له: رأيتك أثناء مرضه وأنت حزين خائف مرتبك عليه، والآن وقد مات أراك مرتاحاً!

فقال له الرجل الصالح: كان علينا أن ندعو الله (عزّ وجلّ) أثناء مرضه، وأن نأتي بالطبيب والدواء، ولكنّ الطفل قد مات، وقد رضينا بقضاء الله وقدره(1) .

ثمّ إنّه لا شك أنّ هناك اُموراً تساعد الإنسان على الرضا بقضاء الله وقدره، وأوّل هذه الأمور هو المعرفة والعلم؛ فالإنسان الذي يعلم أنّ الله عادل وحكيم، ولا يقدّر لعبده إلاّ ما هو خير له، لا يسخط على أمر الله (عزّ وجلّ)؛ فالطفل حينما يهرب من الطبيب لا يعلم أنّ هذا الطبيب سوف يعالجه؛ وذلك لمصلحته، وكذلك الجاهل بقدرة الله وعظمته وحكمته يغضب ويسخط إذا ما أصابه قضاء الله.

فعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «إنّ أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله (عزّ وجلّ»)(2) .

ومِن ثَمَّ أنّ هناك اُموراً حتمية ليس لها طريق آخر؛ فالموت مثلاً قضاء محتّم، ولا مدخل فيه للإرادة الإنسانيّة، فينبغي

____________________

(1) الأخلاق الآداب الإسلاميّة / 471 - 473.

(2) الكافي 2 / 60، باب الرضا بالقضاء ح2.


للإنسان أن يسلّم للإرادة الإلهية، وفوق التسليم أن يرضى بقضاء الله وقدره ولا يغضب لذلك.

نعم، بعض الاُمور تحتاج إلى السعي؛ مثل ذهاب الإنسان المريض إلى الطبيب، وطلب الرزق، وغير ذلك، أمّا نفس الموت فماذا يصنع له الإنسان وقد قال تعالى:( فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (1) ؟

إذاً، المعرفة والعلم هما الأمران اللذان يُساعدان الإنسان على الوصول إلى الدرجات العالية لأن يرضى بقضاء الله وقدره؛ ولذا ترى النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله عندما توفي ابنه إبراهيمعليه‌السلام حزن وبكى، وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يُرضي ربّنا»(2) .

وكيف لا، وقد قال تعالى عنه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (3) ؟

فمن هنا ينبغي لنا - نحن المسلمين - الاقتداء بالنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا رضي الإنسان بقضاء الله وقدره، وصبر على ما ابتلاه به المولى (عزّ وجلّ) سوف يشعر حينئذٍ بالثمرات التي يلمسها بيده، ويحسّها بقلبه، ويحصل على تلك النتائج الباهرة بصورة ملموسة وظاهرة.

وأوّل هذه النتائج وأهمها هو الراحة؛ فقد ورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه

____________________

(1) سورة الأعراف / 34.

(2) مُسكّن الفؤاد / 93.

(3) سورة القلم / 4.


قال: «مَنْ رضي بما قُسم له استراح بدنه»(1) .

ومنها ذهاب الحُزن، فلم يحزن على ما فاته، ويكون قريباً من الله تبارك وتعالى. إلى غير ذلك من النتائج العالية الباهرة التي يلمسها الإنسان في الحياة الدنيا، وأمّا ما أعدّه الله تبارك وتعالى له في الآخرة فهو الجنّة بإذنه (عزّ وجلّ).

ومن عجيب قصص الرضا بقضاء الله وقدره ما رواه ذو النون المصري، حيث قال: دخلت المقبرة فرأيت امرأة شابة جالسة وبين يديها قبور أربعة، وهي تنشد هذه الآبيات:

صـبرتُ وكانَ الصبرُ خيرَ مطيّةٍ

وهـل جـزعٌ يجدي تراه فأجزعُ

صـبرتُ على ما لو تحمّلَ بعضَه

جـبالٌ برضوى أصبحت تتصدعُ

فـسالت دمـوعُ العَينِ ثمّ رددتها

إلى ناظري والعينُ في القلبِ تدمعُ

فقلت: ما الذي نزل بك، وما شأنك؟

قالت: أعجب شأنٍ أصبحت ولي بنون ثلاثة، ولي زوج عطوف، وأمسيت وقد فارقتهم جميعاً، أفنتهم أيدي الزمان.

قلت: وكيف ذلك؟!

قالت: إنّ بعلي قام إلى شاةٍ لنا في البيت فذبحها، وكان لي ابنان صغيران

____________________

(1) الخصال / 632.


جعلا ينظران إلى ما فعل أبوهما، فلمّا خرج أبوهما قال أحدهما للآخر: هَلُمَّ يا أخي حتّى أذبحَك كما ذبحَ أبوك الشاة.

فقال: نعم.

فقام إليه وأخذ السكين وذبحه، وأنا كنت مشغولة ببعض الاُمور، فلمّا أتيت إذا به يخور في دمه ويتمرّغ فيه، فصحت به ويلك ما صنعت بأخيك؟! ذبحته! اُفٍّ لك!

فارتعد واضطرب، وخاف وهرب إلى الصحراء، فدخل أبوهما ووقف على الأمر، ثمّ خرج إلى الصحراء يطلب ابنه، وإذا هو بذئبٍ قد وثب على الغُلام ومزّقه وتناول لحمه، وبقي بعض أعضائه، فحمله أبوه ليدفنه، فبينما هو يسير أصابه عطشٌ شديد، وقد اشتدّ حُزنه على ولديه، فسقط ومات، فبينما أنا باكيه حزينة على ولدي المذبوح إذ اُخبرت واُنبئت بموت زوجي وولدي الآخر، فخرجت لاستبين الخبر وإذا هو كما قالوا، ولمّا رجعت إلى الدار إذا بولد آخر لي، وهو طفل صغير، قد أقبل إلى القدر وهو على النار، فوقع في القدر ونضج ومات، وهذه قبورهم، وأنا أصبر على ذلك؛ لأنّي أعلم أنّ الصبر أحجى وأجمل.

ذكّرني حال هذه المرأة الصالحة الصابرة حال اُمّ البنين، كانت تأتي إلى البقيع وتعمل صور أربعة قبور، وبين يديها يتيمي قمر بني هاشم العباس بن عليعليه‌السلام ، وهما عبد الله والفضل، وتندب بنيها أشجى ندبة وترثيهم(1) .

ولذا لمّا رجعت عائلة الحسينعليه‌السلام إلى المدينة قالت زينبعليها‌السلام : لا اُريد

____________________

(1) شجرة طوبى / 406.


أحداً يدخل علينا إلاّ مَنْ فقدت لها عزيزاً في كربلاء.

فقالت لها: قولي لسيدتك: إنّي شريكتها في هذا العزاء، واُريد أن أدخل عليها واُساعدها؛ فإنّي مثلها في المصاب.

فلمّا أخبرت الجارية زينب، قالت: سليها مَنْ هي التي تكون مثلي في المصاب؟ ثمّ قالت: إن صدق ظنّي فإنّها اُمّ البنين. فرجعت الجارية وقالت لها: سيدتي تقول: مَنْ أنتِ التي مثلها في المصاب؟

قالت: أنا الثاكلة.

قالت: أوضحي لي مَنْ تكونين؟

قالت: أوَما عرفتيني؟! أنا اُمّ البنين.

قالت الجارية: لقد صدقت سيدتي في ظنّها، وإنّك والله كما تقولين اُمّ المصيبة العظمى والفاجعة الكبرى:

صـاحت صوت آيا فگد الاطياب

والله أشـو موحشه يـا دور الأحباب

اهناك اوسمعن الصرخه على الباب

أنـا أم عـباس اجـيتچ لا تفترين

ثمّ فتحت لها الباب، فلمّا دخلت استقبلتها زينب واعتنقتها، وقالت: عظّم الله لك الأجر في أولادك الأربعة.


فأجابتها اُمّ البنين: وأنتِ عظّم الله لك الأجر في الحسينعليه‌السلام (1) .

بچت زيـنب اُونـادت تلگنها

بالله اُويـاي گومـن سـاعدنها

هـاي اُمّ البنين الـراح منها

صناديد أربعـة اُو بالحرب نفلين

بچت زينب اُوصاحت آيحزني

اُولـفتها اُمّ البنين ابضلع محني

تـصيح ابصوت آيحسين يبني

هـاي امصيبتك بچّت الدارين

اشلون اُمّ البنين اصياح صاحت

إهنا يحسين يبني روحي راحت

تـلگنها الـحرم عجّت اُوناحت

زيـنب بالعزه كسرت الصوبين

(أبو ذيّة):

على الأولاد زيدي النوح يمهم

ابفرد ساعة الدهر بالطبك يمهم

أحب اگصد وجاور كون يمهم

أجـاورهم لـما اتجيني المنيّه

____________________

(1) مجمع المصائب 2 / 196 - 197.


(تخميس):

يـا مـيّتاً تـرك الألبابَ حائرةً

تـناوشتْه سـهامُ الـبغي راميةً

وأعظمُ الخطبِ في الإسلامِ داهيةً

عـارٍ تـجولُ عليهِ الخيلُ عاديةً

حاكت لهُ الريحُ ظافي مئزرٍ وردا

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس الخامس

العبادة



المجلس الخامس

العبادة

خـانَ الـزمـانُ بـنا فـشتتنا كما

خانت بنـو صخرٍ ببيعةِ (مُسلمِ)

لـم أنـسهُ بـينَ الـعدى وجبينُه

كـالبدرِ فـي ليلِ العَجاجِ المظلمِ

أفـديهِ مـن بطلٍ مهيبٍ إن سطا

لـفَّ الـجموع مـؤخّراً بـمقدمِ

شـهمٌ دعـته إلـى البسالة هاشمٌ

والـشبلُ لـلأسدِ المجرّبِ ينتمي

حتّى إذا مـا أثـخنوهُ بـالظُّبا

ضرباً وفي وسطِ الحفيرةِ قد رُمي

جاؤوا إلى ابنِ زيادٍ فيهِ فمذ رأى

لـلقصرِ قـد وافـهُ غـير مُسلّمِ

قالَ اصعدوا للقصرِ وارموا جسمه

ومـن الـوريدينِ اخضبوهُ بالدمِ

صـعدوا بـهِ للقصرِ وهو مكبّلٌ

تـجري دمـاهُ من الجوارحِ والفمِ

قـتـلوهُ ظـامٍ لـم يـبلَّ فـؤادُه

أفـديهِ مـن ظـامِ الحشا متضرّمِ

دفعوهُ من أعلى الطمارِ إلى الثرى

فـتكسّرت منهُ حنايا الأعظمِ(1)

* * *

____________________

(1) القصيدة للسيد مهدي الأعرجيرحمه‌الله ، قال عنه السيّد جواد شبّررحمه‌الله في أدب الفّ: السيد مهدي الأعرجي ابن السيد راضي ابن السيد حسين ابن السيد علي الحسيني الأعرجي البغدادي.

ولد السيد مهدي في النجف الأشرف سنة 1322 هـ ق، درس فنّ الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحلّي، زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة، وأوّل قصيدة نظمها هي قصيدة في رثاء الإمام الحسن السبطعليه‌السلام :

قضى الزكيُّ فنوحوا يا محبّيه

وابكوا عليه فذي الأملاك تبكيه

درس العربية والعروض على العلاّمة الكبير شيخ الأدب السيد رضا الهنديرحمه‌الله ، توفي السيد مهدي سنة 1359 هـ ق غريقاً بشط الفرات في الحلّة يوم الخامس من شهر رجب. جمع ديوانه شقيقه الخطيب السيد حبيب.

وللسيد الأعرجي ظرافة وخفّة روح بالرغم من الجهمة التي لا تفارق محيّاه، فلا تكاد تفوته النادرة والنكتة. وأمّا ولاؤه لأهل البيتعليهم‌السلام وتفانيه في حبّهم فهو من ألمع ميزاته، ولا زلت أتمثّله في المآتم الحسينية يجهش بالبكاء، وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني. (أدب الطفّ 9 / 193 - 198).


يـمسلم ويـن ذاك الـيوم عبّاس

يـجيك بـشيمته ومـفرّع الرأس

اُويشوفك يوم صابك نذل الارجاس

وهـويت من الگصر فوك الوطيّه

* * *

يـمسلم ويـن ذاك الـيوم عـمّك

يـجيك ايـعاينك غـارج ابدمك

وحـيد ومـحّد مـن الناس يمّك

غـريب ابـهل الـبلد ما لك تچيه

* * *


قال تعالى:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (1) .

إنّ الغاية من خلق السماوات والأرضين، وجميع المخلوقات هي العبادة والخضوع للخالق العظيم بنيّة خالصة عن طريق معرفته (عزّ وجلّ).

ومن أهم الأسئلة التي تختلج في صدر كلّ إنسان هو: لِمَ خلقنا؟! وما الهدفُ من خلق الناس والمجيء إلى هذه الدنيا؟! وهذه الآية تُجيب على هذا السؤال المهم بتعبير موجز ذات معنى غزير.

لا شك أنّ كلّ فردٍ عاقلٍ وحكيمٍ حين يقوم بعمل فإنّما يهدف من وراء عمله إلى هدف معين، وحيث إنّ الله أعلم من جميع مخلوقاته، وأعرفهم بالحكمة، بل لا ينبغي قياسه بأيّ أحدٍ، فينقدح هذا السؤال، وهو: لِمَ خلق الله الإنسان؟

هل كان يشعر بنقصٍ - أعوذ بالله - فارتفع بخلق الإنسان؟

هل كان محتاجاً - نستجير به تعالى - إلى شيء فارتفع الاحتياج بخلقنا؟

وعليه فلا بدّ لله تبارك وتعالى من هدف؛ لأنّه سيد العقلاء، ولا يخلق شيئاً عن عبث، فلا بدّ من هدف لله تبارك وتعالى وراء خلقه للإنسان. وبحكم كونه تبارك وتعالى هو الكمال المطلق، وليس هناك من شيء يزيده أو ينقصه في كماله، لزم أن يكون الهدف عائداً للإنسان نفسه، وهو

____________________

(1) سورة الذاريات / 56.


أساس كماله.

فما هو الهدف إذاً؟

الهدف هو ما صرّحت به الآية المباركة، وهو العبودية؛ عبودية الإنسان الناقص للكامل المطلق، عبادة المحدود لللامحدود.

إلاّ أنّنا لو تأمّلنا في بعض الآيات القرآنية الاُخرى لرأينا غير هذا الهدف، بل هدفاً آخر؛ ففي بعضها نجد أنّ القرآن يصرّح بأنّ الهدف من الخلق هو الامتحان للإنسان كما جاء في قوله تعالى:( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (1) .

وجاء في آية اُخرى أنّ الهدف من خلق الله تبارك وتعالى لنا هو حتّى نعلم بقدرة الله تبارك وتعالى وعلمه (عزّ وجلّ)، كما في قوله تعالى:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) (2) .

وآية ثالثة تشير إلى أنّ الهدف من الخلق هو الرحمة - رحمة الله - قال تبارك وتعالى:( وَلَو شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) (3) .

____________________

(1) سورة الملك / 6.

(2) سورة الطلاق / 12.

(3) سورة هود / 118 - 119.


وأمّا الآية التي هي محلّ البحث فهي - كما ذكرنا - صريحة بأنّ الهدف من خلق الله تبارك وتعالى للإنسان هو العبادة.

فما هو السبب حينئذٍ؟ فبينما نحن نرى هذه الآية تحصر علّة وسبب الخلق في العبادة، نجد الآيات الأخرى تذكر أموراً أخرى هي السبب في الخلق، خاصة في الآية الثالثة فهي صريحة جدّاً في تعيين سبب الخلق، حيث قال:( وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) .

والسبيل إلى ذلك: هو أنّه لو تأمّلنا قليلاً في مفهوم هذه الآيات وما شابهها نرى أنّه لا تضادّ ولا اختلاف بين هذه الآيات، ففي الحقيقة بعضها هدف مُقدّمي، وبعضها هدف متوسط، وبعضها هدف نهائي، وبعضها نتيجة.

فالهدف الأصل هو « العبودية »، وهو ما اُشير إليه في هذه الآية التي هي محلّ البحث، أمّا العلم والامتحان وأمثالهما فهي أهداف ضمن مسير العبودية لله، ورحمة الله الواسعة نتيجة العبودية لله تبارك وتعالى.

وهكذا نعرف، ويظهر لنا بكلّ وضوح أنّنا خُلقنا لعبادة الله تبارك وتعالى، لكنّ المهمّ أن نعرف ما هي حقيقة هذه العبادة؟! فهل المراد منها أداء المراسم، أو المناسك اليومية وأمثالها من صوم وصلاة إلى غير ذلك، أو هي حقيقة وراء هذه الاُمور وإن كانت العبادة الرسمية كلّها أيضاً واجدة للأهمية؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي معرفة معنى كلمة « العبد » و« العبودية » وتحليلها؛


فالعبد لغةً: هو الإنسان المتعلّق بمولاه وصاحبه من قرنه إلى قدمه، وإرادته تابعة لإرادته، وما يطلب ويبتغيه تبع لطلب سيده وابتغائه، فلا يملك في قباله شيئاً، وليس له أن يقصّر في طاعته(1) .

وهذا مفهوم عام يشمل حتّى العبيد مع مواليهم العرفييّن؛ ولذا يُذكر أنّ عبداً شاهد مولاه مهموماً، فقال هذا العبد - وكان مؤدّباً وعاقلاً - لمولاه: لماذا أنت مهموم؟

قال المولى: إنّي مديون، والتفكير في الديون سلبني الراحة.

فقال الغلام: حسناً، خذني إلى سوق الرقيق وأعرضني للبيع وبثمني سدّد ديونك.

قال: إنّ لدي قروضاً كثيرة وثمنك لا يكفي لعشر قروضي.

قال الغُلام: بنفس المقدار الذي أنت مقروض به سعّرني.

قال المولى: إنّهم لا يشترونك بهذا السعر.

قال الغلام: قل للزبائن: إنّ هذا الغلام لديه صفة حسنة جدّاً، وارتفاعُ سعره ناجم عن حيازته تلك الصفة؛ إنّ تلك الصفة هي أنّه يعرف جيّداً اُسلوب العبودية.

جاء المولى بالغلام - ولم يفهم مقصود الغلام جيّداً - إلى سوق بيع الرقيق، وسعّره بسعرٍ عادل عشرة أضعاف سعره الطبيعي؛ مثلاً إذا كان السعر المتعارف لهذا الغلام عشرة آلاف دينار كان يقول: إنّي أبيع هذا الغلام بمئة ألف دينار.

كلّ مَنْ كان يسمع ذلك يضحك، إلى أن سأل إنسان عاقل سبب ارتفاع

____________________

(1) تفسير الأمثل 17 / 132 - 134.


سعر الغلام.

قال المولى: إنّ ارتفاع سعر الغلام يرجع إلى أنّه يعرف طريقة العبودية جيداً.

قال الرجل: إذا كان كما تقول قيمته أكثر من ذلك؛ إنّي اشتري هذا الغلام بشرط أن تكون لديه هذه الصفة، وإذا لم تكن لديه هذه الصفة يحقّ لي فسخ المعاملة.

وخلاصة الأمر: دفع هذا الرجل المبلغ وهو مئة ألف دينار وأخذ الغلام للبيت، ومن أجل أن يعرف هل الغلام يعرف طريقة العبودية أم لا أمر بضربه بالسوط، ضربوه بالسياط، فكان الغلام لدى ضربه بالسوط لا يبكي ولا يتأوّه، ولا يسأل عن سبب ضربه بالسوط.

أمر الرجل بترك الغلام، ثمّ قال له: ألم تكن تشعر بالألم؟

قال: نعم.

قال: ألم تكن تعلم أنّك تُضرب بدون سبب؟

قال الغلام: نعم.

قال الرجل: إذاً لماذا لم تحتج على ذلك؟

قال الغلام: أنا عبد وأنت مولى، ولا يليق أن يسأل العبد عن سبب تصرّفات مولاه؛ فالعبد يجب أن يكون مطيعاً لمولاه مئة بالمئة، إذا أنعمت عليّ فأنا مطيع لك، وإذا ضربتني بالسوط أنا مطيع لك(1) .

هذا هو معنى العبد، والعبودية منتهى الخضوع للمعبود.

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 523 - 524 «بتصرّف يسير في العبارة».


والمعبود الوحيد الذي له حقّ العبادة على الآخرين هو الذي بذل منتهى الأنعام والإكرام، وليس ذلك سوى الله سبحانه وتعالى.

ثمّ إنّ العبادة على أقسام؛ فمنها عبادة المحبيّن والملتذّين والعارفين إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي تختلف باختلاف درجات القرب من المولى (عزّ وجلّ)؛ ومن هنا قسّم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام العبادة إلى أقسام ثلاثة، قالعليه‌السلام : «إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عِبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عِبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوه شكراً فتلك عِبادة الأحرار»(1) .

وللعبادة عدّة شروط مذكورة في محلّها، منها:

1 - النيّة الخالصة لله، فليس الهدف من العِبادة إرضاء الناس، أو بهدف الحصول على كسب دنيوي فيعبد الله قربة إلى الله.

2 - حضور القلب، فبدون حضور القلب تعتبر العِبادة ناقصة، والطريق إلى إكمالها هو الإتيان بالنوافل كما أشارت إليه بعض الروايات الشريفة(2) .

3 - العِلم، فعن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «لا خير في عِبادة لا فقه فيها»(3) .

4 - الصلاة على محمّد وآل محمّد، فقد ورد أنّ الدعاء محجوب حتّى

____________________

(1) نهج البلاغة 4 / 53.

(2) وسائل الشيعة 4 / 53، باب عدد الفرائض اليومية، ح22.

(3) مشكاة الأنوار / 242.


يصلّي العبد على محمّد وآل محمّد(1) .

ومن هنا قال الشافعي:

يـا أهـلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبكمُ

فـرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنزلهُ

كـفاكمُ مـن عـظيمِ الـقدرِ أنّكمُ

مَنْ لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ(2)

5 - اليقين، فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «لا عبادة إلاّ بيقين»(3) .

فإذا جاء الإنسان بهذه الشرائط توقّع من الله (عزّ وجلّ) حينئذٍ الثمار المترتبة على العبادة، وأهم هذه الثمرات الفوز بالآخرة السعيدة المطمئنة، والحياة الأبدية إلى غير ذلك من ثمرات دنيوية واُخروية.

وأعبد عبادِ الله الأنبياء والأوصياء، ثمّ الأمثل فالأمثل.

وإذا أردنا أن نتعلّم العبادة وحقيقتها وكنهها فلا بدّ أن نراجع سيرة أهل البيتعليهم‌السلام وأولادهم، والذين نشؤوا في بيوتهم وتربوا في كنفهم. كانوا يقضون الليل والنهار بالعبادة؛ أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تالين لآيات القرآن، وأمّا النهار فصائمون، حلماء أبرار.

ومن هذه البيوت ومن هؤلاء الذين تغذّوا من ثدي الإمامة، وعاشوا في كنفها مسلم بن عقيل بن أبي طالب. كان في بيت طوعة، وقبيل الفجر جاءت إليه بماءٍ ليتوضأ به قائلةً: يا مولاي، ما رأيتك رقدت البارحة! - لأنّه قضى تلك

____________________

(1) الكافي 2 / 491، باب الصلاة على النبيّ وآلهعليهم‌السلام ، ح1.

(2) إعانة الطالبين 1 / 200.

(3) مستدرك الوسائل 11 / 196، ح8.


الليلة قائماً وقاعداً، راكعاً وساجداً يصلّي - فقال لها: اعلمي أنّي رقدت رقدة فرأيت في منامي عمّي أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو يقول: «الوحى الوحى، العجل العجل». وما أظنّ إلاّ أنّه آخر أيامي من الدنيا.

فتوضأ وصلّى صلاة الفجر، وكان مشغولاً بدعائه إذ سمع وقع حوافر الخيول، وأصوات الرجال، فعرف أنّه قد أُتي إليه، فعجّل في دعائه، ثمّ لبس لامةَ حربه وقال: يا نفس، اخرجي إلى الموت الذي ليس له محيص.

فقالت المرأة: سيدي، أراك تتأهّب للموت!

قال: نعم، لا بدّ لي من الموت، وأنتِ قد أدّيتِ ما عليك من البرّ والإحسان، وأخذتِ نصيبكِ من شفاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فاقتحموا عليه الدار، وهم ثلاثمئة، وقيل: سبعون فارساً وراجلاً، فخاف مسلم أن يحرقوا عليه الدار؛ فخرج وشدّ عليهم حتّى أخرجهم من الدار، ثمّ عادوا إليه فحمل عليهم، وهو يقاتلهم ويقول:

هو الموتُ فاصنع ويكَ ما أنتَ صانعُ

فـأنتَ بـكأسِ الموتِ لا شكّ جارعُ

فـصـبراً لأمـرِ اللهِ جـلَّ جـلالُه

فـحكمُ قـضاءِ اللهِ فـي الخلقِ واقعُ

حتّى قتل منهم واحداً وأربعين رجلاً، وكان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيوت، وبعدما أكثر القتل فيهم طلب قائد الجيش محمّد بن الأشعث النجدة من عبيد الله بن زياد قائلاً: أدركني بالخيل والرجال.

فأنفذ إليه ابن زياد يقول: ثكلتك اُمّك! وعدموك قومك! رجل واحد يقتل هذه المقتلة العظيمة، فكيف لو أرسلتك إلى مَنْ هو أشدّ بأساً؟! - يعني الحسينعليه‌السلام -.


فأرسل إليه ابن الأشعث يقول: تظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقاقلة الكوفة، أو إلى جرمقان من جرامقة الحيرة؟ وإنّما وجّهتني إلى بطل همام، وشجاع ضرغام، من آل خير الأنام!

فأرسل إليه بالعساكر وقال: أعطه الأمان؛ فإنّك لا تقدر عليه إلاّ به.

وقد اُثخن مسلم بالجراح؛ لأنّهم احتوشوه من كلّ جانبٍ ومكان؛ ففرقة ترميه من أعالي السطوح بالنار والحجارة، واُخرى بالسيوف، والثالثة بالرماح، ورابعة بالسهام، وكان قد اشتبك مسلمعليه‌السلام مع بكر بن حمران، فضربه بكر على فمّه الطاهر فقطع شفته العليا، فقال له ابن الأشعث: لك الآمان يا مُسلم، لا تقتل نفسك.

فقال: أيّ أمانٍ للغدرة الفجرة! وأقبل يقاتلهم وهو يقول:

أقـسمتُ لا اُقـتلُ إلاّ حُرّا

وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نكرا

كـلّ امرئٍ يوماً ملاقٍ شرّا

أخـافُ أن أُخـدعَ أوغرّا

وكان قد اُثخن بالجراح حتّى عجز عن القتال، فأسند ظهره إلى جنب جدار، فضربوه بالسهام والأحجار، فقال: ما لكم ترمونني بالأحجار كما تُرمى الكفّار، وأنا من أهل بيت النبي المختار، ألا ترعونَ رسول الله في عترته؟!

قال ابن طاووس في اللهوف: وعند ذلك ضربه رجل من خلفه فخرَّ إلى الأرض،


فأخذ أسيراً(1) ، وقيل: قد حفروا له حفيرة.

هذا وكانت طوعة واقفة وهي تخاطب القوم بلسان الحال:

(بحراني):

ظـلّت تـناديهم يـهل كـوفان ارحموه

هـذا ابـن اخو الكرار حيدر لا تسحبوه

خـلّوه يـمشي بـراحته گلـبه شعبتوه

خـافوا مـن الله مـا لكم مذهب ولا دين

صـاحت يـمسلم يا عظمها خجلتي بيك

شبيدي وانه حرمة وضعيفة مگدر أحميك

لـو يـتركونك چان أفـت گلبي وداويك

إنچان اسلمت من كيدهم سلّم على احسين

گلّـها يـطوعه اليوم ما تحصل سلامه

اُوصـيچ چان ابـهل الـبلد طـبو يتامه

گولي تـره مـسلم يـبلّغكم سـلامه

واجـرچ عـلى الله والنبي سيّد الكونين

اركبوه على بغلة وأخذوه إلى ابن زياد، فجعل يبكي، فقال له عبيد بن العباس: إنّ مَنْ يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ.

قال: واللهِ، ما لنفسي بكيت، ولكن أبكي لأهلي المقبلين، أبكي للحسين وآل الحسينعليهم‌السلام .

____________________

(1) اللهوف على قتلى الطفوف / 120.


(نعي مجاريد):

وين الذي يوصل ابهل الحين

لرض المدينة ويخبر احسين

مـسلم وحـيد اُو ما له امعين

ودرات عليه الگوم صوبين

چتـفوه اُو ظـلّ يدير بالعين

(نصاري):

يـمسلم ريـت لن هاشم زلمها

تجي اويخفج على راسك علمها

لاچن حـيف مـا واحد علمها

وحيد أنت وغريب إدّير العيون

* * *

فإن كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري

إلـى هانئٍ في السوق وابن عقيلِ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



المجلس السادس

التوبة



المجلس السادس

التوبة

يـا قـتيلاً أصـبحتْ دارُ الـعُلا

بـعدهُ قـفراً وربـعُ الجُودِ مَحْلا

مـا حـسبنا أن نـرى مِـنَ بعده

لـلـتُّقى مـغنىً ولـلجودِ مـحلاّ

لا خـطـت بـعـدكَ فـرسانٌ ولا

جـرّدَ الشجعان يومَ الروعِ نصـلا

مـا نـعتكَ الـخلقُ لـكن قد نعت

فـيكَ إحـساناً ومـعروفاً وبـذلا

بأبـي المـقتول عـطشاناً وفي

كفّـه بحـر يـروّي الخلق جملا

بـأبي الـعاري ثـلاثاً بـالعرى

ولـقد كـانَ لأهـلِ الأرضِ ظلاّ

وإذا عـاينـتَ أهـليـه تـرى

نُوبـاً فيـها رزايـا الخلقِ تُـسلى

مـن أسـيرٍ وسـدّتهُ البزلُ حلسا

وقـتـيلٍ وسّـدتهُ الـبيدُ رمـلا

وبـنفـسي مَـنْ غـدت نادبـةً

جَدّها والدمـعُ فـي الخدِّ اسـتهلاّ

جـدّ لـو تـنظـرنا إذ قـرّبـوا

نحونا للـسير أنـقـاضاً وهـزلا

لرأَت عـيناكَ خـطباً فـادحاً

جـلَّ أنْ يـلقى لهُ الناظرُ مثلا(1)

هذا لسان حال العقيلة زينبعليها‌السلام مع جدّها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمّا لسان حال

____________________

(1) القصيدة للحاج هاشم الكعبيرحمه‌الله ، قال عنه في (أدب الطفّ 6 / 218 - 219): الحاج هاشم ابن الحاج حردان الكعبي الدورقي. ولد ونشأ في (الدورق) - مسكن عشائر كعب في الأهواز - ثمّ سكن كربلاء والنجف، توفّي سنة 1231.

والكعبي نسبة إلى قبيلة كعب العربية التي تسكن الأهواز ونواحيها. من فحول الشعراء وفي طليعتهم، ونظم في رثاء أهل البيتعليهم‌السلام فأكثر وأبدع وأجاد، واحتجّ وبرهن، وأحسن وأتقن، وكلّ شعره من الطبقة الممتازة. تحفظ الخطباء شعره وترويه في مجالس العزاء، وتشنّف به الأسماع.

له ديوان أكثره في الأئمّةعليهم‌السلام ... وشعره يُعاد ويُكرر في محافل سيد الشهداءعليه‌السلام ، ويحفظه المئات من رجال المنبر الحسيني، وهو مقبول مستملح، بل نجد الكثير يطلب تلاوته وتكراره، وكأنّ عليه مسحة قبول.

وهذا ديوانه الذي يضمّ بين دفّتيه عشرين قصيدة حسينية أو أكثر، لقد طبع وأُعيدت طبعاته، والطلب يتزايد عليه. فهذه رائعته التي عدّد فيها مواقف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام البطولية تهتزّ لها القلوب، وتدفع بالجبناء ليكونوا شجعاناً، وتنهض بهممهم ليصبحوا فرساناً، وهي تزيد على 150 بيتاً.


الموالين مع بعضهم البعض في مثل هذه الليلة فهو هكذا:

(بحراني):

إلـبس اثـياب الـسود وأهمل دمعة العين

هـل الـهلال الـبيه راح ابكربله احسين

هـل الـهلال وبـيه مـرتسمه الـحمره

مـن دم أبـو الـسّجاد يـوم اكطعوا نحره

إگصـد الـماتم بـالبكى أوسـاعد الزهره

اُوكـثّر يـهل ترجه الشفاعة اهناك الونين

هـل يـوم يـحضر مـاتم الـمظلوم جدّه

يـسمع الـناعي لـو نعه اُويـبچي الفگده

ويـصـيح آيـبني الـبگه مـعفور خـدّه

فـوك التُراب وچبدته امن العطش نصّين

يـحسين مـا تبرد الجمره ابصب الدموع

لـيل ونهار انحب اُوگلبي اعليك موجوع

يحسين خيل الرضرضت صدرك والضلوع

رضّـت اضـلوعي ريت دونك بالميادين

* * *


قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (1) .

عرّف العلماء التوبة بأنّها الرجوع من الذنب القولي والفعلي، وهي ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها مستقبلاً، وتدارك ما سبق من التقصير، وهي ضدّ الإصرار(2) .

وتورّط الإنسان في معصية الله تبارك وتعالى نوع من أنواع الضعف؛ لأنّ الذنب دليل الضعف والقصور. فمثلاً شخصان يعيشان في جو واحدِ، من أب واُمّ واحدٍ، وبيتٍ واحدٍ، ولكنّ أحدهما يعاني من الضعف فيتورّط في المعصية؛ لأنّ إيمانه ضعيف، والآخر عنده مناعة اتجاه المعصية وإيمانه قوّي فلا يتورّط بها.

ومَنْ يذنب فإنّ له أحد موقفين؛ موقف الإصرار وتكرار الذنب، وموقف آخر هو موقف العودة والتوبة. قد يذنب الإنسان يوماً ولكنّه يعود وينتزع نفسه من مخالب المعصية؛ ومن هنا كان على الإنسان اتخاذ الموقف الثاني، وهو موقف العودة والتوبة والندم والاستغفار، وهكذا يصنع كلّما أذنب حتّى ولو تكرّرت منه المعصية، عليه أن يعود ويستغفر ويسأل الله تبارك وتعالى العون والمساعدة لأن يجتنب المعاصي.

____________________

(1) سورة التحريم / 8.

(2) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 268.


ومن هنا قال رجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا رسول الله، إنّي أذنبت.

فقال: «استغفر الله».

فقال: إنّي أتوب ثمّ أعود.

فقال: «كلّما أذنبت استغفر الله».

فقال: إذن تكثر ذنوبي.

فقال: «عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتّى يكون الشيطان هو المدحور»(1) .

ولكن على الإنسان المؤمن أن لا يؤخّر التوبة؛ فإنّ تأخير التوبة اغترار كما روي(2) عن صادق العترة الطاهرة (صلواته الله عليهم أجمعين).

ثمّ لو تأمّلنا في الآية نجدها تأمر الذين آمنوا، حيث قالت:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً... ) . فهل هذا الأمر محمول على وجوب التوبة، أم محمول على استحباب التوبة وندبها؟

الجواب: إنّ التوبة واجبة بالإجماع بين المسلمين، وهي واجبة؛ سواء كانت من الذنوب الكبائر، أم من الصغائر بلا فرق في ذلك.

وأحد الأدلّة على وجوبها هي هذه الآية، وآيات أخر أمرت بها، كقوله تعالى:( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (3) ، وقوله تبارك وتعالى

____________________

(1) وسائل الشيعة 16 / 81، باب تجديد التوبة، ح5.

(2) كنز الفوائد / 195.

(3) سورة النور / 31.


أيضاً:( وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ) (1) .

هذا الدليل القرآني، وأمّا الدليل الروائي، فما ورد عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اعترفوا بنِعَمِ الله، وتوبوا إلى الله من جميع ذنوبكم...»(2) .

وأمّا الدليل العقلي على وجوبها، فهو ما ذكر في عدّة كتب، منها الباب الحادي عشر، حيث قال الشارح: وهي - التوبة - واجبة لوجوب الندم إجماعاً على كلّ قبيح وإخلال بواجب...؛ لكونها دافعة للضرر، ودفع الضرر وإن كان مظنوناً واجب، فيندم على القبيح...(3) .

وعليه فالإجماع مع الأدلّة الشرعية والعقلية قائم على وجوب التوبة(4) .

ثمّ الآية قالت: (نصوحاً)، فما معنى نصوح؟

وردت هذه الكلمة في التفاسير وكانت مورد اهتمام عند المفسّرين، والذي كادوا أن يتفقوا عليه هو أنّ المراد من التوبة النصوح هو: التوبة بإخلاص.

وأمّا كيف أنّ الإنسان يحصل على التوبة النصوح؟ أي كيف يحقّق هذا الأمر، وهو التوبة النصوح؟ فهذا هو المهمّ، وهذا هو المطلوب.

____________________

(1) سورة هود / 3.

(2) بحار الأنوار 48 / 153.

(3) شرح الباب الحادي عشر / 93.

(4) في رحاب التوبة / 41 - 45.


ولعلّ ذلك يتحقّق بما ورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في نهج البلاغة أنّ قائلاً قال بحضرتهعليه‌السلام : استغفر الله. فقال له: «ثكلتك اُمّك! أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ؛ أوّلها الندم على ما مضى، الثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً، والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله سبحانه أملس ليس عليك تبعة، الرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السُّحت فتذيبه بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينها لحم جديد، والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله»(1) .

فيتضح من خلال هذا الحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام شرائط التوبة النصوح، فإذا حقّقها الإنسان بإخلاص فقد أدّى وأمتثل الأمر بوجوب التوبة النصوح وإلاّ فلا.

فهذه هي إذن شرائط التوبة النصوح.

أوّلها: الندم على ما مضى، «إلهي إن كان الندم على الذنب توبة فإنّي وعزّتك من النادمين»(2) .

ثانيها: العزم على ترك العود إليه أبداً، بأن يتعهّد أن لا يعود إلى ما ارتكبه سابقاً.

وثالثها: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم، بأن لا يترك حقّاً من حقوق

____________________

(1) نهج البلاغة - قصار الحكم - الرقم 412.

(2) الصحيفة السجّادية - مناجاة التائبين.


الناس عليه؛ سواء كانت مالية أو غيرها من غيبة أو غير ذلك، بأن يأتي يوم القيامة أملس ليس عليه تبعة للآخرين.

ورابعاً: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها، من صلاة أو صوم أو حج إلى غير ذلك ممّا في ذمّتك.

وخامسها: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان، بأن يسهر ليله ويضما في نهاره إلى أن يذيب ذلك اللحم الذي نشأ على لقمة الحرام.

وسادسها: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، بأنّ الإنسان المذنب كما استأنس بالمعصية وحلاوتها سابقاً يأتي الآن لأن يذيق الجسم والروح آلام الطاعات، بأن يتعب نفسه في العبادات والطاعات.

فإذا تمّت هذه الشرائط الست عندئذٍ يتمكّن الإنسان من أن يقول: استغفر الله، ويكون قد حقّق التوبة التي أرادها الله تبارك وتعالى.

فإذا حقّق الإنسان هذه الشرائط سوف يترتّب عليها ثمرات ونتائج مهمّة أشارت الآية المباركة إلى بعضها، وأشارت الآيات الأُخر إلى البعض الآخر، وهكذا الأحاديث الواردة عن أهل البيتعليه‌السلام أشارت إلى تلك الثمرات.

وأمّا الثمرات المترتّبة على التوبة النصوح في هذه الآية فهي:

الأوّل: تكفير السيئات، حيث قالت الآية:( عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ


سَيِّئَاتِكُمْ... ) .

والثاني: دخول الجنات، حيث أشارت إليه الآية:( وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) .

وهناك ثمرات ونتائج أشارت إليها بعض الآيات والروايات، منها: تبديل السيئات بالحسنات، أشارت إليه الآية المباركة:( إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) (1) .

ومنها: حبّ الله لهم، قال تعالى:( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) (2) .

ومنها: نزول الرحمة على التائب، أشار إليه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله: «التوبة تستنزل الرحمة»(3) .

ومنها: طهارة القلب، فعن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «التوبة تطهّر القلوب، وتغسل الذنوب»(4) ، إلى غير ذلك من الثمرات الدنيوية والأخروية.

ولا فرق حينئذ بين أن يتوب الإنسان قبل سنة من حياته، وبين أن تظهر علامات الموت؛ لِما ورد عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «مَنْ تاب إلى الله قبل موته بسنة تاب الله عليه»، ثمّ قال: «ألا وسنة كثير، مَنْ تاب إلى الله قبل موته بشهر تاب الله عليه»، وقال: «شهر كثير، مَنْ تاب إلى الله قبل موته بجمعة تاب الله عليه»، قال: «وجمعة كثير، مَنْ تاب إلى الله قبل موته بيوم تاب الله عليه»، قال: «ويوم كثير، مَنْ

____________________

(1) سورة الفرقان / 70.

(2) سورة البقرة / 222.

(3) عيون الحكم والمواعظ / 43، ومستدرك الوسائل 12 / 129.

(4) مستدرك الوسائل 12 / 129.


تاب إلى الله قبل موته بساعة تاب الله عليه»، ثمّ قال: «وساعة كثير، مَنْ تاب إلى الله قبل أن يغرغر بالموت تاب الله عليه»(1) .

المهم إنّ الإنسان يخلص في توبته إلى الله تبارك وتعالى، ويخرج من الدنيا وهو نادم على ما عمله من أعمال لم ترضِ الله تبارك وتعالى.

ومصداق التائب النادم قبل أن تغرغر روحه بالموت الحرّ بن يزيد الرياحي يوم جعجع بالحسينعليه‌السلام في ألف فارسٍ ليحبسه عن الرجوع، استقبلهم الحسينعليه‌السلام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إنّها معذرة إلى الله (عزّ وجلّ) وإليكم، وإنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمِت بها عليَّ رسُلُكم أن أقدم علينا؛ فإنّه ليس لنا إمام، ولعلّ الله يجمعنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك قد جئتكم فأعطوني ما أطمئن به من عهودكم ومواثيقكم».

فقال الحرّ: ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها!

فأمر الحسينعليه‌السلام عقبة بن سمعان فأخرج خرجين مملؤين كتباً، وهي كُتب أهل الكوفة تشكو للحسين ظلم يزيد، ويدعونه للقدوم عليهم ليكون إمامهم.

ولم يقتنع الحرّ بكلّ هذا الكلام، وصمّم على قطع المسير على أبي عبد اللهعليه‌السلام ، إلى أن وصل يوم عاشوراء، ورأى أنّ القوم صممّوا على قتال الحسينعليه‌السلام ، قال لعمر بن سعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟

قال: أي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي.

فأخذ الحُر يقول: إنّي اُخيّر نفسي

____________________

(1) الكافي 2 / 440، ح2، وفيه قبل أن يعاين الموت.


بين الجنّة والنار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت وحُرّقت. ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسينعليه‌السلام . وجاز على عسكر ابن سعد واضعاً يده على رأسه وهو يقول: اللّهمّ إليك أنبتُ فتب عليّ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك.

ثمّ قال للحسينعليه‌السلام : جعلت فداك! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم، وأنا تائب إلى الله ممّا صنعت، فهل ترى لي من توبة؟

فقال له الحسينعليه‌السلام : «نعم، يتوب الله عليك»(1) .

وعندما رمى ابن سعد سهماً نحو مخيّم الحسينعليه‌السلام صاح: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى. فرمى أصحابه كلّهم، فلم يبقَ من أصحاب الحسينعليه‌السلام أحد إلاّ أصابه سهمٌ من سهامهم.

فقال الحسينعليه‌السلام لأصحابه: «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم».

فقال له الحرّ: يابن رسول الله، كنت أوّل خارج عليك فأذن لي لأكون أوّل قتيل بين يديك، وأوّل مَنْ يصافح جدّك غداً(2) .

فأذن له الحسينعليه‌السلام ، فتقدّم وهو يقول:

إنّـي أنا الحرّ ومأوى الضيفِ

أضـربُ فـي أعناقكم بالسيفِ

عن خيرِ مَنْ حلَّ بأرضِ الخَيفِ

____________________

(1) انظر مثير الأحزان / 44.

(2) بحار الأنوار 45 / 13.


فقاتل قتالاً شديداً حتّى قتل أكثر منهم أربعين فارساً وراجلاً، وبعدما عَقر فرسه بقي يُقاتل راجلاً، فحملت عليه الرجّالة وتكاثروا عليه حتّى قتلوه، فاحتمله أصحابُ الحسين ووضعوه بين يديه، فجعل الحسينعليه‌السلام يمسح وجهه ويقول: «أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك، وأنت الحرّ في الدنيا والآخرة»(1) .

هـوى اُوجاه اُووگف يـمّه المشكّر

وشـافه اعلى الثره مرمي امعفّر

مسح وجهه وگله أنـت صدگ حر

ورد الـمركزه والـدمع منـثور

لكن لو سألتني عن بُعد قبر الحرّ عن سائر الشهداء لأجبتك: إنّ السبب في ذلك أنّ الحرّ لم يُقطع رأسه مع أصحاب الحسينعليه‌السلام ، بل حملته عشيرته عندما أمر ابن سعد بفصل الرؤوس عن الأجساد.

قامت بنو رياحٍ وقالت: والله، لا يُقطع رأسُ زعيمنا وأيدينا على قوائم سيوفنا.

فقال ابن سعد: احملوا جسد شيخكم. فحملته عشيرته ودفنوه في هذا المكان.

هذا وزينب واقفة وهي تنظر إلى الحرّ وقد حملته عشيرته، والحسينعليه‌السلام مُلقىً على وجه الأرض، وكأنّي بها تنادي: وا حسيناه! وا غريباه(2) !

____________________

(1) ثمرات الأعواد 1 / 184 - 188.

(2) مجمع المصائب 1 / 125 - 127.


الـعشيره شـالته ابحر الظهيره

الـكل مـنهم عليه شالته الغيره

بـس ظـلّوا الماعدهم عشيره

ضحايه بالشمس من غير تغسيل

والله الـعشيره اشـلون تـنفع

مـنها الـيطيح اعـليه تـفزع

أوحـالاً عـلى الروس ايتشيّع

وانـه اخـوتي ويـن المشعشع

كـلّ مـنهم اعلى الثرى موزع

جـسمه وچِتـل حتّى الرضع

وبلا دفـن خـلوهم أجـمع

(أبو ذيّة):

يـحادي لا تسج بالظعن بيداي

دلـيلي الفگد أبو السجّاد بيداي

ريّض خل اغسل احسين بيداي

وادفـنه لا يـظل جسمه رميه

* * *

ليس الغريبُ غريبَ الأهل والوطن

بـل الغريبُ غريب الغسلِ والكفنِ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس السابع

القناعة



المجلس السابع

القناعة

راحـلٌ أنـتَ والليالي نزولُ

ومـضرٌ بـكَ البقاءُ الطويلُ

لا شـجاعٌ يـبقی فيعتنقُ الـ

ـبيضَ ولا آمـلٌ ولا مأمولُ

غـايةُ الناسِ في الزمانِ فناءٌ

وكـذا غايةُ الغصونِ الذبولُ

إنّـما الـمرءُ للمنيةِ مَخبو

ءٌ ولـلطعنِ تُـستَحَمُّ الـخيولُ

عـادةٌ لـلزمانِ في كلّ يوم

تُـنتأى جـيرةٌ وتُبكی طُلولُ

كـلّ بـاكٍ يـبكی عليهِ وإن

طـالَ بقاءٌ والثاكلُ المثكولُ

أيُّ يـومٍ أدمی الـمدامعَ فيه

حـادثٌ أريـعٌ وخطبٌ جليلُ

يومُ عاشور الذي لا أعان الـ

ـصحبُ فيهِ ولا أجارَ القبيلُ

يابنَ بنتِ النبّي ضيّعتِ العهـ

ـدَ رجـالٌ والـحافظونَ قـليلُ

مـا أطاعوا الـنبّي فـيكَ وقد

مـالت بأرماحها إليك الذحولُ

أتـراني ألـذّ مـاءً ولـمّا

يُـرْوَ من مهجةِ الإمامِ الغليلُ

أتـراني أُعيرُ وجهي صوناً

وعلی وجههِ تجولُ الخُيولُ(1)

* * *

____________________

(1) القصيدة للشريف الرضيرحمه‌الله ، قال عنه في أدب الطفّ 2 / 216 - 218: الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمّد بن الطاهر ذي المنقبتين أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفرعليه‌السلام .

ولد سنة 359 هـ ببغداد، وتوفي سنة 406 هـ في السادس من المحرّم، ودُفن بداره في بغداد، ثمّ نُقل إلى مشهد الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.

نظم الشعر في عهد الطفولة ولم يزد عمره على عشر سنين، فأجاد وحلّق وحاز قصب السبق بغير منازع.

قال عنه صاحب عمدة الطالب: كانت له هيبة وجلالة، وفيه ورع وعفّة، وتقشّف ومُراعاة للأهل والعشيرة. ولي نقابة الطالبيّين مراراً، وكانت له إمارة الحج والمظالم. كان يتولّى ذلك نيابة عن أبيه ذي المناقب، ثُمّ تولّى ذلك بعد أبيه مستقلاً، وحجَّ بالناس مرّات.

أمّا مكانته العلمية فهو أوحد علماء عصره، وقد قيل: إنّ الرضي أعلم الشعراء لولا المرتضى، والمرتضى أشعر العلماء لولا الرضي. وهذه مؤلّفاته تعطينا صورة جلية عن براعته، فهذا (حقائق التأويل في متشابه التنزيل) كما يقول ابن جني: صنّف الرضي كتاباً في معاني القرآن الكريم يتعذّر وجود مثله، و(كتاب المجازات النبوية)، و(تلخيص البيان عن مجازات القرآن) وغيرها. وهو الذي جمع كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام وأسماه نهج البلاغة....


مـن سحگت عليه الخيل

طـلعت زيـنب تـنادي

اويـلي عـليك يابن اُمّي

ويـاروح الـنبي الهادي

بعد هاي المصيبة اشلون

تـبـرد جـمرة افـادي

عمت عيني يخويه حسين

عـسه ولا شاهدت عيني

* * *


عن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ قنع من الله باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل»(1) .

القناعة: هي الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال وغيره من أمور الدنيا، وهي صفة فاضلة، وهي من أعظم الوسائل للوصول إلی السعادة الأبدية. والقنوع مرتاح البال، متفرّغٌ لأمر الدين للسلوك إلی طريق الآخرة(2) .

فضل القناعة

عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنَّه قال: «خمسٌ منْ لم تكن فيه لم يتهنأ بالعيش: الصحة، والأمن، والغنی، والقناعة، والأنيس الموافق»(3) .

قيل لبعض الحكماء: رأيت شيئاً أفضل من الذهب؟

قال: نعم، القناعة.

وإلى هذا ينظر قول بعض الحكماء: استغناؤك عن الشيء خيرٌ من استغنائِك به.

كان ديوجانس الكلبي من أساطين الحكماء اليونان، وكان متقشّفاً زاهداً لا يقني شيئاً ولا يأوي إلی منزل. دعاه الإسكندر إلی مجلسه، فقال للرسول: قل له: إنَّ الذي منعك من المسير إلينا هو الذي منعنا من المسير إليك؛ منعك اسغناؤك

____________________

(1) الكافي 2 / 138ح3.

(2) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 379.

(3) مشكاة الأنوار / 260 - 261.


عنَّا بسُلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي(1) .

هذه هي القناعة، وضدّها الطمع، وقد عرفنا القناعة وفضلها، فلنعرف الآن الطمع ومساوئَه والممدوح منه.

أمّا الطمع: فهو تمنّي ما في أيدي الناس، وأن يعطوه ما عندهم، وهو من الرذائل المهلكة، وهو اشتهاء الشيء والرغبة فيه والحرص عليه(2) .

إلاّ أنّه يُمدح الطمع في بعض الموارد، وهي:

1 - الطمع بعفو ورحمة الله عزَّ وجلَّ.

2 - الطمع بنعيم الآخرة وسعادتها.

وأمّا مطلق الطمع فهو مذموم أشدَّ الذمّ، ويصل في بعض الأحيان إلی قتل الإنسان.

رُوي أنَّ المسيحعليه‌السلام خرج يوماً إلی البرّية ومعه ثلاثة من أصحابه، فلمّا توسّعوا في البرّية رأوا لبنة من ذهب مطروحة في الطريق، فقال عيسیعليه‌السلام : هذا الذي أَهلك من البرّية مَنْ كان قبلكم، إيّاكم ومحّبة هذا. فمضوا عنها، فما مضی ساعة حتّی قال واحد منهم: يا روح الله، ائذن لي في الرجوع إلی البلد فإنّي أَجدُ الأَلم. فأذن له، فأتی إلی اللبنة ليأخذها فجلس عندها.

فقال الثاني: يا روحَ الله، ائذن لي في الرجوع. فأذن له، وكذلك الثالث، فاجتمعوا عند تلك اللبنة ليأخذوها، فقالوا: نحنُ جياع، فليمضِ واحد منّا إلی البلد ليشتري لنا طعاماً

____________________

(1) سفينة البحار 7 / 375.

(2) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 377.


حتّی ندخل البلد، فمضی واحد فأتی إلی السوق واشتری طعاماً، فقال في نفسه: إنّي أجعل فوقه سُمّاً فيأكلان فيموتان، فتبقی تلك اللبنة لي وحدي. فوضع في الطعام سُمّاً.

وأمّا الآخران فتعاقدا علی أن يقتلاه ويأخذا اللبنة، فلمّا جاء بالطعام بادرا إليه وقتلاه، وجلسا يأكلان الطعام، فما أكلا قليلاً حتّی ماتا، فصاروا كلّهم أمواتاً حول تلك اللبنة، فلمّا رجع عيسیعليه‌السلام مرّ علی تلك اللبنة، فرأی أصحابه أمواتاً، فعلم أن تلك اللبنة هي التي قتلتهم، فدعی الله فأحياهم لأجله، فقال لهم: أمّا قُلتُ لكم: إنَّ هذا هو الذي أهلك مَنْ كان قبلكم! فتركوا اللبنة ومضوا(1) .

من نتائج القناعة

1 - العزّ

عن الإمام عليعليه‌السلام : «ثمرة القناعة العزّ»(2) .

2 - الاكتفاء والرضا بما عنده.

3 - صلاح النفس

عن الإمام عليعليه‌السلام : «أعون شيءٍ علی صلاح النفس القناعة»(3) .

4 - القناعة راحة: عن الإمام الحسينعليه‌السلام : «القُنوع راحة الأبدان»(4) .

____________________

(1) زهر الربيع / 406.

(2) عيون الحكم والمواعظ / 208.

(3) المصدر نفسه / 112.

(4) بحار الأنوار 75 / 28، باب وصايا الحسينعليه‌السلام .


5 - حساب يسير يوم القيامة.

من قصص القناعة

عن أبي بصير قال: سمعتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: «أرسل عثمان إلی أبي ذرّ (رضي الله عنه) موليين له ومعهما مئتا دينار، فقال لهما: انطلقا إلی أبي ذرّ فقولا له: إنَّ عثمان يُقرئك السّلام، ويقول لك هذه مئتا دينار فاستعن بها علی ما نابك.

فقال أبو ذرّ: هل أعطی أحداً من المسلمين مثل ما أعطاني؟

قالا: لا.

قال: إنّما أنا رجلٌ من المُسلمين يسعني ما يسع المُسلمين.

قالا له: إنّه يقول: هذا من صُلب مالي، وبالله الذي لا إله إلّا هو ما خالطها حرام، ولا بعث بها إليك إلاّ من حلال.

فقال: لا حاجة لي فيها وقد أصبحتُ يومي هذا وأنا من أغنی الناس.

فقالا له: عافاك الله وأصلحك! ما نری في بيتك قليلاً ولا كثيراً ممّا يتمتع به.

فقال: بلی، تحت هذا الأكاف الذي ترون رغيفا شعير ٍ قد أتی عليهما أيّام، فما أصنع بهذه الدنانير؟ لا والله حتّی يعلم الله أنّي لا أقدر علی قليلٍ ولا كثيرٍ وقد أصبحتُ غنيّاً بولاية علي بن أبي طالبعليه‌السلام وعترته الهاديين المهديين، الراضين المرضيين، الذين يهدون بالحقّ وبه يعدلون. وكذلك سمعتُ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: فإنَّه لقبيحٌ بالشيخ أن يكون كذّاباً.

فردّاها عليه واعلماه أنّي لا حاجة لي فيها ولا فيما عنده حتّی ألقی الله ربّي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه»(1) .

وروي أيضاً أنّهما قالا لأبي ذر: إن أنت أخذتها أعتقنا عثمان.

فقال أبو ذرّ لهما: أعتقكما عثمان واسترقّني.

فهكذا تعلّم وتربّى أبو ذرّ الغفاري من النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأن لا يكون عبداً مسترقّاً وإن كلّفه ذلك أن يموت وحيداً

____________________

(1) بحار الأنوار 22 / 398، ح5.


وغريباً، وكذا تربی وعاش أبو الفضلعليه‌السلام بأن لا يكون مسترقّاً؛ فقد تعلّم الصرخة الحسينية: هيهات منّا الذلّة! ولذا تری أنّهعليه‌السلام لمّا جاء إليه الشمر (لعنه الله) ومعه كتاب من ابن زياد فيه الأمان للعباس وإخوته، بحيث لو رضي به العباس وإخوته لحصل الشمر علی جائزة من عبيد الله بن زياد (لعنه الله).

فصاح الشمر: أين العباس وإخوته؟

وكان العباس وقتئذٍ جالساً بين يدي الحسينعليه‌السلام ، فأطرق برأسه حياءً من الحسين، فصاح الشمر ثانياً وثالثاً، فالتفت الحسينعليه‌السلام إلی أخيه أبي الفضل العباسعليه‌السلام قائلاً: «أجبه يا أخي ولو كان فاسقاً».

ركب أبو الفضلعليه‌السلام جواده وأتی نحو الشمر، قال: ما تريد يابن ذي الجوشن؟

فقال: يا أبا الفضل، هذا كتاب من ابن زياد يذكر فيه بأنّك أنت الأمير علی هذا الجيش، وأنت وإخوتك آمنون فلا تعرّض نفسك للقتل.

فقال له العباسعليه‌السلام : لعنك الله ولعن آمانك! أتُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟ ويلك! أفبلموت تخوّفني وأنا المميت خواض المنايا؟ أأَترك مَنْ خلقني الله لأجله وأدخل في طاعة اللعين وأولاد اللعناء؟!(1)

نعم، كيف يترك إمام زمانه وسيّده ومولاه؟

ولذا نری سيد الشهداءعليه‌السلام قد وفی بذلك عندما وقع أخوه أبو الفضلعليه‌السلام ونادی: أخي يا حسين! أدرك أخاك.

____________________

(1) انظر الإرشاد 2 / 89، تاريخ الطبري 4 / 315، بحار الأنوار 44 / 391.


أقبل أبو عبد اللهعليه‌السلام نحو مصرعه، كشف الأعداء عن جسد أبي الفضل العباسعليه‌السلام .

يقول حميد بن مسلم: لمّا وصل بالقرب من العباس طأطأ رأسه إلی التراب وحمل شيئاً وقبّله، نظرنا وإذا هي يمين العبّاس، بعد ذلك طأطأ رأسه مرّة ثانية وحمل شيئاً آخر وقبّله وإذا هي شمال العباسعليه‌السلام ، بعد ذلك أخذ شيئاً آخر وقبّله، نظرنا وإذا بها عمامة العباس ملطخة بالدماء...

وصل إليه أخذ رأسه وضعه في حجره، أرجعه أبو الفضل وعفرّه بالتراب، أرجعه الحسين مرّةً ثانية إلی حجره، أرجعه العباس إلی التراب، وهكذا ثالثاً؛ فالتفت إليه الحسينعليه‌السلام قائلاً: «الوداع الأخير يابن والدي».

فقال العباس: أخي أبا عبد الله، يابن الزهراء، الآن أنت تأخذ برأسي تضعه في حجرك، ولكن روحي فداك أبا عبد الله! مِن بعدي مَنْ الذي يأخذ برأسك؟ مَنْ الذي يمسح الدم والتُراب عن وجهك؟

يـخويه مَـنْ يغمضلك اعيونك

يـا هـو اليگف يـحسين دونك

عله افراگي اشوف انخطف لونك

وتـضل بـعدي يبو سكنه محيّر

يـا عـباس لـمّنْ صدّت العين

مـنّـي لـعد ايـديك الاثـنين

ودمـهن يـسيل اوشـفت چفين

فـوگ الـثری نـاديت صوتين

واحـد نـواعي اوواحـد ونين

يـعباس صـارت طيحتك وين


يعباس آنه اعضيدك احسين

مگدر علی أفراگك يلحنين

وسـفه يـفرگ بينّه البين

(أبو ذيّة):

چنـت عوني ونه بالكون عونك

گضيت اللي عليك اوفزت عونك

لچن يا هو من اصيح يصيح عونك

يـخويه حـسين بـس آمر عليَّ

* * *

ما خلتُ بعدَك أن تُشلَّ سواعدي

وتكفَّ باصرتي وظهريَ يُقصمُ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



المجلس الثامن

صلة الرحم



المجلس الثامن

صلة الرحم

الـبـدارَ الـبـدارَ آلَ نزار

قـد فُـنيتم ما بين بيضِ الشِّفارِ

سـوّموا الـخيلَ واطلقوها عِراباً

واتـركوها تـشقّ بـيد الـقفارِ

وابـعـثوها صـوابـحاً فـأُميَّ

وسـمت أنـفَ مجدِكم بالصغارِ

لا تلـد هـاشـميةٌ عـلـوياً

إن تـركـتم أُمـيَّةٌ بـقـرارِ

أنـزارٌ نـضُّوا برودَ التهاني

فحسينٌ عـلی الـبسيطة عاري

لا تـمدُّوا لـكم عن الشمس ظِلاً

إنَّ فـي الـشمسِ مهجةَ المختارِ

لا تـذوقوا المعينَ واقضوا ظمايا

بـعد ظـامٍ‌ قـضی بحدِّ الغِرارِ

حقَّ أن لا تُـكفّنوا هـاشمياً

بـعد مـا كفّنَ الـحُسينَ الـذاري

لا تـشـقّوا لآلِ فـهرٍ قـبوراً

فـابن طـه مُـلقیً بـلا إقـبارِ

طأطيِءُ وا الرُّؤوسَ إنَّ رأسَ حُسينٍ

رفـعوهُ فـوق القنا الخطّارِ(1)

فعندما رأت العقيلة زينبعليها‌السلام رؤوس إخوتها وأولادها وأولاد عمومتها علی القنا تذكّرت عزّها، وتوجّهت نحو كافلها أبي الفضل العباس.

____________________

(1) القصيدة للشيخ عبد الحسين شكررحمه‌الله ، قال عنه السيّد جواد شبّررحمه‌الله في أدب الطفّ: الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ أحمد بن شكر النجفي ابن الشيخ أحمد بن الحسن بن محمّد بن شكر الجباوي النجفي. توفي بطهران سنة 1285، وكان والده الشيخ أحمد من العلماء المصنفين.

رثى أهل البيتعليهم‌السلام بقصائد كثيرة تزيد على الخمسين؛ منها روضة مرتبة على الحروف، وشعره يرويه رجال المنبر الحسيني في المحافل الحسينية. وقد تصدّى الخطيب الشهير الشيخ محمّد علي اليعقوبي لجمع ما نظمه الشاعر في أهل البيتعليهم‌السلام من القصائد والمقاطيع من مديح ورثاء فنشره في كراسة تناهز المئة صفحة.

وآل شكر أسرة قديمة من الاُسر العربية الشهيرة بالنجف، عُرفت باسم (شكر) أحد أجدادها الأقدمين، وأصلهم من عرب الحجاز. (أدب الطفّ 7 / 187 - 188).


(بحراني):

صـاحت دخـيلك يالمگطّع بالشريعه

جـاها النده ردّي تری إچفوفي گطيعه

لـلـخيم ردّي لـلـيتاما يـالـوديعه

تـدرين بيه امگطّعه إيميني واليسار

امـطبّر ومن جوفي انزفت كلّ الدموم

روحي العلي الأكبر يزينب بلچن يگوم

أيـسّت مـنه أوبـاليتامی ردّت تحوم

إتـنخي أومن كثر النواخي گلبها طار

* * *

صاحت صوت ياعباس وينك

گوم اوجرّد الماضي بيمينك

وخـلها تصد واتشوف عينك

آيا حـمـانا الـفاگدينك

* * *


قال تعالی:( اتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (1) .

لقد دعا الإسلام إلی الألفة والمحبّة بين جميع الناس، وأوصاهم أن يتعارفوا ويتآلفوا، وأكد علی ذلك وشدّد عليه في حقّ القرابة، المعبّر عنها بالرحم.

هذه الرحم قد أوصی الله بصلتها، ونهی عن قطيعتها، وحذّر الأرحام من التدابر والتقاطع.

وليس معنی ذلك أن تصبح القرابة صنماً يتحكّم بعواطف الناس وعقائدها، وتتحوّل الأرحام إلی آلهة تجرف في طريقها كلّ عدلٍ‌ وحقٍّ، ويتحوّل علی أساسها الباطل إلی حقٍّ والحقّ إلی باطلٍ، بل معناها أن يكون بين الأرحام تواصلٌ وتعاطف وتوادّ في الله ومن أجلِ الله، فتتحوّل هذه الصلة إلی طُهرٍ ونزاهة يجتمع فيها الأرحام علی طاعةِ الله وتقواه، ولا يفصمها ولا يزلزها حادث عابر أو قضية تافهة؛ ومن هُنا كان للأرحام حقوق أشدّ وأقوی من حقوق سائر المسلمين يحسن بنا أن نمرّ عليها ونتدبّرها(2) .

من بعد هذه المقدمة نرجع إلی الآية.

ابتدأت الآية المباركة الأمر بالتقوی، فقالت:( واتقوا الله ) ؛ وذلك لأهمية التقوی ودورها في بناء قاعدة المجتمع الصالح، سبّبت في أن تذكر مجدّداً في نهاية الآية الحاضرة، وأن يدعو سُبحانه الناس إلی التزام التقوی،

____________________

(1) سورة النساء / 1.

(2) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 847.


غاية الأمر أنّه تعالی أضاف إليها جملة اُخری إذ قال:( َاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ ) ، بمعنی اتقوا الله الذي هو عندكم عظيم، وتذكرون اسمه عندما تطلبون حقوقكم وحوائجكم فيما بينكم.

إنَّ ذكر هذا الموضوع هنا يدلّ أوّلاً علی الأهمية الفائقة التي يُعطيها القُرآن الكريم لمسألة الرحم، وتشجيعه القربی إلی درجة أنّه يذكر اسم الأرحام بعد ذكر اسم الله سُبحانه، وهو إشارة - ثانياً - إلی الأمر الذي ذُكر في مطلع الآية، وهو أنّكم جميعاً من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدة، وهذا يعني - في الحقيقة - أنَّ جميع أبناء آدم أقرباء وأرحام، وهذا الارتباط والترابط يستوجبُ أن يتحابّ الجميع ويتوادّوا دون تفريقٍ أو تمييزٍ بين عنصرٍ وآخر، وقبيلة واُخری، تماماً كما يتحابّ أفراد القبيلة الواحدة(1) .

مَنْ هم الأرحام؟

الأرحام: مفهومٌ يُعيّنه العرف، والقدر المتيقن منه الآباء والأبناء، والإخوة والأعمام والأخوال، وأولادهم المُباشرون. وهؤلاء أمرنا الله بصلتهم وفرض علينا التعاون معهم، وكانت الوصية بالأرحام من الله لكي نحفظهم ونرعاهم.

رُوي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «أوّل ناطقٍ من الجوارح يوم القيامة الرحم، تقول: يا رب، مَنْ وصلني في الدُنيا فصل اليوم ما بينك وبينه، ومَنْ قطعني في الدنيا

____________________

(1) تفسير الأمثل 3 / 81 - 82.


فأقطع اليوم ما بينك وبينه»(1) .

آثار قطيعة الرحم

وإنَّ من الذنوب الكبيرة، والجرائم العظيمة أن يقطع الإنسان رحمه، وينصبه العداء، ويقف في وجهه شاهراً لسانه، مُعلناً غضبه... إنَّ قطيعة الرحم من الكبائر، وهي لا تجوز في قاموس المسلمين وإن كُنّا نجد هذه الظاهرة ولو بدرجة خفيفة.

وقد يترتّب علی قطع الرحم آثار سيئة، وعُقوبة جسيمة، وعذاب من الله شديد، وهذه بعض آثار قطيعة الرحم:

1 - إنَّ أهم أثر لقطيعة الرحم أنَّها تُدخل النار، وتُغضب العزيز الجبّار؛ فإنَّ الله أوعد بعذاب أليمٍ لمَنْ قطع رحمه.

عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «أخبرني جبرائيل أنّ ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاقٍ، ولا قاطعُ رحم، ولا شيخٌ زانٍ»(2) .

2 - من آثار قطيعة الرحم أن تتحول الأموال إلی أيدي الأشرار، فعن الإمام الباقرعليه‌السلام : «إذا قُطعت الأرحام جُعلت الأموال في أيدي الأشرار»(3) .

3 - قطيعة الرحم من الذنوب التي تُعجّل الفناء؛ ففي خطبة

____________________

(1) الكافي 2 / 151، ح8.

(2) المصدر نفسه 2 / 349، ح6.

(3) المصدر نفسه 2 / 247 - 248، ح7.


لأمير المؤمنينعليه‌السلام يقول: «أعوذ بالله من الذنوب التي تُعجّل الفناء».

فقام إليه عبد الله بن الكوّاء اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين، أو يكون ذنوب تُعجّل الفناء؟

فقال: «نعم، ويلك! قطيعة الرحم»(1) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : «الذنوب التي تُعجّل الفناء قطيعة الرحم»(2) .

4 - قطيعة الرحم سببٌ لحلول النقم، فعن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «حلول النقم في قطيعة الرحم»(3) .

5 - قاطع الرحم لا تنزل عليه الرحمة، ولا علی الذين معه، كما ورد مرويّاً عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «إنَّ الرحمة لا تنزل علی قومٍ فيهم قاطع رحم»(4) .

6 - قاطع الرحم لا تنزل عليه الملائكة، ولا علی القوم الذي هو فيهم، كما ورد بنفس المضمون المتقدّم: «إنّ الملائكة لا تنزل علی قومٍ فيهم قاطع رحم»(5) .

7ـ تعجيل العقوبة الدنيوية، فعن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «ما من ذنبٍ أجدر من أن يُعجّل الله تعالی لصاحبه العقوبة في الدُنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب»(6) .

____________________

(1) الكافي / 247 - 248.

(2) علل الشرائع 2 / 584، ح27.

(3) عيون الحكم والمواعظ / 234.

(4) مستدر الوسائل 9 / 107، ح2.

(5) مجمع الزوائد 8 / 151.

(6) المصدر نفسه.


هذا كلّه في الآثار السلبية لقطيعة الرحم، وكذا توجد آثار ايجابية كثيرة وعظيمة جدير بكُلّ إنسانٍ عاقل أن يتدبّرها ويكتبها، ويبحث عنها ويوفّرها لنفسه؛ فإنَّها في متناول يده وتحت سُلطانه، ولا يستطيع أن يأتي بالمعاذير فإنَّها غير مقبولةٍ علی الإطلاق، وهذه الآثار الإيجابية.

آثار صلة الرحم

1 - طاعة الله عزّ وجلَّ، وامتثالاً لأمره، وهذا المعنی هو غاية مطمح أنظار المؤمنين؛ فإنَّهم باستمرار يبحثون عن رضاه، ويكون ذلك من أهم عوامل إدخال السرور عليهم، والراحة لنفوسهم.

2 - صلة الرحم تزيد في العُمر، فعن أمير المؤمنينعليه‌السلام مخاطباً أحد أصحابه واسمه نوف: «يا نوف، صل رحمك يزيدُ الله عُمُرك»(1) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام [أنّه قال ]: «إنَّ الرجُل ليصل رحمه وقد بقي من عُمُره ثلاث سنين فيُصيّرها الله عزَّ وجلَّ ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عُمُره ثلاثون سنة فيُصيّرها الله ثلاث سنين، ثمّ تلا:( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» )(2) .

3 - صلة الرحم تهوّن سكراتِ الموت، وكذا شدائده، وتقي من ميتة السوء، فعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ أحبَّ أن يخفّف الله عزَّ وجلَّ عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه بارّاً، فإذا كان كذلك هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يُصبه في حياته فقرٌ أبداً».

وعن إمامنا الهاديعليه‌السلام - فيما كلّم الله تعالی به موسیعليه‌السلام -: «قال موسی: [ إلهي ]، فما جزاءُ مَنْ وصل رحمه؟

قال: يا موسی، أنسأ له أجله، وأهوّن عليه سكرات

____________________

(1) أمالي الصدوق / 277، ح9.

(2) بحار الأنوار 47 / 163، ح1، والآية 39 من سورة الرعد.


الموت»(1) .

وعن النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صلة الرحم تهوّن الحساب، وتقي ميتة السُّوء»(2) .

4 - صلة الرحم تنفي الفقر وتجلب الخير، كما روي عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر»(3) .

5 - صلة الرحم تزيد في الرزق، فعن الإمام الحُسينعليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ سرّه أن يبسط الله له في رزقه، ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه»(4) .

وغيرها من الآثار المخفية علی عامة الناس.

أقلّ ما يتحقق به صلة الرحم

ثمّ إنّه لو أعوز الإنسان المال ولم يسعفه ذات يده أن يبسطها إلی أرحامه، ويمدّهم بما أعطاه الله من فضله، فلا يبخل عليهم بما تقدر عليه من زيارةٍ لهم، أو التردّد عليهم، ولا أقل من السّلام عليهم؛ فإنَّ صلتهم بهذا المقدار القليل يُطيّبُ قلوبهم، ويرقّق مشاعرهم، ويزرع الحبَّ والثقة في نفوسهم.

____________________

(1) أمالي الصدوق / 432، ح24.

(2) المصدر نفسه / 276، ح1.

(3) أمالي الطوسي / 481، ح18.

(4) قرب الإسناد / 76، ح244.

(5) الخصال / 32، ح112.


وهذا المقدار ينمو ويربو ويُعطي أفضل الثمار، فعن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «صلوا أرحامكم ولو بالسّلام»(1) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، إنَّ الله يقول:( اتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» )(2) .

أفضل صلة الرحم

وأفضل صلة الرحم وأعظمها إذا كان الرحم قاطعاً لها؛ فإنَّ صلتها حينئذٍ تكون خالصةً لوجه الله صافية من جميع شوائب الرياء والتعصّب للأهل والأقارب؛ فإنَّ في حالة الرضا والوفاق تتدخّل المصالح والمنافع والقرابة، ولكن إذا كان رحمك قاطعاً لك تستطيع أن تصله، وبعملك هذا تخرجُه عن عدائه لتضمّه إلی جانبك في حُبٍّ ورضا، بل الإسلام يفرضُ عليك عدم مقاطعة أرحامك وإن كادوك ونصبوا لك العداوة وحاولوا الإضرار بك.

فعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّ رجُلاً أتی النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أهل بيتي أبوا إلاّ توثّباً عليَّ وقطيعةً لي، فأرفضهم؟

فقال: «إذاً، يرفضكم الله جميعاً».

قال: فكيف أصنع؟

____________________

(1) تحف العقول / 57.

(2) الكافي 2 / 155، ح22، والآية 1 من سورة النساء.


قال: «تصل مَنْ قطعك، وتُعطي مَنْ حرمك، وتعفو عمّنْ ظلمك؛ فإنَّك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عزَّ وجلّ ظهير»(1) .

ومن هُنا كان الرحم الكاشح، وهو المعادي، هو المصداق الأفضل للصدقة وللوصل، لعله يرّق قلبه؛ ولذا تری سيد الشهداءعليه‌السلام يأمر أخاه أبا الفضل العباسعليه‌السلام أن يجيبَ الشمر وهو عدو الله، قال له: «أخي يا أبا الفضل، أجبه وإن كان فاسقاً».

ولكنّ الشمر صاح بأعلی صوته بعد ما وعظهم أبو الفضل العبّاسعليه‌السلام : يابن أبي ‌تراب، لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما أسقيناكم منه قطرة.

فرجع العباس إلی أخيه يخبره بجواب القوم، فسمع الأطفال يتصارخون ويُنادون: العطش العطش!

أوتشتكي العطشَ الفواطمُ عنده

وبصدر صعدته الفُرات المفعمُ

فركب جواده ومعه اللواء، وأخذ القربة وقصد الفُرات، فأحاط به أربعة آلاف ممّن كانوا موكّلين بالفُرات، ورموه بالنبال، فكشفهم وقتل منهم جماعة.

وثنی أبو الفضلِ الفوارسَ نكصّاً

فـرأوا أشـدَّ ثباتهم أن يُهزموا

مـا كرّ ذو بـأسٍ لـه مـتقدماً

إلاّ وفرَّ ورأسه الـمتقدمُ

حتّی وصل إلی المشرعة، ركز لواءه ونزل إلی الماء، فلّما أحس ببرد الماء - وقد كظّه العطش - اغترف غرفةً ليشرب، لكنّه تذكّر عطش الحسينعليه‌السلام ،

____________________

(1) الكافي 2 / 150، ح2.


فرمی الماء من يده وقال: لا والله، لا أشربُ وأخي الحُسين عطشان. ثمّ جعل يقول:

يا نفسُ من بعدِ الحُسين هوني

وبَـعدَهُ لا كـنتِ أن تكوني

هـذا حـسينٌ واردُ الـمنونِ

وتـشـربينَ بـاردَ الـمَعينِ

* * *

غـرف غرفه ابيمينه اوراد يشرب

وگلـبه امـن الـعطش نيران يلهب

ذكـر چبـدة عـضيده والدمع صب

ذبّـه أوعـليّ گال الـماي يـحرم

اشـلون اشـرب وَرد ريّـان عنك

وخـوي احـسين ورده انـمنع منك

يـنـهر الـعلگمي عگبـه عـسنّك

وردك لا هـنـه ويـصـير عـلگم

اشلون اشرب وخوي احسين عطشان

وسـكنه والـحرم واطفال رضعان

واظـن گلـب الـعليل التهب نيران

يـريت الـماي بـعده لا حـله أومر

فهذا موقف أبي الفضل العباسعليه‌السلام لأخيه أبي عبد الله الحُسينعليه‌السلام ، وأما موقف أبي عبد الله عندما رآه علی نهر العلقمي نادی: الآن انكسر ظهري.


(فايزي):

ظهري انكسر خويه وانته اللي كسرته

ماني اخوك اشلون اخوك اليوم عفته

إنـته التجيب الماي وانته الكافل انته

اتـخلّي العقيلة بلا ولي بين آل أُميّه

اشـلون أردّن لـلخيم والـخيم ظلمه

عـبّاس خـويه نومتك علگاع هظمه

مـا بين طـفل اليرتجيك وبين حرمه

كـلسا تگول إسا يجيب الماي ليّه(1)

* * *

عباسُ تسمعُ زينباً تدعوك مَنْ

لي ياحماي إذا العدى نهروني

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 137 - 142.


المجلس التاسع

الإيثار



المجلس التاسع

الإيثار

حـامي الظعينة أينَ منهُ ربيعةٌ

أم أيـنَ مـن عـليا أبيهِ مكدّمُ

مـا راعـهم إلاّ تـقحّمُ ضيغمٍ

غـضبان يـعجمُ لـفظهُ ويُدمدمُ

صبغَ الخيولَ برمحهِ حتّى عدت

سـيّانَ أشـقرُ لـونُها والأدهَمُ

عَـرفَ المواعظَ لا تفيدُ بمعشرٍ

صمّوا عن النبأ العظيمِ كما عمُوا

فانصاع يحطِبُ بالجماجمِ والكلا

فـالسيفُ يـنثرُ والمثقّفُ ينظمُ

وهـوى بـجنبِ الـعلقميِّ فليته

لـلشاربينَ بـه يُدافُ الـعلقمُ

ومَشى لمصرعِهِ الحسينُ وطرفُه

بـين الـخيامِ وبـينهُ مـتقسِّمُ

ألـفاهُ مـحجوبَ الـجمالِ كأنّه

بـدرٌ بـمنحطِمِ الـوشيج مُلثّمُ

فـأكبَّ مُـنحنياً عـليهِ ودمعُه

صـبغَ الـبسيطَ كأنّما هو عَندَمُ

قـد رامَ يـلثمهُ فلم يرَ موضعاً

لـم يـدمه عـضُّ السلاح فيُلثمُ

نادى وقد ملأ البـواديَ صيحةً

صُـمُّ الـصخورِ لـهولها تتألمُ

أأخـيّ مَـنْ يحمي بناتَ محمّدٍ

إن صُرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ

هوّنت يابن أبي مصارعَ فتيتي

والـجُرحُ يـسكنهُ الذي هو أألمُ

هـذا حسامُكَ مَنْ يذبُّ بهِ العدى

ولـواك هـذا مَـنْ بـهِ يتقدّمُ

* * *

____________________

(1) القصيدة للسيد جعفر الحليرحمه‌الله ، انظر رياض المدح والرثاء / 243، وقد تقدّمت ترجمته في المجلس الثاني.


نـاده احـسين يعباس هذا لواك

ظل يندب ومهرك بالحرب ينعاك

انـكسر ظهري ولا أگدر لفرگاك

وافراگك يبو فاضل عليّ يصعب

* * *

يـعباس حـسّ احـسين يمك

يبچي وخلط دمعه بفيض دمّك

وحـايـر يـبو فاضل إبـلمك

وسـكنه تـسلّي الطفل باسمك

تگله ساعه ويجيب الماي عمّك

* * *

يـخويه أيـست سـكنه من الماي

تـجي يـمي ذلـيله وتوگف احذاي

يخويه من العطش رادت تجي اوياي

تگلك ويـن وعـدك يـلمشكر

* * *


قال تعالى:( ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) .

الإيثار: هو أرفع درجات الجود والسخاء، وهو أن يجود الإنسان بما لديه من مال أو نفس أو غيرهما ممّا هو نفيس، ويُقدّم غيره عليه.

روى الثعلبي - مفسّر أهل السنة المعروف - في تفسيره أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا أراد الهجرة إلى المدينة خلّف عليَّ بنَ أبي طالبعليه‌السلام بمكة لقضاء ديونه، وأداء الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خروجه من الدار - وقد أحاط المشركون بالدار - أن ينام على فراشه، وقال له: «اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، وإنّه لا يصل منهم إليك مكروهٌ إن شاء الله تعالى».

ففعل ذلك عليّعليه‌السلام ، فأوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل: «إنّي آخيتُ بينكما، وجعلت عُمرَ أحدِكما أطول من الآخر، فأيكُّما يؤثرُ صاحبه بالحياة؟». فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: «أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؛ آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة؟ انزلا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه».

فنزلا؛ فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل يُنادي: بخ بخ، مَنْ مثلك يا علي يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة؟

فأنزل الله على رسوله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن علي هذه الآية؛ ولهذا سمّيت هذه الليلة التاريخية بليلة المبيت.

____________________

(1) سورة البقرة / 207.


ويقول أبو جعفر الإسكافي: إنّ حديث الفراش قد ثبت بالتواتر، فلا يجحده إلاّ مجنونٌ وغيرُ مخالط لأهلِ الملّة(1) .

هذا نوع من أنواع الإيثار الذي يُعتبر من أهم أنواع الإيثار؛ لأنّه إيثار بأعزّ شيء وهو النفس، وكان صاحب هذا الإيثار أمير المؤمنينعليه‌السلام . والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

وهناك نوع آخر من الإيثار، وهو ما أكّد عليه النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وعمل به الأنصار مع المهاجرين، وهو نوعٌ مهمّ لا تقلّ أهميّته عن سابقه حتّى نزلت فيهم آية، بل آيات في كيفية إيثارهم.

قال عزّ من قائل:( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (2) .

يقول ابن عباس: إنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بيّن للأنصار يوم الانتصار على يهود بني النضير، إذا كنتم ترومون المشاركة في حصة المهاجرين من الغنائم فشاطروهم بتقسيم أموالكم وبيوتكم، وإذا أردتم أن تبقى بيوتكم وأموالكم لكم فلا شيء لكم من هذه الغنائم.

فقال الأنصار: علامَ نتقاسم بيوتنا وأموالنا معهم؟ نقدّم المهاجرين علينا

____________________

(1) تفسير الأمثل 2 / 72 - 73، عن تفسير الثعلبي.

(2) سورة الحشر / 9.


ولا نطمع بشيء من الغنائم. فنزلت هذه الآية تعظّم هذه الروح العالية(1) ، حتّى روي عنهم أنّ الأنصاري الذي عنده زوجتان رفع يده عن إحداهما للآخر.

نعود للآية: فهي بالرغم من أنّها تتعلّق - كما ذكرنا آنفاً - بحادثة هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتضحية الإمام عليعليه‌السلام ومبيته على فراش النبي، ولكن مفهومها ومحتواها الكلي - كما في سائر الآيات القرآنية - عام وشامل، وفي الحقيقة أنّها تقع في النقطة المقابلة للآيات السابقة التي تتحدّث عن المنافقين الذين يحاولون أن يحقّقوا لهم بين المجتمع عزّة وكرامة عن طريق النفاق، ويتظاهرون بالإيمان بأقوالهم، بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.

أمّا هذه الطائفة الثانية فتعاملهم مع الله وحده، حيث يُقدّمون أرواحهم رخيصةً في سبيله، ولا يبغون سوى رضاه، ولا يطلبون عزّة ولا رفعةً إلاّ بالله. وبتضحيات هؤلاء يصلح أمر الدين والدنيا، ويستقيم شأن الحقّ والحقيقة، وتصفو حياة الإنسان، وتثمر شجرة الإسلام.

وممّا يُلفت النظر أنّ البائع هو الإنسان، والمشتري هو الله تعالى، والبضاعة هي النفس، وثمنها هو رضوان الله تعالى، في حين نرى في موارد اُخرى أنّ ثمن مثل هذه المعاملات هو الجنة الخالدة والنجاة من النار، من قبيل قوله تعالى:( إِنَّ

____________________

(1) تفسير الأمثل 18 / 191.


اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) (1) .

وعلى أيّة حال، فهذه الآية - ومع الالتفات إلى سبب النزول المذكور آنفاً - تقدّم أعظم الفضائل للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وإن كانت فضائله قد جاوزت الحصر والعدّ، ولكن هذه الفضيلة كانت في صدر الإسلام من الوضوح بمكان بين المسلمين، بحيث دعت معاوية العدو اللدود للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يُرشي «سمرة بن جُندب» بأربعمئة ألف درهم؛ كي يروي حديثاً مختلقاً يثبت فيه فضيلة هذه الآية لعبد الرحمن بن ملجم، وقد اختلق هذا المنافق الجاني هذه الفرية(2) ، ولكنّ أحداً لم يقبل منه حديثه المجعول.

وهناك نوع ثالث من الإيثار، وهو الإيثار بالطعام والشراب، وهو كسابقيه أعني الإيثار بالنفس والإيثار بالأموال وما يملكون. وكان من أبرز مصاديق هذا الإيثار، بل المعلّم لهذا الإيثار هو النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام .

ولذا روى الثعلبي وغيرُه من المفسرين أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام مرضا فعادهما جدّهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت لولديك نذراً.

فقالعليه‌السلام : «إن برأ ولديَّ ممّا بهما صمت ثلاثة أيام شكراً لله تعالى».

وقالت فاطمةعليها‌السلام مثل ذلك، وقالت جاريتها فضة: إن برأ سيِّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيام شكراً لله تعالى (عزّ وجلّ).

فألبسا العافية، وليس عند

____________________

(1) سورة التوبة / 111.

(2) شرح نهج البلاغة 4 / 73.


آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لا قليل ولا كثير، فأجّر عليعليه‌السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشيء من شعير، وأتى به إلى المنزل، فقسّمته فاطمة (عليها السلام) إلى ثلاثة؛ فطحنت ثلثاً وخبزت منه خمس أقراص لكلّ واحد منهم قرص.

وصلّى أميرُ المؤمنينعليه‌السلام صلاة المغرب مع رسول الله، ثمّ أتى المنزل فوضِع الطعام بين يديه، فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة.

فسمعه عليعليه‌السلام ، فقال: «أطعموه حصّتي». قالت فاطمةعليها‌السلام كذلك، والباقون كذلك، فأطعموه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمةعليها‌السلام ثلثاً آخر وخبزته، وأتى أمير المؤمنينعليه‌السلام من صلاة المغرب مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضِع الطعام بين يديه، فإذا بيتيم جاء ووقف على الباب، وقال: يتيم من أيتام المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة.

فسمعه عليٌّ وفاطمةعليهما‌السلام والباقون، فأطعموه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمةعليها‌السلام إلى الثلث الباقي وطحنته وخبزته، وصلّى عليعليه‌السلام مع النبي صلاة المغرب، ثمّ أتى المنزل فوضِع الطعام بين يديه، فجاء أسير فوقف بالباب، وقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد، تأسروننا ولا تطعموننا؟ أطعمونا أطعمكم الله من موائد الجنّة؛ فإنّي أسير محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فسمعه عليعليه‌السلام فآثره وآثروه معه، فمكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ عليعليه‌السلام


الحسن بيده اليمنى، والحسين بيده اليسرى، وأقبل نحو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا أبصر بهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «يا أبا الحسن، ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم! انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة».

فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلّي، وقد لصقت بطنها بظهرها من شدّة الجوع، فلمّا رآها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «وا غوثاه! أهل بيت محمّد يموتون جوعاً!». فهبط جبرائيلعليه‌السلام وقال: خذ يا محمّد هنّأك الله في أهل بيتك.

قال: «وما آخذ يا جبرائيل؟».

قال:( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ... ) إلى آخر السورة.

ومَنْ كان أكرم الناس كان أفضل الناس، فيكون هو الإمام دون غيره(1) .

وقد جمع الإيثار بأنواعه المتقدّمة بالنفس وبالمال والطعام والشراب، جمع كلّ ذلك ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام أبو الفضل العباسعليه‌السلام الذي كان يلازم الحسينعليه‌السلام مثل الخادم الملازم لسيده، ويتمنّى أن يقوم بخدمة للحسينعليه‌السلام .

يقول الشيخ الكاشيرحمه‌الله : كان أبو الفضلعليه‌السلام جالساً في مجلس فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فعطش الحسينعليه‌السلام ، فطلب من قنبر أن يأتيه بالماء، فقام العباسعليه‌السلام مسرعاً - وكان صبيّاً آنذاك - إلى أُمّه اُمّ البنينعليها‌السلام : أمّاه، إنّ أخي الحسين عطشان، وقد طلب الماء من قنبر، واُحبّ أن اُوصل إليه الماء قبل قنبر.

قامت اُمّ البنين، ملأت ركوةً ووضعتها على رأس العباسعليه‌السلام ، جاء العباس والإناء على رأسه، والماء يراق على كتفيه،

____________________

(1) كشف الغُمّة 1 / 307 - 310 (باختصار)، نسبه إلى الثعلبي في تفسيره وغيره.


لمّا رآه أمير المؤمنينعليه‌السلام صاح: «إيهٍ يا عباس! هذا يوم تحمل الماء إلى أخيك فيُراق الماء على كتفيك، ويوم آخر تحمل الماء إلى أخيك فيُراق مخّ رأسك على كتفيك»(1) .

نعم، تناثر مخّ رأسه على كتفيه على أثر ذلك العمود؛ لأنّ العبّاسعليه‌السلام وقف متحيّراً لا يدري ما يصنع؛ يده اليمنى مقطوعة، ويده اليسرى مقطوعة، الماء أُريق على وجه الأرض؛ ولذلك لحظات حرجة مرّت على العباسعليه‌السلام لا يدري ما يفعل؟

يستمر في سيره نحو الخيام؟ كيف يواجه سُكينة وهي واقفة بانتظاره وقد واعدها بالماء، والماء قد أُريق؟ يُقاتل؟ كيف يقاتل وقد قُطعت يداه؟! بينما هو في تلك الحال جاء لعين من القوم قال له: يا عباس، أين شجاعتك؟ أين بسالتك؟

فقال له العباسعليه‌السلام : يا هذا، جئتني الآن ويداي مقطوعتان!

فقال له اللعين: يا عباس، إن كانت يداك مقطوعتين فيداي سالمتان.

آجركم الله، ضربه بعمود من حديد على أمّ رأس ففلق هامته، ووقع من على ظهر فرسه منادياً: أخي يا أبا عبد الله! أدركني.

أيّس وكف عاف العمر من ساسه

رايـد مـماته ولا غدر نوماسه

____________________

(1) الطريق إلى منبر الحسين (عليه السلام) / 189 - 190.


ضـربوا ابـعامود الـضغاين راسه

طـاح ونـخه سـيد شـباب الجنّه

حـين الوصل لحسين صوت اعميده

جـاه وگف عـنده ونـده لـعضيده

عـباس عگبـك لـلعُمر مـا ريـده

شـيفيدني ومِـنّك گطـعت الـظنّه

سـمع حـسه الحسين وركب وارزم

وعدى اعله الخيل وطلعها امن المخيّم

ردّ يـمّه أويـلي وشـافه سابح ابدم

تـخوصر فـوگ راسه والدمع خر

لمّا صُرع العباسعليه‌السلام صار الحسينعليه‌السلام بين محذورين:

أولاً: نداء العباس؛ أخي يا أبا عبد الله! أدركني.

ثانياً: الجيش زحف على مخيّم الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّه بمجرّد أن سقط العباسعليه‌السلام زحف جيش العدو إلى مخيّم الحسينعليه‌السلام ، كأنّهم استضعفوا جانب الحسين بمصرع أبي الفضل العبّاسعليه‌السلام .

فصار بين محذورين؛ أيدفع الجيش عن المخيّم، أم يلبّي نداء العباس؟!

لكن أخيراً رأى دفع العدو عن الخيام أولى، فحمل على الجيش وأبعدهم، وهو يقول: «إلى أين تفرّون وقد قتلتم أخي؟!».

ولمّا أبعد الجيش عن الخيام توجّه نحو مصرع أبي الفضل العباسعليه‌السلام ، أراد الحسينعليه‌السلام حمله، ولكن العباس أبى، وهذا


الإيثار الثاني؛ الأول كان في شرب الماء قبل الحسين عندما ملك المشرعة، والثاني أنّه كلمّا أراد الحسين حمل أبي الفضل أو وضع رأسه في حجره لم يرضَ أبو الفضل، قال له الحسينعليه‌السلام : «أخي يا أبا الفضل، ما لي كلّما جعلت رأسك في حجري أخذته ومرّغته في الأرض؟!».

قال أبو الفضلعليه‌السلام : أخي، إن أخذت رأسي وجعلته في حجرك، فمَنْ الذي يجعل رأسك في حجره؟ لا حظوا الإيثار، الله أكبر.

صـاح احسين يا خويه يا عباس

يا نور العين يا تاجي العله الراس

خويه أنت الدرع والسيف والطاس

اشـلون اتروح وانا ابگى امحيّر

جواب أبي الفضل العباسعليه‌السلام بلسان الحال:

يگله احسين يا زهرة اخيامي

يـا خويه نحّلت سكنه عظامي

درخصني اُريد الحگ عمامي

اُريد الـثار گلـبي دمه ايفوّر

وكأنّي بأخته العقيلةعليها‌السلام تناديه:

يـعبّاس يـا نـور الـعيون

رحت عنك سبيّه ويّه الظعون

والـلي سـبونه ما يرحمون

طـول الدرب بينه يضربون

وسـياطهم تعلب على امتون

خـواتك يبو الغيره يمزيون

* * *


أو تشتكي العطشَ الفواطمُ عنده

وبصدرِ صعدتهِ الفُراتُ المفعمُ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس العاشر

الرحمة



المجلس العاشر

الرحمة

طـمعتْ أن تسومهُ القومُ ضيماً

وأبی اللهُ والـحـسامُ الـصنيعُ

كـيفَ يـلوي علی الدنيةِ جيداً

لـسوی اللهِ ما لواهُ الـخضوعُ

فـأبی أن يـعيشَ إلاّ عـزيزاً

أو تـجلّی الـكفاحُ وهو صريعُ

زوّجَ الـسيفَ بـالنفوسِ ولكن

مهرُها الموتُ والخضابُ النجيعُ

بـأبي كـالئاً علی الطفّ خِدراً

هـو في شـفرةِ الـحُسامِ منيعُ

قـطعوا بـعدهُ عُـراهُ ويا حبـ

ـل وريدِ الإسـلامِ أنـتَ القطيعُ

قـوّضي يـا خيامُ عليا نزارٍ

فـلقد قـوّضَ الـعمادُ الـرفيعُ

وامـلأي الـعينَ يـا اُميةَ نوماً

فـحسينٌ عـلی الصعيدِ صريعُ

وسروا في كرائمِ الوحي أسری

وعِـداك ابـن أمّـها الـتقريعُ

فـترفّقْ بـها فـما هـي إلاّ

نـاضرٌ دامعٌ وقلبٌ مَروعُ(1)

* * *

____________________

(1) القصيدة للسيد حيدر الحلّيرحمه‌الله ، قال عنه السيّد جواد شبّررحمه‌الله في أدب الطفّ: ولد السيد حيدر في الحلّة، وينتهي نسبه إلى الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام . كان مولده (15) شعبان سنة 1246 هـ، الموافق سنة (1830 م)، وقبل أن يكمل عامه الثاني من عمره فقد والده فعاش يتيماً، وتولّى تربيته عمّه السيد مهدي...

كان شاعراً مجيداً من أشهر شعراء العراق، أديباً ناثراً، جيد الخطّ، نظم فأكثر، ولاسيما في رثاء الحسينعليه‌السلام ...

وقال عنه الزركلي في (الأعلام): السيد حيدر شاعر أهل البيت في العراق، أديب إمامي، شعره حسن، وكان مترفّعاً عن المدح والاستجداء، موصوفاً بالسخاء، له ديوان شعر سمّاه (الدرّ اليتيم).

وأشهر شعره حولياته في رثاء الحسينعليه‌السلام ... ولا تظنّ أنّ إبداعه يقتصر على مراثي أهل البيتعليهم‌السلام ؛ فإنّ شعره في شتى النواحي مزدان بالإبداع، مرصوص الجوانب كالسلاسل الذهبية...

ومن آثاره الأدبية: (كتاب دمية القصر في شعراء العصر) وغيرها.

توفي السيد حيدر في مسقط رأسه الحلّة عشية الأربعاء في الليلة التاسعة من ربيع الثاني، وعمره 59 سنة، ودُفن في النجف الأشرف في الجهة الشمالية من الصحن الحيدري. (أدب الطفّ 8 / 8 - 14).


عگب الخدر ذاك ودلالي

أمشي بيسر يحسين تالي

وراسـك يشيلونه اگبالي

يامحنتي ومحنة اطفالي

* * *

مـشينه عـلی الهزل ومچتفينه

اُوخذونه بها اليسر غصبن علينه

أويَـاكم نـضل لو يحصل بدينه

لـمن يـحسين بـلفيته المحتّم

* * *

(أبو ذيّة):

يـخويه تعلم بحالي وداري

بگيت أرعی يتاماكم وداري

سميه دورها تزهي وداري

عگبـكُم يخوتي ظلّت خليه

* * *


عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: «أربع مَنْ كُنَّ فيه بنی الله له بيتاً في الجنّة؛ مَنْ آوی اليتيم، ورحم الضعيف، وأشفق علی والديه، ورفق بمملوكه»(1) .

الرحمة: هي مبعث الخيرات، ومعدن الفضائل، فبالرحمة تتجمّع الصلاة، وتتوحّد البشرية، بها يبرُّ الولد أباه، وبها يصل المرء قريبه، وبها يألف الزوجان أحدهما الآخر، وبها يُكفل اليتيم، ويُشبع الجائع، ويُكسی العُريان، ويُهتمّ حتّی بالحيوان.

والرحمة: شعورٌ طيّب يُشارك الآخرين آلامهم، مُحاولاً أن يُخفّف عنهم وطأة هذه الآلامِ وينسيهم أثقالها.

رحمة الله عزّ وجلَّ على مخلوقاته

فعن الإمام الكاظمعليه‌السلام قال: «... ما ظنّك بالرؤوف الرحيم الذي يتودّد إلی مَنْ يؤذيه بأوليائه، فكيف بمَنْ يؤذى فيه؟ وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتوب علی مَنْ يعاديه، فكيف بمَنْ يترضاه، ويختار عداوة الخلق فيه؟»(2) .

ولذا ورد أنّ إبليس يطمع في رحمة الله عزّ وجلَّ يوم القيامة؛ فقد حُكي أنّ نبيَّ الله موسی (علی نبينا وآله وعليه السّلام) التقی بإبليس (لعنه الله)، فدارت بينهم بعض المحادثات، ثمّ قال نبي الله موسیعليه‌السلام : ستری ماذا سيحلّ بك غداً؟

____________________

(1) الخصال / 223 باب الأربعة.

(2) تحف العقول / 399.


قال إبليس: وأنت أيضاً ستری ماذا سأفعل غداً؟

قال موسی: وما أنت فاعل؟

قال إبليس: اُطالبُ الله بوعده،‌ واحتجّ بقوله:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (1) ، وأنا شيءٌ، فوجب أن تتّسع لي رحمته، وإذا كنتُ أنا لا شيء فاللاشيء لا يُحاسب ولا يُعاقب.

قال موسی: إنّ رحمة الله تتّسع لمَنْ فيه الأهلية والقابلية لها، وأنت بعيد عنها كلّ البعد(2) .

ولذا نری أنّ رحمة الله وإن كانت واسعة ويطمع فيها حتّی إبليس، لكنّ الذي ليس أهلاً لها وليس فيه القابلية علی استلامها فلا تشمله، فهي قريبة من مستحقيها؛ ولذا قال تبارك وتعالی:( إنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .

ما هي الاُمور التي تسبّب الرحمة؟

هناك عدّة اُمور تسبّب الرحمة الإلهية، بحيث إنّ الإنسان لو فعلها كان قد سبب رحمة الله تبارك وتعالی فيها:

1 - الطاعة

فعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «تعرّضوا لرحمة الله بما أمركم من طاعته»(4) .

____________________

(1) سورة الأعراف / 156.

(2) آيات منتخبة من القرآن الكريم / 11.

(3) سورة الأعراف / 56.

(4) تنبيه الخواطر 2 / 120.


2 - الذكر

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «بذكر الله تُستنزل الرحمة»(1) .

3 - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال تعالی:( أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (2) .

4 - رحمة خلق الله ورحمة النفس

فعن النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامة. ارحم مَنْ في الأرض يرحمك مَنْ في السماء»(3) .

5 - معرفة الإنسان نفسه

فعن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «رحم الله امرأً عرف قدره، ولم يتعدَّ طوره»(4) .

ما هي الاُمور التي تمنع الرحمة؟

1 - رحمة مَنْ لا يرحم

فعن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «رحمة مَنْ لا يرحم تمنع الرحمة»(5) .

2 - منع الرحمة

فعنهعليه‌السلام أنّه قال: «مَنْ لم يرحم الناس منعه الله رحمته»(6) .

رحمة الأيتام

رُوي أنّه كان النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتكفّل يتيماً، ‌وكان كلّما يجلس علی طعامه

____________________

(1) عيون الحكم والمواعظ / 188.

(2) سورة النور / 56.

(3) بحار الأنوار 74 / 167.

(4) عيون الحكم والمواعظ / 261.

(5) المصدر نفسه / 270.

(6) المصدر نفسه / 428.


يحضره ويأكل معه، فلمّا مضی زمان مات اليتيم، فلم يأكل النبّي في الليلة طعاماً، وكان يتأسّف علی فوته، فقال له أصحابُه: كم تُحزن قلبك بفوته وحرمانك منه! نحن نُجيئك بيتيمٍ آخر فتكفله.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «‌هذا اليتيم كان سيئ الخُلق، وأنا كنتُ تحمّلتُ سُوءَ أَخلاقه فلا يحصل لي من غيره ما يحصل من الفيض»(1) .

وهكذا تكون مسألة اليتيم من المسائل التي اهتمّ بها النبّي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأجل اهتمام الباري عزَّ وجلَّ، حتّی إنّه تبارك وتعالی جعل أكل مال اليتيم أكلاً للنار، حيث قال عزَّ وجلَّ:( إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) (2) .

وقد يغفر الله تبارك وتعالی للإنسان ذنوباً كبيرة لأجل اهتمامه بالأيتام. حدّث بعض الثقات أن رجلاً من المنهمكين في الفساد مات في نواحي البصرة، فلم تجد امرأته مَنْ يعينها علی حمل جنازته؛ لتنفّر الطباع منه، فاستأجرت مَنْ حملها إلی المصلّى، فما صلّی عليها أحد، فحملوها إلی الصحراء للدّفن.

وكان علی جبلٍ قريبٍ من الموضع زاهدٌ مشهورٌ، فرأوه كالمنتظر للجنازة، فقصدها ليُصلي عليها، فانتشر الخبر في البلد أنَّ فلان الزاهد نزل يُصلّي علی فلان، فخرج أهلُ البلد فصلّوا معه عليها، وتعجّب الناس من صلاة الزّاهد، وقيل له في ذلك، فقال: رأيتُ في المنام انزل إلی الموضع

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 184.

(2) سورة النساء / 10.


الفلاني تری فيه جنازة ليس معها أحد إلاّ امرأة، فصلِّ عليها؛ فإنّه مغفور له.

فازداد تعجّب الناس من ذلك، فاستدعی الزاهد امرأة الميّت وسألها عن حاله، فقالت: كان طول نهاره مشتغلاً بشرب الخمر.

فقال: هل تعرفين له شيئاً من أعمال الخير؟

فقالت: ثلاثة:

الأوّل: كان كلّ يوم يفيق من سكره وقت الصُّبح، فيبدّل ثيابه، ويتوضأ ويُصلّي الصُبح.

الثاني: أنّه كان لا يخلو بيته من يتيمٍ أو يتيمين، وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلی أولاده.

الثالث: أنّه كان يفيق من سكره في أثناء الليل فيبكي، ويقول: يا ربِّ، أيّ زاويةٍ من زوايا جهنم تُريد أن تملأها بهذا الخبيث(1) ؟

ومن هنا كان إيواء اليتيم ركناً من الأركان الأربعة التي يبني الله تبارك وتعالی بها بيتاً في الجنة للعبد الذي يتصّف بها كما تقدّم في الحديث عن الإمام الباقرعليه‌السلام . هذا كلّه في الأمر الأوّل من الاُمور الأربعة.

رحمة الضعيف

وهي لا تختص بالإنسان بل تشمل حتّی الحيوان، فرحمة الله تبارك وتعالى عامّة وشاملة لجميع المخلوقات( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (2) ، ولكن أهم شيء

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 184.

(2) سورة الأعراف / 156.


أن يرحم الإنسان أخاه الإنسان ويهتمّ به، خاصة إذا كان ضعيفاً من الناحية البدنية والمادية، بل وحتّی المعنوية؛ فإذا رحم الإنسان أَخاه الإنسان المسلم سوف ينزل الله تبارك وتعالی رحمته عليهما.

وقد يصل الإنسان إلی منزلة دنيوية وأخروية عالية بسبب رفقه بالحيوانات ورحمته للضعيف منها.

نُقل أنَّ السلطان المقتدر سبكتكين كان صيّاداً من سكان نيشابور، ولم يكن له من متاع الدنيا إلاّ فرس، فركبه يوماً وذهب للصيد كما كان عادته، فرأی ظبياً معه فصيلهُ، فقصدهما، ففرّ الظبي واصطاد الفصيل، فشدّه علی رديفه ورجع، فلمّا ذهب قدراً من الطريق نظر إلی خلفه فرأی الظبي يسير خلفه وينظر إليه نظر حسرة، فعلم من حاله أنّه يطلب فصيله؛ ولهذا يمشي خلفه، فرّق وأشفق عليه في نفسه: الصيد وإن كان حلالاً ومباحاً لي لكن الترّحم علی هذا الظبي أولی من هذا الصيد. فوضعه علی الأرض، فأخذ مع اُمّه بطريقهما.

وكان السبكتكين ينظر إليهما، فرأی الظبي قد رجع وهو ينظر إليه كأنّه يدعو له، فرجع إلی منزله، فرأی في تلك الليلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه وهو يقول له: «يا سبكتكين، إنّ الله أعطاك السلطنة والدولة العظمی بشفقتك وترحّمك علی الظبي، فيجب عليك أن تراعي ذلك في رعيّتك لتدوم دولتك».


فما مضی زمان حتّی استقّر على سرير الملك الكبير(1) .

الشفقة على الوالدين

وهذا هو الركن الثالث والأمر المهمّ في الحديث، وهو أنّ الإنسان يشفق علی والديه ويرحمهم، وينظر إليهما نظرةً رحيمة؛ فإنّ «رضا الله مع رضا الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين»(2) .

وهما الباب الذي إذا أراد الإنسان أن يرضي الله تبارك وتعال‍ی يرضيه عن طريقهما، حتّی قرن سبحانه وتعالی عبوديته بطاعتهما، حيث قال عزَّ جلّ:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناًً ) (3) .

سُئل أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ:( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) (4) ، ما هذا الإحسان؟ فقال: «الإحسان صُحبتهما، وأن لا تكلّفَهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنين. أليس يقول الله (عزّ وجلّ):( لََن تَنَالُواْ الْبِرَّ حتّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) ؟»(5) .

فمن حقّنا أن نعرف ويعرف كلُّ ذي لُُبٍّ أنّ الأب وإن عظم حقّه لما يقوم به للولد من بذلٍ في سبيل تثقيفه وتأديبه، فيما ليس بإمكان الاُمّ أن تقوم

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 188.

(2) روضة الواعظين / 368.

(3) سورة الإسراء / 23.

(4) سورة البقرة / 83.

(5) الكافي 2 / 157، ح1، والآية من سورة آل عمران / 62.


بالبعض منه إلاّ‌ نادراً، هو أقلَّ‌ منها حقّاً علی الولد، كيف ولماذا؟ لأنّها تحمّلت في حمله والمخاض به في «ساعات الطلق» الموصوفة بسكرات الموت، تحمّلت ما لم يستطع الوالدُ لو كُلِّف تحمُّل بعضه، إضافةً إلی ما تحمله للولد من حنانٍ فائق.

هذا أمير المؤمنينعليه‌السلام ووصيُّ رسول ربِّ العالمين يُخاطبُ ولده الحسن الزكيّعليه‌السلام بوصيته له: «بُنيَّ، وجدتُك بعضي، بل وجدتُك كُلّي، حتّی لو أنَّ شيئاً أو سهماً أصابك أصابني، ولو أنّ الموت أتاك أتاني»(1) .

يخاطبُه بهذا الخطاب، والحسنعليه‌السلام عندها بتمام الصحة وريعان الشباب، لم يُصب بشيءٍ، لكنّ الإمامعليه‌السلام يصف شفقته عليه وتألمُه إليه، لو قُدّر أنّه يُصابُ بسهمٍ أو بجرحٍ يقول له الإمامعليه‌السلام : ذلك السهم باللحظة نفسها أُصاب به كما اُصبتَ.

يعني من شدّةِ الحُبّ وقوّة العلاقة، والصفاءِ والولاء الذي بيني وبينك ما يُؤلمك يُؤلمني، وما يُصبك يُصبني.

وقال حُكماء العرب: إصابةُ السَّهم أخفُّ ألماً من إصابة الهمِّ والغمِّ.

ولذا يقف الإمام الحسينعليه‌السلام على ابن أخيه القاسم ابن الإمام الحسنعليه‌السلام ، وكأنّما وقف الإمام على ولده؛ لأنّه هو الذي ربّاه واعتنى به، وكأنّي به يخاطبه(2) :

____________________

(1) بحار الأنوار 74 / 199.

(2) من دروس شيخنا الأستاذ محمّد سعيد المنصوريرحمه‌الله .


صاح يا جسام وعد راسه گعد

ويـل گلـبي ينحب أوكلبه انمرد

يـبن أخوي العرس چا إلمن بعد

أوهامتك من سيف الأزدي مشرگه

ثمّ جاء عمّهعليه‌السلام يناشده:

يعمّي اشگالت من الطبر روحك

يـجاسم مـا تراويني اجروحك

لـون ابكي يعمّي چنت انوحك

بگلب مثل الغضه وابدمع مُحمر

* * *

إن يبكه عمّه حزناً لمصرعه

فـما بكى قمرٌ إلاّ على قمرِ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



المجلس الحادي عشر

برّ الوالدين وعقوقهما



المجلس الحادي عشر

برّ الوالدين وعقوقهما

ماتَ التصبّرُ في انتظارك

أيّـها الـمُحي الـشريعه

فـانهضْ فما أبقى التحمّـ

ـلُ غيرَ أحـشاء جـزوعه

كم ذا الـقعودُ وديـنُكم

هُـدمتْ قـواعدُهُ الرفعيه

تـنعى الـفروعُ اُصوله

واُصولهُ تـنعى فروعه

مـاذا يـهيجُك إن صبر

تَ لوقعةِ الـطفِّ الـفظيعه

أترى تـجيءُ فـجيعةٌ

بـأمضَّ مـن تلك الفجيعه

حـيثُ الحسينُ على الثرى

خيلُ العدى طحنت ضلوعه

قـتـلـتُـه آلُ أميـةٍ

ظـامٍ إلـى جنبِ الشريعه

ورضـيعُهُ بـدمِ الـوريـ

دِ مُـخضّبٌ فاطلبْ رضيعه

مـا هـزّ أضـلُعَكم حِـدَا

ءُ القومِ بالعيسِ الظليعه(1)

* * *

(نصاري):

مـشينه اعله الهزل وامچتفينه

اُوخذونه ابها اليسر غصباً علينه

اُويـاكم نـضل لو يحصل بدينه

لـمن يـحسين يـلفينه المحتّم

____________________

(1) القصيدة للسيد حيدر الحلّيرحمه‌الله ، وقد تقدّمت ترجمته في المجلس العاشر.


مشت فوك الظعن والحرم تنحب

أوعليها اسياط شمر اُو زجر تلعب

حـتّه الـظعن لـلكوفه تگرّب

لا بن زيـاد لـمبشّر تـجدّم

(فايزي):

مـن گال للكوفه العقيله اميسّره أتروح

فوگالجمال الضالعه اُوبين العده اتنوح

اِتـعاين الروس إخوانها جدّامها اتلوح

فـوگالـرماح إبديرة الكوفه ادخلوها

وكأنّي بزينب تخاطب حامل الرأس:

يـشايل راس حامينه اُوولينه

ريّـض خلّي إتودعه اسكينه

ليش حسين ساچت عن ونينه

گلـي تعب يو جرحه تخدّر

* * *

(أبو ذيّة):

حرت ما بين هالنسوه والايتام

اُوبكينه أبيسر ما عِدنه وليتام

لـون عبّاس يبرالي والايتام

مـا واحـد كفو يجسر عليَّ

* * *


قال تعالى:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوكِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) (1) .

برّ الوالدين هو الإحسان إليهما، وهو من أفضل القربات إلى الله (عزّ وجلّ)، وضدّه عقوق الوالدين، وهو الإساة إليهما.وكلا الأمرين يتحقّق بالأعم من القول أو الفعل، بل أحياناً نجد أنّ الإيذاء باللسان أقوى تأثيراً من الإيذاء بالفعل الخارجي، فقد تكون كلمة تصدر من الإنسان تساوي جرح السيوف؛ ولذا قال الشاعر:

جراحات السنان لها التئامُ

ولا يلتام ما جـرح اللسانُ(2)

وبالفعل هذه حقيقة موجودة في التعامل مع المجتمع. فالبرّ والعقوق يحصلان بالفعل أو بالقول.

وهذا الموضوع من الموضوعات التي اهتم بها الباري (عزّ وجلّ) اهتماماً منقطع النظير، حتّى إنّه تبارك وتعالى قرن برّ الوالدين والإحسان إليهما بالتوحيد، وكأنّه (عزّ وجلّ) يريد أن يقول للمجتمع: إنّ درجة برّ الوالدين درجة بالغة الأهمية، بل لعلّها تصل في التسلسل لأن تكون بعد الإيمان بي.

____________________

(1) سورة الإسراء / 23.

(2) فيض القدير 6 / 179، ونسبه للسيد المرتضىرحمه‌الله .


ولذا تجد أنّ أربع آيات في الكتاب العزيز قرنت برّ الوالدين بالتوحيد.

الآية الأولى في سورة البقرة آية 83، حيث قال تبارك وتعالى:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... ) .

والآية الثانية في سورة الأنعام آية 151، حيث قال (عزّ وجلّ):( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... ) .

والآية الثالثة: في سورة النساء، حيث قال عزّ من قائل في آية 36 من السورة المذكورة:( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... ) .

بالإضافة إلى الآية المذكورة في صدر المجلس والتي هي محلّ البحث.

فهذه الآيات التي ذكرتها، هي الآيات التي قرنت بين الإيمان بالله تبارك وتعالى وبين برّ الوالدين.

وأمّا الآيات التي حثّت على برّ الوالدين بصورة عامّة من غير القرن بالتوحيد فهي كثيرة، منها في سورة لقمان آية 15، ومنها في سورة الأحقاف آية 150، إلى غير ذلك.

هذا كلّه ترغيب واردٌ وحثٌ مؤكدٌ من القرآن الكريم.

وأمّا ما ورد في الحثّ على برّ الوالدين، والتجنّب عن عقوقهما في لسان النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، فقد ورد عنهمعليهم‌السلام : «إذا كان يوم القيامة كُشف غطاء من أغطية الجنّة، فوجد ريحَها مَنْ كانت له روح من مسيرة خمسمئة عام إلاّ صنف واحد». قلت: مَنْ هم؟ قال: «العاق لوالديه»(1) .

____________________

(1) الكافي 2 / 348، ح3.


ولهذا أكّد الحقّ سبحانه وتعالى على قضية الإحسان لهما، فتراه جلّت عظمته تارةً يوصي وتارةً يُنذر واُخرى ينهى؛ حفظاً لعباده من العقوق وعاقبته السيئة. ألا ترى أنّه أمر بذلك بعد نهيه عن العبادة سواء؟

وهذا نفسه دليل واضح على ما لهذا الأمر من قيمة راجحة عنده تعالى، والمصلحة في كلا الأمرين ترجع للعبد لا إلى المعبود سبحانه وتعالى، وهكذا الإحسان للأبوين أو لغيرهما ترجع به الفائدة الكبرى للمحسن.

وهذا القرآن، وهذه حكمته ناطقة بذلك، معبّرة عمّا هنالك، يقول (عزّ وجلّ):( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) (1) .

فإحسان الولد لأبويه وبرّهما إنّما يرجع إليه؛ سواء كان عاجلاً في دار الدنيا، أم آجلاً في دار الآخرة التي هي الحياة الأبدية،( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) (2) .

لذا روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنّه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجلة، فأتى بالعجل إلى غيضة (مزرعة)، وقال: اللّهمّ إنّي استودعك هذه العجلة لابني حتّى يكبر.

ومات الرجل، فشبّت العجلة في الغيضة وصارت عواناً، وكانت تهرب من كلّ مَن رامها، فلمّا كبر الصبي كان بارّاً بوالدته، وكان يقسّم الليل ثلاثة أثلاث؛ يصلّي ثلثاً، وينام ثلثاً، ويجلس عند رأس اُمّه ثلثاً، فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، ويأتي السوق فيبيعه بما شاء، ثمّ يتصدّق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثاً.

____________________

(1) من دروس شيخنا الأستاذ محمّد سعيد المنصوريرحمه‌الله ، والآية (64) من سورة العنكبوت.

(2) العنكبوت / 64.


فقالت له اُمّه يوماً: إنّ أباك ورَّثك عِجلةً، وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردّها عليك، وإنّ من علامتها إنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها.

فأتى يعقوب الغيضة فرآها ترعى، فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل ويعقوب. فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلّمت البقرة بإذن الله تعالى وقالت: أيّها الفتى البار بوالدته، اركبني؛ فإن ذلك أهون عليك.

فقال الفتى: إنّ أُمّي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها.

قالت البقرة: بإله إسرائيل، بنبيّ إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليَّ أبداً، فانطلق فإنّك لو ركبتني أمرت الجبل أن يقتلع من أصله وينطلق معك لفعل؛ لبرّك بوالدتك.

فسار الفتى بها، فاستقبله عدوّ الله إبليس في صورة راع، فقال: أيّها الفتى، إنّي رجل من رعاة البقرة، اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثوراً من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضي حاجتي، فقد أوسط الجبل وما قدرت عليه، وإنّي أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجيني من الموت، وأعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك.

فلم يفعل الفتى، وقال: اذهب فتوكّل على الله، ولو علم منك اليقين لبلغك بلا زاد ولا راحلة.

فقال إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها.

فقال الفتى: إنّ أُمّي لم تأمرني بذلك.


فبينما الفتى كذلك إذ طار طائر بين يدي البقرة فهربت البقرة في الفلاة وغاب الراعي، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، فقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته، لا تمرّ إلى الطائر الذي طار فإنّه إبليس عدوّ الله اختلسني، أما إنّه لو ركبني لما قدرت عليه أبداً، فلمّا دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردّني إليك؛ ببرّك بأمّك وطاعتك لها.

فجاء الفتى إلى اُمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك، ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها.

قال لأمّه: بكم أبيعها؟

قالت: بثلاثة دنانير، ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي. وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير.

فانطلق الفتى إلى السوق، فعقبه الله سبحانه ملكاً ليرى خلقه وقدرته؛ ليختبر الفتى كيف برّه بوالدته، وكان الله به خبيراً. فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟

قال: بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضا اُمّي.

فقال له الملك: ستة دنانير ولا تستأمر اُمّك.

فقال له الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلاّ برضا اُمّي. فردّها إلى اُمّه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضايتي. فانطلق بالبقرة إلى السوق، فأتى الملك فقال: استأمرت والدتك؟

فقال الفتى: نعم، إنّها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها.

قال له الملك: تأتي اُعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها. فأبي الفتى ورجع إلى اُمّه وأخبرها بذلك، فقالت: إنّ ذلك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجرّبك، فإذا أتاك فقل له: أتأمر أن نبيع هذه البقرة أم لا؟


ففعل ذلك، فقال الملك: اذهب إلى اُمّك وقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإنّ موسى يشتريها منك لقتيل يُقتل في بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلاّ بملأ جلدها دنانير.

فأمسكوا تلك البقرة، وقد أراد الله تعالى على بني إسرائيل ذبح البقرة بعينها؛ مكافأة على برّه بوالدته؛ فضلاً منه ورحمة، فطلبوها فوجدوها عند الفتى، فاشتروها بملأ مسكها - جلدها - ذهباً(1) .

هذا نموذج بسيط زائل في الحياة الدنيا لمَنْ برَّ بوالدته، وأمّا ما أعدّ الله له في الآخرة فلا يعلمه إلاّ هو (عزّ وجلّ).

والآية التي افتتحنا بها المجلس جامعة مانعة، قالت:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) .أوّل ما حكمت به وألزمت وفصّلت ووضعت الحدّ والنهاية في أن لا تعبدوا إلاّ الله تبارك وتعالى، أمر منه (عزّ وجلّ) بأن لا نعبد إلاّ إيّاه جلّ جلاله.

فأمر الله تبارك وتعالى بإخلاص العبادة له (عزّ وجلّ)؛ لأنّها أوجب الواجبات، كما إنّ معصيته وهو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر الموبقة، وإلى الشرك تعود جميع المعاصي بحسب التحليل؛ ولعظم هذا الأمر قدّمه الباري (عزّ وجلّ) على جميع الأحكام الخطيرة شأناً؛ كعقوق الوالدين، ومنع حقوقهما، والتبذير، وقتل الأولاد، والزنا، وقتل النفس المحترمة إلى غير ذلك.

ثمّ انتقلت الآية - بعد الأمر بالتوحيد - إلى حكم آخر يأتي بالمرتبة الثانية من الأهمية بعد التوحيد لله تبارك وتعالى، وهو( وبالوالدين إحساناً ) .

بمعنى وقضى ربّك ألا تعبدوا إلاّ إيّاه،

____________________

(1) بحار الأنوار 13 / 275، قصص الأنبياء - الجزائري / 326.


وقضى ربّك بأن تُحسنوا بالوالدين إحساناً. والإحسان يقابل الإساءة كما هو معلوم.

وهذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات، كما إنّ عقوقهما من أكبر الكبائر على سائر الأحكام المذكورة المعدودة، وكذلك فعل عزَّ وجلَّ في عدّة مواضع من كلامه تبارك وتعالى.

ثمّ انتقلت الآية إلى أمر آخر وحقيقة أخرى حيث قالت:( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوكِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) .

بلوغ الكبر يعني بلوغ كبر السنّ، واُف كلمة تفيد الضجر والانزجار(1) ، وقد ورد عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام ، عن جدّه أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «لو علم الله كلمة أوجز في ترك عقوق الوالدين من (اُفٍّ) لأتى بها».

وفي رواية اُخرى قال: «أدنى العقوق أفٍّ، ولو عَلِمَ الله شيئاً أيسر وأهون منه لنهى عنه»(2) .

وتخصيص حالة الكبر بالذكر لكونها أشقّ الحالات التي تمرّ على الوالدين، فيحسّان فيها الحاجة إلى إعانة الأولاد لهما، وقيامهم بواجبات حياتهما التي يعجزان عن القيام بها، وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حال الصغر، وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من لوازم الحياة وواجباتها.

فالآية تدلّ على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع الأوقات، وخاصة في وقت تشتدّ

____________________

(1) تفسير الميزان 13 / 79 - 80.

(2) تفسير البرهان 4 / 548، ح 12 و13.


حاجتهما إلى ذلك، وهو وقت بلوغ الكبر من أحدهما أوكليهما عند الولد(1) .

هذا كلّه في برّ الوالدين في حياتهما، وأمّا بعد وفاتهما وانتقالهما إلى الدار الآخرة فهناك عدّة طرق لبرّهما، منها: أن يصلّي صلاة برّ الوالدين، وهي ركعتان؛ يقرأ في الركعة الأولى - بعد سورة الحمد - عشر مرّات:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) ، وفي الركعة الثانية - بعد الحمد أيضاً - عشر مرّات:( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) ، ويقول بعد التسليم والانتهاء من صلاته عشر مرّات:( رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) (2) .

وأن يتصدّق عنهما، وأن يقضي ما فاتهما من صلاة وصيام، وما عليهما من ديون، ويحجّ عنهما ويزور المراقد الشريفة، ويدعو لهما في صلاة الليل وصلاة الفريضة، فإن فعل ذلك فقد فتح لنفسه أبواب الرحمة والسعادة في النشأتين، وتمّت أعماله بحسن العاقبة، وذلك منتهى الغاية .

ويتعهّد بزيارة قبريهما ويدعو لهما، ويرضيهما بأيّة حالٍ من الأحوال، وإلاّ إذا انتقل الإنسان من هذه الدنيا إلى الحياة الاُخروية، الله يعلم ماذا يجري هنالك ورسولُهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا يروى أنّه كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالساً في أحد الأيام في المسجد، وفجأة هبط عليه جبرئيل الأمين، وقال له: السّلام عليك يا رسول الله، انقل أقدامك الشريفة إلى المقبرة

____________________

(1) تفسير الميزان 13 / 80.

(2) مكارم الأخلاق / 334، بحار الأنوار 88 / 220 - 221.


لكي تتبرّك القبور بتراب أقدامك، ولكي يشمّ حبيسو هذه القبور الضيقة المظلمة نسيم رحمتك الذي سيهبّ عليهم بقدومك عليهم.

فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع طائفة من أصحابه ويممّوا وجوههم نحو المقبرة، وكان أصحابه يحيطون به عن يمينه وعن شماله. وفي الأثناء وصل أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى هناك، وسأل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عن نيّتهم في هذا المسير، فقال له: «نريد أن نذهب إلى مقبرة البقيع».

وعندما وصلوا إلى هناك تداعى إلى أسماع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله صوت شخص يستغيث، ويقول: الأمان يا رسول الله. فانتبه سيد الرسل إلى هذا الصوت، وقال: «يا صاحب القبر، أخبرني عن سبب عذابك».

فأجابه: يا شفيع المذنبين، وقدوة المؤمنين، إنّ سخط والدتي عليّ سبّب لي هذا العذاب؛ لأنّني آذيتها في حياتي. الأمان الأمان يا رسول الله!

فأمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بلالاً أن ينادي في المدينة على الناس بأن يجتمعوا، فنادى بلال بصوت جهوري: يا أيّها الناس، اجتمعوا على قبور الآباء والاُمّهات والأقرباء بأمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وعندما سمعوا نداء بلال هبّوا مسرعين إلى المقبرة، فغصّت المقبرة بالناس، ومن بين الحضور كانت عجوزٌ محدودبة الظهر تتوكأ على عصاتها جاءت ووقفت بالقرب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسلّمت عليه وقبّلت التراب بين يديه، وقالت: يا رسول الله، ما الخبر؟

فقال: «أيّتها العجوز، هذا ولدك؟».

فأجابت: نعم يا رسول الله.


فقال لهاصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ ولدك الآن في محنة وعذاب، اغفري له وارضي عنه».

فقالت العجوز: يا رسول الله، لا أغفر له ولا أرضى عنه أبداً.

فقال لها: «لماذا؟».

قالت: لقد غذّيته من لبني، وعاش في كنفي، وتحمّلت من أجله الصعاب، فلمّا كبر واشتدّ عوده فبدلاً من أن يحسن لي أخذ يتلذّذ بأذيتي وعذابي.

فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اعطفي عليه وارحميه لينجو من عذابه».

ورفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يديه بالدعاء، وقال: «إلهي، بحقّ الخمسة من آل الكساء أسمع هذه الأمّ صوت استغاثة ولدها؛ كي يرقّ قلبها عليه، وتعطف عليه وتغفر له».

عندها أمر العجوز بأن تضع أذنها على قبر ولدها وتسمع صوت ولدها يئن بألم وحسرة، فلم تتمالك عن البكاء، وقالت: يا سيد المرسلين وشفيع المذنبين، إنّه يستغيث، ويقول: فوقي نار، وتحتي نار، وعن يميني نار، وعن شمالي نار، ومن بيني نار، الأمان الأمان الأمان!

عندها رقّ قلب العجوز بسبب سماعها استغاثة ولدها، وقالت: إلهي، لقد عفوت عن تقصير ولدي. فألبسه الله سبحانه وتعالى لباس رحمته وعفا عنه فوراً، فنادى الولد: أيّتها الوالدة، عفا الله عنك كما عفوتِ عنّي(1) .

هكذا كان أثر دعاء الوالدة لولدها؛ ولذا ترى أنّ الحسينعليه‌السلام يوصي أُمّ علي الأكبر ليلى: «ادعي لولدك؛ إنّي سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: دعاء

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 123 - 124.


الأمّ مستجاب بحقّ ولدها».

وبالفعل دخلت ليلى إلى الفسطاط؛ نشرت شعرها، رفعت يديها إلى السماء قائلة: إلهي، بغربة أبي عبد الله، إلهي، بعطش أبي عبد الله، يا راد يوسف إلى يعقوب اردد إليَّ ولدي عليّ.

ما هي إلاّ لحظات وإذا بعليّ الأكبر يرجع سالماً، واستجاب الله دعاء ليلى بحقّ ولدها، ولكن المصيبة الكبرى عندما وقع القضاء، وشاء الله أن يراه على رمضاء كربلاء مقطّع إرباً إرباً، وكأنّي بأمّه ليلى تخاطبه:

يبني أنا ردتك ذخر ليام شيبي

يـوسفه انگطع مِنك نصيبي

(مجاريد):

فـجيده يـا عـلي يـبني فجيده

بـعيده شـوفتك صـارت بعيده

الـمدّ ايـده عـليك انشلّت ايده

اُوشرابه لا هنه ولا طاب له الزاد

* * *

يـا علي يبني النوب ذلّيت

والـموت يـاخذني تمنّيت

عمود الوسط يا شايل البيت

يـبني بعد عندي اشخلّيت

* * *


(أبو ذيّة):

يبني أنا ردتك ما ردت دنيه ولا مال

تـحضرني لـو وگع حملي ولا مال

يـالاكبر خـابت اظـنوني والامال

عـند الـضيج يـبني اگطعت بي

* * *

رجوتُك يا عليُّ تعيش بعدي

وتوّد جثتي رمسَ اللحُودِ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس الثاني عشر

الصبر



المجلس الثاني عشر

الصبر

حـكمُ الـمنيّةِ فـي البريةِ جاري

مـا هـذه الـدُّنيا بـدارِ قـرارِ

بينا يُرى الإنسانُ فيهـا مُخبـراً

حتّى يُـرى خـبراً مـن الأخـبارِ

طُـبعت على كدرٍ وأنتَ تُريدُها

صـفواً مـن الأقـذار والأكـدارِ

ومـكلّفُ الأيـامِ ضـد طـباعها

مـتطلبٌ فـي الـماء جذوةَ نارِ

وإذا رجـوتَ الـمستحيل فـإنّما

تـبني الـرجاء على شفيرٍ هارِ

فـالعيشُ نـومٌ والـمنيّةُ يـقطةٌ

والـمرءُ بـينهما خـيالٌ سـارِ

والـنفس إن رضيتْ بذلك أوأبتْ

مـنـقـادةٌ بـأزمّـةِ الأقدارِ

إيِّـاك أن تـغتَّر بـالدهر الـذي

أودى بـآل الـمصطفى الأبرارِ

نُـحرت نحورهم بعرصة كربلا

عـطشاً ومـاءُ النهر فيها جاري

أبـكيهمُ تـحت الـعجاج وبينهم

ثـاوٍ شبيهُ الـمصُطفى الـمُختارِ

لـم أنـسه والـسبط جاثٍ حولَه

يـدعو بـدمعٍ هـاطلٍ مـدرارِ

يـا كـوكباً ما كان أقصرَ عُمرَه

وكـذا تـكونُ كـواكبُ الأسحارِ

عـجل الخسوفُ عليهٍ قبلَ أوانه

فـطـواه قـبلَ مـظنّةِ الأبـدار

فـكـأنَّ قـلـبي قـبره وكـأنّه

فـي طـيّهِ سـرٌ مـن الأسرارِ

جـاورتُ أعـدائي وجـاورَ ربّه

شـتان بـينَ جـوارهِ وجوارِ(1)

____________________

(1) القصيدة لأبي الحسن التهاميرحمه‌الله ، قال عنه الزركلي في الأعلام 4 / 327، وابن خلكان في وفيات الأعيان 3 / 378 - 471: هو علي بن محمّد بن فهد أبو الحسن التهامي الشاعر. مولده ومنشؤه باليمن، وطرأ على الشام وسافر منها إلى العراق والى الجبل، ولقي الصاحب بن عبّاد وقرأ عليه، وتقلّد الخطابة بالرملة وتزوّج بها، وكانت نفسه تحدثّه بمعالي الأمور، وكان يكتم نسبه، فيقول تارةً: إنّه من الطالبيّين، وتارة من غيرهم، ولا يتظاهر بشيء من الأمرين.

نسخ شعر البُحتري... أُعتقل بخزانة البنود بالقاهرة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة 416 هـ، ثمّ إنّه قُتل سرّاً في سجنه تاسع جمادى الأولى من السنة المذكورة، وكان أصفر اللون، ورئي بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. فقيل له: بأيّ الأعمال؟ قال: بقولي في مرثية ولد لي صغير، وهو:

جاورت أعدائي وجاور ربَّه

شتان بين جواره وجواري

وهذه القصية قالها في رثاء ابنه، وقد عُدت من عيون قصائد الرثاء والحكمة.


(أبو ذيّة):

شـافه والـنبل نابت عليّ راح

گعد عنده وصفك راحاً على راح

وگام وصاح يا زينب علي راح

يـختي أظلّمت الدُنيا عليَّ

* * *


قال تعالى:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (1) .

الصبر: هو حبس النفس عمّا تُحبّ، وترك الجزع عند ما تكره. وهو أيضاً تحمّلُ الإنسانُ لحالة حدثت له تستدعي فيه التحمّل والهدوء، ومعالجة الأمور بتعقّل ولو طالت مدّة هذه الحالة، مثل: تحمّل المريض لمرضه، وصاحب المصيبة لمصيبته، وأيضاً تحمّله لترك الذنوب، وتحمل حصول الإنسان على النعمة والاستمرار في شكر الله وطاعته وعدم معصيته.

والصبر من فروع الرضا بقضاء الله وقدره، وهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وضدّه الجزع الذي هو عدم الصبر على البلاء.

وقد قسّم الصبرُ إلى أقسام وأنواع منها:

1 - الصبر على الطاعة

بمعنى أن يتحمّل المداومة التي تحتاجها الطاعة، فترى البعض من الناس ليس عنده القدرة على تحمّل ركعتي صلاة الصبح، بل أكثر من ذلك البعض لا يستطيع أن يتحمّل الزمان الذي يستغرقه الآذان أو تسغرقه الإقامة.

____________________

(1) سورة البقرة / 155 - 157.


حكي أنّ أحد الولاة سمع أحدَ الرعيّة يدعو عليه بالهلاك، ويقول: اللّهمّ خلّصنا منه.

فخرج هذا الوالي وقال له: علامَ أنت تدعو عليّ، وأنا لم يكن لي معكم إلاّ بعض الأيام، فما لكم قد مللتموني؟!

قال الرجل: أيّها الوالي، إنّني ابتدئ بالأذان وأشرع، حتّى إذا بلغت وسطه مللتُ فقطعته.

فهذا نموذج من الناس تراهم ليس لهم القابلية على تحمّل أبسط الأمور، وهذه الحالة تعتري الكثير من بني البشر.

فالصبر على المداومة على الطاعة - بالحقيقة - هو صبر على النعمة التي أنعم الله بها على الإنسان، بأن يصبر على الشكر لصاحب النعمة وهو الله، فيسير في طريق الاستقامة فيصبر على الطاعة كما يصبر على أن لا يعصي خالقه، ويستمر في العبادة والصلاة لوقتها، وصوم شهر رمضان وغير ذلك. وهو بتوفيق الله تعالى والمداومة يصبح يسيراً.

وعن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «إنّا وجدنا الصبر على طاعة الله أيسر من الصبر على عذابه»(1) .

2 - الصبر على عدم معصية الله

بأن يصبر أن لا يغتاب، ولا يكذب، ولا يتكبّر، ولا يرتكب المحرّمات... فعن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «اصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه،

____________________

(1) مستدرك الوسائل 11 / 261، ح7.


واصبروا على عملٍ لا طاقة لكم على عِقابه»(1) .

وهذا النوع من الصبر من الأنواع التي تحتاج إلى المجاهدة والرياضة النفسية العالية حتّى قيل: إنّ الصبر على عدم المعصية أفضل من كلّ مراتب الصبر(2) .

3 - الصبر على البلاء والمصائب

وهذا هو محلّ الكلام، فكلّ إنسان يعاني من هذه الاُمور فإن أراد الراحة في الدنيا والثواب في الآخرة فعليه أن يصبر، ويسلّم أمره إلى الله، ويتوكّل عليه، ويرضى بقضاء الله وقدره، ويحاول أن يعالج البلاء بتعقّل وهدوءٍ.

فعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: «الجنّة محفوفة بالمكاره والصبر، فمَنْ صبر على المكاره في دار الدنيا دخل الجنّة. وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمَنْ أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النار»(3) .

ولو تأمّلنا في الآيات التي افتتحنا بها المجلس نلاحظ عدّة امتحانات وبأشكال مختلفة؛ فتارةً يكون الامتحان عن طريق الخوف، واُخرى عن طريق الجُوع، وثالثة عن طريق النقص في الأموال والأنفس - يعني الموت وما شاكله -، فالآية تعرّضت للاختبار الإلهي العام ولمظاهره المختلفة، باعتباره سُنّة كونية

____________________

(1) أمالي الصدوق / 170، ضمن الحديث الخامس.

(2) الأربعون حديثاً / 251.

(3) الكافي 2 / 89 - 90، ح7.


لا تقبل التغيير. وكما كان الانتصار في هذه الاختبارات لا يتحقّق إلاّ في ظلّ الثبات والمقاومة، قالت الآية بعد ذك( وبشّر الصابرين ) . فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات لا غيرهم.

ثُمَّ إنّ الآية التي بعدها تُعرِّفُ الصابرين وتقول:( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ) . فالإقرار التام بالعبودية المطلقة لله يعلّمنا أن لا نحزن على ما فاتنا؛ لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب؛ إن شاء منحنا إيّاها، وإن استوجبت المصلحة أخذَها مِنّا، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا.

والالتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه وتعالى يشعرنا بزوال هذه الحياة، وبأن نقص المواهب المادية وتوفّرها عَرض زائل، ووسيلة لارتقاء الإنسان إلى سلّم تكامله، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة (إنا لله وإنا إليه راجعون) له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس(1) .

ومن الواضح أنّ المقصود من قول هذه العبارة ليس ترديدها باللسان فقط، بل استشعار هذه الحقيقة، والالتفات إلى ما تنطوي عليه من توحيد وإيمان(2) .

وقد يُسأل سائل: لماذا هذا الاختبار الإلهي وبأشكاله المختلفة؟ إنّما نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم، فهل إنّ الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا

____________________

(1) روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «إنّ قولنا: إنّا لله إقرارٌ على أنفسنا بالملك، وقولنا: إنّا إليه راجعون: إقرار على أنفسنا بالهلك». نهج البلاغة 4، قصار الحكم / 646، الحكمة رقم 99.

(2) تفسير الأمثل 1 / 440 - 442 «بتصرّف».


الاختبار لعِباده، وهو العالم بكلِّ الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شيء خفي عنه سبحانه وتعالى حتّى يظهر له بهذا الامتحان؟!

والجواب: إنّ مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري؛ فاختباراتنا البشرية بين بعضنا والبعض الآخر هي - كما ذُكر آنفاً - لرفع الإبهام والجهل، وأمّا الاختبار الإلهي فالأمر فيه ليس كذلك، بل المقصود منه التربية.

فالاختبار الإلهي يشبه عمل زارعٍ خبيرٍ ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة وتبدأ بالنمو، ثمّ تصارع هذه البذور كلّ المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرياح العاتية والبرد الشديد والحرّ اللافح؛ لتخرج بعد ذلك نبتة مزهرة، أو شجرة مثمرة تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب. وهذا هو سرّ الاختبارات الإلهية.

قال سبحانه وتعالى:( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (1) ، مع أنّه تبارك وتعالى عليم بذات الصدور ولا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، وما تسقط من ورقة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ وهو تعالى مطّلع عليه وحاضر لديه، ومع هذا يبتلي عباده لا ليفهم ويطّلع بل ليربّي ويروّض.

ومن هنا يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام في نهج البلاغة مبيّناً سبب الاختبارات

____________________

(1) سورة آل عمران / 154.


الإلهية: «... وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يُستحقُ الثواب والعقاب»(1) .

أي إنّ الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للثواب والعقاب، فلا بدّ أن تظهر من خلال أعمال الإنسان، والله يختبر عِباده ليتجلّى ما يضمرونه في أعمالهم، ولكي تنتقل قابليّاتهم من القوّة إلى الفعل؛ وبذلك يستحقون الثواب أو العقاب.

فإذا صبر الإنسان على ما أصابه به الله تبارك وتعالى من خوف أو جوعٍ، أو نقصٍ في الثمرات أو الأنفس، إلى غير ذلك أعطى الصبرُ نتائجَه؛ لأنّ لكلّ زرعٍ ثمراً، ولكلّ فعل ردّ فعل.

وأوّل نتائج الصبر هذا هي ما ذكرته الآية الأخيرة التي صدّرنا بها المجلس، وهي قوله تعالى:( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) .

هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرةٍ من أمرهم في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار؛ لذلك تقول الآية:( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (2) .

والنتيجة الثانية المترتبة على الصبر أيضاً: هي الراحة في دار الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة.

والنتيجة الثالثة: هي حبّ الله تبارك وتعالى للصابرين. قال تعالى:( واللهُ يُحِبُّ

____________________

(1) نهج البلاغة، الكلمات القصار 4 / 645 رقم الكلمة 93.

(2) تفسير الأمثل 1 / 441.


الصَّابِرِينَ ) (1) .

والنتيجة الرابعة: هي كون الله تبارك وتعالى معهم. قال تعالى:( وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (2) .

والنتيجة الخامسة: هي التحيّة من الله (عزّ وجلّ) والسّلام. قال تعالى:( سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (3) . إلى غير ذلك من النتائج.

هذا فيض من غيضٍ، وقطرة من بحر متلاطم، وقليل من كثير من النتائج المترتّبة على التمسّك بالصبر، وإلاّ فالآيات عديدة والروايات كثيرة، وكثيرة جدّاً في الصبر وأجره، وما أعدّ الله للصابرين فقد تخرج عن حدّ الإحصاء.

منها ما روي عن نبي الله عيسىعليه‌السلام أنّه مرَّ برجلٍ أعمى وأبرص ومقعد مضروب الجنبين بالفالج، قد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلى به كثيراً من خلقه.

فقال له نبي الله عيسىعليه‌السلام : يا هذا! وأيّ شيء من البلاء تراه مصروفاً عنك؟

فقال: يا روح الله، أنا خير ممّن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته.

فقال: صدقت، هات يدك. فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجهاً، وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به(4) .

____________________

(1) سورة آل عمران / 146.

(2) سورة الأنفال / 46.

(3) سورة الرعد / 24.

(4) مُسكنُ الفؤاد / 87، وبحار الأنوار 79 / 153 - 154.


هذا الرجل الذي سمعتم حكايته كان يحمد الله على معرفته به، لكن من المقطوع به لم يُصب كما أصاب الدهر صاحب المصيبة والرزية العظمى، حيث ورد عنهعليه‌السلام أنّه قال - بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته -: «هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله»(1) .

ما أعظمكم يا آل محمّدٍ! انظروا أنّه يقول - بأبي وأمّي! -: إنّ الذي خفّف عليّ هذه المصائب وهذه الرزايا والمحن هو كونها في منظر الله تبارك وتعالى، فهو يعلم بها ويحتسبها عنده ليوم لا ريب فيه.

ولكن يقول كما يقول جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : «العين تدمع، والقلب يحزن، وإنّا بفراقِك يا إبراهيم لَمحزونون»(2) .

وكذلك وإنّا بفراقك يا عليّ الأكبر لمحزونون، وخاصّة أنّه أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً بالنبيِّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالحسينعليه‌السلام يوم عاشوارء - بالحقيقة - فقد النظر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا ما يعظم الخطب.

ولذا قالوا: إنّ أبا عبد الله الحسينعليه‌السلام صار في حالة احتضار عند مصرع ولده عليّ الأكبر، زينبعليها‌السلام تعلم بأنّه إذا بقي الحسينعليه‌السلام عند مصرع ولده علي واضعاً خدّه على خدّ ولده سوف تفارق روحه الدنيا، فأرادت زينبعليها‌السلام أن تحافظ على حياة أخيها الحسينعليه‌السلام ، وأن تشغله عن مصيبة ولده، فلمّا رأت ذلك خرجت من الخيمة تنادي: وا علياه! وا نور بصراه! وا ثمرة فؤاداه!

لمّا سمع الحسينعليه‌السلام صوت

____________________

(1) اللهوف / 69، عنه البحار 45 / 46.

(2) صحيح البخاري 2 / 85.


زينب قام إليها قائلاً: «اُخيّه زينب، ارجعي إلى الخيمة، لا تُشمتي بنا الأعداء».

ولكن زينب أقبلت حتّى رمت بنفسها على جسد علي الأكبر، وهي تنادي: وا علياه!

هـوت فـوگه تحب خدّه وتشمّه

وغدت تصبغ وجهها ابفيض دمه

عـسه ابـعيد الـبله تگله يعمّه

عـله الـتربان نايم ليش بالحر

بعد ذلك خرجت إليه اُمّه ليلى بعدما أتوا به إلى المخيّم، وقعت عليه، احتضنته، تشمه وتضمّه، أحطن به عماته وأخواته يبكينه ويندبن عليه، وكذلك حضر والده الحسينعليه‌السلام ، وكأنّي به يخاطب ولده الأكبرعليه‌السلام :

يـبويه اشـلون ما تبچي الزچيه

أوگطـع يبني الدهر وصلك عليّه

يـبويه جـدّك أوجـدّتك هـيه

اعتنوا يبني يعزّوني على فگدك

يـبويه يـا لفجعني ابفگدك البين

يا روحي اوچبدتي اوشوفت العين

اشـحال اُمّك الظلّت بالصواوين

تـهل اعيونها اُوتربي أعله دربك


أمّا اُمّه ليلى فكأنّي بها تخاطبه:

گلبي إبيا سبب يبني وداعي

تصد عنّي أولا تسمع وداعي

أنـا ما أطلب بحگي وداعي

گلي اُوداعة الله اُوهاي هيّه

* * *

يا كوكباً ما كان أقصر عمرَه

وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.


المجلس الثالث عشر

حسن الظنّ وسُوء الظنّ



المجلس الثالث عشر

حسن الظن وسُوء الظن

أيـطيبُ عـيشي بعدَ وقعةِ كربلا

وأكونُ فـيـما أرتـديهِ أنـيقا

وأذوقُ طـعمَ الـماءِ وابـنُ محمّدٍ

مـا ذاقَـهُ حتّى الـحمامَ أُذيـقا

لا عـذرَ لـلشيعيِّ يـرقى دمـعُه

ودمُ الـحـسينِ بـكربلاءِ اُريـقا

فـيكَ اسـتُبيحَ حـريمُ آلِ مـحمّد

وتـمـزّقتْ أسـبـابُهم تـمـزيقا

قـتلوا الحسينَ وروّعوا قلبَ الهُدى

ظُـلـماً وفُـرّقَ شـملُه تـفريقا

تـركـوهُ عـارٍ بـالفلاةِ وأقـبلوا

نـحـو الـمخيّمِ ألـهبوه حـريقا

لـهفي لـزينبَ بـعدَ فـقدِ حمُاتِها

قطعتْ معَ الخصمِ المشومِ طريقا(1)

____________________

(1) الأبيات الأربعة الاُولى للشاعر محمّد السوسي ذكرها العلاّمة المجلسيرحمه‌الله في البحار 45 / 245، مع تغيير في بعض الكلمات، وما عداها فهي لاُستاذنا الشيخ محمّد سعيد المنصوريرحمه‌الله ، ذكرها في ميراث المنبر / 67 الطبعة الحديثة. قال السيد جواد شبّررحمه‌الله في أدب الطفّ مترجماً للشاعر السوسي: الأمير أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن عبد العزيز بن محمّد السوسي، توفي في حدود سنة 370، ودُفن بحلب. كان فاضلاً أديباً كاتباً بحلب، وسافر إلى فارس، ثمّ عاد إلى محلّه. ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء في شعراء أهل البيتعليهم‌السلام المجاهرين... والسوسي نسبة إلى السوس: كورة بالأهواز فيها قبر دانيالعليه‌السلام ، معرب شوش، وبلد بالمغرب، وبلد آخر بالروم. (أدب الطفّ 2 / 119). وأما شيخنا الاُستاذ المنصوري فهو الخطيب الكبير، وشيخنا واُستاذنا محمّد سعيد ابن الشيخ موسى المنصوري. ولد في النجف الأشرف، ثمّ هاجر إلى إيران في حدود الستّينيات، وسكن مدينة عبادان، وبقي ينتقل بينها وبين البصرة وبقية محافظات العراق إلى زمان مجيء زمرة البعثيين المجرمة، ثمّ انتقل إلى مدينة قم المقدّسة في سنة 1980 م. تلمذ على يد مجموعة من فطاحل الخطابة، أمثال اُستاذه المرحوم السيد محمّد سعيد العدناني الغريفي. لاُستاذنا المنصوري حسّ شعري رائع، وخطابة حسينية فريدة، ونغمة حنين نادرة، وعبرات وآهات تبكي صمّ الصخور قبل رقائق القلوب. انتقل إلى رحمة الله وإلى جوار مَنْ أحبّهم وندبهم ورثاهم وبكى عليهم ليلاً ونهاراً، إلى جوار رسول الله وآله الأطهار إن شاء الله تعالى، وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر جمادى الأوّل عام 1428 هـ ق، فشُيّع تشييعاً مهيباً من قِبل العلماء وطلاب العلم وطلابه، ودُفن في مثواه الأخير بجنب ولده الخطيب المرحوم الشيخ عبد الحسين المنصوري الذي سبقه إلى القضاء، فتركه بحسرةٍ شديدة، وألمٍ لطالما قرأتُه على صفحات محيّاه، وذلك في قم المقدّسة في مقبرة (باغ بهشت). للشيخ المنصوريرحمه‌الله أسفار تبليغية في شتّى بقاع العالم الإسلامي؛ فقد سافر إلى الكويت، والبحرين، وقطر، وعمان، والإمارات، وسوريا، ولبنان، فضلاً عن العراق وإيران وغيرهما من الدول الاُخرى.

ترك آثاراً خالدة وصدقات جارية، منها: تدريسه ثلّة من الخطباء وخدمة المنبر الحسيني، وترك مؤلّفات قيّمة في الشعر والأدب، منها: (مفاتيح الدموع)، و(ميراث المنبر)، و(مصابيح المنبر)، و(ديوان السعيد)، و(تحفة الفن)، و(خلاصة مقتل الحسين). فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم مات يلهج بذكر أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ويوم يبعثُ حياً.


وكأنّي بها تخاطب حماتها، وهم مجزّرون كالأضاحي:

أنه أمشيت درب الما مشيته

وچتـال أخـيّ رافگيـته

مـن جـلّت الوالي نخيته

شـتم والدي وانكر وصيته

* * *

ولسان حالها:

بـس ما غبت وكفيت يحسين

عـن كربله صرنه مضعنين

خـذوني يسيره وتدمع العين

ومـدري وجوه الگوم لا وين

لـلكوفة يـو لـلشام ناوين

والدرب تدري يريد له اثنين

أنـصار يـو إخـوة المبينين

ولـويّاي مـا غير النساوين

أبـاري الضعن ماليش تمكين

عاد أرضه والله يريحني البين

* * *


قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (1) .

ينقسم الظنّ كانقسام أوّلي إلى قسمين، هما: حُسن الظنّ وسوء الظنّ.

ولا شك في أنّ الأوّل منهما راجح شرعاً وعقلاً، ولا غبار عليه، بل هو من صفات المؤمنين المخلصين. وهذا الحُسن - أعني حسن الظنّ - لا يختص بحسن ظنّ إنسان بآخر، بل هو يشمل حتّى حُسن الظنّ بالله تبارك وتعالى، حتّى روي أنّ الله سبحانه وتعالى يقول: «أنا عند حسن ظنِّ عبدي المؤمن؛ إنْ خيرٌ فخير، وإنْ شرٌّ فشرّ»(2) .

فمن هنا كان ينبغي على كلّ مؤمن أن لا ييأس من رحمة الله، ولا يظنّ أنّ الله لا يرحمه، وأنّه يعذّبه، وأنّ ما يُصيبُ الإنسان في الدنيا من المصائب والأمراض والفقر هو شرّ له وعقوبة، بل ينبغي أن يعلم أنّ الله أرحم من والديه به، وما يُصيب الإنسان من المصائب هو خير له وصلاح وذخيرة له في يوم المعاد.

رأى بعضهم في المنام صاحباً له على أحسن حال، فقال: بأيّ شيءٍ نِلتَ هذا؟ فقال: بحسنِ ظنّي بربّي، وما ينال أحدٌ خير الدنيا والآخرة إلاّ بحسن الظنّ بالله تعالى.

وكذلك لا يظنّ السوء بالمسلمين، ويفسّر كلّ عمل منهم تفسيراً غير صحيح، بل يجب عليه أن يُفسّر تصرّف الناس على أحسن الوجوه إلاّ إذا

____________________

(1) سورة الحجرات / 12.

(2) بحار الأنوار 67 / 385 - 386، ح44.


كان متيقّناً ومتأكّداً من فعل يتطلّب منه أن يفسّره بتفسير واقعي؛ حفاظاً على حقوق الناس(1) .

فعن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «اطلُب لأخيك عذراً، فإن لم تجد له عُذراً فالتمس له عُذراً»(2) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ضع أمرَ أخيك على أحسنه حتّى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً»(3) .

ويجب على الإنسان أن لا يضع نفسه في موضع التهمة، ثمّ يعترض على الناس حيث يظنّون به سوءاً، فمَنْ صدّق المفُسدين وجالسهم سوف يظنّ به سوءاً.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ومَنْ عرض نفسه للتهمة فلا يلومنَّ مَنْ أساء به الظنّ»(4) .

في أوّل الأمر نلفت الانتباه إلى التفريق بين الشك والظنّ والعلم، فنحن تارةً نصف إنساناً ما بأنّه شاك، واُخرى بأنّه ظانّ، وثالثة بأنّه عالم بالأمر الكذائي، فما هو الفرق؟ وما هو المناط والمبرر لإمكانية وصف الإنسان بأحد هذه الصفات؟

____________________

(1) الأخلاق والآداب الإسلاميّة / 469.

(2) الخصال / 622.

(3) الكافي 2 / 362، باب التهمة وسُوء الظنّ، ح3.

(4) نهج البلاغة 4 / 41، ح159.


فالشك: هو استواء كفّتي الاحتمالين إثباتاً ونفياً.

والظنّ: بترجيح كفّة أحدهما على الآخر مع بقاء الطريق مفتوحاً للذي خفّ ميزانه.

والعلم: تعيين أحدهما مع سدِّ الطريق على الآخر من الأساس.

وقد تظنّ بإنسان خيراً أو شرّاً، وقد تكون مُصيباً في ظنّك أو مخطئاً، ولا بأس عليك إطلاقاً في حسن الظنّ بأخيك؛ أصبت أو أخطأت، ظهر أثر ذلك في أقوالك أو أفعالك أو لم يظهر.

فإذا صدر من الإنسان عمل من الأعمال، أو قول من الأقوال يمكن حمله على وجه صحيح وعلى وجه فاسد، فهل يحمل على الصحة أو على الفساد، أو يجب التوقف وعدم الحكم بشيءٍ إلاّ بدليل قاطع؟

ومثال ذلك: أن ترى رجلاً مع امرأة لا تدري هل هي زوجته أو أجنبية عنه، أو تسمع كلاماً وأنت لا تدري هل أراد به المتكلّم النيل منك أو لم يرد ذلك، فما هو الحكم حينئذ؟

والجواب: هو أنّه قد اتفق الفقهاء على وجوب الحمل على الصحة في ذلك وأمثاله.

وهذا مبدأ إنساني بحت؛ لأنّه يُكرّس كرامة الإنسان، ويؤكّد علاقة التعاون والتعاطف بين الناس، ويبتعد بهم عمّا يثير الكراهية والنفور.

وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام لا يقتصر على العقيدة والعبادة، وأنّه يهتم بالإنسانيّة وخيرها، ويرسم لها الطرق التي تؤدّي بها إلى الحياة المثمرة الناجحة.


ثمّ إنّ الجملة قالت:( كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ ) ، ولم تقل كلّ الظنّ، فما هو السبب في ذلك؟

السبب يرجع إلى أنّ (كلّ) من صيغ العموم، تشمل حسن الظنّ وسوء الظنّ. بخلاف كلمة كثير، فقد تستعمل بمعنى بعض وبمعنى معظم، وهذا هو المراد بكلمة كثير في الآية، والقصد هو حصر موضوع الآية ودلالتها بسوء الظنّ.

وسوء الظن من حيث هو، ودون أن يظهر أثره في قول أو فعلٍ ليس بجرم، وصاحبه غير مسؤول عنه؛ لأنّ الإنسان لا حرية له في ظنونه وتصوّراته، ولكن عليه أن لا يُعوّل على ظنّ السوء، ويعتبره كأنّه لم يكن، وإذا عوّل عليه وظهر أثر ذلك في قول أو فعل كان مسؤولاً ومستحقاً للذمّ والعقاب. وهذا هو الظنّ الذي أراده سبحانه بقوله:( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) .

قال الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ثلاثة لا يسلم منها أحدّ؛ الطيرة، والحسد، والظنّ، فإذا تطيّرت فامضِ، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تحقّق»(1) .

وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى:( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ ) لا تعولّوا عليه ولا تعملوا به(2) .

ولذا تجد بعض الناس بمجرّد أدنى احتمال يُرتّب الأثر عليه، والبعض الآخر يتوقّف ولم يقل شيئاً إلى أن يتّضح الأمر، والبعض أكثر من ذلك، بل

____________________

(1) ميزان الحكمة 3 / 2354، ونسبه إلى العامة.

(2) آيات منتخبة من القرآن الكريم / 243 - 245.


يحمل عمل الإنسان الآخر على الصحة.

جاء رجلان إلى أحد المراجع؛ أحدهما يحمل أموالاً إلى هذا المرجع، والآخر جاء ليطلب المساعدة من هذا المرجع، وبينما هما خارج استقبال المرجع سأل الفقير الرجل الآخر عن سبب مجيئه، قال الرجل الذي جاء بالحقوق الشرعية: جئت لأعطي هذه الأموال من الحقوق إلى المرجع الديني.

قال الرجل الفقير في نفسه: نعم، أتركه يدخل فإذا دخل هذا الرجل وأعطى الأموال لهذا المرجع أدخل بعده وأشكو حالي له، وأقول: إنّي فقير ومحتاج.

دخل الرجل صاحب الأموال إلى هذا المرجع وبقي الآخر خارج الاستقبال، ولم يعرف ماذا حصل بعد ذلك. بعد فترة دخل الرجل الفقير إلى استقبال هذا المرجع الربّاني، وقال له: مولانا، أنا رجل محتاج وفقير، وجئت للمساعدة من الحقوق التي عندكم.

قال المرجع: عَلِم الله أنّه ليس عندي من الحقوق لا قليل ولا كثير منها.

تعجّب هذا الرجل وقال في نفسه: عجباً! الآن دخل هذا الرجل قبل قليل وهو يحمل حقوقاً شرعية إليه، والآن يقول لي: ليس عندي من الأموال لا قليل ولا كثير!

بقي هذا الرجل في حيرةٍ من أمره، أيكذّب الرجل أم يكذّب المرجع أم نفسه أم ينتظر إلى أن يتأكّد من الأمر لعلَّ الله يُحدثُ بعد ذلك أمراً.


مضت فترة عليه، وبعد أيام من هذه الحادثة صادف ذلك الرجل الذي كان قد جاء لإعطاء الحقوق، وسأله عن القصّة قائلاً له: ألم تقل في اليوم الذي التقينا فيه بأنّك جئت بحقوق شرعية إلى ذلك المرجع؟

قال: بلى قلت ذلك، وكنت صادقاً.

قال الرجل الفقير: ولكنّني حدث معي أمر عجيب.

قال: وما هو؟

قال الرجل الفقير: دخلت بعدك بفترةٍ وجيزة وطلبت من المرجع شيئاً يساعدني به، فقال لي: ليس عندي من الأموال والحقوق لا شيء قليل ولا كثير.

قال الرجل صاحب الأموال: صدق الرجل المرجع.

قال الفقير: وكيف ذلك؟!

قال: لأنّي في ذلك الوقت ما أعطيته الأموال؛ لأنّني وجدت عنده مجموعة من الضيوف وما أحببت أن اُزاحمه في هذا الوقت، فخرجت ورجعت في يوم آخر وأعطيتُه الأموال.

فلو لاحظنا هذه القصة وتأمّلنا فيها قليلاً لعرفنا مدى وأهمية التحقيق، ومع هذا فإنّ الرجل الفقير لم يُرتّب الأثر، ولعلّه لتقواه، ولكن ترى البعض منّا يشهّر بالأمر إلى درجة تصل إلى السبّ والشتم والنيل حتّى من العرض، وهذه مشكلة الإنسان قديماً وحديثاً.

وهناك قصص عديدة لو أردنا استعراضها لطال بنا المقام، لكنّ العاقل المتديّن والحرّ تكفيهما الإشارة.


ولا شك أنّ الظنّ بمثل هؤلاء المتدينين يكون أكثر إشكالاً من غيرهم؛ لأنّنا نعتبرهم قادةً لنا، ونرجع إليهم، ونجعلهم الأمناء على الدين. والإنسان الذي نجعله أميناً على ديننا من الأولى أن لا نتّهمه في دنيانا، فما قيمة الأموال حتّى نتّهم فيها مَنْ نأخذ منه الأحكام الشرعية.

ولكنّ بعض الناس من الفسقة الفجرة لا تشملهم هذه الآية، فلنا أن نظنّ بهم مثل ما ظهر منهم.

فهؤلاء الذين باعوا دينهم للشيطان، واستغلّوا هذا المبدأ الإنساني الذي ذكرناه، وهو الحمل على الصحة، وجاؤوا به ليبرّروا عمل الظالمين والقراصنة فإنّ مبدأ الحمل على الصحة لا ينطبق على أعمال السلب والنهب، والاحتيال والتضليل، وما إلى ذلك ممّا نعلم عِلمَ اليقين أنّه من المحرّمات والموبقات، وإنّما ينطبق على ما يُحتمل فيه الصدق والكذب، والصحة والفساد(1) .

فهل يُمكن لأيّ إنسان عاقل في أن يتوقّف بظنّه تجاه بني أُميّة وبني العباس ماذا صنعوا بآل البيتعليهم‌السلام ؟!

تـباً لهم من اُمّةٍ لم يحفظوا

عـهدَ الـنبيِّ بـآلهِ الأمجادِ

قـد شتتوهم بـين مأسور ومقـ

ـهورٍ ومنحورٍ بسيفِ عنادِ

فلم يتركوا منهم أحداً لا كبيراً ولا صغيراً حتّى الطفل الرضيع.

جاءت الحوراء زينبعليها‌السلام إلى أخيها الحسينعليه‌السلام تحمل عبد الله

____________________

(1) آيات منتخبة من القرآن الكريم / 244.


الرضيععليه‌السلام ، فدفعته إليه وهي باكية، قالت: أخي، خُذ طفلك.

قيل: فأجلسه في حجره يُقبّله، ويقول: «بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدُّك المصطفى خصمُهم!».

ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء قائلاً: «يا قوم، قد قتلتم إخوتي وأولادي وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل، وهو يتلظّى عطشاً من غير ذنب أتاه إليكم، فاسقوه شربة من الماء».

فاختلف العسكر فيما بينهم؛ منهم مَنْ قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟ ومنهم مَنْ قال: اقتلوه، ولا تبقوا لأهل هذا البيت باقية.

فلمّا رأى ابن سعد ذلك صاح بحرملة: ويلك يا حرملة! اقطع نزاع القوم.

قال: فما أصنع؟

قال: ارمِ الطفلَ بسهم.

قال حرملة (لعنه الله): فرأيت رقبته تلمع على عضد أبيه الحسينعليه‌السلام ، فرميت الطفل بسهمي فذبحته من الوريد إلى الوريد، فلمّا أحسَّ الطفل الرضيع بحرارة السهم أخرج يديه من القماط واعتنق أباه، وجعل يرفرف كالطير المذبوح.

فملأ الحسينعليه‌السلام كفّه من دمه ورمى به نحو السماء قائلاً: «اللّهمّ، لا يكن أهون عليك من فصيل ناقة صالح»(1) .

____________________

(1) مجمع المصائب 1 / 205 - 206.


تـلگه احسين دم الطفل بيده

اشحال اليچتل ابحضنه وليده

سـال اُوترس چفه من وريده

اُوذبّـه للسمه وللگاع ما خر

أويـلي من لفت سكنه تنادي

يبويه العطش هالفتت افادي

صدّت لن اُخوها الطفل غادي

يـلوّح رگبـته اُودمّـه يفوّر

يبويه ذاب چبدي اُوچبدة أُمّه

دخـلّـيني أودعـنَّه وشـمّه

يـبويه لـيش ما تسجيه دمّه

بـلچن چبدته تبرد من الحر

يخويه عون من حبَّك اُوشمّك

يـخويه عون من راواك لمّك

لـغسلنَّك يخويه ابفيض دمّك

اُوگبرك بالگلب يا خويه لحفر

وأمّا حال أُمّه الرباب:

ردّوك يبني ابسهم مفطوم

يالرحت عن الماي محروم

بـعدك لـحرّم لـذّة النوم

واصبغ يعگلي سود الهدوم

وابچي عليك ابگلب مالوم

* * *

ورُبَّ رضيعٍ أرضعته قِسيُّهم

منَ النبلِ ثدياً درُّه الثرُّ فاطمه

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



المجلسالرابع عشر

التقوى



المجلس الرابع عشر

التقوى

لـستُ أنـساهُ مُـفرداً بين جمعٍ

أبـرزوا فـيه كـامِنَ الأحـقادِ

يحطمُ الجيشَ رابطَ الجأشِ حتّى

صَـبغَ الأرضَ مِنْ دماءِ الأعادي

لـم يزلْ يحصدُ الرؤوسَ بعضبٍ

أبـداً لـلدماءِ في الحربِ صادي

وإذا بـالـنداءِ عـجّـل فـلبّى

وهـوى لـلسجودِ فـوقَ الوهادِ

عـجباً لـلسماءِ لـم تـهو حزناً

فـوقَ وجـهِ الـبسيط بعد العمادِ

عـجباً لـلمهادِ كـيف استقرتْ

ونـظامِ الـوجود تحت العوادِي

عـجباً لـلنجومِ كـيف استنارت

لـم تـغبْ بـعد نـورِها الوقّادِ

حـيثُ لـولا وجـودُهُ لأُهـيلت

ولـسـاختْ وبُـرقِعت بـسوادِ

ومُـثيرُ الأشـجان رزءُ الأيامى

مُذ وعت بالصهيل صوت الجوادِ

بـرزت لـلقاء تـعثر في الذّلِّ

ودامـي الـدموعِ شـبهُ الغوادي

فـرأت سـرجَهُ خـلياً فـنادت

تـلك وا والـدي وذي وا عمادي

وغـدت ولـهاً بـغير شـعورٍ

نـحـو مـثوى بـقيّة الأمـجادِ

فـرأت في الصعيد مُلقىً حماها

هـشّمت صـدرهُ خيولُ الأعادي

فـدعت والـعيونُ عـبرى وفي الـ

ـقلبِ لهيبٌ من الأسى ذو اتقادِ

أحـمى الـضايعاتِ بعدكَ ضِعنا

فـي يـدِ النائباتِ حسرى بوادي

أوَ مـا تـنظرُ الفواطمُ في الأسر

وسـتر الـوجوه مـنهُ الأيـادي

ثُـكّلاً مـا تـرى لـها من كفيلٍ

حـسّرىً بـين عُـصبةِ الإلحادِ

ثـمّ تـدعو فما تـرى من مجيبٍ

لِنداها غيرَ الصَّدى في الوادي(1)

* * *

____________________

(1) القصيدة للشيخ عبد الحسين شكررحمه‌الله ، وقد تقدّمت ترجمته في المجلس الثامن.


تـصيح بصوتها يحسين وينك

جـاوبني وصـد لـيَّ ابعينك

يـخويه ذاب گلبي من ونينك

يخويه ما هو كلبي صخر مرمر

* * *

نادها ابضعيف الصوت يختي

مهو حچيچ كسر گلبي دسكتي

يـنور العين خلّيني ابمهجتي

أعـالجها تـرى گلبي تمرمر

* * *

يخويه يابس امن العطش چبدي

يخويه والشمس حرّگت خدّي

يخويه والترابه احرگت زندي

دفيليلي بطرف ثوبچ عن الحرّ

* * *


قال تعالى:( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ ) (1) .

التقوى: معناها أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك(2) .

وبمعنى آخر: هي الخشية والخوف من الله (عزّ وجلّ)، وهو أيضاً اتقاء ما يجرّ الإنسان إلى النار بالامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، بالتخلّي عن كلّ رذيلةٍ، والتحلّي بكلّ فضيلةٍ.

ومن هنا جعل النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله الكفّ عن المحارم ثمرة الدين، وذلك عندما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «جاءني حبيبي جبرئيل وقال: يا أحمد، إنّ مثلَ هذا الدين كمثل شجرةٍ ثابتة؛ الإيمان أصلها، والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها، والكفّ عن المحارم ثمرها، فلا تكمل الشجرة إلاّ بالثمر، كذلك الإيمان لا يكمل إلاّ بالكفّ عن المحارم»(3) .

وروي أنّ رجلاً استوصى رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله - ضمن كلام -: «وقد أجمع الله ما يتواصى به المتواصّون من الأوّلين والآخرين في خصلةٍ واحدةٍ وهي التقوى، قال الله (عزّ وجلّ):( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ ) ، وفيه جماع كلّ عبادةٍ صالحةٍ، وبه وصل مَنْ وصل إلى الدرجات العلى والرتبة القصوى، وبه عاش مَنْ عاش بالحياة الطيّبة والأنس الدائم، قال الله (عزّ وجلّ):( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ

____________________

(1) سورة النساء / 131.

(2) انظر بحار الأنوار 67 / 285 حيث فسّرها الإمام الصادقعليه‌السلام بهذا المضمون.

(3) بحار الأنوار 6 / 109.


وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ» )(1) .

ثُمَّ إنّ المراد بالآية أنّ الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الاُمم، لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأوّلين والآخرين(2) .

فالوصية بتقوى الله أمر ضروري بحيث أكّدت الآية أنّ اليهود والنصارى، وكلّ مَنْ كان له كتاب سماوي قبل المسلمين قد طُلب منهم جميعاً كما طُلب مِنكم أيّها المسلمون مراعاة التقوى.

فهذه الآية على غرار بعض الآيات الاُخرى التي تُشير إلى ثبوت بعض الأحكام في الشرائع السابقة، كما في قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3) .

وللتقوى درجات متعدّدة تختلف باختلاف قوّة الإنسان وضعفه، فنجد البعض من الناس له من التقوى ما يُؤدّي به إلى الاجتناب عن كلّ ما يلزم ويؤدّي بعمله إلى الفساد، ونجد البعض منهم يجتنب عن كُلِّ شبهة لاحتمال وجود الفساد فيها، والبعض الآخر يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، ونجد البعض منهم يملك من مراتب التقوى الدرجات العليا؛ فيجتنب عن

____________________

(1) تفسير البرهان 2 / 339 ذيل آية 131 من سورة النساء.

(2) التفسير الكبير 11 / 70.

(3) سورة البقرة / 183.


كلّ ما ليس لله تبارك وتعالى.

والله سبحانه وتعالى يُعطي من الأجر على قدر مرتبة التقوى عند الإنسان، فالتقوى التي يمتلكها بعض العلماء كالشيخ مرتضى الأنصاريرحمه‌الله - صاحب المصنّفات الدقيقة التي ربّت مئات العلماء، بل عشرات المئات - هي من النوع العالي، بل العالي جدّاً.

في أحد الأيام جاءه إنسان وقال له: شيخنا لقد رأيت البارحة في المنام عجباً.

قال له الشيخ: ما رأيت؟

قال الرجل: لقد رأيت الشيطان وعلى رأسه قلنسوة ملوّنة بألوانٍ مختلفة، ورأيتُ بيده حبالاً غليظة، وحبالاً دقيقة، وسلاسل من حديد طويلة وقصيرة، ورأيت سلسلةً طويلة مقطّعة في سبع مواضع منها. فتقدّمت إليه وقلت له: ما هذه الألوان التي تحملها معك؟ وما هذه الحبال والسلاسل التي بيدك؟

قال الشيطان: هذه هي مصائدي التي أصيد بها الناس، وأجرّهم بها إلى المهالك؛ فإنسان يأتيني باللون الأحمر، وآخر باللون الأخضر، وثالث باللون الأزرق، ورابع لا أتمكن أن أجرّه بالألوان فأجرّه بالحبال الدقيقة، وآخرون بالحبال الغليظة، وآخرون من الزهّاد والعبّاد والعلماء بالسلاسل القصيرة والطويلة.

قال الرجل: فقلت له: فما هو اللون الذي تجلبني به؟ وأين الحبل الذي


تسحبني بسببه؟

فقال الشيطان: إنّك وأمثالك لا تحتاجون إلى حبال، ولا إلى ألوان، وإنّما أجلبكم بإشارة خفيفةٍ.

فسأله الرجل قائلاً: وما هذه السلسة المقطّعة في مواضع متعدّدة منها؟

قال الشيطان: إنّها سلسلة الشيخ مرتضى، فإنّي قد جذبته ليلة البارحة سبع مرّات بهذه السلسلة، وهي أغلظ سلاسلي وأطولها، وفي كلّ مرّةٍ يقطع الشيخ السلسلة تقطيعاً، ويصرعني وينفلت من حبائلي، والآن أنا آيس منه، ومتحيّر ماذا أصنع معه.

فلمّا انتهى ذلك الرجل من نقل منامه إلى الشيخ، تبسّم الشيخ وقال: الحمدُ لله ربّ العالمين.

ثمَّ قال الشيخُ: نعم، لقد كان من قصّتي البارحة أنّ زوجتي أخذها الطلق وألم المخاض والولادة، ولم يكن عندنا في البيت شيء يُكتفى به لأجل هذا الأمر، ففكّرت ماذا أصنع في أمرها، فتذكّرت بأنّ هناك أمانة كانت لأحد الناس قد أودعها عندي، ويمكنني التصرّف فيها بالفحوى؛ فإنّه وإن لم يصرّح لي بالإذن في التصرّف فيها إذناً صريحاً، لكن ظاهر حاله أنّه يأذن لي إذناً فحوائياً بالتصرّف فيها، ثمّ إرجاعها بعد الوسع إلى مكانها، ومن جهة ثانية كنت مضطراً في الاستفادة منها.

وعلى ذلك عزمت على التصرّف في المال، وقمت لآخذه حتّى أتصرّف فيه، لكنّي رجعت وقلتُ: لعلّ الله يُيّسرُ الولادة بدون حاجة إلى التصرّف في هذا المال.


ثمّ بعد مدّة عاودتني الفكرة من جديد، فعزمت ثانية على التصرّف في المال لكنّي رجعت أيضاً دون أن آخذ المال، وفي مرّة ثالثة عاودتني الفكرة وعزمت من جديد على أخذ المال والتصرّف فيه لكنّي رجعت للمرّة الثالثة وانصرفت عن عزمي، وهكذا تردّدت إلى سبع مرّات.

ثمّ عزمت أخيراً على غض النظر عن المال والانصراف عن التصرّف فيه، حتّى إذا كان قريباً من الفجر سهّل الله سبحانه وتعالى على المرأة أمر الولادة فولدت بسلامة وعافية من دون حاجة إلى أن آخذ من المال شيئاً.

فهذا نوع من أنواع التقوى، لكن من أعلى مراتبها وأنواعها، وهو ترك ما لا بأس به خوفاً من الانجرار إلى ما به البأس؛ ولذا ترى أنّ الباري (عزّ وجلّ) رتّب وجعل نتائج على التقوى.

وأوّل هذه النتائج هو المخرج والرزق من دون احتساب، قال تعالى:( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (1) .

ومن نتائج التقوى أنّ الله تبارك وتعالى يجعل للإنسان فرقاناً، قال تعالى:( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) (2) .

والفرقان على ما جاء في كلام المفسّرين: هو بمعنى الشيء الذي يفصل بين الحقّ والباطل(3) .

ومن نتائج التقوى العزّ والهيبة على ما جاء في كلام مولى الموحّدين أمير المؤمنين (عليه صلاة المصلّين) أنّه قال: «مَنْ أراد عِزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سُلطانِ،

____________________

(1) سورة الطلاق / 2 - 3.

(2) سورة الأنفال / 29.

(3) تفسير الأمثل 5 / 405.


فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عزِّ طاعته»(1) .

ومن نتائج التقوى تعليم الله للمتقين وإلهامه لهم، قال تعالى:( وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (2) .

ومن نتائج التقوى أيضاً إتيان الله لصاحبها الرحمة والنور، قال تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) (3) . والعلم في الآية الأولى هو نفسه النور في الآية الثانية. وأمّا الشرط هو نفسه الأمر بالتقوى.

والناس المتقوّن لا يختلف عندهم الحال؛ سواء في السرّاء أو الضرّاء؛ ولذا لمّا صار الظهر من يوم عاشوراء ولم يبقَ من أصحاب الحسينعليه‌السلام إلاّ القليل وبقيّة أهل بيته، التفت إليه ذلك العبد الصالح المتقي، المحبّ لله ولرسوله ولإمامه.

انظر ماذا يريد في التفاتته هذه، قال: يابن رسول الله، إنّ العدو قد اقترب مِنك، وإنّك لا تُقتل حتّى نُقتل دونك، وأحبّ أن اُصلّي معك هذه الصلاة وقد دنا وقتها.

فرفع الحسينعليه‌السلام طرفه نحو السماء، ونظر إلى الشمس وقد زالت، فقالعليه‌السلام : «ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم هذا أوّل وقتها، فسألوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي».

____________________

(1) ورد بألفاظ اُخرى. انظر خصائص الأئمّة / 99، بحار الأنوار 44 / 139 وغيرهما.

(2) سورة البقرة / 282.

(3) سورة الحديد: 28.


فرفض العدو، وصاح الشمر (لعنة الله عليه): يا حسينُ، إنّها لا تقبلُ صلاتُك.

فقال له حبيب: أزعمت لا تقبل صلاة ابن رسول الله وتُقبل صلاتك؟!

فوقف الحسينعليه‌السلام يُصلّي، صلّى صلاة الظهر بعد أن أوقف رجلين من أصحابه أمامَه مواجهين للعدو؛ ليدرؤوا السهام عنه؛ لأنّ العدو ما كفّ عن رشق الحسينعليه‌السلام بالسهام.

فوقف سعيد بن عبد الله الحنفي (رضوان الله عليه) أمام الحسينعليه‌السلام يتلقّى السهام بصدره وبنحره إلى أن صلّى الحسينعليه‌السلام ، فلمّا فرغعليه‌السلام من الصلاة سقط سعيد بن عبد الله إلى الأرض وفيه ثلاثة عشر سهماً، سقط وهو يجود بنفسه، فقال للحسينعليه‌السلام : سيدي، أوفيت؟ هذا يكفي ما قاتلت بين يديك؟

فقال الحسينعليه‌السلام : «نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ جدّي رسول الله عنّي السّلام، وقل له: إنّي تركت الحسين وحيداً فريداً».

وصلّى الحسينعليه‌السلام صلاة الظهر صلاة الخوف بأهل بيته وبمَنْ بقيَ من أصحابه، ولكن هل صلّى صلاة المغرب والعشاء؟

نعم، صلاها في أوّل وقتها، وطالت صلاته ولكن على وجه الأرض، خدّه على وسادة التراب.

اختلف العسكر في حالة الحسينعليه‌السلام هل هو حيّ أم ميت؛ لأنّه لا حراك فيه، فيخافون أن يدنوا منه، فصاح عمر بن سعد (لعنه الله): إذا أردتم أن تعرفوا حال الحسين هل هو حيٌّ أم ميّت فاهجموا على نسائه وعياله؛ لأنّه إذا سمع صراخ الأطفال لا يتمالك نفسه. فهجم الجيش نحو خيم الحسينعليه‌السلام .

خرجت زينبعليها‌السلام ،


وقفت على التل، صاحت: نور عيني يا حسين، يابن اُمّي يا حسين، عزيزي يا حسين، إن كنت حيّاً فأدركنا؛ فهذه الخيل قد هجمت علينا، وإن كنت ميّتاً فأمرك وأمرنا إلى الله.

ما هي إلاّ ساعات وإذا بها تنظر إلى رأس أخيها الحسينعليه‌السلام ، صاحت: وا أخاه! وا حسيناه!

لـمّن شـافته صـفگت بديها

وشگّت ثـوبها ويـلي عـليها

مـا تـنلام مـن شـافت وليها

فـوك الرمح راسه ايلوح بالبر

سـالت عـينها بدموعها عليه

وشـالت راسـها وتـلتفت ليه

خـفگَ ويلي گلبها واُومت عليه

وصاحت باچيه ابصوت المذعّر

يـشيّال راس حامينه وولينه

ريّـض خـلّي اتـودعه اسكينه

لـيش احسين ساكت عن ونينه

گلـي تـعب يـو جرحه تخدّر

يـا شـيّال نعش المات مظلوم

عله الشاطي وعن الماي محروم

تـحوم گلوبنا فوگالنعش حوم

خوي الطاح مثل النجم من خر

(تغريد الحزين):

إنعمت عيني ولا شوفك

ذبيح ويجري دم نحرك

وأصـحابك وأهل بيتك

ضحايه مطرّحه إبكترك

عساها اتعگرت هلخيل

ولا داست على صدرك

* * *

بـعد الـذبح يـا خويه داسوك

ولا راعـوا لـعد جدّك ولا بوك

چنت ذخري وتحت الخيل خلوك

* * *


فو علمت تلك الخيولُ كأهلها

بأنَّ الذي تحت السنابك أحمدُ

لثارت على فرسانها وتمرّدتْ

عليهم كما ثاروا بها وتمرّدوا

* * *

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم،

وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ مُنقلبٍ ينقلبون

والعاقبة للمتقين.



والحمد لله ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلام على مُحمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

كان هذا ختام مجالسنا المتواضعة، وذلك بجوار السيّدة الجليلة فاطمة المعصومةعليها‌السلام .

كاظم البهادلي



فهرست المصادر والمراجع

* القرآن الكريم.

1 - الأمالي، الشيخ الصدوق (ت381هـ)، تحقيق: مؤسسة البعثة - قم، ط1 / 1317هـ.

2 - الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت560هـ)، تحقيق: السيد محمّد باقر الخرسان، منشورات دار النعمان.

3 - الأخلاق والآداب الإسلاميّة، هيئة محمّد الأمين، مطبعة سيد الشهداء - قم المقدسة، ط2 / 1421هـ.

4 - الأدب المفرد، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، مطبعة مؤسسة الكتاب الثقافية، ط3 / 1409هـ.

5 - الأربعون حديثاً، السيد روح الله الموسوي الخمينيرحمه‌الله (ت1409هـ)، ترجمة: السيد محمّد الغروي، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة.

6 - الإرشاد، الشيخ محمّد بن النعمان المفيد العكبري البغدادي (ت413هـ)، مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث.

7 - إعانة الطالبين، السيد الكبري الدمياطي (ت1310هـ)، دار الفكر - بيروت، ط1 / 1418هـ.

8 - إعلام الورى، الشيخ الفاضل الفضل بن الحسن الطبرسي (ت458هـ)، طبع ونشر وتحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام ، ط1 / 1417هـ.

9 - إقبال الأعمال، السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت664هـ)، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، ط1 / رجب 1414هـ.

10 - الإلهيات، الشيخ جعفر السبحاني، تلخيص: علي الرباني الكلبايكاني، مؤسسة الإمام الصادقعليه‌السلام - قم المقدسة، طبعة عام 1418هـ.

11 - الأمالي، شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم، نشر دار الثقافة، ط1 / 1414هـ.

12 - الإمامة والسياسة، أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت276هـ)، تحقيق: الاُستاذ علي شيري، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدسة، ط1 / 1413هـ.

13 - الأنوار القُدسيّة، الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (ت1361هـ)، تحقيق: الشيخ علي النهاوندي، نشر مؤسسة المعارف الإسلاميّة.

14 - آيات منتخبة من القرآن الكريم، السيد مهدي الخطيب الهنداوي (ت1427هـ)، مطبعة ستارة - قم المقدسة، الناشر المؤلّفرحمه‌الله .


15 - الباب الحاي عشر، العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (ت726هـ)، انتشارات المصطفوي - قم المقدسة.

16 - بحار الأنوار، العلاّمة محمّد باقر المجلسي (ت1111هـ)، مطبعة مؤسسة الوفاء - بيروت، ط2 / 1403هـ.

17 - بشارة المصطفى، عماد الدين أبي جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري (ت525هـ)، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، ط1 / 1420هـ.

18 - تحرير الأحكام، العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (ت726هـ)، نشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام ، طوس، مشهد المقدسة، الطبعة الحجرية.

19 - تحف العقول، ابن شعبة الحراني (ت القرن الرابع الهجري)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، نشر جماعة المدرسين بقم المقدسة، ط2 / 1404هـ.

20 - تاريخ الطبري، محمّد بن جرير الطبري (ت310هـ)، تحقيق: نخبة من العلماء، انتشارات مؤسسة الأعلمي - بيروت، لبنان (بدون تاريخ).

21 - تذكرة الفقهاء، العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (ت726هـ)، نشر مكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية، الطبعة الحجرية.

22 - تفسير الأمثل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، مطبعة أمير المؤمنينعليه‌السلام - قم المقدسة، ط1 / 1421هـ.

23 - تفسير البرهان، السيد هاشم البحراني، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط1 / 1419هـ.

24 - تفسير كنز الدقائق، الميرزا محمّد المشهدي (ت1125هـ)، تحقيق: الحاج يحيى العراقي، مؤسسة النشر الإسلامي، ط1 / 1407هـ.

25 - تفسير مجمع البيان، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت560هـ)، تحقيق: لجنة من العلماء، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط1 / 1415هـ.

26 - تفسير مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، الفخر الرازي (ت606هـ)، الطبعة الثالثة بدون تاريخ.

27 - تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، الأمير الزاهد أبو الحسن ورّام بن أبي الفراس الأشتري (ت605هـ)، مكتبة الفقيه - قم - إيران.

28 - تهذيب الأحكام، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، تحقيق: السيد حسن الخراسان، نشر دار الكتب الإسلاميّة، مطبعة خورشيد، ط4 / 1365هـ.

29 - ثمرات الأعواد، السيد علي الحسيني الهاشمي النجفي، انتشارات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، ط1 / 1420هـ.

30 - ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق (ت 381هـ)، مطبعة أمير - قم المقدسة، منشورات الشريف الرضي، ط2 / 1368 هـ ش.

31 - الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، دار الفكر - بيروت، ط1 / 1401هـ.


32 - الحدائق الناضرة، الشيخ يوسف البحراني (ت1186هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد تقي الإيرواني، نشر جماعة المدرسين - قم المقدسة (بدون تاريخ).

33 - خصائص الأئمّة، الشريف الرضي (ت406هـ)، تحقيق: د. محمّد هادي الأميني، نشر مجمع البحوث الإسلاميّة - الإستانة الرضوية المقدسة - مشهد المقدسة، طبعة عام 1406هـ.

34 - الخصال، الشيخ الصدوق (ت381هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، نشر جماعة المدرسين - قم المقدسة (بدون تاريخ).

35 - الدّر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، دار المعرفة، ط1 / 1365هـ.

36 - روضة الواعظين، محمّد بن الفتّال النيسابوري (ت508هـ)، تحقيق: السيد محمّد مهدي الخرسان، منشورات الشريف الرضي - قم.

37 - رياض المدح والرثاء، الشيخ حسين علي سلمان البلادي البحراني، انتشارات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف، ط4 / 1426هـ.

38 - سفينة البحار، الشيخ عباس القمّي (ت1359هـ)، مطبعة دار الأسوة - قم المقدسة، ط2 / 1416هـ.

39 - السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت458هـ)، دار الفكر - بيروت (بدون تاريخ).

40 - سياسة الحسين، الشيخ عبد العظيم الربيعي، انتشارات المكتبة الحيدرية، ط1 / 1420هـ.

41 - شجرة طوبى، المحدّث الجليل الشيخ محمّد مهدي الحائري، منشورات المكتبة الحيدرية، ط5 / 1385هـ.

42 - شرح التجريد (كشف المراد)، العلاّمة الحلّي، تحقيق: حسن زاده آملي، نشر جماعة المدرسين - قم المقدسة، ط8 / 1419هـ.

43 - شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت656هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة منشورات المرعشي النجفي، نشر دار إحياء الكتب العربية (بدون تاريخ).

44 - شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني عبد الله بن أحمد (ت القرن الخامس)، تحقيق: محمّد باقر المحمودي، انتشارات إحياء الثقافية الإسلاميّة، ط1 / 1411هـ.

45 - الصحيفة السجّادية، الإمام زين العابدينعليه‌السلام (ت94هـ)، المطبعة والنشر جماعة المدرسين - قم المقدسة.

46 - صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، دار الفكر - بيروت، أوفسيت عن طبعة دار الطباعة العاشرة، إسطنبول، طبعة عام 1401هـ.

47 - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت261هـ)، دار الفكر - بيروت (بدون تاريخ).

48 - الطريق إلى منبر الحسين، الخطيب المرحوم الشيخ عبد الوهاب الكاشي، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدسة، ط1 / 1421هـ.


49 - العقيلة زينب والفواطم، الحاج حسين الشاكري، نشر المؤسسة الإسلاميّة للتبليغ والإرشاد، ط1 / 1422هـ.

50 - علل الترمذي، محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت279هـ)، دار الفكر - بيروت، ط2 / 1403هـ.

51 - علل الشرائع، الشيخ الصدوق (ت381هـ)، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، طبعة عام 1386هـ.

52 - عوالي اللآلي، ابن أبي جمهور الأحسائي (ت880هـ)، تحقيق: السيد المرعشي والشيخ مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء - قم المقدسة، ط1 / 1413هـ.

53 - عين الحياة، العلاّمة محمّد باقر المجلسي (ت1111هـ)، طبعة جماعة المدرسين - قم المقدسة (بدون تاريخ).

54 - عيون أخبار الإمام الرضاعليه‌السلام ، الشيخ الصدوق (ت381هـ)، تحقيق الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط1 / 1404هـ.

55 - عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمّد الليثي الواسطي (ت القرن السادس)، تحقيق: حسين الحسني البيرجندي، نشر دار الحديث، ط1 / 1376 هـ ش.

56 - في رحاب التوبة، السيد محمّد مجاهد، تحقيق: ناصر الباقري البيد هندي، انتشارات زائر، ط1 / 1377 هـ ش.

57 - فيض القدير، محمّد عبد الرؤوف المناوي (ت1331هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1 / 1415هـ.

58 - قرب الإسناد، السيد الحميري أبو العباس عبد الله البغدادي (ت300هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام - قم المقدسة، ط1 / 1413هـ.

59 - قصص الأنبياء، السيد نعمة الله الجزائري (ت1112هـ) (بدون تاريخ).

60 - الكافي، الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني (ت329هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، ط3 / 1388هـ.

61 - كامل الزيارات، الشيخ الجليل جعفر بن محمّد بن قولويه القمي (ت368هـ)، تحقيق: الشيخ جواد القيومي الأصفهاني، نشر جماعة المدرسين - قم المقدسة، ط1 / 1417هـ.

62 - الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم، المعروف بابن الأثير الجزري (ت630هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1 / 1407هـ.

63 - كتاب سليم بن قيس، أبو صادق سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي (ت القرن الأول)، تحقيق: الشيح محمّد الباقر الأنصاري الزنجاني (بدون تاريخ).

64 - كشف الغمة، الشيخ علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (ت693هـ)، دار الأضواء - بيروت، ط2 / 1405هـ.

65 - كنز العمال، المتقي الهندي (ت975هـ)، تحقيق: الشيخ بكر حياني والشيخ صفوة السقا، مطبعة مؤسسة الرسالة - بيروت (بدون تاريخ).


66 - كنز الفوائد، المحدّث الخبير العلاّمة أبو الفتح محمّد بن علي الكراجكي (ت449هـ)، منشورات مكتبة المصطفوي - قم المقدسة، ط2 / 1410هـ.

67 - كيمياء المحبّة، الشيخ محمّد الريشهري، تعريب: خليل العصامي، نشر: دار الحديث - قم المقدسة، ط1 / 1422هـ.

68 - اللهوف على قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، المترجم: عبد الرحيم عفيفي بخشايشي، انتشارات دفتر نشر مؤيد إسلام - قم المقدسة، ط5 / 1378 هـ ش.

69 - مثير الأحزان، ابن نما الحلّي (ت645هـ)، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، طبعة عام 1359هـ.

70 - مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحي (ت1085هـ)، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة، ط2 / 1408هـ.

71 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين الهيثمي (ت807هـ)، المطبعة دار الكتب العلمية - بيروت، طبعة عام 1408هـ.

72 - مجمع المصائب، الشيخ محمّد الهنداوي، منشورات الشريف الرضي (بدون تاريخ).

73 - المراجعات، السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (ت1377هـ)، تحقيق: حسين الراضي، منشورات الجمعية الإسلاميّة، ط2 / 1402هـ.

74 - المزار، محمّد المشهدي (ت610هـ)، تحقيق: جواد القيومي، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، انتشارات القيوم، ط1 / 1419هـ.

75 - مسار الشيعة، الشيخ المفيد (ت413هـ)، انتشارات المرعشي النجفي، مطبعة الصدر، طبعة عام 1406هـ.

76 - المستدرك على الصحيحين، محمّد بن محمّد الحاكم النيسابوري (ت405هـ)، تحقيق: د. يوسف المرعشلي، انتشارات دار المعرفة - بيروت، طبعة عام 1406هـ.

77 - مستدرك وسائل الشيعة، الشيخ النوري الطبرسي (1320هـ)، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام ، ط2 / 1408هـ.

78 - مسند أحمد، الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ)، دار صادر - بيروت (بدون تاريخ).

79 - المعجم الصغير، الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (ت360هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت (بدون تاريخ).

80 - مسند زيد بن علي، زيد بن علي (ت122هـ)، تحقيق: أحد العلماء الزيدية، نشر: دار الحياة - بيروت (بدون تاريخ).

81 - مشكاة الأنوار، أبو الفضل علي الطبرسي (ت القرن السابع)، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، ط2 / 1385هـ.

82 - مصباح المتهجد، الطوسي محمّد بن الحسن (ت460هـ)، مطبعة فقه الشيعة - بيروت، ط1 / 1411هـ.


83 - معالي السبطين، الشيخ محمّد مهدي الحائري، منشورات الشريف الرضي، الطبعة الثانية.

84 - معاني الأخبار، الشيخ الصدوق (ت381هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، انتشارات إسلامي، طبعة 1361 هـ ش.

85 - مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمّي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط2 المصححة 1418هـ.

86 - مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ)، تحقيق: كاظم المظفر، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، الطبعة الثانية.

87 - مقتل الحسين (أبو مخنف)، لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي الغامدي (ت157هـ)، تحقيق: الميرزا حسن الغفاري، المطبعة العلمية - قم، انتشارات المرعشي النجفي، طبعة عام 1398هـ.

88 - مقتل الحسين (المقرّم)، السيد عبد الرزاق المقرّم، المبطعة الحيدرية - النجف الأشرف، انتشارات الشريف الرضي، ط1 / 1414هـ.

89 - مكارم الأخلاق، الطبرسي الحسن بن الفضل بن حسن من أعلام القرن السادس الهجري (ت548هـ)، منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة، ط6، 1392هـ.

90 - مُسكن الفؤاد، الشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي (ت966هـ)، نشر مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم المقدسة، ط1 / 1407هـ.

91 - مناقب ابن شهر آشوب، ابن شهر آشوب (ت588هـ)، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف - المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، طبعة عام 1376هـ.

92 - منتهى الآمال، الشيخ عباس القمّي (ت1359هـ)، المترجم: السيد هاشم الميلاني، طبع ونشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة (بدون تاريخ).

93 - منتهى المطلب، العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (ت726هـ)، الناشر: الحاج أحمد - تبريز، الطبعة الحجرية سنة 1333هـ.

94 - مواقف الشيعة، الشيخ علي الأحمدي الميانجي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، ط1 / رجب 1416.

95 - ميزان الحكمة، الشيخ محمّد الري شهري، نشر دار الحديث، الطبعة الأولى.

96 - الميزان في تفسير القرآن، العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي (ت1402هـ)، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

97 - نظرة إلى حياة السيدة معصومةعليها‌السلام ، انتشارات السيدة المعصومةعليها‌السلام - قم المقدسة (بدون تاريخ).

98 - نهج البلاغة، خطب الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام (ت40هـ)، تحقيق: الشيخ محمّد عبده، دار المعرفة.

99 - وسائل الشيعة، الحرّ العاملي (ت1104هـ)، مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام ، مطبعة مهر - قم، ط2 / جمادى 2 - 1414هـ.

100 - وفيات الأئمّة، مراجع من العلماء الأعلام، دار البلاغة - بيروت، ط1 / 1412هـ.

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

الإهداء7

كلمة الناشر9

المقدّمة15

المجلس الأوّل: وجوب تنصيب الإمام عليه‌السلام 17

المجلس الأوّل: وجوب تنصيب الإمام عليه‌السلام 19

الإمامة عند الشيعة23

الأدلّة على هذا الأصل 23

الدليل الأوّل: الآيات والروايات 23

الدليل الثاني: الأمّة الإسلاميّة ومثلّث الخطر الداهم25

الدليل الثالث: نصب الإمام لُطفٌ إلهي 26

المجلس الثاني: معجزات الحسين عليه‌السلام 33

المجلس الثالث: الحسد 47

المجلس الرابع: الرضا بقضاء الله 61

المجلس الخامس: العبادة73

المجلس السادس: التوبة89

المجلس السابع: القناعة103

فضل القناعة107

من نتائج القناعة109

من قصص القناعة110

المجلس الثامن: صلة الرحم 115

مَنْ هم الأرحام؟120

آثار قطيعة الرحم121

آثار صلة الرحم123

أقلّ ما يتحقق به صلة الرحم124

أفضل صلة الرحم125


المجلس التاسع: الإيثار129

المجلس العاشر: الرحمة143

رحمة الله عزّ وجلَّ على مخلوقاته147

ما هي الاُمور التي تسبّب الرحمة؟148

ما هي الاُمور التي تمنع الرحمة؟149

رحمة الأيتام149

رحمة الضعيف 151

الشفقة على الوالدين 153

المجلس الحادي عشر: برّ الوالدين وعقوقهما157

المجلس الثاني عشر: الصبر 173

1 - الصبر على الطاعة177

2 - الصبر على عدم معصية الله 178

3 - الصبر على البلاء والمصائب 179

المجلس الثالث عشر: حسن الظنّ وسُوء الظنّ187

المجلسالرابععشر: التقوى 201

فهرست المصادر والمراجع 217


نفحات عاشوراء

نفحات عاشوراء

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ كاظم البهادلي
الناشر: دار الإمام الجواد (عليه السلام)
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 224