من قتل الإمام الحسين (عليه السلام)؟

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: زهير ابن المرحوم الحاج علي الحكيم
الإمام الحسين عليه السلام

مَنقتلالإمامالحسينعليه‌السلام ؟

بإشراف وتصحيح الفاضل التاروتي

المؤلف:

زهير ابن المرحوم الحاج عليّ الحكيم




مَنقتلالإمامالحسينعليه‌السلام ؟

تأليف:

زهير ابن المرحوم الحاج عليّ الحكيم


بسم الله الرحمن الرحيم



إهداء:

إلى سيّدتي ومولاتي السيّدة فاطمة المعصومة (سلام الله) عليها كريمة أهل بيت العصمة والطهارة، أُهدي هذا العمل القليل المتواضع، راجياً بذلك التقرُّب إلى الله، والتشرُّف بخدمة آبائها وأخيها وأبنائه المعصومينعليهم‌السلام .

( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) (1) .( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامً ) (2) .

____________________

(1) سورة يوسف / 88.

(2) سورة الفرقان / 70.



شكر وتقدير:

الحمد لله على ما أنعم، وله الثناء بما قدَّم، والصلاة والسلام على أشرف حججه على الاُمم، واللعن الدائم المؤبَّد على أعدائهم ومنكري فضائلهم البُهَم.

وبعد:

أتقدَّم بالشكر لجميع مَن ساهم في إخراج هذا الكتاب بأيِّ نوع من المساهمة، إذ الفضل منهم والنقص منِّي، وأخصّ بالذكر مولانا الكريم: الفاضل التاروتي، الذي أتعب نفسه وبذل لنا شيئاً من فيضه وعطاءه، والذي لا يقبل - كما هو ديدنه - التصريح باسمه والإشارة باسمه، فزاده الله فضلاً إلى فضله، وقضى الله له جميع حوائجه، وحفظه وجميع ما تحوطه عنايته، وأسأل المولى أن يمنَّ على الجميع وعلى ذويهم بالخير والبركة والعافية، إنّه سميع مجيب.



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم المؤبَّد على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين، وبعد:

فهذه وُريقات تعرَّضت فيها لمسألة أشبه بالمسائل الأسطوريّة التي اتّهمت بها الشيعة الإماميّة، وهي أنّ شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام - المعتقدين بإمامته بالنصّ وأنّه الوصيُّ الثالث من أوصياء النبيِّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله - هم مَن حاربوه وقتلوه، ومع سذاجة هذه الشبهة فقد تأثَّر بها كثير من الذين لا يعرفون عن التشيُّع إلاّ القيل والقال، وقد تعرَّضت لدفعها بياناً للغافلين.

وصلّى الله على أشرف خلقه محمّد وآله الطاهرين.



الفصل الأوّل: شبهة جائرة



قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام أنصار أهل الخلاف

شبهة جائرة

ظهرت في الآونة الأخيرة عند بعض أهل الخلاف - وخصوصاً المتطرِّفين منهم - دعوى أنْ قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام هم: من شيعته.

ولا يخفى أنّ الهدف والغاية من إلصاق هؤلاء المتطرِّفين هذه التهمة بالشيعة، هي: تبرئة أسيادهم آل أبي سفيان من وصمة العار التي تلاحقهم أبد الدهر وتجعلهم في مزابل التاريخ.

وأيضاً إبعاد الناس عن اتِّباع مذهب أهل البيتعليهم‌السلام إذ لا يوجد من يتَّبعهم ويسلك سبيلهم ويعتقد بإمامتهم من الله سوى الشيعة.

فإذا ابتعد الناس عن الشيعة، ابتعدوا عن مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، واقتربوا من أعدائهم من بني اُميّة ومواليهم ومَن حذا حذوهم.

ولا يخفى أنّ قتل الإمام الحسينعليه‌السلام من تبعات ما أسَّسه أوائلهم وأخذوه قاعدة في مدرستهم، وهو القول بأنّ الخلافة بيد الناس، لا بالنصّ من الله على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو قول لا يمكن أنْ يقبل به عاقل؛ إذ كيف لله الرحيم واللطيف الخبير والمحيط بما يحتاجه الناس في أمور معاشهم ومعادهم أنْ يتركهم سدى مع أنّه لمْ يترك لهم واقعة إلاّ وجعل فيها حكماً حتّى كيفيَّة الجلوس في الخلاء وكيفيَّة النوم وكيفيَّة المشي وغيرها؟ ففي جميع المعاملات - الفرديّة والاجتماعيّة التي تكون بين الفرد ونفسه، أو بينه وبين ربِّه أو بينه وبين


بني جنسه - له منهاج وطريق يأخذ بالفرد والاُمَّة إلى السعادة الأبديَّة والحياة السرمديَّة.

فلا يعقل أنْ يجعل الله الحكيم الناس يتخبَّطون وينحرفون عن الجادَّة بحيث يكفِّر بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، حتّى قتلوا ابن بنت نبيِّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، باسم خليفة نبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتعدَّوا على أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله بجميع أنواع التعدي باسم خليفة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً، مع أنَّه لا يختلف اثنان في أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وله من الفضل والشرف والمكانة عند الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما لا يخفى حتّى على غير المؤمنين برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكيف بالمسلمين؟

ومع ذلك انُتهكت حرمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله باسم خليفته، وحصل الهرج والمرج والتلاعب بالمقدَّسات الإسلاميَّة باسم خليفة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ما جرى على الاُمَّة ويجري من تشتُّت المسلمين وتفرُّقهم على طوائف متنافرة إنّما هو بسبب عدم اتِّباعهم ما تمليه عليهم عقولهم ونصوص رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث اعتقد أغلب المسلمين بأنّ الله لمْ ينصب خليفة بعد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهل يرضى العقلاء من الناس من سلطانهم أنْ يُسافر ولا يجعل له نائباً يُدير مملكته ويحفظها؟ كلاّ وألف كلاّ، بل الرجل منَّا لا يترك بيته وعياله لو أراد السفر بدون قيِّم يقوم مقامه ومدير يُدير شؤونهم، ولو فعل ذلك لذمَّ وليم ووبِّخ أشدَّ التوبيخ على تقصيره وإهماله، فكيف ينسب هذا إلى سيِّد العقلاء وخالقهم؟

وانظر باُمِّ عينك إلى جميع المؤسسات والشركات وغيرها تَرَ تنصيب أصحابها نائباً لهم إذا غابوا ليُدير ما كانوا يُديرونه ويحفظ ما كانوا يحفظونه.

وهذا الأمر الوجداني ليس الباعث له إلاّ العقل وحسن السليقة والحكمة.

فهل يُعقل من الله العدل الخبير الحكيم أنْ لا ينصّب هادياً ترجع إليه الاُمَّة؟


بعد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو في الاُمم السابقة؛ إذ لكلّ نبيِّ أوصياء يحفظون الدين من بعده ويقيمون الحقَّ على نهجه.

وبهذا تعرف أنّ كلّ ما جرى ويجري على الأمَّة نتيجةٌ لمَا أسَّسه الأوائل من عدم اتِّباع الخليفة الذي نصَّ عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمره سبحانه وتعالى بجعل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام خليفةً وإماماً من بعده.

فلينظر المسلم بعين الاعتبار الأخبار والآيات في ذلك، وليسأل المؤمن نفسه سؤالاً بسيط: لو أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ ينصّب خليفة من بعده فما الذي كان عليه أنْ يقول ويفعل كي ينصبّه؟

فإنّه سيجد الجواب الذي لا تعتريه شبهة ولا ارتياب في تلك الآيات والأخبار، ولا يعذر بجهله يوم القيامة:( قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (1) .

فإنَّه مسؤول عمَّا جاء في كتاب الله الكريم وأقوال نبيِّه العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأفعاله من النصّ على خليفته والهادي من بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبهذا يعلم أنّ كلّ ذلك بسبب مَن تقمَّص تلك الخلافة بغير حقّ، وادَّعى له فيها نصيباً وأنّ الويلات النازلة على الإسلام إلى يومنا هذا بسبب مخالفة الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بتركهم الخليفة الواجب اتِّباعه.

وقد جاء من بعد أولئك أناس أخذوا على عاتقهم الدفاع المستميت عن أسيادهم، وذلك بتمحُّل مبررات لهم لا تُغني عن الحقِّ شيئ، وبتبرئتهم بإلقاء تبعاتهم على الشيعة، فنسبوا الضلال إلى الشيعة، وقالوا إنّهم مَن خالف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع أنّ موروث أهل الخلاف الروائي والتاريخي وغيره - فضلاً عمّا

____________________

(1) سورة الأنعام / 149.


يتمسك به الشيعة من مصادرهم التشريعيّة والاعتقاديَّة - كفيل بدفع هذه التهم بشبهاته، بل وكفيل أيضاً بإثبات ما عليه الشيعة من الحقِّ الواضح الذي لا يعتريه ريب إلاّ عند من طبع الله على قلبه فلا يعقل شيئاً.

فصار الشيعة عند هؤلاء موضعاً لإلقاء التهم بكلّ أشكاله، وممّا نسبوه للشيعة قتل ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد كادت هذه الشبهة - مع سخافتها - تنطلي على كثير من عوام أهل الخلاف، ولا أدري كيف انطلت هذه الخزعبلات على الكثير مع وضوح افترائه، بل وعدم تصوُّرها؟!

مع أنّ السلف من أهل الخلاف لمْ ينسبوا هذه التهمة إلى الشيعة، بل إنّهم لمْ يتوهموا نسبتها لهم، وذلك لمَا قلنا من عدم تصوُّر أنّ قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام هم شيعته.

مناقشة الشبهة

فما أدري ما أقول في دفع هذا المقول! إذ كيف يقاتل شيعةُ أهل البيتعليهم‌السلام أهلَ البيتعليهم‌السلام ؟! وكيف يتصوَّر ذلك مع أنّ لفظ الشيعة من المشايعة، وهي: المتابعة والنصرة؟ فإذا انتفت النصرة والمتابعة خرجوا عن كونهم شيعةَ مَنْ تركوا نصرته ومتابعته.

فلهذا ترى المعنى اللغوي للشيعة يرفض هذه الشبهة، وكذا المعنى الاصطلاحي على لسان علماء أهل الخلاف أنفسهم، وأيضاً السير التاريخي يرفضها بشدَّة ويبيِّن حماقة أصحابها.

معنى الشيعة في اللغة والاصطلاح يدفع الشبهة

معنى المشايعة المتابعة والموالاة، والشيعة هم الأتباع والأنصار، وقد جاء بهذا


المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى:( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (1) ، وقوله تعالى:( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) (2) .

وقال ابن دريد المتوفَّى سنة 321: فلان من شيعة فلان، أي: ممّن يرى رأيه. وشيَّعت الرجل على الأمر تشييعاً إذا أعنته عليه، وشايعت(3) الرجل على الأمر مشايعة وشياعاً إذا مالأته عليه(4) .

وقال ابن منظور:

والشيعة: القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكلُّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكلُّ قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع.

قال الأزهري: ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلّهم متّفقين، قال الله عزَّ وجلَّ:( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ) (5) ، كلّ فرقة تكفِّر الفرقة المخالفة له، يعني به اليهود والنصارى؛ لأنّ النصارى بعضهم يكفِّر بعض، وكذلك اليهود، والنصارى تكفِّر اليهود واليهود تكفِّرهم وكانوا أمروا بشيء واحد.

وفي حديث جابر لمَّا نزلت:( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ

____________________

(1) سورة الصافات / 83.

(2) سورة القصص / 15.

(3) وفي المنقول منه: ومشايعة الرجل، والظاهر ما أثبتناه.

(4) جمهرة اللغة لابن دريد العضدي 3 / 63، نقلاً عن كتاب السلفيّة بين السنة والإماميّة للسيد محمّد الكثيري / 74.

(5) سورة الأنعام / 159.


بَعْضٍ ) (1) . قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هاتان أهون وأيسر». الشيع: الفرق، أي: يجعلكم فرقاً مختلفين.

وأمَّا قوله تعالى:( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (2) ، فإنّ ابن الأعرابي قال: الهاء لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أي: إبراهيم خَبَر مَخْبَرَه فاتَّبعه ودعا له. وكذلك قال الفراء، يقول: هو على منهاجه ودينه، وإن كان إبراهيمعليه‌السلام سابقاً له. وقِيل: معناه، أي: من شيعة نوحعليه‌السلام ومن أهل ملَّته.

قال الأزهري: وهذا القول أقرب؛ لأنّه معطوف على قصّة نوحعليه‌السلام ، وهو قول الزجاج.

والشيعة: أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها: شيع، وأشياع جمع الجمع.

ويقال: شايعه، كما يقال: والاه من الوَلْي. وحكي في تفسير قول الأعشى:

يُشَوِّعُ عُوناً وَيَجْتَابُها

............................

يشوِّع: يجمع.

ومنه شيعة الرجل، فإنْ صحَّ هذا التفسير فعين الشيعة واو، وهو مذكور في بابه.

وفي الحديث: القدريَّة شيعة الدجَّال، أي: أولياؤه وأنصاره.

وأصل الشيعة الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد(3) .

وقال ابن الأثير: (شيع) (هـ)‍(4) فيه: القدريّة شيعة الدجال، أي: أولياؤه وأنصاره. وأصل الشيعة الفرقة من الناس، وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد... وتجمع الشيعة على: شيع. وأصلها

____________________

(1) سورة الأنعام / 65.

(2) سورة الصافات / 83.

(3) لسان العرب، ابن منظور 8 / 188، الناشر أدب الحوزة - قم المقدّسة - 1405 هـ.

(4) هذا رمز يضعه ابن الأثير لمّا أخذه من كتاب الغريبين للهروي.


من المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة(1) .

وقال الزبيدي: وشيعة الرجل - بالكسر - أتباعه وأنصاره، وكلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة. وقال الأزهري: معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلّهم متّفقين، وفي الحديث: القدريّة شيعة الدجَّال، أي: أولياؤه.

وأصل الشيعة الفرقة من الناس على حدة، وكلّ من عاون إنساناً وتحزَّب له فهو له شيعة، قال الكميت (رحمه الله):

ومالي إلاّ آلَ أحمدَ شيعةٌ

ومالي إلاّ مشعبَ الحق مشعبُ

ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد(2) .

ولا يخفى على الملتفت أنّ الشيعة بهذا المعنى اللغوي العامّ يصدق على مَن بايعوا(3) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، على أنّه الخليفة بعد عثمان بن عفّان - كما يتبيَّن لك ذلك - وإنْ لمْ يبايعوه على أنّه الخليفة بالنصّ من الله بعد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهؤلاء كثيرون جداً، إذ جميع البقاع الإسلامّية - ما عدا الشام وأفراداً قليلين جداً من غيرها - بايعت أمير المؤمنينعليه‌السلام على أنّه خليفة رابع بعد عثمان، ولا يمكن أنْ نقول إنَّ الشيعة - الذين اعتقدوا أنّ أمير المؤمنين خليفة بعد رسول الله (صلّى الله عليه و آله) بالنصّ وهو أفضل مَن عليها بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وغيرهم، ومَن حذا حذوهم إلى يوم القيامة من الشيعة الاثني عشريّة - مثل هؤلاء الشيعة الذين تابعوا وبايعوا أمير المؤمنينعليه‌السلام على أنّه خليفة رابع، فها هم أهل الكوفة بايعوا أمير المؤمنينعليه‌السلام وتابعوه وصلَّوا خلفه، ومع ذلك لمَّا

____________________

(1) النهاية في غريب الحديث، ابن الاثير 2 / 519، الناشر مؤسسة إسماعيليان - قم المقدّسة -.

(2) تاج العروس، الزبيدي 5 / 405، الناشر دار الفكر - بيروت - 1414 هـ.

(3) بل حتّى مَن بايع يمكن أنْ لا يكون من الشيعة بالمعنى اللغوي؛ إذ ربما يبايع ولا يتبع ولا ينصر.


نهاهم عن صلاة التراويح بإمام نادوا: واعمراه! والشيعة لا يختلف اثنان في أنّهم لا يرون قول وسنّة عمر بن الخطاب فضلاً عن خلافته.

قال عبد الحميد المعتزلي: وقد رُوي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمَّا اجتمعوا إليه بالكوفة، فسألوه أنْ ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرَّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم، وقدَّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسنعليه‌السلام فدخل عليهم المسجد ومعه الدرَّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه!(1) .

وكذا كلّ مَن بايع الإمام الحسنعليه‌السلام والإمام الحسينعليه‌السلام من أهل الكوفة وأهل المدينة وبقيّة الأمصار؛ إذ بايعوا الإمام الحسنعليه‌السلام خليفة خامس، والإمام الحسينعليه‌السلام خليفة سادساً أو سابع، وأمَّا الشيعة بالمعنى الخاص فقليلون جد.

معنى الشيعة الخاصّ بلسان علماء أهل الخلاف يدفع الشبهة

ومعنى لفظ الشيعة عند علماء أهل الخلاف، هو: كلّ مَن اعتقد بإمامة عليٍّ وأهل بيتهعليهم‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنصّ من الله، وأنّهمعليهم‌السلام أفضل الخلق بعد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال أبو الحسن الأشعري: وإنّما قِيل لهم الشيعة؛ لأنّهم شايعوا عليّاًعليه‌السلام ، ويقدِّمونه على سائر أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

وقال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايعوا عليّاًعليه‌السلام على الخصوص، وقالوا بإمامته

____________________

(1) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي 12 / 283.

(2) مقالات الإسلاميّين للأشعري 1 / 65.


وخلافته نصّاً ووصية، إمَّا جليّاً وإمَّا خفيّاً، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإنْ خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيّة من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضيّة مصلحيّة تناط باختيار العامّة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضيّة أصوليّة، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامّة وإرساله، يجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولّي والتبرّي قولاً وفعلاً وعقداً، إلاّ في حال التقيّة(1) .

وقال النوبختي: إنّ أوَّل فرق الشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام المسمَّون شيعة عليّعليه‌السلام في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(2) .

وقال ابن حزم الأندلسي: ومَن وافق الشيعة في أنّ عليّاًعليه‌السلام أفضل الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأحقُّهم بالإمامة وولده من بعده، فهو شيعي وإنْ خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون، فإنْ خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً(3) .

وقال ابن منظور: وقد غلب هذا الاسم الشيعة على مَن يتوالى عليّاً وأهل بيتهعليهم‌السلام ، حتّى صار لهم اسماً خاصّاً، فإذا قِيل: فلان من الشيعة، عُرف أنّه منهم. وفي مذهب الشيعة، كذا، أي: عندهم. وأصل ذلك من المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة. قال الأزهري: والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويوالونهم(4) .

____________________

(1) الملل والنحل، للشهرستاني 1 / 146، الناشر دار المعرفة - بيروت -.

(2) فرق الشيعة للنوبختي / 15.

(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2 / 113.

(4) لسان العرب، ابن منظور 8 / 189.


وقال ابن الأثير: وقد غلب هذا الاسم (الشيعة) على كلِّ مَن يزعم أنّه يتولَّى عليّاً وأهل بيتهعليهم‌السلام ، حتّى صار لهم اسماً خاصّاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عرف أنّه منهم. وفي مذهب الشيعة، كذا، أي: عندهم. وتجمع الشيعة على: شيع. وأصلها من المشايعة، وهي: المتابعة والمطاوعة (س)(1) .

ومنه حديث صفوان: إنّي لأرى موضع الشهادة لو تشايعني نفسي. أي: تتابعني(2) .

وقال الزبيدي: وقد غلب هذا الاسم (الشيعة) على كلّ مَن يتولَّى عليّاً وأهل بيتهعليهم‌السلام حتّى صار اسماً لهم خاصّاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عرف أنّه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا، أي: عندهم. وأصل ذلك من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.

وقِيل: عين الشيعة واو، من شوَّع قومه إذا جمعهم، وقد تقدَّمت الإشارة إليه قريباً.

وقال الأزهري: الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويوالونهم(3) .

فبعد وضوح أنّ للفظ الشيعة معنيين لغوياً عامّاً واصطلاحياً خاصّاً يتّضح أنّ مَن خرج على الإمام الحسينعليه‌السلام لا يصدق عليه أنّه من شيعته ومتَّبعيه وناصريه على كلا هذين المعنيين(4) ، بل يصدق عليه أنّه من شيعة مَن خرج لنصرته.

____________________

(1) هذا رمز يضعه ابن الأثير لمَا أخذه من كتاب أبي موسى الأصبهاني في شرح غريب القرآن والحديث.

(2) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير 2 / 519.

(3) تاج العروس، الزبيدي 5 / 405.

(4) فهؤلاء ليسوا بشيعة جدِّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله فضلاً عن كونهم شيعتهعليه‌السلام . قال الموفّق الخوارزمي في مقتله 2 / 179، راثياً الإمام الحسينعليه‌السلام ومستنكراً على قتلته:


ومتابعته وهم بنو اُميّة، فأغلب مَن خذل وخرج على الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام من شيعة بني اُميّة، وجميع مَن بايع الإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام بايعهما على أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام خليفة خامس، والإمام الحسينعليه‌السلام خليفة سادس، إنْ لمْ يقرَّ بالبيعة لمعاوية وإلاّ فخليفة سابع، لا على أنّهما الوصيان الثاني والثالث من أوصياء النبيِّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

____________________

[... ] ففاز بالشهادة، وسلك إلى آخر مسلك السعادة، فالسلام على الحسينعليه‌السلام المقتول يوم الاثنين:

لقد ذبحوا الحسينَ بنَ البتولِ

وقالو: نحن أشياعُ الرسولِ

بقطرةِ شربةٍ بَخِلُوا عليه

وخاض كلابُهُمْ وَسْطَ السيولِ

قُصَارى همِّهم ريحٌ شمالٌ

وكاساتٌ من الراحِ الشَّمُولِ

وإن موفَّقاً إن لم يُقَاتِلْ

أمامَك يابنَ فاطمةَ البتولِ

فسوف يصوغُ فيك مُحَبَّراتٍ

تنقَّلُ في الحزونِ وفي السهولِ



دفع الشبهة بشواهد تاريخيّة

مضافاً لمَا تقدّم - من أنّ الذوق المستقيم والفهم السليم، واللغة وأقوال علماء أهل الخلاف، ترفض مثل هذه الخزعبلات والتهم التي يرمي بها أعداءُ مذهبِ أهلِ البيتِعليهم‌السلام شيعتَهم، بُغية التوصُّل إلى مآربهم الشيطانيّة - أنّ الشواهد التاريخيّة والعقلائيّة خير شاهد لنفي ما يَصْبُون لإثباته، فنذكر شيئاً منها تباع:

الأمر الأوّل: ما ذكروه في كتبهم إلى الإمام الحسينعليه‌السلام

روى الطبري والبلاذري، وابن الأثير وابن كثير واللفظ للأوّل، قال، قال أبو مخنف: فحدَّثني الحجاج بن عليّ، عن محمّد بن بشر الهمداني، قال: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكرنا هلاك معاوية، فحمدنا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صُرد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً (ع) قد تقبَّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإنْ كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإنْ خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. قالوا: لا، بل نقاتل عدوَّه ونقتل أنفسنا دونه. قال: فاكتبوا إليه. فكتبوا إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

لحسين بن عليّعليهما‌السلام من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوَّك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزَّها أمرها،


وغصبها فيأها، وتأمَّر عليها بغير رضىً منها، ثمّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود، إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إنْ شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك.

قال: ثمّ سرَّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال، وأمرناهما بالنجاء(1) ، فخرج الرجلان مسرعين حتّى قدما على حسينٍعليه‌السلام لعشر مضين من شهر رمضان بمكّة(2) .

أقول: إنّ قولهم في هذا الكتاب: إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ(3) أو الهدى، يدلّ بوضوح على أنّ القوم يريدون مبايعة الإمام الحسينعليه‌السلام على الإمامة الإداريّة والسياسيّة - إنْ صحَّ التعبير - كما بُويع غيره، لا الإمامة الإلهيّة في شؤون الدين والدنيا.

وبعبارة أخرى: أنّ القول المذكور يدلّ على أنّهم ليسوا ممّن يعتقدون بأنّه الخليفة من الله بالنَّص، كما هي عقيدة الشيعة بالمعنى الخاصّ؛ إذ الشيعة لهم أئمّة

____________________

(1) النجاء: السرعة في السير، كما في لسان العرب، ابن منظور 15 / 305.

(2) تاريخ الطبري 3 / 277، الناشر دار الكتب العلميّة - بيروت - 1407 هـ، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 369، الكامل في التاريخ لابن الأثير 3 / 385، الناشر دار الكتب العلمية - بيروت - 1415 هـ، مع اختلاف يسير لا يضرُّ بالمعنى، البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 151 بإيجاز، الناشر مكتبة المعارف - بيروت -.

(3) وفي الإمامة والسياسة 2 / 7 تحقيق الشيري، 2 / 4 تحقيق الزيني: (... أنْ يجمعنا بك على الهدى). وفي جواب الإمام الحسينعليه‌السلام لهم كما في تاريخ الطبري 3 / 278: «... أنْ يجمعنا على الهدى والحقّ».


معروفون منصوبون من الله بعد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أمور الدين والدنيا إلى اليوم المعلوم، فلو كانوا من الشيعة بالمعنى الخاصّ لمَا قالوا: ليس علينا إمام، ولمَا قالوا: لعلّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقّ؛ لأنّهم يعتقدون عصمته، فلا يصدر منهم هذا القول قطع، فإنّه لا يصحّ أنْ يقال في حقّ مَن ثبتت بالقطع عصمته كالنبيِّ والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومَن يقوم مقامه من أئمّة الهدى ومصابيح الدجىعليهم‌السلام .

نعم؛ يصحّ منهم هذا إذا كان أكثر الناس المبايعين آنذاك عقيدتهم في الإمامة على ذلك؛ فلا يستطيعون التصريح بخلافها لمَا فيه من نفي خلافة الأوّل والثاني والثالث، وهو ليس بالأمر البسيط، وهذا يثبت أيضاً أنّ الكثرة الكاثرة ممّن بايع الإمام الحسينعليه‌السلام هم من غير الشيعة بالمعنى الخاصّ.

وأيضاً ما رواه ابن كثير والطبري وابن الأثير، واللفظ للأول، قال: وكتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمّد بن عمر بن يحيى التميمي، أمّا بعد: فقد اخضرَّتْ الجنان وأينعت الثمار ولطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجنَّدة، والسلام عليك.

فاجتمعت الرسل كلّها بكتبها عند الحسينعليه‌السلام ، وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد ابن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنّهم فرحوا بموت معاوية وينالون منه، ويتكلَّمون في دولته وأنّهم لمَّا يبايعوا أحداً إلى الآن، وأنّهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدِّموك عليهم(1) .

فإنّ قوله: وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد بن

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 151 - 152، تاريخ الطبري 3 / 278، الكامل في التاريخ، ابن الأثير 3 / 385، ذكره مجملاً بقوله: ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.


معاوية.

وقولهم: وأنّهم لمَّا يبايعوا أحداً إلى الآن.

وقولهم: وأنّهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدِّموك عليهم.

يدلّ بوضوح على أنّهم لا يعتقدون بإمامته بالنصّ، وأنّهم يريدون مجيئه إليهم وتقديمه عليهم لإدارة أمورهم، ومَن كان هكذا لمْ يكن من الشيعة بالمعنى الخاصّ، أي: الاثني عشريّة.

وأيضاً ما رواه اليعقوبي والطبري وابن كثير، واللفظ للأوّل، قال: وكتب أهل العراق إليه، ووجَّهوا بالرسل على أثر الرسل، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ، وسعيد بن عبد الله الخثعمي:

بسم الله الرحمن الرحيم

للحسين بن عليّعليه‌السلام من شيعته المؤمنين والمسلمين، أمَّا بعد: فحيَّ هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك فالعجل ثمّ العجل، والسلام.

فوجَّه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالبعليه‌السلام ، وكتب إليهم، وأعلمهم أنّه إثر كتابه، فلمَّا قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء(1) .

حيث إنّ قوله: فإنّ الناس ينتظرونك لا إمام لهم غيرك، فالعجل العجل.

وقوله: فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه، وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء.

ممّا يدلّ على أنّهم بايعوه على النصرة والمشايعة والمتابعة لا على الاعتقاد

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 241 - 242، الناشر دار صادر - بيروت - تاريخ الطبري 3 / 277، وفيه: ولا رأي لهم غيرك فالعجل... بدل: لا إمام لهم غيرك، البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 151 بإيجاز.


بإمامته بالنصّ.

والخلاصة من نقل هذه الأقوال: أنّها تدلّ على أنّ مَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام من أجل البيعة إنّما كانوا يريدون البيعة السياسية فقط، وهي غير ما عليه عقيدة الشيعة بالمعنى الخاصّ.

فإنْ قلت: فما تقول في مَن كتب إليه من الشيعة الخلَّص كحبيب بن مظاهر وغيره رضوان الله عليهم، فإنّهم من خواص الشيعة وقد تكلَّموا بهذه الأقوال أيضاً؟

قلت: إنَّ هذا يندفع بملاحظة ما ذكرناه في أوَّل هذا الأمر من أنّ الشيعة الخاصّة لا يصحُّ منهم ذلك؛ لمَا عرفت من المعنى الخاصّ للشيعة، فيحمل على أنّه كلام بلسان الكثرة الكاثرة من أهل الكوفة، أو كلام باعتقاد أغلب أهل ذلك الزمان، بحيث لا يصحّ من الشيعة الخاصّة إظهار خلافه خوفاً وتقيّةً، لمَا فيه من نفي خلافة الأوّل والثاني والثالث.

ولهذا عبَّر عنهم بالناس في قوله: فإنّ الناس ينتظرونك لا إمام لهم غيرك فالعجل العجل.

الأمر الثاني: دهاء ابن زياد

إنّ عبيد الله بن زياد داهية من الدواهي المنسوبة إلى بني اُميّة، وهو يعمل جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى إمامه الحسين بن عليّعليه‌السلام لينصره في كربلاء، وليس هو بالغبي حتّى يرسل إلى الإمام الحسينعليه‌السلام شيعته، وهو يعلم بأنّ وصولهم لهعليه‌السلام يقلب الموازين على بني اُميّة.


الأمر الثالث: اعتقال ابن زياد للشيعة وقتلهم ومنعهم من الوصول إلى الإمام

قد عمل ابن زياد جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام .

فبدأ باعتقال الشيعة وزجِّهم في السجون أو قتلهم، وخصوصاً مَن أراد نصرة مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، ولو كان يريد أنْ يرسل الشيعة مع جيشه لمَا زجَّ بهم في السجون أو قتلهم.

ثمّ إنَّه قد جعل المراصد في الكوفة لاعتقالهم، ومن اشتبه أنّه منهم فإنّه يختبر ويمحَّص حتّى يُعرف حاله، ويُفعل به ما يًفعل من تعذيب وقتل، وهذا دليل واضح على عدم إمكان تصوُّر أنَّ ابن زياد يرسل إلى الإمام الحسينعليه‌السلام شيعته.

فقد روى الطبري قال، قال أبو مخنف: فحدَّثني أبو جناب الكلبي: أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب يُقال له: عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره، فقال لابن زياد: إنّما أردتك. قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك، فأمر به فحبس.

وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي، فلمَّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحَّى ويتأخَّر.

وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد بن الأشعث: قد حلتُ على ابن عقيل


من العرار، فتأخَّر عن موقفه (1) .

وذكر الطبري أيضاً مقتل مَن اعتقلهم عبيد الله بن زياد من الشيعة، فقال: ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لمَّا قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان فأُتي به، فقال له: أخبرني بأمرك. فقال: أصلحك الله! خرجت لأنظر ما يصنع الناس، فأخذني كثير ابن شهاب.

فقال له: فعليك وعليك من الأيمان المغلَّظة إنْ كان أخرجك إلاّ ما زعمت. فأبى أنْ يحلف، فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه به.

قال: فانطلق به فضُربت عنقه.

قال: وأخرج عمارة بن صلخب الأزدي، وكان ممّن يريد أنْ يأتي مسلم بن عقيلعليه‌السلام بالنصرة لينصره، فأتي به أيضاً عبيد الله، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه، فضُربت عنقه فيهم(2) .

وأيضاً لقلَّة الشيعة وتفرُّقهم في البلدان، وكونهم معروفين كتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد: أنْ يجعلَ المراصد والمسالح كي لا يصلَ أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام .

فقد روى الطبري ومحدّث الشام، وابن الجوزي والخوارزمي وغيرهم كتاب يزيد لعبيد الله، حينما بعث له عبيد الله برأسي مسلم بن عقيلعليه‌السلام وهانئ بن عروة رحمه الله، واللفظ الأوّل قال، قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبي، قال:... فكتب إليه

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 287.

(2) تاريخ الطبري 3 / 292.


يزيد، أمَّا بعد:

فإنّك لمْ تعدُ أنْ كنت كما أحبُّ، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت، وصدّقت ظنّي بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خير، وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن عليّعليهما‌السلام قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظنّ وخذ على التهمة، غير ألاّ تقتل إلاّ مَن قاتلك(1) ، واكتب إليَّ في كلّ ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله(2) .

وفي مقتل الخوارزمي قال: وقد بلغني أنّ الحسين بن عليعليه‌السلام قد عزم على المصير إلى العراق، فضع المراصد والمناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنّ واقتل على التهمة، واكتب في ذلك إليَّ كلّ يوم بما يحدث من خبر(3) .

وقد امتثل ابن زياد ما أمره يزيد، فقد روى البلاذري، قال:

____________________

(1) مّن اطّلع على سيرة يزيد بن معاوية يعرف حال قوله: غير ألاّ تقتل...، بل قد روى الخوارزمي خلافه في مقتله 1 / 308، كما يأتي بعد الانتهاء من رواية الطبري مباشرة. وأيضاً ما فعله ابن زياد من قتله مَن لمْ يقاتله، كرسل الإمام الحسين (ع) وعبد الله بن عفيف وغيرهم موافقاً لوصية يزيد بن معاوية له على رواية الخوارزمي.

(2) تاريخ الطبري 3 / 293، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 18 / 306، قال: قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن الغساني، عن عبد العزيز بن أحمد، أخبرنا هارون الميداني، أخبرنا أبو سليمان بن زبر، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، أخبرنا محمّد بن جرير الطبري، قال: حدّث عن هشام بن محمّد الكلبي قال، قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي قال: [... ]، المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم لابن الجوزي 5 / 329، مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 1 / 309.

(3) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 1 / 308.


ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلا يجوز أحد من العسكر مخافة إنْ يلحقَ بالحسينعليه‌السلام مغيثاً له، ورتَّب المسالح حوله، وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي، ورتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرةً مقدحةً، فكان خبر ما قبله يأتي في كلّ وقت(1) .

وروى البلاذري أيضاً، قال:

قالوا: ولمَّا بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن أسامة التميمي، ثمّ أخذ بني جشيش بن مالك بن حنظلة صاحب شرطه، حتّى نزل القادسيّة، ونظم الخيل بينها وبين خفان، وبينها وبين القطقطانة إلى العلع(2) .

أفبعد هذا يعقل من داهية مثل ابن زياد أنْ يخالف عقله وإمامه يزيد بن معاوية، ويرسل الشيعة إلى إمامهم الحسين بن عليّعليه‌السلام ؟!

الأمر الرابع: قلّة الشيعة في الكوفة آنذاك

لا يخفى أنّ الكوفة في هذا الزمان شيعية محضة، وعرفت بالتشيُّع في أزمنة مختلفة في التاريخ، ومن هذه الشهرة نفذ أصحاب الشبهة واتَّهموا الشيعة بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّ المترسِّخ في الأذهان أنّ لفظة أهل الكوفة تساوي لفظة شيعة، وغرض التهمة أنْ يخلِّصوا يزيد وأتباعه ومحبِّيه من وصمة العار التي

____________________

(1) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 388.

(2) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 377 - 378، وفي معجم البلدان 5 / 18 العلع: ماء في البادية. وقيل: منزل بين البصرة والكوفة يبعد عن البصرة عشرين ميل. وفيه 4 / 374، القطقطانة: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف، به كان سجن النعمان بن المنذر. وقال أبو عبيد الله السكوني: القطقطانة بالطف، بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف وعشرون ميل.


تلاحقهم أبد الدهر، حتّى زاد بعضهم فنصَّ على عدم مشاركة أهل الشام واليمن ومصر في قتال الإمام الحسينعليه‌السلام ، - يكاد المريب أنْ يقول: خذوني - مع وجود ما يدلّ على خلاف قوله، كما سنذكره(1) .

ولكن هذا لا يخفى على ذوي العقول الواعية، إذ قليل من التأمُّل يكفي، ولكي يتّضح الأمر جيِّداً علينا أنْ نعرف مذهب أهل الكوفة في زمان شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام ، فنقول:

إنّ الشيعة بالمعنى الخاصّ فرقة قليلة جداً في ذلك الزمان، ومع قلَّتهم كانت طائفة منهم تقطن الكوفة، فهم بالنسبة إلى أهل الكوفة عدد قليل جداً، ومَن راجع واطّلع على سكان الكوفة آنذاك وجد هذا المعنى ملموس.

ثمّ إنّ الكوفة بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وانتقال الإمام الحسنعليه‌السلام إلى المدينة، وتسلُّم معاوية للسلطة، كانت تحت إمرة بني اُميّة. وكان همُّ معاوية بن أبي سفيان حينما استتبَّ له الأمر التضييق على الشيعة وتفريقهم وإبعادهم عن الكوفة منذ سنة إحدى وأربعين، كما يدلّ على ذلك كتاب معاوية إلى المغيرة بن شعبة عندما ولاه الكوفة في تلك السنة.

فقد روى الطبري ذلك في تاريخه، قال:

قال هشام بن محمّد: عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقعب بن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عقبة المرادي، قال: كلٌّ قد حدَّثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث حجر بن عدي الكندي (رحمه الله) وأصحابه: أنّ معاوية بن أبي سفيان لمَّا ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 هـ دعاه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنّ

____________________

(1) يأتي ذلك في الأمر العاشر تحت عنوان: اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسين$.


لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما علم الإنسان إلاّ ليعلما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعلُّم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي. ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تتحم عن شتم عليٍّ (ع) وذمِّه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليٍّ (ع) والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم والاستماع منهم.

فقال المغيرة: قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك، فلمْ يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم، ثمّ قال: بل نحمد إنْ شاء الله(1) .

ثمّ جعل معاوية على الكوفة زياد ابن أبيه، فلمْ يترك من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام أحداً إلاّ قتله أو عذَّبه أو شرَّده إلاّ قليلاً ممّن لمْ يُعرف بالتشيُّع.

فقد روى الطبري ما يبيِّن ذلك عند ذكره ما جرى بين هانئ بن عروة (رحمه الله) وعبيد الله بن زياد، قال:

فقال عبيد الله: يا هانئ، أمَا تعلم أنّ أبي قدم هذا البلد، فلمْ يترك أحداً من هذه الشيعة إلاّ قتله غير أبيك وغير حجر؟ وكان من حجر ما قد علمت...(2) .

وقال عبد الحميد المعتزلي:

وروى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث، قال:... وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليّعليه‌السلام ،

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 218.

(2) تاريخ الطبري 3 / 282.


فاستعمل عليهم زياد بن سميّة، وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتَّبع الشيعة وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّعليه‌السلام ، فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل وطرّفهم، وشرَّدهم عن العراق، فلمْ يبقَ بها معروف منهم... إلخ(1) .

ويدلّ على ذلك أيضاً ما سنذكره لك، فيما يأتي تحت عنوان:حقائق تاريخيّة تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام ، من أنّ مَن خرج في ثورة التوَّابين وثورة المختار ليسوا ممّن يسكن الكوفة فعلاً، بل هم ممّن تجمَّعوا من أماكن متفرِّقة حتّى استعدُّوا، فخرجوا لقتال بني اُميّة وأنصارهم من أهل الكوفة والشام، وهذا يدلُّ أيضاً على قلَّة الشيعة في الكوفة.

الأمر الخامس: كثرة الاُمويّين وأتباعهم في الكوفة آنذاك

ويتّضح هذا بدلالات كثيرة نذكر منها ما يلي:

الدلالة الأولى:

أنّ موت معاوية بن أبي سفيان قريب جداً من نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام ، والكوفة كانت تحت إمرته وتدين بدينه، ففيها الكثير الكثير من الموالين لهم، ويكفي أنّ أغلب رؤساء قبائل الكوفة(2) الذين تأتمر القبيلة بأمرهم وتسير على دينهم إلاّ مَن شذَّ، كانوا معهم، ولا ريب أنّ تفرُّقهم عن الكوفة يحتاج إلى زمن

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 11 / 44.

(2) ممّا يدلّ على ذلك اجتماعهم مع ابن زياد في قصر الإمارة بالكوفة حين جاء من البصرة، وأيضاً راجع الشهادة التي أقيمت على حجر بن عدي وأصحابه (رضوان الله عليهم)، كما في تاريخ الطبري 3 / 224 - 231.


طويل، ولا يكون إلاّ بانهيار الدولة الاُمويّة.

الدلالة الثانية:

تعامل يزيد بن معاوية مع الكوفة في هذه الظروف التي كتب فيها الآلاف بالبيعة للإمام الحسينعليه‌السلام ، على أنّها تحت إمرته وسيطرته، فقد قال لابن زياد: كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة أنّ مسلم بن عقيل يجمع الجموع. ثمّ أمره بأنْ يذهب إلى الكوفة، ويبحث عن مسلم بن عقيل ويقتله(1) .

فهذا يدلّ على وجود الكثير من أنصار بني اُميّة في الكوفة، إذ لا تكون إمرة وسيطرة على مكان في ظروف استعدَّت فيها الآلاف لمخالفة ومقابلة بني اُميّة إلاّ

____________________

(1) ففي تاريخ الطبري 3 / 279، البداية والنهاية 8 / 152 مع اختلاف يسير، الأخبار الطوال للدينوري / 231 ذكره بإيجاز، مقتل الحسينعليه‌السلام ، الخوارزمي 1 / 287، تاريخ ابن خلدون 3 / 22، واللفظ للطبري قال:

قال هشام: قال عوانة: فلمَّا اجتمعت الكتب عند يزيد - ليس بين كتبهم إلاّ يومان - دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية، فقال: ما رأيك؟ فإنّ حسيناً (ع) قد توجه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين (ع)، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيّءٌ، وأقرأه كتبهم، فما ترى؟ مَن أستعمل على الكوفة؟ - وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد - فقال سرجون: أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذاً برأيه؟ قال: نعم، فأخرج عهد عبيدالله على الكوفة. فقال: هذا رأي معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه وضمَّ المصرين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة.

ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهلي - وكان عنده - فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه، أمَّا بعد:

فإنّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة، يجمع الجموع لشقِّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام.

فأقبل مسلم بن عمرو حتّى قدم على عبيد الله بالبصرة، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيُّؤ والمسير إلى الكوفة من الغد.


بوجود العتاد والعدَّة المعتدِّ به.

الدلالة الثالثة:

أنّه لا يُعقل من مثل ابن زياد (لعنه الله) أنْ يأتي من البصرة إلى الكوفة بعدد قليل من الرجال، في قبال الآلاف المؤلَّفة من أهل الكوفة(1) الذين كتبوا إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، إلاّ مع علمه بأنّ أهل الكوفة بأجمعهم موالون لبني اُميّة حتّى مَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ القليل منهم!

الدلالة الرابعة:

خطبة ابن زياد في جامع الكوفة بمجرَّد وصوله إليه، إذ كيف تسنَّى له أنْ ينزل الجامع وينادي في الناس بالجماعة - قبل أنْ يفعل أيَّ شيء - ويحضر عنده ذلك الجمع الغفير، ويهدِّدهم بالقتل والحرمان وغيره مع وجود الآلاف التي بايعت الإمام الحسينعليه‌السلام ؟!(2) .

____________________

(1) قال ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 153: ودخلها في سبعة عشر راكباً. وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير 3 / 388 ذكر: أنّ ابن زياد دخل الكوفة بمفرده.

(2) ففي مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 1 / 289 - 290، قال: ولمَّا وصل عبيد الله بن زياد إلى باب قصر الإمارة، قال مخاطباً النعمان بن بشير: افتح الباب، لعنك الله! فسمعها جماعة، فقالوا: ابن مرجانة والله. ففتحوا الباب وتفرَّق الناس، ونُودي بالصلاة جامعة فاجتمع الناس، فخرج ابن زياد وقام خطيباً، فقال: إنّ أمير المؤمنين ولاّني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم، والشدَّة على مريبكم، وأنا متبع أمره، ومنفِّذ فيكم عهده، وأنا لمحبِّكم ومطيعكم كالوالد البرّ، وسيفي وسوطي على مَن ترك أمري...

وفي الأخبار الطوال للدينوري / 232 قال:

فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسينعليه‌السلام إلى ما ساءه، وأقبل حتّى دخل المسجد الأعظم، ونُودي في الناس فاجتمعو، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أهل الكوفة، إنّ أمير المؤمنين قد ولاّني مصركم وقسم فيئكم فيكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدّة على عاصيكم ومريبكم، وأنا منتهٍ في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسمّ النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلاّ على نفسه، ثمّ نزل فأتى القصر فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام.

وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير 3 / 388، وفي ط 4 / 24 قال: =


فما ذلك إلاّ لوجود الآلاف المؤلّفة - من أنصار بني اُميّة - المستعدّة لنصرتهم ودفع الآلاف التي بايعت الإمام الحسينعليه‌السلام عنهم.

الدلالة الخامسة:

إرسال عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد بجيش عدده أربعة آلاف مقاتل من أهل الكوفة، لقتال الديلم الذين استولوا على دستبي، فهل جاء ابن زياد الكوفة إلاّ لقتال مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وقتال الإمام الحسينعليه‌السلام ؟ فإرسال جيش بهذا العدد في هذه الظروف يدلّ بوضوح على استتباب الأمر في الكوفة لبني اُميّة، وكثرة

____________________

= وقِيل: بل خطبهم من يومه، فقال: أمَّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، منفِّذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البرّ، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليبقَ امرؤ على نفسه، ثمّ نزل.

فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديد، وقال: اكتبوا لي الغرباء ومَن فيكم من طلبه أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحروريّة وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمَن كتبهم إليَّ فبريء، ومَن لمْ يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف، ولا يبغيَ علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة، وحلال لنا دمه وماله، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء، وسيِّر إلى موضع بعمان الزارة، ثمّ نزل.


أنصارهم فيه؛ إذ لا تخضع الألوف إلاّ بالألوف(1) .

الدلالة السادسة:

خروج الآلاف المؤلَّفة من أهل الكوفة لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام يدلّ بوضوح - إلاّ عند من أعمى الله قلبه - على أكثريّة الاُمويّين وأنصارهم في الكوفة؛ إذ لا يُعقل من عبيد الله بن زياد أنْ يرسل شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو يعلم بأنّ فعله هذا يقلب الموازين رأساً على عقب على بني اُميّة، فجميع من خرج لقتالهعليه‌السلام هم من الاُمويّين وأنصارهم.

____________________

(1) وقد ذكرنا ذلك مفصَّلاً في ترجمة ابن سعد من كتاب (مقتل أبي عبد الله الحسين من موروث أهل الخلاف)، في الفصل السادس تحت عنوان: ابن سعد يتخيّر بين الجنّة والنار، من تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 45 / 49 - 50، تاريخ الطبري 3 / 310، الأخبار الطوال للدينوري / 253.

قال ابن عساكر: قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن بن الحسين، عن عبد العزيز بن أحمد، أخبرنا عبد الوهاب الميداني، أخبرنا أبو سليمان بن زبر، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، أخبرنا محمّد بن جرير الطبري قال، قال هشام بن محمّد، قال أبو مخنف: حدَّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان، قال:

كان سبب خروج عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام أنّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبي، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليه، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري، فأمره بالخروج، فخرج فعسكر بالناس بحمام أعين.

فلمَّا كان من أمر الحسينعليه‌السلام ما كان، وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال له: سرْ إلى الحسينعليه‌السلام فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فقال له عمر بن سعد: إنْ رأيت أنْ تعفيني فافعل. فقال عبيد الله: نعم، على أنْ تردَّ علينا عهدنا. قال: فلمَّا قال له ذلك، قال له عمر بن سعد: أمهلني اليوم أنظر.

قال: فانصرف عمر، فجعل يستشير نصحاءه، فلمْ يكن يستشير أحداً إلاّ نهاه، قال: وجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته، فقال: أنشدك الله يا خال، أنْ تسير إلى الحسينعليه‌السلام فتأثم بربّك، وتقطع رحمك، فوالله؛ لأنّ تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها - لو كان لك - خير لك من أنْ تلقى الله بدم الحسينعليه‌السلام . فقال عمر بن سعد: فإنّي أفعل إنْ شاء الله.


الدلالة السابعة:

أنّ عدد من قتله المختار (رحمه الله) - دون مَن هرب - كثير جداً، حتّى قِيل إنّه قتل سبعين ألفاً(1) من قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام غير مَن هرب، ولا يُعقل - بمقتضى ما تقدَّم - أنْ يكون أولئك من الشيعة؛ لعدم تصوُّر إرسال شيعة الحسينعليه‌السلام لقتاله.

قال سبط ابن الجوزي: ثمّ خرج المختار، وكان يقول:... ووالله، لأقتلن بقتلة الحسينعليه‌السلام عدد مَن قتل على دم يحيى بن زكرياعليه‌السلام ...(2) .

____________________

(1) قال الخوارزمي في مقتله 2 / 280:

وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقاً كثيراً من أهل الكوفة حتّى قِيل: إنّه قتل سبعين ألفاً ممّن قتل أو قاتل الحسينعليه‌السلام ، فتركه أصحابه لمَا في نفوسهم من الذحل على أقربائهم، وتحوَّلوا إلى مصعب. فلمَّا رأى المختار ذلك نزل عن فرسه، ونزل معه شيعة آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الخلَّص فبركوا على أفواه السكك، فلمْ يزالوا يقاتلون من المغرب إلى الصبح، ثمّ قال له بعض أصحابه: أمَا والله، أخبرتنا أنّا نقتل مصعب. فقال: بلى، أمَا قال الله عزَّ وجلَّ:( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) . سورة الرعد / 39.

(2) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 254، وذكر قبل هذا المقطع بعض مثالب المختار بن عبيد الله الثقفي.

أقول: ويكفي المختار كرامة انتقامه لأهل البيتعليهم‌السلام ، ودعاء الإمام زين العابدينعليه‌السلام له عندما وصل رأسا ابن زياد وابن سعد إلى المدينة، كما ورد في مصادرنا الشريفة، فقد رواه الكشّي (رحمه الله) في اختيار معرفة الرجال 1 / 341 - ونقله عنه السيّد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث 19 / 103 -، قال: حدَّثني محمّد بن مسعود، قال: حدَّثني أبو الحسن عليّ بن أبي عليّ الخزاعي، قال: حدَّثني خالد بن يزيد العمري المكّي، قال: [ حدَّثني ] الحسن بن زيد بن عليّ بن الحسينعليهم‌السلام ، قال: حدَّثني عمر بن عليّ بن الحسينعليهم‌السلام :

أنّ عليّ بن الحسينعليهما‌السلام لمَّا أتي برأس عبيد الله ابن زياد ورأس عمر بن سعد، قال: فخرَّ ساجداً، وقال: «الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً».

ولا بأس بذكر مايبيِّن شيئاً من مقام هذا الرجل العظيم من كلمات علمائنا الأعلام المستمدّة من أئمّتهم الأطهارعليهم‌السلام :


____________________

قال السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجال الحديث 19 / 102:

12185 - المختار بن أبي عبيدة الثقفي: ذكره العلامة في القسم الأوّل (1) من الباب الـ (8) من حرف الميم، وذكره ابن داود في القسم الثاني.

والأخبار الواردة في حقّه على قسمين: مادحة وذامَّة، أمَّا المادحة فهي متضافرة، منها ما ذكره الكشي:

إبراهيم بن محمّد الختلي، قال: حدَّثني أحمد بن إدريس القمي، قال: حدَّثني محمّد بن أحمد، قال: حدَّثني الحسن بن عليّ الكوفي، عن العبّاس بن عامر، عن سيف بن عميرة، عن جارود بن المنذر، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «ما امتشطت فينا هاشميّة ولا اختضبت، حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين (عليه السلام»). وهذه الرواية صحيحة.

حمدويه، قال: حدَّثني يعقوب، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن المثنى، عن سدير، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال (ع): «لا تسبّوا المختار، فإنّه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوَّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة».

محمّد بن الحسن، وعثمان بن حامد قال: حدَّثنا محمّد بن يزداد، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن يسار، عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك قال: دخلنا على أبي جعفرعليه‌السلام يوم النحر وهو متكئ، وقد أرسل إلى الحلاق، فقعدت بين يديه، إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبِّلها فمنعه، ثمّ قال (ع): «مَن أنت؟». قال: أنا أبو محمّد الحكم بن المختار بن أبي عبيدة الثقفي. وكان متباعداً من أبي جعفرعليه‌السلام ، فمدَّ يده إليه حتّى كاد يقعده في حجره بعد منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله! إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا، والقول والله قولك. قال (ع): «وأيّ شيء يقولون؟». قال: يقولون كذّاب، ولا تأمرني بشيء إلاّ قبلته. فقال (ع): «سبحان الله، أخبرني أبي - والله - أنّ مهر اُمّي كان ممّا بعث به المختار، أو لمْ يبّن دورنا، وقتل قاتلينا، وطلب بدمائنا؟ رحمه الله.

وأخبرني - والله - أبي أنّه كان ليتمُّ عند فاطمة بنت عليّعليهما‌السلام يمهِّد لها الفراش ويثني لها الوسائد - ومنها أصحاب الحديث - رحم الله أباك! رحم الله أباك! ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا».


____________________

ثمّ قال (قدّس سرّه) عن الروايات الذامّة في 19 / 105: وهذه الروايات ضعيفة الأسناد جداً، على أنّ الثانية منها فيها تهافت وتناقض، ولو صحَّت فهي لا تزيد على الروايات الذامّة الواردة في حقّ زرارة ومحمّد بن مسلم وبريد وأضرابهم.

وقال (قدّس سرّه) في 19 / 108:

ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيت (سلام الله عليهم) بقتله قتلة الحسينعليه‌السلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيتعليهم‌السلام يستحقّ بها الجزاء من قبلهم، أفهل يحتمل أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل البيتعليهم‌السلام يغضّون النظر عن ذلك، وهم معدن الكرم والإحسان؟!

وهذا محمّد بن الحنفيّة بينما هو جالس في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار في تأخير قتله عمر بن سعد، فما تمَّ كلامه إلاّ والرأسان عنده فخرَّ ساجد، وبسط كفيّه وقال: اللهمّ، لا تنسَ هذا اليوم للمختار، واجزه عن أهل بيت نبيك محمّد (ص) خير الجزاء، فوالله، ما على المختار بعد هذا من عتب.

وقال عنه السيّد عليّ البرجرودي في طرائف المقال 2 / 589 - بعد نقله الأخبار المادحة -:... إلى غير ذلك من الأخبار المادحة، وهي وإنْ كانت غير نقي السند إلاّ أنّ الرجل قد صدر منه الأمر العظيم والفعل الجسيم الذي قد عجز عنه الأثبات والثقات، خصوصاً مع صدور الترحّم من الإمامعليه‌السلام عليه من طريق حسن، فلا يعبأ بما ورد من الروايات الذامّة.

وقال العلامة المحقق الشيخ الأميني (أعلى الله مقامه المبارك) في كتابه الغدير 2 / 342 في التعرُّض لبعض من تأثرَّ بافتراءات خصماء المختار بن عبيد الله الثقفي تحت عنوان (الجواد قد يكبو):

لا ينقضي العجب، وكيف ينقضي؟! من مثل أبي تمام العريق في المذهب، والعارف بنواميسه، والبصير بأحوال رجالاته، وما لهم من مآثر جمَّة، وجهود مشكورة، وهو جدُّ عليم بما لأضدادهم من تركاض وهملجة في تشويه سمعتهم، وإعادة تاريخهم المجيد المملوء بالأوضاح والغرر، إلى صورة ممقوتة محفوفة بشية العار، مشفوعة كلّ هاتيك بجلبة ولغط، وقد انطلت لديه أمثلة من تلكم السفاسف حول رجل الهدى، الناهض المجاهد والبطل المغوار، المختار بن أبي عبيد الثقفي، فحسب ما قذفته به خصماؤه الألداء في دينه وحديثه ونهضته حقائق راهنة، حتّى قال في رائيّته المُثبتة في ديوانه / 114:


____________________

والهاشميون استقلَّت عيرهم

من كربلاء بأوثق الأوتار

فشفاهم المختار منه ولم يكن

في دينه المختار بالمختار

حتّى إذا انكشفت سرائره اغتدوا

منه براء السمع والأبصار

ومن عطف على التاريخ والحديث وعلم الرجال نظرةً تشفعها بصيرة نفّاذة، علم أنّ المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والإخلاص، وأنّ نهضته الكريمة لمْ تكن إلاّ لإقامة العدل باستئصال شأفة الملحدين، واجتياح جذوم الظلم الاُموي، وأنّه بمنزح من المذهب الكيساني، وأنّ كلّ ما نبزوه من قذائف وطامّات لا مقيل لها من مستوى الحقيقة والصدق؛ ولذلك ترحَّم عليه الأئمّة الهداة سادتنا: السجاد والباقر والصادق (صلوات الله عليهم).

وبالغ في الثناء عليه الإمام الباقرعليه‌السلام ، ولمْ يزل مشكورً عند أهل البيت الطاهر هو وأعماله.

وقد أكبره ونزَّهه العلماء الأعلام، منهم: سيدنا جمال الدين ابن طاوس في رجاله، وآية الله العلامة في الخلاصة، وابن داود في الرجال، والفقيه ابن نما فيما أفرد فيه من رسالته المسماة: بذوب النضار، والمحقّق الأردبيلي في حديقة الشيعة، وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي، والقاضي نور الله المرعشي في المجالس، وقد دافع عنه الشيخ أبو عليّ في منتهى المقال، وغيرهم.

وقد بلغ من إكبار السلف له أنّ شيخنا الشهيد الأوّل ذكر في مزاره زيارة تخصّ به ويُزار به، وفيها الشهادة الصريحة بصلاحه ونصحه في الولاية وإخلاصه في طاعة الله ومحبّة الإمام زين العابدين (ع)، ورضا رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) عنه، وأنّه بذل نفسه في رضا الأئمّة ونصرة العترة الطاهرة والأخذ بثأرهم.

والزيارة هذه توجد في كتاب (مراد المريد)، وهو ترجمة مزار الشهيد للشيخ عليّ بن الحسين الحائري، وصحَّحها الشيخ نظام الدين الساوجي مؤلِّف (نظام الأقوال). ويظهر منها أنّ قبر المختار في ذلك العصر المتقادم كان من جملة المزارات المشهورة عند الشيعة، وكانت عليه قبَّة معروفة كما في رحلة ابن بطوطة 1 / 138.

ولقد تصدَّى لتدوين أخبار المختار وسيرته وفتوحه ومعتقداته وأعماله جماعة من الأعلام فمنهم:

1 - أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، المتوفَّى سنة 157 هـ، له كتاب: [ أخذ الثأر في المختار ].

2 - أبو المفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار، المتوفَّى سنة 212 هـ، له: أخبار المختار.


____________________

3 - أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن أبي سيف المدايني، المتوفَّى سنة 215 / 25 له: أخبار المختار.

4 - أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي الكوفي، المتوفَّى سنة 283 هـ، له: أخبار المختار.

5 - أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، المتوفَّى سنة 302 هـ، له: أخبار المختار.

6 - أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه القمي الصدوق، المتوفَّى سنة 381 هـ، له: كتاب المختار.

7 - أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، المتوفَّى سنة 469 هـ، له: [ مختصر أخبار المختار ].

8 - أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري الطالبي خليفة شيخنا المفيد، له: أخبار المختار.

9 - الشيخ أحمد بن المتوَّج، له: الثأرات، أو: قصص الثأر - منظومة -.

10 - الفقيه نجم الدين جعفر الشهير بابن نما، المتوفَّى سنة 645 هـ، له: ذوب النضار في شرح الثار، طُبع برمّته في المجلد العاشر من البحار.

11 - الشيخ عليّ بن الحسين العاملي المروزي، له: [ قرّة العين في شرح ثأرات الحسين (ع) ] فرغ منه 20 رجب سنة 1127 هـ.

12 - الشيخ أبو عبد الله عبد بن محمّد، له: [ قرّة العين في شرح ثأر الحسين (ع) ] طُبع مع: [ نور العين ومثير الأحزان ].

13 - السيّد إبراهيم بن محمّد تقي، حفيد العلامة الكبير السيّد دلدار عليّ النقوي النصير آبادي، له: [ نور الأبصار في أخذ الثأر ].

14 - المولى عطاء الله بن حسام الهروي، له: روضة المجاهدين، طُبع سنة 1303 هـ.

15 - المولى محمّد حسين ابن المولى عبد الله الأرجستاني، له: حملة مختارية.

16 - الكاتب الهندي نواب عليّ نزيل لكهنو، له: نظارة انتقام، طُبع في جزئين.

17 - الحاجّ غلام عليّ بن إسماعيل الهندي، له: مختار نامه.

18 - سيدنا السيّد محسن الأمين العاملي، له: [ أصدق الأخبار في قصّة الأخذ بالثأر ]، ط.

19 - السيّد حسين الحكيم الهندي، له ترجمة: ذوب النضار، لابن نما.

20 - السيّد محمّد حسين ابن السيّد حسين بخش الهندي، المولود سنة 1290 هـ، له: تحفة الأخيار في إثبات نجاة المختار.


____________________

21 - الشيخ ميرزا محمّد عليّ الأوردبادي، له: [ سبيك النضار، أو: شرح حال شيخ الثار ] في مائتين وخمسين صحيفة. وقد أدَّى فيه حقَّ المقال، وأغرق نزعاً في التحقيق، ولمْ يبقَ في القوس منزع، قرأت كثيراً منه، ووجدته فريداً في بابه، لمْ يؤلَّف مثله، جزاه الله عن الحقّ والحقيقة خيراً.

وله في المختار قصيدة على روي قصيدة أبي تمام، عطف فيها على مديحه إطراء صاحبه ومشاطره في الفضيلة: إبراهيم بن مالك الأشتر، وهي:

يهنيك يا بطل الهدى والثارِ

ما قد حويت بمدرك الأوتارِ

لك عند آل محمّد كم من يدٍ

مشكورة جلَّت عن الإكبار

عرفتك مقبلة الخطوب محنَّك

فيه جنان مهذَّبٍ مغوارِ

أضرمت للحرب العوان لظىً به

أضحت بنو صخر وقود النارِ

وأذقت نغل سميّة بأس الهدى

و اُميّة كأس الردى والعار

فرأوا هواناً عند ضفَّة خاذرٍ

بمهنَّدٍ عند الكريهة وارِ

فرَّقت جمعهم العرمرم عنوةً

يوم الهياج بفيلق جرَّارِ

وفوارس من حزب آل المصطفى

أسد الوغى خوَّاضة الأخطار

وبواسل لم تغرهم وثباتهم

إلا بكل مدجَّج ثوَّار

لم يعرفوا إلا الإمام وثاره

فتشادقوا فيها بيا للثار

فتفرَّقت فرقاً علوج اُميّة

من كلّ زنَّاء إلى خمَّار

وأخذت ثاراً قبله لم تكتحل

علويَّة مذ أرزئت بالثار

وعمرت دوراً هدِّمت منذ العدى

بالطف قد أودت بربِّ الدار

عظم الجراح فلم يصب أعماقه

إلاك يا حُيِّيت من مسبار

في نجدةٍ ثقفيَّة يسطو بها

في الروع من نخعٍ هزبرٌ ضاري

الندب إبراهيم من رضخت له

الصيد الأباة بملتقى الآصار

من زانه شرف الهدى في سؤدد

وعلاً يفوح بها أريج نجار


____________________

حشو الدروع أخو حجى من دونه

هضب الرواسي الشمّ في المقدار

إن يحكه فالليث في حملاته

والغيث في تسكابه المدرار

أو يحوه فقلوب آل محمّد

المصطفين السادة الأبرار

ما إن يخض عند اللقا في غمرةٍ

إلا وأرسب مَنْ سطا بغمار

أو يمَّم الجلَّى بعزمٍ ثاقبٍ

إلا وردَّ شواظها بأوار

المرتدي حلل المديح مطارفاً

والممتطي ذللاً لكلّ فخار

وعليه كلّ الفضل قصرٌ مثلما

كلّ الثنا قصرٌ على المختار

عن مجده أرج الكبا وحديثه

زهت الروابي عنه بالأزهار

ومآثرٌ مثل النجوم عدادها

قد شفِّعت بمحاسن الآثار

وكفاه آل محمّد ومديحهم

عمَّا ينضَّد فيه من أشعار

أسفي على أن لم أكن من حزبه

وكمثلهم عند الكفاح شعاري

فهناك إمَّا موتة أرجو بها

أجر الشهادة في ثناءٍ جاري

أو أنني أحظى بنيل المبتغى

من آل حرب مدركاً أوتاري

وأخوض في الأوساط منهم ضارباً

ثبج العدى بالمقضب البتَّار

ولأثكلنَّ أراملاً في فتيةٍ

نشأوا على الإلحاد في استهتار

ومشيخة قد أورثوا كلّ الخنا

والعار أجرية من الكفار

لكن على ما فيَّ من مضض الجوى

إذ لم أكن أحمي هناك ذماري

لم تعدني تلك المواقف كلّها

إذ أن ما فعلوا بها مختاري

فلقد رضيت بما أراقوا من دمٍ

فيها لكلّ مذمَّم كفار

ولأشفينَّ النفس منهم في غدٍ

عند اشتباك الجحفل الموَّار

يوم ابن طه عاقدٌ لبنوده

وجنوده تلتاح في إعصار


____________________

تشوي الوجوه لظىً به نزَّاعة

لشوى الكماة بأنصل وشفار

فهنالك الظفر المريح جوى الحشا

من رازحٍ في كربه بأسار

ويتمُّ فيه القصد من عصب الولا

لبني الهدى كالسيّد المختار

يا أيها الندب المؤجِّج عزمه

وأمين آل المصطفى الأطهار

يا نجعة الخطب الملمِّ وآفة الـ

كرب المهمِّ وندحة الأوزار

لا غرو إن جهلت علاك عصابةٌ

فالقوم في شغل عن الإبصار

فلقد بزغت ذُكاً وهل يزرى بها

إن تعش عنها نظرة الإبصار؟!

لك حيث مرتبع الفخار مباءة

ولمن قلاك مزلَّة الأغرار

ومبوَّء لك في جوار محمّد

وملاذ عترته حماة الجار

فلئن رموك بمحفظ من إفكهم

فالطود لا يلوى بعصف الذاري

أو يجحدوك مناقباً مأثورة

مشكورة في الورد والإصدار

فلك الحقيقة والوقيعة لم تزل

عن قدس مجدك في شفير هار

فتهنَّ محتبياً بسؤددك الذي

تزورُّ عنه جلبة المهذار

خذها إليك قصيدة منضودة

من جوهر أو من سبيك نضار

لم يحكها نجم السماء لأنها

بزغت بشارقة من الأقمار

كلا ولا ضاهى محاسن نظمها

ما عن حطيئة جاء أو بشَّار

هي غادة زفَّت إليك ولم يشن

إقبالها بدعارة ونفار

هبَّت عليك نسائمٌ قدسيَّةٌ

حيَّت ثراك برحمة ويسار

وسقى لإبراهيم مضطجع الهدى

ودق الغمام المرزم المكثار

ما نافح الروض النسيم مشفِّعاً

سجع البلابل فيه شدو هزار

يتلو كما يتلى بكلّ صحيفة

مرَّ العشي وكرَّة الإبكار


وكان الملاك عند المختار (رحمه الله) في قتل هؤلاء هو صدق الخروج على الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقد روى الطبري، قال: ونادى منادي المختار: أنّه مَن أغلق بابه، فهو آمن إلاّ رجلاً شرك في دم آل محمّدعليهم‌السلام (1) .

فسبعون ألفاً من أهل الكوفة الموالين لبني اُميّة، غير مَن هرب ليس بالعدد القليل.

الدلالة الثامنة:

أنّ أهل الكوفة لمَّا هلك يزيد بن معاوية أرادوا أنْ يُقيموا خليفةً عليهم فاختاروا - وأنت تعلم بأنّ اختيار الخليفة لا يكون إلاّ من الأكثر، أو ممّن يمثّل الأكثر كرؤساء القبائل - الملعون قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فهذا ممّا يبيِّن لنا مدى ابتعاد الشيعة عن الكوفة، وكثرة غيرهم وسيطرتهم فيه؛ إذ إنّ أهل الكوفة رفضوا بيعة عبيد الله بن زياد (لعنة الله عليه)، وأرادوا أنْ يبايعوا الملعون عمر بن سعد قاتل الحسينعليه‌السلام ، إلاّ أنّ نساء همدان منعنَ من بيعته، ثمّ بايعوا من أقرَّه ابن الزبير المقاتل لأمير المؤمنينعليه‌السلام والمعروف حاله مع أهل البيتعليهم‌السلام (2) .

وهذا على أقلّ تقدير ممّا يدلّ على كثرة غير الشيعة في الكوفة، وإلاّ لمنع

____________________

ونكتفي بهذا المقدار من حال هذا الرجل العظيم، ونسأل الله بمحمّد وآلهعليهم‌السلام التوفيق لإفراد ما يتعلّق به بمؤلّف.

(1) تاريخ الطبري 3 / 459. ويأتي تفصيل هذه النقطة في: حقائق تاريخيّة تبيِّن موقف الشيعة من قتال الإمام الحسينعليه‌السلام .

(2) ذكرنا ما يبيّن شيئاً من حاله فيما جرى بينه وبين ابن عبّاس (رضوان الله عليه)، في الفصل الثالث من كتاب: مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف.


الشيعة تلك البيعة لا النساء.

فقد روى المسعودي والطبري، للأوّل، قال:

فخلع أهل الكوفة ولاية بني اُميّة وإمارة ابن زياد، وأرادوا أنْ ينصبوا لهم أميراً إلى أنْ ينظروا في أمرهم، فقال جماعة: عمر بن سعد بن أبي وقاص يصلح له. فلمَّا همُّوا بتأميره أقبلت نساء من همدان وغيرهن من نساء كهلان، وربيعة والنخع حتّى دخلنَ المسجد صارخات باكيات معولات يندبنَ الحسينعليه‌السلام ، ويقلنَ: أمَا رضي عمر بن سعد بقتل الحسينعليه‌السلام حتّى أراد أنْ يكون أميراً علينا على الكوفة؟! فبكى الناس(1) وأعرضوا عن عمر. وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان عليّعليه‌السلام مائلاً إلى همدان مؤثّراً لهم، وهو القائل:

فلو كنت بوَّاباً على باب جنَّةٍ

لقلت لهمدان ادخلي بسلام(2)

وبعد هذا لا يستبعد، بل يثبت أنّ الآلاف المؤلَّفة من أهل الكوفة الذين خذلوا الإمام الحسينعليه‌السلام ، وخرجوا لقتاله كلّهم من شيعة بني اُميّة، ومن غير الشيعة المعتقدة بإمامة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام وأبنائه المعصومينعليهم‌السلام بالنصّ من الله عزَّ وجلَّ.

الأمر السادس: تصريحات الإمام الحسينعليه‌السلام تدلّ على أنّهم ليسوا بشيعة

____________________

(1) فهل هؤلاء شيعة معتقدة بإمامة الإمام الحسينعليه‌السلام بالنص؟ نعم، هم محبُّون لأهل البيتعليهم‌السلام ، فإنَّ عظمة مصيبتهعليه‌السلام قد أبكت الحجر الأصم، وإلاّ كيف قبلوا بابن الزبير؟

(2) مروج الذهب للمسعودي 3 / 283 - أيّام معاوية بن يزيد -: خبر ابن زياد، تاريخ الطبري 3 / 375، وذكر بدل عمر بن سعد: عمر بن سعيد.


منه: تسميته لهم بشيعة آل أبي سفيان.

قال الخوارزمي: فحالوا بينه وبين رحله فصاح الإمام الحسينعليه‌السلام بهم: «ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان! إنْ لمْ يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم، إنْ كنتم عُرباً كما تزعمون»(1) .

ومنها: تخصيصه شيعته بمَن قتل في نصرته.

فقد خصَّص شيعته بمَن قُتل في نصرته، حيث قالعليه‌السلام : «إنّ أهل الكوفة قتلوا مسلم بن عقيلعليه‌السلام وشيعته». فقد روى الخوارزمي في خطاب الإمام الحسينعليه‌السلام لابن الحرّ أنّه: حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال (ع): «أمَّا بعد: يا بن الحرّ، فإنّ أهل مصركم هذا كتبوا إليَّ، وأخبروني أنّهم مجتمعون على أنْ ينصروني، وأنْ يقوموا من دوني، وأنْ يقاتلوا عدوِّي، وسألوني القدوم عليهم فقدمت، ولست أرى الأمر على ما زعموا؛ لأنّهم أعانوا مَن قتل ابن عمِّي مسلم بن عقيل وشيعته، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد مبايعين ليزيد بن معاوية...»(2) .

ومنها: دعاؤه في يوم عاشوراء بانتقام المختار له ولأوليائه ولشيعته.

فقد دعا يوم عاشوراء عليهم بانتقام المختار بن عبيد الله الثقفي (قدّس سرّه) له ولأوليائه وشيعته، حيث قالعليه‌السلام : «اللهمّ، احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسنين يوسف، وسلِّط

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 38 رواه عن تاريخ السلامي.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 324 - 326.


عليهم غلام ثقيف(1) يسقيهم كأساً مصبرةً، فلا يدع فيهم أحداً، قتلة بقتلة وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم؛ فإنّهم غرّونا وكذّبونا وخذلونا، وأنت ربُّنا، عليك توكلنا، وإليك أنبنا وإليك المصير»(2) .

ومنها: قوله إنّهم كتبوا له ليتقربوا بقتله لابن معاوية.

قال البلاذري: وعرض الحسينعليه‌السلام على أهله ومَن معه أنْ يتفرَّقوا، ويجعلوا الليل جملاً، وقالعليه‌السلام : «إنّما يطلبوني وقد وجدوني، وما كانت كُتُبُ مَن كتب إليَّ - فيما أظنّ - إلاّ مكيدةً لي، وتقرُّباً إلى ابن معاوية بي».

فقالوا: قبَّح الله العيش بعدك!(3) .

الأمر السابع: تصريح جيش يزيد بن معاوية ببغضه أمير المؤمنينعليه‌السلام

قد عرفت ممّا تقدّم أنّ شيعة الرجل أتباعه ومحبُّوه، ومن جهة أخرى نلاحظ تصريحات قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام بأنّهم ما قاتلوهعليه‌السلام إلاّ بغضاً منهم لأبيه، وهل شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام مَن يبغضه؟!

قال القندوزي الحنفي:

ثمّ دناعليه‌السلام من القوم، وقال: «يا ويلكم! أتقتلونني على سنَّة بدَّلتها؟ أمْ على شريعة غيَّرتها؟ أمْ على جرم فعلته؟ أمْ على حقٍّ تركته؟».

فقالوا له: إنّا نقتلك بغضاً لأبيك(4) .

____________________

(1) المراد منه: المختار بن عبيد الله الثقفي (قدّس سرّه)، وقد تقدَّم عن قريب شيء من ترجمته في هامش: الدلالة السابعة من الأمر الخامس.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 10.

(3) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 393.

(4) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 80.


وفي نور العين، قال الإسفرايني:

قال الراوي: ثمّ إنَّه خرج من الخيمة وركب جواده، وحمل على القوم، فانهزموا من بين يديه كالجراد المنتشر فرجع، وقال (ع): «لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله العليِّ العظيم». ثمّ رجع إليهم ثانياً، وقال لهم (ع): «ويلكم! على ماذا تقتلونني؟ أعلى عهد نكثته؟ أمْ على سنَّة غيَّرتها؟ أمْ على شريعة بدَّلتها؟ أمْ على حقٍّ تركتها؟». فقالوا: نقتلك بغضاً منَّا لأبيك. فعند ذلك غضب الحسينعليه‌السلام غضباً شديداً(1) .

ويؤكّد هذا ما رواه البلاذري من قول الإمام الحسينعليه‌السلام ، في ليلة عاشوراء لمَّا أذنَ لأصحابه بالانصراف بأنّ أغلب مَن كتب إليه، إنّما كتب لأجل الغدر والفتك به تقرُّباً ليزيد بن معاوية (لعنهما الله) كما تقدّم في الأمر السابع من تصريحات الإمام الحسينعليه‌السلام .

الأمر الثامن: عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسينعليه‌السلام من خلال أقوالهم

لا يخفى أنّ النماذج التي صرَّحت بعقيدتها في الإمام الحسينعليه‌السلام ، تكشف بظاهر الحال عن العقيدة الفاسدة لجيش يزيد بن معاوية (لعنه الله) بأكمله المبنيَّة على الجحود والإنكار والتضليل؛ إذ ظاهر حال الجميع أنَّهم أقرُّوا هؤلاء المتكلِّمين على ما قالوه في الإمام الحسينعليه‌السلام ، لتصدّيهم لمَا هو أعظم من إقرارهم هؤلاء المتكلمين وهو قتله. ولمْ يبدِ أحد منهم اعتراضه على كثرتهم، فمَن رادٍّ على الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه بالتهديد بالفتك، ومن رادٍّ على

____________________

(1) نور العين في مشهد الحسينعليه‌السلام للإسفرايني / 48.


أصحابه بالسبِّ، ومن منكرٍ لقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن قائل إنَّه مارق من الدين لمخالفته إمامهم يزيد بن معاوية! ومن قائلٍ إنَّه لا تقبل صلاته، ومن قائل له: استعجلت بالنار، ومن قائل له - والعياذ بالله! - ولأصحابه إنّهم خبيثون...، ومن قائلٍ له - والمستجار بالله! -: الكذاب ابن الكذاب! ومن قائل... ومن قائل... إلخ.

فهل يكون من شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام مَن يقول هذه الأقاويل؟

قال تعالى:( ... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ) (1)

وفي هذا كثير من الدلائل نذكر بعضاً منه:

الدلالة الأولى

ردُّهم وتوعُّدهم بالفتك بالإمام الحسينعليه‌السلام حينما أبدى لهم النصيحة وبيَّن لهم الحقّ، وفي عقيدة الشيعة أنَّه لا يؤمن بالله إلاّ من اعتقد أنّ قول الإمام الحسين والأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، هو قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والرادُّ عليهم راد على الله». ولا توجد هذه العقيدة عند أحد ممّن يدَّعي الإسلام، غير الشيعة المعتقدة بإمامتهمعليهم‌السلام بالنصّ من الله، فمَن لمْ تكن عنده هذه العقيدة لمْ يكن من الشيعة.

وممّا يثبت ردَّهم وتوعُّدهم ما في ينابيع المودّة، قال:

ثمّ قال الإمام الحسينعليه‌السلام لأعدائه: «يا أهل الكوفة، إنّ الدنيا قد تغيَّرت وتكدَّرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال، تتصرَّف بأهلها من حال إلى حال، فالمغرور من اغترَّ بها وركن إليها، وطمع فيها.

معاشر الناس، أمَا قرأتم القرآن؟! أمَا عرفتم شرايع الإسلام؟! وثبتم على ابن نبيّكم، تقتلونه ظلماً

____________________

(1) سورة الأنبياء / 24.


وعدوان.

معاشر الناس، هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس، وآل نبيكم يموتون عطاشى!».

فقالوا: والله لا تذوق الماء، بل تذوق الموت غصَّةً بعد غصَّة، وجرعةً بعد جرعة.

فلمَّا سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه، وقالعليه‌السلام لهم: «إنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألاَ إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون». ثمّ جعل يقول:

تعدَّيتُمُ ياشرَّ قومٍ ببغيِكُمْ

وخالفتُمُ قولَ النبيِّ محمّد

أما كان خيرُ الخلقِ أوصاكُمُ بن

أما كان جدِّي خيرةَ اللهِ أحمدِ

أما كانت الزهراءُ أُمِّي ووالدي

عليٌّ أخو خيرِ الأنامِ الممجَّدِ

لُعِنْتُم وأخزيتم بما قد فعلتُمُ

فسوف تلاقون العذابَ بِمَشْهَدِ

فلمَّا فرغ من هذا الشعر أمر أنس الكاهلي أنْ يذهب إلى القوم ويعظهم، عسى أنْ يرجعوا، وقال (ع): «أنا أعلم أنّهم لا يرجعون، ولكن تكون حجّة عليهم».

فانطلق أنس فدخل على ابن سعد، ولمْ يسلِّم عليه، فقال ابن سعد له: لِمَ لمْ تسلِّم عليَّ؟ ألستُ مسلماً؟ قال: والله لست أنت مسلماً؛ لأنّك تُريد أنْ تقتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فنكس رأسه، فقال: والله إنّي لأعلم أنّ قاتله في النار، ولكن لا بدَّ من إنفاذ حكم الأمير عبيد الله بن زياد. فرجع أنس إلى الحسينعليه‌السلام وأخبره بذلك(1) .

الدلالة الثانية

سبُّهم لأصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وثناؤهم ودعاؤهم لابن زياد، ولا يخفى أنّ هذه هي عقيدة أهل الخلاف الموروثة والمعروفة من موالاتهم لأعداء أهل

____________________

(1) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 68.


البيتعليهم‌السلام وبراءتهم من أوليائهمعليهم‌السلام (1) ، وهي مباينة تماماً لعقيدة الشيعة الاثني عشريّة.

روى الطبري والبلاذري، وابن الأثير وابن كثير، واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: فحدَّثني عليّ بن حنظلة بن أسعد الشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسينعليه‌السلام حين قُتل، يُقال له: كثير بن عبد الله الشعبي، قال: لمَّا زحفنا قبل الحسين (ع)، خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب، شاكّ في السلاح، فقال:

يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار! إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملَّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا اُمَّة وأنتم اُمَّة.

إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرّيّة نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنَّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد؛ فإنّكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كلّه، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثِّلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرَّاءكم، أمثال: حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه.

قال: فسبُّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له، وقالوا: والله، لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً(2) .

____________________

(1) ويأتي تفصيل هذا تحت عنوان: المتطرّفون من أهل الخلاف لا يختلفون عن قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام .

(2) تاريخ الطبري 3 / 319، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 397 بإيجاز، الكامل في التاريخ 3 / 420، ولمْ يذكر تشبيه زهير (قدّس سرّه) بمؤمن آل فرعون، البداية والنهاية 8 / 180، كذلك.


وروى الطبري والبلاذري، وابن الأثير وابن كثير واللفظ للأوّل، قال:

فاستقدم أمام أصحابه، ثمّ قال: أيُّها القوم، ألاَ تقبلون من حسينعليه‌السلام خصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم، فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلِّمه.

فكلَّمه بمثل ما كلَّمه به قبل، وبمثل ما كلَّم به أصحابه، قال عمر: قد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت. فقال: يا أهل الكوفة، لاُمِّكم الهبل والعبر! إذ دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنّكم قاتلو أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلِّ جانب، فمنعتموه التوجُّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيتهعليهم‌السلام ، وأصبح في أيديكم كالأسير، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضراً، وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذريّتّه! لا سقاكم الله يوم الظمأ! إنْ لمْ تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه.

فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الحسينعليه‌السلام (1) .

الدلالة الثالثة

ابن الأشعث يجحد قرابة الإمام الحسينعليه‌السلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا من معترض من هذا الجيش الظالم، وهل هذه إلاّ عقيدة بني اُميّة وأنصارهم، للحطِّ من منزلة أهل العصمةعليهم‌السلام ، وهذا التاريخ خير شاهد على ذلك(2) ؟ وأمَّا الشيعة

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 320 - 321، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 398، الكامل في التاريخ 3 / 420 - 421، البداية والنهاية 8 / 181 باختلاف يسير.

(2) المستدرك، الحاكم النيسابوري 3 / 164.


____________________

أقول: خذ مثالاً ما جاء عن الحجّاج ومَن على شاكلته، فقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك 3 / 164 ذلك، قال:

حدَّثنا أبو سهل أحمد بن محمّد بن عبد الله بن زياد النحوي ببغداد، حدَّثنا جعفر بن محمّد بن شاكر، حدَّثنا بشر بن مهران، حدَّثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجّاج.

وحدَّثنا إسحاق بن محمّد بن عليّ بن خالد الهاشمي بالكوفة، حدَّثنا أحمد بن موسى بن إسحاق التميمي، حدَّثنا محمّد بن عبيد النحاس، حدَّثنا صالح بن موسى الطلحي، حدَّثنا عاصم بن بهدلة، قال:

اجتمعوا عند الحجّاج، فذُكر الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، فقال الحجّاج: لمْ يكن من ذرّيّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعنده يحيى بن يعمر، فقال له: كذبت أيُّها الأمير. فقال: لتأتينِّي على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله عزَّ وجلَّ، أو لأقتلنَّك قتلاً. فقال:( .. وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى... ) - الأنعام / 84 - إلى قوله عزَّ وجلَّ:( وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ... ) . الأنعام / 85. فأخبر الله عزَّ وجلَّ أنّ عيسىعليه‌السلام من ذرّيّة آدم باُمِّه، والحسين بن عليّعليه‌السلام من ذرّيّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله باُمِّه. قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء ليبيّننه للناس ولا يكتمونه، قال الله عزَّ وجلَّ:( ... فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثمّ ناً قَلِيلاً... ) . آل عمران / 178. قال: فنفاه إلى خراسان.

مع ما جاء من تصريح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك، وما هو إلاّ لقطع جماح هؤلاء ومَن على شاكلتهم، فقد روى الحاكم النيسابوري، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة، حدَّثنا محمّد ابن عثمان بن أبي شيبة، حدَّثني عمِّي القاسم بن أبي شيبة، حدَّثنا يحيى بن العلاء، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر قال، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لكلِّ بني اُمٍّ عصبة ينتمون إليهم إلاّ ابني فاطمة، فأنا وليهما وعصبتهم». هذا حديث صحيح الإسناد، ولمْ يخرجاه.

وفي نيل الأوطار للشوكاني 6 / 138: وفي حديث عن أسامة بن زيد، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال لعليّ (ع): «وأمَّا أنت يا عليّ فختني، وأبو ولدي». رواه أحمد.

وعن أسامة بن زيد: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال وحسن وحسينعليهما‌السلام على وركيه: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ، إنِّي أُحبُّهم فأحبَّهما وأحبَّ من يحبُّهم». رواه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب. وقال


فهم مَن دفعوا وصدُّوا هذه العقيدة الفاسدة المبنيَّة على الجحود والإنكار والتضليل، فلا يتأتَّى إنكار القرابة إلاّ من غير الشيعة بناءاً على جحودهم.

وممّا يثبت إنكار ابن الأشعث، ما في مقتل الخوارزمي، قال:

وقال الإمام الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، إنَّا أهل بيت نبيّك وذرّيّته وقرابته، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقَّنا، إنّك سميع قريب».

فسمعها محمّد بن الأشعث، فقال: يا حسين، وأيُّ قرابة بينك وبين محمّد (ص)؟ فقال الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، إنّ محمّد بن الأشعث، يقول: إنّه ليس بيني وبين رسولك قرابة، اللهمّ، فأرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً). فما كان بأسرع من أنْ تنحَّى محمّد بن الأشعث، وخرج من العسكر فنزل عن فرسه، وإذا بعقرب سوداء خرجت من بعض الحجرة، فضربته ضربةً تركته متلوِّثاً في ثيابه ممّا به.

قال الحاكم الجشمي: إنّه مات ليومه، ولكن ذلك غير صحيح؛ فإنّه بقي إلى أيّام المختار فقتله، ولكنّه بقي ممّا به في بيته(1) .

____________________

البراء: عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

أنا النبيّ لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

وهو في حديث متّفق عليه... إلى أنْ يقول: وحديث أسامة بن زيد الأوّل قد ورد في معنى المقصود منه أحاديث: منها عن عمر بن الخطاب رفعه عند الطبراني بلفظ: «كلّ ولد اُم فإنّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمةعليهم‌السلام ، فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم». وعن ابن عبّاس عند الخطيب بنحوه، وعن جابر عند الطبراني في الكبير بنحوه أيضاً.

قال السخاوي في رسالته الموسومة بالإسعاف بالجواب على مسألة الأشراف - بعد أنْ ساق حديث جابر بلفظ: إنّ الله جعل ذرّيّة كلّ نبيّ في صلبه، وإنّ الله جعل ذرّيّتي في صلب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - ما لفظه: وقد كنت سألت عن هذا الحديث وبسطت الكلام عليه وبيَّنت أنّه صالح للحجّة وبالله التوفيق، اه.

أقول: وتوجد أخبار أخر بهذا المضمون، وما نقلناه فيه كفاية للرشيد.

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 1 / 352 - 353.


الدلالة الرابعة

ما قاله عمرو بن الحجّاج الزبيدي - وهو يبيِّن عقيدة الجيش في الإمام الحسينعليه‌السلام - من أنّه مارق من الدين:

روى الطبري وابن الأثير، وابن كثير والخوارزمي، واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: حدَّثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي: إنّه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، يقول: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين وخالف الإمام.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «يا عمرو بن الحجّاج، أعليَّ تحرِّض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟ أمَا والله لتعلمُنَّ لو قد قُبضت أرواحكم، ومُتُّم على أعمالكم أيَّنا مرق من الدين، ومَن هو أولى بصلّي النار؟».

قال: ثمّ إنّ عمرو بن الحجّاج حمل على الحسينعليه‌السلام في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فُصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أوّل أصحاب الحسينعليه‌السلام ، ثمّ انصرف عمرو بن الحجّاج وأصحابه، وارتفعت الغبرة، فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسينعليه‌السلام ، فإذا به رمق فقال (ع): «رحمك ربّك يا مسلم بن عوسجة!:( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (1) ) »(2) .

أقول: فهل هؤلاء - الذين يعتقدون بلزوم طاعة الملعون يزيد بن معاوية، بل ولا يشكّون في أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام رجل مرق من الدين، وخالف إمامهم يزيد حتّى منعوه من الماء... وكلّ الجيش قد أقرَّ بما ذكره عمرو بن الحجّاج الزبيدي

____________________

(1) الأحزاب / 23.

(2) تاريخ الطبري 3 / 324 - 325، الكامل في التاريخ 3 / 424، البداية والنهاية 8 / 182، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 18 - 19.


ولمْ ينكر عليه واحد - شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام !

الدلالة الخامسة

قول الحصين بن تميم للإمام الحسينعليه‌السلام : إنّ صلاتهعليه‌السلام لا تُقبل، ولا معترض عليه، وهل هؤلاء من شيعتهعليه‌السلام ؟! إذ الشيعة هم مَن يعتقدون بإمامة الحسينعليه‌السلام بالنصّ، ويرون أنّ صلاة المصلين لا تقبل إلاّ بولايتهعليه‌السلام .

روى الطبري وابن كثير، وابن الأثير واللفظ للأوّل، قال:

وتعطَّف الناس عليهم فكثروهم، فلا يزال الرجل من أصحاب الحسينعليه‌السلام قد قُتل، فإذا قُتل منهم الرجل والرجلان تبيَّن فيهم، وأولئك كثير لا يتبيَّن فيهم ما يُقتل منهم.

قال: فلمَّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي، قال للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك إنْ شاء الله، وأحبّ أنْ ألقى ربّي وقد صلَّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها.

قال: فرفع الحسينعليه‌السلام رأسه، ثمّ قال: «ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! نعم، هذا أوَّل وقتها». ثمّ قال (ع): «سلوهم أنْ يكفُّوا عنَّا حتّى نصلّي». فقال لهم الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبل! زعمت الصلاة من آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تُقبل وتُقبل منك يا حمار!(1) .

وفي ينابيع المودّة قال:

ثمّ قال أبو ثمامة الصيداوي: يا سيدي، صلِّ بنا صلاة الظهر والعصر، فإنَّا نراها

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 326 - 327، الكامل في التاريخ 3 / 425 - 426، البداية والنهاية 8 / 183 بإيجاز، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 22 بإيجاز.


آخر صلاة نصلّيها معك، فلعلّنا نلقى الله على أداء فريضته. فأذّن وأقام فقاموا في الصلاة، وهم يُرمون السهام إليهم، فقال: يا ويلكم! ألاَ تقفون عن الحرب حتّى نصلّي؟ فلمْ يجبه أحد إلاّ الحصين بن نمير، قال: يا حسين، إنّ صلاتك لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر: إذا لمْ تُقبل صلاة ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل تُقبل صلاتك يابن الخمّارة البوَّالة على عقبيها!(1) .

الدلالة السادسة

قول اللعين عليّ بن قرظة للإمام الحسينعليه‌السلام - والعياذ بالله -: الكذّاب ابن الكذّاب، ولا معترض، وهل هؤلاء الأرذال شيعتهعليه‌السلام ؟! إذ ممّا لا يختلف فيه اثنان أنّ من صميم عقيدة الشيعة الاثني عشريّة الاعتقاد بعصمة النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وأمير المؤمنينعليه‌السلام ، والإمام الحسنعليه‌السلام والإمام الحسينعليه‌السلام والأئمّة من ولدهعليهم‌السلام ، من أوَّل عمرهم الشريف المبارك إلى نهايته. وعقيدة غير الشيعة على خلاف ذلك تماماً، فهذا لا يتأتَّى إلاّ من غير الشيعة، ولو جحوداً وعناداً.

روى الطبري والبلاذري، وابن الأثير والخوارزمي، واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: عن ثابت بن هبيرة، فقُتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسينعليه‌السلام ، وكان عليّ أخوه مع عمر بن سعد، فنادى عليّ بن قرظة: يا حسين (ع)، يا كذّاب ابن الكذّاب! أضللت أخي وغررته حتّى قتلته.

قال (ع): «إنّ الله لمْ يضلَّ أخاك، ولكنّه هدى أخاك وأضلك». قال: قتلني الله إنْ لمْ أقتلك، أو أموت دونك، فحمل عليه فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه

____________________

(1) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 70 - 71.


فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه، فدُووي بعد فبرأ(1) .

الدلالة السابعة

إنّ رجلاً من جيش يزيد بن معاوية، قال: أنتم الخبيثون، ولمْ ينكر عليه أحد منهم، أفهل هذه إلاّ عقيدة النواصب والمنافقين من بني اُميّة وأنصارهم؟

ويأتي ما يدلّ على ذلك في ترجمة يزيد بن معاوية؛ وأمّا شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام فهم بالخصوص من بين المسلمين مَن يعتقدون باختصاص آية التطهير بأهل البيتعليهم‌السلام المتمثِّلين بالنبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام وفاطمة الزهراءعليها‌السلام والإمامين الحسن والحسينعليهما‌السلام ، والأئمّة المعصومينعليهم‌السلام من ذرّيّة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهي تدفع عنهم كلّ رجس.

وفي مقتل الخوارزمي، قال:

وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف الليل يتجسَّس، ومعه جماعة من أصحابه، حتّى قارب معسكر الحسينعليه‌السلام ، فسمعه يتلو قوله تعالى:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ ثمّ ا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (2) . فصاح رجل من أصحاب شمر: نحن - وربّ الكعبة - الطيّبون، وأنتم الخبيثون، وقد مُيّزنا منكم، فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته، ثمّ نادى: يا فاسق! يا فاجر! يا عدوَّ الله! يا ابن البوَّال على عقبيه! أمثلك يكون من الطيّبين والحسين (ع) ابن رسول الله (ص) من الخبيثين؟! والله، ما أنت إلاّ بهيمة، ولا تعقل

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 323 324، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 400، الكامل في التاريخ 3 / 423، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 26 ولمْ يذكر ما جرى مع أخيه.

(2) سورة آل عمران / 178، 179.


ما تأتي وما تذر، فأبشر - يا عدوَّ الله - بالخزي يوم القيامة، والعذاب الأليم(1) .

الدلالة الثامنة

قول رجل من جيش يزيد بن معاوية للإمام الحسينعليه‌السلام : استعجلت بالنار، ولا يخفى عدم تعقُّل صدوره من الشيعة، وأنَّه لا وجه للقول بصدوره من الشيعة إلاّ السخافة والحماقة.

ففي مقتل الخوارزمي:

قال: وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد، يُقال له: مالك بن جريرة، على فرس له حتّى وقف على الحفيرة، وجعل ينادي بأعلى صوته: أبشر يا حسين (ع)، فقد تعجَّلت النار في الدنيا قبل الآخرة. فقال له الحسينعليه‌السلام : «كذبت يا عدوَّ الله أنا قادم على ربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ، وذاك جدِّي محمّد (صلّى الله عليه وآله»). ثمّ قال الحسينعليه‌السلام لأصحابه: «مَن هذا؟». فقِيل له: هذا مالك بن جريرة. فقال الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، جرَّه إلى النار، وأذقه حرَّها قبل مصيره إلى نار الآخرة». فلمْ يكن بأسرع من أنْ شبَّ به الفرس فألقاه على ظهره، فتعلقت رجله في الركاب، فركض به الفرس حتّى ألقاه في النار فاحترق.

فخرَّ الحسينعليه‌السلام ساجد، ثمّ رفع رأسه، وقال: «يا لها من دعوة ما كان أسرع إجابتها!». ثمّ رفع صوته، وقال (ع): «اللهمّ، إنَّا أهل بيت نبيّك وذرّيّته وقرابته، فاقصم من ظلمنا، وغصبنا حقَّنا، إنّك سميع قريب»(2) .

وروى الإسفرايني، قال:

فأقبل رجل من عسكر ابن سعد، فلمَّا نظر إلى النار صفَّق بيديه، ونادى: يا

____________________

(1) مقتل الحسين عليه السلام، للخوارزمي 1 / 355.

(2) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 1 / 352 - 353.


حسين، استعجلتم بالنار في الدنيا قبل الآخرة. فقال الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، أذقه إيّاها في الدنيا قبل الآخرة». فنفر به جواده، وألقاه في النار فاحترق، فقال الحسينعليه‌السلام : «الله أكبر، من دعوة ما أسرع إجابته!».

ثمّ برز من عسكر ابن سعد رجل، وقال لأصحاب الحسينعليه‌السلام : أمَا ترون إلى مياه الفرات وهي تلوح كأنّها بطون الحيات؟ والله، لا تذوقون منها قطرة حتّى تذوقوا الموت عطشاً. فقال الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، اقتله عطشاناً في هذا اليوم». فصحبه العطش في ساعته حتّى سقط عن فرسه، فوطأته الخيل بحوافره، فمات وعجَّل الله بروحه إلى النار(1) .

وروى القندوزي، قال: فقال رجل ملعون: عجلّت - يا حسين (ع) - بنار الدنيا قبل نار الآخرة.

فقال الحسينعليه‌السلام : «تعيِّرني بالنار وأبي قاسمها، وربي غفور رحيم». ثمّ قال لأصحابه (ع): «أتعرفون هذا الرجل؟». فقالوا: هو جبيرة الكلبي (لعنه الله)، فقال الحسينعليه‌السلام : «اللهمّ، أحرقه بالنار في الدنيا قبل نار الآخرة». فما استتمَّ كلامه حتّى تحرَّك به جواده فطرحه مكبّاً على رأسه في وسط النار فاحترق، فكبَّروا، ونادى منادٍ من السماء: «هُنيّت بالإجابة سريعاً يابن رسول الله».

قال عبد الله بن مسرور: لمَّا رأيت ذلك رجعت عن حرب الحسين(2) .

الدلالة التاسعة

نموذج عقيدة رجل من جيش يزيد بن معاوية، ونموذج عقيدة رجل من أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتمثّل ذلك في مباهلة برير (قدّس سرّه) لأحدهم.

____________________

(1) نور العين في مشهد الحسينعليه‌السلام ، أبو إسحاق الإسفرايني / 34، وفي ط / 29 - 30.

(2) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 70.


وقبل ذكر خبر المباهلة نبيِّن أمراً وهو أنَّه لا يختلف اثنان في أنّ الشيعة لا يعتقدون بخلافة بني اُميّة عثمان فمَن دونه، بخلاف بني اُميّة وأنصارهم من النواصب، فهم مَن يعتقد بخلافة عثمان وغيره منهم، وينكر إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

روى الطبري والخوارزمي، واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: وحدَّثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس - وكان قد شهد مقتل الحسينعليه‌السلام - قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة، وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس، فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى الله صنع بك؟ قال: صنع الله - والله - بي خيراً، وصنع الله بك شرّاً.

قال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذّاباً، هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان، وأنت تقول: إنّ عثمان بن عفّان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضال مضلّ، وإنّ إمام الهدى والحقّ عليّ بن أبي طالب (ع)؟

فقال له برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي. فقال له يزيد بن معقل: فإنّي أشهد أنّك من الضالين.

فقال له برير بن خضير: هل لك فلأُباهلك، ولندعُ الله أنْ يلعن الكاذب، وأنْ يقتل المبطل، ثمّ اخرج فلأُبارزك؟

قال: فخرج، فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أنْ يلعن الكاذب، وأنْ يقتل المحقُّ المبطل، ثمّ برز كلُّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بن معقل بريرَ بن خضير ضربةً خفيفةً لمْ تضرَّه شيئاً، وضربه بريرُ بن خضير ضربةً قدَّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرَّ كأنّما هوى من حالق، وإنّ سيف ابن خضير لثابت في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه.

وحمل عليه رضي ابن منقذ العبدي فاعتنق برير، فاعتركا ساعةً، ثمّ إنّ بريراً قعد على صدره، فقال


رضي: أين أهل المصاع والدفاع؟

قال: فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل عليه، فقلت: إنّ هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يُقرئنا القرآن في المسجد، فحمل عليه بالرمح حتّى وضعه في ظهره، فلمَّا وجد مسَّ الرمح برك عليه فعضَّ بوجهه وقطع طرف أنفه، فطعنه كعب بن جابر حتّى ألقاه عنه، وقد غيَّب السنان في ظهره، ثمّ أقبل عليه يضربه بسيفه حتّى قتله.

قال عفيف: كأني أنظر إلى العبدي الصريع قام ينفض التراب عن قبائه، ويقول: أنعمت عليَّ - يا أخا الأزد - نعمةً لن أنساها أبداً.

قال، فقلت: أنت رأيت هذا؟ قال: نعم، رأي عيني وسمع أذني...

قال أبو مخنف: حدَّثني عبد الرحمن بن جندب، قال: سمعته في إمارة مصعب بن الزبير، وهو يقول: يا ربِّ إنَّا قد وفينا، فلا تجعلنا يا ربِّ كمَن قد غدر. فقال له أبي: صدق، ولقد وَفَى وكرم، وكسبت لنفسك شرّاً. قال: كلاّ، إنّي لمْ أكسب لنفسي شرّاً، ولكنِّي كسبت لها خيراً(1) .

الأمر التاسع: عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسينعليه‌السلام من خلال أفعالهم

ولا يخفى أنّ هذا الجيش الظالم قد فعل ما لا يفعله المسلم بالكافر، فضلاً عن المسلم بالمسلم، كيف بابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته من هذه الدنيا وسيد شباب أهل الجنّة؟! فإنّهم حرموه من الماء حتّى قضى عطشاناً، وضربوه على رأسه وفي منحره حتّى ذبحوه من القفا، وسلبوا ثيابه بعد ذبحه، ورضُّوا جسده بحوافر الخيل حتّى ألصقوه بالأرض، وقطعوا رأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه، واقتسموها

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 323، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 14 - 15 بإيجاز.


افتخاراً، وسلبوا ما على نسائه وبنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من اللباس، حتّى لمْ يتركوا لهنّ ما يسترنَ به وجوههنّ وشعورهنّ، وساقوهنّ كما تُساق الأسارى وهنّ مكشفات الوجوه والشعور من بلد إلى بلد و... و...

والجيش بأجمعه راضٍ بهذا كلّه؛ إذ لمْ يبدِ أحد منهم الاعتراض والكراهة على كلّ ما فُعِل.

وبعد هذا، هل يتصوَّر مَن مثل هؤلاء الإيمان بالله وبرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

والدلائل على ذلك كثيرة:

الدلالة الأولى

منعهم الماء عن الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وهل مثل هذا الفعل يصدر إلاّ من بني اُميّة وأنصارهم، كما فعلوا ذلك بأمير المؤمنينعليه‌السلام في صفين؟

قال البلاذري:

وناداه المهاجر بن أوس التميمي: يا حسين (ع)، ألاَ ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيَّات؟ والله لا تذوق أو تموت. فقالعليه‌السلام : «إنّي لأرجو أنْ يروينيه الله، ويحلأكم عنه».

ويُقال: إنّ عمرو بن الحجّاج، قال: يا حسين (ع)، إنّ هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب منه الحمير والخنازير، والله، لا تذوق منه جرعةً حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم(1) .

وفي ينابيع المودّة، قال:

ثمّ قال الإمام الحسينعليه‌السلام لأعدائه: «يا أهل الكوفة، إنّ الدنيا قد تغيَّرت وتكدَّرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال تتصرَّف بأهلها من حال إلى

____________________

(1) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 390.


حال، فالمغرور من اغترَّ بها، وركن إليها، وطمع فيها.

معاشر الناس، أمَا قرأتم القرآن؟ أمَا عرفتم شرايع الإسلام؟ وثبتم على ابن نبيّكم، تقتلونه ظلماً وعدواناً. معاشر الناس، هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس، وآل نبيّكم يموتون عطشاً؟!».

فقالوا: والله، لا تذوق الماء، بل تذوق الموت غصَّةً بعد غصَّة، وجرعةً بعد جرعة، فلمَّا سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه. وقالعليه‌السلام لهم: «إنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألاَ إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون»(1) .

الدلالة الثانية

ما فعلوه في مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام من ضرب رأسه ومنحره حتّى ذبحوه من القفا، و... و... فإنّ هذه الأفعال لا تصدر إلاّ من بني اُميّة وأنصارهم.

وهذا التاريخ يحدِّث أنّ مَن تعدَّى بأنواع الفتك على أهل البيتعليهم‌السلام من أولاد عليّ وفاطمةعليهما‌السلام هم من يعتقد أهل الخلاف بإمامتهم، كبني اُميّة وأنصارهم وبني العبّاس وأعوانهم، فانظر قليلاً إلى ما لاقاه أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم على مرِّ التاريخ من القتل والذبح، بل إلى يومنا هذا والشيعة يُقتلون ويُذبحون ويُعذَّبون بأنواع العذاب - كما هو حاصل في أيّامنا هذه في العراق مثلاً بعد سقوط النظام الصدامي - على أيدي النواصب من أنصار بني اُميّة لا غفر الله لهم أبداً.

فما فعله جيش يزيد بن معاوية في مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، لا يفعله حتّى كافر بمسلم فضلاً عن مسلم بمسلم، ونسبة مثل هذا إلى الشيعة من سخف العقول التي آلت على نفسها معاداة أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم، فأرادت الفرار ممّا فعله أسيادهم وأئمّتهم من بني اُميّة بنسبته إلى غيرهم، ولكن يأبى الله إلاّ

____________________

(1) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 68.


فضحهم حتّى لا يبقى لأحد حجَّة يوم الوعد الموعود.

قال الخوارزمي:

ثمّ نادى شمر: ما تنتظرون بالرجل؟ فقد أثخنته السهام! فأخذت به الرماح والسيوف، فضربه رجل، يُقال له: زرعة بن شريك التميمي ضربةً منكرةً، ورماه سنان بن أنس بسهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب المري على خاصرته طعنةً منكرةً، فسقط الحسينعليه‌السلام عن فرسه إلى الأرض على خدِّه الأيمن، ثمّ استوى جالساً ونزع السهم من نحره، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسينعليه‌السلام ليراه(1) .

وروى الطبري وابن الجوزي، والخوارزمي والأصفهاني والنويري، واللفظ للأوّل قال:

قال أبو مخنف: حدَّثني الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم قا:... ولقد مكث طويلاً من النهار، ولو شاء الناس أنْ يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبُّ هؤلاء أنْ يكفيهم هؤلاء.

قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم! ماذا تنظرون بالرجل؟ اقتلوه، ثكلتكم أمهاتكم!

قال: فحُمل عليه من كلِّ جانب، فضُربت كفُّه اليسرى ضربةً ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضُرب على عاتقه، ثمّ انصرفوا وهو ينوء ويكبو.

قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي، فطعنه بالرمح فوقع، ثمّ قال لخولّي بن يزيد الأصبحي: احتزَّ رأسه. فأراد أنْ يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان بن أنس: فتَّ الله عضديك وأبان يديك! فنزل إليه، فذبحه

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 39 - 41.


واحتزَّ رأسه، ثمّ دفع إلى خولّي بن يزيد، وقد ضُرب قبل ذلك بالسيوف(1) .

وروى الخوارزمي أيضاً، قال:

وروي: أنّه جاء إليه شمر بن ذي الجوشن، وسنان بن أنس، والحسينعليه‌السلام بآخر رمق يلوك بلسانه من العطش، فرفسه شمر برجله، وقال: يابن أبي تراب، ألست تزعم أنّ أباك على حوض النبيّ يسقي مَن أحبَّه؟ فاصبر حتّى تأخذ الماء من يده.

ثمّ قال لسنان بن أنس: احتزَّ رأسه من قفاه. فقال: والله لا أفعل ذلك، فيكون جدُّه محمّد (ص) خصمي. فغضب شمر منه، وجلس على صدر الحسينعليه‌السلام وقبض على لحيته، وهمَّ بقتله، فضحك الحسينعليه‌السلام ، وقال له: «أتقتلني؟ أو لا تعلم مَن أنا؟». قال: أعرفك حقَّ المعرفة، اُمُّك فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وأبوك عليّ المرتضى (ع)، وجدك محمّد المصطفى (ص)، وخصمك الله العلي الأعلى، وأقتلك ولا أبالي، وضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة، ثمّ حزَّ رأسه ثمّ تقدَّم الأسود بن حنظلة فأخذ سيفه، وأخذ جعوثة الحضرمي قميصه فلبسه، فصار أبرص وسقط شعره(2) .

وروى العلامة القندوزي، قال:

قال أبو مخنف: وبقي الحسينعليه‌السلام ثلاث ساعات من النهار ملطَّخاً بدمه رامقاً بطرفه إلى السماء، وينادي: «يا إلهي، صبراً على قضائك، ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين!». فتبادر إليه أربعون فارساً يريدون حزَّ رأسه الشريف المكرَّم المبارك المقدَّس المنوَّر، ويقول عمر بن سعد: ويلكم! عجِّلوا بقتله. فدنا منه

____________________

(1) تاريخ الطبري 2 / 334 المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم، ابن الجوزي 5 / 340، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 39 - 41، مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج الأصفهاني / 79، نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري / 12570، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 2 / 42.


شبث بن ربعي، فرمقه الحسينعليه‌السلام بعينه، فرمى السيف من يده وولّى هارباً، ويقول: معاذ الله! أنْ ألقى الله بدمك يا حسين (ع). فأقبل إلى شبث سنان بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية قصيراً أبرصاً أشبه الخلق بالشمر اللعين، فقال له: لمَ ما قتلته ثكلتك اُمُّك؟! قال شبث: يا سنان! إنّه قد فتح عينيه في وجهي فشبَّهتهما بعيني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ دنا منه سنان، ففتح عينيه في وجهه، فارتعدت يده وسقط السيف منها وولّى هارباً، فأقبل إلى سنان الشمر اللعين، وقال له: ثكلتك اُمُّك! ما لك رجعت عن قتله؟ فقال: يا شمر، إنّه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه عليّ بن أبي طالب (ع) ففزعت، فلمْ أقدر على قتله.

فقال له الشمر الملعون: إنّك جبان في الحرب، فوالله، ما كان أحد غيري أحقّ منِّي بقتل الحسين (ع)!

ثمّ إنّه ركب على صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهمَّ أنّ يذبحه، ففتح عينيه في وجهه، فقال له الحسين (ع) عنه وأرضاه: يا ويلك! مَن أنت فقد ارتقيت مرتقىً عظيماً؟ فقال له الشمر: الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «أتعرفني يا شمر؟». قال: نعم، أنت الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وجدُّك رسول الله (ص)، واُمُّك فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وأخوك الحسن (ع).

فقال (ع): «ويلك! فإذا علمت ذلك فلمْ تقتلني؟». قال: أريد بذلك الجائزة من يزيد. فقال له (ع): «يا ويلك! أيُّما أحبُّ إليك، الجائزة من يزيد أمْ شفاعة جدِّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟». فقال الشمر الملعون: دانقاً من جائزة يزيد أحبُّ إلى الشمر من شفاعة جدِّك.

فقال له الحسين - رضي الله عنه وبلَّغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه -:


سألتك بالله أنْ تكشف لي بطنك، فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير.

فقال الحسينعليه‌السلام : «الله أكبر! لقد صدق جديصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله لأبي: يا عليّ! إنّ ولدك الحسينعليه‌السلام يُقتل بأرض يقال لها(1) كربلا، يقتله رجل أبرص أشبه بالكلاب والخنازير». فقال الشمر اللعين: تشبِّهني بالكلاب والخنازير، فوالله لأذبحنَّك من قفاك!

ثمّ إنّ الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلَّما قطع منه عضواً، يقول (ع): «يا جدَّاه! يا محمّداه! يا أبا القاسماه! ويا أبتاه يا عليّاه! يا اُمَّاه يا فاطماه! أُقتل مظلوماً، وأذبح عطشاناً، وأموت غريباً».

فلمَّا اجتزَّه وعلاه على القناة كبَّر وكبَّر العسكر ثلاث تكبيرات، وتزلزلت الأرض وأظلمت الدني، وأمطرت السماء دماً عبيطاً، ويُنادى في السماء: «قُتل والله، الحسين بن عليّ بن أبي طالب! قُتل والله، الإمام ابن الإمام! قُتل الأسد الباسل! وكهف الأرامل!». وكان يوم قتله يوم الجمعة عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستّين(2) .

الدلالة الثالثة

سلبهم نساء الإمام الحسينعليه‌السلام وأطفاله، وهل يتصوَّر من مسلم يُؤمن بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يفكِّر في سلب بناتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فضلاً عن سلبهنّ؟!

وبهذا تعرف أن هؤلاء الأرذال موتورون من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بما فعله بأسيادهم الكفرة بسيف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فآمنوا ظاهراً وهم يبطنون

____________________

(1) وفي هذه النسخة: له، والصحيح ما أثبتناه.

(2) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 82 - 84.


النفاق والبغض للنبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى أُتيحت لهم الفرصة فأظهروا نفاقهم وحقدهم وبغضهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم، وهل هؤلاء إلاّ بنو اُميّة وأنصارهم؟

روى الخوارزمي، قال:

وأقبل الأعداء حتّى أحدقوا بالخيمة، ومعهم شمر بن ذي الجوشن، فقال: ادخلوا فاسلبوا بزَّتهنَّ، فدخل القوم (لعنهم الله) فأخذوا كلَّ ما كان بالخيمة، حتّى أفضوا إلى قرطٍ كان في أذن اُمِّ كلثوم أُخت الحسينعليه‌السلام فأخذوه، وخرموا أُذُنَها، حتّى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتّى تغلب عليه(1) .

وقال سبط ابن الجوزي في تذكرته:

وأُخذ ملحفة فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام واحد، وأخذ حليها آخر، وعرَّوا نساءه وبناته من ثيابهنّ(2) .

وروى الطبري، قال:

قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمّد بن عليّ قال:... ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوه،

قال: ومال الناس على نساء الحسينعليه‌السلام وثقله ومتاعه، فإنْ كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه، فيُذهب به منها(3) .

الدلالة الرابعة

سلبهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعوداً على بدء، هل يصدر هذا من شيعة الإمام

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 2 / 43.

(2) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 228، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.

(3) تاريخ الطبري 3 / 334.


الحسينعليه‌السلام ؟! ولكن قاتل الله النواصب وأنصارهم وأعوانهم إلى يوم الدين.

روى الطبري، قال:

قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمّد بن عليّ قال: وُجد بالحسينعليه‌السلام حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنةً وأربع وثلاثون ضربةً. قال: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسينعليه‌السلام إلاّ شدَّ عليه مخافة أنْ يغلب على رأسه، حتّى أخذ رأس الحسينعليه‌السلام فدفعه إلى خولّي.

قال: وسُلب الحسينعليه‌السلام ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته - وكانت من خزٍّ -، وكان يسمَّى بعدُ: قيس قطيفة، وأخذ نعليه رجل من بني أود، يقال له: الأسود(1) ، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل.

قال: ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوه.

قال: ومال الناس على نساء الحسينعليه‌السلام وثقله ومتاعه، فإنْ كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه فيُذهب به منها(2) .

وفي مقتل الخوارزمي، قال:

وروي: أنّه وُجد في قميصه مئة وبضع عشرة، ما بين رميةٍ وطعنةٍ وضربةٍ.

وقال جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسينعليهم‌السلام : «وُجد فيه ثلاث وثلاثون طعنةً وأربع وثلاثون ضربةً، وأخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي فصار زمناً مقعداً من رجليه، وأخذ عمامته جابر بن يزيد الأزدي، فاعتمَّ بها فصار مجذوماً، وأخذ مالك بن نسر الكندي درعه فصار معتوهاً، وارتفع في السماء في ذلك

____________________

(1) هو: الأسود بن خالد، كما في كتاب اللهوف في قتلى الطفوف.

(2) تاريخ الطبري 3 / 334.


الوقت غبرة شديدة مظلمة فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر حتّى ظنّ القوم أنّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا بذلك ساعةً، ثمّ انجلت عنهم»(1) .

وروى الخوارزمي أيضاً، قال:

وأخذ قيس بن الأشعث (لعنه الله) قطيفة الحسينعليه‌السلام ، كان يجلس عليها فسمِّي لذلك: قيس قطيفة. وأخذ نعليه رجل من الأزد، يُقال له: الأسود، ثمّ مال الناس على الورس والخيل والإبل فانتهبوها(2) .

وقال البلاذري:

وسُلب الحسينعليه‌السلام ما كان عليه، فأخذ قيس بن الأشعث بن قيس الكندي قطيفة له وكانت من خزٍّ، وأخذ نعليه رجل من بني أود يُقال له: الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم. ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوه، وأخذ الرحيل بن زهير الجعفي وجرير بن مسعود الحضرمي، وأسيد ابن مالك الحضرمي أكثر تلك الحلل والورس. وأخذ أبو الجنوب الجعفي جملاً كان يستقى عليه الماء، وسمّاه: حسيناً!(3) .

وروى الوطواط، قال:

فحمل عليه من كلّ جانب، فضربه زرعة بن شريك بالسيف فقطع يساره، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فصرعه، ونزل إليه فاحتزَّ رأسه من قفاه وأخذه، وُوجد فيهعليه‌السلام ثلاث وثلاثون جرحاً وثلاثون طعنةً، والكلّ فيما أقبل من وجهه. وقِيل: مئة وعشرون جراحة ما بين طعنة برمح ورشقة بسهم ورمية بحجر وضربة بسيف، وكانت عليه جبَّة خزٍّ دكناء فصارت

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 2 / 42.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 2 / 43.

(3) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 409.


كأنّها جلد قنفذ من السهام، ثمّ سلبه إسحاق بن جنوة قميصه فبرص، وسلبه يحيى بن كعب سراويله فعمي(1) .

وفي نور العين للإسفرايني، قال:

ثمّ بعد أنْ انكشف ما بهم تقسَّموا سلبه، فأخذ عمامته عمر بن يزيد، وأخذ رداءه يزيد بن سهل، وأخذ درعه وخاتمه سنان بن أنس النخعي، وأخذ ثوبه ونعله محمّد بن الأشعث الكندي، وأخذ سيفه مالك بن بشير، وأخذ سراويله يحيى بن كعب(2) .

الدلالة الخامسة

رضُّهم (لعنهم الله) جسد الإمام الحسينعليه‌السلام بحوافر الخيول حتّى ألصقوه بالأرض، وليس الباعث على هذا إلاّ الانتقام وأخذ الثار، ولا يوجد أحد له ثار عند أهل البيتعليهم‌السلام إلاّ بني اُميّة؛ لمَا فعله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بأسيادهم الكفرة، مثل: شيبة وعتبة والوليد وغيرهم من بني اُميّة. وليست هذه الأفعال وليدة الصدفة، بل هي موروثة عن أسلافهم، فهذه هند اُم معاوية بن أبي سفيان وما فعلته بسيد الشهداء عمِّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حمزة بن عبد المطلب عليهما السلام من التمثيل بجسده الطاهر بعد استشهاده.

روى الطبري والبلاذري، والمسعودي والشبراوي واللفظ للأوّل، قال:

قال، ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين (ع) ويُوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة(3) ، منهم: إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب

____________________

(1) غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة للوطواط / 924، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) نور العين في مشهد الحسينعليه‌السلام ، أبو إسحاق الإسفرايني / 51، وفي ط 43 - 44.

(3) وفي كتاب اللهوف في قتلى الطفوف، للسيد ابن طاووس الحسني (قدّس سرّة) / 80: قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زناء، وهؤلاء أخذهم المختار فشدَّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا.

(1) تاريخ الطبري 3 / 335، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 411، مروج الذهب، المسعودي 3 / 259، منشورات الشريف الرضيّ، الاتحاف في حبّ الأشراف للشبراوي / 53، ط أمير قم.


قميص الحسين (ع) فبرص بعد، وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين (ع) بخيولهم حتّى رضُّوا ظهره وصدره، فبلغني أنّ أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب وهو واقف في قتال، ففلق قلبه فمات(1) .

وقال ابن الجوزي: ثمّ قال عمرو(2) : مَن يُوطئ فرسه الحسين (ع)؟ فانتدب أقوام بخيولهم حتّى رضوا ظهره، وأمر بقتل عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، فوقعت عليه زينبعليها‌السلام ، وقالت: والله لا يُقتل حتّى أقتل. فرقَّ لها وكفَّ عنه(3) .

وفي البداية والنهاية، قال ابن كثير:

وقُتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية و ثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلَّى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويُقال: إنّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتّى ألصقوه بالأرض يوم المعركة(4) .

وفي مقتل الخوارزمي، قال:

____________________

(2) وفيه تصحيف، وهو: عمر بن سعد. ويتّضح ذلك بمراجعة المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم، ابن الجوزي 5 / 341.

(3) المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم، ابن الجوزي 5 / 341.

(4) البداية والنهاية 2 / 189، وفي ط / 206، استشهاد الحسينعليه‌السلام ، الفاضل المعاصر الدكتور محمّد جميل غازي / 105، وقد خرَّجه من كتاب الحافظ ابن كثير، ط مطبعة المدني المؤسّسة السعوديّة بمصر، إحقاق الحقّ 33 / 694.


قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى: مَن ينتدب الحسين (ع) فيُوطئه فرسه؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم: إسحاق الحضرمي، ومنهم: الأخنس بن مرثد الحضرمي القائل في ذلك:

نحن رَضَضْنا الظهرَ بعد الصدرِ

بكلِّ يَعْبُوبٍ شديدِ الأسر

حتّى عصينا اللهَ ربَّ الأمرِ

بصُنْعِنا مَعَ الحسينِ الطهرِ

فداسوا حسيناً (ع) بخيولهم حتّى رضُّوا صدره وظهره. فسُئل عن ذلك فقال: هذا أمر الأمير عبيد الله بن زياد(1) .

وروى الوطواط، قال:

ونادى عمر بن سعد: مَن ينتدب للحسين (ع) فيُطؤه بفرسه؟ فانتدب له إسحاق بن جنوة وتسعة من أصحابه، فوطأوا ظهره وصدره حتّى رضُّوه (ع) ولعن قاتله والمعين له(2) .

وقال سبط ابن الجوزي في تذكرته:

وقال عمر بن سعد: مَن جاء برأس الحسين (ع) له ألف درهماً. وقال عمر بن سعد أيضاً: مَن يُوطئ الخيل صدره؟ فأوطؤوا الخيل ظهره وصدره، ووجدوا في ظهره آثاراً سوداً، فسألوا عنها فقِيل: كان ينقل الطعام على ظهره في الليل إلى مساكن أهل المدينة. وأخذ ملحفة فاطمة بنت الحسينعليها‌السلام واحد، وأخذ حليها آخر، وعرَّوا نساءه وبناته من ثيابهنَّ(3) .

وروى النويري، قال:

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي 2 / 44.

(2) غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة، للوطواط / 924، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(3) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 228، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.


قال، ولمَّا قُتل الحسينعليه‌السلام نادى عمر بن سعد في أصحابه: مَن ينتدب للحسين فيُوطئه فرسه؟ فانتدب له عشرة - منهم: إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسينعليه‌السلام فبرص بعد ذلك - فداسوا الحسينعليه‌السلام بخيولهم حتّى رضُّوا ظهره وصدره.

قال: ودفن جثة الحسينعليه‌السلام وجثث أصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعدما قُتلوا بيوم(1) .

الدلالة السادسة

قطع رأس الإمام الحسينعليه‌السلام ورؤوس أصحابهعليهم‌السلام واقتسامها وحملها إلى الكوفة للتفاخر والتقرُّب لبني اُميّة، وهل يفتخر أحد بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ويطلب رضا آل أبي سفيان إلاّ أعداء أهل البيتعليهم‌السلام من أنصار بني اُميّة؟ فتراهم يتهافتون في التقرُّب إليهم تهافت الفراش.

روى البلاذري، قال:

واحتزَّت رؤوس القتلى، فحمل إلى ابن زياد اثنان وسبعون رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعزرة بن قيس الأحمسي من بجيلة، فقدموا بالرؤوس على ابن زياد(2) .

وروى الطبري والخوارزمي واللفظ للأوّل، قال:

____________________

(1) نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري / 12576، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

أقول: وما عليه الفرقة المحقّة أنّهعليه‌السلام دفن مع أصحابه بعد ثلاثة أيّام، لأنّه لمْ يكن أحد يجرأ على دفنهعليه‌السلام والجيش بعدُ لمْ يرحل، قال الدينوري في الأخبار الطوال / 259: وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسينعليه‌السلام يومين، ثمّ أذن في الناس بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين.

(2) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 412.


قال، وقطف رؤوس الباقين، فسرَّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتّى قدموا بها على عبيد الله بن زياد(1) .

وروى الطبري والبلاذري وابن الجوزي، واللفظ للأوّل، قال:

قال هشام، قال أبو مخنف: ولمَّا قُتل الحسين بن عليّعليه‌السلام جيء برؤوس مَن قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأساً(2) .

وفي الأخبار الطوال، قال:

وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسينعليه‌السلام يومين، ثمّ أذن في الناس بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأس، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأساً، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد بستّة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمس رؤوس مع عيهمة ابن زهير، وجاءت ثقيف باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمرو(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 336، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 412، مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 44 - 45.

(2) تاريخ الطبري 3 / 342، أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 412، المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم، ابن الجوزي 5 / 341.

(3) الأخبار الطوال، الدينوري / 259.


وقال ابن كثير:

فلمَّا أصبح خولي غدا به - أي: برأس الحسينعليه‌السلام - إلى ابن زياد، فأحضره بين يديه. ويُقال: إنّه كان معه رؤوس بقيّة أصحابه، وهو المشهور. ومجموعها اثنان وسبعون رأساً؛ وذلك أنّه ما قُتل قتيل إلاّ احتزُّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثمّ بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام(1) .

الأمر العاشر: اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام

لقد نصَّ بعض المؤرِّخين على مشاركة غير أهل الكوفة من الأمصار الأخرى في قتال الإمام الحسينعليه‌السلام ، بحيث لا يتصوَّر أنّهم من الشيعة، ولا يُعقل أنّ يأتي الشيعي من بلاد بعيدة ليقاتل إمامه!

ومن تلك النصوص التي وقفت عليها ما رواه أحمد بن عبد الله الطبري، قال: وما نُقل من أنّ عمر بن سعد بن أبي وقاص قتله - أي: الحسينعليه‌السلام - فتاه فلا يصحّ، وسبب نسبته إليه أنّه كان أمير الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد لقتاله، ووعده إنْ ظفر أنْ يولّيه الريّ. وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من أهل مصر وأهل اليمن(2) .

ويدلُّ عليه أيضاً ما ذكره المؤرِّخون ونصُّوا عليه من خروج سليمان بن ُصرد الخزاعي (قدّس سرّه) لقتال أهل الشام؛ فإنّه دليل واضح على مشاركة أهل الشام في مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنَّ مثل سليمان بن ُصرد الخزاعي وأصحابه على جلالتهم

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 206، وفي ط / 204.

(2) ذخائر العقبى، أحمد بن عبد الله الطبري / 146.


وإيمانهم - حتّى نصَّ على صحبته(1) بعضهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - لا يقاتلون الأبرياء الذين لمْ يشركوا في قتال الإمام الحسينعليه‌السلام .

فقد روى سبط ابن الجوزي في تذكرته والطبري في تاريخه(2) ، واللفظ للأوّل قال:

وقال: فذكر هشام بن محمّد، قال: لمَّا قُتل الحسينعليه‌السلام تحرَّكت الشيعة، وبكوا ورأوا أنّه لا ينجيهم ولا يغسل عنهم العار والإثم إلاّ قتل من قتل الحسينعليه‌السلام أو يقتلوا فيه عـن آخرهم، وفزعوا إلى خمسة من أهل الكوفة وهم: سليمان بن ُصرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمسيب بن نجبة الفزاري. وكان من أصحاب عليّعليه‌السلام وخيارهم، وعبد الله ابن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن والي التميمي، ورفاعة بن شدّاد البجلي، وكان اجتماعهم في منزل سليمان بن ُصرد، فاتّفقوا وتعاهدوا وتعاقدوا(3) على المسير إلى أهل الشام، والطلب بدم الحسينعليه‌السلام ، وأنْ يكون أجتماعهم بالنخيلة سنة خمس وستّين.

وقال سبط ابن الجوزي، قلت: وما لقتالهم لأهل الشام معنى؛ لأنّه لمْ يحضر أحد من أهل الشام قتال الحسينعليه‌السلام ، وإنّما قتله أهل الكوفة، فإنْ كان طلبهم ليزيد فقد مات، وكانوا ينبغي أنْ يقتلوا قتلتهعليه‌السلام بالكوفة ويطلبوا ابن زياد(4) .

أقول: بل قتال هؤلاء الثقات وخروجهم على أهل الشام له معنى - لو تنبَّه سبط ابن الجوزي وأمثاله! - يكشفه أنّ في قتالهم أهل الشام دلالة واضحة على

____________________

(1) كما هو مشرب القوم في التوثيق والتعديل.

(2) وسأذكر ما ذكره الطبري في المقام مفصَّل، وإنّما اكتفيت بما في تذكرة الخواص لإيجازه.

(3) في المطبوع: وتقاعدوا، والظاهر ما أثبتناه.

(4) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 253 - 254.


مشاركتهم في دم الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ وذلك لأنّ مثل سليمان بن ُصرد (قدّس سرّه) وأصحابه في جلالتهم وعلوِّ قدرهم أبعد عن قتال الأبرياء، وهم أعرف من ابن الجوزي وغيره بمَن شارك في دم الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهذا المعنى جاء أيضاً في روايات أهل البيتعليهم‌السلام ، فقد روى الشيخ الكليني (قدّس سرّه) بإسناده:

عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن أبان، عن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم فقال: «تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسينعليه‌السلام وأصحابه بكربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام، وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرته، واستضعفوا فيه الحسين (صلوات الله عليه) وأصحابه، وأيقنوا أنّ لا يأتي الحسينعليه‌السلام ناصر، ولا يمدَّه أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب».

ثمّ قال: «وأمَّا يوم عاشورا، فيوم أُصيب فيه الحسينعليه‌السلام صريعاً بين أصحابه، وأصحابه صرعى حوله [ عراة ] أفصوم يكون في ذلك اليوم؟! كلا، وربِّ البيت الحرام، ما هو يوم صوم! وما هو إلاّ يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرّيّاتهم، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمَن صامه أو تبرَّك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه، ومَن ادَّخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك»(1) .

____________________

(1) الكافي، الكليني 4 / 147.


الأمر الحادي عشر: أحوال ودواعي مَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام

لا يخفى أنّ البيعة من المسلمين لا تدلّ على المشايعة بالمعنى الخاصّ للمبايَع، فبعض المسلمين ممّن بايعوا أمير المؤمنينعليه‌السلام والإمام الحسنعليه‌السلام بايعوهما على أنّهما خليفتان كبقيّة الخلفاء، بل كانوا يعتقدون بأنّ مَن مضى من الخلفاء أفضل منهم، وهؤلاء كلّهم ليسوا بشيعة بالمعنى الخاصّ، بل الشيعة بالمعنى الخاصّ - كما تقدَّم ومرَّ عليك - هم خصوص مَن اعتقدوا بإمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام وأبنائهعليهم‌السلام بالنصّ من الله بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مثل الشيعة الاثني عشريّة، ومَن مضى من أسلافهم كسلمان المحمّدي والمقداد، ورشيد الهجري ومالك الأشتر و... و... وغيرهم ممّن تمسكوا بأقوال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في غدير خم وغيره.

ومن بايع الإمام الحسينعليه‌السلام هم عامّة الناس حتّى من أهل الحجاز(1) ، وأكثر من بايعهعليه‌السلام وكتب إليه من الكوفة هم من الذين يعتقدون فيه بأنّه ابن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّه أهل العدل والصلاح كما يعتقدون ذلك في أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام وأخيه الإمام الحسنعليه‌السلام ، ولا يعتقدون بأنّه الإمام بعد أخيه بالنصّ(2) ، ولكن الدواعي للكتابة والبيعة تختلف:

فمنهم الشيعة: والداعي لهم على الكتابة إقرارهم بإمامتهعليه‌السلام بالنَّصّ من الله

____________________

(1) وقد ذكرنا في كتاب مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف ما جرى بين ابن الزبير وبين ابن عبّاس، وما يكنُّه ابن الزبير في أحداث مكّة المكرمة، وأنّ الناس في مكّة لا يعدلون بهعليه‌السلام أحداً، وأيضاً تفرُّق مَن خرج من الناس مع الإمام الحسينعليه‌السلام من مكّة حينما سمعوا بمقتل مسلم بن عقيلعليه‌السلام .

(2) وممّا يدل على ذلك بوضوح كتاب شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر وغيرهما من الخوارج، كما ذكرناه في كتاب المقتل، وسنذكره في تراجم قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام .


واعتقادهم بوجوب الطاعة له وكونها كطاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واعتقاد عصمته، و... و... وهؤلاء قليلون جداً.

ومنهم مَن بايعهعليه‌السلام للغدر والتنكيل به والتقرّب بقتله وإراقة دمه إلى يزيد بن معاوية، وهذا ما صرَّح به الإمام الحسينعليه‌السلام في ليلة العاشر من المحرم. فقد روى البلاذري قال، وقالعليه‌السلام : «إنّما يطلبوني وقد وجدوني، وما كَتَبَ مَن كَتَبَ إليَّ فيما أظنّ إلاّ مكيدةً لي، وتقرُّباً إلى ابن معاوية بي»(1) .

ومنهم: مَن أدرك أنّ يزيد بن معاوية فاجر لا يتوَّرع عن المحارم - كما سيأتي في ترجمته - فلا يصلح لشيء من أمور المسلمين أصلاً، فكتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام للعيش تحت ظلّ العدل المحمّدي - وإنْ لمْ يعتقد بإمامته بالنصّ - وذلك لمَا عرف عنهعليه‌السلام من أنّه من أهل بيت النبوّةعليهم‌السلام ، وهم أهل التقوى والعدل والجود والكرم، فلهم مكان في قلوب مَن لهم شيء من العقل والتمييز.

وهؤلاء يوجد منهم كثير في زماننا وفي سائر الأزمنة السالفة، إذ إنّ الكثير يدَّعون محبّة أهل البيتعليهم‌السلام حتّى أنّهم يظهرون ذلك بإنشاء قصائد المدح وغيره، ولكن لا يتّبعونهم، ولا يأخذون شيئاً من الدين من طريقهم، بل من طريق غيرهم، ولا يتبرّؤون من أعدائهم(2) . ومن الواضح أنّ هذا الحبُّ يبقى ما دام لا

____________________

(1) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 393.

(2) الاعتقاد بأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام أهل العدل والتقوى مع عدم الاعتقاد بإمامته لا يقتضي عدم التخلّي عنهعليه‌السلام للمصالح والأغراض الدنيويّة، وهذا عيناً مثل السارق من الصلحاء، فإنّه مع اعتقاده بصلاحهم يسرقهم لمصلحة نفسه وإنْ كان يحبّهم ويثني عليهم.

وهذا بخلاف مَن يعتقد بإمامتهعليه‌السلام وأنَّه لا يكون مؤمناً إلاّ بالإيمان به، ويعتقد بوجوب طاعته كطاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونصرته كنصرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ الله لا يقبل عمل عامل إلاّ بالتسليم والولاية له والبراءة من عدوِّه؛ فإنّه لا يتعدَّى عليه فضلاً عن الفتك به، بل يتطلَّب رضاه، وهذا ماصرّح به المؤرِّخون من أنّ قلوب الكوفيّين - الذين يُقِرُّون بفضله، ولكن لا يعتقدون بإمامته - مع


يعارض شيئاً من مصالحهم، ولا يمسُّهم به سوء.

ومنهم: مَن كتب إليهعليه‌السلام لعدم تعقُّله بيعة أحد من الناس ليزيد بن معاوية لِمَا

____________________

الحسينعليه‌السلام ، ولكن سيوفهم عليه، فهؤلاء من الكوفيّين لا يختلفون عن السارق من الصالحين.

روى ذلك الطبري في تاريخه 3 / 296، وابن كثير في البداية والنهاية 8 / 166 - 167، والبلاذري، أنساب الأشراف 3 / 376، وقد ذكره بأكثر من خبر فيما جرى بين الإمام الحسينعليه‌السلام والفرزدق - واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري، قال: أقبلنا حتّى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فوَاقَفَ حسيناًعليه‌السلام ، فقال له: أعطاك الله سؤلك، وأمَّلك فيما تحبّ. فقال له الحسينعليه‌السلام : «بيِّنْ لنا نبأ الناس خلفك؟». فقال له الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له الحسينعليه‌السلام : «صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربُّنا في شأن، إنْ نزل القضاء بما نحبُّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإنْ حال القضاء دون الرجاء، فلمْ يعتدّ مَن كان الحقُّ نيّته والتقوى سريرته». ثمّ حرَّك الحسينعليه‌السلام راحلته، فقال: «السلام عليك». ثمّ افترق.

وروى ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب 2 / 2614، قال:

أنبأنا أبو عليّ الحسن بن هبة الله بن الحسن بن عليّ الدوامي، قال: أخبرنا القاضي محمّد بن عمر ابن يوسف الأرموي، قال: أخبرنا الشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن عليّ بن المأمون، قال: أخبرنا الشريف أبو الفضل محمّد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، قال: حدَّثنا أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباري، قال: حدَّثنا محمّد بن يونس، قال: حدَّثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، قال: حدَّثني ليطة بن الفرزدق، عن أبيه قال:

حججت، لمَّا كنت بذات عرق لقيني الحسين بن عليّعليهما‌السلام يريد الكوفة، فقصدته فسلَّمت عليه، فقال لي: «ما خلَّفت لنا وراءك بالبصرة؟». فقلت: قلوب القوم معك وسيوفهم مع بني اُميّة، فقال (ع): «ما أشكّ في أنّك صادق، الناس عبيد الدنيا، والدين لغو على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت به معائشهم، فإذا استنبطوا قلَّ الديَّانون».

وروى ذلك أيضاً الخوارزمي في مقتله 1 / 321، وقد ذكرنا ذلك في كتاب المقتل في طريق الإمام الحسينعليه‌السلام إلى العراق.


فيه من الرذائل(1) .

ومنهم: مَن كتب إليه (ع) تمشيّاً مع الوضع العامّ.

ومنهم: مَن كتب إليه (ع) لأجل المصالح والأغراض الدنيويّة، فما إنْ علموا بانتفاء ما رغَّبهم في البيعة حتّى تخلَّوا عنهعليه‌السلام فوراً، فانظر إلى أهل البلدان التي مرَّعليه‌السلام بها ومَن التحق به من مكّة، فإنّهم بمجرَّد أنْ سمعوا بعدم تمام بيعتهعليه‌السلام في الكوفة - حينما وصل خبر مقتل مسلم بن عقيل - تخلَّوا عنه، ولمْ يبقَ إلاّ مَن خرج معه من المدينة، وفي الكوفة كثير من هؤلاء أيضاً.

فمَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ليسوا هم الشيعة بالمعنى الخاصّ فقط، بل الكثرة الكاثرة من غيرهم.

الأمر الثاني عشر: موقف مَن كتب من الشيعة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام

إن الشيعة الذين كتبوا للإمام الحسينعليه‌السلام بدأ فيهم - بعد مجيء عبيد الله بن زياد - القتل والسجن والتهديد وأنواع الضغوط اللاإنسانيّة، وإلا فأينَ رموز الشيعة ووجهاؤها كالمختار(2) وسليمان بن ُصرد، وبقية وُجهاء

____________________

(1) راجع ما ذكرناه في ترجمة يزيد بن معاوية من مثالبه في كتاب: مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف، في الفصل السادس، وقد ذكرنا هنا شيئاً من ذلك.

(2) تاريخ الطبري 3 / 294، قال:

وذكر هارون بن مسلم، عن عليّ بن صالح، عن عيسى بن يزيد: أنّ المختار بن أبي عبيد، وعبد الله ابن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته، فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال: إنّما خرجت لأمنع عمراً، وأنّ ابن الأشعث والقعقاع بن شور، وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه - عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد - قتالاً شديداً، وأنّ شبثاً جعل يقول: انتظروا بهم الليل


الشيعة(1) ؟ فهؤلاء كلُّهم كانوا في سجون ابن زياد(2) ، وأيضاً هلاّ فكرت يوماً في ثورة المختار والآلاف من

____________________

يتفرَّقوا، فقال له القعقاع: إنّك قد سددت على الناس وجه مصيرهم، فافرج لهم ينسربوا، وأنّ عبيد الله أمر أنْ يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جعل، فأتي بهما فحبسا، وفي هذه السنة كان خروج الحسينعليه‌السلام من مكّة متوجِّهاً إلى الكوفة.

(1) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 394:... حض سليمان على الجهاد، وسار في ألوف لحرب عبيد الله بن زياد... إلخ.

(2) وفي مقتل ميثم التّمار (قدّس سرّه) بنقل ابن حجر العسقلاني ما يبيّن حبس المختار، وأيضاً ما فعل بميثم (قدّس سرّه) في الكوفة قبل وصول الحسينعليه‌السلام إلى العراق بعشرة أيّام، فقد ذكر في الإصابة 6 / 250، قال: ميثم التّمار الأسدي، نزل الكوفة، وله بها ذرّيّة. ذكره المؤيّد بن النعمان الرافضي في مناقب عليّ (ع) عنه، وقال: كان ميثم التّمار عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه عليّعليه‌السلام منها وأعتقه. وقال (ع) له: «ما اسمك؟». قال: سالم. قال: «أخبرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ اسمك الذي سمَّاك به أبواك في العجم ميثم». قال: صدق الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام والله إنه لاسمي. قال (ع): «فارجع إلى اسمك الذي سمَّاك به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودع سالم». فرجع ميثم واكتنى: بأبي سالم.

فقال عليّعليه‌السلام ذات يوم: «إنّك تُؤخذ بعدي فتُصلب وتُطعن بحربة، فإذا جاء اليوم الثالث ابتدر منخراك وفوك دماً فتخضب لحيتك، وتصلب على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة، وأنت أقصرهم خشبةً، وأقربهم من المطهرة، وامضِ حتّى أريك النخلة التي تُصلب على جذعها، فأراه إيّاها».

وكان ميثم يأتيها فيصلّي عنده، ويقول: بُوركت من نخلة، لكِ خُلقتُ، ولي غذيت.

فلمْ يزل يتعاهدها حتّى قُطعت، ثمّ كان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري. فيقول له عمرو: أتريد أنْ تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم؟ وهو لا يعلم ما يُريد.

ثمّ حجّ في السنة التي قُتل فيها، فدخل على اُمِّ سلمة اُمِّ المؤمنين، فقالت له: مَن أنت؟ قال: أنا ميثم. فقالت: والله لربما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يذكرك ويوصي بك عليّاً (ع)، فسألها عن الحسينعليه‌السلام فقالت: هو في حائط له. فقال: أخبريه أنّي قد أحببت السلام عليه فلمْ أجده، ونحن ملتقون عند ربِّ العرش إنْ شاء الله تعالى. فدعت اُمُّ سلمة بطيب فطيَّبت به لحيته. فقالت له: أمَا إنّها ستُخضب بدم.


أنصاره التي كانت بصدد إبادة قتلة الحسينعليه‌السلام ، وعلى هذا أيضاً سليمان بن ُصرد صاحب ثورة التوّابين؛ فإنّه لا يُعقل أنْ يثور قتلة الحسينعليه‌السلام على قتلتهعليه‌السلام !

فإنْ قِيل: إذن ما هو موقف الشيعة الباقية التي لمْ تُزَجَّ في السجون؟

فالجواب واضح، وهو أنّ المانع لهم - مضافاً لقلَّتهم في الكوفة - هو إرهاب(1) بني اُميّة

____________________

فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد، فأُدخل عليه، فقِيل له: هذا كان آثر الناس عند عليّعليه‌السلام . قال: ويحكم! هذا الأعجمي؟ فقِيل له: نعم. فقال له: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد للظلمة، وأنت منهم. قال: إنّك على أعجميتك لتبلغ الذي تُريد، أخبرني ما الذي أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك؟

قال: أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة، وأنا أقصرهم خشبةً وأقربهم من المطهّرة. قال: لنخالفنّه. قال: كيف تخالفه؟! والله، ما أخبرني إلاّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن جبرائيل عن الله، ولقد عرفت الموضع الذي أُصلب فيه، وإنّي أوَّل خلق الله أُلجم في الإسلام. فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيد، فقال ميثم للمختار: إنّك ستُفلت وتخرج ثائراً بدم الحسينعليه‌السلام فتقتل هذا الذي يُريد أنْ يقتلك.

فلمَّا أراد عبيد الله أنْ يقتل المختار وصل بريد من يزيد يأمره بتخلّية سبيله فخلاه، وأمر بميثم أنْ يُصلب، فلمَّا رفع على الخشبة عند باب عمرو بن حريث، قال عمرو: قد كان والله يقول لي: إنّي مجاورك. فجعل ميثم يحدِّث بفضائل بني هاشم، فقِيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، قال: ألجموه. فكان أوَّل مَن أُلجم في الإسلام، فلمَّا كان اليوم الثالث من صلبه طُعن بالحربة فكبَّر، ثمّ انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دم. وكان ذلك قبل مقدم الحسينعليه‌السلام العراق بعشرة أيّام.

(1) انظر إلى ما قاله عبيد الله بن الحرّ حينما طلب منه الإمام الحسينعليه‌السلام النصرة واعتذر له بقوله: يابن رسول الله! لو كان بالكوفة لك شيعة وأنصار يقاتلون معك لكنت أنا من أشدِّهم على عدوّك، ولكن - يابن رسول الله (ص) - رأيت شيعتك بالكوفة قد لزموا منازلهم خوفاً من سيوف بني اُميّة. مقتل الخوارزمي 1 / 326.


وأنصارهم للشيعة بتفنّنهم بالقتل والذبح والتمثيل وغيره فيهم، وهو غير قليل، وفيمَن أراد نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام بالخصوص. وهذا ظاهر فيما فعله عبيد الله بن زياد من تفنُّنه في قتل أنصار أهل البيتعليهم‌السلام ، حيث إنّه ذبح هاني بن عروة ومسلم بن عقيل وغيرهما وصلبهم في السوق أمام الناس، وسحب أجسادهم في الطرقات، وما ذلك إلاّ للإرهاب وإيجاد الخوف في نفـوس الشيعة من الكوفيّين، فما كان قعود بعض الشيعة إلاّ للإرهاب، مضافاً إلى ما قام به ابن زياد من جعل المراصد والعيون لملاحظة الشيعة، ومنعهم من الوصول إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ونصرته(1) ؛ ولهذا كان خروجهم بعد ذلك على قتلتهعليه‌السلام بعنوان التوبة من عدم نصرتهم للإمام الحسينعليه‌السلام ، لا للاعتذار من قتالهم إيّاه.

فقد روى سبط ابن الجوزي والطبري(2) ، واللفظ للأوّل، قال:

فذكر علماء السير، قالوا: لمَّا قُتل الحسينعليه‌السلام سقط في أيدي القوم الذين قعدوا عن نصرته، وقاموا مكفِّرين نادمين، فلمَّا مات يزيد بن معاوية منتصف ربيع الأوَّل سنة أربع وستّين تحرَّكت الشيعة بالكوفة، وكانوا يخافون منه، وقِيل: تحرَّكت في هذه السنة قبل موت يزيد، وهو الأصحّ.

وقال: فذكر هشام بن محمّد، قال: لمَّا قتل الحسينعليه‌السلام تحرَّكت الشيعة وبكوا، ورأوا أنّه لا يُنجيهم ولا يغسل عنهم العار والإثم إلاّ قتل مَن قتل الحسينعليه‌السلام أو يُقتلوا فيه عـن آخرهم، وفزعوا إلى خمسة من أهل الكوفة، وهم: سليمان بن ُصرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمسيب بن نجبة الفزاري. وكان من أصحاب عليّعليه‌السلام وخيارهم، وعبد الله

____________________

(1) تقدّم ذلك تحت عنوان: منع الشيعة من الوصول إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.

(2) وسأذكر ما ذكره الطبري في المقام مفصلاً تحت عنوان: حقائق تاريخيّة تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإنّما اكتفيتُ بما في تذكرة الخواص لإيجازه.


ابن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن والي التميمي، ورفاعة بن شدّاد البجلي. وكان اجتماعهم في منزل سليمان بن ُصرد، فاتّفقوا وتعاهدوا وتعاقدوا على المسير إلى أهل الشام، والطلب بدم الحسينعليه‌السلام ، وأنْ يكون اجتماعهم بالنخيلة سنة خمسٍ وستّين.

وقال سبط ابن الجوزي، قلت: وما لقتالهم لأهل الشام معنىً(*) ؛ لأنّه لمْ يحضر أحد من أهل الشام قتال الحسينعليه‌السلام ، وإنّما قتله أهل الكوفة، فإنْ كان طلبهم ليزيد فقد مات، وكانوا ينبغي أنْ يقتلوا قتلتهعليه‌السلام بالكوفة، ويطلبوا ابن زياد.

ثمّ إنّهم كاتبوا الشيعة فأجابهم أهل الأمصار، وقِيل: إنّهم تحرَّكوا عقب قتل الحسينعليه‌السلام أوَّل سنة إحدى وستّين، ولمْ يزالوا في جمع الأموال والاستعداد حتّى مات يزيد(1) .

الأمر الثالث عشر: نسبة علماء أهل الخلاف قتل الإمامعليه‌السلام إلى يزيد بن معاوية وأتباعه

قد صرَّح علماء أهل الخلاف بأنّ قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام هم يزيد بن معاوية وأتباعه، وسيتبيَّن لك ذلك في تراجمهم الآتية. وقد عقدت عنواناً خاصّاً بمن نصَّ على أنّ يزيد بن معاوية هو قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

ومن هؤلاء الذهبي، قال: وكان يزيد بن معاوية ناصبي، فظ غليظ، جلف يتناول المسكر، ويفعل المنكر افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسينعليه‌السلام ، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس ولمْ يُبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسينعليه‌السلام ، كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري،

____________________

(*) تقدّم الردّ على ابن الجوزي تحت عنوان: اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

(1) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 253 - 254.


ونافع بن الأزرق(1) .

أقول: فإلصاق تهمة قتل الإمام الحسينعليه‌السلام بالشيعة ليس بالاعتباط، بل هو أمر متعمَّد ومقصود لتبرئة بني اُميّة وإبعاد الناس عن أهل الحقّ وشيعتهم، وإلاّ لماذا التخصيص بأهل الكوفة وإخراج غيرهم؟ مع أنّه لو ثبت أنّهم خصوص أهل الكوفة لا يثبت كون ذلك من الشيعة، ولكن لكون الشيعة عرفوا بأنّهم أكثر تواجداً في الكوفة، وأن عدوَّهم الشاهر الظاهر هم أهل الشام، فنسبوا القتل لخصوص أهل الكوفة.

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 4 / 37.



الأمر الرابع عشر: حقائق تاريخية تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام

لكي يتبيَّن كثير من الحقائق نذكر بدء تحرُّك الثائرين ضد قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ليتّضح ما أراد بعض أهل الخلاف إلصاقه بشيعة أهل البيتعليهم‌السلام .

ويتّضح لك من ذلك تفرُّق أماكن الشيعة وقلَّتهم في الكوفة - زيادة على ما تقدّم - ويتّضح عدم مشاركتهم في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وما تقدَّم عن سبط ابن الجوزي شبه اختصار لهذا.

قال الطبري(1) :

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحرَّكت الشيعة بالكوفة، واتَّعَدُوا الاجتماع بالنخيلة في سنة خمسٍ وستّين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، وتكاتبوا في ذلك.

ذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلك.

قال هشام بن محمّد، حدَّثنا أبو مخنف، قال: حدَّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي، قال: لمَّا قُتل الحسين بن عليعليه‌السلام ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندُّم، ورأت أنّها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين (ع) إلى النصرة، وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لمْ ينصروه، ورأوا أنّه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلاّ بقتل مَن قتله، أو القتل فيه. ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة: إلى سليمان بن صُرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلى المسيب بن

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 390.


نجبة الفزاري، وكان من أصحاب عليّعليه‌السلام وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد ابن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شدّاد البجلي.

ثمّ إنّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن ُصرد، وكانوا من خيار أصحاب عليّعليه‌السلام ، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.

قال: فلمَّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن ُصرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام فتكلَّم، فحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على نبيِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال:

أمَّا بعد، فإنّا قد ابتُلينا بطول العمر والتعرُّض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا ألاّ يجعلنا ممّن يقول له غداً:( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ ) (1) .

فإن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستّون سنة». وليس فينا رجل إلاّ وقد بلغه، وقد كنَّا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا حتّى بلى الله أخيارنا، فوجدنا كاذبين في موطنينِ من مواطن ابن ابنة نبيِّنا، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً وعلانيةً وسرّاً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتّى قُتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوَّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربِّنا؟ وعند لقاء نبيِّناصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد قُتل فينا ولده وحبيبه وذرّيّته ونسله؟

لا والله، لا عذر دون أنْ تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تُقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربّنا أنْ يرضى عنَّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن.

أيُّها القوم! ولُّوا عليكم رجلاً منكم؛ فإنّه لا بدَّ لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفُّون به، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

قال: فبدر القوم رفاعة بن شدّاد بعد المسيب الكلام، فحمد الله وأثنى عليه

____________________

(1) سورة فاطر / 37.


وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال:

أمَّا بعد، فإنّ الله قد هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور، بدأت بحمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيِّه (ص)، ودعوت إلى جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب لك، مقبول قولك.

قلت: ولُّوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه وتحفُّون برايته، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت، فإنْ تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضي، وفينا متنصح، وفي جماعتنا محبّ، وإنْ رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولَّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذا السابقة والقدم سليمان بن ُصرد، المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه، أقول قولي هذ وأستغفر الله لي ولكم.

قال: ثمّ تكلَّم عبد الله بن وال، وعبد الله بن سعد فحمدا ربَّهما وأثنيا عليه، وتكلَّما بنحو من كلام رفاعة بن شدّاد، فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا سليمان بن صُرد بسابقته ورضاهما بتوليته.

فقال المسيب بن نجبة: أصبتم ووفِّقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولُّوا أمركم سليمان بن ُصرد.

قال أبو مخنف: فحدَّثت سليمان بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدَّثني حميد بن مسلم، قال: والله إنّي لشاهد بهذا اليوم يوم ولَّوا سليمان بن ُصرد، وإنَّا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره.

قال: فتكلَّم سليمان بن ُصرد فشدَّد، وما زال يردِّد ذلك القول في كلِّ جمعة حتّى حفظته، بدأ فقال: أثني على الله خير، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسوله، أمَّا بعد:

فإنّي والله، لخائف ألاّ يكون آخرنا إلى هذا الدهر - الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزيّة، وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة - لما هو خير،


إنّا كنَّا نمدُّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيِّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ونمنِّيهم النصر، ونحثُّهم على القدوم، فلمَّا قدموا ونينا وعجزنا وادَّهنا وتربَّصنا وانتظرنا ما يكون حتّى قُتل فينا ولد نبيِّنا (ص) وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ ويسأل النصف فلا يُعطاه، اتّخذه الفاسقون غرضاً للنبل، ودريَّة للرماح حتّى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه، ألاَ انهضوا، فقد سخط ربّكم!

ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتّى يرضى الله، والله ما أظنّه راضياً دون أنْ تناجزوا من قتله أو تبيروا.

ألاَ لا تهابوا الموت، فوالله ما هابه امرؤ قط إلاّ ذلَّ، كونوا كالأولى من بني إسرائيل، إذ قال لهم نبيّهم:( آإِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ) (1) . فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدُّوا الأعناق، ورضوا بالقضاء حتّى حين علموا أنّه لا يُنجيهم من عظيم الذنب إلاّ الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعي القوم إليه، اشحذوا السيوف، وركِّبوا الأسنَّة:( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ) (2) حتّى تدعوا حين تدعون وتستنفرون.

قال: فقام خالد بن سعد بن نفيل، فقال: أمَّا أنا، فوالله لو أعلم أنّ قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي عنّي ربّي لقتلته، ولكن هذا أمر به قوم كانوا قبلنا ونهينا عنه، فأشهد الله ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوِّي، صدقة على المسلمين أقوِّيهم به على قتال القاسطين.

وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، فقال: وأنا أشهدكم على مثل ذلك.

____________________

(1) سورة البقرة / 54.

(2) سورة الأنفال / 60.


فقال سليمان بن ُصرد: حسبكم، مَن أراد من هذا شيئاً فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلُّ ما تريدون إخراجه من أموالكم جهزَّنا به ذوي الخلَّة والمسكنة من أشياعكم.

قال أبو مخنف لوط بن يحيى: عن سليمان بن أبي راشد قال: حدَّثنا حميد ابن مسلم الأزدي: أنّ سليمان بن ُصرد قال لخالد بن سعد بن نفيل - حين قال له: والله، لو علمت أنّ قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي عنِّي ربّي لقتلته، ولكن هذا أمر به قوم غيرنا كانوا من قبلنا ونهينا عنه - قال: أخوكم هذا غداً فريس أوَّل الأسنَّة. قال: فلمَّا تصدَّق بماله على المسلمين. قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للذين لأنفسهم يمهّدون.

قال أبو مخنف: حدَّثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال: أخذت كتاباً كان سليمان بن ُصرد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن، فقرأته زمان ولي سليمان، قال: فلمَّا قرأته أعجبني، فتعلَّمته فما نسيته، كتب إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من سليمان بن ُصرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم.

أمَّا بعد:

فإنّ الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروف، وأقبل منها ما كان منكر، وأصبحت قد تشنَّأت إلى ذوي الألباب، وأزمع بالترحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا تفنى، إنّ أولياءً من إخوانكم وشيعة آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيّهم (ص) الذي دُعي فأجاب، ودعا فلمْ يجب، وأراد الرجعة فحُبس، وسأل الأمان فمُنع، وترك الناس فلمْ يتركوه، وعدوا عليه فقتلوه، ثمّ سلبوه وجرَّدوه ظلماً وعدواناً، وغِرَّةً بالله وجهل، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون:( وَسَيَعْلَمُ


الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (1) .

فلمَّا نظروا إخوانكم وتدبَّروا عواقب ما استقبلوا رأوا أنْ قد خطئوا بخذلان الزكيِّ الطيِّب وإسلامه، وترك مواساته والنصر له خطأ كبيراً ليس لهم منه مخرج ولا توبة دون قتل قاتليه، أو قتلهم حتّى تفنى على ذلك أرواحهم، فقد جدَّ إخوانكم، فجدُّوا وأعدُّوا واستعدُّوا، وقد ضربنا لإخواننا أجلاً يوافوننا إليه، وموطناً يلقوننا فيه؛ فأمَّا الأجل، فغرة شهر ربيع الآخر سنة خمسٍ وستّين، وأمَّا الموطن الذي يلقوننا فيه، فالنخيلة.

أنتم الذين لمْ تزالوا لنا شيعة وإخواناً وإلاً، وقد رأينا أنْ ندعوكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون ويظهرون لنا أنّهم يتوبون، وإنّكم جدراء بتطلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربّكم من الذنب ولو كان في ذلك حزُّ الرقاب، وقتل الأولاد واستيفاء الأموال وهلاك العشائر.

ما ضرَّ أهل عذراء الذين قُتلوا ألاّ يكونوا اليوم أحياء وهم عند ربّهم يرزقون، شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين - يعني: حجراً وأصحابه - وما ضرَّ إخوانكم المقتَّلين صبراً، المصلَّبين ظلماً، والممثَّل بهم، المعتدى عليهم، ألاّ يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم، قد خير لهم فلقوا ربَّهم، ووفاهم الله إنْ شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضراء وحين البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب، فوالله، إنّكم لأحرياء ألاَ يكون أحد من إخوانكم صبر على شيء من البلاء إرادة ثوابه؟ إلاَ صبرتم التماس الأجر فيه على مثله؟ ولا يطلب رضاء الله طالب بشيء من الأشياء - ولو أنّه القتل - إلاّ طلبتم رضاء الله به.

إنّ التقوى أفضل الزاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنى، فلتعزف عنها

____________________

(1) سورة الشعراء / 227.


أنفسكم، ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم، وجهاد عدوِّ الله وعدوِّكم وعدوِّ أهل بيت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإيّاكم حياة طيّبة، وأجارنا وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلاً في سبيله على يدي أبغض خلقه إليه، وأشدِّهم عداوة له، إنّه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء، والسلام عليكم.

قال: وكتب ابن ُصرد الكتاب، وبعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان مع عبدالله بن مالك الطائي، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان بالمدائن من الشيعة. وكان بها أقوام من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها، وهم يقدمون الكوفة في كلّ حين عطاء ورزق، فيأخذون حقوقهم وينصرفون إلى أوطانهم. فقرأ عليهم سعد كتاب سليمان بن ُصرد، ثمّ إنّه حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

أمَّا بعد، فإنّكم قد كنتم مجتمعين مزمعين على نصر الحسينعليه‌السلام وقتال عدوِّه، فلم يفجأكم أوَّل من قتله، والله مثيبكم على حسن النية وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم ويدعونكم إلى الحقِّ، وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟

فقال القوم بأجمعهم: نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم، فقام عبد الله بن الحنظل الطائي ثمّ الحزمري، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمَّا بعد، فإنَّا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رأوا، فسرِّحني إليهم في الخيل. فقال له: رويداً لا تعجل، استعدُّوا للعدوِّ، وأعدُّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون.

وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمان بن ُصرد مع عبد الله بن مالك الطائي:


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى سليمان بن ُصرد، من سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم.

أمَّا بعد: فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الذي دعوتنا إليه من الأمر الذي عليه رأي الملأ من إخوانك، فقد هديت لحظك، ويسِّرت لرشدك، ونحن جادُّون مجدُّون معدُّون مسرجون ملجمون، ننتظر الأمر ونستمع الداعي، فإذا جاء الصريخ أقبلنا، ولمْ نعرج إنْ شاء الله، والسلام.

فلمَّا قرأ كتابه سليمان بن ُصرد قرأه على أصحابه، فسرُّوا بذلك.

قالوا: وكتب إلى المثنى بن محربة العبدي نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان، وبعث به مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد، فكتب إليه المثنى، أمَّا بعد: فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك إنْ شاء الله للأجل الذي ضربت، وفي الموطن الذي ذكرت، والسلام عليك. وكتب في أسفل كتابه:

تبصَّر كأني قد أتيتُكَ مُعْلِماً

على أتلعِ الهادي أَجَشَّ هزيمِ

طويلِ القِرَا نَهْدِ الشَّوَاةِ مقلّصٍ

ملحٍّ على فأسِ اللجامِ أَزُومِ

بكلّ فتىً لا يملأُ الروعُ نَحْرَهُ

مُحِسٍّ لعضِّ الحَرْبِ غيرِ سؤومِ

أخي ثقةٍ ينوي الإلهَ بسعيِهِ

ضروبٍ بنَصْلِ السيفِ غيرِ أثيمِ(1)

وروى الطبري، قال:

قال أبو مخنف لوط بن يحيى: عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن سعد ابن نفيل، قال: كان أوَّل ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستّين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسينعليه‌السلام ، فلمْ يزل القوم في جمع آلة الحرب، والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السرِّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسينعليه‌السلام ، فكان يُجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر، فلمْ يزالوا كذلك وفي ذلك حتّى

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 390 - 394.


مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وستّي. وكان بين قتل الحسينعليه‌السلام وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيّام. وهلك يزيد وأمير العراق عبيد الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالو: قد مات هذا الطاغية، والآمر الآن ضعيف، فإنْ شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثمّ أظهرنا الطلب بدم الحسينعليه‌السلام وتتبَّعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقِّهم. فقالوا في ذلك فأكثروا.

فقال لهم سليمان بن ُصرد: رويداً لا تعجلوا، إنّي قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أنّ قتلة الحسينعليه‌السلام هم أشراف أهل الكوفة وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون وعلموا أنّهم المطلوبون كانوا أشدَّ عليكم.

ونظرت فيمَن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لمْ يدركوا ثأرهم، ولمْ يشفوا أنفسهم، ولمْ ينكوا في عدوِّهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثُّوا دعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم وغير شيعتكم، فإنّي أرجو أنْ يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه.

ففعلوا، وخرجت طائفة منهم دُعاة يدعون الناس، فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك.

قال هشام، قال أبو مخنف: وحدَّثنا الحصين بن يزيد، عن رجل من مزينة، قال: ما رأيت من هذه الاُمّة أحداً كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق ولا عظة. وكان من دُعاة أهل المصر زمان سليمان بن ُصرد. وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله(ص) ثمّ يقول، أمَّا بعد: فإنّ الله اصطفى محمّداً (ص) على خلقه بنبوّته، وخصَّه بالفضل


كلّه، وأعزكم باتباعه، وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وأمَّن به سبلكم المخوفة:( وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (1) .

فهل خلق ربُّكم في الأوّلين والآخرين أعظم حقّاً على هذه الاُمّة من نبيِّها؟ وهل ذرّيّة أحد من النبيّين والمرسلينعليهم‌السلام ، أو غيرهم أعظم حقّاً على هذه الاُمّة من ذرّيّة رسولها؟ لا والله ما كان ولا يكون، لله أنتم، ألمْ تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيّكم؟ أمَا رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم إيّاه بالدم، وتجرارهموه على الأرض، لمْ يرقبوا فيه ربَّهم، ولا قرابته من الرسول (ص)، اتّخذوه للنبل غرضاً، وغادروه للضباع جزراً؟

فللّه عيناً من رأى مثله، ولله حسين بن عليّعليه‌السلام ، ماذا غادروا به؟ ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أوَّل المسلمين إسلاماً، وابن بنت رسول ربِّ العالمين (ص)، قلَّتْ حماته وكثرت عداته حوله، فقتله عدوُّه وخذله وليُّه، فويل للقاتل، وملامة للخاذل.

إنّ الله لمْ يجعل لقاتله حجّة، ولا لخاذله معذرة، إلاّ أنْ يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين، فعسى الله عند ذلك أنْ يقبل التوبة، ويقيل العثرة، إنَّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه (ص)، والطلب بدماء أهل بيتهعليهم‌السلام ، وإلى جهاد المحلّين والمارقين، فإنّ قتلنا فمَا عند الله خير للأبرار، وإنْ ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّناصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال: وكان يعيد هذا الكلام علينا في كلّ يوم حتّى حفظه عامتنا.

قال: ووثب الناس على عمرو بن حريث عند هلاك يزيد بن معاوية، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن اُميّة بن خلف الجمحي، وهو دحروجة الجعل الذي قال له ابن همام السلولي:

____________________

(1) سورة آل عمران / 103.


اشْدُدْ يديك بزيدٍ إن ظفرتَ به

واشفِ الأراملَ من دحروجةِ الجعل

وكان كأنّه إبهام قصراً، وزيد مولاه وخازنه، فكان يصلِّي بالناس، وبايع لابن الزبير.

ولمْ يزل أصحاب سليمان بن ُصرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم، حتّى كثر تبعهم. وكان الناس إلى اتِّباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية أسرع منهم قبل ذلك(1) .

وقال الذهبي وابن حجر وغيرهما واللفظ للأوّل، قال - في ترجمة سليمان بن ُصرد -: سليمان بن ُصرد، الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي، له رواية يسيرة، وعن أبي وجبير بن مطعم، وعنه: يحيى بن يعمر، وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق، وآخرون.

قال ابن عبد البرّ: كان ممّن كاتب الحسينعليه‌السلام ليبايعه، فلمَّا عجز عن نصره ندم وحارب.

قلت: كان ديِّناً عابداً، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسينعليه‌السلام الشهيد، وساروا للطلب بدمه، وسمُّوا جيش التوّابين، وكان هو الذي بارز يوم صفين حوشباً ذا ظليم، فقتله.

حضَّ سليمان على الجهاد، وسار في ألوف لحرب عبيد الله بن زياد، وقال: إنّ قتلت فأميركم المسيب بن نجبة، والتقى الجمعان. وكان عبيد الله في جيش عظيم، فالتحم القتال ثلاثة أيّام، وقتل خلق من الفريقين، واستحرَّ القتل بالتوّابين شيعة الحسينعليه‌السلام ، وقتل أمراؤهم الأربعة: سليمان والمسيب، وعبد الله بن سعد وعبد الله بن والي، وذلك بعين الوردة التي تُدعى رأس العين، سنة خمسٍ

____________________

(1) تاريخ الطبري / 3 394 - 395.


وستّين، وتحيَّز بمَن بقي منهم رفاعة بن شداد إلى الكوفة(1) .

فاتّضح من مصادر القوم أنّ الشيعة قلَّة مستضعفة، لمْ تتمكَّن من نصرة الحسينعليه‌السلام ، فخرجوا على قلَّتهم بعد ذلك تائبين، حتّى إنّهم لمْ يخرجوا بوحدهم، بل خرج معهم مَن لمْ يحضر قتل الحسينعليه‌السلام من غير الشيعة أيضاً.

وهذا المختار (قدّس سرّه) خرج بالشيعة للانتقام من قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام والأخذ بثاره، فهل بعد هذا يتصوَّر فيمَن يأخذ بثأر الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه ممّن قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام ؟!

قال سبط ابن الجوزي: ثمّ خرج المختار وكان يقول:... ووالله، لأقتلنّ بقتلة الحسينعليه‌السلام عدد من قتل على دم يحيى بن زكريا...(2) .

وكان الملاك في قتله هؤلاء هو صدق الخروج على الحسينعليه‌السلام فقد روى الطبري، قال:

واستخرج من دور الوادعيّين خمسمئة أسير، فأتي بهم المختار مكتَّفين، فأخذ رجل من بني نهد - وهو من رؤساء أصحاب المختار، يقال له: عبد الله بن شريك - لا يخلو بعربيّ إلاّ خلَّى سبيله، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولىً لبني نهد، فقال له المختار: اعرضوهم عليَّ، وانظروا كلّ مَن شهد منهم قتل الحسينعليه‌السلام فأعلموني به.

فأخذوا لا يُمرُّ عليه برجل قد شهد قتل الحسينعليه‌السلام إلاّ قِيل له: هذا ممّن شهد قتله، فيقدِّمه فيضرب عنقه....إلخ(3) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 3 / 394، تهذيب التهذيب، ابن حجر 4 / 175.

(2) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 254. وذكر قبل هذا المقطع بعض مثالب المختار بن عبيد لله الثقفي، وقد تقدّم الردّ على هذا في ترجمة المختار (قدّس سرّه) في الهامش الثاني من هوامش الدلالة السابعة من الأمر الخامس: كثرة الاُمويّين وأتباعهم في الكوفة آنذاك.

(3) تاريخ الطبري 3 / 458.


وروى الطبري أيضاً قال:

قال، ونادى منادي المختار: إنّه مَن أغلق بابه، فهو آمن إلاّ رجلاً شرك في دم آل محمّدعليهم‌السلام (1) .

وروى ابن خلدون، قال:

وأسّر من الوادعيين خمسمئة أسير، فقتل المختار كلّ من شهد قتل الحسينعليه‌السلام منهم فكانوا نصفهم، وأطلق الباقين، ونادى المختار الأمان إلاّ من شهد في دماء أهل البيت(2) .

أقول: أو ليس هؤلاء الألوف المؤلَّفة - الذين تجمَّعوا بعد تفرُّقهم في البلدان - فيهم من شيعة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهم يقاتلون قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ؟ أفبعد هذا يُعقل أنْ شيعتهعليه‌السلام شركت في دمه؟! إذ لا يُعقل أنْ قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام يقاتلون قتلته، وكيف ذلك وعدد مَن قتله المختار (قدّس سرّه) من قتلة الحسينعليه‌السلام سبعون ألفاً(3) كما قِيل؟

هذا مضافاً إلى ما تقدّم من أنَّ عبيد الله داهية من دواهي بني اُميّة، وهو يعمل جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام لينصره في كربلاء

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 459.

(2) تاريخ ابن خلدون 3 / 25.

(3) قال الخوارزمي في مقتله 2 / 280:

وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقاً كثيراً من أهل الكوفة حتّى قِيل: إنّه قتل سبعين ألفاً ممّن قتل أو قاتل الحسينعليه‌السلام ، فتركه أصحابه لمَا في نفوسهم من الذحل على أقربائهم، وتحوَّلوا إلى مصعب. فلمَّا رأى المختار ذلك نزل عن فرسه، ونزل معه شيعة آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الخلَّص، فبركوا على أفواه السكك، فلمْ يزالوا يقاتلون من المغرب إلى الصبح، ثمّ قال له بعض أصحابه: أمَا والله، أخبرتنا أنا نقتل مصعباً. فقال: بلى، أمَا قال الله عز وجل:( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) . سورة الرعد / 39.


وليس هو بالغبي حتّى يرسل إلى الإمام الحسينعليه‌السلام شيعته، وهو يعلم بأنّ وصولهم له يقلب الموازين على بني اُميّة، فما فعله ابن زياد هو قتل الشيعة وإبعادهم، وعدم تمكينهم من أنْ يصلوا إلى نصرة إمامهم الحسينعليه‌السلام (1) .

* * *

____________________

(1) تقدّم: بيان ذلك مفصلاً في الأمر الثاني.


الفصل الثاني: شبهة أخرى



وقد تمسَّك من اتَّهم الفرقة المحقَّة من شيعة أهل البيتعليهم‌السلام بقول الإمام الحسينعليه‌السلام قاصداً مَن بايعه من أهل الكوفة: شيعتي أو شيعتنا ونحو ذلك. وهذا التمسُّك أوهن من التمسك بخيوط العنكبوت لو كانوا يعلمون.


قول الإمام الحسينعليه‌السلام : «هذه كتب شيعتي». أو «كتبت إلينا شيعتنا». أو «خذلتنا شيعتنا بالعراق». بما تقدَّم في أوَّل هذا الفصل - من أنّ للفظ الشيعة معنيين عامّاً وخاصّاً - يتّضح أنّ قول الإمام الحسينعليه‌السلام على تقدير ثبوته: «هذه كتب شيعتي». «أو كتبت إلينا شيعتنا». أو «خذلتنا شيعتنا بالعراق». ونحوها من التعابير - محمول على المعنى العامّ وهم الأتباع والأنصار وهم كثير، بل هم أغلب مَن بايع في ذاك الزمان أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن بعده الإمام الحسنعليه‌السلام ، وبعده الإمام الحسينعليه‌السلام (1) .

فلا يتصوَّر ذو مسكة وبصيرة أنّ شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام قاتلت الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما لا يتصوَّر أنّ المنافقين المندسِّين في المسلمين مسلمون، وأنّ

____________________

(1)انظر إلى أهل الكوفة مثلاً أيّام أمير المؤمنينعليه‌السلام دون بقيّة البقاع الإسلاميّة؛ فإنّهم يعتبرون من المشايعين والمتبعين لهعليه‌السلام ، ولكنّهم لا يعتقدون بإمامته بالنصّ، بل يعتقدونه خليفة للمسلمين من غير نصّ كبقيّة الخلفاء، كما هي عقيدة أكثر المسلمين في زمانهعليه‌السلام ، إلاّ ثلّة قليلة جداً ممّن اعتقد بهذا الاعتقاد، مثل: سلمان المحمّدي والمقداد، ومالك الأشتر وغيرهم ممّن اتّبعوا أقوال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما عليه الشيعة الاثنا عشريّة غابراً وحاضراً.

فها أهل الكوفة مع الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ولكنّه أراد أنْ ينهاهم عن صلاة التراويح جماعة وفي وقت خاصّ تركوه ونادو: واعمراه! مع أنّ الشيعة بالمعنى الخاصّ لا يؤمنون بأقوال عمر فضلاً عن خلافته حتّى ينادوا بهذا، قال عبد الحميد المعتزلي في شرح نهج البلاغة 12 / 283:

وقد روي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لمَّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أنْ ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرَّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدُّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسنعليه‌السلام فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: وا عمراه!


المرتدّين الذين قاتلوا المسلمين مسلمون(1) .

وهذا التاريخ خير شاهد على أنّه لا يُوجد في قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ولا فرد واحد من الشيعة المعتقدين بإمامتهعليه‌السلام بالنَّص، وإلاّ لتهافتت على تحبيره الأقلام، وعلى نقله الأفواه.

ولو سلَّمنا جدلاً وتنزُّلاً بأنَّ مَن خرج على الإمام الحسينعليه‌السلام هم من الشيعة بالمعنى الثاني، فما يمنع أنّهم كانوا ممّن يوصف ويعرف بالتشيُّع، ثمّ انقلبوا كما انقلب الزبير بن العوام(2) حتّى خرج على أمير المؤمنينعليه‌السلام . وكما انقلب زياد

____________________

(1) وهذه حقيقة مبذولة فلا تحتاج إلى كلفة، وواضحة فلا تحتاج إلى بيان. فانظر إلى ما ذكره نافع ابن هلال (قدّس سرّه) عندما حزن الإمام الحسينعليه‌السلام على مقتل قيس بن مسهر الصيداوي (قدّس سرّه) وما فعل به في الكوفة، ففي مقتل الخوارزمي 1 / 336، قال:

قال، وقال للحسينعليه‌السلام رجل من شيعته، يُقال له هلال بن نافع الجملي: يابن رسول الله، أنت تعلم أنّ جدَّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمْ يقدر أنْ يشرب الناس محبّته، ولا أنْ يرجعوا إلى ما كان أحبّ، فكان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمرَّ من الحنظل، حتّى قبضه الله تبارك وتعالى إليه.

وأنّ أباك عليّعليه‌السلام قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصرته وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، وقوم قعدوا عنه وخذلوه حتّى مضى إلى رحمة الله ورضوانه وروحه وريحانه. وأنت اليوم - يابن رسول الله - على مثل تلك الحالة، فمَن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضرَّ إلاّ نفسه، والله تبارك وتعالى مغنٍ عنه، فسر بنا - يابن رسول الله - راشداً معافىً، مشرِّقاً إنْ شئت أو مغرِّباً، فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنَّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.

(2) وقد ذكرنا شيئاً من أحواله في كتاب مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف في بحث تسمية أهل البيتعليهم‌السلام أبناءهم بأسماء أعدائهم في الفصل الثالث عشر، كتخلُّفه عن بيعة أبي بكر مع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وذكرنا أيضاً خروجه على أمير المؤمنينعليه‌السلام في معركة الجمل.


ابن أبيه(1) على أمير المؤمنينعليه‌السلام وعاداه واعادى أبناءهعليهم‌السلام وشيعته، وهل بعد

____________________

(1) وزياد ابن أبيه لا يختلف اثنان في أنّه من أخبث المعادين والمعاندين لأهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم، مع أنّه كان يُعرف قبلُ بالتشيع. وهذا واضح لا سترة عليه، والكتب التاريخيّة مليئة بهذا. وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في كتاب مقتل أبي عبد الله من موروث أهل الخلاف، في الفصل السادس في ترجمة ابنه عبيد الله بن زياد.

ومنه ما ذكر في شرح نهج البلاغة 11 / 44، قال عبد الحميد المعتزلي:

وروى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الأحداث)، قال: كتب معاوية نسخةً واحدةً إلى عمَّاله بعد عام الجماعة أنْ برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً (ع) ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته.

وكان أشدُّ الناس بلاءاً حينئذ أهل الكوفة لكثرة مَن بها من شيعة عليّعليه‌السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة، وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبَّع الشيعة وهو بهم عارف لأنّه كان منهم أيّام عليّعليه‌السلام ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطرفهم وشرَّدهم عن العراق، فلمْ يبقَ بها معروف منهم... إلخ.

وجاء في تاريخ اليعقوبي 2 / 230:

وكانت بينه - زياد ابن أبيه - وبين حجر بن عدي مودّة، فوجَّه إليه فأحضره، ثمّ قال له: يا حجر، أرأيت ما كنت عليه من المحبّة والموالاة لعليّ (ع)؟ قال: نعم. قال: فإنّ الله قد حوَّل ذلك بغضة وعداوة. أو رأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية؟ قال: نعم. قال: فإنّ الله قد حوَّل ذلك محبّة وموالاة، فلا أعلمنَّك ما ذكرت عليّاً (ع) بخير، ولا أمير المؤمنين معاوية بشرِّ.

وفي لسان الميزان 2 / 493، قال ابن حجر:

وكان زياد قويَّ المعرفة جيِّد السياسة، وافر العقل. وكان من شيعة عليّعليه‌السلام ، وولاه إمرة القدس، فلمَّا استلحقه معاوية صار أشدَّ الناس على آل عليّعليه‌السلام وشيعته، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي.... إلخ.

وفي سير أعلام النبلاء 3 / 496، قال الذهبي، قال أبو الشعثاء: كان زياد أفتك من الحجّاج لمَن يخالف هواه.


انقلابهم ومعاداتهم وجحدهم إيَّاهعليه‌السلام ، يُقال لهم: شيعة عليّعليه‌السلام ؟!

فكلّ مَن خرج لقتال أهل البيتعليهم‌السلام ، فهو من أعدائهم لا من شيعتهم، حتّى لو لمْ يصنع شيئاً غير تكثير سواد الأعداء(1) .

____________________

وقال ابن شوذب: بلغ ابن عمر أنّ زياداً كتب إلى معاوية: إنّي قد ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة، وسأله أنْ يولِّيه الحجاز. فقال ابن عمر: اللهمّ، إنّك إنْ تجعل في القتل كفارة فموتاً لابن سميّة لا قتلاً. فخرج في إصبعه طاعون فمات.

قال الحسن البصري: بلغ الحسن بن عليّعليهما‌السلام أنّ زياداً يتتبَّع شيعة عليّ (ع) بالبصرة فيقتلهم، فدعا عليه. وقِيل: إنّه جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من أبي الحسنعليه‌السلام فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين.

وفي مجمع الزوائد 6 / 266، قال الهيثمي: وعن الحسن قال: كان زياد يتتبع شيعة عليّ (ع) فيقتلهم، فبلغ ذلك الحسن بن عليّعليهما‌السلام . فقال: «اللهمّ، تفرَّد بموته فإنّ القتل كفارة». رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وهذه مرويّات بأسانيد متعدّدة كما في المعجم الكبير للطبراني وتاريخ دمشق لابن عساكر.

(1) وهذا ملموس بالوجدان لكلّ أحد إلاّ مَن أراد أنْ يخلط الحقَّ بالباطل ويسلو بنفسه عن الحساب، وعدم التوبة بما يُوحي له الشيطان. فأذكر لك ما يبيِّن هذه الحقيقة الوجدانيّة، فقد ذكر أبو الوداك - في أحوال مَن كثَّر السواد، وإنْ لمْ يقتل أحداً مع ما ذكرناه في كتاب المقتل - شمول عقاب قتلة الحسينعليه‌السلام لمَن كثَّر سواد جيش يزيد بن معاوية (لعنه الله).

روى الطبري في تاريخه 3 / 325 - 326، قال:

قال أبو مخنف، حدَّثني نمير بن وعلة: أنّ أيّوب بن مشرح الخيواني، كان يقول: أنا والله عقرت بالحرّ بن يزيد فرسه، حشأته سهماً فما لبث أنْ أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحرّ كأنّه ليث والسيف في يده، وهو يقول:

إنْ تعقروا بي فأنا ابنُ الحُرِّ

أشجعُ من ذي لبدٍ هِزَبْرِ

قال: فما رأيت أحداً قط يفري فريه.

قال، فقال له أشياخ من الحيّ: أنت قتلته؟ قال: لا والله ما أنا قتلته، ولكن قتله غيري، وما أحبّ أنّي قتلته.


وإليك موقفاً من المواقف العقلائيّة يُبيِّن هذه الحقيقة. فقد روى الطبري بعد كلام دار بين زهير بن القين (رضوان الله عليه) وبين عزرة بن قيس، قال: فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت. فقال له زهير: يا عزرة، إنّ الله قد زكَّاها وهداها، فاتّق الله يا عزرة، فإنّي لك من الناصحين.

أنشدك الله - يا عزرة - أنْ تكون ممّن يُعين الضلال على قتل النفوس الزكيّة. قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانيّاً.

قال: أفلست تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم؟ أمَا والله، ما كتبت إليه كتاباً قط(1) .

____________________

فقال له أبو الوداك: ولِمَ؟ قال: إنّه كان - زعموا - من الصالحين، فوالله لئن كان ذلك إثماً، لأنْ ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحبّ إليَّ من أنْ ألقاه بإثم قتل أحد منهم. فقال له أبو الوداك: ما أراك إلاّ ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين، أرأيت لو أنّك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر ووقفت موقفاً، وكرّرت عليهم وحرَّضت أصحابك، وكثَّرت أصحابك، وحمل عليك، فكرهت أنْ تفرَّ وفعل آخر من أصحابك كفعلك، وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون، أنتم شركاء كلّكم في دمائهم. فقال له: يا أبا الوداك! إنّك لتقنطنا من رحمة الله، إن كنت وليَّ حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إنْ غفرت لنا. قال: هو ما أقول لك. انتهى.

(1) وأمَّا مَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ، مثل: حبيب بن مظاهر وغيره من الشيعة الموالين، فهؤلاء لمْ يسمع لهم ذكر مع مسلم بن عقيلعليه‌السلام ؛ وذلك للأحداث التي حتَّمت تعجيل الخروج، ولكبر الكوفة واتّساعها وانتشار الشيعة مع قلَّتهم في أقطارها، وقصر المدّة الزمنيّة التي خرج فيها مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، فلمْ يمكّنهم الحضور لبعدهم ولضيق الوقت، فمَن حضر هم خصوص من سمع نداء: يا منصور أمت، وهم القريبون فقط.

ولا يُبعد أيضاً فرض الإقامة الجبريّة على بعض هؤلاء والسجن على البعض الآخر؛ وذلك لأنّ مثل هؤلاء كانوا معروفين بالتشيع لأهل البيتعليهم‌السلام ، والمدّة التي كان ابن زياد (لعنه الله) يبحث فيها عن مسلم بن عقيلعليه‌السلام كافية لذلك.

وقد تقدّم في الهامش الثاني والرابع، من هوامش الأمر الثاني عشر: موقف من كتب من الشيعة إلى الإمام.


ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمَّا رأيته ذكرت به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوِّه وحزبكم، فرأيت أنْ أنصره وأنْ أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لمَا ضيَّعتم من حقِّ الله وحقِّ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

وأمَّا الذين كتبوا إلى الإمام الحسينعليه‌السلام ووعدوه النصر - من غير الشيعة المعتقدين بإمامتهعليه‌السلام بالنَّصّ - ثمّ لمْ يخرجوا لنصرته مع تمكُّنهم، كما يُشير لهذا ما صرَّح به المؤرِّخون من أنّ التوّابين الذين خرجوا بعد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام هم من الشيعة ومن غيرهم، كما تقدَّم تحت عنوان: حقائق تاريخيّة، تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فهؤلاء كبقيّة من بايع أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام على أنّه الخليفة الرابع بعد عثمان بن عفّان لا أنّه الخليفة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنَّص، فخذلة الإمام الحسينعليه‌السلام بمنزلة بعض الخوارج - في انحرافهم ثمّ توبتهم - الذين بايعوا الإمام عليّعليه‌السلام وقاتلوا معه القاسطين والناكثين، ثمّ خرجوا عليه فكانوا من المارقين، ثمّ تابوا كما يُقال، ثمّ عدوا على ابنه الإمام الحسينعليه‌السلام فقتلوه، ومن هؤلاء شبث بن ربعي، كما يأتي ذكر ذلك في ترجمته على ما هو في مصادر القوم، فهؤلاء - عدا من خرج عليه بعدُ - شيعتهعليه‌السلام بالمعنى العامّ، وهم قطعاً غير الشيعة المعتقدة بإمامته بالنَّصّ.

وأمَّا الشيعة المعتقدة بإمامته بالنصّ، فهم مع قلّتهم في الكوفة قد ضيِّق عليهم - كما تقدَّم عليك - لكي لا يصلوا إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء؛ فزُجَّ

____________________

الحسينعليه‌السلام في مقتل ميثم (قدّس سرّه) - بنقل ابن حجر العسقلاني - ما يبيّن شيئاً من ذلك كحبس المختار، وقتل ميثم قبل وصول الحسينعليه‌السلام إلى العراق بعشرة أيّام.

(1) تاريخ الطبري 3 / 114.


في السجون مَنْ زُجَّ كسليمان بن ُصرد الخزاعي والمختار وغيرهما من الشيعة، وقُتل مَن قُتل، وأُبعد مَن أُبعد، وجُعلت المناظر والمسالح لكي لا يصل أحد منهم إليهعليه‌السلام (1) .

وأمَّا مسألة التوبة التي خرجوا بعنوانها على قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، فهي لانضمام غيرهم ممّن خذل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهم الكثرة الكاثرة من التوابين، فإنّه إذا كان سليمان بن ُصرد الخزاعي والمختار وغيرهما في السجون. وكان بعض قد أُبعدوا وبعض آخر مُنعوا من أنْ يصلوا إلى إمامهم الحسينعليه‌السلام حتّى أقيمت المراصد والمسالح، فلماذا يتوب هؤلاء غير المتمكّنين من نصرتهعليه‌السلام ؟! إلاّ أنْ تحمل التوبة على الجانب القصوري لا التقصيري كما هو متعارف، إذ المتعارف بين الناس، إذا طُلب منهم شيء وهم لا يستطيعون فعله، أنْ يقدِّموا الاعتذار مع أنّهم غير متمكِّنين، وهي لا تدلُّ على الخذلان كما هو ظاهر.

المتطرِّفون من أهل الخلاف لايختلفون عن قتلة الحسينعليه‌السلام

قتلة سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام لا يختلفون عن غيرهم من أهل الخلاف القائلين بإمامة آل أبي سفيان، فأهل الخلاف المتطرِّفون شيعة وأنصار لهم، وقتلة الحسينعليه‌السلام شيعة وأنصار لهم، فما الفرق؟! ولهذا لا تجد من هذه الفرقة مَن يخطّئ يزيد بن معاوية فضلاً عن أبيه، فيسدِّدون أعمالهم ويعتذرون لهم، وما ذلك إلاّ لاعتقادهم بإمامتهم.

وأمَّا الشيعة الإماميّة، فلا يختلف اثنان في أنّهم أعداء آل أبي سفيان، وأعداء

____________________

(1) تقدّم كلّ ذلك في الأمر الثالث، تحت عنوان: اعتقال ابن زياد للشيعة وقتلهم، ومنعهم من الوصول إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء.


أنصارهم إلى يوم القيامة وأنّهم أنصار أهل البيتعليهم‌السلام حقّاً، فلينظر المسلم من إمامه يوم القيامة، أهُم أهل البيتعليهم‌السلام أمْ أعداؤهم؟

وقد قال الله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (1) .

وقد تتبَّعنا قتلة الحسينعليه‌السلام فما وقع نظرنا على أحد منهم إلاّ وجدناه من أنصار بني اُميّة(2) . ونظرنا إلى موقف أهل الخلاف منه فلمْ نجدهم إلاّ وقد وثَّقوه وأثنوا عليه واتّبعوه وقبلوا روايته. وعطفنا النظر إلى موقف الشيعة الاثني عشريّة من هؤلاء الأرذال، فلمْ نجدهم إلاّ وقد نبذوهم وتركوهم ولعنوهم، ورأوا البراءة منهم واجبة، ومودَّتهم محرَّمة ومخرجة من المذهب و... و...

وللشيعة شهد الذهبي، قال في كلامه عن ابن زياد:

قلت: الشيعي لا يطيب عيشه حتّى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله(3) ، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله(4) .

وما أدري كيف يتبرّأ منهم، وجميع مَن خرج على الإمام الحسينعليه‌السلام مطيعون - في نظر هؤلاء - لله في ما فعلوه من ذبح وقتل، وسلب وهتك أهل بيت

____________________

(1) سورة الإسراء / 71.

(2) وفي تاريخ الطبري 3 / 314 قال، قال: فبعث عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام عزرة بن قيس الأحمسي، فقال: ائته فسله ما الذي جاء به؟ وماذا يُريد؟ وكان عزرة ممّن كتب إلى الحسينعليه‌السلام فاستحيى منه أنْ يأتيه. قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلّهم أبى وكرهه.

(3) نعم يبغضونهم نظريّاً، أي: من جهة الموازين العقلائيّة؛ وأمَّا عملياً، فهم يوالونهم كما يتّضح في تراجمهم.

(4) سير أعلام النبلاء، الذهبي / 3 ص549.


النبوّةعليهم‌السلام ، نصرة ليزيد بن معاوية. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ما يدلّ على طاعة هؤلاء الأرجاس، واللفظ للأوّل قال:

حدَّثنا مسدد، عن عبد الوارث، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عبّاس، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: مَن كره من أميره شيئاً، فليصبر؛ فإنّه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهليّة.

حدَّثنا أبو النعمان، حدَّثنا حماد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، حدَّثني أبو رجاء العطاردي، قال: سمعت ابن عبّاس، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه؛ فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية(1) .

وقتلة الإمام الحسينعليه‌السلام لمْ يُفارقوا هذه الجماعة المتمثِّلة في يزيد بن معاوية، فهم مطيعون وصابرون، ولو خرجوا كما خرج الإمام الحسينعليه‌السلام لماتوا ميتة جاهلية. فهذا شمر بن ذي الجوشن من المصلِّين والداعين الله. وممّن امتثل ما رواه البخاري ومسلم، فقد روى ابن عساكر قال:

أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأنا أبو عمرو الأصبهاني، أنبأنا أبو محمّد المديني، حدَّثنا أبو الحسن الكتاني، أنبأنا أبو بكر القرشي، حدَّثني هارون أبو بشر الكوفي، حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش، عن أبي إسحاق قال: كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي يُصلّي معنا الفجر، ثمّ يقعد حتّى يصبح، ثمّ يُصلّي، ثمّ يقول: اللهمّ، إنّك شريف تحبّ الشرف، وإنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي. قلت: كيف يغفر الله لك، وقد أعنت على قتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ قال: ويحك! كيف نصنع؟ إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلمْ نُخالفهم، ولو خالفناهم كنَّا شرّاً من

____________________

(1) صحيح البخاري 8 / 87، وفي ط / 2588، صحيح مسلم 6 / 21.


هؤلاء الحُمر السقاة(1)(*) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 23 / 189.

(*) قال اليافعي في كتاب مرآة الزمان وعبرة اليقظان / 281، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة:

سنة أربع وستّين في أوّلها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، عجَّل الله قصمه، والعجب أنّه شهد الوقعة وهو مريض في محفَّة كأنّه مجاهد في سبيل الله. وكذلك عجَّل الله تعالى يزيد بن معاوية فمات بعد نيف وسبعين يوماً منها، وله ثمان وثلاثون سنة، بايع له أبوه الناس في حياته.

أقول: واليافعي متعجِّب من أنّ ما فعله مسلم بن عقبة جهاد في سبيل الله، وهذا ما صرَّح به بعض المؤرِّخين، وهذه هي عقيدة من زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فجعلهم يتقرَّبون إلى الله بما هو مبغوض له سبحانه وتعالى:( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) . سورة الكهف / 103 - 104.

وهذا ديدنهم في التقرب إلى الله بدماء أوليائه الأبرار الأخيار، فانظر إلى ما ذكره مسلم بن عقبة، فقد روى ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة، تحقيق الشيري 1 / 231، وتحقيق الزيني 1 / 179، قال:

وكان معاوية قد أوصى يزيد، فقال له: إنْ رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرَّة مسلم بن عقبة. فدعا به فقال: سرْ إلى هذه المدينة بهذه الجيوش، وإنْ شئت أعفيتك؛ فإنّي أراك مدنفاً منهوكاً. فقال: نشدتك الله أنْ لا تحرمني أجراً ساقه الله إليَّ، أو تبعث غيري؛ فإنّي رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانه: يا ثارات عثمان! فأقبلت إليها، وجعلت الشجرة تقول: إليَّ يا مسلم بن عقبة. فأتيت فأخذتها، فعبَّرت ذلك أنْ أكون أنا القائم بأمر عثمان، ووالله، ما صنعوا الذي صنعوا إلاّ أنْ الله أراد بهم الهلاك. فقال يزيد: فسرْ على بركة الله، فأنت صاحبهم.

وها هو يقول: لئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرّة إنّي إذاً لشقي. كما في وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان لابن خلكان / 4872، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

فهذا حالهم، والنواصب في كلّ زمان على منوالهم، وحجّتهم في ذلك الرؤيا وغيرها من الخزعبلات! فهؤلاء هم أعداء الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، إذ تراهم يتقرّبون إلى الله بدماء أوليائه.


وروى أيضاً:

أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن عليّ، أنبأنا أبو عمر بن حيوية، أنبأنا أحمد بن معروف، حدَّثنا الحسين بن الفهم، حدَّثنا محمّد بن سعد، أنبأنا منذر بن إسماعيل، حدَّثني الهيثم بن الخطاب الهدي: أنّه سمع أبا إسحاق السبيعي يقول: كان شمر بن ذي الجوشن - يقول الضبابي - لا يكاد أو لا يحضر الصلاة، فيجيء بعد الصلاة فيُصلّي، ثمّ يقول: اللهمّ، اغفر لي، فإنّي كريم لمْ تلدني

____________________

فانظر أيضاً إلى ابن ملجم عليه (لعنه الله) كيف يتقرَّب بقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فها هو يرفع السيف وهو ينادي: الحكم لله، لا لك يا عليّ (ع)، وضربه على قرنه بالسيف. فقال عليّعليه‌السلام : «فزت وربّ الكعبة». الإمامة والسياسة 1 / 180.

وكذا الملعون شمر بن ذي الجوشن، فإنّه يتقرَّب بدم الإمام الحسينعليه‌السلام . وكذا معاوية يرى أنّ موت الإمام الحسنعليه‌السلام من تجدُّد النعم عليه حتّى إنّه خرَّ ساجداً هو وذووه لمَّا سمعوا بموته، كما في الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني 1 / 150، وتحقيق الشيري 1 / 196. وفي ربيع الأبرار ونصوص الأخبار / 2690، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة. وفي محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء / 4010، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

وكذلك ما فعله مسلم بن عقبة بأهل مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سفك دمائهم وإباحة أموالهم، وهتك أعراضهم تقرُّباً إلى الله تعالى.

وما زالت هذه الطبيعة مخزونة فيهم موروثة من أسلافهم، إذ تجد الكثير يحلِّل بل يحبِّب إباحة دم الشيعة الاثني عشريّة، ويجعل دم الشيعي بألف حسنة، ودم الكافر الملحد واليهودي بعشر حسنات كما هو مكتوب - في هذا الزمان - على جدران بعض المنازل في العراق من النواصب، فيتقرَّبون بذبح الشيعة وهتكهم، وينادون عند ذبحهم: لا حكم إلاّ لله، والله غالب على أمره، ويردِّدون كلمة: الله أكبر، وذلك لا لشيء سوى أنّهم شيعة أهل البيتعليهم‌السلام ، كما هو حاصل أيضاً في أيّامنا هذه في العراق وافغانستان والهند، وغيرها على أيدي النواصب لا غفر الله لهم أبداً، وجعل كيدهم في نحورهم.


اللئام.

قال، فقلت له: إنّك لسيء الرأي، تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عيله وآله)، فقال: دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنَّا كما تقول أنت وأصحابك كنَّا شرّاً من الحمراء السقات(1) .

وهذه الروايات تدلّ على أنّ قتلتهعليه‌السلام مثل باقي أهل الخلاف ممّن يعتقدون بإمامة يزيد بن معاوية ويعترفون بسلطانه، فهو عند هذا الصنف يجب اتّباعه في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وريحانته، ومن حربه حربه، وسلمه سلمه، وبغضه بغضه، وحبّه حبّه.

قال السخاوي:

وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن - يعني: الهيثمي - يُبالغ في الغضّ منه، أي: من ابن خلدون، فلمَّا سألته عن سبب ذلك، ذكر أنّه بلغه أنّه ذكر الحسين بن عليّعليهما‌السلام في تاريخه، فقال: قُتل بسيف جدِّه. ولمَّا نطق شيخنا بهذه اللفظة أردفها بلعن ابن خلدون وسبِّه وهو يبكي. قال شيخنا في رفع الإصر: ولمْ توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنّه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها(2) .

وقال الآلوسي:

قال ابن الجوزي عليه الرحمة في كتابه السرّ المصون: من الاعتقادات العامّة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أنْ يقولوا: إنّ يزيد كان على الصواب، وإنّ الحسين (ع) عنه أخطأ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح،

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 23 / 188.

(2) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي 4 / 147، ترجمة ابن خلدون، ط دار الجيل.


ثمّ لو قدَّرنا صحّة عقد البيعة فقد بدت منه بوادٍ كلّها توجب فسخ العقد، ولا يميل إلى ذلك إلاّ كلّ جاهل عامي المذهب يظنّ أنّه يغيظ بذلك الرافضة (1) .

وقال المناوي في تعريضه بابن العربي:

وقد غلب على ابن العربي الغضُّ من أهل البيتعليهم‌السلام حتّى قال: قتله بسيف جدِّه.

وأخرج الحاكم في المستدرك، عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهم): أوحى الله تعالى إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفاً وسبعين ألفا ً. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: وعلى شرط مسلم(2) .

وذكر السيوطي والمناوي، واللفظ للأوّل، قال:

ومن مجازفات ابن العربي - صاحب كتاب العواصم والقواصم - أنّه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر؛ لأنّه عاب لبسة لبسها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقُتل بفتياه كما ذكره في المطامح، وهذا تهوُّر غريب وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب، وسيخاصمه هذا القتيل غداً، ويبوء بالخزي من اعتدى، وليس ذلك بأوَّلِ عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه. فقد ألَّف كتابًا في شأن مولانا الحسين -عليه‌السلام وكرَّم وجهه، وأخزى شانئه - زعم فيه: أنّ يزيد قتله بحقٍّ بسيف جدِّه، نعوذ بالله من الخذلان...(3) .

وقال الآلوسي في تفسيره:

وأبو بكر بن العربي المالكي - عليه من الله تعالى ما يستحقّ - أعظم الفرية

____________________

(1) تفسير الآلوسي 26 / 73.

(2) فيض القدير، المناوي 1 / 265.

(3) الجامع الصغير، للسيوطي 1 / 365، فيض القدير، المناوي 5 / 246.


فزعم أنّ الحسينعليه‌السلام قُتل بسيف جدِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وله من الجهلة موافقون على ذلك:( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) (1) .

فحال هؤلاء وأمثالهم حال الذين وجدوا في ذلك الزمان وقاتلوا الحسينعليه‌السلام ، ونصروا يزيد بن معاوية دفاعاً ودباً عنه، لكي لا يموتوا ميتة جاهليّة.

وما أقول إلاّ: الحمد لله على الولاية لمحمّد وآلهعليهم‌السلام والبراءة من أعدائهم إلى يوم الدين، والحمد لله الذي قال:( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) (2) .

____________________

(1) تفسير الآلوسي 26 / 73.

(2) سورة القيامة / 14 - 15.





الفصل الثالث: قتلة الإمام الحسين عليه‌السلام



ذكرنا - في كتابنا مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف - تراجم قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأقوال أهل الخلاف الدالة على التوثيق والثناء والإطراء لهم، وذكرنا أقوال الشيعة - الاثني عشريّة - الصريحة في البراءة منهم واللعن عليهم؛ وكلّ ذلك لنرى مدى ارتباط أهل الخلاف بقتلة الإمام الحسينعليه‌السلام وبمَن خالف وعادى أهل البيتعليهم‌السلام ، ومدى براءة الشيعة منهم، ونذكر هنا شيئاً من تلك التراجم.


عمرو بن حريث المخزومي القرشي

من أنصار بني اُميّة، وممّن خرج على مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، و...

قال ابن كثير والطبري، واللفظ للأوّل:

وبعث ابن زياد عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن ومحمّد بن الأشعث، في سبعين أو ثمانين فارساً، فلمْ يشعر مسلم بن عقيل إلاّ وقد أُحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف، فأخرجهم من الدار ثلاث مرّات، وأصيبت شفته العليا والسفلى، ثمّ جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب، فضاق بهم ذرعاً فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم(1) .

أقوال أهل الخلاف فيه

قال فيه الذهبي وابن حجر، واللفظ للأوّل:

عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو سعيد بن حريث. كان عمرو من بقايا أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين كانوا نزلوا الكوفة، مولده قبيل الهجرة، له صحبة ورواية. ورُوى أيضاً عن أبي بكر الصديق وابن مسعود، حدَّث عنه: ابنه جعفر والحسن العرني، والمغيرة بن سبيع والوليد بن سريع، وعبد الملك بن عمير

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 167، تاريخ الطبري 4 / 260.


وإسماعيل بن أبي خالد وآخرون، وآخر من رآه رؤية خلف بن خليفة، توفّي سنة خمس وثمانين، ثمّ قال الواقدي: ثمّ ولي الكوفة لزياد بن أبيه، ولابنه عبيد الله ابن زياد(1) .

وقال فيه ابن حبّان في مشاهير علماء الأمصار وكتاب الثقات، واللفظ من الأوّل: عمرو بن حريث بن عمرو المخزومي القرشي، أبو سعيد، كان مولده يوم بدر، مات سنة خمس وثمانين(2) .

وقال فيه البخاري: عمرو بن حريث، أبو سعيد المخزومي القرشي (رضي الله عنه) سكن الكوفة(3) .

وقال العجلي في معرفة الثقات: عمرو بن حريث المخزومي كوفي من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (4) . عمرو بن حريث عند الشيعة ملعون ناصبي.

قال فيه السيّد عليّ البروجردي (قدّس سرّه):

عمرو بن حريث، من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، عدوُّ الله تعالى ملعون(5) .

وقال فيه السيّد الموحد الأبطحي (قدّس سرّه):

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 3 / 418 - 419. وذكره أيضاً في كتابه الكاشف في من له رواية في الكتب الستّة 2 / 74، تحرير تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني 3 / 89، ط مؤسسة الرسالة.

(2) مشاهير علماء الأمصار، ابن حبّان / 79، كتاب الثقات لابن حبّان 5 / 179.

(3) التاريخ الكبير، البخاري 6 / 305.

(4) معرفة الثقات، العجلي 2 / 174.

(5) طرائف المقال، السيّد عليّ البروجردي (قدّس سرّه) 2 / 101.


فإنّ عمراً هو الذي ذكره الشيخ في الصحابة، وأيضاً في أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام قائل: عمرو بن حريث عدوّ الله، ملعون. قلت: وجناياته وظلمه على آل محمّدعليهم‌السلام معروفة(1) .

وقال فيه السيّد الخوئي (قدّس سرّه):

عمرو بن حريث: من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رجال الشيخ، وعدَّه في أصحاب عليّعليه‌السلام أيضاً قائلاً: عمرو بن حريث عدوُّ الله ملعون. ويأتي في ترجمة ميثم التمّار خروج كلمة كبيرة من فيه، قاتله الله(2) .

وما أشار إليه السيّد الخوئي (قدّس سرّه)، وقال: إنّه يأتي في ترجمة ميثم... هو ما رُوي عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، عن أبيه، عن آبائه (صلوات الله عليهم)، قال: أتى ميثم التمّار دار أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقِيل له: إنّه نائم، فنادى بأعلى صوته: انتبه أيُّها النائم! فوالله، لتخضبنّ لحيتك من رأسك. فانتبه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال: «أدخلوا ميثماً». فقال له: أيُّها النائم! والله لتخضبنَّ لحيتك من رأسك. فقال (ع): «صدقت، وأنت والله لتُقطعنَّ يداك ورجلاك ولسانك، وليُقطعنّ من النخلة التي بالكناسة، فتشقّ أربع قطع: فتصلب أنت على ربعها، وحجر بن عدي على ربعها، ومحمّد بن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها».

قال ميثم: فشككت في نفسي، وقلت: إنّ عليّاً (ع) ليخبرنا بالغيب، فقلت له: أو كائن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال (ع): «إيْ وربِّ الكعبة، كذا عهده إليَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله»).

قال، فقلت: ومَن يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين؟ فقال (ع): «ليأخذنّك العتل الزنيم، ابن الأمة الفاجرة عبيد الله بن زياد».

____________________

(1) تهذيب المقال، السيّد محمّد عليّ الأبطحي (قدّس سرّه) 5 / 168.

(2) معجم رجال الحديث، السيّد الخوئي (قدّس سرّه) 14 / 92.


قال: وكان يخرج إلى الجبانة وأنا معه، فيمرُّ بالنخلة فيقول لي: يا ميثم، إنّ لك ولها شأناً من الشأن.

قال: فلمَّا ولي عبيد الله بن زياد الكوفة، ودخلها تعلَّق عَلَمُه بالنخلة التي بالكناسة فتخرَّق، فتطيَّر من ذلك فأمر بقطعها، فاشتراها رجل من النجارين فشقَّها أربع قطع.

قال ميثم، فقلت لصالح ابني: فخذ مسماراً من حديد فانقش عليه اسمي واسم أبي، ودقَّه في بعض تلك الأجذاع.

قال: فلمَّا مضى بعد ذلك أيّام أتى قوم من أهل السوق، فقالوا: يا ميثم، انهض معنا إلى الأمير نشكو إليه عامل السوق، ونسأله أنْ يعزله عنَّا ويولِّي علينا غيره.

قال: وكنت خطيب القوم فنصت لي وأعجبه منطقي، فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير! تعرف هذا المتكلِّم؟ قال: ومَن هو؟ قال: هذا ميثم التمّار الكذّاب، مولى الكذّاب عليّ بن أبي طالب (ع).

قال: فاستوى جالساً فقال لي: ما يقول؟ فقلت: كذب أصلح الله الأمير! بل أنا الصادق مولى الصادق عليّ بن أبي طالب (ع) أمير المؤمنين حقّاً.

فقال لي: لتبرأنَّ من عليّ (ع)، ولتذكرنَّ مساويه وتتولَّى عثمان وتذكر محاسنه، أو لأقطعنَّ يديك ورجليك ولأصلبنَّك. فبكيت، فقال لي: بكيت من القول دون الفعل؟ فقلت: والله، ما بكيت من القول ولا من الفعل، ولكنّي بكيت من شكّ كان دخلني يوم خبَّرني سيِّدي ومولاي. فقال لي: وما قال لك مولاك؟

قال، فقلت: أتيت الباب فقِيل لي: إنّه نائم. فناديت: انتبه أيُّها النائم! فوالله، لتخضبنَّ لحيتك من رأسك. فقال (ع): «صدقت، وأنت والله لتُقطعنَّ يداك ورجلاك ولسانك ولتُصلبنّ». فقلت: ومَن يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين؟ فقال: «يأخذك العتل الزنيم، ابن الأمَة الفاجرة عبيد الله بن زياد».


قال: فامتلأ غيظاً، ثمّ قال لي: والله لأقطعنَّ يديك ورجليك، ولأدعنَّ لسانك حتّى أكذبك وأكذب مولاك، فأُمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثمّ أُخرج وأُمر به أنْ يُصلب، فنادى بأعلى صوته: أيُّها الناس، مَن أراد أنْ يسمع الحديث المكنون عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؟ قال: فاجتمع الناس وأقبل يحدِّثهم بالعجائب.

قال: وخرج عمرو بن حريث وهو يريد منزله، فقال: ما هذه الجماعة؟ فقالوا: ميثم التمّار يحدِّث الناس عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال: فانصرف مسرعاً فقال: أصلح الله الأمير! بادر وابعث إلى هذا مَن يقطع لسانه، فإنّي لست آمن أنْ تتغيَّر قلوب أهل الكوفة، فيخرجوا عليك.

قال: فالتفت إلى حرسيّ فوق رأسه، فقال: اذهب فاقطع لسانه.

قال: فأتاه الحرسيّ فقال له: يا ميثم. قال: ما تشاء؟ قال: أخرج لسانك فقد أمرني الأمير بقطعه. قال ميثم: ألاَ زعم ابن الأمَة الفاجرة أنّه يكذّبني ويكذّب مولاي، هاك لساني؟!

قال: فقطع لسانه فتشحَّط ساعة في دمه، ثمّ مات وأمر به فصُلب.

قال صالح: فمضيت بعد ذلك بأيّام فإذا هو صُلب على الربع الذي كنت دققت فيه المسمار(1) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث، السيّد الخوئي (قدّس سرّه) 20 / 107، الاختصاص، الشيخ المفيد (قدّس سرّه) / 75، اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) 1 / 297، بحار الأنوار، العلامة المجلسي (قدّس سرّه) 24 / 132، مسند الإمام الرضاعليه‌السلام ، الشيخ عزيز الله عطاردي 2 / 451، مواقف الشيعة، الأحمدي الميانجي 3 / 155، روضة الواعظين، الفتّال النيسابوري (قدّس سرّه) / 288.

أقول: وقد تقدَّم مقتله (قدّس سرّه) بحذف هذه الكلمة عن ابن حجر العسقلاني، في الهامش الرابع من الأمر الثاني عشر.


عزرة بن قيس الأحمسي

من رؤساء قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وممّن كتب إليهعليه‌السلام ، وممّن أصرَّ على ماهو عليه حين نصحه زهير بن القين (قدّس سرّه)، و...

فقد روى الطبري، قال:

قال أبو مخنف: حدَّثني فضيل بن خديج الكندي، عن محمّد بن بشر، عن عمرو الحضرمي، قال: لمَّا خرج عمر بن سعد بالناس، كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن ابن أبي سبرة الحنفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحرّ بن يزيد الرياحي، فشهد هؤلاء كلّهم مقتل الحسين إلاّ الحرّ بن يزيد، فإنّه عدل إلى الحسينعليه‌السلام وقتل معه، وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية - وهو الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي، وأعطى الراية ذويداً مولاه(1) .

أقوال أهل الخلاف فيه

قال ابن سعد:

عزرة بن قيس البجلي، من أحمس من بني دهن من أنفسهم، روى عن خالد بن الوليد، وكان معه في مغازيه بالشام، وروى أبو وائل عن عزرة بن قيس(2) .

وقال ابن حجر:

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 317.

(2) الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد 6 / 212.


وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى(1) .

وذكره ابن حبّان في ثقاته، قال: عزرة بن قيس البجلي، يروي عن خالد بن الوليد، روى عنه أبو وائل شقيق ابن سلمة(2) .

وقال الذهبي: عزرة بن قيس، من قدماء التابعين بالكوفة، روى عنه أبو وائل وحده(3) .

وقال محمّد بن عليّ بن حمزة:

عزرة بن قيس البجلي عن خالد بن الوليد، وكان معه في مغازيه بالشام، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة، ذكره ابن حبّان في الثقات(4) .

الزبير بن الأروح

من الموالين والناصحين لبني اُميّة، وهو ممّن أخذ رأسي مسلمعليه‌السلام وهانئ (قدّس سرّه) إلى يزيد.

روى ابن عساكر وغيره من المؤرِّخين، واللفظ له، قال:

قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن الغساني، عن عبد العزيز بن أحمد، أخبرنا هارون الميداني، أخبرنا أبو سليمان بن زبر، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، أخبرنا محمّد بن جرير الطبري، قال: حدث عن هشام بن محمّد الكلبي قال، قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبي، قال: ثمّ إنّ

____________________

(1) الإصابة، ابن حجر 5 / 97.

(2) الثقات، ابن حبّان 5 / 279.

(3) ميزان الاعتدال، الذهبي 3 / 66.

(4) مَن له رواية في مسند أحمد، محمّد بن عليّ بن حمزة / 294.


عبيد الله بن زياد لمَّا قتل مسلماً وهانئاً، بعث برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أنْ يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من أمر مسلم وهانئ، فكتب الكاتب كتاباً أطال فيه، وكان أوَّل مَن أطال في الكتب، فلمَّا نظر فيه عبيد الله بن زياد تكرَّهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اُكتب:

أمَّا بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقِّه، وكفاه مؤنة عدوِّه، أخبر أمير المؤمنين - أكرمه الله - أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وإنّي جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتّى استخرجتهما وأمكن الله منهما، فقدَّمتهما فضربت أعناقهما.

وقد بعثت إليك برؤوسهما مع هانئ بن أبي حيّة الهمداني والزبير بن الأروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة، فليسألهما أمير المؤمنين عمَّا أحبَّ من أمر؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وورعاً، والسلام.

وكتب إليه يزيد بن معاوية:

أمَّا بعد، فإنّك لن تعدوَ أنْ كنت كما أحبُّ، عملت عمل الخادم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنِّي بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوصِ بهما خيراً.

وإنّه قد بلغني أنّ الحسين (ع) قد توجَّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنَّة، وخذ على التهمة غير أنْ لا تقتل إلاّ مَن قاتلك(1) ، واُكتب إليَّ فيما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة

____________________

(1) وهذا مخالف لسيرة بني اُميّة، ويُحتمل الوضع. فقد رواه الخوارزمي في مقتله 1 / 309، بدون هذه الجملة، قال:... فضع المراصد والمناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنّ، واقتل على التهمة، واُكتب في ذلك إليَّ كلّ يوم بما يحدث من خبر.


الله(1) .

أقوال أهل الخلاف فيه

وهو عندهم من التابعين. قال ابن عساكر: الزبير بن الأروح التميمي، عراقي من التابعين(2) .

شبث بن ربعي

وقِيل: شيث بن ربعي، من الخوارج وممّن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام وممّن كذبه، وقاتله وهو من أنصار بني اُميّة، وممّن شهد على حجر بن عدي مع أصحابه (رضوان الله عليهم) حتّى قتلهم معاوية(3) .

تكذيبه الإمام الحسينعليه‌السلام

روى الطبري وابن كثير وابن الأثير، واللفظ للأوّل، قال:

وكتب شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن عمير التميمي: أمَّا بعد، فقد اخضرَّ الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جند

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 18 / 306، تاريخ الطبري 3 / 293، مقتل الخوارزمي 1 / 309.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 18 / 306، مقتل الخوارزمي 1 / 309.

(3) راجع تاريخ الطبري 4 / 199 - 201. وراجع تفصيل هذا كلّه في كتاب مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف.


لك مجنَّد، والسلام عليك... إلخ(1) .

وروى الطبري وابن الأثير، وابن كثير والقندوزي واللفظ للأول، قال:

ثمّ قال لهم الحسينعليه‌السلام : «فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول، أفتشكون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة.

أخبروني: أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟».

قال: فأخذوا لا يكلِّمونه.

قال، (ع) فنادى (ع): «يا شبث بن ربعي ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث، ألمْ تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار، واخضرَّ الجناب وطمت الجمام، وإنّما تقدّم على جند لك مجند فأَقْبِلْ؟». قالوا له: لمْ نفعل.

فقال (ع): «سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم»(2) .

وقد ذكره ابن سعد في قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام (3) . وذكر أيضاً: أنّه قائد ميمنة جيش ابن سعد في قتال الإمام الحسينعليه‌السلام .

وقال العجلي فيه:

شبث بن ربعي من تميم، هو كان أوَّل من أعان على قتل عثمان (رضي الله عنه)، وهو أوَّل من حرّر الحَروريّة، وأعان على قتل الحسين بن عليّعليهما‌السلام (4) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 278، البداية والنهاية 8 / 151 - 152، الكامل في التاريخ لابن الأثير 3 / 385، ذكره مجملاً بقوله: ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.

(2) تاريخ الطبري 3 / 319، البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 194. وقريب منه في ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 65.

(3) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من طبقات ابن سعد / 96.

(4) معرفة الثقات، العجلي 1 / 448.


وروى الطبري والدينوري، وابن كثير واللفظ للأول، قال:

وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي، وأعطى الراية ذويداً مولاه(1) .

ممّن أراد أنْ يحز الرأس الشريفعليه‌السلام .

قال القندوزي:

قال أبو مخنف: وبقي الحسين (ع) ثلاث ساعات من النهار ملطَّخاً بدمه رامقاً بطرفه إلى السماء، وينادي: «يا إلهي، صبراً على قضائك، ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين!». فتبادر إليه أربعون فارساً يريدون حزَّ رأسه الشريف المكرَّم المبارك المقدَّس المنوَّر، ويقول عمر بن سعد: ويلكم! عجِّلوا بقتله. فدنا منه شبث بن ربعي، فرمقه الحسين (ض) بعينه، فرمى السيف من يده وولَّى هارباً، ويقول: معاذ الله أنْ ألقى الله بدمك يا حسين (ع)...(1) .

أقوال أهل الخلاف فيه

ومع هذا فقد قبل رواياته جمع من فطاحل علماء أهل الخلاف، ووثَّقوه.

فقد ذكره ابن حبّان في الثقات، فقال:

شبث بن ربعي من بني يربوع بن حنظلة التميمي، يروي عن عليّ (ع) وحذيفة.

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 317، الأخبار الطوال، الدينوري / 256، البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 193، ذكره باسم: شبيث بن ربعي.

(2) ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 82.


روى عنه محمّد بن كعب القرظي، يخطئ، وحديثه مستقيم(1) .

وقال فيه الرازي: شبث بن ربعي روى عن عليّ (ع) وحذيفة، روى عنه محمّد بن كعب وسليمان التيمي، سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه فقال: حديثه مستقيم لا أعلم به بأساً، والذي روى أنس عنه يقال: ليس هو هذا(2) .

وقال فيه الذهبي:

شبث بن ربعي التميمي اليربوعي، أحد الأشراف والفرسان. كان ممّن خرج على عليّ (ع)، وأنكر عليه التحكيم ثمّ تاب وأناب. وحدَّث عن عليّ (ع) وحذيفة، وعنه محمّد بن كعب القرظي وسليمان التيمي، له حديث واحد في سنن أبي داود. قال الأعمش: شهدت جنازة شبث، فأقاموا العبيد على حدة والجواري على حدة، والجمال على حدة، وذكر الأصناف. قال: ورأيتهم ينوحون عليه ويلتدمون. قلت: كان سيّد تميم هو والأحنف(3) .

وقال عنه أيضاً:

شبث بن ربعي التميمي، عن عليّ (ع) وحذيفة، وعنه محمّد بن كعب وسليمان التيمي، خرج ثمّ تاب. وكان شريفاً له من كلّ المال(4) .

وقد ردَّ الذهبي على من ضعَّفه بأنه ممّن تاب وأناب، قال: شبث بن ربعي، عن عليّ (ع) مرفوعاً في التسبيح والتكبير. ذكره البخاري في

____________________

(1) الثقات، ابن حبّان 4 / 371.

(2) الجرح والتعديل، الرازي 4 / 388.

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي 4 / 150، وروى ما فعله المحبّون له عند موته، ابن سعد في الطبقات الكبرى 6 / 216.

(4) الكاشف في من له رواية في كتب الستّة، الذهبي 1 / 477.


الضعفاء، وقال: روى عنه محمّد بن كعب. لا يصحّ، ولا نعلمه سمع من شبث.

وقال الأزدي: هو أوَّل مَن حرّر الحَروريّة، فيه نظر. قلت: لكنّه فارق الخوارج وتاب وأناب. قال سليمان التيمي، عن أنس (رضي الله عنه)، قال شبث: أنا أوَّل من حرّر الحَروريّة(1) .

محمّد بن الأشعث

ممّن غدر بهانئ بن عروة (قدّس سرّه). وخرج إلى قتال مسلم بن عقيل وآمنه. ومَن سلب مسلم بن عقيلعليه‌السلام سيفه ودرعه. وفي رواية: أنّه ضرب مسلماً على شفته بالسيف. وخرج بألف فارس لقتال سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسين بن عليّعليهما‌السلام ،...

تقدَّم ذلك في ترجمة عزرة بن قيس الأحمسي وغيره، وراجع تفصيل ذلك في كتابنا المقتل.

أقوال أهل الخلاف فيه

وهذا حال محمّد بن الأشعث، ومع ذلك قبله أهل الخلاف، ورووا عنه في صحاحهم وسننهم، ووثَّقوه، ولعلّ ذلك لكون أبي بكر خاله.

فقد ذكره ابن حبّان في مشاهير علماء الأمصار، وقال:

محمّد بن الأشعث بن قيس الكندي أبو القاسم، واُمُّه أخت أبي بكر الصديق، قُتل سنة سبع وستّين(2) .

وقال الذهبي:

____________________

(1) ميزان الاعتدال، الذهبي 2 / 261، وفي ط دار الكتب العلميّة 3 / 261.

(2) مشاهير علماء الأمصار، ابن حبّان / 166.


قلت: وكان ابنه محمّد بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم، وهو والد الأمير عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث الذي خرج معه الناس، وعمل مع الحجّاج تلك الحروب المشهورة التي لمْ يسمع بمثلها، بحيث يُقال: إنّه عمل معه أحداً وثمانين مصافاً، معظمها على الحجّاج، ثمّ في الآخر خذل ابن الأشعث وانهزم، ثمّ ظفروا به وهلك(1) .

وقال أيضاً عنه: محمّد بن الأشعث بن قيس الكندي ابن أخت الصديق، سمع ابن مسعود وطائفة، وعنه مجاهد وجماعة، قُتل 67هـ(2) .

وقال عنه الألباني في خبر وقع ابن الأشعث في سنده 2 / 313: إسناده جيِّد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير محمّد بن الأشعث. وقد وثّقه ابن حبّان، وروى عنه جماعة وهو تابعي كبير(3) .

وقال صاحب الموسوعة: محمّد بن الأشعث من الطبقة الثانية، ووهم من ذكره في الصحابة، أخرج له أبو داوود والنسائي(4) .

أقول: وأكثر ما قِيل فيه عند فرد أو فردين من أهل الخلاف: إنّه مجهول.

كثير بن شهاب

من أنصار بني اُميّة، ومن النواصب المتجاهرين بسبِّ ولعن أمير

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 2 / 42.

(2) الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستّة، الذهبي 2 / 158.

(3) تناقضات الألباني الواضحات، حسن بن عليّ السقاف 2 / 169.

(4) موسوعة رجال الكتب التسعة 3 / 327.


المؤمنينعليه‌السلام على المنابر، وممّن خذَّل الناس عن نصرة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وممّن كذبه وقاتله.

راجع تفصيل ذلك في كتاب المقتل.

وروى البلاذري، قال:

وحدَّثني العبّاس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن عوانة قال: كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة الحارثي عثمانيّاً يقع في عليّ بن أبي طالب (ع)، ويثبِّط الناس عن الحسين (ع). ومات قُبيل خروج المختار بن أبي عبيد، أو في أوَّل أيّامه. وله يقول المختار بن أبي عبيد في سجعه: أمَا وربِّ السحاب، شديد العقاب، سريع الحساب، منزل الكتاب، لأنبشنَّ قبر كثير بن شهاب، المفتري الكذاب.

وكان معاوية ولاّه الريّ ودستبى حيناً من قبله ومن قبل زياد والمغيرة بن شعبة عامليه، ثمّ غضب عليه فحبسه بدمشق، وضربه حتّى شخص شريح بن هانئ المرادي إليه في أمره فخلَّصه.

وكان يزيد بن معاوية قد حمد مشايعته وأتباعه لهواه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد في توليته: ماسبذان ومهر جانقذف، وحلوان والماهين وأقطعه ضياعاً بالجبل، فبني قصره المعروف بقصر كثير، وهو من عمل الدينور. وكان زهرة بن الحارث بن منصور بن قيس بن كثير بن شهاب اتّخذ بماسبذان ضياعاً(1) .

وقال الطبري:

ودعا عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي، فأمره أنْ يخرج فيمَن أطاعه من مذحج، فيسير بالكوفة ويخذِّل الناس عن ابن عقيل، ويخوِّفهم

____________________

(1) فتوح البلدان، البلاذري 2 / 378.


الحرب، ويحذِّرهم عقوبة السلطان، وأمر محمّد بن الأشعث أنْ يخرج فيمَن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمَن جاءه من الناس. وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي، وحجّار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم؛ لقلَّة عدد مَن معه من الناس، وخرج كثير بن شهاب يخذِّل الناس عن ابن عقيل(1) .

موقف أهل الخلاف منه وأقوالهم فيه

قال عنه العجلي: كثير بن شهاب كوفي تابعي ثقة(2) .

وذكره ابن حبّان في الثقات(3) .

وقال ابن حجر العسقلاني:

كثير بن شهاب بن الحصين بن يزيد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب، أبو عبد الرحمن المازني، نزيل الكوفة. ويُقال: إنّه الذي قتل الجالينوس يوم القادسيّة.

قال ابن عساكر: يُقال إنّ له صحبة. وقال ابن سعد: قتل جدُّه الحصين في الردَّة، فقتل ابنه شهاب قاتل أبيه، وساد كثير بن شهاب مذحج. ورُوى عن عمر، قال ابن عبد البرّ: في صحبته نظر. وقال ابن الكلبي: كان كثير بن شهاب موصوفاً بالبخل الشديد، وقد رأس حتّى كان سيّد مذحج بالكوفة، وولي لمعاوية الريّ وغيرها.

وقال المرزباني في ترجمة عبد الله بن الحجّاج بن محصن: كان شاعراً

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 287.

(2) معرفة الثقات، العجلي 2 / 224.

(3) الثقات، ابن حبّان 5 / 330.


فاتكاً ممّن شرب، فضربه كثير بن شهاب وهو على الري في الخمر، فجاء ليلاً فضربه على وجهه ضربة أثّرت فيه، وذلك بالكوفة. وهرب فطلبه عبد الملك بن مروان، فقال في ذلك شعراً وآمنه عبد الملك بعد ذلك. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال البخاري: سمع عمر لمْ يزد. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: تابعي. وقال أبو زرعة: كان ممّن فتح قزوين. وأخرج ابن عساكر من طريق جرير، عن حمزة الزيّات قال: كتب عمر إلى كثير بن شهاب: مرْ من قبلك فليأكلوا الخبز الفطير بالجبن؛ فإنّه أبقى في البطن. قلت: ومما يقوِّي أن له صحبة ما تقدَّم أنهم ما كانوا يُؤمِّرون إلا الصحابة، وكتاب عمر إليه بهذا يدلُّ على أنه كان أميراً، وروينا في الجعديات للبغوي عن عليّ بن الجعد، عن شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت قرظة بن أرطاة يحدِّث عن كثير بن شهاب: سألت عمر عن الجبن فقال: إنّ الجبن يصنع من اللبن واللبأ، فكلوا واذكروا اسم الله، ولا يغرَّنَّكم أعداؤه(1) .

نوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي

من أنصار بني اُميّة، ومن قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وممّن خرج بخمسة آلاف رجل لقتال المختار... وممّن شارك في واقعة الحرّة. ذكره ابن سعد في قتلة الحسينعليه‌السلام (2) .

موقف أهل الخلاف منه وأقوالهم فيه

قال الذهبي فيه: نوفل بن مساحق القرشي، عن عمر وسعيد بن زيد، وعنه ابنه عبد الملك وصالح بن كيسان، ثقة، ولي قضاء المدينة(3) . وقال ابن عساكر: نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، أبو سعيد، ويُقال: أبو مساحق، القرشيّ العامريّ. كان من أشراف قريش من أهل المدينة(4) . وذكره ابن حبّان في كتاب مشاهير علماء الأمصار(5) . وهو من قتل معقل بن سنان لانتقاصه يزيد بن معاوية. وأيضاً صحّح روايته الحاكم في مستدركه(6) . وقال المزيّ: وذكر محمد بن إسحاق: أنّ نوفل بن مساحق هو الذي قتل معقل بن سنان،

____________________

(1) الإصابة، ابن حجر 5 / 427 - 428.

(2) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من طبقات ابن سعد / 95.

(3) الكاشف في معرفة الرجال، مَن له رواية في كتب السنّة، الذهبي 2 / 328.

(4) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 62 / 293.

(5) مشاهير علماء الأمصار، ابن حبّان 63 / 138.

(6) المستدرك، الحاكم النيسابوري 1 / 385.


ومحمّد بن أبي جهم بن حذيفة العدوي يومئذ جميعاً صبراً، وقال فيه بعض الشعراء:

ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها

وأشجع تبكي معقل بن سنان(1)

وقال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب:

نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة القرشيّ العامريّ المدنيّ القاضي، ثقة من الثالثة، مات بعد السبعين(2) .

وقال أيضاً في تهذيب التهذيب:

ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيّين، وقال: ولي القضاء بالمدينة، وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات(1) .

وقال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب وتحريره، واللفظ للأوّل: نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة القرشي العامري المدني القاضي: ثقة من الثالثة، مات بعد السبعين(2) .

ووثَّقه الهيثمي، حيث قال:

وعن سعيد بن زيد، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «مَن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقِّ، وإنّ هذه الرحم شجنة من الرحمن عزَّ وجلَّ، فمَن قطعها حرَّم الله عليه الجنّة». رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير نوفل بن مساحق، وهو ثقة(3) .

حجّار بن أبجر

ممن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام يطلب منه المجيء، وبعد ذلك خرج عليهعليه‌السلام وكذّبه.

ذكره ابن سعد في قتلة الحسينعليه‌السلام (4) .

وقد تقدَّم في ترجمة شبث بن ربعي ما رواه الطبري وابن كثير، وابن الأثير

____________________

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر 10 / 437.

(2) تقريب التهذيب، ابن حجر 2 / 255، تحرير تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني 4 / 28، منشورات مؤسّسة الرسالة.

(3) مجمع الزوائد، الهيثمي 8 / 150.

(4) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من طبقات ابن سعد / 96.


واللفظ للأوّل، قال:

وكتب شبث بن ربعي وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن عمير التميمي: أمَّا بعد، فقد اخضرَّ الجناب وأينعت الثمار وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجنَّد، والسلام عليك...(1) .

وروى الطبري وابن الأثير، وابن كثير والقندوزي، واللفظ للأوّل، قال:

ثمّ قال لهم الحسينعليه‌السلام : «فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول، أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم؟! فوالله، ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة.

أخبروني: أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مال لكم استهلكته؟! أو بقصاص من جراحة؟!».

قال: فأخذوا لا يكلِّمونه.

قال، فنادى (ع): «يا شبث بن ربعي ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث، ألمْ تكتبوا إليَّ أنْ قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب وطمت الجمام، وإنّما تقدم على جند لك مجنَّد فأَقْبِلْ؟!».

قالوا له: لمْ نفعل. فقال (ع): «سبحان الله! بلى، والله لقد فعلتم»(2) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 278، البداية والنهاية 8 / 151 - 152، الكامل في التاريخ 3 / 385، ذكره مجملاً بقوله: ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.

(2) تاريخ الطبري3 / 319، الكامل في التاريخ 3 / 419، البداية والنهاية 8 / 180، وفي ط / 194، وذكر: أنّ ثلاثين شخصاً انضمّوا إلى الإمام الحسينعليه‌السلام من جيش ابن سعد، قال، قال: وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيز إلى جيش الحسينعليه‌السلام من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارساً - فيما قِيل - منهم: الحرّ بن يزيد، أمير مقدّمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسينعليه‌السلام ممّا كان منهم... إلخ. ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 64 بإيجاز.


أقوال أهل الخلاف فيه

ما قاله محدِّث الشام ابن عساكر:

أخبرنا أبو البركات الأنماطي، وأبو العزّ الكيلي قالا: أنبأنا أبو طاهر الباقلاني - زاد الأنماطي: وأبو الفضل العدل - قال: أنبأنا أبو الحسن الأصبهاني، أنبأنا أبو الحسين الأهوازي، أنبأنا أبو حفص الأهوازي، نبأنا خليفة بن خياط، قال: في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة: حجّار بن أبجر بن جابر بن بجير بن عايذ بن شريط بن عمير بن مالك بن ربيعة بن زاهم... إلخ(1) .

ما قاله ابن سعد:

حجّار بن أبجر بن جابر بن بجير بن عائذ بن شريط بن عمرو بن مالك بن ربيعة من عجل. وكان شريفاً، روى عن عليّ(ع)(2) .

ما قاله البخاري:

حجّار بن أبجر البكري، سمع عليّ (عليّه السلام) ومعاوية، روى عنه سماك. قال وكيع: العجلي يُعدُّ في الكوفيّين(3) .

ما قاله الرازي:

مَن رُوي عنه العلم ممّن اسمه: حجّار - حجّار بن أبجر البكري كوفي - روى عن عليّعليه‌السلام ومعاوية، روى عنه سماك بن حرب، سمعت أبي يقول ذلك(4) .

ما قاله ابن ماكولا:

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 12 / 206.

(2) الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد 6 / 231، وفي ط / 250.

(3) التاريخ الكبير، البخاري 3 / 130.

(4) الجرح والتعديل، الرازي 3 / 312.


أبو سيّد، حجّار بن أبجر العجلي، كنَّاه المدائني، يروي عن عليّ بن أبي طالب(ع) ومعاوية بن أبي سفيان، روى عنه سماك بن حرب(1) .

وذكره أيضاً بعد تعداده أبناء بجير، فقال: منهم حجّار بن أبجر بن بجير بن عائذ، كان شريفاً(2) .

فهذا حاله بلا خلاف، وهو شريف عند أهل الخلاف، وممّن روى العلم ومن الطبقة الأولى ومن التابعين.

القعقاع بن شور

من أنصار بني اُميّة، وممّن قاتل مسلم بن عقيلعليه‌السلام وأعان عليه.

روى الطبري قال:

قال أبو مخنف: فحدَّثني أبو جناب الكلبي: أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب - يُقال له: عبد الأعلى بن يزيد - قد لبس سلاحه يُريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره، فقال لابن زياد: إنّما أردتك. قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك. فأمر به فحُبس.

وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي، وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد، فحبسه. فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي، فلمَّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحَّى ويتأخَّر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد الأشعث: قد حلّت على ابن عقيل من

____________________

(1) إكمال الكمال، ابن ماكولا 1 / 71.

(2) إكمال الكمال، ابن ماكولا 6 / 13.


العرار، فتأخَّر عن موقفه. فأقبل حتّى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميّين.

فلمَّا اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمّد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد -: أصلح الله الأمير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس، ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم. فأبى عبيد الله، وعقد لشبث بن ربعي لواء فأخرجه. وأقام الناس مع ابن عقيل يكبِّرون ويثوبون حتّى المساء وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال: أشرفوا على الناس فمنُّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام إليهم(1) .

أقوال أهل الخلاف في القعقاع

قال خيرالدين الزركلي: قعقاع بن شور الذهلي من بني بكر بن وائل، تابعي من الأجواد. كان في عصر معاوية بن أبي سفيان، يُضرب به المثل في حسن المجاورة، قِيل: كان يجعل لمَن جالسه نصيباً من ماله ويعينه على عدوِّه، ويشفع له في حوائجه، ثمّ يغدو إليه بعد المجالسة شاكراً. وفيه يقول الشاعر:

وكنت جليسَ قعقاعِ بنِ شورٍ

ولا يشقى بقعقاعٍ جليسُ(2)

وقال ابن ماكولا: والقعقاع بن شور السدوسي تابعي، وعبد الملك بن نافع ابن أخي القعقاع بن شور. روى عن ابن عمر حديثاً في تحليل الشراب، روى عنه إسماعيل بن أبي

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 287.

(2) الأعلام، خيرالدين الزركلي 5 / 201.


خالد والعوام بن حوشب(1) .

وقال ابن أبي حاتم الرازي:

قعقاع بن شور، روى عن... أخبرنا عبد الرحمن، قال: سألت أبي عنه، وقلت: إنّ البخاري(*) أدخل اسمه فيمَن يسمَّى القعقاع. فقال: لا يُعلم للقعقاع بن شور(2) رواية، والذي يُحدِّث يقال له: عبد الملك بن أخي القعقاع بن شور(3) .

وردَّ ابن حجر العسقلاني على من ضعَّف حديثه فقط، وأثنى عليه حيث قال: قعقاع بن شور، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، انتهى. والمعروف بالتحديث عبد الملك بن أخي القعقاع بن شور(4) ، والقعقاع من كبار الأمراء في دولة بني اُميّة، وفيه يقول الشاعر:

وكنت جليس قعقاعِ بنِ شورٍ

ولا يشقى لقعقاعٍ جليسُ(5)

الحصين بن نمير

من أتباع بني اُميّة، وهو مَن ضرب الإمام الحسينعليه‌السلام في فمه، وممّن شارك في قتلهعليه‌السلام ، وممّن استباحوا المدينة حتّى قتلوا المسلمين فيها وافتضوا الأبكار،

____________________

(1) إكمال الكمال، ابن ماكولا 4 / 392. والمقصود بالدوسي، هو: الباهلي بقرينة عبد الملك ابن أخيه، فإنّ أكثر مَن ذكر القعقاع ذكر عبد الملك بن أخي القعقاع.

(*) ذكره البخاري في تاريخه 7 / 188 بدون تعليق عليه.

(2) وفي المطبوع: أبي شور، والصحيح ما أثبتناه.

(3) الجرح والتعديل، الرازي 7 / 137.

(4) يعني: إذا لمْ تكن له رواية، فكيف يضعَّف؟

(5) لسان الميزان، ابن حجر 4 / 474، وفي ط 5 / 528.


وممّن حرقوا الكعبة ورموها بالمنجنيق، وهو قاتل سليمان بن ُصرد الخزاعي(1) .

مِن الموالين لبني اُميّة

ذكره محدِّث الشام ابن عساكر فقال:

حصين بن نمير بن نائل بن لبيد بن جعثنة بن الحارث بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة، وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث، أبو عبد الرحمن الكندي ثمّ السكوني، من أهل حمص. روى عن بلال(2) ، روى عنه ابنه يزيد بن حصين. وكان بدمشق حين عزم معاوية على الخروج إلى صفين وخرج معه، وولي الصائفة ليزيد بن معاوية.

وكان أميراً على جند حمص. وكان في الجيش الذي وجَّهه يزيد إلى أهل المدينة من دمشق لقتال أهل الحرّة، واستخلفه مسلم بن عقبة - المعروف بمسرف - على الجيش وقاتل ابن الزبير. وكان بالجابية حين عقدت لمروان بن الحكم الخلافة(3) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 3 / 394، قال: سليمان بن ُصرد (ع) الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي، له رواية يسيرة وعن أبي، وجبير بن مطعم، وعنه: يحيى بن يعمر وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق وآخرون. قال ابن عبد البرّ: كان ممّن كاتب الحسينعليه‌السلام ليبايعه، فلمَّا عجز عن نصره ندم وحارب. قلت: كان ديِّناً عابداً... إلخ.

(2) وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال 1 / 554، رقم الترجمة / 2099: أنّ حصين بن نمير أمير يزيد هو الراوي عن بلال.

وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب 2 / 338: وفرَّق البخاري بين حصين بن نمير الراوي عن بلال، وبين حصين بن نمير الأمير، وهو الأظهر عندي.

أقول: وما ذكره ابن حجر ليس بصحيح، ولا يُستفاد من كلام البخاري، إذ البخاري ضعَّف حرقه للكعبة فقط، ولم ينفِ أنّه كان أميراً ليزيد، ولمْ يقل إنّه مغايرٌ لمَن روى عن بلال، وسيتبيَّن حال ذلك كلّه.

(3) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 14 / 382.


خروجه لقتال الحسين عليه‌السلام

قال الدينوري:

فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك فغضب، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة، ثمّ وجَّه الحصين بن نمير وحجّار بن أبجر، وشبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره؛ فأمَّا شمر فنفّذ لمَا وجَّهه له؛ وأمَّا شبث فاعتلَّ بمرض، فقال له ابن زياد: أتتمارض؟ إنْ كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدوِّنا، فلمَّا سمع شبث ذلك خرج، ووجَّه أيضاً الحارث بن يزيد بن رويم(1) .

ضربه الإمام الحسينعليه‌السلام بالسهم في فيه

قال الدينوري:

وبقي الحسينعليه‌السلام ملياً جالساً، ولو شاؤوا أن يقتلوه قتلوه، غير أنّ كلَّ قبيلة كانت تتّكل على غيرها وتكره الإقدام على قتله. وعطش الحسينعليه‌السلام ، فدعا بقدح من ماء، فلمَّا وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم فدخل فمه، وحال بينه وبين شرب الماء، فوضع القدح من يده(2) .

ممّن حملوا الرؤوس

قال الدينوري:

وبعث عمر بن سعد برأس الحسينعليه‌السلام من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي، وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسينعليه‌السلام

____________________

(1) الأخبار الطوال، الدينوري / 254.

(2) الأخبار الطوال، الدينوري / 258.


يومين، ثمّ أذن في الناس بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأساً، جاءت هوازن منها: باثنين وعشرين رأساً، وجاءت تميم: بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة: بثلاثة عشر رأساً مع قيس ابن الأشعث، وجاءت بنو أسد: بستة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد: بخمس رؤوس مع عيهمة بن زهير، وجاءت ثقيف: باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمرو(1) .

أقوال أهل الخلاف فيه

ذكره ابن حبّان في الثقات، فقال: حصين بن نمير يروي عن بلال، روى عنه ابنه يزيد بن حصين(2) .

مالك بن النسير

من النواصب المعادين للإمام الحسينعليه‌السلام ، وممّن أقرَّ بإمامة يزيد بن معاوية، ومن رُسُل ابن زياد، وممّن ضرب رأس الإمام الحسينعليه‌السلام وسلب درعهعليه‌السلام .

قال الطبري:

قال: فلمّا أصبح نزل فصلَّى الغداة، ثمّ عجَّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يُريد أنْ يفرِّقهم، فيأتيه الحرّ بن يزيد فيردُّهم فيردُّه، فجعل إذا ردَّهم إلى الكوفة رداً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلمْ يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسينعليه‌السلام .

قال: فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوساً، مقبل من الكوفة،

____________________

(1) الأخبار الطوال، الدينوري / 259.

(2) لسان الميزان، ابن حجر 6 / 294، وفي ط 7 / 476.


فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلمّا انتهى إليهم سلَّم على الحرّ بن يزيد وأصحابه، ولمْ يسلَّم على الحسينعليه‌السلام وأصحابه، فدفع إلى الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه: أمَّا بعد، فجعجع بالحسين (ع) حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلاّ بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أنْ يلزمك ولا يفارقك، حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.

قال: فلمَّا قرأ الكتاب قال لهم الحرّ: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أنْ أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره أنْ لا يفارقني حتّى أنفذ رأيه وأمره، فنظر إلى رسولِ عبيد الله يزيدُ بن زياد بن المهاصر(1) أبو الشعثاء الكندي ثمّ البهدلي، فعنَّ له، فقال: أمالك بن النسير البديّ؟ قال: نعم - وكان أحد كندة - فقال له يزيد بن زياد: ثكلتك أُمُّك، ماذا جئت فيه؟ قال: وما جئت فيه؟‍ أطعت إمامي ووفيت ببيعتي، فقال له أبو الشعثاء: عصيت ربَّك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار. قال الله عز وجل:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ) (2) . فهو إمامك(3) .

ضربه رأس الحسينعليه‌السلام ... وسلبه

قال الطبري:

قال: وإنّ رجلاً من كندة - يُقال له: مالك بن النسير من بني بداء - أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى

____________________

(1) فإنّ هذا ممّن التحق بالإمام الحسينعليه‌السلام وقتل معه.

(2) سورة القصص / 41.

(3) تاريخ الطبري 3 / 309.


رأسه، فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسينعليه‌السلام : «لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين!».

قال: فألقى ذلك البرنس، ثمّ دعا بقلنسوة فلبسها واعتمَّ، وقد أعيى وبلد، وجاء الكندي حتّى أخذ البرنس وكان من خز، فلمَّا قدم به بعد ذلك على امرأته، أُمِّ عبد الله ابنة الحرّ أخت حسين بن الحرّ البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فقالت له امرأته: أسلب ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تدخل بيتي؟ أخرجه عنِّي. فذكر أصحابه أنّه لمْ يزل فقيراً بشرٍّ حتّى مات(1) .

عمر بن سعد بن أبي وقاص

هو من أخبره أمير المؤمنينعليه‌السلام بقتله الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان الناس يقولون فيه إنّه قاتل الحسينعليه‌السلام قبل قتلهعليه‌السلام ، وهو من خرج بجيشه لقتالهعليه‌السلام ، ومن أمر جنوده بمنعهعليه‌السلام عن الماء بأمر عبيد الله عليه لعائن الله، وأوّل مـن بدأ بقتالهعليه‌السلام ، وهو من أمر بذبحهعليه‌السلام ، ومن أمر جنوده برضِّ صدرهعليه‌السلام وظهره بحوافر الخيل، وممّن ساقوا حرمهعليه‌السلام إلى الكوفة و... و...

راجع ذلك في كتاب المقتلل.

وهو لا يختلف اثنان في أنّه قائد الجيش الذي قتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

ابن سعد (لعنه الله) ينتدب عشرة فرسان لرضِّ جسد الحسينعليه‌السلام بحوافر خيولهم

روى الطبري والشبراوي واللفظ للأوّل، قال:

قال: ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه: مَن ينتدب للحسين (ع)، ويوطئه

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 331 - 332.


فرسه؟ فانتدب عشرة، منهم: إسحاق بن حيوة الحضرمي - وهو الذي سلب قميص الحسينعليه‌السلام فبرص بعدُ - وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسينعليه‌السلام بخيولهم حتّى رضُّوا ظهره وصدره، فبلغني أنّ أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب، وهو واقف في قتال، ففلق قلبه فمات(1) .

مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه

أقول: فهذا اللعين ابن سعد وأعماله، ومع هذا لمْ يقدح فيه أهل الخلاف وليتهم سكتوا عنه، إلاّ أنّ بعضهم وثَّقه واعتبره صدوقاً، وقد اعتذروا له بأنّه قائد الجيش الذي ذبح الحسينعليه‌السلام ، وسبى نساءه وسحق أطفاله، وقتل أولاده وإخوته وأصحابه فليس هو القاتل، وإنّما هو القائد!

وهؤلاء حسابهم عسير يوم القيامة، إذ لا جواب لهم ولا عذر في نصرتهم أعداء الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام .

فإليك ما قاله أهل الخلاف في هذا الخبيث:

قال فيه العحلي:

عمر بن سعد بن أبي وقاص، مدني ثقة. كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو الذي قتل الحسينعليه‌السلام . قلت: كان أمير الجيش ولمْ يباشر قتله!(2) .

وقال فيه ابن حجر:

عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني، نزيل الكوفة، صدوق، ولكن مقته الناس

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 335، الإتحاف بحبّ الأشراف للشبراوي: / 53، ط أمير قم.

(2) معرفة الثقات، العجلي 2 / 166.


لكونه كان أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، من الثانية، قتله المختار سنة خمس وستّين أو بعدها، ووهم من ذكره في الصحابة، فقد جزم ابن معين بأنّه ولد يوم مات عمر بن الخطاب(1) .

وروى محدِّث الشام ابن عساكر:

أخبرنا أبو البركات الأنماطي، وأبو عبد الله البلخي، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن الطيوري وثابت بن بندار، قالا: أخبرنا الحسين بن جعفر - زاد ابن الطيوري: وابن عمِّه محمّد بن الحسن - قالا: أخبرنا الوليد بن بكر، أخبرنا عليّ بن أحمد بن زكريا، أخبرنا صالح بن أحمد، حدَّثني أبي، قال: عمر بن سعد بن أبي وقاص كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو الذي قتل الحسين (ع).

وقال في موضع آخر: عمر بن سعد بن مالك تابعي ثقة، وهو الذي قتل الحسين(ع)(2) .

وقال أيضاً:

أخبرنا أبو البركات الأنماطي، أخبرنا أحمد بن الحسن، أخبرنا يوسف بن رباح، أخبرنا أبو بكر المهندس، أخبرنا أبو بشر الدولابي، حدَّثنا معاوية بن صالح، قال: سمعت يحيى بن معين يقول - في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدِّثيهم -: عمر بن سعد بن أبي وقاص، ثمّ ذكره في أهل الكوفة، وقال: قتله المختار(3) .

وقال أيضاً:

وأخبرنا أبو عبد الله البلخي، أخبرنا ثابت بن بندار، قالا: أخبرنا الوليد، أخبرنا عليّ بن أحمد، أخبرنا صالح بن أحمد، حدَّثني أبي، قال: عمر بن سعد بن أبي

____________________

(1) تقريب التهذيب، ابن حجر 1 / 717، وفي ط 3 / 73.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 45 / 41.

(3) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 45 / 41.


وقاص كوفي تابعي، وهو الذي قتل الحسينعليه‌السلام (1) .

وقال فيه الذهبي:

عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري: هو في نفسه غير متّهم(2) ، لكنّه باشر قتال الحسين (ع) وفعل الأفاعيل.

روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، فقام إليه رجل فقال: أمَا تخاف الله؟! تروي عن عمر بن سعد؟! فبكى وقال: لا أعود.

وقال العجلي: روى عنه الناس، تابعي ثقة. وقال أحمد بن زهير: سألت ابن معين أعمر بن سعد ثقة؟! فقال: كيف يكون من قتل الحسين (ع) ثقة؟!‍

قال خليفة: قتله المختار سنة خمس وستّين(3) .

وذكره الذهبي في كتابه: مَن له رواية في كتب الستّة، فقال:

عمر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وعنه ابنه إبراهيم وقتادة والزهري ولمْ يلحقاه، حطَّ عليه ابن معين لقتاله الحسين (ع)، وقد قتله المختار سنة 66 / هـ(4) .

عمرو بن الحجّاج بن سلمة بن عبد يغوث الزبيدي

ممّن شهد على حجر بن عدي، وغدر بهانئ بن عروة، وخرج على الإمام الحسينعليه‌السلام . وكان رئيساً على خمسمئة فارس ليمنعهعليه‌السلام ومن معه عن الماء، وممّن حرَّض على قتالهعليه‌السلام .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 45 / 40.

(2) ولا أدري كيف لا يكون مَن هذه حاله متّهماً؟

(3) ميزان الاعتدال، الذهبي 3 / 198، وفي ط 5 / 238.

(4) الكاشف في معرفة مَن له رواية في كتب الستّة، الذهبي 2 / 61.


شهادته على حجر بن عدي حتّى قتله معاوية

وتفصيل ذلك في تاريخ الطبري(1) .

الغدر بهانئ بن عروة رضوان الله عليه

روى الطبري، قال:

وقال غير أبي جعفر: الذي جاء بهانئ بن عروة إلى عبيد الله بن زياد عمرو بن الحجّاج الزبيدي(2) .

ورى الطبري أيضاً، قال:

فقال ابن زياد لجلسائه: مالي لا أرى هانئاً؟ فقالوا: هو شاكٍ. فقال: لو علمت بمرضه، لعدته.

قال أبو مخنف: فحدَّثني المجالد بن سعيد، قال: دعا عبيد الله محمّد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة. قال أبو مخنف: حدَّثني الحسن بن عقبة المرادي أنّه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزبيدي(3) .

أقول: أمَّا مجيئه مع مذحج وهو رئيسهم، فهو مجرَّد تمويه على مذحج، ويشهد لذلك أنّه بمجرَّد إخبارهم بأن هانئاً سالم قال: الحمد لله، وذهب.

وهو من خواص ابن زياد وجلسائه؛ ولهذا كان على ميمنة الجيش الذي قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

وروى الطبري، قال:

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 224 - 231، ذكر مقتل حجر وأصحابه (رضوان الله عليهم) مفصلاً، وشهادة الزور التي أُقيمت عليهم في الكوفة.

(2) تاريخ الطبري 3 / 275.

(3) تاريخ الطبري 3 / 284، وأيضاً ذكره الخوارزمي في مقتله 1 / 294 الفصل العاشر.


حدثنا عمر بن عليّ، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، قال: حدَّثنا عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فجلس في مجلس ابن زياد فحدَّث، قال: طردت اليوم حمراً فأصبت منها حماراً فعقرته. فقال له عمرو بن الحجّاج الزبيدي: إنّ حماراً تعقره أنت لحمار حائن(1) . فقال: ألاَ أخبرك بأحين من هذا كلّه؟ رجل جيء بأبيه كافراً إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأمر به أنْ يُضرب عنقه. فقال: يا محمّد‍ فمَن للصبيّة؟ قال (ص): «النار، فأنت من الصبية وأنت في النار». قال: فضحك ابن زياد(2) .

تعدّيه على الإمام الحسينعليه‌السلام وتحريضه على قتاله، وإقراره بإمامة يزيد.

روى الطبري، قال:

قال أبو مخنف: حدَّثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي: إنّه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، يقول: يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين وخالف الإمام. فقال له الحسينعليه‌السلام : «يا عمرو بن الحجّاج، أعليَّ تحرض الناس؟! أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟! أمَا والله، لتعلمنَّ لو قد قبضت أرواحكم، وُمتّم على أعمالكم أيُّنا مرق من الدين، ومَن هو أولى بصلّي النار»(3) .

أقول: وبهذا وبقول الطبري -: وبلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانئاً قد قُتل فأقبل في مذحج حتّى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، ثمّ نادى: أنا عمرو بن الحجّاج،

____________________

(1) الحائن: الأحمق. انظر: تاج العروس 9 / 188.

(2) تاريخ الطبري 3 / 275 - 276.

(3) تاريخ الطبري 3 / 324.


هذه فرسان مذحج ووجوهها لمْ تخلع طاعةً، ولمْ تُفارق جماعةً...(1) - يعرف أن عمرو بن الحجّاج من أهل الخلاف، ومن الموالين لبني اُميّة، وكيف لا يكون من مواليهم وهو من رؤساء قتلة الحسينعليه‌السلام ؟!

قال الدينوري:

وهرب عمرو بن الحجّاج - أي: من المختار - وكان من رؤساء قتلة الحسين (ع)، يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف(2) .

ولهذا ذكر مدحه ابن حجر فقال:

عمرو بن الحجّاج الزبيدي، ذكره وثيمة في كتاب الردَّة؛ وقال: كان مسلماً في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وله مقام محمود حين أرادت زبيد الردَّة إذ دعاهم عمرو بن معد يكرب إليها فنهاهم عمرو بن الحجّاج، وحثَّهم على التمسُّك بالإسلام، وقد مضى ذلك في ترجمة عمرو بن العجيل الزبيدي واستدركه ابن الدباغ وابن فتحون(3) .

أسماء بن خارجة

ممّن سعى في قتل أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومَن جاء بهانئ بن عروة (رضوان الله عليه) إلى ابن زياد حتّى هشم بالسيف وجهه، وممّن خرج لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام .

راجع ذلك في كتاب المقتل.

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 286.

(2) الأخبار الطوال، الدينوري / 303.

(3) الإصابة، ابن حجر 5 / 111.


وجوده مع عمر بن سعد في كربلاء

قال ابن حجر:

قلت: قرأت بخط الذهبي: مات - أي: الحسن بن الحسن بن عليّعليهم‌السلام - سنة 97 هـ. والذي في صحيح البخاري في الجنائز قال: لمَّا مات الحسن بن الحسن بن عليّعليهم‌السلام ضربت امرأته القبَّة على قبره... الحديث. وقد وصله المحاملي في أماليه من طريق جرير عن مغيرة، وقال الجعابي: وحضر مع عمِّه كربلاء، فحماه أسماء بن خارجة الفزاري؛ لأنّه ابن عمِّ اُمِّه، وذكره ابن حبّان في الثقات(1) .

من قتلة الحسينعليه‌السلام الذين طلبهم المختار

قال الدينوري:

وهرب أسماء بن خارجة الفزاري، وكان شيخ أهل الكوفة وسيّدهم، من المختار خوفاً على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد، يسمَّى: ذروة، في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به(2) .

وقال البلاذري تحت عنوان: مقتل عمر بن سعد، ومَن شرك في دم الإمام الحسينعليه‌السلام :

وكان أسماء بن خارجة مستخفياً، فقال المختار ذات يوم وعنده أصحابه: أمَا وربِّ الأرض والسماء، والضياء والظلماء لينزلن من السماء نار دهماء أو حمراء أو سحماء، فلتحرقن دار أسماء. فأتى الخبر أسماء، فقال: سجع أبو إسحاق بنا، ليس على هذا مقام، فخرج هارباً حتّى أتى البادية، فلمْ يزل بها ينزّل مرّة في بني

____________________

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر 2 / 230.

(2) الأخبار الطوال، الدينوري / 303.


عبس، ومرّة في غيرهم حتّى قُتل المختار، وهدم المختار له ثلاثة آدر(1) .

مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه

قال فيه ابن حبّان في كتاب مشاهير علماء الأمصار:

أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري من سادات أهل المدينة، وجلَّة التابعين مات سنة خمس وستّين(2) .

وذكره أيضاً في كتابه الثقات(3) .

وقال فيه ابن حجر:

أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أبو حسّان الكوفي، قال أبو حسّان الزيادي: مات سنة ستّين وله ثمانون سنة. قلت: فعلى هذا يكون مولده قبل المبعث. وقال ابن حبّان: مات سنة خمس وستّين، ووافق على مقدار سنِّه. وقال ابن عبد البرّ في الكنى في ترجمة أبي العريان: لا يُبعّد أنْ يكون صحابيّاً لرواية كبار التابعين عنه. انتهى.

وقد ذكروا أباه وعمَّه الحرّ في الصحابة، وهو على شرط ابن عبد البرّ، وروى الطبري من طريق أبي الأحوص، قال: فاخر أسماء بن خارجة رجلاً، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

وقال ابن المبارك في الزهد: عن المسعودي، عن مالك بن أسماء بن خارجة، عن أبيه قال، سمعت ابن مسعود، يقول: ذو اللسانين في الدنيا له لسانان من نار يوم القيامة.

____________________

(1) أنساب الأشراف، البلاذري 5 / 241، وفي نسخة دار الفكر - بيروت - 6 / 410.

(2) مشاهير علماء الأمصار، ابن حبّان / 123.

(3) الثقات، ابن حبّان 4 / 59.


وقال المرزباني: كان شريفاً جواداً كريماً لبيباً، وله أخبار كثيرة، ووفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه.

وقال ابن أبي الدنيا: حدَّثنا أبو حذيفة عبد الله بن مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء الفزاري، عن أبيه قال، قال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحداً قط(1) .

وقال الذهبي فيه:

أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر، الأمير أبو حسّان، وقِيل: أبو هند، الفزاري الكوفي، من كبار الأشراف، وهو ابن أخي عيينة بن حصن أحد المؤلَّفة قلوبهم. روى أسماء عن عليّعليه‌السلام وابن مسعود، وعنه: ولده مالك وعلي بن ربيعة. وفيه يقول القطامي:

إذا مات ابنُ خارجةَ بنِ حصنٍ

فلا مطرت على الأرضِ السماءُ

ولا رجع البريدُ بغُنْمِ جيشٍ

ولا حَمَلَتْ على الطُّهْرِ النساءُ

وقال الزركلي فيه:

ابن خارجة (000 - 66 ه‍ـ / - 686 م) أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري: تابعي من رجال الطبقة الأولى، من أهل الكوفة بالعراق. كان سيّد قومه، جواداً مقدماً عند الخلفاء(2) .

وقال عنه البخاري:

أسماء بن خارجة في الكوفيّين، سمع منه ابنه مالك، حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا الأحوص، قال: قال أسماء بن خارجة: أنا ابن

____________________

(1) الإصابة، ابن حجر العسقلاني 1 / 339.

(2) الأعلام، ‌‌‌‌‌خيرالدين الزركلي 1 / 305.


الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب(1) .

وقال ابن كثير فيه:

أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي، وكان جواداً ممدحاً...(2) .

عبيد الله بن زياد

وقد ذكرنا ما فعله بآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مفصلاً في المقتل، وإليك شيئاً من ذلك:

ما فعله اللعين من وضع رجله على فم الإمام الحسينعليه‌السلام

قال ابن الجوزي: ‌‌‌‌‌‍‍‌‌‌‍‍‍‌‌‍‌‌‍‌

وقال هشام بن محمّد: لمَّا وُضع الرأس بين يدي ابن زياد، قال له كاهنه: قمْ فضع قدمك على فم عدوِّك، فقام فوضع قدمه على فيه، ثمّ قال لزيد بن أرقم: كيف ترى؟ فقال: والله، لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضعاً فاه حيث وضعت قدمك(3) .

تقويره (لعنه الله) رأس الإمام الحسينعليه‌السلام

قال ابن الجوزي: وذكر عبد الله بن عمرو الوراق في كتاب المقتل: أنّه لمَّا حضر الرأس بين ابن زياد أمر حجّاماً، فقال: قوِّره، وأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم، واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم(4) .

____________________

(1) التاريخ الكبير، البخاري 2 / 55.

(2) البداية والنهاية، ابن كثير 9 / 53.

(3) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 231، منشورات الشريف الرضيّ.

(4) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 233، منشورات الشريف الرضيّ.


وقال اليافعي:

وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور، وهو أنّ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) أمر أنْ يقوَّر الرأس المشرف المكرّم، حتّى يُنصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجل، يُقال له طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤوم المذموم، فقوَّره ونصبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحلُّ ذكرها(1) .

نكثه (عليه اللعنة) رأس الإمام الحسينعليه‌السلام

رواية أنس بن مالك:

روى ابن كثير والذهبي، وصاحب الآحاد والمثاني وصاحب كتاب فضائل الصحابة، وابن العديم وصاحب كتاب أخبار قزوين، وصاحب كتاب النجوم الزاهرة وصاحب تاريخ واسط، والطبري في ذخائر العقبى والبخاري، والترمذي وابن حبّان وغيرهم، واللفظ للأوّل، قال:

قال الإمام أحمد: حدَّثنا حسين حدَّثنا جرير، عن محمّد، عن أنس قال: أتي عبيدالله بن زياد برأس الحسينعليه‌السلام ، فجعل في طست ينكت عليه، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس: إنّه كان أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان مخضوباً بالوشمة.

ورواه البخاري في المناقب، عن محمّد بن الحسن بن إبراهيم هو ابن إشكاب، عن حسين بن محمّد، عن جرير بن حازم، عن محمّد بن سيرين، عن أنس فذكره، وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال: حسن صحيح. وفيه: فجعل ينكت بقضيب في أنفه، ويقول: ما رأيت مثل هذا

____________________

(1) مرآة الزمان وعبرة اليقظان، اليافعي: / 273، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


حسناً(1) .

رواية ابن أرقم

روى ابن كثير وابن العديم، والذهبي وابن عساكر والدينوري، والطبراني واللفظ

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 191، الآحاد والمثاني 1 / 307، فضائل الصحابة 2 / 784. ورواه بطرق مختلفة، فمرّة: في حديث رقم 1394 بإسناده إلى حفصة بنت سيرين، عن أنس بن مالك؛ وأخرى: في حديث رقم 1395 بإسناده إلى محمّد عن أنس بن مالك؛ ومرّة أخرى: في حديث رقم 1397 بإسناده إلى عليّ بن زيد عن أنس بن مالك، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2577.

وذكره أيضاً: عن جرير، عن محمّد، عن أنس في / 2577، وعن هاشم، عن محمّد، عن أنس في / 2632، وعن حفصة بنت سيرين في / 2632.

وأيضاً رواه: عن سعيد بن عبيد في / 2638، التدوين في أخبار قزوين 2 / 478، النجوم الزاهرة 1 / 155، سير أعلام النبلاء، وقد ذكر بإسناده إلى جرير بن حازم، عن محمّد، عن أنس بن مالك 3 / 281؛ وأخرى: بإسناده إلى حفصة بنت سيرين 3 / 281؛ وتارة أخرى: بإسناده عن هشام عن محمّد عن أنس بن مالك 3 / 280 - 281، تاريخ واسط 1 / 220، مسند أحمد 3 / 261، عن ابن سيرين عن أنس، صحيح البخاري 4 / 216 عن ابن سيرين، عن أنس، سنن الترمذي 5 / 325، عن حفصة بنت سيرين عن أنس، مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 195 عن أنس، موارد الظمآن / 554، عن حفصة بنت سيرين، عن أنس، تحفة الأحوذي 10 / 307، عن البخاري عن ابن سيرين، الآحاد والمثاني 1 / 306، عن ابن سيرين عن أنس.

وأيضاً عن عليّ بن زيد عن أنس / 307، مسند أبي يعلى 5 / 228، عن ابن سيرين، صحيح ابن حبّان 15 / 429، عن بنت سيرين، المعجم الكبير للطبراني 3 / 125، رواه عن أنس عليّ بن زيد وبنت سيرين، كنز العمّال للمتّقي الهندي 13 / 673، عن ابن سيرين باختصار، تاريخ دمشق لابن عساكر 14 / 126، رواه عن أنس تارةً هاشم عن ابن سيرين، وأخرى جرير عن ابن سيرين، ورواه عن أنس بنت سيرين في / 127، وعلي بن زيد في / 235، ورواه عن قرّة بن خالد عن الحسن، أسد الغابة 2 / 20، رواه عن ابن سيرين عن أنس، تهذيب الكمال 6 / 400، عن بنت سيرين، عن أنس، ينابيع المودّة 3 / 10، ذخائر العقبى للطبري / 128.


للأوّل، قال:

وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد فسرَّحني إلى أهله لأبشِّرهم بما فتح الله عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسينعليه‌السلام موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت شفتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على هاتين الثنيتين يقبِّلهما، ثمّ انفضخ الشيخ يبكي. فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فوالله لولا أنّك شيخ قد خرفت، وذهب عقلك، لضربت عنقك.

قال: فنهض فخرج، فلمَّا خرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم كلاماً لو سمعه ابن زياد، لقتله. قال، فقلت: ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبد عبيداً فاتّخذهم تليداً، أنتم - يا معشر العرب - العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة (ع)، وأمَّرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبعداً لمَن رضي بالذُّل.

وقد رُوي من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم بنحوه(1) .

أمره بغلِّ عنق الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، وحرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مكشفات

روى الطبري، قال:

____________________

(1)البداية والنهاية 8 / 191، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2631، سير أعلام النبلاء 3 / 281، تاريخ دمشق لابن عساكر، ذكرها في موضعين 14 / 236 بإيجاز، 14 / 366 بتفصيل، الأخبار الطوال / 260، المعجم الكبير للطبراني 5 / 206، المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم، ابن الجوزي 5 / 341 بإيجاز.


قال: ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسينعليه‌السلام وصبيانه فجهِّزن، وأمر بعليّ بن الحسينعليه‌السلام فغُلَّ بغُلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرَّح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي عائذة قريش، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قدموا على يزيد. فلمْ يكن عليّ بن الحسينعليه‌السلام يكلِّم أحداً منهما في الطريق كلمة حتّى بلغوا، فلمَّا انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فقال: هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة. قال، فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت اُم محفز شرٌّ وألاُم(1) .

وروى ابن حبّان، قال:

ثم أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن عليّعليه‌السلام إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان، من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أقتاب مكشَّفات الوجوه والشعور(2) .

ابن زياد عند أهل الخلاف

وابن زياد - كما هو معروف - من بني اُميّة بالتبنِّي، فهو من أهل الخلاف؛ وأمَّا الشيعة، فتتبرأ منه وتلعنه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وللشيعة شهد الذهبي، فقال:

عبيد الله بن زياد بن أبيه: أمير العراق، أبو حفص، والي البصرة سنة خمس وخمسين وله ثنتان وعشرون سنة وولي خراسان، فكان أوَّل عربيّ قطع جيحون وافتتح بيكند وغيرها.

وكان جميل الصورة قبيح السريرة. وقِيل: كانت اُمُّه مرجانة من بنات ملوك

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 338.

(2) الثقات، ابن حبّان 2 / 312.


الفرس.

قال أبو وائل: دخلت عليه بالبصرة، وبين يديه ثلاثة آلاف ألف درهم جاءته من خراج أصبهان، وهي كالتل... إلى أنْ يقول: وقد كانت مرجانة تقول لابنها عبيد الله: قتلت ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ترى الجنّة، أو نحو هذا.

قال أبو اليقظان: قتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستّين.

قال يزيد بن أبي زياد، عن أبي الطفيل، قال: عزلنا سبعة أرؤس وغطَّينا منها رأس حصين بن نمير وعبيد الله بن زياد، فجئتُ فكشفتُها فإذا حيَّة في رأس عبيد الله تأكل.

وصحَّ من حديث عمارة بن عمير، قال: جِيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حيّة تخلَّل الرؤوس حتّى دخلت في منخر عبيد الله فمكثت هنية، ثمّ خرجت وغابت، ثمّ قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً.

قلت: الشيعي لا يطيب عيشه حتّى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم وأمرهم إلى الله(1) .

أقول: ومع براءته منه لمْ يترك الثناء عليه بذكر مناقبه كما تقدّم، حيث قال: عبيد الله بن زياد بن أبيه، أمير العراق أبو حفص، والي البصرة سنة خمس وخمسين وله ثنتان وعشرون سنة وولي خراسان، فكان أوَّل عربيّ قطع جيحون وافتتح بيكند وغيرها.

وقال في الثناء عليه الزركلي:

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 3 / 549.


ابن زياد (28 - 67 هـ = 648‍ - 686 م) عبيد الله بن زياد بن أبيه: والٍ فاتح من الشجعان، جبارخطيب، ولد بالبصرة. وكان مع والده لمَّا مات بالعراق، فقصد الشام، فولاه عمُّه معاوية خراسان سنة 53 هـ، فتوجَّه إليها ثمّ قطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، ففتح راميثن ونصف بيكند.

قال أحد من كانوا معه: ما رأيت أشدَّ بأساً من عبيد الله، لقينا زحفاً من الترك، فرأيته يقاتل فيحمل عليهم، فيطعن فيهم ويغيب عنّا، ثمّ يرفع رايته تقطر دماً.

وأقام بخراسان سنتين، ونقله معاوية إلى البصرة أميراً عليها سنة 55 هـ، فقاتل الخوارج واشتدَّ عليهم(1) .

وذكره محمّد في كتاب من له رواية في كتاب أحمد، فقال: عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، أبو أحمد، ويُقال لأبيه: زياد بن أبيه، عن أبي برزة، وعنه أبو سبرة، له ذكر في حديث بن برزة لا رواية له(2) .

اللعين شمر بن ذي الجوشن

ناصبي بغيض، تولَّى ذبح سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الحسين بن عليّعليه‌السلام ، وفعل ما فعل و... وإليك بعض ذلك.

هجوم شمر اللعين على خيام الحسينعليه‌السلام ليحرقها

قال ابن الدمشقي:

وحمل الشمر حتّى طعن في فسطاط الحسينعليه‌السلام ، وقال: عليَّ بالنار حتّى

____________________

(1) الأعلام، خيرالدين الزركلي 4 / 193.

(2) من له رواية في مسند أحمد، محمّد بن عليّ بن حمزة / 280.


أحرق هذا البيت على أهله. فصاح النساء وولولن وخرجن من الفسطاط، فصاح به الحسينعليه‌السلام : «حرقك الله بالنار، ويلك! أتدعو بالنّار لتحرق على أهلي؟»(1) .

شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) مَن تولَّى ذبح سبط رسول اللهعليه‌السلام

قال ابن حبّان:

والذي تولَّى في ذلك اليوم حزَّ رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام شمر بن ذي الجوشن(2) .

وقال خليفة بن الخياط:

ولي قتل الحسينعليه‌السلام شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك(3) .

رأي أهل الخلاف في شمر بن ذي الجوشن

ذهب الذهبي وغيره إلى أن شمر اللعين من مشايخ الثقات، ومن كبار التابعين، وقال فيه ابن عساكر: إنه تابعي، وذكرت له روايات تبرِّئ موقفه، وكونه مطيعاً لله فيما فعل!

من مشايخ شيخ الكوفة وعالمها ومحدّثها وتابعي

قال الذهبي:

أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد، وقِيل: عمرو بن عبد الله

____________________

(1) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ، ابن الدمشقي 2 / 287.

(2) الثقات، ابن حبّان 2 / 311.

(3) تاريخ خليفة بن خياط 1 / 235.


ابن عليّ الهمداني الكوفي الحافظ، شيخ الكوفة وعالمها ومحدِّثها، لمْ أظفر له بنسب متّصل إلى السبيع، وهو من ذرّيّة سبيع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان.

وكان (رحمه الله) من العلماء العاملين، ومن جلَّة التابعين.

قال: ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأيت عليّ بن أبي طالب (ع) يخطب.

ورُوى عن معاوية وعدي بن حاتم، وابن عبّاس والبرّاء بن عازب، وزيد بن أرقم وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي جحيفة السوائي وسليمان بن ُصرد، وعمارة بن رويبة الثقفي، وعبد الله بن يزيد الأنصاري وعمرو بن الحارث الخزاعي، وغيرهم من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ورأى أيضاً أسامة بن زيد النبويّ، وقرأ القرآن على الأسود بن يزيد وأبي عبد الرحمن السلمي. وكان طلابة للعلم كبير القدر.

وروى أيضاً عن علقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع، والضحّاك بن قيس الفهري، وعمرو بن شرحبيل الهمداني والحارث الأعور، وهبيرة بن يريم وشمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد الزهري وعبيدة بن عمرو السلماني، وعاصم بن ضمرة وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعمرو بن ميمون الأودي وصلة بن زفر العبسي، وسعيد بن وهب الخيواني وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، وحارثة بن مضرب وعبد الله بن معقل، وصلة بن زفر وأبي الأحوص عوف بن مالك، ومسلم بن نذير والأسود بن هلال، وشريح القاضي وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وكميل بن زياد النخعي والمهلب بن أبي صفرة الأمير، والأسود بن هلال المحاربي، وخلق كثير من كبراء التابعين، تفرَّد بالأخذ عن عدَّة منهم(1) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 5 / 392 - 393.


وقال محدِّث الشام ابن عساكر:

شمر بن ذي الجوشن، واسم ذي الجوشن شرحبيل، ويقال: عثمان بن نوفل، ويقـال: أوس بن الأعور أبو السابغة العامـري، ثمّ الضـبابي - حيّ من بني كلاب - كانت لأبيه صحبة وهو تابعي، أحد من قاتل الحسين بن عليّعليها‌السلام ، وحدَّث عن أبيه.

روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ووفد على يزيد بن معاوية مع أهل بيت الحسينعليه‌السلام (1) .

وقال أيضاً عندما روى لأبي إسحاق رواية عن ذي الجوشن أبي شمر:

قال: وأخبرنا عبد الله، حدَّثنا محمّد بن عباد، حدَّثنا شيبان، عن أبي إسحاق عن ذي الجوشن أبي شمر الضبابي نحو هذا الحديث، قال شقيق: وكان ابن ذي الجوشن جاراً لأبي إسحاق، ولا أراه إلاّ سمعه منه، قوله: ولا أراه إلاّ سمعه منه، يعني: أبا إسحاق سمعه من شمر بن ذي الجوشن عن أبيه(2) .

وقال صلاح الدين الصفدي:

قاتل الحسين (ع) شمر بن ذي الجوشن، أبو السابغة العامري، ثمّ الضبابي - حيّ من بني كلاب - كانت لأبيه صحبة، وهو تابعي، أحد من قاتل الحسين (ع) وحدَّث عن أبيه. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وفد على يزيد مع أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو الذي احتزَّ رأس الحسينعليه‌السلام على الصحيح، قتله أصحاب المختار في حدود السبعين للهجرة، لمَّا خرج المختار وتطلَّب قتلة الحسينعليه‌السلام وأصحابه. وإنّما سمِّي أبوه ذو الجوشن؛ لأنّ صدره كان ناتئاً(3) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 23 / 186.

(2) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 23 / 188.

(3) الوافي بالوفيات، صلاح الدين الصفدي / 12693، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


* * *


الفصل الرابع: يزيد بن معاوية



يزيد بن معاوية

شارب الخمور والمعلن بالفسوق، وناكح الاُمّهات والأخوات، وقاتل سيّد شباب أهل الجنّة (صلوات الله عليه)، والهاتك حرمة أهل البيتعليهم‌السلام ، والسابُّ لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، والهاتك حرمة المدينة حتّى قتل فيها الصحابة والقرَّاء وهتك الأعراض، وولدت الأبكار و... و...

والحديث حول سوء سيرته وقبح سريرته طويل، فراجع ذلك مفصلاً في كتاب مقتل أبي عبد الله الحسين (ع) من موروث أهل الخلاف، ولكنَّنا نذكر هنا فصلاً مختصراً يُبيِّن شيئاً من حاله، ليقف القارئ الكريم على حال أتباعه، كما قال الشاعر:

إذا كان ربُّ البيت بالدفِّ مولعاً

فشيمة أهل البيت كلِّهم الرقص

يزيد بن معاوية موبقة من موبقات معاوية

روى الطبري وابن الأثير، وابن الجوزي وأبو المحاسن، وابن أبي الحديد والقندوزي والنويري، وعبد القادر البغدادي والقاضي التنوخي، واللفظ للأوّل، قال:

قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، عن الحسن البصري، قال: أربع خصال كنَّ في معاوية لو لمْ يكن فيه منهنَّ إلاّ واحدة، لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزَّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكِّيراً خمِّيراً، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادِّعاؤه زياداً وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الولد للفراش وللعاهر الحجر،


وقتله حجراً، ويلاً له من حجر مرّتين!»(1) .

ورُوي عن الشافعي أنّه أسرَّ إلى الربيع أنْ لا يقبل شهادة أربعة، وهم: معاوية وعمرو بن العاص، والمغيرة وزياد(2) .

وقال عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي:

وروى الزبير بن بكار في الموفقيّات، ورواه جميع الناس ممّن عني بنقل الآثار والسير، عن الحسن البصري: أربع خصال كنَّ في معاوية لو لمْ يكن فيه إلاّ واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزَّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكِّيراً خمِّيراً، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادِّعاؤه زياداً وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويله من حجر وأصحاب حجر!»(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 3 / 232، الكامل في التاريخ لابن الأثير 3 / 337، المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم لابن الجوزي 5 / 243، النجوم الزاهرة لأبي المحاسن 1 / 141، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 2 / 262، و 16 / 193، ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 2 / 27، نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري / 12391، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، لعبد القادر البغدادي / 4554، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، قال:

وروى ابن الجوزي بإسناده عن الحسن البصري... الفرج بعد الشدّة للقاضي التنوخي / 1347، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) ما بين القوسين من خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، لعبد القادر البغدادي / 4554، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(3) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 2 / 262.


يزيد أوَّل من سنّ الملاهي في الإسلام

قال الأصفهاني:

وقال: كان يزيد بن معاوية أوَّل من سنَّ الملاهي في الإسلام من الخلفاء، وآوى المغنِّين وأظهر الفتك، وشرب الخمر. وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه، والأخطل الشاعر النصراني. وكان يأتيه من المغنّين سائب خاثر فيُقيم عنده فيخلع عليه...(1) .

وقال البلاذري:

كان يزيد بن معاوية أوَّل من أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء والصيد، واتّخاذ القيان والغلمان، والتفكُّه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة(2) .

ما فعله مع أهل البيت عليهم‌السلام على سبيل الاختصار (3)

ذكرنا في كتاب المقتل: ما فعله يزيد بأهل البيتعليهم‌السلام ، ونذكر هنا شيئاً يسيراً من ذلك:

قال أبو الفرج ابن الجوزي:

قلت: ليس العجب من فعل عمر بن سعد، وعبيد الله بن زياد بما صنعوا وأتوا إلى أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من عظيم الإجرام، وإنّما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب على ثنية الحسينعليه‌السلام ، وإعادته رأسه الشريف إلى

____________________

(1) الأغاني، الأصفهاني 17 / 301، وفي ط 16 / 68.

(2) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 81، وفي ط دار الفكر - بيروت - 5 / 299.

(3) وتفصيل ذلك، ذكرته في آخر الفصل الخامس من كتاب المقتل.


المدينة، وقد تغيَّرت ريحه لبلوغه(1) الغرض الفاسد، أفيجوز أنْ يفعل هذا بالخوارج؟ أو ليس في الشرع أنّهم يُصلَّى عليهم ويدفنون؟!

أمّا قوله يزيد: لي أنْ أهبهم، فأمر لا يقع لفاعله ومعتقده إلاّ اللعنة!

ولو أنّه احترم الرأس حين وصوله إليه وصلَّى عليه، ولمْ يتركه في طست ولمْ يضربه بقضيب ما الذي كان يضرُّه، وقد حصل مقصوده من القتل؟

لكن أحقاد جاهليّة، ودليلها ما تقدَّم من إنشاده [ شعر ابن الزبعرى ]:

____________________

(1) وقد ذُكر عن المقريزي ما يدلّ على خلاف هذا المقطع، قال عليّ فكري: فكشف الحجب عن تلك الذخيرة النبويّة، أي: رأس الحسينعليه‌السلام ، فوجد دمها لمْ يجف، ووجد لها رائحة أطيب من المسك - كما قال المقريزي -. أحسن القصص، الشريف عليّ فكري الحسيني القاهري 4 / 255، ط بيروت، نقلاً عن إحقاق الحقّ 33 / 706.

أقول: وأمَّا على قول الشيعة بأن رأسه الشريف دفن في كربلاءفيحتمل قوياً أنه رأس أحد أصحاب الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعلى هذا يكون بقاء رأس سيّد شباب أهل الجنة وريحانة أفضل رسل اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بدون تغيُّر من باب الأولى، فهذه رؤوس كثيرة لم تتغيَّر ما يقارب مائتين وخمسين سنة.

فقد جاء في صلة تاريخ الطبري للقرطبي / 43 قال:

وفيها، أي: في سنة 304 هـ، ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه أنّه وجد بالقندهار في أبراج سورها برج متّصل بها، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش، ومن هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأساً، في أذن كلّ رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم باسم كلّ رجل منهم، والأسماء:

شريح بن حيّان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمي، الحارث بن عبد الله، طلق بن معاذ السلمي، حاتم بن حسنة، هانئ بن عروة، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبد الله بن سليمان بن عمارة، سليمان بن عمارة، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل بن السهيل بن عمرو، عمرو بن حيّان، سعيد بن عتاب الكندي، حبيب بن أنس، هارون بن عروة، غيلان بن العلاء، جبريل بن عبادة، عبد الله البجلي، مطرف بن صبح ختن عثمان بن عفان. وجدوا على حالهم إلاّ أنّهم قد جفَّت جلودهم، والشعر عليها بحالته لمْ يتغيَّر، وفي الرقاع: من سنة 70 من الهجرة.


ليت أشياخي ببدر شهدوا

...........................(1)

وتعرَّض سبط ابن الجوزي في تذكرته إلى ما ذكره جدُّه، فقال:

وقال جدِّي: ليس العجب من قتال ابن زياد الحسينعليه‌السلام ، وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشمر، وحمل الرؤوس إليه، وإنّما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثناياه، وحمل آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا على أقتاب الجمال، وعزمه على أنْ يدفع فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام إلى الرجل الذي طلبها، وإنشاده أبيات ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

............................

وردِّه الرأس إلى المدينة، وقد ظن أنّه تغيَّر ريحه(2) ، وما كان مقصوده إلا الفضيحة وإظهار رائحة الرأس، أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج؟ أليس بإجماع المسلمين أن الخوارج والبغاة يكفنون ويصلى عليهم ويدفنون؟ وكذا قول يزيد: لي أنْ أسبيكم لمَّا طلب الرجل فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام ، وهذا قول لا يقنع لقائله وفاعله باللعنة، ولو لمْ يكن في قلبه أحقاد جاهليّة، وأضغان بدرّيّة لَاحترم الرأس لمَّا وصل إليه، ولمْ يضربه بالقضيب، وكفَّنه ودفنه، وأحسن إلى آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

يزيد بن معاوية قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام

إنّ لكلِّ حزب أنصاراً، ولكلِّ رئيس أعوان يتبعونه ويسيرون على نهجه، وقد سخَّر الشيطان حزباً ليزيد بن معاوية، يسيرون على نهجه ويمدحونه، ويذبُّون

____________________

(1) كتاب الردّ على المتعصب العنيد، أبو الفرج ابن الجوزي / 52 - 53.

(2) فيه إشارة: إلى عدم تغيُّره، بل ريح رأسهعليه‌السلام أطيب من المسك، كما تقدّم في هامش الصفحة السابقة.

(3) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 260، ط منشورات الشريف الرضيّ، ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 29 عن ابن الجوزي.


عنه كي لا يمسّ بكلمة سوء، فأخذت ثلَّة على نفسها الدفاع عنه وتبرئة ساحته، وكلّ بحسب طاقته وقربه من سيّده ومولاه يزيد بن معاوية، وهؤلاء أرادوا نصرة أعداء الدين، ومعاداة أنصاره.

قال سبط ابن الجوزي:

وقال جدِّي: وصنَّف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر منهم يزيد. وقال في الكتاب المذكور: الممتنع من جواز لعن يزيد إمَّا أنْ يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يُريد أنْ يوهم بذلك، وربما استفز - استغرـ الجهّال بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «المؤمن لا يكون لعَّاناً».

قال القاضي: وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن(1) .

ونذكر أقوال بعض مَن صرَّح بقتل يزيد بن معاوية (لعنه الله) الإمام الحسينعليه‌السلام :

قول ابن عبّاس

روى الفسوي جواب ابن عبّاس (قدّس سرّه) لكتاب يزيد بن معاوية مخاطباً له قائلاً:

... وقد قتلت حسيناً (ع) وفتيان عبد المطلب، مصابيح الهدى ونجوم الأعلام، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد، مزمَّلين بالدماء، مسلوبين بالعراء، لا مكفَّنين ولا موسَّدين، تسفو عليهم الرياح، وتنتابهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله عزَّ وجلَّ لهم بقوم لمْ يشركوا في دمائهم، كفَّنوهم وأجنُّوهم، وبي وبهم والله عززت، وجلست مجلسك الذي جلست.

فما أنسى من الأشياء فلست بناسٍ إطرادك حسيناً (ع) من حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حرم الله عزَّ وجلَّ، وتسييرك إليه الرجال لقتله في الحرم، فما زلت بذلك

____________________

(1) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 257 - 258، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.


وعلى ذلك حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق، فخرج خائفاً يترقَّب، فتزلزلت به خيلك عداوة منك لله عزَّ وجلَّ ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولأهل بيتهعليهم‌السلام ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، أولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد الحمير، فطلب إليكم الموادعة، وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلَّة أنصاره واستئصال أهل بيته، فتعاونتم عليه، كأنّكم قتلتم أهل بيت من الترك(1) .

قول المعتضد الخليفة العبّاسي:

فقد تكلَّم في ذمِّ بني اُميّة حتّى وصل إلى يزيد بن معاوية وذكر فيه ما ذكر، فقال:

ثمّ من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن عليّعليه‌السلام وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع موقعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله له ولأخيه بسيّدة شباب أهل الجنة، اجتراء على الله وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتثَّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدَّ له من

____________________

(1) المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 531، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 85، تاريخ دمشق لابن عساكر 24 / 243 بطريق مختلف، المعجم الكبير للطبراني 10 / 242 بسند آخر. وذكره سبط ابن الجوزي عن الواقدي، وهشام وابن إسحاق وغيرهم، قالوا: لمَّا قتل الحسين (ع)... إلخ. وساق ما جرى بينهما، في تذكرة الخواص / 247، طبعة منشورات الشريف الرضيّ، اليعقوبي في تاريخه 2 / 247 - 250، وقد ذكرناها مفصلة في المقتل في مواقف ابن عبّاس (رضوان الله) عليه عند خروج الحسينعليه‌السلام من مكّة.


عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته...(1)

قول معاوية بن يزيد

ذكر اليعقوبي والدميري، وابن حجر الهيتمي والقندوزي، واللفظ للأوّل:

فخطب معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، قائلاً... ثمّ، قلَّد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلَّت منعته، وانقطعت مدَّته، وصار في حفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه.

ثمّ بكى، وقال: إنّ أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة وحرق الكعبة، وما أنا المتقلِّد أموركم، ولا المتحمِّل تبعاتكم، فشأنكم أمركم، فوالله، لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظاً، وإنْ تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها(2) .

قول أحمد بن حنبل

قال محمّد رضا: وقال الإمام ابن حنبل بكفر يزيد، ونقل صالح بن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، قال: قلت لأبي: يا أبت! أتلعن يزيد؟ فقال: يا بنيَّ! كيف لا نلعن من لعنه الله تعالى في ثلاث آيات من كتابه العزيز، في الرعد والقتال والأحزاب، قال تعالى:( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (3) . وأيُّ قطيعة أفظع من قطيعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ابن بنته

____________________

(1) تاريخ الطبري 5 / 623، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 15 / 178.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 254، حياة الحيوان 2 / 88 الإوز، الصواعق المحرقة / 224، وفي ط / 134، ينابيع المودّة للقندوزي 3 / 36.

(3) سورة الرعد / 25.


الزهراء؟ وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (1) . وأيُّ أذية لهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوق قتل ابن بنته الزهراء؟ وقال تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (2) . وهل بعد قتل الحسينعليه‌السلام إفساد في الأرض أو قطيعة للأرحام؟(3) .

قول الشهاب الآلوسي

قال الآلوسي بعدما ذكر المباني في اللعن:

وعلى هذا القول لا توقُّف في لعن يزيد؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيّام تكليفه، ويكفي ما فعله أيّام استيلائه بأهل المدينة ومكّة. فقد روى الطبراني بسند حسن: اللهمّ، مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه (لعنة الله) والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) والطامَّة الكبرى ما فعله بأهل البيتعليهم‌السلام ، ورضاه بقتل الحسينعليه‌السلام على جدِّه و(عليه الصلاة والسلام) واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته ممّا تواتر معناه وإنْ كانت تفاصيله آحاداً(4) .

قول ابن الجوزي

____________________

(1) سورة الأحزاب / 57.

(2) سورة محمّد / 22 - 23.

(3) الحسن والحسين سبطا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمحمّد رضا، أمين مكتبة جامعة فؤاد الأوَّل سابقاً / 143، ط دار الكتب العلمية - بيروت - نقلاً عن إحقاق الحقّ 33 / 666.

(4) روح المعاني، الآلوسي 26 / 72.


وقال المنّاوي:

قِيل لابن الجوزي، وهو على كرسي الوعظ: كيف يُقال: يزيد قتل الحسينعليه‌السلام وهو بدمشق، والحسينعليه‌السلام بالعراق؟ فقال:

سهمٌ أَصَابَ وراميه بذي سَلَمٍ

مَنْ بالعراقِ لقد أبعدتَ مَرْمَاكا(1)

قول التفتازاني

وقال المنّاوي:

قال التفتازانيى: الحقّ أنّ رضى يزيد بقتل الحسينعليه‌السلام وإهانته أهل البيتعليهم‌السلام ممّا تواتر معناه، وإنْ كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقَّف في شأنه بل في إيمانه (لعنة الله عليه) وعلى أنصاره وأعوانه.

قال الزين العراقي، وقوله: بل في إيمانه، أي: بل لا يتوقَّف في عدم إيمانه بقرينة ما قبله وما بعده(2) .

قول الذهبي

قال الذهبي وكان ناصبياً، فظاً غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسينعليه‌السلام ، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس، ولمْ يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسينعليه‌السلام كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق(3) .

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 1 / 265، شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي 1 / 68، وفي ط / 122.

(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 3 / 109.

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي 4 / 37.


قول الجاحظ

قال الجاحظ:

إنّ الجرائم التي ارتكبها يزيد من قتله للإمام الحسينعليه‌السلام وإخافته لأهل المدينة، وخرابه الكعبة وأسره لبنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وضربه ثنايا الحسينعليه‌السلام بالعصا، ألاَ تُعدُّ دليلاً على قساوته وعداوته وكرهه وحقده وعناده ونفاقه، أمْ أنّها تدلّ على محبته وإخلاصه للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله عليهم السلام؟!

ثمّ إنّه قال: وعلى أيِّ حال فهذه الأعمال مصداق لفسقه وضلاله، فهو فاسق ملعون، وكلُّ مَن منع من لعنه فهو ملعون(1) .

وقال أيضاً:

ثمّ الذي كان من يزيد ابنه ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثمّ غزو مكّة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسينعليه‌السلام في أكثر أهل بيته، مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام، بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتْباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أوالذَّهاب في الأرض حتّى لا يُحسَّ به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلاّ قَتْله والنُّزول على حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوِّه وخيَّر فيها مَن لا يبرد غليله إلاّ بُشرْب دمه(2) .

قول المناوي

قال المناوي:

ومن مجازفات بن العربي أنّه... ألَّف كتابًا في شأن مولانا الحسين (ع)، وأخزى شانئه، زعم فيه: أنّ يزيد قتله بحقٍّ بسيف جدِّه، نعوذ بالله من

____________________

(1) رسائل الجاحظ / 298، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) رسائل الجاحظ / 465، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


الخذلان...(1) .

وغير هؤلاء الكثير الكثير من صرَّحوا بقتل يزيد (لعنه الله) للإمام الحسينعليه‌السلام .

تقريبه ابن زياد لقتله الإمام الحسينعليه‌السلام

قال المسعودي:

وكان يزيد صاحب طرب وجوارح، وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب. وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسينعليه‌السلام ، فأقبل على ساقيه فقال:

اسقني شربةً تروِّي مشاشي

ثمّ مِلْ فاسقِ مِثْلَها ابنَ زيادِ

صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي

ولتسديدِ مغنمي وجهادي

ثمّ أمر المغنين فغنَّوا به(2) .

وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص:

قلت: والذي يدلّ على هذا(3) أنّه استدعى ابن زياد إليه، وأعطاه أموالاً كثيرة، وتحفاً عظيمة وقرَّب مجلسه، ورفع منزلته وأدخله على نسائه، وجعله نديمه وسكر ليلة، وقال للمغنّي: غَنِّ. ثمّ قال يزيد بديهيّاً:

اسقني شربةً تروِّي فؤادي

ثمّ مِلْ فاسقِ مِثْلَها ابنَ زيادِ

صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي

ولتسديدِ مغنمي وجهادي

قاتِلَ الخارجيِّ أعني حسيناً

ومبيدَ الأعداءِ والحسادِ(4)

____________________

(1) فيض القدير، المناوي 5 / 246، الجامع الصغير للسيوطي 1 / 365.

(2) مروج الذهب، المسعودي 3 / 67، طبعة دار الهجرة.

(3) أي: على وجود الأحقاد البدريّة والخيبريّة، ووجوب اللعنة عليه.

(4) تذكرة الخواص / 260، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.


وقال الشبراوي:

قال أبو الفضل: وبعد أنْ وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وُضع في طست بين يدي يزيد، وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب، ثمّ أمر بصلبه فصلب ثلاثة أيّام بدمشق. وشكر لابن زياد صنيعه، وبالغ في إكرامه ورفعته، حتّى صار يدخل على نسائه، ثمّ ترك الرأس الشريف بعد صلبه في خزانة السلاح...(1) .

أمره بزيادة عطاء قتلة الإمام الحسين عليه‌السلام

روى البلاذري، قال:

وحدَّثني العمري، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد بن سعيد قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: أمَّا بعد، فزدْ أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في عطيَّاتهم مئة مئة(2) .

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف، الشبراوي / 69 - 70.

(2) أنساب الأشراف، البلاذري 3 / 420.


ما فعله في واقعة الحرّة

وصية معاوية لابنه يزيد في أهل المدينة

روى ابن عساكر والهيثمي، واللفظ للأوّل، قال:

أنبأنا أبو عليّ الحداد، أنبأنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدَّثنا عليّ بن المبارك الصنعاني، حدَّثنا زيد بن المبارك، حدَّثني عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، أخبرني محمّد بن سعيد - يعني: ابن رمانة -(1) : أنّ معاوية لمَّا حضره الموت، قال ليزيد بن معاوية: قد وطَّأت لك البلاد، وفرشت لك الناس، ولست أخاف عليك إلاّ أهل الحجاز، فإنّ رابك منهم ريبة فوجِّه إليهم مسلم بن عقبة المرّي؛ فإنّي قد جرَّبته غير مرّة، فلمْ أجد له مثلاً في طاعته ونصيحته.

فلمَّا جاء يزيد بن معاوية خلاف ابن الزبير ودعاؤه إلى نفسه دعا مسلم بن عقبة المرّي، وقد أصابه الفالج، فقال: إنّ أمير المؤمنين عهد إليَّ في مرضه إنْ رابني من أهل الحجاز ريب أنْ أوجِّهك إليهم، وقد رابني، فقال: إنّي كما ظنّ أمير المؤمنين، اعقد لي وعبِّء الجيوش.

قال: فورد المدينة فأباحها ثلاثةً، ثمّ دعاهم إلى بيعة يزيد على أنّهم أعبد

____________________

(1) ما بين القوسين قول الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 249.


قنٌّ في طاعة الله ومعصيته، فأجابوه إلى ذلك إلاّ رجلاً واحداً(1) من قريش اُمّه اُم ولد، فقال له: بايع ليزيد على أنّك عبد في طاعة الله ومعصيته. قال: لا بل في طاعة الله. فأبى أنْ يقبل ذلك منه وقتله، فأقسمت اُمُّه قسماً لئن أمكنها الله من مسلم حيّاً أو ميّتاً أنْ تحرقه بالنار.

قال: فلمَّا خرج مسلم من المدينة اشتدَّت علَّته فمات، فخرجت اُم القرشي بأعبدٍ لها إلى قبر مسلم، فأمرت به أنْ يُنبش من عند رأسه، فلمَّا وصلوا إليه إذا بثعبان قد التوى على عنقه قابضاً بأرنبة أنفه يمصُّها.

قال: فكاع القوم عنه، وقالوا: يا مولاتنا، انصرفي قد كفاك الله شرَّه. وأخبروها الخبر، قالت: لا، أوافي الله بما وعدته، ثمّ قالت: انبشوا من عند الرجلين، فنبشوا فإذا الثعبان لاوي ذنبه برجليه.

قال: فتنحَّت فصلت ركعتين، ثمّ قالت: اللهمّ، إنْ كنت تعلم أنّي إنّما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك، فخلِّ بيني وبينه.

قال: ثمّ تناولت عوداً، فمضت في ذنب الثعبان، فحرَّكته فانسلَّ من مؤخَّر رأسه فخرج من القبر، ثمّ أمرت به، فأخرج وأحرق بالنار.

قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، ضعَّفه أبو زرعة ووثقه ابن حبّان وغيره، وابن رمانة لمْ أعرفه(2) .

أقول: ومحمّد بن سعيد بن رمانة: ذكره ابن حبّان في الثقات(3) ، وهو من

____________________

(1) وفي المطبوع: إلاّ رجل واحد. والصحيح ما أثبتناه، وهو موافق لمَا في مجمع الزوائد.

(2) مجمع الزوائد، الهيثمي 7 / 249، تاريخ دمشق، ابن عساكر 58 / 114.

(3) الثقات، ابن حبّان 9 / 35.


رجال البخاري أيضاً(1) .

ما ذكره الزرقاني والعاصمي من عدد جيش الشام وقتله الصحابة وفضِّه الأبكار... و... ومسح دم الافتضاض بالقرآن الكريم!

قال الزرقاني والسيوطي، واللفظ للأوّل:

ويوم الحرَّة - بفتح الحاء المهملة والراء المشدّدة أرض ذات حجارة سود، كأنّها أُحرقت بالنار بظاهر المدينة - كانت به الوقعة بين أهلها وبين عسكر يزيد بن معاوية، وهو سبع وعشرون ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل، سنة ثلاث وستّين، بسبب خلع أهل المدينة يزيد، وولَّوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، وأخرجوا عامل يزيد عثمان بن محمّد بن أبي سفيان من بين أظهرهم، فأباح مسلم بن عقبة أمير جيش يزيد المدينة ثلاثة أيّام، يقتلون ويأخذون النهب، ووقعوا على النساء حتّى قِيل: حملت في تلك الأيّام ألف امرأة بغير زوج، وافتض فيها ألف عذراء، وبلغت القتلى من وجوه الناس سبعمئة من قريش والأنصار، ومن الموالي وغيرهم من نساء وصبيان وعبيد عشرة آلاف.

وقِيل: قُتل من القرّاء سبعمئة، ثمّ أخذ عقبة عليهم البيعة ليزيد على

____________________

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر 9 / 165، قال: محمّد بن سعيد بن رمانة - بضمّ المهملة والتشديد - عداده في أهل اليمن. روى عن أبيه، روى عنه عبد الملك بن محمّد الذماري الصنعاني، وقع ذكره في أوَّل الجنائز من صحيح البخاري ضمناً، فقال: وقِيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنّة؟! الحديث الموقوف، ووصله في التاريخ عن إسحاق بن راهويه، عن عبدالملك، وهو على شرط المزّي في ذكره عبد الرحمن بن فروخ.

أقول، الظاهر من قوله: ذكره... ضمناً، أنّ البخاري ذكر الحديث الذي يرويه عن ابن رمّانة ولمْ يصرّح برجاله إلى الحديث، نعم، قد صرّح بهم في تاريخه الموسوم بتاريخ البخاري 1 / 95، رقم الحديث 261.


أنّهم عبيده إنْ شاء عتق وإنْ شاء قتل.

وفي البخاري عن سعيد بن المسيّب: أنّ هذه الوقعة لمْ تبقَ من أصحاب الحديبيّة أحداً، ثمّ سار إلى قتال ابن الزبير بمكّة، فمات بقديد واستخلف على الجيش حصين بن نمير بعهد يزيد إليه(1) .

وقال العاصمي الشافعي:

وقُتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمئة رجل، وقِيل: من أخلاط الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان، ونهبوا وأفسدوا، واستحلّوا الحرم في مسجده (عليه الصلاة والسلام) ولمْ يبقَ في المسجد إلاّ سعيد بن المسيّب، جعل نفسه ولهاناً خبلاً فتركوه، وكان يقول: كنت أسمع عند مواقيت الصلاة همهمة من الحجرة المطهرة، وافتضّ فيها ألف عذراء، وإنْ مفتضَّها فعل ذلك أمام الوجه الشريف، والتمس ما يمسح به الدم فلمْ يجد ففتح مصحفاً قريباً منه، ثمّ أخذ من أوراقه ورقة فمسح به الدم. نعوذ بالله ما هذا! إلاّ صريح الكفر وأنتنه(2) .

وقال سبط بن الجوزي وجدُّه، واللفظ للأوّل، قال:

وذكر المدائني في كتاب الحرّة عن الزهري، قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمئة من وجوه الناس: قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي؛ وأمَّا مَن لمْ يُعرف من عبد أو حرّ أو امرأة فعشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتّى

____________________

(1) شرح الزرقاني لموطأ مالك 3 / 153، تاريخ الخلفاء / 195، وفي ط: 209 بإيجاز.

(2) سمط النجوم العوالي 3 / 202 - 203.


وصلت الدماء إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وامتلأت الروضة والمسجد(1) .

قال مجاهد: التجأ الناس إلى حجرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنبره والسيف يعمل فيهم، وكانت واقعة الحرّة سنة ثلاثة وستين في ذي الحجة، فكان بينها وبين موت يزيد ثلاثة أشهر، ما أمهله الله بل أخذه أخذ القرى(2) ، وهي ظالمة، وظهرت فيه الآثار النبويّة والإشارات المحمّديّة(3) .

وقال سبط ابن الجوزي:

وذكر أيضاً المدائني عن أبي قرّة، قال: قال هشام بن حسّان، ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج، وغير المدائني يقول: عشرة آلاف امرأة(4) .

وقال ابن حمدون:

قال سعيد بن المسيب: مكثت ثلاثة أيّام في زمن يزيد بن معاوية أصلّي في المسجد لا يصلّي معي داع ولا مجيب؛ إنّ أهل الشام لا يتركون أحداً بلغ الحلم إلاّ ضربوا عنقه(5) .

بيعة أهل المدينة على أنّهم خول وعبيد ليزيد بن معاوية

روى ذلك كثير من المؤرخين، منهم: ابن قتيبة الدينوري وخليفة بن الخياط

____________________

(1) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 259، طبعة منشورات الشريف الرضيّ، كتاب الردّ على المتعصب العنيد، أبو الفرج ابن الجوزي /55، تحقيق الشيخ المحمودي (قدّس سرّه).

(2) وفي المطبوع: أخذ القوي، والظاهر ما أثبتناه.

(3) تذكرة الخواص، ابن الجوزي / 259، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.

(4) تذكرة الخواص، ابن الجوزي 259 / 260، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.

(5) التذكرة الحمدونيّة لابن حمدون / 6169، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


وابن عساكر وابن أبي الحديد وغيرهم(1) .

وفي تاريخ اليعقوبي، قال:

فلمَّا انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجَّه إلى مسلم بن عقبة، فأقدمه من فلسطين، وهو مريض فأدخله منزله، ثمّ قصَّ عليه القصّة، فقال: يا أمير المؤمنين، وجِّهني إليهم فوالله، لأدعنَّ أسفلها أعلاها - يعني: مدينة الرسول (ص) - فوجَّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرّة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً وخندقوا على المدينة، فرام ناحية من نواحي الخندق فتعذَّر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم فدخل ومعه مئة فارس، فأتبعه الخيل حتّى دخلت المدينة، فلمْ يبقَ بها كثير أحد إلاّ قُتل. وأباح حرم رسول الله (ص)، حتّى ولدت الأبكار لا يعرف من أولدهنَّ، ثمّ أخذ الناس على أنْ يبايعوا على أنّهم عبيد يزيد بن معاوية، فكان الرجل من قريش يُؤتى به فيُقال: بايع آية أنّك عبد قن ليزيد، فيقول: لا، فيُضرب عنقه.

فأتاه عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، فقال: علامَ يُريد يزيد أنْ أبايعك؟ قال: على أنّك أخ وابن عمٍّ. فقال: وإنْ أردت أنْ أبايعك على أنّي عبد قن فعلت. فقال: ما أحشمك هذا. فلمَّا أنْ رأى الناس إجابة عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، قالوا: هذا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بايعه على ما يريد، فبايعوه على ما أراد، وكان ذلك سنة 62هـ(2) .

وما أوردناه هنا من أحداث واقعة الحرّة يسير جدّاً، فليراجع من بغيته المزيد كتاب مقتل أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف.

____________________

(1) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري 1 / 236، بتحقيق الشيري، الأخبار الطوال، الدينوري /265، تاريخ خليفة بن خياط، العصفري /183، تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 58 / 107، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 15 / 242.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 250.


* * *


كفر يزيد بن معاوية

ولا يشكّ في كفره إلاّ مَن تعصَّب للباطل، أو غلب على عقله الضلال، إذ يزيد بن معاوية نفسه قد أقرَّ بالارتداد فضلاً عمَّن قال بكفره. فقد روى ابن عبد ربّه الأندلسي:

وأمر مسلم بن عقبة بقتل معقل بن سنان الأشجَعي صبراً، ومحمّد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي صبراً. وكان جميعُ مَن قُتل يوم الحرّة من قريش والأنصار ثلاثمئة رجلٍ وستّة رجالٍ، ومن الموالي وغيرهم أضعاف هؤلاء. وبعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلمَّا أُلقيت بين يديه جَعل يتمثَّل بقول ابن الزَّبعرى يوم أحد:

ليت أشياخِي ببدرٍ شَهِدُوا

جَزَع الخَزْرج من وَقْع الأسَلْ

لأهلّوا واستهلُّوا فرحا

ولقالوا ليزيدٍ: لا فَشَلْ

فقال له رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ارتددتَ عن الإسلام يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى، نَستغفر الله. قال: والله، لا ساكنتُك أرضاً أبداً. وخرج عنه(1) .

وأمَّا من قال بكفره، فكثير. قال عبد الحيّ الدمشقي:

وقال اليافعي: وأمَّا حكم مَن قتل الحسينعليه‌السلام ، أو أمر بقتله ممّن استحلّ ذلك، فهو كافر، وإنْ لمْ يستحلَّ ففاسق فاجر، والله أعلم(2) .

وقال ابن الدمشقي:

____________________

(1) العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي / 3185، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي 1 / 68 - 69.


وقال ابن القفطي في تاريخه: إنّ السبي لمَّا ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقِّيه، فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة عليّ والحسن والحسينعليهم‌السلام ، والرؤوس على أسنَّة الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة العقاب، فلمَّا رآهم أنشد:

لمَّا بدت تلك الحمولُ وأشرقت

تلك الرؤوسُ على رُبَا جَيْرُونِ

نعب الغرابُ فقلتُ قل أو لا تقل

فقد اقتضيتُ من الرسولِ ديوني

يعني بذلك أنّه قتل الحسينعليه‌السلام بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر مثل عتبة جدِّه ومَن مضى من أسلافه! وقائل مثل هذا القول بريء من الإسلام، ولا يُشكّ في كفره(1) .

وقال أيضاً:

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديوني

فقال له رجل من الصحابة: ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين، قال: بل نستغفر الله!

وقرع ثغره الشريف بالقضيب وهو الحبيب وابن الحبيب [ و ] سبط الحبيب، وكلّ هذا ممّا يدل على صريح الكفر [أو الكفر] الصريح والمذهب(2) القبيح، والقيامة تجمعهم، وإلى الله مرجعهم، ففضَّ الله فاه بما نطق وفاه(3) .

وقال المناوي:

قال المولى بن الكمال: والحقُّ أنّ لعن يزيد على اشتهار كفره، وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عُرف بتفاصيله جائز(4) .

____________________

(1) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ، ابن الدمشقي 2 / 300.

(2) وفي المطبوع: الذهب، والصحيح ما أثبتناه.

(3) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ، ابن الدمشقي 1 / 15.

(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 1 / 264.


وقال سبط ابن الجوزي:

قال ابن عقيل: وممّا يدلُّ على كفره وزندقته - فضلاً عن سبِّه ولعنه - أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها:

عُلَيَّةُ هاتي واعلني وترنَّمِي

بذلك إني لا أُحِبُّ التناجيا

حديثُ أبي سفيانَ قِدْمَاً سما بها

إلى أُحُدٍ حتّى أقام البواكيا

ألا هاتِ فاسقيني على ذاك قهوةً

تخيَّرها العنسيُّ كرْماً شآميا

وإن متُّ يا أُمَّ الأحيمرِ فانكحي

ولا تأملي بَعْدَ الفراقِ تلاقيا

فإن الذي حُدِّثْتِ عن يومِ بَعْثِنا

أحاديثُ طسمٍ تجعلُ القلبَ ساهيا

ولابدَّ لي من أن أزورَ محمّداً

بمشمولةٍ صفراءَ تَرْوِي عظاميا

قلت، ومنها:

ولو لم يمسَّ الأرضَ فاضلُ بُرْدِها

لما كان عندي مسحةٌ في التيمُّمِ

ومنها: لما بدت تلك الحمول وأشرقت...، وقد ذكرناها وهي قوله:

لما بدت تلك الحمولُ وأشرقتْ

تلك الشموسُ على رُبَى جيرونِ

نَعَبَ الغرابُ فقلتُ: نُحْ أو لا تَنُحْ

فلقد قضيتُ من الغريمِ ديوني(1)

ومنها قوله:

معشرَ الندمانِ قوموا

واسمعوا صَوْتَ الأغاني

واشربوا كأسَ مُدَامٍ

واتركوا ذِكْرَ المعاني

شغلتني نغمةُ العيدان

عن صوتِ الأذانِ

____________________

(1) وهذين البيتين قد ذكرهما في التذكرة في / 235، ط منشورات الشريف الرضيّ.


وتعوَّضْتُ عن الحورِ

خموراً في الدِّنَانِ

إلى غير ذلك ممّا نقلته من ديوانه؛ ولهذا تطرَّق إلى هذه الاُمّة العار بولايته عليها، حتّى قال أبو العلاء المعرّي (قدّس سرّه) يشير بالشنار إليها:

أرى الأيامَ تفعلُ كلّ نُكْرٍ

فما أنا في العَجَائِبِ مستزيدُ

أليس قريشُكم قتلت حسيناً

وكان على خلافتِكُمْ يزيدُ(1)

وقال ابن كثير:

قال أبو مخنف، فحدَّثني أبو جعفر العبسي، قال: وقام يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم، فقال:

لَهَامٌ بجَنْبِ الطفِّ أدنى قرابةً

من ابن زيادِ العبدِ في الحَسَبِ الوَغلِ

سميةُ أضحى نسلُها عَدَدَ الحصى

وليس لآلِ المصطفى اليومَ من نَسْلِ

قال: فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم، وقال له: اسكت.

وقال محمّد بن حميد الرازي، وهو شيعي(2) : حدَّثنا محمّد بن يحيى

____________________

(1) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 260 - 261، ط منشورات الشريف الرضيّ.

(2) محمّد بن حميد وثَّقه جماعة من علماء أهل الخلاف، مثل: ابن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما. قال عمر بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات / 208، وفي ط /290:

وقال أحمد بن حنبل: لا يزال بالري علم ما دام بها محمّد بن حميد - يعني: الرازي - حيّاً قال أبو عبد الرحمن: قدم علينا محمّد بن حميد - يعني: الرازي - وكان أبي بالعسكر، فلمَّا خرج قدم أبي. وكان أصحابه يسألونه عن ابن حميد، [ فقال لي: ما لهؤلاء يسألوني عن ابن حميد؟ ].

وفي ط: بدون ما بين المعكوفتين، قلت: قدم ها هنا فحدَّثهم بأحاديث لا يعرفونها. قال لي: كتبت عنه؟ قلت: نعم، كتبت عنه جزءاً. قال: اعرض عليَّ. فعرضتها عليه. فقال: أمَّا حديثه عن ابن المبارك وابن جريج، فهو صحيح؛ فأمَّا حديثه عن أهل الري، فهو أعلم. أخبرنا الحسن بن صدقة، أخبرنا ابن أبي خيثمة، قال: سُئل يحيى بن معين عن محمّد بن حميد الرازي فقال: ثقة ليس به بأس، ذا رأي كيس. وفي ط: رازي، كيس.


الأحمري، حدَّثنا ليث، عن مجاهد قال: لمَّا جِيء برأس الحسينعليه‌السلام فوضع بين يدي يزيد، تمثَّل بهذه الأبيات:

ليت أشياخِي ببدرٍ شَهِدُوا

جَزَع الخَزْرج من وَقْع الأسَلْ

فأهلّوا واستهلُّوا فرحاً

ثمّ قالوا لي هنيّاً لا تسلْ

حين حكَّت بفناءٍ بركها

واستحرَّ القتلُ في عبدِ الأسلْ

قد قتلنا الضِّعفَ من أشرافِكم

وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدل

قال مجاهد: نافق فيها، والله ثمّ والله، ما بقي في جيشه أحد إلاّ تركه، أي: ذمَّه وعابه(1) .

وقال سبط ابن الجوزي:

وقال الشعبي: وزاد فيها يزيد، فقال:

لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

لستُ من خندفَ إن لم أَنتقم

من بني أحمدَ ما كان فعل(2)

وذكر ابن كثير بعد الدفاع عن إمامه يزيد بن معاوية هذا القول:

وأمَّا ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك، واستشهاده بشعر ابن الزبعرى في وقعة أحد التي يقول فيها:

ليت أشياخِي ببدرٍ شَهِدُوا

جَزَع الخَزْرج من وَقْع الأسَلْ

حين حلَّت بفناهم بركها

واستحرَّ القتلُ في عبدِ الأشلْ

قد قتلنا الضِّعفَ من أشرافِكم

وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدل

وقد زاد بعض الروافض فيها، فقال:

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 208.

(2) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 208.


لعبت هاشمُ بالملكِ فلا

مَلَكٌ جاء ولا وحيٌ نزل

فهذا إنْ قاله يزيد بن معاوية، فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإنْ لمْ يكن قاله فلعنة الله على مَن وضعه عليه ليشنِّع به عليه. وسيُذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريباً، وما ذكر عنه وما قِيل فيه وما كان يُعانيه من الأفعال والقبائح والأقوال في السنة الآتية؛ فإنّه لمْ يمهل بعد وقعة الحرّة وقتل الحسينعليه‌السلام إلاّ يسيراً حتّى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنّه كان عليماً قديراً.

وقد توفّي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرّة ممّا يطول ذكرهم(1) .

وهذا عجيب من ابن كثير، حيث صرَّح هنا بكلّ قوة بلعن يزيد على فرض أنّه قال هذا البيت، ولعلّ ذلك في اعتقاده من التعليق على المحال، بل هو كذلك. وسيأتيك ثناؤه على يزيد بن معاوية، بل نقل أنّه من الطبقة العليا التالية للصحابة، فيكون لعنه متوجِّهاً للشيعة على حسب دعواه، مع أنّ جزم علمائهم كما تقدّم، والطبري بقوله: هذا البيت وما تقدَّم عن حاضنة يزيد، يدحضُ قوله وأقوال من هم على شاكلته(2) الذين أخذوا على أنفسهم نصرة أعداء أهل البيتعليهم‌السلام بكلّ السبل الباطلة؛ وذلك - والعياذ بالله - لمَا يرونه من جميل نصرة أعداء أهل الوحي والرسالةعليهم‌السلام ، فإنّه إذا كان يزيد بن معاوية من الجبابرة الذين يفعلون القبائح ويهتكون المحرَّمات، ويعبثون بالمقدَّسات، ويفعلون ما فعلوه بأهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقتلون الصحابة والتابعين والقرَّاء، ويهتكون حرمة

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 45.

(2) مثل الغزالي في بعض أقواله وابن تيميّة وأضرابهما، ولكن لا عجب إذ حقّ لأتباع... أنْ ينصروه.


المدينة المنورة ويُبيحونها ثلاثة أيّام و... و... و...، فلماذا يلعن ابن كثير الشيعة على فرض أنّ يزيد بن معاوية لمْ يقل هذا البيت من الشعر؟ هب أنّه لمْ يقله، فهل هذا يضرُّ بالإسلام أو بعقيدة أهل الخلاف شيئاً، حتّى يلزم لعن الشيعة؟ ولكن ماهذا إلاّ لإقرار ابن كثير بإمامته، فهذا الذي يدعوه للدفاع المستميت.

وعلى كلّ حال هنيئاً له ولأمثاله بإمام كيزيد بن معاوية ومَن هو على شاكلته، وحشرهم الله معه!

* * *



لعن علماء أهل الخلاف يزيد بن معاوية

فتوى جمع من المحقّقين بجواز لعنه

قال المناوي:

وقد أطلق جمعٌ محققون حلَّ لعن يزيد به، حتّى قال التفتازاني: الحقُّ أنْ رضى يزيد بقتل الحسينعليه‌السلام ، وإهانته أهل البيتعليهم‌السلام ممّا تواتر معناه، وإنْ كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.

قال الزين العراقي، وقوله: بل في إيمانه، أي: بل لا يتوقّف في عدم إيمانه بقرينة ما قبله وما بعده(1) .

فتوى المولى ابن الكمال بجواز لعنه

وقال المناوي:

قال المولى ابن الكمال: والحقُّ أنّ لعن يزيد على اشتهار كفره، وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عُرف بتفاصيله جائز(2) .

الكيا الهراسي الفقيه الشافعي

وقال الفقيه الشافعي الكيا الهراسي في يزيد: إنّه لمْ يكن من الصحابة؛ لأنّه ولد في أيّام عمر بن الخطاب.

وأمَّا قول السلف ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولمالِك قولان: تلويح

____________________

(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 3 / 109.

(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 1 / 265.


وتصريح. ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح. ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح. وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد، والمتصيِّد بالفهود، ومدمِن الخمر، وشِعره في الخمر معلوم، ومنه قوله:

أقولُ لصحبٍ ضمَّت الكأسُ شملَهم

وداعي صباباتِ الهوى يترنَّمُ

خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذَّةٍ

فكلٌّ وإن طال المدى يتصرَّمُ

ولا تتركوا يومَ السرورِ إلى غدٍ

فربَّ غدٍ يأتي بما ليس يُعْلَمُ(1)

جواز لعنه من أحمد بن حنبل والردّ على من منع

قال سبط ابن الجوزي:

ذكر علماء السير عن الحسن البصري أنّه قال: قد كان من معاوية هنات لو لقي أهل الأرض الله ببعضها لكفاهم: وثوبه على هذا الأمر واقتطاعه من غير مشورة من المسلمين، وادِّعاؤه زياداً، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، وتوليته مثل يزيد على الناس.

قال، وقد كان معاوية يقول: لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(2) .

وذكر جدي أبو الفرج في كتاب: الردّ على المتعصب العنيد المانع من ذمّ يزيد(3) . وقال، سألني سائل فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له:

____________________

(1) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان 3 / 287.

(2) ورُوى قول معاوية هذا، محدّث الشام ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 59 / 61، 214 - 215، والذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 156، وابن كثير في البداية والنهاية 8 / 126، وغيرهم.

(3) كتاب الردّ على المتعصّب العنيد، أبو الفرج ابن الجوزي / 6، 19، تحقيق الشيخ المحمودي (قدّس سرّه).


يكفيه ما به. فقال: أتجوِّز لعنه؟ فقلت: قد أجاز العلماء الورعون لعنه، منهم: أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حقِّ يزيد ما يزيد على اللعنة.

قال جدِّي: وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزاز، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمّد بن الخلال، حدَّثنا محمّد بن عليّ، عن منهال بن يحيى قال: سألت أحمد بن حنبل عن يزيد ابن معاوية، فقال: هو الذي فعل ما فعل. قلت: ما فعل؟ قال: نهب المدينة. قلت: فنذكر عنه الحديث؟ قال: لا، ولا كرامة، لا ينبغي لأحد أنْ يكتب عنه الحديث.

وحكى جدّي أبو الفرج، عن القاضي أبي يعلى بن الفراء في كتابه المعتمد في الأصول، بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال، قلت لأبي: إنّ قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد؟ فقال: يا بني، وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله؟ فقلت: فلِمَ لا تلعنه؟ فقال: وما رأيتني لعنت شيئاً، يا بني، لِمَ لا تلعن مَن لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقال: في قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (1) . فهل يكون فساد أعظم من القتل؟

وفي رواية، سأله صالح فقال: يا بني، ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه وذكره؟

وقال جدِّي: وصنَّف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَن يستحقّ اللعن، وذكر منهم يزيد. وقال في الكتاب المذكور: الممتنع من جواز لعن يزيد؛ إمَّا أنْ يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يُريد أنْ يُوهم بذلك، وربما استفزّ - استغرـ الجهّال بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «المؤمن لا يكون لعَّاناً».

قال القاضي: وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن.

____________________

(1) سورة محمّد / 22 - 23.


فإنْ قِيل، فقوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) (1) نزلت في منافقي اليهود.

فقد أجاب جدِّي عن هذا في الردّ على المتعصب، وقال: الجواب أنّ الذي نقل هذا مقاتل بن سليمان ذكره في تفسيره. وقد أجمع عامّة المحدِّثين على كذبه، كالبخاري ووكيع، والساجي والسدي والرازي والنسائي وغيرهم، وقال: فسَّرها أحمد بأنّها في المسلمين، فكيف يُقبل قول أحمد أنّها نزلت في المنافقين؟

فإنْ قِيل: فقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أوَّل جيش يغزو القسطنطينية مغفور له، ويزيد أوَّل مَن غزاها.

قلنا: فقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لعن الله مَن أخاف مدينتي!». والآخر ينسخ الأوّل(2) .

____________________

(1) سورة محمّد / 22.

(2) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي / 257 - 258، طبعة منشورات الشريف الرضيّ.

وقد نُقل ما جرى بين أحمد بن حنبل وابنه غير سبط ابن الجوزي، مثل: الشبرواي، ومحمّد رضا - أمين مكتبة جامعة فؤاد الأوَّل سابقاً في كتابه: الحسن والحسين سبطا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله / 143، ط دار الكتب العلميّة، بيروت - نقلاً عن إحقاق الحقّ 33 / 666، قال:

وقال الإمام ابن حنبل بكفر يزيد. ونقل صالح بن أحمد بن حنبل (رضي الله عنهما)، قال، قلت لأبي: يا أبتِ أتلعن يزيد؟ فقال: يا بني، كيف لا نلعن مَن لعنه الله تعالى في ثلاث آيات من كتابه العزيز، في: الرعد والقتال والأحزاب، قال تعالى:( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) . سورة الرعد / 25.

وأيُّ قطيعة أفظع من قطيعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ابن بنته الزهراءعليها‌السلام ؟ وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) . سورة الأحزاب / 57. وأيُّ أذيّة لهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوق قتل ابن بنته الزهراءعليها‌السلام ؟ وقال تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) . سورة محمّد / 22 - 23. وهل بعد قتل الحسين (ع) عنه إفساد في الأرض أو قطيعة للأرحام؟


لعن ابن الزبير

قال مطهر بن طاهر المقدسي المتوفَّى سنة 507 هـ: وأمَّا عبد الله بن الزبير فامتنع بمكّة ولاذ بالكعبة، ودعا الناس إلى الشورى وجعل يلعن يزيد، وسمَّاه الفاسق المتكبِّر، وقال: لا يرضى الله بعهد معاوية إلى يزيد!(1)

قول ابن الزبير: يزيد الفاجر ابن الفاجر! ولعن...

قال سبط ابن الجوزي:

وقال عامر الشعبي: لمَّا بلغ عبد الله بن الزبير قتل الحسينعليه‌السلام خطب بمكّة وقال: ألاَ إنّ أهل العراق قوم غدر وفجر، ألاَ وإنّ أهل الكوفة شرارهم، إنّهم دعوا الحسينعليه‌السلام ليولُّوه عليهم ليُقيم أمورهم، وينصرهم على عدوِّهم ويعيد معالم الإسلام، فلمَّا قدم عليهم ثاروا عليه ليقتلوه، وقالوا له: إنْ لمْ تضع يدك في يد الفاجر الملعون ابن زياد الملعون! فيرى فيك رأيه، فاختار الوفاة الكريمة على الحياة الذميمة.

فرحم الله حسيناً (ع) وأخزى قاتله، ولعن مَن أمره بذلك ورضي به، أفبعد ما جرى على أبي عبد الله (ع) يطمئن أحد إلى هؤلاء، أو يقبل عهود الفجرة الغدرة؟

أمَا والله، لقد كان صوّاماً بالنهار قوّاماً بالليل، وأولى بينهم من الفاجر ابن الفاجر! والله، ما كان يستبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الخمور، ولا بقيام الليل الزمور، ولا بمجالس الذكر الركض في

____________________

(1) البدء والتاريخ، مطهر بن طاهر المقدسي 6 / 13.


طلب الصيود واللعب بالقرود، قتلوه فسوف يلقون غيّاً، ألاَ لعنة الله على الظالمين، ثمّ نزل(1) .

لعن القاضي أبي الحسن

قال أبو الفرج ابن الجوزي:

وصنَّف القاضي أبو حسن محمّد بن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء كتاباً، فيه بيان مَن يستحقّ اللعن وذكر فيهم يزيد، وقال: الممتنع من ذلك؛ إمَّا أنْ يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً يُريد أنْ يُوهم بذلك، وربما استفزّ الجهّال بقوله (ص): المؤمن لا يكون لعّاناً.

قال القاضي أبو الحسن: وهذا محمول على مَن لا يستحقّ اللعن.

نقلت هذا من خط القاضي أبي الحسن وتصنيفه(2) .

لعن الحافظ الشيرازي ليزيد و بني اُميّة كلّهم

قال السمعاني:

وقال عبد العزيز النخشبي: أبو القاسم الحافظ الشيرازي كان يحفظ الغرائب، حسن الفهم حسن المعرفة، غير أنّه يلعن يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان وبني اُميّة كلَّهم، وجرت بيني وبينه مناظرة في ذلك(3) .

____________________

(1) تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي /241، ط منشورات الشريف الرضيّ.

(2) كتاب الردّ على المتعصّب العنيد، أبو الفرج ابن الجوزي / 18، تحقيق الشيخ المحمودي (قدّس سرّه).

(3) الأنساب، السمعاني 3 / 493، وهو بعدما ذكر ترجمته، قال:

وأبو القاسم عبد الصمد بن الحسن بن محمّد بن جعفر الحافظ الشيرازي، من أهل شيراز، سمع بأصبهان أبا عبد الله محمّد بن إسحاق بن منده الحافظ، وأبا عليّ الحسن بن عليّ البغدادي، وببغداد أبا الحسن أحمد بن محمّد بن عمران الجندي، وأبا بكر محمّد بن زنبور بن خلف المقرئ، وبواسط أبا بكر أحمد بن عبيد بن بدري الواسطي، وبالإبلة أبا الحسن بن شيبان الإبلي وطبقتهم.

وكان حافظاً يعرف الحديث ويفهمه، وسمع منه أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن محمّد النخشبي، وأبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي وغيرهما من أهل شيراز والغرباء. وقال هبة الله الشيرازي: أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن الحسن الحافظ الثقة إملاء بشيراز، وهو أوَّل شيخ سمعت منه الحديث. وقال عبد العزيز النخشبي:... إلخ.


لعن الآلوسي وجلال الدين السيوطي، وابن الجوزي وأبي يعلى وغيرهم، وفيه مَن يمنع... ويُبرئ يزيد

قال الشهاب الآلوسي:

في تفسير قوله تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (1) . قال: واسُتدلّ بها أيضاً على جواز لعن يزيد عليه من الله تعالى ما يستحقّ!

نقل البرزنجي في الإشاعة والهيثمي في الصواعق: أنّ الإمام أحمد لمَّا سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد، قال: كيف لا يُلعن مَن لعنه الله تعالى في كتابه؟

فقال عبد الله: قد قرأت كتاب الله عزَّ وجلَّ، فلمْ أجد فيه لعن يزيد. فقال الإمام: إنّ الله تعالى يقول:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ... ) (2) الآية. وأيُّ فساد وقطيعة أشدُّ ممّا فعله يزيد؟ انتهى.

ثم أخذ في ذكر الأقوال والمباني في اللعن، ثمّ قال:

وعلى هذا القول لا توقُّف في لعن يزيد؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيّام تكليفه، ويكفي ما فعله أيّام استيلائه بأهل المدينة ومكّة. فقد روى الطبراني بسند حسن: «اللهمّ، مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه

____________________

(1) سورة محمّد / 22.

(2) سورة محمّد / 22.


وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل». والطامَّة الكبرى ما فعله بأهل البيتعليهم‌السلام ، ورضاه بقتل الحسين (على جدِّه وعليه الصلاة والسلام) واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته ممّا تواتر معناه، وإنْ كانت تفاصيله آحاداً.

وفي الحديث: «ستّة لعنتهم». وفي رواية: «لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب الدعوة: المحرّف لكتاب الله». وفي رواية: «الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت ليعزَّ مَن أذلَّ الله، ويذلَّ مَن أعزَّ الله، والمستحلّ من عترتي، والتارك لسنّتي».

وقد جزم بكفره وصرَّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم: الحافظ ناصر السنَّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى. وقال العلامة التفتازاني: لا نتوقَّف في شأنه، بل في إيمانه لعنة الله تعالى عليه وعلى أنصاره وأعوانه. وممّن صرَّح بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة.

وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب الوافي بالوفيات: أنّ السبي لمَّا ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة عليّ والحسينعليهما‌السلام ، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، فلمَّا رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:

لمّا بدت تلك الحمولُ وأشرفت

تلك الرؤوسُ على شفا جَيْرونِ

نعب الغرابُ فقلتُ قل أو لا تَقُلْ

فَقَدِ اقتضيتُ من الرسولِ ديوني(1)

يعني أنّه قُتل بمَن قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يوم بدر كجدِّه عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما، وهذا كفر صريح، فإذا صحَّ عنه فقد كفر به. ومثله

____________________

(1) روح المعاني، الآلوسي 26 / 72.


تمثُّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:

ليت أشياخي... الأبيات.

وأفتى الغزالي عفا الله عنه بحرمة لعنه، وتعقَّب السفاريني من الحنابلة، نقل البرزنجي والهيثمي السابق عن أحمد رحمه الله تعالى، فقال: المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا، ففي الفروع ما نصُّه: ومن أصحابنا مَن أخرج الحجّاج عن الإسلام، فيتوجَّه عليه يزيد ونحوه.

ونصُّ أحمد خلاف ذلك وعليه الأصحاب، ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافاً لأبي الحسين وابن الجوزي وغيرهما. وقال شيخ الإسلام - يعني: والله تعالى أعلم ابن تيميّة -: ظاهر كلام أحمد الكراهة. قلت: والمختار ما ذهب إليه ابن الجوزي وأبو حسين القاضي، ومن وافقهما. انتهى كلام السفاريني.

وأبو بكر بن العربي المالكي - عليه من الله تعالى ما يستحقّ - أعظم الفرية فزعم أنّ الحسين (ع) قُتل بسيف جدِّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وله من الجهلة موافقون على ذلك:( مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) (1) .

قال ابن الجوزي (عليه الرحمة) في كتابه السرّ المصون: من الاعتقادات العامّة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنّة أنْ يقولوا: إنّ يزيد كان على الصواب وإنّ الحسين (ع) عنه أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت له البيعة وأُلزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح؟ ثمّ لو قدَّرنا صحَّة عقد البيعة، فقد بدت منه بوادٍ كلُّها توجب فسخ العقد، ولا يميل إلى ذلك إلاّ كلّ جاهل عاميِّ المذهب يظنّ أنّه يغيظ بذلك الرافضة.

هذا ويُعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره، فمنهم مَن يقول: هو

____________________

(1) سورة الكهف / 5.


مسلم عاصٍ بما صدر منه مع العترة الطاهرة لكن لا يجوز لعنه. ومنهم مَن يقول: هو كذلك، ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها. ومنهم مَن يقول: هو كافر ملعون. ومنهم مَن يقول: إنّه لمْ يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه، وقائل هذا ينبغي أنْ ينظمّ في سلسلة أنصار يزيد.

وأنا أقول: الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لمْ يكن مصدِّقاً برسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيّه (ص) وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلَّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لمْ يسعهم إلاّ الصبر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ولو سلِّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان.

وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لمْ يتصوَّر أنْ يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنّه لمْ يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه. ويلحق به ابن زياد وابن سعد، وجماعة فلعنة الله عزَّ وجلَّ عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي، وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريض جنابه

فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا

ومَن كان يخشى القال والقِيل من التصريح بلعن ذلك الضليل، فليقل: لعن الله


عزَّ وجلَّ مَن رضي بقتل الحسينعليه‌السلام ومَن آذى عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بغير حقّ ومَن غصبهم حقَّهم؛ فإنّه يكون لاعناً له لدخوله تحت العموم دخولاً أوَّليّاً في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ، ونحوها سوى بن العربي المارِّ ذكره وموافقيه، فإنّهم على ظاهر ما نُقل عنهم لا يجوِّزون لعن مَن رضي بقتل الحسين (ع)، وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد(1) .

وقال السيوطي:

فقُتل - يعني: الحسينعليه‌السلام - وجِيء برأسه في طست حتّى وضع بين يدي ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد ويزيد أيضاً(2) .

لعن العلامة التفتازاني

قال عبد الحيّ الدمشقي:

وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفيّة: اتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتل الحسينعليه‌السلام ، أو أمر به أو أجازه أو رضي به، قال: والحقُّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسينعليه‌السلام واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ممّا تواتر معناه، وإنْ كان تفصيله آحاداً. قال: فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه(3) .

لعن الجاحظ ليزيد ولعن كلّ من منع لعنه

قال الجاحظ:

____________________

(1) روح المعاني، الآلوسي 26 / 72.

(2) تاريخ الخلفاء / 207، وفي ط / 193.

(3) شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي 1 / 68، وفي ط / 122.


إنّ الجرائم التي ارتكبها يزيد من قتله للإمام الحسينعليه‌السلام ، وإخافته لأهل المدينة وخرابه الكعبة، وأسره لبنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وضربه ثنايا الحسينعليه‌السلام بالعصا، ألاَ تُعدُّ دليلاً على قساوته وعداوته وكرهه وحقده وعناده ونفاقه، أم أنّها تدلّ على محبته وإخلاصه للنبيّ وآلهعليهم‌السلام ؟!

ثمّ إنّه قال: وعلى أيِّ حال فهذه الأعمال مصداق لفسقه وضلاله، فهو فاسق ملعون، وكلّ مَن منع من لعنه فهو ملعون(1) .

لعن ابن الدمشقي ليزيد وتكفيره

قال ابن الدمشقي:

ثمّ أذكر على طريق الاختصار قتل سيدنا الحسينعليه‌السلام ، وتجريعهم له كؤوس الحين، وما عامله آل أبي سفيان لأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من القتل والأسر والهوان، ممّا تقشعرُّ منه الأبدان، وما لا يستحلُّه من تديَّن بدين من الأديان، وما قال به يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) عند وضع رأسه الشريف بين يديه حين قدم به عليه(2) .

رأي معاوية بن يزيد في أبيه يزيد بن معاوية، وما فعله الاُمويّون بمعلِّمه

ذكر اليعقوبي والدميري، وابن حجر الهيتمي والقندوزي، واللفظ للأول:

فخطب الناس فقال: أمَّا بعد حمد الله والثناء عليه، أيُّها الناس، فإنّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألاَ وإنّ جدّي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر مَن كان أولى به منه في القرابة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحقّ في

____________________

(1) رسائل الجاحظ / 298.

(2) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ، ابن الدمشقي 1 / 15.


الإسلام، سابق المسلمين، وأوّل المؤمنين، وابن عمِّ رسول ربِّ العالمين (عص)، وأبا بقيّة خاتم المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تنكرون، حتّى أتته منيته وصار رهناً بعمله، ثمّ قلَّد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلّت منعته، وانقطعت مدَّته، وصار في حفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه، ثمّ بكى وقال: إنّ أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا المتقلِّد أموركم، ولا المتحمِّل تبعاتكم، فشأنكم أمركم، فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظّاً، وإنْ تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها(1) .

ثمّ قال: فشأنكم أمركم فخذوه، ومَن رضيتم فولُّوه، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم، والسلام.

ولمَّا نزل من على المنبر وبَّخه أقاربه، وقالت له اُمُّه: ليتك كنت حيضة ولمْ أسمع بخبرك. فقال: وددت والله ذلك.

وقال الاُمويّون لمعلِّمه ومؤدِّبه عمر المقصوص: أنت علَّمته حبَّ عليّ وأولاده، وأخذوه فدفنوه حيّاً، ثمّ دسُّوا السمَّ لمعاوية فمات(2) .

وقال العاصمي الشافعي:

وبويع من بعده ابنه معاوية فمكث ثلاثة أشهر، ثمّ خطب الناس وقال: إنّي ضعيف عن أمركم، وطلبت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر، فلمْ

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 254، حياة الحيوان 2 / 88، مادة: الإوز، الصواعق المحرقة / 224، وفي ط / 134، ينابيع المودّة 3 / 36.

(2) ما بين القوسين من حياة الحيوان، نقلاً من كتاب السيّدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، محمّد بيومي /65 عن الدميري، وفي النسخة الموجودة عندي من حياة الحيوان لمْ يُذكر مسألة سمّ معاوية بن يزيد.


أجده، فطلبت ستّة مثل أهل الشورى فلمْ أجدهم، فأنتم أولى بأمركم اختاروا له. ودخل منزله فمات، يُقال: مسموماً. وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهلك ليومه بالطاعون. وقِيل: إنّ معاوية بن يزيد أوصى الضحّاك بن قيس أنْ يصلّي بالناس حتّى تجتمع الناس على إمام.

وقال العلامة السبكي:

إنّ معاوية بن يزيد لمَّا خلع نفسه صعد المنبر فجلس طويلاً، ثمّ حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثمّ ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بأحسن ما يُذكر به، ثمّ قال: أيُّها الناس، ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم، وإنّي أعلم أنّكم تكرهونا أيضاً؛ لأنّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، ألاَ إنّ جدِّي معاوية نازع هذا الأمر مَن كان أولى به منه ومن غيره، لقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعظيم فضله وسابقته؛ أعظم المهاجرين قدراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوَّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابنُ عمِّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصهره وأخوه، زوَّجه ابنتهعليها‌السلام وجعله لها بعلاً باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيّدي شباب أهل الجنّة، وأفضل هذه الاُمّة، تربية الرسول (ص)، وأبناء فاطمة البتولعليها‌السلام حتّى انتظمت لجدِّي معاوية الأمور، فلمَّا جاءه القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون بقي مرتهناً بعمله، فريداً في قبره، ووجد ما قدَّمت يداه، فرأى ما ارتكبه واعتراه.

ثمّ انتقلت الخلافة في أبي يزيد، فتقلَّد أمركم لهوى كان أبوه هويه فيه. ولقد كان أبي يزيد - بسوء فعله وإسرافه على نفسه - غير خليق بالخلافة على اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فركب هواه، واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله تعالى، وبغيه على من استحلّ حرمته من أولاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلَّتْ مدَّته وانقطع أثره، وضاجع عمله وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، وبقيت أوزاره


وتبعاته، فهل عُوقب بإساءته وجُوزي بعمله؟! وذلك ظنّي.

ثمّ خنقته العبرة فبكى طويلاً وعلا نحيبه وحمد الله، ثمّ قال: وصرت أنا ثالث القوم والساخط عليَّ أكثر من الرضيّ، وما كنت لأتحمَّل آثامكم، ولا يراني الله - جلَّتْ قدرته - متقلِّداً أوزاركم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم فخذوه، ومن رضيتم به عليكم فولُّوه، فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم، والسلام.

فقال مروان بن الحكم - وكان تحت المنبر -: أسنَّة عمريّة يا أبا ليلى. فقال: اغدُ عنِّي، أعن ديني يخدعوني؟ فوالله، ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرَّع مرارتها، ائتني برجال مثل رجال عمر، على أنّه كان - حين جعلها شورى وصرفها عمَّن لا شكَّ في عدالته - ظلوماً، والله، لئن كانت الخلافة مغنماً، لقد نال أبي معها مغرماً ومأثماً، ولئن كانت شرّاً فحسبه منها ما أصابه.

ثمّ نزل، فدخل عليه أقاربه واُمُّه فوجدوه يبكي، فقالت له أُمُّه: ليتك كنت حيضة ولمْ أسمع بخبرك! فقال: وددت والله ذلك. ثمّ قال: ويلي إنْ لمْ يرحمني ربّي!

ثمّ إنّ بني اُميّة قالوا لمؤدِّبه القصوص: أنت علَّمته هذا ولقَّنته إيّاه، وصددته عن الخلافة وزيَّنت له حبَّ عليٍّ (ع) وأولادهعليهم‌السلام وحملته على ما وسمنا به من الظلم،وحسَّنت له البدع حتّى نطق بما نطق، وقال ما قال.

فقال: والله ما فعلته، ولكنّه مجبول ومطبوع على حبِّ عليٍّ (ع) وأولادهعليهم‌السلام فلمْ يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيّاً حتّى مات رحمه الله(1) .

أقول: أكان أنصار يزيد بن معاوية - مثل ابن تيميّة وابن العربي والغزالي ومحبّ الدين الخطيب، ممّن أولعوا حبّاً لأعداء أهل بيت النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله -

____________________

(1) سمط النجوم العوالي، العاصمي الشافعي 3 / 212 - 214.


أحرص من معاوية بن يزيد على أبيه حتّى أخذوا يدافعون عنه بهذه الصلابة!! حتّى وصل الأمر ببعضهم أنْ عاب خروج الإمام الحسينعليه‌السلام على مَن هتك حرمات الدين، وعاث فساداً في مقدَّسات المسلمين(*) .

عمر بن عبد العزيز يعزر من أطلق إمرة المؤمنين على يزيد بن معاوية

ذكره ابن حجر والذهبي وصاحب النجوم الزاهرة والقندوزي، واللفظ للأوّل، قال:

وقال يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية أحد الثقات، حدَّثنا نوفل بن أبي عقرب ثقة، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد بن معاوية فقال، قال أمير المؤمنين يزيد، فقال عمر، تقول: أمير المؤمنين يزيد وأمر به فضرب عشرين سوطاً(1) .

____________________

(*) وفي إحقاق الحقّ للسيّد المرعشي (قدّس سرّه) 27 / 336، قال:

قول النبيّ: «لعن الله قاتلك يا حسين!». رواه جماعة من أعلام العامّة في كتبهم، منهم: الفاضل المعاصر رياض عبد الله عبد الهادي في: فهارس كتاب الموضوعات لابن الجوزي / 88 ط دار البشائر الإسلامية - بيروت -، قال: «لعن الله قاتلك...!». في فضل الحسين (ع) 1 / 409، ومنهم الفاضل المعاصر صالح يوسف معتوق في: التذكرة المشفوعة في ترتيب أحاديث تنزيه الشريعة المرفوعة / 41، ط دار البشائر الإسلاميّة - بيروت - قال: «لعن الله قاتلك!...». للحسين (ع) 1 / 408.

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر 11 / 317، لسان الميزان، ابن حجر 6 / 294، ولكن في سنده اختلاف، سير أعلام النبلاء، الذهبي 4 / 40، النجوم الزاهرة 6 / 134، ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي 3 / 32.


فقهاؤهم يفتون بتعزير فقيه - على طبق عمل عمر بن عبد العزيز - لمدحه اللعين يزيد بن معاوية

قال صاحب النجوم الزاهرة:

فيها توفّي أحمد بن إسماعيل بن يوسف، الشيخ الإمام أبو الخير القزويني الشافعي. كان إماماً عالماً بالتفسير والفقه. وكان متعبِّداً يختم القرآن في كلّ يوم وليلة، ومولده بقزوين في سنة اثنتي عشرة وخمسمئة، وقدم بغداد ووعظ ومال إلى الأشعري، فوقعت الفتن.

وجلس يوم عاشوراء في النظاميّة، فقِيل له: العن يزيد بن معاوية. فقال: ذاك إمام مجتهد. فجاءه الرجم حتّى كاد يقتل، وسقط عن المنبر، فأدخل إلى بيت في النظامية. وأخذت فتاوى الفقهاء بتعزيره، فقال بعضهم: يضرب عشرين سوطاً، قِيل له: من أين لك هذا؟ فقال: عن عمر بن عبد العزيز سمع قائلاً يقول: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فضربه عشرين سوطاً، ثمّ خلص القزويني بعد ذلك، وأُخرج من بغداد إلى قزوين(1) .

ثناء ابن كثير الدمشقي على يزيد وما ذكر فيه من أنّه من الدرجة العليا من التابعين

قال ابن كثير في ترجمته:

هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن اُميّة بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الاُموي، ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أنْ يكون وليَّ العهد من بعده، ثمّ أكَّد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستّين، فاستمرَّ متولِّياً إلى أنْ توفِّي في الرابع عشر من ربيع الأوَّل سنة أربع وستّين، واُمُّه ميسون بنت مخول بن أنيف بن

____________________

(1) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 6 / 134، وفي ط / 121.


دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي. رُوى عن أبيه معاوية أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وحديثاً آخر في الوضوء وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال: له أحاديث، وكان كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشعر، جميلاً طويلاً، ضخم الهامّة، محدَّد الأصابع، غليظها مجدَّراً(1) .

أقول: وحقيق بالذكر ما رواه الخوارزمي، قال:

وبهذا الإسناد عن الرئيس أبي الفتح هذا، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن، أنشدني عمّار بن محمّد، أنشدني يحيى بن زكريا، أنشدني عليُّ بن منصور:

أباد الأكرمين بني عليٍّ

يزيدٌ والدعيُّ إلى سُمَيَّه

شفيعٌ في المعادِ لنا أبوهم

ويشفعُ في المعادِ لهما اُميَّه(2)

ما ذكر من الاتّفاق على تصويب خروج الحسين عليه‌السلام

قال عبد الحيّ الدمشقي:

والعلماء مجمعون على تصويب قتال عليّعليه‌السلام لمخالفيه؛ لأنّه الإمام الحقّ. ونُقل الاتّفاق أيضاً على تحسين خروج الحسينعليه‌السلام على يزيد، وخروج ابن الزبير وأهل الحرمين على بني اُميّة، وخروج ابن الأشعث ومَن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجّاج، ثمّ الجمهور رأوا جواز الخروج على مَن كان مثل يزيد والحجّاج، ومنهم مَن جوَّز الخروج على كلِّ ظالم.

____________________

(1) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 248.

(2) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، الخوارزمي 2 / 111.


وعدَّ ابن حزم خروم الإسلام أربعة: قتل عثمان وقتل الحسينعليه‌السلام ، ويوم الحرّة وقتل ابن الزبير.

ولعلماء السلف في يزيد وقتلة الحسينعليه‌السلام خلاف في اللعن والتوقُّف. قال ابن الصلاح، والناس في يزيد ثلاث فرق: فرقة تحبُّه وتتولاّه، وفرقة تسبُّه وتلعنه، وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولاّه ولا تلعنه. قال: وهذه الفرقة هي المصيبة، ومذهبها هو اللائق لمَن يعرف سير الماضين، ويعلم قواعد الشريعة الطاهرة. انتهى كلامه.

ولا أظنّ الفرقة الأولى تُوجد اليوم، وعلى الجملة فما نقل عن قتلة الحسين (ع) والمتحاملين عليه يدلّ على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم، وتهاونهم بمنصب النبوّة، وما أعظم ذلك! فسبحان مَن حفظ الشريعة حينئذ، وشيَّد أركانها حتّى انقضت دولتهم. وعلى فعل الاُمويّين وأمرائهم بأهل البيت حمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هلاك اُمّتي على أيدي أغيلمة من قريش». قال أبو هريرة: لو شئت أنْ أقول بني فلان وبني فلان، لفعلت.

ومثل فعل يزيد فعل بسر بن أرطأة العامري أمير معاوية في أهل البيتعليهم‌السلام من القتل والتشريد، حتّى خدَّ لهم الأخاديد. وكانت له أخبار شنيعة في عليّعليه‌السلام ، وقتل ولدي عبيد الله بن عبّاس وهما صغيران على يدي اُمّهما ففقدت عقلها وهامت على وجهها، فدعا عليه عليّعليه‌السلام أنْ يُطيل الله عمره ويذهب عقله فكان كذلك، خرف في آخر عمره ولمْ تصحّ له صحبة.

وقال الدارقطني: كانت له صحبة، ولمْ تكن له استقامة بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: اتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتل الحسينعليه‌السلام ، أو أمر به أو أجازه أو رضي به. قال: والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسينعليه‌السلام واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ممّا تواتر


معناه، وإنْ كان تفصيله آحاداً. قال: فنحن لا نتوقَّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.

وقال الحافظ ابن عساكر: نسب إلى يزيد قصيدة منها:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لعبت هاشم بالملك فلا

ملك جاء ولا وحي نزل

فإنْ صحَّت عنه فهو كافر بلا ريب، انتهى بمعناه.

وقال الذهبي فيه: كان ناصبياً فظّاً غليظاً يتناول المسكر، ويفعل المنكر افتتح دولته بقتل الحسينعليه‌السلام ، وختمها بوقعة الحرّة فمقته الناس، ولمْ يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسينعليه‌السلام ، وذكر من خرج عليه.

وقال فيه في الميزان: إنّه مقدوح في عدالته، ليس بأهل أنْ يروى عنه.

وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين يزيد. فضربه عمر عشرين سوطاً، واستفتى الكيا الهراسي فيه، فذكر فصلاً واسعاً من مخازيه حتّى نفدت الورقة، ثمّ قال: ولو مددت بياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وأشار الغزالي إلى التوقّف في شأنه والتنزُّه عن لعنه مع تقبيح فعله(1) .

* * *

____________________

(1) شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي 1 / 68، وفي ط / 122.


ما قاله بعض علماء أهل الخلاف في الردّ على من ذمّ خروج الحسينعليه‌السلام

الشوكاني يلعن من عاب على الحسينعليه‌السلام خروجه

قال الشوكاني:

لا ينبغي لمسلم أنْ يحطَّ على مَن خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمّة الجور؛ فإنّهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من جماعة ممّن جاء بعدهم. ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكراميّة ومَن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب، حتّى حكموا بأنّ الحسين السبط (ع) باغٍ على الخميِّر السكيِّر الهاتك لحرم الشريعة المطهرة، يزيد بن معاوية (لعنهما الله)، فيا لله العجب! من مقالات تقشعرُّ منها الجلود ويتصدَّع من سماعها كلُّ جلمود(1) .

ما ذكره سبط ابن الجوزي

قال سبط ابن الجوزي:

قال الخصم: فذهب قوم إلى أنّ الحسين (ع) كان خارجيّاً، قلنا إنّما يُقال: فلان خارجي لمَن خرج على مستحقّ، وإنّما خرج الحسينعليه‌السلام لدفع الظلم، وإقامة الحقّ.

____________________

(1) نيل الأوطار، الشوكاني 7 / 362، وفي ط 7 / 176، باب الصبر على جور الأئمّة وترك قتالهم، والكفّ عن إقامة السيف، في آخر هذا الباب.


ونقلت من خط ابن عقيل قال، قال رجل: كان الحسين (ع) خارجيّاً.

[ قال ابن عقيل: ] فبلغ ذلك من قلبي، فقلت: لو عاش إبراهيم ابن رسول الله (ع) صلح أنْ يكون نبيّاً، فهب أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام نزلا عن رتبة إبراهيم - مع كون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سمَّاهما ابنيه - فلا يصيب ولد ولده أنْ يكون إماماً بعده؟ فأمَّا تسميته خارجياً وإخراجه من الإمامة، لأجل صون بني اُميّة عن الافتضاح هذا ما لا يقتضيه عقل ولا دين.

قال ابن عقيل: ومتى حدَّثتك نفسك بوفاء الناس فلا تصدِّق، هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكبر الناس حقوقاً على الخلق، هداهم وعلَّمهم وأشبع جائعهم، وأعزَّ ذليلهم، ووعدهم الشفاعة في الآخرة، وقال:( لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المودّة فِي الْقُرْبَى ) (1) . فقتلوا أصحابه وأهلكوا أولاده.

قال الخصم: هلا سكتم عن يزيد احتراماً لأبيه؟

قلنا: ما سكت عنه أحمد بن حنبل ولا الخلال، ولا غلامه أبو بكر عبد العزيز ولا القاضي أبو يعلى، ولا ابنه أبو الحسن وهو شيخك، فهلا وافقت شيخك؟ وما ردَّك عن موافقته إلاّ أحد أمرين: إمَّا الجهل بالحال؛ وإمَّا أنْ يكون المقصود: خالف تُعرف.

ثمّ لا يختلف الناس أنْ سعد بن أبي وقاص من العشرة المشهود لهم بالجنّة ومن أهل بدر، ومن أصحاب الشورى وما سكت الناس عن ابنه عمر (لعنه الله) ما فعل بالحسين (ع)، فالدين لا يحمل المحاباة.

واحتجَّ هذا الشيخ بأنْ يزيد كان كريماً، وأنّه أعطى عبد الله بن جعفر أربعة آلاف ألف.

____________________

(1) سورة الشورى / 23.


قلنا: ما مدحت به هو الذم؛ لأنّه تبذير في بيت مال المسلمين وليس بماله، فمَن فعل ذلك كان مذموماً لا ممدوحاً، وإنّما كان يعطي الناس ليسكتوا عنه.

قال: فقد كان [ يزيد ] من القرن الثاني، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : خيركم قرني ثمّ الذين يلونهم.

قلنا: إنّما أشارعليه‌السلام إلى عموم القرن، لا إلى ما يندر من الفساق، وقد كان في القرن الثاني الحجّاج وغيره من الظلمة، ومن المبتدعة كمعبد الجهني.

قال هذا الشيخ: فقد روي أنّ قوماً دخلوا على يزيد، وهو يقرأ في المصحف.

قلنا: على هذا نقطع التفكر في جواب هذه الحجّة! نسأل الله عزَّ وجلَّ أنْ يمتِّعنا بعقولنا، ويحفظنا من موافقة أهوائنا إنّه سميع قريب مجيب(1) .

وقال الجاحظ:

ثمَّ مازالت الفتن متَّصلة والحروب مترادفة، كحرب الجمل وكوقائع صفّين، وكيوم النَّهْروان وقبل ذلك يوم الزابوقة، وفيه أُسر ابن حُنيف وقُتل حكيم بن جبلة، إلى أنْ قتل أشقاها عليّ بن أبي طالب (ع) فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللَّعنة.

إلى أنْ كان من اعتزال الحسنعليه‌السلام الحروب وتخليته الأمور، عند انتشار أصحابه وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوُّنهم عليه فعندها استوى معاوية على الملك، واستبدَّ على بقيّة الشُّورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين، في العام الذي سَمَّوْه عام الجماعة، وما كان عام جماعةٍ، بل كان عام فُرْقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحلَّت فيه الإمامة مُلكاً كسرويّاً، والخلافة غصْباً وقيصريّاً، ولمْ يَعْد ذلك أجمع الضلال

____________________

(1) كتاب الردّ على المتعصب العنيد، ابن الجوزي / 83 - 88، بتحقيق الشيخ المحمودي (قدّس سرّه).


والفسق.

ثمَّ مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتّى ردَّ قضيَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ردّاً مكشوفاً، وجحد حُكمه جحداً ظاهرا ً، في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الاُمّة أنَّ سُميَّة لمْ تكن لأبي سُفيان فراشاً، وأنَّه إنَّما كان بها عاهراً فخرج بذلك من حُكم الفُجَّار إلى حكم الكفَّار.

وليس قتل حُجْر بن عديّ وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد الخليع والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى وتعطيل الحدود بالشَّفاعة والقرابة، من جنْس جَحْد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة، والسُّنن المنصوبة، وسواءٌ في باب ما يستحقُّ من الإكفار جحد الكتاب وردُّ السنة، إذْ كانت السنَّة في شُهرة الكتاب وظهوره، إلاّ أنَّ أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشدُّ، فهذه أوَّلُ كفرةٍ كانت في الاُمّة، ثمّ لمْ تكن إلاّ فيمنْ يدَّعي إمامتها والخلافة عليها.

على أنّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره.

وقد أربتْ عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، فقالت: لا تسبُّوه فإنَّ له صُحبة، وسبُّ معاوية بدعة، ومن يبغضْه فقد خالف السُّنَّة، فزعمت أنَّ من السُنّة ترك البراءة ممّن جحد السُنَّة.

ثمّ الذي كان من يزيد ابنه ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثمّ غزو مكّة ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسينعليه‌السلام في أكثر أهل بيته، مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام، بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتْباعه والرجوع إلى داره وحرمه، أوالذَّهاب في الأرض حتّى لا يُحسَّ به، أو المقام حيث أمر به فأبوا إلاّ قَتْله والنُّزول على حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده أو أسلمها إلى عدوِّه وخيَّر فيها مَن لا يبرد غليله إلاّ بُشرْب دمه.


فاحسبوا قتله ليس بكفر وإباحة المدينة وهتك الحُرمة ليس بحجَّة، كيف تقولون في رمْي الكعبة وهدم البيت الحرام، وقبْلة المسلمين؟

فإنْ قلتم: ليس ذلك أرادوا، بل إنّما أرادوا المتحرِّز به والمتحصِّن بحيطانه، أفما كان من حقِّ البيت وحريمه أنْ يحصروه فيه إلى أنْ يُعطي بيده؟! وأيُّ شيءٍ بقي من رجلٍ قد أُخذت عليه الأرض إلاّ موضع قدمه؟

واحسبْ ما رووا عليه من الأشعار التي قولُها شِرك والتمثُّل بها كفر شيئاً مصنوعاً، كيف يُصنع بنَقْر القضيب بين ثَنيَّتي الحسينعليه‌السلام ، وحمل بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حواسر على الأقتاب العارية والإبل الصِّعاب، والكشف عن عورة عليِّ بن الحسينعليه‌السلام (1) عند الشَّكِّ في بلوغه، على أنَّهم إنْ وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإنْ لمْ يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين؟

وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصَّته: دعوني أقتلْه فإنَّه بقيّة هذا النَّسل فأحسم به هذا القرْن، وأُميت به هذا الدَّاء وأقطع به هذه المادَّة؟

خبِّرونا على ما تدلُّ هذه القسوة وهذه الغلظة، بعد أنْ شفوا أنفسهم بقتلهم ونالوا ما أحبُّوا فيهم؟ أتدلُّ على نصبٍ وسوء رأي وحقدٍ وبغْضاء ونفاق، وعلى يقينٍ مدخول وإيمان ممزوج؟! أمْ تدلُّ على الإخلاص وعلى حبِّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والحفظ له، وعلى براءة السَّاحة وصحّة السَّريرة؟ فإنْ كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق معلونٌ، ومن

____________________

(1) ذكر هذه الحادثة بعض المؤرِّخين، وهي غير صحيحة؛ لأنّ ذلك لا يقع لفاعله؛ ولأنّ الإمام زين العابدينعليه‌السلام كان له ولد وهو الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام ، ذكرنا ذلك في أحداث الشام عند اعتراضهعليه‌السلام على يزيد - في كتاب مقتل أبي عبد الله من موروث أهل الخلاف - عندما أشار عليه أصحابه بقتل الإمام زين العابدينعليه‌السلام كما نصَّ عليه المسعودي.


نهى عن لَعْن الملعون فملعون.

وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا، أنَّ سبَّ ولاة السُّوء فتنة، ولعن الجورة بدعة، وإنْ كانوا يأخذون السَّميَّ بالسَّميِّ، والوليَّ بالوليِّ، والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وآمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار القدرة والتهاون بالاُمَّة، والقمع للرعيّة. وأنّهم في غير مداراة ولا تقيّة وإنْ عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضلُّ لمن كفَّ عن شتْمهم والبراءة منهم.

على أنَّه ليس مَن استحقَّ اسم الكفر بالقتل كمَن استحقَّه بردِّ السنَّة وهدم الكعبة، وليس مَن استحقَّ الكفر بالتشبيه كمَن استحقَّه بالتجوير، والنَّابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه وابن زيادٍ وأبيه، ولو ثبت أيضاً على يزيد أنَّه تمثَّل بقوله ابن الزَّبعْرى:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدو

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

لاستطاروا واستهلُّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلْ

قد قتلنا الغرَّ من ساداتهم

وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ

كان تجوير النَّابتيِّ لربِّه وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأفْظع.

على أنَّهم مجمعون على أنَّه ملعونٌ مَن قتل مؤمناً متعمِّداً أو متأوِّلاً، فإذا كان القاتل سُلطاناً جائراً أو أمير عاصياً، لمْ يستحلُّوا سبَّه ولا خَلْعه ولا نفيه ولا عيبه، وإنْ أخاف الصُّلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير، وظلم الضعيف وعطَّل الحدود والثُّغور، وشرب الخمور وأظهر الفجور.

ثمّ مازال الناس يتسكعون مرَّة ويداهنونهم مرَّة، ويقاربونهم مرَّة ويشاركونهم مرّة، إلاّ بقيّةً ممّن عصى الله تعالى ذكره، حتّى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وعاملهما الحجّاج بن يوسف ومولاه يزيد بن أبي مُسْلم، فأعادوا على


البيت بالهدْم وعلى حرم المدينة بالغزْو، فهدموا الكعبة واستباحوا الحُرْمة، وحوَّلوا قبلة واسط وأخَّروا صلاة الجمعة إلى مُغيربان الشَّمس.

فإنْ قال رجلٌ لأحدٍ منهم: اتّقِ الله، فقد أخَّرت الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهاراً غير ختْل وعلانيةً غير سرٍّ، ولا يُعلم القتل على ذلك إلاّ أقبح من إنكاره، فكيف يكفر العبد بشيءٍ ولا يكفر بأعظم منه؟

وقد كان بعض الصَّالحيّن ربَّما وعظ بعض الجبابرة وخوَّفه العواقب، وأراه أنَّ في الناس بقيّةً ينهون عن الفساد في الأرض، حتّى قام عبد الملك بن مرْوان والحجّاج بن يوسف، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه.

فاحسبْ أنَّ تحويل القبلة كان غلطاً، وهدم البيت كان تأويلاً، واحسب ما رووا من كلِّ وجه أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم، باطلاً ومصنوعاً مولَّداً، واحسبْ وسْم أيدي المسلمين ونقْش أيدي المسلمات، وردَّهم بعد الهجرة إلى القُرى، وقتل الفقهاء وسبَّ أئمَّة الهدى، والنَّصْب لعترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا يكون كفراً، كيف نقول في جمع ثلاث صلواتٍ فيهنَّ الجمعة ولا يصلُّون أولاهنَّ حتّى تصير الشمس على عليّ الجدران كالملاء المعصفر؟

فإنْ نطق مسلمٌ خبط السَّيف، وأخذته العمد وشكَّ بالرِّماح، وإنْ قال قائلٌ: اتَّقِ الله، أخذته العزَّة بالإثم، ثمّ لمْ يرضَ إلاّ بنثر دماغه على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله.

وممّا يدلُّ على أنَّ القوم لمْ يكونوا إلاّ في طريق التمرُّد على الله عزَّ وجلَّ، والاستخفاف بالدِّين، والتَّهاون بالمسلمين، والابتذال لأهل الحقّ، أكْلُ أمرائهم الطَّعام وشُربُهم الشَّراب على منابرهم أيّلم جُمعهم وجموعهم، فعل ذلك حُبيش ابن دُلْجة وطارقٌ مولى عثمان، والحجّاج بن يوسف وغيرهم، وذلك إنْ كان كفراً


كلُّه فلمْ يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا؛ لأنَّ جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك... إلخ(1) .

لعنوا ابن خلدون

قال السخاوي:

وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن - يعني: الهيثمي - يبالغ في الغضّ منه، أي: من ابن خلدون، فلمَّا سألته عن سبب ذلك ذكر أنّه بلغه أنّه ذكر الحسين بن عليّعليهما‌السلام في تاريخه، فقال: قُتل بسيف جدِّه. ولمَّا نطق شيخنا بهذه اللفظة أردفها بلعن ابن خلدون وسبِّه وهو يبكي.

قال شيخنا في رفع الإصر: ولمْ توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنّه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها(2) .

ما قِيل في ابن العربي

وقال المناوي في تعريضه بابن العربي:

وقد غلب على ابن العربي الغضُّ من أهل البيتعليهم‌السلام حتّى قال: قتله بسيف جدِّه.

وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما): أوحى الله تعالى إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل بابن ابنتك الحسين (ع) سبعين ألفاً وسبعين ألفاً.

قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: وعلى شرط مسلم(3) .

____________________

(1) رسائل الجاحظ / 462 - 472، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي 4 / 147، ترجمة ابن خلدون، ط، دار الجيل.

(3) فيض القدير، المناوي 1 / 265.


وذكر السيوطي والمناوي واللفظ للأوّل، قال:

ومن مجازفات ابن العربي أنّه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر؛ لأنّه عاب لبسة لبسها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقُتل بفتياه كما ذكره في المطامح. وهذا تهوُّر غريب وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب، وسيخاصمه هذا القتيل غداً، ويبوء بالخزي من اعتدى. وليس ذلك بأوَّلِ عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه، فقد ألَّف كتاباً في شأن مولانا الحسين (ع) وأخزى شانئه زعم فيه: أنّ يزيد قتله بحقٍّ بسيف جدِّه، نعوذ بالله من الخذلان...(1) .

لعن جميع من مال ليزيد بن معاوية

قال الآلوسي:

وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لمْ يتصوَّر أنْ يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنّه لمْ يتب واحتمال توبته أضعف من إيمانه. ويُلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة الله عزَّ وجلَّ عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومَن مال إليهم إلى يوم الدين، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

ويعجبني قول شاعر العصر، ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصلي، وقد سُئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريض جنابه

فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا(2)

____________________

(1) الجامع الصغير للسيوطي 1 / 365، فيض القدير، المناوي 5 / 246.

(2) روح المعاني، الآلوسي 26 / 73.


هلاك الملعون يزيد بن معاوية

روى الخوارزمي وابن حجر العسقلاني والمتّقي الهندي، واللفظ للأوّل، قال:

أخبرني سيّد الحفاظ هذا، أي: أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، أخبرني أبو عليّ الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا أبو حيّان، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا زهير بن حرب، حدَّثني أبو معاوية، عن محمّد بن قيس بن البراء، عن عبد الله بن بدر الخطمي، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: «مَن أحبَّ أنْ يبارك الله في أجله، وأنْ يمتَّع بما خوَّله الله تعالى، فليخلفني في أهل بيتي خلافة حسنة، ومَن لمْ يخلفني فيهم بتك عمره، وورد عليَّ يوم القياُمّة مسوداً وجهه»(1) .

قال: فكان كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ يزيد بن معاوية لمْ يخلفه في أهلهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلافة حسنة فبتك عمره، وما بقي بعد الحسينعليه‌السلام إلاّ قليلاً، وكذلك عبيد الله بن زياد (لعنهما الله)(2) .

وقال الحافظ الزرندي، ونقله عنه المناوي والقندوزي:

وورد عن عبد الله بن بدر، عن أبيه: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «مَن أحبَّ أنْ يُنسأ له في أجله وأنْ يمتَّع بما خوَّله الله، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمَن لمْ يخلفني فيهم بتك عمره، وورد عليَّ يوم القيامة مسوداً وجهه»(3) .

____________________

(1) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، الخوارزمي 2 / 97، الفصل الثاني عشر، الإصابة، ابن حجر 1 / 406، كنز العمال، المتّقي الهندي 21 / 99.

(2) مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، الخوارزمي 2 / 97، الفصل الثاني عشر.

(3) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي / 231، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 2 / 220، ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي الحنفي 1 / 126، وفي 2 / 472.


هلاك يزيد بن معاوية بأكثر من رواية

الأولى

قال ابن حبّان:

وتوفّي يزيد بن معاوية بحوارين - قرية من قرى دمشق - لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وستّين، وهو يومئذ ابن ثمان وثلاثين. وقد قِيل: إنّ يزيد بن معاوية سكر ليلة، وقام يرقص فسقط على رأسه وتناثر دماغه فمات...(1) .

الثانية

وقال ابن كثير:

وقد رُوي أنّ يزيد كان قد اشتهر بالمعازف، وشرب الخمر والغناء والصيد، واتّخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود. وما من يوم إلاّ يصبح فيه مخموراً.

وكان يشدُّ القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان. وكان يسابق بين الخيل. وكان إذا مات القرد حزن عليه، وقِيل: إنّ سبب موته أنّه حمل قردة وجعل ينقزها فعضَّته، وذكروا عنه غير ذلك، والله أعلم بصحّة ذلك(2) .

الثالثة

وروى البلاذري، قال:

وذكر لي شيخ من أهل الشام: أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قردة على الأتان وهو سكران، ثمّ ركض خلفها فسقط فاندقَّت عنقه، أو انقطع في جوفه شيء. وحدَّثني محمّد بن يزيد الرفاعي، حدَّثني عمِّي، عن ابن عيّاش قال: خرج يزيد

____________________

(1) الثقات، ابن حبّان 2 / 314.

(2) البداية والنهاية، ابن كثير 8 / 258.


يتصيَّد بحوارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قرداً، وجعل يركض الأتان، ويقول:

أبا خَلَفٍ إحتلْ لنفسِك حيلةً

فليس عليها إن هلكت ضمانُ

فسقط واندقَّت عنقه.

ولا منافاة بين هذه الروايات(1) ، فمن الجائز أنّه أركب قردة على أتان، وركب هو أيضاً وركض خلفه، وجعل ينقزها فعضَّته وسقط واندقت عنقه، وانقطع في جوفه شيء، وهكذا استشهد الخليفة قتيل القرد!(2) .

الرابعة

وقال الديّار بكري في تاريخه:

توفّي يزيد بن معاوية لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل. وفي سيرة معالطاي: في ثلاث وعشرين من شهر ربيع الأوَّل. وقال الحافظ: سنة أربع وستّين بحوارين بالذبحة(3) وذات الجنب، لقد ذاب ذوبان الرصاص، وحُمل إلى دمشق ودُفن في مقبرة الباب الصغير، وصلَّى عليه ابنه معاوية بن يزيد وعمره يوم مات ثمان أو تسع وثلاثون سنة(4) .

وقال الذهبي:

وعن محمّد بن أحمد بن مسمع قال: سكر يزيد فقام يرقص، فسقط على

____________________

(1) وأيضاً لكثرة ما عنده من القرود!

(2) أنساب الأشراف، البلاذري 4 / 1، وفي ط 5 / 300.

(3) جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2 / 154: الذبحة - وقد تسكّن - وجع يعرض في الحلق من الدم. وقِيل: هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فتقتل.

وفي لسان العرب لابن منظور 2 / 438، الذبحة: وجع يأخذ في الحلق من الدم. وقِيل: هي قرحة تظهر فيه فينسدُّ معها وينقطع النفس فتقتل.

(4) تاريخ الخميس، الديّار بكري 2 / 30.


رأسه فانشقَّ وبدا دماغه(1) .

وقال ابن حمدون:

حدَّث أبو عمرو الشيباني أنّ يزيد بن معاوية شرب حتّى سكر، ثمّ ركب فرساً وأقبل حتّى علا جبلاً، فانتهى إلى فصل بينه وبين جبل آخر فأراد أنْ يوثب فرسه حتّى يلحق الجبل الآخر، فقرعه بالسوط فوثب فلمْ يبلغ، وسقط فمات(2) .

وقد نقل ابن طاووس من علماء الشيعة الإماميّة (أعلى الله مقامه) هلاك يزيد بن معاوية (عليه لعائن الله) عن أبي مخنف، قال:

قال أبو مخنف: وأمَّا ما كان من أمر يزيد بن معاوية، فإنّه ركب في بعض الأيّام في خاصّته في عشرة آلاف فارس يريد الصيد والقنص، فسار حتّى بعُد من دمشق مسير يومين فلاحت له ظبية، فقال لأصحابه: لا يتّبعني منكم أحد.

ثمّ إنه انطلق جواده في طلبها، وجعل يطاردها من وادٍ إلى وادٍ، حتّى انتهت إلى وادٍ مهول مخوف فأسرع في طلبها، فلمَّا توسَّط الوادي لمْ يرَ لها خبراً ولمْ يعرف لها أثراً، وكضَّه العطش فلمْ يجد هناك شيئاً من الماء(3) ، وإذا برجل معه صحن ماء، فقال: يا هذا، اسقني قليلاً من الماء. فلمَّا سقاه قال: لو عرفت مَن أنا لازددت من كرامتي. فقال له: ومَن تكون؟ قال: أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية،

____________________

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي 4 / 37.

(2) التذكرة الحمدونيّة لابن حمدون /5974، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(3) ذكر في اللهوف في قتلى الطفوف بعد هذه الرواية رواية أخرى ابتدأها من هنا: فلمْ يجدها فخرج إليه ملك من الملائكة الموكلين في جهنّم، وبيده سوط من النار، فضربه على وجهه فأهلكه (لعنه الله)، فلما أبطأ على أصحابه اقتحموا الطريق الذي سلكه فلمْ يردّوه. وقِيل: إنّهم سلكوا سلكه ومضوا إلى جهنّم وبئس المصير، لعنهم الله جميعاً!


فقال الرجل: أنت والله، قاتل الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهما‌السلام يا عدوَّ الله.

ثمّ نهض ليلزمه فنفر من تحته فرمى به عن مستتر، فعلقت رجله بالركاب فجعل الفرس كلَّما رآه خلفه نفر، فلمْ يزل كذلك إلى أنْ مزَّقه وعجَّل الله بروحه إلى النار.

وكان له عشرة ندماء لا يفارقونه ولا يفارقهم، ويأمنهم على حريمه وأولاده وماله فاقتحموا الطريق الذي سلك فيه ليعرفوا خبره، فوجدوا الفرس وفخذه معلَّق بالركاب، فرفعت الصيحة في المعسكرين، فرجعوا إلى دمشق - هكذا -(1) .

نبش قبر الملعون يزيد بن معاوية

روى المسعودي وابن خلكان، وابن أبي الحديد واللفظ للأوّل، قال:

حكي عن الهيثم بن عدي الطائي، قال: حدَّثني عمرو بن هانئ، قال: خرجت مع عبد الله بن عليّ لنبش قبور بني اُميّة في أيّام أبي العبّاس السفّاح، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً، ما فقدنا منه إلاّ عرنين(2) أنفه، فضربه عبد الله بن عليّ ثمانين سوطاً ثمّ أحرقه، واستخرجنا سليمان بن عبدالملك من أرض دابق فلمْ نجد منه شيئاً إلاّ صلبه ورأسه وأضلاعه فأحرقناه، وفعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني اُميّة، وكانت قبورهم بقنسرين.

ثمّ انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلاّ شؤون رأسه.

____________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس الحسني (قدّس سرّه) / 151.

(2) وفي ط مؤسسة الأعلمي 3 / 230: خُورمة أنفه.


ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه(1) إلاّ عظماً واحداً، ووجدنا من(2) موضع نحره إلى قدمه خطاً واحداً أسود، كأنّما خط بالرماد في طول لحده، وتتبَّعنا قبورهم في جميع البلدان، فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم(3) .

وقال ابن عبد المنعم الحميري:

قِنّسرين: بالشام، وهي الجابية. وبينها وبين حلب اثنا عشر ميلاً، وفيها كان قبر هشام بن عبد الملك بن مروان. وحكى عمر بن هانئ الطائي، قال: خرجت مع عبد الله بن عليّ لنبش قبور بني اُميّة في أيّام أبي العبّاس السفّاح، وانتهينا إلى قبر هشام واستخرجناه صحيحاً، ما فقدنا منه إلاّ خُورمة أنفه فضربه عبد الله بن عليّ ثمانين سوطاً ثمّ أحرقه؛ لأنّ هشاماً كان صلب زيد بن عليّ وأحرقه بالنار، ولهذا قال:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة

ولم أرَ مهدياً على الجذع يصلبُ

وزيد هذا هو الذي ينسب إليه الزيديّة من الشيعة.

قال: واستخرجنا سليمان من أرض دابق، فلمْ نجد منه شيئاً إلاّ صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني اُميّة.

____________________

(1) وفي هذه النسخة: فلمْ وجدناه، والصحيح ما أثبتناه من نسخة مؤسسة الأعلمي3 / 230، وهو موافق أيضاً لرواية ابن خلكان عن صاحب المروج.

(2) وفي ط، مؤسسة الأعلمي3 / 230: مع لحده خطاً أسود كأنّما خُط بالرماد في طول لحده.

(3) مروج الذهب، المسعودي3 / 207، ط دار الهجرة: أيّام هشام بن عبد الملك بن مروان، وفي ط منشورات الشريف الرضيّ 4 / 44، وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان لابن خلكان عن المسعودي / 4543، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 7 / 131.


قال: وكانت قبورهم بقنسرين.

ثمّ انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا منه إلاّ شؤون رأسه، ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلاّ عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنّما خُط بالرماد بالطول في نحره، ثمّ تتبَّعنا قبورهم في سائر البلدان وأحرقنا ما وجدنا فيها(1) .

وقال الراغب الأصفهاني:

نبش القبور:

قال عمرو بن هانئ الطائي: بعثنا أبو غانم المروزي على نبش قبور بني اُميّة فانتهيت إلى قبر هشام فاستخرجته صحيحاً، فما فقدت منه شيئاً إلاّ أطراف أنفه، إلاّ أنّه كان كريشة، فأحرقناه، ثمّ استخرجنا سليمان من أرض دابق فلمْ نجد إلاّ صلبه وجمجمته.

وكذلك كان عبد الملك، ووجدنا معاوية كخط أسود كأنّه رماد، ولمْ يُوجد في قبر يزيد بن معاوية إلاّ عظم واحد، وما وجد من عظامهم أحرقناه(2) .

* * *

____________________

(1) الروض العطار في خبر الأقطار، ابن عبد المنعم الحميري / 2290، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(2) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الراغب الأصفهاني / 4124، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.




ومَن أراد تفصيل ما جاء في هذه الأوراق، فعليه بمراجعة كتاب مقتل أبي عبدالله الحسينعليه‌السلام من موروث أهل الخلاف، وهو في ثلاثة مجلَّدات. ويحتوي على أربعة عشر فصلاً كلّها من مصادرهم:

1 - الفصل الأوّل: في بعض ما ورد في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم.

2 - الفصل الثاني: في الأخبار الغيبيّة عن الشهادة الحسينيّة، كلّها من طرق العامّة ذُكر فيه تقريباً أكثر مقدار عثر عليه.

3 - الفصل الثالث: في أحداث المدينة ومقتل مسلم بن عقيلعليه‌السلام .

4 - الفصل الرابع: في أحداث مكّة وأحداث خروج الإمام الحسينعليه‌السلام إلى مقتله ومقتل أهل بيته وأصحابه، وقد ذُكر مصرع الإمام الحسينعليه‌السلام بستّ روايات مفجعة.

5 - الفصل الخامس: مع السبايا وما جرى عليهنّ بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام وفي طريقهنّ إلى الكوفة، وأحداث الكوفة وفي طريقهنّ إلى الشام، وأحداث الشام إلى أنْ رجعن إلى المدينة بعد مرورهن بكربلاء.

6 - الفصل السادس: في قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وفيه أدّلة وشواهد على دفع شبهات النواصب واتّهامتهم الشيعة بالأشتراك في مقتلهعليه‌السلام ، وفيها تراجم قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام . وذُكر توثيقات أهل الخلاف لهم وقدح الشيعة فيهم، وذكر عقابهم وما جرى عليهم من سوء العاقبة.

7 - الفصل السابع: في استحباب البكاء على خصوص أهل البيتعليهم‌السلام ، وفيه بكاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمعصومين من أهل بيته الأطهارعليهم‌السلام ، وبكاء الصحابة وغيرهم، وبكاء السماوات والرضيّن وما احتوتاه كبكاء الخيل والنمل، والطيور والشجر ونوح الجن ورثائها بروايات مفصَّلة.


8 - الفصل الثامن: في التغيّرات الكونيّة لمقتلهعليه‌السلام من اسوداد السماء واحمرارها ستّة أشهر أو أربعة بأخبار مفصلة، ومن مطر السماء دماً ومن كسوف الشمس، ومن أنّه ما رُفع حجر إلاّ ووجد تحته دم عبيط بروايات مفصلّة، ومن انقلاب الورس إلى رماد أو دم، وغيرها.

9 - الفصل التاسع: في الرؤى المتعلِّقة بمقتل الإمام الحسينعليه‌السلام .

10 - الفصل العاشر: فيما يتعلَّق برأس الإمام الحسينعليه‌السلام ممّا جرى عليه ومن معاجزه وغيرها.

11 - الفصل الحادي عشر: فيما يتعلَّق بقبر الإمام الحسينعليه‌السلام وبتربته وزيارته وغيرها.

12 - الفصل الثاني عشر: فيما يتعلَّق بالشعائر الحسينيّة، التطبير فما دونه.

13 - الفصل الثالث عشر:

1 - تكذيب علماء أهل الخلاف لصيام عاشوراء، والتوسعة على العيال والاكتحال والتطيّب والتبرك وغيرها في عاشوراء.

2 - بحث في سبب تسمية أهل البيتعليهم‌السلام أبناءهم بأسماء سُمِّيت بها أعداؤهم.

14 - الفصل الرابع عشر: في بعض ما جاء من مدح ورثاء سيد الشهداء.

وفي هوامش الكتاب بعض المواضيع المختلفة، كزفاف القاسم ابن الإمام الحسن المجتبى (ع)، والكلام في عدد مَن قتلهم الإمام الحسينعليه‌السلام ، والكلام في فدك، وغيرها.

هذا ما أردنا تحبيره باختصار لدفع ما يُورده النواصب على أيتام آل محمّد (صلوات الله عليهم أجمعين) والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة على أشرف خلقه محمّد وآله الطاهرين، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم ومنكري فضائلهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

وقد تمَّ في فجر الاثنين الموافق 14 /6 / 1427 هـ الساعة الثالثة والنصف


بجوار كريمة أهل بيت العصمة والطهارة، سيّدتي ومولاتي فاطمة المعصومة، بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهم‌السلام . ورحم الله مَن دعا لي بالتوفيق والمغفرة، ولوالديّ وجميع المؤمنين والمؤمنات بالرحمة والرضون، وقرأ لهم جميعاً الفاتحة.



مصادر الكتاب



مصادر الكتاب

(أ)

الإتحاف بحبّ الأشراف للشبراوي، الناشر: أمير قم.

استشهاد الحسينعليه‌السلام ، للدكتور محمّد جميل غازي - أخرجه من كتاب الحافظ ابن كثير، مطبعة المدني المؤسّسة السَعوديّة بمصر - نقلاً من إحقاق الحق ّ.

الأخبار الطوال للدينوري، الناشر: دار إحياء الكتاب العربي - القاهرة - منشورات الرضيّ، قم المقدّسة.

اختيار معرفة الرجال، للشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، الناشر: مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث، قم المقدّسة 1404 هـ.

الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1415 هـ.

الأعلام لخير الدين الزركلي، الناشر: دار الملايين - بيروت - 1980 م.

الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني - الناشر: دار الفكر - بيروت -.

إكمال الكمال لابن ماكولا، الناشر: دار إحياء التراث، دار الكتاب الإسلامي الفارق الحديثة - القاهرة -.

الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، تحقيق الشيري، الناشر: الشريف الرضيّ - قم المقدّسة - 1413 هـ.

الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، تحقيق الزيني، الناشر: مؤسّسة الحلبي وشركائه - القاهرة - 1387 هـ.

أنساب الأشراف، للبلاذري، الناشر: دار الفكر - بيروت -.

الأنساب للسمعاني، الناشر: دار الجنان - بيروت - 1408 هـ.

(ب)

البداية والنهاية، لابن كثير، الناشر: مكتبة المعارف - بيروت -.

بغية الطلب في تاريخ حلب، لابن العديم، الناشر: دار الفكر - بيروت -.

البدء والتاريخ، لمطهر بن طاهر المقدسي، الناشر: مكتبة الثقافة الدينيّة - القاهرة -.

(ت)

تاج العروس للزبيدي، الناشر: دار الفكر - بيروت - 1414 هـ.

ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، لابن سعد، الناشر: مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم - 141هـ.

وهذه الترجمة قد أُسقطت من طبقات ابن سعد، فلاحظ.

تاريخ ابن خلدون، الناشر: مؤسّسة دار الأعلمي - بيروت - 1391 هـ.


تاريخ الخلفاء، للسيوطي، الناشر: مطبعة السعادة - مصر - 1371هـ.

تاريخ خليفة بن خياط، الناشر: دار القلم - بيروت - ومؤسسة الرسالة - دمشق - 1397هـ.

تاريخ الطبري، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1407 هـ.

تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، الناشر: دار الفكر - بيروت - 1415 هـ.

التاريخ الكبير، للبخاري، الناشر: المكتبة الإسلاميّة - تركيا -.

تاريخ اليعقوبي، الناشر: دار صادر - بيروت -.

تحرير تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، الناشر: مؤسّسة الرسالة.

تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، الناشر: الشريف الرضيّ - قم المقدّسة -.

تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1415هـ.

تناقضات الألباني الواضحات، للسقاف، الناشر: دار الإمام النووي - الأردن، عمَّان - 1413 هـ.

تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، الناشر: دار الفكر - بيروت - 1404 هـ.

تهذيب الكمال للمزّي، الناشر: مؤسّسة الرسالة - بيروت - 1413هـ.

تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي، للسيّد الأبطحي (قدّس سرّه)، الناشر: ابن المؤلف - قم المقدّسة - 1417هـ.

(ث)

كتاب الثقات لابن حبّان، الناشر: مؤسّسة الكتب الثقافية - الهند، حيدر آباد - 1393هـ.

(ج)

الجامع الصغير، للسيوطي، الناشر: دار طائر العلم - السعودية، جدة -.

الجرح والتعديل، للرازي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1371 هـ.

جمهرة اللغة، لابن دريد العضدي.

جواهر المطالب في فضائل عليّعليه‌السلام لابن الدمشقي، الناشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، إيران - قم المقدّسة - 1416هـ.

(ح)

الحسن والحسين سبطا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمحمّد رضا، أمين مكتبة جامعة فؤاد الأوَّل سابقاً، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت -.

حياة الحيوان الكبرى، للدميري، الناشر: انتشارات ناصر خسرو، إيران - طهران -.

(خ)

خزانة الأدب، ولبّ لباب لسان العرب، لعبد القادر البغدادي، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


(ذ)

ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري - الناشر: مكتبة القدسي - القاهرة -.

(ر)

ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

كتاب الردّ على المتعصّب العنيد، لأبي الفرج ابن الجوزي.

رسائل الجاحظ، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

روح المعاني، للآلوسي، الطبعة الرابعة، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1405هـ = 1985 م.

(س)

سير أعلام النبلاء، للذهبي، الناشر مؤسسة الرسالة - بيروت - 1413 هـ.

سمط النجوم العوالي للعاصمي الشافعي.

(ش)

شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي العكري الدمشقي، الناشر دار الكتب العلميّة.

شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية 1378هـ، ومؤسّسة إسماعيليان - قم المقدّسة -.

(ص)

صحيح البخاري، الناشر: دار الفكر، 1401 هـ.

صحيح مسلم، الناشر: دار الفكر - بيروت -.

صلة تاريخ الطبري، للقرطبي، الناشر مؤسّسة الأعلمي - بيروت -.

الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي.

(ض)

الضوء اللامع، لأهل القرن التاسع للسخاوي، الناشر دار الجيل.

(ط)

الطبقات الكبرى، لمحمّد بن سعد، الناشر دار صادر - بيروت -.

طرائف المقال، للسيّد عليّ البروجردي، الناشر: مكتبة آية الله السيّد المرعشي، إيران - قم المقدّسة - 1410هـ.


(ع)

العقد الفريد لابن عبد ربّه، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(غ)

غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة، للوطواط، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(ف)

فتوح البلدان، للبلاذري، الناشر: مكتبة النهضة المصريّة - القاهرة - 1957 م.

الفرج بعد الشدّة، للقاضي التنوخي، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

فرق الشيعة، للنوبختي.

الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم.

فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1415هـ.

(ك)

الكاشف في معرفة مَن له رواية في الكتب الستّة، للذهبي، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلاميّة، المملكة السَعوديّة - جدّة -، مؤسّسة علوم القرآن السَعوديّة - جدّة - 1413 هـ.

الكافي للشيخ الكليني (قدّس سرّه)، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة - طهران -.

الكامل في التاريخ لابن الأثير، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1415 هـ.

كنز العمال، للمتّقي الهندي، الناشر: مؤسّسة الرسالة - بيروت - 1409هـ.

(ل)

لسان العرب، لابن منظور، الناشر: أدب الحوزة - قم المقدّسة - 1405 هـ.

لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، الناشر: مؤسّسة الأعلمي - بيروت - 1390 هـ.

(م)

مجمع الزوائد، للهيثمي، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1408 هـ.

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

مرآة الزمان وعبرة اليقظان، لليافعي، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

مروج الذهب، للمسعودي، الناشر: الشريف الرضيّ - قم المقدّسة - 1422 هـ، طبعة دار الهجرة.

المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، الناشر: دار المعرفة - بيروت -.

مشاهير علماء الأمصار، لابن حبّان، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - 1411هـ.

معرفة الرجال، للعجلي، الناشر: مكتبة الدار - المدينة المنورة - 1405 هـ.

المعرفة والتاريخ، للفسوي.


معجم رجال الحديث، للسيّد الخوئي (قدّس سرّه).

المعجم الكبير، للطبراني، الناشر: دار إحياء التراث العربي - 1404 هـ.

مقاتل الطالبيّين، للأصفهاني، الناشر: المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف - 1385 هـ، مؤسّسة دار الكتاب - قم المقدّسة -.

مقالات الإسلاميّين، للأشعري.

مقتل الحسينعليه‌السلام ، للخوارزمي، تحقيق الشيخ السماوي، الناشر: أنوار الهدى - قم المقدّسة - 1418هـ.

الملل والنحل، للشهرستاني، الناشر: دار المعرفة - بيروت -.

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، الناشر: دار الكتب العلميّة - بيروت - 1412 هـ.

مَن له رواية في مسند أحمد لمحمّد بن عليّ بن حمزة - الناشر: جامعة الدراسات الإسلاميّة، باكستان - كراتشي -.

موسوعة رجال الكتب التسعة.

ميزان الاعتدال، للذهبي، الناشر: دار المعرفة - بيروت -.

(ن)

النجوم الزاهرة، لأبي المحاسن المتوفَّى 874 هـ، الناشر: المؤسّسة المصريّة، للتأليف والترجمة والطباعة والنشر - مصر -.

نهاية الإرب في فنون الأدب، للنويري، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، الناشر: مؤسّسة إسماعيليان - قم المقدّسة -.

نور العين في مشهد الإمام الحسينعليه‌السلام ، للإسفرايني، الناشر: مطبعة المنار - تونس - وتُوجد أكثر من نسخة قديمة في مكتبة السيّد المرعشي (قدّس سرّه) - قم المقدّسة -.

نيل الأوطار، للشوكاني، الناشر: دار الجيل - بيروت - 1973 م.

(و)

وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان، لابن خلكان، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

الوافي بالوفيات، لصلاح الدين الصفدي، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(ي)

ينابيع المودّة، للقندوزي، الناشر: دار الأسوة، 1416 هـ.


الفهرس

إهداء:7

مقدّمة:11

الفصل الأوّل: شبهة جائرة13

مناقشة الشبهة18

الأمر الثاني: دهاء ابن زياد31

الأمر الثالث: اعتقال ابن زياد للشيعة وقتلهم ومنعهم من الوصول إلى الإمام32

الأمر الرابع: قلّة الشيعة في الكوفة آنذاك 35

الأمر الخامس: كثرة الاُمويّين وأتباعهم في الكوفة آنذاك 38

الأمر السادس: تصريحات الإمام الحسينعليه‌السلام تدلّ على أنّهم ليسوا بشيعة52

الأمر السابع: تصريح جيش يزيد بن معاوية ببغضه أمير المؤمنينعليه‌السلام .... 54

الأمر الثامن: عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسينعليه‌السلام من خلال أقوالهم55

الأمر التاسع: عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسينعليه‌السلام من خلال أفعالهم69

الأمر العاشر: اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام .... 84

الأمر الحادي عشر: أحوال ودواعي مَن كتب إلى الإمام الحسينعليه‌السلام .... 87

الأمر الثاني عشر: موقف مَن كتب من الشيعة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام .... 90

الأمر الثالث عشر: نسبة علماء أهل الخلاف قتل الإمامعليه‌السلام إلى يزيد بن معاوية وأتباعه94

الأمر الرابع عشر: حقائق تاريخية تبيِّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام .... 97


الفصل الثاني: شبهة أخرى 111

الفصل الثالث: قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام .... 131

عمرو بن حريث المخزومي القرشي 134

أقوال أهل الخلاف فيه134

عزرة بن قيس الأحمسي 139

الزبير بن الأروح 140

شبث بن ربعي 142

محمّد بن الأشعث 146

كثير بن شهاب 147

نوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي 150

حجّار بن أبجر151

القعقاع بن شور154

الحصين بن نمير 156

مِن الموالين لبني اُميّة157

خروجه لقتال الحسينعليه‌السلام .... 158

ضربه الإمام الحسينعليه‌السلام بالسهم في فيه158

ممّن حملوا الرؤوس 158

مالك بن النسير 159

عمر بن سعد بن أبي وقاص 161

ابن سعد (لعنه الله) ينتدب عشرة فرسان لرضِّ جسد الحسينعليه‌السلام بحوافر خيولهم161

مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه162

عمرو بن الحجّاج بن سلمة بن عبد يغوث الزبيدي 164

شهادته على حجر بن عدي حتّى قتله معاوية165

الغدر بهانئ بن عروة رضوان الله عليه165

أسماء بن خارجة167


وجوده مع عمر بن سعد في كربلاء168

من قتلة الحسينعليه‌السلام الذين طلبهم المختار168

مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه169

عبيد الله بن زياد171

ما فعله اللعين من وضع رجله على فم الإمام الحسينعليه‌السلام .... 171

تقويره (لعنه الله) رأس الإمام الحسينعليه‌السلام .... 171

نكثه (عليه اللعنة) رأس الإمام الحسينعليه‌السلام .... 172

رواية أنس بن مالك:172

رواية ابن أرقم173

أمره بغلِّ عنق الإمام عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، وحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكشفات.. 174

ابن زياد عند أهل الخلاف 175

اللعين شمر بن ذي الجوشن 177

هجوم شمر اللعين على خيام الحسينعليه‌السلام ليحرقها177

شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) مَن تولَّى ذبح سبط رسول اللهعليه‌السلام .... 178

رأي أهل الخلاف في شمر بن ذي الجوشن 178

من مشايخ شيخ الكوفة وعالمها ومحدّثها وتابعي 178

الفصل الرابع: يزيد بن معاوية182

يزيد بن معاوية184

يزيد بن معاوية موبقة من موبقات معاوية184

يزيد أوَّل من سنّ الملاهي في الإسلام186

ما فعله مع أهل البيتعليهم‌السلام على سبيل الاختصار186

يزيد بن معاوية قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام .... 188

قول ابن عبّاس 189

قول المعتضد الخليفة العبّاسي:190

قول معاوية بن يزيد 191


قول أحمد بن حنبل 191

قول الشهاب الآلوسي 192

قول التفتازاني 193

قول الذهبي 193

قول الجاحظ 194

قول المناوي 194

أمره بزيادة عطاء قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام .... 196

ما فعله في واقعة الحرّة197

وصية معاوية لابنه يزيد في أهل المدينة197

ما ذكره الزرقاني والعاصمي من عدد جيش الشام وقتله الصحابة وفضِّه الأبكار... و... ومسح دم الافتضاض بالقرآن الكريم!199

بيعة أهل المدينة على أنّهم خول وعبيد ليزيد بن معاوية201

كفر يزيد بن معاوية204

لعن علماء أهل الخلاف يزيد بن معاوية212

فتوى جمع من المحقّقين بجواز لعنه212

فتوى المولى ابن الكمال بجواز لعنه212

الكيا الهراسي الفقيه الشافعي 212

جواز لعنه من أحمد بن حنبل والردّ على من منع 213

لعن ابن الزبير 216

قول ابن الزبير: يزيد الفاجر ابن الفاجر! ولعن 216

لعن القاضي أبي الحسن 217

لعن الحافظ الشيرازي ليزيد و بني اُميّة كلّهم217

لعن الآلوسي وجلال الدين السيوطي، وابن الجوزي وأبي يعلى وغيرهم، وفيه مَن يمنع... ويُبرئ يزيد218

لعن العلامة التفتازاني 222

لعن الجاحظ ليزيد ولعن كلّ من منع لعنه222


لعن ابن الدمشقي ليزيد وتكفيره223

رأي معاوية بن يزيد في أبيه يزيد بن معاوية، وما فعله الاُمويّون بمعلِّمه223

عمر بن عبد العزيز يعزر من أطلق إمرة المؤمنين على يزيد بن معاوية227

فقهاؤهم يفتون بتعزير فقيه - على طبق عمل عمر بن عبد العزيز - لمدحه اللعين يزيد بن معاوية228

ثناء ابن كثير الدمشقي على يزيد وما ذكر فيه من أنّه من الدرجة العليا من التابعين 228

ما ذكر من الاتّفاق على تصويب خروج الحسينعليه‌السلام .... 229

ما قاله بعض علماء أهل الخلاف في الردّ على من ذمّ خروج الحسينعليه‌السلام .... 232

الشوكاني يلعن من عاب على الحسينعليه‌السلام خروجه232

ما ذكره سبط ابن الجوزي 232

لعنوا ابن خلدون 239

ما قِيل في ابن العربي 239

لعن جميع من مال ليزيد بن معاوية240

هلاك الملعون يزيد بن معاوية241

هلاك يزيد بن معاوية بأكثر من رواية242

نبش قبر الملعون يزيد بن معاوية245

مصادر الكتاب 254


من قتل الإمام الحسين (عليه السلام)؟

من قتل الإمام الحسين (عليه السلام)؟

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: زهير ابن المرحوم الحاج علي الحكيم
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 265