قراءات في بيانات الثورة الحسينية وابعادها الرئيسة
مؤلف: حبيب إبراهيم الهديبيالإمام الحسين عليه السلام
قراءاتٌ في بياناتِ
الثورة الحُسينيَّة
وأبعادِها الرئيسَة
قراءات في بيانات
الثورة الحسينية
وأبعادها الرئيسة
العقيديِّ، السياسيِّ، الاجتماعيِّ، الروحيِّ، الإعلاميِّ
حبيب إبراهيم الهُدَيْبِي
نشرُ
المؤسسَّة الإسلاميَّة للبحوث والمعلومات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الإهداء
إلى روح مَن وضعتْ قَدميَّ على طريق خدمة أبي الأحرار، وزودتني بدعائها وتشجيعه، إلى روح والدتي أُهدي ثواب هذا المجهود، سائلاً المولى تعالى، أنْ يتغمَّدها برحمته، وأنْ يحشرها في رحاب سيِّد الشهداء.
ابنكِ حبيب
تقديم
الدكتور عبد الهادي الفَضلي
لا أخال أنَّ هناك وقعة حَربيَّة، كُتب فيها وعنها، وبلُغات شتَّى عربيَّة وغيرها، كوقعة كربلاء.
ويرجع هذا إلى أنَّها مأساة فاجعة؛ ولأنَّها ذات هدف إنساني أسمى.
وقد اصطبغت أنماط الكتابة فيها، أو قُلْ: تأثَّرت بالجو الثقافي للعصر الذي ولِدت فيه.
ففي البدايات الأُولى والـمُبكِّرة، اعتمدت الكتابة الرواية والسَّرْد التاريخيَّين؛ لأنَّها الطريقة التي كانت مألوفة آنذاك، وقد جاءت مُتأثِّرة بالجوِّ الفكري الإسلامي في حينها؛ حيث انتشار الحديث الشريف؛ والتعامل معه عن طريق الرواية والنقل.
وفي عصرنا هذا، ونحن نسير في هدي مناهج البحث التاريخي الحديث، حيث التوثيق، والأمانة في النقل، والموضوعيَّة في التأمُّل مع الموضوع، والتعليل لمعرفة العوامل والأهداف، والتحليل لتعَرُّف الأبعاد والنتائج، والنقد لـمُحاكمة آراء الآخرين بُغية الوصول إلى الحَقِّ منها، ثمَّ وأخيراً مُحاولة الوقوف عند الحقيقة المنشودة، التزم الكثير مِن الـمُؤلِّفين والكُتَّاب، الطريقة الحديثة الـمُشار إليها.
ومع وِفْرة ما كُتب في واقعة كربلاء، فموضوع ثورة الإمام الحسينعليهالسلام لا يزال بحاجة إلى استمراريَّة الكتابة فيه، واستمراريَّة البحث عن أبعاده وقضاياه.
ويعود هذا - فيما أُقدِّر - إلى الأمرين التاليين:
1 - عدم إثراء البحث بالتحليل الوافي، عند دراسة حوادث وأحداث القَرن الأوَّل الهِجري مِن تاريخ المسلمين؛ وذلك لاستخلاص الحقائق مِن رِكام التناقضات، والادِّعاءات الفارغة، والتزوير التاريخي، والتضليل الإعلامي، التي كبست على الواقع الحَقِّ، وصِبغته بألوان داكنة لطمسه.
2 - عدم وضوح الكثير مِن المفاهيم الإسلاميَّة، في موضوع الدولة والحُكم، والتي منها مفهوم(الإمامة) ؛ فقد تلاعبت فيه الذهنيَّات ذات التوجُّهات، التي لا تلتقي وخَطِّ العدالة الاجتماعيَّة الإسلاميَّة، حتَّى عاد يضطرب في دوائر غير مُستقرَّة مِن التغييم والتغييب.
ولمواصلة الاستمراريَّة في بحث موضوع وقعة كربلاء، الكثيرة العوامل، والضخمة الأهداف؛ لكي يُزاد في التعليل والتحليل انبرى الأخ العزيز، العلاَّمة الخطيب، الشيخ الهُدَيْبي لذلك، فكانت هذه القراءات، وهي دراسة لوثائق هذه الوقعة، بعضها مُباشر لها، وآخر مُلابِس، وتتمثَّل وِفْرتها في خُطب، ووصايا، ورسائل الإمام الحسينعليهالسلام ، التي ركَّز فيها على بيان عوامل ثورته، وأهدافها، ونتائجها الـمُستقبليَّة.
وقرنها الـمُؤلِّف الكريم بوثائق أُخرى، مِن أقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأقوال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ترتبط بشخص الإمام الحسين مِن جانب، وبثورته مِن جانب آخر.
وفي الـمُقابل - وعلى الخَطِّ الـمُقابِل - استعرض وثائق مِن أقوال مُعاوية بن أبي سفيان، مؤسِّس الـمَملكة الأُمويَّة، ومِن أقوال ابنه الـمَلك الثاني مِن مُلوك أُميَّة، يزيد بن مُعاوية، لها دور إسهام في الإبانة عن أبعاد الموضوع ومُلابساته.
وانطلق في دراسته لهذه الوثائق، مِن أنَّ الواقع الشرعي، وكذلك الواقع التاريخي لأهل البيتعليهمالسلام يُمثِّل الامتداد الطبيعي لرسالة الإسلام، ودعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتبليغها
وتطبيقها، ومِن أنَّ الواقع القائم لآل أُميَّة آنذاك، يُمثِّل الانحراف عن الخَطِّ الإسلامي، والـمُخالفة لمبادئه في العقيدة والتشريع.
فذهب يشرح نصوص الثورة شرحاً سياسياً، في إطار نظرته للواقع التاريخي، عن طريق التحليل والتعليل، والتحرُّك داخل دائرة المبادئ والمقاصد الإسلاميَّة، مُعزِّزاً ذلك بالشواهد والأمثلة مِن النصوص والحوادث، فاستطاع بهذا أنْ يُلقي الأضواء الكاشفة على الكثير مِن الحوادث والوقائع.
ولأنَّ هذه الأضواء الكاشفة، كانت قراءات لنصوص الثورة، كانت تتَّسم بالاختصار، ومع هذا الاختصار فهي - كما قُلت: - اقتدرتْ أنْ تُجلِّي الكثير مِن معالم الوقعة؛ فتكشف عن حقائقها.
وفي تقديري أنَّ حركة التأليف الـمُعاصر في وقعة كربلاء، والتي تنتهج طريقة الدراسة التاريخيَّة التحليليَّة، وإعداد الموسوعات الشاملة، والـمُستوعبة لكلِّ أطراف ومُلابسات الوقعة، سوف نَنتهي مِن خلالها إلى نتائج حَيَّة، تقوم بدور الكشف عن الحقيقة؛ ليتَّضح للتاريخ والأجيال القادمة، واقع الانحرافات عن خَطِّ الرسالة الإسلاميَّة الذي تَمثَّل في آل أُميَّة وأعوانهم، وواقع الـمُقاومة لهذه الانحرافات، والـمُعارضة لشخوصها ورموزها مِن قبل أئمَّة أهل البيت وأتباعهم؛ فنكون بهذا قد خرجنا مِن عُهدة المسؤوليَّة أمام الله تعالى، التي تفرض علينا مِن باب الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر بيان ما هو الحَقُّ، والكشف عن الباطل فيما التبس منها، وفيما اختلطا فيه مِمَّا يتطلَّب التفريق.
وللكتاب الذي بين يدينا، دَورُ مُساهمَة بهذا، جَزى الله مؤلِّفه الكريم جزاء العاملين في سبيله تعالى، ووفَّقه لاستمراريَّة السير في خدمة أهل البيت: فكرهم، وتاريخهم، إنَّه سبحانه وليُّ التوفيق وهو الغاية.
مُقدِّمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيِّ الرحمة، محمّدٍ وآله الطاهرين
وبعد:
فإنَّ مِن خصائص الثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة، خِصِّيصة الشموليَّة، بمعنى: أنَّ هذه الثورة قد حملت جميع أبعاد الرسالة الإسلاميَّة، وما تحمله مِن أهداف ربانيَّة؛ وذلك لأنَّ القائم بهذه الثورة الخالدة(الإمام الحسين) هو الذي تمثَّلت في شخصيَّته الرسالة، وتجسَّدت فيه قيمها ومبادئها السماويَّة، وكان هو الامتداد الطبيعي لجَدِّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فما مِن خُطوة يَخطوها هذا الثائر، وما مِن تصريح يَصدر منه، وما مِن خطاب أو بيان يوجِّهه، إلاَّ ويُمثِّل ذلك بُعداً أو هدفاً إسلاميَّاً مُقدَّساً.
وإنَّ البيانات والتصريحات، التي أدلى بها أبو الأحرار، في مسيرته الاستشهاديَّة، بحاجة إلى الدراسة الشاملة، الـمُستوعبة لاستجلاء أبعادها وأهدافها، وتقديمها للأجيال الإسلاميَّة والإنسانيَّة.
وبين يديك - عزيزي القارئ - مُحاولة مُتواضعة لاستجلاء شيءٍ مِن مضامين تلك البيانات الحسينيَّة أسميتها بـ(قراءات) ؛ لأنَّها لا تعدو كونها قراءات ومُحاولات لفهم بعض الجوانب لتلك البيانات.
أرجو مِن الله تعالى، مُتوسِّلاً بتلك الدماء الـمُقدَّسة، التي سُقيت بها شجرة الرسالة، أنْ يتقبَّل هذا الجُهد اليسير مِن عبده، وخادم أهل بيت نبيِّه، إنَّه وليُّ التوفيق، وهو الرحيم الوَدود.
كما لا يفوتني أنْ أتقدَّم بجزيل الشكر، وعظيم الامتنان لكلٍّ مِن: سماحة الحُجَّة الباحث الإسلامي الكبير، الشيخ عبد الهادي الفضلي (دامت إفاضاته) على مُراجعته لهذه القراءات وكتابة التقديم.
وسَماحة الحُجَّة الأخ المِفضال، الشيخ حسين الراضي، على إبداء مُلاحظاته، وإعطاء إفاداته، فيما يتعلَّق بتحقيق المصادر.
أسأل الله تعالى لهذين العَلمين طول البقاء والعَطاء، إنَّه على كلِّ شيء قدير، والحمد لله أوَّلاً وآخر.
حبيب إبراهيم الهُدَيْبي
7 / 6 / 1422 هـ ق
القراءة الأُولى
في البُعد العَقيدي
أ - التوحيد
ب - النبوَّة
ج - الـمَعاد
د - أهل البيتعليهمالسلام في بيانات الثورة
تمهيد:
كلُّ ثورة أو حركة تغييريَّة في العالم، لا بُدَّ لها مِن قاعدة فِكريَّة، تبني عليها منهجها ومسيرتها في الحياة، وتُحدِّد أهدافها التي تُريد الوصول إليها، وهذه القاعدة تتمثَّل في الرؤية الكونيَّة، التي تتبنَّاها تلك الثورة، أو تلك الحركة.
ومِن هذا الـمُنطلَق، اختلفت المناهج والأهداف عند الثورات والحركات في العالم.. (إنَّ البُنْية الفِكريَّة تُعتبر هي الأساس، الذي تتقوَّم به الخصائص المنهجيَّة بشكلٍ عامٍّ، حيث المناهج محكومة - في الأعمِّ الأغلب - بمُبتنيات القاعدة الـمُفاهميَّة، التي ترتكز عليها، ومِن خلالها تتحدَّد طريقة التعامُل مع الأشياء والأحداث، كما ترسم أبعاد المواقف، وتوضِّح حقيقة الأهداف)(1) .
فالمادِّيُّون تتَّسم مناهجهم باللون المادِّيِّ، وهو اللون الذي يحدِّد جُملة الخصائص، والمعالم، والأبعاد، والأهداف، ويُميِّزها عن غيرها؛ (لذا فإنَّا نُلاحظ الصِبغة والأبعاد المادِّيَّة، في الأساليب كما هي في الـمُرتكزات، وفي المواقف كما هي في الأهداف والغايات؛ لأنَّها جميعاً مُرتكزة على القاعدة (الفكر المادِّيِّ)... والنهج الإسلامي، الذي يستمدُّ خصائصه مِن القاعدة الفِكريَّة الإلهيَّة، يَصبغ هو الآخر جميع مُفردات مناهجه بلونه الـمُتميِّز، وبمعالمه ذات الهندسة الرَّبَّانيَّة)(2) .
____________________
(1) المنهج الحركي في القرآن الكريم: ص20.
(2) المنهج الحركي في القرآن الكريم: ص20.
ومِن هذا الـمُنطلق، تحرَّك سيِّد الشهداء، لـمَّا صمَّم على القيام بثورته الـمُقدَّسة، فبدأ بتوضيح القاعدة التي انطلقت منها ثورته، وحدَّد منهجه وأهدافه. قالعليهالسلام في وصيَّته لأخيه محمد بن الحنفيَّة:
(هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب، إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية: إنَّ الحسين يَشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحَقِّ مِن عند الحَقِّ، وأنَّ الجَنَّة حَقٌّ، والنار حَقُّ، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور)(1) .
فهذه الـمُقدِّمة لوصيَّتهعليهالسلام أخيه، توضِّح القاعدة الفِكريَّة، والرؤية الكَوْنيَّة للثورة الحسينيَّة؛ فإنَّها - أيْ الـمُقدِّمة - تضمَّنت أُصول الاعتقاد في الإسلام: التوحيد، النبوَّة، الـمَعاد. فقد أرادعليهالسلام أنْ يقول للأُمَّة: إنَّ انطلاقته الثوريَّة، إنَّما كانت مِن هذه القاعدة، وإنَّ إيمانه هو الذي حتَّم عليه القيام بهذه الثورة الإصلاحيَّة؛ حفاظاً على هذه القاعدة؛ لتبقى فاعلة في حياة الأُمَّة - فرداً وجماعة -؛ ولكي لا تفقد هذه العقيدة معناها الصحيح، فتُصبح مُجرَّد شعار يحمله الإنسان المسلم، خالياً مِن أيِّ روح، مُؤثِّر في سلوكه ومواقفه، كما كان عليه الوضع العامّ للمسلمين، في عصر الإمام الحسينعليهالسلام .
فقرَّرعليهالسلام أنْ يستعيد للعقدية الإسلاميَّة حَرارتها وتأثيرها.
ولا بُدَّ لنا مِن وَقفة - ولو قصيرة - أمام هذه الأُصول الثلاثة؛ لنستبين شيئاً مِن حقيقة الاعتقاد، الذي يُريده الإسلام مِن الإنسان المسلم والأُمَّة المسلمة، ولا بُدَّ لنا أيضاً أنْ
____________________
(1) بحار الأنوار: ج 44: ص329. والعوالم ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ص179. ومقتل الحسين للخوارزمي: ج1: ص188. والفتوح لابن أعثم: ج5: ص21، واللفظ للأوَّل.
نُشير إلى أنَّ البحث ليس في صَدد البرهنة على هذه الأُصول؛ لأنَّ الـمُتكفِّل بهذا كُتب علم الكلام والفلسفة الإسلاميَّة، وإنَّما نُريد الإشارة إلى ما تعرَّض له الفكر الإسلامي، والعقيدة الإسلاميَّة - في عهد الثورة الحسينيَّة - مِن تحريف مُتعمَّد، ومُحاولة لطمس معالم ذلك الفِكر والقضاء عليه.
أ - التوحيد
(إنَّ الحسين يشهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له)(1) .
إنَّ الفِكر التوحيدي في الإسلام، هو المحور لجميع المسائل الفِكريَّة، وكافَّة الأبعاد التشريعيَّة، وإنَّما هدف الرسالة الإسلاميَّة، هو أنْ تبني الحضارة الإنسانيَّة على قاعدة التوحيد، وتُقيم حياة الإنسان في كلِّ أبعادها: الفرديَّة والاجتماعيَّة، والسياسيَّة والاقتصادية، والأخلاقيَّة على قاعدة التوحيد الإلهي.
وقد اختصر الإسلام هذا الفِكر في كلمة التوحيد، وهي:(لا إله إلاَّ الله) ، هذه الكلمة القصيرة في لفظها، البعيدة الغور والواسعة المعنى في دلالتها، فهي تتكوَّن مِن جانبين جانب النفي(لا إله) ، وجانب الإثبات(إلاَّ الله) ، فحينما يَقرُّ بها الإنسان المسلم، ويعتقد بها؛ فإنَّه أوَّلاً ينفي كافَّة الآلهة الـمُصطنعة ويرفضها، سواء كان ذلك الإله الـمُصطنع، يتمثَّل في وَثَنٍ مِن الحَجر أم صَنم مِن البشر وطاغوت مِن الطواغيت، أو يتمثَّل في صنم النفس وهواها، فكلُّ ذلك مرفوض عند الإنسان المسلم.
وحينما ترفعها الأُمَّة شعاراً في حياتها، وتجعلها قاعدة لحضارتها، فهي ترفض أوَّلاً أيَّ مخلوق يُجعل، أو يجعل نفسه في مقام الإله، على أيِّ مُستوى مِن الـمُستويات.
بعد هذا النفي الـمُطلَق، والرفض التامِّ، يأتي جانب الإثبات(إلاَّ الله) .
فهي تعني: لا
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18: هامش 1.
خالق ولا رازق بالذَّات، ولا رَبَّ ولا مُدبِّر ومُطاع بالذات، ولا مُشرِّع إلاَّ الله تبارك وتعالى.
هذه القاعدة، التي إذا انطلقت منها الأُمَّة، وجعلتها الأساس لحضارتها؛ فإنَّها تمنحها القوَّة وتوفِّر لها عوامل الحُرِّيَّة والكرامة.
والأُمَّة مُكلَّفة بتحقيق وإقامة المسألة التوحيديَّة، بكلِّ أبعادها وحيثيَّاتها على مُستوى الإيمان والاعتقاد، وعلى مُستوى العمل بكلِّ مُتطلَّبات هذه المسألة في حياتها. ومتى ما عُطِّل بُعْدٌ مِن أبعاد التوحيد؛ فإنَّ حياة الأُمَّة سوف تبقى ناقصة مِن الناحية الإسلاميَّة، وتعود الصورة غير مُكتملة الجوانب؛ وبالتالي فإنَّ الأُمَّة سوف تتعرَّض لعمليَّة الـمَسخ والتمزيق مِن قِبَل أعدائها، كما نُشاهده - بالوجدان - في وضع الأُمَّة في العصر الراهن، لـمَّا عُطِّلت جوانب مِن المسألة التوحيديَّة: كتوحيد الحاكميَّة، والتشريع الإلهي، واستبدلت بالقوانين الوضعيَّة والتشريعات الأرضيَّة؛ فأنتج ذلك أنْ صار المسلمون يعيشون وضعاً هزيلاً أمام أعدائهم، إلى حَدِّ امتهان الكرامة، وفُقدان العِزَّة التي يُريدها الله ورسوله لهذه الأُمَّة.
وأمَّا في ماضي تاريخ هذه الأُمَّة، فإنَّها تعرَّضت في صدر تاريخها إلى مُحاولات لـمَسخ شخصيَّتها وحَرف مسيرتها، وذلك لـمَّا توصل الأُمويُّون إلى كرسيِّ الحُكم، وأصبحوا يشكلِّون أعظم خطر على الإسلام، كما حذر منهم أمير المؤمنين عليعليهالسلام : (إنَّ أخوف الفِتن عليكم عندي فِتنة بني أُميَّة).
ولـمَّا أصبحت الأُمَّة في قبضتهم، عملوا بكلِّ جُهدهم على تغيير شخصيَّتها وحَرْف مسيرتها، ولـمَّا كانوا لا يجرؤون على مُقاومة شعار:(لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله) ؛ لأنَّهم إنَّما يحكمون المسلمين باسم هذا الشعار، عملوا على خَلخلة فكر الأُمَّة مِن
خلال إيجاد خطوط فكريَّة دخيلة على الفكر القرآني، والتي تخدمهم وتدعم سلطانهم، أمثال:
أ - العقيدة الجبريَّة
العقيدة الجبريَّة تعني: الاعتقاد بأنَّ الإنسان مَجبور على أفعاله مِن قِبَل الله تعالى جَبراً تكوينيَّاً، فليس له أيُّ اختيار أو حُرِّيَّة في حياته العمليَّة، وكلُّ نشاطاته وأعماله مفروضة عليه مِن جهة القَدر والقضاء الإلهيَّين.
ولا شكَّ أنَّ هذا الفكر يخدم مُعاوية والأُمويِّين خدمة كُبرى؛ لأنَّه يشلُّ روح الأُمَّة ويُخدِّرها ولا تعود - إذا ما تأصَّل فيها هذا الفِكر - تُفكِّر بمُعارضة مُعاوية أو تقف في وجهه؛ لأنَّ الإنكار لأفعال مُعاوية سوف يُفسَّر بأنَّه وقوف في وجه القَدَر والقضاء الإلهي المحتم، الذي لا مردَّ له ولا مهرب منه، بهذا (تشلُّ روح الإنسان وإرادته عن أيِّ تأثير، وهي الفِكرة التي شدَّت عَضُد الأقوياء الظالمين، في نفس الوقت الذي قبرت فيه أيدي الضُّعفاء والمظلومين، فذلك الإنسان الذي سيطر على منصب أو ثروة عامَّة بطُرق غير مشروعة، يتحدَّث عن المواهب الإلهيَّة، التي اختصَّه بها وغمره بنِعَمه، بعد أنْ حرم الضعفاء منها، وغمرهم في بحر مِن الآلام والعذاب، فالظالم يرفع عنه مسؤوليَّته جرَّاء أعماله بحُجَّة القضاء والقَدر، وباعتبار أنَّ أيَّ ظالم هو يد الله، ويد الله لا تَقبل أيَّ طعنٍ فيما تعمل.
إنَّ التاريخ يُثْبت لنا أنَّ بني أُميَّة حوَّلوا قضيَّة القضاء والقدر إلى مُستمسَك متين، بعد أنْ أيّدوه بكلِّ قوَّة وقارعوا ونكَّلوا بمؤيِّدي الحُرِّيَّة الإنسانيَّة، على أساس أنَّها عقيدة تُخالف عقائد الإسلام؛ حتَّى عرف بين الناس أنَّ: (الجبر والتشبيه أُمويَّان والعدل والتوحيد عَلويَّان).
... إنَّ بدءهما كان سياسيَّاً وعلى أساس مِن مُقتضيات المصلحة الداخليَّة للدولة؛ إذ لـمَّا كان الدولة الأُمويَّة دولة الحديد والنار، فإنَّ مِن الطبيعي أنْ تسري روح الثورة في النفوس، ولكنْ ما أنْ ينطلق لسانه بالشكوى، حتَّى تحوِّل الحكومة الأمر إلى التقدير، ويُسكتوه بأنَّ ما يحدث مُقَرٌّ مَرضيٌّ مِن الله(1) .
فهذا مُعاوية يقول: (الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ مِن مال الله فهو لي، وما تركت منه كان جائزاً لي)(2) .
وقال: (والله، إنَّه للـمُلك آتانا الله إيَّاه)(3) .
وقال لأهل العراق: (ما قاتلتكم لتصوموا، ولا لتصلُّوا، ولا لتحجُّوا، ولا لتُزكُّوا، وقد عرفت أنَّكم تفعلون ذلك، ولكنْ إنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارون)(4) .
وقال مُعاوية - لـمَّا أراد أنْ يفرض ابنه يزيد على رقاب أُمَّة محمد، قال لأحد رجاله وهو كاره للبيعة -: (بايع أيُّها الرجل، فإنَّ الله يقول:( ... فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (5) (6) .
وكذلك يزيد، فإنَّه الامتداد الطبيعي لأبيه مُعاوية، فها هو يقول في أوَّل خُطبة له بعد موت أبيه: (الحمد لله، ما شاء صنع، مَن شاء أعطى ومَن شاء منع، ومَن شاء خفض ومَن شاء رفع)(7) .
____________________
(1) الإنسان والقَدر - الشهيد الـمُطهَّري: ص43 - 45.
(2) مُروج الذهب: ج3: ص52.
(3) الطبري: ج6: ص186.
(4) ابن كثير: ج8: ص142.
(5) النساء: 19.
(6) العِقد الفريد 5: 112.
(7) العِقد الفريد 5: 146.
وقال: (فإنَّ معاوية كان عبداً مِن عباد الله، أكرمه الله واستخلفه وخوَّله ومكَّن له)(1) .
فنرى المنطق الجبري بارزاً في تصريحات مُعاوية ويزيد؛ دعماً لهذا الاتِّجاه الفِكري الـمُنحرف؛ لما يترتَّب عليه مِن تأييد لسلطانهم، فإذا أصبحت الأُمَّة تُفكِّر بهذا الأُسلوب؛ فإنَّ النتيجة هي أنْ تشلَّ حركتها ويسودها الخمول والاستسلام للواقع السيِّء المفروض عليها.
ولا شكَّ أنَّ هذا الفِكر صريح الـمُناقض للفكر القرآني، الذي يجعل للإنسان دوره المحوري والاختياري في سير حركته في الحياة، ويُحمَّله كامل المسؤوليَّة لعمله ونشاطه، وأنَّ للأُمم والشعوب دورها الأساس في مظاهر حياتها وتقرير مصيرها، وأنَّ القضاء والقدر الإلهي، إنَّما يمرُّ مِن خلال إرادة الإنسان واختياره، قال تعالى:( ... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ... ) (2) ، فالآية تُشير إلى سُنَّة مِن سُنن الله تعالى في خَلقه، التي تتحكَّم في سَير التاريخ.
فنُلاحظ أنَّ: (التغيير هنا أُسنِد إليهم - إلى القوم - فهو فعلهم إبداعهم وإرادتهم. إذنْ؛ السُنَّة التاريخيَّة حينما تُصاغ بلُغة القضيَّة الشرطيَّة، وحينما يحتلُّ إبداع الإنسان واختياره موضوع الشرط في هذه القضيَّة الشرطية، في مِثل هذه الحالة تُصبح هذه السُنَّة مُتلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، بلْ إنَّ السُنَّة حينئذٍ تُطغي اختيار الإنسان وتزيده اختياراً وقُدرة وتمكُّناً مِن التصرُّف في موقفه)(3) .
إلاَّ أنَّ الأُمويِّين أرادوا أنْ يوحوا إلى الأُمَّة بروح الاستسلام، وقتل روح التغيير الذي يجعل القرآن مسؤوليَّته على عاتِق الأُمَّة.
____________________
(1) الطبري 6: 188.
(2) الرعد: 11.
(3) المدرسة القرآنيَّة: ص110.
ب - عقيدة الإرجاء
مِن الأفكار والعقائد الدخيلة على الإسلام، والتي عَمِل مُعاوية وسائر الأُمويِّين على ترويجها، وتأصيلها في حياة المسلمين عقيدة الإرجاء.
والـمُرجِّئة: هم الذين يعتقدون بأنَّ الإيمان تصديق بالقول دون العمل، ويقولون في مُرتكب الكبيرة: بالتوقُّف في الحُكم عليه، وإرجاء الأمر له سبحانه، ويعني ذلك: أنَّ الناس ليس مِن حَقِّهم أنْ يُحاسبوا صاحب الكبيرة، بلْ أمره راجع إلى الله تعالى في الآخرة.
وهذا النوع مِن التفكير يخدم مُعاوية وسائر بني أُميَّة، بلْ وكلُّ ظالم في التاريخ؛ لأنَّ هذه العقيدة توحي إلى الأُمَّة أنَّها ليس مِن حَقِّها مُحاسبة مُعاوية على ما يفعل مِن ظلم وجور، بسفك الدماء وهتك الحُرمات، بلْ يكفيهم منه أنْ يُعلن بلسانه كلمة الإسلام أو الإيمان، وليتركوا حسابه على الله تعالى في الآخرة.
ومِن أهداف هذه العقيدة تعطيل عمليَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي متى ما عُطِّلت فقدت الأُمَّة شخصيَّتها؛ وتحوَّلت إلى أُمَّة مَيِّتة؛ وأصبحت أُلعوبة في أيدي الظالمين.
وقد حارب أهل البيتعليهمالسلام هذه الأفكار الدخيلة على الإسلام؛ مِن أجل ألاَّ تفقد الأُمَّة روح الوقوف في وجه الانحراف والـمُنكر؛ ولتبقى تشعر بمسؤوليَّتها تِجاه حركة التغيير التي ينشدها الإسلام.
ويبدو هذا البُعد واضحاً مِن بيانات الثورة الحسينيَّة، فقد حاول أبو الأحرار - في مسيرته الاستشهاديَّة - أنْ يُحرِّك الأُمَّة، ويبعث فيها روح القيام معه؛ مِن أجل تغيير واقعها السيِّء. قالعليهالسلام :
(أيُّها الناس، إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: مَن رأى سُلطاناً جائراً
مُستحلاً لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مُخالفاً لسُنَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا بقول؛ كان حَقَّاً على الله أنْ يُدخله مُدخله، ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأحلُّوا حرام الله وحرَّموا حلاله، وأنا أحقُّ مَن غيِّر)(1) .
ففي هذا البيان وضع أبو الأحرار الأُمَّة - بكلِّ أجيالها - أمام المسؤوليَّة الشرعيَّة والتاريخيَّة، تِجاه ما تعيشه مِن أوضاع تحتاج فيها إلى مواقف التغيير. وكما نراه واضحاً أنَّ هذا المنطق الحسيني، ينسجم تمام الانسجام مع الفِكر القرآني.
____________________
(1) تاريخ الطبري: ج4: ص304، طبع العلمي بيروت. تُحف العقول: ص505. وبحار الأنوار: ج44: ص382. والعوالم (الإمام الحسين): ص232. واللفظ للأوّل.
2 - النبوَّة
(وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله جاء بالحقّ من عنده)(1) .
النبوَّة والرسالة تُمثِّل عمليَّة الاتِّصال ما بين الله والإنسان، في عمليَّة التوجيه والهداية التشريعيَّة في حياة الإنسان، فالنبي هو واسطة السماء لهداية الأرض، وقد واكبت النبوَّة حياة الإنسانيَّة في مسيرتها الطويلة، ولم يُغلق هذا الباب إلاَّ عندما وصلت البشريَّة - في ظِلِّ قيادة الأنبياء - درجة مِن القابليَّة تؤهِّلها لتقبُّل الرسالة الخاتمة، التي أُنزلت على خاتم الأنبياء والرسل، نبينا الأكرم محمدصلىاللهعليهوآله ، فختم الله رسالات السماء بهذه الرسالة الكاملة.
ولسنا في صدد البحث عن إثبات نبوَّته ورسالتهصلىاللهعليهوآله وما يتعلّق بذلك، وإنَّما جهة البحث هنا تتعلَّق بقَداسة الشخصيَّة النبويَّة، وما تعرَّضت له مِن مُحاولة؛ لخلخلة تلك القداسة وإضعافها في نوفس المسلمين.
لقد تعرَّضت شخصيَّة الرسول محمدصلىاللهعليهوآله إلى مُحاولة المساس بقداستها، والحَطِّ مِن ذلك المقام الشامخ، وإبراز شخصيَّته بصورة الإنسان العادي، الذي يجوز عليه ما يجوز على غيره مِن سائر الناس.
فـ (لو راجعنا الروايات التي يُدَّعى أنَّها تُسجِّل لنا تاريخ نبي الإسلام، لوجدنا هذا النبي الذي اصطفاه الله واختاره مِن بين جميع خلقه ووصفه جَلَّ وعلا في القرآن
____________________
(1) تقدَّمت مصادره: في ص18: هامش 1.
الكريم بأنَّه على خُلقٍ عظيم، والذي هو أشرف الأنبياء والـمُرسلين، وأعظم وأكمل رجل وجِد على وجه الأرض، وهو عقل الكلِّ ومُدبِّر الكلِّ وإمام الكلِّ، لوجدناه - في هذه السيرة المزعومة - عاجزاً ومُتناقضاً يتصرَّف كطفل ويتكلَّم كجاهل، ويرضى فيكون رضاه ميوعة وسُخفاً، ويغضب فيكون غضبه عجزاً واضطراباً، يحتاج دائماً إلى مَن يُعلِّمه ويُدبِّر أُموره، ويأخذ بيده ويُشرف على شؤونه ويَحلُّ له مشاكله، الكلُّ أعرف وأعقل منه كما أثبتته الوقائع الـمُختلفة المزعومة تاريخاً، وسيرة حياتهصلىاللهعليهوآله .
فماذا وكيف نُفسِّر حمل هذا النبيصلىاللهعليهوآله زوجته على عاتقه؛ لتنظر لعب السودان وخَدُّها على خَدِّه، أو أنَّها وضعت ذِقنها على يده، وصارت تُنظر إلى لعب السودان يوم عاشور؟!
ثمَّ هو يترك جيشه لينفرد بزوجته عائشة؛ ليُسابقها في قلب الصحراء أكثر مِن مَرَّة، وفي أكثر مِن مُناسبة فتسبقه مَرَّة، وسبقها أُخرى ليقول لها: هذه بتلك...
نعم، هكذا تشاء الروايات - وكثير منها مُدوَّن في الكتب التي يَدَّعي البعض أنَّها أصحُّ شيءٍ بعد القرآن - أنْ تُصوِّر لنا أعظم رجل وأكرم وأفضل نبيٍّ على وجه الأرض.
... إنَّ إعطاء هذه الصورة عن بنيِّ الإسلام الأعظم محمدصلىاللهعليهوآله وهو القُدوة والأُسوة، لهو الخيانة العُظمى للتاريخ وللأُمَّة وللإنسانيَّة جمعاء، ولا زلنا نتجرَّع غَصص هذه الخيانة ونهيم في ظلماتها.
وأمَّا لماذا كلُّ هذا الافتراء على الرسول الأكرم محمدصلىاللهعليهوآله ؟
فنعتقد أنَّ الأمر لم يكن عفويَّاً، بلْ كان ثَمَّة خُطَّة مرسومة تهدف إلى طمس معالم الشخصيَّة النبويَّة، والتعتيم
على خصائصها الرساليَّة الفذَّة؛ ليكون ذلك مُقدِّمة لهدم الإسلام، خصوصاً مِن قبل الحُكم الأُموي البغيض وأعوانه(1) .
ومتى ضعفت أو تلاشت تلك القداسة مِن نفوس المسلمين تجاه نبي الإسلام، لم يعد لشخصيَّته ذلك الأثر المطلوب في نفوسهم كقدوة لهم وأُسوة، بلْ يكون ذلك الأثر سَلبيَّاً، وهذا هو الذي يُريدون تحقيقه.
كذلك لتكون هذه السيرة المزعومة مُبرِّراً لأعمال الانحراف التي يقوم بها لأُمويُّون وأشباههم. فما دام نبي الأُمَّة تصدر منه هذه الأفعال، فما ظَنُّك بغيره مِن الحُكام الأُمويِّين، وغيره مِن الناس الذين يجوز عليهم كلُّ شيء.
هكذا أرادوا أنْ يزرعوا في ذهنيَّة الأُمَّة؛ لتكون هذه العمليَّة جزءاً مِن تلك الجهود التي بذلوها لتخدير الأُمَّة وإماتة الروح الإسلاميَّة فيها.
وأمَّا مَن الذي تصدَّى لهذه الحملات الشرسة لصدِّها وإبطالها، ومَن الذي تبنَّى موقف الدفاع عن قداسة الرسول الأعظم وسيرته وسُنَّته الشريفةصلىاللهعليهوآله ، ليس هناك إلاَّ أهل بيته المعصومونعليهمالسلام ومَن سار على خُطاهم وتأثَّر بهم.
ودور أهل البيتعليهمالسلام ومَن سار على خُطاهم وتأثَّر بهم.
ودور أهل البيتعليهمالسلام في هذا المجال يأتي على مستويين:
الـمُستوى الأوَّل: بذل الوسع في الحفاظ على شخصيَّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وما تحتلُّه مِن مكانة شامخة في نفوس المسلمين؛ ليبقى الرسولصلىاللهعليهوآله هو ذلك القُدوة والأُسوة لكلِّ مسلم، بلْ لكلِّ إنسان، وليبقى ذلك الإنسان المعصوم والفرد الأكمل مِن بين عباد الله تعالى.
الـمُستوى الثاني: هو التمسُّك بحرفيَّة سيرة الرسولصلىاللهعليهوآله وسُنَّته العمليَّة وإحيائها في حياة المسلمين، وعدم التنازُل عن شيءٍ منها مَهْما أمكن.
____________________
(1) للتوسُّع يُراجع الصحيح مِن سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله مِن ص17 - 178.
ومِن الواضح أنَّ الـمُستوى الأوَّل هو الطريق إلى الـمُستوى الثاني؛ فـ (إنَّ طريق إحياء سُنَّة الرسول، والالتزام بما جاءت به مِن أحكام وتوصيات يَمرُّ مِن خِلال شخصيَّة الرسول القائد، فما لم ينجذب الناس إلى شخصيَّته الـمُقدَّسة وما لم يعشقوها ويعتقدوا بعظمتها وسموِّها على سائر الشخصيَّات في الدنيا؛ لا يُمكن أنْ يأخذوا عنه ويتلقُّوا منه سُنَّته الـمُطهَّرة ويعملوا بها، فعَمِل أهل البيت في البدء بكلِّ وسعهم على ارتباط المسلمين بالرسول الأكرم، واتِّخاذه قدوة قبل كلِّ شيء(1) .
فعلى الـمُستوى الأوَّل: قال أمير المؤمنينعليهالسلام في الخُطبة القاصعة، مُشيراً إلى العناية الربَّانيَّة بهذا الرسول الكريم مُنذ مجيئه إلى هذه الحياة وتربية الله له؛ ليكون هو الشخص الأكمل مِن بين أفراد البشر: ((ولقد قَرَن الله به -أيْ النبي - مِن لدُن أنْ كان فَطيماً أعظم مَلَك مِن ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، وكنت اتَّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمِّه، يرفع لي في كلِّ يوم مِن أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به)(2) .
هكذا شخصيَّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في فكر أهل البيتعليهمالسلام ، فهو معصوم مُنذ طفولته؛ لأنَّ الله تعالى قَرَن به أعظم مَلَك، وهو الـمَلك التي تُعبِّر عنه الروايات بروح القُدُس، ومُهِمَّته تسديد الرسول في كلِّ أفعاله وأقواله.
وقالعليهالسلام مُتحدِّثاً عن مشاعل الكمال ومظاهر العَظمة في شخصيَّة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وعن دوره في حياة البشريَّة؛ حيث كان تلك الشمس الساطعة، التي تُنير للبشريَّة طريقها: (حتَّى أفضَتْ كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد، فأخرجه مِن أفضل الـمَعادن مَنبتاً وأعزَّ الأُرومات مَغرساً، مِن الشجرة التي صدع منها أنبياءه،
____________________
(1) مَجلَّة المنهاج العدد 11: ص76.
(2) نهج البلاغة خُطبة رقم 192.
وانتجب منها أُمناءه... فهو إمام مَن اتَّقى، وبصيرة مَن اهتدى، سراج لَمَعَ ضوؤه، وشِهاب سطع نوره، وزنَد برق لـمَعه، سيرته القصد، وسُنَّته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل. أرسله حين فترة من الرسل وهفوة عن العمل)(1) .
وعندما نقرأ الموسوعات الحديثيَّة، الواردة عن أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام نجد فيها وصفاً دقيقاً لشخصيَّة الرسول مِن حيث خصائص أخلاقه الكريمة، التي امتدحها تعالى في كتابة العزيز:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2) .
فقد تحدَّثت هذه الموسوعات عن صدقه وأمانته، وعدله وشجاعته، ورحمته وحِلمه، وحيائه وتواضعه، وكرمه وصبره، وزُهده وإيثاره، إضافة إلى تفانيه وذوبانه في عبادة رَبِّه تعالى، ورسمت له أجمل صورة أرادها الله أنْ تكون مَثلاً أعلى للبشر جميعهم إلى يوم الدين(3) .
هذه الصورة تختلف اختلافاً كليَّاً عن الصورة التي تُصوِّرها تلك الروايات الـمُزوَّرة، لشخصيَّة هذا النبي الكريم.
ومِن هذا الـمُنطلَق؛ نجد مدرسة أهل البيتعليهمالسلام تؤكِّد على عصمة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بالعصمة الـمُطلَقة، التي تشمل عصمته في تلقِّي الوحي، واستيعابه وتبليغه إلى الناس وعصمته في كلِّ فعلٍ مِن أفعاله وقولٍ مِن أقواله، في أيِّ مجالٍ مِن مجالات الحياة، فهو معصوم في كلِّ ذلك مِن الخطأ والاشتباه والسهو والنسيان قبل البعثة وبعدها. وقد مَرَّت كلمات أمير المؤمنينعليهالسلام في حَقِّ الرسول وتسديد الله له مُنذ الطفولة وعصمته قبل البعثة، ضرورة مِن ضروريَّات البعثة ونجاحها؛ وذلك لما يلي:
____________________
(1) نهج البلاغة، خُطبة رقم 94.
(2) القلم: 4.
(3) مَجلَّة المنهاج العدد 11 ص79.
أوَّلاً: لأنَّ العصمة تُمثِّل الإعداد لذات الرسول؛ لتكون وعاءً للرسالة والنبوَّة، فيكون طرفاً للوحي الإلهي بما يحمل مِن طهارة نفسيَّة وفكريَّة؛ لعدم تلوِّثه بأيِّ مستوىً مِن مُستويات المعصية.
ثانياً: أنَّ العصمة للرسول بآثارها الخارجيَّة، تكسب الثقة والمقبوليَّة لقوله لدى الناس، بعكس ما إذا كان ملوَّثاً بالمعصية مِن قَبْل أنْ يُبعث، فإنَّ النفوس لا تثق به ولا تطمئنُّ له القلوب، حتَّى لو عُصِم بعد البعثة؛ لأنَّ مِن طبع الناس أنْ يقيسوا الحاضر بالماضي، واللاحق بالسابق فلا تتحقَّق أهدافهم البعثة.
بينما ترى مدرسة الخُلفاء عصمة النبي على نطاق ضيِّقٍ، فهو معصوم لديهم في دائرة تلقِّي الوحي وتبليغه للناس فقط، أمَّا في سائر المجالات الأُخرى، كتطبيق الوحي عمليَّاً على نفسه، أوفي سائر أفعاله وأقواله التي لا علاقة لها بتبليغ الوحي، فليس بمعصومٍ لديهم، بينما القول بجواز السهو أو الخطأ أو النسيان على الرسول الأعظم، يفتح باب الاحتمالات في حقِّه وتُزلزل الثقة في شخصيَّته.
وأنَّى لعامَّة الأُمَّة أنْ يُميِّزوا ما يتعلَّق بالتشريع مِن فعلهصلىاللهعليهوآله وبين سائر أفعاله الأُخرى، ألاَ ينسحب عدم الاطمئنان على أفعاله التشريعيَّة، وبالتالي لا يتحقَّق الهدف مِن بعثته؟!
فـ (إنَّ الغاية الـمُتوخَّاة مِن بعث الأنبياء هي هداية الناس إلى السعادة، ولا تحصل هذه الغاية إلاَّ بكسب اعتمادهم وثقتهم الـمُطلقة بصحَّة ما يقوله الأنبياء ويحكونه عن الله تعالى، ولكنْ ما قولك فيما لو شاهد الناس نبيَّهم يسهو في تطبيق الشريعة التي أمرهم بها، أو يَغلط في أُموره الفرديَّة والاجتماعيَّة؟ هل مِن ريبٍ في أنَّ الشكَّ سيجد طريقاً رحبة للتسرُّب إلى أذهان الناس فيما يدخل في مجال الوحي والرسالة؟! بلْ لن يبقى شيءٌ مِمَّا جاء به هذا النبي إلاَّ وتطرَّقه علامات الاستفهام، ولسان حال الناس
يقول: هل ما يحكيه عن الله تعالى مِن الوظائف هي وظائف إلهيَّة حقَّاً؟ أمْ أنَّها مزيج مِن الأخطاء والاشتباهات؟ وبأيِّ دليلٍ هو لا يُخطأ في مجال الوحي إنْ كان يُخطأ في المجالين الآخرين؟
وهذا الحديث النفسي والشعور الداخلي إذا تعمَّق في أذهان الناس، سوف يسلب اعتمادهم على النبي، وتنتفي بالتالي النتيجة المطلوبة مِن البعثة.
نعم، إنَّ التفكيك بين صيانة النبي في مجال الوحي، وصيانته في سائر المجالات، وإنْ كان أمراً مُمكناً عقلاً، لكنَّه بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلاميَّة، وأمَّا عامَّة الناس ورُعاعهم الذين يُشكِّلون أغلبيَّة الـمُجتمع، فإنَّهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين، بلْ يجعلون السهو في إحداها دليلاً على إمكان تسرُّب السهو إلى المرحلة الأُخرى، فلا بُدَّ لسدِّ هذا الباب الذي يُنافي الغاية المطلوبة مِن إرسال الرُّسل مِن أن يكون النبي مصوناً عن الخطأ في عامَّة المراحل، سواء في حقل الوحي أم تطبيق الشريعة أم في الأُمور الفرديَّة والاجتماعيَّة)(1) .
ومِن الجائز أنْ يكون القول بعدم عصمة النبي الـمُطلقة، هو مِن تأثير تلك الروايات الموضوعة والمدسوسة في سيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ؛ ولتكون جزءاً مِن عقيدة المسلمين في حَقِّ النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله ، لكنَّ أهل البيتعليهمالسلام وقفوا موقف الدفاع عن قداسة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
هذا كلُّه على الـمُستوى الأوَّل، أمَّا على الـمُستوى الثاني، فإنَّ أهل البيتعليهمالسلام كانوا يُصرُّون وبقوَّة على التمسُّك بسيرة الرسولصلىاللهعليهوآله وسُنَّته عمليَّاً مِن دون أيِّ تنازل عن شيء منها، مَهْما كلَّفهم ذلك مِن ثمنٍ.
____________________
(1) الإلهيَّات: ج2: ص179 - 180.
هذا ما نراه بكلِّ وضوح في سيرتهم ومواقفهم، تجاه ذلك الانحراف عن تلك السيرة الـمُطهَّرة.
فهذا أمير المؤمنينعليهالسلام في اجتماع الشورى - شورى السِّتَّة - لـمَّا أرادوا أنْ يفرضوا عليه سيرة إضافيَّة إلى جنب سيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وهي سيرة الشيخين، رفض ذلك العرض الذي عرضه عليه عبد الرحمان بن عوف، عرض عليه الخلافة واشترط عليه بقوله: (عليك عهد الله وميثاقه، لتعملَنَّ بكتاب الله وسُنَّة رسوله وسيرة الشيخين) فأجابه عليٌّعليهالسلام بأنْ يعمل بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ورفض أنْ يُعاهده على العمل بسيرة الشيخين قائلاً: (بلْ أجتهد برأيي)، وفي رواية: (أرجو أنْ أعمل بعلمي وطاقتي).
لئلا يُسجَّل عليه اعتراف بمصدر آخر إلى جنب سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وسُنَّته؛ لتبقى السيرة والسُنَّة الـمُطهَّرة بعد الكتاب هي المصدر للمسلمين في شؤون دينهم وحياتهم؛ ومِن هذا الـمُنطلَق أكَّد سيِّد الشهداء على التمسُّك بسيرة جَدِّه الرسولصلىاللهعليهوآله لـمَّا قرَّر القيام بثورته الـمُقدَّسة، فقال في أحد بياناته:
(إنِّي لم أخرُج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله (صلى لله عليه وآله)، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن الـمُنكر، وأسير بسيرة جَدِّي وأبي عليِّ بن أبي طالب {عليهالسلام })(1) .
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18 هامش 1. وفي الفتوح لابن أعثم: ج5: ص21 بعد هذا: (وسيرة الخُلفاء الراشدين
وإنَّما أكَّد أبو الأحرار على السير بسيرة جَدِّه وأبيه؛ لأنَّ في الساحة سيرة أُخرى، فهذه إشارة منهعليهالسلام إلى أنَّ سيرة الرسولصلىاللهعليهوآله تكاد أنْ تنحسر كليَّاً عن الحياة وحَرَف المسلمين العامَّة بفعل السياسة الأُمويَّة، والتخطيط الأُموي البعيد المدى لمحوها كليَّاً مِن الوجود، وحَرَف الأُمَّة عن مسيرتها الإسلاميَّة، وإبعادها عن سيرة وسُنَّة نبيِّهاصلىاللهعليهوآله مِن الناحية الفِكريَّة والعمليَّة.
____________________
المهديِّين رضي الله عنهم)، وكلمة الخُلفاء الراشدين: اصطلاح مُتأخِّر عن ذلك العصر، فيبدو أنَّها أُدخلت في كلام الإمام الحسينعليهالسلام وهي أجنبيَّة عنه.
3 - الـمَعاد
قال أبو الأحرار:
(وأشهد... وأنَّ الجنّة حَقٌّ، والنار حَقٌّ، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيه، وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور)(1) .
الاعتقاد بالـمَعاد مِن الركائز الأساسيَّة للعقيدة الصحيحة، وهو (عنصر في كلِّ شريعة لها صِلة بالسماء، ويحتلُّ في الأصالة والتأثير مَحلِّ العمود الفقري في جسم الإنسان، وبدونه تُصبح الشرائع مسالك بشريَّة مادِّيَّة لا تمتُّ إلى الله سبحانه بصِلة، فقوام الشريعة هو الاعتقاد بالمبدأ والمعاد؛ ولأجل ذلك لا ترى شريعة تتَّسم بأنَّها شريعة إلهيَّة - ولو بعد تحريفها - خالية مِن الدعوة إلى الحياة الآخرة، وحشر الإنسان بعد الموت، وإقامة الحساب والجزاء والثواب والعقاب)(2) .
وهذا الأصل هو الذي يُعطي القِيمة والهدف المعقول، لوجود الإنسان في النشأة الدنيويَّة؛ إذ لولا ذلك لأصبحت حياته عبثاً وهباءً؛ لأنَّها سوف تنحصر في الفترة القصيرة المحدودة، وبانتهائها ينتهي أمر الإنسان، وهذا ما يرفضه عقل الإنسان ووجدانه؛ لأنَّ ذلك لا يتناسب مع موقع الإنسان مِن هذا الكون.
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18 هامش 1.
(2) الإلهيَّات: ج2: ص156.
فإنَّ مِن الواضح أنَّ الطبيعة - كلَّ الطبيعة - مِن حول الإنسان، مُسخَّرة لخدمته وبناء حياته، فهو سيِّد هذا الكون في هذه الحياة، فكيف يكون وجوده خالياً مِن الهدف سِوى أنْ يعيش هذه الفترة القصيرة، ثمَّ ينتهي إلى العدم الـمُطلق؟! فإنَّ ذلك ما لا يتقبَّله عقل الإنسان السليم ولا يرتضيه هدفاً لوجوده.
وهذا ما هتف به الذكر الحكيم بقوله تعالى:( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ) (1) .
ولسنا في مجال ذكر الأدلَّة على صحَّة الاعتقاد بالمعاد ووجوبه، وإنَّما نحاول الإشارة إلى مُعطيات هذا الأصل في حياة الإنسان، ومدى تأثير ذلك على سلوكه وتعامله مع الحياة وما فيها.
ومِن الـمُمكن أنْ نقسِّم الناس إلى ثلاثة أصناف في موقفهم مِن مسألة المعاد:
الصنف الأوَّل: الـمُنكرون للمعاد أساساً.
الصنف الثاني: الذين يدَّعون الإيمان، بالمعاد بينما سلوكهم في الحياة يُكذِّب ذلك.
الصنف الثالث: المؤمنون بالمعاد إيماناً صادقاً وفاعلاً.
1 - الـمُنكِرون:
هناك صِنف مِن الناس يصعب عليه الإذعان والإيمان بأنَّ للإنسان حياة أُخرى غير هذه الحياة يرجع إليها ليأخذ نتيجة عمله في هذه الحياة، ويستبعد ذلك؛ لأنَّه لم يرَ بعينه إنساناً يَحيى مِن جديد بعد موته وتلاشيه.
وإذا ما رجعنا إلى حديث القرآن عن هذا الصنف، نجده يُسند هذا الإنكار والاستبعاد عند هؤلاء لا إلى قناعة فكريَّة لديهم، بلْ يُسنِد ذلك إلى دوافع نفسيَّة
____________________
(1) المؤمنون: 115.
مادِّيَّة دنيويَّة، دعتهم إلى هذا الإنكار والجحود بيوم القيامة، فهم يُريدون أنْ يتحرَّروا مِن كلِّ القيود والضوابط، ويُريدون أنْ يُعطوا لأنفسهم كلَّ الرغبات؛ فيعيشون حياة حيوانيَّة صِرفة، وأنْ ينساقوا وراء الدوافع الشهوانيَّة، فدعاهم ذلك إلى الإنكار لمسألة المعاد والحساب؛ لأنَّ الإيمان بذلك يتعارض مع هذا الهدف الذي بنوا عليه حياتهم.
أ - قال تعالى:( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ) (1) .
فالآية الأُولى تذكر مُعتقدهم وإنكارهم، والآية الثانية تَذْكر باعث إنكارهم، وأنَّه ليس هو ما يتظاهرون مِن عدم إمكان جمع العظام، وإنَّما هو إرضاء الغرائز البهيميَّة، وقوله تعالى:( ... لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) بمعنى: يشقُّ أمامه، ولا يرتدع بشيءٍ مِن القوانين والتشريعات(2) .
ب - وقال تعالى:( وَقَالَ الـمَلأَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) (3) .
فهنا باعثان مِن بواعث الإنكار للمعاد والقيامة:
الأوَّل: باعث نفسيٌّ هو الإتراف والأخذ بأسباب الشهوات، والغَرق في بحر الأهواء والغرائز.
____________________
(1) القيامة: 5 - 6.
(2) الإلهيَّات: ج2: ص679.
(3) المؤمنون: 33 - 37.
والآخر: باعث سياسي، وهو ما كان لفرعون والملأ مِن قومه مِن تسلُّط واستعلاء على أقوامهم، فأنكروا المعاد؛ لئلا تتزعزع عروش سُلطتهم بانتشار العقيدة بين أتباعهم ومرؤوسيهم، فكانوا يدعون الناس إلى إنكار المعاد بقولهم:( هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ) ، ولفظة( ... هَيْهَاتَ... ) تعني: بَعُدَاً، وجاء الاستبعاد هنا مؤكَّداً مِن هؤلاء، بمعنى أنَّه بعيد كلَّ البُعْد أنْ تُبعثوا بعد موتكم، وليس هناك حياة إلاَّ هذه الحياة الدنيا التي تعيشونها.
فهذه بعض الدوافع التي دفعت الـمُنكرين إلى إنكارهم للآخرة والمعاد؛ اتِّباعاً للشهوات وعبادةً للهوى.
أمَّا إذا تحرَّر الإنسان مِن هذه الأُمور، ورجع إلى عقله وفطرته؛ فإنَّه سيُدرك أنَّ الصانع الـمُبدع لذي ابتدعه في النشأة الأُولى، غير عاجز عن إعادته مَرَّة أُخرى في النشأة الثانية، كما جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى:( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (1) .
بلْ لو رجع الإنسان إلى مقاييسه العقليَّة؛ فإنَّه سيُدرك - أيضاً - بأنَّ الإعادة للمخلوق مَرَّة أُخرى أسهل على الصانع مِن الإبداع في الـمَرَّة الأُولى.
وقد طرح القرآن الكريم - أيضاً - المسألة بهذا المقياس في قوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (2) .
____________________
(1) يس: 78 - 79.
(2) الروم: 27.
فهنا تقول الآية: إنَّكم تعتقدون أنَّ بداية الخَلْق مِن قبل الله، فعود الخَلْق مَرَّة أُخرى أيسر وأهون مِن بداية الخلق.
والدليل على أنَّ عودة الخَلْق أهون مِن البداية، هو أنَّه في البداية لم يكن شيئاً ولكنَّ الله هو الذي أبدعه، أمّا في الإعادة، فعلى الأقلِّ توجد الموادُّ الأصليَّة، فبعضها في طيَّات التراب، وبعضها مُتناثر في الفضاء، وإنَّما تحتاج إلى نَظم وإلى إعطائها صورتها الأُولى فحسب، فهي أهون.
ولكنْ مِن الضروري أنْ نلتفت إلى هذه اللطيفة، وهي أنَّ التعبير بالهيِّن والصعب هو مِن خلال نافذتنا الفكريَّة، وأمَّا بالنسبة لـمَن ليس لوجوده بداية ولا نهاية، فلا فرق عنده بين الصعب والسهل(1) .
ولعلَّ في قوله تعالى:( ... وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى... ) إشارة إلى هذه اللطيفة، فإنَّه يتساوى أمام قدرته تعالى البدء والختام الخطير والحقير والقليل والكثير، قال تعالى:( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (2) .
والمعنى ليس خلقكم معاشر الناس على كثرتكم ولا بعثكم إلاَّ كخلق نفس واحدة وبعثه، فأنتم على كثرتكم والنفس الواحدة سواء(3) .
ولكنَّ الـمُنكرين للمعاد؛ لسيطرة الأهواء والشهوات على نفوسهم، وانشدادهم إلى الحياة المادِّيَّة؛ قد تنكَّروا لعقولهم وفطرتهم، ولا شكَّ أنَّ رؤيتهم هذه سوف يكون لها التأثير الواضح على سلوكهم وتعاملهم مع الحياة، فلا يُنتظر مِن هؤلاء إلاَّ سلوك الانحراف، وحياة الظلم والفسوق والفساد في الأرض، وعدم الرحمة وما إلى ذلك مِن
____________________
(1) التفسير الأمثل: ج12: ص467.
(2) لقمان: 28.
(3) الميزان: ج16: ص233.
السلوك اللا إنساني؛ لأنَّهم لا يشعرون بأيَّة مسؤوليَّة تِجاه ما يعملون، فيتساوى عندهم العدل والظلم والإحسان والإساءة والقسوة والرحمة.
فإذا ما تظاهروا ببعض الأخلاق الإنسانيَّة، فإنًّ دافعهم إلى ذلك دافع مصلحي صِرف، فمتى ما تعارضت تلك الأخلاق والقيم مع أهدافهم ومصالحهم، فإنَّك لا تجد لتلك القيم وجوداً في قاموس حياتهم. ولا أحسبني في حاجة إلى إقامة دليل على ذلك؛ لأنَّ المسألة وجدانيَّة وشواهدها واضحة كلُّ الوضوح في حياة البشريَّة في كلِّ عصرٍ مِن عصوره.
قال تعالى:( لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) .
فعدم الإيمان بالآخرة واستخفاف أمر الحساب والجزاء هو مصدر عمل كلِّ سوءٍ ومورده، وبالـمُقابل الإيمان بالآخرة هو منشأ كلِّ حسنة، ومنبع كلِّ خيرٍ وبركة. فكلُّ مَثل سوءٍ وصفةِ قُبحٍ يلزم الإنسان ويلحقه، فإنَّما يأتيه مِن قبل نسيان الآخرة، كما أنَّ كلَّ مَثل حُسْنٍ وصِفةِ حمدٍ بالعكس مِن ذلك... فالذين لا يؤمنون بالآخرة هم الأصل في عروض كلِّ مَثل سوءٍ وصفةِ قبحٍ، فإنَّ ملاكه وهو إنكار الآخرة نعتهم اللازم(2) .
2 - الـمُدَّعون للإيمان بالـمَعاد
ونعني بهم الفئة التي تدَّعي أنَّها مؤمنة بالمعاد والآخرة، إلاَّ أنَّ سيرتهم في حياتهم العمليَّة تتناقض مع هذا الاعتقاد، فهم يعيشون الانفصال بين هذه الدعوة وبين أعمالهم وما يقومون به مِن إجرام ويعيشونه مِن انحراف وفساد. فهم وإنْ حملوا اسم الإسلام
____________________
(1) النحل: 60.
(2) الميزان: ج12 ص278.
ولكنَّ الذي تمكَّن مِن قلوبهم ويعيش في نفوسهم، هو حُبُّ الدنيا والمصالح الشخصيَّة والشهوات النفسيَّة، مِن حُبِّ السلطان والمال والجاه والجنس، والتمتُّع بالملذَّات بأيِّ وسيلة ومِن أيِّ طريق، غير آبهين ولا مُبالين بالعواقب والنتائج.
ولو رجعنا إلى التاريخ لرأيناه مملوءاً مِن هذه النماذج الكثيرة لهذا الصنف مِن الناس، وكذا في كلِّ عصر سواء كان ذلك على مُستوى الحُكَّام أم على مُستوى المحكومين.
أمَّا على مُستوى الحُكَّام، فإنَّ مَن يصل إلى كرسيِّ الحُكم مِن هذا الصنف لم يعد يُفكِّر إلاَّ في الحفاظ على كرسيِّه وبقاء حُكمه، فهو مُستعدٌّ لأنْ يُضحِّي بكلِّ شيء في سبيل ذلك. ولسنا في صدد السرد التاريخي لسيرة هذه النوعيَّة مِن الحُكام، وإنَّما نُشير بإشارات خاطفة إلى بعض النماذج مِن تاريخ المسلمين.
أ - لـمَّا وقعت الأُمَّة فريسة لأنياب مُعاوية بن أبي سفيان، بعد الهُدنة التي كانت بينه وبين الإمام الحسنعليهالسلام خطب في النُّخيلة خطاباً جاء فيه: (والله، إنِّي ما قاتلتكم لتصلُّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، إنَّكم لتفعلون ذلك، إنَّما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون)(1) .
فالهدف الـمُقدَّس عند مُعاوية هو الحُكم والحُكم فقط، بينما الإسلام يعتبر الحُكم وسيلة وطريقاً لإقامة العدل في بلاد الله وبين عباده، وليس الحُكم هدفاً بذاته. ولكنْ لـمَّا كان الحُكم هو الغاية في نظر هؤلاء؛ فإنَّهم لا يتورَّعون عن اتٍِّخاذ أيِّ وسيلة في سبيل الوصول إليه وبقائه في أيديهم، وأيِّ شخصٍ أو جماعة تقف في طريقهم أو تُنكر عليهم أعمالهم؛ فسوف تكون حياته أرخص الأشياء، وسفك دمائهم أسهل مِن السهل.
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2 ص254.
فلا قيمة لحياة الإنسان ولا قُدسيَّة لدمه ولا وزن لكرامته، فكمْ مِن عظيم قُتِل بسيوفهم، وكمْ دمٍ مُقدَّس أُهرق على أيديهم، ومِن العلماء الذين أبادهم سيف مُعاوية حِجر بن عَديِّ الكندي ومجموعة مِن أصحابه في مرج عذراء وغيرهم مِن الأبرياء، مِن الذين لا ذنب لهم إلاَّ أنَّهم يُعارضون مُعاوية في ظُلمه وجوره.
هذا إلى جانب حرب العصابات التي استخدمها مُعاوية، فقد أرسل بسر بن أرطاة على رأس جيش؛ ليشنَّ الهجمات الـمُباغتة على الـمُدن والقُرى، التي تخضع لحُكم أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ وذلك ليقوم بالقتل والسلب والنهب، ونشر الرُّعب والإرهاب بين المسلمين في تلك البلدان.
فإنَّ حُكم مُعاوية لم يقم إلاَّ على قاعدة الغاية تبرُّر الوسيلة.
ب - قال المؤرِّخون: إنَّ عبد الملك بن مروان كان قبل أنْ يتقلَّد الخلافة يُظهر النُسك والعبادة، فلـمَّا بُشِّر بالـمُلك بعد هلاك أبيه مروان كان بيده المِصحف الكريم، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك، أو قال: هذا فِراق بيني وبينك. وقد صدق فيما قال، فقد فارق كتاب الله وسُنَّة نبيِّه مُنذ اللحظة الأُولى التي تقلَّد فيها الحُكم، فقد أثرت عنه مِن الأعمال ما باعدت بينه وبين الإسلام والقرآن(1) .
وقد قال في خُطبته بعد قتله لابن الزبير: (لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاَّ ضربت عنقه)(2) .
ج - ذكر المؤرِّخون أنَّ الحَجَّاج بن يوسف الثقفي - وهو إحدى سيِّئات هذا التاريخ - مات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهنَّ سِتَّة عشر ألفاً مُجرَّدات، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد(3) .
____________________
(1) حياة الإمام الباقر: ج2 ص17.
(2) تاريخ الخُلفاء: ص218.
(3) حياة الإمام الحسين: ج2: ص148، نقلاً عن أنساب الأشراف.
فهل يَشمُّ الإنسان مِن هذه السيرة رائحة الإيمان بالمعاد والحساب، وقد عرف التاريخ الكثير مِن هذه النماذج، بلْ هي موجودة في كلِّ عصر.
أمَّا في عصر الإمام الحسينعليهالسلام ، فنأخذ منه سيرة حُكَّام عصره وواقعهم، قالعليهالسلام :
(ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلُّوا حرام الله وحرَّموا حلاله، وأنا أحقُّ مَن غيِّر)(1) .
هذا على مُستوى الحُكَّام، أمَّا على مُستوى المحكومين، فإنَّ الحُكَّام الجائرين لم يستطيعوا أنْ يفعلوا ما فعلوا إلاَّ عندما وجدوا مَن يُنفِّذ لهم أوامرهم ويقوِّي شوكتهم، فإنَّ الجماعات مِن هذا الصنف مِن الناس هم الأداة الطبيعيَّة والقوَّة الضاربة في أيدي الظالمين، وإنَّما صارت تلك الجماعات على هذا الـمُستوى؛ لأنَّهم قد استعبدتهم الدنيا ولم يكونوا يعيشون الإسلام، بلْ هم يعيشون حالة الانفصال بين دعواهم للإسلام والإيمان بالمبدأ والمعاد، وبين واقعهم العملي والحياتي، كما وصفهم أبو الأحرار الإمام الحسينعليهالسلام :
(الناس عبيد الدنيا، والدين لَعْقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون)(2) .
فنجد هذا الخبير العظيم بأُمور الناس وأحوالهم كيف يُشخِّص واقعهم، ولا شكَّ أنَّه إنَّما يعني بالناس هنا مَن يحمل دعوى التديُّن بالإسلام، فإنَّ هؤلاء الناس يُحيطون
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص27: هامش 1.
(2) بحار الأنوار: ج44: ص383 وج75: ص117. وتحف العقول: ص245. والعوالم: ص234. ومقتل الحسينعليهالسلام للخوارزمي: ج1: ص237.
الدين ما دام في ذلك مكاسب دنيويَّة ومصالح شخصيَّة، وإنَّما تتكشَّف حقائقهم عند الاصطدام بواجب شرعي أو موقف يجعلهم بين خيارين ومُفترق طريقين، وهو الموقف الذي يتعارض مع دنياهم ومصالحهم المادِّيَّة، عند ذلك لا ترى للدين أيَّ وجود في حياتهم.
وقال سيِّد الشهداءعليهالسلام في خطابه لتلك الجماعة، التي باعت نفسها على الأُمويِّين في سبيل دنياً تافهة زائلة مُحاولاً إنقاذهم مِمَّا هم فيه مِن السقوط في بؤرة الشيطان، قالعليهالسلام :
(الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، مُتصرِّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور مَن غرَّته والشقيُّ مَن فتنته، فلا تغرَّنكم هذه الدنيا؛ فإنَّها تقطع رجاء مَن ركن إليها، وتُخيِّب طمع مَن طمع فيها. وأراكم قد أجمعتم على أمرٍ أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلَّ بكم نقمته، وجنَّبكم رحمته، فنعم الربُّ ربُّنا وبئس العبيدُ أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّدصلىاللهعليهوآله ثمَّ إنَّكم زحفتم إلى ذُرِّيته وعِترته تُريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبَّاً لكم ولما تُريدون، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين)(1) .
فقد أعطى أبو الأحرار في هذا البيان صورة واضحة للتناقض الذي يعيشه أُولئك
____________________
(1) بحار الأنوار: ج45: ص5 - 6، والعوالم: ص249، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج1: ص252.
في دعواهم بالإيمان بالمبدأ والـمَعاد والرسالة، وبين موقفهم منه في إقدامهم وتصميمهم على ارتكاب تلك الجريمة الكُبرى التي هي مِن أبشع ما عرفه التاريخ مِن الجرائم.
وفي بيان آخر خاطبهمعليهالسلام بقوله:
(فقُبحاً لكم، فإنَّما أنتم مِن طواغيت الاُمَّة وشُذَّاذ الأحزاب، ونَبذة الكتاب، ونفثة الشيطان وعُصبة الآثام، ومُحرِّف الكتاب، ومُطفئ السُّنَن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومُبيري عِترة الأوصياء)(1) .
فهذه الأوصاف التي وصفهم الإمام الحسينعليهالسلام بها صفاتٌ، تجعلهم أُناساً لا عهد لهم بالله ولا صِلة لها بالإيمان بالمبدأ والمعاد، مع أنَّهم يدَّعون أنَّهم مسلمون ومؤمنون بما نزل على محمدصلىاللهعليهوآله ، فما أبعد الشِّقَّة بين الدعوى والموقف.
فهذا عمر بن سعد - وهو قائد ذلك الجيش - يجتمع به الحسينعليهالسلام قبل الواقعة ليلاً اجتماعاً مُغلَقاً لم يحضره إلاَّ العباس وعليُّ الأكبر مِن جانب الحسين، ومع ابن سعد ابنه حفص وغلام لابن سعد، فقال الإمام: (يا بن سعد، أتُقاتلني أما تتَّقي الله الذي إليه معادك، فإنِّي ابن مَن قد علمت، ألا تكون معي وتدع هؤلاء القوم فإنَّه أقرب إلى الله تعالى).
وألقى ابن سعد معاذيره الواهية قائلاً: أخاف أنْ تُهدم داري.
- (أنا ابنيها).
- أخاف أنْ تؤخَذ ضيعتي.
- (أنا أُخلِف عليك خيراً منها في الحِجاز).
____________________
(1) بحار الأنوار: ج45: ص8. والعوالم (الإمام الحسين) ص252. واللهوف لابن طاوس: ص58.
- إنَّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم مِن ابن زياد القتل.
ولم يجد منه الإمامعليهالسلام أيَّ تجاوبٍ، وإنَّما رأى منه إصراراً على الغيِّ والعُدوان، فاندفع يدعو عليه: (ما لك ذبحك الله على فراشك عاجلاً! ولا غفر الله لك يوم حشرك، فو الله، إنِّي لأرجو ألاَّ تأكل مِن بُرِّ العراق إلاَّ يسيراً).
وولَّى ابن سعد وهو يقول للإمام سُخريَّةً: إنَّ في الشعير كفاية(1) .
فنرى منطق ابن سعد منطقاً دنيويَّاً صِرفاً، لا يُشمُّ منه رائحة الإيمان، فلا نجد في كلامه ذكراً للدين، فهو لا يتحدَّث إلاَّ عن داره وضيعته وما إلى ذلك. فلم يعد يُفكِّر إلاَّ في الدنيا ومظاهرها وملذَّاتها ولم يعد للآخرة والإيمان بها شيء مِن تفكير هذا الرجل الخاسر.
3 - الـمُتيقِّنون بالـمَعاد
أمَّا الفئة الثالثة، فهم الذين يؤمنون بالمعاد إيماناً جازماً لا يشوبه شكٌّ أو شُبهة، فتكون هذه العقيدة إحدى الركائز الأساسيَّة للرؤية الكَونيَّة التي يحملها هؤلاء.
فهم قد وعوا وجودهم وغاية خَلقهم وعياً تامَّاً، فهم على النقيض مِن الفئة الأُولى الذين يعيشون مَحدوديَّة المادَّة، فلا تتجاوز نظرتهم هذه الحياة الضيِّقة.
بينما المؤمنون يعيشون الأُفق الأوسع، والنظرة الشاملة للحياة الدنيا والحياة الآخرة، فتشمل رؤيتهم عالـمَي الغَيْب والشهادة، فهم يعتقدون اعتقاداً جازماً وفاعلاً: بأنَّ الإنسان إنَّما جاء إلى هذه الحياة ليقوم بدوره الحضاري، الذي كُلِّف به مِن قبل خالقه تعالى، هذا الدور الذي يُطلِق عليه القرآن عنوان الخِلافة مَرَّة، وعنوان الأمانة مَرَّة
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص133 - 134.
أُخرى، فمَرَّة يقول تعالى:( ... إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً... ) (1) ، وتارة يقول:( إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (2) .
فهذه المسؤوليَّة الحضاريَّة تُوصَف بكونها خلافة إذا نُظر إليها مِن زاوية الـمُكلِّف - بالكسر - وهو الله تعالى، فهي خِلافة عن الله تعالى، وتُوصَف بكونها أمانة إذا نُظر إليها مِن زاوية الـمُكلَّف - بالفتح - فالإنسان هو الـمُتحمِّل لهذه الأمانة، فهو مُلزَم بكلِّ حدود وشروط هذه الخلافة وتَحمُّل هذه الأمانة، ومتى تجاوز الإنسان تلك الحدود ولم يلتزم بتلك الشروط؛ فإنَّه محكوم عليه بالخيانة التي تؤدِّي إلى الشَّقاء الأبديِّ.
هذا مُجمل الرؤية الكونيَّة التي يحملها ويعيشها المؤمنون الصادقون بالمبدأ والمعاد، ولا شكَّ أنَّ (هذا اللون مِن التفكير يبعث في نفس حامله الهدوء والسكينة، ويجعله يتحمَّل أعباء المسؤوليَّة ومَشاقَّها بصدرٍ رحبٍ، ويقف أمام الحوادث كالطود الأشمِّ ويرفض الخضوع للظلم.
وهذا التفكير يملأ الإنسان ثِقة بأنَّ الأعمال - صالحها وطالحها - لها جزاء وعقاب، وبأنَّه ينتقل بعد الموت إلى عالم أرحب، خالٍ مِن كلِّ ألوان الظلم يتمتَّع فيه برحمة الله الواسعة وألطافه الغزيرة.
الإيمان بالآخرة يعني اختراق حاجز عالم المادَّة، والدخول إلى عالم أسمى، ويعني أنَّ عالمنا هذا مزرعة لذلك العالم الأسمى، ومدرسة إعداديَّة له، وإنَّ الحياة في هذا العالم ليست هدفاً نهائيَّاً، بلْ تمهيد وإعداد للعالم الآخر. الحياة في هذا العالم شبيهة بحياة المرحلة الجنينيَّة، فهي ليست هدفاً لخلقة الإنسان، بلْ مرحلة تكامليَّة مِن أجل حياة
____________________
(1) البقرة: 30.
(2) الأحزاب: 72.
أُخرى، وما لم يولَد الجنين سالماً خالياً مِن العيوب، لا يستطيع أنْ يعيش سعيداً في الحياة التالية.
الإيمان بيوم القيامة له أثر عميق في تربية الإنسان يهبه الشجاعة والشهامة)(1) .
ولـمَّا تحدَّث القرآن الكريم عن ركائز الإيمان عند الـمُتَّقين عدَّ منها اليقين بالآخرة، قال تعالى:( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) (2) .
و (إنَّما ذكر الإيمان بالغيب ابتداءً؛ لأنَّه أصل كلِّ إيمان وأساس كلِّ اعتقاد وعمل... ثمَّ أعقبه تعالى بالصلاة؛ لأنَّها أهمُّ أركان الدين، وأنَّها الرابطة بين العبد ومعبوده، ثمَّ ذكر الإنفاق؛ لأنَّه أعظم صلة بين أفراد الإنسان، وبه يحصل التعاون بينهم وتطهر أموالهم. فالآية باختصارها جمعت بين الأُصول الاعتقاديَّة وأهمِّ الأعمال الجوارحيَّة وأعظم الأُمور الاجتماعيَّة...
ثمَّ إنَّه تعالى ذكر:( ... وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) مع أنَّ الآخرة مِن أفراد الغيب الذي ذُكِر في أوَّل الآية؛ وذلك لأجل التأكيد والأهميَّة بالنسبة إلى الآخرة؛ فإنَّ عماد النشأتين - الدنيا والآخرة - هو الإيمان بالمعاد بعد الإيمان بالله تعالى، وبه تنتظم حياة الإنسان الفرديَّة والاجتماعيَّة(3) .
وقد وصف أمير المؤمنين عليٌّعليهالسلام هذا الصنف مِن الناس بقولهعليهالسلام : (اعلموا أنَّ الـمُتَّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكِنت، وأكلوها بأفضل ما أُكلت، ثمَّ انقلبوا عنها بالزاد المبلَّغ والـمُتَّجر الرابح، وتيقَّنوا أنَّهم جيران الله في آخرتهم لا تُردُّ لهم دعوة ولا ينقص عليهم نصيب مِن لذَّة)(4) .
____________________
(1) التفسير الأمثل: ج1: ص75.
(2) البقرة 3 - 4.
(3) مواهب الرحمان: ج1: ص85 - 86.
(4) نهج البلاغة خُطبة الـمُتَّقين رقم الخُطبة 193: ص444.
فهؤلاء إنَّما ربحوا الدارين؛ لأنَّهم عاشوا وعملوا مِن أجل الآخرة، وقد أشار أمير المؤمنينعليهالسلام في هذه الخُطبة إلى مُستوى اليقين الذي يعيشه هؤلاء، فقالعليهالسلام : (فهم والجَنَّة كمَن قد رآها فهم فيها مُنعَّمون، وهم والنار كمَن قد رآها فهم فيها مُعذَّبون)(1) .
هكذا يؤثِّر اليقين بالآخرة أثره في حياة الإنسان، ويصوغها بالصيغة الرَّبَّانيَّة الخاصَّة، ويجعل الإنسان يعيش حالة مِن الشوق إلى لقاء الله تعالى، لا سِيَّما حينما يعيش الإنسان الرَّبَّاني في وسط مليء بالانحرافات، وبيئة اجتماعيَّة قد سادها الفساد والظلم والفسوق، مع عدم قدرته على التغيير، فهو يُفضِّل الموت على الحياة، كما عبَّر عن هذه الحقيقة الإمام الحسينعليهالسلام عن موقفه مِن مظاهر الانحراف والضلال في عصره، فقالعليهالسلام :
(وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلاَّ صُبابة كصُبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحَقِّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإنِّي لا أرى الموت إلاَّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاَّ برماً)(2) .
فهذا الداعية الرَّبَّاني أصبح لا يرى لبقاء الإنسان المؤمن في هذه الحياة، وفي ظل تلك الظروف أيَّ قيمة، حيث لا يتمكَّن مِن تحقيق الهدف الأسمى مِن وجوده، فأصبح الانتقال إلى عالم الآخرة وإلى جوار الله تعالى هو الأوْلى له والأحرى به، فرفع الإمام
____________________
(1) نهج البلاغة: رقم الخُطبة 193: ص444.
(2) بحار الأنوار: ج44: ص381. واللهوف لابن طاوس: ص48.
علم التمرُّد والثورة على تلك الأوضاع اللاَّ إسلاميَّة، فاستجاب له مَن استجاب مِن أبدال الأُمَّة الذين اقتبسوا أشعَّة مِن تلك الروح الـمُقدَّسة فتعلَّقوا به وربطوا مصيرهم بمصيره، حيث وصلوا إلى القناعة التامَّة بأنَّ الحياة أصبحت أتفه مِن أنْ يُفكَّر فيها أو يُلتفت إليها، فمثَّلت لهم الآخرة فرأوها ببصائرهم وقلوبهم؛ فأقبلوا عليها بكلِّ عشقٍ، وقدَّموا أرواحهم قرابين على مذبح الشهادة.
فهذا قائدهم يقول - مُعبِّراً عن شوقه وولهه إلى لقاء الله والآخرة، ذلك اللقاء الذي يجمعه بأسلافه السابقين -:
(وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخْيِر لي مصرع أنا لاقيه...)(1) .
وقد ذكر المؤرِّخون عن هذه الصفوة أُموراً تُحيِّر العقول، عن حالة العشق التي كانوا عليها للقاء الله والانتقال إلى الآخرة.:
(لقد كان بعضهم يُداعب أصحابه ويُمازحهم في الليلة العاشرة، فقد هازل بُرير عبد الرحمان الأنصاري رحمه الله، فقال له عبد الرحمان: (ما هذه ساعة باطلٍ!)، فقال بُرير: (لقد علم قومي ما أحببت الباطل كَهلاً ولا شابَّاً، ولكنِّي مُستبشر بما نحن لاقون. والله، ما بينا وبين الحور العين إلاَّ أنْ يَميل علينا هؤلاء القوم بأسيافهم، ولوددت أنَّهم مالوا علينا الساعة)(2) .
(وهذا حبيب بن مظاهر خرج إلى أصحابه وهو يَضحك قد غمرته الأفراح، فأنكر عليه يزيد بن الحصين التميمي قائلاً: (ما هذه ساعة ضَحك!)، فأجابه حبيب عن إيمانه
____________________
(1) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: ص146. مُثير الأحزان لابن نما: ص29. وبحار الأنوار: ج44: ص366. والعوالم (الإمام الحسين): ص216. واللهوف: ص38 طبع الأعلمي.
(2) في رحاب عاشوراء: ص229.
العميق قائلاً: (أيُّ موضعٍ أحقُّ مِن هذا بالسرور! والله، ما هو إلاَّ أنْ تميل علينا هذه الطُّغاة بسيوفهم، فنُعانق الحور العين)(1) .
(وليس في أُسرة شهداء العالم مِثل هذا الإيمان، الذي تفجَّر عن براكينَ هائلةٍ مِن اليقين والمعرفة وصدق النيَّة عظيم الإخلاص.. لقد استبشروا بالفوز في جِنان الخُلد مع النبيِّين والصديقين والشهداء، وأيقنوا أنَّهم يموتون أهنأ موتةٍ وأعظمها في تاريخ البشريَّة في جميع الأجيال والآباد)(2) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3 ص175.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3 ص176.
أهل البيت عليهمالسلام في بيانات الثورة
تُمثِّل الثورة الحسينيَّة قِمَّة الصراع بين مبادئ أهل البيتعليهمالسلام ومبادئ خصومهم، على الـمُستوى الفكري والسياسي والعسكري؛ لذلك لا بُدَّ لسيِّد الثوَّار مِن أنْ يؤكِّد في بياناته الثوريَّة على مكانة أهل البيتعليهمالسلام وعلاقتهم بالرسالة الإسلاميَّة وصلتهم بالأُمَّة، فلم تكن علاقتهم بالرسالة علاقة إيمان وحسب، بلْ علاقة التمازج والتفاعل التامِّ، فهم يُمثِّلون الوجهة الشخصيَّة للرسالة، في فكرهم وأخلاقهم، وأفعالهم وأقوالهم، ويُمثِّلون في الأُمَّة موقع القيادة والريادة.
وبيان هذه الحقيقة مِن أهمِّ الأهداف الـمُقدَّسة لثورة أبي الأحرار، إنْ لم تكن الأهمَّ على الإطلاق، فأبانعليهالسلام أنَّه لم يتحرَّك ولم ينطلق في ثورته مِن فراغ، بلْ انطلق مِن قاعدة ربَّانيَّة متينة، وهي تلك المكانة الـمُقدَّسة التي تُجسِّد روح الرسالة ومحور الإسلام؛ لأنَّها راجعة إلى الاصطفاء والاختيار الرَّبَّاني لأهل هذا البيتعليهمالسلام ؛ ليكونوا قادة البشريَّة وروَّادها في هدايتهم إلى الله تعالى، ولتحقيق الأهداف الإلهيَّة على الأرض.
وقد أشار سيِّد الشهداءعليهالسلام إلى ذلك المقام في أوَّل مواجهة له مع السُّلطات الأُمويَّة الحاكمة، لـمَّا دُعِي إلى مُبايعة يزيد بن معاوية على لسان أمير المدينة المنوَّرة، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
وبعد شيء مِن الحوار الحادِّ بينه وبين الوليد ومروان بن الحَكم - وكان حاضراً - قالعليهالسلام :
(أيُّها الأمير، إنَّا أهل بيت النبوَّة ومَعدن الرسالة ومُختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، وقاتل النفس الـمُحرَّمة مُعلِن بالفِسق، ومِثلي لا يُبايع مِثله، ولكنْ نُصبح وتُصبحون وننظر وتنظرون أيَّنا أحَقَّ بالخلافة والبيعة)(1) .
هذا هو الإعلان الأوَّل لأبي الأحرار في مواجهة النظام الأُموي، حيث أعلن رفضه الـمُطلق للاعتراف بذلك النظام؛ مُستنداً إلى المبادئ الرساليَّة التي كان يُمثِّلها هو وأهل بيتهعليهمالسلام ، والتي تُحتِّم عليه هذا الموقف.
وقد أشارعليهالسلام هنا إلى عدد مِن خصائص أهل البيتعليهمالسلام التي تُشير إلى منزلتهم في الإسلام، والتي تجعلهم الأكفَّأ والأوْلى مِمَّن سواهم بولاية أمر الأُمَّة وقيادتها.
ولا بُدَّ مِن وقفة - ولو قصيرة - عند هذه الخصائص التي ذكرها سيِّد الشهداءعليهالسلام .
1 - (إنَّا أهل بيت النبوَّة)
لا شكَّ أنَّ الـمُراد بأهل بيت النبوَّة هُمْ أهل بيت النبي محمدصلىاللهعليهوآله ، ومتى أُطلق اصطلاح - أهل البيت - فإنَّما يُراد به أهل بيتهصلىاللهعليهوآله ، وقد حَدَّد الرسول الأعظم - وبكلِّ وضوح - الـمُراد مِن أهل البيت، وذلك مِن خلال النصوص الواردة عن طريق الفريقين أنَّ أهل البيت هُمْ: عليٌّ، وفاطمة الزهراء، وولدهما - المعصومون -.
ولكنْ برغم وضوح ذلك، فقد أُثير حول هذا الاصطلاح الكثير مِن الضبابيَّة، ومُحاولة التعتيم لحَرْفِه عن الـمُراد منه، فتارة يزعمون أنَّ الـمُراد بأهل البيت نساء النبيصلىاللهعليهوآله ، أو ما يشمل نساءه، وتارة أُخرى يُدَّعى أنَّه يشمل كافَّة بني هاشم.
____________________
(1) اللهوف لابن طاووس: ص17. الفتوح لابن أعثم: ج5: ص14، واللفظ للأوَّل.
وبقول ثالث زعموا أنَّ الـمُراد به عموم الأُمَّة، كما يظهر مِن الحوار التالي الذي يرويه الشيخ الصدوق في أماليه، كما روي أيضاً في عيون أخبار الرضاعليهالسلام : الريَّان بن الصلت حضر مجلس المأمون بمروْ، وقد اجتمع في مجلسه جماعة مِن أهل العراق وخراسان - إلى أنْ قال -: فقال المأمون: مَنْ العِترة الطاهرة؟ فقال الرضاعليهالسلام : (الذين وصفهم الله في كتابه، فقال جَلَّ وعَزَّ:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِير ) (1) .
وهُمْ الذين قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (إنِّي مُخلِّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، وانظروا كيف تخلفوني فيهما. أيُّها الناس، لا تُعلِّموهم؛ فإنَّهم أعلم منكم).
قالت العلماء: أخبرنا - يا أبا الحسن - عن العِترة، أهُمْ الآل أو غير الآل؟
فقال الرضاعليهالسلام : (هُمْ الآل).
فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثَر عنه أنَّه قال:(أُمَّتي آلي) ، وهؤلاء أصحابه يقولن بالخبر الـمُستفاض، الذي لا يُمكن دفعه: آل محمد أُمَّته.
فقال أبو الحسنعليهالسلام : (أخبروني، هل تحرم الصدقة على الآل؟).
قالوا: نعم.
قال: (فتحرم على الأُمَّة؟).
قالوا: لا.
قال: (هذا فَرقٌ بين الآل والأُمَّة)(2) .
فنجد الـمُحاورين للإمامعليهالسلام قد طرحوا هذه الدعوى، ونسبوها إلى الصحابة، وزعموا أنَّ ذلك مُستفيض عنهم، مِمَّا يُشير إلى أنَّ هذه الـمُحاولات وِجِدت مِن الصدر الأوَّل؛ لإثارة التعتيم على هذا الـمُصطلح ومَن ينطبق عليهم.
وقد استُغِلَّ هذا الـمُصطلح استغلالاً سيِّئاً مِن قِبَل الحُكَّام الأُمويِّين والعباسيِّين، فقد طرح الأُمويُّون أنفسهم بأنَّهم آل الرسولصلىاللهعليهوآله وسخَّروا إعلامهم في سبيل هذا التضليل
____________________
(1) الأحزاب: 33.
(2) عيون أخبار الرضا: ص180.
لا سِيَّما في وسط الـمُجتمع الشامي، وقد ذكر المؤرِّخون: أنَّ عشرة مِن قوَّاد أهل الشام وأصحاب النِّعم والرئاسة فيها، حلفوا للسفَّاح على أنَّهم لم يكونوا يعرفون إلى أنْ قتل مروان بن محمد - آخر حُكَّام بني أُميَّة - أقرباء للنبيصلىاللهعليهوآله ولا أهل بيت يرثونه غير بَني أُميَّة(1) .
هذا كلُّه نتائج الإعلام الأُموي في تضليل الأُمَّة، ومُحاربة الحَقِّ وأهله والـمُتمثِّل في عِترة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، فقد سخَّر مُعاوية إمكانيَّات دولته في هذا السبيل؛ مِن أجل إبراز نفسه وسائر الأُمويِّين بهالَةٍ مُقدَّسة مِن جِهة، وتشويه ساحة أهل البيتعليهمالسلام مِن جِهة أُخرى، وإخفاء - بلْ مَحو - ما لهم مِن فضائل تُميِّزهم عن غيرهم على سائر الأُمَّة، وتُشير إلى مقامهم ومنزلتهم السامية، لا سِيَّما عميد بيت النبوَّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد بذل مُعاوية جُهده في طمس كلِّ ما يُميِّزه على سواه، مِن الفضائل النفسيَّة والمواقف الجهاديَّة، التي تؤكِّد على أنَّ عليَّاًعليهالسلام هو الذي يحتلُّ الموقع القياديِّ لأُمَّة محمد بعد نبيِّهاصلىاللهعليهوآله ، فمنع مِن ذِكر كلِّ ما يتعلَّق بفضله وفضل أهل بيتهعليهمالسلام .
يقول المؤرخون: إنَّه بعد عامِ الصلح حَجَّ (مُعاوية) بيت الله الحرام، فاجتاز على جماعة، فقاموا إليه تكريماً ولم يقم ابن عباس، فبادره مُعاوية قائلاً: يا بن عباس، ما منعك مِن القيام كما قام أصحابك إلاَّ لـمَوجدة عليَّ بقتالي إيَّاكم يوم صِفِّين ?! يا بن عباس، إنَّ ابن عَمِّي عثمان قُتِل مظلوماً.
فرَدَّ عليه ابن عباس ببليغ منطقه قائلاً: فعمر بن الخطاب قد قُتِل مظلوماً، فسلَّم الأمر إلى ولده وهذا ابنه. فأشار إلى عبد الله بن عمر.
- إنَّ عمر قتله مُشرِك.
فانبرى ابن عباس قائلاً: فمَن قتل عثمان؟!
____________________
(1) حياة الإمام الرضا للعاملي: ص54 الهامش.
- قتله المسلمون.
فأمسك ابن عباس بزمامه، فقال: فذاك أدحض لحُجَّتك، إنْ كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاَّ بحَقٍّ.
ولم يجد مُعاوية مجالاً للرَّدِّ عليه، فسلك حديثاً آخر أهمُّ عنده مِن دَمِ عثمان، فقال له: إنَّا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذَرِّ مناقب عليٍّ وأهل بيته؛ فكُفَّ لسانك يا بن عباس.
فانبرى ابن عباس يُفيض مِن مَنطقه، وبليغ حُجَّته، ويُسدِّد سِهاماً لمًعاوية قائلاً: فتنهانا عن قراءة القرآن؟!
- لا.
- فتنهانا عن تأويله؟!
- نعم.
- فأيُّهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
- العمل به.
- فكيف نعمل به حتَّى نعلم ما عَنى الله بما أنزل إلينا؟
- سَلْ عن ذلك مِمَّن يتأوَّله على غير ما تأوَّلْته أنت وأهل بيتك.
- إنَّما أُنزل القرآن على أهل بيتي، فاسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط.
- فاقرؤوا القرآن ولا ترووا شيئاً مِمَّا أنزل الله فيكم، وما قاله رسول الله فيكم وارووا ما سِوى ذلك.
وسِخر منه ابن عباس وتلا قوله تعالى:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .
____________________
(1) التوبة: 32.
وصاح به مُعاوية: أكفيني نفسك، وكُفَّ عَنِّي لسانك، وإنْ كنت فاعلاً فليكُن سِرَّاً ولا تسمعه أحداً علانية(1) .
فمِن هذا الحوار تتَّضح مُحاولات مُعاوية، وبذل جهوده لطمس ذكر أهل البيتعليهمالسلام ومَحو فضائلهم ومُميِّزاتهم التي يتحدَّث عنها القرآن، وأعلن عنها الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله . مع مُحاولاته هو وسائر الأُمويِّين أنْ يجعلوا أنفسهم أقرب البيوتات إلى الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، بلْ ادعوا أنَّهم هُمْ آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما مَرَّ.
وكذلك العباسيُّون لم يصلوا إلى كُرسيِّ الحُكم إلاَّ تحت شعار (الدعوة إلى الرضا مِن آل محمَّد) تمويهاً على الأُمَّة؛ لتستجيب لهم بالنهوض للقضاء على الدولة الأُمويَّة، وبعد وصولهم إلى كرسيِّ السُّلطة بذلوا ما لديهم مِن إمكانيَّات؛ ليجعلوا أنفسهم هم المعنيِّين بأهل البيت(2) .
ولكنْ برغم هذه الـمُحاولات التي قام بها خصوم آل محمد، ومع ما كانوا يملكون مِن إمكانيَّات، فإنَّهم لم يستطيعوا أنْ يُخفوا هذه الحقيقة، ويرجع ذلك إلى أُمور منها:
أوّلاً: ما قام به النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله مِن بيان الحقيقة لأُمَّته بمُختلف الأساليب؛ فمَرَّة نجده يجمع أهل بيته: عليَّاً، وفاطمة، والحسنينعليهمالسلام عند نزول آية التطهير عليه، وهو في بيت أُمِّ سَلَمة، ويُلقي عليه وعليهم كساءً أو بُردةً يمانيَّة، ويأخذ بطرفيها ويرفع طرفه إلى السماء فيقول: (اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي؛ فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً)، قالت أُمُّ سلمة: فأدخلت رأسي لذلك فقلت: وأنا منهم يا رسول الله؟ قال: (إنَّكِ إلى خيرٍ)(3) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص112 - 114.
(2) حياة الإمام الرضا: ص37 - 63.
(3) راجع كتاب أهل البيت في الكتاب والسُّنَّة: ص27 - 36.
وتارةً أُخرى نجدهصلىاللهعليهوآله - عند خروجه لصلاة الفجر - يمرُّ ببيت عليٍّ، فيضرب الباب ويقول: (السلام عليكم أهل البيت، الصلاة، الصلاة( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) )، كما في العديد مِن الروايات(1) .
ثانياً: جهود الأئمَّة الطاهرين في قيامهم بالإعلام الـمُضادِّ لإعلام خصومهم؛ لبيان الحقيقة وكشفها لأجيال الأُمَّة، وإليك بعض المواقف مِن ذلك:
أ - موسى بن عبد ربَّه: سمعت الحسين بن علي يقول في مسجد النبيصلىاللهعليهوآله في حياة أبيه عليعليهالسلام : (سمعت رسول الله يقول: ألا إنَّ أهل بيتي أمان لكم فأحبُّوهم لحُبِّي، وتمسَّكوا بهم لن تضلُّوا. قيل: فمَن أهل بيتك يا نبيَّ الله؟ قال: عليٌّ وسبطاي وتِسعة مِن وِلد الحسين أئمَّة أُمناء معصومون، ألا إنَّهم أهل بيتي وعِترتي مِن لحمي ودمي)(2) .
ب - أبو نعيم عن جماعة خرجوا في صُحبة أُسارى كربلاء، قالوا: فلـمَّا دخلنا دمشق أُدخل النساء والسبايا بالنهار مُكشَّفات الوجوه، فقال أهل الشام الجُفاة: ما رأينا سبايا أحسن مِن هؤلاء! فمَن أنتم؟ فقالت سُكينة ابنة الحسينعليهالسلام : نحن سبايا آل محمد. فأُقيموا على درج المسجد، حيث يُقام السبايا، وفيهم عليُّ بن الحسين، وهو يومئذٍ فتى، فأتاهم شيخٌ مِن أشياخ أهل الشام، فقال لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قِرْن الفتنة، فلم يألُ عن شتمهم، فلـمَّا انقضى كلامه، قال له عليُّ بن الحسين: (أما قرأت هذه الآية:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) ؟).
قال: بلى.
قال: (فنحن أُولئك).
____________________
(1) راجع كتاب أهل البيت في الكتاب والسُّنَّة: ص27 - 50.
(2) كفاية الأثر: ص171.
(3) الشورى: 23.
ثمَّ قال: (أما قرأت:( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (1) ؟).
قال: بلى.
قال: (فنحن هم).
قال: (فهل قرأت:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِير ) (2) ؟).
قال: بلى.
قال: (فنحن هم).
فرفع الشاميُّ يده إلى السماء، ثمَّ قال: اللَّهمَّ إنِّي أتوب إليك - ثلاث مَرَّات - اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك مِن عدوِّ آل محمد ومِن قتلة أهل بيت محمد، لقد قرأت القرآن فما شعرت بهذا قبل اليوم(3) .
فنُلاحظ أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام يغتنمون الفرص الـمُتاحة لبيان هذه الحقيقة؛ ومِن هذا الـمُنطلق أعلن سيِّد الشهداءعليهالسلام رفضه ومُعارضته لبيعة يزيد بن مُعاوية في دار الوليد بن عتبة بقوله: (يا أمير، نحن أهل بيت النبوَّة...).
2 - (ومَعدِن الرسالة)
الـمَعدِن - بكسر الدال - مركز كلِّ شيءٍ، مِن عَدن بالمكان عَدْناً وعدوناً، أيْ: أقام به. وجَنَّات عَدْنٍ أيْ: جَنَّات إقامة لا زوال لأهلها ولا انتقال لهم عنها، ومنه الـمَعدن أيْ: مُستقرُّ الجوهر.
وفي الحديث: (الناس معادِن كمعادِن الذهب والفِضَّة)؛ لأنَّهم يتفاوتون في الكمالات الشرعيَّة على حسب استعداداتهم، ففيهم الجَيِّد والرديء كالمعادِن(4) .
وكون أهل البيت معدِناً للرسالة، يعني أنَّهم مقرُّ ومقام للرسالة الإلهيَّة؛ لأنَّهم هم الحَفَظَة لتلك الرسالة والعالمون بأسرارها وأحكامها وكلِّ جزئيَّاتها، وهذا مِن خصائصهم التي ميَّزتهم على سائر الأُمَّة.
____________________
(1) الروم: 38.
(2) الأحزاب: 33.
(3) أمالي الصدوق ص141، والاحتجاج: ج2: ص120.
(4) شرح الزيارة الجامعة الكُبرى: ج1: ص36.
فهم العالمون بتفسير الكتاب العزيز وتأويله، وهم الذين أوُكِل إليهم بعد الرسول الـمُبلِّغ بيان معالم وأحكام الرسالة الإلهيَّة وتفاصيلها.
قال أمير المؤمنين عليعليهالسلام في خُطبةٍ له يذكر فيها آل محمّد: (هُمْ عَيْش العلم وموت الجهل، يخبركم حِلْمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصَمْتهم عن حُكم منطقهم، لا يُخالفون الحَقَّ ولا يختلفون فيه، وهُمْ دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام. بهم عاد الحَقُّ إلى نصابه وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه مِن مَنبته وعقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنَّ رواة العلم كثير ووعاته قليل)(1) .
لذلك قَرَن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بينهم وبين الكتاب العزيز، في الحديث الـمُتواتر مِن طُرق الفريقين وهو حديث الثقلين، حينما قالصلىاللهعليهوآله : (إنِّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعِترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبداً، لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض)(2) .
وقد تضمَّن هذا الحديث عدداً مِن النقاط الخطيرة، الـمُتعلِّقة بعَلاقة أهل البيتعليهمالسلام بالقرآن والأُمَّة، ومِن تلك النقاط قولهصلىاللهعليهوآله : (... لن يفترقا حتى يردا علي الحوض...)، فالرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله هنا ينفي أيَّ شكلٍ مِن أشكال الافتراق بين القرآن والعترة، ومِن كافَّة الجهات:
أوَّلاً: مِن ناحية الوجود والبقاء في وسط الأُمَّة.
فما دام القرآن موجوداً فالعِترة لا بُدَّ أنْ تكون موجودة، فالقرآن هو كتاب الدهر، وكذلك العِترة باقية إلى جانب كتاب الله بوجود شخصٍ تتمثَّل فيه العِترة، فإذا فرض
____________________
(1) نهج لبلاغة رقم الخُطبة 239: ص515.
(2) أهل البيت في الكتاب والسُّنَّة: ص125 - 129.
عدم وجود العِترة، حصل الافتراق بين الثقلين الذي نفاه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في الحديث.
ثانياً: عدم الافتراق مِن الناحية العلميَّة.
بمعنى أنَّ علم العِترة بالكتاب لا يُحتمَل فيه الخطأ كما في غيرهم، فهم مُحيطون بكلِّ علوم القرآن، وعالمون بها علماً واقعيَّاً مُتطابقاً تمام التطابق، مع مُراد الله تعالى في كتابه، فلو لم يكن الأمر كذلك حصل الاختلاف بينهم، وهو وجه مِن وجوه الافتراق، ولو على مُستوى آية واحدة مِن آيات الكتاب العزيز.
ثالثاً: مِن الناحية العمليَّة.
بمعنى أنَّ أقوال وأفعال العِترة - صغيرها وكبيرها - لا يُحتَمل فيه الـمُخالفة لواقع كتاب الله تعالى، فلو صدر منهم عمل ما مَهْمَا كان صغيراً لا يتَّفق مع القرآن الكريم، فإنَّ في ذلك افتراقاً واضحاً بينهم وبين الكتاب، (فالحديث كما يُرشد إلى عصمة الكتاب، يُرشد إلى عصمة رجاله وعلمائه وأصحابه وقُرنائه بمنار واحد ومدلول ثابت فيهما معاً، ولو أنَّ أهل البيتعليهمالسلام لا يتَّفقون مع الكتاب في العصمة وغير مأمونين مِن السهو والنسيان والغفلة والعصيان؛ لجاز أنْ ينطقوا - ولو أحياناً - بتأويل يُخالف الحقيقة ويُباين الحَقَّ، وأين هذا مِن عدم الضلالة أبداً بالتمسُّك بهم؟ وأين هو مِن اتِّفاقهم مع القرآن حتَّى آخر لحظة مِن الزمان؟ فلو لم يكن لدينا دليل على عصمة أهل البيتعليهمالسلام غير هذا لكفى به شاهداً ودليلاً)(1) .
فهم خَزَنة علم الرسالة وحماتها والـمُرابطون على ثغورها، وبرغم أنَّهم لم تُتْرَك لهم قيادة الأُمَّة لا سيَِّما القيادة السياسيَّة، فإنَّهم اضطلعوا بدورهم في الحِفاظ على وجود
____________________
(1) الثقلان الكتاب والعِترة: ص137.
الأُمَّة ومواجهة الانحرافات التي تُهدِّد الإسلام بالدمار الشامل، وهذا الدور مِن أهل البيت جاء على مُستويين:
الـمُستوى الأوَّل: يتعلَّق بالحفاظ على كيان الأُمَّة كأُمَّة مُقابل الكيانات الأُخرى في العالم، حينما يتهدَّد وجودها بالخطر، ويتمثَّل ذلك في التدخُّل الإيجابي الموجَّه لرأس السلطة، الذي يتولَّى قيادة الأُمَّة عقيب وفاة النبيصلىاللهعليهوآله .
فإنَّ تلك القيادات كانت تواجه قضايا ومشاكل كثيرة، عقائديَّة واجتماعيَّة، تُثيرها طبيعة الظروف التي تعيشها التجربة الإسلاميَّة بعد وفاة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، بسبب الفتوحات التوسُّع في رُقعة العالم الإسلامي، ودخول فئات أُخرى في تركيبة الـمُجتمع الإسلامي، واختلاط أصحاب الأديان الأُخرى بالمسلمين، فهذه الجوانب لا بُدَّ أنْ تُفرز بعض الشُّبهات العقائديَّة والمشاكل الاجتماعيَّة، التي تحتاج إلى مواجهة حادَّة؛ لكي لا تُشكِّل خَطراً فكريَّاً واجتماعيَّاً على الأُمَّة.
وكان الخلفاء لا يُحسنون مواجهة تلك المشاكل والقضايا، ولا يقدرون على حَلِّها الحَلَّ الحاسم الذي يخدم التجربة الإسلاميَّة، بلْ لو أنَّهم حاولوا ذلك لأوقعوا الأُمَّة في أشدِّ التناقضات، ولأوقعوا الإسلام في أشدِّ الأخطار، ولأصبحت التجربة أقرب إلى الموت وأسرع إلى الهَلاك.
وهنا يأتي دور أمير المؤمنينعليهالسلام ، فيتدخَّل تدخُّلاً إيجابيَّاً موجَّهاً في أنْ ينقذ التجربة مِن المزيد مِن الضياع، ومزيد مِن الانحراف والسير في الضلال، ولقد اعترفت تلك الزعامات بدور عليٍّعليهالسلام الكبير والخطير، كما كان ذلك مِن عمر في أكثر مِن مجال، وأكثر مِن مُناسبة وبأكثر مِن عبارة(1) .
____________________
(1) راجع كتاب عليٌّ والخلفاء.
ومِن الأمثلة على ذلك ما واجهته الدولة الإسلاميَّة في عهد عمر، وهو الموقف الـمُتعلِّق بالأرض المفتوحة، وذلك حينما فُتحت العراق ووقع الخلاف بين الصحابة، هل توزَّع أراضي العراق على الـمُجاهدين الـمُقاتلين، أو أنَّها تبقى مِلْكاً عامَّاً للمسلمين؟ وكان أكثرهم يرى توزيعها على الـمُقاتلين فقط، ولو كان ذلك لتشَّكل إقطاع لا نظير له في التاريخ في الـمُجتمع الإسلامي؛ لأنَّ هذا الحكم سوف ينسحب أيضاً على كلِّ الأراضي المفتوحة، بما في ذلك العراق وسوريا وإيران ومصر، فكلُّ أرض مفتوحة توزع على الـمُقاتلين الذين شاركوا في فتحها، وذلك فيه ما فيه مِن الأخطار على الأُمَّة، وابتعادها عن النظام الاقتصادي الإسلامي.
هذا الخطر الذي كان يُهدِّد الدول الإسلاميَّة لم يهتدِ عمر فيه إلى الحَلِّ الصحيح، وبقي مُتحيِّراً في هذه الـمُشكلة، فكان أمير المؤمنينعليهالسلام هو الذي أنقذ الموقف، وبيَّن وجِهة النظر الإسلاميَّة في الموضوع، وأنقذ الإسلام مِن ذلك الدمار ولكي يطول عمر التجربة الإسلاميَّة(1) .
ولذا نجد المثيل لهذا الموقف في حياة الأئمَّة الآخرين أيضاً، فقد كان أهل البيتعليهمالسلام يُراقبون الوضع العام للأُمَّة عن كَثب، فمتى ما تعرَّضت الأُمَّة إلى خطر تحرَّكوا لدفع ذلك الخطر مع غَضِّ النظر عن رأيهم في مَن يحُكم المسلمين؛ لأنَّهم لا يُهمُّهم إلاَّ مصلحة الإسلام والمسلمين(2) .
هذا على مُستوى إنقاذ المواقف التي تُهدِّد الأُمَّة وتجربتها بالفَشل.
الـمُستوى الثاني: يتعلَّق ببيان أنَّ الرسالة الإسلاميَّة لا يُمثِّلها الواقع الـمُعاش عقيب وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، وإنَّما يُمثِّلها أهل البيت الذين انصهروا انصهاراً تامَّاً في تلك الرسالة، فقد
____________________
(1) أهل البيت تنوُّع أدوار ووحدة هدف (بتصرُّف).
(2) كموقف الإمام الباقر في تحرير النقد الإسلامي.
كانت مواقفهم تُمثِّل الـمُعارضة لذلك الانحراف، والـمُعارضة السِّلميَّة في أكثر الأحيان، وفي أحيان أُخرى تكون مُعارضة عنيفة إذا ما اقتضى الأمر ذلك، حيث لا يُجدي الأُسلوب السِّلمي، فيقف أهل البيتعليهمالسلام الموقف الذي يُكلِّفهم الكثير مِن التضحيات.
وواصل أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام نشاطهم في تعميق هذا الخطِّ المعارض للواقع الـمُنحرف، وتوضيح مدى الانفصال ما بين الواقع الذي تعيشه الأُمَّة، وبين واقع الرسالة الإسلاميَّة مِن جِهتيها الفكريَّة والعمليَّة، حتَّى بلغت الأُمَّة درجة مِن الانحدار لا يُمكن السكوت عليها، حيث بلغ الانحدار مُستوى يُهدِّد أُسِس الرسالة والـمُقدَّسات الأساسيَّة لوجود الأُمَّة، كأُمَّة مسلمة ذات رسالة سَماويَّة واجبها في الحياة أنْ تُقيم حُكم الله في الأرض.
والدليل على هذا الانحدار قَبول الأُمَّة بقيادة بعيدة كلَّ البُعْد عن روح الرسالة، بأنْ تقبل بقيادة يزيد بن مُعاوية حاكماً على المسلمين باسم الإسلام، ومُمثِّلاً لصاحب الرسالة.
لا شكَّ أنَّ هذا الوضع يُمثِّل نَكسة حضاريَّة خطيرة، تُهدِّد وجود الإسلام ووجود الأُمَّة المسلمة، التي يجب أنْ تكون حياتها محكومة بالإسلام، وليس في الأُمَّة مِن أحد - آنذاك - مَن يضع حَدَّاً لهذا الانحدار، وهذا الانقلاب الحضاري في حياة الأُمَّة إلاَّ سيِّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام ، عندما أعلن ثورته في وجه النظام الأُموي، مُحاولاً إصلاح وضع الأُمَّة كما قالعليهالسلام :
(إنِّي لم أخرج أشراً ولا بَطراً، ولا مُفسِداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن الـمُنكر)(1) .
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18: هامش 1، وفي ص36 هامش 1.
3 - (ومُختلَف الملائكة)
الـمُختلَف هو المكان الذي يُتردَّد عليه ذهاباً وإياباً، ومُختلَف الملائكة هو مَحلُّ تردُّد الملائكة صعوداً ونزولاً، وأهل البيتعليهمالسلام هُمْ مَحلُّ تردُّد الملائكة.
ومِن كمال البحث أو مِن لوازمه الإشارة إلى دور الملائكة، الذي يتعلَّق بهذا الاختلاف، ودورهم يأتي في مجالين:
أ - الـمَجال التشريعي.
ب - المجال التكويني.
أمَّا دورهم في المجال التشريعي فواضح، وهو نزولهم بالوحي الإلهي على الأنبياء والرُّسل، يحملون الأوامر والنواهي الإلهيَّة.
وأمَّا دورهم في المجال التكويني، فهو كونهم وسائط في التدبير الإلهي لهذا الكون.
قال في الميزان: (وأمَّا وساطتهم في تدبير الأُمور في هذه النشأة، فيدلُّ عليها ما في مُفتَتح هذه السورة - سورة النازعات - مِن إطلاق قوله تعالى:( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) (1) .
وكذا قوله تعالى:( جَاعِلِ الـمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) (2) الظاهر بإطلاقه... في أنَّهم خُلقوا وشأنهم أنْ يتوسَّطوا بينه تعالى وبين خلقه، ويُرسَلون لإنفاذ أمره الذي يُستفاد مِن قوله تعالى في صِفتهم:( ... بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ *
____________________
(1) النازعات: 1 - 5.
(2) فاطر: 1.
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (1) ، وقوله تعالى:( يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (2) وفي جعل الجناح لهم إشارة إلى ذلك.
فلا شُغل للملائكة إلاَّ التوسُّط بينه تعالى وبين خلقه بإنفاذ أمره فيهم، وليس ذلك على سبيل الاتِّفاق بأنْ يُجري الله سبحانه أمره بأيديهم، ثمَّ يُجري مِثله لا بتوسيطهم، فلا خلاف ولا تخلُّف في سُنَّته تعالى:( ... إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (3) وقال تعالى:( ... فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (4) .
ومِن الوساطة كون بعضهم فوق بعض مُقاماً، وأمر العالي منهم السافل بشيء مِن التدبير، فإنَّه في الحقيقة توسُّط مِن المتبوع بينه تعالى وبين تابعه في إيصال أمر الله تعالى، كتوسُّط مَلَك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح مِن الأرواح، قال تعالى حاكياً عن الملائكة:( وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ) (5) ، وقال تعالى:( مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) (6) .
ولا يُنافي هذا الذي ذُكر: مِن توسُّطهم بينه تعالى وبين الحوادث، أعني: بكونهم أسباباً تستند إليها الحوادث، لإسناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادِّيَّة، فإنَّ السببيَّة طوليَّة لا عَرضيَّة، أيْ: أنَّ السبب القريب سبب للحادث، والسبب البعيد سبب للسبب.
كما لا يُنافي توسُّطهم واستناد الحوادث إليهم، استناد الحوادث إليه تعالى، وكونه هو السبب الوحيد لها جميعاً على ما يقتضيه توحيد الربوبيَّة، فإنَّ السببيَّة طوليَّة - كما سمعت -
____________________
(1) الأنبياء: 26 - 27.
(2) النحل: 50.
(3) هود: 56.
(4) فاطر: 43.
(5) الصافات: 164.
(6) التكوير: 21.
لا عَرضيَّة، ولا يزيد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعيَّة القريبة، وقد صدق القرآن الكريم استناد الحوادث إلى أسبابها الطبيعيَّة، كما صدق إسنادها إلى الملائكة...
فمَثل هذه الأشياء في إسنادها إلى أسبابها الـمُترتِّبة - القريبة والبعيدة - وانتهائها إلى الله سبحانه وتعالى بوجه بعيد كمَثل الكتابة يكتبها الإنسان بيده والقلم، فللكتابة استناد إلى القلم ثُمَّ إلى اليد التي توسَّلت إلى الكتابة بالقلم، وإلى الإنسان الذي توسَّل إليها باليد والقلم، والسببيَّة الحقيقيَّة معناها هو الإنسان الـمُستقلُّ بالسببيَّة مِن غير أنْ يُنافي سببيَّته استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم(1) .
فاتَّضح مِمَّا تقدَّم دور الملائكة وتبين وظيفتهم في عالم التكوين، وهي التوسُّط في جريان القَدَر والقضاء الإلهيَّين، هكذا أراد الله تعالى وجعل عالم الإمكان على هذا النظام.
أمَّا عَلاقة أهل البيتعليهمالسلام بهذا الـمُستوى مِن الأُمور الإلهيَّة، هي أنَّهم مَحلُّ اختلاف الملائكة وتردُّدهم بما يحملون مِن أُمور ربَّانيَّة في مجال التكوين.
فالمعصوم في زمانه هو الذي يستقبل ما يحمله الملائكة مِن تقديرات ربَّانيَّة، كما ورد ذلك في شأن ليلة القدر في قوله تعالى:( تَنَزَّلُ الـمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) (2) .
حيث (نستوحي استمراريَّة ليلة القدر مِن قوله تعالى:( تَنَزَّلُ الـمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ... ) دون (تَنزل)، فالفعل الـمُضارع يدلُّ على استمراريَّة نزول الملائكة والروح.
فإذاً، ليلة القدر بهذا الاعتبار مُستمرَّة طول الزمن، ومنذ البعثة وإنْ كانت باعتبار نزول
____________________
(1) تفسير الميزان: ج20 ص183 - 184.
(2) القدر: 4.
القرآن ليلة واحدة بداية البعثة، أو كانت ثلاثاً وعشرين ليلة طول البعثة بالاعتبارين، لكنَّها مُستمرَّة بنزول الملائكة والروح، وعلى حَدِّ تعبير الرسولصلىاللهعليهوآله هي إلى يوم القيامة.
فهلْ تَنزُل الملائكة والروح مِن كلِّ أمر على بقاع الأرض؟ كلا، إنَّما على قلبٍ واعٍ، قلبُ محمدٍ أو قلبٍ محمديٍّ لا سواه، قلبٍ واعٍ ما يتنزَّل عليه مِن كلِّ أمرٍ، لا القلوب المقلوبة وغير الـمُستعدَّة لهكذا نزول هامٍّ في كلِّ سنة. إنَّها القلوب الطاهرة مِن أهل بيت العصمة المحمديِّ دون سواهم، مِمَّن رعاهم وربَّاهم بالوحي، مِن عليٍّ أمير المؤمنين إلى المهديِّ القائم محمد بن الحسن العسكري عليهم أزكى التحيَّة والسلام.
وبهذه المنزلة السامية، تُصبح سورة القدر حاكية عن منزلة أهل بيت العصمة، وهي نسبتهم الروحانيَّة ما أعلاها(1) .
وهناك النصوص العديدة الواردة عنهمعليهمالسلام التي تُشير إلى هذه الحقيقة.
في تفسير القُمِّي، قيل لأبي جعفرعليهالسلام : تعرفون ليلة القدر؟
فقالعليهالسلام : (وكيف لا نعرف ليلة القدر، والملائكة يطوفون بنا فيها)(2) .
وفي التوحيد عن الباقرعليهالسلام : (إنَّ لله تعالى علماً خاصَّاً وعلماً عامَّاً، فأمَّا العلم الخاصُّ فالعلم الذي لم يُطلِعْ عليه ملائكته الـمُقرَّبين وأنبياءه الـمُرسلين، وأمَّا علمه العامُّ فإنَّه علمه الذي أطلع ملائكته الـمُقرَّبين وأنبياءه الـمُرسلين، وقد وقع إلينا مِن رسول الله)(3) .
____________________
(1) الفُرقان في تفسير القرآن: ج3: ص383 - 385.
(2) تفسير القُمِّي: ج2: ص434.
(3) التوحيد: ص138.
4 - (ومَحلُّ الرحمة)
مِن الطبيعي بعدما يكون أهل البيتعليهمالسلام مِن بيتهم انطلقت النبوَّة، وهُمْ الـمَحلُّ الذي استقرَّت فيه الرسالة بكلِّ أبعادها، وإليهم تختلف الملائكة بما يحملون مِن أُمورٍ إلهيَّة وتكوينيَّة تشريعيَّة، فما داموا قد اجتمعت لهم هذه الجهات، فمِن الطبيعي أنْ يكونوا مَحلُّ الرحمة الإلهيَّة الـمُفاضة مِن مصدر الرَّحمة وهو المبدأ الأعلى تعالى، فهم الوسيلة والقناة الـمُوصلة لهذه الرحمة إلى سائر الخَلْق.
5 - (بنا فتح الله وبنا ختم)
ذكر العلماء في توجيه هذه الجملة، وما في معناها كما في الزيارة الجامعة الكُبرى: (بكم فتح الله وبكم يختم) ذكروا لذلك توجيهاً على مُستويين.
الـمُستوى الأوَّل: أنَّ الـمُراد بالفتح والختم بهم، هو الفتح والختم التكويني، بمعنى أنَّ الله تعالى قد فتح عالم الإمكان بإيجاد أنوارهمعليهمالسلام ، كما نطق بذلك العديد مِن الروايات، كالحديث الوارد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قلت: يا رسول الله، أوَّل شيء خَلَقَه ما هو؟
فقال: (نور نبيِّك يا جابر، خَلَقه الله ثمَّ خلق منه كلَّ خير...)(1) .
قال في الميزان بعد ذكره لحديث جابر: (والأخبار في هذه المعاني كثيرة مُتظافرة)(2) . فهم فاتحة الكتاب التكويني، وأنوارهم الـمُقدَّسة هي وسائط الفيض الإلهي، وفي الأخبار أنَّهمعليهمالسلام (مفاتيح الرحمة، ومفاتيح الجنان، ومفاتيح الحكمة، ومفاتيح الكتاب)(3) .
وكذلك يختم الله تعالى بهم وجود هذه النشأة، وذلك بمهديِّهم أو برجعتهمعليهمالسلام (في
____________________
(1) الميزان في تفسير القرآن: ج1: ص121.
(2) الميزان في تفسير القرآن: ج1: ص121.
(3) الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة: ج5: ص222.
بصائر الدرجات بإسناده عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : (الحُجَّة قَبل الخَلَق، ومع الخَلَق، وبعد الخَلَق)(1) .
ويُفهَم مِن قولهعليهالسلام : (... وبعد الخلق...) أنَّه تعالى بهم يختم.
الـمُستوى الثاني: هو الفتح والختم التشريعيَّين، بمعنى أنَّ الله تعالى فتح بهم وجود هذه الرسالة ببعثة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، ويختم بمهديِّهم؛ حيث تتحقَّق على يده الأهداف الإلهيَّة الكُبرى مِن نزول هذه الرسالة، حيث تكون لها السيادة والحاكميَّة الـمُطلقة في العالم، وذلك بقيادتهم وإمامتهم، وهذا ما دلَّت عليه النصوص الواردة مِن طريق الفريقين، التي تتحدَّث عن الإمام المهدي وقيام دولته العالميَّة(2) .
بعد هذه الوقفات القصيرة أمام هذه الخصائص لأهل البيتعليهمالسلام ، التي جاءت في الإعلان الحُسيني الأوَّل لـمُعارضته للحُكم الأُموي، يتَّضح مُراد سيِّد الشهداء مِن ذكره لهذه الخصائص، فإنَّ هذه الخصائص التي لا يوجد شيء منها في غيرهم، تُحتِّم أنَّ قيادة الأُمَّة لهم وفيهم، فما داموا هُمْ أهل البيت الذي انطلقت منه الرسالة، وهُمْ حَضنتها والحَفظة للشريعة التي تتعلَّق بحياة الأُمَّة، وفي بيتهم وعليهم تتردَّد، وتختلف الملائكة بما يحملون مِن فيوضات إلهيَّة تكويناً وتشريعاً، وهُمْ الذين فتح الله بهم رسالته ويختم أمره بقائمهم، أو رجعتهم فلهم القيادة بِدءاً وختاماً، فكيف لا تكون لهم القيادة البشريَّة ما بين البدء والختام؟!
إلاَّ أنَّ الأُمَّة قد أخطأت حظَّها بتنكُّرها لأهل البيتعليهمالسلام ، واستبدلتهم بسواهم حتَّى صار أمرها بأيدي عناصر لا تعنيهم كرامة الأُمَّة واستقامتها، لا مِن قريب ولا مِن
____________________
(1) المصدر السابق: ج5: ص222.
(2) يُراجع في ذلك قلائد الدُّرَر، وموسوعة الإمام المهدي، وغيرهما.
بعيد، وقد أشار أبو الأحرار في بعض بياناته يوم عاشوراء إلى النَّكسة التي وقعت فيها الأُمَّة، حيث ارتدَّت على أهل بيت نبيِّها تُقاتلهم، قالعليهالسلام :
(تبَّاً لكم أيَّتها الجماعة وتَرحاً، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سَللتم علينا سَيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوِّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاَّ لكم الويلات إذ تركتمونا والسيف مَشيم والجأش طامن والرأي لـمَّا يُستحصَف)(1) .
ولا نعرف فيما يُصيب الأُمم مِن المآسي مأساة آلم وأفجع مِن أنْ ينقلب الإنسان على نفسه، فيؤثِّر ضَرَّه على نفعه، وفساده على صلاحه، ويُحارب أولياءه ويتحبَّب إلى أعدائه... إنَّنا لا نشكُّ أنَّ الأُمَّة تعرَّضت في هذه الفترة لرِدَّة حضاريَّة عجيبة مِن قبيل ما يقول تعالى:( ... أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ... ) (2) .
وآية هذه الرِّدَّة الحضاريَّة التي تنتكس فيها الأُمَّة، هي أنْ يتحوَّل الأولياء في حياة الأُمَّة إلى موضع الأعداء، ويتحوَّل الأعداء إلى موضع الأولياء.
وعندما يتبادل هذان القُطبان(الولاء والبراءة) في حياة الناس مواضعهما، ويأخذ كلٌّ منهما موضع الآخر فإنَّ هذه الأُمَّة تواجِه أمراً يختلف عن أيِّ أمر آخر.
وهذا الأمر هو الانقلاب الحضاري الشامل، أو الرِّدَّة الحضاريَّة إذا كان هذا الانقلاب باتِّجاه رجعيٍّ.
____________________
(1) معالم المدرستين: ج2: ص100. واللهوف: ص58، واللفظ له.
(2) آل عمران: 144.
والأُمَّة في هذه الحالة تتنكَّر لنفسها وتنقلب عمَّا هي عليه إلى شيء آخر، فإنَّ هوية الأُمَّة وشخصيَّتها بالولاء والبراءة، وعندما يتحوَّل الولاء إلى موضع البراءة، والبراءة إلى موضع الولاء؛ فإنَّ هذه الأُمَّة تواجه حالة انتكاسة خطيرة، وهذا ما أشار إليه الإمام في خِطابه لجُند بني أُميَّة يوم عاشوراء: (... فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم...)(1) .
____________________
(1) وارث الأنبياء: ص219 - 221.
القراءة الثانية
في البُعْد السياسي
أ - مصير الخلافة بعد الرسولصلىاللهعليهوآله
ب - بين الحسين ويزيد
أ - مصير الخلافة بعد الرسول صلىاللهعليهوآله
تمهيد:
مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ الإسلام إنَّما جاء ليبني أُمَّة، ويؤسِّس دولة ويوجد حاضرة، فهل مِن الـمَنطق السليم ما يدَّعيه أعداؤه والخارجون عليه مِن أبنائه بقولهم: إنَّ الإسلام ليس فيه نظام سياسي، وإنَّه ما هو إلاَّ عَلاقة روحيَّة صِرفة بين العبد وبين رَبِّه، ولا عَلاقة له بشؤون الحُكم وإدارة حياة الإنسان العامَّة؟
هذه الدعوى إنَّما أوجدها أعداء الإسلام، وصفَّق لها الـمُتأثِّرون بالفِكر المادِّي مِن أبناء الأُمَّة الإسلامية؛ وذلك لإبعاد النظام الإسلامي عن الحياة؛ لكي لا يكون لوجوده أيُّ أثر أو قوَّة في حياة المسلمين، فيمنعهم عن تحقيق ما يَصبون إليه مِن السيطرة على الأُمَّة.
وإلاَّ فكيف يكون الأمر كما يدَّعون، والإسلام هو الدين الكامل الذي لا يدع جانباً مِن جوانب حياة الإنسان - الخاصَّة والعامَّة - إلاَّ وضع لها الأحكام التي تُنظِّم شؤون الإنسان، بما في ذلك نظام الحرب والدفاع والعلاقات العامَّة في الداخل والخارج، مِمَّا يدلُّ على طبيعة التصميم التشريعي للإسلام كدولة؟!
هذا بالإضافة إلى الواقع التنفيذي، الذي عاشه المسلمون في تاريخ الحُكم، حيث لم نجد هناك أيُّ فراغ تشريعيٍّ مِن البناء الكامل للدولة.
ولا نجد أفضل - في مجال تقديم صورة عن ضرورة الدولة الإسلاميَّة مِن الناحية الفقهيَّة - مِن تحليل السيِّد حسين البروجردي (رحمه الله) أحد مراجع التقليد للمسلمين الشيعة
الإماميَّة في القَرن الرابع عشر الهِجري، قال: (لا يبقى شكٌّ لـمَن تتبَّع قوانين الإسلام وضوابطه، في أنَّه دين سياسيٍّ اجتماعيٍّ، وليست أحكامه مقصورة على العبادات المشروعة لتكميل الأفراد وتأمين السعادة في الآخرة، بلْ يكون أكثر أحكامه مربوطة بسياسة الـمُدن، وتنظيم الاجتماع، وتأمين سعادة هذه النشأة، أو جامعة للحُسنيِّين ومُرتبطة بالنشأتين، وذلك كأحكام الـمُعاملات والسياسات مِن الحُدود والقِصاص والديَّات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليَّات، التي يتوقَّف عليها حِفظ دولة الإسلام كالأخماس والزكوات ونحوها؛ ولأجل ذلك اتَّفق الخاصَّة والعامَّة، على أنَّه يلزم في مُحيط الإسلام وجود سائس وزعيم يُدبِّر أُمور المسلمين، بلْ هو مِن ضروريَّات الإسلام).
ويقول (رحمه الله) في موضوع آخر: (لا يخفى أنَّ سياسة الـمُدن وتأمين الجِهات الروحانيَّة، والشؤون الـمُرتبطة بتبليغ الأحكام وإرشاد المسلمين، بلْ كانت السياسة فيه مِن الصدر الأوَّل مُختلطة بالديانة ومِن شؤونها، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يُدبِّر أُمور المسلمين ويسوسهم، ويُرجَع إليه في فصل الخصومات، ويُنصِّب الحُكَّام للولايات، ويطلب منهم الأخماس والزكوات ونحوهما مِن الماليَّات، وهكذا كانت سيرة الخلفاء مِن بعده مِن الراشدين وغيرهم حتَّى أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنَّه بعدما تصدَّى للخلافة الظاهريَّة كان يقوم بأمر المسلمين، ويُنصِّب الأحكام والقُضاة للولايات.
وكانا في بادئ الأمر يعملون بوظائف السياسة في مراكز الإرشاد والهداية كالمساجد، وكان إمام المسجد بنفسه أميراً لهم، وبعد ذلك كانوا يبنون المسجد الجامع قبل دار الإمارة، وكان الخُلفاء والأُمراء بأنفسهم يُقيمون الجماعات والأعياد، بلْ ويُدبِّرون أمر الحَجِّ أيضاً، حيث إنَّ العبادات الثلاث مع كونها عبادات، قد احتوت على فوائد سياسيَّة لا يوجد نظيرها في غيرها، كما لا يخفى على مَن تدبَّر.
وهذا النحو مِن الخلط بين الجهات الروحيَّة والفوائد السياسيَّة مِن خصائص الإسلام وامتيازاته(1) .
فالإسلام - إذاً - يمتلك النظام السياسي الذي هو الحَلُّ الحاسم لكافَّة مشاكل الإنسان؛ لأنَّه تنظيم الخالق لشؤون وحياة المخلوق؛ لأنَّ الخالق تعالى هو الذي يعلم إيجابيَّات الإنسان وسلبيَّاته ونقاط القوَّة والضعف في وجوده.
ومِن لوازم الكمال في هذا الدين، أنْ يضع الأساسيَّات لمعرفة مَن يقوم بعد غياب صاحب الرسالة بتطبيق هذا النظام الإلهي وتنفيذه، وعلى يَدِ مَن تكون إدارة الحياة العامَّة للأُمَّة المسلمة، وعن أيِّ طريق يتسلَّم ذلك الحاكم شؤون الحُكم.
1 - مدرسة الخُلفاء.
2 - مدرسة أهل البيتعليهمالسلام .
ولكلٍّ مِن المدرستين نظريَّتها في أساس الحُكم.
أمَّا مدرسة الخُلفاء، فقد تبنَّت نظريَّة الشورى في اختيار الحاكم بعد الرسول الأعظم، وذلك على الـمُستوى النظري.
وأمَّا مدرسة أهل البيت، فقد اعتمدوا مبدأ النصِّ في تعيين مَن يَشغل الفراغ، الذي تركه فقدان الرسول الأعظم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
وعلى هذا الأساس اختلفت المدرستان في حقيقة الإمام والإمامة، فمدرسة الخُلفاء تعتبر الإمامة مِن فروع الدين، التي تُبحث في الكُتب الفقهيَّة، ويُعتبر الإمام كرئيس دولة يُنتخب مِن قِبَل الشعب، أو نوَّاب الأُمَّة، أو يتسلَّط عليها بانقلاب عسكريٍّ، أو ما شابه ذلك.
____________________
(1) الإسلام ومَنطق القوَّة: ص234 وص235.
وأمَّا مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، ترى أنَّ الإمامة استمرار لوظائف النبوَّة، والإمام يُمثِّل النبيصلىاللهعليهوآله في كلِّ أدواره في حياة الأُمَّة، ولا يُستثنى شيء مِن ذلك ما عدا تلقِّي الوحي فقط؛ ولذلك فهي - الإمامة - أصل مِن أُصول الدين في نظر هذه المدرسة. وأمَّا تعيين الإمام والخليفة، فيتمُّ عن طريق النصِّ الإلهي، الذي يُبلِّغه الرسولصلىاللهعليهوآله .
ولسنا في صَدد نظريَّة الشورى، وما يعتمد عليه القائلون بها مِن الأدلَّة أو إثبات مبدأ النَّصِّ، وإنَّما الكلام يدور حول ما تعرَّضت له الخلافة الإسلاميَّة بعد وفاة الرسول القائدصلىاللهعليهوآله ، مِن اضطراب وانحراف خطير دفعت الأُمَّة فيه الثمن باهضاً، حيث تحوَّلت الخلافة الإسلاميَّة إلى مُلْك عضوض، انتُهكت فيه كرامة الأُمَّة وحُرمة دينها، وعُمِل فيها بالجور والفساد، وذلك عندما توصَّل الأُمويُّون إلى رأس السلطة.
ولا شكَّ أنَّ نظريَّة الحُكم التي طرحت للأُمَّة عقيب وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله تحت عنوان الشورى، لها أكبر الأثر في سَير الأحداث بِغَضِّ النظر عن نوعيَّة ما حَدَث عمليَّاً، هل كان مبنيَّاً على قاعدة الشورى أم لا؟ فإنَّ للكلام مجالاً واسعاً في ذلك.
(لقد حَدَثت انتكاسة مَريرة في تاريخ هذه الدعوة بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واستطاعت هذه الفئة الـمُستكبرة والـمُترفة مِن بني أُميَّة، وغيرهم - مِن الذين عادوا الإسلام طويلاً، وحاربوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وألَّبوا الناس عليه - أنْ يستعيدوا مواقعهم ونفوذهم ومركزهم في الـمُجتمع الإسلامي الجديد بعد أنْ عزلتهم الدعوة عن مواقعهم، وجرَّدتهم مِن نفوذهم وسلطانهم، وألغت دورهم السياسي والاجتماعي إلغاءً كاملاً، ومنهم مَن أهدر رسول اللهصلىاللهعليهوآله دَمه، وإذا علمنا أنَّ هذه الانتكاسة كانت في الأدوار الأُولى مِن حياة الدعوة نعرف مَدى خطر عودة هذه الطبقة إلى قِمَّة الهَرم الاجتماعي في الـمُجتمع الإسلامي، والأثر السلبي الذي تتركه في أفكار الدعوة وقيمها وتطوُّراتها وأحكامها.
وإذا علمنا أنَّ هذه الفِئة عادت إلى مراكزها الأُولى مِن موقع الخلافة الإسلاميَّة، وما لها مِن قدسيَّة شرعيَّة في نظر المسلمين، وأنَّها حاولت تغيير مفاهيم وتصوُّرات وأحكام الدعوة مِن خلال موقع الخلافة الإسلاميَّة، وما له مِن الشرعيَّة والقوَّة والنفوذ في الـمُجتمع الإسلامي، عرفنا الخطر الذي كان يُهدِّد الرسالة مِن جَرَّاء عودة هذه الطبقة إلى مواقع النفوذ والتأثير في الـمُجتمع)(1) .
ولو بحثنا عن الأسباب التي مَهَّدت لهؤلاء حتَّى وصلوا إلى كرسيِّ الحُكم، لوجدنا أحداث الثلاثين سنة التي تلت وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله مِن أكبر الـمُمهِّدات، وأهمِّ الـمُقدِّمات التي أتاحت للأُمويِّين الوصول إلى أهدافهم؛ لأنَّ مبدأ الشورى الذي مِن الـمُفترض أنْ تُبنى عليه الخلافة - في نظر مدرسة الخُلفاء - كان مُضطرباً اضطراباً واضحاً، بلْ القارئ الـمُنْصف إذا قرأ أحداث تلك الفترة لا يرى قاعدةً واضحةً للشورى.
وكانت الفُرصة الكُبرى للأُمويِّين وصول عثمان إلى مِنبر الخلافة؛ حيث استغلُّوا (ضعف الخليفة الثالث في استعادة كلِّ مواقعهم الاجتماعيَّة والماليَّة والسياسيَّة، التي كانوا يتمتَّعون بها في الجاهليَّة، والتي جرَّدهم الإسلام منها، فوجدوا في مَيل الخليفة إلى أهله وذويه وحُبِّه وإيثاره لهم، وفي ضعفه وكِبَر سِنِّه فُرصة ليستعيدوا ما فقدوا مِن مَكانة وعِزٍّ وسلطان ومال في الإسلام، ووجدوا فيما مَنحهم الخليفة مِن ثقته الـمُطلقة ومِن السلطان والمال ما يكفي لاستعادة عِزِّهم ونفوذهم وسلطانهم في الـمُجتمع الجديد)(2) .
وكان تعيين مُعاوية والياً على الشام مِن قبل الخليفة الثاني، عاملاً مُهَّماً وخطيراً في تحقيق الأهداف الأُمويَّة؛ فإنَّ الخليفة أطلق لـمُعاوية العَنان في ولايته، فكان لا يُحاسبه على شيء أبداً كما كان يُحاسب سائر وِلاته على الأقطار الإسلاميَّة الأُخرى؛ لذلك بقي
____________________
(1) وارث الأنبياء: ص21.
(2) وارث الأنبياء: ص25.
مُعاوية طوال مُدَّة ولايته على الشام في عهد الخليفتين الثاني والثالث، بقي يُفكِّر ويُقدِّر كيف ومتى ينقضُّ على كرسيِّ الخلافة، حتَّى إذا قُتل الخليفة الثالث، وجد مُعاوية الباب مفتوحاً للوقوف في وجه الإمام عليٍّعليهالسلام حيث بويع أمير المؤمنين بالخلافة بعد قتل عثمان، فرفع مُعاوية قميص عثمان وشعار: يا لثارات عثمان.
وكانت نتيجة تلك الأحداث وتلك التناقضات، التي وقع فيها المسلمون آنذاك، والتي لا تعدو كونها إفرازات لما سبقها مِن الأحداث؛ كانت نتيجة لذلك أنْ استطاع مُعاوية الوصول إلى السلطة الـمُطلَقة على المسلمين، وبدأ يدعم سُلطانه ودولته باسم الكتاب والسُّنَّة، فسخَّر عناصر خاصَّة مُهمَّتها تحوير الفكر القرآني، ووضع النصوص على لسان النبيصلىاللهعليهوآله التي تأمر بالطاعة العمياء، والخضوع الغير المشروط لكلِّ مَن وصل إلى كرسيِّ الحُكم، كائناً مَن كان.
فقد فسَّروا قوله تعالى:( ... أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) (1) بالمعنى الذي يخدم الأُمويِّين وأمثالهم، فقالوا: إنَّ الـمُراد مِن( ... الأَمْرِ مِنكُمْ... ) في الآية كلُّ مَن تسلَّط على رقاب المسلمين، بأيِّ طريق كان، ومَهْما كانت سيرته.
ووضعت الأحاديث التي تدعم هذا التفسير، وإليك بعضاً مِن تلك الأحاديث:
1 - صحيح مسلم: قال حذيفة بن اليمان: قلت: يا رسول الله، إنَّا كنَّا بشرٍّ، فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل مِن وراء هذا الخير شرٌّ؟
قال:(نعم) . قلت: هل وراء ذلك الشرُّ خيرٌ؟ قال:(نعم) . قلت: فهل وراء ذلك الخير شرٌّ؟ قال:(نعم) . قلت: كيف؟ قال:(يكون بعدي أئمَّة لا يهتدون بهُداي، ولا يستنُّون بسُنَّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جُثمان إنس) .
قال: قلت: كيف أصنع - يا رسول الله - إنْ
____________________
(1) النساء: 59.
أدركت ذلك؟
قال:(تسمع وتُطيع للأمير، وإنْ ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطِع) (1) .
2 - صحيح مسلم: عن ابن عباس يرويه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [ وآله ] وسلَّم):(مَن رأى مِن أميرٍ شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنَّه مَن فارق الجماعة شِبْراً فمات فميتة جاهليَّة) (2) .
3 - صحيح مسلم: عرفجة قال: شمعت رسول الله (صلى الله عليه و[ وآله ] وسلَّم) يقول:(مَن أتاكم وأمركم جَمعٌ على رجل واحد يُريد أنْ يشقَّ عصاكم أو يُفرِّق جماعتكم فاقتلوه) (3) .
4 - صحيح مسلم: سأل سلمة بن يزيد الجُعفي رسول الله (صلى لله عليه [ وآله ] وسلَّم) فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ قامت علينا أُمراء يسألوننا حَقَّهم ويمنعوننا حَقَّنا فما تأمرنا، فأعرض عنه، ثمَّ سأله فأعرض عنه، ثمَّ سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم(4) .
ولا شكَّ أنَّ هذه النصوص، وهذا النوع مِن الفكر صريحة التناقض مع صريح القرآن الكريم ونظرة الإسلام للتعامل مع الظلم والظالمين، (فإنَّ القرآن يُحرِّم الركون إلى الظالمين والانصياع لهم ومودَّتهم وموالاتهم بصراحة؛ لقوله تعالى:( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) (5) .
فالآية تنهى عن مُطلق الركون - وهو الـمَيْل والسكون - إلى الظالمين، مُطلق
____________________
(1) صحيح مسلم: ج6: ص20 المجلد الثالث.
(2) صحيح مسلم: ج6: ص21 المجلد الثالث.
(3) صحيح مسلم: ج6: ص23 المجلد الثالث.
(4) صحيح مسلم: ج6: ص19 المجلد الثالث.
(5) هود: 113.
الظالمين؛ كي لا يتفشَّى الظلم في جسم الأُمَّة وحياتها، أو تستسلم لحالة مِن حالات الجور مِن أيِّ فرد مِن الناس، كافراً كان أو مسلماً، حاكماً كان أو محكوماً.
ولكنْ برغم هذه الصراحة والوضوح لمعنى الآية، نجد بصمات ذلك الفكر التبريري واضحة على بعض التفاسير، فهذا صاحب المنار يرى أنَّ الـمُراد مِن الظالمين خصوص الكفَّار والـمُشركين.
يقول السيِّد الطباطبائي في مُناقشته لهذا الرأي: أيُّ مانعٍ يمنع الآية أنْ تشمل الظالمين مِن هذه الأُمَّة، وفيهم مَن هو أشقى مِن جَبابرة عادٍ وثمود، وأطغى مِن فرعون وقارون، ومُجرَّد كون الإسلام عند نزول السورة مُبتلى بقريش ومُشركي مَكَّة وحواليها لا يوجب تخصيصها في اللفظ، فإنَّ خصوص المورد لا يُخصصِّ عموم اللفظ، والآية تنهى عن الركون إلى كلِّ مَن اتَّسم بِسِمة الظلم، مُشركاً أو موحداً، مسلماً أو مِن أهل الكتاب(1) .
فلعلَّ صاحب المنار في تخصيصه للآية بالـمُشركين، كان مُتأثِّراً بتلك الروايات التبريريَّة التي مرّ بعضها؛ لأنَّه لا يستطيع ردها؛ لأنَّها ورادة في الصِّحاح، وهو السبب الوحيد لذلك.
وكذلك نرى آثار هذا الفكر بارزاً حتَّى على الـمَجال الفقهي في مدرسة الخُلفاء، قال الباقلاَّني: لا ينخلع الإمام لفِسقه وظلمه، بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس الـمُحرَّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه(2) .
وقال التفتازاني: ولا ينعزل الإمام بالفِسق، أو الخروج عن طاعة الله والجور، أيْ: الظلم على عباد الله؛ لأنَّه قد ظهر الفِسق وانتشر الجور مِن الأئمَّة والأُمراء بعد الخُلفاء
____________________
(1) تفسير الميزان: ج11: ص54.
(2) تفسير الميزان: ج11: ص54.
الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم ويُقيمون الجُمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم، ونقل عن كُتب الشافعيَّة أنَّ القاضي ينعزل بالفِسق بخلاف الإمام، والفَرق في انعزاله ووجوب نصب غيره، إثارة للفتنة لما له مِن الشَّوكة بخلاف القاضي(1) .
والعجيب أنَّهم اعتبروا ذلك الواقع الـمُنحرف مدركاً فقهيَّاً في حُرمة مُقاومة الحاكم الجائر، كما في صريح عبارات التفتازاني.
ومتى أصبح هذا الفكر جزءاً مِن ثقافة الأُمَّة وعقيدتها؛ فإنَّها سوف تعيش حالة الاستسلام للجور والظلم، ولم تَعْد تتحرَّك لإنكار أيِّ شَكْلٍ مِن أشكال الظلم يصبُّ عليها؛ لأنَّها تثقَّفت بثقافة التخدير والتبرير، بلْ وترى الوقوف في وجه الظالم نوعاً مِن الخروج على قوانين الشريعة، وهذا ما صار إليه حال الأُمَّة في عهد الإمام الحسينعليهالسلام ؛ حيث أصبحت الأُمَّة مِن جرَّاء ذلك تعيش حالة مِن موت الضمير وفقدان الإرادة، فاحتاجت إلى هَزَّة عنيفة؛ لتُفيق مِن ذلك السُّبات وتعود لها إرادتها، واحتاج ذلك القِناع إلى مَن يكشف زيفه وباطله، فقام أبو الأحرار بثورته وأعلنها صريحة للأُمَّة قائلاً: (أيُّها الناس، إنَّ رسول الله قال: مَن رأى سُلطاناً جائراً مُستحلَّاً لحُرَمِ الله، ناكثاً لعهد الله، مُخالفاً لسُنَّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعُدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا بقول؛ كان حَقَّاً على الله أنْ يُدخله مُدخله. ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلُّوا حرام الله وحرَّموا حلاله، وأنا أحقُّ مَن غيَّر)(2) .
____________________
(1) الإلهيَّات: ج2: ص516، نقلاً عن التمهيد للباقلاَّني.
(2) تقدَّمت مصادره في: ص27: هامش 1.
الحسين في عهد مُعاوية
في ظروف تلك المِحنة التي قاساها الإمام الحسنعليهالسلام ، والتي ألجأته إلى مُهادنة خصمه اللَّدود مُعاوية، تلك المِحنة التي تتكوَّن مِن جانبين:
الجانب الأوَّل: يتمثَّل في خَصْمٍ لا يتورَّع عن استخدام أيَّة وسيلة للوصل إلى غاياته، مَهْما كانت تلك الوسيلة هزيلة ودنيئة.
والجانب الثاني - مِن مِحنتهعليهالسلام -: يتمثَّل في اختلاف وتعدُّد عناصر الـمُجتمع الذي كان محسوباً على الإمام، والذي تشكَّل منه ذلك الجيش الذي خرج معهعليهالسلام لمواجهة مُعاوية، وهو يحمل - أيْ الجيش - مُختلَف الاتِّجاهات والتناقضات؛ مِمَّا سبَّب أزمة مُعقَّدة للإمام تيقَّن عندها أنَّه لو واجه مُعاوية عسكريَّاً - مع تلك الـمُلابسات والتناقضات - لأدَّى ذلك إلى هدم قاعدة أهل البيتعليهمالسلام ، التي تُمثِّل الخَطَّ الـمُعارض لخطِّ الانحراف الأُموي، فاضطرَّ الإمام الحسن الزكيعليهالسلام إلى الانسحاب والـمُهادنة المؤقَّتة؛ حفاظاً على هذه القاعدة والانتظار إلى الظرف الـمُناسب للمواجهة الـمُسلَّحة، سواء ذلك تحت قيادته هو أم تحت قيادة أخيه الإمام الحسينعليهالسلام .
وقد استغلَّ مُعاوية حِلم الإمام الحسنعليهالسلام ليتمادى في غَيِّه ويزيد في تجاوزاته وتعدِّياته، فخطَّط لذلك خُططاً تؤدِّي نتائجها إلى هدم كيان الإسلام وضرب قواعده، بدأ بتحريف الحقائق، ونشر البِدع، ومنع الحديث النبوي، وإبطال السُّنَّة في بلاط الأُمراء والحُكَّام، ثمَّ مُحاولة نشر ذلك في ساحة البلاد الإسلاميَّة الواسعة، لكنَّ الذي يمنعه وجود الأعداد الكبيرة مِن أنصار الحَقِّ وأعوان الإمام عليعليهالسلام ، الذين حافظ على وجودهم الإمام الحسنعليهالسلام بمُخطَّطه العظيم ومواقفه الصائبة(1) .
____________________
(1) الإلهيَّات: ج2: ص516، نقلاً عن التمهيد للباقلاَّني.
في هذه الظروف الصعبة والمِحنة الضيِّقة، كان أبو عبد الله الحسينعليهالسلام شريكاً لأخيه في مواقفه يُشاطره آلام مِحنته، حتَّى التحق الإمام الحسن الزكيعليهالسلام بالرفيق الأعلى، بقي أبو عبد الله يواجه ذلك الظرف الصعب، ويُمهِّد الأرضيَّة للمواجهة الكُبرى، يُمهِّد لذلك بالمواقف والمواجهات التي تكشف عورات النظام وجرائمه، حتَّى يأتي اليوم الذي يُعلن فيه ثورته الـمُقدَّسة.
وقد سجَّل أبو عبد الله مواقف في عهد مُعاوية، كشف فيها مفاسد النظام الأُموي وانحرافاته، ومِن أهمِّ مواقف الإمام في هذا الظرف موقفه في مِنى، وذلك قبل موت مُعاوية بسنتين حَجَّ الحسين بن عليعليهالسلام ، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه، وقد جمع الحسين بن عليعليهالسلام بني هاشم رجالهم ونساءهم، ومواليهم وشيعتهم مِن حَجَّ منهم ومَن لم يحَجَّ ومِن الأنصار مِمَّن يعرفه وأهل بيته، ثمَّ لم يدع أحداً مِن أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومِن أبنائهم والتابعين، ومِن الأنصار المعروفين بالصلاح والنُّسك إلاَّ جمعهم، فاجتمع عليه بمِنى أكثر مِن ألف رجلٍ(1) .
وتبرز أهميَّة هذا المؤتمر الذي عقده سيِّد الشهداءعليهالسلام بملاحظة ما يلي:
أوَّلاً: نظراً لاشتماله على مُختلف الفئات والعديد مِن الطبقات، مِمَّن يُعتبرون نُخبَة الأُمَّة، وأصحاب الرأي فيها، وأهل الحَلِّ والعقد، كشخصيَّات الهاشميِّين ومَن يُدينون لهم بالولاء، وفِئة مِن الصحابة مِن الـمُهاجرين والأنصار، والتابعين الذين لا يُمكن إغفال رأيهم وتجاوز وجهات نظرهم، فيما يرجع إلى قضايا الأُمَّة المصيريَّة.
ثانياً: نظراً لأهميَّة الزمان والمكان الذي وقع فيهما هذا المؤتمر الشعبي، فأمَّا الزمان فهو موسم الحَجِّ، وأمَّا المكان فهي أرض مِنى؛ ليكون لهذا التجمُّع الكبير أثره وصداه
____________________
(1) الحسين سِماته وسيرته: ص103.
في سائر البلاد الإسلاميَّة، بعد رجوع الحُجَّاج إلى بُلدانهم وتحدُّثهم عمَّا جرى في هذا المؤتمر الذي عقده أبو عبد اللهعليهالسلام .
وكان خطاب الإمام في ذلك اليوم مُطوَّلاً وشاملاً، وقد جاء فيه بعد حمد الله والثناء عليه بأنْ قالعليهالسلام :
(أمَّا بعد، فإنَّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنِّي أُريد أنْ أسألكم عن شيء، فإنْ صَدقت قصدِّقوني، وإنْ كَذبت فكذِّبوني، اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمَّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمَن آمنتم مِن الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون مِن حَقِّنا، فإنِّي أتخوَّف أنْ يُدرس هذا الأمر ويُذبَّ الحَقَّ ويُغلَب( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) . أُنشدكم الله، أتعلمون أنَّ علي بن أبي طالب كان أخا رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين آخى بين أصحابه فآخى بينه وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟).
قالوا: اللَّهمَّ نعم(2) .
واصل الإمام حديثه يُعدِّد فضائل أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام وما نزل فيه مِن الآيات، وما جاء في حَقِّهم جميعاًعليهمالسلام عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وما نزل فيهم مِن آيات القرآن مُستشهداً الحضور على ذلك، وهم يجيبونه بقولهم: (اللَّهمَّ نعم).
____________________
(1) الاحتجاج للطبرسي: ج2: ص18، وقريب منه في كتاب سليم بن قيس: ج2: ص789: حديث 26.
(2) كتاب سليم بن قيس: ج2: ص790: حديث 26، وبحار الأنوار: ج33: ص182.
وانتقل بعد ذلك إلى تشخيص المسؤوليَّة الـمُلقاة على عاتق الأُمَّة - ولا سيَّما هذه النُّخبة الـمُجتمِعة - تجاه ذلك الانحراف الذي يُهدِّد قواعد الإسلام، موضِّحاً الكثير مِن مظاهر ذلك الفساد الـمُستشري.
فقالعليهالسلام : (اعتبروا أيُّها الناس بما وَعظ الله به أولياءه مِن سوء ثنائه الأحبار؛ إذ يقول:( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ... ) (1) ، وقال:( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ - إلى قوله: -لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) (2) .
وإنَّما عاب الله ذلك عليهم؛ لأنَّهم كانوا يرون مِن الظلمة الذين بين أظهرهم الـمُنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيا كانوا ينالون منهم ورهبة ممَّا يحذرون، والله يقول:( فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) (3) ، وقال:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (4) ، فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر فريضة منه؛ لعلمه بأنَّها إذا أُدِّيت وأُقيمت استقامت الفرائص كلُّها هيِّنها وصعبها؛ وذلك أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر دعاءً إلى الإسلام، مع ردِّ المظالم، ومُخالفة الظالم، وقِسمة الفيء والغنائم، وأخذ
____________________
(1) المائدة: 63.
(2) المائدة: 78 - 79.
(3) المائدة: 44.
(4) التوبة: 71.
الصدقات مِن مواضعها ووضعها في حقِّها.
ثمَّ أنتم أيَّتها العُصابة، عُصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، والنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مُهابة، يهابكم الشريف، ويُكرمكم الضعيف، ويؤثركم مَن لا فضل لكم عليه ولا يَد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت مِن طلاَّبها، وتمشون في الطريق بهيبة الـمُلوك وكرامة الأكابر. أليس كلَّ ذلك إنَّما نلتموه بما يُرجى عندكم مِن القيام بحَقِّ الله، وإنْ كنتم عن أكثر حَقِّه تقصرون، فاستخففتم بحَقِّ الأئمَّة، فأمَّا حَقُّ الضعفاء فضيَّعتم، وأمَّا حَقِّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله، أنتم تتمنُّون على الله جَنَّته ومُجاورة رُسُله وأماناً مِن عذابه، لقد خشيتُ عليكم - أيُّها الـمُتمنُّون على الله - أنْ تحلَّ بكم نِقمة مِن نقماته؛ لأنَّكم بلغتم مِن كرامة الله منزلة فُضِّلتم بها، ومَن يُعرف بالله لا تكرمون وأنتم بالله في عباده تُكرَمون.
وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذِمم آبائكم تفزعون، وذِمَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله مَحقورة والعُمي والبُكَّم والزمَّن في المدائن مُهمَلة لا ترحمون، ولا في منزلتكم
تعملون، ولا مَن عَمِل فيها تعنون وبالادِّهان والـمُصانعة عند الظلمة تأمنون، كلُّ ذلك مِمَّا أمركم الله به مِن النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون.
وأنتم أعظم الناس مُصيبة لما غلبتم عليه مِن منازل العلماء لو كنتم تسعون (تسمعون)، ذلك بأنَّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلاَّ بتفرُّقكم عن الحَقِّ واختلافكم في السُّنَّة بعد البيِّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمَّلتم المؤونة في ذات الله كانت أُمور الله عليكم تردُ، وعندكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنَّكم مَكَّنتم الظلمة مِن منزلتكم، وأسلمتم أُمور الله في أيديهم يعملون بالشُّبهات، ويسيرون في الشَّهوات، سلَّطهم على ذلك فِراركم مِن الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مُفارِقتكم، فأسلمتم الضُّعفاء في أيديهم، فمِن بين مُستعبَد مقهور، وبين مُستضعَف على معيشته مغلوب، يتقلَّبون في الـمُلك بآرائهم ويستشعرون الخِزي بأهوائهم، اقتداءً بالأعراب وجرأة على الجبَّار، في كلِّ بلدٍ منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خَوَل لا يدفعون يد لامسٍ، فمِن بين
جَبَّار عنيد، وذي سَطوة على الضَّعفة شديد، مُطاع لا يعرف الـمُبدئ الـمُعيد.
فيا عجباً وما لي لا أعجب؛ والأرض مِن غاشٍّ غشوم ومُتسلِّطٍ ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحُكمه فيما شجر بيننا.
اللَّهمَّ، إنَّك تعلم أنَّه لم يكن ما كان مِنَّا تنافساً في سُلطان، ولا التماساً مِن فضول الحِطام، ولكنْ لنُري المعالم مِن دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون مِن عبادك، ويعمل بفرائضك وسُننك وأحكامك، فإنَّكم إلاَّ تنصرونا وتُنصفونا، قَوْيَ الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيِّكم، وحَسْبُنا الله وعليه توكَّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير)(1) .
ما أوضح الصورة وأدقُّ التشخيص، الذي عرضه أبو عبد اللهعليهالسلام لأساس الـمُشكلة التي تُعانيها الأُمَّة في كلِّ أبعادها وآثارها، حيث تبيَّن أنَّ الأُمويين لم يكونوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه مِن التسلُّط الـمُطلَق على رقاب الناس، فساروا فيهم بالجور والظلم والفساد.. لم يحدث ذلك لو أنَّ الأُمَّة قامت بمسؤوليَّتها الشرعيَّة لا سِيَّما النُّخبة العلميَّة والـمُثقَّفة منها، الذين أشاروا أبو عبد اللهعليهالسلام إلى مكانتهم الـمُتميِّزة في نفوس المسلمين، حيث كان الناس ينظرون إليهم نظرة التقديس والإجلال؛ لمكانتهم العلميَّة والدينيَّة، إلاَّ أنَّهم لم يكونوا على مُستوى المسؤوليَّة، بلْ كانوا يؤثِرون حياة الدِّعَة والاستسلام
____________________
(1) تحف العقول ص171 - 172، طبع الأعلمي، وبحار الأنوار: ج79: ص79 - 80.
حتَّى لو كان ذلك على حساب كرامتهم ودينهم وأُمَّتهم.
فأراد أبو عبد الله مِن خلال خطابه هذا، أنْ يُحذِّرهم ويُحذِّر سائر الأُمَّة مِن نتائج هذا الموقف، الذي هو في حقيقته دعم وإسناد للظالمين ليتمادوا في جورهم وطغيانهم، حيث كانوا لا يرقبون في أحد إلاًّ ولا ذِمَّة، فلا خلاص مِن هؤلاء إلاَّ بقيام الأُمَّة بواجبها الشرعي، مِن الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر.
إنَّ هذا الموقف يُعتبر أقوى مُعارضة علنيَّة، أقدم عليها الحسينعليهالسلام في مواجهة مُعاوية وإجراءاته الخطرة، التي دأب - طول حُكمه - بعد استيلائه على أريكة الحُكم في سنة 40 للهِجرة، على العمل بكلِّ دهاء وتدبير لتأسيس دولته الـمُنحرفة عنه سُنن الهُدى والصلاح والتُّقى، فحاول في الرِّدَّة عن الإسلام إلى إحياء الجاهليَّة الأُولى، مِن الظلم والعصبيَّة والتجسيم لله والقول بالجبر والإرجاء، وما إلى ذلك مِن الأفكار التي تؤدِّي إلى تحميق الناس، وإخماد جَذوة الحركة الثوريَّة الإسلاميَّة والتوحيديَّة الإصلاحيَّة(1) .
ولم يكن في حُسبان الإمام الحسينعليهالسلام القيام بثورته في مواجهة النظام في عهد معاوية؛ لأنَّ الإمام قد شخَّص الظروف الموضوعيَّة آنذاك، فرآها لا تُساعد على القيام بثورته العلنيَّة؛ لما أحدثه مُعاوية مِن التضليل للأُمَّة في إبراز شخصيَّته ونظامه بالصورة التي ألبسها لباس الدين، وأنَّه يُمثِّل ظِلَّ الله في أرضه، وهو خليفته على عباده، فلو أنَّ الإمام الحسينعليهالسلام قام بثورته في مِثل تلك الظروف لما آتت نتائجها وآثارها التي تركتها لأجيال الأُمَّة.
فرأى أبو الأحرار أنْ لا بُدَّ مِن الانتظار، ريثما تتهيَّأ الظروف الموضوعيَّة للمواجهة الكُبرى بالثورة الـمُقدَّسة، فكان الموقف الـمُناسب في حياة مُعاوية هو المواجهة
____________________
(1) الحسين سٍماته وسيرته: ص112.
الإعلاميَّة ومُحاولة تمزيق ذلك الغِشاء المموَّه الخادع، الذي ألبسه مُعاوية نفسه ونظامه، حتَّى إذا هلك مُعاوية أصبح الظرف مُناسباً للثورة، فأعلنها أبو عبد الله في وجه يزيد بن مُعاوية مِن أجل إصلاح الأُمَّة وإرجاعها إلى خَطِّ الإسلام الصحيح، وهذا ما ضمَّنه بيانه الأوَّل في وصيَّته لأخيه محمد بن الحنفية، فقالعليهالسلام :
(إنِّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن الـمُنكر، وأسير بسيرة جَدِّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَن قَبِلَني بقبول الحَقِّ فالله أولى بالحَقِّ، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتَّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحَقِّ وهو خير الحاكمين)(1) .
الهَدَف الأساسي للثورة:
هناك إشكاليَّة مطروحة، وسؤال كثيراً ما يتردَّد على الألسُن وفي الأذهان، وهو: ما هو الهدف الذي كان الإمام الحسين يُريد تحقيقه مِن ثورته الـمُقدَّسة؟
وبصيغة أُخرى: ما هو الباعث الأساسي لأبي الأحرار حتَّى قام بهذه الثورة؟ فهل كان يُخطِّط مِن أجل الإطاحة بدولة يزيد بن مُعاوية وتولِّي مقاليد الحُكم؛ ليصبح على رأس دولة باسم أهل البيتعليهمالسلام ، إلاَّ أنَّه لم يوفَّق في ذلك، ولم تنجح ثورته وخَسِر موقفه، وصارت النتيجة أنْ قُتِل هو ومَن معه، أم أنَّ الإمامعليهالسلام كان لديه هدف آخر غير الوصول إلى كرسيِّ الحُكم، وكان التخطيط الذي سلكه أبو عبد الله يتناسب مع ذلك الهدف الذي يُريد الوصول إليه، وأنَّه قد حقَّق هدفه بالفعل وبنجاح باهر؟
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18: هامش 1، وفي: ص36: هامش 1.
وقبل الخوض في مُحاولة الإجابة على هذا التساؤل، نطرح هذا السؤال الـمُفترض، لو فُرِض أنَّ الإمام الحسين إنَّما قام مُطالباً بالحُكم، ويُريد أنْ تكون مقاليد الحُكم بيده وبِغَضِّ النظر عن الظروف الموضوعيَّة التي كانت تحفُّ بالإمام، هل كان هذا الهدف مُخلَّاً بمكانة الإمام وقداسته وأهدافه النبيلة، وهل كان يُريد الحُكم - على الفرض - مِن أجل الحُكم، أمْ أنَّه يُريد الحُكم وسيلة إلى تحقيق الهدف الإلهي وهو إقامة حُكم الله في الأرض؟
إنَّ الإمام الحسينعليهالسلام كان يحمل الروح والأهداف التي كان يحملها أبوه أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنَّ علياً حينما بويع بالخلافة بعد قتل عثمان وأصبح الحُكم بيده، نراه خاض في فترة حُكمه القصيرة ثلاثة حروب قد فُرٍضت عليه. فهل كان بهذه الحروب يُدافع عن الحُكم بما هو حُكم لا غير، أم أنَّه يُريد بذلك دفع الباطل، وتصحيح الانحراف الذي وقعت فيه الأُمَّة بما في ذلك طريقة الحُكم، وذلك عن طريق بقائه في موقع السلطة؛ ليعطي نموذجاً للحاكم القرآني؟
قال عبد الله بن عباس (رضي الله عنه): دخلت على أمير المؤمنينعليهالسلام بذي قار وهو يَخصف نعله، فقال لي: (ما قيمة هذا النعل؟).
فقلت: لا قيمة له.
فقالعليهالسلام : (والله، لهي أحبُّ إليَّ مِن أُمرتكم، إلاَّ أنْ أُقيم حَقَّاً أو أُزهِق باطلاً)(1) .
وقالعليهالسلام موضِّحاً هدفه مِن صراعه مع مُعارضيه، وغايته مِن بقائه في الحُكم: (اللَّهمَّ، إنَّك تعلم أنَّه لم يكن الذي كان مِنَّا مُنافسة في سُلطان، ولا التماس شيء مِن فُضول الحِطام، ولكنْ لنرُدَّ المعالم مِن دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك؛ فيأمن المظلومون مِن عبادك وتُقام الـمُعطَّلة مِن حُدودك)(2) .
وهذا مبدأ أهل البيتعليهمالسلام لا يشذُّ عنه منهم أحد؛ لذا نجد نفس المنطق في العبارات
____________________
(1) نهج البلاغة: ج1 رقم القطعة 33: ص76، صُبحي الصالح.
(2) نهج البلاغة، قطعة رقم 131، صبحي الصالح.
السابقة عن عليٍّعليهالسلام واضحاً في تصريحات أبي عبد الله الحسينعليهالسلام ، كمْ مَرَّ في خطابه في مِنى حينما قال:
(اللَّهمَّ، إنَّك تعلم أنَّه لم يكن ما كان مِنَّا تنافساً في سُلطان ولا التماساً مِن فُضول الحِطام، ولكنْ لنري المعالم مِن دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون مِن عبادك، ويُعمل بفرائضك وسُننك وأحكامك)(1) .
فعلى فرض الوصول إلى السلطة، كان الهدف الأوَّل للحسينعليهالسلام مِن نهضته لم يكن ذلك مُزرياً بالإمامعليهالسلام ، فإنَّه يرى نفسه ويراه كافَّة المسلمين الـمُنصفين أنَّه هو الأَوْلى - بعد أبيه وأخيه - بخلافة رسول الله وحُكم الأُمَّة مِن أيِّ شخصٍ آخر مِن المسلمين. وعلى كلِّ المقاييس، فكيف لا يكون أوْلى بذلك مِن يزيد بن مُعاوية، الذي لا يعتمد في حكمه على قاعدة شرعيَّة، وإنَّما فُرِض على رقاب المسلمين بقوَّة السلاح والمال؟
وقد تبنَّى البعض مِن الـمُؤرِّخين والباحثين هذا التفسير لبواعث الثورة الحسينيَّة - أعني هدف الوصول إلى الحُكم - مُستدلِّين ببعض التصريحات التي صرَّح بها الإمام في مسيرته الثوريَّة، كقولهعليهالسلام :
(إنِّي لم أخرُج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدّي رسول الله أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب)(2) .
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص96: هامش 1.
(2) تقدَّمت مصادره في: ص18: هامش 1، وفي: ص36: هامش 1.
حيث لا يُمكن للإمام الحسينعليهالسلام أنْ يقوم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر، الذي تعني التغيير الشامل لأوضاع الأُمَّة ما لم يتسلَّم مقاليد السُّلطة، وكذلك لا يُمكنه أنْ يقوم بإعادة سيرة جَدِّه رسول الله وأبيه أمير المؤمنين، إلاَّ مِن خلال استيلائه على الحُكم، فالظاهر مِن هذا البيان أو هذه الوصيَّة أنَّ هدف الإمام هو الوصول إلى كرسيِّ الحُكم.
كذلك يظهر مِن استجابته لأهل الكوفة في رسائلهم إليه، وإرساله مسلم بن عقيل، وتعامل مسلم مع الأحداث في بداية الموقف، وإرسال مسلم إلى الحسين يُخبره بمسيرة الأحداث، ويدعوه إلى المسير نحو الكوفة، كلُّ ذلك مؤشِّرات - عند مَن يرى هذا التفسير - إلى أنَّ الإمامعليهالسلام يهدف أوَّلاً وبالذات الوصول إلى القيادة السياسيَّة للأُمَّة، إلاَّ أنَّ انقلاب الأحداث في الكوفة على أثر وصول ابن زياد إليها أحدث النَّكْسة، ولم يستطع سيِّد الشهداء أنْ يُحقِّق هدفه الأوَّليَّ، وحدث البديل وهو التضحية والشهادة.
بهذه القراءة فسَّرت الثورة الحسينيَّة لدى بعض الباحثين، إلاَّ أنَّ القارئ الـمُتأمِّل قراءة شاملة لـمُقدَّمات الثورة وبياناتها وأحداثها، لا يكاد يقنع بهذه القراءة وهذا التفسير؛ وذلك لما يلي:
أوَّلاً: إذا ما لاحظنا النصوص العديدة، التي وردت عن النبيصلىاللهعليهوآله ، التي تُشير إلى شهادة الإمام الحسينعليهالسلام وتضحيته، والتي وردت في مصادر المسلمين، وإليك بعضاً منها:
أ - روي عن أنس بن الحرث الكاهلي - وهو مِن صحابة النبيصلىاللهعليهوآله وقد شَهِد معه بدراً وحُنيناً، وقد استُشهد مع الحسينعليهالسلام - أنَّه سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول: (إنَّ ابني هذا -يعني: الحسين - يُقتل بأرض كربلاء، فمَن شَهِد ذلك منكم فلينصره)(1) .
____________________
(1) كنز العمَّال للهندي والسيوطي في اللآلئ المصنوعة1: 203.
ب - عن أُمِّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله قالت: كان عندي النبيصلىاللهعليهوآله ومعي الحسين، فدنا مِن النبيصلىاللهعليهوآله فأخذتُه فبكى فتركته، فدنا منه فأخذتُه فبكى، فقال له جبريل: (أتُحبُّه يا محمد؟)، قال: (نعم)، قال: (أما إنَّ أُمَّتك ستقتله، وإنْ شِئت أريتك مِن تُربة الأرض التي يُقتل بها)، فبسط جَناحه فأراه منها، فبكى النبيصلىاللهعليهوآله (1) .
ج - عن أُمِّ سلمة: قالصلىاللهعليهوآله : (إنَّ جبرئيل أخبرني أنَّ ابني هذا يُقتل، وأنَّه يَشتدُّ غضب الله على مَن يقتله)(2) .
د - عن ابن عباس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (إنَّ جبرئيل أخبرني أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قَتَل بدم يحيى بن زكريَّا سبعين ألفاً، وهو قاتل بدَم وَلَدك الحسين سبعين ألفاً)(3) .
ثانياً: التصريحات التي صدرت مِن الإمام الحسينعليهالسلام في أثناء مسيرته الثوريَّة بأنَّه في طريقه إلى الشهادة والتضحية، كالنصوص التالية:
أ - خُطبته في مَكَّة حينما قال:
(كأنِّي بأوصالي تُقطِّعها عُسلان الفَلوات بين النواويس وكربلاء، فيمْلأن مِنِّي أكرُشاً جَوفاً وأجرِبة سُغباً، لا مَحيص مِن يوم خُطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه فيوفِّينا أجور الصابرين... ألا ومَن كان باذلاً فينا مُهجته موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنِّي راحل مُصبِّحاً إنْ شاء الله)(4) .
____________________
(1) العِقد الفريد 5: 124.
(2) تاريخ بغداد 3: 328.
(3) ذخائر العُقبى وكنز العمَّال: ص127.
(4) تقدَّمت مصادره في: ص54: هامش 1.
ب - رَدُّه على استفسار أخيه محمد بن الحنفيَّة عن سبب تصميمه على الخروج، قال محمد: يا أخي، ألم تَعدِني النظر فيما سألتك؟ قال: (بلى)، قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال: (أتاني رسول الله بعدما فارقتك فقال: يا حسين، أخرج فإنَّ الله قد شاء أنْ يراك قتيلاً). فقال ابن الحنفيَّة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فما معنى حَملك هؤلاء وأنت تَخرج على مِثل هذا الحال؟! فقال: (قد قال لي - النبيصلىاللهعليهوآله -: إنَّ الله شاء أنْ يراهنَّ سبايا)(1) .
ج - رسالته إلى بني هاشم، والتي رواها ابن قولويه وغيره بسند صحيح، وهي:
(بسم الله الرحمن الرحيم: مِن الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومَن قِبَلَهُ مِن بني هاشم، أمَّا بعد: فإنَّ مَن لَحِقَ بي استُشهِد، ومَن لم يلْحَق بي لم يُدرك الفتح، والسلام)(2) .
د - رَدُّه على ابن عباس عند خروجه إلى العراق، فأشار عليه ابن عباس بألاَّ يخرج إلى العراق، فقال: (يا بن عباس، أما علمت أنْ منعتني مِن هناك فإنَّ مصارع أصحابي هناك). قال له: فأنَّى لك ذلك، فقال: قال: (بسِرٍّ سُرَّ إليَّ وعلمٍ أُعطيتُه)(3) .
ه - قولهعليهالسلام في إحدى خُطبه في الطريق:
(ألا ترون إلى الحَقِّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربِّه حَقَّاً حَقَّاً، فإنِّي لا أرى الموت إلاَّ
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص329.
(2) كامل الزيارات: ص157: حديث 195، وبصائر الدرجات للصفَّار: ص501، والبحار: ج42:: ص81 وج45: ص84.
(3) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص321.
سعادة، والحياة مع الظالمين إلاَّ بَرَماً)(1) .
هذه بعضٌ مِن التصريحات لأبي الأحرار، التي تدلُّ دلالة واضحة على أنَّ الإمامعليهالسلام يعلم بأنَّه في طريقه إلى الشهادة، وأنَّ هذا الهدف هدف واضح عندهعليهالسلام ، فهلْ مِن الصحيح إغفال تلك النصوص الواردة عن النبيصلىاللهعليهوآله وهذه التصريحات مِن الإمامعليهالسلام ؛ لأنَّها لا تجتمع مع التفسير السابق للثورة، أعني: القول: إنَّ الإمامعليهالسلام لم ينهض إلاَّ مِن أجل أنْ يتسلَّم السُّلطة؛ ولأنَّها لا تجتمع مع بعض التصريحات والبيانات، التي يُفهم منها هذا التفسير كما سبق؟ أم أنَّ الإمام كان مُتناقضاً في بياناته وتصريحاته - وهو غير وارد في حَقِّ سيِّد الشهداءعليهالسلام ، أم لكلِّ نوع مِن هذه التصريحات والبيانات وجهه وهدفه الذي لا يتناقض مع النوع الآخر، وأنَّ كلَّ واحد منها يُمثِّل بُعْداً مِن أبعاد الثورة الـمُقدَّسة.. حيث يمكن الجمع بينهما؟
وهذا ما نُحاول مُعالجته هنا مِن خِلال ما يلي:
أمَّا الإخبارات النبويَّة، الواردة عن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بقتل وشهادة الإمام الحسينعليهالسلام والتصريحات الصادرة مِن الإمامعليهالسلام في هذا المقام، فلا بُدَّ مِن تفسيرها بالتفسير الذي يتناسب مع حقيقة الثورة: بأنًَّها ثورة تغييريَّة جرت طِبق السُّنن التاريخيَّة وحركة الإنسان الطبيعيَّة في الحياة، بعيداً عن التفسير الغيبي الصِّرْف، الذي يجعل دافع الثورة أمراً غَيبيَّاً غامضاً غير قابل للـمُناقشة أو للفَهْم، وكما فسَّرتها بعض القراءات، فـ (إنَّ تفسير قضيَّة الحسين بهذا الشكل - أيْ: التفسير الغيبي الصِّرْف - يتنافى مع الطبيعة البشريَّة لعمل الأنبياء والأوصياء، نحن وإنْ كنَّا نعتقد بأنَّ الأنبياء والأئمَّة هُمْ ثِقْل الله في الأرض، وهُمْ ثِقل عالم الغَيب وهُمْ الحبل الممدود إلى عالم
____________________
(1) بحار الأنوار: ج44: ص381، واللهوف: ص48.
الشهادة، وهُمْ أحد الثقلين في الأرض، وهُمْ الواسطة بين العباد وبين الله، كلُّ هذه المعاني صحيحة إلاَّ أنَّنا في نفس الوقت نعتقد بأنَّ الأنبياء والأئمَّة كانوا بشراً في أعمالهم في الحياة وبالأخصِّ الأعمال التي ترتبط بالجانب الاجتماعي مِن حياة الناس)(1) .
نحن لا ينبغي أنْ ننظر إلى النبي والإمام بنظرة غيبيَّة صِرْفة معزولة عن حياته الطبيعيَّة؛ فإنَّ الأنبياء والأئمَّةعليهمالسلام يتعاملون مع الحياة تعامُلاً طبيعيَّاً كغيرهم مِن الناس، لا سِيَّما في الجوانب التي تتعلَّق بقضايا الناس في هدايتهم وتعليمهم وتوعيتهم وتغيير واقعهم، وإذا ما وجدنا في حياة النبي أو الإمام موقفاً غيبيَّاً، فإنَّ ذلك يُمثِّل حالة استثنائيَّة، وقليل ما كان يحدث ذلك في حياة الأنبياء والأئمَّةعليهمالسلام .
فلا بُدَّ مِن توجيه هذه النصوص النبويَّة والتصريحات الحسينيَّة بالتوجيه الذي يتناسب مع القاعدة، التي يسير عليها الأنبياء والأئمَّةعليهمالسلام في حركاتهم التغييريَّة الاجتماعيَّة.
والتفسير الذي يُمكن أنْ توجَّه به تلك النصوص والتصريحات الغيبيَّة هو كما يلي: إنَّ النبيصلىاللهعليهوآله أراد بهذه النبوءات أنْ يُبيِّن - بياناً سابقاً - أنَّ هذه الثورة وهذه التضحية، التي سوف يقوم بها سِبطه الحسينعليهالسلام هي حركة ربَّانيَّة مِن أجل الله والإسلام؛ والدليل أنَّ الوحي اهتمَّ بها اهتماماً لافتاً للنظر؛ لأنَّه أخبر عنها قبل حدوثها؛ إذ لا تفسير لذلك الاهتمام إلاَّ هذا. وإنَّ الخصم الذي يرتكب هذه الجريمة بعيد عن الله والإسلام.
ومِن ثَمَّ يُقيم الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله الحُجَّة على الأُمَّة، ويضعها أمام المسؤوليَّة الشرعيَّة تجاه هذه الثورة وهذا الثائر العظيم؛ فيكون حال هذه الإخبارات كحال سائر النبوءات التي صدرت مِن قِبَل الرسولصلىاللهعليهوآله كإخباراته عن فتنة بني أُميَّة وتحذير
____________________
(1) الثورة الحسينيَّة وأسبابها، السيِّد محمود الهاشمي.
الأُمَّة منها، فإنَّ الرسول لم يُخبر بذلك لـمُجرَّد الإخبار، وإنَّما كان ذلك تنبيهاً للأُمَّة على مسؤوليَّتها الشرعيَّة.
لقد عَلِم الرسول - كما ورد إلينا بالروايات الموثَّقة الـمُسندة - أنَّ الانحراف سيبلغ مداه بعد نِصف قَرن على يد أبعد الناس عن الإسلام، وعلم أنَّ أحد أولاده - وهو الحسينعليهالسلام - سيواجه أكبر زخم لهذا الانحراف، وأنَّ مُهمَّته لن تكون سَهلة؛ إذ لن يتخلَّى الحاكم الـمُنحرف حينذاك عن سُلطته ومَملكته لـمُجرَّد صيحة أو دعوة يسمعها منه، ولا بُدَّ أنْ يُبدي شراسته أمام مِثل تلك الدعوة(1) .
فأدلى رسول الله بذلك العدد مِن الإخبارات، عن الدور الـمُقدَّس الذي سوف يقوم سِبطه الحسينعليهالسلام مِن التضحية والشهادة، وكذلك حال التصريحات الحسينيَّة في المقام، فقد أراد أبو الأحرار التأكيد على أنَّ نهضته هذه إنَّما جاءت ضمن مُخطَّطٍ إلهيٍّ سابق، تلقَّاه مِن جَدِّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهو سائر في تنفيذ هذا الـمُخطَّط.
لقد كان الحسينعليهالسلام يعلم بأنَّه مقتول علماً تفصيليَّاً، وبكلِّ ما سيجري عليه وعلى آل بيته وحريمه، عهداً عهده إليه جَدُّه رسول الله وأبوه عليٌّ أمير المؤمنينعليهالسلام (2) ، فأعلن ذلك ليضع الأُمَّة أمام مسؤوليَّتها تِجاه ثورته الإصلاحيَّة.
فاتَّضح أنَّ هذه الإخبارات النبويَّة، والتصريحات الحسينيَّة لا تنسجم مع التفسير القائل: إنَّ الحسين كان هدفه الأوَّل والأساس هو تسلُّم السُّلطة، فلا بُدَّ أنْ يكون هدفه هدفاً آخر.
وأمَّا الهدف الذي يتناسب مع هذه النصوص، ويتَّفق مع الظروف الموضوعيَّة التي تعيشها الأُمَّة آنذاك، فهو أنَّ الإمام أراد أنْ يقوم بهذه التضحية مِن أجل إرجاع الروح
____________________
(1) وتنفَّس صُبح الحسين: ج2: ص31.
(2) وتنفَّس صُبح الحسين: ج2: ص31.
الجهاديَّة، التي فقدتها الأُمَّة تدريجيَّاً مِن أجل تأصيل خَطِّ الشهادة في حياة المسلمين، هذه الروح التي كانت في عهد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في أعلى الـمُستويات، وكانت عاملاً أساسيَّاً في تحقيق الانتصارات في عهد الرسالة؛ لأنَّ الأُمَّة كانت تعشق الموت في سبيل دينها ورضا ربِّها.
ولكنْ لـمَّا حدثت النَّكْسة الحضاريَّة في حياة الأُمَّة، وبدأت الأُمَّة تنحدر مِن سيِّئٍ إلى أسوأ، حتَّى بلغت في التدهور مُستوىً يُهدِّد وجودها كأُمَّة مسلمة ويُهدِّد رسالتها السماويَّة؛ فاحتاجت إلى هزَّة عنيفة تُعيد لها تلك الجذوة مِن روح الجهاد والتضحية، ولا طريق إلى ذلك إلاَّ الثورة التي تتضمَّن التضحية بكلِّ ما يملك الإنسان: مِن المال والجاه، والأهل والوِلْد، والأُخوة والنفس، في مواجهة الطُّغيان والفَساد، وبالكيفيَّة التي تَهزُّ الضمائر وتُثير العواطف الإنسانيَّة بقوَّة لا نظير لها.
وهذا هو الهدف الأساس لأبي الأحرار؛ لذلك أصبحت ثورته الـمُقدَّسة مُستمرَّة العطاء ودائمة التأثير في أجيال الأُمَّة اللاَّحقة، فلا نجد موقفاً مِن مواقف التضحية والجهاد في تاريخ المسلمين، مِن أجل الدفاع عن الرسالة وكرامة الأُمَّة، إلاَّ ولتضحية الإمام الحسينعليهالسلام وثورته أثر عليها، سواء وعت أجيال الأُمَّة ذلك أم لا، فهي صدى لثورة أبي الأحرار وعطاء مِن عَطاءاته.
وإذا رأينا الأُمَّة الإسلاميَّة، برغم الضربات والهجمات الموجَّهة إليها الـمُختلفة الأساليب، نجدها رغم ذلك مُستعصية أمام عدوِّها على الذوبان والانهزام التامِّ، فإنَّ لثورة الحسين أكبر الأثر في وجود هذه الروح في مسيرة الأُمَّة.
هذا ما يتعلَّق بالقسم الأوَّل مِن البيانات، وهي التي يُصرِّح فيها أبو الأحرار بألاَّ هدف إلاَّ التضحية والشهادة.
وأمَّا القِسم الآخر مِن تلك البيانات والتصريحات، وهي التي يتحدَّث فيها الإمام الحسينعليهالسلام عن شؤون الحُكم والسُّلطة، ومَن الذي يجب أنْ يحكم المسلمين، فإنَّها - أيْ:
البيانات - لا تدلُّ بالضرورة على أنَّ الإمامعليهالسلام كان يُخطِّط للوصول إلى الحُكم، حيث بالإمكان أنْ يكون لها تفسير وهدف آخر لا يتنافى مع الهدف الأساسي - أعني: هدف التضحية والشهادة - وهو كما يلي:
أوَّلاً: لا تعدو هذه التصريحات كونها بيانات للرؤية السياسيَّة، التي يعتمدها الإمام ويدعو إليها هو وسائر الأئمَّة الطاهرينعليهمالسلام ؛ إذ لا بُدَّ للإمام أنْ يؤكِّد على هذه الرؤية ويوضِّحها؛ لأنَّها هي القاعدة لانطلاقته الثوريَّة مُقابل الرؤية السياسيَّة، الـمُسيطرة على الذهنيَّة عند المسلمين آنذاك مِن جرَّاء الإعلام التضليلي للنظام الأُموي.
قالعليهالسلام في كتابه إلى أهل الكوفة:
(فلَعمري، ما الإمام إلاَّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحَقِّ، والحابس نفسه على ذات الله)(1) .
في هذه الجُمْل القصيرة جمع الإمامعليهالسلام مواصفات إمام الحَقِّ الذي يجب أنْ تكون قيادة الأُمَّة بيده:
أ - العامل بكتاب الله العزيز، والساعي لتطبيق أحكامه؛ لذا لا بُدَّ أنْ يكون مُستوعباً لكلِّ مفاهيم القرآن وأحكامه كما نزلت مِن قِبَل الله تعالى ليُمكِّنه العمل بها.
ب - السائر بالعدل في حُكمه البعيد عن الظلم والجور؛ لأنَّه يُمثِّل عدل الله التشريعي في الأرض.
ج - الدائن بالحَقِّ الجاعل الحَقَّ هدفه وغايته مِن كلِّ مُمارساته، فدينه هو الحَقُّ ولا تأخذه في الحَقِّ لومة لائم.
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص313.
د - الحابس نفسه على ذات الله؛ حيث لا يغفل عن الله في حالة مِن حالاته، ولعلَّ هذه إشارة إلى اشتراط العصمة في الإمام.
فهذه الصِّفات هي التي تؤكِّد عليها مدرسة أهل البيت في نظريَّة الإمامة وشروطها.
وقالعليهالسلام :
(أمَّا بعد، أيُّها الناس، فإنَّكم إنْ تتَّقوا الله وتعرفوا الحَقَّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل بيت محمد وأوْلى بولاية هذا الأمر عليكم مِن هؤلاء الـمُدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان)(1) .
فهنا يؤكِّد أبو الأحرار على حَقِّهم في قيادة الأُمَّة، وأنَّ الحاكمين للأُمَّة مِن بَني أُميَّة إنَّما هم غاصبون للحَقِّ الإلهيِّ المجعول لأهل البيتعليهمالسلام .
ثانياً: أراد أبو عبد اللهعليهالسلام بهذه التصريحات أنْ يُشخِّص للأُمَّة أساس الـمُشكلة والـمُعاناة التي تُعانيها في حياتها، سواء في جانبها الفكري أم الاقتصادي أم الأخلاقي أم الاجتماعي؛ فإنَّ عِلَّة ذلك وأساسه هو الانحراف والفساد السياسي؛ حيث كانت شؤون الأُمَّة بأيدي عناصر لا يحملون هموم الأُمَّة والإسلام، بلْ هُمْ يُخطِّطون للقضاء على روح الإسلام وإبعاده عن ساحة الحياة.
قالعليهالسلام :
(إنِّي لم أخرج أشراً ولا بَطِراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله، أُريد أنْ آمر بالمعروف
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص356.
وأنهى عن الـمُنكر، وأسير بسيرة جَدِّي وأبي علي بن أبي طالب، فمَن قَبِلَني بقَبول الحَقِّ فالله أوْلى بالحَقِّ، ومَن رَدَّ عليَّ هذا أصبر حتَّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين)(1) .
في هذا البيان أوضح أبو الأحرار خَطَّه الرئيسي في حركته الثوريَّة، وهو إصلاح أُمَّة جَدِّه، لا يُريد بذلك الاستكبار أو الفساد أو الظلم، ولعلَّه أراد بهذا التنبيه: أنَّ الأُمَّة أصبحت في حال تحتاج إلى إصلاح شامل؛ والسبب الرئيسي في ذلك هو تعطيل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن الـمُنكر، وانحسار مظاهر السيرة التي تكون امتداداً لسيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وأشارعليهالسلام أنَّهم - أهل البيت - هُمْ الذين تُمثِّل سيرتهم سيرة جَدِّهم الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله .
والجَدير بالـمُلاحظة - في هذا البيان - قولهعليهالسلام : (فمَن قَبِلَني بقبول الحَقِّ فالله أوْلى بالحَقِّ، ومَن رَدَّ عليَّ هذا أصبر حتَّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحَقِّ وهو خير الحاكمين)، حيث يُمكن أنْ تكون هذه إشارة منهعليهالسلام إلى أنَّه لن يستطيع أنْ يُغيِّر التغيير الفعلي العاجل، وأنَّه سوف يُرَدُّ ويُصَدُّ عن الوصول إلى ذلك، وتبقى المسؤوليَّة مسؤوليَّة الأُمَّة في مواصلة الطريق مِن أجل الإصلاح الشامل، فعلى هذا يكون هذا البيان جُزءاً مِن تشخيص أساس الـمُشكلة التي تُعانيها الأُمَّة.
وإذا ما أرادت الأُمَّة حَلَّ الـمُشكلة مِن جذورها ورفع مُعاناتها، فإنَّ الطريق إلى ذلك هو حَلُّ الـمُشكلة السياسيَّة، بأنْ يكون حكم المسلمين بيد قادتهم الحقيقيِّين، الذين لا هَمَّ لهم إلاَّ الحِفاظ على الرسالة، والحِفاظ على وجود الأُمَّة وعِزَّتها؛ لأنَّهم هُمْ الذين يُمثِّلون الامتداد الطبيعي لصاحب الرسالة، وهُمْ أهل بيتهعليهمالسلام .
____________________
(1) تقدَّمت مصادره في: ص18 هامش 1، وفي: ص36 هامش 1.
فهوعليهالسلام إنَّما أراد تشخيص الـمُشكلة وطرح حَلِّها، مِن خِلال هذه التصريحات التي يتحدَّث فيها عن شؤون الحُكم والقيادة، مِن خلال ما تقدَّم نُخلِّص إلى أنَّ الإمام الحسينعليهالسلام قد حقَّق كلَّ ما يُريد الوصول إليه وأنجز الهدف الذي مِن أجله قام بهذه الثورة الـمُقدَّسة، وهو بَعْثُ روح الجهاد والتضحية في أُمَّة جَدِّه؛ مِن أجل الحِفاظ على الرسالة وبقائها وعِزَّة الأُمَّة وكرامتها، ومِن أجل تأصيل الخَطِّ الذي يُمثِّل منهج أهل البيتعليهمالسلام في تجسيدهم لرسالة الإسلام.
* * *
يومان قد شَهِد الزمان عجائباً |
لك فيهما آياتُ مجدِك تشرِق |
|
يوم وِلدت به ويوم سجَّلت |
فيه الملاحم إذ دماؤك تُهرَق |
|
قد أنقذتْ تلك الدماء رسالة |
كادت صحائف شرعها تتمزَّق |
|
وتجدَّدت روح الجهاد لأُمَّة |
لولاك عاد الروح فيها يُخنق |
|
علَّمتها أنَّ الـمَمات سعادة |
في ظِلِّ دائرة الجهاد وأشوق |
|
ساموك أنْ تَرِد الهوان فقلتها |
هيهات والعضب الـمُصمَّم يَبرق |
|
وإلى القيام صَليل سيفك لم تزل |
أصداؤه ولواء حَمْدك يَخفق |
|
ورفعت صوتاً كلَّما رام العِدى |
إسكاته في جنب مَجدك أخفقوا |
|
أخرستَ ألسنة الضَّلال بمَنطق |
الأحرار مَهْما في الضلالة أغرقوا(1) |
____________________
(1) مِن قصيدة للمؤلِّف، بمُناسبة مولد الحسينعليهالسلام .
ب - بين الحسين عليهالسلام ويزيد
البحث في هذا المجال يدور حول عدة نقاط وهي كالتالي:
1 - الخلفيَّة التاريخيَّة للأُسرتين: بني هاشم، وبني أُميَّة
مِن لوازم هذه الـمُقارنة بين شخصيَّة الحسينعليهالسلام وشخصيَّة يزيد بن معاوية أنْ نأخذ فِكرة - ولو موجزة - عن الخلفيَّة التاريخيَّة لكلٍّ مِن الأُسرتين، وما بينهما مِن الـمُنافسة التاريخيَّة فيما قبل الإسلام، وإذا ما رجعنا إلى تلك الفترة مِن التاريخ، نَجِد الأُسرة الهاشميَّة قد تميَّزت بخصائصها التي اشتهرت بها في الـمُجتمع الـمَكِّي، بلْ الـمُجتمع العربي، وذلك ما جعلها تحتلُّ مَكانة مرموقة مِن بين سائر القبائل الأُخرى، مِمَّا يدعو إلى احترامها، وأنْ تحتل موقع السيادة والقيادة الدينيَّة والاجتماعيَّة.
هذه الـمُميِّزات الذاتيَّة التي دَعَت بعض القبائل إلى مُنافسة الأُسرة الهاشميَّة، وأنْ تقف منها موقف الضِّديَّة والـمُنافسة الغير الشريفة، واضح مِمَّا يذكره المؤرِّخون مِن عَلاقة بني هاشم مع أُسرة بني أُميَّة.
وإنَّ مِن دواعي هذه الـمُنافسة الشديدة دافع الحَسَد، فإنَّ (مِن لوازم النعمة الكاملة، وبالأخصِّ الشرف العظيم والـمُلك الجسيم، حصول الحَسد والبغي مِن العاجزين مِن نيل تلك المرتبة السامية، والساقطين عن درجة الاعتبار بالنسبة إلى ذلك المحسود، وإن كانوا بالإضافة إلى مَن عَدْاه أنبل عند أنفسهم، وفيما يختلج في أذهانهم.
وأكثر ما يقع حَسد النعمة وتمنِّي زوالها مِمَّن يدَّعي أنَّه شريك في النسب وقريب في الـمُنتمى، فلا تصدر الـمُنافسة غالباً إلاَّ مِن ذوي الرَحم والوشيجة القريبة؛ وسبب ذلك عجزهم عن مُكافاة المحسود وإعياؤهم عن اللحوق به، وكلُّ مَن عَجز عن تحصيل مَكرمة كانت في غيره وضعف عن مُقاومته والتشفِّي منه، داخله الغيظ والحسد عليه وسعى حَثيثاً جاهداً فيما يسوؤه)(1) .
وأقوى ما كان مِن هذه الحسَّاسيَّة ما حصل بين بني هاشم وبني أُميَّة، وتاريخ الأُسرتين مليءٌ بالشواهد على ذلك بِدْءَاً مِن هاشم وأُميَّة.
واستمرَّت تلك الـمُنافسة بين الأُسرتين، حتَّى تُوجَّهت الأُسرة الهاشميَّة بالشرف الذي لا يُجارى، والمجد الذي لا يُدانى، وذلك ببعثة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بالرسالة، حيث اختاره الله مِن الأُسرة الهاشميَّة، وبدأ الصراع بين الإسلام والوثنيَّة؛ فكان في مُقدِّمة مَن تزعَّم مُحاربة الإسلام عميد الأُسرة الأُمويَّة أبو سفيان بن حرب.
وتتابعت الانتصارات للدعوة الإسلاميَّة، بقيادة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله حتَّى وَجَد أبو سفيان نفسه مُضطَّراً إلى التظاهر بكلمة التوحيد، عندما وجد الإسلام يخطو الخُطوات السريعة نحو القوَّة والانتشار.
وكان أبو سفيان يُفسِّر دعوة الرسول بأنَّها: حركة مِن أجل الـمُلك والسُّلطان، وهذا ما طفح على لسانه يوم فتح مَكَّة عندما رأى جيش المسلمين بقيادة الرسولصلىاللهعليهوآله يدخل مَكَّة الـمُكرَّمة فاتحاً، وهالته تلك القوَّة التي وصل إليها الإسلام، وكان واقفاً إلى جانب العبَّاس بن عبد الـمُطَّلب، الذي قد أجاره ذلك اليوم يستعرضان كتائب الجيش الإسلامي في دخوله مَكَّة الـمُكرَّمة، هذا بعد ما قال الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله : (ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أنْ تعلم أنْ لا إله إلاَّ الله؟).
قال: بلى، أنت ما أحلمك وأكرمك وأعظم
____________________
(1) بطل العَلْقمي: ج1: ص59.
عفوك، قد كان يقع في نفسي أنْ لو كان مع الله إله آخر لأغنى.
فقالصلىاللهعليهوآله : (يا أبا سفيان، أما آن لك أنْ تعلم أنِّي رسول الله).
قال: بأبي أنت وأُمِّي، ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك، أمَّا هذه، فو الله، إنَّ في النفس منها لشيئاً بَعدُ.
قال العباس: فقلت: ويحَك! تشهَّد وقل: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله قبل أنْ تقتل، فتشهَّد(1) .
وأمر الرسول عمَّه العباس، أنْ يقف بأبي سفيان بمضيق الوادي؛ ليمرَّ أمام عينيه قطاعات الجيش الإسلامي؛ فهزَّ ذلك المشهد نفس أبي سفيان، والتفت إلى العباس قائلاً: لقد أصبح مُلك ابن أخيك - يا عباس - عظيماً، قال: فقلت: ويحَك! إنَّه ليس بمُلك، وإنَّها النبوّة.
قال: نعم.
فأبو سفيان لم يُسلِم نتيجة قناعة بصحَّة الرسالة، وإنَّما القوَّة ألجأته إلى ذلك.
وبدأ هو وأُسرته يُفكِّرون ويُخطِّطون لإيجاد الفُرصة؛ مِن أجل الوصول إلى مواقع قياديَّة؛ ومِن ثمَّ يتوصَّلون إلى كرسيِّ الحُكم، وقد ساعدتهم أحداث ما بعد وفاة الرسول للوصول إلى أهدافهم، وذلك بوصول مُعاوية إلى موقعٍ قياديٍّ؛ حيث أصبح والياً على الشام مِن قِبَل الخليفة الثاني والثالث، وفُتِح الطريق أمام مُعاوية بقتل عثمان، فوقف في وجه أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب؛ ليعود الصراع بين الأُسرتين مُتمثِّلتين في عليٍّ ومُعاوية بأُسلوب آخر، وتحت شعار لا يختلف في جوهره عن الشعار الذي كان في ظِلِّ الصِّراع الأوَّل في عهد الرسالة، فإنَّ الأُسرتين لا زالتا تختلفان في الـمُقوِّمات الذاتيَّة، والأهداف التي تدفع كلَّاً منهما لـمُقاومة الأُخرى في الصراع على قيادة الأُمَّة.
ومِن خلال الـمُراسلات التي كانت بين عليِّعليهالسلام ومُعاوية، يُحاول مُعاوية أنْ يرجع إلى الخلفيَّة التاريخيَّة إلى ما قبل الإسلام مُدَّعياً: أنَّ الأُسرتين كانتا على قدم الـمُساواة
____________________
(1) شرح نهج البلاغة للحديدي، الـمُجلَّد الرابع: ص208، ط مصر.
ليقول: إنَّ بني هاشم ليسوا بأَوْلى مِن بني أُميَّة بقيادة الأُمَّة، مُلْغياً كلَّ ما طرحه الإسلام مِن قِيَم جديدة، مِن خلالها يعرف المقياس لتشخيص القيادة في نظر الإسلام، فيردُّ عليه أمير المؤمنينعليهالسلام بما يبطل دعواه، ويوضِّح الفوارق الذاتيَّة والأساسيَّة بين الأُسرتين، وبأنَّ كلَّاً منهما يحمل نوعاً خاصَّاً مِن القِيم والأهداف يتناقض مع نوع القِيم التي تحملها الأُخرى.
قالعليهالسلام في جواب على كتابة لـمُعاوية: (وأمَّا قولك: إنَّا بنو عبد مُناف، فكذلك نحن، ولكنْ ليس أُميَّة كهاشم، ولا حرب كعبد الـمُطَّلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا الـمُهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا الـمُحقّ كالـمُبطل والمؤمن كالـمُدغل، وبِئْسَ الخلفُ خَلفٌ يَتْبَع سَلَفاً هو في نار جهنَّم)(1) .
فنجد أمير المؤمنينعليهالسلام يُقارن بين أعيان الأُسرتين، ويوضِّح أهمَّ الصفات التي يختلف فيها الهاشميُّون عن الأُمويِّين، ويُعرِّض بالأُمويِّين بأنَّهم لم يكونوا يحملون قناعة بصحَّة الرسالة وبعثة النبيصلىاللهعليهوآله ، بل كانوا مُضطرِّين لإعلان الإسلام.
ولـمَّا تهيَّأت الظروف لـمُعاوية للوصول إلى السُّلطة الـمُطلقة على المسلمين، بدأ يُفكِّر في مصير تلك السلطة مِن بعده؛ فاشتغل مِن أجل أنْ يجعلها لابنه يزيد؛ وأنْ يحصرها في البيت الأُمويّ.
وهكذا تنتقل تلك الموروثات التاريخيَّة مِن الصراع بين الأُسرتين، لتنحصر بين الحسينعليهالسلام ويزيد بن مُعاوية، فإنَّ الإمام الحسينعليهالسلام قد وَرِث تلك العناصر الذاتيَّة العريقة للأُسرة الهاشميَّة، بالإضافة إلى كونه مِن العِترة التي اصطفاها الله، فجمع فيه عناصر الكمال التي تُميِّزها على مَن سواها مِن الناس.
____________________
(1) نهج البلاغة كتاب رقم 17: ص537.
وقد أشار سيِّد الشهداء إلى هذه الخصائص، التي اجتمعت لأهل هذا البيتعليهمالسلام ، فقال:
(ألاْ وإنَّ الدعيَّ ابن الدعيِّ قد ركز بين اثنتين: بين السِّلَّة، والذِّلَّة وهيهات مِن الذِّلَّة، يأبى لنا الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وطهُرت، وأُنوف حَميَّة ونفوس أبيَّة مِن أنْ نؤثر طاعة اللئام على مَصارع الكرام)(1) .
ولا يعني هذا الكلام أنَّ الحسينعليهالسلام إنَّما ثار وقاتل بدافع العصبيَّة والروح القبليَّة، كما يحلو لبعض التفسيرات الـمُغرضة أنْ تُفسِّر الثورة الحسينيَّة؛ لأنَّ بواعثها واضحة كلَّ الوضوح مِن خلال تصريحات الثائر العظيم ومواقفه، وليس فيها ما يُشير إلى عصبيَّة، بلْ كلُّ شعاراته رساليَّة إنسانيَّة.
قال في بيانه الأوَّل:
(إنِّي لم أخرج أشراً ولا بَطِراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جَدِّي رسول الله، أُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن الـمُنكر)(2) .
في هذا البيان وضَّح أبو الأحرار هدفه الـمُقدَّس، وهو هدف رساليٌّ لا هدف عشائريٌّ، كيف لا وأبو الأحرار هو حامل مبادئ الإسلام السماويَّة، التي جاءت تُحارب أيَّ نوعٍ مِن أنواع العصبيَّة، مِن قوميَّة أو قبليَّة أو غير ذلك.
____________________
(1) اللهوف: ص58، والبحار: ج45: ص9، والعوالم (الإمام الحسين) ص252.
(2) تقدَّمت مصادره في: ص18: هامش 1، وفي ص36 هامش 1.
ولو كانت بواعث الثورة عشائريَّة لكان مِن المفترض أنْ ينهض الإمام بعشيرته - الهاشميِّين - وفي موطن عشيرته؛ فإنَّ مِن المعلوم أنَّ موطن بني هاشم في الحِجاز لا في العراق، ولا معنى لدعوته للأبعدين ليضحُّوا بأرواحهم في سبيل أمجاد قبيلته، ولو عرفتْ تلك الثُّلَّة التي كانت مع الحسينعليهالسلام بأنَّ أهدافه أهداف عشائريَّة لَمَا وقفوا معه ولَمَا عرَّضوا أنفسهم للهَلاك، ولكنَّهم فهموا الثورة وأهدافها بفَهمٍ آخر؛ لذلك نرى هذه الثورة قد جمعت بين مُختلف العناصر والطبقات والقبائل، وكان الأجانب يُمثِّلون الأغلبيَّة مِمَّن كانوا حول أبي الأحرار، وما أروع تعبير الإمام عن تلك الجماعة حينما قالعليهالسلام :
(ألاْ وإنِّي زاحف بهذه الأُسرة على قِلَّة العَدَد وخِذلان الناصر)(1) .
نعم، في أُسرة لم تجمعها آصرة النسب، بلْ جمعتها رابطة الإيمان ووحدة الموقف والهدف الـمُقدَّس، هذه الأُسرة التي جمعت بين أبي الفضل العباس وعليِّ الأكبر مِن بني هاشم، وبين حبيب بن مُظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة، وبين غلام حبيب وجون مولى أبي ذَرْ والحُرّ الرياحي، فما أعظمها مِن أُسرة لم ترَ عين الدهر مَثيلاً لها!
وإذا ما أشار أبو الأحرار في بياناته إلى أسلافه، لا يعني هذا أنَّ مَنطقه مَنطق قِبَلي، وشعاره شعار عشائريِّ، وإنَّما هذه الإشارات يُريد منها التأكيد على أنَّه هو وأهل بيته، هُمْ الذين يُمثِّلون الامتداد الطبيعي لصاحب الرسالة.
2 - عامل النشأة والتربية في شخصيَّة الإمام الحسين عليهالسلام .
مِن أوضح الأُمور لدى خُبراء التربية، أنَّ الجوَّ التربوي الذي يعيشه الإنسان في
____________________
(1) تقدَّمت المصادر في: ص117 هامش 1.
طفولته له بالغ الأثر في بناء شخصيَّته مِن الناحية الفكريَّة والسلوكيَّة، وأنَّ ما يسمعه ويتلقَّاه مِن الأبوين أو الـمُربِّي في تلك الفترة سيترك آثاره عليه في مُستقبَل عمره.
وإذا درسنا حياة الإمام الحسينعليهالسلام وحياة يزيد بن مُعاوية، فإنَّا نجد الفَرْق شاسعاً بين الأجواء التي عاش الإمام في رحابها، وبين التربية التي تربَّاها يزيد بن مُعاوية.
لقد عاش الإمام الحسينعليهالسلام هو وأخوه الإمام الحسنعليهالسلام طفولة فريدة مِن نوعها؛ حيث توفَّر فيها مِن المقوُّمات الخاصَّة، والعوامل التربويَّة التي تُميِّز هذه الطفولة عن أيِّ طفولة عاشها مُعاصروهم، ويتَّضح ذلك مِن خلال دور الرسول الأعظم في حياة الحسنين وعلاقته بهما.
لقد تربَّى الحسنان في ظِلِّ تلك الأجواء الـمُقدَّسة التي كان الوحي يَظلُّلها، ويحوطها الرسول الأعظم بالحُبِّ العميق والعاطفة الـمُتأجِّجة.
ومِمَّا يُلفِت نظر القارئ لعلاقة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله بالحسنينعليهماالسلام بلْ بأولاد فاطمةعليهمالسلام أنْ يرى جميع أُمورهم وشؤون حياتهم راجعة إلى الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ؛ فمنذ ولادة أحدهم تبرز اهتمامات الرسول بهم، لا سِيَّما الحسنينعليهماالسلام إلى الحَدِّ الذي يُثير التساؤلات، لماذا هذا الاهتمام الكبير مِن صاحب الرسالة؟
إنَّ تلك السُنَّيات السبع التي عاشها الإمام الحسينعليهالسلام في رحاب جَدِّه الرسول، والجَدُّ يُغذِّيه بفيض روحه الـمُقدَّسة مِن الحُبِّ الذي لا نظير له، تلك السُنَّيات كانت هي القاعدة التربويَّة، التي بُنيت عليها شخصيَّة هذا الإمام العظيم.
وهناك التصريحات والـمُمارسات الكثيرة مِن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله التي حفلت بها المصادر، والتي كان الرسولصلىاللهعليهوآله يجمع فيما بين الحسين مَرَّة، ومَرَّة أُخرى يُفرد الإمام الحسينعليهالسلام ، والتي تُصوِّر تلك الأجواء التربويَّة التي عاشها الحسنانعليهماالسلام في رِحاب جَدِّهما الرسولصلىاللهعليهوآله تُعرِب عن تلك العَلاقة بين الجَدِّ العظيم وسبطيه الكريمين، تلك
التصريحات والـمُمارَسات، التي ليس مِن اللائق بصاحب الرسالة أنْ تُفسَّر تفسيراً عاديَّاً، كأيِّ علاقة بين الجَدِّ وأحفاده(1) .
وإليك مثالاً واحداً مِمَّا يتعلَّق بالحسينعليهالسلام : فقد روى ابن قولويه وغيره بسندهم، عن يعلى العامري: أنّه خرج مِن عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى طعام دُعي إليه، فإذا هو بحسينعليهالسلام يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبيصلىاللهعليهوآله أمام القوم، ثمَّ بسط يديه فطفر الصبي هاهنا مَرَّة وهاهنا مَرَّة، وجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يُضاحكه حتَّى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذِقنه والأُخرى تحت قَفاه، ووضع فاه على فيه وقبَّله، ثمَّ قال: (حسين مِنِّي وأنا مِن حسين، أحبَّ الله مَن أحبَّ حسيناً، حسين سِبط مِن الأسباط)(2) .
هذا حديث اتَّفقت الأُمَّة الإسلاميَّة على روايته، فقد روى هذه الحادثة البخاري في(الأدب الـمُفرد) و(التاريخ الكبير) والحاكم في(مُستدركه) ، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد). وأخرجه أيضاً ابن ماجة في(سُننه) .
ولا أحسب أنَّ هناك كلمة أروع مِن هذه الكلمة - أعني: (حسين مِنِّي وأنا مِن حسين) - تُعبِّر عن عَلاقة الإمام بجَدِّه وعَلاقة جَدِّه به؛ لذا فهي تستدعي الوقوف عندها لاستجلاء ما يُريده الرسول مِن هذه الكلمة.
(فأمَّا أنَّ الحسين مِن الرسول فأمر واضح واقع، فهو سِبطه ابن بنته، ولدته الزهراء وحيدة الرسول مِن زوجها عليِّ ابن عمِّ الرسول، ومع وضوح هذه المعلوم، فلماذا يُعلنها الرسول؟ وماذا يُريد أنْ يُعلن بها؟ هل هذا تأكيد منهصلىاللهعليهوآله على أنَّ عليَّاً والد
____________________
(1) راجع في المقام: فضائل الخمسة في الصحاح السِّتَّة: ج3 ص168 - 229، وص257 - 323.
(2) كامل الزيارات لابن قولويه: ص117: حديث 127، ومُستدرك الصحيحين للحاكم: ج3: ص194 حديث 4819 باب أوَّل فضائل أبي عبد الله الحسين بن علي الشهيد، وفي طبع آخر: ج3: ص177، وسُنن ابن ماجة: ج1: ص51: حديث 144، وصحَّحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1227). وأمَّا حديث: (حسين مِنِّي وأنا مِن حسين) فقد رواه أعلام الحديث مِن الطرفين، كالترمذي في سُننه: ج5: ص617: حديث 3775.
الحسينعليهماالسلام هو نفس الرسول؟ تلك الحقيقة التي أعلنتها آية الـمُباهلة... أو أنَّ الرسول يُريد أنْ يُمهِّد بهذه الجُملة (حسين مِنّي) لما يَليها مِن قوله: (وأنا مِن حسين)؟ تلك الجملة الـمُثيرة للتساؤل، كيف يكون الرسول مِن الحسينعليهالسلام ؟
والجواب: أنَّ الرسول لم يعد بعد الرسالة شخصاً، بلْ أصبح مِثالاً ورمزاً وأُنموذجاً تتمثَّل فيه الرسالة بكلِّ أبعادها وأمجادها، فحياته هي رسالته ورسالته هي حياته، ومِن الواضح أنَّ أيَّ والد إنَّما يسعى في الحياة ليكون له ولد، كي يَخلفه ويُحافظ على وجوده ليكون استمراراً له، فهو يُدافع عنه حتَّى الموت ويحرص على سلامته وراحته؛ لأنَّه يعتبره وجوداً آخر لنفسه.
إذا كانت هذه رابطة الوالد والولد في الحياة المادِّيَّة، فإنَّ الحسينعليهالسلام قد سعى مِن أجل حياة الرسالة المحمديَّة بأكبر مِن ذلك، وأعطاها أكثر مِمَّا يُعطي والد لولده، بلْ قدَّم الحسينعليهالسلام في سبيل الحِفاظ على الرسالة كلَّ ما يملِك مِن غالٍ حتَّى فلذات أكباده، أولاده الصغار والكبار، وروى جُذورها بدمه ودمائهم، فقد قدَّم الحسينعليهالسلام للرسالة أكثر مِمَّا يقدِّم الوالد لولده. فهي - إذنْ - أعزُّ مِن وِلْده، فلاغروا أنْ تكون منه...
فالرسالة المحمديَّة التي مثَّلت وجود الرسول، كانت في العصر الذي كادت الأيدي الأُمويَّة الأثيمة أنْ تقضي على وجودها، فقد عادت مِن الحسين؛ ولذلك قالصلىاللهعليهوآله : (... وأنا مِن حسين)(1) .
ومِن الطبيعي أنْ يُحبَّ الوالد ولده، أمَّا أنْ يربط حَبَّ ذلك الولد بحُبِّ الله تعالى، فهذا يعني أمراً خطيراً، ويُشير إلى أنَّ هذا الولد له شأن خاصٌّ عند الله تعالى، ونحن نعلم أنَّ حُبَّ الله تعالى يُمثِّل روح الرسالة، ونتيجة طبيعيَّة لتطبيق المسلم لقوانين الرسالة الإلهيَّة، وهذا نفهمه مِن قوله تعالى:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ
____________________
(1) الحسين سِماته وسيرته: ص41 - 42.
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (1) ، فقد علَّقت الآية حُبَّ الله لعبده على اتِّباعه للرسول في رسالته، فإذا قال الرسولصلىاللهعليهوآله : (أحبَّ الله مَن أحبَّ حسيناً)، فإنَّ ذلك يعني أنَّ حُبَّ الحسين جزء مِن الرسالة الإلهيَّة، بلْ حُبُّه مع سائر أهل البيت هو روح الرسالة، وإلاَّ فماذا يعني قول النبيصلىاللهعليهوآله : (مَن مات على حُبِّ آل محمد مات شهيداً، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد مات تائباً، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد مات مؤمناً مُستكمل الإيمان، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد بشَّره مَلك الموت بالجَنَّة ثمَّ مَنكر ونكير، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد يُزفُّ إلى الجَنَّة كما تُزفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد فُتح في قبره بابان إلى الجَنَّة، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد جُعل قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومَن مات على حُبِّ آل محمد مات على السُّنَّة والجماعة، ألا ومَن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس مِن رحمة الله)(2) .
يا تُرى، كيف تكون لهذا الحُبِّ هذه الآثار، ما لم يكن هو روح الإسلام وجوهر الإيمان، ليكون قائداً للإنسان المسلم إلى طاعة الله والالتزام برسالته، وحُبُّ الحسينعليهالسلام شَطر مِن هذا الحُبِّ؟ فلاغَرْوَ أنْ يكون حُبُّه سبباً لحُبِّ الله تعالى.
وأمَّا وصف الرسول للحسينعليهالسلام بقوله: (حسين سِبط مِن الأسباط) فقد أراد به أنَّه أُمَّة مِن الأُمم، قائم بذاته ومُستقلٌّ بنفسه، فهو أُمَّة مِن الأُمم في الخير، وأُمَّة مِن الشرف في جميع الأجيال والآباد(3) .
____________________
(1) آل عمران: 31.
(2) الـمُراجعات ص49 - 51، تحقيق فضيلة الشيخ حسين الراضي.
(3) حياة الإمام الحسين: ج1: ص95.
هذه هي النتيجة الطبيعيَّة والمعقولة لتلك التربية الرَّبَّانيَّة، التي عاشها سيِّد الشهداء في ظِلِّ تلك الأجواء الملائكيَّة، وهذا هو التفسير الـمُناسب لذلك الاهتمام الـمُنقطع النظير مِن ذلك الجَدِّ الأقدس بسبطه وقُرَّة عينه.
وقد أثار أبو عبد الله هذه المسألة في بعض بيانات ثورته الـمُقدَّسة، فأشار إلى علاقته بجَدِّه الرسول وبعض أقوال النبيصلىاللهعليهوآله في حَقِّه وحَقِّ أخيه وأهل بيتهعليهمالسلام حينما قال:
(أيُّها الناس، انسبوني مَن أنا ثمَّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هلْ يَحلُّ لكم قَتلي وانتهاك حُرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم وابن وصيِّه وابن عَمِّه، وأوَّل المؤمنين بالله والـمُصدِّق لرسوله بما جاء مِن عند رَبِّه؟ أوَليس جعفر الطيَّار عَمِّي؟ أوَلم يبلغكم قول رسول الله فيَّ ولأخي: (هذان سيِّدا شباب أهل الجَنَّة)؟ فإنْ صدَّقتموني بما أقول وهو الحَقُّ، والله ما تعمَّدت الكَذب منذ علمت أنَّ الله يمقت عليه أهله ويُضرُّ به مَن اختلقه، وإنْ كذَّبتموني فإنَّ فيكم مَن إذا سألتموه أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخِدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنَّهم سمعوا هذه المقالة مِن رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سَفْك دَمْي)(1) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص185.
فجر الإمامة مِن جبينك يشرق |
نوراً ومَهدك بالقَداسة ينطق |
|
في يوم مولدك الأغرِّ ترادفت |
زمر الملائك حول مهدك تحدِق |
|
وبنفحةٍ مِن قُدس مَهدك فُرِّجتْ |
كُرَبٌ ليونس كاد فيها يغرق |
|
ما كان مَهدك غير قلب محمد |
في كلِّ آنٍ بالحنان تطوق |
|
بوركت مولوداً على قسماته |
إشراقة بعبير أحمد تَعبق |
|
ورضعت مِن ثدي القداسة والتُّقى |
يسقيك مِن روح الجلال فيُغدق |
|
ونشأت في حِجر الطهارة والهُدى |
والحَقُّ دوماً في ضميرك مُشرق |
|
ودرجت في بيت تُظلِّله السما |
بالوحي حيث فناؤه يتألَّق(1) |
* * *
3 - الحسين في رِحاب القرآن
في النقطة السابقة استوحينا بعض تصريحات الرسول الأعظم في حَقِّ سِبطه الحسين، وما هي دلالات ذلك، وأمَّا في هذه النقطة فنستوحي القرآن الكريم في حديثه عن الحسينعليهالسلام ، فإنَّه ربيب الوحي وقَرين القرآن، نستوحي ذلك مِن خلال وقفات قصيرة أمام نموذجين قرآنيَّين، مِن الآيات التي تتحدَّث عن أهل البيتعليهمالسلام .
الآية الأُولى: قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .
تُمثِّل هذه الآية الكريمة الوسام الإلهي، الذي منحه الباري تعالى لأهل هذا البيت بإذهابه الرجس عنهم، وقد جاءت لفظة:( الرِّجْسَ ) هنا مُحلاَّة بالألف واللام؛ لتنفي
____________________
(1) مِن قصيدة للمؤلِّف في مولد الإمام الحسينعليهالسلام .
(2) الأحزاب: 32.
مُطلق الرجس وهو كلُّ قذرٍ نَجَس، فإنَّ الله تعالى قد أذهب عن أهل البيت القذارة الفكريَّة، والقذارة القلبيَّة والقذارة الأخلاقيَّة والروحيَّة.
وما ورد في بعض الأحيان مِن تفسير (الرِّجْسَ) بالذَّبِّ، أو الإشراك، أو البُخل، أو الحسد، أو الاعتقاد الباطل وأمثال ذلك، فإنَّه في الحقيقة بيان لمصاديقه، وإلاّ فإنَّ مفهوم هذه الكلمة عامٌّ وشامل لكلِّ أنواع الحماقات بحُكم الألف واللام التي وردت هنا، والتي تُسمَّى بألف ولام الجنس(1) .
إنَّ (الرجس داء يُصيب الروح وينال مِن سلامتها، فالخمر والـمَيِسر كانا رِجساً لأنَّهما يسلُبان العقل ويملآن فراغه في الصدر بُغضاً وعداوة، فهما يُضيِّقان الخِناق على البعد الملكوتي في النفس الإنسانيَّة ويصدَّانها عن السموِّ والتكامل.
فالصدور الكَدِرَة الـمُتمثِّلة بالرذائل مُبتلاة بالرجس، ومثل هذه الصدور تفتقد الأرضيَّة لتلقِّي الفضائل واستقبال المحاسن، وتتقاعس عن السعي في طريق الكمال والأخذ بأسباب النجاة، وتجدها تقضي حياتها أسيرة في حبائل الشهوات مُتردِّية في مُستنقعات الحِقد والحَسد، وهذا التلوُّث بالرجس هو الذي يقود البشريَّة إلى الدمار، ويسوقها نحو مصيرٍ مؤسف ومُستقبَل مُظلمٍ.
وعلى أيَّة حال فإنَّ جميع الأمراض الروحيَّة والآفات الأخلاقية، التي تخفت أُوار الحَقِّ وبريق إشعاعه في ضمير الإنسان، وتُكدِّر صفاء الروح وتنال مِن عظمة النفس، وتقضي على الخير المودع فيها، والذي يتجلَّى في صور التسليم للحَقِّ والإذعان للحقيقة بعد السعي لها وللقيم المعنويَّة العالية(2) .
كلُّ ذلك رجس وكلُّ ذلك قد أذهبه الله تعالى عن أهل البيتعليهمالسلام ، ولا شكَّ أنَّ هذا الوسام الذي لا يُدانيه وسام لم يُعطَ لأهل البيت اعتباطاً وجُزافاً مِن دون أنْ يكون
____________________
(1) آية التطهير رؤية مُبتكَرة: ص116.
(2) آية التطهير رؤية مُبتكَرة: ص116.
لديهم الاستعداد الذاتي لتقبُّل هذا الفيض الإلهي؛ لأنَّ الفيوضات الرَّبَّانيَّة إنَّما تصل إلى كلِّ مخلوقٍ بقدر قابليَّته واستعداده، كما ضرب القرآن الكريم مثالاً لذلك بقوله تعالى:( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) (1) .
حيث علم الله تعالى منهم - سابقاً - أنَّهم سوف يعملون بأمره، ويجتهدون في طاعته، ويسعون لتحقيق رضاه ويُسلِّمون له بالتسليم الـمُطلَق، وذلك بمحض إرادتهم واختيارهم، فمنحهم هذا الوسام الرفيع؛ فأذهب عنهم كلَّ ما يحول بينهم وبينه؛ لعلمه بأنَّهم يُريدون ذلك فأراده لهم، وهذه العصمة المانعة مِن كلِّ ذنبٍ.
والسؤال هنا: ماذا يُراد مِن هذا التأكيد القرآني على تطهير هؤلاء؟ فهل يعني ذلك مُجرَّد البيان فقط أنَّ هؤلاء يتمتَّعون بهذا المقام، مِن غير أنْ يكون وراء ذلك البيان أيُّ غرضٍ آخر وهدفٍ عمليٍّ؟
وهذا ما لا يجوز أنْ ننسبه إلى كتاب الله العزيز، الذي جاء ليفتح باب الهداية الرَّبَّانيَّة للإنسان، ويدلَّه على الطريق السويِّ والصراط الـمُستقيم، لكي لا يبقى يتخبَّط في متاهات الطريق.
فالـمُراد هنا الكشف عن الأشخاص الذين يملكون كلَّ مُقوُّمات الهداية؛ ليستطيع كلُّ مَن أراد السير نحو الله أنْ يأخذ بحُجْزتهم ويهتدي بهُداهم، وقد (أجمع الـمُفسِّرون وثقات الرُّواة أنَّ أهل البيت هُمْ الخمسة أصحاب الكساء، وهُمْ سيِّد الكائنات الرسول وصِنوه الجاري مجرى النفس أمير المؤمنين، وبِضعته الطاهرة عَديلة مريم بنت عمران سيِّدة النساء فاطمة الزهراء، التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وريحانتاه مِن الدنيا سِبطاه الشهيدان الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجَنَّة، ولم يشاركهم أحد مِن الصحابة وغيرهم في هذه الآية)(2) .
____________________
(1) الرعد: 17.
(2) حياة الإمام الحسين: ج1: ص58.
وأمَّا دعوى شمول الآية لنساء النبيصلىاللهعليهوآله ، فقد ناقشها العلماء في العديد مِن البحوث في كُتب التفسير أو كتب خاصَّة أُلفت في هذا المجال.
ويبقى أبو عبد الله الحسينعليهالسلام آخر مَن بقي مِن الخمسة، فهو وارث لمقاماتهم وأدوارهم في حياة الأمَّة وهي القيادة الفكريَّة والسياسيَّة.
الآية الثانية: قوله تعالى:( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .
هذه الآية تُعرَف بآية الـمُباهلة، جاءت تحمل منطق التحدِّي الصارم للطرف الـمُقابل، وهو وفد نصارى نجران، وجاء هذا التحدِّي بعد فَشل أُسلوب الحوار العلمي فيما يتعلَّق بشأن النبي عيسىعليهالسلام .
في (تفسير القُمِّي) عن الصادق: (إنَّ نصارى نجران لـمَّا وفدوا على رسول الله، وكان سيِّدهم الأهتم والعاقب والسيِّد، وحضرت صلاتهم فأقبلوا يضربون الناقوس وصلُّوا، فقال أصحاب رسول الله: يا رسول الله، هذا في مسجدك، فقال: دعوهم، فلـمَّا فرغوا دنوا مِن رسول الله فقالوا: إلى ما تدعو؟ فقال: إلى شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله، وأنَّ عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويُحدِث، قالوا: فمَن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله، فقال: قُلْ لهم: ما تقولون في آدم أكان مَخلوقاً يأكل ويشرب ويُحدِث وينكح؟ فسألهم النبي، قالوا: نعم، قال فمَن أبوه؟ فبُهِتوا، فأنزل الله:( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ... ) (2) الآية، وقوله:( فَمَنْ
____________________
(1) آل عمران: 61.
(2) آل عمران: 59.
حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .
فقال رسول الله: فباهلوني، فإنْ كنتُ صادقاً أُنزِلت اللعنة عليكم، وإنْ كنت كاذباً أُنزِلت عليَّ، فقالوا: أنصفت، فتواعدوا للـمُباهلة، فلـمَّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم - السيِّد والعاقب والأهتم -: إنْ باهَلَنا بقومه باهَلَناه فإنَّه ليس نبيَّاً، وإنْ باهَلَنا بأهل بيته خاصَّة لم نُباهله؛ فإنَّه لا يقدم إلى أهل بيته إلاَّ وهو صادق. فلـمَّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، فقال النصارى: مَن هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمِّه ووصيُّه وخَتنه عليُّ بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففَرَقُوا - أيْ خافوا - فقالوا لرسول الله: نُعطيك الرضا فأعفنا مِن الـمُباهلة، فصالحهم رسول الله على الجِزية وانصرفوا)(2) .
هذه هي قِصَّة الـمُباهلة، والسبب في نزول الآية بعدما رفض النصارى نتيجة الحوار في كون عيسى بن مريمعليهالسلام مِن البشر، وأصرُّوا على مقالتهم فيه وأنَّه هو ابن الله، تعالى عن ذلك، حوَّل القَرن الموقف إلى تحدِّي بإرجاع الأمر إلى الغيب، وأنَّ الله تعالى هو الذي يُحدِّد الـمُحقَّ مِن الـمُبطل عن طريق إهلاك الطرف الـمُبطل ومحوه مِن ساحة الحياة، بعد ابتهال الطرفين بالدعاء بأنْ يُهلك الله الـمُبطل منهم.
إلاَّ أنَّ وفد النصارى بعد خروج النبي بأهل بيته أعرضوا عن الـمُباهلة؛ وذلك لقناعتهم بصدق الرسول الأعظم، وقبلوا بالخيار الآخر وهو أداء الجزية إلى النبيصلىاللهعليهوآله .
وقد أجمع الـمُفسِّرون والمؤرِّخون على أنَّ النبي لم يخرج إلاَّ بعليٍّ وفاطمة والحسنينعليهمالسلام .
____________________
(1) آل عمران: 61.
(2) تفسير القُمِّي: ج1 ص112.
وهنا لا بُدَّ لنا مِن أنْ نتساءل: ما هو السِّرُّ في أمر الله تعالى لنبيِّه بإخراج هؤلاء معه للـمُباهلة؟ ألا يكفي خروج النبي بمُفرده للدعاء فاحتاج الموقف إلى خروج أهل بيته؛ لأنَّ الأمر لا يخلو؛ إمّا أنَّ دعاء النبي (صلى لله عليه وآله) يكفي في تحقُّق نتيجة الـمُباهلة، فيكون خروج هؤلاء معه نوعاً مِن العَبث الذي لا غرض مِن ورائه، أو أنَّ خروج هؤلاء أمر لا بُدَّ منه في هذا المقام؟
والجواب: أنَّ الوجه الأخير هو الحَقُّ، فإنَّ خروج النبي بأهل بيته أمر حتميٌّ لا لنقصٍ في ذات الرسول في تحقُّق الدعاء، فإنَّهصلىاللهعليهوآله في اعتقادنا لا يَحجُب دعاه حاجب عن الله تعالى.
ولكنْ لـمَّا كان هذا الموقف يتعلَّق بشؤون الرسالة وتحدِّياتها لسائر الأفكار والأديان والأقوام، فلا بُدَّ مِن وقوف حَمَلَة الرسالة الذين يتمثَّل فيهم الامتداد الطبيعي لصاحب الرسالة مِن بعده، فهُمْ شركاؤه في تجسيد وتمثيل رسالة الله، فلا بُدَّ مِن وجودهم في هذا المقام، فأمر الله نبيَّه بإخراجهم ليتَّضح ارتباطهم بالرسالة ومواقفها.
حيث يُمكن أنْ نتصوَّر أنَّ الله تعالى قد جعل - هنا - دعاء الرسول هو الـمُقتضي لتحقُّق الهلاك وتأمين أهل بيته بمنزلة الشرط لتحقُّق ذلك، فإنَّ الرسولصلىاللهعليهوآله قد قال لهم: (إذا دعوت فأمِّنوا) كما في بعض روايات المقام، إذ مِن المعلوم أنَّ الشيء لا يتحقَّق إلاَّ بوجود الـمُقتضي وتوفُّر الشرط وارتفاع المانع، ولا مانع في البين.
فتبيَّن أنَّ الغاية مِن إخراجهم ليكونوا جزءاً مِن موقف التحدِّي هذا مِن الإسلام للمسيحيَّة؛ لأنَّهم لُحمة النبيصلىاللهعليهوآله .
والجدير بالـمُلاحظة - هنا - أنَّ الحسنينعليهماالسلام كانا آنذاك في مرحلة الطفولة، حيث لم يمنع كونهم طفلين مِن أنْ يأمر الله الرسول بإخراجهم، وذلك لتميُّزهما على مَن سواهما مِن الأطفال.
مِن خلال ما تقدَّم أخذنا صورة واضحة - وإنْ كانت مُختصرة - عن الأجواء التي نشأ فيها سيِّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام ، وعن المقوُّمات الذاتيَّة التي توفَّرت في هذا الإمام، والتي تجعله نسخة أُخرى مِن شخصيَّة جَدِّه الرسول الأعظم، ليتحمَّل في عصره أعباء الإمامة وتتجسَّد فيه الرسالة؛ فيكون هو الأَوْلى بقيادة الأُمَّة.
4 - نشأة يزيد ومقوَّمات شخصيَّته
أجمع المؤرِّخون أنَّ يزيد بن مُعاوية قد نشأ وتربَّى في البادية عند خؤولته بني كِلاب، وهذه القبيلة كانت نصرانيَّة الاتِّجاه، فترى تربية مزيجة مِن أفكار وعادات مسيحيَّة ومِن عادات وأهواء البادية. تلك الأجواء البعيدة عن منابع الفكر الإسلامي وثقافة القرآن والسُنَّة، (وكان مُرسَل العِنان مع شبانهم الماجنين، فتأثَّر بسلوكهم إلى حَدٍّ بعيد، فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب)(1) .
يقول عبد الله العلايلي: إذا كان يقيناً أو يُشبه اليقين أنَّ تربية يزيد لم تكن إسلاميَّة خالصة، أو بعبارة أُخرى: كانت مسيحيَّة خالصة؛ فلم يبقَ ما يُستغرب معه أنْ يكون مُتجاوزاً مُستهتراً مُستخفَّاً بما عليه الجماعة الإسلاميَّة، لا يحسب لتقاليدها واعتقادها أيَّ حساب ولا يقيم لها وزناً، بلْ الذي يُستغرب أنْ يكون غير ذلك(2) .
فإنَّ ذلك أمر طبيعي ونتيجة طبيعيَّة لتلك النشأة وتلك الأجواء الأعرابيَّة، التي تكوَّنت فيها المقوُّمات لشخصيَّة يزيد، فلم يستطع تجاوزها والتستُّر بها، وكان مُتجاهراً وولعاً باللعب بالقرود والكلاب ومُدْمناً على شرب الخمر.
يقول السيِّد مير علي الهندي: كان يزيد غدَّاراً كأبيه، ولكنَّه ليس داهية مثله، كانت
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص180.
(2) سموُّ المعنى في سموِّ الذات: ص59.
تنقصه القُدرة على تغليف تصرُّفاته القاسية بستار مِن اللباقة الدبلوماسيَّة الناعمة، وكانت طبيعته الـمُنحلَّة وخُلقه الـمُنحطُّ لا تتسرَّب إليهما شَفقة ولا عدل(1) .
وقد حاول مُعاوية بأنْ يُغيِّر ابنُه مظاهرَ سلوكه العلني؛ ليستطيع إقناع الناس بأنَّ ابنه مؤهَّل لأنْ يحُكم المسلمين مِن بعده، فقال له: (يا بُني، ما أقدرك على أنْ تصير إلى حاجتك مِن غير تهتُّك يذهب بمروءتك وقدرك، ثمَّ أنشده:
انصب نهاراً في طُلاَّب العُلى |
واصبر على هَجر الحبيب القريب |
|
حتَّى إذا الليل أتى بالدجا |
واكتحلت بالغَمض عين الرقيب |
|
فباشر الليل بما تشتهي |
فإنَّما الليل نهار الأريب |
|
كمْ فاسق تحسبه ناسكاً |
قد باشر الليل بأمرٍ عجيب(2) |
هكذا أراد مُعاوية لولده بأنْ يلبس نهاراً لباس الفضل والنُّسك والتقوى، وإذا ما جَنَّ عليه الليل أطلق عنان شهواته وغرائزه في كُلِّ ميدان مِن ميادين الملذَّات، التي تحيى بها الليالي الحمراء في حياة أهل الفُسوق والـمُجون.
هذا هو السلوك الأمثل - في نظر مُعاوية - لوليِّ أمر المسلمين، إلاَّ أنَّ معاوية لم يُفلح في تغيير سلوك ابنه وتغليفه باللباس الخادع، بلْ استمرَّ يزيد في طريقة حياته المفضوحة واستهتاره المكشوف.
يا تُرى، إذا كان هكذا قادة الأُمَّة وولاة أُمورها فماذا ينتظر أنْ يكون وضع الأُمَّة ومُستقبل حياتها؟
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام مُشيراً إلى تأثير سلوك القيادة على حياة الأُمَّة ومسيرتها: (وقد علمتم أنَّه لا ينبغي أنْ يكون الوالي على الفروج والدماء
____________________
(1) نقلاً عن حياة الإمام الحسين: ج2: ص180.
(2) البداية والنهاية 8: 228.
والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل؛ فتكون في أموالهم نَهمته، ولا الجاهل فيُضلَّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف عند المقاطع، ولا المعطّل للسُنَّة فيهلك الأُمَّة)(1) .
فلا يُنتظر بأُمَّة يكون أمرها بيد شخص مِثل يزيد بن مُعاوية إلاَّ الانحدار الـمُميت.
والعجب أنَّك ترى برغم هذه الحقائق التاريخيَّة، التي تُعرِّف شخصيَّة يزيد ترى مَن يُدافع عن هذا التاريخ الأسود تاريخ يزيد وسائر الأُمويِّين، ويُحاول أنْ يُصوِّر يزيد بن مُعاوية وكأنَّه ذلك الإنسان المثالي والحاكم الأمثل في تاريخ المسلمين.
فكأنَّما عقُمت الأُمَّة ليس فيها عُظماء وقادة تُقدِّمهم لسائر الأُمَم والشعوب، كنماذج إسلامية يُمثِّلون الواجهة الحضاريَّة للإسلام، وعَقم تاريخ المسلمين فلم يُنتج إلاَّ أمثال يزيد بن مُعاوية والحَجَّاج بن يوسف الثقفي، حتَّى تُدافع عنه مِن خلال الدفاع عن هؤلاء.
5 - بيعة يزيد بن مُعاوية
البيعة مأخوذة مِن البيع، وكما أنَّ البيع لا يتحقَّق إلاَّ بطرفين، البائع والـمُشتري، كذلك البيعة لها طرفان، وهما المبايِع - بالكسر - وهُمْ أفراد الأُمَّة أو الشعب، والـمُبايَع - بالفتح - وهو القيادة أو الحاكم الذي يتولَّى شؤون الأُمَّة والشعب. فهي على هذا عقد وميثاق بين الطرفين، فالـمُبايع يتعهَّد بالطاعة التامَّة للقيادة، والقيادة بدورها تتعهَّد بالقيام بشؤون الأُمَّة وإدارة حياتها طِبق القوانين السماويَّة.
وتُعتبر هذه البيعة ميثاقاً مُقدَّساً في نظر القرآن الكريم، فإنَّ القرآن اعتبر مُبايعة
____________________
(1) نهج البلاغة قطعة رقم 131 صُبحي الصالح.
الرسولصلىاللهعليهوآله مِن قِبَل المسلمين بيعة لله تعالى، كما في قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (1) .
فعلى هذا لا بُدَّ أنْ تعرف الأُمَّة بعد الرسول القائد لـمَن تُعطي بيعتها، فلا بُدَّ أنْ تكون يده يداً تُمثِّل الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله لتكون بيعته بيعة لله تعالى، إلاَّ أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة مُنيت بتلك النكسة، وذلك الانحراف الخطير حتَّى بلغ بها الحال أنْ تُبايع لشخصٍ مِثل يزيد بن مُعاوية.
لقد فُرِضت عليها تلك البيعة بقوَّة السلاح والمال، ولكنْ ذلك لا يُخلِّي الأُمَّة مِن المسؤوليَّة، ولا يُبرِّر لها ذلك الاستسلام والخنوع والسكوت عن ذلك الانحراف.
وطِبق ما يذكره المؤرِّخون أنَّ أوَّل مَن تحرَّك لتحقيق بيعة يزيد هو الـمُغيرة بن شُعبة، وكان والياً على الكوفة مِن قبل مُعاوية، فأحسَّ بأنَّ مُعاوية يُريد عَزله عن ولايته ويولِّي سعيد بن العاص مكانه، فتحرَّك لهذه الـمُهمَّة - بيعة يزيد - وليُقدِّم استقالته مِن هذا المنصب؛ لكي لا تكون عليه حَزازة في عَزله، وسافر إلى الشام واجتمع بيزيد، فأبدى له الإكبار وأظهر له الحُبَّ، وقال له: قد ذهب أعيان صحابة محمدصلىاللهعليهوآله وكُبراء قريش وذوو أسنانهم، وإنَّما بقي أبناؤهم وأنت مِن أفضلهم وأحسنهم رأياً وأعلمهم بالسُّنَّة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أنْ يعقد لك البيعة.
وغزت هذه الكلمات قلب يزيد؛ فشكره وأثنى على عواطفه وقال له: (أترى ذلك يتمُّ)، فكأنَّ يزيد نفسه لم يَكد يُصدِّق أنْ يتمَّ ذلك وأنْ يرضى المسلمون به خليفة؛ لما يعرفه مِن نفسه مِن الصفات التي تُبعده كلَّ البُعد عن مظاهر الحاكم الإسلامي فَضلاً مِن أنْ يكون يحمل روح الإسلام وجوهره.
____________________
(1) الفتح: 10.
ولكنْ عندما وجد هذا الدجَّال خاطبه بخطاب التمجيد والتقديس، انطلق إلى أبيه ودخل عليه وأخبر بمقالة الـمُغيرة.
ولا شكَّ أنَّ مُعاوية كان يُفكِّر في الموضوع، ولكنْ كان يضرب أخماساً في أسداس، بأيِّ طريقة يطرح هذه البيعة على الناس، فوجد مَن يدفعه إلى التحرُّك نحو انجاز ما كان يُفكِّر فيه.
فأحضر الـمُغيرة فبادره الـمُغيرة بقوله: (يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان مِن سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خَلف، فأعقد له، فإنْ حدث بك حَدَث كان كهفاً للناس وخَلفاً منك، ولا تُسفك دماء ولا تكون فتنة، فقال مُعاوية: مَن لي بهذا؟
فقال الـمُغيرة: أنا أكفيك أهل الكوفة، ويكفي زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يُخالفك؛ فأقرَّه مُعاوية على منصبه وأمره بالـمُبادر إلى الكوفة لتحقيق غايته، ولـمَّا خرج مِن عند مُعاوية قال لحاشيته: لقد وضعت رجل مُعاوية في غرز بعيد على أُمَّة محمدصلىاللهعليهوآله وفتقت عليه فَتْقاً لا يُرتق.
لَعمري، لقد شخَّص الـمُغيرة هذه البيعة قبل حدوثها بدِقَّة؛ لأنَّه يُدرك مدى آثار هذه المسألة على حياة أُمَّة محمد ومُستقبلها.
وسار الـمُغيرة إلى الكوفة يحمل الشَّرَّ والدمار لأهلها ولعموم المسلمين، وفورَ وصوله عقد اجتماعاً ضَمَّ عُملاء الأُمويِّين فعرض عليهم بيعة يزيد، فأجابوه إلى ذلك وأوفد جماعة منهم إلى دمشق، وجعل عليهم ولده موسى، فلـمَّا انتهوا إلى مُعاوية حفَّزوه على عقد البيعة ليزيد، فشكرهم على ذلك وأوصاهم بالكِتمان، والتفت إلى ابن الـمُغيرة فقال له:
- بكم اشترى أبوك مِن هؤلاء دينهم؟
- بثلاثين ألف درهم.
- لقد هان عليهم دينهم، ثمَّ وصلهم بثلاثين ألف درهم(1) .
وبدأ مُعاوية يُمهِّد لهذه البيعة بمُختلف الأساليب والطُّرق، فسخَّر المال في ذلك ببذله بكلِّ سَخاء للوجوه والأعيان مِن الـمُتاجرين بالضمائر والأديان.
يقول المؤرِّخون: إنَّ مُعاوية دفع إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقَبِلها منه، وكان ابن عمر مِن أصلب الـمُدافعين عن بيعة يزيد(2) .
كما سخَّر مُعاوية الشعر في الدعاية لبيعة يزيد، فهذا مسكين الدارمي يقول بعدما أوعَز إليه مُعاوية أنْ يحثَّه على بيعة يزيد أمام مَن كان حضر مجلسه مِن أعيان الأُمويِّين وأهل الشام:
ألا ليتَ شِعري ما يقول ابن |
عامر ومروان أمْ ماذا يقول سعيد |
|
بني خُلفاء الله مَهلاً فإنَّما |
يبوؤها الرحمان حيث يريد |
|
إذا المِنبر الغربي خلاه ربُّه |
فإنَّ أمير المؤمنين يزيد |
|
على الطائر الميمون والجِدِّ ساعد |
لكلِّ أُناس طائر وجَدود |
|
فلا زلتُ أعلى الناس كعباً ولم يزل |
وفود تُساميها إليك وفود |
|
ولا زال بيت الـمُلك فوقك عالياً |
تشدُّك أطناب له وعمود(3) |
إضافة إلى ذلك أُسلوب التهديد بالقوَّة، حينما يحتمل وجود مُعارضة مِن أحد لهذه البيعة، فهذا أحد رجاله في جلسة مِن جلساته، التي دعا فيها إلى البيعة لابنه يزيد فعارضه بعض الحضور، فقام يزيد بن الـمُقفع فهدَّد الـمُعارضين باستعمال القوَّة قائلاً: (أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى مُعاوية - فإنْ هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومَن أبى
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص192.
(2) حياة الإمام الحسين: ج2: ص192.
(3) حياة الإمام الحسين: ج2: ص199 عن تاريخ ابن الأثير.
فهذا، وأشار إلى السيف؛ فاستحسن مُعاوية قوله وراح يقول له: (اجلس فأنت سيِّد الخِباء وأكرمهم)(1) .
وكان مقياس الكَفاءة للخلافة عند مُعاوية، الذي يؤهِّل ابنه لذلك هو حُبُّه لابنه ولا مقياس لديه غير ذلك، وهذا ما يتَّضح مِن كلمته التي ألقاها في مجلس في المدينة المنوَّرة، وقد جمع المجلس عدداً مِن الشخصيَّات: كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وقد عرض عليهم بيعة يزيد فرفضوا له ولم يستجيبوا لذلك، فقال في نهاية الاجتماع: وإنَّه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فابني أحبُّ إليَّ مِن أبنائهم. وكان يُعرِّض بأمير المؤمنينعليهالسلام ووَلديه الحسنين.
ومَن يدري لعلَّ مُعاوية قال ذلك مُقابل ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حَقِّ الحسينينعليهماالسلام في تعبيره عن حُبِّه لهما! وإنَّ مُعاوية ليُفسِّر كلمات النبيصلىاللهعليهوآله في سِبطيه الحسنينعليهماالسلام بأنَّها بدافع العاطفة الـمُجرَّدة! فما الذي يمنعه هو أيضاً مِن حُبِّ وَلده ويجعل له الخلافة ميراثاً يُخلِّفه لولده المحبوب؟!
وعلى كلِّ حال، فلقد تمَّت بيعة يزيد تحت أجواء مِن الإرهاب مِن جِهة والإغراء بالأموال، والإعلام الـمُضلِّل مِن جهة أُخرى.
ولمْ يتمرَّد على هذه البيعة - فرفضَ الاعتراف بها وثار في وجه يزيد مُدلِّلاً على الخطر الذي يُمثِّله حُكم يزيد وآل أُميَّة على الإسلام - لم يَقُمْ بذلك إلاَّ أبو الأحرار الحسين بن عليعليهماالسلام .
أعلن ذلك عند أوَّل مُحاولة مِن السلطات الأُمويَّة، بعد هَلاك مُعاوية لإخضاع الإمام للبيعة، فقال في مجلس الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان:
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص203.
(أيُّها الأمير، إنَّا أهل بيت النبوَّة، ومَعدن الرسالة، ومُختلف الملائكة، ومَحلُّ الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجلٌ فاسقٌ شاربُ الخمر، قاتل النفس الـمُحترمة مُعلِن بالفِسق، ومِثلي لا يُبايع مِثله، ولكنْ نُصبِح وتُصبِحون، وننظر وتنظرون أيَّنا أحقَّ بالخلافة والبيعة)(1) .
وعندما حاصروه وضيَّقوا عليه الخِناق؛ ليُذعن لهم ويعترف بسلطانهم، رفع أبو الأحرار صوته قائلاً:
(لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرَّ فِرار العبيد)(2) .
____________________
(1) اللهوف: ص71، والفتوح لابن أعثم: ج5: ص14، واللفظ للأوَّل.
(2) مناقب آل أبي طالب: ج3: ص224، ط الحيدريَّة، وج4: ص75، ط آخر.
القراءة الثالثة
في البُعد الاجتماعي
أ - تمهيد
ب - دور الأُمويِّين في هَدْم ركائز الـمُجتمع الإسلامي
ج - جماهيريَّة الثورة الحسينيَّة
د - الـمُجتمع الكوفي واستجابة الإمام لرسائلهم
أ - تمهيد
يختلف الإسلام - كرسالة سماويَّة - عن سائر المدارس الاجتماعيَّة الأُخرى، في تحديد الهدف النهائي مِن حياة الإنسان الاجتماعيَّة، فإنَّ المدارس الاجتماعيَّة الأُخرى ترى أنَّ ضرورة الحياة الاجتماعيَّة للإنسان، نابعة مِن ضرورة سَدِّ جميع احتياجاته الحياتيَّة؛ حيث إنَّ الإنسان لن يستطيع في حياة مُنفردة أنْ يَسدَّ احتياجاته بنفسه، بما في ذلك الحاجات المادِّيَّة والنفسيَّة، فلا بُدَّ له مِن حياة اجتماعيَّة؛ ليتمكن مِن سَدِّ تلك الاحتياجات مِن خلال روابطه الاجتماعيَّة.
فهذا هو الهدف النهائي للحياة الاجتماعيَّة في نظر هذه المدارس - ولا سِيَّما المدارس المادِّيَّة منها - والإسلام أيضاً لا يُنكر هذه الضرورة - أعني: ضرورة سَدِّ احتياجات الإنسان - ولعلَّ القرآن الكريم يُشير إلى ذلك في قوله تعالى:( ... نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيَّاً... ) (1) .
فقوله تعالى:( ... لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيَّاً... ) إشارة إلى أنَّ أفراد الـمُجتمع كلٌّ مِن موقعه ودوره يقوم بخدمة الـمُجتمع، ويُشارك في سَدِّ احتياجات الـمُجتمع، فهو مُسخَّر لخدمة الكلِّ بطريقة وأُخرى، إلاَّ أنَّ الإسلام لا يعتبر هذه الضرورة هدفاً نهائيَّاً لحياة
____________________
(1) الزخرف: 32.
الإنسان الاجتماعيَّة، ويُمكن أنْ نُسمِّي هذا الهدف بالهدف الـمُتوسِّط، وأمَّا الهدف النهائي لذلك فهو أبعد مِن هذا الهدف.
والواقع أنَّ الغاية القُصوى للحياة الاجتماعيَّة، هي الاستزادة مِن التكامُل الروحي والمعنوي لكلِّ واحد مِن أفراد البشر، وهو ما يحصل عن طريق معرفة الله وعبادته ونيل رضاه والقُرب منه تعالى.
وبعبارة أُخرى: فإنَّ الحياة الاجتماعيَّة وتأمين الحاجات المادِّيَّة والدنيويَّة - كلَّها - مُقدَّمة مِن أجل أنْ يُصبح أكبر عدد مِن الناس عابدين لله، وأنْ يتقدَّم عباد الله مَهْما أمكن في مسيرة العبادة والخضوع للباري، يقول عَزَّ وجلَّ:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شيئاً ) (1) .
حيث تدلُّ على أنَّ الحكومة واستقرار الدين والنظام والأمن والهدوء - كلُّها - مُقدِّمة لتوسيع وتعميق عبادة الله والإيمان به وتوحيده كمَّاً وكيفاً(2) .
ومِن جِهة أُخرى يختلف الإسلام أيضاً عمَّا يراه أغلب الـمُفكِّرين الاجتماعيِّين في نظرتهم للدين؛ فإنَّهم اعتبروا الدين إحدى الركائز التي تقوم عليها الحياة الاجتماعيَّة، إلى جانب سائر الركائز الأُخرى الـمُتمثِّلة في:
1 - الأُسرة.
2 - الاقتصاد.
3 - التربية والتعليم.
____________________
(1) النور: 55.
(2) النظرة القرآنيَّة للـمُجتمع والتاريخ: ص37.
4 - الحُقوق.
5 - الحُكومة.
فهُمْ يرون الدين ركيزةً كسائر الركائز الأُخرى المذكورة، التي يقوم عليها الكيان الاجتماعي لحياة الإنسان، بينما يرى الإسلام غير ذلك؛ إذ لا بُدَّ مِن القول: بأنَّ الدين لو كان بمعنى ارتباط الإنسان بالله في إطار العبادات - بالمعنى الخاص - لأمكن عَدُّه مِن جُملة الركائز الاجتماعيَّة.
إلاَّ أنَّ هذا المعنى الضيِّق - الـمُنسجم مع رؤية الثقافة الغربيَّة للدين - ليس مورد قبولنا، فمِن وجهة نظرنا يكون الدين هو المنهج الصحيح والمطلوب للحياة الإنسانيَّة، بحيث يشمل جميع أبعاد ووجوه الحياة للفرد والـمُجتمع. وبالإضافة إلى العقائد والأخلاق والعبادات بالمعنى الخاص، فإنَّه يشتمل على أنواع الحقوق وأقسامها، ومِن جُملته الحقوق السياسيَّة والحقوق الفضائيَّة والحقوق المدنيَّة (مِثل حُقوق الأُسرة)، وبناءً على هذا فهو - إذاً - يضمُّ تحت مَظلَّته جميع الركائز الاجتماعيَّة ويُهيمن ويُشرف عليها ويُسيِّرها(1) .
ومتى ما انحرفت إحدى تلك الركائز عن توجيهات الدين وقيمومته؛ لم تعد ركيزة اجتماعيَّة إسلامية بالمعنى الصحيح، وهناك أمر ثالث أيضاً تختلف فيه وجهة نظر الإسلام عن بقيَّة المدارس الاجتماعيَّة، وهو تحديد أهمِّ الركائز الاجتماعيَّة وأعظمها تأثيراً على مسيرة الحياة الاجتماعيَّة، حيث يرى الإسلام أنَّ أهمَّ الركائز تأثيراً هي ركيزة التربية والتعليم، وليس ركيزة الاقتصاد - مَثلاً - كما ترى المدرسة الماركسيَّة.
قال بعض الـمُفكِّرين والباحثين الإسلاميِّين: إنَّه بفضل ركيزة التربية والتعليم يمكننا ترسيخ أو تقوية أو إصلاح سائر الركائز بحيث تقرّب المجتمع إلى أهدافه
____________________
(1) المصدر السابق: ص368.
المتوسطة، ومِن ثمَّ إلى هدفه النهائي؛ ولهذا فإنَّ ركيزة التربية والتعليم إذا لم تَسِر سيرة صحيحة، فإنَّ سائر الركائز سوف تُمنى - عاجلاً أمْ آجلاً - بالاختلال وعدم النظام، وتتعرَّض جميع شؤون الحياة الاجتماعيَّة لخطر الفَساد والتدمير.
إنَّ ركيزة التربية والتعليم تُيسِّر أمر توعية الناس بالأحكام والقوانين الاجتماعيَّة والحقوقية، وترغيبهم في تطبيق القوانين والـمُقرَّرات، وفي التعاون مع المؤسَّسات الاجتماعيَّة والحكوميَّة.
وبهذه الصورة يَسهل علينا تبنِّي وتبرير هذا الأمر، وهو أنَّ الله تعالى جعل مُهمَّة النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله مقصورة على تِلاوة آيات الله للناس وتربيتهم، وتعليمهم الكتاب والحِكمة، بمعنى أنَّها تتلخَّص في التربية والتعليم.
فالتربية والتعليم هي التي تُعرِّف الناس الهدف الأعلى للحياة الفرديَّة والاجتماعيَّة، وتُربِّيهم وتجعلهم يَخطون نحو ذلك الهدف بسهولة ويُسر وسرعة، وأمَّا سائر الركائز: كالعائلة، والاقتصاد، والحقوق، والحُكومة فهي ليست سِوى مُقدِّمة ووسيلة لتهيئة الأرضيَّة لسير الناس وسلوكهم المعنوي.
والفائدة العمليَّة التي يُمكن استنتاجها مِن هذا الحديث، هي أنَّ الخُطوة الأُولى لتحسين الأوضاع والأحوال الـمُختلفة للـمُجتمع الفاسد الـمُضطرب وغير الـمُتوازن، هي إصلاح نظام التربية والتعليم فيه، كما أنَّ الخُطوة الأُولى التي تجرُّ الـمُجتمع نحو الفَساد هي إفساد نظام تربيته وتعليمه(1) .
إذاً، فركيزة التربية والتعليم مُهمَّة وخطيرة جِدَّاً في الـمُجتمع الإسلامي، وهي أخطر وأهمُّ مِن ركيزة التربية والتعليم في سائر الـمُجتمعات، التي هي: إمَّا أنْ تكون غير مُهتمَّة
____________________
(1) النظرة القرآنيَّة للـمُجتمع والتاريخ: ص370 وص371.
بالدين، وإمَّا أنْ تكون مُعتبرة إيَّاه ركيزة إلى جانب الركائز الأُخرى، بحيث تَعدُّ حدوده مُنفصلة عن حدود الأُسرة والاقتصاد والحقوق والحكومة.
ومِن الواضح أنَّ المقصود مِن ركيزة التربية والتعليم ما هو أعمُّ مِن النشاطات، التي تنهض بها مُنظَّمات مِن قِبَل المدارس الابتدائيَّة والـمُتوسِّطة والثانويَّة والجامعات، بحيث يشمُل أيَّ جُهدٍ يُبذَل في مضمار تثقيف الـمُجتمع وتعليمه وتربيته، وبناءً على هذا تُصبح النشاطات التي تقوم بها الإذاعة والتلفزيون والصُّحف والـمَجلاَّت، والكتب والرسائل، والسينما والـمَسْرح، وخُطب صلاة الجمعة، والمراسيم القوميَّة والشعائر، والـمَناسك الدينيَّة والـمُحاضرات والـمُظاهرات السياسيَّة والنشاطات الفنيَّة و... كلُّها داخلة ضمن إطار التربية والتعليم(1) .
____________________
(1) النظرة القرآنيَّة للـمُجتمع والتاريخ: ص373.
ب - دور الأُمويِّين في هَدْم ركائز الـمُجتمع الإسلامي
لا شكَّ أنَّ الإسلام له مُخطَّط ومنهج خاصٌّ لبناء الـمُجتمع المثالي، الذي يتناسب مع رسالة السماء، وذلك مِن خلال إخضاع الركائز الخَمس الاجتماعيَّة السالفة الذِكر لقيمومة وتوجيهات الوحي الإلهي(الدين) ؛ لتسير الحياة الاجتماعيَّة بخُطى ثابتة على طريق تكامل الإنسان في سيره نحو الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (1) ، ولا يُمكن للـمُجتمع الإسلامي أنْ يتكامل ليُصبح مُجتمعاً مِثاليَّاً فاضلاً، إلاَّ بإخضاع جميع ركائزه لتوجيهات الرسالة الإلهيَّة.
ولكنْ عندما استولى الأُمويُّون على مقاليد السُّلطة، سعوا بكلِّ جُهدهم إلى خَلخلة كلِّ الركائز للـمُجتمع الإسلامي؛ لأنَّ مُخطَّط الإسلام ومنهجه لبناء مُجتمعه، لا يسمح للحُكَّام الأُمويِّين بأنْ يتلاعبوا في مُقدَّرات الأُمَّة والـمُجتمع، فهم على طرفي نقيض مُخطَّط الإسلام الصحيح؛ فعمدوا إلى نقض القواعد الأساسيَّة لبناء الـمُجتمع الإسلامي، وبما أنَّ أهمَّ الركائز الاجتماعيَّة وأعظمها تأثيراً في حياة الـمُجتمع سَلباً وإيجاباً هي ركيزة التربية والتعليم - كما سبق - فقد اجتهد الأُمويُّون في تغيير مسار هذه الركيزة.
أوَّلاً: عن طريق إيجاد ثقافة مُصطنعة مكذوبة كبديل عن الثقافة الإسلاميَّة الأصيلة، وسخَّروا وسائل التربية والتعليم الـمُتاحة آنذاك لتربية أجيال الأُمَّة على هذه الثقافة.
____________________
(1) الانشقاق: 16.
قال العلاَّمة الشيخ القرشي: ووضعت الحكومة لِجان الوضع، ورصدت لها الأموال الهائلة لتضع الأحاديث على لسان الـمُنقذ العظيم الرسولصلىاللهعليهوآله ؛ لتكون مِن بنود التشريع وتلحق بقافلة السُّنَّة التي هي مِن مدارك الأحكام، وقد راح الوضَّاعون يُلفِّقون الأكاذيب وينسبونها للنبيصلىاللهعليهوآله ، وكثير مِمَّا وضعوه يتنافى مع منطق العقل ويتجافى مع سُنَّة الحياة، ومِن المؤسِف أنَّها دُوِّنت في كُتب السُّنَّة وأُدرجت في كُتب الأخبار، مِمَّا اضطرَّ بعض الغيارى مِن علماء المسلمين أنْ يُألِّفوا بعض الكتب التي تدلُّ على بعض تلك الموضوعات.
وفيما أحسب أنَّ هذا الـمُخطَّط الرهيب مِن أفجع ما رُزي به المسلمون، فإنَّه لم يكن الابتلاء به آناً مِن الزمن، وإنَّما ظَلَّ مُستمرَّاً مع امتداد التاريخ، فقد تفاعلت تلك الموضوعات مع حياة الكثير مِن المسلمين، وظلُّوا مُتمسِّكين بها على أنَّها جزء مِن دينهم، وقد وضِعت الحواجز في نموِّ المواهب وانطلاق الفكر، كما بقيت حَجر عثرة في طريق التطوُّر والإبداع الذي يُريده الإسلام لأبنائه(1) .
ومِن الطبيعي أنَّه إذا تمَّت خَلخلة هذه الركيزة الأهمِّ مِن بين الركائز الاجتماعيَّة - أعني: ركيزة التربية والتعليم - تسهل السيطرة على أفكاره وثقافته، ولم يعد يتوجَّه إلاَّ إلى حيث تُوجِّهه تلك الأفكار وتلك الثقافات؛ لذا كانت جهود الأُمويِّين مُنصبَّة على بعث القِيم الجاهليَّة مِن جديد، وضرب القِيم والثقافة التي جاءت لتُربِّي الإنسان المسلم تربية تكامليَّة على ضوء تعاليم السماء، ولقد رفض الإسلام العصبيَّة بكلِّ أشكالها: مِن عنصريَّة، وقبليَّة، وطبقيَّة ووضع القرآن الكريم المقياس الإلهي لكرامة الإنسان وقيمته عند الله تعالى، فقال:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص12.
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (1) ، وعَمِل الإسلام على كَسر الحواجز والسدود مِن بين فئات الـمُجتمع، وقد كان النبيصلىاللهعليهوآله يؤكِّد على المسلمين في ترك العصبيَّة الجاهليَّة، إلاَّ أنَّ الأُمويِّين قد حاربوا هذه القِيم وبكلِّ ما لديهم مِن إمكانيَّات.
قال العلاَّمة الشيخ القَرشي: وبنى مُعاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين، وتشتيت شملهم وبثِّ روح التفرقة والبغضاء بينهم؛ إيماناً منه بأنَّ الحُكم لا يُمكن أنْ يستقرَّ له إلاَّ في تفكُّك وحدة الأُمَّة، وإشاعة العداء بين أبنائها، يقول العقَّاد: (وكانت له - أيْ مُعاوية - حيلته التي كرَّرها وأتقنها، وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة مِن المسلمين وغير المسلمين، وكأنَّ قوام تلك الحيلة العمل الدائب على التفرقة والتخذيل بين خصومه لإلقاء الشُّبهات بينهم وإثارة الإحن فيهم، ومنهم مَن كان مِن أهل بيته وذوي قُرباه كان لا يُطيق أنْ يرى رجُلين ذوي خطر على وفاق. وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار مِمّا يُعينه على الإيقاع بهم).
لقد شتَّت كلمة المسلمين وفصم عُرى الأُخوَّة الإسلاميَّة، التي عقد أواصرها الرسول الكريم وبنى عليها مُجتمعه(2) .
وإذا أضفنا إلى ذلك المظاهر الأُخرى لسياسة الأُمويِّين، الـمُتعلِّقة بسائر الركائز الاجتماعيَّة كسياستهم الماليَّة والاقتصادية، فإنَّهم قد اتَّبعوا مع الأُمَّة سياسة التجويع والحِرمان مِن جِهة، وسياسة شِراء الضمائر والأديان مِن جِهة أُخرى، فإنَّ مِن الضروري أنْ تكون نتيجة كلِّ ذلك أنْ تنحرف الأفكار، وتفسد الضمائر والأخلاق
____________________
(1) سورة الحُجرات: 13.
(2) حياة الإمام الحسين: ج2: ص134 - 135.
وتضعف روح التديُّن في القلوب، وتُباع الأديان والقيم بالأموال، وبهذا يفسد الـمُجتمع بفساد جميع فئاته وطبقاته، وبذلك تسهل السيطرة عليه واستعباده.
ذكر المؤرِّخون أنَّ جماعة مِن أشراف العرب وفدوا على مُعاوية، فأعطى كلَّ واحد منهم مائة ألف وأعطى الحتات عَمَّ الفرزدق سبعين ألفاً، فلـمَّا علم الحتات بذلك رجع مُغضباً إلى مُعاوية فقال:
قضمتني في بني تميم، أمَّا حَسَبي فصحيح، أوَ لستُ ذا سنٍ؟ ألستُ مُطاعاً في عشيرتي؟
قال: بلى.
قال: فما بالك خسست بي دون القوم؛ أعطيت مَن كان عليك أكثر مِمَّن كان لك؟!
فقال مُعاوية بلا حياء أو خجل: إنِّي اشتريت مِن القوم دينهم ووكلتك إلى دينك.
فقال: انا اشترِ منِّي ديني، فأمر له بإتمام الجائزة(1) .
وقد عايش سيِّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام هذه المظاهر وهذه النتائج، وشاهدها عن كَثْب وقلبه يعتصَّر ألماً، وهو يرى ذلك الـمُجتمع يبتعد عن منابع الإسلام وروافد الرسالة، ويسير نحو مُنحدر خطير.
وقد شخَّص الإمام جوانب الأوضاع الاجتماعيَّة الـمُتدهورة آنذاك في المؤتمر الشعبي الذي عقده في مِنى، وقد ذكرنا شَطراً منه في القِسم الثاني مِن هذه القراءات، قالعليهالسلام مُخاطباً تلك النُّخبة الـمُجتمعة في ذلك المؤتمر مُشيراً إلى بعض الأمراض الاجتماعيَّة الـمُتفشِّية في وسط هذه الطبقة، التي تُعتبر نُخبة الـمُجتمع، قالعليهالسلام :
(قد خشيتُ عليكم - أيُّها الـمُتمنُّون على الله - أنْ تحلَّ بكم نقمة مِن نقماته؛ لأنَّكم بلغتم مِن كرامة الله منزلة فُضِّلتم بها ومَن يُعرَف بالله لا تُكرِمون، وأنتم بالله في عباده تُكرَمون، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذِمم آبائكم تفزعون وذِمَّة
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج2: ص128.
رسول الله مَحقورة، والعُمي والبُكَّم والزُّمَّن في المدائن مُهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا مَن عَمِل فيها تعنون، وبالادِّهان والـمُصانعة عند الظلمة تأمنون، وأنتم أعظم الناس مُصيبة لِمَا غلبتم عليه مِن منازل العلماء لو كنتم تسمعون)(1) .
هذا على مُستوى النُّخبة مِن فئات الـمُجتمع، فكيف يكون الحال على الـمُستوى العامِّ للساحة الاجتماعيَّة، وقد أشار الإمام في أحد بياناته إلى الوضع العامِّ الذي يعيشه الـمُجتمع الإسلامي، فقالعليهالسلام :
(وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلاَّ صَبابة كصَبابة الإناء، وخسيس عيش كالـمَرعى الوَبيل، ألا ترون إلى الحَقِّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء رَبِّه مُحقَّاً)(2) .
ومِن الواضح أنَّ الإمامعليهالسلام لا يُريد بالدنيا الحياة بما هي حياة بليلها ونهارها، وإنَّما يُريد بذلك الدنيا الاجتماعيَّة، حيث تغيَّرت أوضاع الـمُجتمع، وتنكر للإسلام في سلوكه ومظاهر حياته، ولم يبقَ مِن ظواهر الحَقِّ في الوسط الإسلامي، إلاَّ بقايا كالبقايا مِن الماء الـمُتخلفة في الإناء بعد شرب ما فيه، وهذه هي الصبابة، أو بقايا المرعى حينما تُداهمه الأنعام بالرعي فتقضي على نظارته وحياته، فلا تترك إلاَّ البقايا الـمُتناثرة هنا وهناك
____________________
(1) تحف العقول: ص172، والبحار: ج97: ص80.
(2) اللهوف: ص48، والبحار: ج44: ص381، واللفظ للأوّل.
وهذا هو المرعى الوبيل، وحينما يقولعليهالسلام : (ألا ترون إلى الحَقِّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه)، لا يُريد بذلك فقط على مُستوى الحُكَّام، بلْ يُشير إلى أوضاع الـمُجتمع بكلِّ فئاته وطبقاته، حيث أصبح بعيداً عن الحَقِّ والعمل به؛ لأنَّ جميع ركائزه الاجتماعيَّة قد أُفسِدت فانحرفت المجُتمع عن مساره الذي يُريده له الإسلام الحَقُّ.
جماهيريَّة الثورة الحسينيَّة
قد يوجد مَن يعتقد أو يظنُّ بأنَّ الثورة الـمُقدَّسة، التي قام بها أبو عبد الله الإمام الحسينعليهالسلام إنَّما هي استجابة لتكليف شَخصي به لا يتعدَّاه إلى غيره مِن سائر الأُمَّة.
ولا شكَّ أنَّ هذا الاعتقاد أو الظنَّ واضح البطلان، فإنَّ التكليف بالوقوف في وجه الانحراف والفساد واجب يشمل كافَّة الأُمَّة، فهي مُكلَّفة بأنْ تنهض في وجه الظالم، الذي يسحقُّ كرامتها ويفسد حياتها، وإنَّما تحرَّك أبو الأحرار انطلاقاً مِن موقعه القيادي كإمام للأُمَّة، فهو المسؤول الأوَّل في عصره، أو كما قالعليهالسلام : (... وأنا أحقُّ مَن غيَّر...).
(لذا فقد كانت خطابات الحسين كلُّها تستحثُّ الهِمم للالتحاق به وبمسيرته، لم يقل لأحد: إنَّها مُهمَّة خاصَّة بي أنا وحدي، وعليك أنْ تلتحق بي؛ لأنِّي بحاجة شخصيَّة إليك، إنَّما قال: إنَّ الإسلام بحاجة لنا جميعاً، وعلنيا ألاَّ نتردَّد ببذل الغالي مِن التضحيات حتَّى وإنْ كانت أنفسنا ودماءنا.
وهكذا التحق به أصحابه، بعد أنْ أدركوا أنَّهم مُكلَّفون مثله بهذه الـمُهمَّة، وأنَّ أمرها غير مُقتصر عليه وحده، ولم يقل أحد منهم: ما شأني أنا؟ وهذه الـمُهمَّة صعبة لا يقدر عليها إلاَّ الحسين ومَن هُمْ مِن أمثاله... فهل رأينا في مسار الثورة كلِّها، وفي حركة الحسينعليهالسلام خلال حوالي أربعة أشهر ما يُشير إلى أنًّه قال: إنَّ كلَّ ما كان يقوم به إنَّما
هو تكليف خاصٌّ به هو لا غيره، وإنَّه سيذهب دون اهتمام بالنتائج بعمليَّة انتحاريَّة ليس ورائها هدف؟
لقد كانت ثورة الحسين استجابة لأوامر مِن عالم الغيب، أعلمه بها جَدُّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، هذا صحيح ولكنَّ الأوامر الإلهيَّة كانت موجَّهة لكلِّ الأُمَّة وليس للحسين وحده، وكانت استجابته وأصحابه لها استجابة واعية؛ فإنَّ قضية الحسين هنا لن تكون مفهومة أمام الجماهير، ولن يتسارع أحد للـمُشاركة فيها، وإنَّما عنه لو كان التكليف الإلهي تكليفاً خاصَّاً به هو شَخصيَّاً، وإلاَّ ما هي الآثار التي يُمكن أنْ تتركها حركته لو كانت شخصيَّة على الأجيال فيما بعد)(1) .
ولذلك حرص أبو عبد الله على أنْ تكون ثورته جماهيريَّة التأثير والاستمرار، برغم أنَّه كان عارفاً بالظروف الموضوعيَّة، التي يعيشها الـمُجتمع الإسلامي آنذاك، ويعلم أنَّ الأُمَّة لن تستجيب لصوته استجابة سريعة، إلاّ أنَّه أصرَّ إلاَّ أنْ يوصِل أنباء نهضته إلى سائر البلاد الإسلاميَّة لإيجاد جمهور لثورته، سواء ذلك على مُستوى الاستجابة العاجلة الـمُتمثِّلة في النُّخبة التي ضحَّت معه، أمْ على مُستوى مِن يَنضمُّ إلى جمهور الثورة فيما بعد الواقعة، وهذا الحُرص مِن الإمام يُمكن مُلاحظته فيما يلي:
أ - إعلانه عن عزمه على الثورة في البيت الحرام وفي موسم الحَجِّ، حيث التجمُّع السنوي للمسلمين مِن مُختلف البُّلدان الإسلاميَّة، وتصريحه بالدعوة إلى الشهادة والتضحية، فقالعليهالسلام :
(ألا ومَن كان باذلاً فينا مُهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنِّي راحل مُصبِّحاً إنْ شاء الله)(2) .
____________________
(1) وتنفَّس صُبح الحسين: ص51 وص53.
(2) تقدَّمت مصادره في: ص 54: هامش 2.
ب - دعوته لبعض مَن يلقاه في طريقه إلى الشهادة، فمنهم مَن يستجيب لدعوته كزهير بن القين، لـمَّا جمعته ظروف الطريق مع الحسين في منزل مِن المنازل، وكان زهير عثمانيَّ الهوى - كما يقول المؤرِّخون - ولكنْ لـمَّا دعاه الحسينعليهالسلام إلى نُصرته استجاب إلى ذلك، فكان مِن الشهداء مع الإمام الحسينعليهالسلام .
ومنهم مَن لم يُجب الدعوة، كعبيد الله بن الحُرِّ، حيث اجتمع معه الإمام في قصر بني مُقاتل، فدعاه إلى النُّصرة قائلاً:
(يا ابن الحُرِّ، فاعلم أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ مؤاخذك بما كسبت وأسلفت مِن الذنوب في الأيَّام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبةٍ تغسل بها ما عليك مِن الذنوب، وأدعوك إلى نُصرتنا أهل البيت)(1) .
ألقى ابن الحُرِّ معاذيره الواهية، فحرم نفسه السعادة والفوز بنُصرة سِبط الرسول قائلاً: والله، إنِّي لأعلم أنَّ مَن شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكنْ ما سعى أنْ أُغني عنك ولم أُخلِّف لك بالكوفة ناصراً. فأُنشدك الله أنْ تحملني على هذه الخُطة فإنَّ نفسي لا تسمع بالموت، ولكنْ فرسي هذه (الـمُلحِقة) والله ما طلبتُ عليها شيئاً إلاّ لحقته، ولا طلبني أحد عليها إلاَّ سبقته فهي لك.
- وما قيمة فرسه عند الإمام؟ -
فردَّ عليه قائلاً:
(يا ابن الحُرِّ، ما جئناك لفرسك وسيفك، إنَّما أتيناك لنسألك النُّصرة، فإنْ كنت قد بخلت علنيا بنفسك فلا حاجة لنا في شيءٍ
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم: ج5: ص47.
مِن مالك، ولم أكن بالذي اتَّخذ الـمُضلِّين عَضُداً، وإنِّي أنصحك كما نصحتني إنْ استطعت ألاَّ تسمع صُراخنا ولا تشهد وقعتنا فافعل؛ لأنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يقول: مَن سمع داعية أهل بيتي ولم ينصرهم على حَقِّهم إلاَّ أكبَّه الله على وجهه في النار)(1) .
فاطرق ابن الحُرِّ برأسه إلى الأرض وقال بصوت خافت حياءً مِن الإمام: أمَّا هذا فلا يكون أبداً إنْ شاء الله تعالى(2) .
إلاَّ أنَّ عبد الله بن الحُرِّ كان بعد مقتل الحسينعليهالسلام مِن أشدِّ النادمين على تفويته الفُرصة، وقد نَظَمَ حُزنه وأساه في هذه الأبيات:
فيا لك حسرة ما دُمْت حيَّاً |
تُردَّد بين صدري والتراقي |
|
غُداة يقول لي بالقصر قولاً |
أتتركنا وتزمع بالفِراق |
|
حسين حين يطلب بذل نصري |
على أهل العداوة والشِّقاق |
|
فلو فلق التلهُّف قلبَ حُرٍّ |
لهمَّ اليوم قلبي بانفلاق |
|
ولو واسيته يوماً بنفسي |
لنلت كرامةً يوم التلاق |
|
مع ابن محمد تفديه نفسي |
فودَّع ثمَّ أسرع بانطلاق |
|
لقد فاز الأُوْلى نصروا حسيناً |
وخاب الآخرون ذوو النِّفاق(3) |
فهذا الشعر ينمُّ عن حَسرةٍ وندمٍ عميقين صادقين، كان يعيشهما ابن الحُرِّ على
____________________
(1) الفتوح (ابن أعثم) 5: 47.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3: ص87 وص88.
(3) حياة الإمام الحسين 3: 313.
تفويته الفرصة، وقد رثى ابن الحُرِّ شُهداء الثورة في أبيات له، لـمَّا أرسل عليه ابن زياد وأبلغه الشرطة بطلبه أجابهم قائلاً: أبلغوه عنِّي أنِّي لا آتيه طائعاً أبداً.
ثمَّ اجتمع حوله رجاله فخرج بهم نحو كربلاء، فألقى نظرة على بطحاء الطَّفِّ، حيث رثى ريحانة الحبيب محمدصلىاللهعليهوآله وصفوة أهل البيت وأعظم الرجال الأنصار، فقال الأبيات التالية، حيث ما برح النَّدم يُلازمه أبداً:
يقول أميرٌ غادرٌ وابنُ غادر |
ألا كنتً قاتلت الحسين بن فاطمة |
|
فيا ندمي ألاَّ أكون نصرته |
ألاْ كلُّ نفسٍ لا تُسدَّد نادمة |
|
وإنِّي لأنِّي لم أكُنْ مِن حُماته |
لذو حَسرة ما إنْ تُفارق لازمة |
|
سقى الله أرواح الذين تآزروا |
على نُصرة سقياً مِن الغيث دائمة |
|
وقفت على أجداثهم ومحالهم |
فكاد الحشى ينقضُّ والعين ساجمة |
|
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى |
سُراعاً إلى الهيجاء حُماةً ضراغمة |
|
فإن يقتلوهم كلُّ نفسٍ تقية |
على الأرض قد أضحت لذلك واجمة |
|
وما إنْ رأى الراؤون أفضل منهم |
لدى الموت سادات وزهر قَماقمة |
|
أتقتلهم ظُلماً وترجو وِدادنا |
فدع خُطَّةً ليستْ لنا بمُلائمة |
|
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم |
فكم ناقمٍ مِنَّا عليكم وناقمة |
|
أهِمُّ مِراراً أن أسير بجَحفل |
إلى فئة زاغت عن الحَقِّ ظالمة |
|
فكفُّوا وإلاَّ زدتكم في كتائب |
أشدُّ عليكم مِن زحوف الديالمة(1) |
وقد كشفت هذه الأبيات عن رَدَّة الفعل التي تركتها الواقعة في نفس هذا الرجل، حيث أصبح يعيش حالة مِن النِّقمة الـمُتأجِّجة على النظام الحاكم، فهو يَهمُّ بالنهوض في وجه مِن ارتكبوا هذا الـمَجزرة الدامية، ومِن المؤكَّد أنَّ هذه الحالة لا يعيشها ابن الحُرِّ
____________________
(1) التسيير الذاتي لأنصار الحسين: ص189.
فقط، بلْ إنَّ هناك العديد مِن النادمين مِن أهل الكوفة على فوات الفُرصة عليهم، ومَن كانوا في حالة الغليان على النظام الأُموي، وكلُّ هؤلاء جزء مِن جمهور الثورة فيما بعد الواقعة.
ج - مِن الأُمور التي تُشير إلى حرص أبي الأحرار على جعل ثورته ثورة جماهيريَّة، بمعنى أنْ يكون لها بُعدٌ اجتماعيٌّ مُستمرٌّ، ومِن المؤشِّرات إلى ذلك إرساله لعدد مِن الرسائل، إلى بعض الأعيان والشخصيَّات مِن أهل الكوفة والبصرة، ومِن جُملة مَن كتب إليهم الإمام مِن أهل البصرة: مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والزعيم المجاهد يزيد بن مسعود النهشلي، الذي قام بجمع بني تميم وبني حَنظلة وبني سعد، وقام فيهم خطيباً وعرض عليهم ما هو عازم عليه، وقد جاء في خطابه قوله: إنَّ مُعاوية مات فأهون به - والله - هالكاً ومفقوداً، ألا وإنَّه قد أنكر باب الجور والإثم وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد أحدث بيعة، عقد بها أمراً ظنَّ أنْ قد أحكمه، وهيهات الذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، ويزيد شارب الخمور ورأس الفجور، يدَّعي الخلافة على المسلمين ويتأمَّر عليهم مع قُصْر حِلمٍ وقِلَّة علمٍ، لا يعرف مِن الحَقِّ موطئ قدمه.
فأُقسم بالله قسماً مبروراً، لَجِهاده على الدين أفضل مِن جهاد الـمُشركين.
وهذا الحسين بن علي بن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أوْلى بهذا الأمر لسابقته وسِنِّه وقِدَمه وقَرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فأكرِمْ به راعي رعيَّة، وإمام قوم وجبت لله به الحُجَّة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحَقِّ ولا تسكعوا في وَهدة الباطل... وها أنا قد لبست للحرب لامتها وادَّرعت لها بدرعها، مَن لم يُقتل يَمْت، ومَن يهرب لم يفت(1) .
____________________
(1) بحار الأنوار: ج44: ص338.
ونلمس النتيجة التي خرج بها هذا الزعيم مِن موقفه، نلمس ذلك مِن رسالته إلى الإمام الحسين، حيث كتب للإمامعليهالسلام رسالته التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم: أمَّا بعد، فقد وصل إليَّ كتابك، وفهمت ما ندبْتني إليه ودعوتني له مِن الأخذ بحظِّي مِن طاعتك، والفوز بنصيبي مِن نُصرتك، إنَّ الله لم يُخلِ الأرض قطُّ مِن عامل عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حُجَّة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرَّعتم مِن زيتونة أحمديَّة هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدِم سعدتَ بأسعد طائر، وقد ذلَّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدَّ تثابتاً في طاعتك مِن الإبل الظِّماء لورود الماء يوم خمسها، وقد ذللَّت لك رقاب بني سعد وغسلت دَرن صدورها بماء سحابة مُزنٍ حين استحلَّ برقها فلمع)(1) .
إلاَّ أنَّ رسالة النهشلي لم تصل إلى الإمام إلاَّ في وقت مُتأخِّر، حيث وصلت إليه العاشر مِن الـمُحرَّم، وقد نشبت الحرب بين الطرفين، فلـمَّا قرأها الإمام قالعليهالسلام :
(مالك، آمنك الله مِن الخوف وأعزَّك وأرواك يوم العطش)(2) .
والذي يبدو واضحاً أنَّ سعي النهشلي ما كان يتناسب وسرعة سعي الثورة، وإذا كان سعيه بطيئاً فهو نتيجة طبيعيَّة لضغط الظروف عليه، ولربَّما كان بطيئاً قياساً لسرعة الثورة الحسينيَّة المجيدة.
فقد تحرَّك وهو يقود رجاله فساروا مسافة، ثمَّ ما لبثوا أنْ وافاهم نبأ انتهاء الصراع بمقتل الإمام السبط ومَن معه، فصُدِم النهشلي صدمةً عظيمة أودت بحياته - كما روي أو كما عبَّر التاريخ بالقول: - فجزع مِن انقطاعه عنه(3) .
____________________
(1) بحار الأنوار: ج44: ص339.
(2) البحار: ج44: ص339.
(3) البحار: ج44: 339.
إنَّ هذا الزعيم النشهلي ومَن معه لم يُكتب لهم الاشتراك في المعركة، إلاَّ أنَّه مِمَّا لا شكَّ في أنَّ هؤلاء سوف يُصبحون جُزءاً مِن جمهور الثورة، الذي بدأ يتَّسع نِطاقه بعد حادثة الطَّفِّ مُباشرة.
بينما هناك مجموعة مِن جماهير الثورة مِن أهل البصرة، استطاعوا أنْ ينضمُّوا إلى قافلة الشهداء مِن رجال الثورة، مع أنَّ هؤلاء لم تصل إليهم رسائل مِن الإمام الحسينعليهالسلام بصورة خاصَّة، بلْ اندفعوا للخروج لينضمُّوا إلى المسيرة الثوريَّة، بوحي تلك الرسائل التي بعثها الإمام إلى عددٍ مِن الشخصيَّات في البصرة، فعند سَماعهم بوصول الرسائل مِن الإمام اكتفوا بذلك، فقرَّروا الخروج مِن البصرة نحو مَكَّة الـمُكرَّمة للانضمام إلى ركب الإمام، رغم صعوبة الظرف الذي تعيشه البصرة آنذاك وقد أُغلقت حدودها.
وعلى رأس هؤلاء يزيد بن نبيط العبدي، وانظم إليه عامر بن مسلم العبدي، ومولى عامر، وسيف بن مالك العبدي، والأدهم بن أُميَّة العبدي، فكانت عِدَّتهم سبعة مع ابن نبيط نفسه وولديه، فاستطاع هؤلاء أنْ يتجاوزوا تلك المخاطر التي تعيشها البصرة، فأدركوا الركب الحسيني في الأبطح مِن مَكَّة(1) .
واستمرَّ الإمام في دعوته إلى الوقوف معه في جهاده الـمُقدَّس إلى آخر أيَّام المسيرة الجهاديَّة، فقبل الواقعة بقليل اقترح حبيب بن مُظاهر الأسدي على الإمام قائلاً: إنَّ هاهنا حيَّاً مِن بني أسد أعراباً ينزلون بالنهرين، وليس بيننا وبينهم إلاَّ دواحة، أفتأذن لي في إتيانهم ودعائهم لعلَّ الله أنْ يجد بهم إليك نفعاً ويدفع عنك مكروهاً؟.
فأذن له الإمام فانطلق مُسرعاً إليهم، ولـمَّا مَثُل عندهم قال: إنِّي أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضائلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نُصرة ابن بنت رسول الله نبيِّكمصلىاللهعليهوآله ،
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص147.
فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلـمَّا أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلوه.
فاستجاب سبعون شخصاً... وخفُّوا إلى نُصرة الإمام، إلاَّ أنَّه كان في المجلس عين لابن سعد فأسرع إليه وأخبره بذلك؛ فجهَّز مفرزةً مِن جيشه بقيادة جبلة بن عمرو، فحالوا بينهم وبين الالتحاق بالحسين، فرجع حبيب حزيناً فأخبر الإمام بذلك فقال: (الحمد لله كثيراً)(1) .
فهؤلاء الجماعة الذين حيل بينهم وبين الوصول إلى الإمامعليهالسلام لا شكَّ أنَّهم سوف ينضمُّون إلى جماهير الثورة فيما بعد الواقعة، هذا جزء مِن التخطيط الحسيني في توسيع القاعدة الجماهيريَّة للثورة الـمُقدَّسة، وإلاَّ فماذا تُفسَّر هذه الدعوات مِن هذا القائد، الذي يعلم علماً يقينيَّاً بأنَّه سوف يُقتل هو ومَن معه، وأنَّ أيَّ شخصٍ ينضمُّ إليه، فإنَّه ينضمُّ إلى قافلة الشهداء؟ فإنَّ انضمام أيَّ شخصٍ أو عدَّة أشخاص إلى الـمُعسكر الحسيني، سوف لا يُغيِّر ذلك مِن مُعادلات المعركة إلى مُستوى احتمال الانتصار العسكري لسيِّد الشهداء على أعدائه، ولم يكن الانتصار العسكري وارداً في حسابات هذا الثائر. فلم يبقَ إلاَّ مُحاولة تكوين جمهور يرتبط بالثورة الـمُقدَّسة إنْ عاجلاً أو آجلاً.
ولا شكَّ أنَّ تلك الصفوة التي وقفت معه واستشهدت بين يديه، تُمثِّل القِمَّة مِن بين جماهير الثورة.
(لم يكن أصحاب الحسين قليلين بنظره، فكلٌّ منهم يُشكِّل داعية كبيرة للإسلام، ويَشْخَص أمام الأُمَّة رسولاً مِن رُسُله الذين ساروا خلف الرسول محمدصلىاللهعليهوآله ، منذ أنْ بدأ دعوته وقريش كلُّها تُناجزه وتناصبه العداء، وإذ لم يرَ الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله في عليٍّ طفلاً، وفي خديجة مُجرَّد امرأة ضعيفة، وفي ياسر وسميَّة شيخين عاجزين، وفي بلال عبداً
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص143.
رقيقاً... بلْ رأى أنَّهم سيكونون النواة القويَّة لأُمَّة الإسلام كلِّها، كذلك لم يرَ الحسينعليهالسلام في أيِّ شخصٍ مِن أصحابه امرأً يُمكن الاستغناء عنه، بلْ رأى أنّهم مُكمِّلون لركب الرسالة الأوَّل، الذي بدأ ضعيفاً بنظر قريش وأعداء الإسلام، ورأى أنَّ أيَّ شخصٍ يلتحق عن قناعة وفهم بركبه، سيكون عُنصر قوَّة إضافيَّة لتلك الثورة التي بناها الرسولصلىاللهعليهوآله .
ومِن هنا كان حُرصه على نصيحة مَن يستشفُّ أنَّهم قد يكونون مؤهَّلين للمسير معه والـمُساهمة بثروته(1) .
أمَّا مَن لم يُحالفه التوفيق مِن الـمُخلصين للانضمام إلى ركب الشهداء، فسوف يُمثِّل النواة لانطلاقة جمهور الثورة فيما بعد الواقعة.
في ثورة أهل المدينة وثورة التوَّابين وثورة الـمُختار.
____________________
(1) وتنفَّس صُبْح الحسين: ص255.
الـمُجتمع الكوفيِّ واستجابة الإمام لرسائلهم
يُعدُّ الـمُجتمع الكوفيِّ مِن أغرب وأعقد الـمُجتمعات، في تركيبته الاجتماعيَّة في عهد الثورة الحسينيَّة، حيث كانت الكوفة مِن أعظم الأمصار الإسلاميَّة وأكثرها كثافة سُكَّانيَّة، وبدأ تاريخها الإسلامي في السنة السابعة عشرة للهِجرة بعد فتح العراق مُباشرة ومَصَّرها المسلمون في تلك السنة(1) .
(وكان بناؤها الأوَّل بالقصب فأصابها حريق فبُنيت باللُّبن، وكانت شوارعها العامَّة بعرض عشرين ذراعاً بذراع اليد، وأزقَّتها الفرعيَّة بعرض سبعة أذرُع، وما بين الشوارع أماكن البناء وهي بسعة أربعين ذِراعاً والقطايع وهي بسعة وسِتِّين ذراعاً...
وزاد عمران الكوفة زيادة مفاجئة، حين هاجر إليها أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام فاتَّخذها مقرَّاً له بعد وقعة الجَمل سنة 36 للهجرة، وكان دخوله إليها في الثاني عشر مِن شهر رَجب... وتقاطر على الكوفة - إذ هي عاصمة الخلافة - كبار المسلمين مِن مُختلف الآفاق وسكنتها القبائل العربيَّة مِن اليمن والحِجاز والجاليات الفارسيَّة مِن المدائن وإيران...
وغلب على الكوفة تحت ظِلِّ الحُكم الهاشمي التشيُّع لعليٍّ ووِلْدهعليهالسلام ، ثمَّ لم يزل طابعها الثابت اللون، ووجد معه - بحُكم اختلاف العناصر التي يمَّمت المصر الجديد -
____________________
(1) صِلح الإمام الحسن: ص64.
أهواء مُناوئة أُخرى، كانت بعد قليل مِن الزمن أداة الفتن، في أكثر ما عصفت بالكوفة مِن الزعازع التاريخيَّة والرَّجَّات العنيفة لها وعليها)(1) .
فبمُقتضى تعدُّد القوميَّات والفئات والقبائل؛ فلا بُدَّ أنْ تتعدَّد النزعات والأهواء والمصالح، كلُّ قوميَّة لها خصائصها الفكريَّة والنزعات الخاصَّة في الحياة، وكلُّ قبيلة تعيش إطارها القِبَلي الضيِّق، وكلُّ فئة تحمل هَمَّها المصلحي الدنيوي الخاصّ؛ لأنَّ جميع هذه الأطراف لم تصل في الوعي الإسلامي مُستوى تذوب عنده الفوارق والنزعات والاتِّجاهات؛ فتكون النتيجة الطبيعيَّة لهذه التركيبة الاجتماعيَّة أنْ تبرز التناقضات في الموقف، ويكون الـمُجتمع مُهيَّأَ للفرقة والتشتُّت والتقلُّب.
ونلمس هذا مِن الـمُعاناة التي عاناها أمير المؤمنين عليعليهالسلام في تربيته لهذا الـمُجتمع، وقد وصفعليهالسلام ذلك الـمُجتمع بقوله: (إنَّهم أناس مُجتمعة أبدانهم، مُختلفة أهواؤهم، وإنَّ مَن فاز بهم فاز بالسَّهْم الأخيب، وأنَّه أصبح لا يطمع في نُصرتهم ولا يُصدِّق قولهم)(2) .
وفي خُطبة لهعليهالسلام شخَّص تلك التناقضات التي يعيشها ذلك الـمُجتمع، وأشار إلى الـمُعاناة التي عاشها معهم والمرارة التي تجرَّعها في سبيل تقويمهم، قالعليهالسلام : (لقد أصبحت الأُمَم تخاف ظُلم رُعاتها، وأصبحتُ أخاف ظُلم رعيَّتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سِرَّاً وجَهراً فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، أشهودٌ كغياب وعبيدٌ كأربابٍ؟ أيُّها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عقولهم الـمُختلفة أهواؤهم، الـمُبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يُطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يُطيعونه، لوددت - والله - أنَّ مُعاوية صارفني بكم
____________________
(1) صلح الإمام الحسن: ص65.
(2) الإمامة والسياسة: 1 / 138.
صَرْف الدينار بالدرهم، فأخذ مِنِّي عشرة منكم وأعطاني رجُلاً منهم.
يا أهل الكوفة، مُنيت بكم بثلاث واثنتين: صُمٌّ ذوو أسماع، وبُكمٌ ذوو كلام، وعُمي ذوو أبصار، لا أحرار صِدْق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم، يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلَّما جُمِعت مِن جانب تفرَّقت مِن جانب)(1) .
لقد أعطى أمير المؤمنين عليٌّعليهالسلام الصورة الواضحة للظواهر الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة للـمُجتمع الكوفي، ولقد كانت تجربة أمير المؤمنينعليهالسلام مع هذا الـمُجتمع تجربة مُرَّة، وكذلك تجربة ولديه الإمامين الحسن والحسينعليهماالسلام .
أمَّا التشيَّع الذي ذُكِر أنَّه كان طابعاً واضحاً على مُجتمع الكوفة، فإنِّي لا أعتقد أنَّ ذلك التشيّع هو ذلك الإيمان الصحيح الواعي لقضيَّة أهل البيت وموقعهم مِن القرآن والرسالة، والذي يعني الفهم الصحيح للإمامة وموقعها مِن العقيدة الإسلاميَّة وأنَّها صِنو الرسالة.
نعم، توجد شريحة في ذلك الـمُجتمع تحمل هذا الإيمان وهذا الوعي، إلاَّ أنَّها قليلة بالقياس إلى كَثافة ذلك الـمُجتمع، وهذه الشريحة هي التي كان نصيبها الـمُطاردة والقتل، والسجن والتجويع مِن قِبَل الحُكَّام الأُمويِّين.
أمَّا التشيُّع الذي كان واضحاً على الـمُجتمع الكوفي في عهد أمير المؤمنينعليهالسلام فإنَّه التشيُّع العاطفي الـمُجرَّد مِن الوعي الرسالي، وهذا الـمُستوى مِن التشيُّع ليس له ذلك التأثير الثابت على مواقف الإنسان، فسُرعان ما يتغيَّر ويتأثَّر بالمؤثِّرات الخارجيَّة مِن ترغيبٍ أو ترهيبٍ، وهذه هي السِمة البارزة على مُجتمع الكوفة، وقد شخَّصها الفرزدق عند لقائه مع سيِّد الشهداء في أثناء الطريق في منطقة تُسمَّى بـ (الصفاح).
____________________
(1) نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده: ص188 وص186.
(قال الفرزدق للإمامعليهالسلام : بأبي أنت وأُمِّي! يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحَجِّ!.
فأجابه بأُسلوب الحكيم: (لو أُعجِّل لأُخِذت)، فلم يُطِل معه. ثمَّ سأله الإمام عن أوضاع الكوفة، فقال الفرزدق: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أُميَّة، وأضاف قائلاً: والقضاء ينزل مِن السماء، والله يفعل ما يشاء، وربُّنا كلُّ يوم هو في شأن.
فصادق الإمام على ما تُنزِله وتقتضيه إرادة السماء فقال:
(صدقت، لله الأمر مِن قبلُ ومِن بعد، يفعل الله ما يشاء وكلُّ يومٍ ربُّنا في شأن، إنْ نزل القضاء بما نُحبُّ فنحمد الله على نعمائه، وهو الـمُستعان على أداء الشكر، وإنَّه حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدَّ مَن كان الحَقُّ نيَّته والتقوى سريرته).
وأردفعليهالسلام قائلاً:
لئِنْ تكن الدنيا تُعدُّ نفيسةً |
فدار ثواب الله أعلى وأنبل |
|
وإنْ كانت الأبدان للموت أُنشئت |
فقتل امرئٍ بالسف في الله أفضل |
|
وإنْ كانت الأرزاق شيئاً مُقدَّراً |
فقلَّة سعي المرء في الرزق أجمل |
|
وإنْ كانت الأموال للترك جمعها |
فما بالُ متروكٍ به الـمَرْءُ يبخل |
ففهم الفرزدق صَرامة الإمام وعزمه الـمُقدام على الـمُضيِّ حتَّى الفتح الأكبر)(1) .
فنُلاحظ - هنا - أنَّ الفرزدق قد شخَّص حالة مُجتمع الكوفة آنذاك، وبأنَّه يعيش حالة مِن الانشطار ما بين واقعه النفسي والعاطفي، وبين المواقف العمليَّة تِجاه الإمام، فهو يحمل عاطفة تِجاه الحسينعليهالسلام ولكنْ لـمَّا كانت هذه العاطفة لم يكنْ منشؤها الوعي الإيماني، المبنيَّ على الفهم الصحيح لدور أهل البيت وموقعهم القيادي في حياة الأُمَّة... لـمَّا لم تكن هذه العاطفة كذلك لم يكن لها أيُّ أثر على موقف ذلك الـمُجتمع تجاه الإمامعليهالسلام .
وقد كشف أبو الأحرار في خُطبته يوم عاشوراء الواقع السيِّء لذلك الـمُجتمع، حينما قالعليهالسلام - وقد وجّه خطابه إليهم قائلاً - لهم:
(تبَّاً لكم أيَّتُها الجماعة وترحاً، أفحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجِفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم،
____________________
(1) التسيير الذاتي لأنصار الحسين: ص159 وص160، هذا وقريب منه أنَّ الإمام الحسينعليهالسلام التقى مع الفرزدق في مكان يُقال له: (الشقوق) موضع بعد زُبالة للذاهب مِن الكوفة إلى مَكَّة وذكر الأبيات الأربعة مع بعض الاختلافات، كلُّ ذلك ذكره ابن أعثم الكوفي الـمُتوفَّى نحو 314 هـ في الفتوح: ج5: ص71، وكذلك نقل الـمُقرَّم عن الخوارزمي في مقتله ج1 ص233 وقال: (اشتباه)، بينما نقل ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب: ج4: ص103 طبع دار الأضواء: فلـمَّا نزل شقوق أتاه رجل فسأله عن العراق فأخبره بحاله فقال: (إنَّ الأمر لله يفعل ما يشاء وربُّنا تبارك كلُّ يومٍ هو في شأن، فإنْ نزل القضاء فالحمد لله على نعمائه وهو الـمُستعان على أداء الشكر، وإنْ حال القضاء دون الرجاء فلم يبعُد مَن الحَقُّ نيَّتُه) ثمَّ أنشد:
فإنْ تكن الدنيا تُعدُّ نفيسةً |
فدار ثواب الله أعلى وأنبل |
|
وإنْ تكن الأموال للترك جمعها |
فما بالُ متروكٍ به الحُرُّ يبخل |
|
وإنْ تكن الأرزاق قِسماً مُقدَّراً |
فقلَّة حرصٍ المرء في الكسب أجمل |
|
وإنْ تكن الأبدان للموت أُنشئت |
فقتل امرئٍ بالسيف في الله أفضل |
|
عليكم سلام الله يا آل أحمدٍ |
فإنِّي أراني عنكمُ سوف أرحل |
فيبدو مِن ابن شهرآشوب: أنَّ الذي التقى مع الإمامعليهالسلام رجل غير الفرزدق، وأنَّ الأبيات أنشدها الإمام وكانت لغيره، خصوصاً مع إضافة البيت الخامس، بينما الذي ذكره ابن أعثم والخوارزمي: إنَّ الذي التقى مع الإمامعليهالسلام هو الفرزدق والأبيات للإمام أنشأها.
وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوِّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاَّ لكم الويلات، تركتمونا والسيف مَشيم والجأش طامن والرأي لـمَّا يَستحصِف، ولكنْ أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمَّ نقضتموها، فسُحقاً لكم يا عبيد الأُمَّة، وشُذَّاذ الأحزاب، ونَبذة الكتاب، ومُحرِّفي الكَلِم، وعُصبة الآثام، ونفثة الشيطان، ومُطفئي السُّنن. ويحَكُم! أهؤلاء تعضدون وعنَّا تخاذلون. أجل والله، الغدر فيكم قديم، وشجت إليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمرة شجىً للناظر وأكلة للغاصب)(1) .
وأيُّ تصوير أدقُّ مِن هذا التصوير لما اتَّصف به ذلك الـمُجتمع مِن مظاهر اجتماعيَّة مُنحرفة، وما ساده مِن النزعات الشيطانيَّة والرذائل الخُلقيَّة مِن سرعة التلوُّن والغدر والانقلاب، على مَن جاء مُلبِّياً استغاثتهم؛ ليُخلِّصهم مِن رِبقة الذِّلِّ الذي كانوا يعيشونه، تحت وطأة الظلم مِن أعدائهم وأعداء الأُمَّة، فسُرعان ما وقفوا إلى جانب جلاَّديهم في وجه مُحرِّريهم، فأصبحوا القوَّة الضاربة، والأداة الـمُنفِّذة لمآرب الظالمين.
وقد أصبحوا بذلك مِن أحطِّ شعوب الأرض، فهُمْ عبيد الأُمَّة وشُذَّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، وعصبة الإثم ومُحرِّفي الكَلِم ومُطفئي السُّنن... إلى آخر القائمة مِن الصفات الدنيئة والنزعات الشريرة.
____________________
(1) اللهوف: ص58.
وهنا تأتي الإشكاليَّة ويطرح السؤال نفسه: أما كان الإمام الحسينعليهالسلام مُطَّلعاً على سلبيَّات هذا الـمُجتمع وتقلُّباته؟ ألم يُعايش الإمام هذا الـمُجتمع إلى جانب أبيه أمير المؤمنين وأخيه الإمام الحسنعليهمالسلام في مِحنتهما مع الـمُجتمع الكوفيِّ؟ فكيف يثق الإمام في هؤلاء، فيستجيب لرسائلهم ودعوتهم بالخروج إليهم حتى حَدَثَ ما حَدَثَ؟
هذا الأشكال أو هذا التساؤل طالما طُرِح مِن قِبَل الكثيرين في القديم والحديث، وقد أُجيب عليه بوجوه مُختلفة، تتناسب مع القراءات الـمُختلفة والتفسيرات الـمُتعدِّدة للثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة، وهنا يأتي الجواب مَبنيَّاً على ما سَبَق مِن القراءات لنصوص الثورة، فنُذكِّر القارئ الكريم بما أشرنا إليه سابقاً مِن أنَّ الإمام الحسينعليهالسلام لم يكن الانتصار العسكري على الدولة الأُمويَّة في حساباته، وأنَّ الهدف الـمُقدَّس الذي وضعه نُصب عينيه - ولا هدف سواه - هو التضحية والشهادة لإيقاظ الأُمَّة مِن رقْدتها الـمُميتة، وتجديد روح الجهاد ومُقاومة الفساد والانحراف؛ ولتبقى هذه الروح سارية المفعول في حياة الأُمَّة بكلِّ أجيالها.
وإنَّ هذا الهدف وذلك التصميم لدى سيِّد الشهداء لم تبعثه رسائل أهل الكوفة، وإنَّما الباعث له هو الشعور بالمسؤوليَّة أمام الله والإسلام والأُمَّة؛ لأنَّه تكليف ربَّاني اندفع الإمام للقيام به وامتثاله.
ولم يكن أبو الأحرار يجهل حال الـمُجتمع الكوفي وتناقضاته، إلاَّ أنَّ الإمام وجد المسير نحو العراق هو أفضل الخيارات - إنْ لم يكن الخيار الوحيد الـمُناسب لهدفه الـمُقدَّس - لا لأنَّهم كتبوا إليه فقط، بلْ لأنَّ العراق أنسب أرضيَّة اجتماعية تتنامى فيه جماهير الثورة فيما بعد الشهادة، بالرغم مِن أنَّ الـمُجتمع الكوفي قد نفَّذ إرادة السلطة الحاكمة في قتال وقتل الإمامعليهالسلام ؛ نظراً إلى ما أشرنا إليه فيما سَبَق مِن وجود شريحة واعية لقضيَّة أهل البيت مع قِلَّتها، إلاَّ أنَّها تُمثِّل النواة لتنامي هذا الخَطِّ مع مرور الأيَّام.
بالإضافة إلى ذلك أنَّ الإمامعليهالسلام إذا لم يخرج إلى العراق، فما هو البديل الـمُتصوَّر مِن بين سائر الأقطار الإسلاميَّة، لينطلق منه الإمام لأداء رسالته الجهاديَّة، والخيارات التي يُمكن تصوُّرها هي كما يلي:
الخيار الأوَّل: السكوت والتراجع عن الثورة، والاستسلام لذلك الواقع الـمُنحرف عن خَطِّ الإسلام، هذا ما لا يرتضيه الإمام لنفسه بأنْ يقعد عن أداء مسؤوليَّته الرساليَّة ويترك الإسلام والأُمَّة يسيران نحو الهاوية التي يُريدها لهما الحُكم الأُموي.
الخيار الثاني: أنْ يبقى في مَكَّة فيُعلن رفضه لبيعة يزيد وعدم اعترافه بحُكمه، وعندها يُقتَل في داخل الحرم فيُهتك حرم الله، وهذا ما يتحاشاه الإمام؛ لأنَّه هو أحرص الناس على حُرمة بيت الله تعالى، وهذا ما أجاب بهعليهالسلام يقول: (ولئنْ أقلَّ وبيني وبين الحرم باعٌ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أُقتَل وبيني وبينه شبراً، ولئن أُقتل بالطَّفِّ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أُقتل بالحرم)(1) .
الخيار الثالث: أنْ يبقى في المدينة المنوَّرة مع رفضه لبيعة يزيد، ويواصل أداء تكليفه مِن هناك؛ وتكون النتيجة بأنْ يُستشهَد الإمام مِن دون أنْ يكون لشهادته أيُّ مَدٍّ ثوريٍّ في حياة الأُمَّة؛ لأنَّ النظام الأُموي سوف يعمل على خنق الثورة في مَهدها فلا يترتَّب عليها الأثر المنشود، على عكس ما كان لها مِن أثر عندما قام الإمام بتلك المسيرة التي قطعها نحو كربلاء، حيث كان على مدى أربعة أشهر قد قام بعمليَّة إعلاميَّة خطيرة لثورته الـمُقدَّسة، فاستطاع مِن خلالها أنْ يضع الأُمَّة أمام مسؤوليَّتها الشرعيَّة.
(إنَّه كان سيذهب إلى الكوفة، حتَّى إذا لم تكن دعوتهم له بتلك الحرارة وذلك الإلحاح؛ لأنَّ قضيَّته تُعرِّضه للخطر الـمُؤكَّد في المدينة أو مَكَّة دون عرض قضيَّته
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص326.
بشكل واضح، ورفعها أمام الأُمَّة كقضيَّة يُعتمَد عليها، مصيرها ووجودها أمر مُحتَّم؛ وحينذاك لن يجني هو أو الأُمَّة أيَّ شيءٍ جرَّاء ذلك الموت، وستُزوَّر القضيَّة برُمَّتها وتُعرَض بالشكل الذي يُريده الإعلام الأُموي ثمَّ يضيع كلُّ شيءٍ)(1) .
وكذلك الحال لو اختار جِهة أُخرى - كاليمن مثلاً - فإنَّه لا يتمكَّن أنْ يُعطي ثورته هذه القوَّة التي أوجدها في مسيرة الأُمَّة وأجيالها، فلو فعل ذلك (لم يكن ذلك سوى هزيمة أراد بها حِفظ حياته التي لم تمتدَّ على الأغلب إلاَّ لبِضع سنوات، فهو في مُنتصف العقد السادس مِن عمره الشريف، وسينتهي بموته كلُّ شيء بعد أنْ يقضي تلك السنوات القليلة معزولاً وبعيداً عن الأُمَّة، وستضيع قضيَّته وينتهي كلُّ شيء وكأنْ لم يَحدَث شيء.
إنَّ الأُمَّة ستُسجِّل في تاريخها أنَّ الحسينعليهالسلام قد اكتفى برفض بيعة يزيد وحسب، وقد تهيَّأت له الظروف الموضوعيَّة للثورة، بعد أنْ دعاه أهل العراق ولم يذهب إليهم، ولو كان قد استجاب لدعوتهم لكانوا قد ساروا خلفه واستجابوا له بإخلاص وواجه معهم الدولة الأُمويَّة، وربَّما أطاح بها، وأنَّه قد أخطأ بقعوده في مَكَّة أو بهروبه إلى اليمن لو كان ذلك قد تمَّ فعله)(2) .
وسوف يترك هذا الموقف أثره السيِّء على مسيرة الأُمَّة؛ حيث سوف تبقى مُستسلمة للجور والظلم، وتستمرُّ في انحدارها الـمُميت إلى أنْ تُصبح في حالة يصعب إرجاعها - معها - إلى خَطِّها الصحيح إنْ لم يكن ذلك مُستحيلاً.
فكان المضيُّ إلى الكوفة هو الخيار الأمثل للإمامعليهالسلام ، وكان تعامله مع رسائل أهل الكوفة تعامُلاً طبيعيَّاً جِدَّاً، بغَضِّ النظر عن النتائج، فأرسل لهم جوابه الأوَّل الذي
____________________
(1) وتنفَّس صُبح الحسين: ص446.
(2) وتنفَّس صُبح الحسين: ص449.
جاء فيه: (أمَّا بعد: فإنَّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم، وكان آخر مَن قَدِم عليَّ مِن رُسُلِكم، وقد فهمت كلَّ الذي قصصتم وذكرتم، ومَقالة جُلِّكم: إنَّه ليس علينا إمام فأقبل لعلَّ الله يجمعنا بك على الهُدى والحَقِّ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عَمِّي وثقتي مِن أهل بيتي، وأمرته أنْ يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإنْ كتب إليَّ أنَّه قد أجمع رأي مَلَئكم وذوي الفضل والحُجْى منكم مِثل ما قَدِمتْ عليَّ به رُسلكم، وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكاً إنْ شاء الله. فلعمري ما الإمام إلاَّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحَقِّ، والحابس نفسه على ذات الله والسلام)(1) .
وعندما وصل السفير الحسيني (مسلم بن عقيل) إلى الكوفة، قام بمُهمَّته التي أرسله الإمام مِن أجلها، وهي استطلاع أحوال أهل الكوفة، والكتابة إلى الإمام بما يظهر له مِن مواقفهم وآرائهم، وقد كان اندفاعهم نحو البيعة اندفاعاً سريعاً، إلاَّ أنَّ ذلك الاندفاع لم يكن نابعاً عن شعور بالمسؤوليَّة الشرعيَّة تجاه هذه الثورة وتجاه الرسالة الإسلاميَّة، وإنَّما هو اندفاع عاطفيٌّ يتناسب مع الظروف في بداية الأحداث في الكوفة، حيث كانت الظروف أشبه بالظروف الطبيعيَّة، فلا إرهاب ولا إرغاب. ولعلَّ الأغلبيَّة الساحقة مِن الـمُندفعين للبيعة إنَّما كان اندفاعهم رجاء نجاح الثورة الحسينيَّة في القضاء على النظام الأُموي، واستيلاء الإمام على أزمَّة الحُكم، فيُصيبوا شيئاً مِن عطايا وجوائز الحُكم الجديد، ولكنْ عندما انقلبت الأوضاع بعد دخول ابن زياد إلى الكوفة، تلاشى ذلك الحماس وتراجع ذلك الاندفاع، بلْ انقلب الموقف بعدما كانوا أنصاراً للثورة أصبحوا أنصاراً للنظام الحاكم.
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص312 وص313، واللهوف: ص58.
ولعلَّ أبا الأحرار إنَّما يعني هذا المعنى حيث يقولعليهالسلام :
(فهلاَّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مَشيم والجأش طامن والرأي لـمَّا يَستحصف، ولكنْ أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمَّ نقضتموها فسُحقاً لكم)(1) .
وشاءت الأقدار للسفير الحسيني العظيم (مسلم) أنْ يكون افتتاحيَّة ديوان الشهادة في هذه الثورة الـمُقدَّسة، حيث قام بمُهمَّته على أكمل وجه، وأبدى هذا البطل العملاق - مِن البطولة والجهاد - ما يُعتبر مِن أروع ما سجَّله التاريخ لأبطاله وصانعيه، فإنَّه قد واجه النظام الأُموي بكلِّ ما يمِلك في الكوفة مِن قوَّة عسكريَّة، مِن دون أنْ يُعطي مسلم أيَّ تنازلٍ عن شيء مِن مبادئه وأهدافه التي أُرسل مِن أجلها، حتَّى كتب بدمائه أوَّل مَلحمة مِن ملاحم الثورة، وعندما وصل خبر استشهاد مسلم إلى الحسين، وهو في طريقه إلى الكوفة، حزن عليه حزناً شديداً وأبَّنه بقوله:
(رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيَّته ورضوانه)، ثمَّ أضاف قوله: (إنَّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا)(2) .
والجدير بالذكر أنَّ الإمامعليهالسلام إلى الآن - أيْ في هذا الموقف - لم يصطدم بالنظام ولا زال لديه الفرصة للتراجع عن المضيِّ إلى الكوفة لو أراد ذلك، ولكنْ لـمَّا كان تصميمه
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص193.
(2) التسيير الذاتي لأنصار الحسين: ص169.
السابق مواصلة السير نحو الكوفة، حتَّى يصطدم بالنظام في حرب جهاديَّة وتضحية دمويَّة، تهزُّ أركان الحُكم الأُموي، وتوجد خَطَّاً جهاديَّاً مُستمرَّاً، لـمَّا كان هذا هدفه استمرَّ في السير، ولم ينثنِ عن عزمه، وبهذا أجاب الإمام الحُرَّ الرياحي عندما التقى به في الطريق، والحر على رأس ألف فارس، وقد كُلِّف أنْ يجوب الصحراء مِن أجل مُحاصرة الحسين؛ ليدخله الكوفة بالقوَّة.
وبعد الجدال الذي حصل بينهما، وأصرَّ الإمام - وبقوَّة - على عدم إذعانه لإرادة الحُرِّ، قال الحُرُّ للإمام: إنِّي أُذكِّرك الله في نفسك، إنِّي لأشهد لئن قاتلت لتُقتلَنَّ. أيْ: إنْ قاتلت فيما بعد - لا يقصد مُقاتلة جيشه؛ إذ لم يكن الحُرُّ مُستعدَّاً لقتال الإمام أبد... - وسَخَر الإمام مِن التهديد بالقتل، فالقتل في سبيل الله ليس بعارٍ يَحذره الإمام، بلْ وسام الشرف الذي لا يُدانيه وسام، قال الإمام:
(أفبالموت تُخوِّفني؟! وهل يعدو بكم الخَطب أنْ تقتلوني؟! وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عَمِّه، وهو يُريد نُصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فخوَّفه ابن عَمِّه وقال: أين تذهب فإنَّك مقتول، فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
إذا ما نوى حَقَّاً وجاهد مُسلماً |
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وباعد مُجرماً |
|
فإنْ عشت لم أندم وإنْ مِتُّ لم أُلَمْ |
كفى بك ذلَّاً أنْ تعيش وتُرغم(1) |
ولـمَّا سمع الحُرُّ ذلك تنحَّى عنه، وعرف أنَّه مُصمِّم على الموت، وعازم على التضحية في سبيل غايته الهادفة إلى الإصلاح الشامل(2) .
____________________
(1) الإرشاد للشيخ الـمُفيد: ج2: ص81 وتقدَّمت بعض مصادره.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3: ص81 وص82.
وواصل أبو الأحرار مسيرته حتَّى حَطَّ رحاله بين النواويس وكربلاء، وهو مَقرُّ الـمَصرع الذي اختير له كما قالعليهالسلام :
(وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطِّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مِنِّي أكراشاً جَوفاً وأجربة سُغباً، لا محيص مِن يوم خُطَّ بالقلم)(1) .
وقد شبَّه الإمام الفئة التي قامت بجريمة قتله بـ (عُسلان الفلوات)، وهي ذئاب الفلوات، فهم كالوحوش الـمُفترسة التي لا ترحم فريستها. وبهذا قد أخرجها الإمام مِن حَيِّز الإنسانيَّة.
____________________
(1) موسوعة الإمام الحسين: ص328.
القراءة الرابعة
في البُعد الروحي
أ - تمهيد (البُعد الآخر في وجود الإنسان)
ب - الإنسان بين حُبِّ الله وحُبِّ الدنيا
ج - مظاهر الحُبِّ الإلهي في مُمارسات الثورة:
1 - الصلاة.
2 - الدعاء.
3 - الصبر.
تمهيد
(البُعد الآخر في وجود الإنسان)
إنَّ الله تبارك وتعالى قد خلق الإنسان مُركَّباً مِن بُعدين:
الأوّل: البُعد المادِّي، ويتمثَّل في هذا الجسم الذي قد توصَّل العلم إلى اكتشاف الكثير مِن أسراره وأبعاده.
وأمَّا البُعد الثاني: فيتمثَّل في البُعد المعنوي (الروحي) الذي لا يزال غامضاً برغم الدراسات، التي وضعت في هذا المجال.
(ويُظهر تاريخ العلم والمعرفة الإنسانيَّة، أنَّ قضيَّة الروح وأسرارها الخاصَّة كانت محط توجُّه العلماء، حيث حاول كلُّ عالم الوصول إلى محيط الروح السرِّي؛ ولهذا السبب ذكر العلماء آراءً مُختلفة وكثيرة حول الروح.
ومِن الـمُمكن أنْ تكون علومنا ومعارفنا اليوم - وكذلك في الـمُستقبل - قاصرة عن التعرُّف على جميع أسرار الروح والإحاطة بتفصيلاتها، بالرغم مِن أنَّ روحنا هي أقرب شيء لنا مِن جميع ما حولنا؛ وبسبب الفوارق التي تفصل بين جوهرة الروح وبين ما نأنس به مِن عوالم، فإنَّنا لن نُحيط بأسرار وكُنه الروح أُعجوبة الخلق والمخلوق الذي تتسامى على المادَّة، ولكنْ كلُّ هذا لا يمنعنا مِن رؤية أبعاد الروح بعين العقل، وأنْ نتعرَّف على النظم والأُصول العامَّة الحاكمة عليها)(1) .
____________________
(1) التفسير الأمثل: ج9: ص104.
أمَّا خالق الروح، فإنَّه تعالى يقول:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) .
والأمر الذي منه إيجاد الروح: هو كلمة الإيجاد السماويَّة وفعله تعالى الـمُختصُّ به، الذي لا تتوسَّط فيه الأسباب ولا يتقدَّر بزمان أو مكان وغير ذلك(2) .
وأمَّا قوله:( ... وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) أيْ: ما عندكم مِن العلم بالروح الذي آتاكم الله ذلك قليل مِن كثير، فإنَّ له - الروح - موقعاً مِن الوجود وخواصَّاً وآثاراً في الكون عجيبة بديعة، أنتم عنها في حِجاب(3) .
والبُعد الروحي مِن وجود الإنسان هو الذي يُمثِّل حقيقة الإنسان، وأمَّا الجسم فإنَّه لا يعدو كونه قالباً مُسخَّراً لذلك البُعد المعنوي، فإنَّ (العلماء الإلهيين والفلاسفة الروحيِّين يعتقدون بأنَّ الإنسان، وبالإضافة إلى المواد التي تدخل في تشكيل جسمه، ينطوي وجوده على حقيقة جوهريَّة أُخرى لا تتجلَّى فيها صفات المادَّة - وقد أقاموا الأدلَّة على ذلك في محلِّها - إنَّ جسم الإنسان يخضع لتأثيرها بشكل مُباشر وفاعل.
وبعبارة أُخرى: فإنَّ الروح هي حقيقة مِن حقائق ما رواء الطبيعة - أيْ الميتافيزيقيا - حيث إنَّ تركيبها وفعاليَّتها هي غير تركيب وفعاليَّة عالم المادَّة، صحيح أنَّها ذات ارتباط مع عالم المادَّة، إلاَّ أنَّها ليست مادَّة فلا تمتلك خواصَّ المادَّة)(4) .
____________________
(1) الإسراء: 85.
(2) الميزان في تفسير القرآن: ج13: ص197.
(3) الميزان: ج13: ص199.
(4) التفسير الأمثل: ج9: ص104.
الإنسان بين حُبِّ الله وحُبِّ الدنيا
وبما أنَّ الروح هي التي تُمثِّل حقيقة الإنسان، فإنَّ استقامته وانحرافه، وارتفاعه وانحطاطه، وكماله ونقصه يدور كلُّ ذلك مدار ما يحمل مِن مَلكات ومقوِّمات روحيَّة ومعنويَّة، والجدير بالذكر أنَّه لا بُدَّ للإنسان مِن جهة يتعلَّق بها روحيَّاً، فيكون ذلك التعلُّق هو المحور الأساسي، الذي تدور عليه نشاطات الإنسان ومُمارساته في الحياة، وهذه الجهة مردَّدة بين محورين: بين الله الخالق تعالى، وبين عالم المادَّة المحدود والحياة الدنيويَّة الزائلة، وحقيقة هذا التعلُّق هو الحُبُّ والعشق للـمُتعلِّق به، أيْ: أنَّ الإنسان يعيش بين هذين المحورين، فمتى جذبه أحدهما تلاشت علاقته بالآخر.
فإذا كان الإنسان مُرتبطاً بالله تعالى ارتباطاً روحيَّاً صحيحاً - وهذا هو الإيمان - فقد أصبح يملك محور كماله واستقامته، وتعاليه وسعادته، وبقدر ما يكون هذا الارتباط قويَّاً وثابتاً في أعماق وجود الإنسان، فإنَّه يملك القوَّة في مواقفه وتسطبغ حياته بالصبغة الإلهيَّة الربَّانيَّة، ومتى ما ضعف هذا الارتباط بين الإنسان وخالقه فإنَّ حياته تتَّسم بالضعف والتذبذب.
وأمَّا إذا تلاشى أو انقطع هذا الارتباط، فإنَّ حياة الإنسان سوف تتَّخذ منحىً آخر، بعيداً عن فطرته وإنسانيَّته وكماله؛ لأنَّه قد جذبه القطب الآخر وهو حُبُّ الدنيا، وبذلك سوف تختلف مظاهر حياته وأساليب تعامله مع الحياة والأشياء مِن حوله.
وفي الحديث عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: (رأس كلِّ خطيئة حُبُّ الدنيا)(1) .
وعن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام : (جُعل الخير كلُّه في بيت، وجعل مفتاحه الزُّهد في الدنيا)(2) .
وعنهعليهالسلام : (حرام على قلوبكم أنْ تعرف حلاوة الإيمان حتَّى تزهد في الدنيا)(3) .
وعنهعليهالسلام : (إذا تخلَّى المؤمن مِن الدنيا سَما ووجد حلاوة حُبِّ الله... فلم يشتغلوا بغيره)(4) .
فالتعلُّق بالله تعالى والحُبُّ الصادق له لا يجتمع مع التعلُّق بالدنيا وحُبِّها؛ فإنَّهما نقيضان لا يجتمعان؛ فإنَّ حقيقة التعلُّق بالله تعالى هو أنْ يعيش العبد حالة مِن الحُبِّ والعشق الإلهي، فيبني علاقته بالأشياء مِن حوله على أساس هذا الحُبِّ.
وإنَّ مِن لوازم هذا الحُبِّ هو الطاعة والاستقامة على صراط الله تعالى في الحياة، كما يُشير إلى ذلك قوله تعالى:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ... ) (5) .
ومِن مُعطيات هذا الحُبِّ وآثاره أنْ يُحبَّ العبد في الله ويُبغض في الله، كما في الحديث عن الإمام الصادقعليهالسلام : (ودُّ المؤمن للمؤمن في الله مِن أعظم شُعب الإيمان، ألاْ ومَن أحبَّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله، فهو مِن أصفياء الله)(6) .
وعن الإمام زين العابدينعليهالسلام : (إذا جمع الله عَزَّ وجَلَّ الأوَّلين والآخرين، قام مُنادٍ فنادى يُسمِع الناس، فيقول: أين الـمُتحابُّون في الله؟ قال: فيقوم عُنق مِن الناس فيُقال لهم: اذهبوا إلى الجَنَّة بغير حساب)(7) .
____________________
(1) أُصول الكافي: ج2: ص315.
(2) أُصول الكافي: ج2: ص128 حديث 2.
(3) أُصول الكافي: ج2: ص128 حديث 2.
(4) الكافي: ج2: ص30 حديث 10.
(5) آل عمران: 31.
(6) أُصول الكافي: ج2: ص125: حديث 3 في باب الحُبِّ في الله.
(7) المصدر السابق: ج2: ص126: حديث 8.
هذا الحُبُّ الذي بين المؤمنين إنَّما ترشَّح عن حُبِّهم لله تعالى، حيث يجمعهم هذا الحُبُّ ويربط بين قلوبهم.
أمَّا هذا الحُبُّ في قلوب الأولياء والدُّعاة الربَّانيِّين، فإنَّه يصل إلى درجة يترشَّح منها حتَّى على الأعداء والـمُبغضين، فيعيش الداعية الربَّاني التألُّم والحسرة على أعدائه، حيث يعيشون الشقاء والبُعد عن الله تعالى، فيبذل كلَّ جُهده مِن أجل إنقاذهم وإخراجهم مِن دائرة الشيطان إلى دائرة الرحمان.
فهذا سيِّد الشهداء الإمام الحسينعليهالسلام يُخاطب أعداءه - وهو في حالة حرب معهم، وقد تألَّبوا عليه وصمَّموا على قتله - مُحذراً لهم مِن مَغبَّة ما هم فيه مِن الركون إلى الدنيا، فقالعليهالسلام :
(الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، مُتصرِّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور مَن غرَّته والشقيُّ مَن فتنته، فلا تغرَّنكم هذه الدنيا، فإنَّها تقطع رجاء مَن ركن إليها، وتُخيِّب طمع مَن طمع فيها. أراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلَّ بكم نقمته وجنَّبكم رحمته. فنِعْمَ الرَّبُّ ربُّنا وبِئْسَ العبيدُ أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّدصلىاللهعليهوآله ، ثمَّ إنَّكم زحفتم إلى ذُرِّيَّته وعِترته تُريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم؛ فتبَّاً لكم ولما تُريدون، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين)(1) .
____________________
(1) بحار الأنوار: ج45: ص5 - 6، والعوالم (الإمام الحسين): ص249، ومقتل الحسين للخوارزمي: ج1: ص252.
وقالعليهالسلام في خطاب له آخر، مُحذِّراً مِن الاغترار بالدنيا الزائلة، وكيف جعلها أُولئك القوم بديلاً عن حُبِّ الله تعالى:
(عباد الله، اتقوا الله وكونوا مِن الدنيا على حَذر؛ فإنَّ الدنيا لو بقيت لأحد، وبقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحقَّ بالبقاء، وأوْلى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أنَّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء وخلق أهلها للفَناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مُضْمَحل، وسرورها مُكْفهر، والمنزل بُلغة، والدار قلعة، فتزوَّدوا فإنَّ خير الزاد التقوى، واتَّقوا الله لعلَّكم تُفلحون)(1) .
ولا شكَّ في أنَّ هذه التحذيرات مِن الإمام لأُولئك القوم، إنَّما يُريد بها إنقاذهم مِن هذا السقوط الذي وقعوا في بؤرته؛ رحمةً بهم وإشفاقاً عليهم.
وأمَّا هذا الحُبُّ الإلهي في حياة الشهداء والـمُجاهدين، فإنَّه يُمثِّل القاعدة التي ينطلق منها الـمُجاهد نحو ميادين التضحية والجهاد، مُندفعاً بدافع الشوق إلى لقاء المحبوب والانتقال إلى جواره، قال الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام :
(وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخْيِر لي مصرع أنا لاقيه)(2) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص282.
(2) تقدَّمت مصادره في: ص54: هامش 2.
فشوْقُ أبي الأحرار إلى أسلافه ناشئ مِن شوقه إلى لقاء الله؛ لينظم إلى قافلة الأنبياء وهُداة البشريَّة في مقعد صدق عند مَليك مُقتدر، وقد ترشَّح هذا الشوق على أرواح تلك الصفوة مِمَّن حولهعليهالسلام ، فلقد قام فيهم خطيباً ليلة العاشر مِن الـمُحرَّم فقال:
(اللَّهمَّ، إنِّي لا أعرف أهل بيتٍ أبرَّ ولا أزكى ولا أطهر مِن أهل بيتي، ولا أصحاباً همْ خير مِن أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون وأنتم في حِلٍّ مِن بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة ولا لي عليكم ذِمَّة، وهذا الليل قد غَشيكم فاتَّخذوه جَملاً وتفرَّقوا في سواده، فإنَّ القوم إنَّما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري)(1) .
(فقالوا: لا والله لا يكون هذا أبد. قالعليهالسلام :
(إنَّكم تقتلون غداً كذلك (كلُّكم خ ل) لا يُفلت منكم رجل).
قالوا: الحمد لله الذي شرَّفنا بالقتل معك، ثمَّ دعا وقال لهم: (ارفعوا رؤوسكم وانظروا)، فجعلوا ينظرون إلى مواضعه ومنازلهم مِن الجَنَّة وهو يقول لهم: (هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يا فلان).
____________________
(1) الأمالي للشيخ الصدوق: ص220، وبحار الأنوار: ج44: ص316، والعوالم (الإمام الحسين): ص165.
وكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه، ليصل إلى منزله مِن الجَنَّة) (1) .
هكذا تفاعلت أرواحهم مع حُبِّ الله والشوق إليه، حتَّى لم يعد أحدهم يرى غير عالم الملكوت، ولا غاية يُريدها إلاَّ الانتقال إلى جوار الله تعالى.
____________________
(1) الخرائج والجرائح للقطب الراوندي: ج2: ص847 ص848 حديث 62، وعنه في البحار: ج44: ص298، والعوالم: ص350.
مظاهر الحُبِّ الإلهي في مُمارسات الثورة
إنَّ المواقف التي وقفها أبو الأحرار في مسيرته الثوريَّة، وكذلك التصريحات التي أدلى بها الإمامعليهالسلام ، لها دلالتها البعيدة التي تُشير إلى أبعاد ثورته ومُعطياتها، أمَّا المظاهر والـمُمارسات التي تُشير إلى البُعد الروحي مِن أبعاد هذه الثورة، فيُمكن الإشارة إلى ما يلي مِن تلك الـمُمارسات الحسينيَّة:
1 - الصلاة
مِن الأُمور الواضحة في الشريعة الإسلاميَّة، إعطاء الأهميَّة الكبيرة لفريضة الصلاة، ودورها في حياة الإنسان المسلم، وأنَّها تحتلُّ الصدارة مِن بين التكاليف الإلهيَّة في الإسلام، بلْ تُمثِّل الصلاة المكانة المحوريَّة لسائر الواجبات، كما أكَّدت على ذلك النصوص الكثيرة، كما عن عليٍّعليهالسلام ، قال: (قال رسول الله: إنَّ عمود الدين الصلاة، وهي أوَّل مَن يُنظر فيه مِن عمل ابن آدم، فإنْ صحَّت نُظر في عمله، وإنْ لم تصحَّ لم يُنظر في بقيَّة عمله)(1) .
وتُمثِّل الصلاة الصلة القلبيَّة والروحيَّة بين العبد وبين ربِّه تعالى، وبما أنَّ الصلاة تحتلُّ هذه المرتبة في نظر الشريعة؛ فمِن الطبيعي بلْ مِن الضروري أنْ يؤكِّد عليها الإمام سيِّد الشهداءعليهالسلام في مُمارسته يوم الطَّفِّ، وهذا هو الذي يلتقي مع أهداف الثورة؛ فإنَّ
____________________
(1) وسائل الشيعة: ج3: ص23.
الهدف الرئيسي مِن هذه الثورة الـمُقدَّسة الحفاظ على حقائق الشريعة، وإعطاء الفرائض الإسلاميَّة مدلولها الصحيح.
إنَّ إقامة هذه الفريضة - أيْ الصلاة - جزء مِن هدفه الثوريِّ، إلاَّ أنَّه يُريد الصلاة التي تدفع الإنسان إلى الجهاد، والصلاة التي تنهى عن الفحشاء والـمُنكر، والصلاة التي تُعطي آثارها التربويَّة على شخصيَّة الإنسان المسلم، لا مُجرَّد الحركات الاستعراضيَّة التي يقوم بها الكثير مِن المسلمين.
فعندما زحف عسكر ابن سعد نحو مُعسكر الحسينعليهالسلام ، عصر اليوم التاسع مِن الـمُحرَّم مُعلناً بداية الحرب، التفت الإمام إلى أخيه العباس، وقال له: (ارجع إليهم، فإنْ استطعت أنْ تؤخِّرهم إلى غُدوة لعلُّنا نُصلِّي لربِّنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنِّي أُحبُّ الصلاة وتِلاوة كتابه وكَثرة الدعاء والاستغفار).
ورجع إليهم أبو الفضل العباس، فأخبرهم بكلام أخيه وعرض ابن سعد الأمر على الشمر، وبعد تداول ما بين قيادات جيش ابن سعد أجابوهم إلى ذلك.
(فلـمَّا أمسى الحسين وأصحابه قاموا الليل كلَّه، يُصلُّون ويستغفرون ويدعون ويتضرَّعون، وإنَّ حسيناً ليقرأ:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (1) )(2) .
وقد وصفهم المؤرِّخون بأنَّ لهم دويَّاً كدويِّ النحل، وهم ما بين قائم وقاعد، وراكع وساجد، وقارئ للقرآن ولم يذق أحد منهم طَعم الرُّقاد.
ولقد أفاض أبو عبد اللهعليهالسلام مِن روحه الملكوتيَّة نوراً على تلك الأرواح الـمُقدَّسة مِمَّن حوله، حتَّى أصبحوا في أعلى درجات التعلُّق بالله، حيث لم تشغلهم المعركة
____________________
(1) آل عمران: 178 - 179.
(2) الطبري: 3 / 217.
والحرب قائمة على ساق عن التفكير في الصلاة، وإقامتها خلف إمامهم جماعة أمام أنظار الجيش الـمُعادي، ففي أثناء اشتداد المعركة وبعد أنْ قُتِل قسم كبير مِن الأنصار، حضر وقت صلاة الظهر فرفع أحد الأصحاب - وهو أبو ثمامة الصائدي - رأسه ينظر إلى الشمس، ثمَّ التفت إلى الإمام وقال: يا أبا عبد الله، نفسي لك الفِداء، إنِّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله، لا تُقتل حتَّى أُقتل دونك إنْ شاء الله، وأُحبُّ أنْ ألقى رَبِّي وقد صلَّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها).
فرفع الحسين رأسه ثمَّ قال: (ذكرت الصلاة، جعلك الله مِن الـمُصلِّين الذاكرين. نعم، هذا أوَّل وقتها... سلوهم أنْ يكفُّوا عنَّا حتَّى نُصلِّي)(1) .
فصلَّى بمَن بقى مِن أصحابه صلاة الخوف، وكانت صلاته في تلك اللحظات الرهيبة مِن أصدق مظاهر الإخلاص والطاعة لله، وانبرى أمام الحسين سعيد بن عبد الله الحنفي، يقيه بنفسه السهام والرماح التي تواجهه مِن مُعسكر الأعداء الذين خانوا ما عاهدوا الإمام عليه، مِن إيقاف عمليَّات الحرب حتَّى يؤدِّي فريضة الله، فقد اغتنموا الفرصة فراحوا يرشقون الإمام وأصحابه بسهامهم، وكان سعيد الحنفي - فيما يقول المؤرِّخون - يُبادر نحو السهام فيستقبلها بصدره ونحره، ووقف ثابتاً كأنَّه الجبل لم تُزحزحه السهام التي اتَّخذته هدفاً له، ولم يكد يفرغ الإمام مِن صلاته حتَّى أُثخن بالجراح، فهوى إلى الأرض يتخبَّط بدمه، وهو يقول بنبرات خافتة: اللَّهمَّ، العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيَّك مِنَّي السلام، أبلغه ما لقيت مِن ألم الجراح، فإنِّي أردت بذلك ثوابك ونُصرة ذُرِّيَّة نبيِّك.
____________________
(1) الطبري: 3 / 326.
والتفت إلى الإمام ليرى هل أدَّى حَقَّه ووفَّى له بعهده قائلاً: أوَفيت، يا بن رسول الله.
فأجابه الإمام شاكراً له: (نعم، أنت أمامي في الجَنَّة)(1) .
نعم، إنَّه الحُبُّ الإلهي الذي يصنع العجائب في حياة الإنسان، هكذا عَشق هؤلاء الأبرار إمامهم وقائدهم، واتَّصلت أرواحهم بروحه كما يتَّصل الضوء بمصدره، وكانوا يشعرون بأنَّهم إنَّما خُلقوا مِن أجله، ومِن أجل أنْ يُضحُّوا بأرواحهم الطاهرة دفاعاً عن شخصه؛ لأنَّه يُمثِّل دين الله في الأرض، فعِشْقُه عِشْقٌ لله والدفاعُ عنه دفاعٌ عن قيم الله ودينه.
2 - الدعاء
إنَّ الدعاء يُمثِّل ظاهرة أُخرى مِن ظواهر التعلُّق، والانشداد مِن العبد نحو خالقه تعالى، وقد جاء التأكيد والحثُّ عليه في الكتاب والسُنَّة (وقد لا يكون الإنسان مُبالغاً إذا قال: لم تهتمَّ شريعة مِن الشرائع السماويَّة كشريعتنا الإسلاميَّة بالدعاء والتوجُّه إليه تعالى، وقد جاء ذلك واضحاً في الآيات القرآنيَّة والأخبار المرويَّة عن النبي وخُلفائهعليهمالسلام ، حيث تناولت الدعاء مِن وجوه عديدة)(2) .
فمِن القرآن الكريم قوله تعالى:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ... ) (3) .
وقال تعالى:( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (4) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص123.
(2) أضواء على دعاء كُميل: ص48.
(3) البقرة: 186.
(4) الأعراف: 55.
وعن الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله : (إنَّ الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السماوات والأرض)(1) .
وعنهصلىاللهعليهوآله : (الدعاء مُخُّ العبادة)(2) .
كما أنَّ مُخَّ الإنسان يقوم عليه الإنسان، فكذلك الدعاء تقوم عليه العبادة(3) ؛ لأنَّ الدعاء يضع الإنسان الداعي في مقام الاعتراف بالحاجة والفقر الـمُطلق أمام الغنيِّ الـمُطلق.
وقد روي عن النبي وأهل بيته المعصومين أدعية كثيرة، في مُختلف الأوقات مِن ساعات الليل والنهار ومُختلف الـمُناسبات مِن أيَّام الأُسبوع والأعياد وغيرها، وقد طرح المعصومون في تلك النصوص مِن الأدعية مُختلف المسائل الـمُتعلِّقة بالرسالة الإلهيَّة مِن فكريَّة وعقائديَّة وأخلاقيَّة وسلوكيَّة، بالإضافة إلى البُعد الروحي التي تتضمَّنه تلك الأدعية، حتَّى أصبحت مدرسة الدعاء في الإسلام مِن أشمل وأعمق المدارس.
وإنَّ مِن أشهر وأعظم الأدعية الواردة عن المعومينعليهمالسلام الدعاء المعروف بدعاء عَرفة، الوارد عن الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام ، ويُعتبر هذا الدعاء مِن أجلِّ الأدعية وأعظمها، مِن حيث المضامين التي أشار إليها أبو الأحرار في دعائه، والتي تُعتبر مِن أرقى وأدقِّ ما طُرح في مقام التوحيد والعرفان، وسائر المعارف الأُخرى.
فتأمَّل في الجُمل الآتية مِن الدعاء، حينما يتحدَّث الدعاء عن مقام الإنسان أمام رَبِّه، فيضعه في مقامه الـمُناسب، فيُشعره بضآلة وجوده ليعيش الإنسان بعيداً عن كلِّ غُرورٍ
____________________
(1) أُصول الكافي باب الدعاء سلاح المؤمن: ج2: ص468.
(2) وسائل الشيعة: ج27 حديث 8615 طبع آل البيت.
(3) أضواء على دعاء كميل: ص51.
بسبب ما في يده مِن أسباب وإضافات، يُضيفها إلى نفسه في الحياة مِن مالٍ وعلمٍ أو جاهٍ أو غير ذلك.
قالعليهالسلام : (إلهي، أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري. إلهي، أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جاهلاً في جَهلي. إلهي، إنَّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك مَنَعَا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عَطاءٍ واليأس منك في بلاء. إلهي، منِّي ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكَرمك)(1) .
وتأمَّل كذلك في إشارتهعليهالسلام إلى طريق معرفة الله تعالى، كيف يتجاوز ما أطلق عليها عنوان الآثار، وهي الآثار الكونيَّة في دلالتها على خالقها تعالى، وسلك الإمام طريقاً أسمى وأرفع لمعرفة المولى تعالى.
قالعليهالسلام : (إلهي، تردُّدي في الآثار يوجب بُعْدَ الـمَزار، فأجمعني عليك بخدمةٍ توصلني إليك، كيف يُستَدلُّ عليك بما هو في وجوده مُفتقر إليك؟! أيكون لغيرك مِن الظهور ما ليس لك حتَّى يكون هو الـمُظهِر لك؟! متى غِبتَ حتَّى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك؟! ومتى بُعدت حتَّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عَمْيت عين لا تراك عليها رقيباً! وخسرت صفقة عبد لم تجعل له مِن حُبِّك نصيباً. إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، حتَّى أرجع إليك منها كما دخلت إليك مِنها مصون السِّرِّ عن النظر إليها، ومرفوع الهِمَّة عن الاعتماد عليها، إنَّك على كلِّ شيء قدير)(2) .
ولعلَّ الإمامعليهالسلام يُشير هنا إلى طريق المعرفة بالله، الذي يُطلِق عليه العلماء عنوان (العلم الحضوري) وهو شعور الإنسان بوجود الله، وحضوره شعوراً باطنيَّاً روحيَّاً مِن
____________________
(1) مفاتيح الجنان: ص354.
(2) مفاتيح الجنان: ص355، والإقبال للسيِّد ابن طاووس: ص660 طبع الأعلمي. وفيه بعض الاختلاف في اللفظ.
غير الالتفات إلى ما حوله مِن آيات وآثار، ويُعتبَر هذا الطريق أشرف الطُّرق وأصدقها في معرفته سبحانه.
ويُقابله الطريق الآخر الـمُسمَّى بـ: (العلم الحصولي) وهو معرفته تعالى عن طريق الآيات والآثار والاستدلال بها على وجود صانعها تعالى.
وأمَّا الدعاء في المسيرة الثوريَّة لسيِّد الشهداءعليهالسلام ، فإنَّه أبرز الظواهر والـمُمارسات الحسينيَّة يوم الطَّفِّ؛ فإنَّه لا زال يتضرَّع إلى الله تعالى في سائر أحواله ومواقفه، بحيث إنَّ القارئ لـمَلاحم الطَّفِّ لا يكاد يجد فاصلاً بين ملاحم الجهاد، وبين مواقف الصلاة والدعاء، فكلُّها معارج نحو الله وملكوته، فهي مُتداخلة الخطوط، بلْ هي خَطٌّ واحد في مسيرة سيِّد الشهداء ومُمارساتهعليهالسلام ، فقبل بداية الحرب مِن يوم عاشوراء، وبعد استعداد الطرفين للقتال خرج الإمام مِن خيمته، فرأى البيداء قد مُلِئت خَيلاً ورجالاً، وقد شُهِرت السيوف والرماح، وهُمْ يتعطَّشون إلى إراقة دَمِه ودماء البررة مِن أهل بيته وأصحابه؛ لينالوا الأجر الزهيد مِن ابن مرجانة، فدعاعليهالسلام بمَصحف فنشره على رأسه وأقبل على الله يتضرَّع قائلاً:
(اللَّهمَّ، أنت ثِقتي في كلِّ كَربٍ، ورجائي في كلِّ شِدَّة، وأنت لي في كلِّ أمر نَزَلَ بي ثِقة وعِدَّة، كمْ مِن همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتَقلُّ فيه الحيلة، ويُخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوُّ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبةً منِّي إليك عمَّن سواك، ففرَّجته وكشفته وكفيته، فأنت وليُّ كلِّ نعمة وصاحب كلِّ حسنة ومُنتهى كلِّ رغبة)(1) .
____________________
(1) الإرشاد للشيخ الـمُفيد: ج2: ص96 طبع آل البيت، والبحار: ج45: ص5، ورواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام: ج3: ص84 في غير الـمُناسبة.
بهذا الدعاء بدأ الإمامعليهالسلام المواجهة مع أعدائه؛ ليؤكِّد هدفه الـمُقدَّس مِن هذه المعركة، فهو يقف ويُقاتل لا لأجل مطامع دنيويَّة: مِن حُكم، أو مالٍ، أو جاهٍ وما شاكل ذلك، إنَّما قتاله وجهاده مِن أجل الله ولله فقط، (ودعاؤه جدير بأنْ يُلتفت إليه ويُدرس دراسة واعية مُتبصّرة، وكلماته جديرة بأنْ تُردَّد في كلِّ موقف عصيب، يتسلَّط فيه الظالمون ويتغلَّبون ويُسيطرون على الأُمَّة الـمُستضعفة الـمُهانة الذليلة)(1) .
ومِن أدعية الإمام في يوم الملاحم الجهاديَّة - يوم عاشوراء - دعاؤه عندما قَدَّم ضحيَّة مِن ضحاياه على مذبح الشهادة، وهو طفله عبد الله الرضيع، حينما ذُبِح على يديه بعدما عرضه على الأعداء ليسقوه شيئاً مِن الماء، وقد أُغمي على الطفل مِن شِدَّة العَطش كما يقول المؤرِّخون.
وانبرى الباغي اللئيم حَرملة بن كاهل، فسدَّد له سَهماً وجعل يضحك ضحكة الدَّناءة، وهو يقول أمام اللئام مِن أصحابه: خُذْ هذا فاسْقِه. واخترق السهم - يالله - رَقَبَة الطفل، ولـمَّا أحسَّ بحرارة السهم أخرج يديه مِن القِماط وجعل يُرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح، وانحنى الطفل رافعاً رأسه إلى السماء، فمات على ذِراع أبيه... ورفع الإمام يديه وكانتا مملوءتين مِن ذلك الدم الطاهر، فرما به نحو السماء فلم تسقط منه قَطرة واحدة إلى الأرض - حَسْبَما يقول الإمام الباقرعليهالسلام - وأخذ يُناجي ربَّه قائلاً:
(هوَّن ما نزل بي أنَّه بعين الله تعالى. اللَّهمَّ، لا يكون أهون عليك مِن فصيلٍ. إلهي، إنْ كنت حَبست عنَّا النصر فاجعله لما هو خير منه، وانتقم لنا مِن الظالمين، واجعل ما حلَّ بنا في العاجل
____________________
(1) وتنفَّس صُبح الحسين: ص320.
ذخيرة لنا في الآجل. اللَّهمَّ، أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمّد { صلى الله عليه وآله }).
ونزل الإمام عن جواده وحفر لطفله بجَفْن سيفه حُفرة، ودفنه مُزمَّلاً بدمائه الزكيَّة، وقيل: إنَّه ألقاه مع القتلى مِن أهل بيته(1) .
ومِن هذه الـمُناجاة يشعر الإنسان بأنَّ هذا الشهيد العظيم، كلَّما قدَّم قُرباناً لله تعالى ازداد تعلُّقاً به وانشداداً إليه، فتهون عليه أشدُّ تلك الكوارث وقعاً وإيلاماً، فهو يقول: (هوَّن ما نزل بي أنَّه بعين الله).
وكانت آخر مُناجاته بعد ما انتهى مِن ترتيل الجهاد، وأدَّى سيفُه دوره وأخذ مأخذه مِن رقاب أُولئك المارقين، وبعد أنْ أُثخِن بالجراح أذ يُناجي ربَّه قائلاً:
(اللَّهمَّ، مُتعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد الـمَحال، غنيٌّ عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حَسَن البلاء، قريب إذا دُعيت، مُحيط بما خلقت، قابل التوبة لـمَن تاب إليك، قادر على ما أردت، ودَرْك ما طلبت، وشكور إذا شُكرت، وذكور إذا ذُكرت. أدعوك مُحتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، أفزع إليك خائفاً، وأبكي إليك مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكَّل عليك كافياً، أحكم بيننا وبين قومنا، فإنَّهم غرُّونا وخدعونا، وخذلونا وغدروا
____________________
(1) مقتل الحسين للـمُقرَّم: ص273 عن عِدَّة مصادر.
بنا وقتلونا، ونحن عِترة نبيِّك ووُلد حبيبك محمد بن عبد الله، الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على وحيك، واجعل لنا مِن أمرنا فرجاً ومخرجاً برحمتك يا أرحم الراحمين)(1) .
هكذا يختم أبو الأحرار لحظات حياته ومواقف جهاده، ليُبرهن للأجيال أنَّ كلَّ ما أعطاه في هذه الثورة الـمُقدَّسة مِن تضحيات ودماء إنَّما هي مِن أجل الله والحفاظ على رسالته، فهو يتضرَّع إلى خالقه تعالى وقد كسته الدماء القانية التي رسم بها للأُمَّة طريق الحياة الحُرَّة الكريمة، وكتب بها صفحات الإباء لتقرأها الأجيال كلَّما ضعفت في نفوسها روح التضحية والجهاد لتبعث مِن جديد.
3 - الصبر
المؤشِّر الثالث مِن مؤشِّرات البُعْد الروحي للثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة، هي مَلَكة الصبر والثبات الـمُنقطعة النظير، التي كان يتحلَّى بها أبو الأحرار هو ومَن معه مِن أنصاره وأهل بيته وعائلته، في مواجهة المواقف الصعبة والكوارث الشديدة، التي لا تقوم لها الجبال الراسية.
ولعمري، فإنَّ الطريق الذي سلكه سيِّد الشهداء - وهو طريق الجهاد والإصلاح - يقتضي التسلُّح بالصبر والثبات والتسليم لقضاء الله تعالى؛ لأنَّه أشقُّ الطُّرق وأصعبها، وهو طريق الأنبياء والرسل عِبْر تاريخ البشريَّة، فكم لقي أنبياء الله ورُسله مِن الـمُعاناة والـمَصاعب في سبيل إصلاح أُمَمهم ومُجتمعاتهم، حتَّى قُتِل الكثير منهم في هذا السبيل.
____________________
(1) مصباح الـمُتهجِّد للشيخ الطوسي: ص572 طبع الأعلمي، والمزار لمحمد بن المشهدي: ص399، والبحار: ج98: ص347.
فلقد كان صبر الحسينعليهالسلام صبراً إيجابيَّاً لا صبراً سلبيَّاً، كان صبره صبر العمل والجهاد والتضحية لا صبر الخنوع والاستسلام، وهذا هو صبر الأنبياء والرُّسل على ما يواجهونه مِن أُمَمهم ومجتمعاتهم عندما يدعونهم إلى الله ويُحاولون إصلاح تلك الأُمَم والـمُجتمعات، فقد وطَّنوا أنفسهم على كلِّ مشاقِّ الطريق ومتاعبه، وقد ورث أبو الأحرار منهم ذلك كلَّه، فهو وارث الأنبياء في خَطِّهم ومبادئهم وأهدافهم.
ومِن هذا الـمُنطلق كان الإمامعليهالسلام يربط بين شهادته وشهادة بعض الأنبياء السابقين، ويربط بين موقف أعدائه وبين موقف أعداء الأنبياء السابقين، كما في جوابه لابن عباس قُبيل خروجه مِن مَكَّة حينما قال:
(هيهات هيهات! يا بن عباس، إنَّ القوم لن يتركوني وإنَّهم يطلبوني أينما كنت، حتَّى أُبايعهم كُرهاً أو يقتلوني. والله، لو كنت في ثقب هامَّة مِن هوام الأرض لاستخرجوني منها وقتلوني. والله، إنَّهم ليعتدون عليَّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت، وأنا ماضٍ في أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث أمرني، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)(1) .
وهكذا نلمس هذا الربط واضحاً في خطاب الإمام لعبد الله بن عمر، لـمَّا أشار على الإمام بمصالحة النظام الأُموي وحذَّره مِن القتل والقتال، فأجابه الإمام قائلاً:
(يا أبا عبد الرحمان، أما علمت أنَّ مَن هوان الدنيا على الله تعالى أنَّ رأس يحيى بن زكريَّا أُهدي إلى بغيٍّ مِن بغايا بني إسرائيل،
____________________
(1) معالي السبطين للشيخ مهدي المازندراني: ج1: ص246 طبع النعمان.
أما تعلم أنَّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيَّاً، ثمَّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنْ لم يصنعوا شيئاً، فلم يُعجِّل الله عليهم، بلْ أمهلهم ثمَّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيزٍ ذي انتقام، اتَّقِ الله يا أبا عبد الرحمان ولا تدعْ نُصرتي)(1) .
وإنَّما يُريد أبو عبد اللهعليهالسلام مِن هذا الحديث عن يحيى وغيره مِن الأنبياء؛ ليؤكَّد أنْ لا فرق بين هدفهم الذي مِن أجله قُتلوا أو حوربوا وبين هدفه الذي خرج مِن أجله، وهو إقامة دين الله وشرعه والدعوة إليه، فهو قد وطَّن نفسه على ما وطَّن الأنبياء عليه أنفسهم.
قالعليهالسلام مؤكِّداً تصميمه على تحقيق هدفه:
(رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه فيوفَّينا أُجور الصابرين، لن تشذَّ عن رسول الله لُحمته، بلْ هي مجموعة له في حضيرة القُدُس، تقرُّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، ومَن كان باذلاً فينا مُهجته موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنِّي راحل مُصبِّحاً إنْ شاء الله)(2) .
ولعمري، لقد ضرب أبو الأحرار رقماً قياسيَّاً في صبره وتحمُّله ومواجهته، لتلك الكوارث التي لم يواجهها حتَّى الأنبياء، فكان كالطود الأشمِّ الذي لا تُحرِّكه الرياح
____________________
(1) اللهوف: ص22 طبع الأعلمي، والبحار: ج44: ص364.
(2) اللهوف: ص38، وتقدَّمت بقيَّة المصادر في ص54 هامش 2.
العاتية، وهو مع ذلك يُزوِّد مَن حوله بروح الصبر والتسليم لقضاء الله تعالى.
فهذه أُخته زينب الحوراء تبكي لما تنتظره مِن فقد الإِخوة وباقي الرجال، فأقبل عليها الإمام مُخاطباً لها ليعدَّها لـمُهمَّتها القادمة، التي تُمثِّل حلقة مِن حلقات الثورة، فقالعليهالسلام :
(يا أُخيَّه، اتَّقي الله وتعزَّي بعزاء الله، واعلمي أنَّ أهل الأرض يموتون وأنَّ أهل السماء لا يبقون، وأنَّ كلَّ شيء هالك إلاَّ وجه الله، الذي خلق الأرض بقُدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، أبي خيرٌ مِنِّي وأُمِّي خيرٌ منِّي وأخي خيرٌ منِّي ولي ولهم ولكلِّ مسلم برسول الله أُسوة)(1) .
وبهذا فقد أمدَّ أبو الأحرار شقيقته بطلة كربلاء بروح العزيمة والصمود، حتَّى ضربت الحوراء زينب أروع الأمثلة في تاريخ المرأة المسلمة في ميادين الصمود، والمواجهة للانحراف والطاغوت.
لقد فهمت زينب مَغزى رسالته - أيْ الإمام - ووعتها جيِّداً، وهكذا بسطت يديها تحت بدنه الـمُقدِّس بعد مقتله رافعة طرفها نحو السماء هاتفة:
(اللهم، تقبَّل مِنَّا هذا القُربان).
وصمدت بقوَّة غريبة أمام أكبر كارثة يُمكن أنْ تَحلَّ بامرأة، قُتِل أهل بيتها وحُماتها في لحظات قصيرة(2) .
____________________
(1) موسوعة كلمات الإمام الحسين: ص414.
(2) وتنفَّس صُبح الحسين: ص316.
وهكذا كانت رجال الإمام مِن حوله يستمدَّون منه روح الصبر، فقد كان يحثُّهم على الصبر والثبات بوجه العدوِّ الذي كان يتفوَّق عليهم عدداً وعُدَّة، قالعليهالسلام :
(صبراً بني الكرام، فما الموت إلاَّ قنطرة تَعبر بكم عن البؤس والضرَّاء، إلى الجنان الواسعة النعيم الدائمة، فأيُّكم يكره أنْ ينتقل مِن سجن إلى قصر، وما هو لأعدائكم إلاَّ كمَن ينتقل مِن قصر إلى سجن وعذاب، إنَّ أبي حدَّثني عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنَّ الدنيا سجن المؤمن وجَنَّة الكافر والموت جِسر هؤلاء إلى جنَّاتهم، وجسر هؤلاء إلى جهنَّمهم، ما كَذبت ولا كُذِّبت)(1) .
وقالعليهالسلام مُخاطباً أهل بيته:
(صبراً على الموت يا بني عُمومتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم)(2) .
ولقد كان بحَقٍّ هو وتلك الصَّفوة مَن حوله أعظم مدرسة للأجيال، في الصبر والصمود واللامبالاة بالموت في سبيل الأهداف الـمُقدَّسة، فقد اندفع أُولئك الأبطال للقتال بكلِّ صبر وثَبْات، فكان كلُّ شخصٍ منهم أراد القتال أتى الحسين فيودِّع قائلاً: السلام عليك يا أبا عبد الله. فيُحييه الحسين: (وعليك السلام ونحن خلفك). ويقرأ:( فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (3) .
____________________
(1) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص289 تحقيق علي أكبر الغفاري.
(2) وتنفَّس صُبح الحسين: ص319.
(3) الأحزاب: 23.
إنَّ هذا الموقف الذي لم يُحدِّث التاريخ بمثله، لا يُمكن أنْ يفقهه إلاَّ الأشخاص الذين يحملون أرواحاً قد تجاوزت الحدود الدنيويَّة المحسوسة، فأصبحت تعيش في عالم الملكوت، أو على حَدِّ تعبير أمير المؤمنينعليهالسلام : (أجسادهم في الدنيا وأرواحهم مُعلَّقة بالملأ الأعلى).
كان المشهد يبدو وكأنَّه مشهد احتفاليٌّ سعيد، وقد أوشكت قافلة الحسين الصغيرة على بلوغ الهدف... وكان مَن يسير في مُقدِّمة القافلة يشعر أنَّه أوَّل مَن سيرتاح، وسيكون في استقبال أصحابه بعد فراق قصير لن يدوم طويلاً(1) .
ويقف أبو الأحرار صامداً يواجه تلك الكوارث بثبات الصابرين قائلاً:
(صبراً على قضائك يا رَبّ، لا إله سِواك، يا غِياث الـمُستغيثين، ما لي ربٌّ سواك، ولا معبود غيرك، صبراً على حُكمك يا غِياث مَن لا غِياث له)(2) .
وختم أبو الأحرار فصول ملحمته حينما وقع على الأرض مُزمَّلاً بدمائه الزكيَّة، على أثر أصابته بسهم في صدره قائلاً:
(بسم الله وبالله، وعلى مِلَّة رسول الله).
ثمَّ رفع رأسه إلى السماء وقال:
(إلهي، إنّك تعلم أنَّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبيٍّ غيره)(3) .
____________________
(1) وتنفَّس صُبح الحسين: ص327.
(2) مقتل الحسين للـمُقرَّم: ص283 طبع قم.
(3) اللهوف لابن طاوس: ص71 طبع الأعلمي.
ووضع يديه تحت الجرح فلـمَّا امتلأت دماً رمى به نحو السماء، وقال:
(هوَّن عليَّ ما نزل بي أنَّه بعين الله).
فلم يسقط مِن ذلك الدم قطرة إلى الأرض. ثمَّ مَدَّ يديه ثانياً، فلـمَّا امتلأت لطَّخ به رأسه ووجهه، وقال:
(هكذا أكون حتَّى ألقى الله وجَدِّي رسول الله، وأنا مُخضَّب بدمي)(1) .
وهكذا تبقى يا أبا الأحرار، مدرسة الأجيال في كلِّ ميدان مِن ميادين العظمة والنُّبل والفضيلة، وتبقى مصباحاً للهدى تُضيء للأُمَّة طريقها وتُعلِّم الأحرار كيف يعيشون أو كيف يموتون.
* * *
عفواً أبا الشهداء
عفواً أبا الشهداء الغُرِّ إنْ قصرت |
قريحتي عن مديح ذكره عطر |
|
فأيُّ يوميك أحرى أنْ نُشيد له |
ذكراً لعُلياك كي يسمو به الذكر |
|
يوم الولادة أم يوم كتبت به |
سطر الشهادة فيه يُكتب النصر |
|
رتَّلت للدهر آياً للفداء وفي |
جبينه سجَّلتها البيض والسمر |
|
كشفت فيها مِن الطاغين واقعهم |
وصنت بالموت حَقَّاً غاله الجور |
____________________
(1) مقتل الحسين للـمُقرَّم: ص279.
فنفسك الطُّهر تأبى أنْ تُساومهم |
إذ لا حياة إذا ما اسُتعبد الحُرُّ |
|
سننت فيها طريقاً للدُّعاة فما |
سواه يُجدي إذا ما قتَّم الكفر |
|
أدركت أنَّ شهيد الحَقِّ مولده |
يوم الشهادة فيه يُذبَح الـمَكر |
|
أثبتَّ أنَّ دم الأحرار صاعقة |
على عروش بناها الجور والغدر |
|
لولا جهادك والتاريخ شاهده |
لأصبح الدين طَيَّاً ماله نشر |
|
جددَّته بعدما كادت معالمه |
تذوب كالمِلح إذ يطغى به النهر |
|
بُشراك هذي ثمار الفتح ترفعها |
منابر الحَقِّ فيها يُفضح الشرُّ |
|
صبرت في موقف تعنو الجباه له |
وموقف الحَقِّ فيه يُحمد الصبر |
|
هيهات هيهات لن يُنسى دمٌ كتبت |
به الملاحم فيها يفخر الدهر |
|
وحَقِّ صَدرِك والأعداء تحطمه |
الله أعلم ماذا يحمل الصدر |
|
وحَقِّ نحرك حيث السيف يقطعه |
في ذِمَّة الله يُفرى ذلك النحر |
|
لن تنمحي أسطر سجَّلتها فغدت |
طوفان نوح لحتَّى ينقضي الأمر(1) |
____________________
(1) مِن قصيدة للمؤلِّف بمُناسبة ذكرى مولد الإمام الحسين سنة 1405 هـ.
القراءة الخامسة
في البيانات الإعلاميَّة فيما بعد الثورة
أ - الوسيلة الإعلاميَّة للثورة
ب - البيانات الإعلاميَّة في الكوفة
ج - البيانات الإعلاميَّة في الشام
د - البيان الإعلاميِّ في المدينة المنوَّرة
أ - الوسيلة الإعلاميَّة للثورة
كلُّ ثورة في العالم لا بُدَّ لها مِن حملة إعلاميَّة لإيصال صوتها إلى أسماع الناس، وذلك مِن خلال الوسائل الإعلاميَّة الـمُتاحة في عصر تلك الثورة، وكانت الوسيلة الإعلاميَّة للثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة فريدة مِن نوعها، لم تُستخدَم في أيِّ ثورة في العالم، ويتمثَّل ذلك في مسيرة السبي التي تعرَّضت لها عائلة الإمام الحسينعليهالسلام مِن أطفال ونساء مِن بعد الواقعة.
ففي تلك المسيرة استطاع سبايا أهل البيت أنْ يُعطوا الثورة بُعدها الإعلاميِّ، والقوَّة التأثيريَّة في نفوس الجماهير؛ بحيث لولا هذا الدور لاستطاع النظام الأُمويِّ أنْ يُشوِّه الثورة، ويقوم بعمليَّة التعتيم على أهدافها والقضاء على نتائجها، كما يحصل للكثير مِن الحركات الإصلاحيَّة في العالم، حينما يُقضى عليها في مهدها، وبما أنَّ الطرف الـمُضادَّ هو الذي يملك وسائل القوَّة بما في ذلك القوَّة الإعلاميَّة؛ فإنَّه يستطيع أنْ يُشوِّه صورة تلك الحركة في ذهنيَّة الرأي العامِّ، إلى الحَدِّ الذي يُصبح الناس فيه ناقمين على تلك الحركة الإصلاحيَّة ويقفون منها موقف المواجهة، مع أنَّ تلك الحركة قد تكون في حقيقتها في صالح الناس، ولكنْ بسبب التعتيم الإعلامي تُشوَّه الصورة.
هكذا سوف يكون مصير الثورة الحسينيَّة، لولا الدور الذي قام به سبايا آل محمدصلىاللهعليهوآله ، ولذهبت تلك الدماء الزكيَّة هَدْراً دون أنْ يكون لها هذا الأثر وهذا العطاء الذي نُشاهده ونعيشه.
وهذا مغزى كلمة الإمام الحسينعليهالسلام حينما سُئل عن سبب حمله للنسوة والعائلة، مع أنَّه ماضٍ إلى مواجهة النظام الأُموي، فقالعليهالسلام :
(إنَّ الله شاء أنْ يراهُنَّ سباياً)(1) .
يعني: أنَّ الله تعالى أراد لهنَّ أنْ يقُمن بهذا الدور، الذي لا يُمكن لأحد مِن الرجال أنْ يقوم به في ظرف ما بعد الثورة، نظراً ما للمرأة وكلامها مِن التأثير العاطفي على النفوس، في إثارة المشاعر والعواطف، ولا سِيَّما إذا كانت المرأة تمتلك مقاليد البيان وتتحلَّى بالشجاعة الأدبيَّة، كحرائر بيت النبوَّة وعلى رأسهنَّ الحوراء زينب بنت عليعليهاالسلام . وكذلك ما للمرأة مِن مكانة خاصَّة في النفوس لا سِيَّما عند العرب آنذاك، تلك المكانة التي تكسب المرأة حماية اجتماعيَّة خاصَّة عن التعدِّي على حياتها.
مِن هنا استطاع سبايا أهل البيت أنْ يفضحوا النظام الأُمويِّ بكلِّ قوَّة ووضوح.
وهذا ما لا يستطيع أحد مِن الرجال أنْ يقوم به في تلك الظروف التي كُمَّتْ فيها الأفواه، فمَن تحدَّث عمَّا جرى على آل محمد فإنَّه يُعرِّض نفسه للموت.
وحتَّى الإمام زين العابدينعليهالسلام قد تعرَّضت حياته للخطر، لولا دفاع عَمَّته الحوراءعليهاالسلام ، وذلك حينما رَدَّ على الطاغية ابن زياد كلامه في مجلسه، عندما التفت الطاغية فرأى الإمام فسأله:
مَن أنت؟ فأجابه الإمام: (أنا علي بن الحسين)، فقال الطاغية، أوَلم يَقتل الله علي بن الحسين؟
فأجابه الإمام بأناة: (كان لي أخٌ يُسمَّى عليَّاً فقتلوه، وإنَّ له منكم مُطالباً يوم القيامة).
____________________
(1) اللهوف: ص40 طبع الأعلمي، والبحار: ج44: ص364.
فثار ابن زياد في وَقاحة وصُلف وصاح بالإمام: الله قتله.
فأجابه الإمام بكلِّ شجاعة وثبات:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ،( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ) .
ودارت الأرض بابن زياد وأخذته عِزَّة الإثم، فقد غاظه أنْ يتكلَّم هذا الغُلام الأسير بهذه الطلاقة، وقوَّة الحُجَّة والاستشهاد بالقرآن فصاح به: وبكَ جُرأة على رَدِّ جوابي، وفيك بقية للرَّدِّ عليَّ. وصاح الرجس الخبيث بأحد جلاَّديه وقال: خُذْ هذا الغُلام واضرب عُنقه. وطاشت أحلام السيِّدة زينب وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان، فأخذت الإمام فاعتنقته وقالت لابن مرجانة: حَسْبُك - يا بن زياد - مِن دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً غير هذا؟! فإنْ أردت قتله فاقتُلني معه.
وانخذل الطاغية وقال مُتعجِّباً: دعوه لها، يا للرَّحم! ودَّت أنَّها تقتل معه!(1) .
فنُلاحظ - هنا - لولا موقف العقيلة زينبعليهاالسلام لقُتِل الإمام زين العابدينعليهالسلام .
فـ (مَن الذي يستطيع أنْ يتكلَّم والجوُّ مُلبَّد بالمخاوف، فرأس زعيم الأُمَّة وقائدها الأعلى على الحراب، وعقائل الرسالة سبايا في المصر، فلم يعد في مقدور أيِّ أحد أنْ يتلفَّظ بحرفٍ واحد، فكُمَّتِ الأفواه وأُخرست الألسن ومُلئت السجون بالرؤوس والضروس، واستسلم الجميع لحُكم ابن مرجانة)(2) .
إلاَّ أنَّ الساحة لم تَخْلُ مِن الغيارى، الذين يحملون روح الـمُعارضة للنظام، ولكنْ أيُّ فردٍ يجرؤ على رفع صوته مُنكِراً ومُعارضاً فإنَّ مصيره القتل، كما كان مصير عبد الله بن عفيف الأزدي، عندما وقف في وجه ابن زياد، حينما صعد الطاغية المنبر وهو في نشوة
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص346.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3: ص347.
الظفر والانتصار، وقال: الحمد لله الذي أظهر الحَقَّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحِزبه، وقتل الكذَّاب ابن الكذَّاب الحسين بن علي وشيعته.
نعم، هكذا بلغ الحال بأُمَّة الإسلام والقرآن، بأنْ يصعد مَنابرها مثل ابن مَرجانة، ويتكلَّم بهذا المنطق الذي يقلب الموازين فيجعل الحَقَّ باطلاً والباطل حَقَّاً، ويجعل الصادق كاذباً والكاذب صادقاً.
فمَن هو الحسين؟! ومَن أبوه؟! حتَّى يوصَف بهذه الأوصاف على منابر أُمَّة جَدِّه وعلى رؤوس المسلمين، ومَن هو يزيد؟! ومَن أبوه؟! حتَّى يجعلا أهلاً للحَقِّ وأنصاراً له، ولكنَّها النكسة والارتداد اللذين أُصيبت بهما هذه الأُمَّة، ولكنْ مَهْما تعملق الباطل والطغيان، فإنَّ كلمة الحَقِّ لا تموت، وإنْ أُسكتت دهراً ما فلا بُدَّ لها أنْ تعلو في وجه الباطل.
فلـمَّا نطق ابن زياد بقول الباطل، قام في مجلسه عبد الله بن عفيف الأزدي - وكان ضريراً ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل، والأُخرى بصِفِّين مع الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان لا يفارق المسجد يتعبَّد فيه - فصاح: يا بن مرجانة، الكذَّاب ابن الكذَّاب أنت وأبوك، والذي ولاَّك وأبوه. يا بن مرجانة، أتقتلون أولاد الأنبياء وتتكلَّمون بكلام الصِّدِّيق؟!
فصاح ابن زياد: مَن هذا الـمُتكلِّم؟ فقال ابن عفيف: أنا الـمُتكلِّم يا عدوَّ الله، أتقتلون الذُّرِّيَّة الطاهرة، التي أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنَّك على دين الإسلام. واغوثاه! أين أولاد الـمُهاجرين والأنصار؟ لينتقموا مِن طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول الله رَبِّ العالمين.
... وصاح ابن زياد وقد امتلأ غيضاً: عليَّ به.
فبادرت إليه الجلاوزة لتختطفه، فنادى ابن عفيف بشعار أُسرته: يا مبرور.
وكان في المجلس مِن الأزد سبعمئة، فوثبوا إليه وأنقذوه مِن أيدي الجلاوزة وجاءوا به إلى منزله.
إلاَّ أنَّ الطاغية حينما رأى هذا الموقف مِن ابن عفيف وعشيرته، أخذه القَلق خوفاً مِن أنْ يتَّسع نطاق الـمُعارضة والنقمة؛ فقرَّر أنْ يُسكت ذلك الصوت، فأصدر أمره باعتقال عبد الله بن عفيف، فجاءت القوَّة نحو بيته وقام الأزد للدفاع عن عفيف، ووقع القتال بين الطرفين، إلاَّ أنَّ قوَّات ابن زياد سيطرت على الموقف واستطاعت أنْ تقتحم على ابن عفيف داره، فناولته ابنته سيفاً فجعل يذبُّ به عن نفسه وهو يرتجز ويقول:
أنا ابن ذي الفضل العفيف الطاهر |
عفيف شيخي وابن أُمِّ عامر |
|
كمْ دارعٍ مِن جمعكم وحاسر |
وبطلٍ جندلته مُغاور |
وأخذت ابنته تدلُّ على الـمُحاربين له، فتقول له: يا أبتِ، أتاك القوم مِن جِهة كذا.
وتكاثروا عليه وأحاطوا به مِن كلِّ جانب، فألقوا القبض عليه وانطلقوا به إلى ابن زياد، وهو يقول في طريقه:
أُقسِم لو يُفسَح لي عن بصري |
شقَّ عليكم مَوردي ومصدري(1) |
ومَثُل ابن عفيف بين يدي الطاغية، وبعد حوار بينهما أمر ابن زياد بقتله؛ ليخمد هذا الصوت في نظره، ولم يعلم ابن مرجانة أنَّ صوت ابن عفيف لا يُمكن أنْ يسكت؛ لأنَّه صدىً لصوت الحَقِّ الذي ارتفع مِن أرض كربلاء، وسوف يبقى عالياً في وجه الطغيان والانحراف.
وانبرى ابن عفيف إلى ابن زياد قائلاً: (الحمد لله رَبِّ العالمين، أما إنِّي كنت أسأل رَبِّي أنْ يرزُقني الشهادة مِن قبل أنْ تلدك أُمُّك، وسألت الله أنْ يجعلها على يدي ألعن
____________________
(1) انظر: الفتوح لابن أعثم: ج5: ص124.
خلقه وأبغضهم إليه، ولـمَّا كُفَّ بصري يئست مِن الشهادة، أمَّا الآنْ والحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس وعرَّفني الإجابة في قديم دعائي)(1) . ثمَّ رُزِق ابن عفيف وسام الشهادة.
ولا شكَّ أنَّ لهذا الموقف وأمثاله أثراً كبيراً، في تأجيج النقمة في النفوس على النظام الأُموي، إلاَّ أنَّ الثورة لا زالت في حاجة إلى مواقف إعلاميَّة أقوى وأعظم تأثيراً، فهي تحتاج إلى مواقف المرأة الإيمانيَّة والجهاديَّة وصوتها الذي لا يقدر النظام على إسكاته. ويتمثَّل هذا الدور في مواقف حرائر بيت النبوَّة بزعامة عقيلة البيت الهاشمي زينب ابنة عليعليهالسلام . وقد أعدَّ الحسينعليهالسلام النساء للقيام بذلك الدور الإعلاميِّ فيما بعد المعركة، وجعل كلُّ أصحابه وكلُّ شخصٍ في قافلته - بما فيهم النساء - يُدرك الهدف مِن مسيرته، ويستعدُّ لتقبُّل كلِّ التضحيات والمصاعب، ولا يتوقَّف عن مُمارسة مسؤوليَّاته تِجاه التغيير الذي أراده الإمام(2) .
لا سِيَّما زعيمة الركب الحسيني زينبعليهاالسلام ، التي لم تُبدي أيَّ انكسار أمام ما واجهته في مسيرة السبي، مِن المواقف التي أراد منها النظام إذلال العائلة الحسينيَّة، ولكنَّ العقيلة زينبعليهاالسلام دافعت وبقوَّة عن كرامة أهل البيتعليهمالسلام ، ووقفت أمام طُغيان يزيد وابن زياد مُبرهنة على أنَّ المرأة المسلمة، إذا ما تسلَّحت بالوعي والقوَّة في الإيمان؛ فإنَّ بإمكانها أنْ تؤدِّي الأدوار الرساليَّة والجهاديَّة، التي لا تقلُّ أهميَّة عن الأدوار التي يقوم بها الرجل.
فحينما أُدخِل سبايا آل محمدصلىاللهعليهوآله على الطاغية ابن زياد، انحازت الحوراء في ناحية مِن المجلس ومعها نساؤها، فقال الطاغية: (مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟
____________________
(1) المصدر السابق.
(2) وتنفَّس صُبح الحسين: ص431.
ولم تلتفت إليه الحوراء، فانبرت إحدى السيِّدات فقالت له: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.
فقال: الحمد لله الذي فَضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثتكم!
فثارت حَفيدة الرسول بشجاعة - مُحتقرةً لذلك الوَضر الخبيث - وصاحت به:
(الحمد لله الذي أكرمنا بمحمَّدصلىاللهعليهوآله وطهَّرنا تطهيراً، إنَّما يفتضح الفاسق ويُكذَّب الفاجر وهو غيرنا).
فقال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ فأجابته الحوراء بقولها:
(ما رأيت إلاَّ جَميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجَّ وتُخاصم، فانظر لـمَن الفَلَج، هبلتك أُمُّك يا ابن مرجانة) (1) .
وفقد الحقير إهابه مِن هذا التبكيت الموجع، والتعريض الـمُقذع وتميَّز غيظاً وغضباً، وهَمَّ بأنْ يُنزل بها عقوبته فنهاه عمرو بن حُريث، وقال له: إنَّها امرأة لا تؤخذ بشيء مِن منطقها. فالتفت إليها قائلاً: لقد شفى الله قلبي مِن طاغيتك والعُصاة الـمَردة مِن أهل بيتك.
فأجابته الحوراء قائلة:(لَعمري، لقد قتلت كَهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإنْ يُشِفك هذا فقد اشتفيت) (2) .
____________________
(1) مُثير الأحزان لابن نما الحلِّي: ص71 طبع الحيدريَّة، واللهوف: ص93، والأمالي للصدوق: ص229، وبحار الأنوار: ج45: ص115، والعوالم (الإمام الحسين): ص375 وص383 وص384، والفتوح لابن أعثم: ج5: ص122، واللفظ للأوَّل.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3: ص342 إلى ص345.
فنُلاحظ هنا أنَّ الطاغية لـمَّا فقد صوابه، همَّ بأنْ ينتقم مِن الحوراء باستخدام القوَّة؛ لأنَّه عجز عن مواجهتها بالمنطق والبيان، إلاَّ أنَّ عمرو بن حريث تدارك الموقف؛ لأنَّ هذا التصرُّف لو أقدم عليه ابن زياد مِن شأنه أنْ يَجرَّ عليه رَدَّة فعل مِن قِبَل الحضور في المجلس؛ لأنَّ الـمُجتمع آنذاك يعتبر مواجهة المرأة بهذا الأُسلوب أمراً يَجرُّ على صاحبه نِقمةً لدى الناس، فكيف والمرأة المواجهة لابن زياد هي بنت أمير المؤمنينعليهالسلام ، الذي لا يخلو المجلس مِن الموالين له، فخشي عمرو بن حريث مِن رَدَّة الفعل عند الحاضرين، لا سِيَّما أنَّ النفوس تعيش حالة الغليان بسبب تلك الفاجعة الكُبرى.
فمِن هنا يتَّضح أنَّ الفرصة مُتاحة للنساء أكثر مِمَّا هي مُتاحة للرجال في تلك الظروف المملوءة بالإرهاب وكَمِّ الأفواه.
ب - البيانات الإعلاميَّة في الكوفة
إنَّ الخُطب التي أدلى بها سبايا آل محمدصلىاللهعليهوآله في مسيرة السبي، لَتُعتبر مِن أقوى البيانات الإعلاميَّة للثورة الحسينيَّة، سواء كان ذلك في الكوفة أمْ في الشام، إلاَّ أنَّ الـمُلاحظ هو وجود تفاوت بين خُطب الكوفة وبين خُطب الشام، فإنَّ لكلِّ قِسم مَحاور خاصَّة؛ نظراً لاختلاف الأجواء الاجتماعيَّة التي يعشها مُجتمع الكوفة عن الأجواء السائدة في مُجتمع الشام.
وبيانات الكوفة تتمثل في التالي:
1 - خُطبة عقيلة البيت الهاشمي، زينب ابنة عليٍّ أمير المؤمنينعليهماالسلام .
2 - خُطبة الإمام زين العابدينعليهالسلام .
3 - خُطبة فاطمة الصُّغرى بنت الحسينعليهماالسلام .
4 - خُطبة أُمِّ كلثوم بنت عليٍّعليهماالسلام .
وقد أكَّدت هذه البيانات (الخُطب) على محاور مُهمَّة وخطيرة، هي مِن أهمِّ أهداف الثورة الـمُقدَّسة، مِن أبرز تلك المحاور:
أ - الحديث عن فاجعة الطَّفِّ وما فيها مِن بشاعة الجريمة، التي تدلُّ على خِسَّة ولؤم مُرتكبيه، وأنَّهم بعيدون عن روح الإنسانيَّة - فَضلاً عن الروح الإسلاميَّة - وأنَّ هذه الفاجعة ليست كأيِّ كارثة تحدث في التاريخ.
نظراً للأساليب الانتقاميَّة، التي قام بها القتلة الـمُجرمون تِجاه القتلى الشهداء والعائلة الكريمة: مِن القتل والتمثيل، وحمل الرؤوس على الحراب، وحرق الـمُخيَّمات ونهب كلِّ ما فيها، والتعدِّي على العائلة بالضرب والإهانات، وتسيير النساء والأطفال سبايا وكأنَّهم مِن سبايا الروم والدَّيْلم.
ومِمَّا يزيد الموقف فَداحة وخِسَّة، أنَّ الـمُرتكبين لهذه الجريمة الكُبرى هُمْ الذين بعثوا رسائلهم إلى الإمام الحسينعليهالسلام يدعونه للمسير إليهم، وقد أعطوه العهد والميثاق وبايعوه على السَّمع والطاعة على يد سفيره مسلم بن عقيل، وبعد ذلك خانوا عُهودهم ونقضوا بيعتهم، وخرجوا على مَن بايعوه وعاهدوه فارتكبوا في حَقِّه أبشع جريمة عرفها التاريخ؛ حيث إنَّهم قتلوه هو وأصحابه وأهل بيته بأُسلوب يُدمي القلوب، ويذهل الأفكار لبُعْده عن الرحمة الإنسانيَّة.
وبعد ارتكاب هذه الفاجعة عادوا يبكون وينتحبون، ويُعلنون ندمهم على ما ارتبكوا، إلاَّ أنَّ الندم سوف يُلازمهم إلى الأبد، وسوف يبقى ذلك الـمُجتمع وما ارتكبه مِن جُرم في حَقِّ العِترة الطاهرة.. سيبقى وصمة عار في جبين هذه الأُمَّة وصفحة سوداء في تاريخها.
فقد خطب الإمام زين العابدينعليهالسلام فيهم بعد أنْ أومأ إلى الناس أنْ اسكتوا، فلـمَّا سكتوا حمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلَّى عليه، ثمَّ قال:
(أيُّها الناس، مَن عَرفني فقد عَرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عليُّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن مَن انتُهكت حُرمته، وسُلبت نعمته، وانتُهب ماله، وسُبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطِّ الفرات مِن غير ذَحْل ولا تِرات، أنا ابن مَن قُتل صبراً وكفى
بذلك فخراً. أيُّها الناس، فأُنشدكم الله، هل تعلمون أنَّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه مِن أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه؛ فتبَّاً لكم لما قدَّمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأيَّة عين تنظرون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إذ يقول لكم قتلتم عِترتي وانتهكتم حُرمتي فلستم مِن أُمَّتي).
وعلت الأصوات بالبُكاء ونادى منادٍ منهم: هلكْتُم وما تعلمون.
واستمرَّ الإمام في خطابه فقال:
(رحم الله امرأً قَبِل نصيحتي، وحفظ وصيَّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإنَّ لنا في رسول اللهصلىاللهعليهوآله أُسوة حَسَنة).
فهتفوا جميعاً قائلين بلسانٍ واحدٍ: نحن يا بن رسول الله، سامعون مُطيعون حافظون لذِمامك، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمُرنا بأمرك يرحمك الله، فإنَّا حرب لحربك وسِلْم لسِلْمك مِمَّن ظلمك وظلمنا.
فردَّ لإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً:
(هيهات هيهات! أيُّها الغَدَرة الـمَكَرة! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتُريدون أنْ تأتوا إليَّ كما أتيتم إلى أبي مِن قَبْل؟! كلاَّ وربِّ الراقصات، فإنَّ الجرح لـمَّا يندمل، قُتِل أبي - صلوات الله عليه - بالأمس وأهل بيته ولم يُنسني ثَكل رسول الله وثَكل أبي
وبني أبي، ووَجْدُه بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحَلقي، وغِصَّته تجري في فراش صَدري)(1) .
أشعرهم الإمامعليهالسلام بأنَّ ما أبدوه له، مِن استعداد للامتثال لأمره والوقوف معه، وبأنَّهم سوف يكونون له أنصاراً، يُحاربون مَن يُحارب، ويُسالمون مَن يُسالم.. أشعرهم بأنَّهم غير صادقين في ما يدَّعون، وهيهات هيهات أنْ ينخدع بهم وبذَلاقة ألسنتهم! وبالأمس جرى منهم ما جرى على صعيد كربلاء، ولا يُمكن أنْ تزول تلك الصور الـمُفجعة عن عينيه أو تُبارح مُخيَّلته، فلا زالت ولن تزول مرارتها وغِصَّتها في صدره تقضُّ عليه مضاجعه، فكيف ينسى وقد رأى بأُمِّ عينيه ما جرى على أبيه وإخوته، وعمومته وبني عمومته، والأصحاب مِن الأحداث الجِسام، والمصائب العِظام التي سوف تبقى مدى الدهر تتذكَّرها الأجيال؟!
وأمَّا الحوراء زينب بنت عليٍّعليهماالسلام ، فقد أومأت إلى الناس فسكنت الأنفاس والأجراس، فاندفعت عقيلة البيت الهاشمي، فقالت:
(الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيِّبين الأخيار، أمَّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الخَتْل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنَّة؟! إنَّما مَثلكم كمَثل التي نقضت غزلها مِن بعد قوَّة أنكاثاً، تتَّخذون أيمانكم دخلاً بينكم. ألا وهل فيكم إلاَّ الصَّلِف والنَّطِف، والعُجب والكَذب، والشَّنِف ومَلِق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دِمنة أو كقصَّة (كفِضَّة) على مَلحودة؟!
____________________
(1) نقلنا نصَّ الخُطبة مِن اللهوف: ص92 - 93، ومثير الأحزان لابن نما: ص69 - 70 طبع الحيدريَّة واللفظ للأوَّل.
ألا بِئْس ما قدَّمت لكم أنفسكم أنْ سَخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون) (1) .
في هذا الجزء مِن بيانها، أعطت بطلة كربلاء صورة واضحة ودقيقة عن الـمُجتمع الكوفي وواقعه السيِّئ، فأشارت إلى مجموعة مِن الصفات السيِّئة والظواهر الانحرافيَّة البارزة في حياة ذلك الـمُجتمع، تلك الصفات التي جعلته مِن أحطِّ الـمُجتمعات أخلاقاً وسُلوكاً.
وهي كما يلي:
الخَتْل: وهو الخِداع والـمُراوغة.
الغَدْر: وهو ترك الوفاء ونقض العهد.
وهنا ضربت لهم الحوراء مَثلاً قرآنيَّاً، حيث كان ينطبق عليهم تمام الانطباق، وهو قوله تعالى:( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ... ) (2) .
قال الـمُفسِّرون: إنَّ (الآية تُشير إلى (رايطة) تلك المرأة التي عاشت في قريش زمن الجاهليَّة، وكانت هي وعاملاته يعملنَ مِن الصباح حتَّى مُنتصف النهار في غزل ما عندهنَّ مِن الصوف والشَّعر، وبعد أنْ ينتهين مِن عملهنَّ تأمرهنَّ بنقض ما غزلنَ، وبهذا عُرفت بين قومها بالحَمقاء، فما كانت تقوم به رايطة لا يُمثِّل عملاً بلا ثمر فحسب، بلْ هو الحَماقة بعينها، وكذا الحال بالنسبة لـمَن يبرم عهداً مع الله وباسمه ثمَّ يعمل على نقضه، فهو ليس بعابث فقط، وإنَّما هذا دليل على انحطاطه وسقوط شخصيَّته،( ... تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ... ) ، أي لا
____________________
(1) مقتل الـمُقرَّم: ص203.
(2) النحل: 92.
تنقضوا عهودكم مع الله؛ بسبب أنَّ تلك المجموعة أكبر مِن هذه فتقعوا في الخيانة والفساد(1) .
وهذا مُنطبق على مواقف أهل الكوفة مِن الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام ؛ حيث أعطوه عهودهم ومواثيقهم، ثمَّ خانوا تلك العهود ونقضوا تلك المواثيق، وانظمُّوا إلى أعداء أهل البيت وأعداء الأُمَّة؛ لأنَّ القوَّة والكثرة إلى جانب الأُمويّين، فكان الختل والغدر والخيانة من أبرز المساوئ الأخلاقية لذلك المجتمع إلى جانب بقية الصفات التالية وهي:
الصَّلِف: وهو ادِّعاء الإنسان بما ليس فيه تكبُّراً.
والنَّطِف: وهو القذف بالفُجور.
والعُجب: وهو الزهوّ، ورجل مُعجَب مَزهو بما يكون منه حَسناً أو قبيحاً.
والكَذِب: وهو عدم الصدق في القول والعمل.
والشَّنِف: وهو البُّغْض بغير حَقٍّ.
ومَلق الإماء: والـمَلق هو أنْ يُعطي الإنسان بلسانه ما ليس في قلبه، وهو نوع مِن النفاق الاجتماعي.
وغمز الأعداء: والغَمز هو الطعن والعيب، وأشدُّ ما يكون الطعن إذا كان عن عداوة.
أو كمرعى على دِمنة: وهو النبت الجميل المنظر، الذي ينبت على دِمنة وهي الـمَزبلة.
أو كقصَّة (كفضة) على ملحودة: والقِصَّة الجِصُّ والملحودة القبر.
وفي هاتين الصفتين (كمرعى على دِمنة أو كقصة على ملحودة) شبَّهتهم الحوراء:
____________________
(1) تفسير الأمثل: ج8: ص275.
أوّلاً: بالنبات الأخضر الجميل، الذي يكون منبته في وسط المزابل، تعبيراً عمَّا يتظاهرون به مِن صفات خارجيَّة خادعة، إلاَّ أنَّ جذورها في مَنابت السوء والخَبَث.
ثانياً: بالقبر الـمُجصَّص فهو جميل في ظاهره، إلاَّ أنَّه قد انطوى على جيفة منتنة، لو كشف عن باطنه لبرزت الرائحة النتنة، وبدا المظهر الذي تشمئزُّ منه النفوس، فقد كان أهل الكوفة يُبرزون أنفسهم بمظاهر تخدع الآخرين إلاَّ أنَّ بواطنهم كالجِيف.
هذه هي أبرز مساوئ الـمُجتمع الكوفيِّ في تشخيص الحوراءعليهاالسلام ، وهي أُمَّهات الرذائل ومساوئ الأخلاق، التي تَهدم حياة الـمُجتمعات، فأيُّ مُجتمعٍ تسوده هذه الصفات، فإنَّه سوف يُصبح مُجتمعاً ضعيفاً مُتقلِّباً في مواقفه وسلوكه ويبتعد عن الفضائل الإنسانيَّة، وتسهل السيطرة عليه مِن قِبَل أعدائه وتسخيره لأهدافهم، كما كان عليه مجتمع الكوفة.
وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقِمْ عليهم مأتماً وعويلاً.
والعامل الرئيس في وجود هذه الأمراض الاجتماعيَّة، هو ضعف الروح الدينيَّة والإيمانيَّة الواعية، التي متى أصبحت قويَّة وثابتة في نفس الإنسان؛ فإنَّها تُعطيه القوَّة والثبات في مواقفه ويعيش بعيداً عن التذبذب والتأرجح في قراراته، فتسود الـمُجتمع مظاهر الفضيلة.
وهذا ما يفتقر إليه الـمُجتمع الذي تحدَّثت عنه العقيلة زينبعليهاالسلام ، وفي ظَنَّي لو أنَّ عدداً مِن الخُبراء الاجتماعيِّين والنفسانيِّين قاموا بدراسة شاملة لأوضاع ذلك الـمُجتمع، وتحليل الظواهر الاجتماعيَّة السائدة فيه، فإنَّهم لن يُعطوا وصفاً دقيقاً - في تشخيص ما فيه مِن أمراض اجتماعيَّة - أدقَّ وأشمل مِمَّا أعطته زينب الحوراءعليهاالسلام مِن دِقَّة الوصف والتشخيص في بيانها القصير.
ولا غرابة أنْ يصدر ذلك مِن هذه المرأة العظيمة، وما عسى أنْ يقول إنسان في شأنها، بعد شهادة الإمام زين العابدين - وهو الإمام المعصوم الذي يعني ما يقول ولا يُرسل الألقاب جُزافاً - حينما يُخاطب عمَّته زينب قائلاً: (اسكُتي يا عمَّة، فأنت بحمد الله عالمة غير مُعلَّمة، وفَهمة غير مُفهَّمة).
وتابعت الحوراء خطابها فقالت:
(أبتكون وتنتحبون؟! إيْ والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشَنارها، ولن ترحضوها بغَسلٍ بعدها أبداً، وأنَّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوَّة، ومَعدِن الرسالة ومدرَّة حُجَّتكم ومنار مَحجَّتكم، وملاذ خِيرتكم ومفزع نازلتكم، وسيِّد شباب أهل الجَنَّة، ألا ساء ما تزرون.
فتعساً ونكساً وبُعداً لكم وسُحقاً! فلقد خاب السعي وتبَّت الأيدي، وخَسُرت الصفقة، وبؤتم بغضبٍ مِن الله ورسوله، وضُربت عليكم الذِّلَّة والـمَسكنة. ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيَّ كَبد لرسول الله فريتم؟! وأيَّ كريمة له أبرزتم؟! وأيَّ دَمٍ له سفكتم؟! وأيَّ حُرمة له انتهكتم؟! لقد جئتم شيئاً إدَّاً تكاد السماوات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هدَّاً.
ولقد أتيتم بها خَرقاء شوهاء كطلاع الأرض وملأ السماء، أفعجبتم أنْ مطرت السماء دَماً، ولَعذاب الآخرة أخزى وهُمْ لا يُنصرون، فلا يستخفَّنكم الـمُهل؛ فإنَّه لا يُحفِّزه البِّدار ولا يخاف
فوت الثار، وإنَّ ربَّكم لبالـمُرصاد) .
فقال الإمام السجاد: (اسكُتي يا عمَّة، فأنت - بحمد الله - عالمة غير مُعلَّمة، وفَهمة غير مُفهَّمة)(1) .
وهنا وضعت الحوراءعليهاالسلام نُصب أعينهم نتائج أعمالهم، فأشارت إلى أنَّ هذا البُكاء الخادع سيكون مِن لوازم حياتهم ووجودهم، فقد باؤوا بالعار الذي لا يُغسل والخزي الدائم؛ لأنَّهم عمدوا إلى قتل فرع النبوَّة وسَليل صاحب الرسالة، ومَن كان لهم المفزع عند الـمُلـمَّات والملاذ الذي يُلتجأ إليه في النوازل، والحُجَّة التي نُصبت مِن قِبَل الله على العباد، وهو سيِّد شباب أهل الجَنَّة، فقد خاب سعيهم وخَسرت صفقتهم، ونتيجة ذلك أنْ سيَحلُّ بهم غضب الله تعالى وسيشملهم الذِّلُّ والمسكنة.
ثمَّ تساءلت الحوراء: ألم يكونوا يعلمون في حَقِّ مَن ارتبكوا هذه الفاجعة؟! بلى لقد كانوا على علم مِن ذلك، ولا يجهلون هذا الأمر بأنَّهم قد ارتكبوا أعظم فاجعة عرفها التاريخ؛ لأنَّهم قد مزَّقوا كَبِد رسول الأُمَّة بأسيافهم ورِماحهم وانتهكوا حُرمته وحُرمة الإسلام؛ بإبرازهم لحرائر النبوَّة ومُخدَّرات الإمامة، فلا عجب - لأجل ذلك - لو أُصيب النظام الكونيّ بالاضطراب، وتفطَّرت السماوات وانشقَّت الأرض وخرَّت الجبال هدَّاً، ولا غَرابة لو أنَّ السماء بكت لهذه الفاجعة فأمطرت دماً.
ثمَّ حذَّرتهم بألاَّ يغترُّوا بحلم الله تعالى عليهم وأناته، حيث لم يُعجِّل عليهم النقمة والعذاب؛ فإنَّه تعالى لا يفوته شيء وإنَّما يَعجل مَن يخاف الفوت، وإنَّه للظالمين لبالـمُرصاد، ولعذاب الآخرة أشدُّ وأخزى.
____________________
(1) مقتل الـمُقرَّم: ص203 - 204.
وقد خَطبت السيِّدة أمُّ كلثوم موجِّهة كلامها - أيضاً - إلى ذلك الحشد، الذي استقبلهم بالبكاء الخادع الكاذب فقالت:
(مَه يا أهل الكوفة، تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم، فالحَكَم بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب، يا أهل الكوفة، سوأة لكم! خذلتم حُسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبَّاً لكم وسُحقاً. ويلكم! أتردون أيَّ دواهٍ دهتكم؟! وأيَّ وِزرٍ على ظهوركم حملتم؟! وأيَّ دماء سفكتم؟! وأيَّ كريمةٍ أصبتموها؟! وأيَّ صبيةٍ أسلمتموها، وأيَّ أموالٍ انتهبتموها؟! قتلتم خير الرجالات بعد النبي صلىاللهعليهوآله ، ونُزعت الرحمة مِن قلوبكم، ألا إنَّ حزب الله هُمْ الـمُفلحون وحزب الشيطان هُمْ الخاسرون) .
واضطرب الـمُجتمع مِن خطابها، فنشرت النساء شعورهنَّ ولطمنَ الخدود، ولم يُرَ أكثر باكٍ ولا باكية مثل ذلك اليوم(1) .
هذا هو المحور الأوَّل الذي تدور عليه هذه البيانات، حيث كان الكلام ينصبُّ على توضيح عُظم الفاجعة وآثارها على مُرتكبيها وعلى الأُمَّة كافَّة، وتوجيه التأنيب والتقريع إلى الـمُجتمع الكوفي لما ارتكبه مِن فجائع مؤلمة وجرائم مُخزية.
أمَّا المحور الثاني لبيانات الكوفة، فهو الحديث عن قضيَّة أهل البيت ومُعاناتهم مِن هذه الأُمَّة، بدءاً مِن مُعاناة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنَّ فاجعة الطَّفِّ إنَّما هي الحلقة الأبرز والأفضع، مِن بين حلقات الـمُعاناة التي واجهها أهل البيتعليهمالسلام ، فليست هي أوَّل جريمة تُرتكب في حَقِّهم مِن قِبَل الأُمَّة، لا سِيَّما مِن الـمُجتمع الكوفي.
____________________
(1) مقتل الـمُقرَّم: ص208.
وقد انبرت إلى الخطابة فاطمة بنت الإمام الحسينعليهماالسلام ، فخطبت أبلغ خطاب وأروعه، وكانت طفلة، فبُهر الناس ببلاغتها وفصاحتها، وقد أخذت بمجامع القلوب وتركت الناس حيارى، قد بلغ بهم الحُزن إلى قرارٍ سحيق، فقالت:
(الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزِنة العرش إلى الثرى، أحمده وأُومن به، وأتوكَّل عليه، وأشهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسولهصلىاللهعليهوآله ، وأنَّ أولاده ذُبِحوا بشطِّ الفرات بغير ذَحل ولا تِرات.
اللَّهمَّ، إنِّي أعوذ بك أنْ أفتري عليك الكذب، وأنْ أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه، مِن أخذ العهود لوصيَّه عليِّ بن أبي طالب، المسلوب حَقُّه المقتول مِن غير ذنب - كما قُتِل ولده بالأمس - في بيت مِن بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تَعْساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مَماته، حتَّى قبضته إليك محمود النقيبة، طيِّب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك - اللَّهمَّ - لومة لائم، ولا عَذل عاذل وهديته - اللَّهمَّ - للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك صلىاللهعليهوآله زاهداً في الدنيا غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مُجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم) .
إنَّ حديث السيِّدة فاطمة بنت الإمام الحسينعليهاالسلام عن جَدِّها أمير المؤمنينعليهالسلام ، ورجوعها إلى الماضي، والإشادة بخصائص الإمام علي، إنَّما هي عمليَّة ربط بين الأحداث التاريخيَّة في حلقاتها الـمُترابطة.
إنَّ كلَّ ما وقع على أهل البيت مِن مآسي، وما واجهوه مِن القتل وإبادة، كلُّ ذلك نتائج عن الحدث الأوَّل، وهو إبعاد الإمام عليٍّ عن مركز القيادة بعد وفاة الرسول القائدصلىاللهعليهوآله ، وتجاهل الأُمَّة لما يتمتَّع به عليٌّعليهالسلام مِن خصائص تجعله فوق مَن سواه مِن أفراد الأُمَّة، وتُحدِّد موقعه القيادي، فترتَّبت على هذا الموقف مِن الأُمَّة تِجاه أمير المؤمنينعليهالسلام النتائج اللاحقة تِجاه العِترة الطاهرة، حيث لا يُمكن الفصل بين فاجعة الطَّفِّ، وبين ما سبقها مِن الأحداث، وأُسس ذلك كلُّه الغَلطة الأُوْلى التي وقع فيها المسلمون.
وأشارت السيِّدة فاطمة إلى ما واجهه أمير المؤمنينعليهالسلام ، مِن مُعاناة ومرارة مِن مُجتمع الكوفة، مِن حالات التمرُّد والعصيان حتَّى امتلأ قلبه جروحاً، وختم هذه الـمُعاناة بأنْ قُتِل بينهم في بيت مِن بيوت الله.
وواصلت السيِّدة بنت الحسينعليهماالسلام خطابها، مُشيرة إلى مواقف هذا الـمُجتمع تِجاه أهل البيت بشكلٍ عامٍّ، فقالت:
(أمَّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الـمَكر والغَدر والخُيلاء، فإنَّا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عَيبة علمه ووعاء فَهمه
وحكمته، وحُجَّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته وفضَّلنا بنبيِّه محمد صلىاللهعليهوآله على كثير مِمَّن خلق الله تفضيلاً، فكذَّبتمونا وكفَّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهبا، كأنَّنا أولاد تُرك أو كابُلٍ، كما قتلتم جَدَّنا بالأمس وسيوفكم تقطُر مِن دمائنا أهل البيت لحِقدٍ مُتقدِّم، قَرَّت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم، افتراءً على الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين، فلا تَدْعونَّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم مِن دمائنا، ونالت أيدكم مِن أموالنا، فإنَّما أصابنا مِن المصائب الجليلة والرزايا العظيمة: ( فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (1) .
لَعمري! إنَّ البيان الذي أدلت به هذه السيِّدة الجليلة، لَيَدلُّ على أُفق واسع وفكرٍ وقَّادٍ، وقابليَّة رفيعة في فَهم الأُمور، وهضم الأحداث وترتيب نتائجها على مُقدِّماتها، مع العلم أنَّ هذه السيِّدة لم تكن في السِّنِّ الذي يسمح لها في فَهم الأُمور، مِن خلال التجارب الحياتيَّة وتلقِّيها على مرور السنين، كما هي العادة في حياة الناس ما عدا النوابغ والموهوبين، الذين منحوا الفِكر الـمُميَّز والعبقريَّة النادرة، وهؤلاء يوجدَون بنسبة قليلة في كلِّ الـمُجتمعات، وإنَّ السيِّدة بنت الحسينعليهماالسلام هي مِن أُسرة، اجتمعت لها جوانب الفضل والفضيلة وتوفَّرت لها عناصر النبوغ والعبقريَّة الـمُبكِّرة، وهذا ما أشار
____________________
(1) الحديد: 22 - 23.
إليه جَدُّها أمير المؤمنينعليهالسلام مُشيراً إلى مَلكة الشجاعة الأدبيَّة عند أهل البيتعليهمالسلام ، قالعليهالسلام : (وإنَّا لأُمراء الكلام، وفينا نشبت عروقه، وعلينا تهدَّلت غُصونه)(1) .
فلا غَرابة مِن أنْ تكون هذه الطفلة في سِنِّها، الجليلة في فضلها ووعيها، على هذا الـمُستوى مِن قوَّة البيان ورصانة المنطق، فقد أشارت إلى ما منحهم الله تعالى مِن علمٍ وفضلٍ، حيث جعلهم مَعدن علمه ومنابع فضله.
ثمَّ أشارت إلى ما حَلَّ بهم على أيدي أهل الكوفة، مِن الرزايا العظيمة والكوارث الجسيمة مِن القتل والنهب والأُسر والسبي، وأكَّدت أنَّ في ذلك ابتلاءً لأهل البيت مِن جِهة، وابتلاء لأهل الكوفة وللأُمَّة مِن جِهةٍ أُخرى.
فهو ابتلاء لأهل البيت كابتلاء الأنبياء والرُّسل والأولياء، يرفع الله بذلك درجاتهم ومقاماتهم عنده تعالى.
وهو ابتلاء لأهل الكوفة وللأُمَّة:( ... لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ... ) ( وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... ) كما كان ذلك لأُمَم الأنبياء والرُّسل.
إلاَّ أنَّ أهل الكوفة، بلْ الأُمَّة كلُّها، نتيجة هذا الابتلاء لم يحيَ منها إلاَّ القليل، وكان الهَلاك نصيب الأكثريَّة كما هي نتائج الابتلاءات الإلهيَّة في الأُمَم السابقة.
وتابعت ابنة الحسين خطابها لأهل الكوفة، مُحذِّرة لهم غَبَّ ما فعلوه، وبأنَّهم سوف يجنون ثمار ما كسبت أيديهم، وما ارتكبوه في حَقِّ عِترة خاتم النبيِّين، فلينتظروا ذلك وما عذاب الله مِن الظالمين ببعيد.
قالتعليهاالسلام :
(تبَّاً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأنْ قد حَلَّ بكم وتواترت مِن السماء نقمات، فيسحتكم بعذابٍ ويُذيق بعضكم بأس
____________________
(1) نهج البلاغة قطعة رقم 233 صُبحي الصالح.
بعضٍ، تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.
ويلَكم! أتدرون أيَّة يد طاعنتنا منكم؟! وأيَّة نفس نزعت إلى قتالنا؟! أمْ بأيَّة رجلٍ مَشيتم إلينا تبغون مُحاربتنا؟! والله، قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطُبع على أفئدتكم، وخُتِم على سمعكم وبصركم، وسَوَّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غِشاوة فأنتم لا تهتدون.
فتبَّاً يا أهل الكوفة! أيَّ تِرات لرسول اللهصلىاللهعليهوآله قِبَلكم، وذُحول له لديكم بما غدرتم بأخيه عليِّ بن أبي طالب جَدِّي وببنيه وعِترته الطيِّبين الأخيار؟! فافتخر بذلك مفتخر:
قد قتلنا عليَّكم وبنيه |
بسيوف هنديَّة ورماح |
|
وسبينا نساءهم سبي تُرْك |
ونطحناهم فأي نطاح |
بفيك أيُّه القائل الكُثْكُثْ والأثْلب، افتخرت بقتل قوم زكَّاهم الله وطهَّرهم وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقعِ كما أقعى أبوك، فإنَّما لكلِّ امرئ ما كسب وما قدمت يداه. أحسدتمونا ويلكم على ما فضَّلنا الله.
فما ذنبُنا إنْ جاش دهراً بحورنا |
وبحرك ساجٍ ما يواري الدَّعامِصا |
( ... ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (1) .
( ... وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (2) (3) .
ولك أنْ تتصوَّر مدى تأثير هذه البيانات في نفوس تلك الجماهير، وما تركته مِن رُدود فعل مُتفاوتة، وبالإمكان أنْ نُقسِّم ذلك الجمهور إلى قِسمين رئيسين:
القِسم الأوَّل: هو القسم الذي شارك في معركة الطَّفِّ وباشر الحرب، وعلى أيدي هؤلاء تمَّت الجريمة وحدثت الفاجعة، وإنَّ تأثير خُطب سبايا أهل البيت على هذا القسم هو تعميق الشعور بالخيبة والحسرة الدائمة؛ حيث إنَّهم قد أغلقوا على أنفسهم باب الرحمة، ولا يُمكنهم تلافي الموقف فلقد خسروا الدنيا والآخرة، ألاْ إنَّ ذلك هو الخُسران الـمُبين.
القِسم الثاني: هُمْ الذين لم يشتركوا في المعركة، ولم يخرجوا لحرب الإمامعليهالسلام ، إلاَّ أنَّهم وقفوا منه موقف الخاذل، ولم يفوا بما أعطوه مِن وعود وعهود، ولا شكَّ أنَّ هذا الموقف يُمثِّل جانباً آخر مِن الكارثة، إلاَّ أنَّ هؤلاء وإنْ لم يُحاربوا إلى جانب مُعسكر ابن زياد، إلاَّ أنَّهم خذلوا الحَقَّ وأضعفوه وأسلموه في أيدي الباطل.
ومِن الطبيعي أنْ تتفاوت رَدَّة الفعل عند هؤلاء، عن رَدَّة الفعل عند القِسم الأوَّل، فإنَّ رَدَّة الفعل عند هذا القِسم هو الشعور بالندم على التفريط وسوء الموقف، إلاَّ أنَّ لديهم مجالاً للتكفير عن ذلك، وليس أمامهم طريق إلاًَّ الانضمام إلى جماهير الثورة
____________________
(1) الحديد: 21.
(2) النور: 40.
(3) اللهوف لابن طاوس: ص89 وص90، ومثير الأحزان لابن نما: ص67 وص68، واللفظ للأوَّل.
فيما بعد الواقعة، وأنْ يُقرِّروا القيام للانتقام مِن الـمُجرمين القتلة، أو يُقتلوا كما قُتِل الشهداء على ثرى الطَّفِّ.
فكأنَّ هذا الشعور مِن أهمِّ العوامل في بلورة الثورة في النفوس، وإثارة الحماس الشديد في مواجهة النظام الأُموي، وتوسيع الـمَدِّ الثوري، الذي رفع شعار الأخذ بثأر الحسينعليهالسلام .
فقد ندم أهل الكوفة أشدَّ الندم على خُذلانهم للإمام، وجعلوا يتلاومون على ما اقترفوه مِن عظيم الإثم، وقد أجمعوا على إقرارهم بالذنب في خُذلانه، ولزوم التكفير عنه بالـمُطالبة بثأره.
وقد عقدوا مؤتمراً في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، وهو شيخ الشيعة وصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذو السابقة والقِدَم في الإسلام، فقد تداولوا الحديث فيما بينهم، ورأوا أنَّه لا يُغسل عنهم العار والإثم إلاَّ بقتل مَن قَتَلَ الحسينعليهالسلام ، وقد أُلقيت في قاعة الحفل عِدَّة خُطب حماسيَّة، وهي تدعو إلى التلاحم ووحدة الصَّف للأخذ بثأر الإمام العظيم.
وكان انعقاد المؤتمر فيما يقول المؤرِّخون في سنة (61 ه) وهي التي قتل فيها الحسين(1) .
ومِن هذا المؤتمر انطلقت ثورة التوَّابين للأخذ بثأر الإمام الشهيد، وتسمية هؤلاء الثائرين أنفسهم بالتوَّابين، يُعبِّر عن حالة الشعور بالذنب العظيم تِجاه الإمام وثورته، وإعلان التوبة مِن ذلك الذنب.
فأعلنوا ثورتهم سنة (65 هـ) واصطدموا مع النظام الأُموي في منطقة تسمَّى (عين الوردة)، فكانت نتيجة المعركة أنْ قُتل الكثير منهم واستطاع جيش العدوِّ أنْ يُسيطر على الموقف.
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص450.
فالتوَّابون يُمثِّلون هذا التيَّار في الـمُجتمع الكوفي.
وعاد هذا الـمَدُّ الثوري إلى الظهور في الكوفة مَرَّة أُخرى، مُتمثِّلاً في ثورة الـمُختار الثقفي، الذي استطاع أنْ يستأصل أُولئك القتلة الـمُجرمين، الذين ارتكبوا فاجعة كربلاء.
فقد جهد على الانتقام منهم وتطهير الأرض مِن أُولئك الأرجاس، وقد قَتَل منهم - فيما يقول الطبري: - في يوم واحد مائتين وثمانين رجلاً، ولم يفلت أحد مِن قادتهم وزُعمائهم، فقَتل الـمُجرم عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد مع ولده حفص، وقَتل الأبرص شِمر بن ذي الجوشن ورمى بجيفته للكلاب، وقَتل قيس بن الأشعث، والحُصين بن نُمير، وشبث بن ربعي وغيرهم(1) .
وهكذا أصبحت الكوفة قاعدة لانطلاقة العديد مِن الثورات في وجه الأُمويِّين، كثورة زيد بن علي بن الحسين ويحيى بن زيد، وكلُّ ذلك أصداء لتلك الثورة الـمُقدَّسة ودماء أُولئك الأحرار.
ولا شكَّ إنَّ مَن أهمِّ الأسباب في تبلور الفِكر الثوري والروح الجهاديَّة، هو ما أدلى به عقائل النبوَّة وسبايا آل محمد مِن البيانات الخطابيَّة لتعميق الثورة في وجدان الجماهير.
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص405.
ج - البيانات الإعلاميَّة في الشام
تتمثَّل بيانات الشام فيما يلي:
1 - خُطبة الحوراء زينب في مجلس يزيد بن مُعاوية.
2 - خُطبة الإمام زين العابدين في المجلس.
وقد أشرنا في النقطة السابقة، إلى أنَّ هناك تفاوتاً بين بيانات الكوفة وبين بيانات الشام، فقد كانت بيانات الكوفة موجَّهة إلى الـمُجتمع الكوفي مُباشرة؛ نظراً إلى كونه هو الـمُرتكب للجريمة، والـمُباشر لحدث الفاجعة الكُبرى، وكان هو اليد الأثيمة للنظام الأُموي؛ لذلك جاءت الخطابات موجَّهة إليه.
وأمَّا الـمُجتمع الشامي، فإنَّ أوضاعه تختلف عن أوضاع الـمُجتمع الكوفي، فإنَّ الطابع العامَّ الذي يسود الـمُجتمع الشامي، هو الانخداع بالنظام الأُموي والولاء الأعمى للأُمويِّين، ويرى أنَّ بني أُميَّة هُمْ الذين يُمثِّلون الإسلام ونبي الإسلام، وأنَّهم أقرب البيوتات إلى صاحب الرسالة؛ لأنَّ هذا الـمُجتمع قد رُبِّيَ تربية خاصَّة مِن قِبَل الإعلام الأُموي الـمُكثَّف مِن عهد مُعاوية.
وكانت الصورة التي يحملها الـمُجتمع الشامي عن أهل البيتعليهمالسلام صورة مشوَّهة، لا سِيَّما شخصيَّة عميد العِترة النبويَّة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد اجتهد مُعاوية في تشويه شخصيَّته الـمُقدّسة، حتَّى أعلن سبَّه على المنابر، وبذل الأموال الطائلة في هذا السبيل.
فهذا الوضع الذي يعيشه أهل الشام يحتاج إلى التركيز على جهتين:
الجِهة الأُوْلى: كشف الزيف الذي يعيشه الأُمويُّون، وتعريتهم للـمُجتمع الشامي لا سِيَّما رأس النظام (يزيد بن مُعاوية)، وتوضيح الحقيقة للرأي العامِّ، وهي أنَّ هذا الحاكم بعيد كلَّ البُعْد عن رسالة الإسلام، ولا يُمكن أنْ يكون حاكماً إسلاميَّاً يُمثِّل صاحب الرسالة.
الجِهة الثانية: الحديث عن مقام أهل البيت ومنزلتهم في الإسلام والقرآن، وأنَّهم هُمْ حَمَلة الإسلام وبُناته وحَفظة القرآن، وكشف ذلك الغشاء الذي وضعه الإعلام الأُموي على أعيُن وأفكار الـمُجتمع الشامي، تِجاه أهل البيتعليهمالسلام ، حتَّى أصبحوا مجهولين لدى ذلك الـمُجتمع، بلْ كان يحمل العِداء والكراهيَّة لعِترة الرسولصلىاللهعليهوآله . فاحتاج الظرف إلى حَمْلة إعلاميَّة قويَّة؛ ليتجلَّى الحَقُّ لذي عينين.
أمَّا الحديث عن الجٍهة الأُولى، فهو مِحور خطاب الحوراء زينبعليهاالسلام ، والحديث عن الجِهة الثانية هو المِحور الذي دار حوله خطاب الإمام زين العابدينعليهالسلام ، فقد تشاطر الإمام وعمَّته الحديث عن كلا المِحورين.
البيان الزينبي:
إنَّ الخطاب الذي أدلت به الحوراء زينب في مجلس يزيد بن مُعاوية، مِن أقوى الخطابات التي أُثرت عن أهل البيتعليهمالسلام ، وتتبيَّن قوَّته أكثر عند مُلاحظة الظرف الذي أُلقي فيه ذلك الخطاب، حيث كان سبايا آل محمد في عاصمة الحُكم الأُموي، وفي قبضة رأس النظام (يزيد بن مُعاوية) وهو يعيش حالة مِن النشوة والشعور بالنصر والظَفر، ويرى نفسه هو الفائز والـمُنتصر في هذه المعركة؛ لأنَّه قد قتل خصومه وجاء بالعائلة الكريمة إلى عاصمته سبايا وأُسارى، ولا زالت وسائل القوَّة بيده مِن جيش وسلاح ومال، فهو يرى أنَّ مِن حَقِّه أنْ ينتشي ويفرح بهذه الـمُناسبة، وهنا تُذكِّر يزيد
الصراع الماضي بين جَدِّ هذه الأُسرة، التي أصبحت في قبضته وبين أجداده وأسلافه، ذلك الصراع الذي كان بين الإسلام والشِّرك، وقد كانت نتيجته استئصال شأفة الشرك، وكسر شوكته، والقضاء على رؤوسه بما فيهم أجداد يزيد وأسلافه، وها هو الآن قد انتقم لأُولئك الأسلاف بإبادة عِترة محمدصلىاللهعليهوآله فتَمثَّل بأبيات عبد الله بن الزَّبعرى، وهي:
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزع الخَزرج مِن وقع الأسل |
|
لأهلُّوا واستهلُّوا فَرحاً |
ثمَّ قالوا يا يزيد لا تَشل |
|
قد قتلنا القُرم مِن ساداتهم |
وعدلناه ببدرٍ فاعتدل |
|
لعِبَتْ هاشم بالـمُلك فلا |
خبر جاء ولا وحيٌ نزل |
|
لستُ مِن خِنْدِف إنْ لم أنتقم |
مِن بني أحمد ما كان فعل(1) . |
إنَّ مِن أسوأ مُفارقات هذا التاريخ، أنَّ يزيد يحكم المسلمين باسم الإسلام ونبيِّ الإسلام، فيُعلن كلمة الكُفر على منبر المسلمين مُتحدِّياً مشاعر الأُمَّة، وليس في ذلك الجمهور مَن لديه الإرادة ليَرُدَّ عليه قوله هذا.
في هذا الجوِّ المحفوف بالطغيان والكفر، لم تكترث بطلة كربلاء زينبعليهاالسلام بكلِّ مَن حولها وما حولها، فثارت هاتفة رافعة لصوت الحَقِّ العلوي في وجه الباطل الأُموي، مُبرهنة ليزيد وللأجيال أنَّ هذه الفاجعة الكُبرى لا تعني القضاء على الإسلام، الذي أراد يزيد أنْ ينتقم منه، بلْ إنَّ ما فعله يزيد إنَّما يعني بداية النهاية ليزيد نفسه ونهاية حُكمه.
____________________
(1) تمثَّل يزيد بأبيات عبد الله بن الزَّبعرى، مِمَّا أجمع عليه المؤرِّخون سواء بعد قتل الإمام الحسينعليهالسلام أو بعد واقعة الحَرَّة في المدينة عام 63، وذكر تمثُّل يزيد بهذه الأبيات - مع الاختلاف في عددها والتقديم والتأخير - كلٌّ مِن ابن أعثم في الفتوح: ج5: ص129، واللهوف في قتلى الطفوف: ص105، واللفظ له.
فوقفت ابنة عليٍّ في ذلك المجلس فقالت:
(الحمد لله رَبِّ العالمين، وصلَّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون ) (1) .
أظننتَ - يا يزيد - حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنَّ بنا على الله هَوناً وبك عليه كرامة، وإنَّ ذلك لعُظم خِطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عَطفك جَذلان مسرور، حين رأيت الدنيا لك مُستوثقة، والأُمور مُتَّسقة، وحين صفا لك مُلكنا وسُلطاننا، فمَهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (2) ) .
في هذا المقطع مِن بيانهاعليهاالسلام نُلاحظ ما يلي:
أوَّلاً: أنَّها سلبت يزيد بن مُعاوية صِفَة الإسلام، وطبَّقت عليه عنوان الكُفر بعد تَمثُّله بأبيات ابن الزَّبعرى، وطبَّقت عليه الآيتين السابقتين في بداية المقطع ونهايته، حيث يعني تطبيق الآية الأُولى أنَّ إعلان يزيد لكلمة الكُفر صريحة، إنَّما هي ثمرة أعماله ومُمارساته السيِّئة التي لا تلتقي مع روح الإسلام الحنيف.
____________________
(1) الروم: 10.
(2) آل عمران: 178.
ثانياً: عرَّفت يزيد على جهله حين يظنُّ أنَّ هذا الحال الذي هو عليه مِن السلطان، واتِّساق الأُمور وتوفُّر الأسباب دليل على كرامته على الله، وكون سبايا آل محمد في قبضته وقد ضيَّق عليهم الدنيا، دليلاً على هوانهم، فبلغ به الغرور والطغيان مبلغه، فعرَّفته الحوراء بأنَّ ذلك ليس مُقياساً للكرامة والفضل عند الله تعالى.
وإلاَّ فما أكثر الطواغيت في التاريخ، الذين توفَّرت لهم أسباب القوَّة والسلطان فمَلأوا الأرض ظُلماً وفساداً / كفرعون والنمرود وأشباههم، بينما يقف في الطرف الآخر أنبياء الله وأولياؤه، الذين هم قادة البشريَّة بحَقٍّ وولاة أمره.
ويزيد هو واحد مِن أُولئك الذي واجهوا الله بالطغيان والاستكبار في الأرض، بينما الحُكم الذي في يده والملك الذي هو فيه، إنَّما هو حَقٌّ لآل محمدصلىاللهعليهوآله ؛ لأنَّهم هم ورثة النبيِّ في علمه وحُكمه وسُلطانه، فهُمْ قادة الأُمَّة وحُكَّامها بحَقٍّ.
ثمَّ استشهدت الحوراء بالأية الكريمة الثانية وطبَّقتها على يزيد، والآية تُشير إلى الجهل الذي يقع فيه الطواغيت دائماً، حينما تجتمع لهم أسباب القوَّة والسلطان؛ فيظنُّون أنَّ ذلك دليل تميُّزهم على مَن سِواهم مِن البشريَّة، وأنَّ مظاهر القوَّة والسلطان الـمُتوفِّرة لديهم تُمثِّل الخير والسعادة والرضا مِن الله تعالى، بينما الحَقُّ غير ذلك، إنَّما هي مظاهر سُنَّة الإملاء والاستدراج مِن الله تعالى لهم؛ ليبلغوا حَدَّاً في طُغيانهم واستكبارهم في الأرض، ثمَّ يأخذهم أخذ عزيزٍ مُقتدر، قال تعالى:( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (1) .
ويزيد ليس خارجاً مِن هذه القاعدة أو السُنَّة الإلهيَّة.
ثمَّ قالتعليهاالسلام :
(أمِنَ العَدل - يا بن الطُّلقاء - تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك
____________________
(1) الأعراف: 182 - 183.
بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبايا، قد هتكت ستورهُن، وأبديت وجوههُن، تحدو بهنَّ الأعداء مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفَّح وجوههَنَّ القريب والبعيد، ليس معهنَّ مِن حُماتهن حَميٌّ ولا مِن رِجالهنَّ وليٌّ؟! وكيف يرتجى مُراقبة مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه مِن دماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في بُغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشَّنف والشنآن والإحن والأضغان؟!).
هذا الاستفهام مِن الحوراء استفهامٌ استنكاريٌّ، فهي تُريد أنْ تقول: إنَّك - يا يزيد - تدَّعي بأنَّك حاكم إسلاميٌّ، تحكم المسلمين باسم الإسلام وباسم محمدصلىاللهعليهوآله ، والحُكم في الإسلام قائم على العدل، فأينَ حُكمك مِن الإسلام؟! وهل تَعتبر ما فعلته في عِترة الرسول جزءاً مِن عدلك؟! أليس هذا ظُلماً لمحمد وللإسلام؟! فكيف يحقُّ لك أنْ تنطق باسم الإسلام؟!
ثمَّ رجعت الحوراء بالأذهان إلى السوابق التاريخيَّة ليزيد؛ لتُذكِّره وغيره بماضيه الـمُتمثِّل في مواقف أسلافه مِن الإسلام ومواقف الإسلام منهم، وربطت ما بين ما فَعَلَه يزيد بأهل البيت وبين ذلك الماضي.
فذكَّرته - أوَّلاً - موقف جَدِّها الرسول الأعظم مِن آبائه يوم الفتح، يوم دخل مَكَّة الـمُكرَّمة مُنتصراً ظافراً، وأصبحت قريش وأهل مَكَّة في قبضته، إلاَّ أنَّه قد قابل أُولئك الذين كذَّبوه وأهانوه، وعذَّبوا أتباعه وطردوه، وجمعوا له العرب حتَّى غزوه في دار هِجرته، ومثَّلوا بعَمِّه أقبح تمثيل، ومنعوه قبل عامين مِن دخول مَكَّة لأداء مناسك الحَجِّ، وفعلوا معه ما لا تُبيحه أعراف العرب وعاداتهم، وكان أبو سفيان وزوجته هند مِن
أشدَّ الناس عداوة لله ورسوله، ومع ذلك حين أمكنه الله منهم مَنَّ عليهم، وأمر مَن يُنادي في الناس: (مَن دخل دار أبي سُفيان فهو آمِن، ومَن ألقى سلاحه فهو آمِن، ومَن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمِن)(1) .
ثمَّ (وجَّه حديثه إلى الـمَكِّيِّين ثانية وسألهم: (ماذا ترون أنِّي فاعل بكم وما تظنُّون؟).
قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، وقد قدرت وأصبح أمرنا بيدك.
فقال: (إنِّي أقول لكم ما قاله أخي يوسُف لإخوته:( ... لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (2) ، اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)(3) .
والإشارة مِن الحوراء إلى هذا الموقف لها دلالتها مِن جِهتين:
الجِهة الأُولى: هي الـمُقارنة ما بين هذا الموقف مِن الرسول تِجاه أسلاف يزيد، وبين موقف يزيد مِن عِترة الرسولصلىاللهعليهوآله ؛ ليتَّضح الفَرق البعيد بين أهداف الإسلام ونبيِّ الإسلام، وبين يزيد وسيرته وأهدافه، فهما اتِّجاهان لا يلتقيان.
الجِهة الثانية: الإشارة إلى مَغزى هذا الوسام الذي وضعه الرسول على هؤلاء - أعني (الطُّلقاء) -، بما فيهم أبو سفيان وابنه مُعاوية، وعَلاقة ذلك بخلافة يزيد على المسلمين؛ فإنَّ استخلافه على الأُمَّة لا يستند على مُستندٍ شرعيٍّ على كلِّ النظريَّات الموجودة في شأن الحُكم في الإسلام، وذلك لِمَا يلي:
أ - أمَّا على رأي مدرسة أهل البيت فالأمر واضح؛ لأنَّ مدرستهمعليهمالسلام تتبنَّى مبدأ النَّصِّ والتعيين في الخلافة مِن قِبَل الله والرسولصلىاللهعليهوآله .
ب - وأمَّا على رأي مدرسة الصحابة، التي تتبنَّى مبدأ الشورى، فإنَّ الكيفيَّة التي تمَّ
____________________
(1) سيرة الـمُصطفى: ص595.
(2) يوسف: 92.
(3) سيرة الـمُصطفى: ص604.
بها استخلاف يزيد مِن قِبَل أبيه مُعاوية لا تَمتُّ إلى الشورى بصِلة، وقد مَرَّ الكلام حولها في القراءة الثانية مِن هذه القراءات.
ج - بما أنَّ يزيد مِن أبناء الطُّلقاء فليس له حَقٌّ في الخلافة على المسلمين، وهذا رأي الخليفة الثاني في حَقِّ الطُّلقاء وأبنائهم كما جاء في (الإصابة) و(طبقات ابن سعد).
ففي الإصابة: إنَّ عمر قال لأهل الشورى لا تختلفوا؛ فإنَّكم إنْ اختلفتم جاءكم مُعاوية مِن الشام وعبد الله بن ربيعة مِن اليمن، فلا يَريان لكم فضلاً لسابقتكم، وأنَّ هذا الأمر لا يصلح للطُّلقاء ولا أبناء الطُّلقاء(1) .
وفي الطبقات أنَّ عمر قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقى منهم أحد، ثمَّ في أهل أُحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء(2) .
فيكون يزيد قد تسلَّط على رقاب الأُمَّة بلا أيِّ وجهٍ شرعيٍّ، وإنَّما بالقوَّة والغَلبة.
ثمَّ أشارتعليهاالسلام إلى أنَّ ما فعله يزيد في حَقِّ العِترة النبويَّة، يلتقي وينسجم مع طبيعة يزيد ونشأته؛ لأنَّه قد نبت لحمه على بُغض آل محمد، وقد ورث ذلك مِن أسلافه، أليست جَدَّتُه هند بنت عُتبة هي التي قطَّعت كَبد سيِّد الشهداء، حمزة بن عبد الـمُطَّلب ووضعتها في فمها تشفِّياً وانتقاماً؟! فمِن الطبيعي أنْ يَصدر مِن يزيد كلُّ ما صدر، ما دامت هذه مُنطلقاته الأُسريَّة وهذه موروثاته الأخلاقيَّة.
واستمرَّت العقيلةعليهاالسلام ببيانها مُخاطبة ليزيد قائلة:
(ثمَّ تقول غير مُتأثِّم ولا مُستعظم:
لأهلُّوا واستهلُّوا فَرَحاً |
ثمَّ قالوا يا يزيدُ لا تشل |
____________________
(1) الإصابة: ج2: ص297.
(2) طبقات ابن سعد: ج3: ص260.
مُنتحياً على ثنايا أبي عبد اللهعليهالسلام سيِّد شباب أهل الجَنَّة تنكتها بمُخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القَرحة واستأصلت الشأفة؟! بإراقتك دماء ذُرِّيَّة محمدصلىاللهعليهوآله ونجوم الأرض مِن آل عبد الـمُطَّلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنَّك تُناديهم فلتردنَّ - وشيكاً - موردهم ولتودَنَّ أنَّك شُللت وبُكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت. اللَّهمَّ، خُذْ لنا بحَقِّنا، وانتقِم مِمَّن ظلمنا واحللْ غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حُماتنا).
وهنا أشارت الحوراءعليهاالسلام إلى ما تَمثَّل به يزيد مِن أبيات ابن الزَّبعرى، غير شاعر بأيِّ إثمٍ أو تحرُّج بما يقوله، أو بما ارتكبه مِن سَفك تلك الدماء الطاهرة مِن ذُرِّيَّة محمدصلىاللهعليهوآله ، أو ما يُمارسه في مجلسه مِن أساليب الانتقام، الذي ينمُّ عن مدى الحِقد الذي قد تَمكَّن مِن قلبه، وخالط لحمه ودمه تِجاه محمد وذُرِّيَّته؛ فإنَّه قد وضع رأس الإمام الشهيد أمامه، وأخذ يضرب على شَفتيه بعصاً كان في يده مُتمنِّياً حضور أسلافه؛ ليروا كيف أخذ يزيد بثأرهم، وثأر لدمائهم التي أراقها الرسول الأعظم دفاعاً عن رسالة الإسلام.
ولـمَّا كان يزيد يحمل في واقعه مبادئ أسلافه - وإنْ غَلَّفها بغِلاف كاذب مِن إسلامه لذلك - فإنَّ مصيره هو مصيرهم، وسوف يرى ذلك عندما ينكشف له واقع عمله، فيجني ثمار ما قدَّمت يداه، عند ذلك يرجع فيتمنَّى لو أنَّه لم يفعل ولم يقل ما قاله وصرَّح به مِن الكُفر، بلْ سيتمنَّى لو أنَّه أُصيب بالصَّم والبَّكم والشَّلَل ولم يبدر منه ما
بدر، ولم يجري على لسانه ما جرى، إلاَّ أنَّه لا ينفعه التمنِّي ولا يُجديه النَّدَم وما ربُّك بظلاَّمٍ للعبيد.
وتواصل الصدِّيقة الصُّغرى بيانها العلويَّ وخطابها لرأس النظام قائلة:
(فو الله، ما فريت إلاَّ جِلدك ولا حَززت إلاَّ لحمك، ولتردنَّ على رسول الله صلىاللهعليهوآله بما تحمَّلت مِن سَفك دماء ذُرِّيَّته وانتهكت مِن حُرمته في عِترته ولُحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلـمُّ شَعثهم، ويأخذ بحَقِّهم: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) ،وحَسبُك بالله حاكماً وبمحمد صلىاللهعليهوآله خَصيماً وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوَّل لك ومَكَّنك مِن رِقاب المسلمين بِئْسَ للظالمين بَدلاً، وأيُّكم شرُّ مكاناً وأضعف جُنداً).
وتؤكِّد حفيدة الرسول هنا أنَّ ما ارتكبه يزيد في حَقِّ أهل البيت، لا يؤثِّر على مقامهم الرفيع وجلالهم الربَّاني؛ لأنَّ كلَّ ما جرى عليهم إنَّما هو مِن أجل الله والإسلام؛ لأنَّ خَطَّ الشهادة والتضحية في سبيل الله هو الخَطُّ الذي ارتضاه الله لهم فرضوه لأنفسهم، فهُمْ سادة الشهداء والـمُضحِّين الذين أكَّد القرآن أنَّهم أحياءٌ لا أموات، وإنْ حَسِبَهم أهل الجَهل أمواتاً.
وحياة هؤلاء حياتان:
الأُولى: الحياة المجازيَّة، وهي بقاء وخلود الذِّكْر في أفكار وضمائر أجيال الأُمَّة،
____________________
(1) آل عمران: 169.
ترفعهم شعاراً للحياة الحُرَّة الكريمة، وتستمدُّ مِن مواقفهم روح القوَّة والصمود، كلَّما تعرَّضت الأُمَّة إلى الـمَخاطر التي تهدَّد وجودها بالتلاشي والنهاية.
الثانية: الحياة الحقيقيَّة الأُخرويَّة في جوار الله تعالى، حيث يجتمع شَمْل صاحب الرسالة بعِترته، وينتقم الله لهم مِمَّن ظلمهم وسفك دماءهم، وعند ذلك يتَّضح ليزيد أنَّه إنَّما قَتل نفسه بنفسه، حين يقف أمام مَحكمة العدل الإلهيَّة، فيكون خَصمه نبيُّ هذه الأُمَّة، وماذا يكون مصير مَن يُخاصمه نبيُّ الرَّحمة محمدصلىاللهعليهوآله .
وقد أشارت السيِّدة الحوراء إشارة بعيدة بقولها:(وسيعلم مَن سوَّل لك ومَكَّنك مِن رقاب المسلمين) ، حيث تعني: أنَّ شريك يزيد في هذه الجريمة الكُبرى مَنْ أوصله إلى كرسيِّ الحُكم، وحكَّمه في رقاب الأُمَّة؛ إذ لولا ذلك لما حلَّت بالأُمَّة تلك الكوارث والمآسي السوداء.
وتتابع ابنة الزهراء كلامها تُخاطب الطاغية بنبرة كبرياء الإيمان قائلة:
(ولئن جرَّت عليَّ الدواهي مُخاطبتك، إنِّي لأستصغر قَدرك واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك، لكنْ العيون عَبرى والصدور حرَّى، ألا فالعَجب كلُّ العَجب لقتل حزب الله النُّجباء بحزب الشيطان الطُّلقاء! فهذه الأيدي تنطف مِن دمائنا والأفواه تتحلَّب مِن لحومنا، وتلك الجُثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتُعفِّرها أُمَّهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مَغنماً لتجدنا وشيكاً مَغرماً حين لا تجد إلاَّ ما قدَّمت يداك، وما ربُّك بظلاَّمٍ للعبيد، وإلى الله الـمُشتكى وعليه الـمُعوَّل).
إنَّها قوَّة الإيمان وعِزَّة الحَقِّ وكبرياء الرسالة، تطفح على لسان هذه المرأة العظيمة.
نعم، إنَّها ابنة عليعليهالسلام الذي قال في كتاب له إلى أخيه عقيل: (لا يزيدني كَثرة الناس حولي عِزَّة، ولا تَفرُّقهم عَنِّي وَحشة، ولا تحسبنَّ ابن أبيك ولو أسلمه الناس مَضرعاً مُنخشعاً ولا مُقِرَّاً للضيم)(1) .
وهي بنت الزهراء التي أخذت عنها روح الاندفاع لنُصرة الحَقِّ ومواجهة الباطل، وهي أُخت الحسين وشريكته في ثروته، وهو القائل: (هَيْهات مِنَّا الذِّلَّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأُنوف حميَّة، ونفوس أبيَّة، من أنْ نؤثِر طاعة اللئام على مَصارع الكِرام)(2) .
كيف لا؟! والقرآن الكريم يهتف بقوله تعالى:( ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ... ) .
لقد وجَّهت الحوراء سِهامها إلى صميم غرور الطاغية، فعرَّفته على نفسه؛ فإنَّه أقلُّ وأحقر مِن أنْ تُخاطبه عقيلة البيت الهاشمي، غير أنَّ الظروف ألجأتها إلى ذلك.
ثمَّ أبدت عُجبها مِن مُفارقات هذه الحياة، مُشيرة إلى أنَّ الصراع بين أهل البيت وبين خُصومهم مِن الأُمويِّين، إنَّما هو صِراع بين حزبين هما على طَرفي نقيض، فيما يحمله كلٌّ منهما مِن القِيم والمبادئ والأهداف. فأهل البيت هُمْ المعنيُّون بالاصطلاح القرآني وهو(حِزب الله) :( ... أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (3) .
فمِن الطبيعي أنْ يكون عدوَّهم حزباً للشيطان، لكنَّ الـمُفارقة هي أنَّ مَن كانوا هُمْ حزب الله يُبادون ويُقتَّلون على أيدي حِزب الشيطان.
ثمَّ عادت العقيلة مُذكِّرة ليزيد، بأنَّه إنْ كان قد اعتبر جريمته هذه مَكسباً ومَغنماً
____________________
(1) نهج البلاغة قطعة رقم 36: ص409 صُبحي الصالح.
(2) حياة الإمام الحسين: ج3: ص193.
(3) الـمُجادلة: 22.
فسوف يأتي اليوم الذي يقف فيه موقف الخاسر النادم، ثمَّ خاطبته بلَهجة التحدِّي قائلة:
(فكِدْ كيدك، واسعَ سَعيك، وناصِب جَهدك. فو الله، لا تمحو ذِكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا تُدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلاَّ فَنَد وأيَّامك إلاَّ عَدد، وجمعك إلاَّ بَدد، يوم يُنادي الـمُنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
والحمد لله رَبِّ العالمين، الذي ختم لأوَّلنا بالسعادة والـمَغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أنْ يُكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويُحسن علنيا الخلافة، إنَّه رحيم وَدود، وحَسبُنا الله ونعم الوكيل) (1) .
بهذه القوَّة مِن لَهجة التحدِّي ختمت الحوراء بيانها.
نعم، بمنطق العالمة الواثقة، بأنَّ كافَّة الأساليب التي اتَّخذها أو يتَّخذها يزيد هو ومَن قبله ومَن بعده في سبيل القضاء على ذكر آل محمدصلىاللهعليهوآله ومبادئهم، فإنَّهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً؛ لأنَّ ذكرهم ومبادئهم هي الوحي السماوي، الذي نزل على صاحب الرسالة، وهو النور الذي عناه القرآن في قوله تعالى:( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .
____________________
(1) نقلنا نَصَّ الخُطبة مِن اللهوف لابن طاوس: ص105 - 108، ومُثير الأحزان لابن نما: ص80 وص18، وبحار الأنوار: ج45: ص133، واللفظ للأوَّل.
(2) التوبة: 32.
فما دام منزل هذا الوحي وهذا النور يأبى إلاَّ إتمامه؛ سوف يبقى مِن أجل البشريَّة وأجيالها التي مِن حَقِّها أنْ يصل إليها ذلك النور.
أمَّا الـمُحاولات التي قام ويقوم بها أعداء هذا النور لإطفائه، فإنَّها سوف تتلاشى أمام عظمة هذا النور مَهْما تعملقوا بما يملكون مِن أسباب وآليَّات، بلْ إنَّ أعداء هذا النور يخدمونه مِن حث لا يعلمون، وأوضح شاهد على ذلك ما أشارت إليه الحوراء، مِن مُحاولة يزيد ومِن قبله أبوه مُعاوية، للقضاء على هدي آل محمد وذكرهم، حتَّى ارتكبت في حَقِّهم فاجعة الطَّفِّ؛ ظَنَّاً منهم أنَّهم بذلك يستطيعون القضاء عليهم وعلى مبادئهم ووحيهم، وما دروا أنَّ تلك الدماء الزكيَّة سوف تسقي تلك الشجرة الطيِّبة، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلَها كلَّ حين بإذن ربِّها، وسوف تبقى هذه الشجرة تنموا وتتسامى كلَّما سُقيت بدماء الشهداء الأبرار.
أمَّا هُمْ - أعني: أعداء الحَقِّ وأهلِه - فسوف يزولون مِن الأرض وتنتهي جولتهم، ويبقى ذلك النور يزداد تألقاً ووضوحاً، حتَّى يتحقَّق وعد الله تعالى بإتمام نوره ولو كَرِه الـمُشركون.
وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد، فقد انهار غروره وحَطَّم كِبرياؤه وحار في الجواب، فلم يستطع أنْ يقول شيئاً إلاَّ أنَّه تمثّل بقول الشاعر:
يا صيحةً تُحمد مِن صوائح |
ما أهون النوح على النوائح |
ولم تكُن أيَّة مُناسبة بين ذلك الخطاب العظيم، الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد، وجرَّدته مِن جميع القِيَم الإنسانيَّة، وبين ما تمثَّل به مِن الشعر الذي أعلن فيه أنَّ الصيحة تُحمَد مِن الصوائح، وأنَّ النوح يهون على النائحات، فأيُّ ربط بين الأمرين؟!(1) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص383.
مِمَّا يدلُّ على ما أحدثه هذا الخطاب في نفس الطاغية، حتَّى بدا مُضطرباً في كلامه؛ لأنَّ العقيلة كشفت واقعه وواقع أبيه وأُسرته لأهل الشام، ومَزَّقت تلك الهالة الخادعة، التي كان مُعاوية قد غَلَّف بها واقعه وواقع أُسرته وحُكمه.
وكما اتَّضح مِمَّا سبق أنَّ البيان الزينبي، كان أكثر انصبابه على هذه الجِهة، ولقد استوفت السيِّدة كلامها حول هذه النقطة ببيان ما عليه مِن مَزيد.
خطاب الإمام السجّاد عليهالسلام :
إكمالاً للدور الإعلامي الـمَهدوف في الشام، اندفع الإمام زين العابدينعليهالسلام للإدلاء ببيانه للتعريف بأهل البيت (عيهم السلام) في أوساط الـمُجتمع الشاميِّ المخدوع، وذلك حينما أراد يزيد مواجهة إعلام الثورة الحسينيَّة في الشام، فأمر الخطيب بأنْ يصعد المنبر ويُكثر الثناء والتمجيد للأُمويِّين وينال مِن كَرامة أمير المؤمنين ووَلده الحسينعليهماالسلام ، جرياً على السُّنَّة التي سَنَّها أبوه مُعاوية مِن قَبله، فصعد الخطيب المِنبر وقال كما أراد يزيد.
(فانتفض الإمام زين العابدين وصاح به: (ويلك أيُّها الخطيب، اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق، فتبوَّأ مَقعدك مِن النار).
والفت إلى يزيد فقال له: (أتأذن لي أنْ أصعد هذه الأعواد، فأتكلَّم بكلمات فيهنَّ لله رضىً، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب).
وبُهت الحاضرون وبُهروا مِن هذا الفتى العليل، الذي ردَّ على الخطيب والأمير، وقد رفض يزيد إجابته فألحَّ عليه الجالسون بالسماح له.
ويُعتبر ذلك بداية وعي عند أهل الشام، فقال يزيد لهم: إنْ صعد المِنبر لم ينزل إلاَّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان.
فقالوا له: وما قَدر ما يُحسن هذا العليل... فقال لهم: إنَّه مِن أهل بيت قد زقُّوا العلم زقَّاً.
فأخذوا يُلحُّون عليه، فانصاع لقولهم فسمح للإمام، فاعتلى أعواد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ويقول المؤرِّخون: إنَّه خطب خُطبةً عظيمةً أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب(1) .
ويظهر أنَّ التاريخ لم يحفظ لنا خُطبة الإمام بأجمعها، إلاّ أنَّ القِسم المذكور منها واضح بأنَّها كانت تدور حول مِحورٍ واحد، وهو الكشف عن واقع أهل البيت، والتعريف بهم للـمُجتمع الشامي كإعلامٍ مُضادٍّ للإعلام الأُموي، الذي عَمِل لـمُدَّة عشرين عاماً في تشويه الحقيقة في أذهان أهل الشام، وإعطائهم صورة مُشوَّهة عن عميد العِترة النبويَّة أمير المؤمنين وأهل بيتهعليهمالسلام .
قالعليهالسلام :
(أيُّها الناس، أُعطينا سِتَّاً وفُضِّلنا بسبعٍ، أُعطينا العِلم والحِلم والسَّماحة والفصاحة والشجاعة والـمَحبَّة في قلوب المؤمنين. وفُضِّلنا بأنَّ مِنَّا النبي الـمُختار محمد، ومِنَّا الصِّدِّيق، ومِنَّا الطيَّار، ومِنَّا أسد الله وأسد الرسول، ومِنَّا سيِّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومِنَّا سِبطا هذه الأُمَّة وسِيِّدا شباب أهل الجَنَّة)(2) .
____________________
(1) حياة الإمام الحسين: ج3: ص385.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي: ج2: ص69 - 71، كما حكاه عنه غير واحد، والبحار: ج45: ص138، ولم يذكر اسم
في هذا الجزء مِن بيانهعليهالسلام أشار الإمام إلى مجموعة مِن الخصائص النفسيَّة والذاتيَّة، التي أعطاهم الله إيَّاها فميَّزتهم عمَّن سِواهم مِن الناس، وأشار إلى الفضائل التي جمعها الله تعالى في الأُسرة الهاشميَّة؛ حيث جعل منهم نُخبَة هذه الأُمَّة وقادتها.
أمَّا الـمُميِّزات السِّتَّ التي أشار إليها الإمام، فهي:
1 - العِلم: وكون العِلم ميزة لأهل البيت، إنَّما يعني العَطاء العلمي الإلهي؛ لأنَّهم لم يأخذوا مِن غيرهم، فهُمْ أغنياء عَمَّن سواهم مِن الأُمَّة في علومهم ومعارفهم، بينما غيرهم مِن سائر الأُمَّة مُحتاج إليهم، فلهم قنواتهم الخاصَّة التي يستقون منها علومهم ومعارفهم.
القناة الأُولى: التعلُّم الـمُباشر مِن الرسول الأعظم، وهذا يتمُّ بالنسبة إلى أمير المؤمنين والحسنينعليهمالسلام ، أو تلقِّي الإمام اللاحق عن الإمام السابق، وهذا بالنسبة إلى سائر الأئمَّةعليهمالسلام .
القناة الثانية: المصادر الخاصَّة بهم، وهي الكتب التي دوِّنت بخَطِّ عليٍّ وإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كما تؤكِّد على ذلك الروايات ككتاب (جامعة أمير المؤمنين وأنَّها مِن جِلدٍ وطولها سبعون ذِراعاً، فيها جميع ما يحتاج إليه الناس مِن حلال وحرام وغير ذلك، حتَّى أنَّ فيها إرش الخَدش، وذلك كلُّه تفصيل ما جاء في القرآن الشريف مِن الأحكام وغيرها.
وقد سُمِّيت فيما ورد عن الصادقينعليهماالسلام مِن الروايات: بالجامعة، والصحيفة، وكتاب عليٍّ والصحيفة العتيقة، وقد رآها عند الباقر والصادق بعض الرواة الثقات مِن
____________________
فاطمة مِن ضِمنهم، وأوعز هذا المقطع إلى المناقب لابن شهرآشوب ولم أجده فيه. وفي العوالم كما في البحار عيناً، أمَّا بقيَّة المصادر مِثل الفتوح لابن أعثم، والمناقب، ومثير الأحزان فلم يذكروا هذا المقطع ضِمن خُطبة. الإمام السجادعليهالسلام ، وإنَّما تبدأ الخُطبة بقوله: (فمَن عَرفني فقد عَرفني...).
أصحابها كأبي بصير وغيره، وأنَّ الأئمَّة يتَّبعون ما في هذه الصحيفة، ولا يحتاجون إلى أحد مِن الناس في علومهم)(1) .
ومنها: الجَفْر الأبيض والجَفْر الأحمر. وهما كتابان أو وعاءان مِن الجِلد، أحدهما أبيض والآخر أحمر، يحتويان على علوم مُدوَّنة مِمَّا خَصَّهم الرسولصلىاللهعليهوآله بها بإملائه وخَطِّ علي بن أبي طالبعليهالسلام .
القناة الثالثة: هي الـمَدد الغيبيِّ والإلهام الرَّبَّاني، في المجالات التي تحتاج إلى هذا الفيض والـمَدد الإلهي الخاصِّ.
وهذه القنوات هي التي يُشار إليها في الروايات الواردة عنهمعليهمالسلام ، ففي (أُصول الكافي) بسنده عن أبي الحسن الأوَّل موسىعليهالسلام ، قال: (مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماضٍ، وغابر، وحادث - الغابر هنا بمعنى الآتي - فأمَّا الماضي فمُفسَّر، وأمَّا الغابر فمزبور، - أيْ مكتوب - وأمَّا الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع، وهو أفضل علومنا ولا نبيَّ بعد نبيِّنا)(2) .
2 - الحِلم: وهو (العقل والتؤدة وضبط النفس عن هيجان الغضب... وذوو الأحلام والنهى ذوو الأناة والعقول)(3) .
والحِلم مِن أرفع المكارم الأخلاقيَّة والمزايا الفاضلة التي لا يُمحى أثرها، ولا يُمكن أنْ يُنكِر فضلها أحد مِن ذوي الألباب، وكفى بهذا الخُلق كمالاً كونه مِن أسماء الله تعالى، كما في قوله تعالى:( ... وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) (4) .
____________________
(1) إشراقات فكريَّة: ص97.
(2) أُصول الكافي: ج1: ص264، ط إيران.
(3) مجمع البحرين: ج6: ص49.
(4) التغابن: 17.
وقد ورد في الحديث: (تخلَّقوا بأخلاق الله)(1) لذلك نجد فضيلة الحِلم في مُقدِّمة مظاهر الكمال الخُلقي، التي يتحلَّى بها الأنبياء والأئمَّة الطاهرونعليهمالسلام ، وهذا عنصر مِن عناصر تكوينهم وضرورة مِن ضرورات رسالتهم في الحياة ودورهم في حياة الناس، وهو إرشادهم وتعليمهم لطُرق الكمال الإنساني، فلا يُمكنهم أداء هذه الرسالة إلاَّ بجذب الناس إليهم، والصبر على جهلهم ونقصهم بالحِلم وكَظم الغيظ على ما يصدر منهم مِن أخطاء وزلاَّت.
ونجد هذا الخُلق بأروع مظاهره في سيرة أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام ، فإنَّ الله تعالى قد منحهم مِن مكارم الأخلاق أرفعها وأكملها.
روي عن علي بن الحسين بن عليعليهمالسلام ، أنَّه سبَّه رجل فرمى إليه بخَميصة كان عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: جمع له خَمس خصال محمودة: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مِمَّا يُبعد مِن الله عَزَّ وجَلَّ، وحَمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى الـمَدح بعد الذمِّ، اشترى جميع ذلك بشيء مِن الدنيا يسير(2) .
3 - السَّماحة: وهي الكَرم والسَّخاء، وهو مِن أبرز جوانب العطاء في حياة أهل البيتعليهمالسلام ، فإنَّ حياتهم كلَّها عطاء وإنفاق وسَماحة مِن أجل بناء الأُمَّة مِن الناحية المادِّيَّة والمعنويَّة، وسَدِّ ما فيها مِن ثغرات، نتيجة عدم تحكيم القوانين الإلهيَّة بالشكل الكامل مِن قِبَل الحُكَّام الذين كانت السُّلطة بأيديهم.
4 - الفصاحة: وتعني مَلكة الشجاعة الأدبيَّة في ميادين البيان وفنون الكلام، وأوضح دليل على ما منحه الله لأهل البيت مِن كمال في هذا المجال ما أُثر عنهم مِن كلام (فإنَّ مدرستهم لها أساليبها الخاصَّة، وطابعها الـمُتميِّز سواء في مجال الخُطب، أمْ في
____________________
(1) شرح الأسماء الحُسنى لملاَّ هادي السبزواري: ج2: ص41، والبحار: ج58: ص129.
(2) الأخلاق الإسلاميَّة: ص205.
مجال الأدعية، أمْ في الحِكَمِ والكلمات القِصار، أو النصوص الحديثيَّة، فخُذْ أيَّ نَصٍّ مِن الكلام المنسوب إليهم، وقارن بينه وبين أيِّ كلامٍ آخر، فإنَّك سوف تجد الفَرق واضحاً جَليَّاً، فإنَّ كلامهم تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين.
مِن هنا نجد علماءنا الأعلام كثيراً ما يغضُّون النظر عن ضَعف السند اعتماداً على قوَّة النَّصِّ، فقد صحَّحوا كثيراً مِن الأدعية مع ضَعف سندها، نظراً إلى ما هي عليه مِن قوَّة البلاغة والبيان؛ حيث ينسجم مع مدرستهم وأساليبهم في البيان)(1) .
5 - الشجاعة: وهي قوَّة الإرادة والثبات في الميادين الصعبة والمواقف الخطيرة، ولا ينحصر ذلك في ميادين القتال، بلْ في كلِّ مجال مِن مجالات الحياة وتحدِّياتها التي يحتاج الإنسان فيها إلى الشجاعة وقوَّة الإرادة والثبات، ولقد كان أهل البيتعليهمالسلام الـمَثل الأعلى في الشجاعة والصمود في كلِّ ميدان مِن ميادين التحدِّي، وسيرتهم أعظم شاهد على ذلك.
إلاَّ أنَّ مواقفهم في الحياة اختلفت، وتفاوتت أساليبهم في العمل، إلاَّ أنَّها لم تختلف مِن حيث الهدف، وإنَّما هذا الاختلاف اقتضته اختلافات الظروف التي مَرَّت بها أُمَّة الإسلام.
6 - الـمَحبَّة في قلوب المؤمنين: كيف لا تكون الـمَحبَّة لهم في قلوب المؤمنين ومَحبَّتهم جزء مِن الدين، بلْ هي روح الإيمان، وقد أوجبها الله على الأُمَّة في قوله تعالى:( ... قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) (2) ، فلا يكتمل إيمان عبدٍ إلاَّ بمحبَّتهم ومودَّتهم، وقد أوعد الله المؤمنين الصادقين بمودَّة القلوب في قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّاَ ) (3) .
____________________
(1) إشراقات فكريَّة مِن أنوار الخُطبة الفدكيَّة: ص54.
(2) الشورى: 23.
(3) مريم: 96.
وقد ورد في أسباب النزول - مِن طُرق الشيعة وأهل السُّنَّة - أنَّ الآية نزلت في عليٍّعليهالسلام (1) .
وفي الـمَجمع في الآية: (قيل: فيه أقوال: أحدها أنَّها خاصَّة في عليٍّ، فما مِن مؤمن إلاَّ في قلبه مَحبَّة لعليٍّ، عن ابن عباس. وفي تفسير أبي حمزة الثُّمالي: حدَّثني أبو جعفر الباقر، قال: (قال رسول الله لعليٍّ: قُلْ: اللَّهمَّ، اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في قلوب المؤمنين وِدَّاً. فقالها فنزلت الآية)).
فلو أخذنا بإطلاق الآية الكريمة، وبكونها وعداً إليها لعموم المؤمنين الصادقين، فإنَّ عليَّاً ووُلده هُمْ أكمل وأوضح المصاديق لمفهوم الآية الكريمة.
ثمَّ انتقل الإمام إلى ما فضَّل الله هذه الأُسرة (الأُسرة الهاشميَّة) بأنْ جعل فيهم نُخبَة الأُمَّة وطليعتها، بِدءَاً مِن الرسول الـمُختارصلىاللهعليهوآله الذي جاء بهذا الدين، الذي أنقذ به البشريَّة وأخرجها مِن الظلمات إلى النور، وبنى كيان هذه الأُمَّة ورفعها فوق سائر الأُمَم، وقد لقي في سبيل ذلك المتاعب وواجه كافَّة التحدِّيات مِن أجل أُمَّته، حتَّى أصبحت خَيرَ أُمَّة أُخرِجت للناس.
ومنهم سادة الـمُجاهدين بين يدي الرسول الأعظم مِن أجل هذه الأُمَّة ورسالتها، وعلى رأسهم أمير المؤمنين وأوَّل المسلمين وخَير الصادقين والـمُصدِّقين للرسول الأعظم عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فكان صِدِّيق هذه الأُمَّة.
ومنهم جعفر بن أبي طالب الطيَّار، الشهيد في واقعة مؤتة، وقد قطعت يداه في المعركة دفاعاً عن دين الله وأُمَّة الإسلام، فأخبر النبيصلىاللهعليهوآله عن فضله، وبأنَّه قد عوَّضه الله تعالى بجَناحين يطير بهما في الجَنَّة مع الملائكة.
ومنهم أسد الله وأسد الرسول، وهو عَمُّ النبي الحمزة بن عبد الـمُطَّلب الذي استُشهد
____________________
(1) الميزان في تفسير القرآن: ج14: ص113.
في سبيل الله تعالى في وقعة أُحد، فكان سيِّد شُهداء أُحد، أو سيِّد الشهداء الذين استُشهدوا بين يدي الرسول الأعظم وتحت قيادته.
ومنهم سيِّدة نساء العالمين وبِضعة الرسول فاطمة الزهراء، التي لم تَعرف الدنيا امرأة أفضل ولا أكمل منها، كما نطقت به النصوص النبويَّة، كقولهصلىاللهعليهوآله : (فاطمة سيِّدة نساء أهل الجَنَّة)(1) .
ومنهم الحسن والحسين سِبطا هذه الأُمَّة، وسيِّدا شباب أهل الجَنَّة، كما قال في حَقِّهما جَدُّهما الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله : (الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجَنَّة)(2) .
فهذه النماذج الرفيعة، التي أشار إليها الإمام السجاد في خطابه، تجعل هذه الأُسرة هي القاعدة التي انطلقت منها الدعوة، وهي التي احتضنت الرسالة، ودافعت عنها في الظروف الحرجة، وبذلت الأموال والدماء مِن أجل انتصارها.
فكان لها النصيب الأوفر في حَمل الإسلام والدفاع عنه، والتضحية مِن أجله، ولم يتأتَ ذلك وبهذا الـمُستوى لأيِّ أُسرة في الإسلام.
والجدير بالـمُلاحظة أنَّ الإمام السجَّادعليهالسلام في ذِكره لهذه النُّخبَة البشريَّة مِن أُسرته وأسلافه، ذَكَرهم بالألقاب الـمُشعرة بالفضل والعظمة، فذكر النبيَّ الـمُختار، والصِّدِّيق، والطيَّار وأسد الله وأسد رسوله وسيِّدة نساء العالمين، وسِبطي هذه الأُمَّة وسيِّدي شباب أهل الجَنَّة.
توضيحاً لمكانة هذه الأُسرة، التي كانت مجهولة لدى أهل الشام، فلا يعرفون شيئاً مِن تاريخها ومواقفها الجهاديَّة، وما جمع الله لها مِن جوانب الفضل والفضيلة.
____________________
(1) صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة باب 12 قبل حديث رقم 3711، وباب 29 مناقب فاطمة قبل حديث رقم 3767.
(2) الجامع الصحيح للترمذي: ج5: ص614 حديث 3768، وقال: هذا حديث حَسن صحيح: وج5: ص619 حديث 3781.
وبعد أنْ أشار الإمام بهذه الإشارات إلى ما فُضِّل به أهل البيت بصورة إجماليَّة أخذ يُفصِّل بشيءٍ مِن التفصيل فتحدَّث عن جَدِّه الرسول الأعظم أوَّلاً، حينما تحدَّث عن حَسبه ونَسبه؛ ليوضِّح عَلاقة هؤلاء السبايا برسول هذه الأُمَّة فقال:
(فمَن عَرفني فقد عَرفني، ومَن لم يَعرفني أنبأته بحَسبي ونَسبي، أنا ابن مَكَّة ومِنى، أنا ابن زَمزم والصفا، أنا ابن مَن حمل الزَّكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خَير مَن ائتزر وارتدى، أنا ابن خَير مَن انتعل واحتفى، أنا ابن خير مَن طاف وسعى، أنا ابن خَير مَن حَجَّ ولبَّى، أنا ابن خَير مَن حُمِل على البِراق في الهوا، أنا ابن مَن أُسري به مِن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان مَن أسرى، أنا ابن مَن بَلَغ به جبرائيل إلى سِدرة الـمُنتهى، أنا ابن مَن دنا فتدلَّى فكان مِن رَبِّه قابَ قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صَلَّى بملائكة السماء، أنا ابن مَن أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى)(1) .
وغرض الإمامعليهالسلام مِن حديثه عن جَدِّه الرسول الأعظم، وذكره بهذه الخصائص التي جمعها الله تعالى لحبيبه ورسوله الـمُصطفىصلىاللهعليهوآله .. غرضه هو أنْ يقول للناس: إنَّنا نحن الذين نُمثِّل تلك الفضائل المحمديَّة، ونحن الامتداد الطبيعي لحياة تلك الشخصيَّة، التي هي الأكمل والأفضل مِن بين كافَّة البشريَّة، وليس كما يدَّعيه الأُمويُّون لأنفسهم
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج2: ص69.
بأنَّهم قادة المسلمين وحُكَّامهم، وبأنَّهم أقرب الناس إلى الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
ثمَّ انتقل إلى الحديث عن جَدِّه أمير المؤمنين، الذي شوَّه النظام الأُمويُّ سُمعته، وكان الـمُجتمع الشاميِّ يجهل مواقفه وجهاده، وما يتحلَّى به مِن خصائص ربَّانيَّة، وعَلاقة خاصَّة بالرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله .
فقالعليهالسلام :
(أنا ابن عليِّ الـمُرتضى، أنا ابن مَن ضرب خراطيم الخَلق حتَّى قالوا: لا إله إلاَّ الله، أنا ابن مَن ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برُمحين، وهاجر الهِجرتين، وبايع البيعتين، وصلى القبلتين، وقاتل ببدر وحُنين، ولم يكفر بالله طَرفة عين. أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيِّين، وقاطع الـمُلحدين، ويعسوب المسلمين، ونور الـمُجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكَّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين مِن آل ياسين ورسول رَبِّ العالمين، أنا ابن المؤيَّد بجبرئيل المنصور بميكائيل.
أنا ابن الـمُحامي عن حَرَم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، والـمُجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر مَن مَشى مِن قريش أجمعين، وأوَّل مَن أجاب واستجاب لله مِن المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم الـمُعتدين، ومُبير الـمُشركين، وسَهْم مِن مرامي الله على الـمُنافقين، ولسان حِكمة العابدين، وعَيبة علم الله. سَمحٌ سَخيٌّ بهلول، زكيُّ أبطحيٌّ رضيٌّ
مرضيٌّ مُقدام هُمام صابرٌ صوَّام، مُهذبٌ قوَّام شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، ومُفرِّق الأحزاب، أربطهم جِناناً، وأطلقهم عِناناً، وأجرؤهم لسان، وأمضاهم عزيمة، وأشدُّهم شكيمة. أسدٌ باسل، وغيثق هاطل، يطحنهم في الحروب، ويذروهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحِجاز، صاحب الإعجاز، وكَبش العراق، الإمام بالنَّصِّ والاستحقاق، مَكِّيٌّ مَدنيٌّ أبطحيٌّ تِهاميٌّ، خيفيٌّ عقبيٌّ بدريٌّ أُحديٌّ، وشَجريٌّ مُهاجريٌّ. مِن العرب سيِّدها، ومِن الوغى ليثها وارث المِشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، مُظهر العجائب، ومُفرِّق الكتائب، والشِّهاب الثاقب، والنور العاقب، أسد الله الغالب، مطلوب كلِّ طالب، غالب كلِّ غالب. ذاك جَدِّي عليُّ بن أبي طالب)(1) .
إنَّ الـمُقتضي لهذا الإسهاب مِن الإمام زين العابدين، في حديثه عن جَدِّه أمير المؤمنينعليهالسلام هو ما أشرنا إليه مِن تعرُّض شخصيَّة جَدِّه لـمُحاولة التشويه مِن قِبَل الإعلام الأُموي، ومُحاولة طَمْس مآثره وفضائله وفواضله، مِمَّا أدَّى إلى جَهل أهل الشام بكلِّ ما يتعلَّق بشخصيَّته حتَّى أصبح يُسَبُّ على منابرهم، فأراد الإمام السجَّادعليهالسلام أنْ يكشف لذلك الـمُجتمع أنَّ هذا الذي شتمه ويشتمه خُطباء النظام الأُموي، هو مَن يحمل هذه الفضائل التي لم تجتمع لأيِّ فردٍ مِن أفراد الأُمَّة، سواء في الفضائل النفسيَّة والكمالات الذاتيَّة، أمْ المواقف الجهاديَّة. فلقد كان القوَّة الضاربة بين يدي
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج2: ص70.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كلِّ ميادين الجهاد، ولم ينتصر المسلمون في حربٍ مِن الحروب في عهد الرسالة، إلاَّ وكان محور ذلك الانتصار.
وأمَّا منزلته ومقامه مِن النبيصلىاللهعليهوآله ، فهي تلك المنزلة التي لم تكن لأيِّ فردٍ مِن الأفراد، مِمَّن كانوا حول الرسولصلىاللهعليهوآله مِن الأقربين والأبعدين، فهو أخوه وناصره وأبو ذُرَّيَّته وخليفته، بلْ هو نفسه كما قرَّر ذلك كتاب الله في آية الـمُباهلة.
فأينَ هذه الصورة التي عرضها الإمام السجاد لجَدِّه أمير المؤمنينعليهالسلام ، مِن الصورة التي كوَّنها الأُمويُّون في الذهنيَّة العامَّة للـمُجتمع الشامي للإمام عليعليهالسلام .
فبهذا البيان مَزَّق ذلك الغِشاء، الذي أراد الأُمويُّون به طَمس الحقيقة.
ثمَّ تابع الإمام السجَّاد حديثه عن أسلافه فقال:
(أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيِّدة النساء، أنا ابن الطُّهر البتول، أنا ابن بِضعة الرسولصلىاللهعليهوآله ، أنا ابن الحسين القتيل بكربلاء، أنا ابن الـمُزمَّل بالدماء، أنا ابن مَن بَكى عليه الجِنُّ في الظلماء، أنا ابن مَن ناحت عليه الطير في الهواء)(1) .
ولم يزل يقول: أنا. حتَّى ضَجَّ الناس بالبكاء والنحيب(2) .
هكذا أعطى الإمامعليهالسلام لأُسرته وأسلافه هذه الصورة الـمُقدَّسة، التي توضِّح مكانتهم مِن الإسلام وتُبيِّن مدى الإجحاف والظلم، الذي تعرَّض له أهل البيت مِن هذه الأُمَّة مُقابل ما قدَّموه مِن خدمات وتضحيات لم تُقدِّمها أيُّ أُسرة أُخرى في الإسلام.
والجدير بالذِّكْر، أنَّه لولا هذه المسيرة التي قطعها سبايا أهل البيت إلى الشام، لَمَا
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي: ج2: ص71.
(2) نقلنا الخُطبة مِن مقتل الحسين للخوارزمي: ج2: ص69 - 71، بواسطة جهاد الإمام السجاد: ص51.
أُتيحت الفرصة لأيِّ فردٍ مِن أهل البيت، أو مِن أتباعهم بأنْ يقوم بهذا الدور الخطير، الذي قام به الإمام مع ركب السبايا مِن زخمٍ إعلاميٍّ في خدمة أهداف الثورة ومُعطياتها، والتي مِن أهمِّها بيان مقام أهل البيت مِن الرسول والإسلام والقرآن.
حتَّى (خشي الطاغية مِن وقوع الفتنة وحدوث ما لا يُحمَد عُقباه، فقد أوجد خطاب الإمام انقلاباً فِكريَّاً في مجلس الطاغية، وقد بادر بالإيعاز إلى المؤذِّن أنْ يؤذِّن؛ ليقطع على الإمام كلامه، فصاح المؤذِّن: (الله أكبر) فقال الإمام: (كبَّرت كبيراً، لا يُقاس ولا يُدرك بالحواس، لا شيء أكبر مِن الله)، فلـمَّا قال المؤذِّن: (أشهد أن لا إله إلاَّ الله)، قال عليُّ بن الحسين: (شَهد بها شَعري وبشري ولحمي ودمي ومُخِّي وعَظمي).
ولـمَّا قال المؤذِّن: (أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله) التفت عليُّ بن الحسين إلى يزيد فقال له: (يا يزيد، محمد هذا جَدِّي أمْ جَدُّك؟! فإنْ زعمت أنَّه جَدُّك فقد كذبت، وإنْ قلت: إنَّه جَدِّي، فلم قتلت عِترته؟!)(1) .
وبعد هذين الخطابين - اللذين أدلت بهما الحوراء زينب والإمام زين العابدين - أصبحت فاجعة كربلاء هي الحديث الذي يجري بين كلِّ اثنين في الـمُجتمع الشامي، وبهذا وجدت أصداء الثورة طريقها إلى الأفكار والقلوب، حتَّى تأكَّد يزيد أنَّ بقاء سبايا آل محمد في الشام يُشكِّل خَطراً عليه وعلى حُكمه؛ لذلك أمر بتعجيل إخراجهم وإرجاعهم إلى المدينة، وخرج ركب السبايا راجعاً نحو الحِجاز بعد أداء تلك الرسالة الإعلاميَّة الـمُقدَّسة.
____________________
(1) حية الإمام الحسين ج3 ص288.
د - البيان الإعلامي في المدينة الـمُنوَّرة
خطاب الإمام السجَّاد في المدينة:
آخر البيانات الإعلاميَّة للثورة هو الخطاب الذي ألقاه الإمام زين العابدينعليهالسلام في المدينة الـمُنوَّرة، بعد رجوعهم إليها بعد نهاية تلك الملحمة الكُبرى الخالدة، وبعد تلك المسيرة الـمُقدَّسة التي قطعها سبايا آل محمدعليهمالسلام .
ويختلف المحور الذي يدور عليه هذا البيان عن محاور البيانات السابقة، فإنَّ هذا البيان قد تمحور حول البُعد العاطفي مِن الثورة، فقد أراد الإمام أنْ يؤكِّد على جانب البكاء والحُزن، لما جرى على شهيد كربلاء وأهل بيته وأصحابه، وهذا جانب مُهمٌّ وضروريٌّ لخلود الثورة، وبقاء آثارها في وجدان الأُمَّة على تعاقب الأجيال.
قال بشير بن حَذْلم: لـمَّا قربنا مِن المدينة، نزل علي بن الحسين، وحَطَّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه، وقال: (يا بشير، رحم الله أباك، لقد كان شاعراً، فهل تَقدِر على شيء منه؟).
قلت: بلى يا بن رسول الله، إنِّي لشاعر.
فقالعليهالسلام : (ادخُل المدينة، وانعى أبا عبد الله)(1) .
وإنَّما أراد الإمام بهذا أنْ يُهيِّئ النفوس والعواطف، لاستقبال البيان الذي يُريد أنْ يُدلي به؛ مِن أجل أنْ يؤثِّر أثره في النفوس، ويجد طريقه إلى وجدان الجماهير، وكلُّنا
____________________
(1) مقتل الـمُقرَّم: ص248.
يعلم بما للشِّعر مِن أثره الخاصِّ على العاطفة الإنسانيَّة؛ لذلك أراد الإمام تسخير الشِّعر في خدمة قضيَّتهم في تأجيج المشاعر وتوجيهها نحو هذا الاتجاه، فإنَّ الشعر في القِدَم والحديث مِن أهمِّ الوسائل المؤثِّرة في توجيه الرأي العامِّ إلى أيِّ مَنحى يُراد توجيهه إليه؛ لذلك أكَّد أئمَّة أهل البيت على هذه الظاهرة، فدعوا إلى قول الشعر وإنشاده في رثائهم ومَدحهم.
قال بشير: فركبت فرسي حتَّى دخلت المدينة، فلـمَّا بلغت مسجد النبيصلىاللهعليهوآله رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها |
قُتِل الحسين فأدمُعي مِدرار |
|
الجسم منه بكربلاء مُضرَّج |
والرأس منه على القَناة يُدار |
وقلت: هذا علي بن الحسينعليهالسلام مع عَمَّاته وأخواته قد حلَّوا بساحتكم، وأنا رسوله إليكم أُعرِّفكم مكانه.
فخرج الناس يهرعون ولم تبقَ مُخدَّرة إلاَّ برزت تدعو بالويل والثبور، وضجَّت المدينة بالبُكاء، فلم أرَ باكياً أكثر مِن ذلك اليوم، واجتمعوا على الإمام زين العابدينعليهالسلام يعزُّونه(1) .
في هذا الجوِّ المملوء بالعواطف الجيَّاشة والمشاعر الـمُتأجِّجة مِن ذلك الجمهور، الذي خرج لاستقبال العائدين مِن أهل البيت، فإذا هُمْ يرون أنفسهم لا يستقبلون إلاَّ النساء والأطفال، أمَّا الرجال فقد أُبيدوا جميعاً لم يرجع منهم إلاَّ الإمام السجادعليهالسلام ، فلك أنْ تتصوَّر إلى أيِّ مدى يكون تأثير المأساة في وجدان ذلك الجمهور، عند ما يستمع إلى الإمام يتحدَّث عمَّا جرى عليهم. وقد خرج مِن الفِسطاط، وبيده خِرقة يمسح بها دموعه، وخلفه مولى معه كرسيٌّ، فجلس عليه وهو لا يتمالك مِن العَبرة،
____________________
(1) مَقتل الـمُقرَّم: ص248.
وارتفعت الأصوات بالبُكاء والحنين، فأومأ إلى النساء أنْ اسكتوا، فلـمَّا سكتت فورتهم قالعليهالسلام :
(الحمد لله رَبِّ العالمين، الرحمان الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُدَ فارتفع في السماوات العُلى، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأُمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع ومَضاضة اللواذع، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظَّة الفادحة الجائحة. أيُّها القوم، إنَّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثَلمة في الإسلام عظيمة، قُتِل أبو عبد الله الحسينعليهالسلام وعِترته، وسُبْيت نساؤه وصِبْيَته، وداروا برأسه في البُلدان مِن فوق عامل(1) السِّنان، وهذه الرزيَّة التي لا مثلها رزيَّة)(2) .
في هذا الجزء مِن هذا البيان، والذي يُمثِّل الـمُقدِّمة لخطاب الإمام، بدأ الإمام خطابه بحمد الله تعالى على كلِّ ما جرى عليهم مِن الفجائع العظيمة والـمُلـمَّات الجسيمة؛ ليُبيِّن أنَّ مواقفهم مِن هذه المصائب هو موقف الشُّكر لا موقف الصبر فقط؛ لأنَّ كلَّ ما حدث بهم وجرى عليهم، إنَّما هو مِن أجله تعالى، ومِن أجل دينه ورسالته، وهذا ما يُعظِّم شأنهم عنده تعالى ويزيدهم قُرباً منه ويُعلي مِن مراتبهم؛ لأنَّها ابتلاء مِن الله تعالى لهم، وخَطُّ الابتلاء هو خَطُّ الأنبياء والأولياء؛ فإنَّهم أشدُّ البشرية ابتلاءً
____________________
(1) في مثير الأحزان: (عالي).
(2) اللهوف: ص116 - 117، ومثير الأحزان لابن نما: ص91.
وامتحاناً، وأهل البيتعليهمالسلام هُمْ سادة هذا الطريق، فتكون هذه الرزايا في باطنها نِعمة يُشكَر الـمُنعِم عليها تبارك وتعالى، وإنْ كانت هذه الفاجعة ثَلمة في الدين؛ لأنَّ المقتول هو ذلك الإمام الذي تجسَّد فيه الإسلام بمفاهيمه وقيمه وأحكامه.
وتابع الإمام السجادعليهالسلام خطابه، موجِّهاً كلامه إلى الحضور قائلاً:
(أيُّها الناس، فأيُّ رجالات منكم يُسرُّون بعد قتله؟! أمْ أيُّ فؤاد لا يحزن مِن أجله؟! أمْ أيَّة عين منكم تحبس دمعها وتَضَن عن انهمالها؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان ولُجج البحار، والملائكة الـمُقرَّبون وأهل السماوات أجمعون.
يا أيُّها الناس، أيُّ قلب لا ينصدع لقتله؟! أمْ أيُّ فؤاد لا يَحنُّ إليه؟! أمْ أيُّ سمع لا يسمع هذه الثلمة التي ثُلِمت في الإسلام ولا يَصمُّ)(1) .
في هذه الجُمل أشار الإمامعليهالسلام إلى مسألة مُهمَّة، جديرة بأنْ نتوقَّف عندها قليلاً، وهي نسبة البُكاء إلى سائر المخلوقات غير الإنسان: مِن الملائكة، والسماوات والأرض، والنبات والحيوان، فماذا تعني هذه النسبة؟ وما حقيقة هذا البُكاء؟
ويُمكن أنْ تُوجَّه هذه النسبة بتوجيهين:
التوجيه الأوَّل: بأنْ تكون هذه النسبة نسبة تقديريَّة أو مجازيَّة، بمعنى أنَّ هذه
____________________
(1) اللهوف: ص117، ومثير الأحزان: ص91.
الفاجعة المؤلمة والـمُصيبة العظيمة، هي على درجة مِن الفضاعة بأنْ تُدمي القلوب، وتُثير الشجون وتُجري الدموع مِن العيون، ونظراً إلى مقام مَن وقعت عليه هذه الكارثة، وما له مِن مقام عند الله تعالى؛ فمِن حَقِّه أنْ يبكي عليه كلُّ موجود بما في ذلك الحيوان والنبات والجماد، لو قُدِّر أنَّ لهذه الكائنات عقل وشعور لبكت لمصاب هذا الإمام العظيم، وما جرى عليه وعلى أهله مِن الرزايا والكوارث الـمُفجِعة، فكيف بالإنسان الذي يحمل العقل والشعور والإحساس والعاطفة؟! فمِن حَقِّ كلِّ مسلم، بلْ كلِّ إنسان أنْ يبكي ويتألَّم مِن أجل هذه الـمُصيبة التي لم يُحدِّث التاريخ بمثلها.
التوجيه الثاني: هو أنْ يُنظر إلى هذه المسألة مِن زاوية فلسفيَّة، بأنْ يُقال: إنَّ كلَّ وجود مُمكن له درجة مِن الشعور، تتناسب مع ما له مِن رُتبةٍ وجوديَّةٍ، وكلَّما كانت درجته الوجوديَّة أرفع وأكمل، كانت درجة شعوره أعلى وأوضح، وهذا ما يُشير إليه القرآن الكريم، حينما ينسب التسبيح لله تعالى إلى كلِّ شيء، كما في قوله تعالى:( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... ) (1) .
فكلُّ شيء - بناءً على هذا - له حَظٌّ مِن التسبيح يتناسب مع حَظِّه مِن الوجود، إلاَّ أنَّنا نحن البشر لا نُدرك حقيقة تسبيح الكائنات الأُخرى مِن حيوان ونبات وجماد.
قال في الميزان: (كلامه تعالى يُشعِر بأنَّ العلم سارٍ في الموجودات مع سريان الخلقة، فلكلٍّ منها حَظٌّ مِن العلم على مقدار حَظِّه مِن الوجود، وليس لازم ذلك أنْ يتساوى الجميع مِن حيث العلم، أو يتَّحدوا مِن حيث جِنسه ونوعه، أو يكون عند كلِّ ما عند الإنسان، مِن ذلك أو أنْ يفقه الإنسان بما عندها مِن العلم، قال تعالى حكايةً
____________________
(1) الإسراء: 44.
عن أعضاء الإنسان:( ... قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ... ) (1) ، وقال:( ... فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (2) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة)(3) .
(فالحَقُّ أنَّ التسبيح الذي تُثبته الآية لكلِّ شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي، وقد تكرَّر في كلامه تعالى إثباته للسماوات والأرض ومَن فيهنَّ وما فيهنَّ، وفيها موارد لا تَحتمل إلاَّ الحقيقة، كقوله تعالى:( ... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ... ) (4) ، وقوله:( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ) (5) ويَقرب منه قوله:( ... يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ... ) (6) فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال(7) .
فانطلاقاً مِن هذا الفِكر القرآنيِّ؛ يُمكن أنْ يُنسب البكاء إلى سائر الموجودات غير الإنسان؛ فتكون النسبة حقيقيَّة، ويكون البكاء حقيقيَّاً على مُصيبة سيِّد الشهداء، وما حلَّ به وبأهل بيته مِن الرزايا الأليمة، وليس مِن اللازم أنْ يكون بُكاؤها كبُكاء الإنسان، وإنَّما هو درجة مِن درجات التأثُّر، تتناسب مع درجة الشعور الذي يملكها ذلك المخلوق.
روى زُرارة بن أعيُن، عن أبي عبد الله، أنَّه قال: (بكت السماء على يحيى بن زكريَّا والحسين بن عليعليهماالسلام أربعين صباحاً).
قلت: فما بُكاؤها؟
قال: (كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء))(8) .
____________________
(1) فُصِّلت: 21.
(2) فُصِّلت: 11.
(3) الميزان في تفسير القرآن: ج3: ص110.
(4) الأنبياء: 79.
(5) ص: 18.
(6) سبأ: 10.
(7) الميزان في تفسير القرآن: ج3: ص112.
(8) الميزان في تفسير القرآن: ج3: ص110.
وفي (الدرّ المنثور): أخرج ابن أبي حاتم، عن عبدي المكتب، عن إبراهيم، قال: ما بكت السماء مُنذ كانت الدنيا إلاَّ على اثنين. قيل لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟!
قال: ذاك مقامه وحيث يصعد علمه. قال: أتدري ما بكاء السماء؟ قال: لا، قال: تحمرُّ وتصير وردة كالدِّهان، إنَّ يحيى بن زكريَّا لـمَّا قُتِل احمرَّت السماء وقطرت دماً، وإنَّ الحسين بن علي يوم قُتِل احمرَّت السماء(1) .
لأنَّ ما جرى على نبيِّ الله يحيى وما جرى على سيِّد الشهداءعليهماالسلام هو مِن أقبح وافجع ما يحدث مِن أشكال الظلم على الأرض، فهما إنَّما قُتِلا لأنَّهما يدعوان إلى الحَقِّ والعدل، وإقامة حُكم الله وتطبيقه في الأرض، فقتْلُهما بتلك الصورة المؤلمة والـمُفجعة للقلوب، بما لهما مِن منزلة عظيمة عند الله تعالى، فليس مُستحيلاً - بلْ ولا بعيداً - أنْ يؤثِّر قتلهما في الكون ذلك التأثير، الذي أطلقت عليه النصوص عنوان البُكاء وإنْ لم نستطع - نحن البشر - أنْ نُدرك حقيقة ذلك البُكاء وذلك التأثُّر، كما أنَّنا لا نستطيع أنْ نُدرك حقيقة تسبيح الأشياء لله تعالى في هذا الكون.
قال في الميزان: لو بُني في معنى بُكاء السماء والأرض على ما يظهر مِن هذه الروايات، لم يحتج إلى حمل بُكائهما على الكناية التخييليَّة(2) .
فلهذا؛ فإنَّ بالإمكان حمل الآية الكريمة على الحقيقة، وهي قوله تعالى:( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (3) ، فإنَّ الله تعالى ينفي البُكاء عن السماء والأرض على أُولئك الظلمة الـمُفسدين في الأرض؛ لأنَّهم ليس لهم قيمة وجوديَّة مُعتبرة؛ لذلك لا يؤثِّر فقدهم على وجود سائر الكائنات، وبالـمُقابل فإنَّ هناك مِن
____________________
(1) الميزان في تفسير القرآن: ج18: ص142.
(2) الميزان في تفسير القرآن: ج18: ص143.
(3) الدُّخان: 29.
أولياء الله تعالى مَن يكون لفقده تأثير على سائر الموجودات، كما تقدَّم بالنسبة إلى نبيِّ الله يحيى والإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام .
وتابع الإمام السجادعليهالسلام خطابه، مُشيراً إلى جوانب تلك الفاجعة، وما جرى عليهم في سفرهم هذا قائلاً:
(أيُّها الناس، أصبحنا مُشرَّدين مطرودين مَذودين وشاسعين عن الأمصار، كأنَّا أولاد تُركٍ وكابُل، مِن غير جُرمٍ اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثَلمة في الإسلام ثَلمناها:( ... وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ) (1) ،( ... إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ ) (2) ، والله، لو أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله تقدَّم إليهم في قتالنا كما تقدَّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون مِن مُصيبةٍ ما أعظمها وأوجعها، وأفجعها وأكظَّها، وأفظعها وأمرَّها وأفدحها، فعند الله نحتسب ما أصابنا وما بلغ بنا؛ فإنَّه عزيز ذو انتقام)(3) .
حَقَّاً إنَّ ما جرى على آل محمّد في هذه الكارثة مُثير للتساؤل، بماذا استحقَّ أهل البيت هذا كلَّه مِن الأُمَّة، حتَّى أُبيدوا وشرِّدوا وكأنَّهم مِن مِلَّة أو أُمَّة أُخرى، وكأنَّهم لم يكونوا عِترة نبيِّ هذه الأُمَّة ولُحمته، وكأنَّ النبي لم يوصِ ولم يأمر بمودَّتهم ومُراعاتهم؟! أمْ لأنَّهم قد ارتكبوا مِن الإثم في حَقِّ الله وحَقِّ الناس ما يستحقُّون عليه
____________________
(1) القَصص: 36.
(2) ص: 7.
(3) نقلنا نَصَّ الخُطبة مِن اللهوف لابن طاووس: ص116 وص117، ومُثير الأحزان لابن نما: ص91، واللفظ للأوَّل.
أنْ يُفعل بهم ما فُعِل، إلى الحَدِّ الذي لو فُرض أنَّ الرسول الأعظم أمر بقتال وقتل أهل بيته لما فعلوا فيهم أكثر وأشنع مِمَّا فعلوه؟!
ويفرض هذا التساؤل نفسه على الإنسان حينما يطَّلع على الأحداث المؤلمة، والتحدِّيات التي واجهها أهل البيتعليهمالسلام ، فيسأل نفسه: ما هو َنشأ هذا الحِقد الدفين، الذي عبَّر عنه أعداء آل محمد بتلك الطريقة، التي تدلُّ على أنَّ فاعلها لا عهد له بالدين أو الإنسانيَّة؟! وعسى أنْ يجد القارئ الكريم في هذه القراءات التي بين يديه شيئاً مِن الجواب على هذا التساؤل.
فلسفة البُكاء والتأكيد عليه
لقد أكَّد أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام - انطلاقاً مِن الإمام زين العابدينعليهالسلام - على ظاهرة البُكاء والحُزن في عَلاقة الجماهير الإسلاميَّة بالثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة، فكانوا يحثُّون شيعتهم على عقد المجالس العزائيَّة وإقامة المآتم الحسينيَّة، فلماذا هذا التأكيد؟ وما هي فلسفة ذلك؟ فإنَّ هناك مَن يستهجن هذه المسألة ويعيب هذه الظاهرة، التي أكَّد عليها أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام والتزم بها شيعتهم في طول هذه الفترة التاريخيَّة مِن بعد فاجعة كربلاء، وإنَّ هؤلاء الناقدين لا تخلوا دوافعهم إلى هذا النقد مِن أحد أمرين:
إمَّا أنَّهم مُغرضون ومُجنَّدون لـمُحاربة بقاء الثورة الحسينيَّة في وجدان الأُمَّة؛ لأنَّهم رأوا مدى تأثيرها على الأجيال في الارتباط بأهل البيت ومبادئهم، وتوعية الأُمَّة في قضاياها المصيريَّة واستمراريَّة رفض الظُّلم والفساد والانحراف، فقاما بمُحاولة اليائسين لتشويه هذا الوجه وإضعاف هذه الروح في نفوس الأجيال.
أو أنَّهم جاهلون وغير مُدركين لأبعاد المسألة، يجهلون أنَّ فلسفة ذلك هو أنَّ الثورة الحسينيَّة لا بُدَّ أنْ تملأ على الإنسان المسلم كلَّ وجوده، وتعيش في وجدانه كما تعيش في فكره؛ لأنَّ الإنسان يوجَد له بُعْدان: البُعْد الفِكري والبُعْد الوجدانيِّ العاطفيِّ، فأراد أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام للثورة الحسينيَّة أنْ تعيش في كلا البُعدين مِن الإنسان، فلا يكفي أنْ يتأثَّر بها البُعد الفِكري فقط؛ لأنَّ ذلك يُهدِّدها بالضعف والتلاشي، فلا يكون لها ذلك التأثير المطلوب والـمُستمرُّ؛ لأنَّ الإنسان قد يصل إلى قناعة فكريَّة في عقيدة
ما، إلاَّ أنَّه لا ينفعل بها وجدانيَّاً وعاطفيَّاً، فسوف لا يكون لها ذلك التأثير على حياته، بلْ ستتعرَّض للجفاف والضعف أمام التحدِّيات على المدى البعيد.
أمَّا إذا عاشها بوجدانه وعاطفته إلى جانب قناعته الفكريَّة، فسوف تبقى حيَّةً مُتجدِّدة وفاعلة في وجوده، فإنَّ (مِن الأُمور الواضحة اجتماعيَّاً ونفسيَّاً، أنَّ القناعة الفكريَّة وحدها لا تُقدِّم ضمانة كافية للثبات والصمود، أمام الأخطار العظيمة والاضطهاد العنيف، الذي يستمرُّ قَرناً بعد قَرن، إنَّ العُنف المدروس الـمُستمرَّ والاضطهاد الذي لا يتورَّع عن شيء - كالعُنف الذي واجهه شيعة أهل البيت - سُرعان ما يُحطِّم التماسك عند الجماهير حول العقيدة التي لا يُتاح لهذه الجماهير أنْ تتَّصل بقادتها بحُريَّة وأمان، ولا يُتاح لها دائماً أنْ تظلَّ على اتِّصال تامٍّ بأفكار العقيدة ومواقفها، ولا يُتاح لها أنْ تُمارس حياتها علناً وفقاً لعقيدته...
ومِن أجل أنْ يُضاف إلى القناعة الفكريَّة بالعقيدة، رباطٌ عاطفيٌّ يُضفي على القناعة الفكريَّة حرارة وقوَّة، ومَضَاءً في مواجهة الاضطهاد والصبر على الشدائد، ويُحافظ على التماسُك أمام ضربات العُنف، ويُحيط الموقف العقلي بوَهِجٍ عاطفيٍّ، يرتفع بالعقيدة مِن مرتبة الحالة العقليَّة إلى مرتبة الحالة الشعوريَّة)(1) .
مِن أجل ذلك كلِّه أكَّد أئمَّة أهل البيتعليهمالسلام على ظاهرة البُكاء والتباكي، وإقامة مجالس العزاء لتجديد ذكرى واقعة الطَّفِّ، وأكَّدوا على نَظْم الشعر وإنشاده في هذا المجال.
(حتَّى جاء في ثواب مَن خرج مِن عينيه كجُناح الذباب أنَّه يُطفئ حَرَّ جَهنَّم، فإنَّ الغرض ليس إلاَّ أنَّ الدمعة لا تُفاض إلاَّ عند انفعال النفس وتأثُّرها مِمَّا يُصيب مَن
____________________
(1) الشيخ محمد مهدي شمس الدين مَجلَّة الموسم عدد 18: ص61.
تَمتُّ به بنحوٍ مِن أسباب الصلة، لا شكَّ أنَّ قِوى النفس عند تأثُّرها بذلك تكون مُتأثِّرة بشيءٍ آخر، وهو العِداء والبُغض لكلِّ مَن أوقع الفوادح والآلام.
فالأئمَّة - حيث إنَّهم أعرف الناس بمُقتضيات الأحوال والـمُلابسات التي تؤكِّد دعوتهم - كانوا يتحرَّون التوصُّل إلى أغراضهم بكلِّ صورة، وكان مِن الوسائل التي توجب انحراف الأُمَّة عن أعداء الله تعالى ورسوله، أمرهم بالبُكاء على مُصاب الحسينعليهالسلام ، لِمَا فيه مِن استلزام تذكُّر تلك القساوة، الـمُستلزم لانفعال النفس وانصرافها عمَّا يُلائم خُطَّتهم، وهذا هو المغزى لقول الحسينعليهالسلام : (أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمن إلاَّ استعبر)، فالمؤمن حيث يَمتُّ بالحسين بالولاء والـمُشايعة، كان ذلك موجباً لتأثُّر نفسه واحتدام قلبه.
لقد راق أئمَّة الهُدىعليهمالسلام أنْ تبقى تلك الذكريات الخالدة - مدى الدهر - تتحدَّث بها الأجيال الـمُتعاقبة، علماً منهم ببقاء الدين غَضَّاً طريَّاً ما دامت الأُمَّة تتذاكر تلك الفاجعة العُظمى، ولم يقتصروا على لازمها وهو البُكاء، حتَّى دعوا إلى التباكي وهو التشبُّه بالباكي مِن دون أنْ يخرج منه دمع، فيقول الإمام الصادق: (مَن تباكى فله الجَنَّة)، ومعلوم أنَّ التباكي إنَّما يُتصوَّر فيمَن تتعسَّر عليه الدمعة، لكنَّه لم يفقد التأثُّر لأجل الـمُصاب كما يُشاهد في كثيرين، فالتألُّم النفساني بتَصوُّر ما ورد على المحبوب مِن آلام وفوادح، يستلزم - قهراً - النُّفرة مِمَّن أورد ذلك العدوان)(1) .
وظاهرة البُكاء وإقامة مجالس العزاء، هي كأيِّ ظاهرة مِن الظواهر، بدأت في أوَّل انطلاقتها تتَّسم بالبساطة والعفويَّة، ولكنَّها ببركة رعاية الأئمَّة الطاهرينعليهمالسلام قد تعمَّقت وتطوَّرت تدريجيَّاً، حتَّى أصبحت بالـمُستوى الذي هي عليه في العصر الراهن.
____________________
(1) مقتل الـمُقرَّم: ص26 - 27.
قال سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله) - في معرض حديثه عن المأتم الحسيني الـمُعاصر وعناصره -: قد غدا المأتم الحسيني يشتمل - إلى جانب عُنصر المأساة - على العناصر التالية:
أوَّلاً: لم تَعدِ المأساة تُشكِّل عنصراً نهائيَّاً في المأتم، وإنْ كانت لا تزال عُنصراً رئيسيَّاً فيه.
ثانياً: غَدا المأتم يشتمل غالباً على عرضٍ تاريخيٍّ، يُحيط كربلاء بعواملها التاريخيَّة في حدود سِعة وعُمق الثقافة التاريخيَّة للخطيب.
ثالثاً: احتلَّت الدراسات الإسلاميَّة، والدعوة إلى الإسلام مركزاً مُهمَّاً جِدَّاً في المأتم الحسيني، بحيث غدت مقياساً تعتمد عليه الجماهير في الإقبال على المآتم وانكفائها عنه.
رابعاً: غدا المأتم الحُسيني مُناسبة مُهمَّة لمعالجة الأمراض الاجتماعيَّة، ومظاهر الانحطاط والدعوة إلى إصلاحها على ضوء التوجيه الديني.
إنَّ المأتم الحسيني الآن في أفضل حالاته، وحين يقوم به غير الجَهلة الـمُتطفِّلين عليه - والكلام للشيخ شمس الدين - يُعتبر في رأيي مُؤسَّسة مِن أعظم المؤسَّسات خيراً وبركة؛ بما يقوم به مِن دَور فعَّال في التثقيف والتوعية، وفي الكشف عن تُراثنا الفِكري والحضاري، وفي التوجيه الإسلامي الصحيح إزاء المشاكل الفِكريَّة والعقيديَّة الغريبة عن تُراثنا وعن حضارتنا)(1) .
ومع هذا كلِّه، فلا بُدَّ مِن الحِفاظ على البُعد الوجدانيِّ والعاطفيِّ للمأتم الحسيني، الـمُتمثِّل في الجانب المأساوي في الثورة الحسينيَّة والارتباط بها، ومتى ما ضَعُف هذا البُعد أو هذا العُنصر؛ فإنَّ المأتم الحسيني سوف يتعرَّض للضَعف والجَفاف، ولا يعود يؤدِّي دوره الـمُتكامل في الأجيال الإسلاميَّة الـمُرتبطة بهذا المأتم.
____________________
(1) مجلة الموسم عدد 18: ص59.
وإذا كان ثَمَّة تطوير أكثر يحتاج إليه المأتم الحسيني لـمُسايرة العصر، فليكن في بقيَّة الجوانب أو العناصر الأُخرى للمأتم؛ ليبقى عُنصر المأساة أو الجانب العاطفي هو الرباط الذي يربط بين سائر العناصر الأُخرى، ويمدُّها بالحرارة والقوَّة.
وفي نظري: إنَّ كلَّ دعوة إلى فصل أو إلغاء هذا الجانب مِن المأتم الحسيني، فهي ليست في صالح المأتم واستمراريَّة تأثيره في نفوس الجماهير، ومتى تمَّ هذا الفصل أو هذا الإلغاء؛ فإنَّه لم يعد مأتماً حسينيَّاً وضيفته تعميق روح الثورة الحسينيَّة في وجدان جماهير الأُمَّة والحفاظ على تلك الروح؛ لأنَّ الإنسان هو الإنسان في كلِّ زمان ومكان في بُعْديه: الفكري، والعاطفي والوجداني، وقد كان المأتم الحسيني ولا يزال مُرتبطاً بِكلا البُعدين في وجود جماهيره، ولا بُدَّ أنْ يبقى كذلك يُغذِّي البُعدين معاً.
إلى هنا تمَّت قراءاتنا لبيانات ونصوص الثورة الحسينيَّة الـمُقدَّسة، سائلاً المولى تعالى أنْ يجعل ذلك في سِجِّلات تلك الثورة الـمُقدَّسة، والصلاة والسلام على أبي الأحرار وسيِّد الشهداء، أبي عبد الله الحسين، وعلى جَدِّه وأبيه وأُمِّه وأخيه التِّسعة المعصومين مِن بَنيه، والحمد لله أوَّلاً وآخر.
23 جمادى الأُولى 1422 هـ
الفهرس
مُقدِّمة13
القراءة الأُولى: في البُعد العَقيدي 15
تمهيد:17
التوحيد 20
النبوَّة28
الـمَعاد38
1 - الـمُنكِرون:39
2 - الـمُدَّعون للإيمان بالـمَعاد43
3 - الـمُتيقِّنون بالـمَعاد49
أهل البيت عليهمالسلام في بيانات الثورة56
القراءة الثانية: في البُعْد السياسي 78
مصير الخلافة بعد الرسول صلىاللهعليهوآله 80
تمهيد:80
الحسين في عهد مُعاوية89
الهَدَف الأساسي للثورة:97
بين الحسين عليهالسلام ويزيد 112
1 - الخلفيَّة التاريخيَّة للأُسرتين: بني هاشم، وبني أُميَّة112
2 - عامل النشأة والتربية في شخصيَّة الإمام الحسين عليهالسلام 117
3 - الحسين في رِحاب القرآن 123
4 - نشأة يزيد ومقوَّمات شخصيَّته129
5 - بيعة يزيد بن مُعاوية131
القراءة الثالثة: في البُعد الاجتماعي 138
تمهيد 140
دور الأُمويِّين في هَدْم ركائز الـمُجتمع الإسلامي 146
جماهيريَّة الثورة الحسينيَّة152
الـمُجتمع الكوفيِّ واستجابة الإمام لرسائلهم162
القراءة الرابعة: في البُعد الروحي 176
تمهيد(البُعد الآخر في وجود الإنسان)178
الإنسان بين حُبِّ الله وحُبِّ الدنيا180
مظاهر الحُبِّ الإلهي في مُمارسات الثورة186
1 - الصلاة186
2 - الدعاء189
3 - الصبر 195
القراءة الخامسة: في البيانات الإعلاميَّة فيما بعد الثورة204
الوسيلة الإعلاميَّة للثورة206
البيانات الإعلاميَّة في الكوفة214
البيانات الإعلاميَّة في الشام232
البيان الزينبي:233
خطاب الإمام السجّاد عليهالسلام:246
البيان الإعلامي في المدينة الـمُنوَّرة260
خطاب الإمام السجَّاد في المدينة:260
فلسفة البُكاء والتأكيد عليه270