السقيفة ام الفتن

مؤلف: الدكتور جواد جعفر الخليلي
السيدة الزهراء سلام الله عليها





نبذة عن المؤلفرحمه‌الله

هو : الدكتور جواد جعفر الخليلي حفيد آية الله الحاج ميرزا حسين الخليلي أحد مراج العصرقدس‌سره .

ولادته : ولد في النجف الأشرف 24 / 1914.

أسرته : اسرة عريقة في النجف الأشرف مشهورة بالفقه والاصول والطب ولها آثار بقاية منها مدرسة الخليلي العلمية في النجف الأشرف.

نشأته : نشأ في مدينة النجف الأشرف ـ العراق.

دراسته : دراسة علمية وأدبية في الطب والحقوق وعلم النفس.

مسكنه وأقامته : في السابق كان في العراق ثم انتقل إلى إيران واقام بها سنين عديدة ومنها هاجر إلى كندا مع أهله وأولاده.

أعماله الإدارية : في الشئون الطبية ، والقانون إثنى عشر سنة قضاها في مناصب طبية. وثلاثة وعشرون سنة في منصب القضاء في طهران وبعدها مارس المحاماة.


هوايته : الشعر والمطالعة ، والكتابة. له ديوان شعر في مجلدين باللغة العربية ، وله دائرة معارف الام والطفل (في التربية والطب خمسة أجزاء).

كتب : في علم النفس والتنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح وله : الحكومة العالمية المثلى في 3 أجزاء طبعت في بيروت وله : موسوعة المحاكمات في عشرة أجزاء. جزآن في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجزآن في حياة الامام أمير المؤمنين علي وصدر الجزء الأول منه قبل أعوام نشرته مكتبة چهل ستون في طهران. والجزء الخامس والسادس والسابع عن أبي بكر وعمر وعثمان والجزء الثامن من الموسوعة يحتوي على ذكر الناكثين ، والمارقين ، والقاسطين والجزء التاسع والعاشر من الموسوعة حوار فيما طرأ بسبب ما تقدم ونتج في الوضع الإسلامي من العلل والأسباب ومحاكمة المسببين ، وأنقسام الأمة الإسلامية وتدهورها.

أولاده : الدكتور باسم طبيب وجراح ، الدكترو عاصم استاذ جامعة في الهندسة الكهربائية ، سالم ، مهندس في الهندسة المعمارية ، حسين مهندس كمپيوتر ، علي طبيب ، حسن ، بكالوريوس في الادارة ، والحسابات وله ثلاث بنات حاملات شهادات عالية ومتزوجات.

زوجته : علوية هاشمية حسينية من خيرة السلالات ولها اليد الطولى في تربية أولادها وبناتها.

وفاته ومدفنه

انتقل الفقيد الراحل إلي جواره ربّه في مدينة (اُوتاوا) ـ بكندا وذلك في يوم الخميس 17 محرم الحرام عام 1419 ه ـ الموافق 14/5/1998 م ونقل جثمانه إلي مدينة مونتريال ودفن فيها تغمده الله برحمته الواسعة وحشره مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .




كلمة المعلّق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وعترته المظلومين ، ولعنة الله على ظالميهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

وبعد فهذه كلمة كتبناها عن كتاب : (السقيفة أم الفتن) للدكتور جواد جعفر الخليلي رحمه الله تعالى وحشره مع أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

وبعد تعليقي على الكتاب أضفت إلى اسمه كلمة «منها خرجت الفتنة وإليها تعود».

ذكر الأستاذ الخليليرحمه‌الله في كتابه هذا حقائق ناصعة استخرجها من كتب الحديث : الصحاح ، والمسانيد ، وغيرها من الكتب المعتبرة عند السنة.

وأورد فيه مظلومية أهل البيت ، وذكر ما جرى عليهم من عدوان ومصائب عظام ، واضطهاد وويلات من أمراء عصورهم بعد رحيل الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنهمعليهم‌السلام .

واجتماع بعض الصحابة في السقيفة لأجل تحقيق غايتهم المشؤومة التي تواطؤوا عليها في حياة الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحققوها من بعد وفاته في السقيفة ، والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد لم يدفن ومسجى على فراشه ، وبذلك حرفوا الإسلام عن مسيره


الصحيح ، والمسلمين عن الصراط المستقيم ، والنهج النبوي القويم ، فزاغوا عن أهل البيتعليهم‌السلام ، ووقعوا في الضلال إلى الأبد ، على الرغم من كثرة الأحاديث التي وردت عنه (صلوات الله عليه وآله) من الوصاية بحقهم ، والأمر بمودتهم ، ورعايتهم واتباعهم ، فمما قال فيهمعليهم‌السلام : ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.

وقرنهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقال : «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» ، وحيث إن التمسك بالكتاب وحده لا يفي بالمقصود ، ضم الرسول (صلوات الله عليه) أهل بيته ، وأهل البيت أدرى بما في البيت من الأجانب والأغيار.

وسيقف القارئ لهذا الكتاب على ما جرى على أهل البيتعليهم‌السلام من بعد رسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله من ظلم ، وجفاء ، وعدوان ، وتعد ، واضطهاد ، بعد تلك الوصاة ، حتى قالت بضعته الزهراء سلام الله عليها :

صبت علي مصائب لو أنها

صبت على الأيام صرن لياليا

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، والعاقبة للمتقين.

كتبه :

السيد مرتضى الرضوي

طهران


كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد ثلاثة وعشرين عاما ، من ذلك الجهاد المرير ، الذي قام به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخليفته وربيبه علي بن أبي طالبعليه‌السلام منذ العهد الجاهلي المغمور في الظلمات ، ظلمات الجهل والفقر والفاقة والانحطاط الاجتماعي والخلقي والصحي.

بعد ذلك العهد الذي كانت فيه الجزيرة العربية طعمة مبتذلة لجيرانها من الفرس والرومان وحتى الأحباش ، واقلها في الحجاز وأخص منها مكة ، البلاد التي حرمت حتى من الماء والهواء العذب ، لدرجة لا يطمع فيها غاز أو فاتح بثراء ولا بجمال ، وإذا بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ذلك الذي قضى دور الطفولة والشباب وهو يتدبر القيام بمهمة تليق بموهبته الروحية والفكرية التي لم يسبق لها مثيل في عالم البشرية قد شاء الله عز وجل له أن يظهر ليكون ظهوره معجزة المثال البشرى على وجه هذه البسيطة ، بما أوتي من عقل وتدبير وحكمة وكفاح وجهاد ، وتصدي لأ شد الصدمات والأهوال من أفراد وجماعات تفانت في العصبية الجاهلية ، والذب عن الشرك والعادت والأخلاق المستهترة ، سارحة في بحبوحة من التعاسة والنعرات القومية يستحل فيها القوي الضعيف لأقصى ما يتصوره الفكر ، وينزل فيها الفرد لأدنى درجات الخسة ، أمام الشهوات والغرائز الجنسية. تتحكم فيهم العادات والطبائع التي نأت عن الصفات الإنسانية ، وابتعدت عن المنطق السليم. يعبدون أحجارا نحتوها بأيديهم ، ويعتقدون بسخافات وأوهام يأباها من له ذرة من العقل السليم ،


ويستحلون لفقرهم وفاقتهم وجهلهم وقساوتهم وأد بناتهم ، ولا يمنعهم عن الرذيلة مهما بلغت إباء أو شمم ، غير طمع أو فزع.

فكأن العصور المتمادية والأصقاع القريبة والنائية ، بعد طول العسر وشدة القسر ، قد جمعت ما فيها من فضيلة وحسن ، وكمال وجمال في هذه الموهبة العظمى ، التي شاء الله سبحانه عزوجل لها أن تبزغ على العالم أجمع من هذه الديار ، فتتلبس في عالم جسماني يودع في عبد المطلب لينشطر الى قسمين يعودان بعد بضع سنوات لاتحادهما الروحي ، محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعليعليه‌السلام جسمين في روح واحد يشد أحدهما أزر الآخر مادة ومعنى ، شدا لا ينفصم ، فيكون الأول نبيا والثاني وصيا ووزيرا ، وعلى اكتافهما تقام أرقى حضارة عرفها البشر ، وأجل دين وعقيدة كان لها أن تبعث بالبشرية لأقصى ما ترجوه من السعادة. قائمة على المنطق السليم والنهج القويم ، تلك التي كان يحلم بها ويتمناها أعظم فلاسفة العالم وحاروا في الوصول إليها ، كسقراط وافلاطون وأرسطو ومن سبقهم وتلاهم ،

فصدعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله سبحانه ليؤسس من أمة مستضعفة إمبراطورية قوامها الإيمان بالله ، مستندة إلى العقل والمنطق السليم ، تؤيدها الإرادة والاخلاص ، وضع هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مناهجها وأسسها ، وأكملها وأتمها الله بعترته أهل بيتهعليهم‌السلام ، وفي طليعتهم ابن عمه على بن أبي طالبعليه‌السلام خليفته من بعده ، شقيق نفسه وباب علمه وحكمته وتدبيره ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد دعا إلى الله : «إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي» وأوضح لهم السبيل ، وأقام لهم الدليل ، وبين لهم النهج ، فكان عليعليه‌السلام وصيه وأخاه ووزيره وخليفته ، وباب علمه وسفينة نجاة أمته ، والميزان الفارق بين المؤمن والمنافق ، يعسوب الدين وإمام الغر المحجلين ، قدوة المتقين وحبيبه وحبيب إله العالمين ومولى كل مؤمن ومؤمنة.


فبعد ثلاثة وعشرين عاما دعاهم في غدير خم ، وأخذ البيعة لهعليه‌السلام ممن حضر هناك ، فهنأه الرجال ، والنساء آنذاك ، وخصوصا ، أبا بكر وعمر بن الخطاب ، وأخذ جبرئيل العهد على عمر كي لا ينقضه.(1) وحين قربت وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرسل المهاجرين والأنصار مع أسامة وتحت إمارته ، ولعن من تخلف ، وقد تخلفوا ، ثم دعا بمحضرهم بداوة وقرطاس ليضع العهد كتابة(2) ، فحدثت بمخالفة عمر أول فتنة في الإسلام ، حتى إذا قرب الأجل ورحلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الرفيق الأعلى وبدأ عليعليه‌السلام باجراء تنفيذ وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغسله وتكفينه ودفنه ، اغتنم عمر الفرصة فأتى إلى دار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيها بنو هاشم وجل الصحابة ليستدعي أبا بكر وحده من بينهم ، وكان قبلها قد خلف وراءه هو وأبو بكر جيش أسامة خارج المدينة مخالفا بذلك أوامر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغير مكترث باللعن الذى لعن به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتخلفين عن ذلك الجيش وفي الجيش أجلة المهاجرين والأنصار ، وبادر الى السقيفة أبو عبيدة الجراح فوجدوا قلة من الأوس والخزرج اجتمعوا لانتخاب أمير من بينهم ، وكانوا قبلها بليلة قد ألقوا الفتنة والتفرقة بين الأنصار من الأوس والخزرج ، فقدم أبو بكر ليبايع أبو عبيدة الجراح أو عمر ، فقال له عمر أنت أحق بهذا الأمر ، وبايعه هو وأبو عبيدة والتحق بهما نفر من الأوس دون علم من جيش أسامه وهو على أبواب المدينة ، وبدون علم من بني هاشم أهل بيت الرسالة وأقرباء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القريبين والصحابة المشتركين في غسل وتدفين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودون علم الباقين الذين هم خارج السقيفة وفي المدينة نفسها ، ودون علم من في جمع الأقطار والمدن والقرى المحيطة بالمدينة أو أطرافها ، أو مكة وحواليها أو اليمن وما فيه أو الجزيرة بما فيها من مسلمين

__________________

(1) راجع الغدير واسناده في الجزء الأول والثاني من موسوعتنا هذه.

(2) في سر العالمين للحجة الغزالي ، وخواص الائمة للسبط ابن الجوزي.


هكذا كانت بيعة أبي بكر فلتة كما صرح بها عمر بعد ذلك

وقد سبق الدخول إلى السقيفة تهديد عمر لكل من يقول إن رسول الله قد مات(1) ، لأن با بكر كان غائبا حتى إذا حضر السقيفة وبويع انتهت مشكلته

وبعد ذلك خروجهم من السقيفة والتهريج ببيعة أبي بكر وسحب كل من في الطريق لوضع يده في يد أبي بكر وأخذ البيعة منه اختيارا أو كرها.

هذه صورة مختصرة عن الجهود التي بذلها محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى كون تلك الإمبراطورية ، وبعدها الدسيسة والفتنة الكبرى للانتفاضة ونقض أبي بكر وعمر عهدهم للخلافة الاسلامية ، والتي زعموا أن الأمة أجمعت على انتخاب الخليفة ، ونحن وإن تعرضنا مختصرا للواقعة ، سنعود لتفصيلها مع التوثيق باحثين :

اولا ـ عن أنواع الانتخابات التي جرت وتجري في العالم قديما وحديثا.

ثانيا ـ سرد نظرية إفلاطون لأنواع الحكومات في جمهوريته ، ونظرة لأصلحها للحكم.

ثالثا ـ نظرة في علم النفس.

رابعا ـ علم الاجتماع.

خامسا ـ الوراثة والمحيط والتربية

سادسا ـ نظرة الإسلام حسب الكتاب والسنة النبوية عن ذلك.

سابعا ـ تصور لما كان سيحدث فيما لو تحقق ما أراده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثامنا ـ حكارنة الحكومات مع حياة الجسم الإنساني الطبيعي.

__________________

(1) بقوله إن رسول الله لم يمت وإنما بعث كما بعث موسى للقاء الله.


الحكومات وأنواعها في العالم وأنواع الانتخابات



كيف بدأت الحكومات؟

لا شك أن هذه الدراسة بحاجة لتأليف مفصل لشرح أنواع الحكومات منذ العصور البدائية إلى اليوم ، مستعرضين فيه ما قام منها من الشرق الى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ، وتدرجها وتطورها منذ تشكيل العائلة ، فالقبيلة فالقصبات فالمدن فالحكومات الصغيرة فالكبيرة ، وانتشار الحضارات والثقافات وتأثيرها على الأفراد والجماعات ، ووضع النظم والقوانين ، وحدود حقوق الفرد والجماعة حتى يومنا هذا.

وبصورة مجملة ، لا شك أن المجتمعات تدرجت من صغيرة إلى كبيرة فأكبر وأكبر حتى بلغت الإمبراطوريات الواسعة ، ومن جاهلة الى أقل جهلا ، وتدرجت بالعلم والثروة الى ما هي عليه اليوم.

ولقد كان لأدمغة المفكرين والنوابغ ، واحتكاك الأفراد بعضهم من بعض ، والفقر والثراء ومتطلبات الراحة والرفاه ، وظهور الأنبياء والرسل والدعاة الى الإنسانية ، لتهذيب النفس والمجتمع ، والدعوات الإنسانية من حين لآخر بسبب ما يرتكبه الانسان من المظالم فتشقى بذلك نفسه ويشقى غيره ، وما يعكسه هذا من رد فعل الأثر الذي خلف وعيا ودعوة لإقامة أسس للحكم والعدالة الإنسانية والابتعاد عن المظالم ، ووضع قوانين مستمدة من المنطق والعدالة والعرف


والعادة في كل قبيلة ودويلة فدولة ، وتأثير الواحدة على الأخرى ، وتبادل الآراء وانتقال الحضارات والثقافات من الواحدة للأخرى.

وقد كانت في البدء العائلة أساس الجماعة ، حتى إذا توسعت وتكاثرت وضمت العائلة بعد توالدها عوائل أصبحت قبيلة ، فقبائل متجاوره انضمت إلى بعضها بناء على الغريزة الإنسانية لحب الظهور والتسلط.

ولنفس السبب ظهرت الحكومات البدائية والدويلات المتجاورة ، وبضم الكبيرة الصغيرة طبق القانون الطبيعي تشكلت الدول ثم الدول الكبرى ، من شعوب متمايزة بحضاراتها وتمدنها ، وفيها حصل تبادل الآراء في مختلف العلوم الفلسفية والاجتماعية والطبية والسياسية وغيرها.

وكانت ولا شك بحكم الغلبة والحروب أكثرها حكومات استبدادية مطلقة ، تحت نفوذ سلطة مطلقة تستمد نفوذها من رئيس الدولة وهو الملك أو قل ملك الملوك ، وإلى ذلك نرى في الشرق والغرب السلطات الثانوية المتنفذة من الناحية الروحية والنفسية من الكهنة ورجال الدين ، أولئك الذين كانوا على الأغلب بيدهم وتحت نفوذهم أهم العلوم الاجتماعية والنفسية والطبيعية وما وراء الطبيعة ، وبعض السلطات التي كان لها تأثيرها على السلطات العليا نفسيا ، كما نرى ذلك في بلاد مصر وبابل العائدة لتأثير المعابد ، وبعدها اليونان وبلاد فارس خصوصا حينما نهض فيها العلماء والمدرسون من طبيعيين وما وراء الطبيعة ، وتوسعت الأفكار ، ووضعت حدود وموازين لاستبداد الملوك ورجال الدين ، ونهض الرسل والأنبياء لاستنفار الناس والاهابة بهم ، لصد المظالم وردع المفاسد.

وعند تحديد السلطات العليا في بعض الدول ، تشكلت عوض السلطات المطلقة من فرد واحد سلطات تضم عدة أشخاص يقومون بإدارة دفة الحكومة كما نرى ذلك عند اليونان في تشكل القناصل ، وعند الرومان ، ونزع بعض السلطات


وإعطائها للمراكز الدينية ، وظهور الفكرة الديمقراطية البدائية والأرستقراطية الأفلاطونية التي سنورد شرحها فيما يلي ، حتى دخلت أنظمة الكنائس في أورپا وظهرت قوتان متنافستان فيها منذ اعتناق المسيحية ، وتسلط الكنائس بمعتقداتها حتى على السلطات والحكومات.

وحين ظهر حكم استبدادي جديد في الغرب وحدث انهيار اجتماعي في الشرق فوجئ العالم بالعقيدة الإسلامية الفذة ، تلك العقيدة التي بلغت بالإنسان وما يحمله من مزايا وما يجب أن يتمتع به من خصال لبلوغ سعادته حدودا من الكمال لو انصاع إلى رسولها الإنساني الكريم ونبيها الرباني الحكيم وما خطه له من الخطط العظمى لساد السلام والرحمة والسعادة بين الأفراد والجماعات ، ولأصبح أفراد النوع الإنساني بما فيهم من أسود وأحمر وأصفر وأسمر وأبيض في الشرق والغرب والشمال والجنوب على اختلاف لغاتهم وطباعهم وعناصرهم وأذواقهم متساوين في الحقوق والواجبات تجاه الآخرين ، ولسادت المحبة مكان الضغينة ، وما تجرأ أن يعتدي من زاغت نفسه أو طغى هواه على الغير ، تحت تربية عالمية متينة ذات أصل متين واحد ، وأصبحوا بحكم العدالة والبر والإحسان والتعاون والمحبة المتبادلة إخوانا صدقت نياتهم مع آمالهم يصدق عليهم قوله تعالى :( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (1) .

لكنهم ما إن أغمض هاديهم ومرشدهم ورسولهم الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عينيه بعد أن أوضح لهم الطريق وأنار السبل وأدلى الحجج ، وأنذرهم الله وحذرهم الفرقة والمخالفة والخروج عما أوصاهم وتلا عليهم ما أنزله الله في كتابه حيث قال تعالى( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على

__________________

(1) الحجرات ، 13.


أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه خلى يضر الله شيئا ) (1) ، وخط لهم الخطط ووضع لهم الأسس وأرشدهم بقوله «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا».

وقال لعليعليه‌السلام وصيه وخليفته وهو يعلم ما يقول إنه سيلقى منهم اضطهادا ، لذا أوصاه بالصبر والتجلد ومداراتهم ، وقد رتب ما يلزم للفتح وتعميم الدين.

فما إن أغمضصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عينيه حتى نقضوا بيعتهعليه‌السلام ، واختلفوا واغتصبوا منصبه الذي نصبه الله فيه ، وغيروا وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الثقلين ، فأزاحوا عليا عن مقامه ، وأحكموا الأمر لأعدائه وخصومه مكان عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك العترة التي لا تسير دفة الأمور إلا على عواتقهم ، فهم المفسرون لمجمل كتاب الله وهم الحاملون لعلم نبيهم كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام : «إنك لتقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل».

نعم ، قاتل رسول الله على تنزيل القرآن وبقي تأويل القرآن بعده لباب علمه وهادي أمته علي وعترتهعليهم‌السلام ، وهم الثقل الثاني بعد كتاب الله ، فماذا كانت النتيجة؟

نعم!(2) أجروا بعض أوامر الله ونقضوا الأخرى التي تخالف رغباتهم وتعكس أعمالهم وتفضح منكراتهم ، فسار الدولاب الذي وضعه رسول الله لأمد ثم وقف ، إذ لم يكن بيد أهله ، فصار الضعف بعد القوة ، والتفرقة بعد الاتفاق ، والخذلان بعد الثقة.

ثم لم تمض مدة حتى نرى أورپا المسيحية التي تأثرت بالحضارة الإسلامية

__________________

(1) آل عمران ، 144.

(2) راجع الكتاب الأول والثاني في موسوعتنا هذه.


الباقية ، يستثير علماؤها جهالها ، وينهضون بعد طوال الرقاد ، يهيبون بالناس لأخذ حقهم المسلوب وإقصاء الظلم والاستبداد ، فتقوم الثورات الدينية على الكنيسة ، وبعدها الثورات على ملوكها ، تحطم الأولى تمثال الكنيسة وتهدم الثانية هيبة الملوك وصرحهم الشامخ ، ليقيموا حكومات سموها ديمقراطية تحت سلطة الشعوب مع حفظ حق الفرد ، وأخرى شيوعية تحت سلطة الجماعة مع حق الجماعة ، وقامت ثالثة فاشستيه لتعدل بينهما وتعيد الحكم المطلق بأسماء أخرى ، وثارت بينها الحروب ولازالت سجالا حتى اليوم.

تلك صورة مجملة من حكومات العالم منذ بدء التاريخ الى اليوم ، وكل منها ، سواء كانت مطلقة أو أرستقراطية ، ديمقراطية أو شيوعية ما وفت بالحق لا للفرد ولا للجماعة. بل لا زالت وبالا علينا وسخطا على شعوبها ، وساقت للبشرية باسم الإنسانية أعظم المجازر والويلات ، وجنت على شعوبها أمر ما يجنيه الجاهل والمجنون على نفسه أو العدو على عدوه.

* * *



أنواع الحكومات في العالم

الحكومات على أنواع متعددة ، فمنها : ـ

المطلقة الستبدادية : ورئيس الدولة أو الملك بيده كل السلطات ، ويفعل ما يشاء ، كالحكومات القديمة من الفراعنة والبابليين والاشوريين والرومان والأكاسرة وأمثالهم ، وفيها الحكم وراثي مطلق.

ومنها : الحكومات الدستورية كالحكومات القائمة اليوم ، ومنها :

الملكية الديمقراطية

وهي على الأغلب ذات سلطات ثلاث :

1 ـ السلطة التشريعية : وهي ذات مجلسين ، هما مجلس النواب ومجلس الأعيان ، وفيها تسن أو تعدل أو تبدل القوانين ، وبعد تصديقها من الملك ترسل لتنفيذها إلى السلطات الأخرى.

2 ـ السلطة القضائية : وهي مركز العدالة والمحاكمات في البلاد بما فيها من درجات وشعب ، وفيها مراكز التظلم وإحقاق الحق وشكاية الشكاة وملاحظفة المجرمين والجناة وإصدار الحكم لتنفيذه.


3 ـ السلطة التنفيذية : وهي الحكومة بما فيها من الوزارات والادوائر الرسمية وغير الرسمية.

والملكية هذه تختلف من حيث نفوذ الملك في السلطات الثلاث ، فمنهم (أي الملوك) من يصدر الأوامر التى يجب تنفيذها من قبل السلطات الثلاث ، وهي جميعا ذات صبغة ظاهرية لا تقوم بأي عمل صغير أو كبير إلا بإرادته ، وليس لها أي قدرة على أي عمل إلا إذا شاء. فهي حكومة دكتاتورية مطلقة في الحقيقة.

وثمة ملكية أخرى ليس لها أي صفة مما مر أعلاه ، سوى المصادقة على القوانيى وذلك والمظهر القديم لتوحيد السلطات ، وليس للملك أي مداخلة غير الصادقة

وهناك ملكية ثالثة يختلف ملكها في حق المداخلة في أمور السلطات ، وهي قائمة على نظام حقوق الفرد ومصالحه في المجتمع.

جمهورية ديمقراطية

وفيها يتمتع رئيس الجمهورية بنفس ما يتمتع به الملك من السلطات.

ومن رؤساء الجمهوريات من فرض نفسه فرضا على الشعب ، وإن ألف تلك السلطات الثلاث وسمي رئيسا ، فهو في الواقع دكتاتور مطلق. وقد يحيط نفسه بأفراد باسم هيئة القيادة أو أمناء الشعب ، بيد أنه لا يجرؤ احدهم على مخالفته في كثير من الأحيان ، فهو إما دكتاتور مطلق أو شبه دكتاتور.

الحكومة الشيوعية

وتختلف عن الأولى من حيث النظام الاقتصادي الجمعي ، وإن كل شئ في الدولة مشاع للجميع ، والخدمة جماعية ، وليس الفرد فيها كما هو في الحكومة


الديمقراطية بل مصهور في الجماعة ليس له إلا ما للكل ، والسلطة التشريعية بيد القيادة العليا للمجتمع ، وبيدها كل مقادير الدولة في الداخل والخارج ، وليس للفرد سلطة واسعة في كل شئ خاصة الملكية الفردية وحرية النفس والمال ، فالسلطة بيد عصبة تتحكم بها كما تشاء ، وليس للأكثرية حساب يذكر.

الفاشستية

والفاشستية تحاول أن تجمع بين النظام الديمقراطي والنظام الشيوعي ، فتحفظ للفرد ما له من الحقوق في الدولة الديمقراطية على أن تحده من بعض الجهات ، فتكون الملكيات الواسعة والمرافق العامة للجميع ، وتحت نظر الدولة ، وبهذا التحديد تحافظ الدولة على حقوق المجتع من الناحية الاقتصادية ، فيما تراعي في الوقت نفسه حق الجماعة من الناحية العامة.

وكانت تمثل الحكومات الديمقراطية الملكية وتتزعمها الحكومة البريطانية.

أما الجمهوريات الديمقراطية فتمهلها وتتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الفرنسية.

وكانت تتزعم الحكومات الفاشستية : ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الموسولينية.

فيما تزعمت الدول الشيوعية روسيا (الاتحاد السوفياتي السابق) وجمهورية الصين الشعبية.

الإسلام

وأما الأسلام فقد جاء بنظام جامع لم يسبقه سابق ولم يلحقه لاحق جاء بنظام يمثل الديمقراطية الواقعية بصورة تشمل الجميع ، فهو يخدم الفرد لأقصى ما


يمكن أن يتصوره العقل ويخدم الجماعة بما يلزمها ، وقد راعى حقوق البشر لأقصى ما يمكن أن يتوخاه المفكرون من ذوي الألباب والرؤى الصائبة والآراء المتفوقة. فهو في عمره القصير وضع أسسا اجتماعية واقتصادية وأخلاقية في غاية المتانة ، كما حدد القوانين الحقوقية والجزائية وأصول المعاملات والأحوال الشخصية. ولولا ما شابه من أفعال الانتهازيين المغرضين لأزال كل ما يورث التفرقة والشقاق والنفاق واسس الضعف المادي والمعنوي ، من خلال إيضائه بالبر والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولولا من خالف تلك الشريعة السمحاء وشوهها ، وغير حدود الله في اوامره ونواهيه وسنن الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لرأينا السلام والعدالة والمحبة تسود البشرية ، ولكنهم طمسوا مبدأ العدالة والرفق والمحبة ، وأحلوا الظلم والجور والإجحاف ، وبدلوا وغيروا.

وطالما تغلب العقل البشري السليم وحكم بالصواب ، صارخا بالناس مبشرا ومنذرا على لسان الحكماء والفلاسفة والأنبياء والرسل وقادة البشر ، ذوي المنطق الصائب والإرادة المحكمة ، متأثرين بما شاهدوه من الانحطاط العقلي والانجراف الى الرذيلة ، والظلم والاستهتار وتدهور الفكر الإنساني إلى وهدات الجهل والتعاسة ، فخطبوا الجماهير ، وأوضحوا لهم سبل الحياة وجاهدوا وضحوا في سبيل العدالة وإرجاع الفرد إلى وعيه وصوابه ، فخلفوا تراثا من النظم المقدسة وسموا بالعقل البشرى ما خلد ذكراهم ، كسقراط وإفلاطون والفارابي وابن سينا ، وبوذا وكونفوشيوس ، وحكماء من الأغريق والإسلام والهند والصين ، ومن الأنبياء كإبراهيمعليه‌السلام وموسىعليه‌السلام وعيسىعليه‌السلام وأخص منهم محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فحدد سقراط الفضيلة ، والدولة المثلى ، ووضع تلميذه إفلاطون جمهوريته ، وكان الذي حثهم هو انحطاط الدولة وتغلب الرعاع باسم الديمقراطية ، تسيرها شهواتهم ، صدعوا بهذه الأفكار لإيجاد دولة مثلى يسعد فيها هذا البشر المتسافل الى


الهوة السحيقة والى المفاسد ، وأشادوا شريعة ومنهجا يقوده إلى السعادة والسلام. واعتقد سقراط ، أن اجتماع الجماهير من الرعاع يزيدهم تدهورا وفسادا ، ويصبح ذلك بلاء إذا استثار أحدهم بقدرته الخطابية هياج الجماهير ، ومثله بالطبل الفارغ ، وحدد المستبد ، بقوله واصفا إياه أنه ذلك الفرد الذي يعمل في يقظته ، كل ما يعمله بوحي غرائزه في نومه.

.. ذلك نظر سقراط الذي حكمت الدولة عليه حنقا بالموت ، فأوحى ذلك لتلميذه إفلاطون هذه النوازع والمثارات لوضع جمهوريته التي بحث فيها ما وراء الطبيعة والآداب والفلسفة ، كما بحث عن أنواع الدولة ، فتكلم عن الأرستقراطية واعتبرها أرقاها ، كما بحث عن الديمقراطية والدكتاتورية وعن الشيوعية ومبادئ الاشتراكية واليوجينية وعلم النفس.

افلاطون

ولد افلاطون سنة 427 قبل الميلاد من أبوين أرستقراطيين ، لهذا نجده أرستقر اطي الشرب رغم تأثره بالمحيط وبمجتمعه وتربيته وتعليمه. فجمهوريته جمهورية ارستقراطية. دمع أنه ينتقد الشعر والكهنوت والأساطير ، فهو شاعر ، وقد اضطر لحفظ جمهوريته من الانقلابات أن يستحل درج الأساطير التي تحفظ العامة من الشقاق والانتفاضة على حكومته الجمهورية الأرستقراطية ، ونعثر في جمهوريته على الشيوعية والاشتراكية والتعليم الحر والتحليل النفسي ، وما قاله روسو بالعود الى الطبيعة وما أورده نيتشه وبعض الكتاب في الأدب والارستقراطية ، وبرغسن في التعليم الحر والدافع الحيوي وغيرهم. حتى قال أمرسن أن أفلاطون هو الفلسفة ، والفلسفة هي إفلاطون ، فاحرقوا الكتب فكلها من هذا الكتاب.

وتتألف جهوريته من عشرة كتب في خمسة أقسام :


1 ـ بحثه في الأول عن العدالة.

2 ـ الكتاب الثاني والثالث والرابع يبحث عن أركان الدولة ، وتعليم طبقة الحكام. وبه يحدد المقصود من العدالة في الدولة تجاه الأفراد.

3 ـ الكتاب الخامس والسادس والسابع بحث فيه عن الشيوعية والحكام وأصول تعليمهم ومدارجهم.

4 ـ الكتاب الثامن والتاسع بحث فيه عن تدهور الحكومة وأدوارها حتى ينتهى لأعنفها ، وفيها الاستبداد الكامل وذلك ضد العدالة.

5 ـ النتيجة وخلود النفس وجزاء الفضيلة يوم الدينونة.

وقد بدأ أفلاطون بالعدالة وحددها بقوله : انها «قيام كل فرد بالعمل الذي يحسنه والخاص به» ، وإن الدولة المثلى بنظره هي الدولة الارستقراطية التي تحكمها طبقة حكام تعلموا تعليما عاليا ممتازا بعد مرورهم باختبارات طويلة واستطاعوا وبرهنوا على إدراكهم لمبادئ الدولة ، وعلى رأس الجميع رئيس الكل المبرز عليهم في العلم والإدارة والشجاعة والقدرة الفكرية وكل شئ.

وقسم افلاطون الدولة الي ثلاث طبقات كالجسم الانساني ، فكما أن الجسم الانساني ينقسم الى ثلاثة أقسام : العقلي ، والحماسي ، والشهوي ، فمثله الدولة. فالعقلي يقابل القسم الأرقى في الدولة ، أي منبع الحكم والمنطق والرأى الصائب ، وهم الحكام ، وعلى رأسهم أقدرهم علما وإرادة واجتهادا وشجاعة وتجربة وغيرها من معنوية ومادية.

والحماسي يقابله رجل الحرب والشجاعة وهو الجيش وما يتبعه.

والشهوي هو باقي الطبقات ، عدا الأولين ، من تجار ومهندسين وأطباء وفنيين وعمال وغيرهم.


وجمهوريته تقوم على أساس الاختصاص ، وقيام كل بعمله وعدم مداخلة أحدهم في شؤون الآخر ، على أن يكون العنصر العقلي هو المسيطر الأعلى على الجميع ، وأقدرهم هو الزعيم الأعلى ، وأن يكون هو الحكيم الأقدر والفيلسوف الأعلى وأكثرهم علما وأوسعهم فكرا ، وبهذا فقط تسير الأمور على فطرتها ويقوم كل واحد حق قيام بما أسندله بكفاءة ومقدرة.

وقد وضع لذلك حلولا عملية :

أولها : تربية وتعليم العامة بعزل الأطفال دون سن العاشرة لهذا الغرض ، وضبط الكبار عن المفاسد ، والاهتمام منذ البداية بنشاط الجسم والفكر بالرياضة والموسيقى ، والتعويد على الحرية الفكرية والنفسية ، لذا فهو يمنع التعليم الإجباري للابتعاد عن الشعور بالحقارة ، فهو يرى ذلك بالتشويق والتحبيب ، ويرى وجوب دعم القوانين الأدبية بسلطة كامنة عن طريق الدين والإيمان بالله بالرجاء والعطف والتضحية. وبعد السادسة عشر امتحانهم في أمور نظرية وعمومية ، فمن سقط في امتحانه كان من الطبقة الأدنى وهم الكتاب والصناع والفلاحون ، ثم التعليم لعشره سنين أخرى يليها امتحان أصعب ، فمن رسب فهو من الطبقة الثانية وهم مساعدو الحكام وضباط الجيش ، ولإقصائهم عن الطبقة الأولى كي لا يتحدوا ويشكلوا خطرا على الدولة باعتبارهم الأكثرية بانتفاضة أوثورة ، يجب إقناعهم نفسيا ودينيا أن ذلك من الله ولن يتغير ، وأجاز ذلك التلقين ، ولو عن طريق الأساطير والقصص.

ومن نجح دخل في الفلسفة ، وتعلم علوم ما وراء الطبيعة ، والحكمة في الحكم لخمس سنوات ، وبعدها تميز الحقائق وراء الصدر ، وبعد الخمس سنوات يتعلمون تطبيق هذا المذهب على شؤون الناس ، فيكون مجموع السنين 35 سنة ، يكونون بها فلاسفة نظريا قد أبصروا شمس الحقيقة ، وبعدها عليهم التوغل في الظلمات ، تلك


الظلمات التي يعيش فيه سواد الناس والأشياء لتطبيق النظريات على الحقائق ، وخوض معمعة الحياة العملية ، والمنافسات الموجودة بين مختلف طبقات التجار والصناع وغيرهم ، وأخذ العبرة مما يرونه من تنافس ومشاحنات وتصادم واحتيال ومكر ، ومعاشرتهم إياهم بالكسب والمعاملات ، وذلك لمدة خمس عشرة سنة ، وهي آخر محك ، وفيها يعرف الفائز من الخاسر ، والناجح من الراسب بعد بلوغ الخمسين. وقد أتقن الحكمة نظريا وعلميا ، وعنده أن هؤلاء غايته المنشودة من حكام الدولة المثلى ، ولنبذ الانتخابات والانتخابات المزيفة يصبح هؤلاء الرجال حكام الدولة ، يتقلدون زمام الحكم دون أن يكون لإخوانهم من طبقات الشعب الأخرى رأي في ذلك ، باعتبار عدم قدرتهم على انتخاب الأصلح لإدراة الدولة ، لعدم معرفتهم حقيقة الشخص المنتخب والمزايا اللازمة له ، ومنع اندفاعهم تحت تأثير الخطب لتوليد هياج وحماس مصطنع في المجتمع ، هكذا يريد أفلاطون أن يكون التهذيب والعلم والحكمة والتجربة الواقعية هي المسيطرة.

ومتى بلغ الحكام هذا المقدار من التهذيب فهم لا يتقيدون بقانون مدون بل يعملون حسب مقتضيات الحال ، وهم يقتصرون على إدارة الدولة بما فيها دون المداخلة فيما لا يخصهم من مهنة وصنعة ، فهم المشرعون وهم الحكام والمنفذون.

وقد أشار افلاطون الى الأصالة والوارثة :

1 ـ فهو لم يسمح بالتعاقب والتوالد إلا من أبوين سالمين ، سلامة جسمية وعقلية ونفسية.

2 ـ ويدعو إلى حياة الفطرة والبساطة.

3 ـ وأن يكون القسم العقلي سواء في الفرد أو الدولة هو المسيطر على الباقين.

4 ـ ويعتبر العدالة هي القوة المنظمة لا القوة المجردة ، وليست حق الأقوى بل


هي الاتساق والتعادل بين القوى لحق المجموع.

كما يقسم الحكومات الى خمس :

1 ـ الأرستقراطية : ويمثلها الرجل الأرستقراطي ، وهو الفرد المثالي الأعلى في سدادة الرأى والعلم والحكمة والعدالة والقيادة.

2 ـ التيوغراسية : وتكون عند تفوق العنصر الحماسي وإخضاعه بقية العناصر وهي الحكومة العسكرية ، وتقابل الفرد الحماس أو الغضب.

2 ـ الاوليفاركية : وهي وليدة التيموغراسية ، حينما يطغى حب الثروة حتى يصبح أساس الجدارة.

4 ـ الديمقراطية : وهي حكومة الرعاع الفقراء الثائرين على أصحاب الثروة باسم المساواة في الحقوق ، وتتسم بالاستباحة والفوضى ، حيث يطغى فيها الرعاع حتى على العلماء والأدباء والحكماء ، والأولاد على الآباء ، والتلامذة على المعلمين والمربين ، والصغار على الشيوخ ، والخدم على السادة ، فلا يقام لهم وزن باسم المساواة.

ولا تفرق بين الوطنيين والدخلاء ، ومن خصائصها سحق المقدسات والازدراء بالشرائع والنظم.

5 ـ الاستبدادية : وتكون بيد الانتهازيين عند الغلبة على الرعاع من غير الطبقة الأولى.

والانتهازي هو بطل الجماهير المختار في الأحزاب ، يعارض من انتهازيين آخرين مثله ، حتى إذا ما غلب على أمره ولو لأحد وعاد ثانية لسبب ما بعد إقصائه ، عاد أقوى وأكثر شراسة على خصومه مما مضى ، وأحاط نفسه بحراس خوف الاعداء ، بادئا بالقضاء على منافسيه كفرد مستبد عنيد.


وخلالها ينشغل عن أصدقائه ومعاضديه فيرون منه قلة الاكتراث ، وهم الذين أيدوه ، فيخلق بينهم جوا تتخلله الريبة ، فيحاول التخلص من هؤلاء الأخيرين الذين أيدوه من قبل حتى بلغ ما بلغ ، وعندها يقضي على الفاسد والمصلح ويتحول للعامة ويجردهم من السلاح.

ويصف افلاطون هذا المستبد بأنه أردأ رجل ، وهو من كانت حالته في اليقظة مطابقة لمثله الأعلى في النوم ، ولأنه أشد شرا فهو أشد شقاء ، يتساوى في نظره الصديق والعدو. فهو بؤرة الدولة الاستبدادية ، ودولته أشقى الدول ، وعلى نقيضه الرجل الاستقراطي فدولته أسعد الدول.

وقد رأى افلاطون أن المرأة والثروة هما أسباب الاختلاف ، لذا نراه جعل النساء مشاعة بين الحكام ومنعهم من جمع الثروة ولهم التمتع بما يريدون.

كما رأى ان سبب الحروب هو كثرة السكان فقال بتحديد النسل ، ولأسباب اقتصادية ، فقال بالاحتراز من التجارة الخارجية وماتثيره من منازعات ، ويتحقق هذا اليوم في المنازعات الدولية الاقتصادية.

المقارنة بين جمهورية افلاطون والاسلام

نرى أن أفلاطون نص على بضعة أمور تكاد تكون أساسا لجمهوريته ، وأهمها :

1 ـ العدالة ، فقال : إن العدالة هي قيام كل فرد بما أودع فيه وما يحسنه ، إن العدالة ليست القوة المجردة بل هي القوة المنظمة ، وليست هي حق الأقوى ، بل الاتساق والتعادل بين القوى لحق المجموع.

2 ـ وحينما قسم الجسم البشري ، وقسم الدولة الى ثلاث قوى : العقلي ،


الحماسي ، والشهوي ، وضع القسم العقلي في المنزلة العليا الذي يحكم جميع الأقسام ، وهو الذي يقابل أرقى الأقسام في الدولة ، مقر العلم والحكمة والمنطق والرأي الصائب ، والذي محص وجرب الأمور ، ويستمد الجميع منه الرأى ، وهو المشرع والحاكم والمنفذ ، وبهذا يسود السلام والعدالة ، وتسير الأمور على فطرتها سعيدة مرضية كما يسعد الجسم بسمو العقل وحكمه ، وبدونه تختل الموازين ، كما نراه في الجسم الذي تلعب به الشهوات أو يستثيره الغضب والحماقة.

3 ـ اعتبر الأصالة والسلامة والاستقامة في الأفراد شرطا للتوالد.

4 ـ يجب أن تتمتع جمهوريته بالحياة الفطرية والبساطة.

5 ـ يعتبر سلامة الجسم والعقل من أهم الشروط في جمهوريته.

6 ـ جعل الحكمة والعلم والفلسفة في القمة للحكم. واعتبر الاستبداد وحكومة العوام الرعناء الجهال باسم الديمقراطية أتعس الحكومات. وكان يحاول الابتعاد عن الانتخابات المزيفة.

حكومة الطبيعة أو الفطرة

اعرف نفسك تعرف ربك

دعا افلاطون الى الحياة إلفطرية البسيطة ، ونرى الاسلام يدعو الى حياة الفطرة والبساطة ، وسمعنا الجمل أعلاه تتردد من الأفواه ونسبوها الى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو الى حكيم أو إمام ، ومهما كان فإن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها ، وهي أن للطبيعة قوانين نعرف بعضها وسميناها بالقوانين الطبيعة من كمياوية وفيزياوية ، كما أن هناك قوانين للحيوان والنبات والجماد نجهل أكثرها ، وأن هناك قوانين تخص كل جسم حي في حياته الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، وهناك قوانين تشد أصر أخرى تعاضدها ، مقابل أخرى تخالفها وتناقضها.


وإن في كل جسم حي حكومة خاصة به كما لجسم الانسان. وحيث إن الأنسان أقرب لنفسه ، والحديث يقول : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، كانت تلك حقيقة ثابتة ، لذا نبحث فيها لنرى بعض الأسرار. ودمع أني بحثته في كتابي «الحكومة العالمية المثلى» بحثا مسهبا ، إلا أنه وبغية الوصول الى ما أتوخاه من تقريب الموضوع لفكر القارئ الكريم أبحثه هنا بصورة موجزة ، فأقول :

الإنسان

أبدع حكومة عالمية مثلى توجد في جسم الإنسان ، فالبدن الإنساني كحكومة قائمة بذاتها ، أفرادها الخلايا وجماعاتها في الأنسجة والعضلات وأعضاء البدن ، ومنظماتها ذات تخصص كل في فنه ، لها مميزاتها وخواصها وأعمالها ومراكزها الثابتة ، كل منها يقوم بخدمة المجموع ، والمجموع لخدمة الأفراد ، تشدها رابطة مشتركة ، وصلة وثيقة ، وسير فطري طبيعي لكل ما يدور في عالمها الجسمي ذي القوى البدنية والمعنوية ، يشد بعضها بعضا ، لا ينقصها في حياتها شئ ، فهي كاملة ، بديعة الاتفاق بمنظماتها وصلاتها وأعمالها ودفاعها وهجومها وتدابيرها الوقائية وسعيها الدائب في إدامة الحياة الفردية والحياة الجماعية ، والحجيرات والخلايا في البدن الانساني تشابه الأفراد في المجتمع البشري ، وكما ان كل حجيرة وخلية لها أهميتها بالنسبة للجهاز الذي تعمل فيه فكذلك المرء له أهميته بالنسبة للمجال الذي يعمل به ، فحجيرة المخ والمخيخ ، وحجيرة القلب والكبد والكلية تختلف أهمية عن بعضها ، كما تقل عنها أهمية حجيرات أعضاء الحركة في الأطراف ، وهكذا حجيرات أجهزة البصر والسمع والذوق تقابلها حجيرات أقل أهمية ، تلك هي حجيرات البشرة والأنسجة الواقية في الجانب الوحشي من البدن الإنساني ، ورب مجموعة من حجيرات المخ والمخيخ أو عضلة القلب والتنفس تبلغ من الأهمية بمكان تتوقف عليه إدامة الحياة ،


في حين لا يكون ذلك في الأطراف والزوائد

ومثل هذا نجده في المجتمع البشرى بالنسبة لمكانتهم ، وقد أحاطت الطبيعة كل عضو وما يحتويه من الحجيرات المهمة على قدر أهميتها بحصون واقية لمكانتها ومركزها المهم في المجتمع القائمة فيه ، لذا نرى كيف صانت الطبيعة المخ بطبقات الشحوم والأغشية والعظام ومثله المخيخ ، ويليه القلب والغدد الصماء ، حتى بإمكاننا إن نقدر أهمية كل عضو وما يحويه من حجيرات بدرجة الاهتمام والحفاوة والصيانة والوقاية التي أحاطت به الطبيعة هذا القسم ، وتركت له الفرص الكاملة للقيام بأعماله بعيدا عن المخاطرات والمزعجات ، كما نرى في الأنسجة الواقعة في الجانب الوحشي للبدن ، أخص منها العضلات فالبشرة ، بما تشمل من الحجيرات هي أقل أهمية من الأولى.

وفي ذلك عبرة وعظة يلزمنا رعايتها في مواضع الشبه من المجتمع الانساني ، ثم تخصص كل حجيرة من العضو وكل عضو حسب مكانته وأهميته وما خص به ووضع له وما يقوم به من الأعمال بالنسبة له ولعضوه من جهة ، والرابطة المشتركة بينه وبين بقية الأعضاء الأخرى ودرجة مساعدة الواحد للآخر ، أو في حالة حدوث اختلال بسيط أو كبير كيف تهتم به المراكز الحساسة بالدرجة المناسبة لتلافي النقص ، متحملة كل منها على قدرها من هذه المعونة والعناء ، من جهة أخرى.

فما من حجيرة في حجيرات البدن الانساني إلا ونجد له محلا للتطبيق في المجتمع البشري ، فأفراد المجتمع البشري ينقسمون حسب الأهمية إلى مجموعات كبيرة وصغيرة ، عالمة وجاهلة ، وفيه مختلف الطبقات والزمر والتخصصات ، لكل منها مقام ودرجة في المجتمع الإنساني ، ولكل مكانه كما وجدنا ذلك في الحجيرات ، وكما أن حجيرات أنسجة الدماغ لا يمكن تعويضها بحجيرات وأنسجة عضلة الكبد ، وهذه بدل أنسجة المثانة ، وتلك بأنسجة الجهاز العصبي ، فكذلك لا يمكن ذلك في


المجتمع البشري.

فإن تعويض قسم من عضو على أثر تلفه بصدمة لابد أن يسد بأنسجة مشابهة ، وبغير ذلك يرفضه العضو ، وربما عاد عليه بالفساد ، إذ ما للرأس يصلح به الرأس وما للأطراف يسد ويجبر به الأطراف ، وإذا حصل غير ذلك فمعناه ارتباك وفساد خاص وعام ، بل تدهور وخراب قد لا يمكن بعد حين ترميمه. وهذا عينه يحصل في المجتمع البشري ، لذا يلزم تطبيقة ورعايته ، وفي الواقع يكفي وضع فرد في غير محله لإيجاد علة تختلف في الدرجة من بسيطة إلى عظيمة وقد تكون فاحشة على المجتمع تكفي لتدميره.

ولقد دلت التجارب الطبية والعمليات الجراحية على صدق هذا القول في عالم الجسم ، كما دلت الاوضاع الاجتماعية والعلمية على صحة ذلك أيضا في عالم الاجتماع ، وما أكثر الشواهد الطبية والاجتماعية حتى لتجد تدهور وانهيار بل قل موت الجسم لوضع فاسد في أحد أعضائه وتدهور مجتمع وانهياره على أثر وضع عضو في غير محله ، وهذا الفساد والتدهور يعود لدرجة أهمية مركز هذا العضو في الجسمين ، سيان الإنساني أو المجتمع البشري.

أليست هذه مقارنة صحيحة ومستدلة؟ ألسنا نعترف بهذا؟

ولذا ومن خلال هذه المقارنة لابد من تطبيق ما تعلمناه من الجسم البشري على الجسم الاجتماعي الانساني.

أهمية أجهزة البدن

ربما إذا فقدت كلية من البدن عشنا بكلية واحدة ، أو عين عشنا بعين واحدة وتحملنا هذه الخسارة ، ولكن بفقدان القلب لا يمكن مواصلة الحياة ، وأعظم منه المخ


والمخيخ ، أو حتى فقدان مراكز خاصة منها.

فما هي المراكز المشابهة للقلب والمخ والمخيخ في جسم الجامعة البشرية؟

ليس هناك فقدان بالشكل الأكمل في جسم الجامعة البشرية كما هو في البدن الانساني ، إلا إذا اعتبرنا انهيار القوى المعنوية والاجتماعية أو تدهور الدولة واضمحلالها ، أو القضاء على العلوم والفنون في الدولة بما فيها العلماء والحكماء والأدباء وأمثال ذلك ، مصداقا له.

وإن القضاء على طبقة معناه فقدان طبقة مشابهة في الجسم الإنساني ، ففقدان القلب في الجسم الإنساني يناسبه القضاء على مجموعة من أجهزة المجتمع الانساني وضرورياته ، كمراكز المواصلات والمؤن ومنابع الدفاع والمقاومة والتغذية والتهوية والمياه وما شاكل ، ولكن باختلاف وهو أن الجسم البشري لا يقضى عليه تماما مثل الجسم الانساني إلا بالقضاء على تمام افراده ، إلا إذا اعتبرنا الموت في كليهما إنما هو موت معنوي لا موت مادي فحسب.

وهنا نتساءل هل بالإمكان الاستفادة من أنسجة غير مشابهة في غير محلها؟ إن عدم التشابه يختلف بالدرجة ، فقد يتقارب وقد يتباعد ، فأنسجة المخ بالنسبة لأنسجة القلب وهذه بالنسبة لعضلات الحركة ، وأنسجة العضلات لأنسجة الأعصاب وهذه بالنسبة لأنسجة الفرد الصماء ، فترميم قسم لعضلة من مشابهة لها ممكن ، ولكن لا يمكن وضع قسم من عضلة القلب لترميم عضلة الساعد أو الشفة ، أو وضع قسم من عضلة الكلية لترميم قسم من الكبد.

وأما إذا ابتعدنا أكثر ، وقلنا هل يمكننا الاستفادة من عضلات الجسم عامة لترميم قسم من المخ أو المخيخ؟ فهو ما لا يمكن تصوره أبدا في الحال الحاضر ، وبالتالي فإن اصلاح عضو بغير المناسب له قد يؤدي الى فساده ودماره ، ومثل هذا تماما يحدث في المجتمعات البشرية المطلوب إصلاحها.


حكومة الطبيعة

فجعل شئ في غير موضعه معناه الإفساد ، وحتى إنه أحيانا لو وضعت ـ بحكم الاضطرار ـ عضلة شيخ في عملية جراحية لترميم عضلة شاب ، وإن تشابهت من حيث النوع ، لا يخلو من عيوب ، لأن عضلة الشيخ أقل عمرا وأضعف طاقة من عضلة الشاب ، وربما كان العكس أجدى ، أي وضع عضلة شاب محل عضلة شيخ أو قلب شاب محل قلب شيخ ، بالنظر لقوة ومقاومة عضلة الشاب وقابليته لحياة أطول ، هذا إلى مراعاة أمور أخرى كالتشابه في نوع الدم وغيره والخصال التي توجد بين الأقارب ، فإن مراعاة ذلك وتطبيقه في المقارنة بين الفرد البشري والمجموع البشري له آثاره القيمة وشأوه البالغ ، وهو درس بليغ في شتى نواحي الحياة يمكن الاستفادة منه لمديات قصوى وواسعة ، وربما أدى الى ابتكارات مهمة وعميقة.

انظر إلى حكمة الله في الطبيعة ، ومثل هذا تجده في البشر طبيعيا وغريزيا في بعض الموارد

فأي نقص في عضو ـ ولو تناهى في الصغر ـ وأي اختلال فيه يترك استنفارا وكدرا في كافة الحجيرات وأعضاء الجسم لا تنفك حتى ترممه وتعيد إصلاحه. وإذا أردنا إصلاح عضو ما في البدن فإنما نريد أن نعيد النظام والسعادة إلى جميع البدن المضطرب لما يجده في عضوه من ألم ، وهكذا نظرتنا للجماعة البشرية المشتركة بالحس والشعور.

إن البدن كله بما فيه على أهبة واستعداد وعلم بأدنى ألم وسرور يصيب أي جزء منه حتى القسم المعنوي ، وعندئذ يهب لإصلاحه ، وهذا الشعور حقيقة واقعية يلزم تطبيقها في الجامعة البشرية.

وقد يصيب البدن داء أو عاهة أو شئ يفقده جانبا منه ، فتراه في حالة متهيجة لإعادته ، فإن كان نقصا فلا بد لإكمال سعادته من رفع النقص واعادة صحته


واعتداله ، وإن دخل فيه شئ لا بد من إزالته حتى يعود سالما. وقد يحدث كلاهما ، لذاترى البدن يدوم اضطرابه حتى يعود الوضع الطبيعي الى حالته السابقة ، ومثله الفسخ والرض الحاصل في المفصل ، لذا تراه متورما متألما لا يقر له قرار وترى الجسم كله في اضطراب وألم حتى إعادته إلى حالته العادية ، ولا ننسى ما يحدثه ذلك من ضعف وإعياء وإنهاك لجميع البدن.

وهذا عينه يحدث للجامعة البشرية في الحوادث المشابهة ، وقد تطول هذه العلة على المرء حتى تراه وتشاهده وهو بائس منهك وليس له بد سوى إعادة الشئ لمحله أو إزالة الشئ المزاحم عنه أو كلاهما ، ويكفي لاضطراب شعب من أدناه إلى أقصاه وضع رجل في غير مركزه ، أو إدخال رجل في مكان غير مكانه ، وكلما كان هذا المركز والمكان مهما كانت الصدمة أعظم وأقسى.

وقد يسبب ذلك النقص أو الزيادة في الجسم عيوبا في جهات أخرى من البدن ، تبقى على مرور الزمان تحتاج إلى الاصلاح وإن أصلح العيب الأول ، وله مشابهات في جسم المجتمع البشرى ، فإذا توفقنا لإرجاع الشئ إلى أصله أو إخراج الشئ الغريب منه ، كان من الضروري إصلاح الاختلالات الحاصلة على أثر الصدمة الواردة.

وهناك أمر بالغ الأهمية ، وهو تشخيص الداء والأدواء ، وتشخيص العواقب والآثار التي حدثت له على مرور الأيام والسنين ، ومهم جدا نوع العلاج في كل منها بعد التشخيص.

وهذا عينه يحصل في الجامعة البشرية. وكلما طال الأمد ، صعب العلاج للآثار السيئة التي خلفتها المدة وما أولدته من الانحرافات.

وربما اعتاد البشر خلال المدة الماضية على علاجات لرفع إلمه ، وهذه نفسها تخلق فيه عاهات كأداء حتى بعد زوال أو إصلاح الداء الأصلي ، كإعادة العضو


المتفسخ إلى محله وزوال الألم ، لكن بعده يبقى اعتياده على تناول المورفين المخدر ، وهذا ربما لم يكن أقل شدة بل كان أشد عند الترك من نفس الصدمة الأصلية ، وتلك نفسها في المجتمع البشري.

لم يتوصل البشر بعد لدرجة صغيرة من الكمال المخلوق في إنسان ، بل ولا في أدنى الحيوانات والحشرات ، وهو بحاجة لبحث مستمر للسلوك الطبيعي والاستفادة من مكنوناته ومدخراته وكنوزه الثمينة التي يحملها كل إنسان لتطبيقها تطبيقا حسنا ، ومنها نشر الحقائق وأتباعها والجد للوصول الى الحقيقة ، حتى إذا شعر المجتمع بالألم لإصلاحه وضع الدواء الطبيعي له ، وأن يعلم أن سروره الحقيقي وشقاءه الواقعي إنما يتوقف على سعادة وشقاء مجموعه كما في البدن الإنساني ، وأن يكون كالبدن الإنساني ، ليس فيه كذب ولا رياء ولا خداع ، بل كل حقيقة ، وكله سرعة فائقة أسرع من لمح البصر فيمايخص العلم بوقوع الحادث وفيما يخص علاجه ، فأنت إن قربت أدنى حرارة أو آلة واخزة إلى أدنى حيوان انتقل حالا لضم الطرف ثم الشروع حالا لترميم ما خرب ، هكذا يجب في المجتمع.

هذه مقارنة تعرفنا حكمة الطبيعة وإتقانها ومدى جهلنا ، وأي جهل اعظم من أن نطلب السعادة عن طريق الشقاء.

وتمتاز الحجيرات بعضها عن بعض بالنسبة للمركز الذي تشغله في الجسم. وبمقدار أهمية الوظيفة التي تؤديها يحافظ عليها ، وتصان بتلك النسبة. فحجيرات المخ تحاط ـ لأهميتها ـ بقشرة شحمية وتليها أغشية وعظام ، كما تختلف من حيث غذائها ومدة حياتها بالنسبة لحجيرات البشرة ، فبقدر ما تسديه للجسم من خدمة يكون مقامها وشأنها ، والمحافظة عليها أكثر ومدة حياتها أطول ، كلما سمت وارتفعت بخدماتها ، ويقدم لها غذاء على قدر مجهودها.

هكذا يصنع لمن يجب أن يناط إليه المركز الأعلى لقيادة الأمة ، وكيف يجب أن


يحافظ على مركزه بنظر افلاطون أحكم الحكماء والتي تتمركز فيه أصالة السلامة ، ومن تكون تربيته أرفع ، وقد مارس الإدارة واعتمدت عليه النخبة العالمة من الأمة لا الرعاع.

وهل تجد غير عليعليه‌السلام فهو رغم صغره ، الأسبق للإيمان والأتقى والأعلم والأشجع والأحلم والأعدل والأحب لله ولرسوله والأقرب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من لحمه لحمه ودمه دمه بل نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آيات المباهلة والطهارة والولاية ، وكما يعرف ذلك بمراجعة الوقائع كيوم خيبر وحديث الطير(1) .

وإذا عدنا لحكومة الطبيعة في الجسم الإنساني ففيه حقيقة ناصعة ، وهي إننا عندما نفقد عضوا فعلينا إبداله بعضو يحاكيه ومن جنسه بحيث يحمل نفس صفاته ومميزاته ، فمن هو أقرب من عليعليه‌السلام ليشغل محل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أثبتت آية المباهلة( تعالوا ندع أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) (2) إن عليا نفس محمد ، وفيه آية الولاية( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (3) . لهعليه‌السلام نفس صفة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنزلته ، وقد أيدتها الأحاديث ، فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنه باب علمه وأعلم وأتقى الأمة ، وقد وصى به رسول الله في حديث الثقلين : «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا» ، وحديث المنزلة «إن عليا مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ، والأحاديث الكثيرة الجمة التي قال في بعضها : علي مني وانا من علي ، لحمه لحمي ودمه دمي. وكم كررصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله بلزوم

__________________

(1) تجد اسناد ما ذكرنا في عليعليه‌السلام الجزء الأول والثاني اسنادا مستمده من الصحاح والمسانيد والمؤلفات لأهم ائمة المذاهب ورجالاتهم ، راجع الجزء في الأول والثاني من موسوعتها هذه لنرى اسناد ما ذكرناه.

(2) آل عمران ، 61.

(3) سوره المائدة ، الآية : 55.


اتباعه إن شئتم أن لا تضلوا ، وكم قال إنه أخي ووزيري ، فهل هناك من هو أولى وأنسب من عليعليه‌السلام ليحل محل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مادة ومعنى ، وقد نزلت فيه الآيات المارة الذكر وغيرها حتى بلغت الثلثمائة آية.

فقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الوحيد بين قومه الذي تتزعزع اثر موته الأمة ، وهذا ما نطقت به الآية( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل افأن فلأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (1) .

وحفظا من هذا الانقلاب والانهيار إلى الضلال ، فقد دلهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهداهم إلى السبيل القويم الذي إن تمسكوا به ما كانوا ليضلوا أبدا ، وهو التمسك بالثقلين ، واتباع أخيه في حديث الغدير ، وقبله يوم الدار وغيرها وغيرها!(2) .

__________________

(1) سورة ، الآية

(2) الرضوي : حديث الثقلين دلالته على عصمة أهل البيتعليهم‌السلام : لاقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وتصريحه بعدم افتراقهم عنه ، ومن البديهي أن صدور آية مخالفة للشريعة سواء كانت عن عمد أم سهو أم غفلة ، تعتبر افتراقا عن القرآن في هذا الحال وإن لم يتحقق انطباق عنوان المعصية عليها أحيانا كما في الغافل ، والساهي. والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيد بأحكامه وإن كان معذورا في ذلك ، فيقال فلان ـ مثلا ـ افترق عن الكتاب وكان معذورا في افتراقه عنه ، والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا على الحوض. انظر : «الأصول العامة للفقه المقارن ، ص 166.

ومن خطبة للإمام الحسن السبطعليه‌السلام ـ من خطبته فيما خص الله به أهل البيتعليهم‌السلام ـ قال :

وأقسم بالله لو تمسكت الأمة بالثقلين لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولأكلوا نعمتها خضراء من فوقهم ومن تحت أرجلهم من غير اختلاف بينهم إلى يوم القيامة ، قال الله عز وجل( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) . (سورة المائدة الآية 66)

وقال عز وجل :( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) . (سورة الأعراف ، الأية 96) =


__________________

= انظر الروائع المختارة من خطب الامام الحسن السبط ص 58 ط مصر.

وقال الكاتب المصري صالح الورداني :

لقد ترك الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأمة الكتاب ، وربط هذا الكتاب بآل البيتعليهم‌السلام بزعامة الامام عليعليه‌السلام فمن التزم بالكتاب التزم بآل البيتعليهم‌السلام . ومن حاد عن الكتاب حاد عن آل البيتعليهم‌السلام .

إن ربط الكتاب بالإمام يضفي المشروعية على كل خطوات الإمام ومواقفه ، فهو قد اختير من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليكون مفسر هذا الكتاب والمعبر عنه والناطق بلسانه. انظر السلف والسياسة ص 112 ط أولى عام 1996 دار الجسام ـ القاهرة.

وقال العلامة المحقق الثبت السيد حامد حسين اللكهنوي طاب ثراه :

دلالة الحديث على عصمة الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام :

1 ـ لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر فيه باتباع أهل البيتعليهم‌السلام ، وحاشاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأمر باتباع الخاطئين والمخالفين للكتاب والسنة.

2 ـ لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرنهم بالكتاب وأمر باتباعهما معا ، فكما أن الكتاب منزه من كل باطل ، فأهل البيتعليهم‌السلام كذلك.

3 ـ لأنه جعل التمسك بهم مانعا من الضلال كالكتاب ، ومن كان جائزا عليه الضلال لا يكون مانعا منه

4 ـ لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صرح بعدم الافتراق بين الكتاب والعترة ، أي فإنهم لا يخالفونه في وقت من الأوقات.

5 ـ لأنه صرح في بعض طرقه بقوله : «هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض» وهذا تخصيص بعد تعميم انتهى كلامه طاب ثراه. عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الاطهار : 2 / 44 حديث الثقلين قسم السند.

وقال الله تعالى :( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر : 7.

وقال الكاتب المصري الاستاذ صالح الورداني :

ركائز الاسلام النبوي :

ـ القرآن

ـ آل البيت

القرآن : لقد أوصى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأمة بالقرآن وخص عليه في روايات ومواضع كثيرة =


فهل تعجب بعد هذا إذا وجدت أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مضطربة ، مشتتة ، مستضعفة لا تستقر على حال ، وكيف ترجو فيها خيرا وقد بدأت بغصب منصب خليفته وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذين وجبت طاعتهم والصلاة عليهم تسع مرات في اليوم ، أي في كل تشهد!

هل تعجب من انخذال الامة ، ونفس محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخيه ووصيه وخليفته يقتل

__________________

= كانت آخرها حجة الوداع ، حيث أوصى الأمة بضرورة التمسك بالكتاب والعترة آل البيتعليهم‌السلام

يروي البخاري عن طلحة قال :

سألت عبد الله بن أبي أوفى ، أوصى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال : لا ، فقال : كيف كتب على الناس الوصية؟ أمر بها ولم يوص؟ فقال : أوصى بكتاب الله. البخاري ، كتاب فضائل القرآن باب 18.

ويروى أن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب 21.

ويروي مسلم عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله في خطبة الوداع :

.. كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به.

فحث على كتاب الله ، ورغب فيه انظر مسلم كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عليعليه‌السلام .

ومثل هذه الروايات التي تشير إلى أن القرآن كان موجودا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان الصحابة يتناولونه من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد برز من بينهم من هو ماهر فيه ، ملتزم به ، يحفظه عن ظهر قلب.

وعلى رأس هؤلاء كان الإمام عليعليه‌السلام ، وابن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل

وروي عن ابن مسعود قوله : والله الذي لا إله غيره ما انزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت. المرجع السابق. ويلاحظ أن هذه الرواية جاءت على لسان الإمام عليعليه‌السلام بنفس النص. انظر طبقات ابن سعد 2 / 338.

إلا أن أبا بكر حين قام بجمع القرآن لم يستعن إلا بزيد بن ثابت وحده.

وعثمان حين ألزم الامة بمصحف واحد اختار مصحف حفصة الذي كان قد جمعه أبو بكر ، ولم يختر مصحف الإمامعليه‌السلام أو ابن مسعود ، أو أبي بن كعب أو ابن عباس ، ولم يستعن بأي من هؤلاء لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان ، حتى أنه كان هناك مصحف لدى عائشة أيضا لم يستعن به. انظر البخاري. وكتاب تاريخ القرآن. وفصل «القرآن» من كتابنا : «الخدعة».


مظلوما ويسب على المنابر بعد كل صلاة عيد ، وهل تعجب وذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستضعفون بعد موته ثم يقتلون ويقطعون ويسلبون ويحرقون ويسبون ويسمون ، وهل تستغرب قتل صحابة رسول الله بعد تعذيبهم(1) ! وهل تستغرب منع تدوين سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحاديثه قهرا وقسرا ، حتى يمر الزمان ويقضى على النخبة من الصحابة وهم تحت كابوس من الضغط ، ولا يطيق أحدهم أن ينبس ببنت شفة ولا يسمح له بالخروج من المدينة إلا تحت أوامر صارمة(2) ، وهل تستغرب أن تستباح مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتضرب كعبة المسلمين بالمنجنيق ، ويقتل فيها الآمنون ، وهل تستغرب أن تستبيح أم المؤمنين قتل مئات بل ألوف الصحابة والمسلمين قبل شروع القتال وبعده في حرب الجمل ، وهل تعجب من شخص يجلس مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسمي نفسه خليفته تم يحلل حرامه ويحرم حلاله ، وما لا يحصى ولا يعد من المنكرات!

ألا تعجب إذا رأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نفسه منكرا! ، ألا تعجب وأنت ترى وتسمع نسبة فضائل عليعليه‌السلام وذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأعدائه وأعدائهم وتزييف وتحريف الحقائق على رؤوس الاش هاد! ، ألا تعجب ومال الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمسلمين يبذل في غير سبيل الله ، بل في سبيل المنكرات والموبقات! ، أتريد بعد هذا خبرا لأمة محمد والمظالم تترى على محبيه ومحبي آله وذراريه وهم أهل الكتاب والسنة وهم المخلصون من شيعة محمد وآله!

ألم يجر ذلك في زمن بني أمية؟ ووضع حجره الأساس في زمن أبي بكر وعمر

__________________

(1) باسم الردة كمالك ابن النويرة وصحبه ، وسيأتي ذكرهم في هذا الجزء ، وما وقع للصحابه في زمن عثمان ، وما فعلته أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير في البصرة في حرب الجمل ، وسيأتي تفصيل ذلك في الجزء الخامس.

(2) سيأتي ذلك في هذا الكتاب والكتاب الرابع في عهد عمر.


وعثمان برفع بني سفيان وتقويتهم؟ لا والله لن ندرك العز ولن نبلغ السلام الدائم إلا باتباع كتاب الله وتطبيقه تطبيقا صحيحا ، واتباع سنة محمد وآلهعليهم‌السلام واتباع خطاهم حذو النعل بالنعل ، واتباع صحابته المخلصين الذين لا تأخذهم في الله عزوجل ورسوله وآلهعليهم‌السلام لومة لائم ، أولئك الذين اتبعوا أوامر الله ونواهيه ورفض كل من غير وبدل نصوص القرآن وسنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومناهجه ، وسحق ومحق ما تركوه من مخلفاتهم المنكرة وبدعهم الضالة وسننهم الباطلة وعاداتهم المستهجنة ، وقد أوضحت كل شئ لمن أعطي المنطق الصائب والرأي الثاقب ، لمن حملت طيات قلبه الإيمان واليقين بحكمة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودين الاسلام المبين وقرآنه المجيد ، ولم يلبس الحق بالباطل وأخلص لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم تأخذه العزة بالأثم أو لومة لائم ، ولم تغلب عليه العصبية الجاهلية والنفس الأمارة بالسوء والعادات المزرية التي خلفتها السنون والأحقاب ، على يد أعداء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأعداء آل بيت النبوةعليه‌السلام ، ومن هو اشد عداوة كآل أمية وآل مروان ، ومن أسند لهم ذلك الملك وهيأه لهم ، ومن سار على هداهم وهدى أئمة السوء والمنحرفين عن الصراط المستقيم والمنجرفين إلى هوة الضلال السحيقة.


علم التربية

يهتم علماء التربية اليوم في بانتخاب الافراد ، والأفراد يتمايزون بينهم في نواح ثلاث :

1 ـ الوارثة : وقد اعتقدوا وثبت علميا أن الصفات الخلقية والخلقية تنتقل للأبناء والأحفاد من الآباء والأمهات والاجداد والجدات بالتوارث ، كما تنتقل للأبناء والأحفاد أيضا الصفات المكتسبة ، ومما ينتقل الكثير من الأمراض التناسلية والأمراض الروحية والنفسية والاجتماعية وكثير من الطباع والأخلاق ، فترى على الأغلب في العوائل الواحدة أن الصفات الحميدة والفضائل والمحاسن أو عكسها المساوئ تنتقل إلى الأبناء مثلما تنتقل لهم التقاطيع والأشكال والملامح ، وكثيرا ما يعرف من ملامح الأبناء نسبهم إلى العائلة. وطالما عرف الأبناء لسلوكهم وسيمائهم بالنسبة لآبائهم القريبين أو البعيدين ، وكما تنتقل بعض المزايا الحسنة من حب الخير والبر والاحسان ، تنتقل مثلها السيئة كالشراسة والتعدي والإجحاف والمساوئ الأخرى ، وكما ترى في البعض انتقال العقول السليمة والأذواق الحميدة ترى مثلها في غيرهم انتقال الشذوذ والانحرافات الخلقية كالسفه والجنون.

لذا ترى في كثير من العائلات التي تبغي التزويج سواء لأولادهم أو لبناتهم أنهم يطلبون قرناء سالمين من الانحرافات الوراثية في آباء القرناء وأجدادهم ، وعلى


الغالب يبحثون عن السلامة ودرجة الأفراد من حيث المستوى الفكري وعدم وجود عاهة نفسية أو روحية أو عقلية في أفراد العائلة الخاطبة إذا كانت مخطوبة منها أو المخطوبة منها إذا كانت خاطبة ، حذار انتقال تلك العاهة إلى ابنائها.

2 ـ التربية : تشمل هذه التربية البيتية والتعاليم المدرسية من الأم والأب والأجداد والإخوة والأقارب الذين يعيشون معهم ، والتعليم عند المعلمين وآرائهم ودرجة تأثير هؤلاء المربين والمعلمين على هؤلاء الناشئة في سلوكهم البيتي والاجتماعي والصفات الأخلاقية والعادات الاجتماعية من الحسنات والسيئات المنتقلة للمتعلمين.

2 ـ المحيط : ويقصد به البيئة التي يقضي فيها هؤلاء الأطفال والصبيان والشباب بقية فراغهم عند مختلف الجماعات ، كالأصدقاء ومحلات النزهة واللعب والاستمتاع والمجالس والتجارة والاكتساب والجيران والأماكن التي يمرون فيها في الذهاب والإياب ، والذين يسرحون ويمرحون معهم وأصدقاء آبائهم وبقية العائلة.

ونستطيع أخيرا أن نعرف الأشخاص بعد مرورهم في هذه الأدوار ، من طرز سلوكهم وآرائهم وأعمالهم وبيعهم وشرائهم ودرجة ثقافتهم ونوعها ، وأعظم من ذلك نستطيع أن نقدر من نوع الوراثة والتربية والمحيط حياة الناشئة وسلوكها الأدبي والأخلاقي والاجتماعي.

فشتان بين من نشأ في أحضان النزاهة والفضيلة وكرم الاخلاق وتربى على يد أعظم مرب في البشرية وأسماهم خلقا وأرفعهم مثلا ، ذلك الصادق الأمين محمد 6 ومن أبوين موحدين(1) كريمين وبين غيره من الناس.

__________________

(1) أسناد إيمان أبي طالب وزوجته.


ذلك علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، الذي امتاز بإيمانه وأجداده ومكانته العائلية ومحيطه الجليل وتربيته الفذة على يد أرقى البشر وأصدقهم وأحكمهم وأرفعهم نفسا وأعظمهم خلقا ، مدينة العلم والحكمة الذي اختار له من أقرب الناس وأشجعهم واطوعهم وأحبهم له ناصرا ومعينا وأخا ووزيرا ووصيا وخليفة ، فجعله باب علمه وحكمته ، وجعل ذريته من ذريته وذرية صفيته الزكية الطاهرة ، بل جعله نفسه وأمين سره ، ودربه على شؤون الخلافة في حياته ، في الحل والترحال والحرب والسلام ، فكان القائد المبرز والمدير المحنك عند استخلافه في المدينة ، وسفيره في تلاوة سورة البراءة على أهل مكة ، وواليه على أهل اليمن ، وهاديهم ومعلمهم ، ومرشدهم الوحيد الذي كان مفخرة وعزا للمسلمين ، أينما وجهه فتح الله على يده.

ناصر الله ورسوله وحصن المسلمين ، وركن الإيمان وقاهر الجبابرة وقاتل الفجرة ومذل المشركين ، يعسوب الدين وقائد الغر المحجلين ، وحبيب الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي جعله جل شأنه نفس رسوله وطهره وزوجته ونبيه من الرجس ، وأنزل فيه الآيات البينات ، وكرم وجهه من الشرك وكل رذيلة وخسة ، وعصمه من أية زلة وخطيئة ، محطم الأصنام والذاب عن دينه ورسوله بالحسام. من مثله وقد نصبه علما منذ صباه ولما يبلغ الحلم؟ من مثله في وراثته من آبائه وأجداده؟ ومن مثله في تربيته وقيامه وقعوده وتعليمه منذ الطفولة والصبا مع رسول الله وخاتم النبيينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ والذي كان غوثه ومدركه وفاديه بنفسه ، فهو حبيبه ومدربه ، من مثله يافعا وشابا؟(1)

فهو أحكم الحكماء الذي نص عليه افلاطون ليتزعم جمهوريته ، إذ هو نخبة النخبة بين الأعوان والأنصار والأقرباء الأطهار وأبو السلالة الكرام الأبرار.

وهو في حكومة الطبيعة والفطرة البشرية والجسم الإنساني نفس رسول

__________________

(1) راجع الجزء الأول والثاني من موسوعتنا هذه.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من لحمه ودمه ونفسه وروحه ، وعلمه وحكمته وخصاله وصفاته ووارثه ووصيه ، بما نزل به من الوحي من الله ونطق به كتابه المؤيد في سوره وآياته وبما أبداه النبي الاكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه فقال : هو مني بمنزلة هارون من موسى ، وذريته ذريته ، وهو نفسه وأخوه ووصيه وحبيبه وعيبة علمه وأبو ذريته ، وهو الذي قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ستقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل(1) ، الذي قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، وخطب القوم مشيرا لصدره : هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (2) . وهو من حيث الوراثة والتربية والمحيط نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونفس منزلته.

نفس الآباء والمربين ، نفس الخلق والصفات والمكارم والأمجاد ، فقد امتدحه الله في كتابه وأشاد به وطهره من الرجس كرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعبر عنه في آية المباهلة بنفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعل له حق الولاية كرسول الله في آية الولاية وجعله مثله في غدير خم ، مولى كل مؤمن ومؤمنة ، من أحبه أحبه الله ورسوله ومن أبغضه أبغضه الله ورسوله ، ومن نصره نصره الله ورسوله ، وهو أحب خلق الله لله في حديث الطير ، وأخيرا هو صاحب المكرمات ، وأبو الفضائل ، من لا يجاريه بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد قط ، ومن يستطيع أن يملأ مكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويسد الثلم الذي أحدثه موتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ إلا هو وحده طبق حكم الحكماء ورأى العلماء ، والحقائق الصادقة والتجارب الناطقة ، ليس سواه.

فهل يجوز لمن نشأ على الشرك طفلا وصبيا ويافعا وشابا وكهلا ، وأتى ما أتاه القوم من المنكرات من الظلم والتعدي ووأد البنات ولعب القمار وشرب المسكرات وعبادة الأوثان ، وتخلق بأخلاق القوم واختلطت بلحمه ودمه وكل جوارحه

__________________

(1) راجع الجزء الأول والثاني من موسوعتنا هذه.

(2) من خطبة في نهج البلاغة.


وروحه ومازجت صفاته وأخلاقه ، وهو لا يزال يميل للقوم المشركين ، وكان يحتسيها حتى فتح مكة ويرثي قتلى بدر من المشركين ويقرب الصلاة سكرانا(1) ، وهو لا يأبه بأوامر الله وسنن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيرغم وصي رسول الله على بيعته ويجلبه حاسر الرأس حافي القدمين مهددا بالقتل ليبايعه قهرا وقسرا(2) ، وهو لا ينازعه خوف الفتنة ، ولا يخاصمه حذر الشقاق ، سوى قوله أنا عبد الله وأخو رسوله ، ليذكرهم بالحقائق عسى أن يرعووا.

ولكن هيهات وهم الذين يعرفون عصمة آل البيتعليهم‌السلام ، وقد جمعوا الحطب لحرق داره وفيها البتولة بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصديقة الطاهرةعليها‌السلام وريحانتا رسول الله الحسن والحسينعليهما‌السلام سيدا شباب أهل الجنة ، ولا يكتفون بذلك حتى يضغطوا الزهراء بين الحائط والباب ويسقطوا جنينها ويضربوها ، وبعدها يسلبون نحلتها فدكا على خلاف حدود الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (3) ، ويقصون عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكل هاشمي من أية ولاية ، ويأتون بأولاد الطلقاء والمشركين لولاية المسلمين.

من يقبل ذلك؟

هذا ثم يرجون أن يسلم جسم الأمة والدين ويسود الأمن والطمأنينة أركان الدولة! كيف يكون ذلك وقد اختل الجسم وأبدل المخ والمخيخ والقلب وأعظم أجهزة بدن أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما يخالف ويناقض ذلك العضو؟ لهذا نرى جسم الأمة

__________________

(1) اسناد شربهم للخمرة.

(2)

وقولة لعلي قالها عمر

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

لبئس هذه المفخرة لشاعر النيل حافظ ابراهيم.

(3) طالع هذا الجزء.


مضطربا تعمه الآلام وتسوده الأمراض ، منهك القوى ، مفكك العرى ، لم يقر له قرار ولم يذق طعم السعادة ، وكيف يكون ذلك وقد انتهجت الأمة غير النهج ، وسلكت غير السبيل الذي خطه لها رسولها الأكرم وقائدها الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال ابن أبي الحديد «إن علياعليه‌السلام كان أولى بالأمر وأحق لا على وجه النصرة بل على وجه الأفضلية ، فإنه أفضل البشر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأحق بالخلافة من جميع المسلمين»(1) .

كما أخرج الشيخ سليمان البلخي الحنفي في الباب الأربعين من ينابيع المودة عن مناقب الخوارزمي ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب الثاني من كفاية الطالب ، وكلاهما مسندان عن محمد بن منصور عن طريق الإمام أحمد بن حنبل «ما جاء لاحد من أصحاب رسول الله من الفضائل مثلما جاء لعلي بن أبي طالب».

__________________

(1) ص 46 من شرح نهج البلاغة


ـ اللائحة الأولى ـ

إن أبا بكر جلس مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان جلوسه يطابق الموازين الشرعية ، وإن له الأهلية للأسباب التالية :

1 ـ ان الأمة أجمعت على خلافة أبي بكر وبايعته ، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا تجمع أمتي على ضلال أو على خطأ».

2 ـ إن أبا بكر شيخ وعليعليه‌السلام رغم توفر الشروط فهو شاب.

3 ـ لا تجتمع النبوة والملك في أهل بيت واحد ، كما قاله الخليفة الثاني : عمر.

4 ـ إن عليا والهاشميين وجميع الصحابة بايعوا أبا بكر طوعا ، ولو كان غير محق ، فلماذا بايعوه؟



ـ اللائحة الثانية ـ

الجواب على الاعتراض :

أولا ـ الإجماع على خلافة أبي بكر :

هل صح الأجماع(1) ؟ وهل يصح مثل هذا الإجماع بعد النصوص الأكيدة على خلافة عليعليه‌السلام من الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

من انتخب عمر!

لماذا لم يترك أبو بكر ذلك لإجماع الأمة؟

من انتخب عثمان وكيف ساغ لعمر أن يعطي زمام الأمة إلى ستة أفراد؟

وما الذي سوغ له الأمر بقتل المخالفين؟(2)

__________________

(1) لم يحصل إجماع ، وأقر هذا الجميع. راجع تاريخ الطبري ج 2 ص 457 ، وصحاح مسلم ، والبخاري ، والفخر الرازي. وقد حاج الصحابة أبا بكر في ذلك فهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة الأسلمي وخالد ابن سعيد بن العاص الأموي أبو الهيثم وحذيفة بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وأبي بن كعب وسهل بن حنيف وأخوه عثمان. ونرى كل من أبى البيعة من المهاجرين والأنصار سموهم بالروافض لأنهم رفضوا بيعة أبي بكر وقالوا لا يحق له ذلك وإن الحق لعليعليه‌السلام . راجع تاريخ البلاذري وابن حجر العسقلاني.

(2) راجع الكتاب الرابع من موسوعتنا في عمر.


نبدأ بالسؤال الأول : هل صح الإجماع على انتخاب أبي بكر؟

نتساءل أولا كيف بدأ الانتخاب؟ وكيف وقع الاختيار على أبي بكر دون غيره؟ وهل حضرت الأمة بأجمها هذا الانتخاب وانتخبت؟ وهل كان صحابة رسول الله من المهاجرين والانصار والهاشميين حاضرين وانتخبوا أبا بكر؟

وكيف حضر أبو بكر وهو جندي محارب تحت إمرة شاب لم يبلغ العشرين من العمر ، هو أسامة بن زيد بن حارثة المرسل على رأس جيش المسلمين للحرب؟

ونتساءل أكثر لتوضيح الأمر ، فنقول :

ألم يجهز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جيش أسامة بنفسه وحثه على السير حثيثا قبل وصول خبره للإعداد؟

فلماذا تأخر الجيش حتى اضطر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ان للعن من تخلف عن جيش اسامة قائلا : «اللهم العن من تخلف عن جيش أسامة».

ومن كان يضم الجيش من المهاجرين والأنصار؟

ألم يضم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ، والنخبة الباقية من المهاجرين والأنصار؟ ولا بد لنا من الجواب وكيف تحمل المتخلفون هذا اللعن؟ وكيف تخلفوا رغم إصرار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأسراع في المسير؟ ما كانت غايتهم من هذا التأخير؟ أحقا ان تأخرهم قلقا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنه مريض؟ أم بسبب أن اميرهم شاب وهم يأنفون من هذه القيادة؟ وهل يسوغ لهم الاعتراض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ وقد جاء وخطبهم وبين لهم أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وهو بعد في حالة الصحة ، ومع ذلك تخلفوا ، وخلقوا الاعاذير حتى لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتخلفين كما مر ، فكيف يسوغ لمن لعنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل لعنه


الله ان يتقلد زمام امور المسلمين؟ بل وأعظم من ذلك ما اعترض عليه أسامة نفسه(1) يوم سمع أن أبا بكر نصبه عمر وأبو عبيدة خليفة ، بقوله «إنكم تحت إمرتي بأمر رسول الله ، فمن خول لكم الانفصال وأن تأتوا بمن هو تحت إمرتي بأمر رسول الله وتنصبون أميرا علي؟ أم من خول له ذلك؟».

لنترك ذلك ونعود لنرى كيف انتخب أبو بكر وقد كان خارج المدينة ، ثم وقد دخل المدينة وذهب مع بني هاشم والصحابة المشغولين بتغسيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتجهيزه مع عليعليه‌السلام ، فأين هو والحضور في السقيفة؟ وإذا اجبنا على ذلك بأن عمر الذي كان يعلم بموت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعلم بغياب أبي بكر ، وكان يتحدى كل من يقول مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويهدده بالقتل ويقول بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمت ، وأنه كموسى حينما ذهب إلى ربه وأنه سيعود ، هو الذي جاء إلى دار رسول الله ولغت نظر أبي بكر وحده دون غيره إلى أن الأنصار اجتمعوا لانتخاب أمير منهم ، وفي الطريق يستصحبون معهم أبا عبيدة الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ، أكان ذلك عفوا ، أم أمرا مدبرا؟

لقد ظهر من النتائج التي أعقبت ذلك في زمن أبي بكر وعمر أن الأمر كان مدبرا بين الأربعة تدبيرا أكيدا وبعيدا ، يوم قال عمر وهو يريد أن يحيك أمر الشورى : لو كان أحد الاثنين حاضرا لما أودعها للشورى ، يريد بذلك أبا عبيدة أو سالما مولى أبي حذيفة ، أولئك الذين اتفقوا على اغتصاب الخلافة ودبروا المكيدة وجاءوا بام الفتن وقلبوها ملوكية. هكذا توزع المكيدة والتدبير من قبلها وبعدها المناصب العالية لأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ، كما ظهر من التدابير المشتركة من أبي بكر وعمر وأتباعهم ، ومن النساء كأم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة ومن عاضدهن

__________________

(1) تاريخ الطبري : 2 / 456.


«إن عائشة ألقت ليلتها الفتنة بين الأوس والخزرج ، بقولها للأوس إن الخزرج يحيكون ويدبرون الأمر لانتخاب خليفة منهم ، وقالت للخزرج إن الأوس يريدون انتخاب خليفة منهم ، فألقت الغيرة والحسد والتنافس بينهم ، وصباحا يبادرون رغم مرض زعيم الخزرج إلى سقيفة بني ساعدة لانتخاب أمير ، وفي نفس الليلة تحرض بني هاشم لتجهيز وتغسيل وتكفين ودفن رسول الله ، وهي تدري أن الصحابة الموالين لآل بيت الرسالة سوف لا يفارقونهم ، وهكذا دبروا الأمر بليل فاغتنموا انشغال الهاشميين والصحابة الخصوصيين المعارضين لهم ، أشغلوهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوقعوا النزاع بين الأوس والخزرج ، وجاوا على تدبير مكيدة في وقت بلغ الحسد والحقد غايته بين الأنصار ، وأماط أبو بكر اللثام عن أول فتنة في الإسلام ، مشيدا بالمهاجرين ، وأنهم الأمراء والأنصار وانهم الوزراء ومد يده ليبايع أبا عبيدة أو عمر ، فبادر الاثنان لبيعته ، وأعقبهم قلة من الأوس حقدا على الخزرج وتلاهم بقية الأوس ، وخشية أن يحصل الأوس على الحطوة بادر قسم من الخزرج لمثل ذلك ، وكاد أن يقع الخصام بين الخزرج وعمر لولا مداخلة أبي بكر وسياسته ، ثم مبادرتهم للخروج بعد الاطمئنان على عملهم يستجلبون الآخرين ، كل من وجدوا في الطريق خمطوه ووضعوا يده بيد أبي بكر ليبايع معلنين أنه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان فارس ذلك كله عمر ، وبعدها إرسال الرسل لمن يعرفون ، تارة بالاستعطاف وأخرى بالتطميع وأخرى بالتخويف والتهديد ، كانوا وقد تناسوا آنذاك دين محمد ووصية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكتاب الله وما ورد يوم الغدير وغيره في عليعليه‌السلام لا يهمهم غير الملك ، وقد دل ما أحدثوه من القتل والسلب والنهب والسبي باسم الردة والشرك على ذلك ، وما كان يهمهم استعمال القوة والقسوة والظلم لكل من خالفهم أو حتى ظنوا أنه سيخالفهم ، وهكذا نرى الفتك بمالك ابن نويرة وقتله وأفراد عشيرته ونهبهم وسلبهم وسبيهم والتجاوز على إعراضهم ، هذا وقد ثبت لعمررضي‌الله‌عنه أنهم مسلمون ، وأن خالدا واتباعه قتلوا مسلمين وتجاوزوا على أعراضهم ، وأراد إقامة


الحد على خالد للقتل والزنا ، بينما نرى إبا بكر يعارضه ويبدل الحد بالرضى ، وأعظم من ذلك يعطي خالدا وساما ويلقبه بسيف الله ، دون أن يهتم باستنكار عمر صاحبه وبقية المسلمين وشهود القضية من أن خالدا قتل مسلما ونزا على زوجته ، وهذا ما دعا بعمر أن يقول في أبي بكر «إنه لج فيه شيطانه» وقد أثبتنا ذلك في هذا الكتاب في قضية مالك وشكايته.

وأعظم من ذلك إحاطة بيت فاطمة ، بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها : «إن فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله» ، وقال تعالى( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) (1) .(2)

فهم أغضبوها وأرهبوها وأمرضوها وأسقطوا جنينها ، حتى ماتت وهي غضبى عليهم ، نعم وسلبوا نحلتها «فدكا» ، وقد ثبت للجميع غصب فدك ولم يستطع أبو بكر إثبات ما تقوله على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» ، نعم لقد ثبتت وصحت دعواها ، كما ثبت تجاوز غاصبها ووضعه الحديث كاذبا وتزييفه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأشد من ذلك الغصب غصب الخلافة التي نص عليها الكتاب والسنة في عليعليه‌السلام ، ولعلي وحده وأولادهعليه‌السلام من بعده ، وبعدها ماذا؟ نعم بعدها جلب عليعليه‌السلام حاسر الرأس حافي القدمين قسرا إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله ، مهددين إياه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر.

__________________

(1) سورة ، الآية

(2) الرضوي : أخرج البخاري عن ابن مخرجة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبها. صحيح البخاري بحاشية السندي ، ط عيسى البابي الحلبي : 2 / 308 باب مناقب فاطمةعليها‌السلام


ونراه يلقي بنفسه على قبر رسول الله باكيا قائلا ما قاله هارون لموسى «يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني» ، وهم الذين بايعوه في غدير خم قبل شهرين وهنؤوه بالخلافة والامامة.

وهل انتهى هذا الأمر إلى هنا وحسب؟ لا أبدا لقد أرادوا قتله مرة أخرى يوم أوصى أبو بكر خالد بن الوليد أن يقتل عليا حينما يتشهد أبو بكر في صلاته ، بيد أن أبا بكر ندم وهو في الصلاة ، فتكلم قبل التشهد قائلا ثلاث مرات «لا يفعلن خالد ما أمرته به» ، ثم ينهى صلاته ، فأصحبت تلك سنة لجواز التكلم في الصلاة لأن خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعل ذلك.

انظر إلى المنكرات المتتالية ، والمخالفة لكل ما أمر به الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبعدها ماذا؟

إقصاء علي وآل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ولاية حتى شبر واحد وتولية ألد أعدائهم من الطلقاء ، ومن أولئك الذين وترهم عليعليه‌السلام في حربهم يوم كانوا مشركين ولا زالوا يبطنون الشرك والبغض لآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين ، ولم يكتفوا بهذا بل مهدوا لهم سبيل الملك والظلم ، ويقص التاريخ لنا ما جنوه على آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القتل والسبي والنهب ، وشيعتهم ومواليهم وصحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومدينته وكعبة المسلمين ، هكذا أسس أساس الظلم لآل بيت الرسالة وحرف الاسلام ودس فيه النفاق والشقاق والتفرقة والبغضاء والعداء ، حتى أصبح الاسلام على ما هو عليه اليوم.

لو تصفحنا الانتخابات في العالم حتى الزائفة منها لم نجد مثل ذلك الانتخاب في سقيفة بني ساعدة قط ، تم بيد ثلاثة أو أربعة والأمة الإسلامية بما فيهم من الصحابة المقربين وآل بيت الرسالةعليه‌السلام وجيش المسلمين على أبواب المدينة بما


يضمه من المهاجرين والانصار ، والجميع في غفلة عنه رغم قربهم منه.

وعمر هو الذي جاء دار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيه جميع بني هاشم ونخبة الصحبة مجتمعين ، فلم يخبر أحدا منهم ولم يخبر باقي أهل المدينة والجيش ، ثم بعدها التظاهر في الطرق والأسواق لجلب انتباه العامة وغيرهم بانتخاب خليفة بغية تأييدهم البيعة لأبي بكر ، وهل كانت المدينة سوى إحدى مدن الحجاز واليمن والجزيرة العربية والجميع في غفلة عن هذا.

انظر إلى هذا التحدي ، وكيف استنكر الجميع ذلك ، الجيش وأميره أسامة والزبير وطلحة وباقي الصحابة وبنو هاشم الذين كانوا قائمين على تجهيز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكيف استغرب أبو سفيان العائد بالأموال التي جلبها من مكة وحواليها ، وتحريضه بني هاشم للقيام والوثبة ضد الغاصبين ، ولم يسكت حتى أعطيت له تلك الأموال رشوة ووعود له بحصة في الملك ، أي انتخاب هذا الذي سيقت له الأمة بالخديعة والقهر والرشوة والمكر والفتك؟ وإن صح الاجماع وهم يطلبون رضاء الأمة ، فلماذا يعهد أبو بكر بالخلافة بعده لعمر وهو في مرض موته الذي بلغ به درجة الإغماء ودون أن يستشير أي فرد في ذلك ، هذا رغم معارضة صريحة من أقرب الصحابة ، كاعتراض طلحة يوم خاطب أبا بكر قائلا : ماذا تقول لربك إذا سألك الله وأنت تولي على أمة محمد فظا غليظا ، وأما الشورى ففيها الفضيحة والاعتداء المنكر والبؤرة المنشئة للفتن التي فتكت بأمة محمد والتي سنشرحها في محلها.

وقد أحلوا حرام الله وحرموا حلاله وجعلوها سنة ، كما عطلوا سنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحاديثه حتى نسيت بحجة أن عندنا القرآن! كلمة حق يراد بها باطل ، كأنهم أعلم من الله ورسوله بالنصوص والسنن.


كيف يتركون سنن الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تثبت وتسجل ، وهي تخالف أعمالهم وإمارتهم وتتناقض مع مسالكهم ، فلا بد من منعها حتى تنسى ، ويقضي الزمن على رواتها ومحديثها والحفاظ موتا ، وبعد ذلك تصبح الفرصة سانحة لتغيير وتبديل وتزييف ما يشاؤون ، وتهيئة الوسائل لأعداء آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولهذا أصبحت أعمالهم المنكرة منهجا وسننا كأنها من الله ومن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل صارت تنسب لهم الكرامات ، تلك التي تتبرأ منهم ، بل ابعد عنهم بعد السماء من الارض.

ثانيا ـ أبو بكر أكبر سنا :

أما الثانية التي أرادوا بها تبرئة موقفهم والتمويه على العامة فهي قولهم إن أبا بكر أكبر سنا. وكجواب مقعن وقاطع أقول : فلماذا أمر عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اسامة بن زيد بن حارثه الذي كان آنذاك أصغر من عليعليه‌السلام ولما يبلغ العشرين؟ ولماذا لم نجده ولا مرة واحدة يؤمر على جيش (سوى في خيبر وعاد مدحورا وفارا) ، ولم يسند له أمر مهم كإلقاء سورة البراءة على أهل مكة إلا وعاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسترد منه ذلك قبل إنجازه ، ليعرف الجميع أنه غير صالح لأمثال ذلك ، ولم نجده يعطى سلطة وإدارة ، بينما يترك عليعليه‌السلام محل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة ويقول له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينبغي أن نتركها إلا وأنا أو أنت فيها ، وذلك في غزوة تبوك التي أمر فيها علياعليه‌السلام على المدينة وجعله خليفة عنه ، لأن المنافقين أرادوا القيام قائلا : «أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي».

ولا ننسى إرسال عليعليه‌السلام إلى اليمن ، ونصبه وصيا وخليفة يوم الدار ، ويوم غدير خم ، فهل نجد مثل ذلك لأبي بكر وغيره.

وإذا كان السن هو المناط فإن أبا قحافة هو أكبر سنا من ابنه ، بل هناك الكثير


من المسلمين ومن الصحابة بل ومن الصحابة المقربين من هو أكبر سنا من أبي بكر سيأتي ذكرهم فيما يلي ، هذا إذا قلت إن العلم والحنكة والسابقة والحسب والتقوى والشجاعة والنصيحة والخلق السامي والبر والاحسان كلها لا تساوي السن!!.

فقد بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعمر أبي بكر 38 سنة وأسلم أبو بكر وعمره 45 سنة في حين إن علياعليه‌السلام منذ البعثة وهو صبي آمن وصلى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبع سنين قبل أن يسلم أبو بكر ، بل نصبه الله ورسوله خليفة ووصيا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منذ يوم الدار ، ومدة إسلام أبي بكر على هذا ثمانية عشر سنة لم تذكر له خلالها كرامة غير السن ليحتج بها ، ولو كانت لتمسك بها شيعته وأعوانه وأعداء آل البيت ، حتى لم يذكر أنه أبدى شجاعة وتضحية في إحدى الحروب ، لذاترى البعض يحتجون بهذه المنقصة فيجعلونها له فضيلة : بأن عليا وتر أكثر القوم بينما أبو بكر لم يتر أحدا لذا رضيه القوم ، فانظر إلى هذا المنطق المعوج وهل إن علياعليه‌السلام وتر القوم أو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر الله؟ وإنما عليعليه‌السلام هو المصدع بالأمر ، ونكرر أن أبا بكر مرت عليه 45 سنة وهو مشرك يسرح فيما يتخبط فيه غيره من مشركي قريش ، ورغم أنه أسلم بعد هذا فقد كانت تكتنفه عادات الجاهلية الظاهرية والباطنية ، فنراه يحضر نوادي الخمرة والقمار ، ورغم أن القرآن قد صرح بأن الخمرة إثم كان يشربها أبو بكر وعمر ويسكران حتى نزلت الآية الثانية ومنعت الصلاة في حالة السكر حتى يعلموا ما يقولون ، وكان أبو بكر وعمر يحضران نادي الشرب ، هم وجماعة مر ذكرهم ويعاقرونها ، وفي الآية الأخيرة التي حرم بها الخمرة كانوا قد شربوها وسكروا حتى دخل عليهم الصحابي ونهاهم وقال إنها حرمت فأجاب عمر : انتهينا انتهينا ، وإن أبو بكر هو الذي أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما شربها ورثى قتلى قريش في معركة بدر حتى غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ويوم قال عمر انتهينا انتهينا كان بعد فتح مكة ، ومنه يظهر أن القوم استمروا على شربها ، ولم يتركها عمر ، واستعمل النبيذ حتى زمن


خلافته وكان مدمنا ، ورغم أنه كان يقيم الحد على الغير فهو كان يجيزها لنفسه باعتبارها لا تسكره لانه معتاد ، واحيانا كان يخففها بالماء ، فانظر التناقض في أعمالهم من إقامة الحد على الغير واستباحتها لأنفسهم ، وترى التظاهر وحب الذات يبلغ أقصاه حينما يجدد الحدعلى ابنه عبد الرحمن ، وقد شهد عمرو بن العاص واليه أنه أقام الحد عليه ، فيطلب إرساله على قتب من مصر إلى المدينة وهو مريض فجدد الحد عليه فمات.(1) أما سن ابى بكر عند وفاته فقد كان 63 سنة وكان أبوه حيا ، وإذا كنا نفضل الفرد حسب السن فأبوه أحق بالخلافة ، وهناك جماعة كبيرة من المسلمين هم أكبر من أبي بكر سنا وأشرف حسبا ، منهم اماناة بن قيس الكندي من شيبان ، وقيل إنه عاش ثلثمائه وعشرين سنة ، وأمد بن أبد الحضرمي (كما جاء في ج 1 ص 62 للإصابة) ، وأنس بن مدرك ، وأبو سفيان الخثعمي ، (ج 1 ص 72 للإصابة) وجعد ابن قيس المرادي ، (ح 1 ص 235 للاصابة) وحسان بن ثابت (ص 326 منه) ، وحكيم بن حزام الأسدي ابن أخ خديجة الكبرى زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، (ص 345 منه) وحنيفة بن جبير بن بكر التميمي (359 منه) وحويطب ابن عبد العزى المعامري (ص 364 منه) وجيدة بن معاوية العامري ، (ص 365 منه) وخنابة بن كعب العيسي ، (ص 463 ، منه) وخويلد بن مرة الهذلي ، (ص 465 منه) وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، (ص 506 منه) وسعيد بن يربوع القرشي المخزومي ، (ج 2 ص 52 منه) وسلمة السلمي وأبو عبد الله سلمان الفارسي ، (ج 2 ص 62 منه) وأبو سفيان الأموي ، (ج 2 ص 179 منه) وحرمة ابن أنس أبو قيس الأوسي ، (ص 183 منه) وحرمة بن مالك الأنصاري ، (ص 183 منه) وطارق بن المرقع الكناني ، (ص 221 منه) والطفيل بن زيد الحارثي ، (ص 224 منه) وعاصم بن عدي العجلاني ، ص 46 منه) والعباس بن عبد المطلب عم

__________________

(1) راجع شكاية عبد الرحمن من موسوعتنا «كتاب عمر».


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، (ص 271 منه) وعبد الله بن الحارث بن أمية ، (ص 291 منه) وعدي بن حاتم الطائي ، (ص 468 منه) وعدي بن وداع الدوسي ، (ص 472 منه) وعمر بن المسبح ، (ح 3 ص 16 منه) وفضالة بن زيد العدواني ، (ص 214 منه) وقباث بن شيم ، (ص 221 منه) وقردة بن نفاثة السلولي ، (ص 231 منه) ولبيد بن ربيعة بن عامر الكلابي الجعفري ، (ص 326 منه) واللجاج الغطفاني ، (ص 328 منه) والمستوغر بن ربيع بن كعب ، (ص 492 منه) ومعاوية بن نور البطاني (، ج 1 ص 156 منه) ومنقذ ابن عمر الأنصاري ، (أسد الغابة) والنابغة الجعدي ، (ح 3 ص 538 للاصابة) ونوفل ابن الحرث بن عبد المطلب ابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيرهم.

كما تجد تراجمهم في المعارف لابن قتيبة ، ومعجم سفراء المرزباني ، واستيعاب أبي عمر ، وأسد الغابة لابن الأثير ، وتاريخ ابن كثير ، وإصابة ابن حجر ، ومرآة الجنان لليافعي ، والشذرات الذهبية لابن العمار الحنبلي.

فهل ترى بعد هذا فضلا لسن أبي بكر حتى يتسنم الخلافة ويحتج هو وغيره بالأفضلية لأنه أسن.

ثالثا ـ كلمة عمر

أما كلمة عمر بأن النبوة والملك لا يجتمعان ، في أهل بيت واحد ، فما كانت إلا حسدا وحقدا ، فمن أين جاء بها وقد قال الله تعالى( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) (1) ، فإنك تجد بموجب هذه الآية أن استدلال عمر باطل وأنه كان حسدا ومكرا.

أليست الخلافة جزءا متصلا بالنبوة ومن مستلزماتها منطقا ، وكيف أجمعت

__________________

(1) النساء ، 57.


عليه الأمة بعد عثمان ، أم كيف ناقض عمر قوله وأدخل عليا في الشورى ، وما قولهم في حديث الثقلين ، وغدير خم وآية الولاية والآيات الحجة الأخر ، والأحاديث النبوية الحجة المسندة وكحديث سفينة نوح وحديث المنزلة وغيرها.

الفاروق علي

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، إنه أول من يراني وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو معي في السماء العليا وهو الفاروق بين الحق والباطل».

رواه البلخي الحنفي باب 16 في ينابيع المودة ، وأبي جعفر أحمد بن عبد الله الشافعي إمام الحرم الشريف عن الفردوس الديلمي ، والهمداني الشافعي في المودة السادسة من مودة القربى ، والحافظ في الأمالي ، والكنجي في الباب 44 من كفاية الطالب في ثلاث أحاديث متشابهة المعنى ، مع اختلاف اللفظ عن أبي عباس وأبي ليلى الغفاري وأبي ذر الغفاري.

الفاروق والصديق الأكبر

وأشار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام قائلا : «هذا أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل».

أخرجه محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ، والطبري في الكبير ، والبيهقي في السنن ، ونور الدين المالكي في الفصول المهمة ، والحاكم في المستدرك ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن عساكر في تاريخه ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والطبراني في الأوسط ، ومحب الدين الطبري في الرياض ، والحمويني في الفرائد ، والسيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس وسليمان وأبي ذر وحذيفة.


يعسوب المؤمنين :

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليعليه‌السلام إنه : «يعسوب المؤمنين ، وهو بابي التى أوتى منه ، وخليفتي من بعدي».

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي ، فإن جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم من الله عز وجل»

أخرجه الحافظ أبو نعيم في ج 1 ص 63 في الحلية بإسناده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

طاعة علي طاعة الله :

وحدث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمار قائلا : «يا عمار إن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس ، يا عمار علي لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى ، يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله».

أخرجه الحافظ أبو نعيم في الحلية ، وأبو طلحة في مطالب السؤول ، والبلاذري في تاريخه ، والبلخي الحنفي في ينابيع المودة باب 43 ، والجمويتي ، ومير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الخامسة من مودة القربى ، والديلمي في الفردوس نقلا عن أبي أيوب الأنصاري حينما اعترض عليه لماذا تركت أبا بكر وأخذت جانب عليعليه‌السلام .

امتناع أجل الصحابة عن البيعة

ونعود لنورد أن عليا الذي بايعه بالولاية في غدير خم جمع غفير من أجل


الصحابة مثل الزبير ، وطلحة ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وعمار بن ياسر ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وبريدة الأسلمي ، وأبي بن كعب ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وأبو الهيثم ابن التيهان ، وسهل بن حنيف ، وعثمان بن حنيف ذي الشهادتين ، وأبي ايوب الأنصاري ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وحذيفة بن اليمان ، وسعد بن عبادة ، وقيس بن سعد ، وعبد الله بن عباس ، وزيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ، هؤلاء وطائفة من الخزرج سموا بالروافض لرفضهم بيعة أبي بكر ، ذكرهم ابن حجر العسقلاني ، والبلاذري في تاريخه ، ومحمد خاوند شاه في روضة الصفا ، وابن عبد البر في الاستيعاب وغيرهم.

كما امتنع عليعليه‌السلام وبنو هاشم عن البيعة وأجبروهم عليها وهددوهم بالقتل ، وقد ثبت ان بيعة عليعليه‌السلام رغم تهديده جرت بعد وفاة الصديقة الطاهرة بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما ذكر ذلك البخاري ج 3 ص 37 في صحيحه في باب غزوة خيبر ، ومسلم بن حجاج ج 5 ص 154 من صحيحه أيضا في باب قول النبي لا نورث ، كما نقل عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري ص 14 : البعض قال في وفاة فاطمةعليها‌السلام إنها ماتت بعد 75 يوما من وفاة أبيها ، ومنهم ابن قتيبة ، والأغلب قالوا إنها توفيت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها حيث بايع عليعليه‌السلام وبنو هاشم ، وقال المسعودي في مروج الذهب ج 1 ص 414 : «ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة» ، ومن روى بيعة عليعليه‌السلام بعد ستة أشهر من الثقات ابراهيم بن معد الثقفي ، كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، كما نقل بن أبي الحديد في ج 2 ص 18 لشرح النهج عن الزهري عن عائشة : «فلم يبايعه على ستة أشهر ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه عليعليه‌السلام » : وأيد ذلك أحمد بن أعثم الكوفي الشافعي في الفتوح ، والحميدي في الجمع بين الصحيحين عن نافع عن الزهري.

ولم يبايع عليعليه‌السلام الا قسرا أو بعد أن هددوه مرارا ، ومنها هجومهم على داره


وفي الدار فاطمة والحسن والحسينعليه‌السلام والزبير وجمع من الصحابة ، وقد أمر أبو بكر عمر وخالد بن الوليد وجماعة بجلبهم للبيعة ، فجمع عمر الحطب على باب الدار وهددهم بالحرق ، ومنهم من قال انه اشعل النار ، وثبت أنه ضغط الزهراءعليها‌السلام بين الحائط والباب حتى أسقطت محسنا.

فأما الذين رووا الأولى وهو جمع الحطب وتهديدهم بالحرق وأخذ عليعليه‌السلام حاسر الرأس حافي القدمين هو ومن معه إلى أبي بكر ، فهم :

البلاذري أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي المتوفى سنة 279 هجري في تاريخه ، وعز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي ، ومحمد بن جرير الطبري ، وابن خزابة في الغرر عن زيد ابن أسلم ، وابن عبد ربه ج 3 ص 63 في العقد الفريد ، وأيضا ابن أبي الحديد المعتزلي ج 1 ص 134 في شرح نهج البلاغة طبع مصر من كتاب السقيفة 2 للجوهري حول سقيفة بني ساعدة ، وقد شرحها شرحا مسهبا وفيها محاجة عليعليه‌السلام وفاطمةعليها‌السلام حول أحقيتهما بالأمر ومطالبتهما لمبايعة عليعليه‌السلام ، وأن عليا رغم التهديد لم يبايع وعاد ولازم الدار ، كما أخرج ذلك محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن عمر الباهلي الدينوري ص 13 ج 1 في تاريخ الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية المعروف بالإمامة والسياسة طبع مصر ، وقد أسهب في بحثه ، ومما قال :

«إن أبا بكر فقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا ، بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إن فيها فاطمة ،

فقال : وإن ، فخرجوا فبايعوا إلا عليا الخ».

وقيل : إن فاطمة خرجت وصرخت «يا أبة يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من


ابن الخطاب وابن أبي قحافة» وهي باكية ، وعندما سمع القوم صوتها وبكاءها عادوا سوى عمر ومعه جماعة ، وأخذوا عليا قهرا إلى أبي بكر ، وطلبوا منه البيعة

فقال : وإن لم أبايع ، فقالوا : إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، وكل ذلك بمرأى ومسمع من أبي بكر وهو ساكت ، حتى خاطبه عمر وقال :

ألسنا عملنا ذلك بأمرك ، فأجاب : مادامت فاطمة في الوجود فإني لا أكرهه ، فعاد عليعليه‌السلام إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باكيا ، وألقى بنفسه على القبر وقال : «يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني» ، وكانت فاطمة تدعو عليهما في كل صلاة حتى ماتت وهي غضبى عليهما وما أشبه ذلك اليوم بهذه الأيام حينما تجتمع جماعة من الانتهازيين لسلب حرية دولة وأخذ زمام الأمور بيدهم ، فيرغمون الناس بعد التسلط على الحكم على الخضوع ويقتلون ويفتكون بالشبهة والظن!

أخرج ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وهو ثقه ، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 2 ص 19 طبع مصر ، وخلاصة قولهم تأييد ما مر ، وأن اجتماع الصحابة في دار عليعليه‌السلام كان احتجاجا على أبي بكر وعمر لأن البيعة كانت بدون مشورة الصحابة ، وأخرجه الجوهري عن سلمة بن عبد الرحمن ، وروى ذلك أبو وليد محب الدين محمد بن محمد بن الشحنة الحنفي في كتابه «روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر» في شرح السقيفة ، وأخرجه الطبري ص 443 في تاريخه ، والمؤرخ المعروف ابن شحنة ص 112 ح 11 في حاشية الكامل لابن الأثير حول قصة السقيفة.

عمر يهجم على دار فاطمةعليها‌السلام ويضرم فيه النار ويسبب إجهاضهاعليها‌السلام

أورد جماعة من أجل العلماء المعترف بهم من السنة والشيعة ، كأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي صاحب مروج الذهب في كتابه إثبات الوصية قوله :


«فهجموا عليه وأحرقوا بابه واستخرجوا منه عليا كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى اسقطت محسنا» ، كما أخرج ابن أبي الحديد ذلك في نهج البلاغة ص 351 ج 3 «عندما نقلت لأستاذي أبي جعفر النقيب شيخ المعتزلة عندما أخبروا رسول الله أن هبار ابن أسود حمل على هودج زينب بنت رسول الله وأن زينبا أسقطت جنينها خوفا أهدر رسول الله دمه ، لهذا قال أبو جعفر «لو كان رسول الله حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها» ، وكانت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوجة ابن خالتها أبي العاص بن ربيع بن عبد العزى ، حيث أسر في معركة بدر وافتدته ومما افتدته به قلادتها وطلب منه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن سمح له بالعودة أن يرسل زينبا إليه لأنها لا تحل له ، فأرسلها مع زيد بن حارثة الذي عينه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتصدى لها أبو سفيان وجماعة معه وهجم علها هبار وروعها برمحه حتى أسقطت.

فإذا كان تأثر رسول الله من أجل زينب بهذه الدرجة ، فماذا كان يعمل من أجل حبيبته سيدة النساء فاطمةعليها‌السلام التي قالها عنها

«انها بضعة مني من أحبها فقد أحبني ومن أبغضها فقد أبغضني».

ونقل صلاح الدين جليل بن أبيك الصفدي في الوافي بالوفيات ضمن حرف الالف كلمات وعقائد إبراهيم بن سيار بن هاني البصري المعروف بالنظام المعتزلي ، إلى أن قال النظام : «إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها».

وهكذا تجد مما أخرجه البلاذري والطبري وابن خزابه وابن عبد ربه والجوهري والمسعودي والنظام وابن أبي الحديد وابن قتيبة وابن شحنة والحافظ إبراهيم وغيرهم ، أن عليا وبني هاشم وأخص الصحابة إنما بايعوا بعد التهديد وبعد إجبارهم قسرا ، وأن أبا بكر وعمر بالغا في الظلم والقسر لأخذ البيعة.


ولقد حاول البعض تبرئة الصحابة المخالفين لحدود الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأوردوا خبرا وأسندوه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وقد رأينا مخالفة سعد بن عبادة وجماعة الخزرج لأبي بكر وعمر ، وكذا عليعليه‌السلام والهاشميي وجماعة من الصحابة ، ولا ننسى بيعة طلحة والزبير لعليعليه‌السلام ثم نكثهم البيعة ومحاربتهم إياه في حرب الجمل ، وقتلهم الألوف بل عشرات الألوف ظلما وعدوانا ولا ننسى قيام معاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة بن شعبة ضد عليعليه‌السلام وإشعال حرب صفين وغيرها ، ولا ننسى فتك معاوية بن أبي سفيان بصحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتلهم ، أمعاوية من النجوم؟ أهؤلاء كلهم نجوم فمن هو الباغي ، وبمن نقتدي؟ وهل يجوز لنا إلا الانضمام إلى جهة ولدة قبال الأخرى ، كما جاء في الآية الشريفة «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفي إلى أمر الله ...»(1) ، إذن لا يجوز أن نقول إن الفريقين الظالم والمظلوم والقاتل والمقتول على حق ، هذا ما نجده في الآية ، وهذا ما يحكم به العقل ، وخلاف ذلك ما لا يقبله من أعطي سمة من المنطق السليم.

ثم نعود إلى من روى هذا الحديث ، فنرى القاضي عياض ج 2 ص 91 في شرح الشفاء قد نقل هذا الحديث عن الدارقطني في الفضائل وعن عبد البر عن طريقه وقال :

إنه لا عبرة بإسناده ، كما نقل عن عبد الحميد في مسنده عن عبد الله بن عمران البزاز ينكر هذا الحديث. وقال البيهقي :

رغم شهرة الخبر فإن أسناده ضعيفة ، إذ إن في إسناده الحارث بن غضين هو

__________________

(1) سورة الحجرات ، الآية 9.


مجهول الحال ، وحمزة ابن أبي حمزة النصيري كذاب ، كما قال ابن حزم : إنه حديث موضوع وباطل وكذب.

نعم إننا نقبل الحديث من الصحابة المتقين الذين ساروا طبق حدود الله وسنن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا نقبل الصحابة على علاتهم ، حيث نشاهد المنكرات والموبقات من كثير فنهم فكيف نجعلهم قدوة لنا دون رعاية أعمالهم؟

فشرب الخمرة والموبقات مما لا يقبله العقل السليم!

الأترى أن جماعة من الصحابة رغم نزول الآيات في تحريم الخمر شربوها في نواديهم ، راجع ص 30 ج 10 من فتح الباري لابن حجر حيث روى أن أبا طلحة زيد بن سهل أحدث ناديا للشرب في داره ، ودعا عشرة من الصحابة لمجلسه هذا ، وعاقرها الجميع وشربوها ، ورثى أبو بكر مشركي قريش المقتولين في معركة بدر ، وكان يضم المجلس : أبا بكر بن أبي قحافة ، عمر بن الخطاب ، أبا عبيدة الجراح ، أبي بن كعب ، سهل بن بيضاء ، أبا أيوب الأنصاري ، أبا طلحة وهو صاحب الدعوة وصاحب الدار ، أبا دجانة سماك ابن خرشة ، أبا بكر بن شغوب ، أنس بن مالك وكان الساقي وعمره 18 سنة.

أخرجه البيهقي ص 29 ج 8 في سننه عن أنس نفسه ، أنه قال : أني كنت أصغر الجميع سنا وكنت الساقي ، ونقل الخبر هذا أهم رجال الصحاح وهم.

1 ـ محمد بن إسماعيل البخاري في تفسيره آية الخمر في سورة المائدة في صحيحه.

2 ـ مسلم بن حجاج في كتاب الأشربة باب تحريم الخمر في صحيحه.

3 ـ الإمام أحمد بن حنبل ص 181 ـ 227 ج 3 في مسنده.

4 ـ ابن كثير ص 93 و 94 ح 2 في تفسيره.


5 ـ جلال الدين السيوطي ص 321 ج 2 في الدر المنثور.

6 ـ الطبري ص 24 ح 7 في تفسيره.

7 ـ ابن حجر العسقلاني في الإصابة ص 22 ج 4 ، وص 30 ج 10 فتح الباري.

8 ـ بدر الدين الحنفي ح 10 ص 84 ، عمدة القاري.

9 ـ البيهقي في سننه ص 286 و 290.

10 ـ روى البزار ، وابن حجر وابن مردويه أن أبا بكر شرب الخمر ورثى قتلى بدر ، فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأراد ضربه بما في يده ، فقال : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله وأقسم أن لا يشربها ، وعندها نزلت آخر آية للتحريم الآية 91 من سورة المائدة :( يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) ، ولقد ثبت أن أبا بكر وعمر نقضا البيعة والعهد الذي أخذه عليهم الله رسوله كرارا ، خالفوا الآبات الواردة ، مثل قوله تعالى( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) (1) ، وقوله تعالى :( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) (2) .

نقض العهد وتولية الدبر

وتنص هذه الآية أن نقض العهد من كبائر الذنوب ، خصوصا إذا حدث ذلك من صحابي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلأنكى من ذلك نقض تلك البيعة التي تجاوزت حقوق الفرد وتعلقت بحقوق المجتمع العام بل وجميع المجتمعات البشرية ، ذلك النقض

__________________

(1) سورة النحل ، 91.

(2) سورة الرعد ، الآية 25.


للعهد العظيم الذي أخذ منهم في غدير خم ، وقد مر تفصيله في الجزء الأول من الموسوعة ، إذ بايعوا عليا وهنؤوه ، وأشهد عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشهد على عمر جبرئيل حين قال له : لا ينقضها إلا منافق(1) وستري.

ومثلها ما عاهدوا عليه الله أن يجاهدوا الكفار ولا يولون الادبار ، وكل منهم ولى دبره في خيبر وأحد وحنين ، وكانوا يتوقون الدخول في المعركة ، أخص منهم أبا بكر وعمر ، فقد اتخذ أبو بكر من سنه وأمور أخرى عذرا للدخول في عريش رسول

__________________

(1) الرضوي : قال سيدنا السيد رضا الصدر (طاب ثراه) تحت عنوان : حديث جبرئيل مع عمر بن الخطاب.

قال عمر بن الخطاب : نصب رسول الله عليا فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره. اللهم أنت شهيدي عليهم.

وكان في جنبي شاب حسن الوجه ، طيب الريح فقال لي :

يا عمر لقد عقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عقدا لا يحله إلا منافق فاحذر أن تحله.

فأخبرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك وقلت :

إنك قلت حيث قلت في علي كان في جنبي شاب حسن الوجه ، طيب الريح قال : لي كذا وكذا.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليس من ولد آدم لكنه جبرئيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته.

يوم الإنسانية الطبعة الثانية عام 1419 إصرار مكتبة النجاح ـ طهران ، عن مودة القربى ، للسيد الهمداني ، المودة الخامسة الواردة في ينابيع المودة ص 249 ، ط استانبول.

ثم قال سيدنا الصدر : ومما يلفت النظر في مكاشفة ابن الخطاب وحديث جبرئيل معه بإخبار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول جبرئيل له : من أحل هذا العقد فهو منافق.

فبذلك يمكن معرفة كثير من المنافقين ممن لقب بالصحابي بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ثم إن مخاطبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمر بضمير الجمع بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يؤكد عليكم» ، يفيد : أن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عارفا بأن المقصود بخطاب جبرئيل ليس رجلا واحدا بل هناك عدة يرون مخالفة النص ويدخلون في المؤامرة

لماذا وقعت هذه المكاشفة لعمر دون غيره ممن يشترك معه في المؤامرة؟

ويمكن الجواب عن هذا السؤال : بأن ابن الخطاب هو الذي شيد أركان الخلافة لنفسه ولمن سبقه. ولمن خلفه بعده فهو الحلقة الرئيسية في خلافة الخلفاء الثلاثة ومن بعدهم


الله (راجع عيون الأثر ح 1 ص 258) تخلصا من القتال في بدر ناسيا أن مقام الرسالة لا يساويه مقام آخر ، وأن بقاء رسول الله إنما هو إحياء الإسلام ، ولا أثر في قتله أو قتل صحابي آخر غيره ، ونسيا حين انهزما في خيبر وأحد وحنين ما أنزل الله من آياته البينات ، ومنها :( ومن يولهم يومئذ دبره ، إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) (1) .

ولم يذكر لنا التاريخ أي تضحية بذلوها في أي حرب ، أو رأي صائب قدموه ، كما أشار الصحابي سلمان الفارسيرحمهم‌الله في حرب الخندق بحفر الخندق ، وقد برهن عمر رغم عدم مساعدته في الرأي والعمل انه كان في كثير من الأحيان يثير غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لشكوكه المتوالية ، ومنها اعتراضه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلح الحديبية ، وكان مبعث ذلك الاعتراض إنما هي شكوكه في النبوة كما جاهر بها ، وكما اعترض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله : إنك وعدتنا بفتح مكة ولم تفتحها ، فأجابه : هل عينت وقتا ، فقال : لا ، فقال : له سوف نفتحها.

ونسى عمر وصاحبه أبو بكر أن أفعال وأقوال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما هي من وحي الله وأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال شيئا إلا وصدق بقوله كما قال تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) (2) .

وقد صرح المفسرون أن المقصود من الصادقين إنما هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليعليه‌السلام ، ومن المفسرين والحفاظ من قال : إنما الصادقون هم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي والأئمة من عترتهمعليهم‌السلام ، ومنهم الخطيب الخوارزمي في المناقب ، والشيخ سليمان البلخي الحنفي في الباب 39 في ينابيع المودة ، والحمويني ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب 62 من كفاية الطالب ، كما نقل الجميع من تاريخ محدث الشام.

__________________

(1) الانفال : 16.

(2) سورة التوبة ، الآية 119.


ونعود لإثبات نقضهم لحديث الغدير بالنصوص المسندة بالإضافة إلى ما مر ، فالذي اتفق عليه الشيعة والسنة إن يوم الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة حين العودة من مكة في غدير خم ، حيث دعا رسول الله المتقدمين والمتأخرين وأوقف الباقين ، فكان الجميع عددا بين 100 ـ 200 الف نفر كما رواه الإمام الثعلبي في تفسيره ، والسبط ابن الجوزي في التذكره وغيرهم ، وعند اجتماعهم صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أقتاب الإبل وخطب خطبة طويلة وأسهب فيها في مدح علي ، وسرد كثيرا من الآيات الواردة فيه ، معرفا إياهم مقامه السامي عند الله ، ثم قال : معاشر الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ـ الآية الكريمة( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) (1) ـ ، فأجابوا : بلى ، فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، وعندها رفع يديه ودعا : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، ثم أمر أن تنصب لعلي خيمة ، وأمر علياعليه‌السلام أن يجلس فيها وأمر الجميع أن يدخلوا عليه ويبايعوه بالخلافة وبالإمامة وبالإمارة ، وأخبرهم بأنه مأمور من الله أن يأخذ البيعة لعليعليه‌السلام ، وأول من بايعه ذلك اليوم عمر وأبو بكر ثم عثمان ثم طلحة ثم الزبير ، وظلوا مستمرين في البيعة ثلاثة أيام متوالية رجالا ونساء حتى زوجات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد أخرج وأثبت ذلك أجل علماء العامة من السنة والجماعة والشيعة ، ونذكر أدناه أسماء بعضهم :

1 ـ الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن علي النسائي في الخصائص العلوية والسنن.

2 ـ شهاب الدين أحمد بن حجر المكي في الصواعق المحرقة ، وكتاب المنح الملكية ، وبالأخص ص 25 الباب الأول من الصواعق ، وقد قال إنه حديث صحيح لا مرية فيه ، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، وطرقه كثيرة جدا.

__________________

(1) سورة الاحزاب ، الآية 6.


3 ـ الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري في المستدرك.

4 ـ محمد بن يزيد الحافظ ابن ماجه القزويني في السنن.

5 ـ الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب.

6 ـ الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان.

7 ـ النيسابوري في أسباب النزول.

8 ـ محمد بن جرير الطبري في التفسير الكبير.

9 ـ أبو نعيم فيما نزل من القرآن في عليعليه‌السلام وفي حلية الأولياء.

10 ـ محمد بن إسماعيل البخاري ص 375 ح 1 في أول تاريخه.

11 ـ مسلم بن حجاج النيسابوري ص 325 ج 2 في صحيحه.

12 ـ أبو داود السجستاني.

13 ـ محمد بن عيسى الترمذي في السنن.

14 ـ ابن عقده في كتاب الولاية.

15 ـ ابن كثير في تاريخه.

16 ـ الإمام أحمد بن حنبل ص 281 و 371 ح 4 من مسنده.

17 ـ أبو حامد محمد بن محمد حجة الإسلام الغزالي في سر العالمين.

18 ـ ابن عبد البر في الاستيعاب.

19 ـ ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول.

20 ـ ابن المغازلي في المناقب.

21 ـ الصباغ في الفصول المهمة ص 24.

22 ـ حسين بن مسعود البغوي في مصابيح السنة.

23 ـ خطيب خوارزم في المناقب.

24 ـ مجد الدين ابن الأثير في جامع الأصول.


25 ـ البلخي الحنفي في ينابيع المودة باب 4.

26 ـ الطبراني في الأوسط.

27 ـ الجزري ابن الأثير في أسد الغابة.

28 ـ سبط ابن الجوزي ص 17 في التذكرة.

29 ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد.

30 ـ العلامة السمهوري في جواهر العقدين.

31 ـ ابن تيمية في منهاج السنة.

32 ـ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وتهذيب التهذيب.

33 ـ جار الله الزمخشري في ربيع الأبرار.

34 ـ السجستاني في كتاب الدراية.

35 ـ الحسكاني في دعاة الهدى.

36 ـ رز ين بن معاوية العبدري في الجمع بين الصحاح الستة.

37 ـ الإمام الفخر الرازي في كتاب الأربعين ، وقد قال : أجمعت الأمة على هذا الحديث.

38 ـ القبايي في الأحاديث المتواترة.

39 ـ السيوطي في تاريخ الخلفاء.

40 ـ الهمداني في مودة القربى.

41 ـ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية.

42 ـ الخواجة بارشا في فصل الخطاب.

43 ـ نظام الدين النيسابوري في تفسير غرائب القرآن.

44 ـ السيد شريف الحنفي الجرجاني في شرح المواقف.

45 ـ أبو الخير الدمشقي في أسنى المطالب.


46 ـ الكنجي في كفاية الطالب ، الباب الأول.

47 ـ النووي في تهذيب الأسماء واللغات.

48 ـ الحمويني في الفرائد.

49 ـ روزبهان في إبطال الباطل.

50 ـ في السراج المنير.

51 الشهرستاني في الملل والنحل.

52 ـ الخطيب البغدادي في تاريخه.

53 ـ ابن عساكر في التاريخ الكبير.

54 ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.

55 ـ السمناني في العروة الوثقى.

56 ـ المتقي الهندي في كنز العمال.

57 ـ ابن خلدون في مقدمة تاريخه.

وإذا راجعت ما ذكرناه عن الغدير في الجزء الأول عن موسوعتنا ، تجد أكثر مما ذكرناه مفصلا ، وقد وضع الطبري كتابا مستقلا في الغدير باسم كتاب الولاية ، وروى الحديث عن 75 طريقا ، ولابن عقدة أيضا كتاب الولاية أخرجه عن طريق 125 صحابي مع تحقيقات وافية ، كما لابن الحداد الحافظ أبي القاسم الحسكاني في كتاب الولاية شرح الغدير مفصلا مع نزول الآيات(1) .

__________________

(1) الرضوي : قال أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني المتوفى عام 440 ه‍ :

اليوم الثامن عشر (من شهر ذي الحجة) يسمى غدير خم وهو اسم مرحلة نزل بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند منصرفه من حجة الوداع ، وجمع القتب ، والرحال ، وعلاها آخذا بعضد علي ابن أبي طالبعليه‌السلام وقال : «أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا : بلى

قال : من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله وأدر الحق معه حينما دار. اللهم هل بلغت ثلاثا». (الآثار الباقية عن =


__________________

= القرون الخالية ص 334 ، ط ألمانيا ، عام 1923 م).

وانظر صحيح الترمذي : 5 / 633 ، سنن ابن ماجة 1 / 43 ، فضل علي بن أبي طالب رقم الحديث 166 ـ 167 ، مستدرك الصحيحين : 3 / 110 ، مسند الإمام أحمد بن حنبل : 1 / 118 ـ 152 ، الدر المنثور : 2 / 259 ـ 293 ، تفسير الفخر الرازي : 11 / 140 ط دار الفكر بيروت ، تاريخ بغداد : 8 / 290 ، خصائص النسائي ص 22 ، كنز العمال : 11 / 602 ط مؤسسة الرسالة بيروت ، رقم الحديث 32904 ، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر : 2 / 509 ، أسد الغابة في معرفة الصحابة : 4 / 28 ، مجمع الزوائد للهيثمي : 9 / 103 ـ 108 ، تلخيص المستدرك : 3 / 110 ـ 116 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 169 ، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للمحب الطبري : 67 ـ 68 ، فيض القدير : 4 / 357 ـ 6 / 217.

وروى جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي الحنفي : عن عليعليه‌السلام ، قال :

عممني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل نمرقها على منكبي وقال : إن الله أمدني يوم بدر ، وحنين بملائكة معممين هذه العمامة.

وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمم علي بن أبي طالب عمامته السحابة ، وأرخاها من بين يديه ومن خلفه ، ثم قال : أقبل فأقبل ، ثم قال : أدبر فأدبر ، فقال : هكذا جاءتني الملائكة ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله.

قال حسان بن ثابت إئذن لي أن أقول أبياتا تسمعها ، فقال :قل على بركة الله ، فقام حسان فقال :

يناديهم يوم الغدير نبيهم

بخم وأسمع بالنبي مناديا

فقال فمن مولاكم ونبيكم

فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاميا

(نظم در السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين ص 110 ـ 111 ط العراق).

وقال أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في ترجمة اسفنديار بن الموفق الواعظ :

إسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى بن أبي الفضل الواعظ ، روى عن أبي الفتح البطي ، ومحمد بن سليمان ، وروح بن أحمد الحديثي ، وقرأ الروايات على أبي الفتح بن رزيق ، وأتقن العربية ، وولى ديوان الرسائل ، روى عنه الديثي ، وابن التجار وقال :

لما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (من كنت مولاه فعلي مولاه) تغير وجه أبي بكر وعمر ، فنزلت : ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفرواه ) . الملك : 27 =


وأظهر الصحابي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أنه أكثر الصحابة اهتماما يوم الغدير ، وأخذ بيد عليعليه‌السلام وقال له : بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، روى هذا الحديث مسلم ، وهو متواتر عند الفريقين الشيعة والسنة ، وأيده أشهر الحفاظ والكتاب كالمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الخامسة من كتاب مودة القربى ، ونقل جماعة من الصحابة عن عمر أنه قال :

نصب رسول الله عليا علما ، وعرفه فيها مولى ، قائلاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بعد الدعاء : اللهم أنت شهيدي عليهم ، وفي نفس الوقت كان هناك شاب جميل صبيح الوجه تفوح منه نكهة طيبة قال لي : «لقد عقد رسول الله عقدا لا يحله إلا منافق فاحذر أن تحله».

فأخبرت رسول الله عن الشاب وعن حديثه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنه ليس من ولد

__________________

= لسان الميزان : 1 / 387 ط حيدر آباد دكن ـ الهند عام 1330 هجري ، وانظر فيض القدير ، شرح الجامع الصغير للمناوي : 6 / 217 ـ 218 ط مصر.

قال الزمخشري : أي ساءت وجوههم بأن علتها الكآبة وغشيه الكسوف والقترة وكلحوا وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل ، أو يعرض على بعض العذاب. (تفسير الكشاف : 4 / 139 سورة الملك).

وقال علي بن محمد البغدادي المعروف بالخازن في تفسير هذه الآية :( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) أي اسودت وعلتها الكآبة ، والمعنى : قبحت وجوههم بالسواد.

(تفسير الخازن : 4 / 292 معالم التنزيل للبغوي : 5 / 423).

وقال محمد جمال القاسمي في تفسير قوله تعالى :( سيئت وجوه الذين كفروا ) أي ظهر عليها آثار الاستياء من الكآبة والغم ، والانكسار والحزن. (محاسن التأويل : 16 / 249).

وقال أحمد مصطفى المراغي في تفسير هذه الآية :

ساءهم ذلك وعلت وجوههم الكآبة والحزن ، وغشيها القترة ، والسواد إذ جاءهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون. (تفسير المراغي : 29 / 23).

وقال محمد بن علي الصابوني في تفسير هذه الآية :

( سيئت وجوه الذين كفروا ) أي ظهرت على وجوههم آثار الاستياء فعلتها الكآبة ، والغم والحزن ، وغشيها الذل والانكسار. انظر : صفوة التفاسير : 3 / 421.


آدم لكنه جبرئيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في عليعليه‌السلام (1) .

بعد هذا كله أيسوغ لأحد ، أخص منهم أبا بكر وعمر أن ينقضوا هذا العهد ولم يمض عليه سوى ثمانين يوما ، وبعدها صب المصائب على علي وآل البيتعليه‌السلام . وهاك كلمة حجة الإسلام الغزالي أبي حامد محمد بن محمد ونص ما أورده في كتاب سر العالمين ، قال :

«أسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث عن خطبة يوم الغدير باتفاق الجميع ، وهو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر : بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. هذا تسليم ورضا وتحكيم. ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة وحمل عمود الخلافة وعقود البنود وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار ، سقاهم

__________________

(1) الرضوي ، وأنظر ينابيع اعودة 1 / 249 ط استانبول عام 1302. تقدم قبل صفحات فراجه ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام :

«إتق الضغائن التي في صدور قوم اخبرني جبرئيل أنهم يظلمونك من بعدي ، وان ذلك الظلم عظيم لا يزول». المحب الطبري : الرياض البصرة 2 / 10 ط مصر.

واورد هذا الحديث القندوزي الحنفي بهذا اللفظ :

«اتق الضغائن التي في صدور قوم لا تظهرها إلا بعد موتي اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون» ، وبكىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم قال :

اخبرني جبرائيل إنهم يظلمونك بعدي وإن ذلك الظلم لا يزول بالكلية عن عترتنا حتى إذا قام قائمهم ، وعلت كلمتهم ، واجتمعت الأمة على مودتهم والشاني لهم قليلا ، والكاره لهم ذليلا ، والمادح لهم كثيرا وذلك حين تغير البلاد ، وضعف العباد حين اليأس من الفرج ، فعند ذلك يظهر القائم مع اصحابه فيهم يظهر الله الحق ، ويخمد الباطل بأسيافهم ، ويتبعهم الناس راغبا إليهم ، وخائفا منهم ، أبشروا بالفرج فإن وعد الله حق لا يخلف ، وقضاءه لا يرد وهو الحكيم الخبير ، وإن فتح الله قريب. اللهم انهم اهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللهم اكلأهم وارعهم ، وكن لهم وانصرهم واعزهم ولا تذلهم ، واخلفني فيهم إنك على ما تشاء قدير». ينابيع المودة 1 / 135 ط استانبول.


كاس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئسما يشترون! ، ولما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال قبل وفاته : أئتوني بدواة وبياض لأزيل عليكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحق لها بعدي ، قال عمر : دعو الرجل فإنه يهجر وقيل يهذو ، فإذا بطل تعلقكم بتأويل النصوص فعدتم إلى الإجماع ، وهذا منقوض أيضا ، فإن العباس وأولاده وعليا وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة ، وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجي ثم خالفهم الأنصار».

ولقد كانت كلمة الحجة الغزالي ثقيلة جدا على بعض المتعصبين والنواصب ، فحاولوا بشتى الوسائل محوها فقالوا ان كتاب سر العالمين ليس للغزالي ، بيد أنه ثبت أنه للغزالي وأيده أبرز علماء ومحدثي العامة كيوسف سبط ابن الجوزي البحاثة المدقق في نقل الرواية والأحاديث والأسناد وهو في غاية الضبط ، وفي الوقت نفسه فهو متعصب في أمر الجماعة ، ومع هذا تراه في ص 36 من كتابه تذكرة خواص الأمة استشهد بكتاب سر العالمين ونقل نفس العبارات التي ذكرناها اعلاه وصدقها دون إبداء شئ.

ولقد ثبت أن كثيرا من علماء العامة يعرفون كثيرا من الحقائق بيد أنهم يخشون بيانها خوف المغرضين وتحريك العامة ، ولقد حدث أن بعض العلماء الأعلام المنصفين من أهل السنة أظهروا بعض الحقائق فلاقوا الأمرين من المتعصبين والعوام ، فكانت عاقبة أمرهم القتل والهتك والتشريد ، ونذكر منهم : الحافظ ابن عقدة أبا العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني ، وقد وثقه الذهبي واليافعي وقالوا إنه يحفظ ثلثمائة ألف حديث مع أسنادها ، وكان ثقة وصادقا ، بيد أنه كان يقول حقائق عن الشيخين في القرن الثالث لا ترضى الدولة في ذلك الوقت عنها ، والعامة مأخوذ على أمرهم ، ولذا رغم كونه من أبرز علماء العامة اتهموه بالرافضية ، وقد قال


عنه الذهبي والرافعي وابن كثير : إن هذا الشيخ كان يجلس في جامع براثا ويحدث الناس بمثالب الشيخين ، ولذا تركت رواياته ، وإلا فلا كلام لأحد في صدقه وثقته.

كما امتدحه الخطيب البغدادي في تاريخه ، بيد أنه بعد مدحه قال : إنه كان خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا. هكذاترى كيف يتصدى العامة حتى لعلمائهم وأجلة أئمتهم كحجة الاسلام الغزالي وابن عقدة والنسائي ويرمونهم بالرافضية لمحض أنهم كشفوا الحقائق ونطقوا بالحق ، ومثلهم المؤرخ الشهير الطبري في القرن الثالث رغم أنه مفخرة العلم والأدب ، ولما مات في سن الثمانين دفنوه ليلا في داره لمنع وقوع خطر ، كما نرى قتل النسائي في الشام وهو أحد أئمة الصحاح ، لأنه ما إن سمع سب وشتم أمير المؤمنين علىعليه‌السلام على المنابر حتى أراد أن يوضح بعض الحقائق ، فصعد المنبر وذكر بعض فضائل عليعليه‌السلام وأظهر بعض الحقائق ، فهجموا عليه وأوجعوه ضربا ، فمات من ذلك.

وأما نقض العهد من الصحابة أخص منهم أبا بكر وعمر في خيبر وأحد والحديبية وحنين (راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 3 ص 389 و 39) ، فقد نزلت آيات تنهي عن الفرار ، وأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العهود والمواثيق عليهم ، فحاربوا وهربوا ولم يقف دون فرارهم وصد المشركين سوى عليعليه‌السلام (راجع نفس المصدر لابن أبي الحديد) ، وقد نسوا أو تناسوا الآية الشريفة :( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) (1) ، انظر إلى العقاب العظيم الذي أعده الله لمن يولي دبره في الحرب ، وقد ثبت ذلك في حق كثير من الصحابة ، وإذا دققنا وتأملنا بإنصاف لعلمنا أن الفرار من قلة الإيمان وعدم الإخلاص للدين ، وهو أحد الموارد الفارقة التي يمحص بها الله

__________________

(1) الانفال : 16.


عباده في تقواهم ودرجة إيمانهم وإخلاصهم ، وبعد أن قال تعالى( كل نفس ذائقة الموت ) (1) ، قال :( وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (2) .

ولتوضيح ذلك يستطيع القارئ الكريم أن يراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج 4 ص 454 ـ 462) وفيه جواب الزيدي على اعتراض أبي المعالي الجويني عما يخص الصحابة الذي نقله أبو جعفر النقيب ، ليرى كيف أن الصحابة تكفر وتفسق وتلعن وتسب بعضها بعضا ، وما نقله ابن أبي الحديد حول صلح الحديبية وآثاره السيئة على الصحابة الذين فروا أخص منهم عمر ، وكيف أن المنقذ الوحيد لهم من يد المشركين كان علىعليه‌السلام .

ولكي أثبت أن السقيفة كانت أم الفتن ومنبع ظلم ، تلتها مظالم إلى اليوم ، وأنها لم تكن فيها لاصفة إجماعية ولا بعض إجماعية ، بل قامت على أكتاف أفراد رجال ونساء لا يعدون العشرة فيهم مكر وخداع ، وتلاها قتل وجور وسلب ونهب وسبي وكل ما يتصوره المرء من المظالم ، وتلا الغصب غصب مكرر على مر العصور والأحقاب ، والقسر قسر متكرر بدأ بإجبار عليعليه‌السلام وبني هاشم والصحابة المقربين على البيعة ، وغصب نحلة فاطمة الزهراءعليها‌السلام بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطاهرة فدك ، وما تلا ذلك من اعتراضات علي وفاطمة وبنيهمعليهم‌السلام وصحابتهم (رض) ، أقدم نبذة من خطبة الزهراءعليها‌السلام التي خطبتها على أثر غصبهم منصب الخلافة ، وبعدها أعمال القسر والظلم ، وهي تذكرهم بأمجاد أبيها وبعلها ، وأعمالهم وما كانوا عليه قبل الاسلام ، حيث تقول :

«وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون الورق ، أذلة خاسئين ، تخافون

__________________

(1) آل عمران : 185.

(2) النحل : 61.


أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد التي واللتيا ، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن للشيطان فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهوتها فلا ينكفئ حتى يطأ صحافها بأخمصه ويخمد لهيبها بسيفه ، مكدودا في ذات الله ، مجتهدا في أمر الله ، قريبا من رسول الله ، سيد أولياء الله ، مشمرا ، ناصحا ، مجدا ، كادحا ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون ، فاكهون ، آمنون» تعني الهيئة الحاكمة.

فانظر إلى هذه المناظرة الحقيقية الناصعة ، فهيهات تجد مثلها ومثل هذه الحقيقة في السابقة والإخلاص والتقوى والقرابة والثقة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقدرة الفذة والتضحية المتناهية التي وجدت عند عليعليه‌السلام ، وعلى نقيضها عندهم. فمن أحق منه بالخلافة ومن أجدر منه بالأمامة؟

ثم توجه خطابها الى السلطة الحاكمة :

«تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار» وهي تعني تآمرهم على آل البيتعليهما‌السلام ، وقد مرت بنا التدابير التي اتخذوها قبل وبعد بعثة أسامة ، ولعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المتخلفين ، وموقف عمر من طلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القلم والقرطاس ، وبعدها ليلة السقيفة

ثم نراها تسترسل في خطبتها لائمة إياهم على تحديهم ونقضهم العهد وأثره ، ومنذرة إياهم عاقبة فعلهم ، بقولها : «فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر ، ابتدارا زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا ، وإن جنهم لمحيطة بالكافرين ، أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ، ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا ، هناك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ، ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا وأبشروا بسيف


صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين ، يدع فيأكم زهيدا وجمعكم حصيدا ، فيا حسرة عليكم».

وهكذا تعلن الزهراءعليها‌السلام وتفضح خططهم ، وتفند دعواهم من أنهم عملوا ما عملوا خوف الفتنة بل هي الفتنة ، ثم تعلن ارتدادهم بقولها «وإن جنهم لمحيطة بالكافرين» ، وتعلن استبدادهم وبعده خسرانهم ومنقلبهم ، وقد أقامت الحجة ، وأثبتت غصبهم لحقوق آل البيتعليهما‌السلام في غاياتهم الوضيعة ونتائجهم المريعة ، وما سيلقونه يوم الجزاء من الأهوال الفظيعة من مركز العدل والقضاء الفصل.

المقايسة بين عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهدهم

عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عهد القرآن ونزوله ، عهد الدعوة إلى المنطق السليم والفكرة الحرة الطليقة ، العهد الذي ضرب فيه الضربة القاصمة على أيدي المشركين والظالمين ، العهد الذي قضى فيه على العصبيات القومية والجهر بالسوء والفسق ودعا إلى الفضيلة النفسية ، العهد الذي قال فيه القرآن كلمته العظمى وأقام فيه المقايس لرفع قيم الأشخاص أمام الله ، أمام الإنسانية والجامعة البشرية ، حيث قال عز من قائل( إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) (1) .

هناك تساوى فيه الخلائق أجمعين ، ومحا فيه الإسلام كل الآثار الجاهلية ، من بغض وحقد وحسد وسلطة وعبودية وخضوع لأي سلطة وفرد سوى الله ومن نصبه الله ، وكانت القيم الإنسانية على قدر التقوى ، تلك التقوى التي وضعها الله في قرآنه المجيد ، ومن جهة أخرى كان للسابقى للدعوة الاسلامية القربى والمقام الأجل ، حيث قال عز وجل( السابقون السابقون. أولئك المقربون ) (2) ، وبعدها على قدر

__________________

(1) الحجرات : 13.

(2) الواقعة : 10.


عمل الخير والمعروف فقال تعالى( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (1) .

وانتقلت المقاييس من الصفات المادية إلى المعنويات ، فلاترى قيمة للغني على الفقير أمام القضاء ، ولا تجد قيمة لزعماء الجاهلية على المستضعفين ، ولا تجد فضلا لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي ولا لقريب على بعيد ولا لرجل على امرأة ، فالجميع متساوون أمام العدالة ، ولهم حق الدفاع عن أنفسهم وأموالهم ، ومتى قالوا كلمتي الشهادة بالوحدانية والنبوة فهم في أمان الله.

نعم قضى الاسلام على جميع العادات والأخلاق البذيئة والمنازعات والتعصبات والفروق الجاهلية ، كما قضى على جميع الأنظمة والقواعد البالية ، ومحا الأحقاد والمشاحنات والمطالبات المالية والدموية والعرضية وكل ما كان من أعراف ونواميس الجاهلية ، وأقام مقاييس إنسانية معنوية منطقية فطرية وحدود إلهية جاء بها القرآن الكريم وسنها النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقوم جميعها على الدليل والبرهان ، فلا ظلم ولا اعتداء ولا هتك ولا تجاوز لمقاصد شخصية وفوارق وفواصل ذاتية وأنانية ، فلا حد إلا بنص ولا تعزير إلا بجرم خالف فيه الفرد شرع الله وشرع رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا اجتهاد أمام النص ، ولا اجتهاد في حكم إلا من بالغ عاقل عالم عادل مؤمن ذكر طاهر المولد كرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو من نص عليه الله ورسوله.

فيه رفع الله قيمة النفس الانسانية فقال( من قتل نفسا بغير أو فساد في الألف فكأنما قتل الناس جميعا ) (2) ، ذلك العهد الذي جعل فيه لمكارم الأخلاق والبر والاحسان المقام الجليل في كل شئ فقال :( فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا

__________________

(1) الزلزلة : 8.

(2) المائدة : 32.


تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث ) (1) ومن هو السائل ، نعم كل سائل أكان عن مال أو غير مال ، السائل عن طريق أو حديث وطلب آخر ، وفيه امتدح إكرام المسكين واليتيم والأسير ، فقال :( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) (2) ، وفيه مئات آالاف القواعد والأصول الإنسانية في جميع المجالات الاجتماعية والأخلاقية العامة والخاصة ، فقال :( يا أيها الذين آمنو لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) (3) ، وقال تعالى :( قول معروف مغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) (4) ، وقوله تعالى :( ولا تمش في الأرض مرحا ) (5) ، وقوله تعالى :( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) (6) ، وفيه رفع شأن العلم ، فقال تعالى :( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (7) ، وقوله تعالى( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) (8) ، وفيه حذر الأفراد من التجاوز على حدود الله ، وحدود رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال عز من قائل :

( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (9) .

( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) (10) .

__________________

(1) الضحى : 9 ـ 11.

(2) الانسان : 8.

(3) البقرة : 264.

(4) البقرة : 263.

(5) لقمان : 18.

(6) لقمان : 19.

(7) الزمر : 9.

(8) الحمد : 60.

(9) المائدة : 45.

(10) الزمر : 18.


( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) (1) .

وفيه تهذيب الأخلاق وتهذيب النفس والإصغاء إلى وحى العقل السليم كقوله تعالى :( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) (2) ، وقوله في صفات المؤمنين وفي تهذيب النفس والأصول الأخلاقية الرفيعة :( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) (3) .

وهل أستطيع أن أدرج مجمل ما جاء به القرآن والرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الوريقات ، وهو الهادي والقدوة والبشير والنذير ، ولا يساويه في سلوكه لإتمام دينه إلا من هو نفسه في آية المباهلة ، ومن زكاه الله معه في آية الطهارة ، حيث قال في الأولى :( وأنفسنا وأنفسكم ) (4) فكان بذلك يقصد نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطاهرة الزكية ونفس عليعليه‌السلام وحقا إنه نفسه ، وقد مر في فصله أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طالما عبر عن ذلك وقال عن عليعليه‌السلام ، «لحمه لحمي ودمه دمي ، هو مني وأنا منه من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني ومن أطاعه أطاعني ، أحب خلق الله لله ورسوله وأحبهم لله ولرسوله» ، والذي قرنت ولايته في آية الولاية بولاية الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله سبحانه :( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (5) .

وهو الذي نزلت فيه آية الإبلاغ :( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك

__________________

(1) الزمر 18.

(2) الزمر 18.

(3) الفرقان : 63.

(4) آل عمران : 61.

(5) المائدة : 55.


وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (1) .

وفي فضلهعليه‌السلام وعلو منزلته وجلال قدره نزلت الآيات البالغات ، وفيه وفي آله نزلت :( قل لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) (2) .

وهم أولوا الأمر الذين فرض الله طاعتهم في الآية( أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر ) (3) راجع بذلك التفاسير.

ذلك هو العصر الذهبي للإنسانية الذي وضعت فيه مجمل الأصول والنصوص الإنسانية والاجتماعية ونزل فيه القرآن والسنن النبوية ، والعصر الذي قال فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام «إني قاتلت على تنزيل القرآن كما تقاتل على تأويله» ، وفيه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أنا مدينة العلم وعلي بابها» ، وفيه نصب عليا منذ صباه علما وطلب إطاعته يوم الدار ، واستمر الإعلان عن هذه الوصية والخلافة في كل مناسبة ، ومنها : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(4) ، كما قال للصحابة «إن عليا مني بمنزلة

__________________

(1) المائدة : 67.

(2) الشورى : 22.

(3) النساء : 59.

(4) الرضوي : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليعليه‌السلام : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ، بعض مصادره :

صحيح البخاري : 2 / 300 بحاشية السندي ط عيسى البابي الحلبي ، باب مناقب علي بن أبي طالب ، صحيح البخاري : 4 / 208 ط استانبول ، صحيح مسلم : 4 / 1870 كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل علي ، صحيح الترمذي : 5 / 3730 ، سنن ابن ماجة : 1 / 43 رقم الحديث 115 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، مستدرك الصحيحين : 3 / 133 خصائص النسائي ص 17 ، طبقات ابن سعد : 3 / 23 ـ 24 ط بيروت ، حلية الأولياء : 7 / 194 ـ 195 ـ 196 ، كنز العمال : 11 / 599 ـ 603 ـ 606 ط مؤسسة الرسالة بيروت ، الرياض النضرة للمحب الطبري : 3 / 105 ط بيروت ، أسد الغابة : 4 / 27 ، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر : 2 / 507 ط مصر ، ذخائر العقبى ص 63 ـ 64 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 168 ، مجمع الزوائد لأبي بكر ابن حجر الهيثمي : 9 / 110 ـ 111 ، جامع الأصول لابن الأثير : 9 / 468 ـ 469.


هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ، وقال عن علي وعن ذريتهعليه‌السلام «إن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».

وفي غدير خم نصبه علما. وفي خيبر أشاد به وبحبه لله ولرسوله وبحب الله ورسوله له ، كما صح ذلك في حديث الطائر المشوي(1) . ولطالما وصى الصحابة أفرادا وجماعات على اتباعه ، فقال : «مبغض علي منافق» ، وفي آخر : فاسق ، وفي حديث ثالث : كافر ، وفيهعليه‌السلام قال : «إنه يعسوب الدين وولي المؤمنين وقائد الغر المحجلين» ، و ، وفيه وفي ذريته قال : «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».

وهكذا ترى أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته أقام وأشاد البناء بالقرآن ، وهداهم بعده ، وأوضح السبيل باتباع علي وذريته ، وقد حذرهم الفتنة ، وحذرهم التفرقة والارتداد ، وصرح أن هناك من يرتد بعد موته ، وصرح أنهم يظلمون عليا وأهل بيتهعليهم‌السلام وحذر من ذلك وأوصى باتباع عليعليه‌السلام عند وقوع الاختلاف ، وأيد وأكد ذلك مرارا وكرارا بألفاظ متعددة.

وبعد هذا كله ، فماذا أراد الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذه التوجيهات؟ بهذه الأوامر والنواهي؟ وقد ذكرنا شيئا عن عهد الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والجميع يعلم كيف كان القوم قبل الاسلام ، أذلاء ضعفاء وكيف بلغوا أوج العزة والقوة في عهده ، ويكفينا أن نستعيد خطبة سيدة النساء فاطمة الزهراءعليهما‌السلام على المهاجرين والأنصار ، وعلى نساء الصحابة بعد موت أبيها ، إذ ذكرتهم بما كانوا عليه من الخسة والذلة وكيف

__________________

(1) الرضوي : حديث الطير ، وهذه بعض مصادره :

صحيح الترمذي : 5 / 637 ، المستدرك على الصحيحين للحاكم : 3 / 130 ، تلخيص المستدرك : 3 / 130 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 1 / 56 ، أسد الغابة لابن الأثير : 4 / 30 ، ذخائر العقبى ص 61 ، الرياض النضرة : 3 / 103 ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : 1 / 125 ـ 126 ، فتح القدير للشوكاني 4 / 357 ـ 358 رقم الحديث 5597.


أصبحوا بفضل أبيها وابن عمها ، وأعادت على مسامعهم أعماله الجبارة ، ولولاهما لما قام للإسلام قائمة وذكرتهم بتوصياته ، وذكرتهم بما يلحقهم من الخسران ان تمادوا في غيهم وانقلابهم ، ولكن هيهات هيهات (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا).

وقد قعد لهم الشيطان وأغواهم وأزلهم عن الصراط المستقيم ، واتبعوا غير سبيل المؤمنين ، وقالوا إنما عملوا ذلك خوف الفتنة ، فأجابتهمعليها‌السلام ألا أنهم في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين.

وقد حذرتهم عاقبة الأمر في الدنيا وفي الاخرة ، ولا عذر بأن القوم قد غرتهم ظواهر الأمور وكانوا مأخوذين من على أمرهم لجهلهم ولضعفهم ، بعد أن ظهرت النتائج وتحققت الأسباب وجاهروا وصرحوا بكل ما خالفوا فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل خالفوا الله ، وها إني أسرد ثانية ما بدأوا فيه وما إليه إنتهوا ، وبعدها أقول آها وألف آه ، لو سارت الأمور على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو أصغوا إلى أوامر ونواهي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمت السعادة البشر ولأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم على حد قول الزهراء الطاهرةعليها‌السلام وزوجها الكريمعليه‌السلام وأبيها العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذه نتيجة أعمالهم منذ مرض سيد المرسلين وخاتمهم ، وهو الذي أخبرهم بمرض موته في حجة الوداع ، وأنه قد دعي فأجاب ، وأنها آخر حجة يحجها ، وتلك خطبته العصماء في غدير خم ، وإقامة عليعليه‌السلام علما لهم ، وهو ومنذ بدء الدعوة الاسلامية كظله ، فكان في كل فرصة ومناسبة يجاهر بخلافته من بعده وأنه وصيه وأخوه(1) وخليفته

__________________

(1) الرضوي : حديث المؤاخاة بين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وهذه بعض مصادره :

الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر : 2 / 507 ط مصر ، البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي : 7 / 348 حديث المؤاخاة ، إحياء العلوم لأبي حامد الغزالي : 2 / 173 الباب الثالث في حق المسلم والرحم ، ط دار القلم بيروت ، أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير : 2 / 221 ط مصر ، إسعاف الراغبين للصبان ص 149 ـ 155 بهامش نور الأبصار للشبلنجي =


__________________

= ط مصر عام 1321 ه‍ ، الاستيعاب لمعرفة الأصحاب لابن عبد البر : 3 / 1103 تحقيق على محمد البجاوي ط مصر نهضة مصر ، أسمى المطالب للجزري الدمشقي ص 62 ط بيروت ـ لبنان.

الأعلام للزركلي : 4 / 295 ط سابعة عام 1986 م بيروت دار العلم للملايين ، الإمام جعفر الصادق للأستاذ عبد الحليم الجندي ص 20 ط مصر عام 1977 توفيق عويضة ، تاريخ الامم والملوك لابن جرير الطبري : 2 / 217 الطبعة الأولى مطبعة الحسينية بمصر ، تاريخ الخلفاء للشيخ عبد الرحمن السيوطي ص 166 ـ 170 تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 30 مؤسسة أهل البيت بيروت عام 1401 ه‍ ، ترجمة الامام علي عليه‌السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر : 1 / 117 ـ 125 ط بيروت ، تلخيص المستدرك للذهبي : 3 / 14 ط حيدر آباد ـ الهند ، جامع الأصول لابن الأثير الجزري : 9 / 468 ط مصر ، جريدة السياسة المصرية ملحق عدد 275 صادر في 19 مارس عام 1932 م بالقاهرة ، حلية الاولياء لأبي نعيم الأصبهاني : 7 / 256 ط مؤسسة الخانجي بالقاهرة ، حياة محمد ، لمحمد حسين هيكل ص 104 الطبعة الاولى غير المحرفة ط عام 1954 م بمصر ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 18 ـ 19 ط مصر عام 1348 ه‍ ، ذخائر العقبى للمحب الطبري : ص 65 ط حسام الدين صاحب مكتبة القدسي بالقاهرة ، الرياض النضرة لمحب الطبري : 3 / 111 ـ 113 ط دار الندوة بيروت ـ لبنان ، السنن لابن ماجة القزويني : 1 / 44 ط مصر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، سنن الترمذي لأبي عيسى محمد : 5 / 636 تحقيق ابراهيم عطوة عوض ط مصر ، السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 505 تحقيق مصطفى السقا طبع بمصر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 284 ـ 399 و 2 / 61 ـ 429 و 3 / 259 ـ 261 الطبعة الاولى عيسى البابي بمصر ، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 1 / 274 ط بيروت ، الشرف المؤبد لآل محمد للنبهاني : ص 62 ط بيروت عام 1309 ه‍ ، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 1 / 50 و 3 / 383 ط القاهرة ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 3 / 14 ط ليدن ، الطبقات : 3 / 22 ط بيروت ، على عليه‌السلام وحقوق الإنسان جورج جرداق : 1 / 60 ط بيروت ، على بن أبي طالب ، عبد الكريم الخطيب ص 110 ط مصر عام 1969 ط دار الفكر العربي ، فرائد السمطين للحمويني الشافعي : 1 / 111 ـ 121 ط بيروت ، فيض القدير لمحمد بن عبد الرؤف المناوي : 4 / 355 طبعة مصر ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي : ص 168 ـ 193 ـ 238 ط دار إحياء التراث ـ بيروت ، كنوز الحقائق للمناوي : 1 / 51 بهامش الجامع الصغير للسيوطي ط. القاهرة ، =


وحبيبه ومقر علمه ، وإمامهم وأميرهم وهاديهم من بعده ، وكم حذرهم من التخلف عنه بالضلال ، وأنه مقياس المؤمن والمنافق والمسلم والكافر.

وإذا بهم عصبة من الرجال ، يتقدمهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ومن النساء عائشة وحفصة ، يترقبون الفرص ويتحينون الظروف داخل وخارج بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد برهن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كرارا وامرارا على تخلفهم وفرارهم في أشد الوقائع والحروب وأن لاخير فيهم ، وأنهم في السلم ذوو ألسنة حداد ، ألا تكفينا بدر وأحد والاحزاب والحديبة وخيبر وحنين ، وفرارهم ولواذهم مرة بالعريش وأخرى بالجبال وثالثة بإرجاع جميع الجيش في خيبر ، وفي كل مرة كان عليعليه‌السلام هو العاصم والمنقذ ، حيث تراهم في صلح الحديبية وعمر قام وقد ازبدت شد قاه وأعلن بأنهم يريدون الحرب وأن المصالحة ذلة لهم ، وبدأ يعترض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويشك برسالته ، فأذن لهم بالحرب بعد أن بين لهم ضعفهم ، فإذا بهم جميعا يدبرون والأعداء وراءهم يتعقبونهم ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشاهد ذلك فيقول لعليعليه‌السلام رد القوم ، فسل علىعليه‌السلام حسامه حتى إذا ما أبصره المشركون عادوا ، ويوم الخندق وقد برز إليهم عمر وبن ود العامري بعد أن عبر

__________________

= كنز العمال للمتقي الهندي : 11 / 598 رقم الحديث 32879 ط مؤسسة الرسالة ـ بيروت ، مجمع الزوائد ، منبع الفوائد لابن حجر الهيثمي : 9 / 111 ـ 112 ط مصر ، مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري : 3 / 14 ، مسند الإمام أحمد بن حنبل : 1 / 159 ـ 230 ط مصر ، معجم المؤلفين للأستاذ عمر رضا كحالة : 7 / 112 ط بيروت ، مناقب علي بن أبي طالب للمغازلي ص 37 ـ 39 ، منتخب كنز العمال للمتقي الهندي : 5 / 32 ـ 46 ـ 117 ط مصر ، معجم الشيوخ لابن الأعرابي : (مخطوط) الورقة 17 كما في ترجمة الامام عليعليه‌السلام من تاريخ دمشق لابن عساكر ، نزل الأبرار للبدخشي : ص 65 ط بومباي ـ الهند ، نظم درر السمطين للزرندي ص 94 ط ـ العراق ، نور الأبصار للشيخ مؤمن الشبلنجي : ص 5 ط مصر ، وفيات الأعيان لابن خلكان : 5 / 321 ط مصر ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي : 1 / 56 ط استانبول 1301 ه‍.


الخندق وكان وحده يكفى ليقضي عليهم لولا أبو الحسنعليه‌السلام وقد رد عليعليه‌السلام القوم بضربته التي أنهت فكانت ضربته تساوي عبادة الثقلين ـ على حدقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ، ويوم حينن إذ بلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون سوى عليعليه‌السلام وحده الذاب ، وعمه العباس اللازم بزمام فرس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثلاثة أو خمسة آخرون من بني هاشم يحيطون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى شاء الله أن ينصرهم ، وفي كل مرة يبرهن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ضعفهم ، ويبرهنون بالاعتراض على جهلهم ، وتراهم في آخر حملة يؤمر عليهم شابا لم يبلغ العشرين من العمر وهو أسامة ، ليبرهن على قلة حنكتهم وتدبيرهم ، فاعترضوا وأصروا ، فخطبهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمرهم بالاسراع في الحملة ولعن من تأخر عن جيش أسامة ، وقد ظهر فيما بعد ، إنما كانت مدبرة من حزب يضم رجالا ونساء ، النساء تراقب بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحاله وتتجسس للرجال وتبعث لهم بالأخبار بين الفينة والفينة.

ورغم لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن تأخر ، تأخروا ، فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تخفى عليه نواياهم ومكائدهم ، ولا يخفى عليه انقلابهم ، فأراد أن يبرهن على سوء نواياهم فطلب دواة وبياض ليكتب لهم عهدا لن يضلوا بعده أبدا ، هنا كشر الشيطان عن وجهه المملوء بالحقد والحسد والمكيدة والخيانة على لسان أحد تلك العصبة المتآمرة فقال كلمته التي ألقى بها الفتنة : إن الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله ، وما كاد يقولها حتى تلقفها أعوانه وأحدثوا ضوضاء أباحوا بها عن نواياهم الكمينة وأغراضهم الدفينة ، كما صرح بعدها عمر صراحة في زمن خلافته لابن عباس (إنما أراد رسول الله أن يكتب عهد كتابة إلى علي فمنعته»!(1) ، إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، لا يفرق عليه القول في حالة الصحة والمرض لأنه إنما ينطق عن الله ، وإنما خالفوا الله في أوامره ونواهيه ، وقد ظلوا طريق الهداية والصراط المستقيم ، وهل

__________________

(1) انظر : سر العالمين للحجة الغزالي ، وتذكرة خواص الأمة للسبط ابن الجوزي.


هجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما أراد أن لا يضلوا؟! أم هجر أبو بكر حينما أراد كتابة العهد فأغمي عليه حتى أتم العهد عثمان لعمر ، فكان جزاءه أن كتب عمر له العهد باسم الشورى ، وقدمها لقمة سائغة لبني أمية حينما ثبت أقدامهم منذ عهد أبي بكر بتوليته لأبناء أبي سفيان في أرض الشام ولابن النابغة في مصر ولأزنى ثقيف المغيرة ابن شعبة وأضرابهم ، في حين قد منع الحديث بقوله : عندنا كلام الله ، كلمة حق أراد بها الباطل.

نعم أراد بها ترك الحديث ، ترك سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفضائل ذريته والأحاديث النازلة فيهمعليهم‌السلام وما جاء في عليعليه‌السلام من الوصاية والفضائل ، وما يمكن أن يفضح خططهم لأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أوضح كل شئ بعده ، فأبو بكر لقب خالد بسيف الله عندما قتل مالك بن نويرة وأفراد عشيرته المسلمين ونزا على زوجته وأراد عمر حده ، مع أنه قد ثبت له أن مالكا وجماعته كانوا مسلمين إذ أعطى الدية لاخيه ، وبرأ خالدا بأنه اجتهد فأخطأ ، وظل يستمر بمثل تلك الاجتهادات والأخطاء على مرأى من الخليفة أبي بكر ، هكذا يتلاعبون بمقدرات الاسلام ، وهو الذي قال فيه عمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة(1) وقى الله المسلمين

__________________

(1) الرضوي : قال ابن الأثير : حديث عمر : إن بيعة أبي بكر كان فلتة.

أراد بالفلتة : الفجأة ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيجة للشر والفتنة والفلتة كل شئ فعله من غير روية. (النهاية في غريب الحديث والأثر 3 / 467).

وقال ابن أبي الحديد :

إن الشيعة لم تسلم لعمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة.

قال محمد بن هاني المغربي :

ولكن امرا كان ابرم بينهم

وإن قال قوم فلتة غير مبرم

زعموها فلتة فاجية لا

ورب البيت والقصر المشيد

إنما كانت أمورا نسجت

بينهم أسبابها نسج البرود

(شرح نهج البلاغة : 1 / 27 ط أولى بمصر ، وانظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني : =


__________________

= 5 / 16 ـ 7 / 55 ط دار المعرفة بيروت ، كنز العمال : 12 / 680 رقم الحديث : 36044 ط. مؤسسة الرسالة بيروت).

وقال الأستاذ أحمد حسين يعقوب المحامي تحت عنوان :

أسوأ وداع لأعظم إمام عرفته البشرية :

لم يصدف طوال التاريخ البشري أن يدعو ولي الأمر سواء كان خليفة ، أو ملكا وهو مريض بالقسوة والجلافة التي عومل بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يصدف ان اعترض المسلمون خليفة إذا أراد أن يكتب توجيهاته النهائية ، أو يستخلف من بعده بل على العكس قال ابن خلدون في مقدمته :

إن الخليفة ينظر للناس حال حياته ويتبع ذلك ان ينظر لهم بعد وفاته ، ويقيم لهم من يتولى أمورهم. (راجع : مقدمة ابن خلدون ص 177 ، وكتابنا الخطط السياسية ص 382).

لقد مرض أبو بكر مرضا شديدا قبل أن يموت ، وقبل وفاته بقليل دعا عثمان ليكتب له توجيهاته النهائية ، وأصغى المسلمون لأبي بكر ونفذوا توجيهاته النهائية بدقة ، وعاملوه بكل الاحترام ، والتوقير ، ولم يقل أحد منهم إن أبا بكر قد هجر ، ولا قالوا : إن المرض قد اشتد به ، ولا قالوا : حسبنا كتاب الله. (راجع : تاريخ الطبري : 3 / 429 ، وسيرة عمر لابن الجوزي ص 37 ، وتاريخ ابن خلدون : 2 / 85 ، وكتابنا : النظام السياسي ص 159).

وعندما كتب أبو بكر توجيهاته النهائية كان عمر يقول : أيها الناس : اسمعوا ، وأطيعوا قول خليفة رسول الله (راجع : تاريخ الطبري : 1 / 138).

مقارنة بين موقف عمر ، وحزبه من أبي بكر وموقفهم من رسول الله!!

فهل لأبي بكر قيمة وقداسة عند عمر وحزبه أكثر من قيمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقداسته!!!؟ أجب كما يحلو لك فإنه الواقع المر. ثم انظر إلى موقف المسلمين عند طعن عمر ، وأراد أن يكتب توجيهاته النهائية وقد اشتد به المرض أكثر مما اشتد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . (راجع : الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 1 / 21 ـ 22 والطبقات لابن سعد : 2 / 364 وكتابنا : الخطط السياسية ص 367 ـ 368).

ومع هذا كتب عمر توجيهاته ، وعهد لستة نظريا ، وعهد لعثمان عمليا ، وأمر بضرب عنق من يخالف تعليماته النهائية. (راجع : الطبقات لابن سعد : 3 / 247 وأنساب الأشراف : 5 / 18 ، وتاريخ الطبري : 5 / 33).

وصارت توجيهات أبي بكر وعمر شرعا سياسيا نافذا لم يقل أحد إن عمر قد هجر!! =


شرها ، فاثبت بطلان خلافة أبي بكر وجميع أعماله ومنها عهده لعمر ، عمر هذا الذي قال عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه يهجر يثبت بعدها خلافته بعهد أبي بكر الذي هو نفسه قد فند بيعته (إذ ما بني على الباطل باطل)!! وقال فلتة وقى الله المسلمين شرها. لا والله لقد شمل شرها المسلمين من صدر الاسلام حتى يومنا هذا ، ولا ننسى أن أبا بكر هو الذي اعترف بقصوره إذ قال (اقيلوني بيعتكم فلست بخيركم)! ، أليس هذا تلاعبا وقد ثبت أن ليس في الواقع بيعة وإنما هي مكيدة ، وإنما اراد أثبات انها بيعة حتى وإن أدى ذلك لإثبات غلطهم وخطأهم بقوله (لست بخيركم) ، فهو يعترف أن هناك من هو أفضل منه ، وهو الذي اعترض عليه الصحابة على لسان صحابي من العشرة المبشرة على حد قولهم ـ طلحة بن عبد الله ابن عم أبي بكر ـ بقوله لأبي بكر : «ماذا تقول لربك إذا لقيته وأنت تخلف على أمة محمد فظا غليظا».

وأبو بكر وعمر اللذان يعجزان عن حل المشاكل وأسئلة اليهود والنصارى فيكون لها عليعليه‌السلام ويعترفان بفضله ومكانته ، ورغم ذلك يغتصبان مجلسه من الخلافة ، أليس عمر الذي قال مرارا ومن عدة طرق وبألفاظ مختلفة «لولا علي لهلك عمر» ، «قصرت النساء أن يلدن مثل أبي الحسن» ، «لا أبقاني الله بعد علي» وأمثال ذلك ، وهو الذي اعترف بأن عليا مولاه يقصد به يوم الغدير ، وقد مر ذلك بأسانيده ، وهو الذي اعترف بحديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «مبغض علي منافق» وقد مر ذكر ذلك

__________________

= ولم يقل أحد : حسبنا كتاب الله إنما عومل عمر بكل التقديس والاحترام ، ونقلت توجيهاته النهائية حرفيا كأنها كتاب منزل من عند الله وأكثر فهل لأبي بكر وعمر قداسة عند المسلمين أكثر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبأي كتاب قد أنزل بأنهما أولى بالاحترام والطاعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟!!.

أجب كما يحلو لك فإنك لن تغير الحقيقة المرة!! (الوجيز في الإمامة والولاية ص 170 ـ 171 «مخطوط»).


بأسناده في الجزء الأول من الموسوعة ، وهو الذي اعترف بأنه «لو وليها أبو الحسن لأقامهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم» بألفاظ مختلفة ، فقال له ابنه عبد الله قبيل وفاته وقبل تشكيل الشورى : «ما منعك أن تستخلفه» ، فيجيبه عمر : «لا أريد أن أتحملها حيا وميتا» ، فكيف أعطاها لعثمان وقد قال لابنه أنه سيوليها بني أمية وانهم سيتصرفون في رقاب الناس وأموالهم حتى يثوروا ويقتلوه؟

ذلك ما تنبأ به عمر لعثمان! إذ كان مطمئنا من مكانة معاوية ، وقد سبق أن قال عن معاوية أنه كسرى العرب ، وقد هدد به رجال الشورى عندما قال لا تتنازعوا فإن معاوية وعمر بن العاص لكم بالمرصاد ، فكيف حق له تشكيل الشورى ، بعد أن تنبأ بكل ذلك؟

وهو يعرف أن بني أمية أولاد الطلقاء ، ولم يعطهم حقا من الولاية حينما قال إن الحق للبدريين وبعدهم الأحديين ، وبعد من يليهم ، فكيف لم يعط عليا وآل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم السابقون؟

وفي مقدمتهم عليعليه‌السلام الذي له اليد الطولى في الجهاد وقتل المشركين سواء في بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين ، فإن له السهم الأوفى في بدر واحد ، وكل السهم في يوم الخندق بقتل عمر بن ود العامري ، واليد البيضاء في فتح خيبر ، وله النصيب الأكثر في حرب حنين ، ومع ذلك ليس له نصيب رغم تضحياته وجهوده العظيمة في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعهد عمر وهو القائل «لولا علي لهلك عمر» وعمر الذي قال : لو وليها الأصلع لأقامكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم ، فكيف ساغ له أن يحرمه حتى حقه في فدك وحقه في الخمس؟

وبعدها يقدمها عمدا ومع سبق الاصرار لبني أمية وقد تنبأ بأعمالهم ، فإذا بعثمان يتصرف في بيت المال ورقاب المسلمين كما يأتي ذكره ، ويولى عليهم من يصلي


بالمسلمين سكرانا ويثبت جرمه ، وإذا بالمسلمين يهرعون إليه ويفزعون من كل حدب وصوب ، وإذا به لا يرضى ويزيد ظلما ويخون المسلمين ويحادد الله والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عملا ، وينفي ويهين ويضرب أقرب الصحابة ويغصب ويقتل ، وإذا بمعاوية وعمرو بن العاص تصل بها تبعات عمر إلى حرب خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنص وأمير المؤمنين بالإجماع ، ثم يستولي على الحكم فيفعل ما يشاء بأموال المسلمين ، ورقاب المسلمين فيسلب ويغتصب ويقهر ويقتل صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته ويبتدع سب خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد كل صلاة وفي كل عيد ، وإذا به وبخلفائه من بعده يسخرون من أحكام الله وحدوده وسنن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا الظلم والتعدي والجور والقتل والغارة والهدم واستباحة مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيت الله الحرام وأعراض المسلمين ، وإذا بهم يبدلون الحقائق ويزيفون ويغيرون ويضعون مئات الألوف من الأحاديث والروايات الكاذبة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لآل أمية ولأبي بكر وعمر وعثمان وشيعتهم ، وينسبون لهم الفضائل والكرامات ويضعون لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذريته وأخيهعليه‌السلام وخليفته بما يشوه سمعتهم وفضائلهم.

ولا زال التعصب الأعمى والجهل المطبق يعم العوام ، أما العلماء والكتاب فهم يعرفون ذلك ولكن غلبت عليهم القوة وأعمت بصيرتهم وتغلب عليهم الباطل واتبعوا كل شيطان مريد ، ولو صغوا لنداء الحق واستغاثة المظلومين ، ولو أنهم استمعوا القول فاتبعوا أحسنه ، لهداهم الله إلى الصراط المستقيم ، وعجبا منهم وهم يدعون الاسلام ويعلمون أن رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خير الرسل وذريته خير الذراري ووصيه عليعليه‌السلام خير الأوصياء ، ذلك الذي قام الإسلام بسيفه ، ذلك الفاتح المنصور في كل حرب ، مفخرة الاسلام ومعجزته في الحرب والسلم ، الذي نزلت فيه الآيات البينات ، وفاضت فضائله وكراماته ، ذلك الذي ـ على حد قول افلاطون ـ لأصالته ،


لحكمته ، لعلمه ، لسابقته ، لتجاربه ، لتضحياته ، لإخلاصه ، لتقواه ، لبره وإحسانه ، وللنصوص الإلهية والنبوية النازلة على ولايته وإمامته ، كان لزاما على الأمة اتباعه ، ذلك الذي لم تدنسه الجاهلية والشرك ، ذلك الذي حطم بيديه الأوثان ، ويلكم كيف تحكمون!!؟ اهذا يقارن مع من ولد من آباء مشركين وقضى أكثر حياته في الجاهلية والشرك والدنس وكاد للإسلام والمسلمين ولله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإن خفى على من كان في صدر الاسلام ، فلا يخفى علينا ولا على جميع الحاضرين وكل العالمين ، واني لأعود للعقل والتجربة والمقاييس المنطقية والأدبية حينما يقول : الكلام صفة المتكلم ، والعمل صفة العامل ، وأوضاع الدولة صفة المسيطر ، والنتائج الحاصلة هي نتيجة البذور ، فمن زرع لا يحصد إلا ما زرع ، وعلى قدر ما سقى وحرث وتعب ، وهيهات ان تجني السكر من الحنظل أو العكس ، فمن ولى آل أمية وابن النابغة ـ عمرو بن العاص ـ والمغيرة بن شعبة الفاجر الزاني؟ ومن قرب خالدا بن الوليد ، الفاجر الزاني والقاتل الفتاك بالمسلمين والمستضعفين؟ ومن سماه بسيف الله؟ ومن قرب الكفرة والمنافقين والطلقاء والفاسقين وأبعد خيرة آل البيت والصحابة المقربين؟ ومن بدأ بتحدي حدود الله وسنن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانت نتيجة أعماله التفرقة والشقاق والضعف؟ ومن سلب بضعة المصطفى نحلتها وآل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقهم من الخمس.

أيها القارئ الكريم! من هيأ الملك لآل أمية وآل مروان ، ومن جاء بهم؟ أليست مكيدة؟ وقد علمنا أنه ليس هناك انتخاب إلا انتخاب مصطنع ، أم كان أبو بكر وعمر وعثمان تقدموا على عليعليه‌السلام بسابقتهم وعلمهم وحكمتهم ، وقدرتهم الإدارية وتجاربهم وأصالتهم على حد قول افلاطون؟ أم تقدموا على عليعليه‌السلام وجلسوا مكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتبار القانون الطبيعي لمماثلتهم ومجانستهم جسما أوروحا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يلتحم القلب بالقلب أو الكلية بالكلية ، وعضلة مماثلة


مكان عضلة ، فمن كان أحق بالأمر ، أعليعليه‌السلام أم هؤلاء؟ ألم يعرف هؤلاء فحوى آية المباهلة(1) وأن عليا نفس رسول الله؟ وفي سورة الطهارة قوله تعالى( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (2) ؟ فكلاهما ـ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيهعليه‌السلام ـ طاهران أبعد الله عنهما الرجس ، وكلاهما أحب خلق الله إلى الله ،

__________________

(1) الرضوي : وجاء في تفسير الفخر الرزاي ، في تفسير آية المباهلة :

الإجماع دل على أن محمداعليه‌السلام كان أفضل من سائر الأنبياءعليه‌السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية

ويؤيد الاستدلال بهذا ، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف ، وهو قولهعليه‌السلام : «من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في هيبته ، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي بن ابي طالبرضي‌الله‌عنه » (أخرج هذا الحديث محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 122).

فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم ، وذلك يدل على أن عليارضي‌الله‌عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان الله عليهم ، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضا من سائر الصحابة (تفسير الفخر الرازي : 8 / 90 ط دار الفكر بيروت).

وإليك بعض المصادر التي تذكر أن المقصود من قوله تعالى : «وأنفسنا » هو : علي بن ابي طالبعليه‌السلام ، أنظر :

جامع البيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري آل عمران : 61 ، الجواهر في تفسير القرآن للشيخ جوهري طنطاوي آية المباهلة آل عمران : 61 ، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود آية المباهلة ، تفسير القرآن الكريم للشيخ محمد مصطفى المراغي آية المباهلة ، تفسير الكشاف للزمخشري آل عمران : 61 ، آية المباهلة ، تفسير النيسابوري ، تفسير القاسمي (محاسن التأويل) آية المباهلة ، تفسير الخازن ، تفسير النسقي (مدارك التنزيل) آل عمران : 61 ، تفسير روح المعاني للآلوسي ، تفسير القرآن الكريم لابن كثير الدمشقي آية المباهلة ، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للفخر الرازي آل عمران : 61 ، آية المباهلة ، تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للشيخ جلال الدين السيوطي ، آل عمران : 61 ، أنوار التنزيل للبيضاوي ، غرائب القرآن للنيسابوري آل عمران : 61.

(2) الأحزاب : 33.


وكلاهما حسب آية الولاية لهم حق الولاية. ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث المنزلة «علي مني بمنزلة هارون من موسى»؟ «وأن مثل أهلى بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق»؟ ألم يقل «أنا مدينة العلم وعلي بابها»؟ ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أن لحم علي لحمي ودمه دمي»؟ ألم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»؟ ألم يقل «مبغض علي منافق» ، وفي أخرى فاسق وفي أخرى كافر؟ ـ راجع كتابنا الأول والثاني من هذه الموسوعة وأسنادها عن عليعليه‌السلام وعترته ـ ، ألم تنزل الآيات البينات في فضل علي وأهل بيتهعليه‌السلام ومنها قوله تعالى( لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) (1) ؟ فمن هم ذوو القربى غير فاطمة والحسن والحسين وأبوهما ، راجع التفاسير.

فأي حدود الله ، وسنن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأوامره ونواهيه في علي وأهل بيتهعليه‌السلام اتبعوها؟ رغم كل ما مر وكل ما ذكرناه من آيات واحاديث مسندة ومسلمة في عليعليه‌السلام وأهل بيته ، فإذا جعلنا ذلك مقياسا وقاعدة وأنهم قد قاموا واستمروا وماتوا على خلاف ذلك ، فما حكمنا عليهم بعد ذلك؟ وقد رأينا نتائج أعمالهم من صدر الاسلام إلى يومنا هذا ، وما مر على الأمة الإسلامية من الخلاف والشقاق والنفاق والضعف والخذلان ، أليست كلها من مصدر تلك الفتنة؟ أم الفتن التي أسس أساسها على خلاف ما أمر الله ورسوله ، وقد قال الله تعالى :( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) (2) .

وإني لاتساءل : إذا لم تقم تلك الفتنة ويغصب بها حق علي وذريته ، ـ ذريةعليه‌السلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ هل كان يؤول الأمر إلى آل أمية وآل معيط وآل مروان الطلقاء والطرداء من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكان يقتل عثمان؟ وهل كانت تقوم الحروب

__________________

(1) الشورى : 23.

(2) الاعراف : 58.


بين المسلمين كحرب الجمل وصفين والنهروان والحروب الطواحن الأخرى داخل الأمة الإسلامية؟ هل كانت تحدث المجازر في زمن معاوية من قتل الصحابة وذبح أبناء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم وسب علي وآل البيتعليهم‌السلام ؟ إذا لم يغتصب حق علي وآل البيت : أكان يجد معاوية ويزيد من بعده الفرصة السانحة للاتكاء على منبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى أريكة الحكم ثم الفتك بآل بيت الرسالةعليهم‌السلام وفي كربلاء وقتل عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة البررة ، وبالنتيجة حرق خيام آل البيتعليهم‌السلام وسلب وسبي ذراريهم وأراملهم من الكوفة إلى الشام كأنهم خوارج أو مشركون؟.

أكانت تباح على يد يزيد مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقتل الأبرياء وتهتك الأعراض فيها وتهدم الدور؟ ، أكانت تضرب مكة المكرمة وهي كعبتهم وقبلتهم؟ وبعدها فضائح مروان ابن الحكم طريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أيجلس على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويصبح خليفته وبعده عبد الملك ابنه وعماله الفساق كالحجاج وغيرهم وفتكهم بالمؤمنين ومحبي آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعده أولاده كالوليد ذلك الفاجر الذي حرق القرآن؟ ألم يكن قيام بني العباس وفتكهم بالعلويين نتيجة لذلك الغصب الأول من أبي بكر وعمر وعثمان؟ ألم تكن هذه التفرقات والمشاكسات والمخالفات وقيام المذاهب المتعددة والفرق المختلفة في الإسلام إلا بسبب سوء ادارة الدولة بعد ذلك الغصب وتلك الفتنة الكبرى؟ حقا( والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ) (1) حقا أن أول ظالم في الاسلام كان ذلك الذي بذر بذرة الظلم فأعطت نتيجتها متعاقبة على مر الأحقاب ، الشقاق والنفاق والظلم والفساد.

ونعود لنقول لو سار القوم على ما كان في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وساروا طبق اوامر الله ، واتبعوا حدوده وآياته النازلة في عليعليه‌السلام ، واتبعوا من ولاه الله

__________________

(1) الأعراف : 58.


ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطهره الله من الرجس كما خصته بذلك الآيه وزوجته واولاده وحدهم على حد سواء ، ومن له حق الخلافة والولاية وحده لا غيره بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحكم القرآن في آية الولاية وغيرها ، واتبعوا اولى الأمر وهم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واتبعوا اوامر الله وسنن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في علي وعترتهعليه‌السلام كما جاء في آية المودة في القربى وحديث المنزلة وحديث الثقلين وحديث السفينة وحديث يوم الدار وحديث يوم الغدير. ولو أنهم لم ينقضوا ولايته وبيعتهعليه‌السلام في ذلك اليوم العصيب الذي أشهد به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم الله فقال : اللهم انت شهيدي عليهم ، وقال : اللهم اشهد أني بلغت ، وشهد جبرئيل على بيعة عمر لعليعليه‌السلام وحذره من المخالفة وقال له : لا ينقضها إلا منافق(1) ، ولو أنهم لم يتخلفوا عن جيش أسامة ، ولو أن عمر وجماعته في السقيفة لم يكيدوا للإسلام ولم يعارض عمر يوم طلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدواة والبياض ، فقال : إن الرجل ـ يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ليجهر ، ولو أنهم لم يدبروا الفتنة ولم يقوموا بها في سقيفة بني ساعدة ، ولو أنهم وهم يعرفون الحق اتبعوه وأيدوا عليا واستمروا على بيعته ولم يعادوه ويعاندوه ، ولم يغتصبوا فدكا من الزهراء بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد غصبهم مقام الخلافة ، ولو أنهم لم يصروا على المخالفة والعداوة بصورة مستمرة ، ولو أنهم لم يبعدوا الصالحين عن الولايات ويرسلوا الظالمين من أعداء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أمثال بني أمية وخالدا وعمرو بن العاص والمغيرة ابن شعبة ، ...!!

نعم لو أنهم اتبعوا من كان يقيمهم على المحجة البيضاء ، والصراط المستقيم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولو أنهم اتبعوا الحق والحقيقة في نشر أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتطبيق سننه القويمة منذ البدء ، لما عمت الأكاذيب والموضوعات والمزيفات التي وضعها شيعتهم والتي هيؤوها لهم بعد منع الحديث ،

__________________

(1) تجد الأسانيد في الجزء الأول والثاني من موسوعتنا هذه.


ولو أنهم قصدوا بالفتح تعميم العدالة والحكمة والعلم والمساواة لما فتكوا بأهل العلم من الصحابة أو إبعادهم ، ولما أمر عمر ولاته بحرق كتب العلم والأدب والفلسفة والفنون من نتاج أدمغة المفكرين من العلماء والأدباء والفنانين والكتاب خلال آلاف السنين في الإسكندرية وبلاد الروم وبلاد فارس ، بل لجهل الخليفة بمقام العلم وجهل عماله(1)

وماذا يعمل عليعليه‌السلام ولا حكم لمن لا يطاع

هذا وهم يعلمون مقامه العلمي وفضله ، ولكن الأنانية والحسد والحقد والغيرة وما يحملونه من غرائز متأصلة تمنعهم من مشورته أكثر الأوقات ، ولطالما شاوروه في أمور عندما أعيتهم الحيلة حينما وجه لهم اليهود والنصارى اسئلة محرجة فاضطروا لمشورته ، أو اتفق وحضر مجلسهم وعدل المعوج من أعمالهم ، ويشهد على صحة ذلك حينما قال عمر كرارا ومرارا (لولا علي لهلك عمر).

وهل عرفوا له حقه ومقامه العلمي ، وهل سألوه وهو يعلن لهم : «سلوني قبل أن تفقدوني» ، ويقول : «هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله» ، وهو يوضح لهم أنه أعلم بالسماء مما في الأرض ، وأنه يعلم تأويل القرآن وكل آية وفيما نزلت ، ويعلم متشابهه ومحكمه ، وقد وجدوا من علمه أنه لم يرد سائلا إلا علمه على قدر ادراكه ، وقد برهنت أقواله وأعماله على الحقيقة ، فهذا نهج البلاغة وما فيه شاهد على مقامه العلمي والأدبي ، كما شهدت أعماله ، وأين منه من يسأل عن (القدر) فيعجز عن جوابه ، وكيف هدد أبو بكر السائل حينما سأله عن القدر ، فيتحامل على السائل ويهدده حتى لا يتجاسر غيره على السؤال(2) ، وهو يعرف فحوى الآية( وأما السائل فلا تنهر ) وعجز عن تفسير الكلالة ولم يعرف معنى الأب في الآية (وفاكهة

__________________

(1) راجع بذلك الكتاب الرابع من موسوعتنا في حرق كتب العلم وشكاية أهل العلم عليه.

(2) راجع كتابنا الثالث في أبي بكر.


وأبا) وهو القائل ـ أقيلوني فلست بخيركم ، وأين منه عمر(1) أيضا ، إذ كان عندما يعييه الجواب يهوى على السائل بالدرة ، وحبس سائلا سأله عن آية قرآنية بعد ان أوجعه ضربا وهو من أشراف قومه وكل يوم يأتي به ويوجعه ضربا ، وبعدها نفاه إلى ولاية تحت نفوذ عامله وأمره بتكرار الضرب وعدم قبول شهادته حتى مات وكلاهما عجز عن تفسير كثير مما سئلا عنه ، ولقد كان عمر يعجز عن الإجابة عن أكثر الأشياء وكانت أكثر عماله وأحكامه تخالف الشريعة ، وكان يضطر أكثر الأحيان للاعتراف بعجزه حتى أمام النساء ، حتى قال في إحداها : (حتى ربات الخدور أفقه منك يا عمر)(2) .

فمن كان أكثر عمره مشركا وليس له في الحروب سطوة وفي العلم حظوة وفي المنطق حكمة وفي العمل قدرة أيساوي من أجمعت على أفضليته الأمة ونص عليه الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أو أن يطعن فيه ، حتى عمر نفسه؟ الذي قال فيه كرارا : (لولا علي لهلك عمر) ، وقال فيه : (لو وليها الأصلع لسلك بكم السبيل) ، أويساوي من تراه في نهج البلاغة كيف ينتخب ولاته وكيف يدربهم وكيف يوصيهم ، وكيف يكون قدوة لغيره ، حتى اعترف به ألد اعداءه؟ (وسيأتي ما صرح به معاوية وعمرو بن العاص فيه).

وقد رأينا كيف امتدحه القرآن ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكيف كانت سيرتهعليه‌السلام في جميع حياته ، وكيف امتنع من تعيين معاوية ، ولم يرض على ابقائه واليا على الشام ولو لأمد قصير ، كما أشار عليه ابن عمه عبد الله بن عباس ، وكيف يرضى عليعليه‌السلام أن يولى فاجرا فاسقا منافقا ، مثل معاوية أو عمرو بن العاص أو المغيرة بن شعبة وأضرابهم ، وكيف اجتمع اقطاب الفسق والفجور ضده ، وقد رأيناه كيف انتصر في حرب الجمل وكاد أن يتغلب على معاوية لولا ضربة أشقى الاشقياء ابن ملجم.

__________________

(1) و (2) راجع كتابنا الرابع من الموسوعة.


وقد رأيناه من قبل كيف فتح للاسلام بسيفه ورأيه ، وكيف كان عضدا وساعدا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذابا عنه ، ولم نجد له نكسة طول مدة حياته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سيان منها عندما كان معه في الحروب أو تلك التي كان فيها وحده ، فمنها يوم استخلفه في المدينة ، ومنها يوم تركهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكة ليوفي دينه ويرد الأمانات وينفذ أوامره ، ومنها تسييره إلى اليمن ، في حين قد خاب غيره ، ومنها يوم نصبه أمير لواء في خيبر

نعم في جميعها كان النصر له ، وأما بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد كان قد أعمله بوقوع الفتن ، وأمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصبر والتجلد وعدم القيام المسلح مهما جاروا عليه ، ومهما تجاوزوا في الفتنة والجور والتعدي ، وكأنهم علموا بتلك الوصية فقالوا للبعضهم : (إن الرجل موصى) ، وإلا من كان يجسر بالتجاوز على حريمه وهو الأبي الضيم ، فتحرق باب بيته ويكسر ضلع عقيلته الزهراءعليها‌السلام سيدة نساء العالمين ويسقط جنينها وتضرب؟ ومن كان يستطيع أن يقوده صبرا من داره إلى أبي بكر ، حاسر الرأس حافي القدمين ، وهو يقول : أنا عبد الله واخو رسوله ، ويجبرونه على البيعة لابي بكر ، وهو أميره الذي بايعه هو وعمر بالأمس وهنآه بالولاية والخلافة والإمارة من قبل؟ من كان يستطيع بدون دليل أن يغصب نحلة فاطمةعليها‌السلام ؟

ولو لم تستمر العجلة العظيمة التي سيرها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للفتح ، وبعث في نفوس العرب القدرة الروحية والإيمان بالفتوح ، وما أنزل إليه من الآيات التي بشر فيها الصابرين وهدد فيها المتخلفين والفارين ، ورأى العرب بأم أعينهم الفتوح المستمرة في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما عكسته من صور التضحية لما سارت تلك العجلة بتلك السرعة في الشرق والغرب ، ففتحوا بلاد كسرى وقيصر واستولوا على حضارتهم الواسعة وخزائنهم الجامعة وأملاكهم الشاسعة.

فماذا كانت نتيجتهم؟! وماذا استفادوا وفادوا؟ ونحن نعلم أن هذه البلاد


المفتوحة كانت مليئة بالحضارات العريقة والعلوم والحكمة والفنون الأنيقة ، وفيها الثقافات والمدنيات الرائقة والمكتاب الشائقة المليئة بالكتب ، وعندهم الأنظمة والدوائر المنظمة ، ولديها أصول الحياة الاجتماعية والصناعات والفنون وعندهم المؤسسات التعليمية والمنشآت الفنية ، والاسلام جاءهم بقوة الإيمان والوحدانية وتوحيد الكلمة والمساواة والعدالة والأخلاق السامية والمباني الإنسانية ، وحقوق الانسان التي جمعها بآية واحدة أسندتها آيات أخرى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبث الفضائل والبر والإحسان والرأفة والإخوة والاصلاح ، واتباع أصول المنطق الصحيح والعقل السليم في مسالكهم ومناهجهم ، وأن يكون الخلفاء والقادة قدوة صالحة للرعية ، ولا يكون بغيتهم إلا الخدمة العامة والخاصة للفرد والمجتمع ، وخلق روح الوفاق والوئام وبث روح الإصلاح والسلام ، وتربية الصغار والكبار على مكارم الأخلاق والفضائل والدين الحنيف والابتعاد عن الأغراض الشخصية والأحقاد النفسية ، وعدم التجاوز على الأنفس والاموال إلا في حدود كتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتشويق أهل العلم والإيمان وذوي المنطق السليم والعقل الصائب وأهل البر والاحسان ، وإبعاد أهل النفاق والفسق والفجور وشل أيديهم عن بث الفساد ، وترويج المعرفة والعلم والحكمة والعمل الصالح المثمر ، والقول الفصل چوالعدل ، وتقريب الصلحاء وإبعاد الطلحاء ، وتولية القضاة الذين يحكمهم الشرع الإسلامي الحنيف ، المستكملين للعقل والعلم والإيمان والعدالة والحسب والنسب ، وإن لا يبتعد لحظة عن مشورة العقل والعقلاء.

فهل نجد بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أية دولة اتبعث ذلك سوى في عهد علي أمير المؤمنينعليه‌السلام وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ، أعلم العلماء وأعدل الحكام وأحكم الحكماء وأقضى القضاة وأتقى الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأزكاهم وأسبقهم إيمانا وأشجعهم جنانا وانصفهم وأبرهم ، وأكثرهم إخلاصا ورأفة على الضعفاء ، وهو بعد


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع ما يحمله من القوة الجمسية والروحية والعلمية ، لم يزل شابا(1) .

فلو ولي هوعليه‌السلام الخلافة ، كيف كان ينصب القضاة والولاة ، وكيف كان يثبت العدالة والمساواة الحقيقة ، وكيف كان يحفظ مقام العلم والعلماء والحكمة والحكماء والايمان والمؤمنين ، وكيف كان يقوم طول حياته بما يجلب للإنسانية من السعادة ويشملها بالخيرات الروحية والجسمية ، وكيف كان يبث العلم والعمل ، وإن شئت فعد إلى نهج البلاغة لترى آراءه الاجتماعية وقضاءه وسياسته ، واسبر عهد مالك الأشتر ورسائله لعماله وبنيه وخطبه العظيمة ، ثم عد إلى عمله تراه عاملا ومزارعا وقاضيا وواليا ومحاربا مجاهدا ، يواسي الفقير واليتيم والأسير لوجه الله ، فهو يريد أن يعيش كعيشة أقل افراد حكومته ليتحسس باذواقهم وادوائهم واحساسهم وأنفاسهم ، ويوصي بذلك عماله.

يتساوى عنده القوي والضعيف ، والغني والفقير ، والأبيض والأسود ، والعربي والعجمي ، والقريب والبعيد ، لا يفرق بين الأفراد ساعة العدالة من أية ملة ومذهب ودين ولون وجنس ، لا يعرض بلدا إلا على مستحقه بالعدل والانصاف وإلى أقصى ما أمر به الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هكذا انتخب ولاته ، فمن مثله وكيف ستكون الأمة في عهده المديد لو ساعدها الحظ وتولى الأمر ، كيف كان يسود السلام والوئام والخير والرفاه الكرة الأرضية بعد أن يعمها الإسلام؟ وكيف لا يعم؟ ونحن نرى تأخر الاسلام إنما كان بسبب عدم اتباع الشرع وحدود الله ، فنرى اختلاف أمراء بني أمية

__________________

(1) يقول : الكاتب المصري الاستاذ صالح الورداني :

إن مكانة الإمام علي عليه‌السلام كانت ساطعة سطوع الشمس بحيث لم يتمكن القوم من حجبها عن أعين المسلمين بتأويلاتهم ، وتبريراتهم. وقد كنت واحدا من هؤلاء الذين سطعت عليهم شمس الحقيقة فأضاءت لي الطريق نحو الصراط المستقيم خط آل البيت عليه‌السلام محطما من طريقي جميع القواعد والأغلال التي صنعها القوم لتكبيل العقل ، وحجب الحقائق. (الخدعة : ص 150 ط بيروت).


في الغرب يوقف تقدمهم في اوربا ، واختلافات بني العباس وضعفهم وعدم تمسكهم بالأصول أخرهم في الشرق.

هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد في زمن عمر كيف يحكم الخليفة(1) بحرق الكتب العلمية والأدبية والفنية والحكمية والأنظمة والقوانين في الأسكندرية(2) وفارس وكل البلاد التي فتحها المسلمون ، فيعيد البشر القهقرى إلى الوراء آلاف السنين ، إذ قد أحرق نتاج أفكار فحول العلماء والحكماء والأدباء والفنانين ، ومن جهة أخرى أوقف المعارف الإسلامية بوقف تدوين الحديث والسنة ، وبعد القضاء على الصحابة في الحروب وغيرها ترك مجال الدس والتزييف والوضع بيد أبناء الطلقاء والمنافقين الذين أيد الخليفة الأول والثاني والثالث سلطانهم ، أولئك الذين لما يدخل الايمان في قلوبهم ، وهل يستطيع غير ذلك؟ ففاقد الشئ لا يعطيه ، فالخليفة قضى أكثر حياته مشركا ولم تكن له أثرة من العلم والحكمة والشجاعة والتقوى والسابقة والأصالة العائلية ، نعم فاقد الشئ لا يعطيه ، فكيف تريد أن يعم العلم والعدالة والحق والمعرفة والتقوى والأصالة إلا ممن يحملها ويعيرها وزنا؟ فهل يرجى من امثال أولئك الأمراء بعد السقيفة خيرا؟ هل ترجى غير هذه النتائج السائدة إلى اليوم؟ إننا لا نستطيع أبدا أن ننسب النتائج الحاصلة للمسلمين إلا لتخلفهم منذ يوم السقيفة واغتصاب الحكم من أهله.

إننا جميعا نقدر أعمال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونعرف حق المعرفة بما أوصى ، ونعير أهمية عظمي لعليعليه‌السلام وأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بيد أن موضوعات وأكاذيب ومزيفات كتلك التي وضعت في زمن بني أمية لا زالت تخالجنا رغم أنها تنافي المنطق السليم ، وتنافي الواقع. ونريد بعد هذا أن نوفق بين عليعليه‌السلام وأبي بكر وعمر وعثمان ،

__________________

(1) راجع أسناد ذلك في فصله من موسوعتنا (كتاب عمر).

(2) احراق عمر مكتبة الاسكندرية.


ونريد أن نقول إن الزهراءعليها‌السلام حين طالبت بفدك قالت حقا ، وبالوقت نفسه نقول إن أبا بكر قال حقا واجتهد صدقا ، ونريد أيضا أن نوفق بين قول عمر في خالد أنه قتل مسلما ونزا على زوجته ـ حينما نذكر مالك ابن نويرة ـ وقول أبي بكر إن خالدا اجتهد واخطأ ، وأعطاه وسام سيف الله على الرغم من أنه كرر تلك الجرائم بمراى ومسمع منه(1) .

ونريد أن نوفق بين كلمة عمر يوم قام بفتنته ساعة طلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو مريض البياض والدواة ليكتب للأمة عهدا لن يضلوا بعده فقال متحديا مقام الرسالة : أن الرجل ليهجر(2) ونتناسى أن أبا بكر عهد في مرض موته إلى عمر وهو

__________________

(1) راجع هذا الكتاب في فصل مالك ابن نويرة.

(2) اخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس كان يقول : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ، قال : وكأني انظر الى دموع ابن عباس على حدة كأنها اللؤلؤ ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إيتوني بالكتف والدواة ، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. قال : فقالوا : إنما يهجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . (الطبقات : 2 ق 2 / 37).

وقال الإمام الغزالي في باب ترتيب الخلافة :

ولما مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال قبل وفاته : «إيتوني بدواة وبياض لأزيل لكم إشكال الأمر ، وأذكر لكم من المستحق لها من بعدي». قال عمررضي‌الله‌عنه دعوا الرجل فإنه ليهجر سر العالمين وكشف ما في الدارين مخطوط ، انظر فهرست دار الكتب المصرية : 1 / 316. (مسند احمد : 3 / 343).

المؤلف ـ وأورد هذا الحديث سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 65 واخرجه ابن سعد عن ابن عباس فقال من كان عنده :

إن نبى الله يهجر قال : فقيل له :

ألا نأتيك بما طلبت ، قال : أو بعد ماذا ، قال : فلم يدع (الطبقات : 2 ق 2 / 36 ط ليدن).

وأخرج أحمد ، عن جابر أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده ، قال : فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها. (مسند أحمد : 3 / 316).

وأخرج البخاري ، عن ابن عباس قال : فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحديث.


أشد حالا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

نراكم تتناسون غدير خم وقد ورد فيه في من التواتر أكثر مما ورد في القرآن ، ونراكم تتجاهلون فضائل عليعليه‌السلام وكراماته وأوامر الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ولايته على المؤمنين ، وتتخبطون خبط عشواء للربط بينها وبين أعمال الخلفاء (الراشدين!) المزيفة الموضوعة في زمن بني أمية ، ونراكم تتجاهلون حديث المنزله وحديث الثقلين ، وحديث سفينة نوح وأحاديث الغدير وتتجاهلون آيات المباهلة والطهارة والولاية ومئات الآيات الأخرى في عليصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولايته ، وتريدون رد ما يدلكم عليه العقل لاتباع علي وآل محمدعليهم‌السلام ، فيعود عليكم الشيطان والنفس الأمارة ويحرفكم عن الصراط المستقيم ، ألم يقل الله في كتابه( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) (1) و( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (2) ،

__________________

= وجاء في (النهاية في غريب الحديث : 5 / 246) بعده وجاء في صحيح مسلم : إن رسول الله يهجر (صحيح مسلم : 3 / 1259 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، مسند أحمد : 1 / 335). أخرج البخاري في صحيحه : 6 / 11 : عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه : لما حضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت رجال ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فقال بعضهم : إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا.

قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول :

إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.

(صحيح البخاري : 2 / 178 بحاشية السندي ط عيسى البابي) قال الفيومي : هجر المريض في كلامه هجرا خلط وهذى. والهجر بالضم : الفحش. (مصباح المنير ص 634).

وقال ابن الأثير : الهجر بالضم. هو الخنا والقبيح من القول ومنه حديث مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما شأنه. أهجر؟ والقائل كان عمر.

(1) الزمر : 17 ـ 18.

(2) الزمر : 9.


( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى ) (1) .

وهل يستوي السابقون والمتأخرون؟ هل يستوي المجاهدون والمكافحون والثابتون والذابون والفائزون بالهاربين والمدبرين؟ هل يستوي أحباء الله مع أعدائه؟ هل يتسوي من أطاع الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأجرى حدوده وأقام سننه مع من أوقف حدوده وبدل نصوصه؟ مالكم كيف تحكمون؟ هل يستوي من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوقر العلماء والحكماء والمؤمنين ويبعد أعداء الله والمنافقين ، مع من يعمل العكس والضد. وإن أنكرت فالتاريخ أعظم شاهد على ما نقول!!.

وبعد لو كانت الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد أهلها لسادت السعادة كما ساد الشقاء الآن ولكان العالم اليوم وحدة إسلامية سعيدة ، وكانت الأرض جنانا وأمانا.

لقد شاهدتم سيرة عليعليه‌السلام زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزمن الخلفاء الراشدين (!) ، فوجدتموه حقا الصديق العادل النقي المخلص لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووجدتم سيرته زمن خلافته ، ورأيتم عماله كيف كانوا من خيرة القوم ونخبة النخبة ، ورأيتم أقواله المقرونة بأفعاله ووصياياه المأثورة. وها إنى أقدم نبذا منها : أدناه ، الدالة على عدالته وإنصافه وبره وألطافه ، حيث قال لولاته :

«وأنصفوا الناس من أنفسكم ، واصبروا لحوائجهم ، فإنكم خزان الرعية ، ولا تحسموا أحدا عن حاجته وتحبسوه من طلبته ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ، ولا دابة يعملون عليها ، ولا عبدا ، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم».

وتجده أدناه كيف يدير ويربي ولاته وعمالهم ، ويراعيهم ويراقبهم ، حيث

__________________

(1) يونس : 35.


يقول لأحد ولاته :

«انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ، ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام ، فإنهم أكثر أخلاقا وأصح أعراضا ، وأقل في المطامع إسرافا ، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا ، ثم اسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك ، ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوه لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية».

وقد أوصى بعدم كشف معايب الناس بل القيام بإصلاحها وسترها حيث بلغ بوصيته قوله :

«وليكن أبعد رعيتك منك وأشقاهم عندك أطلبهم لمعايب الناس ، فإن في الناس عيوبا ، الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر منها». ترى كيف يحرص على أدق المعاني التي جاء بها الإسلام ، ويربي ولاته وعماله عليها ويقيم لهم أدق النصائح والآراء الحكيمة ، ويقودهم إلى النهج القويم من الابتعاد عن مواضع الضعف والخيانة ، ومصادر الشرور والفجور ، فيقول :

«ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ، ويعدك الفقر. ولا جبانا يضعفك عن الأمور ، ولا حريصا يزن لك الشره بالجور ، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله».

ونراه يوصى بالابتعاد عن الأشرار والآثمين والظلمة وعدم الاستعانة بهم


على إدارة الأمور ، فيقول : «إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ، ومن تركهم في الآثام ، فلا يكونن لك بطانة ، فانهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة ، وأنت واجد فيهم خير الخلق ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه اصارهم وأوزارهم» ،

وأما زهده فحدث عنه ولا حرج.

وأكتفى بإحالتك إلى نهج البلاغة ومن شرح ذلك كابن أبي الحديد :

( والوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غداقا * لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا * ) (1) .

( أرأيت من اتخذ الهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) (2) ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) (3) .

( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) (4) .

( وبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) (5) صدق الله العلي العظيم.

__________________

(1) الجن : 16 ـ 24.

(2) الفرقان : 43.

(3) الفرقان : 44.

(4) الكهف : 29.

(5) الزمر : 17 ـ 18.


المحتويات

نبذة عن المؤلف رحمه‌الله 5

كلمة المعلّق 9

كلمة المؤلف 11

الحكومات وأنواعها في العالم وأنواع الانتخابات 15

كيف بدأت الحكومات؟ 17

أنواع الحكومات في العالم 23

علم التربية 47

ـ اللائحة الأولى ـ 53

ـ اللائحة الثانية ـ 55

المحتويات 119