السيّد محمّد كاظم اليزدي
سِيرتُهُ وأضواء على مرجعيّته ومواقفه
ووثائقه السياسية
السيّد محمّد كاظم اليزدي
سيرته وأضواء على مرجعيّته ومواقفه
ووثائقه السّياسيّة
حقائق ووثائق ومذكّرات من تاريخ العراق السّياسي
لم يُنشر بعضها من قَبل
كامل سلمان الجبوري
بسم الله الرّحمن الرحيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيِّ الأمين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجَبين.
وبعد:
العراق، أو بلاد مابين النهرين، البلد الغني بخيراته الوافرة، الثريّ بثرواته المعدنية والزراعية التي لا تنضب، ممّا جعلته منذ أمدٍ بعيدٍ محطّ الأنظار، خصوصاً أنظار الدول الاستعمارية الطامعة، التي أخذت تُعنى عنايةً بالغة في تدبير الكيفيّة التي يمكن بها أن تسيطر على هذه الثروات الطائلة، وأن تتغلغل بين ظهراني أبنائه، والاتصال بمختلف طبقات سكّانه، فتارةً بمشاريع كبرى، وأُخرى عن طريق خيريات وتبرّعات ومساعدات إنسانية كـ ( خيرية أوده ) وغيرها.
ولم يتركوا أيّة فرصة في التغلغل بين الصفوف لكسب رضا الناس واسترضائهم، ومجاملة زعماء الدين المتنفّذين، ولم يَدُرْ في خَلَدهم أنّ زعماء الدين كانوا يقظين كل اليقظة، يتابعون عن كثب جميع تصرّفاتهم ومحاولاتهم، بالرغم من السُبات العميق الذي يغطّ به الحكّام الأتراك، حكّام العالم الإسلامي الكبير.
إضافةً إلى الخلفيّة التاريخية التي يتمتّع بها العراق، فقد كان له دور كبير في التاريخ الإسلامي، حتى أصبح يمثّل الحجم الكبير في هذا التأريخ، باعتبار أنّه البلد الذي عاشت فيه الأحداث الكثيرة، التي تركت بصماتها على كل ملامح الأوضاع السياسية اللاّحقة في مختلف بلاد العالم الإسلامي في حياة الشعوب الإسلامية، بحيث لا تجد أي تجمّع إسلامي في انتماءاته المذهبية، أو في اتجاهاته الفكرية، أو في خطوطه السياسية، إلاّ وتلاحظ وجود شيء عراقي في أي جانب من تلك الجوانب، سواء كانت: فقهية أو كلامية أو لغوية أو سياسية؛ لأنّ العراق كان يحمل في تأريخه اتجاهات تلك الجوانب، سواء كانت فقهية أو كلامية أو لغوية أو سياسية.
وفي العراق مدينة النجف الأشرف، التي تمثِّل المركز العلمي الديني الأوّل للمسلمين في العالم؛ فهو الذي يتولّى إعداد الفقهاء الذين ينطلقون لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون، أو ليمنحوا الفكر الفقهي والفلسفي عمقاً وامتداداً وحيويّة، وليفتحوا النوافذ على آفاق الشعر والأدب، من خلال الشعراء والأُدباء الذين يعيشون في دائرة النشاط الثقافي الإسلامي في النجف الأشرف.
وهو بعد ذلك - أي النجف - يراقب الأوضاع السياسية المتحرِّكة في العالم الإسلامي، لاسيّما في البلدان التي ترتبط بالمرجعيّة الدينية في النجف، وتتحرّك من خلال الفتاوى الصادرة عنها لتواجه حاكماً ظالماً، أو دولة جائرة، أو محتلاًّ كافراً غادراً؛ لأنّ الحركة التي تنطلق من الفتاوى الشرعية تُبدع الشهادة في مواقع الجهاد، وتوحي بالأجر العظيم في مواقع التضحية... الأمر الذي يجعل الواقع السياسي الإسلامي متأثِّراً، بطريقة سلبية أو إيجابية، بالواقع الفقهي الذي يمثّله العلماء الفقهاء في حركتهم الشرعية في الصعيد السياسي سلباً أو إيجاباً.
وقد عاشت المرجعيّة الدينية في القرن الرابع عشر الهجري حركةً حيّةً في الواقع السياسي الذي كان يطلّ - في أكثر من مرحلة تاريخية - على إيران باعتبار الارتباط المباشر بين المرجعيّة وبين الشعب الإيراني المسلم الذي يلتزم بفتاواها، ويتحرّك من خلال تعليماتها في قضاياه الداخلية على مستوى التعقيدات المتصلة بشخصية الحاكم، وطبيعة الحكم وشرعيّة القانون وقضاياه الخارجية المتصلة بعلاقاته بالدول الأجنبية الكافرة، التي كانت تحاول السيطرة على مقدَّراته السياسية والاقتصادية، فيما كانت تخطّط له من معاهدات واتصالات، وما إلى ذلك، فكانت الفتاوى الشرعية تواكب التحرّك الشعبي وتوجِّهه وتقوّي مواقعه، وكانت التعليمات الحركية، والمداخلات السياسية تعمل على ترشيد الحركة.
ولنا في الحركة الدستورية ( المشروطة والمستبدّة ) خير دليل على الانفتاح السياسي في ذهنيّة المرجعيّة الدينية، وفي حركيّتها الثوريّة، فلِقادة المشروطة رأيهم في قيادتها للسير بالأُمة إلى حياةٍ حرّةٍ كريمة تحت لواء الشورى والديمقراطية، ولزعماء المستبدّة بُعد نظرهم في عدم السير بركاب قافلة أُولئك؛ لِما آل إليه المصير - فيما بعد - متحققاً ما كانوا يخشونه من نتائج.
وإذا جرينا مع حركة الجهاد على 1914 في العراق، فإنّنا نجد وعياً إسلامياً وحدويّاً متقدّماً في مواجهة الانكليز، بالانضمام إلى الجيش التركي الذي كان يمثِّل الدولة العثمانية الإسلامية، في الوقت الذي كان علماء الشيعة في النجف وفي غيرها يعانون من ضغط الأتراك على المستوى السياسي والمذهبي، ممّا قد يترك تأثيراً على مستوى التحرّك في الأوساط التي تفكّر في الدائرة الإسلامية بطريقة مذهبية، التي يفضّل فيها البعض الخضوع للحاكم الكافر على الخضوع للحاكم المسلم، إذا كان من مذهب آخر، انطلاقاً من العقدة المذهبية أو في الممارسات الظالمة في تصرّفه تجاه أهل مذهبه.
إنّ دراسة وثائق تاريخ العراق السياسي الحديث توحي إلينا بأنّ المرجعيّة عندما تتحرّك في خطّ الثورة الشعبيّة ضد المستعمر الكافر، فإنّها تتحرّك في المستوى الرفيع من الوعي السياسي المنفتح،
والإرادة الحديدية والموقف الصلب، وانطلاقاً من عمق الحكم الشرعي الإسلامي في مسألة الجهاد، بنفس القوّة التي يمارسون فيها الحكم الشرعي في العبادات من الصلاة والصيام والحج ونحوها، وانسجاماً مع مصلحة الإسلام العليا في مقابل الكافرين والظالمين، بعيداً عن العقدة المذهبية.
وهذا ما حصل للسيد اليزدي مع عدد من الأحداث الصعبة، والمشاكل العويصة، على واقع الساحة الإسلامية، خصوصاً العراق وجيرانه.
وكانت أُولى القضايا التي واجهته هي: قضيّة الحركة الدستورية ( المشروطة ) وكانت يومذاك المرجعيّة الدينية منحصرة بين زعيمين كبيرين هما: الميرزا محمد كاظم الآخوند الخراساني، والسيد اليزدي. وهما البقيّة من عدد من المراجع الذين ذهبوا إلى جوار ربّهم في حقبة قريبة.
فقد وقف السيد اليزدي من المشروطة موقفاً حيادياً، وكلّما أُريد منه - وبإصرار - على الموافقة، وأصرّ هو على الامتناع ( باعتبار أنّه أمر مجهول العاقبة، ولا يسوغ لي الموافقة على أمر مجهول، بل ربّما كان يبوح ويقول إنّه أمر لا يترتّب عليه إلاّ الضرر والفساد، ولكنّي لا أمنع ولا أُوافق ).
إضافةً إلى ذلك، فقد كانت نظرته إلى المشروطة قائمة على أساس رصد الممارسة الفعليّة، التي يقوم بها بعض رجال المشروطة، وتشخيص دوافعهم من ورائها. وكان يعتبر أنّ موقفهم الحقيقي معادٍ للإسلام، وأنّهم يريدون تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع. ولكنّ الفريق الآخر بعدم موافقته جعله معارضاً، بل جعله زعيم المستبدّة ورئيسهم، فبالغوا وبلغوا الغاية في توهينه وسبّه، والطعن عليه، حتى صدّقت الأيام فراسته، وبرهنت على بُعد نظره وعمق غوره.
ومن مواقفه على الساحة العربية الإسلامية، هو الإفتاء بوجوب الدفاع عن طرابلس الغرب - ليبيا، ضد الاحتلال الإيطالي، ومواجهة التحدّي الاستعماري الذي تتعرّض له البلاد الإسلامية.
وشارك في قضية الاحتلال الروسي لبعض المدن الإيرانية الشمالية، بإصداره بياناً أفتى فيه بالجهاد، واستنكر بشدّة الهجوم الاستعماري الذي تقوم به كل من: إيطاليا وروسيا وبريطانيا على بلاد المسلمين، ودعا إلى التصدّي للاستعمار والتنبّه لمكائده، والدفاع عن كيان الدولتين الإيرانية والعثمانية. هذا بالرغم من سوء علاقته بالحكومتين، ولكنّ رؤيته للخطر الذي تتعرّض له البلاد الإسلامية، وتشخيصه لأبعاد التحدّي الاستعماري جعلته يتخذ هذا الموقف الحاسم.
وفي حركة الجهاد ضد الغزو البريطاني للعراق 1914، وقف موقفاً مشرّفاً قيادياً في تعبئة الجماهير، فقد كان - بصفته المرجع الديني الأعلى - في طليعة العلماء الذين أفتوا بالجهاد، ولم يكتف بهذا، بل أرسل ولده ( السيد محمد ) على رأس وفد من العلماء للإشراف ميدانيّاً على مجريات المعركة،
والشدّ على أيدي المجاهدين، وبقي هو في النجف يقود المعركة، ويعبّئ لها الرأي العام، من خلال مكاتبته لزعماء القبائل ورؤساء المدن والقصبات للالتحاق بجبهات القتال، وإدارة المعركة...
وله دور في حركات العصيان والثورة على الأتراك كحادثة عاكف بك في الحِلّة، وحادثة حمزه بك في كربلاء، ومعارك بني حسن مع النجفيين، وغيرها، على نحو ما سنفصِّله في الفصل الخاص بها.
أمّا الموقف الأكبر الذي أثار كثيراً من التساؤلات، فهو ما حدث بعد مقتل الكابتن مارشال، والذي أُطلق عليه (ثورة النجف )، فقد أوغلتُ بتفاصيله ومناقشته، وخرجتُ بنتائج وضعتها أمام القارئ الكريم على هيئة يوميّات، أو حِقَب زمنيّة، بالقدر الذي يعطي كامل الدور، ويصف الحالة بكل تفاصيلها ودقائقها؛ ليطّلع المتتبع على سلامة الدور الذي لعبه السيد اليزدي، مستوفياً ذلك ممّا أفادتنا به مصادرنا ووثائقنا.
أمّا في الثورة العراقية، التي بدأ زعماء القبائل، وشيوخ الأطراف في النجف، وشبابها المتطلّعين يخططون لها، فقد قام ثلّة منهم بمفاوضة السيد اليزدي في الأمر سرّاً وتحت حُجب الخفاء. ولمعرفة السيد بأحوالهم وعدم ثقته ببعضهم؛ تنصّل من الدخول معهم ومساعدتهم، وقال لهم: ( أنا لا آمركم ولا أنهاكم، فدعوني جانباً وملجئاً عند الفزع، وعدم الفوز، لا سمح الله ). ولكن المضبطة التي نظمّت للمطالبة بحكومة مستقلّة استقلالاً تامّاً ناجزاً برئاسة ملك عربي مسلم، مقيّد بدستور مجلس تشريعي منتخب، كجواب وحلّ وسط للآراء حول عملية الاستفتاء، كان تنظيم هذه المضبطة بموافقة واستشارة السيد اليزدي. وأخيراً كان الصواب في عدم موافقته... إذ تحرّك الرؤساء والزعماء فكانت الفوائد لهم، والنتيجة لأُولئك الذين ما أُصيبوا في تلك الحوادث بشوكة، ولا خسروا في الثورة قلامة ظفر، والوزر والكفاح على أُولئك الضحايا، وسُرقت تلك الجهود دون أن يستفيدوا منها شيئاً.
والسيد محمد كاظم اليزدي، الأُنموذج المرجعي الرائع، أُثيرت حوله الكثير من التهم والشكوك، حتى صار التعرّض له، وإثارة التهم حول موقفه مع الانكليز لازمة منهجية في الدراسات التأريخية للمرحلة التي عاصرها، ولعلّ تحديد الموقف الحقيقي لهذه الشخصية التاريخية تجاه الانكليز من تعاطف أو حياد أو عداء، أصبح يمثّل منطقة حسّاسة في تأريخ العراق المعاصر، وإصدار الحكم بحقّها مسألة خطيرة ليس من أبعادها الأدبية والأخلاقية، باعتبار أنّ المتّهم في ذمّة التأريخ، والتريّث في إصدار حكم تأريخي بحق أي شخصية من الماضي، لا يمكن أن يتجاوز الثوابت المنهجية التالية:
1 - إنّ الماضي له ظروفه ومكوّناته التي تختلف عن الحاضر؛ وعليه، لا يمكن اعتماد عرف الحاضر كوسيلة لتقويم الماضي وتفسير وقائعه وحوادثه؛ لأنّ حوادث الماضي لها بعدها التاريخي في الانتماء لمرحلة سابقة، لها ظروفها وأجواؤها ومحرّكاتها الخاصة.
2 - عدم دقّة المؤرِّخين، أو كتّاب التأريخ، ومسجّلي الحوادث، مهما كان حجم جهودهم المبذولة؛ لأنّ الموقف التأريخي يتشكَّل من عنصرين أساسيين: الفعل والدافع، فإذا كان الفعل يمكن رصده وملاحقة تفصيلاته وجزئيّاته وصولاً إلى درجة الدقّة القياسية، فإنّ الدافع يخرج عن ضوابط الرصد الصارمة، ولا يمكن أن تتحقق حالة القطع النهائي في الإحاطة التفصيلية بالدافع، بحيث تشكّل مسلّمة تاريخية نهائيّة غير قابلة للنقاش، وحتى الإقرار الشخصي الذي يُعتبر وثيقة تاريخية عالية الأهميّة، لا يمكن في بعض الحالات الأخذ به كمسلّمة تاريخية.
3 - إسناد الكثير من المواقف التاريخية إلى غير أصحابها الحقيقيين، فبروز بطل تاريخي على حساب آخر لم يصل إليه التسجيل التأريخي لأسباب مختلفة، ربّما كان بعضها عضويّاً، وقد تقود الأحداث والظروف رجلاً إلى قمّة الموقف التاريخي دون إرادته، وبمقدّمات صنعها آخر أو آخرون، ولهذه الحالة أمثال كثيرة في تأريخ الشعوب، حيث تشمل العناية البعض وتهمل البعض.
4 - إنّ الشكل العام للحوادث يدور بين جهتين، وفي كثير من الأحايين تكون نتائجها إيجابية لجهة، وسلبية لجهة أُخرى، وهذا شيء طبيعي. إلاّ أنّ هناك حالة ثالثة، هو أن تصب النتائج النهائية لصالح جهة لم يكن لها في الحدث أي علاقة. فلا يمكن أن نجعل من أحد الطرفين له علاقة مع المستفيد الأخير، وهذا ما حدث فعلاً مع مواقف السيد من المحتل البريطاني، الذي أشار مراراً إلى أنّه أفاد من مواقف السيد اليزدي.
ولابد من الإشارة إلى أنّ انعكاسات موقفه من المشروطة، جعلت من بعض مناصريها وهم طليعة الأُدباء والشعراء والمثقّفين والصحفيين النجفيين - يومذاك - منابر إعلام مضاد في إبراز مواقف السيد اليزدي بشكل مشوّه، غير أنّ السيد اليزدي لم يكترث لهذه الحرب الإعلامية، ولم يردّ على افتراءاتها وتصوّراتها.
* * *
علاقتي مع السيد اليزدي تمتد جذورها إلى عام 1392 هـ / 1972 م، عندما نشرت كتابي ( الكوفة في ثورة العشرين ) يوم لم تصل إلى يدي أيّة وثيقة، أو تحت تصرّفي المصادر الكافية، ولم تنكشف أمامي
الحقائق التأريخية كما هي اليوم، فكانت دراستي يعوزها ما حصلت عليه فيما بعد، وثائق ومستندات ورسائل وبيانات ومصادر، ومقابلات شخصية مع معاصريه ومؤيّديه ومناوئيه.
وقد عزّز هذه المقابلات لقاءاتي المتكرّرة مع المغفور له العلاّمة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي، والذي ارتبطت معه بصحبة وثيقة بواسطة الأُستاذ الفاضل المغفور له الشهيد عبد الرحيم محمد علي، فقد تفضّل السيد المحقق بإعارتي مجموعة من الوثائق الخطّيّة وسماحه لي بتصويرها.
ثم تابعت السيد اليزدي بما ورد عنه في الوثائق والتقارير الانكليزية، التي نشر بعضها في صحفهم التي أصدرتها حكومة الاحتلال، وبياناتهم التي وزّعوها، أو مذكّرات قادتهم التي طُبعت فيما بعد.
وبعد أن كتبت عن سيرة السيد اليزدي، ومسيرته الدراسية والتدريسية، وأحواله الشخصية والاجتماعية، ومرجعيته وحياته العلمية، وسلّطت الأضواء على مواقفه التي وقفت منها موقف المحايد - وهذه طريقتي التي اعتدتها في كتاباتي - وأيم الله العلي القدير - لو أنّي توصّلت في بحثي غير هذا؛ لأثبّته، ولأعطيت فيه رأيي دون مراباة أو محاباة، ولم تأخذني في الله لومة لائم.
ولم أخرج دراساتي الأخيرة عن تاريخ النجف السياسي الحديث في وقت سابق؛ لئلاّ تخضعني الظروف فينحرف القلم إلى غير الواقع. فهذا جميع ما في قناعتي، خبرة دراسة واعية لتأريخ العراق السياسي ووضعه الاجتماعي، لفترة تبدأ من قُبيل الاحتلال البريطاني وما تلتها من أحداث ووقائع.
ولم تكن هذه الإشارات السريعة التي أوردتها، أقصد من ورائها الدفاع عن السيد اليزدي كشخصية مرجعيّة عُليا لها شأنها المتقدّم في تلك الفترة، إنّما سقتها كمقدّمات سريعة لدراسة دوره ومواقفه في الأحداث التي عاصرها بسياقاتها الحقيقية من خلال الوقائع الحاصلة آنذاك.
ومازلنا بصدد إصدار تقويم حقيقي حول شخصية السيد اليزدي، فمن الضروري أن نسير مع الحدث في تطوّراته اليومية المتلاحقة وصولاً للحقيقة المتوخّاة...
فكان كتابي هذا يضم خمسة فصول، وخمسة ملاحق، وهي كالآتي:
الفصل الأوّل: سيرته ودراسته وتدريسه:
وقد تحدثت فيه عن: نسبه وأُسرته وولادته، ودراسته وأساتذته في: يزد ومشهد وأصفهان والنجف الأشرف. ثم تدريسه وتلامذته، وقد ترجمت لأكبر عدد منهم، فإجازاته العلمية والروائية، وذكرت شيوخه بالرواية، وممّن أجازهم بالاجتهاد والرواية.
الفصل الثاني: مرجعيّته وحياته العلمية:
وفيه الحديث عن مرجعيّته العلمية العليا، وآرائه الفقهية المتميّزة، وبراعته في علم الفقه والأُصول، ثم ذكر جوانب من أخلاقه وطباعه، وفهرساً تفصيلياً لتصانيفه ومؤلَّفاته، ونظمه للشعر العرفاني، فمشاريعه: كمدرسته الكبرى، وموقوفاته لسدّ نفقات المدرسة، ومدرسته الثانية.
الفصل الثالث: أضواء على مواقفه:
وقد تحدثتُ فيه عن مواقفه من الأحداث التي عاصرها، كالحركة الدستورية الإيرانية ( المشروطة ) وتداعياتها في العراق، والهجوم الايطالي على طرابلس الغرب - ليبيا، والهجوم الروسي على إيران، وحركة الجهاد ومقاومة الغزو البريطاني للعراق، والحوادث التي تلته من خلال الانفلات الأمني، فمقتل الكابتن مارشال ( ثورة النجف ) وتداعياتها، ثم مقدّمات الثورة العراقية.
الفصل الرابع: في رحاب الخلود:
وقد أوردت فيه وصيّتيه: الأُولى والثانية، ثم مرضه ووفاته، والمآتم ومجالس التأبين التي أُقيمت بالمناسبة والمراثي التي أُلقيت فيها، وأقوال العلماء فيه، وترجمت لأولاده وأحفاده وأعلام أُسرته، ورسمت مشجّراً لأُسرته ونسبه، وختمت الفصل بأهم مصادر ترجمته العربية والفارسية.
الفصل الخامس: الوثائق السياسية الخاصة بمواقفه من الحركات والأحداث، التي بحثتها في الفصل الثالث، مع صورها عن النسخ الأصلية المخطوطة، ومصادر الحصول عليها.
أمّا الملاحق فهي:
- صفحات من مذكّرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
- من مذكّرات السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني.
- الصحيفة الكاظمية: من إنشاء السيد اليزدي.
- الكلم الجامعة والحكم النافعة: من إنشاء السيد اليزدي أيضاً.
- بستان نياز وكلستان راز: من إنشاء ونظم السيد اليزدي كذلك.
وختمت الكتاب بوصفٍ لأهمّ مصادر ومراجع الكتاب.
وقد ضمّنت فصول الكتاب بصور فوتوغرافية ووثائق خطّيّة، أثبتّ نصوصها كما هي؛ حفاظاً على الأمانة العلمية والتاريخية، دون أي تغيير أو إضافة، كما كتبها صاحبها.
وبعد أن أكملت الكتاب وأنجزت تأليفه وإعداده، قمت بزيارة مكتبة المحقق الطباطبائي في قم - إيران، وحظيت بمقابلة العلاّمة الفاضل السيد علي بن السيد عبد العزيز الطباطبائي، وأطلعني
على المسوّدات التي كتبها والده، وزوّدني ببعض الصور الفوتوغرافية التي تهمّ البحث، فله منّي جزيل الشكر ووافر التقدير.
كما أتوجّه بالشكر الجزيل والثناء العاطر لكل مَن آزرني في إخراج هذا الكتاب: بتقديم وثيقة، أو ترجمة نصّ، أو إرشادي لمصدر وغيرها.
هذا ما استطعت تقديمه، وكلّي أمل أنّي قد قمت بجزء من الواجب الذي تحتِّمه عليّ خدمة الوطن العزيز ورجاله المخلصين.
وما التوفيق إلاّ من عند الله،
حسبي الله ونعم الوكيل،
عليه توكّلت وإليه أُنيب.
العراق - الكوفة، السبت في 1 ربيع الثاني 1427 هـ، 29 نيسان 2006 م. |
كامل سلمان الجبوري مؤسِّس المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف، ومديره سابقاً. |
* أفدنا في إعداد هذه المقدّمة ونصوصها من المصادر التالية:
- تاريخ العراق السياسي المعاصر ج 2.
- دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار.
- مذكّرات الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قُدّس سرّه)
الفصل الأوّل
سيرته ودراسته وتدريسه
* نسبه وأسرته.
* ولادته.
* دراسته وأساتذته.
- يزد.
- مشهد.
- أصفهان.
- النجف الأشرف.
* تدريسه وتلامذته.
* إجازاته العلمية والروائية.
نسبه وأُسرته
هو السيد محمد كاظم بن السيد عبد العظيم بن إبراهيم بن السيد علي الطباطبائي اليزدي.
والطباطبائيّون سادة حسنيون من ذرّيّة السيد إبراهيم الملقّب بطباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام)(1) .
ينحدر السيد اليزدي من أُسرة فلاّحيّة تعمل بالزراعة، فوالده السيد عبد العظيم من أحد ملاّكي قرية (كسنو )(2) من قرى يزد، تبعد عنها بحدود 30 ميلاً، وهي الآن داخلة ضمن حدود البلدة، ويعمل لنفسه في أراضيه بالزراعة.
ولادته
وُلد السيد اليزدي في قرية (كسنويه ) على وزن جعفريّه سنة 1252 هـ(3) .
____________________
(1) أوردت بعض المصادر أنّ والد السيد عبد العظيم هو ( إسماعيل بن إبراهيم بن علي الطباطبائي ).
انظر: ترجمة السيد إسماعيل بن حسين بن إسماعيل، في بحث ( أولاده وأحفاده... ).
وقد وجدت ضمن أوراق السيد عبد العزيز الطباطبائي سلسلة نسب لم يتم تحقيقها بعد، نصّها: ( السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي بن عبد العظيم بن خليل بن محمد علي بن محمد حسين بن سعيد بن أبي الحسن بن محمد سعيد بن أبي الحسن بن محمد ابن فاضل بن قاسم بن محمد بن القاسم المدفون بطوشال من قرى أصفهان ابن أمير بن حسن بن محمد بن زين العابدين بن إسماعيل بن عباد بن أبي المجد بن عباد بن علي بن حمزة بن طاهر بن علي المكنّى بأبي الحسن الشاعر الملقّب بشهاب الدين بن أحمد بن أبي الحسن محمد الشاعر الأصفهاني المتوفّى سنة 322 هـ، ابن أحمد المكنّى بأبي الفتوح المتوفّى بأصفهان، المكنّى بأبي جعفر المدفون عند جدّه بجميلال بأصفهان، ابن الرئيس أحمد المكنّى بأبي عبد الله بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
(2) كسنويه: اسم بنت يزدجرد، آخر سلاطين الفرس، الذي فرّ هارباً فقُتل في طاحونة، وكانت القرية لها فسُمّيت باسمها.
(3) ورد في مسوّدات كتاب ( السيد اليزدي ) للسيد عبد العزيز الطباطبائي: أنّ تأريخ ولادته هذا ( على الصحيح الثابت عند أُسرته وذويه، من أنّ عمره الشريف حين قُبض 84 سنة، لا ما اشتهر أنّ ولادته كانت عام 1247 هـ، لاشتهار أنّه بلغ التسعين من العمر ).
انظر: نقباء البشر - خ - ص 15، وفيه: أنّ ولادته سنة 1247 هـ، و( المشهور عند أحفاده أنّه وُلد سنة =
دراسته وأساتذته
يزد:
عندما ترعرع السيد اليزدي وشبّ؛ ظهرت أسارير الذكاء والنبوغ في وجهه، وأحسّ والده بذلك، رغب أن يدخل ولده في سلك العلماء ويتزيّن بزيّهم، وكان يبدي له ذلك حيناً بعد حين، وآونة بعد أُخرى، إلاّ أنّ السيد اليزدي لم يكن راغباً في ذلك لاستئناسه بالوضع الذي كان عليه أبوه من الزراعة والتعيّش عن طريقها.
توفّي والده وله من العمر أحد عشرة سنة، فاغتمّ السيد اليزدي لذلك غمّاً شديداً، وبلغ به الأسى والحزن، وبقي وهو الوحيد ينوء بحمل عائلة مكوّنة من سبعة بنات ولما لم يكن سواه، ولم تكفِ واردات أرضهم الزراعية لنفقاتهم، فقد عمل مستخدماً في مدرسة بقرية قريبة من منطقتهم، وهناك تعلّم القراءة والكتابة والمقدّمات، وبدت علامات النبوغ تظهر على أساريره، أبلغه القائم بشؤون المدرسة أن ينخرط في صفوف طلاّبها، وأن يترك عمله في الخدمة.
واستمرّ طالباً في المدرسة فترة من الزمن، ثم غادرها إلى مدينة يزد(1) .
وفيها اشتغل بالدراسة لدى أساتيذها، واختار لنفسه حجرة في مدرسة دومنار ( مدرسة محسنية يا دومنار ) المعروفة في يزد(2) .
وفي يزد(3) قرأ مقدّماته في العربية على الملاّ حسن بن محمد إبراهيم الأردكاني(4) .
____________________
= 1252 هـ ).
(1) هذا ما حدثني به سماحة العلاّمة السيد محمد مهدي الخرسان، عن السيد محمد بن السيد إبراهيم الديواني - أحد تلامذة السيد اليزدي - وقد سمع الديواني أستاذه يتحدث ببدايات حياته مراراً، وبين حديث وآخر يفصله بعبارة: ( كوش مدي أغا زاده ) أي: اعتبروا يا أبناء السادة، اسمع يا بن السيّد.
وحدثني به أيضاً الشيخ محمد شريف آل كاشف الغطاء، نقلاً عن والده الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، وهو الآخر من تلاميذ السيد اليزدي.
(2) يذكر السيد رضا الطباطبائي أنّه زار الحجرة التي كان يسكنها السيد اليزدي، ويغلب ظنّه أنّها كانت في زاوية المدرسة أو قريباً من الزاوية.
(3) انظر: نجوم السرد بذكر علماء يزد، ص 711.
(4) الشيخ المولى حسن بن محمد إبراهيم بن محتشم الأردكاني اليزدي ( ت 1315 هـ )، عالم فقيه، فاضل، متتبّع، ورع، جليل، تقي، زاهد عابد، متبحّر في الأدب العربي، وله يد طولى في الشعر.
من كتبه: شرح قصيدة السيد الحميري العينيّة. =
وسطوح الفقه والأُصول على الآخوند ملاّ هادي بن ملاّ مصطفى (ت 1308 هـ)، والآخوند زين العابدين عقدايي ( كان حيّاً 1327 هـ ).
مشهد:
وبعد أن أنهى دراساته في يزد، سافر إلى المشهد الرضوي المقدّس للتشرّف بزيارة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وللاستفادة من علمائها، وكانت يومذاك تعجّ بكثير من أعيان العلماء والمدرِّسين، وهناك درس الفقه والأُصول والفلسفة والهيئة والرياضيات على خيرة أساتذتها(1) .
أصفهان:
وحيث رأى استغناءه عن أساتيذه هناك؛ توجّه إلى أصفهان، فشرع في الحضور في نوادي العلم الكبرى التي يحضرها العلماء، وفحول الفقهاء من أهل أصفهان، وقاطنيها من أهل البلدان لشهرتها بمعارفها، ورواج أسواق العلوم بها، فقد حضر درس الأُستاذ الأكبر الشيخ محمد باقر الأصفهاني(2) مع ولد أستاذه الشيخ محمد تقي المعروف بأغا نجفي(3) ، والشيخ حسين الشيرواني
____________________
= ( ترجمته في: أعيان الشيعة 5 / 236، الذريعة 14 / 9، معجم المؤلِّفين 3 / 275، نقباء البشر 1 / 378، أعيان الشيعة 5 / 236، معجم المؤلِّفين 3 / 275، الذريعة 12 / 290، 14 / 9، معجم مؤلِّفي الشيعة 20، دائرة المعارف تشيّع 2 / 68، فرهنك رجال ومشاهير تاريخ معاصر إيران / 329، مصنّفات شيعة 4 / 238، فرهيختكان دار العباده 59، شكوه بارسايي وبايداري 4 / 61، سيد محمد كاظم يزدي فقيه دورانديش 31، دانشمندان يزد 29 ).
(1) حول أساتيذه في مشهد انظر: كتاب ( بارسايي وبايداري ص 4 ).
(2) الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي ابن الحاج محمد رحيم الإيوانكيفي الطهراني (1235 - 1301 هـ) من مشاهير علماء عصره، فقيه مجتهد، زعيم، مؤلِّف، أُمّه بنت الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 198، تذكرة القبور 160، ريحانة الأدب 3 / 404، هدية الأحباب 185، المآثر والآثار 142، مكارم الآثار 3 / 1007، الفوائد الرضوية 409، نجوم السماء 2 / 2، معجم رجال الفكر 1 / 131 وغيرها ).
(3) الشيخ محمد تقي بن محمد باقر بن محمد تقي بن محمد رحيم الإيوانكيفي الوراميني الطهراني ( 1262 - 1332 هـ ) من كبار العلماء ورؤساء المذهب في عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 247 - 248 ).
القمّي(1) ، وفي خلال حضوره في إحدى جلسات الدرس، جرى حوار بينه وبين الأُستاذ حول أحد المطالب المبحوث فيها، فوقع السيد اليزدي موقعاً عظيماً في عين أُستاذه، بحيث أدّى إلى تعطيل الدرس في ذلك اليوم، وبادر الأُستاذ إلى الاهتمام بتلميذه الجديد اهتماماً عظيماً، وفي نفس اليوم طلب منه الحضور في مجلس استفتائه المنعقد في داره، وطلب منه أيضاً أن يجعل بحثاً علمياً بينه وبين ابنه - أغا نجفي - المذكور، وشرع السيد اليزدي بتدريس ( كتاب المكاسب ) للشيخ الأنصاري سطحاً، وكان يجتمع في درسه الجمّ الغفير من الطلاب والمشتغلين.
وبعد أن برع وكمل حصلت له الإجازة من شيخه المذكور.
وخلال مدّة إقامته في أصفهان كان معزّزاً مكرّماً عند أُستاذه، لا يغفل عن النظر في أحواله وقضاء حوائجه(2) .
وقد اتخذ مسكنه في حجرة بمدرسة الصدر.
كما أخذ عن الحاج محمد جعفر الآبادي(3) ، والسيد محمد باقر بن زين العابدين الخوانساري صاحب روضات الجنّات(4) ، والحاج ميرزا محمد هاشم الجهارسوقي(5) .
النجف الأشرف:
بعد ذلك عزم على المهاجرة إلى النجف الأشرف، وقد تكفّل نفقات سفره الخاصة أُستاذه الشيخ محمد باقر الأصفهاني مع زميليه المذكورين: ( الشيخ حسين القمّي،
____________________
(1) الشيخ حسين بن الميرزا علي محمد الشيرواني القمّي (حدود 1260 - 1336 هـ) عالم كبير، وفقيه فاضل، وورع صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 622 - 623 ).
(2) المحقق الطباطبائي 2 / 755 - 756.
(3) أعيان الشيعة ط 5 / 14 / 348.
(4) انظر: ريحانة الأدب 3 / 366.
(5) انظر: ن. م 2 / 191 - 19.
وهو السيد الميرزا محمد هاشم بن زين العابدين بن أبي القاسم الموسوي الجهارسوقي الخوانساري ( 1235 - 1318 هـ ) فقيه مجتهد، مرجع ديني كبير.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2 / 581 - 625 ).
والشيخ محمد تقي - أغا نجفي - نجل أُستاذه )(1) ، وذلك في سنة 1281 هـ، ( وقد أدركوا شطراً من حياة الشيخ مرتضى الأنصاري(2) قُبيل وفاته(3) ، وكان للمترجَم له مع الأغا نجفي مزيد اختصاص، فقد كانا لا يفترقان غالباً حتى في أسفار زيارة كربلاء(4) .
وقد اتخذ من مدرسة الصدر مسكناً له.
وفي النجف حضر درس العلاّمة الفقيه الشيخ راضي النجفي(5) ، وبحث آية الله الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي(6) في الفقه والأُصول، قُبيل مهاجرته إلى سامراء.
____________________
(1) يذكر السيد الأمين في أعيان الشيعة ط 5 / 14 / 348: أنّ الشيخ محمد حسين ابن أُستاذه الشيخ محمد باقر الأصفهاني كان معهم في سفرهم إلى النجف.
(2) الشيخ مرتضى بن محمد أمين بن مرتضى الأنصاري الدزفولي (1214 - 1281 هـ) فقيه كبير، من أعلام المؤسّسين في الفقه والأُصول، وزعيم الشيعة الإمامية، ومجدِّد الحركة الفكرية الإسلامية في القرن الثالث عشر الهجري، وصاحب كرامات، تتحلّى شخصيته بالورع والزهد والتقوى والتواضع.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 48 / 43، الأعلام 8 / 85، إيضاح المكنون 2 / 181، 327، ريحانة الأدب 1 / 189، أحسن الوديعة 1 / 147، الذريعة 6 / 152، كتابهاي عربي جايي 28 ( الفهرست )، فوائد الرضوية 664، ماضي النجف 2 / 47، المآثر والآثار 136، مستدرك الوسائل 3 / 382، مصفّى المقال 455، لباب الألقاب 36، مكارم الآثار 2 / 487، معجم المؤلِّفين 12 / 216، المؤلِّفين العراقيين 162، نجوم السماء 1 / 211، معجم رجال الفكر 1 / 187 ).
(3) نقباء البشر 2 / 622. بينما يذكر السيد رضا الطباطبائي: ( ولمّا وصلت القافلة بهما إلى بلدة كرند من توابع كرمانشاه بلغها نعي وفاة الشيخ الأنصاري ).
(4) نقباء البشر 2 / 622.
(5) الشيخ راضي بن الشيخ محمد بن محسن بن خضر بن يحيى النجفي (ت 1290 هـ) من أعاظم فقهاء عصره ومشاهير علماء النجف الأشرف.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 2 / 84، أعيان الشيعة 6 / 446، الذريعة 6 / 227، شخصيّت 367، الكرام البررة 2 / 527، المآثر والآثار 145، معارف الرجال 1 / 308، ماضي النجف 2 / 289، فوائد الرضوية 181، نجوم السماء 1 / 334، معجم رجال الفكر 2 / 588 ).
(6) المجدِّد الشيرازي، الميرزا محمد حسن بن محمود بن إسماعيل الحسيني الشيرازي (1230 - 1312 هـ) من كبار مراجع التقليد وعظماء علماء الإمامية.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 1 / 61، شخصيّت 233، معارف الرجال 2 / 233، معجم المؤلّفين 3 / 292، نقباء البشر 1 / 436، هدية الأحباب 252، الكنى والألقاب 3 / 222، مكارم الآثار 3 / 883، فوائد الرضوية 477، نجوم السماء 2 / 147، هدية الرازي 48، المآثر والآثار 137، معجم رجال الفكر 2 / 769 ).
مدينة يزد - منظر عام 1426 هـ / 2005 م
قرية كسنويه التي وُلد فيها السيد اليزدي وعاش بداية
حياته وقد وصلها العمران فأصبحت جزء من مدينة يزد.
قطعة من المرمر نُقشت عليها خارطة الأرض الزراعية والبيت العائدين
للسيد عبد العظيم اليزدي، والتي آلت إلى السيد اليزدي وأخواته، وقد
وُضعت على جدار في موقع المنزل والأرض التي أصبحت فيما بعد
شارعاً عامّاً في يزد، وبجانبها شاهد كتابي.
الشاهد الكتابي الذي يشير إلى موقع بيت السيد اليزدي وأرضه الزراعية.
تدريسه وتلامذته
انصرف السيد اليزدي إلى التدريس والتأليف، وكان لغويّاً متقناً فصيحاً قيّماً بالعربية والفارسية، ينظم وينثر فيهما، جيّد النقد، قوي التمييز.
فعلى الرغم من تصدّي الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني - قدّس سرّه - لرئاسة التدريس في النجف الأشرف أيام مرجعية السيّد اليزدي، كان يحضر الكثير من الفضلاء والمجتهدين درس السيّد اليزدي، بل كان أكثر تلاميذ الآخوند الخراساني، قبل فتنة المشروطة، يحضرون درس العَلَمين الكاظمين معاً، نعم بعد وقوع الفتنة المذكورة وحدوث الانشقاق بين هذين العَلَمين في مرحلة الظاهر، واختصاص كل منهما بأصحابه الخاصّين به، استمرّت رئاسة التدريس في النجف الأشرف بالمرحوم الآخوند الخراساني (قُدّس سرّه)؛ لميل أكثر الطلبة والفضلاء للدستور الحكومي الجديد الذي حدث في إيران، سيّما الطلاّب الإيرانيين المتواجدين في النجف الأشرف، فعند ذلك ترك الذين كانوا يرون رأي الآخوند الخراساني تجاه النظام المزبور درس السيّد اليزدي حتى أصبح عددهم لا يزيد العشرة، واختصّوا بدرس الآخوند الخراساني (قُدّس سرّه)، وكانوا هم الغالبية في النجف الأشرف، ولأجله قلّ تلامذة اليزدي شيئاً ما؛ لقلّة مَن كان يرى رأيه(1) .
ثم تمادت به الأُمور وكثر حضّار مجلس درسه، وكانت حصيلة مَن حضروا دروسه وأفادوا منها يزيد عددهم على الألف، وعدد كبير من العلماء المجتهدين، الذين انتشروا في أصقاع كثيرة وبلدان عديدة من أنحاء العالم، ففيهم من مناطق ومدن إيران والعراق وجبل عامل والهند وغيرها من الأقطار الإسلامية، وكلّهم ممّن صنّف في الفقه والأُصول وأجاد فيهما، وجلّهم ممّن أجازه هو وغيره من العلماء المشاهير إجازة اجتهاد ورواية.
والسيد اليزدي هو أوّل مَن عيّن الخبز يوميّاً للطلبة وعيالاتهم(2) .
وإلى القارئ الكريم ثبتاً بتلاميذه، فصّلنا فيه ما تيسّر الحصول عليه:
____________________
(1) المحقق الطباطبائي 2 / 759 - 760.
(2) أعيان الشيعة ط 5 / 348.
1 - الشيخ إبراهيم بن إسماعيل الأشكوري الكورجي المعروف بالمدرّس (حدود 1290 - 1362 هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: بزركان تنكابن ص 23 ).
2 - السيد الميزرا إبراهيم ( الميرزا أغا ) بن الميرزا حسن الشيرازي الأصطهباناتي (حدود 1297 - 1380 هـ). أحد مراجع عصره في النجف الأشرف.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 168، اختران تابناك 13، سخن سرايان فارس 1 / 46، علماء معاصرين 313، كتابهاي جابي عربي 622، 908، 991، معجم رجال الفكر 1 / 128 ).
3 - السيد إبراهيم بن حسين بن أحمد المدرسي اليزدي (1290 - 1324 هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2 / 646، النجوم المسرد 23، نسل نور 367 - 370، مشروطيّت در يزد 29 ).
4 - الشيخ إبراهيم بن الشيخ علي رضا بن حسين المؤذّن الفيروزآبادي اليزدي (ت 1321 هـ). عالم فاضل، فقيه جليل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 6 / 152، معجم رجال الفكر 2 / 956، مفاخر يزد 1 / 532، النجوم المسرد 29، زندكاني وشخصيّت أنصاري 461، شكوه بارسايي وبايداري 69، دانشمندان يزد 18، معجم مؤلّفي الشيعة 103، تذكرة مشاهير ميبد 189).
5 - الشيخ إبراهيم بن علي قلي القلعة جوقي الأردبيلي (حدود 1286 - حدود 1326هـ ). عالم، فقيه، فاضل، ورع، له تقريرات في الفقه والأُصول.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 1، أعيان الشيعة 7 / 211، تأريخ أردبيل 2 / 253، الذريعة 2 / 201، معجم رجال الفكر 1 / 102 ).
6 - السيد إبراهيم بن محمد بن عبد الكريم الجزائري التستري المحمّدي (1292 - 1375 هـ ). مجتهد جليل، أديب شاعر، ورع صالح، من أعلام العلماء.
( ترجمته في: شجرة مباركة 339، معجم رجال الفكر 1 / 333 ).
7 - الشيخ إبراهيم بن الشيخ مهدي إطيمش القرشي (1292 - 1360 هـ). عالم، أديب، شاعر.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 24، شعراء الغري 1 / 131، ماضي النجف 2 / 2، معجم المؤلِّفين العراقيين 1 / 38، معجم رجال الفكر 1 / 38 ).
9 - الشيخ الميرزا أحمد بن إبراهيم الزنجاني ( المعروف بـ ( آية إلهي ) (1296 - 1352 هـ). فقيه كبير.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 294، تاريخ زنجان 59 ).
9 - الشيخ أحمد بن ملاّ حسين بن أقاجان النهاوندي القدّوسي (1282 - 1374 هـ ). عالم فاضل، مجتهد، ورع تقي، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 3 / 974، تراجم الرجال 1 / 107، تربت باكان قم 1 / 392، كنجينه دانشمندان 7 / 330 نقباء البشر 1 / 98، هدية الرازي 65 ).
10 - السيد أحمد ( السيد أغا ) بن حسين ( بيزرك ) الموسوي الجزائري التستري (1291 - 1384 هـ). عالم، ورع، تقي، محدّث - رياضي، له خبرة في علم الهيئة والنجوم والتجويد.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 97، الذريعة 4 / 227، 403 و 16 / 358، 371، و 18 / 178، شجرة مباركة 140، مصفّى المقال ص 1، معجم رجال الفكر 1 / 335، ذكرى الطالقاني 171، المنتخب 28 ).
11 - السيد أحمد بن رضا بن أحمد الحسيني الخوانساري الصفائي (1291 - 1359 هـ ) فقيه أُصولي، مؤلِّف متتبّع.
( ترجمته في: الذريعة 18 / 11، معجم رجال الفكر 2 / 550، تراجم الرجال 1 / 109 - 110 ).
12 - السيد أحمد بن علي بن سعيد الأبرقوئي اليزدي (ت 1334 هـ ). عالم متفنّن، أديب بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 110، مفاخر يزد 1 / 40، أعيان الشيعة 3 / 53، النجوم المسرد 35، معجم المؤلِّفين 1 / 315، دائرة معارف تشيّع 1 / 289، الذريعة 3 / 86، 7 / 48، 11 / 129، 15 / 2، 332، 25 / 168، فرهنك رجال ومشاهير تاريخ معاصر إيران 1 / 203، دانشمندان يزد 15، تذكرة مشاهير ميبد 64 ).
13 - الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء (1292 - 1344 هـ). عالم فقيه، ومجتهد كبير، من أعلام الفقه والأُصول والعلم والتحقيق، انتهت إليه الزعامة الدينية في عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 112، الأعلام 1 / 176، أعيان الشيعة 9 / 118، الذريعة 1 / 278، 6 / 153، و 12 / 198 و 17 / 162، ريحانة الأدب 5 / 23، شخصيّت أنصاري 357، لغت نامه 38 / 188، معجم المطبوعات النجفية 67، 213، 281، معارف الرجال 1 / 88، معجم المؤلِّفين 2 / 19، معجم المؤلِّفين العراقيين 1 / 96، نجوم السماء 2 / 282، مجلّة العرفان 12 / 517، ماضي النجف 3 / 127، معجم رجال الفكر 3 / 1036 ).
14 - الشيخ أحمد بن كاظم الكرمانشاهي (ت 1366 هـ ). فاضل.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 293، زندكاني زعيم بزرك عالم تشيّع آية الله بروجردي 329، وحيد بهبهاني 354 ).
15 - السيد أحمد بن محمد حسن بن مهدي بن أبي القاسم الملقّب ببزرك، الزواري الطباطبائي الدماوندي (حدود 1273 - 1338 هـ). عالم جليل، ورع تقي.
( ترجمته في: نقباء 1 / 94 ).
16 - الشيخ أحمد بن محمد حسين الطزرجاني اليزدي (ت 1375 هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 465، النجوم المسرد 31، دانشمندان يزد 17 ).
17 - السيد أحمد بن يوسف بن حسن الخوانساري الموسوي (1309 - 1405 هـ). من كبار الفقهاء ومراجع التقليد والفتيا، ورع تقي.
( ترجمته في: اختران تابناك 57، مستدركات أعيان الشيعة 1 / 10، كتابهاي عربي جابي 437، مناهج المعارف 196، معجم رجال الفكر 2 / 545، ضياء الأبصار 1 / 375 - 388، تربت باكان قم 1 / 322، آثار الحجّة 2 / 240، آينه دانشوران 169، رجال قم 93، كنجينه دانشمندان 1 / 326، نقباء البشر 1 / 462 ).
18 - الشيخ آخوند بن حسن الواعظ اليزدي (ت 1393 هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2 / 807 ).
19 - السيد أسد الله بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1324 - 1393 هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 402، حوادث الأيام، ق 1 / 447 ).
20 - السيد إسماعيل بن حسن بن إسماعيل السدهي الموسوي الأصفهاني (1306 - 1373 هـ). عالم جليل، ورع تقي، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تذكرة القبور 136، نقباء البشر 1 / 155، معجم رجال الفكر 1 / 152 ).
21 - السيد إسماعيل بن حسين الطباطبائي اليزدي .
( ترجمته في: نجوم السرد 723 ).
22 - السيد إسماعيل الريزي الأصفهاني النجفي (ت 1338 هـ ). عالم جليل متبحّر.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 147، هدية الرازي 66 ).
23 - الشيخ إسماعيل معز الدين الأصفهاني المشتهر بـ ( البشمي ) (1309 - 1363 هـ ). فاضل، مدرّس.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 30 ).
24 - السيد أشرف الدين بن أحمد الحسيني القزويني الكيلاني الرشتي (ت 1352 هـ ). عالم، خطيب، أديب، كاتب، شاعر، من طليعة الأحرار المجاهدين.
( ترجمته في: الذريعة 3 / 116 و 9 / 113 و 23 / 91، 122، كتابهاي فارسي جابي 1 / 230، 663، و 3 / 3513 و 5 / 5357، معجم رجال الفكر 3 / 1115 ).
25 - السيد الميرزا أغا بن أحمد المستوفي الحسيني الشيرازي . فاضل، ورع، تقي زاهد.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 172 ).
26 - الشيخ الميرزا أغا بن جعفر الطهراني ( ت 1365 هـ) . عالم، أديب.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 172 ).
27 - السيد الميرزا باقر بن محمد علي القاضي الطباطبائي (1285 - 1366 هـ). من علماء تبريز.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 434، أعيان الشيعة 3 / 533، رجال أذربيجان 39، ريحانة الأدب 4 / 404، علماء معاصرين 240، كنجينه دانشمندان 3 / 325، مكارم الآثار 7 / 2700، نقباء البشر 1 / 217 ).
28 - الشيخ بهاء الدين بن عبد النبي النبوي النوري (1303 - 1405 هـ ). فقيه فاضل، مجتهد جليل، عالم كامل، متواضع صالح.
( ترجمته في: رجال إيران 2 / 232، 500، 501، ري باستاني 395، نقباء البشر 3 / 1242، هديّة الرازي 123، معجم رجال الفكر 3 / 1309، تربت باكان قم 1 / 439، الإجازة الكبيرة 94، كنجينه دانشمندان 4 / 588 ).
29 - السيد أبو تراب بن أبي القاسم الموسوي الجزائري (1296 - 1366 هـ). من كبار علماء خرّم آباد.
( ترجمته في: تربة باكان قم 1 / 213، مشاهير لر 178 ).
30 - الشيخ جعفر بن باقر بن محمد بن حمود السوداني (1300 - 1345 هـ ). عالم فاضل، مجتهد جليل، أديب شاعر.
( ترجمته في: شخصيّت أنصاري 363، ماضي النجف 2 / 362، معارف الرجال 2 / 60، معجم رجال الفكر 2 / 692 ).
31 - الشيخ جعفر بن عباس النهاوندي ( ت 1365 هـ ). من علماء طهران.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 458، الذريعة 15 / 165، كنجينه دانشمندان 4 / 589، مؤلّفين كتب جابي 2 / 327، نقباء البشر 1 / 290 ).
32 - السيد جعفر بن محمد باقر بن علي بن رضا بن السيد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم (1289 - 1377 هـ ). عالم جليل متتبّع.
( ترجمته في: الذريعة 3 / 451، و 13 / 225، علماء معاصرين 271، الفوائد الرجالية 1 / 153، المطبوعات النجفية 16، 119، كتابهاي عربي جابي 51، 171، معجم المؤلّفين العراقيين 1 / 253، معارف الرجال 1 / 182، نقباء البشر 1 / 281، مصادر الدراسة 14، 84، معجم رجال الفكر 1 / 214 ).
33 - الشيخ جعفر بن محمد حسن السبزواري اليزدي (ت 1343 هـ ) . عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 332، النجوم المسرد 49 ).
34 - الشيخ جعفر بن محمد بن عبد الله النقدي الربعي النوازي (1303 - 1370 هـ). عالم خبير متبحّر، أديب شاعر.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 296، الذريعة 2 / 63، 435، و 4 / 455، و 6 / 254، و 7 / 119، و 8 / 144، و 10 / 7 و 11 / 278 و 12 / 72 و 15 / 114، 289 و 23 / 244 و 24 / 124، ريحانة الأدب 6 / 227، شعراء الغري 2 / 76، علماء معاصرين 237، كتابهاي عربي جابي 57، 101، 145، 22، 279، 303، 354، 389، 507، 508، 627، 650، 926، 934، 951، 990، 991، مصادر الدراسة 41، مصفّى المقال 111، معجم المطبوعات النجفية 79، 207، 208، 258، 260، 348، 356، 373، معارف الرجال 1 / 182، معجم المؤلّفين 3 / 148، معجم المؤلّفين العراقيين 1 م 254، معجم رجال الفكر 3 / 1296 ).
35 - السيد جمال الدين بن حسين الموسوي الكلبايكاني (1295 - 1377 هـ). من أعلام الفقه ومراجع التقليد، وأساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 309، أعيان الشيعة 16 / 252، شخصيّت أنصاري 349، مشهد الإمام 3 / 84، معارف الرجال 1 / 285، معجم المطبوعات النجفية 186، 198، معجم المؤلّفين العراقيين 1 / 264، معجم رجال الفكر 3 / 1109 ).
36 - الشيخ جمال الدين بن أبي المعالي بن محمد إبراهيم الكرباسي (ت 1350 هـ). عالم مجتهد، فاضل محقق متتبّع، عابد زاهد، ورع تقي.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 16 / 251، تذكرة القبور 108، الذريعة 4 / 428، مكارم الآثار 4 / 1304، نقباء البشر 1 / 308 ).
37 - الشيخ جواد بن علي مرتضى ( نظام الدين ) العاملي الرشتي .
( ترجمته في: تراجم الرجال 1 / 217 ).
38 - السيد جواد بن يحيى بن كاظم الموسوي اليزدي (1302 - 1340 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2 / 734، دانشمندان يزد 166 ).
39 - الشيخ حبيب الله القمّي. عالم عامل، ورع تقي، ثقة جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 353 ).
40 - الشيخ حبيب الله الكاشمري الترشيزي الشهير بآية اللّهي (ت 1371 هـ ). عالم عامل، خطيب بارز.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 38 ).
41 - الشيخ حسن بن إبراهيم آيتي البروجردي (حوالي 1290 - 1380 هـ ). عالم كبير.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 509 ).
42 - السيد حسن بن إبراهيم بن حسين بن محمد رضا بن محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي (1282 - 1355 هـ). عالم جليل، أديب معروف، ومؤرّخ بارع، والد السيد محمد تقي بحر العلوم.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 464، أعيان الشيعة 20 / 435، شعراء الغري 3 / 624، الفوائد الرجالية 1 / 152، معجم المؤلّفين 3 / 194، معجم المؤلّفين العراقيين 1 / 314، معارف الرجال 1 / 251، نقباء البشر 1 / 464، معجم رجال الفكر 1 / 213 ).
43 - السيد حسن بن أحمد أستاد زاده المازندراني (1314 - 1399 هـ). من كبار علماء مازندران.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 511، آثار الحجّة 2 / 240، كنجينه دانشمندان 3 / 166، آشنائي با فرزان كان بابل 314 ).
44 - السيد حسن بن أحمد الاشكذري اليزدي الحائري (ت 1359 هـ) . عالم ورع، فاضل بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 380، الذريعة 2 / 244، 3 / 428، 6 / 187، و 8 / 67، و 10 / 66 و 11 / 190، 14 / 34 و 18 / 311 و 22 / 442 و 25 / 316، 26 / 311، كتابهاي جابي عربي 196، 350، 767، 914، معجم المؤلّفين 3 / 197، معجم رجال الفكر 1 / 123، مفاخر يزد 1 / 90، معجم مؤلِّفي الشيعة 29 ).
45 - السيد حسن بن إسماعيل القمشهي الأصفهاني السراي كجوي الطباطبائي المدرّس ( حدود 1287 - 1350 هـ ). عالم تقي، فاضل بارع، رئيس جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 381 ).
46 - السيد حسن الأشكوري (ت 1347 هـ ). فاضل، مدرّس.
( ترجمته في: بزركان تنكابن ص 83 ).
47 - السيد ابن الحسن بن المير حسن رضا، شمس العلماء الجائسي اللكهنوي (1291 - 1368 هـ ). عالم فاضل مصنِّف.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 25 ).
48 - الشيخ حسن بن حسين الحرم بناهي القمّي (1280 - 1347 هـ). من كبار علماء عصره.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 519، الإجازة الكبير 43، كنجينه دانشمندان 2 / 134، نقباء البشر 1 / 369 ).
49 - السيد أبو الحسن بن شمس العلماء إبراهيم النصير آبادي النقوي اللكهنوي (1298 - 1355 هـ ). عالم فقيه ومرجع للتدريس والفتيا.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 34، أعيان الشيعة 6 / 183، الذريعة 3 / 87 و 25 / 134، علماء معاصرين 389، معجم المؤلّفين 3 / 195، معجم رجال الفكر 3 / 1299 ).
50 - السيد أبو الحسن بن عباس بن محمد علي الحسيني الأشكوري ( حدود 1292 - 1368 هـ ). عالم فقيه مصنِّف، والد العلاّمة المحقق السيد أحمد الأشكوري.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 37، معارف الرجال 1 / 43، معجم المؤلفين 3 / 234، معجم رجال الفكر 1 / 124، الذريعة 10 / 251، المصلح المجاهد محمد كاظم الخراساني 36، بزركان تنكابن 30 ).
51 - الشيخ حسن بن عبد الحسين بن إبراهيم آل صادق المخزومي العاملي (1306 - 1386 هـ ). عالم، أديب، شاعر.
( ترجمته في: ماضي النجف 3 / 550، نقباء البشر 1 / 405، شعراء الغري 3 / 646، أدب الطف 10 / 209، المنتخب 101 ).
52 - حسنعلي ( نخودكي ) بن الآخوند الملاّ علي أكبر الأصفهاني الخراساني المقدادي (1279 - 1361 هـ ). مجتهد، فقيه أُصولي، عارف متطلِّع في العلوم العقلية والنقلية والحساب والهيئة.
( ترجمته في: تأريخ علماء خراسان 252، تذكرة القبور 184، معجم رجال الفكر 3 / 1228 ).
53 - الشيخ حسن بن الشيخ علي بن حسين الخاقاني (1300 - 1381 هـ ). عالم، فقيه، ورع تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 424 و 4 / 1408، ماضي النجف 2 / 200، معجم المطبوعات النجفية 120، 359، معجم المؤلِّفين العراقيين 1 / 316، معارف الرجال 2 / 128، كتابهاي جابي عربي 174، 946، معجم رجال الفكر 2 / 470، تأريخ الأُسر الخاقانية 17، المنتخب 105 ).
54 - السيد أبو الحسن ابن ميرزا علي رضا بن زين العابدين المدرّسي اليزدي (ت 1336 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2 / 646، النجوم المسرد 36 ).
55 - السيد حسن بن أبي القاسم الحسيني الأشكوري (1302 - 1375 هـ ). من كبار الشعراء.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 513، بزركان تنكابن 81، دائرة معارف تشيّع 2 / 203 ).
56 - السيد حسن بن ( قشاقش ) بن محمود الحسيني الأمين العاملي (1299 - 1368 هـ ). عالم جليل، وأديب فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 436، أعيان الشيعة 32 / 413، تكملة أمل الآمل 157، الحصون المنيعة 5 / 225، معجم المؤلفين 3 / 293، معجم رجال الفكر 1 / 174 ).
57 - السيد حسن القمشهي الأصفهاني ( ت 1327 هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 371، تذكرة القبور 250، معجم رجال الفكر 1 / 142 ).
58 - السيد حسن بن محمد بن إبراهيم بن صادق الحسيني اللواساني (1308 - 1400 هـ). عالم مجتهد، مؤلِّف مكثر، مؤرّخ متتبِّع، ورع صالح.
( ترجمته في: الذريعة 3 / 290 و 8 / 144، و 14 / 186 و 16 / 275 و 20 / 313، و 24 / 292، 358، كتابهاي عربي جابي 74، 154، 333، 355، 487، 571، 583، 672، 742، 832، 852، 922، معجم رجال الفكر 3 / 1133، مشاهير مدفون در حرم رضوي ص 123 ).
59 - الميرزا الشيخ أبو الحسن بن محمد طاهر الكلبايكاني ( ت 1361 هـ ). عالم كبير.
( ترجمته في: تربة باكان قم 1 / 214 ).
60 - الميرزا حسن المعروف بـ ( حاج ميرزا أقا ) ابن أقا محمد جعفر . عالم جليل، زاهد.
( ترجمته في: نجوم السرد 722 ).
61 - الشيخ الميرزا أبو الحسن بن الميرزا مهدي شريعتمدار الرشتي ( ت 1368 هـ ). عالم، فاضل، جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 1 / 46 ).
62 - السيد حسن الموسوي الخوانساري الهمداني . من تلامذة السيد اليزدي ومن أخصّائه.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 1 / 612 - 614 ).
63 - الشيخ حسن بن ملاّ نصير النويسي ( 1291 - 1371 هـ ). فاضل، مدرّس.
( ترجمته في: معجم المؤلفين 3 / 298 - 299، مؤلفين كتب جابي 2 / 663، رجال قم، آثار الحجّة 1 / 224 - 225، كنجينه دانشمندان، آينه دانشوران 175 ).
64 - الشيخ حسين بن أحمد آل سميسم اللاّمي النصيري ( حدود 1263 - 1340 هـ ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 527 ).
65 - الشيخ حسين الروحاني القودجاني الخوانساري (1253 -.... ). عالم فاضل، فقيه جامع، من علماء عصره.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 1 / 630 - 637 ).
66 - السيد حسين بن عباس بن عبد الله الحسيني الأشكوري (ت 1349 هـ ). عالم فقيه، وفاضل جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 590، أحسن الوديعة 2 / 278، مشهد الإمام 2 / 128، معجم رجال الفكر، المصلح المجاهد الشيخ محمد كاظم الخراساني 36، دائرة المعارف تشيّع 2 / 203، بزركان تنكابن 99 - 100 ).
67 - الشيخ حسين بن عبد الكريم الرشتي الكاظمي (ت 1348 هـ). عالم جليل، ومدرِّس فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 598 ).
68 - السيد حسن بن عبد الكريم الموسوي التستري الجزائري (ت 1344 هـ ). عالم فقيه، وفاضل جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 598 ).
69 - السيد حسين بن علي رضا الحسيني الباغ كندمي اليزدي (حدود 1270 - 1366 هـ ). عالم جليل، مجتهد كبير، زاهد، عابد.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2 / 627، النجوم المسرد 71، آينه دانشوران 224 - 225، نسل نور 44 / 389، جشمه اي در كوير 120، تديس بارسايي 170، فرهيختكان دار العبادة 82، نجوم السرد 722، دانشمندان يزد 44، شكوه بارسايي وبايداري 65 ).
70 - السيد حسين بن علي بن هاشم الموسوي الحمامي (1298 - 1379 هـ ). فقيه أُصولي، مجتهد، أحد مراجع عصره في النجف الأشرف.
( ترجمته في: نقباء البشر 386، كتابهاي عربي جابي 1003، معجم المؤلِّفين العراقيين 1 / 358، مجلّة الموسم ع 7 ص 988، معجم رجال الفكر 1 / 450 ).
71 - السيد حسين بن علي الطباطبائي البروجردي (1292 - 1380 هـ). من مشاهير العلماء ومراجع التقليد.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1 / 596، آثار الحجّة 2 / 6، الإجازة الكبيرة 51، المسلسلات في الإجازات 2 / 325، أعيان الشيعة 6 / 92، تاريخ قم 263، دائرة معارف تشيّع 3 / 197، رجال قم 109، شرح حال رجال إيران 1 / 379، علماء معاصرين 248، كنجينه دانشمندان 1 / 344، مشهد الإمام 2 / 45، مؤلّفين كتب جابي 2 / 805، نقباء البشر 1 / 605 ).
72 - السيد حسين بن أبي القاسم الحسيني السلمي اليزدي الحائري ( 1287 - بعد 1358 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 343، المسلسلات في الإجازات 2 / 379 ).
73 - حسين بن الحاج فتح الله الزنجاني ( 1292 - 1366 هـ ). فقيه أُصولي، مجتهد جليل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تأريخ زنجان 345، علماء زنجان 28، معجم رجال الفكر 2 / 640 ).
74 - الشيخ الأغا حسين القزويني (ت قبل 1330 هـ ). عالم عامل، ورع ثقة.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 506 ).
75 - السيد أغا حسين بن محمود بن محمد الطباطبائي القمّي الحائري (1282 - 1366 هـ). من أجلاّء العلماء، ومشاهير المراجع.
( ترجمته في نقباء البشر 2 / 653، اختران تابناك 207، أعيان الشيعة 27 / 255، علماء معاصرين 194، كتابهاي عربي جابي 287، 686، 909، معجم المطبوعات النجفية 185، 340، معارف الرجال 3 / 167، معجم المؤلّفين 4 / 61، كنجينه آثار قم 1 / 324، معجم رجال الفكر 3 / 1016 ).
76 - السيد حسين ( علم الهدى ) بن هبة الله الرضوي الكاشاني (1291 - 1385 هـ). عالم جليل، وثقة تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 668، الذريعة 3 / 161، و 4 / 265، و 15 / 352، و 19 / 11، معجم رجال الفكر 3 / 1031، المنتخب 142 ).
77 - السيد حمد بن فاضل بن حمد آل كمال الدين الحسيني الحلِّي (1295 - 1383 هـ ). عالم فاضل، ورع صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 681، كتابهاي عربي جابي 811، معجم المطبوعات النجفية 306، معجم المؤلّفين العراقيين 1 / 371، معجم رجال الفكر 3 / 1092، المنتخب 144 ).
78 - الشيخ حمزة علي القزويني . عالم جليل، وفقيه فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 682 ).
79 - الشيخ خليل بن إبراهيم بن محمد الصوري العاملي (1283 - 1340 هـ). عالم جليل، وفاضل كامل، شاعر.
( ترجمته في نقباء البشر 2 / 703، أعيان الشيعة 30 / 49، الذريعة 2 / 467 و 15 / 51، و 16 / 334، و 24 / 242، 248، 364، و 25 / 286، معارف الرجال 1 / 302 وفيه وفاته
1342 هـ، معجم المؤلّفين 4 / 110، معجم رجال الفكر 2 / 703 ).
80 - السيد راحت حسين بن ظاهر حسين الكوبال بوري الهندي ( 1297 - بعد 1355 هـ ). عالم جليل، وفقيه كامل.
( ترجمته في نقباء البشر 2 / 716، الذريعة 1 / 507، 2 / 360، 438 و 3 / 78، 109 و 12 / 141 و 17 / 8 و 16 / 307 و 19 / 8 و 20 / 281، 203 و 21 / 267 ).
81 - الشيخ رضا قلي بن يوسف بن رجب علي بن محمد حسين بن كريم بن رحيم السمامي التنكابني ( حدود 1285 - قبل 1340 هـ ). عالم فاضل.
( ترجمته في: بزركان تنكابن ص 303 ).
82 - الشيخ أغا رضا محمد رضا بن الشيخ محمد حسين، أبو المجد الإيوانكيفي الطهراني الأصفهاني ( 1278 - 1362 هـ ). عالم كبير، وأديب، فيلسوف.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 748، أعيان الشيعة 33 / 47، تأريخ آداب اللغة العربية 4 / 490، تذكرة القبور 328، ريحانة الأدب 7 / 252، الذريعة 1 / 486، و 2 / 488 و 7 / 79، و 10 / 8 و 4 / 452 و 5 / 127، شعراي أصفهان 213، الحصون المنيعة 3 / 533، كتابهاي جابي عربي 220، 524، 539، 965، 998، ماضي النجف 1 / 214، معارف الرجال 3 / 245، معجم رجال الفكر 1 / 136 ).
83 - الشيخ الميرزا رضي بن الميرزا محمد حسن الزنوزي التبريزي (1294 - 1369 هـ ). عالم جليل، وفاضل بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 784، شخصيّت أنصاري 23، علماء معاصرين 403، كتابهاي فارسي 3 / 3761، معجم رجال الفكر 1 / 294، آينه دانشوران 174 ).
84 - السيد الميرزا زين العابدين بن جواد الحسيني الرضوي القمّي ( ت بعد 1327 هـ ).
عالم كبير، وفقيه صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 800، الذريعة 8 / 114 و 12 / 289، شخصيّت أنصاري 224، معجم رجال الفكر 3 / 1012 ).
85 - الشيخ زين العابدين العقدائي اليزدي ( كان حيّاً 1327 هـ ). من علماء يزد.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 483، النجوم المسرد 82، شكوه بارسايي وبايداري 62،
أعيان الشيعة 769، دانشمندان يزد 42، الذريعة 1 / 399، معجم مؤلِّفي الشيعة 455 ).
86 - الشيخ سعيد بن محمد رضا الحلِّي (ت 1329 هـ). عالم جليل، وفاضل تقي، كان ملازماً للسيد اليزدي، وجمع من فتاواه رسالة سمّاها (ذخيرة الصالحين ) طُبعت في بغداد سنة 1329 هـ، سكن مدينة الكوفة فكان من أعلامها.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 811 ).
87 - السيد صادق بن حاجي أغا التنكابني (ت حدود 1332 هـ ). عالم مجتهد، فقيه أُصولي، زعيم ديني.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 857، معجم رجال الفكر 1 / 315 ).
88 - السيد صادق بن باقر بن رضا الحسيني الطالقاني (1291 - 1372 هـ ). عالم تقي، وفاضل جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 860 ).
89 - الشيخ صادق بن محسن بن مرتضى الأعسم (ت 1308 هـ ). عالم فقيه وأديب بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 2 / 872 ).
90 - السيد صدر الدين بن حسن بن جعفر الحسيني الهاطلي الكوبائي الأصفهاني (1310 - 1372 هـ ). ورع تقي صالح.
( ترجمته في: تذكرة القبور 389، الذريعة 14 / 186، معجم رجال الفكر 1 / 138 ).
91 - الشيخ ضياء الدين ( علي ) بن المولى محمد العراقي (1278 - 1361 هـ). مجتهد من أكابر علماء عصره ومراجع التقليد.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 956، أحسن الوديعة 2 / 109، أعيان الشيعة 7 / 392، الذريعة 6 / 219، و 13 / 135، و 21 / 389، رجال إيران 6 / 125، ريحانة الأدب 1 / 55، شخصيّت أنصاري 374، علماء معاصرين 189، كتابهاي عربي جابي 120 / 885، 972، فوائد الرضوية 217، معارف الرجال 1 / 386، معجم رجال الحديث 22 / 18، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 156، معجم المطبوعات النجفية 200، 280، مكارم الآثار 6 / 2214، معجم رجال الفكر 2 / 886 ).
92 - الشيخ طالب بن أسد بن جعفر ( شرع الإسلام ) الحلافي الحويزي ( ت 1346 هـ ). عالم ورع، وأديب شاعر.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 960، الذريعة 9 / 638، شعراء الغري 4 / 435، معارف الرجال 2 / 369، معجم رجال الفكر 2 / 734 ).
93 - الشيخ طاهر بن عبد علي بن طاهر المالكي الحجامي (1280 - 1357 هـ). عالم كبير، وفاضل جليل، من فضلاء عصره وأعلام المشهورين بالنسب والورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 971، الذريعة 11 / 275، و 24 / 69، ماضي النجف 2 / 159، شعراء الغري 4 / 403، معارف الرجال 1 / 387، معجم رجال الفكر 1 / 400 ).
94 - الشيخ عباس بن رضا بن أحمد الأخفش الحائري اليزدي المعروف بسيبويه (1260 - 1329 هـ). عالم، أديب، شاعر.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 42، النجوم المسرد 118، نقباء البشر 1001، آينه دانشوران 673، كنجينه دانشمندان 7 / 429، اللآلئ الجلي 2 / 5، مستدركات أعيان الشيعة 8 / 108، فرهنك رجال ومشاهير تاريخ معاصر 1 / 204 ).
95 - الشيخ عباس علي ( ثقة الإسلام ) بن عبد الأئمّة المراغي (1303 - 1360 هـ). فقيه بارع، وعالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1016 ).
96 - الشيخ الميرزا عباس بن علي محمد الطارمي الحسن آبادي الزنجاني ( حدود 1295 - 1351 هـ ). فقيه أُصولي، عالم، شاعر.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1012، تأريخ زنجان 395، الذريعة 10 / 21، و 24 / 49، معجم المؤلِّفين 5 / 61، معجم رجال الفكر 2 / 817 ).
97 - الشيخ عباس بن عوّاد بن شاتي الخويبراوي الطائي الناصري (1310 - 1386 هـ ). عالم جليل، مدرِّس.
( ترجمته في: مقدّمة كتاب الفوائد الناصرية، ذكراه المطبوعة، المنتخب 196 ).
98 - الشيخ عبد الحسين بن جواد بن عبد الحسين المبارك آل معبّر الجزائري (1296 - 1364 هـ). فقيه أُصولي، عالم مجتهد، مؤلِّف فاضل.
( ترجمته في: الذريعة 3 / 114 و 23 / 161 و 25 / 80، كتابهاي عربي جابي 127، ماضي النجف 3 / 262، معجم المطبوعات النجفية 107، معارف الرجال 1 / 196، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 226، نقباء البشر 3 / 1038، معجم رجال الفكر 3 / 1150 ).
99 - الشيخ عبد الحسين بن حسن بن مطر الخفاجي ( 1292 - 1363 هـ ). عالم كبير، وفيه بارع، ومجاهد معروف.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1040 ).
100 - الشيخ عبد الحسين بن عيسى بن يوسف الرشتي الكيلاني (1292 - 1373 هـ ). فقيه أُصولي، عالم مجتهد، أُستاذ في المنطق والحكمة والبيان.
( ترجمته في: الذريعة 14 / 34، 18 / 19، كتابهاي عربي جابي 561، 738، معجم المطبوعات النجفية 221، معارف الرجال 2 / 48، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 227، نقباء البشر 3 / 1064، معجم رجال الفكر 2 / 598 ).
101 - الشيخ عبد الحسين بن قاسم بن صالح الحلِّي ( 1299 - 1375 هـ ). عالم كبير، وفقيه بارع، وأديب جليل، وكاتب متضلِّع، من شيوخ الأدب ومشاهير العلماء والفقهاء.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1069، أعيان الشيعة 7 / 450، الذريعة 8 / 292 و 10 / 210، شعراء الغري 5 / 266، الغدير 4 / 182، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 226، معجم المطبوعات النجفية 150، 372، كتابهاي عربي جابي 965، مكارم الآثار 5 / 1818، معجم رجال الفكر 1 / 4465 ).
102 - الشيخ عبد الحسين بن قاعد الواسطي الحيّاوي (1295 - 1345 هـ). عالم أديب، وفاضل جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1073، أعيان الشيعة 7 / 450، شعراء الغري 5 / 299، ماضي النجف 2 / 363، معارف الرجال 2 / 38، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 227، معجم رجال الفكر 1 / 458 ).
103 - السيد عبد الحسين بن محمد بن إبراهيم آل نور الدين الموسوي النباطي العاملي (1280 - 1370 هـ ). عالم فقيه، وأديب شاعر، من أعلام الدين والأدب.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 7 / 445، تكملة أمل الآمل 256، شعراء الغري 5 / 300، معجم المؤلِّفين 5 / 89، معجم المؤلِّفين العراقيين 1 / 359، الأعلام 4 / 50، نقباء البشر 2 / 514 و 3 / 1075، معجم رجال الفكر 2 / 877 ).
104 - الشيخ عبد الحسين بن محمد بن عبد الرسول الحكيمي السماوي ( ت 1307 هـ ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1076 ).
105 - السيد عبد الحسين بن نور الدين بن حسين الحسيني البروجردي ( 1286 - 1373 هـ ). عالم بارع، مجتهد فاضل، من شيوخ الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تاريخ بروجرد 2 / 365، نقباء البشر 3 / 1078، معجم رجال الفكر 1 / 238 ).
106 - السيد عبد الحسين بن يوسف بن جواد آل شرف الدين الموسوي العاملي (1290 - 1377 هـ ). من كبار علماء المسلمين، وعباقرة علماء الشيعة، ومراجع التقليد والفتيا في عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1080، أعيان الشيعة 7 / 457، تكملة أمل الآمل 256، الذريعة 5 / 6 و 16 / 46، و 18 / 126، و 19 / 363، ريحانة الأدب 3 / 194، الغدير 3 / 94، 310، و 6 / 228، و 8 / 20، 353، و 9 / 240، 335، و 11 / 141، كتابهاي عربي جابي 22، 86، 233، 322، 631، 670، 677، 749، 752، 753، 786، 829، 835، 836، 842، 938، 953، 954، مصفى المقال 221، معارف الرجال 2 / 51، معجم المؤلِّفين 5 / 87، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 228، معجم المطبوعات النجفية 63 / 265، 287، 271، 317، 363، مقدّمات كتبه المطبوعة، مجلّة العرفان 45 / 466، معجم رجال الفكر 2 / 736.
107 - السيد عبد الحي بن أبي القاسم الطباطبائي اليزدي ( ت 1348 هـ ). عالم ورع، وفقيه صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1093 ).
108 - الشيخ عبد الرسول الساباطي ( ت 1345 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 327، نقباء البشر 3 / 116، الذريعة 16 / 362، 24 / 370،
كشكول منتظري - المقدّمة 319، فرهيختكان دار العباده 73، دانشمندان يزد 72، شكوه بارسايي وبايداري 66، آينه دانشوران 376 - 377، النجوم المسرد 94، تنديس بارسايي 169، حاشية رسائل شيخ أنصاري ( المقدّمة ).
109 - الشيخ عبد الرسول بن شريف بن عبد الحسين بن محمد حسن الجواهري ( 1301 - 1387 هـ ). عالم، فاضل، مدرِّس.
( ترجمته في: ماضي النجف 2 / 116، معارف الرجال 1 / 362، مجموعة التواريخ الشعريّة 1 / 121، الذريعة 2 / 466، المنتخب 233).
110 - السيد عبد الرسول بن فاضل بن حمد بن محمد حسن آل كمال الدين الحسيني الحلِّي ( 1299 - 1398 هـ ). عالم، فقيه.
( ترجمته في: تاريخ الكوفة الحديث 2 / 344، المنتخب 235 ).
111 - عبد الرسول بن المولى محمد بن زين العابدين المدني الشيرازي الكاشاني ( 1280 - 1366 هـ ). عالم جليل، مؤلِّف محقق، مجتهد فاضل، ورع صالح.
( ترجمته في: الذريعة 2 / 399، 25 / 213، كتابهاي فارسي جابي 1 / 24، 198، 562، 1332، 1402، و 2 / 2532، و 3 / 3552، نقباء البشر 2 / 759، و 3 / 1119، معجم رجال الفكر 3 / 1182 ).
112 - الشيخ عبد الرسول النبّلي ( ت حدود 1330 هـ ). عالم بارع، فقيه، تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1116 ).
113 - الشيخ عبد الرسول اليزدي ( ت 1345 هـ ). عالم فاضل، فقيه متبحِّر.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1116، الذريعة 11 / 48 و 16 / 362 و 24 / 370، معجم رجال الفكر 3 / 1364، كشكول منتظري ( المقدِّمة ) 319، مفاخر يزد 1 / 327، فرهيختكان دار العبادة 73، دانشمندان يزد 72، آينه دانشوران 376، النجوم المسرد 94، تنديس بارسايي 169 ).
114 - الشيخ عبد الرضا تفتي .
( ترجمته في: نجوم السرد 723 ).
115 - الشيخ عبد الرضا بن محمد هادي آيت إلهي اليزدي ( ت 1362 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1 / 13، النجوم المسرد 117 ).
116 - الشيخ عبد الرضا بن مهدي آل الشيخ راضي ( 1298 - 1356 هـ ). فقيه بارع، وزعيم مبجَّل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1123 ).
117 - الشيخ عبد الصمد الأشكوري البيبالاني ( حدود 1300 - قبل 1370 هـ ). عالم مجتهد، مدرِّس.
( ترجمته في: بزركان تنكابن ص 145 ).
118 - الشيخ عبد العلي بن علي تقي السعد آبادي الزنجاني ( ت حدود 1357 هـ ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1142 ).
119 - الشيخ عبد الكريم بن المولى إبراهيم الخوئيني الزنجاني ( ت 1371 هـ ). فقيه أُصولي، عالم، ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1155، تاريخ زنجان 350، كتابهاي جابي فارسي 2 / 1944، معجم المؤلِّفين 5 / 313 ).
120 - الشيخ عبد الكريم بن علي بن كاظم الجزائري (1289 - 1382 هـ). عالم كبير، وزعيم ديني معروف، أديب شاعر.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1173، شعراء الغري 5 / 505، ماضي النجف 3 / 86، معجم المؤلِّفين 5 / 319، معارف الرجال 3 / 148، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 305، كتابهاي عربي جابي 500، معجم رجال الفكر 1 / 346، هكذا عرفتهم 1 / 369، مجموعة التواريخ الشعرية 1 / 118، زندكاني و شخصيّت 176، المنتخب 268 ).
121 - الشيخ عبد الكريم بن المولى محمد جعفر المهرجردي اليزدي الحائري (1276 - 1355 هـ). فقيه جليل، وعالم كبير، وزعيم ديني.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1158، أعيان الشيعة 38 / 80، الذريعة 6 / 149، و 8 / 118، 132، 15 / 57، رجال إيران 2 / 275، ريحانة الأدب 1 / 66، شخصيّت أنصاري 371، علماء معاصرين 176، كتابهاي عربي جابي 225، 287، كنجينه قم 1 / 125، 318، 322، معارف الرجال 2 / 65، معجم المؤلِّفين 5 / 320، مكارم الآثار 6 / 2118، هدية
الرازي 113، معجم رجال الفكر 3 / 1365، مفاخر يزد 1 / 188، ريحانة الأدب 1 / 66 - 68، كنجينه دانشمندان 1 / 283 - 299، آثار الحجّة 1 / 22 - 90، آينه دانشوران 21 - 96، المسلسلات في الإجازات 150 - 153، دائرة المعارف تشيّع 6 / 42 - 45، دائرة المعارف الشيعية العامة 12 / 236 - 237، آثر آفرينان 2 / 259، تأريخ يزد (آيتي) 428 - 429، النجوم المسرد 175، نام آوران فرهك إيران 625، تأريخ أردكان 2 / 211، نهضت روحانيون إيران 3 / 559، فقهاي نامدار شيعة 436، أحسن الوديعة 268 ).
122 - الشيخ عبد الكريم بن محمد رضا بن محمد حسن بن محمد علي الزنجاني ( 1304 - 1388 هـ ). عالم مجتهد، مشارك في كثير من العلوم، من أساتذة الفقه والأُصول والفلسفة، خطيب جريء.
( ترجمته في: تاريخ زنجان 374، دراسات أدبية 1 / 70، الذريعة 8 / 148، علماء زنجان 74، كتابهاي عربي جابي 356، 391، 403، 674، 784، 987، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 307، معجم رجال الفكر 2 / 642، مصادر الدراسة الأدبية 3 / 502، مجلّة العرفان اللبنانية 28 / 134، المنتخب 272 ).
123 - الشيخ عبد الكريم بن موسى آل شرارة العاملي ( 1297 - 1332 هـ ). عالم فاضل، ورع، تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1182، أعيان الشيعة 43 / 179، تكملة أمل الآمل 406، معارف الرجال 3 / 62، مكارم الآثار 5 / 1868، معجم رجال الفكر 2 / 723 ).
124 - الشيخ عبد الله بن عبد السلام الحرّ المشغري العاملي ( ت 1368 هـ ). عالم جليل، فاضل بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1202 ).
125 - السيد عبد الله بن أبي القاسم الموسوي البلادي (1291 - حدود 1372 هـ). عالم جليل، فقيه ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1189 ).
126 - السيد عبد الله ( ثقة الإسلام ) بن محسن بن محمد باقر الحسيني الأعرجي الأصفهاني ( 1285 - 1381 هـ ). عالم، فقيه أُصولي، ثقة، ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1210، شعراء أصفهان 438، الذريعة 6 / 297، 8 / 100، 24 / 363، 18 / 382، مصفى المقال 245، مصادر الدراسة عن النجف 46، 111، معجم رجال الفكر 1 / 326، منية الراغبين 507، المنتخب 279 ).
127 - الشيخ عبد الله بن محمد بن سعد المظفّر ( ت 1356 هـ ). فقيه ورع، وعالم صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1215، كتابهاي عربي جابي 541، 723، مصادر الدراسة 80، معجم المطبوعات النجفية 220، معجم المؤلِّفين العراقيين 2 / 231، معجم رجال الفكر 3 / 1219 ).
128 - السيد عبد الله بن محمد علي خليفة الموسوي الأحسائي البحراني (1300 - 1374 هـ ). عالم جليل، وفاضل ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3 / 1207 ).
129 - الشيخ عبد الله المدرّس بن موسى بن محمد بن رحيم بن منصور بن رحيم السمامي ( 1300 - 1349 هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: بزركان رامسر 91 ).
130 - أبو عبد الله بن نصر الله عبد الرحيم بن علي الزنجاني الشهيد (1309 - 1360هـ). عالم فاضل، مؤلِّف متتبّع، أديب رجالي، مؤرِّخ حكيم.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 17/357، تاريخ زنجان 146، الذريعة 3/75، و15/189، و279، و16/307، 409، ريحانة الأدب 2/384، شهداء الفضيلة 252، علماء معاصرين 185، كتابها عربي چابي 152، 549، 611، 678، 926، 928، معجم المؤلِّفين 6/159، نقباء البشر 1/52، نجوم السماء 1/340، مجلّة العرفان 26/339، مجلّة لغة العرب 6/575، معجم رجال الفكر 2/637 ).
131 - السيد عبد المجيد بن محمود بن عبد الله الحسيني الطالقاني (1285 - 1358هـ). عالم جليل، وفاضل بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1227 ).
132 - الشيخ عبد المحمد بن حسن بن محمد آل زاير دهام الخالدي المخزومي (1291 - 1357هـ). فقيه فاضل، عالم ورع.
( ترجمة في: نقباء البشر 3/1236، الذريعة 6/158، ماضي النجف 2/306، معارف الرجال 1/225، معجم رجال الفكر 2/628 ).
133 - الشيخ عبد المهدي بن إبراهيم بن نعمة المظفّر (1296 - 1363هـ). عالم جليل، وأديب فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1240، الذريعة 1/512، و12/272، كتابهاي عربي چابي 41، ماضي النجف 3/366، معجم المطبوعات النجفية 71، معارف الرجال 2/71، معجم المؤلِّفين العراقيين 2/353، معجم رجال الفكر 3/1213 ).
134 - الشيخ عبد النبي بن محمد علي بن الميرزا أقا العراقي (1308 - 1385هـ). فقيه مجتهد جليل، مؤلِّف متتبّع مكثر، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 8/147 و11/95 و14/255 و18/165، كتابهاي عربي چابي 210، 652، 866، معجم المؤلِّفين العراقيين 2/354، معجم المطبوعات النجفية 86، 201، معجم رجال الفكر 2/888، آثار الحجّة 2/57، الأزهار الأرجية 4/105، المنتخب 293 ).
135 - الشيخ عبد الهادي بن جواد بن كاظم شليلة البغدادي (1270 - 1333هـ). عالم جليل، وأديب بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1255 ).
136 - الشيخ عبد الهادي بن چياد بن محمد آل بخيّت البرقعاوي (ت1381هـ). عالم جليل، وفاضل بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1258، معجم رجال الفكر 1/227 ).
137 - السيد عبد الهادي بن موسي بن جعفر الحسيني الطالقاني (1284 - 1364هـ). عالم بارع، وأديب كامل.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1261، مكارم الآثار 3/883، معجم رجال الفكر 2/823 ).
138 - السيد عزيز الله الأسترابادي . من العلماء ورجال الفضل والصلاح.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1265 ).
139 - السيد عزيز الله بن حسين الحسيني الدركئي الطهراني (ت1370هـ). فقيه جليل، عالم زعيم، وتقي ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1267 ).
140 - علي أحمد الأشتهاردي (ت1344هـ). عالم فاضل، مجتهد متتبّع.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 1/121 ).
141 - الشيخ علي أصغر بن سنجر ميرزا بن جهانگير ميرزا بن عباس بن ميرزا بن محصل شاه القاجار التويسركاني المشهور بـ ( پيروز ) ( 1289 - 1377هـ ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 2/218 ).
142 - الشيخ علي أكبر التبريزي (ت1337هـ). فقيه ورع، وفاضل عفيف.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1579، معجم رجال الفكر 1/285 ).
143 - الشيخ المولى علي أكبر بن حسين النهاوندي الخراساني (1278 - 1369هـ). عالم محدّث، وفقيه ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1599، أعيان الشيعة 8/171، الذريعة 3/152 و5/109 و6/159، و7/158، و10/56 و12/130 و15/215، 251، 263 و18/186، 215، 344، و21/360 و25/277، مصفى المقال 340، معارف الرجال 2/269، مكارم الآثار 6/2207، هدية الرازي 133، معجم رجال الفكر 3/1313، مشاهير مدفون در حرم رضوي 343، مجلة نگاه حوزه ع28 ).
144 - السيد علي أكبر بن رضا البيشوائي اليزدي (1288 - 1374هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/158، النجوم المسرد 92، فرهيختگان دار العبادة 75، گنجينه دانشمندان 2/97، زندكي نامه رجال ومشاهير إيران 2/227، آينه دانشوران 173، أثر آفرينان 2/137، دانشمندان يزد80 ).
145 - الشيخ علي أكبر بن غلام حسين الخوانساري المعروف بـ ( المقيمي ) (1300 - 1359هـ). عالم فاضل، أديب بارع، من فقهاء عصره في النجف، وهو الذي جمع السؤال والجواب لأُستاذه.
( ترجمته في: ونقباء البشر 4/1604، الذريعة 5/242، و11/192، و15/173، و21/24، معجم الرجال 2/553، ضياء الأبصار 2/327 - 330 ).
146 - الشيخ علي أكبر بن محمد حسين بن أبي الحسن الصدر آبادي اليزدي (1293 - 1349هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزيد 1/380 ).
147 - الشيخ علي أكبر بن موسى بن حسن النوقاني الخراساني (1300 - 1370هـ). عالم مدرِّس.
148 - الشيخ علي أكبر الهيّان بن ملاّ محمد تقي تنكابني بن ملاّ محمد بن رحيم بن منصور بن رحيم السمامي ( حدود 1305 - 1380هـ ). عالم جليل.
( ترجمته في: بزرگان رامسر 104 - 107 ).
149 - الشيخ علي بن جعفر بن محمد حسن الشرقي (1308 - 1384هـ). عالم أديب، وشاعر كبير.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1367، الأدب العصري 2/50، إلى ولدي 93، 96، 147، الذريعة 9/518 و10/40 و16/3 و17/ 225، 24/305، شعراء الغري 7/3، ماضي النجف 2/396، مصادر الدراسة 33، 36، معارف الرجال 2/230، معجم المؤلِّفين العراقيين 2/224، مكارم الآثار 5/1604، معجم رجال الفكر 2/741، مشهد الإمام 4/173، عصور الأدب العربي 120، هكذا عرفتهم 2/51، المنتخب 315 ).
150 - السيد علي الجعفري الحائري اليزدي (1265 - 1330هـ). عالم، فقيه.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/197، نقباء البشر 1433، مستدركات أعيان الشيعة 6/149، 8/206، النجوم المسرد 109، طرائق الحقائق 3/499، گنجينه دانشمندان 7/441، تكملة نجوم السماء 1/396، الذريعة 4/308، المآثر والآثار 1/247، چشمه أي در كوير 105، دانشمندان يزد 75، تاريخ سال شماري يزد 206 ).
151 - الميرزا السيد علي حجازي مهريزي ( السيد علي شاه ) .
( ترجمته في: نجوم السرد 723 ).
152 - الشيخ علي ( أبو عبد الكريم ) بن حسن علي بن حسن الخنيزي ( 1285 - 1362هـ ). عالم فقيه، وفاضل جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1393 ).
153 - السيد علي رضا بن علي بن محمد رضا الحائري اليزدي (1304 -....). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/177، النجوم المسرد 95، گنجينه دانشمندان 7/441، دانشمندان يزد 76، آينه دانشوران 225، نسل نور 535، تنديس پارسايي 170 ).
154 - علي... الزاهد المهاجراني الهمداني (1274 - 1329هـ). عالم فاضل جليل، مؤلِّف متتبّع.
( ترجمته في: هدية الرازي 130، معجم رجال الفكر 3/1341 ).
155 - السيد علي بن صادق بن رضا الموسوي القزويني ( ت 1365هـ ). عالم فاضل، ورع صالح، من تلاميذ السيد اليزدي، وفي سنة 1325هـ أمره أُستاذه بنزول شريعة الكوفة فكان مرجع الأُمور الشرعيّة فيها، وله منزلة عند أهل الكوفة، وعند أهل العلم وغيرهم في النجف احترام وتقدير.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1452 ).
156 - الشيخ علي بن أبي طالب القمّي الرشتي (ت1324هـ). عالم كبير، وفقيه بارع، وأديب متفنِّن.
( ترجتمه في: نقباء البشر 4/1330، الذريعة 9/669، و10/45 و13/87 و15/182، معجم رجال الفكر 2/600 ).
157 - السيد مير علي بن حسن بن محمد الحسيني التنكابني (1275 - 1362هـ). عالم فقيه، زاهد متكلّم، من كبار الفقهاء والمتكلّمين، ومن مراجع التقليد والفتيا.
( ترجمته في: تذكرة القبور 432، رجال أصفهان 35، نقباء البشر 4/1381، معجم رجال الفكر 1/143 ).
158 - السيد علي بن عباس بن حسين الحسني الحسيني ( المجتهد ) الفهلياني الشيرازي الكازروني (1277 - 1343هـ). عالم عامل، فقيه أُصولي، مجتهد بارع، أديب شاعر، فاضل.
( ترجمته في: دانشمندان فارس 22/578، الذريعة 4/381 و7/934 و9/356، 743، شخصيّت أنصاري 335، فارسنامه ناصري 2/252، كتابهاي فارسي چابي 2/2305، مكارم الآثار 6/2157، نقباء البشر 4/1460، معجم رجال الفكر 4/1028 ).
159 - الشيخ الميرزا علي بن عبد الحسين الإيرواني (1301 - 1354هـ). عالم كبير، ومدرِّس بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1464، أعيان الشيعة 41/291، الذريعة 3/120، و7/284، و10/45، شخصيّت أنصاري 378، كتابهاي چابي عربي 298، 296، 628، 974، 1006، معجم المؤلِّفين 7/117، ماضي النجف 2/54، معجم المؤلِّفين العراقيين 2/426، معارف الرجال 2/140، معجم رجال الفكر 1/193 ).
160 - السيد علي بن السيد عكلة ( النبي ) بن درويش الموسوي الحمّاري (1285 - 1357هـ). عالم متتبّع، فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1428، الذريعة 25/168، معجم رجال الفكر 1/450 ).
161 - الشيخ أبو علي ابن المولى علي رضا اليزدي القزويني (ت1325هـ). عالم ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/52 ).
162 - السيد علي بن أبي القاسم الحائري اللاّهوري (1288 - 1360هـ). عالم كبير، مفسّر معروف.
( ترجمته في: تذكرة علماي إمامية پاكستان 175 ).
163 - الشيخ علي بن قاسم بن درويش الصوري العاملي (ت بعد 1338هـ). عالم فاضل، وتقي ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1501 ).
164 - الشيخ علي المازندراني (ت1352هـ). عالم بارع، وفاضل خبير، وفقيه كامل.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1315، الذريعة 4/380، معجم رجال الفكر 3/1139 ).
165 - الشيخ علي بن مانع بن درويش المحاويلي (1271 - 1348هـ). فقيه، عالم، فاضل، أديب.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1508، ماضي النجف 3/269، معارف الرجال 2/134، معجم رجال الفكر 3/1147 ).
166 - الشيخ علي ( علوان ) بن محسن بن عاشور آل علي السعدي الحائري (1280 - 1350هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1513 ).
167 - السيد علي بن محمد صادق المدرّس اليزدي (1284 - 1364هـ). عالم فقيه، شاعر.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/675، نسل نور 425 - 432، النجوم المسرد 88، آينة دانشوران 108، آثار الحجّة 1/31، 2/390، نقباء البشر 4/1455 - 1456، گنجينه دانشمندان 7/449 - 450، مجموعة وزيري 1/32، دانشمندان يزد 9، تنديس پارسايي وپايداري 65، فرهيختگان دار العبادة 69، دائرة المعارف الشيعية العامة 17/567، 18/539، روزنامه رعد آمروز، العدد 341، في 10 دي 1323ش ).
168 - السيد علي بن محمد كاظم عبد العظيم الطباطبائي اليزدي - نجل المترجَم - (ت1367هـ).
( ترجمته في: أعيان الشيعة ط 5/14/348، أحسن الوديعة 1/168، منار الهدى 140، الجذور السياسية 124 ).
169 - السيد علي مدد بن حسين بن علي مدد الموسوي القائني (1301 - 1384هـ). عالم جليل، وفاضل معروف.
( ترجمته في: نقباء البشر 2/624، و4/1626، معارف الرجال 2/145، معجم الرجال الفكر 3/961، بقايا الأطياب 99، المنتخب 345 ).
170 - السيد علي بن محمد تقي بن ميرزا أبي القاسم الطباطبائي التبريزي (1300 - 1393هـ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 2/202، معجم المطبوعات النجفية 197، معجم رجال الفكر 1/295 ).
171 - الشيخ علي بن المولى محمد جواد بن علي المرندي التبريزي (1287 - 1370هـ). فقيه أُصولي، عالم، زاهد، من مراجع التقليد والاستنباط.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1371، الذريعة 3/192 و4/380 و6/101، 148، 158، 220، شخصيّت أنصاري 377، معجم رجال الفكر 3/1192، 1194 ).
172 - السيد علي بن محمد رضا الحسيني البشت مشهدي الكاشاني اليثربي (1311 - 1379هـ). فقيه جليل، وعالم كبير.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1432 ).
173 - الشيخ علي بن محمد پائين شهري القمّي (ت1360هـ). فاضل.
( ترجمته في: رجال قم 136، آينه دانشوران 296 ).
174 - السيد علي بن محمد بن علي الموسوي الرامهرمزي البهبهاني (1303 - 1395هـ). فقيه أُصولي، مجتهد، عالم نحرير، من أساتذة الفقه والأُصول، ومراجع التقليد والفتيا في منطقة الأهواز.
( ترجمته في: الذريعة 17/190، و21/123، سخن سرايان فارس 3/677، كتابهاي عربي چابي 590، 716، 855، 885، معجم رجال الفكر 1/273، آثار الحجّة 2/217، المنتخب 340 ).
175 - السيد علي بن مهدي بن رضا الحسيني الطالقاني (1300 - 1337هـ). عالم فاضل، وأديب شاعر.
(ترجمته في: ونقباء البشر 4/1545، الذريعة 9/738، معجم رجال الفكر 2/823).
176 - الشيخ علي بن موسى بن محمد باقر الأسكوئي التبريزي ( 1304 - 1386هـ ). عالم فاضل، من مشاهير الشيخيّة.
( ترجمته في: الشيخيّة 244، الذريعة 6/263، تراث كربلاء 243، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء 49، معجم المؤلِّفين 3/653، مج المرشد 2/240، المنتخب 347 ).
177 - السيد علي النجف آبادي (1287 - 1362هـ). عالم كبير، من أكابر الحكماء وأجلاّء الفقهاء.
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1318 ).
178 - ميرزا مجد الدين علي بن نجم الدين بن عبد الله النراقي (1293 -....).
( ترجمته في: تراجم الرجال 2/152 ).
179 - ميرزا علي نقي بن محمد بن سليمان التنكابني (1291 - 1342هـ). عالم، فقيه، جليل.
( ترجمته في: بزرگان تنكابن ص177 ).
180 - السيد علي بن ياسين بن مطر الحسني العلاّق (1293 - 1344هـ). عالم أديب، شاعر بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر: 4/1557، أعيان الشيعة 8/369، الحصون المنيعة 9/332، شعراء الغري 6/318، معارف الرجال 2/133، معجم المؤلِّفين العراقيين 2/427، معجم رجال الفكر 2/897 ).
181 - السيد علي بن يحيى الحسيني الحجازي (1285 - 1370هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/208، النجوم المسرد 122 ).
182 - السيد عيسى بن حمد بن محمد حسن آل كمال الدين الحسيني الحلِّي (1287 - 1373هـ). عالم جليل، فقيه فاضل، مجاهد معروف، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في نقباء البشر: 4/1639، أعيان الشيعة 42/230، الذريعة 11/192 و22/8، معارف الرجال 3/307، معجم المؤلِّفين 8/23، ماضي النجف 3/179، معجم رجال الفكر 3/1091 ).
183 - السيد عيسى القزويني (ت بعد 1320هـ). عالم تقي، فاضل جليل.
( ترجمته في نقباء البشر: 4/1636 ).
184 - الشيخ غلام حسين القمّي (ت1337هـ). عالم تقي، فاضل جليل، ورع صالح.
( ترجمته في نقباء البشر: 4/1650 ).
185 - غلام حسين بن محمد رضا عبد خدائي التبريزي الخراساني (1301 - 1400هـ). فقيه فاضل، مجتهد جليل، عالم عامل، مؤلِّف متتبّع، من
أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 11/310، كتابهاي چابي فارسي 2/2715، 2721، معجم رجال الفكر 2/883، گنجينه دانشمندان 7/120، مشاهير مدفون در حرم رضوي ص92، كتب عنه الحاج محمد مهدي عبد خدائي، و د. هادي عبد خدائي في مجلّة ( نگاه حوزه ) رقم 21 - 22 ).
186 - الشيخ غلام رضا بن الحاج إبراهيم الخراساني اليزدي (1295 - بعد 1361هـ). عالم بارع، مجتهد جليل، مفسِّر، أديب متتبِّع.
( ترجمته في نقباء البشر: 4/1656، الذريعة 12/274 و21/336، فهرست مطبوعات الفيضية 1/128، كتابهاي چابي فارسي 3/3101 و4/4851، معجم رجال الفكر 2/481، معجم رجال الفكر 3/1363، مفاخر يزد 1/522، النجوم المسرد 125، گنجينة دانشمندان 7/460، چشمه أي در كوير 123، آينه دانشوران 266، دانشمندان يزد 90، شعراء دانشمندان يزد 71، نسل نور 45، تاريخ سالشماري يزد 292، طبقات مفسِّران شيعة 5/506، مصنّفات شيعة 6/105 ).
187 - الشيخ غلام رضا بن مسيح المدققي أبرند آبادي اليزدي (ت1368هـ). عالم فقيه.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/688، نقباء البشر 4/1456، النجوم المسرد 126/127، آينه دانشوران 103، نسل نور 418، تنديس پارسايى 139، دانشمندان يزد 96، روزنامه پيمان يزد أسفند 77، شماره 255، ( به قلم سرهنط على مدققى، نوه ابرند آبادي ) ضريح، سال أوّل، بيش شماره أوّل، فروردين 1380ش ).
188 - السيد فاضل بن زين العابدين بن ميرشاه ميرزا الخلخالي الموسوي (ت1346هـ). عالم مجتهد، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 2/515 ).
189 - المولى فتحلعي بن ولي بن علي عسكر الأرغوني الزنجاني (1268 - 1338هـ). عالم فقيه، متتبِّع، أُصولي، أديب، شاعر.
( ترجمته في: أحسن الوديعة، الذريعة 4/297، و6/160 و9/807 و21/346، تاريخ زنجان 440، شخصيّت أنصاري 379، معجم المؤلِّفين 8/48، الغدير 11/265، مكارم
الآثار 6/1889، معجم رجال الفكر 2/635 ).
190 - الشيخ فرج الله بن الشيخ محمد بن فرج الله التبريزي الهشترودي العباچي الخوئيني (ت1339هـ). عالم مجتهد، فقيه أُصولي، مفسِّر، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 3/172، معارف الرجال 2/156، معجم رجال الفكر 2/557 ).
191 - الشيخ فضل علي بن الملاّ علي محمد القزويني (1290 - 1367هـ). فاضل مؤلِّف.
( ترجمته في: الذريعة 2/258، آينة دانشوران 320 ).
192 - الشيخ فضل الله ( شيخ الإسلام ) بن نصر الله بن عبد الرحيم الزنجاني (1302 - 1374هـ). عالم فاضل، مجتهد جليل، مؤلِّف متتبّع، من أساتذة الفقه والأُصول والحكمة.
( ترجمته في: تاريخ زنجان 405، أعيان الشيعة 407، علماء معاصرين 224، كتابهاي چابي عربي 103، 193، مصفى المقال 364، مشاهير علماء زنجان 84، نقباء البشر 1/52، معجم رجال الفكر 2/637 ).
193 - السيد أبو القاسم بن إبراهيم الموسوي الصفوي الأصفهاني المعروف بالمحرّر (1283 - 1370هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/59 ).
194 - السيد أبو القاسم الحسيني الأشكوري (ت1349هـ). من كبار العلماء والمدرِّسين.
( ترجمته في: بزرگان تنكابن ص37 ).
195 - السيد أبو القاسم بن أحمد بن عبد الكريم الموسوي الجزائري التستري (1281 - 1354هـ). عالم كبير، ومجتهد جليل زاهد، ورع تقي، من أساتذة السطوح والمقدّمات.
( ترجمته في: شجرة مباركة 163، نقباء البشر 1/60، معجم رجال الفكر 1/343 ).
196 - الشيخ قاسم بن حمود بن خليل آل قسّام (ت 1331هـ). فقيه أُصولي، عالم عامل، مجتهد، محدِّث، رجالي، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 8/444، شخصيّت أنصاري 4427، نقباء البشر 4/1426، معجم رجال الفكر 3/1000 ).
197 - الشيخ أبو القاسم بن عبد الرزّاق الأصفهاني (1304 - 1384هـ). من كبار علماء قم.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1/256، آثار الحجّة 2/38، آينة دانشوران 207، گنجينه دانشمندان 2/75 ).
198 - الشيخ أبو القاسم بن محمد كريم القمّي ( الصغير ) (ت1352هـ). عالم جليل، فقيه متبحِّر.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/73، تربت باكان قم 1/272، آثار الحجّة 1/39، آينه دانشوران 144، الإجازة الكبيرة 18، الكلام يجر الكلام 1/106، أعيان الشيعة 2/410، تاريخ قم 249، رجال قم 88، علماي بزرگ شيعة 364، علماي معاصرين 387، گنجينه دانشمندان 1/127 ).
200 - السيد أبو القاسم بن محمود الطباطبائي القمّي (ت1333هـ). عالم جليل القدر.
( ترجمته في: تربت باكان قم 1/269، تاريخ قم 249، رجال قم 88، گنجينه دانشمندان 1/130، نقباء البشر 1/75، هدية الرازي 64 ).
201 - الشيخ كاظم بن علي أشرف الشبستري (1307 - 1372هـ). مجتهد جليل، عالم نحرير، متضلِّع متكلِّم، ورع، عابد، فقيه، من أساتذة الفقه والأُصول والحديث والأخبار والتاريخ.
( ترجمته في: شخصيّت أنصاري 363، علماء معاصرين 253، معجم رجال الفكر 2/716 ).
202 - السيد كاظم بن محمد رضا بن أبي القاسم المفيد الطباطبائي التبريزي (1297 -....). عالم كامل، مجتهد فاضل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: علماء معاصرين 402، معجم رجال الفكر 3/1227 ).
203 - السيد كلب مهدي الحائري الهندي الجائسي الأصل (ت1349هـ). فاضل، مدرِّس.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 128 ).
204 - الميرزا الشيخ مجتبى بن أحمد القزويني (1318 - 1386هـ). عالم، مدرِّس.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضوي 235، الذريعة 26/116، نگاه حوزه قم 12، مجلة حوزه رقم 5، كيهان فرهنگي رقم 12 ).
205 - السيد محسن الأشرفي (ت1375هـ). عالم فاضل، مجتهد جليل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 1/121 ).
206 - السيد محسن بن حسين السيد مهدي الحسيني القزويني الحلِّي (1300 - 1356هـ). فاضل.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 130 ).
207 - الشيخ محسن بن محمد حسن بن علي العلياري (ت1323هـ). عالم فاضل، مجتهد جليل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 9/46، بهجة الآمال 1/ ن المقدّمة، معجم رجال الفكر 2/901 ).
208 - الشيخ محمد إبراهيم بن علي رضا الحائري اليزدي (1270 - 1324هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/186، النجوم المسرد 26 ).
209 - محمد إبراهيم بن المولى محمد حسين بن المولى محمد إبراهيم الأصفهاني (1286 - 1362هـ). فقيه فاضل، عالم كامل، أديب شاعر.
( ترجمته في: الذريعة 9/1176، شعراء أصفهان 502، معجم رجال الفكر 1/155 ).
210 - الشيخ محمد إبراهيم گرد فرامرزي.
( ترجمته في: نجوم السرد 723 ).
211 - الشيخ محمد إسماعيل بن إبراهيم السروجي القزويني الغروي (ت1370هـ). عالم خطيب، ورع فاضل.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 2/914 ).
212 - السيد محمد باقر بن جعفر بن معصوم الحسيني الأشكوري (1308 - 13839هـ). عالم كامل، مجتهد جليل، فاضل متتبّع.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 1/127 ).
213 - السيد محمد باقر بن أبي تراب الحسيني القزويني (1289 - 1365هـ). عالم جليل، ثقة ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/192 ).
214 - السيد محمد باقر بن زين العابدين بن جعفر الموسوي الخونساري الأصفهاني (1226 - 1313هـ). فقيه متضلِّع، عالم مجتهد، متبحّر، مؤلِّف محقق، متتبّع رجالي، محدّث.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/126، أعيان الشيعة 44/107، إيضاح المكنون 1/33، تذكرة القبور 175، الذريعة 1/287، 388، 458، و4/177، و6/91، 175، و11/280 و15/161، و17/73، روضات الجنّات 2/105، ريحانة الأدب 3/366، زندگاني چهار سوقي 82، علماي معاصرين 53، فوائد الرضوية 403، كتابهاي چابي عربي 216، 278، 495، 977، الكنى والألقاب 2/222، المآثر والآثار 161، مصفّى المقال 89، معارف الرجال 1/20، 330، و2/156، و3/120، 264، 275، معجم المؤلِّفين 9/87، مكارم الآثار 3/799، مناهج المعارف 236، نجوم السماء 1/362، نقباء البشر 1/211، هدية الأحباب 173، هدية العارفين 2/379، معجم رجال الفكر 2/541 ).
215 - الشيخ محمد باقر بن محمد إسماعيل السيرجاني الكرماني اليزدي ( كان حيّاً (1319هـ ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/187، تراجم الرجال 2/599، مفاخر يزد 2/923، الذريعة
5/260، 264، 275، 11/253، 16/223، 25/43، مستدركات أعيان الشيعة 7/260، النجوم المسرد 195، فهرست كتابهاي چابي 2/2636، 3744، معجم مؤلّفي الشيعة 220، گنجينه دانشمندان 5/350، مصنّفات الشيعة 5/98، 137 ).
216 - الشيخ محمد باقر بن محمد تقي بن محمد بن رحيم بن منصور بن رحيم الهيان السمامي (1298 - 1374هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: بزركان رامسر 158 ).
217 - الميرزا السيد محمد ( والد الدكتور مدرسي ) .
( ترجمته في: نجوم السرد 723 ).
218 - السيد محمد باقر بن أبي الحسن محمد الرضوي القمّي الكشميري - اللكهنوي (1286 - 1346هـ). مجتهد كبير، ومرجع ديني، من مشاهير علماء عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/192، أعيان الشيعة 44/90، 91 - 102، 103، الذريعة 2/37 و11/301 و15/96 و17/214، كتابهاي چابي عربي 49، معجم المطبوعات النجفية 75، معارف الرجال 2/145، مكارم الآثار 5/1632، معجم المؤلِّفين 9/94، نجوم السماء 2/243، معجم رجال الفكر 2/611 ).
219 - السيد الميرزا محمد باقر بن محمد علي القاضي الطباطبائي التبريزي (1285 - 1366هـ). عالم جليل، ومصنِّف بارع.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/217، أعيان الشيعة 3/533، الذريعة 6/154، 165 و8/128، و11/78، و20/228، شخصيّت أنصاري 407، علماء معاصرين 240، معجم المؤلِّفين 3/36، مجلة العرفان س33/1197، معجم رجال الفكر 3/965).
220 - السيد محمد تقي بن أسد الله بن محمد بن حسين الموسوي الخوانساري (1305 - 131هـ). عالم فقيه مدرِّس، من مراجع التقليد والمشاهير، وزعماء الحوزة العلمية في عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/2465، اختران تابناك 516، علماي معاصرين 211، كتابهاي چابي عربي 622، معجم المؤلِّفين 9/127، مناهج المعارف 214، معجم رجال الفكر 2/546، ضياء الأبصار 1/496 - 514، آينة دانشوران 168 ).
221 - الشيخ محمد تقي الگرگاني الصغير (ت1348هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/241 ).
222 - الشيخ محمد تقي بن محمد باقر البافقي اليزدي (1292 - 1365هـ). عالم فقيه.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/121 - 124، نقباء البشر 1/248، النجوم المسرد 43/46، فرهنگ رجال مشاهير تاريخ معاصر إيران 2/270، الذريعة 24/230، كرامات الصالحين 84/240، آثار الحجّة 1/31، 2/280، گنجينه دانشمندان 4/619، اختران فروزان ري وتهران 277 - 280، فرهيختگان دار العبادة 59، 66، طبيب دلها 208، أثر آفرينان 2/11، دائرة المعارف تشيّع 3/63، تاريخ بيست ساله إيران 4/282 - 288، زندگينامه رجال مشاهير إيران 2/17 - 19، 185، 387، 390، دانشنامه جهان إسلام 1/620، بزرگان معاصر 224 - 225، علماي بزرگ شيعة از كليني تاخميني 383، ماهنامه باسدار إسلام ش195، مجلة يادسال چهارم ش4، بهار 68، 104 - 120، نهضت روحانيّون إيران 2/406، ستاره هاي زمين 128، شرح زندگاني حاج شيخ محمد تقي بافقي ).
223 - السيد محمد تقي ( مفتي الشيعة ) بن مرتضى بن نقد علي الأردبيلي (1282 - 1361هـ). عالم عامل، مجتهد متتبّع.
( ترجمته في: تاريخ أردبيل 2/262، الذريعة 13/30، معجم رجال الفكر 1/102 ).
224 - الشيخ محمد جواد بن حسن البلاغي الربعي (1282 - 1352هـ). من مشاهير علماء الشيعة في عصره، علاّمة جليل، ومجاهد كبير، ومؤلِّف مكثر خبير.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/323، الإجازة الكبيرة للمرعشي 160 ).
225 - السيد محمد جواد بن صادق اليزدي (ت1366هـ). عالم فقيه، ومدرِّس فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/330، مفاخر يزد 2/859 ).
226 - الشيخ محمد جواد الرازي (1275 - 1355هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 161 ).
227 - الشيخ محمد جواد بن غلام رضا بن الحاج رجب ( الحاج آخوند ) القمّي (1295 - 1366هـ). عالم مجتهد، عامل، فاضل متتبّع، مؤلِّف محقّق، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 4/379، الذريعة 15/35 و12/180، كتابهاي چابي فارسي 2/1443، و3/3010 و4/4183 و5/5579، شخصيّت أنصاري 298، نقباء البشر 4/1657، معجم رجال الفكر 3/1014 ).
228 - الشيخ محمد جواد بن كاظم بن صادق بن محسن الأعسم النجفي (1288 - 1358هـ). عالم، فاضل، أديب، شاعر، ورع، تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/873، شعراء الغري 10/4، ماضي النجف وحاضرها 2/34، النفحات الذكيّة في شرح الأُرجوزة الأعسميّة ص243 - 247 ).
229 - الشيخ محمد جواد بن الشيخ محمد ( الفاضل الإيرواني ) بن محمد باقر الإيرواني (1287 - 1382هـ). فقيه خبير، عالم كبير، مجتهد نحرير.
( ترجمته في: شخصيّت أنصاري 362، ماضي النجف 2/53، مشهد الإمام 2/159، معجم رجال الفكر 1/194 ).
230 - السيد محمد جواد بن محسن بن محمد بن علي الموسوي الغريفي (1308 - 1394هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: المنتخب 438 ).
231 - الشيخ محمد جواد بن محمد علي شريف نزاد النجفي (حدود 1318 - 1399هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/782 ).
232 - الشيخ محمد حسن بن أحمد بن عبد الحسين بن محمد حسن الجواهري (1293 - 1335هـ). عالم جليل، أديب، متتبّع، شاعر.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 43/227، الذريعة 1/493، 5/275، ماضي النجف 2/126، نقباء البشر 1/380، مكارم الآثار 5/1829، معجم رجال الفكر 1/367 ).
233 - الشيخ محمد حسن الأنصاري البوشهري (ت نحو 1380هـ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/165 ).
234 - الشيخ محمد حسن بن الميرزا حسين المشهور بالداور پناه (1300 - 13829هـ).
( ترجمته في: ضياء الأبصار 1/622 - 623 ).
235 - السيد محمد حسن بن علي بن صادق بن رضا الموسوي القزويني (1318 - 1358هـ). عالم فاضل، أديب متتبّع، خطيب متكلِّم، مؤلِّف محقّق.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 9/159، نقباء البشر 4/1452، خطباء المنبر 3/23، الذريعة 17/29، معجم رجال الفكر 3/993 ).
236 - الشيخ محمد حسن بن أبي القاسم بن عبد الحكيم الكاشاني (1303 - 1387هـ). عالم، فاضل، مجاهد.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/380، الذريعة 1/296، حياة الشيخ علي الشاهرودي 125، مجلة الموسم الهولندية 23/309، المنتخب 443 ).
237 - الشيخ الميرزا محمد حسن بن محمد جعفر الكرماني اليزدي (ت1327هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/571، النجوم المسرد 62، نقباء البشر، 1/174، 277، 293، شكوه پاسايي وبايداري 68 ).
238 - الشيخ محمد حسن بن محمد بن عبد الله المظفّر (1301 - 1375هـ). عالم فقيه، ومتكلِّم بارع، من علماء عصره في النجف الأشرف.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/431، أعيان الشيعة 46/223، الذريعة 2/258 و8/131، 251، شعراء الغري 7/531، كتابهاي چابي عربي 366، 559، 985، ماضي النجف 3/369، معجم المطبوعات النجفية 146، 169، 378، معارف الرجال 2/246، معجم المؤلِّفين 9/219، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/142، مجلة العرفان س 43/454، معجم رجال الفكر 3/1215 ).
239 - الشيخ محمد حسن بن علي بن عبدالله العلياري (1266 - 1358هـ). عالم كبير، وفقيه أُصولي نحرير، من مراجع التقليد والفتيا، وأساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 5/209، بهجة الآمال 1/ز المقدّمة، الذريعة 20/211 و3/240، سخنوران آذربايجان 1/122، علماء معاصرين 180، معجم المؤلِّفين
3/256، مكارم الآثار 5/1823، نقباء البشر 1/416، معجم رجال الفكر 2/901 ).
240 - السيد محمد حسن بن محمد علي الموسوي الأردبيلي (1278 - 1348هـ). فقيه ورع، صالح تقي، عالم جليل.
( ترجمته في: تاريخ أردبيل 2/264، نقباء البشر 1/422، معجم رجال الفكر 1/103 ).
241 - السيد محمد حسن ( آقا نجفي ) بن السيد محمد القوچاني (1295 - 1363هـ). فقيه أُصولي، مجتهد متتبّع، عالم كامل، مؤلِّف محقق، ورع صالح، ثقة.
( ترجمته في: أتركنامه 240، جغرافياي قوچان 138، سياحة في الشرق، كتابهاي چابي فارسي 3/3104، معجم رجال الفكر 3/1023 ).
242 - السيد محمد حسين بن أغا سيد محمود الموسوي الدزفولي (1301 - 1362هـ). عالم جليل، وفقيه فاضل، وورع تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/521 ).
243 - الشيخ محمد حسين بن حسن گرد فرامرزي اليزدي (ت1350هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/581، النجوم المسرد 77 ).
244 - الشيخ محمد حسن بن المولى حسن النجّار القمّي (ت1359هـ). عالم كبير، وفقيه صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/568 ).
245 - الشيخ محمد حسن ( الخليلي ) بن الميرزا خليل الله بن أسد الله الشيرازي (ت1339هـ). عالم جليل، تقي ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/576، أعيان الشيعة 44/273 وفيه وفاته 1340هـ، دانشمندان فارس 2/262، معجم المؤلِّفين 9/239، معجم رجال الفكر 2/778 ).
246 - الشيخ محمد حسن بن عبد الله الغروي البروجردي (1275 - 1354هـ). عالم محقّق، فقيه فاضل، من مراجع التقليد وأساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تاريخ بروجرد 2/561، هدية الرازي 93، معجم رجال الفكر 1/234، تربت پاكان قم 3/1559، الإجازة الكبيرة 173، 539، نقباء البشر 2/496، 889 ).
247 - الشيخ محمد الحسين بن الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء (1294 - 1373هـ). من كبار رجال الإسلام في عصره، ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة، ومنابع العلم والأدب والفقه والأُصول، وأئمّة القريض والفصاحة والبيان والتأليف والقلم.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/612، أحسن الوديعة 2/107، الأدب العصري 2/72، الأعلام 6/339، الذريعة 1/46، و2/169، و4/489، و8/293، و10/14، و15/373، و16/165، و19/78، و21/295، و23/232 و24/37، 37/222، 295، ريحانة الأدب 5/27، شعراء الغري 8/123، علماء معاصرين 194، كتابهاي چابي عربي 6/43، 63، 158، 165، 225، 255، 274، 289، 332، 371، 404، 406، 527، 642، 662، 779، 784، 810، 829، 332، 890، 933، 938، 943، 957، 966، 984، لغت نامه 38/188، ماضي النجف 3/182، مصادر الدراسة 42/50، مصفّى المقال 157، معجم المطبوعات النجفية 63، 73، 82، 117، 144، 206، 210، 213، 215، 229، 262، 297، 299، 306، 331، 341، 357، 364، 377، معارف الرجال 2/272، معجم المؤلِّفين 9/250، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/144، مكارم الآثار 6/1910، مجلة العرفان س 36/958، معجم رجال الفكر 3/1048 ).
248 - الشيخ محمد بن حسين بن علي بن محمد الأردكاني اليزدي ( ت1380هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/78، النجوم المسرد 141، تاريخ أردكان 1/285 ).
249 - الشيخ محمد بن حسين القمّي (1288 - 1369هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: آينه دانشوران 148 ).
250 - الشيخ محمد حسين بن غلام علي السردهي اليزدي (ت1357هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/525، النجوم المسرد 63، الذريعة 17/8، معجم مؤلِّفي الشيعة 459، فهرست كتابهاي چابي فارسي 3/3861، مؤلّفي كتب چابي 2/778، دانشمندان يزد 109، آينة دانشوران 631 ).
251 - السيد الميرزا محمد حسين المجتهد الأبرقوهي اليزدي (ت1342هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/608، شناخت ابرقوه وقدمت آن 231 - 244، بزركان ابرقو 72، ابركوه: أوضاع سياسي اجتماعي.../66 ).
252 - السيد محمد حسين بن محمد إبراهيم بن علي الطباطبائي الأصفهاني (1288 - 1376هـ). عالم مجتهد، محقّق ورع.
( ترجمته في: تذكرة القبور 281، معجم رجال الفكر 1/146 ).
253 - الشيخ محمد حسين بن محمد حسين خان القزويني الطهراني ( حدود 1292 - 1387هـ ). عالم جليل، وفقيه فاضل، وورع صالح.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/566، الذريعة 2/204، معجم رجال الفكر 2/858 ).
254 - السيد محمد حسين بن محمود الحكمي الموسوي الدزفولي (1300 - 1362هـ). عالم، فاضل، أديب.
( ترجمته في: ماضي النجف 183، معارف الرجال 2/267، معجم المطبوعات النجفية 362، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/293، معجم رجال الفكر 1/419 ).
255 - الشيخ محمد حسين بن يونس المظفّر (1293 - 1371هـ). عالم كبير، وأديب شهير، وشاعر مطبوع.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 51/114، ماضي النجف 3/372، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/155، شعراء الغري 8/86، نقباء البشر 2/895، معجم رجال الفكر 3/1217 ).
256 - الشيخ محمد بن رحيم بن رحيم رحيميان (ت1344هـ). فاضل، مدرّس.
( ترجمته في: بزركان رامسر 128 ).
257 - الشيخ محمد رضا الطهراني (1289 - 1372هـ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/229 ).
258 - الشيخ محمد رضا بن عبد الرحيم بن محمد رضا الكرباسي (1295 - 1383هـ). عالم فاضل، مدرّس.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضوي 254، نقباء البشر 2/759، مؤلِّفين كتب چابي 3/178، تاريخ آستان قدس 338، راهنمايا تاريخ آستان قدس 428، الذريعة
2/287، بقايا الأطياب 84، المنتخب 94 ).
259 - الشيخ محمد رضا بن الملاّ علي بن محمد تقي حسين آبادي الچرقويه إي الأصفهاني (1309 - 1372هـ). عالم جليل، مجتهد فاضل.
( ترجمته في: تذكرة القبور 332 ).
260 - الشيخ محمد رضا بن قاسم بن محمد بن ناصر الغرّاوي (1303 - 1385هـ). عالم فاضل، مجتهد جليل، مؤلِّف متتبّع، كاتب محقِّق، أديب شاعر، تقي ورع.
( ترجمته في: الذريعة 3/127 و5/220 و249 و7/286 و8/107 و11/52 و12/7 و14/72، 172، 199، 204، و15/16، شعراء الغري 8/398، ماضي النجف 3/37، مصفّى المقال 177، معارف الرجال 2/286، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/168، معجم المطبوعات النجفية 107، 212، نقباء البشر 2/767، معجم رجال الفكر 2/911، سبع الدجيل 96، بقايا الأطياب 100، أدب الطف 10/188، المنتخب 495 ).
261 - السيد محمد رضا بن أبي القاسم بن فتح الله الحسيني الكمالي الأسترابادي الحلّي (1283 - 1346هـ). عالم أديب، وشاعر طبيب، وخطيب.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/736، أُدباء الأطبّاء 1/168، الذريعة 5/130، 15/92، 158، 294، و18/366، و24/393، ماضي النجف 1/170، معجم رجال الفكر 1/446، شعراء الحلّة 2/395 ).
262 - الشيخ المولى محمد رضا بن محمد باقر القائني . عالم جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/741 ).
263 - السيد محمد رضا بن محمد باقر الحسيني المرعشي الرفسنجاني الكرماني (1285 - 1342هـ). عالم جليل، ومصنِّف فاضل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: نقباء البشر: 2/742، إحقاق الحق 1/139، الذريعة 5/214، 231، 240، و17/293، معجم رجال الفكر 3/1186 ).
264 - الشيخ محمد رضا بن محمد تقي الفرقاني الچرقوئي الأصبهاني الحائري (1305 - 1393هـ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/238 ).
265 - السيد محمد رضا بن محمد العلوي البختياري (1320 - 1379هـ). عالم مجاهد، مجتهد فاضل.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 1/221، مشاهير مدفون در حرم رضوي 77، روزنامه أفتاب شرق 11/2/1339، تاريخ وجغرافياي چهار محال 2/450 ).
266 - الشيخ محمد رضا بن محمد الواعظ التنكابني (1282 - 1385هـ). عالم فاضل، مجتهد عارف، من مشاهير علماء طهران.
( ترجمته في: نقباء البشر 2/768، معجم رجال الفكر 1/321 ).
267 - السيد محمد الرضي بن زين العابدين بن محمد حسن النقوي الخونساري (1292 - 1374هـ). عالم فاضل، كاتب متتبّع، مؤلِّف متضلِّع.
( ترجمته في: تذكرة القبور 349، شعراء أصفهان 370، كتابهاي چابي فارسي 1/757، و2/2078، 2164، معجم رجال الفكر 2/550 ).
268 - محمد زكي بن محمد فرج البهبهاني (ت بعد 1326هـ). عالم جليل، مجتهد متتبِّع، فاضل.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 32/273، الذريعة 1/444، و10/17، كتابهاي چابي عربي 391، نقباء البشر 2/792، معجم رجال الفكر 1/275 ).
269 - السيد محمد بن زين العابدين الرضوي الخوانساري المتخلّص بالفنائي (1292 - 1374هـ). عالم فاضل، فقيه أديب، شاعر متفنِّن، من علماء عصره في أصفهان.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2/442 - 447 ).
270 - الشيخ المولى محمد صادق بن كاظم القمّي (ت قبل 1350هـ). عالم كامل، وفقيه نبيل.
( ترجمته في نقباء البشر: 2/871 ).
271 - محمد صادق بن الميرزا محمد السربندي البروجردي (ت1365هـ). عالم فقيه أُصولي مفسِّر، زاهد ورع.
( ترجمته في: تاريخ بروجرد 2/585، معجم رجال الفكر 1/235 ).
272 - الشيخ محمد صالح بن فضل الله المازندراني الحائري (1297 - 1391هـ). عالم، فيلسوف، متكلِّم، شاعر.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضوي 264، زندگي نامه، رجال مشاهير إيران 3/68، تاريخ آستان قدس رضي 344 ).
273 - الشيخ محمد بن عبد الرحيم بن نجف المستوفي النهاوندي (1291 - 1371هـ). عالم كبير، مجتهد مفسِّر.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضي 444، گنجينه دانشمندان 7/191، تاريخ آستان قدس رضوي 338، الذريعة 12/163، 15/122، نقباء البشر 3/1109 ضمن ترجمة والده، مجلّة نگاه حوزه ع14 ).
274 - محمد بن علي أكبر بن المولى محمد الفيض القمّي ( 1293 - 1370هـ ). فقيه أُصولي، مجتهد جليل، زعيم ديني.
( ترجمته في: تذكرة شعراي قم 198، تربت پاكان 1/343، كتابهاي چابي عربي 690، گنجينه آثار قم 1/328، لغت نامه 36/365، علماء معاصرين 287، معجم رجال الفكر 2/957، آينه دانشوران 146 ).
275 - الشيخ محمد علي بن الشيخ حسن آيتي البروجردي (1313 - 1340هـ). من أساتذة الفقه والأُصول، عالم جليل، مجتهد فاضل، شاعر أديب.
( ترجمته في: تاريخ بروجرد 2/532، كتابهاي چابي عربي 821، معجم رجال الفكر 1/236 ).
276 - السيد محمد علي بن حسين بن الحسن، هبة الدين الحسيني الشهرستاني (1301 - 1386هـ). عالم كبير، ومجتهد مجدِّد، ومصلح معروف، مفسِّر رجالي، مؤلِّف، سياسي محنّك، مجاهد.
( ترجمته في: نقباء البشر: 4/1413، أعيان الشيعة 10/261، تاريخ الصحافة 26، الذريعة 2/99، 214، 481، و3/63، 130، 486، و4/229، و5/8 و6/378، و8/87 و10/44، 189 و11/139، 257، و12/37، 101، و14/183، 16/3، 105، 377، و19/32، 23/243، و24/340، و25/259، ريحانة الأدب 3/274، و6/350، شعراء الغري 10/65، علماء معاصرين 201، كتابهاي چابي عربي 34،
67، 104، 130، 157، 197، 220، 224، 228، 234، 248، 273، 274، 308، 318، 319، 365، 366، 399، 492، 672، 690، 778، 864، 869، 933، 967، 977، 983، 1003، 1008، مصادر الدراسة 54، مصفّى المقال 337، معارف الرجال 2/319، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/438، زندگاني چهار سوقي 227، معجم رجال الفكر 2/760 ).
277 - السيد محمد بن علي بن سعيد الأبرقوئي الميبدي اليزدي (ت1320هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/35، 2/756، مصفّى المقال 428، معجم المؤلِّفين 10/301، فرهنگ رجال ومشاهير تأريخ معاصر إيران 1/203، تذكرة مشاهير ميبد 190، شجره نامه ونسب نامه سادات مرعشي يزد وفارس 15 ).
278 - السيد محمد بن علي اليزدي (ت1337هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/351، النجوم المسرد 133 ).
279 - السيد محمد بن علي الطباطبائي الكربلائي اليزدي الشهير بـ ( أكرمي ) (1284 - 1343هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 2/568 ).
280 - السيد محمد ( الحجّة ) بن علي برادر زاده بن علي نقي الحسيني الكوهكمري التبريزي (1310 - 1372هـ). فقيه أُصولي، عالم جليل، من أساتذة الفقه والأُصول، ومراجع الفتيا والتقليد والزعامة الدينية، ورع، تقي.
( ترجمته في: ريحانة الأدب 2/23، علماء معاصرين 214، ماضي النجف 3/334، معجم المؤلِّفين 9/177، كتابهاي چابي عربي 138، 301، 622، 682، اختران تابناك 1/476، نقباء البشر 4/1494، معجم رجال الفكر 3/1103 ).
281 - الملاّ محمد علي الگنبدي الهمداني . مجتهد فقيه، ورع صالح، عارف.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 3/1342 ).
282 - الشيخ محمد علي بن محمد حسين بن أسد الله الفارسي الكرماني الأصبهاني (1296 - 1380هـ).
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/332 ).
283 - السيد محمد علي بن محمد شريف بن محمد الموسوي الجزائري التستري (1308 - 1394هـ). مجتهد جليل، من أساتذة الفقه والأُصول والعروض والمنطق.
( ترجمته في: شجرة مباركة 145، معجم رجال الفكر 1/337 ).
284 - الشيخ محمد علي القمّي (1291 - 1358هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر ط1/357، معجم المؤلِّفين 11/36، أحسن الوديعة 1/185، نقباء البشر 1368، مختار البلاد 177، مؤلِّفين كتب چابي 4/162، ريحانة الأدب 6/410، گنجينه دانشمندان 1/335، علماء بزرگ شيعة از كليني تاخميني 371، رجال قم، آينه دانشوران 78 ).
285 - الشيخ محمد علي بن محمد حسن النيشابوري الخراساني (حدود 1280 - 1383هـ). عالم تقي، وواعظ متّعظ من المشاهير.
( ترجمته في: نقباء البشر: 4/1375، معجم رجال الفكر 2/480 ).
286 - السيد محمد علي ( المفتي ) بن المفتي محمد عباس بن علي أكبر الموسوي الجزائري التستري (1298 - 1360هـ). عالم متبحِّر، فاضل جليل، أديب بارع، شاعر متفنِّن، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: شجرة مباركة 2/خ، مكارم الآثار 3/778، نقباء البشر 3/1010، و3/1360، معجم رجال الفكر 1/341 ).
287 - السيد محمد علي بن محمود بن أحمد الموسوي التستري الجزائري المروِّج (1297 - 1356هـ). عالم بارع، وورع فاضل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 4/1538، شجرة مباركة 249، معجم رجال الفكر 3/1195 ).
288 - الشيخ محمد علي بن يحيى بن الحاج عطوة آل نعمة الجبعي العاملي (حدود 1300 - بعد 1380هـ). عالم جليل، وفاضل تقي، وفقيه محقِّق، وشاعر مقبول.
( ترجمته في: نقباء البشر: 4/1558، أعيان الشيعة 56/30، ماضي النجف 3/70، شعراء الغري 9/494، معجم رجال الفكر 3/295، مج العرفان 50/135، المنتخب 584 ).
289 - محمد الفيّاض الهمداني الغروي (1261 -....). مجتهد جليل، عالم فاضل، خطيب متكلِّم، أديب بارع.
( ترجمته في: برزگان همدان 2/238، معجم رجال الفكر 2/954 ).
290 - السيخ محمد بيده آي .
( ترجمته في: نجوم السرد 722 ).
291 - السيد ميرزا محمد كاظم - أبو الفضائل - بن السيد حسن بن محمد صادق بن أبي القاسم الگلپايگاني الخوانساري (1271 - 1329هـ). عالم، فقيه، أُصولي.
( ترجمته في: دانشمندان گلپايگان 2/202 - 394، فهرست نسخة هاي خطّي گلپايگان 253، گنجينه دانشمندان 7/508، ضياء الأبصار 2/386 - 392 ).
292 - الشيخ أغا بزرگ، محمد محسن بن المنزوي الطهراني (1292 - 1389هـ). مجتهد، مؤرِّخ، بحّاثة، محقِّق، متضلِّع.
( ترجمته في: الذريعة 1/129، 308 و2/70، 428 و3/71 و4/216، 383 و5/8 و7/34 و8/86 و10/26، 51، و11/304، و15/127، 130، 146، 202، و18/181، 269 و20، المقدمة، 82، 151، و21/4، 130 و24/1، 115، 271، 278، 315، 25/123، 207، 274، ريحانة الأدب 1/52، علماي معاصرين 261، كتابهاي چابي عربي 58، 324، 392، 605، 857، مشهد الإمام 2/149، معارف الرجال 2/186، معجم المطبوعات النجفية 43، 188، 321، معجم المؤلِّفين العراقيين 1/121، معجم رجال الفكر 1/48، الإجازة الكبيرة للمرعشي ص7، ذكرى الطالقاني 292، منية الراغبين 511، المنتخب 55، وللمغفور له الأُستاذ عبد الرحيم محمد علي دراسة بعنوان: ( شيخ الباحثين ) ط ).
293 - الشيخ محمد بن محمد حسين الأردكاني الحائري (1292 - 1381هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/179، تاريخ أردكان 2/230، سفرنامه منشي زاده 215، فرهيختگان دار العبادة 80 ).
294 - الشيخ محمد مهدي بن حسين بن محمد إبراهيم المعروف بـ ( بيده ) . عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/151، النجوم المسرد 150 ).
295 - السيد محمد بن محمد باقر الحسيني الفيروزآبادي اليزدي (1265 - 1345هـ). فقيه كبير، من مراجع التقليد والفتيا، وأساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/97، الذريعة 5/69، 6/149 و15/115 و20/61، 22/206، علماء معاصرين 137، كتابهاي چابي عربي 244، 287، 289، معجم المطبوعات النجفية 136، معارف الرجال 2/388، معجم المؤلِّفين 11/134، معجم رجال الآثار 6/2098، ريحانة الأدب 4/364، تكملة نجوم السماء 2/282، معجم رجال الفكر 2/955، مفاخر يزد 1/223، النجوم المسرد 201، تراجم الرجال 1/392، 2/694، گنجينه دانشمندان 5/288، 6/123، معجم مؤلِّفي الشيعة 302، أثر آفرينان 4/305، ستارگان حرم 5/171، تذكرة سخنوران يزد 2/622، فرهنگ بزرگان إسلام إيران 564، دانشمندان يزد 138، تذكرة مشاهير ميبد 213، گلش أبرار 2/729، مؤلِّفي كتب چابي 5/668، فهرست نسخة هايي خطي كتابخانه وزيري 5/1578 ).
296 - السيد محمد بن محمد حسين الحسيني النجف آبادي الأصفهاني (1294 - 1358هـ). عالم جليل، فقيه أُصولي، مجتهد محقِّق فاضل زاهد ورع.
( ترجمته في: تذكرة القبور 481، الذريعة 4/384، و8/257، كتابهاي چاب عربي 292، معجم المؤلِّفين 12/74، معجم رجال الفكر 1/136 ).
297 - السيد محمد بن محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي ( نجل المترجَم ) (ت1334هـ). عالم كبير، فاضل مجتهد، من أستاذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 16/272، 7/148، معارف الرجال 2/329، ماضي النجف 1/160، مجلة لغة العرب س2/275، معجم رجال الفكر 3/1359، أحسن الوديعة 1/168، گنجينه دانشمندان 7/440، منار الهدى في الأنساب 205، بقايا الأطياب 58، رحلة الجهاد لكاشف الغطاء - ملحق رقم 1 في كتابنا هذا، مسودات كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز - خ -، شهداي روحانيت شيعة ص140 - 143، سيد محمد كاظم يزدي فقيه دور انديش 113، شكوه پارسايي وپايداري 77، معجم مؤلِّفي الشيعة 458، گلزار أبرار 450، مفاخر يزد 422 - 423 ).
298 - الشيخ محمد بن محمود بن عبد الحسين سماكة (1302 - 1368هـ). فقيه عالم، مؤلِّف جليل، تقي ورع.
( ترجمته في: الذريعة 7/38، مشهد الإمام 4/131، معارف الرجال 2/394، معجم المطبوعات النجفية 150، 378، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/180، معجم رجال الفكر 2/684، بقايا الأطياب 132، المنتخب 601 ).
299 - الشيخ محمد مهدي بن محمد إسماعيل الغروي الأصفهاني (1303 - 1365هـ). عالم كبير، مدرِّس.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضوي 225، علماء بزرگ شيعة 384، تاريخ آستان قدس 337، نداي خراسان في 15/1/1342، خورشيد تابان در علمي قرآن ص20، كتاب أبواب الهدى ص46 ).
300 - السيد الميرزا محمد مهدي بن علي بن أبي القاسم المجاب الموسوي العلوي الخوانساري (حدود 1292 - 1327هـ).
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2/577 - 578، وفيه ولادته ووفاته (1291 - 1329هـ).
301 - السيد محمد مهدي بن علي بن محمد الغريفي الموسوي البحراني (1299 - 13439هـ). عالم فقيه أُصولي جليل، مجتهد فاضل، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 48/126، الأعلام 8/258، جامع الأنساب 27، 148، الذريعة 1/474، 488، و2/388، و3/175، و403، و4/212، 515 و8/114، 116، 373 و17/25، شعراء الغري 10/126، مصفّى المقال 472، معجم المؤلِّفين 13/30، معارف الرجال 3/150، معجم المولِّفين العراقيين 3/347، معجم المطبوعات النجفية 118، معجم رجال الفكر 2/920 ).
302 - الشيخ محمد هادي بن مصطفى بن محمد بن عبد الرضا الخوئي اليزدي (1255 - 1308هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/271، تراجم الرجال ط2/295، النجوم المسرد 150، فرهيختگان دار العبادة 58، چشمه أي در كوير 105، شكوه پارسايي وپايداري 61، گلشن أبرار 1/445، نسل نور 88، فقيه دور انديش 32 ).
303 - السيد محمد هاشم بن عبد الله الموسوي التبريزي الطسوجي المرندي (ت1358هـ). فقيه أُصولي، عالم جليل، مجتهد محدِّث، أديب فاضل، شاعر
بالعربية والفارسية والتركية، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 10/248، تاريخ خوي 559، الذريعة 1/431، و14/205، و16/134، 322 و15/92، و20/312، و21/342، و23/124، و25/100، سخنوران آذربايجان 2/1031، كتابهاي چابي فارسي 2/3530 و3/3283، معارف الرجال 3/365، معجم المؤلِّفين 12/86، معجم رجال الفكر 3/1193 ).
304 - السيد محمود بن سلطان علي بن إبراهيم الحسيني المرعشي (1301 - 1408هـ). فقيه أُصولي، عالم مجتهد، ورع عابد ثقة، مؤلِّف متضلّع.
( ترجمته في: گلستان 81، نقباء البشر 2/826، معجم رجال الفكر 3/1187 ).
305 - السيد محمود (شمس الدين) بن شرف الدين بن علي الحسيني المرعشي (1260 - 1338هـ). عالم جليل، فقيه أصولي، مؤلِّف محقّق، متتبّع، متخصِّص بعلم الأنساب والرجال.
( ترجمته في: الذريعة 2/375 و4/57 و6/169، 179، و24/149، شخصيّت أنصاري 444، مصفّى المقال 451، معارف الرجال 2/395، معجم المؤلِّفين 12/183، مكارم الآثار 6/2238، معجم رجال الفكر 3/1188 ).
306 - الشيخ محمود بن علي أصغر فرساد آردكاني اليزدي (1309 - 1382هـ). عالم جليل، شاعر.
( ترجمته في: مفاخر يزد 1/519، النجوم المسرد 47، 166، فرهيختگان دار العبادة 89، نقباء البشر 4/1576، يزدنامه 1/498، تذكرة شعراي يزد 244، سفرنامه منشي زاده 192، تاريخ سالشماري يزد 296، تنديس پارسايي 75 - 76، آينه دانشوران 223، الذريعة 9/629، تاريخ يزد ( آيتي ) 317، تاريخ أردكان 1/1215 - 219، تذكرة سخنوران يزد 2/629، روزنامه جمهوري إسلامي، سعيد فرساد [ أنوه شيخ محمود فرساد ]، زندگي نامه محمود فرساد، مؤرِّخ 28 خرداد 1381ش، بنياد ريحانه س227 ).
307 - السيد محمود بن أبي الفضائل بن عبد الواسع الحسيني الموسوي الزنجاني (1309 - 1375هـ). فقيه أُصولي، رجالي عارف، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تاريخ زنجان 98، معجم المؤلِّفين 12/189، معجم رجال الفكر 2/639 ).
308 - الشيخ محمود بن الشيخ محمد البين كلائي اللاّهيجي الأوحدي (1287 - 1357هـ). عالم فاضل، أديب شاعر.
( ترجمته في: معجم رجال الفكر 1/191 ).
309 - السيد ميرزا محمود بن محمود بن حسن بن مير جعفر الرضوي الخوانساري (1285 - 1356هـ). من أعاظم علماء خوانسار، فقيه محدِّث، مفسِّر متكلِّم.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2/457 - 471 ).
310 - السيد محمود بن السيد مهدي بن صالح الطباطبائي الحكيم (1298 - 1375هـ). عالم، مجتهد، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: معارف الرجال 3/129، معجم رجال الفكر 1/422 ).
311 - الشيخ مرتضى بن عباس بن حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1291 - 1349هـ). فقيه أُصولي، مجتهد جليل، مؤلِّف، أديب شاعر، متبحِّر في الفقه والمنطق والعربية والبديع والتفسير والهندسة.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/41، الذريعة 2/69 و16/41، 370، شخصيّت أنصاري 340، علماء معاصرين 148، معجم المطبوعات النجفية 272، معارف الرجال 2/407، معجم المؤلِّفين 12/216، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/294، ماضي النجف 3/197، معجم رجال الفكر 3/1050 ).
312 - السيد مرتضى بن عباس المبرقعي القمّي .
( ترجمته في: آثار الحجّة 2/122، گنجينه دانشمندان 2/219، رجال قم 159، آينه دانشوران 281 ).
313 - الشيخ مرتضى بن علي محمد الطالقاني (1280 - 1364هـ). فقيه أُصولي، من أعلام أساتذة الفقه والأُصول والأخلاق والعرفان، زاهد عابد تقي ناسك.
( ترجمته في: شخصيّت أنصاري 244، معارف الرجال 2/268، 269، نقباء البشر 4/1609، معجم رجال الفكر 2/827 ).
314 - السيد مشكور بن السيد محمود بن عبد الله الحسيني الطالقاني (1282 - 1354هـ). عالم جليل، فقيه فاضل، وأديب كبير.
( ترجمته في: ديوان السيد موسى الطالقاني / المقدّمة بقلم الشيخ أغا بزرگ الطهراني 13م ).
315 - مصطفى بن الميرزا حسن بن الميرزا محمد باقر التبريزي (1297 - 1337هـ). فقيه مجتهد، عالم نحرير.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 48/72، الذريعة 6/189، ريحانة الأدب 5/178، سخنوران أذربايجان 2/677، علماء معاصرين 117، شخصيّت أنصاري 230، شهداء الفضيلة 388، شعراء الغري 11/331، معجم رجال الفكر 1/290، تربت پاكان قم 1/280 ).
316 - الشيخ منصور بن محمد بن علي المحتصر (1298 - 1355هـ). عالم فقيه، ثقة عدل، أديب كامل.
( ترجمته في: معارف الرجال 3/25، معجم رجال الفكر 3/1157 ).
317 - الشيخ مهدي بن الشيخ أحمد بن علي بن محمد حسن محبوبة (ت1352هـ). فاضل.
( ترجمته في: ماضي النجف وحاضرها 3/298 ).
318 - الميرزا مهدي پويا بن محمد حسن اليزدي (1316 - 1393هـ). عالم مدرِّس.
( ترجمته في: تذكرة علماي إمامية پاكستان 366، مفاخر يزد 1/155، النجوم المسرد 140، آينة دانشوران 484، دانشنامه جهان إسلام 5/822، مجلة گلستان قرآن، العدد 107 ص33 ).
319 - الشيخ مهدي بن محمد علي بن محمد باقر بن محمد تقي المسجد شاهي الأصفهاني الشهير بثقة الإسلام (1298 - 1393هـ). عالم جليل مشهور.
( ترجمته في: معارف الرجال 3/134، مؤلّفين كتب چابي 6/441، الذريعة 1/407، 5/151، 11/64، 12/236، 14/253، 26/64، المنتخب 674 ).
320 - السيد مهدي بن حبيب الله بن آقا بزرگ بن محمود الحسيني الشيرازي (1304 - 1380هـ). فقيه كبير، عالم مجتهد، من أساتذة الفقه والأُصول، وأئمّة التقليد والفتيا.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 50/115، كتابهاي چابي عربي 118، 391، 615، 618، 984، ماضي النجف 3/236، معارف الرجال 3/166، معجم رجال الفكر 2/770 ).
321 - الشيخ مهدي بن حسن بن موسى النحوي (حدود 1290 - 1356هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: بزرگان رامسر 206 ).
322 - السيد مهدي بن السيد رضا بن أحمد الحسيني الطالقاني (1265 - 1346هـ). شاعر رقيق، وأديب فاضل.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 48/146، الذريعة 23/163، معارف الرجال 3/156، شعراء الغري 12/162، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/347، مكارم الآثار 5/1802، نقباء البشر 4/1545، معجم رجال الفكر 2/823 ).
323 - الشيخ مهدي المازندراني (1302 - 1348هـ). فاضل، مدرِّس.
( ترجمته في: آينه دانشوران 176، گنجينه دانشمندان 2/254 ).
324 - الشيخ مهدي بن يوسف الأشكوري (ت1350هـ). عالم، فاضل.
( ترجمته في: بزرگان تنكابن ص279، نقباء البشر - خ - ).
325 - السيد موسى بن إسماعيل بن حسين آل سبط الشيخ (ت1322هـ). فقيه أُصولي، عالم مجتهد، ورع عابد.
326 - الشيخ موسى بن عبد الله بن حسين أبو خمسين البحراني الأحسائي (1295 - 1353هـ). عالم، فقيه أصولي، مجتهد فاضل.
( ترجمته في: أنوار البدرين 419، شخصيّت أنصاري 446، معارف الرجال 3/73، معجم رجال الفكر 1/91 ).
327 - الشيخ موسى بن عمران دعيبل (1298 - 1387هـ). فقيه فاضل، تقي صالح.
( ترجمته في: شعراء الغري 11/515، نقباء البشر 4/1634، معارف الرجال 3/77، مكارم الآثار 4/1315، معجم رجال الفكر 2/576، ذكرى الطالقاني 91، ماضي النجف 3/284، المنتخب 680 ).
328 - الشيخ موسى بن محمد الخوانساري (1293 - 1363هـ). فقيه أُصولي، فاضل.
( ترجمته في: الذريعة 4/396، معجم المطبوعات النجفية 352، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/354، معجم رجال الفكر 2/552، ضياء الأبصار 2/534 - 541 ).
329 - الشيخ موسى بن محمد القرملي (1301 - 1335هـ). عالم فاضل، وأديب كامل.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 1/195، ماضي النجف 3/73، معارف الرجال 3/67، شعراء الغري 11/488، معجم رجال الفكر 3/979 ).
330 - الشيخ موسى بن محمد بن ناصر آل لائذ العيساوي (1367هـ). عالم عامل، مجتهد جليل، محقِّق أُصولي، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: شخصيّت أنصاري 431، ماضي النجف 3/524، معارف الرجال 1/311، و2/379، 381، معجم رجال الفكر 3/1125 ).
331 - الشيخ نور الدين خلعت بري التنكابني (ت1351هـ). عالم فاضل.
( ترجمته في: بزرگان تنكابن ص284 ).
332 - السيد نور الدين بن أبي طالب بن محمد هاشم الحسيني الهاشمي الشيرازي (1376هـ).
فقيه أُصولي، عالم جليل، أديب شاعر، خطيب متكلِّم، مؤلِّف كاتب.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/50، دانشمندان فارس 2/268، الذريعة 3/413، رجال إيران 6/287، شيراز 403، معجم رجال الفكر 2/782 ).
333 - الشيخ هادي بن عباس بن علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1289 - 1361هـ). عالم جليل، فقيه أُصولي، أديب فاضل، شاعر، من مراجع التقليد في النجف وأئمّة الجماعة في الصحن الحيدري.
( ترجمته في: آداب اللغة العربية 4/490، الأعلام 9/37، أعيان الشيعة 50/38، الذريعة 2/472، و10/236، و13/241، و20/98، و21/6، و22/16 و25/203، شخصيّت أنصاري 433، شعراء الغري 12/357، الغدير 4/198، كتابهاي چابي عربي 104، 399، 821، 840، 1004، ماضي النجف 1/165، 3/210، معجم
المطبوعات النجفية 311، 318، 342، معارف الرجال 3/245، معجم المؤلِّفين 13/126، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/326، مكارم الآثار 4/1429، نقباء البشر 3/1009، معجم رجال الفكر 3/1054 ).
334 - الشيخ هادي بن غدير بن مظلوم الطائي الطرفي (1278 - 1358هـ). عالم جليل، فقيه زاهد، ورع تقي ناسك، من أساتذة الفقه والأُصول والتحقيق، ثقة عدل.
( ترجمته في: معارف الرجال 1/9، 3/235، معجم رجال الفكر 2/831 ).
335 - الميرزا السيد هادي بن علي بن محمد البجستاني النجفي الحائري . فقيه أُصولي، عالم متتبّع، مؤلِّف محقِّق مكثر.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/216، أعيان الشيعة 42/198، الذريعة 2/70، 197، و8/42، 208، و15/149، و24/190، كتابهاي عربي چابي 21، 70، 84، 433، 456، 479، 870، معارف الرجال 2/232، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/423، معجم المطبوعات النجفية 86، علماء معاصرين 244، معجم رجال الفكر 2/481 ).
336 - السيد هاشم بن مهدي بن صالح الطباطبائي الحكيم (ت1375هـ). فقيه أُصولي، عالم مجتهد، محقّق متتبّع، من أعلام الفقهاء والعلماء.
( ترجمته في: معارف الرجال 2/192، معجم رجال الفكر 2/481 ).
337 - الشيخ المولى هداية الله ( أغا ) بن هداية الله الساوجي (ت1333هـ). عالم جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/171 ).
338 - الشيخ الميرزا أبو الهدى بن أبي المعالي الخراساني الكرباسي الكاخي الأصفهاني (ت1356هـ). عالم فقيه ورجالي متبحِّر، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: نقباء البشر: 1/81، أعيان الشيعة 7/379، تذكرة القبور 106، الذريعة 3/67، 403، 8/63، و12/229، و15/34، 16/337، ريحانة الأدب 7/298، كتابهاي چابي عربي 413، 524، ماضي النجف 3/235، مصفّى المقال 39، معجم المؤلِّفين 13/146، مكارم الآثار 4/1304، نجوم السماء 1/379، معجم رجال الفكر 3/1067 ).
339 - السيد يحيى الموسوي .
( ترجمته في: نجوم السرد 722 ).
340 - الميرزا يوسف الصّديق الأشكوري (1285 - 1350هـ). عالم، مدرِّس.
( ترجمته في: بزرگان تنكابن ص293 ).
341 - الشيخ يوسف بن علي بن محمد بن علي الحاريصي الفقيه العاملي (1297 - 1368هـ). مجتهد جليل، فقيه أًُصولي، عالم عامل، أديب شاعر، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: الذريعة 1/293، و7/31، 42 و13/332 و21/90/115، شعراء الغري 12/439، معارف الرجال 2/392، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/483، ماضي النجف 3/13، معجم رجال الفكر 2/948 ).
342 - يوسف بن الميرزا محسن بن عبد الله بن لطف علي الغروي (1271 - 1339هـ). عالم مجتهد، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: تاريخ أردبيل 2/353، معجم رجال الفكر 1/103 ).
343 - السيد يونس بن محيي الدين تقي بن فتح علي الموسوي الأردبيلي (1296 - 1377هـ). فقيه مجتهد، من كبار مراجع التقليد، زعيم، ورع، زاهد.
( ترجمته في: مشاهير مدفون در حرم رضوي 60، علماي بزرگ شيعة ص416، دائرة معارف تشيّع 2/64، تاريخ أردبيل 2/361، 370، تأريخ علماي خراسان 250، گنجينه دانشمندان 3/61، تاريخ آستان قدس 337، كتابهاي چابي عربي 141، 869، معجم رجال الفكر 1/99 ).
إجازاته العلمية والروائية
يروي السيد اليزدي عن عدد من العلماء المشاهير الذين أجازوه إجازة اجتهاد ورواية.
أ - فمن شيوخه بالرواية(1) :
السيد الميرزا محمد باقر بن زين العابدين الموسوي الخونساري، صاحب ( روضات الجنّات ) (2) .
يروي عن والده(3) ، عن إمام الجمعة بأصبهان الأمير محمد حسين الخاتون آبادي(4) ، عن والده الأجل الأكمل الأمير عبد الباقي(5) ، إمام الجمعة بأصفهان، عن والده الأفضل المتبحِّر الأمير محمد حسين الخاتون آبادي(6) سبط العلاّمة المجلسي،
____________________
(1) الثبت الجديد في معرفة المشايخ والمسانيد - خ -: لكاظم عبود الفتلاوي.
(2) السيد محمد باقر بن زين العابدين بن جعفر الموسوي الهزار جريبي الخوانساري الأصفهاني (1226 - 1313هـ) فقيه متضلّع، عالم متبحّر، مؤلّف محقّق، رجالي محدّث، من أساتذة الفقه والأُصول والرجال، أديب.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 126 - 139، أعيان الشيعة 44/107، روضات الجنّات 2/105، نقباء البشر 1/211، معارف الرجال 1/20، تذكرة القبور 175، ريحانة الأدب 3/366، علماء معاصرين 53، فوائد الرضوية 403، الكنى والألقاب 2/222، مصفّى المقال 89، نجوم السماء 1/362، الأعلام 6/49، معجم رجال 2/541، ضياء الأبصار 1/434 - 481، وغيرها ).
(3) السيد زين العابدين بن السيد أبي القاسم جعفر الموسوي الخونساري (1190 - 1275هـ) عالم جليل، فقيه نحرير، من أكبر رؤساء العلماء بأصفهان في عصره.
(4) السيد محمد حسين ( الصغير ) الملقّب بسلطان العلماء ابن الأمير عبد الباقي بن محمد حسين ( الكبير ) الحسيني الخاتون آبادي (ت1233هـ) من كبار علماء وقته.
(5) السيد الأمير عبد الباقي بن الأمير محمد حسين بن الأمير محمد صالح الخاتون آبادي (ت1207هـ) من كبار علماء عصره.
( ترجمته في: الكرام البررة 1/698 - 699 ).
(6) السيد الأمير محمد حسين بن الأمير محمد صالح بن الأمير عبد الواسع الحسيني الخاتون آبادي (ت 1511هـ).
=
عن جدّه المجلسي(1) عن مشايخه.
ومنهم:السيد هاشم بن زين العابدين الچهارسوقي الخوانساري، ( أخ السيد محمد باقر صاحب الروضات ) .
يروي عن والده.
ومنهم:الشيخ مهدي بن علي بن جعفر آل كاشف الغطاء .
يروي عن والده، عن والده الشيخ جعفر الكبير، عن الوحيد البهبهاني، عن والده، عن الشيخ المجلسي.
ومنهم:الشيخ راضي بن محمد بن محسن المالكي (2) ( جد أُسرة آل الشيخ راضي ) .
يروي عن خاليه علي وحسن ابنَي الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، عن مشايخه.
ومنهم:الشيخ حسين النوري .
يروي عن مشايخه المذكورين في خاتمة مستدرك وسائل الشيعة.
ب - وممّن أجازهم بالاجتهاد والرواية:
السيد ميرزا عطاء الله بن السيد محمد باقر - صاحب الروضات - الخوانساري (1266 - 1335هـ). عالم فاضل، فقيه ورع.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2/276 - 277 ).
الشيخ عمران بن أحمد بن عبد الحسين بن محسن آل دعيبل الخفاجي (1247 - 1328هـ). فقيه بارع، وعالم ورع.
____________________
= ( ترجمته في: طبقات أعلام الشيعة 6/198، مصفّى المقال 154 ).
(1) الشيخ محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني المجلسي (1037 - 1111هـ) وليّ مشيخة الإسلام في أصفهان.
( ترجمته في: روضات الجنّات 1/118 - 124، الذريعة 3/16، الأعلام 6/48 ).
(2) الشيخ راضي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ محسن ابن الشيخ خضر (ت1290هـ) من أعاظم فقهاء عصره، ومشاهير علماء النجف وزعمائها.
(ترجمته في: الكرام البررة 2/527، أحسن الوديعة 2/84، أعيان الشيعة 6/446، شخصيّت أنصاري 367، المآثر والآثار 145، معارف الرجال 1/308، ماضي النجف 2/289، نجوم السماء 1/334، فوائد الرضوية 181، الذريعة 6/227، معجم رجال الفكر 2/588 ).
( ترجمته في: نقباء البشر 4/1633، أحسن الوديعة 1/89، الذريعة 4/295، ماضي النجف 3/285، معارف الرجال 3/78، مكارم الآثار 4/1314، معجم رجال الفكر 2/575 ).
الشيخ محمد باقر بن محمد حسن بن أسد الله الشريف البيرجندي القائني (1276 - 1352هـ). عالم فاضل، فقيه.
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/94 ).
ج - وممّن أجازهم بالاجتهاد:
كان السيد اليزدي صلباً متشدّداً في منح إجازات الاجتهاد، أو إعطاء رأيه بأعلمية من دون المستوى الذي يراه هو، فقد ذكر الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي أنّ أباه العلاّمة الجليل الشيخ يوسف الفقيه، بعد أن وصل إلى النجف الأشرف وحضر عند علمائها، وكان ذاك بين 1318 و1325 هـ، كان ممّا حضره من البحوث بحث السيد اليزدي، فاستجاز السيد، فطلب منه البيّنة، إلاّ أنّ الشيخ أراد أن يكون ذلك بالامتحان مشافهةً فامتحنه مراراً في مجالس متعددة، ولكنّه قال هذا لا يكفي بل ائتني ببعض ما كتبت، وكان قد كتب شرحاً مفصّلاً على كتاب الطهارة من الشرائع فعرضه على السيد، وبعد أيام أرجعه، وقد كتب عليه: ( لقد أجلتُ فيما ألّفه نور بصري بصري، وسرّحتُ فيما رصّفه جلاء نظري نظري، فوجدته بحمد الله روضة فضل بالأزهار مشحونة، بل عيبة علم ولا عيب سوى أنّها يتيمة، أدام الله معالي أبيها مكنونة، فلقد بذل جهده في العلوم، ووقع من منطوقها على المفهوم، ولا زال باذلاً في العلوم مساعيه، وارداً أصفى مناهله، ومرتقٍ لأسمى مراقيه بمحمد وآله صلوات الله عليهم )(1) .
فكان ممّن منحهم إجازة اجتهاد:
الشيخ محمد رضا ابن الميرزا عبد الرحيم بن محمد رضا ( شيخ الإسلام ) الكلباسي الأصفهاني (1295 -....). عالم جليل.
( ترجمته في: نقباء البشر 2/759، المنتخب 493 ).
____________________
(1) حجر وطين: 4/43 - 44.
( ولده الأكبر ) السيد محمد بن محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1299 - 1336هـ).
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ) و( أولاده وأحفاده وأعلام أُسرته ).
السيد ميرزا محمد كاظم - أبو الفضائل - بن السيد حسن بن محمد صادق بن أبي القاسم الكلبايكاني الخوانساري (1271 - 1329هـ). عالم فقيه أُصولي.
( ترجمته في: دانشمندان گلبايگان 2/202 - 394، فهرست نسخة هاي خطي گلبايگان 253، گنجينه دانشمندان 7/508. ضياء الأبصار 2/386 - 392 ).
الشيخ موسى بن عمران دعيبل (1297 - 1387هـ).
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
د - وممّن أجازهم بالرواية:
السيد جعفر بن محمد باقر آل بحر العلوم.
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
الميرزا حسن بن إبراهيم الأصبهاني (ت بعد 1323هـ). عالم، جليل، مدرِّس.
( ترجمته في: تراجم الرجال 1/230 ).
السيد أبو الحسن بن السيد محمد الموسوي الأصفهاني (1284 - 1365هـ). فقيه أُصولي، وعالم كبير، وشخصيّة فذّة، استقلّ بالرئاسة الدينية والمرجعيّة الكبرى من غير منازع.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/41، معارف الرجال 1/46، أعيان الشيعة 52/47، ريحانة الأدب 1/142، شخصيّت أنصاري 436، معجم المؤلِّفين العراقيين 1/60، معجم رجال الفكر 1/129 وغيرها ).
الميرزا حسين الملاذ ابن الميرزا أحمد ابن السيد محمد باقر ( صاحب الروضات ) (1302 - 1382هـ).
( ترجمته في: تاريخ أصفهان، تذكرة القبور، مقدّمة مناهج المعارف 280، ضياء الأبصار 1/649 - 650 ).
الشيخ عبد الحسين الرشتي .
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
الشيخ عبد الكريم بن علي الخنيزي .
الشيخ عبد الكريم بن محمد رضا الزنجاني .
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
السيد عبد الله بن محسن بن محمد باقر الحسيني الأعرجي الأصفهاني (1285 - 1381هـ). عالم، فقيه أُصولي، ثقة، ورع.
( ترجمته في: نقباء البشر 3/1210، شعراء أصفهان 438، الذريعة 6/297، 8/100، 4/363، 8/382، مصفّى المقال 245، مصادر الدراسة عن النجف 46، 111، هدية الرازي 116 - 117، معجم رجال الفكر 1/326، المنتخب 279 ).
الشيخ عبد الهادي شليلة البغدادي.
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
الشيخ علي بن محمد الشاهرودي الحائري (1288 - 1351هـ). عالم بارع، فقيه محقّق، من أساتذة الفقه والأُصول.
( ترجمته في: أعيان الشيعة 42/86، معجم المؤلِّفين 7/202، نقباء البشر 4/1518، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء، معجم رجال الفكر 2/704 ).
الشيخ علي المازندراني .
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
الشيخ فرج الله التبريزي العبايچي.
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
السيد ماجد ابن السيد هاشم العوامي القطيفي (1279 - 1367هـ). عالم فاضل، أديب، شاعر.
أجازه بتاريخ 1/4/1328هـ.
( ترجمته في: الأزهار الأرجية 2/48 - 49 ).
الشيخ محمد إسماعيل بن محمد باقر بن محمد تقي الأصفهاني الحائري (ت1370هـ). فاضل.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 151 ).
السيد محمد باقر بن محمد بن علي شاه الرضوي الكشميري الهندي اللكهنوي القمّي (1286 - 1346هـ). مجتهد كبير، ومرجع ديني، من مشاهير عصره.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/192، أعيان الشيعة 44/90 - 91، 102، 103، الذريعة 2/37، 11/301، 15/96، 17/214، كتابهاي عربي چابي 49، المطبوعات النجفية 75، معارف الرجال 2/145، مكارم الآثار 5/1632، معجم المؤلِّفين 9/94، نجوم السماء 243، معجم رجال الفكر 2/611، الإجازة الكبيرة 153 ).
السيد محمد جعفر بن عبد الصمد الموسوي التستري الجزائري (1276 - 1350هـ). عالم، أديب، ورع تقي.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/291 ).
الشيخ الميرزا محمد حسين ( حاج ميرزا آغا ) بن محمد جعفر الكرماني (ت1328هـ). عالم جليل، وفقيه بارع، ورئيس مطاع.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/392 ).
الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
انظر: بحث (تدريسه وتلامذته).
الشيخ محمد بن رجب علي الطهراني العسكري (1281 - 1371هـ). عالم، مدرّس، مؤلّف.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 135 ).
السيد محمد رضا بن محمد باقر بن علي الحسيني المرعشي الرفسنجاني الكرماني النجفي (1285 - 1342هـ).
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 185 ).
السيد محمد رضا بن محمد تقي المرعشي.
( ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 185 ).
الشيخ محمد بن علي حرز الدين النجفي . عالم جليل، مؤرّخ، مؤلّف.
( ترجمته في: معارف الرجال 2/328 ).
الشيخ محمد مهدي بن محمد إسماعيل، الفاضل الخوانساري ( نحو 1290 - 1355هـ ). عالم مجتهد.
( ترجمته في: تراجم الرجال 3/401، ضياء الأبصار 2/557 - 577 ).
السيد مير محمد هاشم بن عبد الله بن محمد بن ملك الموسوي المرندي الخوئي (ت1358هـ). فقيه واعظ.
تأريخها ليلة 10 صفر 1332هـ.
( ترجمته في: تراجم الرجال 1/230 ).
السيد محمود بن شرف الدين علي التبريزي المرعشي .
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
( ترجمته في: معارف الرجال 2/328 ).
السيد ميرزا محمود بن محمود بن حسن بن مير جعفر الرضوي الخوانساري (1285 - 1356هـ). من أعاظم علماء خوانسار، فقيه محدّث مفسّر متكلّم.
( ترجمته في: ضياء الأبصار 2/457 - 471 ).
السيد مشكور الحسيني الطالقاني (1282 - 1354هـ).
انظر بحث: ( تدريسه وتلامذته ).
السيد مهدي بن علي بن محمد الموسوي الغريفي البحراني (1299 - 1343هـ). فاضل، مؤلّف، نسّابة.
(ترجمته في: الإجازة الكبيرة للمرعشي 230).
الشيخ موسى ابن الشيخ عبد الله الأحسائي الهَجَري (ت حدود 1353هـ).
انظر: بحث ( تدريسه وتلامذته ).
( ترجمته في: معارف الرجال 2/328 ).
السيد نجم الحسن الرضوي .
( ترجمته في: أعيان الشيعة ط/10/205 ).
نموذج من الإجازات التي منحها السيد اليزدي
( إجازة السيد علي بن أبي القاسم )
نموذج من الإجازات الروائيّة التي منحها السيد اليزدي لبعض تلامذته
( إجازة للشيخ عبد الكريم الزنجاني )
الفصل الثاني
مرجعيّته وحياته العلمية
* مرجعيّته.
* حياته العلمية.
* جانب من أخلاقه وطباعه.
* تصانيفه ومؤلَّفاته.
* مشاريعه.
* شعره.
السيد محمد كاظم اليزدي
مرجعيّته
توفّي الميرزا المجدّد السيد محمد حسين الشيرازي في سامراء سنة 1312هـ، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف(1) .
وبعد وفاته وانتشار الخبر بين الأوساط، عاد المجتهدون إلى التنافس من جديد على منوال ما كانوا عليه بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري، فقد تفرّق المقلِّدون بعد وفاة الشيرازي وتوزّعوا على عدّة مجتهدين، وبهذا اشتهر بعض المجتهدين بعد ما كان مغموراً، ونال البعض الآخر منهم عدداً من المقلِّدين ولم يكن قبلئذ يقلِّده أحد، يمكن القول على أي حال: إنّ المجتهدين الذين نالوا أكبر عدد من المقلِّدين بعد وفاة الشيرازي كانوا ثلاثة، هم: الميرزا حسين الخليلي وكان أكثر مقلِّديه من الفرس، والشيخ محمد طه نجف وكان أكثر مقلِّديه من العرب، والشيخ حسن المامقاني وكان أكثر مقلِّديه من الترك. وقد توفّي المامقاني في آذار من عام 1905م، وفي سنة 1323هـ توفّي الشيخ محمد طه نجف، وكان مرجعاً دينياً مرموقاً، وبعد وفاته انحاز أكثر المقلِّدين إلى الخليلي، إلاّ أنّه لم يتمتّع بالمرجعية طويلاً، إذ كان حينذاك قد تجاوز التسعين من عمره وأُصيب بالعمى، ثم توفّي في 5 تشرين الثاني 1908م.
وكانت المرجعية في عصره منقسمة بين السيد اليزدي وزميله الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، وهما مجتهدان كبيران يشار إليهما في العلم والتدريس، وكان التنافس بينهما شديداً، وقد ظهر تنافسهما بوضوح في قضية المشروطة، كما سنأتي إليها في الفصل الخاص بها.
____________________
(1) لم يحضر السيد اليزدي تشييع جثمان أُستاذه المجدِّد الشيرازي، إذ كان في مسجد السهلة مشغولاً بكتابة تعاليقه العلمية على كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ولشدّة اهتمامه بهذا البحث لم تسمح له الفرصة بالاشتراك في التشييع، كما لم يصنع مجلس فاتحة، وقد قلّدة كثير من العوام لذلك.
يذكر صاحب أعيان الشيعة 23/276 - 277: ( وكان في النجف رجل صحّاف من العجم... اسمه الحاج باقر، فقلنا له ونحن جماعة - من باب المطايبة -: أنت يا حاج باقر لمَن قلّدت؟ فقال: قلّدتُ السيد كاظم اليزدي. فقلنا: لماذا؟ فقال: لمّا توفّي الميرزا رفع كل واحد من العلماء بيرقاً، أمّا السيد كاظم فذهب إلى مسجد السهلة وانزوى؛ ولذلك قلّدته... ).
وكانت بعض بلاد إيران في انحصار السيّد اليزدي في التقليد، لا يشاركه فيها أحد كدزفول وشوشتر وقم وغير ذلك، إلى أن استشهد الشيخ فضل الله النوري (قُدّس سرّه) عام 1327هـ، وتبيّن للناس خطأ المدافعين عن الدستور الحكومي الجديد المسمّى بالحكومة المشروطة، انهال الناس في جميع أنحاء إيران أو أكثرها إلى تقليد السيّد اليزدي، ولمّا اشتهر بالتقليد في العراق وإيران رجع إليه أهالي سائر البلاد الإسلامية آنذاك: كالهند والقفقاز والبحرين وسوريا ولبنان وغير ذلك، فعمّت مرجعيته معظم البلاد الإسلامية، إلى أن توفّي زميله المرحوم الآخوند الخراساني عام 1329هـ، فاستقلّ بالمرجعية في جميع الأصقاع الإسلامية، البعيد منها والقريب، مدّة ثمان سنين إلى زمان وفاته(1) .
وكان يؤمّ المصلّين جماعةً في الصحن الحيدري الشريف، ويأتمّ به خلق كثير. وبعد وفاته صار نجله السيد علي يؤمّ الناس بمكانه(2) .
____________________
(1) المحقّق الطباطبائي 2/759.
(2) أعيان الشيعة ط 5/14/348.
حياته العلميّة(1)
يُعدّ الفقيه الأكبر السيد محمد كاظم اليزدي واحداً من أعلام الطائفة، ممّن يدرج ضمن ما يمكن أن يُطلق عليه: (الطبقة الأُولى ) من الفقهاء طوال التاريخ، أي: منذ نشأة الفقه الاستدلالي البادئ بالقديميين، مروراً بالمفيد والمرتضى والطوسي، وامتداداً لفقهاء العصر الوسيط من أمثال: العلاّمة والمحقّق والشهيدين والأردبيلي، وأخيراً: فقهاء الأجيال الأخيرة منذ بحر العلوم، فكاشف الغطاء، فالبهبهاني، فالبحراني، فالجواهري، فالأنصاري، وانتهاءً بالجيل الحديث البادئ بالسيّد اليزدي، والسيّد الحكيم، والسيّد الخوئي،... وهكذا سائر أعلام الطائفة.
هذه الأسماء الفقهية تجسّد الطبقة الأُولى من الأعلام، الذين انتظمتهم الحوزة العلمية طوال تاريخها، ويأتي - السيّد اليزدي - كما أشرنا واحداً يندرج ضمن الطبقة المشار إليها....
طبيعيّاً، ينبغي أن نشير إلى أنّ غالبيّة الفقهاء المذكورين وسواهم، يضطلعون بممارسات أو نشاطات خاصّة، بما يسمّى بالمرجعية الحوزوية مقابل الفقهاء الذين يحملون لقب ( الفقيه ) فحسب، حيث إنّ المرجع يظلّ واحداً من عشرات فقهائنا، ممّن يضطلع بممارسة خاصّة من خلال تشريح الآخرين في الغالب: وهي: التصدّي للفتوى بحيث يرجع ( عوام الناس ) إليه في معرفة وظائفهم الدينية.
والمرجع عادةً إمّا أن يقتصر على نشاطه العلمي الصرف، وإمّا أن يضطلع بنشاط اجتماعي، والنشاط الاجتماعي يتمثّل عادةً في المستويين: الإصلاحي والسياسي، ونقصد بالنشاط الاصطلاحي أو الإصلاح الاجتماعي: ما يمارسه الفقيه من ( خوض ) في حلّ المشكلات الاجتماعية التي تهمّ الحوزة والبلد، والأُمّة... إلى آخره، وأمّا النشاط السياسي فمن الوضوح بمكان، حيث يسهم الفقيه في صياغة القرارات السياسية
____________________
(1) البحث للعلاّمة الدكتور محمود البستاني، مستل من مقدّمة كتاب ( التعليقات على العروة الوثقى ) نشر: مؤسّسة السبطين (عليهما السلام) العالمية - قم 1427هـ.
بقدر ما تسنح له الفرص... والمهمّ أنّ المراجع بعامّة، يتوزّع نشاطهم بين الممارسة العلمية ( وهي تطبع جميع المراجع )، وبين مَن يضيف إلى ذلك أحد النشاطين الاجتماعيين المشار إليها أو كليهما.
و(السيّد اليزدي ) هو واحد من المراجع الذي اضطلع بالمستويات الثلاثة من النشاط ( العلمي، الإصلاحي والسياسي )(1) ...
وبما أنّ المؤرّخين لدور المرجعية أو الحوزوية توفّروا على دراسة المستويين: الإصلاحي والسياسي لليزدي، حتى أنّه صدرت مؤلّفات واسعة في هذا الميدان،... لذلك، فإنّ در استنا للسيّد اليزدي سوف تقتصر على النشاط الفقهي فحسب.
ولقد مرّ على وفاته ما يقارب ثلاثة أرباع القرن، إلاّ أنّ التعليقات على فتاواه لا تزال حيّة إلى هذه السنوات، كما قلنا...
هنا، لا مناص لنا من التذكير بحقائق لا يكاد يجهلها حتى القارئ العادي، ومنها: أنّ النشاط الفقهي يتوزّع عادةً بين مستويات متنوّعة، فهناك الممارسة الاستدلالية التي تُعنى باستخلاص الحكم الفقهي من مظانّه المعروفة،... وهناك مَن يكتفي بكتابة فتاواه غير مشفوعة بالاستدلال المكتوب، كما أنّ هناك مَن يمارس ( بحث الخارج ) في نطاق الممارسة الاستدلالية، وهناك مَن تجده يتوفّر على التأليف فحسب،... وبالنسبة إلى (السيّد اليزدي ) فقد توفّر على النشاطات المتقدّمة، ومنها: النشاط المتصل بفتاواه، حيث قلنا: إنّ المرجع لا مناص له من تقديم فتاواه إلى مَن يقلّده،... وبما أنّ ( الفتوى ) من حيث مادّتها ومنهجها ولغتها تختلف من واحد إلى آخر؛ لذلك نجد من المؤلّفات ما يتخذه ( الآخرون ): إمّا مادة لمقلِّديهم مع بعض ( التغييرات ) فيها، أو ( وهذا ما نستهدف الإشارة إليه الآن فيما نعنى به عبر دراستنا لممارسات السيّد اليزدي )، حيث نعرف جميعاً - كما يقول المؤرِّخون للمؤسسة الحوزوية والمرجعية - أنّ بعض المؤلّفات الفتوائية وهي ما يُطلق عليها بـ (الرسالة العملية ) - وحتى لو لم تتخذ هذا المنحى - فإنّ مجرّد صياغة الفتاوى عبر مادة ومنهج ولغةٍ خاصّة، يحمل الآخرين من الفقهاء مطلقاً ( مراجع، أو فقهاء يباحثون خارجاً، أو
____________________
(1) انظر: الفصل الخاص بمواقفه الإصلاحية والسياسية.
فقهاء يتوفّرون على تأليف فقهي ) عملهم على اتخاذه ( متناً ) للتعليق، أو الشرح، أو الدراسة أساساً، أي: التأليف الفقهي في ضوء ( المتون ) الفتوائية، سواء كانت رسائل عملية أو مجرّد فتاوى، وهذا ما ألمح إليه المؤرِّخون عندما أشاروا إلى أنّ المتون الفقهية مرّت بمراحل متنوِّعة، بدئت بكتاب ( النهاية ) للشيخ الطوسي ( ولا نغفل أنّ الطوسي بدوره قد اعتمد في بعض ممارساته على ( مقنعة ) المفيد،... والمهم: أنّ الحوزة العلمية الرشيدة التي امتدّت أكثر من ألف سنة، كانت تعتمد ( النهاية ) متناً، ثم اتخذت ( الشرائع ) للمحقّق، ثم ( وسيلة العباد ) للجواهري، ثم ( العروة الوثقى ) لليزدي، وهو هذا الكتاب الذي نتحدث عنه.
وممّا تجدر ملاحظته ( وهذا ما ألمحنا إليه ونؤكِّده الآن ) أنّ المتن المذكور ( العروة الوثقى ) لعلّه أكثر المتون الفقهية اهتماماً من قبل فقهائنا المحدثين، حيث حظي من جانب باتخاذه ( متناً ) للممارسة الاستدلالية الشاملة، ( ولعلّ أوضح مصاديقها هو كتاب ( مستمّسك العروة الوثقى )، وغيره من الممارسات، كما أنّه - من جانب آخر - حظي بتعليقات تُعدّ بالعشرات، وهو ما يقتصر على مناقشة بعض المتون، من خلال ما يسمّى بـ ( الحاشية ) إمّا مناقشة فتوائيّة فحسب، أو مصحوبة بالاستدلال، وفي الحالتين، فإنّ الاهتمام بهذا المتن بالنحو المتقدّم، يجعل الدراسة لهذا الجانب تحمل مسوِّغاتها، حيث اضطلعت أكثر من مؤسّسة بتجميع آراء الآخرين حيال المتن المذكور، متفاوتة في عدد ( المعلّقين )،... إلاّ أنّ الكتاب الحالي يعدّ أكثر الكتب حشداً للآراء.. كما هو ملاحَظ.
تأسيساً على ما تقدّم، يجدر بنا أن نتناول بالدراسة: نشاط (السيّد اليزدي ) فقهيّاً وأُصوليّاً - أو على الأقل فقهياً بمستوييه: الفتوائي والاستدلالي ( بخاصّة: الأخير )؛ لأنّه ( الخلفية ) التي تستند ( فتاواه ) إليها... ولحسن الحظ، أنّ السيّد اليزدي ترك لنا جملة مؤلّفات استدلالية تتفاوت في حجومها، مثل: ( منجزات المريض ) و( الظن... ) و( تكملة العروة الوثقى )، بالإضافة إلى دراسة استدلالية قد اتخذت من ( متن ) سابق وهو: الكتاب المعروف بالمكاسب للشيخ الأنصاري، قد اتخذت منه: وسيلة لممارسة فقهية معمّقة ومفصّلة... هذا مضافاً إلى كتاب أُصولي ضخم يتحدث عن ظاهرة التضارب بين النصوص بنمطيها: الظاهري والباطني، أو كما يطلق على ذلك
مصطلح ( التعارض )، ومصطلح ( التكافؤ ) أو ( التعادل )، ومصطلح ( التراجيح )، وهو أهم الأبحاث الأُصولية؛ لأنّه - بوضوح - أكثر المبادئ ( تطبيقاً ) بخلاف الغالبية من المبادئ الأُصولية التي تضؤل أهميّتها العملية ( أي: الثمرة العلمية ) بالقياس إلى باب ( التعارض ) أو ( التضارب ) - كما نسمّيه - سواء أكان التضارب على مستوى السطح بحيث يجمع بين المتضاربين ( كالجمع العرفي المألوف )، وسواه، أو كان على مستوى ( العمق ) بحيث لا مناص من طرح أحد الطرفين ( مثل موافقته للعامّة ) أو العمل بالآخر ( مثل موافقة الكتاب )، أو العمل بكليهما: على مستوى ( التخيير ) وليس الجمع، أو الطرح لكليهما.. أو التوقّف أو الاحتياط... إلى آخره... ويتميّز الكتاب المذكور بسعة حجمه، وبدخوله في تفصيلات يمكن الاستغناء عنها، بخاصّة أنّ بعض المعنيين بهذا الشأن المعرفي قد يكتفون بثلاثين صفحة من الكتاب، بينما تجاوز الكتاب الذي عرضنا له: الستمئة صفحة..
المهم: بما أنّ ( التطبيق ) لمبادئ التضارب لا يتجانس مع ( النظرية ) من حيث الحجم الذي يستخدمه المؤلِّف، لذلك لا ضرورة كبيرة تدفعنا إلى مدارسة هذا الكتاب بقدر ما نقتبس منه بعض الفقرات؛ لأنّ المهمّ هو: ما نلاحظه من الممارسة الفقهية التي تعتمد هذا المبدأ الأُصولي أو ذاك... أي: نعتمد الممارسة التطبيقية لما يطرح من عمليات ( الجمع العرفي ) أو ( الترجيح )... أو... إلى آخره... عبر هذه المسألة الفقهية أو تلك... بالإضافة إلى سائر المبادئ التي يتوكّأ عليها في استخلاص الظاهرة الشرعية بنحوٍ عام...
وهذا ما نبدأ به الآن:
* * *
إنّ المرحلة الأُولى من ممارسة (السيّد اليزدي ) للظاهرة الفقهية، هي: تصديرها بالبُعد ( اللغوي )، أي من حيث التعريف بالظاهرة: موضوعة البحث دلالياً، ومدى انسحاب العنوان المنتخب على الموضوع، يستوي في ذلك أن يكون البحث فقهياً أو أُصولياً. وممّا لا شكّ فيه، أنّ طبيعة البحث العلمي يتطلّب الإحاطة بجوانب الموضوع جميعاً، وفي مقدّمته الجانب اللغوي، ما دامت اللغة هي الواسطة في التعبير عن موضوع البحث، لكن ينبغي أن نضع في الاعتبار أنّ البعد اللغوي يظلّ ( أداةً توظيفية ) وليس
غاية، وهذا ما يقتادنا إلى ملاحظة مهمّة بالنسبة إلى مطلق البحوث، ومنها: البحث الفقهي، حيث نجد أنّ الباحثين لا يكتفون بتعريف الموضوع لغوياً واصطلاحيّاً، في نطاق ما هو ضروري، بل يسهبون في البحث عن جذر الكلمة واستخداماتها، و... إلى آخره، حتى ليحس القارئ أنّه أمام معجم لغوي، وليس أمام بحث لا علاقة له باللغة إلاّ بمقدار الإضاءة الضرورية...
وفي ضوء هذه الحقائق نتّجه إلى (السيّد اليزدي ) لملاحظة استخدامه للبعد ( اللغوي )، حيث نجد عناية خاصّة منه قد لا نجدها عند الآخرين، فهو يدقّق في المفردة الفقهيّة أو الأُصولية، وينقّب في حفريّاتها إلى درجة ملحوظة، حتى نحسب أنّ بعض ممارساته تحمل القارئ على الاستفسار عن مدى فائدة هذا الإسهاب أو التغلغل اللغوي...
المهم: خارجاً عن ذلك يجدر بنا الاستشهاد بنماذج من ممارساته، وهي نماذج إيجابية دون أدنى شك...
من ذلك، مثلاً: في بداية بحثه الأُصولي في باب ( التضارب ) بين الأخبار، أي ( التعارض ) وهو العنوان الذي انتخبه لبحث الظاهرة المذكورة، حيث صدّرها بهذه الفقرات:
( عنوان المسألة بباب ( التعارض ) كما صنّفنا، وفاقاً لبعض أولى من عنوانها بباب التعادل والتراجح؛ لما هو واضح من أنّها من عوارضه وأقسامه، إذ التعارض قد يكون مع التعادل، وقد يكون مع الترجيح، ومن المعلوم أنّ الكلّي المتعارض - مع غضّ النظر عن قسيميه - أحكاماً... مثل أولويّة الجمع مهما أمكن، وأنّ الأصل في المتعارضين ماذا؟ وغيرهما ) ثم يذكر جواباً لمَن يجد مسوّغاً للعنوان التقليدي، ويعترض على ما ورد في ( القوانين ) من العنوان القائل ( باب التعارض والتعادل والترجيح )... بعد ذلك يقول: ( لا يخفى أنّ التعبير بالتراجيح فيه مسامحة من وجوه، أحدها: أنّ معادل التعادل: التراجح لا التراجيح، إذ هو مأخوذ إمّا من العدل بمعنى الاستواء... إلى آخره )...
ثمّ يقطع صفحات متعددة لمواصلة بحثه عن مفردات المصطلح المذكور، بحيث يصل إلى ما يقارب عشر صفحات، وهو أمر قد لا نجد له ضرورة...
بغضّ النظر عمّا تقدّم، فإنّ مجرّد انتخاب عنوان شامل - كما صنع السيّد اليزدي يظلّ أفضل - بلا شك - من المفردات الثلاث، ممّا استخدمها الأُصوليّون قدامى وحديثين أيضاً...
وما دمنا نتحدث عن انتخاب ( العنوان ) وضرورة شموليّته وتعبيره عن الموضوع المبحوث عنه، نجد أنّ السيّد اليزدي يتّجه إلى مناقشة كثير من المفردات التي جعلها الفقهاء ( عنواناً ) لممارساتهم،... ومن ذلك مثلاً: ما نلاحظه في كتابه الاستدلالي التعليقي ( حاشية المكاسب ) حيث تعرّض لجملة من المفردات التي اعتبرها غير مفصحة عن طبيعة الموضوعات... ومن ذلك: عنوان ( حفظ كتب الضلال ) أو عنوان ( ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً ).. أو سواهما، حيث قال بالنسبة إلى العنوان الأخير:
( هذا العنوان إنّما يحسن إذا جعلنا المناط في النصوص ذلك، وتعدّينا إلى كلّ ما يكون كذلك، وأمّا على ما هو واقعه من الاقتصار على مواردها من السلاح أو مطلق آلات الحرب، فالأولى أن يقال ( وعدم بيع السلاح )، إذ المفروض خصوصيّة الموضع وعدم كون المناط ما ذكر من العنوان، فلا وجه للعنوان بما ليس موضوعاً ومناطاً... إلى آخره ).
والحقّ أنّ الملاحظة السيّد اليزدي صائبة، ما دمنا نعرف جميعاً: أنّ العنوان في البحوث العلمية يحتل أهمّيته الكبيرة من حيث انطوائه على موضوع محدّد وليس فضفاضاً... والأمر نفسه يمكننا ملاحظته في التعقيب على عنوان ( حفظ كتب الضلال ) حيث يتناول تعقيبه على العنوان المتقدّم مورداً آخر مضادّاً لسابقه هو: قصور العنوان عن استيعاب ما هو ( ضلال ) حيث لا يقتصر حظر الضلال على الكتب فحسب، بل يتجاوزه إلى المطلق؛ لذلك ينبغي تبديله إلى عنوان أشمل من الكتاب.
وفي هذا الصدد يقول: ( لا خصوصيّة للكتب في ذلك، فيحرم حفظ غيرها أيضاً ممّا من شأنه الإضلال.. فكان الأولى التعميم للعنوان ). هنا يحاول السيّد اليزدي توجيه العنوان المتقدّم بقوله: ( لعلّ غرضه المثال، لكون الكتب من الأفراد الغالبة لهذا العنوان، نعم يمكن الاستدلال على الخصوصية برواية ( الحذّاء ): ( مَن علّم باب ضلال كان عليه وزر مَن عمل به)... ونحن أيضاً يمكننا أن نوجّه إلى المؤلّف السيّد اليزدي نفس الإشكالية بالنسبة إلى
الرواية، حيث إنّ التعليم للضلال لا ينحصر في الكتاب، بل يشمل مطلق الخطاب الإعلامي من: خطبة أو كلام عادي... إلى آخره.
والمهم - في الحالات جميعاً - أن نشير إلى أنّ اهتمام السيّد اليزدي بالعنوان جعله يُعنى به من زوايا أُخرى مصحوبة بجملة نوافذ، ولعلّ تعقيبه أو تصدير ممارسته لظاهرة ( الوكالة ) - مثلاً - يوضح لنا منهجه في التعريف بالظاهرة من جانب، ثم مقارنة العنوان بما تماثله أو تخالفه من سوى ذلك، حيث إنّ تعريفه للظاهرة المبحوث عنها تفرض ضرورتها لكي تتبيّن دلالة الوكالة أو الهبة أو الوقف... إلى آخره، ولكنّ الأهم من ذلك هو: المقارنة مع غيرها من الظواهر في حالة ما إذا كانت ثمّة نقاط مشتركة بين العنوان المبحوث عنه وسواه، وهذا ما نلحظ في النص الآتي:
( الوكالة: وهي استنابة في التصرّف في أمرٍ من الأُمور في حال حياته، بخلاف الوصاية فإنّها بعد الموت. وقد يقال في الفرق بينهما: إنّ الوصاية إعطاء ولاية، وفي هذا الفرق تأمّل، بل منع. وأمّا الفرق بينهما وبين الوديعة فهو أنّها استنابة في الحفظ، بل لا يلاحظ فيها الاستنابة وإن استلزمتها، وأمّا بينها وبين العارية فواضح، وكذا المضاربة إذ حقيقتها ليست استنابة وإن تضمّنتها ( في الجملة ) ).
واضح من هذا النص أهميّة هذه الفوارق أو المشتركات بين الظواهر المشار إليها: العارية، الوصاية، الوديعة، المضاربة، حيث أوضح السيّد اليزدي السمات المشتركة المتمثّلة في ( الاستنابة ) بنحوٍ أو بآخر، مع الفوارق بين الاستنابة في مستوياتها وبين الوكالة، وبين ما ذكره من الظواهر...
على أيّة حال: ندع الآن هذا الجانب اللغوي بصفته مجرّد ( مقدّمة ) للدخول إلى الموضوع الرئيسي وهو: الممارسة الاستدلالية للظاهرة، واستخلاص حكمها، أو دلالتها، حيث نتجه إلى الخطوط التي تنتظم منهج السيّد اليزدي في ممارساته بنحو عام.
* * *
بالنسبة إلى الخطوط المنهجية، التي يمكن أن يستخلصها الدارس لممارسة السيّد اليزدي في تناوله للظاهرة الفقهيّة، تظل متفاوتة من ممارسة إلى أُخرى، بحسب ما يتطلّبه الموقف، فمثلاً: عندما يتناول الظواهر التي يعقّب بها على ( الأنصاري ) في حاشيته على
المكاسب، فإنّ تناوله يختلف بطبيعة الحال عن معالجته المستقلّة للظاهرة، كما هو ملاحظ في ( تكملة العروة ) حيث يتناول فيه الظاهرة استدلاليّاً بالقياس إلى العروة المتميّزة بفتاواها فحسب، كما يتناول الظاهرة استدلالياً في سائر نتاجه المتمثِّل في: ( منجزات المريض )، ( الظن ) ولكن بعامّة، ما دمنا نستهدف الإشارة إلى خطوط المنهج بحسب تسلسله؛ نلاحظ أنّ السيّد اليزدي بعد أن يتناول الظاهرة لغوياً، يتقدّم إلى طرح ( فتواه ) مصحوبة بالإشارة الإجمالية أوّلاً إلى الأدلة الرئيسة: الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل. أو الأدلة الثانوية وفي مقدّمتها: ( الشهرة ) بحيث يعني بها بنحو ملحوظ، أو الدليل العملي... إلى آخره، ولكن ينبغي أن نشير إلى أنّ السيّد اليزدي عندما يتناول الظاهرة الفقهيّة العامة ( مثل: الأبواب الفقهيّة: الربا، الوكالة، الوقف، الضرر... إلى آخره ) فإنّه ليختلف عن معالجته لتفريعاتها أو مسائلها الجزئية، حيث يُعنى بالظاهرة العامة بالتعريف، وبتصدير ما يتطلّبه الباب من تعقيب أخلاقي، كما هو ملاحظ مثلاً في معالجته لظاهرة ( الربا ) حيث يعرض أوّلاً فتواه الذاهبة إلى التحريم، مشيراً إجمالاً إلى الأدلة الرئيسة على هذا النحو ( الربا المحرّم بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، بل ضرورة الدين ) ثم يقول ( فمستحقّه داخل في سلك الكافرين، وأنّه يقتل.. )... إلى آخره، ثمّ يستشهد بروايات كثيرة تحوم جميعاً على إبراز العقاب المترتّب على ممارس الربا... وفي تصوّرنا أنّ تصدير ( الباب ) بأمثلة هذا البعد الأخلاقي؛ يجسّد ضرورة لا غنىً عنها من حيث أثرها على القارئ، حيث إنّ الهدف أساساً هو حمل الشخصية على معرفة الحكم وترتيب الأثر عليه، وهو: عدم ممارسة ما هو محرَّم أو مكروه... إلى آخره.
والآن، ما يهمّنا بعد الإشارة إلى مقدّمات الممارسة الفقهيّة من تحقيق لغوي وتعريف أخلاقي، ما يهمّنا هو: ملاحظة الأدوات الاستدلالية التي يستخدمها السيّد اليزدي في معالجته للظاهرة الفقهيّة، حيث تمثّل خطوط ممارسته على هذا النحو:
1 - تصدير الفتوى، مصحوبة بالأدلة الإجمالية في الغالب: كما لاحظنا في تصديره لظاهرة الربا، حيث قال: ( المحرّم بالكتاب والسنّة، وإجماع المسلمين، بل ضرورة الدين ).. فهنا: إشارة إلى الأدلة الرئيسة.. جميعاً الكتاب والسنّة... إلى آخره، وقد يكتفي بدليل واحد: كالإجماع مثلاً، وهو ما يطبع غالبيّة نتاجه، مثل تصديره لظاهرة
وقف الكافر: ( لا يشترط في الواقف أن يكون مسلماً... بالإجماع ). أو السنّة مثل: ( الأقوى: صحّة وصيّة مَن بلغ عشراً للأخبار... ). أو بالعقل، أو بدليلين كالكتاب والسنّة، مثل: ( تعتد المتمتَّع بها... للآية:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ... ) والصحيح، أو بثلاثة: الكتاب، والسنّة، والإجماع ). لكن خارجاً عن هذه المستويات من الأدلّة ( الاستهلاليّة ) التي تتصدّر الفتاوى، فإنّ المهم هو: كيفيّة التعامل مع الأدلّة ذاتها، أي: كيفيّة تعامله مع الكتاب، مع السنّة، مع الإجماع، مع العقل، مع الشهرة، مع الأصل... إلى آخره.
بالإضافة إلى ( الأدوات ) التي يستخدمها في هذه الميادين، وفي مقدّمتها ( الظواهر اللفظية ) وسواها...
ونقف أوّلاً عند تعامله مع ( السنّة ) بخاصّة فيما يتصل بـ ( القول ) بصفته هو الغالب في التوكّؤ عليه بالقياس إلى ( التقرير ) و( الفعل )، وبصفته هو الغالب من الأدلّة بالقياس إلى الكتاب، والإجماع... إلى آخره، على أن نتّجه إليها فيما بعد...
إذن: لنتحدّث عن كيفيّة تعامل السيّد اليزدي مع ( الأخبار ) وهي - كما قلنا - المادة الغالبة في التعامل...
وهذا فيما يتصل بالأدلة الرئيسية: ( الكتاب، السنّة... إلى آخره )، أمّا ما يتصل بالأدلة الثانوية من: ( شهرة ) أو ( أصل )، فإنّ السيّد اليزدي يتوكّأ عليها بطبيعة الحال. أمّا استقلالاً أو ضمناً، أو توظيفاً، فمن أمثلته الأخيرة، مثلاً، بالنسبة إلى شرائط الواقف إذا بلغ عشر سنين ( المشهور على عدم صحّته لعموم ما دلّ... ) حيث إنّ السيّد اليزدي يوظّف دليل الشهرة ( وهو ثانوي ) لتجلية ( دليل رئيسي ) وهو: السنّة،... ولسوف نتحدث عن مستويات تعامله مع الأدلة المشار لها في حينه... سواء أكانت متصلة بالشهرة وأقسامها، أو بالأُصول العملية وسواهما، أمّا الآن فقد استهدفنا مجرّد الإشارة إلى أدوات السيّد اليزدي التي يستخدمها في ( استهلال ) أدلّته إجمالاً، حيث لاحظنا تفاوت ممارسته من حيث السعة وعدمها، بحسب متطلّبات المسألة ذاتها... والآن نتّجه إلى ملاحظة تعامله مفصّلاً مع ( الأخبار )، وفي هذا الميدان نقول:
يظلّ التعامل مع النص ( الأخبار ) - كما قلنا - أهم المحاور التي يرتكن إليها الفقهاء، يليها التعامل مع ( الأصل ) في أبواب بعض المعاملات أو غالبيّتها... ولكن ما يعنينا
الآن هو: التعامل مع النص... وأوّل ما يمكن ملاحظته هنا، هو: أنّ التعامل مع النص يندر أو يضؤل حجمه في حالة ما إذا كان الأمر مرتبطاً بتفسيره أو تأويله أي: استخلاص دلالته، ولكنّ العكس تماماً يتضخّم حجم التعامل مع النص في حالة ( تضاربه مع الآخر )، وهذا ما يجسّد غالبية الممارسات الفقهيّة... ولعلّ ما لاحظناه بالنسبة إلى السيّد اليزدي في جعل ممارساته الأُصولية منحصرة ( في نطاق التأليف ) في باب ( التعارض ) الذي قاربت صفحاته (600 )(1) ، يفسّر لنا أهميّته ومن ثمّ غالبيته الممارسة لهذا الجانب؛ لذلك، نحاول عرض المنهج الذي يتعامل السيّد اليزدي من خلاله مع النص ( المتضارب )، سواء أكان التضارب في نطاق الظاهر أي: التأليف بين الأخبار - الجمع العرفي أو نطاق الباطن ( التعارض ) المُفضي إلى طرح أحد المتضاربين - أو سقوطهما... إلى آخره.
ونبدأ أوّلاً بملاحظة تعامل السيّد اليزدي مع التضارب الظاهري، المُفضي إلى التأليف بين المتضاربين من خلال حمل أحدهما على الندب، أو الكراهة، أو التخصيص، أو التقييد، أو الحكومة، أو الورود... إلى آخره.
هنا، نجد أنّ ( السيّد اليزدي ) - امتداداً مع وجهة نظر ( الطوسي ) الذي عني عنايةً تامّة بمقولة: ( العمل بالخبر ما أمكن من الطرح ) حتى وصل به الأمر إلى أن يبالغ في تفسير أو تأويل المتضارب من النصوص، بما قد لا يحتمله النص، والمهم أنّ السيّد اليزدي يكاد يشدّد في هذا الجانب بنحوٍ ملحوظ، وهو ما نلحظه نظرياً ) في مقدّمة كتابه الأُصولي ( التعارض )، حيث يصرّح بذلك بسفور، أو ما نلحظه ( وهذا ) هو الأهم في تطبيقاته للقاعدة، حيث نجد أنّ كثيراً من الممارسين لا يسحبون نظريّاتهم الأُصولية على الممارسة التطبيقية فقهياً، وهو ما يحملنا على دراسة النص الفقهي التطبيقي، بدلاً من دراسة الخطوط النظرية لهذا المبنى الأُصولي أو ذاك.
ومع عودتنا إلى السيّد اليزدي في تعامله مع النصّين المتضاربين ظاهرياً، نجده - كما هو لدى الغالبية من الفقهاء - يُعنى بعملية الجمع العرفي ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وهذا ما يمكننا أن نلاحظه من خلال النماذج الآتية، منها:
____________________
(1) انظر: بحث ( تصانيفه ومؤلَّفاته ).
الحمل على الاستحباب: مثل تأليفه بين الأخبار القائلة بعدم العدّة على غير المدخول بها، وبين القائل بها، حيث قال عن الأخير: ( وخبر عبيد محمول على الاستحباب... ). إنّ أمثلة هذا الحمل متوافرة بعدد هائل، إلاّ أنّ مستويات الحمل تظلّ متفاوتة من حين التوكّؤ على جملة عوامل،... منها: تأييد الحمل بأدلّة ثانوية من نحو العمومات والإطلاقات والأصل... إلى آخره، وهذا ما يمكن ملاحظته في ممارسته الذاهبة إلى عدم وجوب العدّة من السفاح، حيث ذهب صاحب الحدائق إلى وجوبها بموجب خبرين، فجاء الردّ على ذلك بقوله: ( وحمل الخبرين على الندب للأصل، وللعمومات، وإطلاق ما دلّ على جواز التزويج... إلى آخره )، ومن الواضح أنّ إرداف ( الحمل على الندب ) بأمثلة هذه الأدلّة، يمنح الممارسة ثقلاً أكبر من مجرّد الحمل غير المصحوب بالتعليل، وإن قلنا بأنّ الحمل العادي رسمه النص الشرعي ليس مجرّد مبنىً يعتمده هذا الفقيه أو ذاك من خلال تذوّقه... ومنها:
الحمل على الندب - أيضاً - لكن من خلال التردّد بين محامل متعددة، وهذا ما نلحظه في تأليفه بين الطائفة القائلة بتعدد العدّة مع تعدّد السبب، والقائلة بالتداخل، حيث ذهب المؤلّف إلى التداخل، وحمل الطائفة الأُولى على مترددين، قائلاً: ( فتحمل على الندب أو التقية... )، بيد أنّ السؤال هنا هو: هل أنّ الحمل على الندب يحمل مسوّغاته في هذا المورد؟ بخاصة أنّ المؤلّف عندما ردّد بين الندب وبين التقية، رجّح التقية على الندب، من خلال استشهاده بحادثة لأحد خلفاء العامّة، كما استشهد بخبرين من خلال تصريح المعصوم (عليه السلام) بالتداخل جواباً على القائل بتعدّد العدّة.
ومن البيّن أنّ هذه القرائن من حيث وضوح أرجحيّتها ( وهي: التقيّة ) حينئذٍ فإنّ الحمل على الاستحباب يفقد مسوّغه، إلاّ إذا انسقنا مع الاتجاه الفقهي الذاهب إلى أنّ التردّد أو تعدّد الأدلّة من رجحان بعضها على الآخر لا غبار عليه؛ لأنّه مجرّد فرضيّة يتطلّبها النقاش، أو مجرّد طرح يحتمل أحد مصاديقه: إمكانية الصواب.
خارجاً عن ذلك، إذا ذهبنا لمتابعة تعامل المؤلِّف مع ( الحمل على الندب ) في مستوياته المتنوّعة، نجد أنّه يعرض إمكانية الحمل على الندب، ولكنّه مع تحفّظ هو: استبعاده، ففي معالجته لعدّة المتمتَّع بها يطرح الأقوال المعروضة في الظاهرة، وهي أربعة أقوال، منها: القول الأوّل حيث رجّحه ( وأيضاً )، القول الثاني: وأسقط القولين
الآخرين وقال: ( الأقوى هو الأوّل، لرجحانه بالشهرة، وشذوذ الثاني، مع أنّ مقتضى الاستصحاب على فرض التكافؤ هو الأوّل، وإن كان يجوز الجمع بينهما بحمل أخبار الأوّل على الاستحباب لكنه بعيد... ). ما يهمّنا هو: فقرته الأخيرة الذاهبة إلى إمكانية الحمل على الاستحباب، واستبعاده ذلك..
وبغض النظر عن ترجحه بالشهرة، وطرح الآخر لشذوذه، وذهابه إلى اقتضائية ( الاستصحاب ) حيث سنتحدث عن هذه ( الترديدات ) في حينه - إن شاء الله - بغضّ النظر عن ذلك، فإنّ إمكانية حمل الخبر المتضارب مع الآخر على الندب، وفي نفس الوقت استبعاده يظلّ واحداً من أشكال التعامل مع ظاهرة ( الجمع العرفي ).
وما دام هذا النص من حيث استبعاده للحمل على الاستحباب، يشكّل تحفّظاً حيال الجمع العرفي المذكور، فإنّ المؤلّف في سياقات أُخرى، يتجاوز التحفّظ إلى الرفض: عندما يناقش الأقوال التي تحمل الخبر على الندب، في حالات لا يساعد السياق على ذلك، ومنه مثلاً: في معالجته للمتوفّى زوجها من حيث العدّة يستشهد بطائفتين، تتحدث أحدهما: عن أنّها تبدأ مع بلوغ المرأة خبر وفاته، والطائفة الأُخرى: عن غير ذلك، حيث جمع صاحب المسالك بينهما على الاستحباب، والحمل على التقيّة عند ابن الجنيد، وآخر: التفصيل.
وعقّب المؤلّف على الرواية الأُخرى: (... شاذّة محمولة على التقيّة، فلا وجه للعمل بها )، (... ولا الجمع بين الفرقتين بحمل المتقدّمة على الاستحباب... ).
إذن: يتفاوت المؤلّف في تعامله مع ظاهرة ( الجمع العرفي ) من خلال العمل على الندب: بين اليقين والترديد والتحفّظ والرفض بحسب متطلّبات السياق.
وإذا اتجهنا إلى الجمع العرفي المقابل للندب وهو الكراهة، حينئذٍ فإنّ العملية ذاتها نلحظها في ممارسات المؤلّف.
وهذا من نحو ممارسته التي تساءل فيها عن جواز أو عدم ذلك، بالنسبة إلى الوكيل الذي أمره موكِّله بأن يدفع مالاً إلى عنوان ينطبق عليه، حيث ذكر المؤلّف قولين في ذلك، كما ذكر روايتين متضاربتين لراوٍ واحد، موضِّحاً بأنّ المانعة لا تقاوم المجوِّزة، معقِّباً على المانعة: ( فينبغي أن تُحمل على الكراهة، بل هو مقتضى الجمع العرفي الدلالي )، وإذا كان السيّد اليزدي ينصّ على ( كراهة ) النص المضارب في الممارسة
السابقة، فهو ( يحتملها ) في الممارسة القائلة: ( لا ينبغي الإشكال في عدم جريان الربا في غير المكيل والموزون مطلقاً، بل يمكن حمل كلام المفصِّلين أيضاً على الكراهية... ).
وأمّا الترديد بينها وبين سواها، فيمكن ملاحظته في ممارسته القائلة ( في باب الوكالة ) بكراهة بيع ما لديه من المواد لموكِّله، حيث ينقل جواز ذلك للأخبار، ويضيف ( وأمّا الأخبار المانعة محمولة على الكراهة )، ثم يعلّل ذلك أنّ ذلك يعرّض الوكيل للتهمة والخديعة، قائلاً: ( كما يُشعر على فهم بعض تلك الأخبار، لكن الأحوط مع ذلك ).
فهنا نجد المؤلّف قد التجأ إلى ( الحمل على الكراهة ) ترديداً بينها وبين الاحتياط، حيث يعني: الاحتياط ترجيح الحرمة لديه... وفي هذه الممارسة نلحظ سوى الترديد بين استخلاصين، ظاهرة ثالثة لاحظناها أيضاً عندما تحدثنا عن ( الحمل على الاستحباب ) حيث أردف في بعض ممارساته: الحمل بتوضيح الأسباب المفضية إلى الجمع... هنا أيضاً: يردف حمله على الكراهة، بالركون إلى الأخبار الأُخرى التي توحي بدلالة الكراهة...
وإذا كان المؤلّف هنا يتردّد بين استخلاصين، فإنّه في الممارسة الآتية يتردّد بدوره، ولكن يتّجه إلى التعليل لأحد المتردّدين ممّا يشكّل سمة سلبية، كما لاحظنا ذلك عند حديثنا عن ( الحمل على الاستحباب ).. يقول المؤلّف عبر بحثه عن إحدى المسائل المتعلّقة بـ ( الربا ): ( فتحمل على الكراهة في النسيئة ) أو على التقيّة؛ لأنّ التفصيل مذهب العامّة. واضح أنّ الترديد هنا - كما لاحظنا في حمله الظاهر على محمل الندب. وتفصيله للآخر بين الكراهة وبين التقيّة، لا يجيء لصالح الكراهة بل التقيّة؛ لأنّ التعليل الذي قدّمه وهو: أنّ التفصيل هو مذهب العامّة، يفصح عن تفضيله للتقيّة، كما هو واضح؛ لذلك لا معنى لحمله على الكراهة، وهذا ما يسجّل على المؤلّف.
المهم: أنّ الخطوات التي قطعها المؤلّف في تعامله مع ( الحمل على الاستحباب ) يمارسها أيضاً في تعامله مع الحمل على الكراهة - كما لاحظنا ذلك - ومنها: ظاهرة ( التحفّظ ) أو الرفض لما يحتمله فقيه آخر في ممارساته، ومنهم: المقدّس الأردبيلي، في حمله على الكراهة في بعض مسائل الربا، وهي مسألة أنّ المواد
الأصلية والمتفرّعة من الشيء تتماثل حرمة الربا فيها، كالدقيق والسويق مثلاً، ومطلق ما هو أصل وفرعي، حيث استدلّ عليها بالأخبار مقابل أخبار معارضة، حيث حملها الأردبيلي على الكراهة، فقال: ( بحمل الأخبار المذكورة على الكراهة )، هنا عقّب المؤلّف على الحمل المذكور وسواه، بأنّ المراد ليست جميعاً محكومة بهذه السمة؛ لأنّ الحليب ومتنوّعاته مثلاً ليست كالدقيق والسويق؛ لذلك فإنّ الأظهر التفصيل بين المادتين... إلى آخره، وبذلك يكون المؤلّف قد رفض ذلك الحمل ( أي الكراهة ).
المهم: نكتفي بما ذكرناه من الظواهر المتّصلة بحمل أحد المتضاربين من الأخبار على الكراهة أو الندب، بالنحو الذي تقدّم الحديث عنه.
* * *
أمّا الآن فنتّجه إلى حلّ آخر للتضارب الظاهري بين الأخبار، وهو الحمل المؤدّي بالتأليف بينها من خلال حمل المطلق والعام، والمجمل على المقيد، والخاص والمفصّل، وهو باب واسع من الأبواب البحثيّة التي يتوفّر الفقهاء عليها.
إذن: لنلاحظ تعامل السيّد اليزدي مع أمثلة هذه المحامل... طبيعياًَ، أنّ الحمل على المقيد والخاص والمبيّن، بالنسبة إلى الخبر المطلق والعام والمجمل، يختلف عن الحمل السابق، أي الندب أو الكراهة، من حيث إنّهما ( يفاضلان ) بين خبر على آخر، بينما نجد محامل المقيّد والخاص والمبيّن، تقوم على إلقاء الإضاءة من أحدهما على الآخر، حيث إنّ المقيّد يلقي بإنارته على المطلق، وهكذا سواه، فيتمّ التأليف بين المتضاربين على مستوى الدمج بين الروايتين، وليس الفصل بين فاضل ومفضول ( كما هو شأن الحمل على الندب أو الكراهة )...
المهم: يجدر بنا أن نستشهد ببعض الممارسات لدى السيّد اليزدي في هذا الميدان... ومنها، مثلاً: في ميدان الحمل البسيط للعام على الخاص، ذهابه ( وهو يناقش الأنصاري في مكاسبه ) بالنسبة إلى الأحكام المتّصلة بالأرض من حيث صلتها - حالة الفتح - بإذن الإمام (عليه السلام) أو عدمه، مستشهداً برواية ( خاصّة ) لابن وهب تذهب إلى أنّ الأرض المفتوحة إذا كانت بإذنه (عليه السلام) يأخذ الإمام (عليه السلام) الخمس، ويأخذ المقاتلون نصيبهم منه، و... ويعلّق على الرواية بقوله: ( فهي صالحة لتخصيص الآية ) أي آية الخمس:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ... ) وأمّا في ميدان الممارسة
المركّبة، فيمكننا ملاحظة ذلك في الممارسة الآتية التي يتوكّأ المؤلّف فيها على حمل المطلق على المقيّد، والمجمل على المفصّل، وهو يرتبط بعدّة المرأة التي فُقد زوجها، يقول السيّد اليزدي بعد نقله للأقوال، وإشارته إلى اختلاف الأقوال من أنّها راجعة إلى اختلاف الأخبار ذاتها، قائلاً: ( والحاصل أنّه يحمل المطلق منها على المقيّد، والمجمل على المفصّل فيصير الحاصل أنّ عند انقطاع خبره... ) إلى آخره. وهذا أُنموذج واضح لعمليّات التأليف بين النصوص، وتتميّز هذه الممارسة بأنّها تجمع بين أخبار متضاربة متنوّعة، وليس بين طائفتين فحسب؛ لذلك تجسّد ممارسة مركّبة وليس بسيطة لعملية التأليف بين النصوص، فهو يقول تعقيباً على طوائف الأخبار التي أوردها:
( إنّ مقتضى الجمع بين الأخبار المذكورة لزوم الطلاق بتقييد خبر سماعة بسائر الأخبار، ولزوم كون العدّة عدّة وفاة بتقييد أخبار الطلاق بخبر سماعة والمرسل، ولزوم رفع الأمر إلى الحاكم وكون ضرب الأجل بتعيينه، وكون ابتداء الأجل من حين ضربه، بتقييد خبر الحلبي وخبر أبي الصباح بخبر بريد وخبر سماعة ).
إنّ هذه الممارسة التي سمّيناها ( بالحمل المركّب ) مقابل الحمل المفرد أو البسيط الذي يحمل خبراً مطلقاً على خبر مقيّد، أو عامّاً على الخاصّ، أو المجمل على المفصّل؛ يكشف لنا عن براعة السيّد اليزدي في تأليفه الموفّق بين نصوص متضاربة.
هنا يحسن بنا أن نقدّم نموذجاً مفرداً بسيطاً لملاحظة ما قلناه من أنّ الحمل الذي يتوكّأ على إضاءة خبرين متضاربين بخبر ثالث، حيث يمكننا أن نستشهد بالممارسة الآتية، وهي: تأليف السيّد اليزدي بين نصّين متضاربين، يؤيّد أحدهما بأنّ المؤلّف بينهما من خلال الإشارة إلى نصٍّ ثالث وهو مرسلة ابن عمير، التي رسمت الفارق بين المرأة القرشية، وحدّدها بالستين، والعاميّة: وحدّدها بالخمسين.
المهم: أنّ أمثلة هذه التأليفات بين النصوص من خلال إلقاء أحدهما الإنارة على الآخر تقتادنا إلى أمثلة أُخرى، منها: ما يطلق عليه مصطلح ( الحكومة ) و( الورود )، حيث يعني الأوّل منهما أن تكون الرواية ( الحاكمة ) قبالة الأُخرى، محدّدة لموضوعها، والرواية ( الواردة ) رافعة للموضوع. وهذان المصطلحان يندر التوكّؤ عليهما في الممارسات الفقهيّة، حيث يردان على استحياء على ألسنة بعض الفقهاء، ويمكننا بالنسبة
إلى ( الحكومة ) ملاحظة ما سبق أن استشهدنا به في ممارسته المرتبطة بالأرض المفتوحة بإذن المعصوم (عليه السلام)، أو عدمه، حيث يعقّب - بعد تخصيصه عموم الآية - باحتمال آخر هو ( حكومة ) الرواية المتحدثة عن إذن الإمام (عليه السلام) وعدمه، بالقول: ( بل يمكن دعوى حكومتها على العمومات الدالّة على كون ما أُخذت عنوة للمسلمين )...
* * *
تبتغي الإشارة سلفاً إلى أنّ التعادل التام يضؤل حصوله بالقياس إلى الأرجحية لخبر - دون مقابله: كالأرجحية - كما هو معروف - بأحد الوجوه المشار إليها.. وإذا كان ثمّة تفاوت لاحظناه بين الفقهاء بالنسبة إلى أرجحيّة أحد المرجّحات، في حالة عدم التعادل، فإنّ نظرات الفقهاء تتفاوت بدورها بالنسبة إلى التعادل بين طرفي المتضاربين، حيث يذهب بعضهم إلى التساقط، والآخر إلى التخيير... إلى آخره.
ويلاحظ أنّ السيّد اليزدي كما ذكر ذلك في كتابه الأُصولي - وكما لاحظناه في نص ممارساته التطبيقية - يجنح إلى ( التخيير )، ولكن بما أنّ التعادل - كما قلنا - يضؤل حصوله بالقياس إلى عدم التعادل، حينئذٍ فإنّ المهم هو: أن نتّجه إلى هذا الجانب من ممارسات السيّد اليزدي.
فماذا نستخلص؟
* * *
كما قلنا: السيّد اليزدي لا يُرجّح مرجّحاً على آخر إلاّ ما يتطلّبه السياق، حيث لا ترتيب بين المرجّحات.. هذا من جانب.. ومن جانبٍ آخر: يجدر بنا ملاحظة أي المرجِّحات يتكاثر على سواه في ممارساته.. حيث يبدو أنّ ( مخالفة العامّة ) و( الأشهرية ) يطغيان على المرجحين الآخرين: الأوثقية، والموافقة، مع تحفظنا على ما استخلصه من ( الأشهرية ) من الفتوى أو الرواية أو كلتيهما...
أمّا سبب ندرة الترجيح بموافقة الكتاب، فلأنّ الكتاب الكريم أساساًَ لا يتضمن جميع الأحكام وتفصيلاتها حتى يركن إليه في كل حادثة وهذا ما يتماثل فيه تناول السيّد اليزدي سواه... ولكن بالنسبة إلى ضئالة الترجيح بالأوثقية، فثمّة تفاوت بين السيّد اليزدي - ويشاركه آخرون كثيرون - بين آخرين من حيث التشدّد في السند وعدمه، ومن
حيث الارتكان إلى مرجّح ( الشهرة ) أو عدمه، حيث يعدّ اليزدي من النمط الذي يُعنى بالشهرة في الفتوى غالباً - كما سنلاحظ - ويتوكّأ عليها كثيراً في ممارساته، ولا يُعنى بالأوثقيّة إلاّ في الدرجة الثانية، كما أنّ تعامله مع ( الأكثرية ) - الشهرة في الخبر - يشكّل في الدرجة الأدنى: مع أنّه يستخدمها - أي مرجّح الأوثقية والأكثرية - في سياقات خاصّة، ومنها: ما يتّصل بالاحتياط مثلاً، أو حتى في سياق سواه إذا كان اليزدي مناقشاً بالتفصيل أقوال الآخرين في المسألة، حيث يجعل من الأكثرية والأوثقية مرجّحاً ( مؤيّداً ) وحتى ( أصلياً ) في حالة عدم حصوله على مرجّح الأشهريّة أو المخالفة.
* * *
ما تقدّم، يجسّد ملاحظات على الممارسة الفقهيّة الخاصّة بالتعامل مع الأخبار المتضاربة ظاهرياً، حيث يتّجه الفقيه إلى الجمع الدلالي ما وجد إلى ذلك سبيلاً. أمّا الآن فيمكننا ملاحظة الممارسات الخاصّة بالتعامل مع الأخبار المتضاربة باطنياً أو داخلياً، حيث يتعادل المتضاربان المتضادان في خصائصهما الخبرية، بحيث لا يترجّح طرف على آخر، أو يترجّح أحدهما على الآخر، بخصّيصة أو أكثر، وهذا ما يشكّل - كما أشرنا - غالبية الممارسات الفقهيّة، بخاصّة: أن النصوص الشرعيّة كما هو واضح، رسمت للفقيه طرائق العلاج للخبرين المتضاربين المتضادين، عبر نصوص متنوّعة تتحدث حيناً عن المتكافئين، فترسم له حلولاً للتخيير أو التوقّف.. وترسم حلولاً للراجح منهما من خلال: الأوثقية والأشهرية، ومخالفة العامّة، وموافقة الكتاب؟.. وهذا ما يتوفّر الفقهاء عليه بطبيعة الحال، إلاّ أنّ التفاوت في وجهات النظر من حيث الأرجحية لأحد المرجّحات فيما بينها، فيما ذهب بعضهم إلى ترتيب خاص ورد في النص، وذهب البعض الآخر إلى عدم الترتيب، ومن ثمّ فإنّ الغالبية من الفقهاء تذهب إلى الرأي الثاني، بحيث تُقرّ أنّ الفقيه بحسب ما يراه السياقات المتنوّعة التي يرد فيها الخبران المتضاربان، حيث يتحرك بحسب خبرته الذوقية للنصوص، فربّما يبدأ بترجيح الأوثقية، أو الأشهرية، أو المخالفة، أو الموافقة.. وهذا في تصوّرنا هو الموقف الصائب؛ لسبب واضح وبسيط جداً هو: أنّ الأخبار العلاجية لا تقف عند نصيّ ابن حنظلة وزرارة اللذين ورد فيهما ترتيب خاص، بل ثَمّة نصوص متنوّعة أُخرى، لا تردّ فيها سلسلة المرجّحات المذكورة في الروايتين المذكورتين كالاقتصار مثلاً على
مخالفة العامّة، أو غيرها من المرجّحات، ممّا يكشف ذلك من أنّ الأولوية لمرجّح دون آخر، في الحالات جميعاً، لا يمكن أن يكون صائباً..
وبالنسبة إلى السيّد اليزدي، نجده يذهب إلى الاتجاه ذاته من خلال كتابه الأُصولي الكبير ( التعارض ) حيث بحث ذلك نظرياً، من خلال ممارساته الفقهية، كما بحث ذلك تطبيقيّاً وهذه - أي البحوث التطبيقيّة - هو: ما نعتمد عليه الآن في ملاحظاتنا على ممارسة اليزدي، وأمّا كتابه النظري البالغ (600 ) صفحة فلا شغل لنا به لكونه ( نظرية ) وليس ( تطبيقاً ذا ثمرة عملية ).
إذن: لنتحدث عن هذا الجانب، أي: تعامل السيّد اليزدي مع ظاهرة ( التقيّة ) في الغالب مع ضم مرجّح آخر، كما يتعامل على مستوى الاحتمال حيالها، ويتعامل ثالثة مع التردّد حيالها، ويتعامل رابعة: مع رفضٍ لها عند مناقشته الآراء الفقهيّة... وأخيراً: يتعامل مع التقية عبر حالتين، إحداهما غير مشفوعة بالتعليل، بل لمجرّد مخالفة الخبر الذي يرجّحه لفتوى العامّة، والأُخرى يشفعها بقرينة أو بأكثر ويبرع فيها غالباً..
ونستشهد بنماذج في هذا الميدان؛ منها:
- فيما يرتبط بتعامله مع ( التقيّة ) مشفوعة بمرجّح آخر، ينتخبه غالباً من خلال ( الخبر الشاذ ) حيث إنّ إيمانه بالشهرة يدفعه إلى الثقة في رفض مقابله وهو: الشذوذ، وهذا ما نلحظه - مثلاً - في ممارسة تتّصل بعدّة الأمَة، حيث ينقل طائفتين وأقوالاً حيال ذلك، حيث رفض خبراً عمل به ابن الجنيد، ويعقّب على الرواية قائلاً: ( شاذّة، محمولة على التقيّة، فلا وجه للعمل بها كما عند ابن الجنيد... ).
- وأيضاً نلاحظ ممارسة أُخرى يحمل خلالها الرواية على التقيّة، مشفوعة بشذوذها، وهي تتّصل بعدّة المتمتَّع بها، والمتوفَّى عنها زوجها، حيث يرفض خبراً يقول بعدم العدّة في حالة عدم الممارسة، قائلاً: ( فلا عامل به، ومحمول على التقيّة ).
إلاّ أنّ السيّد اليزدي هنا يشفع حمل الرواية على التقيّة بتعليل يُستخلص من رواية أُخرى، وهو أمر يضفي الأهميّة على هذا الحمل، يقول: ( كما يظهر من خبر عبيد، عن زرارة، عن رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها، أعليها عدّة، قال: لا، قلت: المتوفّى عنها زوجها قبل أن يدخل عليها، قال: أمسك عن هذا، وفي خبر ( كفّ عن هذا ).. حيث إنّ التقيّة من الوضوح فيها بمكان كما قلنا: أمثلة هذا الاستخلاص يكشف عن البراعة
في الممارسة الفقهيّة.
وإذا كان السيّد اليزدي في هذه الممارسة الفقهيّة يستخلص ( لغة التقيّة )، فإنّه في ممارسات أُخرى يكتفي - كما أشرنا - بمجرّد المخالفة، ولكنّه حيناً يصرّح بتوجيه ذلك من خلال السياق الذي ترد فيه فتوى العامّة، حيث نعرف بأنّ الأزمنة والأمكنة تتفاوت - من حيث حكّامها وفقهائهم وقضاتهم - فتتكيّف ( التقيّة ) تبعاً للسياق ذاته، فمن ذلك مثلاً: ما يجسّد فتاوى بعض من العامّة بالنسبة إلى عدّة الأمَة المتوفّى عنها زوجها، من حيث تضارب الأخبار حيث يعقّب: و( الأقوى الأوّل لأرجحيّة أخباره بموافقتها لعموم الكتاب ومخالفتها للعامّة؛ لأنّ مذهب جماعة منهم على التفصيل كما ذكر )... فهذا التعقيب الأخير يفصح بوضوح عمّا ذكرناه من أنّ السياقات المختلفة للموضوع تفرض أمثلة هذا الموقف.
ومع أنّ هذه الممارسة ذكرت إلى جانب مرجّح ( المخالفة ): مرجح الموافقة للكتاب، إلاّ أنّنا استهدفنا بمجرّد الاستشهاد بنماذج من ممارسات اليزدي بالنسبة إلى التعامل مع التقيّة وسياقاتها.
وهذا يقتادنا إلى مستوى آخر من الممارسة، هو - ما ألمحنا قبل سطورٍ إليه - ضمّ المرجّحات الأُخرى إلى مرجّح التقيّة، حيث لاحظنا خلال النماذج المتقدّمة، ضمّ الشهرة إليها، وضم الموافقة للكتاب، وسنرى عند حديثنا عن الحصيلة العامّة لممارسات السيّد اليزدي، من حيث توفّره حيناً على المسألة من وجوه شتّى، بحيث يستخدم أدوات الاستدلال الرئيسية والثانوية وكلّ ما وسعه من الأدلّة في ظاهرة واحدة، لكن حسبنا أن نشير الآن إلى ما يرتبط بموضوعنا وهو ( التقيّة ) بضم الأدلّة المتنوّعة للظاهرة التي يستهدف استخلاص الحكم من خلالها، ولكنّنا نؤجّل الحديث عن ذلك إلى فقرة أُخرى من بحثنا... لكن إذا كانت هذه المستويات من الحمل على التقيّد تجسّد مبنى هو: ( الضمّ )، فإنّ المبنى الآخر يجسّد ( احتمالاً ) فيها: أي الحمل على التقيّة، وهو أمر نلحظه بوضوح في ممارسات متنوّعة، ومنها: الممارسة الآتية التي تتضمّن ما لاحظناه في الممارستين السابقتين، من استخلاص التقيّة من خلال الإشارة إلى رواية أو قول يشكّلان قرينةً على ذلك، ففي الممارسة الآتية نلحظ الظاهرة ذاتها، مع مستوى آخر من مستويات الحمل على التقيّة هو: التردّد بين اثنين من المحامل أو
أكثر، وهذا من نحو ما ورد في موضوع الربا من مناقشة جاء فيها التعقيب الآتي: ( فتحمل على الكراهة في النسيئة، أو على التقيّة... )، فهنا ( تردّد ) بين حملين، بينما لاحظنا في النصوص السابقة ( جمعاً من المحامل أو ضمّ بعضها إلى الآخر... )
ونتّجه إلى مستوى آخر من الممارسات، ومنها:
ثَمّة مستوى يتعامل مع التقيّة من خلال ( الاحتمال ) وهو مبنىً لاحظناه عند المؤلّف في تعامله مع الجمع الدلالي للنصوص، والمهم: يمكننا أن نستشهد بنموذج هنا، هو: ممارسته المتّصلة بباب الربا في أحد موضوعاته: ( فتناسب حملها على الكراهة، ويمكن حملها على التقيّة؛ لأن المنع مذهب العامّة... ).
إذن: لاحظنا أنّ مستويات التعامل مع ( التقيّة ) تظل متفاوتة من ممارسة أُخرى على النحو الذي تقدّم الحديث عنه.
ويمكننا أن ننتقل إلى مستوى آخر من تعامله مع التقيّة، وهو: أرجحيّة الخبرين كليهما، أحدهما على الأُخرى من خلال ( التقيّة )، مع كون الترجّح الآخر: احتمالياً، وهذا ما نلاحظه في ممارسة سبق أن استشهدنا بها، عندما قلنا أنّه يعللّ في قسم من ترجيحه لمخالفته العامّة، بالإشارة إلى أنّ قسماً من العامّة تتوافق فتاواه مع الخبر؛ فلذلك رفضه من خلال الحمل على التقيّة، ولكنّه من جانب آخر احتمل ( التقيّة ) أيضاً؛ لأنّ البعض الآخر من العامّة تتوافق فتاواه مع الخبر الذي رجّحه المؤلّف، وبهذا نستخلص نمطاً آخر من التعامل، حيث يمكننا أن نقول: إنّ قيمة هذه الممارسة تتحدّد بقدر ما يحمل ( الاحتمال ) من درجة...
لكن ينبغي ألاّ نغفل عن ملاحظة مستوى آخر هو: رفضه للحمل على التقيّة في بعض ممارسات الفقهاء، وهو أمر تجدر الإشارة إليه، بل لابدّ من الاستشهاد ببعض النماذج لملاحظة المسوّغات التي تدفعه إلى الرفض، بخاصّة أنّنا شاهدنا غالبية نماذجه يقرنها بما يتناسب مع الحمل المذكور، كالإشارة إلى أنّ ( المنع ) مذهب بعض العامّة، وأنّ التفصيل في العدّة على مذهب بعضهم، وأنّ الروايات ذاتها تتضمّن دلالة التقيّة... إلى آخره.
إذن: لنستشهد بما اعترض عليه من ممارسات الفقهاء بالنسبة إلى التقيّة... ومن ذلك:
ما دام الحديث عن ( مخالفة العامّة ) يتداعى بالذهن إلى ملازمه وهو موافقة الكتاب، فإنّ الموقف يستلزم المرور عليه سريعاً؛ لأنّ الترجيح المذكور ذاته ( كما تمّت الإشارة إليه ) يظل محدوداً بمحدودية آيات الأحكام في القرآن... في نطاقات ما لاحظناه في ممارسات السيّد اليزدي، فإنّ الموافقة للكتاب تجيء لديه غالباً مقترنة بمرجّحٍ آخر: كمخالفة العامّة ذاتها، أو مقترنة بموافقة السنّة، حيث إنّ الأخبار العلاجية - كما هو معروف - تشير إلى المرجّح المذكور من خلال كونه سنّة قطعيّة بالقياس إلى ما يخالفها.
والمهم: يمكننا أن نستشهد بأمثلة هذه النماذج في ضوء استشهادنا ببعضها في فقرات سابقة من هذا البحث، ومنها:
ما يتصل بالخلاف الروائي في عدّة الأمَة المتوفّى زوجها، حيث رجّح المؤلّف العدّة المتمثلة في الأربعة أشهر وعشرة أيام، مقابل الخمسة والستّين يوماً، فيما عقب - كما لاحظنا سابقاً - قائلاً: ( الأقوى: القول الأوّل لأرجحيّة أخباره بموافقة الكتاب... و... ).
والأمر نفسه تمكّننا ملاحظته إلى ما سبقت الإشارة إليه، وهي الممارسة المتّصلة التي جمعت بين ترجيحات متنوّعة ملفتة للنظر حقّاً، ونعني بها: الممارسة التي تحدثت بالنسبة إلى موضوع ( منجّزات المريض ) وصلتها بما هو محظور أو مباح من التصرّفات، حيث رجّح أحد طرفي المسألة بجمّلة مرجّحات، ومنها المرجّح الآتي الذي يطلق عليه ( المرجّح المضموني ) متمثّلاً في موافقة الكتاب، حيث يقول بعد أن يتحدث عن المرجّحات الأُخرى: ( وأمّا من حيث المضمون فلتأيّدها - أي الأخبار التي رجّحها المؤلّف - بالقاعدة القطعية المستفادة من الكتاب و... ).
وإذا كان اليزدي في الممارستين السابقتين يجمع إلى الكتاب مرجّحات أُخرى، فإنّه في الممارسة الآتية يكتفي بمرجّح الكتاب، ولكن مع تحفّظ في الدلالات المستخلصة من النص القرآني الموافق لأحد طرفي الأخبار، يقول المؤلّف معقِّباً على رواية تسمح للزوجين بأن يرجع على الآخر في ( الهبة )، مقابل ما ذهب المؤلّف إليه من عدم جواز ذلك، تبعاً لنصوص تقرّر ذلك، ومنها: رواية صحيحة مقابل الصحيحة المانعة، يقول: ( ولكنّه - أي خبر صحيح - لا يقاوم الصحيحة السابقة ). بعد ذلك يحتمل
دلالة خاصّة، ويضيف: ( مع أنّ الصحيحة موافقة للكتاب بناءاً على أنّ المراد بـ( ما آَتَيْتُمُوهُنَّ... ) أعم من الصدقة والهبة... ).
* * *
ولعلّ الترجيح بمصطلح ( الشهرة ) يظل من أكثر الترجيحات خلافاً بين الفقهاء، حيث فهم بعض منهم أنّ المقصود من ذلك: الشهرة الروائية، وفهم البعض الآخر: الشهرة في الفتوى بنمطيها: الفتوى المستندة إلى نص، وغير المستندة، ممّا يطلق عليها: الشهرة العملية في اصطلاح المعنيّين بهذا الشأن.
بَيْدَ أنّ الشهرة في الرواية تظل - هي الأكثر احتمالاً من غيرها، أو لنقل: إنّ الشهرتين الأُخريين: الفتوائية والعملية من الممكن أن تندرج ضمن مصطلح ( الشهرة )، وهو المصطلح الذي ورد في الأخبار العلاجية مثل: ( ما اشتهر )، ( المُجمع عليه )... إلى آخره، حيث إنّ الأمر بالمشهور أو المُجمع عليه بن الأصحاب هو: الراجح على الخبر الآخر...
وسبب الذهاب إلى أنّ الشهرة في الرواية تتصدّر الاحتمال هو: أنّ زمن المعصومين (عليهم السلام) لم يكن زمن ( فقهاء مجتهدين ) - كما هو في عصر الغيبة، بل زمن ( رواة ) عن المعصومين (عليهم السلام)، حيث إنّ الراوي يسمع من المعصوم (عليه السلام) كلاماً، فيسجّله أو ينقله إلى الآخرين، فيكون الكلام المنقول هو المادة التي يتوكّأ عليها المعنيّون بهذا الشأن... وبكلمة أكثر وضوحاً: إنّ ( الفتوى ) عصرئذٍ على ( متن ) الرواية، وليس اجتهاداً بالمعنى الاصطلاحي...
صحيح، أنّ بعض المبادئ أو القواعد الفقهيّة قد نثرها المعصوم (عليه السلام) أمام الراوي، كأن يأمر (عليه السلام) أحدهم بأن يجلس في المسجد ويفتي الناس، أو يخاطب أحدهم بأنّ علينا الأُصول وعليكم الفروع، أو يقرّر لأحدهم قاعدة نفي الحرج وأمثالها، وصحيح أنّ بعض الرواة كتب دراسة عن الأًُصول اللفظية: كما ينقل المؤرِّخون، إلاّ أنّ ذلك جميعاً لا يشكّل مبادئ نظرية كاملة، يعتمد عليه الأصحاب في استخلاص الحكم الشرعي...
وفي ضوء هذه الحقائق، يجيء الحديث عن ( الشهرة ) أو بحسب ما ورد من التعبير ( ما اشتهر ) أو ( المُجمع عليه )، منسحباً على المعنى المذكور، وهو: الفتوى على متن الرواية التي يتناقلها الأصحاب عن المعصوم (عليه السلام).. وليس الفتوى الاجتهادية،
وهذا - أيضاً - لا يتنافى مع إمكانية أن يرتّب بعض الأصحاب أثراً على ما فهموه من بعض المبادئ النظرية، بحيث يستخلصون بعض الأحكام، فتنتشر فتاواهم، وحينئذٍ يمكن الذهاب إلى أنّ الشهرة بجميع أقسامها تظل مندرجة ضمن ( ما اشتهر ) أو ( المُجْمَع عليه )..
المهم: إذا عدنا إلى ممارسات السيّد اليزدي في هذا الميدان، نجد أنّ مصطلح ( الشهرة ) و( المشهور ) يطغيان عليها عبر ترجيحه، لهذا الخبر أو الطائفة من الأخبار، قبالة الخبر أو الأخبار المتضاربة... وبالمقابل، يتضاءل لديه التوكّؤ على المرجّح ( السندي ) أي: الأوثقية، كما يتضاءل لديه الاشتهار في الرواية من حيث كثرة رواتها مقابل الاشتهار في الفتوى... لذلك، يمكن الذهاب إلى أنّ السيّد اليزدي يعتمد في الدرجة الأُولى ( شهرة الفتوى ) دون أن يجهل ( شهرة الرواية ) بقدر ما يرجّح الأُولى ( الفتوى ) على الثانية ( كثرة الرواة ) عندما يتضاربان في سياقات خاصّة، كما سنرى.
ويمكننا أن نستشهد ببعض النماذج التي يلحظ فيها: ترجيح المؤلّف للخبرين المتضاربين بالشهرة بنمطيها: الفتوائي والروائي...
من ذلك مثلاً: ممارسته الآتية المتّصلة بعدّة المتمتّع بها في وفاة الزوج، يعقّب على خبرين: ( الأقوى هو الأوّل لرجحانه بالشهرة، وإن كانت أخباره أزيد )...
من الواضح أنّ هذه الفقرة من تعقيب السيّد اليزدي توضح لنا موضوعين، أولهما: أنّه يرجّح بالشهرة ( ليس في نطاق المرجّحات الأُخرى فحسب، بل بالنسبة إلى مصطلح الشهرة بذاته، حيث استهدف بها - كما هو واضح - الشهرة في الفتوى، بدليل أنّه رجّحها على الشهرة في الرواية، حيث إنّ عبارته القائلة بأنّ الخبر الآخر ( وإن كان رواته ) أزيد فإنّه لا يقاوم الشهرة في الفتوى... وهذا يكشف - كما قلنا - عن قناعة اليزدي بأنّ مصطلح ( ما اشتهر ) الوارد في الخبر العلاجي يشمل الفتوى والرواية، ولكن إذا تعارضت الشهرتان، فالأرجحية لشهرة الفتوى، بحسب ما لاحظناه في النص المتقدّم.
هنا، ينبغي أن نضع في الاعتبار: أنّ الشهرة التي يتبناها اليزدي ليس مطلق الشهرة لدى الأجيال الفقهية المختلفة، بل يحصرها في الجيل القديم فحسب؛ لذلك نجده في ممارساته يشير إلى الظاهرة المذكورة مثل: ( ضعيفة السند، لا جابر له ) ومثل: ( والشهرة
القدمائية الصالحة لجبر السند مفقودة )، ومثل: ( فهذه الأخبار على تعارض بعضها بنص واعتضادها بالشهرة القديمة.. إلى آخره )، قالها تعقيباً على الموضوع المتّصل بمنجّزات المريض - رادّاً على القول الآخر.
وفي ممارسةٍ أُخرى: ( أنّ الشهرة الجابرة وهي ما كانت عند القدماء من الأصحاب.. غير متحقّقة ) قالها تعقيباً على رواية: تحف العقول، ولكنّه مع ذلك رتّب أثراً عليها حيث قال: ( لكن مضامينها مطابقة للقواعد )...
المهم: أنّ ما نستهدف الإشارة إليه هو: أنّ السيّد اليزدي يرجّح الخبر من خلال ( شهرته الفتوائية القديمة ) فحسب، ويرفض الشهرة المتأخِّرة.. كما أنّه قد يرجّح بالشهرة الروائية أيضاً، ولكنّه يجعله في درجة ثانية، وإلاّ إذا تعارض مع الفتوائية فيقدّمها على الروائية: كما لاحظنا.
خارجاً عن ذلك فإنّ الشهرة الروائية يرجّحها في سياقات متنوّعة معتضدة غالباً بمرجّحات أُخرى، مثل ترجيحه للأخبار المجوّزة للرجوع بالهبة مقابل عدم ذلك، حيث عقّب على الأخير: ( إلاّ أنّه لا تقاوم ما تقدّم من الأخبار لأصحّيتها وأكثريتها... ).
فالإشارة إلى الأكثر هنا هو: تعبير واضح عن الشهرة الروائية.
* * *
والآن:
بالنسبة إلى الترجيح بالسند، ينبغي الإشارة إلى أنّه يظل آخر المرجّحات مرتبةً عند السيّد اليزدي، لجملة أُمور منها: أنّ إيمانه أساساً بالأخبار الضعيفة حالة انجبارها بالعمل، والإرساليّات التي وثّقها الرجاليّون، وتصحيح ما صحّ... إلى آخره، هذه المبادئ التي يقتنع بها - كما سنشير إلى ذلك في فقرة لاحقة - تفسّر لنا دلالة تعامله مع السند الضعيف في حالة كونه قد اقترن بالانجبار، وبغيره عن المبادئ التي أشرنا إليها...
المهم: أنّ ملاحظة ممارساته التطبيقية تدلّنا بوضوح على هذا المعنى على نحو ما سنلاحظه عند حديثنا عن تعامله مع السند، ومنه: تعامله مع السند قبالة المرجّحات الأُخرى، حيث يجيء التوكّؤ عليه ثانوياً، وهو ما لاحظنا مثلاً في الممارسة السابقة
التي رجّح بها أخبار الرجوع بالهبة نظراً ( لأصحيّته )... ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ممارسة أُخرى طالما استشهدنا بموضوعاتها المتنوعة، وهي: الممارسة المتّصلة بمنجّزات المريض، وصله ذلك بالأصل أو الثلث حيث رجّح بجملة مرجّحات: جهتين ومضمونين... إلى آخره، بالإضافة إلى المرجّحات الصدروية ( السندية ) حيث قال: ( ومن حيث المرجّحات الداخلية، فللأقوائيّتها سنداً من حيث اشتمالها على الحسن كالصحيح والموثّق... إلى آخره.
ليس هذا فحسب، بل إنّه حشد سائر ما يعتقده من الاعتبارات السندية مثل قوله: ( والمشتمل على من أجمع على صحّة روايته، ومن حيث كون الضعيف منها مجبوراً بالشهرة بخلاف... ) كل ذلك عزّزه بالمرجّح السندي كما لاحظناه.
* * *
هنا قبل أن نختم حديثنا عن تعامل المؤلّف مع المرجّحات بشكل عام، نعتزم الإشارة إلى مجالين:
الأوّل: أن نشير إلى أنّ السيّد اليزدي لم يكتف بالمرجّحات المنصوصة في الأخبار العلاجية، بل يتجاوزها إلى ما يراه مرجّحاً، ومن ذلك مثلاً: ما لاحظناه في الممارسة التي ذهب فيها إلى جواز المرجوع في الهبة، حيث رجّح الأخبار المجوّزة على المانعة لجملة مرجّحات هي ( لأصحيتها، وأكثريّتها، وأظهريّتها ).. فالإشارة إلى الأظهرية تظل متّصلة بالتذوّق الفقهي من حيث استشفاف هذه الدلالة أو تلك.
المهم: نختم حديثنا عن تعامل المؤلّف مع المرجّحات، بالممارسات المطوّلة التي استشهدنا بها قبل أكثر من مرّة، وهي الممارسة المتّصلة بمنجّزات المريض، حيث جاء رفضه للأخبار المصرّحة بالثلث بهذه المرجّحات المتنوّعة التي حشد فيها إلى ما يمكن من الأدلة الترجيحية: (.. وهي أرجح بوجوه بجميع التراجيح: أمّا من حيث الدلالة: فلأظهريّتها... وأمّا من حيث المرجّحات الداخلية: فلأقوئيّتها من هذه سنداً، من حيث اشتمالها على الحسن كالصحيح، والموثّق، والمشتمل على مَن أجمع على صحّة رواته، ومن حيث الضعيف لها مجبور بالشهرة بخلاف هذه. وأمّا من حيث المضمون: فلتأييدها القاعدة القطعية المستفادة من الكتاب والسنّة، بل العقل والإجماع. وأمّا من حيث المرجّحات الخارجية: فلموافتها الشهرة القديمة،
والإجماعات المنقولة، ومخالفتها لما عليه جميع العامّة... ).
من الواضح أنّ حشد هذه المرجّحات دون أن يترك أحدها بهذا النحو: يعدّ ممارسة موسومة بالبراعة والدقّة والشمولية للظاهرة بكل متطلّباتها.
* * *
التعامل مع السند يتّخذ عند اليزدي منهجاً خاصّاً، من حيث اعتماده على الرواية، إلى درجة يطمئنّ خلالها إلى أنّ غالبية المأثور من الروايات تتسم بالاعتبار، بغض النظر عن درجة ذلك، حتى أنّه، انطلاقاً ممّا ألمحنا إليه أكثر من مرّة، بأنّ السيّد اليزدي يتعامل مع النص من خلال المقولة، أو المبدأ القائل بأنّ الجمع الدلالي هو أولى من الطرح، غير أنّ هذا المبدأ - كما هو ملاحَظ - قد يغالي فيه البعض إلى درجة أن يؤوّل الخبر مثلاً على خلاف الظاهر منه، حتى أنّ بعض الأخبار ( نصّ ) واضح في دلالته وليس ( ظاهراً ) فحسب، ومع ذلك يرتكب بشأنه من التأويلات ما ليس بمقبول... هذا بالنسبة إلى فقهاء متنوّعين، ولكن بالنسبة إلى اليزدي، فإنّ الاهتمام الزائد بمبدأ عدم طرح الرواية، يقتاده إلى أن يتجاوز مجرّد الدلالة إلى ( السند ) بحيث يصرّح مثلاً في إحدى ممارساته قائلاً: ( الجمع الدلالي مقدّم على الترجيح السندي )، بمعنى: أنّ الخبرين إذا تضاربا وكان أحدهما ضعيفاً ولكن يمكن حمله من خلال حمله مثلاً على الندب أو الكراهة، مقدّم على ترجيح الأوّل المعتمد شهرةً قبالة الثاني المخدوش سنداً، قال ذلك تعقيباً على الأقوال المختلفة في باب الربا، لبيع الرطب من الأشياء باليابس منها، حيث حمل المانعة على الكراهة بقرائن متنوّعة، وعقّب بكلامه المذكور..
بيد أنّ هذا لا يعني أنّ مطلق الضعيف مقبول عند اليزدي بقدر ما تفرضه سياقات متنوعة، منها: السياق المذكور ومنها ( وهذا هو الأهم ): السياقات التي يقترن فيها الخبر بأحد مبادئ التوثيق، مثل: العمل به عند الأصحاب، ومثل: تصحيح ما يصح منه، ومثل: مراسيل البعض... إلى آخره، ومنها: إذا كان متوافقاً مع جوهر الشريعة،... ولسوف نستشهد بأمثلة هذه النماذج بعد سطور... لكن ينبغي ألاّ نلقي بلومنا كثيراً على أمثلة هؤلاء المتساهلين في السند، قبالة المتشدّدين منهم قديماً وحديثاً، بخاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار: أنّ المتشدّدين أنفسهم في نهاية المطاف لا يلوون عن الخبر الضعيف إلاّ نادراً، وإلاّ فإنهم يدخلون إلى مداخل متنوّعة للعمل به بشكل أو
بآخر، ولعلّ في نهاية المطاف يجعلونه ( مؤيّد ) أو ( معزّز ) لرواية معتبرة أو لأصل يعتمدونه... إلى آخره، أو حينما يسقطونه أساساً ويتّجهون إلى ( العموم الفوقي ) نجد أنّ هذا ( العموم ) نفسه يتساوق مع مضمون الخبر الضعيف، وتكون النتيجة هي: العمل بالخبر الضعيف حتى بالنسبة إلى المتشدّد من الفقهاء... وأمّا في حالة مَن عرف باحتياطاته في الفتوى، وتشدّده في السند من خلال رفضه للضعيف، يعمل بدوره في نهاية المطاف بهذا العمل: متوكّئاً على ( الأحوط ) في العمل به... وهكذا.
والحق: بما أنّ الوجدان يحكم بأنّ الثقة وغير الثقة، يشتركان في إمكانية الصدور عن الخبر المعتبر؛ لأنّ الكاذب مثلاً لا يعني أنّه كذّاب في جميع كلامه بقدر ما يتسلّل الكذب إلى قسم منه: عدا ما أشار إليه المعصومون ( عليهم السلام ) إلى أسمائهم، وأمرونا بعدم الأخذ عنهم.. بالإضافة إلى التجربة الفقهية ذاتها تدلنا على الحقيقة المتقدّمة، حيث إنّ عشرات الأخبار الضعيفة متوافقة تماماً مع الأخبار المعتبرة في مضامينها، ولا نعدم فقيهاً، يريد الاستشهاد بالنصوص على دعم وجهة نظره، الفقهية إلاّ يسوق جميع أو غالبية الأخبار المتّصلة بموضوع بحثه وفيها: المعتبر وغير المعتبر، وإلاّ لما حق له أن يستشهد بغير المعتبر، وما هذا إلاّ ويعني: أنّ إمكانية أن يكون الضعيف - بحسب المعايير الرجالية - معتبراً بما قدّمناه، أمراً لا ضرورة للتشكيك به..
على أيّة حال؛ بالنسبة إلى (السيّد اليزدي ) فإنّ عمله بالضعيف من الخبر يظل - كما أشرنا - متوكئاً على العمل به لدى الفقهاء، وخاصّة إذا كان مشهوراً، أي: أنّه يعمل بالضعيف سواء أكان العامل به قليلين أو كثيرين بحيث يصبح العمل به أو الفتوى المتوكئة عليه: مشهورة.
وإليك نماذج من ممارسات اليزدي في هذا الحقل:
- ( الأقوى هو القول الأوّل للأخبار المتجسّدة بعمل المشهور ) باب الخمس.
- ( إلاّ أنّه منجبر بالعمل ) الخمس.
- ( المنجبر بالشهرة، ورواية محمد بن محبوب الذي هو من أصحاب الإجماع ) منجّزات المريض.
- ( الصحيح إلى صفوان الذي هو من أصحاب الإجماع عند بعض أصحابنا ) منجّزات المريض.
- ففي حسن سليمان... الطويل... وفي مرسل محمد بن الصباح... وقد عمل بهما الأصحاب ) منجّزات المريض.
هذه النماذج الخمسة، عدا السادس، تفصح بوضوح عن نمط تعامل اليزدي مع الأخبار غير المعتبرة، فحيناً يتوكّأ على مصطلح ( المنجبر بعمل المشهور، وحيناً المنجبر بالعمل، وحيناً المنجبر بالشهرة، وحيناً على أحد أصحاب الإجماع في ( مرسل ) صفوان، وحيناً - وهذا ما يلفت النظر - يضيف إلى ( الرواية المرسلة ) الرواية الحسنة: كما لوحظ في الممارسة السادسة.
طبيعياً، إنّ الحسن والموثّق لا يمكن بحالٍ أن يكتسبا قوّة بعمل المشهور بهما؛ لأنّهما مستقلاّن في الاعتبار كما هو واضح، بل كما ملاحظ في كثير من ممارسات (السيّد اليزدي ) ذاته عندما يستشهد بـ ( الحسن ) بصفته معتبراً... ولعلّ ذلك، أي عدّه ( الحسن ) منجبراً بالعمل، مجرّد تأكيد لإثبات وجهة نظره الفقهية.
وأيّاً كان فإنّ الضعيف برواية، والضعيف بإرساله، يجد له جابر ) من خلال عمل المشهور، وأصحاب الإجماع... إلى آخره.
لكن هل يعني هنا أنّ ( اليزدي ) يعمل بالرواية غير المعتبرة حتى لو لم ينجبر بالعمل؟ طبعاً لا، إلاّ في حالات نادرة كما لحظناه بالنسبة إلى إيثاره العمل بالخبرين المتضاربين، إذا كان الإمكان إلى جمعهما متاحاً، حينئذٍ إذا كان أحدهما ضعيفاً، فالعمل به متعيّن قبالة عدم ترجيح الآخر الأصح سنداً.
خارجاً عن ذلك يمكننا أن نستشهد بنماذج من ممارساته التي يرفض بها الرواية غير المعتبرة، إمّا من خلال التصريح بالرفض، أو في حالة السكوت عن التعليق عليها، مع ملاحظة أنّ الرفض يتخذ بطبيعة الحال مسارات متنوّعة، منها:
- عدم جبرانه بالعمل، هذا من نحو على خبر يقرّر بأنّ المرأة تبيّن بالوضع الأوّل عن زوجها وليس بالثاني، قائلاً: ( وفيه: أنّه ضعيف، ولا جابر له )... ومن ذلك:
- عدم اعتباره حتى لو كان معتبراً، إلاّ أنّه معرض عنه، وهو المبدأ الحديثي الذي يقرّر بأنّ الخبر إذا كان ضعيفاً وعمل به يجبر، وإن كان قويّاً ولم يعمل به يهجر، وهذا ما تمكن ملاحظته في الممارسة الآتية: ( وما في صحيح سليمان بن خالد من أنّها شهران
فشاذّ لا عامل به ) عقّب به على مدّة الأمَة المحدّدة بخمسة وأربعين... ومنها:
- المظان الروائية المشكوك نسبتها إلى أصحابها، مثل:
( الفقه الرضوي ) الذي يتفاوت فقهاؤنا في تقبّله أو عدم ذلك، حيث يبدو أنّ السيّد اليزدي هو من النمط الآخر، وهذا ما نلحظه في جملة ممارسات منها: تعقيبه على الوصية بأكثر من الثلث، حيث قال عنه: ( لا وجه للتمسّك... لعدم ثبوت خبرية الرضوي، فضلاً عن حُجّيته ). وفي مكان آخر من الموضوع ذاته يقول: ( مضافاً إلى أنّ الرضوي غير ثابت الحجّة، بل لم يثبت كونه خبر ).
واضح من هذين التعقيبين أنّ السيّد اليزدي معرض تماماً عن المصدر المذكور، حيث ذهب إلى عدم كونه خبراً، فكيف بحُجّية ذلك.. هذا ويقتضينا الإنصاف أن نحتمل بأنّ الفقه الرضوي - هو من إملاء الإمام (عليه السلام)، وتكلّف بصياغة مضموناته أحد المعنيّين بهذا الشأن.
وبغضّ النظر عن ذلك، نتابع ممارسات اليزدي عبر رفضه العمل بالخبر الضعيف، ومنها:
- تشخيصه لنمط الضعيف من حيث الرواة: كالإمامي والعامي، ومثل مذاهبهم:
مثل واقفيّة الراوي، أو فطحيّته، أو... إلى آخره.
وفي هذا السياق يقف مثلاً عند أحد موضوعات الربا، ورواية غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)، ويقف عند خبر ( نبوي ) من طرق العامّة، فيعقّب: ( النبوي عامّي ضعيف، ولم يثبت كون غياث موثّقاً، وهو بتري ).. هنا ينبغي الانتباه على تعقيب اليزدي، بالنسبة إلى خبر غياث من حيث عدم ثبوت كونه موثّقاً، يتنافى مع قوله من الراوي المذكور عبر استشهاده بالنصوص، قائلاً: ( واستدلّ على أصل الحكم... بالنبوي العامّي... وبموثّق غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام)... إلى آخره )... والمفروض هنا أن يقول ( وبخبر إبراهيم... ) حتى يتناسب تشكيكه بوثاقة الراوي مع المصطلح الذي يستخدمه، وإلاّ كيف يصفه بـ ( الموثّق ) ويضعّفه بتبرئه صاحبه؟ إلاّ في حالة كونه يعتقد بأنّ ( الصحيح ) هو المعتبر، بخلاف ( الحسن ) و( الموثّق ) حيث يعتبرهما مع ( الضعيف )، وهو ما لاحظناه في ممارسةٍ سابقة.
إنّ ما تقدّم يجسّد ممارسات للسيّد (اليزدي ) في سياقات تتّصل بالخبر من حيث
تضاربه الظاهري والباطني، ومن حيث سنده، والآن نتّجه إلى تعامله مع الدلالة، فماذا نجد؟
* * *
يتعامل المؤلّف مع ( دلالة ) الخبر وفقاً للسياق الذي ترد الممارسة خلالها، فقد يتطلّب الأمر مجرّد الاستشهاد بالخبر دون أن يقترن الكلام بتفسيره أو تأويله أو استخلاص كوامنه، وقد يتطلّب ذلك جميعاً... ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد بالممارسات الواضحة في هذا الميدان، بقدر ما يجدر بنا أن نستشهد بأحد ممارسات ( اليزدي ) المطوّلة، حيث ترشح النصوص الخبرية بإمكاناتٍ متنوّعة من التأويل، بحيث يخلع عليها الفقيه بحسب خلفيّته الثقافية: التفسير الذي يتناسب وخبرته التذوّقية.
المهم: يحسن بنا أن نستشهد بإحدى ممارسات اليزدي المتّصلة بالوصيّة التبرّعية، حيث يستهلّ الممارسة بهذا النحو: ( أمّا الوصيّة التبرّعية فلا إشكال في أنّها من الثلث ). وبعد أن يذكر عدم الخلاف إلاّ ممّا نسب إلى أحدهم ويناقش ذلك ( وسنستشهد بهذا بعد قليل ) يقول: ( ويدلّنا على المطلب، مضافاً إلى ما ذكر من النصوص المستفيضة أو المتواترة التي يمنعنا عن ذكرها وضوح المسألة إلى الغاية، نعم بإزائها نصوص أُخر )... فهنا لم يستشهد اليزدي حتى بخبر واحد كما لاحظنا، وإن كنّا في سياقات أُخرى نجده يستند ربّما بأكثر من عشرة نصوص لا ضرورة لهذا العدد منها، والمهم: نستهدف الإشارة الآن إلى تعامل اليزدي مع النصوص من خلال عملية التذوّق لدلالتها، بخاصّة حينما يريد الردّ على النصوص المخالفة لوجهة نظره الفقهية، ومنها ما نحن الآن فيه، حيث يستشهد بنصوص متنوّعة، منها: الخبر رقم (1 ) حيث يقول: ( الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح، إن أوصى به كلّه فهو جائز )، ويقول عن الخبر رقم (2 ): ( أوصى رجل بتركته متاع وغير ذلك ( كذا ) لأبي محمد (عليه السلام)، فكتب إليه (عليه السلام) رجل أوصى إليّ بجميع ما خلّف لك، وخلّف ابنتي أُخت له، فرأيك في ذلك. فكتب إليّ: بع ما خلّف وابعث به إليّ )... واستشهد بخبر ثالث: ( فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله، ويلزم الوصيّ إنقاذ وصيّته... ). هذه النصوص الثلاثة هي المادة التي يتعامل اليزدي من خلالها، بما تقدّم توضيحه، والمهمّ: كيفيّة استخلاصه لدلالتها، أمّا أحدها ( وهو خبر الرضوي ) فيدعه لعدم حجيته، وأمّا الخبر الأوّل فيقول
فيه، قضيّة في واقعة غير معلوم الوجه، فيحتمل أن يكون من جهة إجازة الوارث، ويحتمل أن يكون من باب كون الوارث مخالفاً يمكن منعه من الإرث، ويحتمل أنّ الإمام (عليه السلام) طلب المال لأخذ الثلث وردّ الباقي، ويحتمل أن يكون ذلك أخذه من باب الولاية بصفة الوارث، ويحتمل اختصاصه (عليه السلام) بهذا الحكم إلى غير ذلك )، لنلاحظ بدقّة: ظاهر الخبر المتقدّم الذي ترشح بدلالة هي: الوصيّة بجميع المال لا الثلث... ( لكن السيّد اليزدي، وهو يحرص كلّ الحرص على عدم طرح الخبر، كما قلنا في بداية حديثنا عن ممارساته: بأنّه من الفقهاء المعنيين بالعمل بالخبر مهما أمكن، ولا يطرح إلاّ بعد أن يستنفد الفقيه كل إمكانات تأويله أو ائتلافه مع الأخبار الأُخرى، حتى أنّنا لاحظناه - كما أشرنا - قائلاً: بأنّ الجمع بين الخبرين مقدّم على الترجيح السندي... المهم: أنّ حرصه على أن يبرهن بأنّ الخبر المذكور لا يتعارض مع أخبار الثلث، نجده يتقدّم باحتمالات متنوّعة، منها: إجازة الوارث، ومنها: كونه مخالفاً لا إرث له، ومنها: أخذ الإمام (عليه السلام) للمال: ثلثه وردّ الباقي، ومنها: أخذه (عليه السلام) من باب الولاية على الصغير، ومنها: اختصاص الإمام (عليه السلام) دون سواه بهذا الحكم، إلى غير ذلك...
إنّ أمثلة هذه الاحتمالات تصبح ملفتة للأنظار، وهي تحمل قابليّة الصحّة، كما تحمل قابليّة استبعاد ذلك، لكن الاستخلاص لهذه المحامل أيّاً كان نمطها يظلّ موضع تسجيل للسيّد اليزدي.
* * *
يبدو أنّ ( السيّد اليزدي ) عبر حرصه على التعامل مع النصوص، من خلال عدم طرحها ما وجد إلى ذلك سبيلاً، قد سحبه أيضاًَ على تعامله على ( الأقوال ) الفقهية، مع ملاحظة أنّ النص الفقهي للفقيه، يختلف عن النص للمعصوم (عليه السلام)، لكن مع ذلك، فإنّ السيّد اليزدي يحاول في سياقات خاصّة بطبيعة الحال وليس مطلقاً... وإلاّ في الحالات العامّة فإنّ اليزدي يتعامل مع الأقوال بنحو عادي، كأن يرفضها أو يقبلها مستدلاًّ عليها بما هو واضح من الأدلة، في حالة ما إذا كانت الحاجة تستلزم ذلك... ولا نجد ثمّة ضرورة للاستشهاد بنمط تعامل اليزدي مع الأقوال الفقهية، بقدر ما نعتزم تقديم نموذج من الممارسات التي تتّسم بالحرص على حمل ( الأقوال ) حملاً يتوافق مع
وجهة نظره التي انتهى إليها فقهياً، ويحسن بنا أن نستشهد بنفس الموضوع الخاص بالوصيّة التبرّعية التي استشهدنا بنصوصها المخالفة، ولاحظنا الاحتمالات المتنوّعة التي صدر عنها المؤلّف في توجيه الخبر واستخلاص دلالته...
وبالنسبة إلى توجيه ( القول ) نجده يبذل طاقة ليست عادية في هذا المجال... أنّه - كما لا حظنا في استهلاله للوصيّة التبرّعية يقول: ( أمّا الوصيّة التبرعية فلا إشكال في أنّها من الثلث، بل لا خلاف فيه إلاّ ما يحكى عن علي بن بابويه )، ثم يقول: ( إنّ مخالفته غير محقّقه ).. هنا لكي يدلّل على كون مخالفة غير محقّقة، حيث إنّ السيّد اليزدي استشهد بالإجماع المنقول وبالمحصّل على أنّ المسألة غير خلافية، وحينئذٍ انطلاقاً من حرصه على عدم الخلاف فعلاً؛ نجده يقطع مراحل من التوجيه لجعل العبارة التي نقلت عنه غير صائبة... إذن: لنقرأ: ( عبارته المحكيّة عنه غير صريحة، قال: فإن أوصى بالثلث فهو الغاية من الوصية، وإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعله... ) هنا يتقدّم اليزدي بعملية التوجيه فيقول: ( يمكن أن يكون المراد من قوله ( وإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم ) إنّه يردّ وصيّته إليه ولا يقبل منه سيّما بعد قوله: ( فهو الغاية في الوصيّة )، مشيراً به إلى الثلث، وحينئذٍ يكون قوله بإلزام الوصي تنفيذ الوصيّة مستأنفاً، ويمكن حمله على الوصيّة بالواجب المالي حيث إنّه يخرج من الأصل ). والأولى في توجيه كلامه أن يقال: إنّ مراده صورة الجهل بكون الوصيّة تبرعية، أو لكون ذمته مشغولة، وحينئذٍ يحمل على الصحيح وينفّذ في تمام المال لإطلاقات أدلّة وجوب العمل بالوصيّة، وأنّه مَن بدّله بعد ما سمعه فإنّما إثمه على الذين يبدّلونه، فلا يكون مراده أنّ الوصيّة المعلوم كونها تبرّعية أيضاً تنفّذ في تمام المال، ويؤيّد هذا قوله: ( فهو أعلم بما فعل ).. وممّا يؤيّد عدم إرادته من العبارة المذكورة ما نسب إليه: عدم نقل ولده عن ذلك، وتصريحه بجواز الوصيّة بالزائد عن الثلث من غير إشارة إلى خلاف والده )، بل عنه في المقنعة أنّه رُوي عن الصادق (عليه السلام) أنّه سُئل عن رجل أوصى بماله في سبيل الله عزّ وجلّ، فقال: ( اجعله إلى مَن أوصى له به، وإن كان يهوديّاً أو نصرانيّاً؛ فإنّ الله عزّ وجلّ... إلى آخره ).
استشهدنا بهذا النص الطويل، للتدليل على حرص ( اليزدي ) على جعل كلامه من باب أنّ المسألة إجماعيّة لا خلاف فيها: يستتبع أمثلة ما لاحظناه من المحامل والتوجيهات، حتى وصل خلاف الوالد، يظلّ أمراً يدعم به وجهة نظره.
وأنّه لم ينقل خلاف الولد... إلى آخره، فضلاً عمّا لاحظناه من التوجيهات المتنوّعة لصياغة الكلام المنقول عن ابن بابويه..
وفي تصوّرنا أنّ أمثلة هذا الحرص على توجيه ( القول ) له أهميّة في سياقات خاصّة، وحيناً لا ضرورة له بخاصة أنّ السيّد اليزدي ذكر في صدر ممارسته بأنّ الإجماع لا خدشة فيه، مع معرفة المخالف وحصره في الشخصية المذكورة وحدها...
* * *
بالنسبة إلى تعامل المؤلّف مع ظاهرة ( الاحتياط ) تظل الظاهرة ظاهرة في ممارساته، بحيث تحفل بعبارة ( الأحوط )، وأحياناً يتجاوز الأحوط إلى الأحوط منه ثانية، ممّا يفصح بوضوح عن مدى تحفّظه حيال الحكم إذا كان مصحوباً بعدم اليقين أو الظن...
ويمكننا ملاحظة تعدّد ( الأحوط ) لديه في ممارسات متنوّعة، منها:
- في ممارسته لشرط القبول في الوقف، يشير إلى أقوال ثلاثة، أحدها الشرط، والآخر عدمه، والثالث التفصيل بين الأوقاف الخاصّة والعامّة، معقّباً على ذلك: ( الأحوط: التفصيل، وأحوط منه: القبول مطلق )... ومنها: مع ملاحظة مهمّة هي: أنّه في صدر الممارسة يقول: ( الأقوى: عدم الاشتراط ) ولكنّه بالرغم من ذلك يحتاط تفصيلاً أو الأحوط مطلقاً..
ومنها:
- أيضاً نجده في باب الربا يصدّر فتواه بعبارة: ( الأقوى عدم إلحاق الشرط بالجزاء من إيجاب الربا ).. ثم يتّجه إلى الأحوط أوّلاً (... لكن الأحوط: المنع... وأحوط من ذلك إلحاقه به مطلقاً )..
ومن باب الربا أيضاً بالنسبة إلى الجاهل والعالم بحرمة الربا: ( الأقوى جواز العمل به، وإن كان الأحوط، الرد مع كونه موجوداً إذا عرف مالكه... وأحوط من ذلك ما ذكره المتأخّرون... ) إنّنا إذ نستشهد بهذه الأمثلة مع أنّ أحدها كافٍ لتوضيح الظاهرة، إلاّ أنّنا استهدفنا لفت النظر إلى حجم احتياطاته، حيث يعدّدها ولا يكتفي باحتياط واحد...
خارجاً عن ذلك، ينبغي لفت النظر أيضاً إلى أنّه في حالات أو سياقات خاصّة، قد يمارس سلوكاً مضادّاً للاحتياط عندما يناقش أقوال الآخرين، وعندما يجد بعضها يتوكّأ
على الاحتياط في غير محلّه، وهذا ما يمكننا أن نلاحظه في ردّه على صاحب الجواهر عبر ذهابه إلى أنّ حِداد المرأة شرط في صحّة العدّة، وأنّ القاعدة الذاهبة إلى وجوب الشيء في الشيء: تتكيّف كذلك، حيث أجاب السيّد اليزدي على ذلك بقوله: ( وفيه: إنّ الاحتياط غير واجب، والتعليل لا يدل على الشرط... إلى آخره ).
إذن: بقدر ما يتّجه إلى الاحتياط المتعدّد، من الممكن ألاّ يقتنع به إذا كان في غير ما هو مسوّغ ومقبول.
خارجاً عن هذين النمطين من الاحتياط من جانب، ورفضه من الجانب الآخر... نجد مستوىً ثالثاً من التعامل مع الاحتياط هو: اللجوء إليه حتى بعد قناعته بما هو أقوى، كما لاحظنا ذلك في أحد النماذج، وكما نلحظه في النموذج الآتي:
- ذكر في باب القضاء في إمكانية وصيّ اليتيم أن يصبح قاضياً بمصالحه، ذكر تولّيه أحدها لا يجوّز ذلك، وعقّب: ( وما ذكره هو الأحوط، ولكنّه الأقوى الأوّل من نفوذ حكمه... ).
ومنها:
- هناك نمط رابع من تعامله مع ( الأحوط ) قبالة قناعته بمبادئ حديثية تتّصل ( بالمشهور ) الذي لاحظنا مدى ركونه إليه، وأمثلة ذلك من أدلّة ثانوية: كالاستصحاب وسواه، حيث نجده ينتخب ما هو ( أحوط ) بالرغم من قناعته بأقوائيّة أو أظهريّة مبدئه الاستدلالي، وهذا ما نحو ما ذكره مثلاً في مسألة عدّة الأمة: ( المشهور أقوى ) وإن كان الأحوط ما ذكره الجماعة... ).
فالملاحظ هنا: أنّ إيمان السيّد اليزدي بالشهرة أمراً بالغ الوضوح، ولكنّه - مع ذلك - يخالف المشهور، أو قد يخالفه في سياقات أُخرى لاحظناها في فقرات متقدّمة من البحث )، ومن ثمّ: يتّجه إلى ( الأحوط )...
وهناك نمط آخر من الممارسة المتّصلة بالاحتياط، وهي: اندماج ( الأحوط ) مع المبدأ الأصوليّ كالاستصحاب مثلاً، وهذا ما يمكن ملاحظته في مسألة عدّة الأمَة أيضاً، حيث يعقّب على الظاهرة المبحوثة قبوله ( لكن مقتضى الاحتياط ) بل والاستصحاب: العدّة.
* * *
المرونة أو الاعتدال أو العناية بالجوهر، مضافاً إلى ارتياد السهولة، ونفي الحرج والعسر، تظل من الأُمور التي يمكن ملاحظتها لدى اليزدي بالرغم من مشاهدتنا في مواقف خاصّة أو عامّة: تشدّداً أو قناعة تامّة إلى الالتزام بالمشهور، أو تشدّد في العمل بالخبر بدلاً من طرحه، أو الإيغال اللغوي الذي لاحظناه في سطور سابقة... لكنّه في الآن ذاته نجد أنّ هذا الفقيه يتوكّأ على يسر الشريعة وسهولتها، أيّ يتوكأ - على نطاق الممارسات الفقهية - على ما هو يجسّد ( مرونة ) وجوهراً وبساطة... إلى آخره.
هذا الموقف يمكننا ملاحظته في مواقع متنوّعة من ممارسات، منها مثلاً فيما يتّصل بقوله: الجمع أولى من طرح الخبر حتى أنّه فضّل الجمع الدلالي على الترجيح السندي؛ إيماناً بالمقولة المذكورة... لكن لنقف عند هذه العبارة الملفتة للنظر - بالقياس إلى طبيعة ممارساته - حيث يعقّب على موضوع في باب الربا، على مجموعة ما طرحه الفقهاء من محامل متنوّعة للموضوع، ممّا دفعه إلى أن يصرّح بوجوههم قائلاً: ( إنّ طرح الخبر أولى من حمله على هذه المحامل )... واضح أنّ هذه الصرخة قد يتعجّب منها الملاحظ لممارسات اليزدي، بحمل الخبر على محامل متنوّعة، ولكن - كما قلنا - عندما يصل الأمر إلى حدوده غير المعقولة، ينتفض على مقولة: الجمع أولى من الطرح بنحوٍ مطلق.
ويمكننا ملاحظة أمثلة هذه الصرخة متحقّقة في عدّة ممارسات، منها: ما طرحه الفقهاء بالنسبة إلى صيغة الكلام في المعاملات من حيث الفصحى وعدمها، ومن حيث إمكانيّة النطق وعدمه، ومن حيث الاستخدام المجازي للكلام أو الحقيقي... إلى آخره، حيث يعرض هنا هذه الأقوال، ويعقّب قائلاً: ( إنّ ما ذكره الفقهاء في المقام من التكلّم في خصوصيّات الألفاظ، تطويل لا طائل تحته، فاستقم )... قال اليزدي هذا الكلام تعقيباً على ما ذكرناه، والطريف في الأمر أنّ اليزدي - كما لاحظناه في حقل اللغويات معنيّاً كلّ العناية بالألفاظ ومدلولاتها الدقيقة، ولكنّه هنا - والحق معه دون أدنى شك - يجد أنّ الأمر قد تجاوز حدّه لدرجة أن يبحث الفقهاء خلالها هل تؤثِّر العبارة المجازية على أنّ الحقيقية أو لا... إلى آخره، مع أنّ النصوص الشرعية ساكتة عن هذه المستويات من الأخذ والردّ... إلى آخره، والطريف أيضاً أنّه استعان بالآية القرآنية الكريمة ( فاستقم )؛ ليعبّر عن ذلك بضرورة ألاّ يتجاوز الإنسان حدوده
المرسومة له، وأن يكتفي بما أُمر به من التوصيات الشرعية في مقام الاستدلال.
* * *
أخيراً يحسن بنا أن ننقل إلى القارئ نموذجاً ثالثاً، ونموذجاً رابعاً، لهما أهميّتهما في تحدّيه شخصيات الفقهاء أو أمزجتهم في صياغة الأحكام الشرعية.. ولنستمع إليه - وهو يلوم الفقهاء في ما يفهم لتضييق الأحكام في هذا الوقف، يقول: ( إنّ العلماء بالغوا في تضييق أمر الوقف، على أنّه ليس بهذا الضيق، إذ لا يستفاد من الأخبار الدالّة على عدم جواز بيعه إلاّ عدم جواز ذلك بمثل سائر الأملاك، والقدر المتيقّن من الإجماع أيضاً هو ذلك.. ) لقد اختصر السيّد اليزدي المسافة، وقرّر بكل بساطة أنّ مسألة الوقف وبيعه مثل سائر الظواهر الفقهية، وأنّ النصوص المحدّدة للحكم لا تتجاوز الإشارة إلى عدم الجواز فحسب..
وإذا تركنا هذه المستويات من اللوم على الفقهاء المتشدّدين، أو المبالغين في صياغة الأدلة والأحكام، نواجه صرخة جديدة هي أشد الصرخات حدّة، حيث يعقّب على الأبحاث المعروفة في ميدان الإجازة الكاشفة أو الناقلة بالنسبة إلى الفضولي، قائلاً: ( لعمري إنّ التشبّث بهذه الوجوه في الأحكام الشرعية، مخرّب للفقه، فينبغي عدم الاعتبار بها... ) إنّ هذا التصريح يجسّد قمّة التصريحات الناعية على الفقهاء - في بعض نماذجهم - أساليبهم غير المتّسمة بالصواب أو البناء، بل متّسمة بالتخريب، كما هو رأي السيّد اليزدي.
* * *
وبعد، كان بودّنا أن نتحدث عن تعامل السيّد اليزدي مع سائر أدوات التعامل في ممارساته الفقهية: سواء أكان ذلك في ميدان التعامل مع الأدلة الرئيسة: من الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل. أو الأدلة الثانوية وفي مقدّمتها: الأُصول العملية، إلاّ أنّ المجال لم يسمح لنا بذلك، مكتفين بما لاحظناه من تعامله مع الأخبار دلالةً وسنداً، ونسأله تعالى أن يوفّقنا لخدمة الإسلام.
جانب من أخلاقه وطباعه
كان على جانبٍ كبيرٍ من التقوى والورع عن محارم الله، بل كان محاكياً المعصوم في فعله، ملتفتاً حتى للنكات الدقيقة والصغيرة في مقام العمل، مراعياً لها، سالكاً جادّة الاحتياط، مصداق قوله تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (1) ، وفرداً جليّاً لقوله تعالى:( يَرْفَع اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (2) ، وقد حصّل تلك الدرجات الموعودة له ولأمثاله من العلماء(3) .
كان محبّاً للخير وليشمل عامة الناس، وأهل العلم خاصة، فكان يبذل أقصى جهده لقضاء حوائج الناس ومرتادي مجلسه، ويهتم جدّاً بمساعدة الفقراء والمحتاجين وإسعافهم مادياً، قاضياً لحوائجهم، متفانياً في ردّ مظالمهم.
كان على جانبٍ عالٍ من التواضع، بحيث إنّه كان يعدّ نفسه كأحد الجالسين معه، ولا يستشعر في نفسه كبراً أو أنفة عن البحث والتباحث في أي مسألة، ولو كان المسائل له أقل الطلبة(4) .
أمّا تصرّفه مع القادة الإنكليز عند زيارتهم له، ومنهم السير برسي كوكس فكان زائره يجلس على الحصير المتقطّع المتلاشي، ويبقى بالانتظار مدّة إلى أن يخرج السيد ثم يجلس معه قليلاً ويقوم قبل زائره، ولا يكلّمه إلاّ بضع كلمات(5) .
لم يحضر السيد اليزدي تشييع جثمان أُستاذه المجدِّد الشيرازي، إذ كان في مسجد السهلة مشغولاً بكتابة تعاليقه العلمية على كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري، ولشدّة اهتمامه بهذا البحث لم تسمح له الفرصة بالاشتراك في التشييع، كما لم يصنع مجلس فاتحة، وقد عزا بعضهم هذا التصرّف إلى أنّه لم يتصدّ للمرجعية؛ إذ تعارف رجال العلم
____________________
(1) سورة العنكبوت، الآية 69.
(2) سورة المجادلة، الآية 11.
(3) مقدّمة كتاب التعارض ص 8.
(4) مقدّمة كتاب التعارض ص 8.
(5) مذكّرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الملحق رقم ( 1 ).
بأنّ مَن يصلّي على المرجع المتوفّى يخلفه في المرجعية، ورغم ذلك فقد قلّده كثير من العوام(1) .
وقد كان كثيراً ما يتذكّر جذوره العائلية وانحداره الفلاّحي، ومعاناته في إعالة ما ترك والده من أعباء ثقيلة، وانصهاره في ميدان العمل، ثم مواصلته لطلب العلم ووصوله إلى هذا المنصب الروحي، ويذكر بعضها لخواصّه من الطلبة، وأن يتحمّلوا المصاعب ويجتازوا المحن والعوز والحاجة من أجل الهدف الأسمى، سيّما وأنّ ظروفهم أفضل من الظروف التي عاشها، ويختم حديثه دائماً بقوله: ( كوشي مدي أغا زاده ) أي: اعتبروا يا أبناء السادة، اسمع يا بن السيّد.
كان قويّ الشخصية، صلب الإرادة، صعب المراس، شديد الشكيمة، في غاية الحذر، وسوء الظن، لا يُغرّ ولا يُخدع...(2) ، صبوراً أمام عاديات الزمن، وشدائد الأيام فيبدو أمامها صلباً لا تهزّه الهزاهز، ولا تلويه الأعاصير، لذا فعندما يسمع بموت أحد أولاده الأربعة، يستلقي ساعة ويلقي على وجهه غطاءاً، ثم يقوم ويشتغل بمهمّاته اليومية كأن لم يكن شيئاً مذكوراً(3) .
كان بعيد النظر، لا ينظر الأُمور بمنظار العاطفة، والانزلاق بمخاطر قد لا يُحمد عقباها، ويصعب تلافيها؛ ولذلك يدقّق في دراسة الموضوع من جميع جوانبه، ليكون رأيه فاصلاً، وعدم التسرّع في إبداء الرأي، وإذا اقتنع فأصدر رأياً - سلباً أو إيجاباً - لم يتنازل عنه، ولا يتأثّر بالظروف والمؤثِّرات، فلم تأخذه في الله لومة لائم.
____________________
(1) انظر: بحث ( مرجعيّته ).
(2) انظر: مذكّرات الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، انظر: الملحق رقم ( 1 ) في آخر الكتاب.
(3) مقدّمة كتاب التعارض ص 9.
أحد مجالس السيد محمد كاظم اليزدي
تصانيفه ومؤلَّفاته
للسيد اليزدي عدّة مؤلَّفات في الفقه وأُصوله، حازت شهرةً طائلةً في الأوساط العلمية، وقد طُبعت وتُرجمت وشُرحت وعُلِّق عليها مرّاتٍ عديدة(1) .
1 - العروة الوثقى فيما يعمّ به البلوى(2) :
رسالة في العبادات للمقلِّدين، فيها فروع كثيرة، جيّدة الترتيب، أفرز فيها كل فرع على حدة بعنوان مسألة، تشمل على 3260 مسألة في: الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج والنكاح، وجعل لأعداد مسائلها أرقاماً، فسهّل التناول والإفادة منها، وأقبل الناس عليها، ونسخت رسالته العملية ( نجاة العباد ).
قال عنها السيد حسن الصدر في ( تكملة أمل الآمل ):
ما نصّه: ( وأحسن مؤلّفاته: العروة الوثقى في الفروع، عملها لعمل مقلِّديه، وهي من أحسن كتب الفروع والمتون الفقهية ).
وقال التقي الآملي في آخر كتابه ( مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى ) ج 1 ما نصّه: (... وله مؤلّفات شائقة أشهرها هذا المؤلّف الشريف ( العروة الوثقى ) الذي لم يسبقه سابق بمثله ولم يلحقه لاحق حتى الآن، ولا يُعلم ما الله سبحانه صانع بعده ).
وقال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في آخر كتابه ( حواشي وتعليقات على العروة الوثقى ) ص 214 - 215، ما نصّه:
( بيان، كان ولا يزال من المعلوم أنّ هذا المؤلّف الجليل العروة الوثقى الذي هو من مفاخر الفقه الجعفري وآياته الزاهية في العصور المتأخّرة.
قد كان السيد الأُستاذ - رضوان الله عليه - شرع فيه في السنة الثانية والعشرين بعد الألف والثلاثمئة، وكان كل يومين أو ثلاث ينتهز من وقته، المستغرق بأشغال المرجعية العظمى، فرصةً يحرّر فيها من هذا الكتاب الورقتين والثلاث بخطه الدقيق يدفعها إليّ
____________________
(1) انظر: بحث الأستاذ رضا أستادي ( به ياد آن عزيز ) في ( المحقق الطباطبائي ص 1299 - 1318 ).
(2) انظر: الذريعة 15 / 252، أعيان الشيعة ط 5 / 14 / 348.
ولأخي آية الله أحمد - تغمّده الله برضوانه - لأجل إصلاح عباراته من حيث العربية، ورفع الركاكة أو التعقيد، والنظر في أدلّة الفروع، ومطابقة الفتوى للدليل، حذراً من أنّ مشغوليّته العظمى أدخلت سهواً عليه في ذلك أو غفلة، ولا يعتمد على غيرنا في هذا الشأن كسائر مهمّاته الأُخرى، وشؤونه من إرجاع المرافعات إلينا وغيرنا، واستمرّ اعتماده مدّة حياته وبعد وفاته حيث جعلنا أوصيائه، ولا تزال وصيّته بخطّه الشريف وخاتمه محفوظة في خزانة أوراقي. وكنّا نستفرغ الوسع ونسهر الليالي في إصلاح العبارات وجعلها بغاية الوضوح والسلامة، بحيث يفهمها حتى العامي والأُمّي، كما ننظر أيضاً في المدارك والأدلّة، ونتذاكر في كل فرعٍ فرع، مع أفاضل ذلك العصر في دارنا الكبرى التي كانت مجتمع الأعلام والأعاظم يومي الخميس والجمعة، ومنهم الآيتان الحجّتان المرحوم ميرزا محمد حسين النائيني قبل أن يصير من المراجع، والشيخ المحقّق وحيد عصره الأُستاذ الشيخ حسن الكربلائي - رضوان الله عليهما - وبعد استفراغ الوسع وسدّ الفراغ نعود إليه - رضوان الله عليه - بما أصلحنا ونتذاكر معه في مجلس خاص، فربّما رجع إلى رأينا في الفتوى وربما أصرّ واستمرّ على رأيه.
وفي السنة الثامنة والعشرين توجّهت إلى بغداد لطبع كتابي ( الدعوة الإسلامية ) الذي حُجز وجرى فيه ما جرى، طلب منّي - تغمّده الله برحمته - أن أشرف على طبعها، وكنّا نطبع الكتابين في مطبعة ( دار السلام ) فطبع الأوّل وسلّم الثاني، وهي الطبعة الأُولى من هذا الكتاب (العروة ) ثم طبع بعدنا ثانياً في نفس تلك المطبعة سنة الثلاثين، وكم من الفرق الواضح بين الطبعتين في الصحّة وغيرها ).
كانت الطبعة الأُولى بالعربية، وطبع معها بعض أبواب المعاملات، كُتبت على الغلاف والصفحة الأُولى هاتين المقطوعتين الشعريتين:
فقيه بيتِ الوحي ما خاب في |
عروته الوثقى مَن استمسكا |
|
فإنّ أهل البيت أدرى بما |
في البيت من أحكامه مدركا |
* * *
كاظم أهل البيت بالعروة الـ |
ـوثقى أتى فاستوجب الشكرا |
|
والناس في الأشياء قد تستوي |
وما استوت علماً ولا خبرا |
|
والشرع بيتٌ للهدى قائمٌ |
والبيت أهلوه به أدرى |
وزيد في الطبعة الثانية كتاب الحج، ولم يتم.
وتُرجمت إلى الفارسية باسم (الغاية القصوى ).
وعلّق عليها بعد وفاته كل مَن نصب نفسه للتقليد، وجملة منها طُبعت مع التعليق، وبذلك تكون قد طُبعت ما يزيد على عشر مرّات، وتوالت الطبعات تزداد حتى يومنا هذا.
وكان ممّن علّق عليها الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، وطُبعت تعليقاته بعنوان: ( حواشي وتعليقات على العروة الوثقى )(1) ، قال في آخرها ص 215، ما نصّه:
( أمّا تعاليقنا هذه عليه فقد كان الأخ المرحوم [ الشيخ أحمد ] قدّس الله سرّه، علّق بخطّه على هامش نسخته حواشي كثيرة من أوّل الكتاب إلى أوائل الزكاة، ويظهر أنّها كانت بصورة مستعجلة لم يعد النظر فيها، مع عظيم ما فيها من التحقيقات المبتكرة التي لم يسبقه إليها سابق، وقد أدرجنا في حواشينا هذه منها ما يوافق رأينا مع بعض الإيضاح والإصلاح، وما عدا تلك الحواشي فهو منّا، أمّا من الزكاة إلى آخر الوصيّة فليس فيها لغيرنا شيء، وكنّا نقلنا إلى البياض من أوّل هذه السنة 1366 هـ، مباحث التقليد ونحن في النجف إلى صلاة القضاء، ثم انحرفت صحّتنا واشتدّت حرارة القيظ علينا فألزمنا الأطبّاء بالاصطياف خارج العراق، واخترنا المكث في بليدة ( كرند ) القريبة من الحدود، فأتممنا هذه التعاليق والحواشي من حين ورودنا إليها وهو آخر شعبان من هذا العام، ومنّ الله علينا بحسن الختام في هذا اليوم وهو السادس من شوّال أوائل شهر آب الرومي، في قصر الأمير صاحب المكارم الأمير احتشام (حفظه الله) وزاد في توفيقه، ولم يكن معنا للمراجعة من الكتب إلاّ عدّة يسيرة، ولكن جاء بعناية الحق مشحوناً بالحقائق العميقة والمباحث العالية، وليس هو قاصراً على الفتوى فقط، بل وعلى الإشارة إلى القواعد والأدلّة التي قد لا توجد في شيء من الكتب المبسوطة، فضلاً عن التعاليق والحواشي، ومَن أراد الوقوف على حقيقة ذلك فليقابل هذه الحواشي بما علّقه أعلام هذا العصر من المراجع فيه وفيما قبله، وحواشيهم المطبوعة على الكتاب أو مستقلّة؛ حتى يتضح له الحال ويظهر الفرق لأهل التميز، والمنّة والفضل لله عَزّ شأنه، ونسأله تعالى ألاّ يضيّع
____________________
(1) ط: المرتضوية - النجف 1366 هـ.
الصفحة الأُولى من كتاب ( العروة الوثقى ) نسخة السيد اليزدي
الصفحة الأخيرة من كتاب ( العروة الوثقى ) نسخة السيد اليزدي
صفحة غلاف ( العروة الوثقى ) - الطبعة الأُولى
أجر العلماء العاملين، ويجعل أعمالنا لوجهه الكريم، وينفعنا بما قدّمنا، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم ).
2 - ملحقات العروة الوثقى:
وهو جزءان في مجلّد واحد، يشتمل على: كتاب الربا، وكتاب العدّة، وكتاب الوكالة، وكتاب الهبة، وكتاب الوقف، وكتاب القضاء، وقد كتب على طريقة الرسائل العمليّة لكن مع النقاش والاستدلال؛ ولأجل هذا يمكن أن يعدّ كتاباً مستقلاً استدلالياً في مقابل الجزء الأوّل الذي هو رسالة عملية محضة، ليس فيها أثر من الاستدلال إلاّ اليسير جدّاً، لكن لمكان كتابته على نسق الرسالة العملية، يعني ذكر المسائل تحت عنوان (مسألة) مع الترقيم أُلحق الجزءان بالجزء الأوّل وسُمّيا باسمه.
3 - الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى:
أصله للسيد اليزدي، في الفروع العمليّة - وقد مرّ -.
ترجم أوائله وجملة من كتاب الصلاة: الشيخ عباس بن محمد رضا القمّي (ت1359هـ)، وترجم البقيّة: السيد أبو القاسم الأصفهاني.
طُبع جميعه ببغداد سنة 1339هـ(1) .
4 - حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري:
طُبعت في إيران بمجلّد كبير(2) . ثم طُبع بثلاثة مجلّدات بتحقيق الشيخ عباس آل سباع القطيفي.
قال فيه التقي الآملي - رحمه الله -: ( يشهد بكثرة تدبّره، وسعة تحقيقه وتدقيقه ما أبرزه في تعليقته على متاجر أُستاذ الأساتيذ الشيخ الأكبر الأنصاري قُدِّس سرّه ).
5 - التعادل والتراجيح:
من مهمّات المسائل الأُصولية، وقد استوفى المسألة حقّها على التفصيل وقد عنون المسألة بالتعادل والترجيح، دون التراجيح. طبع في إيران 1316هـ(3) .
ثم طُبع بقم - إيران بعنوان (التعارض ) بتحقيق الشيخ حلمي عبد الرؤوف السنان،
____________________
(1) الذريعة 16/14.
(2) الذريعة 6/220.
(3) انظر: الذريعة 4/204.
سنة 1426هـ / 2005م.
6 - رسالة في اجتماع الأمر والنهي:
فرغ منها سنة 1300هـ.
طُبع بطهران - إيران سنة 1317هـ(1) ، على الحجر، وتقع في 172 صفحة بالقطع الوزيري.
7 - حاشية على نجاة العباد للشيخ صاحب الجواهر (قُدّس سرّه)(2) :
طُبعت في طهران سنة 1324هـ.
8 - حاشية أنيس التجار: لملاّ مهدي النراقي ، طُبعت في طهران سنة 1317هـ، مع المتن، كما تكرّر طبعها سنة 1327هـ، في 264 صفحة(3) .
9 - طريق النجاة - رسالة عملية (4) :
وهي على طريقة السؤال والجواب ( بالفارسية ).
طُبعت في مطبعة الحكومة في النجف الأشرف سنة 1337هـ، تقع في 40 صفحة، تتضمّن العبادات إلى آخر الخمس، وفي آخرها: الحدود 14 صفحة، فيكون مجموعة صفحاتها 54 صفحة.
10 - حاشية على الجامع العبّاسي للشيخ بهاء الدين العاملي (قُدّس سرّه):
طُبعت في طهران سنة 1325هـ.
11 - حاشية على التبصرة للعلاّمة الحلي (قُدّس سرّه):
( عربي )، طُبعت في طهران سنة 1330هـ، حجرية، كما تكرّر طبعها في طهران سنة 1329هـ، ثم في بغداد سنة 1338هـ، وتقع في 239 صفحة(5) .
12 - السؤال والجواب:
مجموعة من فتاواه وأجوبتها، جمعها تلميذه الشيخ علي أكبر المقيمي
____________________
(1) الذريعة 1/268.
(2) انظر: المحقق الطباطبائي 1299 - 1318.
(3) كتاب التعارض، المقدّمة ص23.
(4) نقباء البشر - خ - ص15.
(5) انظر: ضياء الأبصار 2/329.
الخوانساري، وطُبع منه مجلّد واحد من الطهارة إلى النكاح، سنة 1340هـ(1) .
ثم طُبع بنفس العنوان، وهي: استفتاءات وآراء السيد اليزدي، إعداد: د. السيد مصطفى محقّق داماد، ساعد في التحقيق: السيد محمود المدني البجستاني، والسيد حسن وحدتي شبيري.
نشر: مركز علوم إسلامي - طهران 1376ش.
ولم أطّلع على نسخة الخوانساري لأُقارن بين الكتابين، هل هما واحد أو يجتمعان اسماً ويختلفان محتوىً؟
13 - الكلم الجامعة والحكم النافعة (2) :
كلمات قصار في الحكم، من إنشاءه، جمعها وشرح بعضها تلميذه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، طُبع في آخر العروة الوثقى سنة 1328هـ، ثم أُعيد طبعها في ألف نسخة على نفقة بعض العلويّات من أحفاده.
وقد أعدنا نشر ما طُبع في آخر العروة، في ملحق رقم (4 ) بآخر كتابنا هذا.
14 - الصحيفة الكاظمية:
أدعية ومناجاة من إنشاءه، طُبعت قُبيل وفاته في بغداد(3) .
وقد أعدنا نشرها في ملحق رقم (3 ) بآخر كتابنا هذا.
15 - بستان نياز(4) :
( فارسي )، وهي مجموعة من إنشاءاته في المناجاة نثراً ونظماً، أوّلها قوله شعراً:
كاظما تاكي بخواب غفلتي |
فكر خود كن تا كه داري مهلتي |
|
كاظما ازبي خودي سوي خود آي |
خورده خورده روبكن سوى خداي |
طُبع في بغداد سنة 1337هـ، ثم أعاد طبعه العلاّمة السيد محمد حسين الحسيني
____________________
(1) كتاب التعارض، المقدمة ص23.
(2) انظر: الذريعة 18/26. وقد وهم فضيلة السيد محمد حسين الحسيني الجلالي عند إعادة طبع هذا الكتاب ضمن منشورات المدرسة المفتوحة في شيكاغو - أمريكا، أن ينسب جمعه وشرحه إلى الشيخ محمد حسين الجواهري، والواقع محمد حسين آل كاشف الغطاء ( الجعفري ). وقد أرمز لاسمه في الصفحة الأخيرة (م - د، ج - ن) (ج).
(3) الذريعة 15/23.
(4) الذرية 3/108، معارف الرجال 2/.
صورة الطبعة الأُولى من الطبعة الحجرية لـ ( كتاب التعادل والتراجيح )
صورة الصفحة الأخيرة من الطبعة الحجرية لـ ( كتاب التعادل والتراجيح )
الجلالي في The Open School Chicago
ونشره السيد صادق حسيني اليزدي في كتابه ( سعادتها وشقاوت ها ) ص 153 - 172.
وقد أعدنا نشره في ملحق رقم (5 ) بآخر كتابنا هذا.
16 - ذخيرة الصالحين - رسالة عمليّة -
جمعها الشيخ سعيد الحلّي(1) .
17 - الاستصحاب:
مبحث في الأُصول.
ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني قائلاً: ( رأيتها عند تلميذه الحاج شيخ علي أكبر الخوانساري، الجامع المسؤول، والجواب له )(2) .
18 - حُجِّيّة الظن: في عدد الركعات وكيفيّة صلاة الاحتياط، طُبعت في طهران سنة 1317هـ(3) ، في خاتمة حاشية المكاسب الطبعة الحجرية.
19 - رسالة في منجّزات المريض:
طُبعت في خاتمة حاشية المكاسب(4) - الطبعة الحجرية.
20 - رسالة في إرث الزوجة من الثمن والعقار:
في مسألة ( لو باع زيد من عمرو أراضي بشرط خيار البائع، ثم مات عمرو، وفسخ بعده البائع... ) ردّ عليها الشيخ فتح الله شيخ الشريعة برسالة: ( إبانة المختار في إرث الزوجة من الثمن والعقار ) وكلتاهما كانتا في كتب السيد محمد باقر الحجّة بكربلاء.
21 - مجمع الرسائل:
طُبع في بمبي سنة 1315هـ بـ ( 389 ) صفحة، ثم طُبع في طهران سنة 1332هـ بـ ( 482 ) صفحة.
____________________
(1) نقباء البشر - خ - ص15.
(2) نقباء البشر - خ - ص 15، الذريعة 2/25.
(3) الذريعة 6/273.
(4) الذريعة 23/18.
22 - قوت لا يموت، في الطهارة والصلاة، بالعربية، طُبع في صيدا(1) .
23 - حاشية فرائد الأُصول(2) :
خرّج منها خصوص ما كتبه على ثالث مقدّمات دليل الانسداد، وقد يقال لها: ( أراد المقدمة الثالثة ) من مقدمات الانسداد(3) .
ومن خلال نسخة حصل عليها الشيخ حلمي السنان من مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، وكانت رديئة الخط، كثيرة الغلط والشطب على بعض كلماتها، ولدى ملاحظته ومقابلته ظهر له أنّها من تقريرات بعض تلامذته لشرحه على رسائل الشيخ الأنصاري - وليس بقلم السيد اليزدي(4) .
وبهذا العنوان، طُبعت تقريرات لأبحاث السيد اليزدي، كتبها الشيخ محمد إبراهيم اليزدي النجفي، نشرتها دار الهدى بقم 1426هـ.
24 - مسالك الهداية:
مسائل فرعيّة بطريق السؤال والجواب(5) .
25 - منتخب الأحكام:
رسالة عمليّة في طهران سنة 1345هـ(6) .
* * *
____________________
(1) الذريعة 17/205.
(2) فرائد الأُصول المعروف بالرسائل، تأليف الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ) في أُصول الفقه من بيان حُجّية القطع والظن، والأُصول العملية من البراءة والاستصحاب، والتعادل والتراجيح، وقد طُبع في حياة مؤلِّفه.
(3) الذريعة 6/160 وفيه الشيخ آغا بزرك الطهراني: ( رأيتها عند تلميذه الشيخ علي أكبر الخوانساري (ت1359هـ) ).
(4) كتاب التعارض، المقدّمة 24.
(5) كتاب التعارض: المقدّمة ص24.
(6) كتاب التعارض المقدّمة ص24.
ولمعاصره السيد أبو تراب الخوانساري(1) رسالة يردّ فيها على مسائل أفتى بها السيد اليزدي عنوانها: ( التنبيه في ما أخطأ السيد فيه )، أو ( التنبيه على بعض ما أخطأ المتفقّهة فيه )(2) .
مقطع للصفحة الأُولى من ( رسالة في إرث الزوجة من الثمن والعقار ) للسيد اليزدي وبخطّه.
- مصوّرة عن مجموع رقم 8582/3 مخطوط محفوظ بمكتبة المرعشي - قم - إيران.
____________________
(1) السيد أبو تراب، ضياء الدين، عبد العلي بن أبي القاسم ابن السيد مهدي الموسوي الخوانساري (ت1346هـ)، عالم متفنّن، وفقيه نبيه، ورجالي متبحّر، كان من أجلاّء علماء النجف المدرّسين، وأئمّة الجماعة الموثّقين.
( ترجمته في: نقباء البشر 1/27، أعيان الشيعة 8/29، ضياء الأبصار 1/282 - 301 ).
(2) الذريعة 4/438.
مشاريعه
مدرسة السيد كاظم اليزدي ( الكبرى ):
من أشهر المدارس الدينية في النجف الأشرف عمارة وفخامة وسعة وزخرفة.
تقع في محلّة الحويش، وفي الشارع الواقع بين شارع الرسول في الشرق وسوق الحويش في الغرب.
وقد بُنيت بناءً بديعاً وفي هندسة رائعة، كانت في وقتها ولا تزال حتى اليوم مضرب المثل، أرضها مبلّطة بالرخام الصقيل، وجدرانها مكسوّة بالحجر الكاشاني البديع، وفيها من فن الهندسة والريازة ما جعلها محطّ أنظار السوّاح والزائرين.
تحتوي على (80 ) غرفة في طابقين، وأمام كل غرفة إيوان صغير، كهندسة سائر المدارس المشادة في النجف الأشرف منذ العصر الصفوي، ولها ثلاثة طوابق من السراديب المحكمة الجميلة، وقد رُتّبت هندسة التبريد الطبيعي ترتيباً جعل هوائها بارداً بطريقة ( البادگير ) وهي فوّهات يدخل منها الهواء من جهة الشمال وأُخرى يخرج الهواء الساخن من جهة الجنوب. وأرض هذه السراديب وجدرانها مكسوّة بالحجر الكاشاني، وتعتبر من أغرب العمارات وأفخمها تحت الأرض، يزورها في كل سنة عدد من السوّاح فيعجبون بهذه العمارة القائمة تحت الأرض.
أسّسها وعمّرها بأمر السيد محمد كاظم اليزدي، الوزير البخاري ( أستان قلي بك ) وزير السلطان البخاري عبد الأحد(1) ، على مساحة قدرها 750 متراً مربّعاً.
ابتدأ بتعميرها سنة 1325 هـ وتمّ بناؤها في سنة 1327 هـ، وعندما كمل تشييدها فضل من الأموال التي أرسلها الوزير المذكور لتعميرها مبلغ كبير اشتروا به نصفاً من حمّامين، وأحد عشر دكّاناً، وفندقاً في سوق الخلخالي بمدينة الكوفة، كما ابتيعت لها أيضاً سبعة حوانيت أُخرى، وخان جرى تأهيله معملاً لاستخراج الدبس من التمور، مع
____________________
(1) وكان هذا الوزير قد عمّر مدارس الآخوند الخراساني الثلاث الكبرى والوسطى والصغرى وقام بمصاريفها، إضافةً إلى ما كانت تدرّه يداه على العلماء وطلاّب العلم.
مساحة كبيرة خلف هذا المعمل في سوق الكوفة المتوسّط، وقد أُوقفت جميعها لتصرف وارداتها في شؤون المدرسة من ماء وضياء وصيانة وغيرها(1) .
وكان المباشر لتعميرها والساعي في إدارتها وتنظيمها السيد محمد اليزدي نجل السيد محمد كاظم اليزدي.
وقد أرّخ الانتهاء من بناءها، وكتب بالحجر الكاشاني على جبهة بابها الخارجي:
قد أبهج المصطفى وعترته |
بذا وقالوا شيدت دعائمنا |
|
يا طالبي فقهنا وحكمتنا |
دونكم هذه معالمنا |
|
مدارس الدين أرّخوا ( لكم |
جدّدها للعلوم كاظمنا ) |
1325 هـ
وقال الشيخ علي المازندراني مؤرِّخاً:
أسّسها بحر العلوم والتقى |
محمد الكاظم من آلِ طبا |
|
وفي بيوتٍ أذن الله أتى |
تأريخها ( لكن بحذف ما ابتدا ) |
أي بحذف الواو التي ابتدأت بها الآية، فإنّ التاريخ يزيد مع الواو العدد (6 ) بحساب الجمل لدى المؤرِّخين، ولذلك أشار المؤرِّخ إلى حذف الواو ليصبح التأريخ(2) .
وبعد الانتهاء من إنشاء المدرسة، أُنشئت مكتبة لطلاّب المدرسة وكانت أكبر مكتبة بالنسبة لمكتبات المدارس في النجف، وقد سهّل ذلك انفراد السيد اليزدي بالزعامة الروحانية الشيعية انفراداً قلّ نظيره في التاريخ. وتمتاز ليس في وفرة كتبها فحسب، وما تضم من المصادر التي يحتاج إليها طلاب العلم فحسب، وإنّما لأنّ ما طرأ على كتبها من طوارئ الفقدان والتلف كان أقل من مكتبات المدارس الأُخرى، والسبب أنّها كانت موضع عناية السيد علي بن السيد محمد كاظم اليزدي، وقد كان من المراجع الروحانيين بعد أبيه، ثم موضع عناية أولاده وأحفاده، وكان آخر القائمين عليها
____________________
(1) انظر: موضوع وصيّة السيد.
(2) ماضي النجف وحاضرها 1 / 141 - 142.
يذكر الشيخ محمد الخليلي أنّ من سكان المدرسة شيخ جاء النجف طالباً للعلم من إيران، وهو شاب لم يبلغ الثامنة عشرة، فمكث في هذه المدرسة ستّين سنة ولم ينل الاجتهاد، وقد توفّي في أوائل العقد الرابع من هذا القرن، وكان مضرب المثل للمتأخّرين في الدراسة.
المغفور له العلاّمة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي.
وقد كنت أزوره في هذه المكتبة والمدرسة مراراً كثيرة بصحبة أخي الشهيد الأُستاذ الفاضل عبد الرحيم محمد علي.
سوق السيد كاظم اليزدي في الكوفة:
على شاطئ نهر الفرات الذي يمرّ بالكوفة هناك صفّين من الدكاكين يتوسّطهما ممرّ عرضه خمسة أمتار تقريباً وعليه سقف من صفائح الحديد المغلون ( الجينكو ) أُطلق عليه سوق السيد كاظم اليزدي.
شُيّد هذا السوق بالأموال الفائضة من تشييد مدرسة اليزدي الكبرى في النجف، وقفاً عليها، لسدّ نفقات الصيانة والماء والكهرباء وغيرها.
وقد ذكره السيد اليزدي في وصيّته المذكورة في هذا الكتاب(1) .
خان الزائرين ( خان الوقف ) أو ( مدرسة اليزدي الثانية ):
أنشأ السيد اليزدي خاناً ( خانقاهاً ) - في محلّة العمارة، متصل من الغرب بمدرسة الخليلي الصغرى، ومن الجنوب مدرسة الخليلي الكبرى - لإقامة الزائرين الوافدين لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم لم تكن في النجف الأشرف فنادق، أو أماكن عامة تسع الواردين إليها، فاشترى الأرض وهي دار تعود لبعض العَلويين وشيّدها ( خانقاهاً ) بماله، وببعض الحقوق الشرعية التي تنطبق على مثل هذه المشاريع(2) ، وقد سُمّي هذا الخان بـ ( خان الوقف ).
وبعد أن تكاثرت الفنادق والمساكن للوافدين والزائرين أصبح هذا الخان متروكاً عاطلاً لا فائدة فيه، يسكنه جماعة من الفقراء، رأى نجله السيد أسد الله اليزدي أن يشيّد هذا الخان مدرسة لطلاّب العلوم الدينية، الذين هم اليوم في حاجة ماسّة إلى مساكن، فعرض الفكرة على الإمام السيد محسن الحكيم، واستفتاه في جواز هذا التصرّف والتغيير، فأمضى رأيه وساعده بمبلغ لإخراج الفكرة إلى حيّز العمل، وقد كملت بهيكلها العام، وهي مدرسة جميلة ذات طابقين شُيّدت على أرض مساحتها (600 ) متر
____________________
(1) انظر: ( وصيّته الأُولى ) فقرة الدكاكين الواقعة في شريعة الكوفة.
(2) انظر: وصيّة السيد ( الأُولى ).
مربّع، وعدد غرفها (51 ) غرفة، منها (25 ) في الطابق الأوّل المقام على سرداب كبير، و (26 ) غرفة في الطابق الثاني.
وفي الطابق الأول قاعة محاضرات كبيرة، وهي التي يُطلق عليها اسم ( المَدْرس )، وفي الجنوب الشرقي منها أربعة حمّامات صيفيّة ومغاسل، وأمام الغرف كلها في كلا الطابقين ممرّ بعرض مترين ونصف متر سقف بالحديد والآجر، وقائم على أعمدة من الكونكريت والإسمنت والحديد، وهي مدوّرة الشكل، وقد زُيّنت دورتها من أعالي السقف الدائر بالآيات القرآنية مكتوبة بالكاشي الملوّن البديع، وقد شرع في بنائها سنة 1384 هـ، واستمر حتى 1385 هـ / 1965 م.
وقد كان لهذا ( الخان ) المذكور أوقات تصرف وارداتها عليه، فرجعت كلها إلى المدرسة، وهي عبارة عن أربعة دكاكين، ودارين، وفندق صغير، وكلها متصلة بنفس المدرسة، وتُصرف إيجاراتها على المقتضيات اللاّزمة من ماء وكهرباء وأجور خادم، وما إلى ذلك من ضروريّاتها.
وقد أرّخ عام الابتداء في تعميرها السيد موسى بحر العلوم بقوله:
بشرى بها مدرسة عائده |
على هواة العلم بالفائده |
|
أسّسها ( الكاظم ) من حلمه |
بنيّةٍ راسخة القاعده |
|
ثنّى بها مدرسة فاغتدت |
في حسنها الثانية الواحده |
|
فأصبحت عيداً لمن هاجروا |
للعلم والسكنى بها المائده |
|
وعدّها الدهر بتأريخه: |
( من حسنات السيّد الخالده )(1) |
1385 هـ
ولكن لم تطل أيام عمارتها، حيث قامت الحكومة بتهديم أطراف الصحن العلوي الشريف، وقد شمل جملة من المدارس الدينية ومقابر العلماء، ومن جملة تلك المدارس مدرسة السيد اليزدي الثانية - هذه -.
حمّام اليزدي:
يقع هذا الحمّام والمحلاّت التابعة له في مدينة الكوفة بجوار جامع الخلخالي،
____________________
(1) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم النجف 2 / 167 - 169.
تعود ملكيّة هذا الحمّام إلى جهتين: يمثّل الجهة الأُولى السيد اليزدي، وله نصف الحمّام، وقد جعله وقفاً بين المدرسة وورثة ولده المرحوم السيد أحمد(1) .
أمّا النصف الثاني فهو للحاج حمد بن حسون تويج، والحاج رسول بن حسون تويج، والسيد محمد حسن بن السيد جواد الكليدار، والسيد حسين بن عبد الهادي النقيب، والسيد مصطفى بن عبد الهادي النقيب، وعبد الجليل حميدي الجيلاوي. والأسهم موزّعة في سجلاّت دائرة التسجيل العقاري في النجف بعدد 1 في تشرين الثاني 1964 رقم الجلد 108 منقولة عن السجل رقم 5 في مايس 1946 رقم الجلد 31، تسلسل العقار 696 الكوفة - السراي برقم 8 / 24 ومساحة المجموع 383 متر مربع.
بيته في الكوفة:
وقد كان للسيد اليزدي بيتاً في الكوفة، وعلى شاطئها، اتخذه لقضاء أيام الصيف فيه كل سنة، وكان من عادته أنه يدخل الشط قُبيل الغروب بساعة للسباحة، ثم يخرج ويذهب إلى الصلاة جماعة في أرض مجاورة للشط كانت لبعض التجّار من مقلِّديه، فيصلّي بالناس فيها ثم يذهب إلى داره.
وقد أشار إليه في وصيّته(2) .
شعره
مارس نظم الشعر ( بالفارسية ) في خلال أيام التعطيل والاستراحة، لغرض الترويح عن النفس، خصوصاً الشعر العرفاني. وقد امتاز بقوّة البيان.
وقد ضمّن مناجاته ( بستان نياز ) بعض أشعاره(3) .
____________________
(1) انظر: بحث ( وصيّته ).
(2) انظر: بحث ( وصيّته ).
(3) انظر: ( بستان نياز ) في الملحق رقم ( 5 ) بآخر الكتاب.
جانب من مدرسة اليزدي الكبرى
الفصل الثالث
أضواء على مواقفه
الحركة الدستورية الإيرانية ( المشروطة ) وتداعياتها.
الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا، 1329 - 1330 هـ / 1911 م.
الهجوم الروسي على إيران، 1331 - 1332 هـ / 1912 م.
حركة الجهاد ومقاومة الغزو البريطاني للعراق عام 1332 - 1333 هـ / 1914 م.
حادثة حمزة بك في كربلاء، 1333 - 1334 هـ.
أحداث النجف بين عامي 1915 - 1918 م.
مقتل الكابتن مارشال ( ثورة النجف ) وتداعياتها، 1336 هـ / 1918 م.
مقدّمات الثورة العراقية 1919 م.
الحركة الدستورية الإيرانية ( المشروطة )
وموقف السيد اليزدي(1)
المشروطة(2) هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران، وهي إنّما سُمّيت بهذا الاسم لأنّ القائمين بها اعتبروا مواد الدستور بمثابة ( الشروط ) التي يجب أن يتقيّد بها الملك في حكم رعيّته، وهذه فكرة مستمدّة من نظرية ( العقد الاجتماعي ) التي شاعت في أوربا بعد قيام الثورة الفرنسية، ومنها جاءت إلى تركيا وإيران.
ظهرت المشروطة في تركيا قبل ظهورها في إيران بما يزيد على ثلاثين سنة، ويعود سبب ذلك إلى قرب تركيا من أوربا وشدّة تأثّرها بالحضارة الأوربية. يجب أن لا ننسى أنّ الصراع بين القديم والجديد بدأ في تركيا منذ منتصف القرن الثامن عشر، أمّا في إيران فقد بدأ هذا الصراع منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ وذلك من جرّاء دخول بعض المخترعات والنظم الحديثة إلى إيران على عهد الشاه ناصر الدين.
المعروف عن الشاه ناصر الدين أنّه كان معجباً بالحضارة الأوربية، ميّالاً للتعرّف عليها ومشاهدتها عياناً، وقد سافر إلى أوربا ثلاث مرات فقُوبل فيها بحفاوة بالغة، غير أنّه كان يخشى تأثير الأفكار الأوربية على رعاياه، ويكره أن تنتشر بينهم فكرة المشروطة على منوال ما انتشرت في تركيا.
يمكن القول: إنّ ناصر الدين كانت له يد كبرى في إدخال معالم الحضارة الحديثة إلى إيران، وكان في الوقت نفسه شديداً تجاه كل مَن يتحدث عن القانون أو الدستور، أو أيّة فكرة تحرّرية أُخرى، وقد أحدث في المجتمع الإيراني من جرّاء ذلك نوعاً من التوتّر، وبقي هذا التوتّر كامناً يتحفّز للظهور عند أوّل فرصة تُتاح له. فلمّا مات ناصر الدين
____________________
(1) كانت أهم المصادر التي اعتمدنا عليها في كتابة هذا البحث:
- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3 / 103 - 127.
- دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 15 - 44.
(2) تلفّظ المشروطية في تركيا ( مشروطيت ) وفي إيران ( مشروطة ).
وتبوّأ العرش من بعده ابنه الضعيف مظفّر الدين، انطلق التوتّر الكامن وكأنّه كان مستعدّاً للانطلاق ّ(1) .
عندما اغتيل الشاه ناصر الدين في عام 1896 من قِبل الميرزا أحمد رضا كرماني(2) ، أحد مريدي السيد جمال الدين الأفغاني، تبوّأ العرش مكانه ابنه مظفّر الدين، وكان هذا الشاه الجديد على النقيض من أبيه متهافت الشخصية لا يخلو من غباء وفطارة، وكان بالإضافة إلى ذلك عليل البدن، ولم يكد يتولّى الحكم حتى حفّت به جموع من المتزلّفين، الذين كانوا يطمحون أن ينالوا في عهده الثروات بكل وسيلة تقع في أيديهم(3) .
كان الشاه مظفّر الدين مولعاً كأبيه بالسفر إلى البلاد الأوربية، غير أنّ الخزينة كانت في أيامه فارغة فاضطر إلى الالتجاء إلى القروض الأجنبية، ففي عام 1898م عقد قرضاً مع إنكلترا(4) ، واقترض من روسيا عام 1900 ديناً قدره (2400000) جنيه، واقترض منها عام 1902 ديناً آخر قدره (2000000) جنيه صرف معظم هذه المبالغ في رحلتين إلى أوربا(5) لغرض العلاج والاستشفاء، وقصد أوربا ثالثة عام 1902 أيضاً ولم يستفد صحّيّاً، وقد انتهزت روسيا الفرصة فصارت تمدّه بالقروض وتحصل منه على بعض المنافع والامتيازات الكمركية(6) ممّا أدّى إلى انتشار التذمّر والاستياء والغضب على الشاه، ولاسيّما أنّها ترى في إيران طريقاً ممتازاً تؤدّي إلى البحار المحيطة، ويكون ذريعة إلى تدخل روسيا بالقوّة واحتلالها بحجّة حماية قروضها؛ للاستفادة من موقع إيران المذكور(7) ، كما أثار سخط التجّار وأهل ( البازار ) أي الحرفيين وأصحاب الدكاكين الذين يؤلّفون في إيران طبقة ذات أهميّة غير قليلة في الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ إنّ لهم رؤساءهم وتقاليدهم النقابية التي تُسمّى
____________________
(1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3/103.
(2) انقلاب إيران 2/72، 76، 91.
(3) percy sykes (op. cit.) vol2o. 374
(4) رضا شاه بهلوي: ص23.
(5) ن. م، تاريخ أوربا الحديثة ص279.
(6) Richard Frye (Iran) - london - p. 67
(7) تاريخ أوربا الحديثة ص279.
( قواعد الصنف )، وإذا قرّروا إغلاق دكاكينهم احتجاجاً على أمر من الأُمور؛ كان ذلك بمثابة نوع من الإضراب العام(1) وأصابوا الحياة الاقتصادية بالشلل. أضف إلى ذلك ما كان لأهل ( البازار ) من تأثير في رجال الدين وصلة معاشيّة بهم، فإذا اشتكوا من شيء فسرعان ما تسري شكواهم إلى رجال الدين ويصدر هؤلاء لهم الفتاوى المناسبة.
وممّا زاد في الطين بلّة: أنّ الشاه مظفّر الدين كان قد ترك شؤون الدولة بيد صهره الأمير ( عين الدولة )، وكان هذا جاهلاً صلفاً ومكروهاً من قبل الشعب الإيراني، فكانت أعماله التعسّفية من عوامل زيادة التذمّر بين أهل ( البازار ).
بداية الحركة:
وقد أشعلت فتيل هذه الحركة حادثة بسيطة حدثت في عام 1905، خلاصتها: أنّ نفراً من أهل ( البازار ) خالفوا بعض الأوامر الحكومية، فأمرت الحكومة بشدّ أقدامهم في ( الفلقة ) وجلدهم بالسياط، وكانت تلك عادة متَّبعة تقع بين حين وآخر في عهد الشاه السابق، دون أن يعيرها الناس اهتماماً كبيراً، أمّا الآن فقد اهتم الناس لها، وتجمّع عدد كبير منهم بينهم جماعة من رجال الدين، فذهبوا إلى مسجد الشاه القريب من سوق ( البازار ) الكبير بغية ( الالتجاء ) فيه.
استطاع الإمام في مسجد الشاه أن يطرد الملتجئين إليه بإيعاز من الحكومة، وبمعونة جماعة من أعوانه، فخرج الملتجئون من المسجد وهم أكثر حماساً من قبل، وانضمّ إليهم أُناس آخرون، وتوجّهوا إلى بلدة ( الشاه عبد العظيم ) على بعد بضعة أميال من طهران ليلة 13 تشرين الثاني 1905م /15 رمضان 1323هـ فالتجأوا إلى المرقد المقدّس الموجود فيها، وهناك أعلنوا أنّهم لا يخرجون من مكانهم إلاّ بعد إجابة مطاليبهم، وكان من بين مطاليبهم: عزل ( عين الدولة ) من منصبه، وتأسيس دار للعدالة أطلقوا عليها اسم ( عدالة خانه ).
أخذ عدد الملتجئين في بلدة ( الشاه عبد العظيم ) يتكاثر يوماً بعد يوم، وكأن الناس وجدوا في ذلك فرصة لشفاء غليلهم من الحكومة، وصار الوعّاظ والخطباء يصعدون المنابر ليندّدوا بالحكومة ويشجبوا أعمالها. وممّا زاد في أهميّة هذا ( الالتجاء ) أنّ اثنين
____________________
(1) يقظة العالم الإسلامي 2/13.
من أكبر علماء طهران كانا من بين الملتجئين وهما: السيد محمد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني، كما كان بينهم الواعظ المشهور آغا سيد جمال الدين.
أرسل الشاه إليهم رسوله الخاص ليسترضيهم، فقابلوا الرسول بجفاء وأرجعوه خائباً. واضطرّ الشاه أخيراً أن يرسل إليهم كتاباً مسجَّلاً بخط يده، يتعهّد لهم فيه بإجابة مطاليبهم. وعند هذا وافقوا على العودة إلى طهران، وقد جهّزهم الشاه بعربات مَلكيّة فركب كبراؤهم فيها، واستقبلتهم الجماهير في طهران استقبال الفاتحين. ولا حاجة بنا إلى القول بأنّ مكانة الطباطبائي والبهبهاني قد ارتفعت ارتفاعاً هائلاً في نظر الجماهير يومذاك(1) .
تفاقم الحركة:
يبدو أنّ الشاه لم يستطع تحقيق وعده حيث أخذ على يده صهره ( عين الدولة ). وفي منتصف أيار 1906 أُصيب الشاه بالشلل فانتهز ( عين الدولة ) الفرصة ليضرب ضربته، فقد أصدر أمره بإلقاء القبض على السيد محمد الطباطبائي، وحين جاء الجنود للقبض على هذا المجتهد الكبير تجمّع الناس لتخليصه من أيديهم، فوقع من جرّاء ذلك اصطدام بين الجنود والأهالي، سقط فيه واحد من الأهالي قتيلاً، وشاء القدر أن يكون هذا القتيل من طلبة العلم وسيّداً من ذريّة الرسول. ولمّا جرى تشييع السيد القتيل وقع اصطدام آخر، سقط فيه خمسة عشر قتيلاً.
توتّر الوضع في طهران إلى الدرجة القصوى، وغادر طهران كثير من علماء الدين، ومن بينهم الشيخ فضل الله النوري، حيث ذهبوا إلى بلدة قم المقدّسة في 17 تموز 1906م، 24 جمادى الأُولى 1324هـ، ومعهم حوالي ألف شخص للالتجاء فيها، ثم أصدروا بياناً هدّدوا الشاه فيه: أنّهم سيغادرون إيران جميعاً إلى العراق ما لم يوف بوعده لهم في تحقيق المطاليب الشعبية. وأغلق أهل ( البازار ) دكاكينهم تأييداً للمجتهدين، فأصدرت الحكومة أمراً بنهب كل دكّان يغلقه صاحبه(2) .
واشتدّت هذه المطالبة من الأحرار الإيرانيين وفي مقدّمتهم الطبقة الروحانيّة التي
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/107 - 108.
(2) ن. م ص108 - 109.
لعب فيها رجال الدين دوراً خطيراً، وكانت النجف تضمّ أعلاماً عظاماً منهم وعلى رأسهم: الحاج ميرزا حسين الخليلي(1) (ت1326هـ) وكان ركن النهضة الإيرانية الركين وزعيمها الكبير، عقدت في مدرسته الكبيرة محافل الإيرانيين أيام الاستبداد اجتماعات ومؤتمرات واسعة، والملاّ الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني(2)
____________________
(1) الميرزا حسين بن الميرزا خليل الطبيب بن المولى علي ( الخليلي ) (ت1326هـ)، الفقيه الأُصولي، الحجّة المجتهد، أُستاذ الفقه والأُصول، العابد المحقق الزاهد، انتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره، وكان أفقه أهل زمانه، وهو أحد أركان النهضة الإيرانية، تخرّج على الشيخ محسن بن خنفر، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ مشكور الحولاوي، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، كان مجلس بحثه يزدحم بالعلماء والفضلاء والأعلام، مدرّساً يمتاز عن غيره في الفقه والأُصول.
توفّي في شوال 1326هـ.
عقبه: الشيخ محمد تقي، الشيخ محمد، الشيخ مهدي، الشيخ محمود، الشيخ محمد علي.
له: كتاب في الإجازة، كتاب في الغضب، شرح نجاة العباد.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/196، أعيان الشيعة ط2/26/9، رجال إيران 1/389، ريحانة الأدب 2/159، شخصيّت أنصاري 248، علماء معاصرين 92، فوائد الرضوية 135، ماضي النجف 2/226، معارف الرجال 1/276، مكارم الآثار 3/894، نقباء البشر 2/573، معجم المؤلِّفين العراقيين 1/343، لغت نامه 19/652، معجم أُدباء الأطبّاء 1/150، معجم رجال الفكر 2/518 ).
(2) الملاّ محمد كاظم الآخوند الخراساني، ابن الملاّ حسين الهروي النجفي (1255 - 1329هـ)، زعيم ديني، وفقيه أُصولي، وعالم متتبّع، متبحّر في الفقه والأُصول، جامع للمعقول والمنقول، ومن كبار أساتذة الجامعة النجفية، انتهت إليه زعامة الحوزة في كل مكان، وصارت تُشدّ إليه رحال طلبة العلم من أقطار الأرض، وعمر مجلسه بمئات من العلماء والمجتهدين.
وُلد في مشهد خراسان - إيران، وقرأ المبادئ، وأكمل العلوم العربية والمنطق فيه، انتقل إلى طهران فأقام فيه ستة أشهر درس خلالها بعض العلوم الفلسفية، ثم غادرها في سنة 1278 هـ، متوجّهاً إلى النجف الأشرف فأدرك الشيخ الأنصاري واختلف إلى درسه فقهاً وأُصولاً، ثم حضر على السيد محمد حسن المجدّد الشيرازي، والشيخ راضي النجفي، وحين خرج السيد الشيرازي إلى سامراء لم يصحبه، وأقام في النجف وشرع التدريس فيها، حتى تخرّج عليه عدد من العلماء وأهل التحقيق.
توفّي في النجف في ذي الحجّة 1329هـ.
عقبه: الشيخ محمد، الشيخ أحمد، الشيخ مهدي، الشيخ حسن، الشيخ حسين، وبعد وفاته اتخذت ذرّيته وأُسرته لنفسهم لقب: ( الكفائي ) نسبة إلى مؤلَّفه: ( كفاية الأُصول ).
له: الإجارة، الاجتهاد والتقليد، التكملة في تلخيص التبصرة، حاشية الأسفار، حاشية فرائد الأُصول، حاشية المكاسب، الرضاع، الدماء الثلاثة، شرح التبصرة، الطلاق، العدالة، القضاء والشهادات، كفاية الأُصول، الوقف.
كتب عنه المرحوم الأُستاذ عبد الرحيم محمد علي دراسة مفصّلة بعنوان: ( المصلح المجاهد
=
(1255 - 1329هـ) والشيخ عبد الله المازندراني (1256 - 1330هـ)(1) ، والميرزا محمد حسين النائيني(2) (1277 - 1355هـ)، وعالم كربلاء السيد إسماعيل صدر
____________________
=
الآخوند الخراساني ) ط في النجف. كما كتب عنه حفيده الأُستاذ عبد الحسين الكفائي كتاباً بعنوان ( مركي در نور ).
( ترجمته في: أحسن الوديعة 1/183، الأعلام 7/234، أعيان الشيعة 43/92، الذريعة 1/122، 6/160، 220، 8/132، 11/193، 13/217، 14/184، 16/324، 17/142، 18/88، 347، 21/41، شخصيّت أنصاري 299، ريحانة الأدب 1/41، معارف الرجال 2/323، ماضي النجف 1/136، معجم المؤلِّفين 8/138، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/227، مكارم الآثار 5/1512، هدية الرازي 145، لغت نامه 38/202، رجال إيران 4/1، نجوم السماء 1/279، كتابهاي چابي عربي 45 (الفهرست)، معجم رجال الفكر والأدب 1/39 - 40 ).
(1) الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد نصير بن محمد بن محمود الجيلاني المازندراني النجفي، (1256 - 1330هـ)، من أعاظم العلماء وكبار المدرّسين، وممّن تعهّدوا الحركة العلمية في النجف بداية القرن الرابع عشر الهجري، قرأ مقدّمات العلوم في بلاده ( بارفروش ) ثم هاجر إلى العراق فحضر في كربلاء على الشيخ زين العابدين المازندراني، ومنها إلى النجف فتتلمذ على الشيخ مهدي كاشف الغطاء، والمولى محمد الفاضل الإيرواني، والشيخ حبيب الله الرشتي.
تصدّى للتدريس وحضر عليه جمع كبير من أجلاء طلبة العلم، ورُشّح للزعامة الدينية والمرجعية، وأصبح من كبار زعماء الدين، وأجلّ مراجع التقليد وأشهر المدرسين.
كان من أكبر مساعدي الآخوند الخراساني على تأييد الدستور ونشر الحرية، وتفانى في ذلك حتى أصبح يُطلق عليه: ( العالم الدستوري ).
توفّي في 4 ذي الحجّة 1330هـ.
له: أُهبة العباد، ط، حاشية المكاسب، رسالة في الوقف، رسائل ومؤلّفات أُخرى في الفقه والأُصول، شرح الشرائع، كتاب التجارة، والرهن، والطلاق.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/23، الذريعة 2/248، رجال إيران2/276، ريحانة الأدب 5/146، لغت نامه 42/52، معارف الرجال 2/18، مكارم الآثار 5/1530، نجوم السماء 2/280، نقباء البشر 3/1219، مجلة العرفان ج8، في 17 آب 1909م، ص398، ج10 في ذي الحجّة 1330هـ / كانون الثاني 1912م، معجم رجال الفكر والأدب 3/1138 - 1139 ).
(2) الميرزا محمد حسين بن الشيخ عبد الرحيم شيخ الإسلام بن محمد سعيد بن عبد الرحيم نظر علي شاه النائيني المنوچهري النجفي (1277 - 1355هـ)، من كبار شيوخ الفقه وأساتذة الأُصول، ومن أعظم علماء الشيعة وأكابر المحققين، فقيه أُصولي، من أئمّة التقليد والفتيا والمرجعية وزعماء الثورة.
أخذ مقدّمات العلوم في أصفهان، ثم هاجر إلى العراق عام 1303هـ، ونزل مدينة سامراء، فحضر على السيد إسماعيل الصدر والسيد محمد الفشاركي الأصفهاني والسيد محمد حسن المجدّد الشيرازي، وبعد وفاة السيد الشيرازي هاجر إلى كربلاء وأقام فيها عدّة سنين، ثم تحوّل إلى النجف الأشرف وحضر على الشيخ محمد كاظم الخراساني، وأصبح فيما بعد من أعوانه وأنصاره في مهمّاته الدينية والسياسية.
=
الدين(1) (1258 - 1338هـ)، والشيخ محمد تقي الشيرازي(2) (1256 - 1338هـ) عالم سامراء، والسيد محمد كاظم اليزدي، وهؤلاء كلهم من الإيرانيين - عدا السيد إسماعيل الصدر - وإليهم انتقلت المعركة، فكانت الغالبية العظمى من الطبقة المتنوّرة تؤيّد حكم البلاد بدستور ومجلس نيابي وسمّوا بـ ( المشروطة ) وعلى رأسهم: الخليلي والخراساني وأتباعهما، وتكوّنت جبهة معاكسة لهم يتزعّمها: السيد محمد كاظم اليزدي وأنصاره، فهو ( يرى رأي مَن يقول: إنّ مصلحة الدولة يجب أن تكون بيد شخص واحد مسؤول عنها، لا يشاركه فيها مشارك. ويحتج لرأيه هذا بما يصل إليه اجتهاده الديني مبرهناً عليه بالبراهين والأدلة المختلفة، ومعه أتباعه من مختلف الطبقات وفي مقدّمتهم
____________________
=
وبعد وفاة الشيخ الخراساني استقلّ بالتدريس والبحث، وحضر عليه جمع من رجال العلم والفضل، ورجع إليه الكثير في التقليد، ونهض بأعباء الزعامة الروحية والقيادة الدينية.
توفّي في 26 جمادى الأُولى 1355هـ.
عقبه: الشيخ الميرزا علي، الشيخ ميرزا محمد، الميرزا مهدي.
له: تنبيه الأُمة وتنزيه الملّة - ط، حاشية العروة الوثقى، حاشية نجاة العباد، رسالة في المعاني الحرفية، رسالة في التزاحم والترتيب، رسالة في التعبّدية والتوصّلية، رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في الشرط المتأخِّر، رسالة في الخيارات، رسالة في المعاطاة، رسالة في البيع الفضولي، رسالة في اللباس المشكوك.
( ترجمته في: أحسن الوديعة 2/96، أعيان الشيعة 26/215، الذريعة 4/440، 6/149، 11/150، 14/183، 18/294، ريحانة الأدب 6/127، كتابهاي عربي 22، 195، 209، 210، 287، 678، 730، 897، 930، 1991، لغت نامه 46/303، ماضي النجف 35/364، مشهد الإمام 3/113، مصادر الدراسة 14، المطبوعات النجفية 186، 340، معارف الرجال 1/284، معجم رجال الحديث 22/18، معجم المؤلِّفين 4/16، معجم المؤلِّفين العراقيين 3/152، مكارم الآثار 6/2169، نقباء البشر 2/593، هدية الرازي 100، معجم رجال الفكر والأدب 3/1261 - 1262 ).
(1) السيد إسماعيل الصدر العاملي (1258 - 1338): المرجع الوحيد في كربلاء، كان بعيداً كل البعد عن التدخّل في أُمور غير الدين، ولمّا شاع أمر محمد علي شاه في الاستبداد وإهراق الدماء البريئة؛ أفتى بوجوب محاربته.
(2) الشيخ محمد تقي الشيرازي (1256 - 1338هـ)، عالم كبير وفقيه شهير وثائر معروف، وُلد بشيراز ونشأ وتلقّى مبادئ العلوم والمقدّمات في كربلاء، ثم هاجر إلى سامراء لحضور بحث المجدّد السيد محمد حسن الشيرازي، وتخرّج عليه حتى عُدّ في الطليعة من طلاّبه، وهو قائد الثورة العراقية الكبرى، وصاحب الفتوى الشهيرة في إعلان الحرب ضد الإنكليز عام 1920، كما أفتى بوجوب محاربة الشاه محمد علي بعد أن تأكّد لديه عدم صلاح بقائه في الحكم.
شاه إيران المستبد حينذاك(1) )
وقد رأى السيد اليزدي أنّ هذا الأمر يعقبه فساد عظيم؛ فأبدى نظره واجتهاده بحرمة ذلك - يقصد المشروطة - ولذا وقع الخلاف والنزاع ما بين الأهلين والحكومة وأدى الأمر إلى إراقة الدماء(2) .
وهنا يشير علي الشرقي إلى المشروطة قائلاً: ( ففي العصر الأول من القرن العشرين شبّت في إيران ثورة سياسية، حصل فيها انقسام رهيب، جرّ إلى ويلات وكروب، فكل صقع من إيران فيه معسكران: ( الشعب ) و( الحكومة ) وكان الأحرار يقودون حزب الشعب حزب المشروطة؛ لأنّه يريد الحكم مشروطاً ومقيّداً بدستور ومجلس شورى، ويقود الحزب الآخر رجال الحكومة، والمستبدّون الذين يريدون أن يكون الحكم سلطة مطلقة، ويُسمّى حزبهم حزب الاستبداد ).
وبما أنّ قادة الرأي العام الإيراني هم علماء النجف، زحفت الحركة إلى النجف وتسعّرت مشبوبة بين المتنوّرين وأكثرهم من المعمّمين الدارسين الذين يؤلّفون حزب المشروطة، وكانت زعامتهم معقودة للعلاّمة الملاّ كاظم الخراساني، وإخوانه: العلاّمة الخليلي، والشيخ عبد الله، وبقيّة الأعلام. أمّا حزب الاستبداد فيتكوّن من عامّة الناس، وزعامتهم معقودة للسيد كاظم الطباطبائي، وكان الثقل في هذا الحزب يريد إبقاء القديم على قدمه؛ لأنّ السلطة عند هؤلاء مقدّسة. ولذا اشتدّت الحملة ضد اليزدي من قِبل الأحرار الإيرانيين والدستوريين وفي مقدّمتهم رجال الدين والعلماء(3) ، كما أصدر أحد العلماء المسلمين وهو الشيخ فضل الله النوري الفتوى التي جاء فيها: بأنّ تأسيس برلمان وسنّ دستور للبلاد يغاير الشرع الإسلامي، واعتمد محمد علي شاه على هذه الفتوى وحلّ البرلمان وأوقف الدستور(4) - كما سيجيء هذا - وكان الشيخ محمد تقي نجل الميرزا الخليلي، والميرزا مهدي نجل الشيخ الخراساني، على اتصال وثيق ودائم بالأحرار الدستوريين الإيرانيين في إيران، ولهما التأثير الكبير في الوسط العلمي في النجف في دفع الحركة الدستورية(5) ،
____________________
(1) السيد الإمام أبو الحسن، أحد خدّام الشريعة المقدّسة ص42.
(2) مج العرفان اللبنانية مج 10 ج10 ص991.
(3) مج 1 ج3 نيسان 1909 ص128.
(4) مذكّرات رضا شاه ص15.
(5) المصلح المجاهد ص 73، من حديث خاص للشيخ أغا بزرك مع مؤلّفه المغفور له عبد الرحيم محمد علي.
واشتدّت المطالبة بالدستور من قِبل النجف بزعمائها الروحيين وما لهم من تأثير على الشاه(1) ، وكان الشيخ الخراساني ( أنفق سبعمئة ليرة عثمانية أجرة رسائل برقيّة في سبيل تأييد الدستور )(2) .
وهنا حدث حادث له مغزاه العميق، فقد ذهب فريق من تجّار ( البازار )(3) والعلماء وغيرهم، إلى السفارة البريطانية ينشدون معونتها، وحين وجدوا منها تشجيعاً التجأوا إليها فخيّموا في حديقتها الواقعة في ضاحية قولهك، وهناك أخذ عددهم يتزايد يوماً بعد يوم حتى قُدِّر عددهم بنحو من عشرين ألف شخص(4) ، وممّا يلفت النظر أنّ السفارة كانت قد استعدّت لإقامة مثل هذه الأعداد الغفيرة(5) وأخذت زوجة السفير تتحدث إلى المعتصمين بضرورة المطالبة بالحرية والمساواة والحياة الدستورية(6) ، وأعلنوا أنّهم لن يعودوا إلى فتح محلاّتهم حتى تُنفّذ مطاليب المجتهدين، وهي:
1 - أن تقسّم بلاد فارس إلى مناطق انتخابية.
2 - أن ينشأ مجلس نيابي مؤلَّف من (200 ) عضواً تختارهم الأُمّة.
3 - أنّه يجوز أن يُنتخب لعضوية المجلس كل فرد من أهل فارس الذكور، بشرط أنّه يعرف القراءة والكتابة، وأن لا ينقص سنّه عن 30 سنة ولا تزيد على 70 سنة(7) .
____________________
(1) انقلاب إيران ص231.
(2) الشيعة والمنار ص33.
(3) البازار: لفظة فارسية تعني السوق، وهو مؤسّسة تضم أصحاب المحلاّت التجارية: أي الحرفيين وأصحاب الدكاكين، وما زالوا يؤلّفون في إيران طبقة ذات أهميّة في الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ إنّ لهم رؤسائهم وتقاليدهم التي تُسمّى ( قواعد صنف ) فإذا قرّروا إغلاق دكاكينهم احتجاجاً على أمر من الأُمور؛ أصابوا الحياة الاقتصادية بالشلل، ويسيطر على نحو ثلثي تجارة التجزئة ( المفرد ) ويرتبط البازار بالمؤسّسة الدينية بعلاقات وثيقة، وبالمقامات الدينية العليا، وهو المموّل الرئيسي للمؤسّسة الدينية، وتاريخياً تغلق الأسواق أبوابها عندما يغضب الفقهاء، ويعتصم التجّار بالمساجد إذا أرادوا الاحتجاج على أحد قرارات السلطة.
(4) تاريخ سياسي معاصر إيران 1/56.
(5) تاريخ العراق السياسي المعاصر 2/71.
(6) شعراء الغري 10/85.
(7) تاريخ أوربا الحديث ص279.
التجاء في كربلاء:
لم يمض على حادثة التجاء أهل ( البازار ) في طهران إلى المفوّضية البريطانية سوى مدّة قصيرة، حتى جرت في كربلاء حادثة مماثلة، خلاصتها: أنّ الحكومة المحلّية في كربلاء فرضت على الإيرانيين الساكنين فيها ضرائب خاصة، فأعلن الإيرانيون احتجاجهم على تلك الضرائب وتذمّرهم منها، وكان يشجّعهم على هذا الاحتجاج والتذمّر محمد حسن خان القندهاري، الذي كان يتولّى وظيفة نائب القنصل البريطاني في كربلاء، فكان هذا الرجل يغريهم ويمنّيهم، وقد وثقوا بوعوده فتجمّعوا قريباً من دار القنصلية البريطانية الواقعة في محلّة ( الخيمكاه )، وهم في حالة ( الالتجاء ) على الطريقة الإيرانية، ففرشوا البسط في الشارع وعلّقوا خياماً على الجدران؛ ليستظلوا بها من وهج الشمس، واستمرّوا على ذلك أكثر من خمسين يوماً يأكلون وينامون في مكانهم، لا يتحوّلون عنه حتى سدّوا الطريق على المارّة.
كان المتصرّف في كربلاء يومذاك رشيد بك الزهاوي، وقد حاول إقناعهم بالتفرّق دون جدوى، ثم وسّط بعض رجال الدين في ذلك فلم يأبهوا لهم. وقد بعث الميرزا حسين الخليلي، والسيد كاظم اليزدي إليهم من النجف رسلاً ينصحونهم، فلم يستمع أحد منهم للنصح. واضطرّ المتصرّف أخيراً أن يرسل إليهم مدير الشرطة لينذرهم فقابلوا المدير بالاستهزاء، وكأنّهم كانوا واثقين أنّ الحكومة في العراق كحكومة إيران، لا تستطيع أن تنتهك حرمة ( الالتجاء )، أو لعلّهم ظنّوا أنّ بريطانيا العظمى كلها تقف إلى جانبهم.
وجّهت الحكومة إليهم ثلاثة إنذارات متعاقبة كان الأول منها لمدّة أسبوع، والثاني لمدّة أربع وعشرين ساعة، والثالث لمدّة ست ساعات. وقد حلّت نهاية الإنذار الثالث في منتصف ليلة القدر من شهر رمضان 1324هـ / 10 تشرين الثاني 1906م، فأحاط الجنود بالملتجئين، ووجّهوا عليهم رصاص بنادقهم من كل ناحية، إنّ الملتجئين لم يكونوا يتصوّرون أنّ الأمر سيصل إلى هذا الحد، وقال قائل منهم: ( لا تخافوا إنّه ليس رصاصاً حقيقياً )، غير أنّهم صاروا يتساقطون صرعى على الأرض، فأسرعوا يستغيثون بالقنصلية يدقّون بابها لتسمح لهم بالدخول فلم يجدوا منها غوثاً؛ وعند هذا أطلقوا سيقانهم للريح بعد أن سقط منهم سبعون قتيلاً وعدد كبير من الجرحى.
استطاع السيد علي الشهرستاني من علماء كربلاء أن يذهب إلى بغداد وأن يتصل
بالقنصل الإيراني ليخبره بما جرى، وأبرق القنصل بتفاصيل الواقعة إلى طهران واسطنبول. ثم وصل إلى كربلاء خبراء أرسلهم القنصل البريطاني من بغداد للتحقيق في الأمر، فشهدوا محل الواقعة وأثر الرصاص في جدران القنصلية. وكان من نتيجة ذلك أن عزلت الحكومة العثمانية والي بغداد مجيد بك، وعيّنت في مكانه أبو بكر حازم بك.
إنّ السؤال الذي يواجهنا هنا: هل كان هناك ارتباط سببي بين واقعة كربلاء وأحداث المشروطية في طهران؟ وهل أنّ محمد حسن خان حرّض الإيرانيين على ( الالتجاء ) من تلقاء نفسه، أم هو فعل ذلك بإيعاز من الحكومة البريطانية؟ إنّ في هذا سرّاً لا نعرفه، وربّما كشفت عنه الوثائق فيما بعد(1) .
إزاء هذا التصاعد في موقف المعارضة، أعلن مظفّر الدين شاه الموافقة على إقرار النظام الدستوري في البلاد في 15 آب 1906م / 24 جمادى الثاني 1324هـ، فعاد علماء الدين إلى طهران، وجرت انتخابات المجلس الملّي ( مجلس الشورى ) في 12 أيلوي 1906م/ 23 رجب 1324هـ(2) .
وافتتح المجلس الملّي في طهران في 7 تشرين الأول من عام 1906، الموافق 18 شعبان 1324هـ، وقد حضر الشاه مظفّر الدين حفلة الافتتاح على الرغم من مرضه. وكان أول عمل اهتم به المجلس الملّي هو تأليف لجنة لصياغة مواد الدستور، وقد تمّت صياغة الدستور، وصادق عليه الشاه في شهر كانون الثاني من عام 1907، ثم مات الشاه بعد ذلك بأيام معدودة، وذلك في 4 كانون الثاني 1907م / 19 ذي القعدة 1324هـ.
كان الدستور الإيراني في كثير من نصوصه عبارة عن ترجمة حرفية للدستور البلجيكي الصادر في عام 1830، فهو يقوم على أساس المبادئ الديمقراطية التي كانت شائعة في أوربا، من حيث الاعتقاد بالقانون الطبيعي وحقوق الإنسان. وقد تصدّى الشيخ فضل الله النوري بقوّة لمواجهة الانحراف الذي حدث في الحركة الدستورية، وتصدّى لمظاهر الانحراف بشدّة استطاع أن يحقق بعض المكاسب، ومنها: حصوله على تعهّد من المجلس بأن تكون إيران دولة إسلامية، وأن أحكام الإسلام ثابتة غير
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/110 - 111.
(2) دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 18.
متغيّرة، وأنّ المشروطة أن لا تخالف الشريعة الإسلامية(1) ممّا دعا لجنة صياغة الدستور أن تجعله موافقاً للشريعة الإسلامية، لا يخالفها في شيء. نجد هذا واضحاً في المادتين الأُولى والثانية منه.
وفيما يلي نصّهما المترجَم:
المادة الأُولى: الدين الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري الاثني عشري، الحق من الإسلام، ويجب على الشاه أن يقر بهذا المذهب ويحميه.
المادة الثانية: إنّ المجلس، الذي تمّ تشكيله ببركة إمام العصر (عجل الله فرجه)، وتفضّل جلالة الشاه، وسعي العلماء - كثّر الله أمثالهم - والأُمّة الإيرانية، لا يجوز له أبداً أن يسنّ أي قانون مناقض لشرائع الإسلام المقدّسة... ومن الواضح أنّ العلماء هم الذي يقرّرون ذلك. ولهذا، فالواجب رسميّاً في كل دورة من دورات المجلس، أن تكون فيه لجنة مؤلّفة من خمسة أشخاص هم من المجتهدين والفقهاء الورعين، والعارفين أيضاً لحاجات العصر ومقتضياته... وعلى المجلس أن يعتبر هؤلاء أعضاء فيه. ووظيفتهم هي أن يدرسوا جميع اللوائح التشريعية، فإذا وجدوا فيها ما يخالف الشرائع الإسلامية المقدّسة رفضوه، وأنّ قراراتهم في هذا الصدد واجبة التنفيذ ونهائية، وأنّ هذا الشرط من الدستور لا يمكن تغييره إلى حين ظهور إمام العصر (عجّل الله فرجه)(2) .
ومن أهم المشاكل التي واجهت المجلس، هي المشكلة المالية التي يئنّ منها الشعب، وكان الشاه وحكومته يريدون اقتراض (400000) جنيه من إنكلترا وروسيا بالاشتراك، فعارض العلماء والحزب الوطني ذلك بحجّة الخطر في تهديد استقلال البلاد، وأن تُجمع المبالغ بقرض داخلي فأيّد المجلس، ثم وضع المجلس مشروع قانون أساسي لحكم البلاد اضطرّ الشاه التوقيع عليه بعد مماطلة في 30 ديسمبر 1906 أي قبل موته بخمسة أيام، ووعد ألاّ يحل المجلس إلاّ بعد عامين على الأقل، ثم أقرّ المجلس بعض الإصلاحات، هي:
1 - منع ديون جديدة من روسيا وإنكلترا.
2 - حد نفقات الشاه وإنقاصها إلى أصغر قدر ممكن.
____________________
(1) محمد تركمان: شيخ شهيد فضل الله نوري ( فارسي ) 1/15.
(2) لمحات اجتماعية 3/111 - 112 بتصرّف.
3 - إنشاء مصرف وطني.
4 - إبطال ابتزاز الأموال من الأهلين بطرق غير شرعية، ولاسيّما جباية الضرائب.
5 - عزل البلجيكين وغيرهم من الأجانب ممّن أُوتي بهم، أول الأمر، لإصلاح الجمارك بحجّة أصبحوا ذوي نفوذ يخشى منه. وأنهم فضلاً عن عدم عملهم على التقليل من إسراف الشاه ساعدوه على ذلك(1) ...
وفي 4 كانون الثاني 1907 توفّي مظفّر الدين شاه، بعد ثلاثة أشهر من انعقاد أول جلسة للبرلمان الإيراني، فخلفه في الحكم ولده:
محمد علي شاه:
بعد موت الشاه مظفّر الدين - كما أسلفنا - تولّى الحكم ابنه محمد علي شاه، وقد نُودي به ملكاً على إيران في 8 كانون الثاني وتُوّج في 19 منه، وكان طاغية طمّاعاً، سيّئ السيرة، وأخذ منذ بداية حكمه يتظاهر بالميل إلى الحكم النيابي، واحترام الدستور والعمل من أجله. وأرسل إليه الشيخ الخراساني الوصايا العشر المشهورة وهي:
1 - ينبغي منكم بذل النفس والنفيس في المحافظة على الشريعة المطهّرة، وتشييد مباني الإسلام، مع انتخاب معلّم ديني أمين تتلقّون عنه العلوم الشرعية اللازمة لمقام السلطنة، كما أنّه يجب عليكم المواظبة التامّة على العبادات العملية؛ فإنّ أداء الفرائض الإلهية موجبة لدوام سلطنتكم وسيادتكم على الرعيّة.
2 - اجتنبوا الأساتذة الفاسدي العقائد، عبدة الدنيا؛ لأنّ مخالطتهم جاذبة لذميم الأخلاق، ومرذول العادات كما يجذب المغناطيس الحديد.
3 - بذل قصارى الجهد في إعلاء شأن الوطن، وتنظيم أُمور المملكة، وتربية أفراد الأُمّة تربية صحيحة، وحثّ الرعيّة على ممارسة الحِرَف والصنائع، وترويج المنسوجات الوطنية بأن تختاروا لباسكم منها، فإنّكم إذا فعلتم ذلك اقتدى بكم رجال الدولة قاطبة وأفراد الرعية كافّة، فلا شك بأنّ المملكة آنئذ تطلق من عقال الاحتياج للمنسوجات الخارجية، وهكذا فعل ( ميكادو اليابان ) فإنّه لمّا علم أنّ مفتاح مملكته يسير بهذا السبيل طرق أبوابه فنال مقعده النبيل. فإذا نهجتم في ابتداء سلطنتكم وعنفوان صباكم
____________________
(1) تاريخ أوربا الحديثة ص 280.
هذا المنهاج السديد؛ تكونون واسطة لرقي البلاد، ورفع الفقر ودفع الاحتياج الضارب أطنابه في ساحة الرعايا، وعمّا قريب يحلقون بمنطاد المساعي المشكورة إلى أجواء النجاح، وينالون حينئذ الاستقلال الحقيقي، فنكون قد سعينا في تعمير بلادنا، لنظل أصحاب الشوكة والاقتدار إن شاء الله.
4 - بذل مساعيكم وصرف همّتكم إلى نشر العلوم، وترويج الصنائع العصرية التي حلّقت بواسطتها الأُمم إلى أوج الرُقي، ومن البديهيّات المسلّمة أنّ الإيرانيين أكملهم استعداداً وأحسنهم قابليّة، وقد كانوا في طليعة أُمم العالم، ولهم السبق عليهم. وليس التأخّر الحالي الحاصل في المملكة الآن، الذي أوصلها إلى هذا الحد من الفقر والبلاء؛ إلاّ عدم اعتناء الأسلاف بتلك الأُمور، وميلهم إلى مصنوعات الأجانب، حتى أوجب ذلك قهراً سريان الداء في جسم كل فرد من أفراد المملكة، فإحياء إيران فعلاً يدور على هذه النقطة المهمّة.
5 - الحذر كل الحذر من مداخلات الأجانب، والعناية في قطع دابر فتنتهم، فإنّ البلاء مخيّم على تلك الأنحاء، كان بسببهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم، لا ما كان من استجلاب قلوب ملوكهم وعظمائهم، مع المحافظة التامة على مودّتهم، وليست هذه الديون الخطيرة الملقاة على عاتق الدولة إلاّ نتيجة مداخلتهم، ومن اللازم على رجال إيران المحبّين لوطنهم انتخاب الرجال الأكفّاء لإدارة السلطنة.
6 - بذل الجهد في نشر العدالة الحقّة والمساواة، وذلك بأن يتساوى شخص السلطان نفسه وأضعف فرد من أفراد الرعيّة في الحقوق، وأحكام القانون الشرعي حاكمة على الكل من غير استثناء، فإذا ثبتت قدم السلطان في هذا الأمر وقام بأعباء هذا التكليف؛ يتمكّن جزماً من رقاب المعاندين، ويأتون أذلاّء صاغرين، وعندها يكون أساس العدالة محكماً لا لفظاً وتوهمّاً.
7 - محبّة عموم الرعيّة والرأفة جلباً لقلوبهم، وتنشيطاً لهممهم؛ كي يرسخ حبّك في قلوبهم.
8 - ينبغي مراجعة تاريخ مشاهير ملوك العالم، والإحاطة بمعرفة الطرق التي نهجوها في نشر العلوم الدينية والمدنية حتى أحكموا استقلال أُممهم، وزيّنوا صفحات التاريخ بعظيم أفعالهم، حتى ضُربت الأمثال بهم وأُقيمت التماثيل لهم.
9 - ستنكشف لذاتكم الملوكية عند مراجعة تاريخ إيران، بأنّ السلاطين الماضين سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده، كانوا ممّن انهمكوا في الملذّات، واتبعوا الشهوات، وصرفوا أعمارهم في اللهو واللعب، اقتفى رجال دولتهم آثارهم، وسلكوا طرقهم، فكانت نتيجة ذلك: ضعف المملكة، وذلّ الرعيّة، وضياع الأموال، وتبلبل الأحوال. وممّن كان منهم صارفاً نفسه عن الشهوات، وكان أكبر همّه إدارة المملكة، وتربية الرعيّة، ونشر العلوم والصنائع، وتنظيم العساكر؛ تقدّم في زمن قصير على جميع الملوك، فالمأمول إن شاء الله تعالى من الذات الملوكية الإعراض كليّةً عن الطريقة الأُولى السافلة، والاحتراس من سلوك مسالكها المردية، ولا شك بأنّكم تختارون الطريقة الثانية، وتجعلونها نصب أعينكم، وعمّا قريب تحصلون على النتائج الحسنة إن شاء الله.
10 - حفظ مقام العلم، وتكريم حملته من العلماء العاملين والفقهاء المصلحين، فإذا - لا قدّر الله - حصل التقصير بجزئي من هذه الكليّات؛ نكون قد تعرّضنا للمهلكات، وذهبت الدولة من أيدينا، فنعضّ بنان الندم، ولات حين مندم، والسلام(1) .
الداعي
محمد كاظم الخراساني
وكان يقف إلى جانب الشيخ الخراساني في دعوته هذه: الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني من أنصاره في رأيه السياسي:
( ووقف معه جنباً لجنب؛ لأنّه كان يرى رأيه، وكان يوم ذاك من أكبر الدعاة )(2) في عنوان المعركة بين الدستوريين وأنصارهم، وألّف رسالته المشهورة: ( تنبيه الأُمة وتنزيه الملة ) وأحدثت دويّاً في الأوساط، وغيّرت وجهة نظر الكثير من دعاة الاستبداد، ونظراً لصدورها بالفارسية فقد ترجمها الأُستاذ صالح الجعفري باسم الاستبدادية والديمقراطية(3) .
كان تظاهر محمد علي شاه في تأييد الدستور والمجلس مناورة محكمة الخيوط؛
____________________
(1) نُشرت في مجلة العرفان ص119 / مجلد2 / ج1. محرّم 1328/12، ك2/1910 بعنوان الوصايا العشر، أو كيف يوصي العلماء الملوك، وكان الخراساني قد أرسلها إلى الشاه مع سفير خاص اسمه السيد محسن، وقد أمر الشاه بتعليقها في غرفته.
(2) نقباء البشر 2/594.
(3) نُشرت في مجلة العرفان اللبنانية مج 20/ ع1 و2 و4 و5 ومج 21/ ع1 و2 و4 - 5.
لذلك فقد حرّك بعض أذنابه في القيام ببعض الشغب نكاية بالدستور، وقد عيّن قوّاداً لقمع الحركات الوطنية، ومن هؤلاء: حاج صمد خان شجاع الدولة، أو جلاد مراغة الذي شنق عدداً من الوطنيين بصورة وحشيّة جدّاً(1) . والثاني: ( شجاع نظام مرندي ) وهو سفّاك مشهور، وقد نسفه أحد الوطنين بقنبلة يدوية، و( عين الدولة ) نائب الشاه في شمال إيران كلها(2) ، ( وممّا زاد في تمادي صمد خان صدور فتاوى لبعض المجتهدين بارتداد الأحرار عن الإسلام، وكونهم مبدعين في دين الله، يجب دفعهم، فضيق صمد خان الخناق ( والمنصب والياً على أذربيجان من قِبل الروس ) على الأحرار؛ نقماً منهم، وولعاً بإراقة الدماء، فضلاً عن أنّهم قتلوا خاله حاج كبير آغا مجتهد مراغة )(3) .
وممّا زاد في شدّة الصراع عقد المعاهدة الروسية البريطانية في 31 آب 1907م / 1325هـ. ففي هذه المعاهدة اقتسمت الدولتان النفوذ في إيران، حيث حصلت روسيا على القسم الشمالي منها، بينما حصلت بريطانيا على القسم الجنوبي، فكان ذلك بمثابة ضربة قاسية على أنصار المشروطية؛ إذ أصبحت طهران ومناطق إيران الشمالية تحت النفوذ الروسي، ممّا شجّع الشاه محمد علي على التمادي في نزعته الاستبدادية، وصار حرّاً يعمل ما يشاء، دون أن يخشى من تدخّل بريطانيا في دعم أنصار المشروطية(4) .
كان الشاه محمد علي يحيط به مستشارون روس، وهو يتأثّر بآرائهم تأثيراً كبيراً
____________________
(1) ومن هؤلاء: أغا ميرزا علي ثقة الإسلام زعيم الطائفة الشيخية، من العلماء ومن المجاهدين من أجل الدستور. وأغا شيخ سليم من أئمّة دوجي من العلماء.. وضياء العلماء من العلماء وخاله. وحسن وقدير أخوان لأب دستوري... وإبراهيم آغا من زعماء الديمقراطيين.. وصادق الملك. وهؤلاء الثمانية صُلبوا في عاشوراء.. وآغا ميرزا علي كان خطيباً ومصقعاً.. وميرزا أحمد خان السهيلي كان كاتباً فاضلاً شاعراً.. وآغا ميرزا كريم من الخطباء عندما صعد المشنقة صاح بأعلى صوته: ليحيى الشيخ عبد الله المازندراني؛ لأنّه كان من مقلّديه ويجاهد في سبيل الدستور وعمل بفتواه.. وحلاّق.. وسمعت بواحد غلّوا يديه ورجليه ثم أمر حمد خان بإلقائه بين يدي كلب له كبير فافترسه، وغيرهم كثير جاوزوا الستين رجلاً بين الذين قتلهم الروس وبين الذين قتلهم حمد خان، العرفان مج 9/ ج6 ص530.
(2) مذكّرات رضا شاه ص51.
(3) مجلة العرفان اللبنانية مج 9 ع6 ص530، المصلح المجاهد ص79.
(4) يقظة العالم الإسلامي 2/15.
ولاسيّما برأي رجل منهم يهودي اسمه شبشال(1) . يقول المؤرِّخ لنشوفسكي: إنّ الروس كانوا يعتقدون بأنّ حركة المشروطية من تدبير بريطانيا، ويعتبرونها مهدّدة لسطوتهم ونفوذهم في إيران، فاستغلّوا تقرّبهم من بريطانيا في عام 1907، وشجّعوا الشاه محمد علي على تعطيل الدستور(2) .
صار الشاه محمد علي على أي حال يبذل الأموال، ويحشد الأنصار في سبيل القضاء على حركة المشروطية في بلاده، وكان الشعار الذي رفعه في ذلك هو أنّ الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية(3) .
وعليه صدرت الفتاوى من النجف، وهي مطبوعة تنصّ على جواز محاربة الشاه محمد علي والإيقاع به؛ لهتكه حرمة الشرع الشريف، وكانت لأربعة من الأعلام وهم: الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ محمد تقي، والشيخ عبد الله المازندراني(4) ، بوجوب الجهاد في سبيل الدستور والاستعداد للجهاد والدفاع، فطفق الكثيرون يبتاعون البنادق، وربّ رجلٍ باع فرش بيته ليبتاع بندقية(5) ونتيجة لتطوّر المواقف والأحداث؛ أبرقت البرقيّات بتوسّط العلماء إلى بلاط الشاه(6) . وقد أيّد الشاه في موقفه هذا لفيف من رجال الدين الكبار، على رأسهم: الشيخ فضل الله النوري، وكان هذا الرجل من أنصار المشروطية في أول الأمر، ثم انفصل عنهم وأخذ يحاربهم حرباً لا هوادة فيها، ويتّهمهم بأنّهم بابيون وزنادقة. أما أنصار المشروطية فكان يتزعّمهم: السيد محمد الطباطبائي، والسيد عبد الله البهبهاني. وبهذا انقسم الشعب الإيراني إلى حزبين متطاحنين، وصار كل حزب منهم يكفّر الحزب الآخر ويدعو إلى محاربته.
هذه كلها تثبت دسائس الشاه ضد المجلس، والحياة الحرّة الكريمة التي نعمت بها إيران مدّة قصيرة من إنشاء مجالس محلّية، في طهران وأكثر المدن الإيرانية، تشبه تلك
____________________
(1) peter Avery (cp. clt) - pl28
(2) الشرق الأوسط في الشؤون العالمية 1/58.
(3) لمحات اجتماعية.
(4) مجلة العرفان اللبنانية ج5 ص240 في 29 مايس 1909م.
(5) ن. م، مج9 ج3 ص243.
(6) المصلح المجاهد ص80.
التي ظهرت في فرنسا إبّان ثورتها الكبرى(1) ، وقد أُطلق عليها اسم ( الأنجمن ). فكانت هذه النوادي تجمع التبرّعات، وتحشد الأنصار وتدرّبهم على السلاح بغية الدفاع عن المشروطية. وكثيراً ما شوهد رجال الدين بعمائمهم وهم يتدرّبون على استعمال البنادق، معتقدين أنّهم يقومون بواجب الجهاد في سبيل الله.
وتوقّف توزيع الإقطاعيات على أنصار الشاه واسترجاعها، وقطع الجرايات التي تجري على الكثيرين بدون عمل... وكان رأي روسيا ضد المجلس؛ لذلك أمدّت الشاه بالمعونة في إشاعة الضوضاء في البلاد، وسيّرت الدولة العثمانية قسماً من جيشها إلى حدود إيران بحجّة تسكين القلاقل، فانهزم الجيش الإيراني المرسل لملاقاته(2) واضطرّ الشاه على تأزّم الوضع في إيران إلى دعوة البرلمان الجديد في ديسمبر 1907(3) وكان أعضاء البرلمان قرّروا أن يحسنوا العلاقة بينهم وبين الشاه لاستمالته، أو التخفيف من غلوائه وتنحيته بعض أعوانه الذين لهم الأثر في تعكير الجو، لكن دون جدوى... وفي 3 حزيران سنة 1908 فرّ الشاه إلى خارج طهران فجأة لغرض الاستعداد للقيام بالجولة الأخيرة، فكان يجمع الجيوش ويقطع الاتصال بين العاصمة والأقاليم(4) .
وبعد صراع عنيف بين الشاه والمجلس النيابي استطاع الشاه في 23 حزيران 1908 أن يوجّه للمشروطية ضربة قاصمة، فأعلن الأحكام العرفية ووجّه جنود ( القوزاق ) بقيادة الكولونيل لياخوف الروسي لتطويق المجلس، ثم أمر بإطلاق المدافع عليه. وانتشر الرعب في طهران، وأخذ أنصار المشروطية يلوذون بالفرار، فاستطاع بعضهم أن يلتجئ إلى المفوّضية البريطانية وينجو بنفسه، بينما وقع البضع الآخر في قبضة القوّات الحكومية. وقد شنق من المقبوض عليهم اثنان: أحدهما الميرزا جهانكير خان صاحب جريدة ( صور إسرافيل ) الثورية، والثاني هو الميرزا نصر الله الأصفهاني، الذي كان من أشد وعّاظ المشروطية تأثيراً في الجماهير حتى كان يُلقّب بـ ( ملك المتكلّمين ) وهو الذي لا يزال تمثاله قائماً في أحد شوارع طهران.
____________________
(1) percy sykes (op.clt.) col2. p408
(2) تاريخ أوربا الحديثة ص281.
(3) رضا شاه پهلوي ص25.
(4) المصلح المجاهد ص86.
وبعد أن انتصر الشاه في طهران أبرق إلى ولاته في أنحاء إيران يأمرهم بإلغاء المشروطية، وتشتيت شمل أنصارها، وسد نواديهم(1) ببيان نصّه:
( إنّي وإن قد وعدت أن يفتتح مجلسكم في 14 نوفمبر سنة 1908 إلاّ أنّ الأكثرية من أعضاء المجلس والأهلين يلحّون على صرف النظر عن افتتاحه، ومن هذه الجهة صمّمت أن أُحقّق رغبة الناس؛ لأنّ افتتاح المجلس وتحقير الإسلام توأمان )(2) .
وقد ردّ المصلح الخراساني على برقيّة الشاه بما نصّه: ( يا منكر الدين ويا أيّها الضال - الذي لا نستطيع مخاطبتك بلقب ( شاه ) - كان المرحوم أعطى الدستور ليرفع الظلم والتصرّفات غير القانونية عن الشعب الذي كان في ظلام دامس قروناً عديدة، حيث إنّه لا يوجد في المشروطية شيء يخالف الدين، وكنّا ننتظر من شجرة الدستور أن تثمر السعادة للشعب المظلوم، ويحافظ بعد جلوسك على العرش، ومن هذا الوجه اعترفنا لك بولاية العهد الدستورية، وكذلك من اليوم الأول الذي تبوّأت فيه عرش السلطنة؛ وضعت تحت أقدامك جميع الوعود والأيمان، وعملت بجميع الحيل ضد المشروطية، وقد تجلّى لنا خطأنا فيك حيث سعيت أن تجعلنا آلة بيدك ضد المجلس، وحاولت أن ترشونا بقانون أساسي تافه نظمته أنت، والذي كان فيه ضرر للناس وأردت أن نصادق عليه. ( والآن سمعنا أنّك أرسلت إلينا أحد رجالك المقرّبين لشراء ذممنا بالذهب، ولستَ عالماً أنّ سعادة الشعب أثمن كثيراً من ذهبك ).
إنّنا نظن أنّ البيان الذي نشرته لإحياء المشروطية كان بتأثير الأجانب، وكان كاتبه أحد المجتهدين المعادين للإسلام، مَن باع دينه وإيمانه ووجدانه بالمال، وهو من أتباع الشيطان. وفي بيانه المذكور بحث عن الدين والشريعة، ونحن بأمر الله وإرادة الشعب، وباسم الشيعة المدافعين نقول له: إنّ ذكرك للدين والشريعة كذب وهراء، أردت بكذبك هذا إغفال البسطاء المتمسّكين بالدين؛ لتمنع الدستور وتجعل الناس في ذلٍ وفقر. وعلى هذا أنت عدوٌّ للدين المقدّس، وخائن للوطن، وتشبه السارق الذي يسرق الناس باسم الدين والشريعة.
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/114.
(2) التطوّر الفكري في العراق ص25، المصلح المجاهد ص87.
نحن الروحانيين من أهالي إيران نبلّغك أن تنظر بدقّة وتفكّر في سعادة الشعب، وإلاّ فسوف يلقّبك الشعب بالخيانة والمنكر، ويلعنك إلى الأبد، اعمل معروفاً مرة واحدة في حياتك بأن تعطي للشعب المظلوم الحرية، إنّك أنت والمجتهدون المرتزقة الذين يدعون بمخالفة المشروطية للشرع، يتجاهلون حقيقة الدين بأنّ العدالة شرط حتى في الأُمور الجزئية، ونحن بحسب اطلاعنا عن البلاد المطبّق فيها الدستور: أنّها تدار بحسب القوانين والعدالة. ونحن نقول بصراحة: ليس في المشروطية نقطة تخالف الدين الإسلامي، بل إنّها تتفق مع أحكام الدين، وأوامر الأنبياء بخصوص العدالة، ورفع الظلم عن الناس، يقول المثل: كن في حراستك سارقاً ولكن امنع الظلم عن الشعب، وأعط الشعب الدستور الحر لتتحسّن أحواله، وأحرق السند الشيطاني، وانشر بياناً آخر تعطي فيه الحرية إذا حصل تأخّر منك عمّا قلناه؛ فإنّنا سوف نحضر جميعاً في إيران ونعلن الجهاد ضدّك، ولنا في إيران أتباع كثيرون، والمسلمون كثيرون أيضاً، فإنّنا أقسمنا على ذلك )(1) .
وكيل المجتهدين
محمد كاظم الخراساني
حاول محمد علي شاه مواجهة التطوّرات المحتملة، باستدعاء الجيش الروسي في بداية سنة 1909 لدخول الأراضي الإيرانية، معتبراً أنّ الوجود العسكري الروسي سيحبط محاولات العلماء التي تستهدف سلطته، وأنّ دخول هذه القوات عملية ضرورية لتثبيت سلطته، حتى لو استدعى ذلك إعطاء أذربيجان لروسيا(2) .
وقد أثارت هذه الخطوة العلماء كافّة ممّن يدعم المشروطية ومَن لم يدعمها، فقد أبرق السيد محمد كاظم اليزدي إلى محمد علي شاه يشجب فيها دخول القوّات الروسية إلى إيران، معتبراً ذلك احتلالاً عسكرياً، وهذا ما أثار مخاوف الحكومة الروسية، فقد كتب السفير البريطاني في بغداد يقول: ( أبلغني المسيو ماسجكوف - موظف الحكومة الروسية - أنّ الملاّ محمد كاظم الخراساني له نفوذ عظيم في باكو، بشكل جعل من باكو
____________________
(1) التطوّر الفكري في العراق ص27.
(2) تشيّع ومشروطيّت در إيران ص112.
أعظم مراكز نفوذه الفتّاكة التي تجري فيها التبليغات الثورية... كما أنّ أكثر الشخصيات [ الروحانية ] نفوذاً خارج باكو وسط المسلمين القفقاز هو السيد كاظم اليزدي، لهذا يقول: أنا أعتقد بأنّ الضروري إلى نقطة هامّة هي أنّ السيد كاظم اليزدي لم يبتعد عن السياسة، إنّه الآن يريد أن يستخدم نفوذه حتى يدفع الروس، وإنّ السيد كاظم اليزدي يُحترم كثيراً هناك... بناءً على ذلك إذاً كان يفكّر بوجوب الاشتراك في الأُمور السياسية، فمن الممكن أن يحرّك الثورات في القفقاز، وإيجاد مشاكل واضطرابات واضحة للدولة الروسية )(1) .
وأخذ الولاة ينتقمون من أنصار المشروطية، فكانوا يجلدون مَن يقع في أيديهم منهم أو يبعدونه أو يحبسونه...(2) .
هذا كله جعل الشعب في ألمٍ مستعر، وغليان مستمر، وتمهّدت الأُمور للقيام بالثورة، فقد هبّت الثورات عليه في بعض المدن، وكان أهم هذه الثورات تلك التي نشبت في تبريز، إذ استطاع أنصار المشروطية فيها أن ينظّموا أنفسهم تنظيماً جيّداً، وتمكّنوا من السيطرة على المدينة فترة غير قصيرة من الزمن(3) . وقد شجّعت هذه الثورة أهل رشت لأن يقوموا بثورة مماثلة، وتحرّكت القوات الرشتية نحو مدينة قزوين فاحتلتها، ثم توجّهت نحو طهران. وجاءت الضربة القاصمة أخيراً على يد الحاج علي قلي خان رئيس قبائل البختيارية في منطقة أصفهان، وهو المعروف بلقب ( السردار أسعد ) فقد حشد هذا الرجل قوّات مقاتلة بلغ عدد أفرادها ألفين ومعها عدّة مدافع. وفي حزيران من عام 1909 توجّه السردار أسعد بقوّاته نحو طهران، والتقى على مقربة منها بالقوّات القادمة من رشت، وفي 12 تموز دخل طهران فاتحاً(4) .
وفي أثناء ذلك كتب الثوّار الإيرانيّون يستفتون الشيخ الخراساني، والشيخ المازندراني عن جواز دفع الضرائب إلى الحكومة غير الدستورية؛ فأقرّا بعدم جواز ذلك
____________________
(1) ن. م ص116.
(2) لمحات اجتماعية 3/114.
(3) انظر المقالات المتسلسلة التي نشرتها مجلة العرفان الصيداوية في عام 1923 بقلم السيد أحمد كسروي التبريزي.
(4) ن. م.
مطلقاً(1) كما كتبا رسالة إلى تبريز يطلبان فيها مساعدة القائمين بالثورة ضد حكومة الشاه المستبدّة، وبعد معارك بين الثوّار وجيش الشاه في عدّة مواقع، منها في 16 تموز 1909م / 27 جمادى الثانية 1327هـ، ليلاً دخل الثوّار إلى طهران(2) وجرّدوا فرقة القوزاق التي تحرس الشاه من سلاحها، وأخيراً انظمّ القوزاق للثوّار(3) والتجأ الشاه إلى السفارة الروسية؛ طلباً للسلامة في 17 تموز، وعدّ التجاؤه هذا تنازلاً عن الملك(4) ، وأراد الثوّار من الحكومة إجابة طلبهم في:
1 - جلاء الجنود الروسية، وكانوا قد احتلّوا تبريز وغيرها من مدن أذربيجان إيران.
2 - إعادة الحكم النيابي.
3 - صرف الجنود غير المنظّمة التي جمعها الشاه.
4 - إبعاد الرجعيين من حاشية الملك(5) .
وفي صباح اليوم الثاني سار الثوّار إلى دار المجلس القديم واتخذوها مقرّاً، وفي مساء اليوم نفسه ( اجتمع زعماء الوطنيين، حضره رؤساء الجيش والمجتهدون والأعيان، ومَن تيسّر جمعه من أعضاء المجلس القديم فأعلنوا عزل الشاه رسميّاً )(6) .
وفي 18 تموز 1909 اختار الثوّار أحمد ميرزا ( ابن الشاه المخلوع )، شاهاً على إيران وهو ابن الثانية عشرة من العمر، وقد أقاموا عليه وكيلاً كبير أُسرة آل قاجار يُدعى عضد الملك، ووافق على ذلك العلماء الروحانيّون وفي مقدّمتهم: الشيخ محمد كاظم الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، والحاج ميرزا حسين الخليلي، والشيخ الميرزا حسين النائيني(7) وبذلك قال الشعب كلمته بقيادة ثورته التحرّرية، وزعيمها الروحي المصلح الخراساني، واستقرّت الأُمور وهدأت الثورة.. وغادر الشاه المخلوع البلاد في شهر أيلول من العام نفسه 1909، وحاول أن يسترجع عرشه بمساعدة الروس
____________________
(1) المصلح المجاهد ص89.
(2) رضا شاه پهلوي ص25.
(3) مج العرفان اللبنانية ج8 في 17 آب 1909 ص397.
(4) ن. م. مج 10 في حزيران 1925 ص991.
(5) تاريخ أوربا الحديثة ص284.
(6) ن. م.
(7) مجلة العرفان اللبنانية مجلد 10 في حزيران 1925 ص991.
وتعضيدهم فلم يفلح(1) إذ دخل البلاد من شمالها ولكنه در اندحاراً لم يعد به بارقة أمل للعودة إلى الحكم، وقد قتل أرشد الدولة وهو من أقوى أنصاره(2) ثم هرب من إيران إلى سان ريمو وبقي بها برهة من الزمن حتى اغتالته يد المنون في نيسان 1925 / النصف من رمضان 1343(3) .
ومن الجدير بالذكر بل المهم أنّ روسيا وإنكلترا اتفقنا على ما بينهما من الخصومة على تقسيم بلاد إيران في عهد محمد علي شاه إلى منطقتي نفوذ تجاري، المنطقة الشمالية وكانت من نصيبف روسيا، والجنوبية من نصيب الإنكليز على أن تكون المنطقة الجنوبية الغربية منطقة حياد، وبقي هذا الاتفاق سرّاً إلى أن أُلغي بعد قيام الثورة الشيوعية في روسيا في شباط 1918(4) . ممّا حفّز العلماء الأعلام من الأحرار إلى إرسال بعوث إلى الآستانة، ثم إلى إعلان الحرب على روسيا واحتلال الدولة العثمانية لإيران بسبب تلك المواقف الخبيثة التي وقفتها روسيا من المعاهدة السريّة، ومساعدة الشاه الذي سوّد التاريخ بأعماله البربرية وقساوته الوحشية، أقاموا وكيلاً عنهم أحمد رضا بك رئيس مجلس النوّاب، والحر العثماني الشهير(5) .
نتائجها:
أعطت الحركة المشروطية والدستورية عدداً من النتائج، كانت بعضها سلبية والأُخرى إيجابية بسبب عدم قطعيّة بعض رجال الثورة وتحفّظاتهم، ثم عدم تنفيذ بعض مواد الدستور ندرج أهمّها:
1 - تثبيت الدستور وقيام المجلس.
2 - إعلاء كلمة العلماء وتبجيلهم لقيادتهم الحكيمة للحركة الدستورية وتفانيهم في سبيل الأُمّة.
3 - تأديب المعارضين لمصالح الشعب وضربهم، وتنحية الشاه وأعوانه.
____________________
(1) رضا شاه بهلوي ص26.
(2) مج العرفان اللبنانية مج3 ج19 في 24 أيلول 1911 ص738.
(3) ن. م. مج 10 ج10 في حزيران 1925 ص992.
(4) رضا شاه بهلوي ص27.
(5) مجلة العرفان اللبنانية ج7 في18 تموز 1909 ص358.
4 - اشتداد عداوة الروس لنظام تحت ظل الدستور، وما نتج عن ذلك حركة مهمّة قام بها الملاّ محمد كاظم الخراساني.
5 - وقوع حوادث لم تكن بالحسبان في أنحاء المملكة الإيرانية، وخصوصاً في مقاطعة أذربيجان ومقرّها تبريز، نتيجة استغلال بعض أصحاب الحركة الفرصة ووقوع الخسائر في الأموال والأرواح.
إنّ نظرة السيد اليزدي إلى المشروطية قائمة على أساس رصد الممارسة الفعلية التي يقوم بها رجال المشروطية، وتشخيص دوافعهم من ورائها، حيث كان يعتبر أنّ موقفهم الحقيقي معادٍ للإسلام، وأنّهم يريدون تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع، وقد أبدى هذا الرأي ذات مرة في منزل شيخ الشريعة الأصفهاني(1) .
مع العلم أنّ الشيخ النوري أصدر بياناً، كشف فيه أنّ السيد كاظم اليزدي لا يعارض المشروطة، ويستند في ذلك على برقيّة أرسلها السيد اليزدي.
وممّا يؤيّد هذا الرأي مسوّدة البرقيّة التي بعثها إلى الآخوند الآملي نصّها(2) :
من النجف / رقم 676
حضرة ثقة الإسلام الآملي دامت بركاته:
لقد تملّكنا القلق من تجرّؤ المبتدعين، وإشاعة كفر الملحدين، نتيجة الحرية الزائفة، وسوف لن يتمكّنوا من تنفيذ مآربهم بعون الله، وبالطبع فإنّ الوقوف بوجه الكفر، وصيانة العقيدة، وتطبيق القوانين القرآنية القويمة والشريعة المحمّدية الأبدية، يُعتبر من أهم فرائض العلماء الربّانيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة لصلاح وصون الدين ودماء المسلمين، لا بأس من بذل الجهود في هذا الصدد.
23 جمادى الأُولى [ 1325هـ ]
محمد كاظم اليزدي
كما أنّ تخلّي العلماء في النجف الأشرف عن المشروطة كانت فترة انتظار مؤقّتة، لحين توفّر فرصة مناسبة لتصحيح مسار الحركة الدستورية(3) .
____________________
(1) دور علماء الشيعة ص26 عن مقابلة مع السيد عبد العزيز الطباطبائي في 20 رمضان 1414هـ / 3 آذار 1994.
(2) ن. م ص30.
(3) ن. م ص44.
وهذا ممّا حدث فعلاً - وهذا بعض ما كان يتوقّع السيد اليزدي - فقد تمّت تعيينات في الحكومة سيطر فيها العلمانيون على المراكز الهامّة في السلطة، وبذلك تمّ الالتفاف على الثورة واستفراغ محتواها الإسلامي.
وتصفية الشخصيات الإسلامية المعارضة للانحراف الدستوري، والتي تخلّت عن دعمها للمشروطة، كالشيخ فضل الله النوري، الذي أُعدم يوم 31 تموز 1909م / 13 رجب 1327هـ.
والسيد عبد الله البهبهاني الذي اغتيل في منزله في إحدى ليالي شعبان 1328هـ / 1910م.
( وقف السيد اليزدي من الحركة الدستورية موقفاً محايداً، لم يتدخل في السياسة، ولم يعارض فيكون موقفاً سلبياً، ولكنّهم لم يقنعوا باعتزاله عنهم، بل أرادوه ليخوض معهم، فامتنع وصعد برباطة جأش وعزم راسخ، ولم يُجْدِ فيه التهديد بالقتل ولا محاولات الاغتيال، فهاجموه وأهانوه وآذوه وكالوا له أنواع التهم، حتى ألجأوه إلى أن يقف منهم موقف المعارض )(1) .
وكان قد وصل إليه قبل مجيء الرسل إلى النجف الأشرف، من ثقاة أصحابه في إيران: أنّ واقع الأمر ليس على ظاهره، وأنّها مكيدة من قبل الحكومة البريطانية للتدخّل عن طريقها في شؤون المسلمين الإيرانيين، وتنفيذ سيطرتها ومقاصدها في إيران المسلمة، وقد تبيّن صحّة ذلك بعد مضي سنوات يسيرة حيث تراجع آية الله النوري عن موقفه الإيجابي، فأعلن استنكاره للأمر وشدّد عليه دون استمراره، فانتهى الأمر إلى صلبه أمام الناس عام 1327هـ... إلى غيرها ممّا أوردناه في بحثنا.
تداعيات الحركة:
الشقاق في العراق:
إنّ هذه الأحداث الصاخبة التي حدثت في إيران، لا يمكن أن تمر دون أن يكون لها صداها في المجتمع العراقي. والواقع أنّ الرسائل والاستفتاءات أخذت تنهال من إيران على كبار المجتهدين في النجف؛ تسألهم عن المشروطية هل هي حلال أم حرام؟ وكان
____________________
(1) مذكّرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المخطوطة، ملحق رقم ( 1 ) بآخر الكتاب.
جواب المجتهدين في أول الأمر أنّ المشروطية موافقة للشريعة الإسلامية، غير أنّهم انقسموا بعدئذ على منوال ما انقسم علماء إيران، فأدّى ذلك إلى ظهور الجدال والتنازع في أوساط العامة، ممّا كان له أثره البالغ في المجتمع العراقي، وتطوّر وعيه السياسي.
من أوائل الرسائل التي وردت إلى علماء النجف تستفتيهم في أمر المشروطية كانت هذه الرسالة، ننقلها بعد ترجمتها إلى العربية:
إلى حضرات المجتهدين وحفظة الحكمة الإلهيّة - لابدّ وأنّكم سمعتم بمجلس الشورى الشعبي، وأنتم تعرفون جيّداً أنّ هذا المجلس، الذي يعمل على حفظ القوانين المستمدّة من الطريقة الاثني عشرية المقدّسة، لمحو الظالمين والخائنين، ونشر العدل على جميع البلاد وإعلاء شأن الراية الإيرانية، ويؤسفنا أن عدداً من الأنانيين المفسدين أخذوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب من أجل محو المجلس. فنحن ننتظر فتواكم في بيان تكليف المسلمين في هذا الشأن.
وعلى أثر وصول هذا الاستفتاء إلى النجف اجتمع كبار علمائها للجواب عليه، وكانت فتواهم التي اتفقوا عليها هي كما يلي:
( بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على القوم الظالمين إلى يوم القيامة.
أمّا بعد:
فبالتأييدات الإلهيّة، والمراحم السماوية، وتحت توجيهات الهادي العالي الشأن حضرة صاحب الزمان روحنا فداه: إنّ قوانين المجلس المذكور على الشكل الذي ذكرتموه، هي قوانين مقدّسة ومحترمة، وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفّذوها. وعليه نكرّر قولنا: إنّ الإقدام على مقاومة المجلس العالي، بمنزلة الإقدام على مقاومة أحكام الدين الحنيف، فواجب المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس )(1) .
وقد وقع على هذه الفتوى الملاّ كاظم الخراساني بالنيابة عن زملائه المجتهدين،
____________________
(1) التطوّر الفكري في العراق ص 23 - 24.
ولم يشذ عنهم في ذلك سوى السيد كاظم اليزدي إذ امتنع عن التوقيع.
وكان امتناع هذا المجتهد بداية الانقسام بين المجتهدين، ثم أخذ الانقسام يشتد ويستفحل بمرور الأيام.
انقسم أهل النجف إلى فريقين متعاديين: أحدهما يدعو إلى المشروطية بزعامة الملاّ كاظم الخراساني، والآخر يدعو إلى الاستبداد بزعامة السيد محمد كاظم اليزدي. ويجب أن لا ننسى - في هذا الصدد - ما في المجتمع النجفي من ميل مفرط إلى الجدل بوجهٍ عام، فلمّا جاءت قضية المشروطية كانت حافزاً جديداً فيه، حيث انثال الناس يتجادلون حولها بعنف شديد، إلى درجةٍ لم يسبق لها مثيل من قبل. وقد أشار أحد الشعراء إلى ذلك حيث قال:
تغيّرت الدنيا وأصبح شرّها |
يروح بإفراطٍ ويغدو بتفريطِ |
|
إلى أين يمضي مَن يروم سلامةً |
وما الناس إلاّ مستبدٌّ ومشروطي(1) . |
وما زال الكثير من رجال الدين يحملون أسوأ الأثر عن المشروطة ويلعنونها لعناً وبيلاً.
فقد أورد الدكتور علي الوردي مثلاً: أنّه التقى بالعلاّمة السيد محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي، وسأله عن رأيه في المشروطة، فما كان من السيد الموسوي إلاّ أن يبادره على الفور بذمّها ذمّاً قبيحاً ووصفها بأنّها ( خراب الدين )، ثم قال: إنّها هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ضياع!
وللعلاّمة الأصفهاني كتاب عنوانه: ( أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة )، وقد تطرّق في كتابه إلى ذكر المشروطة عند ترجمته للشيخ فضل الله النوري، فهو يقول فيه ما نصّه:
( وكان - رحمه الله - من كبار العلماء المجتهدين، وأجلاّء الفقهاء المحدثين، والأدباء البارعين، والنبلاء الجامعين، ولدين الله من الناصرين... وقد صلبه أشرار الفرقة المعروفة بالمشروطة، والمتولّي لصلبه بأمرهم رجل من الأرامنة يُدعى ببيرم... في طهران بمَلأٍ من الناس، ولم يتكلّم أحد أبداً، من دون جرم وتقصير لسبب ليس محل
____________________
(1) أعيان الشيعة، ط دمشق 1938 - 7/461، لمحات اجتماعية 3/116.
ذكره هنا. وقد قتلت هذه الفئة المعروفة جمعاً كثيراً من أعاظم علمائنا... وكان غرضهم من ذلك محو الدين؛ كي تكون لهم الحرية التامة، فيفعل كل منهم ما يشاء، ويحكم ما يريد من دون معارض لهم( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ ) (1) إذ مع نفوذ العلماء ما كانوا يقدرن أن يبثّوا آرائهم الباطلة، وينشروا عقائدهم الفاسدة في البلاد الإسلامية، ولكن للبيت ربٌّ يحميه وللدين صاحب يقيه... ).
ويعود السيد محمد مهدي الموسوي إلى ذمّ المشروطية، في موضع آخر من كتابه عند ترجمته للسيد كاظم اليزدي، فهو يصفها على النحو التالي:
إنّها هي التي أنزلت الملوك عن عروشها والسلاطين عن تخوتها، وقُتل فيها العلماء الورعون والوزراء العادلون، وأحدثت في الإسلام ثلمة عظيمة لا يسدّها إلاّ ظهور المهدي (عجّل الله تعالى فرجه وسهّل لنا مخرجه)، وقد ذهب أبالسة المشروطة إلى حجّة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي (عليه الرضوان) ليدخلوه في حزبهم العاطل، كما أغفلوا جماعة من معاصريه، ولكن سيّدنا المعظّم استلم سرّاً عن أحوال الحزب المشروطي من أهالي بعض المدن الإيرانية، ممّن يثق بقولهم، فلمّا كتبوا له حقيقة الأمر لم يدخل في الحزب، وقعد في داره خائفاً يترقّب. وقد أرادوا قتله لكن رؤساء أعراب النجف، وهم أهل الغيرة والحميّة والديانة والفتوّة، حفّوا به وطافوا حول داره كطوافهم حول الكعبة المشرّفة، فلم ير العدو الفرصة في قتله. وظنّي أنّ رؤساء النجف هؤلاء لو كانوا في طهران لمنعوا من قتل الشهيد السيد عبد الله البهبهاني... ( اللّهمّ أرنا الفجر الصادق والنور البارق، الطلعة الرشيدة والغُرّة الحميدة، مولانا إمام العصر والزمن، الحجّة بن الحسن (ع)، ليأخذ من أعداء الدين ثأر المسلمين... )(2) .
وممّا زاد في الطين بلّة أنّ الروس أسّسوا في النجف قنصلية، وعيّنوا لها رجلاً واسع الحيلة، شديد الدأب في مقاومة المشروطية هو أبو القاسم الشيرواني، الذي وقف إلى جانب جماعة السيد اليزدي، وحاول أن يستميله في معارضة المشروطة، ممّا وضع السيد في دائرة الاتهام، وأُطلقت عليه تهمة كونه من أنصار الاستبداد(3) .
____________________
(1) سورة التوبة: الآية 32.
(2) أحسن الوديعة ص153 - 154، 250 - 251.
(3) تاريخ العراق السياسي المعاصر 2/82.
واستطاع اليزدي أن يستميل إليه الكثير من العامة ومغاوير المحلاّت من رجال ( الزقرت ) و( الشمرت ). فكان إذا خرج إلى الصلاة حفّ به المسلحون من أعوانه، وهم يهتفون بالصلاة على محمد وآل محمد - تحدّياً لأنصار المشروطية. وصارت الإشاعات تروج في أوساط العامة حول المشروطية، بأنّ المقصود منها هو هدم الدين وإفساد الأخلاق.
وفي أحد الأيام ظهر على بعض الجدران في النجف إعلان، فيه صورة يد تمسك مسدّساً وفيه تهديد لليزدي بأنّه سيُقتل إذا لم ينزل على إرادة أنصار المشروطية، فهاج العوام لذلك وثارت بهم ( الغيرة على ابن رسول الله ) باعتبار أنّ اليزدي سيّد من ذريّة الرسول. وصار أنصار المشروطية عرضة للاعتداء والضرب في الأسواق والطرقات، بحجّة أنّهم زنادقة مارقين عن الدين.
الواقع أنّ الجدال حول المشروطية لم يقتصر على النجف وحدها، بل سرى إلى كربلاء والكاظمية وبعض مناطق العراق الأُخرى. حتى وصل الحد إلى أنّ بعض طلبة العلوم الدينية في النجف لم يستطيعوا ولمدّة سنة كاملة من زيارة كربلاء، أو الكوفة، أو مسجد السهلة؛ خوفاً على أرواحهم(1) .
ينقل د. علي الوردي، عن أحد المسنّين من أهل الكاظمية عمّا جرى في هذه البلدة من نزاع شديد وجدال حول المشروطة، فقد كان أكثر العامة من دعاة الاستبداد، ويعدّون الملاّ كاظم الخراساني هو وأتباعه كفّاراً، ولا يكادون يسمعون عن أحد العلماء أنّه ( مشروطة ) حتى ينفضّوا عنه، ويلعونه ويتركوا الصلاة خلفه.
حاول أحد دعاة المشروطية، وكان شاباً شديد الحماس، أن يجمع التواقيع في تأييدها، فذهب إلى أحد العلماء في الصحن الكاظمي يطلب منه توقيعه، ولمّا وجده يرفض إعطاء خاتمه للتوقيع سحب السجّادة من تحته ومنعه من الصلاة، وقد حدثت في الكاظمية ضجّة من جرّاء ذلك، وهبّ نفر من مغاوير المحلاّت فطاردوا الشاب ثم أمسكوا به في أحد الأزقة، واعتدوا عليه اعتداءاً منكراً. وحين علمت الحكومة بالأمر أرسلت قوّة من الجنود لحماية الاستبداديين، فأدّى ذلك إلى انكماش المشروطيين
____________________
(1) سياحة في الشرق ص303.
وتضاؤل نفوذهم في البلدة، وظل الوضع كذلك فيها حتى يوم إعلان الدستور في البلاد العثمانية، حيث انقلب الوضع إلى عكسه(1) .
يروي الشيخ محمد حرز الدين أنّه كان في مسجد السهلة بالكوفة في 7 شوّال 1326هـ / 2 تشرين الثاني 1908م، فقدم جماعة من إيران يستفتون الميرزا حسين الميرزا خليل حول جزاء المحارب لله ولرسوله، ممّن يسعى في الأرض فساداً، هل يجوز قتله؟
وقد كتب الميرزا حسين، والآخوند الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني الجواب بالإيجاب.
فأدرك الشيخ حرز الدين أنّ هؤلاء يستهدفون العلماء الذين يعارضون المشروطة، فأسرّ للميرزا حسين بحقيقة الأمر، فطلب أصحاب الاستفتاء فلم يعثروا عليهم، ممّا اضطر الميرزا إلى كتابه ورقة فيها عدول عمّا أفتى به، وتوفّي بعد هذه الحادثة بثلاثة أيام(2) .
من النوادر الأدبية التي تُروى عن تلك الفترة: أنّ أحد علماء الكاظمية، وهو السيد محمد مهدي الصدر، نظم بيتين من الشعر في ذمّ الاستبداديين، فانبرى الشيخ عبد الحسين الأسدي يرد عليه، حيث قام بتشطير البيتين ممّا أدى إلى قلب معناهما إلى النقيض منه. ننقل فيما يلي البيتين مع تشطيرهما، وقد وضعنا التشطير بين قوسين تمييزا له عن الأصل:
المستبدّون قد تاهوا بغيِّهمُ |
( بذاك قد قال قومٌ وافتروا زورا ) |
|
( صمٌ وبكمٌ فهم لا يعقلون كما ) |
لم يجعل الله في أبصارهم نورا |
|
لو كان يمكنهم أن ينسخوا نسخوا |
( ما كان في لوحه المحفوظ مسطورا ) |
|
( مالوا لشورى الأُلى قد حرّفوا علناً ) |
من الكتاب عناداً آية الشورى(3) |
إعلان الدستور العثماني:
أعلن الدستور في البلاد العثمانية في 23 تموز من عام 1908، وانتشرت مظاهر
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/ 118.
(2) معارف الرجال 1/ 278.
(3) لمحات اجتماعية 3 / 118.
الزينة والابتهاج في العراق بتلك المناسبة، فكان هذا التحوّل الفجائي في موقف الحكومة العثمانية من المشروطية، عاملاً مهمّاً في تدعيم موقف الملاّ كاظم الخراساني وأعوانه، وانخذال أعوان السيد محمد كاظم اليزدي(1) .
فقد كان قبل انتصار الحركة الدستورية في تركيا، كانت جماعة السيد اليزدي هي الأقوى، إذ كان يصلّي وراءه الآلاف، في حين لم يكن يصلّي وراء الآخوند الخراساني سوى عدد قليل لا يزيد على ثلاثين شخصاً(2) .
وكان أنصار المشروطة يتعرّضون لمضايقات العشائر العراقية؛ لأنّهم يرونهم خصوماً للسيد اليزدي، حتى أنّ طلبة العلوم الدينية لم يستطيعوا الخروج من النجف الأشرف، لمدّة سنة كاملة، لزيارة كربلاء والكوفة؛ خوفاً من خصوم المشروطة(3) .
من طبيعة العامة أنّهم يستأسدون في حالة الأمن من الخطر، فإذا حلّ بهم الخطر انكمشوا في بيوتهم، وأخذ كل منهم يتبرّأ من عمل الآخر، ويزعم أنّه لا دخل له في الأُمور. وهذا هو ما حدث في النجف عند إعلان الدستور العثماني، فقد انكمش العوام أتباع السيد اليزدي، وأصبح الجو ملائماً لأتباع الخراساني يصولون فيه ويجولون(4) .
كما تعرّض السيد اليزدي إلى مضايقات حكومة الاتحاد والترقّي، وهدّدوه بالنفي خارج العراق، وحاول بعض أنصار المشروطة الإساءة إليه اجتماعياً، عن طريق إرسال برقيّات إلى اسطنبول تتهمه بتهم سيّئة، بغية تعريضه لعقوبة قاسية من الحكومة العثمانية(5) .
كما حاول أحد القادة الأتراك التأثير على موقف السيد اليزدي، فزاره في النجف الأشرف، وطلب منه أن يصدر رأياً في الحركة الدستورية، فأجابه السيد اليزدي: إنّ الشعارات التي ترفعونها هي شعارات غربيّة، وهؤلاء الذين ينادون بالحرية إنّما يريدون
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/ 118.
(2) زندگاني آخوند خراساني، (ص 13).
(3) آغا نجفي قوجاني، سياحة شرق ( فارسي ).
(4) لمحات اجتماعية 3 / 118.
(5) دور علماء الشيعة ص 26 عن مقابلة مع المحقق السيد عبد العزيزي الطباطبائي - أحد أحفاد اليزدي - في 12 رمضان 1414 هـ / 23 شباط 1994.
إنهاء الإسلام في البلاد من خلال المظاهر الغربية في الحياة(1) .
ونظم الشيخ علي الشرقي قصيدة يهجو بها اليزدي ويتشفّى به.
كما نظم السيد صالح الحلّي بعض الأبيات اللاّذعة من الشعر، قارن في أحدها بين اليزدي ويزيد:
فو اللهِ ما أدري غداً في جهنّمٍ |
أ (يزديّها) أشقى الورى أم (يزيدها)(2) |
كان قائم مقام النجف يومذاك ناجي السويدي، وهو بغدادي أديب له صلات حسنة مع أنصار المشروطية، وقد بذل جهده في تأييدهم. ثم زار النجف ثريا بك من زعماء الاتحاديين، فاجتمع بالخراساني في إحدى المدارس الدينية، فكان يوماً حافلاً في النجف ابتهج له الأنصار وابتأس الخصوم. ويمكن القول: إنّ بعض الذين كانوا من أنصار اليزدي تحولوا عنه، وأخذوا يتملّقون للحكومة ويهتفون بأعلى أصواتهم ( يعيش الدستور! ) - وليس هذا بالأمر الغريب!
الفوضى في إيران:
كان الإيرانيون يعتقدون أنّ المشروطية عند تطبيقها في بلادهم ستكون علاجاً ناجعاً لجميع مشاكلهم، فلا يشكون بعد ذلك من شيء، ولكنّهم وجدوا بعد انتصار حركة المشروطية، وعزل الشاه محمد علي: أنّهم وقعوا في حالة هي أسوأ ممّا كانوا فيها.
أصبح كل مَن ساهم في الحركة طامحاً أن ينال أعظم المناصب، مكافأة له على جهاده في سبيل ( الـمِلّة )، وظهرت عصابات اللصوص في كثير من الأنحاء، يعبثون بالأمن ويقطعون الطرق، وامتنع حكّام الأقاليم عن إرسال ما عليهم من مبالغ للخزينة المركزية، وانقسم الناس شِيَعاً وأحزاباً، كل حزب يعتقد أنّ رأيه هو الذي يجب أن يُتّبع في إصلاح البلاد.
إنّ قبائل البختيارية حصلت من تلك الفوضى على حصّة الأسد، فقد احتلّت مدينة أصفهان بحجّة حماية الثورة، واستحصلت من الخزينة المركزية مبلغاً شهرياً قدره عشرون ألف تومان بدعوى حراسة الطريق، وذلك علاوة على ما كانت تجبي من الناس
____________________
(1) ن. م عن مقابلة مع السيد المذكور في 20 رمضان 1414 هـ / 3 آذار 1994.
(2) هكذا عرفتهم 1 / 109.
من ضرائب مباشرة. ومن الطرائف التي رُويت في هذا الصدد أنّ لصّاً من قطّاع الطرق اسمه نائب حسين الكاشاني، نهب ذات مرة أحد البختياريين، وقال: إنّ هذه هي حصّتي من الغنائم(1) .
وكانت جلسات المجلس الملّي تمثّل أعجب المشاهد وأدعاها للسخرية، فقد كان الجدال بين النوّاب عنيفاً والشتائم متبادلة، وكثيراً ما شارك المستمعون فيها، وكان كل نائب يريد أن يخطب بحماس لينال إعجاب الغوغاء، حتى إذا خرج من المجلس توقّع أن ينال من أهل الأسواق حمداً وتقديراً. وإذا كان النائب شديد التعصّب، جمهوري الصوت استطاع أن يغلب الآخرين، في الجدال، ثم يدّعي بعدئذ أنّ الحكومة لم تأخذ برأيه، ولو كانت قد أخذت به لارتقت إيران إلى مصاف الدول العظمى.
كتب الوزير المفوّض البريطاني إلى حكومته يقول ما مضمونه: إنّ الإيرانيين سيبقون إلى مدى جيلين غير جديرين بالنظام الدستوري. وقد علّق أحد البريطانيين الذين كانوا يسكنون في طهران يومذاك على هذا القول، إذ وضع اللوم على بريطانيا، واعتبرها مسؤولة عن نشر الديمقراطية في البلاد التي لا تصلح لها...(2) .
من الأعمال التي تورّط بها أنصار المشروطية عند انتصارهم أنّهم شنقوا المجتهد الكبير الشيخ فضل الله النوري، الذي كان يتزعّم أنصار الاستبداد في عهد الشاه محمد علي، وكان شيخاً وقوراً كبير السن، وقد قام بشنقه على ملأ من الناس رجل أرمني اسمه بيريم كان مديراً للشرطة حينذاك، فأدّى ذلك إلى شيوع التذمّر في أوساط الكثيرين من الناس. وانتهز الخصوم الفرصة فجعلوا شنق الشيخ بمثابة ( قميص عثمان )، وأقاموا له مجالس الفاتحة وحفلات التأبين في كل مكان، وأخذوا يبالغون في تمجيد الشيخ بغية التشهير بالمشروطة وأنصارها. ولم يقتصر ذلك على إيران بل سرت عدواه إلى العراق، فأخذ خصوم المشروطية فيه يكثرون من إقامة مجالس الفاتحة على روح الشيخ وينادون: ( أويلاخ، قتل شيخنا مظلوماً َ! )(3) .
____________________
(1) J.M.Balfour (Recent Happennings In parsila) - london 1922-p99
(2). idtd ، p85
(3) لمحات اجتماعية 3 / 123.
إيجابية المشروطة:
إنّنا حين ننظر إلى حركة المشروطية بوجه عام، نستطيع أن نقول إنّها على علاّتها كانت ذات أثر اجتماعي وفكري لا يستهان به في تطوير المجتمع العراقي. ينبغي أن لا ننسى أنّ أنصار المشروطية كانوا في ذلك الحين يمثلون ( الجبهة التقدّمية ) بالنسبة للمرحلة الاجتماعية التي عاشوا فيها، فهم كانوا يدعون إلى تأسيس المدارس الحديثة، وتعلّم اللغات والعلوم الأوربية، ومطالعة الجرائد والمجلات. وهذه كانت - يومذاك - من الأُمور المستنكرة أو المحرّمة في نظر العامة، والكثير من رجال الدين.
كان شباب المشروطية في النجف من أكثر الناس اندفاعاً في التطلّع إلى الحضارة الحديثة والاقتباس منها، فكانت الكتب والمجلاّت والجرائد الحديثة ترد إليهم خلسة، وكانوا يجتمعون في بيت أحدهم سرّاً لمطالعتها. وإذا خرجوا من البيت أخفوها تحت عباءاتهم لكي لا يراها أحد من العامة، أو المتزمّتين من رجال الدين فيثيرها عليهم شعواء.
أهم ما أُلّف في الدعوة إلى مبادئ المشروطة في تلك الفترة، كتاب صدر في النجف باللغة الفارسية عنوانه ( تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة ). وكان مؤلّفة الميرزا محمد حسين النائيني، من كبار تلامذة الملاّ كاظم الخراساني، وقد جاء فيه بآراء جريئة جدّاً بالنسبة لزمانها: كتعليم المرأة، وإصدار الصحف، وحرية الرأي وما أشبه. وممّا يدل على أهميّة الكتاب أنّ مؤلّفه حاول التملّص منه عندما صار من المراجع الكبار، إذ هو خاف أن ينفر المقلِّدون منه بسبب هذا الكتاب. ففي عام 1929 ترجم أحد النجفيين الكتاب إلى العربية ونشره تباعاً في مجلة العرفان الصيداوية، فأوعز النائيني إلى حاشيته بشراء جميع نسخ المجلة التي وردت إلى العراق؛ لكي لا تصل إلى أيدي القرّاء(1) .
____________________
(1) انظر دراستنا حول الكتاب ومؤلّفه في كتاب ( النجف في ربع قرن ) ص 447 - 452.
الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا
وموقف السيّد اليزدي
1330 هـ / 1911 م
أسفرت نتائج مؤتمر برلين الذي اختتم أعماله في 20 تموز 1878 م / 20 رجب 1295 هـ، عن توقيع الدول الأوربية على اتفاقية تقرّر فيها تمزيق الإمبراطورية العثمانية، وتقسيمها على مبدأ القوميات.
وفعلاً باشرت الدول الاستعمارية في إنجاز مقرّرات المؤتمر، فاستولت روسيا على مقاطعات هامّة في شرق الأناضول وقفقاسيا، وفرضت نفوذها على جزء من بلغاريا التي تجزّأت إلى ثلاثة أقسام، واحتلّت البوسنة والهرسك، واستولت بريطانيا على جزيرة قبرص، وسيطرت فرنسا على تونس عام 1881 م. أمّا إيطاليا فقد اعترضت على المؤتمر؛ لأنّها لم تحصل على أيّة حصّة من تقسيم الإمبراطورية العثمانية(1) .
وجرت مفاوضات عديدة تمخّضت عن عدّة اتفاقيات، كانت منها الاتفاقية السريّة بين إيطاليا وروسيا في تشرين الأول 1909 م وقد ورد فيها:
( يعمل الطرفان على حلّ مسائل البلقان وفق مبدأ القوميات. وتتعهّد روسيا أن تنظر بعين العطف إلى مصالح إيطاليا في طرابلس، كما تتعهّد إيطاليا أن تنظر بعين العطف إلى مصالح روسيا في المضايق )(2) .
في 30 أيلول 1911 وصل الخبر إلى بغداد بهجوم إيطاليا على طرابلس الغرب، فأصدر الوالي جمال باشا ( السفّاح ) بياناً إلى المسلمين من أهل العراق طلب فيه منهم أن يهبّوا لنصرة الدولة في حرب الكافرين. وعلى أثر نشر هذا البيان خرجت المظاهرات في بغداد على شكل مواكب تحمل الرايات والطبول، وذهب المتظاهرون إلى القشلة، حيث خرج إليهم الوالي فخطب فيهم بالتركية، كما خطب فيهم الزهاوي بالعربية، ثم
____________________
(1) التأريخ الدبلوماسي ص 29 - 40.
(2) البلاد العربية والدولة العثمانية ص 175 - 176.
ساروا من بعد ذلك في الطرقات وهم يهتفون لنصرة الدولة. ولم تخل تلك المظاهرات من حادث مزعج؛ إذ التقى في باب المعظّم موكب باب الشيخ بموكب الحيدر خانة، والظاهر أنّ أحقاداً كانت موجودة بين المحلّتين، فنشب بينهما قتال كان النصر فيه لأهل باب الشيخ(1) .
وانطلق الشعراء من بعد ذلك يتبارون في نظم القصائد للتحريض على الجهاد، ومساعدة الدولة العثمانية فيه، وكان أبرزهم في ذلك الرصافي، وعبد اللطيف الحلّي، ومحمد حسن أبو المحاسن، ومحمد حسين كاشف الغطاء، ومحمد رضا الشبيبي، وأخوه محمد باقر، وعلي الشرقي، وعبد العزيز الجواهري، وإبراهيم منيب الباچچي، وعبد الرحمان البناء.
وتألّفت لجان خاصة في المدن العراقية لجمع التبرّعات، منها لجنة في البصرة برئاسة السيد طالب النقيب جمعت آلاف الليرات، وتطوّع الألوف من سكّان العراق للمشاركة في القتال ولكنّهم لم يذهبوا. وتبرّع مبدر الفرعون رئيس آل فتلة وهو في السجن بمبلغ قدره خمسمئة ليرة، كما أعلن عن استعداده للمشاركة في الحرب(2) ، وقد كافأه الوالي على ذلك فأطلق سراحه من السجن هو وأقرباؤه من رؤساء آل فتلة(3) .
وعقد مجتهدو النجف الأشرف وعلماؤها مجالس عديدة، واجتماعات مكثّفة، وعطّلوا الدروس والجماعة، تمخّضت اجتماعاتهم في ذهاب السيد مسلم زوين وعزيز بك قائم مقام النجف إلى ليبيا؛ لدراسة إمكانية الاشتراك في الجهاد.
( وكان القائم مقام يرفع التقارير إلى حكومته - أوّل بأوّل - ويعمل على إرسال الاحتجاجات، وإيصالها إلى مختلف دول العالم، ويهيّئ الوسائل لنشر فتاوى العلماء بوجوب الدفاع.
وقد أكثر من جمع التبرّعات وإرسالها إلى حكومته.
وحاول إقناع السيد اليزدي على الاتفاق مع بقيّة العلماء، والاشتراك في تلك الأعمال والمظاهرات، للنفوذ الديني العظيم الذي يتمتّع به لدى الأكثرية الساحقة، وسلك
____________________
(1) لهجة بغداد العربية ص 8.
(2) الشعر العراقي وحرب طرابلس ص 11.
(3) لمحات اجتماعية 3 / 188.
لكسب موافقته مختلف الطرق فلم يفلح، وقد توسّط الأمر بعض الشيوخ من الروحيين.
وبعد مراجعات طويلة، ومداولات كثيرة، ومناقشة وجدال دامت أشهراً، حتى سئم الناس هذا الاختلاف، وخافوا سوء مغبّته، عند ذلك أمر السيد اليزدي بعقد اجتماع عام، وأعلن بذلك، ونادى المنادي يطلب خروج الناس إلى وادي السلام، فسارع عموم النجفيين ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، حتى كادت تخلو المدينة تقريباً، وغصّ الوادي بالناس ينتظرون رأي السيد وكلمته الأخيرة في أمر الجهاد، ودفاع العدو، وألقى الخطباء خطباً حماسية أبكت العموم، وأثارت فيهم نيران الحميّة، فعلت الأصوات، وكثر الضجيج.
وعند الحادية عشرة عربية ( قبل ساعة من أذان المغرب ) وصل السيد اليزدي بين التهليل والتكبير، وارتقى منبراً عالياً فضجّ الناس بالبكاء والعويل فرحاً في ساعة زوال الاختلاف، وتوجّعاً لما أصاب المسلمين، وبعد برهة هدأ الجميع، وألقى خطبة [ أوضح فيها ما تمرّ به الأُمّة الإسلامية، ومؤامرات المستعمرين، ودعاء للمدافعين عن بلاد الإسلام ] ثم أعقبه الشيخ جواد الجواهري، فرقى المنبر وشرح بعض مقاطع الخطبة وما حوته من المغازي )(1) .
وكان نصّ فتوى علماء النجف الأشرف:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من علماء النجف الأشرف إلى كافة المسلمين الموحدين، ومَن جمعتنا وإيّاهم جامعة الدين والإقرار بمحمد (صلّى الله عليه وآله) سيّد المرسلين.
السلام عليكم أيّها المحامون عن التوحيد، والمدافعون عن الدين، والحافظون لبيضة
____________________
(1) النجف في ربع قرن 148 - 149. وفيه يذكر السيد محمد علي كمال الدين: أنّ الخطبة لم تكن بالمستوى الذي كان يأمله القائم مقام وبعض المتظاهرين، وذهبت أتعاب القائم مقام عبد العزيز أدراج الرياح، ويئس الجميع من إمكان توحيد رأي السيد مع آراء بقيّة العلماء يأساً تاماً، وقد تمخضت هذه المظاهرة عن أمرين:
أولهما: عدول بعض مقلّدي السيد اليزدي عنه؛ لشدّة انفعالهم من الوضع الذي شاهدوه واستغربوا أمره.
وثانيهما: تصلب بقيّة العلماء في آرائهم، وإعلانهم الفتوى بوجوب الدفاع وجوباً عينيّاً على كل مسلم ومسلمة، وطُبعت صور الفتاوى بآلة التصوير، وبعثوا بها إلى عموم الأقطار الإسلامية.
الإسلام، لا يخفى عليكم أنّ الجهاد لدفع الكفّار عن بلاد الإسلام وثغوره، ممّا قام إجماع المسلمين وضرورة الدين على وجوبه.
قال الله سبحانه:( انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) .
هذه جنود إيطاليا، قد هجموا على طرابلس الغرب التي هي من أعظم الممالك الإسلامية وأهمّها، وخرّبوا عامرها، وأبادوا أبنيتها، وقتلوا رجالها ونسائها وأطفالها، ما لكم تبلغكم دعوة الإسلام فلا تجيبون؟ وتوافيكم صرخة المسلمين فلا تغيثون، أتنتظرون أن يزحف العدو إلى بيت الله الحرام وحرم النبي (ص) والأئمّة (عليهما السلام)، ويمحو الديانة الإسلامية والدولة العثمانية عن شرق الأرض وغربها، وتكونوا معشر المسلمين أذل من قوم سبأ، فالله الله في التوحيد، الله الله في الرسالة، الله الله في أحكام الدين وقواعد الشرع المبين، فبادروا إلى ما افترضه الله عليكم من الجهاد في سبيله، واتفقوا ولا تفرقوا، وأجمعوا كلمتكم، وابذلوا أموالكم، وخذوا حذركم( وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعْتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ ) لئلاّ يفوت وقت الدفاع وأنتم غافلون، وينقضي زمن الجهاد وأنتم متثاقلون، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
خادم الشريعة المطهّرة ( محمد كاظم ) الخراساني.
الجاني ( عبد الله ) المازندراني.
الجاني شيخ الشريعة الأصفهاني.
الأقل علي رفيش.
الجاني مصطفى الحسيني الكاشاني.
خادم الشريعة محمد حسين القمشي.
أقل خدّام الشريعة حسن ابن المرحوم صاحب جواهر الكلام.
الراجي عفو ربّه الغفور محمد جواد الشيخ مشكور.
الراجي عفو ربّه محمد نجل المرحوم صاحب الجواهر.
الجاني علي التبريزي.
محمد سعيد الحبّوبي.
الأحقر جعفر نجل المرحوم الشيخ عبد الحسن.
وقد نشرت هذه الفتوى في مجلة العلم النجفية بعددها السادس من المجلّد الثاني في 1 ذي الحجّة 1329هـ / 23 تشرين الثاني 1911م ص246 - 247: وقد عقّب صاحب المجلة على هذه الفتوى بقوله:
( ليت شعري لم نر في أسماء علماء النجف اسم واحد من مشاهيرهم، فما أخّره عن الفوز بهذا الثواب العظيم، والقيام بهذا الفرض الجسيم، فإنّ موقفنا اليوم موقف هجم فيه الكفر كلّه على الإسلام كلّه، ولا يقف تجاه تيّار الهجوم الغربي إلاّ اتحاد المسلمين والحث على إعانة العثمانيين؛ لأنّهم إذا انكسرت رايتهم ( والعياذ بالله ) في طرابلس فلا ترجى لهم قائمة بعد ذلك ( لا قدّر الله ذاك ) ونحن من صميم القلب، نبتهل إلى الله أن يمنّ علينا باتفاق المسلمين من الرؤساء والمرؤوسين، إذ ليس تأخّرنا اليوم إلاّ من تقاعدنا أمس، ونرجو أن تؤثّر في القاعدين منّا اليوم حركة العالم الإسلامي من تونسي وسنوسي ويماني ومصري وهندي وتركي وعربي وعجمي وسنّي وشيعي ومسيحي وإسرائيلي ووثني، عسى أن نسترجع سالف عِزِّنا ولا تتطاير أوطاننا الإسلامية أكثر من هذا.. فإلى متى لا نتّفق؟ ).
وفي آخر العدد نفسه ص 284 - 285 نشرت المجلة خبراً بعنوان:
( بشارة عظمى )
( موافقة حضرة السيد كاظم اليزدي (مُد ظلّه) مع العلماء )
في الحكم وجوب السعي وبذل النفس والنفيس في سبيل دفاع ايتاليا عن طرابلس، واستخلاص إيران من مخالب الروس والإنكليز، وهذه صورة فتواه مترجمة عن الفارسية حرفيّاً قال (دام ظلّه) العالي:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
في مثل هذا اليوم الذي حملت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية كإيطاليا على طرابلس الغرب من جهة، والروس من جهة أُخرى أشغل شمال إيران بعساكره والإنكليز، أنزل عساكره في جنوب إيران وأحدث بالإسلام خطر اضمحلاله.
فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم، أن يستعدّوا لدفاع الكفار عن ممالك الإسلام، ولا يتقاعدوا بكل صورة عن بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل إخراج
عساكر إيطاليا من طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروس والإنكليز من إيران، فإنّ ذلك أهم الفرايض الإسلامية؛ لكي يحفظ بعون الله المملكتان الإسلاميتان العثمانية والإيرانية من مهاجمة الصليبيين.
حرّره الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
وقد علّقت مجلة ( العلم ):
قد سبق منّا في صدر هذا العدد، إبداء الآسف من تخلّف حضرة المومى إليه، عن بقيّة علماء النجف في إمضاء صورة منشورهم الخطير في وجوب اتحاد المسلمين، ودفاعهم عن طرابلس الغرب.
ولكنّه (دام ظلّه) بعدما أبلغه حضرة الحر المقدام عزيز بك قائم مقام النجف تعديّات إيطاليا على طرابلس، وتجاوزات الروس والإنكليز على الحدود الإيرانية، أعلن موافقته لحجج الإسلام في وجوب توحيد كلمة أهل التوحيد لدفاع هاتيك الدول الثلاث، ونشر هذه الفتوى التي قدّمنا صورتها الجليلة لأنظار قرّائنا الكرام، فليصدّقوا ما قرّرناه في أعدادنا الماضية، وهو أنّ أعدائنا كلّما زادونا اضطهاداً ازددنا اتحاداً، وما كان اتحاد الإمامين يحيى والإدريسي، والسيد والسنوسي، وبقيّة أُمراء العرب معنا إلاّ نتيجة اضطهاداتهم وتجاوزاتهم على أوطاننا، فهذه الدول الأوروبية في هجماتها الظالمة على بلادنا أشبه بالباحث عن حتفه، ويخدموننا من حيث لا يشعرون.
وكم قدّمنا المذكّرات لهذه الدول المعتدية على المسلمين ونصحناهم ( لو كان ثمّة آذان صاغية وقلوب واعية ) وذكرنا أنّ معاداتهم للمسلمين يوجب تنبيه الشعور العام في العالم الإسلامي، وهو خلاف ما يبتغون، ولا يعود خسران ظلمهم علينا إلاّ إليهم، ويندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعمّا قريب ليصبحن نادمين ولا يفلح الظالمون.
وفي كربلاء عقد الأهالي اجتماعاً عند ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) أُلقيت فيه الخطب الحماسية، ثم جرى جمع التبرّعات.
وفي 12 تشرين الأول 1911م / 18 شوّال 1329هـ، تظاهر ما يقرب من الألفين من
أهالي المدينة(1) وشهدت مدينتا النجف الأشرف وسامراء تظاهرات جماهيرية، أُلقيت فيها الخطب الحماسية، ودعا الخطباء إلى نبذ الخلافات الطائفية وتوحيد الجهود(2) .
كما أرسل الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ محمد حسين المازندراني، وشيخ الشريعة الأصفهاني، برقيّة إلى الصحف التركية في اسطنبول يحتجّون فيها على انتهاكات المستعمرين للبلاد الإسلامية.
وفي 17 ذي الحجّة 1329هـ، أرسلوا برقية أُخرى إلى السلطان العثماني محمود باشا، تدعوه إلى التصدّي لمواجهة المشاريع الاستعمارية، والتخلّي عن سياسة المهادنة معها.
وفي هذا السياق، أصدر الشيخ حسن علي البدر القطيفي كرّاساً بعنوان: ( دعوة الموحّدين إلى حماية الدين ) ط في النجف عام 1329هـ / 1911م، تحدث فيه عن النشاط الاستعماري المكثّف الذي تتعرّض له البلاد الإسلامية في ليبيا وإيران.
كما أصدر شيخ الشريعة الأصفهاني كرّاساً باللغة الفارسية، دعا فيه المسلمين إلى نبذ الخلاف والنفاق، وتوحيد الصفوف؛ لحفظ استقلال البلاد الإسلامية، والتصدّي للنشاط الاستعماري التي استهدف طرابلس الغرب وإيران، وغيرها من بلاد المسلمين.
وفي صفر 1330هـ / شباط 1912م، أصدر الشيخ محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ محمد حسين المازندراني، بياناً حول الموضوع نفسه، يستنكرون فيه هذا الاعتداء، ويحذرّون من الحملات المسعورة التي يقوم بها الاستعمار ضد البلاد الإسلامية؛ نصّه:
( نلفت أنظار جميع أهل التوحيد، وكافّة المسلمين، بأنّ الإسلام والمسلمين لم يصلوا في أيّة فترة من الفترات، مثلما وصلوا إليه في هذه الفترة من الزمن، إنّ المصائب التي يمر بها الإسلام اليوم تُعتبر من أشدّ المصائب.. وإنّ الضربات التي يتلقّاها العالم الإسلامي اليوم هي من أشدّ الضربات.. وإنّ أساس الدين المبين في خطر، وآثار
____________________
(1) تاريخ العراق السياسي المعاصر، 2/111.
(2) د. وميض جمال عمر نظمي: شيعة العراق وقضية القومية العربية، مج المستقبل العربي آب - تشرين الأول 1982.
شريعة الرسول (ص) مهدّدة بالزوال، ولم تبق في هذه الفترة سوى دولتين إسلاميتين مستقلّتين، هما الدولتين العليّتين العثمانية والإيرانية، اللتين تحملان اللواء المحمدي، وتحميان حوزة الإسلام والحرمين الشريفين والمشاهد المقدّسة.
إنّ بقاء حرمة القرآن الكريم، وإعلاء كلمتي الشهادة، وإقامة دعائم الدين المبين، يتوقّف على بقاء هاتين الدولتين الإسلاميتين... وإذا ما اضمحلّت هاتان الدولتان - لا سمح الله - فلن يبقَ هناك للإسلام جامعة أو حوزة، وستلحق بالإسلام والمسلمين وصمة عار أبديّة وخذلان دائم، لا أرانا الله ذلك اليوم أبداً.
واليوم يقوم بعض الأجانب بحملات مسعورة ضد هاتين الدولتين، اللتين باتتا تعانيان كافة أشكال المضايقات والابتلاءات. فمن جهة امتدّت يد الظلم الإيطالية نحو مسلمي طرابلس الغرب، حيث تسلب أموال الأهالي ويتعرّض النساء والأطفال إلى القتل. ومن جهة أُخرى تقوم القوّات الروسية بتصويب نيران مدفعيتها ضد الضعفاء والعجزة في تبريز، وتقوم بإعدام كبار الشخصيات هناك، وفي قزوين ورشت تدخّل أجبني ظالم...
واستناداً إلى ذلك وبالنظر إلى هجوم الكفّار، فقد قرّرنا نحن خدمة الشرع المنير مع جميع العلماء الأعلام من كربلاء والنجف وسامراء، وحسب مسؤوليتنا الشرعية التجمّع في الكاظمية، عسى أن نجد حلاًّ لإنقاذ المسلمين من ظلم الأجانب وعدوانهم، وإذا لم يتمكّن المسلمون في أقطار العالم، الذين يعيشون في ظل حكم الأجانب بذل النفس لمساعدة إخوتهم، فبإمكانهم تقديم المساعدة عن طريق إبداء التضامن معهم...)(1) .
وفيما كان العلماء يمارسون نشاطاتهم المكثّفة في تعبئة الرأي العام ضد الغزو الاستعماري للبلاد الإسلامية، كانت الدولة العثمانية تواجه أزمة جديدة. فقد بدأت الدول البلقانية تتفق سرّاً لإعلان حرب جديدة ضد العثمانيين.
ممّا اضطرّ الحكومة العثمانية إلى عقد صلح مع إيطاليا، تنازلت فيه عن طرابلس وبنغازي لإيطاليا، على أن يحتفظ السلطان العثماني بحق تعيين الموظّفين الدينيين.
____________________
(1) هجوم روس بإيران وإقدامات رؤساء دين در حفظ إيران، ص 221.
وبعض الصلاحيات الدينية البسيطة الأُخرى(1) .
لكن هذا الإجراء لم ينفع الدولة العثمانية، ففي يوم 17 تشرين الأول 1912م / 6 ذي القعدة 1330هـ - أي قبل يوم واحد من توقيع معاهدة الصلح مع إيطاليا - شرعت جيوش بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود في 17 تشرين الأول 1912 / 6 ذي القعدة 1330هـ، بالهجوم على العثمانيين، وبذا بدأت حرب ضروس تُعَد من أبشع الحروب في ضراوتها، وفي المآسي التي نتجت عنها(2) .
____________________
(1) البلاد العربية والدولة العثمانية، ص 191 - 192.
(2) لمحات اجتماعية 3/151.
الغزو الروسي على إيران
وموقف السيّد اليزدي
1331- 1332هـ / 1912م
بعد أن خُلع محمد علي شاه في تموز 1909، وعادت الحياة الدستورية إلى إيران، وجدت روسيا أنّ نفوذها لم يعد كما كان أيام حكم محمد علي شاه، ولم تر في الحكم الجديد أي مصلحة لها، ولذلك قرّرت أن تقلق الوضع في إيران بأي وسيلة كانت، ولجأت إلى تقديم دعمها في مساعدة الشاه المخلوع إلى عرشه - بعد أن فشل وهرب وقُتل كبير أعوانه - عن طريق استغلال الأوضاع الداخلية الإيرانية.
ففي عام 1911 أصدر مسؤول الخزينة المركزية الإيرانية، وهو رجل أمريكي يُدعى ( مورغان شوستر ) قراراً بمصادرة أموال أحد أفراد عائلة الشاه المخلوع، وقد استغلّت روسيا هذا الحادث، فأعلنت أنّ قرار المصادرة يجب أن يلغى، بدعوى أنّ الأمير يتمتّع بالحماية الروسية، وتشدّدت في موقفها، فقدّمت إنذاراً إلى الحكومة الإيرانية بأنّها ستتدخّل عسكرياً في إيران، إذا لم يُقال المستر شوستر من منصبه ويُبعد من خارج إيران، وفعلاً فقد تمّ تهديدها، وزحفت القوّات الروسية نحو مدينة تبريز فاحتلّتها، ثم عمدت إلى شنق بعض رجال الدين فيها من أجل إرهاب غيرهم، فأدّى ذلك إلى الهياج العام في إيران، فأعلن رجال الدين الجهاد وأمروا الناس بالتدريب على السلاح. ومن طريف ما يُروى في هذا الصدد أنّ سكان كرمان، وهي بلدة تقع في الجنوب من إيران، تحمّسوا للجهاد أكثر من غيرهم، وأخذوا يتدرّبون على السلاح تحت إشراف رجال الدين، وهم عازمون عزماً أكيداً على غزو روسيا وعزل القيصر. ولم يمر على ذلك سوى مدّة قصيرة حتى ظهرت بالقرب من البلدة عصابة من اللصوص، وأخذت تقطع الطرق، وتنهب القوافل، حتى وصل مجال فسادها إلى أبواب البلدة؛ فاستنجد المسؤولون في البلدة بالقنصل البريطاني، وطلبوا منه قوّة لمحاربة العصابة. وقد اعتذر القنصل لهم، ثم سألهم متعجّباً: لماذا لا يستطيع المجاهدون أن يحاربوا عصابة صغيرة من اللصوص، بينما هم يستعدّون لمحاربة روسيا كلها؟ فكان جواب المسئولين: إنّ المجاهدين إنّما
يستعدّون لمحاربة روسيا؛ لأنّها بعيدة عنهم، ولكن اللصوص قريبون(1) .
وكان قد وصل إلى النجف الأشرف خبراً مفاده: أنّ الروس قد اتفقوا مع الإنكليز سرّاً مرةً أُخرى، ممّا جعل علمائها يتأثّرون من مواقف العداء السافر للبلد المسلم إيران، وقد تبعهم الناس عامة في تأثّرهم، واتصل العلماء بالدولة العثمانية ( وأصبحت الحالة فوضى، وأي فوضى، إذ إنّ روسيا عدوّة المسلمين اللدود ما زالت تتربّص بإيران الدوائر، فلم يرق لديها أن تراها سائرة في طريق النجاح؛ فأقامت في وجهها العراقيل، يساعدها على ذلك سوء الإدارة وإنشاء الفوضى )(2) .
وقام العلماء بشبكة من الاتصالات المستعملة بالدولة العثمانية وروسيا وإنكلترا، وكاتبوا رؤساء الجهات، واتصلوا بعامة الناس، واتصلوا بالشاه المخلوع نفسه، وعقدوا عدّة اجتماعات في مدرسة الحاج ميرزا حسين الخليلي. كان ذلك بعد خلع الشاه محمد علي القاجار وبعد نصب المجلس النيابي، وأوشكت حكومة إيران وأهاليها أن تصلح دواثرها، وتتخلّص من لعب اليد الأجنبية واستبداد الملوك من آل قاجار، حتى لطمتها الحكومة الروسية الغاشمة وتطاولت على استقلالها بدسائسها الفتّاكة، وألعابها المستمرّة المخرِّبة؛ وذلك بتحريكها المفسدين من الإيرانيين، وذوي الأغراض، والجهّال من المشعوذين أن يطلبوا السلطان المخلوع ليعود إلى ملكه وتاجه؛ لذلك فقد تحرّك من روسيا منفاه ( أدسا ) بعنوان السفر إلى أوربا، ولكنّه عرّج على أسترآباد في شمال إيران بعد تبديل قيافته وزيّه.
وحيث إنّ الأهالي حتى ذلك اليوم، لم يكونوا قد عرفوا معنى المشروطية ( الحكومة الدستورية ) مضافاً إلى أنّ موظفي الحكومة الجديدة لم يكونوا قد مارسوا الحكم الدستوري تماماً، لقرب العهد به، كان سكّان البلدان النائية عن العاصمة كـ ( أسترآباد، وتركمان، ومازندران ) ورؤسائهم لم يألفوا الحكم ولم يستسيغوا الحكومة الجديدة؛ لذلك عدّوا دخول الملك المخلوع إليهم فوزاً عظيماً، فساندوه على محاربة الحكومة الحاضرة، وبالفعل أعدّ الملك جيشاً كبيراً للمحاربة، ولكن الحكومة بعثت جيوشاً
____________________
(1) لمحات اجتماعية 3/123، Ibid. p82 - 93.
(2) مجلة العرفان مج3 ج18 ص750.
أرغمتهم على التفرّق وكسره شرّ كسرة، وأوشك الفساد أن يعم البلاد، لولا أنّ الحكومة الحاضرة أرادت بحكم القانون أن تستولي على مثيري الفتنة، وتصادر أموالهم وأملاكهم، ومن جملتهم ( شعاع السلطنة ) أخو السلطان المخلوع، ولمّا قدم ( مستر شوستر ) الأمريكي مستشار وزارة المالية على ضبط أملاكه، قابله السفير الروسي ومنعه باعتبار أنّ شعاع السلطنة هو من أتباع الحكومة الروسية، وهذا الادّعاء من السفير الروسي وإن كان لا أمل له، ولكنّه أرسل حملة من القوازق الروس الذين كانوا في ( ساخلو ) لممانعة مستر شوستر القانوني العام المتمدّن، ولمّا كان المستر شوستر يظن أنّ الروس لا تعمل خلاف القوانين الدولية المتمدّنة؛ فقد خرج من الدار ليكونوا هم المحافظين. ولكنّ الأمر كان خلاف ذلك، فقد كان هذا الجيش مقدّمة لجيوش روسية كثيرة أُخرى دخلت إلى قزوين لاحتلالها. وفي يوم الثلاثاء 13 ذي الحجّة 1329 أبرق رئيس مجل النوّاب خبر دخول جيوش الروس، وهجومه على قزوين إلى كربلاء، إلى حجّة الإسلام السيد إسماعيل صدر الدين، وإلى النجف الأشرف، وإلى جميع حجج الإسلام هناك، كما أنّ ( الممثّل ) العثماني أيضاً أُخبر بذلك، فهاج المسلمون في العراق وأظلمت الدنيا بأعينهم، فكتب الحجّة الصدر رسالة إلى المدرّس الطهراني الشيخ محمود النجفي، مشيراً عليه بأن يُري هذه الرسالة إلى الآيتين: الشيخ ملاّ كاظم الخراساني، والسيد كاظم اليزدي، ثم يدعوهما إلى الاتفاق والاتحاد لاستخلاص البلاد الإيرانية من مخالب الروس، فجاء الشيخ محمود إلى مجلس فاتحة عظيمة كانت مقامة لأحد الأفاضل، فقرأ الرسالة على الشيخ الخراساني علناً، فكان جواب الشيخ الخراساني: إنّي حاضر فاذهب إلى السيد اليزدي واقرأها عليه، وكلّما يأمرنا نحن مطيعون متّفقون على الأمر، فأسرع بعض الحاضرين وأخبر السيد اليزدي بالمجلس، وعندما ذهب الشيخ إلى دار السيد لم يفتح له، واعتذر إليه أنّه منحرف الصحّة لا يتمكّن مواجهته، ثم كرّر المجيء إلى دار السيد اليزدي فلم يحظ بالمواجهة.
وأخيراً اتفق أن وافقت زيارة عيد الغدير في النجف الأشرف، وجاء الحاج أقا حسين القمّي إلى الزيارة واطّلع على عدم وصول الكتاب إلى السيد اليزدي؛ فتعهّد هو بإيصال الكتاب إلى السيد اليزدي، وعندما ذهب السيد القمّي لم يحصل أيضاً على جواب، ولعجزه دخل إلى مدرسة السيد المذكور المجاورة لداره، وصادف نجل السيد
اليزدي في المدرسة، ولمّا سأله عن سبب مجيئه أخبره بأنّه يود مواجهة السيد، فأخذه نجل السيد معه ليدخله على أبيه، ولمّا وصلا إلى الباب وطرقاه، فتح الخادم الباب ولم يؤذن في الدخول إلاّ لابن السيد، أمّا القمّي فبقي وراء الباب، وبعد دقائق أشرف ابن السيد اليزدي على السيد القمّي من الشباك وقال له: لا يمكن الآن مواجهة السيد الوالد فاذهب وحاول في وقتٍ آخر، فقال السيد القمّي، إذاً فهذا كتاب من كربلاء ادفعوه إلى السيد ليقرأه فقط وأرجعوه إلينا، فقال ابن السيد وهذا أيضاً غير ممكن. واتفق أيضاً في ذلك اليوم ورود السيد الصدر، وشيخ العراقين إلى النجف للزيارة ولمواجهة الشيخ الخراساني والسيد اليزدي، وكليهما أمل في تحصيل الاتفاق بين العلماء على إصدار الفتيا بالجهاد ضد الروس؛ ولكن لمّا اطّلعا على الوضع أسفا كثيراً، غير أنّ الشيخ محمود أخبر الصدر بأنّ السيد محمد نجل اليزدي وعد بأن يواجه السيد الصدر في الصحن عند الغروب، وحيث إنّ العلماء بأجمعهم من عرب وعجم كانوا قد منعوا البحث والصلاة، نظراً لسوء الحالة، وإظهاراً لحربهم على هجوم الكفر على الإسلام، ولم يعتقد السيد الصدر أنّ السيد اليزدي سيخرج للصلاة لاسيّما وهو يشكو المرض، ولكنّه سمع ضجّة الصلاة للسيد إذ بقي وحده للجماعة، والزوّار كثيرون، وكلهم جاؤوا للزيارة؛ لذلك تعجّب وبقي منتظراً لمواجهة السيد محمد حسب موعده. وكان اليزدي مخالفاً للجميع إذ كان مصرّاً على الخروج إلى صلاة الجماعة وحده، نظراً لكثرة الزائرين لذلك عند الغروب، وفي حين أنّ السيد الصدر كان منتظراً لمجيء السيد محمد نجل اليزدي، حسب موعده في الصحن مأيوساً من خروج نفس السيد اليزدي لسماعه، بأنّه مريض لا يمكن أن يواجهه أحد من الناس ولم تفتح باب داره، في ذلك الحال وإذا بالضجّة والصلوات قد تعالت من الأطراف، وإذا بالسيد اليزدي تحوطه الجماعات من الأعوان والزوّار، وهو جالس على السجّادة، وإذا بصوت الأذان والإقامة من اليمين والشمال قد تعالى في الصحن إلى السماء، وإذا بالازدحام العظيم وقوف للصلاة خلفه لانحصار الجماعة به، ولكثرة الزوّار والمصلّين، وإذا به داخل في صلاة المغرب.
فلمّا رأى المسلمون، الذين كانوا يتحرّقون لقضيّة هجوم الروس على إيران، هاجوا وماجوا، وتوجّهوا إلى دار الشيخ الخراساني بالصياح والعويل، يصرخون بطلب الاتفاق على الفتيا بالجهاد ضد الكفر، وكان في وسط هذا الجمع رجل إيراني يُدعى ( أبا
السادات ) بلباس رسمي ويدّعي أنّه من مأموري إيران، وقد جاء زائراً وطالباً لاتفاق العلماء على النهوض ضد الروس، وكان هذا أكثرهم حماساً وأشدّهم بكاءً ونخوة، يخاطب الخراساني بقوله: سيّدي يجب أن تبذلوا جلّ هممكم في استخلاص المسلمين من مخالب الروس الكافر والعنود، وأن تعملوا كل وسيلة لدفع هذه الغمّة عن هذه الأُمّة، وليس هناك بُدّ من اتفاقكم ولا علاج لهذا الداء سوى اتحادكم، وإذا لم تتّفقوا فسوف تمحى حتى آثار الإسلام من إيران، الله الله أيّها المسلمون، الله الله أيّها العلماء، إذ ليس من ملجأ سواكم، ولا أمل لنا بغيركم، فإنّ الروس إذا ما سيطروا على إيران فسوف لا تُبقي ديناً ولا ترحم أحداً. فقابله الشيخ الخراساني بالأسف والتحسّر وقال له وللجميع: إنّي حاضر بكل ما أملك من نفس ونفيس في سبيل حفظ حوزة الإسلام والمسلمين، فشكره أبو السادات، ثم توجّهوا إلى الصحن الشريف ليواجهوا سائر العلماء الآخرين. وعندما وردوا إلى الصحن كان السيد اليزدي قد أكمل صلاة المغرب، فتوجّه الجميع مع أبي السادات إليه مستغيثين به صارخين: الله الله بالإسلام، أيّها الحجّة إذا لم تتداركوا أنتم العلماء هذا العدوان الروسي، ولم تتّفقوا معاً على دفعه فستذهب هذه الصلاة وهذه الجماعة، بل سيذهب الإسلام، فكِّروا في الإسلام؛ فأنتم المأوى والمرجع، ولا علاج إلاّ باتفاقكم واتحادكم على الكفر، وإذا لم تنهضوا اليوم فستندموا غداً حيث لا ينفع الندم.
أمّا السيد اليزدي فقد كان عندما تكلّم أبو السادات مبهوتاً متأمّلاً في حركات أبي السادات وسكناته، ولكنّه عندما سمع كلمة اتحاد واتفاق تحرّك قليلاً فكرّر أبو السادات تقبيله ليد السيد ورجليه، متضرّعاً عنده في أن لا يخالف أصحابه من العلماء، محذِّراً إيّاه من نتائج المخالفة على الإسلام، وأهله.
ولم يشعر أبو السادات إلاّ والسيد اليزدي رفع يده بسرعة وقد تغيّر حاله، وقال له: ابتعد عنّي فكل هذا كذب وخداع، إنّي لا أتدخّل ولن أتدخّل، ثم جذب نفسه من السجّادة وصاح صائح القوم من ورائه: أيّها الناس تداركوا السيد فإنّهم يريدون أن يقتلوه، فتوحّش الناس من هذا النداء وهجموا نحو السيد، وهناك وجد المغرضون المجال واسعاً، والوقت مناسباً فهجموا على كل مَن كان حوالي السيد من متفرّجين وطلاّب، وزادوا بالضرب والشتم حتى فرّقوا الجمع، وقد طاحت عمائم وسُلبت عباءات
وسُرقت جيوب؛ أمّا السيد اليزدي فقد دخل في وسط هذه المعامع إلى حجرة من حجرات الصحن، ورُدّت عليه الباب واختفى فيها حيث لم يره أحد، أمّا المطّلعون والذين جاؤوا مستغيثين بالسيد طالبين منه الاتفاق والعلاج، فقد كانوا يصرخون به متعجّبين، أنّه لم يطلب أذية السيد ولم يقصد به سوءاً، تورّعوا أيّها الناس، تأمّلوا أيّها الجهّال والغافلون، ولكن لم يفد كل ذلك حتى أُخبرت الحكومة المحلّية؛ فجاءت الشرطة وفرّقت الجمع بالبنادق والعصي والضرب المبرّح، ثم أخذوا السيد والشرطة أمامه وخلفه والناس حوله تعلو أصواتهم بالصلوات حتى أوصلوه إلى داره، واشتهر هذا الخبر المجهول بأنّ المشروطة تريد قتل السيد. ولكنّ المطّلعين وأهل الدين أخذوا يظهرون للناس حقيقة المطلب، وأنّ حيلة يراد بها أمراً دُبّر بليل، ولذلك فإنّ هذه الشائعة لم تدم سوى ساعتين فقط. وصادف في تلك الليلة ورود آية الله الشيرازي إلى النجف، ولمّا سمع بهذه القضية تأثّر تأثّراً كثيراً، وعجب من حصول أشياء لا مبرّر من وقوعها. وفي تلك الليلة أيضاً واجه الصدر نجل السيد اليزدي وطلب منه مواجهة أبيه، وأخبره: إنّي إنّما تشرّفت في النجف لغاية الاجتماع بوالدك، وإخباره بأُمور يجب أن يطّلع عليها، فأجابه السيد محمد نجل اليزدي: إنّ ذلك غير ممكن ولن يمكن.
فقال الصدر: إنّ أمر إخراج الروس من إيران وتخليص المسلمين من تصرّفاته المشينة بالإسلام متوقّف على هذه المواجهة.
فقال: وذلك لا يكون ولن تواجهوه، وبعد رد وسؤال لم يحصل السيد الصدر على نتيجة، حتى غلب الناس عليه وعلى شيخ العراقين الذي جاءا لتحصيل الاتفاق بين العلماء.
وفي يوم السبت عُقد مجلس حافل بالعلماء والأكابر من رجال الدين في دار الشيخ الخراساني، وتذاكروا في الأمر وقرّروا عدم الانشغال بإقناع السيد اليزدي، وعدم مراجعته؛ لأنّه ممتنع، وانتظار اتفاقهم معه موجب لتعطيلهم عن مهمّتهم.
ثم خطب الخطباء على الجمع المحتفل وجماعات المحتفلين المتظاهرين معهم خطباً بليغة أبكت الجميع، ثم وعدوا الناس بالعمل لإصلاح الحالة، ثم قرّ القرار بالاجتماع مرة أُخرى في دار السيد الصدر عصراً، ولمّا اجتمعوا هناك أجمع رأيهم على السفر إلى الكاظمية، والغرض من ذلك أُمور:
أولاً: لتكذيب اختلاف العلماء فيما بينهم، وسفر أكثر العلماء معاً متّفقين متّحدين.
ثانياً: صدور الأمر الواحد من الجميع إلى عشائر إيران، وأهل المدن بالاتحاد مع الحكومة في رد عادية الروس، بواسطة البرقيات والرسائل والرسل إليهم.
ثالثاً: إبلاغ جميع الأقطار الإسلامية كالهند والقفقاز، وأمرهم بالهيجان وإظهار الاستياء، وغلق الحوانيث والمحلات، وتعطيل الأعمال؛ احتجاجاً في يوم معيّن على الروس ودخولها إلى إيران، كما أنّهم يأمرون جميع عشائر إيران بالنهضة والدفاع عن بيضة الإسلام، موافقة لحكوماتهم في مقابل الظلم والعدوان.
رابعاً: اطلاع جميع دول الأجانب بواسطة قناصلهم وسفرائهم على التعدّي الروسي، بعد تصديق القنصل الإيراني في بغداد رسميّاً.
ومقدّمة لهذا السفر أبرقوا برقيّة مناسبة بإمضاء جميع العلماء إلى السلطان العثماني محمد رشاد، وهذا مضمونها:
إلى أعتاب السدّة السلطانية وحامي الخلافة الإسلامية:
بسم الله الرحمن الرحيم
بسبب الهجوم على الإسلام من كل جانب أصبح العالم الإسلامي في هيجان، نحن بصفتنا رؤساء المذهب على ثمانين مليون من المسلمين الجعفريين القاطنين في إيران والهند وسائر النقط الإسلامية، متفقاً حكمنا بوجوب الجهاد والدفاع عن الدين والنفوس، وعلى جميع المسلمين فرض عين: أن يضربوا على أيدي المسبّبين لإراقة دماء المسلمين صيانة لدين محمد (ص).
لذلك فإنّا نعرض أعتاب حامل الأمانة المقدّسة وخادم الحرمين الشريفين، وخليفة الإسلام، ونعلمه مترحّمين أن لا يحرموا المسلمين إعطاء ( لواء محمد النبوي ) إلى المسلمين المجتمعين من أقطار العالم للدفاع والجهاد، زمان السياسة اللادينية قد زال ومضى.
فالرجاء الأمر بذلك بمقتضى الشريعة وشأن الخلافة الإسلامية.
محمد كاظم الخراساني
محمد حسين الحائري
سيّد إسماعيل الصدر العاملي
عبد الله المازندراني
شيخ الشريعة الأصفهاني
وقد أصدر الشيخ الخراساني بعد ذلك فتوى بالجهاد جاء فيها:
( استنهضوا فيها الإسلام للدفاع عن الشريعة المحمّدية، والذب والمحاماة عن الجامعة الإسلامية، وفّق الله المسلمين إلى الانتفاع باستماعها، والأخذ بحظّهم من العمل بمضمونها، ونعوذ بالله أن نكون نحن الذين يعنيهم سيّد المرسلين بقوله (ص): يوشك أن تداعى عليكم الأُمم إلى الأكلة إلى قصعتها. قال قائل: من قلّة ذلك يا رسول الله؟ قال لا: لكم غثاء كغثاء السيل، ولينزع الله عن قلوب عدوّكم المهابة منكم، ليقذفنّ في قلوبهم الوهن. قال: وما الوهن: قال: حب الدنيا وكراهة الموت. وفي هذا القدر كفاية لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد )(1) ، كما أنّهم أبرقوا معلنين بحركتهم لهذه الغاية إلى جرائد استنبول، ليعلموا العالم الإسلامي بأنّهم حاضرون لإراقة آخر قطرة من دمائهم في سبيل حفظ الإسلام والوطن الإسلامي. ثم احتفلوا في يوم الأحد احتفالاً آخر قرّروا فيه كيفية حركتهم، ويوم الحركة، وأنّ اجتماعهم كلهم في كربلاء ومن هناك يتوجّهون إلى بغداد.
وبعد أن قُضي الاجتماع نادى المنادي في البلد بأنّ العلماء أجمعهم سيسافرون يوم الثلاثاء 20 ذي الحجّة 1329هـ، إلى كربلاء، ومن هناك إلى الكاظمية فمَن شاء الاشتراك فليبادر والله مع الجميع(2) .
وانتشرت أنباء حركة الجهاد، وقد أوعز الملاّ محمد كاظم الخراساني بنصب الخيام في ظاهر النجف، وتعبئة المجاهدين فيها استعداداً على السفر إلى إيران، لدفاع الروس عنها، وقد نُصبت الخيام فعلاً على جبل السلام، خارج المدينة، والمراسلات
____________________
(1) مجلة النجف ع 8/9 نيسان 1967 ص131.
(2) المصلح المجاهد 100 - 108. ينقل الشيخ محمد شريف آل كاشف الغطاء عن والده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، عند نيّة سفر الآخوند الخراساني، اقترحنا على السيد اليزدي الذهاب لتوديعه، وقلنا له عند عدم ذهابك سوف يتأذّى طلاّبك ومقلّديك، وكرّرنا عليه القول، وضع يده على الأرض وقال: ( مَن خدا دارم، مَن خدا دارم ) أي: أنا عندي الله.
وفي الصباح علمنا بوفاة الشيخ الخراساني.
جارية على أشدّها بين كبار العلماء في النجف والكاظمية لإعداد عدّة السفر إلى إيران، وكان المقرّر أنّ السفر سيتم تحت رئاسة الشيخ ملاّ كاظم الخراساني يصحبه من المجتهدين الشيخ عبد الله المازاندراني، وشيخ الشريعة، والسيد مصطفى الكاشي، والسيخ عبد الهادي شليلة البغدادي، والشيخ حسن علي القطيفي، وكان السيد صالح الحلّي قد سبقهم بجماعته إلى الكاظمية ينتظر اجتماعي العلماء هناك(1) وتهيّأ الناس للسفر، وامتلأ الجو بأهازيج العشائر والخطب الرنّانة(2) .
هذا مع توارد رؤساء العشائر، وكبار البلد على الملاّ الخراساني مقدّمين له معونتهم مظهرين لحضورهم عند أمره بالمال والنفس والنفيس، فشكرهم المصلح الخراساني [ موقفهم ] وغيرتهم، ثم قال لهم: الآن فلا حاجة لنا بكم، وبالطبع إذا ما حدث موجب لدعوتكم والاستعانة بكم؛ فإنّي لأبدأ بكم للمشاركة والمساعدة، وفّقكم الله لكل خير، فاذهبوا الآن إلى منازلكم وانتظروا إشعارنا، فقبّلوا يديه وذهبوا، وكلّهم عزم وحزم وحرارة.
ثم تقدّم عليهم بالسفر إلى كربلاء السيد الصدر ليهيّئ لهم المحل وليستقبلهم هناك، وفي يوم الاثنين قبل السفر بيوم وردت برقية من قنصل بغداد إلى الصدر: أنّه وردت برقية من طهران تشعر بعدم لزوم حركة العلماء، ولكنّ الشيخ الخراساني قال: نحن لا عن عزم الحركة غير أنّا نذهب إلى كربلاء، وهناك نرى رأينا وننتظر الخبر الأخير. ولمّا جنّ الليل وأذّن مؤذّن المغرب من ليلة الثلاثاء، صلّى الخراساني صلاة المغرب والعشاء في داره، ثم أمر الجماعة بأنّي سوف أُصلّي الصبح في الحرم العلوي، وبعد زيارة الوداع أسافر إلى كربلاء صبحاً قبل أن يكثر الناس، ومَن شاء فليلتحق بي بعد ذلك، ثم ودّع الحاضرين ودخل إلى داخل الدار ليستريح ويستعد للحركة صبحاً.
ولكن أهل الدار والعائلة، كانوا في قلق وتشويش من هذا السفر، ولم يعلموا السبب في ذلك، وعلى هذا فقد عرضوا على الشيخ الخراساني تشوّشهم، وأظهروا له قلقهم من حركته، ولكنّه طيّب خاطرهم وطمأنهم قائلاً: لا فرق بين هذه السفرة وسائر سفراتي، وقد أودعتكم الله السميع العليم.
____________________
(1) النجف في ربع قرن 149 - 150.
(2) لمحات اجتماعية 2/124، النجف في ربع قرن 149.
ثم طلب منهم الاستراحة والخلو بنفسه، وأمرهم بأن يذهب كل إلى مضجعه ويستريح؛ لأنّ أمامهم أعمال كثيرة وأتعاب في الصباح، فامتثلوا وفارقوه إلى محالّهم. مضى الشيخ إلى العائلة ليستريح وينام قليلاً، وبقي من خواصّه والمقرّبين لديه: العلاّمتان الشيخ علي الشاهرودي، والشيخ أحمد الدشتي في غرفة الاستقبال ليناما هناك، حتى إذا أصبح الصباح مشيا بخدمته إلى الحرم المطهّر، ثم إلى كربلاء(1) .
وفي ليلة 12 كانون الأول من عام 1911 بينما كان الخراساني على أُهبة السفر شعر بتوعّك مفاجئ في صحّته، فاصفّر وجهه وانتابه العرق الغزير، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي أدركته الوفاة؛ فاستدعي إليه طبيب الحكومة، وقد قرّر هذا بعد فحصه أنّه مات بالسكتة القلبية. ولكنّ الناس لم يصدّقوا ذلك وأخذت الإشاعات تُروّج بينهم في أنّه مات مسموماً بأيدي الجواسيس، وانتشرت بينهم قصة مفادها: أنّ رجلاً كان قد أهدى إليه قُبيل وفاته تفاحة صفراء، وهي التي جرّت عليه البلاء(2) .
تفرّق المجاهدون على أثر موت الخراساني، وطُويت الخيام، وانشغل الناس بالنوح على الفقيد وإقامة مجالس الفاتحة، وإلقاء القصائد الشعرية في تأبينه.
يذكر د. علي الوردي قائلاً: حدثني أحد المسنّين من أهل الكاظمية: أنّه كان عند وفاة الخراساني صبيّاً وكان يسمع بأُذنه سبّ الخراساني وتكفيره شائعاً على ألسنة الكبار المحيطين به، وصادف أن ذهب إلى النجف مع أهله للزيارة في تلك الأيام، فوجد المآتم والفواتح تقام للخراساني في كل مكان، فكان عجبه شديداً وأخذ يسأل أهله، كيف يجوز للناس أن يقيموا المآتم للكافر أي للخراساني؟! ولم يستطع أهله أن يقدّموا له جواباً مقنعاً(3) .
كان وفاة الشيخ الخراساني صدمة عنيفة لحركة الجهاد، ممّا جعل تحرّك العلماء والمجاهدين يتأخّر لبعض الوقت، إلاّ أنّ الاهتمام بالتحدّي الاستعماري ظلّ يستوعب نشاط الوسط الشيعي، فخلال مراسيم التأبين والفاتحة التي أُقيمت للشيخ الخراساني، كانت الخطب والقصائد الشعرية تتركّز حول الأخطار التي يتعرّض لها العالم الإسلامي
____________________
(1) المصلح المجاهد 108 - 109.
(2) مجلة العلم النجفية - العدد السابع - السنة الثانية.
(3) لمحات اجتماعية 3/124.
من قِبل الدوائر الاستعمارية، وتؤكّد على ضرورة التصدّي للهجمة الاستعمارية على بلاد المسلمين(1) .
وفي خلال شهر محرّم 1330هـ / كانون الثاني 1912م اجتمع لفيف من المجتهدين في الكاظمية كان فيهم: السيد مهدي الحيدري، والشيخ مهدي الخالصي، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ فتح الله الأصفهاني، والشيخ محمد حسين القمشئي، والسيد علي الداماد، والسيد مصطفى الكاشاني، وقرروا إعلان الجهاد على روسيا على منوال ما فعل الخراساني الراحل(2) .
امتنع مجتهدان كبيران عن الحضور إلى مؤتمر الكاظمية، وعن الانضمام إلى حركة الجهاد، وهما: الميرزا محمد تقي الشيرازي في سامراء، والسيد كاظم اليزدي في النجف. فقرّر الشيخ مهدي الخالصي أن يسافر بنفسه إليهما بغية إقناعهما بالانضمام إلى الحركة، ولم يجد الخالصي صعوبة في إقناع الشيرازي عندما ذهب إليه في سامراء، غير أنّه عند ذهابه إلى النجف لم يتمكّن من الاجتماع باليزدي لمحادثته في الموضوع؛ إذ كان هذا يمتنع من لقياه المرّة بعد المرّة(3) .
وتمّ تشكيل لجنة من ثلاثة عشر عالماً لإدارة التحرّك ضد الاحتلال الروسي لإيران.
فبينما كانت لجنة العلماء تواصل اجتماعاتها في مدينة الكاظمية، أقدمت القوات الروسية على اجتياح مدينة تبريز، وقامت بمجازر بشعة كان من ضمنها إعدام مجموعة من العلماء. وقد أثار هذا الحدث مشاعر علماء الدين في العراق، فأعلن السيد محمد
____________________
(1) دور علماء الشيعة 67.
(2) لمحات اجتماعية 3/124.
(3) يذكر د. الوردي في لمحاته أنّه: ( وفي أحد الأيام بينما كان الخالصي في النجف يواصل مساعيه للاجتماع باليزدي، وقع عليه اعتداء من قبل بعض العامة، وقد أسرع الخالصي إلى مغادرة النجف والعودة إلى الكاظمية درءاً للفتنة. وحين سمع أهل الكاظمية بالحادث تحفّزوا لأخذ الثأر، إذ لم يهن عليهم أن يعتدي أهل النجف على عالمهم دون أن ينتقموا له. وقد بذل الخالصي جهده لتهدئتهم.
كان والي بغداد يومذاك جمال بك، وكان على صلة وثيقة بالخالصي، فلمّا سمع بحادث الاعتداء عليه أمر بإلقاء القبض على المعتدين وبسوقهم مكبّلين إلى بغداد. وانبرى الخالصي يتشفّع لهم عند الوالي حتى جعله يأمر بإطلاق سراحهم. وفي زحمة هذه الأحداث نسي الناس جهاد الروس، وانشغلوا بجهاد بعضهم بعضاً ).
كاظم اليزدي أنّه سيتوجّه إلى الكاظمية للمشاركة في تجمّع العلماء(1) .
أثار عزم علماء الدين على التحرّك إلى إيران على رأس كتائب المجاهدين، اهتمام الحكومة الإيرانية، فأرسلت البرقية التالية في 9 كانون الثاني 1912 م (19 محرم 1330هـ) تطلب فيها من العلماء عدم التوجّه إلى إيران:
( بغداد - من طهران - الجنرال القنصل الإيراني - ليد سماحة نجل الشيخ الخراساني، وإلى حضرات المراجع أدام ظلالهم.
يبدو ممّا وصل القنصل في الكاظمية من أنباء، فإنّ خطواتكم المباركة رغم ما ينتج عنها من سعادة وبركة، إلاّ أنّ الدولة تمرّ حالياً بمرحلة سياسية معقّدة جداً، ومن المحتمل أن تترتّب على تحرّككم آثار سيّئة قد يعتبرها الأجانب خطوة عدائية، الأمر الذي قد تنتج عنه عواقب غير محمودة للدولة التي تتبع حالياً سياسة أهون الشرّين، وتتجنّب كلّ خطوة تتعارض مع حفظ بيضة الإسلام. وتدعو الحكومة الإيرانية وبكل إصرار إلغاء موضوع المسير، آملين بدعائكم ووجودكم وتوجيهاتكم المباركة أن تدفع الشدائد، ويتم التوصّل إلى الهدف المنشود.
مجلس الوزراء - وثوق الدولة )(2)
وفي أوآخر آذار 1912م، وصل إلى العراق خبر مفاده: أنّ الجيوش الروسية قصفت بالمدافع مشهد الإمام الرضا في خراسان؛ فانهدم جزء من القبّة والسقف وأدّى ذلك إلى قتل وجرح عدد من الزوّار الذين كانوا يتهجّدون فيه. وحملت الأنباء انتهاب الروس لقسم من مكتبة الإمام الرضا وإرسالها إلى بطرسبوغ عاصمة الإمبراطورية حينذاك، وزيد تجاوز الجيش على الحرم واستخدامه اصطبلاً... إلى غير ذلك من الأعمال المنكرة، ولم تؤخذ بعض هذه الأنباء بنظر عامة النجف موقع التصديق إلاّ في شهر محرّم، حيث عودة الزوّار من خراسان، فكان لأنباء الزوّار أكبر وقع على النجفيين، وأعظم حادث أهاج الأفكار، فكان هذا الحادث أبلغ سلاح استخدمه القائم قام عبد العزيز في إثارة العامة أثناء العشرة الأُولى من شهر محرم، موسم المآتم والاجتماعات
____________________
(1) هجوم روس 129.
(2) هجوم روس، ص36 - 1371، دور علماء الشيعة 68.
والتظاهرات الدينية، يلج المآتم الكبيرة ويطلب من القرّاء أن ترثي البلاد الإسلامية، من طرابلس الغرب وخراسان، وأن يوضحوا للناس صور الحروب الدموية في تلك البلاد، وما آلت إليه حال أهليها وعلمائها ومساجدها إزاء اعتداء إيطاليا والروس فتتألّم الناس وتصخب، ويقف أحياناً يخطب في الناس وفي جنبه السيد مسلم زوين، وكان إذا خطب تحسّس وبكى فأبكى الناس، يعضده السيد مسلم، الطويل الباع في إثارة العامة وإلهاب الغيرة والحفيظة، وعندئذ قامت قيامة النجف، فاختلطت التظاهرات في مصيبتين عظيمتين عثمانية - إيرانية(1) .
وأخيراً سحبت الحكومة الروسية جيشها من إيران طبقاً للسياسة الروسية - البريطانية، التي بدأت تتوحّد حذراً من السياسية الجرمنية الزاحفة، وأيضاً لقاء معاهدة عُقدت بين إيران وروسيا، وكانت في صالح الروس(2) . وعند هذا ساد الهياج في مختلف أنحاء إيران والعراق، ووجد المجتهدون في العراق أنّ من الضروري استئناف حركة الجهاد من جديد.
____________________
(1) النجف في ربع قرن 147 - 148.
(2) ن. م ص153.
حركة الجهاد عام 1332 - 1333هـ / 1914م
وموقف السيّد كاظم اليزدي
تمهيد:
في أوائل آب 1914م / 1332هـ، رفعت الحرب العالمية الأُولى أوزارها، وقد سارعت تركيا إلى إعلان حيادها، غير أنّ هذا الموقف خضع لضغوط عديدة من أجل زجّها في الحرب، لاسيّما وأنّ الدوافع الحقيقية كانت تتطلّب فرض الحرب عليها لتنفيذ المشروع الاستعماري في تقاسم أقاليمها، وقد التقت تلك الدوافع مع الرغبة الجامحة للزعماء الاتحاديين في دخول الحرب إلى جانب ألمانيا، حيث كانوا يتصوّرون أنّ انتصار ألمانيا في الحرب مسألة حتميّة، وأنّ الضمان الوحيد لسلامة تركيا من الأطماع الروسية هو تحالفهم مع ألمانيا(1) ، وتصوّرت حكومة الاتحاديين أنّ هذا لو تمّ ودخلت تركيا الحرب، فإنّها ستعيد أمجادها وستخرج من الحرب منتصرة قوية(2) .
أمّا ألمانيا فإنّها لم ترغب في البداية بإشراك الدولة العثمانية معها في الحرب؛ لأنّها كانت ترى أنّ نهاية الحرب لصالحها، فلا مبرّر لأن يشاركها العثمانيون في مكاسب النصر(3) .
في أواخر تشرين الأول 1914 أعلنت كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا الحرب على
____________________
(1) العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 498.
(2) مقدّرات العراق السياسية 1/68.
(3) دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 80.
يقول السفير الألماني فون ونغنهايم: ( إنّ ألمانيا كانت ترمي إلى إثارة العالم الإسلامي على المسيحيين، أي إنّها كانت تنوي تسعير حرب دينية للقضاء على سلطة إنكلترا وفرنسا في مستعمراتها الإسلامية: كالهند ومصر والجزائر وغيرها. إنّ تركيا بحدّ ذاتها ليست شيئاً مهمّاً، جيشها ضعيف، ولا ننتظر منه أعمالاً مجيدة في ساحات القتال، ولكنّنا نحن لا نرى في تركيا إلاّ العالم الإسلامي، فإذا تمكّنا من إثارة الرأي الإسلامي ضد إنكلترا وفرنسا وروسيا، نكون قد أرغمناهم على طلب الصلح في وقت قريب ).
لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 4/20.
الدولة العثمانية(1) وبذلك بدأت مرحلة الحسم الاستعماري في السيطرة على البلاد الإسلامية.
قبل إعلان الحرب، كانت بريطانيا قد استكملت إجراءاتها في ترتيب مقدمات غزوها لمنطقة الخليج، من خلال عقد عدّة اتفاقيات مع الشيخ مبارك، والشيخ خزعل، وعبد العزيز بن سعود(2) ، لكن المشكلة التي واجهتها هي موقف علماء الشيعة من احتلال العراق، حيث كانت بريطانيا تدرك أنّ علماء الشيعة لا يمكن أن يتقبّلوا الاحتلال البريطاني، وذلك من خلال المواقف التي تبنّوها إزاء الاحتلال الاستعماري للأقاليم الإسلامية، وتصدّيهم لأي محاولة استعمارية تستهدف كيان المسلمين السياسي(3) .
لكن هذا المسعى لم يؤثّر على الموقف الشيعي شيئاً، فقد أسرع علماء الدين الشيعة إلى إعلان الجهاد فور تعرّض العراق لهجوم القوات البريطانية.
وقبل أن تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوات البريطانية في بومباي بالتحرّك نحو المياه الخليجية، بمعيّة القوات المرابطة في البحرين، وبعد إعلان الحرب تقدّمت القوات البريطانية نحو العراق في 14 تشرين الثاني 1914م / 25 ذي الحجّة 1332هـ، فاحتلّت الفاو(4) .
البداية:
بدأت حركة الجهاد في العراق في 9 تشرين الثاني 1914، لمداهمة الجيوش الإنكليزية الغازية من جهة البصرة، والتي تعلن بخطر الغزو الإنكليزي للسيطرة على ثرواته وخيراته، والاستيلاء على شؤونه ومقدّراته، وبعد أن أحسّ العراقيون بالخطر
____________________
(1) تاريخ العراق بين احتلالين 8/254.
(2) انظر: حسين خلف الشيخ خزعل: تاريخ الكويت السياسي.
رياض نجيب الريس: جواسيس العرب.
ستيفن لونكريك: العراق الحديث.
(3) جاء في رسالة السفير البريطاني في اسطنبول المؤرّخ في 25 أيلول 1914م إلى وزير الخارجية البريطاني: ( إنّ على نائب القنصل البريطاني في المدن الشيعية المقدّسة أن يؤثّر عليهم - المجتهدين - بشكل كي يجلبهم إلى جانبنا ).
د. غسّان العطية: العراق - نشأة الدولة 116.
(4) مذكّرات الفريق طونزند 51.
المحدق، وشعروا بما سيحيق بهم من الكوارث إذا تمكّن عدوّهم من السيطرة والاستيلاء، وما سيجره ذلك عليهم من المحن والفتن، فاستغاثوا برجال الدين قبل أن تعلن بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية، صدرت الأوامر إلى القوّات البريطانية في بومباي، بالتحرّك نحو المياه الخليجية بمعيّة القوات المرابطة في البحرين، ( ولم يكن نزول القوات العسكرية البريطانية في الفاو في 6 تشرين الثاني 1914 لغرض احتلال العراق، أو أجزائه الجنوبية على أقل تقدير، أمراً مستغرباً أو غير متوقّع في حسابات المصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى، وصراعاتها، ومناطق نفوذها في العالم، لاسيّما منذ العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. فبريطانيا كان لها وجود، كما هو معلوم، في منطقة الخليج العربي منذ أمدٍ بعيد. وكانت لها مصالح اقتصادية، وعلاقات سياسية بهذه المنطقة وامتداداتها في الأراضي العراقية وأراضي إقليم عربستان وبلاد فارس. وكانت حقول نفط عبادان تمثّل لها أهميّة اقتصادية كبرى، ينبغي المحافظة عليها من الخطر الألماني الذي امتد إليها مع مشروع سكّة حديد برلين - بغداد، وتنامي التغلغل الألماني في البلاد العثمانية منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، والذي تُوّج بدخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأُولى إلى جانب دول الوسط.
كذلك لم يكن اشتراك الدولة العثمانية، في بداية تشرين الثاني من عام 1914، في الحرب العالمية الأُولى حليفة لألمانيا أمراً مفاجئاً لبريطانيا؛ ذلك أنّ الدلائل كانت تشير بمجملها إلى حدوثه. ومن ثمّ فإنّ بريطانيا استعدّت لحماية مصالحها في الخليج العربي بشكل جِدّي منذ الأيام الأُولى لنشوب الحرب(1) . بيد أنّ الدولة العثمانية، في المقابل، لم تهيّئ نفسها لمواجهة حسابات بريطانيا المتعلّقة بحماية مصالحها في هذه المنطقة عند قيام الحرب، وأطماعها فيها، ونفوذها التاريخي المتغلغل في جوانب متعددة من تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فقد أهمل العثمانيون أمر
____________________
(1) ينظر عن هذه الاستعدادات: البصرة في عهد الاحتلال البريطاني، ص 98 وما بعدها. وجدير بالذكر أنّ نزول القوات البريطانية في الفاو في 6 تشرين الثاني 1914، جاء بعد يوم واحد من إعلان الدولة العثمانية الحرب على دول الوفاق الودّي، الذي حدث يوم 5 تشرين الثاني 1914. ينظر: Mansfield ، peter ، The Ottoman Empire and its Successors ، St. Martin s press ، first published ، New York 1973 ، p.34
الدفاع عن العراق، أو التخطيط لحالات محتملة تتطلّب ذلك، لاسيّما بعد نشوب الحرب بين الأطراف الأوربية أوائل آب 1914. فأرسلوا وحدات الجيش ( الفيلق العثماني السادس ) الذي يتخذ من مركز ولاية بغداد مقرّاً له، وهي تتألّف في أغلبها من الجنود العراقيين، إلى ولاية ( وان ) وجهات متعدّدة من بلاد القفقاس(1) . واعتمد صانع القرار العثماني - فيما يبدو - على قيام أبناء العشائر العراقية، والمتطوّعين العراقيين الآخرين بالدفاع عن أنفسهم وبلادهم، وهو أمر عسير في التطبيق على أرض الواقع؛ لأسباب شتّى منها: أنّ الدولة العثمانية نفسها لم تهيّئ، على مدى حِقَبٍ متطاولة من سيطرتها على هذه البلاد، وسائل وأساليب بلوغ الهدف، على الرغم من أنّ مخاطر الأطماع الأوربية في العراق كانت واضحة لكل ذي بصيرة، منذ أكثر من قرن مضى من الزمان. وقد أناطت السلطات العثمانية في إطار تلك الإستراتيجية، أو في إطار الإستراتيجية المفقودة بالأحرى، بالفرقة الثامنة والثلاثين من الجيش العثماني فحسب، وبوحدات الدرك والحدود، مهمّة الدفاع عن العراق كنواة تلتف حولها القوة غير النظامية للمتطوّعين العراقيين من أبناء المدن والعشائر، متجاهلة الخطر الذي يهدّد العراق أو غير مقدّرة لحجمه الحقيقي، فلم تضع أيّة خطّة عسكرية مدروسة للدفاع عنه، ولم تشرع ببناء أيّة تحصينات دفاعية، أو تقوم بمناورات عسكرية، أو حتى بتزويد المجاهدين العراقيين الذين اعتمدت عليهم بالأسلحة والإعاشة اللازمة، بل كانت السلطات العثمانية تفتقر إلى وجود خرائط جغرافية خاصة بالعراق(2) .
ومن ثمّ وجد العراقيون أنفسهم، نتيجة ذلك الإهمال العثماني، وجهاً لوجه مع المحتل البريطاني، وهو على مقربة من مدينة البصرة والتي تمثّل بحجمها واحدة من أكبر مدن العراق، وأكثرها أهميّة لأمنه واقتصاده وثرواته الطبيعية والبشرية، وتمثّل بماضيها حاضرة عربية إسلامية شهيرة، ذات تأثير فاعل في خلق الكيان الحضاري للعرب
____________________
(1) ينظر: تاريخ العراق بين احتلالين. 8/262 - 267، ويذكر العزاوي في هاتين الصفحتين أنّ هؤلاء الجنود لاقوا عناءً كبيراً، ولحقهم ضرر بالغ من جرّاء سوقهم إلى تلك المناطق النائية، ولم يرجع منهم إلى العراق سوى عدد قليل.
(2) ينظر: محمود شكري نديم، حرب العراق ط7/1814 - 1918، ص15 - 16.
المسلمين. فأبرق وجهاء مدينة البصرة إلى علماء الدين )(1) في العتبات المقدّسة ( النجف، كربلاء، الكاظمية ) ومختلف البلدان العراقية، ببرقيات يطلبون فيها منهم أن ينهضوا بالأمر، ويعلنوا الجهاد المقدّس والنفير العام، ورد في بعضها ما نصّه:
( ثغر البصرة، الكفّار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع )(2) .
وقد تُليت هذه البرقية وأمثالها علناً في المساجد، ونادى المنادي بها في الأسواق، وأخذ الوعّاظ والخطباء يلهبون مشاعر الناس بخطبهم الحماسية، ويؤكّدون فيها أنّ الإنكليز إذا احتلوا العراق فسيهدمون مساجده وعتباته المقدّسة، ويحرقون القرآن، وينتهكون حرمات النساء، ويذبحون الأطفال والشيوخ(3) ، فهاجوا وماجوا، وأغلقوا أسواقهم، وعطّلوا أعمالهم واجتمعوا في الساحات والميادين وصحون العتبات ينتظرون أوامر علمائهم؛ فأصدر العلماء بوجوب الدفاع عن كل مسلم، وأبرقوا بهذا المضمون إلى العشائر المحيطة بالبصرة، ثم توالت الاجتماعات وأُلقيت الخطب المثيرة.
ففي الكاظمية، رقى المنبر السيد مهدي الحيدري، فوعظ وحرّض، وأعلن خروجه بنفسه إلى ميدان الحرب(4) .
أمّا النجف فقد وصلها وفد من بغداد مؤلّف من بعض الشخصيات المحترمة: كمحمد فاضل باشا الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار، وغيرهم؛ لمحادثة المجتهدين الكبار في هذا الأمر(5) .
____________________
(1) السيد گاطع العوادي، ص66.
(2) الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري ص29.
(3) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 4/127.
(4) مقابر قريش أو الكاظمية / مجلة الأقلام البغدادية، س1، ع3 / 1964.
(5) يذكر الدكتور علي الوردي في لمحاته، 4/127: إنّ أهم ما كان يخالج ذهن الحكومة - يقصد العثمانية - يومذاك، هو كيف يمكن تحريض الشيعة للانضمام إلى حركة الجهاد، وكان أول ما فكّرت فيه الحكومة في هذا الشأن هو إرسال وفد إلى النجف، وممّا يجدر ذكره أنّ الشيعة لا يجيزون الجهاد إلاّ إذا كان بأمر أو موافقة من الإمام المعصوم، غير أنّهم يجيزون الجهاد في حالة تعرّض البلاد الإسلامية لخطر مهاجمة الكفّار لها، وهم عند ذلك يطلقون عليه اسم ( الدفاع ).
ولدى وصولهم استقبلوا بحفاوة بالغة، تمّ عقد اجتماع حافل في جامع الهندي حضره الكثير من العلماء ورؤساء العشائر، وخطب فيه السيد محمد سعدي الحبّوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجواهري، حيث ذكروا وجوب مشاركة الحكومة المسلمة في دفع الكفّار عن بلاد الإسلام(1) ، ثم قام مبدر آل فرعون رئيس آل فتلة فألقى كلمة قال فيها:
( إن الأتراك إخواننا في الدين، وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا )(2) .
بعد ذلك ذهب الشيخ حميد الكليدار إلى الكوفة لمقابلة المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وعرض أمر الجهاد عليه، فوافق السيد اليزدي على إرسال ولده السيد محمد لينوب عنه في استنهاض العشائر للجهاد.
وفي 22 ذي الحجّة 1332هـ / 12 تشرين الثاني 1914م، اجتمع مشايخ الهندية والشامية والمشخاب في مدينة الكوفة للمذاكرة في أمر الجهاد، وقد حضر معهم فاضل باشا الداغستاني من بغداد ممثّلاً عن الحكومة العثمانية، وعزم على التوجّه إلى الجعّارة - ناحية الحيرة - ثم إلى الديوانية - وقد حضر من سادات القبائل كل من: السيد نور السيد عزيز الياسري، والسيد هادي مگوطر وغيرهما.
ومن المشايخ: علوان الحاج سعدون، رئيس عموم عشائر بني حسن، ووداي بن عطية آل حرز شيخ آل علي، ولفتة آل شمخي شيخ الجراح وآل دهيم، ومرزوق العواد شيخ العوابد في الشامية، والحاج جاسم آل چياد شيخ الحميدات في الشامية، وعبادي آل حسين العلي شيخ آل فتلة في المهناوية، وجبار شيخ المچاتيم من بني حسن، وناصر شيخ البودحيدح في الشامية.
وقد حضر الاجتماع من مشايخ آل فتلة في المشخاب: مبدر الفرعون، وعبد الواحد الحاج سكر، وعبد الكاظم الحاج سكر، وحسن الحاج سكر، ومزهر الفرعون(3) .
وفي 27 محرّم 1333هـ / كانون الأول 1914م صعد السيد اليزدي المنبر في
____________________
(1) الجهاد ضد الإنكليز والنفير العام 1914 - خ -.
(2) البطولة في ثورة العشرين، ص68 - 69.
(3) ورقتان من مذكّرات الشيخ هادي آل كاشف الغطاء ص402.
الصحن الحيدري وخطب في الناس خطبة حثّهم فيها على الدفاع عن البلاد الإسلامية، وأوجب على الغني العاجز بدناً، أن يجهّز من ماله الفقير القوي؛ فكان لكلامه صدى ردّدته الأطراف(1) .
( وقد تعزّزت توجّهات العراقيين للدفاع عن بلادهم، بقيام السلطات العثمانية بحملة دعائية في أرجاء العراق كافّة، تحث على مساندة الدولة العثمانية في حربها مع ( الغزاة الكفرة ). وضمن هذا التوجّه استدعى والي بغداد جاويد باشا (19 كانون الثاني 1914/ أواخر 1914) شيوخ العشائر العراقية إلى مركز الولاية، وحينما مثلوا بين يديه طلب منهم، ضمن كلمة طويلة ألقاها عليهم، أن يبادروا بمساعدة الدولة العثمانية في تصدّيها للعدوان البريطاني. وقد عمل معظم هؤلاء الشيوخ باتجاه تحقيق هذه الغاية، بعد أن رجعوا إلى مواطنهم، فبادروا بتهيئة أبناء عشائرهم للقتال(2) . لاسيّما أنّ هذا التحرّك جاء متزامناً مع نداءات علماء الدين يوجوب الدفاع عن البلاد. وكانت السلطات العثمانية قد أرسلت من مركزها في بغداد وفوداً إلى المدن العراقية المهمّة، وفي مقدمتها النجف الأشرف؛ لتحث علماء الدين على إصدار فتاوى بالجهاد. ولعلّ من أهم تلك الوفود: الوفد الذي كان قد أُرسل إلى النجف، وتألّف من شخصيات اجتماعية ودينية ورسمية. وقد قابل هذا الوفد عدداً من علماء الدين، وترتّب على ذلك انعقاد اجتماع حاشد في جامع الهندي، حضره عدد من العلماء، ومشايخ الدين، وشيوخ العشائر الذين اجتمعت كلمتهم على ( وجوب الدفاع عن البلاد الإسلامية )(3) .
ويلاحظ أنّه على الرغم من أنّ العلاقات بين العراقيين لاسيّما من أبناء العشائر وبعض المدن، وبين سلطات الحكم العثماني كانت تتّصف - كما هو معروف منذ أمدٍ بعيد - بالتوتّر وفقدان الثقة بين الطرفين، فإنّ أبناء العراق هؤلاء قد هبّوا للدفاع عن
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص182.
يذكر الدكتور الوردي في لمحاته، 4/128: أنّ علاقة السيد محمد كاظم اليزدي لم تكن مع الاتحاديين حسنة، حيث كان من دعاة ( الاستبداد )، بينما هم كانوا من دعاة ( المشروطية )، وقد سبق للاتحاديين أن هددوه بالنفي وأثاروا سخطه، ولكن الشيخ حميد الكليدار استطاع أن يقنعه بوجوب نسيان عدائه للاتحاديين، باعتبار أنّ البلاد الإسلامية مهدّدة بخطر غزو الكفّار لها، فوافق اليزدي.
(2) مذكّرات الحاج صلال الفاضل الموح، ص51.
(3) البطولة في ثورة العشرين، ص69. لمحات اجتماعية 4/128.
بلادهم، وناصروا العثمانيين في حربهم للبريطانيين لأسباب متعدّدة، لا تقتصر فيما يبدو على السبب الديني المتمثّل بالاستجابة لدعوات علماء الدين وفتاواهم بالدفاع والوقوف بوجه المحتلّين، كما يرى بعض المؤرّخين والكتّاب(1) ، بل تتجاوزها فيما يبدو إلى دوافع وطنية وسياسية أُخرى حدت بهؤلاء إلى مؤازرة العثمانيين. بيد أنّ العثمانيين الأتراك، لاسيّما أولئك المتعصّبين لقوميّتهم التركية، كانوا يلصقون بالمقابل تهمة الخيانة بأبناء العشائر العربية الذين اشتركوا معهم في قتال البريطانيين، ربّما لأنّ بعض هؤلاء انشغل بسلب القوات العثمانية النظامية بعد هزيمة الشعيبة كما يرى الدكتور علي الوردي(2) . لكن من المؤكّد أنّ انعدام الثقة بين الطرفين كان سابقاً للوقت الذي حدّده الوردي لإطلاق تهمة الخيانة على العرب من قِبل الأتراك؛ ذلك أنّ الأتراك كانوا يرون - منذ حقب سالفة - وجود هذه الصفة لدى العرب، لاسيّما عرب العراق واليمن وطرابلس الغرب، وأي عرب آخرين، لم يهادنوا حكمهم ويستسلموا له ويركنوا إلى الهدوء في ظلّه. وبعد هزيمة القوات العثمانية في الشعيبة خاطب الضابط التركي أحمد بك أوراق العرب الذين كانوا يقاتلون إلى جانب العثمانيين بقوله: ( إنّنا لو فتحنا الشعيبة والبصرة يبقى علينا واجب ثانٍ وهو فتح العراق، وخاصة الفرات أوّلاً، وعشائر شط دجلة ثانياً؛ لأنّهم خونة )(3) . حدث ذلك والحرب لم تنته بعد، ولم يغادر العرب العراقيون جبهات القتال، وكانت لهزيمة الشعيبة تلك أسباب متعددة، ليس من بينها خيانة هؤلاء والجدير بالذكر أن بدر الرميض شيخ بني مالك ردّ على كلام الضابط العثماني بقوله: ( أنتم الخونة للإسلام، وتحزّبكم ضد العرب كافٍ لمصداق قولي، وأنتم بعد هذا أولى بالحرب والقتال ممّن نحارب. ولولا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها )(4) . وقد تفاقم الأمر بين العرب والأتراك بعد إعلان الشريف حسين لثورته أواسط عام 1916، وأصبح العربي يُوصم من قبل التركي آنذاك، وربّما لحد الآن بتهمة الخيانة ( عرب خيانت ).
____________________
(1) ينظر منهم: فريق المزهر الفرعون، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920، ص36.
(2) لمحات اجتماعية 4/213.
(3) الحقائق الناصعة: ص40.
(4) ن. م. ص40.
كذلك لم يثنِ العراقيين عن الوقوف إلى جانب قوات الدولة العثمانية، في معاركها ضد القوات البريطانية الغازية للعراق، قيام السلطات العثمانية بسوق عدد كبير منهم - كما أشرنا - إلى مناطق في الجبهات الأوربية النائية عن بلادهم. ولم تثبّط عزائمهم أيضاً دعوات بعض العراقيين الذين كانوا لا يؤمنون بقضية الجهاد، أو الدفاع عن البلاد ضد الاحتلال البريطاني، وهم غالباً، فيما نقدّر، من أبناء الحواضر الكبرى، لاسيما تلك التي لا تميّزها اعتبارات دينية كبغداد والبصرة. وكانت تلك الدعوات تحث على ترك القتال إلى جانب القوات العثمانية، وتعد الأتراك والبريطانيين بمنزلة واحدة من السوء على البلاد، وتدعو إلى قتل الضبّاط الأتراك، ومغادرة العراقيين ساحات القتال إلى حيث مدنهم وأريافهم وبيوتهم. ينقل بهذا الصدد والي بغداد جاويد باشا في كتابه ( عراق سفري ) أي حرب العراق، ما نصّه: ( وفي البيانات التي عُثر عليها في العراق: إنّ اتّباعنا للترك والإنكليز واحد، كلها أسر، وإنّ الترك باعوا بلادنا، وأخذوا أولادنا إلى أرض روم، وكذا دوابنا، وأطعمتنا وبقيت نساؤنا أرامل، وساقوا أبناءنا إلى جهة مجهولة فأهلكوهم في الحروب، اقتلوا ضبّاط الأتراك وعودوا إلى أوطانكم )(1) .
فتاوى الدفاع... تحرّكات ومشاركات:
ومن ثمّ نجد أنّ معظم العراقيين قد نبذوا خلافات الماضي مع حكّامهم العثمانيين، ووقفوا بمختلف فئاتهم إلى جانب هؤلاء واشتركوا معهم في قتال البريطانيين. وكانت مساهمة علماء الدين، ورؤساء العشائر، وبعض وجوه المدن، ذات أثر فاعل في المعارك.
التوجّه للجهاد ( خط الفرات ):
توجّه من النجف إلى ساحة الحرب، عن طريق الفرات، عدد من المجتهدين مع أتباعهم، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد؛ فكانت أول مجموعة من المجاهدين برئاسة السيد محمد سعيد الحبّوبي، وكان أشد المجاهدين حماساً للجهاد، فقد خرج مع جماعة من أصحابه من النجف عصر يوم 15 تشرين الثاني 1914م / 25 ذي الحجّة 1332هـ في موكب رهيب، وقد تقلّد سيفه
____________________
(1) مطبعة مدافعه، استانبول 1334 رومية، ص13. نقل النص عنه: العزاوي، في العراق بين احتلالين 8/265.
والطبول تُقرع أمامه، وقد التحق به يوم 21 محرّم 1333هـ / 9 كانون الأول 1914م، وهو في الطريق بمنطقة الأبيض، السيد هادي مگوطر الذي ذهب هو الآخر في دعوة العشائر للجهاد، وعند وصوله إلى السماوة أقام فيها حتى يوم 22 محرّم داعياً ومحرّضاً أهلها وعشائرها للمشاركة في حرب الجهاد، وقد طلبوا منه عدّة مطاليب، فاتفقوا مرة واختلفوا أُخرى، وكانت الخلاصة أن رافقه منهم خمسمئة مجاهد(1) .
وفي يوم 23 محرّم غادر الحبّوبي متوجّهاً إلى الناصرية، وبعد نزوله في كثير من المدن والعشائر، وصلها في منتصف كانون الثاني 1915، وفيها كانت عشائر المجرّة والغرّاف وعجمي باشا السعدون بانتظاره، وكان فيها أثناء مكوثه دائب الحركة، حيث يتجوّل بين العشائر المجاورة، ويرسل أعوانه من شبّان الطلبة: كالشيخ باقر الشبيبي، وعلي الشرقي إلى العشائر البعيدة؛ لحثّهم على الانضمام إلى حركة الجهاد. وقد وضعت الحكومة تحت تصرّفه أموالاً طائلة لينفقها في تجهيز العشائر(2) ، فاجتمع إليه منهم
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص176 - 177.
(2) يذكر د. الوردي في لمحاته، 4/134 بأنّ المصادر الإنكليزية أشاعت بأنّ علماء الدين الذين رفعوا راية الجهاد في العراق ضد الاحتلال البريطاني، لم يقدموا على هذا الفعل إلاّ تحت تأثير المبالغ الضخمة التي أُعطيت لهم من قبل الألمان والأتراك. وينقل موبرلي عن مذكّرة للدكتور زغماير - وهو مبعوث ألماني أسره الإنكليز في إيران واستحوذوا على مذكّراته - يذكر فيها أنّ مجتهداً كربلائياً قبض من الألمان مبلغ ألفي باون، وسافر إلى كرمنشاه لغرض الدعوة إلى الجهاد هنالك Mpberly - The campaing in Mesopotamia - london 1927 vol. i.p 345
ثم يوضح الوردي: نحن لا ننكر أنّ الحكومة العثمانية قد وضعت تحت تصرّف علماء الدين مبالغ ضخمة أثناء حركة الجهاد، ولكنّنا مع ذلك يجب أن لا ننسى أنّهم أنفقوا تلك المبالغ كلها على تجهيز المجاهدين بالأسلحة والأغذية، أو على تشجيعهم وترغيبهم، ولم يأخذوا لأنفسهم شيئاً، والمعروف عن كبار المجتهدين الذين قادوا حركة الجهاد كالسيد محمد سعيد الحبّوبي، والسيد مهدي الحيدري، والشيخ مهدي الخالصي، أنّهم لم يكتفوا بإنفاق المبالغ التي وضعت تحت تصرّفهم على حركة الجهاد، بل زادوا على ذلك فأنفقوا من أموالهم الخاصة، أو من الحقوق الشرعية التي كانت تُقدّم لهم، وقيل عن الحبّوبي بوجه خاص أنّه كان غنيّاً، له أملاك خاصة فرهنها لكي ينفق منها على المجاهدين.
ويضيف الوردي قائلاً: ولكن هذا لا يمنع أن يكون في حاشية العلماء، وصغار المعمّمين، مَن أخذ المال لنفسه على صورة من الصور. وهذا أمر طبيعي لابدّ من وقوعه في مثل تلك الظروف. حدثني رجل أثق به أنّه كان أثناء حركة الجهاد وسيطاً بين القنصل الألماني ببغداد وأحد المعمّمين، حيث قبض المعمّم من القنصل مبلغاً لا يُستهان به من الليرات الذهبية، والمظنون أنّه وزّع جزءاً من المبلغ على المجاهدين ووضع الباقي في جيبه.
خلق كثير، فقد غادرت عشائر الغرّاف إلى الناصرية في 11 صفر 1333 هـ. وفي 19 شباط 1915 م / 4 ربيع الثاني 1333 هـ، غادر الحبّوبي سوق الشيوخ متوجّهاً نحو الشعيبة، وتابعتهم العشائر تحملهم مئات السفن الشراعية وهي تمخر مياه بحيرة الحمّار(1) ، ويقدّر عددهم بأكثر من ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس، وقد التحق معهم حوالي خمسة عشرة ألف جندي، فتكوّن من الطرفين، الجناح الأيمن التركي في هذه الحرب(2) .
وفي يوم 27 ذي الحجّة 1332 هـ، خرج من النجف ركب آخر من المجاهدين برئاسة السيد عبد الرزّاق الحلو(3) وتسعة من أتباعه، ولدى وصوله إلى السماوة في طريقه لساحة الحرب نصب خيامه على الشاطئ الشرقي من الفرات، وبعد يومين من وصوله وردت برقية من الوالي جاويد باشا الذي كان في البصرة، يقول فيها ما نصّه: ( أتوسّل إليك برسول الله وآل البيت وفاطمة الزهراء أن تسرعوا في المجيء إليّ، حيث إنّ البصرة مهدّدة ونحن في ضيق شديد ) فلمّا قرأ السيد الحلو البرقية هتف قائلاً: ( الله أكبر! الله أكبر! سمعنا وأطعنا! ) ونادى أصحابه فأمر بتقويض الخيام ووضعها في السفن حالاً، رغم نصيحة عبد العزيز القصّاب قائم مقام قضاء السماوة آنذاك له بالتريّث في الرحيل لشدّة الريح، غير أنّ السيد أصرّ على الرحيل، وقال: ( يا ولدي لقد وجبت عليّ الحركة بناءً على الخطاب الوارد لي، وإن تأخّرت يُعدّ عصياناً ) ثم توجّه نحو أصحابه قائلاً: ( أسرعوا يا أولادي )...
وبعد مغادرة السيد الحلو للسماوة أخذت تتوافد إلى السماوة قوافل المجاهدين من الشامية وأبي صخير والنجف(4) .
ففي 6 صفر 1333 هـ، تحرّك إلى الجبهة السيد نور السيد عزيز الياسري وأتباعه، وأعقبه مبدر الفرعون، ومزهر الفرعون، وعبد الكاظم الفرعون، وجماعتهم من آل فتلة، والسيد علوان الياسري ومعه آل إبراهيم.
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص 186.
(2) ثورة النجف للأسدي، ص 91.
(3) ن. م. وص.
(4) من ذكرياتي، ص 108 - 112.
وأعقبهم السيد محسن أبو طبيخ ومَن معه من آل زياد، وكان معهم من العلماء النجفيين كل من: السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني، والشيخ عبد الرضا الشيخ مهدي الشيخ راضي(1) .
كما وصلت إليها قوافل من المجاهدين الأكراد برئاسة الشيخ محمود الحفيد ويقدّر عددهم بحوالي ستمئة فارس، بعد أن قاموا بزيارة الإمام علي (عليه السلام)، وغادروا النجف في 10 ربيع الثاني 1333 هـ، غبّ مكوثهم فيها ثلاثة أيام، سالكين طريق الشنّافية - السماوة(2) .
ثم وصل السيد هادي المكوطر ومعه عدد غير قليل من المجاهدين، وقد شكّل أهل السماوة الغربيون سرية من المجاهدين برئاسة الشيخ بربوتي السلمان(3) ، وبهذا قال مهوال أهل الشنّافية، جرود الكريطي:
ثلثين الجنّة الهادينه |
وثلث الكاكا أحمد واكراده(4) |
فقال مهوال أهل النجف:
ثلث الضل لعطيّه انريده(5)
وقال مهوال أهل السماوة:
واشويّه شويّه البربوتي
وقال مهوال أهل الرميثة:
مصطاح الجنّة الوفّينه
عند ذاك قال السيد فنر السيد كاطع المكوطر:
جاوين أكعد يا رب هادي(6)
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص 184، ثورة النجف للأسدي ص 91.
(2) مذكّرات الشبيبي ص 186.
(3) من ذكرياتي، ص 190 - 192. أورد ذكر الشطرين الأوليين والرابع.
(4) كاكا أحمد: المقصود به الشيخ محمود الحفيد، وللاستقامة الشعرية ورد: أحمد.
(5) عطيه أبوكلل.
(6) أورد هذه الأهزوجة كاملة السيد ضاحي السيد موسى الحسيني في كتابه المخطوط ( الشنّافية في التاريخ )، ص 25، نسخة منه مصوّرة في المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف، يحتفظ الجبوري بنسخة منها.
=
صدى الجهاد في بغداد:
أمّا في بغداد فقد كان الشيخ مهدي الخالصي أشد حماساً للجهاد في الكاظمية، وقد كتب في ذلك رسالة بعنوان: ( الحسام البتّار في جهاد الكفّار ) نشرتها جريدة ( صدى الإسلام ) بعدئذ على حلقات متتابعة. ولم يكتف الخالصي بهذا، بل أصدر حكماً أوجب فيه على المسلمين صرف جميع أموالهم في الجهاد حتى تزول غائلة الكفّار، ومَن امتنع عن بذل ماله وجب أخذه منه كرهاً(1) .
دعا الخالصي علماء الكاظمية للاجتماع في غرفة الكليدار بالصحن الكاظمي، للمداولة في أمر الجهاد وإصدار الحكم فيه، وقد اجتمع العلماء هناك واختلفوا، فمنهم مَن قال إنّ محاربة الإنكليز بمثابة إلقاء النفس في التهلكة؛ وذلك لما عندهم من استعداد وأسلحة قويّة ليس عند المسلمين ما يقابلها، وكان على رأس القائلين بهذا الرأي: السيد حسن الصدر، والشيخ عبد الحسين الأسدي. والظاهر أنّ أكثر الحاضرين كانوا على رأي آخر، حيث حكموا بوجوب الجهاد للدفاع عن البلاد الإسلامية، وكان على رأسهم: السيد مهدي الحيدري الذي كان يُعدّ في ذلك الحين كبير علماء الكاظمية، وقد أشاع الخصوم عنه قائلين: ( إنّ السيد مهدي برّ تقي، لكن الخالصي أغواه، فهما يسعيان في إراقة دمائنا ونهب أموالنا )(2) .
كما نُصبت الخيام في ظاهر الكاظمية استعداداً للسفر، وأمست الساحة القريبة من
____________________
=
وقد ورد في كتاب ( الشنافية ) ص 24: أنّه قد جرى بين العشائر تفاخر وهجاء في ( الهوسات ) لدى ( المهاويل ) على غرار ما جرى بين عشيرة آل فتلة عند مجيئهم إلى الناصرية، وملاحظتهم أنّهم ما يزالون في مخيّمهم، فقال مهوال آل فتلة موجّهاً الكلام إلى أهل الشنافية:
( يالزارع تال اشهالنومه )
فأجابه مهوال الشنّافية جرود الكريطي:
( يدوب إنتم عطّلوتنا )
وعند سفرهم من الشنافية في السفن الشراعية يوم 5 محرم 1333 هـ، إلى الشعيبة كانت امرأة على ضفة النهر تبكي على ولدها وهو محمد بن رعد آل فليفل فخاطبها قائلاً:
إبنج موش ابنج عين أمج |
ربّيتيه واخرمتي منه |
(1) لمحات اجتماعية 4 / 130، ويذكر فيها: أنّ خصوم الخالصي اتخذوا من هذا الحكم ذريعة للتهجّم عليه؛ حيث اعتبروا فتواه تأييداً لما كان الأتراك يفعلونه من مصادرة لأموال الناس باسم ( التكاليف الحربية ).
(2) بطل الإسلام - مخطوط - نقل عنه الدكتور الوردي في لمحاته 4 / 131.
خان الكابولي زاخرة بالناس، وكان الفرسان يتطاردون فيها وقد شهروا السيوف بأيديهم على طريقة الحروب القديمة، وكان للشيخ تقي الخالصي - وهو ابن أخ الشيخ مهدي - دور مهم في ذلك، حيث كان يمتطي فرسه في تلك الساحة وهو يصول ويجول، رافعاً صوته بالحداء البدوي وبالدعوة إلى الجهاد.
وفي يوم 19 تشرين الثاني 1914 م / 1 محرّم 1333 هـ، تجمّع جمهور من شبّان الكاظمية يُقدّر عددهم بنحو مئتين، فساروا إلى بغداد في مظاهرة مشياً على الأقدام تتقدّمهم الطبول، وهم يهوّسون ويهزجون، وعند وصولهم إلى بغداد انضمّوا إلى الجماهير الغفيرة المحتشدة في باب القلعة بباب المعظّم، وصعد بعض الخطباء يخطبون في الجماهير ويثيرون حماسهم للجهاد، كان منهم: عبد الرحمان الكيلاني، وجميل صدقي الزهاوي(1) ، ومعروف الرصافي، ومحمد الخالصي، ومحمد علي قسّام النجفي، ثم أطلقت المدافع، وارتفعت الهتافات بحياة السلطان رشاد وسقوط الإنكليز. كما أبرق السيد مهدي الحيدري إلى علماء النجف وكربلاء وسامراء، يخبرهم بأنّه عازم على محاربة العدو الكافر مهما كلّف الأمر، ثم أوعز بعقد اجتماع عام في الصحن الكاظمي، ولمّا اجتمع الناس صعد السيد مهدي على منبر أُعد له وأخذ يخطب فيهم، يحثّهم على الخروج للجهاد، ويُقال إنّه ارتج عليه أثناء الخطابة لكبر سنّه، فصعد الشيخ حميد الكليدار على المنبر إلى جانبه واعتذر عنه، ثم أخذ يخطب بالنيابة عنه باللغات الثلاث: العربية والتركية والفارسية(2) .
وذلك بعد أن أصدر فتواه في الجهاد والنفير، في وجوب الدفاع عن بلاد الإسلام، والذبّ عن حياض المسلمين، ومحاربة الغزاة المعتدين(3) .
وفي خلال العشرة الأُولى من المحرّم عام 1333 هـ، كانت معظم أهازيج المواكب والمآتم الحسينية تدعو للجهاد، وتحفّز لنصرة الدولة العثمانية المسلمة منها:
____________________
(1) استطاع جميل صدقي الزهاوي أن يكسب الحظوة لدى الأتراك، ووقف معهم جنباً إلى جنب في قضيّتهم ضد الاحتلال البريطاني، إلاّ أنّه فيما بعد أصبح الصديق المخلص للسير برسي كوكس، وضبّاط الجيش المحتل. وله في الطرفين قصائد مدح وثناء.
(2) لمحات اجتماعية 4 / 131 - 132.
(3) الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص 30.
يا طارش الانكلترا وفرانسا ولروسها |
إن ما تطيع الحكمنا بالسيف نكطع روسها |
ولم تختلف بغداد عن الكاظمية تحمّساً للجهاد، فقد بذل الحاج داود أبو التمّن أموالاً كثيرة في تصرّف المجاهدين، إذ كان يجلس في مسجده بمحلّة ( صبابيغ الآل، ويضع المجيديات على هيئة أكوام، وهو يوزّع على المتطوّعين للجهاد ما يكفي لعوائلهم )(1) .
وفد النجف ( خط دجلة ):
وفي يوم 7 محرّم 1333هـ / 26 تشرين الثاني 1914م، توجّه الوفد النجفي من النجف إلى بغداد ومنها إلى جبهة الحرب عن طريق دجلة.
ويضم كل من: الشيخ فتح الله شيخ الشريعة، والسيد علي الداماد التبريزي، والسيد مصطفى الكاشاني، وموفدو السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وهم: ولده السيد محمد، والشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد إسماعيل اليزدي، وبعض طلبة العلوم الدينية. وقد وصل بغداد يوم 10 محرّم 1333هـ / 29 تشرين الثاني 1914م(2) .
وقد أغلق كثير من أهل بغداد دكاكينهم بغية استقبال الوفد والاحتفاء به، وعند وصول الوفد إلى جانب الكرخ كان النهر فائضاً إلى الحد الأقصى، والجسر غارقاً، والمطر ينهمر بشدّة، فجيء بزورق بخاري لنقل الوفد إلى جانب الرصافة، وقد نزل الوفد في ضيافة الحاج داود أبو التمّن(3) .
وفي الكاظمية أمر السيد مهدي الحيدري باستقبالهم، فاستُقبلوا بغاية الحفاوة والتعظيم، وجرت بينهم وبينه مفاوضات كثيرة حول الخطط والتصاميم المقرّرة(4) .
وخلال وجوده في بغداد، بعث السيد محمد اليزدي برسالة إلى أحد رؤساء قبائل العمارة بيد معتمد له، ومعها رسائل يبدو أنّها مرسلة إلى أشخاص آخرين، ووصايا شفوية، كانت تدور كلها - فيما يبدو - حول اتخاذ التدابير الكفيلة بمواجهة الإنكليز أو
____________________
(1) الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية، ص50 - 51.
(2) مذكّرات الشبيبي ص179، ثورة النجف للأسدي ص91.
(3) مذكّرات الشبيبي، ن. م.
(4) الإمام الثائر ص31.
التفاوض معهم لإنهاء احتلالهم للبلاد(1) ، وهو اتجاه في العمل الوطني، تعامل السيد اليزدي بموجبه مع قيادات عشائرية ووطنية متعدّدة أُخرى.
كما بعث من بغداد إلى والده في النجف ببرقية يخبره فيها بعزمه على التوجّه إلى جبهات القتال، ويطلب منه فيها تحريك الناس ودفعهم للالتحاق به، وتسلّم منه برقية جوابية تحثّه على المضي قُدُماً فيما عزم عليه وترغّبه فيه، إذ تضمّنت قوله: ( وأُوصيك... بالجد والجهد في إرشاد الناس... واستنهاض القبائل... وإتمام الحجّة على مَن في طريقك من الطوائف وسكّان البلاد والقرى، بحيث لا تترك مكاناً إلاّ وقد أدّيت ما عليك من البلاغ... وأمّا ما طلبت منّا من تحريك، فنحن ومن الله التوفيق ساهرون له مجدّون فيه بكل طريق... )(2) . على أنّ السيد محمد كاظم اليزدي كان قد وضع لولده السيد محمد منهجاً لخط سيره إلى الجبهة، عيّن له بموجبه المناطق التي ينزل فيها للوعظ واستنهاض أهاليها من أبناء العشائر للالتحاق بجبهات القتال. وكان السيد محمد اليزدي قد أخذ على عاتقه حتى قبل أن يغادر النجف القيام بهذه المهمّة، فبعث بعد احتلال الفاو بثلاثة أيام ببرقية إلى الشيخ خزعل، يطلب منه أن يهيّئ نفسه للتصدّي للقوات البريطانية الغازية والدفاع عن مدينة البصرة. وقد استغرقت مهمّة التعبئة هذه وقتاً طويلاً، يبدو أنّ السيد محمد والوفد المرافق له قد مكث خلالها في بعض المدن كالعمارة مدّة من الزمن، كان يتبادل فيها الرسائل باستمرار مع والده الذي كان يحثّه على لمّ شمل العشائر، وتوحيد كلمتها وتهيئتها لقتال المحتل(3) .
يبدو أنّ توجّه زعماء القبائل للقتال في جبهات المواجهة مع قوات الاحتلال البريطاني، كان ضمن الاستجابة لفتاوى الدفاع التي أصدرها علماء الدين؛ ذلك أنّ الدور الذي أدّاه علماء الدين ومراجعة آنذاك، وعلى رأسهم المرجع الأعلى السيد محمد كاظم اليزدي في التصدّي للاحتلال البريطاني، كان من بين أهم الأسباب التي دفعت برؤساء العشائر وشيوخها وساداتها للتوجّه نحو جبهات القتال. ففضلاً عن حثّه على التحرّك الميداني الدفاعي السريع، متمثّلاً في وفده إلى جبهات القتال وعلى رأسه ابنه
____________________
(1) ينظر: النجف الأشرف وحركة الجهاد عام 1332 - 1333هـ / 1914م، ص81.
(2) ن. م. ص99.
(3) ينظر: ن. م، ص43، ص87 - 88، 93، 97.
السيد محمد، فقد قام السيد محمد كاظم اليزدي بالتأكّد على حرصه على مشاركة العراقيين جميعاً في الدفاع عن بلادهم ضد الغزاة البريطانيين، من خلال عشرات الرسائل والبرقيات التي بعث بها إلى الشيوخ والتجّار والوجهاء، وإلى وكلائه في المدن العراقية، ومن خلال المناشير التي خاطب بها أهالي المدن وأبناء العشائر(1) . وكذلك الفتوى التي أوجب فيها ( الدفاع عن بيضة الإسلام )(2) . ولم يمنعه كبر سنّه الذي تجاوز الثمانين عاماً آنذاك، من أن يرقى المنبر، حيث ( خطب الناس، وألزمهم بالدفاع، وأوجب على الغني العاجز بدناً أن يجهّز من ماله الفقير القوي، فكان لكلامه صدىً ردّدته الأطراف )(3) ، ( لِما كان له في نفوس المسلمين من النفوذ والطاعة والإكبار والتقديس )(4) .
وفي ذلك كله كان السيد محمد كاظم اليزدي على اتصال بالإدارة العثمانية في بغداد، يعلمها بتحرّكاته، وينسّق معها بشأن تفعيل التصدّي للمحتل البريطاني. فقد بعث آنذاك بكتاب مطوّل إلى والي بغداد يخبره فيه بإصدار فتواه بوجوب الدفاع عن بيضة الإسلام، وإرسال ولده السيد محمد إلى ساحة الحرب(5) . وطلب في كتاب آخر، من ولده السيد محمد، وهو في بغداد في ذلك الوقت لم يبارحها إلى الجبهات بعد، الاتصال بوالي بغداد للتخفيف عن العشائر، بعد أن ضايقتها السلطات العثمانية وشدّدت عليها في تحصيل الرسوم والضرائب، كي يكون هذا حافزاً لها على الالتحاق بجبهات القتال(6) .
مجاهدو الكاظميّة:
وفي عصر اليوم التالي - الثلاثاء 12 محرّم الحرام 1333هـ / 30 تشرين الثاني 1914م، خرج من الكاظمية السيد مهدي الحيدري يتقدّم موكباً كبيراً ومعه الشيخ مهدي الخالصي، وثلّة من العلماء، وعشرة من أُسرته وهم أولاده: السيد أسد الله، والسيد أحمد،
____________________
(1) انظر: النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص59 - 134.
(2) نفسه، ص60.
(3) مذكّرات الشبيبي، ص182.
(4) ن. م.
(5) النجف الأشرف، ص99، 101.
(6) ن. م.
والسيد راضي، وأبناء أخيه: السيد عبد الكريم، والسيد محسن، والسيد صادق، وابني عمّه: السيد عبد الحسين، الذي استشهد في الحرب، والسيد جعفر، وابن ابن أخيه السيد عبد الأمير، والشيخ عبد الحميد الكليدار، وجموع غفيرة من أبناء بغداد والكاظمية. وقد شيّعته الكاظمية وضواحيها بأسرها، حتى كانت جماهير المودّعين تمتد على مد البصر(1) .
وقد ارتفعت الأهازيج والهوسات إلى عنان السماء، فمرّة تردّد:
سيّد مهدي ركن الدين |
نمشي للجهاد اوياه |
|
نمشي بقوّتك يا دين |
وندوس العده بحذاه |
وأُخرى تُنشد:
حيدر يا عزنه وسور النه |
بحلگ الفاو يحق طوب النه |
وأُخرى تهتف:
حجّة الإسلام طالع للجهاد |
محصّن بموسى بن جعفر والجواد(2) |
وصادف أن كان جانب الرصافة يومذاك قد أُصيب بالفيضان المدمّر - كما ذكرنا آنفاً - فسار موكب المجاهدين نحو الكرخ، وكان عددهم زهاء ثلاثمائة، وكانت تنتظرهم هناك باخرة اسمها ( حميدية ) فحملتهم كما حملت معهم مئتين من الفرسان العثمانيين، وكثيراً من الذخائر، وسارت الباخرة بهم باتجاه القرنة، وقد وصلت إلى مقربة منها بعد مسيرة استغرقت ستة أيام(3) .
وكان الموكب كلّما يصل إلى إحدى المدن والقبائل العربية النازلة على ضفاف النهر، يأمر السيد الحيدري بالوقوف وينزل هو وأصحابه، ويجمع الناس، ويحثّهم على الجهاد، ويأمرهم بالنفير العام، وكان خطيبهم في هذه المواقف ولده أحمد الحيدري(4) .
وفي عصر يوم 21 محرّم 1333هـ / 9 كانون الأول 1914م كانت ضفاف دجلة
____________________
(1) الإمام الثائر ص33، مقابر قريش أو الكاظمية، السيد گاطع العوّادي ص70 - 71.
(2) الإمام الثائر ص33، لمحات اجتماعية 4، 133 - 134.
(3) ن. م ص133.
(4) ن. م ص33 - 34. لمحات اجتماعية 4/133 - 134.
على الجانبين قد امتلأت بالجماهير، وكانت هناك باخرة اسمها ( الموصل ) راسية في جانب الرصافة، فركبها مجاهدو بغداد وعلى رأسهم: الحاج داود أبو التمّن، والسيد صادق العطّار الحسني البغدادي، والسيد عبد الكريم الحيدري، وفي مقدّمتهم العلماء الأعلام: السيد علي الداماد التبريزي، وشيخ الشريعة، والسيد مصطفى الكاشاني، والميرزا مهدي الخراساني، والميرزا محمد رضا الشيرازي، والشيخ حسن علي القطيفي، ثم سارت الباخرة نحو القرنة بين تكبير الجماهير وتهليلهم(1) .
وفود أُخرى:
وبعد ذلك تواردت على الكاظمية وفود العلماء الزاحفين نحو المعركة من النجف الأشرف وكربلاء، وكانت البلدة تستقبل كل واحد منهم بمنتهى الترحاب والتكريم، وتودّعه بمثل ذلك، ونذكر فيما يلي أسماء جماعة من هؤلاء الأعلام(2) :
الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسن، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ حسين الحلّي، والشيخ حسين الواسطي، والشيخ منصور المحتصر، وكثير من رجال الدين وطلبة العلم، وكانوا قد خرجوا من النجف يوم 4 صفر 1333هـ.
وفي يوم 11 صفر، وصلوا بغداد، ثم غادروها بعد ستة أيام في باخرة إلى العمارة ومنها إلى الأهواز، صحبهم توفيق بك مبعوث بغداد - الذي تقرّر أن يكون قائداً للجناح الأيسر - ومعه مجموعة من الجنود والآليات.
ولمّا وصل موكب السيد الحيدري إلى العمارة، أمر بعقد اجتماع عام في مسجدها الجامع الكبير، وأُلقيت الخطب الحماسية من قِبل بعض المجاهدين، ثم قام السيد بنفسه ورقى المنبر وحثّ الناس على الجهاد، وحرّضهم على التضحية والثبات، وأمرهم برصّ الصفوف، وتوحيد الجهود أمام العدو المتربّص، ورغّبهم في الشهادة والسعادة، وحذّرهم مغبّة الفرقة والتخاذل، وشوّقهم إلى ثواب الله ورضاه، فضجّ الناس بالبكاء، واستجابوا للنداء، والتحق به خلق كثير.
ثم سار السيد مع جموع المجاهدين إلى منطقة ( العزير ) واجتمع هناك بالقائد
____________________
(1) لمحات اجتماعية 4/133 - 134، مذكّرات الشبيبي ص182.
(2) محمد حسن آل ياسين: مقابر قريش ص69.
العسكري ( جاويد باشا ) وتفاوض معه حول بعض القضايا الهامّة التي تتعلّق بخطط الحرب وشؤون القتال.
وكانت الحروب في ذلك الوقت في ( القرنة ) وهي القلب، فقصد السيد بمَن معه ساحة الحرب، وفي أثناء الطريق صادف اندحار الجيش العثماني وانسحابه من منطقة القتال، ورجوع بعض القبائل التي كانت تحارب معه، وسقوط القرنة بيد العدو، فأشار بعضهم على السيد بالرجوع إلى العمارة، فلمّا وصل إليها بلغه أنّ القائد العسكري يريد إخلاء العمارة والانسحاب منها أيضاً، فأبى السيد ذلك، وأصر على البقاء، وقال: ( أمّا أنا فلا أتحرّك من هذا المكان، وأحاربهم هنا حتى أُقتل أو أنتصر ) فلمّا بلغت هذه الكلمة مسامع القائد بعثت فيه روح القوّة والعزم، وألهبت فيه النخوة والحماس، وعدل عن رأيه في الانسحاب، وصمّم على الثبات مهما كلّف الأمر(1) .
فمعركة القرنة من المعارك الأُولى التي دارت بين قوات الاحتلال البريطاني، وبين المتطوّعين العراقيين، والقوات العثمانية التي ركّزت دفاعاتها الجديدة في هذه المدينة بعد انسحابها السريع من البصرة(2) . وقد حدثت في منطقة القرنة عدّة معارك بين الطرفين خلال شهر محرّم سنة 1333 / تشرين الثاني - كانون الأول 1914م، وكان الحرب سجالاً بينهما، واتصفت بعض تلك المعارك بالعنف(3) ، وشارك فيها أبناء العشائر العراقية لاسيّما عشائر منطقة العمارة(4) . وقد انتصرت القوات البريطانية في معارك القرنة بعد استسلام القوات العثمانية لها في 9 كانون الأول 1914(5) . ويبدو أنّ هزيمة العثمانيين في القرنة كانت قاسية عليهم، إلى الحد الذي جعلهم يقلبون وقائع الحرب في جبهات القتال رأساً على عقب حينما يبلغون بغداد بها، إذ ينقل الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكّراته، وهو يتحدث عن اليوم الذي استسلم فيه العثمانيون في القرنة، وهو يومذاك في بغداد، فيقول ( وردت برقية بمظفّرية العثمانيين )(6) في
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص183.
(2) النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص28.
(3) مذكّرات الشبيبي، ص182.
(4) ن. م. ص204.
(5) ن. م. ص25.
(6) مذكّرات الشبيبي، ص182.
القرنة.
ويمكن القول: إنّ انتصار البريطانيين في معارك القرنة، قد أكسب عملية احتلالهم للعراق قاعدة متقدّمة أُخرى، ساعدتهم على مواصلة نجاحاتهم في هذه العملية، إذ أصبحوا يسيطرون على ملتقى نهري دجلة والفرات، ممّا يمكّنهم من ترسيخ سيطرتهم على البصرة من جهة، وتهيئة خط تمويني متقدّم متصل مع قواعدهم البحرية في الخليج العربي من جهة أُخرى؛ لذلك لم يغادر البريطانيون القرنة لمواصلة تقدّمهم في الأراضي العراقية إلاّ بعد أن تركوا في القرنة حامية قوية، تقديراً منهم للأهميّة الإستراتيجية لها لمشروع احتلال العراق برمّته(1) .
وبالمقابل، فإنّ الموقع الدفاعي العثماني قد تراجع بعد سقوط القرنة إلى مدينة العمارة، التي أصبحت معسكراً عاماً للجند العثماني، يفد عليه الجنود العثمانيون والمجاهدون العراقيون، ويساقون منه إلى الجبهات(2) الجنوبية الشرقية، أو ما يُسمّى أحياناً بالجناح الأيسر للجبهة(3) .
وبقي الحيدري في العمارة يكاتب القبائل، ويحرّض العشائر، ويجنّد الكتائب، ويبعث الرسل والدعاة إلى سائر الأطراف، يأمرون الناس بالخروج ويحضّونهم على النفير، فكان الناس يفدون على العمارة زرافات ووحداناً ملبّين نداء الواجب، وعازمين على لقاء العدو، ثم يتوجّهون إلى الميدان(4) .
وبعد أن سقطت البصرة والقرنة بيد السلطات الإنكليزية وصلت الأوامر من اسطنبول بعزل جاويد باشا من منصبه، ويبدو أنّ القيادة العليا اعتبرته المسؤول الأول عن الهزائم التي حلّت بالقوات التركية في منطقة البصرة، أو لعلّها أرادت أن تجعل منه كبش الفداء، إذ هي نسيت أخطاءها ووضعت اللوم كله على عاتق جاويد باشا. وممّا يجدر ذكره: أنّ جاويد باشا لم يشأ أن يسكت عن هذه الإهانة عن وصوله إلى اسطنبول، فقد أصدر في عام 1916 كتاباً عنوانه: ( حرب العراق ) أظهر فيه الأخطاء
____________________
(1) التميمي ص212.
(2) مذكّرات الشبيبي، ص187.
(3) السيد گاطع العوادي، ص73.
(4) الإمام الثائر ص35.
الفظيعة التي اقترفتها القيادة التركية العليا في العراق، وأسهب في ذكر معايبها، وطيش المسؤولين الكبار فيها(1) .
كان جاويد باشا يجمع في يده زمام الأُمور العسكرية والإدارية معاً - أي إنّه كان والياً وقائداً للجيش في آن واحد - وقد ارتأت الحكومة بعد عزله أن تفصل بين الولاية والقيادة، وتجعل لكل منها رجلاً خاصّاً بها على نحو ما كانت تفعل سابقاً، فعيّنت سليمان نظيف بك والياً، وسليمان عسكري بك قائداً، فوصل الأول منهما إلى بغداد في 5 كانون الثاني 1915، وكان الثاني قد وصل قبل ذلك.
أمّا سليمان عسكري بك، فقد كان عند إعلان الحرب في اسطنبول، كانت القيادة العليا تستشيره في أُمور العراق؛ لأنّه كان قد خدم ضابطاً في العراق قبل الحرب، وقد ظنّت القيادة أنّه سيستعيد للعراق ما فقده القائد السابق، وربّما زاد عليه فتحاً جديداً، وقد وصفه الضابط الركن محمد أمين زكي بقوله: إنّ ذهنه كان مشبعاً بفكرة قذف الإنكليز في البحر وغزو الهند، فهو كان يفكّر بالهجوم أكثر من تفكيره بالدفاع، وكانت القيادة العليا متأثّرة بآرائه(2) .
ولدى وصول سليمان عسكري بك إلى بغداد خطب أمام جمع من الموظفين والأهالي قائلاً: إنّه سوف يدحر الجيش الإنكليزي ويرميه في البحر خلال مدّة وجيزة، وإنّه سيسترجع القرنة والبصرة ويحتل سواحل الخليج(3) .
وكان أوّل عمل قام به في بغداد أنّه أوعز بقتل القاضي الذي كان وكيلاً لوالي البصرة قبل سقوطها، إذ اتهمه بأنّه سبب تسليمها للإنكليز. وفي صباح أحد الأيام وُجد القاضي مقتولاً في فندق عبد الأحد ببغداد، وكان إلى جانب جثّته ورقة مكتوب عليها: ( هذا جزاء من يُسلّم البلاد إلى العدو )(4) .
أمّا المجاهدون بعد أن تكاملت جموعهم في العمارة، وعُبّئت القبائل تعبئة كاملة، تحرّك السيد مهدي الحيدري - مرة ثانية - إلى ساحة الحرب - وكانت قريبة من القرنة -
____________________
(1) تاريخ العراق بين احتلالين، 8/268 - 269.
(2) لمحات اجتماعية، 4/136 عن: Moberly (o.p. Cit) voll ، p345
(3) مقدّرات العراق السياسية 1/102.
(4) لمحات اجتماعية 4/125 - 136.
قبل بقيّة العلماء، ونزل في مقر القيادة العسكرية. وبعد نزول السيد جاء القائد نفسه لزيارته والسلام عليه، ثم عرض عليه أنّه يريد أن يقدّم للمجاهدين ما يحتاجون إليه من المؤن والأموال، فرفض السيد ذلك رفضاً باتّاً، وقال: ( إنّنا مستغنون عن مساعدتكم، ولو تمكّنا نحن على مدّكم بالمال والطعام لفعلنا ). فشكر القائد له هذا الشمم العربي والإباء الكريم، ثم استأذنه، وقبّل يديه، وخرج. ولمّا استقرّ به المقام ومهّد المكان، وهيّأ الأُمور، وعبّأ الصفوف؛ أبرق إلى العلماء العظام الذين تركهم في العمارة، وطلب منهم اللحوق به في المقر الذي هو فيه، وبيّن لهم أنّ الجو ملائم، والمكان أمين، فلمّا بلغهم ذلك عزموا على الرحيل وكتبوا إلى السيد بعزمهم هذا، فطلب من القائد أن يهيّئ لهم باخرة تقلّهم، فهيّأ لهم ذلك، وركبوا فيها حتى نزلوا بالقرب من مقر السيد.
ولم تزل جموع المجاهدين، وكتائب القبائل تتوارد وتتوافد على ذلك المكان، وتنزل على حافتي النهر، حتى ملأوا الأرض ما يقارب الفرسخ والنصف لكثرتهم(1) .
جبهة القرنة:
وزّع سليمان عسكري بك قوّاته النظامية وقوات المجاهدين معها إلى ثلاث جبهات هي: الشعيبة والقرنة والحويزة ( عربستان ) فهو كان يخطّط أن يوجّه الهجوم على الإنكليز من هذه الجبهات الثلاث في وقت واحد، لتلتقي في المحمّرة بعد الانتصار عليهم، ولكن أمله هذا كان أقرب إلى الخيال.
فالقوّة الرئيسية وهي ( القلب ) كانت قد تحشّدت في الجبهة الوسطى تجاه القرنة، وقد اتخذت مواقعها حول ( الروطة ) وهي قناة تقع في الجانب الشرقي من دجلة على بعد خمسة عشر كيلومتراً من شمال القرنة، وكان يقودها عسكرياً سليمان عسكري بك بنفسه، ومن المجاهدين السيد مهدي الحيدري وأولاده السيد عبد الحسين، وحجج الإسلام الشيخ فتح الله شيخ الشريعة، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد علي الداماد، ويقابلهم من الجهة الثانية من النهر بنفس المنطقة السيد عبد الرزّاق الحلو(2) .
وفي 18 كانون الثاني 1915 قَدِم القائد الإنكليزي ( باريت ) من مقر قيادته في
____________________
(1) الإمام الثائر ص36.
(2) لمحات اجتماعية 4/136 - الإمام الثائر ص37. عن معارف الرجال، وأعيان الشيعة، وديوان أبي المحاسن لليعقوبي.
البصرة إلى القرنة لدراسة الموقف، وقد شعر أنّ الوضع لا يدعو إلى طمأنينة، وأنّ الأتراك عازمون على أمر ما، فأوعز بإعداد قوة لمهاجمة موقع الروطة بغية تلقين الأتراك درساً، وفي فجر اليوم العشرين من الشهر نفسه تحرّكت القوة الإنكليزية من المزيرعة متوجّهة نحو الروطة، وكانت المراكب الحربية تساندها من النهر، وعند شروق الشمس بدأ قصف المدافع ينهال على القوات العثمانية من النهر والبر معاً، وقد أبدى الجنود الأتراك والمجاهدون صموداً في مواجهة القصف الإنكليزي الرهيب، وكان سليمان عسكري بك قد حضر المعركة بنفسه وأدارها بحماسته المعهودة - كما ذكرنا - ولم يكترث للخطر به، فأُصيب بشظيّة قنبلة في ساقه، نقل على إثرها إلى بغداد للمعالجة.
وقد استمرّت المعركة أربعة ساعات، أدرك فيها القائد الإنكليزي أن ليس هناك أي أمل في احتلال ( الروطة ) بالقوة التي كانت معه، فأصدر أمره بالانسحاب تحت حماية المدافع من المراكب النهرية(1) . وفي الساعة الثانية بعد الظهر كانت القوة الإنكليزية قد عادت إلى قواعدها في المزيرعة. ورغم قصر هذه المعركة إلاّ أنّها كانت ذات أهميّة تاريخية كبيرة؛ لكونها أصبحت موضع خلاف في التقييم بين الإنكليز والأتراك - كما ذكر ذلك د. الوردي - فقد أشارت المصادر الإنكليزية إلى القصد من إرسال القوة إلى الروطة بأنّها لم يكن من أجل احتلالها، وأنّ الانسحاب منها كان مقرّراً منذ البداية، وأنّ القوة نجحت في مقصدها حيث كانت خسائر الأتراك أضعاف خسائر الإنكليز(2) . أمّا الأتراك فقد اعتبروا المعركة انتصاراً عظيماً لهم وهزيمة للإنكليز، وشاع بينهم أنّ الجنرال باريت قد عُزل من منصبه، من جرّاء فشله في تلك المعركة(3) .
أمّا وجهة نظر المجاهدين تجاه هذه المعركة، فقد وصفها مفصّلاً السيد احمد الحسيني قائلاً: إنّ المجاهدين عندما سمعوا دويّ المدافع، وأزيز الرصاص، سارعوا إلى نجدة الجيش وإسناده، وربّما وصلوا بعد فوات الأوان، فرأى السيد مهدي الحيدري أنّ بقاء المجاهدين في هذا المكان مخالف للمصلحة، ولم يكن له من النفع والجدوى كما
____________________
(1) لمحات اجتماعية 4/137 Barker (The Neglected War) london ، 1967
(2) Moberty (op. cit). voll. pl62
(3) الثورة العربية الكبرى للعسكري 1/59.
لو تقدّموا إلى الميدان، فعزم السيد أن يتقدّم بنفسه وأصحابه إلى ساحة الحرب، ليكونوا أبلغ في نصرة الجيش الإسلامي، وتعزيز مركزه، وتدعيم قواه، فحضر عنده تلك الليلة وجوه العلماء، وأقطاب المجاهدين، وزعماء القبائل، وألحّوا عليه بالعدول عن رأيه، ورجّحوا له البقاء في محلّه، باعتباره قائداً روحيّاً يجب أن يبتعد عن ميدان الحرب، ليشرف على التعبئة والتهيئة والتنظيم، ولكنّه أجابهم بإصرار قائلاً: ( إنّ هذه الجموع الغفيرة إنّما جاءت للحرب والدفاع، ولا تتقدّم بنفسها إلى القتال ما لم نتقدّم بأنفسنا أمامهم، ونكون معهم في السرّاء والضرّاء ) ثم حسم الأمر باستخارة الله كانت نتيجتها:( وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (1) فكبّر الناس فرحاً، عندئذٍ سلّم الجميع لرأيه، وقرّروا الزحف معه إلى الميدان.
وفي الصباح ركب السيد وأصحابه في السفينة الكبيرة المعدّة لهم، وسارت معه بعض القبائل العربية كربيعة وبني لام بسفنهم، وتخلّفت عنه بعض القبائل الأُخرى ريثما تتهيّأ للسفر، وتتعبّأ للحرب، ثم تلتحق به في اليوم الآخر.
ولمّا أدرك المجاهدين الليل، أمر السيد ربّان السفينة بأن يرسو على الساحل وأمر أصحابه بالنزول، وكانت تلك الأرض تُسمّى ( حريبة ) وهي من الأراضي الوعرة، فنزلوا فيها، وضربوا خيامهم على حافة النهر من جانب القرنة، وباتوا تلك الليلة وهم لا يعلمون موقعهم من الجيش العثماني، هل إنّهم متأخّرون عنه أم متقدّمون عليه؟! وأمّا قبيلتا ( ربيعة وبني لام ) فإنّهم قد حطّوا رحالهم قبل أرض ( حريبة ) ثم أدركهم الليل هناك.
ولمّا أسفر الصبح، صلّى السيد بأصحابه صلاة الفجر، ثم خرج ولداه السيد أسد الله والسيد أحمد ليستكشفا حقيقة المكان، فبينما هما كذلك إذ لاحت لهما طلائع العدو، وظهرت لهما بواخره النهرية ومدافعه ومعدّاته الحربية، وقد بدأ - بقوّة هائلة - بهجوم عنيف مفاجئ على المعسكر الإسلامي في ذلك الصباح الباكر، بشكل رهيب لم يستطع الجيش العثماني لصدّه أو ردّه؛ لأنّهم أقل عدّة من العدو، فلم يكن عندهم من المدافع سوى ثمانية، اثنان منهما ضخمان كانا في الجانب الذي حطّ فيه السيد
____________________
(1) سورة العنكبوت: الآية 6.
وجماعته، وستة في الجانب الآخر من النهر الذي يرابط فيه الجيش.
وأمّا بقيّة القبائل والمجاهدين الذين قد تأخّروا عن اللحوق بالسيد وأصحابه، فإنّهم لمّا علموا بهجوم العدو نشروا أعلامهم وانتشروا في البيداء وتأهبوا للّحوق بالركب المتقدّم، فحالت قذائف العدو بينهم وبين الوصول إلى إخوانهم المتقدّمين، واشتبك الجيشان، وتلاقى الجمعان، واحتدم القتال في ذلك اليوم من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد زوالها. وقد رست بواخر العدو بإزاء سدٍّ كان قد صنعه القائد السابق ( جاويد باشا ) وقطع به نهر دجلة.
وكانت خيام السيد الحيدري وأصحابه متقدمة على الجيش التركي بنصف فرسخ، بحيث كانت قريبة من العدو، وبمرأى منه ومشهد، فوجّه إليه مدافعه، وجعلها هدفاً لقنابله وقذائفه، فعرض بعض أصحابه عليه أن يأذن بتقويض الخيام؛ لأنّها صارت غرضاً للرمي، فلم يأذن لهم بذلك، وقال: ( إنّ معنويّات الجيش كله ستنكسر إذا قوّضتم خيامنا، وربّما ظنّوا بأنّنا قد انسحبنا عن مراكزنا، فتضعف عزيمتهم، وتنهار قوّتهم، بل يجب أن تبقى هذه الخيام قوّةً للجيش، ورايةً للإسلام، وهيبةً للمسلمين، ورهبةً للكافرين ).
ثم قام الحيدري، وكان شيخاً كبيراً قد تجاوز عمره الثمانين عاماً، وحرّضهم على القتال، وأمرهم بالصمود، ودعا لهم بالنصر على الأعداء وقال لهم: ( لا تخافوا ولا تحزنوا فالله معكم، وهو ينصركم على القوم الكافرين، فذودوا عن حرمات الدين، وذبّوا عن مقدّسات الإسلام، فإنّي أرجو أن تكون هذه القذائف والنيران التي يوجّهها العدو إليكم برداً وسلاماً عليكم إن شاء الله ). وصمد كالطود الأشم، وصار يشجّع الرجال، ويثبّت الأقدام من جهة، ويصلّي لله، ويتضرّع إليه، ويطلب منه العون والنصر، ونهض أولاده الثلاثة ومعهم الشيخ عبد الحميد الكليدار فندبوا المجاهدين للقتال، وحرّضوهم على النزال، وتقدّموا بهم إلى نهر كان يشبه الأخاديد العسكرية، ليكون لهم جُنّة عن قذائف العدو، ولم تمض على القتال إلاّ ساعات حتى اندحر الغزاة اندحاراً فظيعاً، بعد أن تكبّدوا خسائر جسيمة في الأرواح والسلاح والمعدّات، وتحطّمت لهم باخرة حربية، وقيل غرق لهم مركب آخر، وقُتل من جنودهم ما يناهز الألف أو الألفين على اختلاف الروايات، وجُرح منهم أكثر من ذلك، وأمّا قتلى الجيش الإسلامي فلم يتجاوز عددهم الأربعة عشر، وأمّا الجرحى فما زادوا على الخمسين!!
علماء النجف الذين حضروا إلى الكاظمية للتوجّه إلى ساحة الجهاد بجبهة كوت العمارة وهم من اليسار إلى اليمين:
الشيخ عبد الرسول الناصري وقيل الشيخ إسحاق الكيلاني الرشتي، السيد هبة الدين الشهرستاني، وخلفه السيد؟ الشيخ جواد الشبيبي، الشيخ محمد جواد صاحب الجواهر، وخلفه الشيخ محمد جواد الجزائري، السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي وخلفه السيد جعفر بحر العلوم، الشيخ؟ وخلفه الشيخ؟ السيد مصطفى الكاشاني، وخلفه ولده السيد أبو القاسم الكاشاني، السيد محمد علي بحر العلوم، وخلفه السيد؟، شيخ الشريعة الأصفهاني، وخلفه السيد؟ السيد علي الداماد، الشيخ..؟ الشيخ..؟
السيد عبد الرزّاق الحلو، وقيل السيد محمد سعيد الحبّوبي، وقيل السيد محمد شبّر والد السيد علي شبّر، الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ عبد اللطيف الجزائري.
( التُقطت هذه الصورة في دار السيد جعفر عطيفة فيما بعد في شهر محرّم 1333هـ / تشرين الثاني 1914م )
أمّا السيد وأصحابه، فلم يُصب أحد منهم بضرر، رغم أنّهم كانوا في قلب المعركة، غير أنّ سفينتهم التي كانت تحمل أمتعتهم وأسلحتهم ثُقبت بإحدى قذائف العدو، وأطفأ الماء النار التي شبّت فيها من جرّاء تلك القذيفة.
وقد عُرفت هذه الواقعة بواقعة يوم الأربعاء؛ لأنّها صادفت يوم الأربعاء 5 ربيع الأول سنة 1333هـ، وعُرفت أيضاً بمعركة الروطة نسبة إلى نهر الروطة(1) .
وقد أُصيب في هذه الواقعة قائد الجيش العثماني ( سليمان عسكري بك )(2) ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً.
وقد شاع نبأ هذه الواقعة الكبرى بين صفوف المجاهدين في المناطق المتأخّرة عن منطقة القتال، فعمّهم الخوف والقلق على السيد الحيدري، وكان ظنّهم بأنّ السيد قد استشهد في المعركة، وبلغ هذا النبأ إيران والعراق، فضجّ الناس حزناً على الإمام الأكبر والبطل الثائر، حتى أنّ بعض المدن أقامت له مجالس الفاتحة، ومحافل التأبين، ثم تبيّن لهم سلامته فانقلبت مجالس الحزن إلى نوادي فرح وسرور.
أمّا العلماء الذين رابطوا في المقر الأول، ولم يتقدّموا مع السيد إلى الميدان بسبب اشتداد المعركة، فقد كتبوا إليه بعد انتهاء الواقعة وفرار العدو: ( إننا لم نزل في قلق وتشويش عليكم، فلم يهدأ لنا بال، ولم يقرّ لنا قرار، وإنّنا منذ أن شبّت نار الحرب بينكم وبين عدوّكم، مشغولون بالدعاء والبكاء والتضرّع إلى الله تعالى أن يكتب لكم النصر والسلامة، والآن نرجو ونأمل من سماحتكم الرجوع إلينا لكي تطمئن نفوسنا بلقياكم، وتقرّ عيوننا برؤياكم ).
فأجابهم السيد بكتاب بعث به إليهم: ( إنّا تقدّمنا إلى هذه الأرض وقت لم تكن آمنة ولا مطمئنّة، والآن قد اندحر العدو وتقهقر، فنرجو منكم الالتحاق بنا، ونضرع إلى الله تعالى أن يكتب لنا النصر للتقدّم إلى أمام ).
أمّا سليمان عسكري بك فإنّه على إثر إصابته - كما ذكرنا - نُقل إلى بغداد للمعالجة، وبينما هو راقد في المستشفى إذ دخل عليه أحد العلماء - من موظّفي الدولة - عائداً له، فلمّا وقع نظر القائد عليه؛ قال له وهو يهز يديه مستنكراً من قعوده عن الجهاد: ( أنت
____________________
(1) الحرب العراقية لطوانزند، ص248 - ترجمة عبدالمسيح وزير. الإمام الثائر ص39 - 42 - لمحات اجتماعية 139.
(2) الإمام الثائر ص43 - 44.
هاهنا ترفل بالراحة والطمأنينة والنعيم، مع أنّك تتقاضى راتباً ضخماً من الدولة طيلة عمرك، وإنّ الإمام السيد مهدي السيد حيدر يحارب بنفسه الإنكليز - على شيخوخته وعظمته - وهو الآن في الصفوف الأُولى، إنّه لم يقبل من أموال الدولة قليلاً ولا كثيراً طيلة عمره )(1) .
جبهة الشعيبة:
والجبهة الأُخرى هي الشعيبة، وتُدعى بالجناح الأيمن، وتقع الشعيبة على بعد تسعة أميال من الجنوب الشرقي للبصرة، وكانت في ذلك الحين تحتوي على قلعة قديمة وبضع دور واسعة، ابتناها بعض أغنياء البصرة لتكون مصائف لهم، وقد أدرك الجنرال باريت أهميّة هذا الموقع لحماية البصرة؛ فاهتم بتحصينه بالخنادق والأسلاك الشائكة وأكياس الرمل.
وكان الأتراك من جانبهم قد عزموا على مهاجمة البصرة في هذه الجهة، فحشدوا في أدغال البرجسية، الواقعة على بعد ستة أميال من الجنوب الشرقي للشعيبة، جيشاً كبيراً مؤلّفاً من قوات نظامية يبلغ عددها زهاء ستة آلاف جندي. أمّا المجاهدين، ومعظمهم من العشائر، فقد قُدّر عددهم - حسب المصادر التركية - بعشرين ألفاً، وقدّره آخرون بخمسين ألفاً(2) تحت قيادة السيد محمد سعيد الحبّوبي، والشيخ باقر حيدر، والسيد محسن الحكيم(3) .
وصلهم القائد التركي سليمان عسكري بك إلى الموقع في 9 آذار 1915، وكان محمولاً على نقّالة صحّيّة لكونه ما زال يشكو من ساقه. وفتش قوّاته، ووضع خطّة أوجب فيها على القوات النظامية الهجوم من القلب - ويتولّى المجاهدون الهجوم من الجناحين الأيسر والأيمن. وكان رأي بعض قادة المجاهدين في الحروب كعجمي السعدون وغيره، أنّ الهجوم المباشر على موقع الشعيبة المحصّن غير مُجْدٍ، بل يجب الاكتفاء بمحاصرته وشنّ الغارات عليه وقطع خطوط مواصلاته(4) . ويُقال إنّ الضبّاط الألمان
____________________
(1) الإمام الثائر ص43 - 44.
(2) حرب العراق، لنديم، ص30.
(3) فصول من تاريخ النجف، لعبد الرحيم محمد علي - مخطوط -.
(4) حرب العراق، لنديم ص30.
أشاروا على سليمان بمثل هذا الرأي أيضاً، إلاّ أنّ عناده وغروره منعاه من الاستماع إلى نصائحهم(1) .
وفي ربيع تلك السنة كان الفيضان شديداً، وقد حدث انكسار في بعض السدود، فغمرت المياه الأرض الواقعة بين البصرة والشعيبة، ممّا اضطر القيادة الإنكليزية إلى استخدام الزوارق المحلّية في التنقل، وقد اتضح للإنكليز أخيراً أنّ أصحاب الزوارق لا يعتمد عليهم عند اشتداد المعارك؛ إذ هم يطلقون سيقانهم للريح حالما ينطلق هدير المدافع، وقد اضطرّ الإنكليز إلى استخدام جنودهم لتجديف الزوارق بدلاً منهم(2) .
وفي الصباح الباكر من يوم 12 نيسان 1915 بدأ الهجوم التركي على الموقع الإنكليزي، وقد أبدى الجنود الأتراك في القتال بسالة نادرة، وكذلك أبدى بعض المجاهدين، فهلك من الفئتين عدد كبير، غير أنّهم لم يستطيعوا زحزحة العدو من خنادقه.
وكان الشيخ عجمي السعدون من أعظم المقاتلين أثراً في تلك المعركة، فكان من أبرز قادتهم، وغدا اسمه مضرب الأمثال في الشجاعة والشهامة، وحيكت حول أعماله أساطير كثيرة لا تزال تتناقل جيلاً بعد جيل، فقد كان يهاجم المفارز البريطانية ولاسيّما الخيّالة منها، فينقضّ عليها على رأس فرسانه المنتفكيين المنتشرين بمسافات متباعدة؛ لتجنّب تأثير نار المدافع البريطانية، وكان هؤلاء الفرسان يجتمعون في لحظة الهجوم بإشارة من عجمي، فيهجمون بسرعة البرق الخاطف، فيوقعون بالبريطانيين خسائر فادحة، ثم يقودهم عجمي بسرعة مذهلة إلى حيث تبتلعهم الصحراء(3) .
واستمرّت المعركة يومين دون أن تبدو أيّة بادرة للغلبة من أحد الفريقين على الآخر. وفي اليوم الثالث وصل إلى الشعيبة الجنرال ( مليس )، وكان قد قِدم توّاً من مصر، فتولّى قيادة القوات الإنكليزية، والمعروف عن هذا القائد أنّه شجاع إلى حد الطيش، فأصدر أوامره إلى الجنود بالخروج من الخنادق والشروع بالهجوم على
____________________
(1) مقدّرات العراق السياسية 1/106. لمحات اجتماعية 4/46 عن: Russell Bardon: The sicg london 1969. p25
(2) لمحات اجتماعية 4/146 عن: Moberly (op. cit) vol. 1. p205
(3) حرب العراق، لنديم ص31.
القوات التركية. ونشب عند ذلك قتال ضارٍ بالسلاح الأبيض كانت فيه الحراب تلمع، وهي ملطّخة بالدماء من خلال غبار كثيف خانق(1) .
ويروي برادون Braddon أنّ الهنود المسلمين، الذين كانوا يقاتلون في صفوف القوات الإنكليزية، لم يطيعوا أوامر قائدهم بالهجوم؛ ذلك لأنّ دعوة الجهاد كانت قد أثّرت فيهم، بحيث جعلتهم يعتقدون أنّ أرض العراق مقدّسة لا يجوز تدنيسها بالهجوم، واضطرّ الضبّاط الإنكليز أن ينخروا أولئك الجنود بسيوفهم ليدفعوهم نحو الخروج من الخنادق، والمشاركة في القتال مع الآخرين(2) .
بقي القتال مستمرّاً طوال ذاك اليوم، وكان النصر فيه معلّقاً على شعرة ليناله مَن يُبدي قدراً أكبر من الصمود، وكاد الجنرال مليس يصدر أمره إلى جنوده بالانسحاب، غير أنّه أجّل ذلك ريثما يتم نقل جرحاه إلى المؤخّرة، وهنا تدخّل القدر حيث أدّى انسحاب الأتراك من المعركة بدلاً من الإنكليز. إذ إن الجنرال مليس أمر أن تكون عملية نقل الجرحى في غاية السرعة، فجاءت سرية النقل بكل ما لديها من عجلات وبغال وقد أثارت غباراً كثيفاً، فظن الأتراك أنّ هذا الغبار، تكوّن من جراء قدوم نجده كبيرة وصلت الإنكليز من البصرة، فكان ذلك - بالنسبة للأتراك - بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، فانهارت عزيمتهم وخارت قواهم، وحلّت بهم الهزيمة(3) . وكانت أُولى بوادرها ظهرت في صفوف العشائر، ثم تلاها الجنود النظاميون إذ أخذوا ينسحبون بلا نظام نحو أدغال البرجسية، ولم يصمد في ساحة القتال سوى ثلّة من الفدائيين الأتراك، وكان عددهم سبعة وأربعين رجلاً، فقد ربطوا ركبهم بالحبال، وقرّروا إمّا النصر أو الموت على أرض المعركة، وقد قُتلوا جميعاً فلم ينج منهم أحد(4) .
وقد وصف السيد محسن الحكيم الهزيمة التي حلّت بالمجاهدين في الشعيبة، وكان يومئذٍ أميناً للسر لدى السيد محمد سعيد الحبّوبي، وكلاهما قد حضرا معركة الشعيبة، فقال: إنّه لم يعرف الخوف في حياته إلاّ مرة واحدة، هي في ذلك اليوم حين
____________________
(1) لمحات اجتماعية 4/146 - 147.
(2) Russell Barddon: The sieg - london 1969 ، p25
(3) Ibid ، p25-26
(4) ذكرياتي. ن. م ص118.
کانت القنابل تنفجر بين الخيام، وهرب المجاهدون، إذ أُشيع بينهم أنّ القائد سليمان العسكري قتل هو وضبّاطه جميعاً، فانتشرت الفوضى بين العشائر واختلّ النظام، وقد ثبت السيد الحبّوبي مع ثلّة من صحبه فلم يهربوا مع الهاربين، ثم استقرّ رأيهم أخيراً أن يرسلوا السيد محسن الحكيم إلى خيمة القائد ليستوضح حقيقة الخبر، وحاول السيد محسن الحصول على فرس ليمتطيها فلم يتمكّن من ذلك؛ لأنّ كل واحد من المجاهدين كان محتاجاً إلى فرسه للنجاة بنفسه من هول المعركة، واستطاع أخيراً أن يحصل على فرس، وحين ذهب إلى خيمة القائد وجده منكبّاً على أوراقه، واتضح أنّ الإشاعة كانت غلطة أو خديعة أدّت إلى الهزيمة(1) .
ثم إنّ سليمان عسكري بك شعر بالعار الذي لحق به، فلم يتحمّله، إذ قام بجمع الضبّاط حوله، وهو لا يزال في نقّالته وأعلن لهم: أنّ الهزيمة كلها كانت من جرّاء خيانة العشائر، وأنّه لن يستطيع أن يحارب مرة أُخرى، ثم أطلق نار مسدسه على نفسه، وبذلك كانت نهاية مفجعة لرجل شجاع(2) . ولدى وصول طلائع الإنكليز إلى خيمة القائد المنتحر، عقب انتحاره مباشرة، أدّى الجنود الإنكليز لجثمانه التحيّة العسكرية، وأبلغوا قائدهم بذلك، فجاء القائد وحيّاه، ثم أمر بدفنه في احتفال عسكري مهيب(3) .
جبهة الحويزة:
أمّا الجبهة الثالثة هي الحويزة ( عربستان ) والتي أطلق الإيرانيون عليها أخيراً اسم ( خوزستان ) ولهذه المنطقة أهميّة كبيرة لدى الإنكليز، إذ كانت المنطقة الوحيدة في الشرق الأوسط من حيث احتوائها على آبار ومصافي النفط، وهذا هو الذي دفع الإنكليز في إرسال حملتهم العسكرية الأُولى نحو شط العرب، بقيادة الجنرال ديلامين، فلقد كان الغرض الأصلي من إرسال تلك الحملة هو لحماية مرافق النفط في عربستان، وليس لاحتلال البصرة(4) .
وقد دُعيت هذه الجبهة بـ ( الجناح الأيسر ) وقد رابط فيها الشيخ مهدي الخالصي،
____________________
(1) الإمام الحكيم، السيد محسن الطباطبائي، للحسيني، ص76 - 77.
(2) Barker (Op. Cit) p. 75
(3) لمحات اجتماعية 4/148، عن مجلة الأسرار البيروتية، عدد 3 أيار 1938.
(4) لمحات اجتماعية 4/140.
وولده محمد، والشيخ جعفر الشيخ راضي، والسيد محمد الطباطبائي اليزدي، والسيد عيسى كمال الدين كبير علماء الحويزة، ومعهم عدد غفير من المجاهدين والعشائر الثائرة(1) .
وقد اشترك المجاهدون العراقيون إلى جانب القوات العسكرية النظامية في جبهات القتال لهذه المحاور بأجمعها، حيث اتفق رؤساء العشائر وشيوخها، ووجهاء المدن، مع المرجعيات الدينية والقيادات العسكرية العثمانية، على أن يقسم المقاتلون العراقيون من أبناء العشائر وأهالي المدن إلى ثلاثة أقسام، تتوزّع على جبهات القتال في محاور المواجهة الثلاثة، وهي:
القسم الأول: يتّجه نحو المحور الأيمن من الجبهة، أو الجناح الأيمن منها في الشعيبة، ويسير إليها عن طريق السماوة والناصرية. وأهم العشائر التي سارت نحو هذا المحور: آل فتلة ( أهل المشخاب )، وآل إبراهيم، وآل شبل، والخزاعل، وعشائر السماوة والناصرية، وأهالي كربلاء والنجف.
القسم الثاني: يتّجه نحو المحور المركزي من الجبهة عن طريق دجلة، ويضم عشائر قبيلة زبيد، وهي: الجحيش، والبوسلطان، والسعيد، فضلاً عن عشائر آل مسعود، وآل فتلة ( أهل الهندية )، وبني حسن، والجبور، وعشائر بغداد والدليم وديالى وبعض عشائر المنطقة الشمالية، وأهالي مدينتي بغداد والحلة.
القسم الثالث: يتّجه نحو المحور الأيسر من الجبهة أو الجناح الأيسر منها، عن طريق دجلة باتجاه العمارة، ثم الأراضي الإيرانية، فنهر كارون في الأحواز. ويتألّف من آل فتلة ( الشامية ) المعروفين بالبوهدلة والبدير وجليحة والبراجع(2) .
وكانت مشاركة المجاهدين العراقيين في جبهات القتال، في الأشهر الأُولى من الاحتلال البريطاني، مشاركة فعّالة اعتمد عليها القائد العام للقوات العسكرية العثمانية في العراق سليمان عسكري اعتماداً كبيراً، إلى الحد الذي عدّ هذا الأمر من أخطائه(3) .
____________________
(1) كتاب (شيخ الشريعة) ص46.
(2) مذكرات الحاج صلال الفاضل الموح، ص52.
(3) ينظر: حرب العراق، لنديم ص26، وجدير بالذكر أنّ هذا الاعتماد على المجاهدين العراقيين، وغالبيّتهم العظمى من أبناء العشائر العراقية، لم تكن له قاعدة من العلاقات بين الطرفين يمكن الاستناد
=
وتمثّلت تلك المشاركة المؤثّرة في الأعداد الكبيرة التي اشتركت منهم في القتال، فيُقدّر - على سبيل المثال - عدد المقاتلين العراقيين الذين رافقوا السيد محمد سعيد الحبّوبي في مسيره نحو الجناح الأيمن، من الجبهة في الشعيبة، بأكثر من ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس، في حين لم يزد عدد الجنود العثمانيين النظاميين المشاركين في القتال في هذه الجبهة عن خمسة عشر ألف جندي(1) .
وجدير بالذكر أنّ علماء الدين كانوا يرأسون جموع المجاهدين في جبهات القتال، فكان على رأس المجاهدين في جبهة الجناح الأيمن في الشعيبة السيد محمد سعيد الحبّوبي وجماعته، وفي الجبهة المركزية شيخ الشريعة والسيد أبو القاسم الكاشاني، والسيد مهدي السيد حيدر. أمّا في جبهة الجناح الأيسر في الأحواز فكان يترأس المجاهدين السيد محمد اليزدي، والشيخ جعفر الشيخ راضي(2) .
وهي إحدى جبهات الحرب الرئيسة كما ذكرنا. وكان انخرط للدفاع عن البلاد في هذه الجبهة كثير من رؤساء العشائر وشيوخها، وعدد من علماء الدين، كان على رأسهم: السيد محمد اليزدي موفَداً من قِبل أبيه المرجع الأعلى السيد محمد كاظم اليزدي، فضلاً عن أبناء العشائر التي مرّ ذكرها، والعشائر التي التحقت بها من منطقة عربستان وأهمّها: عشيرة بني طرف، وعشيرة بني لام بقيادة الشيخ غضبان البنية، وبعض العشائر التي تمرّدت على موقف الشيخ خزعل، وتأثّرت بدعوات الجهاد كعشيرتي الباوية وكعب(3) .
ويبدو أنّ المجاهدين الذاهبين إلى جبهة الأحواز، قد اتخذوا من مدينة العمارة قاعدة لانطلاقهم إلى هذه الجبهة، فقد تبادل السيد محمد اليزدي من العمارة البرقيات والرسائل مع أخيه السيد محمود في النجف، حيث أخبره السيد محمود في رسالة له
____________________
=
إليها؛ ذلك أنّ العثمانيين كانوا يعدّون العراق، بولاياته الثلاث، من أصعب ولايات الدولة على الحكم؛ بسبب مشاكلهم وصداماتهم العسكرية المستمرّة مع عشائره.
ينظر: Davison ، Roderic H ، Reforn in the Ottoman Empire 1856-1876 princeton University press ، New gersey 1963 ، p.160
(1) ثورة النجف للأسدي، ص91.
(2) نفسه، ص91 - 92.
(3) نفسه، ص223 - 224 - 225.
بعثها جواباً على برقيّتين مرسلتين من العمارة من أخيه في 20 و23 كانون الثاني 1915 بتأكيد والده السيد محمد كاظم اليزدي، على أن يقوم السيد محمد ببذل أقصى جهوده في توحيد كلمة العشائر، والدفاع عن المسلمين وبلاد الإسلام، والوقوف يداً واحدة بوجه ( الكافرين )(1) .
أمّا رئاسة جموع المجاهدين في جبهة الأحواز فكانت - كما ذكرنا - للسيد محمد اليزدي؛ لمقدرته وكفاءته في أداء هذه المهمّة من جهة، ولكونه ممثّل المرجع الأعلى والده السيد محمد كاظم اليزدي، ورئيس وفده إلى جبهات القتال من جهةٍ أُخرى، ممّا ترتّب عليه أن تكون له كلمة مسموعة لدى القادة العسكريين العثمانيين(2) .
وقبل اندلاع معركة الأحواز واستسلام العثمانيين فيها في 12 آذار 1915، بمدّة من الزمن، رابط السيد محمد اليزدي ومعه عدد من العلماء وطلبة العلوم الدينية وزعماء العشائر في جبهة الأحواز. وأخذ المجاهدون، لاسيّما مَن كان منهم من عشائر عربستان، يتوافدون على هذه الجبهة خلال شهري كانون الثاني وشباط سنة 1915(3) . ولعلّ وجود السيد گاطع العوادي، والسيد محمد اليزدي معاً في هذه الجبهة لمدة طويلة، أتاح للسيد گاطع فرصة التعرّف على السيد اليزدي، ومن ثمّ الاتفاق معه - فيما بعد - على العمل سويّة من أجل التخلّص عن طريق التفاوض من البريطانيين والعثمانيين معاً. وقد افترقا عن بعضهما لبعض الوقت ( السيد گاطع العوادي والسيد محمد اليزدي ) عقب خسارة القوات العثمانية والمجاهدين العراقيين في جبهة الأحواز، وانسحاب هؤلاء إلى العمارة. وبعد مضي شهر تقريباً على هذه الخسارة مُني العثمانيون والمجاهدون بخسارة كبيرة أُخرى في الشعيبة في 15 نيسان 1915، وبدأت القوات البريطانية في الصعود في الأراضي العراقية على محورين محاذيين لنهري دجلة
____________________
(1) ينظر، نص الرسالة في النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص106، انظر أيضاً: الفصل الخامس الخاص بالوثائق السياسية في هذا الكتاب.
(2) تنظر، رسالة الشيخ أحمد كاشف الغطاء إلى السيد محمد اليزدي في: النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص105. وقد طلب منه كاشف الغطاء في هذه الرسالة التوسّط لدى القومندان العثماني المسؤول عن ( طابور الحدود ) بشأن نقل أحد الجنود العراقيين من البلوك السادس في الطابور ( التنجي بلوك ) المتّجه من العمارة إلى جهة الأحواز ليكون بمعيّة السيد اليزدي. انظر أيضاً: الفصل الخامس في هذا الكتاب.
(3) النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص42، 44.
والفرات. فانفضّ بعد تلكما الخسارتين الكبيرتين كثير من العراقيين، الذين كانوا يقاتلون إلى جانب القوات العثمانية، من سوح المعارك قافلين إلى مواطنهم، ممّا بلور - فيما يبدو - فكرة التفاوض السلمي مع البريطانيين لدى كل من: السيد كاطع العوادي والسيد محمد اليزدي، لإنهاء الوجودين البريطاني والعثماني في العراق، وتأسيس حكم وطني في هذه البلاد، بعد أن أدركا عدم إمكان التوصّل إلى هذه الغاية عن طريق القتال(1) .
وكان يومذاك الشيخ خزعل هو الحاكم المطلق لتلك المنطقة، وإن كان من الناحية الشكلية تابعاً للدولة الإيرانية، وفي 9 تشرين الثاني 1914 حيث كانت البصرة مهدّدة بالغزو الإنكليزي، أرسل بعض علماء النجف إلى الشيخ خزعل برقيّة نصّها:
( باسم الشريعة المحمّدية، يجب عليك النهوض والقيام، واتفاقكم مع المسلمين في مدافعة الكفّار عن ثغر البصرة بالمال والنفس وبكل ما تقدرون عليه. وهذا حكم ديني لا يفرّق بين الإيراني والعثماني. جاهدوا بأموالكم وأنفسكم ينصركم الله بحوله وقوّته، بلّغ هذا الحكم لجميع العشائر، عرّفونا سريعاً إقداماتكم ).
وقد وقّع هذه البرقيّة الشيخ فتح الله الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والميرزا مهدي الخراساني، والسيد علي التبريزي، والشيخ محمد حسين المهدي. وفي اليوم نفسه، أرسل السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي برقيّة مماثلة إلى الشيخ خزعل(2) فلم يهتم الشيخ خزعل بهاتين البرقيّتين، وكان رأيه أنّ المجتهدين الذين أرسلوهما إنّما فعلوا ذلك تحت ضغط من الحكومة التركية، وإنّه بصفته من رعايا الدولة الإيرانية يجب أن يقف على الحياد(3) .
وكان للشيخ خزعل علاقة وثيقة جدّاً بالشيخ عبد الكريم الجزائري أحد علماء النجف، وكان يُعدّ من مقلّديه، ومن أشد الناس إخلاصاً له وطاعة لأمره، ولهذا كتب الجزائري إليه يأمره بالاشتراك في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية، وبتجهيز حملة من العشائر لمساعدتها، فأجابه الشيخ خزعل يعتذر عن القيام بذلك، ويشرح له موقفه من
____________________
(1) السيد گاطع العوادي ص73 - 76.
(2) التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية ص302 - 303.
(3) فصول من تاريخ العراق القريب ص7.
الإنكليز حيث يستحيل عليه القيام في وجههم(1) ، وقد تألّم الجزائري من هذا الجواب، وسخط على الشيخ خزعل، وقطع علاقته معه، ويُقال إنّ الشيخ خزعل حاول بعد الحرب إعادة علاقته القديمة مع الجزائري، ولكنّ الجزائري ردّ عليه قائلاً: ( فرّق بيني وبينك الإسلام! ).
ولكن العشائر تحسّست تحسّساً قوياً بحركة الجهاد في العراق، ويعلّل الدكتور علي الوردي ذلك في لمحاته(2) ويرجعه لسببين:
1 - إنّ العشائر العربية كانت تبغض الشيخ خزعل؛ لشدّته في جباية الضرائب، ولهذا فهي انتهزت فرصة الجهاد للانتقام منه، فقد كانت حركة الجهاد في نظر تلك العشائر كأنّها ثورة عليه.
2 - كان السيد عيسى كمال الدين كبير علماء عربستان في ذلك الحين، وهو نجفي من أُسرة آل كمال الدين المعروفة، وقد استجاب لدعوة الجهاد بحماس على منوال ما استجاب له زملاؤه علماء النجف، وصار يتجوّل من مدن عربستان وبين عشائرها، يحضّهم على الانضمام إلى الدعوة، فأحدث فيهم تأثيراً غير قليل(3) .
وفي أواخر كانون الثاني 1915 وصلت من العمارة قوة تركية بقيادة توفيق بك الخالدي، فعسكرت على ضفاف نهر الكرخة على بعد عشرين ميلاً من بلد الأحواز غرباً، ثم جاء على أثرها مجاهدون كثيرون من العشائر العراقية: كبني لام برئاسة غضبان البنية، وبني طرف برئاسة عوفي بن مهاوي وعاصي بن شرهان، وربيعة برئاسة عناية بن ماجد، والزرقان برئاسة قاسم بن علي، وجمع كبير من عشائر أُخرى، وقد تزعّم هذه العشائر العلماء الأعلام المذكورين سابقاً، ومعهم الشيخ عبد الكريم الجزائري.
وكان لمجيء هؤلاء المجاهدين أثره في عشائر عربستان، ففي 5 شباط أعلنت عشيرة الباوية، التي تسكن إلى الشرق من الأحواز، انضمامها إلى حركة الجهاد، وقطعت أنابيب النفط وأشعلت النار فيها، كما نهبت مخازن الشركة. وفي 25 شباط ثارت عشيرة
____________________
(1) هكذا عرفتهم، 1/373 - 374.
(2) لمحات اجتماعية، 4/141.
(3) تاريخ الكويت السياسي، 4/32.
بني كعب على الشيخ خزعل، واتهمته بأنّه حليف لبريطانيا ضد الدولة العثمانية المسلمة، وقد سيطرت هذه العشيرة على بلدة الفلاحية، ونصّبت عليها حاكماً من العلويين اسمه جابر السيد مشعل(1) .
تحرّج الوضع في المنطقة بالنسبة للإنكليز، واعترف الشيخ خزعل أنّه فقد سيطرته على العشائر(2) ، وقد استطاع الشيخ خزعل أخيراً من جمع قوّاته، فأرسل قسماً منها بقيادة حنظل ابن أخيه نحو عشيرة الباوية فدحرها، كما أرسل القسم الآخر بقيادة ابنه الأكبر چاسب نحو عشيرة بني كعب فأنزل بها هزيمة منكرة(3) .
وكان الجنرال باريت قد أرسل إلى بلدة الأهواز قوة بقيادة الجنرال روبنصون، وقد وصلت هذه القوة إليها في 15 شباط. وفي ظهر 12 آذار، تحرّك روبنصون على رأس جنوده قاصداً ضرب القوة التركية، التي كانت معسكرة في موضع يقال له ( الغدير ) تحت قيادة توفيق بك الخالدي، وقبل أن تشرق الشمس في اليوم التالي، كان روبنصون قد وصل على بعد أربعة أميال من معسكر الأتراك، وأمر بإطلاق مدافعه عليهم، ولكنّه فُوجئ بجموع من العشائر تنهال عليه من الجانبين. إنّه كان ينوي مباغتة القوة التركية، ولكن العشائر هي التي باغتته. ونشب من جرّاء ذلك قتال عنيف، تكبّد فيه الفريقان خسائر فادحة، وشاع الارتباك في القوة الإنكليزية، ولم تتمكّن من الانسحاب إلاّ بصعوبة. وقد غنمت العشائر منها غنائم كثيرة كان من جملتها مدفعان أحدهما صحراوي والآخر جبلي(4) ، وقد أقترف الأتراك أثناء المعركة غلطة ساعدت القوة الإنكليزية على النجاة، فقد أخذ الأتراك لشدّ حماسهم يقذفون قنابلهم على العشائر التي كانت تقاتل معهم(5) .
ومهما يكن الحال، فإنّ أفراد العشائر أبدوا في تلك المعركة شجاعة أذهلت الإنكليز؛ يقول موبرلي في وصفهم: إنّ لهم مقدرة فائقة على السرعة في التنقّل والحركة، ففرسانهم يسبقون فرساننا دائماً، أمّا المشاة فإنّ رشاقة أقدامهم
____________________
(1) ن. م ص258.
(2) Moberly (Op. Cit) Vol. 1. p167
(3) لمحات اجتماعية 4/142.
(4) حرب العراق للهاشمي 1/118 - 119.
(5) لمحات اجتماعية 4/143 عن: Moberly (Op. Cit) vol. 1.. p185
تمكّنهم من مصاولة أفراسنا، وقد شهد ذلك ضابط هندي كان يمتطي مهراً من أمهار البولو، إذ وجد أنّ أفراد العشائر في جريهم على أقدامهم كانوا أسرع منه، ولولا تدخل مدفعيّتنا لما استطاع الهرب منهم(1) .
وعلى أثر انتهاء المعركة أعلن غضبان البنية، رئيس بني لام، جائزة بمبلغ من الليرات الذهب يدفعها لكل مَن يأتي له برأس رجل بريطاني أو هندي. وقد أدّى هذا الإعلان بأفراد العشائر إلى حزّ رأس كل جريح يقع في أيديهم طمعاً بالجائزة(2) .
ويروي ويلسن حادثة طريفة نقلها الدكتور الوردي في لمحاته ملخّصها: أنّ جريحاً بريطانياً أحاط به بعض أفراد العشائر وأفهموه عن طريقة الإشارة أنّه يجب أن يستعد لقطع رقبته، فطلب منهم مهلة ليخلع حذاءه، وظنّوا أنّه يريد أن يصلّي، ولكنّه غافلهم وقذف حذاءه في وجوههم، فأطبقوا عليه وقتلوه(3) .
وقُبيل عودة المجاهدين إلى مناطقهم التقى السيد گاطع العوادي - وهو من زعماء القبائل المرموقين - بالسيد محمد اليزدي، وتفاهم معه على العمل، والسعي من أجل تكوين حكومة عراقية؛ وذلك عن طريق مراجعة الإنكليز والتفاهم معهم على عقد هدنة يتركوا هم والعثمانيون بعدها العراق، ويسلّموه إلى أهله. وقد وافقه السيد محمد اليزدي على هذا المشروع. يذكر السيد گاطع العوادي أنّه قد شرع بالعمل في هذا الاتجاه بيد أنّه قد توقّف عن الإفصاح به - كاملاً فيما يبدو - لزعماء العشائر، ولكنّه حقّق بعض النجاح المتوخّى للمشروع، متمثّلاً في نجاحه في جعل هؤلاء الزعماء يتذمّرون من الحرب والنتائج السيّئة التي ستترتّب عليها(4) - مع استمرار الهزائم العثمانية - كمرحلة أُولى للاستمرار فيه.
ويبدو أنّ السيد گاطع العوادي كان يعوّل على اتصالاته مع السيد محمد اليزدي، لإيجاد مخرج للأزمة الخانقة التي حلّت بالعراق بدخول قوّات الاحتلال البريطاني،
____________________
(1) لمحات اجتماعية 4/143 عن: Moberly (Op. Cit) vol. 1.. p185
(2) ن. م. وص.
(3) ن. م وص عن: Arnold Wilson (layaties-Mesapotamia) - london ، 1936 ، voll. p29
(4) تنظر: مذكّرات السيد گاطع العوادي، ص11.
ففاقمت الخطب وأضافت إلى مشاكل الحكم العثماني للعراق مشكلة الاحتلال البريطاني له. وقد أشرنا إلى اتصالاته مع السيد اليزدي، كانت تدور حول التفاوض مع البريطانيين لتحقيق استقلال العراق، بعد إخراج القوات العثمانية وانسحاب القوات البريطانية. بيد أنّ هذا الأمر لم يكن ممكناً في خضمّ الأحداث السياسية والحربية التي كانت تتطوّر آنذاك بشكل سريع، لاسيّما وأنّ الجيش البريطاني كان يحقّق انتصارات متواصلة على العثمانيين ومَن معهم من المجاهدين العراقيين، مقابل تراجع مستمر تقريباً من الجانب العثماني. ولمّا لم تثمر تلك المساعي الهادفة إلى إيجاد حل لإنهاء الوجود العثماني والبريطاني معاً في العراق بطرق سلمية، ولم تُتوّج، من جانب آخر، العمليات الجهادية التي اشترك فيها بانتصار يدفع الغائلة الكبرى، المتمثّلة بالاحتلال البريطاني، بل أصبح الاحتلال هذا أمراً واقعاً شمل العراق بأسره في نهاية عام 1918.
ولكنّ فكرة التفاوض مع الإنكليز لتأسيس دولة مستقلّة، خارج تلك الأوساط، كانت تراود أذهان بعض الضبّاط العراقيين الذين كانوا يخدمون في صفوف الجيش العثماني في العراق، إذ قرّر مجموعة من هؤلاء في اجتماع سرّي لهم في الناصرية في 14 تموز 1915، ( أنّ الوقت حان لإعلان الثورة العراقية والدخول في مفاوضات سرّيّة مع الإنكليز، للحصول على مساعدتهم في نيل استقلال العراق )(1) ؛ ذلك أنّ الدولة العثمانية كانت تعاني آنذاك، كما يرون، ( سكرات الموت بعد الهزائم المنكرة التي حلّت بها، ويجب على العرب أن يغتنموا هذه الفرصة للاتصال بالإنكليز، والتعاون معهم في سبيل تأسيس دولة عربية مستقلّة )(2) .
عودة المجاهدين:
بعد أن فرغت قوات الاحتلال البريطاني من محاربة الجناحين؛ جمّعت جيوشها ورصّت صفوفها، وأخذت تتقدّم نحو بغداد، والجيوش النظامية والمجاهدون تنسحب أمامها رغم المقاومات والمناوشات المتبادلة، أمّا المجاهدون والعشائر التي بصحبتهم فقد عادوا إلى مناطقهم على طريقين، قسم على دجلة، وآخر على
____________________
(1) لمحات اجتماعية 4/206. وقد أورد الوردي أسماء هؤلاء الضبّاط.
(2) نفسه، ص200 - 201.
الفرات...
وبذلك تغيّرت نتائج المعركة تماماً، فبدلاً من أن تلحق الهزيمة بالإنكليز، فإنّهم تحوّلوا إلى منتصرين؛ لسوء تقدير قيادة الجيش العثماني.
ورغم إخلاص المجاهدين ومواقفهم البطولية، فإنّ القادة الأتراك لم يحسنوا التعامل معهم في معظم الحالات. فمثلاً: قال أحمد بك أوراق أحد قادة الأتراك أمام المجاهدين: ( إنّنا لو فتحنا الشعيبة والبصرة يبقى علينا واجب ثان وهو فتح العراق، وخاصة الفرات أولاً، وعشائر شط دجلة ثانياً؛ لأنّهم خونة ). فأجابه الشيخ بدر الرميض رئيس بني مالك: ( أنتم الخونة للإسلام وتحزّبكم ضد العرب كافٍ لمصداق قولي، وأنتم بعد هذا أولى بالحرب والقتال ممّن نحارب، ولولا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها )(1) .
لقد كان لنتائج معركة الشعيبة أثرها العميق في نفوس المجاهدين. وقد تسببت في وفاة السيد محمد سعيد الحبّوبي كمداً لما شاهده من هزيمة، في الوقت الذي كان فيه بالإمكان تحقيق النصر على الإنكليز، لولا سوء تقدير وإدارة القيادة العثمانية للعمليات الحربية.
لم تكن معاملة الأتراك لقوات المجاهدين، ولجهود علماء الدين الشيعة تتمتّع باللياقة المطلبوة في ظروف صعبة مثل ظروف الحرب، ورغم ذلك فقد كان اندفاع العلماء قويّاً لمواجهة الاستعمار البريطاني، باعتباره تحدّياً عسكرياً يستهدف بلاد المسلمين.
ليس هنا شك في تفاعل العشائر العراقية، وبقيّة أبناء الشيعة مع علماء الدين في حركة الجهاد، والتصدّي للغزو البريطاني، بدافع إسلامي واعٍ، غير أنّ القيادة العثمانية لم تستطع أن توظّف الإمكانات الجماهيرية، والإخلاص الشيعي في المعركة بالشكل المطلوب، فكانت سوء إدارتها عاملاً كبيراً في تغيّر موازين الحرب.
فمثلاً بعد معركة الشعيبة التي قدّم فيها العلماء والمجاهدون أقصى جهودهم، تعرّضت المدن الشيعية لإجراءات تعسّفية من قِبل الحكومة العثمانية خلال بحثها عن
____________________
(1) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية لسنة 1920، 1/40.
الفارّين من الخدمة العسكرية، وكان الجنود الأتراك يلجأون إلى ممارسات استفزازية أثارت الأهالي عليهم، ممّا تسبّب في اندلاع عدّة ثورات محلّية في المدن الشيعية، وقد لجأ الأتراك إلى العنف واستخدام القوّة العسكرية(1) .
وبعد عودة السيد اليزدي إلى النجف في وقت متزامن، بعد احتلال العمارة في 3 حزيران 1915، تابع السيد محمد اليزدي فيما يبدو مشروع العمل السلمي السياسي، الذي كان قد فاتحه به السيد گاطع العوادي من قبل، لتحقيق استقلال العراق، وتأسيس حكومة وطنية فيه، فدعا السيد محمد اليزدي، كما يذكر السيد كاطع العوادي في مذكّراته، ( زعماء الشامية والمشخاب إلى النجف، واجتمعوا لدى محسن شلاش وبحثوا في المسألة، ولكنّها اتصلت بالأتراك فأسرعوا وطلبوا السيد محمد السيد كاظم إلى الجهاد فذهب إلى الكاظمية. وقد شاع هذا الأمر في النجف شياعاً [ كذا ] تامّاً )(2) . ومن الواضح أنّ توتّر العلاقة بين السلطة العثمانية والسيد محمد اليزدي بسبب هذا الأمر، حدث قُبيل تحرّك السيد محمد اليزدي من النجف في 21 تشرين الثاني 1915 للمشاركة فيما عُرف بـ ( حركة الجهاد الثانية ).
وخلال تلك المدّة التي سبقت حركة الجهاد الثانية، وشهدت تحرّكات العمل السياسي السلمي للسيد محمد اليزدي، كان القتال بين القوات العثمانية والقوات البريطانية مستمرّاً. وقد تمكّنت هذه الأخيرة من احتلال الكوت في 28 أيلول 1915، وتقدّمت نحو بغداد حيث اصطدمت في معركة ( سلمان بك ) مع القوات العثمانية التي أجبرتها هذه المرة على التقهقر والانسحاب من ساحة المعركة، في 25 تشرين الثاني 1915، نحو الكوت والتحصّن بها. وواصلت القوات العثمانية ملاحقتها للقوات البريطانية التي التجأت إلى الكوت وفرضت عليها حصاراً بدأ في 7 كانون الأول 1915، واستمرّ إلى استسلام هذه القوات للجيش العثماني في 29 نيسان 1916(3) .
وقد اشترك إلى جانب القوات العثمانية - في المعارك التي أعقبت بداية الحصار بين
____________________
(1) النجف الأشرف وحركة الجهاد ص48.
(2) ن. م ص12.
(3) اعتمدنا في تحديد تواريخ الأحداث الواردة في هذه الفقرة على: حرب العراق، لنديم، ص54، 69، 75.
العثمانيين والجيش البريطاني، الذي حاول فك الحصار عن وحداته المحاصرة في الكوت - متطوّعون من أبناء العشائر ورؤسائهم الذين استمرّ معظمهم في مناصرته للعثمانيين، والاشتراك في المعارك التي يخوضونها حتى استسلام الجيش البريطاني المحاصر في الكوت(1) . بيد أنّ عشائر أُخرى قد ( رجعت إلى أهلها ومواطنها بسبب طول مدّة الجهاد )(2) . وكانت مساهمة العشائر تلك على شكل مجاميع، يقود كل مجموعة منها رئيس من رؤساء العشائر وشيوخها وسادتها(3) . أمّا القيادة العامة للمجاهدين في جبهة الكوت، فكان يضطلع بمهامها أحياناً محمد فاضل باشا الداغستاني(4) . ويبدو أنّ مشاركة العشائر العراقية في هذه الجبهة، وقتالها إلى جانب القوات العثمانية، كان له أثر مساعد واضح في استسلام الجيش البريطاني المحاصر في الكوت بقيادة الجنرال تشارلز طاونزند(5) .
حركة الجهاد الثانية:
لكنّ موقف علماء النجف لم يتغيّر، فقد واصلوا نهجهم في الدفاع عن بلاد المسلمين، ضد الغزو الاستعماري البريطاني، وكرّروا دعوتهم للجهاد ثانية في تشرين الثاني 1915م، محرّم 1334هـ، وذلك استجابة لطلب الدولة العثمانية، وقد جعلت الحكومة العثمانية هذه الدعوة ذات طابع شيعي، بعدما اكتشفت قوّة التفاعل الشيعي في النشاط الجهادي المسلّح ضد الغزو البريطاني، فجعلت شعارها ( العلم الحيدري الشريف ) وأخذت تبثّ أخبارها في المدن الشيعية(6) .
وقد كان الاندفاع الشيعي هذه المرة قوياً أيضاً، حيث خرج العلماء من مناطقهم على رأس المجاهدين نحو مواقع القتال.
ففي يوم الجمعة 11 محرّم 1334هـ / 19 تشرين الثاني 1915م، أُذيع في النجف
____________________
(1) تنظر، مذكّرات الحاج صلال الفاضل الموح، ص62.
(2) نفسه، ص61.
(3) للتفاصيل عن أُولئك المشاركين يراجع: نفسه، ص58 - 62.
(4) تنظر، مذكّرات الحاج صلال الفاضل الموح، ص61 - 62.
(5) تنظر، مذكّرات الحاج صلال الفاضل الموح، ص61 - 62، السيد گاطع العوادي ص79 - 80.
(6) لمحات اجتماعية 4/233.
عزم العلماء وطلبة العلوم الدينية على التوجّه إلى الجهاد مرةً أُخرى. وما إن شاع هذا النبأ حتى بدأ الناس يحتشدون في الصحن العلوي منذ الصباح الباكر، وقد جلس باستقبالهم متصرّف كربلاء محمد حمزة بك، وتوارد العلماء والأعيان وأبنائهم والطلاّب، وسائر الناس مدجّجين بالسلاح، وهم ينشدون ويهزجون.
ثم تقدّم العلماء والطلاّب بسكينة ووقار إلى داخل المشهد، حيث الضريح المقدّس ومعهم المستخدمون، فكان اللواء العلوي الخاص منشوراً على الضريح، وقد تناوله خازن المشهد ( السيد محمّد حسن الرفيعي الكليدار ) وحفّ به العلماء وأبناء المجتهدين في شكل دائرة قريبة ممّا يلي الرأس، وفي جانبي اللواء قام السيد عباس نجل خازن المشهد، والسيد داود نائب الخازن يحملان مصحفين غشّيا بالقصب.
ثم ألقى مفتي النجف دعاءً مفصّلاً أمّن عليه الحاضرون، ثم فعل مثل ذلك السيد أحمد ولد الخازن، ثم أخرجوا اللواء حافّين به، مهلّلين مكبرين، وتأخّروا في حرم المشهد ريثما أُخذت صورة ذلك المشهد، وقد احتشد هناك خلق كثيف. ثم مرّوا بالعلم، يحمله الخازن حافّة به السدنة، من سوق الكبير إلى الخارج بين تهليل المهلّلين وأناشيد النجفيين، ودوي للرصاص وصفيره في الفضاء، وقد أعدّت شركة الخط الحديدي للقوم عدّة مركبات فركبوا إلى الكوفة، وهم من العلماء:
السيد علي التبريزي، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى القاشاني، الشيخ الباقر القمّي، الشيخ محمد حسين القمشي، السيد عبد الرزاق الحلو. ومن الأعلام وأولاد المجتهدين: الشيخ جواد آل صاحب الجواهر، السيد محمد علي الطباطبائي، الميرزا مهدي نجل الآخوند الخراساني، الشيخ إسحاق نجل الميرزا حبيب الله الجيلاني، الشيخ عبد الحسين آل صاحب الجواهر، الشيخ عبد الرضا الشيخ مهدي، السيد محمد علي الشهرستاني، الشيخ عبد الكريم الجزائري، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، السيد عليّ نجل السيد محمد سعيد الحبوبي، وغير هؤلاء من المعدودين في أفاضل الطلاّب الفرس والعرب.. قُدّر عدد الجميع بمئة وخمسون.
ولمّا صارت المركبات قرب مسجد الكوفة استقبلهم محمد فاضل باشا مع طائفة من الفرسان، ثم استقبلهم جمع من أبناء الكوفة ومرّوا بالعلم إلى مشهد ( النبي يونس ) على الفرات في بلدة الكوفة، فخطب الجمع ( نعمان الأعظمي ) ثم تكلّم خازن المشهد
علماء النجف عند خروجهم إلى جبهة العمارة لمدافعة الاحتلال البريطاني عن ثغور الإسلام في الحرب العامة عام 1334هـ.
الجالسون من اليمين إلى اليسار: الشيخ مهدي بن الملاّ كاظم الآخوند الخراساني، الشيخ محمد جواد الجواهري، السيد محمد سعيد الحبّوبي، السيد مصطفى الكاشاني وخلفه نجله السيد أبو القاسم الكاشاني، السيد علي الداماد، السيد محمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، السيد محمد علي بحر العلوم وخلفه...؟، الشيخ إسحاق الرشتي.
العلوي في شأن العلوم، وتكلّم كذلك السيد أحمد ثم المتصرّف محمد حمزة. ثم أُعطي العلم إلى السيد محمد علي وجماعة أولاد المجتهدين، وقد باتوا في الكوفة ليلة السبت.
وفي ضحى يوم السبت 12 محرّم سنة 1334هـ، قدم الكوفة مجاهدو شقّ العمارة من أهل النجف، قائدهم سلمان أبو غنيم ومحمد أبو گلل أخو عطية، وورد أيضاً كثير من فرسان بني حسن المجاهدين.
وفي عصر هذا اليوم شخص العلماء، وأبناء المجتهدين، ومحمد فاضل باشا، والمتصرّف، وبقيّة المستخدمين، وكثير من حَمَلة السلاح المجاهدين من أهل النجف والكوفة بالعَلَمين العلويين الأول والثاني إلى مسجد الكوفة، استقبل بهما محراب الأمير المشهور فيه، وتلا، ثم دعاء الثغور المأثور عن زين العابدين (ع)، وتكلّم آخرون، وعطعط جمع من المجاهدين، وقد أخذت صورة الجميع منشورة بينهم الأعلام مرتين. وقد أكثر الطلاّب والعلماء من أعمال مسجد الكوفة المندوبة المناسبة لمقتضى الحال، وورد هذا اليوم أيضاً السيد محمد بن السيّد كاظم اليزدي وجماعته لهذا الوجه الذي توجّه إليه العلماء.
وفي يوم الاثنين 13 محرّم سنة 1334هـ، تحمّل القوم في الحرّاقات ( المراكب ) وأصعدوا في الفرات. وممّا يستوقف الأنظار ويسترعي الأفكار أنّ الروحانيين والمجاهدين الذين نهضوا في العام الماضي من النجف وديار الفرات زايلوا ديارهم منحدرين إلى عراق البصرة، في مثل هذه الأيام على هذه الهيئات، أمّا اليوم فقد فعلوا ذلك لكنّهم مصعدين لا منحدرين في الفرات إلى بغداد وأعالي العراق، فسبحان مقلّب الأحوال، على أنّ هناك فوارق كثيرة بين النهضتين.
وقد بلغ عدد الحرّاقات التي تحمّلوا فيها زهاء 30 حرّاقة، باتت تلك الليلة أمام ( الكفل )، وقد لحقت بها في منتصف الليل حرّاقات باقي النجفيين وهم من شق المشراق، قائداهم الشيخ مطلق وشباده، ومن البراق قائدهم السيد هادي الرفيعي، ومن الحويش قائدهم حسين الشافعي، وكانت للقوم خيل وبغال نشاهدها أحياناً بشاطئ الفرات وهي قليلة، ومنهم أيضاً الرماحية، عقيدهم عباس العليّ، وهم أعد النجفيين نفوساً.
وفي صباح يوم الاثنين 14 محرّم أقلعت الحراقات من الكفل، وكانت الريح
مساعدة، فوردوا طويريج الساعة 11 من ذلك اليوم، وأنزل العلم، معه جماعة من الطلاب وأبناء المجتهدين والمتصرّفون والمستخدمون، وعطعط أمامهم النجفيون، ثم ساروا به توّاً وقد تجمهر الناس إلى رحبة دار الحكومة، وتكلّم الأعظمي، وقد وصل بعد القوم إلى طويريج محمّد فاضل باشا عن طريق البريّة ومعه 250 فارساً من مجاهدي بني حسن المجهّزين، على أن يلتحق بهم بقيّة الفرسان منهم.
وفي يوم الثلاثاء 15 محرّم سنة 1334هـ، اجتمع الناس في رحبة دار الحكومة في طويريج، وحضر العلماء وأبناء المجتهدين، والطلاب، ومحمد باشا بالعلم العلوي، وتكلّم في تقصير الناس وانقطاع أعذارهم شيخ الشريعة الأصفهاني ووعظ عظة حسنة.
ثم رقى المنبر السيد محمد بن السيد اليزدي، وخطب القوم وبلّغ عن تأكيد وجوب الدفاع واستخص الحاضرين، قائلاً:
أدعوكم فنادوني ( لبّيك ) فنودي ( لبيك لبيك من أطراف نجد )، وكان لخطبته تأثير بليغ.
وفي عصر هذا اليوم ورد طويريج عن طريق البرية سعد الحاج راضي النجفي وأولاده الثلاثة، وجماعة من الشمرت.
وفي يوم الأربعاء 16 أقلعت حرّاقات القوم من طويريج ناشرة القلاع، ولمّا صرنا بحيث لا نسمع وغر المدينة، سمعنا صدى المدافع متنقّلاً من ضفاف دجلة إلى ضفاف الفرات.
وفي الساعة 10 من هذا اليوم في السدّة، وافترق القوم نازلين على عدوتي الفرات، وشاهدوا السدّة وبديع ما صنعت الهندسة العلمية الحديثة، ووقفوا باهتين معترفين بالجهل أمام أعظم آثار العلم والمعرفة التي ظهرت في العراق إلى الآن، وألقى في روعهم العجز عن مماتنة الأيدي التي قامت بهذا الأعمال.
ووصلت إلينا ونحن في السدّة الأخبار الكثيرة، تعرب عن انتصار العثمانيين وظهورهم على الإنكليز ظهوراً عظيماً في حروب سلمان باك، والجزيرة التي بدأت في
يوم 11 محرّم ستة 1334هـ(1) .
وما زال ركب المجاهدين مستمرّاً في مسيرته، لحقت بهم في الأيام التالية جماعات أُخرى من أهالي المدينة. وقد استقبل الجميع بحفاوة بالغة من قِبل إدارة الولاية في بغداد، التي انتدبت لاستقبالهم لجنة من علماء بغداد ورجال الدين فيها، وعدداً من ضبّاط الجيش العثماني. وحضرت حفل استقبالهم ثلة من الدرك والشرطة، ثم استقبل العلماء منهم في مقر إدارة الولاية معاون والي بغداد، الذي قبّل العلم الحيدري وأشاد ببركاته ويمنه(2) .
وقد مكث السيد محمد اليزدي والعلماء وأهالي النجف في الكاظمية، بانتظار أن تقوم السلطة العثمانية بإعداد وسائل سفرهم إلى الجبهة، التي كانت آنذاك في الكوت، حيث حُوصر فيها الجيش البريطاني. ولكنّ مكوثهم طال حتى منتصف شهر شباط من عام 1916. وكانوا خلال تلك المدّة يتوقّعون المسير إلى الجبهة بين يوم وآخر. فعقب الوصول إلى بغداد مباشرة زار السيد محمد اليزدي في الأول من كانون الأول 1915 مستشفيات الهلال الأحمر في بغداد، وقدّم الهدايا للمرضى الراقدين فيها(3) . وبعث إلى أخيه السيد محمود في النجف رسالة مؤرّخة في 29 محرم 1334/ 7 كانون الأول 1915م، يخبره فيها بأنّهم بانتظار السفينة التي ستقلّهم ( غداً أو بعد غد إن شاء الله )(4) .
ولكنّه يبدو أنّ السلطات العثمانية كانت قد تراجعت عن المضي قدماً في الحملة، التي دُعيت بحركة الجهاد الثانية، بعد الشروع بها مباشرة؛ لعدم حاجتها إلى المقاتلين بعد الانتصارات التي أحرزتها على القوات البريطانية آنذاك، والإمدادات النظامية التي كانت تردها من الأناضول. فبعد أربعة أيام من تحرّك جموع العلماء والمقاتلين من النجف، انسحبت القوات البريطانية جنوباً باتجاه الكوت، بعد معارك حامية الوطيس
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص251.
(2) السيد گاطع العوادي ص85 - 86. مذكّرات الشبيبي ص236 - 254.
(3) نفسه، ص260.
(4) النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص87.
خاضتها مع القوات العثمانية في منطقة ( سلمان باك ) جنوبي بغداد(1) . وكانت ترد على تلك الجموع الأخبار، وهي في طريقها إلى بغداد، بانتصارات كبيرة كان يحرزها الجيش العثماني في ملاحقته للبريطانيين المنسحبين من سلمان باك(2) . ومن ثمّ فقد أهملت السلطات العثمانية أمر العلماء والمقاتلين الذين وصلوا بغداد، بعد أن أحتفت بمقدمهم بصحبة العلم الحيدري احتفاءً كبيراً، ولم تقم بتسفيرهم أوانية إلى الجبهة. وعدّت - كما يبدو - حركة الجهاد الثانية، التي ميّزتها مصاحبة العلم هذا لها، دعماً معنوياً لها فحسب.
ونتيجة لذلك بدأ المقاتلون النجفيون - دون العلماء - بالتسرّب شيئاً فشيئاً من الكاظمية والرجوع إلى مدينتهم(3) . وكان بعضهم، بعد هروبه من الكاظمية، يسلك طرقاً غير مألوفة ابتعاداً عن أعين السلطة، ممّا عرّضه للمتاعب والمشاق. إذ ينقل الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكّراته أنّه ( في يوم 6 صفر فرّ من الكاظمية نحو ثلاثين من مجاهدي النجفيين، وأثخنوا في طريق غير ناهجة إلى الفرات، فعدا عليهم فريق من زوبع وجرحوا جماعة منهم، ثم جرّدوهم السلاح )(4) .
وقد حاولت السلطة العثمانية أن تجد مخرجاً لموضوع العلم والسائرين به إلى جبهات القتال، بعد أن انتفت آنياً حاجتها إليه وإليهم، فبعثت لهم في الكاظمية متصرّف كربلاء حمزة بك، ليفاوضهم في الذهاب إلى إيران لتحشيد الإيرانيين، وحثّهم على قتال الروس، الذين كانوا يطلبون من الإيرانيين الاشتراك معهم في الحرب. ولكنّ هؤلاء لم يستجيبوا لطلب الروس، وكتبوا إلى علماء العراق يستغيثون بهم من ضغوط الروس(5) . ولم يحسم العثمانيون موضوع العلم وحملته إلاّ حسماً ( بروتوكولياً ) شكلياً، بعد تعيين خليل بك والياً على بغداد، وقائداً عاماً
____________________
(1) تحرّك العلماء والمقاتلون من النجف بتاريخ 21/11/1915، وانسحبت القوات البريطانية من موقع معركة ( سلمان باك ) في 25/11/1915.
(2) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص252 - 253.
(3) مذكّرات الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء 1914 - 1915م، ص377. مذكّرات الشبيبي، ص 287، 288.
(4) مذكّرات الشبيبي ص279.
(5) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص281 - 282.
للقوات العثمانية في العراق في 12/1/1916م(1) .
فقد وردت برقية منه وهو في جبهة الكوت إلى معاون والي بغداد في أواخر ربيع الأول سنة 1334هـ، الموافق لأوائل شهر شباط سنة 1916م، يطلب فيها أن يفد العلماء عليه ومعهم العلم الحيدري لأيام معدودة. ولمّا كانت نوايا العثمانيين قد اختلفت بشأن حركة هؤلاء العلماء كما تبيّن لنا، وكان وضعهم العسكري جيّداً لا يتطلّب الاستعانة بهم، إذ نجح العثمانيون آنذاك لأكثر من شهرين في التضييق على عدوّهم المحاصر في الكوت، فإنّ العلماء قد ارتابوا فيما يبدو من دوافع طلب خليل بك وأهدافه، ( وبعد المراجعات واستطلاع أفكاره الموفّقة، أبلغ بأنّ القصد من هذه الحركة المباركة ملاحظات ثلاثة:
الأُولى: أن يتعرّف إلى العلماء ويعرّفهم بأشخاصهم، كي يجتمع شرف السماع والعيان لديه.
الثانية: أن يستمد النصر من الله سبحانه للجنود الإسلامية ببركات روحانيّة العلم الشريف، وأنفاس أعلام الشريعة المقدّسة.
والثالثة: أن يتذاكر شفاهاً مع تلك الذوات فيما يعود إلى المسألة الإسلامية )(2) .
وبعد الاطمئنان إلى هذا الجواب أقلّت العلماء من بغداد - ومنهم السيد محمد اليزدي - إلى جبهة الكوت باخرة خاصة تُدعى ( برهانية ) في 11 ربيع الثاني 1334هـ / 16 شباط 1916م، حاملين معهم العلم الحيدري. وكان السيد محمد اليزدي عند سفره من الكاظمية مريضاً(3) ، فأبرق إلى والده في النجف حين وصول الباخرة بعد يومين من السفر إلى جبهة الكوت، يطمئنه ويخبره عن حسن استقبال القائد خليل بك للعلماء، ويصف له قوة الجيش العثماني وانتظامه مما يبعث الثقة بالنصر المؤزّر(4) .
وبعد إجراءات تظهر احترام العلماء والعلم الحيدري الذي تشرّف بقدومه الجيش
____________________
(1) بخصوص تاريخ تعيين خليل بك ( باشا فيما بعد ) ينظر كتاب: الإدارة العثمانية في ولاية بغداد، ص 424.
(2) مذكّرات الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، ص377.
(3) مذكّرات السيد گاطع العوادي، ص12.
(4) يراجع نص البرقية: مذكّرات الشبيبي، ص313.
العثماني فأطلقت مدفعيّته عدّة قذائف بهذه المناسبة على مواقع العدو، وبعد شرح قام به القائد خليل بك لسير المعارك من خلال الخرائط والرسومات، وتوضيح موقف القوات العثمانية، وزيارات ميدانية لبعض القطاعات ومواقع المعارك، والاطلاع على غنائم الجيش العثماني، وشهود بعض المعارك حيّة بين العثمانيين والبريطانيين(1) . وقد استغرق ذلك كلّه اثني عشر يوماً أذن بعدها خليل بك للعلماء بالانصراف، فانحدر بعضهم إلى الجنوب وعاد الآخرون، ومنهم السيد محمد اليزدي، في 23 ربيع الثاني 1334هـ / 28 شباط 1916 إلى الكاظمية، فوصلوها على ظاهر الباخرة ( حميدية ) في 25 ربيع الثاني 1334هـ / آذار 1916م(2) .
وفي الكاظمية تعرّض السيد محمد اليزدي إلى حمّى عالية، ووجعاً شديداً تحت أضلاعه اليمنى، وأُحضرت الأطباء، فقيل ذات الجنب، وقيل ذات الرئة، وقيل غير ذلك، ولم يزل يشتد مرضه إلى ليلة الثلاثاء 28 رجب 1337هـ، وقبل الفجر لبّى نداء ربّه وانتقل إلى رحمة الله(3) .
نفقات المجاهدين:
كان علماء الدين والمجاهدون يعتمدون على إمكاناتهم الخاصة في تغطية نفقات الجهاد، وفي ذلك شاهد كبير على مدى تفاعلهم مع حركة الجهاد، وإيمانهم العميق بضرورة التصدّى للاستعمار البريطاني. فمثلاً قدّمت القيادة العثمانية للسيد الحبوبي ألف ليرة، وقيل خمسة آلاف(4) لصرفها على شؤونه وشؤون المجاهدين، فرفض ذلك بإصرار قائلاً: ( إنّي مكلّف بالتضحية في مالي ونفسي، فإذا نفد المال بقيت نوبة النفس، اعتبروني جندياً من الجند آكل ممّا يأكلون وأشرب ممّا يشربون، وجهاد النفس أفضل، لا، لا أقبل درهماً واحداً وقائد الجيش أعرف بمواقع الصرف، ولا أسمح لكل أحد أن يفاتحني في هذا الشأن )(5) .
____________________
(1) للتفاصيل تراجع: مذكّرات الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، ص380 - 384.
(2) تنظر: مذكّرات الشبيبي، ص311، 313، 318.
(3) مذكّرات الإمام كاشف الغطاء، ملحق كتاب: النجف الأشرف وحركة الجهاد، ص384.
(4) شعراء الغري، 9/150.
(5) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية لسنة 1920 ونتائجها 1/39.
والمعروف أنّ السيد مهدي الحيدري أيضاً لم يأخذ من العثمانيين مساعدات ماليّة، وهو الذي كان يتزعّم المجاهدين في الخطوط الأمامية(1) ، ويصرف من ماله الخاص.
إنّ حضور المجاهدين العراقيين من أبناء العشائر، وغيرهم، في ساحات القتال تحت قيادة علماء الدين؛ يكشف عن الوعي العام في تشخيص الخطر الذي يتعرّض له العالم الإسلامي من القوى الاستعمارية، وهو في الموقف الذي سبقته مواقف مماثلة عام 1911م وعام 1912م، عندما احتلّت روسيا شمال إيران واحتلّت إيطاليا ليبيا. فلقد كان علماء الدين يتعاملون مع الحدث من بُعده الإسلامي دون سواه(2) .
إنّ موقف النجف الأشرف خلال الحرب العالمية الأُولى، يمثّل تجربة غنيّة في التاريخ الإسلامي المعاصر، ويكشف عن دور العامل العقائدي في تحديد الموقف العام الثابت إزاء الأحداث السياسية، وهذه صفة اتسم بها التأريخ الإسلامي على امتداد مراحله المختلفة(3) .
وللشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، تلميذ السيد اليزدي، وأحد المقربين إليه، وموفده إلى جبهة الحرب مع ولده السيد محمد اليزدي، مذكّرات سجّل فيها دقائق الرحلة ومجرياتها، أسماها: ( رحلة الجهاد ) أوردناها ملحقاً في آخر الكتاب.
جبهة الصليخ:
جاء في مذكّرات ناجي شوكت ص38، وصف لجبهة أُخرى في مقاومة الاحتلال البريطاني، ولكنّها في منطقة الصليخ ببغداد!
يقول المغفور له ناجي شوكت:
( كنت خلال هذه الفترة أتردد على دار العم مراد سليمان في أغلب الليالي. وكانت الدار المذكورة تضم من المداومين الدائمين السادة: جميل صدقي الزهاوي، وأحمد القيماقچي، وعزّت الفارسي، وعبد الرزاق الشيخ قاسم، والدكتور سامي سليمان. وكان الزهاوي يسمعنا من شعره كل طريف ولذيذ، كما كان يسمعنا عن آرائه في الكون والعلم كل غريب، أما القيماقچي فكان يبتكر لنا الحكايات المضحكة التي تدخل
____________________
(1) الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، ص44.
(2) انظر: دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار، ص103.
(3) انظر: ن. م 108.
السرور على قلوبنا. وعنّت لنا فكرة يومذاك، أن نقيم مأدبة عشاء، تعقبها سهرات في ليالي الجمع، وذلك في دار مراد بك الواقعة في الصليخ ( وقد هُدمت هذه الدار بعد اقتران السيد رشيد عالي الگيلاني من كبرى كريمات مراد بك، وحكمت بك، وكامل مهدي باشا، والدكتور سامي سليمان، وصاحب هذه المذكّرات. فكان على كل منّا أن يرتّب مستلزمات الحفلة ويهيّئ الطعام، والشراب والمطربين ( چالغي بغداد )، وله أن يدعو بعض الأصدقاء، كل ذلك على نفقته الخاصة، وكانت هذه النفقات لا تتجاوز الخمس ليرات ذهبية، ( يا للبلاش ) على الرغم من امتلائها بالقوزي المحشي، والسمك المسقوف، والأكلات النادرة، والنقل والشراب، وكان الزهاوي ينقلب في مثل هذه الليالي التي تمتد حتى الصباح، إلى شخصية أُخرى، لا تمت إلى العلم والشعر بصلة، وعند الفجر كنّا نشكّل دائرة ( حلقة ) حول الزهاوي - رحمه الله - ونردّد الأغنية المعروفة ( يا مسعد الصبحية ) حتى إذا أخذ التعب من كل منّا مأخذه، ذهب إلى سريره، ليأخذ قسطاً من النوم والراحة، ومن ثم نعود إلى بغداد. تلك هي الحياة التي كنّا نحياها، على الرغم من أنّ نار الحرب كانت مستعرة، وحالة الطوارئ معلنة في جميع الأرجاء، فكانت هذه السهرات الملاح تنسينا بعض تلك الويلات. وقد مرّت تلك الذكريات والأيام بسرعة خاطفة ).
حادثة حمزة بك في كربلاء 1333 - 1334هـ
وموقف السيّد اليزدي
عندما خضعت الحكومة العثمانية في أواخر أيامها، حتى أُطلق عليها اسم - الرجل المريض - وصارت تتبع سياسة التتريك لسائر القوميات التي تحكمها، فأبى العرب أن يخضعوا لها، وزاد هذا السبب على سبب آخر، هو دخول هذه الدولة المنهارة الحرب بجانب ألمانيا ضد الحلفاء عام 1914، ممّا أجبرها على إعلان النفير العام، وتجنيد كافة الشباب في الجيش استعداداً لخوض الحرب، ولكن أبناء كربلاء أخذوا يفرّون من الجيش ويختفون في البساتين عن أعين ( الجندرمة )(1) ، ويقوم هؤلاء بمهاجمة مخافر الجندرمة وإطلاق الرصاص عليها، وأصبحوا مصدر قلق يقضّ مضاجع الحكومة، وعقدوا اجتماعات عديدة انتهت بإعلان العصيان على الحكومة، وطردها من البلد بمساعدة أهالي النجف(2) . وكان لهم ما أرادوا، ففي ليلة النصف من شعبان 1333هـ، وبينما كانت كربلاء تغصّ بآلاف الزائرين الواردين إليها من الأطراف - كعادتهم سنوياً - هاجمت جماهير غفيرة من أبناء كربلاء والنجف(3) والعشائر والفارّين من الجيش دورَ الحكومة والمستشفى الحسيني، وثكنة الجند، وثكنة الخيّالة الجندرمة، وأحرقوا بلدية كربلاء، وهمّوا على السجن وأخرجوا المسجونين، وانتهبوا دوائر الحكومة(4) وبيوت الموظّفين، ففرّ المأمورون والموظّفون أجمع، فجاء المتصرّف ( حمزة بك ) وهو كردي الأصل، شديد الحزم، كثير الدهاء، تمّ تعيينه متصرّفاً لكربلاء في ذي القعدة
____________________
(1) بغية النبلاء في تأريخ كربلاء: للسيد عبد الحسين الكليدار 48.
(2) يذكر الشبيبي في مذكّراته ص333: (... وقد ذهبت من النجفيين إمدادات كثيرة إلى أهل كربلاء، جهّزهم محمد علي كمونة زعيم الكربلائيين، الذي حضر إلى النجف في منتصف جمادى الثانية سنة 1334هـ، بعد إيكاله تدبير الفتنة إلى أخيه فخري كمونة، وقد نشبت ثلاثة أيام متوالية ).
(3) حوادث وحركات كربلاء إبّان الحكم التركي: السيد محمد رضا أحمد آل طعمة - خ -.
(4) يذكر الشبيبي في مذكّراته ص 334: (... وفي يوم 12 رجب سنة 1334هـ، ويوم الجمعة 16 رجب سنة 1334هـ ورد المشاهدة ومعهم أحمالهم من المنهوبات التي نُهبت من أهالي كربلاء، لاسيّما من الفرس والسدنة؛ لأنّ السدنة من حزب العثمانيين ).
1333هـ / 1 تشرين الأول 1916م، مع قوّة، ودخل البلدة من جانبها الشرقي، وتحصّنوا في بعض الخانات والبيوت الحصينة، وصار الطرف الغربي بيد الأهالي، ولم تزل الحرب قائمة بين الطرفين عدّة أيام، وقُتل من الجانبين خلق كثير، وانتهت المعركة بعد قتل ذريع، وخراب أكثر البيوت والمنازل، وهزيمة العسكر، وانتهاب الأهالي أسلحتهم وذخائرهم، وثم طرد الحكومة واستيلاء الثوّار على البلدة(1) .
وفي سنة 1334هـ / 1915م، توسّط العلماء والأشراف بإرجاع الحكومة، وكان الحاج عبد المهدي الحافظ وسيطاً بين الأهلين والحكومة، فعادت الحكومة مشلولة الساعد.
وعلى أثر حادثة كربلاء، وانسحاب الجند والمستخدمين منها، ورد إلى العراق ناظر الحربية ( أنور باشا ) يوم 18 رجب سنة 1334هـ، فأبرق السيد محمد كاظم اليزدي إليه من النجف يسترعي نظره إلى الحادثة، ويتشفّع عنده لأهل كربلاء والنجف.
وفي يوم السبت 24 رجب 1334هـ، وردت برقية جوابية من أنور باشا نصّها: ( مرخجي قوناغ، إدارة تلغراف الحلّة ترسله إلى سيّد محمد كاظم الطباطبائي.
نجيبكم عن تلغرافكم المرسل إلينا بأنّ أهالي النجف وكربلاء خرجوا على الحكومة، وأنّه عاملين مخالفة لرضاء الله ورسوله، ونظراً لحرصنا على الحالة الإسلامية، وحقن الدماء واحترامنا للمجاهدين وعلماء الدين، ورأفة الحكومة بفقراء المحلّين، وشفقتنا عليهم صدر أمرنا لدولة والي الولاية، وقائد جيشها بتمام الرفق عند التعقيب وترتيب المجازاة ).
12 مايس
صهر السلطنة ووكيل الخليفة الأعظم
في قيادة الجيوش الإسلامية ناظر الحربية
أنور
وفي 25 رجب سنة 1334هـ، وردت كربلاء اللّجنة التي أنفذت من قبل الولاية لمفاوضة الكربلائيين، وأكثرها من علماء الشيعة وفيهم السيّد مهدي السيد حيدر،
____________________
(1) تراث كربلاء 390.
والشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد تقي الشيرازي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، وفيهم الشيخ عبد الحميد خازن مشهد الكاظمين، وحلمي بك معتمد القائد خليل باشا، وحاجب من حجّاب خليل باشا. وقد ائتمروا غير مرّة فأظهر أهل كربلاء الطاعة التامة، وأنّهم ينتظرون عودة حكومتهم غير مشترطين شرطاً، وأبدوا أنّ سبب الفتنة المتصرّف حمزة بك، والقائد عليّ أفندي، ونعمان أفندي الأعظمي، وقالوا: نخشى من أن يسمّم هؤلاء أفكار الحكومة، فأجابهم حلمي بك بأنّي قد اطلعت على أشياء كدّرت وجداني في المسألة، فلا يجدي ما يقول هؤلاء أبداً، وستبقى اللّجنة إلى ورود الجند والمستخدمين الجدد إلى كربلاء(1) .
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص335.
أحداث النجف بين عامي 1915 - 1918
وموقف السيد اليزدي
الثورة على الأتراك 1333هـ / 1915م:
عندما أفتى العلماء بوجوب الجهاد ضد الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالمية الأُولى؛ استجاب رؤساء النجف لدعوة الجهاد وتحمّسوا لأداء واجبهم الإسلامي، غير أنّ الانتكاسة العسكرية في معركة الشعيبة في 14 نيسان 1915م، وسوء معاملة الأتراك للمجاهدين، مثّل بداية تحوّل في موقف رؤساء النجف. لقد تصاعدت في تلك الفترة درجة التذمّر من الحكم العثماني، ولجأ الكثير من الفارّين من الخدمة العسكرية إلى مدينة النجف الأشرف.
يبدو أنّ هذا الوضع الجديد ساهم في تكوين اتجاه يدعو إلى الثورة على الأتراك، وظهرت في المدينة منشورات تنادي بأنّ محاربة الحكومة العثمانية أولى من محاربة المشركين. وعلى أثر ذلك، أرسل الوالي إلى النجف قوة عسكرية كبيرة، قوامها ألف من المشاة والفرسان بقيادة ( عزت بك )، للقبض على الفارّين من الجندية ( البلط )، وقُبيل منتصف ليلة السبت 8 رجب سنة 1333هـ / 1915م، نفذ إلى البلدة من السور، وقد انضم إليهم طائفة من أبناء النجف، وأعطى قائد القوة إنذاراً للأهالي أمده ثلاثة أيام، لكي يسلّم الفارّون أنفسهم. ولمّا انتهت المدّة أخذ رجال الشرطة يتعقّبون الفارّين، ويداهمون البيوت ليلاً ونهاراً، ويتحسّسون أجساد النساء مخافة أن يكون أحد الفارّين قد تنكّر بزي امرأة(1) .
كان من شأن هذه الإجراءات أن تستفزّ الرأي العام، وتولّد ردود فعل عنيفة، لاسيّما مسألة التعرّض للنساء في مجتمع محافظ كمجتمع النجف. وكان من الطبيعي أن تتحوّل ردة الفعل إلى اتجاه اجتماعي وسياسي عام في المدينة، وأن يتصدّى رؤساء النجف للإجراء الحكومي، باعتبار أنّ التجاوز على البيوت أمر يرتبط مباشرة بموقعهم
____________________
(1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 4/188.
الاجتماعي واعتباراتهم الشعبية، خصوصاً وأنّ الناس في مثل هذه الحالات يلجأون إلى زعاماتهم المحلّية.
في ليلة 8 رجب 1333هـ / 22 مايس 1915م، اندلعت في النجف ثورة ضد الإدارة التركية، ودارت معارك عنيفة بين الثوّار وبين القوات العثمانية دامت إلى عصر يوم الاثنين 10 رجب 1333هـ / 24 مايس 1915م، حيث اضطرّت الحامية إلى الاستسلام، وجُرّدت من السلاح بعد فقدانها جماعة منها فيهم بعض الضبّاط، وطلب القائد والقائم مقام ( بهيج بك ) والمستخدمون الأمان، وجرت مفاوضات توسّط بها خازن المشهد وبعض رؤساء النجف، تمخّضت عن انسحاب القوة وبعض موظفي الحكومة، وبقاء وجود رمزي لها. وتسلّم النجفيون منذ ذلك اليوم أزمّة الحكم في البلدة، واستمروا سنتين كاملتين، انتهت بتمكّن حكومة الاحتلال من محاولة بسط نفوذها على النجف واحتلالها سنة 1918.
لم يواجه رؤساء النجف مشكلة داخلية في مشروعهم الإداري، بمعنى أنّهم لم يتعرّضوا لردود فعل من أبناء المدينة أو من علماء الدين. ويبدو أنّ موقف السيد اليزدي كان يمكن أن يفهمه رؤساء النجف على أنّه في صالح الثورة، فخلال المعارك أُصيبت مآذن الصحن العلوي الشريف بقذائف الأتراك، ممّا جعل السيد اليزدي يشجب هذا الاعتداء ببرقية أرسلها إلى اسطنبول(1) .
كان موقف السيد اليزدي دقيقاً في حركة الأحداث آنذاك، فالأتراك يخوضون حرباً دفاعية ضد الاستعمار البريطاني، ورغم مؤازرة علماء الشيعة وأبناء العشائر والمدن الشيعية لهم، إلا أنّهم لم يثمّنوا هذه المواقف الكبيرة للشيعة، الذين تناسوا الخزين التاريخي، ووقفوا إلى جانب الأتراك بدافعٍ إسلامي واعٍ.
في مقابل ذلك، فإنّ توسيع نطاق الثورة، واعتمادها كخط سياسي في التعامل مع الحكومة العثمانية، سيشكّل بدون ريب إضعافاً لوجودهم العسكري، وفي ذلك تقوية لأعدائهم البريطانيين.
إذن، فالسيد اليزدي ومعه علماء الشيعة كانوا يقفون إزاء معادلة سياسيّة حسّاسة
____________________
(1) موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف 1/251.
وخطيرة، وقد تعاملوا مع الظرف بطريقة واعية دقيقة؛ وذلك باعتماد منهجين أساسيّين في صياغة الموقف:
الأول: الإبقاء على موقفهم السابق في مواجهة الاحتلال البريطاني، والتصدّي لجيوشه الاستعمارية، كخط شرعي ثابت.
والثاني: الحفاظ على المكسب الاستقلالي الذي حقّقه رؤساء النجف، وإنهاء حالة المواجهة والثورة المسلّحة ضد الأتراك، مع تنظيم صيغة رمزية للعلاقة مع الحكومة المركزية، تحفظ هيبتها وصورتها الرسمية أمام الرأي العام.
ورغم دقّة هذه المنهجية السياسية على المستوى التطبيقي، إلاّ أنّه أمكن تنفيذها بنجاح، بحيث إنّ العلاقة مع الدولة العثمانية لم تشهد تصعيداً جديداً، كما أنّ علاقة السيد اليزدي الوثيقة برؤساء النجف ساهمت في إدارة الشؤون العامّة للمدينة بشكل جيّد، فكانت توصياته تُنفّذ من قِبل الرؤساء، وكان ختم السيد اليزدي يُعتمد في الشؤون الإدارية كالأملاك والعقارات، وغير ذلك من المعاملات التي تتصل بحياة الناس وشؤونهم العامّة(1) .
اهتمّ رؤساء النجف الأشرف بإدارة المدينة، وأوّل عمل قاموا به، إصدار أوامرهم بالمحافظة على الأسعار، وهي مسألة ضرورية في تلك الأيام، كما أصدروا أوامرهم بإعادة تنوير المدينة بالفوانيس وتنظيف الشوارع، وعيّنوا موظفين لجباية الرسوم والضرائب بعد أن خفّضوها إلى النصف. وقد شهدت النجف في تلك الفترة من الإدارة الاستقلالية حركة تجارية نشطة، بحيث صارت مركزاً تجارياً هامّاً تستقطب تجّار بغداد وغيرهم(2) . فعاشت المدينة فترة ازدهار اقتصادي لم تشهدها تحت الإدارة العثمانية.
لم تكن تجربة النجف الاستقلالية تسير بطريقة منتظمة، فالوضع العام كان جديداً عليها؛ لذلك كانت تحدث مظاهر خلل نتيجة التحوّل الإداري في المدينة. كما أنّ سلطة الرؤساء الأربعة التي تقوم على الأعوان والأتباع، كانت تفرز مظاهر سلبية غير قانونية من قِبل الأشخاص الذين يستفيدون - عادة - من مثل هذه الأجواء، وهي ظاهرة
____________________
(1) دور علماء الشيعة، عن مقابلة مع السيد عبد العزيز الطباطبائي في 21 رمضان 1414هـ / 4 آذار 1994م.
(2) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 4/190.
مألوفة تشهدها المجتمعات في حالات كهذه. يُضاف إلى ذلك أنّ الفراغ الأمني الذي خلّفه الأتراك، لم يكن من السهولة أن تملأه الإدارة الجديدة، فكانت تقع اشتباكات مسلّحة بين النجف وبعض العشائر المحيطة بها.
النجفيّون وبنو حسن:
إنّ السلطة المستقلّة لرؤساء النجف، دفعتهم إلى توسيع دائرة سلطتهم الجغرافية، وهذا ما خلق لهم أزمات وصلت إلى درجة الاشتباك المسلّح. وقد تمثّلت هذه التجربة في رغبة الرؤساء في ضمّ الكوفة إلى دائرة حكمهم، وهو ما تعارض مع رغبة عشيرة بني حسن المجاورة للكوفة. فتأزّم الموقف بين الطرفين، ووصل إلى معركة دامية بدأت في أوائل جمادى الأُولى سنة 1334هـ، حتى صبيحة يوم 11 منه، حيث تمّ الصلح بين الطرفين.
بعد محاولات أجراها السيد اليزدي لإطفاء هذه الغائلة وإجراء صلح بين الطرفين، حيث ذهب إلى الكوفة عصر يوم الجمعة 5 جمادى الأُولى 1334هـ، ومعه السيد نور الياسري وجماعة من زعماء النجف.
ومكث حتى يوم الثلاثاء 9 جمادى الأُولى دون أن يعقد صلحاً بين الطرفين.
وأخيراً جرت مفاوضات بين زعماء الطرفين، انتهت بالصلح بين الطرفين، واستوثق كل فريق من الآخر(1) ، لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ عاد بنو حسن واحتلّوا الكوفة من النجفيين(2) .
إنّ مثل هذه الممارسات تقلّل من قيمة التجربة الاستقلالية، إذا نظرنا إليها من منظار أكبر من الاهتمامات المحلّية المحدودة. إنّها تستفرغ المحتوى السياسي للاستقلال بمفهومه الحقيقي، كما أنّها تخدش صورة أول تجربة استقلالية في تاريخ العراق المعاصر.
وقعت معظم هذه الحوادث في الأشهر الأُولى لحكم رؤساء النجف، ولا ريب أنّ ضخامة التحوّل السياسي كان له الأثر الكبير في معظم ما حدث.
* * *
____________________
(1) مذكّرات الشيخ محمد رضا الشبيبي، ملحق كتاب النجف الأشرف وحركة الجهاد ص322.
(2) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 4/212 - 213.
خلال تلك الفترة، كانت الجيوش العثمانية تعاني من تدهور خطير في معاركها مع القوات البريطانية التي كانت تتقدّم باتجاه بغداد. وقد بعث الإنكليز بجواسيسهم إلى النجف يرغّبون رؤساءها بالاتصال بالإنكليز(1) . لكنّ النزعة الاستقلالية كانت قوية عند بعض الرؤساء، لاسيّما عطية أبو گلل الذي بعث رسالة إلى الإنكليز يحذّرهم فيها من التدخّل بشؤون النجف، ويستفسر عن نوايا الإنكليز بشأن المنطقة، جاء ذلك في تقرير بريطاني مؤرَّخ في 19 آب 1915م / 8 شوّال 1333هـ: ( فيما يلي مقتبس من رسالة وصلتنا أمس من الشيخ عطية أبو گلل، ويسأل فيها عن نوايانا بشأن النجف ومنطقتها، كما يطلب تأكيداً بعدم تدخّل أحد بين الأهالي في منطقة أمير المؤمنين والمنطقة العربية. ويضيف أنّه إذا كانت نيّتنا هي التوجّه إلى ناحيتهم فوراً وبدون قيد أو شرط، فستحدث اضطرابات كبيرة، وتنشأ لهم صعوبات. ويطلب إخبارهم سرّاً عن نوايانا لكي يخبروا رجال القبائل الرئيسيين ويكونوا وسطاء. ويقول كذلك إنّا إذا لم نوافق فستتعقّد الأُمور، وسيضطر أهالي النجف وجميع العشائر للقتال دفاعاً عن دينهم.
حامل الرسالة يفيد أنّ السيد كاظم اليزدي يؤيّد الشيخ عطية في هذا الأمر )(2) .
الرسالة تعكس الاتجاه السياسي عند عطية أبو گلل وحذره من الإنكليز، فهو يحدّد لهم بشكل قاطع رفضه لأيّة محاولة بريطانية للتدخّل في شؤون النجف الأشرف وغيرها، ويحذّرهم من مغبّة ذلك، ويطلب التعرّف على نوايا الإنكليز بطريقة سريّة؛ من أجل أن يتدارس الموقف مع العشائر، وهو في ذلك يريد حصر المفاوضات به لتأكيد رفضه لتدخّل الإنكليز في شؤون المنطقة ورجالها. ورغم أنّ التقرير يبيّن أنّه يريد التفاوض مع الإنكليز في خصوص نواياهم المستقبلية، إلاّ أنّه يعود ويختتم رسالته بتهديد صريح للجانب البريطاني، بأنّهم في حالة عدم الإفصاح عن نواياهم، فإنّ عليهم أن يواجهوا أهالي النجف وجميع العشائر الذين سيقاتلونهم دفاعاً عن دينهم.
كانت مبادرة عطية أبو گلل تتّسم بالحسم والقوة، مع أنّ الموقف العسكري كان في صالح الإنكليز، وكان الاعتقاد السائد أنّ القوات البريطانية ستخرج الأتراك من
____________________
(1) ن. م ص192.
(2) العراق.. نشأة الدولة ص118.
العراق؛ لكنّه أراد أن يضمن استقلال النجف من موقع قوّة، قبل أن تتحقّق الهزيمة التركية، ويصل الإنكليز إلى النجف.
والمعروف عن عطية أبو گلل أنّه ظل يحتفظ بمشاعر العداء للإنكليز. ورغم محاولاتهم للتقرّب منه بعد احتلال بغداد، ومنحه صلاحيات واسعة لكسبه إلى جانبهم، إلاّ أنّه ظلّ على موقفه العدائي. وقد تسبّب لهم في خلق مضايقات كثيرة قبل أن يترك النجف ليلتحق بعشيرة عجمي السعدون حليف الأتراك.
أدرك الإنكليز حقيقة التوجّه العام في النجف الأشرف، والذي عبّرت عنه الرسالة السابقة؛ لذلك جاء ردّهم حذراً يحاول تهدئة الطرف الآخر، جاء في الجواب:
(... إنّ البريطانيين يكنّون أخلص المشاعر نحو رجال الدين، وأهالي الأماكن المقدّسة، وقد انتهزوا كلّ فرصة للتعبير عنها. وإنّنا سوف نواصل ذلك، ونحن على ثقة بأنّ السيد محمد كاظم اليزدي والشيخ عطية سيكنّان لنا نفس المشاعر، ونرجو أن يتأكّدا أنّه ليس في نيّتنا التدخّل بأيّ شكل من الأشكال في الشؤون الدينية للعتبات )(1) .
إنّ التأكيدات البريطانية، ومحاولات التهدئة التي جاءت في الجواب الرسمي، لم تؤثّر على موقف السيد اليزدي ورؤساء النجف، إذ أعلن السيد اليزدي وبقيّة علماء الدين دعوتهم الثانية للجهاد، دفاعاً عن الدولة العثمانية ضد الاحتلال البريطاني، وذلك في تشرين الثاني محّرم 1334هـ / 1915م.
خلال فترة الدعوة الثانية للجهاد، كانت الأزمة النفسية لا تزال موجودة بين الحكومية العثمانية ورؤساء النجف؛ لذلك لم يتحمّس الرؤساء في البداية لدعوة الجهاد، لكنّهم استجابوا نزولاً عند طلب علماء الدين، وتفاعلوا مع مراسيم إخراج العلم الحيدري من المرقد العلوي الشريف يوم 11 محرم 1334 هـ / 19 تشرين الثاني 1915 م، وأُقيم احتفال كبير في الصحن الشريف حضره علماء الشيعة وأعضاء الوفد العثماني، وجاء حملة السلاح من محلاّت النجف يهتفون بالنصر للدين والدولة(2) .
عندما وصل المجاهدون إلى الكاظمية، لم يظهر الارتياح على مقاتلي النجف،
____________________
(1) العراق.. نشأة الدولة، ص118 - 119.
(2) لمحات اجتماعية 4/236.
ولعلّ المسئولين الأتراك لم يحسنوا التعامل معهم، فعاد قسم منهم إلى مدينة النجف، وقد أعقب ذلك عودة التوتّر بين رؤساء النجف والموظفين الأتراك في المدينة. ففي 16 كانون الثاني 1916م، شاع خبر في النجف مفاده أنّ حكومة بغداد أرسلت قوة كبيرة للانتقام من النجف. وإثر ذلك وقع اشتباك بين حَمَلة السلاح ورجال الشرطة الأتراك. وفي شباط 1916م أخذ رؤساء النجف يشتدّون في فرض الضرائب على البضائع التجارية.
في 28 جمادى الأُولى 1334هـ / 5 آذار 1916م، استدعى السيد اليزدي رؤساء النجف إلى مدرسته للاجتماع بهم، وعرض عليهم برقية القائد العثماني العام في العراق، التي وصلته قبل يومين من الاجتماع، وفيها يشكر علماء الشيعة على مواقفهم. ثم طلب منهم السيد اليزدي أن ينهوا الأزمة، ويعودوا إلى طاعتها ووعدهم باستحصال العفو عنهم(1) .
استطاع السيد اليزدي أن ينهي الأزمة بين الطرفين، حيث تنازل زعماء النجف عن جباية الضرائب فيما بعد، وقد ظلّت سلطتهم الإدارية قائمة على المدينة إلى جانب الوجود الرمزي للحكومة.
إنّ هذه المواقف الكبيرة لعلماء الشيعة، والتي تنطلق من إخلاصهم، وفهمهم لمتطلّبات الظرف، وضرورة مساندة الدولة ضد الغزو الاستعماري، لم يقابلها الأتراك بما تستحق من تقدير حقيقي، إنّما ظلّت سياستهم المعادية للشيعة تسير على نمطها القديم. فقد أراد الأتراك الانتقام من مدينة الحلّة على ثورتها التي اندلعت عام 1915م، ضمن ثورات مناطق الفرات الأوسط في تلك الفترة. وقد فكّر الأتراك أنّ الانتقام من الحلّة سيكون درساً قاسياً لغيرها من المدن، فلا تفكّر في الخروج على طاعة الحكومة العثمانية كما حدث في النجف.
في تشرين الثاني 1916م، أرسلت الحكومة قوة عسكرية بقيادة ( عاكف بك ) فدخل الحلّة وأخذت قوّاته بحرق وهدم البيوت وقتل الأهالي، ثم نفّذ حكم الإعدام شنقاً بحق
____________________
(1) ن. م. 4/244.
مئة وستة وعشرين رجلاً(1) . وبلغ عدد القتلى ألف وخمسمئة، وتمّ نفي أعداد من الأهالي بينهم نساء وأطفال، مات قسم منهم خلال الطريق إلى الأناضول(2) .
كان لهذه الفاجعة صداها المؤثّر على المناطق الشيعية، حيث ظنّت أنّ الانتقام التركي سيصلها أيضاً. وكان من الطبيعي أن يكون هذا الهاجس قوياً في مدينة النجف الأشرف، بعد الذي حصل بينها وبين الحكومة، فعقد رؤساء العشائر القريبة من النجف اجتماعاً في المدينة، ألقى فيه رئيس آل فتلة الشيخ مبدر الفرعون خطاباً حماسياً، دعا فيه الحاضرين إلى عدم طاعة العثمانيين لظلمهم(3) .
وفي عام 1916 استطاع أحد الضبّاط الأتراك بمساعدة السيد هادي مگوطر، أن يقنع مبدر الفرعون بالسماح بمرور جيوش تركية إلى عجمي باشا السعدون في البادية، عند ذلك ذهب عبد نور آل فرعون - ابن أخ مبدر - إلى السيد كاظم اليزدي في النجف، وأقنعه على الذهاب إلى الجعّارة لعقد صلح بين آل فتلة والخزاعل، على أساس أن يمتنع الطرفان عن مساعدة أي جيش من الجيوش المتحاربة، وإذا هاجم الأتراك الخزاعل فمن الضروري أن يهبّ آل فتلة لمساعدتهم، وكان شيوخ الخزاعل على اتصال مستمر مع الإنكليز خلال الأشهر الثمانية عشر التي سبقت احتلال بغداد(4) .
وصلت أنباء هذه التطوّرات إلى المجاهدين من أبناء الشيعة في مناطق القتال ضد الإنكليز، وكان تأثيرها سيّئاً عليهم. هذا ما تبيّنه الوثيقة التالية المؤرَّخة في 15 صفر 1335هـ / 11 كانون الأول 1916م، والمرسلة إلى السيد اليزدي:
( السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
إلى حضرة مولانا وملاذنا حجّة الإسلام، وأبو الأيتام، ومرجع الخاص والعام، جناب السيد سيد كاظم دام بقاه...
بعد تقييل أياديكم الشريفة، نخبر جنابكم الشريف: خرجنا من النجف الأشرف بأمركم قاصدين نصرة الدين والإسلام، حتى إذا وصلنا لواء المنتفك شوّقنا.. وهيّجنا عشايرنا
____________________
(1) تاريخ الحلّة 1/169.
(2) لمحات اجتماعية 4/309.
(3) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية 1/45.
(4) العشائر والسياسة، تقرير سرّي لدائرة الاستخبارات البريطانية ص113.
وبذلنا نفسنا ونفيسنا مواظبين على هذا العمل، حتى وردتنا أخبار واقعة الحلّة، وحركة النجف شوّشتنا وكدرتنا، بل أوجبت الشكّ في الدوام على عملنا، وصرنا في ريب ووقفنا عن العمل بانتظار أمركم، وعشايرنا على الدوام تستفتينا فنقف عن الجواب تارةً ونجمل عليهم أُخرى، ونحن وقوف عن العمل، والتبس علينا الأمر بانتظار أمركم وفتواكم، والسلام عليكم وعلى الأخ مولانا الشيخ أحمد، وعموم السادة أبنائكم الكرام ورحمة الله وبركاته.
15 صفر 1335
من خادمكم عبد الحسين مطر )(1)
قرّر زعماء العشائر في اجتماعهم بالنجف الأشرف القيام بتحرّك عسكري ضد العثمانيين في الحلّة قبل أن يبادروا بإرسال قوّاتهم إلى النجف. وكان الوضع القتالي يزداد سوءاً على جبهات القتال، حيث استعد الإنكليز شنّ هجومهم الكاسح على القوات العثمانية في جبهة الكوت، وهو الهجوم الذي استمر في نجاحه حتى سقوط بغداد.
وجد علماء الدين الشيعة أنّ حركة النجف ضد الأتراك لا تخدم الموقف العسكري في التصدّي للزحف البريطاني، وأنّ الظرف يستدعي تجاوز إساءات الأتراك والتمتّع بالوعي السياسي المطلوب؛ لذلك مارسوا دورهم في حل الأزمة سلمياً مع السلطات العثمانية، وهذا ما توضّحه الوثيقة التاريخية التالية، وهي رسالة بعثها الميرزا محمد تقي الشيرازي في 16 كانون الأول 1916م إلى السيد كاظم اليزدي، ننقلها بنصّها:
( بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك يا أمير المؤمنين وعلى ضجيعيك وجاريك ورحمة الله وبركاته.
حضرة ملاذ الأنام وحجّة الإسلام السيد الأجل دام ظلّه،
أمّا بعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أدام الله ظلّكم على المسلمين وتوفيقهم لرشدهم في طاعتك، وهداهم في امتثال أوامركم ونواهيكم، ونفعهم ببركات موعظتكم وأجركم، وحباهم ببركة ذلك خير الدارين وسلامة الدين والدنيا. فغير خفيٍّ عليكم سوء أثر التشاويش في النجف من بعض الجهّال، وقبح نتيجتها ووخامة عاقبتها، ومنافاتها لمراعاة حرمة المشهد المعظّم، واقتضائها لسوء الجوار لأمير المؤمنين (عليه السلام) وأنتم أبصر
____________________
(1) دور علماء الشيعة ص134.
بذلك وأعرف له، وإنّي مطمئن بدوام اهتمامكم بهذا الأمر من كلّ وجه، ومواظبتكم على النصح والوعظ والزجر، ولكنّي أحببت مذاكرتكم بذلك؛ لأُشارككم في الأجر، والفوز في إصلاح أُمور المسلمين. وقد كاتبنا حضرة القائد العام ومعاون الولاية بطلب العفو والمراعاة، سائلين من الله صلاح أمر الإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 20 شهر صفر الخير 1335
الأحقر
محمد تقي الشيرازي
الختم )(1)
استطاع علماء الشيعة السيطرة على الأزمة، وهم في ذلك قدّموا الدليل الكبير على حرصهم وإخلاصهم لبلاد المسلمين ضد الغزو الاستعماري البريطاني. وأثبتوا تفهّمهم لظروف الدولة الحرجة أكثر من الأتراك أنفسهم، رغم سوء معاملة هؤلاء للشيعة واستخدام القوّة، وسياسة الانتقام بحقّهم.
لم تتخذ السلطات العثمانية الإجراءات المطلوبة في مواجهة الاستعدادات البريطانية، فأخذت قوّاتهم تتقدم نحو الشمال.
وفي 17 جمادى الأُولى 1335هـ / 11 آذار 1917م، سقطت بغداد بيد القوات البريطانية(2) .
وفي الأيام القلائل الأُولى من أيام الاحتلال، ازدحم مكتب رئيس الحكّام السياسيين في بغداد بالزوّار من جميع الطبقات، بدون أن يستثني منهم حتى أبناء الأُسر المسلمة البارزة. وفي إثر وجهاء بغداد جاء شيوخ القبائل الصغيرة المجاورة، لزيارته، متعجّبين من انهيار العهد القديم المفاجئ ومستبعدين دوام العهد الجديد. وكان من بين الأوائل الذين قدموا من الأماكن البعيدة ( محمد علي كمونة ) من كربلاء، والحاج ( عطية أبوگلل ) من النجف، وأعقبهما بعد ذلك بقليل شيوخ بلدة النجف الآخرون. فعُيّنت لهم المخصّصات، ورجعوا إلى أهلهم مخوّلين بالمحافظة على الأمن؛ حتى يكون بإمكان السلطة المحتلّة معالجة شؤون المدينتين المقدّستين بصورة مباشرة.
____________________
(1) دور علماء الشيعة ص135.
(2) تاريخ العراق بين احتلالين 8/302.
زيارة السر رونالد ستورز للنجف(1) ؟
وبينما كان الوضع الحكومي في النجف على مثل هذا، زار بغداد رجل من رجال الإنكليز الذين كان يتألّف منهم ( المكتب العربي ) في القاهرة، المشرف على شؤون الاستخبارات البريطانية الخاصة بالبلاد العربية جمعاء، وهو ( السر رونالد ستورز ) الذي تعيّن فيما بعد حاكماً في القدس بمعيّة ( هربرت صموئيل ) المندوب السامي الصهيوني في فلسطين، بعد احتلال الإنكليز لها، وأصبح بعد ذلك حاكماً عاماً في قبرص حينما نُفي إليها الملك حسين، على إثر إبعاده عن الحجاز، وفي روديسيا الشمالية كذلك. وكان الجنرال ستورز، وهو ملم بالعربية تمام الإلمام، قد زار النجف في 19 مايس 1917 قادماً من كربلاء، فاتصل ببعض وجوهها وعلمائها، ودوّن في كتابه(2) المعروف أشياء مهمّة عنها في هذا الدور.
فهو يبدأ بوصف الطريق ما بين كربلاء والنجف، ويقول: إنّه كان طريقاً سهلاً. وبعد أن تجاوز منتصفه مع صحبه بانت له من بعيد القبّة المذهّبة وهي تتوهّج بلمعانها في نور الشمس. وحينما وصل إليها بعد الظهر خرج الألوف لاستقباله على ما يزعم، لاسيّما وقد كانت الأسواق مغلقة بمناسبة حلول يوم المبعث(3) . وقد مرّ بعد ذلك في السوق المؤدّية إلى العتبة المقدّسة، ومن هناك توجّه إلى دار السيد عباس الكليدار. ويأتي على وصف البيت فيخص بالذكر منه السرداب الكبير الذي تنخفض الحرارة فيه بمقدار عشر درجات عن الخارج. وحينما صعد وقت الغروب إلى سطح الدار القريبة من الحضرة المطهّرة؛ شاهد منه القبّة والمآذن وبرج الساعة في الصحن عن قرب، وصوّر مناظر عدّة من هناك على ضوء الشمس الغاربة، ثم استراح حتى دقّت الساعة مشيرة إلى الثانية عشرة غروبية. وقد تذكّر حينذاك ساعة كيمبرج أو ( بيك بين ) المشهورة. وبعد أن ملّ من مقابلة أعضاء المجلس البلدي وكبار الشيوخ، على حد تعبيره، ذهب إلى الفراش في التاسعة والنصف.
____________________
(1) موسوعة العتبات المقدّسة - قسم النجف 1/254 - 258، لمحات اجتماعية 4/365 - 370.
(2) Sir Ronald Storrs - Orintations ، london ، 1945
(3) أغلب الظن أنّ يوم وروده كان يوم ذكرى وفاة النبي أو أحد الأئمّة، وإلاّ فلم تجر العادة في إغلاق الدكاكين في الأعياد.
وقد استدعى إليه في صباح اليوم الثاني ( 20 أيار ) تجّار الحرير والسجّاد، ثم حضر فتّاح الفال الذي نفحه بعشر روبيات برغم عدم براعته في مهنته. وتحدث مدّة من الزمن مع الشيخ هادي(1) أحد شيوخ الجعّارة، فأنبّه على ما كان يسمع عنه من تهريبه الطعام والأرزاق، بواسطة عشائره إلى ابن رشيد حليف الأتراك في نجد، وهو يقول إنّه فاتح شيوخ العشائر الآخرين بالموضوع نفسه وهدّدهم. وقد توجّه إلى الكوفة على إثر هذا، فقصد مع جماعته دار علوان الحاج سعدون شيخ بني حسن، الذي يسيطر على الطريق الممتد من النجف إلى المسيّب على حد تعبيره. وقد حرضه خلال حديثه معه هناك على مهاجمة ابن رشيد ونهب العشرة آلاف جمل التي يملكها، فتعهّد هو ومَن كان من الشيوخ الآخرين على تنفيذ ذلك..
وبعد تناول الغداء مرّوا بجامع الكوفة وشاهدوا ما فيه من آثار ومواقع مهمّة، وفي معيّتهم السيد عباس الكليدار، ثم عادوا إلى النجف ليرتاحوا في السرداب البارد. وفي الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم توجّه السر ( رونالد ستورز ) مع رفيقه المستر ( غاربوت )، لزيارة العلاّمة الأكبر السيد كاظم اليزدي، الذي يمتد نفوذه من العراق إلى أصفهان. ويذكر ستورز في هذا الشأن أنّ الإنكليز لم يكونوا مطمئنّين من موقف السيد تجاههم، وأنّه كان قد رفض مبلغ المئتي باون الذي قُدّم إليه على سبيل الهدية من قبل. وكان المستر غاريوت الذي رافقه في السفرة من بغداد، قد طلب إليه في هذه المرة أيضاً أن يتحايل على السيد اليزدي فيقدم له رزمة بألف باون هدية من الحكومة. فاستثقل هذه المهمّة الصعبة، وكلّف السر ( رونالد ستورز ) نفسه بأن يتولّى المهمّة عنه، فقبل بتحفّظ. ودسّ الرزمة في جيبه ثم توجّها إلى دار السيد، وهناك انتظر برهة من الزمن في خارج حجرته ريثما يُخبر بحضورهما. فخرج لهما، وإذا به رجلاً متقدّماً في السن يلبس ( زبوناً ) أبيض ويعتمر بعمّة سوداء، وقد تخضّبت لحيته وأظافره بحنّة حمراء لمّاعة. فحيّاهما من بعيد وأجلسهما على الحصيرة بجنبه خارج الحجرة. ويقول ( ستورز ) بعد أن تبحّر في وجه السيد أنّه أدرك في الحال السر في شهرته ونفوذه. فهناك قوّة في سيمائه الواضحة وعينيه الرماديتين المتعبتين، وسلطان في وجوده وحديثه الخافت، ممّا لم يجد
____________________
(1) المقصود به السيد هادي زوين.
له مثيلاً في أي مكان آخر من بلاد المسلمين.
ويذكر كذلك أنّه بعد أن أثنى عليه وعلى مواقفه المشرّفة، أخذ يسأله عمّا إذا كان هناك أي شيء يريد أن يفعله الإنكليز له، فبادره بقوله: ( حافظوا على العتبات الشريفة، حافظوا على العتبات الشريفة ). فاعتبر ( ستورز ) أنّه يقصد بذلك المحافظة على العتبات ومَن فيها من جماعة العلماء والمجتهدين بوجهٍ عام. ثم عاجله السيد بجملة أُخرى طلب إليه فيها أن لا يعيّنوا في المدن الشيعية إلاّ الموظفين من أبناء الشيعة، وأن يطلقوا سراح بعض الشيعة الذين كانوا معتقلين ومنهم الدكتور مظفّر بك، وأن يعيّنوا الميرزا محمد ( وهو المحامي محمد أحمد الموجود حالياً في البصرة ) قائمقاماً في النجف(1) . وفي هذه المرحلة بدا السيد اليزدي للسر ( رونالد ) وكأنّه قد نزل من عليائه بعض الشيء؛ لأنّه أنعم عليه كما يقول بجملة ثناء أعقبها بكلمة فارسية خاطب بها عالماً آخر كان موجوداً في مجلسه، وقد علم بعد ذلك أنّه قال له: إنّ الأتراك لو كانوا يسلكون مثل هذا السلوك لما أضاعوا تعلّق العرب بهم مطلقاً. فما كان من السر رونالد إلاّ أن يعده بنقل توجيهاته ومشورته هذه إلى السر بيرسي كوكس في بغداد. وبعد تردّد وإحجام، طلب إلى السيد أن يختلي به وحده لمدّة ثلاث دقائق فقط، ثم ذكّره بوجود عدد لا يُحصى من الفقراء الذين كانوا ينظرون إليه في إعاشتهم على الدوام، واسترحم منه بأن يمدّ يد المساعدة للإنكليز في هذا الشأن. وحينما مدّ ( ستورز ) يده لتقديم رزمة الباونات إلى السيد في هذه الأثناء دفع السيد الرزمة برفق مقرون بالعزم الأكيد، وهو يعتذر عن قبولها. فلم يجد ( ستورز ) من اللياقة الإلحاح على تقديمها، وعمد إلى فتح موضوع الشريف معه. وهو يقول إنّ السيد كان من المعجبين ( بالشريف ) والمؤيّدين له. وبعد ساعة انقضت على هذا المنوال عزم السر ( رونالد ) على توديع السيد والعودة إلى المنزل، غير أنّه قبل أن يفعل ذلك حاول تقديم الألف باون مرةً ثانية إليه، لكنّه رفضها من جديد بكل مجاملة وأدب. وهو يعتقد أنّ الشيء المهم الذي كان يعبأ به السيد هو الأنفة والإباء لا المال، وأنّه لابد أن يخضع في الأخير بطريقة مناسبة حينما يكون الدافع لذلك شيئاً لا مطعن فيه. وهذا
____________________
(1) كان الميرزا محمد قد اشتغل مع الإنكليز قبل الحرب في منطقة الخليج، وجاء مع الحملة إلى العراق فعُيّن معاوناً للحاكم السياسي في كربلاء.
موقف بعيد تمام البعد عمّا يحدث في مصر والحجاز في ظروف مماثلة على حد تعبيره.
وحينما عاد ستورز بعد ذلك إلى منزل مضيّفه السيد عباس الكليدار طلب إليه أن يشاركه في تناول العشاء، ويضحّي بآداب المجاملة التي تدعوه إلى الوقوف في خدمة الضيف في أثناء تناول الطعام، وهو يذكر بإعجاب أن السيد عباس وقف بعد ذلك للعناية بتقديم العشاء للسواق أيضاً على المائدة نفسها. ثم آوى إلى فراشه بعد مدة وقضى ليلة خالية من النسيم تماماً فوق السطح، وقد تسنى له خلالها أن يعجب بالهدوء التام والصمت الغريب الذي كان يلف النجف ما بين الساعة الثانية والرابعة بعد منتصف الليل وقبيل الفجر كذلك.
وقد غادر السر ( رونالد ) النجف صباح اليوم الثاني ( 21 أيار 1917 ) بعد أن وزّع حوالي مئة وخمسين روبية على الخدم فيها. فمرّ عند خروجه منها إلى طريق كربلاء بالمقابر التي يدفع فيها الناس ستين باوناً لقاء السماح لهم بدفن موتاهم، وهو يقول إنّه سُرّ تمام السرور؛ لأنّه ابتعد عن ضيق البيوت التي كانت تحتشد بالخمسين ألف نسمة من سكّانها، المحصورين بين جدرانها الضيّقة من دون أن تتهيّأ الفرصة لأن يقع نظرهم على أي نبات أخضر، أو تشم أُنوفهم الهواء النقي.
لقد كان قدوم السر رونالد ستورز إلى النجف، في وقت لم يكن قد تشكّل فيها أي نوع من أنواع الحكومة الجديدة بعد احتلال بغداد، سوى التخويل الذي خوّلت به سلطات الاحتلال شيوخ البلد، من أمثال الحاج عطية أبي كلل وجماعته بالمحافظة على الأمن والسكينة.
مارس رؤساء النجف سلطاتهم الإدارية على المدينة حتى أواخر تموز 1917م، حين عيّنت سلطات الاحتلال البريطاني الكابتن ( بلفور ) حاكماً سياسياً لمنطقة الشامية والنجف. وقد كان الإنكليز حذرين في هذا الإجراء، إذ لم يجعلوا مقر الحاكم السياسي في النجف؛ لئلاّ يستفزوا المشاعر الإسلامية؛ وليمنعوا ردود الفعل المحتملة. إنّما عيّنوا حميد خان وهو رجل شيعي بمنصب وكيل الحاكم، وقد رفض حميد خان المنصب؛ لكنّه استجاب لطلب السيد اليزدي وكذلك بعض أصدقائه كالشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ جواد الجواهري، والميرزا مهدي ابن الآخوند الخراساني، حيث كانوا يرون في قبوله الوظيفة خدمة للأهالي.
وبالفعل كان لحميد خان دوره في قضاء حوائج الناس، والدفاع عن العديد من الشخصيات التي كانت تعمل ضد الإنكليز، بل إنّه حذّر الشخصيات المعارضة في الحالات التي يحيط بها الإنكليز علماً بتحرّكاتها، وتعرّض نتيجة ذلك إلى إحراجات كثيرة بحكم وظيفته في الجهاز البريطاني(1) .
إنّ هذا التحوّل الذي شهدته النجف لم يثر في بدايته زعماء المحلاّت، فلم يحدث ما يشير إلى استيائهم من الوضع الجديد. إلاّ أنّ حادثة وقعت أواخر تشرين الأول 1917م، أثّرت على سير الأحداث، وجعلت الإنكليز يتعاملون مع الوضع الإداري للنجف بطريقة أكثر حسماً. حدث ذلك عندما قدم إلى النجف أحد شيوخ قبيلة عنزة - حليفة الإنكليز في بادية الشام - يحمل كتاباً من الكولونيل ( ليچمان ) إلى حميد خان يوصيه أن يزوّد القبيلة بكميّة كبيرة من الحبوب، لكن الخبر ما كاد يشيع في البلدة حتى ارتفعت الأسعار ارتفاعاً كبيراً.
وفي اليوم التالي أرسل ( فهد الهذال ) رئيس مشايخ عنزة (1200) بعير؛ ليبتاع أصحابها الحبوب من أسواق النجف برخص موقّعة منه، فأحدث ذلك اضطراباً في المدينة(2) ، وخرجت تظاهرة شاركت فيها النساء. ثم هجم أتباع عطية أبو گلل على القافلة فأطلقوا عليها الرصاص، وقتلوا عدداً من جمالها واستولوا على بعض البنادق والأمتعة.
حين علم ( بلفور ) بالخبر أسرع إلى النجف، فاجتمع برؤسائها واتفق معهم على إرجاع المنهوبات ودفع تعويض عن الخسائر، وحدّد لهم مدّة خمسة عشر يوماً للتنفيذ، لكنّ المدة انتهت دون أن ينفّذ الرؤساء شيئاً. وفي ذلك دلالة على اعتراضهم على الإجراء البريطاني، فلقد بدا واضحاً للرؤساء أنّ الإنكليز يفضّلون قبيلة عنزة على مدينتهم(3) ، وبصورة تعرّضها إلى أزمة اقتصادية شديدة؛ لذلك أظهروا سخطهم عن طريق الامتناع عن دفع التعويضات.
في 3 صفر 1336هـ / 19 تشرين الثاني 1917م، جاء بلفور إلى النجف بصحبة
____________________
(1) هكذا عرفتهم 1/47 - 48.
(2) موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف 1/259.
(3) دور الشيعة في تطوّر العراق السياسي الحديث ص54.
حاكم الحلّة الميجر ( بولي )، فذهب إلى السراي واستدعى رؤساء البلدة، فحضر اثنان منهم، هما عطية أبو گلل وكاظم صُبّي. وقد اصطحب عطية جماعة من رجاله المسلحين.
كان اللقاء متوتّراً بين الطرفين، فقد طلب بلفور أن يدفع الرؤساء الأربعة مبلغاً قدره أربعة آلاف ليرة، تعويضاً عن أضرار القافلة. ثم تطوّر النقاش بشدة إلى اشتباك بالأيدي، فقد صفع بلفور كاظم صبّي على وجهه، فرد عليه كاظم بصفعة أطارت قبعته، واستدعى عطية رجاله فدخلوا السراي ونهبوا محتوياته وأشعلوا فيه النيران(1) .
إنّ هذا الموقف يمثّل تحدّياً جريئاً لسلطة الاحتلال البريطاني في فترة قوّتها وانتصارها، خصوصاً وأنّ التحدّي سرعان ما اتسعت دائرته. ففي نفس اليوم امتدّت الانتفاضات إلى الكوفة وأبي صخير، حيث هاجم الناس مكاتب السلطات البريطانية، واضطر بلفور نتيجة ذلك أن يلجأ إلى السيد كاظم اليزدي(2) .
في هذه الأزمة لعب السيد اليزدي دوراً أساسياً في إنهائها ومنع تطوّراتها، والتي لو تطوّرت لعرّضت النجف والمناطق الثائرة إلى انتقام الإنكليز، في وقت لم تكن فيه هذه المناطق مستعدّة لمواجهة الإنكليز.
طلب السيد اليزدي من بلفور أن يغادر النجف، ويترك عطية أبوگلل وكاظم صبّي وشأنهما، وقد استجاب بلفور لهذا الطلب(3) ، وبذلك أنهى السيد اليزدي أزمة حادّة كادت تتطوّر إلى مواجهة مسلّحة غير متكافئة بين الإنكليز وزعماء النجف. بل إنّ السلطات البريطانية تراجعت عن موقفها. ففي 25 تشرين الثاني 1917م، أي بعد أقل من أُسبوع على انتهاء الأزمة، اتخذت الإدارة البريطانية قراراً بتزويد النجف بالحبوب ومنع نقلها من الفرات الأوسط إلى بغداد(4) .
إنّ حادثة القافلة وما أعقبها من هجوم على مكاتب الإنكليز؛ جعل الحاكم العام في العراق السير ( برسي كوكس ) يقوم بجولة في مناطق الفرات الأوسط أوائل كانون الأول
____________________
(1) لمحات اجتماعية 5/209 - 210.
(2) فصول من تاريخ العراق القريب ص119.
(3) دور الشيعة في تطوّر العراق السياسي الحديث، ص66.
(4) لمحات اجتماعية 5/211.
1917م، وقد كتب عن جولته:
( ومع أنّ كربلاء لم تسبّب لنا مشكلة خطيرة، فإنّ النجف التي كانت فريسة في أيدي شيوخ البلد المحلّيين، قد بقيت شوكة في جانبنا مدة من الزمن... ولذلك قمت بجولة في المنطقة خلال كانون الأول 1917م؛ لأكون في وضع يؤهّلني لتقديم المشورة إلى القائد العام للقوات المحتلّة، بالنسبة لمختلف النقاط الإدارية التي تجعل من مرابطة مفرزات خاصّة من الجيش فيها ناجحاً. وكان من غير المرغوب فيه بطبيعة الحال، وممّا لا يأتلف مع بياناتنا السابقة، أن نبادر إلى وضع قطعات من الجيش في الأماكن المقدّسة نفسها، وهذا الوضع بالذات، هو الذي جعل من الصعب علينا أن نسيطر سيطرة تامة على النجف )(1) .
من الواضح أنّ الإنكليز كانوا يواجهون أزمة حقيقة في طريقة التعامل مع النجف، ناشئة من خوفهم عن ردود الفعل التي قد يقدم عليها علماء الدين، فيما لو وضع الإنكليز قوّاتهم العسكرية في النجف وبقيّة الأماكن المقدّسة. إنّهم كانوا يرون ضرورة هذا الإجراء من الناحيتين الإدارية والعسكرية، لكنّ البعد السياسي للإجراء ينطوي على محتملات خطيرة لا يريد الإنكليز التورّط فيها.
أدرك ( كوكس ) أنّه أمام واقع حسّاس؛ لذلك قام خلال جولته بزيارة السيد كاظم اليزدي في الكوفة، وشيخ الشريعة الأصفهاني في النجف الأشرف(2) ، وهو في ذلك يحاول امتصاص أيّة ردّة فعل قد تنشأ من قِبل علماء الدين، فيما لو اتخذت السلطات البريطانية بعض الإجراءات الإدارية والعسكرية. ورغم أنّ جولة كوكس أسفرت عن اتخاذ سلطات الاحتلال إجراءات تقضي بتعزيز وجودها العسكري في تلك المناطق، إلاّ أنّ الحذر من ردة فعل علماء الشيعة، اضطرّها إلى تنفيذ مشروعها بطريقة هادئة على غير ما تريده وتطمح إليه. وقد شرحت المس بيل تنفيذ المشروع بالقول: ( وبإشارة منه - كوكس - وضعت مفرزات صغيرة في مختلف النقاط الكائنة على النهر وليس في النجف نفسها، حيث إنّ هذه البلدة بنفوسها البالغة (40000) نسمة كانت أحوالها
____________________
(1) موسوعة العتبات المقدّسة، قسم النجف 1/260.
(2) لمحات اجتماعية 5/2/211.
تستدعي وضع عدد كبير من الجنود فيها. وقد تكهّن مَن يعنيهم الأمر بأنّ وجود قوّة مختلطة في الكوفة التي تبعد مسافة سبعة أميال عنها، سيكون له التأثير التهديئي المطلوب بصورة غير مباشرة )(1) .
ثم تنفيذ هذه الإجراءات العسكرية أوائل عام 1918م ( ربيع الأول 1336هـ ) حيث وُضعت الحاميات العسكرية في أنحاء الفرات الأوسط، وكانت حامية الكوفة تجري تمارينها اليومية في الصحراء الواقعة بين النجف والكوفة.
في صباح 12 كانون الثاني 1918م، اقتربت مفرزة من الخيّالة الهنود من محلّة العمارة، ولمّا علم عطية أبو كلل، تصدّى رجاله لهم وأطلقوا عليهم النار، فقتلوا أحدهم وجرحوا آخر. وقد عادت المفرزة إلى معسكرها في الكوفة دون أن تردّ على النار بالمثل، وبعد ساعات قليلة ظهرت طائرة بريطانية في سماء النجف فأطلق عليها بعض المسلحين نار بنادقهم. وفي الوقت نفسه هجم مسلّحون على مكاتب الحكومة، فهرب حميد خان مع موظّفية إلى الكوفة.
على إثر هذه الحادثة ذهب إلى الكوفة اثنان من رؤساء النجف هما: مهدي السيد سلمان، وسعد الحاج راضي، فقابلا بلفور وأبديا استعدادهما لدفع التعويض عن الخسائر. وفي اليوم التالي ذهب كاظم صبّي لمقابلة بلفور الذي حدّد غرامةً قدرها خمسين ألف روبية، مع تسليم عطية أبو گلل وكريم بن سعد الحاج راضي، المؤيِّد لعطية(2) .
قام رؤساء النجف بدفع الغرامة، وأدرك عطية أبو گلل أنّه لا يستطيع البقاء في النجف، فالتحق بالشيخ عجمي السعدون الموالي للأتراك(3) .
كانت مبادرة زعماء النجف هذه المرة قد منعت انفجار أزمة بين الإنكليز والمدينة، غير أنّ هذه الحادثة جعلت الإنكليز يفكّرون بطريقة أُخرى من أجل السيطرة على النجف. وقد قرّروا في ضوء ذلك فرض إدارتهم العسكرية المباشرة على المدينة، وهو الإجراء الذي أحجموا عن تنفيذه خوفاً من ردود الفعل الشيعية، لكن خوفهم من تزايد
____________________
(1) فصول من تاريخ العراق القريب، ص121.
(2) لمحات اجتماعية 5/2/212.
(3) فصل من تاريخ العراق القريب، ص122.
التحدّي دفعهم إلى خطوة مضادّة.
فبعد هذه الحادثة قدّم حميد خان استقالته من منصبه، وقرّرت القيادة البريطانية تعيين حاكم بريطاني للنجف، وتنظيم جهاز شرطة جديد بأفراد من الشيعة معظمهم من أكراد كرمنشاه(1) ، وذلك من أجل عدم استفزاز الرأي العام في المدينة التي بدأت تخضع للإدارة البريطانية المباشرة.
إلى هنا ينتهي أحد المقاطع التأريخية في علاقة مدينة النجف الأشرف مع الإنكليز، والذي كان زعماء النجف المحليّون يمثّلون مصدر الفعل التاريخي في حركة الأحداث، وتمثّل القيادة الدينية المتمثّلة بالسيد اليزدي مصدر الردع للإجراءات البريطانية المضادّة.
إنّ تجربة الإدارة المستقلّة لزعماء النجف، جعلت من الصعب عليهم أن يتقبّلوا الحكم البريطاني، ومن جانب آخر كان التحوّل الإداري في المدينة له أهميّته السياسية في مسار الحوادث؛ حيث وجد الزعماء المحليّون أنفسهم أمام تجربة مباشرة في الحكم المحلّي المستقل، وهي تجربة جديدة لم تتوفّر من قبل، كما أنّها لم تحدث في منطقة أُخرى من العراق.
ونستطيع أن نتصوّر حجم ذاك التحوّل، الذي صنعه الرؤساء، من خلال مقارنة حالة الاستقلال بالفرات السابقة، التي كانت تعيشها المدينة في ظل التمييز الطائفي، الذي اعتمده الأتراك على امتداد فترة حكمهم، حيث مثّل الاستقلال إنجازاً سياسياً له أهميّته في منطقة حسّاسة من العراق. وتتضّح أهميّته أكثر إذا عرفنا أنّ الخطوة الاستقلالية كانت نابعة من محيطها الخاص، دون أن تحظى بدعم من جهة أجنبية، إنّما كانت حركة مستقلّة معتمدة على إمكاناتها الذاتية وقراراتها الخاصّة.
إنّ هذا الاتجاه في فهم الاستقلال، نراه يختلف في أُسسه عن اتجاه آخر كان يحاول أن يقوّي نفسه من خلال الاعتماد على الإنكليز، وهو الاتجاه القومي الذي مثّله القوميّون العرب عن طريق التحالف مع الجانب البريطاني لتقويض الدولة العثمانية.
هذه الإشارة السريعة تكفي لبيان صورتين متعاكستين في اتجاهات السياسة
____________________
(1) لمحات اجتماعية 5/2/213.
العراقية، والتي بقيت كلّ منهما تحاول أن تعمّق وجودها في الحياة السياسية. ولا نشكّ أنّ هذه التجربة في تحديد المواقف، قد جعلت الإنكليز يزدادون قناعة بضرورة إقصاء الشيعة عن مواقع الحكم، عندما رسموا مستقبل العراق عام 1920م. بل إنّ هذه القناعة كانت تتركّز في العقل البريطاني نتيجة المواقف الثابتة لأبناء الشيعة(1) .
____________________
(1) دور علماء الشيعة 136 - 143.
مقتل الكابتن مارشال 1336هـ /1918م
وموقف السيّد اليزدي
تمهيد(1) :
بعد احتلال القوات البريطانية لبغداد، بدأت تتسرّب إلى أسماع العراقيين أخبار مختلفة عن نوايا الإنكليز في كيفيّة حكم العراق، ومستقبل الإدارة فيه، وكلّما تسرّب إليهم خبر من هذه الأخبار؛ راحوا يتهامسون حول نوايا بريطانيا السيّئة تجاه العراق والعراقيين. كما أنّهم كانوا يستشفّون من بعض محاولات هذا الاستعمار الجديد مقدار اهتمام بريطانيا بتفرقة العراقيين، وإثارة العداوات بينهم، ومن ذلك كله كانوا يكتشفون الذهنية الإنكليزية في نظرتها إلى العراق.
وكان أهم ما تسرّب إلى العراقيين في هذه الفترة من الأخبار، بعض مضامين البرقية التي كانت قد أرسلتها وزارة الهند في بريطانيا إلى كل من سكرتير الشؤون الخارجية في سملا، وإلى بغداد، في 29 آذار 1917، والتي تضمّنت ما يلي:
1 - إنّ الأراضي المحتلّة يجب أن تديرها حكومة صاحب الجلالة، وليس حكومة الهند.
2 - أن تبقى البصرة والناصرية وشط الحي والكوت وبدرة بحدودها الشمالية والغربية خاضعة للإدارة البريطانية بصورة دائمية.
3 - أن تكون بغداد دولة عربية يرأسها حاكم محلّي، أو تديرها حكومة خاضعة للحماية البريطانية في كل شيء، عدا الاسم. وعلى هذا سوف لا تكون
____________________
(1) اعتمدنا في كتابة هذه البحث على المصادر التالية:
( أ ) - ثورة النجف للأُستاذ حسن مرزة الأسدي.
( ب ) - ثورة النجف للسيد عبد الرازق الحسني.
( جـ ) - النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال: لكامل سلمان الجبوري.
( د ) - وثائق الثورة العراقية الكبرى: لكامل سلمان الجبوري - مخطوط.
( هـ ) - مذكّرات الشيخ محمد رضا الشبيبي، ملحق كتاب النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال.
لها علاقات مع الدول الأجنبية. وستعهد المهام القنصلية التابعة لها إلى قناصل صاحب الجلالة.
4 - أن تُدار بغداد هذه كولاية غربية من وراء ( واجهات ) عربية، على قدر الأمكان، على أن تبقى فيها المؤسّسات والقوانين الموجودة، أي:
أ - أن لا يستعمل القانون الذي وضع لإدارة المناطق المحتلّة، وأن يبقى النظام العدلي السابق فيما يختص بالقوانين والأشخاص نافذاً، إلاّ في تبديل اسم ( التركي ) باسم ( العربي ) فقط.
ب - وينطبق هذا على الجهاز الإداري والتنفيذي أيضاً. فيحافظ على نظام الحكم العشائري، ومجالس الألوية والبلدية وغير ذلك.
جـ - لا تمس طريقة جباية ضرائب الأراضي الحالية بشيء.
د - لا يُشجّع استخدام الهنود في جميع فروع الإدارة؛ لعدم اتفاقه مع المبادئ المشار إليها أعلاه. فلا يسمح باستخدام الآسيويين إلاّ إذا كانوا من أصل عربي أو إيراني أو متوطّن. ويطبّق الشيء نفسه في ولاية البصرة على قدر الإمكان.
5 - وفي حالة عدم إلحاق البصرة بالهند، يجب أن يكون المندوب السامي المقيم في بغداد، على رأس إدارة جميع ما بين النهرين، وأن يحكم البصرة حاكم تابع إليه. وفي حالة إلحاق البصرة بالهند، يكون عنوان رئيس الحكومة ( حاكم البصرة والمندوب السامي لبلاد ما بين النهرين ) على أن يكون له مقر اسمي في البصرة، بالرغم من إقامته في بغداد. وينوب عنه عند غيابه ( وكيل حاكم ) في البصرة، و( وكيل مندوب سامي ) في بغداد.
6 - أن توحّد الخدمة المدنية البريطانية مع قرينتها في السودان، وإن أمكن مع تلك الموجودة في سواحل البحر الأبيض المتوسّط؛ وأن تتبع في خدمة الجيش الأساليب نفسها، بحيث يمكن تبادل الأشخاص. وإذا احتاج الأمر لخدمة الضبّاط البريطانيين الذين يخدمون في الهند في بادئ الأمر، فتعار خدماتهم مؤقتاً بموجب قوانين الخدمة الخارجية. أمّا مَن يخدم منهم الآن في هذه الأماكن فيسمح له بالتطوّع للانتقال نهائياً.
النجف - صورة جوّية من جهة الشرق عام 1917
7 - أن تكون من العتبات الشيعية المقدّسة وحدة منفصلة تكون تحت الإدارة البريطانية، على أن يُعنى بعدم ضم أي منطقة زراعية مهمّة إليها.
8 - أن تدار الكويت وجميع سواحل الخليج العربية، من البصرة.
9 - أن تودع أُمور عدن وحضرموت إلى وزارة الخارجية.
10 - أن تكون إيران الجنوبية، بما فيها عربستان وفارس، منطقة نفوذ لحكومة الهند.
11 - إنّه من المهم جدّاً أنّ الترتيبات الإدارية التي ستُتخذ في ولاية بغداد، يجب أن تتفق تماماً مع المبادئ المدرجة أعلاه منذ البداية )(1) .
عندما تسرّبت أنباء هذه البرقية وغيرها إلى أسماع العراقيين، طار لبّهم وتيقّظوا من غفلتهم؛ فتعدّدت الاجتماعات في جميع المدن العراقية النابهة، لمدارسة مستقبل البلاد العراقية وما تنتظره على يد هؤلاء المستعمرين الجشعين، وكانت النجف مرجع جميع هذه التجمّعات، وبعد أن تجلّى للعراقيين بكل وضوح سوء نوايا الإنكليز في هذه البلاد، وُضعت البدايات الجدية الأُولى للعمل على الثورة ضد الإنكليز، وبذلك جعل السكّان يشكّكون في كل حركات الفاتحين الجدد وسكناتهم، بحيث لا يطمئنّون إليهم بأي شكل من الأشكال. وقد زاد في طين ذلك التشكيك بلّة قيامُ الشيوعيين في نهاية عام 1917 وأوائل عام 1918، بعدما استولوا على الحكم في روسيا، بإذاعة المعاهدات السرّية المعقودة بين الحلفاء، ومنها معاهدة سايكس - بيكو، بين الإنكليز والإفرنسيين لاقتسام البلاد العربية؛ ممّا جعل العرب ينقمون على الحلفاء في كل مكان، وإذا أضفنا إلى ذلك النقمة الصارخة التي نقمها العرب على الإنكليز عند صدور وعد بلفور قُبيل هذا؛ أدركنا السبب في تركيز النقمة على الإنكليز، في جميع البلاد العربية، وفي العراق بصورة خاصة. حيث تملّك العرب - عند ذلك - رد فعل عنيف ضد الإنكليز، فراحوا يؤلّبون عليهم ويعملون ضدهم في كل مكان.
وعلى هذا الأساس وغيره كانت النقمة على أشدّها في العراق ضد الإنكليز، وقد ساعد على اشتداد هذه النقمة الشعور الوطني العارم، الذي انتشر في العراق بعد الحرب،
____________________
(1) العراق دراسة في تطوّره السياسي، لآيرلاند، ص62 - 63.
كغيره من البلاد الأُخرى.
وكان نصيب النجف من هذا الشعور وافراً جداً؛ بسبب ما خلّفه جهاد الحجّة السيد الشيرازي، والحجّة الخراساني في نفوس النجفيين، من مشاعر وأحاسيس ضد الاستعمار والمستعمرين، وقد تسرّبت هذه النقمة ضد الإنكليز إلى جميع الأوساط النجفية، اللّهمّ إلاّ نفراً ممّن استمرأ طعم الخيانة من العناصر الأجنبية التي تعيش فيها، وقلّة نادرة جداً من النجفيين. حيث إنّ الإنكليز عندما احتلّوا العراق أقاموا جهازاً تجسّسياً رهيباً، حشّدوا فيه أراذل خلق الله من هنود وإيرانيين وأتراك ومصريين وعراقيين، وحكّموهم في رقاب الناس، وكانت النجف تقاسي من هؤلاء ما تقاسيه المدن العراقية الأُخرى.
وكان من أهم مظاهر نقمة النجف على الإنكليز، أنّها حرّمت التوظّف في حكومة الاحتلال، أو أيّة حكومة يصطنعها الاحتلال في العراق، وقد أشارت المس بيل إلى تلك النقمة عليهم بقولها: ( وقبل أن تبدأ القلاقل العلنية في بغداد، كان العنصر الديني الشيعي في المدن المقدّسة منهمكاً في حبك الدسائس ضدّنا )(1) .
أمّا السير برسي كوكس، فقد عبّر عن تلك النقمة في تقرير له جاء فيه: (.... غير أنّ النجف، تلك المدينة التي كانت إدارتها في قبضة زمرة من شيوخها المحلّيين، الذين لم يرضوا الانقياد لنظمنا، بقيت شوكة في جسم إدارتنا )(2) .
وفي هذا وذاك وغيرهما من أقوال وتصريحات كثيرة، ما فيها من الدلالة على مبلغ أهميّة الدور الذي كانت تلعبه النجف في إحباط مساعي الإنكليز.
وتحت تأثير هذه النقمة، وذلك الشعور الوطني الإسلامي العارم، تألفّت في النجف عام 1917 جمعية النهضة الإسلامية السرّيّة، تلك الجمعيّة التي استعجل بعض أعضائها بتقديم ساعة الصفر للثورة النجفية، التي كان مقرّراً أن تكون بعد نضج الفكرة بين رؤساء العشائر، واستكمال استعداداتهم لها؛ ليقوم كل منهم - بعد إعلان الثورة النجفية - بطرد حكومة بلده، لإعلان الثورة العامة في البلاد، وربّما كان ذلك الاستعجال بتحريض من الأتراك؛ لإضعاف العدو وإشغاله(3) .
____________________
(1) Review of the civil Administraion of Mesoptamia ، p156
(2) تكوين العراق الحديث.
(3) جاء في مذكّرات كاشف الغطاء ص388:
وكما أنّ النجفيين استمرأوا طعم الحرية وحكم أنفسهم بأنفسهم، منذ طردهم لحكومة الأتراك، كذلك كانت الحال مع رؤساء عشائر الفرات، الذين تخلّصوا من نفوذ الأتراك طيلة أيام الحرب، حيث إنّهم أعلنوا العصيان على الحكومة التركية، كل في مكانه، منذ اللحظة التي ثارت فيها النجف على الأتراك وطردتهم.
لذلك، فإنّ الإنكليز عندما أرادوا فرض سيطرتهم على الأماكن التي احتلّوها من الأتراك، عارضهم رؤساء العشائر؛ لأنّهم لا يريدون تبديل استعمار باستعمار. الأمر الذي اضطرّ معه الإنكليز إلى استعمال القوّة القاسية مع الرؤساء المعاندين، وخلق رؤساء جدد يسندونهم ليؤمّنوا مصالحهم في المنطقة، هذه العملية التي ما استطاعوا أن يحقّقوها في النجف، حتى بعد القضاء على ثورتها(1) .
____________________
=
أسّس هذه الجمعية بعض النجفيين ( وفيها بعض المعمّمين، وجماعة من جهلاء ( الفريقين ) ولم يبرموا الأمر على ما يقتضيه الحزم والحصافة ).
(1) كتب السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه ( ثورة النجف ) ص30 - 34، حول هذه الجمعية ما يلي:
( تألّفت في النجف - قُبيل احتلال بغداد جمعية إسلامية باسم: ( جمعية النهضة الإسلامية ) استهدفت تخليص العراق المسلم من براثن السيطرة الإنكليزية، وتأليب المسلمين على الأجانب الكافرين، ضماناً لاستقلال البلاد وتحريرها من ربقة الاستعمار، وكان من بين أعضاء هذه الجمعية العاملين: السيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ محمد علي الدمشقي، والسيد إبراهيم البهبهاني، والشيخ عباس الخليلي - وقد لُقّب بفتى الإسلام - وكان الخليلي من أشدّ الأعضاء حماسة، وأكثرهم حركة، كما كان الشيخ عبد الكريم الجزائري من مؤيّديها، وقد انهمكت هذه الجمعية في نشر المنشورات، ولصق الإعلانات المندّدة بسياسة المحتلين على الجدران، وانتهاز كل مناسبة للتشهير بسوء إدارتهم، وعظيم غطرستهم، وكانت اجتماعات الأعضاء تُعقد في محلاّت متفرّقة، وأوقات مختلفة؛ حذراً من الجواسيس وضعاف الإيمان.
ولأجل أن تضمن ( جمعية النهضة الإسلامية ) تحقيق أهدافها، نشرت دعوتها بين القبائل المحيطة بالنجف، والكوفة، وأبي صخير، والشامية، وبين حملة السلاح من أهل النجف، وذلك بتكتّم شديد وحذر كبير. فكان ممّن انضم إليها من القبائل: الشيخ مرزوك العواد رئيس العوايد، والشيخ ودّاي رئيس آل علي، والشيخ سلمان الفاضل رئيس الحواتم. ومن حملة السلاح النجفيين: البعض من آل صبّي، وآل غنيم، وآل شبع، وآل كرماشه، وآل العكايشي، وآل الحاج راضي، وألبوگلل، وآل عدوه، وغيرهم ممّن يتعذّر علينا إحصاء أسمائهم، ولم يشترك فيها أحد من جماعة آل السيد سلمان، وهذا يعني أنّه أصبح لـ ( جمعية النهضة الإسلامية ) حزب سياسي تسيّره الأدمغة المفكّرة، وآخر حربي قوامه حملة السلاح، وكان بعض أعضاء الجمعية يقوم بدور الوساطة والاتصال بين الحزبين السياسي والحربي، بعد أن وحّدت رغبة الخلاص من ربقة الاستعمار والكفّار صفوف الطرفين، وقرّبت بعضهم إلى بعض، على الرغم من اختلاف العقائد وتباين النزعات والمآرب.
=
وعلى كل حال فإنّ رؤساء العشائر الحقيقيين الأصليين ظلّوا على اتصال دائم مع النجفيين، بل ازداد نشاطهم لمقاومة هذا البلاء الجديد.
ومن هنا بذرت البذرة الأُولى لثورة عراقية عامّة ضد الإنكليز، وقد كانت النجف أصلح مكان لتدبير هذه الثورة وتحقيقها؛ وذلك لأنّها المرجع الديني الوحيد من جهة، ومن جهة ثانية: لأنّها البلد المستقل الوحيد الذي لم يجرأ الإنكليز على احتلاله طيلة سنيّ الحرب، فكان يحكم نفسه بنفسه ويستقبل الزعماء من كل الجهات بكل حرية وانطلاق.
وبدأت الاجتماعات السرّية لهذا الغرض تُعقد في كل مكان مرتبط بالنجف والنجفيين، وكانت التمهيدات والاستعدادات جارية في السر على قدمٍ وساق، وكان المعنيّون - في كل منطقة - يستغلّون كل فرصة لإثارة الناس ضد الإنكليز، وفضح نواياهم تجاه العراق.
وكانت تتولّى هذه المهمّة في النجف ( جمعية النهضة الإسلامية ) السرّية التي تألّفت خصّيصاً لرفع لواء المعارضة ضد الإنكليز والثورة عليهم، هذه الجمعية التي استمات الأتراك في استمالة بعض أعضائها، بدافع الروح الإسلامية، لتقديم ساعة الصفر.
قلنا: إنّ الإنكليز لم يستفزّوا النجف باحتلالها من قبل الجيوش الفاتحة، وإنّما تدرّجوا في فرض سيطرتهم على البلد بمحاولات متعدّدة، انتهت بالثورة عليهم.
فهم قبل أن يدخلوا النجف مهّدوا لذلك باسترضاء زعمائها واستمالتهم، وبخاصة الحاج عطية أبو گلل؛ حيث عزّزوا مكانته وفوّضوا إليه كثيراً من الأُمور، حتى أنّ البضائع ما كانت تصدر من البصرة إلى النجف إلاّ بترخيص من الحاج عطية المذكور.
ثم بدا للإنكليز ما يزعزع ثقتهم به، أو إنّهم رأوا أنّ تعاظم نفوذه لا يسهّل لهم تسلّم السلطة؛ لذلك عيّنوا عبد الحميد خان، وهو من سكّان النجف، وابن عمّة أغا خان
____________________
=
وارتأت الجمعية أن تتصل بالجيش العثماني، الذي كان ما يزال يقاتل البريطانيين في أطراف الفرات الأعلى بلواء الرمادي، وفقاً لشروط ومبادئ تتضمّن استقلال العراق، إذا ما كُتب النصر لهذه ( النهضة ) المباركة وهذه الثورة، فراسلت الحاكم العسكري ( أحمد أوراق ) كما اتصلت ببعض رؤساء كربلاء لضمان العون لها عند الضرورة، ولكن هناك من الأدلّة ما يشير إلى أنّ رؤساء كربلاء لم يكتموا الأمر عن سلطات الاحتلال، فمكّنوها من حصر الحركة داخل النجف، وحالوا بذلك دون تسرّبها إلى الخارج، وإشراك القبائل المجاورة فيها على الأقل ).
زعيم الطائفة الإسماعيلية في الهند؛ عيّنوه كوكيل مفوّض عن الحكومة في النجف، فوصلها من بغداد في أوائل آب 1917، بدون قوّة، ليتصرّف في إدارة البلدة كما يرى، حيث كانت السلطة البريطانية تُمارس في النجف ومنطقة الشامية بصورة غير مباشرة، وفي هذا الخصوص يقول موبرلي:
( منذ احتلال بغداد إلى تاريخ تعيين الوكلاء الحكوميين، كنّا نمارس السلطة في النجف ومنطقة الشامية بصورة غير مباشرة، بواسطة جعالات مالية كنّا ندفعها إلى الشخصيات البارزة في المنطقة. ففي الجهة الشرقية كانت هذه الشخصيات هي: سلمان العبطان وسلمان الظاهر، وهما من الخزاعل. وفي أبي صخير والجعّارة السيد هادي زوين. وفي المشخاب مبدر الفرعون، وكان مخلصاً. وفي الكوفة علوان الحاج سعدون شيخ بني حسن....
أمّا في النجف فكانت السلطة بيد الشيوخ الأربعة، وهم: السيد مهدي السيد سلمان، والحاج عطية أبو گلل، وكاظم صبي، وهم من الزگرت، والحاج سعد الحاج راضي من الشمرت.
ثم جرى تعيين وكلاء حكوميين مع شرطة وموظفين ماليين: حميد خان في النجف، وسركيس أفندي في الكوفة، ومحمود الطبقچلي في أبي صخير. ( وفي كانون الثاني 1918عيّنه الكابتن بروتيرو معاوناً للحاكم السياسي في أبي صخير ). وكلهم عملوا بنجاح في وسط تلك الصعوبات. ولكنّ سيطرة الشيوخ في النجف كانت قوية جداً. وقد ظهر لنا جليّاً أنّنا لا نستطيع فرض سلطتنا في النجف بدون معارضة سرّية، وربّما علنيّة في بعض الأحيان )(1) .
عندما تعيّن حميد خان وكيلاً حكومياً، شعر النجفيون بنوع من التدخّل في شؤونهم، فراحوا يتشاورون في الأمر، وقد جاءت حوادث عنزة واكتيالها من النجف، سبباً مباشراً لظهور النتائج التي ترتّبت على مشاورات النجفيين، حول التدخّل في شؤونهم.
هذه النتائج التي كانت حوادثها العنيفة سبباً في تعيين حاكم سياسي لمنطقة الشامية
____________________
(1) Moberly F.J ، The Campaign in Messoptamia ، p.115
والنجف لفرض الحكم الإنكليزي المباشر في المنطقة، وتعيّن لهذا المنصب الكابتن بلفور في تشرين الأول 1917، وجعل مقرّه في الكوفة. وكانت باكورة أعماله أن أعطى الأوامر المشدّدة لإعادة ما سُلب من عنزة، وتسليمها إليهم خلال خمسة عشر يوماً.
وفي عصر يوم الثلاثاء 4 صفر 1336هـ / 19 تشرين الثاني 1917م، ذهب الكابتن بلفور إلى السيد اليزدي وخلا به، وفي 20 تشرين الثاني، عندما انتهى موعد التسليم ولم تعد الأموال، حضر الكابتن بلفور إلى النجف، وهنا ظهر رد الفعل الأول لتعيينه؛ حيث قوبل تلك المقابلة المزرية. يقول موبرلي في هذا الخصوص ما نصّه: (.... أُعطيت الأوامر إلى الشيوخ لإعادة ما سُلب من عنزة ضمن خمسة عشر يوماً، وفي 20 تشرين الثاني 1917، عند انتهاء المدة المفروضة، أحدث الحاج عطية أبو گلل تشويشاً، بالإضافة إلى عدم تسليم حصّته من المنهوبات، سبّب نهب أثاث الحكومة في النجف وأبي صخير. إنّ حالة الاضطرابات مرّت بسرعة دون أن تؤثّر في العشائر، ما عدا ما حدث بين الشنافية والسماوة، حيث جعلوا يأخذون ( التسيار ) - ضريبة المرور العشائرية - من السفن المحمّلة بالبضائع.
وقد دلّ ذلك على أنّ سبب التشويشات المارّة الذكر، كان مجرّد حجّة؛ وأنّ المحاولات مستمرّة لإضعاف سيطرة الحكومة )(1) .
والحق أنّ موبرلي كان موفّقاً في معرفة السرّ في كل هذه التشويشات؛ لأنّها في الحقيقة كانت ردود فعل لمحاولة الإنكليز حكم العراق حكماً مباشراً من قِبلهم، وتعيين الحكّام الإنكليز لهذا الغرض.
وقد كانت المؤتمرات السرّية والاجتماعات السياسية مستمرّة في صدد الثورة على الإنكليز، ومقاومة حكمهم في كل مكان من العراق؛ لذلك قرّر الإنكليز تعزيز حامياتهم في هذه المنطقة، وفي النجف بصورة خاصة.
وفي آخر محرّم سنة 1336هـ / الأُسبوع الثاني من تشرين الثاني 1917م، وصل إلى النجف عامل الكاظمية الانكليزي مارشال، وذاع أنّه موفد من قِبل حكّام بغداد لإبلاغ اليزدي سلام الملك - جوج - وقد أبلغ الإنكليز فيما أبلغوه إلى اليزدي أنّهم مأمورون
____________________
(1) Moberly ، Op. Cit
بإنفاذ أوامره ونواهيه، وأنّهم طوع إشارته إذا أشار.
ولمّا علم الناس ذلك تهافت الزعماء الذين نكبهم الإنكليز في العراق وحدودها، من العرب والعجم، وأعلنوا جلاءهم، يطلبون شفاعته، فكان اليزدي يشير على بعض أعوانه فيكتبون إلى - كوكس - الحاكم الملكي العام في العراق، وقد أجابهم غير مرّة إلى ما يطلبون، وإلى نتيجة وساطة بطانة اليزدي، فقد نادى المنادي ثاني الثورة بأنّ الإنكليز عفوا عن النجفيين.
وكان الإنكليز قبضوا في - شفاثا - على جماعة من أهل النجف، في جملتهم ابن عطية أبي گلل، أطلقوهم بكتابة من اليزدي في ذلك(1) .
وفي أواخر عام 1917، وفي كانون الأول بالذات، تجوّل السير برسي كوكس في منطقة الفرات الأوسط لتقرير ما يجب بخصوص تعيين المواقع، التي يجب أن تُوضع فيها القوات العسكرية، لتأمين حاجة الإدارة السياسية.
وصل السير برسي كوكس حاكم العراق إلى النجف، عصر الثلاثاء 19 صفر 1336هـ / 4 كانون الأول 1917م، ومعه جماعة من ضبّاط الإنكليز عن طريق الفرات، وقد ظهرت قُبيل وصوله في سماء النجف طيّارة انكليزية، وحامت على البلدة ذاهبة جائية، ثم عادت أدراجها، وذلك نحو الساعة 8 عربية من ذلك اليوم، وقد قيل إنّها جاءت لإرهاب أهل النجف، أو لاستكشاف حالهم من العصيان أو الطاعة، وكانت منخفضة غير محلّقة في الجو حتى رُئي ربّانها وراصدها واضحين.
ومن الغريب أنّ عمّال الإنكليز في النجف قرّبوا لكوكس القرابين، وذبحوا الذبائح تحت أقدامه.
وقد ذهب توّاً إلى دار حميد خان وكيل الإنكليز في النجف، وعاد بعد الغروب إلى الجسر، وزار السيد اليزدي في الكوفة(2) قبل رواحه إلى النجف وبعده وخلا به، وزار
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص288.
(2) جاء في مذكّرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ص 392:
( كان السير برسي كوكس الشهير، يكثر من زيارته - أي السيد اليزدي - في الجسر ( الكوفة ) وفي النجف، فيجلس معه على الحصير المتقطّع المتلاشي، ويبقى بالانتظار مدّة إلى أن يخرج السيد ثم يجلس معه قليلاً، ويقوم قبل زائره، ولا يكلّمه إلاّ بضع كلمات ).
شيخ الشريعة الإصبهاني المعروف بـ ( شريعة ) وكان مريضاً في داره بالنجف(1) . ثم عاد إلى الكوفة، بعد أن طلب إلى رؤساء النجف الحربيين أن يقابلوه فيها، وكان يحاول أن يلقي القبض على عطية أبو گلل، كما اعتقد الحاج عطية نفسه وظنّ الآخرون، فحضر جميع الرؤساء عدا عطية - الذي امتنع عن المقابلة بحجّة إصابته بالديزانتري(2) - وكاظم صبي، ففشلت خطّة كوكس، وبالتالي مهمّته في الفرات، لذلك جهّز حملة عسكرية إلى النجف والفرات، وصلت طلائعها إلى الكفل في أوائل ربيع الأول 1336هـ، أي في الأسبوع الثالث من كانون الأول 1917 طلائع جيش إنكليزي كبير.
وفي عصر الأربعاء 19 ربيع الأول 1336هـ / 2 كانون ثاني 1918م، وصلت الكوفة مقدّمة جيوش إنكليزية كثيرة، واتخذت من شريعة أُم التبن، على بعد سبعة أميال من مدينة النجف شرقاً، موقعاً لها؛ لأنّ السلطات كانت تتحاشى وضع القوات المسلحة في المدن المقدّسة؛ لئلاّ يسبّب وضعها ردود فعل في الهند وإيران(3) . فلابدّ إذن من أن كوكس قد رأى ضرورة ملّحة لذلك.
وفي يوم الخميس 21 صفر 1336هـ / 6 كانون الأول 1917م، ظهرت طائرة استكشاف إنكليزية في سماء النجف، وأخذت تحوم فوق مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإذا بالمرجع الديني السيد علي الداماد - وقد فرغ من صلاته في الصحن ورفع رأسه ورأى الطائرة - يشهق شهقة كانت القاضية على حياته، ممّا حمل السواد الأعظم على الاعتقاد بأن وفاة المرجع الديني كانت نتيجة لظهور هذه الطائرة في سماء هذه المدينة المقدّسة، فأسرّوها في نفوسهم(4) .
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي 288، وفيها يقول:
( ويجب أن نذكر هنا أنّ الإنكليز منذ احتلّوا بغداد أخذوا يبالغون في العناية باليزدي، وكلّما زار أحد منهم النجف أظهر من أعظم مهمّاته لقاء السيد كاظم، فيزورونه في داره ).
(2) ثورة النجف للحسني 20.
(3) Wilson A.T. A Clash of Loyalties Vol. 2
وبهذا الصدد يقول السير برسي كوكس:
( إنّ قيامنا بوضع جيوش في الأماكن المقدّسة نفسها كان مناقضاً لتصريحاتنا السابقة، وهذا ما زاد الصعوبات في إيجاد سيطرة تامة لنا في مدينة النجف ).
The Letters of Gertrude Bell p. 519
(4) ثورة النجف للحسني ص21.
وفي 9 كانون الثاني 1918م، زارت مدينة النجف المس بيل، واجتمعت بالحاج عطية في دار حميد خان، فنصحته بالذهاب إلى بغداد ومواجهة الحاكم الملكي العام فلم ينتصح، فهدّدته بسوء العاقبة إن هو أصرّ على عناده، فلم يفد التهديد معه ).
وفي ضحى يوم السبت 29 ربيع الأول 1336هـ / 12 كانون الثاني 1918م، أُطلقت النار على دورية إنكليزية تبلغ زهاء ثلاثمائة من فرسان الإنكليز، كانت تتجوّل حول النجف من جهة محلّة العمارة؛ ( محلة الحاج عطية أبو گلل )، فقتل اثنان من أفرادها، وهوجمت دوائر الحكومة.
وظلّ النجفيون متظاهرين إلى يوم الاثنين غرّة ربيع الثاني 1336.
وفي ضحى هذا اليوم ظهرت في سماء النجف طيّارة إنكليزية بطيران واطئ؛ للتخويف والإرهاب وهوجمت فلم يتردّد النجفيون في إصلائها ناراً حامية.
وفي هذا اليوم أيضاً ذهب إلى مقابلة الإنكليز في الكوفة جماعة من شيوخ المتغلّبين في الحويش والمشراق والبراق، ومنهم: السيد مهدي السيد سلمان(1) ، وسعد، والصُبّي، وانفرد عطية بالإصرار على عدم مقابلة الإنكليز، وضاق به الأمر فخرج من النجف ليلة 4 ربيع الثاني 1336هـ / 17 كانون الثاني 1918م، بعد أن طلب منه النجفيون ذلك لتهدئة الحال، حيث إنّ بعض الرؤساء يخاصمونه تقليدياً، ويتصلون بالسلطة القائمة لمقاومته وحماية أنفسهم منه، وخرج معه كريم بن سعد في جماعة من رفاقهما ونزلوا الرهيمة، ثم فارقها عطية بجماعته ظاعنا في بلاد العرب(2) .
وقد وضعت حكومة الاحتلال يدها على جميع أملاك الحاج عطية، ومنها خانه خارج سور النجف من جهة الشرق، واتخذته داراً للحكومة.
وفي هذا الصدد أيضاً يقول السر أرنولد ولسن: ( بعد تجوّل السير برسي كوكس وُضعت بعض القواعد العسكرية الطفيفة في الكوفة في كانون الثاني 1918... وقد أطلقت النار على دورية خيّالة من السور، كما أطلقت النار بشدّة على طيّارة ظهرت في
____________________
(1) جاء في مذكّرات الإمام كاشف الغطاء ص389:
(.. أما السيد مهدي سلمان رئيس الزقرت، فكان قد اعتزلهم [ أي رؤوس المقاومة ]، ويتظاهر بالحياد، ويراود السلطة سرّاً.. ).
(2) انظر: مذكّرات الشبيبي، ص292.
سماء النجف، كما هُوجمت دور الحكومة وأُرغم حميد خان ومساعدوه - وكلّهم عراقيون - على الهرب إلى الكوفة، وكانت العقوبة على ذلك غرامة قدرها خمسون ألف روبية، وخمسمئة بندقية، مع تسليم رئيس العصابة عطية أبو گلل، وكريم الحاج سعد. وقد جمع الشيوخ الغرامة، واستغلّوا هذه الفرصة فجمعوا مبالغ أُخرى لأنفسهم من الناس الأبرياء. وسلّمونا خمسمئة بندقية عاطلة غير مفيدة. في هذا الوقت وزّعت كتيبة من الجيش في الكوفة، مع مفرزة في ثكنة النجف خارج السور )(1) .
أمّا موبرلي فإنّه يقول في هذا الصدد: ( عطية أبو گلل، وكريم الحاج سعد، كانا يحرّضان الناس بصراحة على الاضطرابات.
وفي هذه الأثناء ظهرت في سماء النجف إحدى الطائرات، فأُطلقت النار عليها من جميع المحلاّت، وهجم النجفيون على الحكومة، فاضطر الموظفون والضبّاط لإخلاء النجف والذهاب إلى الكوفة )(2) .
لقد جرى تسليم الغرامة فعلاً، فقد زار بعض رؤساء النجف المسالمين الكابتن بلفور في مقرّة بالكوفة يوم 14 كانون الثاني 1918، وبعد التهديد والوعيد، فرض على النجف غرامة قدرها خمسون ألف ربية وخمسمئة بندقية، مع تسليم عطية أبو گلل وكريم الحاج سعد للسلطة، واعتذروا عمّا حدث، فطلب إليهم العودة إلى النجف، والمحافظة على الأمن والسكينة، كأن شيئاً لم يحدث(3) ، بعد أن جمعها هؤلاء الرؤساء من الناس.
وبعدها بمدة قصيرة نادى منادي الحاكم الإنكليزي، طالباً تجمّع النجفيين في الميدان لأمرٍ هام، فتجمّع النجفيون، ولشدّة ما هالهم الأمر عندما رأوا أنّ السلطة تعرّي شاباً نجفياً من ملابسه وتجلده جلداً مبرحاً، لمخالفة بسيطة ارتكبها، فضجّ النجفيون لوحشيّة هؤلاء المحتلّين الجدد، وراحوا يتهامسون بمرارة عن قساوة الإنكليز وشراستهم، وربّما بيّت بعضهم أمراً، حيث تضايقوا كثيراً من هذه الإجراءات وأمثالها، وتشاءموا من وجود جيوش الاحتلال في النجف وأطرافها. فساد النجف ذعر
____________________
(1) Wilson. Loyalties Vol. 2
(2) ثورة النجف للحسني ص26.
(3) انظر: ثورة النجف للأسدي ص225.
مشوب بالنقمة، استغلّته جمعية النهضة الإسلامية السرّية، كما استغلّت الحوادث المماثلة الأُخرى، فازداد أعضاؤها وكثر المنتسبون إليها من جميع الطبقات، وبخاصة الطبقات المحاربة.
وقد أدرك الإنكليز هذه النقمة المتناهية، وتجلّى لهم غلطهم في معاملة العراقيين، والنجفيين بصورة خاصة، نفس المعاملة التي يعاملون بها البلاد الأُخرى كالهند وغيرها؛ لذلك قرّروا تدارك هذا الغلط، ولكن بعد فوات الأوان، فسحبوا جيوشهم من النجف وعيّنوا لها حاكماً خاصاً، هو الكابتن مارشال، أحد هواة الاستشراق، والمعروف بدماثة أخلاقه، أمّا صحراء النجف ( البادية ) فكانت تُدار من قِبل وكيل حكومي مقرّه مع موظيفه في الرمادي، تحت إمرة الحاكم السياسي هناك(1) .
وفي اليوم الأول من شباط 1918، وصل الكابتن مارشال المذكور إلى النجف، وسكن في خان عطية خارج السور.
وعن هذا الكابتن الجديد، يقول السير أرنولد ولسن:
( وفي أول شباط 1918، أرسل السير برسي كوكس، الكابتن دبليو. أم. مارشال Captain W.M. Marshall إلى النجف كمساعد للكابتن اف. سي. سي. بلفور، من قسم الخدمة المدنية في السودان، والذي كان قد عُيّن في تشرين الأول 1917 إلى منطقة الشامية. إنّ الكابتن مارشال الذي كان يوصف في بعض الأماكن: بأنّه أحسن وأعقل رجل، وكان أهلاً لواجبه الصعب، هو يتكلّم الفارسية بطلاقة. وكان لمدّة عشرة أشهر معاون حكم سياسي في الكاظمية، حيث كان محترماً من الجميع. كان يأمل العودة إلى انكلترا في صيف 1918 ليتزوّج. ولكن عندما عُهد إليه بمنصب النجف ترك شؤونه الخاصة إلى وقت آخر، لأداء مثل هذه المسؤولية العظيمة. لقد كرّس نفسه لهذا الواجب بمهارة؛ حبّبته إلى رجال الدين الذين أتى لهم بأحرّ التوصيات من إخوانهم في الكاظمية )(2) .
أمّا موبرلي، فإنّه يقول عن تعيين الكابتن مارشال المذكور: ( وفي شباط 1918 تعيّن
____________________
(1) بلاد ما بين النهرين 2/266.
(2) Moberly op. cit
الكابتن مارشال معاون حاكم سياسي للنجف، على أن يتصل رأساً في بغداد، فيما يتعلّق بقضايا المدينة الهامّة، أمّا القضايا الأُخرى فيراجع حاكم الشامية )(1) .
لقد أرسل الإنكليز هذا الحاكم الخلوق - كما يقولون - إلى النجف ليعامل أهلها بالحسنى، بعد أن ارتكبوا الشطط في بادئ الأمر، غير أنّ ذلك جاء بعد فوات الأوان، حيث إنّ جمعية النهضة الإسلامية السرّية قد نشطت نشاطاً قوياً، بعد استغلالها لأغلاط الإدارة الإنكليزية الكثيرة، والتي تراكمت النقمة بسببها في نفوس النجفيين، فأعربت عن نفسها في حادث تعرية الشاب وجلده، وقد انتهزت الجمعية انسحاب القوات الإنكليزية للتعجيل بإشعال فتيل الثورة في النجف، لتستمرّ في جميع العراق، كما هو مقرّر في السرّ من قِبل علماء الدين وزعماء عشائر الفرات، ولكن المتحمّسين لهذا الاستعجال جُوبهوا بمعارضة قوية داخل الجمعية، حيث كان المنتسبون الجدد وأكثر المنتسبين السابقين، لا يحملون الفكرة الإسلامية التركية التي يحملها المؤسّسون؛ لذلك عارضوا هذا الاستعجال أشد المعارضة؛ لأنّهم يعلمون أنّ الثورة، ضد الإنكليز في النجف، لا يمكن أن تحدث قبل أن تنضج الفكرة في جميع العراق، وبخاصة الفرات، ويتم لها الاستعداد، كما هو مقرر في السرّ من قبل الجميع، وأن الاتصالات جارية بين العلماء وزعماء العشائر في هذا الشأن، ولكنّ المؤسّسين الرئيسيين للجمعية، والذين يغلب على الظن أنّهم متصلون بالأتراك؛ وربّما كانوا يعدونهم بإرسال قوّة من الجيش التركي لمساعدتهم، عندما يثورون ضد الإنكليز؛ إنّ هؤلاء المؤسسين لا يستطيعون التواني في إشعال نار الثورة في النجف، خشية أن يتم
____________________
(1) ثورة النجف للحسني 27 - 28: ( وكان أول عمل قام به ( مارشال ) أنّه ألّف قوّة جديدة للشرطة المحلّية، اختير أفرادها من خارج النجف، ولاسيّما من بغداد والكوت - وكان معظمهم من أكراد كرمنشاه - بعد أن حلّ الشرطة القديمة لموالاتها لشيوخ المدينة، وعدم الاطمئنان إلى سلوك أفرادها تجاهه، كما قطع المخصّصات الحكومية التي كانت تُمنح إلى رؤساء المدينة من قبل، كوكلاء لسلطات الاحتلال، وشرع في تنظيم أُمور البلدية على أُسس عصرية، كما شرع في صرف أوقاف أوده إلى مستحقّيها، وكانت هذه المخصّصات قد حُبست عن هؤلاء بسبب اندلاع الحرب العالمية الأُولى ).
ويقول أ. تي. ولسن: إنّ ملك أوده أقرض حكومة الهند في عام 1825م، مبلغاً قدره عشرة ملايين ربية بفائدة قدرها 5% تُوزّع على فقراء النجف، وكربلاء، بصورة دائمة ومستمرّة، وأنّ هذه الخيرات حُبست عن مستحقّيها في المدينتين المقدّستين المذكورتين بسبب اندلاع الحرب العالمية الأُولى، فتقرّر إعادة توزيعها الآن ). ن. م 2/293.
احتلال الإنكليز لجميع العراق، فلا يستطيع الأتراك المسلمون إرسال مساعداتهم المأمولة، بينما يرى النجفيون الآخرون، داخل الجمعية وخارجها، ويؤيّدهم قادتهم من رجال الدين الأحرار وزعماء العشائر، يرون أنّ الاستعانة بالأتراك معناه الموافقة على بقاء الأتراك في البلاد، وهذا ما لا يريدون؛ ذلك لأنّهم سئموا الأتراك وظلم الأتراك وتخلّف الأتراك من جهة، ومن جهة ثانية لأنّهم تذوّقوا حلاوة الحرية وحكم أنفسهم بأنفسهم، فلا يقبلون بعودة التسلّط والاستعمار من أيّة جهة كانت، ومن أجل ذلك هم يعملون للثورة على الإنكليز الذين احتلّوا البلاد، فكيف يوافقون على عودة الأتراك؟
وعندما نضجت هذه الفكرة نضجاً عند الرأي العام النجفي، تأثّر بها أعضاء الجمعية، فلم يحصل الاتفاق على الاستعجال وتقديم ساعة الصفر، وإنّما يجب العمل مع الآخرين لإنضاج الفكرة في جميع أنحاء العراق، وبصورة خاصة مع عشائر الفرات الذين عليهم المعوّل في هذا الخصوص؛ لتمرّسهم في القتال وتوفّر السلاح لديهم بكثرة، بحكم منازلاتهم الأتراك على الدوام، واستمرار المعارك غير الحصيفة فيما بينهم لأقل الأسباب.
غير أنّ المتحمّسين من الأعضاء المحاربين المتحمّسين كثيراً لإسلاميّتهم، كوّنوا جمعية سريّة داخل الجمعية، لتتولّى بنفسها استغلال التوتّر في النجف، وإشعال نار الثورة فيها.
وكانت هذه الجماعة، أو هذه الجمعية الفرعية، برئاسة الحاج نجم البقّال، أكثر الأعضاء المؤسّسين دهاءً وغرضاً؛ لأنّه كان يتصل بالأتراك عن طريق ابنه عباس، الذي كان قد هرب إلى ( اللصف ) في البادية ملتحقاً باعجمي السعدون(1) ، عندما دخل
____________________
(1) ينقل د. علي الوردي في ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ) ج5/ق2/217، عن مذكّرات الشيخ محمد الخالصي المخطوطة، ما نصّه:
( جاء كتاب من عجمي باشا السعدون... إلى القيادة العامة، يقول: إنّ رسولين جاءا من النجف الأشرف من العلماء والزعماء، فلمّا علمنا دعوناهما فجاءا، وكان اسم أحدهما الحاج عباس ابن الحاج نجم البقّال... وثانيهما يُدعى أحمد وأبوه كان مدير إدارة البرق في النجف، فوردا بكتب من علماء النجف ورؤسائها، وأخبرا بتشكيل جميعة في النجفة من أهل النجف وغيرهم، غرضها إنقاذ العراق من الإنكليز؛ لأنّ أهل العراق سئموا من ظلم الإنكليز واعتسافهم، وهم مستعدون لتنفيذ أي أمر
=
الإنكليز أبو صخير، وجعلوا يتعقّبون مَن هاجم ماكنة الماء، التي تضخ إلى القناة التي تجلب الماء إلى النجف، وكان عباس هذا من بين مَن هاجموا الماكنة ونهبوا النفط الذي فيها، ومنهم كريم غانم كرماشة، ومجيد غانم كرماشة، ولفيف من الناس الآخرين، ولم يكن في أبي صخير حكومة غير البلدية، لا أتراك ولا إنكليز.
وعندما هرب عباس المذكور، جعل يراسل أباه الحاج نجم ويحضّه على الثورة على الإنكليز، ويشعره بأنّ الأتراك سيعودون قريباً إلى النجف.
وعباس هذا هو جندي متسرّح من الجيش التركي برتبة ( باشچاووش )، وكان صاحب مقهى في رأس السوق الكبير قرب الصحن، حيث كان في هذه المنطقة ثلاث مقاهٍ متقاربة يجلس فيها ( المشاهدة ) أي النجفيون المسلّحون: إحداها لعباس الحاج نجم المذكور، والثانية للشخص المدعو ( كل محمد )، والثالثة للشخص المدعو عبد الحسين فتة. وكانت هذه المقاهي الثلاثة موضع نشاط تلك الجمعية الفرعية من جمعية النهضة الإسلامية، تعمل سرّاً وبكل نشاط على إعداد العدّة لتنفيذ خطّة الاستعجال في تقديم ساعة الصفر، قبل أن تذهب الفرصة باندحار الأتراك نهائياً في العراق، فلا يستطيعون عندئذٍ تقديم المساعدات الحربية اللازمة، عندما تثور النجف ويثور العراق على الإنكليز.
ومن ذلك يتضح جليّاً أنّ جميع النجفيين - بما فيهم أعضاء الجمعية - متفقون على ضرورة الثورة ضد الإنكليز الكفّار المستعمرين، ولكنّ أقلّية ضئيلة تقاومهم لكفرهم فقط وليس لأنّهم مستعمرون، فيرون وجوب الاتفاق مع الأتراك لضرب الإنكليز، مندفعين بذهنيّة إسلامية؛ ولأنّ العراق لا يستطيع ردّ عادية هؤلاء الكفرة دون الاستعانة بالأتراك؛ ذلك لأنّ مفهوم تقرير المصير وما يترتّب عليه من آثار واعتبارات لم يكن معروفاً ذلك اليوم، حيث إنّ مبادئ الرئيس ويلسن لم تُعْلَن إلاّ في الثامن من كانون الثاني 1918. تلك المبادئ التي جاء في البند الثاني عشر منها ما نصّه:
____________________
=
يصدر من القيادة العثمانية، نادمون أشد الندم على ما كان منهم؛ لأنّهم لم يكونوا يظنّون أنّ الإنكليز بهذه المثابة من الغرور والنخوة والقسوة والجفاء والظلم... فأخذت لهما من القيادة ما يلزم لإعاشتهما من القوت والمال، وخلعت عليهما خِلَعاً نفيسة وخصّصت لهما داراً إلى جنب دارنا ).
( البند - 12 - إنّ الأقسام التركية من الإمبراطورية العثمانية الحالية، يجب أن تُضمن لها سيادتها، لكنّ الأقوام الأُخرى التي تخضع الآن للحكم التركي، يجب أن تُضمن لها حياة آمنة لا تشوبها شائبة، وفرصة لا تمس قطعياً للحكم الذاتي، ويجب أن تفتح مضائق الدردنيل بصورة دائمة، وتجعل ممرّاً حرّاً لبواخر وتجارة جميع الأُمم. ويؤمّن ذلك بالتزامات دولية ).
إنّ هذه المبادئ والمفاهيم الجديدة، لم تكن معلّنة ولا مفهومة من قِبل الأقطار المتخلّفة، وبخاصة في العراق. فالعراقيون إذن لا يستطيعون معارضة القوة الإنكليزية إلاّ بقوة مثلها، لذلك يجب تقديم ساعة الصفر في رأي تلك الأقلّية الضئيلة، قبل الاندحار النهائي للأتراك. بينما الأكثرية الساحقة من النجفيين، لا يرون ضرورة الاستعجال قبل أن يتم التفاهم مع العشائر وتحضير الاستعدادات الكاملة، وإنّ ساعة الصفر لا يمكن أن يعيّنها النجفيون وحدهم، وإنّما يعيّنها جميع الزعماء المعنيّين في العراق، كما أنّهم يشجبون الاستعانة بالأتراك شجباً تاماً؛ لأنّهم يريدون انتهاز هذه الفرصة لتحقيق الاستقلال.
بينما كانت الحال تجري في النجف على هذه الوتيرة، كانت تجري في الفرات الأوسط على أطوار مختلفة، ففي بعض المناطق تنكّر الزعماء الحقيقيون للإنكليز وتجنّبوا طاعتهم، وربّما أعلن بعضهم العصيان عليهم. وهناك زعماء اصطنعتهم سلطات الاحتلال لمقاومة الزعماء الأصليين، فكانوا يمالئون الإنكليز ويؤمّنون مصالحهم ويحقّقون أغراضهم، على حساب الشعب الذي كان يعرب عن نقمته على الإنكليز بمختلف الوسائل والأساليب.
وقد قال لونگريك عن الطور الأول في هذه الفترة: (.... أمّا الأحوال في منطقة السماوة وفي بني حچيم الأقوياء، ففي فوضى )(1) .
أمّا عن الطور الثاني، فقد جاء في كتاب ( العشائر والسياسة ) ما نصّه: ( بينما كان بعض الرؤساء والشيوخ الموالون للاستعمار يتآمرون على الشعب والبلاد، ويقتسمون الأراضي، ويحصلون على الرشوات من الإنكليز، كان الشعب يعبّر بكل صراحة عن
____________________
(1) Longrigg ، Iraq. 1900-1950 ، p.95
النجف - سنة 1918 - منظر عام
نقمته وسخطه على الاستعمار وأذنابه؛ وخير دليل على هذا، التناقض في الشعور والمواقف: موقف الشيوخ والرؤساء من القوات البريطانية المختلفة، وموقف الشعب. فقد تمكّن الإنكليز في نهاية عام 1917، من أن يؤسّسوا قوات عسكرية قوامها أفراد العشائر سمّوها ( شبانة )، بعد أن قدّموا لبعض الرؤساء والشيوخ الأراضي والأموال. وكان الشعب يسمّي الشبانة كفّاراً، ويلعنهم في الشوارع، وكان الناس يعلنون عن نبذهم الاجتماعي للشبانة بطرق شتّى: فكانوا لا يقدّمون لهم الشاي والقهوة في المقاهي، وكانوا يكسرون الأواني والمواعين التي يأكلون بها، وكانت نساؤهم تصرخ وتستغيث بأزواجهنّ من الشعب الغاضب عليهن. وفي كثير من الحالات كان الشعب يعبّر عن سخطه ونقمته بأخذ زوجات الشبانة بالقوة وإرجاعهن إلى عشائرهن. وحتى كنّ في بعض الأحيان يُقتلن. وقد نصب الإنكليز صگبان العلي رئيساً للشبانة في الناصرية سنة 1919 )(1) .
وخلاصة القول عن وضع النجف عند حدوث الثورة، هو: أنّ الاتصالات كانت جارية في النجف بين زعماء العشائر للثورة على الإنكليز، وكان مقرّراً عند نضج الفكرة اكتمال أسبابها، أن تبدأ النجف بالثورة لتتبعها المدن الأُخرى. وأنّ الإنكليز كانوا - لجهلهم بحقيقة العراقيين - يرتكبون كل يوم في النجف، وفي غير النجف، ما يسبّب الحقد والنقمة عليهم، وزوال الثقة بهم وبوعودهم التي قطعوها للعراقيين عند احتلال العراق: ( جئنا محرّرين لا فاتحين ). وقد ازداد توتّر النفوس في النجف عندما انهالت قوافل عنزة للاكتيال من النجف، ممّا سبّب ارتفاع الأسعار واختفاء الأطعمة أو نفادها فعلاً، كما تصوّر الناس، الأمر الذي أرعب النجفيين وأذهلهم وجعلهم يضربون أخماساً بأسداس. هذا الأمر الذي سهّل لجمعية النهضة الإسلامية السرّيّة إلهاب شعور الناس ضد الإنكليز، وساعد هذا وغيره على انتساب كثير من الأعضاء المسلّحين إليها؛ حيث أصبحت تعتقد بأنّ في إمكانها أن تقوم بالحركة بكل سهولة.
بالإضافة إلى ذلك سوء سلوك الاستعماري الفضّ الكابتن بلفور، مع كل من: عطية أبو گلل الزعيم المتنفّذ، وكاظم صُبّي الزعيم الشجاع الصلب، وكريم الحاج سعد
____________________
(1) العشائر والسياسة، تقرير سرّي لدائرة الاستخبارات البريطانية، ص2.
الشاب الشجاع المتهوّر. فإنّ مخاصمته لهؤلاء الثلاثة وحّدت الزكرت والشمرت ضد السلطة البريطانية في النجف، ومهّدت لجمعية النهضة سبيل الاتصال بهم وجلب عطفهم على حركتهم. وكذلك كان تجوال المفرزة الهندية، قبل ذلك، حول سور النجف يومياً، وبخاصة من جانب محلّة العمارة، محلّة الحاج عطية أبو گلل، كان هذا التجوال اليومي مبعث ريبة وقلق للنجفيين على مدينتهم التي يفتدونها بالأرواح، فهي مرقد أمامهم وسرّ دينهم، بل هي حصن مكين من حصون الإسلام؛ خاصة وأنّهم أصبحوا يشعرون، بما حصلوا عليه في فترة الحرب من سلاح وافر وأموال طائلة، بأنّهم يستطيعون صيانة مدينتهم من عبث هؤلاء الكفّار. وقد جاء قرار الحكومة البريطانية بسحب جيوشها من النجف والاكتفاء بالشرطة المحلّية، مشجّعاً للنجفيين على تأكيد هذه العقيدة؛ لذلك أصبح من السهل، في حسبانهم، أو في الحقيقة في حسبان الفئة الخاصة التي سبقت الإشارة إليها، أن تنتفض ضد الحكومة البريطانية وتطردها من النجف، لتتبعها البلدان الأُخرى.
وقد كانت هذه الأسباب والمقدّمات كلها تتفاعل تفاعلاً إيجابياً، في ذهنية النجفيين، مع العامل الاقتصادي الذي كان الموجّه الحقيقي الأصيل في أمثال هذه الأُمور. فإنّ الإنكليز عندما احتلّوا البصرة وتقدّموا مصعدين مع دجلة نحو بغداد، وانشغال الجيش بالكرّ والفرّ على هذه الطريق. ثم قيام العشائر الفراتية المتمرّسة بالقتال، والمشبعة الذهن بفكرة الجهاد ضد الإنكليز، بعرقلة زحف جيوش الاحتلال على الفرات وإيقاع الخسائر الكثيرة فيها. إنّ هذين الحدثين نبّها كلاًّ من بريطانيا وتركيا إلى ضرورة استمالة الفراتيين بين البصرة وبغداد، وبخاصة المواقع الحسّاسة في هذه الطريقة؛ ولهذا السبب انهالت الأموال على هذه المواقع من قِبل الجانبين المتحاربين، فكثر ما في أيدي الفراتيين من الأموال والسلاح، وتحسّنت أحوالهم الاقتصادية إلى حدٍّ كبير عن طريق المتاجرة بالأموال والبضائع التي غمرت البصرة من الهند. وإذا ما علمنا بأنّ النجف أصبحت في هذه الفترة مركز العراق التجاري الوحيد، لانسداد طريق بصرة - بغداد، حيث أصبحت النجف تجهّز بغداد، وغير بغداد، بكل حاجاتها من الأموال المستوردة بوفرة من الهند عن طريق البصرة، والتي أصبح الفرات طريقها الوحيد إلى داخل العراق. إذا علمنا ذلك؛ أدركنا مبلغ تحسّن الحال الاقتصادي في
النجف. فقد ازدهر النجفي ازدهاراً عظيماً، وتجمّعت في النجف ثروات طائلة ساعدتها على توفير كميّات كبيرة من السلاح، واستعداداً للطوارئ في مقابلة هذا الفاتح الجديد، الذي دلّ توافر الأخبار والتجربة على غطرسته وسوء سلوكه مع الناس. فقد كان لتردّد التجّار النجفيين على البصرة، أثر كبير في تكوين الدعاية السيّئة في النجف ضد الإنكليز. فالظلم والاستهتار والأحكام الكيفية التي كانوا يشاهدونها من سلطات الاحتلال في البصرة والناصرية، وما كانوا يسمعونه عنهم في الهند؛ كانت عاملاً فعّالاً في النقمة على البريطانيين.
أضف إلى ذلك أنّ أسعار الحاصلات المحليّة قد ارتفعت؛ بسبب تزاحم وكلاء كل من الطرفين المتحاربين في شرائها لتموين الجيشين المتحاربين، فقد سبّب ذلك الارتفاع تحسّن أحوال المزارعين، وزيادة ما في أيديهم من السلاح كما أسلفنا. وكنموذج لمبلغ ارتفاع الأسعار، نذكر بعض الأرقام: فقد بلغ ثمن الطن الواحد من الحنطة ستين ليرة عثمانية ذهب ( الليرة تساوي ثمانية عشر روبية )، وثمن طن الشلب ثلاثين ليرة، وطن الشعير ثلاثين ليرة، وطن التمر عشرين ليرة. وتبعاً لذلك ارتفعت أسعار الأشياء الأُخرى، فبلغ سعر البندقية خمسة وثلاثين ليرة، وثمن الفرس العربية أصبح ستين ليرة، وارتفع مهر البنت من معدّل خمس عشرة ليرة ذهب إلى معدل مئتين وخمسين.
وقد ساهم السيد اليزدي في دعم الوضع الإداري للمدينة، وسعى إلى إزالة الصعوباب التي تشهدها. فعندما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية نتيجة تطوّرات الحرب وسقوط بغداد بيد الإنكليز، كانت النجف ضمن المناطق التي أضرّت بها الأزمة، وعاشت تحت وطأتها الثقيلة، فقد بذل السيد اليزدي مساعيه من أجل تخفيف حدّة الأوضاع المعاشية، حيث كان يوعز إلى تجّار الحبوب والمواد الغذائية في بعض مناطق العراق، إلى التعاون مع أعيان النجف لبيعهم المواد الغذائية.
ففي 24 محرّم 1336هـ / 10 كانون الأول 1917م، بعث برسالة إلى أحد التجّار، نصّها:
( لجناب الأعز الأكرم حميدي الداخل المحترم أدام الله عِزّه وتوفيقه.
بعد السلام عليك والدعاء لك بمزيد البركة والتوفيق والخير والسعادة.
نبدي لك، أعزّك الله، أنّه قد بلغك هياج عامة هذه النواحي من حادثة هذا الغلاء
المريع، بل الخطب الفظيع، ولاسيّما على فقراء المشاهد المقدّسة وهم أكثر أهاليها، فإنّهم أصبحوا لا يملكون قوتاً ولا نقوداً، فأصبحت ضجّة الأرامل واليتامى وأنينهم من الجوع والطوى يفتّت الأكباد ويبلغ السبع الشداد. وقد انتدب جماعة من تجّار النجف الأشرف وأعيانهم فجمعوا رأس مال كبير، وعزموا على شراء مقدار من الأطعمة وجلبها إلى النجف؛ كي تباع وتبذل للفقراء والمساكين برأس مالها من دون ربح. وهذا العمل بتوفيق ( الله ) يوجب غاية التسهيل وتخفيف الوطأة الشديدة. وقد توجّه بعض وكلاء تلك الجماعة وعمّالها إلى أطرافكم؛ طلباً لشراء ما لعلّه يحصل في تلك الجهات.
فالأمل بمنّه تعالى وجميل ما نعهده فيكم: أن تعاضدوهم وتؤازروهم وتشاركوهم في هذا الأجر الجزيل والمشروع الجليل. ومن الجميل أن تباشروا بفضلكم الشراء لهم من دون سعي، فإنّ أجر سعيكم على الله جلّ شأنه. وحسن الظن واليقين بكم يغنينا عن التأكيد عليكم. وبلّغوا سلامنا ودعانا لكافة إخواننا المؤمنين، سيّما الأمجد عبد الحسين سلّمه الله.
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته )(1) .
غير أنّ الإنكليز عندما انتهت الحرب واستتبّ لهم الأمر، اصطنعوا أزمة لتخفيض أسعار الحاصلات، فانخفضت مرة واحدة، ليشتروها بأسعار واطئة؛ ولتخفيض أجور العمّال في العراق، استعداداً لتشغيلهم في مشاريع النفط المنتظرة. فقد أصبح سعر الحنطة 240 روبية للطن الواحد، والشلب 156 روبية، والتمر 80 روبية، والشعير 90 روبية.
كانت النجف في هذه الفترة (1915 - 1917) تحكم نفسها بنفسها، وتتمتّع بحريتها الكاملة في إدارة شؤونها، بينما كان الناس في المناطق المحتلّة، ترهقهم تعسّفات الإنكليز ومضايقاتهم، والضرائب الفادحة التي يفرضونها عليهم. وقد كان النجفيون يربطون بين حريتهم هذه واستقلالهم في إدارة شؤونهم، وبين هذه الثروة الطائلة التي حصلوا عليها؛ لذلك أصبحوا يحرصون كل الحرص على هذا الاستقلال. فلمّا تصدّت سلطات الاحتلال لانتزاع هذه السلطة الاستقلالية من أيديهم، في بداية
____________________
(1) دور علماء الشيعة ص127.
1918، هالهم الأمر، وجعلت نفوسهم تضطرب بكثير من الأفكار والأحاسيس المناهضة لسلطات الاحتلال البريطاني.
أمّا وضع حكومة النجف، فإنّ الكابتن مارشال بعد أن حلّ في خان عطية، كانت معه ثلّة من الشرطة من الأكراد الإيرانيين وفصيل من البنجابيين، وكان يسكن معه في هذا الخان ضابط العمل الذي لم نعثر على اسمه. وكانت حامية الخان مزوّدة بكثير من الأسلحة الخفيفة والثقيلة. وكان أهم موقع في الخان هو ( المفتول ) المشرف على جميع المنطقة التي حول الخان. ولهذا الخان ببان: باب رئيس كبير على الشاعر العام المؤدّي إلى الكوفة، وباب خلفي صغير مسدود على الدوام. وفي مدخل الخان من الباب الرئيس غرف على الجانبين متّخذة للسكن والإدارة. وتقع خلف الخان المدابغ وخانات بيع الأغنام. ويقع الخان على يمين السكّة الحديد للمتّجه من النجف إلى الكوفة، ويبعد عن سور النجف بحوالي خمسمائة متر.
أمّا المفرزة فقد سُحبت في أوائل آذار دون موافقة بلفور ومارشال.
وقد كانت النجف عند الثورة، تزخر بالزوّار في عيد الربيع ( الدخول ) حيث يعتبر يوم 21 آذار يوم زيارة للنجف، وتكاد هذه الزيارة أن تكون مقصورة على الفلاّحين؛ لذلك كانت النجف زاخرة بهم عند الواقعة.
مقتل الكابتن مارشال وبدء الحصار
اليوم الأول
الثلاثاء 6 جمادى الثانية 1336هـ / 19 آذار 1918م
لقد تهيّأ كل شيء أمام المتحمّسين من مؤسّسي جمعية النهضة الإسلامية السرّية:
1 - عزم أكيد على القيام بالثورة ومقاومة المحتلّين، مهما كلّف الأمر، بعواطف إسلامية متحكّمة في النفوس.
2 - غليان الشارع النجفي الذي نقم على إهانة رجال النجف، كالحاج عطية أبو گلل، وغيره من الزعماء.
3 - التنظيم الخيطي، فقد شكّلت الجمعية خلايا لا تُعرف الواحدة بالأُخرى، يتراوح عدد أفراد الخليّة بين 10 - 16 مسلحاً.
4 - أمل بالمراجع التركية التي وعدتهم بالمساعدات العسكرية عند القيام بالثورة.
وبقي شيء آخر سنذكره في نتائج الثورة.
وأصبحت الأُمور جاهزة لتعيين ساعة الصفر.
كيف بدأ الهجوم؟ أجاب السيد عودة الشكري على هذا السؤال قائلاً:
( كانت في سوق الحويش مقابل حمّام النسوان الصغير وبجنب دكّان الخبّاز، توجد ( چايخانه ) مقهى لصاحبها السيد جواد الموسوي، في هذه المقهى تلتقي جماعة من الأصدقاء الشباب المعروفين بجرأتهم وشجاعتهم، وقبل الحادث بحوالي عشرة أيام أو أكثر، رأيت في هذه الچايخانه أربعة أشخاص، هم: محسن أبو غنيم، وصادق الأديب، وجودي ناجي، وهادي الحسن الحدّاد، وهم يتشاورون ويتهامسون، فسألتهم عمّا عندهم، فأجابوني: ( موشغلك ).
ولمّا أظهرت لهم الزعل والاستغراب من جوابهم هذا، قالوا لي: إذا تريد تدخل معانه تحلف بالقرآن ونحكيلك، فإن وافقت فبها، وإلاّ كتمت السرّ.
عند ذلك حلفت لهم فقالوا: ( يصير عطية أبو گلل يطلع من الولاية والكلاب يقعدون بمقاهي السكّة؟! هذا ما يصير، وقد حصل ذلك بمجيء الإنكليز، الذين يحاولون القضاء على حكومة النجف بإبعادهم عطية عنها ).
فأجبتهم بالموافقة على العمل معهم في هذا الشأن.
وفي اليوم التالي أخذوني إلى دكّان الحاج نجم، فقال لنا: اليوم ليلاً تعالوا إلى دارنا.
فذهبنا ليلاً إلى داره قرب جبل المشراق، وهناك تقرّر أن يقوم كل منّا بجمع الأصحاب، وإدخالهم الحلف بعد القسم على العمل والكتمان.
وبعد ثمانية أيام اجتمعنا في الچايخانه المذكورة نحن الخمسة، ومعنا حميد أبو السبزي، وقد أحضر معه حميد حبيبان، وحسين كنو ابن خالة حميد حبيبان - وهو الذي بقي مقتولاً في الخان - ومطرود الچعباوي، وكلّهم من محلّة الحويش.
وبعد يومين دخل معنا من محلّة العمارة: السيد جاسم بن السيد محمد علي طبار الهوا، وسعدون الحاج حمد العامري، وحبيب العامري، وعبد عويد العامري، وعبد محمد الحمامچي، وكريم بن علي الطيار النداف، وعبد حميمة النداف - وهو عبد بيت
زوين -.
ومن محلة المشراق: حضر السيد جبر بن أخت الحاج نجم، والسيد حمد حمال الجنايز، ومحمد الحاج حسين الصنم - وهو شبانه، موظف عند الإنكليز -، وكل واحد من هؤلاء كلّف بأن يفاتح جماعة من معارفه ويضمّهم إليه بعد القسم دون أن يعلموا بالآخرين.
وقد جرى ذلك بكل سرعة وكتمان؛ لاستعجال الحاج نجم، ولئلاّ تنكشف المؤامرة إذا طالت مدّة التكتّلات )(1) .
والظاهر أنّ هذه التكتّلات، إذا استثنينا بعض خواص الحاج نجم وموضع ثقته، فإنّها قد تمّت ضمن مدّة لا تزيد عن الخمسة عشر يوماً. ومع ذلك، لم يجر ذكر نوع العمل المطلوب إلاّ في الاجتماع المكرّس لهذا الغرض، في اليوم السابق ليوم الحادث؛ لأنّ الحاج نجم هذا، كما يبدو من حركاته وسكناته معهم، من الدهاة العارفين بطبائع الناس وعادات المجتمع الذي يعيشون فيه.
وعن الحاج نجم هذا يقول المرحوم يوسف رجيب:
( إنّ الحاج نجم قد نيف على الستين، وقد أسرع إليه الهرم إسراعاً، ضعيف الجسم هزيله، متوسّط القامة، أسمر الوجه، وخطّه الشيب واشتعل به رأسه، وكان يخضب لحيته بالـ ( وسمة )، ويرتدي العقال اللف على الكوفية المستعملة بين سواد الشعب، لباسه ساذج وعيشه جشب، رقيق اللسان، يحب الخير ويحبّه الناس لخلقه الرضي، وسلوكه الوقر، ورزانته في منطقه ومعاملته أظهر ما فيه، ولن يعرف عنه المتّصلون به والمتردّدون على حانوته إلاّ كلّ جميل، من لسان عفيف، وتعامل سليم لا غش فيه، ولا تطفيف في ميزانه، وشأنه شأن الكثير من أمثاله الذي يدركون هذه السن، سنّ الكهولة، من إقبال على الأُخرى وعزوف عن هذه الدنيا وحطامها الفاني.
وكان الحاج نجم بقّالاً قد اتخذ حانوتاً له في رأس السوق الكبيرة في النجف، وكان حانوته هذا مملحة يباع فيها الملح على عهد الحكومة العثمانية، وبعد ثورة النجف على
____________________
(1) انتهى حديث السيد عودة الشكري مع الأُستاذ حسن الأسدي، انظر: ثورة النجف 240 - 241.
الأتراك، وتقلّص ظل هذه الحكومة؛ استولى الحاج نجم على هذه المملحة وجعلها مثابة رزقه، يبيع فيها الرطب واللبن وبعض الخضر، وظل على منواله هذا ردحاً من الزمن، منصرفاً إلى كسب قوته اليومي من ربح ضئيل يسدّ به رمق عائلته )(1) .
وقد كان الحاج نجم هذا يزداد حماساً كلما اقتربت نهاية الأتراك في العراق، بالنظر للخسائر المتلاحقة التي كانوا يمنون بها في شمال العراق يوماً بعد يوم، وكان يريد الاستعجال بثورة النجف؛ ليثور الفرات الأوسط ويضرب الإنكليز من الوراء، فيقوّي الأتراك عليهم، ويصبح في إمكانهم إمداد النجف بالمساعدات العسكرية؛ ذلك لأنّه يعرف من مذكّرات جمعية النهضة الإسلامية السريّة، بأنّ النجف عندما تثور ستثور جميع عشائر الفرات الأوسط، حسب المقرّرات السرّية التي تسالم عليها زعماء بغداد والنجف وزعماء عشائر الفرات. غير أنّ هذه المقرّرات كانت تشترط أنّ ساعة الصفر في ثورة النجف يجب أن تقرّر من قبل هذه الجهات الثلاث. فلا تثور النجف إلاّ بعد أن يجتمع رجال بغداد والنجف، وزعماء العشائر، ويقرّرون الوقت المناسب لذلك، بعد اكتمال جميع الاستعدادات.
ولكنّ الحاج نجم، على ما يظهر، قد اتفق مع الجهات التركية، التي كان ابنه عباس وسيطاً بينها وبينه، وربّما دون علم الجمعية، على تقديم ساعة الصفر لتخفيف الضغط على الأتراك في شمال العراق، ولكنّ العشائر سرعان ما أدرك زعماؤها جلية الأمر، فتجنّبوا المشاركة في الثورة؛ لعدم استكمالهم الاستعدادات التي هي قيد التحضير والمفاوضات.
وعلى كل حال، فإنّ الحاج نجم وجد نفسه مضطرّاً لتقديم ساعة الصفر، مهما كلّف الأمر، لمساعدة الأتراك المسلمين؛ لذلك نشط في الأيام الأخيرة نشاطاً غريباً في الاتصال ببعض الزعماء داخل النجف وخارجها، بنفسه أو بواسطة بعض المتحمّسين الآخرين الذين لا صلة لهم بالأتراك، وبعد أن اعتقد بنضج دعوته، حسب تقديراته وتقديرات المتحمّسين الآخرين، طلب إلى خلايا الجمعية الفرعية الاجتماع في مساء اليوم الثامن عشر من آذار 1918، في دارٍ بابُها من محلّة العمارة وظهرُها على الحويش،
____________________
(1) مجلة الاعتدال النجفية - السنة الخامسة 1358هـ / 1939م، العدد 4 ص211.
وهي دار كبيرة تعود للسادة آل زوين، وكانت تسكنها آنذاك إحدى نساء آل زوين ( الحجيّة ) ومعها وصيفتها العبدة السوداء المدعوّة ( حميمة )، وابنها المدعو ( عبد حميمة )، وهو أحد أعضاء الجمعية السرية الفرعية داخل جمعية النهضة الإسلامية.
وفي هذه الدار كانت تُعقد أكثر الاجتماعات، وقد لبّى الدعوة لهذا الاجتماع أكثر من مئة عضو، وقيل بل كانوا حوالي المائتين من الأعضاء الشجعان المتحمّسين ضد الإنكليز، وجلّهم من الشباب.
وبعد المداولات تقرّر الهجوم فجر اليوم التالي على سراي الحكومة ( خان عطية ) والاستيلاء عليه، بعد قتل جميع مَن فيه، وبخاصة الحاكم الإنكليزي، ووثّقوا مقرّراتهم هذه بالأيمان المغلّظة، وتقاسم الحاضرون الأعمال فيما بينهم، والظاهر أنّ الحاج نجم أراد بفعلته هذه حمل الإنكليز على ضرب النجف؛ فيثور الفرات ويضرب الجيوش الإنكليزية من الخلف.
ويبدو أنّ هذا هو ما اتفق عليه مع الأتراك ابنه عباس، الذي سبق أن هرب والتحق بأعجمي السعدون بعد دخول الإنكليز إلى أبي صخير، حيث قد أُرسل من قِبل جمعية النهضة الإسلامية في 15 صفر 1336 إلى البادية يحمل ثلاثة كتب:
أحدها: إلى القائد نور الدين.
والثاني: إلى محمد العصيمي، وكلاهما في عانة.
والثالث: إلى عجمي السعدون، ليهيّئ له السفر إلى عانة.
ولم تفصح الأحداث والمذكّرات، هل إنّه عاد بجواب منهم أم لا؟ فالمتواتر أنّ عباس لم يعد من سفره هذا، وإنّما بقي هناك وانسحب مع الأتراك إلى استانبول، وبقي مقيماً فيها إلى أن توفّي ودُفن هناك.
( بدأ الاجتماع في دار ( الحجيّة ) المذكورة في الساعة الثالثة بعد الغروب، كحفلة من حفلات الأعراس، وفي الساعة الخامسة حضر الاجتماع شخصان لم نكن نعرف قبل ذلك أنّهما من أعضاء الجمعية، ولم يقوما بأيّ عمل بعد ذلك، هما: ميرزا عباس الخليلي، والسيد جعفر الصايغ.
وكان الحاضرون يغنّون ويرقصون ويدقّون على الطبول للتضليل، بينما كان الرؤوس يتذاكرون في الهجوم على الخان في فجر تلك الليلة، وبعد أن استقر
الشخصان قدّما للحاج نجم ظرفاً معنوناً بالإنكليزية إلى حاكم النجف السياسي الكابتن مارشال، وهو الكتاب الذي يجب أن ندخل بحجّته إلى الخان.
وفي الساعة السادسة بعد الغروب خرجنا جميعاً من الدار، ولمّا وصلنا ( رأس أربع عگود ) قرب بيت علي بيج بالعمارة، تفرّقنا لنجتمع خارج السور في مقام المهدي (ع).
فذهب قسم منّا إلى مقام زين العابدين، فالثلمة، فخارج السور، إلى مقام المهدي.
والقسم الثاني ذهب إلى ( القولة ) التي فيها دار خطّار العبد - وهو من عبيد آل الشيخ راضي - في العمارة، ونزلوا منها إلى خارج السور، فمقام المهدي - وكان المتحدّث عودة الشكري مع هؤلاء -.
وقد خرجنا من الدار ونحن حوالي المئتين، ووصلنا إلى مقام المهدي، ونحن حوالي خمسة والسبعين شخصاً، حيث لم يحضر غير المسلّحين، وبعد استراحة قصيرة تفرّقنا للاجتماع في مقبرة السيد علوي على السكّة الحديد على رأس ( الچري )، أي في الجهة المقابلة للخان، وعلى بعد حوالي الكيلومتر منه إلى جهة الكوفة.
ولما اجتمعنا في هذه المقبرة كان عددنا سبعة وعشرين شخصاً كلّنا مسلّحون بالبنادق. وهؤلاء هم:
1 - الحاج نجم البقّال. 2 - عودة الشكري. 3 - عبد حميمة. 4 - مجيد دعيبل. 5 - جودي ناجي. 6 - محسن أبو غنيم. 7 - السيد جاسم طبار الهوه. 8 - صادق الأديب. 9 - حميد عيسى حبيبان. 10 - حسين گنو - ابن خالة حميد حبيبان. 11 - مطرود الچعباوي. |
12 - هادي الحسن الحدّاد. 13 - السيد جبر - ابن أخت الحاج نجم -. 14 - السيد حمد - ابن بنت الحاج نجم -. 15 - محمد الصنم. 16 - عبود صخيلة. 17 - حبيب العامري. 18 - سعدون العامري. 19 - عبد عويد العامري. 20 - خطّار العبد. 21 - حميد أبو السبزي. 22 - عبد الحمامي. |
23 - حبيب - صانع السيد منصور الرفيعي -.
24 - كريم الطيّار الندّاف.
25 - حسين كور - الملقّب بحسين الدب -.
26 - مشكور بن بچاي العامري.
27 - السيد مهدي السيد حمادي )(1) .
خان عطية - مخطّط توضيحي
الأسهم تشير إلى تقدّم الثوّار حيث مقتل الحاكم
____________________
(1) انتهى كلام السيد عودة الشكري، وهذا ما أورده الأُستاذ حسن الأسدي في ( ثورة النجف ) ص245. أمّا السيد محمد علي كمال الدين، فقد أورد في كتابه ( النجف في ربع قرن ) ص209 - 210، أنّ عددهم سبعة عشر، وهم:
1 - الحاج نجم البقّال. 2 - محسن أبو غنيم. 3 - مجيد بن الحاج مهدي دعيبل. 4 - حميد عيسى حبيبان. 5 - عبد حميمة. |
6 - علوان البودليهم الفتلاوي. 7 - عبد الحمامحي. 8 - سعد العامري. 9 - صادق الأديب. 10 - شمران العامري. |
=
وهنا حدث شيء طفيف من الاختلاف، حيث إنّ المجتمعين بعد أن غادروا الدار؛ تسلّل المسلحون منهم إلى خارج السور واجتمعوا في مقام المهدي (ع)، وعند الاجتماع ظهر أنّ بعضهم قد تخلّف عن الحضور. كما خطرت في أذهان بعضهم خاطرة دفعت بهم إلى التردّد، وطلب تأجيل التنفيذ إلى أن يتم الاتفاق مع زعماء الفرات، كما هو مقرّر من قِبل العلماء. حيث لا فائدة من ثورة في النجف لم تصحبها ثورات متتابعة في كل مكان من العراق، أو في الفرات على أقل تقدير، أمّا أن تثور النجف وحدها - مهما بلغ نجاح ثورتها - فإنّها تُقمع في النهاية إذا بقيت منعزلة عن غيرها.
ولكنّ هذه الخاطرة لم تؤيّدها سوى قلّة استعملت عقلها في تلك الساعة، أمّا الأكثريّة فقد تملّكها الحماس فاستنكرت التردّد واستبعدت التأجيل، فتقرّر تنفيذ المخطّط الموضوع.
عند ذلك اختير أشجع المتحمّسين ليهاجموا الخان، على رأسهم الحاج نجم المذكور، وقد كلّف هؤلاء بالتسلّل إلى مقبرة السيد علوي، قرب خان عطية، ليباشروا الهجوم منها على الخان، أمّا الباقون فإنّهم كُلّفوا بالانتشار حول الخان لإسناد الهجوم.
وقد تمّ الهجوم فعلاً في صباح الثلاثاء 6 جمادى الثانية 1336هـ / 19 آذار 1918م، وقُتل الكابتن مارشال وانسحب المهاجمون.
أمّا عن كيفيّة الهجوم وتفاصيله، فيقول السيد عودة، وهو أحد المشاركين في الهجوم:
( عندما اجتمعنا في مقبرة السيد علوي أرسلني الحاج نجم إلى ( الجابية ) التي هي
____________________
= 11 - حميد أحمد ياسين أبو السبزي.
12 - السيد جعفر السيد حسن الصائغ.
13 - حسن من البوجوري.
14 - حبيب بن جاسم خضير.
15 - خطّار بن سلطان البديري.
16 - جودي ناجي.
17 - جاسم السيد محمد علي طبار الهوا.
كما أضاف السيد عبد الرزاق الحسني عدداً واحداً هو: السيد مجيد طبار الهوا.
انظر: ( ثورة النجف ) ص36.
بالقرب من الخان لأقف مصليّاً صلاة الصبح هناك لكي أراقب فتح باب الخان، فإذا فُتحت أُنهي صلاتي، وأنفض عباءتي، لنبدأ بتنفيذ مخطّط الهجوم.
وقد فُتح الباب مع شروق الشمس فأنهيت صلاتي، ونفضت عباءتي، فأدركوا أنّ الباب قد فُتح، فتقدّم الحاج نجم، ومجيد دعيبل نحو الباب، وبيد الحاج نجم الظرف المعنون بالإنكليزية إلى معاون الحاكم السياسي مارشال.
ولمّا اقتربا من الخان التحقت بهما، وعندما وصلنا إلى النوبچي ( الحارس ) قدّم له الكتاب، وكنّا بلباس الشبانة، ولمّا تسلّم الحارس الكتاب أوعز لنا الحاج نجم بإسكاته، فأسكته مجيد دعيبل بطلقة من بندقيّته في صدره، ودخلنا الخان، عندما دخلنا الخان تجمّعنا في المدخل وتقاسمنا الأعمال واتجهنا في اتجاهين رئيسين:
أحدهما نحو البرج للسيطرة عليه.
والثاني نحو الكريدور الأيسر الذي تقع فيه الغرفة التي ينام فيها الكابتن مارشال.
ففي مقدّمة الكريدور من اليسار تقع غرفة لها باب على الكريدور وشبّاك على الشارع وآخر على المدخل، وهي الغرفة المتخذَة للإدارة وفيها التلفون، وهذه الغرفة مقسومة إلى قسمين: قسم له وقسم للكتّاب.
وتقابل هذه الغرفة غرفة أُخرى لها باب على الكريدور، وشبّاك على المدخل، وآخر على باحة الخان.
وهذه الغرفة أيضاً مقسومة إلى قسمين: قسم لنومه وقسم للضيوف.
والذي سبّب فشل الهجوم هو أنّ ضابط العمل أحسّ بالمهاجمين قبل أن تصل الجماعة الأُخرى إلى البرج، أو أنّ الجماعة الأُولى قد استعجلت في دخول غرفة ضابط العمل الذي أطلق عليها النار فانتبه الكابتن مارشال وخرج من غرفته متجهاً نحو غرفة التلفون فأطلقت عليه النار فخرّ صريعاً على باب الغرفة، كما انتبه حرّاس البرج وأخذوا مواقعهم، ففشل ( الهجوم ) وممّا يبدو أنّ المعركة لم تطل مدّتها أكثر من ربع الساعة، ولم تتجاوز ساحتها المدخل والكريدور الأيسر.
أمّا الأُستاذ محمد علي كمال الدين، فقد وصف بداية الهجوم بما ملخّصه(1) : ( لقد
____________________
(1) النجف في ربع قرن ص210.
طرق الحاج نجم باب السراي وهو مسدود، فسأله الحارس الهندي من وراء الباب: مَن أنت؟ فردّ عليه بأنّه بريدي ( بوسطچي ) وسمى نفسه حسن الگصراوي - وكان حسن هذا شرطيّاً محلّياً من أهل الگصور في بادية النجف ومهمّته نقل البريد - وعندما فتح الهندي الباب عاجله محسن أبو غنيم بطعنة خنجر أردته قتيلاً ).
عندما قُتل الهندي تقدّم الجميع إلى الخان ودخلوه.
وفي المدخل نفّذ الحاج نجم المخطّط الموضوع للهجوم، فتوجّه جماعة نحو برج الخان المسيطر على جميع المنطقة، إذ لابد من الاستيلاء عليه قبل كل شيء، ثم تقدّم آخرون نحو منام الكابتن مارشال وضابط العمل الذي أحس بالخطر؛ فتبادل النار مع الداخلين عليه، فاستيقظ الكابتن مارشال وخرج من غرفته، واتجه نحو غرفة التلفون، فأطلق المهاجمون النار عليه وخرّ صريعاً على باب غرفة الدائرة التي فيها التلفون.
وقد تسبّب تبادل إطلاق النار في فشل خطّة الاستيلاء على البرج، حيث أحسّ حرّاس البرج وأخذوا مواقعهم التي أصلوا المهاجمين منها ناراً حامية اضطرّوا معها للهرب، بعد أن أُصيب أربعة منهم.
وقد استطاع المصابون أن يتخلّصوا جميعاً، عدا حسين گنو الذي سقط ميتاً فتركوه بعد أخذ سلاحه.
وعن كيفيّة الانسحاب بعد فشل الهجوم، يقول السيد عودة الشكري المشارك معهم في الهجوم في وصف الانسحاب: ( بعد سيطرة الحرّاس على البرج، وسقوط عدد من المهاجمين بين قتيل وجريح، وفشل الهجوم اضطررنا للانسحاب ).
أمّا عن المصابين فيقول: ( هم:
حسين گنو، وقد قُتل وتُرك هناك بعد أخذ سلاحه.
وحميد حبيبان، أُصيب في كعب رجله فانسحب واختفى إلى ما بعد فكّ الحصار وصدور العفو العام.
وأُصيب كذلك، حبيب مانع السيد منصور الرفيعي، فخرج واتجه نحو المدينة.
كما أُصيب عبد الحمامي بصلية رشاش في كتفيه، فكانت فيه حوالي إحدى عشرة طلقة غير مميتة، وقد شُفي فعلاً بعد إخراج الرصاص، وسُفّر إلى سمرپور بعد محاكمته،
وهناك قُتل قتلة شنيعة، ودُفن قرب معتلقه في الهند(1) .
هؤلاء هم المصابون في الخان.
إلاّ أنّ المهاجمين عندما انسحبوا خارجين من المدخل الذي دخلوا منه، واتجهوا نحو المدينة، قابلهم الشبانة ( محمد ثالثة ) قادماً من بيته عند سماع الرصاص، وأطلق عليهم النار من بندقيته فجرح ( صادق الأديب ) وتوفّي بعد ثلاثة أيام ).
أمّا الذين نجو من إلقاء القبض عليهم، عن طريق الاختفاء، فهم:
عودة الشكري.
والسيد مهدي السيد حمادي.
وحميد عيسى حبيبان(2) .
وكريم الطيّار الندّاف.
هذا ما ورد على ألسنة ومذكّرات الثائرين.
أمّا السر أرنولد ولسن فإنّه يصف الهجوم على الخان بقوله: ( وفي الصباح الباكر ليوم 19 آذار 1918، تنكّر عدد من النجفيين بلباس الشبانة، وتمكّنوا من الدخول إلى خان عطية، بعد أن تخلّصوا من الحارس، وقتلوا المسكين مارشال، وجرحوا ضابط العمل الذي كان معه جرحاً بليغاً، وتمكّن الحرس البنجابي من طرد الثائرين، وقد وصل الكابتن بلفور من الكوفة ودخل المدينة، وبالرغم من إطلاق النار الشديد، نجح في إخراج نصف قوّة البوليس التي قتل منها اثنان، والتجأ الباقون إلى دار السيد مهدي السيد سلمان )(3) .
كان الحاج نجم أثبت المهاجمين جناناً وأكثرهم رباطة جأش، سواء أثناء التخطيط أو وقت الهجوم أو بعد الانسحاب، عندما عاد بعد الهجوم وفتح دكّانه وكأنّه كان قائماً بعمل طبيعي مألوف.
وعن هذا الخلق المتين يقول المرحوم يوسف رجيب:
( وإن أنس شيئاً فلست بناسٍ ما رأيته عياناً من مظاهر هذا البطل، الحاج نجم، وهو
____________________
(1) انظر: ثورة النجف للأسدي، ص396.
(2) اختفى حميد عيسى حبيبان في دار صهرهم المدعو ( كربول ) البقّال في الحويش، ولم يسلّم نفسه إلى أن صدر العفو العام.
(3) بلاد ما بين النهرين، 2/267..
ساكن الظل ثابت الجأش، وهو مقدم على مصارعة الموت في غزوة لا تعرف مغبّتها، بقلب أصلب من الصخر، وإرادة تفل الحديد وتدكّ الحواجز، لتعبر على جسر الموت.
كنت في ذلك المساء ليلة 19، واقفاً حيال دكّان هذا الكهل الجبّار، وهو يغلق حانوته جرياً على عادته في كل أماسي أيامه، ثم أقبل علينا بوجهه الضاحك، آمن السرب، معتدّاً للأمر الجليل بالعزم الجليل، وبيده ( صرّة ) لا ندري ما بها، فعرض علينا أن نأخذ ممّا بها مقدار ما نحب، وكانت كميّة من ( الكمأة ) مهداة إليه في فصل ذلك الربيع، ولكنّنا شكرناه على تفضّله، فودّعناه وانصرف سمت الحرم الحيدري المقدّس، وكانت تلك هجيراه، فإنّه في كل ليلة يذهب مبادراً إلى أداء فريضة الصلاة مغرباً وعشاءً، عند ضريح الإمام علي (عليه السلام)، ثم يتشرّف بالزيارة، ويقفل إلى بيته لاستراحته ونومه.
وما عسى أن يعلم الناس عن كهل متهدّم الجسم، غير القيام على كسب القوت والعكوف في ليله في مخدعه، يستجم به قواه.
وللقارئ أن يتأمّل، وأن يتفرّس في قلب ذلك الرجل الحديدي وقلوب أصحابه، فإنّه بعد ذلك الاقتحام، بعد بذلهم مجهودات شاقّة مضنية في ليلتهم تلك حتى صباحها، يعودون إلى منازلهم فيخلعون لباس الحرب ويخرجون إلى الأسواق لمزاولة أعمالهم، من غير خشية ولا رهبة من حساب.
وناهيك ببسالة هذا البطل الحاج نجم - رحمه الله - فإنّه يسرع إلى دكّانه ثابت الجأش صلب العزم، فيفتحه كعادته، وابتسامته هي هي، لم تفارق محيّاه، كأنّ الأهوال صناعته، لا التمور والفاكهة حرفته!! وتلك غاية البسالة ومنتهى الرجولة ولله أبوه.. فإنّ في الناس مَن يرتج عليه وتتخاذل مفاصله إذا وقف يلقي كلاماً على جمع من الأطفال، فكيف برجل يتسلّل من هيجاء معضلة، ويفلت من شرك الحِمام بعد أن يقع على جبهة الموت، ثم يزاول بيع التمر بعد لحظات معدودات من انسلاله من ذلك الهول العظيم..
وإن أنسه فلست بناسيه، في صبيحة ذلك الحادث، فقد رأيته مثله في مساء ليلته: ضاحك السنّ آمن الروع، وبيده جريدة نخل يذود بها الذباب المجتمع على تمره! وكان كأنّه أحد الناس الغافلين، جاهلاً بما أهاج الناس وأفزعهم، سائلاً مثل غيره، عن
أسباب الطلقات النارية، ومَن الفاعل؟! هكذا كان يسأل الناس، وكان هو أبا عذرة ذلك الحادث وبطل تلك المغامرة، وهكذا فلتكن الرجال، طلاب المجد والانتقام )(1) .
أمّا المرحوم الشبيبي فإنّه يصف الحاج نجم هذا بقوله: ( ما عدا الحاج نجم فإنّه وحده في عشر الستين.. وهو أصلع الرأس، أزجّ الحاجبين، واسع العينين، حاد النظر، وقور، ساكن الطائر، قليل الدعوى، يخضب بالسواد، وكان تمّاراً أو بقّالاً، فإنّ النجفيين يدعونه حاج نجم البقّال )(2) .
وعندما أخفق المهاجمون في الاستيلاء على البرج واضطرّوا للانسحاب، عاد كل منهم إلى عمله يزاوله كالعادة، وفتح الحاج نجم دكّانه وجلس يطرد الذباب عن بضاعته بمذبّته الطويلة، وهو يقول: ( سوّوها آل براك!؟ ). أي فعلها آل براك، وكأنّه لا يعلم عن الأمر شيئاً، كما لم يبد عليه أي نوع من الارتباك، وآل براك الذين حاول الحاج نجم أن يوجّه أنظار الناس إليهم في هذا الحادث، هم جماعة رئيسهم دغيم آل براك، وهو ينتسب إلى الرواشد ( من الخزاعل الذين يرأسهم محمد آل عبطان )، يسكنون جنوب الكوفة على الضفة اليمنى من النهر، يربّون الأغنام والأبقار ويزرعون على ضفاف النهر، ويقال: إنّ الحاج نجم قد فاوضهم في الأمر، فيمَن فاوض من العشائر القريبة، ولكنّهم رفضوا طلبه وتنكّروا له؛ فأراد أن ينتقم منهم بترويج هذه الإشاعة.
أمّا النجف، فقد استيقظت مذعورة من دويّ المدافع وإطلاق الرصاص، وراح الناس يضربون أخماساً بأسداس، وهم في حالة من القلق الشديد، قلقون على أنفسهم، قلقون على مدينتهم المقدّسة أن تُمسّ بأذى، قلقون على مَن يعج بهم البلد من الزائرين، خاصة وأنّ إطلاق الناس مستمر على النجف من سراي الحكومة ومن الخان؛ الأمر الذي ذهب ضحيّته كثير من الأبرياء. وقد دام إطلاق النار أكثر من ساعة، دون أن يرد عليها أحد، فالتبس الأمر على الناس وراجت مختلف الإشاعات، ولكنّها أخيراً كادت أن تستقر على أنّ جماعة من العشائر القاطنة في أطراف النجف، من أمثال آل
____________________
(1) مجلة الاعتدال - المصدر السابق ص217 - 218.
(2) مذكّرات الشبيبي ص322.
برّاك، وغيرهم، قد هاجموا سراي الحكومة؛ فهدأت الحال نسبياً، وفتحت الحوانيت أبوابها وانصرف الناس إلى أعمالهم، ولكن وجلين مترقّبين، كأنّهم يتوقّعون أمراً لا اطمئنان لهم فيه، فهنا جماعة، وهناك أُخرى، وهناك ثالثة، وهناك جماعات منتشرة في كل مكان، تتساءل وتتهامس، وتشكّك في ما استقر عليه الرأي من أنّ جماعة من العشائر هاجمت سراي الحكومة، وكلّهم لا يزالون يبحثون عن الحقيقة، ويفتشون عن السرّ وراء هذه الحركات، ولكن دون جدوى؛ لأنّ الخطّة كانت من الإحكام والكتمان، بحيث لم يستطع أي أحدٍ أو جهة الاطلاع على أيّة شاردة منها، خاصة وأنّ تنفيذ المخطّط قد بُوشر به حالاً بعد اتخاذ القرار، يضاف إلى ذلك: أنّ الخاصة من النجفيين المعنيّين يعلمون حق العلم بأنّ الثورة المقرّرة على الإنكليز لم يأن أوانها بعد، ولم يُتخذ حتى الآن قرار بساعة الصفر.
ذلك لأنّ الاتصالات بزعماء العشائر ورجالات بغداد لا تزال في بداياتها، حتى أنّ كاظم صُبّي، وكريم الحاج سعد، هذين الزعيمين الفذّين اكتويا بنار هذه الثورة وأُعدما بسببها، لم يكونا واقفين على جليّة الأمر؛ لأنّ كريماً في البادية، حيث التحق بالحاج عطية، أمّا كاظم صبي فما كان المتآمرون يجرأون على الاتصال به في هذا الشأن، غير أنّه كان يحس بوجود حركة غير اعتيادية بين بعض المسلّحين من الشبّان المتحمّسين.
ولكن بعد أو تورّطت النجف والنجفيون، فلابد من الاشتراك في الثورة مهما كلّف الأمر، وفعلاً كان كاظم في المقدّمة، وعاد كريم من البادية لخوض معاركها وغيرهم من الزعماء الآخرين، خاصة وأنّ النجف كلّها كانت ناقمة على الإنكليز، وعلى بلفور بصورة خاصة لتصرّفاته الرعناء.
لقد مرّ على النجف، وهي في وجوم شامل، أكثر من ثلاث ساعات، عندما وصل إليها من الكوفة الحاكم السياسي بلفور، على رأس قوّة كبيرة من المدرّعات والمدافع الرشّاشة والجنود.
وعند وصول القوّة إلى الباب الرئيسة من سور النجف، الباب الكبير النافذة إلى الميدان، انتشر قسم منها حول السور، ودخل الباقون ليجتمعوا في الميدان أمام السراي الذي دخل إليه بلفور، وأرسل على بعض الوجوه والزعماء.
وقد أظهر له هؤلاء استغرابهم من الحادث، ونفوا أن يكون المهاجمون من
النجفيين، وطلبوا إليه أن يتجوّل في النجف ليرى أنّها على عادتها، وأنّ كل شيءٍ فيها طبيعي واعتيادي.
عند ذلك جمع بلفور شرطته وطلب منهم أن يتجوّلوا في المحلاّت والأسواق، ثم ذهب هو يتجوّل أيضاً ومعه حرسه، وجماعة من الوجوه، والزعماء، الذين جعلوا يقنعونه بأنّ النجف براء من هذا الحادث، وأنّ المهاجمين ليسوا من النجفيين قطعاً.
وقد اقتنع بلفور أو كاد، بأنّ الحركة ليست نجفية، وأنّ القائمين بها من غير النجفيين، ولكن سرعان ما تبدّدت هذه القناعة، وارتسمت على وجهه ووجوه النجفيين علامات الدهشة والاستغراب، وهو بعد لم ينه تجواله في المدينة، فإنّ أحمد، ومحسن ولدي الحاج سعد الحاج راضي، وكانا جالسين في مقهى ( ما شاء الله ) في سوق المشراق بسلاحيهما، ومرّت دورية من الشرطة وطلبت إليهما نزع سلاحيهما فرفضا، وبعد حوار وشجار، أطلق الأخوان النار على الدورية وقتلا اثنين منها.
وسمع بلفور وجماعته صوت الرصاص يلعلع قبل أن تأتيه أخباره، وبينما هو في دهشته ممّا يسمع ويتصفّح وجوه الحاضرين، إذا بالمخبر يسرع إليه ليوقفه على جليّة الأمر ويطلعه على حقيقة الحال، عند ذلك قفل بلفور راجعاً وتفرّق مَن كان حوله من النجفيين.
هذا ما شاع في وقته، أمّا المعروف بين النجفيين أنّ الذين قتلا الشرطيين هما: راضي الحاج سعد، وسعيد العبد، ولكن نكاية بالحاج سعد، ثُبّت القتل رسميّاً على محسن وأحمد؛ لأنّ والدهما كان يحبّهما كثيراً.
أمّا الحقيقة فهي كما يرويها القاتل الحقيقي الشيخ راضي الحاج سعد(1) ، يقول:
( كان والدي قد أرسلني إلى البصرة، ومعي بشير عبد شبادة، للمتاجرة وجلب البضائع منها إلى النجف، وقبل قتل مارشال بيوم واحد، وصلنا عائدين من البصرة ومعنا ثلاث سفن محمّلة بالبضائع إلى أبي صخير، ولمّا كان الوقت موسم زيارة ( الدخول ) في النجف، تركت السفن في ( چاير ) مبدر وذهبت إلى النجف في فجر يوم الحادث.
وعندما وصلنا إلى منتصف الطريق التقينا بالزائرين الفارّين من النجف قبل إحكام
____________________
(1) رواها الشيخ راضي للأُستاذ حسن الأسدي، بتاريخ 27 صفر 1389هـ / 15 مايس 1969م في النجف.
الطوق عليها؛ ومنهم علمنا بالحادث، وأنّ الدخول إلى النجف لا يمكن إلاّ من جهة بحر النجف، لسيطرة الجيش على الأبواب الأُخرى. وفعلاً أسرعنا ودخلنا النجف بعد شروق الشمس بحوالي الساعة.
ولمّا ذهبت إلى البيت لاستطلاع جليّة الحال، التقيت بأخي محسن وطلب منّي أن نذهب إلى شرطيين كانا جالسين في مقهى صغير في سوق المشراق مقابل ( حمّام أبو جحرين ) ونأخذ بندقيّتيهما، فتلكّأت في بادئ الأمر، فأصرّ محسن، فوافقت مكرهاً وذهبنا إليهما، وبعد أن طلب محسن منهما أن يعطياه بندقيّتيهما رفضا وسحب أحدهما ( قامة ) كان متّشحاً بها وكاد أن يقتله، فأوعز إليّ بضربهما، فأطلقت عليهما النار من بندقيتي فأرديتهما قتيلين.
عند ذلك ذهب الخبر إلى بلفور الذي كان يتجوّل في الأسواق، ومعه والدي الحاج سعد، وبقيّة الزعماء والوجوه.
فالتفت بلفور إلى والدي وأنبّه بكلمات قاسية فتألّم والدي؛ لأنّه لا يعلم عن الأمر شيئاً، وانسحب بعد أن أغلظ القول إلى بلفور، فلمّا علمنا بما حصل لوالدي تجمّعنا حالاً وتعقّبنا بلفور إلى أن لحقنا به في الميدان فأطلقنا عليه ( صلية ) من بنادقنا فلم نصبه، ونجا بأُعجوبة ).
ومن هذا يتّضح أنّ قاتل الشرطيين الذي سبّب انكشاف الأمر وحصار النجف، هو راضي الحاج سعد، بتحريض من أخيه محسن.
أمّا أحمد الذي شُنق فليس له أي دور ولا أيّة صلة في الموضوع.
وبذلك أُدين البوحاج راضي بالحادث كله، في حين أنّهم لا يعلمون عن مقتل مارشال شيئاً.
ولكن بلفور اقتنع بمسؤوليتهم عن كل شيء، الأمر الذي اضطر معه الحاج سعد إلى تحريض النجفيين على مقاومة الحكومة مهما كلّف الأمر، خاصة وأنّ ولده كريماً مطلوب من الإنكليز، وقد فرّ إلى خارج النجف والتحق بعطية في البادية.
لذلك فإنّ البوحاج راضي عندما عادوا من الميدان، وتجمّع حولهم عدد من النجفيين، راحوا يتعقّبون الشرطة ويجرّدونهم من سلاحهم دون إلحاق الأذى بهم، وكان معظمهم من الأكراد الإيرانيين ومن شرطة الكوت.
وقد تمّ احتجاز مَن أُلقي القبض عليهم من شرطة الكوت والموظّفين العراقيين، في دار السيد مهدي السيد سلمان الذي آواهم حتى نهاية الثورة، أمّا الباقون فقد سمح لهم بالالتحاق بالمعسكر أو الهرب إلى حيث يشاءون، بعد تجريدهم من السلاح.
وعندما وصلت أخبار الحادث إلى علم المرجع الديني الأعلى السيد محمد كاظم اليزدي؛ أرسل في طلب السيد مهدي السيد سلمان، والحاج سعد الحاج راضي، والحاج محسن شلاش، وبعد مذاكرات ومشاورات، طلب السيد اليزدي من الحاج سعد تسليم ولديه أحمد ومحسن، وتعهّد بالمحافظة على حياتهما، غير أنّ الحاج سعد رفض الطلب وخرج ناقماً.
عند ذلك قرّر مقاومة الإنكليز، فقام بجولة قابل بها الشخصيات المهمّة من زعماء السلاح في النجف، وفي مقدّمتهم كاظم صبي، والبو گلل، وعباس علي الرمّاحي، وغيرهم من زعماء النجف الحربيين، فنخاهم واستثار حماسهم ضد الإنكليز الذين يريدون إلقاء القبض على أعز أولاده لإعدامهم مقابل الشرطيين؛ فانتخوا له واشتركوا فعلاً في الثورة التي ليس للحاج سعد ولا كاظم صبي، ولا لأي زعيم من زعماء النجف، يد في أساسها.
ولم يتخلّف عن مطاوعة الحاج سعد والانتخاء له من الزعماء النجفيين سوى السيد مهدي السيد سلمان، والحاج حسون شربة، وسماوي أبو شبع، وغيدان عدوة،، والسيد علي جريو، والحاج عبد الله الشمرتي، ومَن لفّ لفّهم.
أمّا أفراد العشائر الذين صادف وجودهم في النجف عند الثورة، بمناسبة زيارة ( الدخول )، فقد اشترك أكثرهم مع النجفيين، وخرج الحاج سعد مع جمهرة من النجفيين في تظاهرة كبيرة صاخبة، وهو يرتدي دشداشة وعليها ( جبّة ) من الشال الترمة، والسيف يتدلّى من على كتفه، والجميع يهوّسون ويردسون بحماس شديد، متجهين نحو دار كاظم صبي في محلّة العمارة، ولمّا وصلوا الدار ودخلوها، جعلوا يهوّسون في ( البراني ) - دار الضيوف - فخرج لهم كاظم صبي من ( الدخلاني ) - دار العائلة - ووقف على الطرمة الكبيرة وهو يهتز متجاوباً مع المهوّسين.
ثم رفع الحاج سعد يده فسكت الجميع، عند ذلك تقدّم الحاج سعد نحو كاظم صبي، وقال: ( اليوم يومك أبو جواد، أذهبه؟ ) - وهي كلمة تقال عند الاستنجاد والنخوة -
فأجابه كاظم صبي: ( عد وجهك أبو كريم ). وبإشارة منه خرج من الدخلاني عدد كبير من المسلّحين الزگرت واختلطوا مع الشمرت وراحوا يهوّسون، ثم خرجوا لأخذ مواقعهم الستراتيجية المعتادة في أمثال هذه الحوادث والأحوال.
كانت هذه البادرة ذات دلالة واضحة للآخرين على أنّ هؤلاء الزعماء، وهم الأكثرية، إمّا أن يكونوا المدبّرين لكل هذا الحادث، أو أنّهم تبنّوه لسببٍ من الأسباب.
فكان ذلك بمثابة الإعلان لجميع المسلّحين النجفيين، بضرورة الدفاع عن مدينتهم المقدّسة، فتجمّع حملة السلاح من جميع الأطراف من مدينة النجف، سوى قلّة من طرف الحويش وغيره، وأخذوا مواقعهم على عجل في تل الحويش، المشرف على النجف من الجهة الجنوبية الغربية، وفي جميع أبراج السور من جميع جهاته، وأغلقوا جميع أبوابه، وأقاموا حامياتهم على جميع الأبواب والكوى - الثلمات - الموجودة في السور، بلى قد اجتمعت كلمة مسلّحي النجف على ضرورة المقاومة، والاشتراك بالحركة للدفاع عن مدينتهم المقدّسة.
حيث وقف في ذلك اليوم كل من: السيد مهدي السيد سلمان، وسماوي أبو شبع، والحاج حسون شربة، وغيدان عدوة. ومنعوا أهل الحويش من الاشتراك في الثورة غير أنّ ألبو الحار، وفي مقدّمتهم سعيد ومسلط ومهدي أولاد حبيب الحار، وحمود الحار، ومحمد أبو شبع، وابنه جاسم، وجماعة من أقاربهم، وعبد الرزاق عدوة، وتومان عدوة، تمرّدوا على أُولئك الشيوخ واشتركوا مع النجفيين واستمرّوا معهم إلى النهاية.
عندما تنادى النجفيون للدفاع عن مدينتهم، بعد أن أحاطت بها جيوش الاحتلال وتوجّسوا منها خيفة، اجتمع الرؤساء وفي مقدّمتهم كاظم صبي، والحاج سعد الحاج راضي، وعباس علي الرمّاحي، وغيرهم، وشكّلوا قيادة للثورة، وراحوا يسجّلون أسماء المحاربين ويعيّنون لهم قادتهم وعرفاءهم، ويوزّعونهم في مواقعهم المقرّرة، ويزوّدونهم بالسلاح والعتاد.
وقد تشكّلت لجنة لجمع كل ما تحتاج إليه الثورة من مال وسلاح، ولكن الظاهر أنّهم لم يحتاجوا إلى شيء من ذلك؛ لأنّ اللجنة لم تجمع أي شيء من الناس طيلة أيام الثورة؛ ذلك لأنّ المحاربين من النجفيين يملك كل منهم سلاحه وعتاده، ولم تمض
الأيام الكافية من الثورة لنفاد العتاد، كما أنّ لدى الزعماء من السلاح والعتاد ما يكفي لتجهيز مَن لا يملكون السلاح من المحاربين.
أمّا المال فلم تحصل لهم حاجة إليه، سوى بعض النفقات التي كان يسدّدها الزعماء أنفسهم.
والمعروف أنّ الذين استجابوا لنداء الدفاع عن المدينة، من النجفيين المسلحين، بلغ حوالي الستمئة مسلّح، تقاسموا العمل بوجبتين: وجبة نهاريّة ووجبة ليليّة. وقد اندفعوا جميعاً، وبكل حماس، في أداء واجب الحراسة والدفاع، اندفاع المخلص الأمين المتفاني في سبيل دينه ودنياه؛ ولم يتطرّق الوهن إلى نفس أي واحد منهم طيلة أيام الكفاح، وكانت نارهم حامية على الأعداء، ويقظتهم مذهلة ومخيفة.
كل ذلك وهم ليسوا من المشاركين في أصل الحركة، ولا من الراضين عليها، ولكنّ الدفاع عن مدينتهم المقدّسة يتطلّب ذلك وأكثر منه.
وكان القرار الثاني الذي اتخذه الزعماء، وجوب الاتصال حالاً برؤساء العشائر وطلب مساعدتها، وكانت الخطوة الأُولى في تنفيذ هذا القرار: أن أرسلت مَن اخترق نطاق الحصار وهو يحمل الكتب إلى الرؤساء.
إزاء هذا الاندفاع الساخن، كان علماء الدين يرون أنّ المواجهة في هذه الظروف وعلى النحو الذي حصل، لا يحقّق أهداف الثورة المطلوبة، وأنّ المشروع الثوري قد فرضته حوادث متسارعة طارئة. بينما كانوا هم يخطّطون لثورة ممنهجة، يتفق على موعدها العلماء ورؤساء العشائر في منطقة الفرات الأوسط؛ لذلك حاول علماء الدين استيعاب الموقف، والعمل على تهدئة الأوضاع من أجل منع التصادم المسلّح مع الإنكليز؛ لعدم تكافؤ المواجهة في وقتٍ لم يحن موعده(1) .
لقد اعتبر معظم الباحثين موقف السيد اليزدي خلال هذه الحوادث مؤشّراً على
____________________
(1) أشار إلى ذلك السير أي. تي. ولسن في كتابه الثورة العراقية ص 137 بما نصّه:
(.. فلم يطع ولا رجل واحد منهم نصائح رجال الدين وتحذيراتهم، ولم تثنهم تنديدات أصدقائهم ومواطنيهم بهم في المقاهي، ولا توسّلات نسائهم المؤثّرة، عن الطريق المشرّف ( كذا ) الذي آثروا أن يسلكوه، واحتفظ كبار المجتهدين في النجف، على رأسهم السيد محمد كاظم اليزدي الوقور، بالصمت المخيف، لكنّ الطبقات الدنيا من رجال العرب كانت تتنافس مع الزعماء الوطنيين في مناشدة الجماهير، على أُسس دينية وطنية، وحضّها على استئصال شأفة الاحتلال العسكري ).
تعاطفه مع الإنكليز. وأنّه الوحيد من بين مراجع وعلماء الدين الشيعة الذي وقف في الاتجاه المضاد للثورة. وذهب بعضهم إلى أنّه خدم الإنكليز أيام الثورة. ولعلّ هذه التقييمات هي التي جعلت السيد اليزدي يُحاط بشكوك مكثّفة، تحاول أن تفسّر ما فعله وما لم يفعله من خلال التهمة الرائجة بالتعاطف مع الإنكليز. ليس في حوادث الثورة فحسب، بل قبلها وبعدها أيضاً؛ حتى أصبحت هذه الصورة مسلّمة تاريخية، وقاعدة يقيس عليها عدد من الباحثين حوادث التاريخ.
إنّ موقف السيد اليزدي خلال حوادث ثورة النجف، لا يختلف عن مواقف بقيّة علماء الدين الشيعة يومذاك، حيث كانوا يرون أنّ الثورة سبقت موعدها، وأنّ السيطرة عليها أمر مطلوب؛ لذلك لم تصدر أي فتوى بالجهاد لدعم الثورة من أي مرجع ديني آخر، بل إنّ مراجع وعلماء الشيعة، الذين اشتهروا بمعارضة الإنكليز، باتفاق المؤرّخين والباحثين والمهتمّين، مثل: الميرزا محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والشيخ مهدي الخالصي، وغيرهم، لم يصدر عنهم موقف عملي يشير إلى رغبتهم في تصاعد الحوادث أو استمرار الثورة في النجف.
وعلى هذا، فلا يختلف السيد اليزدي عن بقيّة مراجع وعلماء الشيعة في الموقف من الثورة، والذي يقوم على رؤية استوعبت الحادث، وقدّرت الظرف، واستشرفت المستقبل.
إنّ السيد اليزدي كان الأكثر نشاطاً من بقيّة المراجع، وعلماء الدين في محاولة الحفاظ على حياة الثوّار، والحيلولة دون تعرّضهم لانتقام الإنكليز، ومحاولة إقناع السلطات البريطانية بإصدار العفو العام عن كل الذين اشتركوا في الثورة بدءاً من مقتل الكابتن ( مارشال ) في 19 آذار 1918 وحتى أيام الثورة اللاحقة. وقد أدرك الثوّار أنفسهم دور السيد اليزدي من خلال تحرّكاته، وتعاطفه معهم؛ لذلك بادروا إلى تزويد منزله بالمواد الغذائية؛ ليتمكّن من مقاومة الحصار المضروب على النجف(1) .
أمّا الإنكليز، فإنّهم بعد مقتل الشرطيين وإطلاق النار على بلفور؛ قرّروا إحاطة
____________________
(1) دور علماء النجف ص158 - 159 عن مقابلة مع السيد عبد العزيز الطباطبائي في 21 رمضان 1414هـ / 4 آذار 1994م.
النجف مبدئياً بالقوى المتيسّرة لديهم، وطلب المزيد منها من الحلّة وبغداد، ومنع خروج أي إنسان من النجف؛ لذلك وضعوا حامياتهم على جميع أبواب السور، وراحت سيّاراتهم المسلّحة تدور حول المدينة، منتظرين للأوامر التي ستصل إليهم من بغداد، لا يستطيعون أن يتصرّفوا تجاه النجف بشيء إلاّ بعد الاتصال، حسب الأوامر المعطاة لهم مسبقاً.
وعلى هذا الأساس أبرقوا إلى بغداد بكل صغيرة وكبيرة ممّا حدث في اليوم الأول من الثورة، وطلبوا إرسال التعليمات، ثم استمرّوا يبرقون الأحداث ساعة بعد أُخرى، وينتظرون الأوامر في ما يجب أن يُتخذ من إجراءات.
وقد شرع حكّام الحلّة وبغداد يرسلون الإمدادات فور علمهم بالحادث، قبل أن تقرّر بغداد ماذا يجب أن يكون، وفعلاً تجمّعت في النجف قوّة كبيرة قبل أن تتخذ بغداد قرارها في اليوم الثاني والعشرين من مارت - وهو اليوم الرابع للحادث - بمحاصرة النجف وقطع كل شيء عنها حتى الماء.
وكان بلفور قد شرع بمفاوضات صورية مع النجفيين بواسطة السيد مهدي السيد سلمان، لغرض استكمال الاستعدادات البريطانية، حيث بدأت الجيوش التي وصلت النجف بالاستحكامات، وحفر الخنادق لتطويق النجف من جميع جهاتها، استعداداً لتنفيذ مقرّرات بغداد فور وصولها.
ذلك هو كل ما حدث في اليوم الأول للثورة ( الثلاثاء 6 جمادى الثانية 1336هـ / 19 آذار 1918 ).
اليوم الثاني
الأربعاء 7 جمادى الثانية 1336هـ / 20 آذار 1918م.
وفيه: استمرّ وصول الإمدادات ولم تصل التعليمات؛ لأنّ السلطات البريطانية في بغداد لم تستطع اتخاذ قرار سريع في هذا الشأن، بالنظر لردود الفعل العنيفة التي حصلت في الهند وإيران والدول الإسلامية الأُخرى، التي نقلت البرقيات العالمية أخبار الحادث إليها، فانهالت على بغداد برقيات التساؤل والاستفسار من كل الجهات، أضف إلى ذلك ردود الفعل التي حصلت في بعض قطعات الجيش التي أُرسلت إلى النجف، وعلمت الغرض من مجيئها، حيث سرت الولولة بين صفوفها؛ لذلك تردّدت
بغداد كثيراً في اتخاذ أي قرار تجاه هذه المدينة المقدّسة، التي ارتجّ العالم الإسلامي واضطرب لما تناقلته البرقيات عنها، كما جاء ذلك في أقوال الإنكليز أنفسهم، ولكنّ بغداد في الوقت نفسه لم تتوان عن إرسال المزيد من القوات المسلّحة، على اختلاف صنوفها، وبكل سرعة ممكنة. وقد كانت هذه الجيوش التي وصلت قبل إعلان قرار الحصار، من الكثرة بحيث شغلت جميع شواطئ الكوفة ودورها وخاناتها، كما ضربت خيامها على طول طريق كوفة - نجف، وكان مقر قيادة هذه الجيوش عند مرقد ( كميل بن زياد )(1) الذي يبعد عن النجف حوالي الثلاثة كيلومترات، وقد تحصّن الجيش قرب النجف بالجانب الشرقي لـ ( كري الشيخ )(2) .
بلى! إنّ السلطات البريطانية في بغداد لم تستطع اتخاذ أي قرار سريع، خوفاً من النتائج التي ستترتّب عليه، فإنّ السير برسي كوكس، الحاكم الملكي العام، وكذلك قائد الجيش الجنرال مارشال، كانا يتردّدان كثيراً في اتخاذ أي قرار قبل أن يستطلعا رأي المراجع العليا في الموضوع. وقد عبّر لونكريك عن هذا التردد بقوله: ( وقد بدا لكوكس ولقائد الجيش العام أنّ قدسية النجف يجب أن تحميها من العقاب العنيف، ولكن بدون ضعف )(3) لذلك كانت القيادة العامة تصرّ على ضرورة الاستعجال في معرفة القاتلين لإنزال العقاب بهم، دون إشراك النجف في الموضوع. فإنّ الجنرال مارشال كان يرى: ( أنّ إحباط هذه المؤامرة وتعيين المباشرين لهذا القتل ضرورة لازمة ومستعجلة )(4) . ولكنّ التردد مع ذلك كله، فرض نفسه وأخّر صدور القرار إلى اليوم الثاني والعشرين من مارت، أي إلى اليوم الرابع من وقوع الثورة.
____________________
(1) يقع مرقد كميل بين الكوفة والنجف.
(2) كري الشيخ: جدول يتفرّع من الجانب الغربي من نهر الكوفة مقابل علوة الفحل، ثم يمتد إلى موقع على بعد حوالي أربعة أميال شمال غرب النجف يُدعى ( الطبيل )، مارّاً قرب سور النجف من الشمال، وقد تمّ حفر هذا الجدول بجهود العلاّمة صاحب الجواهر لجلب الماء إلى النجف. ولكن عندما جرى الماء فيه توقّف عند الطبيل لارتفاع الأرض هناك، وكان المنفق على هذا المشروع السلطان ثريا جاه محمد أمجد علي شاه الهندي، المتوفّى في 21 صفر 1263هـ، وغيره من رجال الخير، ولكنّ وفاة الحجّة صاحب الجواهر تسبّبت في توقّف العمل في المشروع. انظر: ماضي النجف 1/197.
(3) Longrigg ، Iraq. 1900-1950 ، p.96
(4) British Government Reports 1918
أمّا الأحكام العُرفيّة فقد مارستها السلطة المحلّية في النجف منذ اليوم الأول للثورة، بالرغم من أنّها لم تُبلّغ إلاّ في اليوم الثاني، حيث جرى تبليغها سراً وعيّن المسئولون المختصّون لهذا الغرض، وفي هذا الصدد يقول موبرلي: ( بعد مقتل الكابتن مارشال في التاسع عشر من آذار، أعلن الحكم العسكري في النجف وحُوصرت: وتعيّن الكابتن فيشر معاون حاكم سياسي في الكوفة، وأوكل إلى الكابتن بلفور أمر الإشراف على القوات العسكرية المحاصرة للنجف )(1) .
ولم ينته اليوم العشرون من آذار حتى كانت النجف محاطة من كل جانب ومكان بالجيش البريطاني اللجب، وقد ذكرت ذلك جريدة العرب الصادرة في بغداد بتاريخ 29 آذار 1918 ما نصّه: ( وقامت الحكومة بالتدابير اللازمة فأحاطت بالنجف في اليوم العشرين ).
وفعلاً كانت القوات البريطانية منذ وصولها قد بدأت بحفر الخنادق حول النجف، وأحاطتها بالأسلاك الشائكة من جميع جوانبها.
أمّا النجفيون في هذا اليوم فإنّهم، بعد أن احتلّوا التل وجميع أبراج السور ووضعوا حامياتهم عليها، أخذوا يحفرون الخنادق على التل ويقيمون المتاريس.
اليوم الثالث
الخميس 8 جمادى الثانية 1336هـ / 20 آذار 1918م.
وفيه: أكمل النجفيون حفر الخنادق على التل وإقامة المتاريس، وانشغلوا بجمع الذخائر هناك؛ لأنّ المحافظة على التل ضرورة ستراتيجية رئيسة من ضرورات المحافظة على المدينة من أن يدخلها عدو.
وفي هذا اليوم تقدّم جمع غفير من النجفيين المسلّحين للانخراط في سلك الدفاع عن المدينة، كما هي عادة النجفيين في أمثال هذه المواقف. وعندما استكمل النجفيون قواهم الدفاعية وأمّنوا لها مستلزماتها؛ قرّروا مهاجمة الحامية في الخان لاحتلاله قبل وصول النجدات إليه، وفعلاً عبر السور جماعة منهم في مساء اليوم الواحد والعشرين من آذار، وتسلّلوا نحو الخان وأحاطوا به من ثلاثة جوانب، عدا الجانب الشرقي الذي
____________________
(1) Moberly 135
كانت تسيطر عليه نار البرج وهو جانب المهدران(1) .
ولأجل اقتحام الخان، قرّروا إحراق بابه والهجوم عليه، بعد إلهاء الحامية بالمناوشات النارية من الجوانب الأُخرى، ولهذا الغرض أرسلوا خمسة من الفدائيين ومعهم النفط لإحراق الباب الصغيرة، ولم يدر في خلد النجفيين أنّ الجيش البريطاني قد وصل بأعداد كبيرة وبهذه السرعة، وتحصّن في كري الشيخ. فلمّا باشر الفدائيون عملهم وظهر لهب النار، جنّ جنون الحامية المحاصرة والجيش المرابط على بعد كيلو مترين إلى الشمال الشرقي منها، فأصلوا أطراف الخان بنار يستحيل معها اقتراب أيّة قوّة من الخان، ممّا اضطرّ معه النجفيون إلى الانسحاب.
وقد نشرت جريدة العرب البغدادية حول هذه الحركة ما نصّه: (... وفي الواحد والعشرين والثاني والعشرين - ربّما يقصد مساء 21/22 - حاولت جماعات من النجف أن يهجموا على الجند، فردّتهم على أعقابهم خاسرين، ومن ذلك الحين أصبحوا يترامون بالرصاص من وقت لآخر )(2) .
وفي هذا الحادث، يقول الشبيبي: ( في ليلة الجمعة 9 جمادى الثانية 1336هـ / 22 آذار 1918 - ويقصد مساء الخميس 21/3/1918 - استمر تعاطي إطلاق النار على جاري العادة.
وفي فجر هذه الليلة خرج الثوار إلى المواقع الموازية للخان من المقابر والمدابغ
____________________
(1) المهدران: هو تلك البِركة المحفورة تحت الأرض في مستوى قناة نهر الشاه عباس الأول وفي نهايتها، بالقرب من خان عطية من الجهة الشرقية، حيث أقامها الشاه المذكور في العقد الرابع من القرن الحادي عشر الهجري، بعد كري النهر الذي كان قد حفره الشاه إسماعيل في العقد الثاني من القرن العاشر الهجري، لإيصال الماء إلى النجف من نهر الفرات قبل حفر نهر الهندية، وقام بردمه الأتراك العثمانيون عند محاصرة النجف في عهد السلطان سليم؛ لذلك جدّد حفره الشاه عباس وكراه، فسُمّي بنهر ( المكرية )، وبنى له قناة أُخرى أكثر إتقاناً من الأُولى، حيث إذا وصلت القناة إلى النجف صنع لها بركة تحت الأرض، يُنزل إليها بسلّم عريض متين منتظم، ويقع مدخله قرب خان عطية الذي قُتل فيه الكابتن مارشال. وعن مصير هذا المهدران يقول الشيخ جعفر محبوبة في كتابه ( ماضي النجف وحاضرها ) ج1/193 ): ( البركة، هو السرداب المسمّى اليوم ( بالمهدران )، موقعها خارج النجف عند المقابر على يمين الذاهب إلى الكوفة - التقمته العمارة الجديدة ودخل في بعض الدور - ولم تزل النجف تستقي من هذه القناة حتى أبلى الدهر جِدّتها، فبقيت النجف في شدّة وظمأ ).
(2) جريدة العرب البغدادية ع75 من المجلّد الثاني في الجمعة بتاريخ 29 آذار 1918م / 16 جمادى الآخرة 1336هـ.
واشتدّ إطلاق النار بين الفريقين، وأضرم الثوّار النار في باب الخان على ما قيل.
وبعد طلوع الشمس بساعة نشبت مقابلة بين فرسان الإنكليز والثوّار من جهة الثلمة دامت نحو ساعة، أمضى قسم من الثوّار بقيادة الحاج نجم ضحى يومهم هذا إزاء الخان )(1) .
وفي نهاية اليوم الواحد والعشرين، انتهى الإنكليز من حفر خطّين رئيسين من الخنادق، يمتد أحدهما من كري الشيخ، شمال شرق النجف، إلى طارات وادي المسحب في جنوب غربيها؛ والثاني من النقطة المقابلة عبر طريق الكوفة إلى طارات البحر.
وبذلك جرى تطويق النجف من ثلاث جهات:
جهة الشرق، تسيطر عليها الجيوش المعسكرة في طريق الكوفة.
وجهة الشمال، تسيطر عليها استحكامات الخندق الشمالي.
وجهة الجنوب، تسيطر عليها استحكامات الخندق الجنوبي.
أمّا الجهة الغربية، وهي منخفض بحر النجف الذي ينخفض عن أرض مدينة النجف حوالي الأربعين متراً، والذي يقع قبالة الباب الغربية للسور، فتشرف عليها مقدمة تل الحويش الذي احتله الثوّار وتمركزوا فيه.
وقد قام الإنكليز بنصب المدافع الرشّاشة على جميع الطارات المشرفة على هذا المنخفض من الشمال والجنوب.
ومن هذا المنخفض تستقي النجف الماء، الذي تنقله قناة تمتد إليه من الفرات قرب أبي صخير في جنوب النجف، لتسقي بعض أراضي البحر وتوفّر ماء الشرب للنجفيين.
وهكذا عُزلت النجف واستحال وصول أيّة مساعدة إليها من كربلاء أو من أبي صخير، وانقطع عنها الماء نهائياً، أي إنّ كل مساعدة للنجف مدنية كانت أو عشائرية، أصبحت في حكم المستحيل.
وكان ذلك هو السبب الرئيس لحشد كل هذه الجيوش الجرّارة التي تكفي لمقاومة الفرات الأوسط كله، وفعلاً فإنّ تسويق هذه الجيوش العظيمة والقوى النارية الهائلة
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي 298.
التي أحاطت بالنجف بأعداد كبيرة، لم يكن إلاّ لصدّ المساعدات المنتظرة، أو لمنع وقوع هذه الاحتمالات؛ لأنّهم قرّروا مبدئياً عدم ضرب النجف مهما كلّف الأمر، والاكتفاء بمحاصرتها ومنع الاتصال بها، إلى أن تضطر للتسليم؛ لأنّ ضرب النجف معناه هيجان جميع العشائر الفراتية المسلّحة ونشوب ثورة وخيمة العاقبة، خاصة وأنّ الجيوش التركية لازالت في العراق، لذلك فإنّ الحاكم الملكي العام، بالرغم من تجمّع كل هذه القوات حول النجف واستحكامها فيها، لم يهمل المحاولات السياسية لتحقيق أغراضه.
ففي هذا اليوم كتب إلى السيد اليزدي الكتاب التالي:
( إلى حضرة آية الله الحاج السيد محمد كاظم الطباطبائي دامت بركاته.
لقد أصدر صاحب الدولة قائد الجيش العام الأوامر اللازمة لإخماد الفتنة التي وقعت في النجف الأشرف، وكدّرت خاطره كثيراً، وقد أصدر أيضاً الأوامر بإلقاء القبض على المفدسين الذين سبّبوا هذه الفتنة، وبالمحافظة على سمعة البقعة المباركة الشريفة، وسمعة حضرات العلماء الأعلام دامت بركاتهم، والمجاورين، لذلك البلد الطاهر.
ولا شك في أنّ الكابتن بلفور سيُطلع حضرتكم على هذه الأوامر، التي إن لم يطعها أهالي النجف الأشرف ويرضخوا لها، فلابد أن تحصل بواسطتهم المضايقة على حضرات العلماء الأعلام الساكنين في النجف الأشرف.
وأنا على يقين بأنّكم ستساعدون السلطات البريطانية، وتعاونونها بثاقب فكركم وعالي همّتكم وحسن نيّتكم، على تهدئة أحوال البلد الطاهر وإخماد الفتنة الحالية، إذ إنّكم تعرفون حق المعرفة حسن نيّة الحكومة المعظّمة، ومساعيها الكثيرة التي تبذلها لإعلاء المبادئ التي يدين بها أهالي العراق، وإنقاذ شعوبه من المظالم والمفاسد السابقة.
وإنّا لمنتظرون نتيجة مساعيكم المشكورة، أدامكم المولى ملاذاً للإسلام، والسلام.
في 21/3/1918
الحاكم الملكي العام في العراق(1)
____________________
(1) جريدة العرب ع84، بتاريخ 9 نيسان 1918.
يصل هذا الكتاب إلى السادة العلماء، أو في الحقيقة إلى السيد اليزدي، مع شروط السلطة المحتلّة، بواسطة الزعيم السيد مهدي السيد سلمان، مرسلاً من قِبل الكابتن بلفور الذي كان يفاوض النجفيين عن طريق السيد مهدي المذكور.
ولكنّ العلماء في هذه الحال، التي سيطر عليها النجفيون المسلّحون من الشمرت والزگرت، أصبحوا لا حول لهم ولا طول في هذا الشأن؛ لأنّ الأمر خرج من أيديهم، خاصة وأنّ النجفيين جعلوا يشعرون بأنّ هذه المفاوضات إنّما هي وسيلة من وسائل السياسة الإنكليزية، لتثبيط عزائمهم وتوهين موقفهم وبث الفرقة بين صفوفهم؛ لذلك فإنّهم لم يمكّنوا أحداً من التفاوض باسمهم، أو قبول أي شرط من شروط السلطة البريطانية؛ لأنّهم صمّموا أن يدافعوا عن النجف حتى آخر قطرة من دمائهم، الأمر الذي اضطرّ معه الإنكليز إلى أن يعلنوا ما اتخذوا من قرارات.
وعن أحداث هذا اليوم، يقول المرحوم الشبيبي: ( وفي صباح الخميس 8 جمادى الثانية 1336هـ - 21/3/1918م، عاد الفريقان إلى المناوشات وجُرح اثنان منذ عصر الأربعاء إلى صباح الخميس.
وفي ضحى هذا اليوم عقد السيد كاظم اليزدي اجتماعاً كبيراً في مدرسته الكبرى، ودعا إليه العلماء والأعيان والرؤساء والمتغلّبين وحضر الجمهور، وكلّمهم في ضرورة تدارس الوضع العام في النجف، وإيجاد الحلّ المناسب لهذه الأزمة الآخذة بالخناق ساعة بعد أُخرى، ولاسيّما وأنّ البلدة مكتظة بالزوّار والأغراب الذين أمّوها من مختلف الأنحاء، بمناسبة عيد رأس السنة ( عيد الدخول ) وأنّ هؤلاء يتعرّضون إلى أخطار الطلقات النارية التي تنصبّ عليهم، وعلى عدد كبير من الأبرياء من جهات مختلفة، وفاوضوا أركان الثوّار من سعد والصبي، لكنّ هؤلاء قد طلبوا من السيد أن يضمن لهم الأمان الحقيقي الدائم ولأتباعهم العفو العام، والأمان التام.
ثم انفرط عقد الاجتماع دون نتيجة، وفي ظهر هذا اليوم ظهرت في برّ النجف كتائب من الفرسان الإنكليز وقاربت السور، أو كادت، فخرج إليهم جمع من الثوّار وطاردوها إلى أن بعدت.
وإلى ظهر هذا اليوم والنجفيون مختلفو الكلمة.
ولكنّ هذه الكتيبة من الفرسان ومشاهدتهم مدينتهم مطوّقة من قبل الإنكليز،
تعاطفوا واجتمعت كلمتهم وانبسطت زوجة عطية للثوّار، وأشرعت بيتها لهم وبذلت لهم المؤونة )(1) .
وفيه: أرسل بلفور إلى السيد اليزدي وعلماء النجف وأعيانها يطلب منهم التفاوض معه، فاجتمع عدد كبير منهم في دار الكليدار لتحديد مطالب الثوّار. وقد تشدّد الثوّار في مطاليبهم، حيث طالبوا بتخلّي الإنكليز عن حكم البلدة، وأن يكتفوا بممثّل لسلطتهم هو حميد خان، أي أنّهم أرادوا العودة إلى الإدارة المستقلّة.
تمّ تأليف الوفد من السيد عباس الكليدار، والشيخ جواد الجواهري، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ جعفر الشيخ راضي، ومحمود أغا الهندي، ومهدي السيد سلمان، وغيرهم. اجتمع الوفد بالكابتن بلفور، فقال لهم: إنّ الحكومة البريطانية تحترم النجف وعلماءها وأهاليها كل الاحترام، وهي تريد كل الخير لهم، ولكنّ هناك جماعة من المفسدين هم الذين سبّبوا الفتنة، وأخلّوا بأمن البقعة المباركة الشريفة، وسلامة الأعلام المجاورين لهذا البلد الطاهر، وليس لدى الحكومة سوى مطلب يسير، هو تسليم هؤلاء المفسدين إلهيا لينالوا جزاءهم، وأنّ الحكومة على يقين بأنّ السيد كاظم اليزدي وسائر العلماء، بما لديهم من ثاقب الفكر وعلوّ الهمّة وحسن النيّة سيساعدونها على ذلك؛ إذ إنّهم يعرفون حق المعرفة حسن نيّة الحكومة المعظّمة ومساعيها الكثيرة لإعلاء المبادئ الدينية التي يتديّن بها أهل العراق، وإنقاذ شعوبه من المظالم والمفاسد السابقة.
أجاب الشيخ الجواهري قائلاً: إنّ الوفد جاء لإصلاح ذات البين، وتذليل العقبات التي تقف حجر عثرة في سبيل الصلح بين الفريقين، أمّا هذا الطلب الذي قدّمتموه، فهو لا يساعد على الصلح. فقال بلفور: إنّ هذه هي إرادة القائد العام وهي لا تُردّ. فلمّا طلبوا منه التساهل، أجابهم بأنّه سيتصل بالقائد العام، ويعطيهم الجواب في اليوم التالي(2) .
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص298.
(2) دور علماء الشيعة ص161 - 162.
اليوم الرابع
الجمعة 9 جمادى الثانية 1336هـ / 22 آذار 1918م.
وفيه: ذهب الكليدار والسيد مهدي السيد سلمان لمقابلة بلفور، فأبلغهم قرار السلطة البريطانية في بغداد عن الإجراءات التي ستتخذها الحكومة تجاه النجف والنجفيين، تلك الإجراءات أو الشروط التي كان قد بلّغها من قبل مع كتاب الحاكم الملكي العام ورفضها النجفيون، وقرّروا مواصلة المقاومة حتى النفس الأخير؛ لأنّ الشروط كانت قاسية ومذلّة. وهي:
( أولاً: تسليم القتلة، ومَن اشترك معهم بالفتنة تسليماً بلا شرط ولا قيد.
ثانياً: غرامة ألف تفگة، وخمسين ألف ربّيّة يجمعها الشيوخ المخلصون من محلاّت البلدة التي كانت لها يد في الفتنة.
ثالثاً: تسليم مئة شخص من المحلاّت الثائرة إلى الحكومة البريطانية، لسوقهم من النجف الأشرف بصفة أسرى حرب.
وقد تبلّغ أيضاً بأنّ البلدة ستبقى تحت الحصار الشديد إلى أن تسلّم بهذه الشروط وتنفّذها )(1) .
لقد رفض النجفيون هذه الشروط، وصمّموا على المقاومة. أمّا العلماء، فالذي كان يعمل منهم في هذا المجال هو السيد اليزدي - رحمه الله - ويمثّله أمام السلطة البريطانية الحاج محمود آغا هندي، والشيخ محمد جواد صاحب الجواهر.
وأمّا النجفيون الموالون للسلطة، فهم قلّة من النجفيين وعلى رأسهم الزعيم المعروف السيد مهدي السيد سلمان، رئيس محلّة الحويش، والذي كان الوسيط بين السلطات البريطانية والعلماء، مع العلم بأنّ السلطة عندما عرضت الشروط، كانت قد أكملت جميع استعداداتها في تطويق النجف وإقامة الاستحكامات حولها، حيث ( أسرع الجنرال مارشال في العمل، وحُوصرت المدينة حالاً بلواء من الجيش بقيادة الجنرال سندرز )(2) ولكنّ مبادرة الرفض كانت من الخطورة بحيث أقلقت الإنكليز كثيراً
____________________
(1) جريدة العرب ع84، بتاريخ9 نيسان 1918.
(2) Wilson ، Loyalties vol. 2 ، p.32
وجعلتهم يضربون أخماساً بأسداس، وبخاصة بعد أن رفضها النجفيون بإصرار لا تراجع بعده. وقد عبّر السير أرنولد ويلسون عن هذا القلق أحسن تعبير عندما قال:
( كانت هذه أخطر لحظة في تاريخ الإدارة المدنيّة.
إنّ فرض هذه الشروط استفز جميع العناصر المتعصّبة في العراق، إنّه كان امتحاناً لحقّنا، لواجبنا، ولتصميمنا على الحكم بلا لين ولا مراعاة لمتغطرسين نصبوا من أنفسهم حكّاماً على المدينة، والذين في أيديهم مقدّرات رجال الدين الذين لم يكونوا ذوي حول في هذا الوقت، كان التوتّر حادّاً، وفي بعض مقرّات الجيش حدثت ردود فعل مخيفة، وقد عقّد العنصر السنّي(1) في بغداد مشاكلنا باستبشارهم العلني في أنّنا قد مسكنا بالحشرة السامّة، بينما رجال الدين الشيعة في جميع إيران والعراق اتصلوا بالمراجع الدينية، معربين عن قلقهم واستياء الجماهير، وطلبوا الرأفة أو التحكيم، والحكومة الإيرانية نفسها اضطربت وأعربت للوزير البريطاني عن قلقها الشديد، خوفاً من اضطراب الشعور الديني الإيراني من هذه الأخبار، التي عمل الرقيب العسكري جهده للحيلولة دون انتشارها، ولكنّ الجنرال مارشال عندما أذاعها؛ أحاط الفضوليون بدائرتي في بغداد يقترحون بعض الاقتراحات غير المقبولة، لحلٍ ودّي للقضية.
وصلتنا كتب مغفلة من التوقيع تهدّدنا بالقتل.
وصلتنا عدّة برقيات من حكومة الهند وإدارة الهند، تحذّرنا من النتائج المحتملة لهذه الإجراءات القاسية.
وكان السير برسي كوكس الذي كنت أطلعه على كل شيء، قد لاذ بالصمت الحازم المشجّع )(2) .
كان هذا مبلغ قلق السلطة البريطانية من فرض تلك الشروط التي تورّطت بإعلانها، ولكن لا يمكن التراجع عنها.
لذلك صمّم الإنكليز على المضي فيها، واتخاذ جمع الاحتياطات للمضاعفات المحتملة، وكان أوّل عمل قاموا به، بعد إرسال المزيد من القوات المسلّحة إلى
____________________
(1) هكذا يدسّ الاستعمار السمّ بالعسل.
(2) Wilson ، Loyalties vol. 2 ، p.32
النجف وتطويقها من أربع جهاتها، إنّهم عزّزوا حامياتهم في جميع مواقع الفرات الحسّاسة، واستعملوا سياسة الترغيب والترهيب، فقد جعلت الطائرات لا تفارق سماء الفرات الأوسط، كما راحت القوات المسلّحة تستعرض عضلاتها هناك، وفي الوقت ذاته انهالت المساعدات المالية على زعماء العشائر الفراتية.
وكما كان القلق يسيطر على البريطانيين، كذلك كان يسيطر على بعض النجفيين، الذين ما كانوا يريدون للنجف أن تقع في أمثال هذه المآزق، بحكم سيرتهم الهادئة ومسالمتهم للسلطة في كل عهد من العهود، لغرض سيطرتهم ودعم زعاماتهم. وكان ممكناً ملافاة القضية لولا تهوّر بلفور وتسرّعه في الحكم، وانهياله على الحاج سعد بالتقريع والتأنيب أمام زعماء النجف ووجهائها، وقبل هذا كان قد قام بمثل ذلك مع كاظم صبي، وكذلك الحال كان مع الحاج عطية أبو كلل الذي كانوا يطاردونه ويريدون إلقاء القبض عليه، ممّا اضطرّه للاختفاء ثم الخروج من النجف بنفسه، وهؤلاء الثلاثة هم زعماء النجف الأقوياء المتبوعون.
وقد استغل الإنكليز وموالوهم هذه الفرصة للتخلّص من هؤلاء بالذات؛ ليتمكّنوا من فرض سلطانهم على النجف، فعقّدوا القضية وطلبوهم بالذات للتسليم إلى السلطة بدون قيد أن شرط، الأمر الذي أهاجهم فرفضوا جميع الشروط؛ لذلك كان يوم 22 آذار 1918 مشهوداً في هذه الثورة، حيث جرت محاولات متعددة لإقناع الثائرين على شروط أُخرى أخف من تلك الشروط، ولكنّهم رفضوا كل شيء يُسمّى شرطاً، فكان التوتّر حادّاً بين النجفيين أنفسهم، ثم بينهم وبين الإنكليز ومواليهم، فالثائرون تسيطر عليهم حرمة المدينة ونخوة الحاج سعد التي انتخى لها معظم المسلّحين كانوا مصمّمين دون تراجع على المضي في الثورة؛ وبعض المعمّمين ومعهم الموالون يريدون إقناع الثائرين بشروطٍ أخف؛ ليجنّبوا النجف ما يمكن أن تتعرّض له من أخطار، فكان الجو ملبداً بغيوم التوتّر الحاد، الذي انتهى بإصرار الثائرين الذين كانوا مسيطرين سيطرة تامة على الموقف، لانحياز الأكثرية المسلّحة إلى جانبهم.
وهكذا انتهى اليوم الرابع للثورة، ولم يستطع بلفور ولا الموالون من إقناع الثائرين بأي شرط من الشروط مهما كان؛ لأنّهم تأكّدوا من سوء نيّة الإنكليز والموالين؛ لذلك كان الثائرون أنفسهم يقدّمون شروطاً لإلقاء السلاح. ولكنّنا لم نستطع الحصول على
أيّة وثيقة تثبت نصّ هذه الشروط، بالرغم من أنّها كُتبت على ورقة اعتيادية، وسُلّمت يداً بيد للكابتن بلفور من قِبل أحد المعمّمين الموالين.
وعن أحداث هذا اليوم يقول الشبيبي: (... ومن حوادث يوم الجمعة هذا، أصابت نيران الرشّاشات جماعة من الأبرياء والمارّة، منهم: شيخ سلمان البديري، وحسين بن عطا، وقتل ابن عباس أبوگصة.
وفي صباح هذا اليوم أرسل بلفور كتباً حملها من الخان المدعو هادي شربة - أحد النجفيين المستخدمين عند الإنكليز - وهي إلى السيد كاظم اليزدي وبعض العلماء وزعماء النجفيين والمتغلّبين، ما عدا سعد والصبي، أي إلى السيد مهدي، ومطلك العلاوي - لعلّه يقصد مطلك المعمار - وعبد الله الرويشدي، وحسون شربة، والسيد علي جريو، مضمونها أن يتذاكروا بينهم ويوفدوا من قبلهم جماعة حاملين علماً أبيض إلى الخان خارج البلدة للمداولة في الإصلاح أو حمل الثوّار على الطاعة، فاجتمع القوم في دار السيد عباس الكليتدار، فحضر الرؤساء وزعماء الثورة، فطلب الثوّار أن يتخلّى الإنكليز عن حكومة النجف ويتركوها لهم يؤلّفون شرطة محليّة، ويعيّنون موظفين من بينهم لإدارة النجف وأطرافها إلى أن تنتهي الحرب، ويتم التفاهم على كيفيّة الحكم في العراق، ولا مانع من أن يقوم حميد خان بتمثيل حكومة الاحتلال في حكومة النجف، الأمر الذي يعلم الموالون للإنكليز لا يوافقون عليه.
ولكن السيد اليزدي بعد أن علم بهذا الطلب أوفد جماعة إلى بلفور، منهم: السيد عباس الكليتدار، والسيد هادي النقيب عم السيد عباس، والشيخ جعفر الشيخ راضي، والسيد مهدي السيد سلمان، والشيخ جواد الجواهري، ومعهم ميرزا محمود آغا، وهو من خواص السيد اليزدي.
وعند وصولهم إلى الخان قابلهم بلفور ورحّب بهم، وأعلمهم بأنّ القائد العام يطلب تسليم الجماعة الذين هاجموا الخان وقتلوا مارشال بدون قيد أو شرط، كما يطلب تسليم حوالي مئة شخص سيعدّون كشفاً بأسمائهم، هؤلاء ينفون إلى خارج العراق إلى أن تنتهي الحرب، مع تغريم النجفيين غرامة في السلاح والمال.
فأجابه الجواهري بأنّ ذلك غير ممكن بالمرّة، بالنظر لما نعرفه من آراء الثوّار، ونحن لم نأت إلى هنا إلاّ للتوفيق وجلب العطف على المدينة المقدّسة، وإقرار مبدأ
التساهل؛ لئلا يتّسع الخرق على الراقع.
غير أنّ بلفور كان يصرّ على مطاليب القائد العام وكأنّها مطاليبه، وهي فعلاً مطاليبه.
فردّ عليه الشيخ الجواهري بأنّهم سوف يقابلون القائد العام بأنفسهم، لعلّهم يستطيعون إقناعه. وأجابه بلفور، بعد أن اتصل هاتفياً بالكوفة، بأنّ ذلك لا يمكن قبل استئذانه، ويمكن الحضور غداً لمعرفة الجواب )(1) .
اليوم الخامس
السبت 10 جمادى الثانية 1336هـ / 23 آذار 1918م.
وفيه: بعد فشل بلفور والموالين في تحقيق بعض الحلول الوسط، التي تؤمّن أغراضهم وتجنّبهم مغبّة الأمر المجهول، عدلوا عن جهودهم مع النجفيين وراحوا يبذلون مجهوداً جديداً مع القائد العام للجيوش البريطانية في العراق، فكتب العلماء له كتاباً وجعلوا ينتظرون الجواب بفارغ الصبر؛ لأنّ فيه خلاصاً من ورطة قد يتورّطون فيها، أو هم تورّطوا فيها فعلاً، بين السلطة والنجفيين.
وأمّا الثائرون، فإنّهم عندما رفضوا وأصرّوا، اتجهوا لتحصين مواقعهم وتوفير الأسلحة والعتاد للمحاربين، وتنظيم الحراسة في الليل والنهار، وقد أمضوا في تحقيق ذلك اليومين الرابع والخامس للثورة، مع بعض المناوشات الطفيفة.
في هذا اليوم خرج السيد عباس الكليتدار، والسيد مهدي السيد سلمان إلى بلفور لمعرفة موعد مقابلة القائد العام، كما مرّ آنفاً.
فأجابهما بلفور بتعذّر ذلك، وأعلمهم بأنّ القائد العام قد فرض غرامة على النجفيين بمبلغ خمسين ألف ربّيّة، مع ألف بندقية حديثة، بالإضافة إلى تسليم الأشخاص.
وعن اليوم الخامس هذا يقول الشبيبي: (... وفي ليلة السبت 10 جمادى الثانية 1336هـ / 23 آذار 1918م، كانت المناوشات خفيفة، وكذلك يوم السبت هذا.
وفي صباحه، هجم جماعة من الفقراء على دار اليزدي يستغيثون من الجوع.
____________________
(1) خلاصة ما جاء في مذكّرات الشبيبي ص299.
النجف سنة 1918 - منظر عام
وفي عصره خرج السيد مهدي السيد سلمان، والسيد عباس الخازن لمقابلة بلفور والوقوف على مطالب الإنكليز الأخيرة، فقال لهم: على النجفيين أن يغرّموا خمسين ألف ربّية، ويسلّموا ألف بندقية من الطراز الحديث، ويطلب أيضاً إمساك 124 من الرجال.
فكان لهذه المطالب وقع سيّئ في نفوس سكّان النجف من المجاورين والأعيان، وبقيّة الطبقات، ومنهم الوسطاء في المفاوضات، إذ لا قبل لأحد من هؤلاء بحمل الثوّار على قبول هذه المطالب كلها أو بعضها، والثوّار هم المتحكّمون المتغلّبون في النجف وأهل النجف منذ سنين )(1) .
اليوم السادس
الأحد 11 جمادى الثانية 1336هـ / 24 آذار 1918م.
وفيه: قرّر الثوّار الاتصال بعشائر الفرات، وطلب مساعدتهم في مثل هذا الظرف العصيب، ثم راحوا يفتّشون عن الأشخاص الذين يمكن أن يحملوا كتبهم إلى زعماء هذه العشائر.
وفي مساء هذا اليوم غادر النجف من الباب الشمالي ( باب الثلمة ) رسولهم إلى الزعماء، وكان من العوابد، يحمل عدداً من الكتب إلى زعماء الفرات، غير أنّه عندما حاول عبور الأسلاك الشائكة، شعر به الحرّاس، فطاردوه وألقوا القبض عليه، وعندما مثل أمام قائد الحملة استُجوب وأُعدم حالاً.
ولمّا وقف الإنكليز على ما معه من الرسائل، اتصلوا بالمراجع المختصة في بغداد وأوقفوها على جليّة الأمر، فتضاعفت الجهود في الاستمرار على سياسة الترهيب والترغيب مع زعماء الفرات، فأوقفوا حالاً جباية الضرائب، وبدأت الأعمال لاستصلاح الأراضي بحفر الترع وكري الجداول والأنهار، ثم قدّموا مقداراً كبيراً من السِّلَف الزراعية لعدد كبير من الزعماء والمتزعّمين.
أمّا الثوّار فإنّهم لم يكتفوا برسول واحد، خاصة وأنّهم، عند خروج رسولهم الأول، سمعوا أصوات عيارات ناريّة من الجهة التي اتجه نحوها الرسول لعبور الأسلاك
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص300.
الشائكة، فراحوا يفتشون عن رسول آخر، وعن مخرج أمين، وجعلوا يسألون المتخصّصين بمسالك النجف الخارجية.
وعن هذا اليوم يقول الشبيبي: (... وفي ليلة الأحد 11 جمادى الثانية 1336هـ / 24 آذار 1918م، لم تحدث إلاّ مناوشات طفيفة.
وفي صباح الأحد تقلّد السلاح أحد العلويين، وهو السيد عزيز الله الأسترابادي من مشاهير زهّاد المجاورين وعبّادهم، وممّن شهد حروب القرنة، ونفر إلى محاربة الروس في مسألة مشهد طوس، وآحاد من الطلاب ساروا أمام الثوّار يدعون إلى الدفاع.
وقد أعمل الإنكليز رشّاشاتهم سحابة نهار الأحد تقريباً بشدّة غير معهودة، وقُتل وجُرح جماعة من الأبرياء والنظّارة، منهم: إبراهيم مصطفى فخر الدين.
وفيه فتح الصحن ظهراً، وكان مقفلاً منذ يوم الثورة، وعجّت وتظاهرت فيه النسوة )(1) .
اليوم السابع
الاثنين 12 جمادى الثانية 1336هـ / 25 آذار 1918م.
وفيه: كان الثوّار مسيطرين على الموقف سيطرة تامة، وكانت معنويّاتهم عالية جداً، حيث كان أملهم كبيراً بالمساعدات العشائرية، والتي كان غرضهم الرئيس منها الهجوم على أبي صخير، لفتح الطريق بين النجف وعشائر الفرات؛ لذلك كانت نارهم حامية جداً على الخان الذي بقي معزولاً عن الجيوش البريطانية القريبة منه، بسبب هذه النار الحامية، الأمر الذي أدرك الإنكليز معه استحالة اقتحام خطوط النجفيين، ولكنّه بالرغم من ذلك كلِّه، كانوا يعدّون العدّة للاتصال بالخان وتقوية حاميته، وتجهيزه بالمؤن والمعدّات، قبل أن يستطيع النجفيون مهاجمته مرة أُخرى.
وفي مساء هذا اليوم السابع عاد إلى النجف من البادية كريم الحاج سعد، ومعه علي عيسى حبيبان، وعبد عيسى حبيبان، وحميد الصگر، وابنه سكر، وناصر حجّي، ومهدي جاسم السعد، ومحمد العصمان، ودخلوها من بين الأسلاك الشائكة ليشتركوا
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص 300.
بالثورة، كما وصلها أيضاً كردي بن عطية، حيث كان قد سافر بعد أبيه إلى البادية ولم يتصل به، فعاد عند سماعه بمقتل مارشال.
وفي هذا اليوم نشطت حركات السيّارات المصفّحة حول النجف طوال النهار، وهي ترمي المدينة من كل صوب للتخويف والتهويل، فجُرح عدد من الأبرياء.
وعن هذا اليوم يقول الشبيبي: ( وفي الساعة الثانية من ليلة الاثنين 12 جمادى الثانية 1336هـ / 25 آذار 1918م، اخترق نطاق الحصار خلسة ودخل النجف كريم بن سعد، وكردي، وعجمي أبناء عطية أبي گلل، وعبدٌ له يُسمّى العصماني، وأفراد معهم، فكان لدخولهم رنّة ودويّ في المدينة، وتظاهر الناس وظنّ الناس أن عطية هو الداخل حتى أنشأت النساء في المظاهرات.
أبو تركي گِحَم بالليل |
بِزْمُور التُفَگْ والخيل(1) |
وفي هذه الليلة قُتل وجُرح جماعة خرجوا في طلب الماء من جهة الثلمة من جملتهم: عبد الله الجصاني وامرأته وابنه وثلاثة آخرون.
وفي يوم الاثنين نشطت حركات السيّارات المجهّزة بالرشّاشات حول المدينة طول النهار، وجُرح الحاج هادي البغدادي وآخر من حملة السلاح، وغيرهما من الأبرياء.
وفي هذا اليوم وقّع السيد كاظم اليزدي، وبقيّة العلماء، وأولاد المجتهدين، والرؤساء، على برقية إلى القائد الإنكليزي العام، هذا نصّها:
( بغداد، لحضرة القائد العام لجيوش بريطانيا العظمى
نحن العلماء في النجف الأشرف، نرفع الشكوى عنّا، وعن عامة الفقراء والمساكين والمجاورين في هذه البلدة المقدّسة، مستغيثين بمراحم هذه الدولة وعدالتها، ومسترحمين رفع هذا الأسر والحصار عن الأبرياء والضعفاء الذين لا جناية لهم، ولا تقصير ولا رضا. وأشد البلاء قطع الماء فإنّه من العقوبات التي لا تسوغ في جميع الأديان البشرية، فإن لم تكن رحمة للرجال فنسترحم الرأفة على النساء والأطفال، وحاشا من عدالة هذه الدولة، المعروفة بالرأفة والعدالة والقوّة والسطوة، أن تأخذ الأبرياء بالأشقياء، وقد أشرفت النفوس على التلف والهلاك من الجوع والعطش وتعطيل
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص 300 - 301.
الأسباب، وهذه المعاملة ضربة على جملة العالم الإسلامي جارحة لعواطف عامّة المسلمين، غير موافقة لما هو المعروف من سياستكم الجميلة في جلب عواطف عموم المسلمين.
فالمأمول إعمال التدابير الحازمة في رفع هذه الغائلة، على وجه لا تهلك الضعفاء والأبرياء، بإصدار العفو العام وتأمين البلاد، وأنتم أعرف بذلك.
الأحقر الجاني
شيخ الشريعة الإصبهاني
وقّع على هذه البرقية السيد اليزدي، وعدد كبير من العلماء والفضلاء، فيمَن وقّع السيد اليزدي، وأضاف علاوة على ما فيها هذه العبارة بخطّه: ( حسب الظاهر، إنّ إطفاء هذه النائرة عن هذا البلد المقدّس موقوف على العفو العمومي، وفيه المصلحة ).
الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي(1)
وأرسلوا المدعو علي هجوج إلى دار الإمارة إلخ... )(2) .
لقد أراد السيد اليزدي بكتابة هذه العبارة، تأكيد موقفه في طلب العفو العام، وكان قد نقل هذا الموقف سابقاً على لسان الشيخ جواد الجواهري، الذي مثّله في الاجتماع الأوّل مع بلفور، كما أراد أن يؤكّد للإنكليز من خلال العبارة السابقة أنّه بصفته المرجع الأعلى للشيعة، يرى أنّ إنهاء الأزمة يتوقف على إصدار العفو العام، وهو الطلب الذي طرحه الثوّار في اجتماعه الأول، وهذا يعني أنّ السيد اليزدي قدّم مطلب الثوّار على أنّه موقفه الشخصي.
إضافة إلى ذلك، فإنّ هذا الطرح يُفهم منه: أنّ شروط الإنكليز الثلاثة مرفوضة ضمناً في عريضة العلماء وعبارة السيد اليزدي؛ لذلك سارع الجنرال ( مارشال ) القائد العام للقوات البريطانية في العراق إلى الرد عليها بشدّة - كما سيأتي(3) .
____________________
(1) تأريخ ثورة النجف للخوئي ص286.
(2) مذكّرات الشبيبي ص301 - 302.
(3) دور علماء الشيعة ص166.
كما بعث الشيخ فتح الله، شيخ الشريعة الأصفهاني برسالة إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي، يعرض له فيها مجمل ما حصل في النجف، ويطلب منه التحرّك بوسائله وحلّ الأزمة، نصّها:
كربلاء المقدّسة
بسمه تعالى
إلى سماحة شيخ الفقهاء والمجتهدين، زين الملّة والدين، حجّة الإسلام والمسلمين، الميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي دام ظلّه إن شاء الله.
بعد السلام وإهداء التحية والإكرام.
نشير إلى أنّه لابدّ أن يكون قد تناهى إلى سمعكم ما يحصل في النجف حالياً، ولو بشكل مجمل، فإنّ الوضع بشكلٍ متى ما شُرح عشره فهو كافٍ لسلب الراحة والطمأنينة من أي مسلم فكيف بمَن هو في مقامكم. ورغم أنّ فساداً حصل أول الأمر بشكل لا يتوقّعه أحد، حتى شيوخ النجف المعروفين، وبعده لجأت الحكومة الحالية إلى التأديب والعقاب، إلاّ أنّها جعلت أحد طرق التأديب، حصار النجف وقطع الماء عن أهلها، فضلاً عن منع دخول أي شخص أو طعام إليها؛ وإنّ الأمور ضاقت على الأهالي حتى الأغنياء منهم، فضلاً عن الضعفاء والفقراء والعجزة، بشكل يرقّ معه قلب كل ذي قلب متحجّر. وقد استعطف العلماء الحكومة شفهياً وتحريرياً علّها ترأف بحال الضعفاء والفقراء، وقيل مراراً إنّ هذا التضييق من قِبل الحكومة لن يلحق الضرر سوى بأبرياء الناس وأهل العلم والكسبة والتجّار الصغار، وإنّ ضُيّق الخناق أكثر من ذلك فلن يتحقق الهدف الرئيس للحكومة، ألا وهو تطبيق العدل وبسط الأمن واستئصال المناوئين؛ ذلك أنّ الفريق الذي تعتبره من أهل الفساد ومصدر الشر سيهرب أعضاؤه، بعد شعورهم بالعجز، بالطرق التي يتقنونها ويبرعون فيها، ولن تكون النتيجة سوى هلاك الأبرياء والضعفاء. وباختصار: فإنّ نسخة من رسالة الاستعطاف التي كتبت أُرسلت إلى حضرتكم؛ لتطلبوا بدوركم العطف والعفو ليُفكّ الحصار عن النجف على الأقل، ويُطلق الماء الآن علّهم يغضّون الطرف عن كافة العصاة حالياً، ويؤجّلون معاقبتهم حتى تحين الفرصة. نرجو بذل ما بوسعكم للحصول على العفو،
وإرسال نسخة من برقية الاسترحام هذه إلى بغداد، وأن تكتبوا بشكل منفصلٍ وتقولوا من جانبكم ما ترونه مناسباً. لا يسعني قول أكثر من ذلك وقد أطلت عليكم. إنّكم تهتمون بأبسط الأُمور التي تهم مصلحة المسلمين، فكيف بمثل هذه القضية المهمّة، وختام الكلام الإقدام والإقدام.
حرّره الجاني
فتح الله الغروي الإصبهاني
المشتهر بشيخ الشريعة عفي عنه(1)
اليوم الثامن
الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1336هـ / 26 آذار 1918م.
وفيه: تقدّم الجيش في الصباح نحو الخان باستماتة، وبذل كثيراً من الضحايا للاتصال به وتحصينه خوفاً من استيلاء النجفيين عليه، وفعلاً تمكّنوا من الاتصال به وفكّوا الحصار من النار الحامية، التي كانت تصليهم بها أبراج السور.
وفي هذا اليوم سلّمت القوة التركية في الرمادي، وخفّ الضغط على الجيوش البريطانية، فنقل قسم من الجيوش المعبّأة للرمادي إلى النجف، ففي ذكريات بعض المحاربين النجفيين الرابضين على التل، أنّه بعد فترة من انقطاع الإمدادات دامت يومين أو ثلاثة، عادت تنهال على الحاميات المحيطة بالنجف إحاطة السوار بالمعصم، وكان ذلك في اليوم العاشر والحادي عشر للثورة على ما يتذكّرون.
وفي عصر هذا اليوم، ذهب علي هجوج(2) إلى الخان لجلب جواب القائد العام على البرقية السابق ذكرها، فأُعيد بدون جواب، على أن يرسلوا الجواب في اليوم التالي إلى العلماء.
وفي ساعة متأخّرة من مساء هذا اليوم، عادت واشتدّت المناوشات بين الجانبين في
____________________
(1) تاريخ ثورة النجف للخوئي ص286 - 287.
(2) في مذكّرات الشبيبي عن هذا اليوم: ( ذهب علي هجوج للموافاة بجواب القائد العام عن برقية العلماء، فحمل كتاباً من حميد خان جاء فيه أنّه راجع - بلفور - فأجاب أنّ برقية العلماء أُنفذت إلى حاكم العراق السياسي العام في بغداد، وهو طيّرها إلى القائد العام، وأنّ الجواب ورد إلى الكوفة وسيُعرَّب ويرسل غداً إلى العلماء ).
متربي الثلمة والباب الصغير، على أثر مجيء جماعة من أفراد العشائر من المشخاب وأطرافه - أكثرهم من عشيرة الزرفات - وعلى رأسهم أحد أولاد حسون عرب، وهو تاجر نجفي يقيم هناك، فاخترقوا الحصار ودخلوا النجف بعد الاشتباك مع الجنود.
وفي هذا اليوم أيضاً، جمع الثوّار من الناس عدداً كبيراً من أكياس الجنفاص ( الگواني ) وملأوها رملاً لعمل المتاريس، بالإضافة إلى ما كانوا قد حفروا من الخنادق في البداية، وأهم المتارب أو التلول المتسلّطة على مدينة النجف هي المتارب الواقعة على باب السور الصغيرة، أي الباب الغربية التي تقابل بحر النجف؛ لذلك أحكم النجفيون الدفاع عن هذين المتربين بالخنادق والمتاريس، والرجال المقيمين، الذين كانوا يستبدلونهم بنظام خاص، وقد حاول الإنكليز كثيراً الاستيلاء عليهما فلم يتمكّنوا، بالرغم ممّا بذلوه من جهود مستميتة. أمّا بقيّة أطراف النجف، فقد أحكموا الدفاع عنها بالتمركز في أبراج السور، والشيلان الذي كانوا يرامون الخان منه ويسيطرون به على طريق الكوفة.
أمّا وسائل الحصار التي أستُعملت لمحاصرة النجف، فهي: الأسلاك الشائكة، والجنود المشاة الثابتون في مواقعهم المتمركزون في الخنادق والمتاريس، والفرسان المتجوّلون على طول خط الحصار ليل نهار، والسيّارات المصفّحة المنتشرة هنا وهناك.
وفي هذا اليوم: ظهرت أوّل آثار الحصار في أسعار اللحوم والدهن والحطب، أمّا الخضروات فقد انعدم وجودها قبل ذلك؛ لأنّها تأتي يومياً من خارج النجف.
كما بدأت تظهر آثار شحّة الماء، فاضطر البعض لشرب ماء الآبار، وقد بلغ سعر حمل الماء - وهو قربتان - بليرة ذهب.
وفي مساء هذا اليوم: اشتد تبادل إطلاق النار، حيث حاول الإنكليز احتلال المتربين الكبير والصغير فعجزوا وارتدّوا خاسرين.
اليوم التاسع
الأربعاء 14 جمادى الثانية 1336هـ / 27 آذار 1918م.
وفيه: ورد جواب القائد العام على برقية العلماء، ونصّه:
الرقم 2804
التاريخ 26 آذار 1917
( إلى حضرة حجّة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي، وحضرات العلماء الأعلام في النجف الأشرف، وإلى أهاليها.
وصلنا كتابكم فأمعنّا النظر فيه، وإنّكم لمحقّون في وصفكم بأنّ الحكومة البريطانية رءوفة، وأسطع برهان على ذلك، الرأفة التي عُومل بها النجفيون في الحادثتين اللتين وقعتا في الستة شهور الماضية، وبرهان آخر على تلك الرأفة، الخطّة السلمية التي سنتبعها في تنفيذ الشروط المشترطة عليكم.
فإنّنا لم نوقع العذاب بالأهالي الذين لم يخالفوا القانون، بل أُولئك الذين خرقوا حرمته ومَن ساعدهم على ذلك، وفي استطاعة النجف الأشرف أن تخرج سالمة من مأزقها الحالي؛ إذا خضعت للشروط التي سبق وعرضناها.
ففي إمكان حضرات المجتهدين والعلماء الأعلام، لا بل بالأحرى عليهم أن يطهّروا بلدتهم من مفسديها، كما عليهم مساعدتنا على إيقاع العقاب بأُولئك الذين اقترفوا تلك الجريمة، وعلى مَن حرّضوا على ارتكابها.
وسوف لا تقصّر الحكومة في منح الصفح متى آن الوقت المناسب، فليتأكّد سكّان البلدة المسالمون بأنّنا سنعاملهم بالحسنى إذا أظهروا بأعمالهم أنّهم يستحقون منّا تلك المعاملة.
ولقد مضت سبعة أيام منذ قتل القبطان مارشال، ومع ذلك فلم يعبّر لنا أهالي النجف عن خضوعهم، ولم يقوموا بشيءٍ ما لإرجاع القانون والنظام إلى نصابيهما. والسلام )(1) .
25 /26 آذار 1918م
الفريق الأول
السير. و. ر. مارشل كي سي. بي
القائد العام لجيوش جلالة ملك بريطانية العظمى في العراق
____________________
(1) جريدة العرب ع84 بتاريخ 9 نيسان 1918م.
سبق أن ذكرنا في حوادث اليوم السادس للثورة، أنّ النجفيين، بعد أن تشكّكوا في خلاص رسولهم الأول إلى العشائر من أيدي الجنود، جعلوا يفتشون عن رسول آخر وعن مخرج أمين. وفي هذا اليوم غادر النجف رسولهم الثاني، وهو من بني عامر، وقد وثّقه للنجفيين حميد الرحباوي.
لقد خرج هذا الرسول من الباب الجنوبي الغربي ( باب السقّائين )، حيث المنخفض الواسع الذي يستطيع الإنسان أن يتخفّى في مختلف دروبه ومنعطفاته وتضاريسه، إلى أن يبتعد عن أنظار الجيش، ليتجه مع انحداره إلى أن يتصل بالمشخاب، ومن هناك يذهب إلى كل مَن يريد، وهذه الطريق، بالرغم من طولها وصعوبتها، أمينة كل الأمان؛ لأنّها بعيدة عن الأسلاك الشائكة وخنادق الجيش، وفعلاً وصل الرسول إلى جميع زعماء العشائر المرسَل إليهم، ولكنّه وجد أنّ الإنكليز قد أحكموا صلاتهم الترهيبية والترغيبية بجمع زعماء الفرات، حتى أنّهم أصبحوا يحلمون بالخيرات في المنام؛ لذلك لم يستطع الرسول الحصول على أيّة مساعدة من الزعماء، ولا أي وعد منهم بالمساعدة؛ وذلك لكثرة ما كان يغدقه الإنكليز عليهم من أموال ووعود من جهة، ومن جهة ثانية لانتشار نقاط الجيش ومخافره على كل طريق يمكن أن تصل منه المساعدات إلى النجف.
ومع ذلك فقد قام بعض الزعماء الصغار والأفراد بمحاولات متعددة للالتحاق بالثوّار النجفيين، وبذلوا الغالي والرخيص، ولكنّهم لم يتمكّنوا من ذلك، سوى جماعات قليلة جازفت واقتحمت الحصار؛ لشدّة يقظة الإنكليز وحذرهم وكثرة قواتهم المحيطة بالنجف.
وعن حوادث هذا اليوم يقول الشبيبي: ( وقد انعقد مجمع كبير على إثر ورود هذا الجواب في دار الجواهري - وقد صارت داره هذه الأيام محل انعقاد مجامع النجفيين والثوّار والمتصدّين، وكل مَن يشتغل في هذه المسألة؛ لأنّ الجواهري من أكثر المتصدّين حركة وتفكيراً فيها، حضره الوجوه والأعيان، والمتصدّرون من أرباب العمائم ورؤساء الثوّار، والمتغلّبين وفريق من الجمهور، فتُلي عليهم جواب القائد وتنوقش فيه، وانعقدت أيضاً مجامع أُخرى خاصة في دور آخرين من المتصدّرين، لم يتقرّر في الجميع شيء، وأُشير باستئناف مراجعة القائد العام.
وفي عصر الأربعاء المتقدّم تقلّد الشيخ إبراهيم الكاشي الواعظ سيفاً، وجعل يخطب الناس في الحثّ على الدفاع )(1) .
اليوم العاشر
الخميس 15 جمادى الثانية 1336هـ / 28 آذار 1918م.
وكان يوماً هاماً في الثورة النجفية، ففي هذا اليوم احتل الإنكليز بلدة ( عانة ) بدون مقاومة، وهناك تمكّن الإنكليز من تتبّع الضبّاط الأتراك والألمان المنسحبين، وإلقاء القبض عليهم، والاستيلاء على جميع أوراقهم ومستنداتهم وسجلاّتهم، التي لم يستطيعوا حرقها وإتلافها، ومنها علم الإنكليز - كما يدّعون - بصلة الثورة النجفية بالأتراك والألمان في عانة، وقد أبرزوا بعض هذه الأوراق في محاكمة بعض النجفيين عند انتهاء الثورة.
وهكذا تطوّرت حوادث الحرب في العراق بسرعة في غير صالح الثورة النجفية، فزعماء العشائر أصبحوا غير قادرين على مساعدة الثوّار، والجيوش التركية انتهى أمرها في العراق بأسرع ممّا كان متصوَّراً عند المراقبين؛ فتحرّرت بذلك قطعات كثيرة من الجيش الإنكليزي، أُرسل بعضها إلى النجف، وبقي البعض الآخر على استعداد للرحيل إليها عند الحاجة.
كل ذلك والنجفيون لا يعلمون شيئاً عن هذا كله؛ لأنّ رسولهم لم يعد بعد، ليعلموا منه الأخبار التي تهمّهم في هذا الشأن، لذلك كانوا في هذا اليوم وما بعده، إلى أن وقفوا على جليّة الأمر عند العشائر والأتراك، كانوا على أنشط ما يكون المحاربون في الحماس والتهيّؤ والاستعداد.
وفي مساء هذا اليوم: تسلّل بعض النجفيين من طرف العمارة إلى موارد الماء في الشواطي، وحصلوا على قدر كبير منه.
أمّا أفراد العشائر الذين قدموا أمس، فقد تجوّلوا في صباح هذا اليوم في أسواق النجف على شكل تظاهرة حماسية، قُوبلت من قِبل النجفيين بالترحيب والتشجيع والتصفيق.
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص304.
وفي حوادث هذا اليوم، يقول الشبيبي: ( وفي منتصف ليلة الخميس اشتد تبادل إطلاق النيران أيضاً، بين حراس المقلاب ( ويقصد التل ) في الباب الصغيرة ومَن بإزائهم من الإنكليز.
وفيها أيضاً: اجتاز نطاق الحصار جماعة من النجفيين المقيمين في السواد مع آخرين من عرب هذه النواحي، ودخلوا المدينة بعد أن جُرح واحد منهم.
وفي هذه الليلة: جُرح محمد بن الشيخ صافي الطريحي من حرّاس المقلاب.
ولم يحدث يوم الخميس شيء جدير بالذكر عدا المناوشات المتقطّعة الخفيفة )(1) .
اليوم الحادي عشر
الجمعة 16 جمادى الثانية 1336هـ / 29 آذار 1918م.
وقد مرّ هذا اليوم على النجفيين وهم يستعدون لتعزيز مواقعهم، والتهيّؤ لإعداد خطّة للهجوم على الخان والاستيلاء عليه، عندما ترد أول مساعدة من العشائر. أمّا العلماء والوجوه، فكانوا مشغولين في تدبّر الأمر، وضرورة الضغط على القائد العام لجيوش الاحتلال، حيث اجتمع عدد منهم في دار السيد اليزدي وقرّروا مواصلة جهودهم في هذا الخصوص.
وفي هذا اليوم: نشرت جريدة العرب البغدادية أول خبر عن الثورة النجفية، نصّه:
( في صباح التاسع عشر من شهر آذار، ذهب جماعة من القتلة الذين استأجروهم، فحرّكهم على القتل رجال من أصحاب الأهواء إلى بيت الحاكم السياسي في النجف، الواقع خارج البلدة، فأطلقوا عليه عيارات نارية قتلته، وجرحوا أيضاً ضابطاً آخر.
وكان الحاكم المذكور قد نُقل إلى النجف مؤخّراً من الكاظمية، بعد أن أحرز فيها ثقة العلماء الأجلاّء وودّهم، وكذلك قل عن جميع الأهالي، فأسف عليه كل مَن عرف دماثة أخلاقه ولين جانبه.
وقد قام بعض المبغضين في النجف فأثاروا الشغب، وقتلوا رجلين من رجال الشرطة. والأنباء التي وصلت الحكومة تدل على أنّ ثلاثة أرباع سكّان المدينة هادئة ساكنة، ورجال الفتنة هم: الشيخ كاظم الصبي، والحاج سعد من حي المشراق، وقد
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص305.
يكون المحرّضون على هذه السيّئة رجال من خارج النجف.
وقامت الحكومة بالتدابير اللازمة فأحاطت بالنجف في اليوم العشرين.
وفي الواحد والعشرين والثاني والعشرين: حاولت جماعات من النجف أن يهجموا على الجنود، فردّتهم على أعقابهم خاسرين، ومن ذلك الحين أصبحوا يترامون بالرصاص من وقت لآخر.
وقد خاطب في الثاني والعشرين رؤساء المجتهدين رجال السلطة العسكرية، الذين يشدّدون على مَن اشترك في تلك الأُمور، ومَن يتعلّق بهم.
وقد أرسل أصحاب السلطة العسكرية الملكية برسائل إلى السيد محمد كاظم اليزدي، يبدون بها أسفهم لوقوع هذه المشاغبات، واهتمامهم بالمحافظة على الأماكن المقدّسة وخزائنها، وعلى العلماء الكرام، ويحثّون أيضاً المجتهدين على مشاركتهم في إعادة النظام إلى نصابه.
والرأي العام في كربلاء والحلّة وبغداد وغيرها: يقبّح كل التقبيح ما قام بن أُولئك المفسدون من إخلال النظام في البلدة، وعرض بعض شيوخ العرب الذين على الفرات أن يرسلوا بعض عشائرهم لتأديب أُولئك المفسدين.
ويرغب الناس في كل مكان أن تعاقب الحكومة جماعة من المفسدين عقاباً شديداً؛ حتى يأمن المجتهدون، والزوّار، وتُضمن مصالح التجّار والأهالي وأموالهم. والحكومة العسكرية توسّلت بالوسائل الواجبة بلوغاً لهذه الغاية )(1) .
وعن هذا اليوم يقول الشبيبي: ( وفي ليلة الجمعة - هذه - لم تكن مبادلة إطلاق النيران شديدة، وكذلك في يومها، حتى تمكّن كثيرون في الليل من الوصول إلى الماء خلسة، وذلك في شق العمارة.
وفي ضحى يوم الجمعة هذا، حضر في دار اليزدي بعض أهل الحلّ والعقد، وقرّروا بعد الأخذ والرد: استئناف مراجعة القائد العام بلهجة أشد من الأُولى.
وفي عصر هذا اليوم جُرح ابن أبي القسب في سطح الشيلان )(2) .
____________________
(1) جريدة العرب العدد 75 من المجلّد الثاني في الجمعة 29 آذار 1918، الموافق 16 جمادى الآخرة 1336هـ.
(2) مذكّرات الشبيبي ص305.
اليوم الثاني عشر
السبت 17 جمادى الثانية 1336هـ / 30 آذار 1918م.
مرّ هذا اليوم والنجف في هدوء شامل من الطرفين، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، فالنجفيون يستعدون للهجوم على الخان، والجيش البريطاني يستعد، على ما ظهر بعد ذلك، للهجوم على التل.
وفي هذا المساء هبّت على النجف عاصفة ترابية شديدة قلّ بسببها مدى الرؤيا، فقلقل الجانبان وتبادلا إطلاق النار عشوائياً.
وفي هذا اليوم: وقّع العلماء البرقية التي تقرّر أمس إرسالها إلى القائد العام؛ لاستئناف مراجعته في موضوع وجوب التساهل حقناً للدماء، وهذا نصّها:
( لحضور حضرة القائد العام للجيوش البريطانية في العراق دامت معدلته.
تلقّينا تلغرافكم نمرة 2804 بتاريخ 26 آذار 1918، وأخذنا ما فيه بنظر التدقيق.
تذكرون أنّكم لم توقعوا العقاب بالأهالي الذين لم يخالفوا القانون، ونحن ننصح بالصراحة: أنّ البلاء والعقاب ما وقع ولن يقع إلاّ على الأبرياء والضعفاء، الذين لا جناية لهم ولا تقصير.
وقد نشدنا لعدالتكم التي ذاع صيتها ولا حاجة فيها إلى البرهان، طالبين رفع الحصار والأسر عن الأبرياء والضعفاء بإصدار العفو العام، وعسى أن لا يكون خفيّاً عليكم عجز العلماء وعامة الأهالي، عمّا تقدر عليه دولة معظّمة كالدولة البريطانية، التي وعدت بحفظ حرمات الإسلام ورعاية المسلمين، كما أعلن القائد الفاتح مود في أوائل فتح بغداد، وأكّده الحاكم الملكي العام بحفظ نواميس معابدنا التي صارت منذ أكثر من عشرة أيام هدفاً لرصاص المتراليوز، وشؤون العلماء مهتوكة بهذا الحصار الشديد.
وبالنهاية نقول بكل صراحة بدافع النصيحة للدولة الفخيمة: إنّ هذا الحصار الذي أوجب تلف عدّة من نفوس الأبرياء من الغرباء والمجاورين، كل يوم بالقتل والجوع والعطش، كل هذا فضلاً عن مغايرته للرأفة والعدالة، ومخالفته للنواميس الإنسانية، وحفظ حقوق البشرية، كما أنّه موجب لهتك الحرمات الإسلامية، وهو ضد المصلحة المرعيّة لمثل هذه الدولة الوحيدة بالسياسة التي لا يعجزها حل مثل هذه المسألة الطفيفة.
الحاج عطية أبو گلل يتوسّط أولاده وإخوته وأبناء إخوته
وعدد من أصحابه وخلفهم الخدم في داره ( الدرعية )
أمّا العلماء فلم يقصّروا بالقيام بوظيفتهم في الوعظ والنصح والإرشاد، وكيف لا وهو من واجباتهم الدينية، ولكن لا تكاد تنحسم المادة بصرف الوعظ والنصح فقط، حتى تنضم إليها مساعدتكم بالعفو والسياسة اللازمة في مثل هذا الوقت.
ولذلك، فالأمل فيكم أكيد بإصلاح هذه الغائلة بالتدابير الحازمة بالقريب العاجل إن شاء الله تعالى).
30 آذار ستة 1918م نعم الصلاح بالإصلاح الأحقر محمد كاظم الطباطبائي |
الأحقر الجاني شيخ الشريعة الإصبهاني(1) |
وقد وقّع على هذه البرقية جمع من العلماء والفضلاء.
وفي هذا اليوم أيضاً، وقّع تجّار النجف على برقية منهم خاصة، تتضمّن الشكوى من وقوف دولاب التجارة، وأُرسلت مع البرقية المتقدّمة.
وفيه قُتلت بنت آل الصائغ على سطح دارهم في شق العمارة )(2) .
اليوم الثالث عشر
الأحد 18 جمادى الثانية 1336هـ / 31 آذار 1918م.
وفيه: رفع القنصل الإيراني مذكّرة إلى سفير إيران في بغداد، يشعره بضيق حال
____________________
(1) تأريخ ثورة النجف للخوئي، ص296.
وفي هذه العبارة يؤكّد السيد اليزدي موقفه السابق في طلب العفو العام.
وممّا يلفت الانتباه أنّ الكتّاب الذين تناولوا هذه الرسالة، تعرّضوا لعبارة السيد اليزدي بإشارات إدانة، مع أنّها واضحة الدلالة في تأكيد طلب العفو، والمعروف لدينا أنّ مراجع الدين، وكبار العلماء اعتادوا على إيجاز كلامهم بعبارة مقتضية في أمثال هذه الأُمور.
وقد أثارت هذه الرسالة سلطات الاحتلال البريطاني، فهي تشكّل وثيقة إدانة للسياسة البريطانية، خصوصاً وأنّ الذي وقّع عليها المرجع الأعلى، وقد لاحظت السلطة أنّ السيد اليزدي، وبقيّة علماء الدين، لم يتنازلوا عن مواقفهم في الاستمرار بمطالبة إصدار العفو العام، أي رفضهم للشروط البريطانية، كما أنّ الرسالة حمّلت مسؤولية استمرار الأزمة؛ لذلك كان رد الفعل البريطاني قاسياً في لهجته، حيث أوعز الحاكم السياسي العام في العراق إلى الكابتن بلفور أن يرد على رسالة العلماء بكتاب مؤرّخ في 2 نيسان 1917، سيأتي نصّه. ( دور علماء الشيعة 168 - 169 ).
(2) انظر: مذكّرات الشبيبي ص306.
الجالية الإيرانية في النجف، هكذا شاع في المدينة بعد أن كثر التذمّر بين الإيرانيين المقيمين هناك.
وفي هذا اليوم تقدّم الواعظ المعروف الشيخ إبراهيم الكاشي نحو باب المشهد العلوي محاولاً كسر القفل، حيث كان المشهد ( الحرم العلوي ) لا يزال مقفلاً منذ اليوم الأول للثورة، فمُنع من القيام بذلك.
وفي هذا اليوم أيضاً، قام أحد الفقراء بذبح حمار وباع لحمه على الناس دون علمهم.
وفي المساء أمطرت السماء مدراراً؛ ففرح الناس أيّما فرح، وراحوا يجمعون كل قطرة تقع من السماء ما استطاعوا.
وقد رافقت هذه الأمطار رياح شديدة فاكفهر الجو وتلبّدت السماء بالغيوم، فانتهز الثوّار هذه الفرصة وهاجموا الخان متسلّلين إليه من الشيلان، وعندما اقتربوا من الخان عجّوا بالتكبير وإطلاق النار الحامية، وزحفوا نحوه راكضين، غير أنّ حامية الخان ومعسكر ( كميل ) قد قابلت قواتهما الكبير - بعد اكتشاف مواقعهم بالأنوار الكشّافة - المهاجمين بما لا يصدّق من نيران المدافع الرشّاشة، والقنابل ومرميات السيارات المصفّحة التي هجمت حالاً بنيرانها عليهم، فقابلوا كل هذه النيران برصاص بنادقهم وبإيمانهم الشديد بعدالة قضيّتهم؛ ممّا جعل هذه الليلة كليلة الهرير، تنادى لها كل مَن في المدينة من النساء والرجال بالتهليل والتكبير وحمل السلاح.
وقد انتهز قائد الميدان الإنكليزي هذه الفرصة فأوعز إلى اللواء المرابط إزاء التل ( المگلاب ) بالهجوم عليه واحتلاله لانشغال الثوّار بالهجوم على الخان، فتنادى النجفيون المسلّحون من غير الثوار، والتحقوا بحاميته يشاغلون الجيش الإنكليزي إلى أن عاد الثوّار وأخذوا مواقعهم في التل، والتحم الطرفان في موقعة عظيمة، دامت أكثر من ساعة في هرير صاخب وصراع عنيف؛ فأعادوا الجيش على أعقابه بعد أن تكبّد كثيراً من الضحايا والأضرار.
وفي وصف هذه المعركة العنيفة، والهجوم الإنكليزي الفاشل، يقول المرحوم يوسف رجيب:
(... وبعد مرور أيام ( من بداية الثورة ) أجمعت القوة الإنكليزية المتجمّعة حول
النجف أمرها لتضرب ( التل ) ضربة قاضية، وبذلك تضع حدّاً للحادث، وقد طال حبله واشتد كلبه.
وفي ليلة ليلاء تقدّمت جيوشهم للزحف، وكانت المدافع تقصف مواقع التل، وكانت مواقع هذا التل تصب ناراً حامية على مقرّات الجنود وخنادقهم، حتى أكثرت فيهم قتلاً ودماراً، غير أنّ أبواب المدد على هذا الفاتح كانت مفتوحة، والخسارة معوّضة.. وقد أحبط الله هجمتهم هذه بالثبات النجفي أمام مدافعهم وحديدهم، فتكبّدت القوات ضرراً بليغاً، وباءت باندحار مريع، تاركة جثث قتلاها طعاماً للنسور )(1) .
أمّا المرحوم الشبيبي فإنّه في وصف أحداث هذه الليلة يقول:
( وإنّما أفردنا هذه الواقعة بالذكر وأكبرناها في الوصف؛ لأنّها أُمّ حوادث الثورة التي حدثت إلى الآن.
فلقد كانت ليلتها وهي ليلة الاثنين (19 جمادى الثانية سنة 1336) حالكة الجلباب، مسودة الإهاب أول الأمر، وكان الجوّ عابساً مكفهراً والسماء متلبّدة بالغيوم، والريح ثائرة، والأرض مطيرة، كأنّ كل ظواهر الكون يومئذ منذرة مؤذنة بحدوث حادث لا مفرّ منه، وقد انقبضت النفوس، وضاقت الصدور توقّعاً لما عسى أن يصيبها منه، وإنّه لسرّ من أسرار النفس أن تتوقّع - في بعض الأحوال - حدوث بعض المزعجات؛ فتجيء كما توقّعت أو شبيهاً بذلك، كأنّما للنفس مع عوامل الغيب الخفيّة خلسات أو علاقات.
فقد خرج من ثوار النجف في الساعة الرابعة والنصف، من تلك الليلة، خارج السور من ثقب لهم فيه قرب الباب الكبيرة الشرقية، محاولين الهجوم على الخان، وهو كما لا يخفى أمنع معاقل الإنكليز، وقد سمعناهم قبل خروجهم يتظاهرون ويعطعطون، فلمّا صاروا على مقربة من الخان وأحسّت بهم الحامية؛ أطلقت عليهم النار، فأجابوها بالمثل وعلت لهم جلبة ولغط، واهتم لهذه الحركة القائد الإنكليزي - على ما يظهر - وظنّ أنّها الفرصة التي يستأصل بها شأفة الثوّار.
____________________
(1) مجلة الاعتدال، المصدر السابق، ص222.
وفي الحقيقة أنّه فاجأهم بما لم يكونوا يحلمون به، وصبّ عليهم ناراً حامية هائلة من البندقيات والرشّاشات، واشتركت في الحرب بعض السيارات المجهّزة، واستعمل الإنكليز ضد القوم هذه المرة القنابل المتفرقعة - الديناميت - وهي أول مرّة فعلوا معهم فيها ذلك، واستعانوا على استكشافهم بالنجميات المضيئة - وهي قسم من الصواريخ - وحاول هذا القائد إشغال خواطرهم أو منع وصول الإمداد إليهم فأمر طائفة من جنده مرابطة إزاء - المقلاب - أو مترب الباب الصغير بالتقدم إليها وكانت حاميته ضعيفة قليلة فاستغاثت بمَن في المدينة من الثوّار فأنجدها كاظم الصبي وجماعته، ونشبت الحرب بين الفريقين حول المترب في الوقت الذي كانت ناشبة فيه جهة الخان بشدّة عظيمة دامت بين نصف ساعة وثلاثة أرباع الساعة.
وكانت النتيجة أنّ الثوّار، الذين تقدّموا إلى الخان، تقهقروا تحت وابل من النيران الحامية، حتى توهّم كثيرون أنّ الحرب انتقلت إلى الأزقّة والشوارع؛ فقامت قيامة المدينة، وجاشت وغلت المراجل بين مظاهرة الرجال وهلهلة النساء، لكنّ الثوّار ستروا تقهقرهم بمهارة تامة، وكانوا على ما يظهر بقيادة الحاج نجم وكريم بن سعد.
وأمّا الإنكليز الذين تقدّموا إلى المترب، فقد تقهقروا أيضاً وطاردهم النجفيون، ومن الغريب أنّه لم يظهر عدد من أُصيب هذه الليلة من الثوّار، وربّما أنكروا ذلك لكنّهم يبالغون - ومبالغتهم ليست بحجّة - في عدد من أُصيب من الإنكليز.
ثم تلى الحادثة سكون عجيب استولى على المدينة، فلا تكاد تسمع فيها حسّاً ولا ركزاً من ذي حياة، كما يتلو عادة مثل هذا السكون حروب التطاحن الكبيرة على إثر ما ينال خائض غماره من الكلال والإعياء، وفزع الناس إلى الزوايا المظلمة والسراديب المطبقة، يتهامسون في عظم الحادث وجلالة الخطب في وسط ذلك السكون الشامل الرهيب، واعلم أنّه ما كادت تغمض هذه الليلة لنجفي عين؛ لهول ما سمعه الناس وما شهدوه.
وفي هذه الليلة جادتنا السماء وأغاثتنا الأنواء قبل الواقعة وبعدها بمطر مدرار كانت مواقعه من أهل المدينة، مواقع الغيث من ذي الغلّة الصادي، إذ أدركهم في الوقت الذي عدموا فيه الماء العذب ولم يتذوّقوه منذ أيام، فسالت عنه الميازيب، وانحدرت الشآبيب، حتى ملأ القوم خوابيهم وأوانيهم، ولو أنّ مبلغه محدود لا يتبلّغ به إلاّ أياماً
يسيرة، إلاّ أنّ النجفيين اهتمّوا اهتماماً زائداً في جمعه والحرص عليه، حتى وجدناهم في الصباح التالي يقدّمون على التحية والسؤال عن الحال هذا السؤال: - مقدار إيش جمعت من الماء - )(1) .
اليوم الرابع عشر
الاثنين 19 جمادى الثانية 1336هـ / 1 نيسان 1918م.
مرّ هذا اليوم في هدوء شامل، أخلد فيه الطرفان إلى الراحة بعد ذلك العناء الكبير.
عاد رسول النجفيين الثاني إلى العشائر، وهو يحمل لهم أخباراً غير سارّة عن المساعدات العشائرية المنتظرة، وعن اندحار الأتراك في جميع الجبهات؛ ممّا أضعف معنويات الثوّار إلى حدٍّ بعيد، وبخاصة فيما يتعلّق بالمساعدات العشائرية التي كان عليها المعوّل الأساس.
وفي هذا المساء: شُوهدت بعض قطعات الجيش الإنكليزي تتقدّم خلسة نحو مواقع الثوّار، فأحسّ الثوّار بذلك وأصلوها ناراً حامية، وجرى بين الطرفين تبادل إطلاق النار حوالي الساعتين، انتهت باندحار الإنكليز وعودتهم خاسرين.
اليوم الخامس عشر
الثلاثاء 20 جمادى الثانية 1336هـ / 2 نيسان 1918م.
مرّ هذا اليوم في أشدّ الحراجة بالنسبة للثائرين، بالنظر لتأكّدهم من استحالة وصول المساعدات العشائرية على ما أخبرهم به الرسول.
أمّا الأتراك، فما كان هؤلاء المحاربون يعوّلون عليهم، مثلما كان يعوّل عليهم مضرمو نار الحادث، الذين هجموا في البداية على الخان وقتلوا الكابتن مارشال، أي الحاج نجم وجماعته الذين لا شأن لهم الآن في مقرّرات الثوّار؛ بعد ما اشترك الزعماء الكبار، ولكنّ انهيار المقاومة التركية كان مقلقاً للثائرين على كل حال، حيث سيتفرّغ الإنكليز لهم ويقضون على كل أمل في النجاح؛ لذلك أصبح الموقف حرجاً جدّاً، وأصبح الأمل باستمرار المقاومة من أضعف الأُمور، الأمر الذي جعلهم يفكّرون جدّياً بما يجب أن يكون، غير أنّهم لا يريدون أن يقوموا بأيّة مبادرة تشعر بضعفهم؛ لذلك قضوا هذا اليوم
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص308.
بانتظار مبادرة جديدة من قِبل الوسطاء، الذين يئسوا من الثوّار فاتجهوا نحو السلطة البريطانية يستعطفونها.
وفي جملة ما قاموا به في هذا الخصوص: أنّهم أوعزوا إلى طلبه العلم، وخدم المشهد العلوي بتقديم ( استرحام ) للسطلة يشكون فيه الجوع والعطش وضيق الحال.
وفي عصر هذا اليوم: ورد جواب السلطة المحتلّة على كتاب العلماء الثاني، وهذا نصّه:
( حضرة حجّة الإسلام السيد محمد كاظم الطباطبائي:
وحضرات العلماء الأعلام.
سعادة الحاكم العام تسلّم كتابكم المؤرّخ في 30 آذار سنة 1918، وهو يعتبر من الضروري أن أُبيّن لكم بأنّ قولكم إنّ البلد المقدّس أصبح هدفاً لنيران المتراليوز ليس مطابقاً للحقيقة؛ إذ إنّه معلوم تماماً، أنّنا لم نطلق نيراننا إلاّ على الأشقياء الذين يطلقون نيرانهم علينا.
وسعادته يرغب منكم أن تعلموا أنّ مثل هذه الأقوال لا تساعدكم في المدافعة عن واقعة النجف الأشرف.
كُتب هذا الكتاب بأمر قائد الجيوش في الكوفة.
الكوفة 2 نيسان سنة 1918
حاكم سياسة الشامية
كابتن بلفور
لقد كان مضمون الجواب ولهجته سبباً في خيبة آمال الأوساط النجفية، التي كان قد خاب أملها في الثوّار لرفضهم كل محاولة للمفاوضات.
وقد أورد المرحوم الشبيبي نصّ هذا الكتاب، مشيراً إلى أنّ الذي حمله إلى العلماء هو الشيخ علي أبو السبح، ومعلّقاً عليه بقوله: ( وقد كان لهذا الجواب أسوأ وقع في محافل النجف سيّما الروحانية؛ لما يظهر فيه من عدم الاعتداد بأقوال الجماعة المخاطبين به، لولا أنّه لم يكن من إملاء القائد العام، وقد تدورك سوء أثره بالجواب الآتي ذكره، والوارد من نفس القائد العام بعد ذلك.
ومن حوادث عصر هذا اليوم: قتل علوان بن حسين ثامر في مترب
الثلمة )(1) .
أمّا عن أحداث هذا اليوم بصورة عامة، فإنّه يقول:
( وفي صباح الثلاثاء 20 جمادى الثانية 36، رفع سدنة المشهد العلوي، وطلبة العلوم في النجف، والغرباء، رفقاً إلى القائد العام وإلى حكومة الإنكليز، يشكون من الحصار. وفيه كتب وكلاء اليزدي: إلى حميد خان، إنّ السيد عازم على انتداب جماعة لمشافهة رجال الإنكليز في الكوفة. وفي عصر هذا اليوم ورد جواب من حميد خان - معاون حاكم سياسة النجف - بأنّ القوم في الكوفة قبلوا ذلك، وأنّ تعيين الوقت منوط برأي الجماعة المنتدبين. ويشترط في كتابه، بناءً على طلب الإنكليز، أن لا يزيد المنتدبون على خمسة )(2) .
اليوم السادس عشر
الأربعاء 21 جمادى الثانية 1336هـ / 3 نيسان 1918م.
وفي صباحه كان موعداً لعقد مؤتمر سرّي من قِبل رؤساء الثائرين، وكان ذلك في دار الشيخ كاظم صبي على أرجح الأقوال، وكانت تخيّم على جوّ الاجتماع روح التشاؤم والخيبة وسوء المصير، حيث قد خاب آخر أمل لهم باستمرار المقاومة؛ لتعذر وصول المدد من خارج النجف بأي شكل من الأشكال؛ لذلك جعلوا يفكّرون بالحلول التي يمكن أن تتم عن طريق المفاوضات، خاصة وأنّ ضغط الجوع والعطش، وارتفاع الأسعار، ونفاد كثير من المواد الغذائية الرئيسة، بدأ يشتد على الناس، وهؤلاء بدورهم يعكسونه على الثوّار؛ حيث كان الحصار محكماً تمام الإحكام، فلا طعام ولا ماء ولا عتاد يمكن أن تصل إلى النجف بأي حالٍ من الأحوال، فقد سدّ الإنكليز حتى قناة الآبار الشاهية، التي كانت تصل بعض آبار بيوت النجف بالفرات، وإذا ما علمنا أنّ موسم اكتيال الطعام لم يحن بعد، وأنّ آلاف الزوّار الذين حُوصروا في النجف، شاركوا النجفيين بالقليل المخزون من الطعام لانتهاء السنة الموسمية، ونفاد الكيل المختزن لتلك السنة، سواء في السوق أو في البيوت، ولم تبق منه سوى فضلات لا تسمن
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص309.
(2) ن. م ص308.
ولا تغني من جوع؛ لذلك بلغ ثمن وزنة الحنطة ( مئة كيلو ) خمس ليرات ذهب، أمّا اللحم فلم يبق في النجف أي أثر للماشية، ومن المؤكّد أنّ البعض أكل لحم الحمير، وبخاصة الفقراء.
وفي صدد غائلة الجوع التي تمكّنت من النجفيين في الحصار، يروي المرحوم السيد محمد علي كمال الدين، للأُستاذ حسن الأسدي، طرفاً من مشاهداته، فيقول: ( ومن أغرب ما شاهدت أنّ القطط اضطرّت لأكل التمر، ولم تكن معتادة على أكله من قبل، ولم أنس منظرها المحزن وهي تتقلب في الطرقات بكثرة، وكأنّها تستنجد المارّة بموائها ونظراتها، وهي تعالج سكرات الموت جوعاً ).
أمّا المرحوم الشيخ جعفر محبوبة، فيقول في وصف الحصار، بصورة عامة، وما ترتّب عليه من الضيق والضنك والمعاناة ما يلي:
(... فكانت الحرب الشعواء بين الفريقين، ووقف رجال النجف مواقفهم الخطيرة، مندفعين عن شيم عربي وحس ديني وطني، وبذلوا نفوسهم الطاهرة دون كرامة البلدة وشرف العرب، وعانى الأهلون آلاماً كثيرة خلال الحصار، وضجّ الناس وشحّت الأرزاق، وكضّهم الظمأ، وكثر القتلى بين الفريقين، وكان قتلى الإنكليز أكثر عدداً، ولهم مقبرة واسعة مستطيلة على ضفة كري سعد ).
ثم يقول في الهامش: ( الذي استقيته من المصادر الوثيقة أنّ قتلى الإنكليز كانوا سبعمئة، وأمّا قتلى النجفيين في مدّة الحادثة فهم أربعون قتيلاً منم أبرياء )(1) .
أمّا قادة الثوّار، فبينما هم مجتمعين سرّاً في مؤتمرهم، وإذا بدعوة من السيد اليزدي تصلهم وهم في الاجتماع، للحضور في داره للمداولة في موضوع الحصار الذي ضجّ منه الناس، وكان السيد قد دعا جماعة من رجال الدين والوجوه وفاوضهم في الأمر، وقرّ رأيهم أن يدعوا قادة الثورة والموالين للسلطة ليحملوهم على القبول بالمفاوضات والتسامح فيها.
وفعلاً أرسلوا عليهم فحضروا، ولكنّهم - بالرغم من يأسهم وتخاذلهم - قرّروا أن لا ينقادوا كل الانقياد، ولا يتصلبّوا كل التصلّب.
____________________
(1) ماضي النجف وحاضرها، 1/347.
وبعد جدال عنيف بلغ حد الصراخ والنقد اللاذع، وافقوا على طلب اليزدي ضرورة التفاهم مع الحكومة الإنكليزية، والموافقة على بعض شروطها، حيث لا يمكن التفاهم بدون ذلك.
وبعد أن توثّق اليزدي من كلام الثوّار؛ قرّر إيفاد جماعة من خواصّه ليباشروا موضوع التفاهم مع الإنكليز، ووضع أخف الشروط الممكنة لتكون أساساً للمفاوضات، غير أنّ بعض الموالين للسلطة لا يرون غير التخلّص من زعماء الثورة، الذين لا يمكن أن يكون للموالين نفوذ في البلد بوجودهم؛ لذلك حالوا دون خروج مبعوثي اليزدي إلى الكوفة لوضع أُسس المفاوضات، كما أنّ بعضهم قد اتصل بالإنكليز وأشعرهم بخذلان الثوّار، فلا يجب أن يتساهلوا معهم بأي حال، وبذلك فشلت محاولة الوساطة التي كان يعلّق عليها الناس والثوّار كل الآمال، وفعلاً ظلّ الثوّار يترقّبون النتائج دون أن يعلموا بما دبّره الموالون.
وفي غروب هذا اليوم الحافل بالآمال والآلام، ورد جواب القائد العام على برقية العلماء الثانية، التي كان بلفور قد أجاب عليها قبل إجابة القائد العام، كما مرّ بنا ذلك. نصّه:
3 نيسان 1918
حضرة آية الله حجّة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي والعلماء الأعلام.
قصاص البلدة الذي تضمّنته شروطنا لم يبتدئ بعد، وهو لا يحتوي على أذيّة الأبرياء.
الماء الموجود في البلدة كافٍ لحفظ الأنفس على ما بلغنا.
وأمّا قطع الواردات الخارجية فلا ينتج عنه سوى عدم راحة الأهالي مؤقتاً.
وقد تبيّن مراراً إلى القائد العام للجيوش، أنّ الأهالي الخاضعين للقانون هم الجانب الأكبر، وهذا ما يزيد خجلهم لعدم اتخاذهم أيّة إجراءات ضد الأشقياء، الذين هم يستمرون على تجرّيهم علينا، لا نمس بأذى أي شخص روحاني، أو أي شيء مقدّس فإنّنا نحترم المحلاّت المقدّسة المختصة بجميع الأديان.. لكنّ الأهالي هم أنفسهم الذين يجلبون الخجل على بلدتهم المقدّسة؛ لعدم مقاومتهم القائل، وبذلك جهدهم تلقاء تنفيذ القانون والنظام. لم يتقدم إلى الآن سبب يوجب منح العفو، ولم يصل إلى القائد
العام للجيوش أي كتاب، يظهر شعور الأسف على قتل الكابتن مارشال، من أي مصدر معتبر خارج بغداد والكاظمية.
بناءً عليه لا يخفّف الحصار، وربّما تقتضي الضرورة آناً ما باتخاذ إجراءات أشد في تنفيذ القيام بشروطنا.
الفريق الأول السر. و. ر. مارشل كي سي بي
القائد العام للجيوش البريطانية
في العراق
وعند تلاوة هذا الكتاب من قِبل السيد اليزدي وخوّاصه، عاد لهم بعض الأمل وساورتهم الطمأنينة، فقرّروا جمع نفس المؤتمر في اليوم التالي، وأرسلوا مَن يبلّغ الجميع بذلك.
وقد مرّ مساء هذا اليوم ( الأربعاء ) وكل حديث المعنيين يدور حول جواب القائد العام، وما سيتخذه العلماء غداً من الإجراءات في ضوئه.
وعن أحداث هذا اليوم يقول الشبيبي: ( وفي ليلة الأربعاء 21 جمادى الثانية سنة 36 / 3 نيسان 1918، كان السكون غالباً على المتحاربين.
وفي ضحى الأربعاء عقد السيد كاظم اليزدي مؤتمراً مهمّاً في داره حضره جماعة من المتصدّرين، كالجواهري، والسيد عبد الرزاق الحلو، والحاج محمود آغا تبريزي، والشيخ أحمد كاشف الغطاء، وآخرون من بطانة اليزدي، وغيرهم.
دعا إلى هذا المؤتمر زعماء المتغلّبين الكبار والصغار، كالسيد مهدي السيد سلمان، وكاظم الصبي، وسعد الحاج راضي، وابنه كريم، وكردي بن عطية، وسماوي، وغيدان، وحسون شربة من زعماء شق الحويش، وعباس علي الرماحي، والسيد علي جريو، وغير هؤلاء.
ودار الكلام فيه على لزوم الاتفاق مع الإنكليز وكيفيّة ذلك، وقد طال الجدال وكثر القيل والقال بين بعض الحاضرين من المتغلّبين، حتى أدى ذلك أو كاد إلى تعطيل الجلسة؛ لأنّ ( السيد مهدي ) وزعماء شق الحويش كانوا يتبرأون من الثورة والثوّار، فلا يحبّون أن يجرّوا في هذا المضمار.
وأمّا الصبي فإنّه يبرهن على أنّ أولاد السيد مهدي، وبعض أتباعهم من مدبّري هذه
الحادثة إلى نحو ذلك.
وقد تكلّم اليزدي وبقيّة المتصدّرين في لزوم دفع هذه الغائلة، وإصلاح ذات البين، والتفاهم مع الحكومة الإنكليزية. وذكروا أنّ الغرض من هذا المجمع، بيان أنّ المندوبين، الذين عزموا في هذا اليوم على مقابلة رجال الإنكليز والتوسّط بين الفريقين، لا يفعلون ذلك إلاّ إذا استوثقوا من النجفيين: أنّهم يتنازلون إلى قبول بعض مطالب الإنكليز فعلاً، ولا ينقضون لهم قراراً، ولا ينكثون عهداً في ذلك، فتظاهر الزعماء بالإجابة، وحلفوا على ذلك وعلى اتّباع رأي العلماء والمندوبين، واتفق الجميع على أن يرفع النجفيون رفعاً إلى حكومة الإنكليز، مضمونه الندم على وقوع الواقعة والتظاهر بالطاعة والإذعان؛ ليكون بمثابة أساس للمذكّرات، ويوقّع عليه الزعماء والحاضرون أجمع، بعد أن أبى التوقيع زعماء شق الحويش، لكنّ اليزدي أجبرهم عليه إلاّ واحداً لم يوقع، نعني غيداناً، وهذا نص ما كتبوه:.........(1) .
( سلّم هذا الرفع إلى الرسول، ليُحمل إلى الإنكليز، ثم ليخرج في أثر منتدبو اليزدي عصر هذا اليوم، وظنّ الناس أنّ المسألة صارت في آخر أدوارها، بيد أنّ زعماء شق الحويش جاؤوا - على عادتهم - بما ليس في الحسبان فإنّهم استرجعوا الرفيعة وأبوا تسريحها بل مزّقوها، وتأجّلت بذلك حركة المنتدبين هذا اليوم ممّا جعل عامة الناس يحرقون الأُرّم على ذلك.
وفي أصيل هذا اليوم - يوم الأربعاء - ورد جواب القائد العام نفسه عن رفيعة العلماء الثانية، وهذا نصه: ( وهنا أورد الشبيبي نص الجواب الذي سبق أن نشرناه في أحداث هذا اليوم، وعلّق عليه بما يلي ):
( كان لهذا الجواب على الإجمال وقع حسن في النفوس، بالقياس إلى الجواب الأول، وأمضى الناس ليلة الخميس يتحدثون به، ولم يحدث هذه الليلة ما يستحق الذكر عدا ذلك )(2) .
____________________
(1) ترك الشبيبي فراغاً في هذا المكان أملاً في الحصول على النص فيما بعد، كما يظهر.
(2) مذكّرات الشبيبي ص311.
اليوم السابع عشر
الخميس 22 جمادى الثانية 1336هـ / 4 نيسان 1918م.
وفي صباحه توجه إلى الخان وفد من الموالين، والتقوا هناك بالحكام السياسي بلفور المشرف على القوات المحاصرة للنجف، وجعل الوفد يفاوض ويتردد بين الثوار والإنكليز، إلى أن أدرك بلفور من البعض مبلغ الوهن الذي دبّ إلى نفوس الثوار، واليأس الذي استولى عليهم، وأنّهم بدأوا يفقدون عطف الرأي العام النجفي شيئاً فشيئاً، حيث أصبح الوقت يمر لغير صالحهم.
لذلك تمادى بلفور في المماطلة، ثم ظهر على حقيقته وأصر على طلبه السابق في المفاوضات الأُولى، وهو تسليم القتلة بدون قيد أو شرط.
وعندما علم السيد اليزدي بهذا الموقف الإنكليزي المتصلّب؛ أعاد في ضحى هذا اليوم عقد مؤتمر الأربعاء في داره، وتلا عليهم جواب القائد العام المؤرّخ في 3 نيسان 1918، وطلب إليهم أن يوقّعوا كتاباً موجّهاً للإنكليز، يعبّر عن أسفهم وندمهم على ما حصل، مع إظهار الطاعة لهم.
وبعد مناقشات طويلة، امتنع الثائرون عن توقيع مثل هذا الكتاب قبل صدور العفو العام عنهم، أمّا الموالون فقد تنصّلوا من الثورة والثائرين، الأمر الذين اضطر معه السيد اليزدي إلى أن ينفذ وفداً بعد الظهر إلى الإنكليز في الكوفة يتألّف من: الشيخ علي كاشف الغطاء، وابنه الشيخ محمد حسين، والشيخ جواد الجواهري، والحاج محمود أغا، والسيد رضا، أنفذهم لإطلاع الإنكليز على جليّة الأمر ورفض الثوّار لمطاليب السلطة، ثم طلب الرأفة بالمدينة المحاصرة، غير أنّ موقف بلفول لم يتزحزح، وأصرّ على ما أراد.
وفي اليوم أيضاً نادى منادي الرؤساء بوجوب إخراج المخزون من الطعام وبيعه للناس بالأسعار المناسبة، وإلاّ جرى نهبه وسلبه، وذلك للضيق الشديد الذي عانى منه الفقراء الذين مات بعضهم من الجوع.
وقد تكرّرت حوادث السرقات ليلاً ونهاراً، وربّما كانت بعض السرقات تُعتبر نهباً وسلباً في وضح النهار، بعد أن اختفت كل أنواع الطعام وصارت تُباع خفية بأسعار خياليّة.
أمّا الثوّار، فإنّهم عندما بلغهم إصرار السلطة الإنكليزية على التسليم بدون قيد أو شرط، اجتمعوا وقرّروا الهرب من وجه السلطة وعدم التسليم بأيّ حالٍ من الأحوال، وربّما كان ذلك بإيحاء من أحد الموالين لإيغار صدور الإنكليز عليهم والتخلّص منهم؛ لأنّ الموالين للسلطة لا يقرّ لهم قرار مع وجود هؤلاء الأقوياء الأشدّاء.
كان مساء هذا اليوم ( السابع عشر للثورة ) حالك الظلمة، لوقوعه في اليوم الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة 1336هـ، كما كانت سماؤه ملبّدة بالغيوم منذ الصباح، حيث كانت قد أمطرت السماء مطراً غزيراً فجمّع النجفيون كل قطرة أمكن جمعها من ذلك المطر، وكانت قد حصلت أمطار قبلها وبعدها وخفّفت من مشكلة الماء.
لقد كان البرق والرعد هدّاراً ذلك المساء، عندما تسلّل الثوّار المطلوبون فرادى وجماعات نحو الأسلاك الشائكة لعبورها من عدّة مواقع، والنجاة بأنفسهم في ذلك الظلام الدامس، ولكن الحرس المحيط بالنجف من كل مكان: مصفّحات وفرسان ومشاة ليل نهار، أحسّ بهذه المحاولة، وربّما كان عارفاً بها ومستعدّاً لها، فتصاعدت طلقات الإنارة حتى أصبح الليل نهاراً في جميع أطراف النجف، وثارت نيران الخنادق من كل صوب، وتحرّكت المصفّحات والخيول، فحال ذلك دون إفلات أي واحد من الثوّار.
وعن حوادث هذا اليوم يقول المرحوم الشبيبي: ( وقد أعاد اليزدي ضحى الخميس 22 [ جمادى الثانية ] سنة 1336 عقد مؤتمر الأربعاء في داره للمناقشة في الحالة الراهنة - مرة ثانية - حضره المتغلّبون أيضاً، وتُلي عليهم الجواب، وتقدّم اليزدي والمتصدّرون إليهم بالكتابة إلى الإنكليز أسفاً على الواقعة، وتظاهراً بالطاعة كتابة يوقّع عليها الجميع. طالت المراجعة وكثرت المداورة في ذلك بلا فائدة، فقد أصرّ زعماء شقّ الحويش بدعوى البراءة على عدم التوقيع، وتكاشفوا أو كادوا بالقبيح مع مطالبهم بذلك، ولكنّ اليزدي بنى على أيّ حال قيام المنتدبين إلى الكوفة هذا اليوم.
خرج إلى الخان بعد الظهر من هذا اليوم - يوم الخميس 22 ج2 سنة 36 / 4 نيسان 1918 - منتدبو السيد كاظم اليزدي وهم:
1 - الشيخ جواد الجواهري.
2 - الحاج محمود أغا.
3 - الشيخ علي الجعفري ( كاشف الغطاء ).
4 - ابنه الشيخ محمد حسين.
5 - السيد رضا، من حفدة اليزدي.
ثم فصلوا من الخان إلى المعسكر الإنكليزي في الثوية - كميل - حيث استقبلهم بلفور حاكم الشامية، ثم حضرت سيارتان أقلّتهم ومعهم بلفور إلى جسر الكوفة.
وفي هذا اليوم تأذن زعماء المتغلبين بلزوم إخراج تجّار الحبوب حبوبهم وتعريضها للبيع، وإلاّ نُهبت؛ وذلك لعموم الشكوى من الجوع.
وتكاثر سواد المحاويج حتى مات جوعاً بعض المتكفّفين.
وإنّ أسعار الحبوب وموارد المعيشة الضرورية لم تزل في ارتفاع، وتعدّدت السرقات وتسوُّر البيوت )(1) .
اليوم الثامن عشر
الجمعة 23 جمادى الثانية 1336هـ / 5 نيسان 1918م.
وعند صباحه كان الثوّار النجفيون قد عادوا إلى مواقعهم ولم يفقد منهم أحد، كما لم يعلم بذلك أكثر النجفيين؛ بحيث إنّ النجفيين المسلّحين من غير الثوّار، عندما سمعوا دويّ المدافع وإطلاق النار في الليلة السابقة؛ ظنوا أنّ الإنكليز هجموا على التل، فاتجهوا جميعاً نحوه وأخذوا مواقعهم فيه، وراحوا يطلقون النار بكثرة، دفاعاً عن مدينتهم المقدّسة.
أمّا الإنكليز، فإنّهم في صباح هذا اليوم تظاهروا بعدم معرفتهم بحقيقة ما جرى في الليلة الماضية، وأوعزوا إلى مواليهم بطلب استمرار المفاوضات، وتخدير الثوّار
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص311. وفي كتاب ثورة النجف للحسني ص78: بلغ سعر وزنة الحنطة في الأيام الأخيرة من الحصار، خمس ليرات ذهبية، واختفت من الأسواق جميع المواد الضرورية والكمالية، واضطرّ بعضهم إلى ذبح البغال، والحمير، للاستفادة من لحومها، ولولا الكميّات الكبيرة من التمور التي كانت مدّخرة في خانات كبار التجّار، لهلك الناس جوعاً، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت الوفيات بين الفقراء والمرضى غير قليلة، وكانت البيوتات المرموقة، والعائلات الميسورة، قليلة التأثّر بهذا الوضع الشاذ على كل حال ).
استعداداً لتدبير هجوم ماحق على التل، بعد أن تأكّدوا من انهيار أعصاب الثوّار وتحطيم معنوياتهم، وعلى هذا الأساس ساد الهدوء في هذا اليوم، وعاد المسلّحون من غير الثوّار إلى بيوتهم، وأُشيع بين الناس من قبل الموالين أنّ القضية ستنتهي سلماً عن طريق المفاوضات إكراماً للعلماء؛ فاستبشر النجفيون وباتوا ليلتهم مطمئنين.
وفي صباح هذا اليوم: عاد إلى المدينة الشيخ علي سبيلو، وهو الرجل الذي يتردد في حمل الرسائل بين النجفيين والإنكليز، يحمل كتاباً من بلفور إلى السيد مهدي السيد سلمان يدعوه فيه إلى مقابلته، وقد خرج وقابل الإنكليز، وعاد إلى المدينة عصراً وهو يحمل منشوراً للنجفيين، هذا نصّه:
( منشور إلى أهالي مدينة النجف الأشرف
1 - إنّ إطلاق النار المستمر من الأشقياء على العساكر البريطانية لا يمكن أن يتحمّل أكثر.
2 - وبالنظر إلى هذا سنتخذ الإجراءات التي أجدها ضرورية، غير أنّ هذه الإجراءات ستسري في بادئ الأمر على بعض المحلاّت الخارجة عن البلدة، فعلى الأهالي أن يبتعدوا عن الأسوار، وعن نواحي البلدة كي يسلموا من الضرر، وأنصحهم أن يختبئوا داخل السراديب، بينما المدافع الطواب تطلق نيرانها.
3 - وليتأكّد حضرات العلماء الأعلام، والأهالي الخاضعون، أنّه لا يحصل أي ضرر للمحلاّت المقدّسة داخل البلدة.
الكوفة 5 نيسان 1918م
قائد جيوش الكوفة والنجف
أذاع السيد مهدي هذا المنشور في المدينة، وذكر أنّ الإنكليز أمهلوا النجفيين 24 ساعة، ليسلّموا في أثنائها القتلة وأعوانهم الخمسة والعشرين، وذهب توّاً إلى السيد اليزدي مطلعاً له على المنشور، وشافه بذلك بعض أركان الثوّار، فأورد بهذا على السواد الأعظم في المدينة من الحَيْرة والدهشة والوجوم والاستغراب ما لا يمكن وصفه، وبدلاً من أن يحمل الثوّار وحَمَلة السلاح على الإذعان زادهم إصراراً على الدفاع وثباتاً على المقاومة، وانضمّ إليهم غيرهم من فتيان الأحياء ممّن اعتزل الحرب إلى ذلك الأوان، وتظاهروا مستميتين مستقتلين، فتعقّدت المسألة، بل صارت أعقد من ذنب الضب.
الحاج عطية أبو گلل يتوسّط أولاده وإخوته وأبناء إخوته وعدد من زعماء النجف وخلفهم الخدم. ويظهر في يمين الصورة الجالسين: كاظم صبي، والسيد مهدي السيد سلمان، فالحاج عطية، والواقف في الخلف بينهما الحاج نجم البقّال.
وفي هذا اليوم توجّه الشيخ الجواهري، والحاج محمود أغا من منتدبي اليزدي إلى بغداد على سيارة حملتهما من المعسكر الإنكليزي حول النجف(1) .
وفيه: عرضت بعض الحبوب للبيع، وقُتل في عصره ابن غلام - قلوم - السقّا على السور في شق الحويش، وشرع الناس المجاورون للسور بالنزوح إلى داخل المدينة عملاً بمفهوم منشور الإنكليز )(2) .
اليوم التاسع عشر
السبت 24 جمادى الثانية 1336هـ / 6 نيسان 1918م.
وفيه: كان الهدوء شاملاً، وكان رؤساء الثوّار الذين قد بلغ اليأس منهم مبلغه، قد تظاهروا بتصديق ما أشاعه الموالون على الناس - بالرغم من تشكيكهم فيه - فتهاونوا في تنظيم القوات المرابطة على التل وتقوية معنوياتهم؛ لأنّهم صمّموا على شيء بعد أن طغى عليهم اليأس وتجلّت لهم خيانة بعض الموالين، خاصة بعدما أشاعوا بين القوات المرابطة على التل أنّ رؤساءهم يتفاوضون مع الإنكليز، وأنّ المفاوضات على وشك النجاح، للفتّ في عضدهم، والتهاون في أداء واجباتهم في هذه الليلة، التي يدبّر فيها الإنكليز هجوماً على التل، الأمر الذي جعلهم يتهاونون فعلاً في احتلال مواقعهم مثل كل ليلة، وإنّما راحوا يتجمّعون جماعات جماعات هنا وهناك، يتحدثون عن انفراج
____________________
(1) نشرت جريدة العرب، بعددها 88 من المجلد الثاني، 13 نيسان 1918 تحت عنوان: ( دعوة منزلية في دار الحاكم السياسي العام ) نقتطف منه ما يلي:
( أنفذ حضرة نائب الحاكم السياسي العام في العراق، قبل بضعة أيام أوراق دعوة، يدعو بها كبار الأشراف والعلماء وموظفي الحكومة من المسلمين، ووجوه الإسرائيليين، فتوارد المدعوون نهار الثلاثاء 9 نيسان في الساعة الرابعة بعد الظهر.
وكان حضرة النائب يستقبل الأفاضل عند دخولهم ويرحّب بهم ببشاشة وطلاقة وجه، وممّن حضر النادي من خارج بغداد بعض مجتهدي النجف، وهما:
الحاج محمود هندي، والشيخ جواد صاحب الجواهر.
وكانت الدار مفروشة بأفخر... إلخ ).
وكان قد أُشيع عند النجفيين حول سفرهما أنّهما سافرا لطلب التخفيف من حصار النجف، بالنظر للضيق الذي استولى عليها.
(2) مذكّرات الشبيبي ص312.
الأزمة.
وتشاء الصدف أن تهبّ هذه الليلة عاصفة قوية، يصحبها مطر غزير امتلأت به خنادق المحاربين، فترك أكثرهم التل إلى بيوتهم، منتظرين الصباح الذي ستنفرج فيه الأزمة بالمفاوضات، كما أقنعهم الموالون. أمّا الباقون الذين لم يقتنعوا بذلك، فإنّهم كانوا ينتقلون من مكان إلى مكان ليحموا أنفسهم من العاصفة الشديدة وأمطارها الغزيرة، بعد أن تركوا خنادقهم التي غمرتها المياه.
وما انكشف الظلام عن خيوط الفجر الأُولى، حتى اضطر هؤلاء الباقون أيضاً إلى ترك التل بسبب العواصف والأمطار، سوى نفر قليل لا يتجاوزون عدد الأصابع، ظلّوا قابعين في مواقعهم لأغراض الحراسة والتنبيه، من باب الاحتياط؛ لأنّهم كانوا شبه مطمئنين إلى نتيجة المفاوضات، كما أشاعها بينهم الموالون.
أمّا الإنكليز، فقد كانوا في هذه الليلة والنهار الذي سبقها، منهمكين في إحكام خطّة هجوم كاسح جديد على التل، وفي تلك الليلة أكملوا إعداد قوّة هائلة تكفي لفتح أعظم الحصون، كما انتهزوا فرصة العواصف وأصوات الرعد لصنع سلّم من أكياس الرمل من أسفل التل إلى أعلاه، من الجانب الغربي الذي لا يقع عليه بصر المحاربين النجفيين المرابطين في أبراج السور، ولا يصل إليه رصاص بنادقهم.
وفي هذا اليوم خرج السيد مهدي السيد سلمان، والحاج محسن شلاش إلى الإنكليز في الخان، بسبب التوتّر الذي كان يسود المدينة، لإشعارهم بحقيقة الحال، وطلب التسامح إزاء عناد الثوّار.
وعند عودتهم خدّروا الثوّار - كما يقول المرحوم الشبيبي - بإعلانهم موافقة الإنكليز على عدم قصف مواقعهم بالمدافع، تمهيداً لإجراء مفاوضات الصلح الذي تظاهر الإنكليز بالموافقة عليه، وفعلاً توقّفوا عن إطلاق المدافع.
وبُعيد ظهر اليوم ظهرت في سماء المدينة طائرة منخفضة، حامت حول مواقع الثوّار حوالي ربع الساعة للاستكشاف، وقد أصلاها الثوّار ناراً حامية، غير أنّها لم تكترث، ممّا يدلّ على أنّها كانت مدرّعة، وعند إتمام مهمّتها الاستكشافية ألقت بمنشورين:
أحدهما يتضمّن شروط الحكومة الإنكليزية لإيقاف النار ورفع الحصار.
والثاني يتضمّن انتصارات الإنكليز في لواء الرمادي، للفتّ في عضد الثوّار. وهذا
نصّ المنشورين:
المنشور الأول
( شروط الحكومة البريطانية الموضوعة على النجف الأشرف
بعد الغدر بحياة المرحوم القبطان مارشال الحاكم السياسي في النجف الأشرف، أبلغت الحكومة البريطانية الفخيمة شروطها الموضوعة على النجف الأشرف، في مجلس عُقد في اليوم الثاني والعشرين من شهر مارج سنة 1918 المطابق 8 جمادى الثانية 1336، وحضره حضرات العلماء الأعلام والشيوخ المخلصون، وهاكم بنود الشروط:
أولاً: تسليم القتلة ومَن اشترك معهم في الفتنة بلا شرط ولا قيد.
ثانياً: غرامة ألف تفكة وخمسين ألف ربّيّة يجمعها الشيوخ المخلصون.
ثالثاً: تسليم مئة شخص من المحلاّت الثائرة إلى الحكومة البريطانية، لسوقهم من النجف الأشرف بصفة أسرى حرب(1) . وقد تبلّغ أيضاً إلى مَن حضروا أنّ البلدة ستبقى تحت الحصار الشديد إلى أن تسلّم بهذه الشروط وتنفّذها )(2) .
المنشور الثاني:
( انتصار البريطانيين على الفرات
بعد احتلال هيت في 9 مارج سنة 1918 المطابق 25 جمادى الأُولى، تقهقرت القوات التركية إلى خان بغدادي.
وفي 26 مارج، هجمنا بنجاح على المواقع التركية في خان البغدادي الواقع على بعد عشرين ميلاً من هيت، فأسرنا أكثر من ألفي أسير؛ وكانت خسائرنا طفيفة.
وفي 27 مارج، أهلكنا وأسرنا كل القوة التركية التي كانت في جنوبي حديثة، فبلغ عدد الأسرى ثلاثة آلاف أسير، بينهم مئتا ضابط تركي وضابط ألماني، وغنمنا أيضاً أطوابهم ومتراليوزاتهم وتفكهم وحيواناتهم.
____________________
(1) ويضيف ولسن إلى ما تقدّم قوله: ( لقد أثار تقديم هذه الشروط غضب الأهلين فكثر التوتّر، وخشي أن يؤدّي إلى رد فعل شديد، ولاسيّما بعد أن أبلغ رجال الدين في إيران القنصل البريطاني، خشيتهم على زملائهم في النجف، وحذت حكومة إيران حذو العلماء فطلبت تدخّل السفير البريطاني.
وفي الوقت نفسه فإنّ تقديم هذه الشروط القاسية يسّر للألمان والأتراك بثّ الدعايات المشينة ضد الإنكليز في مختلف البلاد العربية، وفي إيران نفسها Aclash of Layalties p74
(2) جريدة العرب ع84 الصادرة في 9 نيسان 1918م.
ثم بعد ذلك تقدّمت جنودنا نحو الفحيمة الواقعة على بعد أربعين ميلاً من خان بغدادي، وقد أسرنا بين الأسرى قائد الفرقة الخمسين وأميرالين.
ثم عقبنا بقيّة القوات التركية فدخلنا إلى عانه في 28 مارج بدون أن نلقى مقاومة، فازداد بذلك عدد الأسرى بعد 26 مارج حتى بلغ خمسة آلاف أسير، وقد أسرنا القومندان التركي وقائمقام عانه، وقد وجدنا مخازن ذخيرة كبيرة فاستولينا عليها؛ وقد عقّبنا الهاربين الذين لجأوا إلى الفرار إلى مسافة 73 ميلاً شمالي عانه، حيث أسرناهم، وكان بينهم بعض الألمان، وأحدهم يُدعى بروسير(1) الضابط الألماني الموفد للعشائر.
وبالجملة، فإنّ نتيجة هذه الانتصارات الباهرة هي أنّنا أبدنا القوات التركية التي كانت على الفرات، واستولينا على جميع مدافعها وذخائرها الحربية، وما كان معها من الأوراق.
أمّا خسائرنا فلا يُعتدّ بها ).
____________________
(1) لمّا جرت محاكمة المتهمين بقتل الكابتن مارشال، ادّعت المحكمة العسكرية التي حاكمتهم، أنّها عثرت بحوزة هذا الضابط الألماني ( بروسير ) على مراسلات دلّت على ارتباط ( جمعية النهضة الإسلامية ) بالقيادة التركية التي كانت تقاتل الإنكليز في الفرات الأعلى.
( ثورة النجف للحسني ص97 )
وفي تقرير الحكومة البريطانية Review of the civil Administration of Mesopotamia
( لمّا استولت الفرقة الخامسة عشرة على ( هيت ) وغزت ( عانه ) أسرت ضابط الارتباط الألماني، ومعه جميع أوراقه. وقد دلّت هذه الأوراق على وجود جمعية إسلامية في النجف، غايتها جعل هذه المدينة مركزاً لخلق الاضطرابات بين القبائل ).
وعلى هذا التقرير يعقّب السيد عبد الرزاق الحسني في ( ثورة النجف ) ص128 - 129 قائلاً:
( لقد ربطت الحكومة البريطانية بين هذه الأوراق وبين ( ثورة النجف ) وخلصت إلى الزعم أنّ الثورة كانت بتدبير وإيعاز من الأتراك، فكتب إلينا الشيخ محمد جواد الجزائري، قطب رحى ( جمعية النهضة الإسلامية ) ما يلي بالحرف:
( لمّا يئس - الجزائري - من استنفار القبائل المحيطة بالنجف لدعم الثوّار النجفيين، ارتأى أن يستعين بالأتراك الذين كانوا ما يزالون يقاتلون الإنكليز في لواء الرمادي، فأرسل مع عباس الحاج نجم النجفي - البقّال - رسائل إلى القائد التركي نور الدين، ومحمد العصيمي، وعجمي السعدون، عسى أن يمدّوه بالسلاح والعتاد. وقد وصل الرسول إلى قصبة عانة سالماً، وسلّم رسالة القائد التركي إليه، فترجمت إلى اللغة الألمانية ليطّلع عليها القائد الألماني في عانة، وهو يومئذٍ الجنرال فلكس هانم، ويتخذ القرار النهائي في هذا الصدد. فلمّا احتلّ الإنكليز عانة واستولوا على هذه الرسائل - في جملة ما استولوا عليه من وثائق ومستندات - ربطوا بينها وبين ( ثورة النجف ). وادعوا أنّ مقتل الكابتن مارشال وما أعقبه من قيام النجفيين في وجه السلطة المحتلة، إنّما كان بتدبير من الألمان وحلفائهم الأتراك ).
وعن أحداث هذا اليوم يقول المرحوم الشبيبي: ( وفي هذا اليوم جُرح غير واحد من الثوّار، وفي ليلة الأحد 25 ج2 سنة 36 / 7 نيسان لم يحدث من المناوشات ما يستحق الذكر، لكن شُوهدت في الهزيع الأول من هذه الليلة سحابة مبرقة مرعدة مسخّرة من تلقاء القبلة، وكان الناس يتوقّعونها بفارغ صبرهم، وما لبثت أن حقّقت آمالهم فإنّها تداركت المدينة وأطرافها بمطرٍ قلّ أن يسبق له نظير، حتى خزن النجفيون ما يكاد يكفيهم شهراً أو أكثر من ذلك، وقد أدرك الإنكليز أنّ ذلك أحد الأسباب التي تجعل النجفيين يصابرون الحصار بحسب الظاهر، فلذلك صمّموا على مهاجمة مواقع الثوّار والاستيلاء عليها عنوة )(1) .
اليوم العشرون
الأحد 25 جمادى الثانية 1336هـ / 7 نيسان 1918م.
لم يبزغ فجر هذا اليوم حتى بدأ على التل قصف مدفعي هائل، دام حوالي الساعتين تشتّت على أثره البقيّة الباقية من المحاربين النجفيين، الذين تخلفوا في التل للمراقبة، وقد صُدموا بهذه النتيجة التي ما كانوا ينتظرونها، وتحت ستار ذلك القصف العنيف، تقدّم فوجان من السيخ والگرگة فاحتلاّ مواقع الثوّار على التل بدون مقاومة.
وفي تعليل هذه السهولة التي تمّ فيها احتلال دون أيّة مقاومة، يقول المرحوم السيد محمد علي كمال الدين، وهو شاهد عيان، حيث تقع دارهم في الحويش بالقرب من التل، قال كمال الدين:
( ربّما استغرب القارئ هذه الهزيمة بعد تلك المقاومة، غير أنّ الظروف التي أحاطت بالثوّار تهوّن هذا الاستغراب، فقد علمت السلطة في خلال المفاوضة أنّ معظم الثوّار ترك الخنادق مبكّراً إلى أهله للفطور بعد سهر الليل، وفي هذا اليوم خاصة لم يبق في التل إلاّ شباب سئموا تلك الخنادق المليئة بمياه الأمطار في تلك الليلة، وربّما خدعوا على ترك التل من قِبل مَن كانوا على علم بساعة الهجوم، أو أنّهم اضطرّوا إلى ذلك اضطرارا من قِبل أهالي ( الحويش )، فقد شاهدنا وقت الهجوم بعض رجال هذه المحلّة يتحصّن في مدرسة الشيخ ملاّ كاظم ضد الثوّار المرابطين في التل.
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص 314 - 315.
كما شاهدنا عقب إحتلال التل بدقائق أول بادرة لخضوع النجف، فدق اندفع الشرطة اللاجئون رافعين علماً أبيض، غير أن الجنود رموا حامل العلم فوقع صريعاً في الجادة أمام جدار مدرسة الملا كاظم المقابل للتل؛ فسحبه الأطفال من رجله إلى رحبة الحويش الصغير، مشيّعين له بالسخرية واللعنات.
وقد نشرت جريدة العرب بهذا الصدد في العدد 89 البلاغ الرسمي وهذا نصّه: ( في 7 نيسان 1918، احتلّت الجنود البريطانية التلول، ويمكننا الآن من موقفنا المشرف ( على النجف ) نعضد السيد مهدي السيد سلمان شيخ محلّة الحويش الصادق للحكومة، وأن نردع العصاة عن القيام بأعمالهم العدائية ).
وممّا لفت نظرنا ما قام به ثلاثة من كبار الضبّاط الإنكليز بعد احتلال التل بساعتين، من الدخول إلى المدينة من طريق محلّة الحويش، وقد سحبوا معهم سلك التلفون وذهبوا رأساً إلى بيت المجتهد السيد كاظم الطباطبائي، ويقال: إنّه تحادث مع الحاكم العام في بغداد تلفونياً، سائلاً عن سلامته وسلامة البلدة؛ والغرض من ذلك بعث الاطمئنان في نفوس الشيعة في مختلف الأقطار، وإزالة وساوسهم )(1) .
____________________
(1) النجف في ربع قرن ص224.
لم تكن وسائل الإعلام يومذاك متاحة ومنتشرة كما هو اليوم فتصاغ الإشاعات، وتنتشر كما يريدها مروّجوها والمستفيدون من ورائها، بواسطة الزائرين والمسافرين داخل العراق، وبواسطة البرق والمكالمات الهاتفية الضّيقة يومذاك، فكان ممّا أُشيع وتناقله البرق، إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي، أنّ المجتهد الأكبر السيد محمد كاظم اليزدي قد لاقى اضطهادا ومضايقة عند محاصرة القوات البريطانية للنجف.
فقد قام الإنكليز بعد احتلال ( تل الحويش ) المشرف على النجف، أن أوصلوا الخط الهاتفي إلى دار السيد اليزدي؛ ليتمكّن مقلّدوه في الخارج، وسفارات الدول الإسلامية في بغداد الاتصال به، والاطمئنان على سلامته، وليشعرهم بأنّ النجف لم تُصَب بسوء؛ لتهدأ الخواطر والنفوس القلقة.
جاء في مذكّرات الإمام كاشف الغطاء ص389 - 390:
(.. بعد أُسبوعين تقريباً من بدء الحصار، زحفت الجنود إلى قرب سور البلد؛ لضعف الحامية ونفاذ ذخيرتها، ثم احتلّوا جبل الحويش المطلّ على النجف ونصبوا المدافع عليه، وأنذروا المحاربين بالتسليم أو الضرب، وانتظروا مدّة عشرين يوماً يحاذرون من ضرب النجف واتساع لهيب الثورة، وهياج العشائر سيّما وفي النجف المرجع العام لكافة الأقطار، وهو سيدنا السيد محمد كاظم، وكانت البرقيات تنهال على قائد تلك الحملة من الهند وإيران والأفغان.
وكانت سياسة بريطانيا تحتّم عليهم مداراته، وجلب مراضيه؛ فكانوا كل يوم صباحاً ومساءً يرسلون الرسل إليه بشتّى الوسائل، أن يخرج معزّزاً إلى شريعة الكوفة، إلى أن تنتهي القضية. والتمسوا منّا ذلك
=
وعن احتلال هذا التل قال السير أرنولد ولسن ما يلي:
( وفي 7 نيسان احتل لواء الجنرال سندرز التل المشرف على المدينة، وأطلق سراح الموظفين الذين كانوا في المدينة.
وفي الرابع من مايس، سلّم جميع الرجال المهمّين الذين طلبناهم، ورفع الحصار. وفي خلال هذه العمليات الحربية لم تُطلق إطلاقه واحدة على المدينة نفسها. وكانت المخابرات متصلة مع المجتهد الكبير السيد محمد كاظم اليزدي )(1) .
أمّا المرحوم يوسف رجيب، فإنّه يصف هذه الليلة التي تمّ في نهايتها احتلال التل بقوله: ( ولم تطل ليلة العشرين على هذه الحرب حتى كانت أُهبة العدو ممّا لا مجال لصدّها، وبعد معركة فغر فيها الموت فاه، ابتلع ما شاء أن يبتلع من الأرواح، تمكّن الجنود من الصعود إلى التل.. )(2) .
أمّا المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي، فإنّه يصف هذا الهجوم بقوله:
( افتتح الإنكليز هجومهم الكبير على مواقع الثوّار النجفيين في صباح الأحد 25 ج2 سنة 36 / 7 نيسان، بإطلاق وابل من نيران رشاشاتهم وبنادقهم وبعض مدافعهم الكبيرة التي نُصبت على المترب الشرقي المطل على - بير عبيد - أو على كري الشيخ، إطلاقاً يصمّ الآذان دام زهاء الساعة وفي نفس واحد، فإنّه بدأ الساعة 11 صباحاً ( غروبية ) واستمر إلى الساعة الثانية عشرة وربع، ثم وقف، ثم عاد بمثل تلك الشدة والمدة على متربي الباب الصغيرة، والمشرفين على المدينة وعلى ضواحيها اللذين هما أهم معاقل الثوّار.. ثم عقب ذلك زحف مشاة الإنكليز فاحتلوا المتربين أو المقلابين بدون مقاومة تُذكر؛ لأنّ الحامية من الثوّار كانت آحاداً تُعدّ على الأصابع، فلم تطق الصبر على تلك النيران الشديدة، فانسحبوا إلى داخل المدينة وحاولوا الثبات عبثاً في ( شق الحويش ) ومقاومة المتربين منه، لكنّ أهل الحويش المسالمين في طليعتهم السيد مهدي انتفضوا عليهم فانسحبوا إلى ما وراء الحويش من بقيّة الأحياء، وتظاهروا فيها مع أنّ إمارات
____________________
=
أيضاً فأبينا، وقلنا نحن مع أبناء وطننا إن عاشوا عشنا معهم، وإن هلكوا هلكنا معهم، وكان الإنكليز يلتمسون أن يقبل ما يرسلون من الماء والأطعمة واللحوم وغيرها، فيأبى أشد الإباء... ).
(1) Wilson ، Loyalties vol.2
(2) مجلة الاعتدال، المصدر السابق ص222.
الخذلان ظاهرة عليهم، حتى أنّهم أخلوا بعد احتلال الإنكليز مترب الباب الصغيرة مواقعهم على مترب الثلمة، وانتقلوا إلى بعض الأبراج على السور، ثم تركوها بعد قليل وعادوا إلى قلب المدينة، ولم يُقتل بنار الإنكليز إلاّ اثنان من الثوّار، وجُرح غازي طوبة صهر كاظم الصبي، لكن قُتل من الأبرياء والفقراء جماعة، وقد شرع الإنكليز لساعتهم يحصّنون المواقع التي استولوا عليها، ورفع السيد مهدي إلى بلفور تسليم شق الحويش، ونشر أهله على بيوتهم الأعلام الحمر إجابةً لطلب الكابتن بلفور، فتسلّل كثير من الثوّار المقاومين، واندسّوا في الحويش، وهاجر خلق من أهل الأحياء الأُخرى انتجاعاً للأمان.
وفي منتصف هذا اليوم حلّقت طيارة إنكليزية في سماء المدينة ربع ساعة، وألقت نسخاً من منشورين أحدهما جواب القائد العام الذي سبق وروده في يوم 13 جمادى الثانية سنة 36، والمنشور الثاني هذا نصّه )(1) .
كان الإنكليز يعانون في ثورة النجف من أمرين:
قدسية النجف في العالم الإسلامي، ممّا لا يمكن معه ضرب النجف بأيّ حالٍ من الأحوال.
وقوّة الدفاع النجفي، لما هو معروف عن المحاربين من البسالة والتمرّس في القتال، ذلك الدفاع الذي كبّد الإنكليز كثيراً من الخسائر في الأرواح والمعدّات.
لذلك فإنّهم لم يستطيعوا اقتحام التل إلاّ بعد أن تمكّنوا من مخادعة الثوّار بالمفاوضات المفتعلة، على الشكل الذي مرّ شرحه، وإلاّ بعد أن حشدوا لهذا الميدان الصغير ما يكفي لاقتحام أمنع الحصون، كما أنّهم لم يقدموا على الهجوم إلاّ بعد أن أحضروا زعماء العشائر، وأعطوا لكل واحد منهم ناظوراً ليرى بأُمّ عينيه بأنّ الجيش سوف لا يطلق طلقة واحدة على المدينة داخل السور، وإنّما سيكون الهجوم مقصوراً على التل دون غيره.
وقد أُشيع، عندما احتل الإنكليز التل، وحال أهل الحويش دون مرابطة الثوّار في
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص315 - 316.
المنشور الأول سبق نشره في حوادث اليوم الثالث.
والمنشور الثاني سبق نشره أيضاً في حوادث اليوم السادس.
محلّتهم، أنّ كلاًّ من كاظم صبي، وكريم الحاج سعد ونخبة من أصحابهما، حاولوا أن يجلّلوا المنارتين العلويتين بالسواد للتحصّن فيهما، لاستثارة العشائر؛ ولكنّ النجفيين حالوا دون ذلك، بالنصح تارة وبالقوّة تارة أُخرى، حفاظاً على قدسية المدينة وحرمتها.
وعلى كل حال، فقد احتل التل بدون مقاومة تُذكر، وأُخليت أبراج السور وانتهى كل شيء؛ ولم يبق أمام الثوّار الحقيقيين المجالدين، وبخاصة رؤساؤهم، سوى الاختفاء لانتظار ما ستُسفر عنه طلبات الإنكليز، وكان عدد هؤلاء حوالي المئتين، تنقّلوا مجتمعين من مكان إلى مكان إلى أن أدركهم الغروب، فاتجهوا نحو الصحن العلوي الشريف واعتصموا به، وتظاهروا بأنّهم سيدخلون الروضة الشريفة ولا يغادرونها مهما كلّفهم الأمر.
وفي الليل غادروا الصحن متفرّقين للاختفاء في بيوت المدينة، كل عند معارفه وأصدقائه، غير أنّهم أشاعوا وهم يتفرّقون في البيوت على لسان من جنّدوهم لهذا الغرض: أنّهم غادروا المدينة في تلك الليلة وقد سرت هذه الإشاعة بشكل غريب، وأصبح الناس يتحدثون بها في كل مكان؛ فرحين مسرورين لنجاة الثوّار من أيدي الإنكليز والموالين لهم من النجفيين.
غير أنّ الأيام التالية خيّبت الآمال، فظهر أنّهم لا يزالون مختفين في السراديب في مختلف البيوت، وفي إثر ذلك راجت إشاعة مفادها أنّهم عادوا بعدما أرجف الموالون بأنّهم سيسبون عوائلهم؛ وفعلاً حاولوا ذلك مع عائلة أو أكثر مبتدئين بالضرب والتنكيل، ولكثرة اهتمام الناس بالثوّار؛ راجت بينهم مختلف الإشاعات حولهم.
وعن حال المدينة في هذا اليوم يقول المرحوم الشبيبي:
( وممّا يجدر بنا الإشارة إليه، هو أنّ الهدوء والسكينة كانا على أتمّهما في المدينة إلى أن انتهت الواقعة، مع أنّها أدهى الوقائع، حتى أنّ واقعة ليلة 19 ج2 سنة 36 السالفة لا تُعد بالنسبة إليها شيئاً مذكوراً )(1) .
ثم يستمر في الكلام عن أحداث هذا اليوم، ويقول:
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص316.
( وفي متنصف هذا النهار أيضاً، خرج من أهل شق البراق جماعة في غرّتهم الحاج عبد المحسن شلاش، يرفعون طاعة أهل محلّتهم إلى بلفور، وكذلك فعل بعض أهل المشراق والعمارة.
وفي عصر هذا اليوم، التجأ الثوّار إلى المشهد العلوي وامتنعوا فيه، ونقلوا مؤنهم وذخائرهم إليه، وأظهروا أنّهم لا يزايلون هذا المكان، وهم يومئذ صميم الثوّار الذين محّصتهم المحنة، ومخّضتهم الفتنة، فأبوا أن يستسلموا للإنكليز: كالحاج سعد الحاج راضي، وبنيه، وجماعة من أقربيه ومن الشمرت، وكاظم الصبي عقيد شق البراق، مع بعض رفاقه، وعباس علي الرماحي، وأخيه وآخرين من عشيرته، وكردي بن عطية مع جماعة من أهل شق العمارة، والحاج نجم رئيس العصابة الثائرة ومَن معه من عصابته، وأفراد آخرين، بحيث قُدّر الجميع بما يناهز المئتين.
وأمّا سائر مَن حمل السلاح وأطلق النيران على الإنكليز، واشترك في المظاهرة ضدّهم، فقد ألقوا سلاحهم واحداً بعد الآخر، وتظاهروا بأنّهم كانوا ولا يزالون من الحزب الناقم على أهل الثورة؛ حتى قاموا يومئذ على حراسة أحيائهم أن يدخلها أحد الثوّار، وشهروا ظاهراً في وجه رفاقهم اليوم سلاحهم الذي شهروه بالأمس في وجوه الإنكليز )(1) .
وما أن سمع سكان محلّة العمارة بعزم السلطة المحتلّة على قرب قصف محلّتهم، حتى استولى الرعب على جمهورهم، وشرعوا في الانتقال إلى المحلاّت الأُخرى تهرّباً من الأذى، تاركين وراءهم معظم ما كانوا يملكون من أثاث ونحوه، كما شرع المسالمون وأنصار الإنكليز في المسالمة، وتولّى السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلّة الحويش زعامة النجف برمّتها، وباشر هو وأعوانه، ولاسيّما السيد علي جريو، والحاج عبد الحسن الشمرتي، باشروا في القبض على المطلوبين من قِبل السلطة، الذين دوّنت أسماؤهم في قوائم أعدّتها السلطة نفسها، وإيصالهم إلى مقرّ الحكومة خارج السور، بعد أن يكونوا قد أشبعوهم ضرباً ولكماً وإذلالاً، وكانوا يقبضون على الواحد والاثنين في اليوم الواحد بشق الأنفس؛ إذ كانوا يبحثون عنهم في دورهم،
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص316 - 317.
ودور أقاربهم ومعارفهم، كما أنّ لفيفاً من المطلوبين سلّم نفسه من تلقاء نفسه، بعد قناعته بضرورة التسليم إمّا إباءً من أن يسلّمهم غيرهم، وإمّا لحرمان الذين كانوا يبحثون عنهم طمعاً في الإكراميات المخصّصة لهم. ولمّا لم يكتمل العدد المطلوب، فقد وضعت السلطة جوائز مالية مغرية، هي 500 روبيّة لكل مَن يأتي بأحد من المطلوبين، فاشتدّ البحث عن هؤلاء، وتعرّضت بعض العائلات إلى أنواع الأذى، إذ أخذ القساة الطامعون بأموال السحت، يلجئون إلى إكواء النساء، ووضع الجمر على أيديهن وأرجلهن، لحملهن على الاعتراف بمكامن أولادهن، فكان هذا العمل وصمة عار في جبين النجف. والأهم من هذا وأتعس، أنّ الإنكليز كانوا يربطون المقبوض عليهم ( بالحبال إلى الخيول التي كانت تسحبهم كما تسحب الأثقال أو العربات فيهرولون خلف الخيل لاهثين )(1) .
وتنفيذاً للإنذار الذي وجّهه الكابتن بلفور إلى السيد اليزدي في 9 نيسان 1918م، شرعت المدفعية البريطانية في قصف ( باب الثلمة ) بالمدافع من شواطئ النجف، فرمت هذا الموضع إحدى وعشرين قذيفة، ثم تقدّمت القوات الأرضية لاحتلالها. وقد أحضر المسؤولون بعض رؤساء قبائل الفرات الأوسط، أضراب: عبد الواحد الحاج سكر، وعلوان الحاج سعدون، ومرزوك العواد، وعبادي الحسين، وغيرهم، أحضروهم إلى شواطئ النجف - أثناء قصف المدافع - ليشهدوا أنّ المدفعية تقصف ( باب الثلمة ) دون المدينة المقدّسة، وفي ذلك من المكر والخداع ما فيه.
وفي اليوم الثاني عشر من نيسان، شرعت المدفعية في هدم الدور المشيّدة في أواوين السور، أو الملاصقة له في محلّتَي العمارة والحويش، فتجاوز عدد المهدوم منها الخمسمئة دار، بعد أن عُوّض أصحابها تعويضات نقدية، وفق تقديرات خمّنها أحد المعماريين المحلّيين، وقد نُصبت الأسلاك الشائكة حولها، واعتُبرت منطقة محرّمة، يُقتل كل من يمر بها أو منها رمياً بالرصاص، وقد قُتل عدد كبير من الفقراء والغرباء وغيرهم، أمّا الذين جُرحوا أو ماتوا متأثّرين بجروحهم فإنّ عددهم غير معروف؛ لأنّ أهلهم كانوا يدفنونهم سرّاً، خشية أن تتخذ السلطة الإجراءات الانتقامية
____________________
(1) جعفر الخليلي: هكذا عرفتهم 4/95.
بحقّهم بزعم أنّهم من المناهضين لها(1) .
وهكذا مرّ اليوم العشرون للثورة، بعد احتلال التل، باتخاذ كل التدابير والإجراءات التي تكفل تطمين الشعوب الإسلامية والحكومات المعنية، بأنّ النجف لم تُمس بسوء، وأنّ المسألة مسألة تعقيب لجماعة من المتمرّدين الذين قاموا بقتل الكابتن مارشال ليس إلاّ؛ وأنّ إطلاقة واحدة لم تُطلق على النجف الأشرف من جرّاء هذا التعقيب. وكان الموالون أول مَن اتصل بالانكليز هذا اليوم والتفّوا حولهم، وعلى ألسنة هؤلاء جعل الانكليز يبثّون كل ما أرادوا من إشاعات وأراجيف تضمن لهم تحقيق أغراضهم، وفرض سيطرتهم، وتهويل قوّتهم وعدالة حكمهم، وعلى لسانهم أيضاً، أعلنوا بأنّ الحصار سوف لا يُفك عن النجف إلاّ بعد استسلام جميع الثائرين:
وفي الوقت نفسه، قد احتل الجيش جميع أبواب السور وأبراجه، بعد أن غادرها الثوّار النجفيون، ثم جعلوا يخربون جميع البيوت المجاورة للسور، بعد اقتحامها ونهبها وقتل مَن بقي فيها. وقد استمر ذلك يومين جرى فيها كثير من المآسي والآلام.
وقد وصف السيد محمد علي كمال الدين مجريات الأحداث في هذين اليومين وهو شاهد عيان، حيث يسكن محلّة الحويش التي تقع على جانب التل، بقوله تحت عنوان: ( يومان عصيبان ) ما نصّه:
( اختبأ الثوّار في البيوت، واحتل الجيش السور وأبوابه والدور الملاصقة له، ووضعوا الأسلاك الشائكة في جادّة السور المحيطة بالمدينة. وكان الجنود مصوّبين بنادقهم، فلم تقع أعينهم في خلال الجادّات والأزقّة النافذة إلى جادّة السور، على نجفي، صغيراً كان أو كبيراً، رجلاً أو امرأة، إلاّ ورموه بالرصاص عن بعد.
فاضطرب الناس أشد الاضطراب، ودامت هذه الحال مدّة يومين، والذي شاع بين الناس أنّ عدد القتلى والجرحى في خلال اليومين العصيبين، ما يزيد على عشرين بريئاً، وأعتقد أنّ العدد يزيد على هذا كثيراً، فإنّ الغريب والفقير والمشرّد لا تبلغ أنباؤهم الناس. وممّا جرى في خلال هذين اليومين العصيبين، تخريب جميع الأبنية والبيوت المشادة في أواوين السور، وعددها لا يقل عن خمسمئة بيت، وكذلك جميع البيوت
____________________
(1) ثورة النجف للحسني ص89 - 92.
في خارج السور، ومنها محلّة كاملة تُدعى محلة عطية أو ( الجديدة ) وهي تقع في جنوب محلّة العمارة ممّا يلي مقام زين العابدين، وعدد دورها لا يقل عن خمسمئة أيضاً. فيبلغ عدد الدور المخرَّبة في خلال اليومين ألف دار تقريباً، ولا تسل عمّا ذهب فيها من التلف والضياع والنهب في الأثاث وتوابعها. فإنّ معظم هؤلاء السكّان أسرعوا ناجين بأنفسهم وأطفالهم وعائلاتهم إلى داخل المدينة، تاركين معظم ما يملكون.
وممّا جرى في هذين اليومين، تحصين هذا السور الشاهق المطل على المدينة، تحصيناً يعجز عنه الوصف. مئات الألوف من أكياس الرمل نُظّمت في أواوين السور وممرّه أو سطحه الأعلى، وفي الأبراج، ووراءها طريق للجنود في الطابقين السفلي والعلوي، ومن خلالها تظهر أفواه المدافع والرشّاشات والبنادق، مصوّبة على أهل هذا البلد الذي كان آمناً. ويا له منظراً مفزعاً تضطرب عند تصوّره الأعصاب.
وفي خلال هذين اليومين، تسرّب إلى الأذهان أنّ هذه الأعمال هي مقدّمة للاستباحة، غير أنّي لم أفهم من استباحة الجيوش التاريخية أكثر ممّا وقع في هذين اليومين سوى التنظيم، فقد روى المؤرّخون الخوف والرعب والجوع والعطش. ووصفوا اليأس والحيرة، ووصفوا النجاة بالنفس، وهكذا كان الأمر في هذين اليومين، حتى أنّ سكّان البيوت الواقعة عند رؤوس الجادّات، قرب السور، لا يصلون إلى بيوتهم إلاّ من بيوت أُخرى أبوابها في الأزقّة، في حين أنّ كل جادّات النجف تنفذ إلى السور، وعليه ليس من الإنصاف أن نبخس هذا الجيش أشياءه: قوّته وبطشه وقسوته، ونقلّل من شأنه عن جيوش هولاكو وتيمورلنك ونيرون. وهل استطاع هؤلاء أن يخرّبوا ألف دار في خلال يومين، في مدينة صغيرة مثل النجف؟!.... )(1) .
اليوم الحادي والعشرون
الاثنين 26 جمادى الثانية 1336هـ / 8 نيسان 1918م.
وفيه قدّم الانكليز قائمتين بأسماء مَن يريدون إلقاء القبض عليهم:
القائمة الأُولى تحتوي على أسماء مَن يريدون محاكمتهم، وهم:
____________________
(1) النجف في ربع قرن، ص225.
1 - كاظم صبي 2 - كريم الحاج سعد 3 - أحمد الحاج سعد 4 - محسن الحاج سعد 5 - عباس الخليلي 6 - محمد علي بحر العلوم 7 - محمد جواد الجزائري 8 - الحاج نجم البقّال 9 - محسن أبو غنيم 10 مجيد الحاج مهدي دعيبل 11 - حميد حبيبان 12 - مطرود الچعباوي |
13 - علوان البودليهم 14 - سعد العامري 15 - صادق الأديب 16 - شمران العامري 17 - حميد أحمد ياسين أبو السبزي 18 - السيد جعفر السيد حسن الصائغ 19 - حسن جوري 20 - حبيب بن جاسم خضير 21 - خطار بن سلطان البديري 22 - جودي ناجي 23 - جاسم السيد محمد علي طبار الهوا 24 - عباس علي الرماحي |
25 - علوان علي الرماحي
أمّا القائمة الثانية فكانت بأسماء مَن طلبوا نفيهم كأسرى حرب إلى الهند، وهؤلاء هم:
1 - سعد الحاج راضي 2 - مغيظ الحاج سعد 3 - راضي الحاج سعد 4 - عطية أبو گلل 5 - كردي أبو گلل 6 - هندي أبو گلل 7 - حاجم أبو كلل 8 - جاسم أبو كلل 9 - الحاج حسين أبو كلل 10 - كريم أبو كلل 11 - محمد بن مطر العكايشي |
52 - علي عيسى حبيبان 53 - محمد جبر العامري 54 - نجم العبود العامري 55 - السيد إبراهيم السيد باقر 56 - محمد الحاج حسين الصنم 57 - عطية العينتاكي 58 - خطار العبد 59 - علوان الملاّ 60 - حسوني العلوان 61 - جواد مطر 62 - حسن كصراوي |
12 - طلال العكايشي 13 - حسن علوان العكايشي 14 - زاير العكايشي 15 - الحاج محمد أبو شبع 16 - عباس حسون أو شبع 17 - هادي أبو شبع 18 - عبد يوسف أبو شبع 19 - خليل أبو شبع 20 - رشيد هادي كرماشة 21 - رشيد غانم كرماشة 22 - صالح كرماشة 23 - كريم كرماشة 24 - مجيد كرماشة 25 - غني كرماشة 26 - عبد الرزاق عدوة 27 - تومان عدوة 28 - حمود الحار 29 - مسلط الحار 30 - سعيد الحار 31 - مهدي الحار 32 - عطية صبي 33 - حامض صبي 34 - تومان بقر الشام 35 - فنجان بقر الشام 36 - متعب بقر الشام 37 - حسين بقر الشام |
63 - عباس الحاج نجم 64 - كاظم علي الدعدوش 65 - السيد هادي السلطاني 66 - عزيز الأعسم 67 - غازي طوبه 68 - حميد آل صكر 69 - الشيخ إبراهيم المومن 70 - عبد حميمة الندّاف 71 - الحاج حبيب أبو الجاموس 72 - حسون أبو جحيفة 73 - طماطة سعيدان 74 - عبود صخيلة 75 - عبد الحممچي 76 - حسون بدرنك 77 - السيد أحمد العذاري 78 - شعلان أبو نصيحة 79 - عبد نورية 80 - حسن شاهين 81 - طنوس آل علي 82 - ناصر الحسون 83 - حتروش نسيب غيدان 84 - مسلم دريعي 85 - قلوم ملكي 86 - محمود الحاج حمود 87 - السيد جاسم طبّار الهوا 88 - جبر جبرين |
38 - الحاج رديف ثالثه 39 - محمد الحاج مهدي ثالثه 40 - عبد الله الروازقي 41 - علي عبد الروازقي 42 - جدوع الروازقي 43 - أحمد الصرّاف 44 - حسين الصرّاف 45 - خضر عباس الصرّاف 46 - حساني المختار 47 - مجيد المختار 48 - زباله بن عزيز كور 49 - عراك بن عزيز كور 50 - حسين علي كور 51 - عبد عيسى حبيبان |
89 - مجيد طالب 90 - عبد الله الرويشدي 91 - حلوس بن محمد الصبار 92 - محمد حسن الشمرتي 93 - كريم عبود الجيلاوي 94 - مطشر الرماحي 95 - جاسم الطيار 96 - علي جوزة 97 - السيد جبر الفحّام 98 - الحاج وادي السيد 99 - حنتوش الرماحي 100 - عزيز الحارص 101 - عبد الله سابوح 102 - عباس العجمي |
إنّ جميع هؤلاء الأشخاص، سواء مَن ذُكر اسمه في القائمة الأُولى، أو القائمة الثانية، قد اختفوا منذ اللحظة التي تمّ فيها احتلال التل؛ ذلك لأنّ احتلاله لم يبق أي أمل في المقاومة. اختفوا في البيوت والسراديب والآبار، ممّا لا يمكن معه إلقاء القبض عليهم من قِبل الجيوش الانكليزية مهما طال الحصار؛ وذلك لسيطرة مَن يكون في تلك المخابئ على جميع الداخلين إليها، وبخاصة إذا كان الداخلون من غير النجفيين، حيث لا يعرفون شيئاً من دروبها ومداخلها، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لاتصال أكثر الآبار بعضها ببعض، بحيث يستطيع الإنسان أن يدخل في دار ويخرج من أُخرى داخل النجف أو خارجها، كما فعل بعضهم ونجوا نهائياً، قبل أن يلتفت الانكليز ويسيطروا على مخارجها خارج النجف، كعباس الخليلي وغيره، أضف إلى ذلك أنّ السياسة الإنكليزية، والتزاماتها تجاه الأقطار الإسلامية، لا تسمح بدخول الجيوش إلى مدينة النجف، فماذا سيكون عند عدم تسليم هؤلاء أنفسهم؟!
من هنا نشأ المشكل المعقّد للانكليز، والورطة الكبرى، فإنّهم من جهة لا يريدون
أن يقوموا بأيّة حركة عنيفة ضد النجف، ولا يريدون أن يدخلوا الجيش للمدينة والبيوت للتفتيش عن المطلوبين، لئلاّ يحدث ما لا تُحمد عقباه، ممّا ليس في الحسبان؛ ومن جهة أُخرى، فإنّهم لا يريدون أن يضعفوا أمام النجفيين في بداية حكمهم للعراق.
وهنا كانت الورطة الكبرى، والمأزق الصعب الذي ليس من السهل الخروج منه؛ لذلك اضطر الانكليز إلى القيام بكل ما يرهب النجفيين ويرعبهم، فقد أشاعوا في البلد على لسان الموالين، مختلف الإشاعات، وأرجفوا مختلف الأراجيف، ممّا جعل النجفيين - وبخاصة عامّتهم - يضربون أخماساً بأسداس.
وممّا أشاعوا وأرجفوا: أنّ النجف ستُستباح إن لم يسلّم المطلوبون أنفسهم، وأنّ الجنود البريطانيين سيعتقلون عوائل هؤلاء المختفين إن لم يسلّموا، وأنّ الماء والطعام سيمنعان كليّاً عن النجف إلى أن يسلّم هؤلاء أنفسهم للسلطة... إلى غير ذلك من الإشاعات المزعجة والأراجيف المخيفة.
وقد نشط الموالون أيّما نشاط في تحقيق هذه الأغراض، طيلة هذا اليوم واليوم الذي سبقه.
وهكذا مرّ هذان اليومان، اللذان قضاهما الجيش والموالون للسلطة في أنشط ما يكون المرهبون والمرجفون؛ وقد حصل ما أرادوا إلى حدٍّ بعيد؛ حيث اضطرب الناس في النجف وسيطر الذعر على نفوسهم، وبخاصة التجّار والكسبة وطلاّب المدارس الدينية، وأكثرهم من الأجانب؛ وبدأ عطف الناس على المطلوبين المختفين يضعف شيئاً فشيئاً، حتى انقلب إلى نقمة عليهم في أواخر أيام الحصار؛ لأنّ الناس سئموا تلك الحياة، حياة الجوع والعطش والخوف وجهل المصير، وقد نظر الانكليز بعيون الموالين إلى ما طرأ على الناس من تبدّل تجاه الثائرين بعد إرهاصات هذين اليومين، فأوعزوا حالاً بتشكيل لجان من الموالين في كل محلّة للتفتيش عن المطلوبين، ولجمع الغرامة المطلوبة ).
وعن هذا اليوم يقول المرحوم الشبيبي: ذاع في البلدة أنّ الثوّار الذين امتنعوا في المشهد أمس، وباتوا فيه ليلتهم، خرجوا ليلاً ونفذوا من نطاق الحصار ونجوا من شراك الانكليز، وأبواب المشهد لا تزال مقفلة، لكن وُجدت ثقوب جديدة في السور ممّا يلي الثكنة العسكرية؛ والناس بين مصدّق ومكذّب، محقّق ومرتاب.
وفي هذا اليوم، خرج إلى لقاء بلفور في الرحى المتظاهرون بالطاعة له من زعماء المتغلّبين: كالسيد مهدي وبقيّة زعماء الحويش، والسيد علي جريو من البراق، وعبد الله الرويشدي من المشراق، وآخر من العمارة. وخرج أيضاً السيد عباس خازن المشهد، وعمّه السيد هادي، والحاج محسن شلاش، وغير هؤلاء، وقد سألهم بلفور عن الثوّار، فقالوا له: خرجوا على ما نسمع، فطلب إليهم بلفور أن يضمنوا درك قولهم هذا، فيما لو دخلت الجنود الانكليزية إلى المدينة بناءً على ذلك، ولكنّهم لم يقدموا على ذلك، فكلّفهم وشدّد عليهم بالمبادرة إلى الفحص عنهم والبحث عن مكانهم، وقد تظاهروا بإجابته وتقلّد أتباع كل منهم السلاح، وجاءوا إلى المشهد وفتحوا الباب، وبحثوا عنهم فيه فلم يقفوا لهم على أثر.. ثم خرجوا وجلسوا خلال شقّي العمارة والمشراق فلم يعثروا على أحد من القوم.
( ويقال إنّ بلفور استوثق من رؤساء المتغلّبين في مقابلتهم هذا اليوم في شأن جمع السلاح والغرامة المالية، وقد قُتل وجُرح غير واحد من النسوة هذا اليوم، قيل ثلاث داخل السور برصاص الانكليز؛ لأنّهم يطلقون نيرانهم من حين لآخر على بعض المحلاّت التي ما زالوا يحتملون فيها وجود الثوّار، يأبون كل الإباء التصديق بخروجهم، حتى قال بلفور لزعماء المتغلّبين: إنّ مخافرنا زادت والسلك الشائك لم يزل محيطاً بالبلاد، وقد سدّدنا فوهات الآبار في الخارج - وذلك أنّ لثوّار النجف السابقين عادة في الهروب من داخل الأقنية والآبار الجارية، والنفوذ من الموجود منها داخل المدينة إلى خارجها - وقع ذلك منهم غير مرة - فمن أين خرج الثائرون؟؟ )(1) .
اليوم الثاني والعشرون
الثلاثاء 27 جمادى الثانية 1336هـ / 9 نيسان 1918م.
وفيه: تشكّلت في كل محلّة لجنتان:
الأُولى: لجنة لجمع الغرامة.
والأُخرى للقبض على المطلوبين المختفين.
وقد كانت هذه اللجان المخرج الوحيد للإنكليز من ذلك المأزق الذي وقعوا فيه،
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص318.
فلو لم تتشكل هذه اللجان لما خرج الإنكليز من هذه الورطة بسهولة؛ لأنّهم لو دخلوا بأنفسهم وقاموا بجمع الغرامة والسلاح، لعادت الحرب من جديد داخل المدينة بينهم وبين الثوّار المختفين، حيث يظهرون من مكامنهم ويؤيّدهم الناس.
وبدأت اللجان بالعمل بكل فضاضة وقسوة مع الناس الضعفاء من غير المسلّحين، حيث كانوا يشددون على الفقراء، ويستعملون معهم مختلف صنوف العنف لجمع هذه الغرامة من بنادق ونقود.
وقبل أربعة أيام ( 5 نيسان ) كان قد سافر عدد من النجفيين إلى بغداد، بدعوة من الإنكليز لحضور حفلة منزلية يقيمها الحاكم السياسي العام في داره في هذا اليوم ( 9نيسان )، حيث كانت بطاقة الدعوة قد وصلت إلى بعض النجفيين الموالين. وقد نشرت جريدة العرب البغدادية، وصفاً لهذا الحفل(1) .
وفي هذا اليوم أُلقي القبض على حسين الرماحي من البراق، وهو من الشبانة الذين كانوا في الخان عند مهاجمته، فاشترك مع الثوّار، كما يقول المرحوم الشبيبي. وفي غروب هذا اليوم أبلغ بلفور السيد اليزدي إنذاراً، بأنّ الجيش سيقصف محلّة العمارة في صباح اليوم التالي؛ وكان بكتابٍ هذا نصّه:
( 9 إبريل سنة 1918
حضرة آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي دامت بركاته
بعد السلام.
إنّي مأمور من قِبل القائد العام، لأُبلغكم أنّ جنابه قرّر إطلاق المدافع على نواحي محلّة العمارة بكرة صباحاً، تقرّر بموجب أمر قائد الكوفة والنجف، بناءً على وساطة مندوبي حضرتكم: الشيخ محمود أغا، والشيخ صاحب الجواهر، عند سعادة القائد العام، إدخال الماء إلى المدينة وترخيص الزوّار والمسافرين لمغادرتها، وأنا مشغول بترتيب ذلك. فإنّ مقصد القائد العام رفع الصدمات الزائدة التي تلحق الأبرياء بسبب حركات
____________________
(1) انظر: حوادث اليوم الثامن عشر.
المجرمين. ولي أمل أن أتشرّف بحضرتكم في هذا القرب، واستدعي لحضرتكم دوام الصحّة.
حاكم سياسة الشاميّة
( بلفور )(1)
عند ذلك انتشر الرعب بين أهالي محلة العمارة، فترك أكثرهم محلّتهم إلى المحلاّت الأُخرى، فارّين بأنفسهم وبما خفّ وغلا من أمتعتهم.
وفي الهزيع الأول من الليل، حاول الحاج نجم وبعض جماعته الخروج من النجف من جهة البحر؛ فأطلق جنود الحصار عليهم النار فعادوا أدراجهم. وعندما ألقي القبض على محسن بن حبيب أبي غنيم هذا اليوم، أفاد بأنّه هو والحاج نجم وغيره حاولوا الخروج من النجف من جهة البحر فلم يتمكّنوا.
وفي الهزيع الأخير من الليل أطلق الإنكليز نيران رشّاشاتهم ومدافعهم على جبل الثلمة في محلّة العمارة واحتلوه، ومنه أطلقوا النيران على المحلّة، وقتلوا بعض الفقراء الأبرياء بمرميّاتهم، التي لا يزالون يطلقونها من كل مكان احتلوه في جميع المحلاّت عدا محلّة الحويش. ثم قاموا بتحصين هذا الجبل ونصبوا عليه المدافع الثقيلة.
وعن هذا اليوم يقول الشبيبي:
( في ليلة الثلاثاء أعطى الإنكليز إلى بعض مستخدميهم الذين شملهم الحصار جوازاً بالخروج إلى الكوفة.
وفيه أمسك - أبو نويصير - مسكه عبدالله الرويشدي في شق المشراق فدفعه إلى الإنكليز وقد اعترف على ما يقال بأنه من العصابة التي هاجمت دار الحكومة - الخان - ووشى برفاقه والثوار قائلا إنهم في المدينة لم يزايلوها بعد.
وقبض أيضاً على حسين الرماحي في شق البراق، وهو من الشرطة الأهلية التي ألفّها الإنكليز ( الشبانه )، كان في الخان أثناء الهجوم عليه فاشترك في إطلاق النار على الجنود..
في أصيل هذا النهار ورد إلى السيد اليزدي هذا البلاغ(2) ( وهنا أورد الشبيبي نصّ
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي ص318.
(2) ن. م.
الكتاب المؤرّخ 9 نيسان، والذي نشرناه آنفاً ).
اليوم الثالث والعشرون
الأربعاء 28 جمادى الثانية 1336هـ / 10 نيسان 1918م.
وفيه: انهارت أعصاب الكثير من المشاركين في الثورة عندما لاحظوا اضطراب الناس، وضعف عطفهم عليهم، فبدأوا يستسلمون الواحد بعد الآخر.
وقد أشارت إلى ذلك المس بل بقولها: ( في 10/4/1918 بدأ استسلام قتلة مارشال والأشخاص المشتبه بهم، والمدوّنة أسماؤهم في قائمة قدّمها الانكليز )(1) .
وأيّد هذا التاريخ لونگريك بقوله: ( وفي 10 نيسان بُدئ بإلقاء القبض على القتلة وأعوانهم )(2) .
وعندما بدأ استسلام بعض المختفين، أوعزت السلطات البريطانية بالسماح لعودة الماء إلى النجف كعربون لفك الحصار عندما يستسلم جميع المطلوبين. في هذا الشأن نشرت جريدة العرب ما يلي:
( وقد جاء بغداد حضرة المجتهد!! محمود أغا هندي، والمجتهد الشيخ جواد صاحب الجواهر. ومراعاةً لما عرضاه على الحكومة بالنيابة عن السيد محمد كاظم اليزدي، وللطلب الذي جاء في برقية من السيد محمد تقي الشيرازي في كربلاء، ومن مجتهدين آخرين؛ أصدر القائد العام أوامره بإعادة الماء الذي قُطع عنهم، حتى لا يتأذّى أهالي النجف الأبرياء، وعلى الأخص علماؤها الأعلام )(3) .
وفي الصباح الباكر من هذا اليوم، كان الانكليز قد أطلقوا من جبل الثلمة إحدى وعشرين إطلاقه مدفع على محلّة العمارة، تحقيقاً لمضمون بلاغهم الأخير، فقُتل جرّاء ذلك أربعة أشخاص، منهم ابن شيخ طاهر، وجُرح جماعة منهم السيد حسن الدسبولي.
وفي هذا اليوم أيضاً، قدم الزوّار والغرباء استرحاماً يطلبون فيه السماح لهم بالخروج من المدينة. كما أجازت السلطة لخمسة وعشرين من السقّائين بجلب الماء من
____________________
(1) فصول من تاريخ العراق القريب، للمس بل ص51.
(2) Longrigg ، iraq ، p. 96
(3) جريدة العرب العدد 89 من المجلد الثاني بتاريخ 15 نيسان 1918.
الشواطي إلى المدينة، فبيع حمل الماء برُبِّية واحدة.
وفي هذا اليوم - كما يقول المرحوم الشبيبي - إن أحد الموالين للسلطة من لجنة التفتيش استولى على ثلاثة أفراس للحاج سعد وسلّمها للإنكليز.
إن كثرة تساقط الأمطار في هذه الأيام، وأن خفّف من وطأة انقطاع الماء عن النجف، ولكن الناس مع ذلك قد فرحوا كثيراً بعودة الماء إلى النجف، واعتبروا هذه البادرة بشير الفرج القريب، وجعلوا يتنادون بضرورة تسليم المختفين. لذلك نشطت لجان التفتيش في اليوم التالي.
اليوم الرابع والعشرون
الخميس
29 / جمادى الثانية / 1336هـ.
11 نيسان / 1918م.
وفي صباحه حلّقت في سماء النجف طائرة إنكليزية ثم اختفت، وبعد حوالي الساعتين عادت إلى الظهور ولم تقم بأي عمل من الأعمال. ونادى في هذا اليوم أيضاً منادي السلطة، محذّراً من إيواء أحد الثوّار ومهدّداً بالعقاب الصارم، كما وعد بمكافأة قدرها خمسمئة رُبِّية لكل مَن يرشد إلى مكان أحد الثوّار المختفين. وكان قد ازداد نشاط لجان التفتيش، وجعلت تقوم بأعمال التفتيش بقوة قلب في جميع المظان؛ مما جعل كثيراً من المختفين يتنقلون من مكان إلى آخر عن طريق الآبار أو الخروج ليلاً تحت ستار الظلام، هرباً من لجان التفتيش التي تضاعف عدد أفرادها، وكان على أنشط ما تكون في هذا اليوم.
وألقي القبض في هذا اليوم على السيد جاسم السيد محمد علي طبار الهوا.
كما شهد لدى السلطة أحد أفراد الشرطة الإيرانيين بأنه شاهد الشخص المدعو سوادي من آل فتلة، وهو يحمل السلاح مع الثوّار، فأُلقي القبض عليه.
وفيه قام الإنكليز باحتلال مواقع جديدة من السور داخل المدينة من جهة محلّة المشراق والعمارة، ومن جملتها الثُكنة التركية الكبيرة التي أصبحت فيما بعد (مدرسة الغري).
ثم انتشروا بعد ذلك في شوارع المشراق والعمارة بصحبة بعض الموالين، وفتّشوا بعض الدُور، كما أطلقوا النار في بعض شوارع العمارة فقُتلت امرأة وجُرحت أخرى، وكان أكثر هؤلاء الجنود من الإنكليز، وبعضهم من الصينيين والكركة والهنود.
وفيه أيضاً استدعى الإنكليز جميع الرؤساء الموالين، صغاراً وكباراً، وأبلغوهم بأن الحصار يستمر بكل شدّة حتى يُلقى القبض على المطلوبين. وقد طلب الإنكليز في هذا اليوم من السيد اليزدي أن يخرج من النجف فلم يوافق.
اليوم الخامس والعشرون
الجمعة
29 / جمادى الثانية / 1336هـ.
12 نيسان / 1918م.
وفيه سمح لبعض العوائل الموالية بالخروج من النجف إلى الكوفة، حيث أخرجوهم من الباب الغربي (باب السقّاية) تحت حراسة الجيش، وقد كان ذلك مثار نقد شديد للإنكليز ونَقِمة عليهم، لتفريقهم بين العوائل النجفية غير المحاربة، للسماح لبعضهم بالخروج وعدم السماح للآخرين. في حين أن في المدينة كثيراً من الزوّار الأبرياء الذين هم أحق من غيرهم بالخروج، ليذهبوا إلى أماكنهم في مختلف أنحاء العراق، وبذلك يرفّرون على النجفيين ما يستهلكونه يومياً من الطعام، ولكن الإنكليز - لهذا السبب نفسه - لا يسمحون لهم بالخروج؛ لتزداد ضائقة النجفيين.
في الجهة المقابلة للكوفة من سور المدينة، أي الجهة الشرقية، يوجد بابان:
الأول: باب كبير وفوقه تقع بلدية، التي كان قد أحرقها النجفيون عندما ثاروا على الأتراك سنة 1915.
الثاني: باب صغير يقع على بعد حوالي المئة متر من شمال الباب الكبيرة، وفوقه تقع بناية اتخذت في عهد الأتراك إدارة لنادي الاتحاد والترقّي، وبعد الاحتلال استؤجرت من قبل مدرسة الغري ليُفتح فيها القسم الثانوي من المدرسة، وقد فُتح فعلاً وجُلب له المعلِّمون من مصر وسوريا.
وكان قد جرى إغلاق هذين البابين منذ اليوم الأول للثورة والحصار.
وفي هذا اليوم تم فتح هذين البابين، بعد تحصين البنايتين تقعان عليهما واحتلال أبراج السور التي في امتدادها من الجانبين، مثل (قولة أم السبع) في جنوب الباب الكبيرة والقول الواقعة في شمال الباب الصغيرة.
ثم شرعوا بعد ذلك بهدم الدور الملاصقة للسور بامتداد الباب الكبيرة، وكلها تعود للفقراء.
في هذا اليوم أُلقي القبض على السيد جبر الحداد ابن أخت الحاج نجم، ويقال: إنه
أرشد إلى مكمن خاله الحاج نجم البقال بعد أن وعدوه بإطلاق سراحه، كما يظن المرحوم الشبيبي.
كما أُلقي القبض على الحاج نجم عندما (أسرع إليه جماعة من هؤلاء المتظاهرين بالمسالمة شاكِيِ السلاح، في طليعتهم عبدالله الرويشدي ومحسن الشمَّرتي وغير هؤلاء، دخلوا عليه البيت من دار حطحوط في شق المشراق، بعد أن فتّشوا عنه عدّة دور، وقد اختبأ وراء دثار في البيت. فلمّا رآهم حاول مناجزتهم، لكنهم تغلّبوا عليه وأمسكوه وضربوه حتى أدموه وشجّوه. وما ذاع خبر إمساكه في المدينة حتى هرع الناس إلى مشاهدته، وأُقفلت الأسواق واهتم الجمهور بذلك اهتماماً عظيماً، وكذلك الإنكليز. وقد جيء به، كما جيء بغيره من قبله، إلى دار السيد مهدي السيد سلمان في الحويش في سواد عظيم يحيط به، والخَلْق صفوف في الشوارع التي يمر عليها، وهو مطرق يدخّن لفافته لا أثر للجزع عليه، واستدعى بالقهوة والدخان فأحضروا له ذلك، وقرعه صاحب الدار أيّ تقريع، وسبّه، وقد أُخرج من دار السيد مهدي فسُلّم إلى الإنكليز خارج المدينة)(1) .
وفي هذا اليوم أيضاً: قبض على جماعة من المطلوبين، منهم: مجيد بن مهدي دعيبل في محلة الحويش، وجودي بن عيسى ناجي في خرابة بمحلة البراق، وهما شابان في العقد الثالث من عمرهما، كبقية عصبة الحاج نجم الذين هم كلّهم تقريباً من الشباب عداه.
وأُلقي القبض كذلك على طماطة بن سعيدان في الحويش.
اليوم السادس والعشرون
السبت
1 / رجب / 1336هـ.
13 نيسان / 1918م.
وفيه: وصل النجف بالطائرة نائب الحاكم السياسي، واتصل بجماعة من الموالين، وتذاكر معهم في أحوال البلد وما يجب أن يكون، وبخاصة فيما يتعلق بخروج الزوّار، وفيما حصل من التذمّر لخروج بعض العوائل وعدم خروج البعض الآخر، وقد حثّهم كثيراً على مضاعفة جهودهم في إلقاء القبض على المختفين.
____________________
(1) مذكّرات الشبيبي، ص321 - 322.
وقد نشرت جريدة العرب عن هذه الزيارة ما نصّه:
(وقد زار نائب الحاكم بنفسه النجف يوم السبت، فتلاقى مع حميد خان معاون الحاكم السياسي، ومع السيد مهدي بن السيد رحبي، ومع الحاج محسن شلاش، ومع غيرهم من ذوي الشأن؛ فعبّر لهم عن رضاء القائد العام للعمل الذي قاموا به ضد أولئك الذين أرادوا نشر الاضطراب والشغب في مدينة النجف المقدسة، وحرّضهم على القبض على الزعماء والقتلة الآخرين، وقال لهم: إنهم سيعاقبون عقاباً يكون عبرة لغيرهم، والحكومة لا تريد أن تعاقِب إلاّ المحرّكين الحقيقيين للشغب)(1) .
وفي هذا اليوم أُرسل الحاج سعد على جماعة من الرؤساء الموالين، وخرج معهم من داره ليسلّم نفسه إلى الإنكليز في موقعهم الجديد في (الشواطي)، وكان يحيط به جماعة من الناس وهم يبكون. أما القيادة الإنكليز، فكانوا في الخان. ولمّا علموا بذلك، أوعزوا بتشديد الحراسة عليه وإرساله مخفوراً إلى الكوفة.
وفي هذا اليوم أيضاً قبض على عبود صخيلة.
كما قبض في محلة الحويش على عبد الحممجي.
وقد أُلقى أمين كرماشة القبض على الشيخ إبراهيم الكاشي في محلة العمارة.
وقام الإنكليز في هذا اليوم بهدم كثير من الدور الملاصقة للسور في محلتي البراق والمشراق.
وفي هذا اليوم مات شبادة شقيق سعد الحاج راضي، وهو شيخ مسنّ، جزعاً على مصير أخيه وأولاد أخيه.
اليوم السابع والعشرون
الأحد
2 / رجب / 1336هـ.
14 نيسان / 1918م.
وفيه نشطت اللجان في تعقيب المختفين، وبسبب هذا النشاط عثروا على كثير منهم، وكانوا يهينونهم ويقْسُون معهم ويعتدون عليهم، فقد عثرت لجنة تفتيش البراق على كل من أحمد ومحسن ولدي الحاج سعد، في بيت إحدى قريباتهم في البراق، مقابل مقبرة السيد عمران؛ وعندما أمسكوا بهما وأخرجوهما إلى الشارع، جعل أحدهم
____________________
(1) جريدة العرب، العدد 91 من المجلد الثاني، بتاريخ: 17 نيسان / 1918.
يضربهما بعصاه ويسبّهما. وقد طلب أحمد رؤية ابنه كاظم، متوسلاً متخضّعاً بداعٍ وعاطفة الأبوة، وبعد لأيٍ وافقوا على إحضار ابنه كاظم فاحتضنه وقبَّله كثيراً، ثم سحبوه وسلّموه للسلطة خارج المدينة مع أخيه محسن.
واستمر نشاط اللجان التفتيشية بقوة طيلة هذا اليوم؛ بدفع من تحريض نائب الحاكم السياسي العام، كما مر آنفاً.
في هذا اليوم ضاق الخناق على النجفيين من ناحية انعدام المواد الغذائية وغلاء سعر الموجود منها، وهو قليل جداً، فقد بلغ سعر الحقة (أربعة كيلوات) من الحنطة خمس رُبِّيات، ومثلها التمن. أما صفيحة الدهن فبلغ سعرها اثنتي عشرة ليرة ذهب، وأوقية اللحم (كيلو) - إن وجد سرّاً - فبخمس رُبِّيات، والدجاجة الصغيرة بأربع روبيات. أما الخضروات، فتكاد تكون معدومة.
وما زال منادي السلطة يحذّر النجفيين من إيواء الثوّار، مع التهديد بأشد العقوبات، وقد فجّر الإنكليز لغماً في الثكنة الكبيرة لعدم بعض أبنيتها.
ما زال الإنكليز يهدمون بعض الدور في محلتي البراق والمشراق في مناطق السور، وما انفكوا يحصّنون المواقع التي احتلوها، كما لو كانوا ينتظرون ثورة أخرى، فقد قاموا بمد كثير من الأسلاك الشائكة داخل المدينة وخارجها. وإلى هذا اليوم لم يأذن الإنكليز بإدخال شيء من الغذاء إلى النجف، بالرغم من أن الأبرياء من الفقراء قد أصبحوا في حالة يرثى لها، مع العلم بأن الغرباء والزوار لم يفرج سوى عن القليل منهم، ولا يوجد مَن يهتم بوجودهم ويؤمِّن بعض حاجتهم، وكأن السلطة تريد أن يتضايق هؤلاء ليعبثوا بالأمن ويزاحموا النجفيين على الشحيح الموجود من الطعام المتداول سرّاً في البيوت، وغاية ما تم إلى الآن خروج بعض مَن نصّ عليهم الإنكليز من خواص المعمَّمين والبيوتات الكبيرة والأعيان، وبخاصة الموالين. أما الفقراء، فليس لهم ذكر في هذا المجال، مع أنهم أكثر الناس حاجة إلى الخروج ليعملوا ويعيشوا، حيث لا عمل لهم على التمور الموجودة بكميات لا بأس بها، لأن النجفيين يختزنون عادة حاجتهم السنوية من التمور في كل عام، وقد جعل البعض يوزّعونه على الفقراء مجّاناً.
اليوم الثامن والعشرون
الاثنين
3 / رجب / 1336هـ.
15 نيسان / 1918م.
وفيه: شدّدوا البحث عن جماعة من صغار المختفين، وكان من بين هؤلاء مطرود الچعباوي(1) . وهو من المتكاتبين مع ألبو شبع، وكان من بين مَن دخلوا الخان مع الحاج نجم وقتلوا مارشال، وعندما أُلقي القبض عليه توسّط له السيد كاظم اليزدي والسيد مهدي السيد سلمان؛ فأطلق سراحه، فهو وحيد أبيه وكان أبوه ثرياً، هذا ما هو شائع على ألسنة كثير من الناس(2) .
وفيه: سُمح بخروج الزوّار وبعض العوائل النجفية.
وفيه - أيضاً -: أُلقي القبض في محلّة البُراق على عطية بن محمد صبي ابن أخ كاظم صبي.
وفي العمارة أُلقي القبض على طلال بن جاسم العكاشي، وغازي طوبة.
عيّن الإنكليز بقّالاً خارج النجف من جهة الشرق لبيع الحاجيّات بإجازة من السلطة.
قام غيدان عدوة بإلقاء القبض على السيد عزيز الله، أخرجه من المدرسة ليسلّمه إلى الإنكليز، ولكن الناس تجمّعوا على غيدان وأهانوه، فاضطر لإخلاء سبيله.
وفي هذا اليوم نسف الإنكليز جانباً من الثكنة الكبيرة.
وفيه أيضاً: نشرتجريدة العرب صورة البيان الرسمي الذي كان قد صدر بعد احتلال التل، وهذا نصّه:
(لما كان العصاة في النجف لا يزالون يطلقون النار على جنودنا من وراء الأسوار، ومن التلول التي تبتدئ من محلة الحويش، وكانت هذه التلول مكمناً لهم، احتل جنودنا التلول في 7 نيسان، وقد اتخذت جميع الاحتياطات حتى لا يقع أدنى ضرر بالمدينة المقدسة. ويمكننا الآن، من موقعنا على التل المشرف على المدينة، أن نعضد
____________________
(1) يقول الشبيبي أن مطروداً هذا قد أُلقي القبض عليه في يوم الثلاثاء 4 رجب / 16 نيسان. والحقيقة أنه قد أُلقي القبض عليه في هذا اليوم.
(2) ومما أُشيع: أن جاسماً أبا مطرود هذا قد باع بستاناً بثلاثمئة ليرة ذهب وأعطاها للسيد مهدي السيد سلمان وخلّص ابنه.
السيد مهدي بن السيد رحبي شيخ محلة الحويش الصادق مع الحكومة، وأن نردع العصاة عن القيام بأعمالهم العدائية)(1) .
اليوم التاسع والعشرون
الثلاثاء 4 / رجب / 1336هـ. 16 / نيسان / 1918م.
وفيه: سمحت السلطة لمَن يُريد أن يخرج من الزائرين الباقين، فخرج كثير منهم، كما سمحوا لبعض العوائل النجفية غير المحاربة بالخروج من النجف.
وفيه أيضاً: نشرت جريدة العرب نبأً جاء فيه: (ساد السكون الآن في النجف، وقد أذن لـ 600 شخص من الزوّار والمسافرين الخروج من المدينة والرجوع إلى أوطانهم. والماء يسيل إلى المدينة بوفرة، وقد قَبض أهالي البلدة أنفسهم على كثير من الزعماء الذين أثاروا الشغب، وعلى بضعة من القَتَلَة، وسلّموهم إلى أرباب السلطة الإنكليز)(2) .
وفيه: أُلقي القبض على كريم بن الحاج غانم كرماشة من قبل أمين كرماشة.
حلّقت طائرة في سماء المدينة ثلاث مرات.
أُجيز لعدد من السقّائيين بنقل الماء إلى محلّتي البراق والمشراق.
اليوم الثلاثون
الأربعاء 5 / رجب / 1336هـ. 17 / نيسان / 1918م.
وفيه: نادى منادي السلطة معيداً تحذير النجفيين من إيواء الثوّار بأشد العقوبات.
قامت السلطة بجمع مَن بقي من الزوّار في خان الهنود.
اليوم الحادي والثلاثون
الخميس 6 / رجب 1336هـ. 18 / نيسان / 1918م.
وفيه: قام قائد منطقة الحركات في النجف والكوفة ضحوة هذا اليوم، ومعه عدد من الضباط لتفتيش المواقع.
وفي عصر هذا اليوم أُلقي القبض على حميد بن صگر العكراوي، والسيد سلمان بن
____________________
(1) جريدة العرب البغدادية، العدد 89 في المجلد الثاني، الاثنين 15 نيسان 1918م.
(2) جريدة العرب البغدادية، العدد 91، المجلد الثاني، الأربعاء 17 نيسان 1918م.
السيد جاسم، ورجل من ألبو عامر، وكلهم كانوا في مكان واحد من محلّة المشراق.
كما أُلقي القبض على علي حبيبان.
اليوم الثاني والثلاثون
الجمعة 7 / رجب / 1336هـ. 19 / نيسان / 1918م.
وفيه: ضحّىً أُلقي القبض على محمد الصنم، وهو من الشرطة الشَّبَانة.
سمح اليوم بخروج عدد من البغال والحمير خارج المدينة بعد أن تفشّى بها الهلاك من الجوع.
كما سمح بإخراج الجنائز المودوعة أثناء الحصار لدفنهم خارج المدينة.
اليوم الثالث والثلاثون
السبت 8 / رجب 1336هـ. 20 / نيسان / 1918م.
وفيه: صباحاً قام الجياع، نساء ورجالاً، بمظاهرة عنفية بالميدان، حيث يعسكر الجيش في أطرافه، بعد أن نفدت الحنطة والشعير وأقفل الخبّازون مخابزهم، وقد بيعت حقّة الحنطة هذا اليوم بثماني رُبِّيات.
وفيه قابل بلفور السيد اليزدي في داره، وعن هذه المقابلة يقول المرحوم الشبيبي: (وفي ضحوة هذا اليوم دخل النجف من الباب الصغيرة أو باب البركة، الكابتن بلفور وضابط إنكليزي من أركان الحرب، ومعه طائفة من الجنود في بندقياتهم الحِرَاب، ذاهباً إلى مطالعة اليزدي. وقد وصل إلى داره ووقف الجنود على الباب، وفي الشارع، كهيَّأة حرَّاس، وقد وصلوا دار اليزدي حيث هم بسلك مسرة ( تلفون ).
ثم صعد بلفور وحده وخلا باليزدي وببعض خوّاص بطانته ساعة أو شبيهاً بذلك، دار الكلام فيها على رفع الحصار، وتجهيز الأقوات إلى المدينة، والكف عن نقض الدور.
وممّا قاله اليزدي: إن لحصار الأبرياء فيمَن يتولّى حصرهم أسوأ مغبة وأشأم أو ما يُؤدّي المعنى.
فأجابه بلفور: أنَّا مجهّزون إلى المدينة ما يقتضي من الأقوات. وأمّا الحصار، فسوف يرتفع على التدريج، سيّما إذا ألقينا القبض على بقية المتسترين من الثوّار، وهم الخمسة: كاظم الصبي، وأولاد سعدٌ، والرماحي، وأخوه. لكن سنتسامح فعلاً في إعطاء
الجوازات لمَن يرغب من مزايلة المدينة من الأبرياء. وأما المساكن والدور، فقد تقرّر نقض ما كان ملاصقاً للسور لا غير.
وقد خرج بلفور بعد ختام المذاكرة وعاد أدراجه)(1) .
وفي عصر هذا اليوم أُلقي القبض على علوان دْلِيْهِم من جماعة كاظم صبي، ومعه بندقية من طراز موزر الألماني وخراطيش.
اليوم الرابع والثلاثون
الأحد 9 / رجب / 1336هـ. 21 / نيسان / 1918م.
وفيه: أرجف الرؤساء الموالون وأتباعهم ببعض الأخبار المخيفة المزعجة التي ستترتب على النجف والنجفيين إن لم يتم تسليم البقية الباقية من الثوّار، وذلك تمهيداً لِمَا تقرّر أن تقوم به السلطة فيما سيتم من الإجراءات المشدّدة وتبريراً لها، حيث كان بلفور قد استدعى سراً كبير الموالين، فذهب مع الفجر وعاد قبل طلوع الشمس ليسخّر أعوانه في نشر الرعب والخوف بين النجفيين لعدم إلقائهم القبض على بقية الثائرين، وفعلاً اضطرب الناس وزاد طين بلائهم بلّة.
اليوم الخامس والثلاثون
الاثنين 10 / رجب / 1336هـ. 22 / نيسان / 1918م.
وفيه: فتح الناس عيونهم صباحاً على الجنود وهم في حركة دائبة لنصب الأسلاك الشائكة في الأماكن التي لم يسبق نصب الأسلاك فيها داخل النجف وخارجها، لمنع الثوار من الهرب، وبذلك ألقوا الرعب في نفوس النجفيين المتوترة من إرجافات الموالين.
وإمعاناً في الإرهاب وتضييق الخناق امتنعت السلطة من إعطاء جوازات بالخروج من المدينة، مع شيء من سوء المعاملة والزجر للمراجعين.
وفي ضحى اليوم نادى المنادي في المدينة عن ورود برقية للسيد اليزدي من قائد جيش المنطقة يحذّر فيها النجفيين من إيواء أي ثائر، ويتهدّد المخالف بالإعدام، أو الحرمان الأبدي من كل شيء، مضافاً إلى مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة،
____________________
(1) مذكرات الشبيبي: ص326 - 327.
وكان نيران المدافع والرشاشات خلال ذلك غير منقطعة، مما اضطر بعض المسالمين من الآهلين إلى استئناف البحث عن المطلوبين، والتضييق على آلهم وذويهم لتسليمهم، قبل أن ينفد صبر السلطة، فتصب جام غضبها على المدينة ومَن فيها، وكانت الطائرات البريطانية تحوّم فوق سماء المدينة في معظم أيام الأسبوع لترعب الناس وتخيفهم، وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً )(1) .
اليوم السادس والثلاثون
الثلاثاء 11 / رجب / 1336هـ. 23 / نيسان / 1918م.
وفيه: انتشرت في المدينة لجان جديدة تألّفت على أثر ورود القائد بالأمس يترأسها موالون كبار، وشدّدت البحث عن الثوّار، مع أنهم يعلمون بمكامن الكبار منهم، ولكنهم يخشون اقتحام البيوت عليهم، وبخاصة كاظم صبي الذي يرعبهم اسمه، بالرغم من علمهم بترفّعه عن الدنيّة وتحلّيه بأخلاق الفرسان. ومع كل التفتيش الشديد الذي جرى هذا اليوم لم يستطيعوا القبض على أي واحد من الثائرين.
بلغ سعر حقّة الحنطة (أربعة كيلوات) تسع رُبِّيات.
اليوم السابع والثلاثون
الأربعاء 12 / رجب / 1336هـ. 24 / نيسان / 1918.
وفيه: أُلقي القبض ضحوة على السيد جعفر الصائغ.
وقبض فيه كذلك على حسون ابن عم كاظم صبي، وحامض ابن أخ كاظم صبي.
ضاقت الحال الغذائية بالناس هذا اليوم، فضجّ الجميع بالشكوى والنقمة على الإنكليز، الأمر الذي حمل الرؤساء الموالين على الذهاب إلى بلفور وإخباره بجلية الحال، والطلب إليه السماح ببعض المواد الغذائية، فلم يجبهم بأكثر من قوله: (لا يمكن ذلك قبل تسليم جميع الثائرين).
وفي مساء هذا اليوم خرج عباس علي الرمّاحي وذهب إلى دار الحاج محسن شلاش الذي قام بتسليمه إلى السلطة.
____________________
(1) ثورة النجف للحسني: 101.
اليوم الثامن والثلاثون
الخميس 13 / رجب / 1336هـ. 25 / نيسان / 1918م.
وفيه: على أثر مقابلة الموالين لبلفور في اليوم السابق وتشديده في طلب الباقين، تضاعف نشاط لجان التفتيش، ولكن لم يتمكّنوا أيضاً من القبض على أي أحد.
اليوم التاسع والثلاثون
الجمعة 14 / رجب / 1336هـ. 26 / نيسان / 1918م.
وفي غروبه أُلقي القبض على راضي الحاج سعد، وفنجان بن صگبان بقر الشام.
ويعتقد الشبيبي بأن كردي بن عطية أبوگلل قد سلّم نفسه في هذا اليوم، في حين أن ما ورد في أقوال السيد عبد الرزاق عدوة يدل على أنه سلم نفسه في اليوم الذي أُلقي فيه القبض على عبد الرزاق، حيث يقول: إنه وجد كردياً أمامه في الخان في انتظار نقله إلى الكوفة. حيث جرت العادة أن يُجمع مَن يُلقى القبض عليهم أو يسلّمون أنفسهم، يجمعونهم في الخان إلى ما بعد الظهر، ثم ينقلونهم سوية إلى الكوفة. وبذلك يكون كردي قد سلّم نفسه في يوم 15 رجب، أي اليوم التالي.
وفيه: (استدعى الكابتن بلفور رؤساء النجف وزعماءها إلى مقرّه خارج السور، وأبلغهم أن على المدينة أن تشرع فوراً في جمع الفدية أو الغرامة المفروضة عليها، والتي سبق تقديرها وإذاعتها من قبل، وهي ألف بندقية وخمسين ألف رُبِّية.
وبعد هذا البلاغ، توجّه بلفور إلى دار السيد اليزدي، يحفّ به رهط من الضباط، وجماعة من الجنود المدججين بالسلاح، وإذا به يقدم إلى هذا المرجع الكبير قائمة بأسماء أرباب العمائم من النجفيين الواجب تسليم أنفسهم إلى السلطة لاستجوابهم عما أسند إليهم، فارتبك طلاب العلم، واتجهوا إلى السيد اليزدي يطلبون وساطته، فلم يلقوا منه الاهتمام المنتظر، فاضطر المطلوبون إلى تسليم أنفسهم بعد أن وُعدوا بمعاملة كريمة، وكان في مقدمتهم السيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ محمد جواد الجزائري.
ثم استدعى (بلفور) بعض زعماء النجف إلى دار الحكومة وقال لهم: (إن النجف رأت في المدة الأخيرة من أنواع العذاب أشياء ما كانت رأتها من قبل، وهيهات أن تحصل على الراحة، أو تعود المياه إلى مجاريها، إذا لم يلق القبض على بقية المستترين،
فجيئوني بأربعة من هؤلاء المستترين ليرفع الضيق عنكم. وهؤلاء الأربعة: عباس علي الرمّاحي، وأخوه علوان، وكردي بن عطية أبو كلل، وكريم الحاج سعد، فذهب الزعماء يبحثون وأعوانهم عن المطلوبين، فوطّن هؤلاء أنفسهم على الاستسلام، لأنهم أنفوا أن يقبض عليهم رجال الحكومة أو الطامعون في الحصول على الجوائز المخصصة لهذا الغرض)(1) .
اليوم الأربعون
السبت 15 / رجب / 1336هـ. 27 / نيسان / 1918م.
وفيه: أُلقي القبض على عبد الرزاق بن علوان عدوة، وتومان بن غيدان عدوة، ومحمد أبو شبع، وهادي إدريس، وحاكم أبوگلل، وجاسم أبوگلل.
كما سلم نفسه علوان علي الرمّاحي، وكان قد ألتجأ مساء اليوم إلى دار حميد خان وبات ليلته هناك.
وسلّم نفسه أيضاً كردي بن عطية أبوگلل.
وفي ساعة متأخرة من مساء هذا اليوم أُلقي القبض على تومان بقر الشام. وكان بلفور قد استدعى الرؤساء الموالين بعد ظهر هذا اليوم وكلّفهم بجمع الغرامة وقدرها خمسون ألف رُبِّية وألف بندقية، فألّفوا اللجان لهذا الغرض واندفعوا متحمّسين لجمعها.
وفي هذا اليوم سلّم عطية أبوگلل نفسه إلى الإنكليز في الشناقية، بعد أن ضايقه بدو عنزة، من أعوان في البادية، وحمل إلى النجف بواسطة باخرة مستشفى عسكرية، وصلت إلى النجف يوم 19 رجب 1336هـ / 1 مايس 1918م.
اليوم الحادي والأربعون
الأحد 16 / رجب / 1336هـ. 28 / نيسان / 1918م.
وفيه: زار بلفور السيد اليزدي صباحاً وخلا به ثم عاد أدراجه.
وفي الضحى نادى منادي السلطة يطلب إلى الناس تسليم ما لديهم من السلاح لمدة ثلاثة أيام، وإلاّ فالعاقبة وخيمة والعقاب شديد.
____________________
(1) ثورة النجف للحسني: 101 - 103.
أُلقي القبض على حمود الحار، ومسلط وسعيد ومهدي، أولاد حبيب الحار، وعلى رشيد كرماشة.
وقد جرى تسليم حوالي المائتين من البنادق القديمة من مجموع الغرامة.
وإلى هذا اليوم يكون قد تمّ إلقاء القبض على جميع المطلوبين المهمين تقريباً، عدا كاظم صبي الذي علم وأدرك أن الحصار لا يفكّ عن النجف، بما فيها من أبرياء، ما لم يسلم نفسه للسلطة، لذلك صممّ على التسليم.
ففي فجر هذا اليوم خرج من مكمنه وذهب إلى الحمّام، ثم إلى الصحن الشريف، وكان الباب موصداً، فسلّم على الأمير وصلّى صلاة الصبح، ثم ودّعه واتجه نحو باب المدينة مخترقاً السوق الكبير، حيث الأسلاك الشائكة في نهايته وعليها الحرس الهنود، ولمّا وصل إليهم أعلمهم باسمه وطلب إليهم السماح بمروره لتسليم نفسه، فرفضوا ذلك، أو إنهم لم يفهموه. عند ذلك عاد واتجه إلى (خان البو مرزة في سوق المسابك) الذي كان مقراً للّجنتين، ليسلم نفسه للّجنة التفتيشية. ولكن خبر قدومه قد وصل اللجنة قبل وصوله، ففر أعضاء اللجنة جميعهم، ولما وصل الخان لم يجد أحداً منهم فيه، فاستغرب لهربهم وتساءل ساخراً: ألا يريدون إلقاء القبض عليّ؟! ثم توجه إلى (قهوة فيروز) قرب الخان وشرب القهوة هناك. ثم ذهب بعد ذلك إلى دار الحاج محسن شلاش وأخذه معه إلى الكابتن بلفور ليسلّم نفسه إليه؛ لأن الجيش يعرف الحاج محسن ويسمح له بالمرور(1) .
____________________
(1) ثورة النجف للأسدي: ص328.
وفيه - أي هذا اليوم -: (أعلمني السيد عبد الرزاق عدوة أنه كان حاضراً في اليوم السابق لهذا اليوم عندما فتّشوا داراً متواضعة تعود إلى أحد أقارب سعيد الحار، تقع قرب ساباط الحدّاد بين البراق والحويش: (حيث وقف السيد مهدي السيد سلمان والسيد علي جريو في باب الدار، ودخل جلاوزتهما إلى البيت الذي كان يختفي فيه كاظم صبي ومعه عبد عيسى حبيبان، وعلي عيسى حبيبان، ثم خرج الجلاوزة كما دخلوا، وهم يقولون: لا يوجد أحد. في حين أنهم كانوا فعلاً في الدار. وبعد ظهر هذا اليوم جاءني أسود شيرعلي يطلب حضوري أمام حميد خان فذهبت معه إليه، وكان في خيمة منصوبة في الميدان قرب البلدية. ولم رآني كتب تذكرة وسلّمها إلى مَن أخذني معه إلى خان عطية، حيث وجدت أمامي كلاً من كردي بن عطية وعلوان الرماحي، وكانا مختفيين فألقي القبض عليهما في ذلك الصباح. وكان في الخان أيضاً تومان عدوة ولم يكن من المختفين، كذلك أنا لم أختف. وبعد ساعة أخذونا إلى الكوفة واحتجزونا في خان الشيخ علي نصر الله (خان بيت شلاش) الذي كان فيه جميع المحتجزين، بما فيهم المطلوبون للمحاكمة. وبعد سبعة أيام على ما أتذكّر، سُفِّرنا إلى بغداد ومنها إلى =
اليوم الثاني والأربعون
الاثنين 17 / رجب / 1336هـ. 29 / نيسان / 1918م.
وفيه: أُلقي القبض على عبد بن يوسف أبو شبع، وخليل أبو شبع، وحسيني الصراف.
وفيه سلّمت للسلطة وجبة ثانية من بنادق الغرامة تقدر بحوالي المئة بندقية بالية.
اليوم الثالث والأربعون
18 / رجب / 1336هـ. 3 / نيسان / 1918م.
وفيه: قام المجاهد الكبير الشيخ محمد جواد الجزائري بتسليم نفسه ضحوة للسلطة مشيّعاً بحسرات العلماء وجميع النجفيين، حيث تجمهروا حوله معولين وهو ذاهب إلى مقر الحاكم السياسي، بعد أن فشلت جهود جميع العلماء وشفاعتهم، ليتركوه إلى أن تتضح إدانته.
ضربت لجان التفتيش رقماً قياسياً هذا اليوم في عدد من أُلقي القبض عليهم، فقد بلغ عددهم حوالي الثلاثين شخصاً: (خمسة عشر من محلة العمارة، وخمسة عشر من بقية المحلات، وربما كان أكثرهم من غير الثائرين، ولكن أغراض الرؤساء الموالين لعبت دورها، ومن بين من أُلقي القبض عليهم هذا اليوم: شنّون المعمار، وحساني ومجيد ولدي الحاج عبود المختار، وحبيب أبو الجاموس، وحلوس بن محمد الصيار، وعطية العينتاكي.
وفي غروب هذا اليوم أُلقي القبض على كريم الحاج سعد في أحد الدور الواقعة في سوق القاضي، فخف الألوف لمشاهدته وإظهار الحسرة عليه، وعندما تسلّمه الإنكليز أوجعوه ضرباً ولكماً، حتى كاد أن يغمى عليه. ويقول المرحوم الشبيبي: إن مطلك المعمار الذي أُلقي القبض على كريم قد كوفيء بألف وخمسمئة رُبِّية.
وفي عصر هذا اليوم سُلمت للسلطة حوالي الخمسين بندقية من الغرامات، فكان مجموع ما جرى تسليمه من البنادق حوالي الثلاثمئة وخمسين بندقية.
____________________
= البصرة حيث ألبسونا لباس الجندي التركي لإخفاء هويتنا النجفية، وسفّرونا إلى (سمرپور) في الهند.
اليوم الرابع والأربعون
الأربعاء 19 / رجب / 1336هـ. 1 / مايس / 1918م.
وفيه: أُلقي القبض صباحاً على حسين كربلائي من أنسباء كاظم صبي، وعلى محمد بن مطر العكايشي.
وفيه: امتنع الإنكليز عن إعطاء جوازات بالخروج من النجف دون إعطاء أسباب ضرورية لذلك.
وفي هذا اليوم عيّن الإنكليز أربعة من الخبّازين وزوّدرهم بما يلزم من الحنطة والحطب، فانخفضت أسعار الحبوب انخفاضاً ملحوظاً.
وفيه: أذن للسيد عباس الكليتدار بفتح المشهد العلوي، فدخله الناس باكين معولين، وقد مرّ على إقفاله نيف وأربعون يوماً.
وفي عصر هذا اليوم وصلت الكوفة باخرتان، إحداهما حربية والأخرى باخرة مستشفى حمل عليها من الشنَّافية عطية أبوگلل، حيث كان قد سلّم نفسه هناك بعد أن ضايقه بدو عنزة من أعوان الإنكليز في البادية. وكان تسليمه من منتصف شهر رجب 1336هـ.
اليوم الخامس والأربعون
الخميس 20 / رجب / 1336هـ. 2 / مايس / 1918م.
وفيه: أُلقي القبض على عدد من النجفيين المطلوبين، ومنهم: حميد أبو السبزي، وعبدالله الرويشدي، ومحمد علي وهب، وعبد الله بن نجم، ومتعب بن صگبان بقر الشام، وعرّاك الشمرتي، وابن أبي جحفية من رماحية البراق.
وفيه: توقّف الخبّازون عن توزيع الخبز، فتظاهر الفقراء رجالاً ونساءً في الميدان أمام الباب الكبيرة.
لا يزال التفتيش - منذ تغلّب الإنكليز - جارياً عن الميرزا عباس الخليلي، والشيخ محمد علي الدمشقي، وقد فتشت دور آل الخليلي مراراً، وكذلك المدرسة التي يقيم فيها. وفي هذا اليوم شُدِّد كثيراً في التفتيش عنهما دون جدوى.
أُنزل عطية أبوگلل في صباح هذا اليوم من الباخرة بعد أن بات ليلته فيها، وسُلّم إلى السلطة في خان بيت شلاش والقيد الخفيف في يديه ورجليه.
وفي ضحى هذا اليوم جرى تسفير الوجبة الأُولى من الذين تقرّر نفيهم إلى الهند. وكانت هذه الوجبة تتكوّن من أربعة وسبعين شخصاً، منهم: آل أبي شبع، وعلى رأسهم محمد. وآل گلل، وعلى رأسهم كردي، وحاكم، والحاج حسين. وآل الحار. ومحمد مطر. وأولاد ثالثة. السيد جعفر الصائغ. وعبد الرزاق عدوة، وتومان عدوة. والسيد جبر الحداد. ومغيض الحاج سعد، ومحسن الحاج سعد. والشيخ إبراهيم الكاشي. وآل كرماشة، بما فيهم كريم، ورشيد. ثم طماطة بن سعيدان.
وفي هذا اليوم أعدم في كري سعدة: كاظم بن مهدي السبتنچي، وهو نجفي من شرطة أبي صخير، ممن ثاروا على الإنكليز هناك عندما ثارت النجف على الإنكليز في المرة الأُولى.
اليوم السادس والأربعون
الجمعة 21 / رجب / 1336هـ. 3 / مايس / 1918م.
وفيه: عمّت النجف موجة من الحزن في أثر تسرّب نبأ تسليم عطية أبوگلل وانتشاره بين الناس. كما عمّت موجة من السخط على أولئك النجفيين الموالين الذين تسبّبوا في غلبة الإنكليز.
وفيه ألقى رجال التفتيش القبض على خمسة من النكرات وسلّموهم إلى السلطة.
إعلان شروط التسليم في النجف - خان عطية
رفع الحصار
اليوم السابع والأربعون
السبت 22 / رجب / 1336هـ. 4 / مايس / 1918م.
بعد أن تم للسلطات العسكرية البريطانية القبض على المطلوبين من قبلها كافّة، وبعد أن تم تسفير الأشخاص الذين لم تتوفّر لديهم الأدلّة المقنعة لمحاكمتهم، قررّت رفع الحصار.
ففي الساعة الثامنة غروبية بعد الظهر (حوالي الساعة الثانية بعد الظهر) حضر الكابتن بلفور إلى النجف، وأوعز بإزالة بعض الأسلاك الشائكة في الميدان إيذاناً بفك الحصار، ومثل ذلك فعلوا في الثلمة والباب الصغيرة (باب السقّائين)، فاستبشر الناس وعمّت الأفراح، بعد حصار دام ستة وأربعين يوماً، لم يشهد مثلها تأريخ هذه المدينة المقدسة. وكان الإنكليز قبل ذلك ببضعة أيام قد مهّدوا لفك الحصار برفع كثير من الأسلاك، ونقل كثير من الحاميات من مكان إلى مكان.
وفي هذا اليوم أُلقي القبض على عزيز الأعسم وسُلِّم للسلطة.
وبهذا الصدد نشرت جريدة العرب ما يلي: (قد أصبح جميع زعماء المتمرّدين وقتلة الكابتن مارشال في قبضة الحكومة، ما عدا بعض أشخاص قليلين لا يعتد بهم... وقد سلّم أيضاً إلينا أكثر من مئة رجل اشتركوا في الشغب. وستُجمع في الوقت اللازم البنادق والغرامة التي فرضت على المدينة، ومبلغها 50000 رُبِّية من المسئولين. ونظراً إلى معروضات المجتهد الأعظم السيد محمد كاظم اليزدي بالنيابة عن الزوّار والفقراء والطلاب، فقد قرر حضرة قائد الجيش العام أن لا يثابر على الحصار إلى أن تسلّم البنادق والنقود بأسرها، بل إنه أمر أن يرفع الحصار. وقد أرسل اليوم خمسون!! طناً من الحنطة إلى المدينة طعاماً للأهالي)(1) .
____________________
(1) جريدة العرب، العدد 108 من المجلد الثاني بتاريخ 7 مايس 1918.
أما موبرلي، فإنه يقول عن فك الحصار: (وفي 4 مايس كل المطلوبين المهمين قد سلّموا وفُك الحصار). ( Moberly ). انظر: ثورة النجف للأسدي: ص331.
وقال السر أرنولد ولسن: (وفي الرابع من مايس سُلِّم جميع الرجال المهمين الذين طلبنا ورُفع =
وفي اليوم التالي نشرت جريدة العرب: (نبشّر العموم أن الحصار قد رفع عن النجف الأشرف يوم السبت الموافق 4 من الشهر الحالي بعد أن دام نطاقه عليها شهراً ونصفاً...)(1) .
وهكذا انتهى الحصار في النجف وتواردت عليها الأطعمة من كل مكان، وقد انتشر في أعقاب ذلك، كثير من النجفيين في المدن المجاورة، لتوريح النفس والترفيه عنها.
الأحد 23 / رجب / 1336هـ. 5 / مايس / 1918م.
في الوقت الذي انتهى فيه الحصار، بدأت محاكمة المقبوض عليهم من النجفيين الطلوبين للمحاكمة، حيث عقدت في هذا اليوم محكمة عسكرية في الكوفة في دار بلفور على النهر في شمال الكوفة، ومنذ إلقاء القبض على أول واحد من المطلوبين بدأ التحقيق العنيف، وبخاصة مع بعضهم، إلى أن تشكّلت المحكمة العسكرية برئاسة الكولونيل لجمن عندما تم استسلام جميع المطلوبين المهمين وبدأت المحاكمات.
وقد امتد التحقيق والمحاكمات الصورية إلى يوم 25 مايس 1918. وقد لعبت فيها أحقاد بلفور وبعض النجفيين الموالين دوراً هاماً في النتائج التي انتهت إليها. حيث لم يُحكم بالأعدام من المشتركين بقتل مارشال سوى أربعة هم: الحاج نجم البقّال، ومحسن أبو غنيم - القاتلان الفعليان - ومجيد دعيبل، وجودي ناجي من المشاركين في الهجوم على الخان.
أم السبعة الباقة المنفَّذ فيهم حكم الإعدام أيضاً، فلم يكونوا من المشاركين ولا من المحرِّضين. ففي يوم 25 نيسان صدر الحكيم على ثلاثة عشر ثائراً بالأعدام: أحدهم كان الحكم عليه غيابياً، وقد أفلت من الموت وهرب إلى إيران، هو الميرزا عباس الخليلي.
كما بدِّل حكم الإعدام على آخر هو السيد محمد علي بحر العلوم؛ بالسجن
____________________
= الحصار) ( Wilson ، Loyalties ، Vol. 2 ).
وقالت المس بيل: (وفي 1 مايس 1918 كان 102 شخصاً من المطلوبين البالغ عددهم 110 في قبضة الإنكليز. وفي 4 مايس رفع الحصار عن النجف). (فصول من تاريخ العراق القريب).
(1) جريدة العرب العدد 109 من المجلد الثاني بتاريخ 8 مايس 1918.
المؤبد.
ونفَّذ الحكم بالباقين(1) .
عدا هؤلاء حكمت المحكمة العسكرية بالسجن لمُدد مختلفة على تسعة آخرين. وأمّا بقية المحتجزين، ويبلغ عددهم حوالي الثمانين ثائراً، فقد حُكم عليهم بالنفي خارج العراق كأسرى حرب.
أما الشيخ محمد جواد الجزائري، فقد غادر النجف مخفوراً في الرابع عشر من رجب 1336، بعد انتهاء ثورتها إلى بغداد، حيث حوكم هناك أمام مجلس عرفي عقد له في سجن أم العظام وحكم عليه بالإعدام، ولكن بمساعي الشيخ محمد تقي الشيرازي والشيخ خزعل وغيرهما، أبدل حكم الإعدام باعتقاله في معسكر الشعيبة مدة طويلة، ثم أُبعد إلى المحمّرة لاعتقاله هناك عند الشيخ خزعل. وقد بلغت مدّة اعتقاله كلها سنة وعشرة أشهر، أطلق سراحه بعدها(2) .
وأما الذين حكم عليهم بالنفي إلى خارج العراق، فقد كان خمسة وستون منهم قد كَمُل التحقيق معهم في السادس عشر من مايس 1918، فسفّروا كوجبة أُولى إلى بغداد ليمكثوا فيها إلى أن يلتحق بهم المنفيون الآخرون فيجري تسفيرهم سوية إلى الهند، وكان سبب الاستعجال في تسفير هؤلاء إلى بغداد قبل أن يكتمل عددهم، هو أن أحدهم، وهو شمران العامري، طلب من حارسه الإنكليزي أن يذهب به للخلاء، وكانوا يقضون حاجتهم على جرف النهر، حيث يقع الخان المحتجزون فيه على شارع النهر في الكوفة. فأخرجه الحارس، وهو مكبّل بالحديد، واتجه به عبر الشارع إلى جرف النهر،
____________________
(1) يقول الأستاذ حسن الأسدي في (ثورة النجف): ص 332: (هذا ما هو شائع، أم ما نعتقد، فإن المحكومين بالإعدام هم من نُفِّذ فيهم فقط، وقد أعلمني الأستاذ ضياء الدين بحر العلوم عن والده محمد علي بحر العلوم، أنه بعد أن حُكم عليه بالأعدام في الكوفة، تدخّل الشيخ محمد تقي الشيرازي فأبدل حكم الإعدام بالنفي، ونقل إلى بغداد ليقيم فيها تحت رقابة الجيش حوالي الشهر في بيت أصفر في رأس القرية، ثم أرسل إلى المحمرة، ليقيم إقامة إجبارية عند الشيخ خزعل في قصر الفيلية حيث مكث حوالي الخمسة عشر شهراً أطلق سراحه بعدها عند صدور العفو العام.
(2) يعلّق الأستاذ حسن الأسدي بنفس المصدر (ص333) ما نصّه: (هذا ما أخبرني به الشيخ عز الدين، ولم أقف على أصل مذكّرات والده. حيث أطلعني نجله على ما يشبه المذكرات مكتوبة بخط الشيخ عز الدين نفسه).
وفي يده إبريق. ولما بلغ العامري النهر وقضى حاجته ملأ الإبريق وهوى به على رأس الحارس، ثم رمى بنفسه في النهر وراح يعوم فيه حتى عبره، وهناك وجد من كسر له القيد الذي في رجله فلاذ بالفرار، حيث اختفى إلى ما بعد الثورة العراقية وشمله العفو العام الذي أصدرته الحكومة البريطانية في 30 أيار 1921م.
أما الحارس الإنكليزي، فإنه عندما أفاق من إغماءته أخبر مراجعه المختصة فشدّدوا النكير على المحتجزين، وسفّروا مَن كَمُل التحقيق معهم إلى بغداد كوجبة أولى، قبل أن يتم التحقيق مع الباقين وهم قليلون. ويقال: إن الحارس أُعدم حالاً رمياً بالرصاص بعد إخباره المراجع مباشرة.
بدأ الإنكليز بهدم كل البيوت الملاصقة للسور إكمالاً لما بدأوه. حيث قرّر الإنكليز، بالنظر لِمَا علموه من إستراتيجية النجف، وجوب هدم سورها، وتمهيداً لذلك بدأوا بهدم الدور الملاصقة له.
بدأت محاكمة المطلوبين للمحاكمة الذين تم إلقاء القبض عليهم، وكانت محاكمة صورية سريعة يراد بها التخلّص من العناصر القوية التي لا تخضع للسلطة في كل عهد، وقد التقت في ذلك مصلحة الإنكليز ومصلحة الرؤساء الموالين، حيث لا تستتب لهم سلطة بوجودهم، فانتهزوا فرصة هذا الحادث وراحوا يزيلون جميع العقبات من طريقهم.
الإثنين 24 / رجب / 1336هـ. 6 / مايس / 1918م.
وفيه: جعل الناس يتذمرون من سوء معاملة الرؤساء المحتجزين عند محاكمتهم، وبخاصة سعد الحاج راضي، الرجل العجوز الذي لا يحتمل أية قساوة لئيمة. وقد استمر هذا التذمر طوال أيام المحاكمة.
وفي عصر هذا اليوم هبّت زوبعة هائلة من شمال غرب النجف، مصحوبة بمطر غزير، من غيوم واطئة كأنها تلامس السطوح وأنت تنظر إليها من بعيد، الأمر الذي لم يسبق له مثيل، ومن شدّتها رفعت سقف سوق المشراق.
وعند مرورها بالكوفة سقط سقف سوق الخلخالي فقتل وجرح عدة أشخاص، وسقط نخل كثير وغرقت سفن كانت راسية أو مارة في النهر، كما سقط كثير من شرفات المنازل والجدران في النجف والكوفة.
الثلاثاء 25 / رجب / 1336هـ. 7 / مايس / 1918م.
وفيه: كان الجيش نشطاً جداً وكانت وسائط نقله بين النجف والكوفة مستمرة الحركة، ممّا زاد في إسراع النجفيين للخروج من النجف خشية حصول ما يحول دون ذلك. ولم يحصل شيء ذي بال في هذا اليوم سوى تذمّر الناس من سوء معاملة المحتجزين الذين تجري محاكمتهم في الكوفة، الأمر الذي كان يلعب دوره الفعّال في إلهاب حماس الناس ضد الإنكليز، فيخرجون من النجف إلى مختلف أنحاء العراق، وبخاصة الجهة الجنوبية منه، فيقصّون عليهم قصة هؤلاء الكفرة الذين جاءوهم من وراء البحار لينتقموا من الإسلام والمسلمين، فإنهم لم يتخلّصوا من الأتراك الظلمة إلاّ ليبتلوا بمَن هم أدهى وأمرّ. وهكذا أصبح النجفيون الخارجون من النجف أبواق دعاية سيئة ضد الإنكليز في كل مكان، ولذلك كان الإنكليز يحملون لهم أسوأ الانطباعات ويعاملونهم أقسى المعاملات، ولا يخفي الإنكليز حقيقة كرههم للنجفيين في كل مناسبة من المناسبات، وقد استمرّوا يعاملون النجف والنجفيين بروح الحقد والانتقام طوال بقائهم في العراق.
الأربعاء 26 / رجب / 1336. 8 / مايس / 1918م.
وفيه: ظهرت للناس أسباب نشاط الجيش في اليوم السابق، حيث اندفع الجيش هذا اليوم منذ الصباح لتحصين الجبل الشرقي المشرف على كري الشيخ وأخذوا مواقعهم عليه، كما لو كانوا ينتظرون حدثاً كبيراً، والظاهر أنه بلغهم بأن العشائر تستعد للهجوم على الإنكليز في النجف وفك الحصار، الأمر الذي زاد في اضطراب النجفيين غير المحاربين فراحوا يستعجلون في الخروج إلى الكوفة بكل صورة من الصور.
الخميس 27 / رجب / 1336هـ. 9 / مايس / 1918م.
وفيه: قام الجيش بنسف عدد من المدابغ والدور المجاورة للخان، فخيّم الوجوم على وجوه الناس، وزاد تخوّفهم من هؤلاء المستهترين بحقوق الناس وأموالهم في مستقبل حياتهم معهم، فكيف سيعيش الناس مع مثل هؤلاء الكفرة الطغاة الذين لا يرعون للإسلام والمسلمين إلاًّ ولا ذمة، وقد بدأ العلماء المتحرّرون يتحسّسون بمخاوف الناس من مستقبلهم المظلم، هذه المخاوف التي كانت تنعكس تدريجياً إلى الخارج كلّما خرج نجفي من المدينة.
الجمعة 28 / رجب / 1336هـ. 10 / مايس / 1918م.
وفيه: استمر وجوم الناس من حركات الأمس في الهدم وهدر الحقوق دونما أي مبرّر معقول، وقد راجع بعض مَن هدمت مبانيهم، راجعوا العلماء والناس تشيّعهم بنظرات التأييد لهم والاستنكار لما يقوم به المغتصب الجديد، وقد تعالت ولولة الناس.
السبت 29 / رجب / 1336هـ. 11 / مايس / 1918م.
وفيه: وصلت بعض الجنائز المودعة في الخارج بسبب الحصار، فوجد أصحابها الولولة على أفواه الناس وهم يتذمّرون بمرارة من سلوك هؤلاء الكفرة، وقد عادوا إلى مدنهم يحملون صوراً سيئة مظلمة لهؤلاء المحتلين الظالمين.
الأحد 1 / شعبان / 1336هـ. 12 / مايس 1918م.
وفيه: خرج السيد اليزدي إلى الكوفة لأول مرّة بعد الثورة(1) .
وخرج أيضاً الشيخ فتح الله الإصفهاني (شيخ الشريعة) المجتهد الكبير(2) .
____________________
(1) وكان السيد محمد كاظم اليزدي قد رفض طلب الإنكليز بمغادرة النجف، بعد أن شدّدوا الحصار عليها وأذاقوا أهلها ضروب العذاب والاضطهاد، فانتهز فرصة رفع هذا الحصار الآن وانتقل إلى الكوفة، كما انتقل إليها شيخ الشريعة وغيره من العلماء والأعلام الذين أبت مروءتهم إلا أن يشاطروا الأهلين آلام الحصار والعذاب. (ثورة النجف للحسني: ص85).
(2) جاء في مذكرات الإمام كاشف الغطاء: ص391:
إن الإنكليز (.. صاروا يفتشون كل مَن يخرج من النجف، سيّما من المعمّمين، خوفاً أن يكون معه كتب الدعوات لتحريض العشائر على الثورة والانتقام للنجفيين من الدولة المحتلة، وكان ممّن وجدوا معه شيئاً من هذا القبيل الشيخ أحمد أحد أولاد المرحوم الأستاذ محمد كاظم الخراساني، فأخذوه إلى الجسر [الكوفة] وحاكموه في جلسة أو جلستين وأوشكوا أن يحكموا عليه بالإعدام، فتوسّطنا إلى قائد الحملة بلفور وبلّغناه أيضاً شفاعة السيد فيه، فلم يجد بداً من إطلاقه، ولولا ذلك لكان من المشنوقين.
وكذلك تشفّعنا في أشخاص كثيرين فأُطلقوا... إن سياسة تلك الدولة الغاشمة تقضي عليهم =
وفي هذا اليوم وصل النجف أغا تقي النوّاب، حيث عُيّن معاوناً للحاكم السياسي بدل حميد خان، الذي أجيز وسافر إلى الهند للاستجمام والاستراحة بعد حوادث الثورة النجفية.
كما وصلها أيضاً المستر وينكت الذي عيّن حاكماً سياسياً بالوكالة مدّة غياب الكابتن بلفور في إجازته؛ على أن لا يغادر النجف كل من بلفور وحميد خان المجازين إلاّ بعد انتهاء محاكمة الثوّار.
وقد جعل المستر وينكت ينظم الدوائر الرسمية أو يعيد تنظيمها لإعادة فتحها، وفي مقدمتها بلدية النجف، غير أن النجفيين امتنعوا لمدة غير قصيرة عن مراجعة هذه الدوائر.
الثلاثاء 3 / شعبان / 1336هـ 14 / مايس / 1918م.
وفيه: قام الكابتن بلفور بصحبة المستر وينكت، بجولة داخل النجف وخارجها لاطلاعه على بعض ما يهمّه الاطلاع عليه. وبعد عودتهما أذاعا منشوراً في كل من النجف والكوفة وأبي صخير يطلبان فيه أن يقوم كل من لديه سلاح بتسليمه إلى السلطة، وإلاّ فالعقوبة الإعدام. وحدّد آخر مايس لانتهاء التسليم، ولكن لم يتقدّم أحد إلاّ ما ندر.
الأربعاء 4 / شعبان / 1336هـ 15 / مايس / 1918م.
وفيه: قام الكابتن بلفور، يصحبه المستر وينكت، بزيارة بعض البيوت النجفية الموالية، لتعريفه على بعض رجالات النجف ممّن يهمّه أمرهم في إدارة المدينة.
الخميس 5 / شعبان / 1336هـ. 16 / مايس / 1918م.
وفيه: أعاد الإنكليز - بواسطة الموالين - إذاعة المنشور الخاص بتسليم الأسلحة، طالبين أن يلقى السلاح ليلاً في الأزقة ليجمع صباحاً من قبل الشرطة، وقد أَلقى بعض الناس بعض ما لديهم من الأسلحة القديمة البالية.
وفي هذا اليوم تم على استعجال تسفير الوجبة الأُولى من المحتجزين إلى بغداد.
____________________
= بمجاملة الروحانيين، وعدم إثارة غضبهم، تمكناً من وقاية نفوس كثيرة من الإعدام، وحفظ أموال غزيرة من المصادرة).
فأحضرت العدد الكافي من الزوارق البخارية، وشرعت في نقل المعتقلين من زنزاناتهم في خان الحاج محسن شلاش بالكوفة إلى هذه الزوارق تباعاً، وهم في حالة يرثى لها، وقد صفّدوا بالأصفاد والقيود الحديدية.
وازدحم الناس على الشريعة لتوديع المنفيين، وكان بكاء النساء وعويلهنّ يشقان عنان الفضاء، لكن النجفيين كانوا يتجلّدون، وقد شتموا المتفرجين وعيّروهم، وسلقوهم بألسنةٍ حداد.
ثم توجهت هذه البواخر إلى قصبة (المسيب) يخفرها زورق حربي، وهناك أنزلوهم في بستان على ضفة النهر اليسرى، تحيط بها الأسلاك الشائكة، ويحرسها جنود بريطانيون.
وبعد مضي ثلاثة أيام، أحضرت سيارات لوري عسكرية لحمل هؤلاء المعتقلين إلى (المحمودية) وهم مكبّلون بالسلاسل والأغلال، ومن (المحمودية) أركبوهم في شاحنات القطار المقفلة إلى ضاحية (أم العظام) في (كرادة مريم) فلبثوا فيها سبعة أيام، حيث أحضرت لهم باخرة عسكرية نقلتهم إلى (العمارة)، ومنها بشاحنات القطار إلى (البصرة)، حيث كانت في انتظارهم باخرة حربية متوجّهة إلى (الهند) وعليها عدد كبير من الأسرى الأتراك، فحشروهم في هذه الباخرة بعد أن صفّدوهم بالقيود والأغلال.
ولمّا بلغت الباخرة ميناء (بومبي) نقلوهم بالقطار إلى منافيهم في (سمرپور) شمالي الهند، فلبثوا فيها إلى نهاية الحرب العالمية الأولى (حرب 1914 - 1918م) وإعلان الهدنة، فأعيدوا بالبواخر العادية إلى (البصرة) فلبثوا فيها مدة كلّف كل معتقل خلالها أن يقدّم كفالة مطوّبة بمبلغ من المال، وسمح له بالعودة إلى (النجف الأشرف)(1) .
قائمة بأسماء المنفيين:
1 - السيد محمد علي بحر العلوم. 3 - السيد إبراهيم بن السيد باقر البهبهاني. 5 - راضي الحاج سعد راضي. 7 - عيدان الحاج سعد راضي. |
2 - الشيخ محمد جواد الجزائري. 4 - الحاج سعد الحاج راضي. 6 - مغيض الحاج سعد راضي. 8 - الحاج عطية أبوگلل. |
____________________
(1) ثورة النجف للحسني ص103 - 105.
9 - كردي بن الحاج عطية أبوگلل. 11 - الحاج حسين أبوگلل. 13 - كريم أبوگلل. 15 - أحمد الصراف. 17 - محمد مطر العكايشي. 19 - عطية العكايشي. 21 - حسن علوان العكايشي. 23 - محمد آل جبر العامري. 25 - هادي أبو شبع. 27 - الحاج محمد أبو شبع. 29 - عبود يوسف أبو شبع. 31 - صالح كرماشة. 33 - مجيد كرماشة. 35 - مجيد طالب. 37 - ياسين الرازقي. 39 - جدُّوع الرازقي. 41 - تومان غيدان عدوة. 43 - مسلط حبيب الحار. 45 - مهدي حبيب الحار. 47 - عبد عيسى حبيبان. 49 - عطية صبّي. 51 - حامض صبّي. 53 - فنجان بقر الشام. 55 - حسين بقر الشام 57 - محمد الحاج حسين الصنم. 59 - محمد الحاج مهدي ثالثة. |
10 - جاسم أبو گلل. 12 - حسن حاجي أبوگلل. 14 - حسيني الصراف. 16 - عزيز الأعسم. 18 - زاير العكايشي. 20 - طلال العكايشي. 22 - خطار العبد العكايشي. 24 - نجم العبود العامري. 26 - عباس حسن أبو شبع. 28 - خليل أبو شبع. 30 - غازي طوبة. 32 - غني كرماشة. 34 - غني كرماشة. 36 - عبد الله الرازقي. 38 - عبد الرزاق الرازقي. 40 - عبد الرزاق عدوة. 42 - حتروش عدوة. 44 - حمود الحار. 46 - سعيد حبيب الحار. 48 - علي عيسى حبيبان. 50 - سلمان صبّي. 52 - تومان بقر الشام. 54 - متعب بقر الشام. 56 - علي الحاج حسين الصنم. 58 - الحاج رديف ثالثة. 60 - السيد هادي السلطاني. |
61 - خضير عباس البهّاش. 63 - عبد الكريم وهاب البهّاش. 65 - سويدان گصراوي. 67 - جواد مطرقانة. 69 - عبود عبد الكريم جيلاوي. 71 - حنتوش الرمّاحي. 73 - حساني المختار. 75 - طماطة سعيدان. 77 - شعلان أبو نصيحة. 79 - مسلم الدريعي. 81 - ناصر آل حسون. 83 - محمد حسن الشمرتي. 85 - كاظم عزيز كور الشمرتي. 87 - قلوم ملكي. 89 - جبر جبرين. 91 - السيد مهدي دخيل. 93 - سلطان حمادي شبيب. 95 - إبراهيم الرويشدي. 97 - الحاج مهدي الخباز. 99 - جاسم بن السيد محمد علي طبار الهوا. 101 - حميد أبو السبزي. 103 - علي جوزة. 105 - السيد جبر الفحام. 107 - الحاج وادي العبد. 109 - إبراهيم المؤمن. 111 - عبد حميمة النداف. |
62 - محمود وهاب البهّاش. 64 - حسن گصراوي البهّاش. 66 - حميد آل صگر. 68 - حسوني العلوان. 70 - مطشر الرمّاحي. 72 - حسون أبو جحيفة. 74 - مجيد المختار. 76 - حسون بادرنك. 78 - السيد أحمد العذاري. 80 - مهدي الدريعي. 82 - حسن نجم الشمرتي. 84 - عراك عزيز كور الشمرتي. 86 - حسين علي كور الشمرتي. 88 - عمران جبرين. 90 - جاسم جبرين. 92 - محمد حطبان. 94 - عبد الله الرويشدي. 96 - مجيد عرب. 98 - محمود الحاج حمود. 100 - حلوس محمد الصبار. 102 - علوان إدليهم الفتلاوي. 104 - السيد سلمان الفحام. 106 - عزيز الحارس. 108 - عبدالله سابوح. 110 - بشير العبد. 112 - عبود صخيلة. |
113 - عبود نورية. 115 - علوان الملا علي. 117 - عباس عجمي. 119 - الحاج حبيب أبو الجاموس. 121 - حسن شاهين. |
114 - إبراهيم جريان. 116 - طنوس آل علي. 118 - مجيد عزوز. 120 - السيد سلمان الحجار. 122 - السيد جعفر الصائغ. |
الجمعة 6 / شعبان / 1336هـ. 17 / مايس / 1918م.
وفيه: استمر الموالون وأعوانهم على إذاعة مضمون المنشور بين الناس وتهويل العقوبات المترتبة على عدم تسليم السلاح.
وفي المساء ألقى بعض الناس أيضاً قليلاً من الأسلحة البالية، لأن النجفي يومذاك لا يمكن أن يبقى بدون سلاح لما تتطلبه ظروف حياته داخل النجف وخارجها.
السبت 7 / شعبان / 1136هـ. 18 / مايس / 1918م.
وفيه: استمر الإنكليز في التشديد على وجوب تسليم الأسلحة الموجودة لدى النجفيين، أو إلقائها ليلاً في الأزقة. وقد نشروا أعوانهم بين الناس يرجفون بما يخيفهم ويحملهم على تسليم الأسلحة. ولكن النجفيين لم يرموا سوى الخناجر والقامات والسيوف والبنادق القديمة البالية، غير أن الإنكليز لم يكتفوا بها وطالبوا بتسليم الأسلحة الجديدة.
الأحد 8 / شعبان / 1336هـ. 19 / مايس / 1918م.
وفيه: ألقى النجفيون بعض الأسلحة الجديدة الصالحة؛ بالنظر لضغط الإنكليز الشديد على الموالين، وربما كان الموالون أنفسهم قد ألقوا هذه الأسلحة.
الأثنين 9 / شعبان / 1336هـ. 20 / مايس / 1918م.
وفيه: بدأت محاكمة محمد علي بحر العلوم حيث جيء به من الحلة إلى الكوفة وفي ساقيه قيد خفيف.
الثلاثاء 10 / شعبان / 1136هـ. 21 / مايس / 1918م.
لم يحدث فيه ما يستحق الذكر سوى استمرار الموالين على حثّ الناس لتسليم الأسلحة.
الأربعاء 11 / شعبان / 1336هـ. 22 / مايس / 1918م.
وفيه: اندفع الموالون جماعات وأفراداً في الشوارع والأزقة يطرقون الأبواب على الناس ويحضونهم على تسليم السلاح.
الخميس 12 / شعبان / 1336هـ. 23 / مايس / 1918م.
وفيه: عين الكابتن (كرين هاوس) معاوناً للحاكم السياسي في النجف خلفاً للكابتن مارشال القتيل(1) . وبعد أن صدر أمره في بغداد سافر تواً إلى النجف وحلّ في خان عطية، أي في نفس المقر الذي قتل فيه مارشال، وبوصوله انتظمت أعمال الحكومة في النجف نسبياً، حيث بدأ (كرين هاوس) منذ وصوله بتنظيم دوائر السراي في الخان وجلب الموظّفين، وراح يستقبل الناس من الموالين وغيرهم، وقد اتخذت احتياطات كثيرة لمحافظته(2) .
الجمعة 13 / شعبان / 1336هـ. 24 / مايس / 1918م.
وفيه: ظهر شي من الاطمئنان على نفوس الناس بسبب عودة الحكومة إلى النجف وظهور شيء من النظام وحسن استقبال الموظفين للناس، الأمر الذي ازدادت معه نسبة تسليم الأسلحة من قبل النجفيين وإن كانت لا تزال من الأسلحة الاعتيادية البالية؛ بينما الإنكليز لا يريدون غير الأسلحة الجديدة.
السبت 14 / شعبان / 1336هـ. 25 / مايس / 1918م.
وفيه: كمل التحقيق وانتهت المحاكمات مع جميع المحتجزين وصدرت أحكام الإعدام والسجن والنفي كما تقدّم، فهاجت النجف وقامت قيامة النجفيين وغير
____________________
(1) Mag. Greenhous ث هو الحاكم البريطاني الذي خلف الكابتن مارشال.
ويقول أ. تي. ولسن: أنه جاء به من شوشتر بإيران ليخلف الحاكم القتيل في النجف، وقد تسلّم منصبه في 24 أيار 1918م، أي بعد مقتل سلفه بشهرين وأربعة أيام. والمعروف عن الحاكم الجديد أنه كان فظاً شرساً، وكان إذا أراد الدخول إلى المدينة بعث بعض الجلاوزة لينادوا في الناس ليقفوا احتراماً للحاكم أثناء مروره اليومي. وكان النجفيون يتحمّلون هذه الإهانة ولسان حالهم يقول:
قالت الضفدع قولاً |
فسَّرته الحكماء |
|
في فمي ماء وهل ين |
طق مَن في فيه ماء |
(2) يقول موبرلي: (وفي الثالث والعشرين من مايس، بعد فك الحصار عين الكابتن كرين هاوس معاون حاكم سياسي للنجف، وكان مركز مماثلاً لمركز الكابتن مارشال. وقد وضع خارج السور فصيل من الجيش البريطاني) ( Moberly op. cit ).
النجفيين. فكيف يمكن أن يعدم أحد عشر شخصاً تجاه قتل شخص واحد؛ فالشرع لا يجيز ذلك، وعلى هذا الأساس جرت مراجعات جرئية صاخبة من قبل جميع المدن العراقية تقريباً، وبخاصة من النجف وبغداد، لإبدال حكم الإعدام(1) .
كانت أحاديث الناس كلها حول أحكام الإعدام، وانتشرت النقمة عليها في جميع أنحاء العراق، فكان ذلك مصدر قلق للإنكليز، وسبّب كره لهم في جميع أنحاء القطر، ومبعث حرج لمواقفهم السياسية في جميع البلاد الإسلامية، الأمر الذي اضطر معه الإنكليز إلى تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام، للضغط الشديد الذي واجهوه في جميع الأوساط وفي مختلف أنحاء العراق، حيث انتشر الخبر بسرعة وبشكل عجيب. وقد أوشك أن يتم إبدال أحكام الإعدام نتيجة الضغط المذكور، لولا إصرار الاستعماري الحاقد الشرس بلفور(2) .
الأحد 15 / شعبان / 1336هـ. 26 / مايس / 1918م.
وفيه: ظل الناس يلهجون بفداحة الظلم الذي تعرّضت له النجف بإصدار حكم الإعدام على ثلاثة عشر لقتل واحد فقط؛ بالرغم من أن المباشرين للقتل هما اثنان ليس غير، وقد جرت مراجعات كثيرة من قبل أقارب المحكومين بالإعدام للعلماء وبعض الرؤساء الموالين، ولكن دون جدوى.
____________________
(1) مما أشبيع في حنيه أن آل الحاج راضي - وقد حكم على ثلاثة منهم بالإعدام - قد طلبوا من المجتهد الأكبر السيد محمد كاظم اليزدي أن يصدر الفتوى بعدم جواز قتل أحد عشر بواحد، فلم يوافق وقال: (يجب تطهير النجف من المجرمين، فحاولوا قتله).
(2) يقول ولسن: (عقدت محكمة عسكرية في الكوفة لمحاكمة المجرمين، وقد انتهت المحاكمة بحكم أحد عشر منهم بالإعدام، وتسعة حكموا بمدد مختلفة من ست سنين إلى مدى الحياة. ومن بين أولئك المحكومين بالإعدام، بعض الزعماء المهميّن في المدينة...). ثم يقول: (إن إعلان أحكام الإعدام كانت باعثاً على ورود سيل من الكتب والبرقيات من مختلف الجهات تحثني على نصح المرجع المختص بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام إلاّ في الشخصين المشتركين فعلاً في قتل الكابتن مارشال، وإبدال العقوبة بالنسبة للآخرين. لأن الإسلام يحرم إعدام أكثر من واحد لقتل شخص واحد، كما إن رسل السادة والعلماء وصغار العلماء، جاءوا يستحثوننا على الرحمة، ويتنبأون بهيجان مفجع للرأي العام المتبرّم إذا نفذت جميع أحكام الإعدام.
أصر بلفور، وهو المسئول عن أمن المنطقة، على عدم إبدال العقوبة، وأنا وافقت على رأيه، وكذلك فعل الجنرال مارشال، فنفذ حكم الإعدام في الأحد عشر صباح اليوم الخامس والعشرين من مايس 1918). Wilson loyalties ، Vol. 2
في هذا اليوم جرت ظاهرة للهدم والبناء خارج السور.
الاثنين 16 / شعبان / 1336هـ. 27 / مايس / 1918م.
وفيه: ما تزال النجف تعج بالشكوى من ظلم وطغيان هؤلاء الحكّام الكفرة الجدد، إذ يحكمون على ثلاثة عشر بالإعدام من أجل قتل واحد، وقد سافر في هذا اليوم عدد من وجوه النجفيين ورجال دينهم إلى بغداد لمراجعتها في هذا الشأن وبيان سوء مغبّة الأمر.
الثلاثاء 17 / شعبان / 1336هـ. 28 / مايس / 1918م.
وفيه: أشيع في النجف أن الحكومة الإنكليزية ستقوم بهدم بعض الدور داخل السور، وقد قويت الإشاعة أكثر عندما طلبت الحكومة عدداً من البنّائين والعمّال لهذا الغرض، غير أنه لهم يظهر أثر لذلك في هذا اليوم.
الأربعاء 18 / شعبان / 1336هـ. 29 / مايس / 1918م.
وفيه: نادى منادي الحكومة بأن كل مَن لا يعرض ما عنده من الحبوب والدهن للبيع، ستفرض عليه غرامة قدرها مئة ليرة ذهب، وقد يُعدم أيضاً.
كما نادى أيضاً بأن الحكومة قررّت هدم جميع الدور المجاورة للسور ودعت أصحابها للحضور في سراي الحكومة للاتفاق على تقدير أثمانها، وقد صدر ذلك أيضاً بمنشور موقّع من قبل كرين هاوس وزِّع في كل مكان وألصق على الجدران، ويدخل في ضمن هذه الدور والبنايات خان الهنود الكبير والشيلان والبلدية القديمة.
وقد جرت عدة وساطات ومراجعات لاستثناء خان الهنود.
كما حصل خلاف بين السياسيين والعسكريين من الإنكليز حول هدم الشيلان.
لا تزال حركة الهدم والبناء مستمرة بشكل ملحوظ، وإلى جانبها حركة أخرى في الجيش لا تنقطع طوال النهار قادمين رائحين.
في هذا اليوم جرى مزاد على أراضي الحاج سعد الحاج راضي، حيث استولت الحكومة عليها، فلم يشترها أحد سوى قطعة واحدة في حدود أبي صخير اشتراها آل براك بخمسة وأربعين ليرة.
وفي مساء هذا اليوم: (دعي إلى جسر الكوفة مشائخ النجف الموادعون والمختارون، ودعا الإنكليز قسماً من مشائخ عشائر الشامية، فحضر الجميع في جسر
الكوفة، وطلب الإنكليز أن يشهد أولئك شنق (المجرمين) يوم 19 شعبان قبل طلوع الشمس... وقد استحضر في جسر الكوفة باخرة مصفّحة ومسلّحة رست تجاه الخان الذي أعتقل فيه (المجرمون)، ووجّهوا مدافعهم إلى جهتي الشرق والغرب، وتحضّر الجند في معاقلهم ولزموا متاريسهم ومنع الحرّس اجتماع الناس، فكان السكون في جسر الكوفة مخيفاً لم يعهد له مثيل في العراق. وعاد الناس من جراء تلك الاستحضارات في قلق وخوف شديدين. وحقاً إن مَن يشاهد ذلك المشهد الحربي يعتقد أن الإنكليز صمموا على تخريب الجسر - أي مدينة الكوفة - لا سيّما وأن إعداد تلك العدة كانت على حين غرة، ولم يفهم الناس ماذا أراد الإنكليز من تلك الأعمال الفجائية، وما غربت شمس يوم الأربعاء حتى نصبت المشنقة في وسط الخان)(1) .
الخميس / 19 / شعبان / 1336هـ. 30 / مايس / 1918م.
وفي فجره وبمحضر من الرؤساء والزعماء المارّ ذكرهم، تم تنفيذ حكم الإعدام في أحد عشر نجفياً في خان بيت شلاش في الكوفة، وهو الخان الذي كان الثوار معتقلين فيه، وهم:
1 - كريم الحاج سعد.
2 - أحمد الحاج سعد.
3 - محسن الحاج سعد.
4 - سعيد مملوك الحاج سعد.
5 - كاظم صبّي.
6 - محسن أبو غنيم.
7 - عباس علي الرمّاحي.
8 - علوان علي الرمّاحي.
9 - الحاج نجم البقّال.
10 - جودي ناجي.
11 - مجيد الحاج مهدي دعيبل.
____________________
(1) انظر: مذكرات الشبيبي، ص340 - 341.
(وكان الإنكليز قد شنقوا قبل يومين في (الثويّة) خارج النجف كلاً من: كاظم بن الحاج مهدي البستاني، وهو نجفي من شرطة أبي صخير، وشعلان تاجية؛ لعلاقتهما بحوادث أبي صخير.
ولم يبرقع الإنكليز وجوه المعدومين بالبراقع الأصولية قبل الشنق، كما جرت العادة في بلاد العالم كلها، إمعاناً في إلحاق الأذى بنفوسهم، وهم مقبلون على الموت، وإرهاباً للغير، وخرج الذين شاهدوا الشنق، خرجوا من الحفل ووجوهم مصفرّة وألوانهم ممتقعة.
وقد نقلت جثث المعدومين بواسطة عربات (الترامواي) إلى النجف، حيث دفنوا بين مقبرة الهنود ومقبرة السيد علوان البحراني، على يسار الذاهب من النجف إلى الكوفة، وبعد أن جرى غسلهم وتكفينهم في الكوفة من قبل أفراد من الشبانة.
وقد نشر الإنكليز - بعد الإعدام - بياناً مطوّلاً في النجف والكاظمين بأسماء المعدومين، والتُّهم الموجهة إليهم، ونحو ذلك من المسوّغات القانونية لتبرير هذا العمل الانتقامي)(1) .
____________________
(1) ثورة النجف للحسني: 112 - 113.
تقول المس بل في موضوع الحكم والشنق ما يلي: (وبعد محاكمات جرت في الكوفة في خان الشيخ علي نصر الله (هو خان بيت شلاش ومستأجره الشيخ علي نصر الله)، حكم على ثلاثة عشر منهم بالإعدام (أبدل القائد العام الحكمن على أحدهم بالسجن المؤيد)، وحكم على خمسة بالسجن المؤبد، وعلى اثنين بالسجن لمدة أقصر، وحكم على حوالي مئة شخص بالنفي خارج العراق، فسفروا إلى الهند كأسرى حرب. وفي 30 مايس 1918 نفذ حكم الإعدام في الكوفة). (فصول من تاريخ العراق: ص51).
وأما الشيخ جعفر محبوبة، فإنه يقول في وصف موضوع النشق ما يلي:
(... وهؤلاء شنقوا في شريعة الكوفة (الجسر) في العشرين من شهر شعبان سنة 1336هـ في خان الشيخ علي نصر الله بمحضر كثير من زعماء الفرات، بعد أن عقد لهم مجلس عرفي، ودفنوا في وادي النجف بين مقبرة الهنود ومقبرة السيد علوي البحراني، على يسار الذاهب إلى الكوفة من النجف. وأفلت الميرزا عباس الخليلي، وكان ممّن حكم عليه بالإعدام غياباً. ولكن لحزمه لم يتمكّنوا من القبض عليه، ففر إلى إيران؛ وهو اليوم يقيم في طهران. كما أنه أفلت بعض المقبوض عليهم من السجن). (ماضي النجف وحاضرها: 1/349).
ويقول لونكريك عن مجمل النتيجة التي انتهت إليها ثورة النجف ما يلي:
(... وبدون إطلاق نار حوصرت النجف بكاملها. والمجتهد الأكبر قد أدان هذه الجريمة وبقي على اتصال مع الحكومة. وفي 10 نيسان بُدئ بإلقاء القبض على القتلة وأعوانهم. حتى بلغ المقبوض =
(وقد نشر الإنكليز في النجف والكوفة بياناً مطولاً بأسماء المصلوبين وجرائمهم، ونشروا عن ذلك أيضاً بياناً موجزاً في الكاظمية فقط من مدن العراق، ولم ينشروا عنهم شيئاً في بغداد ولا في الجرائد.
وممّا يذكر وساد في حينه أنه عندما تم تنفيذ حكم الإعدام بالأشخاص المذكورين لم يقل أحد منهم شيئاً سوى كريم الحاج سعد الذي خاطب السيد مهدي السيد سلمان بكلمات قاسية. وعندما بدأ التنفيذ بكى الزعيم المعروف الشيخ مرزوق العوّاد. أم الشيخ سلمان العبطان فإن انتخى بقوله: (أنا أخو فاطمة)!
وقد كان لعملية الإعدام التشهيرية هذه ردود فعل عنيفة في الأوساط العراقية، حيث تغلغل الحقد على الإنكليز في نفوس جمع العراقيين، وبخاصة الفراتيين الذي كانوا ممتلئين غيظاً على الإنكليز الذين خانوا العهود التي قطعوها للعرب ونظموا معاهدة سايكس - بيكو السرية لاقتسام بلادهم.
وقد كان ذلك كله من الأسباب القوية لاندفاع الناس وحماسهم في تدبير ثورة العشرين. وربما كان المدعوون لمشاهدة عملية تنفيذ حكم الإعدام في الكوفة، ربما
____________________
= عليم 102 من المطلوبين. فحكم على اثني عشر منهم بالإعدام وعلى ثمانية بالنفي مدى الحياة، وعلى الباقين لمدد أقصر. وبعد بضعة أيام أقيمت حفلة ترحبيبة للقائد العام الذي زار المدينة. ولكن الجوّ بقي في المدن المقدسة مجهولاً ينذر بشر مستطير). ( Longrigg p. 96 ).
وأما السير أرنولد ولسن، فإنه بعد أن يصف سيل برقيات ورسائل ووفود الاحتجاج التي وردت حول أحكام الإعدام - كما سبق أن ذكرنا ذلك - فإنه يقول مايلي:
(... ولكن النتيجة كانت من الغرابة بمكان. فبعد ساعات قليلة من تنفيذ حكم الإعدام، أقام كليتدار النجف حفلة استقبال في داره الكائنة في مركز المدينة. لقد حضر الدعوة معي بلفور وكرين هاوس الذي كنت أحضرته من شوشتر، حيث كان يقوم بأعمال مجيدة، ليخلف الكابتن مارشال. وقد تكلم الكليتدار بحضور جماعة من الأشراف والعلماء فأعرب عن رضا أهالي المدينة وإنقاذهم من أيادي الأشرار، وعن أمله الأكيد بأن إدارة البلد ستكون مماثلة للمدن الأخرى في العراق، وأضاف أنه يأمل بأننا سنساعد الأهلين بتحقيق أعز رغباتهم، وهو انجاز مشروع إسالة الماء، ثم ختم كلامه بإهداء سيف شرف إلى بلفور (للدفاع في المستقبل، كما في الماضي، عن حرية المدينة وسكّانها). ثم سلّمني في الوقت نفسه حلقة ذهبية ضخمة مع مفتاح فضي وقال: هذه هدية ترمز إلى رغبة أهالي النجف في أن باب المدينة وقلوب أهلها ستفتح دائماً لممثلي الإدارة المدنية. إن خبر إقامة هذه الحفلة بقي سراً، لأن الكثير كانوا يخشون تأجيل إعدام بعض الزعماء في آخر لحظة!! ). ( Wilson ، Loyalties ، Vol. 2 ).
كان هؤلاء الزعماء في مقدمة الثوّار اندفاعاً وحماساً في ثورة العشرين.
عندما تبلغ المحكومون بالإعدام بالحكم وذهبوا إلى الغرفة المحتجزين فيها في ذلك الخان، صمّموا على الهرب مهما كلفهم الأمر، وقد عمدوا إلى طريقة غريبة لثقب جدار الغرفة، ولعدم وجود أية أداة لديهم يمكن الاستعانة بها على ثقب جدار الغرفة الذي على الشارع، وهو جدار قديم من الجص والطابوق، عمدوا إلى ثقب الجدار أن لا يبول واحد منهم إلاّ في موقع معين منه. وفي اليوم التاسع والعشرين، أي بعد أربعة أيام بلياليها، تمكنوا من إشباع الموقع بالرطوبة فجعلوا يستلون الطابوق بجهد قليل، وعندما قاربوا النهاية، شاءت الصدف السيئة أن يستشعر بالأمر عزيز الأعسم المحتجز في الغرفة المجاورة مع جماعة آخرين، فجبن وخاف أن يمسّه سوء فراح يصيح بأعلى صوته: (يا حكام تعالوا ذوله راح يشردون..) ولما حضر الحرس وفتحوا الغرفة شاهدوا الثقب فأوجعوهم ضرباً وشدّدوا الحراسة عليهم.
وقد تسبّب هذا الحادث في شجار عنيف بين عزيز الأعسم والموقوفين الآخرين. كما تسبب في هيجان جميع المحتجزين؛ للضرب الذي تعرّض له المحكومون بالإعدام.
وقد كان ذلك سبباً بتسفير بقية المحكومين بالنفي إلى بغداد قبل أن يكتمل عدد المطلوبين، حيث اكتفوا وسفّر الموجودون في نفس اليوم. ولا يبعد أن يكون الحادث قد سبّب أيضاً التعجيل في تنفيذ حكم الإعدام في اليوم التالي: يوم 30 مايس 1918.
وقد نشرت جريدة العرب البغدادية، تحت عنوان (حفلة تاريخية في النجف) ما يلي: (لا يخفى على الجميع ما حصل بالنجف الأشرف مؤخراً من المشاغب التي دفعت الحكومة إلى استعمال السلطة العسكرية لإخمادها، والقبض على المجرمين وكافة الأشقياء، ومجازاتهم حسبما اقتضى القانون.
وقد رأى حضرات علماء النجف الأشرف ومشايخه وأعيانه وتجّاره وأهاليه، أنه من الواجب المقدّس عليهم أن يعبّروا عن شكرهم الخالص للحكومة عن الأعمال التي قامت بها في تطهير البلد المقدس من أهل الفساد، محافظة على حرمة مقدساته،
فاتفقت آراؤهم على إقامة حفلة شائقة في النجف يدعون إليها مندوبي الحكومة من عسكريين وملكيين، وقد خرج رأيهم من حيّز القول إلى حيّز الفعل. فاتفقت آراؤهم على إقامة حفلة شائقة في النجف فعقدوا حفلة باهرة في بيت جناب السيد عباس كليتدار الروضة الحيدرية في الساعة التاسعة عربية في اليوم الثلاثين من أيار 1918، دعوا إليها جناب الحاكم العام وقائد جيوش الحلة وقائدي جنود الكوفة والنجف، وجميع حكّام وضباط وموظفي الكوفة وأبي صخير، ومندوبي جميع مشايخ وعلماء وتجار القبائل والبلدان المجاورة.
ولما أزفت الساعة التاسعة أقبل جانب الكابتن ولسن نائب الحاكم العام بصحبه جناب الكابتن بلفور حاكم الشامية، والكابتن بروثورو حاكم أبي صخير، والكابتن كرين هاوس حاكم النجف، والكابتن فيشر حاكم الكوفة، وجناب قائد جنود النجف وجميع ضباطه وحضرات موظفي الحكومة الملكيين من جميع أنحاء قضاء الشامية.
فاستقبلهم خارج البلدة حضرة السيد هادي نقيب الأشراف، وحضرة السيد عباس الكليتدار، وأتيا بهم إلى محل الحفلة، حيث كان بانتظارهم على باب الردهة حضرات العلماء والأعلام: الشيخ أغا محمود الهندي مندوب حضرت آية الله السيد كاظم اليزدي حفظه الله، والشيخ محمد جواد صاحب الجواهر، فأدخلاهم إلى الردهة حيث كان بانتظارهم جميع علماء ومشايخ النجف والمندوبين من تجارها وسكانها والمدعوين من علماء ومشايخ وتجار جميع القبائل والبلدان المجاورة.
فابتدأ جناب الكابتن ولسن يصالح الجميع بلطافته المعهودة. ولما جلسوا أديرت عليهم كؤوس المرطبات، وكان إذ ذاك المحل مجهّزاً بجميع وسائل الراحة ومفروشة جدرانه وأرضه وسقفه بأحسن وأفخر السجاد العجمي، ومزيّناً بالموائد اللطيفة الطافحة بكل ما طاب طعمه ولذّت رائحته.
ولما استقروا قابل حضرة المجتهد الحاج محمود أغا الهندي تحيات جناب نائب الحاكم العام والكابتن بلفور وسائر المدعوين، برد السلام وقال: لمّا كنتُ نائباً عن حضرة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي أبلغكم تشكُّراته واعتذاره عن حضور هذا الحفل الكريم، لعجزه وعدم تمكنه من المجيء من الكوفة إلى النجف الأشرف. ثم عبّر حضرة المجتهد الشيخ جواد صاحب الجواهر عن تشكراته القلبية وقال: ينبغي علينا
جميعاً أن نشكر الباري جلّ شأنه على أن تفضّل علينا بمثل هذا المجتمع المركب من العلماء الأعلام، والأمراء البريطانيين الكرام، والأشراف من جميع الأصناف في هذا البلد المقدس، وهذا ما لم يكن يخطر ببال ولا في الخيال، فهي نعمة جسيمة، وموهبة عظيمة، وعلينا أن نعتبرها رحمة وعدالة. وختم كلامه بعبارات لطيفة تدلّ عما تنطوي عليه قلوبهم من المحبة والإخلاص لدولتنا الكريمة.
ثم كلّف حضرة المجتهد أغا محمود حضرة التاجر المهم والمثري الشهير الحاج محسن شلاش بأن يقرأ خطاباً كان قد أعده علماء ومشايخ وأعيان وتجار بلدة النجف. ثم ارتجل الحاج محسن خطاباً كان له أحسن وقع بالنفوس، وكلّما أتى على عبارة تستوجب التصفيف كانت تدوّي به الردهة، ولما انتهى من خطابه صفّق له الجميع تصفيقاً شديداً استحساناً وإكراماً(1) .
ثم تقدم حضرات: المجتهد أغا محمود، والمجتهد الشيخ جواد صاحب الجواهر، والسيد هادي نقيب الأشراف، والسيد عباس الكيتدار، والحاج محسن شلاش، والسيد مهدي السيد سلمان، والسيد محسن أبو طبيخ، والشيخ علوان الحاج سعدون، والشيخ عبادي، وأخذوا بيد جناب الكابتن بلفور، وأوقفوه وسط الردهة وقلّدوه سيفاً من ذهب علامة للنصر الذي أحرزته وتحرزه الأمة البريطانية في جميع ميادينها.
ثم رجع الكابتن بلفور إلى محله بإكرام عظيم، وفيما هو عائد إلى محله، استقبله جناب نائب الحاكم العام مهنئاً إيّاه، وهكذا فعل الجميع، ثم دارة عليهم كؤوس المرطبات وأواني الحلويات والقهوة والشاي، وكان جناب نائب الحاكم العام والكابتن بلفور يحادثان الجميع بأعذب لسان.
وبعد ذلك قام حضرة الكابتن بلفور وتلى خطاباً بليغاً كان له أشد تأثير على
____________________
(1) يروي العلامة الشبيبي في مذكراته من هذا الكتاب أن الوجيه الحاج محسن شلاش: (تلى خطبة بليغة، وثنى بها على رجال الحكومة، وعلى الأخص بلفور الذي عقدت له الحفلة، وأظهر بما امتنان النجفيين من الأعمال الفذة في النجف، وتطهيرها من أركان الفساد وأهل العناد، الذين شوهّوا مدينة النجف المقدّسة بسوء أفعالهم، وجاء في الخطبة ما معناه: إن أعمال بلفور في حادثة النجف الأخيرة هي من أكبر الأعمال التي جعلت النجفيين أن يعقدوا له حفلة تكريماً لحضرته، وأن يقلدوه سيفاً مرصّعاً بالذهب، دليلاً على ما أودعه في النفوس من الحب والارتباط المتين) انتهى بالنص وبحرفه.
القلوب. ولما انتهى من تلاوته صفّق له الحضور تصفيقاً دوّت له الردهة.
ثم قام حضرة السيد عباس الكليتدار وألقى خطاباً عبّر فيه عن شكره الخالص بصفته خادماً وخازناً للمرقد الشريف، للدولة العظمى لحسن درايتها، إذ لم تتعرض بأضرار المحلات المقدسة بشيء، ولمّا أتى على آخره صفّق له الحضور تصفيقاً شديداً.
وبعد هذا دنا حضرته من جناب نائب الحاكم العام وألبسه ساعة من ذهب مرصّعة بالحجارة الكريمة. وألبس أيضاً الكابتن بلفور ساعة أخرى كوسامين لهما من الحضرة الشريفة لحنكتهما في سياستهما، ومحافظتهما على حرمة المرقد المقدّس وسائر المحلاّت المطهرة، وقد كان لفعله هذا أحسن وقع في النفوس.
وما تم ذلك إلاّ وقام جناب الكابتن ولسن نائب الحاكم العام وارتجل خطاباً باللغة الفارسية لم يسمع أبلغ منه، عبّر فيه عن شكره الخالص للحضرة الشريفة على الوسام النفيس الذي قلّده، وبيّن الأسباب الشريفة التي دعت الحكومة إلى اتخاذ الوسائل لتطهير بلدة النجف الأشرف من الأشقياء الذين كانوا يسعون في الأرض فساداً. ولمّا أتم خطابه دوّت الردهة في التصفيق الشديد.
ثم أخذ جنابه يتجوّل في الديوان ويخاطب بأطيب كلام وأرّق عبارة كل شخص يتقدّم إليه. وهكذا استمر الحال إلى الساعة الثانية عشر عربية.
وفي الختام قام المدعوون بعدما شكروا الداعين، وذهب كل منهم إلى مكانه، ولسانهم ينطق بالشكر والثناء على علماء ومشايخ وتجار وأهالي بلدة النجف الأشرف لِمَا وجدوه فيهم من طيب الأخلاق، وقد خصّوا بشكرهم حضرة الحاج محسن شلاش الذي أظهر همّة عظيمة في ترتيب هذه الحفلة)(1) .
وقد حضر الاحتفال:
- قسم العلماء:
الفاضل الشيخ الحاج محمود أغا الهندي النجفي.
الفاضل الشيخ جواد الجواهري.
____________________
(1) جريدة العرب، العدد السادس من المجلد الثالث، في 9 حزيران 1918.
الفاضل الشيخ ميرزا مهدي الخراساني.
الفاضل الشيخ جعفر البديري.
الفاضل الشيخ مهدي المازندراني.
الفاضل الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء.
الفاضل السيد أبو الحسن الأصفهاني.
الفاضل الشيخ موسى تقي زايردهام.
الفاضل الشيخ عبد الكريم الجزائري.
الفاضل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء.
الفاضل السيد عبد الرزاق الحلو.
الفاضل السيد محسن القزويني.
الفاضل السيد عبد الكريم الزنجاني.
الفاضل السيد ضياء الدين العراقي.
الفاضل السيد حسن آل صاحب الجواهر.
الفاضل السيد مهدي أسد الله.
الفاضل السيد جعفر بحر العلوم.
الفاضل السيد مهدي الكشميري.
الفاضل السيد حسن آغا آل شربياني.
الفاضل السيد محمد ابن الشيخ محمد علي الرشتي.
الفاضل السيد علي المانع.
الفاضل السيد أحمد البهبهاني.
وغيرهم من العلماء والأفاضل الذين لا يسع المقام لبيان أسمائهم.
- قسم الأشراف وخدام الروضة الحيدرية:
السيد هادي أفندي نقيب الأشراف.
السيد عباس أفندي كليدار الروضة الحيدرية.
السيد هاشم كمونة والسيد ناصر كمونة.
الحاج محمد علي شمسة.
الحاج محسن شمسة.
الحاج عبد الرزاق چلبي شمسة.
الحاج مهدي چلبي شمسة.
الحاج الشيخ عبد الغني چلبي شمسة.
السيد علوان الخرسان.
السيد داود نائب خازن الروضة الحيدرية.
الشيخ عباس رئيس خدمة الروضة الحيدرية.
وجميع خدام الحضرة الشريفة، وغيرهم ممن لا يسع المقام لبيان أسمائهم.
ونائب حكومة إيران المقيم بالنجف الأشرف.
-قسم المشايخ من النجف والشامية والهندية والكوفة:
السيد مهدي السيد سلمان.
الحاج عبد الله الحاج حمادي.
السيد علي جريو.
الحاج حسون شربة.
وغيرهم من رؤساء النجف.
- الهندية والكوفة:
الشيخ علوان الحاج سعدون رئيس جمع بني حسن.
الشيخ لفته الشمخي رئيس الجراح.
الشيخ خادم الغازي.
وغيرهم ورئيس عشائر هور الدخن.
- الشامية:
السيد محسن أبو طبيخ.
سلمان العبطان رئيس الخزاعل.
عبادي آل حسين وإخوانه رئيس آل فتلة.
وداي آل عطية رئيس آل علي.
وغيرهم.
إن هذه الأقوال وما سبق أن نشرناه في تاريخ 25 مايس هو أهم ما قيل عن تاريخ تنفيذ حكم الإعدام والحفلة المقامة في عصر يوم التنفيذ.
أما الحفلة، فإنها إن كانت واقعة فعلاً، فلا بد وأنها كانت من السرية بحيث لم يشعر بها أحد. ومعلوم أن المنتصرين في كل زمان يجدون من يمالئونهم ويحرقون لهم البخور طمعاً أو خوفاً.
وأما تاريخ تنفيذ حكم الإعدام فقد اختلف فيه. لكل من ولسن وموبرلي يقول إنه نفّذ في صباح الخامس والعشرين من مايس. ثم يتفقان في أن حفلاً تكريمياً جرى في عصر ذلك اليوم في دار الكليتدار. أم المس بيل في فصولها فإنها تقول بأنه نفّذ في 30 مايس. والظاهر أنه هو الصحيح؛ وإن يوم 25 مايس هو يوم صدور الحكم. ومعلوم أن الحكم نُفِّذ بعد صدوره بأيام لحصول التردد في التنفيذ بسبب الوساطات والمراجعات والتأثيرات التي رافقت صدور الحكم. كما أن جريدة العرب البغدادية، عندما تصف الحفل المذكور، تقول إنه أقيم في عصر يوم 30 مايس. وكذلك المرحوم الشبيبي فإنه يعيّن تاريخ الإعدام في يوم الخميس 19 شعبان / 30 مايس. وكذلك الشيخ جعفر محبوبة في كتابه (ماضي النجف وحاضرها) يقول إنه نُفِّذ في العشرين من شعبان 1336هـ، وهذا يوافق 30 أو 31 مايس 1918 حسب اختلاف الشهور القمرية.
(وبعد عشرة أيام، قام القائد العام بزيارة رسمية للبلدة، فذبحت له الذبائح عند دخوله من بابها بصورة لم يسبق لها مثيل منذ زيارة ناصر الدين شاه ملك إيران. ثم جرت حفلة استقبال في بيت الكليتدار حضرها العلماء والوجهاء والشيوخ. وفي الخطاب الذي ألقاه بهذه المناسبة، أوعز القائد العام للحاكم السياسي بتأسيس بلدية تتولّى شئون البلدة، ووعد بأن قضية تحسين ماء الشرب سوف تلقى التفافاً عاجلاً)(1) .
أم المنفيون فهم جميع من وردت أسماؤهم في القائمة التي قدّمها الإنكليز غداة احتلالهم التل كما أسلفنا، عدا بعضهم ممّن لم يستطيعوا إلقاء القبض عليهم، أو أنهم أفتلوا من السجن، لذلك كان عدد المنفيين حوالي التسعين، بمن فيهم التسعة المحكومون بمدد مختلفة، ومنهم: الحاج عطية أبو كلل، والحاج سعد الحاج راضي،
____________________
(1) ثورة النجف للحسني.
والسيد إبراهيم السيد باقر.
وقد نفي هؤلاء التسعة إلى (پونة في الهند) لقضاء محكوميتهم هناك.
وقد جاء في أقوال راضي الحاج سعد أن والده أطلق سراحه بعد مرور سبع سنين، من أحد مستشفيات بومبي. أما المنفيون عندما وصلت الوجبة الثانية إلى بغداد - وعدد افرداها حوالي الستة عشر - سفّروا حالاً إلى البصرة حيث ألبسوا هناك لباس الأسرى الأتراك لئّلا يعرفهم الهنود، وسفروا إلى (سمر پور) في الهند. ولما انتهت الحرب العامة أعيدوا للنجف بعد تقديم كفالات حفظ السلام في البصرة(1) . وبسبب هذه الكفالات تأخر إطلاق سراح كثير منهم، لعدم توفر الكفلاء. وقد اضطرت السلطة أخيراً إلى إطلاق الباقين بدون كفالة.
وكان من بين المقرّر نفيهم إلى (پونة) في الهند أيضاً بعد إبدال حكم الإعدام: السيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ محمد جواد الجزائري، وقد أرسلا إلى بغداد تمهيداً لتسفيرهما إلى الهند. ولكن تدخّل كل من الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي، والشيخ خزعل أمير عربستان، أوقف هذا النفي، فأبدل بإقامتهما الجبرية في المحمرة من عربستان، تحت رقابة أميرها الشيخ خزعل المذكور. وقد أطلق سراحهما بعد حين(2) .
____________________
(1) يذكره السيد محمد علي كمال الدين في الثورة العراقية الكبرى (ص53): (أن غيداناً هذا كفل أسرى النجفيين الذين نفوا في ثورة النجف بماله وملكه وحلاله بعد إصدار العفو العام ورجوعهم إلى العراق).
(2) ثورة النجف للأسدي.
وحول هذا الموضوع ذكر السيد الحسني في ثورة النجف (ص122 - 124) ما نصه:
(إنقاذ زعيمين من النفي)
كانت بين الشيخ خزعل خان، أمير المحمرة وشيخها العربي المعروف، وبين الشيخ عبد الكريم الجزائري، العلامة النجفي المشهور، صلات ودّ واحترام متبادلين، وكان الجزائري يستغل هذه الصلات في حل كثير من الأزمات العامة والخاصة. ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى في أواسط عام 1914م، كتب العلامة الجزائري إلى الأمير العربي، أن يساعد العثمانيين المسلمين في قتالهم الإنكليز المشركين، وكان لدى الشيخ خزعل موانع تحول دون الإصغاء إلى هذه الواجب الديني، فقطع الجزائري علاقاته مع الشيخ المذكور. فلمّا قامت (ثورة النجف) ضد الإنكليز في آذار عام 1918م، وثبت اشتراك الشيخ محمد جواد الجزائري، شقيق الشيخ عبد الكريم الجزائري، في هذه الثورة؛ استغل الشيخ خزعل مقامه الحسن عند الإنكليز فبذل أقصى جهوه للحيلولة دون إعدامه، ودون إعدام زميله السيد محمد علي بحر العلوم، صهر غلام رضا خان، أمير بشت كوه، وصديق الشيخ خزعل، =
نتائج الثورة
من خلال استقراء ومتابعة مجريات ويوميات الثورة النجفية التي ابتدأت بمقتل الكابتن مارشال، حاكم النجف البريطاني، وانتهت بإعدام أحد عشر نجفياً، ونفي ما يزيد على المئة والعشرين منهم.
نستخلص ما يلي:
1 - مدينة النجف، المركز الإٍسلامي الكبير، قلعة العروبة الصامدة، عرفت بالتطلّع إلى الحرية، والنزوع إلى الاستقلال على مدى العصور، فلم تطأطئ رأسها للغزاة، ولم تستكن للمحتلين، فتهبّ للجهاد هبّة رجل واحد، كلما دهتها دواهيهم، وخيّمت على سمائها شرورهم، على الرغم من كونها مهبط العلم، ومدينة العلماء.
2 - المجتمع النجفي يتميّز بوجود نوعين من الزعامة فيه:
الأولى: المرجعية الدينية، وما يلحق بها من طبقة الملاّئية، وطلبة الحوزة العلمية، وغيرهم.
الثانية: الزعامة المحلّية (المشاهدة)، وما يلحق بها من فرقتي الشمرت والزگرت، والمتحالفين معهم وغيرهم.
وهي تمثّل فئة اجتماعية لها شأنها في الحياة العامة للمدينة، وما يرتبط بها من أوضاع سياسية واجتماعية. وليست هذه الزعامة صفة دينية، إنما هي سلطة محلية تقوم
____________________
= وصنوه في حكم إمارة من إمارات إيران المستقلة آنئذ؛ ولم يكن في وسع الإنكليز رد التماس الشيخ خزعل، فقرّروا الاكتفاء بنفي الشيخ الجزائري والسيد بحر العلوم إلى الهند؛ إلاّ أن الشيخ خزعل لم يكتف بهذا الفوز المبين - لاستعادة علاقاته القديمة مع العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري - فانتهز مرور المبعدين النجفيين إلى الهند بمقر إمارته (المحمرة)، فتوسط لدى الإنكليز مرة أخرى، وطلب قصر نفي المومأ إليهما إلى إمارته، بعد أن تعهّد لهم بأنه لن يسمح بعودتهما إلى النجف ما لم توافق الحكومة البريطانية على هذه العودة. وهكذا نزل الزعيمان الجليلان: الشيخ محمد جواد الجزائري والسيد محمد علي بحر العلوم بضيافة الشيخ خزعل، ولبثا في المحمرة سنة أو بعض السنة، حتى إذا قرّرت الحكومة البريطانية السماح للمبعدين النجفيين بالعودة إلى النجف، بعد أن وضعت الحرب العامة أوزارها، عاد الزعيمان أيضاً إلى النجف الأشرف.
على أساس القوة والأعوان والاعتبارات الشعبية(1) .
وقد اعتاد الناس في النجف احترام كلا هذين النوعين من الزعامة، بالرغم من أن توجهات هؤلاء الزعماء تختلف عن توجهات علماء الدين، بحكم الفارق الاجتماعي والثقافي بينهما، إلاّ أنهم كانوا في المواقف الحسّاسة لا يخرجون عن إرادتهم(2) .
ولكل من الفريقين رأيه، فحركة الجهاد عام 1914 قامت بدعوة رجال الدين، وتحت زعامتهم وما يمليه عليهم الواجب الديني، فنصرة الأتراك على الإنكليز تخضع لاعتبار أن هؤلاء كفّار تجب محاربتهم، وأولئك مسلمون تجب نصرتهم، وقد ظلّ زعماء الدين على مبدئهم هذا لم يتغيّروا فيه حتى قيام ثورة العشرين التي أيّدوها وقادوها باعتبارها امتداداً لحركة الجهاد.
أمّا ثورة النجف 1918، فهي تختلف اختلافاً تاماً عن حركة الجهاد، فالمشاهدة يعيشون في عالم آخر غير عالم الملاّئية، وإن كانوا يعلنون ولاءهم، ولا يخالفون رأياً لهم، ولكن ما اعتادوا عليه من قيم البداوة، جعلهم لا يفهمون سوى المظاهر الشكلية والإعلامية. وأما حياتهم العملية، فهم يسيرون وفق ما تملي عليهم العصبية والنخوة والثأر والنهب، وسفك الدماء وفرض الأتاوة، والإسراف في الضيافة، وغيرهما.
وكل ما يطمحون إليه هو نظام حكم يجاريهم في عاداتهم هذه، ولا يتدخّل في شئونهم ومصالحهم، وهم لا يبالون إذ ذاك أن يكون الحاكم مسلماً أو كافراً، نجفياً أو غير نجفي، سنياً كان أو شيعياً. ولهذا كانوا راضين عن الحكم التركي قبل الحرب، فلم يثوروا عليه؛ لأنه تركهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ولم يتدخل في شئونهم إلاّ قليلاً. ولم يكد الحكم التركي يتدخل في شئونهم خلال الحرب حتى ثاروا عليه، وأعلنوا العصيان. وكذلك فعلوا مع الحكم الإنكليزي؛ إذ هم لم يثوروا عليه إلاّ بعد أن تدخل في شئونهم(3) .
3 - يتميّز المجتمع النجفي بثقته العالية بنفسه، كمجتمع عشائري محلي. مما دعته - هذه الثقة - إلى عدم الاكتراث بمشورة المرجعية الدينية في النجف، باعتبار أن
____________________
(1) دور علماء الشيعة: ص122.
(2) ن. م.
(3) انظر: لمحات اجتماعية / ج4 / ق2 / ص268 - 269.
مقاومة المحتل أمر وطني مشروع، وأنهم سوف ينتصرون لا محالة. وبما أن النجف مركز ديني لهم، يضم رفاة شخصية عظيمة مقدسة، فلا بدّ - والحالة هنا - أن تتعاطف معهم القبائل والعشائر، والمجتمعات الأخرى.
وبما أن الثورة على الوجود الانكليزي في النجف قد خطّط لها من قبلجمعية النهضة الإسلامية ، والتي تضم مجموعة مشتركة من رجال الدين الشباب وزعماء العشائر والطبقات النجفية، إلاّ أن التنظيم المسلّح الذي نشأ على هامش الجمعية، وإصابته بشيء من التغرير - الذي تجاوز الثقة بالنفس - واستغلال النزعة الإسلامية، والخداع، والتلويح من قبل الأتراك - كما نجد ذلك فيما حمل الحاج نجم وعقيدته الراسخة بورود المساعدة - فإن الأتراك عندما وصلهم رسول جمعية النهضة الإسلامية، وعلموا بأن النجف تعدّ لثورة ضد الإنكليز، قرّروا أن يستعجلوا النجفيين ويقدموا ساعة الصفر لهذه الثورة، ليضربوا مؤخرة الجيش البريطاني الذي يطاردهم في شمال العراق، فاتفقوا مع عباس الحاج نجم؛ ليراسل أباه بذلك ويخبره بأن الأتراك سيرسلون لهم النجدات الكافية من الأسلحة والمحاربين. ولم يكتفوا بذلك بل حدّدوا اليوم الذي ستصل فيه النجدات إليهم، والذي يجب أن يثوروا فيه. وفعلاً تمكن عباس من إقناع أبيه، فقرّر ساعة الصفر في ذلك اليوم. وربما اتفقوا معه على ذلك، ليضرب الإنكليز النجف، فيثور الفرات، فيضرب الإنكليز من الخلف، وأينما أصابت فتح.
4 - اندساس عناصر من المنتفعين وأصحاب المصالح، الذي ينتظرون منذ زمن قيام هذه وأمثالها من أعمال العنف، التي تؤدي إلى الانفلات الأمني الذي يلبّي طموحاتهم في السطو والسرقة والثأر وغيرها.
5 - تهميش دور المرجعية الدينية المتمثّلة بالسيد محمد كاظم اليزدي الذي حاول منع حدوث الصدام المسلّح مع الإنكليز، باعتبار أن الأجواء لا تساعد على ثورة عاجلة، كما كان يرى ذلك أغلب علماء الدين، مع كون علاقته مع الأتراك غير جيدة، ويؤيد ذلك دعمه للاتجاه الاستقلالي لإدارة النجف خلال الفترة 1915 - 1917، إضافة إلى أنه كان يدعم مَن يطالب بالاستقلال التام
الناجز(1) . وقد التزم موقف الصمت والعزلة، فأبدت سلطات الاحتلال ميلاً لتوظيف هذا الموقف لصالحها عبر الزيارة المفاجئة التي قام بها الحاكم الملكي العام السير برسي كوكس إلى مقر إقامته في الكوفة.
وبعد مقتل الكابتن مارشال، وتجوّل بلفور في مدينة النجف، وقيام أبناء سعد راضي بقتل الشرطيين المسلحين وأخذ سلاحهما، وتوبيخ بلفور لأبيهما سعد، ومحاولة اغتيال بلفور من قبل أولاد سعد، ثم إلقائهم القبض على من وجدوه من أفراد الشرطة، وتجريدهم من السلاح، واحتجاز بعضهم وهجومهم على مقر الحكومة القديم، والاستيلاء على أثاثه، وإشعال النار فيه(2) ، وما لحق ذلك من تحدٍ جريء للسلطة البريطانية التي وضعت رؤساء النجف (المشاهدة) في دائرة الاتهام، وأنهم إزاء ثورة عامة في النجف.
أدرك سعد الحاج راضي أنه في مأزق حقيقي لا خلاص منه، وأن أولاده أصبحوا عرضة للإعدام على يد الإنكليز. حاول السيد اليزدي تدارك الموقف قبل أن تتطوّر الأحداث بصورة أكثر خطورة، وأرسل في طلب زعماء النجف مرّات متعددة، ودارت محاولات ومناقشات لم تسفر عن نتائج ملموسة.
أصبح القرار بيد زعماء النجف، ومعهم المئات من المسلحين، وتعامل هؤلاء على أنهم أصحاب الموقف الأخير، خصوصاً بعد أن أحكموا سيطرتهم المطلقة على النجف، واستجابة الطبقات الشعبية لهم في تعزيز ثقتهم بأنفسهم في المضي بالثورة المسلّحة.
الحكمة والرؤية التي تراها المرجعية الدينية المتمثلة بالسيد اليزدي على خلاف ذلك، فهي ترى أن المواجهة في هذه الظروف على النحو الذي حصل لا يحقق الأهداف المطلوبة، وأن الحالة فرضتها حوادث متسارعة طارئة.
ومع هذا فقد حاول السيد اليزدي استيعاب الموقف، والعمل على تهدئة الأوضاع
____________________
(1) انظر: دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث: 59.
(2) انظر: لمحات اجتماعية، ج5/ ق2/ ص221.
من أجل تجنّب التصادم المسلّح مع الإنكليز؛ لعدم تكافؤ المواجهة في وقت لم يحن موعده.
بعد مداولات بين السيد اليزديوزعماء النجف، توصّل فيها إلى استعدادهم لإنهاء الثورة فيما لو وافق الإنكليز على إصدار عفو عام. وقد بذل السيد اليزدي جهوده المتواصلة المعلنة وغير المعلنة من خلال مبعوثيه ورسائله، بينه وبين بقية العلماء، وبين السلطات المحتلة، دون التوصل إلى نتائج، مما جعل الموقف متأزماً بين الطرفين.
- حاول السيد اليزدي، بعد أن وصل الثوار إلى نهاية صعبة، بذل جهد جديد لإنقاذهم، لكن السيد مهدي السيد سلمان زعيم محلة الحويش أحبط مشروعه، وراح يتفق مع الإنكليز على حسم عسكري ينهي الثورة، وبالفعل نجح في نشاطه وشكره الإنكليز على موقفه.
- طلب الإنكليز من السيد اليزدي مغادرة النجف تمهيداً لقصفها قصفاً وحشياً شرساً، وأرسلوا إليه أن يخرج هو وعائلته من النجف لئلا يصيبه ما يصيب أهالي النجف، فرفض ذلك رفضاً قاطعاً بقوله: إن أهالي النجف كلهم عائلتي، فلو رمت الخروج بهم لخرجت بجميع أهالي النجف، لأنه أراد حماية الثوار والمدينة من الانتقام البريطاني.
ولم يقف عند هذا الحدّ، بل حاول السيد اليزدي إنهاء الحصار بعد اقتحام الإنكليز المدينة، لكن الإنكليز رفضوا طلبه، كما رفضوا وساطاته الأخرى لإنقاذ المحكومين بالإعدام، ولم يستجيبوا له إلاّ في تخفيف حكم الإعدام عن السيد محمد علي بحر العلوم، والميرزا أحمد الخراساني(1) .
ومن خلال مسلسل الأحداث يتضح أن الإنكليز كانوا مصممين على الانتقام من الثوار، وأن أي محاولة في هذا الخصوص كانت مرفوضة، وفي إحباط مشروع السيد اليزدي الأخير دلالة على ذلك(2) .
____________________
(1) انظر: مذكرات الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء - في الملحق رقم (1). دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار: ص181 - 183.
(2) ستيفن لونكريك، في كتابه العراق الحديث (1/162) قائلاً: (كان الإنكليز قد اتخذوا قرارهم بقمع ثورة النجف عسكرياً، حيث اعتبرت القيادة البريطانية أن إبداء أي ضعف ظاهر إزاء ذلك من شأنه أن يؤدي =
كان السيد اليزدي الوحيد بين مراجع الدين وعلماء الشيعة الكبار الذي واكب الحوادث طوال فترة الثورة مواكبة فعلية، من خلال سعيه المتواصل لاستحصال العفو التام عن الثوار، وإنهاء الحصار المضروب على النجف الأشرف.
هذه أهم مواقف السيد اليزدي خلال الحوادث التي شهدتها مدينة النجف في مواجهتها الثورية مع الإنكليز بعد مقتل حاكمها الكابتن مارشال، ولم يتخذ السيد اليزدي قراراً معارضاً لقرار الثوار، بل إن الخطوات التي اتخذها كانت بالاتفاق مع زعماء الثورة وبقية علماء الدين في النجف الأشرف طوال أيام الثورة.
على الرغم من هذه المحاولات، فلم يسلم السيد اليزدي، بل ساءت سمعته كثيراً، وانتشرت حوله الإشاعات القبيحة، ولا سيّما بين أقارب المشنوقين والمنفيين، وكانت من جملة الإشاعات أن السيد كاظم اليزدي ليس سيّداً، ولا يزدياً، وإنما هو إنكليزي لبس العمامة السوداء للتنكر(1) وغيرها.
كانت السلطة المحتلة مصممة على الانتقام من الثوّار، وأن أي محاولة في هذا الخصوص كانت مرفوضة، وقد تمّ القضاء على هذه الثورة المسلّحة.
أما الإنكليز، فقد فرحوا فرحاً لا مزيد عليه بالنجاح الذي حققّوه في القضاء على ثورة النجف وهي في مهدها، وقد رفّع بلفور لهذا السبب رتبتين مرّة واحدة، حيث رفّع من رتبة كابتن (نقيب) إلى رتبة لفتنت كولونيل (مقدم)، ثم منع إجازة طويلة قضاها في لندن، وعندما عاد إلى العراق في أواخر عام 1918، عيّن في بغداد بمنصب الحاكم العسكري والحاكم السياسي معاً، وقد باشر وظيفته في 17 كانون الأول 1918، وكان له دوره في أحداث رمضان التي جرت في عام 1920(2) .
يعتقد الإنكليز أن لثورة النجف نتجتين مهمتين: أحدهما سياسية، والأخرى اجتماعية، فإن العقاب الشديد الذي حلّ بالثوّار جعل النجفيين يخشون التحرّش بالحكومة بعد ذلك. وقد ظهر أثر ذلك واضحاً عند إجراء الاستفتاء في النجف في أواخر عام 1918. فإن النجفيين كانوا أقل معارضة في الاستفتاء من زملائهم في كربلاء
____________________
= إلى نتائج أشد سوءاً).
(1) لمحات ج5 ق2 ص267.
(2) لمحات اجتماعية، ج5 ق2/265، انظر: ن. م، ق1 / الفصل 12.
والكاظمية وبغداد، وغيرها.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن العقاب الشديد كسر عزائم (المشاهدة)، الذين كانوا قبل هذا دائبين على القيام بالمعارك المحلية، ويفاخرون بالرجولة، وقهر الأعداء، وحين قاموا بالثورة كانوا يظنّون إنها ستنتهي على منوال ما انتهت إليه حركة العصيان التي قاموا بها ضد الأتراك قبل سنتين، ولكنهم أدركوا أخيراً أن الوضع قد تغيّر، وأن الإنكليز غير الأتراك.
وهذا ما يشير إليه ويلسن في مذكراته، معلّقاً على تنفيذ حكم الإعدام بالأحد عشر رجلاً من النجفيين:
(إن تنفيذ حكم الإعدام كان له تأثير عميق في أنحاء العراق، وخاصة بين العشائر، وقد وصلتني من تعبيرات الامتنان والارتياح لما حصل أكثر مما وصلني قبلئذٍ من طلبات الرأفة. وكان التأثير في النجف بوجه عام طيباً؛ لأن قوة الجماعتين المتنافستين في البلدة - الزگرت والشمرت - قد انكسرت، ولن تبقى النجف بعد هذا مصدراً للقلق الجدّي لدى حكومة البلاد...)(1) .
وكيفما كانت الأسباب والنتائج، ومهما كانت الأهداف والأغراض، فهي لم تخلو من أنها أفهمت المواطن بقساوة الإنكليز وسطوتهم، ومقاومة الثائرين، وأصبحت هذه الحالة المتوترة سبباً غير مباشر في التهيّؤ لمقاومة الإنكليز. والتربص للفرص التي تساعد على مواجهتهم وعدم إهمال دور المرجعية الدينية، والاستفادة من آراء أكبر عدد من زعماء القبائل وأصحاب الرأي فيهم والرؤساء المحليين.
فكانت بذلك الشرارة الأولى لقيام الثورة العراقية الكبرى عام 1920.
مقدمات الثورة العراقية 1919
وموقف السيد اليزدي من المقاومة المسلّحة
بعد انتهاء ثورة النجف التي أسفرت عن مقتل حاكمها السياسي الكابتن مارشال، وقيام السلطة بإعدام 11 نجفياً، ونفي 122 آخرين إلى (سمرپور) شمالي الهند. والمجتمع النجفي في ضجيج من الأحاديث التي تدور حول إعدام وتسفير إخوانهم وأبنائهم، كان مردودها أن انتشرت النقمة في جميع أنحاء العراق، وسبّبت كره العراقيين عامة والنجفيين خاصة للحكومة المحتلة، وظلت الناس تتحدّث بفداحة الظلم، وتعج بالشكوى من الطغيان والحيف الذي لحق بها.
وبينا هم كذلك إذ نشرت جريدة العرب بعددها الصادر يوم 16 تشرينت الثاني 1918م، نصّ بلاغ الحلفاء الّذي أعلن في باريس ونيويورك ولندن والقاهرة في 8 تشرين الثاني، ونصّه:
(إن الغاية التي ترمي إليها كلّ من فرنسا وبريطانيا العظمى من خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع ألمانيا هو تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء الأتراك تحريراً تامّاً نهائياً، وتأسيس حكومات وإدارات وطنيّة تستمدّ سلطتها من رغبة نفس السكّان الوطنيّين ومحض اختيارهم. ولتنفيذ هذه الغايات اتفقت كلّ من فرنسا وبريطانيا العظمى على تشجيع ومساعدة إنشاء حكومات وإدارات وطنيّة في كلّ من سوريا، وقد حررها الحلفاء فعلاً، وفي الأقطار التي يسعى الحلفاء في تحريرها، والاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها تأسيساً فعليّاً. وإن فرنسا وبريطانيا العظمى لا ترغبان في وضع نظامات خاصة لحكومات هذه الأقطار، بل لا همّ لهما إلاّ أن تضمنا بمساعدتها ومعونتها الفعلية سير أمور هذه الحكومات والإدارات التي يختارها السكّان الوطنيون سيراً معتدلاً، وأن تضمنا سير العدل الشامل الخالي من شوائب المحاباة، وأن تساعدا على تعميم التعليم والتهذيب، وأن تضعا حدّاً للتفريق الّذي طالما توخاه الأتراك في سياستهم، هذه هي الخطّة التي ستسير عليها الحكومتان
المتحالفتان في الأقطار المحررة)(1) .
وبعد قراءة هذا البلاغ من قبل مجموعة من الشباب المتحمسين للوطنية في النجف، وهم: السيّد سعيد كمال الدين، والسيّد أحمد الصافي النجفي، والسيّد حسين كمال الدين، والسيّد سعد صالح جريو، والسيّد محمّد علي كمال الدين، تذاكروا في وادي النجف قرب السكّة الحديدية. واتفقت آراؤهم على ضرورة العمل للحيلولة دون نجاح الاستفتاء الّذي لا بدّ وأن يقع في العراق عاجلاً أو آجلاً، وأنه يجب أن يكون الاختيار لحكومة عراقيّة ملكيّة نيابيّة ديمقراطيّة ملكها أحد أنجال الشريف حسين، وأنه الرجل الوحيد الّذي يستطيع أن يشكّل حكومة في هذه البلاد(2) .
فقاموا ببثّ الدعوة بين صفوف المثقفين وحملة الفكرة العربية، رغم قلّتهم، فاستمالوا الشيخ محمّد رضا الشبيبي بواسطة السيّد سعيد كمال الدين، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والسيّد محمّد رضا الصافي بواسطية السيّد أحمد الصافي.
وبهذا اتسعت الحلقة فكانت في أربعة أسر كبيرة ذات نفوذ أدبي، ولها مجالسها العامرة التي يمكن من خلالها نشر الدعوة وبثّها: آل كمال الدين، وآل الصافي، وآل الجزائري، وآل الشبيبي(3) .
حزب الثورة العراقية ومكتبها:
كانت في إحدى أواوين الصحن الحيدري في النجف مكتبة متواضعة لبيع الكتب وتجليدها، وترد إليها الصحف والمجلات السوريّة والمصريّة لغرض بيعها ونشرها، تعود هذه المكتبة للشيخ عبد الحميد زاهد (4)، فكانت أشبه بمكتب تختلف إليه الطبقة
____________________
(1) لودر، القول الحق في تاريخ سوريا وفلسطين والعراق: ص25 - 26.
(2) مذكرات السيد سعيد كمال الدين: ص11، مذكرات السيّد حسين كمال الدين: ص11، مذكرات السيّد سعيد صالح جريو: ص11.
(3) مذكرات السيّد سعيد كمال الدين: ص11 - 12.
(4) هو عبد الحميد بن عليّ بن محمّد حسين بن عيسى بن حسين آل زاهد الكتب، من الزواهد، إحدى عشائر مياح بن ربيعة، التي تقطن بمنطقة الغراف في جنوب العراق، ولد في النجف عام 1895م / 1314هـ. اشتغل ببيع الكتب فاتخذ غرفة في أحد أواوين الصحن الحيدري العلوي الشريف لتكون مكتبة متواضعة لبيع الكتب. ذكرنا ذلك مفصلاً أعلاه. وفي عام 1923م انتقل إلى بغداد وأنشأ (المكتبة الوطنية) وفتح لها فرعاً في القاهرة عام 1933م. توفي في بغداد بتاريخ 23/11/1970م. وورد ذكره ومشاركته في بعض المصادر والمذكرات التي =
المتجدّدة من شعراء وأدباء وكتّاب، فتدور بينهم الأحاديث الأدبية والمساجلات وأخبار الكتب، ثم هموم الأمة وغيرها، فهي بمثابة ندوة أدبيّة مستمرة، ومركز للقاء الطبقات المثقفة، إضافة إلى اتخاذها كمركز ارتباط للحزب النجفي السرّي الّذي شكّل فيما بعد.
أما الحزب النجفي (حزب الثورة العراقية)، فكان مقرّه في غرفة السيّد محمّد عليّ كمال الدين بمدرسة الملاّ كاظم الآخوند في محلّة الحويش، وهي غرفة تحتوي على ساحة في زاوية غير منظورة، وقد أسموها بـغرفة السيّاسة ؛ لما يجري فيها من عمل جميع المقررات، والوثائق، والمراسلات، والأعمال، والنشرات السريّة.
وكان هذا الحزب مصدر جميع الأعمال قبل الثورة، من تهيئة الأجواء النفسيّة، وإفهام السّواد النجفي في حرية اختيار الشعوب المنسلخة من الدولة العثمانية لاختيار نوع الحكم، والحكومة التي ترغب فيها، والدعاية المضادّة لسلطة الاحتلال ومعظم الحركات الوطنية.
ومن بين المنتمين له بعض أفراد الثورة النجفية ضدّ الاحتلال في 19 آذار / 1918م / 6 جمادى الثاني 1336هـ. ويضمّ هذا الحزب ست طبقات:
الطبقة الأولى: وهي المفكّرة والمتجدّدة، والتي سيّرت جميع الطبقات منذ الفكرة الأولى:
1 - الشيخ عبد الكريم الجزائري.
2 - الشيخ محمّد رضا الشبيبي.
3 - السيّد محمّد سعيد كمال الدين.
4 - السيّد محمّد رضا الصافي.
5 - الشيخ محمّد باقر الشبيبي.
6 - السيّد حسين كمال الدين.
7 - الشيخ محمّد جواد الجزائري.
____________________
= تعرّضت لدراسة وتاريخ تلك المرحلة. له: مذكرات عن الثورة العراقية، قدَّمها وعلَّق عليها كامل سلمان الجبوري، طبعت ببغداد 1408 هـ / 1987م.
8 - الشيخ عليّ الشرقي.
9 - السيّد سعد صالح.
10 - السيّد أحمد الصافي.
11 - السيّد محمّد عليّ كمال الدين.
الطبقة الثانية: وهي الروحية العليا، التي تولّت معظم الأعمال منذ بداية ثورة العشرين حتّى انتهائها:
1 - الشيخ عبد الكريم الجزائري.
2 - الشيخ جواد الجواهري.
3 - الشيخ عبد الرضا الشيخ راضي.
4 - الشيخ مهدي الملاّ كاظم الخراساني.
أما الشيخ عبد الكريم الجزائري، فهو أهمّ عضو في الطبقتين الأولى والثانية، أو هو همزة الوصل بين جميع الطبقات، بل كان في أيام الثورة محور الحركة، ومجرى التفكير للثورة والثوّار والعلماء، والمجتهدين والمثقفين، يسانده في جهوده الشيخ جواد الجواهري وزعماء القبائل مع أفراد الطبقة الأولى المثقفة.
الطبقة الثالثة:
1 - الحاج محسن شلاش.
2 - الشيخ محمّد حسن الجواهري.
3 - عبد الأمير الشكري.
4 - محسن أبو عجينة.
5 - يوسف أبو عجينة.
6 - السيّد عليّ الحلّي.
7 - الشيخ عبد الغني الجواهري.
8 - الشيخ عبد الحسين مطر.
الطبقة الرابعة:
1 - عبد الحميد الزاهد.
2 - الشيخ باقر الجواهري.
3 - الحاج عبد النبيّ الشكري.
4 - الحاج حمود معلّه.
5 - عبد الحميد مرزة.
6 - الحاج عليّ كبّة.
7 - أمين شمسة.
8 - السيّد علوان الخرسان.
9 - الحاج سعيد مرزة.
10 - الحاج رءوف شلاش.
11 - السيّد جواد زيني.
الطبقة الخامسة:
1 - السيّد يحيى الحبوبي.
2 - السيّج ضياء الخرسان.
3 - مكّي الشكري.
4 - عبود مرزة.
5 - عبد الرزاق الحاج مسعود.
6 - السيد حسين الرفيعي.
7 - الشيخ محمّد عليّ قسّام.
8 - الشيخ حسين الصحّاف.
9 - الشيخ محمّد الشبيبي.
10 - الشيخ عبد عليّ الطرفي.
11 - الشيخ عبد الحسين الحلّي.
12 - الشيخ محمّد الوائلي.
13 - الشيخ حسن الشيخ مهدي.
14 - الشيخ محمّد حسن محبوبة.
15 - السيّد محمّد زوين.
16 - الشيخ جعفر قسّام.
17 - عبد الرسول شريف.
18 - السيّد عليّ هادي الحبوبي.
الطبقة السّادسة:
1 - الشيخ سعيد الخليلي.
2 - الملا عليّ الدلاّل.
3 - سلمان بن الملاّ علي الدلاّل.
4 - عليّ بن قاسم أفندي.
5 - السيّد صالح البغدادي.
6 - الشيخ حسين الحلّي.
7 - محمّد علي الصحاف.
8 - رءوف الجواهري.
9 - الشيخ محمّد عليّ الخليلي.
10 - نعمة الشيخ كاظم.
وهناك طبقة اشتغل بعض أفرادها مع الطبقة الأولى المتجددة، وكان لهم الأثر الفعّال في تشجيع الحزب العامل، لأنهمالطبقة المسلحة ، ونحن نذكر المفكّرين منهم:
1 - السيّد هادي زوين: وقد تبعه من نجفيي الحيرة المسلحين وغيرهم ما لا يقلّ: عن ألف مسلّح.
2 - محمّد أبو شبع.
3 - رسول تويج: وقد تبعهما ما لا يقلّ عن خمسمئة من نجفيي الكوفة وغيرها.
4 - السيّد كريم السيّد سلمان.
5 - السيّد كاظم السيّد سلمان.
6 - عبد الرزاق عدوة.
7 - تومان عدوة.
8 - حمود الحار.
9 - عبد الصاحب هويدي.
وقد تبع هؤلاء المذكورين ما لا يقلّ عن مئة وخمسين مسلّحاً باسم الجيش الوطني المحارب.
10 - الحاج محمّد الحاج عبدالله الهندي: وقد صَرف على الجيش الوطني ما لا يقلّ عن عشرين ألف روبِّية من خالص ماله(1) .
____________________
(1) مذكرات السيّد محمد عليّ كمال الدين: 25 - 127.
وقد ذكر الأستاذ حسن الأسدي في كتابه ثورة النجف (369 - 370): أن هناك مجموعات من المتنوّرين والمثقفين كانوا يعملون في القضايا العامة في النجف، في الفترة التي تلت ثورة النجف وسبقت ثورة العشرين، ولكلّ طبقة أتباع ومريدين من الأوساط التجارية والعامة. وقد قسّم هذه المجموعات إلى ثلاثة طبقات:
1 - الطبقة الروحية (شيوخ الأحرار) من أبرز رجالها:
الشيخ عبد الكريم الجزائري.
السيّد محمّد رضا الصافي.
الشيخ جواد الجواهري.
الشيخ حسن عليّ القطيفي... وغيرهم.
يتبعهم:
الحاج محسن شلاش.
الحاج عليّ كبّة.
محمّد الحاج سليمان مرزة.
السيّد نوري كمونة.
عبد الرسول شريف.
السيد علوان الخرسان.
حسون شربة.
عيسى الخلف.
حمود الحار... وغيرهم.
2 - طبقة الأحرار: وهي أنشط من الطبقة الأولى، ولكنها تسير في هدي توجيهاتها، وأبرز رجالها:
الشيخ محمّد رضا الشبيبي.
السيّد سعيد كمال الدين.
الشيخ عبد الغني الجواهري.
الشيخ محمّد باقر الشبيبي.
الشيخ محمّد رضا كاشف الغطاء.
الشيخ عبد الحسين الحلّي.
الشيخ جعفر حيدر.
السيّد حسين كمال الدين... وغيرهم.
____________________
= يتبعهم: الحاج أحمد ناجي.
محسن عجينة.
محمّد الحاج عبد مرزة.
يوسف عجينة.
عبد الحميد مرزة.
أمين شمسة.
رءوف شلاش... وغيرهم.
3 - شباب الأحرار: وهم مجموعة من شباب كانت تجنّد نفسها للعمل في تنفيذ جميع المخططات الوطنية التي تضعها طبقة الأحرار تحت إشراف شيوخها، ومن هؤلاء: سعد صالح.
أحمد الصافي.
محمّد عليّ كمال الدين.
يحيى الحبوبي.
الشيخ عليّ الكتبي.
الملاّ سلمان صندوق أمين.
السيّد إبراهيم البهبهاني.
السيّد ضياء الخرسان.
مكّي الشكري.
عبود الحاج فليح مرزة.
السيّد ضياء الحكيم.
السيّد حسين النقيب.
السيّد كاظم السيّد سلمان.
كردي أبوگلل.
إسماعيل الحافظ.
عبد الحميد زاهد.
محمود الغروي.
تومان عدوة.
السيّد حسين جريو.
عبد الرزاق عدوة.
عبد الرزاق مسعود.
السيّد جعفر الكيشوان.
الشيخ عبد المنعم العكّام... وغيرهم.
تتبعهم مجموعة من الناشئين المجدّدين الّذين لا يزال أكثرهم طلاباً في حلقات التدريس المسائية =
وكان للحزب وللمكتب معتمدون في معظم مدن العراق وعلى النحو الآتي:
ففي بغداد: الحاج جعفر أبو التمن، والسيّد محمّد الصدر، والوسيط إليهما في الغالب محمّد باقر الشبيبي، أو أخوه جعفر الشبيبي.
وفي الرميثة والسّماوة: الشيخ رحوم الظالمي.
وفي كربلاء: الشيخ أحمد الملاّ كاظم، ومحمّد حسن أبو المحاسن.
وفي الحلّة: الشيخ محمّد مهدي البصير، والسيّد محمّد الباقر، ومحمّد السيّد موسى كمال الدين.
وفي الدغّارة: السيّد كاظم عوزي.
وفي عفك والهاشمية والجزيرة: السيّد گاطع العوّادي.
وفي الغرّاف: الشيخ عليّ الشرقي. غير أنه لم يستطع من تنفيذ خطّة الحزب في إثارة الغرّاف إذا ما وقعت الثورة، الأمر الّذي أوجب سخط بعض أعضاء الحزب بدون مبرّر.
وفي الناصرية: الشيخ عبد الحسين مطر.
____________________
= الخاصّة التي كان أكثرها يعقد في البيوت، وهم من أهم أدوات تنفيذ المقرّرات، ومن هؤلاء:
يوسف رجيب.
حسن أحمد مرزة.
السيّد حسن هاشم زوين.
عليّ السّكافي.
صالح شمسة.
عبد الوهاب كمونة.
السيّد محسن النقيب.
عبد الغني الغروي.
محمّد الطريحي.
مهدي الطريحي.
مهدي البرمكي.
محمّد حسن القطيفي.
راضي الأعسم.
السيّد كاظم الحبوبي.
جعفر حسين موزة.
عبد الرحمن عدوة... وغيرهم.
وفي سوق الشيوخ: الشيخ محمّد حسن حيدر.
وفي البصرة: الشيخ عبد المهدي مظفر.
وفي الحيرة وأبي صخير: السيّد هادي زوين.
وفي الكفل وما جاورها: عبد الأمير الشكري.
وفي الكوفة: محمّد أبو شبع، ورسول تويج.
وبواسطة هؤلاء المعتمدين كانت صلات الحزب والمكتب دائمة مع معظم البلاد، وكان الحزب على علم بجميع ما يجري من الأوامر والحركات العسكرية والسيّاسية لحكّام الاحتلال ولجيشه الجرّار.
وكان هذا المكتب يقوم بتوزيع النشرات السريّة والصحف الواردة من دمشق وغيرها، التي يقرّر الحزب إذاعتها. على أن الحزب كان شديد الحذر والتكتّم في أعماله ومراسلاته أولاً، ويتّخذ أغرب الطرق لإخفائها، ومن هذا القبيل الوثائق والكتب المرسلة إلى الحجاز وسوريا، فقد أخفاها صاحب المكتبة نفسه بين طيّات جلد نسخة من القرآن الكريم، وأوفد بها الحزب محمّد رضا الشبيبي في سنة 1919م، تلك الوثائق المتضمنة مطاليب العراق في الاستقلال، والمندّدة لسياسة الاحتلال، وطلب فيها إلى الملك الحسين إيصالها إلى مؤتمر السّلام وإلى الحكومة الأمريكية، وعلى أساس هذه العرائض وغيرها أعلن استقلال العراق في دمشق بحضور الموفد النجفي الشيخ الشبيبي.
وقد قام المكتب بنشر العلم العربي الوارد إلى الحزب من سورية(1) بيد رسل من البدو، ولأول مرّة سمت صورة العلم السّوري على جدار في مركز الحزب، ودسّه المكتب إلى أحد الخياطين المنتمين للحزب فعمل له علماً ورفعه على سطح سوق الخياطين، ثم وزّع في جميع المدن والقرى والأرياف الفراتية.
وبعد أن وقعت واقعة الثورة وثارت رصاصة الرميثة، عظم شأن المكتب وتطوّر أمر الحزب، وأصبح علنيّاً باسم الحزب الوطني، فرفعوا العلم العربي في دار حكومة الثوّار
____________________
(1) يحتفظ المؤلّف بنسخة من صورة العلم العربي الوارد من قبل المؤتمر العراقي في دمشق مرسلة إلى السيّد محمّد السيّد حسن الصدر.
في النجف والكوفة والحيرة، وأُرسل علمٌ رُفِع في كربلاء باحتفال مهيب(1) ، ولأول مرّة حمل الجيش الوطني النجفي العلم العربي وسار إلى جبهة المسيب، ثم عمّ استعمال العلم لدى سائر جيوش الثوّار.
وقام المكتب خلال الثورة في نشر النشرات التي يطبعها الحزب، ويقوم بتنظيمها محمّد باقر الشبيبي، وتتضمن سير المعارك في مختلف ميادين الثورة، وقام بنشر جريدة الفرات التي أصدرها الحزب، وجعل رئيس تحريرها محمّد باقر الشبيبي (وقد صدر منها خمسة أعداد كان الأول في يوم السبت 21 ذي القعدة 1338هـ، والأخير في يوم الأربعاء 2 محرّم 1339هـ).
وكذلك قام الحزب بنشر جريدة الاستقلال النجفية بعد احتجاب جريدة الفرات (فقد صدرت بثمانية أعداد كان الأول منها يوم السبت 18 محرّم 1339هـ / 1 تشرين الأول 1920م، والأخير يوم الخميس 30 محرّم 1339هـ / 13 تشرين الأول 1920م) ولكن بدراهم شاب كان لاجئاً للثوّار، وقام بتحريرها اثنان محمّد عبد الحسين، ومحمّد عليّ كمال الدين، غير أن الأخير أغفل اسمه لاعتبارات عائلية.
ولم تخمد أعمال المكتب وحزبه إلاّ بعد خمود نيران الثورة وتفرّق أعضاء الحزب، قام هذا الحزب السرّي مع مكتبه ببثّ الدعوة للحركة الوطنية سيّما بعد أن انضم إليه زعماء قبائل الفرات الأوسط وساداته.
ففي أثناء ذلك صادف أن التقى السيّد محمّد رضا الصافي مع السيّد علوان الياسري في دار حكومة أبي صخير، وكان كلّ منهما يتردّد عليها لمراجعة شئون أملاكه، فألفى السيّد علوان غاضباً يكاد ينفجر من الغيظ، ولم يكن السبب غير أن السيّد علوان قد شهد بعينه كيف أهان حاكم أبي صخير العسكري (الكابتن لايل) رجلاً من الوجوه حين طرده من أمامه ذليلاً.
____________________
(1) رفع العلم في كربلاء على دار البلدية يوم الخميس 23 محرّم 1339هـ / 6 تشرين الأول 1920م، عند تنصيب السيّد محسن أبو طبيخ متصرفاً للواء كربلاء من قبل الثوّار.
يذكر السيّد عليّ البازرگان في الواقع الحقيقية (ص191): ذهبتُ إلى السّوق في النجف بعد تعيين السيّد محسن أبو طبيخ في منصبه واشتريت الأقمشة الحريرية اللاّزمة لعمل العلم العربي العراقي، وذهبت إلى أحد الخياطين وعلّمته كيفية صنع العلم ذي أربعة ألوان، وبعد أن انتهى من خياطته أخذته وسافرت إلى كربلاء وبصحبتي السيّد طه البدري لتهيئة أسباب الزينة والمتصرف الجديد.
السر أي. تي. ولسن
نائب الحاكم الملكي العام في العراق
فخرج السيّد علوان وهو أشدّ ما يكون انفعالاً، وقد أفاض للسيّد محمّد رضا بأسباب انفعاله، وأسمعه الشيء الكثير من كرهه للإنكليز وحكومتهم، فبادله السيّد محمّد رضا الرأي، وتحدّثا طويلاً، وتطرّقا في أحاديثهما إلى أن الخلاص من الإنكليز لا يتم إلاّ بالعمل، وأن الاهتداء إلى كيفية النهوض بالعمل لا يتم في هذا الموقف على قارعة الطريق.
وافترقا على أن يتم الاجتماع في النجف، وعلى أن يتذاكرا مليّاً مع الجماعة الآخرين لإيجاد المنفذ الّذي يلجأون منه للحرية، ويتخلّصون من هذا الكابوس الجاثم على صدورهم(1) .
وحين زار السيّد علوان الياسري النجف، قصد الشيخ عبد الكريم الجزائري بمعيّة السيّد محمّد رضا الصافي، ثم اتصل بالشيخ محمّد رضا الشبيبي، والشيخ محمّد باقر الشبيبي اتصالاً وثيقاً، وصار للسيّد كمال الدين، والسيّد حسين كمال الدين تماس قويّ بالسيّد علوان، وكان مع الشيخ عبد الرضا الشيخ راضي سابق اتصال وثيق على الاطمئنان من هذه الطبقات التي يلتقيها عند مجلسه أو في المجالس الأخرى المختلفة، فإذا بهذه الاتصالات تنمو وتسفر عن اتجاهات منتظمة، وكان الحجر الأساس في قيام الثورة بوجه الإنكليز.
ثم التحق بهم السيّد گاطع العوادي، وشعلان الجبر رئيس عشيرة آل إبراهيم بواسطة السيّد علوان، انضم إليهم رؤساء العشائر الآخرون(2) كالسيّد نور الياسري، والسيّد محسن أبو طبيخ، والشيخ عبد الوحد الحاج سكر(3) والشيخ علوان الحاج سعدون، والشيخ غثيث الحرجان، والشيخ شعلان أبوالچون(4) .
الاستفتاء:
وكان السير أرنولد ولسن نائب الحاكم الملكي العام في العراق قد بعث إلى الحكّام السياسيّين في الألوية والأقضية أن يجمعوا صغار النفوس وضعاف الإيمان والّذين
____________________
(1) على هامش الثورة العراقية: 101 - 102، لمحات اجتماعية 4/1/116 - 117.
(2) على هامش الثورة العراقية: 101 - 103.
(3) لمحات اجتماعية: 5/1/118.
(4) مذكرات السيّد سعيد كمال الدين: ص24.
ترتبط أعمالهم ومصالحهم مع السّلطة الحاكمة لتكون أجوبتهم صدى لإدارة السّلطة البريطانية، وكانت الأسئلة:
1 - هل ترغبون في دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية، تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتّى الخليج؟
2 - هل ترغبون أن يترأس هذه الدولة رئيس عربي؟
3 - من هو الرئيس الّذي تريدونه لرئاسة الحكومة(1) ؟
ولما كانت النجف وبسبب مركزها الديني الواسع النطاق، وتأثير علمائها على جماهير الشعب، فقد كانت أول بلدة تحسست بثقل السّلطة الأجنبية، وأول مدينة عراقية فكّرت بالتخلّص من الاستعمار البريطاني، بالنظر لما كانت قد تشبعت به من روح الحرية والنزوع إلى الديمقراطية، بسبب ما كانت تتلقاه من دروس متواصلة عن فلسفة نهضة الإمام أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وبسبب كونها مهد العلماء ومركز الروحانية، ولهذا فقد اهتم بها الحاكم الملكي العام اهتماماً عظيماً، وأراد أن يعرف رأي سكّانها والمحيطين بها في مستقبل بلادهم، معرفة دقيقة، فسار إليها في 12 كانون الأول 1918م، بعد أن أوعز إلى الميجر نوربري الحاكم السيّاسي للواء الشامية والنجف، أن يدعو علماء النجف وأشرافها وزعماء القبائل وساداتهم في أبي صخير والشامية للاجتماع به، فكان ممن حضر هذا الاجتماع:
من العلماء: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمّد جواد صاحب الجواهر، والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي.
ومن الرؤساء: السيّد نور الياسري، والسيّد محسن أبو طبيخ، والسيّد علوان الياسري، وعبد الواحد الحاج سكر، وعلوان الحاج سعدون، ومحمّد العبطان، وعبادي الحسين، ومرزوك العواد، ولفته الشمخي، ومجبل الفرعون.
ومن الوجوه والأشراف والأدباء: عبد المحسن شلاش، ومحمّد رضا الشبيبي، والسيّد هادي الرفيعي وغيرهم.
____________________
(1) مذكرات السيد محمّد عليّ كمال الدين، 28.
وكان (مصطفى خرمة البيروتي) أحد الموظفين العرب المستخدمين في دائرة الحاكم السيّاسي الميجر نوربري، على علم من موضوع الاستفتاء، وقبل مجيء الحاكم الملكي العام إلى النجف بفترة قصيرة، ومن الدعوة التي وجهت إلى من سيجتمع به، فدفعه شعوره القومي إلى اطلاع السيّد سعيد كمال الدين أحد الشبان الوطنيّين المتحمسين على ذلك، وكان طبيعياً أن يطلع السيّد سعيد زملاءه على الموضوع، وأن تتخذ التدابير اللاّزمة لمجابهة طواغيت الاحتلال(1) .
ووصل الحاكم الملكي العام في الموعد المضروب، واجتمع بالعلماء والزعماء والأشراف والسرّاة، في سراي الحكومة، خارج المدينة، وبعد أن استقر المجلس أعلن الغاية من مجيئه، وهي أن بريطانية وحلفاءها قرّروا استمزاج آراء سكّان البلدان المحرّرة من السّلطة العثمانية في شكل الحكومة التي يختارونها، ثم عرض الأسئلة الثلاثة المذكورة، وطلب الإجابة عليها، فجرت مناقشة حادّة نوجزها فيما يلي:
الحاج عبد المحسن شلاش: هل أنّ الحكومة البريطانية تريد أن تعامل العراقيين بهذه المعاملة رأفة منها بحال السكّان، أم هنالك عوامل أخرى تستدعي هذا الاستفتاء؟
الحاكم العام: إن بريطانيا عادلة، ومن عدلها أنها تريد معرفة رأي السكّان في تقرير مصيرهم.
السيّد هادي الرفيعي: لا نريد غير الإنكليز.
الشيخ عبد الواحد الحاج سكر: بل نريد حكومة عربيّة وطنية.
الحاكم العام: هل هذا هو رأيك أم رأي الجميع؟
فأجابه الشيخ عبد الواحد: إن هذا رأيي الشخصي، ولا بد من أن أكثر الحاضرين يؤيدونه.
الشيخ محمّد رضا الشبيبي: إن الشعب العراقي يرتأي أن الموصل جزء لا يتجزأ من العراق، وإن العراقيين يرون من حقّهم أن تتألف حكومة وطنية مستقلة استقلالاً تاماً، وليس فينا من يفكر في اختيار حاكم أجنبي.
____________________
(1) مذكرات السيّد سعيد كمال الدين: 24.
فاحتدم الحاكم غيظاً، وقاطع المتكلّم مراراً، ضارباً بيده على المنضدة التي أمامه، وحاول أن يطّلع على رأي بقيّة المدعوين، فلم يعترضوا على الأقوال السّالفة.
فكانت تلك أول مجابهة بها سياسة الاحتلال، وطواغيت المحتلّين، ثم سرت في العراق سريان النار في الهشيم(1) .
ثم تكلّم السيّد علوان الياسري، قائلاً: لما كان المدعوون غير مسبوقين بالموضوع فهم يرجون إمهالهم إلى الغد لدرس الأسئلة الثلاثة، وتوحيد الأجوبة عليها، وذلك بعد الاتصال بالعلماء وببقية الرؤساء.
فلم ير الحاكم مانعاً من ذلك، إلا أنه طلب أن ترسل الأجوبة إليه بواسطة الحاكم السيّاسي للنجف والشامية، الميجر نوربري.
وقام الحاكم الملكي العام السير أي. تي. ولسن بزيارة السيد اليزدي والتحدث معه بشأن الاستفتاء يقول: (وكان لي صباح الثاني عشر شرف زيارة السيد محمد كاظم اليزدي الطاعن في السن.. قال: أنا أنطق باسم الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، ومهما تكن الحكومة أرجو أن تتركوا لهم أن يتبصروا بمصالحهم التي تتعلق بالشيعة خاصة، ولا سيّما العامة التي لا تعرف من الأمر شيئاً، والتي لا حول ولا طول لها، إن هؤلاء الناس ليسوا متحضرين، وإن تنصيب الموظفين العرب سيؤدي إلى الفوضى، إنهم لم يتعلموا بعد معنى الاستقامة، وإلى أن يتعلموا ذلك فيجب بقاؤهم تحت أوامر الحكومة، ولا يمكن إيجاد شخص يكون مقبولاً كأمير)(2) .
وبعد أن تفرّق المدعوون، ذهب رؤساء القبائل إلى الكوفة لاستطاع رأي الزعيم الروحي السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي في الموضوع، فلمّا عرضوا عليه الأسئلة، قال:
____________________
(1) العراق في دوري الاحتلال والانتداب: 1/71 - 72، أيضاً: الثورة العراقية الكبرى 42 - 43، وفي ماضي النجف وحاضرها: 1/355 - 356، إن قبل هذا جرى اجتماع في دار الحاج عبد المحسن شلاش فوضعوا الأسئلة المذكورة على بساط البحث، فاتضح لهم سوء النتيجة، وأن كلّ ذلك مكر وخديعة.
(2) العراق، نشأة الدولة، للعطية ص355.
(إنّ الأمر لخطير جداً، ولكلّ أحد حقّ إبداء الرأي، سواء أكان تاجراً أم بقالاً، زعيماً أم حمّالاً).
ونصحهم بالاجتماع والمداولة وموافاته بالنتيجة، فعادوا إلى النجف، وعقدوا اجتماعاً في اليوم التالي في دار الشيخ محمّد جواد صاحب الجواهر، حضره رهط من العلماء والزعماء والمتمولين والمتعلّمين والأشراف والسّادات وغيرهم، فجرى الكلام حول الأسئلة والأجوبة بنطاق واسع، وتشعّبت الآراء، فحمي وطيس الجدال، أراد الشيخ عبد الواحد أن يقتضي على هذه البلبلة، فألقى كلمة موجزة، أقرّه المجتمعون عليها، قال:
(لسنا اليوم أيها السّادة أكفاء للجمهورية، ولسنا فرساً، أو تركاً، أو إنكليزاً، فنختار أميراً فارسياً، أو تركياً، أو إنكليزياً، وإنما نحن عرب، فيجب أن نختار أميراً عربياً، وحيث إن البيت الشريف في مكّة أكبر بيت في العالم العربي، فإننا نرغب أن تكون لنا حكومة عربية مستقلّة برأسها أحد أنجال جلالة الملك حسين)(1) .
وهكذا تفرّق القوم وذهب الرؤساء إلى الكوفة، وطالبوا السيّد اليزدي بإبداء الرأي، فقال لهم: (أنا رجل دين، لا أعرف غير الحلال والحرام ولا دخل لي بالسيّاسة مطلقاً).
فلمّا ذكّروه بما قاله بالأمس، قال: (اختاروا ما هو أصلح للمسلمين)(2) .
____________________
(1) الثورة العراقية الكبرى للحسني، ص43.
(2) جاء في مذكرات الإمام كاشف الغطاء ص393: (... كان كثير من زعماء القبائل وشيوخ الأطراف في النجف، بعد إظهار موالاة الإنكليز، قلبوا ظهر المجن له، وتذمّروا من أعماله، سيّما (دلي) حاكم الديوانية، فإنه أساء معاملة رؤساء القبائل، وكان يعاملهم بسوء المعاملة، ويقابلهم بالاحتقار والمهانة. وكلما رفعوا شكواهم وطلبوا من معتمد بريطانيا في العراق تحويله لا يصغي إليهم، فصمموا على الثورة. وبما أن الثورة لا تكون ذات أثر إلاّ إذا استندت إلى موافقة الزعيم الروحاني والمرجع العام، فكانوا يحضرون - أرى ثلة - ويفاوضونه في الأمر سرّاً وتحت حجب الخفاء، والسيد - أعلى الله مقامه - لمعرفته البليغة بأحوال أهل العراق، وعدم ثقته بهم، يتنصّل من الدخول معهم ومن مساعدتهم، ويقول: أنا لا آمركم ولا أنهاكم، فدعوني جانباً وملجئاً عند الفزع وعدم الفوز لا سمح الله. وبقيت الفكرة تختلج في الصدور، والقوم يحجمون تارة ويقدمون أخرى، كل ذلك من عدم موافقة السيد التي كانت هي الحزم والسداد).
مما دلّ على أن السّلطة اتخذت للأمر عدّته، إذ لم يكد المجتمعون ينتقلون إلى دار السيّد نور الياسري لمواصلة البحث ووضع الضوابط المتفق عليها، حتّى داهمتهم الشرطة، فشتتهم أيدي سبأ، واضطر هؤلاء الرؤساء إلى الاعتصام بقبائلهم في الشامية وأبي صخير.
وبعد يومين دعاهم الحاكم السيّاسي وحاول أن يحصل منهم على ما يريده، معتقداً أن الحصول على ذلك في خارج مدينة النجف أجدى للسّلطة وأنفع، فأخفق، إذ وقّع الجميع مضبطة(1) ، نصّها:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أن اجتمع بنا الحاكم العام في النجف الأشرف، وأخبرنا بلسان الحكومة البريطانية المحتلة بشكل الحكومة التي نختارها وننتخب ملكاً. وبعد أن وقفنا على مقررات دولتي بريطانيا وفرنسا حول تحرير الشعوب، وخلاصة قولها إن غرض الحكومة في الشرق تحرير الشعوب تحريراً نهائياً، وإنشاء حكومات وإدارات وطنية في سورية والعراق تقوم بها الشعوب بذاتها، من خالص رغبتها ومحض اختيارها. وبعد ملاحظة الأصول الإسلامية الجعفرية، فإننا قررنا على أن تكون لنا حكومة عربية إسلامية مقيّدة بقانون أساسي، بشرط أن لا يخالف قواعدنا وعاداتنا وشعائرنا الدينية منها والوطنية، تحت ظلّ ملك عربي وهو أحد أنجال الشريف حسين.
هذه رغبات الأمة العراقية لا نحيد ولا نتنازل عنها قيد شعرة.
____________________
(1) الثورة العراقية الكبرى للحسني. ومذكرات السيّد حسين كمال الدين: ص 12 - 13. الحقائق الناصعة: ص 84 - 85، وفيه: إن التوقيع على هذه المضبطة جرى في دار الشيخ جواد الجواهري.
انظر: تأريخ العراق سياسي المعاصر: 2/182، وفيه إن المضبطة نظمت على أثر استشارة السيد اليزدي.
ويذكر الأستاذ حسن الأسدي - وهو ممن عاصر وقائع الاستفتاء -: (إن السيد اليزدي حسم النزاع الذي ظهر نتيجة تعدد الآراء، برأي وسط فاعتمده الجميع ودوّنوه في مضبطتهم. ولو أنه امتنع عن حسم الخلاف، ولم يشر بالحل الوسط في ذلك الجوّ المضطرب، لَمَا تمّ الاتفاق على رأي موحّد، لأن الذين اختلفوا في وجهات النظر لم يكونوا من عامّة الناس، وإنما هو علماء الدين ورؤساء العشائر الذي يصعب أن تتغيّر قناعاتهم إلاّ بموقف المرجع الديني). (انظر: ثورة النجف للأسدي ص336).
وقد وقّع عليها كبار رجالات الدين وزعماء العشائر ورؤساء القبائل ووجوه مدينة النجف الأشرف(1) .
دعوة الإمام الشيرازي:
بعد أن فشل الحزب النجفي في إقناع السيد اليزدي وجلبه إلى حضيرتهم، وأدرك الرؤساء أن السيد تجرّد من الحركة أدبياً، وأن كل عمل لا يكتب له النجاح التام إن لم يعطف عليه ذوو المعرفة كالعلماء الأعلام وخصوصاً في مرحلة كهذه، عمدوا إلى إيقاع سوء التفاهم بينه وبين زعماء العشائر وبثّ روح التفرقة، والفصل بين المقلدين ومرجعهم، فقد بثّوا دعاية صارخة ضده - تحت غطاء الدين - في أنه متعاون مع المحتل الإنكليزي وأنه ليس كما يقال فيه، وأطلقوا عليه لقب (اليزيدي)، وأن السيد نور السيد عزيز الياسري عدل عن تقليده - وهو من مقلدي السيد المتشدّدين - فكان أول من عدل عن تقليد السيد اليزدي وتبعه كثير من الزعماء.
كما قرّر الحزب أن يوجّهوا أنظار الناس إلى مجتهد آخر، وكان المرشّح حينئذ الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي في الكاظمية، فقد وسّطوا ولده الميرزا محمد رضا والشيخ عبد الكريم الجزائري، لعلاقة سابقة بينهم منذ الحركة المشروطة وحركة الجهاد عام 1914، ويعلموه استعداد الناس لتقليده، ويطلبون منه القدوم إلى النجف لقيادة الحركة، وردّ الجواب بالموافقة، ويرجو تحضير دار ليسكنها، وبعث بكتبه وأثاث داره، وهنا تغيّر رأي الرؤساء على أن يجعلوا مقرّه في كربلاء لاقتضاء المصلحة، ولئلاّ يكون ذلك تحدياً ظاهراً للسيّد اليزدي، وكاتبوه بذلك فوافق، ولدى وروده إلى كربلاء استقبل استقبالاً حافلاً بالجماهير والأهازيج من (خان العطيشي) حتّى كربلاء.
ثم قام أفراد الحزب بتزوير 400 - 500 رسالة وأرسلوها بالبريد مفادها عدول أصحابها عن تقليد السيد اليزدي إلى تقليد الميرزا الشيرازي، وقد فازوا بهذه العملية - لضعف المواصلات يومذاك ووقوف الناس على الحقيقة - وكمل فوزهم بوفاة السيد
____________________
(1) الحقائق الناصعة 84 - 85.
اليزدي بعد أشهر قليلة أو في بحر القضية(1) .
____________________
(1) مذكرات السيد سعيد كمال الدين: ص21. وانظر أيضاً: مذكرات السيد حسين كمال الدين: ص 15.
وقد جاء في مذكرات الإمام كاشف الغطاء (مخطوطة)، ما يتعلّق بهذا الموضوع ما نصّه: (وانتقلت المرجعية العامة والزعامة الكبرى بعد السيّد قدّس سرّه إلى المرحوم الشيخ محمّد تقي الحائري، فالتفت عليه زعماء القبائل، ووجدوا منية السيد ثمرة العذاب، سيّما وقد كان التفاوت بين الزعيمين في أصل طباعهما بعيداً جداً، فقد كان السيد (رحمه الله) صلب المراس شديد الشكيمة، في غاية الحذر وسوء الظن، لا يُغر ولا يُخدع، بخلاف الميرزا (قدس سره) لأنه، ملس سلس القياد، سريع الاعتقاد، حسن الظن، فأقنعوه على الموافقة على الثورة واستدرجوه...
وتحرك أولئك الرؤساء لتنفيذ مكاسب لهم، والوزر والكفاح على أُولئك الأغبياء، وكانت النتيجة لأولئك الذين [ لم ] يصيبوا في تلك الحوادث بشوكة، ولا خسروا في الثورة قلامة ظفر. ولا نريد أن نأتي على تفاصيل تلك الثورة وشئونها وشجونها، فإنها تحتاج إلى إفراد مؤلف واسع، وقد كتب كثير من الكتبة فيها، ولكن لم يأتوا على جميع أسرارها ودقائقها، ولا تزال تلك الحقائق مطمورة في الصدور دون السطور إلى يوم النشور. ولكن الغرض أنه بعد أن نشبت أظفار الثورة واستوت الحرب بين قبائل الفرات الأوسط والجنود البريطانية اشتركنا في القضايا الوطنية واشتغلنا بها. ولمّا تغلّب الإنكليز، ازدادوا بتبعيدنا فحال الله بينهم وبين ذلك، إلى أن توفّي المرحوم الميرزا محمد تقي، ورجعت الزعامة الروحية إلى المرحوم الأستاذ شيخ شريعة الأصفهاني، وكان في آخر رمق من الحياة، وبعد ستة أشهر تقريباً انتقل إلى دار البقاء...).
ومما يظهر من ذلك أن ثورة العشرين في نظر الشيخ كاشف الغطاء حدثاً فاشلاً، كان يعرف نتيجتها ويتنبَّأ بها من عام 1919، ويؤيِّد فكرة السيّد اليزدي في عدم البت والإفتاء للقيام بالثورة، لعدم توفّر العدة وما تستلزمه أمور الحرب... وغيرها.
الفصل الرابع:
في رحاب الخلود
* وصيَّته.
* وفاته.
* المآتم والمراثي.
* سِجِل الخالدين.
* أولاده وأحفاده وأعلام أُسرته.
* مصادر ترجمته.
وصيّته
ذكر الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مذكّراته(1) :
(وفي منتصف رجب 1337، توعّك السيّد وأصابته حمّى شديدة، وامتنع عن الخروج للصلاة والدرس. وفي اليوم الثالث من عروض الحمّى عدناه عصراً، وكان لا يأذن بالعيادة إلاّ لقليل من الخواص، فخلى بنا في محلّه الخاص، فكنت وأخي المرحوم والسيّد (قُدِّس سِرُّه) ولا رابع معنا إلاّ الله جلّ شأنه، فقال: أجدني لا أسلم من هذا المرض، وإني راحل عن قريب، وتعلمون أن أولادي الذين كنت أعتمد عليهم وأثق بهم، قد رحلوا أمامي ولم يبق من ولدي من أعتمد عليه، وعليّ حقوق كثيرة، وأموال في البيت وعند التجار وافرة، وأريد أن أوصي إليكم لتفريغ ذمتي وأداء واجباتي. ويعني بأولاده الذين كان يعتمد عليهم: ولده الأكبر السيد محمد، الذي توفّي في الكاظمية بعد رجوعه من السفر الثاني الذي سافره للجهاد سنة 1334، والسيد محمود الذي توفّي بعد بسنتين تقريباً، والسيد أحمد الذي توفّي قبلهما هو والسيد حسن بمدة طويلة. فلمّا ألقى علينا تلك الكلمات، ونعى إلينا نفسه الشريفة، كأنما أطبقت السماء علينا، واسودت الدنيا بأعيننا، ثم أخذ رضوان الله عليه يشجعنا ويسلّينا ويناشدنا حق الأستاذية، وأنه لا يعتمد على غيرنا. فطلبنا منه أن يشرك معنا شخصاً أو شخصين للمساعدة ورفع الهم، وظن السوء، فأشرك الحاج محمود والشيخ علي المازندراني من وجوه تلاميذه، ثم ألقى عليّ المطاليب التي في نفسه، وأمرني بكتابة الوصية بخطي كي يوقّع عليها، فكتبتها وجئت بها إليه صباحاً، فأمرني بكتابة وصيته وتشتمل على ما في الأولى، وعلى زيادات تجدّدت في نظره، فكتبتها بخطي وجئت بها إليه عصراً.
وكان قد اشتدّ مرضه، فبعث الشيخ عبد الرحيم اليزدي - خادمه الخاص - وجمع له جماعة من أعيان تجّار النجف من العجم والعرب، وجماعة من طلاب العلم الأفاضل
____________________
(1) انظر كتابنا: النجف الأشرف وحركة الجهاد: ص393 - 394، نصّ المذكرات في الملحق رقم (1) بآخر الكتاب.
وجملة من الأعيان فحضروا ليلاً، وأمرني فقرأت عليهم الوصيتين، وأمرهم بأن يحرّروا شهادتهم فيها، ووقّع عليها بخطّة وخاتمه، ثم أحضر الحاكم السياسي الإنكليزي مع العميد حميد خان(1) فشهدا فيهما.
وفي ليلة الثامن والعشرين من رجب مقارن طلوع الفجر، انتقل إلى رحمة الله، وكان من جملة وصاياه: إعطاء الخبز للطلاب ثلاثة أشهر، وطبع تتمّات (العروة الوثقى)، وإن زاد المال يطبع (السؤال والجواب)، وإعطاء العبادات والحج المقيّدة في دفاتره، فأنجزنا بتوفيقه تعالى جميع ما أراد.
ولا تزال الوصيتان - وهما بخطّي وتوقيعه وتوقيع الشهود - محفوظتين عندي مع دفاتره(2) . وكان كثيراً ما يقع الخلاف والتشاكس بين الأخ المرحوم وبين الوصيين الآخرين ويقف العمل، فأسعى بلطائف التدابير في إصلاحهما والتقارب إلى أن أنجزت الوصايا بأجمعها، وكان المال الكثير قد اختلس في دار السيد، ولم نحصل إلاّ على القليل منه، وسلّمت لنا الأموال التي عند التجار على أن بعضهم أيضاً جحد الكثير منها)(3) .
____________________
(1) ولد حميد خان عام 1890 في النجف، وتوفّي ببغداد في 23/12/1943. درس في بغداد فالهند، وعاد منها عام 1911، واختار السكنى في النجف. وعند احتلال الإنكليز لبغداد عيّن حاكماً للنجف عام 1917، ومعاوناً للحاكم السياسي لمنطقة عموم الشامية والنجف. وعند انتهاء الثورة العراقية عاد إلى وظيفته كحاكم للنجف، فمتصرّفاً للواء كربلاء عام 1921، واستقال من الوظيفة عام 1922، وانتخب نائباً عن لواء كربلاء عام 1943، حتى وفاته.
(2) حصلت على صورة الوصيتين من العلامة الجليل السيد محمد مهدي الموسوي الخرسان، وهما عن الأصل المحفوظ لدى مكتبة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في النجف.
(3) جاء في مقدمة (الفردوس الأعلى) للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: (... عدنا إلى النجف الأشرف سنة 1332 أوائل الحرب العالمية الأولى، وألجأونا إلى الإرشاد والدعوة، وسافرنا للجهاد عدة مرات، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، وانتقل أستاذنا السيد الإمام الكاظم إلى جوار به، وتحملنا أعباء وصيّته مع الأخ المرحوم (أعلى الله مقامه) الذي اجتهدنا معه في تنقيح (العروة الوثقى) وطبعها مرتين في حياته، وكانت مرجعية الإمامية في عموم الأقطار قد انتهت إليه (رضوان الله عليه)، وعلينا كان يعوّل في جميع مهماته ولا يضع ثقته عند غيرنا، وإلينا يرجع كل مرافعة تنشر عنده فيحكم بحكمنا، ويقضي بقضائنا، ولا تزال وصاياه بخطّه عندنا).
الوصية الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
حمداً لله رب العالمين، وصلاة وسلاماً على محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
فإني قد صالحت بالصلح الصحيح الشرعي المشتمل على الإيجاب والقبول، وسائر شرائط الصحة واللزوم، داري الكبيرة الواقعة في محلة البراق من محلاّت النجف الأشرف، المتّصلة إليّ بالشراء من ورثة المرحوم أمين أغا بن المرحوم نظام الدولة، هي والدار الصغير الملاحقة لها، المعلومتي الحدود والجهات، مع ما فيهما من الأسباب والأثاث والفرش والكتب وغيرها من جزئي وكليّ، وكذا ما في دار شريعة الكوفة الوقف من الأسباب، والأرض الواقعة في شريعة الكوفة المتصلة إليّ بالشراء من الحاج أحمد اللاّري مع ما فيها من العمارة، لولدي المحروس سيد أسد أدام الله توفيقه وحراسته، ولوالدته وأخواته منها، له من ذلك حصتان والباقي لهم على السويّة.
وقد صالحت وأجريت عقد الصلح الصحيح معهم عن جميع ذلك وحصل القبض والإقباض، وقِبَل الكبار منهم وقبلتُ، وقبضتُ عن الصغار بحسب الولاية، وشرطتُ في ضمن عقد الصلح أنّ لي الخيار بنفسي وبلساني، بحيث لا ينتقل إلى ورثتي من الآن إلى مدة عشر سنين متى شئتُ فسختُ ذلك العقد.
وقد أوقفتُ المدرسة الكبيرة الشهيرة مع توابعها ولواحقها وكتبها على المشتغلين بتحصيل العلوم الدينية.
وأوقفت نصف الحمّام الواقع في شريعة الكوفة مع توابعه من الدكاكين، وكذا الحصّة التي في الكوفة، والدكاكين الواقعة في شريعة الكوفة المشتركة بين المدرسة وبين ورثة ولدي المرحوم السيد أحمد وغيرهم: أوقفت جميع ذلك - [ على ] ما يلزم للمدرسة من تعمير وماء وغيره بعد إخراج العشر من وارداتها - للمتولي، وقد جعلت المتولي جميع الذكور من أولاد ولدي المرحوم السيد محمد، مرتّبين طبقة بعد طبقة، لا يشارك الثاني من البطون الأول، ولو بقي واحد من البطن السابق لا يشاركه اللاحق، ولكن بشرك الرشد والتقوى، وحق التولية مشترك بين جميع الطبقة التي لها الولاية.
وكذلك أوقفت الخان الواقع في النجف الأشرف في محلة العمارة على الزوّار، وأوقفت لواحقه من الدكاكين المتّصلة به والدارين الملاصقين له - على ما يلزم من تعميره وسائر لوازمه من الضياء والماء وغيره -، وجعلت تولية الخان وأوقافه لولدي السيد أسد، وله حق تولية العشر من الواردات ثم لأولاده وأولادهم مرتّبين.
وكذا الدار القديمة في شريعة الكوفة أوقفتُها على تعزية سيد الشهداء (عليه السلام) والتولية للسيد أسد وأولاده.
وأما ما عدا ما جرى عليه عقد الصلح والوقف من الأملاك الراجعة لي، فهي على ما فرض الله للذكور والإناث.
وقد جعلت الأوصياء عني على تنفيذ تلك الأمور وعلى إبراء ذمتي وقضاء ديوني، وأداء الحقوق التي عليّ، واستيفاء الديون التي لي على الناس، بموجب السندات التي باسمي وغيرها، من الحقوق الشرعية وغيرها:
[ 1 - ] جناب الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء(1) .
[ 2 - ] وأخاه الشيخ محمد حسين(2) .
[ 3 - ] والحاج ميرزا محمود أغا الهندي التبريزي(3) .
[ 4 - ] والشيخ علي
____________________
(1) ترجمته في بحث: (تدريسه وتلامذته) [ص 30].
(2) ترجمته في بحث: (تدريسه وتلامذته) [ص 67].
(3) الحاج محمود أغا بن الميرزا أبو القاسم الهندي التسويجي التركي (ت 1343هـ / 1925م).
عالم، فقيه، مجتهد، من بيت علم ودين وزعامة، تخرج على أساتذة النجف، وكان يتردد على الهند، وأصبحت له سمعة عالية وشهرة واسعة. وفي حركة المشروطة كان من قادتها.
كان يجيد عدة لغات حيّة إجادة تامة، ومنها الإنكليزية، مما دعا السيد محمد كاظم اليزدي أن يجعله ضمن وفوده وإحضاره مجالس المفاوضات مع السلطة المحتلة ليكون مؤتمناً على الترجمة، وعرض المطالب.
وفي خلاصة التقارير البريطانية: (أنه كان من موزّعي وقف أوده، موالٍ لبريطانيا بصورة علنية، يعمل كسكرتير اليزدي، قدّم خدمات جليلة في أيلول / سبتمبر 1917 وكذلك خلال الحصار، وليس له نفوذ).
له: (تأريخ الأمة ووقائع الأيام) ط، و(رسالة عملية) ط.
عقبه: الشيخ أبو القاسم، وهو زوج الأديبة زهرة بيكم.
والشيخ محمد أقا كوچك.
(ترجمته في: معجم رجال الفكر والأدب 1/، الجذور 339).
الوصية الأولى
المازندراني(1)
(دام تأييدهم).
وجعلت لهؤلاء الأوصياء النظارة على تلك الأوقاف جميعاً، وعلى المتولي عليها وعزله، وعلى صرف عائداتها في مصارفها اللازمة بنظره ونظرهم، وجعلت لهم أن يجعلوا ناظراً من بعدهم على ذلك ومتولِّياً.
وأما الأموال التي تحت يدي، وفي حجرتي في النجف، أو الجسر، أو عند التجّار من نوط أو نقود، وكذا الديون التي على الناس باسمي، مما كان فيها سندات أم لا، فقد عزوت إلى الأوصياء المزبورين أن يخرجوا منها - أولاً - الصوم والصلاة والحج والكفارات الراجعة للناس، حسبما هو مقيّد في دفاتري الخاصة التي يلزم تسليمها مع سائر الأوراق والسندات إليهم، ثم يصرفونه بنيّة أصحابه < ا > مع إضافة مقدار زايد عليه احتياطاً من السهو في عدم تقييد بعض الموارد. وما يفضل من ذلك فهو من الحقوق الشرعية، وقد عهدت إلى الأوصياء أن يطبعوا منه"تكملة العروة الوثقى" و"السؤال والجواب" المجموع من الفتاوى المنسوبة إليّ، ويصرفون الباقي على الفقراء والمشتغلين بإدامة إعطاء الخبز في شهري شعبان ورمضان من هذه السنة، على نحو ما كنت أعطية في ما مضى، وإن بقي شيء يصرف على المستحقين على سبيل التوزيع والتوسيع.
وأما الصغار من أولادي وأولاد أولادي من الذكور والإناث، فقد جعلت القيّم عليهم والمتولّي لإصلاح شئونهم أمهاتُهم بنظارة الأوصياء المزبورين.
وقد جرى جميع ما ذكر من الصلح والوقف والوصية في حال الصحة والاختيار، وليس لأحد من ولدي ولا غيرهم المعارضة والمناقشة في شيء مما سطر. ورجائي أن يتَّفقوا ولا يختلفوا، وعلى فرض حصول الاختلاف، فالعمل على رأي الشيخ أحمد وأخيه الشيخ محمد حسين أدام الله تأييدهما.
____________________
(1) الشيخ علي المازندراني النجفي (ت1352هـ) من تلامذة السيد اليزدي (انظر بحث: تدريسه وتلامذته) [ص 53].
بسم الله الرحمن الرحيم،
جميع ما في الورقة صحيح.
الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
في 17 رجب سنة 1337هـ
بمنه تعالى، نعم قد اعترف جناب مولانا حجة الإسلام وآية الله في الأنام السيد محمد كاظم دام ظله بصحّة ما حرّر ورقم في الورقة لدى الأقل كليدار الروضة الحيدرية، 17 رجب سنة 1337هـ.
السيد عباس [الكليدار](1)
نعم، اعترف حجة الإسلام السيد محمد كاظم الطباطبائي روحي فداه بما حرّر ورقم لدى الأقل السيد هاشم نجل المرحوم السيد محمد زيني(2) .
17 رجب سنة 1337 هـ
نعم اعترف حضرة آية الله السيد دام بقاه بما فيها لدى الأقل محمد رءوف شلاش(3) في 17 رجب 1337.
از جناب حجة الإسلام والمسلمين سكيدجوم أقاي أقا سيد محمد كاظم آية الله شنيدم كه صحيح أست
أقل السادات أبو القاسم الموسوي
بسمه تعالى، نعم، اعترف حضرة آية الله السيد دام ظله العالي بجميع ما في الورقة
____________________
(1) السيد عباس بن السيد محمد حسن بن جواد الرفيعي الكليدار (ت 1389هـ) سادن الحرم العلوي، وهو زعيم أسرته في عصره.
(2) السيد هاشم بن السيد محمد صادق بن محمد بن أحمد زين الدين (زيني) الحسني ولد السيد حسن زيني التاجر المعروف.
(3) الحاج محمد رؤوف بن عبود بن مهدي شلاش الخفاجي، أخ الحاج عبدالمحسن شلاش من تجار النجف البارزين، له دور بارز في الثورة العراقية 1920، انتخب رئيساً لغرفة تجارة النجف منذ تأسيسها سنة 1369هـ / 1950م حتى سنة 1377هـ / 1957م.
(ترجمته في: النجف الأشرف والثورة العراقية ص479).
لدى الأقل نظام العلماء، 17 رجب المرجب 1337هـ.
عبد الحميد
p.7. Norbary Magor
of political officer
Thamiyah Division
26. IV. 1919
الوصية الثانية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
وبعد، فإني لمّا أوقعت بعض المصالحات في ورقة سابقة على هذه، وقد أوقعت بعدها مصالحات أخرى لزم ذكرها تفصيلاً.
منها: إني قد صالحت وملّكت التمليك الشعري الصحيح الدارين الواقعتين في محلة الحويش من النجف الأشرف القديمتين لمجموع أولاد أولادي الذكور والإناث على ا لسواء، وهم: أولاد السيد محمد، وأولاد السيد أحمد، وابن السيد حسن، وأولاد السيد محمود، لكل واحد حصته، ذكراً كان أو أنثى.
ومنها: إني قد صالحت وملّكت نصف الدار الواقعة في شريعة الكوفة، المنتقلة إليّ من الحاج علي أصغر اليزدي، من ولد ولدي السيد محمود، وهو السيد حسين، والنصف الآخر لأولادي وأولاد أولادي جميعاً، ذكوراً وإناثاً على السواء.
ومنها: إني قد صالحت وملّكت الدارين الواقعتين في محلة المشراق من النجف الأشرف، الدار الواقعة على جبل المشراق، والأخرى الصغيرة، من ولدي السيد علي وخليصته عيال السيد إسماعيل، ثلثان للسيد علي، وثلث لأخته المزبورة.
وأما البستان الواقعة في قرب علوة الفحل، وقطعة الأرض الواقعة في طرف البلد من شريعة الكوفة، والحصة من الطرادة، فقد نقلت الجميع بالناقل الشرعي إلى الحاج حسين البهبهاني، بشرط أن يدفع مثل وارداتها إلى الأوصياء يصرفونه على مقبرة أولادي ولوازمها من عيب وغيره... الأعيان وتبديلها بالأحسن كأن لهم الفسخ وبيعها على الغير وشراء ما هو خير منها لتلك الجهة.
وقد نقلت جميع ما استحقه إرثاً من السدس في تركة أولادي السيد محمد والسيد
أحمد والسيد حسن والسيد محمود إلى أولادهم الذكور والإناث على حسب حصصهم، ليس لأحد من ورثني مطالبتهم، وقد جعلت الخيار في جميع هذه المصالحات المزبورة لنفسي وبلساني بحيث لا ينتقل إلى الورثة من تأريخ الورقة إلى أربعة عشر سنة.
وأما الأوصياء عني، فهم الأربعة المرقومون في الورقة السابقة: جناب الشيخ أحمد كاشف الغطاء، وأخوه الشيخ محمد حسين، والحاج محمود أغا الهندي، والشيخ علي المازندراني (أدام الله تأييدهم)، وتصرفاتهم بعدي نافذة مقبولة في أموري على حسب ما سطر في هذه الورقة وسابقتها، وقد عهدت إليهم بملاحظة ذرّيتي المحتاجين من الوجوه الشرعية ولا سيّما في زواج غير المتزوّجين.
وجميع ما في الورقة السابقة من الوصايا فهي صحيحة نافذة، وقد جعلت أيضاً للأوصياء المزبورين خيار الفسخ في جميع ما في الورقتين حسب المصلحة، مع رعاية تمام الجهات، وقد عهدت إليهم وإلى جميع ذرّيتي بتقوى الله الذي لا إله غيره، والالتزام بالورع والصلاح.
وقد عيّنت الأوصياء المزبورين لنصف الخان الذي فيه الحاج حسين البهبهاني، الذي هو راجع لثلث الحاج إبراهيم نيل فروش، وصرف عائداته في مصارفه، وغير ذلك من جميع ما هو بيدي فقد أرجعت أمره إليهم. وإذا وفّت الوجوه الشرعية بعد إخراج الصوم والصلاة والحج والكفارات بتعمير أرض الجسر الراجعة لسيد أسد وإخوانه ووالدته ووجد الأوصياء المصلحة، فليعمّروها بحيث تحصل الفائدة منها.
وقد وكّلت الأوصياء المزبورين وكالة مطلقة، وفوّضتهم على جميع ما يعود لي ولورثني وما بيدي مما يرجع إلى أمور المسلمين، من الولاية على الأوقاف وعلى الصغار وغير ذلك مما يرجع لحكّام الشرع الشريف.
حرّرت في يوم 20 رجب 1337
محمد كاظم الطباطبائي
اعترف ممّا فيه لدى الفاني الأقل الحاج أبو الحسن الأصفهاني
أعترف بما فيه لدى الجاني الأقل الحاج محمد حسين الزنجاني
أعترف مما فيه لدى الفاني الأقل الحاج أبو الحسن الأصفهاني.
نعم أعترف حضرة مولنا آية الله الطباطبائي بما فيها لدى الأقل الحاج حسين بهبهاني.
بسم الله تعالى، أعترف حضرة سيدنا دام ظله العالي بجميع ما فيها بمحضر الأحقر عبود بن حسن اليزدي(1) .
بمنّه تعالى، قد اعترف حضرة سيدنا دام ظله بصحّة جميع ما حرّر ورقم وسطر فيها لدى الأقل كليدار روضة الحيدرية 23 رجب سنة 1337
السيد عباس [الكليدار]
بيم الله الرحمن الرحيم، اعترف حضرة الأستاذ آية الله (مد ظله) بما في الورقة لدى الأحقر السيد علي أكبر اليزدي.
بسم الله الرحمن الرحيم، أقرَّ وأعترَفَ (متّعنا الله بدوام ظله العالي) بما فيه إلى خطه المبارك وخاتمه الشريف عندي. الأحقر محمد رضا الحسيني المرعشي الرفسنجاني في 22 رجب 1337.
p.7. Norbary Magor
of political officer
Thamiyah Division
26. IV. 1919
____________________
(1) والد المرحوم الأستاذ حسين عبود.
الوصية الثانية
وفاته(1)
بعد وفاة نجله السيد محمد [في 12 / جمادى الأولى / 1334هـ]، أصبح السيد اليزدي يشكو من آلام في بدنه، وأخذت تتزايد يوم بعد آخر، ففي يوم الاثنين 13 رجب سنة 1337هـ وما بعده، تكاثرت الأوجاع الشديدة تحت أضلاعه اليمنى، وارتفعت الحمى، مما دعا إلى احتجابه والامتناع عن الخروج للصلاة والدرس، في داره بمحلة الحويش في النجف، وكان لا يأذن بالعيادة إلاّ إلى قليل من الخوّاص، وجيء له بالأطباء من النجف وكربلاء، وبعثت له الحكومة طبيباً عسكرياً من بغداد(2) ، فقيل: ذات الجنب، وقيل: ذات الرئة، وقيل غير ذلك، وأظهروا اليأس من تحسّن صحته. ولم يزل يشتد مرضه حتى ليلة الثلاثاء 28 رجب (30/4/1919م)، وقبل الفجر لبّى نداء ربه الكريم، عن عمر تجاوز الثمانين.
وقد اضطرب لموته جمهور العراقيين وسوادهم في أنحاء العراق، وصار له من الاحتفال والضجّة والبكاء والنوح والعويل ما لم يصر لأحد من قبله، وكان لنبأ وفاته صدىً في العالم الإسلامي، وجرت لم مراسيم الغسل على نهر السنية في النجف، وحضر تشييع جثمانه الزائرون لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في المبعث النبوي (ص)، وخرج أهالي النجف برمّتهم إلى خارج البلد لتشييع نعشه، وصلّى عليه نجله السيد علي، ودفن في مقبرته التي أعدّها له ولأولاده في الإيوان الكبير من الصحن الغروي، خلف مسجد عمران بن شاهين بالصحن العلوي الشريف.
____________________
(1) انظر: معارف الرجال: 2/328. ومذكرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، رحلة الجهاد في النجف الأشرف وحركة الجهاد: ص384، 393.
(2) جاء في مسوّدات كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز الطباطبائي ما نصّه: (عن السيد رضا الطباطبائي ابن السيد محمد ابن السيد محمد كاظم اليزدي: أن السيد عندما اشتد مرضه وجيء بالطيب العسكري الخاص، فعاينه وكتب له (وصفة)، إلاّ أن السيد رفض تلك الوصفة وقال: أريد الطبيب (حافظ الصحة) من كربلاء. وكنت في وقتها بكربلاء، أخذت حافظ الصحة وركبت السيارة ووصلنا إلى النجف، ولم أكن قد ركبت السيارة قبلاً، فتعجّبت كيف وصلنا إلى النجف بساعة ونصف).
وقد أرّخ وفاته العلاّمة السيد حسين آل بحر العلوم(1) بقوله:
قد قضى الكاظم ظلّ الناس فيما جهلوا |
وبهتك الدين والإسلام أرّخ (شُغِلوا) |
1337هـ
كما أرّخ وفاته الشيخ علي البازي بقوله(2) :
كاظم آل العبا لمَّا قضى |
وجلجل الخطب رجال العالم |
|
وركن دين الهدى تأريخه: |
(طاح لفقد الإمام الكاظم)(3) |
1337هـ
____________________
(1) السيد حسن بن إبراهيم بن حسين بن محمد رضا بن محمد مهدي آل بحر العلوم (1283 - 1355هـ): عالم جليل، وشاعر كبير، برع واشتهر بالأدب والشعر، وولع أكثر بأدب التأريخ. توفي في جمادى الأولى 1355هـ.
له: ديوان شعر صغير.
عقبه: السيد محمد باقر، السيد محمد صادق (المحقّق)، السيد محمد تقي.
(ترجمته في: أعيان الشيعة 20/435، شعراء الغري 3/126، الفوائد الرجالية 1/152، معجم المؤلفين 3/194، المؤلفين العراقيين 1/413، معارف الرجال 1/251، نقباء البشر 1/464، معجم رجال الفكر والأدب 1/214).
(2) الشيخ علي بن حسين بن جاسم البازي: خطيب، أديب، شاعر بالعربية والدارجة. ولد في النجف سنة 1305هـ، ودرس في الحوزة العلمية فيها، عمل في الحقل الوطني بتحريض عشائر الفرات الأوسط للالتحاق بركب الجهاد لمقاومة الإنكليز المحتلين سنة 1920، وله في الثورة العراقية الكبرى قصيدة طويلة، وكان من الأعضاء الأوائل في جمعية الرابطة الأدبية 1930، توفّي بالكوفة 1387هـ ودفن بالنجف.
(ترجمته في: خطباء المنبر 1/111، ماضي النجف 1/118، 189، شعراء الكوفة الشعبيون 1/75، شعراء الغري /363، أعلام العراق في القرن العشرين 3/176، معجم رجال الفكر 1/200، المنتخب من أعلام الفكر والأدب 22، الأعلام 4/282، معجم الشعراء للجبوري 3/423).
(3) أدب التأريخ: خ - ص26. وجاء في نقباء البشر( خ - ص15): (وقد دفن بمقبرته نواب رامبور السيد محمد حامد خان سنة 1354هـ بتوسط حفيده السيد رضا بن السيد محمد بن السيد محمد كاظم. وهذا النواب كان أول المثرين في الدنيا كما في مجلة الهلال لجرجي زيدان في... رزقنا الحجة الثانية بصحبة الهند النواب عبد الكريم خان).
وأقيمت مجالس الفاتحة ومآتم العزاء والتأبين، [وهي في العدد ما] لا تكاد تحصر لكثرتها في جميع أنحاء العراق وإيران وسائر البلدان الإسلامية. وحضر مأتمه في إيران أحمد شاه، واشترك في مأتمه الفريقان ببغداد، وكانت هذه المناسبة سبباً لتقارب المسلمين في العراق، وعاملاً كبيراً من عوام استحكام الصلات الحسنة بينهم، وقد استغل المفكّرون السياسيون هذه القوة الكامنة وراحوا يدعمونها ويستعينون بها في القضايا الوطنية الكبرى(1) .
وقد نصب على مرقده صندوق صغير، ثم قام سبطه السيد عبد العزيز الطباطبائي بنصب شباك على مرقده، وقد أرّخه العلاّمة المحقّق السيد محمد مهدي الخرسان(2) قائلاً(3) :
أحييت يا عبد العزيز مرقداً |
للكاظم الغيظ الذي نمَّاكا |
|
فشُدتَ شباكاً على ضريحه |
ما زال مهجوراً لقى لولاكا |
|
أقمته مجدَّداً ذكراً له |
فاحمد إلهاً بالذي حباكا |
|
فرداً بتأريخ: (أتى مجلّلاً |
عبد العزيز شيّد الشباكا) |
1 + 411 + 114 + 76 + 125 + 314 + 355
____________________
(1) يذكر السر أي. تي. ولسن في كتابه الثورة العراقية (ص58): (كان أول أعراض التوافق قد ظهرت في صيف 1919، حينما حضر جماعة السنة في مناسبتين الحفلات الشيعية التي أقيمت في ذكرى الفقيه الشيعي المجتهد السيد محمد كاظم اليزدي).
(2) السيد محمد مهدي بن حسن بن عبد الهادي الموسوي الخرسان: عالم جليل، رجالي، مؤرّخ، شاعر. ولد في النجف الأشرف 1347هـ / 1928م ونشأ به على والده العلَم. قرأ مقدماته الأولية ثم السطوح على والده والشيخ محمد رضا العامري والسيد محمود الحكيم والشيخ محمد علي التبريزي، ثم حضر الأبحاث العالية على السيد أبي القاسم الخوئي.
له: البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي - ت، منتقلة الطالبية للشريف الطباطبائي - ت، والاختصاص للشيخ المفيد - ت، وغيرها من المؤلّفات والتحقيقات.
(ترجمته في: الذريعة 14/246، 16/50، 17/163، 21/44، 24/160، جامع الأنساب 29، 156، معجم المؤلفين العراقيين 3/251، معجم المطبوعات النجفية 11، 237، 266، 346، 390، نقباء البشر 3/1118، معجم رجال الفكر 2/488، المنتخب 607، معجم الشعراء للجبوري 5/280).
(3) المحقق الطباطبائي: 3/1576.
مقبرة السيد اليزدي وسط الصحن الحيدري الشريف
- منظر خارجي -
منظر داخلي لمقبرة السيد اليزدي
منظر عام لجهة أخرى من مقبرة السيد اليزدي
أنشدت في أيام المآتم قصائد معتبرة كثيرة بالفصحى والعامية في تأبينه وتسلية أسرته، نشر بعضها في حينها بالصحف والمجلات، وللشاعر جميل صدقي الزهاوي(1) قصيدة في رثائه.
____________________
(1) لم نحصل على القصيدة. أما الشاعر، فهو: الأستاذ جميل صدقي بن محمد فيضي ابن الملا أحمد بابان. الزهاوي: شاعر، ينحو منحى الفلاسفة، من طلائع نهضة الأدب العربي في العصر الحاضر. مولده في بغداد سنة 1279هـ / 1863م. كان أبوه مفتيها. وبيته بيت علم ووجاهة في العراق. كردي الأصل، أجداده البابان أمراء السليمانية (شرقي كركوك)، ونسبة الزهاوي إلى (زهاو) كانت إمارة مستقلة وهي اليوم من أعمال إيران، وجدّته أم أبيه منها. وأول من نُسب إليها من أسرته والدُه محمد فيضي. نظم الشعر بالعربية والفارسية في حداثته. وتقلّب في مناصب مختلفة، فكان من أعضاء مجلس المعارف ببغداد، ثم من أعضاء محكمة الاستئناف، ثم أستاذاً للآداب العربية في دار الفنون بها، فأستاذاً للمجلة في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائباً عن المنتفق مجلس الأعيان العراقي، إلى أن توفّي سنة 1354هـ / 1936م.
كتب عن نفسه: كنت في صباي اسمي (المجنون)، لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجريء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية. له مقالات في كبريات المجلات العربية. ومن كتبه (الكائنات - ط)، (في الفلسفة والجاذبية وتعليلها) - ط، و(المجمل مما أرى - ط)، و(أشراك الداما - خ)، و(الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية - ط) صغير، نشر تباعاً في مجلة المقتطف، و(رباعيّات الخيام - ط) ترجمها شعراً ونثراً عن الفارسية. وشعره كثير يناهز عشرة آلاف بيت، منه: (ديوان الزهاوي - ط)، و(الكلم المنظوم - ط)، و(الشذرات - ط)، و(نزعات الشيطان - ط)، وكتاب (الزهاوي وديوانه المفقود) لهلال ناجي، وفيه شطحاته الشعرية، و(رباعيات الزهاوي - خ)، و(اللباب - ط)، و(الأوشال - ط).
ولرفائيل بطّي (كتاب) في حياة الزهاوي، سماه (فيلسوف بغداد في القرن العشرين - ط)، ولناصر الحاني (محاضرات عن جميل الزهاوي، حياته وشعره - ط).
(مصادر ترجمته:
من مقال للزركلي في جريدة 9 و10 سبتمبر 1924 ومجلة المجمع العلمي العربي 8/393 من مقال بقلم الزهاوي نفسه، وآخر بقلم طه الراوي 14/248 وفيه أ ن الزهاوي أخبره بأن مولده في 29 ذي الحجة 12379 ونثار الأفكار 1/27 من ترجمة له بقلمه، قال فيها إنه ولد سنة 1281هـ. والأدب العصري 1/5 والأهرام والمقطم 4 ذي الحجة 1354 والمقطم 23 ذي القعدة 1342 بقلم أحمد سلمن الطائي ومشاهير الكرد 1/163 وملوك العرب للريحاني 2/381 - 387. دليل العراق الرسمي لسنة 1936 الطبعة الإنكليزية ص587، معجم الشعراء العراقيين 83، تاريخ المحاماة في =
وممَّا قيل في رثائه قصيدة الشيخ كاظم آل نوح الكاظمي(1) :
نعى الناعي فدكدكها هضابا |
وضيّق في نواعيه الرحابا |
|
وغادر أعين العلياء تهمي |
دماً حزناً وتنسكب انسكابا |
|
وجاذب من بني مضر نفوساً |
فراحت وهي تنجذب انجذابا |
|
وغادر أربعاً لبني نزار |
مدى الأحقاب مقفرة يبابا |
|
وجدّ لهاشم يمنى نداها |
وهدّ صروح فهر والهضابا |
|
نعى فارتجت الأرضون حتى |
خشينا أن يعاجلها انقلابا |
|
أصمَّ مسامع الدنيا فلسنا |
نرى إلاّ بكاءً وانتحابا |
|
وشقّاً للجيوب ولطمَ وجهٍ |
وقلباً راح يلتهب التهابا |
|
ألا يا أيها الناعي رويداً |
ويا ملأ الردى فمك الترابا |
|
لمـَن تنعى؟ فنعيك فيه أودت |
بنو العليا ورأس المجد شابا |
|
فقال: فتى نزارٍ وشيخ فهرٍ |
وبدر هدىً تكامل ثم غابا |
|
ومَن للعلم شيّدها ربوعاً |
وكانت قبل مقفرة يبابا |
|
ومَن أحيا المحقق في مفيد |
لتحقيقاته باباً فبابا |
|
فثق ب (العروة الوثقى) ففيها |
تريك علومه أمراً عجابا |
____________________
= العراق للخياط 40، معجم المؤلفين 1/274، أعلام العراق الحديث 1/225، أعلام العراق في القرن العشرين 1/46، الموسوعة الموجزة 5/73، الأعلام 2/138، معجم الشعراء للجبوري 1/430).
(1) الشيخ كاظم آل نوح: شاعر، باحث، ولد في مدينة الكاظمية - العراق، سنة 1302هـ / 1885م. درس المقدمات على علماء عصره، كتب قصائده في مناسبات شتى، ولا سيّما في المناسبات الدينية، توفّي سنة 1379هـ / 1959م، طبع من كتبه: (ملاحظات تاريخية حول كتاب: تاريخ الأمة العربية) للمقدادي طبع سنة 1932، و(محمد والقرآن) 1936، و(القصيدة العلوية) 1942، وله ديوانه الشعري بعنوان: (ديوان الشيخ كاظم آل نوح) 1 - 3 بغداد 1949، و(طرق حديث الأئمة من قريش وفي بعضها من بني هاشم من الصحاح وغيرها) 1955، وله كتاب بتأليف مشترك بعنوان: (المواعظ الدينية الصحية) طبع سنة 1936، وله كتب خطية كثيرة.
(مصادر ترجمته: معجم المؤلفين العراقيين 3/26، شعراء بغداد، الأعلام 5/216، أعلام العراق في القرن العشرين 2/188، معجم الشعراء للجبوري 4/219).
ترى فيها الجواهر من بحارٍ |
تفيض فتُخجل الغيث انسكابا |
|
ونهجاً في صراطٍ مستقيمٍ |
يريك قواعداً شأت الهضابا |
|
وربَّ مسالكٍ للفقه ضاقت |
فعادت في رسائله رحابا |
|
لو أنّ الموت يُدفع لاستثارت |
بنو مضر له أُسْداً غضابا |
|
وراحت تمتطي للذبّ عنه |
عتاق الخيل والإبل الصعابا |
|
وسلّت من عزائمها سيوفاً |
أبت إلاّ الرقاب لها قرابا |
|
ولكن المقدّر وهو جار |
يغادر كل معمور خرابا |
|
لقد شرب الذين تقدّمونا |
كؤوساً سوف نحسوهنَّ صابا |
|
سقى الغيث الـمُلِّثُ ضريح قدسٍ |
حللت به ووالاه انسكابا |
ومما قيل في رثائه بالشعر المحلّي، ثلاث(1) قصائد للشاعر الملا علي التركي الكوفي(2) :
الأُولى:
بيت الدين عنّه اليوم ضيّه انحجب |
سهم البين وسفه إيصيب أهل الرتب |
* * *
جفن العلم عالوجنات يجري الدمع |
فاجد الضي البي چان يسطع يشع |
|
لجله مِحزنه العلاّم جمع ابجمع |
فگدوا الما بالشدّات ذلّ وارتهب |
* * *
مذخور أبو محمد چان لأهل الشدد |
سور الامكلس نحّار شامخ رصد |
____________________
(1) القصيدتان 1 و2 حصلت عليهما من حفيده المغفور له العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي.
(2) الملا علي بن عبد علي بن محمد إبراهيم التركي: شاعر شعبي، أديب. ولد في محلة الحويش بالنجف عام 1283هـ، ونشأ بها وتعلّم القرآن والكتابة وشيئاً من مقدّمات العلوم، وولع بحفظ الشعر واتصل بشعراء اللهجة الدارجة ونظم أول قصيدة سنة 1334هـ. وفي 1353هـ انتقل إلى الكوفة وامتهن كتابة العرائض واللوائح القانونية والسندات وغيرها. توفي سنة 1385هـ. جمع شعره كامل سلمان الجبوري ونشر الجزء الأول منه (بديوان) سنة 1392هـ.
بيه المحب والكرّاه دايم شهد |
علمه اعله لوح المحفوظ عروه انكتب |
* * *
ما بالعلم مثله أيصير شرق أو غرب |
لأهل العلم وأهل الدين وضّح درب |
|
من هيبته تروط الناس بُعد أو قرب |
سيفن صجيل لمـّاع موت الچهب |
* * *
ما تنعد اعلوم البيه ما نتحصه |
كثر الورق، كثر الذر، كثر الحصه |
|
للعالم الله أبكل شان قد خصّصه |
ظل الإله أعلى الناس فيّه انحسب |
* * *
للناس أبو محمد چان سامي ذره |
شامخ چهف چن أو سور للقاصره |
|
ما عز ابنفسه ابكل حال للجاوره |
فل الشدايد بالشان الها انتدب |
* * *
هل چيف نفسه المعروف فضله البده |
الطيب داره اعله الراس امشيّده |
|
يتشكر الحرّ للطيب حين السده |
والما شكر أصله انظيف لو ظن چذب |
* * *
نفسه عميد الإسلام فضله فله |
ما غيره عالم بالدين مثله ايحله |
|
إلّه الذي إز مام الدين ينقاد إله |
ذاك الذي كل نحرير ابعلمه اعتجب |
* * *
عالم عجيد العلاّم حدّ العلم |
شبل الأسد راعي الزود صاحب عزم |
|
نال الخلافة ابشعبان جدد رسم |
للعز عله حين الغاب عوده ابرجب |
* * *
بالعزّ تعلّه على الشان شاد الفخر |
شع بالعلم ضيّه انبان ضي القمر |
|
غاظ الخصم منّه انچاد ذل وانكسر |
بيّن صفر ذاك الچان ينعد ذهب |
* * *
البي دنس ما ينظام ما هو خفي |
الينحر الطيب ابطيب شان الوفي |
|
راد الخصم ضي الدين بي ينطفي |
أيّس بذل للمجهود سدّر تعب |
شامخ تسامه اعله الناس سور المنع |
شبل الذي للمخلوق زوده درع |
|
فقد أبو محمد بالدين بيّن صدع |
دم للدمع جفن الدين لجله سچب |
الثانية:
يا آية الباري يا بحر العلم |
بالدين سوّه اليوم فقدك ثلم |
* * *
عقبك ابيا حال العلم يا فحل |
يا لچان فيّك دون حدّك جبل |
|
انشال سرّ الدين حين انحمل |
نعشك السامي فوق روس الزلم |
* * *
العجب نعشك چي تزم ثقله روس |
وأنتم على عرش العلم جدمك يدوس |
|
نور المنابر يا لچنت بالدروس |
ظمك اشلون اللّحد حرّ يا شهم |
* * *
........................(1) خصصه |
والشدد بيدك ينحل اتخلبصه |
|
فضلك يبو محمد فلا ينحصه |
للدين علمك چان روح ابجسم |
* * *
بالعلم ما علمك مثله مثل |
سوّيته امن الاعوج عدل |
|
سدّيت بعلومك الچانت تحل |
من تصل چفك....(2) ما تتم |
* * *
للجار بعلومك أو جودك فدت |
تسعى ابمشاچلهم أولا هوّدت |
|
حاميت عن الناس قط ما صدت |
دافعت لا بالشر، ابسيف الحلم |
* * *
ما ينسه فضلك الما ينحسب |
الفضل عند أهله مثل ينضرب |
|
يشكر الطيّب طيّبه امن المحب |
والمو نظيف أصله ايتنكر يذم |
____________________
(1) الكتابة مطموسة.
(2) الكتابة مطموسة.
الطيب يسطع نور ما ينّچر |
الجيل يدرس وهوه يصبح بچر |
|
حرّ امصگر معتلي اعله الوچر |
يصطاد حرّ اليشنق امن النعم |
* * *
ظنّيت يا كاظم الغيظ النجف |
تگدر تجازيك السلف عن سلف |
|
لا جن الهمّة ايكون فيّ الخلف |
لا تشتّ عنّه المله ابقطع الرحم |
* * *
عالم فريد الدهر نبعة فقه |
دوحة أصول العلم ما له شبه |
|
منهل العلام ما يدير الوجه |
تيّار چفه بحر سيل العرم |
* * *
صاحب درايه شبل أبوه الأسد |
ضيّق على الشامت بعلمه الزرد |
|
للدين خيمه للمچارم عمد |
للناس غيره لا تصبّح يلم |
* * *
يا جب على الساچن ابروض الحمه |
يركن لبواحسين أعلى كل موزمه |
|
الكاظم اعلومه العلي امسلّمه |
ورث الوحي حبوه الفلا ينكتم |
الثالثة (1) ، ومنها:
اليوم وادي الطور چاسف نوره |
راح أبو محمود عزّه أو سوره |
* * *
طاح سور البيه مستّره الأنام |
مأمّنه چانت تحت فيّه الإسلام |
|
عگبه عين الدين عيّت ما تنام |
منذعر واعي انفگد ناطوره |
* * *
ما عله أهل الدين باس اعله النحيب |
أركن امن الحزن كل شاب المشيب |
|
چان أبو محمود للعلة طبيب |
چيف لقمان السگم دختوره |
* * *
ما عرف غيره ابمباشرة العلل |
بالفقه والزهد واصلاح الدول |
____________________
(1) ديوان الملا علي التركي 1/9 - 10.
بيه بالإسلام ما بان الخلل |
حرز حافظ للخلل ساتوره |
* * *
علم رباني الما مثله علم |
فخر ما ينحرز إي شامخ نعم |
|
بالعلم سهمه فلا مثله سهم |
بحر لا چن غطّه كل ابحوره |
* * *
الشيخ علي البازي
الشاعر جمي s ل صدقي الزهاوي
الملا علي التركي
الشيخ عبد الحسين الحويزي
سجل الخالدين
قال الشيخ عباس القمي (قُدِّس سرّه):
(سيّد علماء الأمة وشيخ طائفتها، حامل لواء الشيعة ومختلفها، وقطب رحى الشريعة وموئلها، فقيه بيت العصمة وكاظمهم، والناهض بأعباء الأمة وناصحهم، فقيه عصرنا وبركة دهرنا. قد ملأت فتاواه الأسماع، ووقع على تقدّمه وفضله الإجماع، صاحب المصنفات المعروفة والتعليقات المشهورة، من أكبر جهابذة الإسلام، ومَن يرجع إلى قوله في الحلّ والإبرام والحلال والحرام، قِبلة الأنام وسيّد الفقهاء العظام، حجة الإسلام وآية الملك العلاّم، أدام الله بركات برّه وجوده وأزهر الزمان بشريف وجوده)(1) .
وقال السيد حسن الصدر صاحب "تكملة أمل الآمل"، ما نصه:
(لم أر مثله في بذل الجهد، وكثرة الكد والجد والاشتغال، حتى ملك من العلم زمامه، وكشف من الفقه لثامه، ولم يضيع الله سبحانه له تعبه وجهاده في الدين، فأعطاه الرياسة الكبرى والجلالة العظمى...)(2) .
وقال السيد محسن الأمين العاملي:
(كان فقيهاً أصولياً، محققاً، مدققاً، انتهت إليه الرياسة العلمية، وكان معوّل التقليد في المسائل الشرعية عليه، وقبض على زعامة عامة الإمامية وسوادهم، وجبيت إليه الأموال الكثيرة مما يقل أن يتفق نظيره، ولكن كثيرين من الناس كانوا ناقمين على وجوه صرفها)(3) .
وقال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء:
(... فإنه لا نعمة لله جل شأنه على العباد بعد الإيمان به، أفضل ولا أكمل ولا أسمى ولا أسنى ولا أرفع ولا أنفع من محمد وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم)، فإنهم
____________________
(1) فوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية للشيخ عباس القمي، ط إيران - 597.
(2) فوائد الرضوية: 597.
(3) أعيان الشيعة، ط 5 /14/347 - 348.
الرحمة على العالمين، ومصابيح الهدى في الدنيا والدين، فما من مكرمة ولا منقبة ولا فضيلة إلا منهم تبتدي، وإليهم تنتهي، وعنهم تؤثر، وبهم تذكر، ومنهم تنبع، وإليهم ترجع.
وكانت أعمارهم الشريفة موزّعة: شطراً منها للتعليم والإرشاد، والدلالة على سبل مرامة المعايش والمعاد، وشطراً للانقطاع إلى الله سبحانه والمثول بين يديه، والأنس بالضراعة لديه، والاستغراق في تقديسه وتمجيده، والتلذّذ بمناجاته والثناء عليه، بقدسي أسمائه وصفاته، حتى جاء إلينا عنهم من ذلك واجتمع على قصر المدة، وعظيم البلاء والشدة، ما لم يجيء ولم يجتمع للأنبياء السابقين والأولياء السالفين، والحكماء الغابرين، على مرور الدهور، وكرور الأحقاب والعصور، فجزى الله محمداً وآله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عمّن أرسل إليه.
وحيث إن سيدنا الأستاذ الأعظم حجة الإسلام والمسلمين، آية الله في العالمين، السيد محمد كاظم الطباطبائي (أدام الله ظله) جذوة ذلك المقباس، ونبعة ذلك الغراس، وشرافت ذيالك الشرف، وخلف ذاك السلف، لذلك تجده (أدام الله أيامه) لم يتخطَّ عن جادتهم، ولم يمل عن طريقتهم، وهو بهم (سلام الله عليهم) أشبه من غيره من الشخص بظلاله، والشيء بمثاله، فيم تزل أوقاته الشريفة ولا تزال، في جميع الأحوال، منذ أول عمره إلى اليوم، لا يصرف شيئاً من وقته إلاّ في العلم والتعليم، والمطالبة والتدريس، والفكر والتأليف، وكان أيده الله في مبادي أمره عند الخلوة والفراغ، وطلب الاستراحة لا يجد راحة لقلبه إلاّ بمناجاة ربه، والضراعة إليه والخلوة به، وكان ربما ينشئ بعض العبارات، ويجري على لسانه ما يمليه عليه خاطره من الأدعية والمناجاة، وربما رسم بعضها على قطع الورق غير معتد بها، ولا صارف إليها نظر الرعاية، ولا جاعلاً لها محلاً من التكلّف والعناية، ولكن أحب بعض الصالحين أن يجمع شمل شتاتها، وينظم عقد متفرقاتها، فجاءت كما ترى كالمرآة المجلوة، والصحيفة المتلوة، تحكي لك وتحاكي الأدعية العالية المأثورة عن آبائه وأجداده (سلام الله عليهم)، وإذا قستها إلى أدعية الصحيفة ومناجاتها تنشد قائلاً غير مبالغ ولا مرتاب:
فهذا السنا الوضّاح من ذلك السنا |
وهذا الشذا الفيّاح من ذلك الوادي |
فاغتنمها خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، مشحونة بالمعارف الإلهية،
والأسرار القدسية، ودقائق التحميد والتمجيد، ورقائق التنزيه والتوحيد.
وأسأل الله سبحانه أن يحفظ الدين بحفظ منشيها، ويسلم قواعد الإسلام بسلامة بانيها، إنه الكريم المنان، وبه المستعان، وعليه التكلان)(1) .
وقال الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (قدّس سرّه) أيضاً، يصفه في بعض مؤلّفاته، ما نصّه:
(وبعد فقد تشرّفت نواظري وتصرّفتْ بالتدبر خواطري، في منثور كلمات سمح بها قلم حجة الإسلام والمسلمين وآية الله في الأرضين، خليفة أجداده الطاهرين في العالمين، الذي حفظ الله به دعائم الشرع وشيك انحطاطها، وأمسك به رمق حشا الدين أزيف انقطاع نياطها وطي أنماطها، وألقى إليه إقليد التقليد، وخصلت إليه مرجعية الفرقة الإمامية من قريب وبعيد، علامة العلماء الأعاظم، بحر العلم المتلاطم، سيدنا وأستاذنا الشريف السيّد محمّد كاظم الطباطبائي (حفظ الله بحفظه شريعة جدّه وآبائه، وأبقاه بقيّاً عليها بطول بقائه). فإنه (أدام الله ظله) كما أسبغ فضله حرصاً على الكمال وشغفاً بالعلم وشوقاً إلى الفضائل، كان وإلى الآن لا يدع آناً من آنائه، ولا خطرة فكر ولا نظرة بصر من عينه ورائه، إلاّ وهي مشغولة في كسب السعادة وطلب الحسنى من الله وزيادة. ومن ثم لم يزل منذ نعومة أظفاره، إلى هذا اليوم الذي ملأ سمع الدهر بصوت صيته واشتهاره، لا يزال عند الفراغ من فرائضه الدينية وما يحتم من استيفاء حظوظه القلبية والقالبية من عمل بر وتقوى، أو إصلاح بين الناس أو فتوى، أو تصنيف ومراجعة، أو تدريس ومطالعة، أو غير ذلك من كل حادثة شرعية وقضية دينية، فإنه اليوم (أعزّه الله) مدار ذلك كلّه، ومالك عقده وحلّه، من كل طالب دينٍ أو علم في العالم، أو متمسك بشريعة جده سيّد ولد آدم، ومحلّى أنامل يده بعروة ذلك الخاتم، ونحن نبث ذرايع الشكر وروايع الحمد لله جل شأنه على رجوع الحق فيه إلى نصابه، فإنه أيده الله أولى بشريعة جده وشريعة جده أولى به وليست الثكلى كالمستأجرة، ولا الوالدة العطوف كالمستظأرة...)(2) .
____________________
(1) الصحيفة الكاظمية / المقدمة، ط دار السلام - بغداد 1337هـ، انظر: الملحق رقم (3) في آخر الكتاب.
(2) المحقق الطباطبائي: 3/752 - 753.
قال الشيخ أغا بزرك الطهراني:
(السيد العلامة، الأجل، حجة الإسلام، وآية الله على الأنام، سيدنا ومولانا السيد محمد كاظم بن السيد الجليل السيد عبد العظيم الطباطبائي اليزدي النجفي... مرجع الشيعة، وحافظ الشريعة، والمنتهي إليه الرئاسة العامة الإلهية، على الطائفة الحقّة الإمامية...)(1) .
وقال العلاّمة الشيخ محمّد تقي الآملي:
(فقيه أهل البيت وكاشف الرموز والمعضلات، ومبين الحقائق والمشكلات، آية الله على الإطلاق، الحبر المعتمد، والسيّد السند، السيّد محمّد كاظم اليزدي، ابن السيّد عبد العظيم الطباطبائي اليزدي، فقيه متبحر، جامع محقق، محيط بالفقه وفروعه إحاطة يشهد بكثرة تدبره وسعة تحقيقه وتدقيقه ما أبرزه في تعليقته على متاجر أستاذ الأساتيذ الشيخ الأكبر الأنصاري (قدّس سرّه)... هاجر إلى النجف الأشرف متلمّذاً عند الأعلام من علماء العراق حتى انتهت إليه الرياسة العامة وصار مرجعاً للشيعة كافة...)(2) .
قال العلامة الشيخ محمد حرز الدين:
(نال - المترجم له - رئاسة واسعة النطاق، خصوصاً في أيامه الأخيرة، بل أصبح الفقيه الأعظم، والزعيم المطلق الذي لا يدانيه أحد. وكان بحراً متلاطماً علماً وتحقيقاً ومتانة، مستحضراً للفروع الفقهية ومتون الأخبار. وحضرت بحثه أوائل أمره لأجل الاختبار أياماً قلائل... وكان (قده) مرجعاً عاماً تأتي إليه الاستفتاءات من جميع الأقطار الإسلامية، وكان ملحوظاً عند السلطة الحاكمة المتأخرة في العراق، لما له في نفوس المسلمين من الإطاعة والنفوذ...)(3) .
وقال الشيخ محمد حسين الأعلمي:
(.. وكان - قدّس سرّه - يدرّس الفقه في الغري السري بلسانه الطلق، ويلقي
____________________
(1) نقباء البشر - القسم المخطوط - ص15.
(2) المحقق الطباطبائي 3/753.
(3) معارف الرجال 2/326، 328.
المطالب الجليلة على طلاب مجلسه ببيانه الذلف، وكانت حوزته الباهرة في هذه الأواخر أجمع وأوسع وأنفع من أكثر فقهاء عصره وفضلاء مصره، ومن غاية تسلطه في الفقه ومهارته العجيبة أنه لا يتأمل في المسألة كثيراً، بل يمشي سريعاً يطوي مراحل الفقه بأهون ما يكون، وكان يستدل على المسألة الواحدة بنظائر كثيرة لها في الفقه...)(1) .
قال الشيخ محمد هادي الأميني:
(الفقيه الأصولي الكبير، والزعيم الديني الجليل، والفقيه الأعظم، والرئيس المطلق الذي لا يدانيه أحد. وكان بحراً متلاطماً علماً وتحقيقاً ومتانة. مستحضراً للفروع الفقهية ومتون الأخبار، له التضلع في المعقول والمنقول والأدب. ومن شيوخ الفقه والأصول، عابد زاهد، ورع تقيّ، لم تتمكن السياسة من إغرائه وافتتانه وتخديره وجذبه رغم محاولاتها الشيطانية ومواعيدها الدنيوية الضئيلة)(2) .
وقال الشيخ حلمي عبد الرءوف السنان:
(حاز من الفقه قصبه المعلّى وارتقى من أثباج العلم أعلاها، فهو بحق المصداق الكامل لمن فرّع الفروع عن الأصول، وأرجع الصغريات إلى كبرياتها، وقد دأب على ذلك طيلة حياته.
ولم يفتأ مؤلّفاً محققاً، للعلماء مربياً، وللفقهاء موجّهاً وراعياً وحافظاً، على رغم ما اشتملت عليه الفترة الزمنية التي عاشها ممّا يوجب اشتغال البال وتشتّت الحال؛ من فتنٍ وحروبٍ داخلية وخارجية، كآثار ومجترّات فتنة الزگرت والشمرت، وما جرّته مسألة المستبدة والمشروطة، وتداعيات ثورة العشرين في العراق، وما ترتب على الاحتلال البريطاني للعراق من ويلات على الشيعة عامة؛ وعلى أهل العراق خاصة. وقد حاول بحنطة السياسية - قدر الجهد والطاقة - تجنيب وإبعاد الحوزة العلمية في النجف الأشرف عن كل ذلك، رغم دعمه الجلي للمقاتلين والمجاهدين المتوجهين لمقاتلة الإنجليز آنذاك، بل كان على رأس من أرسلهم لذلك ابنه السيد محمد، وكان من خيرة أفاضل النجف الأشرف وعلمائها، كل ذلك حفظاً لكيان التشيع عن الضياع
____________________
(1) منار الهدى: ص150.
(2) معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 3/1358 - 1359.
والتشتت، وتوحيداً لصف المؤمنين في مقابلة العدو المشترك، ولذا فالتاريخ قد نقل لنا الكثير من رسائله لأطراف البلاد آنذاك من شيوخ العشائر والقبائل والعلماء والمشايخ والوكلاء عنه في النواحي داخل العراق وخارجه، يحثّهم على الجهاد والحركة ضد الاستعمار آنذاك.
فكان بحقّ الفقيه في سياسته والسياسي في تدبيره لأمور الناس، كما كان على الصعيد الفقهي المبرّز بين أقرانه ومعاصريه، بل قد اشتهر بذلك جداً حتى دان له بذلك القاصي والداني، ودانت له المرجعية العامة للإمامية، ولم يكن في هذا المجال فقط، بل كان أصولياً محقّقاً من الطراز الأول في هذا الفن(1) .
____________________
(1) كتاب التعارض / المقدمة ص6 - 7.
أولاده وأحفاده وأعلام أسرته(1)
تزوّج السيد اليزدي عام 1286هـ مع كريمة الحاج ملا حسن اليزدي، وكان من صلحاء التجّار المقيمين في النجف الأشرف(2) ، فطلب من السيّد اليزدي أن يتزوّج مع كريمته، وكان قد جاء بها من يزد، ففي بادئ الأمر رفض السيّد اليزدي اقتراحه المذكور، وبعد ما سأله عن العّلة في ذلك أجاب السيّد: بأني رجل فقير لا أملك إلاّ نفسي! وأنت رجل تاجر قد عاشت بنتك في رفاهية من العيش، ولا يجوز لي أن أجبرها على معيشة الفقراء. وعندما سمع الحاج ملا حسن ذلك منه، طلب منه أن ينزل السيّد اليزدي إلى رغبته ويتكفّل هو بنفسه معيشته ومعيشة عياله وولده ما دام حياً، فرغّب السيّد إلى ذلك وأجابه بالقبول، فكان أولاد السيّد اليزدي يخاطبون جدهم المذكور بـ (أبو).
وبعد أن تزوّج السيّد اليزدي مع كريمة الحاج ملا حسن، جمع الحاج المذكور من زملائه التجار الذي كانوا يقيمون في النجف الأشرف مبلغاً اشترى به بيتاً للسيّد اليزدي في محلة الحويش، في الزقاق الواقع خلف مسجد الشيخ الأنصاري المعروف بمسجد الترك. فكان ما دام حيّاً هو المتكفّل لأمور السيّد اليزدي وعائلته، والسيّد اليزدي مشغول بالتدريس والتأليف والمطالعة والمذاكرة، من دون أن يكون له أي تشويش خاطر من جانب العيال. فأولدت له خمسة أولاد ذكوراً وبنتاً واحدة، وهي العلوية (زهرة)، ولدت قبل ظهر يوم الخميس 7 ربيع الثاني 1292هـ، فقد تزوجها ابن
____________________
(1) اعتمدنا في تواريخ الولادات والوَفَيَات على ما كتبه السيد عبد العزيز الطباطبائي في مسوّدات كتابه عن السيد اليزدي، وبعضها يختلف عما أوردته المصادر الأخرى.
(2) ذكره المحدّث الجليل الشيخ عباس القمي في (مفاتيح الجنان) في باب ثواب زيارة عاشوراء: (وكان محباً للعلماء سيّما السادات منهم).
(ترجمته في: مفاخر يزد 2/888 - 889، الكرام البررة 1/353، تراجم الرجال 2/455، فهرست نسخة هاي خطى كتابخانة آيت الله مرعشي نجفي 25/101، الذريعة 13/239 - 220، 17/75 - 74، 24/189، دائرة المعارف الشيعية العامة 17/329، سيد محمد كاظم يزدي، فقيه دور أنديش 113).
عم السيّد اليزدي المرحوم السيّد إسماعيل الطباطبائي اليزدي، فأولدت له من الذكور: السيّد جواد والد المحقق السيّد عبد العزيز الطباطبائي، والسيّد هاشم.
وأما الذكور، فهم:
1 - السيد محمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي النجفي (1286 - 1334هـ /.... - 1915م).
أكبر أنجال السيد اليزدي، عالم كبير، فاضل مجتهد، مجاهد جليل، من أساتذة الفقه والأصول، ومن أعلام النجف، وأهل الفضل المعروفين بالتقى والصلاح.
ولد في النجف الأشرف بعد ظهر الخميس 26 رمضان 1286هـ، وتتلمذ على تلاميذ والده، وتخرّج على شيوخ النجف، وتصدّى للتدريس في حياة والده، ويحضر عنده جملة من الفضلاء والمشتغلين كالسيد أحمد الخوانساري المرجع الديني المعروف بطهران، وكان المرشح لتصدي الزعامة الروحية الكبرى بعد والده.
أجازه والده بالاجتهاد بإجازة مفصّلة (وإذا عرفنا تشدّد السيد (رحمه الله) في أمر الإجازات والشهادات العلمية، وتحرّجه عن الاعتراف لأحد، بحيث لم تصدر منه إلا بضعٍ إجازات لتلاميذه وأفاضل عصره، وهذه أحسنها وأرقاها، لعلمنا أن السيد محمد من كبار مجتهدي عصره وفحول فقهاء الطائفة في زمانه، وقد أسهم في تأليف كتاب العروة الوثقى، فبدايات كتاب الحج من العروة الوثقى التي هي في آداب الحج ومقدماته هي له (رحمه الله)، وقد صرّح بذلك في ص477 بما نصه: من أول كتاب الحج إلى هنا لنجله حضرة السيد محمد. ويكفينا في التعرّف عليه والتعريف به تلكم الكلمات الذهبية التي أفادها السيد والده في الإشادة بسامي مرتبته، وذلك فيما أجاز له بالاجتهاد المطلق وبلوغ المراتب السامية من الفقه والاستنباط والتشريع)(1) .
ولهذا كان والده يحبّه حبّاً جماً، وكان مما قال والده في الإشادة بسامي رتبته، وعلوّ مقامه: (فأنا أحمد الله سبحانه وتعالى على أن تفضل به عليّ ولداً فاضلاً تقيّاً، ووفّقه لما كنت أرجوه فيه وأؤهّله له من المحل الرفيع في العلم والتقوى، حتى نال بجدّه وكدّه المرتبة العالية من ذلك، وصار ذا ملكة قدسية في استنباط الأحكام الشرعية، فهو مجتهد عدل، يجب العمل برأيه
____________________
(1) كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز[ الطباطبائي ].
السيد محمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
الصفحة الأولى من مخطوطة كتاب (الخرقة)
للسيد محمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
ويحرم عليه الرجوع إلى غيره، ويجوز لغيره أن يرجع إليه...)(1) .
كان أحد الزعماء المجاهدين الذين ذهبوا إلى الجهاد لمقاومة الإنكليز المحتلين ممثّلاً عن والده، وسفيراً له، ولساناً ناطقاً باسمه، وعند عودته من ساحة الحرب ووصوله مدينة الكاظمية، اعتلّ أياماً، انتهت بوفاته غرة يوم الجمعة 12 جمادى الأولى سنة 1334هـ(2) .
وقد أرّخ وفاته الشيخ علي البازي بقوله(3) :
قد أُثكلِتْ حُججُ الأنامِ بفقد مَن |
كانت تُؤمِّل أن يَشيد نظامها |
|
ناحت عليه وأرَّختُه: (مجاهداً |
فتنكَّست لمحمدٍ أعلامها) |
1334هـ
وأرّخه أيضاً:
لله خطبٌ قد أصاب محمداً |
لمختار طاها بابن أعظم سيد |
|
ومدارس الشرع المقدس أرَّخت: |
(للدين تنعى بافتقاد محمد |
1334هـ
ونقل إلى النجف وصلّى عليه والده ودفن في الصحن الشريف، في المقبرة التي دفن فيها بعده والده (ره).
مؤلّفاته :
- تقريرات في الفقه والأصول.
- كتاب الحج، طبع ضمن كتاب العروة الوثقى ص 466.
- الكشكول: رسالة في فضل الكتب واقتنائها.
- صحائف الأبرار في وظائف صلاة الليل(4) .
- الخرقة: كشكول في الحكم والمواعظ، نثراً وشعراً(5) .
____________________
(1) ن. م.
(2) ورد في منار الهدى (ص205) أن وفاته كانت ليلة السبت 25 جمادى الأولى.
(3) أدب التأريخ - خ - ص18.
(4) الذريعة 15/.
(5) الذريعة 7/.
مكتبته:
كانت له مكتبة كبيرة جمع كتبها عندما حاز والده الزعامة الدينية، وكانت حاوية لسائر العلوم والفنون من عربية وفارسية، وفيها من الكتب التأريخية المترجمة عن العربية إلى الفارسية أو العكس، الكثير، وأكثر ما فيها مطبوع، وكان مجّداً في تحصيلها واستنساخها، وجعل لها فهرساً فارسياً، في اسم الكتاب وقيمته ومحل شرائه، وقد بيعت بعد وفاته وتفرقّت ولم يبق منها إلاّ القليل عند أولاده(1) .
أولاده:
أ - السيد محمد باقر: متولّي مدرسة اليزدي الكبرى، وكانت لديه مكتبة - وهي حصته من مكتبة والده - باع بعضها خارج العراق(2) . توفّي ليلة 26 صفر 1393هـ ودفن من الغد في مقبرة الأسرة.
ب - السيد محمد رضا (1314 - 1403هـ): أديب فاضل، مؤلف جليل، عالم سياسي. ولد في النجف الأشرف، وقرأ ودرس بها وتعلّم، وتتلمذ على أبيه، ثم سافر إلى الهند وأقام فيها سنين طويلة، وعاد إلى العراق، واستوطن الكاظمية واشتغل بالتجارة، وعلى إثر العاصفة السياسية انتقل إلى طهران، وأقام فيها حتى وفاته في 16 ذي الحجة 1403هـ. له: كتاب (بزم إيران). طبع في المطبعة العلمية 1380هـ.
وخلفه: السيد مصطفى.
(ترجمته في: الذريعة 3/103، معجم رجال الفكر 3/1359).
ج - السيد محمد تقي:
توفي ليلة عيد الفطر سنة 1395هـ في طهران.
(مصادر ترجمته: الذريعة 7/148، 815، 16/272، 7/148، معارف الرجال 2/329، أحسن الوديعة 1/168، ماضي النجف 1/160، گنجينة دانشمندان 7/440، منار الهدى في الأنساب 205، بقايا الأطياب 58، معجم رجال الفكر والأدب 3/1359، مجلة لغة العرب س 2/375، رحلة الجهاد لكاشف الغطاء - ملحق رقم 1 في هذا الكتاب، مسوَّدات كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز - خ - شهداي روحانيت شيعة ص 140 - 143، سيد محمد كاظم يزدي فقيه
____________________
(1) ماضي النجف وحاضرها: 1/161.
(2) الذريعة: 6/401.
دورانديش 113، شكوه پارسايي وپايداري 77، معجم مؤلفي الشيعة 458، گلش أبرار 450، مفاخر يزد ي422 - 423).
2 - السيد علي بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي النجفي (1289 - 1367هـ).
وهو الابن الثاني للسيد اليزدي، عالم ديني، ورجل سياسة. ولد في النجف الأشرف صباح الثلاثاء 6 / ربيع الأول / 1289هـ. قرأ على الشيخ محمد إبراهيم اليزدي، وفي عام 1307هـ هاجر إلى سامراء ومكث بها خمس سنين قرأ فيها على الإمام المجدد الشيرازي والعلامة الفشارگي، وفي عام 1312هـ رجع إلى النجف فحضر على أبيه والمحقق الفقيه الأغا رضا الأصفهاني والمحقق النهاوندي، وبعد وفاة والده السيد اليزدي، صار يؤم الناس بصلاة الجماعة في الصحن الحيدري. توفّي في النجف في ربيع الأول 1367هـ، ودفن في مقبرة الأسرة 1370هـ.
له من الأولاد:
أ - السيد حسين: من كريمة الحاج صادق الكرماني، التاجر المعروف.
ب - السيد إبراهيم: من كريمة السيد جعفر آل بحر العلوم.
وصاهر آية الله الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم.
(ترجمته في: أعيان الشيعة ط 5/14/348، أحسن الوديعة 1/168، منار الهدى 140، الجذور السياسية ص 124).
3 - السيد محمود بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1299 - 1336هـ).
ولد في النجف الأشرف سنة 1299هـ. قرأ على الشيخ حبيب الأردبيلي. وكان الوحيد القائم بأمور والده سيّما في السنين الأخيرة، حيث تضاعفت أمور المرجعية وكثرت أشغالها من ذي قبل. توفي في رمضان سنة 1335هـ، وجاء في تأريخه:
ماه كاظم فحباه علماً |
فأصبح آخذاً منه نصيبه |
السيد علي بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
السيد علي بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ونجله السيد إبراهيم
آب عن حسن سيرته فأرخ: |
(قضى المحمود محمود النقيبه) |
1335هـ
له من الأولاد:
أ - السيد حسين بن السيد محمود: عالم فاضل، مجتهد جليل، من أساتذة الفقه والأصول، مؤلف متتبع، من أعيان علماء النجف وأجلاَّءهم. له: (آيات الأحكام على المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري 1 - 5)، و(التحفة الحسينية في الإمامة)، و(تعليقات على العروة الوثقى ط 1 - 2)، و(تقريرات شيوخه في الفقه والأصول). أقام في النجف منذ ولادته حتى وفاته يوم 22 رمضان 1386هـ، في مستشفى الشعب ببغداد، ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن في ليلة القدر في مقبرة الأسرة. وقد رثاه وأرّخ وفاته أحد الشعراء بقوله:
أنعاه لم يصغ إلى باطل |
سمعاً ولم يغض عن الحق عين |
|
عاش زكي النفس في هذه |
الدنيا نقي الثوب من كل شين |
|
في ليلة القدر ح.... على |
أجنحة الأملاك لا المنكبين |
|
على هدى ناصع تأريخه: |
(رفت إلى الجنات روح الحسين) |
1386هـ
أولاده:
أ - محمود بن السيد حسين بن السيد محمود.
ب - مصطفى بن السيد حسين بن السيد محمود.
ج - مرتضى بن السيد حسين بن السيد محمود.
د - رضا بن السيد حسين بن السيد محمود.
فاضل جليل ورع متواضع من أجلاء المشتغلين.
ولد في النجف سنة 1366هـ / 1947م وقرأ على أبيه وعلى بعض الأعلام كالسيد الخوئي والميرزا كاظم التبريزي. وعند تهجير الإيرانيين سنة 1390هـ. هاجر إلى إيران وأقام في مدينة قم وواصل البحث والمطالعة والدرس، ويتّصف بالتقوى والأخلاق والفضيلة، قليل الاختلاط
السيد محمود بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
بالناس، حليف العزلة والعبادة.
أولاده: السيد حسين، السيد مهدي، السيد علي.
له: بداية الأخلاق في تلخيص جامع السعادات ط، تقريرات أستاذه التبريزي، شرح الكفاية، بداية الفقه.
(ترجمته في: معجم رجال الفكر 3/1360).
(ترجمته السيد محمود بن السيد محمد كاظم في: معجم رجال الفكر 3/1360، كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز).
4 - السيّد أحمد بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1295 - 1332هـ).
ولد أول المغرب من يوم السبت 18 / ربيع الأول / 1295هـ. توفّي في حياة والده وهو شاب، وكان له من الأولاد: السيّد جمال، والسيّد كمال، والسيّد نظام، والسيّد محسن كلهم من كريمة السيّد صدر الراونجي. توفي في 11 جمادى الأولى 1332هـ.
5 - السيّد حسن بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1298 - 1325هـ).
ولد بعد ظهر الخميس 27 شوال 1298هـ، وتوفي في حياة والده وهو شاب في 25 محرم 1325هـ، وكان له ولداً واحداً من كريمة السيّد محمّد نبي سبط الشيخ الأنصاري، ولد بعد وفاة أبيه فسمّوه باسمه (السيّد حسن).
وتزوّج السيد اليزدي في أيام مرجعيته مع كريمة الشيخ كاظم التبريزي، فأنجبت له ولداً واحداً وهو العلاّمة السيّد أسد الله الطباطبائي.
والبنات الخمس للسيد اليزدي: تزوج إحداهن العلاّمة السيّد محمّد علي بن العالم المقدس السيّد حسن الكشميري، وأولادها: السيّد عبد الكريم الكشميري، والسيّد كاظم، والسيّد رضا، والسيّد صالح.
وأما سائر بناته، فلم يتزوجن إلى آخر عمرهن، وقد توفين كلّهن.
ويذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني أن للسيد زوجة أخرى هي ابنة الشيخ علي
اليزدي(1) .
6 - السيد أسد الله بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1323 - 1393هـ)، وهو أصغر أولاد السيد اليزدي.
ولد في النجف بشهر جمادى الثانية 1323هـ، وقد كتب السيد حبيب الخوئي النقيب من أصفهان بتأريخ 17 رجب 1324هـ رسالة إلى السيد اليزدي يهنئه بضمنها بولادة السيد أسد بعدّة أبيات. قال في آخرها مؤرخاً:
بحر الندى، قطب التقى، أرّخ: |
(بدا، نجم حكى، أسد الإله الغالب) |
نشأ وترعرع في حجور علمية من فضلاء تلامذة والده، فلما فرغ من المبادئ. قرأ السطوح على الميرزا باقر الزنجاني، وابن أخته السيد جواد الطباطبائي. ولمّا فرغ من السطوح حضر الأبحاث الخارجية فقهاً على الشيخ كاظم الشيرازي والسيد محسن الحكيم، وأصولاً على الشيخ محمد علي الكاظمي والشيخ علي محمد البروجردي وغيرهم. أصبح عميد أسرة السيد اليزدي متفرّغاً لأداء الخدمات الدينية والاجتماعية. توفّي في المستشفى بطهران - إيران في غرّة صفر 1393هـ، ودفن في قم، وقد وضع أمانة حتى ينقل إلى النجف حيث مقبرة والده السيد اليزدي. وهو صهر العلاّمة الشيخ علي الكلباسي (سبط الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر)، وقد زوّج ابنته إلى العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي.
وابنه المهندس: السيد كاظم الطباطبائي.
(ترجمته في: مجمع الأنساب 325، شكوه پارسايي پايداري 79، سيد محمد كاظم يزدي فقيه دورانديش 114، گلشن أبرار 1/450، معارف الرجال 326، مفاخر يزد 409، تربت باكان قم 1/402 - 403، حوادث الأيام ركه در (مجلة ميراث إسلامي إيران)، دفتر نهم چابي، كتاب السيد اليزدي للسيد عبد العزيز - خ -، دائرة معارف الأعلمي 27/96).
____________________
(1) هدية الرازي 131.
7 - السيد إسماعيل بن حسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن علي الطباطبائي اليزدي (ت1345هـ).
لا تتوفر معلومات عن تفاصيل حياته. كان أبوه قد ذهب إلى النجف الأشرف لتلقّي العلوم الدينية، وهناك تزوّج العلوية زهراء بنت السيد محمد كاظم اليزدي، وكان من تلامذته في النجف. أنهى سنة 1309 هـ كتابة الحاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري، الذي ألّفه السيد اليزدي بخطّه الجميل. توفي في كاشمر في 17 شعبان 1345هـ ودفن هناك. وهو والد السيد جواد الطباطبائي.
(ترجمته في: النجوم المسرّد 30، مفاخر يزدي 309 - 410).
8 - السيد جواد بن إسماعيل بن حسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن علي الطباطبائي اليزدي (1306 - 1363هـ).
ولد في النجف الأشرف سنة 1306هـ. أنهى دراسته للعلوم الدينية في الحوزة العلمية بالنجف، وكانت له مباحثات مع الشيخ علي أصغر الأبرسجي الشاهرودي في مدرسة السيد اليزدي بالنجف بجزء كبير من كتاب "جواهر الكلام". كان يتمتع بذاكرة قويّة، فقد حفظ قسماً كبيراً من كتاب العروة الوثقى. كان عالماً، متقياً، عابداً يواصل إحياء الليل، على درجة عالية من الزهد. أصيب بوعكة صحية ألمّت به في أوآخر رجب 1363هـ غادر على أثرها النجف إلى طهران للعلاج، وفي سحر 9 شوال 1363هـ توفّي فيها، ودفن في صحن السيد عبد العظيم الحسني في ريشهر، وكان قد تزوّج من بتول بنت (بي بي بگم) بنت خديجة بنت زهراء بنت الشيخ مرتضى الأنصاري (صاحب المكاسب).
أولاده:
- السيد عبد العزيز: سترد ترجمته. وهو الوحيد لأمه، والآخرين لأم أخرى.
- عبد المحمد: ولد ليلة الخميس 26 / ذي الحجة / 1357هـ.
- حليمة بگم: ولدت في 21 / صفر / 1356هـ.
السيد أسد الله بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
- فاطمه بگم (عزّة): ولدت يوم الثلاثاء 25 / ذي الحجة / 1360هـ.
(ترجمته في: اختران فروزان ري وتهران 137 - 139، سيد محمد كاظم يزدي فقيه دورانديش 114، گنجينة دانشمندان 9/231، مفاخر يزيد 410 - 411).
9 - السيد عبد العزيز بن جواد بن إسماعيل بن حسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن علي، (المحقق الطباطبائي) اليزدي (1348 - 1416هـ).
عالم جليل، محقّق، مؤلّف.
ولد في النجف الأشرف في 21 / جمادى الآخرة / سنة 1348هـ، ونشأ به. اتجه لطلب العلم: فقرأ العلوم الأدبية من الصرف والنحو على السيد هاشم الحسيني الطهراني، والمنطق على السيد جليل بن عبد الحي الطباطبائي اليزدي، والفلسفة على السيد عبد الأعلى السبزواري والشيخ صدرا البادكوبي. كما تتلمذ في السطوح المتوسطة والعالية على السيد ميرزا حسن النبوي الخراساني، والكاشمري، وعلى الشيخ ذبيح الله القوچاني، والسيد علي الفاني الأصفهاني، والشيخ عبد الحسين الرشتي، والشيخ مجتبى اللنكراني. ثم حضر الأبحاث العالية على السيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد أبو القاسم الخوئي، والشيخ حسين الحلي. وفي الرجال والفوائد العامة على آغا بزرك الطهراني والشيخ عبد الحسين الأميني، وأفاد من الأخيرين.
كان عالماً فاضلاً، متّقياً متواضعاً، سخياً كريماً، طيب المعشر، حلو الكلام، دءوباً بالبحث والتنقيب، وكان مؤرّخاً متضلّعاً بالفهرسة والمخطوطات، واسع الاطلاع محققاً في ذلك.
هاجر إلى إيران سنة 1396هـ ونزل مدينة قم، وأقام بها مشتغلاً بالتأليف والتحقيق والإفادة، وسرعات ما أصبح مرجعاً لأهل التحقيق. وله رحلات موفّقة للاطلاع على المخطوطات - إلى إيران والحجاز وسوريا والأردن ولبنان وتركيا وبريطانيا وغيرها، إضافة إلى العراق، وله دراسات وبحوث قيمة نشرت في المجلات والصحف
شيوخه:
يروي بالإجازة عن: السيد عبد الهادي الشيرازي، والشيخ آغا بزرك الطهراني، والسيد أبو القاسم الخوئي، والشيخ عبد الحسين الأميني.
ومن جلائل أعماله: تعاونه مع الشيخ آغا بزرك في تأليف كتاب "الذريعة إلى تصانيف الشيعة"، ومع الشيخ عبد الحسين الأميني في تأسيسه مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف ووضع فهرس لها، ومع السيد أبي القاسم الخوئي في تدوين معجم رجال الحديث، وإدارته لمدرسة اليزدي الكبرى.
مؤلفاته:
الشيخ يوسف البحراني - ط، أهل البيت في المكتبة العربية - ط في مجلة "تراثنا"، ما تبقّى من مخطوطات نهج البلاغة - ط في "تراثنا"، الحسين والسنة - ط، في رحاب نهج البلاغة - ط، الغدير في التراث الإسلامي - ط، الشيخ المفيد وعطاؤه الفكري الخالد - ط، فهرست مخطوطات مكتبة ثقة الإسلام - ط ضمن نشرة المكتبة المركزية لجامعة طهران 7/537، مقتل أمير المؤمنين لعبد الله بن أبي الدنيا (ت) ط في "تراثنا"، ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطبقات الكبير لابن سعد (ت) ط، فهرست منتجب الدين (ت) ط، العقود الاثنى عشر في رثاء سادات البشر للسيد مهدي بحر العلوم (ت) ط "تراثنا"، مطالب السؤل لابن طلحة (ت) ط، طرق حديث (من كنت مولاه) للذهبي (ت) ط، الأربعين المنتقى من فضائل علي المرتضى لأبي الخير القزويني (ت) ط في "تراثنا"، على ضفاف الغدير - ط، مستدرك الذريعة - خ، مستدرك طبقات أعلام الشيعة - خ، مستدرك كتاب الغدير - خ، نتائج الأسفار فيما عثر عليه من النوادر في المخطوطات التي أطلع عليها في أسفاره - خ، معجم أعلام الشيعة - ط، وغيرها من فهارس عربية وفارسية عن مكتبات العراق وإيران وسوريا ولبنان.
توفِّي على أثر نوبة قلبية في قم في 7 / رمضان / 1416هـ ودفن في صحن السيدة فاطمة المعصومة.
ترجمته في: المنتخب 255 - 556، گنجينه دانشمندان 9/231 - 232، معجم مؤرخي الشيعة 1/484 - 487، مستدركات أعيان الشيعة 8/133 - 136، سيد محمد كاظم اليزدي فقيه
دورانديش 114 - 121، شكوه پارسايي وپايداري 79، گنج پنهان 7 - 28، فهرست نسخة هاي خطي كتابخانة آية الله المرعشي 11/183 - 184، 19/55، گلزار مشاهير 58 - 59، مفاخر يزد 414 - 417، تربت پاكان قم 943 - 949 - 74، 2249، 2251، ذكرى السيد الطباطبائي (1348 - 1416هـ)، طبعة The Open School Chicago ، المحقق الطباطبائي 1 - 3 إصدار مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث - قم، مجلة الموسم الهولندية 1/285، 7/1020، مجلة "تراثنا" 21/315).
العلامة المحقق السيد عبدالعزيز بن السيد جواد الطباطبائي اليزدي
السيد حسين بن السيد محمود بن السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
أحفاد السيد الطباطبائي اليزدي
الواقفان: مؤذن مدرسة السيد اليزدي، خادم المدرسة.
الصف الوسط: السيد حسين ابن السيد علي اليزدي - السيد كمال ابن السيد أحمد اليزدي - السيد تقي ابن السيد محمد اليزدي - السيد حسن ابن السيد حسن اليزدي.
الجالسون: السيد جمال ابن السيد أحمد اليزدي - السيد جواد ابن إسماعيل والد السيد عبد العزيز - السيد محسن بن السيد أحمد اليزدي -...... - السيد محمد باقر ابن السيد محمد متولّي المدرسة - السيد نظام ابن السيد أحمد اليزدي.
مصادر ترجمته
* آثار الحجة: 2/390 - 393.
* الإجازة الكبيرة للسيد شهاب الدين المرعشي النجفي، ص431 - 432.
* أحداث ثورة العشرين للدجبلي 31.
* أحسن الوديعة 1/188 - 193.
* اختران تابناك 387.
* الأعلام 5/135، 7/12، 8/179، 234.
* أعيان الشيعة: 10/23، 46/206، ط5/14، 246 - 348.
* بغداد وثورة العشرين 14.
* بلاد ما بين النهرين ولسن / 2، 2/77، 232، 269.
* تشيع ومشروطيت در إيران: 122.
* كتاب التعارض، مقدمة المحقق ص5 - 26.
* تأريخ مشروطة إيران: 383 - 385.
* الثورة العراقية للحسني: 43، 44، 61.
* الثورة العراقية للفياض: 117، 137، 211، 273.
* الثورة العراقية ولسن: 58، 137.
* ثورة العراق التحررية 1920: للمظفر، 1/72.
* ثورة العرشين في الشعر: الوائلي 33.
* ثورة النجف: للأسدي 10، 11، 38، 55، 58، 68، 91، 187، 226، 301، 426، 265، 267، 271، 277، 280، 281، 282، 283، 290، 291، 292، 293، 295، 297، 304، 313، 314، 315، 324، 327، 331، 337، 339، 345، 365، 368، 431، 432.
* ثورة النجف: للحسني 11، 14/40.
* الجذور السياسية، لنظمي، 24، 88، 120، 121، 122، 124، 125، 127، 304، 306، 307، 308، 338، 339، 341، 343، 344، 345، 350، 351، 352، 355، 365، 394.
* حقائق ناصعة: لحبيبان 88.
* الحقائق الناصعة في الثورة العراقية: 74، 75، 76، 77، 78، 79، 81، 374.
* حياة السيد اليزدي: للسيد عبد العزيز الطباطبائي - مسوّدات مخطوطة متفرقة.
* الذريعة 1/268، 2/252، 3/108، 4/204، 6/160، 220، 273، 11/55، 12/248، 15/23، 252، 18/126، 23/18.
* ريحانة الأدب: 6/391.
* زندگاني وشخصيت شيخ أنصاري: 428.
* سيد محمد كاظم اليزدي، فقيه دورانديش: مرتضى بذر أفشان، تبليغات إسلامي حوزة علمية - قم 1376هـ.
* الشبيبي شاعراً، قصي 40، 41.
* شرح حال رجال إيران، 6/250.
* شكوه پارسايي وپايداري (جلالة الزهد والمقاومة) في سيرة السيد اليزدي، نشر فرمانداري - شهر يزد 1375ش.
* شهداء الفضيلة 251.
* شهداي روحانيت شيعة، ص140 - 143.
* العراق دراسة في تطوره السياسي 26، 189، 194.
* العشائر العراقية 211.
* علماي معاصر ص194 - 199.
* فرهنگ بزرگان: 567.
* فقهاي نامدار شيعة: ص347 - 355، 420.
* فصول من تأريخ العراق القريب: 13، 91، 93، 96، 99، 116، 119، 123، 126، 425، 440، 462، 463، 471.
* فهرست نسخة هاي خطي كتابخانه قدس رضوي: 128، 129، 209، 212.
* فوائد الرضوية 596 - 598.
* القضية العراقية: ص104 - 109.
* كتابهاي عربي چابي: 175، 158، 193، 194، 195، 274، 277، 278، 287، 293، 298، 299، 304، 358، 391، 452، 455، 477، 488، 490، 511، 588، 621، 821، 841، 855، 909.
* كربلاء في التاريخ 56، 57.
* گلش أبرار 4/445 - 450.
* گنجينه دانشمندان: 7/437 - 440.
* الكوفة في ثورة العشرين 43، 47، 56، 57، 231.
* لغت نامه: 50/182.
* لمحات اجتماعية للوردي: ق 1/55، 62، 63، 68، 69، 71، 72، 173، ق 2/200، 209، 210، 211، 215، 224، 225، 228، 232، 234، 236، 238، 242، 248، 254، 258، 267.
* ماضي النجف وحاضرها، 1/139 - 140، 3/8، 90، 121، 184، 198، 230، 236، 263، 269، 285، 286، 298، 372.
* المحقق الطباطبائي: 2/751 - 769. بحث بعنوان: (آية الله العظمى السيد كاظم الطباطبائي اليزدي طاب ثراه، حياته، نشأته العلمية، مؤلفاته) بقلم: السيد رضا الطباطبائي.
* مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي / ملحق كتاب: النجف الأشرف وحركة الجهاد ص169 - 358.
* معارف الرجال: 2/326 - 329.
* معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 3/1358 - 1359.
* معجم مؤرخي الشيعة: صائب عبد الحميد 1/484 - 487.
* معجم المؤلفين: 11/156.
* معجم المؤلفين العراقيين: 3/230.
* معجم مؤلفي الشيعة: 460.
* معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية: 31، 36، 38، 43، 57، 59، 115، 191، 192.
* مفاخر يزد: 1/426 - 430.
* مكارم الآثار 4/1321.
* منار الهدى في الأنساب ص150 - 151.
* موسوعة طبقات الفقهاء: 14/793 شماره 4898.
* ميراث إسلامي إيران (دفتر هشتم): 8/452.
* نجوم السرد: 710 - 740.
* نجوم السماء: 2/279.
* نقباء البشر: ق 2/ج1/ 594، والمخطوط ص15.
* نهضة روحانيون إيران: 1/207، 209 - 215.
* السيد هبة الدين الشهرستاني: 39، 100، 228، 248.
* هدية الرازي 140.
* هوامش على كتاب لمحات اجتماعية للوردي 69.
* الوقائع الحقيقة في الثورة العراقية 56، 68، 72، 76.
* مجلة نور علم: تصدرها جامعة مدرسين حوزة علمية - قم، السنة 2 ع 3، بحث (مرحوم آية الله العظمى أقا سيد محمد كاظم طباطبائي يزدي)، ص76 - 86.
* مجلة دراسات عربية: س 4 في كانون الثاني 1968م، بحث بقلم: شاكر البرمكي.
* مجلة الموسم الهولندية: ع9 - 10، ص13، بحث بقلم: طالب علي الشرقي.
الفصل الخامس:
الوثائق السياسية الخاصة بمواقف السيد اليزدي
* وثائق الحركة الدستورية الإيرانية (= المشروطة).
* وثائق إعلان الجهاد ضد الغزو الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا 1329 - 1330هـ / 1911/.
* وثائق الهجوم الروسي على إيران 1331 - 1332هـ / 1912م.
* وثائق ما قبل حرب العراق 1330هـ.
* وثائق حركة الجهاد ومقاومة الغزو البريطاني للعراق 1332 - 1333هـ / 1914م.
* وثائق فترة الاحتلال البريطاني للعراق 1914 - 1919م.
* وثائق مقتل الكابتن مارشال (ثورة النجف) 1336هـ / 1918م.
* وثائق مقدمات الثورة العراقية 1919م.
* مصادر الوثائق والتقارير والبيانات والمكاتبات الرسمية.
مصادر هذه الوثائق:
كانت مصادر هذا الفصل من الوثائق التي بين أيدينا هي:
1 - الوثائق التي تقدمت بإهداء صور منها إلى المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف، والتي كانت اللبنة الأُولى لوثائق تأريخ العراق السياسي الحديث 1900 - 1920.
2 - ما ورد إلى المتحف عن طريق الإهداء أو التصوير أو الشراء.
3 - ما حصلتُ على مصوّراته من بعض ذوي العلاقة بتلك الوثائق.
4 - ما ورد في مصادر الثورة العراقية وتأريخ العراق السياسي وتأريخ النجف، والمجلاّت والصحف والنشرات.
خطَّتي في العمل:
أما المنهج الذي اعتمدته في تنسيق وإعداد هذه الوثائق، فهو:
1 - اتخذت تأريخ الوثيقة أو الحادثة أو المناسبة التي صدرت فيها، أو كتبت من أجلها، أساساً سلسلتُ فيه هذه المجموعة، مراعياً في ذلك التأريخ الهجري والميلادي.
2 - وضعتُ لكل وثيقة مقدمة موجزة للتعريف بها، وجعلتها بخطّ متميّز عن أصل الوثيقة.
3 - وضعت أرقاماً متسلسلة مستمرة لكل الوثائق.
4 - أوردت النصّ الأصلي للوثيقة كما هو بأخطائه اللغوية والنحوية والإملائية حفاظاً للأمانة العلمية والتأريخية، وأشرت إلى بعض الأخطاء في مواضعها، وعرّفت ببعض الأسماء والأماكن في هوامشها بآخر الفصل.
5 - كلّفت بترجمة بعض الوثائق المكتوبة باللغة الفارسية والتركية والإنكليزية إلى العربية، وذكرت اسم المترجم في الهوامش المذكورة بآخر الفصل.
6 - الوثائق التي حصلت على صورتها الأصلية جعلتها مرفقة مع النصّ المكتوب للتأكد من صحتها، والاستفادة منها كأثر خطّي مصوّر، وقد أشرت إلى مصادرها وأسماء أصحابها. أما التي وردت في المصادر والمراجع، فقد أشرت إلى اسم المصدر ومؤلفه والجزء والصفحة.
7 - وضعت عند نهاية الفصل هوامش تشير إلى رقم الوثيقة، ومصدرها، ومحل حفظها والحصول عليها، واسم المترجم - أن كانت بلغة غير عربية - وتصحيح لأخطائها اللغوية والنحوية والإملائية حسب الضرورة، والتعريف بالأعلام والأمكنة - حسب الحاجة - وغيرها.
8 - اتخذت المختصرات الآتية لما هو مذكور بإزاء كل منها:
م و ث ع = المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف.
م و ح و = المركز الوطني لحفظ الوثائق في بغداد.
وثائق الحركة الدستورية الإيرانية (المشروطة)
[1]
نصّ البرقية التي بعث بها السيد اليزدي إلى سماحة الآخوند الآملي:
* * *
من النجف / رقم 676
حضرت ثقة الإسلام الآملي دامت بركاته.
لقد تملّكنا القلق من تجرؤ المبتدعين، وإشاعة كفر الملحدين، نتيجة الحرية الزائفة، وسوف لن يتمكنّوا من تنفيذ مآربهم بعون الله. وبالطبع فإنّ الوقوف بوجه الكفر وصيانة العقيدة، وتطبيق القوانين القرآنية القويمة، والشريعة المحمدية الأبدية، يعتبر من أهم فرائض العلماء الربانيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة لصلاح وصون الدين ودماء المسلمين. لا بدّ من بذل الجهود في هذا الصدد.
23 جمادى الأولى 1325هـ
محمد كاظم الطباطبائي
وثائق الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا
[2]
البيان الذي أفتى به السيد اليزدي حول الهجوم الاستعماري الذي تقوم به كل من إيطاليا على طرابلس الغرب (ليبيا)، وروسيا وبريطانيا على إيران والبلاد الإسلامية، ودعا المسلمين إلى التصدي للاستعمار، والدفاع عن كيان الدولتين الإيرانية والعثمانية، وقد نشر في مجلة العلم النجفية مصدّراً بمقدمة نصّها:
(بشارة عظمى)
(موافقة حضرة السيد كاظم اليزدي (مُدَّ ظِلُّه) مع العلماء)
في الحكم بوجوب السعي وبذل النفس والنفيس في سبيل دفاع إيتاليا عن طرابلس واستخلاص إيران من مخالب الروس والإنكليز، وهذه صورة فتواه مترجمة عن الفارسية حرفياً، قال (دام ظله العالي):
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
في مثل هذا اليوم الذي حملت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية كإيطاليا على طرابلس الغرب من جهة، والروس من جهة أخرى، أشغل شمال إيران بعساكره والإنكليز أنزل عساكره في جنوب إيران، وأحدق بالإسلام خطر اضحملاله، فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم أن يستعدوا لدفاع الكفار عن ممالك الإسلام، ولا يتقاعدوا بكل صورة عن بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل إخراج عساكر إيطاليا من طرابلس الغرب وإخراج عساكر الروس والإنكليز من إيران، فإن ذلك أهم الفرايض الإسلامية لكي يحفظ بعون الله المملكتان الإسلاميتان العثمانية والإيرانية من مهاجمة الصليبين.
حرّره الأحقر محمد كاظم الطباطبائي
وثائق الهجوم الروسي على إيران
[3]
نصّ العريضة التي بعثها بعض التجار الإيرانيين إلى الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي، في شهر رجب 1323هـ، ترجمتها:
* * *
إلى الحضرة المقدسة لحجج الإسلام: الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني والسيد كاظم الطباطبائي.
نودّ أن نعلمكم بما يلي:
في أواخر شهر محرم الحرام من عام 1323هـ وزّعت في طهران من قبل بعض المعمّمين، نسخة من برقية تحمل تواقيع حضرتيكما تطالب بإصلاح عمل رئيس الكمارك (المسيو نوز) وليكون عبرة لغيره.
وفي أواخر شهر ربيع الأول نشر تلغرافان بخطيكما ويحملان ختميكما وختم جناب الحاج ميرزا حسين [الخليلي] (أرواحنا فداه)، وكانا مؤرّخين في التاسع من الشهر المذكور. شوهد أحدهما لدى حجة الإسلام السيد عبد الله البهبهاني، والآخر لدى السيد أحمد السنگلجي، وكان مضمونه بعكس الأول.
وقد اختلط الأمر على الناس.
ما نرجوه نحن الإيرانيين هو بيان حقيقة الأمر وإعلامنا عن صدور أو عدم صدور كل واحد منهما، وذلك بكتاب تحريري بخطكم الشريف وختمه بختمكم، لنعرف واجبنا وما ينبغي لنا فعله.
في الخامس من ربيع الثاني 1323هـ.
[4]
جواب الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي على عريضة التجار، ترجمتها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم فاطر السموات والأرض.
إن صورة التلغراف الأول الذي كان يطالب بتصحيح عمل شخص مسيحي، وأرسل من طهران، اطلعت على مضمونه المثير للعجب حقاً، وقد أدركت بعض التفحص إن بعض المنحرفين عن الطريق القويم للشرع، كانوا على اتفاق قلباً وقالباً في الرأي مع الشخص المسيحي، فأخذوا الأموال وأغلقوا الطرق، وباعوا الدين بالدنيا، واختلقوا ذلك المضمون ونشروه ليحققوا مآربهم فحسب.
وفي نفس الوقت وفي هامش الأوراق المزوّرة كتب أنها كاذبة، ثم على إن شياطين الإنس كانوا قد أخذوها من دائرة البريد... على كل حال فمصباح الكذب لا يضيء.
أما الخطاب المؤرخ في اليوم الثامن من الشهر، والمعنون إلى حجة الإسلام السيد عبدالله البهبهاني المزيّن، والذي ختمناه بختم آية الله شيخنا الأعظم الأغا الحاج حسين [الخليلي] (دامت إفاضاته) وختمي الحضرتين أيضاً، وأرسلت منها نسختان، فهي صحيحة.
أما واجب عامة الناس، فهو أولاً إيصال الطلبات إلى الحضرة المقدسة لولي العهد بواسطة أشخاص غير مغرضين؛ ليحافظوا - بحسن التدبير - على إيران وأهلها - وهما بيت وأهل بيت الحكمة - وواضح أن إنتهاج سلوك كهذا مع الرعية يكشف عن العداء للدولة.
وبالرعاية التامة من قبل صاحب الزمان (أرواحنا فداه) وإجراءات حضرة الأقدس، سيتم تأديب ونفي من يريد بالدولة سوءً، ويهدأ بال الرعية.
30 جمادى الثانية 1323هـ.
الأحقر
محمد كاظم الخراساني محمد كاظم الطباطبائي
[5]
برقية بعث بها الشيخ محمد تقي الشيرازي إلى السيد اليزدي يعلمه بتوجِّهه إلى الكاظمية للانضمام إلى الاجتماع الذي سيعقده علماء النجف وكربلاء حول هجوم روسيا على إيران، ترجمتها:
* * *
إلى النجف [من الكاظمية]
بتوسط جناب ملاذ الملّة والدين، ثقة الإسلام والمسلمين، العلامة الشيخ علي رفيش (دامت بركاته).
إلى حجة الإسلام الطباطبائي (دامت بركاته).
حسب التكليف الإلهي المحض، وحفظاً لاستقلال إيران، ودفاعاً عن بيضة الإسلام، تحركت إلى الكاظمين، ونحن بانتظار قدومكم المبارك.
محمد تقي الشيرازي
[6]
عندما سمع أهل النجف بالغزو الروسي لبلاد إيران، والغزو الإيطالي لطرابلس الغرب، عقد مجتهدوها وعلماؤها مجالس شتى وعطّلوا الدروس والجماعة، وذهب عبد العزيز بك - قائممقام النجف - إلى السيد محمد كاظم اليزدي وطلب منه فتوى مفصَّلة بهذا الموضوع، فأفتاه السيد اليزدي بما يلي:
* * *
اليوم لمّا هجمت الدول الأوروبية على الممالك الإسلامية من كل جهة، فمن جهة هجمت ايطاليا على طرابلس الغرب، ومن جهة أخرى الروسيا بتوسط عساكرها أشغلت شمال إيران، والإنجليزي أتت جنوده إلى جنوب إيران، وهذا موجب لمخاطرة واضمحلال الإسلام، فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم أن يهيّئوا أنفسهم إلى دفاع الكفر عن الممالك الإسلامية، وأن لا يقصّروا ولا يبخلوا في بذل أنفسهم وأموالهم في جلب الأسباب التي يكون بها إخراج عساكر إيطاليا عن طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروسيا والإنجليز من شمال وجنوب إيران، التي هي من أهم الفرائض الإسلامية؛ حتى تبقى المملكتان العثمانية والإيرانية مصونتان محفوظتان. بعون الله من هاجم الصليبيين.
حرر يوم الاثنين / خامس ذي الحجة الحرام / سنة 1329.
حرره الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
وثائق ما قبل حرب العراق 1330هـ
[7]
ثار مبدر آل فرعون ضد الأتراك عام 1912 ،واستطاع الأتراك في الأخير إخماد ثورته وتشتيت جموع آل فتلة، فسلّم مبدر نفسه إلى السلطة ثم سجن هو، ومزهر الفرعون، وسرتيب المزهر الفرعون، وعبد الكاظم الحاج سكر، وحسن الحاج سكر، وسلبت أراضيهم واعطتها إلى آخرين وشرّدت عوائلهم. ونظراً لطول المدة؛ طلب الحاج عبد الواحد سكر وأخيه عبد الكاظم من السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي الشفاعة والوساطة لدى الأتراك لإطلاق سراحهم. ولكن الحكومة أطلقت سراحهم بشرط الذهاب إلى البصرة لمحاربة الإنكليز واللحوق بالمجاهدين. وأدناه نص رسالة شفاعة الحاج عبد الواحد وأخيه:
* * *
بمنه تعالى
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته
علم الأعلام ومرجع الخاص والعام جناب مولانا وملاذنا حجة الإسلام سيد محمد كاظم الطباطبائي أدام الله تعالى بقاه.
مولاي.. لا يخفى على جنابك طالت علينا المدة ونحن ماكثين في السجن ولا أحد في أمكنتنا سوى عيال وأطفال، وحصلت المغدورية على حقوقنا من أبواب شتا وهالآن أوراقنا تتداول بين المحاكم. وحسب الظاهر إذا بقينا في هذه الحالة تطول المدة علينا. ومعلومكم أننا أبناء حاج سكر مستضلين بحمايتك سابقاً ولاحقاً، ومع هذا أنت أباً للمسلمين عامة، ورعاية حقوق كل فرد من الملّة هو فريضة ذمتك.
بقي مولاي الاستخارة كلش زينة وعلى الترك موزينة أن تساعدنا همتك في كتابة تلغرافية إلى الصدارة؛ استرحاماً في رفع مغدوريتنا وإطلاقنا من الحبس. فإن يوافق نظرك، نكتب الصورة حسب ما يأدي نظرك وتمضيها في مهرك وتسلمها إلى خدامك حاج عزوز وعلي الشيخ محسن، وهما ايدقونها، لعل أن تكون لك اليد البيضاء في إطلاقنا، ونكون رافعين اكف الابتهال بالدعوات المتحدة من عيال وأطفال لدوام وجودك مولاي.
26 محرم 1330هـ
الخادم الخادم
عبد الواحد الحاج سكر عبد الكاظم الحاج سكر
وثائق
حركة الجهاد ومقاومة الغزو البريطاني للعراق
عام 1332 - 1333هـ / 1914م
[8]
كتاب السيّد نور السيّد عزيز الياسري إلى السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، يسأل فيه عن صحة فتواه بالجهاد والنفير، وماذا يكون واجبه وعشيرته تجاه هذا الأمر. نصّه:
* * *
جناب مولانا الأفخم حجة الإسلام، حضرة السيّد محمّد كاظم (زيد مجده آمين) لازال مؤيداً محبور بطاها والطور.
بعد السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
مقدماً، نتفقد صحّة ذاتكم الشريفة، وهاتيك الأحوال المنيفة، ومنّاً من لطف الباري في خير. ثم مولانا لا يخفى على نجابتكم بموجب ما طرق مسموعنا، أن جنابكم مآمرين بالجهادّ، وهذا أخذناه من أفواه الناس بلا تحقيق، فإذا جنابكم مآمر في الجهاد، المرجو تعرّفونا سرّاً حتّى نكون على بصيرة من أمرنا، وإذا هذا الخبر ماله صحّة نرجو كذلك تعرّفونا، حتّى لا يشعر أحد من الناس في هذا الخبر.
..............................................................
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
29 ذا الحجة 1332هـ
الداعي
سيّد نور السيّد عزيز
[9]
نموذج لإحدى البرقيات التي استنجد بها المواطنون من مختلف مناطق العراق برجال الدين في العتبات المقدّسة، يطلبون منهم النهوض والإعلان بالجهاد المقدّس والنفير العام، لمقاومة الجيش البريطاني المحتل. نصّه:
* * *
ثغر البصرة الكفّار محيطون به، الجميع تحت السّلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع.
* * *
فتاوى الجهاد التي أصدرتها القيادة العليا للمجاهدين في حرب العراق عام 1914، ووزعت منها كميات كبيرة، وقد طبعت باللّغة الفارسية على هيئة منشور كبير الحجم، تفضل بترجمتها إلى العربية المغفور له الشيخ محمّد رضا آل صادق، والوثائق المنشورة هنا، وهي على أقسام:
القسم الأول: فتاوى الجهاد وتذيّيلاتها.
القسم الثاني: أجوبة على استفتاء.
القسم الثالث: البرقيات المرسلة إلى مخلتف الجهات الحدودية.
القسم الرابع: النداءات والبيانات العامّة.
أما أرقامها ومقدماتها - عدا مقدمة القسم الأول والثاني - وهوامشها، فهي من وضعي لتسهيل الإستفادة منها، ترجمتها:
القسم الأول:
فتاوى الجهاد
القيام القيام يا إسلام.
(قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) .
ترى أمع وجود الآيات القرآنية، والأحاديث النبويّة، وإجماع علماء الدين، يبقى مجال عذر لأحد؟!
(كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَيَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً) .
[10]
بسم الله الرحمن الرحيم
غير خفيّ على أحد، أن الدول الأوربية وخاصة إنجلترا وروسيا وفرنسا من قديم الأيام تتعدى وتتجاوز على الممالك الإسلامية دائماً، بحيث غصبت أكثر الممالك الإسلامية، وليس لهم قصد من هذه التعدّيات سوى محو الدين والعياذ بالله، وفي هذه الآونة أظهرت مقاصدها، وهجمت على ممالك الدولة العليّة العثمانية أعز الله بنصرها الإسلام، ويوشك أن تمتدّ يد التعدّي الطويلة إلى الحرمين الشريفين ومشاهد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وقد هجموا على الأوطان الإسلامية وسكّانها وأعراضهم وأموالهم.
لذلك يجب على العشائر التي تقطن الثغور وعامّة المسلمين المتمكّنين - إذا لم يكن من فيه الكفاية لحفظ الحدود - أن يحفظوا حدودهم، ويدافعوا عن بيضة المسلمين حسب قدرتهم، والله هو النّاصر والمعين والمؤيد للمسلمين.
الأحقر
محمّد كاظم الطباطبائي
القسم الثاني:
أجوبة على استفتاء
الاستفتاء الواقع من العلماء الأعلام، الذي يأمره علماء الدين والمبينين لأحكام شريعة سيد المرسلين (عليه صلوات رب العالمين) في هذه المسألة الشرعية، حيث إن الدول السبع - وهي: الروس وإنكلترا وفرانسة واليابان وبلجيكا والصرب وقرطاغ - قد أعلنت في هذا اليوم الحرب على الدولة العليّة الإسلامية العثمانية.. ومن كل طرف، براً وبحراً، هجمت على الممالك الإسلامية، وقد شغلت بنهب الأموال، وقتل الرجال، وسبي النساء، وهدم بلاد المسلمين، فهل التكليف على عموم المسلمين من كل مذهب وملّة وطريقة دفع الكفّار عن البلاد الإسلامية والقتال والجدال، أم لا؟
ولو تمكن أحد من الذهاب والدفاع وبذل الأموال، ويقعد في بيته ساكتاً، ما هو حكم الله بطور واضح وبيّن.
[11]
مع هجوم الكفّار على بلاد المسلمين واجب - مع القدرة - دفاعهم على المتمكنين من عامة المسلمين، متى ما لم يوجد من به الكفاية.
الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
القسم الثالث:
البرقيات المرسلة إلى مختلف الجهات الحدودية
[12]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
عشار - محمّرة.
سلام على السرّدار الأرفع، معزّ السّلطنة، الشيخ خزعل خان دام إجلاله العالي:
لا يخفى أن من أهم الواجبات الدينية حفظ بيضة الإسلام، ومدافعة الكفّار من الهجوم على بلاد المسلمين، وبذل الأموال والأبدان في سبيل حفظ الأوطان الإسلاميّة. وبما أن شخصك وجنابك تسكن في ثغر من ثغور المسلمين، فعليه يجب عليك أن تحفظ هذا الثغر من هجوم الكفّار والمحافظة عليه، كما أنه يجب على العشائر عموماً القاطنين في هذا الثغر وجوانبه وأطرافه المحافظة عليه، وعليك حكم شرعي وواجب ديني. فبلّغ العشائر عموماً لكي يعلموا أن معاونة الكفّار في حكم المحاربة مع المسلمين، ومحاربة المسلمين حرام، وموجب لغضب الربّ والرّسول، والمأمول منك ومن همّتك ودينك وغيرتك على الإسلام أن تبذل جميع قواك وطاقاتك في سبيل الإسلام، وإعلاء كلمته، وتبذل تمام الجهد والسعي في الدفاع عن ثغور البلاد والمسلمين، ومحاربة الكفّار، والله سبحانه وتعالى ينصركم على الكفّار وأعداء دين الحق.
محمّد كاظم الطباطبائي
[13]
عشّار - الشيخ طاهر فرج الله.
وصلتنا برقيّتكم، أبلغوا من قبلنا إلى عموم العشائر التي في أطرافكم، إن دفاع الكفّار بأيّ نحو يتمكنون واجب، والله المؤيد بالنصر إن شاء الله.
محمّد كاظم الطباطبائي
[14]
عشّار - جناب الشيخ إبراهيم المظفر (دام فضله):
أعلموا العشائر التي في أطرافكم كافّة، من جانبنا أنه يجب عليهم مدافعة الكفّار بأيّ طور يتمكّنون، والله المؤيد بالنصر إن شاء الله.
محمّد كاظم الطباطبائي
[15]
عشّار - المحضر الشريف لوكيل والي ولاية البصرة دام إجلاله.
وصلتنا برقيّتكم، ونحن أيضاً أبرقنا إلى الشيخ خزعل خان وجميع العشائر التي تسكن الحدود، وأبنت أنه يجب عليهم أن يبذلوا تمام سعيهم واهتمامهم في حفظ بيضة الإسلام ومدافعة الكفّار وأعداء الدين، وبأيّ نحو يتمكّنون ويقدرون يمتثلون هذا الواجب الديني، وأسأل الله تعالى أن يؤيدكم بنصرٍ عزيزٍ وفتحٍ قريبٍ.
محمّد كاظم الطباطبائي
[16]
عشّار - حضرة الأعزّة المحترمين: الحاج جعفر العطية، الحاج حمودي الملاك، الحاج موسى العطية، الحاج مهدي الهواز، عبد الجبار الخضيري، الحاج فضل الحاج عباس.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصلتنا برقيّتكم، وكتبنا إلى جميع العشائر التي تسكن الحدود، وإلى عموم المسلمين القادرين والمتمكنين، أنه يجب عليهم جميعاً أن يدافعوا الكفّار، ويحفظوا بيضة الإسلام بأيّ نحو يتمكّنون.
وأسأل الله أن يؤيدكم بفتح ونصر مؤيد.
محمّد كاظم الطباطبائي
[17]
برقيّة حضرة سماحة آية الله في الأرضين، السيّد محمّد كاظم اليزدي دام ظلّه العالي لإعلام عموم المسلمين بحركة ولده الفاضل [محمّد] إلى الجهاد.
* * *
إعلام إلى عامّة المسلمين:
قبل هذه البرقيّة أعلمناكم بوجوب دفاع المهاجمين على الإسلام، والآن بعثتُ ولدي السيّد محمّد ليعلن للمسلمين، وهو ثقتنا، ونحن حالاً في صدد ترغيب المسلمين على المعاونة، وقد صرفنا وقتنا لهذا الغرض، وفقنا الله وإيّاكم للذبّ عن ثغور المسلمين، ونصركم بالنصر العاجل آمين.
محمّد كاظم الطباطبائي
[18]
رسالة السيد اليزدي إلى تجار.... جواباً على رسالتهم التي يرغبون فيها أن يتقدم صفوف المجاهدين في الجبهة، نصّها:
* * *
تجار.
السلام عليكم وعلى من في طرفكم من إخواننا المؤمنين.
ورد تلغرافكم، لا زلتم سالمين مؤيدين منصورين، أوقاتي مستغرقة فيما هو فريضتي من تهييج العشائر وغيرهم، وبيان تكاليفهم، وبقائي في النجف أصلح من جهات، بل حركتي خلاف المصلحة، وفي ولدي وسائر العلماء غنّى وكفاية إن شاء الله تعالى.
أسأله جلّت قدرته أن يفرج عن المسلمين عاجلاً وهو الناصر والمعين.
[19]
رسالة من الحاج عطية أبوگلل إلى السيد اليزدي، يوضح فيها استعداده وجماعته للدفاع عن الإسلام، وينتظر أوامر السيّد بشأن الذهاب إلى الجبهات، أو البقاء في النجف، نصّها:
* * *
بمنّه تعالى
جناب الأكرم المكرّم حجّة الإسلام مولانا السيّد كاظم الطباطبائي (دام مجده)، إلى منبع عين الفخر، وملجأ أهل الصبر، ربّ المفاخر والمحامد، زكي الأصل والعناصر، سليم الباطن جميل الظاهر، والمحبو من ربّه بحسن المآثر، من بسط على الأمم بساط الأمن والأمان، وأفاض عليهم سجال العدل والإحسان، صاحب النصر والتمكين، والعزّ حدّ المكين، شمس سماء المعارف على كلّ باق ومقيم، أيّد الله تعالى ملكه.
ثم مولاي بعد المبدأ إليكم، وأحث نعمه عليكم، أولاً بالذّات هو سلامة تلك الذّات البهيّة، والأخلاق المرضيّة، وصفات سنّية، وخصال شهيّة، صانها وحماها ربّ البرّية، ثانياً يا مولانا بلغنا من بعض المحبين الأخيار بأن جنابك متفق مع العلماء، وصار القرار فيما بينكم أنكم تمضون إلى محاربة الكافرين، ولأجل استقامة الدين.
مولانا الخادم موجود مع جماعة من الخيل والرجال والأسلحة، وعندنا من الچوادر، وبيوت الشعر، تحبّون أن تأمرونا ندخل إلى النجف، أو خارج النجف أو نسير أمام القوم بعض حدود إيران، ولا نحتاج إلى المصارف الطريق، وبعونه وقوّته سترون المسلمين على الكافرين عذاباً صبّاً.
والآن الخادم ينتظر الجواب، والسّلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى، ولازلتم محسنين، ولو أطفالنا بالنجف يستظلّون من ضلّ إلى ضلّ، ولكن جزاكم الله خيراً.
والسّلام.
الخادم
الحاج عطية أبوگلل
[20]
رسالة من الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء إلى السيّد محمّد كاظم اليزدي يخبره فيها بعدم سفره مع السيّد محمّد إلى بغداد، لإنشغاله بوجود عائلته في كربلاء، ويخبره بدفع أخيه الشيخ محمّد حسين بالسّفر مع السيّد محمّد، وبذيّلها تحيّة من الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء، نصّها:
* * *
بسم الله الرّحمن الرّحيم
حمداً لله وحده، وصلاةً وسلاماً على رسوله الّذي لا نبيّ بعده.
أقبّل يداً من سلالة الطهارة، وبقايا النبوّة والرسالة، أدام الباري بقاه، وجعل من عداه فداه، لا سيّما عداه.
وبعد فإنّا بحمد الله تعالى من حين حركتنا من النجف الأشرف إلى حال التحرير في أفضل النعم وأتمّها بصحبة جناب الأمجد محمّد (سلّمه الله تعالى وحفظه)، ونظر إليه بعين عنايته ولحظه، وكان في حركاته كلّها لا يصدر إلاّ بعد المشاورة، وكانت كلّها بحمده تعالى موافقة للمتانة والديانة. وقد عزم على المسير إلى بغداد صبيحة يوم الجمعة الثامن من محرّم، وقد كنت أودّ المسير معه إلى بغداد رفعاً لوحشته، ومساعدة له على بعض الأمور، ولكن نظراً إلى وجود العيال والأطفال في كربلاء، وعدم وجود أحد معهم، لم يمكننا ذلك، ولكن جناب الأخ الشيخ محمّد حسين (سلّمه الله تعالى)، دفعته دواعي المحبّة والإخلاص، فعزم على المسير معه إلى بغداد، نسأل الله سبحانه وتعالى تأييدهما وتسديدهما ورجوعهما إلينا بالسّلامة إنشاء الله تعالى، والغرض من كتابة هذه الكلمات أخباراً بذلك لتطيبوا نفساً من حيث وجود الأخ معه إلى بغداد، والله سبحانه وتعالى هو الحافظ.
أهدي سلامي الوافر إلى إخوتي العزيزين السيّد علي والسيّد محمود (سلّمهما الله تعالى)، والسّلام عليكم بعد تقبيل يديكم ورحمة الله وبركاته.
ليلة الثامن من محرّم سنة 1333هـ. السّاعة الخامسة
أحمد بن عليّ بن الرضا بن موسى ابن جعفر كاشف الغطاء
بسم الله وله الحمد، بعد لثم أنامل بقية أمناء الله وخليفته عنهم في أرضه. سلام الله وتحيّاته المباركة الحسنى عليكم يا أهل البيت غادية ورائحة.
ثم أعرض لديكم أسبغ الله نعمة الإخلاص والولاء إلى السّفر معه للكاظمية مرضاة الله ومرضاتكم في مساعدته ومناصرته، وأداءً لحقوق الوفاء والولاء والعبودية لذلك الظلّ العالي، أدام الله سبوغه علينا، وعسى يوفّقني الله سبحانه بدعواتكم الطّاهرة فنرجع معه من الكاظمية إنشاء الله.
عبدكم
محمّد حسين
[21]
كتاب السيّد محمّد الطباطبائي إلى أحد رؤساء قبائل العمارة (؟) يطلب منه بعض الأمور التي يجب تنفيذها لنجاح إحدى الخطط ضدّ الإنكليز، وقد حمّلها بيد أحد معتمديه، وهو الميرزا إبراهيم، ومعه بعض الرسائل والأمور الشفوية، نصّه:
* * *
بعد السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن جميعاً بحمده تعالى في خير وعافية، وقد تقدّم اليوم إلى طرفكم ميرزا إبراهيم (حفظه الله) ومعه مكاتيب وفيها أمر لابدّ من العمل به والمضيّ عليه، وهناك أمر لابدّ من التثبيت والأخذ بالحزم والسّداد. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
24 محّرم سنة 33
محمّد الطباطبائي
[22]
كتاب من الحاج عبادي آل حسين إلى السيّد محمّد كاظم اليزدي، يستفسر فيه عن صحّة خبر فتوى الإمام اليزدي حول الجهاد لمقاومة الإنكليز، نصّه:
* * *
حجّة الإسلام روحي فداه:
قد وصلنا مشرفكم وفهمنا ما ذكرتموه، لكن بالنسبة إلى أنظار بعض الخلوق أرسلنا جناب الشيخ عليّ إلى خدمتكم، ليسمع شفاهاً من جنابكم في هذه المقالة، حيث إنكم ذكرتم في مكتوبكم أن أرسلوا إلينا من تعتمدون عليه ليسمع منّا شفاهاً والسّلام.
ونرجو من جنابكم أن تسرّوه سرّاً بالذي عندكم.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
24 محرّم سنة 1333
خادمكم
عبادي الحسين
[23]
رسالة من السيّد إسماعيل الموسوي إلى السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، يخبره مفصّلاً بالوضع العام في جبهة العمارة، ترجمتها عن الفارسية:
* * *
الثلاثاء 26 محرّم 1333هـ.
أفديك - مجاري الأمور أكتبها مرّة ثانية، وأعرضها لجنابكم، لكنني لا أمل لي بوصولها (هل وصلت أم؟).
راجعت قبل يومين آغا مرزا إبراهيم، وعرضت عليكم بواسطته بعض المطالب تحريراً، وسيّطلع على بقيّتها بنفسه شفاهاً. لم يحدث شيء جداً لحد الآن، أتهيأ للذهاب لصوب المعسكر، ومن المحتمل أن أتحرك غداً أو بعد غدٍ. العمل قد بلغ الدقة، نسأل الله أن يرحمنا. العدوّ وصل إلى قرب بلدة العمارة، ولا يوجد استعداد كامل لمواجهته (في قبالته). أغلب العشائر قد خانت، والعساكر المهزومة تسلبهم في الصحاري سراق المال. ومتفائلون بازدياد. والعدوّ وحسب ما ذكر جاء بتدارك مدهش، ومما يظهر يعسر العلاج على نحو الأسباب، بل لا علاج إلاّ أن تظهر يد غيبية، وتدركنا وتعمل عملها. ونحن مع توكّلنا على الله مع علم بكلّ شيء، وتوطين النفس على كلّ شيء، نسير ويظهر من طرف نهر الفرات حتّى الحمّار التي هي بقرب سوق الشيوخ قد تقهقروا، وتداول على أفواه الناس أن ابن سعود الوهابي ليس خالياً من المكر والخداع، الغرض أن تفكّروا في هذه الجهة أيضاً. قبل ثلاثة أيام خابرناكم ببرقيتين، أرسلنا برقيتين بفصل يوم واحد، وإذا كان لكم جواب مناسب فلا يخلو من المناسبة، وزيادة على ذلك لا مجال للتصديع، استدعي أن تنوب عن المخلص بتقبيل يد حضرة الآغا روحي فداه، وأبلغ إخلاصي لحضرة ملاذ الأنام الآغا الحاج السيّد علي، وأسلم على سائر الأصدقاء.
إسماعيل الموسوي
الهامش: حيث كنّا قد أرسلنا من يستخبروا عن موعد حركة المركب، وجاءوا حالاً فعلم أن المركب لا يذهب قبل يوم الجمعة، لجهة الإطلاع عرضة، المجتهد يبلّغكم إخلاصه، والسّلام على بقيّة الله.
[24]
رسالة من السيّد محمّد بن السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي في الكاظمية إلى أخيه السيّد محمود يطمئنه على صحته وموعد سفره إلى الجبهات الحربية، مؤرّخ على غلاف الرسالة 29 محرّم الحرام، ترجمتها عن الفارسية:
* * *
النجف الأشرف - جناب المستطاب نخبة الفضلاء الأجلاّء، الأخ الأسعد الآغا السيّد محمود نجل حضرة المستطاب حجّة الإسلام اليزدي دام ظلّه العالي:
المعروض: مجاري الأحوال بصورة جيّدة، بحيث كتبنا لكم مراراً وبلّغنا شفاهاً، وبحمد الله ومنّته شملت نعمة الصحة جميعنا، والآن ننتظر حركة السّفينة حتّى نسافر فيها، وليس بعيداً أن نسافر غداً أو بعد غد إن شاء الله، وسنطلعكم عند الحركة، وبرقيات السّلامة وسائر الجهات الأخرى تبلّغونها إلى العمارة والكوت.
إلى الآن بحمد الله من كلّ جهة في خير، وفيما تأتي - بحمد الله - نأمل أن ننتهي بخير، ليس بنظرنا شيء عاجل - بالفعل - سوى أن البنّاء الشيخ عبد الصمد الاسترآبادي يسافر ويعود إلى إيران، يلزمني أن تبذلوا كمال السّعي في عائلته ومساعدته، لكي يرجع هادئ البال - أغلب الأوقات أنا محظوظ، متعلقينا أصدقاؤنا ورفقائنا كلاً بحمد الله سالمون، ويسلّمون عليكم، ليس مجال للتصديع زائداً على ذلك.
الأقلّ
محمّد الطباطبائي
[25]
رسالة من الشيخ أحمد كاشف الغطاء إلى السيد محمد اليزدي يؤكد له فيها نعم اختيار والده السيد محمد كاظم الطباطبائي لاثنين من رجال الدين لمرافقته في موكب الجهاد، ويوصيه بمشاورتهما والأخذ برأيهما. نصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
من كربلاء ليلة الجمعة 29 محرم
سيدي ومولاي ومالك عقد ولاي، أعزك الله وأعز بك الدين ونصرك ونصر بك شريعة جدك سيد المسلمين، ما أدري ما أعتذر في قطع مكاتيبي عنك، لكن الأحوال الحاضرة كافي في العذر، لكن ليعلم سيدي ومولاي أني لم أنسه من صالح الدعوات في الخلوات والجلوات، كما لم أنسه من الذكر الجميل بما هو أهله.
اليوم وصل عمدتا العلماء، وزبدتا الفضلاء، وصفوتا الأتقياء، الأخوان الأعزاء الشيخ علي الزرقاني والشيخ موسى كشكول (زيد توفيقهما) واخبراني بما جرى من أمر حضرة السيد الأعظم دام ظله العالي لهما بالأمر بالمسير ليلحقا بك ويكونا معك ذهاباً وإياباً، فسرني ذلك غاية السرور بما لا يمكن ولا يسع شرحه. ولعمري ان السيد اختار لك أوثق الناس واعقلهم وأحبهم إليك ولأبيك، وأنصحهم للإسلام والمسلمين. فهما تحفة ساقها اله إليك، وجوهرة فريدة منَّ الله بها عليك، فاحفظهما واحتفظ بهما، واعرف مقامهما وقدّر لهما ما ينبغي ويلزم عليك مشاورتهما في كل أمورك، فلا تصدر إلا عن رأيهما، قضى لك الله بالسداد والرشاد والعز والنصر والظفر، والرجوع إلينا بمن معك سالمين إلى سالمين انشاء الله تعالى. والسلام على من معك، خصوصاً الأخ الأعز السيد اسماعيل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحمد
[26]
رسالة من السيد محمد الديواني إلى السيد محمد كاظم اليزدي، يخبره فيها عن وصول ولده السيد محمد إلى جبهة القتال بصحة جيدة، نصّها:
* * *
إلى النجف الأشرف:
يحضى ويتشرف بلثم أنامل حجة الإسلام والمسلمين الأعظم، السيد محمد كاظم الطباطبائي دام ظله بمنه تعالى.
أقبِّل أيادي حجة الإسلام، ومرجع الخاص والعام، سيدنا الأعظم السيد الطباطبائي دام ظله العالي.
بعد التفحص والاستفسار عن أحوالكم الشريفة، فنحن ومن فضله تعالى ووجودكم المقدس، ودعائكم المستجاب، بخدمة نجلكم العالم الفاضل ثقة الإسلام السيد الأمجد السيد محمد دام عزه سالمون بسلامته، وأقر الله عينك به، فإنه قد أدى وبلغ والحمد لله رب العالمين على ما أولاه من إطاعة العموم لكم. فالرجاء إبلاغ السلام السادات الكرام السيد العال نجلكم السيد علي، والسيد الفاضل ثمرة الدوحة الفاطمية، وعلى عمدة العلماء الفاضل الشيخ محمد حسين دام عزهما، ومن طرفنا يقبلون أياديك الشريفة ويسألونك الدعاء.
25 صفر الخير 1333هـ
الأحقر الجاني
محمد الديواني
[27]
رسالة من الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء إلى السيّد محمود نجل السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، جواباً على رسالة التي تسلّمها في 24 صفر يخبره بوصوله إلى بغداد وأن السيّد محمّد اليزدي بصحّة جيّدة، وبشائر ورود المجاهدين إلى بغداد بصورة مستمرة، وينبئ بالتقدّم والظفر. نصّها:
* * *
وسلام على نبيّه وأهل بيته.
إلى الأخ الأعزّ الأمجد، ثقة الإسلام سيّدنا الأجلّ السيّد محمود أطال الله عمره وشدّ أزره.
بعد تقديم عرائض الشوق والتحيّة والتسليم. نبدي لكم أنه وصلنا كتابكم مؤرخ 24 صفر، وحمدنا الله سبحانه على سلامتكم وسلامة آية الله أدام الله على الإسلام ظلّه. أما نحن وحضرة المولى السيّد محمّد أدام الله علاه، وجميع متعلّقيه، ففي خير وعافية. وأما بشائر الجيش الإسلامي نصره الله، فمن أول أمس إلى اليوم صباحاً ومساءً تردنا البشائر بالتقدّم والظفر، وإندحار العدو خذله الله.
أما القوى والعساكر والمدافع، فهي أيضاً كل يوم ترد منها كثرة لا تعد، وتنحدر في المراكب إلى الاوردي، وأولياء الأمور يحثّون العلماء وخاصة المولى السيّد محمّد علي التوجّه إلى إيران، لأنها في غاية الأغتشاش، وربما يلزمهم ذلك ويتعيّن عليهم ولا مندوحة لهم عنده، ونسأله تعالى أن يقضى لهم بما فيه الخير والصلاح إن شاء الله.
نقبّل أيادي حضرة الآية الكبرى أدام الله ظلّه الظليل، ونرجو صالح دعواته المباركة، والسّلام على الأخ الأمجد عليّ، والسيّد النبيل السيّد إسماعيل ومولانا الأفخم الحاج مرزا محمود حفظ الله الجميع، ومن طرفنا مرزه يهدي لحضرتكم وافر السّلام والخلوص.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المخلص
محمّد الحسين آل كاشف الغطاء
[28]
كتاب السيّد محمّد كاظم اليزدي إلى وكيله في الكوفة السيّد عليّ القزويني، يخبره بفتواه، ويأمره باستنهاض العشائر، وتبلغيهم بوجوب الجهاد، نصّه:
* * *
السيد المعظم جناب السيّد علي القزويني المكرّم:
أدام الله تعالى توفيقك، قد شاع وذاع فتوانا بوجوب الدفاع عند مهاجمة الكفّار على بلاد المسلمين، وحيث إن العدوّ قد قرب، وصار الأمر في غاية الشدّة، وعظم البلاء، فاللازم على كلّ أحد الاهتمام في دفع هذه الملمّة والسّعي في حفظ بيضة الإسلام، كلّ شخص بحسب حاله وتمكّنه: إما بالمسير إلى المدافعة، وإن لم يكن من أهله أو إن كان له عذر، فبتجهيز من يمشي أو إعانة الماشي، وإما بالمشي لاستنهاض العشائر ووعظهم، ونصيحتهم وتهييجهم، وعلى جنابك الاهتمام في تبليغ ما ذكرناه، فحفظ الإسلام واجب على كلّ واحد بأي وجه ممكن، والنصر من الله تعالى إنشاء الله تعالى.
محمّد كاظم الطباطبائي
[29]
منشور عام صادر من المرجع الديني الأعلى السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي إلى عموم المسلمين، يطلب فيه منهم الاتحاد والتآلف، وترك الخلافات، وعدم التشاجر والاقتتال فيما بينهم، للوقوف صفاً واحداً أمام العدوّ الكافر. نصّه:
* * *
فليعلم عامّة المسلمين وكافة إخواننا المؤمنين إن الله تبارك وتعالى قال في كتابه المنزل على نبيّه المرسل (ص):( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) ، وإن سفك الدماء وقتال المسلمين فيما بينهم غير جائز شرعاً، ولا يباح مال المسلم ودمه وعرضه للمسلم بلا موجب شرعي.
محمّد كاظم الطباطبائي
[30]
كتاب السيّد اليزدي إلى أهالي الشطرة وعشائرها، يؤكّد فيه برقياته وأوامره السّابقة والمبلّغة بوجوب الجهاد، ويأسف لعدم اكتراثهم بها، ويحذّرهم من عواقب ذلك، نصّه:
* * *
السّلام على كافّة إخواننا في الشطرة وفيما حولها ورحمة الله وبركاته.
غير خفي عليكم أنّا أبرقنا غير مرّة لكم ولغيركم، وكتبنا حتّى كلّ القلم، وشافهنا حتّى اضطرب اللّسان، حثاً على الدفاع، وإلزاماً بحفظ الثغر المهاجَم. وأقول الآن عوداً على بدء: يجب عليكم الدفاع، وحفظ بيضة الإسلام، فبأيّ عذر بعد اليوم تعتذرون؟! واتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
محمّد كاظم الطباطبائي
[31]
كتاب السيّد محمّد كاظم الطباطبائي إلى الشيخ خيون العبيد رئيس عشائر العبودة في الناصرية، يخبره بفتواه، ويأمره بالتوجه وعشيرته إلى البصرة، نصّه:
* * *
ذو الرشد المتكاثر، والعقل الوافر، ولدنا الأغر خيون (أدام الله عزّته وأجزل توفيقه وكرامته).
وبعد، فقد بلغك - كما بلغنا - هجوم الكفّار على بلاد المسلمين، وإحاطتهم بالبصرة(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ) وحيث كان الأمر كذلك فإني ألزمك، وأوجب عليك أن تتوجّه أنت مع جمع المسلمين الّذين هم طوع أمرك إلى البصرة، لسدّ ثغرها، ودفع الكفرّة الحافين بها، فإن ذلك واجب عليك من الله تعالى. وعلى كلّ من بلغه كلامي ممّن يتمكن من شدّ الرحال إلى البصرة بماله ونفسه وخيله وسلاحه ورجاله، وليس لمسلم متمكّن من ذلك عذر، والحكومة وساير المسلمين في هذا اليوم سواء في وجوب الدفاع وحفظ بيضة الإسلام، وفقكم الله وساير المسلمين لذلك، وبلوغ الأجر فيما هنالك، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمّد كاظم الطباطبائي
[32]
كتاب السيّد محمّد كاظم الطباطبائي إلى الشيخ خيون العبيد رئيس عشائر العبودة في الناصرية، يأمره بتجهيز عشيرته وتسليحها لمقاومة الإنكليز، ويوضح له أن الأمر متعلّق بنصرة الإسلام أكثر من تعلّقه بنصرة الدولة العثمانية، نصّه:
* * *
جناب الأفخم خيون العبيد (حرسه الله تعالى)
بعد السّلام عليك ورحمة الله وبركاته:
يقيناً بلغك كما بلغنا هجوم الكفّار على بلاد المسلمين، وإحاطتهم بالبصرة، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وحيث إن الأمر كذلك، فلا يجوز لك أن تشغل نفسك بغير مدافعة الكافرين، فإن الواجب عليك وعلى كلّ من بلغه فتوانا من وجوب الدفاع على المتمكّنين من المسلمين عند مهاجمتهم الكفّار على بلاد الإسلام، أن تشدّ رحلك إلى حفظ ذلك الثغر، ولا يسوغ التقاعد عن نصرة الإسلام والمسلمين.
محمّد كاظم الطباطبائي
[33]
كتاب السيّد اليزدي إلى الشيخ گاطع آل بطي رئيس عشيرة الإزيرج في الناصرية، يعلمه بفتواه في الجهاد، ويطلب منه التحرّك مع عشيرته إلى البصرة، وتبليغ الشيخ خيون العبيد وعشيرته بوجوب الدفاع عن الإسلام، نصّه:
* * *
ذو العزّ المنيع، والمجد الرفيع، والفضل الجليّ گاطع آل بطي (أدام الله عزّته، وأجزل توفيقه وكرامته).
وبعد، فقد بلغنا أن خيون غير موافق للحكومة، والحكومة في هذا اليوم وساير المسلمين سواء في وجوب دفاع الكفّار، لأنه يجب على كلّ مسلم متمكّن حفظ بيضة الإسلام ودفاع الكفّار الهاجمين على المسلمين، فاللاّزم عليك من قبلنا أن تمنعه من مخالفة الحكومة، وتلزمه مع أصحابه والجمع الّذي تحت يده أن يتوجّه إلى البصرة لحماية ثغرها، ودفع الكفرة المحيطين بها، فإني أوجبت عليهم، كما أني أوجب عليك أن تتوجّه مع جمعك وأصحابك إلى البصرة لسدّ ثغرها، وردّ الكفرة عنها، فإنه لكم بذلك الأجر الجزيل والثواب الجميل من الله العزيز الجليل، وليس لكم ولا لكلّ مسلم متمكّن من ذلك عذر عند الله تعالى.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمّد كاظم الطباطبائي
[34]
كتاب السيّد اليزدي إلى الشيخ عليّ الفضل رئيس عشيرة خفاجة في الناصرية، يعلمه بفتواه في الجهاد، ويطلب منه التحرّك مع عشيرته إلى البصرة، وتبليغ الشيخ خيون العبيد وعشيرته بوجوب الدفاع عن الإسلام، وعدم قبول أيّ عذر عن التخلّف. نصّه:
* * *
عمدة الكرام، وقدوة أرباب الاحترام، عليّ الفضل (دام توفيقه، واستنار إلى سبل الطاعات طريقه)
وبعد، فقد بلغنا أن خيون مخالف للحكومة غير موافق لهم، والحكومة في هذا اليوم وساير المسلمين سواء في وجوب دفاع الكفرة، بعد خروجهم على المسلمين وإحاطتهم بالبصرة. فالواجب أن تمنع خيون من مخالفة الحكومة، وأن تلزمه من قبلنا بموافقته إيّاهم، وخروجه مع جمع المسلمين الّذين هم تحت يده وطوع أمره إلى البصرة لسدّ ثغرها، ودفع الكفّار عنها. كما إني أوجب عليك وعلى المسلمين الّذين هم طوع أمرك التوجّه أيضاً إلى البصرة لحمايتها من الكفرة، وليس لك ولا لخيون ولا لساير المسلمين الّذين بلغهم أمري من ذلك عذر عند الله تعالى، لأنه يجب على كلّ مسلم متمكّن حفظ بيضة الإسلام، ودفع الكفّار الهاجمين على المسلمين، بماله ونفسه ورجاله وخيله وسلاحه، وفّقكم الله تعالى جميعاً لذلك وبلوغ الأجر فيما هنالك.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمّد كاظم الطباطبائي
[35]
نموذج آخر لكتب السيّد اليزدي التي بعث بها إلى رؤساء الناصرية، يطلب منهم منع الشيخ خيون العبيد من مسايرة الإنكليز، وتبليغه بوجوب الدفاع عن الإسلام، ومجاهدة المحتلين، ويأمرهم فيها للالتحاق بصفوف المجاهدين في البصرة، نصّه:
* * *
بعد السّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
[حسبما] بلّغونا أن خيون العبيد في مثل هذه الأيام التي يقيناً بلغكم هجوم الكفر فيها على ثغر البصرة من بلاد الإسلام، قد أشغل نفسه بغير ما هو اللاّزم من مدافعة الكفّار، وقد بلغكم فتوانا من وجوب الدفاع عند مهاجمتهم على بلاد المسلمين، فاللاّزم عليكم أن ترشدوه لما هو اللاّزم والأصح له ولغيره، من حفظ بيضة الإسلام وسدّ ثغوره، وفقكم الله تعالى لكلّ خير وسعادة.
محمّد كاظم الطباطبائي
[36]
رسالة من السيد محمد اليزدي إلى أحد الفضلاء، يعلمه بخروجه إلى ساحات الجهاد ويدعوه للتوجه إليه للمذاكرة واتخاذ التدابير اللازمة. نصّها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الفاضل الشيخ محمد علي دام توفيقه..
سلام عليك وعلى جميع من بطرفك من المسلمين ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فغير خفي أني قد تحرّكت من النجف الأشرف بأمر من حضرة الوالد حجة الإسلام السيد محمّد كاظم الطباطبائي دام ظله، داعياً لعموم المسلمين إلى الدفاع عن دين الله القويم وصراطه المستقيم وقد حللت الآن في بني طرف، فالأمل منك ومن جميع من بطرفك من ذوي النفوذ والآراء السليمة والأفكار المستقيمة، أن تتوجهوا إليها لتعاطي المذاكرات، واتخاذ التدابير لهذا الأمر العظيم، وترى في طيّه كتاباً إلى الشيخ مصبّح نؤمل تسليمه إليه يداً بيد بغير تعطيل.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
19 ربيع الأول
نجل حجة الإسلام محمّد الطباطبائي
هذا مع إبلاغ سلامي لجميع من بطرفك من المشايخ، وذوي الآراء والنفوذ منهم خاصة. وإذا توجّهت إلينا مع الذين أردنا مواجهتهم لمداولة الأفكار، يكون موعد اجتماعنا بيت سيد علي الطالقاني، فأنَّا قريباً نتوجّه إليه.
[37]
رسالة أخرى إلى نفس العالم الفاضل الشيخ محمد علي. نصّها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
جناب العالم الفاضل الشيخ محمد علي حفظه الله، آمين.
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والدعاء لكم.
ثم غير خفي عليكم، وصلنا مكتوبكم وصار عندنا معلوم ما ذكرتم فيه، ووصلنا مكتوب مشايخ بني سالة، فليكن معلومكم أن مشايخ بني سالة وجميع المشايخ وكل من نهضت به الحميّة الدينية، وأظهر إسلاميته، هو بذمّة الله وذمّة رسوله وذمتنا وأماننا. وقصدنا الأهم أن لا يقع على مسلم شيء مما يكره، وقصدنا إن شاء الله حقن دماء المسلمين وصيانة أعراضهم، وحفظ أموالهم، فليطمئنوا جميعاً. وكذلك أخذنا العهود والمواثيق على شيخ غضبان وقمندان العساكر المتوجهين في هذه الخطة بما نطمئن به ان لا يتعرضوا لمسلم، ومن خصوص مشايخ بني طرف. قبل هذا أخذنا منهم العهد والمواثيق والأمان للمشايخ بما نطمئن به، والآن أكّدنا ذلك وكتبنا لهم بإعطاء المشايخ ما يطمئنّون به من الأمان، والأخذ بحظهم، وإن شاء الله قريباً يأتيهم منهم ما يطمئنّوا به. فبلّغ جميع المشايخ عنّا السلام. وقد سرّنا ما هم فيه من الهمة في دفاع الكافرين، وفقهم الله وإيّانا وجميع المسلمين، إنه أرحم الراحمين.
سابقاً أرسلنا طيّ مكتوبكم مكتوباً إلى شيخ مصبّح وما جائنا جوابه.
والسلام عليكم وعلى من بطرفكم ورحمة الله وبركاته
23 ربيع الأول سنة 1333هـ
نجل حجة الإسلام محمّد الطباطبائي
[38]
جواب السيّد اليزدي إلى ولده محمّد يخبره بوصول برقيّته، ويعلمه بانشغاله في تهيّيج الرأي العام، والكتابة إلى الشيخ خيون العبيد وباقي الرؤساء بترك الخلافات الداخلية، واعتبار القضية مصيرية، نصّه:
* * *
الأعزّ السيّد محمّد حرسه الله تعالى:
وردتنا تلغرافكم، وسررنا بسلامتك، ونحن في تمام المشغولية فيما يهمنا من تهيّيج المسلمين، وقد كتبنا إلى شيوخ العشاير فرداً فرداً وجوب الدفاع، وكذا إلى خيون وباقي الرؤساء فيما يلزم من إصلاح داخليتهم، وحثّهم على نصرة الدين، وتبليغهم الفتوى حسب ما عرفتمونا عنا.
محمّد كاظم الطباطبائي
[39]
رسالة من السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي إلى الشيخ خيون العبيد رئيس عشائر العبودة في الناصرية، يثني عليه ويبارك له إنخراطه في صفوف المجاهدين على إثر كتاب الطباطبائي السّابق. نصّها:
* * *
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ذي العزّة والمنعة، والإباء والرفعة، الأمجد الأكرم، جناب الشيخ خيون المكرّم زيد توفيقه:
لا زلت مؤيّداً منصورا، وقلب الشرع بك مسرورا، بما أنت فيه من حياطة الإسلام، وصيانة أغراض المسلمين، والمحافظة على الذمام، وحماية شريعة سيّد المرسلين، تعطي السيّف حقّه جهاداً في سبيل الله، باذلاً نفسك طلباً لرضاه، مخلّداً لك الذكر الجميل في كلّ جيل، وكل قبيل، آمين بمحمّد صلّى الله عليه وآله الطّاهرين.
وبعد:
فقد بلغني عنك ما هو المألوف من الشيمة العربية، والنهضة الإسلامية. شكر الله تعالى مساعيك وشدّد صولتك على الكافرين، وجعل من طلائعك الرعب والنصر لك قرين. فلعمري لقد نشطتني على المداومة لك بالدعوات، راجياً من الله تعالى أن يزهق بسيفك أرواح المشركين، ويطهّر تلك الصفحات، وها أنا بما أعدّ الله تعالى للمجاهدين من الخير أهنيك، وبرسم التقوية بالأكرمين عسكر وحط أعزيِّك، فلك البقاء ولهما البشرى بالسّعادة الأبدية، والحياة السّرمدية، والأمل أن تكون المبلّغ كافة العشائر المشتركين في هذا الوجه الحسن، عين التشكر لتلك المساعي المشكورة، والوثبات المأثورة، وأن تخصّهم ونفسك بالتحيّة والسّلام.
محمّد كاظم الطباطبائي
[40]
جواب السيّد اليزدي إلى ولده السيّد محمّد في العمارة، ويأمره ببذل أقصى جهوده في توحيد العشائر، وبثّ الوعي بين صفوفها للتهيّوء للجهاد، ويخبره بتخلّي الشيخ خيون العبيد رئيس عشائر العبودة في الشطرة عن الحركة، ثم منحه الأمان من قبل متصرف الناصرية وانخراطه فيها. نصّه:
* * *
ولدنا الأعزّ السيّد محمّد (دام بقاه).
أتانا تلغرافك، فحمدناه تعالى على ما أنت من السّلامة، واللاّزم عليك الجدّ والاجتهاد في تحصيل الاتحاد بين العشائر، وبث المواعظ والنصايح، وتيلنا سابقاً إلى الولاية الجليلة، أشعرنا فيه بما اعتذر به خيون، وقد أتانا منه اليوم تلغرافاً يخبرنا بأن متصرف المنتفك قد أعطاه الأمان، وسألنا تأكيد الاطمئنان من حضرة الولاية أيضاً، فينبغي لك أن تبلّغه ذلك عنّا ليتفضل عليه بما يطمئن به، ليتوجّه هو وأتباعه إلى مدافعة الكفّار، وسألنا من حضرة الولاية أيضاً أن يتفضل على ساير العشائر برفع الضيق عنهم من الرسومات، والتسهيل على المجاهدين منهم لتحصيل الكفاية وقطع الأعذار.
محمّد كاظم الطباطبائي
[41]
قائمة بأسماء الّذين كتب لهم السيّد محمّد كاظم اليزدي عزمه على الحركة، وفتواه بالجهاد من أهالي منطقة الفرات:
* * *
المكتوب الأول: حتروش ورفقاؤه، عبد الرضا آل حسوني، وراضي آل شيخ عليّ، وعباس آل حاجي لهوَّف، وآل جحات جميعاً.
المكتوب الثاني: لهيبات: آل حاجي صفر، وراضي آل عاتي، وعشيرتهم الهيبات.
المكتوب الثالث: الغزالات: ملاخ وجاسم آل عبيد، وگحيط، وكافة الغزالات جميعاً.
المكتوب الرابع: مجبل، وعبد الكاظم، وسيّد يحيى، وعبد نور، وكافّة آل فتلة.
المكتوف الخامس: سيّد علوان ابن سيد عباس، وشعلان، وعبد آل صفوگ، ومهدي آل عسل، وكافّة آل إبراهيم.
المكتوب السّادس: سيّد نور آل سيّد عزيز.
المكتوب السّابع سيّد محسن أبو طبيخ، وكافّة أهالي الخرم جميعاً.
المكتوب الثامن: اهنين، وجري، وفنيخ، وكافة آل زياد جميعاً.
المكتوب التاسع: حسن آغا، وكافّة بني ازريج.
المكتوب العاشر: السيّد هادي إمقوطر، والسيّد عبد زيد، وكافّة عشيرة كعب.
المكتوب الحادي عشر: محمد آل عبطان، وسلمان آل عبطان، وسلمان آل ظاهر، وكافة الخزاعل.
المكتوب الثاني عشر: علي آل عميثر، وكافة آل شبل.
المكتوب الثالث عشر: عليوي آل رخيص، وجبار أبو حليل، ومهوال، وكافة آل شبل.
المكتوب الرابع عشر: سرحان آل عتيوي، وكافة رفقائه.
المكتوب الخامس عشر: السيد محمد آل سيد كاظم، وجواد شيخ حبيب، وكافة رفقائهم.
المكتوب السادس عشر: الحسين الشافعي، ومسافر، ورفقائهم.
[42]
قائمة بأسماء الّذين بعث لهم السيّد محمّد كاظم اليزدي بفتواه من أهالي العمارة، ويبلّغهم بأمر الحركة.
* * *
أهل العمارة:
الشيخ الزاهد الفاضل الملقّب شيخ آغا واسمه شيخ أحمد، أولاده شيخ مهدي، وشيخ محمّد علي، وشيخ عليّ وشيخ عبد الحسين، والّذي بمعيته شيخ عبدالله أخو ملاّ محمّد جواد أولاد حمادي تاجر، حاجي أبو القاسم، أولاده تقي جلبي، وملك جلبي.
تاجر - حاجي أحمد.
تاجر - حاجي محمّد رشيد عطّار.
حاجي تقي أخو حاجي أبوالقاسم صفار.
تاجر - حاجي عبدالله وابنه حاجي نجم.
تاجر - حسن الحاجي عليّ بغدادي.
تاجر - حاجي حسن - صفار.
[43]
بعث الشيخ عبدالرضا الشيخ مهدي آل الشيخ راضي من السّماوة برقيّة إلى السيّد محمّد كاظم اليزدي ، يعلمه فيها بعدم موافقة الحكومة على بيع بعض المجاهدين لذخائرهم للاستفادة من مبالغها في السفّر للدفاع، وعلى أثر ذلك بعث السيّد اليزدي إلى متصرّف الناصرية برقيّته هذه لتسهيل مهمّتهم، نصّها:
* * *
ناصرية: لحضور...
وردتنا برقيّة من السّماوة فيها: أن السّادة والرؤساء ومن يتبعهم من السّائرين للدفاع وَرَدوا السّماوة. وحيث إنهم عاجزون عن مؤنة سفرهم، اضطروا لنقل بعض الذخائر معهم ليبيعوها بالسّماوة، والحكومة منعتهم من بيعها، وقد طلبوا مراجعة الحكومة في إعطاء رخصة في بيعها وتأمين التجار، فالمأمول إجابة مطلوبهم وتسهيل السّبيل لأمثالهم فإنه أنجح وأصلح.
محمّد كاظم الطباطبائي
[44]
برقيّة من السيّد محمّد كاظم اليزدي إلى الشيخ عبدالرضا الشيخ راضي، يخبره بإرساله برقيّة إلى متصرف الناصرية للغرض المذكور، نصّها:
* * *
سماوة.
جناب الفاضل الشيخ عبدالرضا الشيخ مهدي (دام فضله):
أبرقنا لمتصرف الناصرية في إنفاذ مرامكم، سلامنا لمَن قبلك من السّادة والرؤساء وكافّة المؤمنين، أيدّهم الله تعالى بالنصر والظفر.
محمّد كاظم الطباطبائي
[45]
جواب متصرف لواء المنتفك على برقيّة السيّد محمّد كاظم اليزدي، حول تسهيل مهمّة المجاهدين الّذين باعوا بعض ذخائرهم في السّماوة، ويخبره بتحرّك تسعة آلاف راجل. وألفي فارس إلى البصرة، واستمرار الباقين في الذهاب، ويبشّره بورود برقيّة تعرب عن انتصارات رائعة في جبهة القرنة، نصّه:
* * *
إلى جناب الأجلّ الأمجد حضرت مولانا ومقتدانا خادم الشرع الشريف، فخر العلماء، صاحب العقيدة، السيّد كاظم اليزدي المحترم (وفّقه الله وحرسه وحماه بجاه البيت ومن بناه).
بعد عرض واجبات الاحترام لدى أعتابكم الشريفة.
نالت أيدي التكريم والتعظيم كتابكم وأسرّنا خطابكم، وللغاية صرنا ممنونين من عباراته الفائقة، التي أثارت عواطف المحبّة، والاشتياق لمشاهدة حضرتكم، نسأله عزّ وجلّ أن يمنّ علينا بشرف ملاقاتكم التي هي أخصّ آمالنا. تذكّروا من طرف ذخائر التي وقعت عليها اليد بصورة تكاليف الحربية، فأمركم المطاع، وإنفاذه من الواجبات، إلاّ أنه ذخائر المذكورة بزمان أسلافنا وضع عليها اليد.
نرجو من فضيلتكم المسامحة، ومع ما فيه يسعى على عدم أخذها. وأما من طرف مسائل الجهادية، الحمد لله، قبل كم يوم تحرّكوا مقدار تسعة آلاف مجاهد من مركز اللّواء، وألفين خيال إلى مناطق الحربية، والعشائر بكمال الشوق والسّرور لا زالوا يتواردون علينا، من كلّ فجّ عميق، وسنلحقكم إلى محال اللاّزمة، وذلك من ثمرة أنفاسكم الطّاهرة، ومن تأثيرات فتاويكم الشريفة التي انتشرت، وتبلغه العالم الإسلامي، وافتهمنا من أنباء البرقيّة الواردة أن قضاء القورنة سيرد من قبل عساكرنا المنصورة والمجاهدين.
فنرجو دوام دعائكم المستجاب، ونسأله عزّ وجلّ أن يكثر أمثالكم، ويطيل عمركم، ويجعلكم حجّة للإسلام، ورحمة وبركة، وعمركم باقي سيدي ومولاي.
7 كانون الثاني 1330 مارتية
3 ربيع الآخرة 1333هـ
متصرف لواء المنتفك
(ختم محمّد حمزة)
[46]
المنهاج الّذي أعدّه السيّد محمّد كاظم اليزدي لولده السيّد محمّد ومن معه في السيّر بمقتضاه عند سفره للجهاد، وتبليغه العشائر القاطنة في الطريق:
* * *
بغيله، كوة الإمارة، حيّ، جلعة سكر، بعض من أهل الشطرة، عرب قصاب، عرب محمّد الياسين، عرب حمادي الحاج شاتي، عرب حجالي، حجام.
[47]
رسالة من الشيخ علي الزرگاني إلى السيد محمود نجل السيد محمد كاظم اليزدي، يخبره عن صحة أخيه السيد محمد والعساكرة المجاهدين، والانتصارات المستمرة، ويعلمه بنزوله شخصياً ومن معه بالقرب من الناصرية، ويوصيه خيراً بحامل الرسالة، نصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد تقبيل أيادي سيدي ومولاي، ونجل آية الله السيد محمود (دام عزُّه).
بعد: لا يخفاكم من خصوص جناب مولانا حجة الإسلام السيد محمد بكمال الصحة، وجميع مَن بخدمته وصحبته، وهذه المدة نحن بخدمته مع عساكرنا المنصورة مع المجاهدين.
إنّا نازلين الجميع بقرب الناصرية، عنها ثلاث ساعات، وعندنا من القوى فوق المطلوب، ومن طرف الناصرية من چعب والباوية، كذلك أنا وهم في غاية الشوق لهذا السبيل، والطوع لأمر حجة الإسلام، والعدو خذله على كارون بالناصرية، وهذه المدة لم يقع عندنا حادث جديد غير المصادمة الأولية، وعمدة هذا التعطيل والتوقف للعساكر والمجاهدين من الهجوم على العدو وهو شدة احتياط حجة الإسلام، وتوقفه مهما أمكن أن لا ينصدع هناك مسلم، والمجاهدين والعساكر الكل طوع أمره لا يخالفوه، وهو في غاية التأمل والاحتياط، وعن قريب إنشاء الله نبشركم بالفتح التام، ويكون الفتح من جهتنا إن شاء الله، وذلك ببركة دعاء آية الله دام ظله، ولا تكونوا في فكر من كل جهة، والداعي له كل يوم بالعمارة من جهة حاجة عيالنا، وإن كان بوجود آية الله لم يكن عندنا فكر من طرفهم هذه عيالكم، ويوم التاريخ توجهنا إلى الحويزة وساحة الحرب لخدمة حجة الإسلام، نسألكم الدعاء أن يجمعنا معكم عن قريب بالنصر والظفر.
ثم من خصوص حامل المكتوب شيخ حمود ما قصّر في خدمة حجة الإسلام، وله مدة مريض وجناب آية الله قد أعتق رقبته، وهو أنتم أعرف به لأن من خدّامكم مخلصيكم فالواقع، ولا يحتاج شرح حاله لديكم.
مولاي المرجو أن تقبّل أقدام مولانا آية الله، نرجوه أن لا ينسانا من دعائه، نسأل الله أن يديمه لنا وللمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علي الزرگاني
[48]
رسالة من السيد محمد اليزدي إلى والي بغداد، يشرح له الإجراءات المتخذة من قبل والده السيد محمد كاظم اليزدي، بتهيئة عموم المسلمين الأطراف والعشائر للجهاد، ويطلب منه إصدار أمره إلى دائرة البرق في النجف لإرسال البرقيات الموقعة من والده مجاناً، وقبول شفاعته لديهم لتسهيل مهمة التحاق المسلمين بالجبهات. نصها:
* * *
إلى حضور ولاية بغداد الجليلة أدام الله إجلالها:
نقدم وافر التحيات والتسليمات، وصالح الدعوات، بدوام العز والنجاح، مقروناً بالنصر والظفر.
وبعد تقديم واجب الاحترامات: نبدي لحضرتكم السامية أعزها الله، إننا لم نزل في هذه الأوقات دائبين، سعياً في المراجعات ومراسلة الأطراف من العشائر والقبائل وعامة المسلمين، وكان من أسباب التسهيل لهذا الأمر علينا وتذليل عقباته ترخيص الحكومة في أخذ التلغرفات التي تتعلق بهذه المقاصد المرعية بدون أداء رسم لها، وأخيراً قد بلغنا إيقاف هذه المعاملة، فأوجب ذلك فتور في بعض الأعمال التي نرغب في تعجيلها حذراً من فوات وقتها، أو تأخير نتائجها، حيث لا يتيسر سرعة المواصلات بغير البرقيات.
وحيث إن... كما لا يغرب عن فكركم السامي، بهذا نأمل من سماحتكم إصدار الأمر.. النجف بقبول البرقيات الموقعة بتوقيع والدنا حضرة حجة الإسلام (دام ظله العالي)، أو توقيعه... فإن في ذلك تسهيلاً ومساعدة على ما نحن بصدده من تحريك الهمم وتنشيط العزام إلى الدفاع والحركة إلى الثغر إن شاء الله، ثم لا يخفى على رأيكم السديد أن حضرة والدنا حجة الإسلام (دام ظله)، قد كثرت عليه الالتماسات وطلب الشفاعة إلى الحكومة نصرها الله، ولا مندوحة له عن إجابة البعض عندكم، ومعلوماً لديكم ودمتم بالعز والشرف، والسلامة والسلام.
[49]
خلال وجود السيد محمد نجل السيد محمد كاظم اليزدي في بغداد، وعزمه على التوجه إلى جبهات الدفاع، كتب برقية إلى والده يعلمه فيها بعزمه، وقد أجاب السيد اليزدي على برقية ولده، يؤكد له استمراره في الأمر، ويدعو له بالسداد والنجاح. نصها:
* * *
بغداد
ولدنا الأعزّ السيد محمد سلمه الله تعالى:
وصلنا تلغرافك المعرب عن عزمك على الحركة إلى جبهة مواقعة العدو، فسرّنا ما أنت فيه من الإقدام والاهتمام، والقيام بما فرضه الله تعالى عليك، الذي أنت أولى به (نصرك الله وكافة إخواننا المؤمنين على الكافرين). وأوصيك (شدّ الله تعالى أزرك، وأرشد أمرك) بالجد والجهد في إرشاد الناس لما هو السداد، واستنهاض القبائل، وتنبيه الغافل، والإنذار عند الأعذار ببث المواعظ والنصائح المتنبّهة لهم من سِنَة الغفلة، والتعلل من غير علة، وإتمام الحجة على من في طريقك من الطوائف وسكان البلاد والقرى، بحيث لا تترك مكاناً إلاّ وقد أدّيت ما عليك من البلاغ، فإن الوقت ينبغي لمثلك فيه الاهتمام فبالتعب يكتب الراحة، وبالمشقة يكتب الأجر. وليكن ثقتك بالله وتوكلك عليه سبحانه في جميع أوقاتك. وأما ما طلبت منّا من تحريك، فنحن - ومن الله التوفيق - ساهرون له، مجدّون فيه بكل طريق، ونستمد من الله في أداء ما يجب علينا وما هو وظيفتنا، وهو ولي التوفيق والنصر.
محمد كاظم الطباطبائي
[50]
كتاب السيد محمد كاظم اليزدي إلى والي بغداد، يخبره بإصدار فتواه في وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام، وبإرسال ولده السيد محمد إلى ساحة الحرب. نصه:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه الراشدين:
لحضور والي ولاية بغداد، وقمندان فيلق العراق الأفخم، ثم إلى جميع أمرائه الظافرة، وجنوده القاهرة، وعساكره المنصورة، وإلى عامة المسلمين في نواحي العراق، ومن في ثغوره (أعزهم الله جميعاً بالنصر والتمكين، والظفر على أعداء الله خذلهم الله)، والتسليمات بالتحيات المباركة الحسنى، تغدو وتروح عليكم بالنصر والسكينة والثبات والطمأنينة، سلام حرب عليكم، ضارع إلى الله سبحانه في دفع اللأواء عنكم، وحراسة الإسلام بكم، فإنه جل شأنه خليفتي عليكم، وأنتم وديعتي عنده، وكفى به حفيظاً وحسيباً وكافياً ونصيراً.
وبعد:
فإنه لما دهم الخطب، واستفحل البلاء، وأعضلت النازلة على ثغور الإسلام والمسلمين، وكان من أهم الواجبات، وأعظم شرائع الدين، أن ينهض كل مسلم متمكن للدفاع عنه حسب مقدوره، ولا يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يتوانى ويتقاعد عنه أو يتقاعس دونه. ألا وأنّي رغبة إلى الله جل شأنه، وابتغاء لمرضاته، وحرصاً على الدفاع عن دينه الأقدس، وناموسه الأعظم، قد قدّمت إليكم أعز ما عندي، وأنفس ما لدي، وَلَدي وفِلْذَة كبدي السيد محمد (سلّمه الله تعالى)، آثرتكم به مع مسيس حاجتي له، وشدة عوزي إليه، فإنه أدام الله حراسته على ما له عندي من علاقة الأبوة ومكانة البنوة، قد بلغ من مراتب الجد والاجتهاد، وسوامي منازل العلم والفضيلة إلى المقام الذي يستغني ولا يُستغنى عنه، ويستقيل ولا يُستَقَل دونه، وفوق ما هنالك، ومع تسامق عرفانه، وصلاح على تقى أُسِّس بنيانه، وحصافة عقل أحكمت معاقله، واستكملت منازله.
ولما استنهضتُه للقيام بأعباء هذه المهمة، والسعي على المساعدة في دفع هذه
الملمة، تلقاها برحيب صدره، وثابت قلب، وركين حلم، فأرسلته إليكم داعياً إلى الله ورسوله، آخذاً بحجزة الناس إلى اتباع سبيله... رضوانه، وسلوك سبيل جنانه، وليبلغ عني ما يلزم إعلانه، ويهتم بيانه، حفاظاً في الله على دينه، ودفعاً لأعدائه، وإلى الله أرغب ضارعاً إليه في أن ينفع به الإسلام والمسلمين، ويدفع به كما دفع بأجداده كيد الكافرين.
ألا وإن وصيتي إليكم، وعهدي لكم، هو ما أعهده الله سبحانه عباده، أن تخلصوا إلى الله في نياتكم، وتصلحوا طويَّاتكم، وإن تتظاهروا في مواقفكم كلها بشعائر الإسلام وشرايعه المقدسة، على نهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، شعاركم التكبير والتهليل، ولهجتكم الاستعانة بالله، والثواب كثير، والعمل رائد النجاح، وملاك العمل الإخلاص، فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تهنوا وأنتم الأعلون، وإن الله لمع المتقين. وأشد فزعي إلى الله، ومسألتي منه أن يصون ولدي وكافة إخواننا المؤمنين بعنايته، ويكفلهم بحياطته، ويدفع عنهم كيد أعدائه، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، وهو المستعان وعليه التكلان.
محمد كاظم الطباطبائي
[51]
جواب السيد محمد كاظم اليزدي إلى والي بغداد، يعلمه عن بقائه في النجف، وإرسال ولده محمد لساحات القتال، وكان الوالي قد بعث ببرقية إلى السيد اليزدي يطلب منه الاهتمام بمقاومة الإنكليز، وحث العشائر للوقوف بوجههم، نصه:
* * *
ولاية جليلة بغداد.
بعد السلام عليكم:
تلونا تلغرافكم، وحيث إن أوقاتنا مصروفة فيما يجب علينا من حث العشاير وبعثهم لحفظ ثغور الإسلام، كان الأصلح بقاءنا في النجف الأشرف، والأمل أن يكون في ولدنا وفي ساير العلماء ما فيه الكفاية، نسأل الله تعالى النصر العاجل والفرج القريب.
محمد كاظم الطباطبائي
[52]
كتاب السيد محمد كاظم اليزدي إلى ولده السيد محمد، وهو في بغداد، يخبره باجتماعه العام في الصحن الحيدري بالنجف، واستنهاض المسلمين إلى الدفاع عن الإسلام، ويوضح له بأن الحكومة ضيقت على الناس في استحصال الرسوم والضرائب، ولذا يأمره بالاتصال بوالي بغداد للتخفيف عنهم ورفع الضيق، نصه:
* * *
سيدنا الأعز السيد محمد (دام بقاه):
وردنا الشيخ علي أكبر والأمر كما ذكرت، وتكاثرت الأخبار من الشدة، وتعاظم الخطب، وتفاقم البلا، وقرب العدو، خذله الله تعالى وأذله، فزاد قلقنا واهتمامنا بما نحن فيه مجدّون، وله ساهرون، وقبل يومين أعلنا الإجتماع العمومي في الصحن الشريف، وبالغنا في تحريك عموم الناس واستنهاضهم إلى جهة الدفاع، وتحرك جماعة وتهيَّأت أخرى. وأما العشائر الذين هم أنفع من غيرهم بالمقصود بأهم العمدة، حسبما بلغنا أن الحكومة ضيق عليهم بتحصيل الرسومات من الميري وغيره، لهذا تثاقل بعضهم، فاللازم مراجعة الحكومة ومقام الولاية الجليلة بالتخفيف عنهم، والتفضل عليهم برفع الضيق والتسهيل على المجاهد منهم لتحصيل الكفاية إنشاء الله.
ونتنظر الجواب سريعاً عن هذه المسألة.
محمد كاظم الطباطبائي
[53]
رسالة من الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء إلى السيد محمد اليزدي، يوضع له بعض الأمور المتعلقة بين المجاهدين والحكومة. يطلب منع إعفاء حميد محمد سعيد عجينة من سوقه مع طابوره إلى الجناح الأيسر لعدم تمكنه من حمل السلاح، وسحبه معه والمحافطة عليه، وبذيله هامش من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، يؤكد له إنجاز الموضوع ذاته، نصها:
____________________
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد والمجد
أيَّد الله وأسعد وأرشد حضرة المحامي عن الإسلام، والمحافظ لشريعة سيد الأنام، السيد الأمجد السيد محمد (أدام الباري ظله وأعلى) وقد فعل محله.
أخي وسيدي، لا أطيق أن أشرح لك ما أجده لفراقك، وأتحمله ولو أكاد أسيغه من مضض بعادك، وليس لي إلاّ الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والتضرّع والابتهال إليه في أن يعيدك ومَن معك إلينا سالمين بالعز والشرف، والنصر والظفر إنشاء الله تعالى.
أخي كتبنا إليك كتباً متعددة، أرسلنا بعضها مع أحد أصحاب السيد عقلة، الذي هو من سادات العمارة، إلاّ أن الظاهر أنهم لم يصلوا إلى العمارة إلاّ بعد سيركم عنها، وما أدري أنه لحقكم بها أم لا، وقد كان في الكتب كتاب مفصّل عن الأمر السابق الذي شرحناه لك في الكتاب المرسول مع عبد بن الحاج محمد النقدي أخ الشيخ جعفر النقدي، الذي لم نرى أثراً لإقدامك فيه، على أنه من أهم الواجبات وأوجب المهمات، وإلى الآن حضرة السيد دام ظله العالي يقاسي منه الشدائد، على أنه يمكن لك بسهولة إنجازه ولو بمراجعة الآستانة منك ومن القومندان الذي معك، فالعجب كل العجب من تسامحك فيه، وتغافلك عنه، على أن مراجعة الولاية في بغداد ولعلها كافية فيه.
وعلى أي حال فالباعث لتحرير هذه الكلمات، أن حميد ابن الحاج محمد سعيد عجينة عسكر في طابور الحدود في النجي بلك، هو من النجباء الأعزاء ولا طاقة له على حمل السلاح والقيام بوظائف العسكرية، وقد كان طابوره مقيماً في العمارة، فكان يحتمل ذلك على ما فيه من الصعوبة، والآن قد كتب لوالده أنهم يريدون سوق
طابوره إلى العسكر الذي في الجناح الأيسر، ويريدون سوقه معهم وهو لا يتمكن من تحمل ذلك، ولا يقبل عنه بدل، فتكلم أهلوه مع حضرة حجة الإسلام السيد الأعظم والدك الأكرم في الكتابة إليك بأن تراجع القومندان في أن يوظّفه لأن يكون معك وصحبتك، مع المحافظة عليه وإعطائه الرخصة بعد ذلك في مجيئه إلى أهله ثم العود إليكم.
وحيث إن ذلك من الأمور المطلوبة لنا جيداً؛ لما نعرفه من نجابة أهله ونجابته، وضعفه وعدم طاقته، كتبنا هذه الألوكة للتأكيد عليك في ذلك، فالمأمول الاهتمام به وضم ذلك لأياديك المشكورة وحسناتك المذكورة.
لا زلت كما أنت غياث اللاجي، وغوث الراجي، والمأمول إبلاغ سلامي ودعائي وتحيتي وثنائي إلى الفاضل السيد الأجل السيد إسماعيل، وحضرة الأخ العلامة الحاج الشيخ عبد الكريم الجزائري، والأخوين الأعزين الشيخ علي، والشيخ موسى، وقرة العين الشيخ هادي حفظهم الله جميعاً، وأرجعهم إلى أوطانهم سالمين، وبشّرهم جميعاً بسلامتهم وسلامة مَن يتعلق بهم في النجف من أهاليهم وأصحابهم، والأمل إن شاء الله أن لا تتسامح في الأمر الذي ذكرناه في صدر الكتاب.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ليلة الاثنين 7 ربيع الثاني سنة 1333هـ
أحمد آل كاشف الغطاء
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي سلام الله وتحياته المباركة عليك تغدو وتروح، إلى آخر التحيات المباركات التي لا يسعها المقام.
المطلب الذي ذكره حضرة الأخ في المتن، وكنا كتبنا فيه عدة كتب، نخبرك عن أهميته وسهولته لك دون حضرة السيد دام ظله، وقد رأينا من إغفالك له ما أدهشنا، والآن محله باقي فلا يفوتك، عسى يتوفَّق له توفيق.
والسلام على جميع الإخوان الكرام فرداً فرداً، وعلى ابن العم الشيخ هادي، حفظ الله الجميع والسلام.
محمد الحسين
[54]
رسالة من السيد محمود اليزدي نجل السيد محمد كاظم اليزدي إلى أخيه السيد محمد وهو في العمارة، يخبره بوصول برقيتيه المؤرَّختين 20 و23 كانون، ويخبره بتأكيد والده على بذل أقصى الجهود للدفاع، نصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
عمارة - بتوسط بيت عشير (سلَّمهم الله).
إلى الأخ الأعلم حضرة السيد محمد الطباطبائي (دام ظله):
أخذنا تلغرافكم المؤرّخ 20 و23 كانون، فسُررنا بسلامتكم وما أنتم فيه من التأمل والأخذ بجانب الاحتياط وحسن الاهتمام، والإقدام بنصرة الإسلام، ومعونة المسلمين نصرك الله ونصرهم على الكافرين. وحضرة الوالد (روحي فداه)، بحمد الله تعالى، بكمال الصحة والسلام، وهو يؤكد ببذل الجد منك ومنهم حسب الجهد بالائتلاف والاتفاق معهم؛ ليكونوا يداً واحدةً على الأعداء، ولئلا يقع محذور يخل بالمقصود والعياذ بالله، وهو يهدي السلام إلى كافة القبائل والطوائف، وكافة المدافعين، ويوصيك ويوصيهم مؤكداً فيما بثَّهم، وكافة متعلقيكم ومتعلّقي من بصحبتكم.... سالمون لا تكونوا في فكر من طرفهم، ولا تقاطعونا أخباركم على الدوام.
محمود الطباطبائي
[55]
برقية السيد محمد كاظم اليزدي إلى الشيخ حمود الجابر والشيخ گباشي السعد رئيس عشيرة بني منصور في البصرة، يشكر فيها مواقفهما، نصها:
* * *
عشّار
الماجدان الشيخ الأكرم حمود الجابر، والشيخ الأمجد گباشي السعد.
وصلنا تلغرافكم، شكر الله مساعيكم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلكم منصورين، وعلى الأعداء ظافرين قاهرين، إن شاء الله تعالى.
محمد كاظم الطباطبائي
[56]
برقية بتوقيع (مجتهد) صادرة من الكوت إلى السيد محمود ابن السيد محمد كاظم اليزدي في النجف، يعلمه بالاتصال بالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء حسب برقية الشيخ عبد الكريم له، ويخبره بتوجه السيد محمد إلى الكوت على الطريق البرّي، ويعلمه بقرب وصوله، نصها:
* * *
نجف - نجل حضرة آية الله الطباطبائي (مد ظله)
تشرّفنا بخدمة حضرة العلاّمة كاشف الغطاء، حسب تلغراف الجزائري له. حضرة حجة الإسلام السيد محمد (مد ظله) توجّه الكوت على طريق البر. بقينا ننتظر قدومه.. عرّفونا سلامتكم سريعاً.
ص2 / رجب / 1333
مجتهد
[57]
كتاب من شعلان العطية الدخيل رئيس عشيرة الأگرع في عفك والدغارة، إلى الإمام السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، يستفسر فيها عن صحة فتواه بوجوب الدفاع للحفاظ على بيضة الإسلام، نصه:
* * *
بعد تقبيل أنامل حجة الإسلام، ومؤيد شريعة جده سيد الأنام، قدوة العلماء الفقهاء، حضرة حجة الإسلام كاظم (دام ظله):
أما بعد، يا مولانا فقد اجتمعت جميع عشاير عفك دغارة وإجبور وكافة لواء الديوانية إلى بغداد، من المحقق عندنا برضىً منا ورغبة، وفيهم تمام القوة والرهبة، بما تحقق هتك الأعراض من الكافرين، وهجومهم على بيضة الإسلام، ولكن مولاي بعض الجهلة يگولون السيد ما وجب الدفاع ينافي من الحكومة وأعطى فتوى، فالرجاء أن تكتب لنا فتوى مؤكدة لفتواك، والمسلمين بعونه تعالى قابلين لدفاع الكفار بأهون ما يكون، ولكن يَرْدُون إمدادك وكتاباتك.. ونحن قد تجاسرنا، نرجو المسامحة والله أرحم الراحمين.
وسيد علي الحلي مدة شهر عندنا شاف بعينه إجتماع الخلق يفيدكم شفاه.
والسلام.
1 / ذو الحجة / 1333
الخادم
شعلان العطية الدخيل
[58]
جواب السيد اليزدي على كتاب الشيخ شعلان العطية، المؤرخ في 1 / ذي الحجة / 1333هـ، ويؤكد فيه فتواه بوجوب الجهاد، وقد وجه عنوانه إلى كافة أهالي عفك المذكورين في كتاب الشيخ شعلان، نصه:
* * *
إلى كافة إخواننا المؤمنين الموحدين من أهالي عفك:
لا يخفى عليكم تحقُّق هجوم الكفرة على ثغور المسلمين، فانفروا كما قال الله حفافاً وثقالاً، ولألفينَّكم كما يقول عزَّ من قائل:(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) فانهضوا بتوفيق الله إلى جهاد عدوكم وعدو نبيكم:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ، فقد أعلمنا بوجوب الدفاع عن حوزة المسلمين وبيضة الدين، وقد(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد كاظم الطباطبائي
[59]
رسالة من السيد محمد بن السيد إبراهيم الديواني، إلى السيد محمد كاظم اليزدي يخبره بوصوله إلى الكاظمية مع الشيخ أحمد كاشف الغطاء، في يوم 11 ذي الحجة وهما بصحة جيدة، نصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
نقبل أيادي جذوة المكارم، وجمرة العز من بني هاشم، سيدنا السيد محمد كاظم (دام ظله)، العيلم العالم، الواشح بأعراق المعالي إلى علي وفاطمة، عز الشيعة، وناموس الشريعة، أعني به سيدنا وملاذنا، حجة الإسلام والمسلمين، آية الله في العالمين، سيد الأعاظم سيدنا محمد كاظم (دام ظله):
غب فحصي عن سلامتك، وصحة مزاجك، وإن سألت عن الداعي فهو لا زال رافعاً كف الابتهال لدى حضرتكم المنيفة، يسأل الله أن يديم لنا وجودكم، ويهلك عدوكم وحسودكم.
أما بعد، فنحن وصلنا إلى الكاظمية بخدمة جناب الأمجد الشيخ أحمد (حفظه الله) في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة الحرام، في تمام الصحة والسلامة، والهيئة الإمتحانية تعيّنت، ويوم الامتحان بعد لم يتعيّن، إلاّ أنني في تمام التشويش من طرف عيالي، حيث فارقتهم محتاجين، وإلى القوت الضروري مضطرين، فالرجاء من فواضلكم أن تسدوا هذا الخلل وتجعلونا مطمئنين، ولكم بذلك من الشاكرين كما نحن كذلك.
فالمأمول من عميم إحسانكم أن تكلّفوا الشيخ عبد الرحيم أو الشيخ باقر الحلي، أن يعرفنا بمكتوب سريعاً عن استقرار عيالنا، فإنا لمكتوبهم منتظرون، وتبلغ سلامنا عن من يحضر بخدمتكم، لا سيما سيدنا السيد محمد، والشيخ باقر الحلي، والشيخ سعيد الحلي، والشيخ عبد الرحيم.
ومن طرفنا: الشيخ أحمد، والشيخ محمد حسين، وجميع مَن يلوذبهما من الطلبة، يقبلون أياديكم الشريفة والدعاء.
17 ذا الحجة الحرام
الأحقر الجاني
محمد الحسيني ابن السيد إبراهيم الديواني
[60]
نموذج [كتبه السيد محمود الطباطبائي نجل السيد محمد كاظم اليزدي] لتأييد هوية أحد المجاهدين للحصول على إذن الالتحاق بمعسكرات الجهاد، وهو معنون إلى قائمقام النجف، والقائمقام بدوره يزوّد المجاهد بورقة عدم تعرّض، نصه:
* * *
صاحب العز، حضرة القائم مقام (دام مجده):
جناب السيد عبد الحسين بن سيد حمود، لا يهم أن يلحق إلى مقر السيد الأخ سيد محمد، تتفضلون عليه بورقة لا يتعرض له أحد أثناء الطريق.
محمود الطباطبائي
[61]
رسالة من السيد إسماعيل الموسوي إلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، يخبره عن بعض الأمور التي دارت بين متصرف (؟) وبينهم في إحدى جبهات القتال (؟) ترجمتها عن الفارسية:
* * *
أفديك... أرجو أن يكون وجودكم المحترم منزّهاً ومبرّءاً من كل ألم.
مجاري الأحوال - إذا طلبتم السؤال عنها فبحمد الله ومنته.
حضر الآغا المبارك أدام الله تأييده في غاية الاستقامة، ونحن أيضاً جميعاً في سلامة - في هذا الصباح أيضاً - عرضت مختصراً بواسطة الحاج علي ترك بعض المسائل إلى حال التحرير، لم يحدث ولم يقع شيء جديد، حضرة المتصرف باشا قدم إلى حضرة الآغا لتبريك قدومه بعد مضي ثلاث ساعات ونصف من الثانية عشر (دسته) مضافاً إلى تقديم شكره وامتثاله، وقد أبدي بيانات الصداقة والمحبة، نظراً لقرار قرّره بإقامة مجلس عزاء في الصحن الشريف، وكان قد دعا إليه جمعاً من المحترمين ليحضروا في الساعة الرابعة بعد الثانية عشرة (دسته) هناك، ولأجل الحضور في ذلك المجلس قام وذهب (المتصرف).
الحاج ميرزا كاظم لم يستطيع أن يأتي كما يظهر، بل حقيقة بهذا البيت تفضل حضرة الآغا بأن حسين الحاج حسن قد تكلم معه إجمالاً، فتّشوا عنه وابعثوا ليأتي إلى كربلاء، زيادة على هذا العرض ليس عندي شيء، الغرض أن ترسلوا حسيناً للسفر إلى البصرة لحضور آية الله حجة الإسلام المبارك روحي فداه، أقدم خدمتي أمام العزة الدائمة.
إسماعيل الموسوي
[62]
رسالة من السيد إسماعيل الموسوي إلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، يصف له رحلة المجاهدين من النجف إلى الكاظمية، ابتداءً من المسيب، ويوضح له ما جرى لهم من الإستقبال والاهتمام والتوديع في المناطق التي مرّوا بها، وأعمالهم فيها، ترجمتها من الفارسية:
* * *
المعروض: دمتم سالمين إن شاء الله تعالى، نحن بحمد الله سالمون، في اليوم الذي وردنا فيه من كربلاء (ظهراً) إلى المسيب، الحق أن أهل المسيب لم يقصروا من كل ناحية، فقد عطلوا دكاكينهم وأسواقهم بأجمعها، وهرعوا لاستقبالنا رجالاً ونساءً، وضيعين وشرفاء، كباراً وصغاراً، استقبلونا من مسافة ميدان مسافة حاجة سباق خيل واحد الحكومة، والقادة قاموا بدور الفراشين، والخدم العشائر العربية التي جاءت كلها ترحب بنا بأهازيجها (الهوسات).
أما باقي الناس فهم يصلّون على النبي مستقبلين إيّانا، وورودنا باحترام واستقبال فوق العادة، استرحنا قرب النهر قليلاً، وبهذه الكيفية عبرنا من الجسر عندما أردنا العبور وضعوا كرسياً فخطب السيد أدام الله تأييده، وعظ فيها الناس ونصحهم، كانت خطبته مؤثرة جداً بحيث بدأ صوت البكاء والعويل عالياً، ثم مضينا إلى المحمودية، ومنها إلى ذلك الجانب، فمطرت السماء مطراً غزيراً فلم نتأثر به.
الصعوبة كانت في عدم كون الطريق معبّداً، وبعد ذلك بثلاث ساعات ونصف من الليل وصلنا بغداد في ظلام الليل، وكان المطر غزيراً بحيث إن الطين والماء في الشوراع (العقود) قد وصل إلى الركبة، وما زال المطر يهطل بغزارة، ومع ذلك فإن الازدحام كان شديداً بحيث يشكل وصفه مجاميع مع الأعلام والمشاعل، وقد أركبوا حضرة السيد على الفرس، وبأسلوب غريب وصلنا. مكثنا ليلاً، وعند الصباح - مع تلك الأوضاع الموصوفة - قربنا من نهر دجلة، وأحضروا لنا سفينة خاصة، وعبرنا النهر، وفي ذلك الجانب، أضعاف ما لقيناه في هذا الجانب كان مهيئاً، وجميع الأعيان والأشراف وموظّفو الدولة كانوا حاضرين على النهر، وأركبوا السيد على الفرس أيضاً، ونحن صرنا على السكة وبقينا في بغداد يومين لانجاز بعض المهمات، وجئنا إلى الكاظمين
يوم أمس، ومن الإنصاف أن أهل الكاظمين قد أبدوا آيات الولاء والإخلاص، وكانوا مجتمعين في الطريق بشكل يتعسر العبور والمشي، وقد حضر العلماء وموظفو الدولة جميعاً، ونحمد الله فقد سررنا من كل جهة آملين بعد هذا أن ننتهي إلى خير.
يرجى ملاحظة هذا الخطاب، وقراءته وإرساله إلى النجف، وأبلغوا جناب الحاج ميرزا حسن عنا السلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إسماعيل الموسوي
[63]
لما تعرضت البصرة للاحتلال البريطاني في 9 تشرين الثاني 1914م، أرسل بعض علماء النجف إلى الشيخ خزعل الحاكم المطلق لعربستان برقيتين، يطلبون فيهما اشتراكه بالدفاع عن البصرة حماية للشريعة المقدسة، فلم يهتم الشيخ خزعل بهاتين البرقيتين. ولمّا كانت هناك علاقة وثيقة بين الشيخ خزعل والشيخ عبدالكريم الجزائري - أحد علماء النجف - ومن مقلديه والمخلصين له والطائعين لأمره، كتب الشيخ الجزائري إلى شيخ خزعل يأمره بالاشتراك في الحرب إلى جانب الدولة العثمانية، فأجابه الشيخ خزعل يعتذر عن القيام بذلك ويشرح له موقفه مع الإنكليز، حيث يستحيل عليه القيام في وجههم، وقد تألّم الجزائري من هذا الجواب وسخط على الشيخ خزعل وقطع علاقته معه. ويقال: إن الشيخ خزعل حاول بعد الحرب إعادة علاقته القديمة مع الجزائري، ولكن الجزائري رد عليه قائلاً: (فرَّق ما بيني وبينك الإسلام).
هذا والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي - المرجع الديني الأعلى - لم يفتر في جمعهما وإعادة العلائق بينهما، وبين أيدينا رسالة من السيد اليزدي إلى الشيخ خزعل، يطلب منه ترك الخلاف وإعادة الأمور كسابقها، ونصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الأمجد السردار الأرفع الشيخ خزعل خان وفقه الله تعالى لكل خير آمين.
بعد إهداء وافر السلام عليك، والدعاء لك بحسن التوفيق.
لا يخفى إني بتمام العجب لانقطاع المراسلة والمواصلة في هذه المدة بينك وبين جناب العالم الفاضل التقي الشيخ عبدالكريم الجزائري (سلَّمه الله تعالى)، مع معرفتك وكمالك ومحبته لك ومدافعته عنك في السر والعلانية، ولا أظن أن هذا الانقطاع واقعي، حيث إنك تعرف منزلة جناب الشيخ - سلمه الله - وتقواه، فبناءً على ذلك ملاحظتك لكافة شئونه تنفعك دنياً وآخرة، كما أنه ثابت على مودتك، وينكشف لك ذلك إنشاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله.
الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
[46]
رسالة موجَّهة من مواقع القتال إلى السيد محمود بن السيد كاظم اليزدي، يبيِّن فيها المرسل امتثال المجاهدين للسيد محمد ابن السيد اليزدي، جاء فيها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد تقبيل أيادي سيدي ومولاي نجل آية الله: السيد محمود (دام عزه).
... لا يخفاكم من خصوص جناب مولانا حجة الإسلام السيد محمد: بكمال الصحة، وجميع من بخدمته وصحبته، وهذه المدة نحن بخدمته مع عساكرنا المنصورة مع المجاهدين نازلين، الجميع بقرب الناصرية، عنها ثلاث ساعات، وعندنا من القوى فوق المطلوب، ومن طرف الناصرية من چعب والباويه كذلك لنا، وهم في غاية الشوق لهذا السبيل، والطوع لأمر حجة الإسلام. والعدو (خذله الله) على كارون بالناصرية، وهذه المدّة لم يقع عندنا حادث جديد غير المصادمة الأولية. وعمدة هذا التعطيل والتوقف للعساكر والمجاهدين من الهجوم على العدو، هو شدّة احتياط حجة الإسلام، وتوقّفه مهما أمكن أن لا ينصدع هناك مسلم. والمجاهدين والعساكر الكل طوع أمره، لا يخالفوه، وهو في غاية من التأمل والاحتياط، وعن قريب إنشاء الله نبشّركم بالفتح التام، ويكون الفتح من جهتنا إن شاء الله، وذلك ببركة دعاء آية الله دام ظله، ولا تكونوا في فكر من كل جهة...
وثائق
فترة الاحتلال البريطاني
1914 - 1919م
[65]
بيان السيد محمد كاظم اليزدي في الرد على إشاعة مفادها أن علماء النجف أفتوا بوجوب مساعدة الشريف حسين ملك الحجاز عند قيامه بالخروج على الدولة العثمانية عما 1916، نصه:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنه قد بلغنا حصول الإشاعة بالنسبة إلى علماء النجف الأشرف فيما يعود إلى ما هو المشهور من أمر الشريف في مكة المشرفة: أنهم كتبوا في ترويج أمره، فتعجَّبنا من هذا الكذب الفاضح الواضح، والضربة البينة الظاهرة، حاشاهم عن ذلك، ولا أظن أن أحداً من المسلمين يحتمل صدور مثل ذلك من مثلهم.
نسأل الله تعالى العصمة عن الكذب في الأقوال والأفعال ونصر الإسلام والمسلمين آمين رب العالمين.
يوم الثلاثاء 2 / صفر الخير / سنة 1335
محمد كاظم الطباطبائي
[66]
رسالة من الشيخ عبدالحسين مطر إلى السيد اليزدي يستفسر عن وقوع حادثة الحلة وينتظر أوامره بشأنها. مؤرَّخة في 15 / صفر / 1335هـ [11 كانون الأول 1916م] نصّها:
* * *
السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
إلى حضرة مولانا وملاذنا حجة الإسلام، وأبو الأيتام، ومرجع الخاص والعام، جناب السيد سيد كاظم دام بقاه...
بعد تقبيل أياديكم الشريفة، نخبر جنابكم الشريف خرجنا من النجف الأشرف بأمركم، قاصدين نصرة الدين والإسلام، حتى إذا وصلنا لواء المنتفك شوّقنا وهيّجنا عشايرنا وبذلنا نفسنا ونفيسنا وبقينا مواظيين على هذا العمل حتى وردتنا أخبار واقعة الحلة، وحركة النجف شوشتنا وكدرتنا، بل أوجبت الشك في الدوام على عملنا، وصرنا في ريب، ووقفنا عن العمل بانتظار أمركم، وعشايرنا على الدوام تستفتينا فنقف عن الجواب تارة، ونجمل عليهم أخرى، ونحن وقوف عن العمل، والتبس علينا الأمر بانتظار أمركم وفتواكم، والسلام عليكم وعلى الأخ مولانا الشيخ أحمد وعموم السادة أبنائكم الكرام ورحمة الله وبركاته.
15 صفر 1335
من خادمكم
عبد الحسين مطر
[67]
رسالة بعثها الميرزا محمد تقي الشيرازي في 16 / كانون الأول / 1916م إلى السيد كاظم اليزدي حول ثورة النجف بطرد الأتراك، وحادثة الحلة، بنصها:
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك يا أمير المؤمنين وعلى ضجيعيك وجاريك ورحمة الله وبركاته.
حضرة ملاذ الأنام وحجة الإسلام السيد الأجل دام ظله.
أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أدام الله ظلكم على المسلمين وتوفيقهم لرشدهم في طاعتك، وهداهم في امتثال أوامركم ونواهيكم، ونفعهم ببركات موعظتكم وزجركم، وحباهم ببركة ذلك خير الدارين، وسلامة الدين والدنيا.
فغير خفي عليكم سوء أثر التشاويش في النجف من بعض الجهّال وقبح نتيجتها ووخامة عاقبتها، ومنافاتها لمراعات حرمة المشهد المعظم، واقتضائها لسوء الجوار لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنتم أبصر بذلك وأعرف له. وأني مطمئن بدوام اهتمامكم بهذا الأمر من كل وجه ومواظبتكم، لأشارككم في الأجر والفوز في إصلاح أمور المسلمين.
وقد كاتبنا حضرة القائد العام ومعاون الولاية بطلب العفو والمراعات، سائلين من الله صلاح أمر الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 20 شهر صفر الخير 1335
الأحقر
محمد تقي الشيرازي
[68]
البرقية التي بعثت إلى ملك بريطانيا باسم رجال الدين والزعماء في كربلاء والنجف وقد ندم الموقّعون عليها، وقد أشارت إليها المس بيل في كتابها (فصول من تاريخ العراق القريب) ص37 بقولها:
(قد بعث علماء كربلاء والنجف برقية تهنئة إلى صاحب الجلالة، فأجابهم عن اعترافه بتسلمها، وإن رغبته الخالصة هي إنعاش العراق وسكّانه والمحافظة على عتباته المقدسة واستعادة مجده القديم).
وعندما نشر نص البرقيتين المتبادلتين بين علماء كربلاء وملك انكلترا في جريدة (سرفراس) الهندية، بعددها الصادر بتاريخ 3 تشرين الثاني 1917م / 2 جمادى الثانية 1335هـ، وأرسلت من الهند بواسطة البريد إلى السيد عبود علي نصر الله الكربلائي، وهو الذي حملها بدوره إلى الشيخ محمد حسن أبو المحاسن وأخبره بها. وعند شيوع هذا الخبر في الأوساط العلمية والشعبية في كربلاء بعدئذٍ، عمّ الاستياء العام. وعلى إثرها سافر من كربلاء كل من: السيد حسين القزويني والسيد محمد علي الطباطبائي والحاج محمد حسن أبو المحاسن، إلى النجف الأشرف، حيث اتصلوا بالسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي واستفتوه بالفتوى الآتية:
- هل يجوز للمسلم أن يهنِّىء المسيحي باحتلاله العتبات المقدسة؟
- وما يكون حكم ذلك الرجل المسلم في الإسلام؟
أفتونا مأجورين.
فذيَّلها السيد اليزدي بالجواب:
(الرجل الذي ارتكب هذا الفعل الشنيع فاسق فاجر لا يدفن في مقابر المسلمين.
الأحقر
خادم الشريعة
محمد كاظم الطباطبائي)
* * *
إلى حضرة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وإمبراطور الهند وما وراء النهر
أدام الله سلطانه.
نهنئكم بورود عساكركم المنصورة إلى العراق وحفْظِم العتبات من ظلم الظالمين.
السيد عبدالحسين الحجة
محمد صادق الطباطبائي
الشيخ حسين المازندراني
أبو القاسم العلامة التبريزي
الشيخ عبدالكريم الزنجاني
السيد جعفر بحر العلوم
الشيخ شمشاد الهندي
الشيخ هادي الكشميري
الشيخ محمد رضا أسد الله
الشيخ فخر الدين كمونة
[69]
رسالة بعث بها السيد محمد كاظم اليزدي إلى حميدي الداخل أحد تجار الحبوب والمواد الغذائية، يعرض له الوضع الاجتماعي في النجف، ويوعز له ببيع المواد الغذائية لتجار النجف من دون أجرة سعي، مؤرَّخة في 24 / محرم / 1336هـ - 10 / كانون الأول / 1917م. نصُّها:
* * *
لجناب الأعز الأكرم حميدي الداخل المحترم (أدام الله عزه وتوفيقه).
بعد السلام عليكم والدعاء لك بمزيد البركة والتوفيق والخير والسعادة.
نبدي لك - أعزّك الله - أنه قد بلغك هياج عامة هذه النواحي من حادثة هذا الغلاء المريع، بل الخطب الفظيع، ولا سيَّما على فقراء المشاهد المقدسة، وهم أكثر أهاليها. فإنهم أصبحوا لا يملكون قوتاً ولا نقوداً، فأصبحت ضجة الأرامل واليتامى وأنينهم من الجوع والطوى يفتت الأكباد ويبلغ السَّبع الشداد. وقد انتدب جماعة من تجار النجف الأشرف وأعيانهم فجمعوا رأس مال كبير، وعزموا على شراء مقدار من الأطعمة وجلبها إلى النجف كي تباع وتبذل للفقراء والمساكين برأس مالها من دون ربح. وهذا العمل بتوفيق (الله) يوجب غاية التسهيل وتخفيف الوطأة الشديدة. وقد توجّه بعض وكلاء تلك الجماعة وعمّالها إلى أطرافكم طلباً لشراء ما لعله يحصل في تلك الجهات. فالأمل (بمنّه تعالى) وجميل ما نعهده، فيكم أن تعاضدوهم وتؤازروهم وتشاركوهم في هذا الأجر الجزيل والمشروع الجليل. ومن الجميل أن تباشروا بفضلكم الشراء لهم من دون سعي، فإن أجر سعيكم على الله جل شأنه. وحسن الظن واليقين بكم يغنينا عن التأكيد عليكم.
وبلّغوا سلامنا ودعائنا لكافة إخواننا المؤمنين سيَّما الأمجد عبد الحسين سلّمه الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[70]
بعد احتلال الإنكليز العراق وطرد الأتراك أخذت حكومة الاحتلال تطارد المجاهدين ومن تعاون مع الأتراك في مقاومتهم، وكان من أولئك (قصاب) أحد رؤساء عشائر ربيعة في العمارة. فقد كتب الحاج مخيف محمد رئيس قبائل عفك رسالة إلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي يطلب منه التشفّع له عند حكومة الاحتلال ومنحه الأمان. نصّها:
* * *
بعد تقبيل أيادي جناب مولانا وملاذنا حجة الإسلام السيد محمد كاظم الطباطبائي سلمه الله المحترم.
أول السؤال عن صحة مزاجكم، واحنه من فضل الله تعالى سالمين.
ثانياً نعرض إلى خدمتكم من خصوص قصّاب هو رجل جليل معروف من رؤساء عشاير ربيعة، وسابقاً كان مع حكومة العثماني، والآن هو توجه إلى خدمتكم وعنده معاملة في عبوديتنا إلى جنابك، وقد التمس من عندنا بأن نعرض إلى جنابكم حتى تتشفعون له عند الحكومة البريطانية وتجلبون له الأمان حتى يرجع إلى أهله مسرور الخاطر، ولكم الفضل علي علينا وعلى جميع أهل الإيمان ودمتم سلامين والسلام.
2 / صفر / 1336
حاج مخيف محمد
وثائق
مقتل الكابتن مارشال
(ثورة النجف)
1336هـ / 1918م
[71]
كتاب الحاكم الملكي في العراق إلى السيد محمد كاظم اليزدي يستنكر فيه أعمال النجفيين ووقوفهم ضد السلطة المحتلة:
* * *
إلى حضرة آية الله الحاج سيد محمد كاظم الطباطبائي دامت بركاته...
لقد أصدر صاحب الدولة قائد الجيش العام الأوامر اللازمة بإخماد الفتنة التي وقعت في النجف الأشرف وكدّرت خاطره كثيراً، وقد أصدر أيضاً الأوامر بإلقاء القبض على المفسدين الذين سبّبوا هذه الفتنة، بالمحافظة على سمعة البقعة المباركة الشريفة وسمعة حضرات العلماء الأعلام دامت بركاتهم، والمجاورين لذلك البلد الطاهر.
ولا شك أن القبطان بلفور سيُطلِع حضرتكم على هذه الأوامر التي إن لم يطعها أهالي النجف الأشرف ويرضخوا لها، فلا بد أن تحصل بواسطتهم المضايقة على حضرات العلماء الأعلام الساكنين في النجف الأشرف.
وأنا على يقين بأنكم ستساعدون السلطات البريطانية وتعاونوها بثاقب فكركم وعالي همتكم وحسن نيتّكم على تهدئة أحوال البلد الطاهر وإخماد الفتنة الحالية، إذ إنكم تعرفون حق المعرفة حسن نيّة الحكومة المعظّمة ومساعيها الكبيرة التي تبذلها لإعلاء المبادئ التي يدين بها أهالي العراق وإنقاذ شعبه من المظالم والمفاسد السابقة.
وإنا لمنتظرون نتيجة مساعيكم المشكورة، أدامك المولى ملاذاً للإسلام والسلام.
21 آذار 1918
الحاكم الملكي العام في العراق
[72]
كتاب الحاكم الملكي العام في العراق إلى السيد اليزدي:
* * *
8 / جمادى الثاني / 1334، المطابق [22] / آذار / 1918، النجف الأشرف
إلى حضرة حجة الإسلام السيد محمد كاظم آية الله اليزدي الطباطبائي
بعد السلام والاحترامات اللائقة.
نعرفكم من طرف هذه الوقعة الحاضرة بالنجف الأشرف، فإن الأهالي لو لم يتخاضعوا من الحكومة ولم يلتزموا المشترطة عليهم التي يبينها لكم كابيتان بلفور لصارت المضايقة على العلماء. والمأمول من فضلكم وحسن مساعداتكم إصلاح هذا الأمر بأحسن ما يكون، فإن مساعداتكم في أول الأمر مع الدولة البريطانية العظمى معروف مشهور ولا يحتاج إلى البيان.
والميجر جنرال سربرسي كوكس يسلم عليكم.
الحاكم الملكي العام في العراق
[73]
* * *
9 / شهر جمادى الثانية / 1336، المصادف 23 / آذار / 1918.
بعد تقديم فائق الاحترام، أعلمكم أنني مكلف من قبل قائد الكوفة بإبلاغكم حكم فخامة القائد العام حول الحالة الراهنة في النجف وشيوخ المدينة المذكورين، وذلك في المجلس الذي سيعقد اليوم في الساعة الخامسة قبل الظهر بالتوقيت العربي، ولا حاجة لأن أبيّن لجنابكم أنّ هدف الحكومة هو مجرد تطبيق العدالة وبسط الأمن في مدينة النجف الأشرف المقدسة. ونيابة عن القائد أرجو من حضرتكم مساعدة الحكومة في الحصول على نتيجة سريعة. وآمل حضوركم في المجلس بمقر الحكومة في النجف. وإن كان ذلك يصعب على جنابكم، أرجو تعيين من ينوب عنكم في الحضور. وسيكون التجمع في بيت كبير سدنة الروضة الحيدرية ومن هناك ستغادرون جميعاً برفقة الشيوخ وتشرّفون مقر الحكومة. وهذه الرسالة هي بموجب الخطاب الذي وصل من الحاكم الملكي العام إلى آية الله يزدي. ولتدم أيامكم المباركة.
حاكم الشامية السياسي في النجف الأشرف
(الكابتن بلفور)
[74]
البرقية التي رفعها بعض علماء النجف وساداتها لتبرق إلى القائد العام في 25 آذار، وقد نقلها المدعو علي هجّوج إلى دار الحكومة فتسلّمها حميد خان وكتب ورقة قال فيها: إن البرقية سترسل إلى الكوفة لتبرق إلى بغداد. ونصّها:
* * *
لحضرة القائد العام لجيوش بريطانيا العظمى - بغداد:
نحن العلماء في النجف الأشرف نرفع الشكوى عنا وعن عامّة الفقراء والمساكين والمجاورين في هذه البلدة المقدسة مستغيثين بمراحم هذه الدولة وعدالتها، مسترحمين رفع هذا الأسر والحصار عن الأبرياء والضعفاء الذين لا جناية لهم ولا تقصير ولا رضاء، وأشد البلاء قطع الماء، فإنه من العقوبات التي لا تسوغ في جميع الأديان البشرية. فإن لم تكن رحمة للرجال فنسترحم الرأفة على النساء والأطفال، وحاشا من عدالة هذه الدولة المعروفة بالرأفة والعدالة والقوة والسطوة أن تأخذ الأبرياء بالأشقياء، وقد أشرقت النفوس على التلف والهلاك من الجوع والعطش وتعطيل الأسباب. وهذه المعاملة ضربة على جملة العالم الإسلامي، جارحة لعواطف عموم المسلمين، غير موافقة لما هو المعروف من سياستكم الجميلة في جلب عواطف عموم المسلمين. فالمأمول إعمال التدابير الحازمة في رفع هذه الغائلة على وجه لا تهلك الضعفاء والأبرياء بإصدار العفو العام وتأمين البلاد وأنتم أعرف بذلك.
الأحقر الجاني
شيخ الشريعة الأصفهاني
حسب الظاهر أن إطفاء هذه الغائلة عن هذا البلد المقدس موقوف على العفو العمومي وفيه المصلحة.
الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
[75]
نص الرسالتين الجوابيتين المرسلتين إلى السيد اليزدي وشيخ الشريعة الأصفهاني، وهما جواب قائد الجيش العام ردّاً على كتابهما المؤرخ 25 / آذار / 1918 - 11 / جمادى الآخرة / والذي يطلب فيه رفع الحصار ومنح الأمان والعفو العام عن النجفيين.
* * *
14/ جمادى الثانية/ 1336، المطابق 27/ شهر آذار/ 1918.
النجف الأشرف
بعد التحية:
نعلمكم أنه بعد أداء فروض الطاعة والإخلاص لكم، أن البرقية المرفقة من فخامة القائد العام، وردت بواسطة قائد الكوفة جواباً على رسالتكم. اتصل بي حضرة الكابتن بلفور هاتفياً، وها أنا أرسل لكم نسخة بنصّ ما قاله لغرض إطلاع حضرات العلماء الأعلام عليها. آمل أن تتحقق بجهود ومساعي حجج الإسلام والعلماء الأعلام النتيجة التي تؤدّي إلى راحة وسرور عامة الناس، أنا محتاج للدعاء كثيراً. ليدم عزكم.
الأحقر
عبد الحميد
* * *
نمرة - 2804
26 / آذار / سنة 1918.
تلغراف
إلى حضرة حجة الإسلام السيد محمد كاظم الطباطبائي وحضرات العلماء الأعلام في النجف وإلى أهاليها.
وصلنا كتابكم فأمعنا النظر فيه، وأنكم لمحقّون في وصفكم بأن الحكومة البريطانية رءوفة، وأسطع برهان على ذلك تلك الخطة السلمية التي سنتبعها في تنفيذ الشروط المشترطة عليكم، فإننا لم نتوقع العقاب بالأهالي الذين لم يخالوا القانون، بل أولئك الذين خرقوا حرمته ومَن ساعدهم على ذلك.
وفي استطاعة النجف الأشرف أن تخرج سالمة من مأزقها الحالي إذا خضعت للشروط التي سبق وعرضناها، ففي إمكان حضرات المجتهدين والعلماء الأعلام،
لا بل الأحرى عليهم أن يطهروا بلدتهم من مفسديها، كما وعليهم مساعدتنا على إنزال العقاب بأولئك الذين اقترفوا تلك الجريمة وعلى من حرضوا على ارتكابها.
وسوف لا تقصّر الحكومة في منح الصفح متى آن الوقت المناسب، فليتأكد سكان البلدة المسالمين بأننا سنعاملهم بالحسنى، إذا أظهروا بأعمالهم أنهم يستحقون منا تلك المعاملة.
ولقد مضت سبعة أيام على مقتل القبطان مارشال، ومع ذلك فلم يعبر لنا أهالي النجف الأشرف عن خضوعهم، ولم يقوموا بشيء ما لإرجاع القانون والنظام إلى نصابيهما.. والسلام.
القائد العام للجيوش البريطانية في العراق
مارشال
[76]
نص البرقية التي بعث بها السيد اليزدي وشيخ الشريعة الأصفهاني إلى القائد العام للجيوش البريطانية في العراق جواباً على رسالته السابقة:
* * *
بغداد، لحضور حضرة القائد العام للجيوش البريطانية في العراق دام معدلته.
تلقينا تلغرافكم رقم (2804)، تاريخ: 26 / آذار / 1918، وأخذنا ما فيه بنظر التدقيق، تذكرون فيه أنكم لن توقعوا العقاب بالأهالي الذين لم يخالفوا القانون، ونحن نفصح لكم بالصراحة أن البلاء ما وقع بل ولا ولن يقع إلى على الأبرياء والضعفاء الذين لا جناية لهم ولا تقصير، وقد نشرنا لعدالتكم التي شاع صيتها ولا حاجة فيها إلى البرهان، طالبين رفع هذا الحصار والأسر عن الأبرياء والضعفاء بإصدار العفو العمومي. وعسى أن لا يكون قد خفي عليكم عجز العلماء وعامة الأهالي عن تنفيذ تلك الشروط، وليس في استطاعتهم إخراج هذه البلدة المقدسة التي هي كعبة عامة الشيعة في أطراف الأرض من مأزقها الحالي، وإنما تقتدر عليه دولة معظمة كالدولة البريطانية التي وعدت بحفظ حرمات الإسلام ورعاية المسلمين، كما أعلن القائد الفاتح مود في أوائل فتح بغداد وأكّده الحاكم الملكي العام في حفظ نواميس معابدنا التي صارت منذ أكثر من عشرة أيام هدفاً لرصاص المتراليوزات والرشاشات، وشئون العلماء مهتوكة بهذا الحصار الشديد.
وبالنهاية نقول بكل صراحة، بدافع النصيحة للدولة الفخيمة: إن هذا الحصار الذي أوجب تلف عدة من نفوس الأبرياء من الغرباء والمجاورين بالقتل والجوع والعطش، كل هذا فضلاً عن مغايرته للرأفة والعدالة، مخالف لنواميس الإنسانية وحفظ الحقوق البشرية وموجب لهتك الحرمات الإسلامية، وهو ضدّ المصلحة المرعية لمثل هذه الدولة الوحيدة بالسياسة التي لا يعجزها حل هذه المسألة الطفيفة. أما العلماء، فلم يقصّروا ولا يقصّرون بالقيام بوظيفتهم من الوعظ والنصيحة الإرشاد. كيف وهو من واجباتهم الدينية. ولكن لا يكاد حسم المادة بصرف الوعظ والنصيحة والإرشاد. كيف وهو من واجباتهم الدينية. ولكن لا يكاد حسم المادة بصرف الوعظ والنصيحة فقط حتى تنضم إليها مساعداتكم بالعفو والسياسة اللازمة في مثل هذا الوقت. ولذلك الأمل فيكم أكيد بإصلاح هذه الغائلة بالتدابير الحازمة بالقريب العاجل إن شاء الله تعالى.
الأحقرالأحقر الجاني
محمد كاظم الطباطبائي شيخ الشريعة الأصبهاني
(وقد وقّع عليها جمع من العلماء والفضلاء).
[77]
كتاب الكابتن بلفور الحاكم السياسي لعموم الشامية والنجف في الكوفة إلى علماء النجف ردّاً على كتابهم المؤرّخ 30 / آذار / 1918 بإيعاز من الحاكم العسكري العام.
* * *
حضرة حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي وحضرات العلماء الأعلام.
سعادة الحاكم العام استلم كتابكم المؤرّخ 30 / آذار / 1918، وهو يعْتَبِر من الضروري أن أبيّن لكم بأن قولكم: إن البلد المقدس أصبح هدفاً لنيران المتراليوز ليس مطابقاً للحقيقة، إذ إنه معلوم تماماً أننا لم نطلق نيراننا إلاّ على الأشقياء الذين يطلقون نارهم علينا، وسعادته يرغب أن تعلموا أن مثل هذه الأقوال لا تساعدكم على المدافعة عن واقعة النجف الأشرف.
كتب هذا الكتاب بأمر قائد الجيوش في الكوفة.
الكوفة / 2 / نيسان / 1918
حاكم سياسي الشامية
كابتن بلفور
[78]
كتاب الحاكم العسكري العام في العراق إلى علماء النجف رداً على كتابهم المؤرّخ في 30 /آذار /1918، حيث إنه أوعز إلى السلطة العسكرية في الكوفة أن تنكر عليهم ادعاءاتهم. ولكنه لم يكتف بجواب السلطة العسكرية، فبعث بكتابه في 3 /نيسان /1918:
* * *
3 / نيسان / 1918.
لحضرة آية الله حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي وسائر العلماء الأعلام.
قصاص البلدة الذي تضمنته شروطنا لم يبتدئ بعد، وهو لا يحتوي على أذية الأبرياء. الماء الموجود في البلدة كافٍ لحفظ الأنفس على ما بلغنا. وأما قطع الواردات الخارجية، فلا ينتج عنه سوى عدم راحة الأهالي. وقد تبيّن مراراً إلى القائد العام للجيوش أن الأهالي الخاضعين للقانون هم الجانب الأكبر. وهذا ما يعظم خجلهم لعدم اتخاذهم أي إجراءات ضد الأشقياء الذين يستمرون على تجرؤهم علينا.
لا نمس بأذى أي شخص روحاني أو أي شيء مقدس، فإننا نحترم المحلات المقدسة المختصة بجميع الأديان، لكن الأهالي هم أنفسهم الذين يجلبون الخجل على بلدتهم المقدسة لعدم مقاومتهم القاتل وبذل جهدهم تلقاء تنفيذ القانون والنظام. لم يتقدم إلى الآن سبب يوجب منح العفو، ولم يصل إلى القائد العام للجيوش أي كتاب يظهر شعور الأسف على قتل الكابتن مارشال من أي مصدر معتبر خارج بغداد والكاظمية.
بناء عليه لا يخفف الحصار، وربما تقتضي الضرورة أياماً باتخاذ إجراءات أشد في تنفيذ القيام لشروطنا.
القائد العام للجيوش البريطانية
في العراق
[79]
الإنذار الذي وجهه الحاكم السياسي لعموم الشامية والنجف إلى السيد محمد كاظم اليزدي:
* * *
حضرة آية الله محمد كاظم الطباطبائي (دامت بركاته).
بعد السلام:
إني مأمور من قبل القائد العام لأبلغكم أن جنابه قرّر إطلاق المدافع على نواحي محلة العمارة بكرة وصباحاً، تقرّر بموجب أمر قائد الكوفة والنجف - بناء على وساطة مندوبي حضرتكم الشيخ محمود آغا، والشيخ صاحب الجواهر عند سعادة القائد العام - إدخال الماء إلى المدينة وترخيص الزوّار والمسافرين لمغادرتها، وأنا مشغول بترتيب ذلك، فإن مقصد القائد العام رفع الصدمات الزائدة التي تلحق الأبرياء بسبب حركات المجرمين.
ولي أمل أن أتشرّف بحضرتكم هذا القرب واستدعي لحضرتكم دوام الصحة.
9 أبريل 1918
بلفور
حاكم سياسة الشامية
وثائق
مقدمات الثورة العراقية
1919م
[80]
رسالة من السيد محسن أبو طبيخ إلى السيد محمد كاظم اليزدي
في شهر ربيع الثاني / 1337هـ - كانون الثاني / 1919م، قبضت السلطة المحتلة على محمد العبطان وأخيه سلمان العبطان من رؤساء الخزاعل، وذلك لمواقفهما الوطنية وشعورهما بأهميتهما. وبعد أن علم السيد محسن أبو طبيخ بذلك كتب إلى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وهو المرجع الديني الأعلى وقتئذٍ، يرجو منه التوسّط لدى سلطة الاحتلال بإطلاق سراحهما. نصّها:
* * *
حضرة حجة الإسلام وملاذ الأنام السيد سيد محمد كاظم (حفظه الله آمين).
بعد تقبيل يديكم أطال الله بقائكم.
من خصوص خدامكم محمد العبطان وأخيه سلمان العبطان قد أمروا حضرة الحكومة بحبسهم، وحيث إن هذه الحكومة المعظّمة ذي رأفة ولطف على كل فرد من رعاياها، وبما أن حضرتكم ذو جاه عظيم عند أولياء أمورها، لنا الأمل الوطيد بشمول اللطف بإطلاق سراحهم فنسترحمكم بمسألتهم، ولا ينبغي أن نعرض أزيد من هذا لخدمتكم.
هذا ودمتم مؤيدين والسلام.
20 ربيع الآخرة 1337
رقكم
سيد محسن أبو طبيخ
[81]
كتاب السر أي. تي. ولسن الحاكم الملكي للعام في العراق إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي بمناسبة وفاة السيد اليزدي:
* * *
إدارة الحاكم الملكي العام في العراق
العدد: 13294
التاريخ: 5 / أيار / 1919م.
إلى حضرة آية الله العالم العلامة، والحبر الفهامة، الميرزا محمد تقي الشيرازي (دام ظله العالي).
تحية وسلاماً، وبعد:
نعت إلينا الأخبار بمزيد الأسف انتقال المرحوم الطيب الذكر، حضرة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي، فأكبرنا المصيبة، وتغلّب علينا الحزن لفقدان ركن من أهم أركان حضرات العلماء الأعلام وحجج الإسلام (دامت بركاتهم)، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا قضاء الله لا مردَّ له.
نعم إن الرزء أليم، والخطب جسيم، لا سيّما وأن الراحل الكريم كان تقياً ورعاً، عالماً علامةً، وحبراً فهّامة، مطاع الأمر والنهي في كل ما له تعلّق بالأمور الدينية والدنيوية، محبّاً للخير والوطن، عاملاً على تسكين الخواطر، ناصحاً عاقلاً، رشيداً حكيماً، حازماً هماماً، محرّضاً للناس على التزام جانب السكينة، هادياً لهم إلى طريق الخير والصلاح، ناهياً لهم عن ارتكاب الهفوات والغلطات. على أن لنا في أشخاص حضرات آيات الله العلماء والأعلام، وحجج الإسلام (دامت بركاتهم) أكبر معزٍّ عن فقده، ولنا في تحلّيهم بصفاته واتباعهم خطاه الحكيمة خير سلوان يخفّف عنّا وطأة فراقه.
فنسأل الله أن يتغمّد الراحل الكريم برضوانه، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يعوّضنا عنه بكم خيراً، ونطلب من المولى عزَّ وجلَّ أن يطيل بقائكم، ويسعد أيامكم، ويعلي قدركم بين الأنام، بما أنتم أهل له من رفعة المقام، آمين.
وقد أوفدنا من جانبنا حضرة النواب محمد حسين خان البوليتيكل أناشيه لدولة
الحاكم الملكي العام في العراق إلى كربلاء المعلّى والنجف الأشرف لتقديم واجب التغزية إلى حضرات أنجال وأعضاء عائلة الراحل الكريم، وإلى حضرات العلماء والأعلام وحجج الإسلام (دامت بركاتهم)، فنرجوكم أن تشملوه بعناية خاصة.
وهذا واسمحوا لنا بالتعبير لكم عن تقدير الحكومة البريطانية العظمى لخدمات حضرات العلماء الأعلام (دامت بركاتهم)، واستعدادنا لقضاء ما ترون فيه خير العباد، ولكم منا السلام أولاً وأخيراً.
أ. بي. هاول
القائم مقام القائم بأعمال الحاكم الملكي العام في العراق
مصادر الوثائق والتقارير والمكاتبات والبيانات الرسمية
رقم الوثيقة |
المصدر |
(1) |
دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار: ص31، عن كتاب (شيخ شهيد فضل الله نوري: ص327 - 238). |
(2) |
مجلة العلم النجفية، مج2 / ع6: ص284 - 285، في 1 / ذي الحجة / 1329هـ - 23 / تشرين الثاني / 1911. انظر: دور علماء الشيعة: ص63 - 64، الثورة العراقية الكبرى للفياض: 117 - 118. |
(3) |
واقعات اتفاقية در روزگار: 1/24. |
(4) |
واقعات اتفاقية در روزگار: 1/24 - 25. |
(5) |
هجوم روس وإقدامات رؤساي دين براي حفظ إيران: ص111 - 112. |
(6) |
جريدة الزهور البغدادية: 139 / في 15 / ذي الحجة / 1329هـ. انظر: مجلة الموسم الهولندية / ع11 / في 1411هـ - 1991: ص1002. |
(7 - 8) |
مصوَّرتان عن نسخ الأصل المحفوظة لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي - النجف. |
(9 - 17) |
مصوَّرة عن نسخة الأصل المحفوظ لدى الأستاذ عبد الرحيم محمد علي - النجف. |
(18 - 35) |
مصوَّرة عن نسخ الأصل المحفوظة لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي - النجف. |
(36 - 37) |
مصوَّرة عن نسخة الأصل المحفوظة في مركز إحياء تراث الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء - النجف. |
(38 - 64) |
مصوَّرة عن نسخة الأصل المحفوظة لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي - النجف. |
(65) |
عن نسخة الأصل المحفوظة لدى كامل سلمان الجبوري. |
(66) |
دور علماء الشيعة: ص133 - 134، عن نسخة الأصل المحفوظ لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي. |
رقم الوثيقة |
المصدر |
(67) |
دور علماء الشيعة: ص134 - 135، عن نسخة الأصل المحفوظة لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي. |
(68) |
كربلاء في الاحتلالين العثماني والبريطاني، بقلم: السيد محمد حسن الكليتدار آل طعمة، مجلة الكتاب البغدادية / س9 / ع3: ص143 - 144. |
(69) |
دور علماء الشيعة: ص116 - 127، عن نسخة الأصل المحفوظة لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي. |
(70) |
مصوَّرة عن نسخة الأصل المحفوظ لدى السيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي |
(71) |
م و ث ع رقم م ع / 22 نسخة مصوَّرة مهداة من كامل سلمان الجبوري. |
(72) |
تأريخ ثورة النجف للشيخ محمد أمين الخوئي: ص277. |
(73) |
تأريخ ثورة النجف للشيخ محمد أمين الخوئي: ص276 - 277. |
(74) |
ثورة النجف ضد الاستعمار البريطاني: 1918، مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي الملحقة بآخر كتاب (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال). تأريخ ثورة النجف للخوئي: ص286. |
(75) |
م و ث ع رقم م ع / 21 نسخة مصوَّرة مهداة من كامل سلمان الجبوري. تاريخ ثورة النجف للخوئي: ص291، وفيه: (وعند وصول هذا الجواب ازداد قلق الناس واضطرابهم، وكان الخناق يضيق على أهل المدينة يوماً بعد يوم. وفي بادئ الأمر، وظناً منهم أن الأمور ستتحسن خلال يومين أو ثلاثة وليس هناك شيء مهم، خدع الناس أنفسهم وهدأ روعهم). |
(76) |
تأريخ ثورة النجف للخوئي: ص269، ثورة النجف للحسني، ط 3: 72 - 73. |
(77) |
تأريخ ثورة النجف للخوئي: ص300، ثورة النجف للحسني، ط3: 74 - 75. |
(78) |
تأريخ ثورة النجف للخوئي: ص300 - 301، ثورة النجف للحسني، ط 3: 75 - 76. |
رقم الوثيقة |
المصدر |
(79) |
تأريخ ثورة النجف للخوئي: ص305، ثورة النجف للحسني، ط3: 88 - 89. |
(80) |
م و ث ع رقم م ص: 27/42، نسخة مصوَّرة عن الأصل المحفوظ لدى السيد عبدالعزيز الطباطبائي، مهداة من كامل سلمان الجبوري. |
(81) |
الحقائق الناصعة في الثورة العراقية: ص374 - 375. |
ملاحق الكتاب |
1 - صفحات من مذكرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
2 - من مذكرات السيد هبة الدين الشهرستاني.
3 - الصحيفة الكاظمية: من إنشاء السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
4 - الكلم الجامعة والحكم النافعة: من إنشاء السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
5 - بستان نياز وگلستان راز: من إنشاء ونظم السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.
الملحق رقم - 1 -
صفحات من مذكَّرات
الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء
عن الحركة الدستورية (المشروطة)
ومواقف السيد اليزدي في حركة الجهاد والاحتلال البريطاني
تقديم وتعليق:
كامل سلمان الجبوري
صورة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء
صاحب المذكَّرات
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
قبل الخوض بحديث المذكرات، لا بدّ لنا من عرض سريع، وإلقاء نظرة خاطفة على بعض جوانب حياة صاحبها:
* هو الشيخ محمد الحسين بن علي بن محمد الرضا بن موسى بن (جعفر الجناجي المالكي صاحب كتاب كشف الغطاء) الذي صار لقباً لهذه الأسرة منذ أكثر من مائتي عام.
* مجتهد إمامي، أديب، من زعماء الثورات الوطنية في العراق، من أهل النجف، من الكتّاب الشعراء، الدعاة إلى الوفاق بين المسلمين.
* ولد في النجف سنة 1294هـ / 1877م.
* تبدأ دراسته بتعلّمه أيام صباه كما هي الطريقة التقليدية في النجف: النحو والمنطق وعلوم البلاغة. ولم يقتصر على الفقه والأصول، بل أسهم في ضروب من الفنون كالحكمة والكلام والرياضيات، كما توسّع في العلوم العربية من الشعر والنثر والخطب وغيرها، وحضر على أكثر مشاهير عصره من الأعلام، وكان أكثر حضوره في الفقه والأصول على ثلّة من فطاحل عصره، كالشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ آغا رضا الهمداني، والميرزا محمد باقر الإصطهباناتي، والشيخ أحمد الشيرازي، والشيخ محمد علي النجف آبادي. وحصل على قسط وافر من العلم والفضل والفلسفة والحكمة، ونبغ نبوغاً باهراً، وتقدّم تقدّماً ملموساً، وأربى علمُه وفضله على سنّه.
* شرع بالتدريس فكانت له حوزة تتكوّن من الفضلاء.
* ابتدأ بالتأليف والتحقيق والاتصال بكبار العلماء وأفذاذ الرجال وقادة الفكر، وسافر إلى الأقطار العربية والإسلامية، وساهم في المؤتمرات الإسلامية، واشترك في الحركات الوطنية، وكان مهاباً لدى الدولة، وكانت كلمته مسموعة لدى الشعب، وكتب في أمّهات الصحف العربية بحوثاً قيّمة نفيسة، وقصائد قوية متينة.
* ساهم في حركة الجهاد ضد الإنكليز عام 1914، وسافر إلى مدينة الكوت، وبعد
أن وضعت الحرب أوزارها عاد إلى النجف، وواصل البحث والتأليف والتدريس.
* أقام مكتبة عامرة نفيسة.
* انتهت إليه الرئاسة في الفتوى والاجتهاد بعد وفاة أخيه الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء (ت 1344هـ/1926م).
* شارك في المؤتمر الإسلامي العام في القدس الشريف عام 1350هـ / 1931م، وائتم به في الصلاة جميع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم (150) من شتى الفرق الإسلامية، وخلفهم نحو 25000 نسمة من أهالي فلسطين وذلك ليلة المعراج 27 رجب / 6 كانون الأول في المسجد الأقصى.
* وفي عام 1353هـ / 1935م حدث هياج عام في منطقة الفرات واستمر عدة شهور للمطالبة بحقوقهم، وقد وقّعوا على مطالب من الحكومة سميت بـ (ميثاق الشعب)، سعى الإمام كاشف الغطاء في إلزامهم بحفظ الأمن، وتأمين الطرق، وحقن الدماء، وسلامة الأموال، وعدم العبث والإفساد.
* وفي تشرين الثاني 1952 حدثت مظاهرات شديدة في بغداد مطالبة بالانتخاب المباشر وإسقاط وزارة مصطفى العمري، وأدّت تلك المظاهر إلى سقوط الوزارة، وإعلان الأحكام العرفية، وتشكيل وزارة عسكرية، واشتدت المظاهرات في عدد من محافظات العراق، وتعطّلت الحياة فيها. وكان له دور مهم في تهدئة الأوضاع والدعوة للخلود إلى السكينة والاستمرار بالمطالبة بالطرق السلمية.
* قصد إيران مستشفياً، فتوفّي بها في 18 / ذي القعدة / 1373هـ - 18 / تموز / 1945م، ونقل إلى النجف فُدفن بها.
* من مؤلفاته المطبوعة: الدين والإسلام 1 - 2. المراجعات الريحانية 1 - 2. الآيات البيِّنات. التوضيح 1 - 2. أصل الشيعة وأصولها. الميثاق العربي الوطني. الفردوس الأعلى. المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون. المحاورة بين سفيرين. السياسة الحسينية. الأرض والتربة الحسينية. الخطب الأربع. الخطبة التأريخية في القدس. خطبة الاتحاد والاقتصاد. خطبة الباكستان. عين الميزان. تعليق على سحر بابل وسجع البلابل. تعليقات على ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي. مختارات من شعر الأغاني. حاشية على التبصرة. سؤال وجواب. وجيزة الأحكام. حاشية على
سفينة النجاة. حاشية على عين الحياة. زاد المقلدين. مناسك الحج. حاشية على العروة الوثقى. تحرير المجلة 1 - 7. حاشية على مجمع الرسائل. جنة المأوى. سفينة النجاة 1 - 5. صرخة داوية لفلسطين. مبادئ الإيمان. مقتل الحسين (عليه السلام). نصيحة لعموم المسلمين. نماذج من شعره نشرها علي الخاقاني في شعراء الغري 8/123 - 183. الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي الجرجاني [تحقيق].
* من مؤلفاته المخطوطة: مغني الغواني في الأغاني. ديوان شعره. نهزة السفر ونزهة السمر. تعليق على أمالي السيد المرتضى. تعليق على أدب الكاتب. عقود حياتي - مذكراته الشخصية بقلمه -. تعليقات على الفتنة الكبرى لطه حسين. نقد كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني.
مصادر ترجمته:
أسرار الانقلاب للحسني: 44، 140. الدليل العراقي لسنة 1936: ص 925. أحسن الوديعة: 2/107. أحسن الأثر: 20. الأهرام: 20/7/1954. معجم المطبوعات 1649. الأدب العصري: 2/72. الأعلام: 6/339. تأريخ الكوفة الحديث: 2/357. أعلام العراق في القرن العشرين: 1/178. الذريعة: 1/46، 2/169، 4/ 489، 8/293، 10/14، 15/373، 16/165، 19/78، 21/295، 24/232، 24/37، 222، 24/295. ريحانة الأدب: 5/27. شعراء الغري: 8/123. علماء معاصرون: 194. كتابهاي عربي چابي: 6، 43، 63، 158، 165، 225، 255، 274، 289، 332، 371، 404، 406، 527، 642، 662، 779، 784، 810، 829، 833، 890، 933، 938، 943، 957، 966، 984. لغت نامه: 38/188. ماضي النجف: 3/182. مصادر الدراسة: 42، 50. مصفى المقال: 157. معجم المطبوعات النجفية: 63، 73، 82، 117، 144، 206، 213، 210، 215، 229، 262، 297، 306، 331، 341، 357، 364، 364، 377. معارف الرجال: 2/272. معجم المؤلفين: 9/250. معجم المؤلفين العراقيين: 3/144. مكارم الآثار: 6/1910. نقباء البشر: 2/612. مجلة العرفان: 26/358. معجم رجال الفكر: 3/1048. معجم الأدباء للجبوري: 5/253 - 254.
إحدى صفحات المذكرات بخط الشيخ كاشف الغطاء
صفحة أخرى من المذكرات بخط الشيخ كاشف الغطاء
هذه المذكَّرات:
للشيخ كاشف الغطاء مذكرات كتبها بقلمه، عنوانها:" عقود حياتي " ، وهي ترجمة مفصّلة عن حياته ومشاهداته طيلة من العمر، إلاّ أنها فقدت قبل وفاته بثلاث سنوات، وقد عثر عليها ولده الحاج محمد شريف كاشف الغطاء، وتمكن من شرائها، وتفضل مشكوراً فسمح لنا بتصوير القسم الخاص بحركة الجهاد 1914، وثورة النجف عام 1918، ومقدمات الثورة العراقية التي تخص عام 1919، وحفظ نسخة منه في المتحف الوثائقي لثورة العشرين في النجف الأشرف، وهي مذكرات دقيقة تروي الأحداث بعمق وإيجاز، وقد احتلت الصفحات 23 - 39 من أصل المذكرات المكتوبة على دفتر (قصيدة).
ثم حصلت على الصفحات الخاصة بحركة المشروطة - وقد احتلت الصفحات20 - 22 من أصل المذكَّرات - بخط العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي، وقد أضفتها في مقدمة هذه المذكرات.
وإلى القارئ جميع ما حصلت عليه منها:
نص المذكرات:
رحلة الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال سبحانه وتعالى:(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً) [التوبة: 41].
خرجنا من النجف الأشرف لدفاع المهاجمين على أمهات بلاد الإسلام ومواضع شعائر الله والعتبات المقدسة من العراق، بعد ظهر يوم الجمعة 11 / محرم الحرام - 6 / تشرين ثاني(1) ، وكان بياتنا ليلة السبت وليلة الأحد في شريعة الكوفة(2) ، وقبل الظهر ركبنا في بنات الماء(3) ، وكان مبيتنا ليلة الاثنين قبالة ذي الكفل(4) عند الخان المعروف بخان سيد نور(5) ، ومع طلوع الشمس توجهنا مغربين حتّى أتينا قبل أن تجب إلى (طويريج)(6) فأقمنا فيه ليلة الثلاثاء وليلة الأربعاء، ولم نجد من أهاليها إلا كلّ ما يوجب ذلك لوجود أعيان العلماء والأشراف، وبيوتات المجد والسؤدد من أهالي النجف والعلم الحيدري، ورايات الدعوة إلى الدفاع والجهاد بين أيديهم.
وكان سفن المجاهدين من أهل العلم وغيرهم من السّواد المسلّح تناهز الأربعين، ونفوسهم تنيف على ثلاثمائة سوى فرسان الخيل، وقبل الظهر من يوم الثلاثاء هيَّأوا مجتمعاً عاماً أمام دار الحكومة (السراي) ورقى المنبر شيخنا الأستاذ الأجلّ الشيخ فتح
____________________
(1) 1330 مارتية.
(2) المقصود بشريعة الكوفة المنطقة المطلّة على نهر الفرات، خصوصاً القريبة من مقام النبي يونس عليه السلام.
(3) بنات الماء: المراكب البخارية النهرية.
(4) ذي الكفل: مدينة تقع شمالي الكوفة على ضفة الفرات اليسرى، وتبعد عنها بـ 15 كلم، وتتبع إدارياً لمحافظة بابل، وعرفت بهذا الاسم نسبة إلى النبي حزقيال بذي الكفل.
(5) الذي شيده السيد نور السيد عزيز الياسري لراحة زوار الإمام الحسين (عليه السلام) المارّين به على الطريق النهري.
(6) طويريج: وتعرف بالهندية، وهي قضاء تتبع إدارياً لمحافظة كربلاء، وتقع على نهر الفرات بين الحلّة وكربلاء.
الله شيخ الشريعة (مدّ ظله)(1) ، ووعظ الناس، وبالغ في الحثّ إلى النفير لحماية الأوطان ودفع العدوّ، ثم تلاه السيّد السند السيّد محمّد(2) نجل سيّدنا الأستاذ الأعظم حجّة الإسلام السيّد محمّد كاظم اليزدي(3) (أيّد الله به الدين) فوعظ أيضاً فأبلغ حتّى كفا وشفا.
ثم انفض الجمع في ذلك اليوم وما قبله وما بعده.
كانت مدافع الحرب مع العدوّ الواقعة شرقي بغداد حول مشهد سلمان الفارسي(4) يبلغنا دويّها الهائل، وزجلها العاصف، وصباح يوم الأربعاء غربنا مصعدين إلى طرف المسيّب(5) ، وكان معرسنا ليلة الخميس على ضفة الفرات من الجانب الغربي منه إزاء السدّة القديمة(6) ، وفي صباح اللّيلة وردتنا البشائر تترى بظفر الإسلام وانهزام الكفرة أشدّ هزيمة، والمسلمون في أعقابهم يأسرون ويقتلون، حتى مكّن الله سبحانه من أكثر من ألفين منهم قتلاً وأسراً.
وفي صباح الخميس 17 محرم / 12 تشرين ثاني، أخرجت السّفن من نافذة السدّة الأُولى بعد عناء وعياء، وأصعدها الهواء الشرقي بقلوعها إلى السدّة الحديثة التي تم عملها قبل سنتين من عهدنا هذا، وهي من الأبنية المدهشة والآثار المعجبة التي ستبقى ردحاً من الزمن آية من آيات العلم الحديث، ومناراً لأبدع الصنائع العصرية، وارتقاء البشر فيها إلى أول الكمال، وإليك ذروة من البيان والإشارة إلى هذا السدّ:
كان
____________________
(1) شيخ الشريعة: الشيخ فتح الله بن محمد جواد الأصبهاني، ولد عام 1266هـ، وتوفّي عام 1339هـ. كان فقيهاً أصولياً، عالماً مجتهداً محقّقاً، عارفاً بالرجال والتفسير والكلام، ومن قوّاد المجاهدين في حرب العراق عام 1914م، ومن زعماء ثورة 1920م الوطنية، وآلت إليه قيادة الثورة بعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي.
(2) محمد ابن السيد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، توفّي عام 1333هـ / 1915م، وهو النجل الأكبر للسيد كاظم، عالم كبير، فاضل مجتهد، مجاهد.
(3) محمد كاظم ابن السيّد عبد العظيم الطباطبائي اليزدي، توفّي عام 1337هـ / 1919م، فقيه كبير محقق، من شيوخ الفقه والأصول والأدب، له اليد الطولى في المعقول والمنقول، وزعيم ديني جليل، عابد زاهد، ورع تقي.
(4) وهو مركز ناحية المدائن، وقد نقل إليها عام 1350هـ، رفات عبد الله الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وهي تبعد عن جنوبي بغداد 20 ميلاً، وعلى مقربة منها يقع (طاق كسرى) المشهور.
(5) بلدة تقع على الفرات بين بغداد وكربلاء، وهي اليوم قضاء يتبع إدارياً إلى محافظة بابل.
(6) سدّ كبير أقيم لتنظيم إرواء الأراضي الفراتية، وهي على سبعة أميال من جنوبي المسيب، وعلى بعد كيلومتر واحد تقوم ناحية باسم ناحية السدّة، وهي تتبع إدارياً إلى محافظة الحلة.
الفرات على عهوده الأولى من بدء الإسلام، بل على عهد الآشوريين يجري عموده من الشمال الغربي من (قاليقلا) أرض روم، وخاصة من أعالي جبال أرمينيا الصغرى، ويتغلغل في تلك الشعاب، وينساب من تلك الهضاب إلى بطائح أرض العراق، وفيافيها الفيح، حتّى يتوسط الأنبار (المسيب) فيعرج ملتوياً إلى بلد (الحلّة) الفيحاء، التي أنشأها مزيد بن صدقة بن دبيس الأسدي في أخريات القرن الخامس، وينحدر في تلك المجاري، ويتشعّب في تلك الأراضي الزراعية التي تختزن تربتها معادن الثروة والغنا، وتحتوي كنوز الأرض.
وفي أواسط القرن الغابر أخرج بعض أكابر الهند جدولاً من الفرات من جهة الغرب ليكون مستقى لأهالي النجف الذي ما زالوا في قحط من الماء، فمرّ ذلك الجدول على شرقي الكوفة بمسافة ميل، وعاق ارتفاع أرض النجف عن صعوده إليها، وأخذ مجرى له في انحدار من الأرض، ولم يزل يتسع صدره ويجذب ماء عمود الفرات إليه حتّى غلب الفرع على الأصل، ولم يبرح على تطاول العهد حتّى انقطع الماء عن الحلّة وضواحيها، وقد جفّ الضرع، وتعذّر الزرع، وطفقوا برهة من الزمن يبذلون السعي في تدارك هذا الخطر العظيم، المنجرّ إلى هلاك أمم من عشاير العراق، بل القسم الأكبر منها.
وأدركت الحكومة نقصاً عظيماً في ميزانيتها، وصار ذلك الجدول الذي عاد، وهو عموم الفرات، يسمّى إلى اليوم بالهندية وعاصمته (طويريج) على غربيه، وكان التدارك لذلك الخطر البتة متعيّناً به بسدّ صدر ذلك النهر ليرتفع الماء ويدخل ولو بشيء منه إلى مجراه الأول. وكان أعراب تلك النواحي الّذين لهم ثمارها وعليهم خسارها، أول من اهتدى لتلك الفكرة، وأعمل الهمّة في تلاقي الخطر.
وكان من الأسداد الشهيرة سدّ (وادي) شيخ قبائل زبيد، وهم أكثر أعراب جزيرة ما بين النهرين في أواسط العراق، وكان سدّاً بسيطاً من التراب والبردي والحجر، على سوق الطبيعة، فلم يلبث إلاّ بضع سنين حتّى أتى عليه ذلك التيّار المتدافع عليه، وذهب أدراج الماء والريح، وكثرت استغاثات الأهالي والملاّكين والفدادين بالحكومة العليّة، مع ما لحق الحكومة من الضرر والنقص في وارادتها، لذلك بذلت الأموال الطائلة في
عهد الطيّب الذكر والي بغداد الشهير (سري باشا) وكان أحد رجال الدولة العليّة في عهد عبد الحميد، فخيّم على ضفاف الفرات مع مشاهير أعيان بغداد والحلّة، وجلب عدّة من المهندسين، وأقاموا الأساس بالكلس والأحجار من أرض النهر إلى سطح الماء، وجعله محدّباً شبه القوس أو نصف دائرة، كيما يصبر على صدمات الأمواج، وصدّ ذلك الزخار المتلاطم سيّما في أيام فيضانه، وجعل فوهة مفتوحة من ناحية شاطية الغربي لمر السفن والسّابلة، وأصبح قسم من الماء لارتفاع سطحه يدخل في نهر الحلّة بعد حفره وإصلاح كريه.
وعاد إلى تلك البلاد العريضة الطويلة عيشها الرغيد، وهناؤها وغناها الأول، وانتعش النبات والحيوان فضلاً عن النفوس، وصارت لهذا السد في العراق ضجّة استحسان عظيم، وأخذت التهاني والمدائح أوفى حظوظها لذلك الوالي الشهير (سري باشا)، ولكن من الأسف أن ذلك العناء البالغ، والمصارف الطائلة، ما عتمت أن عادت بنتيجة سيئة على العراق وأهله، فإن تيّار الماء بعد بضع عشر سنة - أعني من السّنة السابعة بعد الثلاثمئة إلى العشرين - أخذ بعد أن ضويق، يحفر له - مجرى - تحت ذلك الردم المنيع ويهدم في أساسه، وما برح أن صار يهدّ من أسافله وأعاليه.
وأما نفس نهر الحلّة، فكانت الرمول تهيل عليه من ضفتيه حتّى ارتفعت قاعه وتساوت مع ضفافه، وما مرّت على السدّ عشر سنوات إلاّ وأصبح ضرره أعظم من نفعه، بل أصبحت بليّته باثنتين، ومصيبته بمصيبتين؛ فإن الماء في نهر الهندية تعمّق في مجراه، وتعالت ضفافه، فلم يعد يعلو حوضه، ولا يركب بنفسه أطيانه إلاّ بالدعاء والنواضح التي ستكبد الفلاحين منها ما لا يفي بعائداتها. بَيْد أن أراضيه ومزارعه تغرق عند فيضه، وتهلك عطشاً عند نزوله، ولم تكن قبله كذلك.
وأم نهر الحلّة، فكان وشل الماء يدخله عند فيضانه مدّة شهرين أو ثلاث، ثم ينقطع عنه طول السّنة، على مثل هذا مضت عدّة سنوات، والعراق أصبح خراباً يباباً، والماء نصب أعينهم يرونه ولا يستغلّونه، ويقهرهم بالأضرار والغرق ولا يقهرونه، وأهاليه تعجّ عجيج الوحوش في الفلوات وقد شرّدهم عن أوطانهم الفقر المدقع والبلاء المصقع، إلى انتدبت الحكومة في أوائل الدستور لشدّة إلحاح الأهالي في الشكايات، جماعة من مهندسي الأجانب، وعيّنت مبلغاً جزيلاً من المال لا أحصيه
على اليقين، وأنا أعلم أنه يزيد على المئة ألف ليرة، فصنعوا هذا السدّ المنيع، الّذي لا يزداد على تطاول الأيام إلاَّ جدّة، وعلى معاركة التيارات إلاّ شدّة، فإنه يتألف من ستة وثلاثين اسطوانة في غاية الضخامة والفخامة، مصفوفة على عرض النهر من ضفته الشرقية إلى الغربية، ذاهبة في عمق أرض النهر إلى أعلى سطح الماء بثلاث قامات، مرصوفة بالآجر والكلس والتراب الإفرنجي (چبنتو)(1) ، وقد عقد على تلك الأساطين بين كلّ اثنتين برج وطاق، وما بين كل أسطوانتين باب من حديد ضخم من لوح واحد من أرض النهر إلى قريب العقد، وعلى سطح تمام الأساطين قنطرة في غاية الإتقان بعرض سبع أمتار تقريباً، ممتدة في الطول من أحد جانبي النهر إلى الآخر، وقد أنيطت بعرض سبع أمتار تقريباً، ممتدة في الطول من أحد جانبي النهر إلى الآخر، وقد أنبطت تلك الأبواب بسلاسل من حديد، مربوطة بآلة شبه المركبة، التي تندفع بالعجلات والدواليب، وقد وضعت بين جدارين فخمين ممتدين على طول القنطرة، وفي مواضع من الجدار سلالم يرتقي أحد العملة عليها إلى تلك الآلة، فيرفع ما يشاء من تلك الأبواب كلاً أو بعضاً بغاية السهولة إلى أي مقدار شاء، حسب الحاجة، ومما يلي النهر من شرقيه إزاء الأساطين قد فتح منفذ لمرّ السفن والمراكب بعرض قرب عشرة أمتار، له ثلاثة أبواب حديدية في غاية الثخن، وعجيب الصنعة، وفائق الهندسة، تمنع هذه الأبواب هجوم التيار الجاري، وتختزن فيه مقدار ما يحمل السفن من الماء.
وعلى ذلك الممر جسر من حديد يتصل بتلك القنطرة العظيمة، ويتحد معها، وتفتح الأبواب تدريجياً، وتصير شقّين، ينطبق كلّ شقّ على مدخل في الجدار المحاذي له، وكذلك الجسر الحديدي ينفتح مرتفعاً أعلاه في الهواء، وأسفله موثق بأطراف الأساطين التي يقوم عليها، يفتح لمرّ السفن الكبيرة ذات الدق العالي.
هذه قصيرة من طويلة عن حال هذا السدّ الباهر الّذي لا يأتي عليه الوصف والبيان مهما كان، ولا يصور عظمته وفخامته غير المشاهدة والعيان، نعم تجاوزت مواخرنا هذا السدّ حتّى أتينا بعد الظهر إلى بلد المسيب، بعد أن تكبّدنا العناء الطويل في قطع عقبات السدّتين، وتخريج السّفن منها، كلّ ذلك تهيِّئ أسباب التمدّن الحديث الّذي يقرّب البعيد، ويسهّل
____________________
(1) وهو الإسمنت: كلمة لاتينية تطلق على مادة تستعمل للبناء والكتل المعمارية، مصنوعة من خليط من الطين اليابس والكلس المحروق بدرجة حرارة عالية جداً.
الشديد، ولو كان هنا مركب بخاري واحد لكفانا جميعاً عناء تضييع خمس ساعات من الوقت، وأضعافها من أتعاب الفلاحين والعابرين.
دخلنا المسيب بعد الظهر بساعة من نهار الخميس 17 محرم بهيئة حسنة، والعدّة المسلحة من أهالي النجف خلفنا يلهجون بأناشيدهم الحماسيّة، واستقبلنا أهالي المسيب وأعيانها وحكومتها بمثل ذلك.
ثم تفرّقنا في منازلنا، وبعد ظهر الجمعة اجتمع العموم والعلماء في برحة على شاطئ الفرات الشرقي، ورقى المنبر الشيخ الأمجد الشيخ جواد الجواهري(1) فحثّ الناس على النفير، وبالغ في الدعوة، ثم رقى السيّد العلاّمة السيد محمد نجل حجّة الإسلام سيّدنا الأستاذ الأعظم (دام ظلّه)، فأوجز وأبلغ، ونثر من حماسيات كلماته، وأعمل من نفوذه الروحي ما كان له أعظم تأثير في أعماق القلوب، حتّى ظهر الهياج، وثارت الهمم، وتأثرت الخواطر.
وصباح الثلاثاء ركبنا العجلات متوجّهين إلى بغداد، فوصلنا وشيك الزوال إلى قرب المفاضة التي تعرف (بالخر) ومكث السابق ينتظر اللاحق، حتى اجتمعوا وترجّلوا، وتقدّم مشيخة العلماء والباقون ورائهم على طبقاتهم، ثم أقبلت الناس من بغداد أفواجاً للاستقبال، حتّى دخلنا محطة الخطّ الحديدي (الشمندوفر)(2) ، وبعد صرف القهوة والچاي، وتحيّة الواردين، وبعد سويعة ركبنا العجلات حتّى وصلنا أسواق الكرخ فترجّلنا والعلماء والعَلَم أمام الناس، وهم على غاية من الهيبة والوقار، والأبهة والجلال، حتى صرنا على الغربية من دجلة فركبنا الزوارق، وعبرنا إلى الجانب الشرقي، وكان كوكبة من العساكر والموسيقى تنتظرنا للاحتفال والاستقبال، فما وضعنا أقدامنا على الأرض إلاّ وعزفت الموسيقى، وعلا التهليل والتكبير، فتقدّم العَلَم والعساكر ثم العلماء صفوفاً، وخلفهم المأمورون وعامة الناس على طبقاتهم
____________________
(1) الشيخ محمد جواد ابن الشيخ علي آل صاحب الجواهر: من أعيان علماء النجف، ومن رؤسائها الروحانيين الموجِّهين، اشتغل في الثورة العراقية، فكان ممَّن يناط به الحلّ والعقد. وقد انتخب - فيمن انتخب - من قبل عموم النجفيين ممثلاً للرأي العام أمام حكومة الاحتلال، توفِّي في 15 / صفر / 1355هـ.
(2) الشمندوفر: القطار.
حتى دخلنا سراي الحكومة العليّة (نصرها الله)، ثم صعدنا إلى المحلّ الرسمي، فوقف معاون الولاية وألقى خطاباً بالتركية حيَّى فيه العلماء والعلم، وأظهر بلسان الحكومة غاية الامتنان، وتفأل الفأل الجميل بحسن مستقبل الإسلام، وترجمه القائمقام أمان بك.
وكانت البشائر بعناية ألطافه تعالى قد قارن ورودها ورودنا إلى بغداد، وكان الفرح والبشر والطلاقة تعلو أوجه العامة والخاصة لحسن هذه المصادفة، وانكسار العدوّ من سلمان إلى الكوت، وبعد الاستراحة وصرف رسوم الاحتفال من المشروب والمسموع، خرجنا إلى الشريعة بتلك الهيئة المجللة، حتّى عبرنا وأعدنا إلى صوب الكرخ، وركبنا في عجلات الخطّ الحديدي (الترامواي) ووصلنا قبل الغروب إلى بلد الكاظمية يوم الثلاثاء 22 محرّم، وبعد التشرّف بالزيارة دخلنا إلى منازلنا التي كانت معدّة لنا.
ثم طال المكث والمقام بنا في الكاظمية، وتفرّقت الجمعية، ولم يبق إلاّ وجوه العلماء وأعيان الأفاضل، وكانت الجمعية العامة في أولها تنيف على المئتين، فما مضت عليها الأيام إلاّ ولم يبق منها سوى الثلاثين، ثم حدثت هنات كثيرة لا يتسع لها المقام، وانفصل القومندان نور الدين، وعيّن مكانه حضرة الأفخم قائد الجيوش العراقية خليل بك (نصر الله به الدين، وأذلّ به الكافرين). كان ذلك في منتصف ربيع الأول، وبعد أن تمكّن من الوظيفة في مقره من ساحة الحرب، أصدر إشعاره إلى ولاية بغداد أن يتوجّه العَلَم والعلماء إلى موضع المعسكر، وبعد المراجعات واستطلاع أفكاره الموافقة أبلغ بأن القصد من هذه الحركة المباركة ملاحظات ثلاثة:
الأولى: أن يتعرَّف إلى العلماء ويَعْرفهم بأشخاصهم، كي يجتمع شرف السماع والعيان لديه.
الثانية: أن يستمدّ النصر من الله سبحانه للجنود الإسلامية ببركات روحانية العَلَم الشريف، وأنفاس أعلام الشريعة المقدسة.
والثالثة: أن يتذاكر شفاهاً مع تلك الذوات فيما يعود إلى المسألة الإسلامية.
فتصممت العزيمة بتوفيقه تعالى يوم الاثنين 10 / ربيع الثاني / سنة 34 - أول شباط / سنة 31.
وبعد موادعة الإمامين (عليهما السلام) ظهراً جلسنا في الصحن الشريف حتّى
تتكمل الهيئة، ثم أخرج العلم الشريف الحيدري من الحرم الكاظمي (سلام الله عليهم)، فتقدّم يحمله السيد النجيب السيّد علي(1) ، وكانت أعيان الكاظمية وعلماؤها تحف بالجمعية المنتدبة، فخرجنا من الصحن الشريف ومعنا جماعة المشيِّعين، والسكينة سائدة، والهيئة حاشدة، وعناية الله والاستعانة به سائقة وقائدة، حتّى وقفنا على شاطئ دجلة من الكرخ قبالة مدفن إمام المذهب الحنفي، وكانت الحكومة قد أمرت بإصعاد الباخرة (برهانية) إلى هناك، فودَّعْنا المشيِّعين، وركبنا على اسم الله وتوفيقه، فانحدر بنا إلى بغداد.
وكان أعيان الهيئة إذ ذاك: السيّد محمّد نجل السيّد محمّد كاظم اليزدي، وكلّ من الأفاضل الأعلام، وثقاة الإسلام: الشيخ محمد رضا(2) نجل حجّة الإسلام الشيخ محمّد تقي الحائري، والسيّد عبد الرزاق الحلو(3) ، والشيخ جواد الجواهري، والشيخ مهدي الملاّ كاظم الخراساني(4) ، والشيخ عبد الكريم الجزائري(5) ، والسيّد أبو القاسم الكاشاني(6) ، والشيخ إسحاق الرشتي(7) ، والسيّد محمّد عليّ هبة الدين
____________________
(1) علي بن السيد محمد سعيد الحبوبي: ولد عام 1296هـ، وتوفي عام 1341هـ، شاعر رقيق الطبع، وأديب فاضل لبيب، وخطيب مفوّه، له خطابات رنانة في ميادين الجهاد وساحات الوغى، وشعر كثير.
(2) نجل الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد الثورة العراقية عام 1920م.
(3) عبد الرزاق ابن السيد علي بن حسن الحسيني الحلو: توفي عام 1337هـ / 1919م، عالم فاضل، جليل متتبع، كان من قواد المجاهدين في الشعيبة عام 1914م.
(4) الشيخ مهدي ابن الملاّ محمد كاظم الآخوند الخراساني: ولد في النجف عام 1292هـ، كان من المتحمسين للثورة العراقية ضدّ الإنكليز عام 1920، وانتخب عضواً في الهيئة العلمية المشرفة على حكومة ثورة العشرين، سافر إلى إيران عام 1364هـ لزيارتها، وهناك توفّي يوم 6 جمادى الثانية عام 1364هـ.
(5) عبد الكريم ابن الشيخ عليّ بن كاظم الجزائري: ولد عام 1289هـ، وتوفّي عام 1382، من نوابغ العلم والفقه والأصول والسياسة، وأحد أعلام الأدب العربي.
(6) أبو القاسم ابن السيّد مصطفى الحسيني الكاشاني: عالم جليل، ومجاهد كبير، ومصلح مشهور، وسياسي محنك، كان في طليعة الشباب الذين يناط بهم الحلّ والعقد في مقاومة الاحتلال البريطاني عام 1914 وفي الثورة العراقية عام 1920، وعند انتهائها تتبعه الإنكليز فهرب إلى إيران حتى توفّي فيها.
(7) إسحاق ابن الشيخ حبيب الله الرشتي، عالم فاضل، ومرجع للأمور، ولد في النجف وتوفّي في طهران يوم 3 جمادى الثانية 1357هـ، ودفن في النجف.
الشهرستاني(1) ، والشيخ جعفر الكاظمي(2) ، والشيخ عبد الحسين مطر(3) ، والشيخ جواد، والشيخ عباس الجمالي، والشيخ محمود الهندي.
ثم تحرّكت الباخرة من بغداد بعد الثانية من ليلة الثلاثاء، وسارت قليلاً ثم أرست في الموضع المعروف بـ(قراره). وقبل طلوع الشمس انحدرت وأرست ليلة الأربعاء فوق الصويرة، ثم انحدرة صباحاً وضحوة الأربعاء أرست على شاطئ العزيزية، فخرجنا لاستطلاع طلع ذلك المحلّ واستبانة أبنائه.
فإذا هو بليدة صغيرة أو قرية كبيرة، بناؤها بالآجر والطوب، على الشاطئ الشرقي من دجلة، فوجدناها كبلدة صعق أهلها دفعة واحدة وأجلوا عنها، حيث لم نر فيها نافخ ضرمة وقد تداعت إلى الانهدام أكثر بيوتها، وفيها جامع بلدي قد تهدّمت بعض جدرانه، خلال أزقتها برحات واسعة وجدناها مملوءة بالحمم والرماد كالتلول، وهذه الكوارث كلّها من الحروب المتعاقبة عليها، وصيرورتها ساحة حرب تارة للإنكليز وأخرى للدولة العليّة (نصرها الله). ثم اتجهنا شرقيّها فكانت مقراً لعساكر الإنكليز مدّة أيام، وخلّف فيها عند توجهه إلى بغداد كنوزاً وذخائر من البضائع والأموال، والألبسة والمآكل الصناعية والطبيعية، وكان قد جعل تلك الذخائر في جفائر ساواها مع الأرض كي يعود لنقلها إلى بغداد، بعد فتحه لها بزعمه. فلمّا خيّب الله ظنّه، وأبان له عجزه عن ذلك ووهنه، ورجع مكسوراً منهزماً من محاربة مرقد الصحابي الكريم سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) أتى إلى
____________________
(1) هبة الدين محمّد علي الحسيني الشهرستاني، عالم جليل القدر، ومجاهد اشترك في أكثر القضايا الوطنية، ولد في سامراء يوم 23 رجب 1301هـ، وبدأت مقاومته للإنكليز من عام 1330، عند بداية التمهيد لدخولهم العراق، فخرب العراق، ومشاركته الكبرى في الثورة الوطنية عام 1920 إذ كان أحد أقطابها، توفّي ببغداد في 15 شعبان 1386هـ / أواخر تشرين الثاني 1966.
(2) الشيخ جعفر ابن الشيخ محمّد جواد الكاظمي، من العلماء الفضلاء، كان منشغلاً بالبحث والدراسة، توقفت دراسته وبحثه بسبب انشغاله بأمر حرب العراق عام 1914.
(3) الشيخ عبد الحسين بن الشيخ حسن آل مطر: ولد في النجف عام 1292هـ، عالم فاضل، من رجال الدين في مدينة الناصرية، كان نافذ الكلمة، طالما توسط بين الحكومة التركية وبين عشائر الناصرية والشطرة في حلّ المشكلات والخصومات والتمرد الذي يؤدّي إلى سفك الدماء، من أبطال فكرة المشروطة وعلماً بارزاً من أعلام المجاهدين الروحانيين عام 1914 و1920 المجيدة توفي عام 1363هـ.
العزيزية(1) والمسلمون في أعقابهم، فأراد أن يستحكم فيها، ويثبت للجلاد فلم يستطع الثبات عند هجوم الحملة الإسلامية عليه، فما لبث إلاّ بمقدار ما أحرق ذخائره ومراكبه ومهماته، فكانت أنقاضها وأطلالها وحممها ملء الأرض في مستوى يبلغ طوله ستة أميال في أربعة. فكنا كلّما سرنا بضعة وجدنا تلاً من بقايا الحريق إلى جنب حفيرة متسعة وفي نواحيها صناديق التنك والحديد، وعلب المأكولات والمشروبات، وأويعة الملابس، مما دلّ على عظيم متالفه وفادح خسائره، وأنه كان قد قدّر في نفسه أمراً كبيراً فحمل معه مالاً خطيراً.
ولم نزل نتجوّل في تلك الأجواز والفلوات حتّى وصلنا إلى مواضع محافره ومكامنه وحفائره ومتارسه الأرضية، فكانت مواضعها ومواضع على هندسة باهرة، ثم بعد ساعتين اندفعت الباخرة منحدرة حتّى أرست بعد الهزيع الأول من اللّيل قرب البغيلة، وقبل أن تنشر غزالة السّماء ذوائبها الحمر، وتطلع من كناس الأفق قرونها الذهبية، انحدرت بنا حتّى أرست بعد ساعتين من نهار الخميس على شاطئ البلدة المعروفة بالبغيلة(2) دوين الجرف بقليل، وهي بليدة جميلة واقعة على شاطئ الغربي من دجلة، وهي من الجزيرة ومتجرها الواسع، وتقابلها على غربي الفرات (الحلّة).
وما لبثت الباخرة غير قليل حتّى انحدرت تمخر عباب الماء، وتشقّ هضاب أمواجه، وما كادت عروس السّماء أن تميل حتى تبددت لنا أوائل مخيم العساكر الإسلامية، على شرقي دجلة لمّة لمّة، وأبصرنا جنود العساكر الإسلامية كراديس، كراديس. وما لبثنا أن شاهدنا صفوف العساكر ممتدة على الجرف باستقامة شاسعة، وإلى جنبهم الخيّالة حاملين الأسلحة في أطرافها الأسنّة برسم الرجّالة السلام، وأداء مراسم الاحترام للعلم والعلماء، وأمام العساكر أرباب الموسيقى بالأنغم المكملة، فما قربت الباخرة من أوائل الصفوف حتّى صدحت الموسيقى وعزفت بألحانها، وأخذت
____________________
(1) ناحية تابعة لقضاء الصويرة، مركزها قرية العزيزية القائمة على ضفة دجلة اليسرى، وهي تبعد عن مركز قضاء الصويرة بـ 29 ميلاً، وتقع على طريق بغداد - الكوت.
(2) البغيلة: واسمها اليوم النعمانية، وهي قضاء يتبع إدارياً إلى محافظة واسط، والبغيلة مركزها، وهي قصبة كبيرة تقع على ضفة دجلة اليمنى، تبعد عن جنوبي بغداد بـ 90 ميلاً، وعن شمالي الكوت 29 ميلاً.
العساكر بالسّلام، وبقيت تصدح، والنفوس تلتهج وتفرح، إلى أن أرست الباخرة بعد ظهر الخميس 14 ربيع ثاني، وما كان إلاّ ريثما انتظمنا في نادي الباخرة العمومي (الصالون) حتّى ورد القومندان العام المفخم المظفر خليل بك (نصر الله به الدين ودمر به جيوش الكافرين) ومعه ضباطه وأركان حربه في كلّ واحد من الواردين باد في التحيات، وأظهر من اللطف والمجاملة، والمسرّة والبشاشة ما جذب به أفئدة الجميع، وسخّرها على حبّه.
ثم وقف قائمقام الكاظمية محمّد توفيق أفندي، وكان هو مأمور تشريفات الهيئة، وقد صحبنا من حين الحركة فعرّف كلّ شخص من أعلام الهيئة وأعيانها، فجدّد القومندان تشكّره ومزيد امتنانه، وبعد صرف شطر من الزمان، وتناول المشروبات الرسمية من القهوة والچاي، صعدنا إلى سطح الباخرة حيث العلم الحيدري هناك، مركوز في صدرها فتناوله وقبّله وتبرّك به، وهكذا سائر الضباط وأركان الحرب، وتلا الشيخ جواد الجواهري دعاءً لنصر الإسلام وخذلان أعدائهم، واستمداد المعونة والتوفيق من الله جلّ شأنه بروحانية النبيّ والوصي (ع) وتقدّم حامل العلم حتّى خرج الجميع من الباخرة، وكانت قد هيئت الخيل الجياد، وأحضر الأوتومبيل فركب الشيوخ العجزة فيه، وامتطى الباقون ظهور الخيل المسرجة، وزحفوا إلى مركز القومندان، فركّزوا العلم الحيدري أمام خيمته حيث العلم العثماني وسنجق الفرقة.
ثم جلسنا على الكراسي في الخيمة، وأخذ يلاطفنا، ويحدّثنا عن وضعية الحرب وحصار الكوت، ومداولات المصادمات التي في عهده، وأخرج لنا خريطة بقلمه تمثل مخافر العساكر الإسلامية واستدارتها على الكوت، وهي خريطة واسعة بديعة جداً كلّها بقلمه، بألوان مختلفة لتبيّن للناظر فيها كلّ المواقع من مقرّنا إلى شيخ سعد(1) إلى هور الشويطة، إلى واسط الغراف، ثم الفلاحيّة والسن وغيرها من المنارس (سوبيرات)، ثم أراد أن يضم إلى البيان، فخرج بنا إلى مرتفع من الأرض فيها سلّم عال من الخشب، وأمر بإحضار النظارة الكبرى ونصبها على كرسيها، فنظرنا فيها إلى الكوت، فتراءت لنا
____________________
(1) وهي ناحية تتبع لقضاء علي الغربي في محافظة ميسان، مركزها قرية الشيخ سعد، نسبة إلى الشيخ سعد بن يوسف أحد رؤساء بني لام عام 1288هـ / 1817م، وتقع في منتصف طريق الكوت - على الغربي، على طريق العمارة - الكوت.
مغارته وبيوته وبساتينه كأننا حولها أو فيها.
ثم أحضر رئيس البطاريات والمدافع فأمره أن يضرب بطارية من المدافع على العدو باسم تشريف العلم الحيدري، وأخذ السّلام، فما كان إلاّ أن سمعنا دوي المدافع من متارسها، وثار الدخان حتّى ملأ الجو، فأجابته مدافع العدوّ، وبقيت البطاريات تتجاوب من الجانبين إلى قريب الغروب، ثم عدنا إلى منزلنا الخاص، وموضع استراحته ومركز أعماله، وفي مكانه مكينتا التلفون والتلغراف.
ثم أخبر ولاية بغداد بالتلفون بحضور العلماء ساعة إذ عنده، وأبدى تشكّره وبشره، ثم أمر بإحضار صندوق من الحلوي الخالص من عمل الأستانة، فأكلنا وشربنا القهوة وهو يتهلل بشراً، ويتدفق إحساناً وكرامة، فإنه على عظيم مشاغله وتراكم أعماله صرف معنا نصف نهار ينتقل معنا من لطف إلى لطف، ويتجاذب معنا من حديث إلى حديث، وأخرج لنا رسم أخيه وهو والد صاحب الدولة ناظر الحربية أنور باشا، فيكون قومنداننا العزيز عمّاً له، وأبدى رسوم أولاده وعائلته، وسئلت عن عمره فذكر أنه اثنان وثلاثون سنة، فهو في عمر الصبا، ولكنه في عقل أولي الحجى والنهى.
وعند وشيك المغيب من بنت السّماء أودعناه حبات قلوب المحبّة وودّعناه وامتطينا صهوات الخيول، وعدنا إلى مراكزنا في الباخرة، أجراؤنا ومتولوّ خدماتنا، أنه كان قد أوعز إلى بعض الأمراء أن يعرف ملازمي الهيئة أنها تلك الليلة في ضياء، وأمر أن يهيئ الطعام الكافي، وأن نكون جميعاً تلك الليلة في دعوته، فما كدنا أن نفرغ من صالة العتمة حتى أنبأتنا عن قدومه كبكبة العساكر، وزجل الأقدام. ومعه الحسن العسكري بك رئيس الفرقة الثانية، ثم ورد بعده محمّد فاضل باشا قومندان المجاهدين، وانتظم المحفل العمومي حشداً بالعلماء والأمراء في نادي الباخرة، وبعد أن أخذنا بأطراف الأحاديث مدّت الموائد على الخوان، وبعد أن استوفينا نصيبنا من لذّة طعامه وكلامه، وحديثه، وقديمه، وتبجيله، وتكريمه، وشربنا القهوة، ودّعنا وانصرف مشيَّعاً بالعزّ والشرف، وفي صباح الجمعة أوعز إلى ملازميه، وأصدر الأمر إلى المأمورين أن يفرغوا حجرات باخة البصرة الراسي أمام (الأورديگاه)، وهو مقر أرباب القلم والكتّاب والدوار الرسمية، فأفرغوها وخرجوا إلى خيام ضربت لهم، وتفرقنا في القمائر مجتمعين، وللفتح من الله ولمعونته منتظرين، نسأله تعالى الفتح
العاجل والنصر المبين.
وفي صباح يوم السبت 15 ربيع الثاني ذهبنا إلى التفرج والنظر إلى المدرعة المغتنمة من الإنكليز التي سميت (سلمان) في الهزيمة التي انهزم بها عند المرقد الشريف، وولّى مخذولاً منكوباً إلى الكوت، وعدّت من كرامات ذلك الصحابي الكريم سلمان (سلام الله عليه)، لأن العدوّ كان قد زحف بكلّ عدّته وعديده، وكان يرى أن بغداد أقرب إلى رأسه من جبينه، وأطوع له من يمينه، فخيّب الله آماله، ودمّر عدّته ورجاله.
فلما دخلنا تلك الدارعة، استقبلنا ربّانها وحيانا بالتبجيل والكرامة، وصار يطلعنا، ويشرح لنا الدقيق والجليل من أمر تلك الباخرة ومدافعها، فكان في الطبقة الأولى منها مدفعان كبيران في صدرها وآخرها من طراز العشرة سنتيم ونصف، وفي وسطها حجرة صغيرة للتلغراف اللاّسلكي ومكينته، وخلفها حجرة كبيرة كالصالون، وفيها موضع النبادق البحرية والأسلحة، ثم ارتقينا إلى الطبقة الثانية، فكان فيها مدفع كبير من طراز الثمانية والنصف، واثنان من جانبيه (متراليوز) وفي آخره مدفع آخر، وفي أعلى دقله سلّة كبيرة من أثخن ما في الحديد، فيها مدفعان (متراليوز) وثالث كبير، وكلّ مدافعه مدرعة محصنة بالحديد، مانعة عن وصول البنادق إلى العملة.
ومن أبدع ما فيه أن يكفيه من الماء قدمان ونصف، ثم نزلنا وجسلنا في ناديه، فقدّم لنا ربّانه القهوة والبرتقال، وبالغ وكان بأعلى جانب من اللطف والكمال، اسمه عليّ رضا يعرف شيئاً من العربية والفارسية، ثم ودّعنا ودعونا له، وعدنا إلى منزلنا في الباخرة فلم يكن غير قليل حتى سمعنا دويّاً في الأفق، فصعدنا إلى سطح المركب، فأبصرنا طيّارة العدوّ الخبيث محلّقة فوق رؤوسنا، ولكنها في أعلى سكاك السماء، لا ترى إلاّ بقدر الصعود، وكان يخشى أن تفاجئنا بمرمياتها، ولكن دفع الله شرّها ووقانا مكرها، ثم دارت على الأورديگاه وولّت. وكانت مع بعض الرفاق نظارة جيدة فأبصرناها أكبر من العين المجردة بكثير، ومترنا أجنحتها وعجلاتها، ولكنها على جانب من الارتفاع والكبر.
وبعد الظهر حلّقت طيّارتان لنا، ومرّت قريبة من الرؤوس فحيّيناها ودعونا لها، ثم ذهبت إلى الكوت ورمت أربع قذائف، وبقينا ليلة الأحد والاثنين، وفي ليلة الثلاثاء وقعت مصادمة بين الفريقين من طرف الفلاحية، وذلك أن العدوّ حاول الهجوم على
متارس المسلمين الواقعة شرقي الكوت، الممتدة من نهر دجلة إلى مفاضة الشويكة، وهي ثلاث خطوط متوازية مملوة كلّها بالنيران والعساكر. فلمّا هجم ردّته نيران تلك المتارس، وولّى مدبراً بعد تلف كثير، وامتدت تلك المصادمة من ليلة الثلاثاء إلى الظهر من يومه. فلما آيس من الظفر، عبر بثلثي قوّته إلى غربي دجلة، واستحكم في حفاير له هناك، قرب الشط، بعد أن تقدّم مغرباً منحرفاً عن مقابلة متارس المسلمين الواقعة على شاطئ شرقي دجلة، ثم ضرب مكارة المسلمين، محاولاً أن يقطع إيصال الأرزاق، فتقدّم إليه جند المسلمين من طرف السن فأشغله عن ذلك.
وفي ظهر ذلك اليوم اتفق حضورنا عند القائد العام نصره الله، فوجدنا عنده من البسالة والثبات وهدوء القلب ما أبهر الحاضرين، وكنا إذا أمسكنا عن الكلام قليلاً بعثنا على الكلام، وقال: إن الحرب جارية على أصولها ولا تشويش، فلماذا لا تتكلمون؟ وفي عشيّة الأربعاء وردت من بغداد باخرة الحميدية مع جنيبتين في غاية السعة، والجميع مملوء بالعساكر والأرزاق والأسلحة، وطيّارة كبيرة، ثم ورد إلينا رسول من القائد أعزه الله يخيّرنا بين الإقامة أو العودة إلى الكاظمية، ويشكر كلّ فرد منّا، الأكثر العود نظراً لفراغ باله، ورفع الكلفة عنه، فإنه كان منقسم الفكر بين تجنيد الجنود وترتيبهم وبين تشريفاتنا ورعايتنا، فعيّنت لنا حجرات الباخرة (القمائر) وانتقلنا إليها عشية الخميس ليلة الجمعة 21 ربيع 2، ثم أرسلنا نطلب الحضور لدى القائد المظفر لموادعته، فأوعز إلينا أنه هو يسعى إلينا إلى الباخرة، وكان بيننا وبينه قدر ميلين، فما تم انعقاد الجمع في نادي الباخرة حتّى أقبل حرسه الله وأركان حربه، ولاطفنا بأنواع الملاطفات، فقلت له في غضون الحديث، إني أحمل مبلّغاً إلى عامة المسلمين في الممالك المحروسة أمرين:
أحدهما: قوّة الجند الإسلامي، وعجيب تدابيرك في الفنون الحربية التي توجب الثقة بالفتح إن شاء الله.
والثاني: سعة أخلاقك، وكرم طباعك، التي تجذب كلّ قلب إلى الإخلاص لك والركون إلى الطاعة.
فقال: هذا من حسن التفاتك، وأرجو أن أكون كما تظن، ثم انصبّت عليه الشفاعات في حقّ المبعدين والضعفاء والعجزة والترفيه على الرعيّة، وترك أخذ
العسكرية من الرعايا الإيرانية. فكان كلّما عرض عليه أخذ العلماء تكليف أو شفاعة أنعم في القبول، وأمر ملازميه بتقيّيده للإجراء، ثم ودّعنا ومضى والقلوب تحوم وترفرف في الدعاء بالنصر والظفر، وبتنا ليلة الجمعة.
ثم تحرّكت الباخرة في صباحها بعد الشمس 21 ربيع / 2 مصعدة إلى بغداد، السّاعة الثانية من النهار، وفي العاشرة أرست قليلاً على البغيلة، ثم اندفعت وباتت ليلة السبت كلّها تمخر عباب الماء، وتشقّ تياره، حتّى أرست صباح السبت على العزيزية، ثم اندفعت قبل الظهر وتلاقت مع الزوال بباخرة برهانية، ومعها جنيبتان مشحون أعلاها وأسفلها بالعساكر الشاهانية المنظمة باللآمة الكاملة، وفي إحدى الجنايب ثمان مدافع ضخام من الطرز الأعلى، اثنا عشر سانتيم ونصف، وطيّارة كبرى ومدفعان مقوّسان من آخر طرز.
وبالجملة فقد كانت تلك الباخرة تحمل من القوّة والسّلاح والجند ما أنعش قلوب الجمع، وهتفوا بالدعاء والنصر للدولة، وصاروا على ثقة من الله جلّ شأنه بالفتح والظفر إن شاء الله، وعند غروب الشمس أرست في شاطئ الصويرة، وهي بليدة جميلة قوراء على الجانب الغربي من دجلة في غاية الفراهة والانشراح، أمامها إلى النهر شاطئ زادها حسناً وجمالاً.
ثم اندفعت الباخرة أول اللّيل، وفي العاشرة منه قابلت مرقد سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) وأصبحنا يوم الأحد 23 ربيع / 2 وهي تمخر مصعدة إلى بغداد. وفي السّاعة الثالثة من النهار بلغنا نهر ديالة المنصبّ على شط دجلة من جانبه الشرقي، وفي الرابعة والنصف وصلنا جسر قرارة.
ملاحظات:
* توفّي المرحوم المبرور السيد محمد نجل حجة الإسلام سيدنا الأستاذ أدام الله ظله غروب يوم الجمعة 12 / جمادى الأولى / سنة 1334، في بلد الكاظمية، ونقل إلى النجف.
* يوم الاثنين 13 / رجب / سنة 1337، أصبح سيدنا الأستاذ محمد كاظم اليزدي شاكياً، واحتجب ذلك اليوم وما بعده، وظهرت الحمى والوجع الشديد تحت أضلاعه اليمنى وأحضرت الأطباء، فقيل ذات الجنب، وقيل ذات الرية، وقيل غير ذلك، ولم
يزل يشتد مرضه إلى ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من ذلك الشهر، وقبل الفجر أجاب داعي الله، وانتقل إلى رحمة الله، وصار له من الاحتفال والضجة والبكاء والنوح والعويل ما لم يصر لأحد قبله.
* وفي 3 / ذي الحجة / من سنة 1338، توفّي المحروم الشيخ محمد تقي الشيرازي(1) الذي صارت إليه مرجعية التقليد بعد السيد المرحوم في أغلب الأقطار، وكانت وفاته في أثناء ثورة العشاير على الدولة الإنكليزية المحتلة للعراق، وفي خلال محاربتهم لجيوشها، وكان هو (رحمه الله) أكبر المساعدين لهذه الثورة في التحريض والإفتاء بالجهاد، وكان بدء المحاربة في شوال وأول الناهضين عشاير العوجة(2) من نواحي الأبيض(3) والسماوة، وهم:
ألبو حسان، والظوالم ومن يليهم، قتلوا جماعة من العساكر، وأخربوا السكك الحديدية، وانتهبوا كثيراً من ذخاير الحكومة وأموالهم، ثم تلاهم في ذلك عشاير عفك والدغارة، ثم عشاير الشامية والهندية من نواحي النجف وكربلاء، ورؤسائهم: السيد نور(4) ، والسيد علوان(5) ، وعبد الواحد ابن حاج سكر، وعمران وعلوان أبناء الحاج سعدون، ومرزوق(6) ، وكانت له الإقدامات والبسالة في هذه المحاربات، وبقيت أمراء الإنكليز محاصرة في شريعة الكوفة مع حملة من العساكر أكثر من ثلاثة أشهر.
____________________
(1) الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي: زعيم الثورة العراقية وموري شرارتها الأولى، من أكابر العلماء والمجتهدين، كان موقفه في الثورة أروع من أن يذكر، فمطالبته بالحقوق المغدورة والأمر بالدفاع، وإصداره الفتوى الخطيرة التي أثارت الحماس في صفوف الوطنيين، إضافة إلى تضحيته بالغالي والنفيس وصدق النية، كان هو السبب المباشر لاكتسابه الشهرة الذائعة. توفِّي في 3 / ذي الحجة/ 1338هـ - 1920م.
(2) العوجة: وهو اسم من أسماء الرميثة، وكانت تسمّى (الأبيض) بالتصغير، ولكن غلب عليها اسم (الرميثة) أخيراً، وهي تقع على ضفتي الفرع الشمالي من نهر الفرات فرع الحلة، بين الديوانية والسماوة، فتبعد عن الأول 62 كيلومتراً، وعن الثانية 26 كيلوا متراً.
(3) الأبيضك (بالتصغير وتشديد الباء)، الرميثة اليوم، ويمر به شط الحلة (شط السبل)، ومنها ثارت أول إطلاق للإيذان بالثورة العراقية في 30 / حزيران / 1920، وهي اليوم قضاء يتبع إدارياً إلى محافظة المثنى، وتقع بين قضاء الحمزة الشرقي والسماوة على طريق بغداد - البصرة.
(4) ابن السيد عزيز الياسري.
(5) ابن السيد عباس الياسري.
(6) آل عواد رئيس العوايد في الشامية.
ثم جلبت الدولة قوة عظيمة فمزقتهم تمزيقاً، وقتلت من العشاير ما لا يحصى، وأحرقت كثيراً من البلدان، وفرّ بعض أولئك المرموقون، وقبض على عبد الواحد، وبقي القتل والتعقيب والإحراق مدة شهرين حتى هدأت الثورة وتلاشت أركانها، وكان القائم بعد الشيخ محمد تقي من العلماء في هذه الثورة، وتأجيج نارها وتحريض الناس عليها شيخ الشريعة الأصفهاني الذي قبضت الحكومة على ولده بعد رجوعه إلى النجف، ونفته مع الشيخ جواد الجواهري وجماعة آخرين، كما كانت قبضت على أكبر أولاد الميرزا محمد تقي في أول الثورة، وبعدته مع جماعة من أشقياء كربلاء.
* وفي هذا اليوم 8 / ربيع الثاني / من سنة 1339، توفِّي شيخ الشريعة، وابنه في الاعتقال عند الحكومة، وكان من أكبر المساعدين على هذه الثورة، ثم السيد أبو الحسن الأصفهاني تبع السابقين في الفتوى بالجهاد وتحريض الناس عليها.
فصل... من عقود حياتي
[عن المشروطة]:
وحيث إن للعلماء والمراجع سيّما علماء النجف النفوذ الأعظم على الأمة الإيرانية، بما أن النفوذ الديني أقوى وأعمق من كل نفوذ، فلذا كان كل من الفريقين المتخاصمين يجتهد أن يجعل العلماء في جانبه... وتكاثرت الرسل والرسائل في هذا الشأن. وكانت الشخصيات البارزة من العلماء يومئذٍ في النجف ستة أشخاص، واحد من العرب وهو الشيخ محمد طه نجف، واثنان من ترك آذربيجان وهما المامقاني والشرابياني، وثلاثة من الفرس وهم الحاج ميرزا حسين الميزرا خليل والسيد كاظم اليزدي والآخوند ملا محمد كاظم الخراساني.
أما الشيخ محمد طه والسيد كاظم، فقد اعتزلوا ولم يتدخّلوا في القضية أصلاً. وأما الآخرون، فصاروا يجتمعون في كل يوم في دار الحاج ميرزا حسين ويتذاكرون مذاكرات سرية ويكاتبون رجال الدولة في طهران... وما مرت أربع سنوات إلاّ وقد توفِّي أربعة منهم من أولئك العلماء ولم يبق سوى الأستاذين الكاظمين... وكانت المرجعية قد انحصرت تقريباً بالكاظمين. أما السيد كاظم، فكان حيادياً، ولكنهم أصروا على أن يوافق، وأصر على الامتناع؛ بدعوى أنه أمر مجهول العاقبة ولا يسوغ لي الموافقة على أمر مجهول، بل ربما كان يبوح ويقول: إنه أمر لا يترتّب عليه إلاّ الضرر والفساد، ولكني
لا أمنع ولا أوافق. ولكن الفريق الآخر بعدم موافقته جعلوه معارضاً، بل جعلوه رأس المستبدة ورئيسهم، فبالغوا وبَلَغوا الغاية في توهينه وسبّه والطعن عليه حتى صدقت الأيام فراسته وبرهنت على بعد نظره وعمق غوره.
وبعد سنتين من موت مظفر والانقلاب الإيراني حصل الانقلاب العثماني، وخلع عبد الحميد وخلع محمد علي وأصبحت الدولتان مشروطتين فاشتد الضغط والبلاء على السيد الكاظم وأطبقت الحكومتان العراقية والإيرانية على طلب موافقة واعطاء صك بصحة أعمالهم، وهدّدوه بأنواع البلاء التي أيسرها [أنه] دخل عليه عزيز بك - قائمقام النجف ومن شياطين المشروطة - فشهر عليه المسدس، وحال الحاضرون بينه، فثبت السيد ثبات الجبل الشامخ ووطّن نفسه على كل بلاء وكانت علاء.
فقد كان الفريق الآخر - وهم الأكثر ومعهم السلطتان العثمانية والإيرانية - قد بذلوا أقصى مساعيهم في القضاء على السيد بتلف أو تبعيد، فلم يصلوا إلى ذلك، وجاء في الأثناء جمال باشا السفاح والياً على العراق، وهو من كبار الاتحاديين وأركان الانقلاب العثماني، ومن أقران طلعت وأنور وجاويد ومن أشد رجال المشروطية، فاستيقن الفريق المعادي بالحصول على مقصودهم وكثرت الوشايات وأوغروا صدره علينا وعلى السيد، وكان القائمقام في النجف ناجي السويدي، فأرسل إلينا أن الوالي جمال باشا يطلب حضوركم عنده في بغداد.. فسافرنا واجتمعنا به فأظهر الشدة والتهديد أولاً وقال: إما أن تقنعوا صاحبكم على الموافقة كتباً وإلاّ فالنفي والتبعيد لكم جميعاً. نعم، أثّروا على جملة من خواص السيد وملازميه، فأبعدوا منهم إلى جهات شتى أكثر من عشرين نفراً.
وفي شعبان سنة إحدى وثلاثين(1) رجعت إلى العراق من بيروت بالقطار، إلى بعلبك، فحمص، فحماه، فحلب، ثم منها بعربة الخيل إلى بغداد، وبعد أيام قليلة من رجوعي إلى العراق أعلنت الحرب العامة، وقامت القيامة، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن هو الحرب شديد، وبعد شهرين اشتركت الدولة العثمانية في الحرب وتفاقم البلاء، وسيق الأطفال والرجال عموماً إلى ميادين المنايا، ولم يبق
____________________
(1) 1331هـ.
سوى النساء والعجزة، وهاجت الحميّة الدينية بعلماء الإمامية والمراجع الدينية، فخرجوا بأنفسهم إلى الجهاد، وفي الجهات المختلفة التي ساق العدوّ قواه إليها.
وكان الزعامة الروحانية قد انحصرت بعد وفاة الأستاذ الخراساني بالسيّد الأستاذ الطباطبائي، وحيث رأى أن القضية، قضية هجوم الكفر على الإسلام، لم يتوقف من إعلان الفتوى بوجوب النفير العام على كلّ متمكن من الدفاع، وكانت بواخر الإنكليز الحربية دخلت الفاو، وبعد بضع أيام سقطت البصرة، فكانت قوّتها فيها هي القلب، والشعيبة الجناح الأيمن والحويزة الجناح الأيسر.
فتوجّه المحروم السيّد محمّد سعيد إلى الشعيبة، وشيخ الشريعة والسيّد مصطفى الكاشاني(1) والسيد مهدي حيدر(2) وجماعة من المجاهدين البغداديين يرأسهم المرحوم المجاهد الحاج داود أبو التمن(3) إلى القلب في عبر دجلة، وأرسل السيّد الأستاذ نجله الأكبر السيّد محمّد مع جماعة من العلماء إلى طرف الحويزة من ناحية العمارة، وبقيت أنا والأخ المرحوم في النجف مع السيّد المرحوم لنشر الدعوة ومراسلة زعماء العشاير، ومراجعة الحكومة في الشئون الأزمة، وتهيئة الأسباب والمعدّات للمجاهدين في سائر الجهاد، إذ كانت النجف هي العاصمة الروحية، وهي قبلة القلوب والأفكار، وعليها المدار، وهنا ظهرت الروح الدينية بأجلى مظاهرها، وقامت الشيعة بجميع طبقاتها من علمائها وتجارها للدفاع بأنفسها وأموالها، أحسن قيام، ولم يظهر
____________________
(1) السيّد مصطفى بن السيّد حسين الحسيني الكاشاني، ولد عام 1268هـ، وتوفِّي عام 1337هـ، عالم مجاهد فذ، تزعم حركة الجهاد عام 1914.
(2) السيّد مهدي بن السيّد أحمد بن حيدر الحسني الكاظمي، توفِّي عام 1336هـ / 1918م، عالم فقيه، من بيت علم وسيادة، وذو أخلاق حسنة، ورئاسة علمية، من زعماء الجهاد عام 1914، ضد الإنكليز.
(3) الحاج داود أبو التمَّن، مؤسس العائلة المعروفة بـ (أبي التمن) وهو جد المناضل الحاج محمد جعفر أبو التمن الذي كان يوقّع أحياناً جعفر الحاج داود، ولا شك أن هذا دليل اعتزاز جعفر بجده. وإنما عرفت العائلة كذلك لكرمها وجودها وتجارتها خاصة بالتمن، وكان المعوزين في إحدى سنين القحط يدل أحدهم الآخر على (أبي التمن) ليتسلّم حصته دون مقابل.
(أسعد الشبيبي، مذكرات الشيخ محمد رضا: ص46، مستلّ من مجلة البلاغ الكاظمية من ع5 و6 س4/ 1393هـ/ 1973م حتى نهاية السنة الخامسة 1394هـ/ 1974م).
ولم ينس علي البزركان، أن مجلسه (الحاج داود) في مسجده وقد وضع أكوام المجيديات أمامه والمجاهدون حوله، ويسألهم عن عدد من يعيلونهم ليدفع لهم نفقات كسائهم ومعيشتهم.. ثم إنه تزعم ما يزيد على الأربعمائة مجاهد، وسار بهم للعمارة لقتال الإنكليز... (الوقائع الحقيقية).
من الفريق الآخر شيء يذكر، وكان الأثر والغليان كلّه للألوية الجنوبية في العراق، دون الشمالية، مع أن الدولة كانت منهم ولهم، وكان النصر بفضل جهود الشيعة وعلمائهم قاب قوسين، وإنما انعكس الأمر من وجهين:
الأول: دسائس الإنكليز وإيصالهم (أبو الخيّال) إلى جيوب بعض الزعماء من رؤساء القبائل بتوسط الخائنين، بل رأس الخونة، في الكويت والمحمّرة، خصوصاً بعض رؤساء العمارة المتصلين بهم صلة الجوار والصداقة.
الثاني: ولعلّه أقوى من الأول، سوء إدارة ضباط الأتراك وقائدي الحملات في الجهات، وفتح مساءلتهم مع المتطوعين المجاهدين، فقد كانت الأطعمة مكدّسة في الأنبارات وعلى ضفتي دجلة والفرات، والفوارس والعربان لا علوفة لديهم ولا قوت عندهم، فإذا جاء جماعة يطلبون الطعام، احتاج إلى معاملات رسمية وأوراق وتحويلات، وإلى أن يجيء الترياق من العراق يكون قد هلك المريض.
ولما انكسرت في الشعيبة وغيرها الجيوش وانسحب الأتراك، أحرقوا ملايين من تلك الأطعمة، واستولى العدوّ على الباقي، حتّى إن جملة من المجاهدين كالمرحوم السيّد محمّد سعيد حبوبي والشيخ باقر حيدر(1) ، قضوا نحبهم وانتقلوا إلى رحمة الله على أثر انكسار الشعيبة؛ غصة وأسفاً من سوء الإدارة واختلال الأحوال، ثم بعد وقعة الشعيبة ومزيريعة ناحية القرنة التي أسر فيها جمع من المجاهدين كالحاج داود أبو التمن وغيره، تجهّز العلماء ثانياً، وكانت المحاربة في الكوت، والقائد خليل باشا المهشور، عم أنور باشا، أو ابن عمه على ما قيل، وسافرت هذه الدفعة بخيام واستعداد، وخدمة واتباع، وكذلك المرحوم السيّد محمّد نجل سيّدنا الأستاذ، وشيخ الشريعة، وجماعة كثيرون من العلماء. ووصلنا إلى ساحة الحرب، حتّى حوصرت الكوت وفيها القائد الإنكليزي (طاوندزند) وقبل التسليم بقليل، رجعنا إلى الكاظمية، وتعرّض المرحوم السيّد محمد بضع أيام، وتوفّي إلى رحمة الله، وكانت العيالات توجّهوا إلى الكاظمية، فرجعنا
____________________
(1) الشيخ باقر ابن الشيخ عليّ بن محمّد بن حيدر: المتوفَّى عام 1333هـ / 1915م. عالم متتبع، اشتغل بتحصيل العلوم الدينية، وكان فاضلاً فقيهاً، مصنفاً بارعاً، شارك في الجهاد عام 1914.
بأولاده وعيالاته إلى كربلاء، وصارت ثورة أهالي كربلاء على الحكومة العثمانية.
والمتصرف آنئذٍ حمزة بيك، فتغلّبت الأهالي وطردوا الموظّفين ونهبوا بيوتهم، وخرّبوا أكثر عمارات المحلة العباسية ونهبوها، وسلّطوا المياه عليها، وكان الإنكليز مشغولاً بحرب الأتراك في الكوت وسنّ الذبان وغيرها، ودسائسه في الداخلية، وتحريك الأهلين على الموظفين متواصلة، ولها الأثر الفعّال، فثارت كربلاء أولاً، وصنعت ما صنعت، ثم ثارت النجف وحاربت قائد الفرقة عزيز بك حتّى فرّقت عساكره، وأسرت القائمقام بهيج بك - العاتي الظلوم - ثم تبعتها الحلّة، وجاءها (عاكف بك) فشنق أعيانها، وأسر نساءها، وهدم بناءها، وكانت رفسة الموت الأخيرة للأتراك، وبعدها بقليل انسحبوا من بغداد، واحتلها القائد الشهير (مود) وذلك في ليلة 15 جمادى الأولى سنة 1335هـ، الموافق 11 آذار سنة 1917م.
وكان الإنكليز بعد أن طرد الأتراك من بغداد، وتملّك العراق، أخذته نشوة الفتح والظفر، وبقي في دار السّلام هو وفلول جيشه ينفض عنه وعثاء السفر والحرب، ويأخذ نصيباً من الراحة. ثم بعد قليل وجّه فكرته إلى الأنظمة السّياسية بعد أن كان الحكم عسكرياً محضاً، فعيّن الحكّام السياسيين للمدن كالحلّة والديوانية وغيرها سوى كربلاء والنجف، فقد استعمل فيهما عادته من الأناة والتمهّل، على قاعدة إنما يعجل مَن يخاف الفوت، ولكن أجلاف..... عند انعزال أشرافها فجاءوا بالحاكم الإنكليزي بلا قيد ولا شرط، ثم بأسرع وقت انقلبوا وثاروا عليه، وعقدوا جمعية سرية فيها بعض المعمّمين، وجماعة من جهلاء (الفريقين)(1) ولم يبرموا الأمر على ما يقتضيه الحزم والحصافة، وهجموا على الحاكم الإنكليزي (مارشال)(2) فقتلوه، وكان بطل رواية
____________________
(1) يعني بذلك الجمعية الوطنية الإسلامية، أو الحزب الوطني الإسلامي، أو حزب الثورة العراقية، ومن أعضائها: الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيّد محمّد سعيد كمال الدين، والسيّد محمد رضا الصافي، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والسيد حسين كمال الدين، والشيخ محمد جواد الجزائري، والسيّد سعد صالح جريو، والسيّد أحمد الصافي، والسيّد محمّد علي كمال الدين، والسيد يحيى الحبوبي، والشيخ محمد علي الدمشقي وغيرهم.
(2) نظراً لكثرة الاضطرابات في النجف، تعين الكابتن (وليم. أم. مارشال) معاوناً للحاكم السياسي للواء عموم الشامية والنجف. وكان الحاكم يومئذ الكابتن بلفور - وقد وصل مارشال إلى النجف يوم 1 / شباط / 1918، وقتله النجفيّون يوم 19 / آذار / 1918.
هذا الهجوم والفتك الحاج نجم أحد البقالين في النجف(1) .
وفي ذلك اليوم حاصرت الجنود الإنكليزية (النجف) وعملوا حولها الأسلاك الشائكة، ومنعوا عن الأهليين حتّى دخول الماء، فحاربهم من وراء السور رؤساء الأطراف الأربعة، ورءوس هذه المقاومة كان الحاج سعد وأولاده، وكاظم صبّي، وعباس علي الرمّاحي، وجماعة آخرون(2) . أما السيّد مهدي السيّد سلمان(3) رئيس الزقرت(4) ، فكان قد اعتلّ بهم، ويتظاهر بالحياد، ويراود السّلطة سرّاً، واستمر الحصار أربعين يوماً، وصار شرب أكثر أهالي النجف من ماء الآبار المالحة، وشحّت الأطعمة حتّى بلغت حقّه النجف من عشر روبيات، وبهذا المقياس ساير الضروريات من اللّحوم والأدهان.
وبعد أسبوعين تقريباً من بدء الحصار، زحفت الجنود إلى قرب سور البلد لضعف الحامية ونفاذ ذخيرتها، ثم احتلوا جبل الحويش المطلّ على النجف ونصبوا المدافع عليه، وأنذروا المحاربين بالتسليم أو الضرب، وانتظروا مدة عشرين يوماً يحاذرون من ضرب النجف، واتساع لهيب الثورة، وهياج العشاير سيّما وفي النجف المرجع العام لكافة الأقطار، وهو سيدنا الأستاذ السيّد محمّد كاظم السّابق الذكر، وكانت البرقيات
____________________
(1) الحاج نجم بن عبود بن فرج الدليمي المعروف بالبقال: تقطن أسرته في لواء الدليم، ولد من أب عربي من عشيرة المحامدة، ومن أم عربية من عشيرة الخميسات، قطن النجف مع أبيه وإخوته.
لزيادة الاطلاع، راجع كتاب (معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى لمحمّد علي كمال الدين: ص49) وموضوع (الحاج نجم البقال للمرحوم يوسف رجيب، مج الاعتدال س5 ع4 ص205 - 224/1939).
(2) ومعهم: سعيد مملوك الحاج سعد، ومحسن أبو غنيم، وعلوان علي الرمّاحي، وجودي ناجي، ومجيد الحاج دعيبل، وشمران العامري، والشيخ عباس الخليلي. واتهمت بقتل الكابتن مارشال مجموعة أخرى عددهم (123) أبعدوا إلى الهند. أوردنا أسماءهم في كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).
(3) توفِّي عام 1348هـ.
(4) الزقرت: تكتل بعض أسر النجف وعشائرها، والتسمية جاءت نسبة إلى الزقر وهو الصقر، ولعلهم كانوا يتصيدون بالصقور أو يصطادونها. وفي اللغة العامية الدارجة إذ قال الرجل أنا زقرتي يعني أني خفيف المؤنة لا عدة لي ولا عيال، ويحتمل أن هؤلاء كانوا بدء أمرهم كذلك، لا سلاح لهم ولا عدة، ومن الأمثال الدراجة باللسان الشعبي (أنا زقرتي ما لحگتني غير تفگتي) ويرأسهم آنذاك السيد مهدي السيّد سلمان.
تنهال على قائد تلك الحملة من الهند وإيران والأفغان.
وكانت سياسة بريطانيا تحتم عليهم مداراته مراضيه، فكانوا كلّ يوم صباحاً ومساء يرسلون الرسل إليه بشتى الوسائل، أن يخرج معزّزاً إلى شريعة الكوفة، إلى أن تنتهي القضيّة، والتمسوا منّا ذلك أيضاً فأبينا، وقلنا نحن مع أبناء وطننا: إن عاشوا عشنا معهم، وإن هلكوا هلكنا معهم. وكان الإنكليز يلتمسون أن يقبل ما يرسلون من الماء والأطعمة واللّحوم وغيرها، فيأبى أشدّ الإباء، وبعد أن ضاق الخناق، واشتدّ بلاء الغلاء، وشحّت الأقوات على الأهليين، تدخل السيّد مهدي السيّد سلمان في القضية، وفتح باب البلد من ناحية جبل الحويش، وبقي الحصار مستمراً، إلاّ من هذا الباب يدخل منه الماء وبعض ضروريات العيش، وأصرّ الإنكليز على أن يسلّم أهالي البلد المحاربين وقاتلي (مرشال)، وكانوا قد لاذوا بالفرار والتخفّي في سراديب البلد ومخابيها، حيث لم يجدوا وسيلة إلى الفرار إلى خارج البلدة لشدّة الحصار، فرّ السيّد مهدي مع جماعة من الزقرت والشمرت الّذين لم يشتركوا في تلك الأعمال الطايشة، وصاروا مع جماعة من العسكر البريطانية يفتشون البيوت ويقبضون على واحد بعد واحد، حتّى لم يفلت منهم أحداً، وبلغ عدد المقبوضين أكثر من ائة وخمسين، وساقوهم إلى الديوان العرفي الّذي عقدوه في الجسر، وكلّ أعضائه من قوّاد الإنكليز، فحكموا على بضعة عشر نفر بالشنق، وعلى جماعة التسفير إلى هنجام وسمربور(1) .
وانتهى الحصار(2) ، ولكن صاروا يفتّشون كلّ مّن يخرج من النجف، سيّما من المعممين؛ خوفاً أن يكون معه كتب الدعوات لتحريض العشائر على الثورة والانتقام للنجفيين من الدولة المحتلة، فكانوا ممّن وجدوا معه شيئاً من هذا القبيل الشيخ أحمد(3) أحد أولاد المرحوم الأستاذ محمد كاظم الخراساني، فأخذوه إلى الجسر
____________________
(1) انظر: قوائم المعدومين والمسفّرين إلى الهند في كتابنا: (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال).
(2) انتهى الحصار في 23 مايس 1918.
(3) الميرزا أحمد بن الملا محمد كاظم الآخوند الخراساني: عالم جليل، ومدرّس فاضل، ولد عام 1300هـ، له نشاط كبير في القضايا السياسية، فكان ركناً من أركان الثورة العراقية عام 1920، وعين عضواً في الهيئة العليا في حكومة ثورة العشرين، وبعد انتهائها سافر إلى الحجاز مع من سافر، وعاد بمعية الملك فيصل الأول إلى العراق، ولمعارضته نظام المجلس التأسيسي العراقي أبعد إلى إيران مع جماعة من العلماء، توفي في يوم: 19/12/1971.
وحاكموه في جلسة أو جلستين، وأوشكوا أن يحكموا عليه بالإعدام، فتوسطنا إلى قائد الحملة بلفور(1) وبلغناه أيضاً شفاعة السيّد فيه، فلم يجد بدّاً من إطلاقه، ولو لا ذلك لكان من المشنوقين.
وكذلك تشفّعنا في أشخاص كثيرين فأطلقوا، ونظراً لما ذكرنا من أن سياسية تلك الدولة الغاشمة تقضي عليهم بمجاملة الروحانيين، وعدم إثارة غضبهم، تمكّناً من وقاية نفوس كثيرة من الإعدام وحفظ أموال غزيرة من المصادرة(2) .
وإلى هنا انتهى العقد الرابع، ودخلنا في العقد الخامس وهو دور الكهولة، ودور وقوف حركة النمو ونضج العقل، وحصافة التفكير، وكنت في أوليات الخامسة والثلاثين بعد ألف وثلاثمئة، وتقدّمت بالناس جماعة من الأخيار، أمام جماعة في الصحن والحرم الشريف، وشرعت في درس خارج عنوانه (العروة الوثقى) للسيّد الأستاذ، وشرحته شرحاً مبسوطاً استدلالياً، وكان السيّد الأستاذ قد انحصرت الزعامة الروحانية والمرجعية العظمى في ذلك العصر بشخصه الكريم، وله الحكم النافذ، يُرجع لأخي المرحوم - أعلى الله مقامه - ولي جميع المرافعات، ويمضي حكمنا، والحكومة المحتلة تنفّذ ذلك الحكم طبعاً، وقد تغيّرت بعد الاحتلال الأوضاع، وتبدّل شكل الدنيا وساءت الأحوال، وإن كثرت الأموال، فإن المستعمرين أيام الحرب وأوائل الاحتلال ملأوا بيوت الناس بالأموال، ثم لم يكتفوا بعد قليل بسحبها وسحب فايضها أضعافً مضاعفة، بل سحبوا الأخلاق والشرف والعزّ والكرامة، بل الصحة والسّلامة، فضلاً عن الدين والفضيلة، وبالغوا مكراً وخديعة في إكرام العلماء الروحانيين رؤساء الدين، خاصة للسيّد الأستاذ (قُدِّس سِرُّه) مع شدّة احتقاره لهم وتجافيه عنهم.
كان السير برسي كوكس الشهير(3) ، يكثر من زيارته في الجسر وفي النجف،
____________________
(1) الكابتن أف. سي. سي. بلفور: عيّن حاكماً سياسياً للواء عموم النجف والشامية في 1 تشرين الأول 1917، لعدم استطاعة الوكيل الحكومي من قبل السلطة في النجف حميد خان من تهدئة الوضع واستتباب النظام.
(2) من خلال هذه الفقرة نستشف أن السيّد اليزدي توسط في الإفراج عن كثير من النجفيين والمعتقلين بهذا الحادث.
(3) السير برسي زكريا كوكس: ولد في 20 / تشرين الثاني / سنة 1864، بمقاطعة أسكس، دخل العراق ضابطاً =
فيجلس على الحصير المتقطع المتلاشي، ويبقى بالانتظار مدّة إلى أن يخرج السيّد ثم يجلس معه قليلاً، ويقوم قبل زائره، ولا يكلّمه إلاّ بضع كلمات، وكان كثير من زعماء القبائل وشيوخ الأطراف في النجف بعد إظهار موالاة الإنكليز قلبوا ظهر المجن له، وتذمروا من أعماله سيّما (دلّي)(1) ، حاكم الديوانية، فإنه أساء معاملة رؤساء القبائل، وكان يعاملهم بسوء المعاملة، ويقابلهم بالاحتقار والمهانة. وكلّما رفعوا شكواهم وطلبوا من معتمد بريطانيا في العراق تحويله، لا يصغي عليهم. فصمّموا على الثورة، وبما أن الثورة لا تكون ذات أثر إلاّ إذا استندت إلى موافقة الزعيم الروحاني والمرجع العام، فكانوا يحضرون - أرى ثلة - ويفاوضونه في الأمر سرّاً وتحت حجب الخفاء، والسيّد (أعلى الله مقامه) لمعرفته البليغة بأحوال أهل العراق، وعدم ثقته بهم، يتنصّل من الدخول معهم ومن مساعدتهم، ويقول: أنا لا آمركم ولا أنهاكم، فدعوني جانباً وملجأ عند الفزع وعدم الفوز لا سمح الله. وبقيت الفكرة تختلج في الصدور، والقوم يحجمون تارة ويقدمون أخرى، كلّ ذلك من عدم موافقة السيّد التي كانت هي الحزم والسّداد.
وفي منتصف رجب سنة 1337، توعّك السيد وأصابته حمّى شديدة، وامتنع عن الخروج للصلاة والدرس، وفي اليوم الثالث من عروض الحمّى عدناه عصراً، وكان لا يأذن بالعيادة إلاّ لقليل من الخواص، فخلى بنا في محلّه الخاص، فكنت وأخي المرحوم(2) والسيد (قُدِّس سِرُّه) ولا رابع معناه إلا الله جلّ شأنه، فقال: أجدني لا أسلم
____________________
= سياسياً عاماً مرافقاً للحملة العراقية من سنة 1914 إلى 1919، وذهب إلى طهران وكيلاً لسفير بريطانيا في طهران من عام 1919 إلى 1920، وعاد إلى العراق مندوباً سامياً لملك بريطانيا من عام 1920 - 1923.
(1) ديلي وليس دلي: الحاكم السياسي للواء الديوانية.
(2) الشيخ أحمد بن الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء: من كبار أعلام الفقه والتحقيق والعلم، انتهت إليه الرئاسة العلمية، وبعد من طليعة الفقهاء المحققين، ولد في النجف سنة 1292، وتلقى العلوم عن أفاضل عصره، وانتقل إلى درس الشيخ أغا رضا الهمداني، والشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا حسين الخليلي، واختص بالسيد اليزدي، وتصدى للتدريس والبحث وحضر عليه كثير من أهل البحث والفضل، وكان كريماً جواداً حليماً، توفي في 19 ذي الحجة 1344هـ.
انظر مصادر ترجمته: في بحث (تدريسه وتلامذته).
من هذا المرض، وإني راحل عن قريب، وتعلمون أن أولادي الذين كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم قد رحلوا أمامي، ولم يبق من ولدي من أعتمد عليه، وعليّ حقوق كثيرة، وأموال في البيت وعند التجار وافرة، وأريد أن أوصي إليكم لتفريغ ذمتي وأداء واجباتي. ويعني أولاده الذي كان يعتمد عليهم: ولده الكبر السيد محمد، الذي توفِّي في الكاظمية بعد رجوعه من السفر الثاني الذي سافر للجهاد سنة 1334، وسيد محمود الذي توفِّي بعده بسنتين تقريباً، والسيد أحمد الذي توفِّي قبلهما، هو والسيد حسن بمدة طويلة. فلما ألقى علينا تلك الكلمات، ونعى إلينا نفسه الشريفة، كأنما أطبقت السماء علينا، واسودّعت الدنيا بأعيننا، ثم أخذ (رضوان الله عليه) يشجّعنا ويسلّينا ويناشدنا حق الأستاذية، وأنه لا يعتمد على غيرنا، فطلبنا منه أن يشرك معنا شخصاً أو شخصين للمساعدة ورفع الهم وظن السوء، فأشرك الحاج محمود أغا والشيخ علي المازندراني من وجوه تلاميذه، ثم ألقى عليّ المطاليب التي في نفسه، وأمرني بكتابة الوصية بخطي كي يوقّع عليها، فكتبتها وجئت بها إليه صباحاً، فأمرني بكتابة وصيته وتشتمل على ما في الأولى، وعلى زيادات تجددت في نظره، فكتبتها بخطي وجئت بها إليه عصراً.
وكان قد اشتد مرضه، فبعث الشيخ عبد الرحيم اليزدي - خادمه الخاص - وجمع له جماعة من أعيان تجار النجف من العجم والعرب، وجماعة من طلاّب العلم الأفاضل، وجملة من الأعيان، فحضروا ليلاً، وأمرني فقرأت عليهم الوصيتين، وأمرهم بأن يحرّروا شهادتهم فيها، ووقّع عليهما بخطّه وخاتمه، ثم أحضر الحاكم السياسي الإنكليزي مع العميد حميد خان فشهدا فيهما.
وفي ليلة الثامن وعشرين من رجب مقارن طلوع الفجر، انتقل إلى رحمة الله، وكان من جملة وصاياه: إعطاء الخبز للطلاب ثلاثة أشهر، وطبع تتمات "العروة الوثقى"، وإن زاد المال تطبع "السؤال والجواب"، وإعطاء العبادات والحجج المقيدة في دفاتره، فأنجزنا بتوفيقه تعالى جميع ما أراد.
ولا تزال الوصيّتان وهما بخطّي وتوقيعه وتوقيع الشهود محفوظتين عندي مع دفاتره، وكان كثيراً ما يقع الخلاف والتشاكس بين الأخ المرحوم وبين الوصيين الآخرين ويقف العمل، فأسعى بلطائف التدابير في إصلاحهما والتقارب، إلى أن أنجزت
الوصايا بأجمعها، وكان المال الكثير قد اختلس في دار السيد، ولم نحصل إلاّ على القليل منه، وسلّمت لنا الأموال التي عند التجار، على أن بعضهم أيضاً جحد الكثير منها.
وانتقلت المرجعية العامة والزعامة الكبرى بعد السيد (قُدِّس سِرُّه) إلى المرحوم الشيخ محمد تقي الحائري، فالتفّت عليه زعماء القبائل ووجدوا منيّة السيد ثمرة الثواب سيَّما وقد كان التفاوت بين الزعيمين في أصل طباعهما بعيداً جداً، فقد كان السيد (رحمه الله) صعب المراس، شديد الشكيمة، في غاية الحذر وسوء الظن، لا يغرّ ولا يخدع. بخلاف المرزا (قُدِّس سِرُّه)؛ لأنه سلسل القياد، سريع الاعتقاد، حسن الظن، فأقنعوه على الموافقة على الثورة واستدرجوه...(1) الستار، وتحرّك أولئك الرؤساء والزعماء فكانت [الفوائد] لهم، والوزر والكفاح على أولئك الأغبياء، وكانت النتيجة لأولئك الذين ما أصيبوا في تلك الحوادث بشوكة، ولا خسروا في الثورة قلامة ظفر. ولا نريد أن نأتي على تفاصيل تلك الثورة وشئونها وشجونها، فإنها تحتاج إلى إفراد مؤلف واسع، وقد كتب كثير من الكتبة فيها، ولكن لم يأتوا على جميع أسرارها ودقائقها، ولا تزال الحقائق مطمورة في الصدور دون السطور إلى يوم النشور، ولكن الغرض أن بعد أن نشبت أظفار الثورة واستعرت الحرب بين قبائل الفرات الأوسط والجنود البريطانية، اشتركنا في القضايا الوطنية واشتغلنا بها، ولما تغلّب الإنكليز ازدادوا بتبعيدنا، فحال الله بينهم وبين ذلك إلى أن توفِّي المرحوم المرزا محمد تقي، ورجعت الزعامة الروحية إلى المرحوم الأستاذ الشيخ شريعة الأصفهاني، وكان في آخر رمق من الحياة، وبعد ستة أشهر تقريباً انتقل إلى دار البقاء...
____________________
(1) موضع النقاط كتابة غير مقروءة.
الملحق رقم - 2 -
من مذكرات
العلامة
السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني
عن المشروطة والاستبداد
تقديم:
كامل سلمان الجبوري
السيد محمد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني
صاحب المذك َّ رات
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
* هو السيد هبة الدين محمد، علي، بن الحسين العابد، ابن محسن الصراف، ابن المرتضى، بن محمد، ابن الأمير السيد علي الكبير، بن منصور، ابن شيخ الإسلام أبي المعالي محمد نقيب البصرة، ابن أحمد، ابن شمس الدين محمد البازباز، ابن شريف الدين محمد، ابن عبد العزيز النقيب، ابن علي الرئيس، ابن محمد، بن علي القتيل، ابن الحسن النقيب، ابن أبي الفتوح محمد، ابن شريعة الملة الحسن، ابن عيسى، ابن عز الدين عمر، ابن أبي الغنائم محمد، بن محمد النقيب، ابن الشريف أبي علي الحسن، ابن أبي الحسن محمد التقي السابسي، ابن ابي الحسن محمد الفارس النقيب، ابن يحيى نقيب النقباء، ابن الحسين النسَّابة النقيب، ابن أحمد المحدّث، ابن عمر، بن يحيى، بن الحسين ذي الدمعة، ابن زيد الشهيد، ابن الإمام زين العابدين علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، الحائري الكاظمي.
* عالم ثائر، وفقيه مجدّد، وأديب بارع.
* ولد في سامراء - العراق - يوم الثلاثاء 24 / رجب / عام 1301هـ.
* قرأ على أبيه مبادئ العلوم ومقدّماتها.
* انتقل إلى كربلاء مع والده بعد وفاة الميرزا السيد حسن الشيرازي.
* وفي عام 1320 هاجر من كربلاء إلى النجف لإكمال دراسته العالية، وحضر على السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، وشيخ الشريعة الأصفهاني.
* انصرف إلى التأليف والكتابة والنشر، وفي سنة 1328هـ، أصدر مجلَّة (العلم)، وهي أول مجلة عربية صدرت في النجف، وأسّس لها مكتبة عامة.
* قام بسفرات في مختلف العواصم الشرقية من عربية وإيرانية وهندية، منها: سوريا ولبنان ومصر والحجاز واليمن وإيران والهند وغيرها، وكان خلال إقامته داعياً للدين ونشر المعارف، وقد استغرقت رحلته هذه ثلاث سنوات 1330هـ - 1333هـ، وعاد في أول رمضان إلى النجف.
* كان في طليعة المجاهدين ضد الاحتلال البريطاني عام 1333هـ / 1914م، إذ تحرّك في أوائل محرم 1333هـ من طريق الفرات بجمع من عشائر آل فتلة وبني حسن والعوابد وغيرهم إلى السماوة، فالمنتفك (الناصرية)، فسوق الشيوخ، إلى أن التحق بالشعيبة من الجناح الأيمن. وهناك مفرزة تحت إمرة (علي بك) و(أحمد أوراق) التحق بهم الوالي (سليمان عسكري باشا) وقد صوّر الحوادث التي وقعت فيها وما أصاب الجيش المجاهد من خذلان بمذكرات أسماها (أسرار الخيبة من فتح الشعيبة)، وقد نشرت في كتابنا السابق (النجف الأشرف وحركة الجهاد 1332 - 1333هـ / 1914م)، كما عاصر أحداث مقتل الكابتن مارشال وحصار النجف، وكتب مذكراته التي عنوانها (حصار النجف وأخبارها). وقد تفضّل نجله الأستاذ جواد هبة الدين المحامي - بتصويرها والتقديم لها ونشرها كتابنا (النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال). ثم عاد إلى النجف بعد انسحاب الجيوش، وقد ألمّ به المرض.
* سكن في كربلاء، وعند اشتعال فتيل الثورة العراقية 1920 كان من طليعة أبطالها والمهيئين لها، وله دور كبير أوردته جميع مصادر الثورة ومذكَّرات رجالها. وألقي القبض عليه وأودع في سجن الحلة العسكري، وأفرج عنه في رمضان 1339هـ.
* أسند إليه منصب وزارة المعارف في أول وزارة شكّلتها الحكومة العراقية 1921.
* كما أسند إليه منصب رئيس مجلس التمييز الشرعي الجعفري.
* وفي عام 1360هـ أسس مكتبة الجوادين العامة في الصحن الكاظمي الشريف.
* توفِّي في يوم الاثنين: 26 / شوال / 1386هـ.
* أعقب: السيد جواد المحامي، والسيد عباس، والسيد زيد.
* من آثاره:
أضرار التدخين، الأمة والأئمة في طرق تعيين خلفاء النبي (ص)، التذكرة في إحياء مجد العترة، التذكرة لآل محمد الخيرة، التنبه في تحريم التشبه بين الرجال
والنساء، تنزيه التنزيل في إثبات صيانة المصحف الشريف من النسخ والنقص والتحريف، توحيد أهل التوحيد، الجامعة في تفسير سورة الواقعة، جبل قاف، حلال المشكلات، الدلائل والمسائل 1 - 5، ما هو نهج البلاغة، المعجزة الخالدة، نهضة الحسين (ع)، الهيئة والإسلام، وعشرات غيرها.
ترجمته في:
أعيان الشيعة 10/261، تاريخ الصحافة 26. الذريعة 2/99، 214، 481، وج3/63، 486 وج4/229، وج5/8 وج6/378 وج8/87 وج10/44، 189، وج11/257، 139 وج12/101، 37 وج14/183 وج16/3، 105 277، وج19/32 وج23/243 وج34/430 وج25/259. ريحانة الأدب 3/274 وج6/350. شعراء الغري 10/65. علماء معاصرين 201. كتابهاي عربي جابي 34، 67، 104 130، 157، 197، 220، 224، 228، 234، 248، 273، 274، 308، 318، 319، 365، 366، 399، 492، 673، 690، 778، 864، 8690، 967، 977، 983، 1003، 1008. مصادر الدراسة 54. مصفى المقال 337. معارف الرجال 2/ 319. معجم المؤلفين العراقيين 3/438. نقباء البشر 4/1413. زندگاني جهار سوقي 227. معجم رجال الفكر والأدب في النجف 2/762.
هذه المذكَّرات:
للسيد هبة الدين الشهرستاني مذكَّرات حول حركة المشروطة والاستبداد، وقد نشرها المرحوم الأستاذ علي الخاقاني ضمن ترجمة السيد الشهرستاني في كتابه (شعراء الغري) 10/79 - 90، ولأهمّيتها وعلاقتها بموقف السيد اليزدي نوردها بنصّها:
نص المذكَّرات
بسم الله الرحمن الرحيم
... يقول علماء الاجتماع إن للحوادث سلسلة فكرية إيجابية، فكل حادث له علاقة بسابقه، وإن لم يتصوره المتصوّر. وإذا لاحظنا هذه الحركة الفكرية الدينية وأمعنا النظر فيها، وجدناها صدى لحوادث تقدَّمتها.
في شهر رجب من عام 1324هـ وردت النجف رسائل من قبل علماء طهران وفيها يستنجدون ويطلبون مشاركة الرأي للفكرة التي بدأوها، وهي المطالبة بايجاد مجلس يركن إليه شاه إيران (وهو مظفر الدين)، ويأخذ بمقرّراته "عين الدولة" (وهو رئيس الوزراء المعروف بالصدر الأعظم) وحكومته، وحاكم طهران العام علاء الدولة، والمجلس يرتكز على فكرة إيجاد عدالة تحترمها الحكومة ولا نتعدّاها، وتكف عن الظلم والحيف الذي لحق الناس من أعمالها واستبدادها. وقد سمّوها (عدالت خانه).
وكان لهذه الفكرة أولاً صدى ضعيفاً عند الحكومة، فلم يعبأ بها عين الدولة، كما لم يهتم بأمرها الشاه مظفر الدين، غير أن العلماء الذين أبدوا الفكرة وسجّلوها في رسائلهم ومضابطهم، واصلوا الأمر بجد واهتموا في انجاح الموضوع مهما كلّفهم من خسارة. وأول عمل إيجابي قاموا به، انسحابهم من مدينة طهران والتحاقهم بمدينة الشاه عبد العظيم التي تعتبر آنذاك حصناً محترماً وحضيرة مقدسة، وعندما دخلوها في رمضان تلك السنة، أخذوا يذيعون مقرّراتهم وأرائهم، [حتى] صار الطلاب المثقفون ومن هم دون مرتبتهم العلمية ينضمون إليهم ويساندونهم، كما التحق بهم فريق من الخطباء والوجهاء الذين يحملون الشعور الديني والعدلي، حتى بلغ عددهم الألف، وبذلك ظهر الصدى وتردد على أذن الشاه وحكومته، وشعر الجميع أن الأمر تطوّر وسيؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وصاروا يفكّرون في الأمر وفي إيجاد الحلول التي تقضي على هذه الظاهرة الخطرة التي قد تصل في خطرها إلى نسف الدولة وإيجاد غيرها، وشعروا بأن الرأي العام الذي هو صدى العلماء صار يردد بجرأة جرائم الدولة القاجارية وأنواع الظلم الذي قامت به.
أما العلماء الذي تبنّوا الحركة أولاً، جماعة هم:
1 - الحاج سيد عبدالله بهبهاني.
2 - الآقا أمير السيد محمد الطباطبائي.
3 - الحاج شيخ فضل الله النوري.
وأول رسالة بعثوها إلى علماء النجف وهم:
- أبو الأحرار الشيخ ملا كاظم الخراساني.
- والشيخ ميرزا حسين الحاج ميرزا خليل.
- والشيخ عبدالله المازندراني.
- والسيد كاظم اليزدي.
وقد طلبوا فيها إرسال البرقيات والرسائل التي تنصح الحكومة والشاه وتطلب منهم النزول على رغبة العلماء والشعب والكف عن المظالم التي يقومون بها. وفعلاً بادر هؤلاء العلماء ببعث البرقيات والرسائل المؤثّرة والمؤنّبة والناصحة، وكان لها صدّى قوياً في نفس الحكومة، كما أن علماء طهران وجدوا فيها سنداً وقوة للمجاوبة التي حصلت والاتفاق الذي تم بفهم قيمة الهدف وشرفه.
ولأهمية مركز النجف في العالم الإسلامي، فقد أخذت الفكرة أولاً من طهران وتبنتها، وصارت طهران أخيراً صدى إلى النجف الذي هز بوقته عرش القاجار وزلزل مركزه وأوى به، ودارت الفكرة حول محورها الذي أصبح عَلَماً للجميع وأبا للحرية الديموقرطية، وهو أستاذي الجليل الشيخ الخراساني، وآنذاك صار كل إنسان يحمل فكراً نقياً وثقافة واسعة وعقلاً ناضجاً ينظم إلى هذه الحلقة الذهبية التي قلبت تاريخاً واسعاً وخلقت تاريخاً جديداً، وصار الرجال الأبطال وأعلام الدين يهتفون بالخطط التي وضعوها والمقرّرات التي هيّأوها، وبذلك كثر العديد الذي لا أشك بأن الفرد منهم كان أمة، وكان لأخواني الذي انظموا إلى حلقتي الأثر الكلي في ترويج الفكرة وإيصالها إلى أكبر عدد من الناس، فقد أجمع العلماء ورجال الدين على ذلك، وكان في أول الأمر مع الجماعة ومن المؤيدين، غير أن الذين تبنوا الفكرة لم يشعروا ولم يلمسوا منه صدق العمل بالاستمرار فقد كوّنوا بأسلوب غير مباشر جواً معكّراً ضده أدى بالأخيرة إلى تشويش الأذهان نحوه وجفاء الناس له.
واستمرت الحركة من عام 1324هـ إلى عام 1329هـ حيث توفِّي الإمام الخراساني، وفي خلال ذلك اجتمعت الكلمة من قبل رجال الدين، غير أن المفاجئات التي داهمتنا أوجدت تفكّكاً في الصفوف.
وإني كنت استغرب هذه الأسباب والأساليب التي تتولّد في كل يوم، غير أني كنت أعلّل ذلك بأمور، هي: أن السلطتين الإيرانية والعثمانية أخذت تتجاوب تجاوياً سريعاً؛ لأنهما كانتا على طريقة واحدة في الحكم: ألا وهي الاستبدادية المقيتة، وبذلك فقد فاجأت الحكومة التركية الرعايا الإيرانيين بوضع ضرائب عليهم غير منتظرة ولا مأمولة، ممّا حدا بالرعايا الإيرانيين أن يستنجدوا بالعلماء وإن يطالبوا لهم برفع ذلك، والعلماء هنا وَقَعوا في حيرة من الأمر، فهم غير منظورين من الأتراك بصورة رسمية؛ لأنهم من شعب إيران وقد أخلي الظهر، فصارت دولتهم ضدّهم، وهنا اتسع الخرق وحدثت مأساة فضيعة أدت إلى مقتل العشرات من الناس.
وللإنكليز أصبع آخر، هو إدخال نفوذه المعدوم آنذاك في صفوف المسلمين. والواقعة وقعت في كربلاء، وذلك عندما أيس الناس من نجدة العلماء لهم، فصاروا يستنجدون بقنصل الإنكليز، وهو محمد حسن النواب الكابلي القندهاري، وهو بدوره يشّجعهم على التمرّد ويقدّم لهم الضمانات الكاذبة والأساليب المعسولة، وبذلك طمع الناس به وساقهم جهلهم إلى الاطمئنان، فتجمّعوا حول داره وتحت العلم الإنكليزي المئات من الناس إن لم أقل الألوف، وصاروا يعلنون رجوعهم واحتماءهم بشخص القنصل وبالعلم البريطاني، واستمروا في ذلك بعد أن انقطع الطريق ليلاً ونهاراً وجاءوا بأفرشتهم وصاروا يأكلون وينامون في الجادّة أكثر من خمسين يوماً، وبذلك تصوّروا أن الحكومة لا تستطيع طردهم لاستمرار بقائهم، غير أن المتصرّف (رشيد باشا الزهاوي) بعد هذا الزمن أرسل إليهم مدير الشرطة فانذرهم بالارتحال من هذا المكان وفتح الطريق، ولكنّهم كانوا يقابلون الرسول بالاستهزاء والمسخرة، وكانت مدّة الإنذار أسبوعاً واحداً، وبعد ذلك عزّزه بإنذار آخر مدته أربع وعشرون ساعة، وكذلك لم يعبأوا به، وفي الإنذار الثالث الذي كانت مدّته ست ساعات، وهي من أول الغروب إلى نصف الليل، فكل من يجدونه يكون طعمة للرصاص، وأيضاً لم يهتموا بالأمر، وفي ليلة القدر من رمضان جاءت الشرطة وبيدهم البنادق فصوبتها نحوهم، ففي الإطلاقة
الأولى وقع منهم سبعون، والجرحى لا عدد لهم، وفرّ الباقون بعد أن استنجدوا بالنّواب وطلبوا منه فتح الباب ليلوذوا به فلم يجدوا من مجيب ولا مجير.
وبعد أن وقعت هذه الواقعة المؤلمة، والتي أشغلت بال ولاة الفكرة المحترمة وهم العلماء، صارت التعليقات تخلق ساعة بعد ساعة، وصار الخصوم من اتباع الاستبداد يستظهرون على أبطال الديموقراطية، وكانت واقعة كربلا خير وسيلة للتفرقة والتشنيع على جماعتنا، فقد فرّقت بين صفوف العلماء حيث لم يتدخّل شيخنا الخراساني، غير أن الحاج ميرزا حسين والسيد كاظم اليزدي تدخّلا بصورة النصيحة والإنذار حيث بعثا رسلاً، كما تدخّل السيد محمد بحر العوم صاحب البلغة وغيره في نصيحة القوم، فلم يرتدعوا ولم يفد بهم النصح.
وبعد فتك الحكومة العثمانية بأهالي كربلاء، صارت تضايق رجال الدين الذين كانوا يتأسون للحادثة، كما أن القنصل الإنكليزي، وهو النواب، الذي ورّط الناس صار يساند فكرة رجال الدين لتنميتها من جديد، ولكن المتصرّف وقف سداً دون إظهار استياء العلماء بعدم بعث البرقيات والرسائل، غير أن زعيماً دينياً معروفاً وهو السيد علي الشهرستاني المرعشي استطاع أن يفلت بمغامرة لطيفة، وهي تظاهره بالكسل وخروجه إلى بعض الرساتيق للراحة، وبذلك فلت من السياج الذي وضعه المتصرّف على رجال الدين، فقد غادر كربلاء إلى بغداد ودخل السفارة الإيرانية واستطاع أن يعلم السفير عن التصرفات التي أجراها المتصرّف، والقتل الذي حلّ بالرعايا الإيرانيين وصار هذا يستعمل الشفرة مع السلطان وعلماء طهران الذي تحصّنوا في الشاه عبد العظيم، كما استطاع أن يتصل بالوالي ببغداد ويعلمه سوء تصرف المتصرّف وسوء المغبة التي ستجلبها أعماله.
وما أن حلّ شهر المحرم من عام 1325هـ وضح الاختلاف بين أعلام الحركة، وتفككت صفوفهم وصدرت الأوامر من إستانبول بوضع الرصد عليهم، وحجرهم بصورة غير مباشرة، وحجب الصحف عنهم، وهذا الحال أوجب أن ينشق الأمر إلى شعبتين: الشعبة الأولى هي التي لا تزال ترتبط بإيران. أما علماء كربلاء، فقد حصل لهم ربط بإستانبول.
وهذه الحالة أوجبت ضعف علماء طهران لضعف المساندين لهم في النجف
ومصادمة الأتراك لهم، وهذه المصادمة لا أستبعد - كما سبق - أنها نتيجة توجيه الحكومة الإيرانية للحكومة التركية وإفهامها مغبة المصير على الجميع فيما إذا قوت شوكة علماء الدين.
ولما ضعف نفوذ العلماء في الشاه عبد العظيم، انتبه (عين الدولة) ورجاله والشاه مظفر الدين وحاشيته فطلبوا منهم التفرّق في البلدان، والتحاق كل منهم بعمله الخاص، فكان ما أرادوا. غير أن الذين شايعوهم في الرأي من الوجوه والأعيان ورجال البلد أحسّوا بالشر، فتحصّنوا بالسفارة الإنكليزية، وصارت زوجة السفير، وكانت مثقفة تفهمهم أن الطلب الذي تذرّعوا به لا قيمة له، وأن (عدالت خانه) لا قيمة لها، في حين أن الغاية أوسع وأهم من ذلك: بأن تكون المطالبة بإيجاد الحرية والمساواة وإيجاد الشورى والمشروطية، وبعد أن نضجت الفكرة في معظم هؤلاء، انقلبت الأهداف والطلبات إلى هذه العناوين، مما أدى إلى حدوث تطور جديد وفكر جديدة تمتاز عن الأولى بتبلور الفكرة وتنقيحها.
والذي طوّر الأمر ولطفه وبسّطه هي جريدة (حبل المتين) التي تصدر آنذاك بكلكته، فقد كانت لسان حال الأحرار في العالم الشرقي والإسلامي، فكانت تهاجم الحكومة القاجارية وتأريخ القاجار وإثبات معايبهم وظلمهم، كما تطري المجاهدين والمصلحين أمثال السيد جمال الدين الأفغاني الذي وقف في وجه الاستبداد القاجاري والفوضوية القاجارية.
وكانت (حبل المتين) تأتي بغداد بلا رقابة، غير أن وصولها إلى كربلاء والنجف كان عسيراً لوقوف السلطة الإدارية ضدّها وضد الفكرة، ولكن بعض التجار الأحرار وهم الحاج علي أكبر الأهرابي وحاج ملا أحمد اليزدي هما اللذان كانا يوصلانا إلى أصحابنا الذين يتلهّفون عليها بواسطة موادهم التجارية.
وفي الوقف الذي كانت جريدة (حبل المتين) تغذّينا بالمعلومات، كان الصديق الشيخ ضياء الدين النوري يطلب لنا من مصر جريدة (المؤيد) و(اللواء) و(الهلال)، كما يجلب لنا الكتب التي تتضمن سير المصلحين أمثال كتاب (مشاهير الشرق)، وكنا نقف على كثير من الحقائق التي خفيت علينا، فقد وجهت كثيراً من النفوس كما خلقت من الكثيرين مناظرين ومجادلين ومحاكمين لأقوال المأجورين من الخصوم، وما أن تم
عام 1325هـ حتى وجدنا كثيراً من الرجال استعدوا للهجوم عن طريق العلم والمعرفة، والوقوف على كثير من الحقائق التي كانت ما وراء القصور وصار يدير الفكرة بطهران الذوات الذين تحصنوا بالسفارة الإنكليزية.
غير أن الروس بالنظر لخصومتهم المعروفة للإنكليز، رأوا أن الإنكليز قد توغّلوا في صفوف الحكومة والشعب الإيراني، وصاروا يبذرون سمومهم عن طريق إيجاد الوعي، فارتأوا أن ينزلوا إلى ساحات العمل بإيجاد مؤسسات تعارض وتصادم السياسة الإنكليزية، وأن يتصلوا بالشاه محمد علي وجماعة المستبدين، فأسست بطهران وأسست في النجف قنصلية قائمة مشاغبة وقنصلاً فخرياً هو أبو القاسم الشيرواني، وبذلك استطاعوا أن يعملوا بواسطة هذين المركزين، وانظم الشيرواني إلى فريق من الرجال من جماعة السيد اليزدي، وهم الحاج محمود أغا وعبد الرحيم اليزدي خادمه وأمثالهما، وهؤلاء هم الذين استطاعوا أن يستميلوا السيد اليزدي إلى جانب الاستبداد ويفصلونه عن الشيخ الخراساني وجماعته.
وفي خلال عام 1325هـ بدأ النزاع على أشده بين جماعة شيخنا الخراساني والسيد اليزدي، وقويت الخصومة التي بلغت منتهى الوحشية من إيذاء العوام لإخواننا وهيئتنا بتسميم فكرة العوام: من أننا نريد الحرية التي هي ضد الدين، وكثيراً ما كانوا يضربونهم على رءوسهم، وأعتقد أن بعض الشياطين منهم عملوا عملاً سيئاً خدموا فيه جماعة اليزدي بنشرهم إعلاناً ألصقوه على الجدران، رسموا فيه يداً وفيها مسدساً خاطبوا فيه السيد اليزدي وناشدوه النزول على رأي رجال المشروطة. فإنْ لم يفعل، يقتلونه. فكان لهذا الإعلان أثر سيء في نفوس العوام وانتصارهم لليزدي، فقد هاجت عواطفهم واعتبر أن هؤلاء مجرمين يريدون القضاء على ابن رسول الله، وانحاز إلى جنب اليزدي فريقا الشمرت والزگرت، الذين عرفوا بمروقهم عن الدين وقتلهم الأنفس المحرمة واستغلالهم لأموال اليزدي، وأعلموه بأنهم من أنصاره وأعوانه، وصاروا يخرجونه من داره إلى الحرم وهم مدججون بالسلاح ويهتفون باسمه. وعزّز اليزدي مركزه الموقت بجلب أسرة علمية لها مركزها وهم أسرة آل كاشف الغطاء، فقد دعى الشيخ أحمد وأخاه الشيخ محمد حسين وطلب منهما مساندته والتعلق بهما وبآلهما، وبذلك انقطعا عن الحضور في حلقة الإمام الخراساني، بعد أن كانا من الملازمين الثابتين فيها. غير أن
انضمام آل كاشف الغطاء حفّز أسرتين خطيرتين آنذاك وهما آل الجواهري وآل بحر العلوم فانضمّا إلى الإمام الخراساني وتعصّبا له ولجماعته، وتطوّرت الخصومة بصورة خطرة بين العلماء والعوّام ولرؤساء الشمرت والزگرت لِمَا عرف من سطوة رجال الدين وإجماعهم ضده.
وكانت جريدة (حبل المتين) تأخذ هذه الأخبار وتنشرها بصورة مكبرة ضد السيد اليزدي وجماعته مما أثارت العواصم الإسلامية وأحرار الهند من جماعة غاندي في أول الأمر، واتصلوا بالإمام الخراساني وجماعته ومنّوهم بالإمدادات والنصرة، وصارت النجف لها صدى عظيم في مختلف العواصم وخاصة طهران واستانبول، كما أنها أصبحت قبلة تتبع في اتخاذ الآراء والاستهداء بها.
وفي عام 1326هـ قامت قيامة الأحرار على السلطان عبد الحميد فانتعشت فكرة الأحرار في النجف ونفوسهم، وصاروا يتنفسون الصعداء بعد الابتلاء الذي غمرهم من عوام النجف ومن جماعة اليزدي، كما أحسّ فريق اليزدي بانقلاب الجو ضدّهم وتطور الوضع في تركيا فانعكس الصدى على النجف، وزار النجف (ثريا بك) واجتمع في مدرسة الميرزا حسين ميرزا خليل بحضور أعلام النجف وزعماء الدين، وتضاءل شخص اليزدي وحاشيته، وتقارب أحرار الأتراك وأحرار النجف لتجاوب الفكرة، وصادف القدر بإنزال (مظفر الدين شاه) إلى رمسه، فكان لأحرار إيران أن أخذوا يوسّعون الهدف، وكان لأحرار الأتراك أن أعلنوا الدستور العثماني وقيّدوا السلطان عبد الحميد بالعهود والخضوع للدستور.
أما الذوات الذين كنا نجتمع معهم بتدبير الأعمال ورسم الخطط بصورة سرية في سراديب النجف، خشية العوام وحاشية السيد اليزدي، فهم فريق من الأحرار المخلصين، أذكر أسماء المعظم منهم، وهم:
1 - الحاج أغا الشيرازي.
2 - الشيخ محمد باقر الإصفهاني.
3 - ميرزا عبد الرحيم بادكوپي.
4 - ميرزا علي هيئت تبريزي.
5 - أغا ميرزا رضا إيرواني.
6 - السيد عبدالله إصفهاني المعروف أخيراً بثقة الإسلام.
7 - ميرزا حسن رشتي.
8 - حاج أغا شريف رشتي.
9 - شيخ أسد الله المامغاني.
10 - الشيخ عبد علي لطفي.
11 - السيد مهدي لاهيجي.
12 - شيخ إسحق الرشتي.
13 - السيد أبو القاسم الكاشاني.
14 - ميرزا علي نقي طباطبائي طهراني.
15 - ميرزا حسن رنكوني.
16 - أغا محمد محلاتي.
17 - الشيخ إسماعيل محلاتي.
18 - ميرزا مهدي الآخوند.
19 - الشيخ جواد الجواهري.
20 - السيد محمد علي بحر العلوم.
21 - السيد محمد علي حبل المتين الكاشاني.
22 - السيد محمد إمام الجمعة.
23 - الشيخ موسى النوري.
24 - الشيخ محمد تقي بن الحاج ميرزا حسين خليل.
25 - ميرزا حسين النائيني.
26 - الشيخ محمد رضا الشبيبي.
27 - السيد سعيد كمال الدين.
28 - السيد سعيد كمال الدين.
29 - الشيخ عبد الكريم الجزائري.
30 - الشيخ هادي كاشف الغطاء.
31 - الشيخ حسين الإصفهاني.
32 - السيد مسلم زوين.
وكان هذا الأخير عضواً مهماً في تحصن الكثير من إخواننا بسبب سطوة أسرته وقوتها.
وفي عام 1326هـ تحسن الجو لفكرتنا المقدسة وجاءت الأوامر بالانتخابات فانتخبنا الأديب المعروف عبد المهدي الحافظ الحائري عن مدينتي كربلاء والنجف، وكان هذا الرجل من المخلصين للدعوة، خاصة في كربلاء التي كانت تعارض فكرتنا بوضوح، وكان معه في الهمة والشعور السيد حسين القزويني وهيئة المدرسة الحسينية الإيرانية، في الوقت الذي تجاوبها المؤسستان المدرسة العلوية الإيرانية في النجف، ومدرسة الأخوة في الكاظمية التي أسسها الحاج علي أكبر الإهرابي.
وكان الذي ألهب شعور الكربلائيين ضدنا هو السيد أكبر شاه الذي هاجر من طهران وسكن كربلاء وكان من مشاهير الوعّاظ الذين يحسنون الهيمنة على شعور العوام، فكان كلّما يوقد النار يطفيها عبد المهدي الحافظ والقزويني.
وساند الحركة المقدسة ظهور جمعية (أنجم سعادة) في الأستانة، فقد كانت هي الرابطة الوحيدة، والواسطة التي تربط بين إستانبول وطهران وأحرار النجف، وتواصل بسط الفكر وبعثها إلى أحرار العالم والمتطلّعين، كما تمد النفوس الحرة بالقوى، وقد مثّل أحرار النجف الشيخ أسد الله المامقاني فيها عندما التحق بإستانبول لدراسة الحقوق هناك.
وبذلك أصبحت النجف في هذا العهد مركزاً سياسياً مهماً وشبحاً مخيفاً بين عواصم الأمم الإسلامية، مما دعى أن يستنجد بها أحرار تركيا عندما أحسوا بأن السلطان عبد الحميد سيفتك بهم ويغتالهم، فطلبوا من أحرار النجف وزعيمهم الإمام الخراساني أن يبرقوا إلى عبد الحميد ببرقية ينصحونه فيها ويؤنّبونه، وإجابة إلى تدعيم الفكرة فقد بادر أبو الأحرار الخراساني ببرقية مطوّلة ملأت صحيفة كاملة، وفيها إنذارات وتهديدات ونصائح للرضوخ إلى فكرة الأحرار، وتسلمناها منه وذهبنا تواً إلى مأمور البرق (زينل أفندي) فامتنع عن بعثها، وكلما أصررنا عليه لم يجد ذلك نفعاً؛ غير أن الإمام الخراساني بعث عليه وطمَّنه ووثّقه بالعهود والأقوال من أنه يدفع عنه كل خطر يأتيه من جرّاء ذلك، وأخيراً رضخ إلى رأيه بعد أن أستكتبه كطلب شخصي من
الخراساني ليرتكز عليه، وبعث بالبرقية، ولكن من الصدف قبل وصولها كان أحرار الأتراك قد أجهزوا على عبد الحميد فأقصوه عن العرش وجعلوا مكانه السلطان محمد رشاد، وكان القائم مقام في النجف في هذا العهد هو السيد ناجي السويدي فقد كان من الأحرار العقلاء الذين ساندونا بقدر الإمكان.
الملحق رقم - 2 -
الصحيفة الكاظمية
من إنشاء:
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
قدّم لها تلميذه:
الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء
فهرست الصحيفة الكاظمية وفصولها
* في تمجيد الله بآثار أفعاله
* دعاؤه في تحميد الله عز وجل
* دعاؤه في التحميد أيضاً
* دعاؤه في التحميد أيضاً
* دعاؤه في التحميد أيضاً
* دعاؤه في تسبيحه وتقديسه تعالى
* دعاؤه في طلب العفو
* دعاؤه في التذلل وطلب التوفيق
* دعاؤه في الرغبة والرهبة
* في التضرع والاستكانة
* ومن دعائه في التفكر بآلائه وقدرته والاعتذار والإنابة
* دعاؤه في طلب المغفرة
* دعاؤه في الرضا بقضائه
* دعاؤه في الاستعاذة
* دعاؤه في الشكر
* من مناجاته (دام ظله)
* أيضاً في المناجاة
الصحيفة الكاظمية
إنشاء الإمام العلامة دعامة عرش الدين
حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين
سيد الأعاظم السيد محمد كاظم الطباطبائي
صان الله تعالى به حوزة الإسلام
وأدام ظله على الأنام
وآله الكرام.
بغداد
طُبعت في مطبعة دار السلام
سنة 1337
[المقدمة]
سبحانك اللَّهُمَّ يا مَن أذاق أولياءه حلاوة حُبّه، فقاموا بعد أن هاموا يتململون بين يديه بلذيذ المناجاة، وانتجب محمداً نجيّه، وأصطفى عترته بأسراره، حتى جعلهم باب مدينة العلم وسفينة النجاة، أحمدك على أن أنطقت لساني بذكرك، وفتقت رتق بياني بحمدك وشكرك، اللَّهُمَّ فكما روعتني بمعايب آياتك، وأطمعتني على القنوط من أعمالي بجوانب ألطافك ونفحاتك، مُنّ عليّ بالانتظام في سلك أرباب القلوب، الذين لا ينطفئ سعير لوعتهم إلا بنمير مناجاتك.
وبعد:
فإنّه لا نعمة لله جلّ شأنه على العباد، بعد الإيمان به، أفضل ولا أكمل ولا أسمى ولا أسنى ولا أربع ولا أنفع من محمد وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم، فإنّهم الرحمة على العالمين، ومصابيح الهدى في الدنيا والدين، فما من مكرمة ولا مَنقبة ولا فضيلة إلاّ ومنهم تبتدئ وإليهم تنتهي، وعنهم تُؤثر وبهم تُذكر ومنهم تنبع وإليهم ترجع، وكانت أعمارهم الشريفة موزّعة شطراً منها للتعليم والإرشاد، والدلالة على سبل مرمة المعايش والمعاد، وشطراً للانقطاع إلى الله سبحانه والمثول بين يديه، والأُنس بالضراعة لديه، والاستغراق في تقديسه وتمجيده، والتلذّذ بمناجاته والثناء عليه بقدسيّ أسمائه وصفاته، حتى جاء إلينا عنهم من ذلك، واجتمع على قصر المُدّة وعظيم البلاء والشدّة، ما لم يجيء ولم يجتمع للأنبياء السابقين والأولياء السالفين والحكماء الغابرين، على مرور الدهور وكرور الأحقاب والعصور، فجزى الله محمداً وآله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أُمّته، ورسولاً عمّن أُرسل إليه.
وحيث أن سيدنا الإستاد الأعظم حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين السيد محمد كاظم الطباطبائي - أدام الله ظلّه - جذوة ذلك المقباس، ونبعة ذلك الغراس، وشرافة ذلك الشرف، وخلف ذاك السَلَف، لذلك تجده - أدام الله أيّامه - لم يتخطّ عن جادّتهم، ولم يملّ عن طريقتهم، وهو بهم - سلام الله عليهم - أشبه من غيره من
الشخص بظلاله، والشيء بمثاله، فلم تزل أوقاته الشريفة ولا تزال، في جميع الأحوال، منذ أوّل عمره إلى اليوم، لا يصرف شيئاً من وقته إلا في العلم والتعليم والمطالعة والتدريس والفكر والتأليف، وكان أيّده الله في مبادئ أمره عند الخلوة والفراغ وطلب الاستراحة، لا يجد راحة لقلبه إلاّ بمناجاة ربّه والضراعة إليه والخلوة به، وكان ربّما يُنشىء بعض العبارات، ويجري على لسانه ما يمليه عليه خاطره من الأدعية والمناجاة، وربّما رسم بعضها على قطع الورق، غير مُعتدّ بها ولا صارف إليها نظر الرعاية، ولا جاعلاً لها محلاً من التكلّف والعناية. ولكن أحبّ بعض الصالحين أن يجمع شمل شتاتها، وينظم عقد مُتفرّقاتها، فجاءت كما ترى كالمرآة المجلوّة والصحيفة المتلوّة، تحكي لك وتحاكي الأدعية العالية المأثورة عن أبائه وأجداده - سلام الله عليهم -، وإذا قستها إلى أدعية الصحيفة ومناجاتها تنشد قائلاً غير مبالغ ولا مرتاب:
فهذا السَنا الوَضّاح من ذلك السَنا * * * وهذا الشَذا الفيّاح من ذلك الوادي
فاغتنمها خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، مشحونة بالمعارف الإلهية، والأسرار القدسية، ودقائق التحميد والتمجيد، ورقائق التنزيه والتوحيد.
وأسأل الله سبحانه أن يحفظ الدين بحفظ مُنشيها، ويُسلّم قواعد الإسلام بسلامة بانيها، إنّه الكريم المنّان، وبه المستعان، وعليه التكلان.
الصحيفة الكاظمية
في تمجيد الله بآثار أفعاله
بسم الله الرّحمن الرّحيم
اللَّهُمَّ يا ذا السّلطان الشامخ، والبرهان الباذخ، والقدرة الكاملة، والعزّة الباهرة، والآلاء الطاهرة والنّعماء الزّاهرة، والمَنّ الجسيم، والرّحمة الواسعة، والنّعمة الجامعة. يا مَن اختفى بشعاع نوره عن نواظر الناظرين، واحتجب بأنوار قدسه عن خواطر العارفين، تسربل بالعظمة والجلال، وتردّد بالكبرياء والجمال. يا مَن تجبّر بالعزّة في ملكوت سلطانه، وتعالى بالعظمة في جبروت شأنه. يا مَن توحّد بالعزّة والبهاء، وتفرّد بالمجد والسَّناء واستوجب الحمد والثّناء. يا مَن انقادت له الأمور بأزمَّتِها، واستسلمت له المخلوقات بأعْنتها. يا مَن حارت الأوهام في إدراك كُنه ذاته، وتحيّرت الأفهام دون بلوغ غاية صفاته.
صارت فيه العقول حيارى، وذوو الألباب سكارى. لا تحصى آلاؤه، ولا تعدّ نعماؤه، ولا يُحاط جلاله، ولا يُدرَك كماله. هو الحيّ الّذي لا إله إلاّ هو الله الأحد القيوم الصّمد، لا بتأويل عدد، والقادر بلا مَدَد، والموجود بلا أمد، الّذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحدٌ. يا ذا الملك والملكوت، والعزّ والجبروت.
يا مَن هو الحيّ الّذي لا يموت، ارحم عُبيدَك الفقير إليك، واعطف على مسكينك المُعوِّل عليك، الفقير إلى ما لديك، سبحانك وحنانَيك، تباركت وتعاليت، لا مفرّ منك إلاّ إليك، ولا مفزع إلاّ أنت ولا ملجأ إلا فنائك، ولا مهرب إلاّ إليك، مُنّ عليّ يا سيدي بما تمنّ به على عبادك الصّالحين، واجعلني من أوليائك المقرّبين، يا أرحم الراحمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
دعاؤه في تحميد الله عزّ وجل
إلهي لك الحمد كما أنت أهله، وكم يحقّ لك لأنك أنت الله الّذي لا إله إلاّ هو الحّيّ الدّائم الدّيمُوم، الواحد الأحد الفرد الصّمد، ذو الجلال والكبرياء، والفخر والبهاء، والمجد والسناء. إلهي لك الشكر لآلائك المتضافرة، ونعمائك الكثيرة
المتواترة، الّتي لا يمكن إحصائها، ولا يتيسّر استقصائها. كيف ومن أعظم النعماء التوفيق لشكرك، ومن أفخم الآلاء التّعرّض لذكرك، وهذا مقام مَن اعترف بالعجز عن أداء ما يجب عليه، وأقرّ بالقصور عن تأدية ما تستحقّه.
إلهي لك الحمد على أن وفّقتني لتحميدك، وصيّرتني من المتعرّضين لتمجيدك. ولك الشّكر على ما رزقتني من الاعتراف بربوبيتك، والإقرار بإلوهيّتك، والتّصديق بك، والإيمان بأنبيائك ورسلك، والاهتداء إلى سبيل طاعتك. ولك المِنّة على ما ألهمتني من ذكرك، وأفهمتني من شكرك، وأنعمت عليّ من عطائك الّذي لا يُحصى.
اللَّهُمَّ أنت الرّبّ وأنا المربوب، وأنت الطالب وأنا المطلوب، وأنا المُحبّ وأنت المَحبُوب، أنت الّذي بذكرك تطمئنّ القلوب، وتنكشف الكروب، استر علىّ فاضحات العيوب، واغفر لي موبقات الذنوب، إنّك أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وإله الخلق أجمعين، وصلّى الله على خاتم النّبيّين، محمّد وأهل بيته الغرّ الميامين.
دعاؤه في التحميد أيضاً
اللَّهُمَّ لك الحمد كما حمدت به نفسك، وأضعاف ما حمدك به الحامدون، ولك المجد فوق ما مَجَّدك به المُمجدّون، ولك العظمة والكبرياء على ما عظّمك به المعظّمون، وأرفع ما كبّرك به المتكّبرون، ولك التسبيح والتّقديس أسنى ما سبّحك به المسبّحون، وأشرف ما قدّسك به المقدّسون.
اللَّهُمَّ لك الحمد في اللّيل إذا أدبر، ولك الحمد في الصّبح إذا أسفر، ولك الحمد في الظَّهائر والأسحار، ولك الحمد بالعشيّ والأبكار. اللَّهُمَّ لك الحمد حمداً متوالياً، متواتراً متّسقاً متتالياً، حمداً يدوم ولا يبيد، حمداً يبقى ولا ينفد. إلهي لك الحمد على تتابع نعمائك، ولك الحمد على توالي آلائك، ولك الحمد، ولك الشّكر، ولك المنّة، وإليك المُشتكى، وأنت المُستعان، وعليك المعوَّل، وأنت المُعتمد، وأنت الثّقة والعدّة، وأنت كاشف الكربة، ومؤنس الغربة، وأنت وليّ النعمة، ودافع النّقمة.
إلهي أحمدك وحمدي لا يليق بجلالك، وأثني عليك وثنائي بمثل ذلك، أنت كما أثنيت على نفسك، وكما حمدت به ذاتك، كيف
أحمدك ولا علم لي بما أنت مُستحقّه، وكيف أشكرك ولا أعرف ما أنت أهله، ليس لي إلاّ أن أقول: لك الحمد فوق حمد الحامدين، ولك الشّكر على ما ألهمتني شكرك، يا ربّ أشكرك على نعمك المتواترة، وآلائك المتضافرة، ومِننك الجسيمة، وأياديك العظيمة، وصلّى الله على سيدنا محمّد خاتم النّبيين، وأهل بيته المنتجبين.
دعاؤه في التحميد أيضاً
إلهي كيف الوصول إلى مِدحَتك، ولا علم لي بكيفيّة صفاتك، وأين البلوغ إلى محمَدَتِك، وقد سددت عليّ باب معرفتك، لك الحمد كما بك يليق، ولك الشّكر كما أنت به حقيق، لك الحمد عدد ما أحاط به علمك، وما أحصى عليه كتابك، لك الحمد حمداً دائماً أبداً، ولك الشّكر بما لا يحصى عدداً، لك الحمد على ما وفَّقتَني من حمدك، ولك الشّأن بما استحققت في علوّ مجدك.
يا مَن لا يفي بما يليق بجلال كبريائه حمد الحامدين، من الأوّلين والآخرين، ويا مَن لا يقدر على ثنائه بما يحقّ له أحد حتّى من الأنبياء والمرسلين، غاية مقدورهم الإقرار بالقصور، ومنتهى ميسورهم الاعتراف بالعجز والفتور. إلهي أحمدك بما حمدتَ به نفسك، وأُعظّمك بما عظّمك به أنبياؤك، وأُمجّدك بما تُمجّدك به أولياؤك، وأُسبّحك بما سبّحك به ملائكتك، وأُقدّسك بما قدّسك به حَمَلَة عرشك، وأُقرّ لك بجميع ما ينبغي لك، وأُنزّهك عن كلّ ما لا يليق بك.
يا مَن لا يقدر على إحصاء ثنائه إلاّ هو، يا مَن لا يعرف مبلغ كبريائه غيره، هو المعروف بالعزّة والبهاء، والموصوف بالكبرياء والآلاء، والمستحقّ للحمد والثّناء، والمستوجب للشّكر على النّعماء. يا مَن كلّ ما سواه قطرةٌ من قطرات سحاب جوده، وجُلّ ما عداه رشحةٌ من رشحات فيض وجوده. يا مَن الكائنات جملتها لمعةٌ من لَمَعات نوره، والممكنات برُمّتها من أشعّة ظهوره.
إلهي كيف أُطيق حمدك بما يحقّ لك ومسالك الوصول إلى معرفة صفات كمالك مجهولةٌ، ومتى أقدر على إحصاء شأنك وطرق البلوغ إلى نعوت جمالك مسدودةٌ، ومن
أين لي التّعرّض لمدائِحك وأبواب العروج إلى ذروة أوصاف جلالك مُغلَقة، وأنّى لي التَّنَطُّق بذكر محامدك، ومناهج الاطلاع على معالي أسمائك مُنسَدّةٌ، منتهى حمدي الاعتراف بالعجز والقصور، وغايةً ثنائي الإقرار بالعيِّ والفتور، بلى الأولى أن أقول لك: الحمد كما حمدت به نفسك، وكما حمدك به أولو العلم من خلقك، لك الحمد منتهى عُلاك، لا مُنتهَى لعزِّ جلالك، ولك الحمد غاية مجدك ولا غايةَ، لك الحمد حمداً ينبغي، لك الحمد على ما أنت عليه من العظمة والقدرة، لك الحمد على ما أنت عليه من الفخر والبهاء، ولك الحمد على ما أنت عليه من النور والسَّناء، أحمدك بما أنت أهله، وبما يعادل عِظم قدرك، ويقابل شرف مَحلّك، أحمدك على أسمائك الحسنى، وعلى صفاتك العليا.
اللَّهُمَّ لك الحمد على ما ألهمتني من حمدك، اللَّهُمَّ لك الحمد على ما عرّفتني من حمدك، اللَّهُمَّ لك الحمد على حُسن توفيقك، اللَّهُمَّ لك الحمد على تمام نعمتك، الحمد لله والمنّة، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد واله الطّاهرين.
دعاؤه في التحميد أيضاً
إلهي لا يبلغ الواصفون صفتك، ولا يحصي الحامدون مِدحَتك، ويعجز عن كُنهِ جلالك عقل كلّ عاقل، ويكلّ عن ذكر أوصاف جمالك لسان كلّ قائل، أنت أعلى وأجلّ وأعظم من أن يحمدك كما ينبغي لك حامدٌ، وإن كان مُجدًّاً مبالغاً، وأرفع وأعزّ وأعزّ وأكبر من أن يذكرك ذاكرٌ، وإن كان عارفاً كاملاً، أنت كما أثنيت على نفسك وكما أثنى عليك ملائكتك وأنبياؤك، وفوق حَمد الحامدين.
أنت الله لا إله إلاّ أنت العليّ العظيم، ذو الجلال والإكرام، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الحيّ القديم، ذو المَنِّ والإنعام، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الرّحمن الرّحيم، ذو النّعمة والطول، وأنت الله لا إله إلاّ أنت التّواب الكريم، ذو الرّحمة والفضل. لك الحمد على ما عليه من العزِّ والسلطان، ولك الحمد على ما لك من علوِّ الشأن وارتفاع المكان، لك الحمد بديع السّماوات والأرضين، ولك الحمد بارئ الخلائق أجمعين، لك الحمد حمداً يدوم بدوامك، ولك الحمد حمداً يبقى
ببقائك.
الحمد لله عدد الجِنَّة والنّاس، والحمد لله عدد الأنفس والأنفاس، الحمد لله عدد أوراق الأشجار، ألحمد لله عدد قطرات الأمطار، الحمد لله عدد الرّمل والحصى في القِفار، الحمد لله ربّ العالمين، فاطر الخلائق أجمعين، الحمد لله حقّ حمده، الحمد لله منتهى الحمد.
إلهي جلّت نعماؤك من أن تنالها يدا شُكري، وعظُمَت آلاؤك من أن يفي بحقّها مبلغ ثنائي، كيف ونِعمُك أكثر من أن تعدّ وتُحصى، وآلاؤك أوفر من أن تُحَدّ وتُستقصى، فلك الحمد حمداً يملأ السّماوات والأرضين، ولك الحمد حمداً يوافق مُرادك، حمداً يكون أفضل الحمد عندك وأحبّه وأرضاه إليك، وأرفع الحمد وأسناه لديك، لك الحمد حمداً لا ينقطع عدده، ولا يفنى مَدَده، لك الحمد حمداً يكون لشكرك أداءً ولحقّك قضاءً، حمداً يعادل حمد ملائكتك المقرّبين ويقابل حمد أنبيائك المرسلين، لك الحمد حمداً يليق بك ويحقّ لك، يا مَن لا إله إلاّ هو العلي الأعلى، لك الحمد حمداً يناسب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء، والرفعة والسَّناء، لك الحمد حمداً فوق حمد الحامدين، وأعلى من حمد الخلائق أجمعين، لك الحمد يا إلهي، تعاليت من معبودٍ قادرٍ حكيم، ومن إلهٍ غنيٍ كريمٍ، ومن ربّ رءوف رحيم.
دعاؤه في تسبيحه وتقديسه تعالى
إلهي سبحانك سبحانك، ما أعظم شأنك، وأجلّ سلطانك، وأوضح برهانك، سبحانك من عظيمٍ ما أعظمك، سبحانك من كريمٍ ما أكرمك، سبحانك أنت السُّبوح، سبحانك أنت القدّوس، سبحانك أنت ربّ الملائكة والرّوح، سبحان مَن لا إله إلاّ هو، سبحان مَن لا ربّ إلاّ هو، سبحان مَن هو هو، سبحان مَن كلّ ما سواه قطرةٌ من قطرات جودِه، سبحان مَن جُلَّ ما عداه رشحةٌ من رَشَحات فيض وجوده، سبحان مَن شهد بوَحدانيَّته آحاد المخلوقات، ودلّ على فَردانيَّته أفراد الموجودات، سبحان مَن الكائنات لمعةٌ من لَمَعات نوره، والمُمكنات برُمّتها من أشعّة ظهوره، سبحان مَن دلّ على ذاته بذاته، وتنزَّه عن مجانسة مخلوقاته.
أنت أنت أنت الملك الحيّ القيّوم، المُطلَق الواحد الأحد،
الفرد الصّمد، أنت الواحد بلا عدد، والفاطر بلا مَدد، والقائم بلا عَمَد، والمُدبِّر بلا أحد. سبحانك مِن حيٍّ لم يزل، ومن قُيّوم لا يزال، سبحانك يا ذا العزّ والجبروت، سبحانك يا مَن هو الحيّ الّذي لا يموت، سبحانك يا إلهي أنت الرّبّ وأنا المربوب، سبحانك أنت الغالب وأنا المغلوب، سبحانك يا كاشف الكروب، سبحانك اللَّهُمَّ تعلم ضعفي وعجزي وفقري وفاقتي، فافعل بي ما أنت أهله.
يا مَن لا إله إلاّ هو، سبحانك اللَّهُمَّ من جليلٍ ما أجلّ سلطانك، ومن عظيم ما أعظم شأنك، سبحانك اللَّهُمَّ من قدّوس ما أقدس ذاتك، ومن سُبُّوح ما أشرف صفاتك، وتَرَدَّيْت بالكبرياء والجلال، وتسَربَلت بالبهاء والجمال، أنت الله لا إله إلاّ أنت الحيّ القيّوم، وأنت الله لا إله إلا أنت القادر القاهر العليّ العظيم، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الغنيّ المُغني الوهّاب الكريم، سبحانك اللَّهُمَّ من عليٍّ ما أعلى مكانك، ومن حكيم ما أحكم برهانك، سبحانك أللّهم من قدير ما أنفذ قدرتك، ومن قويّ ما أشدّ قوّتك، تعاظمتَ بالقهر والغلبة، وتكبّرت بالعظمة والرّفعة، أنت الله لا إله إلاّ أنت الكبير المتكبِّر العليّ المتعالي، سبحانك من بديعٍ ما أحسن صُنعك، ومن مبتدئٍ ما أتقن شغلك، سبحانك اللَّهُمَّ من رفيعٍ ما أرفع قَدرك، ومن مُقتدرٍ ما أنفذ أمرك، تعطّفت بالجود والكرم، وتكرّمت بالمَنّ والطَّول.
أنت الله لا إله إلاّ أنت الواحد الأحد، الفرد الصّمد، وأنت الله لا إله إلاّ أنت العليّ الحكيم، الغنيّ الكريم، وأنت الله لا إله إلاّ أنت الرءوف الرّحيم، العطوف المنّان، سبحان اللَّهُمَّ من معبود ما أظهر سبيلك، ومن مقصود ما أ وضح دليلك، سبحانك اللَّهُمَّ من مليكٍ ما أتمّ حُجَّتك، ومن إلهٍ ما أبين مَحجتّك، أنت الله لا إله إلاّ أنت الجواد الكريم، الرءوف الرّحيم، وأنت الله لا إله إلاّ أنت السميع البصير الحكيم الخبير، سبحانك من كبير ما أكبرك، ومن حكيم ما أعرفك، سبحانك اللَّهُمَّ من عزيز ما أمنعك، ومن جواد ما أوسعك، تَردَّيت بالعزّة والوقار، وتأزَّرت بالمجد والرفعة، أنت الله لا إله إلاّ أنت ذو الجلال والإكرام، والفضل والإنعام، وأنت الله لا إله إلاّ أنت ذو الفخر والبهاء، ذو المجد والسّناء، وأنت الله لا إله إلاّ أنت ذو الآلاء والنّعماء، صلّ على محمّد
خاتم الأنبياء، وأهل بيته المعصومين الأمناء، وتفضّل علينا، بحقّهم في الدّنيا والآخرة إنّك سميع الدّعاء.
دعاؤه في طلب العفو
إلهي إن كنتُ خالفت أوامرك ونواهيك، وتركت طاعتك وارتكبت معاصيك، فأنت أغنى الأغنياء عن طاعتي، وعن عذابي وعقابي، فإنّه لا تنفعك طاعة المطيعين، ولا تضرّك معصية العاصين، لا تزيد في ملكك عبادتهم، ولا ينثلم سلطانك بمعصيتهم، بل اللائق بك وبغناك وبعلوّ شأنك وارتفاع مكانك، العفو والتّجاوز. فاغفر لي وتجاوز عني، وتب عليّ، ووفّقني فيما بقي من عمري، وأصلح بلطفك مفاسد أموري.
إلهي فقري أوقفني بين يديك، لمسألة ما لديك، وضعفي أقامني لديك، وحاجتي دعتني إلى التّضرّع إليك، وفاقتي حملتني على الاستكانة لديك، ومسألتي دلّتني عليك، ولُطفك وكرمك وجودك شفيعي إليك، إلهي أوردْني شريعة مَحبّتك، واسقني من شراب مودَّتك، وادخلني في رياض قربك، واغمسني في حياض الخلوص لك، فما أسعد مَن ذاق طعم محبّتك، وما أحسن مسير من سلك منهاج مودّتك، إلهي هَب لي الجِدّ في طاعتك، والخلوص في عبادتك، ودوام الأُنس بك، واسلك بي سبيل الاتصال بخدمتك، ووفّقني لتحصيل مرضاتك، وأوقفني موقف الأذلاّء بين يديك، وأوصلني مقام المتوكّلين عليك.
اللَّهُمَّ اشرح صدري بأنوار معرفتك، وطهّر قلبي من أدناس الهواجس، وأرجاس الوساوس، وزَكِّ فؤادي لإدراك ما يُبلِغُني إلى محلِّ كرامتك، وامنُن بالنّظر إليّ والعطف عليّ، يا مَن يجيب مَن دعاه، ولا يُخيِّب مَن رجاه، إلهي أتيتك ذليلاً خاضعاً، وجئتك خائفاً خاشعاً، إلهي لا حيلة لي أتوسّل بها لأهتدي إليك سبيلاً، ولا وسيلة لي أجعلها عليك دليلاً، إلاّ أن يكون لُطفك هو الآخذ بيدي، وكرمك هو الدّليل والمُعيّن لي حُجّتي.
يا إلهي في سؤالي منك غناك وقدرتك، ووسيلتي في تمنّي بلوغ آمالي جودك ورحمتك، إلهي إن كنت تحرم مَن قطعك ولا تعطي إلاّ مَن وصلك، فوا سوأتاه، وإن كان عفوك لا يسع إلاّ مَن هو أهلٌ لذلك فوا لهفتاه. إلهي أعوذ بغناك من فقري، وأعوذ
بقدرتك من عجزي.
يا جابر كسري، ويا جامع شتات أمري، عليك معوّلي في جميع أموري، وأنت معتمَدي في ورودي وصدوري، ولا معوّل لي غيرك، ولا إله إلاّ أنت الرّبّ الودود، وأنت الملك المعبود، صلِّ على محمد وآله المعصومين، وأصلح بلطفك مفاسد أعمالي، وامنُن عليّ بالنّظر إليّ في جميع أحوالي، يا ذا المنّ القديم.
دعاؤه في التذلّل وطلب التوفيق
إلهي وربّي وسيّدي ومعبوي ومقصودي ومعتمدي ومعوّلي ومتّكلي ومستندي، أنا عبدك الفقير، المسكين المستكين المستجير، وها أنا مقبلٌ إليك، متوكّل عليك، أسألك بجلال مجدك، وبأنوار قدسك وبعظيم منّك، وجليل فضلت، أن تمنّ عليّ بلطائف رحمتك، وجلال نعمتك، وأن تدفع عنّي عظائم عقوبتك، وأوآئل نقمتك.
إلهي أيّد جوارحي في تحصيل مراضيك، ونوّر قلبي بالإطّلاع على مناهج مساعيك، إلهي كيف أصدر عن بابك بخيبة منك وقد وردته على ثقة بك، أو كيف تؤيسني من عطائك وقد أمرتني بدعائك، إلهي وفّقني لما يرضيك عنّي حتّى لا أتوجّه إلاّ إليك، ولا أعتمد إلاّ عليك، ولا أستعين إلاّ بك، ولا أرجو إلاّ ما لديك، أسألك يا إلهي أن تشرح صدري، وتيسّر أمري، وتفرّج همّي، وتكشف غمّي، وتزيل كربي، وتغفر ذنبي.
إلهي لجأت إليك ولذت بفنائك، فمنّ عليّ من عظيم عطائك، وجسيم نعمائك، وعميم كرمك، وجليل آلآئك، يا من لا أرجو إلاّ فضله، ولا آمل إلاّ طوله، ولا أخشى إلاّ سخطه، ولا أخاف إلاّ عدله، يا خير مدعوّ ويا أكرم مرجو، يا من لا تزيده كثرة العطاء إلاّ جوداً، ولا أطلب سواط معبوداً، ولا أرى غيرك مقصوداً. إلهي أتخيّبني وأنا أرجوك، أو تويسني من رحمتك وأنا أدعوك، أو تعذّبني وأنا أستغفرك وأتوب إليك، أو تعاقبني وأنا أستعطفك وأتضرّع إليك، حاشاك يا سيّدي أن تحرمني مع مالك من الكرم والجود، وتبعّدني مع ما منك من العطف والرّحمة.
إلهي لا تقطعني منك وأنا يا رب لا أطلب إلاّ وصلك، ولا تسلّمني وأنا يا سيدي لا ربّ لي غيرك، ولا تخذلني يا إلهي وأنا النّازل ببابك، ولا تهملني يا مولاي وأنا الحالّ
بفنائك. إلهي هل أبقى ذليلاً وأنا أعوذ بعزّتك، أو أبقى عاجزاً وأنا اللاّئذ بقدرتك. إلهي قد فزعت إليك فلا تكلني إلى نفسي، ولجأت إليك فآوني، وعذت برحمتك فلا تحرمني، ولذت بلطفك فلا تدعني، إلهي لولا الإستيناس بك لذاب قلبي قلقاً، ولو لا تعلّق هوى نفسي بك لفاتت فرقاً، يا أنس كل متوحش فريد، ويا عون كلّ مستضعف وحيد.
إلهي بنور هدايتك أهتدي الطريق في المسير إليك، وبمصباح دلالتك أقطع مراحل الوفود عليك، دلّني يا إلهي على سبيل طاعتك، واهدني يا ربّ طرق عبادتك، ووفّقني لمراضيك، وجنّبني عن معاصيك. إلهي إن أقمت على مخالفتك طول عمري فقد قمت الآن متضرعاً بين يديك مستقيلاً، فأصلح لي أمري، إلهي تبت إليك مستغفراً منيباً فتب عليّ متكرّماً، وأبت إليك متسعطفاً مستجيراً فانظر إليّ مترحّماً.
إلهي كلّما تفكّرت في نفسي إزداد علمي بافتقارها، ومهما تأمّلت في ذاتي إنفتح لي بابٌ من المعرفة بعجزها وانكسارها. إلهي وجودي ضعيف، فارحمني بلطفك الشّريف، إلهي وجودي عين الفقر والحاجة، ونفسي إلى كرمك محتاجةٌ. إلهي لولا جودك أنعدم وجودي، ولولا فضلك ما بلغت مقصودي، وإن بذلت مجهودي، كيف والممكن شأنه الافتقار، والمخلوق مطبوع على العجز والانكسار.
إلهي أغنني بغناك، وأعنّي على تحصيل رضاك، إلهي لا تطردني عن فنائك، ومنّ عليّ بالآئك، إلهي كيف توجعني بأليم عقابك، ولا طاقة لي بعتابك، إلهي مسكينك قصد جنابك، وطرق بابك، هارب من سخطك وعقابك، راج ما لديك من جزيل ثوابك. إلهي لا أقرع إلاّ بابك، ولا أطلب إلاّ جنابك. إلهي إن طلبني سخطك فبمن أعوذ، وإن خذلني نصرك فبمن ألوذ، إلهي على من أتّكل إن منعتني كرمك، وإلى من أتوسّل إن حرمتني حرمك. إلهي وسيلتي إليك رحمتك وعطفك، وذريعتي لديك فضلك ولطفك، إلهي أوردني حياض رضوانك، وأدخلني مدخل صدق من مقام غفرانك. إلهي اغمسني في بحار رحمتك، وارمسني في تيّار مغفرتك، وطهّرني عن دنس الآثام، ونظّفني عن كثافات المعاصي بكرمك ومنّك يا عافياً عن المذنبين.
إلهي أتيتك تآئباً، فلا تردّني
خاسراً خائباً، وجئتك مستغفراً مستقيلاً منيباً، فعد عليّ بطَولك وكن لدعوتي مجيباً، يا من لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضرّه معصية العاصين، وارحمني بفضلك يا أرحم الرّاحمين، وصلى الله على محمّد وأهل بيته المعصومين، الأوصياء المقرّبين.
دعاؤه في الرغبة والرهبة
إلهي ما لي تعلّلني عن التّفكّر في ما لي كثرة آمالي، ويبعدني عن جناب لطفك وساحة قربك قبايح أفعالي وفضائح أعمالي، إلهي أشكو إليك نفسي وهواها، لم تزل ترتع في غيّها ومُناها، وتغفل عمّن إليه منتهاها، وتذهل عمّا أراد منها مولاها. إلهي اجعلني ممّن أفلح وزكّاها، وأزال عنها تنمّرها وطغواها، واجعلها خاضعة للعقل تحت سلطانه، سامعة لبيّناته وبرهانه، وألهمها فجورها وتقواها، بإطاعة أوامر مولاها، جاعلة للعقل أمامها وإمامها، معطية له خطامها وزمامها، آخذة بما يروم تاركة مرامها، راضية مرضيّة داخلة في عبادك، لازمة من جنّتك مستقرّها ومقامها.
اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من كيد الشّيطان وسلطانه، من شرّه وشرّ جنده وأعوانه، إلهي أعنّي على طرد الشّيطان عنّي، وآمني من وساوسه إذا دنى منّى. إلهي هما عدوّان اثنان: النّفس والشّيطان، وأنا أسير عدوانهما، وحيدٌ وذليل سلطانهما، فريد لا قدرة لي على دفعهما لولا عونك، ولا نجاة لي من شرّهما لولا صونك. إلهي فأعذني منهما بلطفك وعنايتك، وجنّبني عنهما بإرشادك وهدايتك.
إلهي أصلح نيتي قبل حلول منيّتي. إلهي إنيّ ألقيت رحلي في حمى حمايتك، وجعلت نفسي في حريم لطفك ورعايتك، فاحفظني من شرهما في درعك الحصين، واجعلني من ضرّهما في فناء عزّك المنيع المتين، يا قويّ يا قادر، يا عزيز يا قاهر، يا من حرزه حريز، ونصره عزيز.
ثمّ المشتكى إليك يا إلهي من سوء حالي، وتشتّت بالي، وتفرّق خيالي، واختلال أحوالي. إلهي إن كان سوء حالي أخرس لساني عن المقال، وقبح أعمالي منعني عن السّؤال، ولم يبق لي موضعٌ للاعتذار إليك، ولا محلّ لي للاعتبار لديك، لكنّي أتشفّع إليك بجودك ولطفك، وأتوسّل لديك بكرمك وعطفك.
إلهي وإن طال على
معاصيك وقوفي، ودام على ارتكاب مناهيك عكوفي، إلاّ أني لم أرد بمخالفتك إذ عصيتك - يا إلهي - إطاعة الشّيطان، ولم أكن في مقام الغي والطغيان، بل إنمّا أوقفني مواقفة الهوى موقف الهوان والخسران، فصدر منّي ما صدر وكان منّي ما كان، وقد وقفت بين يديك للاعتذار إليك وقمت لديك للاستغفار متوكّلاً، فعد عليّ بطولك وجد عليّ بعطفك، يا الله المنّان، ويا ذا الطول والإحسان، والعفو والرضوان.
إلهي قمت مقام المستقيل المنيب، فاغفر لي ما سلف مني يا الله يا مجيب، صلّ على محمّد وآله وارحم ضعفي واستكانتي، وعجزي وضراعتي، وتضرّعي وإنابتي وابتهالي ومهانتي، إلهي أتيتك ضارعاً ذليلاً، متّضرعا مستقيلاً، فاغفر لي واعف عني وتب عليّ، إنك أنت التّواب الرّحيم، المنان الكريم.
دعاؤه في التضرع والاستكانة
إلهي قد علمت إنّ مفتاح الفلاح التّوكل عليك، ومصباح النّجاح التّوسل إليك، وأيقنت أنّ أعلى طرق الهداية الاستهداء منك، وأوضح سبل النّجاة الاستعانة بك، وفهمت أنّ الاعتماد عليك في جميع الأمور أقرب أنحاء الوصول إليها، والاستناد إليك في جميع المقاصد أيسر أنواع العثور عليها، فعليك معتمدي وأنت مستندي، وإليك توسّلي وعليك توكّلي، ومنك أستهدي وبك أستعين، يا مَن الّذي من استهداه هداه، ومَن استكفاه كفاه، ومَن استنصره نصره، ومَن استصرخه آواه، ومَن استعانة أعانه، ومَن استغناه أغناه، ولا يقطع رجاء مَن رجاه، ويسمع نداء من ناداه، ويجيب المضطرّ إذا دعاه، ويغيث من استغاث به ويرعى من استرعاه.
إلهي كيف الحيلة لي في تيسير أموري مع أنّها بمشيّتك مرهونة، وكيف الوصلة إلى مقاصدى مع أنّها بإرادتك مقرونة، فلا أصل إليها لولا مشيّتك وإن بذلت مقدوري، ولا أقدر عليها لولا أمرك وإن بالغت في إعمالي ميسوري، كيف والعجز من لوازم ذاتي، والحاجة لا تنفكّ عنّي فإنّها من أوقم صفاتي. إلهي إن أنا صبرت على البعد عن جنانك، فلا طاقة لي على الصّبر على هجرانك، وإن أوليتني الحرمان عن إحسانك، فلا تمنعني عن الفوز
برضوانك. إلهي إن كنت تمنعني نداك، وتحرمني قراك، فلا تبعدني عن رضاك، ولا تكلني إلى سواك. إلهي لا أبالي ما صنعت بي ما دمت ناظراً إليّ بعين العناية، وسالكاً بي مسالك الهداية، أعوذ بك من أن تقابل طغياني بالخذلان، وتعاملني معاملة أهل العصيان. إلهي نفسي ميّالة إلى الآمال فأملها عنها، وطبيعتي روّاغة إلى المعاصي فأزلها عنها. إلهي لا وسيلة لي إليك سوى الدّعاء مرفوعاً إلى عنايتك، ولا ذريعة لي لديك مع كثرة موجابت الأياس إلاّ الرّجاء مشفوعاً بسعة رحمتك، ويصدّق دعائي ويحقّق رجائي - مع ما معي من موانع الإجابة - عظيم جودك ورأفتك.
إلهي لولا يكونُ الرّجاءُ في شغاف قلبي لانقطع نياطه، ولولا بروز رحمتك وظهور رأفتك لدى فؤادي لا نعدم انبساطه، فبرجائك يطمئن قلبي، وبسعة رحمتك ينشرح صدري وينبسط فؤادي. إلهي وإن كانت العين ناظرة إلى غيرك في ظاهر الحال وبعض الأحوال إلاّ أنّ بصر بصيرتي شاخص نحوك، وذكرك كامن في سريرتي لم يزل ولا يزال. إلهي إن كانت تكذبني في إدّعاء محبّتك قباح أعمالي، فقد صدّقني حسن ظنّي بك في صراح آمالي، إلهي لولا جودك لا نعدم وجودي، ولولا لطفك ومشيّتك لما نلت مقصودي، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ومن دعائه في التفك ّ ر بآلائه وقدرته
إلهي كلّت الألسن عن ذكر نعوت جمالك، وضلّت الأفكار دون الوصول إلى مبلغ عظمتك وجلالك، وتاهت العقول فيك فعادت حائرة، وتحيّرت الأوهام فرجعت حاسرة، صارت الألباب فيك متحيّرة متبلبلة، وأندام الأفهام الرّاسخة في المسير إليك متردّدة متزلزلة؛ وذلك لأنّ الطريق مسدود، وليس لكُنْه أوصافك حد محدد، أيعجز من أول الحدّ غاية السّير إليك، والحيرة في الابتداء نهاية التّفكّر فيك، فاجعلني من الّذين شرحت صدورهم بأنوار معرفتك، وملأتها من محبتّك ومودّتك، وطهّرت أفئدتهم من أدناس الشكوك وأرجاس الشّبهات ونوّرتها بأنوار هدايتك، وأجريت في قلوبهم ينابيع حكمتك وصارت عامرة باليقين بك، وزكّيت أنفسهم من الرّذائل، وحلّيتها بالفضائل، فصارت محلاّ
لرحمتك، راضية بك مرضية لحضرتك، وروّيت ضمائرهم من معين لطفك وجعلتها مغرساً لأشجار الاشتياق إليك، وغذّيت سرّهم بخالص مودّتك، وسيَّرته مملوءاً من الرّجاء بك والتوكّل عليك، فصرت أنت مقصودهم ومقصدهم، ومعبودهم ومعتمدهم، والمعوّل لهم ومستندهم، وأنيسهم في الوحشة، وجليسهم في الوحدة، وصاحبهم في الخلوة، وغوثهم في الشّدّة، وعونهم في الغربة، ومفزعم في الكربة، وصلّ يا ربّ على الشّجرة الطيّبة أصولها وفروعها وأغصائها وأثمارها محمّد وآله الطّاهرين.
دعاؤه في طلب المغفرة
إلهي شوّهتني ذنوبي فاغسل دَرَنها عنّي بمياه مغفرتك، وقبّحتني جرائمي فأزل وسخها عنّي بغيث عفوك ورحمتك، وأسقطتني خطاياي عن عينك فانظر إليّ بنظر عطفك ورأفتك، ومخالفات أوآمرك أبعدتني عن ساحة قربك، فاعطف عليّ بحسن توفيقك للتقرّب إليك، وشهوة نفسي أقامتني مقام الزّلّة عن طاعتك، وأوقفتني موقف المذلّة عندك، فألقي في قلبي خشيتك، ودلّني على الرّجوع إليك، والتّوبة والإنابة لديك، ووفّقني فيما بقي من عمري لترك معصيتك، والجدّ في عبادتك، إنّك قابل التّوبة، ووليّ التّوفيق، وأنت أرحم الرّاحمين، وصلىّ الله على سيّدنا محمّد وآله المعصومين المرضيين.
دعاؤه في الرضا بقضائه
إلهي رضيت بك ربّا ومدبّراً لأموري، وفوّضت إليك ميسوري ومعسوري، فإنّي لا أهتدي إلى ما هو خير لي وإن بذلت جهدي ومقدوري، ولا حول ولا قوّة إلاّ بك، ولا طول ولا خير إلاّ منك، ولا مفرّ ولا مهرب إلاّ إليك، ولا ملجأ ولا مفزع إلاّ لديك، ولا فلاح ولا نجاح إلاّ بك، ولا اتكال ولا اعتماد إلاّ عليك، وأزمّة الأمور كلّها بيدك، ولك ملكوت كلّ شيء وأنت على كل شيء قدير، وبالإعانة لمن استعان بك جدير.
اللَّهُمَّ إنّي ألقيت زمام أمري إليك، وطرحت نفسي بين يديك، فاصنع بي كما تريد وعلى ما تريد، إلهي أسألك أن تجعلني
صنيع يد تربيتك، ورضيع درّ تغذيتك، وغذيّ شهد تهذيبك، وربيب مهد تأديبك، وحليف حجر تأييدك، وأليف حضن تسديدك.
إلهي نوّر بصيرتي بضياء هدايتك وحسّن سيرتي بحسن رعايتك، وزكّ سريرتي بفضل عنايتك، وأجْر في قلبي ينابيع حكمتك، واشرح صدري بنور معرفتك، وسيّرني في طريق يوصلني إلى رضاك، وصيّرني مستحقّا لرحمتك كاملاً في عبوديتك، قابلاً للعمل بمقتضى ربوبيتك، سالكاً مسالك رضاك، سائراً في سبيل هداك، راقياً معارج القرب إليك، عارجاً مراقي الزلفى لديك، إنّك القادر على ما تشاء كما تشاء، كيف تشاء وأنت العليم الحكيم، والرءوف الرّحيم.
إلهي أعنّي على التّحلّي (الالتزام) بمكارم الأخلاق، وقطع العلقة عن جميع الأخلاق، والتّوكّل في جميع أموري عليك، وصرف النّظر إلاّ إلى ما لديك، والتّسليم لأمرك، والرضا بقضائك، ووفّقني لمراقبتك في جميع الأوقات والحالات، وتحصيل رضاك في كافّة الحركات والسّكنات، يا ذا المنّ الجسيم، والفضل العظيم، وصلّ على محمّد وآله الميامين.
دعاؤه في الاستعاذة
إلهي أعوذ برضاك من سخطك، وبصفحك من غضبك، وأعوذ بعفوك من عذابك، وبفضلك من عقابك، وأعوذ بلطفك من عتابك، وبفضلك من المناقشة في حسابك، وأعوذ بعطفك ورأفتك ورحمتك من قهرك وسطوتك وهيبتك. إلهي أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شرّ كلّ شيطان مارد، وشرّ كلّ عدو معاند، ومن شرّ الوسواس الخنّاس، الّذي يوسوس في صدور النّاس، ومن شرّ النّفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، وأعوذ بك من شر الجنّ والإنس، وشرّ كلّ ذي شر من جميع خلقك.
ثمّ يا إلهي أعوذ بغناك من فقري، وبقوتك من ضعفي، وبقدرتك من عجزي، وبعزّتك من ذلّتي، وبرأفتك من مسكنتي، وبأنواع كمالاتك من فنون منقصتي. إلهي إني أدعوك وأرجوك، أملي فيك طويل، وطمعي منك كثير، لا غاية لفقري وحاجتي، ولا نهاية لعجزي ومسكنتي، أسألك إصلاح حالاتي، وإنجاح طلباتي، وإعطاء سؤلي ورغباتي، وكشف
كربتي وقضاء مهمّاتي. أريد منك سعادة الدّنيا والأخرة يا من لا يخيب آمله، ولا يرد سائله، يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وصلّى الله على أشرف بريّته محمّد وآله الطّاهرين.
دعاؤه في الشكر
إلهي خلقتني في أحسن تقويم، وكرّمتني بأفضل تكريم، خلقتني بقدرتك سويّاً، وربّيتني بلطفك القديم صبيّاً، وكبرتني بكرمك العميم مليّا قويّاً، ومكّنتي مكانا عليّاً، حيث شرّفتني بتشريف التّكليف والخدمة وامتثال أوامرك واتباع مراضيك، واجتناب مساخطك ومناهيك، ثمّ تغمّدتني بالآئك المتضافرة، ومنحتني نعماءك المتكاثرة، فكان اللاّزم عليّ أن أجتهد في شكرك طول عمري، وألتزم ذكرك مدّ دهري، ولو أنيّ عمّرت إلى الأبد وكنت ملازماً شكرك وذكرك، لم أخرج من أداء شكر أدنى نعمة من نعمك، فلم أشكرك بل قابلتك بالطّغيان والعصيان، ومع ذلك لم تصرف عنّي نظر رحمتك، ولم تعطف عنّي عنان رأفتك، وما عجّلت فيها استحققت من عقوبتك، بل أمهلتني بمنّك، وفتحت عليّ باب التّوبة بلطفك، وناديتني لعلّي أرجع عمّا كنت عليه وأتوب وأعتذر إليك من ذنوبي وأؤب، كلّ ذلك رحمة بي وفضلاً منك، فها أنا يا إلهي تنبّهت من جهلي وبطالتي وتيقّضت من غفلتي وجهالتي، فتبت إليك نادماً، وقمت بين يديك متضرّعاً، متوسّلاً إليك بمحمّد وآله صلواتك عليهم، فتب عليّ وارحم ذلّي ومسكنتي، وعجزي وضراعتي، وكما عوّدتني بالإكرام والجميل أوّلاً، فعد عليّ بالإحسان والغفران آخراً، يا أول يا آخر، يا غنيّ يا قادر، يا أرحم الرّاحمين ويا أكرم الأكرمين، يا حنّان يا منّان.
من مناجاته (دام ظله)
هب أنّي يا إلهي لم أزل كنت مقيماً على العصيان، وواقفاً على الطّغيان، لكن جلالك وكبريائك أعزّ من أن يتكدّر بعصيان العاصين، وساحة عزّك ومجدك أمنع من أن تتغيّر بذنوب المذنبين المذنبين، وشموخ عظمتك وسلطانك أعلى من
أن تناله يد الطّاغين، وسموّ قدرك وعلوّ مكانك أرفع من أن ينتقص بإساءة المسيئين، أو أن يحتاج إلى طاعة المطيعين. ومع ذلك يا إلهي لا يزيدك العفو عن المجرمين إلاّ جوداً وكرماً، ولا الغفران عن العاصين إلاّ فضلاً وإحساناً، اللَّهُمَّ إنّي تبت إليك نادماً ما فرط منّي وتب علّيّ، وأُبتُ إليك معتذراً مستقيلاً، فاصفح عنّي وانظر برأفتك إليّ.
إلهي أتشفّع إليك في غفران ذنوبي بمحمّد وأهل بيته صلواتك عليهم فشفّعهم فيّ وتجاوز عنّي، وأتوسّل إليك بغناك وقدرتك وعطفك ورحمتك فاقبل وسيلتي وتقبّل منّي، فإنّ عقابي لا يزيد في سلطانك، والتّجاوز عنّي لا يضرّ بعلوّ مكانك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا عافياً عن المجرمين، ويا إله العاصين والمذنبين.
أيضاً في المناجات
إلهي وإن كانت خطاياي تمنعني عن بسط السّؤال ونشر المقال، إلاّ أنّ سعة رحمتك تولعني على ذلك، وإن كان لساني قاصراً عن الاعتذار إليك والاسترحام منك، إلاّ أن قِدم رأفتك يحرّضني، وإن كان تقصيري عمّا كان عليّ من الجهد في طاعتك يوحشني، إلاّ أنّ غناك عن عقوبتي يؤنسني، فأنا بين اليأس والرّجاء في ترديد، وبين الإحجام والإقدام في تقريب وتبعيد، لكن حيث أنّ رحمتك سبقت غضبك، ورأفتك غلبت نقمتك، أسألك أن تغفر زلّتي وتقبل توبتي، وترحم ذلّتي، وتشفي علّتي، تبرّد غلّتي، فإنّك الكريم المنّان، العطوف الحنّان، ذو الفضل والإحسان. وأتضرعّ إليك أن تَمُنَّ عليّ بالغفران والرضوان، وأن توفّقني فيما بقي من عمري للزوم طاعتك، والتّجنّب عمّا يسخطك، يا رءوف يا رحيم، يا عطوف يا كريم، يا أرحم الراحمين.
الملحق رقم - 4 -
الكلم الجامعة والحكم النافعة
من إنشاء
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
عنى بجمعها وتهذيبها، وحسن وضعها وترتيبها، وعلّق عليها:
الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء
[ تمهيد ]
لبعض العلماء الأدباء
(أعلى الله قدره)
هذه الكلم الجوامع، التي هي ملءُ الأبصار والمسامع، كلم لقلوب المعاندين، وجوامع ولكن في رقاب الحاسدين، وصفها يعيي اللَّسِن المصقّع، ويُخرس المُدْرَه المُبْدِع. وأحسن ما يقال في حدّه: إنه أشبهَ الكلامَ بما يُؤثر عن جَدِّه، يُستاف منه عبقُ الكلام النبوي، ويُلمَح عليه ديباج المقال العلوي، وكيف لا تطيب نفحات دوح أصله ريحانتا الرسول، ولا تزهو زهرات غصن روضتها الزهراء البتول، وكيف لا يروى بعذب البلاغة كل ظَأْمٍ وصاد، وهو ابن أفصح من نطق بالضاد، آية الله وهذه إحدى آياته، ليس بنبي وهذه إحدى معجزاته، فقل لمَن يساجله من العالمين، هذا كلامه فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، ولو قستها بأطباق الذهب، عرفت الدر من المختلب، هيهات!! تلك رطانة الأعجمين، وهذا لسان عربي مبين.
[بحر الكامل الأحذ]
قرآنُ فضلٍ فيه مجتمِعٌ |
ما شئتَ من حُكْمٍ ومن حِكَمِ |
|
يابن النبي وفرع دوحته |
والحجة العظمى على الأُممِ |
|
بالنار هم أولى ومعبدها |
وأنت بالبطحاء والحرم |
|
كان النبي أباك دونهم |
فورثت منه جوامع الكلمِ |
[ مقدِّمة ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كفاء الآئه، ووزان نعمائه، وعيار أرضه وسمائه، وأفضل صلواته على سيد أنبيائه، الذي خصّه بجوامع الحكم، وقصار الكلم، والآيات المعجزة، والكلمات الموجزة، محمد (ص) وعترته وأوصيائه.
وبعد:
فقد تشرّفت نواظري، وتصرّفت بالتدبر خواطري، في منثور كلمات سمح بها قلم حجة الإسلام والمسلمين، وآية الله في الأرضين، خليفة أجداده الطاهرين في العالمين، الذي حفظ الله به دعائم الشرع وشيك انحطاطها، وأمسك به رمق حشا الدين أزيف انقطاع نياطها، وطي أنماطها، وألقي له إقليد التقليد، وخلصت إليه مرجعية الفرقة الإمامية من قريب وبعيد، علاّمة العلماء الأعاظم، بحر العلم المتلاطم، سيدنا وأستاذنا الشريف السيد (محمد كاظم) الطباطبائي، حفظ الله بحفظه شريعة جده وآبائه، وأبقاه بقياً عليها بطول بقائه، فإنه أدام الله ظله، كما أسبغ فضله، حرصاً على الكمال وشغفاً بالعلم، وشوقاً إلى الفضائل، كان وإلى الآن لا يدع آناء من آنائه، ولا خطرة فكر ولا نظرة بصرٍ من عينه ورآئه، إلاّ وهي مشغولةٌ في كسب السعادة، وطلب الحسنى من الله وزيادة. ومن ثمّ لم يزل منذ نعومة أظفاره، إلى هذا اليوم الذي ملأ سمع الدهر بصوت صيته واشتهاره، لا يزال عند الفراغ من فرائضه الدينية، وما يحتم من استيفاء حظوظه القلبية والقالبية، من عمل برٍ وتقوى أو إصلاح بين الناس أو فتوى، أو تصنيف ومراجعة، أو تدريس ومطالعة، أو غير ذلك من كل حادثة شرعية، وقضية دينية، فإنه اليوم أعزّه الله مدار ذلك كله، ومالك عقده وحلّه، من كل طالب دين أو علم في العالم، أو متمسك بشريعة جدّه سيد ولد آدم، ومحلّي أنامل يده بعروة ذلك الخاتم، ونحن نبث ذرايع الشرك وروايع الحمد الله جلّ شأنه على رجوع الحق فيه الى نصابه، فإنه (أيّده الله) أولى بشريعة جَدِّه وشريعة جَدِّه أولى به، وليست الثكلى كالمستأجرة، ولا الوالدة العطوف كالمستظأرة، فهو على قلة فراغه، حتى في طريقه
وضيق مساغه، حتى عن ابتلاع ريقه إذا انتهز فرصة، أو احرز لنفسه من وقته حصة، ومال فيها إلى ترويح خاطره من الملال، أو تسريح بدنه من أثقال التعب والكلال، لم يجد أنساً ولا راحة، ولا يمد يداً ولا راحة، إلاّ إلى الأقلام والمهارق، فكان قلمه ظبيٌ والمها رق، فاذا ملّ من أذى ألمه، أملى على قلمه، بدايع حِكمه، وإذا استام المراح من سأمه، فزع إلى روايع كلمه، من إنشاء مناجات رفيعة، أو أدعية بدعية، أو نصايح أخلاقية، أو عظات أنفسية أو آفاقية، أو تعاليم سياسية، أو تناسيق أدبية، معادية أو معاشية، من حكمة عقلية وشرعية، علمية أو عملية، ولكن لاستغراقه بحضانة الملّة، وحصانة المعضلات المصمئلة، وقضا مهمات الشرع والشريعة، وسدانة كعبتها المنيعة، كانت لا تزال فوضى غير ملتئمة، وشتى غير مجتمعة ولا منتظمة، وفي غضون ذلك أسمت لحظي، فأسعدني حظي، بكلمات له قصيرة، تطاول الشهب المنيرة، بأفصح اللُغَى وأبلغ اللغات، وأرصن العبر وأرصف العبارات، وما هي بكلمات، بل مضامين آيات محكمات.
آيٌ بها جبريل إن لم ينزلِ |
فصاعداً يرفعها الى عَلِ |
فلمّا تدبّرتها، واستقبلتها واستدبرتها، وجدتها كمرآة غريبة، تحكي أتم الحكاية عن ملكاته القدسية وأخلاقه العجيبة، فأني بحمد الله من أحظى خدَّامه، بفوز التزامه، والحضور في حوزته والوقوف على سامي مقامه، فما وجدتُ الخبر عنه أصدق من خبرته، ولا تلك الزواهر من حكمته، بأروى ولا أورى عنه زنداً من روية رؤيته، ولا لسان مقاله بأصدق من خلاله وأحواله، من لسان حاله وفعاله.
ولله سرٌ في علاه وإنما |
كلام العدى ضرب من الهذيان |
ولا غرو فهو لمع ذلك الألق، والصبح من شمس ذيالك الفلق، كيف لا وإنه لابن جلا وهم.
آلٌ جلا جلى النبيُ نورَهم |
فعرفوا بالنور لا العمايم |
|
بين نبي ووصي ضربت |
أعراقهم في دوحة المكارم |
|
مَن يرتضع درّ العُلى من فاطمٍ |
فماله عن العُلى من فاطمِ |
|
كاظم غيظ صادقٌ لأنه |
وارث علم صادقٍ و(كاظم) |
|
شادوا دِعَام الحق فاحفظ نجْلَهم |
يا ربنا لهذه الدعائم |
ولو ذهبت إلى ذكر ألطاف الله جلَّ شأنه في حقه، وتعداد عناياته تعالى في شأنه وعظيم بلائه، وأليم عنائه، وما تحمّله في خدمة الدين، ورقابة شريعة سيد المرسلين، وما منحه الله من لطايف التسديد، وطرايف العزّ والتأييد، لأريتك العجب، وأشهدتك الألطاف الإلهية من كثب، ولأحوجني ذلك إلى إفراد مؤلَّف فيه، وإن كانت العبارات تضيق عن سعة معاليه.
مَن كان فوقَ محلِ الشمسِ رتبتُه |
فليس يرفعه شيءٌ ولا يضعُ |
ويشهدُ الإنصاف وأهله، واللبيب وعقله، أن الله سبحانه حين ماصه ببلائه، وأمتحنه بمثل محن أجداده وآبائه، وتلك سنته (جلّت حكمته) بأصفيائه وأوليائه، لم يكن منه إلاّ صبر كصبرهم وثباتٌ مثل ثباتهم، وعزيمة صدق من عزماتهم، صبرٌ حكى لك عنهم، وعزم تستيقن أن نفس حامله منهم، وأنه نبع دوحهم، وخالص مُحُّهم، لا بل هو مرآتهم بلا مراء، وسجنجل صفاتهم على الصفاء، ثم مذ شكر الله له مقامه، وعلم توطينه وإقدامه، أجرى له مثل كراماتهم، وأخذ بضبعه الى شأو مقاماتهم، فالألطاف تتضاعف، والعنايات تترادف، والمزايدات تتزاحم وتتزاحف، كل ذلك بأسباب غيبية، واتجاهات خارقة غير عادية، بلا سببٍ ظاهر، ولا أمرٍ مكشوف، بل إمدادٌ من عالم الغيب، وعنايةٌ من الرب بلا ريب.
وإذا أراد الله نصرة عبده |
كانت له أعداؤه أنصارا |
وكل ذلك قد اتضح بحمد الله حتى صار كالعيان، ووجده بالضرورة كل ذي وجدان.
فهبني قلت هذا الصبح ليلٌ |
أيعمى العالمون عن الضياء |
وأمّا مجده وعلاؤه، وجَدّه بل وشرف جدّه وآبائه، إني ما قصدت بذلك إطراءه، ولا أردت مدحه وثناءه؛ فإن بمدح الله له ولآبائه، غنىً عن مدح مادح، وجنوح جانح، وهو بفضل الله تعالى وحسن صنيعه، وكما شاء الله له قد:
تجاوز قدر المدح حتى كأنَّه |
بأحسن ما يثني عليه يعاب |
ولعل الأقدار تقدرني وتسعفني، والعناية بعد هذا تسعدني، فأوفي من ترجمة أحواله ما هو من وسعي، فإن جميعه مما يضيق به ذرعي، (والغرض) هنا أنه كان أنار الله به منار الهدى، ولا زال بألطافه الخفية والجلية مؤيداً، يلقى عند فراغته وطلب
استراحته، زهرات الحكم، ومقصورات الكلم، من غير إتعاب روية، ولا مراجعة فكرية، بل على ترسّل الطبع وجري القلم، وحركة البنان بمثل البديهة والارتجال، وعلى فورة الحال، ثم يميحني بها التشريف، بعد سؤالي الحثيث، فيدفعها إليّ في قطع قراطيس، لو تأملتها وجدتها خلع فراديس، لا بل هي حياةٌ للعقول ونواميس، وحيث شهدتها تشهد بعظمة منشيها وملاءة ممليها، لا بل رأيت منتبذات أوراقه، تحكي عن منتخبات أخلاقه، وطيبات أعراقه، ووجدت موجز كلماته يطابق معجز كمالاته، وأبصرت سور نصائحه وعظاته، تدل على ملكي سيرته وملكي سريرته وملكاته.
فلذلك رغبتُ في جمعها وتفريقها، بحسن ترتيبها وتنسيقها، لتكون مجمل عنوانٍ لترجمته، ومختصر بيان لحليته وصفته، وأنموذجاً يدل على خلائقه، وبرنامجاً لجميل عاداته وطرائقه، فيكون الناظر فيها مع ما استفاده من طرائف العلم، وظرائف الحكم، قد وقف على سيرة هذا الإمام، وأحرز حظَّاً من العروج إلى أوج معرفة ذلك المقام، (فإن كلام المرء عنوان فضله وترجمان عقله).
وأما ومن هذبّه وكمّله وأحلّه بتلك المنزلة، فإنه ما ذكر شيئاً فيما سيرد عليك إنشاء من كلماته إلاّ وقد تحلّى به في عمل نفسه أولاً بادياً، ثم عطف في القول به نصيحة للناس ثانياً، كذلك شأن أولياء الله وخلّص عباده حين تكون عظاتهم بأحوالهم أنجح من عظاتهم بمقالهم، وشهود مقامهم أنفع من سماع كلامهم، وإرشاداهم بحسن خلقهم، أبلغ من بليغ نطقهم.
لعمرُك ما حسنُ المقالِ بنافعٍ |
إذا لم تزنْ حسنَ المقالِ فعالُ |
بل لعمر الحق أن الحق جل شأنه قد جعله بحيث قال جدُّه أمير المؤمنين وإمام الموحدين (صلوات الله عليه) في"نهج البلاغة" ، بل منهج العلم والعمل، حيث يقول (عليه السلام): (من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه. ومعلِّم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم).
ويشهد الله أنه ما حداني على التقاط تلك الكلمات، وجمع هاتيك المتفرِّقات، إلاّ أني رأيت بعيني أنها صدرت من قائل عامل بها، واجدٍ لها، متَّصفٍ بحقائقها، آخذٍ بطرائقها، وإلاّ فالكلمات في الأخلاق كثيرة، ومجال الكلام واسع، وتنسيق الألفاظ خفيف المؤنة، وتزويق القول لا يحتاج إلى كلفة، وإنما الشأن كله في مطابقة الأقوال للأعمال، وموافقة الكلام للأفعال، وتصديق المقال بشهادة الحال.
(الكلم الجامعة والحكم النافعة)
وبالله المستعان وعليه التكلان.
(حرف الألف)
قال أدام الله ظلاله وفضله وأفضاله:
1 - الإيجاز في الكلام، أنجح في تحصيل المرام.
2 - ازدد خبراً، تزدد خيراً.
3 - إذا كذب الرائد أهله، هلكوا من غير مهلة.
4 - أقل فوائد السكوت الراحة.
5 - الإغراق في المدح يعكسه ذماً.
6 - اربح البضائع في سوق الآخرة: الزهد في الدنيا الداخرة.
8 - إذا استهان بك مَن دونك، فلا عليك، فقد استهان بنفسه دونك.
لله قائلها من مواقف مشهودة، ومقامات غير معدودة، مرقت إليه أسهم الجسارة، واستهدفته بوجه نبال الشتم والحقارة، فما تحرّكت ذرة من طود حلمه، ولا أجاب إلاّ بالسكوت والصفح عن جرمه، (فأمر ثم أقول ما يعنيني)، ولا بدع! فتلك سجيّة آبائه، وشنشنة أشياخه.
9 - أعظِم المصائب في الدين، وأربح المكاسب كسب المتَّقين.
10 - أتحسب أنك تركتَ سُدى؟! كلا، فشمِّر لعلَّك تجد على النار هدى.
11 - أعمالُ السداد، سدادٌ لأبواب الفساد.
12 - أين المناص إذا بلغ السيل الزُّبى، وكيف الخلاص إذا وصل الحزام الطبى.
13 - إطلاق اللسان، تقييدٌ للجنان.
(يفسر هذه الجملة قوله).
14 - إطلاق النفس في ارتكاب الشهوات، تقييد للعقل عن أعمال المدركات.
فإن المراد بإطلاق اللسان تركه بلا لجام وبغير زمام، يقول ما شاء ويتناول مَن شاء، كإطلاق النفس في شهواتها وسائر عمَّالها وأدواتها كالعين والأذن
وغيرها.
15 - امتن التدابير إيكال الأمر إلى اللطيف الخبير.
16 - إنما يعمل العقل عمله إذا عقلت النفس بعقاله عند نزعاتها، وقيّدتها بزمامه عند شهواتها.
17 - اختبر ثم اخبر.
ما أحسنها وأزينها وأقواها وأمنتها، وهي تنظر إلى قول جده (عليه والسلام): (كفى بالمرء جهلاً أن يحدّث بكلّما سمع) أو ما هو بمعناه. ومن كمال متانة المرء أن لا يرسل في غير سدد، ولا يقول عن غير سداد، هدانا الله إلى سبل الكمال، والأخذ بصالح الأعمال والأقوال.
18 - الالتزام بالشريعة الطاهرة، صلاح الدنيا وفلاح الآخرة.
19 - في الإقدام على المبهمات خطر عظيم.
هذه هي الحكمة العلية، والقبسة العلوية، التي كلّما ازددت بها فكراً، استعظمت لها أمراً واستكبرت لها قدراً، ولسان القلم في بيانها كليل، كما إن مجال العبرة بها عريض طويل.
20 - الأنانية تذهب شرف الإنسانية.
21 - إيّاك والمجارات مع دونك، وعليك بالإعراض عمَّن لا تأمَن أن يخونك.
22 - أهم المطالب للمراقبين حسن العاقبة.
23 - إضاعة السر إذاعة الشر.
24 - إذا لم تدرك ما فات فاستدرك فيما هو آت.
25 - إطلاق المال تقييد الرجال.
26 - إذا لم تؤد حقوق إخوانك ذهبوا عباديد.
27 - الاستغناء خيرٌ من الغنى، إذ ليس في الغنى كل المُنى.
ما أجلّ هذه الجملة وأجملها، وأملكها لأعنّة الفضل وأكملها، ولعمر الحصافة والتدبر أنها لممَّا تشهد بصحتها القرائح القارحة، والألباب المتقادحة، وتسمعها آذان العقول، وتبصرها عيون البصائر وتراها على اليقين والبتة، والبداهة والضرورة. نعم، وبعد! فلها شرف المضمون، وسلامة
اللفظ، وبراعة المعنى، وجزالة البيان، أحلتُ شرح كل ذلك إلى فطانتك أيها السامع، ونباهتك أيها المتدبر المنصت، فاعرفها، واحتفظ عليها، ومما يقرب منها ما وجدته لبعض فصحاء الصلحاء حيث يقول: (يا ابن آدم، إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك، فكل شيء منها يغنيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فكل ما فيها لا يغنيك) وأمثالها كثير عن معادن الحكمة، وأهل بيت الوحي والعصمة، صلوات الله عليهم وعلى ذراريهم وسابقهم وتاليهم.
قال سدَّد الله قوله، ومدّ ظله وطوله:
28 - من أنفس الأخلاق، قطع العلقة عن الأعلاق.
29 - إدرار الإحسان، إكثار الأعوان.
30 - إذا كان الذئب راعي القطيع، فالخطب فظيع والموت ذريع.
31 - اكسر سورة الشهوة بفورة الجوع، وامنع جماح الحرص بزمام القنوع.
32 - اقنع بالزهيد من القوت، وقم لله بالقنوت، فإن فاتك شيء في الدنيا ففي الآخرة لا بفوت.
33 - إياك والاقتحام في الأمور العظام، قبل الاستشارة من ذوى الأحلام، والاستخارة من الملك العلاّم.
34 - أعلى مقامات العارفين التسليم لأمر الله، ثم الرضا بقضاء الله، ثم التوكّل على الله.
35 - أسّ العبادة ثلاثة: خلوص النية، وحضور القلب، والاعتراف بالقصور في العبودية.
36 - إذا طال الكلام، خفي المرام.
37 - أفٍ لزمان سَحاب الباطل فيه هاطل، وغمام الغم هامل، ومزن الحزن ماطر، وغيم الهم قاطر، سبل الفساد خرب البلاد، ونار الفتنة أحرقت العباد، وانمحى فيه اسم الدين فضلاً عن رسمه، وانقطع فرع الشرع فضلاً عن أصله، الباطل فيه مشيع، والحق مضيع.
(حرف الباء)
1 - البداية أنموذج النهاية (وغاية الشيء تدرى من مبادئه).
2 - بسط الموائد، يقرّب الأباعد، وينشر المحامد.
3 - بلوغ الآمال، بركوب الأهوال.
4 - بئست المأكلة، ما تحصل بالمسألة.
5 - بئس النوال، ما سبق بالسؤال.
6 - بروق المطامع مصارع.
7 - البطنة تعفي الفطنة.
(حرف التاء)
1 - التوكّل: أعظم أنحاء التوسل.
2 - التحبّب حبالة المودة، والتزاور لدوامها معدّ وعدة.
3 - تشقيق المسألة عون على جوابها.
4 - التفكّر مفتاح الفلاح، ومصباح النجاح.
5 - التعب، ولا العَتَب.
6 - توجيه الغلط غلط آخر.
7 - تذكُّر الموت عقال النفس عن شهواتها، والتفكّر في حقيقته ملةٍ لها عن لهواتها.
8 - تسكين فورة الخصم بمبادرة السلام.
9 - التواضع سُلَّم الرفعة.
10 - تسخير الخَلق، بحسن الخُلق.
11 - تعمير الدنيا تخريب الآخرة.
12 - تذكّر جلال الله عون على حضور القلب.
13 - تفحّص في موارد الأمور عن مصادرها.
14 - توزيع الوقت توسيعه.
15 - تشتيت الوقت تفويته.
16 - تقييد النفس بالجوع والسهر، إطلاق للعقل في إعمال النظر.
17 - تذكُّر المنيّة، منسٍ لكل أمنية.
18 - التفكّر قبل العمل عون على سرعة انقضائه.
19 - تذليل الصعاب، بتثقيل الركاب.
20 - التجاهل يمنع التجاسر، والتغافل يرفع التنافر.
(قد مر نظير هاتين الفقرتين وهما بمنتهى الحسن والبلاغة، وشرف المعنى ونافع الحكمة، فتدبّر إنشاء الله تعالى).
21 - في تفريغ البال وتقصير الآمال، توسيع الحال وتأخير الآجال.
22 - التنافس في غير الخير لا خير فيه.
23 - تباً لزمان سوق الآخرة فيه كساد، وبضاعة تجَّاره إلى نفاد.
(حرف الثاء)
1 - ثمر المعرفة خشية الله، وثمر الخشية رضوان الله.
2 - ثقْ بالواحد الأحد، ولا تثق من الناس بأحد.
(حرف الجيم)
1 - جُماع الخير كله الثقة بالله.
2 - الجفاء من الأحبّاء أشد مضاضة، والخيانة من الأصدقاء أكثر غضاضة.
3 - الجمال محاسن الأخلاق لا بياض الوجه وسواد الأحداق.
(الحماسي) [بحر الكامل]:
ليس الجمال بمئزرٍ |
فاعلم وإن رديتَ بردا |
|
إن الجمال مفاخر |
ومحاسن أورثن مجدا |
(وأطيب منه قول أبي الطيّب) [بحر الطويل]:
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له |
إذا لم يكن في فعله والخلائق |
4 - الجهل بالجهل داء لا دواء له.
5 - الجفاء من الأحباء أكظ، والشقاء من الأقرباء أمض.
(حرف الحاء)
1 - حبّ السلامة، يزرع حبّ الملامة.
2 - بالحباء، تكثر الأحباء.
3 - حسن التوسط في الأمور غير مخصص.
4 - حسن المودة في انعكاسها.
5 - الحر مملوكُ عقلِه، لا مَن ملك الأحرار بجهله.
6 - الحرّ لا يتحمّل المَنّ.
7 - حال الصديق شاهد صدق على الحال.
8 - الحازم، يرى اللوازم.
9 - حياة المؤمن في مماته.
نظر أحسن الله نظره إليه في نسخة الأصل التي جمعنا فيها هذه المحكمات من حكمه فكتب على الحاشية بقلمه ما نصه:
10 - حسن العاقبة من أهم المطالب وأكملها، وأتم المأرب وأفضلها، وأربع المقاصد وأعلاها، وأفخر الفوائد وأولاها.
(حرف الخاء)
1 - خير التواضع ما كان في الأمراء.
2 - خير الإخوان مَن وقاك، وشرهم مَن أشقاك.
3 - خذ حذرك، تأمن وزرك.
4 - الخيانة مع الخائن في ظلمه أمانة، واستيمانه عليه خيانة.
5 - الخداع من أسوء الطباع.
6 - خير المودة ما كانت معكوسة.
يمكن أن يراد بانعكاس المودة هنا كونها من الطرفين ويكون المراد بها فيما تقدم قريباً كونها تدوم فلا تكون الفقرتان بمعنى واحد، بل يكون محصلهما أن حسن المودة كونها دائمة، وخيرها ما كان من الطرفين، ولقد أبدع الأرجاني بقوله:
مودته تدوم لكل هول |
وهل كل مودته تدوم |
7 - خير المغاني ما بني على كسب لا اللهو بالأغاني.
8 - خير الناس مَن سعى في خير الناس.
هذا موضع ما يقال في الأمثال: (أنجد من رأى حضناً). وهذه الكلمة تدل على
شرف النفس وعلو الهمة ونفاس الجوهر والحنان العام والتمحض في خيرية الذات وجوهرية الصفات، فجزى الله قائلها عن كرم الأخلاق ومحاسنها خير جزاء المحسنين، ومثلها أو قريب منها قوله دامت خيراته:
9 - خاتمة الخير خاتمة الخيرات.
وقفت عند البلوغ إلى هذا الموضع من الجمع والتحرير على فقرة من جوامع الكلم لسيد المرسلين (صلوات الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين) مما جمعه القضاعي في الشهاب، وهي قوله (صلوات الله عليه): (خير الناس أنفعهم للناس) وهذا من الاتفاق الغريب، فإني أعلم على البت واليقين أن سيدنا الشريف (مد الله ظله) ما وقف على هذا الكتاب ولا بلغه مدة عمره، وحسن هذا الاتفاق مما يدل على معنى باهر، ولا جرم فإنه دوح تلك الشجرة، وزيت هاتيك الثمرة، فهو يحتاج من ذلك القليب، ويشقى من تلك الشآبيب، متعنا الله ببقائه إنشاء الله تعالى.
(حرف الدال)
1 - دليل عقل المرء كلامه، وعن جوهر حكمته تنبؤك أحكامه.
صدق أيَّده الله وأصاب المحل وطبق المفصل، ومن هنا تعرف علو مقامه، وشرف ذاته بشرف حكمته وأحكامه، فتدبّر في كلماته فإنها مرآة ذاته.
2 - الدنيا نوم نائم، ومسراتها أحلام حالم.
3 - من الداء العياء، إخفاء المرض عن الأطباء.
(حرف الذال)
1 - ذكر الله جلاء القلوب عن درن الذنوب.
2 - ذلاقة اللسان تعمل عمل السنان.
3 - الذلة والطمع توأمان، والعزة والقناعة رضيعا لبان، والجود والسؤدد فرسا رهان.
4 - ذلة السؤال قصيرة الأمد، ولذّة العلم إلى الأبد.
5 - ذلل صعاب الأمور بالتوطين على ركوبها.
(حرف الراء)
1 - رضوان الله لذة لا تدركها العقول، ورحمته غاية كل مأمول.
2 - رُبَّ منع أحسن من عطاء، ورُبَّ بُخلٍ خير من سخاء.
3 - رُبَّ فائدة تمنع فوائد، ورُبَّ مائدة تدفع موائد.
4 - رُبَّ خير يعقب شراً، ورُبَّ نفع يجلب ضراً.
5 - راع سربك تملأ غربك.
6 - الرضا بالقضاء يهون كل ملمة، والهمة تكفي كل مهمة.
7 - رحم العدى أشد من شماتتهم.
8 - رُبَّ مرارة تؤل إلى حلاوة، ورُبَّ محبة مغبتها عداوة.
9 - رُبَّ منادمة تعقب ندامة، وكم من مجالسة تورث ملامة، ورُبَّ مزاورة توجب منافرة، ورُبَّ محاورة تنجر إلى مشاجرة، فكن حبيس بيتك، وجليس دارك، وهيِّئ العدَّة والزاد لمحل قرارك.
10 - في الرضا بالقسمة راحة القلب، الرقيب عتيد والأمر شديد، رُبَّ إقدام تزل فيه الأقدام، رُبَّ كلام كلام ورُبَّ سلام سلام.
(حرف الزاء)
1 - زينوا محاسن الأقوال، بمحاسن الأفعال.
2 - الزمان بأهله، وكل شيء لاحق بأصله.
3 - الزهادة، مجمع كل سعادة.
4 - الزهادة واسطة قلادة الفضائل، والحرص والطمع من أرذل الخصائل.
5 - زم نفسك بزمام الهدى، ولا تحسب أنك تركت سدى.
6 - زيارة الإخوان زيادة الأعوان.
7 - زكاة العلم نشره.
(حرف السين)
1 - السكوت سلم السلامة، والكلام معرض الندامة.
(ولقد أحسن الحسن بن هاني في قوله):
إِنَّما السالِمُ مَن أَلجَمَ فاهُ بِلِجامِ |
مُت بِداءِ الصَمتِ خَيرٌ لَكَ مِن داءِ الكَلامِ |
2 - السيب يستر العيب.
3 - سالِمْ الناس تسلم ولا تشاغبهم تندم.
4 - سرك أسيرك وإلاّ فأنت لسيره.
5 - السرعة معرض الصرعة.
6 - السيرة ترجمان السريرة.
7 - السالك أخبر بالمسالك، وأبصر بالمفاوز والمهالك.
8 - سالمة البدن بقلة الطعام.
9 - سيّان البذل في غير موضعه، وتركه في موقعه.
10 - سلامة الدنيا والدين، في الالتزام بالشرع المطهّر المتين.
11 - سلّم أمرك إلى الله تسلم.
12 - سَوْرة الغضب مطية العطب.
(حرف الشين)
1 - شر الناس من باع لدنياه آخرته، وشر منه من باعها لدنيا غيره، وشر منهما من باعها بلا ثمن فعاد بصفقة خاسرة، لا دنيا ولا آخرة.
2 - شاور في الأمور تعرف صوابها.
3 - مَن شرف المرء جلوسه دون محل شرفه.
4 - الشرف بالبصيرة لا بالعشيرة.
5 - شماتة العدى مرة ورحمهم أمر.
(حرف الصاد)
1 - الصبر مرٌ حُلو العاقبة.
2 - صفاء القلب بمجانبة الحرام.
3 - صاحب السر بكتمانه أولى؛ فإن لم فغيره أولى بأن لا.
4 - صُنْ نفسك عن الكبر صوناً، وامش على الأرض هوناً.
5 - صلاح الأمور بالإعراض عن الأعراض، والإغماض عن الأمراض.
(حرف الضاد)
1 - الضراعة بضاعة العاجز.
2 - الضلالة العمياء جهل المرء بجهله.
(حرف الطاء)
قد رَشَحَ قلمه الشريف على هذا الحرف بثلاث فقرات، كلها عقود درر ولئالئ غرر، وهي أحسن ما قيل في ذم الطمع وتهجينه، قال أدام الله ظله:
1 - الطمع حبالة الكراهية.
هذا حكم تشهد به التجربة، وتحكم به الضرورة، ويقضي به العيان والوجدان، فإنك لا تزال تجد صاحب الطمع كريهاً للناس بغيضاً إليهم، ثقيلاً عليهم، كلاً على الطباع، مطبوعة فيه على الدفاع، ثم زاد (زاد الله في أيامه) فقال:
2 - الطمع فقر حاضر.
وهذه أعلى من الأولى وأجلى ولقد مخض بها الحقيقة، وجاء فيها بزبدة الصواب، فإنك جدّ خبير أن ليس الفقر سوى الحاجة والنقص والعازة، وصاحب هذه الرذيلة لا يزال محتاجاً ناقصاً، مفتقراً لغيره ولو قرن إليه ملك قارون، وجرت عليه فلزات المعادن مجرى العيون، ولقد تنبَّأ المتنبي بأمثال قوله:
وَمَن يُنفِقِ الساعاتِ في جَمعِ مالِهِ |
مَخافَةَ فَقرٍ فَالَّذي فَعَلَ الفَقرُ |
(ولكن سبقه الحماسي إلى أحسن من ذلك بقوله):
غنى النفس ما أغناك في سد فاقة |
فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا |
ولقد بذّ الجميع قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في النهج حيث يقول: (عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء).
ثم زاد سيدنا الأستاذ زيدت مفاخره، فقال:
3 - الطمع شرك الشرك.
وهذه أبلغ الجميع، فإن الطمع (والعياذ بالله) قد يبلغ بصاحبه إلى أن يتخذ موارد
أطماعه ومواضع آماله آلهة مع الله أو دونه، فيخضع لأرباب الأموال وأصحاب الثروة خضوع المخلوق للخالق، ويعبده عبادة المربوب للربّ، وهذه هي العبودية المؤبدة، والأسر المهلك، كما قال سيد الموحدين عليه السلام في النهج (الطمع رق مؤبد) أعاذنا الله من الإنهماك في حبّ الدنيا، والعمى عما عندالله وهو خير وأبقى.
(حرف العين)
1 - العجلة تعقب الندم.
2 - عليك في الأمور بتعيين مباد ئ ها، فيها تعرف خافيها وبادئها.
3 - العجل يورث الندم والخجل.
4 - عليك باستعظام كل أمر يرد عليك وإن كان حقيراً لديك، فرُبَّ يسير ينجر إلى عسير، وكم من أمر في البادي أهين، وعسره في الآخر بيّن.
5 - العبادة بلا حضور القلب قالب بلا قلب.
6 - على جِدك عَلا جُدّك.
7 - عاقب من أساء إليك بالإحسان إليه إن كان عاقلاً وإلاّ فدع.
انظر، ما أشرف هذه الفقرة وأعلاها، وما أعزها وأغلاها، وما أجل صوغها ومضمونها، وأكثر محاسنها وعيونها، وإن العجب والاستحسان لا ينتهى فيها ولا يأتي عليها، وانظر إلى القيد الذي تضمنه بقوله: (إن كان عاقلاً) كيف وقع موقعه وأصاب محله، وكيف زاد على نورها نوراً، وشاد لها سوراً، فإن الإحسان إلى الجاهل عقيب الإساءة، وغب البذاءة لا يزيده إلاَّ جراءة:
إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ |
وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا |
ومغزى الفقرة ومرماها أعلى وأشرف من محصل البيتين على نفاستهما وعلو شأوهما وتناهي بأوهما، وذهابهما في الآفاق مذهب الأمثال، فذق تعرف، وتأمل تنصف. نعم، هكذا يجري الله الحكمة على لسان أوليائه، وخلّص أصفيائه، ونحن إليه - جلّ شأنه - نرغب في أن يجعلنا من المقتدين بهم قولاً وفعلاً، وعلماً وعملاً، إنه سميع مجيب.
قال أنار الله معاليه، وأبار بالشنآن شانيه:
8 - عليك بطلب المعالي ولو بركوب الوالي.
9 - عليك بما عليك قبل أن تخرج الفرصة من يديك.
10 - العطاء غطاء العيوب.
هذه أخت قوله السابق (السيب يستر العيب) وكلاهما بمنتهى النفاسة والرصانة، والسلاسة والمتانة، واللطف والظرف، والعلو والشرف، فلا زالت بحور علمه الزواخر، تقذف لنا بهذه الجواهر.
قال (أدام الله طوله) تقذف بشأبيب الحكمة قوله:
11 - في العجلة مزلّة الأقدام، ورُبّ إحجام خير من إقدام.
12 - العدو الصادق خير من الصديق المنافق.
13 - عليك بالتؤدة في الأمور وإياك والتواني.
14 - عليك في كل ليلة قبل نومك أن تتذكر أشغال يومك، فإن كانت على ما يليق فقرّ عيناً، وإلاّ فخذ حذارك وبادر وتدارك.
15 - عليك بالإحسان إلى الفقراء، فإنهم حاملوا زادك إلى معادك.
16 - عليك بقلَّة الطعام وخفَّته، وحفظ الفرج وعفَّته، فإن الكظّة تُوجِب الكسل، وتمنع عن الإقبال في العمل.
17 - العقل يطير بجناحي الاستشارة والتدبر وإلاّ فهو معقول.
18 - عليك قبل العمل بتهيئة الجواب، فلكل خطأ وصواب كتاب، وعلى كل عمل حساب.
(حرف العين)
1 - بغدر الزمان تغدر الإخوان.
2 - من الغباوة الظاهرة الرضا بفيض الدنيا من فيض الآخرة.
(حرف الفاء)
1 - الفقير الصبور أقرب إلى الجنة من الغني الشكور.
صدق (أيَّده الله) وأصاب؛ وذلك لا من الفقير من المناقشة وطول الحساب وامتداد الموقف.
2 - فر َّ غ قلبك عن الهواجس والوساوس يُفرِغ الله فيه الحكمة.
3 - الفخر بالأدب لا بالنسب.
4 - الفضل بالفضيلة لا بالقبيلة.
قال جده أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): (مَن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
5 - الفلاح بالصلاح.
6 - الفقر إلى الله غنى.
(حرف القاف)
1 - قل خيراً تسمع خيراً.
2 - بقدر الطول يكون القول.
3 - قول العاقل من عقله وتعقُّله أمام قوله.
4 - القناعة تجارة لن تبور.
5 - القناعة بضاعة الفقراء.
6 - القناعة أحد اليسارين، واللؤم أشدّ الإعسارين.
7 - القزّاز أعرف بالبزّ من البزاز.
8 - القلم أحد اللسانين، واللسان أحدّ السنانين.
9 - القول المعروف من الصدقة بالمعروف.
10 - قد قرب الرحيل، وبعد المقيل، فإلى متى هذا الغرور، وحتى مّ الانخداع بالغرور، أما آن أن تستفيق من غفلتك، ألم يإن أن تستيقظ من نومتك، ففيم رجاؤك، وعلى م إبطاؤك، وأين جياؤك، وأنّى بكاؤك، الأخوف الأوجل، ألا حياء، ألا خجل.
(حرف الكاف)
1 - كن في الفعال أصدق منك في المقال.
2 - كيف الأمان إذا الأمين خان، والصديق مان.
3 - لكل ذي بداية نهاية.
4 - كم نديم بالمنادمة أراق المُنى دمه.
5 - كم من سرور غرور.
6 - لكل من السكوت والكلام مقام.
7 - كفران النعمة يوجب زوالها.
8 - من كمال المتانة والفطانة، كتمان السرّ ولو عن البطانة.
9 - كل داء دواؤه سهل إلاَّ داء الجهل.
10 - لكل داء دواء، إلاَّ داء الجهل بالجهل فإنه عياء.
11 - كثرة الكلام توجب القساوة، وكثرة الطعام توجب الغباوة، وكثرة المزاح توجب العداوة.
(حرف اللام)
1 - اللين في الكلام أبلغ في إنجاح المرام.
2 - لين الجانب يقرّب الأجانب.
3 - ليّ الغارب يبعد الأقارب.
4 - اللسان ترجمان القلب.
5 - ليكن أخبارك عقيب اختبارك.
6 - لستَ ممَّن يعقل إن لم تعقل لسانك عن التكليم بما لا تعقل.
7 - ليس كلما يُضمَر يُظهَر، ولا كل ما يُسمَع يُذكَر، ولا كل ما يُعلَم يُقال، ولا كل ما يُرجَي ينال، ولا كل ما يُسأل يُجاب، ولا كل ما يكره يعاب.
8 - ليست العزة بتحسين البزة، بل بالتواضع وإكرام الأعزّة.
9 - لو كان للباطل جولة، فللحق صولة تعقب دولة.
10 - لكل شيء غاية، ولكل أجل نهاية، ولكل حد نصاب، ولكل عمل حساب، والحسيب نقيب، والرقيب عقيب، والمستوفي مناقش، والمسيطر دقيق ن والخطب جليل، والهول هويل، والأمر شديد، والسد سديد، وان كنت في غفلة فبصرك اليوم حديد، ولا رافع ولا شافع، فأين الخلاص، ولات حين مناص.
(حرف لا)
1 - لا تُحمد العَجَلة إلاَّ في الخير.
2 - لا يُعرف قدر النعمة إلاَّ بعد زوالها، ولا حقيقتها إلاَّ عند انتقالها.
3 - لا تجالس مَن تجالس، إلاَّ بعد اختباره في مجالس.
4 - لا تقع في مهمّ إلاَّ بعد أن تحوم حوله.
5 - لا ترد أمراً قبل تعيين مصدره.
6 - لا تستشر إلاَّ من الحوّل القلّب، فإن برقه ليس بخلب.
7 - لا تخض في غمار الأمور قبل أن تعرف مخاضها.
8 - لا تخف من وعيد المرعد المبرق فإن رعده كاذب، وبرقه خالب، وسحابه جهام، وإياك والسكوت، الغير اللفوت، المطرق، فإن في سكوته سمام، وفي كنانة صمته سهام.
9 - لا تنظر إلى الصغيرة بالصغر، فكل صغير وكبير مستطر.
10 - لا تعتمد على أحد، إلاَّ على الواحد الأحد.
11 - لا تصاحب المائن المارق، فإن الطبع خائن سارق.
12 - لا تلج باباً يضيق عن قطرك.
13 - لا تسعر ناراً لا تقدر على إطفائها.
14 - لا خير إلاَّ خير الآخرة، فإن كل خير في الدنيا مشوب ناقص، وخير الآخرة صافٍ مصفى خالص.
15 - لا تمش في الأرض مرحاً، فإنك لا تدري إن لك في جوفها فرحاً أو ترحاً.
16 - لا خير فيمَن حال مستقبله مضارع لماضيه.
17 - اللائم نفسه مصيب، والعائب غيره معيب.
وله (أدام الله عزَّه وظلَّه) على هذا الحرف نسخة جامعة لسعادة الدارين، وفوز النشأتين، قد أخذت بأطراف الشرف، وملكت أعنة الفضل، واستباحت باحة الكمال، وحوت عز المحامد وأنفس الفرائد، وأقعس الفوائد، فليغتنمها طالب الحقائق، وراصد الدقائق، وقانص الشوارد والأوابد، فإنَّا من نفيس الحكم وشريف النصائح، وأنموذج العظات، وهي قوله أنار الله به
دعائم الهدى، وأمار به قوائم العدى:
18 - لا بد للرياسة من كياسة وسياسة، ومتانة ورزانة، وديانة وأمانة، ووقار من غير استكبار، وسكينة من غير استنكار، وهيبة في لين، ومنعة في تمكين، وبصيرة بالأمور ليوقعها مواقعها، وخبرة بالمطالب ليضعها مواضعها، ومعرفة بطبقات الناس ليعطي كلاً حقه، وملاحظة جلال الله وهيبته وكبريائه وعظمته، والمخافة منه تعالى أقصاها، فإن كتابه لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، والمقصد الأقصى، والغاية القصوى، مراقبته تعالى في جميع الحالات، وساير الأوقات، في كافة الحركات والسكنات.
(حرف الميم)
1 - المداراة مع الأعداء مواراة حب الحب في قلوبهم.
2 - مدح غير المحمود ذمٌ.
3 - المال زينة ولا كالكمال.
4 - في المبادرة مخاطره.
5 - الموكل أمره على الكافي مُكفَى.
6 - مجالسة العلماء عبادة، ومجالسة الفقراء زهادة، ومجالسة الصلحاء سعادة.
7 - مجاري الأمور تعرف بمنابعها.
8 - مجارات الأحمق حمق.
9 - مصائر الأمور تعرف من مصادرها.
10 - مرارة الدنيا حلاوة الآخرة.
11 - مرارة الصبر تؤل إلى حلاوة.
12 - مفاتيح المشكلات بأيدي التفكّر.
13 - المعالي تحت ظلال العوالي.
14 - المجاراة مع الداني دناءة، ومع العالي جراءة.
15 - المسبوق بالعدم ملحوق بالعدم، ومن بذاته لا يلحقه العدم ثابت له القِدَم.
16 - المكثار مهذار.
17 - المعذرة عن التقصير مغفرة له.
18 - ما لكَ يَجُبُّ قلبك بفوات ما لم يَجِبْ، ولا يَجُبُّ بفوات ما يجب؟!
19 - مفتاح السعادة إكرام السادة.
20 - مضلة القلم، أضرب من مزلَّة القَدَم.
21 - مسارح الهوى مطارح الهوان.
22 - مصاحب الشخص مرآة حاله، وصديقه مصداق أخلاقه وأفعاله.
24 - المنية ولا الدنية.
25 - من حولة الدهر وحولانه عبرة، تديم العبرة ولا تورث العبرة.
25 - من عظيم الزلل الخلف بين القول والعمل.
(باب ما ومن)
1 - ما فاز بالمعالي، من ترك السهر بالليالي.
2 - مَن أطلق عنان لسانه، فلينتظر قرع بنانه بأسنانه.
3 - مَن عاب من لا عيب فيه، عاب نفسه بفيه.
4 - مَن نصب قدره رفع قدره.
5 - مَن طال مناه طال عناه.
6 - مَن كثر نداه بعد مداه.
7 - مَن بخل ببزه جاد بعزه.
8 - ما أطيب العيشة مع خفة المعيشة.
9 - مَن درّ عيشه بلا نصب، زاد طيشه بلا سبب.
10 - مَن قصرت يداه كثرت عداه.
11 - مَن لانت عريكته رفعت أريكته.
12 - ما أطيب طعم الصحة وأحلاها، ولكن ما أجهل قدرها وأخفاها.
13 - مَن قصر خطاه قل خطاه.
14 - مَن جفّت يداه، كرهه مَن عداه.
15 - مَن تفكَّر قبل عمله، أمن من زللُه.
16 - مَن كثر غباره لم يؤمن عثاره.
17 - مَن استعان بالأحمق فقد رمى بسهم أفوق.
18 - مَن قصرت همَّته طالت غمته.
19 - ما مضى بعيد وإن قرب، وما يأتي قريب وإن بعُد.
20 - ما مضى قريباً أبعد مما يأتي بعيداً.
21 - مَن لبّ غير مئزره وأزر عدوه على ضرره.
22 - مَن زرع الشعير لا يحصد البر، ولا يجتني الحلو من غرس المر.
23 - مَن قبحت صفاته قرعت صفاته، ومَن خفّت حصاته صدعت قناته.
24 - مَن طار بجناح غيره فهو في جناح الوقوع.
25 - مَن طار بهواه، في غير هواه، سقط في مهواه.
26 - مَن اكتفى برأيه في المهمات فقد عرّض نفسه للملمّات.
27 - مَن ترفّع اتضع، ومَن تواضع ارتفع.
28 - ما أكذب المقال، إذا لم تصدقه الفعال.
29 - مَن مُلئت راحته قلت استراحته.
30 - مَن ناطح غير قرنه فقد سعى في كسر قرنه.
31 - مَن سالم الناس سلم، ومَن شاغبهم ندم.
32 - مَن خف عياره كثر عثاره.
33 - مَن علا دخانه رفع مكانه، وكثر أعوانه.
34 - مَن استعان بالأحمق فقد أملق.
35 - من أخفى على الطبيب داءه، فقد ضيّع على نفسه دواءه.
36 - ما أقربه إلى مقصوده، مَن انقطع عن الناس إلى معبوده.
37 - مَن سبر خبر، ومن خبر ظفر.
38 - مَن لم يرض بالقضاء ضاق عليه الفضاء.
39 - مَن لا اعتبار له لا اعتبار به.
40 - مَن لم يعرف السباحة فليترك الملاحة.
41 - مَن وطن نفسه للنوائب هانت عليه المصائب.
42 - مَن سرّح نفسه في هواها وأرسلها في مرتع مشتهاها، سعت به إلى الشقاوة منتهاها.
(حرف النون)
1 - النقيب مصيب.
يعني أن مَن نقّب عن الأمور، وصار دأبه الفحص في كل أمر وعمل، أمن من الخطأ وأصاب الصواب.
2 - نفسك نفيسة فاربأ بها عن الخسيسة.
3 - نصيحة مليحة، تقبلها القريحة، الصحية إذا عثرتم بالاتفاق، على ألفاظ رقاق، أو صدتم من المعاني الدقاق، فقيّدوها وشدوا الوثاق، من غير منّ ولا فداء للإطلاق.
4 - الناس أجناس، ضعفة وأكياس، فكلّم كلاً على قدر عقله، ولا تحمله ما لا طاقة له بحمله.
5 - النظل الثاقب يرى العواقب.
6 - نعم العون على الطاعة، تذكر أهوال الساعة.
7 - نيل البركات بحسن الحركات.
(حرف الواو)
1 - الوقار مهابة، والوفاء نجدة ونجابة.
2 - الوحدة للسلامة نَعِمَّ العدة.
3 - الوعود قيود، والأرزاق حظوظ وجدود.
4 - وجود الأخيار فينا ضروريّ، والقول بالجبر شطط، فالإيجاب في الباريء غلط، لأنّ المعطي غير فاقد لما يعطي، والشرور أعدام وإضافات، فقول الثنوي من الخرافات.
هذه الكلمات الحَكَمية مشتملة على جملة من الطالب العلمية:
منها: ثبوت الاختيار للإنسان في أفعاله، وقد استدل عليه بالضرورة، وذلك أن الفعل الاختياري ليس إلاّ ما صدر عن علم وإرادة. والوجدان يقضي بأن العاقل لا يصدر الفعل منه إلا بعد علمه به وبمقتضياته وسائر جهاته، ثم تنبعث له الرغبة والشوق إلى إيجاده، فيوجده حيث يكون داخلاً في حيطة قدرته، ولا شك أن الفعل حينذٍ مستند إليه وأنه هو
العلة القريبة التي إليها يستند التأثير عند العقلاء، لا إلى العلل البعيدة. فالقول بالجبر - بمعنى أن الفعل يقع من العاقل أراد أم لا، أو أن إرادته لا مدخل لها في التأثير، أو غير ذلك - شطط ومجازفة ومصادمة للبديهة. وإذا ثبت الاختيار فينا، فثبوته في الحق جلّ شأنه أول وأولى وأجلّ وأجلى بالقاعدة المسلمة التي يقضي العقل والضرورة بصحتها، وهي أن الشيء إذا كان غير فاقد لما يعطي، فيلزم أن يكون الحق جلّ شأنه غير فاقد للشرور معاذ الله، أو تصحّ مقالة الثنوية من أن للعالم مبدأين: مبدأ للخير، وآخر للشر، فأجاب (أيَّده الله) عن كلا الشبهتين ودفع كلاً من اللازمين المرددين بقوله:(والشرور أعدام وإضافات) ، وليست بحقائق وجودية حتى يكون معطيها غير فاقد لها، بل أمور تبعية وحقائق عدمية. ومنه ينقدح وجه عدم احتياجها إلى مبدأ آخر؛ فإنها أعدام بالذات أو أعدام ملكات، والمقام يحتاج إلى بسط كلام، ولكن بهذا المقدار هنا كفاية إنشاء الله.
5 - واحد الدنيا مَن لا يرى إلاّ الواحد. ويلك! ويلك! استعدّ للموت وشمّر ذيلك، واغتنم المهلة وقم ليلك، وبادر بالعمل واستوف كيلك، فلعلك تخلص وتنل نيلك.
(حرف الهاء)
1 - بالهمّة تنكشف كلّ غمّة، وتنجلي كلّ مبهمة مهمة.
(حرف الياء)
1 - تعرف خبايا القلب من فلتات اللسان.
2 - اليأس من الناس غنى.
3 - تعرف مزايا الرجال وخبايا قلوبهم من أطراف مقالاتهم.
وقد مر قريباً نظير هذه الفقرة، وأعلم أن تكرار المعنى الواحد بعبارات مختلفة وأنحاء متفاوتة لا يحط شيئاً من شأو البلاغة، ولا يعط خدشاً من برد البراعة، بل ليست البلاغة كما لعله قد بلغك إلاّ إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، على أن في اختلاف التعبيرات كثيراً من المزايا
والخصوصيات التي لا تتسنى في العبارة الواحدة، ولا تتفق إلاّ في الأساليب المختلفة، وعلى هذا ما ورد من تكرار القصة الواحدة في كتاب الله الحميد وفرقانه المجيد كقصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم إلى أمثال ذلك من أقاصيصه وأحكامه، وتعاليمه وأعلامه، تجد الشأن الفذ والقصة الواحدة قد صيغت بأساليب، وصبّت في تراكيب، كلها في الإعجاز متناهية، وفي أوج البلاغة متعالية، لم يفدها التكرار إلاّ بهجةً وحسناً، ولم تعدها الإعادة إلاّ إلى المقام الأسنى. وهذا باب في البلاغة واسع، ومقام من الفصاحة شاسع، ينبعث من سعة الباع، والقوة والاضطلاع، فلا يضيرك إذاً ما مرّ عليك من بعض المعاني المكرّرة والكلمات المعادة، فإنها من شريعة الفصاحة، وإعلام الملاحة.
وهذا آخر ما أسعدنا به الحظ من جمع هذه الكلمات المحكمات، والفقرات النيرات اللامعة، من سلالة النبوة الساطعة، من فرع دوحة الإمامة.
إِذا اِشتَبَكَت دُموعٌ في خُدودٍ |
تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّن تَباكى |
الشأن كل الشأن في العمل، وأين لا أين العمل، والناس كما ترى، والزمان كل يوم إلى وراء. وإلى الله نرغب، وله نبتهل ونضرع، في إدالة هذه الحال إلى خير منها، وفي إصلاح الشئون كلها. وإلهي رغبتُ فيما طلبت، وفي ثوابه طمعت بما جمعت، ليقتدي مَن أراد القدوة، ويتأسّ بأولياء الله مَن رغب في حسن الأسوة، ورتّبت تلك الحِكَم الوقّادة، على حروف المعجم حسب العادة، والعبرة في الظرف والمعرف من سائر الكلمات، على مدخول الأداة، وسمّيت هذه الجملة.
وهل تنبت الخطي إلاّ وشيجة |
وتغرس إلاّ في منابتها النخل |
وأنا اسأل مَن منَّ عليَّ بحسن جمعها أن يمنّ عليَّ ببركة نفعها، وأن يجعلني ممَّن يتَّصف بحقائقها، ويتخلَّق بحسن خلائقها، إنه هو الكريم المنَّان وله الحمد تماماً بدءً وختاماً.
عَني بجمعها وتهذيبها، وحسن وضعها وترتيبها، معلِّقاً عليها تلك التعاليق الفائقة، والبيِّنات الرائقة، حضرة العالم النحرير والعلاَّمة الشهير: (م.. دح.. ن) (ج))
(دامت فواضله وفضايله):
بالعروة الوثقى تمسَّك تنل |
ما رمته من شرفٍ باسق |
|
ودونك الأحكام في طيّها |
منشورة عن وحيها الناطق |
|
خذها عن الكاظم مأثورة |
بالفضل يمليها عن الصادق |
نحمدك اللَّهُم على ما أسديت، ونشكرك على جزيل ما أوليت، مما منحتنا به من إتمام العروة الوثقى، التي مَن تمسَّك بها نجى، ومَن تخلَّف عنها هوى، ممَّا أبرزه يراع سيدنا الأعظم، وصراطنا الأقوم، أيَّده الباري وأبّده، وشيَّده وسدّده، بالنبي الأمين، وآله الغر الميامين
آمين آمين لا أرضى بواحدة |
حتى أُضيف إليها ألف آمينا |
الملحق رقم - 5 -
بستان نياز وگلستان راز
(إلهي نامه)
من إنشاء ونظم:
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
بستان نياز وگلستان راز
(إلهي نامه)
طبعت أولاً في مطبعة دار السلام - بغداد 1337هـ.
ثم أعاد طبعها العلاَّمة السيد محمد حسين الحسيني الجلالي ضمن إصدارات ( The Open School-Chicago )، ثم نشرت بتحقيق السيد رضا أُستادي في مجلة"نور علم".
ثم نشرها ملخَّصة السيد جوني زاده سنة 1364 ش في مجلة"نداي يزد" العدد 29/49.
ونشرت أخيراً وقد ترجمت فقراتها العربية من قبل الشيخ مهدي أبو المعالي في كتاب"سعادت ها وشقاوت ها" للسيد صادق حسيني يزدي - ط قم 1381ش /: ص153 - 172.
أورد ذكرها الشيخ أغا بزرگ الطهراني في"الذريعة" : 3/108.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
(كاظما)! تاكى به خواب غفلتي؟ |
فكر خود كن تا كه دارى مهلتى |
|
(كاظما)! عمرت هدر شد در خيال |
شرم بادت از خداى لايزال |
|
(كاظما)! بر خير و فكر راه كن |
توشه [اى] از بهر خود همراه كن |
|
(كاظما)! از بى خودى، سوى خود آى |
خرده، خرده، روى كن سوى خداى |
لك الحمد يا من هو (أقرب إلّى من حبل الوريد) ولك الشّكر يا من هو في غاية قربه بعيد، ربّ أرشدني إلى طريق معرفتك، وألهمني سبيل محبّتك، وأذقي حلاوة ذكرك، ووفّقني لحمدك وشكرك.
الهى! تو شاهىّ وما بنده ايم |
به شاهىّ تو جمله نازنده ايم |
|
تو پروردگار وهمه، بنده ات |
تو فيّاضى وجمله، شرمنده ات |
|
ز فيض وجودت، وجود همه |
زتو گشته پيدا، نمود همه |
|
ز هستي نشاني ندارد جهان |
به نور تو گرديده عالم عيان |
|
اگر لمحه اي باز دارى نظر |
نماند براى دو عالم اثر |
|
گسسته شود رشته ممكنات |
كند عود سوى عدم، كائنات |
|
الهى! الهى! فقير توام |
به هر جا روم، دستگير توام |
|
نباشد مرا اؤ تو راه گريز |
ندارم ز حكم تو جاى ستيز |
|
الهى! اميدتم به درگاه توست |
كه سازى خدايا تو كارم درست |
|
به جنّت مرا گر در آرى عطاست |
به دوزخ گرم مى فرستى، سزاست |
|
كسى سر نپيچد ز فرمان تو |
همه واله ومست وحيران تو |
الهى! اى كريم متعال، واى خلّاق بى مثال، واى قديم لا يزال، به چه زبان ثنايت
گويم، وچگونه طريق شكر وسپاست پويم، يا من تخير في داته سواه تباركت وتعاليت، أنت الله لا اله الاّ أنت تقدّست أسماؤك، وجلّ ثناؤك، وعظمت نعماؤك، ولا تحصى آلاؤك.
اى كه وجودت همه فضل است و جود |
گر تو نبودى، نبدى هيچ بود |
الهى! نعمتت بى شمار، وآلائت افزون از انحصار، خرد بر احصاى يكى از هزار آن غير قادر، وزبان از بيان اندكى از بسيار آن قاصر است، به جز اعتراف به عجز وناتوانى، چاره اى نه، وبه غير از اقرار به جهل وناداني راهي نيست.
شرمنده از آنم كه ندانم چه بگويم |
آزرده از آنم كه چرا هيچ ندانم |
گويم نقص توست، بهتر آنكه بگويم: (ما عرفناك حقّ معرفتك)، عجز الواصفون عن صفتك.
إلهى! [به] آن چه گمان كنم، چنانى نه چنانى، بلكه همانى كه خود مى دانى، أنت كما أثنيت على نفسك، لا أحصي ثناءً عليك، يا ذالمجد والكبرياء والفخر والبهاء.
الهى! ديگ رحمتت در جوش، ودرياى احسانت در خروش است.
الهى! خوان انعامت گسترده، وهر مخلوقى از آن فيضى برده، وبه قدر قابليّت واستعداد خود از آن خورده، فلك الحمد يا الهي بلا غايةٍ، ولك الشكر من غير نهايةٍ.
الهى! ابواب فيض به روى خاص وعام گشادى، وقسمت هر ذرّه [اى] از ذرّات مخلوقات را در ظرف قابليتش نهادى، واز ميان مخلوقات، انسان را تشريف خدمت دادى، سپاس بى قياس تو را سزاست، وشكر بى اندازه، تو را رواست.
الهى! اگر چه اين بنده عاصى، شرمنده توست از كثرت معاصى، وقابل هيچ گونه احسان واكرامى ولايق هيچ نوع افضال وانعامى نيست، و[لى] اكرام تو بي نهايت، ولطف تو بي غايت است، چه شود اگر قابليّت كرم نمايى، واستعداد فيوضات مرحمت فرمايى؟
الهى! چه كنم؟ كجا روم؟ كه را جويم؟ راز خود با كه گويم؟ نه به جاي راهى، ونه ملجأ وپناهى، ونه غير از تو پادشاهى.
الهى وربّى ورجايى، به جز تو نيست مرا راهى به جاي، چه شود در اين ظلمت شب وتنهايى، نظر رحمتى به من نمايى.
الهى! پست ترين بنده اى از بندگانت، حقير شرمنده اى از شرمندگانت، با نهايت عجز وزارى، وذلّت وخوارى، حلقه كوب باب احسان، واميدوار عطوفت وامتنان توست. اگر چه بنده [اى] لئيم است، اما به در خانه كريم است، وگر او عبدى است غريق عصيان، ولى پروردگارش خداوندى است رحمان.
الهى! بنده اى هستم لاهى، وشرمنده اى هستم واهى، رويم بدين سياهى، حالم بدين تباهى، به حق روح رسات پناهى، گاهگاهى بر من بكن نگاهى.
يارب چه شود كه يك نگاهى |
بر من فكنى تو گاهگاهى |
الهى! احوالم چنان است كه مى دانى، واعمالم چنين است كه مي بينى، افعالم زشت وزبون، كردارم ناپسند ووازگون، ولى بر كرم توست اعتمادم، وبه لطف توست استنادم.
الهى! اگر چه بر درگهت رويى ننهادم، ولى مرا ببخشاى به حقّ اشراف اولاد آدم.
الهى! از تو شرمسارم، وهيچ رويى به درگهت ندارم، بنده اى حقير وذليل وخارم، لكن به رحمتت امّيدوارم.
الها! ملكا! معبودا! پادشاها! مرا به خود وامگذار، بلكه بر رضا و بندگى خود بدار.
الهى به رحمت امّيدوارم، واز معاصى خود شرمسارم، گناهانم بريز آبرويم مريز.
الهى! از تو، به تو پناه مي برم، وخود را به تو مى سپارم، تو خود دانى و كرمت، گردن به فرمانت نهادم، وخود را به تو دادم.
الهى! چه شود بر اين مسكين فقير وحقير ترحّمى فرمايى؟ واز غضب خود دور نمايى.
الهى! اى پروردگار عزيز، نه پاى گريز دارم ونه زبان ستيز.
الهى! به جز تو ندارم پاهى، وسوى احدى مرا نيست راهى، خودت بر حالم مطّلع وآگاهى.
الهى! عاجزم، درمانده ام، عاصيم، شرمنده ام، چاكرم تا زنده ام.
الهى! اگر من مقصّرم، تو كريمى، واگر من مذنبم، تو رحيمى، واگر من حقيرم، تو خداوند عظيمى.
الهى! تو خداوند بي نيازى، چه شود گر مرا بنوازشى بنوازى.
الهى! اى قديم، واى ربّ رحيم، وايى حكيم عليم، واى بيناى خبير، واى داناى بصير، واى تواناى قدير، تو عالم السّر والخفيّاني، تو خداوند معطى المسئلاتي، روى سؤال به درگاه تو بي زوال كرده، وحاجات خود را به در كرمت آورده ام.
الهى! بر توست اعتمادم، وبه توست استنادم، وتمنّا آن كه را دوزخم آزاد، وبه وصول به رضوانم دلشاد فرمايى.
إلهى! ربّي! سيّدي! أنت مولاى ومؤيّدي، وأنت سندي ومشيّدي
الهى! الى كردگار غفّار، واى پروردگار مختار، وايى آفريننده هفت وچهار، جميع حاجاتم برآر، وبه راه توفيهم بدار.
الهى! من چنينم كه مى بينى، وتو چنانى كه مى دانى، اگر من همينم، كه عاجزم ومسكينم. تو همانى كه قادر و توانايي.
الهى! با كردار زشتم، طالب بهشتم، با آنكه تخمى نكشتم ودانه اى نهشتم، به جز آن كه حبّ تو را به دل سرشتم.
الهى! اگر ناقابلم، به درگاه تو سائلم، واگر بي حاصلم، به تقصير وقصور خود قائلم، واگر جاهلم، به تو مايل، و از غير به تو بالمرة منعزل وزايلم، وهر چه هستم فقير وعايلم، اگر ترحّمى فرمايى رواست، واگر منع نمايى بجاست، ودر اين باب چون و چرا گرفتن خطاست، امر، دست تو، وجميع مطالب پاى بست توست، بيدك
أزمّة الأُمور، ومجاريها، وأنت مالك رقاب الأمم وباريها، وبيدك ملكوت كلّ شيء، و إليك مرجع الأمور، وأنت على كلّ شيء قدير
الهى! تمام من، عجز وقصور، ودر سرشت من ضعف وفتور است، وذات تو تمام قدرت و در غايت قوّت، ودر نهايت عزّت و شوكت است.
الهى! حلقه كوب باب كرمت، وگداى در خانه وحرمت، حاجت دارد، وبه غير از اين درگاه، جايى سراغ ندارد، وپيوسته تخم امّيد در مزرع دل مى كارد، ونقش مطلوب بر صفحه خاطر مى نگارد، تو دانى ورحمت بي نهايتت.
الهى! به حقّ ذات يگانه ات، وبه حقّ صفات فرزانه ات، نوميدم مكن، كجا روم؟ چكنم؟ چاره از كه جويم؟ راز دل با كه بگويم؟ درد دل به كه اظهار كنم؟ لا أقرع إلاّ بابك، ولا أطلب إلاّ جنانك، إن أعطيت شكرت، وإن منتعت صبرت، لكن يا ربّى ما أنا وما خطري، هبني بفضلك، ولا تعاملني بعدلك.
الهى! در چاه طمع محبوس، به نظر رحمت تو محروسم، و از خود و غير تو مأيوسم، وبه تو مأنوسم.
الهى! الى مونس بى كسان، و اى فريادرس درماندگان، واى چاره بيچارگان. الهى! از خود به سوى تو مي گريزم، واز تو، به تو پناه مى برم، واز سوء حال، واختلال احوال، وتفرّق بال، وكثرت آمال، به سوى تو شكايت مى كنم، اى خداوند ذوالجلال، و الى كردگار لايزال، به حقّ محمّد وآل - عليهم صلواتك الى يوم المآل - در همين ساعت وهمين حال، از كرم عميم خودت شميمى به مشام دل برسان وشمّه اى از فيض جود خود شاملم فرما.
الهى! لك الغنى ولي الفقر.
الهى! در خود بجز عجز وبيچارگى، وناتواننى وشرمندگى، نمى بينم، و در تو به غير از غناى من جميع الجهات وتوانايى، مشاهده نمي كنم.
الهى! به بدى من مرا مبين.
الهى! چه كنم؟ كجا روم؟ درمانده ام، ناتوانم، ذليلم، عاجزم، حقيرم، فقيرم، سراپا قصور وتقصيرم، بي تدبيرم، نه كسى كه دامنش بگيرم، نه راه گريز كه پيش گيرم، به حقّ خودت دست، گيرم.
الهى! در سرشتم، عجز و ناتوانى، وسرشتم، فقر ذاتى وپريشانى است، چنانكه به حقيقت، خودت مى دانى، نه حاجتى به ذكر و بيانى، اگر مرا به خود واگذارى، تو دانى، واگر ترحّمى فرمايى، معدن كرم و احسانى.
الهى! از من همه عصيان وخطاست، لكن اگر بيامرزى جود وعطاست، واز تو رواست.
اى دواى درد بي درمان ما |
مرهمى نه از كرم |
الهى! امورم درهم، وصبرم كم، ولدم پر از غم است، اى فارج الهموم، و اى كاشف الغموم، اى گشاينده كارها، و اى نماينده راهها، گشايشى نما، و رونقى مرحمت فرما.
اى كه اندر دست تو آمال ما |
روشن اندر پيش تو احوال ما |
|
گر دهى آمال ما از جود توست |
ور نه گر مانع شوى ز اعمال ما |
|
گر عطاى تو به قدر كار ما |
فاش گويم پس بدا بر حال ما |
الهى! تا ندهى، دست نگيرم، ودر خدمتت ستاده، دل به تو دادم، و از ياد تو دلشادم، از كرمت بكن آزادم، به حقّ اشرف اولاد آدم.
الهى! از پرتو جودت، وجودم دادى، از لطف شاملت، كاملم كن، واز احسانت، هستم كرى، از امتنان دست بگير.
الهى! اگر از نادانى، گاهى غير اؤ تو را ببينم، دلم به سوى توست.
گر چه شود چشم به هر رهگذار |
دل نبود جز به تو امّيدوار |
|
ديده ظاهر همه جا بنگرد |
ديده دل گشته تو را پرده دار |
* * *
در دلم نبود خيالى غير دوست |
ره ندارد ديگرى آندا كه اوست |
در شغاف قلب، ذكرش كائن است |
ياد او جا كرده اندر رگ وپوست |
|
ذكر او باشد شفاى دردها |
غير درد او، چه درد او نكوست |
الهى! گاهى به خيال خود گمان مى كنم كه مطلب يافتن، وحاجت گرفتن از تو سهل است، چون نيك نظر مى كنم، در خود هيچ جهت استحقاق مشاهده نمى كنم، نزديك است كه مأيوس شومن.
الهى! چون رحمت تو را مي بينم، اميدوار، وچون عدم استعداد خود را مى بينم، شرمسار مى شوم.
الهى! مرا استحقاق نبايد، چون اين مطلب در حيّز امكان نيايد، زيرا كه عبد ذليل، كى مستحقّ مطلبى از ربّ جليل شود؟ ولكن تو را عطا با ناشايستگى بايد تا انسداد باب لطف لازم نيايد.
الهى! به تو تذلّل مى كنم، آن نوع كه مطلوب توست، وتضرّع مى نمايم آن سان كه محبوب توست.
الهى! كيفيّت طلب را نمى دانم، مرا تعليم فرما.
الهى! يا دفع مرض [عرض!؟] فرما يا اعطاى غرض.
الهى! يا بخواه كه نخواهم، يا بده آنچه مى خواهم.
الهى! يا بساز كارم، وبده آنچه اميدوارم، يا توفيق ده تا دست از مطلوب خواهش بردارم.
الهى! يا برآر كامم، يا بكن آرامم.
الهى! من از كثرت تقصير وقصورم، از تو دورم، تو به من نزديكى خداوند بى همتا وشريكى، اين هم نعمتى از نعمتهاى بى منتهاى توست، فلك الحمد يا من هو (أقرب إليّ من حبل الوريد)، ويا من هو في كمال قربه من عباده بعيدٌ.
الهى! يا قوى ويا عزيز، آبرويم مريز، وگناهانم، بريز، كه ندارم پى گريز، ونه زبان ستيز.
الهى! اى ربّ قديم، واى خلّاق حكيم، تو را به حقّ خودت قسم مى دهم، بر اين ضعيف ناتوان، واعجز عاجزان، افقر فقيران، ومقصّرترين مقصّران، ترحّم فرما.
الهى! توفيق، رفيقم كن تا به راه تو آيم، وتو را به اين نعم عظمى ستايم.
الها! ملكا! معبودا! پادشاها! بنده نواز! پست ترين بنده [اى] از بندگانت با كمال شرمسارى، وعجز وزارى، وذلّت وخاكسارى، وناتوانى وناچارى، رو به درگاه تو آورده، حلقه كوب باب احسان تو گشته، اميدش آنكه از روى كرم وبزرگوارى، وبنده نوازى وپروردگار، نظر رحمتى به او افكنده، به آنچه سزاوار بزرگى ولايق خدايى وكردگارى توست برسانى، واز خاك مذلّتش برداشته واز ورطه پستيش برهانى، چنانكه صلاح مى دانى.
الهى! اگر من پستم، تو بزرگى، واگر من ذليل وعاجزم، تو عزيز وقادرى.
الهى! أعوذ بك من كلّ سوء وشدّة، يا من ليس من ليس له غاية ومدّة، وفي كلّ ما نزل بي ثقة وعدّة.
الهى! اى اميد اميدواران، واى پناه ضعيفان وخاكساران، به تو امّيدوارم، پيوسته تخم رجا در مزرع دل مى كارم، وطمع رحمتت بر لوح دل مى نگارم، به حقّ خودت نااميدم مكن، يا من لا يحتاج في إيجاد ما يريد إلى شيء، حتّى قول: (كن) بل إن أراد أن يقول: (كن) يكن.
الهى! با خاطر خسته، دل به تو بسته، دست امّيد از غير تو شسته، رشته طمع از ماعدا گسسته، ودر انتظار رحمتت نشسته ام، مى دهى، كريمى، نمى دهى، حكيمى، مى خوانى، شاكرم، مى رانى، صابرم، اگر مى بخشى، مختارى، غفّارى، واگر نه خداوند قهّارى.
الهى! الهى! چشم امّيدم به درگاه تو باز، ودست طمعم به سوى تو دراز، وروى نياز به درگاه تو بى نياز، اى خداوند بى شريك وانباز، واى پروردگار كارساز بنده نواز، به مقرّبان درگاهت، اين روسياه را به نوازى بفراز، اى كريم متعال، واى
خلاّق بى مثال، واى قديم لايزال، به چه زبانى ثنايت گويم وبه چه بيان طريق مدحتت پويم.
تباركت وتعاليت، يا من تحيّر في ذاته سواه، أنت لا إله إلاّ أنت، سبحانك تقدّست أسماؤك، وجلّ ثناؤك، وعظمت نعماؤك، ولا تحصى آلاؤك.
الهى! اگر نه سزاوار رحمتم، تو سزاوار كرمى، واگر نه لايق بخششم، تو خداوند عالمى.
الهى! بعدت الآمال، وكثرت الأحمال والأثقال، وقصرت الأعمال، وساءت الأقوال، وأختلّت الأحوال، وقربت الأجال، وخسرت الصفقة فى الحال والمآل، يا الله، الملك المتعال، ويا ذل القدرة والجلال، والعزّة والكمال، والمجد والجمال، ويا ذالعطاء والنّوال، يا مبتدئاً بالنعم والإفضال، ويا بادئاً بالإحسان والإجمال، ويا معطياً من غير سؤال وجواداً غير بخّال، ويا حيّاً بلا زوال، ويا قيّوماً بلإكلال، ويا منعماً بلا ملال، يا ربّ الوهاد والجبال، يا سيّدي وسيّدي، وربّي ومؤيّدي، أرجوك فلا تخيّبني.
الهى! وإن كان قد أخرست ذنوبي لساني عن السّؤال، وباعدتني عن دار الوصال، ولم يبق لي من كثرة المعاصي وجه للمقال، وغمرتني في لجج الغىّ والضّلال، ولا أستحقّ بعد ذلك للعطاء والنّوال والأنعام والأفضال، لكنّك جلّت قدرتك، وتقدّست أسماؤك، شأنك الإحسان من غير استحقاق، وفتح أبواوب الرّحمة من غير إغلاق، والإبتداء بالإكرام والإشقاق، والعفو والإعتاق، فلك الحمد حمداً بلا نهاية، و لك الشّكر شكراً بلا غاية، ولك العزّة، ولك الفخر والبهاء ولك المجد السّناء، ولك الملك والملكوت، ولك القهر والجبروت ولك العزّة والعظموت، وأنت العلىّ الأعلى، وأنت الرّبّ الأرفع الأسنى، وأنت الفاعل لما تشاء، وأنت على كلّ شيء قدير، وأنا العبد الضّعيف الذّليل العاجز الحقير الفقير المسكين المستكين البائس، فمثلك يا إلهي يليق أن يرحم مثلي، فأنّي في غاية الفقير، ونهاية الضّعف والعجز، جامعٌ
للقصورات بلا غايات ولا نهايات.
من ممكنم وذات من از عجز سرشته |
بر لوح وجودم رقم نقص نوشته |
|
تو واجبى وذات تو از عيب مبرّا |
نوميد نه آن دل، كه به امّيد تو گشته |
الهى! رشته بندگى در گردن افكنده، واز غير تو دل بركنده، واز همه جا وامانده، رو به تو آورده، تو را خوانده ام.
الهى! به سوى تو انابه وعجز ولابه مى نمايم، الى موضع امّيد امّيدواران، واى محلّ آرزوى آرزوداران، واى غمگسار غمخواران، واى نوازنده نيازمندان، بحقّ اسم اعظمت تو را قسم مى هم، مرا به نظر رحمت واسعه خود بنواز، وجميع مهمّات مرا بساز.
الهى! الى خداوند بر حق، واى غنى مطلق، گداى در خانه توام، وحاجدات خود را به نزد تو آورده ام، اگر مى فرمايى كه مستحقّ احسان نيستم، از باب آنكه حاصلى ندارم، عطاى تو به استحقاق نيست، وجود تو را حاجت به حاصل نه، واگر فرمايى كه ناقابلم، زمام قابليّت به دست توست. اگر برانى، خودت مى دانى كه چاره اى ندارم.
الهى! هر چند مرا دور كنى، باز اميد كرم و رأفت تو مرا مى خواند.
(گويا دل من از گل امّيد سرشته).
الهى! بنده ذليلم، به درگاه تو دخيلم، گمراهم، تويى ربّ جليلم، تو طبيب هر دردى، ومن سقيم وعليلم.
الهى! از من سؤال است و از تو نوال. ووظيفه من عرض حال است وشايسته تو اكرام و افضال، سزاوار به من، تذلّل است وزيبنده تو تفضّل، ولايق من خاكسارى وناله وزارى است، واز تو عطوفت واحسان وبزرگوارى، از من عبوديّت وبندگى است، واز تو خداوندى ونوازندگى.
الهى! اى آفريدگار بي چون، واى پرورگار درون وبرون، واى داناى ماكان وما يكون، اى كريم بخشنده، واى قديم پاينده، واى زنده نماينده، واى برآرنده حاجات
هر خواهنده.
الهى! ذليلم، خوارم، عاجزم، ناچارم، حاجتمندم، درد دارم، مريضم، بيمارم، ناتوانم، مختل است كارم، اگر چه عاصيم، ولى شرمسارم، حقيرم، لكن تويى خداوندگارم فقيرم، تو را دارم.
الهى! اى سود سوداى عاشقان، واى سرمايه تجارت زاهدان، واى نور هويداى عارفان، واى سرور سينه هاى چاك، واى فرحبخش دلهاى غمناك.
الهى! درماندگى خواهم، اگر تو مونس بى كسانى، فقر مرا خوشتر، اگر تو ملجأ فقيرانى، عجز مرا بهتر، اگر تو ملاذ عاجزانى.
الهى! اى قاضى الحاجات، اى منفّس الكربات، اى معطى السّؤالات، اى وليّ الرغبات، اى كافى المهمّات، اى عالم الخفيّأت، اى غنىّ بالذّات، اى بى نياز من جميع الجهات، چه شود به اين حقير قصير بي تدبير پر تقصير، مسكين مستكين، درمانده وامانده شرمنده، بد كردار بد رفتار، كه هيچ خيرى به خود راه بردار نيست، نگاهى كنى، (يا من يفعل ما يشاء، ويعطي من يشاء، وهو على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير).
الهى! اگر مرا مى سوززانى، به آتش محبّتت بسوزان، نه به آتش جهنّمت.
الهى! به مهرت گرفتارم كن، نه به قهرت آزار.
الهى! به تير غمت دلم را ريش كن، واز ياد خودت مرا بى خويش گردان.
الهى! من به خدايى تو راضيم، نمى دانم تو به بندگى من راضى هستى يا نه؟
الهى! مردم برات آزادى مى خواهند، (كاظم)، سر خطّ بندگى.
الهى! اگر همه سرفرازى ودلشادى مى طلبند، من فروتنى وشرمندگى.
الهى! به هر نام ناميت كامى رواست، وبه هر اسم گراميت دردى دوا، (يا من اسمه دواء وذكره وشفاء وطاعته غنى، ارحم مَن رأس ماله الرّجاء وسلاحه البكاء).
الهى! از من سؤال است واز تو نوال، وظيفه من التماس وتذلّل است وعادت تو
اكرام ونفضل.
الهى! از من الحاح است واز تو انجاح، واز من زارى است واز تو غفّارى، از من نيازش واز تو نوازش، از من اظهار حال است واز تو احسان وافضال، از من عذر گفتن است واز تو پذيرفتن.
الهى! توفيق ده تا شورى كنم، واز عالم مجاز عبورى، ودر راه حقيقت سورى، واز مردم زمانه دورى.
الهى! اى سازنده، بساز، واى نوازنده، بنواز، واى برازنده، كارم بپرداز، واى دهنده، بده واى بخشنده، ببخش.
الهى! بر ما مگير (وإن كان كلّنا تقصير).
الهى! اگر چنان است كه منع وعطا پيش تو يكسان است وعطا نزد تو آسان، احسانت به من خيرى عيان است وبزرگى تو را نشان. به من نفعى از آن است وتو را نه نقصى در آن، پس چه مانع در ميان است؟ واگر اهليّت در كار است، پس چه كند بنده اى كه ناچار است؟ واگر استحقاق بايد، از ما نشايد، واگر تفضّل است، پس نه جاى تعلّل است.
الهى! اگر من از حاجت خود بگذرم، حاجت از من نمى گذرد.
الهى! اگر من گدايى نمى دانم، تو خدايى مى دانى، واگر عجز من بى پايان است، تو هر چه مى خواهى، مى توانى.
الهى! زمانى است دراز، كه چشم اميدم باز است و رويم بر خاك نياز، پيوسته در انتظارم، وهميشه امّيدوارم.
اى بسا خوابيده ام امّيدوار |
واى بسا بيدار بودم بانتظار |
الهى!
دست از طلب ندارم تا كام من برآيد |
يا حاجتم برآيد، يا جانِ من در آيد |
الهى! اگر سؤالم نه بجاست، تو را از جا و بى جا چه پرواست؟ واگر آرزويم دراز
ودور است، معذورم كه صاحب حاجت كور است.
الهى! به ذات اقدست، وبه نام مقدّست، در اين ساعت، طغراى كامرانى به نامم مجرى، وفرمان حاجت روايى در حقّم ممضى بفرما.
الهى! به حقّ خودت، الهى! به حقّ خودت، الهى! به حقّ خودت، به اسم اعظمت، الهى به نام اجلّ واكرمت، حاجتم برآر، وبيش از اين منتظرم مدار.
الهى! خودت مى دانى، دلم افسرده، وخاطرم پژمرده، مى دانى قلبم خون، وحالتم چون است.
الهى! اگر من سزاوار ترحّم نيستم، تو سزاوار كرم هستى، تو را در اين ساعت به حقّ محمّد وآل محمّد - صلواتك عليهم اجمعين - قسم مى دهم كه مرا رحم كن، وحاجتم برآر، وبر محمّد صلّى الله عليه وآله منّت گذار.
الهى! چه كنم؟ خوارم، پست وبى مقدارم، بلى چشم طمع به تو دارم، وبه امّيدوارم.
الهى! به آن نامى كه گر بخوانمت، اجابت مى كنى، اجابت كن، (ياغنىّ، يامغنى، يا الله، يا ولى الرّغبات، يا كفى المهمّات، يا الله.
الهى! أنت أنت وأنا أنا، أنت الغنىّ بالذّات، وأنا الفقير من جميع الجهات).
الهى! دستم از هر جا كوتاه، وامّيدم از هر جهت بريده، خودت مى دانى، نه بجز تو راهى دارم ونه سواى تو ملجا وپناهى.
الهى، (كاظم)، چنگ به كرم تو زده، ورو به تو آورده، واز همه جا رسته، ودل به تو بسته، منظورش دار، مسرورش كن، مراعاتش فرما، اجابتش كن، كسى ندارد، حقير و بى تدبير است.
الهى! ديده اى ده كه غير از تو نبيند، ودلى ده كه غير از تو نگزيند.
الهى! مرا آفريدى، وخلعت انسانيّت بر قامتم بريدى، معصيّت تو كردم، پرده ام ندريدى، شكرت نگفتم، نعمتم نبريدى.
الهى! ديده دلم را روشنايى ده، ومرا به خود آشنايى.
الهى! از آن ترسانم كه بار خويش به منزل نرسانم واز اين هراسانم كه معصيت توست آسانم.
الهى! شب تارم، روز روشن است، اگر تو مرا مونسى، وبخت تنهايم تخت سلطنت است، اگر تو با من آشنايى.
الهى! بنده اى از بندگانت كه (كاظم) است نامش، پست است مقامش، بلندش كن، ضايع است ايّامش، رعايت نما، مشوّش البال است، اكرامش كن، مختل الحال است، اصلاحش فرما، مضطرب القلب است، آرامش كن، از تو گريزان است، رامش كن ناقص است، تمامش كن، فقير است، انعامش كن، اسير شهوات است، خلاصش كن، گرفتار هواى نفس است، رهايش ده، در قيد تعلّقات است، فكش كن، ضعيف النفس است قوّتش ده.
الهى! اى قديم پاينده، و اى نور تابنده، اى خداى هميشه زنده، و اى جوينده يابنده، اى تواناى كننده، واى داناى بيننده، اى خبير شنونده، واى جواد بخشنده، اى محلّ امّيد هر بنده.
الهى! در دار وجود تويى وبس، بجز ذات تو نيست وجودى ملتمس، وبه غير از تو نيست كس، الهى درمانده ام وامانده ام، به فريادم رس.
الهى! اى پديدار، واى نماينده پنهان وآشكار واى پيداى ناپيدا، واى نور هويدا.
الهى! اگر از فرمانت سرپيچك، از من بگذر كه من هيچم.
الهى! اى نور رخشنده، واى مهربان بخشنده، از خود واغيار بيزارم، وبه كرم تو اميدوارم.
الهى! گمانم به تو نيك ودلم به تو نزديك است.
الهى! پرستش تو را سزاست واز آن، بى نيازى، وپرستشت مايه بى نيازى است.
من چه ام؟ چيستم؟ خود ندانم كيستم؟ در خود نگريستم، به حقيقت ديدم كه هيچ نيستم.
الهى! اگر بر من نظر دارى، آزادم، و [واگر] از نظر بدارى وبه خود واگذارى بركنده بنيادم.
الهى! دل مرا از ياد خودت شاد، وبه آب رحمتت آباد گردان.
الهى! دلم را از غم خودت خالى مگذار، چرا كه هر دلى كه غمت در آن زياد است، فرح آباد است.
غمت(1) اندر دلم مرهم زخمش بود |
نيست غم اندر دلى كز تو مشوّش بود |
الهى! (كاظم) هيچ است، با هيچ چه مى كنى؟
الهى! اگر من بدم، تو نيكى، واگر من از تو دورم، تو به من نزديكى.
الهى! به كردارم گرفتار واز رفتارم بيزار، واز نفس و شيطان در آزارم، وبه تو پناه مى آرم.
الهى! به خود وامگذارم، واز خاك مذلّت بردار، وبه راه رضاى خود بدار.
الهى! نامه عملم سياه، وحالم چون روزگارم تباه است، وزبانم از معذرت لال، وعمرم در معرض زوال است، ولى اعتمادم بر خداى لا يزال وكريم ذوالجلال است.
الهى! در ابتدا به كرمت وجودم دادى، وجميع ادوات خير در من نهادى، در انجام نيز به كرم معامله فرما.
الهى! به تو پناه مى برم، از آنكه مزدم به روايى دهى وجزاى عملم به سزايى.
الهى! با من به فضلت معامله فرما، نه به عدلت.
الهى! اگر من سزاوار عفو نيستم، تو اهل كرمى.
الهى! اگر مرا به گناه بگيرى، وعذرم نپذيرى، پس جودت چه شد؟ كرمت كجا رفت؟
الهى! رو به تو آوردم با رخساره زردم ودل پر دردم آه سردم، مگذار نوميد برگردم.
الهى! در سراى وجود، تو هستى، وبه جز تو ندارد كسى در آن دستى، واگر در هستى بر ممكنات بستى، همه برگردند به نيستى وپستى.
الهى! اى سبب ساز سبب سوز، واى غم پرداز غم افروز، روزگارم از تو فيروز است، وكار وبارم از تو بهرروز.
الهى! دلم را خلوت خود كن.
الهى! دلى ده، در آن دل تو باشى |
به راهى بدارم كه منزل تو باشى |
|
به درياى فكرت فرو برده ام سر |
الهى چنان كن كه ساحل تو باشى |
الهى! اى خداى خودآى، اى زنده، به خود پاى، واى بى شريط بى جاى، واى در عالم امكان، فرمانفرماى.
الهى! عاجزم، ناتوانم، بيچاره ام، سرگردانم، جاهلم، نادانم، طالبم، خواهانم، باكيم، نالانم، مقصّرم، مى دانم، تائبم، تو را مى خوانم، راجيم، تويى محلّ گمانم، مذنبم، ولى از دوستانم.
الهى! دلم در بند توست، وگردنم در كمند تو.
الهى! نه از اهل زمانه دلتنگ، ونه با ادوار فلكى در جنگم، زيرا كه تمام امور منوط به اختيار وقدرت تو، وهمه ممكنات، مقهور ومربوط به فرمان توست، به فرمان تو خرسند، وبه حكم وقضاى تو پابندم.
الهى! مشيت خاكى را چه شايد؟ واز او چه آيد؟ وبا او چه بايد؟
الهى! اى داناى راز، واى خداوند بى شريك وبى انباز از وادى جهالتم برهان وبه سر منزل علم ومعرفتم برسان.
(الهى! وسيّدي غلبنى الجهل فخلّصني، فإنّه عندك سهل، وأنت لذلك أهل).
الهى! از جاهلت ونادانى، از جان خود سير، واز حيرت وسرگردانى درگيرم، نه راهى كه چاره آن پذيرم، ونه طبيبى كه دامنش بگيرم، به غير از توكّل به تو، نيست تدبيرم.
الهى! اى داناى آشكار وخافى، (أنت العالم بأحوالي وأوصافي، وأنت الكافي، وأنت الشّافي آه آه من غلبة الغفلة والجهالة، ثمّ آه آه من شدّة الكسالة والبطالة).
الهى! اى طبيب دردها ومرضها، واى رافع علّتها وغرض ها، إليك المشتكى، و عليك الحوالة.
آهاً لجهلي ثمّ آهاً آها |
ويلاً وويحاً وثبوراً آها |
|
تبّاً لنفسي عجّباً لداها |
يا ليتني نلت لها دواها |
|
فارحمني اللّهمّ يا إلها |
بفاطمٍ وزوجها وابناها |
المصادر والمراجع
* آينه دانشوران ، السيد علي رضا ريحان اليزدي، ط المرعشي - قم / 1372هـ، ش.
* أبركوه ، أوضاع سياسي اجتماعي.
* آثار الحجة ، محمد شريف الرازي، ط دار الكتاب - قم.
* آثار عجم ، محمد نصير فرصت شيرازي (1271 - 1339هـ)، تحقيق وتعليق، منصور ستگار فسائي، انتشارات أمير كبير، طهران 1377هـ.
* الإجازة الكبيرة للسيد شهاب الدين المرعشي ، إعداد: محمد السمامي الحائري، ط قم 1414هـ.
* أحداث ثورة العشرين ، كاظم الدجيلي، ط بغداد.
* أحسن الوديعة في تراجم أشهر مشاهير مجتهدي الشيعة ، للسيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي، ط النجف 1968.
* إحقاق الحق .
* اختران تابناك ، الشيخ ذبيح الله محلاتي، ط 1349.
* أدب التأريخ ، للشيخ علي النازي، مخطوط في دار المخطوطات العراقية.
* أدب الطف ، السيد جواد شبر، ط بيروت.
* أربعة قرون من تأريخ العراق ، لونگريك، ستيفن همسفلي، ترجمة: جعفر خياط، بيروت 1941.
* الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية ، الشيخ فرج العمران القطيفي، ج4، ط النجف 1386هـ.
* آشنائي با فرزانگان بابل .
* الأعلام ، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، لخير الدين الزركلى (ت1396هـ) ط4/1979.
* أعيان الشيعة ، للسيد محسن الأمين العاملي (ت1371هـ). ط دمشق، بيروت 1944 - 1963م. والطبعات الأخرى.
* الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري ، للسيد أحمد الحسيني، ط النجف 1967م.
* انقلاب إيران ، ادوارد براون (فارسي)، طهران 1338ش.
* إيران في عهد محمد علي شاه 1907 - 1909 ، صباح كريم رياح الفتلاوي، رسالة ماجستير تقدم بها إلى كلية الآداب - جامعة الكوفة 1324هـ / 2003م.
* إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ، لإسماعيل باشا محمد أمين الباباني البغدادي، ط إستنابول 1364 - 1366هـ.
* البطولة في ثورة العشرين ، للسيد عبد الشهيد الياسري، مط النعمان - النجف 1966م.
* بزرگان أبرقو .
* بزرگان تنكابن ، للشيخ محمد السمامي الحائري، ط قم 1414هـ.
* بزرگان رامسر .
* بزم إيران ، للسيد محمد رضا بن محمد بن محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، مط العلمية 1380هـ.
* بغداد وثورة العشرين ، محمود العبطة المحامي، مط الشعب - بغداد 1977.
* بقايا الأطياب .
* البلاد العربية والدولة العثمانية ، ساطع الحصري.
* بلاد ما بين النهرين بين ولائين ، للسير أي. تي. ولسن، ترجمة: فؤاد جميل، ط دار الجمهورية، بغداد 1969 - 1971.
* بهجة الآمال - المقدمة.
* البصرة في ظل الاحتلال البريطاني ، حميد أحمد حمدان، رسالة ماجستير، كلية الآداب - جامعة بغداد، نيسان 1975.
* البصرة في عهد الاحتلال البريطاني ، حميد أحمد حمدان، مط الإرشاد، بغداد 1979.
* تأريخ آداب اللغة العربية ، جرجي زيدان.
* تأريخ أردبيل ، فخر الدين الأردبيلي.
* تأريخ أردكان ، علي سپهري أردكاني، كانون كتاب ولي عصر (عج)، أردكان بامكاري إداره كل إرشاد إسلامي - يزد.
* تأريخ إستان قدس رضوي .
* تأريخ الأسر الخاقانية ، حمدي الشرقي.
* تاريخ انقلاب مشروطيت إيران ، مهدي ملك زاده، انتشارات علمي.
* تاريخ أوربا الحديث .
* تاريخ أوربا الحديثة .
* تأريخ ثورة النجف ، للشيخ محمد أمين صدر الإسلام الخوئي، تقديم: السيد أحمد الحسيني الأشكوري (ميراث إسلامي إيران)، ج6، ص257 - 310.
* تأريخ الحركة الإسلامية في العراق 1900 - 1924 ، عبد الحليم الرهيمي، ط، بيروت 1309هـ / 1988م.
* تأريخ الحركة العلمية في كربلاء ، نور الدين الشاهرودي، ط إيران.
* التاريخ الدبلوسي ، لويس دوللو.
* تأريخ زنجان ، السيد إبراهيم الزنجاني.
* تأريخ سياسي معاصر إيران ، جلال الدين مدني (فارسي).
* تأريخ العراق السياسي المعاصر ، حسن شبر، ط1 / دار المنتدى للنشر - بيروت، لندن، 1990.
* تأريخ الكوفة الحديث ، كامل سلمان الجبوري، ط النجف 1394 هـ.
* تأريخ وجغرافياي چهار محال .
* تذكرة القبور ، للسيد مصلح الدين محمد مهدوي.
* تذكرة القبور ، عبد الكريم گزي إصفهاني، به كوشش ناصر باقري بيد هندي، نشر كتابخانه مرعشي - قم.
* تاريخ مشروطة إيران ، أحمد كسروي، ط مؤسسة انتشارات أمير كبير 1363هـ.
* تذكرة مشاهير ميبد .
* تراث كربلاء ، السيد سلمان هادي آل طعمة، ط بيروت 1403 هـ.
* تراجم الرجال ، السيد أحمد الحسيني الأشكوري، ط قم - إيران 1422هـ.
* تشيع ومشروطيت در إيران .
* تقرير سري عن الشعائر والسياسية، لدائرة الاستخبارات البريطانية ، ترجمة: عبد الجليل الطاهر، ط بغداد 1958.
* تكوين الحكم الوطني في العراق ، للسير برسي كوكس، ترجمة: بشير فرجو، ط الموصل 1951.
* تكوين العراق الحديث ، تأليف، هنري. أ. فوستر، ترجمة: عبد المسيح جويدة، مط العهد - بغداد 1937.
* كتاب التعارض ، السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، تحقيق: الشيخ حلمي عبد الرءوف السنان، ط 1، قم 1426هـ / 2005م.
* تربت پاكان قم ، للشيخ عبد الحسين الجواهري، ط قم 1424هـ.
* تشيع ومشروطيت در إيران ونقش إيرانيان مقيم عراق ، عبد الهادي حائري، انتشارات أمير كبير طهران - إيران 1360هـ.
* التطور الفكري في العراق ، محمد علي كمال الدين - بغداد 1960.
* تكملة أمل الآمل ، السيد حسن الصدر العاملي، ط بيروت.
* تنديس پارسايي .
* الثبت الجديد في معرفة المشايخ والمسانيد ، كاظم عبود الفتلاوي - مخطوط.
* ثورة الخامس عشر من شعبان (ثورة العشرين) ، عباس محمد كاظم (المدرسي) [د.م]، ط / 1404هـ / 1984م.
* الثورة العراقية ، السر أرونولد. ت. ولسن، ترجمة: فؤاد جميل، ط بغداد 1969 - 1971.
* ثورة العراق التحررية ، كاظم المظفر، ط النجف 1972م.
* ثورة العشرين في الشعر العراقي ، إبراهيم الوائلي (ت 1408هـ) ط بغداد 1388هـ / 1968م.
* الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق ، د. وميض جمال عمر نظمي - ط بيروت 1984.
* الثورة العراقية الكبرى ، للسيد عبد الرزاق الحسني (ت1418هـ)، ط2 / بيروت - 1385هـ / 1965م.
* الثورة العراقية الكبرى 1920 ، د. عبد الله فياض (1404هـ)، ط بغداد 1962.
* ثورة النجف على الانكليز ، أو الشرارة الأولى لثورة العشرين، حسن الأسدي، ط بغداد 1975م.
* ثورة النجف بعد مقتل حاكمها الكابتن مارشال، للسيد عبد الرزاق الحسني، ط 14، صيدا 1402هـ - 1982م.
* جامع الصور للعلماء والأدباء والكتاب ، لعبد الله عدنان المنتفكي، ج1، ط دار المودة، بيروت 1414هـ / 1993م.
* چشمه أي در كوير ، إمام زاده جعفر يزد، محمد مهدي حرّ زاده، ط إيران 1379ش.
* جغرافياي قوچان ، غلام رضا شاكري.
* جنة المأوى ، للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، جمع وترتيب: السيد محمد علي القاضي الطباطبائي، ط تبريز - إيران 1380 هـ.
* الحاج عطية أبوگلل ، للسيد مجيد الموسوي، مط السعدي - بغداد 1376هـ / 1957م.
* حاشيه رسائل الشيخ الأنصاري ، الشيخ عبد الرسول ساباطي، ط إيران 1377ش.
* الحصون المنيعة في طبقات الشيعة ، الشيخ علي بن محمد رضا آل كاشف الغطاء - مخطوط في مكتبة مدرسة الإمام كاشف الغطاء - النجف.
* حصيلة الثورة العراقية من النتاج الفكري 1920 - 1983م ، كامل سلمان الجبوري، ط بغداد 1409هـ / 1988م.
* حقائق عن الموقف في النجف من الثورة الدستورية الإيرانية 1905 - 1911 ، أ. د. علاء حسين عبد الأمير الرهيمي، جامعة الكوفة، مركز دراسات الكوفة 1422هـ / 2001م.
* حقائق ناصعة عن ثورة النجف الكبرى ، لحميد عيسى حبيبان، مط الغري - النجف 1390هـ / 1970م.
* الحقائق الناصعة في الثورة العراقية ، فريق المزهر الفرعون (ت1385هـ)، ط بغداد، 1371هـ / 1952م.
* حوادث الأيام ، نشرة ميراث إسلامي، ق 1.
* حواشي وتعليقات على العروة الوثقى ، الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، مط المرتضوية - النجف 1366هـ.
* حياة السيد اليزدي ، للسيد عبد العزيز الطباطبائي - مسودات مخطوطة متفرّقة.
* خورشيد المعارف تشيع ، زير نظر أحمد صدر حاج سيد جوادي، كامران فاني، بهاء الدين خرمشاهي، بنياد إسلامي طاهر.
* دانشمندان يزد .
* دانشمندان وسخن سرايان فارس ، محمد حسين ركن زاده، ط إيران 1377ش.
* دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث ، د. عبد الله فهد النفيسي، ط دار النهار، بيروت 1973م.
* دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار 1900 - 1920 ، السيد سليم الحسني، ط بيروت 1415هـ / 1995م.
* ديوان الملا علي التركي ، جمع وتقديم، كامل سلمان الجبوري، مطل الغري النجف 1392هـ.
* ديوان الشيخ كاظم آل نوح - مط المعارف - بغداد 1368هـ / 1949م.
* الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، الشيخ آغا بزرك الطهراني (ت1389هـ)، ط المكتبة الإسلامية - طهران ابتداءً من سنة 1355هـ / 1936م.
* ذكرى الطالقاني .
* ذكرى الشيخ عباس الخويبراوي .
* رجال أذربايجان در عصر مشروطيت ، مهدي مجتهدي، ط طهران 1327ش.
* تأريخ رجال إيران ، مهدي بامداد، چابخانه بانك بازرگاني - ايران 1347.
* رجال العراق والاحتلال البريطاني ، سعيد رشيد زميزم، ج1 /ط1 كربلاء 1990م.
* رجال فرهنگ ومشاهير تأريخ معاصر إيران .
* رجال قم ، السدي محمد مقدس زاده، ط مهر، إيران 1337.
* رضا شاه بهلوي : أحمد محمود الساداتي، ط القاهرة 1358هـ / 1939م.
* روزنامه أفتاب شرق .
* الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر : مصطفى نور الدين الواعظ، مط الإتحاد - الموصل 1948.
* ريحانة الأدب : محمد علي التبريزي المدرس، مكتبة خيّام - إيران 1369هـ.
* زندگاني آخوند خراساني : عبد الحسين مجيد كفائي (فارسي).
* زندگاني زعيم بزرگ عالم تشيع آية الله بروجردي : علي الدواني ط إيران 1372ش.
* زندگاني وشخصيت شيخ أنصاري ، مرتضى بن جعفر الأنصاري، ط1 جواز 1380هـ.
* سبع الدجيل : للشيخ محمد علي الأوردبادي - ط النجف.
* سخن سرايان فارس .
* سخنوران آذربايجان .
* سعد صالح في مواقفه الوطنية : علي كاشف الغطاء، ط بغداد 1989م.
* سفرنامه منشي زاده .
* سياحة في الشرق : للسيد محمد حسن القوجاني النجفي، ترجمة، يوسف الهادي، ط دار البلاغة - بيروت 1412هـ / 1992م.
* السيد گاطع العوادي ودوره الوطني في الحياة السياسية العراقية 1908 - 1945 : د. جميل موسى النجار، ط بغداد 2005.
* السيد الإمام أبو الحسن : أحد خدام الشريعة.
* سيد محمد كاظم اليزدي، فقيه دور انديش : مرتضى بذر أفشان، تبليغات إسلامي حوزة علمية - قم 1376هـ.
* شجرنامه ونسب نامه سدات مرعشي يزد وفارس .
* شجرة مباركة .
* شرح حال رجال ايران در قرن 12 و13 و14 هجري : مهدي بامداد ط، ايران 1371ش.
* شرح زندگاني ميرزاي شيرازي : الشيخ أغا بزرگ الطهراني (تلخيص واقتباس).
* الشرق الأوسط في الشؤون العالمية : جورج لنشوفسكي، ترجمة: جعفر خياط - بغدد 1964.
* شعراي أصفهان : مصلح الدين مهدوي.
* شعراء الغري : علي الخاقاني، ط النجف 1954 - 1956م.
* الشعر العراقي وحرب طرابلس : إبراهيم الوائلي - بغداد 1964.
* شكوه پارسايي وپايداري (جلالة الزهد والمقاومة) في سيرة السيد اليزدي . نشر فرمانداري، شهر يزد 1375ش.
* شناخت أبرقوه وقدمت آن .
* شهداء روحانيت شيعة : علي الرباني الخلخالي، ط إيران 1402هـ.
* شهداء الفضيلة : للشيخ عبد الحسين الأميني، ط النجف 1355هـ.
* شيخ الباحثين أغا بزرك الطهراني : لعبد الرحيم محمد علي، ط النجف.
* شيخ الشريعة، قيادته في الثورة العراقية الكبرى 1920 ووثائقه السياسية : للشيخ عبد الحسين الحلي، تتمة وتحقيق: كامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* شيخ شهيد فضل الله نوري : محمد تركمان (فارسي).
* الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 - 1990م : حسن العلوي ط دار الثقافة - قم.
* الشيعة والمنار .
* الصحيفة الكاظمية : للسيد محمد كاظم اليزدي، مط دار السلام - بغداد 1337هـ.
* ضياء الأبصار في ترجمة علماء خوانسار : للسيد مهدي بن الرضا (السيد مهدي بن محمد بن علي بن محمود ابن الرضا)، ط ايران - قم 1424هـ / 2003م.
* العراق، دراسة في تطوره السياسي : لفيليب ويلارد ويلارد آيرلاند، ترجمة: جعفر خياط، ط بيروت 1949م..
* العراق في دوري الاحتلال والانتداب : للسيد عبد الرزاق الحسني، ج1، ط صيدا 1354هـ / 1935م.
* العرب والترك في العهد الدستوري العثماني (1908 - 1914) : دار الهنا للطباعة - القاهرة 1960.
* العشائر العراقية : د. عبد الجليل الطاهر، مط دار لبنان - بيروت 1972.
* عصور الأدب العربي .
* علماء بزرگك شيعه .
* علماء زنجان .
* علماي معاصرين : للميرزا محمد على الواعظ الخياباني، ط قم - إيران 1422هـ.
* غاية القصوى ترجمة عروة الوثقى : الشيخ عباس القمي، انتشارات المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
* الفردوس الأعلى : للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، علق عليه: السيد محمد علي القاضي الطباطبائي مط رضائي - تبريز - إيران 1372هـ / 1953م.
* فصول من تاريخ العراق القريب : للمس جرترود بل، ترجمة: جعفر خياط، ط بيروت 1971.
* فرهيختگان دار العبادة .
* فقهاي نامدار شيعة : عبدالرحيم عقيقي بخايشي، ط قم 1376ش، ص 347 - 355.
* فهرست مطبوعات الفيضية .
* فهرست نسخة هاي خطي گلبايگان : للسيد جعفر الحسيني الاشكوري، ط قم 1423هـ.
* فرهنگ بزرگان .
* الفوائد الرجالية ، أو رجال السيد بحر العلوم: السيد مهدي بحر العلوم، ط النجف 1385هـ.
* فهرست نسخة هاي خطي كتابخانة قدس رضوي : براتعلي غلامي تقدّم 1376ش.
* فوائد الرضوية : الشيخ عباس القمي (ت1359 (ت1359هـ) ط طهران.
* الفوائد الناصرية : للشيخ عباس الخويبراوي.
* القضية العراقية : لمحمد مهدي البصير، ط1 لندن 1990.
* كتابهاي عربي چابي : خانبا بامشار، ط طهران 1340.
* كرامات الصالحين .
* الكرام البررة : الشيخ أغا بزرك الطهراني، ط النجف.
* كربلاء في التأريخ : السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة، ج3 / مط الشعب - بغداد 1935م.
* كشكول منتظري .
* گلش أبرار : الحوزة العلمية في قم، ط قم 1382.
* گنجينه دانشمندان : الشيخ محمد شريف الرازي، ط قم 1354.
* الكوفة في ثورة العشرين : كامل سلمان الجبوري، ط النجف 1392هـ / 1972م.
* لباب الألقاب : حبيب الله الشريف الكاشاني.
* لغت نماه : علي أكبر دهخدا، ط طهران - إيران 1372ش.
* لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث : د. علي الوردي ج3، ج5 / ق 2، بغداد 1972، 1978م.
* لهجة بغداد العربية : لويس ماسنيون، ترجمة: أكرم فاضل - بغداد 1962.
* المآثر والآثار : محمد حسن خان اعتماد السلطنة.
* ماضي النجف وحاضرها : للشيخ جعفر باقر محبوبة (ت1378هـ)، ط1 النجف 1378هـ / 1985م.
* مجموعة التواريخ الشعرية : السيد محمد الحسيني الحلي، ط النجف.
* المحقق الطباطبائي في ذكراء السنوية الأولى : اللجنة التحضيرية، نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم 1417هـ.
* مذكرات رضا شاه : ترجمة: علي البصري، ط بغداد 1950.
* مذكرات الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ، ملحق كتابي (النجف الأشرف وحركة الجهاد) و(النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال)، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ، ملحق كتابي (النجف الأشرف وحركة الجهاد) و(النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال)، لكامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* مرگي در نور : عبد الحسين مجيد كفائي، كتابفروشي زوّار - طهران.
* مستدرك الوسائل : الشيخ محمد حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي، ط طهران 1318هـ.
* المسلسلات في الإجازات : مكتبة المرعشي النجفي العامة - قم - إيران.
* مصنفات الشيعة (ترجمة وتلخيص الذريعة) : محمد آصف فكرت، أستان قدس رضوي 1372.
* مشاهير لر .
* مشاهير مدفون در حرم رضوي : لابراهيم زنگنه، ط مشهد 1422هـ.
* مشهد الإمام أو مدينة النجف : محمد علي جعفر التميمي، ط النجف 1376هـ.
* مصفى المقال في مصنفي علم الرجال : أغا بزرگ الطهراني، ط طهران 1378هـ.
* المصلح المجاهد الشيخ محمد كاظم الخراساني : عبد الرحيم محمد علي، ط النجف - 1392هـ / 1972م.
* مصنفات شيعه .
* معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى لسنة 1920 : لمحمد علي كمال الدين، ط بغداد 1971م.
* معارف الرجال : للشيخ محمد حرز الدين (ت1365هـ) تحقيق: محمد حسين حرز الدين، ط النجف 1384هـ / 1964م.
* معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام : للدكتور الشيخ محمد هادي الأميني، ط2، بيروت 1413هـ / 1992م.
* معجم المطبوعات النجفية : الشيخ محمد هادي الأميني، ط النجف 1385هـ / 1966م.
* معجم مؤرخي الشيعة : صائب عبد الحميد، نشر دائرة معارف الفقه الجعفري - قم 1424هـ / 2004م.
* معجم مؤلفي الشيعة : علي الفاضل القائني النجفي، ط وزارة الارشاد الاسلامي، إيران 1405هـ.
* معجم المؤلفين : لعمر رضا كحالة (ت1988م) ط دمشق 1376هـ.
* معجم المؤلفين العراقيين : كوركيس عواد، ط بغداد 1969م.
* مفاخر يزد : لمحمد كاظم المدرسي وميرزا محمد كاظميني، ط يزد 1422هـ.
* مكارم الآثار : ميرزا محمد علي معلم حبيب آبادي، ط أصفهان 1377 هـ.
* منار الهدى في الأنساب : للشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري (1320 - 1393هـ)، ط مكتبة المرعشي - قم 1423هـ.
* منية الراغبين في طبقات النسابين : السيد عبدالرزاق كمونة النجفي - ط النجف.
* المنتخب من أعلام الفكر والأدب : كاظم عبود الفتلاوي، ط بيروت 1419هـ / 1999م.
* موسوعة طبقات الفقهاء : اللجنة العلمية، ط مؤسسة الإمام الصادق - قم 1418هـ.
* موسوعة العتبات المقدسة - قسم النجف - جعفر الخليلي، ط بيروت 1965م.
* ميراث إٍلامي إيران (دفتر هشتم): إعداد رسول جعفريان، نشر مكتبة المرعشي النجفي - قم 1377ش / 1419هـ.
* النجف الأشرف مدينة العلم والعمران : لمحمد كاظم الطريحي، ط دار الهادي - بيروت 1423هـ / 2002م.
* النجف الأشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 : كامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* النجف الأشرف وحركة التيّار الإصلاحي : عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي ط بيروت - 1426هـ/ 4005م.
* النجف الأشرف وحركة الجهاد 1332 - 1333هـ / 1914م : كامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1422هـ / 2002م.
* النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال 1336هـ / 1918م : كامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* النجف في ربع قرن : محمد علي كمال الدين، تحقيق وتعليق: كامل سلمان الجبوري، ط بيروت 1426هـ / 2005م.
* نجم البقّال: قائد ثورة النجف الكبرى ضد الاحتلال الإنكليزي عام 1918 : لكريم وحيد صالح، مط النعمان - النجف 1980م.
* نجوم السرد : للسيد جواد المدرسي، ط يزد - إيران 1384.
* نجوم السماء في تراجم العلماء : لمحمد علي بن صادق الكشميري، چاب لكنهو جعفريه 1303ق.
* النجوم المسرد .
* نزهة الناظرين .
* نسل نور : السيد محمد كاظم المدرسي، ط يزد - إيران 1378ش.
* نقباء البشر في أعلام القرن الرابع عشر : الشيخ آغا بزرگ الطهراني، ط النجف 1375هـ / 1956، نسخة مصورة من بقيته المخطوطة لدى المؤلف.
* نهضة روحانيون إيران : علي الدواني، ط بنياد فرهنگي إمام رضا (ع) - إيران.
* هكذا عرفتهم : لجعفر الخيلي، ط بيروت.
* هجوم روس بايران وإقدامات رؤساء دين در حفظ ايران : نظام الدين زاده، ط بغداد 1331هـ / 1921م.
* هدية الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب : الشيخ عباس القمي، ط أمير كبير 1332.
* هدية الرازي : الشيخ أغا بزرگ الطهراني.
* هوامش علي الوردي .
* واقعات اتفاقية در روزگار : محمد مهدي شريف كاشاني، ج1، نشر سيروش سعد ونديان 1362هـ.
* وقايع اتفاقية اگزار شاي خفيه نويسان انگليس در ولايات جنوب إيران (إرسال 1291 - 1322هـ) : تحقيق: سعيدي سيرجاني، ط طهران 1983.
* وحيد بهبهاني : علي دواني.
* ورقتان من مذكرات الشيخ هادي آل كاشف الغطاء عن حركة الجهاد : ملحق كتاب (النجف الأشرف وحركة الجهاد) ط بيروت 1422هـ / 2002م.
* الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية : لعلي آل بازرگان (ت 1378هـ) ط 2/ بغداد 1991.
* يقظة العالم الإسلامي : ف. و. فرنو، ترجمة: بهيج عثمان، ط بيروت.
* السيد هبة الدين الشهرستاني، آثاره الفكرية ومواقفه السياسية : محمد باقرأحمد البهادلي، ط بغداد 1422هـ / 2001م.
المجلات:
* مجلةالاعتدال النجفية س5 ع4 ص205 - 224، محرم 1358هـ / آذار 1939، مقالة بعنوان: (من أيام ثورة النجف، الحاج نجم البقال) بقلم: يوسف رجيب.
* مجلةتراثنا الديرانية ع21.
* مجلةالعرفان اللبنانية المجلد1 ج3، مج2 ج1، مج10 ج10، مج20 ج1، 2، 4، 5، مج21 ج1، 2، 4، 5 مج26، مج28، مج50، مج9 ج3، 5.
* مجلةالعلم النجفية مج2 ع6 في1 ذي الحجة 1329هـ / 23 تشرين الثاني 1911م.
* مجلةلغة العرب البغدادية السنة 6.
* مجلةالمرشد العراقية العدد 2.
* مجلةالموسم الهولندية 1/285، 7/1020، 9 - 10/13.
* نداي خراسان .
* مجلةنگاه حوزه ع28.
* مجلةنور علم ، السنة 2، العدد 3، نشرة جامعة مدرسين الحوزة لعلمية - قم، ص78 - 85.
* مجلةألف باء البغدادية: العدد السادس للسنة الأولى في 26 حزيران 1968، مقابلة صحفية أجراها محمد كامل عارف مع المرحوم تومان عدوة بعنوان: (آخر مقاتلي ثورة العشرين يروي ذكرياته).
* مجلةالثقافة الجديدة البغدادية: العدد الرابع لسنة 1969، مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي، تحت عنوان: (وثيقة خطيرة حول ثورة النجف ضد الاستعمار
البريطاني) ص281 - 340.
- العدد التاسع / كانون الأول 1969، مقال بعنوان (ملاحظات حول مذكرات الشبيبي عن ثورة النجف)، بقلم حسن الأسدي.
* مجلةدراسات عربية : س 4 في كانون الثاني 1968، بحث بقلم: شاكر البرمكي.
* جريدةالعرب البغدادية:
ع75 / السنة الثانية 29 مارس 1918. ع84 / 9 نيسان 1918.
ع88/13 نيسان 1918 ع89/15 نيسان 1918.
ع91/17 نيسان 1918 ع108/7 مايس 1918.
ع109/8 مايس 1918 ع6/ السنة الثانية 8 حزيران 1918.
المصادر الأجنبية:
- Bell ، Gerteude: Review of the civil Administration of Mesoptamia. cmd 1061. London 1920
- Bell ، lady Florence: the letters of Gertrude Bell. london 1927
- British Government ، Reports of Administeation for 1918 of Divisions and Didtricts of the occupies Territories in Mesopotamia 1
- longrigg (s.h.). ira 1900_ 1950 ، London 1961
- Ireland ( philip ، Willard) Astady in political Develepment - iraq. London 1937
- Moberly F. J ، The Campaign in Mosoptamia ، vols ، 1 ، 11a111 ، London 1924
- Recent Happening In Persia: J.M.Balfour london1922
- Wilson ، A.T Aclash of loyalties 1914 - 1917 ، 2vols London 1939
فهرس الموضوعات
المقدّمة 5
الفصل الأوّل : سيرته ودراسته وتدريسه 15
نسبه وأُسرته 17
ولادته 17
دراسته وأساتذته 18
يزد: 18
مشهد: 19
أصفهان: 19
النجف الأشرف: 20
تدريسه وتلامذته 27
إجازاته العلمية والروائية 84
أ - فمن شيوخه بالرواية: 84
ب - وممّن أجازهم بالاجتهاد والرواية: 85
ج - وممّن أجازهم بالاجتهاد: 86
د - وممّن أجازهم بالرواية: 87
الفصل الثاني : مرجعيّته وحياته العلمية 93
مرجعيّته 97
حياته العلميّة 99
جانب من أخلاقه وطباعه 135
تصانيفه ومؤلَّفاته 138
مشاريعه 152
مدرسة السيد كاظم اليزدي ( الكبرى ): 152
سوق السيد كاظم اليزدي في الكوفة: 154
خان الزائرين ( خان الوقف ) أو ( مدرسة اليزدي الثانية ): 154
حمّام اليزدي: 155
بيته في الكوفة: 156
شعره 156
الفصل الثالث : أضواء على مواقفه 159
الحركة الدستورية الإيرانية ( المشروطة )وموقف السيد اليزدي(1) 161
الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا وموقف السيّد اليزدي 1330 هـ / 1911 م 195
الغزو الروسي على إيران وموقف السيّد اليزدي 1331 - 1332هـ / 1912م 204
حركة الجهاد عام 1332 - 1333هـ / 1914م وموقف السيّد كاظم اليزدي 217
حادثة حمزة بك في كربلاء 1333 - 1334هـ وموقف السيّد اليزدي 270
أحداث النجف بين عامي 1915 - 1918 وموقف السيد اليزدي 273
مقتل الكابتن مارشال 1336هـ /1918م وموقف السيّد اليزدي 293
مقدمات الثورة العراقية 1919 وموقف السيد اليزدي من المقاومة المسلّحة 450
الفصل الرابع: في رحاب الخلود 471
وصيّته 473
وفاته 484
أنشدت في أيام المآتم 490
سجل الخالدين 499
أولاده وأحفاده وأعلام أسرته 505
مصادر ترجمته 525
الفصل الخامس: الوثائق السياسية الخاصة بمواقف السيد اليزدي 529
وثائق الحركة الدستورية الإيرانية (المشروطة) 531
وثائق الهجوم الإيطالي على طرابلس الغرب - ليبيا 532
وثائق الهجوم الروسي على إيران 533
وثائق ما قبل حرب العراق 1330هـ 537
وثائق حركة الجهاد ومقاومة الغزو البريطاني للعراق 539
وثائق فترة الاحتلال البريطاني 1914 - 1919م 641
وثائق مقتل الكابتن مارشال (ثورة النجف) 1336هـ / 1918م 649
وثائق مقدمات الثورة العراقية 1919م 663
مصادر الوثائق والتقارير والمكاتبات والبيانات الرسمية 668
ملاحق الكتاب 671
صفحات من مذكَّرات الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء 673
من مذكرات العلامة السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني 709
الصحيفة الكاظمية 725
الكلم الجامعة والحكم النافعة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي 747
بستان نياز وگلستان راز السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي 775
المصادر والمراجع 795
فهرس الموضوعات 811