الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ محمد سند (حفظه الله)
الإمام الحسين عليه السلام





بسم الله الرحمن الرحيم



الإهداء

إلى سليلة النبوّة

ونبعة الإمامة

وريحانة الزهراء

وأخت المجتبى الزكي

وشريكة الحسين في نهضته..

إلى مَن كابَدت المِحن

وتحدّت الزمن

وورثت الحسين والحسن

إلى مَن حَملت أسرار النبوّة

وحفظت أركان الإمامة

وسطّرت أروع مواقف التحدّي

بوجه الظلم والتعدّي

إلى العقيلة الكبرى، زينب بنت علي (عليهما السلام)

إليكِ يا مولاتي وسيّدتي وشفيعتي

أهدي هذا الجهد المتواضع.

رياض



تقريض

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شعّر المشاعر، وجعلها أعلاماً لدينه، وأمرَ بتعظيمها حيث قال:( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) ، وحرّم إحلالها بالامتهان لها، حيث قال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) (2) .

والصلاة والسلام على صاحب الشريعة الخاتمة، الموعود بإظهار دينه على الدين كلّه ولوكره المشركون، وعلى آله نور الله الذي لا يُطفأ( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (3) ،( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَال ) (4) ،( رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) (5) .

وبعد، فإنّ الشعيرة الدينيّة ذات صلة وثيقة بهويّة المجتمع المسلم والمؤمن،

____________________

(1) الحج: 32.

(2) المائدة: 2.

(3) التوبة: 32.

(4) النور: 36.

(5) النور: 37.


فإنّها تعكس تراث الملّة، وهي شعار ورمز وصورة ومحتوى.

وهي بَوتقة لتربية المجتمع المسلم على المعارف الإلهيّة والأحكام والآداب الشرعيّة، وهي إشعاع لنشر معالم الدين والدعوة له، سواء للنسل والجيل الناشئ أو للأُمم الأخرى، لا على أن يكون الموقع الثاني على حساب الأوّل، بل لكلّ من الموقعَين أدواته وأسلوبه، كما أنّ إقامتها إقامة لصرح الدين الحنيف الذي ترتبط حياته بحياتها، فهي ظاهرة السلوك الاجتماعي على منهاج الهُدى، وهي العقيدة المتجسّدة والأدب المتمثّل، فمن ذلك حرصَ التشريع الإسلامي على تعظيمها وإحيائها وإقامتها ونشرها بالأشكال والأساليب المتعدّدة، لتسري في غالب سيرة الأفراد والجماعات.

وحيث احتلّت هذه الأهميّة والخطورة في الأداء الديني، احتدمَ الحديث عن ضوابطها وموازينها وأصولها التي تبتني عليها، وعن المعيار الثابت التشريعي والمتغيّر الزمني فيها، فجاءت هذه الأبحاث - التي ألقيناها على جمعٍ من الفضلاء بجوار حرم الحوراء عقيلة بني هاشم السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) - في ربيع الثاني صيف عام 1420هـ، وقام السيّد النجيب والفاضل اللبيب ريّاض الموسوي بتقريرها وتنقيحها، مُكدّاً جهده في ضبط مادّة البحث ونكات الاستدلال، فأسأل الله تعالى له دوام التوفيق في نشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وبثّ علومه وإقامة أعلامه، إنّه وليّ قدير.

محمّد السند

قم - عش آل محمّد (عليهم السلام)

30 شوال 1423 هـ


المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل تعظيمَ شعائره من تقوى القلوب، وكتبَ لمن قدّس حُرماته محوَ الذنوب، وشاء أن يَتمّ نورُه ويعلو ذِكرُه على مرّ الدهور وتصرّف الخُطوب.

وأفضل الصلاة والسلام على نبيّ الرحمة، وشفيع الأمّة، خير البريّة، وأفضل الخليقة، خاتم الأنبياء، وسيّد الـمُرسَلين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، أُمناء الله على الدِين، والكهف الحصين، وغياث المضطرّ المستكين، الذين مَن والاهم فقد والى الله، ومَن عاداهم فقد عادى الله، وبعد:

فهذا الكتاب - الذي بين يديك عزيزي القارئ - يُمثِّل مجموعةَ بحوثٍ حول موضوع الشعائر الحسينيّة المباركة، وهو يتألّف من مقامَين:

المقام الأوّل: يتعرّض البحث فيه عن الشعائر الدينيّة بصورة عامّة، ويَجد القارئ في هذا المقام الأدلّة الإجماليّة من الكتاب العزيز والسُنّة الشريفة على عموم قاعدة الشعائر الدينيّة، وبعد ذلك يصل البحث إلى تفاصيل قاعدة الشعائر


موضوعاً وحكماً، والجواب عن الاعتراضات والانتقادات المختلفة التي تُثار حول دائرة الشعائر المختلفة، ثُمّ إلى بيان العلاقة بين قاعدة الشعائر الدينيّة والأحكام الشرعيّة الأخرى.

هذا كلّه، مع بحوث فرعيّة فقهيّة وأصوليّة وكلاميّة تَطّلِعُ عليها في هذا المقام من الكتاب.

ومن الأمور الواضحة في هذا المقام، أن يجري إلقاء الضوء على أهميّة قاعدة الشعائر الدينيّة، وبيان أنّها تُجسِّد نظام الإعلام الديني، والقاعدة التي تتكفّل الإنذار والتبليغ والتعليم، وتتحمّل مسؤوليّة النشر والبثّ الإسلامي، وذلك عن طريق توفّر الركنَين الأساسيَّين في هذه القاعدة، وهما:

ركن البث والإعلام، وركن الإعلاء والإعزاز لمعاني الدين ومقدّساته.

أمّا المقام الثاني للكتاب - وهو بيت القصيد -: فيتعلّق بالشعائر الحسينيّة، والحديث عن نهضة سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بقدرٍ من التفصيل، والشموليّة لكلّ ما يتعلّق بمظاهر الشعائر الحسينيّة، مع التوقّف عند الزوايا المهمّة لنهضته، والمُعطيات الخالدة لثورته (عليه السلام)..

وإنّ استمراريّة المحافظة على تلك الأهداف والغايات السامية؛ إنّما يتحقّق تحت ظلّ الشعائر الحسينيّة المختلفة والواعية من قِبَل شيعة الحسين (عليه السلام) وأوليائه.

وشعائر الحسين (عليه السلام) - من مجالس، ومواكب، ومراثي، ومسيراتِ حزنٍ وغيرها - هي مدارس يتعلّم المسلم فيها نصرةَ الدين والإحساس بالمسؤوليّة الشرعيّة للحفاظ على رسالة السماء، ويتلقّن فيها صوَر الجهاد، ويتعرّف على أشكال


التضحية لنُصرة القيَم الفاضلة والمبادئ السامية للدين الحنيف، ويعيش بكلّ تصميم وإرادة لترك الدنيا، والتغلّب على ملاذها وشهواتها المؤقّتة.

إنّها مدارس الحسين (عليه السلام)، يعي فيها المسلم كيف يقدّم كلّ ما يملك في سبيل عقيدته وفي طريق تضميد بدن الإسلام الجريح، ويبذل أغلى ما يملك للدفاع عن حريم المبدأ الحنيف.

وفي هذا المقام، تطرّق سماحة الشيخ الأستاذ المحاضر - دام عزّه - إلى بعض مصاديق الشعائر الحسينيّة، وأشبعَ البحث بالأدلّة القرآنيّة، والسنّة النبويّة والعَلويّة، ممّا لا يبقي مجالاً للشكّ في كون تلك الشعائر والمظاهر الحسينيّة من أركان الشريعة المقدّسة، مثل: ما أتحفنا به في بحث البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام)، ومثل: بحث لبس السواد، أو بحث إثبات ضرورة التنديد بأعداء الدين من القرآن الكريم، وجعلهم في دائرة لعنة الأجيال والتاريخ، أو إثبات أنّ العزاء والرثاء سُنّة قرآنيّة، وغير ذلك من البحوث الحيويّة والشيّقة المؤيَّدة بالحُجج والأدلّة والبراهين الشرعيّة.

وقد يكون لهذا الكتاب مزيّة على بعض الكتب الأخرى التي تعرّضت لهذا الموضوع، وبحثت حول الشعائر الدينيّة والحسينيّة، وهو أنّه يتضمّن بحوثاً فقهيّة وأصوليّة دقيقة، حاولَ سماحة الشيخ الأستاذ المحاضر (دامت بركاته) أن يُحرّرها مع شيء من التفصيل والتحقيق، كما تجد ذلك في طيّ أبحاث الكتاب في المقامَين، ويمكن ملاحظة عناوين هذه الأبحاث في أحد الفهارس الملحقة في آخر الكتاب.

وهذا الكتاب يُعتبر حلقةً ضمن سلسلة من جهود لبيان وتثبيت العقائد الدينيّة


بالدليل العلمي والأسلوب الثقافي، إضافةً إلى إعطاء القوّة الكافية للدفاع عن تلك المبادئ الحقّة، ولردّ الشُبهات والانتقادات التي تُثار حول الشعائر الدينيّة عُموماً والحسينيّة خصوصاً.

والله أسأل، وببركة سيّد الشهداء (عليه السلام) وبمقامه ودرجته الرفيعة عند الله أتوسّل، أن يجعل هذا الجهد ذُخراً لأستاذنا العزيز سماحة الشيخ محمّد السند (حفظه الله) ولي، يوم لا ينفع مالٌ ولا بَنون إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم، وأن يُحسَب من العِلم النافع الذي لا ينقطع أثره، ولا تخبو أعلامه، والصلاة على محمّد وآله.

السيّد رياض الموسوي

مشهد المقدّسة - غرّة صفر سنة 1424 هـ


ديباجةُ الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قد كثُر الكلام حول الشعائر الدينيّة، واختلفت أطراف الكلام في بحثها بين النقض والإبرام، والتأييد والانتقاد، وقبل الخوض في تفاصيل البحث وفروعه المختلفة، لا بأس بذكر جوانبٍ لها ارتباط بالبحث:

الجانب الأوّل: تنوّع موارد الشعائر

فمنها: ما يُثار من قِبَل أتباع بعض الفِرق الإسلاميّة حول إحياء المواليد والذكريات، حيث ينتقدون المظاهر لإحياء المواليد ومراسم الاحتفالات والمناسبات الدينيّة العامّة، ويطعنون عليها بأنّها مُستحدَثة، وكلّ مستحدَث بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.

ومنها: محاولة إنكار ضرورة الاهتمام بأيّام الإسلام الخالدة الأخرى التي وقعت فيها حوادث هامّة وانتصارات خالدة، مثل: غزوة بدر الكبرى، غزوة الخندق، فتح مكّة، ذكرى المبعث النبوي الشريف، ذكرى الإسراء والمعراج، ذكرى هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذكرى يوم المباهلة، وذكرى واقعة الغدير، وغير ذلك.


ومنها: البحث بدرجة من الشدّة والخطورة بين المسلمين حول مسألة بناء القبور وعمرانها وتَعاهُدها، ومن المعلوم أنّ أتباع بعض الفِرق يحاربون ظاهرة عمران القبور وتعاهدها، ويتّهمون زوّارها بالضلال، بل يُكفِّرون عُمّارها حتّى لو كانت تلك القبور هي قبور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل بيته الطاهرين (عليه السلام).

ومنها: الاهتمام بالأماكن الجغرافيّة، والآثار المكانيّة الخالدة لمواضع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولمواقع إسلاميّة مشهورة والاختلاف إليها، من قبيل: موضع غزوة بدر، وموضع غدير خُمّ، وغار حراء، والمساجد التي تشرّفت بصلاة النبي، وما شابه ذلك.

وتُثار الشكوك ويتوجّه الطعن حول تكريم تلك البقاع، تذرّعاً بما يُروى عن عمر بن الخطاب بأنّه: أمرَ بقطع الشجرة التي بويعَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تحتها بيعة الرضوان في عُمرة الحُدَيبيّة(1) ، واستفادوا من ذلك: أنّ زيارة تلك الآثار المكانيّة أو الجغرافيّة يسبّب إزواء المسجد الحرام، أو بيت الله الحرام، أو المسجد النبوي والتقليل من أهمّيّتها، فتجنّباً عن خمول الذكر، وإهمال العمران للمسجد النبوي حملة عشواء لمحاربة الأماكن المقدّسة الأخرى، وفي هذه الذريعة يتمسّكون

____________________

(1) وردَ في شرح نهج البلاغة 12: 101: (لأنّ المسلمين بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا يأتونها فيقيلون تحتها، فلمّا تكرّر ذلك أوعَدهم عمر فيها ثُمّ أمرَ بها فقُطعت)، وفي نفس المصدر: (روى المغيرة بن سويد، قال: خرجنا مع عمر في حجّة حجّها، فقرأ بنا الفجر( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) و( لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ) ، فلمّا فرغَ رأى الناس يبادرون إليه، فناداهم فقال: هكذا هلكَ أهل الكتاب قبلكم! اتّخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، مَن عَرضت له صلاة في هذا المسجد فليصلِّ، ومَن لم تعرُض له صلاة فليمضِ).


بعموم الحديث النبوي:(لا تُشدّ الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى) (1) .

لذا نجد المحاولات الحثيثة والمستمرّة لطمس تلك الآثار المكانيّة والمواقع الجغرافيّة، في المدينة المنوّرة، وفي مكّة المكرّمة، أو في غيرها.

ومنها: الشعائر الحسينيّة (وهو محلّ البحث في نفس الوسط الداخليّ للطائفة من جهة، وكذلك بينها وبين الطوائف الأخرى)، فقد أُثيرت حول هذا المورد بالخصوص كثير من التساؤلات، واحتفّ به المزيد من الشكوك.

ومنها: الأدعية، والأوراد، والختومات، إذا عُقِدت وأُقيمت على نحو جماعي مشترك، فتكون شعيرة تُتّخَذ، وطقساً من الطقوس.

ورُبّما تُستجدّ وتُستحدَث طقوس ورسوم شعيريّة تُتّخذ من أبناء الطائفة الواحدة في مراسم أخرى غير الشعائر الحسينيّة، مثل: شعائر ذكريات ومناسبات تتعلّق بإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)، فتُواجه بالنكير من الوسط الخاص للطائفة نفسها، أو من الوسط الإسلامي العام.

الجانب الثاني: الإشكالات حول الشعائر الدينيّة

نذكر الانتقادات والإشكالات الّتي توجّه أو تُثار حول الشعائر الدينيّة؛ لنعرف مدى جدّيّة البحث وحسّاسيّته وحيويّته، إضافةً إلى خطورته في الممارسات والانتقادات الدينيّة، وأهمّ هذه الإشكالات:


الإشكال الأوّل: وهو الذي يوجِّه النكير والانتقاد إلى الرسوم والشعائر، معتمداً على مبنىً معيّن وقاعدة محدّدة، هي: أنّ كلّ شعيرة ورسم وطَقس يُتّخذ، ينبغي أن يكون جَعلهُ واتّخاذه من الشارع نفسه، وإلاّ فهو بدعة وضلال، وافتراء على الله سبحانه.

وهذا المبنى، أو هذه المقولة، أعمّ من كونه إشكالاً موجّهاً من قِبَل الطوائف الأخرى، أو أنّه موجّه من طائفة خاصّة متعصّبة، أو لعلّه ينقدح في انتقادات الوسط الداخلي للطائفة.

وهذا النمط من الإشكال مُعتمد على هذه القاعدة أو هذا المبنى القائل: بأنّ أيّ شعيرة أو رسم أو طقس من الطقوس يجب أن يستند بخصوصيّاته إلى جعل الشارع وتشريعه، وإلاّ فهو ممّا يصدق عليه البدعة والضلالة.

الإشكال الثاني: أنّ الشارع المقدّس لو فوّضَ أمر الشعائر والطقوس وأوكلها إلى العرف والمتشرِّعة، لنتجَ من ذلك أنّهم سيتحوّلون إلى مشرِّعين، حيث فوّضَ أمر التشريع إليهم، وهذا التفويض غير صحيح وهو ممتنع..

الإشكال الثالث: لو أوكلَ الشارعُ المقدّس أمر الشعائر والرسوم الدينيّة إلى العرف، لنتجَ من ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال.

حيث إنّ العرف قد يتّخذ ما هو محرّم ومبغوض للشرع شعيرةً، وقد يتّخذ ما هو محلّل شعيرة يجب احترامها ويحرم هتكها، فيلزم من ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال.

الإشكال الرابع: وهذا من سنخ الإشكالَين السابقَين، وهو: لو أنّنا جعلنا اتّخاذ الشعائر والرسوم والطقوس بيد العرف، للزمَ من ذلك العبث بثوابت الشريعة


الناتج من قِبَل العُرف والمتشرّعة بسبب اختلاف الظروف الزمنيّة والبيئيّة.

مثلاً: اتّخاذ موضع ما مزاراً؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قد صلّى فيه أو انتصر فيه، وهكذا سوف تحصل مزارات عديدة وكثيرة جدّاً، وسوف يصعب الموازنة بين هذه المزارات العديدة وبين ما جعلهُ الشارع المقدّس وحثّ عليه بالخصوص..

الإشكال الخامس: لا وجه في تخصيص صلاحيّة المتشرِّعة باتّخاذ الشعائر والرسوم والطقوس الدينيّة في أبواب خاصّة، وعدم تسويغ ذلك في أبواب أخرى.

إذ لو كان ذلك الأمر جائزاً وسائغاً، لأجريناه في أبواب: الصلاة، والصيام، والحجّ، والزكاة، والخُمس، ولاتّخذ المتشرِّعة في هذه الأبواب شرائط وقيود وموانع حسبَ ما يرونه مناسباً، ثُمّ يتشكّل في بوتقة الشعائر ويَتَعَنْوَن بعِنوان الشعيرة،

فليس هناك دليل على التفكيك بين الأبواب المختلفة.

الإشكال السادس: الهتك والإساءة لمباني الإسلام وأركان الشريعة ومعاني الدين والمذهب العالية الشامخة؛ فقد يقال: بأنّ مقتضى هذا الرسم أو الطقس أو الشعيرة التي أوكلناها إلى العرف، قد لا تناسب مُجريات العصر، ولا تتّفق مع لغة العصر، وقد يكون فيها إساءة لذات المضامين الشامخة والتعاليم الإسلاميّة الفاضلة.

الإشكال السابع: لزوم الضرر من بعض الطقوس، خصوصاً بعض الشعائر الحسينيّة أو غيرها، ويجب شرعاً دفع الضرر بكلّ درجاته ومراتبه وأشكاله.

هذه هي أهمّ الإشكالات والانتقادات والتشكيكات التي تُثار حول الشعائر الدينيّة، وسنحاول معالجة ذلك بالتفصيل من خلال طيّات البحث..


الجانب الثالث:

إنّ بحث الشعائر لم يُبحث بالتفصيل كقاعدةٍ فقهيّة أو كلاميّة، من قِبَل العلماء والمحققين إلاّ نادراً.

وقد تظهر الإشارة إليه من خلال كلمات العلماء بشكلٍ متناثر وفي أبواب متعدّدة، مع ما له من الأهميّة القصوى في حفظ العناوين الخالدة والرموز السامية للدين الحنيف.

وهذا البحث، وإن كان بالنظر الأوّلي واضحاً وجليّاً إجمالاً.

أمّا بالنظر الدقيق العلمي فهو يفتقر إلى الموازين الاستدلاليّة، وإعمال الخبرة الأصوليّة والفقهيّة في أبوابه المختلفة وموارده المتنوّعة..

لذلك تبدو في أفق بحث الشعائر الدينيّة التساؤلات التالية:

هل الشعائر الدينيّة هي من مقولة العناوين الثانويّة، أم من مقولة العناوين الأوّليّة؟

هل هي حقيقة شرعيّة، أم هي حقيقة عُرفيّة؟

ما هو حكمها؟ وما هي حدود موضوعها؟

هل أنّ الحُكم فيها يُغاير حكم الأبواب الفقهيّة، أم هو حكم مُندمج ومتّحد مع حكم الأبواب الفقهيّة المتنوّعة؟

هل الشعائر في الحجّ تحمل نفس حكم أعمال الحجّ، أم لها حكم آخر متميّز ومنفرد بها..

ما هي النسبة بين بحث الشعائر، كعنوان - سواء جعلناه حكماً أوّليّاً، أو جعلناه حُكماً ثانويّاً - وبين العناوين الأوّليّة من جهة، وبينه وبين العناوين الثانويّة


من جهة أخرى؟

إلى غير ذلك من الأبحاث الكثيرة والمتعدّدة.

هذه الأمور والاحتمالات التي طرحناها لم تُعرض ضمن بحث مستقلٍ منفرد ومتميّز في الكتب، أو الأبواب الفقهيّة.

وقد يجدها المتتبّع في طيّات كلمات الفقهاء وأبحاثهم هنا وهناك في موارد متفرّقة، ومواضع مختلفة.

مثلاً: قد يجدها المتتبّع في موضوع حرمة تنجيس القرآن أو وجوب تطهيره إذا لاقته النجاسة.

وفي بحث الوقف والصدقات وإحياء الموات، وقضيّة حُرمة المؤمن، وحُرمة الكعبة، وفي باب الحدود، في حكم سبّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - والعياذ بالله تعالى - أو هتك مقدّسات الدين، حيث يبحث العلماء في هذه الموارد عن الشعائر الدينيّة، وإنّ هتكها هل هو موجب للكفر أم لا؟

ومضافاً إلى ذلك، هناك بعض الكتب والرسائل التي أُلِّفت في بحث الشعائر الحسينيّة(1)، وقد ذكروا فيها بعض الضوابط الشرعيّة إلى حدّ ما، فمن الجدير مراجعة تلك الكتب وملاحظة الخطوط العامّة لهذا البحث، وما تتضمّنه من نقض وإبرام.

____________________

(1) نذكر - على سبيل المثال - بعض تلك الرسائل والمؤلّفات:

الشعائر الحسينيّة في الميزان الفقهي، لآية الله الشيخ عبد الحسين الحلّي (رحمه الله).

نصرة المظلوم، لآية الله الشيخ حسن المظفّر (رحمه الله).

الشعائر الحسينيّة، سماحة السيّد حسن الشيرازيّ (رحمه الله).

نجاة الأمّة في إقامة العزاء، الحاج السيّد محمّد رضا الحسيني الحائري.

الشعائر الحسينيّة سُنّة أم بدعة، الشيخ أحمد الماحوزي.


الجانبُ الرابع: إطار موضوع القاعدة

قد تُضافُ الشعائر إلى لفظ الجلالة (الله) فنقول: (شعائر الله)، كما في الآيات الكريمة(1) ، ومنها قوله تعالى:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (2) .

وأيضاً الشعائر أو الشعيرة أو الشعارة - على اختلاف هيئات المادّة - قد تضاف إلى المذهب، فيقال: شعائر المذهب.

وأيضاً، قد تضاف إلى الحسين (عليه السلام) باسم الشعائر الحسينيّة.

وأيضاً، قد تضاف إلى الدين، فتُعرف باسم شعائر الدين وشعائر الإسلام.

وسيتبيّن أنّ هذه الإضافات ما هي إلاّ تفريعات وتطبيقات لنفس القاعدة الواحدة، فيقال: شعائر الله، أو يقال: الشعائر الحسينيّة، أو يقال: شعائر المذهب، أو يقال: شعائر الإسلام، أو شعائر الدين، وهي - على كلّ حال - تبويبات وتصنيفات لذكر فروع لأصل واحد، أو تكون مرادفات لنفس المسمّى.

وسيظهر ما في هذا التعبير من نواحٍ تربويّة متعدّدة، وتفريعات لنكاتٍ فقهيّة مختلفة.

____________________

(1) المائدة: 2، الحج: 32، البقرة: 158.

(2) الحجّ: 32.


الجانبُ الخامس:

جرياً على ديدن العلماء في تصنيف كلّ مسألة بإدراجها في باب من الأبواب الفقهية، ففي أيّ باب من الأبواب يمكن درج هذه القاعدة؟ هل في باب الفقه السياسي، أم في باب الفقه الاجتماعي، أم باب فقه القضاء، أم فقه المعاملات؟

وسيظهر خلال مراحل البحث: أنّ من خصائص هذه القاعدة وهذا الواجب الدينيّ العظيم، أنّ هذا الواجب ليس واجباً ملقى على عاتق رموز الدولة الإسلاميّة أو الحكومة فحسب، وليس مُلقى على عاتق المرجعيّة فقط، الّتي قد تُسمّى بالاصطلاح الأكاديمي الحديث حكومة المرجع، ولا على عاتق الهيئات الدينيّة دون غيرها.

وإنّما هذا الواجب - كما سيتبيّن - هو واجب كفائيّ يُلقى على عاتق عموم المسلمين، ويتحمّل مسؤوليّة إقامته جميع طبقات وشرائح المجتمع الإسلامي، ومن ثُمّ كان الأولَى إدراج هذه القاعدة في أبواب فقه الاجتماع، من قبيل: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا في خصوص الفقه السياسي، ولا في خصوص فقه الأبواب الأُخرى، بل يكون انضمامها تحت باب الفقه الاجتماعي هو الأنسب لهذه القاعدة.

هذه جوانب ذكرناها بعنوان ديباجة وتمهيد للبحث، أمّا بالنسبة إلى تبويب وتصنيف جهات البحث؛ فإنّ البحث سيقع - إن شاء الله تعالى - في مقامين رئيسيّين:


المقامُ الأول

في عُموم قاعِدة الشَعائر الدينيّة

وهذا المقام يتألّف من الجهات التالية:

الجهة الأولى: الأدلّة الإجماليّة الواردة في هذه القاعدة.

الجهة الثانية: أقوال الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين والمحدّثين حول قاعدة الشعائر الدينيّة.

الجهة الثالثة: البحث في معنى وماهيّة الموضوع، وهو الشعيرة والشعائر من الناحية اللُّغويّة.

الجهة الرابعة: كيفيّة تحقّق الموضوع، وهو الشعيرة والشعائر ومعالجة العديد من قواعد التشريع.

الجهة الخامسة: البحث في متعلّق الحكم لقاعدة الشعائر.

الجهة السادسة: نسبة حكم الشعائر مع العناوين الأوّليّة للأحكام من جهة، ومع العناوين الثانويّة للأحكام من جهة أُخرى.

الجهة السابعة: الموانع الطارئة على الشعائر، كالخرافة والاستهزاء والهتك والشنعة.


المقامُ الثاني

الشَعائرُ الحُسينيّة

يقع البحث في خصوصيات الشعائر الحسينيّة، ودراسة قوّة وتماميّة الأدلّة الخاصّة الواردة فيها، وردّ الإشكالات والانتقادات التي وُجِّهت لها، وأُثيرَت حولها.

وهل يختلف حكمها عن الأحكام العامّة في الشعائر؟

أم هي تتضمّن الأحكام العامّة للشعائر وزيادة؟

ويقع البحث خلال الجهات الآتية:

الجهة الأولى: أهداف النهضة الحسينيّة.

الجهة الثانية: أدلّة الشعائر الحسينيّة.

الجهة الثالثة: أقسام الشعائر الحسينيّة.

الجهة الرابعة: الرواية في الشعائر الحسينيّة.

الجهة الخامسة: البكاء.

الجهة السادسة: الشعائر الحسينيّة والضرر.

الجهة السابعة: لبس السواد.

الجهة الثامنة: ضرورة لعن أعداء الدين.

الجهة التاسعة: العزاء والرثاء سُنّة قرآنيّة.

مِسكُ الختام: مآتم العزاء التي أقامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسين (عليه السلام).

هذا ما سنتطرّق إليه مفصّلاً فيما يأتي من البحوث - إن شاء الله تعالى - ونبدأ البحث في جهات المقام الأول:



المقامُ الأوّل الشَعائرُ الدينيّة



الجهةُ الأوّلى:الأدلّةُ الإجماليّة



في بداية كلّ بحث لابدّ أن يعثر الفقيه أو المجتهد على أدلّة معيّنة لعنوان البحث، وهذه الأدلّة حسب قواعد علم الفقه والأصول لها ثلاثة محاور، هي: الموضوع، والمحمول، والمتعلّق.

الموضوع: هو ما يُشار به إلى قيود الحُكم.

والمحمول: هو الحكم الشرعي، إمّا وجوب، أو حُرمة، أو مِلكيّة، أو غير ذلك، بمعنى الحُكم الشرعي الشامل للحُكم التكليفي وللحُكم الوضعي.

المتعلَّق: وهو الفعل المطلوب حصوله في الخارج إذا كان الحُكم وجوباً، أو الفعل اللازم تركه إذا كان الحكم حرمةً.

على سبيل المثال: في دليل: (إذا زالت الشمس فصلِّ)، نلاحظ هذه المَحاور الثلاثة كالآتي:

الموضوع: هو الزوال.

والمحمول: الحُكم وهو الوجوب.

والمتعلّق: وهو صلاة الظهر.

ومِحور الموضوع الذي هو قيود الوجوب، ويُطلق على قيود أيّ حكم تكليفي أو وضعي بأنّه: موضوع أصولي، أو موضوع فقهي، وفي مثالنا السابق يعتبر الزوال من قيود الوجوب.


فاللازم استعراض الأدلّة الواردة في قاعدة الشعائر وتقرير مفادها على ضوء هذا التثليث.

الطائفة الأولى من الأدلّة:

(1) -( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) (1) .

قد ورد في الآية عموم لفظ الشعائر، وهو حُكم من الأحكام القرآنيّة، فلنتعرّف على موضوع ومتعلّق هذا المورد، وعلى حكمه أيضاً.

الموضوع: هو الشعائر(2) .

المتعلّق: هو التعظيم إن جُعِل الحُكم إيجابيّاً، أو التهاون إن جُعِل الحكم تحريميّاً.

الحُكم: حرمة التحليل وحرمة التهاون، ويمكن جعل الحُكم وجوب التعظيم.

(2) -( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *

____________________

(1) المائدة: 2.

(2) وقد يقال للموضوع: متعلّق المتعلّق، ففي مثال حرمة شرب الخمر؛ فإنّ الحُرمة تتعلّق بالشُرب، والشرب بدوره يتعلّق بالخمر، فالخمر يقال له: متعلّق متعلّق الحكم.. وهذا تابع لقاعدة أصوليّة محرّرة عند علماء الأصول تقول: إنّ متعلّق متعلّق الحُكم يكون موضوعاً للحُكم، سواء كان الحكم تكليفيّاً أم وضعيّاً. اعتمدَت عليها مدرسة الميرزا النائيني (رحمه الله)، إلاّ أنّ مشهور الطبقات المتقدِّمة من العلماء على خلاف ذلك، وهو الأصح.


لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (1) .

هذا المقطع من الآية الشريفة( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ... ) ، أدرجهُ كثير من العلماء ضمن آيات الشعائر أيضاً، مع أنّه لم يرد فيه لفظة الشعائر، والوجه في ذلك: هو الاعتماد على قاعدة معروفة ومشهورة لدى أساطين الفقه.

وهي أنّ الموضوع أو المتعلّق كما يمكن الاستدلال له بالأدلّة الوارد فيها العنوان نفسه أو المتضمّنة له، أو مرادفاته، كذلك يمكن الاستدلال له بالأدلّة الوارد فيها العنوان نفسه أو المتضمّنة له، أو مرادفاته، كذلك يمكن الاستدلال له بما يشترك معه في الماهيّة النوعيّة أو الجنسيّة، أي المماثل أو المجانس، بشرط أن يكون الحُكم مُنصبّاً على تلك الماهيّة، وإلاّ كان التعدّي قياساً باطلاً، كما يمكن الاستدلال له بالدليل الذي يتضمّن جزء الماهيّة، كذلك يمكن الاستدلال له بما يدلّ على اللازم له أو الملزوم له، فتتوسّع دائرة دلالة الأدلّة الدالّة على المطلوب.

ففي هذه الآية الشريفة:

الموضوع: حُرمات الله.

المتعلّق: التعظيم.

الحكم: الوجوب، أي: وجوب التعظيم.

(3) -( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (2) .

____________________

(1) الحج: 27 - 30.

(2) الحج: 32.


وهذه من أوضح الآيات على إثبات المطلوب، حيت تدلّ على محبوبيّة ورجحان التعظيم لشعائر الله، حسب التقسيم الثلاثي المذكور من الموضوع والمتعلّق والحُكم.

(4) -( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) (1) .

هنا وردت (مِن) تبعيضيّة، والمعنى: أنّ البدن من مصاديق الشعائر.

(5) -( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (2) .

(6) -( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) (3) .

هذه الآية الشريفة تعرّضت للشعائر، ولكن بصيغة المشعر.

هذه الطائفة من الأدلّة وافية في المقام، وعلينا أن نسبر غَورها لنصل إلى المَحاور الأساسيّة فيها، ولنتعرّف على مفادها ودلالتها.

الطائفةُ الثانية من الأدلّة:

هذه الأدلّة لم يرد فيها لفظ (الشعائر)، إلاّ أنّ بعض العلماء والمحقّقين(4) ذهبوا إلى استفادة حُكم الشعائر منها، وهي:

____________________

(1) الحجّ: 36.

(2) البقرة: 158.

(3) البقرة: 198.

(4) الميرزا القمّي (قدِّس سرّه) ضمن فتواه في كتاب (جامع الشتات) حول الشعائر الحسينيّة، والسيّد اليزدي (قدِّس سرّه) صاحب العروة في فتواه، والسيّد جمال الدين الگلبايكاني، أشاروا إلى وجود عمومات أخرى إضافةً لأدلّة الطائفة الأولى في المقام.


(1) -( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .

ومن سياق الآيات التي قبلها:( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الأَخِرِ.. ) .

وآية:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ.. ) .

يُفهم أنّ الآيات بصدد بيان مسألة وجوب الجهاد، وضرورة المعرفة الحقّة والتوحيد ونشر الدين وتبليغه..

ثُمّ بعد ذلك تُبيّن الآية:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) أهميّة النور الإلهي، ومحاولات أعداء الدين لإطفاء ذلك النور، ولكنّ الله سبحانه كتبَ على نفسه إحباط تلك المحاولات الشيطانيّة، ويأبى سبحانه إلاّ إتمام النور ونشر الصلاح والهدى.

ففي هذه الآية الشريفة:

الموضوع: هو نور الله سبحانه، وهو بدل لفظ (الشعائر) في آية( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ... ) ، ونور الله سبحانه عام يشمل جميع الأحكام.

المتعلَّق: النشر والتبليغ والبيان، وهو بدل التعظيم في تلك الآية.

والحُكم: وهو الوجوب، وجوب النشر أو حرمة الإطفاء والكتمان.

فيكون هذا الدليل - كقضيّة شرعيّة - مرادفاً ومكافئاً للآية الشريفة:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ) .

- وهذا يعني أنّنا لا نقتصر في إثبات هذه القاعدة على الآيات من الطائفة

____________________

(1) التوبة: 32.


الأولى من الأدلّة، بل يمكن الاستدلال أيضاً بما يفيد مفادها أيضاً.

(2) -( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَال ) (1) بملاحظة الآيات التي تسبق هذه الآية من سورة النور، وهي:( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (2) من سياق هذه الآيات، يظهر أنّ المراد من لفظة( فِي بُيُوتٍ... ) : هي البيوت التي فيها نور الله، والمراكز التي تكون مصادر إشعاع الدين، ومحالّ نشر الهداية والحق، ومحطّات بيان أحكام الدين الحنيف.

وهذه (البيوت) النوريّة والباعثة للنور، شاء الله وأراد أن تُرفع وتُكرّم، وأن تُبجّل وتُحترم، وينبغي أن يستمرّ ويدوم فيها ذِكر الله وعبادته وطاعته.

فهذه الآية من سورة النور، مرادفة لآية تعظيم الشعائر(3) ، ولآية( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ... ) .

فالآية الشريفة تدلّ على وجوب نشر ورفع كلّ موطن ومركز ومحلّ يتكفّل ببيان أحكام الله وتعاليم رسالة السماء، المكنّى عنه في الآية الشريفة بنور الله.

____________________

(1) النور: 36.

(2) النور: 34 - 35.

(3)( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) الحجّ: 32.


ومن ذلك يظهر أنّ الشعائر لا تختصّ بباب دون آخر، فهي لا تختصّ بمناسك الحجّ، ولا بالعبادات.

وإنّما تشمل كلّ ما فيه نشر لأحكام الدين، وتعمّ جميع ما به بيان وتبليغ للمعارف الإسلاميّة المختلفة.

(3) -( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) .

هذه الآية تدلّ على أنّ حفظ الدين وحفظ ذِكر الله سبحانه، وكذلك حفظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو قوام الدين، وحفظ ذِكر أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم العِدل الآخر للقرآن، كلّ ذلك يُعتبر من الأغراض الشرعيّة العُليا للحق سبحانه وتعالى.

(4) -( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (2) .

بتقريب أنّ كلّ ما يؤول إلى إعلاء كلمة الله سبحانه وإزهاق كلمة الكافرين، فهو من الأغراض الشرعيّة والمقاصد الدينيّة.

(5) -( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (3) .

تُقرِّر الآية الكريمة وجوب التفقّه على المسلمين بعد الهجرة، ثُمّ الرجوع إلى بلادهم ووجوب التبليغ والإنذار، مُقدّمةً لحصول حالة الحذر، فهذا الإنذار

____________________

(1) الحجر: 9.

(2) التوبة: 4.

(3) التوبة: 122.


لنشر معالم الدين وترسيخ قواعده يُبيّن في الواقع ماهيّة الشعائر.

فهذه الآية (آية الإنذار) بمنزلة المُبيّن والمفسِّر لأحد أركان ماهيّة العناوين التي وردت في الألسنة الأخرى من الأدلّة، وهو التبليغ والنشر للدين الحنيف.

(6) -( فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (1) .

لسان هذه الآية، يوضِّح بُعداً آخر في حقيقة الشعائر، حيث تتضمّن في متعلّقها جنبة أخرى غير الأحكام الأوّليّة، ألا وهي جنبة ازدياد العلو والسُموّ للإسلام والمسلمين، وهذه غير جهة الإعلام، وإن كانت هي أحد نتائج الإعلام والنشر والإنذار.

فالبُعد الآخر الذي تتضمّنه قاعدة الشعائر الدينيّة: هو جنبة إعلاء كلمة الله سبحانه، وإعزاز كلمة المسلمين.

وقد توفّرت الأدلّة في إثبات ذلك بقدر وافٍ.

الطائفةُ الثالثة من الأدلّة:

وقد استُدلّ أيضاً على هذه القاعدة بما وردَ في الأبواب الخاصّة من الأدلّة، مثل: أدلّة خاصّة في مناسك الحج، أو أدلّة خاصّة في الشعائر الحسينيّة وغير ذلك، مثل: قول الصادق (عليه السلام):(رحمَ الله مَن أحيا أمرَنا) (2) .

وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(يا علي، مَن عمّر قبوركم، وتَعاهدها، فكأنّما أعانَ

____________________

(1) النساء: 141.

(2) بحار الأنوار 2: 151: 30.


سليمان بن داوود على بناء بيت المَقدس) (1) وما شابه ذلك.

أو ما ورد على لسان العقيلة زينب الكبرى (عليها السلام) بالنسبة لعزاء سيّد الشهداءصلى‌الله‌عليه‌وآله :(وسيوكِّل الله مَن يُجدّد له العزاء في كلّ عام) (2) تلك العناوين خاصّة في أبواب خاصّة.

وهذا اللسان الثالث من الأدلّة هو عبارة عن أحكام خاصّة في الموارد الأخرى، التي مفادها هو عين مفاد الشعائر، من لزوم البثّ والإعلان.

فزبدة القول: إنّ لدينا ثلاثة أشكال من الأدلّة:

الأوّل: أدلّة عامّة وردَ فيها لفظ الشعائر.

الثاني: أدلّة عامّة ومطلقه يظهر منها جانب الإعلام والإعلاء للدين.

الثالث: أدلّة مختصّة ببعض الأبواب، وتكون مرادفة لتعظيم الشعائر ولنشر الدين وإعلاء كلمته.

____________________

(1) بحار الأنوار 100: 120: 22.

(2) بحار الأنوار 44: 292.


الجهةُ الثانية أقوالُ العامّة والخاصّة حول هذه القاعدة



أقوالُ العامّة:

منها:

1 - عن عطاء أنّه فسّر الشعائر(1) - سواء في الآية( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ... ) ، أو الآية( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ... ) - بأنّها جميع ما أمرَ الله به ونهى عنه، أي جميع فرائضه، ولم يُخصّصه ببابٍ دون باب(2) .

2 - قال الحسن البصري: الشعائر شعائر الله: هو الدين كلّه(3) ، هذا أيضاً قولٌ بالتعميم، وهذا تعميم في الموضوع، فهذان القولان يتّفقان على تعميم موضوع الشعائر.

3 - القرطبي في أحكام القرآن: يذهب إلى أنّ المراد من الشعائر هي جميع العبادات، ولم يعمّمها لجميع أحكام الدين، وإنّما خصّصها بالعبادات، قال: جميع المتعبّدات التي أشعرَها الله تعالى، أي جعلها أعلاماً للناس، هذا قول آخر،

____________________

(1) تفسير مجمع البيان 3: 264. جامع البيان (لابن جرير الطبري) 6: 74.

(2) وقد روي أيضاً هذا الرأي عن عكرمة، حيث قال: إنّ شعائر الله هي حدوده. راجع: زاد المسير (ابن الجوزي) 2: 232.

(3) تفسير مجمع البيان 7: 150.


وهو يحدّد دائرة الموضوع(1) .

4 - وهناك قول آخر لديهم: هو أنّ المراد من شعائر الله بقرينة السياق في الآيات الواردة في سورة الحج، وفي أوائل سورة المائدة، وتلك التي في سورة البقرة كلّها في سياق أعمال مناسك الحجّ، فمن ثُمّ ذهبَ هذا القائل إلى أنّ المراد منها جميع مناسك الحجّ(2) ليس إلاّ، ولا تشمل هذه القاعدة بقيّة الأبواب(3) ، هذا بالنسبة لزبدة أقوال العامّة.

أقوالُ الخاصّة:

أمّا بالنسبة لأقوال الخاصّة، فلم نعثر على قول من أقوال الخاصّة يقيِّد القاعدة بمناسك الحج، أو يُخصّصها بالعبادات، عدا ما قد يظهر من الشيخ النراقي في عوائده، بل دين علماء الخاصّة - كما يظهر من كلماتهم - القول بالتعميم، فمثلاً:

____________________

(1) تفسير القرطبي 12: 56.

(2) مثل ابن عبّاس حيث قال: إنّ الشعائر مناسك الحج، كما في أحكام القرآن (الجصّاص) ج2: 1376.

(3) هناك أقوال أخرى لعلماء العامّة، منها: إنّ الشعائر هي حُرم الله، قاله السّدي.

- أو ما ذهبَ إليه أبو عبيدة بأنّ الشعائر: هي الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام.

- وقول الماوردي والقاضي أبو يعلى: إنّ الشعائر هي أعلام الحَرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير مُحرمين إذا أرادوا دخول مكّة، تجد هذه الأقوال وغيرها في كتاب زاد المسير لابن الجوزي 2: 232.


1 - الشيخ الكبير كاشف الغطاء في كتابه(كشف الغطاء) (1) ، ذهبَ إلى أنّ قبور الأئمّة (عليهم السلام) قد شُعِّرت، فهي مشاعر، ومن ثَمّ تجري عليها أحكام المساجد، يَذكر ذلك في بحث الطهارة، في مناسبة معيّنة، في تطهير المسجد وحرمة تنجيسه وما شابه ذلك.

وقد تميّز الشيخ الكبير كاشف الغطاء بهذا الاستدلال عن بقيّة الأعلام، بالإشارة إلى أنّ وجه إلحاق قبور الأئمّة (عليهم السلام) بالمساجد، هو كونها شُعِّرت مشاعر، فهو إذاً يذهب إلى أنّ المشاعر لا تختصّ بأفعال الحجّ، ولا تختصّ بالعبادات، بل تشمل دائرةً أوسع من ذلك.

وأيضاً، في كتاب(منهاج الرَشاد لمَن أراد السداد) (2) يشير الشيخ الأكبر كاشف الغطاء إلى هذه النكتة، وهي تشعير قبور الأئمّة (عليهم السلام).

وكذلك يشير أيضاً إلى أنّ حُرمة المؤمن أيضاً من شعائر الدين، فهو يعمِّم موضوع الشعائر.

2 - وأيضاً ذهبَ إلى التعميم: صاحب الجواهر في بحث الطهارة: في موضع حرمة تنجيس القرآن، أو وجوب تطهير القرآن إذا وقَعت عليه نجاسة، ويشير إلى أنّ حرمة الهتك ووجوب التعظيم شاملان لكلّ حُرمات الدين، وعبارته: (وفي كلّ ما عُلمَ من الشريعة وجوب تعظيمه وحرمة إهانته وتحقيره...)(3) .

____________________

(1) كشف الغطاء: 54 (عند قراءة الفاتحة بعد الطعام ورجحان الشعائر الحسينيّة).

(2) وهو أوّل كتاب صدرَ من الحوزة العلميّة الإماميّة في ردّ الوهّابيّة، حيث كان الشيخ (رحمه الله) معاصراً لنشأة وقيام الدولة الوهّابيّة في بدايتها، وكانت بينه وبين مؤسِّس الدولة الوهّابيّة مراسلات واحتجاجات، وقد طُبع هذا الكتاب أخيراً.

(3) جواهر الكلام 6: 98 - كتاب الطهارة في ذيل أحكام تطهير المسجد.


وهذا التعبير كأنّما اقتبسهُ صاحب الجواهر من الآية في سورة الحجّ:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.. ) .

وبعد ذلك بآيتين:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ.. ) كأنّما الآيتان متوازيتان في المعنى، ومتعاضدتان في شرح بعضهما البعض.

3 - أيضاً من الكلمات التي يستفاد منها التعميم:

فتوى المحقِّق الكبير الميرزا النائيني، التي صَدرت حول الشعائر الدينيّة.

وقد عُبّر عن الشعائر الحسينيّة بأنّها شعائر الله، واستدلاله بالآية يُعمّم هذه القاعدة الفقهيّة، ولا يُخصّصها بالمناسك ولا بالعبادات.

4 - المجاهد الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، قال بالتعميم - أيضاً - في فتاواه وفي كتبه، وفي رسائل الأسئلة والأجوبة، حيث يَذكر دخول الشعائر الحسينيّة في عنوان شعائر الله، وفي شعائر الدين، ووجوب تعظيمها بنفس الآية الكريمة.

5 - السيّد الحكيم (رحمه الله) في المستمسك(1) في بحث الشهادة الثالثة، حيث تمايلَ إلى وجوب الشهادة الثالثة (أشهد أنّ عليّاً وليّ الله..) في الأذان والإقامة، لا من باب الجزئيّة، بل من باب استحباب الأمر باقترانها بالشهادة الثانية، ومن ثُمّ طبّقَ عليها عنوان شعائر الله، وبالتالي ذهبَ إلى وجوبها.

فباعتبار أنّ الحُكم الأوّليّ لها هو الاستحباب، وإن كان بنحو التعميم إلاّ أنّها

____________________

(1) قال في مستمسك العروة 5: 545 فيما يتعلّق بالشهادة الثالثة: (بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز التشيّع، فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً، لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان).


اتُّخذت شعاراً للمذهب والطائفة، فذهبَ إلى حصول وتحقّق الشُعيرة بها، فالذي يظهر منه ذهابه إلى تعميم شعائر الله، وعدم تخصيصها بمناسك الحجّ، ولا بالعبادات.

هذه بعض أقوال الخاصّة التي تعرّضت صريحاً إلى تعميم شعائر الله، ولم نجد مَن يُخصّص الشعائر بخصوص مناسك الحجّ، أو خصوص العبادات، بل الجميع يُعمّم الشعائر إلى مطلق ما يُظهر المعالَم الرئيسيّة وينشُر أحكام الدين.

والمُتتبّع لفتاوى المتأخّرين في الشعائر الحسينيّة يلاحظ تعميم عنوان وقاعدة شعائر الله، إلى عموم أبواب وأحكام الدين.

وقد نبّه الفقهاء الأعلام - ضمن استدلالهم على هذه القاعدة - إلى حقيقة وجود أدلّة أخرى بلسان آخر يرادف معنى ومدلول قاعدة الشعائر الدينيّة، فآيات:

( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) .

و( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) يرادفها من الآيات القرآنيّة كثير من الموارد، وقد ذكرنا في الجهة الأولى أنّ الطائفتين الثانية والثالثة من الأدلّة تدلاّن على نفس مضمون قاعدة الشعائر.

فائدة

إنّ تتبّع الفقهاء للعثور على ألسِنة مختلفة - في مسألة واحدة - سواء كان مسألة وقاعدة فقهيّة، أو قاعدة كلاميّة؛ إنّما يحصل من أجل إعطاء الباحث الفقهي،


أو المستنبط الفقهي سعة في البحث، ما لا يعطيه اللسان الواحد والدليل الفارد، وربّما يحصل الاختلاف في اللسان الواحد، هل هو باقٍ على حقيقته اللغويّة أو نُقل إلى الحقيقة الشرعيّة مثلاً؟ هل هو مبهم أم مُجمل أم مبيّن؟ هل فيه إطلاق أم لا؟ وإلى غير ذلك من الحالات التي تنتاب اللسان الواحد في الأدلّة الشرعيّة، بخلاف ما إذا عَثر الباحث أو الفقيه - أو حتّى المتكلم - على أدلّة متعدّدة محتوية على ألسِنة أخرى، وقد تكون تلك الألسِنة متضمّنة لأرقام أجلى وأوضح، بحيث لا يقع الاختلاف فيها، وتختصر على الباحث الطريق للوصول إلى ضالّته.

- من ثُمّ ذكرنا أنّ الآيتين:( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ.. ) (1) .

- و( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ... ) (2) .

استندَ إليهما الفقهاء، ليس في بحث الشعائر فحسب، بل في مسائل فقهيّة وعقائديّة وتاريخيّة أخرى، في وقائع تحتاج لمواقف شرعيّة حازمة وصارمة.

وهي: وجوب نشر نور الدين ونور الإسلام، ونور الله.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الفقهاء يلاحظون في كلّ دليل ثلاثة مَحاور:

محور الموضوع، ومحور المحمول، ومحور المتعلّق، وإلاّ يكون البحث عقيماً، فلابدّ من تمييز هذه المحاور الثلاثة بعضها عن بعض.

ولما كانت عناوين هذه المحاور تختلف من لسان إلى لسان آخر، فلابدّ من تمييز الألسِنة وتصنيفها.

____________________

(1) التوبة: 33.

(2) النور: 36.


فبعد قيام الأدلّة المختلفة وتماميّتها يمكن القول: إنّ قاعدة الشعائر الدينيّة عبارة عن جملة من قوانين الإعلام في الدين الإسلامي لها أهمّيّتها، ولها حكمها المتميّز والمغاير للأحكام الأخرى، وليس كما فُسِّر من أنّ حكمها هو عين أحكام الدين، أو أنّ الشعائر هي الدين كلّه - كما نقلنا ذلك - أو أنّها تختصّ بمناسك الحجّ أو غير ذلك.

فالشعائر لها حكم مغاير للأحكام الأخرى، ومتعلّقه مغاير أيضاً، وإن ارتبطَ وتعلّق بنحوٍ أو بآخر بالأحكام الأوّليّة، بل هو حُكم آخر، وهو نشر الدين وإعلام الدين.

كما ذكرنا أنّ قاعدة الشعائر هي بمثابة فقرة الإعلام في الفقه أو في الدين الإسلامي، وبعبارةٍ أخرى: هي جانب النشر والإعلام للأحكام على غرار الإنذار في آية النفر(1) ، حيث إنّ الإنذار واجب مستقل غير وجوب الصلاة، الإنذار بالصلاة غير نفس الصلاة، والإنذار بالحجّ ليس هو نفس مناسك الحجّ، فبالإجمال نستنتج أنّ الشعائر لها موضوع ومتعلّق وحكم يتميّز ويختلف عن بقيّة الأحكام، مضافاً إلى الغاية الأخرى التي دلّت عليها الآيات الشريفة، وهي: إعلاء الدين، وإقامة معالمه في النفوس والسلوك الاجتماعي، ولا خفاء في الأثر التربوي البالغ لأسلوب الشعيرة، وممارستها في عطاء هاتين الغايتين الساميّتين.

____________________

(1)( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) التوبة: 122.



الجهةُ الثالثة: في معنى وماهيّة الموضوع (وهو الشَعائر) لُغةً



إنّ معرفة الحكم الإجمالي للشعائر يتوقّف على تحرير معنى الشُعيرة، أو الشعائر في الوضع اللغوي، فيجب التأمّل في العناوين الواردة في الأدلّة، وهي إمّا: عناوين بموضوعات المسألة، وقد تقدّم أنّ المقصود من الموضوع هو قيود الحُكم، وقيود الحُكم في اصطلاح علم أصول الفقه، من قبيل: الزوال لوجوب صلاة الظهر، والخمر لحرمة شُرب الخمر.

وإمّا: عناوين بمتعلّقات الأحكام.

فلابدّ حينئذٍ - في أيّ مبحثٍ فقهي - من تحرّي معنى تلك العناوين الواردة، هل هي باقية على وضعها اللغوي، أو أنّها نُقلت إلى معنى وضعي آخر بوضع الشارع، والذي يُسمّى في الاصطلاح بـ(الحقيقة الشرعيّة) (1) ..

فإذن بداية ما أفرزه البحث من استطراد الأدلّة، هو التأمّل في الألفاظ الواردة فيها، هل هي باقية على وضعها اللغوي أو أنّها حقيقة شرعيّة؟ ووجه أهميّة هذا الجانب.. هو أنّه إذا كان العنوان باقياً على وضعه اللغويّ، فنتمسّك بإطلاقه، وبماهيّته اللغويّة المقرّرة في اللغة وفي الوضع العُرفيّ..، وأمّا إذا نُقل من قِبَل الشارع إلى معنى آخر، وحقيقة معيّنة جديدة، فيجب -

____________________

(1) الحقيقة الشرعيّة: أي الألفاظ المعيّنة الواردة في لسان الدليل، التي أصبحت حقائق في معانيها المستحدَثة في عصر الشارع المقدّس، مثل لفظ: صلاة، وصوم، وحجّ، التي نُقلت من معناها الحقيقي الوضعي إلى المعنى الشرعي المستحدَث في عصر الشارع.


في مقام معرفة تلك الحقيقة - الاعتماد على ألسِنة الشارع، وليس لنا الرجوع إلى الوضع اللغوي الأوّلي.

وقد ذكرَ علماء الأصول أنّ العناوين التي ترد في الأدلّة، إذا لم يدلّ دليل على كونها نُقلت إلى معنى آخر، فهي باقية على معناها اللغوي.

مثلاً: إذا كان هناك استعمال شائع لأيّ لفظةٍ، ولأيّ عنوان ورد في الأدلّة الشرعيّة، ولم تقم قرينة، أو لم يُقيم دليل معيّن على أنّه نُقل من معناه اللغوي إلى معنى جديد، فإنّه يبقى على وضعه اللغوي.

ويقع البحث في تحرير معنى الشُعيرة، أو الشعائر في الوضع اللغوي، ثُمّ بعد ذلك نبحث عن مدى وجود دليل أو موجب لنقل هذه اللفظة من وضعها اللغوي، إلى وضع شرعي، وحقيقة شرعيّة.

الشعائرُ في كتب اللغة:

بالنسبة إلى لفظة الشعائر، أو الشُعيرة، كما وردت في المعاجم اللغويّة:

1 - في كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي؛

الشِعار: يُقال للرجل: أنت الشِّعار دون الدِّثار، تصفه بالقرب والمودّة، وأشعَرَ فلان قلبي همّاً، ألبسهُ بالهمّ حتى جَعله شعاراً، ويقال: ليت شِعري، أي: عِلمي، ويقال: ما يُشعرُك: وما يدريك..

وشعرتهُ: عَقلته وفهمتهُ، والمشعَر: موضع المنسك من مشاعر الحجّ.

وكذلك: الشعار من شعائر الحجّ، والشُعيرة من شعائر الحجّ(1) .

____________________

(1) كتاب العين للفراهيدي 1: 251.


فالخليل بن أحمد أثبتَ كلتا اللغتين في اللفظة المفردة، مفرد الشعائر، فجعلها شُعيرة، وجعلها أيضاً شعاراً ثُمّ قال:

والشُعيرة: البُدن، وأشعرتُ هذه البُدن نسكاً، أي: جعلتها شُعيرة تُهدى، وإشعارها أن يوجأ سِنامها بسكّين فيسيل الدم على جانبها فتُعرف أنّها بدنة هَدي، وسبب تسمية البُدن بالشعيرة أو بالشعار، أنّها تُشعر - أي تُعلَّم - حتّى يُعلم أنّها بُدن للهدي(1) .

ونلاحظ أنّ هناك معنى مشتركاً بين موارد استعمال الشعائر، حيث نراها تستعمل بكثرة بمعنى العلامة والاستعلام.

2 - قال الجوهري في الصِحاح: والشعائر أعمال الحجّ، وكلّ ما جُعل عَلماً لطاعة الله تعالى، والمشاعر: مواضع المناسك، والمشاعر: الحواس، والشعار: ما وليَ الجسد من الثياب، وشعار القوم في الحرب: علامتهم؛ ليعرف بعضهم بعضاً، وأشعرَ الرجل همّاً، إذا لزقَ بمكان الشِعار من الثياب في الجسد، وأشعرتُه فشعرَ، أي: أدريتهُ فدرَى(2) .

- الراغب أيضا لم يزد على ما ذكره الخليل، والجوهري في صِحاحه.

3 - قال الفيروز آبادي في القاموس: أشعرَهُ الأمر أي: أعلمهُ، وأشعرَها: جَعل لها شعيرة، وشِعار الحجّ: مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة والمشعر موضعها، أو شعائره: معالمهُ التي ندبَ الله إليها وأمرَ بالقيام بها(3) .

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) الصِحاح (الجوهري): 699.

(3) القاموس المحيط 2: 60.


4 - ابن فارس في (مقاييس اللغة) لديه هذا التعبير أيضاً، يقال للواحدة: شعارة وهو أحسن (من شعيرة)، ممّا يدلّ على أنّ شعيرة صحيحة، ولكنّ الأصح والأحسن شعارة، والإشعار: الإعلام من طريق الحس،. ومنه المشاعر: المعالِم، واحدها: مشعر، وهي المواضع التي قد أُشعرت بعلامات، ومنه الشِعر؛ لأنّه بحيث يقع الشعور (يعني التحسّس)، ومنه الشاعر؛ لأنّه يُشعر بفطنته بما لا يفطن له غيره(1) .

5 - القرطبيّ في تفسيره: كلّ شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعرَ به وأعلمَ يقال له: شعاره، أو شعائر.

وقال: والشّعار: العلامة، وأشعرت أعلمتُ، الشعيرة العلامة، وشعائر الله أعلام دينه(2) .

نتيجةُ المطاف

تحصّلَ من مجموع كلمات اللغويّين والمفسِّرين أنّ موارد استعمال هذه المادّة وهذه اللفظة في موارد الإعلام الحسّي، وهي: جنبة إعلاميّة،. كما يظهر من أدلّة اللسان الثاني للأدلّة القرآنيّة(3) الواردة بغير لفظة الشعائر، وهي تركِّز على جانب الإعلام الديني، أو نشر الدين وبثّ نور الله سبحانه وعدم إطفائه، هذه التعابير كلّها عبارة عن المراد من الآيات.

وهناك جنبة أخرى في الشعائر: وهي جنبة الإعلاء - العلوّ - وهذه

____________________

(1) معجم مقاييس اللغة 3: 193 - 194، مادّة (شعر).

(2) تفسير القرطبي 12: 56.

(3) التي ذكرناها في ص 34 من هذا الكتاب.


موجودة في لسان الأدلّة أيضاً، بيدَ أنّها غير موجودة في ماهيّة الشعائر؛ وإنّما هي موجودة في ماهيّة المتعلّق الذي تعلّق بالشعائر( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ... ) التعظيم: هو العلوّ والرفعة والسموّ( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ.. ) (1) أي: لا تبتذلوها، ولا تستهينوا بها.

فإنّ هذا اللسان الأوّل الذي وردَ فيه لفظة الشعائر في الموضوع، ركّزَ على جنبة الإعلام (على ضوء ما استخلصناه من أنّ: معنى الشعيرة والشعائر عند اللغويين هو الإعلام الحسّي، وليس هو الإعلام الفكري المحض الذي يكون من وراء الستار) فالإعلام الفكري لا يسمّى شعائر، بل الشعائر: هي العلامة الحسّيّة الموضوعة التي تشير وتُنبئ عن معنى ديني، له نسبةٌ ما إلى الله عزّ وجل وإلى الدِين.

هذه جنبة الإعلام الموجودة في اللسان الأوّل من الآيات، والجنبة الثانية التي تظهر من خلال لسان الدليل الثاني، وهي: جنبة الإعلاء( وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) (2) ،( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (3) وما شابه ذلك.

ويمكن القول: إنّ كلتا الجنبتين، حاصلتان في اللسان الأوّل، غاية الأمر أنّ جنبة الإعلام والنشر والبثّ ظاهرة في موضوع الدليل وهو الشعائر، وجنبة الإعلاء والتعظيم وعدم الاستهانة مطويّة في متعلّق الدليل وهو التعظيم( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ) ،( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ) ..

____________________

(1) المائدة: 2.

(2) التوبة: 40.

(3) النساء: 141.


( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) .

إذا خُلّينا وهذا المعنى اللغوي، فالمعنى عام، كما ذَكر القرطبي أيضاً تَبعاً لبعض اللغويّين: كلّ أمرٍ أعلَمَ بالله عزّ وجل، أو أعلمَ بمعنىً من المعاني المنتسِبة إلى الله عزّ وجل، فهو شعار، وشعائر.

فمن حيث الوضع اللغوي، والماهيّة اللغويّة؛ فإنّ الشعائر والشعار والشعارة هو كلّ ما له إعلام حسّي بمعنىً من المعاني الدينيّة، وله إضافة ما بالله عزّ وجل، وبدينه وبأمره وبإرادته وبأحكامه وبمراضيه.

الفرقُ بين النُسك والشعائر

فإذاً الشِعار ليس هو النُسك من حيث هو نُسك، قد سمّيت النسك مشاعر؛ لأنّ فيها جنبة إعلام، نُسك الحجّ تسمّى مشاعر بتطبيق المعنى اللغوي عليها، من جهة أنّ الحجّ يمثّل مؤتمراً ومَجمعاً ومحلاًّ لالتقاء وتقارب الأهداف المشتركة والغايات الموحّدة لهم، فحينئذٍ كلّ ما يمارسوه من أعمال بالرسم المجموعي يكون فيه جنبة إعلان للدين ولعظمة الدين، وفيه دلالة واضحة للوحدة والألفة للأمّة الإسلاميّة؛ ومن ثُمّ سُمّيت مناسك الحجّ - دون غيرها من العبادات - بالمشعر، باعتبار أنّ فيها جنبة الإعلام دون غيرها، وربّما تسمّى صلاة الجماعة أيضاً بالمشعر، وتسمّى مساجد الله بالمشعر، والسرّ في ذلك: هو ما ذكرنا من أنّ هذه القاعدة الشرعيّة الفقهيّة، لها حكمٌ متميز ومغاير لبقيّة الأحكام.

وليس كما قال بعض علماء العامّة بأنّ الشعائر تعني دين الله؛ لأنّ الشعائر هي الإعلام لدين الله، وإعلاءُ دين الله، وبالتالي إحياء معالِم الدين.


فلها متعلّق خاص، وحكم خاص، وموضوع خاص، وسيتبيّن أيضاً أنّ جَعل الشعائر وحكمها ليس ثانويّاً.

المعنى الجامع بين اللغويّين

فحينئذٍ المعنى الجامع العامّ الذي يقف عنده اللغويّون - في ماهيّة الشعائر - هي: جنبة الإعلام الحسّي، وبعبارة أخرى: إنّ أيّ شيء أو أمر تظهر فيه مبارزة دينيّة وفيه جنبة إعلام عن معنى من المعاني الدينيّة، أو حكمٍ من الأحكام الدينيّة، أو سلوكٍ من القيَم الدينيّة وما شابه ذلك، يسمّى شعاراً أو شعائر.



الجهةُ الرابعة: في كيفيّة تحقّق الموضوع ومُعالجة بعض قواعد التشريع



بعد معرفة أنّ الأصل الأوّلي ومقتضى القاعدة الأوّليّة، هو أنّ الشارع إذا أوردً عنواناً معيّناً في دليلٍ من الأدلّة فإنّه يجب أن يبقى على معناه اللغوي.

أي أنّ كلّ دليل وردَ من الشارع يبقى على معناه اللغوي ما لم ينقله الشارع إلى الحقيقة الشرعيّة، هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى، هناك أمر آخر يضيفه الأصوليّون، وهو تحقّق هذا العنوان وحصوله في الخارج.

فنحن تارة نتكلّم في مرحلة التأطير والتنظير، وفي أفق الذهن، أو في أفق اللوح باعتباره القانون، فحينئذٍ يبقى المعنى على حاله.

وتارةً نتكلّم عن مرحلة أخرى هي غير التنظير القانوني، بل هي مرحلة التطبيق في الخارج والوجود في الخارج، في هذه المرحلة أيضاً، فما لم يعبّدنا الشارع ويتصرّف في الوجود الخارجيّ لأيّ عنوان، فالأصل الأوّلي هو أن يكون وجوده ومجاله أيضاً عرفيّاً، سواء كان له وجودٌ تكويني، أو كان له وجود اعتباري لدى العرف، إلاّ أن يجعل الشارع له وجوداً خاصّاً بأن ينصب دليلاً على ذلك.


أمثلةٌ على تحديد الوجود الخارجي للموضوع من الشارع المقدّس

مثال 1: في تحقّق الطلاق، لو قال الزوج: طلّقتُ امرأتي، أو أطلّقُكِ، أو سأُطلّقك، فكلّ هذه الصيغ لا يمضيها الشارع ولا يقرّها، وهي غير محقّقة، ولا موجّدة للطلاق، وإن كانت في العرف موجدةً له، لكن عند الشارع لا أثر لها، إلاّ أن يقول: أنتِ طالق، بلفظ اسم الفاعل المراد منه اسم المفعول.

هنا الشارع وإن لم يتصرّف في ماهيّة الطلاق ولم يتصرّف في عنوانه، بل أبقاه على معناه اللغوي، لكنّه تصرّف في كيفيّة وجوده وحصوله في الخارج.

مثال 2: الحلف لا يكون حلفاً شرعيّاً بالله، والنذر لا يكون نذراً لله إلاّ أن تأتي به بالصيغة الخاصّة، فهذا تصرّف في كيفيّة الوجود، فإن دلّ الدليل على كيفيّة تصرّف خاصّة من الشارع وفي كيفيّة الوجود، فلا يتحقّق ذلك الأمر إلاّ بها.

أمّا إذا لم يقم الدليل من الشارع على ذلك، فمقتضى القاعدة الأوّليّة أنّ وجوده يكون وجوداً عرفيّاً - تكوينيّاً كان أو اعتباريّاً - ما لم يرد دليل من الشارع لتحديد وجوده وحصوله في الخارج.

نرجع إلى محلّ البحث، لو لم يكن دليل إلاّ عموم آية( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) .

وعموم آية:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ، وقلنا: إنّ المعنى يبقى على حاله، حيث إنّ الشارع لم يتصرّف في معناه


اللغوي الذي هو ما يقال عنه مرحلة تقنين القانون، ولم يتصرّف أيضاً في مرحلة التطبيق الخارجي من جهة خارجيّة، فما يتّفق عليه العرف بحيث يصبح تبياناً وإضاءةً لمعنى من المعاني الدينيّة، يصبح شعيرةً وشعاراً.

ويجدر التنبيه هنا على أنّ وجودات الأشياء على قسمين:

الوجودُ التكويني والوجود الاعتباري للأشياء

القسم الأوّل: هو الوجود التكويني مثل: وجود الماء، الحجر، الشجر، الإنسان، الحيوان.

القسم الثاني: وجود غير تكويني، بل هو اعتباري - أي فرضي، ولو من العرف - مثل: البيع، فالبائع والمشتري يتّفقان على البيع بخصوصيّاته، فيتقيّدان بألفاظ الإيجاب والقبول فيها، فحينئذٍ: هذا البيع، أو الإجارة، أو الوصيّة، أو المعاملة ليس لها وجود حسّي خارجيّ؛ وإنّما وجودها بكيفيّات اعتباريّة فرضيّة في عالَم فرضي يُمثّل القانون، سواء قانون الوضع البشري، أو حتّى قانون الوضع الشرعي عند الفقهاء، إذ يحملون هذا على الاعتبار الفرضي، فهو عالَم اعتبار لمَا يتّخذه العقلاء من فرضيّات.

العقلاء يفترضون عالَماً فرضيّاً معيّناً، لوحة خاصّة بالعقلاء، لوحة القانون العقلائي.

فوجودات الأشياء على أنحاء: تارةً نَسق الوجود التكويني، وتارة نَسق الوجود الاعتباري، وإن كانت اعتبارات الشارع، وتقنينات الشارع، وفرضيّات الشارع وقوانينه، يُطلق عليها أيضاً اعتبار شرعي، ولكن من الشارع.


خلاصةُ القول

إنّ كلّ عنوان أُخذ في دليلٍ - كالبيع، أو الهبة، أو الوصيّة، أو الشعائر، أو الطلاق، أو الزوجيّة - إذا أُبقيَ على معناه اللغوي، وأيضاً أُبقي على ما هو عليه من الوجود عند العرف فبها، غاية الأمر أنّ الوجود عند العرف ليس وجوداً تكوينيّاً، بل وجودٌ طارئ اعتباري في لوحة تقنيناتهم وفي لوحة اعتبارهم، مثلاً: حينما يقول الشارع في الآية الكريمة:( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) (1) ليس معناه: أنّ البيع الذي هو بيع عند الشارع قد أحلّه الله ؛ لأنّ ذلك يكون تحصيل الحاصل، لأنّ البيع الذي عند الشارع هو حلال من أساسه، بل المقصود من:( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) ، وكذلك:( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) (2) المراد أنّ البيع والعقود التي تكون متداولة في أُفق اعتباركم أنتم أيها العقلاء قد أوجبتُ - أنا الشارع - الوفاء بها، وقد أحللتُها لكم، فإذاً قد أبقاها الشارع على ما هي عليه من وجود ومعنىً لغوي عند العقلاء والعرف.

وقد يتصرّف الشارع في بعض الموارد - كما بينّا في الطلاق - حيث يقيّدها بوجود خاص.

فحينئذٍ، يتبيّن أنّ الأشياء قد يبقيها الشارع على معناها اللغوي، ويبقي وجودها في المقام الآخر على ما هي عليه من وجود إمّا تكويني أو

____________________

(1) البقرة: 275.

(2) المائدة: 1.


اعتباري.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ العلامة أو (الدال) إمّا عقليّة أو طبعيّة، أو وضعية..

فهل الشعائر أو الشعيرة هي علامة تكوينيّة، أم عقليّة، أم طبعيّة، أم هي وضعيّة؟

الشعيرةُ علامة وضعيّة

نرى أنّ الشعيرة والشعار هي علامة وضعيّة وليست عقليّة ولا طبعيّة، وهنا مفترق خطير في تحليل الماهيّة؛ للتصدّي للكثير من الإشكالات أو النظريّات التي تُقال في قاعدة الشعائر.

نقول: إنّ الشعيرة هي علامة وضعيّة، بمعنى أنّ لها نوعاً من الاقتران والربط والعلقة الاعتباريّة، فالوضع هو اعتباري وفرضي بين الشيئين.

والأمر كذلك في الأمور الدينيّة أيضاً، مثلاً كان شعار المسلمين في بدر: (يا منصور أمِت)(1) ، حيث يستحب في باب الجهاد أن يضع قائد جيش المسلمين علامة وشعاراً معيّناً للجيش.

الشعائر أو الشعارة: هي ربط اعتباري ووضع جعلي فطبيعتها عند العرف هو الاعتبار، حتّى شعار الدولة، وشعار المؤسّسات، وشعار الأندية، والوزارات..

والشركات التجارية، والفِرق الرياضيّة، لكنّ كلّ ذلك أمر اعتباري..

____________________

(1) المنصور من أسماء الله سبحانه، أمِت: يعني أمِت الكافرين.


فهو علامة حسّيّة دالّة على معنى معيّن، لكنّ الوضع والعلقة فيه اعتباريّة.

فلابدّ من الالتفات إلى تحليلٍ أعمق لماهيّة الشعائر والشعيرة، فماهيّة الشعار والشعيرة علامة حسّيّة لمعنى من المعاني الدينيّة، ولكنّ هذه العلامة ليست تكوينيّة، ولا عقليّة، ولا طبعيّة، وإنّما هي علامة وضعيّة.

فالشعائر هي التي تفيد الإعلام، وكلّ ما يُعلِم على معنى من المعاني الدينيّة، أو يدلّ على شيء له نسبة إلى الله عزّ وجل، فإنّ هذا الإعلام والربط بين الـمَعلم والـمُعلم به، وهذا الربط هو في الماهيّة وضعي اعتباري.

فالموضوع يتحقّق بالعُلقة، والوضع الاعتباري.

وإذا كان تحقّق ماهيّة الشعائر والشعيرة بالعُلقة الوضعيّة الاعتباريّة، وافتراضنا أنّ الشارع لم يتصرّف في كيفيّة الوجود، بمعنى أنّ المتشرّعة إذا اختاروا واتّخذوا سلوكاً ما علامة لمعنى ديني معيّن، فبالتالي يكون ذلك السلوك من مصاديق الشعائر.

وكما قلنا: إنّ ماهيّة الشعائر تتجسّد في كلّ ما يوجب الإعلام والدلالة فيها وضعيّة، والواضع ليس هو الشارع ؛ لأنّه لم يتصرّف بالموضوع، فبذلك يكون الوضع قد أُجيز للعرف والعقلاء.

كما ذكرنا في البيع أنّ له ماهيّة معيّنة، وكيفيّة خاصّة حسب ما يقرِّره العقلاء، وكيفيّة وجوده اعتباريّة، وذَكرنا أنّ الشارع إن لم يتصرّف في الماهيّة والمعنى في الدليل الشرعي، ولم يتصرّف في كيفيّة الوجود، فالماهيّة تبقى على حالها عند العقلاء، بخلاف الطلاق الذي تصرّف الشارع في كيفيّة وجوده في الخارج.


الشعائرُ ومناسك الحج

وممّا تقدّم: تبيّن خطأ عدّ مناسك الحجّ - بما هي مناسك - شعائر.

حيث إنّ الشعائر صفة عارضة لها، وليست الشعائر هي عين مناسك الحجّ كما فسّرها بعض اللغويّين.

بيان ذلك: حينما نقول مثلاً: (الإنسانُ أبيض)، هل يعني أنّ الماهيّة النوعيّة للإنسان هي البياض، كلاّ، أو حين نقول: (الإنسان قائم)، فهل يعني أنّ الماهيّة النوعيّة للإنسان هي القيام، كلاّ، إذ القيام والبياض أو السمرة أو السواد ليست ماهيّةً للإنسان، وإنّما هذه عوارض قد تعرض على الماهيّة وقد تزول عنها.

إنّ كُنه الإنسان وماهيّته بشيء آخر، لا بهذه العوارض، وكذلك مناسك الحجّ، إذ ليست ماهيّة المنسك هي الشعار، بل الشِعار هو ما يكمُن وينطوي فيه جنبة الإعلام والعلانيّة لشيء من الأشياء.

مثال آخر: لفظة (زيد) كنهها ليس أنّها سِمة لهذا الإنسان، كُنهها: هو صوت متموّج يتركّب من حروف معيّنة، نعم، من عوارضها الطارئة عليها أنّها سِمة واسم وعلامة لهذا الإنسان، وهذا من عوارضها الاعتباريّة لا الحقيقيّة، حيث إنّها علامة على ذلك الجسم.

إذاً جنبة العلاميّة لون عارض على أعمال الحج، أو على العبادات، أو على الموارد الأخرى، لا أنّها عين كنه أعمال الحج، وليس كون الشعائر هي نفس العباديّة، ولا كون العباديّة هي الشعائر.

أمّا كيف يسمح الشارع في أن يتصرّف العرف بوضع الشعائر أو غير ذلك، فهذا ما سنقف عليه لاحقاً إن شاء الله تعالى.


الترخيصُ في جَعل الشعائر بيد العُرف

إنّ الشارع حينما لا يتصرّف في معنى معيّن، ولا في وجوده في الخارج، فهل يعني هذا تسويغاً من الشارع في أن يتّخذ العرف والعقلاء ما شاءوا من علامة لمعاني الدين وبشكلٍ مطلق؟ أم هناك حدود وقيود، وما الدليل على ذلك؟

هل اتّخاذ المسلمين لهذه المعالِم الحسّيّة مَعلماً وشعاراً، سواء كانت مَعالم جغرافيّة: كموقع بدر، وغدير خمّ، أو مَعلماً زمنيّاً: كمولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهجرته، وتواريخ الوقائع المهمّة، أو مَعلماً آخر غير زماني ولا مكاني، كأن يكون ممارسةً فعليّة، هل هذا فيه ترخيص من الشارع أم لا؟

للإجابة على هذا السؤال المهمّ لابدّ من تحرير النقاط التالية:

النقطة الأولى: وهذه هي جهة الموضوع في قاعدة الشعائر الدينيّة، وهي: أنّ العناوين التي ترد في لسان الشارع إذا لم يرد دليل آخر يدلّ على نقلها من الوضع اللغوي إلى الوضع الجديد والمعنى الجديد، فهي تبقى على حالها، وعلى معانيها الأوّليّة اللغويّة.

النقطة الثانية: أنّ تحقّق تلك الموضوعات وكيفيّة وجودها في الخارج، إن كان الشارع صرّح وتصرّف بها فنأخذ بذلك، وإلاّ فإنّها ينبغي أن تبقى على كيفيّة وجودها العرفي أو التكويني.

النقطة الثالثة: أنّ وجودات الأشياء على نسقَين:

( أ ) بعض الوجودات وجودات تكوينيّة.


(ب) وبعض الوجودات وجودات اعتباريّة.

وقد أشرنا سابقاً لذلك، ولكن لزيادة التوضيح نقول: إنّ عناوين أغلب المعاملات وجودها اعتباري: كالبيع، والإجارة، والهبة، والوصيّة، والطلاق، والنكاح وما شابه ذلك، كلّ هذه العناوين كانت وجودات لدى العرف والعقلاء( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ... ) ،( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ... ) وغيرها من العناوين.

فآية:( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ... ) لسانٌ شرعي وقضيّة شرعيّة تتضمّن حكماً شرعيّاً وهو الحلّيّة، بمعنى حلّيّة البيع وصحّته وجوازه، ولم يتصرّف الشارع بماهيّة البيع، ولا بكيفيّة وجوده، إلاّ ما استُثني(1) ، فكيفيّة وجوده عند العرف والعقلاء تكون معتبرة، فما يصدق عليه وما يسمّى وما يطلق عليه (بيع) في عرف العقلاء جُعل موضوعاً لقضيّة شرعيّة، وهي حلّيّة ذلك البيع، وإلاّ فإنّ هذا الدليل( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ... ) ليس المقصود منه البيع الشرعي، إذ البيع الشرعيّ أحلّه الله، ولو كان البيع المراد في هذا اللسان هو البيع الشرعي، لمَا كان هناك معنىً لحلّيّته؛ لأنّه سوف يكون تحصيلاً للحاصل، البيع الشرعي إذا كان شرعيّاً فهو حلال بذاته، فكيف يُرتّب عليه الشارع حكماً زائداً وهو الحلّيّة.

فلسان الأدلّة الشرعيّة - والتي وردت فيها عناوين معيّنة - إذا لم يتصرّف الشارع بها ولم يتعبّد بدلالة زائدة، تبقى على ما هي عليه من المعاني

____________________

(1) مثل: حُرمة وفساد بيع المكيل والموزون بجنسه مع التفاضل؛ لأنّه ربا، ومثل: بطلان بيع الكالئ بالكالئ وغيرها.


الأوّليّة، وتبقى على ما هي عليه عند عُرف العقلاء.

حينئذٍ يأتي البيان المزبور في لفظة (الشعائر) الواردة في عموم الآيات:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) (1) أو:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ.. ) (2) وقد مرّ بنا أنّ ماهيّة الشعيرة، أو الشعائر التي هي بمعنى العلامة إذا أُضيفت إلى الله عزّ وجل، أو أُضيفت إلى الدين الإسلامي، أو أُضيفت إلى باب من أبواب الشريعة، فإنّها تعني علامة ذلك الباب، أو علامة أمر الله، أو علامة أحكام الله وما شابه ذلك.

والعلامة - كما ذكرنا - ليست عين المنسك، وليست عين العبادة، وليست عين الأحكام الأخرى في الأبواب المختلفة؛ وإنّما العلامة أو الإعلام شيء طارئ زائد على هذه الأمور، كاللون الذي يكون عارضاً وطارئاً على الأشياء، فيكون طارئاً على العبادة، أو المنسك، أو الحُكم المعيّن.

فجنبة الإعلام والنشر في ذلك الحُكم، أو في تلك العبادة، أو ذلك المنسك، تتمثّل بالشعيرة والشعائر، وبهذا النحو أيضاً تُستعمل في شعائر الدولة أو شعائر المؤسّسة والوزارة - مثلاً - فهي ليست جزءاً من أجزاء الوزارة أو المؤسّسة مثلاً، وإنّما هي علامةٌ عليها.

فالنتيجة: أنّ الشعيرة والشعائر والشِعار تبقى على حالها دون تغيير في كلا الصعيدين: صعيد المعنى اللغوي، وصعيد كيفيّة الوجود في الخارج.

____________________

(1) المائدة: 2.

(2) الحجّ: 32.

(1) الحجّ: 36.


فإطلاق الشعائر على مناسك الحجّ ليس من جهة وجودها التكويني أو الطبعي، بل من جهة الجعل والاتّخاذ من الله عزّ وجل:( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) (1) يعني: باتّخاذ وضعي واعتباري أصبحت علامة ونبراساً للدين.

هذه الشعائر في مناسك الحج، جُعلت - بالوضع والاعتبار - علامةً للدين، ولعلوّ الدين، ولرقيّه وانتشاره وعزّته ونشر أحكامه.

بعد هذا البسط يتّضح من ماهيّة الشعيرة ومن وجود الشعيرة، أنّ وجودها ليس تكوينيّاً، والمقصود ليس نفي تكوينيّة وجود ذات الشعيرة، بل إنّ تَعَنون الشيء بأنّه شعيرة وجعله علامة على شيء آخر تَعنونه هذا، وجعله كذلك ليس تكوينيّاً بل اعتباريّاً، وإلاّ فالبُدن هي من الإبل، ووجودها تكويني.

ولكن كونها شعيرة وعلامة على حُكم من أحكام الدين، أو على عزّة الإسلام شيء اعتباري، نظير بقيّة الدلالات التي تدلّ على مدلولات أخرى بالاعتبار والجعل.

فالشعائر وإن كانت وجودات في أنفسها تكوينيّة، ولكن عُلقتها ودلالتها على المعاني اتّخاذيّة واعتباريّة، بواسطة عُلقة وضعيّة ربطيّة اعتباريّة، هذا من جهة وجودها.

ومن جهةٍ أخرى، فقد دلّلنا على أنّ الشعائر والشعيرة تكون بحسب ما تُضاف إليه، كما قد يتّخذ المسلمون الشعائر في الحرب مثلاً، كما وردَ

____________________

(1) الحجّ: 36.


دليل خاص في باب الجهاد على استحباب اتّخاذ المسلمين شعاراً لهم، مثل ما اتّخذه المسلمون في غزوة بدر، وهو شعار: (يا منصور أمِت).

فالمقصود إذا لم يرد لدينا دليل خاصّ على التصرّف في معنى الشعائر أو الشعيرة - التي هي بمعنى العلامة كما ذكرنا - فإنّه يبقى على معناه اللغوي الأوّلي.

الوجودُ الاعتباري للشعيرة

وكذلك في الوجود الخارجي، إذ المفروض أنّ المتشرّعة إذا اتّخذوا شيئاً ما كشعيرة، يعني علامة على معنى ديني سامي، معنىً من المعاني الدينيّة السامية، أو حكماً من الأحكام العالية، وجعلوا له علامة، شعيرة وشِعار وشعائر. فالمفروض جَعل ذلك بما هي شعيرة لا بما هي هي، أي: بوجودها النفسي، لكن بما هي شعيرة، (كاللفظ بما هو دال على المعنى، لا يكون دالاً على المعنى إلاّ بالوضع..) فالشعيرة بما هي شعيرة، أي بما هي علامة دالّة على معنى سامي من المعاني الدينيّة، وتشير بما هي علامة على حُكم من الأحكام الدينيّة الركنيّة مثلاً، أو الأصليّة وهي دلالة اعتباريّة اتّخاذيّة وضعيّة.

وهذا يعني أنّها مجعولة في ذهن الجاعل، وبالتبادل وبالاتفاق تصبح شيئاً فشيئاً شعيرة وشِعار، مثل ما يجري في العرف بأن يضعوا للمنطقة الفلانيّة اسماً معيّناً مثلاً، وبكثرة الاستعمال شيئاً فشيئاً ينتشر بينهم ذلك الاسم فيتواضعون عليه، ويتعارف بينهم أنّ هذه المنطقة تُعرف باسم كذا، ويحصل الاستئناس في استعمال اللفظ في ذلك المعنى، فينتشر ويتداول، فحينئذٍ يكون اللفظ المخصوص له دلالة على المعنى المعيّن دلالةً وضعيّةً.


خلاصةُ القول

إلى هنا عرفنا أنّ في آية:( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) (1) ، وآية:( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (2) ثلاثة مَحاور:

محور الحُكم، ومحور المتعلّق، ومحور الموضوع.

فنقول: لو كنّا نحن ومقتضى القاعدة، لو كنّا نحن وهاتين الآيتين الشريفتين فقط وفقط فحينئذٍ، نقول: إنّ المعنى لشعائر الله - كالزوال، وكدِلوك الشمس - بقيَ على ما هو عليه في المعنى، ووجوده أيضاً على ما هو عليه من وجود، وقد بيّنّا في كيفيّة وجوده أنّها ليست تكوينيّة، بل هي وضعيّة واعتباريّة واتخاذيّة، كما في آية( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ... ) نبقيه على ما هو عليه من معنى، ونُبقيه على ما هو عليه من وجود، ووجوده هو وجود اعتباري لدى العقلاء.

وكذلك الأمر في شعائر الله، حيث هناك موارد قد تصرَّف فيها الشارع بنفسه وجعلَ شيئاً ما علامة، وغاية هذا التصرّف هو جعل أحد مصاديق الشعائر، كالمناسك في الحجّ.

وهناك موارد لم يتصرّف الشارع بها ولم يتّخذ بخصوصها علامات معيّنة.

وإنّما اتّخذ المتشرِّعة والمكلّفون شيئاً فشيئاً فعلاً من الأفعال - مثلاً -

____________________

(1) المائدة: 2.

(2) سورة الحج: 32.


علامة وشعاراً على معنى من المعاني الإسلاميّة، فتلك الموارد يشملها عموم الآية:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) ، وكذلك يشملها عموم:( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) (2) .

فلو كنّا نحن وهاتين الآيتين فقط، يتقرّر أنّ معنى الشعائر ووجودها هو اتّخاذي بحسب اتّخاذ العرف.

لكن قبل أن يتّخذها العرف شعيرة ومشاعر، وقبل أن يتواضع عليها العرف، والمتشرِّعة والعقلاء والمكلّفون لا تكون شعيرة، وإنّما تتحقّق شعيريّتها بعد أن تتفشّى وتنتشر ويتداول استعمالها، فتصبح رسماً شعيرة وشعائر، ويشملها عموم( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) ، و( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ... ) .

فالمفروض أنّ المعنى اللغوي لشعائر الله، هو معنىً عام طُبّق في آية سورة المائدة، أو في آية سورة الحجّ على مناسك الحجّ.

ولكن لم تُحصر الشعائر بمناسك الحجّ، بل الآية الكريمة دالّة على عدمه:( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) (3) ، و (من) دالّة على التبعيض والتعميم.

فإذن، اللفظ حسب معناه اللغوي عام، ونفس السياق - الذي هو سياق تطبيقي - ليس من أدوات الحصر، كما ذكرَ علماء البلاغة ؛ فإنّهم لم يجعلوا

____________________

(1) الحجّ: 32.

(2) المائدة: 2.

(3) الحج: 36.


تطبيق العام على المصداق من أدوات الحصر.

بل عُلّل تعظيم مناسك الحج لكونها من الشعائر، فيكون من باب تطبيق العام على أفراده، وذَكرنا أنّ أغلب علماء الإماميّة - من مفسّريهم، وفقهائهم، ومحدّثيهم - ذَهبوا في فتاواهم وتفاسيرهم إلى عموم الآية لا إلى خصوصها، ومنهم: الشيخ الطوسي في التبيان، حيث ذَكر أقوالاً كثيرة نقلاً عن علماء العامّة، ثُمّ بعد ذلك ذهب إلى أقوائيّة عموم الآية، وإنّه لا دليل على تخصيصها.

كما أنّ هناك دليلاً على ذلك من الآية الشريفة( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (1) ، حيث إنّ من الواضح أنّ حُرمات الله أعمّ من حُرمات الحجّ، هنا الموضوع للحُكم هو مُطلق حُرمات الله، وكذلك الأمر بالنسبة لشعائر الله في الآية الأخرى.

فإذن لو كنّا نحن ومقتضى هاتين الآيتين، فهاتان الآيتان - بحسب معناهما اللغوي، وبحسب وجودهما بين العقلاء وعُرف المكلّفين - وجودهما اعتباري اتّخاذي، ولو من قِبَل المتشرِّعة.

هذا الكلام بحسب اللسان الأوّلي في أدلّة الشعائر وقاعدة الشعائر، أمّا بحسب اللسان الإلزامي، فالأمر أوضح بكثير كما سنتعرّض إليه.

الاعتراضُ بتوقيفيّة الشعائر

في مقابل ذلك، أدُّعي وجود أدلّة تُثبت اختصاص جعل الشعائر بيد

____________________

(1) الحج: 30.


الشارع المقدّس من حيث تطبيق وجودها، كما أنّ الشارع حينما جعل البيع، صار له وجود وكيفيّة خاصّة، وهو ذلك الوجود الذي رتّب عليه الحلّيّة، وأخذَ فيه قيوداً معيّنة.

ويقرِّر ذلك بعينه في بحث الشعائر، كما هو الحال في الطلاق، حيث إنّ الشارع جعلَ له كيفيّة وجود خاصّة.

فالشعائر لابد أن تُتّخذ وتُجعل من قِبَل الشارع، ومن ثُمّ يَحرم انتهاكها، أمّا مجرّد اتّخاذها - والتعارف عليها والتراضي بها من قِبَل العرف والعقلاء - لا يجعلها شعيرة ولا يترتّب عليها الحُكم، أي: وجوب التعظيم وحرمة الهتك.

أدلّةُ المُعترض:

الأوّل: باعتبار أنّ الشعائر تعني أوامر الله، ونواهي الله، وأحكام الله، فلابدّ أن تكون الشعائر من الله، فكيف يوكَّل تشريعها غير الله سبحانه( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ) (1) .

الثاني: ما في الآية من سورة الحجّ( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) (2) من كونها شعائر الله، إنّما هو بجعل الشارع لا بجعل المتشرِّعة.

وآية( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) (3) ، وآية:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ

____________________

(1) الأنعام: 57.

(2) الحج: 36.

(3) المائدة: 2.


فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) (1) ترتبط كلّ منها بموارد مناسك الحجّ، ومناسك الحجّ مجعولة بجعل الشارع.

فالحاصل أنّ ألفاظ الآيات ظاهرة في أنّ جعل الشعائر إنّما هو جعل من الله، وليس هو جعل وإنشاءٌ واتخاذٌ حسب قريحة واختيار المتشرِّعة.

الثالث: لو كانت الشعائر بيد العرف لاتّسع هذا الباب وترامى، ولمَا حُدّ بحدّ، بحيث يُعطى الزمام للعرف وللمتشرِّعة بأن يجعلوا لأنفسهم شعائر كيف ما اختاروا واقترحوا، وبالتالي سوف تطرأ على الدين تشريعات جديدة وأحكام مستحدَثة ورسوم وطقوس متعدّدة، حسب ما يراه العرف والمتشرِّعة، فتُجعل شعائر دينيّة.

فإيكال الشعائر إلى العرف والمتشرّعة وإلى عامّة الناس المتديّنين، سوف يستلزم إنشاء تشريع دين جديد وفقَ ما تُمليه عليهم رغباتهم وخلفيّاتهم الذهنيّة والاجتماعيّة.

الرابع: يلزم من ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال، حيث سيتّخذون بعض ما هو محرّم شعائر فيجعلونها عَلَماً وعلامة على أمر ديني، وهذا تحليل للحرام، أو قد يجعلون لأشياء محلّلة حرمة معيّنة مثلاً ؛ لأنّها إذا اتُّخذت شعيرة وعُظِّمت فسوف يُجعل لها حرمة، مع أنّ حكمها في الأصل كان جواز الإحلال والابتذال.

أمّا بعد اتّخاذها شعيرة فقد أصبح ابتذالها حراماً وتعظيمها واجباً، فيلزم من ذلك تحريم الحلال.

____________________

(1) الحج: 30.


جوابُ الاعتراض:

والجواب تارةً إجمالاً وأخرى تفصيلاً.. أمّا الجواب الإجمالي: فهو وجود طائفة الأدلّة من النوع الثاني والثالث، حيث مرّ أنّ لقاعدة الشعائر الدينيّة ثلاثة أنواع من الأدلّة:(1)

النوع الأول: لسان الآيات التي وردت فيها نفس لفظة الشعيرة والشعائر.

النوع الثاني: لسان آخر، وهو ظاهر الآيات التي وردت في وجوب نشر الدين، وإعلاء كلمة الله سبحانه، وبثّ الشريعة السمحاء.

وقد قلنا: إنّ قاعدة الشعائر الدينيّة تتقوّم برُكنين:

ركن الإعلام والنشر والبثّ، والانتشار لتلك العلامة الدينيّة ولِذيها.

وركن علوّ الدين واعتزازه، وهذا اللسان نلاحظه في جميع الألسن لبيان القاعدة، سواء كان في اللسان الأوّل الذي وردت فيه بلفظ الشعائر، أو في اللسان الثاني الذي لم يرد فيه لفظ الشعائر.

النوع الثالث : أو اللسان الثالث من الأدلّة: الذي ذكرنا بأنّه العناوين الخاصّة في الألفاظ الخاصّة.

فلو بنينا على نظريّة هذا المعترض؛ فإننّا لن ننتهي إلى النتيجة التي يتوخّاها بأنّ الشعائر حقيقة شرعيّة، أو وجودها حقيقة شرعيّة، لأنّ النتيجة

____________________

(1) راجع ص: 31 - 38 من هذا الكتاب.


التي يريد أن يتوصّل إليها هي الحكم ببدعيّة كثير من الرسوم والطقوس التي تمارَس باسم الشعائر الدينيّة المستجدّة والمستحدَثة، وهذه النتيجة سوف لا يصل إليها حتّى لو سلّمنا بأنّ الشعائر الدينيّة هي بوضع الشارع وبتدخّله؛ لعدم انسجام ذلك مع النَمَطين الأخيرين من لسان أدلّ الشعائر، والوجه في ذلك يتّضح بتقرير الجواب التفصيلي على إشكالات المعترِض.

الجوابُ التفصيلي الأوّل

يتمّ بيانه عبر ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: تعلّق الأوامر بطبيعة الكلّي

ما ذكرهُ علماء الأصول: من أنّ الشارع إذا أمرَ بفعل كلّي، مثل: الأمر بالصلاة( أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) (1) ، أو الأمر بعتق رقبة، أو الاعتكاف، ولم يُخصِّص ذلك الفعل بزمن معيّن، أو بمكان معيّن، أو بعوامل معيّنة؛ وإنّما أمرَ بهذه الطبيعة على حدودها الكلّيّة، كأن يأمر الشارع مثلاً بصلاة الظهرين بين الحدّين، أي: بين الزوال والغروب، فالمكلّف يختار الصلاة في أيّ فردٍ زمني من هذه الأفراد، وإن كان بعض الأفراد له فضيلة، إلاّ أنّ المكلّف مُفوّض في إيجاد طبيعة الصلاة، وماهيّة الصلاة، وفعل الصلاة في أيّ فرد شاء، وفي أيّ آنٍ من الآنات بين الزوال والغروب، سواء في أوّل الوقت، أو وسط الوقت، أو آخر الوقت، كما أنّه مفوّض ومخيّر في إيقاع الصلاة في هذا المسجد، أو في ذلك المسجد، أو في منزل، جماعة أو فرادى، وبعبارة

____________________

(1) البقرة: 43، 83، 110.


أدق: فإنّ المكلَّف مخيّر بين الأفراد الطوليّة للصلاة، والأفراد العرضيّة لها أيضاً(1) .

وكذلك في مثال عِتق الرقبة، فالاختيار بيد المكلّف لعتق أيّ رقبة شاء، سواء كان المعتَق رجلاً أو امرأة، مسنّاً أو شابّاً، أسود أم أبيض وغير ذلك.

فحينئذٍ تطبيق هذه الماهية وهذا العنوان الكلّي على الأفراد، قد جعلهُ الشارع بيد المكلّف.

هذا الجواز في تطبيق الطبيعة الكلّيّة على الأفراد يسمّونه في اصطلاح علم أصول الفقه بالتخيير العقلي، يعني هناك جواز عقلي يتّبع حُكم الشارع والأمر بالطبيعة الكلّيّة، والمكلَّف مُخوّل بالتطبيق والتخيير بين الأفراد، وهو ما يُسمّى تخييراً عقليّاً؛ ليمتاز عن التخيير الشرعي، والذي هو أن ينصّ الشارع بنفسه على التخيير(2) .

فهذا لا يُعدّ تشريعاً، أو إبداعاً، أو إحداثاً في الدين من قِبَل المكلّف؛ لأنّ المكلّف إذا أتى بصلاة الظهر في هذا المسجد دون ذاك المسجد، أو أتى بالصلاة بثوب مطيّب بطيب أو لم يأت به، أو إذا أتى بالصلاة في أوّل

____________________

(1) وقد ذكرَ هذا الأمر آية الله الشيخ حسن المظفّر في كتابه (نصرة المظلوم): 3، وإليك نصّ عبارته: (وإذا كان سنخ الشيء عبادة ومندوباً إليه، سَرَت مشروعيّته إلى جميع أفراده من جهة الفرديّة)، وهذه العبارة تُشير إلى ما نحن فيه من أنّ الأمر بالكلّي الطبيعي يعني مشروعيّة جميع أفراده؛ وإنّما التخيير يكون بيد المكلّف.

(2) كما في التخيير الوارد في خصال الكفّارة لـمَن أفطر متعمّداً في نهار شهر رمضان أنّ عليه: عِتق رقبة، أو صيام شهرين مُتتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فهذا تخيير شرعي.


الوقت، أو في وسط الوقت، أو في آخر الوقت؛ فإنّ هذه الخصوصيات في الواقع هي تطبيق لذلك الكلّي الطبيعي، وتطبيق لذلك الكلّي في ضمن هذه الأفراد والمصاديق والخصوصيّات، ولا يقال: إنّه نوع من البدعيّة أو التشريع أو الإحداث في الدين من قِبَل المكلّف؛ لأنّ الشارع - حسب الفرض - قد رسمَ وحدّدَ للمكلّف طبيعة كلّيّة من خلال الأمر بها، وخوّله أن يوجِد هذه الطبيعة في أيّ مصداق من المصاديق.

فلا يقال في موارد وجود التخيير العقلي والجواز العقلي في تطبيق الطبيعة على الأفراد والمصاديق، أنّ هذا التطبيق إنّما هو من تشريع المكلّف، إذ المفروض أنّ الشارع سوّغ له أن يُطبّق طبيعة الصلاة هذه في ضمن أيّ فرد، وجعلهُ مختاراً في ذلك.

والمفروض هو أنّ المكلّف - حين إتيانه بهذه الطبيعة في ضمن تلك الأفراد - لا يتديّن بتلك الخصوصيّة، وإنّما يتديّن بذلك المعنى الكلّي والفعل الكلّي الذي يُطبّقه في موارد الأفراد، لا أنّه يتديّن ويتعبّد بخصوصيّة من خصوصيّات الفرد، وإنّما هو يتعبّد بتلك الطبيعة الكلّيّة وبذلك المعنى الكلّي الذي يعمّ الموارد والأفراد المتعدّدة.

بخلاف ما إذا أراد المكلّف أداء الصلاة ونوى الفرد المخصوص (من الأفراد الطوليّة والعرضيّة)، مثلاً: نوى الصلاة المخصوصة في أوّل الوقت بدل أن ينوي الطبيعة في الفرد المزبور، أو نوى الصلاة في المكان الخاص بأنّه يتقرّب إلى الله بالفرد من الصلاة المخصوصة الواجبة..

هنا يتحقّق التشريع المحرّم؛ لأنّ المكلّف يتقرّب ويتعبّد ويتديّن بفرد


الصلاة المخصوصة ذات المواصفات المعيّنة، والحال أنّ الشارع لم يأمر بهذا الفرد بخصوصه، بل أمرهُ بالطبيعة الصادقة والمنطبقة على هذه الأفراد، فالإتيان بالأفراد يقع على نحوين، والنحو الأول الذي ذكرناه هو الطريقة المتّبعة، والمشي المرتكز لدى المتشرِّعة، حيث يقصدون الطبايع في الأفراد.

فإذا أمرَ الشارع بطبيعة معيّنة أو سوّغ امتثالها وتطبيقها، لا يقال: إنّ المكلّف في ضمن هذا الفرد قد أبدعَ، أو قد أحدث، فمرتكز المتشرّعة - خواصّهم وعوامّهم - عدم التأمّل والتوقّف في المصاديق المستحدَثة، وفي تطبيق الطبيعة على الأفراد المختلفة تحت ذريعة وطائلة الابتعاد عن التشريع المحرّم، بل هم يرون أنّ هذا نوع من امتثال أوامر الشريعة، ونوع من التديّن بما تُحدّده لنا الشريعة المقدّسة.

فإذاً، ترتسم لنا من هذه النقطة الأولى: أنّ في كلّ مورد يأمر الشارع بطبيعة كلّيّة ولا يُقيّد بخصوصيّة معيّنة، فالمستفاد من ذلك الأمر هو الجواز الشرعي، أو قل الجواز العقلي التَبعي بتطبيق هذه الطبيعة الكلّيّة بالمعنى الكلّي في ضمن أيّ فردٍ من الأفراد، ويكون التديّن في تلك الأفراد والتعبّد والتقرّب بالطبيعة الكلّيّة، والمعنى الكلّيّ الموجود والمتكرّر في ضمن تلك الأفراد والخصوصيّات، ولايكون ذلك تعدّياً على ما رسمَ الشارع، وليس إحداثاً في الدين، ولا ابتداعاً ولا غير ذلك من المعاني.

النقطة الثانية: (1) تقسيم العناوين الثانويّة

العناوين الثانويّة لها تقسيمات عديدة، والذي يهمّنا في المقام هو

____________________

(1) راجع النقطة الأولى ص: 78 من هذا الكتاب.


تقسيم العنوان الثانوي إلى: عنوان ثانوي في الحُكم، وعنوان ثانويّ في الموضوع.

العنوان الثانوي في جنبة الحُكم:

وهو ما يكون ملاكه ثانويّاً، ومن ثُمّ يكون حكمه ثانويّاً، من قبيل: عناوين الضرر، والحرج والنسيان والإكراه، والاضطرار والجهل وغيرها.

هذه العناوين الثانويّة يقال لها إنّها عناوين ثانويّة في جانب الحُكم؛ لأنّها حينما تطرأ سوف تُغيّر الحكم الأوّلي في المورد الذي تطرأ عليه بسبب طروّ ملاك جديد، فهذه العناوين ملاكاتها ثانويّة، ونقصد من قولنا ثانويّة: هو الطروّ الثانوي للملاكات على الأفعال، فتُغيّر ملاكها الأولي.

العنوان الثانوي في جنبة الموضوع:

وهي حالات نسمّيها طارئة، ولكن ليست حالات طارئة في الحكم والقانون، بل حالات طارئة وعناوين ثانويّة في جنبة الموضوع.

هذه الحالات الطارئة لا يكون ملاكها طارئاً ثانويّاً، بل ملاكها وحكمها أوّلي، إنّما موضوعها ثانوي، فهي ثانويّة بلحاظ الموضوع أي أنّها ثانويّة وطارئة الموضوع.

مثلاً: القيام احتراماً للقادم، أو مصافحته، أو توسعة المجلس له، أو أيّ نوع من آداب الاحترام ربّما لم تكن هذه المظاهر أو بعضها فيما مضى من عهود البشريّة، ولم تُستخدم هذه الرسوم والتقاليد لإبداء الاحترام، لكن شيئاً فشيئاً، صارت الأجيال المتعاقبة تستخدم أشكالاً أخرى في الاحترام


والتعظيم..

فأخذوا يجعلون القيام وسيلة وعلامة لإبداء الاحترام والتعظيم، فهنا الاحترام والتعظيم بين الجنس البشري ليس حكماً طارئاً، وليس ملاكه استثنائيّاً، بلى هو حكمٌ أوّلي من ضمن الأحكام الأوّليّة المقرّرة في الشرع، سواء شرع السماء، أم شرع العقل.. أي ما يحكم به العقل مستقلاًّ.

فالاحترام: حُكم أوّلي يحكم به العقل، ويحكم به الشرع، لكنّ المصاديق المستجدّة المستحدَثة من أنحاء الاحترام - كالمصافحة باليد والقيام، والإيماء بالرأس، وما شابه ذلك - إنّما هي مصاديق طارئة للاحترام، فهنا الطروّ والحالة الاستثنائية والحالة المستجدّة ليست في الحكم، وإنّما هي مستجدّة في نفس الموضوع.

القيام مثلاً لم يكن متّخذاً عند العقلاء أو عند البشريّة كوسيلة لإبداء الاحترام، لكنّه أصبح في العصور اللاحقة وسيلة لإبداء الاحترام مثلاً، كما كان على صورة السجود في بعض العصور المتقادِمة كذلك.

فتلبّس القيام بكونه وسيلة لإبداء الاحترام، هو نوع من الطروّ والحالة الاستثنائيّة والحالة غير الأوّليّة، ولكن هذه الحالة الطارئة في علم القانون الوضعي أو الشرعي، ليست طارئة في جانب الحُكم، بل في جانب الموضوع، وإلاّ فحكم الاحترام والتعظيم حكم أوّلي وليس حكماً ثانويّاً، لكن إيجاد الاحترام في ضمن هذا المصداق أو هذا الموضوع، حالة طارئة وليست حالة أوّليّة.

حيث إنّ ماهيّة القيام: هي استواء صُلب الإنسان على رجليه، فالاحترام ليس مخبوّاً ومطويّاً في ماهيّته، بل هو عنوان طارئ استثنائي حالّ على القيام، وهذا معنى أنّه عنوان ثانوي وحالة طارئة، ولكن ليس


ملاكه ثانويّاً للحُكم، بل ملاك الحكم فيه أوّلي، وحكمه ثابت، وإنّما كيفيّة الاحترام تكون طارئة وثانويّة.

ففي علم القانون - سواء الوضعي أو الشرعي - هناك قسمان من الحالات الطارئة، وقسمان من العناوين الثانويّة: عناوين ثانويّة في طرف الموضوع، وعناوين ثانويّة في طرف المحمول (الحكم).

الفوارقُ بين العناوين الثانويّة في جنبة الحكم وفي جنبة الموضوع

الأوّل: إنّ الطروّ في العناوين الثانويّة في جنبة الحكم هو طروّ بلحاظ المحمول، أي: بلحاظ الحكم والقانون والتقنين.

وأمّا العناوين الثانويّة الطارئة في الموضوع؛ فإنّ الطروّ فيها والاستثناء في نفس الوجود الخارجي للموضوع.

الثاني: إنّ العناوين الثانويّة في جنبة الحكم، أو الحالات الطارئة في التقنين، حالات طارئة في التقنين في الملاك، وأمّا الحالات الطارئة والعناوين العارضة على الموضوع فملاكها أوّلي وليس بطارئ.

الثالث: تشريعات أيّ قانون سواء من القوانين الوضعيّة أو السماويّة، عندما تُشرّع لا يراد منها أن تكون جامدة، ولا أن تبقى في دائرة عدم التفعيل، بل الغاية المنشودة من تشريع القوانين الأوّليّة: هو أن تُجرى وأن تُطبّق، وأن تكون فعليّة في مجال التطبيق والممارسة، وتوصِل إلى الملاكات وتحقّق الأغراض التي رَسمها المُقنّن والمشرِّع من تشريعاته.

فلابدّ من الانتباه إلى أنّ العناوين الثانويّة والحالات الطارئة في قسم المحمول أو جانب الحكم، يجب أن لا تأخذ مأخذاً واسعاً في التطبيق


والمصداق الخارجي والتنفيذ، وإلاّ لعاد الحكم الثانوي أوّليّاً، وعاد الحكم الأوّلي حكماً ثانويّاً، وهذا أمر مهمّ ينبغي الالتفات إليه.

وإذا ما جرى بواسطة العناوين الثانويّة، وبذريعة: (لا ضرر ولا حرج)، وبسبب الاضطرار والنسيان وغير ذلك الاجتراء على إسقاط الأحكام الأوّليّة واحدة تلو الأخرى، فتُجعل الحالات الثانويّة حالات دائمة، بينما تُجعل الحالات الأوّليّة حالات استثنائيّة شاذّة، فإنّ ذلك نقض أصول أغراض التشريع، إذ المفروض أنّ الأحكام الأوّليّة تبقى على حالتها الأوّليّة، يعني أن تكون هي غالبة ودائمة وأكثريّة، والحالات الثانويّة الاستثنائيّة هي طارئة ونادرة.

وهذا بعينه مُراعى في القوانين الوضعيّة أيضاً، حيث يحاول المنفِّذ أو المدير لأيّ شعبة إداريّة أو وزاريّة أن لا يفتح المجال للاستفادة من استثناءات القانون، إذ المفروض أنّ الاستثناء حالة غير طبيعيّة وليس حالة أوّليّة دائمة، بل حالة طارئة، ولو فُتح الباب للحالة الاستثنائيّة في القانون، لانقلبَ الوضع وانعكس الأمر، حيث يُصبح القانون هو الحالة الاستثنائيّة، وتصبح الحالات الاستثنائيّة هي القانون، فالحذر من وقوع هذه الحالة يكون من باب المحافظة على أغراض القانون.

ومحلّ الكلام: هو أنّ العناوين الثانويّة للحكم ينبغي أن لا تنقلب إلى أحكام أوّليّة، بل تبقى حالة شاذّة، ومن ثُمّ نجد الفقهاء في فتاواهم فيما يرد عليهم من أسئلة عامّة الناس - بقدر الوسع والإمكان - لا يفتحون المجال لذريعة المستفتي في الضرر والاضطرار والحرج لتسويغ رفع الأحكام الأوّليّة، بل يُدقّقون ويُفتّشون ويتحرّون في الحالة التي يُستفتى عنها في العثور على مخرج غير ثانوي، ويسعَون في تطبيق الأحكام الأوّليّة،


والتأكّد ممّا يدّعيه السائل، فقد تكون حالة الاضطرار، أو الإكراه، أو الإلجاء، أو النسيان غير موجودة، بل مجرّد ادّعاء أو وهم وجهالة لا واقع لها.

أمّا الحالة الطارئة والعناوين الثانويّة في الموضوع، فلا مانع من أن تصبح دائمة ومستمرّة مثلاً: اتّخاذ القيام وسيلة للاحترام والتعظيم، حيث يصبح القيام وسيلة دائمة للاحترام والتعظيم، ودون أن يكون فيه نقض لغرض التقنين الشرعي..

لأنّ المفروض أنّ التعظيم والاحترام المتبادَل بين الإنسان وبني جنسه، له ملاكٌ أوّلي وليس ملاكه ثانويّاً، بل هناك غرض ومصلحة في تقنينه أوّليّاً، إنّما يكون الطروّ أو الاستثناء في تحقّق موضوعه في هذا المصداق أو ذاك، لا أنّ حكمه وملاكه وغرضه ثانوي استثنائي، إنّما طريقة وجوده في الخارج حصلَ بها طروٌ تكويني، فهي حالة طارئة تكوينيّة وليست حالة طارئة في فلسفة الحكم والملاك.

مثل هذه الحالات الثانويّة - التي هي في جانب الموضوع - لا يكون فيها نقض للغرض حتّى لو كانت دائميّة غالبة.

الخلاصة:

ضرورة التمييز بين شكلين ونحوين من العناوين الثانويّة والطارئة، فالعناوين الثانويّة الحُكميّة لو انقلبت إلى دائميّة، لكان ذلك نقضاً لغرض التقنين، ولكان إبداعاً وتشريعاً في الدين.

وأمّا الحالات الثانويّة في طرف الموضوع - فمعَ كون ملاكاتها أوّليّة، فإنّها إذا كانت دائمة وغالبة في المصداق - كما مثّلنا لذلك بالقيام دلالةً


على الاحترام والتعظيم - فلا مانع من ذلك، وليس فيه أي نقض لفلسفة التقنين أو منافاة لمَا يسمّى بالحكم أو الملاك؛ لأنّ المفروض أنّ فلسفة الحكم في التعظيم والاحترام أوّليّة ودائمة، وليست استثنائيّة شاذّة طارئة، نعم، في هذا المصداق أصبحت طارئة، وهذا فارق مهمّ جدّاً بين العناوين الثانويّة في جانب الموضوع، والعناوين الثانويّة في جانب الحُكم، أو قل: الحالات الطارئة في جانب الموضوع والحالات الطارئة في جانب الحكم.

ثمرةُ الفرق بين النوعين:

وهناك ثمرات عديدة في الأبواب الفقهيّة لهذه الفوارق.

مثلاً عندما يأمر الشارع في الآية:( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ... ) (1) ، لم يُقيّد الإنذار بأشكال معيّنة، وكذلك الأمر في نَشر الدين والإعلام، حيث لم يأمر الشارع بوسيلة وبأسلوب وبمصداق وبخصوصيّة معيّنة في الإنذار، فحينئذٍ يتّخذ الإنذار أساليب تختلف كلّما استجدّت الأعصار، فلا يتحرّج أحد من نشر أحكام الدين بواسطة وسائل الإعلام الحديثة من قبيل: الإذاعة والتلفزيون، أو الصُحف والمجلاّت، أو الإنترنت والقنوات الفضائيّة والبريد الإلكتروني وغير ذلك، إذ بمقتضى النقطة الأولى لم يُقيّد الشارع الإنذار، ولم يُخصِّصه بأسلوب مُعيّن، فالشارع حينئذٍ سمحَ وجوّز كلّ المصاديق التي تُحقّق هذا العنوان في الخارج العملي.

____________________

(1) التوبة: 122.


فالتخيير العقلي في محلّ البحث - وهو الشعائر - حاصل ومتحقّق، حيث إنّ الآية الكريمة:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ.. ) (1) تُبيّن أنّ غرض الشارع هو إتمام نوره وانتشاره واتّساعه وعلوّه.

فكلّ ما نتّخذه نحن من أساليب ومصاديق - وأشكال لنشر الدين، ورفع بيوت الله سبحانه، وما فيه إعلاء لكلمة المؤمنين - تكون جائزة وصحيحة ولا يُتطرّق إليها شبهة البدعة والتشريع.

فلو سلّمنا القول: بأنّ الشارع قد جعلَ للشعائر حقيقة شرعيّة ووجوداً شرعيّاً، اعتماداً على الصنف الأول من الأدلّة.

لكنّ الأدلّة من الصنف الثاني والصنف الثالث(2) ، لم يُحدّد الشارع فيها أسلوباً أو مصداقاً معيّناً للشعائر، فإذا استحدثَ المسلمون وسائل وخصوصيات ومصاديق معيّنة، ينشأ منها زيادة ذِكر الله سبحانه وانتشار نوره واعتزاز دينه، فلا

تكون بدعة ولا تُعدّ تشريعاً محرّماً.

فالقائل بضرورة كون الجاعل للشعائر هو الشرع، سوف لن ينتهي إلى النتيجة التي يحاول إثباتها، وهي: حرمة وضع الشعائر المتجدّدة والمُستحدَثة؛ وذلك لمَا بيّنا من النقطتين السابقتين وهما:

1 - تعبّد وتديّن المكلّف بالطبيعة الكلّيّة الموجودة، والمعنى الساري الحاصل في المصاديق.

____________________

(1) التوبة: 32.

(2) راجع ص: 34 - 38 من هذا الكتاب.


2 - تقسيم العناوين الثانويّة إلى:

أ) عناوين ثانويّة في جنبة الحكم.

ب) عناوين ثانويّة في جنبة الموضوع.

مع معرفة الفوارق بين هذين القسمين.

وجدير بالذكر: أنّ الأمثلة التي تُضرب في العناوين الثانويّة؛ إنّما أكثرها هي العناوين الثانويّة في جنبة الحكم، مثل: عناوين الضرر، الحرج، النسيان، الجهل، الإكراه وما شابه.

أمّا العناوين الثانويّة في جنبة الموضوع، مثل: الاحترام في ضمن مصداق القيام، أو المصافحة، أو المعانقة، فهي لا تكاد تُذكر.

فمثلاً: مبحث اجتماع الأمر والنهي، وطروّ الصلاة في الدار الغصبيّة، ليس من قبيل العناوين الثانويّة في جنبة الحكم، بل هو من قبيل العناوين الثانويّة في جنبة الموضوع، وكذلك مبحث التزاحم.

النقطة الثالثة (1) :

مصداق العناوين الثانويّة في جنبة الموضوع، يجب أن يكون مصداقاً محلّلاً في نفسه بالحلّيّة بالمعنى الأعم، الشاملة للمكروه، والمقابِلة لخصوص الحُرمة..

فالحلّيّة بالمعنى الأعم شاملة: للمستحب، والواجب، والمكروه، والإباحة

____________________

(1) النقطة الثالثة من الجواب التفصيلي عن إشكاليّة وضع الشعائر بيد العُرف، تراجع النقطة الأولى ص: 78، والنقطة الثانية ص: 81 من هذا الكتاب.


الخاصّة؛ في مقابل خصوص الحرمة، والعناوين الكلّيّة والأفعال الكلّيّة العامّة التي أمرَ بها الشارع بنحو كلّي، أي خُيّرنا فيها التطبيق على أيّ مصداق، أو على أيّ فردٍ وإن كانت هي ذات ملاك أوّلي وفعل أوّلي، إلاّ أنّ طروّها في الخصوصيّات والمصاديق هو طروّ ثانوي، فلابدّ أن يكون رسوّها ومصداقها ومهبطها محلّلاً بالمعنى الأعم.

فمن ثُمّ يجب على الفقيه أن يُثبّت الحلّيّة أوّلاً بالمعنى الأعمّ في المصداق، ومن ثُمّ يطرأ الوجوب.

والوجوب ليس وجوباً طارئاً من حيث الملاك، إذ الملاك أوّلي، بل الطروّ من جهة الموضوع.

وقد يُثبته بالأصل العملي ويفرض الشكّ فيه من زاوية الحكم للمصداق في نفسه، مثلاً: هل الضرر اليسير في الشُعيرة محلّل أو لا؟ فزيارة القبور في نفسها - لو كان فيها ضرر يسير في نفسها - هل عنوان مفسدة ذاتيّة أو لا؟ في حال الشكّ وعدم الدليل نُجري أصالة البراءة، ثُمّ بعد ذلك نستدلّ بالعنوان الثانوي من جنبة الموضوع (لا الثانوي من جنبة الحُكم) وهو إحياء الشعائر، فيحصل الجمع بين الجنبتين، كما إذا أراد المكلّف أن يصلّي الصلاة الواجبة التي لها حكم أوّلي وشكّ في غصبيّة المكان، فيُجري البراءة أوّلاً، ثُمّ يقوم بأداء الصلاة - وقد دخل وقتها أو تضيّق وقتها - فيكون مصداقاً للواجب.

فمن جنبة المعنى الكلّي العام هو ملاك أوّلي وحُكم وواجب مثلاً، أمّا من جنبة المصداق فيجب أن تثبت حلّيّته بالمعنى الأعم لكي تُطبّق ذلك المصداق الكلّي عليه، فليس هناك تدافع ولا تنافي بين الجنبتين.


وهذه إحدى الجهات اللازم توضيحها في هذه القاعدة، وهي: أنّ العناوين الثانويّة في جنبة الموضوع، يجب أن يكون مصداقها محلّلاً بالمعنى الأعم.

ويستدلّ العلماء على أنّ المصداق لابدّ أن يكون مُحلّلاً بالمعنى الأعم، إذ المفروض - كما قلنا - إنّ الأمر الشرعي بطبيعة عامّة: كالصلاة، والزكاة، والاعتكاف، والشعائر يُستفاد منه تخيير عقلي أو شرعي في تطبيق الطبيعة الكلّيّة على المصاديق , وهو تجويز وتسويغ من الشارع في تطبيق هذا المعنى العام على المصاديق.

ولا ريب أنّه لا يتناول الخصوصيّات المحرّمة حفظاً ورعاية للتوفيق بين أغراض الأحكام الشرعيّة، نعم، هذا التجويز والتسويغ يتناول حتّى المصاديق المكروهة ولا مانع من ذلك، مثل: الصلاة في الحمّام، والصلاة في المقبرة، وفي الأرض السبخة مثلاً، وهذه الصلاة وإن كانت مكروهة إلاّ أنّها صلاة سائغة ومشروعة، وإذا كان الحال كذلك، فلابدّ من الإمعان في هذه القاعدة، فإنّ الإمعان والتدبّر فيها يكشف لنا الستار عند اللبس الموجود بين موارد البدعة وبين موارد الشرعيّة.

اجتماعُ الأمر والنهي في مصداق واحد

هذا، ويلاحظ من بحث الفقهاء والأصوليّين في مسألة اجتماع الأمر والنهي - نظير الصلاة في الدار المغصوبة - أنّ شمول دليل الأمر لموارد الأفراد المحرّمة مفروغ عنه، فالصلاة المأمور بها شاملة لفرد الصلاة في الدار الغصبيّة، ولك أن تقول: إنّ هناك قولين معروفين في مسألة اجتماع الأمر والنهي على تقدير وحدة مصداق المأمور


به والمنهيّ عنه:

أحدهما: وهو قول المشهور(1) شهرة عظيمة، واختاره صاحبا (الرسائل) و(الكفاية)، وهو: تزاحم الحُكمين، لا التزاحم في مقام الامتثال، بل التزاحم بين مِلاكي الحُكمين ومقتضى المصلحة والمفسدة، فيقدّم ويراعى الأهمّ، ولا يخفى أنّ التزاحم وإن كان ملاكيّاً فإنّه لا يعني سقوط دليل الحكم غير الأهمّ وعدم شموله لمورد اجتماع الحُكمين، بل غايته هو فساد العبادة لأجل أنّ التقرّب فيها لا يصلح أن يكون بما هو مبغوض شرعاً ومحرّم، وليس لكون دليل طبيعة الصلاة المأمور بها قاصر الشمول عن مورد تصادقه مع الفرد الحرام.

ومن ثُمّ حكم المشهور بصحّة الصلاة في الدار الغصبيّة مع قصور المصلّي لجهله وغفلته عن غصبيّة الأرض، وتصحيحهم للصلاة المزبورة مُستند إلى نقطتين:

الأولى: هو شمول دليل الصلاة إلى الفرد المحرّم.

الثانية: عدم تنجّز الحُرمة على القاصر الذي أتى بالفرد المحرّم وأوقعَ الصلاة فيه وعدم معصيته، فلم يكن متجرّئاً طاغياً على مولاه.

هذا، بخلاف القول الثاني(2) الذي يتبنّى التعارض في الفرد الذي يتصادق فيه الحكمان؛ فإنّ أصحاب هذا القول يبنون على سقوط دليل الأمر في مورد اجتماعه مع النهي لتحقّق التعارض بين الدليلين، فلا يكون دليل الأمر شاملاً لمورد الاجتماع.

____________________

(1) ذهبَ إليه الشيخ الأنصاري، والآخوند، والمحقّق العراقي، والمحقّق الأصفهاني (رحمهم الله) وغيرهم.

(2) ذهبَ إليه المحقّق النائيني (قدِّس سرّه)، وجمعٌ من تلامذة مدرسته.


وعلى ضوء ما تقدّم، قد تقرّر النسبة إلى المشهور قولهم بشمول أدلّة الأوامر إلى الفرد والمصداق المحرّم، وعدم تقييد طبائع الأوامر في طروّها على المصاديق بما كان محلّلاً بالحلّيّة الأعم، سواء كانت تلك الطبائع المأمور بها ذاتيّة لمصاديقها، أو عناوين ثانويّة في جنبة الموضوع لآحاد المصاديق.

وحينئذٍ أمكنَ لنا أن نقول بشمول الدليل الآمر بالشعائر وتعظيمها وما شابه ذلك، أو الأمر بالصلاة - مثلاً - لكلّ الموارد والمواطن المحلّلة بالحلّيّة بالمعنى الأعم، وأمكن لنا أن نُعمّم الدليل - دليل المشروعيّة - لكلّ تلك المواطن، ويكون ذلك الموطن مشروعاً وشرعيّاً وعليه الصفة الشرعيّة، وليس فيه واهمة للبدعة أو البدعيّة.

بعضُ أقوال العلماء في المقام:

ونتعرّض هنا لبعض أقوال الأعلام في المقام:

قال صاحب الحدائق (قدِّس سرّه) - بعد ذِكر مسألة كراهة لبس اللباس الأسود في الصلاة -: (ثُمّ أقول: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار؛ لمَا استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الحزن، ويؤيّده ما رواه شيخنا المجلسي (قدِّس سرّه) عن البرقي في كتاب المحاسن: رويَ عن عمر بن زين العابدين أنّه قال: (لما قُتل جدّي الحسين المظلوم الشهيد، لبسَ نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد ولم يغيّرنها في حرّ أو برد، وكان الإمام زين العابدين صنعَ لهنّ الطعام في المأتم)(1) .

____________________

(1) الحدائق الناضرة: 8: 18، نقلاً عن المحاسن للبرقي: 420.

(2) جامع الشتات 2: 787، الطبعة الحجريّة.


فعلّل الخروج عن النهي في لبس السواد بعموم الأمر بإظهار شعائر الحزن، مع أنّ النسبة هي عموم وخصوص من وجه، ومقتضى عموم النهي شموله لمورد التصادق وهو من اجتماع الأمر والنهي.

وللميرزا القمّي (قدِّس سرّه) - صاحب القوانين - في كتاب جامع الشتات(1) مجموعة من الأسئلة حول الشعائر الحسينيّة، حيث قال بجواز الشبيه ضمن الشعائر الحسينيّة ورجحانه، واستدلّ على ذلك بعمومات البكاء والإبكاء، حيث إنّ عمومات البكاء والإبكاء لها مصاديق مختلفة يمكن أن تشملها.

وأحد المصاديق الموجِبة للبكاء والإبكاء: هو ما يكون في ضمنه التشبيه والتمثيل التي تثير عواطف الناظرين وتستدرّ دموعهم، وذَكر (رحمه الله) أنّه على تقدير عموم حرمة تشبّه الرجل بالمرأة، أو المرأة بالرجل (في الشبيه قد يُضطرّ إلى تشبّه الرجل بالمرأة)، فاستدلّ على جواز هذا الفرد من الشبيه أو التمثيل بعموم أدلّة البكاء والإبكاء، وقال: بأنّه على تقدير عموم حرمة التشبّه لهذا المصداق نقول: إمّا بالتعارض أو بالتزاحم، فإذا قلنا بالتعارض سوف يتساقطان، أي: يسقط عموم دليل الشعائر، وعموم دليل الحرمة أيضاً، وتكون الفائدة بعد سقوط حرمة الشبيه أن يبقى الفعل حينئذٍ على الجواز بإجراء أصالة البراءة، وهو في صدد إثبات الجواز والحلّيّة، فمن ثَمّ لو نتجَ عن العمومَين التعارض من وجه، فغايته أن يتساقط العمومان ثُمّ نتمسّك بأصالة البراءة.

وإذا قلنا بينهما التزاحم، فعمومات البكاء والإبكاء أرجح وأهمّ فتُقدّم.

وقد ذهبَ السيّد اليزدي (قدِّس سرّه) أيضاً - في أجوبته عن الشعائر

____________________

(1) جامع الشتات 2: 787، الطبعة الحجريّة.


الحسينيّة(1) - إلى ما ذهبَ إليه صاحب الحدائق، من رجحان لبس السواد على الكراهة، لإظهار الحزن والتفجّع والتألّم على مصاب الحسين (عليه السلام).

وذهبَ السيّد الگلبايگاني (قدِّس سرّه) في فتواه(2) إلى جواز الشبيه، تمسّكاً بعمومات رجحان البكاء والإبكاء (مع أنّ عموم البكاء والإبكاء لا يشير إلى مصاديق خاصّة؛ وإنّما يتناول بعمومه مصاديق متعدّدة، ومع ذلك استفادَ المشروعيّة للمصداق الخاص بعمومات البكاء).

وقد ذكرَ الشيخ حسن المظفّر (قدِّس سرّه) في كتابه نصرة المظلوم، ما لفظه:

(لا شكّ أنّ إظهار الحُزن ومظلوميّة سيّد الشهداء (عليه السلام) - والإبكاء عليه وإحياء أمره - بسنخه عبادة في المذهب، لا بشخص خاصّ منه، ضرورة أنّه لا ترد في الشريعة كيفيّة خاصّة للحزن والإبكاء وإحياء الذكر المأمور به؛ ليقتصر عليه الحزين في حزنه، والمُحيي لأمرهم في إحيائه، والمبكي في إبكائه، وإذا كان سنخ الشيء عبادةً ومندوباً إليه سَرَت مشروعيّته إلى جميع أفراده من جهة الفرديّة)(3) .

فما تشير إليه كلمات الأعلام: هو استفادة مشروعيّة المصاديق المستجدّة المُستحدَثة للشعائر بنفس عموم العام، ولا يبنون على البدعيّة أو التشريع المحرّم؛ لأنّ عموم ذلك العام ينطبق على مصاديقه بمقتضى النقطة الثانية التي ذكرناها، وهي: أنّ بعض العناوين الثانويّة التي لها ملاكات أولّيّة،

____________________

(1) في حاشيته على رسالة الشيخ جعفر التستري (طبعة قديمة).

(2) مجمعُ المسائل.

(3) نصرة المظلوم: 22.


لكنّ موضوعها طارئ وثانويّ، فطروّ هذا الموضوع على تلك المصاديق يستنبط العلماء منه مشروعيّة تلك المصاديق، وهذه حقيقة فقهيّة يتغافل عنها القائل ببدعيّة الشعائر المستجدّة والمتّخذة حديثاً.

وفي عبارة للشيخ جعفر كاشف الغطاء أيضاً(1) : «وأمّا بعض الأعمال الخاصّة الراجعة إلى الشرع، ولا دليل عليها بالخصوص، فلا تخلو بين أنّه تدخل في عمومٍ، ويُقصد بالإتيان بها الموافقة من جهته (يعني جهة العام التي انطوت تحته تلك الخصوصيّة)، لا من جهة الخصوصيّة كقول: (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ الله) في الأذان لا بقصد الجزئيّة، ولا بقصد الخصوصيّة؛ لأنّها معاً تشريعٌ، بل بقصد الرجحان الذاتي أو الرجحان العارضي؛ لمـَا وردَ من استحباب ذِكر اسم عليّ (عليه السلام) متى ذُكر اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

فحينئذٍ الشهادة الثالثة، مع عدم البناء على قصد الجزئيّة، بل البناء على قصد الاستحباب العام، فلا يُحكم عليها بالبدعيّة، كما وقعَ عند بعض المتوّهمين وأثاروا دائرة هذا البحث، حيث المفروض أنّ مَن يأتي بها إنّما يقصد جهة العنوان العام، وهو اقتران ذِكر اسم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع ذكر عليّ (عليه السلام) واستحباب ذلك، كالعموم الوارد في استحباب الصلاة على محمّد وآل

____________________

(1) كشف الغطاء: 53 - 54، الطبعة الحجريّة.

(يبدأ كتابه بأصول الدين، ثُمّ بعد ذلك بأصول الفقه، ثُمّ بعد ذلك بالقواعد الفقهيّة، ثُمّ يَشرع بالفقه)، فأحد القواعد التي يبحثها الشيخ كاشف الغطاء الكبير - في القواعد الفقهيّة في الصفحة المذكورة سطر: 33 - حول الفارق والفيصل بين البدعيّة والشرعيّة.. (وهذا جدّاً مهمّ، حيث إنّ الشيخ كاشف الغطاء هو أوّل مَن واجه من علماء الإماميّة شبهات وإشكالات الوهّابيّة في كتابه المعروف (منهج الرشاد))، يذكر أمثلة مصاديق منها ما يتعلّق بالشعائر الحسينيّة.


محمّد عند ذِكر اسم النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلاّ يكون جفاءً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكما لا نحكم بالبدعيّة في الصلاة عليه أثناء الأذان، كذلك ذِكر الشهادة الثالثة في الأذان لا نحكم عليه بالبدعيّة.

إذاً، يجب التفرقة في أنحاء العمل المأتيّ به، أنّه هل يؤتى به من جهة العموم استناداً إلى مشروعيّة عموم العام، بخلاف ما إذا أُتي به بقصد الخصوصيّة بما هي هي، حيث تأتي شبهة التشريع والبدعة والشرعيّة، أمّا إذا أُتي به استناداً إلى العموم فلا بدعيّة في البين، بل ذلك بواسطة مشروعيّة نفس العموم.

فالمستَند والمدرَك والشرعيّة مترشِّحة وآتية من نفس العموم، لا من تخرّص واقتراح المكلّف.

مثال آخر يذكره صاحب كشف الغطاء: وكقراءة الفاتحة بعد أكل الطعام وبقصد استحباب الدعاء، لمَا ورد فيه أنّه من وظائفه (يعني من الوظائف المستحبّة للطعام)، أن يدعو بعد الطعام، وأفضله أن يكون بعد قراءة سبع آيات، وأفضلها السبع المثاني، وكما يُصنع بقراءة الفاتحة في مجالس ترحيم الموتى على الرسم المعلوم والطريقة المعهودة، أو إخراج صدقةٍ عند الخروج من المنزل.

وورد في كتاب كشف الغطاء: (وتشبيه بعض المؤمنين بيزيد أو الشمر، ودقّ الطبل وبعض آلات اللهو، وإن لم يكن الغرض ذلك (يعني اللهو)، وكذا مطلق التشبيه).

(وجميع ما ذُكر وما يشابهه، إن قُصد به الخصوصيّة تشريعاً،


وإن لوحظَ فيه الرجحانيّة من جهة العموم فلا بأس به)(1) .

إطلالةٌ على سُنن المتشرِّعة المستجدّة

الكلام عن السُبل والسُنن الدينيّة الاجتماعيّة المستجدّة، والطقوس الاجتماعيّة المستجدّة المستحدثة، لا بعنوان الشعائر الدينيّة بخصوصها، بل بعنوان السُنن الاجتماعيّة التي تُتّخذ كطقوس عباديّة في مناطق معيّنة، كما مثّل الشيخ كاشف الغطاء بكيفيّة الدعاء بعد الطعام بقراءة سورة الفاتحة، ورسوم أخرى، هذه كلّها سُنن اجتماعيّة متلوّنة بالواعز الشرعي الديني، وقد لا نعثر عليها بعناوينها في الأبواب الفقهيّة.

بعبارةٍ أخرى: نجد بعض المذاهب الإسلاميّة يواجه هذه السُنن المستحدَثة والحسنة في المجتمع، ويصفها بالبدعيّة والإحداث في الدين، مع ورود العموم النبوي المتواتر بين الفريقين:(مَن سنّ سُنّةً حَسنة كان له أجرها وأجر مَن عملَ بها إلى يوم القيامة) (2) ، فضلاً عن العمومات الخاصّة بالأبواب المختلفة، والسُنن الدينيّة الاجتماعيّة المستجدّة - السُنن الحَسنة - قد تكون في باب الآداب والأخلاقيّات التي لم تحصل على صبغة عباديّة، لكن يتعاطاها المتشرِّعة اعتماداً على أنّ الفعل مرضيّ عند الشارع، وليس مأموراً به بالأمر العبادي الخاص، بل هو مشمولٌ للعمومات، ويتّخذه المتشرِّعة سُنّة اجتماعيّة.

فما هي ضابطة الشرعيّة؟ وما هي ضابطة البدعيّة؟ سواء في الشعائر

____________________

(1) كتاب كشف الغطاء: 54.

(2) الفصول المختارة: 136.


المستجدّة، أم في بحث السُنن والآداب الدينيّة الاجتماعيّة المستجدّة.

هل يمكن استفادة الجواز من دليل:(مَن سَنّ سُنّةً حَسنة كان له أجرها وأجر مَن عملَ بها إلى يوم القيامة) (1) ، والتدليل على شرعيّة الآداب والسُنن التي تُستحدث من قِبَل المتشرِّعة؟

هل يعطي هذا الدليل نوعاً من التخويل بيد المتشرِّعة؟ ثمّ ما هو محلّ هذه المنطقة من التشريع؟ هذا بحث مستقلّ، وسنرى أنّ هذه المنطقة التي فُوّض فيها التشريع تشمل بعض السُنن الاجتماعيّة المشروعة في دائرة معيّنة، في الوقت الذي مُنع التفويض في موارد أخرى.

أي سُوِّغ في بعض ومُنع في بعض آخر، وسوف نُبيّن أنّ هذه المنطقة هي نفس منطقة اتّخاذ الشعائر، وهي منطقة تطبيق العمومات أو العناوين الثانويّة في جنبة الموضوع على المصاديق.

يُنقل أنّ الميرزا النوري (قدِّس سرّه) - صاحب كتاب مستدرك الوسائل - هو الذي شيّد سُنّة السير على الأقدام من النجف إلى كربلاء، بقصد زيارة سيّد الشهداء (عليه السلام) في الأربعين، وإن كانت الروايات تدلّ على العموم، مثل ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):(مَن أتى قبر الحسين (عليه السلام) ماشياً كتبَ الله له بكلّ خطوة ألف حسنةٍ، ومحى عنه ألف سيّئة، ورفعَ له ألف درجة..) (2) .

ولكن على صعيد سُنّة وطقس خاص: كالسير لزيارة النصف من رجب، والنصف من شعبان ونحو ذلك، قد تتفشّى وتنتشر سُنّة وعادة خاصّة

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة 10: 342؛ كامل الزيارات: 133.

(2) من الجواب التفصيلي عن إشكاليّة وضع الشعائر بيد العُرف.


لدى المؤمنين، فتُقرّر المشروعيّة بواسطة العموم الذي يشمل كلّ المصاديق، ويتناول المصاديق المحلّلة بالحلّيّة بالمعنى الأعم، أو قد يُعمّم تناوله للمحرّمة منها والمنجّزة كما مرّ.

خلاصة القول في النقطة الثالثة (1) :

إنّ الشارع إذا أمرَ بالمعنى العام الكلّي، فإنّه يُستفاد من ذلك التخيير أو الجواز الشرعي في التطبيق على الأفراد المتعدِّد، ومقتضى هذا التخيير والجواز هو التطبيق على الموارد والأفراد في الخصوصيّات المتعدّدة، مثل: ما إذا أمرَ الشارع بالصلاة، أو أمرَ ببرّ الوالدين، أو بمودّة ذوي القربى، أو أمرَ بفعل من الأفعال الكلّيّة، فيجوز تطبيق هذه الطبيعة الكلّيّة بالمعنى العام على أفراد الخصوصيّات في الموارد العديدة، باعتبار أنّ الشارع لم يُقيّد الفعل المأمور به بخصوصيّة أو بقيدٍ خاصّ معيّن، إلاّ أنّ هذا الجواز العقلي في تطبيق الطبيعة على الموارد والخصوصيات الكثيرة، لا يشمل موارد كون الأفراد محرّمة، فهذا الجواز والتخيير إنّما يُحدَّد بدائرة الأفراد المحلّلة.

فهذا حال العناوين الثانويّة التي تطرأ على المصاديق، ومثل: طروّ الصلاة على المصاديق قد يقال إنّها حالة ثانويّة، مثلاً: الصلاة حالة ثانويّة في الدار الغصبيّة، أو الصلاة في الأرض المخطورة، أو الأرض السبخة، على كلّ حال طروّ العنوان الكلّي على الأفراد المخصوصة يكون طروّاً ثانويّاً، والمفروض بمقتضى النقطة الأولى التي ذكرناها، وهي: أنّ للمكلّف التخيير في تطبيق الكلّي على موارد الأفراد العديدة، وبمقتضى النقطة الثانية ذكرنا

____________________

(1) من الجواب التفصيليّ عن إشكاليّة وضع الشعائر بيد العُرف.


أنّ الطبيعة الكلّيّة تكون حالة ثانويّة بالنسبة للأفراد وللخصوصيّات.

وبمقتضى النقطة الثالثة أيضاً، فالمفروض أنّ هذا العنوان الثانوي في جنبة الموضوع لا في جنبة الحكم، وهذا العنوان الثانوي في جنبة الموضوع لا يسوغ تطبيقه في الفرد الحرام؛ وإنّما يختصّ بدائرة الأفراد المحلّلة(1) .

وقد قرأتُ بعض كلمات الأعلام التي مؤدّاها: أنّ مثل إظهار الحزن والبكاء على مصاب الحسين (عليه السلام) إذا كان مصداقه لبس السواد - الذي هو مكروه في الصلاة مثلاً -، ومثل الشبيه وغيره، يسوغ اتّخاذه شعيرةً لإظهار الحزن على مصاب الحسين (عليه السلام)، فيُلاحظ في الكثير من فتاوى أساطين الفقه أنّهم سوّغوا اتّخاذها شعيرة، وحكموا بعدم الكراهة إذا كانت بعنوان الحزن، فانتهى البحث إلى ضرورة تحليل ضابطة التعارض وضابطة التزاحم؛ كي يتمّ تمحيص دائرة تطبيق العمومات للطبائع المأمور بها والمندوب إتيانها.

وإنّ دَيدن الفقهاء في الفتاوى المختصّة بالشعائر، والتي أشرنا إلى بعضها: هو التمييز بين التعارض والتزاحم للأدلّة ومعرفة الضابطة للتفرقة بينهما، حيث إنّه مع التعارض سوف يُزوى الدليل المبتلى بالتعارض عن التمسّك به كمستند ويسقط، وبعبارةٍ أخرى، سوف لا يكون مستنداً شرعيّاً، ولا مَدركاً شرعيّاً، وبالتالي ما يؤتى به من مصاديق تكون غير

____________________

(1) وقد ذهبَ بعض العلماء مثل: الميرزا القمّي (قدِّس سرّه) وغيره إلى أكثر من ذلك، حيث عمّم دائرة تطبيق متعلّق الأمر على المصداق المحرّم فيما إذا كانت الحرمة غير منجّزة، بل يتناول العموم كذلك الفرد المحرّم المنجّز أيضاً، وإن امتنع الامتثال في الصورة الأخيرة؛ لكونه فاسداً، لبداهة امتناع التقرّب بالمصداق المحرّم.


شرعيّة.

وأمّا إذا بنينا على التزاحم، فلا يسبِّب ذلك سقوطاً للدليل، فيكون حكمه فعليّاً بفعليّة موضوعه، فيجوز الاستناد إليه شرعاً، فلابدّ من معرفة ضابطة التزاحم والتعارض في هذه النقطة الثالثة من الجهة الرابعة.

ضابطةُ التعارض والتزاحم

إنّ ثمرة هذه الضابطة هي معرفة الموارد التي ينعدمُ ويُلغى فيها الدليل، فيكون عملنا في المصداق بلا شرعيّة، ويُحكم عليه بالبدعيّة، بعكس ما إذا أثبتنا عدم التعارض ووجود الدليل بالفِعل، فيكون عملنا عملاً شرعيّاً ومستنِداً إلى مدارك شرعيّة.

وهذه الزاوية هي أحد الزوايا التي تدفع البدعيّة في المقام، وتُثبت الشرعيّة.

والضابطة: هي أنّ كلّ مورد يكون فيه بين الدليلين تنافياً وتضادّاً وتنافراً في عالَم الجعل والتشريع، مثل: طلب النقيضين كما في (صلّ)، و(لا تصلِّ) فهنا يتحقّق التعارض، وبعبارةٍ أخرى: أن يكون التنافي بين الدليلين غالبيّاً، أو دائميّاً على صعيد التنظير والإطار لطبيعة متعلّق كلّ من الدليلين، سواء كانت النسبة نسبة عموم وخصوص من وجه، أو عموم و خصوص مطلق، أو تباين، سوف يكون تعارضاً، أمّا التزاحم فهو أنّ التنافي والتنافر بين الدليلين ليس ناشئاً من عالَم الجعل والتشريع، وإنّما يطرأ في عالَم الامتثال والتطبيق، أي أنّ التنافي هنا ينشأ بين الدليلين من باب الصدفة والاتّفاق، مثل: تصادف وجوب امتثال إنقاذ الغريق بالمرور على أرض مغصوبة.


هذه هي الضابطة بين التعارض والتزاحم.

وحالات العلاقة بين الأدلّة هي حالات عديدة جدّاً، وبعنوان الفهرسة فقط نذكر أنّ هناك وروداً وتوارداً وحكومة في مقام التنظير ومؤدّى الدليل، أي هناك تعارض وتزاحم ملاكي، وتزاحم امتثالي وحكومة في مقام الامتثال أو إحرازه.

وهذه حالات عديدة لكن لا تعنينا الآن، بل يُعنينا في المقام هو التفرقة بين التعارض وعدمه من الحالات الأخرى.

أمّا حالات عدم التعارض فلها بحث آخر، والمهمّ التثبّت من عدم وجود تعارض في البَين؛ لأنّ التعارض سوف يؤدّي إلى إزواء وإسقاط أحد الدليلين أو كلا الدليلين عن المورد، فسوف يكون المصداق والتطبيق في ذلك المورد خِلواً من الدليل ومجرّداً عن الشرعيّة.

إذاً، الاتفاقيّة في تنافي الدليلين على صعيد المؤدّى الفرضي، والدائميّة هي ضابطة التعارض وعدم التعارض، ولذلك نجد في العديد من موارد اجتماع الأمر والنهي - التي هي عموم من وجه - أنّهم لا يلتزمون بالتعارض لاتّفاقية التنافي وعدم دائميّته، وموارد التضادّ أيضاً، ومسألة التزاحم في الامتثال بين الحُكمين - كالصلاة وتطهير المسجد - هي مسألة التلازم الاتّفاقي بامتثال أحدهما لترك الآخر واتّفاق التقارن لدليلين في ظرف واحد، تكون النسبة شبيهة بعمومٍ وخصوص من وجه أيضاً، لكنّها اتّفاقيّة وليست بدائميّة.

وليست الدائميّة والاتفاقيّة بلحاظ الزمن - كما قد يتبادر في الذهن - بل المراد هو أنّ نفس مفاد الدليلين في أنفسهما - بغضّ النظر عن التطبيق الخارجي، وبغضّ النظر عن الممارسة الخارجيّة والمصداق الخارجي - يتحقّق بينها تنافي وتنافر. الدليلان في نفسيهما لو وضعتهما في بوتقة الدلالة وبوتقة التنظير والمفاد الفرضي، يحصل التنافي بينهما.

وتارةً الدليلان في نفسيهما في عالَم الدلالة وأُفق الدلالة وأُفق المفاد، أي بلحاظ الأجزاء الذاتيّة لماهيّة متعلّق الدليلين هناك نقطة تلاقي واتّحاد بين المتعلّقين، مع كون حكميهما متنافيين، أي بلحاظ إطار طبيعة كلّ من متعلّق الحُكمين، بغضّ النظر عن التطبيق والمصداق والممارسة الخارجيّة، نفس مؤدّى دلالة الدليلين ليس بينهما تنافٍ؛ وإنّما نَشأ التنافي من ممارسة خارجيّة، أي من وحدة الوجود لا من وحدة بعض أجزاء الماهيّة، فإن كان التنافي نشأ من ممارسة خارجيّة فيُقرّر أنّ التنافي اتفاقي، وإن كانت الممارسة طويلة الأمد في عمود الزمان، لكنّها ليست من شؤون الدلالة والتقنين وإنشاء القانون، فليس هناك تكاذب في الجعل، وأمّا إذا كانت بلحاظ نفس مؤدّى ماهيّة كلّ من المتعلّقين ودلالة الدليلين فهو من التعارض.


وإنّ مبنى المشهور شهرة عظيمة: أنّ النسبة بين العناوين الثانويّة في جنبة الحكم - مثل: الضرر، الحرج، الاضطرار، الإكراه، النسيان، وغيرها - نسبتها مع الأحكام الأوّليّة ليست نسبة التعارض، بل نسبة التزاحم، ويُعبّرون عنها بأنّها (حاكمة) على أدلّة الأحكام الأوّليّة، يعني حاكمة في صورة الدلالة، أو واردة في صورة الدلالة، لكنّ هذه الحكومة أو الورود في صورة الدلالة هي لُبّاً تزاحم.

ومن ثمرات هذه الضابطة التي تميّز التعارض عن عدم التعارض، والاتفاقيّة والدائميّة: أنّ النسبة بين العناوين الثانويّة في جنبة الحكم والأحكام الأوّليّة هي نسبة اتفاقيّة؛ لأنّ الضرر، أو الحرج، أو النسيان، أو الإكراه نشأ بسبب الممارسة الخارجيّة، وإلاّ ففي الفرض التقرّري لمعنى وماهيّة مؤدّى كِلا الدليلين، يتبيّن أنّه لا تصادُم بين دليل الإكراه أو الضرر - مثلاً - وبين أدلّة الأحكام الأوّليّة، وهذا دليل على أنّ التنافي ليس بسبب الدلالة؛ وإنّما هو بسبب الممارسة الخارجيّة وفي عالَم الامتثال.

بخلاف ما إذا كان التنافي والتصادم دائميّاً وغالبيّاً فهو تعارضي.

فبمقتضى النقطة الثانية: أنّ هذه العناوين الكلّيّة حالات ثانويّة في المصداق، لكنّ ملاكها أوّلي، فتكون ملاكاً أوّليّاً للمصاديق، وإن كانت حالات ثانويّة في المصداق، فكونها ثانويّة في المصداق، لا يُتوهّم ويُتخيّل منه أنّها ثانويّة واستثنائيّة وشاذّة الملاك، بل حكمها أوّلي؛ إنّما هي ثانويّة الموضوع، هذا بمقتضى النقطة الثانية.


وبمقتضى النقطة الثالثة: أنّ الشرعيّة باقية وإن كان المصداق حكمه الكراهة، فضلاً عن الاستحباب , وفضلاً عن الإباحة، وفضلاً عن الوجوب.

بل ولو كان المصداق محرّماً إذا كان غير منجزّ، ويكون حينئذٍ من قبيل: اجتماع الأمر والنهي، سواء مع المندوحة أو بدونها(1) ، بل في تصوير بعض الأعلام ولو كان منجّزاً(2) بشرط الاتفاقيّة في التصادق.

والمفروض أنّ اتّخاذ الشعائر - وسُبل ووسائل الإنذار، والبثّ الديني ووسائل إعزاز وإعلاء الدين - اتفاقي بلحاظ تقرّر معنى ومؤدّى الدليلَين - دليل الشعائر ودليل الحرمة -؛ لأنّ التصادق بسبب الخارج، وهو ليس بدائمي.

فمن ثُمّ نقول في الجهة الرابعة، إنّنا لو سلّمنا بنظريّة القائل بأنّ الشعائر حقيقة شرعيّة، فلن ننتهي إلى النتيجة التي يأمل أن يصل إليها، وهي الحُكم على الشعائر المستجدّة المُستحدَثة بأنّها بدعة، بل يحكم عليها بمحض الدليل بالشرعيّة، لمَا بيّنّاه من الفَرق بين البدعيّة والشرعيّة.

وإنّ البدعيّة أحد ضوابطها إزواء الدليل وسقوط حجّيّته عن التأثير في ذلك

____________________

(1) إذا كان الأمر هو (صلّ)، والنهي (لا تغصب)، فمع المندوحة: أي مع فرض التمكّن من الخروج من الأرض المغصوبة وأداء الصلاة في مكان آخر (والمندوحة معناها: التمكّن والمجال والسعة)، لا يتحقّق التزاحم أصلاً.

أمّا بدون المندوحة: فهي في فرض عدم التمكّن من الخروج من الأرض المغصوبة، فهنا يتحقّق التزاحم؛ لعدم إمكان امتثال الحُكمين معاً فيُقدّم الأهمّ منها.

(2) مثل: وجوب الصلاة وحرمة الغصب، غاية الأمر أنّ تنجّز الغصب يمانع من صحّة الصلاة، ولا يُمانع من شمول الأمر بالصلاة للفرد الغصبي، وقد ذهبَ إلى ذلك الميرزا القمّي (قدِّس سرّه).


المصداق في مجال التطبيق، أمّا إذا لم يسقط الدليل وشملَ وعمّ وتناول ذلك المصداق، فسوف يكون هناك تمام الشرعيّة وفقاً لمَا بيّنّاه عبر النقاط الثلاث الآنفة الذكر.

هذا تمام الكلام في الجواب التفصيليّ الأوّل عن إشكاليّة وضع الشعائر بيد العُرف، وكما يظهر منه أنّه جوابٌ نقضي.

الجوابُ التفصيلي الثاني (1) :

عن إشكاليّة وضع الشعائر بيد العرف، وهو جواب مبنائي وحلّي لنقوض المعترِض: وهو أنّ القائل بأنّ الشعائر حقيقة شرعيّة استندَ إلى عدّة أدلّة(2) ذكرناها سابقاً، مثل: استلزام ذلك تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وإنّ ذلك يستلزم اتّساع الشريعة، وغير ذلك من الوجوه التي استند إليها المُستدل.

ومن الواضح أنّ هذه الوجوه يمكن الردّ عليها بما يلي:

أوّلاً: تحريم الحلال وتحليل الحرام إن كان بمعنى أن يتّخذ المكلّف أو المتشرّعة فعلاً ومصداقاً خارجيّاً حراماً، أو يتّخذوه حلالاً من دون دليل شرعي، فحينئذٍ يصدق تحريم الحلال وبالعكس، ويثبت الاعتراض.

لكن إذا استندوا إلى دليل شرعي، فما المانع من ذلك؟ حيث لا يُنسب التحريم والتحليل إليهم؛ وإنّما المحلّل والمحرّم هو المَدرك والدليل الشرعي.

مثلاً في باب النذر: قد يُحرّم الإنسان على نفسه الحلال بواسطة النذر

____________________

(1) الجواب الأوّل تراجعه بملاحظة ص 78 من هذا الكتاب.

(2) راجع ص 79 من هذا الكتاب.


لغرضٍ راجح.

وفي باب الاضطرار يُحلَّل الحرام فيما إذا كان الحرام مضطرّاً إليه وما شابه.

فهنا يستند إلى دليل شرعي، فما المانع من ذلك؟ إذ يؤول ويؤوب في نهاية الأمر إلى أنّ التحليل والتشريع إنّما هو بيد الشارع وليس بيد المكلّف؛ لأنّ المفروض أنّه استندَ إلى دليل شرعي، وإلاّ سوف تجري هذه الشبهة - شبهة التحليل والتحريم - بغير ما أنزلَ الله سبحانه، حتّى في الصلاة إذا صلاّها الإنسان في مكانٍ مباح، والكون في المسجد، أو في البيت، أو في الصحراء، هذا الوجود والكون حلال، لكن بما أنّه مصداق للصلاة فيكون واجباً، فهل هذا تحريم للحلال؟!

أو هناك شيء محرّم، لكن بسبب الاضطرار أو غيره أصبح حلالاً، فتحليل الحرام هنا ليس من قِبَل المكلّف، كلاّ، التحريم هو من قِبَل الشارع.

التشريعُ بين التطبيق والبِدعة

وذكرنا أنّ بيت القصيد وعَصب البحث هو بحث إزواء وسقوط الدليل وعدم سقوطه، فإذا فرغنا وانتهينا من ذلك سوف تسهل بقيّة المباحث، مع الالتفات إلى النقاط الثلاث السابقة، إذ لابدّ لنا من إيصال الدليل وشموليّته للمصداق، هذا بالنسبة إلى تحريم الحلال و تحليل الحرام.

وأمّا بالنسبة إلى الدليل الآخر: من أنّ هذا فتح لباب التشريع وجعله بيد المكلّف والمتشرِّعة فلا يخفى ضعفه؛ لأنّ المتشرّعة لا يُفوّض إليهم التشريع، إذ


من المفروض أنّ باب التطبيق ليس فيه تفويض للتشريع، ومثاله الواضح في قوانين الدولة حينما يشكِّل دستور أوّلي مشتمل على قانون من القوانين الوضعيّة، مثلاً يشتمل الدستور على مائتي مادّة، ثُمّ بعد ذلك تُفوّض الدولة وتُنزّل تلك المواد الدستوريّة إلى المجالس النيابيّة في الشُعَب المختلفة، ثُمّ تتنزّل هذه القوانين المتوسطة الشُعبيّة إلى درجات أنزل، أي إلى الوزارات والإدارات المختلفة، فحينئذٍ يصبح هناك تعميم وزاري أنزل وأدون بتوسّط لوائح داخليّة، ثُمّ تُخوّل الوزارات المؤسّسات التجاريّة والاقتصاديّة والأندية السياسيّة والحقوقيّة والمؤسّسات.

كلّ ذلك حقيقته يرجع إلى نوع من التشريع، وهذا البعد الذي تُخوّله الوزارات إلى عموم شرائح المجتمع من فئات سياسيّة، أو تجاريّة، أو اقتصاديّة، أو حقوقيّة، أو غيرها، هذا التخويل ليس تشريعاً مذموماً، ولا يصدق عليه البدعة أو الإحداث في القانون أو التبديل في الشريعة، بل هو نوع من تطبيق القوانين، لكن ليس تطبيق القوانين الفوقانيّة جدّاً، ولا المتوسّطة، بل هو بمثابة تطبيق النازلة التحتانيّة على المصاديق.

فالمتشرّعة لا يُنشئون الأحكام الشرعيّة الفوقانيّة، بل الأحكام الفوقانيّة الكلّيّة هي على حالها، والذي يحصل من المتشرّعة هو تطبيق تلك القوانين الكلّيّة، والتطبيق ليس نوعاً من التشريع، بل هو نوع من الممارسة التي أذِن الشارع فيها، كما في موارد كثيرة حيث يأمر الشارع بعناوين عامّة ويُوكل جانب التطبيق ويُخوّله إلى المتشرّعة، سواء المتشرِّعة على صعيد فردي، أو على صعيد جماعات، أو على صعيد حاكم، وهكذا.


وذكرنا أنّ هذا المقدار من التخويل في التشريع مع التطبيق لابدّ منه في أيّ قانون، حتّى في القوانين الوضعيّة(1) ، ولابدّ من الأخذ بالاعتبار أنّ القانون - مهما بلغَ من التنزّل - يبقى له جهة كلّيّة، وله جهة عامّة، وليس مخصوصاً بجزئي حقيقي ومصداق متشخّص فيبقى كلّيّاً ويبقى تنظيريّاً، وإذا بقي كذلك فمقام التطبيق الأخير لابدّ حينئذٍ من أن يكون بيد المكلّف، فجانب التطبيق ليس فيه نوع من التشريع المنكر، أو القبيح في حكم العقل، أو في حكم الوضع، بل هو نوع من التطبيق الذي لابدّ منه في كلّ القوانين.

مراتبُ تنزّل القانون

وهنا لفتة لا بأس من الإشارة إليها، وهي: أنّ بعض القوانين - سواء القانون الوضعي، أو القانون السماوي - يتكفّل الشارع أو المُقنّن بنفسه تنزيلها إلى

____________________

(1) وهنا قد يتبادر تساؤل، وهو: هل يمكن قياس التشريع الإلهي بالقانون الوضعي؟

والجواب: أنّ لغة القانون والاعتبار لغة ينطوي في مبادئها التصوّريّة والتصديقيّة، أنّها لغة موحّدة بين التقنين السماوي والوضعي إلاّ ما دلّ الدليل على الخلاف، ومن ثُمّ ترى علماء الأصول والفقهاء يبنون على وحدة معاني وماهيّات العناوين المستخدمة كآلة قانونيّة، في العرف العقلائي مع العرف الشرعي إلاّ ما استثناه الدليل، وبعبارة أخرى: كما أنّ الشارع لم يستحدث لغة لسانيّة جديدة في صعيد حواره مع الأُمّة المخاطَبة، فكذلك لم يستحدث لغة اعتباريّة قانونيّة جديدة في صعيد التخاطب القانوني التشريعي، وإن كانت تشريعات الشرع المبين مغايرة لتشريعات العرف البشري؛ فإنّ ذلك على صعيد المسائل التفصيليّة وتصديقاتها، لا على صعيد مبادئ اللغة القانونيّة: كمعنى الموضوع، ومعنى الحكم من الوجوب، والحرمة، والملكيّة، والصحّة، والبطلان، والحُجّيّة ونحوها.


درجات، وبعض المواد قد ترى أنّ الشارع قد أبقاها على وضعها الكلّي الفوقاني.

فالمواد الكلّيّة القانونيّة على أنحاء:

بعضها عمومات فوقانيّة جدّاً، وبعضها كلّيّات فوقانيّة متوسّطة، وبعضها كلّيّات تحتانيّة متنزّلة، فالمواد القانونيّة مختلفة المراتب، ومتفاوتة الدرجات.

وكيفيّة إيكال الشارع وتطبيقه لهذه المواد يختلف بحسب طبيعة المادّة وطبيعة المتعلّق لتلك المادة القانونيّة، وبحسب طبيعة الموضوع.

قاعدةُ اتّخاذ السُّنّة الحَسنة

فعلى ضوء ذلك، لا مانع عقلاً ولا شرعاً في تخويل المتشرِّعة في التطبيق لا سيّما في العمومات المتنزلّة، وبالمناسبة هنا نشير إلى معنى القاعدة المنصوصة المستفيضة عند الفريقين:(مَن سَنّ سُنّةً حَسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها) (1) ، وهو حديث نبوي مستفيض بين الفريقين العامّة والخاصّة، وهو قاعدة مسلّمة.

فما هو المائز بينها وبين قاعدة حرمة البدعة والبدعيّة؟

المائز والفارق: هو أنّ كلّ مورد يوجد فيه عموم يمكن أن يستند إليه المكلّف أو المتشرّعة، هذا أوّلاً،

وثانياً: يوكَل تطبيقه وإيقاعه إلى المكلّف أو إلى المتشرّعة، فيكون مشمولاً للحديث السابق:(مَن سَنّ سُنّة حَسنة...) بخلاف البدعة التي هي في

____________________

(1) انظر: سُنن ابن ماجة 1: 74 / ح 203، المعجم الكبير للطبراني 2: 315 / ح 2312؛ و 22: 74 / ح 184.


مورد إنشاء تشريع فردي أو اجتماعي، من دون الاستناد إلى دليل فوقاني، أو إلى عموم معيّن.

فالفارق بين مؤدّى:(مَن سَنّ سُنّة حَسنة) وبين موارد حرمة البدعة: هو أنّ موارد حرمة البدعة لا يستند فيها إلى دليل، وتشريع معيّن، بينما في موارد السُنّة الحسنة وإنشاء العادات الدينيّة في المجتمع والأعراف ذات الطابع الاجتماعي، يستند فيها إلى دليل شرعي.

والعبارة الأخرى:(ومَن سَنّ سُنّة سيئة) (1) ، معناها ظاهر بمقتضى المقابلة، حيث يكون سبباً لنشر الرذائل بين الناس لدرجة تتحوّل إلى ظاهرة اجتماعيّة، أي تطبيق الحرمة بشكل مُنتشر وكظاهرة اجتماعيّة، وهذا عليه الوزر المضاعف.

إذاً، استحداث سُنّة حَسنة بالشروط السابقة ليس بتفويض ممقوت أو مكروه؛ إنّما التفويض الباطل هو أن يشرِّع المتشرّعة تشريعاً ابتدائيّاً، ومن حصول هذا التفويض في التشريع المتنزّل في قاعدة الشعائر الدينيّة وفي قاعدة(مَن سَنّ سُنّةً حَسنة) ، يُقرّر وجهان إضافيّان لأدلّة الولاية التشريعيّة للنبي والأئمّة (عليهم السلام) المنزِّلة للأصول التشريعيّة الإلهيّة.

لمحةٌ حول الولاية التشريعيّة

ولهذا البحث صلة ببحث منطقة الولاية التشريعيّة المفوّضة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة (عليهم السلام)، تمييزاً عن التشريع الذي هو بيد الله سبحانه وتعالى.

____________________

(1) المصدر السابق.


وهذا غير ما يُخوّل به المتشرّعة، الذي هو نوع تطبيقي محض في جانب المتشرّعة.

كما وردت في ذلك بعض الآيات مثل:( وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (1) ، وقوله تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (2) وغيرها، والروايات العديدة التي تُثبت الولاية التشريعيّة لهم.

وللتفرقة بين المقامين لأجل بيان حقيقة التطبيق المسموح به للمتشرِّعة، تفريقاً له عمّا فُوّض به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة (عليهم السلام): هو أنّه في عالَم التقنين، سواء الوضعي ولغة القانون، أو لغة الشريعة السماويّة، أنّ العمومات الفوقانيّة يكون تنزّلها قهريّاً انطباقيّاً مصداقيّاً، وهناك بعض العمومات المسمّاة بالأصول القانونيّة والأصول والأُسس التشريعيّة، لا تتنزّل بنفسها بتنزّل قهري عقلي تكويني، بل لا تتنزّل هذه العمومات الفوقانيّة القانونيّة إلاّ بجعلٍ قانوني.

وهذه الظاهرة من ضروريّات القانون، هذا التشريع والجعل - الموجِب لتنزّل الأصول القانونيّة بمعنى تنزيل تشريعات الله عزّ وجلّ إلى تشريعات تنزّليّة - نظير ما هو موجود الآن في المجالس النيابيّة، إذ لا يمكن للمادّة الدستوريّة أن تُعطى بيد رئيس الوزراء، فضلاً عن أن تُعطى بيد موظف في الوزارة، وفضلاً عن أن تُعطى بيد عامّة المجتمع، بل المادّة الدستوريّة لابدّ لها من تنزيل بواسطة المجلس النيابي بعد أن ينزِّلها المجلس النيابي بتنزيلات عديدة، ثُمّ تُعطى بيد الوزير أو بيد رئيس الوزراء، ولابدّ أن تُنزّل بتوسّط الوزير والوزارة أيضاً إلى

____________________

(1) الحشر: 7.

(2) الأحزاب: 21.


الشُعَب الوزاريّة بتنزّلات أخرى، ثُمّ تُعطى بيد عامّة المجتمع، فهذا السِنخ من التنزّلات ليس من قبيل ما طرقَ أسماعنا وشاع في أذهاننا،من كونها تطبيقات قهريّة مصداقيّة عقليّة تكوينيّة، كلاّ، بل هي من قبيل تطبيقات جعليّة بجعول قانونيّة، إذ لابدّ من جعل قانوني ينزِّل هذه المادّة ويُعدّها للتطبيق، وبعض المواد القانونيّة تكون خاصيّتها كذلك، وبعضها لا تكون خاصيّتها كذلك.

والذي فُوّض إلى المكلّف أو المتشرّع هو غير سنخ ما يُوكل ويفوّض إلى النبي والأئمّة (عليهم السلام) في التشريع؛ إنّما هو سنخ تطبيقي ساذج بسيط، وهو تطبيق قهري تنزّلي عقلي، بخلاف المنطقة التي يُفوّض بها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو إلى الأئمّة (عليهم السلام)، فتلك تحتاج إلى جعول وتقنينات أخرى تنزيليّة، نظير ما هو موجود في المجالس النيابيّة، نقول هو نظيره وليس هو عينه، إذ التمثيل إنّما هو من جهة لا من كلّ الجهات، وإلاّ فالمجالس النيابيّة تسمّى القوّة التشريعيّة، وهي التي يكون على كاهلها وفي عهدتها تنزيل المواد الدستوريّة، ثُمّ تُدلي بها إلى القوّة التنفيذيّة الإجرائيّة.

إذاً، لا بدّ من تخويل تشريعي في المجلس النيابي، إذ إنّ بعض الكلّيّات الفوقانيّة الأمّ لا يمكن أن تتنزّل إلى عامّة المكلّفين وعامّة المجتمع بتوسّط نفس المادّة الدستوريّة، فلابدّ من تفويض مرجع ومصدر له صلاحيّة تشريعيّة، وهذا اصطلاح في علم الأصول، وهو أنّ لدينا عمومات فوقانيّة تختلف عن العمومات الفوقانيّة الرائجة، التي هي تتنزّل بتنزّل قهري تطبيقي، هناك عمومات فوقانيّة لا تتنزّل إلاّ بجعول تطبيقيّة.


بعضُ الفوارق بين صلاحيّة التفويض للأئمّة (عليهم السلام) والقوانين الوضعيّة

وهذا - كما يُقال - تشبيه من جهة وليس من جميع الجهات كل جهة، إذ هناك عدّة من الفوارق، نُشير إلى جملة منها:

الأوّل: إنّ الدستور بتمامه ليس إلاّ بعض أبواب الفقه في فروع الدين، فضلاً عن أصول ومعارف الدين.

الثاني: إنّ مصوّبات المجالس النيابيّة يمكن نسخها بمصوّبات المجالس النيابيّة اللاحقة، فضلاً عن المصوّبات القانونيّة الوزاريّة، وهذا بخلاف التشريعات النبويّة؛ فإنّها لا تنسخ من غيره، وكذلك سُنن وأحكام المعصوم لا تنسخ من غير المعصوم.

الثالث: إنّ مصوّبات المجالس النيابيّة لا تعدو الأنظار الظنّيّة القابلة للخطأ والصواب، بخلاف تشريعات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والوصي؛ فإنّها من عين العصمة والعلم اللدنّي.

وغيرها من الفوارق المذكورة في مظانّها.

فهذه هي العمومات الفوقانيّة التي لا تتنزّل إلاّ بجعول تنزيليّة أخرى(1) ، وهي غير التطبيق الساذج الذي أُوكلَ إلى عامّة المكلّفين، الذي هو تطبيق محض ليس فيه أيّ شائبة جعل أو تشريع أو ولاية تشريعيّة، بل هو نوع من التطبيق الساذج.

____________________

(1) وقد ذكرهُ الأستاذ المحاضر بشرح مفصّل في خاتمة كتابه (العقل العملي) ص: 377.


فهذا جواب المحذور الثاني الذي ذكره المُستدل.

وإلاّ لكان كلّ تطبيقات وأداء العمومات الكلّيّة من قِبَل المتشرّعة نوعاً من التشريع، فيخلط بين ما هو مشروع وما هو تشريع، وبين ما هو بدعة وما هو شرعي، فلابدّ من معرفة الفرق بين الشرعي والبدعيّة.

ويفرِّط القائل بحماية الدين من البِدَع، والمتشدّد بقاعدة البدعة بتوهّم حراسة الشريعة، حيث يقع في المحذور الذي حاولَ الفرار منه؛ لأنّ طمس الشرعيّات هو نوع من البدعة وضربٌ من الإحداث في الدين.

وينبغي المحافظة على حدود الفوارق بين هذين الأمرين، ومعرفة الفيصل بين ما هو شرعي وبين ما هو بدعي؛ لأنّ طغيان البدعي على الشرعي هو بحدّ ذاته بدعةٌ أيضاً.

تعريفُ البدعة

البدعة لها تعاريف عديدة، منها: النسبة إلى الله ما لم يشرّعه، أو النسبة إليه ما لم يأمر به وينهى عنه، أو ما لم يحكم به.

أو هي: إدخال في الدين ما ليس في الدين.

وهذا المعنى الأخير لا يمكن الإلمام به إلاّ بعد الإحاطة بكلّ شؤون التشريع، كي نعلم أنّ التشريع منتفي أو غير منتفٍ؛ لأنّه مأخوذ في موضوع البدعة عدم التشريع وعدم الجعل الشرعي.

فليس من السهولة أن نعرف موارد البدعة، من دون الإلمام بكلّ عالَم القانون ومشجّرة التشريع وشؤونهما المختلفة.


ومن دون معرفة كافية - وعلى مستوى واسع وعميق - بالشريعة وبموازينها وأُسسها وقوانينها، ليس من السهل إطلاق البدعيّة على موردٍ من الموارد.

وما نحن فيه هو إعطاء حقّ تطبيق المعاني والعناوين الكلّيّة الواردة في الأدلّة العامّة بيد المتشرِّعة، وهذا لا يمتّ إلى البدعة بأيّ صلة.

جواب المحذور الثالث:

والمحذور الثالث الذي ذكره القائل كدليل على أنّ قاعدة الشعائر الدينيّة لا بدّ أن تكون حقيقة شرعيّة وليست حقيقة لغويّة: هو استلزام اتساع الشريعة وزيادتها عمّا كانت عليه، إذ سوف تتبدّل رسومها - لا سمحَ الله - وتتبدّل أعلامها وملامحها، حيث تُتّخذ شعائر كثيرة ومتنوّعة إلى حدّ تطغى معه على ما هي عليه الشريعة من ثوابت ومن حالة أوّليّة.

هذا هو المحذور، وهو ليس دليلاً على أنّها حقيقة شرعيّة، بل هو دليل على أنّها حقيقة لغويّة، والسرّ في ذلك: هو أنّ هذا الاتّساع والتضخّم والانتشار الذي يتخوّف ويحذر منه المستدل، على قسمين:

أ) إن كان اتّساعاً وانتشاراً للشريعة، فهذا ممّا تدعو إليه نفس الآيات القرآنيّة التي ذكرناها، والدالّة على نفس قاعدة الشعائر الدينيّة، وقد صنّفناها من أدلّة الصنف الثاني، مثل آية:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ... ) فالله عزّ وجل يريد أن يتمّ نوره، أن يبثّه وأن ينشره، وكذلك آية:( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ... ) فالله سبحانه وتعالى يريد إظهار الدين.

وكذلك:( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) يريد


السموّ والعلو ورفرفة المعالم والأعلام الدينيّة، وهذا الانتشار لابدّ منه، ولابدّ أنّ له آليّاته المتنوّعة وأساليبه المختلفة، ومن أساليبه اتّخاذ الشعائر التي تؤدّي إلى اتّساع رقعة الدين وكثرة الملتزمين به، وزيادة تفاعلهم وانجذابهم إلى رسوم الدين وطقوسه.

ب) وإن كان معنى اتّساع الدين على حساب زوال الثوابت، وسبباً لإعطاء التنازلات تلو التنازلات في الأحكام الشرعيّة، فهذا المعنى لا ريب في بطلانه، وهذا يجب أن يُجعل محذوراً ومانعاً.

لكنّ الكلام في أنّ الشعائر المتّخذة هل هي من النوع الأوّل أم من النوع الثاني؟ هل هي توجب طمس الثوابت في الدين، أم هي بالعكس توجب اتّساع تلك الثوابت وانتشارها في ضمن متغيّرات مختلفة؟

الثابتُ والمتغيّر في الشريعة

فالبحث يقع في تقرير الفرق بين الثابت والمتغيّر.

أو قل - بالعبارة الاصطلاحيّة -: القضيّة الشرعيّة - مهما كانت - تشتمل على محمول وعلى موضوع، ومصاديق الموضوع متعدّدة ومستجدّة ومتغيّرة.

أمّا قَولبة عنوان الموضوع، وهيكل عنوان الموضوع والمحمول فيظلّ ثابتاً.

وهذه أحد الضوابط المهمّة جدّاً في التمييز بين الثابت والمتغيّر، أو في تمييز ما هو دائم في الشريعة وما هو متغيّر، المتغيّر في الحقيقة هو المصاديق.

كما في رواية الإمام الباقر (عليه السلام) في وصفه للقرآن الكريم أنّه(يجري كما


يجري الشمس والقمر) (1) ، يعني باعتبار اختلاف المصاديق وتنوّعها وتكثّرها، سواء مصاديق الموضوع أو مصاديق المتعلّق للحكم (قد مرّ بنا سابقاً أنّ القضيّة الشرعيّة تشتمل على ثلاثة محاور: محو الموضوع، محور المتعلّق، محور المحمول)(2) .

فمصاديق الموضوع أو مصاديق المتعلّق متكثّرة ومتعدّدة، ومستجدّة حسب كثرة الموارد وتعدّد البيئات.

مثل:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (3) .

فالقوّة سواء كانت ضمن أساليب القتال القديمة أو الحديثة، القوّة مصاديقها متعدّدة، لكنّ وجوب إعداد القوّة هو ثابت في الشريعة.

فالشاهد أنّ أحد ضوابط تمييز الثابت عن المتغيّر هي: أنّ جانب المحمول وعنوان الموضوع يظلّ ثابتاً، غاية الأمر أنّ مصاديق آليّات الموضوع تختلف.

ففي مقام الجواب عن المحذور السابق - وهو اتّساع الشرعيّة - إن كان بمعنى شموليّة موضوعاتها وشموليّة قوانينها، فهذا لا ضير فيه، بل لا بدّ من الانتشار والاتّساع، أمّا بمعنى زوال القضايا الأوّليّة، وزوال جنبة الحكم وتغيّره، فهذا

____________________

(1) بحار الأنوار 92: 97، نقلاً عن كتاب بصائر الدرجات، بسنده عن فضيل بن يسّار قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية:(ما من القرآن آية إلاّ ولها ظهر وبطن) فقال:(ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما قد مضى، ومنه ما لم يكن، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلّما جاء تأويل شيء منه يكون على الأموات كما يكون على الأحياء، قال الله: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم ) نحن نعلمه) .

(2) راجع ص72 من هذا الكتاب.

(3) الأنفال: 60.


اللازم باطل ويكون طمساً لثوابت الشريعة، وهذا هو الذي أُشير إليه فيما سبق: من أنّ الفقيه - سواء الفقيه في الفتوى، أو في الحكم السياسي، أو القضائي، أو أيّ جانب من الجوانب - يجب أن لا يتوسّل كثيراً باستثنائيّات القانون، أي: بالعناوين الثانويّة في جنبة الحكم، أو يوقِع عامّة المكلّفين في المحاذير الشرعيّة، من قبيل: التزاحم في الملاك، أو حتّى التزاحم الامتثالي(1) ، فضلاً عن التوسّل بالعناوين الثانويّة في جنبة الحكم.

أي يجب أن ينتبه إلى إرشاد المكلّفين بسياسيّة الفتوى والحكم، بحيث لا تصل النوبة إلى الأبواب الاضطراريّة المزبورة، وإلى وجود المندوحة والفرجة عن التوسّل بالاضطرار، بل ينتبه إلى وجود المَنفَذ عن تصادم وتنافي الأحكام وحصول المجال والأرضيّة؛ لإقامة كلّ حكم في مورده من دون تنافيه مع امتثال وأداء الحكم الآخر، فيبتعد ويحذر عن المسارعة إلى فرض صور الاضطرار والحرج والإكراه.

وليس المراد أنّ التزاحم الامتثالي، أو الملاكي، أو التوسّل بالعناوين الثانويّة في جنبة الحكم ليست بمقنّنة، بل قُنّنت هذه من أجل أن يستفاد منها أقلّ القليل، لا أنّها قُنّنت حتّى يستفاد منها بنحو الدوام، بحيث تؤول وتعود حكماً أوّليّاً وتبقى الأحكام الأوّليّة معطّلة وجامدة.

____________________

(1) الفرق بين التزاحم الملاكي والامتثالي: هو أنّ في التزاحم الملاكي يكون هناك تصادق بين المتزاحمَين في وجود واحد، كاجتماع الأمر والنهي، مثل: صلّ ولا تغصب.

أمّا التزاحم الامتثالي: فلا يتحقّق تصادق بين المتزاحمَين في وجود واحد، مثل: وجوب تطهير المسجد مع وجوب الصلاة.


فمن ثُمّ يمكن المحافظة على الثوابت بهذه الوسيلة، وهذا ليس بمحذور، إذ المفروض أنّ جنبة الشعائر الدينيّة المستجدّة المستحدَثة - المتّخذة من قِبَل المكلّفين - هي جنبةٌ تطبيقيّة كما بيّنا، فهي - في الواقع - نوع من المحافظة على الشموليّة الشرعيّة؛ لأنّ كلّ ما قَصد وصمّم المتشرّعة تطبيق تلك العناوين والقضايا التي أتى بها الشرع، فهذا نوع من إحياء الشريعة وعدم طمسها واندراسها.

والعكس هو الصحيح، فبدلَ أن يكون هذا محذوراً على اتّخاذ الشعائر، فهو في الواقع دليلاً على صحّتها لإحياء وانتشار الدين.

فتبيّن مِمّا مرّ أنّ أدلّة الطائفة الأولى من الآيات التي اشتملت على لفظة الشعائر - شعائر الله - مثل:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ، هي أيضاً من العمومات الباقية على عمومها، كقضايا شرعيّة وردت في النصوص القرآنيّة أو الروائيّة على حقيقتها اللغويّة، كما هو حال الطائفة الثانية من الأدلّة.

وما ورد من تطبيقها على مناسك الحجّ مثلاً، فهو من باب تطبيق العام على الخاص، لا من قبيل التحديد والحصر.

الدليلُ الاعتراضي الرابع والجواب عنه

يبقى دليل رابع للقائل: بأنّ قاعدة الشعائر الدينيّة حقيقة شرعيّة، وهو أنّ الشارع قد طبّق هذه القاعدة في بعض المصاديق، مثل:( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، مِمّا يعني أنّ هذا المضمون الفوقاني يحتاج في التنزّل إلى جعل الشارع، وبعبارة أُخرى، فقد أشرنا سابقاً أنّ بعض العمومات الفوقانيّة - سواء


الوضعيّة أو الشرعيّة - تنزّلها ليس قهريّاً تطبيقيّاً، بل تحتاج إلى تنزّل جعلي تطبيقي، مثل:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.. ) ، أمّا كيف نتبيّن مواضع العدل، فلابدّ من معرفة للحقوق المختلفة من قِبَل الشارع نفسه، وأيّ مورد هو أداء لحقّ الغير، وأيّ مورد ليس بهذا النحو؟ وإلاّ فإنّ العمل بعموم( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.. ) من غير معرفة مواضع العدل من الشارع لا يكون جائزاً.

فإذاً، في تلك العمومات الفوقانيّة التي لا يمكن أن تتنزّل قهريّاً وعقليّاً على المصاديق، لا يمكن للفقيه أن يستدلّ بها على المطلوب؛ لأنّ المفروض أنّها عمومات فوقانيّة تحتاج في التنزّل إلى جعل شرعي أيضاً، وإلى تشريع آخر تطبيقي من الشارع(1) .

____________________

(1) كما مثّلنا سابقاً بالمواد الدستوريّة، إذ لا يمكن لرئيس الوزراء أن يتمسّك بها في التنفيذ، حيث يقال: لابدّ من مجلس نيابي يُنزّل هذه المادّة الدستوريّة ثُمّ يتمّ العمل بها، ثُمّ إنّ موظف الوزارة أو شُعبة من الوزارة هل يمكن أن يعمل بمادّة نيابيّة قانونيّة تصدر من المجلس النيابي؟ كلاّ، فإنّه يخطّأ في ذلك، بل لابدّ من أن يأخذ رئيس الوزراء، أو الوزير المعيّن المادّة ويُنزّلها إلى مواد وزاريّة أُخرى تنزّليّة، ثُمّ بعد ذلك يمكن لمدير الشُعبة الإداريّة أن يعمل بتلك المادّة النيابيّة، أو المادّة الوزاريّة التي نُزّلت.

وكذا لو أنّ أحداً من عامّة الناس عملَ بمادّة من المجلس النيابي، فإنّه يُخطّأ ويُحاسب على ذلك؛ لضرورة صدور تلك المادّة القانونيّة النيابيّة بتوسّط الشُعب الوزاريّة كي يستطيع عوام المكلّفين أن يعملوا بها.

وهذا الذي نراه من طبيعة القوانين ليس مخصوصاً بالقوانين الوضعيّة، هذا هو من الماهيّات الأوّليّة لنفس لغة القانون وطبيعة التقنين أو طبيعة عالَم الاعتباريّات.

فمن الماهيّات الأوّليّة والاعتباريّات في عالَم القانون والتشريع: أنّ بعض العمومات فيه لا تتنزّل إلاّ بجعلٍ وتشريع من الشارع.


فمِن الحريّ والجدير أن تكون قاعدة الشعائر الدينيّة كذلك أيضاً؛ لأنّنا رأينا أنّ الشارع قد جعلَ البُدن من شعائر الله، مِمّا يشير إلى أنّ الشعائر وإن كانت عمومات قد تعلّق الأمر بها، لكن هي من العمومات الفوقانيّة من النمط الثاني التي يحتاج في تنزّله إلى جعول تشريعيّة، وإلى تشريعات تنزّليّة، لا أنّها تتنزّل قهريّاً، مثل بقيّة العمومات الأخرى، وهذا هو الدليل الرابع على أنّ قاعدة الشعائر الدينيّة قاعدة توقيفيّة شرعيّة، وإنّها حقيقة شرعيّة.

ولكنّ هذا الاستدلال يمكن الإجابة عليه بما يلي:

إنّ كثيراً من العمومات ليست قطعاً عمومات من النمط الذي يحتاج في تنزّله إلى جعول تطبيقيّة بنمط الحقيقة الشرعيّة، أي الاعتبار الشرعي المُغاير للاعتبار الوضعي العقلائي أو العُرفي، من قبيل: الصلاة الفاقدة للسورة نسياناً، أو الفاقدة لأجزاء معيّنة نسياناً أو خطأً؛ فإنّ الشارع يُصحّحها بقاعدة(لا تُعاد الصلاة إلاّ من خمس) وهي الأركان، أمّا غير الأركان فلا تُعاد الصلاة لأجلها، هذا تصحيحٌ وتصرّف من الشارع لبعض المصاديق.

ومجرّد تصرّف الشارع وتدخّله بجعول تطبيقيّة، ليس دليلاً على كون ذلك العموم لا يتنزّل إلاّ بالتشريع والجعل التطبيقي، الذي هو من نمط الحقيقة الشرعيّة والاعتبار الشرعي دون الاعتبار العقلائي والعرفي، كما هو الحال في البيع والعقود وبقيّة الجعول العرفيّة، بل كثير من العمومات لها مصاديق تكوينيّة وتنزّلات تكوينيّة، لكن مع ذلك قد يتصرّف الشارع لمصلحةٍ ما في تحديد بعض المصاديق، فلا يعني ذلك أنّ الشارع قد جعلَ ذلك العموم عموماً يحتاج إلى تشريع تنزيلي، غاية الأمر أنّه قد أذِن


للعرف والمتشرّعة باتّخاذ بعض المصاديق لإطلاق عنوان الشعيرة على المعنى اللغوي في الأدلّة، كما تقدّم ذلك مفصّلاً.

وأساس هذا الدليل يرتبط بمعرفة ضابطة التوقيفيّة وغير التوقيفيّة؟

باعتبار أنّ التوقيفيّة هي ضابطة من الضوابط الشرعيّة، فأيّ مورد يكون الأمر فيه توقيفيّاً، فيكون اتّخاذ شيء من المتشرّعة فيه بدعاً وتشريعاً.

وما لم يكن المورد توقيفيّاً، فالاتّخاذ من قِبَل المتشرِّعة يكون شرعيّاً، فالتوقيفيّة - إذاً - إحدى العلامات، وإحدى المقدّمات التي تؤثّر في معرفة الشرعيّة عن اللاشرعيّة، أو البدعيّة عن اللابدعيّة، فلابدّ من معرفتها.

وقد يتراءى من كلمات العلماء أنّ القدر المتيقّن من التوقيفات هو العبادات.

وبكلمة موجزة نوضّح الأمر:

هناك عدّة تعريفات تُذكر للبدعة المحرّمة:

منها: هي نسبة ما لم يفعله الشارع إليه.

ومنها: هي النسبة والإخبار عن الشارع بأمرٍ أن تقنين أو حُكم - سواء تكليفيّاً أو وضعيّاً - من دون علم، بل عن شكّ أو جهل أو احتمال، وإن كان في الواقع قد يكون الشارع قد شرّعه، إلاّ أنّ النسبة بغير علم تكون نوعاً من التشريع.

فحصلَ لدينا فرق بين التعريف الأوّل والثاني: في التعريف الأوّل النسبة إلى الشارع ما لم يشرّعه وما لم يقنّنه، لو نُسب قانون ما إلى الشارع وكان الشارع قد شرّعه لم يكن ذلك تشريعاً، وإن كانت النسبة إلى الشارع من دون علم.


بخلاف التعريف الثاني، البدعة: هي النسبة إلى الشارع ما لم يعلم، سواء شرّعه الشارع في الواقع أم لم يشرّعه، وهناك تعاريف أخرى تُذكر للبدعة.

والتوقيفيّة: هي أنّ كلّ ما تريد أن تنسبه إلى الشارع يجب أن يكون موقوفاً على العلم، أو موقوفاً على أنّ الشارع هو الذي قد أنشأه وجعله وحكمَ به، ومن ثَمّ تنسبه للشارع، وليس المقصود النسبة إلى الشارع في مقام الإخبار فقط، بل تعمّ النسبة حتّى موارد التديّن مثلاً: يتديّن أو يُداين الآخرين في المعاملات، أو في العبادات بالمعنى الأعم الشامل لكلّ الإيقاعات والعقود والعبادات.

التديّن أو المداينة بشيء على أنّه من الشارع يحتاج إلى التوقيف مطلقاً، إمّا التوقيف: بمعنى أنّ الشارع يجعله، ومن ثَمّ يتديّن المكلّف به ويداين الآخرين.

أو التوقيف: ومعناه - علاوة على تشريع الشارع وجعله وتقنينه - أنّه ينبغي العلم بذلك، أي لا يتديّن ولا يُداين الآخرين إلاّ بعد علمه بجعل الشارع.

من هنا يتّضح: أنّ التوقيفيّة في قبال الإمضائيّات وما يُكتفى فيه بعدم الردع: هي كلّ أمر تقنيني أتديّن به أو أُداين الآخرين به على أنّه من الشارع، هذا موقوف على الشارع، وليس مخصوصاً بالعبادات فقط، أو على العلم بجعل الشارع، فقاعدة توقيفيّة الأمور ليست مختصّة بالعبادات، بل في كلّ فصل أو باب من التقنين في الشريعة إذا كنتُ أنا أتديّن به، وأُلزم نفسي به أو ألزم الآخرين به، فيما إذا كانت معاملة بالمعنى الأعم - سواء جنبة قضائيّة، أو جنبة الأحوال الشخصيّة، أو جنبة معاملات، أو جنبة عبادات، وفي أيّ فصل، أيّ شعبة من القانون - فيجب أن تكون موقوفة على جعل الشارع، أو أنّها موقوفة على العلم


بجعل الشارع.

فإذاً، قاعدة التوقيفيّة مدارها ومناطها هو التديّن والمداينة على أنّها من الشارع، هذا السلوك التديّني أو الالتزامي أو التبعيّة - التي لا تقتصر على مظهر الأفعال الجارحيّة، بل حتّى الأفعال الجوانحيّة، بل حتّى الاعتقادات - في كلّ أفعال الإنسان المختار إذا كانت على أساس إتّباع الشارع، فتكون موقوفة على جعل الشارع أو على علمه بجعل الشارع.

التوقيفيّة وحدود الديّانة

وقد يُطرح سؤال، فيما إذا كان الإنسان يُداين نفسه أو يُداين الآخرين على أمر معيّن لا على أنّه مجعول من الشارع، فهذا ليس أمراً توقيفيّاً، فهل يكون حلالاً وإن لم يقرّ الشارع بذلك؟

مثلاً: أن يُداين الآخرين بمعاملة جديدة - فَرَضاً - لا يقرّها الشارع (كالذين يتعاملون بالربا - مثلاً - لا يتعاملون على أنّه مجعول من قِبَل الشارع)، أو الذين يتعاملون بمعاملات جديدة لا يقرّها الشارع ولا يمضيها، أو يتعاملون أو يلتزمون فيما بينهم بأمور لا يُقرّها الشارع، وهم أيضاً لا يلتزمون فيما بينهم على أنّها من الشارع، فهذا هل يكون حلالاً وجائزاً، باعتبار أنّه أمر ليس توقيفياً؛ لأنّ ضابطة التوقيفيّة - كما سبق - هي المُداينة والتداين على أنّه أمر من الشارع، فإذا لم يكن مبنيّاً على ذلك فلا يكون أمراً توقيفيّاً، فيكون حينئذٍ مسوّغاً ومشروعاً ولو بالجواز العقلي، وهو مجرى أصالة البراءة، هذا استفسار يُطرح في تعريف التوقيفيّة.


وتوضيح الجواب عن هذا الاستفسار، أن نقول: ليس كلّ مورد غير توقيفي يكون ارتكابه سائغاً وحلالاً وجائزاً، أو أنّه يكون مجرى البراءة، إذ إنّ الأفعال المحرّمة قد ردعَ وزجر ونهى عنها الشارع، سواء كان الفعل فعلاً ساذجاً أو بناءاً تقنينيّاً من العرف العقلائي، وعموم النواهي الشرعيّة ناظرة ومنصبّة على الأفعال الدارجة للصدّ عن وقوعها، سواء كانت ذات وجود تكويني أو كانت ذات وجود اعتباري، كالمعاملات والإيقاعات العرفيّة، وإن لم ينطبق عليها في نفسها أنّها من الأمور التوقيفيّة، لا فعلها ولا تركها.

فلو فُرض استحداث معاملة جديدة قانونيّة، ولم تكن مُمضاة من الشارع بتوسّط العمومات، وبالتالي سوف تكون مندرجة تحت النهي العام، مثل:( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) ثُمّ جرى التعامل بها، وأخذنا نُداين بعضنا البعض بممارستها، فهذا البناء المعاملي محرّم، لكنّ حرمتها ليس من باب البدعيّة؛ لأنّنا لا نتداين بها على أنّها مجعولة من قِبَل الشارع، فنكون قد تخطّينا ما هو توقيفي، فليس تحريمها من جهة تخطّي وتجاوز ما هو توقيفي؛ إنّما تحريمها ناشئ من مخالفة النهي عن الأكل بالباطل، ولو بُني على الالتزام بمنهاج القوانين الوضعيّة في المعاملات عموماً، لكان من باب التديّن بغير دين الله، وهذا بحث آخر.

كما لو أراد الإنسان أن يتّبع قانوناً معيّناً في كلّ أبوابه وبنوده لم يرد فيها شيء من الله عزّ وجل، وأن يتّبعه ويتقيّد به لا على أنّه من الشارع، بل على أنّنا وضعناه بأنفسنا، فالحرمة هنا من جهة أخرى: وهي التديّن والاتّباع لمَا ليس تشريع من الله عزّ وجل، فليس كلّ ما هو محرّم ناشئاً من تخطّي وتجاوز الأمر


التوقيفي، بل قد يكون الشيء تقنيناً ونوعاً من الإنشاء التقنيني والاتخاذي والوضعي، وهو حرام من باب التديّن بغير دين الله.

الخُلاصة:

المُداينة والتديّن والاتّخاذ والإنشاء والتقنين قد يكون تشريعاً، وهو بدعة وحرام، وقد يكون تقنيناً ومُداينة، فهو حرام، لكنّ حرمته ليست من باب التشريع والبدعة، ولا من باب تجاوز الأمور التوقيفيّة.

فإذاً، قاعدة توقيفيّة الأمور وإنّها بيد الشارع لها مدار ومجال معيّن، وهي المداينة سواء لنفسه أو للآخرين على شيء على أنّه من قِبَل الشارع، من دون علم أو من دون تشريع الشارع، فالأمر التوقيفي: هو أن لا تتديّن ولا تُداين بشيء، سواء في العبادات أو في المعاملات بالمعنى الأعم، وسواء في الفقه الفردي، أو في الفقه الاجتماعي من دون إيقاف من قِبَل الشارع على ذلك التقنين.

والإيقاف على ذلك التقنين: يعني إنشاء الشارع لذلك وإعلامه لك بذلك، المتقوِّم بالتشريع من قِبَل الشارع وأن يُعلمه بذلك.

والسرّ في أنّ كلمات كثير من الفقهاء تقتصر في قاعدة توقيفيّة الأمور على العبادات، لا بغرض حصرها في العبادات، بل لكونها في العبادات واضحة وجليّة، أي من باب ذِكر أوضح المصاديق، وإنّ العبادات - بلا ريب - توقيفيّة، والمعاملات أيضاً إذا ارتُكبت على أنّها شرعيّة فهي أمر توقيفي يجب أن يؤخذ من الشارع، كي يتديّن به على أنّه من الشارع وعلى أنّه من دين الله، وإلاّ سيكون تجاوزاً للأمور التوقيفيّة، وبالتالي يصدق عليه أنّه بدعة أو تشريع.


فالاعتراض بقاعدة الأمور التوقيفيّة للاستدلال على أنّ قاعدة الشعائر الدينيّة حقيقة شرعيّة ليس في محلّه؛ لأنّ الشارع قد أوقَفنا على تشريع مثل هذه الشعائر، غاية الأمر أنّه وردَ بعناوين عامّة وهي إتمام نور الله، وإعلاء أحكام الدين، ولا ريبَ أنّ هذه من الأمور التي لو طُبّقت ونُفّذت لكانت من أوضح العوامل لنشر أحكام الدين؛ لأنّ نشر سيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله - من باب المثال - التي هي أحد الشعائر الدينيّة، هي نوع من نشر الأحكام الدينيّة والمعالم الدينيّة.

فلا يكون اتّخاذ الشعائر المستجدّة أو المستحدَثة مخالِفة لقاعدة التوقيفيّة للأمور، ولذلك قلّما يستعمل الفقهاء قاعدة توقيفيّة الأمور في المعاملات، بخلاف باب العبادات.

إذ في باب المعاملات، تتوفّر عناوين عامّة قابلة للتنزّل ولتغطية كلّ المستجدّات الموضوعيّة بقيود وشروط مهذّبة للظواهر والحالات الماليّة، فلا يكون اتّخاذها نوعاً من التجاوز على قاعدة توقيفيّة الأمور.

بخلاف باب العبادات، حيث لا يوجد فيها عمومات قابلة للتنزّل في كلّ الأحوال والظروف المختلفة، مثل: صلّوا بكلّ زلفة وخضوع، أو زكّوا بكلّ قدر، أو حجّوا بأيّ إفاضة وزيارة.

وإنّما هي محدّدة بأجزاء وشرائط وقيود خاصّة، ومن ثُمّ لا يمكن اتّخاذ صلاة جديدة، أو زكاة جديدة، أو ضريبة ماليّة جديدة - غير الزكاة والخمس - أو نُسك جديد في الحجّ، وإلاّ فقاعدة توقيفيّة الأمور لا تختصّ بالعبادات دون المعاملات.

والعمومات في أدلّة الشعائر - التي هي من الصنف الثاني أو الثالث - لم تُحدّ


بحدّ معيّن، بل أرسلها الشارع على عمومها، فهي تتنزّل إلى المصاديق المستجدّة والخصوصيّات المختلفة بمقتضى النقاط الثلاث التي سبقت.

يظهر من الأجوبة السابقة أنّ الوجوه الأربعة أو الخمسة - التي أُقيمت على أنّ قاعدة الشعائر الدينيّة حقيقة شرعيّة - ليست بتامّة، ومن ثُمّ يكون ما يُتّخذ من شعائر دينيّة مستجدّة أو مُستحدَثة، له دليله الشرعي ويكون خالياً من الإشكال وتابعاً للضوابط الشرعيّة المقرّرة.

والمفروض أنّ هذه الشعائر واجدة لرُكني ماهيّة الشعائر كما ذكرنا، باعتبار توفّر الركنين ضمنها: ركن الإعلام والبثّ، وركن الإعلاء والتعظيم كما مرّ ظهور الأدلّة في ذلك، وإن لم تشتمل الطائفة الثانية والثالثة من الأدلّة على لفظ الشعائر، إلاّ أنّها مُرسلة، مطلقة وغير مقيّدة وغير محدّدة، وقد وردت في مقام البيان، ولم يُحدّدها الشارع، فهي دالّة بوضوح على أنّ ما هو من صِنوها وسنخها - وهي الطائفة الأولى - ليست بحقيقة شرعيّة؛ وإنّما هي حقيقة وضعيّة لغويّة.

التعبّدُ بالمصاديق

بقيَ أن نوضِّح أنّ تعبّد الشارع في بعض الموارد بالمصاديق، لا يدلّ على أنّ ذلك المعنى حقيقة شرعيّة توقيفيّة، ويجدر بالمقام ذِكر المناسبة بين قاعدة توقيفيّة الأمور وبين البحث الأصولي عن الحقيقة الشرعيّة والحقيقة اللغويّة، حيث إنّ في المورد الذي يكون العنوان حقيقة شرعيّة يتمّ إعمال قاعدة توقيفيّة الأمور إعمالاً تامّاً، بخلاف الموارد التي لا يتصرّف الشارع فيها في العنوان ومعناه، ويبقى معنى اللفظ المعيّن على حقيقته اللغويّة، والشارع حينما شرّع وقنّن


الحُكم أرسل العنوان والمعنى على إطلاقه وكلّيّته.

مثل قول الشارع: بِرّ والدَيك، أو عليك بصلة الأرحام، فلم يُحدّد الشارع خصوصيّات عمليّة برّ الوالدين، أو جزئيّات صلة الرحم، وإن ألزَمَ بخصوص بعض المصاديق: كالنفقة، والاستئذان في النذر والنكاح.

فالمفروض أداء كلّ ما يتحقّق به برّ الوالدين، أو صلة الرحم.

فبرّ الوالدين وصلة الرحم وإن أتى بهما على أنّه امتثال لأمر شرعي، لكن لم يُحدّد الشارع هذا العنوان العام وبقيَ على معناه اللغوي، فهو وإن كان أيضاً من الأمور التوقيفيّة في الحكم، إلاّ أنّه أرسلَ مصاديق وخصوصيّات ذلك العنوان العام.

بخلاف ما إذا قال الشارع: صلِّ، أو حجّ، أو اعتكف، أو صُم.

فيتّضح بذلك وجه التفرقة عند الأصوليّين بين الحقيقة الشرعيّة وقاعدة الأمور التوقيفيّة: وهو أنّ الإيقاف والتشريع وإعمال ولاية الشارع في التشريع فيما يُنسب إليه ويتدّين به بذلك، سواء في ناحية الحُكم أو المتعلّق أوالموضوع، بينما الحقيقة الشرعيّة في خصوص ماهيّات العناوين.

ومن ثُمّ يتبيّن جواب هذا التساؤل - إضافة لمَا مرّ - من أنّ الشارع قد يتعبّد في بعض الموارد بمصاديق يلحقها بالطبيعة، أو يُخرجها عن الطبيعة، مع كون ذلك المعنى العام وطبيعة الفعل ليست بحقيقة شرعيّة، فالتعبّد إنّما هو بالمصداق، مثلاً ورد في الأثر أنّ:(جهادُ المرأة حُسن التبعّل...) (1) ، مع أنّ الشارع لم يجعل للجهاد حقيقة شرعيّة، فالتعبّد هو في دائرة المصداق لا في صقع المعنى الكلّي.

____________________

(1) بحار الأنوار 10: 99.


أو قال: بيع المنابذة ليس بيعاً، مع أنّه من الواضح أنّ البيع ليس حقيقة شرعيّة، بل هو حقيقة لغويّة يتعبّد بها الشارع.

وقد يتعبّد الشارع بإخراج مصداق، أو إلحاق مصداق بطبيعة، مع أنّ هذه الطبيعة تبقى على حالها، فصِرف تعبّد الشارع في مثل:( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، أو( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) .

وجعلُ الصفا، والمروة، والمشعر، والبُدن، والهدي التي تُذبح يوم العاشر في مِنى (الأضحية) وغيرها من الشعائر، لا يدلّ على الحقيقة الشرعيّة، ولا يدلّ على عدم بقائها على حقيقتها اللغويّة، وصِرف تعبّد الشارع بمصداق معيّن إمّا بإدخاله ضمن دائرة الموضوع أو بإخراجه عنها، لا يدلّ على كون قاعدة الشعائر حقيقة شرعيّة، بل تبقى على معناها اللغوي.

والنتيجة التي ننتهي إليها في الجهة الرابعة هي: أنّ الشعائر الدينيّة باقية على حقيقتها اللغويّة، وإنّها ليست توقيفيّة من قِبَل الشارع المقدّس من جهة شعيريّتها، ووجود مصداقها ليس تكوينيّاً كما مرّ، بل هو اعتباري: كالبيع، وكبقيّة المعاملات.


الجهةُ الخامسة: مُتعلّقُ الحُكم لقاعدة الشَعائر



وهو التعظيم للشعائر وحرمة الابتذال والإحلال لها:

-( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) .

-( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

-( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) .

والبحث حول المتعلّق يقتضي تقرير النقاط التالية:

النقطة الأولى: يجب الالتفات إلى أنّ وجود الشعيرة والشعائر، هو أشبه ما يكون بالوضع، حيث إنّ كلّ موضوع تزداد صلته وارتباطه ووثاقته وعلاميّته للموضوع له، بكثرة الاستعمال أو بأسباب ومناشئ أخرى، فيصبح هناك نوع من العلقة الشديدة بين الموضوع والموضوع له، كما هي العلقة بين اللفظ والمعنى في اللغة.

فبعض الأمور توضع علامات لمعنى معيّن، وكلّ ما تقادَم الزمن وتزايد الاستعمال تُصبح أكثر صلة بذلك المعنى، إذ بدلَ أن يأتي في الذهن بالموضوع له وهو المعنى، يأتي بنفس الموضوع وهو اللفظ، فيحكم على اللفظ بأحكام المعنى من شدّة الوثاقة والصلة والربط، ومن ذلك تُستقبح بعض الألفاظ لقبح المعاني وكثرة استعمال تلك الألفاظ فيها، بخلاف مرادفاتها التي يقلّ استعمالها في ذلك


المعنى، مثل: لفظ الفرج حيث يقلّ استعماله في المعنى الموضوع له، بخلاف مرادفه من الألفاظ التي يكثر استعماله فيه.

ومن هذه النقطة الأولى، نلتفت إلى أنّ العلاقات والأوضاع التي توضع لمعانٍ معيّنة تختلف فيما بينها بشدّة العلقة أو خفتها، فبعضها علاميّته واضحة لدى كلّ الأذهان.

وبعضها علاميّته واضحة لدى قطر معيّن، أو مدينة معيّنة، أو طائفة معيّنة، أو شريحة معيّنة دون شرائح أُخرى.

إذاً، بيانيّة العلامة والأمور الاعتباريّة والمعنى تختلف شدّةً وضعفاً، ويمكن التمثيل بالأحكام الدينيّة أنّ بعضها ضروري أو بديهي، وبعضها ضروري عند فئة خاصّة كالفقهاء، وبعضها قد يكون نظريّاً عند صنف، وضروريّاً عند صنف آخر، بعضها قد تكون قطعيّاً، لكن نظريّاً، وبعضها غير نظري بل ظنّي وهكذا، فهي على درجات أيضاً.

ومعالم الدين أو الشعائر - التي هي من مصاديق المَعلميّة والأمور الاعتباريّة الوضعيّة - تختلف أيضاً في علاميّتها وفي بيانيّتها للمعنى الديني، أو للحكم الديني، أو للسِمة الدينيّة شدّةً وضعفاً لتلك السمات، مثل: رسم خطّ لفظة الجلالة المعدودة من الشعارات - هذه اللفظة (لفظة الجلالة)، أو اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - أو أسماء الأئمّة (عليهم السلام)، يترتّب عليها أحكام خاصّة، مثل: حرمة لمسها للمُحدِث، أو حرمة تنجيسها، ووجوب تطهيرها، وذلك نوع من التعظيم لنفس هذه الشعيرة والعلامة للمعنى الديني.

فملخّص النقطة الأولى: أنّ الأمور المَعلميّة لمعاني الدين على درجات


متفاوتة، بعضها شديد، وبعضها متوسّط، وبعضها خفيف الصلة، كما أنّها تختلف بحسب الأوصاف وبحسب الفئات والشرائح، وهذه نقطة مهمّة مؤثّرة في أحكام الشعائر الدينيّة كما سيأتي.

النقطة الثانية: إنّ الشعائر الدينيّة - حيث إنّها علامة - لا بدّ أن ترتبط بذي العلامة وهو المعنى الديني، أقصِد معنىً معيّناً من المعاني الدينيّة، فصلاً من الفصول الدينيّة، ركناً من الأركان الإسلاميّة، هيكلاً من هياكل الدين القويم، وتختلف بعضها عن البعض قدسيّة وتعظيماً بسبب المعنى الذي تدلّ عليه، وهذا الحكم من المسلّمات لدى المذاهب الإسلاميّة الأخرى، مثلاً: الهاتك لحرمة الكعبة يُحكم عليه بالكفر، فالذي يُحدث في المسجد الحرام لا يُحكم عليه بالكفر، لكنّه يُحدّ بالقتل، أمّا الذي يُحدِث في الحرم المكّي بقصد الإهانة فيُعزّر ولا يُحكم عليه بالارتداد ولا يُقتل، وهذه أحكام وردت في روايات معتبرة وقد أفتى على طبقها العلماء، وهي في الجملة محلّ وِفاق حتّى عند جمهور العامّة.

هذا الاختلاف في الحُكم بين الكعبة كشعار، وحكم المسجد الحرام كشعار، وحكم الحَرم المكّي كشعار، هو أوضح دليل على هذا الأمر.

مثال آخر: التفريق بين اسم الجلالة وصفات الجلالة، أو ما بين لفظ الجلالة ولفظ (جبرئيل)، أو التفريق بين اسم الجلالة واسم النبي والأئمّة وأسماء بقيّة الأولياء، أو التفريق مثلاً بين القرآن الكريم وبين الكتب الدينيّة الأخرى، وإن كانت كتب أحاديث أو سُنّة نبويّة أو معصوميّة، أو التفريق بين الكتاب الديني والمصحف الشريف.


المصحف الشريف علاميّته على كلام الله سبحانه وتعالى، كلام ربّ العزة، كلام ربّ الكون وربّ الخليقة، على كلام الوجود الأزلي، بينما الكتاب الديني الآخر يدلّ على مضامين لأحكام إسلاميّة، ويختلف حتّى في الحُرمة والقدسيّة.

كذلك الكعبة - التي هي شعار ومعلم ديني - تختلف في الشرف والقدسيّة عن المسجد الحرام، وتختلف عن الحرم المكّي، فيُلاحظ أنّ التعظيم معنى تشكيكي(1) ، والابتذال وشدّة الحرمة وخفّة الحرمة، وشدّة وجوب التعظيم وخفّته، تتبع أمراً آخر، أي أنّها تتبع المعنى الذي وضع الشِعار علامة له، والمعلَم الذي وضِع الشِعار علامة له.

إذاً، في النقطة الثانية يتبيّن أنّ الشعائر تختلف شدّة وضعفاً، وتختلف أهميّةً ومنزلةً بحسب المعنى الذي تدلّ عليه، والتعظيم يختلف أيضاً بتبع ذلك.

ونتيجة هاتين النقطتين: أنّ التعظيم يختلف باختلاف، إمّا العُلقة بين الشعار والمعنى الديني الذي يدلّ عليه، أو قُل بين العلامة وذي العلامة، ويختلف باختلاف شدّة وخفّة العُلقة.

تارةً بعض الأحكام تختلف بسبب شدّة وضعف العلاقة (انشداد العلامة لذي العلامة، والشعيرة مع المعنى)، وتارةً يختلف الحُكم بسبب ذي العلامة، والمعنى الذي جُعلت الشعيرة مَعلماً له وإعلاماً له، وهذا اختلاف من جنبة أخرى، وكلّ منهما مؤثّر في حكم الشعائر.

____________________

(1) المعنى التشكيكي: أي المعنى الذي له مراتب ودرجات مختلفة.


مثلاً: الشعيرة المعيّنة التي تُستجدّ وتُستحدث، تارةً توضع شعيرة في باب الحجّ، وتارة توضع في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تارة توضع في باب الشعائر الحسينيّة، أو في باب حفظ وتلاوة القرآن وتعظيمه، وتارة في باب عمارة قبور الأئمّة (عليهم السلام)، وهكذا.

إذاً، الشعيرة تختلف بحسب المعنى الذي توضع له بمقتضى النقطة الثانية، وتارةً تختلف الشعيرة بحسب شدّة العلقة مع المعنى الذي توضع له، فتارةً هي شديدة الصلة والعلقة والدلالة، بيّنة الدلالة على المعنى الذي توضع له، وتارةً أخرى هي غير بيّنة.

كما تُقسّم الدلالات إلى: بيّنة بالمعنى الأخص، وبيّنة بالمعنى الأعم، أو دلالة نظريّة(1) ، والأحكام التي تترتّب على وجوب تعظيم تلك الشعائر، أو العلامات والمعالِم الدينيّة من حيث الحكم بالتعظيم ووجوب التعظيم، وشدّة التعظيم أو خفّته، كلّها تتّبع طبيعة العلاقة بين الشعيرة أو المعلَم والمعنى الذي تشير إليه، فإن كان شديد العلقة بحيث لا يخفى على أحد، فلا يقبل دعوى الشبهة والبدعيّة في ذلك أصلاً.

كذلك يختلف المعلم أو المعنى الذي توضع له الشعيرة، فإن كان معنىً

____________________

(1) - البيّن بالمعنى الأخص: هو ما يلزم من تصوّر ملزومه تصوّر اللازم، بلا حاجة إلى توسّط شيء آخر.

- البيّن بالمعنى الأعم: ما يلزم من تصوّره وتصوّر الملزوم وتصوّر النسبة بينهما الجزم بالملازمة.

- الدلالة النظريّة (غير البيّن): وهو ما يقابل البيّن مطلقاً، بأن يكون التصديق والجزم بالملازمة لا يكفي فيه تصوّر الطرفين والنسبة بينهما، بل يحتاج إثبات الملازمة إلى إقامة الدليل عليه. كتاب المنطق 1: 99.


مُقدّساً لدرجة عالية، فالأحكام المترتّبة عليه تختلف عمّا هي عليه في المعنى الفرعي من فروع الدين مثلاً، وبتبع ذلك اختلاف نوع ودرجة التعظيم والتبجيل وحرمة الابتذال من شعيرة لأخرى، حيث لا يكون على وتيرة واحدة بسبب هاتين النقطتين المذكورتين.

فتعظيم كلّ شعيرة يكون بحسبها، يعني بحسب المعنى الذي توضع له، وبحسب شدّة الصلة التي تتّصل وتتوثّق.

ونِعم ما ذكرَ صاحب الجواهر - وقد تقدّمت الإشارة إليه - في بحث الطهارة، حيث قال: إنّ كلّ شيء بحسب ما هو معظّم عند الشارع يجب تعظيمه، ويشير بذلك إلى الاختلاف بحسب المعنى، وهو مفاد الآية الكريمة في سورة الحج( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) ، يعني كلّ شيء له حريم وحرمة وعظمة عند الشارع، يجب أن يراعى الاحترام والتبجيل بحسب ما هو عند الشارع، ولا ريبَ في أنّ حريم حُرمات الله مختلف الدرجات، وإنّها ليست على درجة واحدة ولا على وتيرة ثابتة.

النقطة الثالثة: إنّ كلّ متعلَّق ينطبق على المصاديق على استواء، مثل: لفظة الإنسان ينطبق على كلّ أفراد البشر على حدّ سواء(1) .

وهناك عنوان آخر - كالعدد - ينطبق على الألف أشدّ من انطباقه على العشرة، وهكذا باب الألوان فالسواد: ينطبق على السواد الشديد أشدّ من

____________________

(1) نعم، بلحاظ الآخرة والبرزخ قد تكون إنسانيّة الإنسان أشدّ من إنسانيّة الآخر بحسب خُلُقه وعمله الصالح، لا بحسب لونه أو حسبه ونسبه، وهذا بحث آخر.


انطباقه على السواد المتوسّط أو الخفيف، وهناك موارد أخرى عديدة مثل: الشدّة، تنطبق على الأشدّ أقوى من انطباقها الأقل شدّة.

فالعناوين على نحوين: قسم منها يسمّى متواطئ(1) ، بشكل سواء يطأ وطأة واحدة على كلّ مصاديقه.

وقسم تشكيكي(2) أي: ينسبق الذهن إلى بعض مصاديقه قبل انسباقه إلى البعض الآخر، ووجود الطبيعة في بعض الأفراد أشدّ أو أقوى أو أكثر من الأفراد الأخرى.

فإذا أمرَ الشارع بطبيعة تشكيكيّة، أو نهى عن طبيعة تشكيكيّة، مثل: الأمر ببرّ الوالدين، أو بصلة الأرحام، فإنّ صلة الرحم على درجات: درجة عُليا، ودرجة وسطى، ودرجة دانية، وكذلك الحال بالنسبة لبرّ الوالدين والعِشرة بالمعروف مع الزوجة.

وهذه الظاهرة موجودة في القانون الوضعي أيضاً، ولا تختص بالقانون الشرعي، فالطبيعة ذات الدرجات التشكيكيّة ذات الحُكم الإلزامي لا تكون كلّ مراتبها إلزاميّة، بل إنّ القدر المتيقّن منها بحسب موارده، ففي النهي يكون الأعلى هو القدر المتيقّن، وفي الوجوب يكون الأدنى هو المتيقّن، وهذا هو الإلزامي فحسب، والبقيّة ندبيّة راجحة إن كان الحُكم طلبيّاً، أو مكروهة إن كان الحكم زجريّاً.

وديدَن الفقهاء على أنّ القدر المتيقّن هو الإلزامي، مثلاً إذا أمر بصلة

____________________

(1) المتواطئ: هو الكلّي المتوافقة أفراده في مفهومه، والتواطؤ هو التوافق والتساوي.

(2) المشكّك: هو الكلّي المتفاوتة أفراده في صدق مفهومه عليها.


الرحم، أو ببرّ الوالدين؛ فإنّ الملزم من صلة الرحم أو برّ الوالدين هو الدرجة المتيقّنة منه، وهي - باعتبار أنّ الحكم وجوبي وإلزامي - الدرجة الدُنيا، أي امتثال الأمر ببرّ الوالدين بنحو لا يلزم منه عقوق الوالدين، وكذلك صلة الرحم بنحو لا يلزم منه قطيعته.

فمن ثُمّ عند الاستدلال بحرمة عقوق الوالدين، أو بأدلّة وجوب برّ الوالدين وصلتهما تكون النتيجة واحدة؛ لأنّ الأمر بصلة الوالدين وبرّهما حيث كان تشكيكاً، فالقدر المتيقّن منه هو الدرجة الدُنيا، فتكون النتيجة هي عين قول مَن قال: إنّ الحُكم في برّ الوالدين راجح مستحب وليس بإلزامي؛ وإنّما الإلزام في حرمة عقوقهما.

وكذلك الحال في مسألة حُكم صلة الأرحام، هل صلة الأرحام واجبة بكلّ درجاتها، أم أنّ قطع الرحم حرام، الاستدلال بكلا اللسانين من الأدلّة يعطي نفس النتيجة؛ لأنّ المأمور به في صلة الرحم أو في برّ الوالدين أمرٌ تشكيكي، فيكون القدر المتيقّن منه هو الأدنى، أي بمقدار حرمة عقوق الوالدين أو حرمة قطع الرحم.

أمّا في الحرمة فالقدر المتيقّن على العكس، إذ لو كان المتعلّق عنواناً تشكيكيّاً تكون الدرجة العليا منه هي المحرّمة، وما دون ذلك يُحكم عليه بالكراهة.

والحال كذلك في محلّ البحث (المتعلّق) الذي هو تعظيم الشعائر، فإنّه ذو درجات متفاوتة، كلّ تعظيم فوقه تعظيم آخر، وكلّ خضوع فوقه خضوع آخر، وكلّ بث ونشر فوقه بثّ ونشر آخر، وكلّ إتمام لنور الدين فوقه إتمام لنور الدين


آخر، وهلمّ جرّاً.

فهل كلّ هذه الدرجات واجبة، مع أنّ الغالب في العناوين التشكيكيّة ورود لسانين:( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) بلسان الحرمة؟

و( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) بلسان الوجوب؟

وهل كِلا الحُكمين مُقنّن على نحو الإلزام، أم أحدهما راجح والآخر إلزامي؟ تفصيل هذا البحث في هذه النقطة الثالثة: وهي أنّ العنوان هنا تشكيكي، فالدرجة اللازمة من التعظيم هي التي يلزم من عدمها الابتذال والهتك، فتكون هي واجبة، أمّا بقيّة درجات التعظيم فتكون راجحة.

فلو قيل: إنّ الحُكم هو حرمة الهتك وحرمة الإهانة، فيكون صواباً، أو قيل: إنّ الحكم هو وجوب التعظيم بدرجة لا يلزم منها الابتذال والهتك أيضاً، فهو صواب أيضاً.

عِلماً بأنّ إهانة كلّ شيء بحسبه، وأيضاً تعظيم كلّ شيء بحسبه، فآية:( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) تحريمٌ وردَ على عنوانٍ متعلّقه تشكيكي، أي: تحريم الابتذال والاستهانة والانتهاك لشعائر الله، ومن هذا الباب قيل: حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، وهذه جنبة ثالثة لاختلاف مراتب التعظيم والإهانة، وهي درجة ومقام المخاطب بالتعظيم وطبيعة علاقته مع طرف التعظيم، فعند المقرّبين أدنى ترك للأولى أو للتعظيم لساحة القدس الربوبيّة، يُعتبر نوع خفّة وتهاون بمقام القُدس الإلهي، والإهانة أيضاً لها درجات، الخفيف منها ليس إلزاميّاً، القدر المتيقّن الذي يكون إلزاميّاً هو الشديد، وهو حرام، وبقيّة المراتب المتوسّطة أو الدنيا فيها نوع من الكراهة.


فلابدّ من الالتفات إلى النقاط الثلاث المزبورة، وننتهي بها إلى أنّ تعظيم كلّ شيء بحسبه، وإهانة كلّ شيء بحسبه، وليس ذلك على وتيرة واحدة، وإنّ القدر المتيقّن من الحُكم هو وجوب التعظيم بنحوٍ لو تُركَ للزمَ منه الهتك والإهانة، وليس كلّ مراتب التعظيم إلزاميّة، وإنّما درجات التعظيم الفائقة والعالية تكون راجحة وندبيّة وليست إلزاميّة.

هذا هو تمام البحث في جهة المتعلّق وهي الجهة الخامسة.


الجهةُ السادسة: النسبةُ بين حُكم القاعدة وبقيّة الأحكام



في هذا المقطع من البحث نسلّط الأضواء على العلاقة بين حُكم قاعدة الشعائر مع كلّ من الأحكام الأوّليّة والأحكام الثانويّة.

وقد تقدّم ببيان وافٍ، أنّ الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة هو من حيث الملاك حكم أوّلي، ومن حيث الموضوع ثانوي الوجود، وهذا ما اصطلحنا عليه أنّه من الأحكام الثانويّة في جنبة الموضوع.

النسبةُ بين حُكم قاعدة الشعائر والأحكام الأوّليّة

ليس الحُكم في قاعدة الشعائر متّحداً مع الأحكام الأوّليّة كما قد يتخيّل من خلال الآية:( .. وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) ، وكما مرّ في كلمات جملة مِمّن تعرّض إلى ذِكر تعريف الشعائر بأنّها: مناسك الحج، وبعضهم عرّفها بأنّها: الدين كلّه، وبعضهم عرّفها بأنّها: حُرمات الله.

وقلنا: إنّ الصحيح هو ثانويّة القاعدة من جنبة الموضوع لا من جنبة الحُكم، أمّا من جنبة المتعلّق - وهو التعظيم لها - فلها ركنان أساسيّان، وهما: جانب الإعلام، وجانب الإعلاء والاعتزاز المتضمّن للإحياء والإقامة، وهذان كفِعلين تدلّ عليهما الشعيرة والشعائر، ولا تفيدهما بقيّة الأحكام الأوّليّة في باب الفقه،


نعم، تلك الأحكام متكفّلة لملاكات أُخرى ومتعلّقات وأفعال أُخرى، وقد يتصادق حكمان ومتعلّقان في وجود واحد، كما قد يتصادق مثلاً برّ الوالدين مع طاعة الله، ومع تحقّق الصدقة أو تحقّق الهديّة أو ما شابه ذلك، لكن لا يعني ذلك أنّ العنوانين والفعلين والحكمين هما حكم واحد، وبملاك واحد، وبمصلحة واحدة.

فإذاً، تصادق الشعائر مع بعض الأحكام الأوّليّة وانطباقها في مصداق واحد، لا يعني أنّ الشعائر حكمها متّحد مع نفس حكم الأحكام الأوّليّة.

وقد جعلَ بعض المفسّرين حكم الشعائر هو عين الأحكام الأوّليّة، وفسّر( .. وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللّه ) بنفس إيجاب البُدن هو إيجابٌ للشعيرة، يعني البُدن جعلناها من وظائف الحج ومنسكاً من مناسك الحج، والحال أنّ هذه الآية في صدد التعرّض لشيء آخر، كما هو مبيّن في روايات الأئمّة (عليهم السلام) في باب الحجّ(1) .

وفي بعض الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) في أبواب الهَدي، يتبيّن افتراق الشعيرة في البُدن عن وجوب أصل البدنة أو غيرها من أنواع الهَدي.

وقد عقدَ صاحب كتاب الوسائل باباً لاستحباب تعظيم شعيرة البُدن (الهَدي)، كما ورد عن الأئمّة (عليهم السلام) الأمر الندبي باتّخاذ البُدن(2) السمينة؛ لأنّه نوع من تعظيم الشعائر، أو باعتبار كون البُدن المسوقة مع الحاجّ عَلَماً من أعلام الحجّ(3) ، وهو نوع من الإعلام والتبليغ والدعاية والترويج لفريضة الحجّ، ونوع

____________________

(1) وسائل الشيعة 9: باب 8 من أبواب الذبح.

(2) وسائل الشيعة 10: باب 13 - 14 من أبواب الذبح.

(3) وسائل الشيعة 10: باب 17 من أبواب الذبح (باب تأكّد استحباب كون الهَدي مِمّا عُرّف به


من التظاهرة الشعبيّة للمكلّفين، أو لمجتمع المسلمين في إظهار علامات الحجّ، لا سيّما إذا كانت البُدن تُساق من مسافات عديدة، فهو نوع من حالة النشر الديني لفريضة ونسك الحجّ والتبليغ لها.

ففي الروايات الواردة دلالة واضحة على أنّ جعل الشعيرة كذلك، هو أمر آخر غير جعلها واجبة من فرائض الحجّ.

وإنّ حُكم الشعائر - وهو وجوب التعظيم - غير حكم أصل إيجاب الهَدي في الحجّ، فممّا بحثناه سابقاً عن ماهيّة الشعائر وماهية متعلّق الحكم في الشعائر، يتبيّن أنّ الحكم في الشعائر هو غير الأحكام الأوّليّة، نعم، هو ينطبق على الأحكام الأوّليّة إذا كانت تلك الأحكام الأوّليّة في الفعل والمتعلّق المرتبط بها تتضمّن جنبة إعلام وتبليغ، وتتضمّن جنبة إنذار وإفشاء لحكم من الأحكام الإسلاميّة، أو لعبادة دينيّة معيّنة، نعم، ينطبق عليها أنّها شعيرة، مثل: صلاة الجماعة، وصلاة الجمعة، لا مثل الصلاة فرادى.

على كلّ حال؛ فإنّ الشعيرة ماهيةً وموضوعاً ومتعلّقاً وحكماً وملاكاً تختلف عن الأحكام الأوّليّة، نعم، هي قد تتطابق مع الأحكام الأوّليّة، لكن لا أنّها هي الأحكام الأوّليّة بعينها.

فحكمها ليس هو عين الأحكام الأوّليّة، بل لها حكم أوّلي آخر، وصِرف كونها ثانويّة لا يعني ثانويّة حكمها، بل كثير من الأحكام الأوّليّة تطرأ عليها العناوين بلحاظ انطباقها في المصاديق الخارجيّة، كما في التعظيم أو الاحترام، حيث تتّخذ مصاديق وأساليب ووسائل مختلفة في الاحترام مع أنّها ليست حكماً

____________________

بأن يُحضر يوم عرفة بها).


ثانوياً، بل هي حكم أوّلي(1) ، فالثانويّة هنا في المتعلّق وليس في نفس الحكم، وإلاّ فالحكم هو أوّليٌّ وملاكه أوّلي، وهكذا الحال في قاعدة الشعائر الدينيّة.

فالثانويّة في قاعدة الشعائر الدينيّة: هي في جنبة الموضوع والمصداق لا في جنبة الحُكم والملاك، والحال على العكس في قاعدة(لا ضرر ولا ضرار)، أو قاعدة(لا حرج) ، أو العناوين التسعة في حديث الرفع(2) ، فرفع العناوين التسعة من الاضطرار والنسيان والإكراه التي تطرأ على الحكم، وهي ثانويّة في جنبة الحكم.

فالعلاقة بين حكم قاعدة الشعائر - التي قلنا بأنّ موضوعها ثانوي، وحكمها أوّلي - مع الأحكام الأوّليّة، ينطوي على تفصيل في البَين؛ لأنّ هذا النمط من الأحكام الأوّليّة ذي المواضيع الثانويّة ليس هو حكماً أوّليّاً بقول مطلق، كي يقال إنّه حكم أوّليّ يندرج في الأبحاث السابقة، ولا هو حكم ثانوي كذلك.

بل فيه ازدواجيّة ثانويّة الموضوع التي ذكرنا أنّه لم ينبّه عليها اصطلاحاً علماء الأصول، إلاّ أنّهم مضوا عليها ارتكازاً، ومن جهة المحمول هو حكم أوّلي

____________________

(1) احترام المؤمن للمؤمن، احترام المسلم للمسلم، أو احترام الإنسان للإنسان(الناس: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير في الخلق) فتحفظ حرمته ما لم يهتك هو حرمته، فهذا حكم أوّلي ولكنّ متعلّقه وعنوان متعلّقه - بلحاظ مصاديقه وامتثالاته - قد يتّخذ مصاديق مختلفة ومستجدّة. راجع ص: 82 من هذا الكتاب.

(2) حديث الرفع: عن أبي عبد الله (عليه السلام):(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (رُفعَ عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة) .

بحار الأنوار 2: 280 / ح 47.


وملاك أوّلي، ففيه ازدواجيّة الجنبتين، فهل يكون هو موروداً، أو محكوماً، أو حاكماً؟

وهل نضعه في قسم الأحكام الأوّليّة، أم نضعه في رديف وقسم الأحكام الثانويّة؟

ويتّضح بناءً على ما قدّمنا سابقاً - في تحرير موضوع قاعدة الشعائر الدينيّة أو متعلّقها - أنّ النسبة بين الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة والأحكام الأوّليّة: هي أنّ الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة موضوعه أو متعلّقه عام يتناول كلّ مُحلّل بالمعنى الأعم بالحلّيّة بالمعنى الأعم، عدا موارد الحرمة، وإن اتّفق اجتماع مورد الحرمة مع بعض الشعائر الدينيّة فهذا لا يوجب التعارض، بل ولا تقديم دليل الحكم الأوّلي على دليل الشعائر، وإنّما يكون من قبيل اجتماع الأمر والنهي؛ لأنّ المفروض أنّ التصادم والتوارد في ذلك المصداق اتفاقي.

فمن ثُمّ نرى أنّ كثيراً من العلماء - في شقوق عديدة من استفتاءاتهم في الشعائر الدينيّة المختلفة، وفي فرض تصادم الشعائر الدينيّة أحياناً في بعض الموارد مع المحرّمات - لا يبنون على التعارض، وعندما نقول ذلك لا نريد منه أنّ الحاكم أو الفقيه في سياسيّته الفتوائيّة يُديم عُمر تصادق الشعيرة الدينيّة (من أيّ باب كانت) مع ذلك المحرّم، حيث ذكرنا سابقاً أنّ التزاحم - سواء كان ملاكيّاً أو امتثاليّاً(1) - له ضرورات استثنائيّة تقدّر بقدرها، يجب أن لا يفسح الفقيه المجال أن تعيش هذه الحالة بنحوٍ دائم وتكون حالة غالبة، بل يجب أن يتفاداها بقدر الإمكان، لكن اتّفاق وقوعها لا يدلّ على التعارض، هذا كلّه في نسبة الحكم في القاعدة والأحكام الأوّليّة.

____________________

(1) لمعرفة الفرق بين التزاحم الملاكي والامتثالي راجع هامش (1) ص 118 من هذا الكتاب.


تقسيمُ الأحكام الثانويّة في جنبة الحكم

نلاحظ أنّ الأحكام الثانويّة في جنبة الحكم سنخان:

الأحكامُ الثانويّة المُثبتة

مثل: وجوب طاعة الأبوين، أو حرمة عقوق الأبوين، ومثلها:(المؤمنون عند شروطهم) التي نستفيد منها وجوب الوفاء بالشرط، ومنها: وجوب النذر، واليمين والعهد وما شابه.. هذا نمط من الأحكام الثانويّة.

الأحكام الثانويّة النافية

وهناك نمط آخر من قبيل: (لا ضرر)، (لا حرج)، وغيرها الواردة في حديث الرفع:(رُفع عن أمّتي تسع) ، وهناك فارق بين السِنخين.

وقد يُقرّر بأنّ الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة هو من النمط الأول من العناوين الثانويّة في جنبة الحكم، والتي فيها جهة إثبات وإلزام، مثل:(المؤمنون عند شروطهم)، ووجوب أداء النذر واليمين، كما قد يُقرّب أنّ وجوب أداء النذر حكم ليس بثانوي، بل تُعدّ هذه الأحكام (في الشقّ الأوّل) أحكاماً أوّليّة، وهي مسانخة للحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة، وإنّها - من هذه الجهة - هي ثانويّة الموضوع أوّلية الحكم، فوجوب الوفاء بالشرط حكم أوّلي، ووجوب الوفاء بالعقد حكم أوّلي، ووجوب الوفاء بالنذر والعهد كذلك، وطاعة الأبوين أو حرمة


عقوقهما كذلك، لكنّ هذه الأحكام ثانويّة الموضوع.

وهذه الدعوى ليست ببعيدة، من جهة أنّ ملاكات الحكم في هذه العناوين من قبيل: الأحكام الأوّليّة، لا أنّها أحكام استثنائيّة شاذّة.

الفارقُ بين حكم القاعدة والأحكام الثانويّة المثبتة

لكن تظل لها ميزة وفارق مع الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة.

فالنذر - مثلاً - قد يكون إنشاؤه مكروهاً، وكذا اليمين والعهد وحكم طاعة الوالدين، على الرغم من أنّه كان بنفسه راجحاً، لكن بلحاظ الجهة الأبويّة، يعني بما يتّصل بالجهة الأبويّة، وليس أنّه يتبدّل حكم الفعل في نفسه إذ يبقى حكمه الذاتي على حاله، ولكن باعتباره مقدّمة لطاعة الأبوَين أو لعدم عقوقهما؛ فإنّه يلزم بفعله ولا يتغيّر عمّا هو عليه، وكذلك:(المؤمنون عند شروطهم) حيث أصبح ذلك الفعل واجباً بسبب الالتزام.

فللشقّ الأوّل من هذه الأحكام الثانويّة ميزة تختلف عن نفس الشعائر، إذ إنّ الشعائر أمرٌ مرغّب فيه، ولها ارتباط بكثير من أبواب الدين وفصول الدين، وليست من قبيل هذه الأحكام الثانويّة المُثبتة، لكن بين هذا الشقّ الأوّل والحكم في قاعدة الشعائر قواسم مشتركة، أكثر من القواسم المشتركة الموجودة بين الحكم في قاعدة الشعائر والشقّ الثاني من الأحكام الثانويّة النافية.

وبهذا المقدار يتبيّن نوع من حقيقة الحكم في الشعائر، وذلك أنّه حكم أوّلي وليس ثانويّاً استثنائيّاً طارئاً، بل يريد الشارع أن يُجريه ويطبّقه ويحقّقه.

ولا يريد إقامة النذر والوفاء به، اللهمّ إلاّ أن يقع النذر فيُلزم بوفائه، وكذلك


الشروط حسب دليلها:(المؤمنون عند شروطهم..) أو الوفاء بالعقود، وعلى مقدار تأدية الضرورات أو الحاجات.

بخلاف باب الصلاة، والعبادات، وأبواب أُخرى، وكذلك في أبواب الشعائر، إذ الإرادة الشرعيّة في الشعائر تتناسب مع ذي الشعيرة كما مرّ بيان ذلك، إذ نمط الحكم هو في مقام الإعلام والإفشاء والتشييد والإعلاء لأحكام الأبواب الشرعيّة، فالحكم وثيق الصلة بالأحكام الأوّليّة.

النسبةُ بين قاعدة الشعائر والأحكام الثانويّة

بعد بيان أقسام الأحكام الثانويّة نحاول تقرير النسبة بين حكم القاعدة والأحكام الثانويّة، أي الثانويّة في جنبة الحكم بقسمَيها المُثبتة والنافية، فمن الواضح حينئذٍ أنّ نسبة الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة، مع الأحكام الثانويّة في جنبة الحكم - في كلا الشقَّين المُثبتة والنافية - كنسبة الأحكام الأوّليّة مع الأحكام الثانويّة؛ لأنّ حكم الشعائر هو الحكم الأوّلي، والأحكام الثانويّة المثبتة أو الرافعة لا تزيل ولا تنفي ولا تلغي الحكم الأوّلي، بل تُقدّم عليه من باب التزاحم ولكن بشكل مؤقّت وغير دائم، كما هو شأن الحكم الثانوي مع الأحكام الأوّليّة.

حيث يجب أن يُقرّر الفعل أو الموضوع بلحاظ الأحكام الأوّليّة، ومن ثُمّ ملاحظة الأحكام الثانويّة كشيء طارئ استثنائي عليها؛ لأنّ حكم الشعائر هو حكم الطبيعة الأوّليّة التي لابدّ من ديمومة بقائها ورعايتها.

فهكذا حال الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة ووجوب تعظيمها مع الأحكام الثانويّة الأخرى المثبتة والنافية.


وإلاّ فليس من الصحيح ملاحظة الفعل، أو الموضوع بلحاظ الأحكام الثانويّة مقدَّماً على ملاحظة الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة.

مضافاً إلى ذلك هناك إشكال، وهو: أن لو عُدّ الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة حكماً ثانويّاً، وعُدّت تلك الأحكام الثانويّة أحكاماً ثانويّة أيضاً، فيكون كلّ منهما ثانويّاً فتقديم أحدهما على الآخر رتبةً ترجيح بلا مرجّح، بل غاية الأمر أنّهما في رتبة واحدة، ويقع بينهما التزاحم لا التعارض كما تقدّم.

وهذا جواب نقضي، وإلاّ فالجواب الأساسي هو: أنّ الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة ليس من قبيل الحكم الثانوي، بل هو حكم الطبيعة الأوّليّة التي لا بدّ من بقائها واستمرارها والمحافظة عليها، فضلاً عن أن يكون الحكم في القاعدة مؤخّراً رتبةً عن الأحكام الثانويّة.

الخلاصة في هذه الجهة

ونستنتج من هذه النقاط - التي ذكرناها في العلاقة بين الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة، والأحكام الأوّليّة والأحكام الثانويّة - عدّة نتائج، وقبل ذلك لا بأس من التنبيه على أنّه بمقتضى أحد النقاط التي أثرناها في هذه الجهة: من أنّ مبنى مشهور الفقهاء أنّ نسبة العناوين الثانويّة لُبّاً مع الأحكام الأوّليّة هي التزاحم الملاكي، ومن ثمّ قالوا: حرجُ كلّ شيء بحسبه، أو ضررُ كلّ شيء بحسبه، فمثلاً: الضرر في الوضوء بأدنى ضرر طفيف يرفع الإلزام بالوضوء أو الغُسل.

بينما في باب أكل حرمة المِيتة قالوا: إنّ الضرر الذي يرفع حرمة المِيتة هو


ذلك الضرر الذي يكون بدرجة شديدة بحيث يُشرف على الهلكة، وحينئذٍ يتناول من الميتة بقدر ما يحفظ به رَمَق حياته، ولا يتعدّى ذلك، كما يستفاد من الآية:( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) (1) .

وكذلك في المحرّمات الأخرى: كشُرب الخمر، أو الزنا أو الفجور، فما الوجه في كون الضرر المُهلك مسوِّغاً لرفع مثل تلك الحرمة دون اليسير منه؟

فالضرر في الوضوء يختلف عنه في باب أكل الميتة.

والحال في عنوان الحرج كذلك، والفقهاء يعبِّرون بهذه العبارة: (الحرج في كلّ شيء بحسبه)، فتجري قاعدة الحرج في الوضوء، وفي غُسل الجنابة بأدنى درجة، بينما هذه القاعدة في المحرّمات الشديدة الكبيرة لابدّ أن تكون بدرجة العسر الشديد جدّاً، والوجه في التفرقة: هو أنّه في المحرّمات الشديدة لا يرفع تلك الحرمة، أو لا يرفع تنجّزها وعزيمتها إلاّ الحاجة الشديدة، بينما في موارد الحرمة الخفيفة يرفعها أدنى عسر ومشقّة كما تقدّم، ويطَّرد الكلام في الاضطرار والإكراه والنسيان.

فالوجه لهذه التفرقة ليس إلاّ مبنى المشهور: من أنّ نسبة العناوين الثانويّة مع الأحكام الأوّليّة هي نسبة التزاحم الملاكي لا التخصيص والتقييد، ومن ثَمّ شملها حكم التزاحم، فالضرر اليسير لا يزاحم ولا يمانع الملاك الشديد، وإنّما يدافع الملاك الخفيف، وكذلك في الحرج والنسيان وغيرهما.

فالشعائر ليست على درجة واحدة من التعظيم أو من حرمة الإهانة، بل هي تختلف شدّةً وضعفاً حسب شدّة وعظمة المعنى الذي تُعلِم عنه وتشير إليه، أو بحسب شدّة العلقة كما مثّلنا لذلك سابقاً.

____________________

(1) البقرة: 173.


اختلافُ أحكام الشعائر شدّة وضعفاً

وبمقتضى هاتين النقطتين: النقطة التي مضت في الجهة الخامسة في المتعلّق، وهي كون الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة تشكيكيّاً، أي على درجاتٍ وعلى مستويات متفاوتة.

والنقطة التي نحن بصددها الآن: وهي أنّ الأحكام الثانويّة في جنبة الحكم نسبتها مع الأحكام الأوّليّة هي التزاحم، فيجب أن تُلحظ درجة العنوان الثانوي مع درجة الحكم الأوّلي، والحال بعينه في باب الشعائر، أي ليس أيّ ضررٍ يكون رافعاً لكلّ حكم في الشعائر، وإذا كان رافعاً لأحد أحكام الشعائر الدينيّة، فإنّ ذلك لا يعنى كونه رافعاً لكلّ درجات أحكام الشعائر الدينيّة الأخرى؛ لأنّها تختلف بعضها عن البعض شدّةً وضعفاً، فدرجة التعظيم والتقديس للمصحف الشريف تختلف عن درجة التعظيم والتقديس للكتاب الديني.

فليس كلّ ضرر يرفع كلّ درجة من درجات الشعائر الدينيّة.

وليس الضرر الرافع منه لدرجة ما، يكون رافعاً لبقيّة الدرجات أو بقيّة أقسام وأنواع الشعائر الدينيّة، وكذلك الحال في الحرج أو الاضطرار.

فهذا ممّا يجب الالتفات إليه جيّداً، هذا مُجمل الكلام في الجهة السادسة: وهي جهة العلاقة بين الحكم في قاعدة الشعائر الدينيّة والأحكام الأوّليّة من جهة، ومع الأحكام الثانويّة من جهة أخرى.


الجهةُ السابعة: الموانِعُ الطارِئة على قاعدة الشَعائر



وهي الجهة الأخيرة في بحث الخطوط العامّة للشعائر الدينيّة.

وتدور حول ممانعة الخرافة لقاعدة الشعائر الدينيّة، أو استلزام بعض الشعائر للإهانة والاستهزاء أو الهتك، وهذه عناوين بالطبع متعدّدة مختلفة، ويجب أن نحلّل كلّ عنوان على حدة، ونرى كيف يكون كلّ من هذه العناوين ممانعاً؟ وهل هناك موارد للتصادق بين هذه العناوين وقاعدة الشعائر الدينيّة؟ أو لا تصادق في البين أصلاً؟

وبادئ ذي بِدء، نقف على عنوان ومصطلح الخرافة.

الخُرافة والشعائر

الخرافة ما هو موضوعها، وكيف تكون مانعة لقاعدة الشعائر الدينيّة؟

فالبحث في الخرافة تارة يكون حُكميّاً، وأخرى يكون موضوعيّاً.

أمّا من جهة الموضوع: الخرافة في اللغة وفي العرف تُطلق على أيّ شيءٍ وهمي أو تخيّلي، أو الذي لا يُمتّ إلى حقيقة واقعيّة أو حسّيّة، فأيّ شيء يُمليه الوهم أو يمليه الخيال من دون أن يكون له مطابق حقيقي في الواقع - لا عقلي ولا حسّي - يسمّى خرافة.


والحسّ ليس معصوماً على الدوام، إذ قد يتطرّق إليه الخطأ(1) وإن كان الحسّ إجمالاً من منابع البديهيّات، وكذلك العقل منبع جملة من أقسام البديهيّات، وليس كلّ ما لا يُدرك بالحس هو ليس بحقيقة؛ ولأنّ كثيراً من الأشياء موجودة وحقيقيّة، مع أنّها لا تُدرك بالحسّ، وعلى كلّ حال، فاقتناص الحقيقة يكون إمّا بأداة العقل، أو بأداة الحس أو بأداة القلب فيما يعاينه من العلوم الحضوريّة.

ففي مقابل الحقائق هناك خرافات، فإذاً هذه ماهيّة الخرافة الموضوعة التي لا يقوم عليها دليل عقلي ولا دليل نقلي ولا دليل حسّي ولا دليل مبرهن؛ وإنّما يُصوّرها الخيال أو الوهم، وحينئذٍ تكون خرافة.

وحينما نُقرّر أنّ الأداة العقليّة أو الأداة الحسّيّة تتوسّط لإثبات الحقائق، فليس ذلك على الدوام، بل لابدّ من ميزان يعتصم به العقل عن الخطأ، في البديهيات التي هي كرأسمال فطري مودَع في الإنسان من قِبل الله تعالى، فتلك أداة عصمة للإنسان يستهدي بها في دوائر الشبهة، وهي من الأمور النظريّة، وكذلك في الحس هناك دائرة كبيرة من البديهيات يستهدي بها في دوائر الشبهة.

وإلاّ فإنّك ترى نهاية الشارع (الطريق) كأنّما يتلاقى طرفاه، مع أنّ تلاقي طرَفي الشارع في نهاية مدّ البصر ليس بحقيقة، لكنّ العقل يهتدي إلى نفي ذلك.

أو ترى النار الجوّالة التي يديرها اللاعب بيده، تراها حلقة ناريّة، مع أنّها في الحقيقة ليست حلقة ناريّة، فهذه من أخطاء الحس التي يميّزها العقل، على

____________________

(1) وقد ذكروا موارد عديدة يخطأ فيها الحس: كالقطرة النازلة التي يراها الحس خيطاً، والسراب الذي يعتقد الناظر أنّه ماء، وغير ذلك من الموارد.


كلّ حال فعندما يقال بأنّ أداة الحس والعقل معصومتان يعني إذا قُوِّمتا بموازين مُتقنة.

الوهمُ والخيال

كذلك الحال في الأداة الوهميّة والأداة التخيّليّة المتصرّفة إذا سخَّرت إحداهما الأخرى، فإنّهما غالباً ما تُركّبان صوراً من قريحتهما لا مساس لها بالواقع.

وقد يكون الوهم والخيال خادمَين للقوى العقليّة، فيصيب الإنسان بها الحقيقة، (نعم، قد تخطِّئان الواقع إذا كانتا تُبديان من أنفسهما أفعالاً فكريّةً وتصرّفاتٍ في المعاني من دون استخدام العقل لها)، ولكن مع استخدام العقل فإنّهما تصيبان الواقع.

فالخُرافة: فعلٌ من الأفعال الفكريّة والإدراكيّة والتصوّريّة تقوم بها المخيَّلة أو الواهمة من دون هداية العقل، ويُذعن الجانب العملي (العمّالي) في النفس إلى تلك الصورة أو إلى ذلك الإدراك.

ثُمّ إنّ في النفس مشجّرة للطرفين:

طرف القوّة الإدراكيّة: التي تُدرِك المعلومات.

وطرف القوّة العمليّة: العمّالة.

وهناك أجنحة أُخرى في جهاز النفس، لكنّ الذي يُعنينا في المقام هو هذان الجناحان: الجناح العملي، والجناح النظري والإدراكي.

فالخُرافة إذاً، مبدأها من فعل إدراكي خاطئ بتوسّط المخيّلة أو الواهمة


يذعن لها الجانب العملي في النفس، وتَبني عليها النفس عملاً وتُرتّب عليها آثاراً، من دون أن يكون الـمَدرك صحيحاً.

وأداة الوهم والخيال إذا كانتا من دون هداية العقل وإراءته إليهما فالنتيجة تكون خاطئة، ولكنّ بعض الأشياء لا ُتدرَك بالحس ولا بالعقل مع أنّها حقائق؛ وإنّما يدركها الوهم والخيال بهداية العقل، مثلاً: حبّ زيد، بغض عمرو، حُب الأم لطفلها، البغض الخاص، والحُب الخاص، هذه تُسمّى معانٍ وهميّة، لكنّها مطابقة للحقيقة ولها حقائق، فلولا الوهم والخيال لم يصل الإنسان لإدراكها.

فلا يُحكم على كلّ شيء خيالي أو كلّ شيء وهمي أنّه غير مصيب وغير صحيح.

وقد تحصل بعض المغالطات، حيث يُحكم بالخرافة على كلّ شيء يُدرك بالخيال والوهم، فليس الخيالي يساوي اللاواقعيّة ويساوي الخطأ.

الخيال والوهم بدون هداية العقل واستخدام العقل يساوي الخرافة أو يساوي البطلان.

بخلاف ما يكون بهداية العقل، مثل: بعض الحقائق التي لا يمكن أن يدركها الحس ولا العقل، بل يدركها الوهم الصادق.

والدليل على ذلك: بعض المنامات الصادقة التي لا يدركها العقل؛ لأنّها ليست تفكيراً بحتاً، ولا يدركها الحس أيضاً، وتكون صادقة في الجملة.

والمُدرَكات العقليّة ليس لها صورة: طول، وعرض، وعمق، وليست نقوشاً من رأس، إذ المعاني العقليّة معاني مجرّدة مصمتة مكبوسة، بل ظهور تلك المعاني العقليّة يكون بتوسّط الخيال أو الوهم، بتخطّطات مقداريّة، أو بتشخّص


خواصّ جزئيّة معيّنة، كما هو الحال في الرؤيا المناميّة الصادقة، فالكثير منّا قد صادفَ في حياته أن رأى رؤيا صادقة طابقت الخارج، أو قل: كما هي الحال في رؤيا الأنبياء التي ليس فيها تخلّف.

الرؤيا الصادقة المصوَّرة إنّما يدركها الإنسان بأداة الخيال، حيث إنّ الحس ينعدم في النوم فلا يحس النائم شيئاً، وهذه المعلومات تنزل على الإنسان - كما يقال - من الباطن لا من الخارج، وليست الرؤيا من تصنّع وتسويل النفس، إذ النفس لا تَدرك المستقبليّات من لدن ذاتها - في حال النفوس العاديّة - فمن أين أتت هذه الرؤيا الصادقة، وبأيّ أداة أدركها الإنسان؟ وكما ذَكرنا من أمثلة حبّ الأم، وبغض العدوّ وما شابه ذلك من المعاني التي يحتاج الإنسان لها في أصل عيشه، وإلاّ لمَا قامَ عيشٌ ولا استقامت حياة بدونها.

فالقول: إنّ كلّ شيء خيالي أو وهمي يساوي اللاواقعيّة أو الخرافة هو مغالطة، نعم، قوّة الخيال أو قوّة الوهم إن تجرّدت عن العقل، فحينئذٍ تكون خرافة ولا واقعيّة.

أمّا إذا استُخدِمتا من قِبل القوى العاقلة، فيدرك الإنسان بها شطراً وافراً من الحقائق التي لا يمكن له أن يعيش بدونها في هذه النشأة، أو حتّى في النشآت الأخرى.

والوهم ألطف من الخيال، فهو من عالَم ونشأة أخرى، ومعانيه مجرّدة عن الطول والعرض والعمق، وإن كان له تشخّصات معيّنة بالإضافة إلى الجزئيّات المادّيّة.

فاصطلاح الوهم والخيال في العلوم العقليّة ليس بمعنى ما لا حقيقة له كي


تقع فيه المغالطات؛ إنّما القوّة الواهمة أو الخياليّة إذا لم تُوجّه ولم تُستخدم من قِبل العقل فإنّها ستُخطئ الواقع غالباً وكثيراً.

وبذلك يتبيّن موضوع الخُرافة، وإنّها بتوسّط أيّ قوةٍ من قوى النفس يمكن أن تُدرك.

وإذا كان شيء ما خرافة، فيجب على الإنسان أن يهمله وأن لا يرتّب عليه آثار الحقيقة؛ لأنّ اللازم أن لا يعتدّ بها الإنسان كحقيقة، فضلاً عن أن يتديّن بها، أو يداين بها، أو يعظّمها، أو يقدّسها، أو يُجلّها.

التضادّ بين الشعائر والخرافة

فهذه مقولة الخُرافة وحكمها، أمّا العلاقة بين قاعدة الشعائر الدينيّة وحكم العقل في إبطال وتسفيه الخرافة، وادّعاء وجود موارد الاجتماع والتصادق بينهما.

فالشعيرة - كما عرفنا فيما سبق -: هي عبارة عن الدلالة والمعلَم للمعنى الديني، فإمّا أن يتسرّب البطلان واللاحقيقة إلى العلامة، أو إلى ذي العلامة، والبطلان الذي يتسرّب ويتخلّل إليها، إمّا من جهة أنّها ليست لها علاميّة لذلك المعنى - يعني إمّا في العلامة، بحيث لا علاميّة لها على ذلك المعنى -، أو يدبّ الإشكال ويسري في نفس المعنى (الذي هو ذو العلامة).

فالمعاني الدينيّة إذا كانت معانٍ قام الدليل عليها، سواء الدليل القطعي الضروري الديني، أو الدليل النقلي الظنّي المعتبر، فالحكم بأنّها خرافة أو لا حقيقة لها يكون تصادماً مع الدليل الشرعي وخلاف الفرض، نعم، إذا كان هناك معنىً من المعاني جزئيّاً أو متوسّطاً - وما أكثر المتوسّطات - أو كلّيّاً لم يقُم عليه دليل معيّن، فيمكن أن يوصف بذلك.


ومن جهةٍ أخرى: فإنّ عدم الدليل غير دليل العدم، فهناك تارة شيء لم يقم عليه الدليل، وهناك تارةً أخرى شيء قام الدليل على عدمه، فلا ريب حينئذٍ في عدم واقعيّته، فيتصادق ويتّفق مع الخرافة، مثل: الأديان الوثنيّة، أو الأديان الأخرى الباطلة، ومثل هذه الأديان تُعتبر شعائرها باطلة وخرافيّة؛ لأنّ شعائرها علامات ومعالِم على معانٍ ليست واقعيّة، بل منحرفة وخاطئة وتخيّليّة ووهميّة - مثل: الثنويّة في الخالق، والثنويّة في ربّ الوجود، ولا ريب في زيف هذه المعاني، فمن ثُمّ الشعائر الدينيّة لهذه الأديان باطلة خرافيّة من هذه الجهة.

فهذه المعاني التي في الشريعة، إن قام عليها الدليل - ولو الدليل العام - فلا يصح أن يصدق عليها الخرافة.

فعمدة الكلام في التحرّي والتحقيق والتثبّت في ماهيّة المعنى الذي تعكسه تلك الشعيرة، ثُمّ نتحرّى عن الدليل عليه، أمّا إطلاق عبارة الخرافة من دون التدليل على ذلك فهو أشبه بالمغالطة أو الإبداع، ولا بدّ لكلٍّ من النافي أو المُثبت أن يستدلّ على مدّعاه.

فدعوى الخرافيّة في جنبة المعنى تتوقّف على إقامة الدليل على بطلان ذلك المعنى المعيّن، أمّا إذا كان ذلك المعنى معزّزاً ومؤيّداً بالدليل، فحينئذٍ تكون دعوى الخرافيّة فيه غير مقبولة، والغرض من التطرّق لبحث الخرافة الذي يواجه قاعدة الشعائر الدينيّة قديماً وحديثاً: أنّه إن كان يعترض بذلك في طرف وجنبة الموضوع، فلابدّ من النظر في ذلك المعنى، كي يتبيّن مدى وجود التقاء - من جهة المعنى - بين الشعيرة والخرافة.


وأمّا في جنبة نفس الشعيرة: فقد يُتوهّم إطلاق الخرافة، لكنّ العلامة - بما هي علامة - لا يصدق عليها خرافة، إذ المفروض أنّ الخرافة هي المعنى الذي ليس له حقيقة، أمّا العلامة في نفسها فليست من سنخ المعنى، فكيف نتصوّر فيها الخرافة، هذا ممّا لا يمكن أن يُتصوّر.

حيث إنّ هذه الشعيرة لها دلالات على معانٍ معيّنة، والمعاني قد تكون باطلة وغير صحيحة، وبالتالي تكون خرافيّة، أمّا الشعيرة في نفسها فليست لها وظيفة إلاّ الدلالة على معنى والإشارة إلى محتوى فحسب، نعم، قد تكون بعض الشعائر كعلامات ودلالات غير متناسبة مع المعنى الشامخ الذي وضِعت هي له، أو تكون موجِبة لتضعضعه، وهذا أمر آخر غير الخرافيّة، بل هو محذور الهوان والاستهانة.

مميّزات وخصوصيّات الشعائر

ذكرَ علماء الاجتماع بعض المميّزات والخصوصيات للشعائر منها:

تنوّع الشعائر

تنوّع الشعائر والرسوم بين المجتمعات المختلفة، مثلاً: أسلوب التعظيم في بلدة معيّنة، يختلف عن أسلوب التعظيم في بلدة أخرى، بل قد يُعتبر ذلك التعظيم في بلاد أخرى مظهراً لعدم الاحترام مثلاً، إذ إنّ مداليل العلامات تختلف بحسب التواضع والقرار بين أفراد المجموعات البشريّة، وهذا ممّا لا بدّ من وضعه في الحسبان، إذاً، لا يمكن أن نَحمل حُكم الشعيرة في بلدٍ على حكم شعيرة في بلد آخر.


منشأ الشعيرة وأبعادها الخطيرة

الشعائر والعلامات لا تكون في الغالب مبتدئة ومبتكرة من رأس؛ وإنّما تكون موروثاً حضاريّاً مكدَّساً، بمعنى أنّ أيّ عُرف، أو أيّ قوم، أو أيّ مجموعة معيّنة من البشريّة تتوارث أساليب ووسائل معيّنة، يعرض عليها شيء من التطوير والتغيير، لكنّ أصل جذور تلك الشعيرة أو تلك الوسيلة، هي موروث حضاري قديم يُنقل من الأجداد إلى الأبناء في إطار حضارات مختلفة، من مؤثّرات وخصوصيّات معيّنة، مثل: العِرق المعيّن، أو القوميّة المعيّنة، أو المنطقة الجغرافيّة، ففي الواقع الشعيرة التي تتّخذ في مجال ديني - أو في مجال غير ديني، أو مجال معاشي، أو فني، أو اجتماعي، أو تاريخي، أو قومي - تحمل هويّة وخصوصيّات ومميّزات تلك المنطقة أو تلك القوميّة - كما يعبّرون -، يعني أنّ الشعيرة ليست هي شعيرة فقط، بل تستبطن الهويّة القوميّة والشخصيّة الاجتماعيّة والتاريخيّة بقدر ما تحتوي على معاني ومبادئ.

ومن ثُمّ ترى متخصّصي عِلم الحضارات أو علم التاريخ والاجتماع، أو علم السيكولوجيا (علم النفس) يشيرون على أنّه من الخطورة بمكان تغيير الشعارات الوطنيّة والرموز الوطنيّة والعبث فيها؛ لأنّ هذه الرموز والشعارات المعيّنة تحمل هويّة قرون لهذه المنطقة، وتغييرها مقابل رموز وشعارات بديلة، يعني ذوبان هذه القوميّة في مقابل ثقافات دخيلة، فهذه الرموز والشعارات ليس من الهيّن والبسيط أن تُستبدل برموز تشكيليّة جديدة وتذوب أمام الغزو الفكري


الجديد، وليس من الهيّن أن تتلاشى العادات والتقاليد وتضعف الحصيلة التاريخيّة للمنطقة، مقابل الفكر الجديد والثقافة البديلة التي يأتي بها الغُزاة والمستعمرون.

فنحن نرى مثلاً إصرار بعض الدول الغربيّة - كبريطانيا - في ترويج اللغة الإنجليزيّة، مع أنّ بريطانيا قد انحسر امتداد نفوذها الرسمي الظاهري حاليّاً، مع ذلك لديها إصرار في تعليم ونشر اللغة الإنجليزيّة، السرّ يكمن في أنّ وراء تعليم اللغة تحميل تقاليد أصحاب اللغة أنفسهم، وتحميل ثقافة وروحيات الإنجليز، يعني تذويب القوميّات الأخرى مقابل قوميّتهم.

فالرموز والشعارات الإسلاميّة لا يصحّ الاستهانة بها واستصغارها؛ فإنّ لها دوراً كبيراً في تحديد الهويّة الحضاريّة للأمّة الإسلاميّة.

فإذا كانت الشعيرة والشعائر بهذا الموقع من الأهميّة والحسّاسيّة، فليس من الهيّن محاولة تغييرها من دون دراسة مختلفة الجوانب محيطة بالجهات العديدة؛ لأنّ هذه الرموز والشعائر الدينيّة، سواء شعائر الحجّ، أو الشعائر الحسينيّة، أو شعائر الصلاة، أو شعائر المسجد، أو شعائر قبور الأئمّة (عليهم السلام) هي تُعدّ بقاءً للمعالِم التاريخيّة والحضاريّة للمسلمين.

لذا نجد البشريّة الآن تحتفظ بالتراث، وتهتمّ به وتحرسه بأخطر الأثمان، وتصرف على ذلك من الثروات الطبيعيّة الهائلة للبلد؛ لأنّ التراث - في الواقع - يحكي عن وجود حضارات استنزفت فيها الجهود والطاقات، ثُمّ بعد ذلك وصلت إلى هذا العصر الحاضر، فليس من اليسير التفريط بها.

فالخرافة قد تتصادق مع الشعيرة بلحاظ تأويل المعنى المدلول عليه، لكنّه


يجب الحذر والتفطّن من فقد هذه الرموز التي هي مخزون لمعانٍ سامية، والضمان لأصالة المجتمع الإسلامي، ولا يسوغ التفريط بها بدون تدبّر، بل لا بدّ من دراستها بدقّة وتأنٍّ.

وإذا كانت هذه الشعيرة بالنسبة إلى الآخرين (خارج المجتمع الإسلامي) مثل: اليهود، أو النصارى قد يكون لها مدلول معيّن، فهذا لا ينتقص من شأن الشعيرة نفسها؛ لأنّ المفروض أنّ مدلولها لدى المسلمين هو المؤدّى الرفيع والمعنى السامي، فكيف يُنتظر منّا أن نتّخذ شعيرة ورمزاً، يكون له مؤدّى مقبول عندهم وهم لا يذعنون بالمبادئ الإسلاميّة، فلو اشترطنا في الشعيرة قبولهم لمعناها، فهذا يعني فقد الشعيرة وظيفتها أو ضياع الدور المرجوّ منها أو الغرض المأمول منها، وبعبارةٍ أخرى: إنّ التساهل والتهاون بذلك يُعتبر فقداناً لهويّتنا وأصالتنا.

وقد تمّ البيان بما لا مزيد عليه أنّ الشعيرة تحتوي على ركنين: ركن النشر والإعلام، وركن الإعلاء والاعتزاز وحفظ الهويّة،( ولَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) ،( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) .

فوظيفة الشعائر حفظ الهويّة الإسلاميّة والدينيّة المبدئيّة وإعلائها، فإذا فقدناها واستبدلناها بشعارات تروق للأعداء فعلى الإسلام السلام.

وهنا نقطة مهمّة ونكتة فقهيّة مرتبطة بقاعدة الشعائر الدينيّة وهي: أنّ هذه القاعدة تحمل في ماهيّتها ركن الإعلام والإنذار والبثّ والعلامة والمعلَم، وركن آخر في ماهيّتها - كالجنس والفصل - هو الإعلاء والاعتزاز، أي حفظ الهوية بل إعلائها والاعتزاز بها وتقديمها على بقيّة الهويّات البشريّة الأخرى، وهي الهويّة السماويّة والشخصيّة الإلهيّة في الواقع.


دائرةُ الشعائر الدينيّة

ومن جهة أخرى، فإنّ المطلوب من الشعائر الدينيّة ثلاثة أنماط من الوظائف:

تارةً أن تؤدّي دورها في الوسط الديني المسلم، وتكون فائدتها للمسلمين أنفسهم فقط.

وتارةً يكون تأثيرها ضمن أبناء الطائفة والوسط المؤمن.

وتارةً ثالثة أن تؤدّي دوراً لدعوة الآخرين من المِلل والنِحل البشريّة إلى الإسلام أو إلى الإيمان.

فهذه الشعائر التي أُمرنا بتحريمها وتعظيمها، إمّا على نحو وجوب إقامتها بين المسلمين ثُمّ نشرها في الدار الإسلاميّة أو دار الإيمان، أو أن تكون وسيلة إعلاميّة عامّة يُرجى لها الوجود، ويكون الأمر بها بلحاظ الوسط غير المسلم، ويُتوخّى أن تؤثّر في الأعم من الوسط المسلم وغير المسلم.

ولا يخفى أنّ المطلوب من الشعائر - بصورة عامّة -: هو إيجادها في الوسط المسلم أو المؤمن أوّلاً وبالذات، والمحافظة على نفس الوسط المسلم وتوجيهه إلى الهدف، والسمو به إلى القمّة في نفس الوسط الإسلامي، نعم، توجد بعض الشعائر المعيّنة قد اختصّها الفقه والدين الإسلامي لأجل التبليغ في ساحة الوسط غير المسلم.

مثل:( ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ


أَحْسَنُ ) (1) ، ونحوه من الأدلّة ممّا يجب أن تكون الدعوة بلغة يفهمها المدعوّ ويستأنس بها، فليس من الحِكمة استخدام أسلوب صحيح في ذاته، ولكن يستهجنه الناس ويُنفِّر عن الإسلام، ولا شكّ أنّ هذا ليس من الحكمة بل هو نقض للحكمة.

تباين مِلاكات الأقسام في الشعائر

ولكنّ الكلام هو في التفرقة والتمييز بين الشعائر التي هي لأجل الوسط المسلم أو الوسط المؤمن، وتلك التي هي للوسط غير المسلم، بل اللازم أيضاً التفرقة بين الشعائر الإسلاميّة والشعائر الإيمانيّة، فالأولى للوسط المسلم، والثانية للوسط المؤمن، ولا يطغى حساب وموازنة أحدها على الأخرى، بل كلّ منها في مورده مطلوب ولازم، إذ الغرض قائم من الأقسام الثلاثة من الشعائر من حفظ هويّة الإيمان، وحفظ هويّة الإسلام والإعلام والدعوة لكلّ منهما.

نعم، يجب أن يُختار فيها ما يلائم ويناسب المقام، ولكن في حدود أن لا تذوب الشخصيّة الإسلاميّة ولا الشخصيّة الإيمانيّة، وشريطة عدم تقديم التنازلات العقائديّة والسلوكيّة، وإلاّ فسوف ينتقض غرض الدعوة؛ لأنّ المفروض من ظاهر الآية( ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) هو الدعوة إلى سبيل الله، وليس الدعوة إلى سبيل النصارى أو اليهود، أو سبيل أهل الضلال، المفروض هو الدعوة إلى سبيل ربّك، لكن بالحكمة والأسلوب المناسب، الدعوة إلى سبيل الله مع

____________________

(1) النحل: 125.


حفظ الهويّة، لكن بالأسلوب والكيفيّة والنمط الذي يستأنسون به وينجذبون إليه من سبيل الله، فحينئذٍ تؤثّر الدعوة وتؤتي ثمارها.

غالب الشعائر هو التعظيم بلحاظ دار المسلمين ودار المؤمنين،( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ،( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) - ولم يقل سبحانه: جعلناها لهم -( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ... ) ، وليس لمَن لا يحجّ البيت، وصلاة الجماعة خاصّة بدار المسلمين الذين يحرصون على أداء الصلاة، وهي تظاهرة عباديّة دينيّة، وصلاة الجمعة كذلك.

وهناك طقوس دينيّة كثيرة قد يستخفّ ويستهزأ الآخرون بها! فقد يقول مثلاً: ما هذا الانحناء ونكس الرأس ورفع العجيزة؟! هذه مظاهر لا يفهمها غير المسلمين؛ لأنّ هذه الطقوس المفروض فيها أن تُقام بنفسها لأجل الحفاظ على المجتمع المسلم في نفسه، وكذلك الحال بالنسبة إلى طقوس الإيمان في وسط الطائفة، فإنّه لا يعيها غير المؤمنين، فمن الخبط بمكان تفسير الشعائر المأمور بها في وسط خاص والحكم عليها بموازين الوسط العام فضلاً عن الوسط الأعم، وهذا البحث في الشعائر ليس فقط في الشعائر الدينيّة، بل يجري في الشعائر الوطنيّة والقوميّة.

بعض الشعائر الوطنيّة والقوميّة تؤسَّس لأجل حفظ الفكر والهويّة وربط المُواطن بتربة وطنه، أو بقوميّته، وليس الغرض من تلك الشعيرة أو الرمز دعوة الأمم الأخرى، كلاّ!

مثلاً لأجل ربط الجنود بالتربة والوطن، أو من أجل تحقّق معاني الدفاع


عن الوطن وحماية مقدّرات البلد وما شابه ذلك، يُربط الجنود برمز معيّن وإن لم يفهمه الآخرون، أو قد يسيء فهمه الآخرون، إذ ليس الغرض من هذا الرمز العسكري أو الجهادي هو فهم الآخرين، بل المطلوب فيه هو فهم أهل الوطن.

كذلك الحال في الشعائر الدينيّة التي يظهر غالب الخطاب فيها، بل مدلول الأدلّة الكثيرة، أنّها موجّهة لأجل نفس المجتمع المسلم أو المجتمع المؤمن، ولأجل حفظ هويّتهما، وحفظ مبادئهما، ويتماسكا ويترابطا، لا أنّه لأجل التبليغ لجهة أخرى أو لأمّة أخرى.

نعم، قد يُفترض ذلك في بعض الشعائر، مثل: باب الدعوة إلى الجهاد الفكري، ولا ريب في كون الغرض منه دعوة الآخرين، فيُفترض مثلاً من الكاتب، أو المفكّر، أو الخطيب، أو المحاضر، أو على صعيد منتدى عالَمي كمحطة فضائيّة أو مواقع الكترونيّة مثلاً أن يُختار الأسلوب المقبول والمؤثر، والمفروض أن يركّز على النقاط المعيّنة في القانون الإسلامي ومعارف المذهب التي تجذب الآخرين مثل: موارد الوفاء بالعهد وأداء الأمانة، لا سيّما في الأبواب التي لها صلة بالآخرين، حتّى تتّخذ رموزاً وشعارات وقوانين ومعالِم تجذب الآخرين إلى الوسط الإسلامي والإيماني لا أن تُنفّر عنه، عملاً بمقولة:(كونوا دُعاةً للناس بغير ألسِنتكم) (1) .

فالخُلق الإيماني الإسلامي - مثلاً - ينبغي الدعوة إليه، كما أنّ هناك في المجتمعات العصريّة دعوة إلى المثال النموذجي: سواء المثال الاقتصادي، أو المثال التربوي، لابدّ أن ندعو إلى مثال خُلق معيّن يجذب الآخرين، وهو المثال

____________________

(1) أصول الكافي 2: 78 / ح 14، مكيال المكارم 2: 257.


الذي يدعو له الإيمان والإسلام؛ لأنّ الغرض منه هو الإعلان والتبليغ والدعوة لجذب الآخرين إلى حوزة الدين.

وأمّا غالب الشعائر التي يُفرض أنّها طقوس ورسوم تُتّخذ في دار الإسلام أو الإيمان، فالمفروض فيها هو المحافظة على هويّتها الأصليّة الإيمانيّة والإسلاميّة، والمنع من ضياعها.

والمتخصّصون من أصحاب الفنون والعلوم العديدة: كالشعراء، والأدباء، والخطباء، والقرّاء، وأصحاب المهارات في الأنشطة والمراسم الدينيّة المختلفة، يلمسون ذلك مع التحصّن بالمعاني الإسلاميّة العالية وهضمها والإحاطة بها، فيطمئنّ لهم بأن يبرزوا لنا تشكيلة شعاريّة معيّنة فنّيّة، أدبيّة، شعريّة، قصصيّة، وبلاغيّه تُناسب المعنى السامي القرآني، وأمّا إذا كان المتخصّص متأثّراً بالمعاني والمبادئ الدخيلة على المذهب أو الدين الإسلامي، فما ينتجه ويرسمه من شعار يشكّل خطورة على المعالِم الإيمانيّة والإسلاميّة.

فهذا البحث ينبغي أن يُلحظ كيفيّةً وحيثيّةً، استعانةً بالأخصّائيّين إخلاصاً وخبرةً، كما ينبغي دراسة هذه الشعيرة مع مقدار امتداد جذورها التاريخيّة، ومدى ارتباطها بمسار الطائفة وبحضارة الأمّة الإسلاميّة، حتّى يمكن البتّ في سلبيّة أو إيجابيّة هذه الشعيرة أو مؤدّاها الذي تدلّ عليه.

الشعائرُ والهَتك

يبقى الكلام ضمن هذه الجهة السابعة عن ممانعيّة الهتك، أو الهوان الذي قد يعرض على ممارسة الشعائر الدينيّة المستحدَثة أو المستجدّة، فيكون مانعاً


خارجياً لعموم دليل قاعدة الشعائر الدينيّة.

في النظرة الأوّليّة البَدويّة يتبادر كونه مانعاً، باعتبار استلزامه هوان الدين، وهتك الدين.

وقد تمسّك البعض بهذا العنوان، واستدلّ به على ممانعة كثير من الشعائر المستجدّة المتّخذة، فلابدّ - من ثَمّ - من تحليل هذا العنوان ومعرفة ماهيّته العقليّة واللغويّة.

معنى الهَتك (1) : كشف المستور، وطبعاً - بالنسبة إلى حرمة الدين أو المسلمين - قد يُراد منه كشف نقاط الضعف (في المسلمين أو المؤمنين) وكشف الستر عن ذلك، مثل: هتك حرمة المؤمنين والمسلمين، وكشف النقص، أو الضعف الموجود فيهم ممّا يؤثر في زوال قوّتهم وتضعيف شوكتهم.

والهوان أيضاً في ماهيّته ومعناه يتقارب من الهتك، ويكون مسبَّباً عن الهتك مثلاً ومعلولاً عن كشف الستر.

فالهتك والهوان أمران متلازمان في الغالب، وأحدهما مسبّب عن الآخر، وإن كانت الماهيّة الحرفيّة وبالدقّة في الهتك هي كشف الستر، لكنّ كشف الستر: إمّا عن معائب، أو عَوار، أو نقائص، وكلّها بمعنى واحد، ومن ثُمّ يستلزم الهوان من الطرف الآخر.

ولا ريبَ أنّ هذه الماهيّة هي مضادّة لأغراض الشارع، ونقيض أهدافه في التشريع التي بُيّنت في آيات عديدة منها:

____________________

(1) الهتك: خرق الستر عمّا وراءه - وتهتّك أي: افتضح - الصِحاح للجوهري.


-( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) (1) .

-( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (2) .

-( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (3) .

-( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) (4) .

إنّ الأغراض الأوّليّة الضروريّة من التشريع هي الرفعة والعلوّ، وهي أغراض أوّليّة كبرى وأهداف فوقانيّة قصوى في التشريعات القرآنيّة، والهتك بمعنى كشف نقاط الضعف أو عَوار المسلمين أو المتديّنين، الذي يستلزم الهوان والنقص المعاكس والمناقض لأهداف الشارع ورغباته.

لكنّ الكلام: أنّ هذا الهتك والهوان، هل هو مترتّب على صرف الاستهزاء من قِبل المذاهب الأخرى، أو من قِبل المِلل الأخرى؟

أقسامُ الهتك والاستهزاء

والاستهزاء - سواء كان من الفِرق الإسلاميّة الأخرى أو من المِلل الأخرى - يكون على أقسام:

منه: الاستهزاء باطلاً وبما ليس بحق، وهذا لا يؤثّر وليس بمانع، ولا ريب أنّه لا يستلزم الهتك؛ لأن هذا الاستهزاء غير كاشف عن عَوار ونقص ومعائب في

____________________

(1) التوبة: 40.

(2) النساء: 141.

(3) الحجّ: 32.

(4) الحجّ: 30.


المؤمنين، أو في الدين.

ومنه: الاستهزاء نتيجة اختلاف الأعراف والبيئات والأعراق، واختلاف الشعائر أو الطقوس حسب المِلل والبلدان المختلفة في شعيرة منصوبة لتدلّ على معنى سامٍ، لكنّ الآخرين قد ينطبع بأذهانهم معنى آخر، فهذا لا يستلزم ممانعة الشعائر ولا يُعرقل اتّخاذها وتعظيمها، والسرّ في ذلك: أنّ هذا يرجع إلى حفظ الهويّة، كما في حفظ الهويّة الوطنيّة أو التراثيّة، وهنا يرجع إلى حفظ الهوية الدينيّة، أو حفظ الهويّة الخاصّة بالطائفة وبهذه الملّة وهذه النِحلة.

فلو استُجيب لكلّ ما يروق للآخرين ممّا يكون مقبولاً عندهم، لتبدّلت هويّتنا إلى هويّتهم، وكان ذلك نوعاً من الانهزام والانزلاق تحت سيطرتهم، ولأدّى إلى ذوبان شخصيّتنا في بوتقة الفكر الدخيل والأجنبي، فهذا القسم أيضاً لا يستلزم الهتك أو الهوان.

ومنه: استهزاء لجهات واقعيّة، فهذا يلزم منه هتك وهوان، فعلى ضوء هذا التقسيم الثلاثي، نخرج بهذه النتيجة: أنّ قِسمين من السخريّة أو الاستهزاء أو التعجّب من الآخرين لا يوجِب الهتك والهوان، وإن تخيّله الباحث أو المتتبّع للشعائر الدينيّة كذلك.

والهتك أو الهوان أو الاستهزاء حيث إنّه من مصاديق وأصناف التحسين والتقبيح العقليّين، وقد ذكرنا أنّ بعض مواردهما يكون مطابقاً للواقع فيكون صادقاً، وبعض مواردها غير مطابق للواقع فلا يكون صادقاً، بل كاذباً.

العقلُ العملي والعقلُ النظري: هذا التحسين والتقبيح العقليّان، في قوّة العقل العملي في النفس، التي تختلف وظيفتها عن قوّة العقل النظري الذي يُدرك وجود


الأشياء وثبوتها، أو عدمها ونفيها، كما يقال: إنّ العقل النظري بنفسه لا يوجب تحريكاً في الإنسان ولا انبعاثاً ولا تربيةً، ومن ثَمّ قالوا: إنّ الحكماء (الفلاسفة) لا يؤثّرون في المجتمعات مثل ما يؤثّر الأنبياء والرسل؛ لأنّ الفلاسفة يعتمدون غالباً على العقل النظري، وهو ينطوي على جنبة الإدراك فقط.

بينما إذا اتّصل العقل النظري - وهو إدراك الأشياء وثبوتها في العلوم المختلفة - بالعقل العملي، أي أدرك حُسن وقُبح الأشياء وتحسينها وتقبيحها، حتّى يكون محفزّاً ومحرّكاً، أو زاجراً ومؤدّباً للنفس، ففي الواقع فإنّ العقل العملي ليس صِرف إدراك فقط، وليس صِرف حجّيّة وتنجيز وتعذير إدراكي فقط، وإنّما هو نوع من الباعثيّة والتحريك والتكوين؛ لأنّ التحسين نوع من المدح ونوع من إيجاد الجَذبة والمَغنطة بين النفس وذلك الفعل الحسن، والتقبيح - في المقابل - نوع من إيجاد الشرارة والنفرة والبعد بين النفس وذلك الفعل القبيح، فهذا الجذب والوصل من جهة والنفرة والانقطاع من جهة أخرى هما من خاصيّات العقل العملي.

فإذا كان التحسين والتقبيح كاذِبين، فإنّ هذا بنفسه يكون عاملاً مُغرياً وخاطئاً ومزيّفاً للنفس؛ لأن يُحسّن لها القبيح ويقبّح لها الحسن، وسوف يؤدّي إلى تربية خاطئة للنفس، وإلى نوع من الترويض السيئ في النفس.

الشعائرُ والآثار الاجتماعيّة

إذا اتّضح ذلك، عَلمنا أنّه إذا حصلَ الاستهزاء والسخريّة - اللذَين هما من أصناف المدح والذمّ والتحسين والتقبيح، بسلوكيّة خاطئة ومدلّسة،


سيّما إذا كان ذلك على نحو افتعال جوّ وزخم إعلامي شديد، وبكثافة إعلاميّة عن طريق الجرائد أو الإذاعات أو النشريّات أو المحافل والأندية - فإنّه سيوجب قهراً وقوع المسلمين أو المؤمنين في جوّ خاطئ أو تربية خاطئة، بأن يستقبحوا ما هو حسن، ويستحسنوا ما هو قبيح.

مثلاً قد يَعتبر الشاب المتديّن في الجامعة أنّ الصلاة تُقلّل من شأنه في نظر زملائه، وإنّها عار عليه ولا تليق به، ثُمّ شيئاً فشيئاً يصبح القبيح حسناً، وبالعكس، ولا ريب في كون ذلك النوع من التفكير سلوكاً منحرفاً واستخداماً خاطئاً وخطيراً في العقل العملي، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام):(كم من عقلٍ أسير تحت هوى أمير) (1) .

سيّما إذا كان العقل الاجتماعي - أو العقل الأُممي، أو العقل العَولمي الذين يحاولون ترويجه الآن - خاطئاً.

هذا العقل البشري المجموعي سوف يؤول بالبشريّة إلى القبائح باسم المحاسن، أو يمنعها عن المحاسن والفضائل باسم أنّها قبائح ورذائل، كما أخبر بذلك النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أربعة عشر قرناً، فكان إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله من علامات آخر الزمان(2) .

____________________

(1) بحار الأنوار 69: 410: 125.

(2) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(كيف بكم إذا فَسدت نساؤكم وفَسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال:نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمَرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال:نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟) . الكافي 5: 59.


فقضيّة الإهانة والهتك والاستهزاء ترتبط ارتباطاً بنافذة عقلّية تربويّة، واجتماعيّة وسلوكيّة وممارسة معيّنة، وقد يحصل اللَبس أنّ مثل هذه الشعيرة أو الشعائر المتّخذة ربّما توجب الوهن في الدين بينما هي ليست بوهن، لكن لشدّة علاقة الطرف الآخر، ولشدّة نفوذ التبليغ والدعاية والطرق والقنوات المتوفّرة لدى الطرف الآخر، يوجِب تأثّرنا بمدركات خاطئة تُملي علينا وتُهيمن على أفكارنا وتُزعزع المبادئ والعقائد.

في مثل هذه الموارد، نقول: وإن كان على صعيد التنظير، بأنّ هذا الاستهزاء وهذا الهتك باطل وليس بمانع للشعائر، لكن شريطة أن يكون هناك نوع من الردع أمام التبليغ المضاد.

ممانعةُ بعض الشعائر تَبعاً للمصلحة

في بعض الحالات قد يرتأي الفقيه طبق الميزان الشرعي أن تُمانع تلك الشعيرة أو الشعائر، لا لأجل أنّها ممانعة في واقع الأمر، ولكن لأجل أنّ مثل هذا الجوّ الحالي قد يُضعِّف نفوس المؤمنين، وإن كان هذا التضعيف ليس في محلّه، ولكن لأجل فترة وقتيّة لشعيرة مستجدّة أو مُستحدَثة، قد يرى من الصالح لأجل عدم إحداث الضعف والوهن في نفوس المسلمين والمؤمنين، قد يكون من الصحيح الممانعة، لا الممانعة من جهة الهتك أو الاستهزاء، بل في الواقع ممانعة بسبب ضعف المسلمين نفسيّاً تجاه هذه الشعيرة، فربّما عدم ممارسة هذه الشعيرة يكون أثره أفضل في النفوس، وبعبارة أخرى: في هذه الموارد قد لا تسمّى ممانعة للشعائر، بل عدم توفّر قيود وشرائط الشعائر، فعدم إقامة الشعيرة يُنسب


إلى فقد الشرط وليس إلى الممانعة عنها، وقد يكون العكس أولى بالرعاية، بأن يتشدّد الوسط الديني بالشعيرة المتّخذة؛ كي لا يستسلموا ولا يعتادوا الانهزام أمام تهريج الخصوم وانتقاداتهم، وتحديد ذلك يكون بيد الفقهاء الأُمناء على الدين والعقيدة.

دواعي أخرى لممانعة الشعيرة

وقد يكون التزاحم والدوران ناشئاً من جهات أُخرى، ليس من جهة مراعاة الهتك والاستهزاء بغير حق من الفِرق أو المِلل الأخرى، بل من جهة ضعف نفوس المسلمين، أو من جهة ضعف شوكتهم، نظير ما يذكره سبحانه وتعالى في قوله:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (1) .

من جهة حفظ الشكيمة والحيثيّة يُخفَّف التشريع من باب إدراجه في باب التزاحم بين حُكمين شرعيّين، وليس من باب ترتيب الأثر على الهتك والاستهزاء بغير حق.

ومع أنّه بحدّ ذاته غير ممانع، لكنّه يولِّد جوّاً أو ظرفاً أو بيئة معيّنة، وهذا الجو ينتج تصادماً بين حُكمين وآخرين، ولابدّ أن يراعي الفقيه هذه الجهة.

____________________

(1) الأنفال: 65 - 66.


أو قد تنشأ الممانعة للشعائر من عدم إدراك المؤمنين لها وعدم استيعابهم لأهميّتها قصوراً أو تقصيراً، أو لعدم تحمّلهم درجة عالية من التفاعل والاندماج للشعيرة، كمَن لا يتفاعل إلاّ بالبكاء مثلاً في الشعائر الحسينيّة، فليس من المناسب زجّه في الشعائر الأخرى التي تكون أكثر تفاعلاً واندماجاً.

كما ذكرَ الفقهاء أنّ العُرف الخاطئ والفاسد قد يُلجئ المكلّف إلى ترك المستحبّ؛ لأنّه ربّما يكون سبباً للتشهير به، مع العلم أنّ المستحبّ مشروع في نفسه، فالسبب في تركه: هو نشوء عرف غير مألوف في بيئة فاسدة، وهذه البيئة الفاسدة من شأنها أن تجعل المكلّف والمتديّن يترك ذلك المستحب، أو بالعكس قد يكون هناك شيئاً مكروهاً، لكنّ ذلك المكروه يُرتكب، وعدم ارتكابه قد يصبح منقصة أو عاراً، فيُرتكب ذلك المكروه حفظاً لشخصيّة المؤمن أو المكلّف، وقد خالفَ جماعة من الفقهاء منهم: الشهيد الثاني في كتابه الروضة البهيّة، في أولويّة الترك ومراعاة العرف الفاسد وترك ما هو راجح أو ارتكاب ما هو مرجوح.

طبعاً هذا الاستثناء يجب أن لا يدوم ولا يطول زمناً، والمفروض أنّ سياسة الفقيه في الفتوى ناظرة لتربية المجتمع ولمعالجة هذه الحالات والبيئات الفاسدة، أو الممسوخة والمنكوسة والمقلوبة التي هي على خلاف الفطرة وهي سياسة حكيمة وميدانيّة أيضاً.

وكم من مستحب ربّما تُرك قروناً من السنين بحيث يكون الممارس له مورد استهزاء، وبطبيعة الحال فإنّ ذلك يحصل في المجتمعات التي تكون المفاهيم الماديّة والموازين الفاسدة هي السائدة والرائجة فيها.


الشعائرُ والإصلاح الاجتماعي

وهذا هو أحد وظائف الشعائر الدينيّة حيث تؤدّي دور الإعلام والبثّ الديني والإعلاء، ومن نتائجها الواضحة: المحافظة على الهويّة الدينيّة في بيئة المسلمين؛ لأنّه لولا الشعائر فإنّ الدين سوف ينكفئ شيئاً فشيئاً، وتتغيّر المفاهيم الدينيّة، بل تنقلب رأساً على عقب، وتصبح منكوسة الراية، بدلاً من أن تكون مرفوعة عالية مُرفرفة.

فمن الوظائف المهمّة للشعائر الدينيّة: جانب المحافظة على الهويّة الدينيّة، وإلاّ أُلغيت الشعائر الواحدة تلو الأُخرى، وحدثَ نوع من المسخ التدريجي، فقاعدة الشعائر الدينيّة هي قاعدة ممضاة من قِبَل الشارع، ومُنظرّة في باب الفقه الاجتماعي، وكما ذكرنا أنّ للشعائر الدينيّة ركنان: ركن الإعلام والبث، وركن الإعلاء والاعتزاز.

والحوزات العلميّة الدينيّة تقوم بأداء أحد رُكني الشعائر الدينيّة: وهو إحياء الدين ونشره وحفظه عن الاندراس، وما تقوم به في هذا الدور - وإن كان بشكل هادئ وبلا ضجيج - هو دور عظيم؛ لأنّها تحافظ على أحد رُكني الشعائر، أو أحد ركني الدين، وهو جنبة الإعلام والتعلّم والتفقّه وحفظ الدين عن الانطماس والنسيان، وصيانته عن التحريف والتغيير، وحفظ الجانب التنظيري والبعد العقائدي للدين.

ومن الواضح أنّ التحريف والردّة عن الدين قد تكون بصورتين:

الصورةُ الأولى: في جانب العمل، أي الانحراف في السلوك العملي، فلا


تُتّبع الأوامر الدينيّة، ولا يُرتَدع عن النواهي.

الصورةُ الثانية: وهي الأخطر، وهي الانحراف في التنظير، فلا يُذعن المنحرف ولا يؤمن ولا يصدّق، بل يحاول أن يبرِّر انحرافه وينظِّر تكذيبه، وهو الانحراف في العقيدة، وهذا أخطر من الأوّل، بل ربّما يمارس ذلك المنحرف الأوامر الدينيّة ولكن لا يُقرّ بوجودها، وإنّما يمارسها من باب فطرة الطبع أو من باب السُنن الاجتماعيّة، لذا نجد في عدّة من الآيات:( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) (1) ، و( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (2) و( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) وأمثالها، تُلقي الضوء على جنبة التنظير أو الإعلام الديني والبث الديني أو إتمام النور.

وهذه جنبة مهمّة للغاية، نعم، الجنبة الثانية في الشعائر - وهي الإعلاء والاعتزاز في الممارسة العمليّة - تكون مطويّة ضمن السلوكيّة السابقة، وتظهر بمظاهر ومؤشّرات عديدة.

فالظروف الاستثنائيّة يُشخصّها الفقيه في موارد مختلفة بحسب سياسة الفتوى عند الفقيه، وهي: موازنة الملاكات في الأبواب مع الإحاطة بالظروف الموضوعيّة، والفطنة في تدبير المعالجة للحالات المختلفة، والفقيه يتضلّع لحفظ الدين بلحاظ درجات ملاكات الأحكام في الأبواب المختلفة، فيفحص ويُجري البحث عن الأهمّ عند الشارع، مضافاً إلى فراسته وفطنته في كيفيّة التوسّل في

____________________

(1) التوبة: 122.

(2) التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9.

(3) الحجر: 9.


الوصول إلى الغرض الديني عن طريق الفتوى.

هذا تمام البحث في قاعدة الشعائر الدينيّة مع بيان الخطوط العامّة لها، وهو المقام الأوّل من هذا الكتاب، وبعد ذلك يقع البحث في المقام الثاني الذي يُلقي الضوء على الشعائر الحسينيّة، ودراسة تماميّة أدلّتها الخاصّة والعامّة إن شاء الله تعالى.



المقامُ الثاني: الشَعائرُ الحُسينيّة



تمهيدٌ

نبدأ البحث في الموضوع الأساسي لهذا الكتاب، وهو خصوص الشعائر الحسينيّة، باعتبار أنّ البحث عن الشعائر الحسينيّة له خصوصيات أخرى، وشبهات مختصّة به تختلف عمّا ذكرناه في بحث عموم الشعائر الدينيّة، فمن ثَمّ كان الجدير أن يُبحث بحثاً خاصّاً.

وقد ذكرنا في مقام معرفة درجة أهميّة كلّ شعيرة من الشعائر الدينيّة(1) ، أنّه لابدّ من التأمّل والتدبّر والإمعان في المعنى الذي تدلّ عليه تلك الشعيرة.

وذكرنا - في المقام السابق - ضمن الجهة السادسة: حُكم التزاحم بين الشعائر والأحكام الأوّليّة، أو بينها وبين الأحكام الثانويّة الأُخرى، وكيفيّة معالجة ذلك التزاحم أو ذلك التدافع، وقلنا بأنّه ينبغي معرفة أنّ تلك الشعيرة هي من أيّ بابٍ من أبواب الفقه، وإنّ تلك الشعيرة هي علامة ومعلم على أيّ فرع من الفروع.

فالبحث هنا يدور حول التخريج الفقهي ومحاولة ردّ الإشكالات

____________________

(1) أي العلامة والمعلم لمعنى من المعاني الدينيّة.


والانتقادات والاعتراضات المتوجّهة إلى هذه الشعيرة العظيمة.

وحول كيفيّة التعرّف على الفلسفة القانونيّة لنهضة الحسين (عليه السلام)، وبالتالي للشعائر الحسينيّة، فالشعائر الحسينية: هي ذكرى لنهضته (عليه السلام) - تلك النهضة التي كانت الضمان لبقاء الدين، ولحفظ الشريعة السماويّة الدرع المتين - وكانت جنبة الإعلام والتبليغ لنهضة الحسين (عليه السلام) وبيان الأهداف منها.

ونحاول تفصيل البحث فيها عبر الجهات التالية:

الجهةُ الأولى: أهداف النهضة الحسينيّة.

الجهةُ الثانية: أدلّة الشعائر الحسينيّة.

الجهةُ الثالثة: أقسام الشعائر الحسينيّة.

الجهةُ الرابعة: الرواية في الشعائر الحسينيّة.

الجهةُ الخامسة: البكاء والشعائر الحسينيّة.

الجهةُ السادسة: الشعائر الحسينيّة والضرر.

الجهةُ السابعة: لبس السواد.

الجهةُ الثامنة: ضرورة لعن أعداء الدين.

الجهةُ التاسعة: العزاء والرثاء سُنّة قرآنيّة.

مِسكُ الختام: مآتم العزاء التي أقامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على الحسين (عليه السلام).


الجهةُ الأولى: أهدافُ النَهضة الحُسينيّة



هناك عدّة تحليلات فقهيّة واجتماعيّة تبيّن الغاية والهدف من نهضة الحسين (عليه السلام)، لعلّ أهمّها:

التحليلُ الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا ما يستفاد من عبارة الحسين (عليه السلام) الواردة في وصيّته قبل خروجه من المدينة:

(... إنّي لم أخرج أشِراً ولا بَطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً؛ وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسيرُ بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)) (1) .

من أهمّ التوجيهات والتحليلات لنهضته (عليه السلام) هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(2) .

وليس معنى المعروف يقتصر على المعروف الفردي، ولا المنكر يقتصر على المنكر في الممارسة الفرديّة، بل هناك المعروف الاجتماعي

____________________

(1) بحار الأنوار 44: 329، العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام): 179.

(2) كان أستاذنا الميرزا هاشم الآملي (رحمه الله) يقول: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب أوسع من الجهاد وأوسع من القضاء، وأوسع من الحدود والقصاص، وأوسع من كلّ الأبواب الفقهيّة، وهو باب قد تسالمَ عليه الفقهاء، وهو لم ولن يُغلق وليس بمسدود، بل مفتوح على مصراعيه في الشريعة إلى يوم القيامة، وينطوي تحت هذا الباب كلّ الأبواب الأخرى. (الأستاذ المحاضِر).


والمعروف الفكري والعقائدي، وهناك المعروف الاقتصادي والمعروف السياسي والمعروف الحقوقي وغيرها، والمنكر كذلك منه السياسي والعقائدي والفكري والاجتماعي والمالي.

وكلّ ما هو مبغوض شرعاً؛ فإنّه يتناول كلّ المحرّمات في كلّ الأبواب، والمعروف يتناول كلّ الأوامر الشرعيّة وجوباً وندباً ورجحاناً في جميع الأبواب.

كما أنّ المراد من الأمر بالمعروف ليس خصوص الإنشاء اللفظي، بل المراد منه الأمر حتى باليد وباللسان وكذلك بالقلب، وهو أضعف الإيمان.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم وواسع وذو أهميّة بالغة، وهو من أعظم الواجبات الدينيّة، قال الله تعالى:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(كيف بكم إذا فَسدت نساؤكم، وفَسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :نعم. فقال:كيف بكم إذا أمَرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويكون ذلك؟ فقال:نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً) (2) .

وقال (عليه السلام):(لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهُنّ عن المنكر، أو ليسلطنّ الله شراركم

____________________

(1) آل عمران: 104.

(2) بحار الأنوار 52: 181، 74 - 153.


على خياركم، ثُمّ يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم) (1) .

وقد وردَ عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)، أنّ:(بالأمر بالمعروف تُقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحِلّ المكاسب، وتُمنع المظالم، وتُعمّر الأرض، ويُنتصف للمظلوم من الظالم، ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات وسُلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء) (2) .

وكلّ ما يفرزه المجتمع من انحراف فكري ومساوئ سلوكيّة ورذائل خُلقيّة؛ إنّما هو بسبب ترك هذه الفريضة العظيمة، وهذا الباب المهمّ له مُسانخة مع الشعائر نفسها، بما يتضمّنه من البثّ الديني والإعلام الديني، فللشعائر نحوٌ من المُسانخة القريبة مع باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإن كان فعل المعصوم فيه نوع من الإجمال أكثر من اللفظ من هذه الجهة؛ لأنّ الفعل قد يتصادق عليه جهات عديدة وكلّها ممكنة، وينطوي تحت تخريجات عديدة قانونيّة وشرعيّة.

التحليلُ الثاني: الاعتراض على الخلافة الغاصبة، وبيان أحقّيّته في الأمر، وهو يُفسّر لنا أيضاً معنى الشعائر الحسينيّة، ومعنى تخليد ذكراه، وهو ما جاء في كلامه (عليه السلام) حينما دعاه الوليد بن عتبة وهو في المدينة لبيعة يزيد، فقال (عليه السلام):(إنّا أهلُ بيت النبوّة ومَعدن الرسالة ومُختلف الملائكة ومحلّ الرحمة، وبنا فتحَ الله وبنا ختمَ، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر، قاتلُ النفس المحرّمة مُعلن بالفسق، ومِثلي

____________________

(1) بحار الأنوار 93: 387 / ح21.

(2) من كتاب منهاج الصالحين، للسيّد الخوئي (قدِّس سرّه) 1: 350.


لا يُبايع مثله، ولكن نُصبح وتُصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقُ بالبيعة والخلافة) (1) .

وكذلك قوله (عليه السلام) لمروان بن الحكم حينما أشارَ عليه ببيعة يزيد، فقال (عليه السلام):(إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعتُ جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان) (2) .

ويظهر من ذلك: شدّة التصلّب والإباء، وهو (عليه السلام) سيّد الإباء، فما هو السرّ في شدّة إبائه لبيعة يزيد، طبعاً هذه البيعة مُنكر من المنكرات، لكنّ خصوص هذا المنكر يُشدّد الإسلام النهي عنه دون بقيّة المُنكرات.

وهذا الوجه يركِّز على مصادمة ظاهرة الخلافة الغاصبة، وهو دليل على بطلانها.

وعلى مذهب الحقّ نقول بعدم مشروعيّة مَن تقدّمَ على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد تذرّعَ المنافقون الأوائل ببعض المتشابهات الدينيّة المعلومة البطلان، مثل:( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (3) ، و( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) (4) ، واستمراراً للغضب وعدم المشروعيّة تنتقل بعد ذلك الخلافة إلى وراثة عائليّة ومَلكيّة لا تمُتّ للدين بصلة، وتعود أمور المسلمين إلى الرسم الجاهلي والقبائلي، وفي هذا مصادمة

____________________

(1) بحار الأنوار 44: 325، اللهوف في قتلى الطفوف: 17.

(2) بحار الأنوار: 44: 326، مثير الأحزان: 15.

(3) الشورى: 38.

(4) آل عمران: 159.


واضحة، سيّما والإسلام حديث عهد، والناس حديثو عهد بالدين، ولم يتّضح لبعضهم الانحراف الكبير بين مسار بني أميّة وبين الدين، فقد كان حكّام بني أميّة يتستّرون برداء الدين، فمن ثُمّ كان في هذا المنكر خصوصيّة متميّزة لا نجدها في أيّ نوع آخر من المنكر، وإنّما هو نوع منكرٍ ينطوي على طمس ومحو وزوال لأصل الدين الحنيف.

فكان الحسين (عليه السلام) أشدّ تصلّباً في ذلك، منذ هجرته من المدينة في رجب، وبقائه إلى الثامن من ذي الحجّة في مكّة، قرابة أربعة أشهر، تحت وطأة إرهاب الظالمين، ولم يُعطِّل (عليه السلام) خروجه بعلّة غير هذه العلّة، وهي المعارضة العلنيّة والصارمة للسلطة الغاصبة وللخلافة الزائفة، وبيان أحقّيّته لهذا الأمر من القرآن ومن أقوال الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

التحليل الثالث: مبايعة أهل الكوفة له، وإرسالهم إليه الكتب للقدوم إليهم، واستنصارهم له (عليه السلام)، ومن المقرّر في مذهب الإماميّة: أنّ المعصوم (عليه السلام) إذا وجدَ مَن ينهض به بمقدار العدّة الكافية والعدد وجب عليه النهوض، كما في قول الأمير (عليه السلام) في نهج البلاغة:

(أمَا والّذي خلقَ الحبّة وبَرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحُجّة بوجود الناصر، وما أخذَ الله على العلماء أن لا يُقارّوا على كِظّة ظالم ولا سَغَب مظلوم، لألقيتُ حَبلها على غاربها، وسقيتُ آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دُنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز) (1) .

فهذا الوجه الآخر - وهذا الوجه الثالث - إنّما وقعَ له (عليه السلام) بعد معرفة أهل

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 202 - الخطبة الشقشقيّة.


الكوفة والعراق بامتناعه وإبائه عن بيعة يزيد، فمن ثَمَّ وجدوا فيه الأمل للتخلّص من يزيد وظلمه ولإقامة العدل، مضافاً إلى عقيدة أهل الكوفة في أهل البيت (عليهم السلام).

لكنّ هذا التخريج والتحليل ليس هو العلّة المنحصرة، حيث تخيّل بعض أنّ هذا هو السبب الوحيد؛ لأنّ هذا السبب ارتفع وانتفى في كربلاء بعد مواجهة أهل الكوفة للحسين (عليه السلام).

التحليلُ الرابع: وهو الدفاع عن نفسه الشريفة وعن حريم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما يستفاد من قوله (عليه السلام) في يوم عاشوراء:(ألا إنّ الدَعيّ بن الدَعيّ قد ركزَ بينَ اثنَتين: بين السِلّة والذِّلة، وهيهات ما آخذ الدنيّة، يأبى الله ذلك ورسوله وجدودٌ طابَت وطهُرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة لا تؤثِر مصارِعَ اللّئام على مصارِع الكرام) (1) .

وهذا من باب الدفاع، ومشروعيّة الدفاع ثابتة عقلاً وشرعاً.

التحليل الخامس: أنّ نهضته (عليه السلام) كان منبعها وأساسها هو إقامة الإمامة الإلهيّة، وبعبارةٍ أخرى: أنّ نهضته (عليه السلام) تُمثّل وتُجسّد الإمامة والولاية، وهذا الوجه له ربط بنحو ما مع التحليل الثاني، وهو إباؤه (عليه السلام) لبيعة يزيد؛ لأنّ نكيره لبيعة وخلافة يزيد هو بدوره ومؤدّاه نوع من التبليغ، ونشر لمفهوم الإمامة والدعوة إلى إمامتهم (عليهم السلام)، وقد قال (عليه السلام):(إنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاح في أُمّة جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسيرُ بسيرة جدّي وأبي) (2) .

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق (ابن عساكر) 14: 219، بحار الأنوار: 45: 9.

(2) بحار الأنوار 44: 329: 2.


فكأنّما هو (عليه السلام) أبطلَ شرعيّة الثلاثة الذين غصبوا الخلافة، الأوّل والثاني والثالث، وهذه عبارة أخرى عن إحياء حقّهم (عليهم السلام) في الإمامة والولاية.

فمجموع نهضته (عليه السلام) تتداخل وتجتمع فيها عدّة وجوه وتحليلات فقهيّة واجتماعيّة، وأهمّها هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلّ أبوابه.

المعروف يشمل كلّ الأبواب، ومنها: إحياء هذه الفريضة التي ترقى إلى أن تشمل نفس التوحيد لله وأساسيّات العقائد الأخرى، إذ هي أوضح مصاديق المعروف، فيجب الأمر بها، شأنها شأن التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد، والمنكر يتناول الشرك وما دونه، ففي الواقع في هذه الوجوه جهات مختلفة، هي أيضاً مترابطة ومتداخلة ومنطبقة على بعضها البعض فقهيّاً وكلاميّاً.

فدعوته (عليه السلام) إلى إمامته وإلى العهد الإلهي في حقّهم (عليهم السلام) هو عين الأمر بالمعروف، مضافاً إلى أنّ النهي عن الخلافة الباطلة التي انتحلها غيرهم من أهم مصاديق النهي عن المنكر، أو النهي عن طمس كثير من أركان الدين فروعه، فمن ثَمّ كانت نهضته (عليه السلام) بشكلٍ بارز مَعلماً لإمامتهم وولايتهم الإلهيّة الحقّة، وتطبيقاً جليّاً لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشاملة للأمور الاعتقاديّة بكلّ أبعادها وأشكالها.

هذه هي الجهة الأولى، وهي: أنّ تحليل الشعائر الحسينيّة يرجع إلى العلامة على الأغراض والغايات والأهداف التي نهض الحسين (عليه السلام) لأجلها، فهي ذكرى تخليد وإعادة إحياء لتلك الغايات والمبادئ التي نهضَ عليه الصلاة والسلام لأجلها.

فالأمر البارز في نهضته هو: أنّها دعوة إلى الصراط الحق وإلى التمسّك


بولايتهم (عليهم السلام)، وإلى إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي فريضة كبرى، وأحد أبرز مصاديقها: الأمور الاعتقاديّة، وهي: التوحيد والإمامة، وبها تُقام الفرائض كما تعبّر الرواية، وأوّل الفرائض التوحيد.

هذه هي أبرز أهداف النهضة الحسينيّة.


الجهةُ الثانية: أدلّةُ الشَعائر الحُسينيّة



تقدّم في البحث العام عن الشعائر الدينيّة أنّ لدينا ثلاث طوائف من الأدلّة(1) :

الطائفة الأولى: عامّة مشتملة على نفس لفظة الشعائر، مثل:

( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .

- و( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ.. ) .

- و( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) .

الطائفة الثانية: مدلولها نفس ماهيّة الشعائر، لكن غير مشتملة على لفظ الشعائر، مثل:( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) وغير ذلك، وهذا القبيل من الأدلّة يدلّ على نفس مضمون الطائفة السابقة.

الطائفة الثالثة: مختصّة بأبواب معيّنة، مثل:( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) .

ففي باب الشعائر الحسينيّة هناك عدّة عمومات وكذلك طوائف خاصّة من الأدلّة.

الدليل الأول: حيث حلّلنا أنّ من أهمّ أغراض الشعائر الحسينيّة هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبراز الإمامة الحقّة التي تُعتبر من أصدق موارد

____________________

(1) راجع ص: 31 - 38 من هذا الكتاب.


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمور الاعتقاديّة، فأدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتناول هذا الباب، ويمكن أن تكون دليلاً وبرهاناً عليه.

مثل:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ممّا يُدلّل على أنّ الشارع يريد إحياء هذه الفريضة، وإنّ تقديم هذه الأمّة وأفضليّتها على سائر الأمم من الأوّلين والآخرين هو نتيجة إقامة هذه الفريضة:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ، وإحياء هذه الفريضة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إنّما يتحقّق بإقامة الشعائر الحسينيّة بل هي أوضح المظاهر لإحيائها؛ لأنّ الأغراض والغايات المطويّة في النهضة الحسينيّة لابدّ أنّها تنتهي بالتالي إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي منها تجديد إنكار كلّ مظاهر الانحراف السارية في المجتمع، وإقامة كلّ معروف غُفل عنه أو هُجر من حياة الأمّة الإسلاميّة على الصعيدين السلوكي والعقيدي.

وكذلك المحافظة على استمرار سلوكيّة المعروف وتطبيقه في المجتمع مع الالتزام في نبذ المنكر وإنكاره، فهي نوع من حالة الصحوة والسلامة والتوبة الدينيّة من خلال مواسم ومراسم الشعائر الحسينيّة.

وكذلك الأمر في الآيات الأخرى في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (1) ، ومقتضى أدلّة إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستلزم في مقدّماتها، التذكير بهذه الفريضة وإحيائها عبر إحياء الداعي النفسي

____________________

(1) آل عمران: 104.


لدى المؤمنين والمتديّنين وتحريضهم نحو أداء هذه الفريضة، وأكبر تحريض هو نفس ما قام به أبو الأحرار وسيّد الشهداء (عليه السلام) من إيقاظ الناس من سُباتهم العميق وإحياء نفوسهم بالعدل والهدى، وتحريرهم من الظلم والرذيلة والهوى، وتربيتهم على عدم الخنوع والخضوع للطغاة والتخاذل، وذلك بإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كلّف الأمر، وأينما بلغت التضحية.

الدليل الثاني: الأدلّة على الولاية، كقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (1) .

وقوله تعالى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) ومن المودّة التأسّي بهم، والفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم.

والمودّة في اللغة تفترق عن الحب، فالحبّ قد يكون أمراً باطناً، أمّا المودّة فهي تعني المحبّة الشديدة التي تلازم الإبراز والظهور، وهناك - من ثَمّ - فارق بين عنوان المودّة وعنوان المحبّة، هذا أيضاً من العمومات، إذاً كلّ عمومات الولاية تدلّ على ما نحن فيه.

( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (3) وأبرز مصداق لها هو: أمير المؤمنين (عليه السلام).

وأيضاً آيات التبرّي مثل:

____________________

(1) التوبة: 119.

(2) الشورى: 23.

(3) المائدة: 56.


( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (1) ، ولا ريبَ أنّ هذه الآية تشمل أعداء الأئمّة (عليهم السلام) ممّن هتكَ حرمة النبي والدين في أهل بيته، فينبغي إظهار البراءة وعدم الموالاة لمَن حادّ الله ورسوله، وفي سورة الفاتحة أيضاً:

( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) ؛ فإنّ المؤمن يجب أن يتولّى صراطهم الذي ليس عليه أيّ غضب إلهي وهذا يعني العصمة العمليّة، إضافة للعصمة العلميّة المشار إليها بعبارة( وَلا الضَّالِّينَ ) ، قد تكون إشارة إلى أنّه ليس هناك معصية عمليّة، وليس هناك أيّ زلّة علميّة، اهدنا صراط المعصومين؛ لأنّ نفي الغضب بقول مطلق يعني العصمة العمليّة، ونفي الضلالة بقول مطلق، يعني العصمة العلميّة، فالمعنى: اهدنا صراط المعصومين، وآية:

( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (2) ، وآيات التولّي والتبرّي كثيرة جدّاً، كقوله تعالى:

( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (3) ، وقوله تعالى:

( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ

____________________

(1) المجادلة: 22.

(2) الأحزاب: 57.

(3) المجادلة: 22.


الْغَالِبُونَ ) (1) ، وقوله تعالى:

( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا ) (2) ، وقوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (3) .

وهذه الآيات الكريمة بمجموعها تصبّ في مصبّ واحد، وتُعتبر دليلاً معتمَداً في باب الشعائر الحسينيّة، إذ إنّ الأسى والتألّم لمصابهم، والحزن لحزنهم هو نوع من التولّي لهم والتبرّي من أعدائهم، ويكون كاشفاً عن التضامن معهم والوقوف في صفّهم (عليهم السلام).

وكذلك الآيات المبيّنة لصفات المؤمنين بالتحذير من صفات المنافقين، حيث تقول:

( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (4) ، أي أنّ المؤمن يجب أن يفرح لفرح أولياء الله تعالى ويحزن لحزنهم، على عكس المنافق والناصب، ولو لاحظنا الآيات السابقة على الآية المزبورة أيضاً لازدادت الصورة وضوحاً، حيث يقول تعالى:

____________________

(1) المائدة: 55 - 56.

(2) الممتحنة: 4.

(3) الممتحنة: 13.

(4) آل عمران: 120.


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (1) ، فهذه الآيات تشير إلى أنّ علامة المودّة هي الفرح لفرح المودود، والحزن لحزنه، وإنّ علامة البغضاء والعداوة هي الفرح لحزن المبغوض، والحزن لفرح المبغوض.

وكذلك قوله تعالى:( كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) (2)، ومفاد الآية كالسابقات دالّ على أنّ علامة البغضاء هو الغيض والحزن من حسن حال المبغوض، وفرحه والفرح والسرور من سوء حال المبغوض وحزنه، وعلى العكس في المحبوب وفرحه والفرح والسرور من سوء حال المبغوض وحزنه، وعلى العكس في المحبوب؛ فإنّ علامة الحبّ توجب التوافق والتشابه في الحالة، ومن هذه الآيات - بضميمة ما تقدّم من فريضة مودّة أهل البيت في آية المودّة لذوي القربى - نستخلص هذه القاعدة القرآنيّة، وهي: فريضة الفرح لفرح أهل البيت والحزن لحزنهم (عليهم السلام).

الدليلُ الثالث: شمول عناوين أخرى للشعائر الحسينيّة، مثل: عنوان إحياء أمر الأئمّة(رَحِم الله مَن أحيى أمرَنا) (3) .

وهذا العنوان - وهو إحياء أمرهم (عليهم السلام) - قد طُبّق على إحياء العزاء الحسيني

____________________

(1) آل عمران: 118 - 119.

(2) الفتح: 29.

(3) بحار الأنوار: 51: 2 / ح 30.


ومذاكرة ما جرى على أهل البيت من مصائب، فيتناول الشعائر الحسينيّة، سواء المرسومة في زمنهم (عليهم السلام) أو المستجدّة المستحدَثة المتّخذة، ولا يُقتصر على الشعائر القديمة.

وقد وردت هذه الروايات في مصادر معتبرة مثل: بعض كتب الشيخ الصدوق (قدِّس سرّه): كالأمالي، والخصال، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ومعاني الأخبار. وكتاب دعوات الراوندي، وكتاب المحاسن للبرقي، وكتاب بصائر الدرجات للصفّار، وكتاب المزار للمشهدي، وقرب الإسناد، والمستطرفات في السرائر لابن إدريس الحلي، بحيث تصل هذه الروايات إلى عشرين طريقاً، وهناك الكثير من المصادر يجدها المتتبّع في مظانّها.

الدليلُ الرابع: العمومات التي وردت في باب الشعائر في الحثّ على زيارتهم وتعمير قبورهم وتعاهدها، ويتّضح من ألفاظ وأسلوب الزيارة أنّها نوع ندبة ومأتم يقيمه المؤمن خلال فترة الزيارة؛ ليتذكّر من خلاله ما جرى عليهم من مصائب.

مثل:(السلام عليك يا قتيل الله وابن قتيله، السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، أشهدُ أنّ دَمك سَكن في الخلد، واقشعرّت له أظلّةُ العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنّ وما بينهنّ) (1) .

- وفي إحدى الزيارات لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):(... السلام عليك يا وليّ الله، أنت أوّلُ مظلومٍ وأوّلُ مَن غُصبَ حقّه...) (2) .

____________________

(1) من زيارة للحسين (عليه السلام) مفاتيح الجنان: 423.

(2) مفاتيح الجنان: 353 - الزيارة الخامسة لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).


-(أشهدُ أنّك قد أقمتَ الصلاة وآتيتَ الزكاة، وأمرتَ بالمعروف ونهيتَ عن المنكر، ودعوتَ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأشهدُ أنّ الذين سَفكوا دَمك واستحلّوا حُرمتك ملعونون...) (1) .

-(... أشهدُ أنّك ومَن قُتل معك شهداء أحياء عند ربّكم تُرزقون وأشهدُ أنّ قاتلك في النار...) (2) وهي نوع رثاء وندبة.

وقد جمعَ صاحب وسائل الشيعة الشيخ الحرّ العاملي (قدِّس سرّه) في هذا العنوان - وهو زيارتهم أو تعمير قبورهم (عليهم السلام)، أو إقامة المأتم عليهم، أو إنشاد الشعر أو الرثاء، في آخر باب الحجّ، كتاب المزار - ما يربو على أربعين باباً وجُلّها من طُرق معتبرة: كالصحيح، أو الصحيح الأعلى، أو الموثّق، وظاهرها هو الحثّ على زيارتهم (عليهم السلام)، وتعاهد قبورهم وتعميرها، والترغيب في الرثاء وإنشاد الشعر لمصابهم، وأيضاً الأمر بالبكاء على مصائبهم وما جرى عليهم (عليهم السلام).

وينقل صاحب البحار العلاّمة المجلسي (قدِّس سرّه) أيضاً، عن غير المصادر التي ينقل عنها صاحب الوسائل، وقد عقدَ في البحار كتاباً للمزار ج 100.

وعلاوة على ذلك: فإنّ بعض علماء الإماميّة المتقدّمين، مثل: ابن قولويه عقدَ وألّف كتاباً خاصّاً في ذلك، وهو كتاب (كامل الزيارات) وهو يختصّ في هذا الباب، وكذلك صنعَ تلميذُه الشيخ المفيد (رحمه الله)، والشيخ الطوسي (قدِّس سرّه) في مصباح المتهجّد.

وأمّا ابن طاووس فقد أكثرَ في هذا الباب العشرات من الكتب نقلاً عن المئات من المصادر التي وصلت إليه، وألّف الشهيد الأوّل كتاباً بعنوان (المزار)،

____________________

(1) مفاتيح الجنان: 426 - مقطع من إحدى زيارات الإمام الحسين (عليه السلام).

(2) مفاتيح الجنان: 427.


كما عقدَ ابن إدريس في السرائر باباً للمزار، ويلاحَظ هذا الطرز من إدخال باب المزار في كتب الفقه ممّا يدلّ على كون ذلك ظاهرة منتشرة في كتب الفقهاء في الصدر الأوّل، بدءاً بالمُقنع، والهداية للصدوق، ورسالة أبيه الشيخ ابن بابويه(1) ، والمفيد في المقنعة إلى حوالي القرآن السابع والثامن الهجري وهناك متناثرات عديدة في ذلك.

فالمستقرئ في كتب الشيعة يرى أنّ هناك مصادر عديدة تحتوي هذه العناوين المتنوّعة، من: الزيارة، وتعهّد القبور، والرثاء في الشعر والنثر، وثواب البكاء وما شابه ذلك.

إذاً، بهذا المقدار نستطيع القول بأنّ الأدلّة في باب إحياء الشعائر الحسينيّة تنقسم إلى طوائف مختلفة، وإنّ ألسِنَتها عديدة.

فتحصّل في الجهة الثانية: أنّ لدينا أدلّة شرعيّة متعدّدة، سواء في باب الولاية، أو التولّي والتبرّي من أعدائهم، أو الصنف الثالث المتعلِّق بإحياء أمرهم، أو الرابع المرتبط بزيارتهم ورثائهم والبكاء عليهم، وتعاهد قبورهم وإعمارها، ممّا يُثبّت وجودها الأدلّة الشرعيّة الخاصّة والعامّة الدالّة على باب الشعائر الحسينيّة.

____________________

(1) أكثر الرسالة متناثرة في كتاب (مَن لا يحضره الفقيه) ومطابقة لأكثر ما في الفقه الرضوي.



الجهةُ الثالثة: أقسامُ الشَعائِر الحُسينيّة



تنقسم الشعائر الحسينيّة إلى: الخطابة - الشعر (حول واقعة كربلاء)، الكتاب (كتب التأريخ) - والعزاء بأقسامه: البكاء، اللطم، الضرب بالسلاسل، التطبير، المواكب، المشاعل، التشبيه، وغيرها من أقسام الشعائر الحسينيّة، ونحاول أن نذكر النقض والإبرام في أكثر تلك الأقسام، وكذلك نتعرّض لأجوبة بعض التساؤلات التي تُثار حول الشعائر الحسينيّة.

ولابدّ بادئ ذي بدء في هذه الجهة أن نتعرّض إلى الرواية في الشعائر الحسينيّة، أي رواية الخطيب عن أحداث النهضة الحسينيّة، أو رواية الشاعر في شعره، أو رواية الكاتب في نثره؛ لأنّ هناك لغطاً كثيراً وخَبطاً كبيراً في الضابطة والمِلاك في هذا البحث، هل هو الميزان التأليفي أم الميزان الفقهي، أم أنّه ميزان الرواية القصصيّة، ما هي الضابطة؟!

ولا بدّ من أن نعقد لذلك بحثاً مفصّلاً في البداية إن شاء الله.

وعند استعراض الأدلّة الخاصّة أو العامّة الواردة في الشعائر الحسينيّة ومصادرها ومظانّها بحسب تحليل الشعائر الحسينيّة، فقد مرّ بنا تكثّر العناوين الواردة فيها؛ ولأنّ كلّ شعيرة هي علامة ومعلَم لمعنى من الأحكام الدينيّة، ومن


ثُمَّ تتبّع تلك الشعيرة دليل ذلك المعنى والحكم الديني، فنستنتج أنّ الشعائر الحسينيّة لا تنحصر بعدد محدود.

فمن تقسيمات الشعائر الحسينيّة:

الخطابة، الشِعر، الكتابة، الرثاء، التمثيل (التشبيه، المسرح، الفيلم)، العزاء بأقسامه من: اللطم، وضرب السلاسل، والتطبير، والمواكب المختلفة، فأشكال وصور العزاء الحسيني كثيرة جدّاً، وكلّ منها يختصّ بأبحاث ربّما تختلف عن العناوين الأخرى، فلا بدّ من إيقاع بحث لكلٍّ منها على حِدة، وعلى الرغم من أنّ هناك أبحاثاً مشتركة بينها.

وهذه التقسيمات في هذه الجهة لا تقتصر على ما ذكرنا، بل تشمل كذلك صور ونواحي الإعلام في الشعائر الحسينيّة مثل: لبس السواد - وهو الزي الخاص المعبِّر عن الحِداد والحزن - واستخدام الرايات والأعلام في الحسينيّات والمواكب والشوارع العامّة.

إذاً، أقسام الشعائر تتّسع إلى كلّ ما هو مرسوم أو متّخذ، وما يُستحدَث وما يُستجدّ من صور وأشكال لإبراز الحُزن والتفجّع، وإظهار التأسّف والتأسّي والمواساة لأهل البيت (عليهم السلام)، فالتقسيم غير محصور طبقاً لعموم قاعدة الشعائر الدينيّة الشاملة للمصاديق المستجدّة، لا سيّما في دلالة نفس الأدلّة الخاصّة، فلا تنحصر بمصاديق معيّنة كي يطالب الباحث بدليل خاص حول هذا النوع الخاصّ من الشعيرة، أو تلك الشعيرة التي لم تكن في زمن الأئمّة (عليهم السلام)، وهذا ما ذكرناه سابقاً في البحث عن الجهات العامّة في قاعدة الشعائر الدينيّة، ومع ذلك سنبحث


عن بعض الأدلّة الواردة في الشعائر الحسينيّة، وإنّها لا تنحصر في المصاديق المعهودة في زمنهم (عليهم السلام)، بل تكون شاملة للمصاديق المستجدّة والمستحدَثة كذلك.

فالتقسيمات غير منحصرة، بل متّسعة بمقتضى ما حُرِّر في الجهات العامّة في قاعدة الشعائر الدينيّة، وبمقتضى ما سيتبيّن بالخصوص لبعض الأدلّة الخاصّة المتعرّضة للشعائر الحسينيّة.



الجهةُ الرابعة: الروايةُ في الشَعائر الحُسينيّة



حُكم الرواية لواقعة كربلاء، سواء في الشعر، أو النثر - الكتابة -، أو الخطابة وتصوير مسرح الأحداث التي واجهها الإمام (عليه السلام)، وعرض الخطوات التي أقدمَ عليها (عليه السلام)، وملابسات الظروف التي حفّت آنذاك به وبأصحابه، وما صدر من أعدائه من قساوة وتحدٍّ لله ولرسوله ولأهل بيته (عليهم السلام).

ما هو الميزان في بحث الرواية في واقعة عاشوراء، أو في الشعائر الحسينيّة، هل الرواية هي رواية تاريخيّة؟ أم هي رواية شرعيّة؟ وإذا كانت شرعيّة، فهل هي في باب الفروع والأحكام الفرعيّة؟ أو هي رواية في باب العقائد؟ لابدّ من معرفة كيفيّة بحث الرواية في واقعة كربلاء، والشعائر الحسينيّة بأقسامها المتنوّعة.

وحيث إنّ الرواية مادّة متكرّرة في كثير من أقسام الشعائر الحسينيّة، سواء في الشعر، أو النثر، أو الخطابة، أو مواكب العزاء وما شابه ذلك، فلا بدّ من الوقوف عندها ومعرفة ضوابطها.

وقد كثُر الكلام في ذلك، فكلٌّ يعطي ضابطة تروق له ويُفنّد غيرها، فلابدّ من البحث عن ضابطة معيّنة صحيحة.

ففي هذه الجهة الرابعة مقامان:


المقامُ الأوّل: في ضابطة الرواية في الشعائر الحسينيّة.

المقامُ الثاني: كيفيّة استخلاص المفاد من الرواية في واقعة كربلاء والشعائر الحسينيّة، أي منهج الاستظهار والاستنباط والتحليل، وإنّ أداة التحليل في مفاد الروايات الواردة على أيّ نمط كانت في المقام الأوّل؟

أمّا المقام الأوّل

فالرواية لواقعة كربلاء، هل هي رواية تاريخيّة، أم قصصيّة، أم رواية في باب الفروع، أم هي رواية في باب العقائد؟

نرى بعض من الباحثين والمحقّقين يتشدّد في قصّ الرواية عن واقعة كربلاء والبحث عنها، مثلما يتشدّد في الرواية التي يعتمد عليها في استنباط الحكم الفقهي، فلذا يتعامل مع رواية الواقعة بدقّة علميّة بالغة، ويؤكّد على ضرورة أن تكون الرواية مُسندة وصحيحة، وإنّها لابدّ أن تكون من كتاب معتبر، وغير ذلك من الضوابط والشروط.

وبعض آخر يتشدّد أكثر من ذلك، حيث إنّ واقعة كربلاء بتفاصيلها وجزئيّاتها والعِبر التي فيها هي قضايا عقائديّة، فينبغي - في رأيه - التشدّد أكثر، وسبر الرواية فيها بدرجة أشد.

وربّما ترى البعض يمارس الرواية القصصيّة في هذا المجال.

وقد يكون سرد الواقعة يأخذ طابع الرواية القصصيّة، كما يصدر هذا النوع غالباً من القائمين على إحياء الشعائر مباشرة، هناك مَن يعرضها على غرار الرواية التاريخيّة المطلقة.


وكما أنّ عدم الإسهام في الشعائر الحسينيّة جنبة سلبيّة، فإنّ عدم التقيّد في الشعائر الحسينيّة بالمصادر والمراجع لا يقلّ سلبيّة عن عدم المساهمة، فعدم التقيّد في كيفيّة النقل في الرواية لتطبيق مضمونها في الصور المختلفة بالاستعانة بالرواية في واقعة كربلاء، وعدم التقيّد بما هو منضبط وصادق وصحيح وله مدرك ودليل، فيه من الضرر للشعائر الحسينيّة ممّا قد يكون بنسبة الضرر ممّن يتهجّم على الشعائر الحسينيّة ولا يساهم فيها، مثل هذا الناقل غير المتقيّد لن يؤثّر عمله إلاّ تأثيراً مضادّاً، ولن يكون دوره في السلبيّة أقل من المُعارض للشعائر أو غير المساهم فيها.

والسرّ في ذلك: أنّ الشعائر الدينيّة المرتبطة بواقعة كربلاء؛ إنّما تمثّل شعيرة عامّة في الدين وليس شعيرة خاصّة، وإنّ من أهمّ وجوه نهضته (عليه السلام) هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما ذكرنا سابقاً - وقلنا: إنّ المعروف يشمل التوحيد وأصول الدين وفروعه؛ لأنّ كلّ ذلك معروف يجب الأمر به.

وذكرنا أنّ المنكر يشمل الشرك والكفر إلى آخر المنكرات الفرعيّة في باب السياسة والاقتصاد - الظلم المالي والقضائي -؛ لأنّ كلّ ذلك من المنكر.

فإذا كان باب الشعائر الحسينيّة وعنوان نهضته (عليه السلام) قد صرّح بها في قوله (عليه السلام):(إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (1) ، وإحياء هذه الفريضة العظيمة هو المحافظة على الدين، كما في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(حُسين منّي وأنا من حسين) (2) فلذلك يقال:

____________________

(1) بحار الأنوار 44: 329 / ح 2.

(2) المعجم الكبير (الطبراني): 3: 33؛ الإرشاد (الشيخ المفيد) 2: 127؛ موارد الظمآن


(الإسلام محمّديّ الوجود، حسينيّ البقاء) وبدون الشعائر تنهدم الفرائض ويضمحلّ الدين وينحسر الهدى، وبها تقوى أركان الشريعة، من التوحيد - الذي هو أوّل فريضة - إلى آخر الفرائض التي لا يمكن أن تُقام بدون تلك الشعائر.

إذاً، نفس الشعائر الحسينيّة فريضة مقدّسة ومهمّة عظيمة، وعَظمتها مترشّحة من عَظمة الدين وعظمة الولاية، وكما ذكرنا فإنّ الشعائر الحسينيّة في تحليلها الماهوي هي علامة ورمز للإمامة ولمسيرة الإمامة الإلهيّة، تمييزاً لها عن الخلافة البشريّة المنحرفة، فلا يمكن التفريط والتهاون بالشعائر الحسينيّة، بل لابدّ من التحفّظ والاهتمام والإقامة؛ لأنّ المفروض أنّ واقعة كربلاء ونهضة الحسين (عليه السلام) وفعل المعصوم - سيّما أنّ الأئمّة قد أبرزوا ذلك في الحسين (عليه السلام) باعتباره قدوة الأحرار وسيّد الأُباة - هي شعار ومنار لمعانٍ سامية وأهداف خالدة، وهي شعار الصدق، وشعار الحقيقة، وشعار الإباء والهُدى.

مبالغةُ الجهد علميّاً وعمليّاً

لابدّ - إذاً - للمُشارك والمساهم في الشعائر الحسينيّة من المبالغة في بذل الجهد العلمي والعملي؛ لأنّ وفرة الجهود العلميّة تحول دون الاندراس الوثائقي لهذه الحقيقة الدينيّة التاريخيّة العظمى، لا سيّما مع تطاول القرون والعصور.

____________________

(الهيثمي): 554؛ تاريخ مدينة دمشق 14: 149؛ تهذيب الكمال (المزي) 6: 402؛ تهذيب التهذيب (ابن حجر) 2: 299؛ البداية والنهاية (ابن كثير) 8: 224؛ ينابيع المودّة (القندوزي) 2: 38.


لابدّ إذاً من المواظبة على حفظ الموازين الشرعيّة والتوصيات العامّة فيها، ومنها: حفظ الأخلاق والآداب والالتزام الديني، لاجتناب ضياع وخسران الأهداف التي جعلت الشعائر من أجلها.

ولنتعرّض إلى ضوابط هذه الاتجاهات في الرواية، ما هي ضابطة الرواية التاريخيّة؟ والقصصيّة؟ والتي هي في باب الفروع؟ أو في باب العقائد؟

الرواية التاريخيّة

ضابطتها: أن تكون مذكورة في مصدر تاريخي يُعتمد عليه بين فئة معيّنة أو فئات معيّنة، بحيث لم يظهر من صاحبه تدليس أو إخفاء أو تغيير للحقائق، وقد أصبح كتابه متداولاً مُعتمداً عليه في الرواية التاريخيّة، المقصود أن يكون مصدراً من المصادر في البحث التاريخي.

والكتب التاريخيّة الغالب فيها عدم ذِكر السند أصلاً، وفي علم التاريخ والرواية التاريخيّة كلّما كان المصدر أقدم كان أثبت وأقوى، لا بمعنى أنّ الكتاب التاريخي الذي كُتب في القرن التاسع لا يُعتمد عليه، أو ما كُتب في القرن الثالث عشر لا يُعتمد.

بل يبقى مصدراً تاريخيّاً، غاية الأمر، أنّ المصادر التاريخيّة كلّما كانت أقدم كانت أثبت، والضابطة في علم التاريخ وفي البحث التاريخي هي: أنّ المؤرِّخ أو الباحث التاريخي لا يعتمد على نقل تاريخي كشيءٍ مُسلّم، ولا يُفنِّده لعدم ذِكر سنده، وغالباً يكون ذِكر السند في كتب السيَر، مثل: سيرة ابن إسحاق وغيرها.

غاية الأمر أنّ الضابطة عند التاريخي، أنّه حينما يريد أن يرسم في مقام


الكشف والتنقيب عن واقعة تاريخيّة، يحاول أن يُحصّل ما يرسم هذه الواقعة بكلّ أطرافها وزواياها وأبعادها بتوسّط الفحص المتاخم للاطمئنان والوثوق، ومن ثُمّ يستفيد من لفتات ونقولات تاريخيّة مختلفة تُعتبر بمثابة القرائن، ولها أساليب وفنون عديدة في علم التاريخ، مثل: كيفيّة تحصيل القرائن، ومطابقة الأحداث بعضها مع البعض الآخر، وملاحظة التواريخ، والوفيات، وأدلّة الوقائع الهامّة، والطبقات.

حتّى أنّ علم الرجال يُعدّ شعبة من شعب علم التاريخ، أو قل: إنّ علم التاريخ يساهم مساهمة كبيرة جدّاً في علم الرجال، ولذلك فهناك مشابهة قريبة الصلة بين علم التاريخ وعلم الرجال.

إذاً، الباحث التاريخي دأبهُ هو تصيّد واقتناص الروايات والقرائن والقصاصات واللقطات المختلفة، حتّى يُرتّب ويشكّل ويرسم الصورة الخاصّة للواقعة التاريخيّة، فإذا كان في رواية الشعائر الحسينيّة من حيثيّة البحث والرواية التاريخيّة، فمن الخطأ أن يفنِّد السامع الرواية التاريخيّة ويواجهها بالإنكار بذريعة عدم وجود مستند لتلك الرواية؛ لأنّ الرواية التاريخيّة لا يُقتصر فيها على المسانيد، بل المفروض فيها المصدر المعتمَد المتقادم عهداً.

وكذلك الأمر في الاعتراض على المصدر بأنّه متأخّر زماناً، إذ الرواية التاريخيّة لا تُردّ إذا كان المصدر متأخّراً، غاية الأمر أنّ المصدر المتأخّر بنفسه لا يُعتمد عليه منفرداً بنفسه، بل يكون كقرينة محتملة لابدّ أن تنضمّ إليها قرائن أخرى، فكون هذا الكتاب أو المقتل متأخّراً - في القرن العاشر مثلاً - لا يكون سبباً لطرحه، وإن كان موجباً لضعف الدرجة الاحتماليّة للاعتبار، المهمّ أنّه ناقلٌ


للكتاب أو للرواية التاريخيّة، وإن لم يُكتب فيه السند، وباب الرواية التاريخيّة لا يُطلب فيها ما يُطلب في باب الأحكام الفرعيّة.

وفي هذا بحث مبسوط، لكنّنا نذكره بشكل مختصر فقط.

فضابطة الرواية التاريخيّة أنّها تعتمد على الكتب التاريخيّة المتداولة ولو كانت متأخّرة.

غايةُ الأمر أنّ الكتب المتقدّمة أكثر اعتماداً، وإنّ الباحث التاريخي يستنفذ جهده ووُسعه في تحصيل القُصاصات والقرائن والشواهد إلى أن ترتسم له حقيقة الحال، بحيث يوقِفك - أيّها القارئ - من مجموع تلك القرائن والشواهد على الصورة الحقيقيّة لهذه الواقعة التاريخيّة.

وهذا المنهج - وهو منهج تحصيل الاطمئنان - هو المتّبع في العديد من العلوم، مثل: علم الرجال؛ فإنّ عُمدة مسلك علماء الرجال في المفردات الرجاليّة(1) في التوثيق والتضعيف، هو: أن يقفوا على حقيقة المفردة بغضّ النظر عن أقوال التوثيق وأقوال التضعيف، وبغضّ النظر عمّا قيل فيها من جُرح وتعديل؛ وإنّما يُعتدّ بالجرح والتعديل كقرائن لا كمصادر منحصرة، وبالدرجة التي يحصل عندها الاطمئنان.

وهناك عدّة مناهج رجاليّة في هذا الباب، عُمدتها منهج التحليل والجمع لأكبر عدد من الشواهد والدلالات لتحصيل الاطمئنان برؤية معيّنة، وهذا هو نفس المنهج التاريخي، وهو أن يصل الباحث إلى واقع حقيقة المفردة ودرجتها العلميّة ودرجتها الاجتماعيّة، ويعرف متى استقامت، ومتى انحرفت، وأيّ درجة من الانحراف فيها؟ إلى أن يصل إلى واقع الحال، وهذا من دأب ومنحى المنهج التاريخي.

____________________

(1) هم رواة سلسلة أسناد الأحاديث، فكلّ راوٍ يُطلق عليه مفردة رجاليّة، أو عنوان رجالي.


ضابطةُ الرواية القصصيّة

وقد تسمّى بالرواية التمثيليّة أو الرواية التخييليّة.

هذه الرواية القصصيّة هي - على عكس الرواية التاريخيّة - ليست في مقام الإخبار بالجملة، أو قُل ليست في مقام الإخبار للمدلول المطابقي، لكنّها في مقام الإخبار للمدلول الالتزامي، نظير باب الكناية والتعريض، بل هي متقوِّمة بحيثيّة عدم الإخبار؛ وإنّما تقتصر على إنشاء تخيّل وتصوّر لمعانٍ تخيّليّة، ولها أقسام وفنون متعدّدة مذكورة في الأدب القصصي، وهو مختصّ بالعلوم الأدبيّة، أو بعلوم الفنون التشكيليّة.

وهذه الرواية موجودة حتّى في علوم الحوزة الدينيّة، مثل: علم البلاغة الذي يشمل البيان والمعاني والبديع.

مثلاً ترى القصّة التي كتبها القَصَصي لا وجود لها بتاتاً، وإنّه ليس بصدد تأليف هذه القصّة في مقام الإخبار، بل الهدف المرجوّ من كتابة هذه القصّة لأجل التوصّل إلى معنى آخر، مثلاً من خلال القصّة يحاول بيان معنى العدالة، أو يسعى لتوضيح معنى سوء الخلق، أو بذاءة الفاحشة، أو لذّة الروحانيّات والعبادات والأُنس بها، وهلمّ جرّاً.

فهناك فارق بين الرواية التاريخيّة والرواية القصَصيّة، المنوال القصصي والحبكة القصَصيّة الغرض منه الحكاية عن معنى آخر، وذلك المعنى الآخر هو المعنى الالتزامي، فإن كان المعنى صادقاً يقال بأنّ هذا الراوي القصصي صادق، وإن كان ذاك المعنى كاذباً أو قبيحاً، يقال إنّ هذا الرواي القصصي مُدلّس أو


متحلّل أو منحرف وليس له هدف تربوي نبيل، وإنّ إخباره كاذب، إذ من المسلّم قُبح الخيانة (مثلاً)، فحينئذٍ إذا أردنا معرفة هدف الراوي القصصي في قصّته، وإنّ روايته القصصيّة كاذبة أو صادقة، وما هو موطن الموافقة وعدم الموافقة للواقع؛ فإنّ موطن المطابقة - أي اللازم مطابقته للواقع والحقيقة - هو المعنى الالتزامي للمغزى، وموطن اللامطابقة - أي غير اللازم مطابقته - هو نفس المدلول المطابقي للرواية القصصيّة، كما هو الحال في الكناية مثل: (زيد كثير الرماد).

هذه الرواية القصصيّة - بعد العلم بضابطتها - تقع على أقسام:

1 - تارةً نفس الأشخاص الذين تُذكر حولهم الرواية القصصيّة هم أشخاص موهومون، وبعبارةٍ أخرى: أنّ كلّ الرواية القصصيّة هي خياليّة، ولكنّ معناها ومغزاها حقيقي، وقد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً.

2 - وقسمٌ آخر: الأشخاص فيه حقيقيّون، لكنّ النسبة في الروايات القصصيّة ليست نسبة حقيقيّة، بل نسبة قصصيّة، من أمثلة ذلك: شِعرُ دعبل الخزاعي في قصيدته المشهورة:

أفاطم لو خِلت الحسين مُجدّلاً = وقد ماتَ عطشاناً بشطّ فُرات(1)

فهو لم يحضر ولم يشهد الواقعة، لكنّه يرسم رَسماً تصويريّاً، فالزهراء (عليها السلام) ليست شخصاً تخيّلياً؛ وإنّما هي حقيقة، والحسين (عليه السلام) أيضاً طرَف في هذه الصورة، لكنّ هذا التجسيم والتمثيل شِعريّ وإن كان قَصصيّاً - ليس بالتاريخ - فإنّه يريد أن يُبيّن بواسطته معنىً معيّناً، وهو: عُظم الفاجعة، وشدّة المصيبة، وفداحة المصاب.

____________________

(1) تقرأها كاملة في بحار الأنوار 49: 247.


فالرواية القصصيّة تارةً يكون المحمول فقط فيها قصصيّاً فرضيّاً في القضيّة، وتارةً يكون كِلا الموضوع والمحمول معاً قَصصيّاً تخيّليّاً.

ولا حظر ولا منعَ من كون الرواية القصصيّة تضمّ طرفاً حقيقيّاً وطرفاً تخيّليّاً، ولا يستلزم ذلك الكذب والتدليس، ولا ضرورة ولا لزوم أن تكون كلّ رواية قصَصيّة مجموعها حقيقي.

هذا الخلط قد وقعَ عند البعض، وهذا هو معنى لسان الحال الذي يُعبّر عنه الخطباء والشعراء، والذي له طرف حقيقي وطرف قصصي، والطرف القصصي ليس بخرافة، وأمّا الذي يُسمّي ذلك خرافة فهو لا يفهم معنى الرواية القصصيّة.

ولا يتعاطى أهل الفن الرواية القصصيّة - في الأصل - للإخبار عن الواقع بنفس المدلول المطابقي؛ وإنّما لأجل الإخبار عن الواقع بالمدلول الالتزامي.

فالقول المزبور يدلّ على عدم فهم معنى الرواية القصصيّة، نعم، يجب على الراوي في الرواية القصَصيّة أن ينصب قرينة، ليس قرينة بلسان الحال، بل قرينة واضحة، مثل: بيت الشِعر الذي ذكرناه قبل قليل لدعبل الخزاعي (أفاطم لو)، فكلمة (لو) هي القرينة على أنّه ليس إخباراً عن الواقع بنفس المدلول المطابقي.

كذلك الفيلم، كون اسمه (فيلم) يعني رواية قصصيّة، والمسرحيّة أيضاً كذلك، إذاً لابدّ أن ينصب الراوي القصصي قرينة معيّنة كي يميّزها عن الرواية الخبريّة البَحتة.

فقد يرسم الكاتب، أو الخطيب، أو الشاعر، أو الرادود، أو الراثي صورة قصَصيّة مُفجعة جدّاً عن واقعة كربلاء دون أن يكون في مقام الإخبار، ويُبيّن أنّها ليست


في مقام الإخبار بقرينة معيّنة، إمّا لفظيّة أو حاليّة، كي يصوِّر شدّة المصاب أو شدّة الخَطب الذي مرّ على سيّد الشهداء (عليه السلام)، أو قوّة الإباء عنده (عليه السلام)، أو تصلّبه (عليه السلام) في ذات الله.

والعَجب، أنّ البعض ممّن كتبَ في المقاتل، أو في الكتب التاريخيّة يُفنّد تفنيداً شديداً هذا الباب، مع العلم بأنّ هذا الباب لا يمكن إغلاقه وإلغاؤه عن مسرح الشعائر، ولا حتّى عن الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة اليوميّة، ففي الحضارات المختلفة للبشر هناك كثير من المعاني يمكن أن تصل إلى المجتمع ويُربّى عليها بتوسط دوالّ وعلامات أخرى؛ لأنّ المفروض أنّ المدلول الالتزامي القصَصي أو المغزى هو معنى حقيقي صادق.

فالكلام في الجهة الرابعة من الشعائر الحسينيّة في خصوص الرواية وأقسامها: التاريخيّة، والقصصيّة، والشرعيّة، الفرعيّة، والعقائديّة في واقعة عاشوراء.

ومرّ بنا خصائص قانون الرواية التاريخيّة، وكذلك قانون الرواية القصَصيّة.

الروايةُ الشرعيّة

أمّا الرواية الشرعية - أي التي يُعتمد عليها في استنباط الأحكام الفرعيّة - فضابطتها هي:

تحرّي الكتب المعتمدة بين الطائفة، والبعيدة عن شبهة الدسّ والتدليس، وبحمد الله فإنّ كُتب الطائفة مسطورة ومنتشرة ومعروفة، وهي على درجات في شدّة الاعتبار وتوسّط الاعتبار.


ثُمّ لابدّ أن تَعتمد هذه الرواية الشرعيّة نفس الموازين المأخوذة والمُتّبعة في الفروع، فتجري عليها موازين الاعتبار والحجّيّة للرواية، فإمّا أن تكون صحيحة، أو موثّقة، أو حَسنة(1) .

على كلّ حال فمناط حجّيّة الخبر في الفروع مختلفة حسب الأقوال، وأمّا الخبر الضعيف إذا استُخرج من كتابٍ معتبر فلا يُهمل ولا يُطرح جانباً، بل على الأقلّ يُتّخذ كقرينة تعضد بقيّة الروايات، أو يُشكّل رقماً إضافيّاً لتحقّق التواتر، حيث إنّ الخبر المتواتر يَعتمد على قاعدة رياضيّة برهانيّة في تولّد القَطع، وهو تصاعد الاحتمالات نفياً أو إيجاباً إلى أن نصل إلى درجة القطع، فقد يُعتبر هذا الخبر مادّة للتواتر أو مادّة للاستفاضة، أو مادّة لاعتبار وثوق الخبر، فلا يمكن طرح الخبر الضعيف من رأس، وهذا مُحرّر أيضاً في علم الدراية.

عدمُ جواز ردّ الخبر الضعيف

وللخبر الضعيف أحكام تختلف عن أحكام الخبر المعتبر، لا أنّه ليس له أيّ حكم أبداً، وأحد أحكام الخبر الضعيف حرمة ردّه ما لم يَذدك عنه دليل قطعي لدلالة قطعيّة قرآنيّة، أو سُنّة قطعيّة، يعني إذا لم يتعارض مع الدلالة القطعيّة للكتاب والسُنّة، وحرمة ردّ الخبر الضعيف قاعدة مُسلّمة عند الأصوليّين والإخباريين، وحرمة الردّ غير حجّيّة الخبر.

____________________

(1) مشهور الفقهاء على أنّ الرواية الحسنة يُعتدّ بها، وإن كانت في درجة الاعتبار عندهم دون الخبر الموثّق، أو الخبر الصحيح، والخبر الحَسن عند مشهور الفقهاء يُعتمد عليه عند عدم تعارضه بما هو أقوى منه.


الكثيرُ يختلط عليه الأمر بين حجّيّة الخبر وحرمة الردّ، حرمة الردّ تتناول حتى الخبر الضعيف، وقد عقدَ صاحب الوسائل في أبواب كيفيّة القضاء، أو كيفيّة حكم القاضي باباً يذكر فيه تلك الروايات الدالّة على هذه القاعدة المسلَّمة.

والخبر الضعيف - في علم الدراية والحديث - يختلف عن الخبر الموضوع والمدسوس والمجعول، وتلك الأخبار تشمل الخبر الذي عُلم وَضعه يسمّى ذلك الخبر مدسوساً أو مجعولاً أو موضوعاً، أمّا الذي لم تتوفّر فيه شرائط الحجّيّة، فلا يقال إنّه مدسوس أو موضوع، لا سيّما بعد عمليّة الغَربلة والتنقية والتنقيح التي قامت بها طبقات عديدة من محدّثي الشيعة ورواتهم.

فالخبر الضعيف له أحكام إلزاميّة، وقد وردَ بيان لهذه القاعدة في بعض الروايات بألسِنة مختلفة، منها: أنّ ردّ الخبر بمنزلة الردّ على الله سبحانه من فوق عرشه، أو بعبارة:(رُدّوه إلينا) وغيرها(1) .

وهناك نكتة لها علاقة ببحث الرواية وهي: أنّ الواقعة - واقعة كربلاء، واقعة عاشوراء - قد أحتفّ بها قبل وبعد وقوعها حوادث ومواقف ذات أهميّة بالغة، تظافرت الدواعي والجهود لرصدها ونقلها، مضافاً إلى التقدير الإلهي لبقاء ذكرها وخلود سيرتها إلى يوم القيامة، والسرّ في ذلك: هو أهميّتها في مسار الدين ومسار المسلمين، ولذلك تضافرت الدواعي والجهود لنقلها، حتّى أنّه قد ذَكر غير واحد من العامّة - فضلاً عن الخاصّة - أنّه لم تُرصد واقعة تاريخيّة من حيث التفاصيل

____________________

(1) الكافي 2: 222، حيث وردَ في هذا الحديث(... ولا تبثّوا سرّنا ولا تُذيعوا أمرنا، وإذا جاءكم عنّا حديث فوجَدتم عليه شاهداً أو شاهدَين من كتاب الله فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده، ثُمّ ردّوه إلينا حتّى يستبينَ لكم) .


والأحداث والجهات الأخرى كما رُصدت واقعة كربلاء.

فمع وجود هذه المادّة الوفيرة والكثيرة، لا ينبغي لأحد أن يترك الضبط، غاية الأمر لابدّ من اتّباع الموازين كما سيتبيّن.

مثلاً عقدَ ابن عساكر في تاريخ دمشق باباً خاصّاً في تاريخ الحسين (عليه السلام)، وما جرى عليه من أحداث حتّى شهادته (عليه السلام)، ونَقل بطرق عديدة، وهو حافظ من الحفّاظ الكبار عند العامّة، وذكرَ من مصادر عديدة أنّ السماء بكت دماً، وإنّه ما قُلب حجر يوم عاشوراء بعد مصرع سيّد الشهداء (عليه السلام) إلاّ وكان خلفه دم عبيط، وكذلك الأمر في أرض الشامات وما حولها.

ويذكر ابن عساكر حوادث أخرى في تاريخه، وذكرها غيره أيضاً، ومنهم: الخطيب البغدادي في تاريخه، ومن كُتب العامّة التي تناولت واقعة الطف: مقتل الخوارزمي، وتاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير وغيرها من مصادر العامّة.

وقد نُقلت واقعة الطف في كثير من مصادر الشيعة، مثلاً: كتاب أمالي الشيخ الصدوق (قدِّس سرّه) فيه عدّة مجالس، إذا جُمعت تكون مقتل خاص، ويذكرها بأسانيد له تصل إلى المعصومين (عليهم السلام).

هذا بالنسبة لضابطة الرواية في باب الفروع.

الروايةُ في باب العقائد

أمّا الرواية في باب العقائد، فالذي عليه مشهور متكلّمي الشيعة، أنّ العقائد لا تثبت إلاّ بالخبر القطعي، ولا تثبت بالخبر الظنّي.

أمّا مشهور المُحدّثين، فقد ذهبوا إلى أنّ العقائد يمكن أن تثبت حتّى بالخبر


الظنّي المعتدّ به، وأمّا بقيّة فقهاء الشيعة فبعضهم التزمَ بأنّ العقائد لا تثبت إلاّ بالخبر القطعي، وذهب بعضهم إلى التفصيل، فالمعارف الأساسيّة لابدّ من الدليل القطعي في مقام إثباتها، أمّا المعارف غير الأساسيّة وتفاصيل وفروع المعارف، مثل: كيفيّة نشأة البرزخ، وكيفيّة نشأة القيامة وتفاصيلها التي لا يصل إليها العقل، ونشأة الجنّة وتفاصيلها فيمكن إثباتها بالأخبار الظنّيّة.

وقد ذكرَ هذه الأقوال الشيخ الأنصاري في بحث الانسداد، وذهبَ إلى التفصيل: الشيخ الطوسي، والمحقّق الطوسي (الخواجة نصير الدين الطوسي)، والمقدّس الأردبيلي، والميرزا القمّي (صاحب القوانين)، والشيخ البهائي، والعلاّمة المجلسي، والتزموا بإمكان ثبوت تفاصيل المعارف والعقائد بالأخبار الظنّية اعتماداً على الدليل المعتبر الظنّي.

ومن المتأخّرين في عصرنا ممّن اختار هذا القول: السيّد الخوئي (قدِّس سرّه) في كتاب مصباح الأصول، ضمن بحث (حجيّة الظن في الأصول الاعتقاديّة)(1) ، وأستاذه المرحوم المحقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (قدِّس سرّه) في شرحه على الكفاية في باب الانسداد، حيث قرّر إمكان الاعتماد على الدليل الظنّي المعتبر في تفاصيل العقائد.

وقد يظهر من آثار وتقريرات المرحوم أقا ضياء العراقي الميل إلى ذلك.

فإذا تشكّل من الخبر الواحد درجة من الاطمئنان أو التواتر أو الاستفاضة، فيمكن إثبات العقائد به.

وإن لم يتشكّل منه التواتر أو الاستفاضة، فإن كان الخبر الواحد معتبراً، فهناك ثلّة من علماء الإماميّة قديماً وحديثاً ذهبوا إلى إمكان إثبات فروع

____________________

(1) راجع مصباح الأصول 2: 238.


وتفاصيل العقائد بالخبر الظنّي المعتبر، وإلاّ فيمكن جعله قرينة إضافيّة يضمّ إلى قرائن أخرى؛ ليقوى احتمال ثبوت المؤدّى وذلك حسب نظريّة تراكم الاحتمالات.

من باب النموذج في أصول الكافي، رواية معتبرة السند في فضيلة ليلة القدر، عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال:(لقد خلقَ الله جلّ ذكرهُ ليلة القدر، أوّل ما خلقَ الدنيا ولقد خلقَ فيها أوّل نبي يكون، وأوّل وصي يكون، ولقد قضى أن يكون في كلّ سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السنة المُقبلة، مَن جحدَ ذلك فقدّ ردّ على الله عزّ وجل علمهُ..) (1)، فهذه الرواية تدلّ على لزوم الأخذ بالخبر المعتبر في تفاصيل العقائد، نظير العديد من الروايات في هذا المجال.

كان هذا كلّه في مقام الرواية، أي: الرواية في الواقعة العاشوريّة، الرواية في الشعائر الحسينيّة، وقبل أن نتعرّض إلى المقام الثاني، وهو مقام تمحيص مفاد الرواية في الشعائر الحسينيّة، نستخلص نقطة للمقام الأوّل(2) ، وهي: أنّ الرواية التاريخيّة - في الضابطة التي ذكرناها - هل لها موطن قَدم في الروايات المنقولة عن كربلاء وعن نهضة كربلاء؟ وما حال الرواية فيها، هل هي الرواية القصصيّة؟ أم الرواية في الفروع؟ أم الرواية العقائديّة؟ أم الرواية التاريخيّة؟

قال بعض: لمّا كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي نهضة معصوم وفعل معصوم، فمن ثَمّ يجب أن تخضع الرواية التي ينقلها الخطيب أو الشاعر أو الراثي

____________________

(1) أصول الكافي، كتاب الحجّة: باب 41 - 308.

(2) راجع المقام الأول ص: 220 من هذا الكتاب.


إلى موازين الرواية في الفروع، وإلاّ كانت تقوّلاً على المعصوم (عليه السلام)، وأن يُنسب للمعصوم ما لا نملك دليلاً على نسبته إليه، ولكنّ هذه الدعوى بإطلاقها غير صحيحة، فنحن نُسلّم أنّ نهضة الحسين (عليه السلام) فعل المعصوم، إلاّ أنّ تاريخ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتاريخ بقيّة الأئمّة (عليهم السلام) أيضاً يخضع للضوابط التاريخيّة.

والهدف من الرواية المنقولة هو: نقل مسرح الأحداث وتفاصيلها التي لا تتّصل بالمواقف الرئيسيّة المتعلّقة بالحكم الشرعي أو العقائدي، أو من جهة أخذ العبرة، كما في باب الآداب الشرعيّة أو العامّة، أو أخذ العبرة في باب الحكمة، أي أنّنا لا نتوقّع من هذه الرواية التاريخيّة أن تُثبّت فرعاً من الفروع أو حكماً من الأحكام - فرعيّاً أو عقائديّاً -؛ وإنّما الهدف لمّا كان حكمه ثابتاً ومقرّراً أن نأخذ العبرة في كيفيّة تطبيقه، ونأخذ العبرة في كيفيّة لزوم التقوى مثلاً، ونأخذ العبرة في ما شابه ذلك من السير والسلوك الأخلاقي، فإذاً هذه هي ضابطة المادّة التاريخيّة والبحث التاريخي، وهو أن لا تُثبّت حكماً فرعيّاً أو عقائديّاً؛ وإنّما الغاية هو أخذ العبرة والموعظة لمَا هو مقرّر وثابت.

وبذلك تثبت ضابطة البحث التاريخي، وهذا هو مجال الرواية التاريخيّة في الواقعة الحسينيّة، وفي نهضة الحسين (عليه السلام وفي عاشوراء - سواء في الرواية، أو في الكتابة، أو الخطابة، أو الشِعر، أو غير ذلك - لا سيّما إذا كان هذا الأمر التاريخي واصلاً على نحو الاستفاضة، بنفس الضوابط التاريخيّة التي مرّ ذكرها.

إذاً، ليس كلّ ما يُسرد رواية في باب أقسام الشعائر الحسينيّة - من الخطابة، والشعر، والنثر، والكتابة - له حيثيّة أحكام فرعيّة أو عقائديّة، بل شطر منه من باب الرواية التاريخيّة والمواعظ والعِبر، وما يقوم به الواعظ أو المرشد لبيان سيرة


الأئمّة (عليهم السلام)، وآدابهم ومظلوميّتهم ليس في مقام تثبيت حكم شرعي ولا حكم عقائدي؛ وإنّما في مقام تربية السامع ووعظه وإرشاده، فحينئذٍ في مقام المواعظ والنصائح التي تقع في مضانّها لا يُطالب الناقل بالسند المعتبر، ولا يجري توخّي ميزان الرواية في باب الاستنباط والحكم الشرعي، بل ينبغي أن تجري ضابطة النقل التاريخي؛ لأنّ الناقل في مقام العِبرة والموعظة وبيان الحكمة، أو في مقام الإخبار عن مجمل وتفاصيل الحدَث لا مجرياته الأصليّة.

إذاً، مسرح ومجال الرواية التاريخيّة في واقعة عاشوراء ونهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، هو هذا الجانب، أي جانب العبرة والموعظة والنصيحة والإرشاد والسرد لتفاصيل الحدَث.

وقد ذكرَ أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة - في خطبة غرّاء في قواعد علم التاريخ - هذا المضمون في قوله:(إنّي وإن لم أكن عمّرتُ عُمر مَن كان قبلي، فقد نظرتُ في أعمالهم، وفكّرتُ في أخبارهم، وسرتُ في آثارهم، حتّى عدتُ كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرتُ مع أوّلهم إلى آخرهم) (1) .

والعِبر والموعظة والمعرفة التفصيليّة لجزئيّات الأحداث، مطلب يغاير باب الاستنباط وتحرير الأحكام الشرعيّة، وهذه هي ضابطة الرواية التاريخيّة في الشعائر الحسينيّة.

أمّا الرواية القصَصيّة - التي ذَكرنا أنّ الخطباء والشعراء والرواديد يتعرّضون لها، أو ما يسمّى بالتمثيل (الشبيه)(2) وغيره، حيث يؤتى بما يعبّر عنه بـ(لسان

____________________

(1) نهج البلاغة، طبعة محمّد عبدة 3: 40.

(2) المسرحيّات الشعبيّة لأحداث الواقعة.


الحال)(1) ، ويتوصّل به إلى ترسيم الصورة المراد تجسيدها - فالضابطة التي ينبغي اتّباعها وممارستها في بيان حوادث وأبعاد واقعة عاشوراء هي: أن يؤول إلى أمر حقيقي، بأن يتوخّى الخطيب أو الشاعر، أو الكاتب، أو الراثي، نقل أمرٍ تاريخي ثابت بحسب الضابطة التاريخيّة، لا بالضابطة الشرعيّة للاستنباط، بعد أن يتثبّت الأمر تاريخيّاً، أو قُل يثبّت أمراً فرعيّاً، حتّى يتناول ذلك المعنى الصادق بالرواية القصصيّة، أو ما يُعرف بـ(لسان الحال)، أو ما يقال بـ(الرسم والتصوير التمثيلي) في علم البلاغة.

بحيث إنّه قد ثبتَ لدى الشاعر أو الناثر شكل تفجّع الزهراء (عليها السلام)، أو العقيلة زينب (عليها السلام) مثلاً أو غيرها من المواقف المؤلمة، فيريد أن يصوّر تلك الحقيقة التي هي حقيقة مؤثّرة ومفجعة لا يتحمّلها إنسان ذو ضمير، ويرسمها بشكل لسان الحال، فضابطة الرواية القصَصيّة هنا ينبغي أن تتّبع حقيقة ما، إمّا حقيقة تاريخيّة، أو حقيقة فرعيّة، أو حقيقة عقائديّة، ولولا ذلك لكانت الرواية القصصيّة خرافيّة.

وإنّما المراد الإخبار عن مغزى معيّن وقد ينتج - على سبيل المثال - فيلماً ليس له واقعيّة، ليس له غالباً إخبار عن الواقع، لكنّ مغزاه الذي يروم الكاتب القصصي التوصّل إليه له مغزى حقيقي - إذا كان الكاتب صادقاً في غرضه - كأن يريد أن يتوصّل إلى حُسن الوفاء مثلاً، أو إلى دناءة الفاحشة، فيجب أن يعتمد الراوي لقضيّة قصصيّة على حقيقةٍ ما أوّلاً، ثُمّ يصوّرها بترسيم تنفيذي،

____________________

(1) مثل قول الشاعر السيّد رضا الموسوي الهندي:

ولو ترى أعين الزهراء قرّتها والنبلُ من فوقه كالهـُدب ينعقد

إذاً لحنّت وأنّت وانهمَت مُقلٌ منها وحَرّت بنيران الأسى كبدُ


بالاستعارة وأقسامها، والتشبيه، والبديع، كما هو مرسوم في علم اللغة.

فأوّلاً يجب أن يعتمد على الحقيقة، وهذه ضابطة لا بدّ منها في واقعة عاشوراء، حيث يجب على الخطيب القصصي، أو الراثي، أو الناثر، أو الشاعر أن يلتزم بهذه الضابطة، وينصب قرينة على أنّه بصدد التصوير التمثيلي لا الإخبار الحقيقي، نعم، مغزى وهدف التصوير التمثيلي هو الحقيقة.

نعم، يجب أن يكون هذا الرسم متناسباً مع الحقيقة وليس مناقضاً لها؛ لأنّ الأديب يريد أن يصوّر صبر العقيلة (عليها السلام) مثلاً، ثُمّ يرسم رسماً تصويريّاً في نثر، أو شعر، أو خطابة يناقض صبر العقيلة كان غير موفّق في عمله، فلابدّ أن يكون رسماً يناسب ذلك المعنى والمغزى المراد.

هذه إذاً الضابطة في الرواية القصصيّة، وهناك أمر آخر في ضابطة الرواية القصصيّة، هي غير الضابطة الذاتيّة الداخليّة التي ذكرناها للرواية القصصيّة، وهي: أنّه يجب أن يخضع الأسلوب القصصي التصويري للسمت التاريخي أو السمت الروائي الفرعي؛ لأنّ المفروض هو أنّ هذا القسم - من الكتابة، أو من الأسلوب الأدبي، أو التصوير التمثيلي - ليس عمدة في باب الأدب، وإنّما هو كحاشية وأسلوب يُستعان به في بيان الحقائق، فالواقعة - التي هي ناصعة بالحقيقة - مليئة بالعطاء يجب أن لا نتوخّى فيها الرسم القصصي والرواية القصصيّة، بحيث يكون لها الغلبة على الأنحاء الأخرى للرواية المسندة أو التاريخيّة، ونترك السرد التاريخي الحقيقي، أو نترك السرد الروائي المسند.

هذا - بلا شكّ - إفراط في التصوير التمثيلي قد ينقض الغرض من التصوير التمثيليّ بدل أن يحقّقه؛ لأنّه إذا أفرطنا في التصوير التمثيلي - وأكثرنا فيه على


حساب السرد التاريخي أو التحليل التاريخي، وعلى حساب الروايات المسندة من المصادر المعتبرة - فإنّنا سوف نَحجب الصورة الحقيقيّة للواقعة؛ لأنّ الغاية من الأسلوب الأدبي - في الرواية القصصيّة أو النثر القصصي أو الشعر - هو نشر الحقائق لا طمسها، فالإفراط فيه على حساب بقيّة الجهات من الرواية التاريخيّة أو الرواية المسندة في الفروع، أو المسندة في العقائد، لا شكّ أنّه نقض للغرض، نقض للغرض من الشعائر الحسينيّة بالذات، ونقض للغرض حتّى من نفس الرواية والأسلوب القصصي.

فإذاً، أوّلاً وبالذات، ينبغي أن يعتمد الخطيب والشاعر والكاتب والراثي على بيان الحقائق التاريخيّة، أو الحقائق المُسندة بالروايات وبالكتب التاريخيّة أو الروائيّة الحديثيّة، ثُمّ إذا ثبّت للآخرين - مستمعين كانوا، أو مشاهدين، أو قارئين...ـ ما هي حقيقة الواقع، شرعَ بعد ذلك يستثير عواطفهم ويصوّر لهم عظمة وهول هذه الحقائق، ومقدار عُظم الفاجعة وجلل الرزيّة، فيأتي الدور المتأخّر للرواية القصصيّة.

وكثيراً ما يُخلط بين المساحة للرواية التاريخيّة، والمساحة للرواية القصصيّة (لسان الحال وما شابه ذلك)، وبهذا المقدار في المقام الأوّل من الجهة الرابعة اتّضح ضابطة وموارد الرواية التاريخيّة في واقعة عاشوراء، وموطن الرواية القصصيّة، وموطن وضابطة الرواية العقائديّة أو الفرعيّة، إذ ليس من الصحيح بحالٍ من الأحوال أن تأخذ الضابطة لأحدها على حساب الأخرى.

هذا بالنسبة للمقام الأوّل.


المقامُ الثاني

ضابطة وميزان التحليل للرواية وكيفيّة قبولها سواء كانت تاريخيّة، أو قصصيّة، أو فرعيّة، أو عقائديّة(1) .

البعض قد يُحكّم الإدراكات العقليّة الظنيّة، والبعض الآخر قد يُحكّم الاستحسانات.

فما هي الضابطة - على كلّ حال - في قبول الرواية التاريخيّة، أو الروايات الحديثيّة عن واقعة كربلاء أو تفنيدها؟

هذا هو المقام الثاني، هل أنّ ميزان اعتبار الروايات بأقسامها الأربعة التي ذكرناها، يخضع للإدراكات الظنّيّة العقليّة أو للاستحسانات، أم لأمور أخرى؟

الرواية في الفروع أو في العقائد إذا كانت عن واقعة عاشوراء، فمن الواضح أنّها خاضعة لموازين باب الاستنباط في الفروع أو في العقائد، ولكن - للأسف - قد نلاحظ نقضاً أو إبراماً، نفياً أو إثباتاً ممّن يقوم بالمساهمة في الشعائر الحسينيّة، حيث لا يستعين في هذا الباب (الرواية في مفاد الفروع، أو مفاد عقائدي)، بموازين مقررّة، فمع كونه غير مجتهد فإنّه لا يستعين بآراء فقهاء الإماميّة؛ وإنّما يتّخذ الموقف بنفسه، والحال أنّه ينبغي له أن يستعرض أقوال العلماء في المسألة؛ لأنّ المفروض أنّ هذا بحث تخصّصي، فإذا كان كذلك، فهو إذا قام بنشاط في مجال الشعائر من طريقة الشِعر، أو النثر، أو الخطابة، أو الرثاء،

____________________

(1) تطّلع على المقام الأوّل ص: 220.


وتعرّض لذلك المفاد الفرعي، أو المفاد العقائدي نفياً أو إثباتاً بمعزل عن آراء الفقهاء والعلماء وبعيداً عن أقوالهم، فسوف لن يصل هذا الشخص إلى النتيجة الصائبة والهدف المطلوب، بل سوف يُسيء للشعائر الحسينيّة وهو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً.

وقد شملت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) سُنناً عديدة فرعيّة أو عقائديّة، ممّا يستلزم رجوع المُساهم فيها إلى أصحاب التخصّص إذا أراد معالجة حكم فرعي أو حكم عقائدي.

وكذلك بالنسبة إلى قضيّة البكاء التي سنبحثها في الجهة الآتية، إذ هناك تحليلات حول استحباب البكاء أو رجحانه، وحول إدخال التمثيل و(الشبيه) أو الآلات الموسيقيّة في الموكب الحسيني وغير ذلك، فالمفروض أن يُرجع في مثل هذا البحث إلى أهل الاختصاص، ومن هذا القبيل أمر تحليل الرواية في شؤون واقعة كربلاء سواء الرواية الفرعيّة، أو المرتبطة بمضمونٍ عقائدي.

فتحكيم العقل الظنّي أو العقل الاستحساني، يُشكّل خطورة على المعتقدات ويعتبر مَحقاً للدين؛ لأنّ ذلك ليس مقياساً وميزاناً لمثل هذه الأمور الشرعيّة.

أمّا في استخلاص المفاد في الرواية التاريخيّة أو الرواية القصصيّة؛ فإنّ التحليل التاريخي يخضع لوجود قرائن ومصادر تاريخيّة، ولو كانت هذه المصادر متأخّرة بحسب درجتها في الاعتبار.

بحيث لو ذَكرت المصادر التاريخيّة المتأخّرة حَدَثاً تاريخيّاً لم نعثر عليه في المصادر المتقدّمة التي وصلت بأيدينا، فلا ينبغي طرحه وإهماله.

مثلاً: كتاب أخبار المدينة للزبير بن بكّار، ينقل كثيراً من الحقائق التي لم


تُدوّن في كتب التاريخ والسيرة، وينقلها عنه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، والحال أنّ الزبير بن بكّار كان في أوائل أو منتصف القرن الثالث، ويذكر حقائق حول قضايا تاريخيّة، حول تاريخ المدينة، فلا تُطرح هذه الأحداث بسبب عدم درجها وتدوينها في الكتب التاريخيّة التي تقدّمت عليه.

فإذا ذَكر أحد المتقدّمين واقعة تاريخيّة أو حَدثاً ولم يكن منحرفاً في عقيدته فلا يُهمل ذلك النقل ولا يُطرح، إذ من المحتمل أنّه توفّرت لديه مصادر غنيّة جدّاً لم تصل بأيدينا، كما يُنقل عن السيّد ابن طاووس، حيث إنّ المصادر التي توفّرت عنده كانت كثيرة جدّاً وغنيّة ذكرها أصحاب التراجم، لكنّ المصادر القديمة التي سبقت ابن طاووس لم تصل بأيدينا، فحينما يَذكر ابن طاووس في كتابه اللهوف في قتلى الطفوف - مثلاً - أمراً تاريخيّاً، فلابدّ من الأخذ به؛ لتعذّر إثبات عدم نقل المصادر المتقدّمة عنه لذلك الحَدَث التاريخي، هذا إذا كانت حيثيّة البحث تاريخيّة وليست استنباطيّة فرعيّة(1) .

وينبغي التفريق بين الحيثيّات نفياً وإثباتاً، فإذا كان الباحث في مقام حيثيّة البحث التاريخي فلا يحتاج أن يكون الحديث مسنداً متسلسلاً روائيّاً، بل تبقى الواقعة المذكورة كواقعة تاريخيّة ذُكِرت وأُرّخت محتملة الصدق

____________________

(1) باعتبار أنّ واقعة كربلاء والشعائر الحسينيّة تختلف فيها حيثيّات البحث، فمن ثَمّ، يُحتمل للخطيب، أو الشاعر، أو الراثي، أو الكاتب للقصّة أن يمرّ بمقطع من المقاطع في حيثيّة تاريخيّة، ثُمّ ينتقل إلى حيثيّة فرعيّة، ثُمّ ينتقل إلى حيثيّة عقائديّة، ثُمّ يرجع إلى قضيّة قصصيّة، هذه الجهات متشابكة، ولا سيّما أنّها مركّزة حول شخصيّة واحدة، وهي شخصيّة المعصوم (عليه السلام)، فحينئذٍ يقع الخلط والالتباس، سواء عند المُثبِت أو النافي بين هذه الجهات وبين هذه الحيثيّات المتنوّعة.


والكذب ما لم تقم عليها شواهد أخرى مؤيّدة.

وقلنا: إنّ أقسام الشعائر الحسينيّة لم تقتصر على الروايات التي هي في باب الفروع، أو الروايات التي هي في باب العقائد، وقد يكون جملة منها من قسم الرواية التاريخيّة أيضاً.

فتحصّل: أنّ أيّة مفردة تاريخيّة في الشعائر الحسينيّة لابدّ من تحليلها تحليلاً وافياً من جميع الجهات، وينبغي عدم الخلط بين موازين الرواية في باب الفروع، أو في باب العقائد - الذي هو ميزان استنباطي اجتهادي - مع ميزان الرواية التاريخيّة.

وفي واقعة كربلاء قلنا إنّ حيثيّات وجِهات الرواية تختلف على صعيد الأقسام الأربعة للرواية.

إشكالٌ وجواب

ومن الإشكالات التي تطرح استخلاص المادة التصويريّة التمثيليّة، هي: أنّ واقعة كربلاء باعتبارها واقعة صدق وواقعة حقيقة، فكيف نرسمها نحن بتصوير تمثيلي على أساس قواعد علم الأدب والبلاغة، أو على غِرار الرواية القصصيّة، كيف نرسمها بأسلوب قصصي، هذا ممّا يطمس الحقائق في واقعة كربلاء ويُخفي الصدق في تلك الواقعة، والحال أنّه لابدّ أن يظهر الصدق والحقيقة فيها، فكيف نطمسها بخرافات.

قلنا: إنّ هذه الدعوة في الجملة صحيحة، وهي: أنّ طغيان الأسلوب القصصي أو التصوير التمثيلي - الذي يُعبّر عنه بلسان الحال، أو بلسان التمثيل - إذا طغى على


جميع مُجريات الشعيرة الحسينيّة، فلا ريب أنّه سوف يزوي جانب الحقيقة، ويحيد جانب الصدق في واقعة كربلاء، فالمفروض أن لا يكون همّ الخطيب أو الراثي أو الشاعر منحصراً في التصوير بالرواية التاريخيّة أو القصصيّة؛ لأنّه إذا ملأه بهذا الجانب فإنّه سوف يطمس جانب الواقع والحقيقة، ولكنّ هذا لا يعني أنّنا نلغي ونسدّ باب الأسلوب القصصي والتمثيلي في واقعة كربلاء، بل حتّى في الوقائع الأخرى؛ لأنّنا قلنا: إنّه ينبغي أوّلاً (كما هو منهج وضابطة الأسلوب القصصي والتصوير التمثيلي) أن يجري ذِكر الحقيقة، وذِكر كلّ خصوصيّات الحقيقة في أيّ واقعة معيّنة، فيُذكر مَعلم من معالم واقعة كربلاء الخالدة، ثُمّ لأجل التفاعل المطلوب اللازم مع حجم وخطورة الحدَث في الدين واستثارة العواطف - واستثارتها بحقّ لا بباطل، إذ كلّ حقيقة تتطلّب حيويّة روحيّة تناسب درجتها، أي تجسيد هذه الواقعة الحقيقية كصورة ماثلة حيّة لدى المستمعين أو القرّاء أو المشاهدين - ينبغي اعتماد التصوير التمثيلي.

والغرض منه ليس الإخبار بالمفاد المطابقي، بل الإخبار بالمفاد الالتزامي واللحاظ التَبعي فحينئذٍ لابدّ للناثر والخطيب والشاعر والراثي - بعدَما يروي رواية تاريخيّة صادقة (مقطع من مقاطع كربلاء)، ومن أجل أن يبيّن شدّة الحزن وعُظم الفاجعة فيها - أن يستعين بأساليب معيّنة ومنها التمثيل، حيث له دور في اتّساع المخيّلة والواهمة وفتح بقيّة قوى النفس على مصراعيها؛ لأجل الانجذاب إلى العقل وإلى ما أدركه العقل من صدق الواقعة ومن عُظم المصاب فيها، وما أدركه من ضرورة الوقوف إلى جانب الحقّ ونصرته، ومجانبة الظلم والعدوان ومحاربته.

ومن الغريب، أن يُفنّد بعض المحقّقين باب الرواية القصَصيّة أو التصوير


التمثيلي ويُفنّده بدعوى أنّ الأسلوب القصصي كاذب، فلا يمكن اعتماد الكذب في واقعة كربلاء، والحال: أنّ البشريّة كلّها تعتمد هذا الأُسلوب، ومدار الصدق والكذب في هذا الأسلوب هو المدلول الالتزامي لا المدلول المطابقي، مثلاً إنتاج الفيلم ليس له أيّ واقعيّة حينما يكتبه كاتب قصصي، فإذا كانت غاية الفيلم تربية المجتمع على قضيّة أخلاقيّة سامية، فيقال: بأنّ هذه الرواية القصصيّة صادقة، صادقة لا بلحاظ مضمونها المطابقي؛ وإنّما بلحاظ غايتها، أمّا إذا كان فيلماً روائيّاً يصوّر من قِبل الراوي القصصي لأجل إشاعة الخيانة أو التعدّي على الآخرين، فيقال: إنّ هذا الكاتب منحلّ وكاذب ومخالف للحقيقة البشريّة، فالصدق والكذب في الرواية القصصيّة يدور مدار الغاية والجنبة الالتزاميّة، ولا يدور مدار المفاد المطابقي.

غاية الأمر أنّ لكلّ من الرواية القصصيّة والرواية التاريخيّة والرواية الفرعيّة مجالاً، كما أنّ للرواية في باب العقائد مجالاً ضمن مجموع نشاطات وآليّات الشعائر الحسينيّة، أي: الشعر، والنثر، والخطابة، والرثاء، فالمفروض هو عدم طغيان أحد الجوانب على الجانب الآخر، وينبغي أن يكون الأسلوب القصصي مؤدّياً للتفاعل مع الحقيقة، ولكن بشكل عاطفي صادق.

والأمثلة كثيرة، ولكن ينبغي الانتباه في تطبيق الضوابط السابقة التي ذكرناها للقارئ الكريم.



الجهةُ الخامسة: البكاءُ في الشَعائر الحسينيّة



البكاءُ في المَصادر المُعتبرة

البكاء: أحد أقسام الشعائر الحسينيّة، ولأهمّيّته عقدَ المرحوم الشيخ المجلسي (قدِّس سرّه) - في كتابه بحار الأنوار - باباً خاصّاً للبكاء على مصيبة سيّد الشهداء(1) ، وقد جمعَ في ذلك الباب ما يزيد على الخميس طريق أو رواية، وأيضاً عقدَ باباً آخر، وهو باب (ثواب مَن أنشدَ في الحسين عليه السلام شِعراً).

وقد عقدَ الشيخ الحرّ العاملي بدوره في كتاب وسائل الشيعة، كتاب المزار، آخر كتاب الحجّ(2) ، باباً جمعَ فيه بالتحديد عشرين رواية أو طريق في ثواب البكاء، وهناك أبواب أُخرى ذَكرها صاحب الوسائل تقرب من أربعين باباً (في أبواب المزار)، اشتملت على أقسام عديدة في الحثّ على الشعائر الحسينيّة، من قبيل: زيارته (عليه السلام)، وإقامة المأتم عليه، والبكاء، وإنشاء الشِعر وإنشاده وغيرها.

وهذه الروايات - التي جَمعها صاحب الوسائل في باب 66 - ليست هي الروايات الوحيدة التي وردت في البكاء، بل الأبواب الأخرى أيضاً متضمّنة لذلك، حيث فيها روايات عديدة متعرّضة لأمور أخرى، ثُمّ تُعرّج على البكاء

____________________

(1) في ج 44: باب 34 في تاريخ الحسين (عليه السلام)، باب ثواب البكاء على مصيبته (عليه السلام).

(2) كتاب الحج: باب 66.


بنحوٍ أو بآخر.

وكمحاولة لجمع الروايات في هذا الباب فهي تقرب من خمسمائة رواية(1) .

أمّا كتاب مُستدرك الوسائل للمحقّق الشيخ النوري (قدِّس سرّه)، فقد نقلَ في أبواب المزار(2) روايات تطرّقت لموضوع البكاء بطرق عديدة، سواء كانت تحت عنوان البكاء مباشرة، أو تحت عناوين أخرى أيضاً واردة لمناسبة أو أخرى، إلاّ أنّها تتعرّض للبكاء.

ومن الكتب التي تطرّقت لهذا البحث: كتاب كامل الزيارات لابن قولويه، شيخ الطائفة في عصره (جعفر بن محمد القمّي) المعروف، وهو أستاذ الشيخ المفيد،

____________________

(1) المصادر التي يعتمد عليها صاحب الوسائل، والمصادر التي يعتمد عليها العلاّمة المجلسي، بينهما عموم وخصوص من وجه؛ باعتبار أنّ المرحوم المجلسي لم يُكثر من النقل من الكتب الأربعة حفاظاً على بقاء شهرة الكتب الأربعة، ولكي لا تُستبدل الكتب الأربعة بالبحار، فإنّه - تقديساً لهذه الكتب - لم ينقل عنها الكثير؛ وإنّما نقلَ من كتب أخرى، بينما صاحب الوسائل كان نقله أكثر شيء من الكتب الأربعة، ثُمّ في المرحلة الثانية على كتب أخرى.

ولذا يوصي بعض أكابر العلماء بمراجعة الدورة الفقهيّة الموجودة في بحار الأنوار والمختصّة بالفروع، والتي هي تبدأ من ج 80 (من البحار) إلى ج 100، حيث إنّ هذه الروايات في البحار مصادرها تختلف غالباً - من أوّل كتاب الطهارة إلى الديّات - عن الروايات الموجودة في الوسائل، وإن كان بينها اشتراك.

(2) مستدرك الوسائل 10: 181.

هناك نظرة وهي: أنّ كلّ ما في المستدرك من طُرق فهي ضعيفة، وهذه نظرة خاطئة؛ لأنّ المستدرك يعتمد على الروايات التي فاتت صاحب الوسائل والموجودة في مصادر مختلفة مثل: قرب الإسناد، ومحاسن البرقي، وكتب الصدوق، كعيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ومعاني الأخبار والأمالي، وعِلل الشرائع وغيرها، هذه الروايات من هذه الكتب أكثرها مُسندة وليست مرسلة ولا مقطوعة.


والكتاب مشهور بين علماء الطائفة.

والمجاميع المتأخّرة وإن كانت تُبوّب هذه الأبواب، إلاّ أنّ المتتبّع لها وللكتب القديمة يجد - مثلاً - رواية عُثر عليها في بعض الكتب المتأخّرة الثقافيّة، منقولة عن كتاب محاسن البرقي، لم يوردها صاحب الوسائل ولا المستدرك، ونقلها البرقي في باب الأطعمة والأشربة، عند ذِكر الطعام الذي يُقدّم للسجّاد (عليه السلام)، وهي مرتبطة بالبكاء على الإمام الحسين (عليه السلام).

فتقصّي الكتب المتقدّمة والمتأخّرة ومراجعتها أمر لازم، وقد مرّ بنا أنّ في كتاب أمالي الصدوق (قدِّس سرّه) عُقدت عدّة مجالس - أو أمالي - في المقتل قد يُطلق عليه مقتل الصدوق، ولو اقتُطع هذا الجزء وأُبرز ككتاب مستقلّ بحيث يكون باسم (مقتل الشيخ الصدوق (قدِّس سرّه))، لكان مصدراً معتمداً في هذا الباب أيضاً.

البكاءُ ذَروة الشَعائر الحسينيّة

يعتبر البكاء من عمدة أقسام الشعائر الحسينيّة - كما في كلمات الفقهاء والمحقّقين والمؤرّخين - بل نستطيع أن نسمّيه الشريان الدموي للعديد من الأقسام في الشعائر الحسينيّة، مثلاً: انظر إلى الخطابة، أو إلى الشعر، أو النثر، أو الرثاء، أو التمثيل - الشبيه - أو انظر إلى اللطم والعزاء، أو لبس السواد؛ فإنّ كلّ هذه الظواهر المختلفة من الشعائر الحسينيّة، حينما تريد أن تتألّق وتحلِّق وتبلغ ذروتها تصل إلى حدّ البكاء، فالبكاء حينما جعلناه قسماً من أقسام الشعائر الحسينيّة، فإنّه في الحقيقة هو ليس قسماً مقابل الأقسام الأخرى، بل ربّما جعله بعضهم مَقسماً لأقسام الشعائر الحسينيّة، وإن كان المَقسم للشعائر الحسينيّة هو ما


ذكرناه في الجهة الأولى من تحديد الماهيّة الحقيقيّة للشعائر الحسينيّة، بلحاظ أنّها شعيرة وعلامة على معنىً سامٍ وحقيقة خالدة.

وهذا الاهتمام الكبير بالبكاء، إنّما نشأ من توصية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة (عليهم السلام)، من خلال الحثّ الأكيد والتوجيه الشديد إليه، لذا اعتدّ به علماء الإماميّة - سواء المحدّثون، أو المؤرّخون، أو الفقهاء - في فتاواهم المتعلّقة بالشعائر الحسينيّة، حيث يبرز البكاء عندهم كأنّه العمود في خيمة الشعائر الحسينيّة، وما ذهبَ إليه فقهاء الإماميّة أو بقيّة أصناف علماء الإماميّة ليس هو فقط كفتاوى مسلّمة؛ وإنّما هو ما تشير إليه الأبواب العديدة الواردة في الشعائر الحسينيّة، وهو: أنّ البكاء هو عمدة ولُباب الشعائر الحسينيّة، وليس فقط قسماً من أقسام الشعائر الحسينيّة، بل هو لبّ الشعائر الحسينيّة وأهمّها(1) .

وكما ذكرنا أنّ الروايات التي تحثّ على البكاء وتبيّن فضيلته، ليست هي فقط تلك الأبواب التي عُقدت تحت عنوان (فضل البكاء وثواب البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام))، بل كلّ الأبواب التي وردت حوله تشير بأدنى مناسبة للبكاء، إمّا بلفظ البكاء، أو بما يرادفها، أو يلازمها وبإشارات مختلفة، حتّى أنّ بعض المتتبّعين

____________________

(1) مثلاً وردت عناوين عديدة فيما يتعلّق بتاريخ الإمام الحسين (عليه السلام) في كتاب البحار، أو في الكتب الروائيّة المتعدّدة التي أشرنا إليها.

كما في: مزار الوسائل، ومزار المستدرك، وفي كامل الزيارات، وكتب الشيخ الصدوق التي خُصّصت للروايات الواردة في قضيّة الحسين (عليه السلام)، مثل: مقتل الصدوق ضمن عدّة مجالس وردت في أمالي الصدوق، وعِلل البكاء في عِلل الصدوق وغيره، حتّى كتاب محاسن البرقي، وكتاب قرب الإسناد، وقد جُمعت كثير من الروايات في نفس عنوان الباب حول الحسين (عليه السلام)، إلاّ أنّها كلّها تردّد عنواناً معيّناً بألفاظ مختلفة وهو البكاء.


ممّن له باع واسع في هذا التحقيق، ذَكر أنّه وردَ في ما يلازم ويرادف البكاء ما يقرب من خمسين لفظة حول الشعائر الحسينيّة، مثل: اللطم، أو اللّدم، القلق، الهلع، الجزع، البكاء، النوح، الندبة، الصيحة، الصرخة، الحزن، التفجّع، التألّم، وغيرها.

وأيضاً هناك إشارات أخرى في كيفيّة التركيز على البكاء، وإنّه من عمدة أبواب الشعائر الحسينيّة كذلك ما ذُكر في تاريخ الحسين (عليه السلام) - التاريخ الروائي - مضافاً لكتب التاريخ المختلفة، وكثير منها عن طريق مصادر العامّة، مثل: خيارات ابن عساكر، وتاريخ الخطيب البغدادي وغيرها، وكلّها تَذكر البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام)، حتّى الأنبياء قد بكوه قبل ولادته، بل قبل ولادة النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وتذكر أبواب عديدة في هذا السياق، مثل: بكاء أنواع المخلوقات، ويبيّن مجموع الروايات في الأبواب العديدة جزع وبكاء الخلقة بأكملها على مصيبة سيّد الشهداء (عليه السلام).

فقضيّة كون البكاء هو العمدة في الشعائر الحسينيّة يكاد يكون أمراً واضحاً، ولربّما يُدقّق في التعبير بأن يُقال: بأنّ البكاء هو جوهر وروح الشعائر الحسينيّة، وبحسب الأدلّة الواردة فإنّنا لو كنّا نجمد على ظاهر الأدلّة، لرأينا أنّ للبكاء مكانةً وأهميّة يتفرّد بها من بين أقسام الشعائر الحسينيّة الأخرى، فالبكاء كالجوهر والروح لأقسام الشعائر الحسينيّة، وكأنّما إلغاء البكاء عن الشعيرة الحسينيّة هو عبارة عن تخليته عن جوهره، ومسخ لتلك الشعائر عن حقيقتها.


الجَزعُ في الشعائر الحُسينيّة

الجزع: هو غير الحزن وغير البكاء، إذ إنّ الجزع في اللغة هو شدّة الحزن وعدم التصبّر، أو هو نوع من إبداء التفجّع الشديد، بشقّ الجيب، ونتف الشعر، وضرب الرأس، وخمش الوجوه، أو الصراخ الشديد، وهذه كلّها تعبيرات عن معنى الجزع باللازم، وإلاّ فإنّ معنى الجزع: هو إظهار المرء للألم الشديد عند الحزن بصخب وتفاعل ساخن، هذا هو الجزع.

ووردت روايات في ذلك، وقد عَثرنا على ما يزيد على عشرين رواية واردة في الجزع فقط، وعدّة من أسانيدها صحيحة منها:

1 - ما رويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام):(كلّ الجزع والبكاء مكروه، ما خَلا الجزع والبكاء لقتل الحسين (عليه السلام) (1) .

2 - وما نقله صاحب الوسائل عن جعفر بن قولويه في المزار، بسنده عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول:(إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن عليّ (عليه السلام) فإنّه فيه مأجور) (2) .

3 - وعن مسمع بن عبد الملك، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث:(أمَا

____________________

(1) وسائل الشيعة: 14: 505، باب استحباب البكاء لقتل الحسين (عليه السلام)؛ بحار الأنوار: 44: 280 / ح9 عن الصادق (عليه السلام):(كلّ الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام)).

(2) وسائل الشيعة 14: 506.


تَذكر ما صُنع به (يعنى بالحسين (عليه السلام)؟

قلتُ: بلى.

قال:أتجزع؟

قلت: إي والله، وأستعبر بذلك حتّى يرى أهلي أثر ذلك علي، فأمتنع من الطعام حتى يتبيّن ذلك من وجهي.

فقال:رَحم الله دَمعتك، أمَا إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحُزننا، أمَا إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك...) (1) .

4 - نُقل في الوسائل عن مصباح الشيخ الطوسي، بسنده عن علقمة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في حديث زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء من قرب وبعد، قال:(ثُمّ ليندُب الحسين (عليه السلام) ويبكيه ويأمر مَن في داره ممّن لا يتّقيه بالبكاء عليه، ويُقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه، وليُعزّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين (عليه السلام)...) (2) .

5 - ما نقله صاحب مستدرك الوسائل عن نهج البلاغة، قال علي أمير المؤمنين (عليه السلام) على قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ساعة دُفن:(إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك) (3) .

6 - وفي صحيحة معاوية بن وهب نقلاً عن باب المزار في الوسائل، دعا

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 507؛ 10: 396.

(2) وسائل الشيعة 14: 509.

(3) مستدرك الوسائل 2: 445.


الصادق (عليه السلام) بهذا التعبير:(... فارحَم تلك الوجوه التي قد غيّرتها الشمس، وارحَم تلك الخدود التي تقلّبت على حُفرة أبي عبد الله (عليه السلام)، وارحَم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا، وارحَم تلك القلوب التي جَزعت واحترقت لنا، وارحَم الصرخة التي كانت لنا...) (1) .

فالروايات طرقها عديدة وصحيحة، وبعضها موثّق، فإذاً الجزع هو إشارة من إشارات البكاء.

ونظير هذا التعدّد في الطرق لهذه الطائفة من الروايات نجده في الكتب الأربعة أيضاً، في كتاب التهذيب للشيخ الطوسي، وكتاب الفقيه للشيخ الصدوق، وكتاب الكافي للشيخ الكليني التي هي من أهمّ مصادرنا.

فالحاصل: أنّ البكاء في الشعائر الحسينيّة - حسب ما ترسمه النظرة الأوّليّة العابرة للروايات المتواترة حول الشعائر الحسينيّة، وإقامتها في المصادر الروائيّة العديدة - فضلاً عن التاريخيّة - الروايات ترسم للناظر والمتتبّع رسماً أوّليّاً بديهيّاً فطرياً - هو جوهر الشعائر، وهو جوهر ذكرى نهضة الحسين (عليه السلام)، هذا كبحث إجمالي أوّلي من جهة أقوال علماء الإماميّة، ومن جهة نفس الروايات.

وأيضاً، كنظرة أوّليّة في الروايات أو في فتاوي العلماء، يظهر أنّ الحزن لا ينقضي إلاّ بظهور الإمام الثاني عشر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، والأخذ بثأر الدماء التي أُريقت في كربلاء مع الحسين (عليه السلام)، وتطبيق أهداف الأئمّة (عليهم السلام)، وبذلك نصل إلى صلاح البشريّة وانتشار القسط والعدل، وتحقيق أغراض وأهداف مسيرة الأنبياء، وهذا نوع من الثأر الشريف المنشود لدم الحسين (عليه السلام).

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 411 - باب 37 من أبواب المزار، نقلاً عن الكافي 4: 583.


إذاً، الذي يظهر حول بحث البكاء من كلمات علماء الإماميّة - من: فقهاء، ومتكلّمين، ومفسّرين، ومحدّثين، ومؤرّخين، ومن الروايات أيضاً - أمران:

1 - كون البكاء الدعامة الأصليّة في الشعائر الحسينيّة.

2 - استمرار البكاء وتأبيده إلى يوم الثأر، وقبل الخوض في تفاصيل ظاهرة البكاء يجب الالتفات إلى جانب مهمّ جدّاً.

حقيقةُ البكاء

إنّ البكاء مادّة حيويّة للبحث في عدّة علوم، مثل: علم النفس، والاجتماع، والأخلاق، والفلسفة، وعلم التمدّن، والحضارة، قد شغل حيّزاً في اهتمام العلوم الإسلاميّة، وبمحاولة لمعرفة حقيقة البكاء نقول: إنّه فعل من أفعال النفس الجانحيّة لا الجارحيّة، وهنا تظهر تساؤلات على السطح منها: أين تصدر النفس البكاء، وكيف تصدره، ومتى؟ هل البكاء فعلٌ سلبي أم إيجابي، باعتبار أنّ أفعال النفس الجانحيّة أو الجارحيّة لا تتّصف بلونٍ ما بذاتها؛ وإنّما تتّصف بلحاظ الغايات، فيا ترى كيف هو البكاء في لونه الذاتي؟ فلابدّ من تحليله موضوعيّاً ماهويّاً تحليلاً عقليّاً كاملاً لنرى ما هي أجوبة هذه الأسئلة؟

ولأجل ذلك، يجب الالتفات إلى ما ذكرنا في جهات سابقة في الفصل الأوّل من الشعائر الدينيّة العامّة: وهو وجود أجنحة مختلفة في النفس قد جهّزها الله عزّ وجل بها، ولا ريب أنّ أحد أبواب معرفة الله سبحانه ناشئ من معرفة النفس،


فقد وردَ في الأثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام):(مَن عَرف نفسه فقد عَرفَ ربّه) (1) ، وورد كذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(أعرفكم بنفسه، أعرفكم بربّه) (2) ، الذي يعرف نفسه سوف يعرف نقاط الضعف من نقاط القوّة فيها، ومن ثَمّ لا تُزعزعه دواهي الدهر، فمعرفة النفس لها فوائد عديدة في سبيل الاتّصاف بالأخلاق، وفي بناء شخصيّة الإنسان، والنفس فيها أجنحة عديدة، وأحد أجنحة النفس مشجّرات القوى الإدراكيّة، وهي على نوعين: الإدراكات الحصوليّة، والإدراكات الحضوريّة.

الإدراكات الحصوليّة: هي قوّة الحس، وقوّة المخيّلة (الخيال)، وقوّة الوهم، ثُمّ قوّة العقل.

الإدراكات الحضوريّة: هي إدراكات عيانيّة للأشياء في نشآت أخرى غير النشأة المادّيّة الحسّيّة.

القوّة الإدراكيّة والقوّة العمليّة

على كلّ حال، هناك أيضاً جناح آخر في النفس هو: جناح القوّة العمليّة، أو ما يسمّى بالقوّة العمّالة، مثل: القوى العضليّة، والقوى الشهويّة، والغرائز المختلفة في النفس، وقوّة العقل العملي، هذه القوى سمتها المهمّة المميِّزة لها عن الجناح الأول - أو الأجنحة الأخرى - أنّها باعثة ومحرّكة في النفس.

فلدينا جناحان من الأجنحة العديدة في النفس، أو جهتان:

____________________

(1) بحار الأنوار 2: 32: 33؛ مصباح الشريعة (المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام)): 13.

(2) الاقتصاد (الشيخ الطوسي): 14؛ روضة الواعظين (الفتال النيسابوري): 20.


الأوّل: الجهةُ الإدراكيّة.

الثاني: الجهةُ العمليّة.

طبعاً الجناح الذي هو في الجهة العمليّة هو المحرِّك والباعث، لكنّه ليس بكلّ درجاته خالياً من الإدراك، كلاّ، بل هو في بعض درجاته مزيج ومختلط بالإدراك، مثل: قوّة العقل العملي، وخاصيّة قوّة العقل العملي هو الإدراك مع كونه محرّكاً أيضاً.

مثلاً: يَدرك الإنسان حُسن فضيلة معيّنة ويتشوّق إليها، فيمارسها ويعزم عليها ويوطّن نفسه على تطبيقها، أو ربّما - بدل أن يتشوّق إلى فضيلة ما - يستنكر رذيلة ما وينفر منها، ويشحن نفسه بالنفرة منها، فتراه ينقطع في سلوكه العملي عن تلك الرذيلة، وهلمّ جرّاً.

فعلى كلّ حال، العقل العملي حيث إنّه محرِّك عملي، إلاّ أنّ جنبة الإدراك تتوفّر فيه أيضاً، هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى: لابدّ من امتزاج هاتين القوّتين العمليّة والإدراكيّة في النفس الإنسانيّة، فافتراض وجود إنسان له جانب إدراكي فقط، أو له جانب عملي فقط مخالف للفطرة الإنسانيّة، وبعبارة أخرى: فأنت تريد بافتراضك هذا أن تجعله إنساناً له جانب عمّالي فقط دون جانب إدراكي أو بالعكس، لكنّ مثل هذا الشخص ليس من الحقيقة الإنسانيّة بشيء، بل الحقيقة الإنسانيّة فَطرها الله عزّ وجل على مزيج من القوى العمليّة والقوى الإدراكيّة، فمن المحال وجود حقيقة إنسانيّة تتمحّض في إدراك المعلومات فحسب، بل لابدّ أن تجد فيها جناحاً آخر وجنبة أخرى، وهي جنبة


عمّاليّة، كذلك من المحال أن ترى إنساناً فيه جنبة عمّاليّة فقط - كالحيوانات -، بل جملة من الحيوانات تكون الجنبة الإدراكيّة خفيفة فيها، لكنّ الجنبة العمّاليّة فيها بارزة وظاهرة.

وقد وزّع الله عزّ وجل الصفات العمليّة في الحيوانات بشكلٍ عجيب، مثلاً: الحرص تجده في النمل(1) ، والوفاء تراه في حيوان آخر، والغيرة على الأنثى في حيوان، وانعدام الغيرة في حيوان، كأنّ هذه الصفات العمليّة وزِّعت على كثير من أقسام الحيوانات عبرةً للإنسان، والفطرة الإنسانيّة تختلف عن الفطرة الحيوانيّة التي تكمن فيها الجنبة العمليّة فقط، وإن كان هناك صفات عمليّة (فضيليّة) موزّعة وموجودة لدى الحيوانات من اللطائف، ومَن يتتبّع حياة بعض الحيوانات سوف يلاحظ في كلّ حيوان صفة معيّنة، وهذا مورد للاعتبار، حيث يقال: الإنسان يُحشر حسب صفته، وهذه الأشكال من الحيوانات الموجودة هي نموذج وأمثال للصفات المختلفة، فإن كانت صفات الإنسان رذيليّة - لا سامح الله - فإنّه سوف يُحشر بحسبها.

فليست الفطرة الإنسانيّة تحتوي على جانب إدراكي محض، ولا على جانب عملي محض، بل هما جناحات ممتزجان لا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر، ولا يُفصل بينهما في حاقّ النفس البشريّة، وإذا وجدنا بعض الناس فيه طغيان جنبة إدراكيّة على جنبة عمليّة، أو طغيان جنبة عمليّة على جنبة إدراكيّة، فهذا نوع من الاختلال وعدم التوازن والتكامل فيه.

____________________

(1) راجع توحيد المفضّل: القسم الخاص لبيان أسرار وعجائب الحيوانات - بحار الأنوار 3: 90.


مثلاً: الحسد، أو الشهوة، هما من جنبة إدراك المخيّلة التي هي النافذة العظمى للشيطان في الإنسان، التي يدخل من خلالها، حيث يُري الشيطان الصور للإنسان من بعيد، يُريه صورة لفعل أو لشيء، ثُمّ يشوّقه نحو ذلك الفعل( وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي... ) (1) ، فبتوسّط نفس الدعوة من بعيد يُري الصورة في عالَم النفس، ثُمّ يُغري الإنسان فيتشوّق ويتحرّك نحوها، فالإنسان إذا عزفَ وانصرف عن هذا الإغراء ينقطع سلطان الشيطان عنه، أمّا مع رغبة النفس وتركيزها وانجذابها؛ فإنّ الشيطان سوف يستولي عليه، وهذا قد يكون تفسير الحديث المعروف عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(إنّ الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم) (2) .

وباعتبار أنّ هذه النوافذ الإدراكيّة لا يضبطها الإنسان ولا يحرسها بحراسة جيّدة، وإنّه يُطلِق عنانها من دون مراقبة النفس؛ فإنّ الشيطان سيخترق النفس من خلالها وينفذ إلى أعماقها.

فالفطرة الإنسانيّة ذات جنبتين لا يمكن تفكيك إحداهما عن الأخرى.

ونواصل بعض الأمثلة لكي نكون على بصيرة من هذا البحث، حتّى نصل إلى حقيقة النكات الفلسفيّة والعقليّة.

مثلاً: يروِّج البعض في بعض الأبحاث الفكريّة والثقافيّة الحديثة أنّ

____________________

(1) إبراهيم: 22.

(2) مستدرك الوسائل 16: 220.

وفي الكافي 2: 440، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:(يا ربّ سلّطتَ عليّ الشيطان وأجريتهُ منّي مجرى الدم..) .


التقديس والقدسيّة والتعظيم هي نوع من الحجاب أمام التحرّر الثقافي والانفتاح الفكري، لذا لابدّ من إزالة هذا الحاجب والوقوف في وجه أشكال التقديس والاحترام والتعظيم.

وهذا يندرج ويجري في نفس المسار في بحث البكاء أيضاً، فما مدى صحّة هذه المقولة يا ترى؟

للإجابة عن ذلك - ولتمحيص حقيقة هذه المزاعم والدعاوى - لابدّ من معرفة ماهيّة القدسيّة، وإنّها فعل أيّ قوّة من قوى النفس، وأيّ جناح من أجنحة النفس؟

مثلاً، قيل: إنّ التشكيك نبراس ومعلم للحريّة الفكريّة وللأسلوب الفكري والتحقيقي، وإنّه ديدن العلم، هل هذا صحيح بقول مطلق أم فيه تفصيل؟ التشكيك أيضاً عمليّة فكريّة تمارسها بعض القوى الإدراكيّة، فهل هذا الفعل - كفعل نفساني - هو فعلٌ سليم دوماً أم لا؟

إذاً، يجب أن ندرس أفعال النفس بدقّة كي لا نقع في الخطأ ولا في المغالطات، ولا في الالتباسات، وعلينا أن نتعرّف على مجال ممارسة النفس لها، ومواطن عدم الممارسة، كذلك البكاء فعل من أفعال النفس، وكذلك التقديس والتعظيم والإذعان والمتابعة النفسيّة كلّها من أفعال النفس، وترتبط بالقضايا الإدراكيّة والاعتقاديّة والفكريّة والسلوكيّة، وهي برنامج يتعلّق بسير الإنسان في معاشه وحياته، فمتى يا ترى تمارسه النفس بصحّة، ومتى تمارسه النفس خطأً؟

كذلك التشكيك، أو التساؤل، أو التنقيب فعل من أفعال النفس، فمتى تمارسه النفس بشكل صحيح، ومتى تمارسه النفس خطأً؟ هل يجب أن يقف الإنسان


دوماً في منطقة التشكيك والتساؤل؟ أم ينبغي عليه أن يتجاوز ذلك؟ كلّ هذه الأبحاث ونحوها ممّا ترتبط بمباحث دينيّة حسّاسة وخطيرة، فلابدّ من الوقفة العلميّة عندها؛ لإنعام النظر فيها.

ثوابتٌ عن ظاهرة التقديس

كيف يمارس الإنسان عمليّة التقديس بشكل صحيح؟ التقديس والقدسيّة: عبارة عن الإذعان، وحينما يذعن الإنسان لشيء ويتصوّر أنّه حقيقة فإنّه يُبدي المتابعة أو الخضوع له، فالتقديس: عبارة عن خضوع النفس عمليّاً ومتابعة القوى العمليّة في النفس لأمرٍ أذعنت النفس له وتصوّرت أنّه حقيقة، فمن ثَمّ يظهر لنا متى يكون التقديس صحيحاً ومتى يكون خاطئاً.

فإن كان ما أذعنت له النفس حقيقة من سنخ الواقع، فالتقديس صحيح، وإصرار النفس عليه ممدوح، وتعظيمها لتلك المعلومة الحقيقة راجح وصحيح؛ لأنّ المفروض أنّها من نفس الواقع، ورفع اليد عنها يعني ارتطام النفس ودفعها في سلسلة الجهل، مثل العالِم التجريبي إذا وصل إلى حقيقة معيّنة، ثُمّ يرفع اليد عنها ولا يعتمد عليها، أو لا يستفيد منها فيكون ذلك ضياعاً للحقيقة.

نعم، التقديس والقدسيّة إن كانت لأمر مخالف للواقع أو للحقيقة، أو كانت نابعة عن تصوّر وتخيّل رسمتهُ المخيّلة بعيداً عن الواقع، كانت خاطئة.

فإذاً، التقديس - بشكل مختصر -: هو عبارة عن متابعة النفس لمَا أذعنت له وتصوّرت أنّه حقيقة، فإن كان حقيقة واقعاً، ومبتنياً على مقدّمات وأدلّة يقينيّة مُنتجة، فيكون هذا التقديس صحيحاً وراجحاً، ولكن لابدّ أن يوضع حريم


حوله؛ لأنّ المفروض أنّ الدليل الذي أوصلك إلى مثل هذا بعد عناء وجهد، إذا لم تعمل به يكون ابتعاداً عن الواقع وإغراقاً في الجهالات والظلمات، وهذه حقيقة متّبعة في جميع العلوم التجريبيّة والعلوم المرتبطة بالنشآت وعلوم العقيدة وغيرها.

فإذا كان التقديس ناتجاً من إدراك حقيقة، فهو حالة طبيعيّة في النفس، ويبدأ التقديس من أرفع درجة من درجات القوى العمليّة في النفس، وهو العقل العملي، فيتابع العقل النظري فيما أدركه من حقيقة، وأمّا لو كان التقديس نتيجة لإدراك تخيّلي أو ظنّي أو وهمي أو غير مُبرهن وغير ثابت، كان التقديس نوعاً من التقليد.

فعلى كلّ حال، إطلاق وصف التقليد أو الإتّباع الأعمى على التقديس مطلقاً أمرٌ فيه مغالطة، حيث تبيّن أنّ ليس كلّ تقديس هو تقليد، بل حقيقة التقديس هي تعظيم للحقائق فيما إذا كان وليداً وتابعاً لإدراك حقيقة ما، نعم، لو كان التقديس أو المتابعة أو الإخبات والخضوع في الجناح العملي في النفس نتيجة لإدراك تخيّلي أو وهمي، كانت حقيقة هذا التقديس اتّباعاً أعمى وتقليداً خاطئاً، إذاً ليس من الصحيح ذمّ التقديس في نفسه مطلقاً.

بل لو انعكس التقديس إلى حالة الرفض الدائم في الجانب العملي للنفس، وهو ما قد يسمّى بالتشكيك، إذا كان رفضاً دائماً فسيكون حالة مرضيّة في النفس وليس حالة صحّيّة في بعض أقسامه، حيث إنّ الجناح الإدراكي في النفس إذا أدركَ حقيقةً ما ولم يتابعه الجناح العملي، ولم تُتابعه القوى العمليّة التجريبيّة أو غير التجريبيّة، إذا لم تحصل المتابعة بين الجناح العملي والجناح الإدراكي،


ستكون هذه حالة مرضيّة في النفس؛ لأنّها تُدرك الحقائق ولكن لا تنتفع بها ولا تستفيد منها، وإصرار النفس على الرفض والإباء عن متابعة الحقائق يؤدّي إلى تضييع الحقيقة والتفريط بها.

كما يُفسّر المحقّق الأصفهاني الآية الكريمة( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) (1) : أنّهم في البداية قد يكون هناك لديهم إيقان مع الجحود، لكن في النهاية والمآل فإنّ هذا الإيقان يذهب كشيء ووجود شريف ثمين، يذهب وتفتقده النفس بسبب عدم متابعة الجانب العملي للجانب الإدراكي(2) ، ولعلّ إليه الإشارة الأخرى في قوله تعالى:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (3) .

وكما أنّ الجانب العملي في النفس يتأثّر بالجانب الإدراكي؛ فإنّ الجانب الإدراكي في النفس كذلك يتأثّر بدوره بالجانب العملي، وأمراض الجانب العملي في النفس تُسبّب أمراضاً في الجانب الإدراكي أيضاً، وكذلك الحال في أمراض القوى الإدراكيّة: كالوسوسة، أو سرعة الجزم (القطّاعيّة)، أو غلبة الوهم والتخيّل على التعقّل، حيث لا يستطيع أن يدرك المعاني العقليّة نتيجة السجن الذهني في القضايا الخياليّة والوهميّة.

فهناك أمراض في الجانب الإدراكي، كما أنّ هناك أمراضاً تقابلها في الجانب العملي إضافة للصفات الصحيحة في الجانب العمليّ، ومثال من أمثلة

____________________

(1) النمل: 14.

(2) آخر بحث الانسداد في كتاب نهاية الدراية للشيخ الأصفهاني.

(3) الروم: 10.


أمراض الجانب العملي: دوام الإباء في الجانب العملي للنفس، أو دوام الإخبات والخضوع لكلّ مقولة ولأيّ دعوى، فهذه تعتبر حالة غير صحيحة وغير سليمة.

وهذه الأمراض في الجانب العملي لها أسماء أيضاً، مثل: التقليد العام الأعمى، أو بالعكس الرفض الدائم التي هي حالة السفسطة، فالحالة السفسطائيّة الدائمة المطلقة هي حالة مرضيّة في الجانب العمليّ في النفس، وحالة التقليد الأعمى هي أيضاً حالة مرضيّة ومذمومة عند العقلاء، وإليها وإلى غيرها من الأمراض يشير إليها القرآن الكريم وتشير الأحاديث النبويّة، وقد تعرّض لها أمير المؤمنين (عليه السلام) ضمن خُطبه الشريفة في نهج البلاغة، مثل:(حُبّك الشيء يُعمي ويُصمّ) (1) .

هذه حالات الجانب العملي، فإذا اشتدّت المحبّة فإنّها توجب ظلامة وحاجباً في الجانب الإدراكي، وشدّة البغض كذلك قد توجب التأثّر والستر في الجانب الإدراكي.

لا بمعنى أن لا تشتدّ محبّة الإنسان لمَن أمره الله بمحبّته، إذ إنّ الله سبحانه أمر بمحبّة نفسه، وأمرَ بمحبّة رسوله وأهل بيته (عليهم السلام)، أو لا تشتدّ عداوته لمَن أمرَ الله سبحانه بعداوته، وليس المعنى أنّ زيادة المحبّة المأمور بها تكون خاطئة، أو الكراهة والبغض المأمور بها كذلك، ليس المراد ذلك، ولسنا وراء ما يطرحه العِلمانيّون أو ما يسمى بالعولَمة، أي الحياديّة في كلّ شيء، وإنّ المدار الأول والأخير هو نفسي ونفسي فقط، كطرق العولَمة المطروحة حديثاً - في الثقافات العالميّة - ليس هذا هو المقصود.

____________________

(1) رسائل المرتضى (الشريف الرضي) 2: 216.


وليس الاتّزان هو: عدم المحبّة في موردها (التي أمرَ بها الشارع والعقل)، أو عدم العداوة الشديدة في موردها الذي بيّنه الشارع، بل الكلام أنّ الإنسان إذا أراد أن يدرك أمراً، ينبغي له عدم جعل المحبّة مؤثّرة في كيفيّة الإدراك، حتّى لو كانت محبّة في موردها، وكذلك الأمر في العداوة الشديدة، فضلاً عمّا لو كانت ليست في محلّها؛ وإنّما ينبغي جعل موازين الإدراك على ما هي عليه، وجعل موازين الحركات والأفعال في النفس على ما هي عليه، هذا هو المنطق القرآني والتوجيه النبوي والعلوي.

المنطقُ الشرعي وظاهرة البكاء

إنّ المنطق الذي يطرحه القرآن - والسُنّة المعصوميّة النبويّة والمعصوميّة العلويّة في نهج البلاغة - منطق ليس أُحاديّاً ولا تمايليّاً إلى طرف معيّن.

انظر مثلاً إلى المنطق الأرسطي الذي يضع موازين معيّنة على فرض صحّتها - كلّها أو بعضها - في جانب من جوانب الإدراكات، وهو فقط الإدراك الحصولي، وعلى بعض تقاديره ليس كلّ الإدراكات، أمّا الإدراك العياني فإنّه لا يضع له ميزاناً، أو الإدراك الحصولي من تقادير أخرى قد لا يضع لها ميزاناً.

أو أنّك ترى مثلاً المنطق الرياضي يضع موازين من جانب آخر، أو ترى المنطق النفسي الحديث المتداول أو المنطق الوضعي، ومدارس منطقيّة كثيرة كلّها تتناول جانباً معيّناً وتهمل الجوانب الأخرى، ومع ذلك فإنّ تلك الجوانب المتناولة قد تكون غير مستوعِبة لوضع الموازين فيها.

أمّا المنطق الشرعي: فإنّك ترى خلاف ذلك، المنطق الشرعي يتناول موازين


القوى العمليّة ويتناول موازين القوى الإدراكيّة، وعلى صعيد الإدراك العياني والإدراك الحصولي، وهلمّ جرّاً، يعني أنّه يتناول الموازين في أجنحة النفس العديدة، وينظر في كيفيّة ملائمة هذه الأجنحة في النفس مع بعضها البعض، وهذا ممّا لا تتناوله مدرسة منطقيّة بشريّة إلى الآن، هذا هو المنطق الشرعي أو المنطق الذي تُقدّمه المعرفة الدينيّة.

إنّه منطق الإنسان المتكامل في كلّ أجنحة النفس، وهو أيضاً يُحدّد العلاقة بين أجنحة النفس بعضها البعض، وإلاّ فأيّ منطق تراه يُحدّثك أنّ الحبّ والبغض يُعمي ويصمّ(1) ، أو يتناول قول أمير المؤمنين (عليه السلام):(إذا أقبَلَت الدنيا على أحدٍ أعارتهُ محاسن غيره، وإذا أدبَرت عنه سلبتهُ محاسن نفسه) (2) ومثل هذه التعبيرات، وهذه أمور منحصرة في منطق الأطروحة الدينيّة.

التشكيكُ سلاح ذو حدّين

فالإباء المطلق حالة مرضيّة في النفس في الجانب العملي، والتشكيك أو التساؤل في منطق المعرفة الدينيّة وفي المنطق العقلي البشري؛ إنّما هو قنطرة لكي يراجع الإنسان حسابات الأدلّة التي يعقد عليها إيمانه، ثُمّ بعد ذلك يتوصّل إلى الحقيقة في أيّ مجال من المجالات، وفي أيّ علم من العلوم المرتبطة بالنشأة الدنيويّة، أو المرتبطة بالنشآت الأخرى، ثُمّ بعد ذلك يتوصّل إلى الحقيقة التي إمّا أن تكون مطابقة أو غير مطابقة.

____________________

(1) عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(حبّك للشيء يُعمي ويُصمّ) بحار الأنوار 77: 166 / ح 2.

(2) بحار الأنوار 75: 357 / ح 17 عن نهج البلاغة - رسائل المرتضى 2: 216.


لا أن يبقى في الإنسان منطقة التساؤل أبد الدهر، فليس التساؤل إلاّ محرّكاً وآلة للفحص وطاقة للبحث، وليس الفحص إلاّ طريق للوصول للحقيقة، ولو وقف الإنسان دائماً في منطقة التساؤل من دون أن يتحرّك، فهذه تعتبر حالة مرضيّة في النفس وليست حالة صحيّة؛ إنّما التساؤل يُعتبر بوّابة لأجل الفحص، لأجل التنقيب، لأجل التحرّي للوصول إلى الحقائق، وإلاّ فإنّنا لو اقتصرنا على الوقوف دوماً في منطقة التساؤل والتشكيك لمَا اكتُشف شيء في العلوم القديمة والحديثة، فليست هذه حالة صحّيّة، أمّا إذا كان التشكيك بمعنى التساؤل، ثُمّ يأتي بعده التحرّي والتنقيب - الذي يستتبع الجزم والتصميم على ضوء المعطيات البرهانيّة اليقينيّة - كانت الحالة حالة سليمة وصحيّة للنفس، أمّا أن نقف في دوّامة التساؤل والإباء والرفض فهذه حالة جهالة وليست حالة علميّة ولا صحيحة.

والذي يعيش بشكل دائم حالة سفسطائيّة وتشكيكيّة سيؤدّي به ذلك إلى القضاء على الفطرة علماً وعملاً، إدراكاً وتطبيقاً، وليس فيه نوع من التقدّم بل سوف يتحجّر المرء على نفسه، ولو كان الأمر كذلك لمَا وصلت البشريّة إلى ما وصلت إليه من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات، هذا كمثال في العلوم التجريبيّة، فكيف في العلوم الإنسانيّة الأخرى.

فالشكّ والحيرة حينئذٍ يُشكّلان داعياً وباعثاً للتساؤل الذي يستعقبه تحرّك وفحص وتنقيب وتحقيق، حتّى يحصل الجزم والوصول إلى النتائج.

والإنسان - ضمن الفحص والتحقيق والسير - ربّما يسير ويفحص وتنتابه حالة مرضيّة أخرى غير السفسطة، وقد تكون مقابلة لها، وهي حالة بُطأ اليقين لديه، أو سرعة اليقين لديه، وكلاهما من الحالات المرضيّة في الإدراك، والمفروض أنّ


الحالة الصحّيّة المتّزنة هي أنّه إذا رأى النتائج مُقنعة للنفس بشكل قطعي، وبمعزل عن ميوله الشخصيّة وقناعاته الخاصّة، فإذا كانت النتائج بنفسها موزونة ومنتجة، فاللازم أن يُسلّم ويُذعن ويقرّ بها.

فقيمة الشكّ إذاً من جهة الفحص والوصول إلى النتائج، أمّا إذا كان الشكّ محطّة دائمة فيصبح صورة سلبيّة وصفة مذمومة،

وكما يقال: فإنّ العلوم خزائن مفتاحها السؤال(1) .

ومن ثَمّ ذهبَ الفقهاء وعلماء الكلام إلى أنّ مَن اعتقدَ عقائد الحق لا عن دليل، فهو وإن كان من الناجين - إن شاء الله - إلاّ أنّه قد ارتكب معصية؛ لأنّه لم يعتقد ذلك عن دليل وبرهان، إذ إنّ العلم بالحقائق عن دليل واجب، وإن كانت النجاة مرهونة بصرف اعتقاد الحقّ ولو كان عن تقليد(2) .

فالاعتقاد والاعتناق عن تقليدٍ - بدون تفكير وتدبّر - لا يُعتبر اعتقاداً تامّاً؛ لأنّه يكون في معرض الحرمان والزوال، بخلاف الاعتناق والاعتقاد عن دليل وبرهان وحجّة، فإنّه يظلّ دائماً متمسّكاً بتلك العقيدة، ثابت القدم على أركانها.

حصيلةُ المطاف: هذان نموذجان بشكل مختصر عن التقديس والتشكيك، أين موضعهما من أفعال النفس، ومتى يصبحان حالة مرضيّة، أو حالة سليمة في

____________________

(1) قال الخليل: العلوم أقفال والسؤالات مفاتيحها، نهج البلاغة 20: باب 486: 247.

(2) مثلاً: مَن يتّبع هذه الحقيقة عن تقليد وهي: أنّ الكهرباء قاتلة؛ فإنّه سوف ينجو من الكهرباء وإن كان اعتقاده عن تقليد وبدون دليل، ولكن لو عَلم بأنّ الكهرباء قاتلة عن طريق الدليل لمَا كان في معرض الشكّ؛ لأنّ الذي يبني على أنّ الكهرباء قاتلة من دون دليل، قد يكون في معرض الوقوع في هلكة الكهرباء؛ لأنّه قد يشكّكه أحد، فالإذعان بالحقائق - ولو عن تقليد - أمر له فائدته، لكن ليس كمَن يعتقد ويذعن بالحقائق عن دليل وبرهان.


جهاز الوجود للنفس.

أمّا البكاء: فعلينا التعرّف أنّ حكم الفعل من قِبل أيّ جناح من أجنحة النفس يصدر، وهل له ارتباط مع جناح آخر للنفس؟ وهل هو صحيح وسليم مطلقاً؟ أو قد يكون حالة مرضيّة؟

تعريفُ البكاء

يُعرّف اللغويّون البكاء: بخروج الدمع حزناً وتأثّراً(1) ، وهذا التعبير إنّما هو باللازم للمعنى الحقيقي، أمّا علماء الأخلاق والحكماء فقالوا: إنّ البكاء هو حالة انفعال في الجناح العملي للنفس، وهو ما يسمّى بتأثّر الضمير والوجدان في الإنسان، سواء خرج الدمع أم لا، مع الصيحة أو بدونها.

والمقصود بالضمير والوجدان: هو تأثّر الجانب العملي الذي فيه مزيج إدراكي؛ (لأنّا أشرنا إلى أنّ الجناح العملي في النفس في بعض درجاته وإن كان عمليّاً، إلاّ أنّه ممزوج بالإدراك، أي فيه جنبة إدراكيّة، يعني ليست جنبة عمليّة بحتة) نظير قوّة العقل العملي، نظير الشوق، إذ لابدّ من إدراكٍ ما، ثُمّ يستتبعه العمل، ونظير الغضب، وما شابه ذلك.

على كلّ حال، فبعض الدرجات العمليّة هي موجودة بالإدراك.

البكاء: فعل ناتج وناشئ من القوى النفسيّة الموجودة، وهو عبارة عن حالة

____________________

(1) قال الجوهري: البكاء يُمدّ ويُقصر، فإذا مددتَ أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرتَ أردت الدموع وخروجها.


انكسار، أو تأثّر، أو انفعال - تعبيرات مختلفة - في الجانب العملي نتيجة لإدراك ما، وذاك الإدراك هو إدراك لحرمان ما؛ لأنّ الكمال لم يستتمّ لدى الإنسان حتّى ينفعل تشوّقاً إليه، فقد يكون البكاء عن تشوّق، وقد يكون عن حزن لفقد حقّ من الحقوق، وقد يكون مزيجاً من الحزن والشوق، وهكذا.

المهمّ أنّه نوع من الانفعال في الجانب العملي في النفس نتيجة لإدراك ما، وهذا الإدراك هو فقدٌ لشيء ما، سواء في صورة الحزن، أو في صورة الشوق، وإلاّ لو كان الإنسان حاصلاً على ذلك الشيء فإنّه لا يتشوّق إليه، هذا تعريف إجمالي من الحكماء أو علماء الأخلاق للبكاء.

وأمّا حكم البكاء - بأنّه على الإطلاق حالة سليمة في النفس، أم هو حالة مرضيّة، أو على التفصيل - فلابدّ هنا من التفصيل؛ لأنّ البكاء يتّبع معنىً ما، هذا الانفعال في الجانب العملي يتّبع معنىً معيّن، فإن كان المعنى الذي يتّبعه الانفعال النفسي بحيث يكون الانفعال عنه ايجابيّاً، وذلك المعنى هو معنىً حقيقي وصادق إن كان ناشئاً عن معنىً صادق وحقيقة صادقة، والتأثّر كان إيجابيّاً، فيكون حالة صحيحة في النفس، وأمّا إن كان المعنى الموجود معنىً غير صادق، أو كان صادقاً لكنّ التأثّر به غير ملائم، فسوف يكون سلبيّاً.

مثلاً إذا كان إنسان يبكي لفقد كمال معيّن: كعِلم معيّن، أو احترام معيّن، أو قدرة معيّنة - ماليّة أو غير ماليّة - بكى لفقدها، فإدراك هذا الفقد حقيقي وليس كاذباً، حيث أدرك أنّه فاقد للكمال، والمفروض أنّ كماليّة ذلك الشيء واقعيّة، فإنّ تأثّره بهذا الفقدان أيضاً شيء إيجابي؛ لأنّ المفروض أنّه يتأثّر كي يستعدّ للحركة، ولزيادة شدّة حركة النفس وطاقتها وانشدادها باتّجاه ذلك الكمال، ولزيادة


السعي نحو تحصيل ذلك الكمال، وعلى عكس المقولة المعترضة على ظاهرة البكاء بأنّه يُعدّ مفرّغاً للطاقة، بل هو يزيد سعرات الطاقة ويسرّع حركة النفس نحو تحصيل ذلك الكمال، نعم، هو مفرّغ للحصر النفسي - كما يعبّر به علماء النفس - لا أنّه يوجب تخفيف تشوّق النفس نحو المطلوب ونحو المتشوّق إليه.

أمّا لو فقدَ الإنسان شيئاً، وكان ذلك الشيء موجوداً عند صديقه، وبكى لأجل إزالة الشيء عن صديقه وحصوله عنده، فهذا نوع من الحسد طبعاً، إن كانت المعلومة صادقة، وهي فقد ذلك الكمال، ولكن تأثّره موجّه باتّجاه أن يسعى لإزالة كمال عن الآخرين، ولا ريب أنّ هذا التأثّر سلبي وليس تأثّراً ايجابيّاً، فتارة تكون المعلومة صادقة ولكنّ التأثّر خاطئ.

أو أنّ الإنسان قد يفقد أعزّ أحبّته فيتأثّر وهو جيّد، لكن إذا اشتدّ البكاء أو تحوّل إلى حالة من السخط والجزع والاعتراض على الله سبحانه أو..، فهذا المظهر يكون خاطئاً، وإن كانت المعلومة صادقة؛ لأنّ تأثّره وِجّه بتوجيه خاطئ، ولغاية معيّنة، وإنّ أيّ فعل عملي ترتكبه النفس، كأي فعل إدراكي ترتكبه النفس دائماً يكون لغاية، فلابدّ أن نلاحظ العلّة، ونلاحظ العِلل الفرعيّة، والعلّة الغائيّة، كما في العلّة الماديّة والصوريّة.

فحينئذٍ، إذا كان البكاء منطلقاً ومتولّداً من معلومة حقيقيّة، فيكون صحيحاً، وإذا كان تأثّره موجّهاً إلى غاية كماليّة هادفة، فإنّه أيضاً يكون إيجابيّاً وسليماً.

بخلاف البكاء الذي يكون لأجل غاية سلبيّة، وبخلافة ما إذا كان مع الصبر والتحمّل.

والبكاء إنّما يحصل للتأثّر ولبيان المحبّة التي كانت بين الباكي وبين المفقود


مثلاً، الذي لأجله حصل البكاء، فيعتبر هذا نوع من الصلة للميّت، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما فقدَ ابنه إبراهيم:(تدمعُ العين، ويحزنُ القلب، ولا أقول إلاّ ما يرضي ربّنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون) (1)، وفي رواية أخرى قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :(لو عاشَ إبراهيم لكان نبيّاً) (2) هذا نوع من إظهار المحبّة والرحمة.

فالفعل الذي يصدره الجناح العملي للنفس تأثّراً بالجانب الإدراكي في النفس يُشترط فيه أمران لكي يكون إيجابيّاً:

أحدهما: أن يكون منطلقاً من إدراك صادق ومعلومة حقيقيّة.

الثاني: أن تكون غايته غاية هادفة وإيجابيّة.

وإذا اختلّ أحد هذين الشرطين يكون البكاء سلبيّاً.

هذا ما قرّره العلماء في البحوث العقليّة والحكميّة والأخلاقيّة وفي علم النفس، على نحو الإجمال، حول موضوع البكاء.

في علم النفس وعلم الاجتماع الحديث يذكرون في بعض تعريفاتهم: أنّ البكاء تنفيس عن الضغط؛ لأنّ الإنسان قد تتكدّس عليه ضغوط، فتنشأ منها حالة البكاء لدى الإنسان، ويكون بكاؤه نوعاً من التنفيس والتخفيف، هذه هي كلماتهم بغضّ النظر عن تصويبها أو تخطئتها أو مقارنتها مع ما ذُكر في علوم أُخرى(3) .

____________________

(1) بحار الأنوار 16: 235 / ح 35.

(2) بحار الأنوار 22: 458 / ح 4.

(3) وجود ظاهرة اجتماعيّة وهي: أنّ مَن يُصاب بحادثة أو مصيبة يحاول أن يتّخذ مجالس تعزية بالإجارة، (وعلماء النفس والسيكولوجيا في أوروبا يوصون بذلك) بأن يُستأجر


ففي علم النفس الحديث - السيكولوجيا - ثبتَ بأنّ الذي تلمّ به فادحة ومصيبة ويتّخذ البكاء كوسيلة لتهدئته والتخفيف عنه، يكون أبعد من غيره في احتمال وقوعه في الاختلال الروحي، حيث يكون لديه اتّزان روحي في الحوادث والمصائب، وإنّ نفسه تسلم وتطهر وتتخلّص من العقد، بخلاف الذي يمتنع عن البكاء ويتجلّد، حيث تنشأ لديه نوع من العُقد والاعتقادات الخاطئة، أو تتكوّن لديه وساوس وأحقاد على البشريّة، وربّما تصيّره وحشاً على مَن حوله أو على بيئته بسبب تلك الاعتقادات الخاطئة.

فالبكاء يولِّد نوع من الاتّزان الروحي ووقاية عن الاختلال الروحي في النفس، ويُحصّنها من ابتلائها بالعُقد.

وتَذكر إحصائيّات في هذا الصدد أنّ مَن يمارس البكاء - سيّما النساء - يَسلم عادة من الأمراض النفسيّة أو العُقد، أو من تلك الحالات التي تكون قريبة من الكآبة والتمرّد على المجتمع.

طبعاً هذه الضمائم نسبيّة، والجانب العاطفي عند المرأة أكثر من الجانب العاطفي عند الرجل، ومن ثَمّ فإنّ مقابلة الرجل للصدمات أكثر من المرأة، ولذا جَعل الدين الإسلامي الرجل هو القيّم، وجعلَ بعهدته الجانب الإداري والتنفيذي؛ لأنّه أشدّ وأصلب.

ولكن نفس هذا التحليل جُعل إشكالاً وعاد انتقاداً على ظاهرة البكاء، بتقريب أنّ البكاء يُنفّس عن الإنسان الحالة الضاغطة، فهو يُقلّل سعرة الحركة

____________________

جماعة، ويتباكون معه للتنفيس عن الضغط الذي حلّ بصاحب المصيبة، وهو نوع من الحالة الصحّيّة لمَن ألّمت به المصيبة والفادحة.


والعمل؛ لأنّه يُنفّس ويهدّئ، فيبرد الإنسان ويبقى على حالة اتّزانه، فمن ثَمّ يكون البكاء سلبيّاً في بعض الموارد.

مثلاً: إذا وقعَ الظلم على الإنسان فهو ينفّس عن نفسه بالبكاء، وبذلك يرجع إلى الحالة الطبيعيّة ويفقد السعرة والطاقة والباعث نحو التصدّي والمقابلة لذلك الفعل الموجّه ضدّه، ويتقاعس عن أخذ حقّه، وهو أثر سلبي.

وفي الجواب نقول: إنّ البكاء ينفّس عن الحالة الضاغطة، لا أنّه يُقلّل السعرة ويُخمد الهمّة لاسترجاع الحقّ، بل على العكس؛ لأنّ المفروض أنّ البكاء لابدّ أن يوجّه إلى غاية معيّنة، مثل: أنّ المظلوم يبكي لفقد حقّ من حقوقه وفقد ما هو كمال له، وهذا وإن نفّس عن نفسه من جهة الضغط المتراكم عليه نتيجة ذلك الفقدان، لكن لا زال البكاء يزيد المظلوم تشوّقاً إلى ذلك الكمال والحقّ المطلوب، فلا يكون نوعاً من تقليل السعرة والإرادة لإرجاع حقّه، فإذا كان أحد الناس فاقداً لشيء وبكى لفقده، فإنّنا نرى بالوجدان والعيان أنّه يزداد إرادة وتصميماً من ناحية، وطاقةً وعملاً من ناحية أخرى نحو تحصيل ذلك المفقود منه، وإنّ بكاءه لا يُعيقه ولا يمنع حركته بتاتاً، فالإشكال بأنّ البكاء هو نوع من الممانعة نحو الحركة للكمال على إطلاقه غير صحيح وغير سديد.

وما ذكرهُ علماء النفس أو علماء الاجتماع الحديث، لا يتضارب مع ما نقوله: من أنّ البكاء على تفصيل بلحاظ اجتماع الشرطين(1) يكون ايجابيّاً، ومع فقد أحدهما يكون سلبيّاً، أمّا أنّ البكاء هو حالة انقهاريّة وانهزاميّة للنفس فهي مقولة غير سليمة على إطلاقها.

____________________

(1) ذكرنا الشرطين ص: 274 من هذا الكتاب.


ومن عمدة البحث أن نرى الرؤية الشرعيّة حول حقيقة البكاء، هل يرى الشارع أنّ البكاء حالة سلبيّة أم ايجابيّة؟ وعلى التفصيل فهل يكون بتوفّر الشرطين السابقين ايجابيّاً وإلاّ كان سلبيّاً كما ذَكر الحكماء وعلماء الأخلاق.

ولابدّ من استعراض الآيات القرآنيّة العديدة والروايات الواردة في هذا الموضوع، ومن ثَمّ نبدأ في تحليل تفصيلي لأجوبة بقيّة الإشكالات السبعة.

وما تقدّم من الشرطين في إيجابيّته: هو مورد توافق العلوم العقليّة والإنسانيّة التقليديّة القديمة في البشريّة، والعلوم النفسيّة والإنسانيّة الحديثة (من: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم السيكولوجيا) وهي تتوافق تقريباً على مثل هذا التقسيم للبكاء.

وعلماء الاجتماع يلاحظون ظاهرة مفارقة بين بلدان الشرق - سيّما الشرق الأوسط - وبين بلاد الغرب، ويشاهدون أنّ في الشرق ظاهرة وفور من العاطفة والأحاسيس، وإنّ كثيراً من الفضائل الأخلاقيّة التي هي من سنخ القوى العقليّة في النفس، سواء كانت تلك الفضائل العقليّة عملاً محضاً، أو كانت مزيجاً من جهات إدراكيّة علميّة، يلاحظون ويرون بأنّ نظم العاطفة ونظم الوجدان الموجود في الشرق - لا سيّما الشرق الأوسط - أقوى بمراتب بما لا يقاس منه في الغرب، وكأنّما الغرب فقط قوالب إدراكيّة، طبيعة الإنسيّة البشريّة الموجودة هناك كأنّها تقتصر على قوالب إدراكيّة قد فُرِّغت من الجانب العاطفي والجانب الروحي.

ومن ثَمّ نجد الإحصائيّات تشير - في مجالات عديدة - إلى بروز الأمراض الروحيّة والعُقد وتَفكّك الأُسرة، إلى غير ذلك ممّا هو مرتبط بجانب العاطفة


والوجدان والروح والخلق المتعلّق بالجانب العملي.

فهناك فارق شاسع جدّاً بين بلاد الشرق (الأوسط) وبلاد الغرب، بين أولئك الذين يتّخذون نمطاً من الحياة المادّيّة والذين يتّخذون نمطاً من الحياة الروحيّة، ولو كانوا على غير دين الإسلام من بلاد الشرق: كالهنود والبوذيّين وما شابه ذلك، وقد أضحى هؤلاء - في الآونة الأخيرة - يتخوّفون من الغزو الثقافي الغربي والأمريكي، الذي يكاد يهدّد الثوابت الروحيّة والعاطفيّة لديهم.

والقوانين المدنيّة إنّما وجِدت لأجل سلامة المحيط الاجتماعي، وهو - مع قلّة الحريّات في المجتمعات الشرقيّة وتخلّف القانون الوضعي - يُعدّ في الشرق أسلم منه من الغرب.

والسرّ في ذلك: هو أنّ الإنسان في زوايا نفسه ودرجات روحه لا يقتصر على جناح الإدراك، وهو ليس مجرّد علبة كمبيوتريّة تُزقّ بالمعلومات، الإنسان يحتوي على جناح عملي أيضاً، بل الجناح الإدراكي ليس يقتصر على قنوات إدراك، بل فيه إدراكات روحيّة وما يسمّى بالحاسّة السادسة، وهي غير الإدراكات الحصوليّة التي هي من قبيل المفاهيم، والإدراكات الباطنيّة التي هي في أعماق الروح يُعبّر عنها الحكماء القدماء بالقلب والسرّ والخفي والأخفى، يعني الدرجات، فضلاً عن الجناح العملي في النفس، فكثير من أجنحة النفس ليست إدراكاً محضاً، والجناح الإدراكي الفوقاني(1) هو غير جناح الإدراك التحتاني(2) الذي ذَكرنا له درجات، وهي: الوهم، الخيال، العقل النظري.

____________________

(1) جناح الإدراك الفوقاني: هو الإدراكات الحضوريّة الوجدانيّة.

(2) جناح الإدراك التحتاني: هو الإدراكات الحصوليّة بتوسّط القوى الفكريّة.


الجناح الإدراكي الفوقاني في النفس هو: القلب، السرّ، الخفي، الأخفى، أو ما يسمّى بأعماق الباطن في النفس، أعماق النفس الباطنة - في الفلسفة الحديثة - ليس صرف إدراك محض، بل فيه جذب وقطع، وصل ونفرة، انقباض وانبساط، إقبال وإدبار.

هذه حالات غامضة روحيّة تناولتها الشريعة والفلسفة القديمة والحديثة والعرفان بالتحليل والدراسة، فهذه حالات ليست حالات إدراكيّة جافّة فقط، كذلك الجانب العملي في النفس: الغضب، الشهوة، الغرائز المختلفة، قوّة العقل العملي، الإرادة، الصبر، الشجاعة، العفّة، هي كلّها من أفعال النفس التي يتكفّل بها دائماً الجانب العملي في النفس وليس الجانب الإدراكي النازل، فالجانب العملي - سواء النازل(1)، أو العملي الفوقاني(2) - في الإدراك الفوقاني، هو من الجوانب العمليّة في النفس وليس إدراكات جافّة محضة.

فلو ألقى المتحدّثون على الناس عشرات المحاضرات، والعديد من الأفكار من دون تطعيمها بعاطفة صادقة ومن دون إثارة عمليّة للأفكار، لم تحصل الفائدة المرجوّة لذلك! بل النتيجة: قوالب جافّة، وسوف لن تصل هذه البرامج الفكريّة المحضة في تأثيرها إلى البرامج العمليّة، ولن يؤثّر ذلك بالمجتمع في طريق إصلاحه، مع أنّ الغاية من البرامج الفكريّة هو الإقدام العملي في شرائح المجتمع.

وهذا نظير ما يقوله القائل في شأن المرحليّة الفكريّة والفكر من دون تطعيمه

____________________

(1) الجانب العملي النازل مثل: الغضب، والشهوة، والغرائز المختلفة.

(2) الجانب العملي الفوقاني: هو إدراك حضوري مزيج مع العمل.


بعاطفة صادقة، وقد شرحنا العاطفة الصادقة حينما تطرّقنا في البحث عن البكاء الصادق.

حيث إنّ البكاء الصادق هو أحد الحالات والظواهر العاطفيّة الصادقة كالتقديس، باعتبار أنّ تحقّق الإدراك الصادق يحصل بمتابعة غاية صادقة وصحيحة، فتنشأ العاطفة الصادقة، أي تكون العاطفة ترجماناً عمليّاً للفكرة.

وأمّا تزريق: المستمع، أو القارئ، أو المُشاهد بأفكار ومعلومات من دون أن تستثير فيه الجانب العملي والعاطفي؛ فإنّه سيُخفق في التأثير عليه، ولن ينجح في إرشاده إلى الصلاح، سواء في التربية المدرسيّة، أو الاجتماعيّة، أو الدينيّة، أو الحسينيّة، ومثل تلك الطريقة لن تصلحه ولن تستثيره، بل المفروض هو: أن تشحذ همّة إرادته حيث توجد عنده إرادة عازمة حازمة، لكي يبدأ بتغيير مسيره.

بينما البكاء يختصر الطريق، البكاء أو العواطف الصادقة تختصر الطريق أمام آلاف المحاضرات والأفكار، وإنّ فكرة جامعة لمادّة غنيّة بالأفكار مقرونة بإثارة عاطفيّة صادقة نابعة من هذه الفكرة الإجماليّة الجامعة الصحيحة، رُبّما تقلب الإنسان رأساً على عقب، فيتبدّل وضعه، وتتغيّر بيئته السلبيّة، وينقلب فجأة إلى العزم للمضي نحو الفضائل، وينشأ ذلك من الإثارة العاطفيّة الصادقة، إذ المفروض أنّ الإثارة العاطفية الصادقة رسالة، مُستمعها (المُرسل إليه) هو الجانب العملي في النفس، والجانب العاطفي في النفس، المنفعل والمتقبّل لها هو الجانب العاطفي في النفس، فإذا كان المشتري والسامع والمنفّذ لها هو الجانب العملي في النفس، فهذا اختصار للطريق، وبعبارةٍ أخرى، فإنّ معيّة الفكر مع العاطفة أو مع الجانب العملي في النفس ضرورة لا يمكن التفريط بها للوصول إلى الإرشاد


والإصلاح الاجتماعي، أو الفردي، أو التربية السليمة والكمال المنشود.

ومن ثَمّ حصلَ الفارق بين المجتمعات الغربيّة والمجتمعات الشرقيّة، فمن الخطورة بمكان أن ننحو نحو سلبيّات الغرب، بخلاف إيجابيّات الغرب - من التقدّم العلمي والتكنولوجي - فإنّه لابدّ من الأخذ بهما.

أمّا أن نكون مَجمعاً للروافد السلبيّة المنتشرة والشائعة في مجتمعاتهم، فهذا مرفوض من الأساس؛ لأنّ حقيقة الفطرة الإنسانيّة مزدوجة من جانبين، بل قيادة النفس إنّما هي بالإرادة، والإرادة صفة عَمليّة، والذي يوجدها ويولِّدها ويثيرها ويحرّكها هو جانب العاطفة - العاطفة الصادقة - أو جانب العقل العملي الصادق الوليد للجانب الإدراكي.

فإذا فقدَ الإنسان إرادته، فإنّه سوف يفقد كلّ شيء في شخصيّته، فالإرادة - التي هي أثمن شيء في الوجود، وهي الصفة التي امتاز بها الإنسان عن بقيّة المخلوقات - لابدّ من تطعيمها بعاطفة صادقة، فحينئذٍ من الجناية على المجتمع والفكر والحقيقة بمكان أن نُسمّي الفكر الجاف، أو نسمّي عدم التفاعل الصادق مع الحقائق والجمود في قبال الحقائق، نسمّيه نوع اعتدال، أو نوع تقدّم، أو حالة حضاريّة، بل هي حالة تخلّف تقودها جاهليّة الغرب، وهم يعانون منها الآن، ونحن بالتبع نجترّها، نجترّ فضلاتهم بعناوين برّاقة زائفة وأثواب جميلة خادعة، ونتنازل عن المفاهيم والعناوين الصادرة عن تراثنا.

هذه لقطة أخيرة من حقيقة البكاء، وهي: أنّ البكاء وأخواته من الأفعال العاطفيّة النفسيّة إذا كان ضمن الصور الإيجابيّة، فهو من كمالات النفس ومن


كمالات المجتمع والبشريّة، التي تحتاج إليها لتصل إلى رُقيّها المنشود.

وأمثلة المفردات العاطفيّة: التشكيك، والتقديس، والبكاء.

ونذكر الآن مفردة أخرى، وفعلاً عمليّاً آخر يثار وهو: وصف شخص بأنّه عاطفي وانتقاده؛ لأنّه يتأثّر بالخبر مباشرة سلباً أو إيجاباً، وإنّ الشخص السوي والسليم: هو الذي إذا رأى صورة صادقة لا يتأثّر بها ولا يتحمّس لها، وإذا رأى صورة باطلة لا يتنفّر منها ولا يرفضها، وبعبارة أخرى: غلق باب العقل العملي، وقد عرفتَ أنّ العقل العملي من فطرة الله سبحانه، وإنّ الغاية منه قيادة حركة نورانيّة في النفس، بحيث ينفّرها عن المنكر والنقص والمساوئ، ويجذبها نحو الخير والكمال والفضائل، فهو حبل ربّاني نوراني وهداية ورحمة إلهيّة.

هذه الفطرة التي أنعمَ بها الباري عزّ وجل على الإنسان، لماذا نطمسها؟ ولماذا نقول: بأنّ العاطفة في الإنسان تعتبر حالة شاذّة! العاطفة ليست بجميع صورها خاطئة، العاطفة ترجمان عملي صادق حقيقي طبيعي للإنسان إذا كان ناتجاً عن معلومة صادقة، أو تأثّر بالنفرة والإنكار من معلومة كاذبة، كيف تُلغى العاطفة من وجود الإنسان، كيف تُهمل من وجود المجتمع، اللهمّ إلاّ أن نَصْبوا إلى مجتمع مفكّك عن العاطفة والأخلاق، كالمجتمع الغربي الذي يسبح في بحر الرذائل ويتخبّط في أدنى مستوى من الانحطاط.

التناسبُ الطردي بين المعلومة والعاطفة

نعم، الجدير بالذكر: أنّ كلّ معلومة لها حجم مقدّر من العاطفة في علم السيكولوجيا، إذا زاد التفاعل معها عن حجمها كان إفراطاً، وإذا نقص عن


حجمها كان تفريطاً، وهذا مقرّر في تعاليمنا الدينيّة، مثلاً: على الإنسان أن لا يتعدّى بالغيرة على غيرة الله في محرّماته، فإذا جعلَ الله لشارب الخمر حدّاً معيّناً، فيجب أن لا تشتدّ الغيرة فيُحدّ أكثر من حدّ الله سبحانه، فإنكار المنكر اليسير يختلف عن المنكر المتوسط والمنكر الشديد الذي يصل إلى حدّ الكبيرة، والكبائر أيضاً لها درجات، فالزائد يكون إفراطاً وليس في محلّه، وهناك ترابط، فكلّ معلومة لها حجم عاطفي معيّن لابدّ أن يتولّد منها، وعدم تولّده يعني مسخ الفطرة الإنسانيّة عمّا هي عليه؛ لأنّ المفروض أنّ المُدركة لابدّ أن تُترجَم على الصعيد العملي، ولو لم تُترجَم فلا فائدة من الإدراك، وهذا هو الفرق بين النفس وبين الكمبيوتر، وبينها وبين الكتب، وبينها وبين مجرّد المعلومات.

فالفكرة والمعلومة كما هي خطيرة جدّاً، وكذلك العاطفة والمقولة العاطفيّة الصحيحة خطيرة جدّاً أيضاً، وخطورتها إيجابيّة أيضاً، سواء في النفس، أو في الإنسان، أو في المجتمع، وكما أنّنا لا يمكننا إلغاء الأفكار فكذلك لا يمكننا إلغاء العاطفة الناتجة من تلك الأفكار، وتبديل العلم إلى الجهل مساوق لإلغاء وتعطيل العمل، وقوام العمل بالزخم الروحي والقوّة العاطفيّة الصادقة التي تقوم بها النفس، من البكاء والتقديس والتأثّر.

وهذا المنحى المادّي، أو اللاروحي، أو اللاخلقي، ينتشر في الأوساط الفكريّة العلمانيّة والأوساط الإسلاميّة المتأثّرة بالعلمانيّة تدريجيّاً، وهو أمر بالغ الخطورة.

هذا مُجمل البحث التخصّصي في موضوعات ظاهرة البكاء، حيث ألقينا الضوء على البكاء من ناحية تخصصيّة بغضّ النظر عن الفقه، وبغضّ النظر عن


روايات الشريعة الواردة في خصوص البكاء على الحسين (عليه السلام)، بغضّ النظر عن ذلك كلّه، وفي الواقع فإنّ الشريعة لا تتناول البكاء فقط، بل تتناول كثيراً من الأفعال العمليّة التي تقوم بها النفس وتمارسها ولكن وفق شروط وضوابط معيّنة.

البكاءُ في القرآن الكريم

1 - ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (1)، فالقرآن يُثني على ظاهرة البكاء التي تنشأ من درك الحقيقة، أي أنّه يمدح التأثّر والتحسّس العاطفي الذي يكون البكاء مظهراً من مظاهره، وقسماً من أقسامه، يمدحه القرآن ويصفه بأنّه: تأثّر صادق ومطلوب وطبيعي وفطري وكمالي إذا نتج من معلومة حقيقيّة( وَإِذَا سَمِعُوا... تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) ، وهنا إشارة لنفس الشرطين اللذين ذكرناهما باعتبار أنّه تأثّر من المعلومة الحقيقيّة.

2 - ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) (2) ، فيمدحهم القرآن على

____________________

(1) المائدة: 82 - 83.

(2) التوبة: 91 - 92.


تأثّرهم، هذا التأثّر هو على نحو الانفعال البكائي نتيجة التشوّق للمشاركة في فعل الخير من الجهاد والإنفاق، هذا التأثّر يمدحه القرآن ويصفه بأنّه: فعل إيجابي وكمالي.

3 - ( قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ للأذقَان سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ للأذقَان يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) (1) .

مَدحهم لأجل البكاء والتأثّر، ولو كانوا يستمعون فقط لمَا أُنزل من الوحي ولا يبكون، فلن يكون لديهم خشوع، والخشوع - الذي هو ذروة الحالات النفسيّة العمليّة - هو في الواقع حالة عمليّة، ليس من الجناح العملي النازل، بل من الجناح العملي الصاعد، حيث مرّ بنا أنّه من أجنحة النفس الذي هو: القلب، السرّ، الخفيّ، الأخفى.

فالخشوع: هو فعل من أفعال القلب وليس فعلاً من أفعال الغرائز، وليس فعلاً من أفعال العقل العملي، وليس فعلاً من أفعال الشهوة، وليس من أفعال الحس ولا من الإدراك الحصولي؛ إنّما هو فعل من أفعال إدراك الباطن العلوي في النفس وهو القلب، فلولا البكاء لمَا حصل ذلك الفعل العلوي للنفس( وَيَخِرُّونَ للأذقان يَبْكُونَ ) ؛ لأنّه ناتج من معلومة صادقة وغاية صادقة، وهو الفرار من الذنوب والتشوّق إلى النشآت الأبديّة الخالدة، وهذا التشوّق والتأثّر يمدحه القرآن، وهو سير نفساني، وسير حقيقي في النشآت الأبديّة الخالدة، يمدحه القرآن الكريم وإن لم ندركه نحن الآن، وسيُكشف لنا الغطاء - إن شاء الله - فندرك أنّ

____________________

(1) الإسراء: 107 - 109.


هذا السير النفساني هو سير في تلك النشآت وكمال فيها.

4 - ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ...) تَذكر هذه الآية الأنبياء والصفة البارزة لكلّ نبيّ منهم، إلى أن تقول:( أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) (1) ، فالأنبياء هم الأمثولة المحتذى بها والأنموذج المقتدى للبشريّة، وهم المَثل السامي للبشريّة، والقرآن الكريم يمدحهم بأنّ لهم تأثّراً عاطفيّاً يظهر بشكل البكاء.

( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ ) على نحو القضيّة الحقيقيّة، أي: كلّما تُليت آيات الرحمان - ولو على مرّ الدهور - فهناك فئة ممّن هداهم الله سبحانه واجتباهم يتأثّرون بها فيخرّون للسجود ويبكون( إِذَا تُتْلَى... خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) .

5 - عندما أُخبر يعقوب بأنّ ابنه الثاني أيضاً قد أُخذ منه، قال:( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ (2) تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (3) يعني: ما أمارسه هو فعل من الأفعال الراجحة، ويعقوب نبيّ من أنبياء الله عزّ وجل، والقرآن يُخلّد ذكره ويُخلّد فعله لنا، ويُعطينا قدوة نموذجيّة وأمثولة للاقتداء به في هذا التفاعل

____________________

(1) مريم: 58.

(2) لا تفتأ، لا تنقطع.

(3) يوسف: 83 - 86.


العاطفي، هذا البكاء والتشوّق لنبيّ آخر هو من أبنائه ليس تشوّقاً إلى كمالٍ زائل؛ وإنّما هو تشوّق لنبوّة نبيّ آخر، فالغاية سامية، والتأثّر لأجل صلة الرحم.

بكاؤه استمرّ طيلة غياب يوسف، وأدّى إلى بياض عينيه( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ) يعني: عَميت، اشتدّ به البكاء إلى درجة العمى، فالبكاء كان باختياره، فإذا كان النبي يتشوّق ويبكي إلى هذا الحد، وقد كان ضمن مَن وَصفهم الله عزّ وجل( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ... ) (1) ، فيعقوب ضمن هؤلاء الأئمّة، ومع ذلك يتشوّق إلى نبي مثله، فكيف إذا تشوّق غير النبي وغير المعصوم إلى المعصوم، وهل يكون تشوّقه أو بكاؤه - لو وصلَ به الأمر إلى الإضرار بالعين - فعلاً محرّماً، هذا بحث آخر سيأتي في جهة الضرر الحاصل بسبب الشعائر.

فهذا نوع من السلوك والخُلق النبويّ الذي سطّره لنا القرآن الكريم بُغية الاحتذاء به واتّباعه، حيث يقول في آخر السورة:( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (2)، وبهدف التأسّي من هذه النماذج(3) .

حينئذٍ، هذا الفعل من يعقوب (عليه السلام) أورده الباري سبحانه في هذه السورة لأجل أن يُحتذى به، وهو فعل كمالي وليس فعلاً مذموماً أو فيه منقصة، وآية

____________________

(1) الأنبياء: 73.

(2) يوسف: 111.

(3) وكما قال الزمخشري مخاطباً الأشاعرة مع أنّه من العامّة، في ذيل الآية( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) (يوسف: 24): قاتَلهم الله، عمدوا إلى سورة ضربها الله مثلاً للبشريّة إلى يوم القيامة؛ احتذاءً لعفّة النبي يوسف، فجعلوها نقضاً على الله سبحانه في كتابه.


( فَارْتَدَّ بَصِيراً ) تدلّ على أنّه أُصيبَ بالعمى، تصل الدرجة لنبي من الأنبياء أنّه مارسَ البكاء بهذه الشدّة، فكيف يمكن أن يكون الفعل سلبيّاً، بل فعله ايجابي، ولذلك ضربهُ الله سبحانه أنموذجاً يُحتذى به.

6 - ( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ) (1) ، فيها زجر ونهي عن الضحك، وعن الإمساك عن البكاء.

فما تُطالبنا به هذه الآيات الكريمة هو: البكاء المتوفّر فيه الشرطان السابقان: وهو انطلاقه وتولّده من معلومة حقّانيّة، واندراجه تحت غاية كماليّة، مثل هكذا بكاء يمتدحه القرآن أشدّ مدح.

- في الجانب الآخر هناك آيات تنهى عن الفرح المذموم، مثل:

سورة هود: 10( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) .

هذه الآيات تذمّ الفرح( لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) (2) ، والفرح الذي يكون منشأه حَدث دنيويّ يذمّه القرآن أشدّ الذم،( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (3) يعني بما عند الله بالآخرة، يُخصّص الفرح الممدوح بما يكون في سياق النشأة الأخرويّة، كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فَرحاً: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر) (4) .

____________________

(1) النجم: 59 - 60.

(2) القصص: 76.

(3) يونس: 58.

(4) مقاتل الطالبيّين (أبو الفرج الأصفهاني): 6؛ الاحتجاج (الطبرسي) 1: 172.


نعم، هذه في سلسلة النشأة الأخرويّة، وأمّا ما لا يصبّ في سبيل النشأة الأخرويّة فيذمّه القرآن أشدّ ذم، ويُخصّص شطراً كبيراً منه بذمّ الفرح إلاّ ما كان قد تعلّق بالتشوّق إلى الجانب الأخروي.

وأمّا الخشية والخشوع - اللذان هما صفتان وفعلان نفسيّان قريبا الأفق من البكاء - فهما صنفان يتلازمان ويتزامنان مع البكاء، والآيات المادحة لذلك كثيرة جدّاً(1) .

الخشية، أو الخشوع والإشفاق: حالات نفسيّة من أفعال الجانب العملي في النفس، وتكون مقرونة بالبكاء، بل في أكثر الأحيان ناشئة منه، ولا تنفكّ غالباً عنه، وإذا كان ما هو ناتج عن البكاء مُستحبّاً وراجحاً ومرغوباً فيه في الشريعة، فالسبب (وهو البكاء) أيضاً مرغّب فيه من قِبل الشريعة أيضاً.

لذا فإنّ البكاء من خشية الله يُعدّ من أعظم العبادات، حتّى أنّه وردت روايات عديدة في أنّ البكاء في الصلاة من أفضل أعمالها.

فنظرة الشريعة - من خلال الآيات والروايات - تدلّ على أنّ البكاء المتوفّر فيه هذان الشرطان: هو من الأفعال الكماليّة النفسانيّة ومن الفطرة المستقيمة للبشر، والقرآن يمدح هذه الحالة في أنبيائه ورسله، ويضرب لنا في ذلك أُمثولة وقدوة نتأسّى بها حتّى في الحزن، فنظرة الآيات القرآنية - وقبل أربعة عشر قرناً - تُقرّر وتُثبت ما توصّلت إليه

____________________

(1) مثل: سورة الزمر: 23( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ ) ، الحديد: 16، الأنبياء: 90، الحشر: 21.


البحوث العقليّة والعلوم الحديثة: من أنّ البكاء ليس سلبيّاً على إطلاقه، بل أغلب وأكثر أفراده إيجابيّةً.

بعضُ الأدلّة الواردة في البكاء

أمّا الروايات الواردة في الحثّ على البكاء، والمدح والثناء للباكين، فمنها:

1 - بكاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عمّه حمزة، وحثّه وترغيبه البكاء عليه، ويظهر ذلك من عدّة أدلّة تاريخيّة، منها:

أ) قال ابن الأثير وغيره: لمّا رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حمزة قتيلاً بكى، فلمّا رأى ما مُثّل به شهقَ(1) .

ب) وذكرَ الواقدي: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يومئذٍ(2) إذا بكت صفية يبكي، وإذا نَشجت ينشج. قال: وجَعلت فاطمة تبكي، فلمّا بكت بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

ج) روى ابن مسعود، قال: (ما رأينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله باكياً قط أشدّ من بكائه على حمزة بن عبد المطلب لمّا قُتل - إلى أن قال - ووضعه في القبر، ثُمّ وقفصلى‌الله‌عليه‌وآله على جنازته وانتحبَ حتّى نشغ(4) من البكاء...)(5) .

د) ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في ص: 40 من

____________________

(1) أُسد الغابة 2: 48.

(2) أي: يوم أحد.

(3) كما نقلَ ذلك السيّد شَرف الدين في كتابه النص والاجتهاد: 293.

(4) النشغ: الشهيق حتى يبلغ به الغشي.

(5) ينابيع المودّة (القندوزي) 2: 215؛ شرح مسند أبي حنيفة (ملاّ علي القاري): 526؛ ذخائر العقبى (أحمد بن عبد الله الطبري): 181.


الجزء الثاني من مسنده: من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا رجعَ من أُحد، جَعلت نساء الأنصار يبكين على مَن قُتل من أزواجهنّ، قال: فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(ولكنّ حمزة لا بواكي له ، قال: ثُمّ نام، فانتبهَ وهنّ يبكين، قال:فهنّ اليوم إذا يبكينَ يندُبن حمزة) .

- وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي، قال: لم تبكِ امرأةٌ من الأنصار على ميّت - بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(لكنّ حمزة لا بواكي له) - إلاّ بدأنَ بالبكاء على حمزة(1) .

2 - بكاءُ النبي جعفر بن أبي طالب وحثّ النساء بالبكاء عليه:

فقد أخرجَ المزّي في تهذيب الكمال عن مغازي الواقدي، بسنده عن أم جعفر بنت محمّد بن جعفر، عن جدّتها أسماء بنت عميس، قالت: أصبحتُ في اليوم الذي أُصيبَ فيه جعفر وأصحابه، فأتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد هيّأتُ أربعين منّاً من أُدُم، وعجنتُ عجيني، وأخذتُ بَنيّ، وغسلتُ وجوههم، ودهنتُهم، فدخلَ عليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:(يا أسماء، أين بنو جعفر؟

فجئتُ به إليهم فضمّهم وشمّهم، ثُمّ ذَرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلّه بَلغك عن جعفر شيء، فقال:نعم، قُتل اليوم.

فقالت: فقمتُ أصيح واجتمعَ إليّ النساء.

____________________

(1) عن كتاب النص والاجتهاد: 297؛ وهناك شواهد كثيرة على ثبوت بكاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحثّه عليه، وقد جمعَ أكثرها السيّد عبد الحسين شَرف الدين في كتابه النص والاجتهاد: 297، فراجع.


قالت: فجعلَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:يا أسماء، لا تقولي هَجراً ولا تضربي صدراً ، قالت: فخرجَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى دخلَ على ابنته فاطمة، وهي تقول:واعمّاه.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :على مِثل جعفر فلتبكِ الباكية .

ثُمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :اصنَعوا لآل جعفر طعاماً فقد شُغلوا عن أنفسهم اليوم) (1) .

3 - بكاءُ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على ولده إبراهيم: ما أخرجه البخاري في صحيحه، قال فيه:

ثُمّ دخلنا عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإبراهيم يجود بنفسه، فجُعلت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تذرفان.

فقال له عبد الرحمان بن عوف: وأنت يا رسول الله؟

فقال:(يا بن عوف، إنّها رحمة، ثُمّ أتبعها بأخرى.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلاّ ما يُرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (2) .

وبكى كذلك على عثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وزيد بن حارثة(3) .

4 - ما وردَ في خطبة الأمير (عليه السلام) في وصف المتّقين، وشدّة انفعال همام إلى حدّ الموت، فصُعق همام صعقةً كانت نفسه فيها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):(أمَا

____________________

(1) تهذيب الكمال (المزي) ج 5: 60.

(2) صحي البخاري: كتاب الجنائز، باب قول النبي:(إنّا بكَ لمحزونون) .

(3) راجع كتاب النص والاجتهاد: 295.


والله لقد كنتُ أخافها عليه، ثُمّ قال:هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين(1) ، فقال:ويحك إنّ لكلّ أجل وقتاً لا يعدوه ولا يتجاوزه، فمهلاً لا تعُد لمثلها فإنّما نفثَ الشيطان على لسانك) (2) .

5 - وما ذكرهُ الأمير (عليه السلام) عندما غارت خيل معاوية على الأنبار، وقُتل حسّان بن حسّان البكري، فكان (عليه السلام) متأثّراً ومتذمّراً، وهو يستنهض الناس في الكوفة للقتال ضدّ معاوية، فكان يقول (عليه السلام):(ولقد بَلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حِجلها وقلائدها ورُعثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثُمّ انصرفوا وافِرين، ما نال رجلاً منهم كلم ولا أُريقَ لهم دمٌ، فلو أنّ امرءاً مسلماً ماتَ بعد هذا أسفاً، ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً) (3) .

فهو (عليه السلام) يصف شدّة الانفعال من جهة الغيرة(4) (الغيرة: هي أيضاً صفة نفسانيّة، عاطفيّة، منطلقة ووليدة من إدراك معلومة حقيقيّة، ولأجل غاية حقيقيّة، وهي الذبّ عن حريم الدين، وحريم المسلمين، والدفاع عن شرف وكرامة

____________________

(1) أي: لمَ سبّبتَ له ذلك.

(2) شرح نهج البلاغة لمحمّد عبدة 2: 160، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 10: 149.

(3) نهج البلاغة 2: 74.

(4) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(الغيرةُ من الإيمان، والبذاء من الجفاء) ، كتاب النوادر (قطب الدين الراوندي): 179؛ بحار الأنوار 103: 250 / 44.

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(كان إبراهيم أبي غيوراً، وأنا أغيَر منه، وأرغمَ الله أنف مَن لا يغارُ من المؤمنين) بحار الأنوار 103: 248 / 33.


المؤمن).

إذاً، الجامع بين الخشية والخشوع والأسى والحزن هو شدّة الانفعال، وهو من المعاني الحقيقيّة، هذه الشدّة لا يعتبرها الإمام إفراطاً، ولا مغالاة، مثلَ ما وقع من النبي يعقوب( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) ، أو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):(بل كان به عندي جديراً) ، حيث يصفها بأنّها فعلٌ كمالي.

6 - وأيضاً، في زيارة الناحية التي نَقلها صاحب البحار، وهي منسوبة للإمام الحجّة (عليه السلام):(فلأندُبنّك صباحاً ومساءً، ولأبكينّ عليك بدلَ الدموع دَماً حسرةً عليك وتأسّفاً وتحسّراً على ما دَهاك) (1) ، فهذا نوع من شدّة الانفعال التي هي ليست بمذمومة بل ممدوحة ومطلوبة.

7 - أيضاً في القصيدة التي ألقاها دعبل الخزاعي في محضر الرضا (عليه السلام):

أفاطم لو خِلت الحسين مجدّلاً وقد مات عطشاناً بشطّ فرات

إذاً للطمت الخدّ فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوَجنات(2)

فَعلا صُراخ حرم الإمام (عليه السلام) من وراء الستر، ولطمنَ الخدود، وبكى الإمام الرضا (عليه السلام) حتّى أُغميَ عليه مرّتين من شدّة الانفعال والتأثّر.

8 - ما يُذكر في التاريخ من إغماء أمير المؤمنين (عليه السلام) مراراً من خشية الله في صلاة الليل، وهي مسندة في تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) في المصادر المختلفة، ونفس الحالة ثابتة أيضاً لباقي الأئمّة (عليهم السلام).

____________________

(1) بحار الأنوار 101: 238 / 38.

(2) ذكرها الصدوق مسندة في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 263؛ بحار الأنوار 45: 257 / 38.


9 - ما ذكرهُ صاحب كامل الزيارات ابن قولويه(1) ، ونقله صاحب البحار أيضاً من كامل الزيارات نفس الرواية(2) الواردة في بكاء السجّاد (عليه السلام) وقول مولىً له: جُعلت فداك يا بن رسول الله، إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال (عليه السلام):(إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكُر مصرع بني فاطمة إلاّ خَنقتني العبرة) .

- وفي رواية أخرى: أمَا آنَ لحُزنك أن ينقضي؟!

فقال له:(ويحكَ، إنّ يعقوب النبي (عليه السلام) كان له اثنا عشر ابناً، فغيّبَ الله واحداً منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، واحدودبَ ظهره من الغمّ، وكان ابنه حيّاً في الدنيا، وأنا نظرتُ إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني) (3) .

- وذكرَ صاحب حُلية الأولياء: أنّه (عليه السلام) بكى حتّى خيفَ على عينيه(4) .

10 - ما ذكرهُ الصدوق في عِلل الشرائع(5) ، من العلّة التي من أجلها جَعل الله عزّ وجل موسى خادماً لشعيب (عليهما السلام) وهي: لكثرة بكاء النبي شعيب من خشية الله حتّى عميَ مرتين أو ثلاث، يُعمى ويردّ الله عليه بصره، ثُمّ يبكي بشدّة ويردّ الله عليه بصره، حيث وردَ في هذه الرواية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:(بكى شُعيب (عليه السلام) من حُبّ الله عزّ وجل حتّى عَمي، فردّ الله عزّ وجل عليه بصره، ثُمّ بكى حتّى عَمي

____________________

(1) في الباب 35.

(2) بحار الأنوار 46: 108 / 1.

(3) بحار 46: 108.

(4) المصدر السابق.

(5) علل الشرائع: 1 / 74، 57 / باب 51.


فردّ الله عليه بصره، ثُمّ بكى حتّى عميَ فردّ الله عليه بصره، فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه: يا شعيب، إلى متى يكون هذا أبداً منك، إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك، وإن يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبَحتك، قال: إلهي وسيّدي أنت تعلم أنّي ما بكيتُ خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك، ولكن عُقد حبّك على قلبي، فلستُ أصبر أو أراك، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أمَا إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأُخدِمك كليمي موسى بن عمران) (1) .

11 - فِعل الرباب زوجة الإمام الحسين (عليه السلام)، فإنّها من شدّة التأثّر لم تستظلّ تحت السقف(2) عاماً كاملاً إلى أن توفّيت، وكان ذلك بمسمع وبمرأى من السجّاد (عليه السلام)، أي مع تقرير المعصوم على هذا الفعل، فيكون نوعاً من التصحيح والإمضاء له.

وهناك موارد عديدة غير ذلك تُصوّر شدّة الانفعال، وتدلّ على رجحان البكاء، والجامع بين هذه الموارد والصور المتعدّدة للتفاعل العاطفي هو شدّة التأثّر للإدراكات الحقيقيّة، ولعلّ المتتبّع يجمع أكثر من هذه الموارد بكثير.

حينئذٍ يظهر أنّ البكاء والتأثّر العاطفي من معلومة حقيقيّة وإدراك حقيقي هو لأجل غاية حقيقيّة، وهذه من خاصّيّة النوع الإنساني وخاصّيّة الفطرة الإنسانيّة، ومن دون ذلك سوف يفقد الإنسان إنسانيّته ويكون حاله حال الجمادات، ويكون أدون من العجماوات، حيث أثبتَ القرآن الكريم أنّ للسماء والأرض

____________________

(1) عِلل الشرائع 1: 57.

(2) لواعج الأشجان (السيّد محسن الأمين): 223.


بكاءً، كما في سورة الدخان(1) ، روى الفريقان تحقّق هذا الأمر في شهادة الحسين (عليه السلام)، مثل: ابن عساكر في تاريخه في ترجمة سيّد الشهداء (عليه السلام)، حيث ذكرَ جملة من الروايات المُسندة في ذلك عن مشاهدة الدم تحت الأحجار وفوق الحيطان وغير ذلك.

أوجهُ الاعتراض على ظاهرة البكاء والجواب عليها

نذكر بعد ذلك ما يُثار حول ظاهرة البكاء من انتقادات وإشكالات ونتعرّض للجواب عنها بالتفصيل تباعاً، فهناك عدّة نظريات وآراء مخالفة لظاهرة البكاء تعتمد على وجوه عديدة.

الوجه الأوّل: أنّ أدلة وروايات البكاء تشتمل على مضامين لا يقبلها العقل، مثل:(إنّ مَن بكى ودَمعت عيناه بقدر جَناح ذُبابة، غُفر له كلّ ذنوبه) فهذه الروايات - بتعبيرهم - مضمونها إسرائيلي، شبيه لمـَا لدى النصارى من أنّ المسيح قُتل لتُغفر ذنوب أمّته، فهذه الروايات فيها ما يشابه هذا المضمون، أنّ الحسين (عليه السلام) قُتل ليُكفّر عن ذنوب شيعته إلى يوم القيامة، فهي - بزعم هؤلاء - إغراء بالذنوب وإغراء للمعاصي، فلا يمكن العمل بهذه الروايات؛ لأنّ فيها نفس الإغراء الموجود في الفكرة المسيحيّة واليهوديّة، فحينئذٍ مضمون هذه الروايات لا يقبلها العقل ولا يصدّقها، وهو مضمون دخيل كما عبّروا، وهذا الوجه - في الحقيقة - يتألّف من أمرين:

____________________

(1) الدخان: 29.


الأول: ضعفُ سند هذه الروايات.

الثاني: ضعفُ المضمون؛ لاشتماله على هذا الإغراء الباطل.

الجواب: أمّا ضعفُ السند، فقد ذكرنا سابقاً أنّ كتاب بحار الأنوار يتضمّن باب ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام)، ويحتوي على خمسين رواية في فضل واستحباب البكاء، وهذه الروايات الخمسون، ممّا جَمعها صاحب البحار هي غير الروايات العشرين التي جَمعها صاحب الوسائل وغير الروايات المتناثرة التي تربو على العشرات في الأبواب الأخرى، فكيف نردّ هذه الروايات؟ وبأيّ ميزان دِرائيّ ورجالي نُشكّك بها؟ فالقول بضعف السند لهذه الروايات ناتج من ضعف الانتباه أو ضعف الحيطة العلميّة؛ لأنّه بأدنى تصفّح في المصادر المعتبرة الحديثيّة تحصل القناعة واليقين بوجود أسانيد كثيرة جدّاً، منها: الصحيح، والموثّق، والمُعتبر، فضلاً عن كونها تصل إلى حدّ الاستفاضة بل التواتر.

وأمّا المضمون، فقد طعنَ عليه غير واحد، حيث قالوا: إنّ ذِكر الثواب في البكاء على الحسين (عليه السلام)، فيه إغراء للناس لارتكاب الذنوب والاتّكاء على البكاء، ويستشهدون على ذلك: بكون كثير من العوامّ يرتكبون المعاصي ويشاركون في نفس الوقت مشاركة فعّالة في الشعائر الحسينيّة ويخدمون ويحضرون المجالس ويبكون، واتّكالاً على هذه المشاركة وتذرّعاً بهذا البكاء فإنّهم يرتكبون ما يروق لهم من المعاصي، فبالتالي يصبح مضمون هذه الشعائر باطلاً.

الجواب عن هذا الإشكال: إنّ مثل هذا المضمون موجود في موارد عديدة في الشريعة، وهي موارد مسلّمة، مثلاً:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ


سَيِّئَاتِكُمْ ) (1) ، فهل هذا إغراء بالصغائر، أو:( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (2) ، هل هذا إغراء بكلّ المعاصي غير الشِّرك؟!

يُضاف إلى ذلك، روايات عديدة أخرى وردت من طرق العامّة والخاصّة في ثواب البكاء من خشية الله، منها:

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(مَن خرجَ من عينيه مثل الذُباب من الدمع من خشية الله، آمنهُ الله يوم الفزع الأكبر) (3) .

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :(مَن بكى على ذنبه حتّى تسيل دموعه على لحيته، حرّم الله ديباجة وجهه على النار) (4) فهل هذا إغراء لارتكاب المعاصي والذنوب؟! وكذلك ورد في ثواب الحجّ والصلاة المفترضة والصوم وغيرها من الثواب العظيم، وغفران الذنوب، بل يمكن الردّ على الإشكال في هذه الموارد بوجوه عديدة:

أوّلاً: الترغيب في نفس العمل، لا أنّه إغراء بالمنافرات والمضادّات.

ثانياً: فتح باب التوبة وعدم اليأس.

ثالثاً: إنّ البكاء من خشية الله؛ إنّما يكون من باب المقتضي للتكفير عن الصغائر أو لغفران الذنب، وليس من باب العلّة التامّة، أي أنّ هناك أموراً وشرائط أخرى لابدّ من توفّرها مع المقتضي، من قبيل: عدم الإصرار على الصغائر، والعزم والتصميم على الإقلاع عن المعصية وغير ذلك، فإذا تمّت جميع هذه المقدّمات

____________________

(1) النساء: 31.

(2) النساء: 48.

(3) روضة الواعظين (الفتال النيسابوري): 452.

(4) المصدر السابق.


وتوفّر المقتضي فتحصل العلّة التامّة للتكفير أو للمغفرة، لذلك نقول: إنّ هذه الأمور هي من باب المقتضي وليست من باب العلّة التامّة.

ورابعاً: في آية( إِنْ تَجْتَنِبُوا... ) المقصود تكفير الذنوب السابقة وليس الآتية في المستقبل، والذي يرتكب الذنوب في المستقبل قد لا يوفّق إلى مثل هذا التكفير والغفران، وهذا نظير ما وردَ في باب الحج: أنّ مَن حجّ يقال له بعد رجوعه استأنفَ العمل(1)، أو أنّه يرجع كما ولدتهُ أمّه، ويُغفر لمَا سبقَ من ذنوبه، فهذا ليس إغراءً بالجهل وبالذنوب، بل المقصود: أنّ هذه مقتضيات، لا أنّها تُحدّد المصير النهائي والعاقبة النهائيّة.

وقد ورد في مضمون بعض الروايات: مَن مات على الولاية، يَشفع ويُشفّع(2)، لكن مَن يضمن أنّه يموت على الولاية إذا كان يرتكب الذنوب والكبائر، فليست ولاية أهل البيت مُغرية للوقوع في الذنوب والمعاصي.

إذ إنّ ارتكاب المعاصي يُسبّب فقدان أغلى جوهرة وأعظم حبل للنجاة، وهو العقيدة، ويؤدّي إلى ضياع الإيمان، حيث قال تعإلى:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ

____________________

(1) بحار الأنوار 99: 315 / 6؛ وكذلك في تفسير القمّي 1: 70؛ واللفظ للأخير: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:(إنّ العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجّاً، لا يخطو خطوة ولا تخطو به راحلته إلاّ كُتب له بها حسنة، ومُحيَ عنه سيّئة، ورُفع له بها درجة، فإذا وقفَ بعرفات فلو كانت له ذنوب عدد الثرى رجعَ كما ولدتهُ أُمّه، فقال له: استأنِف العمل..) .

(2) ورد في بحار الأنوار 8: 30 عدّة روايات بهذا المضمون منها: عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(إنّي أشفعُ يوم القيامة فأُشفّع، ويشفع عليّ فيُشفّع، ويشفع أهل بيتي فيُشفّعون، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفَع في أربعين من إخوانه كلّ قد استوجبوا النار) .


أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (1) ، حيث إنّ مجموع الدين يُعتبر كتلة واحدة، ولا ننظر إلى الدين من جهة دون أخرى، وإذا كان تمام الأدلّة الدينيّة يشير إلى أنّ ارتكاب المعاصي والإصرار عليها يؤدّي إلى فقدان الإيمان والمآل إلى سوء العاقبة - والعياذ بالله - فليس فيها جانب إغراء، بل فيها إشارة إلى جهة معيّنة، وهي: أنّها تُخلّص الإنسان وتنقذه من حضيض المعاصي والرذائل، وتعرج به إلى سموّ الفضائل وجادّة الصواب والصراط المستقيم.

فإنّ التفاعل العاطفي مع أحداث عاشوراء ليس يُنفّر من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) فقط، بل هو أيضاً ينفّر من السلوكيّات المنحرفة المبتلى بها، وتتولّد في أعماق الشخص المتأثّر حالة تأنيب الضمير لذلك، فهو يُجسّد في نفسه الصراع والجهاد، فإذا عَرضت له أشكال من المعصية كأنّما يتحرّك عنده هاجس الحرارة الحسينيّة، وينشأ في روحه جانب تأنيب الضمير، فهذا نوع من الانجذاب القلبي والعزم الإرادي نحو الصراط المستقيم.

وليس مفاد الروايات: أنّ مَن بكى على الحسين فلهُ الضمان في حسن العاقبة، وله النتيجة النهائيّة في الصلاح والفلاح، ليس مفادها ذلك؛ إنّما مفاد الروايات: مَن بكى على الحسين غُفرت له ذنوبه، مثل أثر فريضة الحجّ، وغفران الذنوب مشروط - كما يقال - بالموافاة، والموافاة: اصطلاح كلامي وروائي، أي أن يوافي الإنسان خاتمة أجره بحُسن العاقبة، وإلاّ فمعَ سوء العاقبة - والعياذ بالله - ترجع عليه السيئات وتُحبط الحسنات ولا تُكتب له.

____________________

(1) الروم: 10.


فليس في منطق هذه الروايات إغراء بالمعاصي، وليست هي كعقيدة النصارى بأنّ المسيح قد قُتل ليُغفر للنصارى جميعاً، حتّى وإن عملوا المعاصي والكبائر وأنواع الظلم والعدوان، ولا كعقيدة اليهود الذين قالوا إنّ عزيراً أو غيره له هذه القابليّة على محو المعاصي والكبائر عن قومه.

وإلاّ لأُشكلَ علينا أنّ قرآننا توجد فيه إسرائيليّات، فمنطق الآية:( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ...) يختلف عن ذاك المنطق الذي ينادي به النصارى، أولئك يقولون: نعمل ما نشاء والعاقبة ستُختم لنا بالحسنى، فأين هذا عن المعنى الذي نحن بصدده؟

مضمون أن يُغفر له ولو كان كزبد البحر، مخالفٌ غير ذلك المعنى أصلاً، بل فيه نوع من إدانة المذنبين، إضافةً إلى فتح باب الأمل وعدم القنوط وعدم اليأس، بل الأمل بروح الله أن ينجذب الإنسان إلى الصراط المستقيم وجانب الطاعات، ولا يقع في طريق المعاصي ويتخبّط في الذنوب.

الوجهُ الثاني: سلّمنا بكون هذه الروايات المشتملة على البكاء تامّة سنداً ومتناً ومضموناً، لكن مضمونها غير أبدي، وليس بدائم، مضمونها هو الحثّ على البكاء في فترة الأئمّة (عليهم السلام)، وهي فترة وحقبة التقيّة، حيث كان الأسلوب الوحيد لإبراز المعارضة والاستنكار للظلم وإبراز التضامن مع أهل البيت (عليهم السلام) هو البكاء، أمّا في يومنا هذا، فالشيعة - ولله الحمد - يعيشون في جوّ من الحريّة النسبيّة، فليست هذه الوسيلة صحيحة.

كان الهدف من تشريع هذه الوسيلة والحثّ عليها هو: حصول غرض معيّن، وهو إبراز التضامن مع أهل البيت (عليهم السلام)، أو التولّي لأهل البيت، وإظهار الاستنكار


والتبرّي من أعدائهم والمعارضة لخطّهم، باعتبار أنّ الظرف كان ظرف تقيّة، كانت الأفواه مكمّمة، وكانت النفوس في معرض الخطر من الظالم، فقد يكون البكاء هو الأسلوب الوحيد آنذاك، أمّا في أيّامنا هذه - وقد زال الخوف - فهذا ليس بالأسلوب الصحيح.

أمّا الآن فقد انتفت الغاية منها، فتكون أشبه بالقضيّة الخارجيّة الظرفيّة، لا القضيّة الحقيقيّة العامّة الدائمة.

الجواب: فنقول: أمّا كونه أحد الغايات للبكاء فتام، لكن ليس هو تمام غاية البكاء، بل هو أحد الغايات والسُبل لإظهار الظلامة، هذا أوّلاً، وثانياً: ما الموجب لكون هذه الغاية غير قابلة للتحقّق، بل هي مستمرة قابلة للتحقّق؛ لأنّ البكاء نوع من السلوك التربوي لإثارة وجدان أبناء الفِرق الأخرى من المسلمين ومن غير المسلمين، وإلاّ لو حاولت - إظهار النفرة لظالمي أهل البيت والتبرّي من أعداء الدين الذين قادوا التحريف والانحراف في الأمّة الإسلاميّة - بمجرد كلمات فكريّة أو إدراكيّة يكون الأسلوب غير ناجح وغير نافع، وقد يُسبِّب ردّة فعل سلبيّة عندهم، أمّا أسلوب العاطفة الصادقة فهو أكثر إثارة، وأنجح علاجاً لهداية الآخرين، لمَا مرّ من أنّ الطبيعة الإنسانيّة مركّبة من نَمطين جِبلييّن: نَظري إدراكي، وعَملي انفعالي.

والغاية ليست منحصرة في ذلك، بل هناك عِلل كثيرة - كما سنقرأ من الروايات في ختام بحث البكاء - وحصر علّة البكاء بهذه العلّة غير صحيح.

اعتراض: أمّا ما يقال: بأنّ الحسين (عليه السلام) قد منعَ الفواطم أو العقائل من شقّ الجيوب، وخَمش الوجوه، ونهاهنّ عن البكاء، فهذا النهي في الواقع مُغيّى


ومُعلّل، عندما أخبرَ الحسين (عليه السلام) زينب العقيلة (عليها السلام) بأنّه راحل عن قريب، لطمَت وجهها وصاحت وبكت، فقال لها الحسين (عليه السلام):(مَهلاً لا تُشمِتي القوم بنا) (1) .

حذّرها شماتة الأعداء قبل انتهاء الحرب وقبل حلول الفادحة والمصيبة العظمى؛ لأنّه يُسبّب نوعاً من الضعف النفسي في معسكر الحسين (عليه السلام)، أمّا إخماد الجزع بعد شهادته (عليه السلام)، أو إخماد الوَلولة وكَبت شِدّة الحُزن فهي نوع من إخماد وإسكات لصوت نهضة الحسين (عليه السلام)، وحدٌّ من وصول ظلامته إلى أسماع العالَم بأسره، وكلّ مستقرئ يرى أنّ الذي أوصلَ صوت الحسين (عليه السلام) إلى العالَم، وأنجحَ نهضته إلى اليوم وإلى يوم القيامة هم السبايا ومواقف العقيلة (عليها السلام) وخطبها، وخُطب السجّاد (عليه السلام) في المواضع المختلفة من مشاهد السبي لأهل البيت (عليهم السلام)(2) .

والسرّ واضح؛ لأنّه حينما تكون حالة هياج وحالة احتراق للخيام وتشرّد وهيام الأطفال واليتامى، فالظرف هنا ليس ظرف جزع ولا ظرف إظهار الندبة، بل هو ظرف حزم الأمور وقوّة الجَنان، ومحاولة الإبقاء على البقيّة الباقية من أهل البيت (عليهم السلام).

____________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف (السيّد ابن طاووس): 55؛ بحار الأنوار 44: 391 / 2.

(2) وهناك نهي آخر عن الحسين لسكينة بالخصوص مُغيّى أيضاً بقتله، كما يظهر من الأبيات المنسوبة له (عليه السلام) حين توديع ابنته سكينة:

سيطولُ بعدي يا سُكينة فاعلَمي منكِ البكاء إذا الحِمام دَهاني

لا تُحرقي قلبي بدمعك حسرةً مادام مني الروح في جثماني

وإذا قُتلتُ فأنتِ أولى بالذي تأتينهُ يا خيرة النِسوان

مناقب آل أبي طالب (ابن شهر آشوب) 3: 257.


الجواب: ليس من المعقول أن تبدو في الإنسان ظاهرة عاطفيّة انفعاليّة من دون أن تكون وليدة لإدراك معيّن، ولا ناشئة عن فهم معلومة ما.

وأصلاً؛ فإنّ التفكيك بين الانفعال والتأثّر العاطفي من جهة، وبين الإحساس والإدراك لأمرٍ ما من جهةٍ أخرى غير ممكن، بل البكاء - كما بيّنا فيما سبق موضوعاً وحكماً، سواءً بالحكم العقلي أو النقلي - هو نوع من الإخبات للمعلومة الحقيقيّة، وشدّة التأثّر بها، وشدّة الإذعان والمتابعة لها، فلو أنّ الإنسان ذكرَ معلومة من المعلومات الحقيقيّة المؤلمة ولم يتأثّر بها، فهذا يعني أنّه لم يشتدّ إذعانه لها، ولم يُرتّب عليها آثار المعلومة الحقيقيّة، بخلاف ما لو تأثّر بها بأيّ نوع من التأثّر، فهذا يدلّ على شدّة إيقانه بتلك الحقيقة.

ومن غير الممكن أن توجد ظاهر البكاء في الجناح العملي في النفس وكفعل نفساني، من دون أن يكون هناك إدراك ما، فكيف إذا كان إدراك حرمان ذروة التكامل في المعصوم، وشدّة الحسرة على فقدان تلك الكمالات البشريّة، ومن ثَمّ شدّة التلهّف للاقتداء والانجذاب إلى ذلك الكمال والمثل الأعلى، فسوف يتأثّر الإنسان بشدّة وينفعل بدرجة عالية، هذا أدنى ما يمكن أن يتصوّر.

وهذا التفاعل: إنّما هو انجذاب النفس إلى الكمالات الموجودة المطويّة في شخصيّة المعصوم؛ وإنّما التأثّر به والقرب منه يُعدّ من أسمى الفضائل، ويُعتبر نفرة عن الرذائل.

فالفضائل كلّها مجتمعة في الذات المطهّرة لسيّد الشهداء (عليه السلام)، والبراءة من أعدائه ومناوئيه تُعتبر نفرة من الرذائل والآثام المجتمعة في أعداء أهل البيت (عليهم السلام).


وهذه أقلّ حصيلة يمكن أن تُتصوّر في البكاء، حيث إنّ أدنى مرتبة من مراتب مجلس الرثاء والتعزية هي نفس هذا المقدار أيضاً، وهو في الواقع أمر عظيم ينبغي عدم الاستهانة به، حيث يولِّد الانجذاب نحو الفضائل، والنفرة والارتداع عن الرذائل، وهل المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير هذا؟ وهل الغاية في نشر الدين وتبليغ الرسالة إلاّ انتشال الفرد من مستنقع الرذائل والصعود به إلى سموّ الفضائل.

هذا أدنى حصيلة عمليّة تنشأ من البكاء، فهو نوع من المجاوبة والتفاعل لا الجمود والخمول، ولا الحياديّة السلبيّة.

فربّما يواجه الإنسان فضيلةً وتُعرض عليه رذيلةً، فيظلّ مرتاباً متردّداً، ومتربّصاً في نفسه لا يحسم الموقف:( وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ ) (1) ، فيضلّ يعيش فترة حياديّة مع نفسه، لا هو ينجذب للفضائل، ولا يتأثّر بالرذائل، يعني تسيطر على نفسه حالة تربّص، وهذه حالة التربّص قد ذمّها القرآن الكريم، وهي مرغوب عنها في علم الأخلاق وعلم السير والسلوك؛ لأنّ نفس التوقّف هو تسافل ودركات، أمّا الانجذاب نحو الفضائل فيُعتبر نوعاً من التفاعل السليم.

فالبكاء يعني التأثّر والانجذاب والإقرار والإذعان، وبالتالي التبعيّة.

بخلاف ما لو لم يبكِ الإنسان ولم يتفاعل، بل يكون موقفه التفرّج والحياديّة، وشتّان بين الحالتين!

أضف إلى ذلك: أنّ في البكاء نوعاً من التولّي، حيث إنّ البكاء يدلّ على

____________________

(1) الحديد: 14.


فإذاً، ظرف المرحلة بخصوصها هي جنبة ضبط وتدبير وحزم، وليس من الصحيح إظهار المآتم والعزاء في ذلك الظرف، فمن ثَمّ فإنّ أمره (عليه السلام) مختصّ بذلك الظرف، وهو نوع من التدبير والحكمة منه (عليه السلام)، ولابدّ من لمّ الشَمل وجمع الشِتات للأرامل واليتامى، وإنّ ذلك الظرف ليس ظرف بكاء ورثاء ولا محل لإظهار المصيبة.

خلاصة القول: في مقام الإجابة على الانتقادات والاعتراضات السابقة: أنّ ما ذُكر في العلوم التخصصيّة في حقيقة البكاء من جهة البحث الموضوعي، هو أنّ هناك شرطان لرجحان البكاء هما: أن يكون البكاء وليداً لمعلومة ولإدراك حقيقي، وأن يكون لغاية حقيقيّة وهادفة إيجابيّة، فيكون من سنخ الانفعالات الكماليّة الممدوحة للنفس بلا ريب، وهو كذلك ممدوح في لغة القرآن ولغة النصوص الشرعيّة، وخَلصنا إلى أنّ البكاء هو نوع من التفاعل الجدّي والفعلي مع الحقيقة.

وبعبارةٍ أخرى: أنّ إعطاء السامع، أو القارئ، أو المُشاهد، أو المُوالي فكرة إدراكيّة بحتة غير مثمر بمفرده، وإنّ البكاء بمنزلة إمضاء مُحرّك للسير على تلك الفكرة، أو ما يعبّر عنه: بحصول إرادة جدّيّة عازمة فعليّة للمعنى.

فالبكاء إذا ولّدَ حضور الفكرة، العِبرة إذا تعقّبت العَبرة حينئذٍ يكون نوع من التفاعل الشديد والإيمان الأكيد بالفكرة والعِبرة.

ويُعتبر ذلك نوعاً من التسجيل المؤكَّد لتفاعل الباكي وإيمانه واختياره لمسيرة تلك العِبرة.

الوجهُ الثالث: الذي يُذكر للنقض على البكاء: أن لو سلّمنا أنّنا قَبلنا بأمر البكاء في الجملة، ولكنّ استمرار البكاء على نحو سنوي، أو راتب شهري، أو


أسبوعي بشكلٍ دائم يولِّد حالة وانطباعاً عن الشيعة والموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، بأنّ هؤلاء أصحاب أحقاد وضغون، وإنّهم يحملون العُقد، واستمرارهم بالبكاء واجترارهم له يدلّ على أنّهم عَديمي الأمل فهذه ظاهرة سلبيّة انهزاميّة تكشف عن عُقد روحيّة، وكبت نفسي دَفين، فبدل أن يَقدموا على أعمال وبرامج ومراحل لبناء مذهبهم ولبناء أنفسهم ليخرجوا من حالة المظلوميّة إلى حالة قيادة أنفسهم والغلبة على مَن ظلمهم، فإنّهم يبقون على حالة الانتكاس والتراجع، وهذه الحالة يمكن أن نسمّيها الحالة الروحيّة الشاذّة، هي حالة توجِد خَللاً في الاتّزان الروحي (كما في علم النفس وعلم الاجتماع)، فالبكاء حيث إنّه في علم النفس ليس بحالة اتّزان روحي؛ وإنّما حالة اختلال فكري لا نستطيع معهما أن نهتدي السبيل، بل نحن عديمو الأمل، لدينا حالة كبت، وهذه الأوصاف هي أوصاف مَرضيّة وليست أوصاف روحيّة سليمة.

فحينئذٍ يكون الإبقاء على مثل هذه الظاهرة إبقاءً على حالة مرضيّة بإجماع العلوم الإنسانيّة التجريبيّة الحديثة، ولمّا كانت هذه الظاهرة المرضيّة تتشعّب إلى أمراض روحيّة أو فكريّة أو نفسيّة عديدة، فمن اللازم الابتعاد عنها ونبذها جانباً.

فملخّص الاعتراض في هذا الوجه الثالث: هو كون البكاء عبارة عن مجموعة من العُقد النفسيّة، وهو يوجِب انعكاس حالة مرضيّة روحيّة لأفراد المذهب وأبناء الطائفة.

الجواب: فنقول: على ضوء ما ذكرنا سابقاً من كلمات علماء النفس


والاجتماع والفلسفة: بأنّ الفطرة الإنسانيّة السليمة التي هي باقية على حالها لابدّ لها من التأثّر والتفاعل، أمّا التي لا تتأثّر بالأمور المحرِّكة للعاطفة تكون ممسوخة، إذ فيها جناح واحد فقط وهو جناح الإدراك، أمّا جناح العمل فإنّه مُنعدم فيها، كما هو الفرق بين المجتمعات الغربيّة والمجتمعات الشرقيّة.

فعلى عكس زعم المُعترض، تكون هذه حالة صحيحة وسليمة وليست حالة مرضيّة، ولا حالة عُقد، بل ذكرنا أنّ العُقد إنّما تجتمع فيمن لا يكون له متنفّس للانفعال، يعني أنّ الذي لا ينفعل، والذي لا يظهر انفعاله إزاء المعلومات الحقيقيّة التي تصيبه والذي يكبت ردود الفعل الطبيعيّة للحوادث سوف تتكدّس عنده الصدَمات إلى أن تصبح عُقد وتناقضات، وإلى أن تنفجر يوماً ما، وربّما تظهر لديه حالات شاذّة من قبيل: سوء الظن بالآخرين، أو اتّخاذ موقف العَداء لجميع مَن حوله.

والشخصيّات المعروفة في المجتمعات البشريّة - بعد استقراء أحوالهم وأطوارهم - نجدها تتمتّع بهذه الصفة الأساسيّة في النفس، فالذي لا يُبدي العواطف الإنسانيّة الصادقة، ولا تظهر أشكالها عليه، سوف يجتمع في خفايا نفسه ركام من الحقد وأكوام من العُقد، حيث إنّ الإنسان لا يخلو من جانب العاطفة، والاستجابة للعاطفة أمرٌ ثابت ناشئ ومتولّد عن الظاهرة العمليّة والوجدانيّة والضميريّة من الإدراك الحقيقي.

فإذا لم تحصل هذه الاستجابة فلابدّ من وجود اختلال في توازن الإنسان.

لذلك نجد أنّ المنطق القرآني والإرشادات من السنّة النبويّة الشريفة والسيرة العلويّة الكريمة، كلّها تُقرّر هذه الموازنة والتعادل بين جميع قوى النفس دون أن


يتمّ ترجيح جانبٍ للنفس دون جانب آخر.

فإذاً، المنطق المتعادل والمتوازن هو كون نفس الإنسان في حالة من التجاذب والتأثير والتأثّر بين أجنحتها المختلفة.

الوجهُ الرابع: أنّ البكاء ظاهرة تُنافي الصبر المرغوب فيه، ولا تنسجم مع الاستعانة بالله عزّ وجل، كما في سورة البقرة( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (1) فالبكاء منافٍ للصبر والتحمّل ومُناقض للاستعانة بالله سبحانه.

الجواب: أمّا الجواب لمَا قيل من وجوب الصبر والتحمّل عند نزول المصيبة كما في الآية الشريفة:( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 156 ) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (2) .

فنقول: كيف يتّفق هذا مع بكاء يعقوب على يوسف حتّى ابيضّت عيناه، هل هذا خلاف الصبر؟ أو بكاء السجّاد على أبيه سيّد الشهداء (عليه السلام) والأوامر التي بَلغت حدّ التواتر، الواردة في ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام) إلى ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) بل في بعضها إلى يوم القيامة.

فهل يتنافى ذلك كلّه مع الصبر؟ كلاّ.

وقد وردَ عن الصادق (عليه السلام):(إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جَزع ما خلا البكاء على الحسين بن عليّ (عليه السلام)؛ فإنّه فيه مأجور) (3) ، هذا ليس استثناءً

____________________

(1) البقرة: 156 - 157.

(2) البقرة: 156 - 157.

(3) بحار الأنوار 44: 291 / 32. راجع روايات الجزع ص: 312 من هذا الكتاب.


متّصلاً، بل هو استثناء منقطع؛ لأنّ الجزع نوع اعتراض على تقدير الله ويُعتبر حالة من الانهيار والتذمّر والانكسار، أمّا في الجزع على الحسين فليس اعتراضاً على قضاء الله وقدره، بل هو - بالعكس - نوع من الاعتراض على ما فعله أعداء الله، ولا يُعدّ انهياراً أو انكساراً، بل هو ذروة الإرادة للتخلّق والاتّصاف بالفضائل، وشَحذ الهِمم للانتقام من الظالمين، والاستعداد لنصرة أئمّة الدين والتهيئة لظهور الإمام الحجّة المنتظر (عجّل الله فرجه).

فقد يقال: أليس الحالة التي يندب إليها الشرع والقرآن عند المصيبة هي الصبر وقول:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ، فلا موضع للبكاء، بل البكاء يخالف الخُلق القرآني والتوصية الشرعيّة في ذلك، ونرى أنّ القرآن حين يستعرض لنا بأنّ الصبر هو الموقف الإيجابي عند البلاء والمصيبة، وفي نفس الوقت يستعرض لنا القرآن أمثولة نموذجيّة وهي: نبيّ الله يعقوب، يستعرض فعله بمديح وثناء لا انتقاصَ فيه، مضافاً إلى ما وردَ عن الصادق (عليه السلام).

ينحلّ هذا التضاد البدوي بأدنى تأمّل؛ وذلك بالبحث عن سبب كراهة الجزع، أو عن سبب إيجابيّة الصبر في المصائب، باعتبار أنّ الجزع مردّه إلى كراهة قضاء الله وقدره، ومآله إلى الانهيار أو الانكسار مثلاً، ولا ريبَ هذا أمر سلبيّ وغير إيجابي؛ لأنّه من الضعف وعدم الصمود والطيش، وعدم رباطة الجأش، وعدم الرضا بقضاء الله سبحانه وتعإلى وقدره، أو مردّه إلى الاعتراض على الله - والعياذ بالله - أو كراهة ما قضى الله سبحانه، ولذلك لو كان الصبر في موضع آخر لمَا كان الصبر ممدوحاً، مثلاً: صبر المسلمين مقابل كيد الكافرين ليس موضع صبر؛ لأنّ اللازم عليهم الردّ وحفظ عزّتهم لو كان لهم عدد وعدّة ومع


توفّر الشروط الموضوعيّة للقتال، كما في تعبير الآيات القرآنية مثل:( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (1) .

فالصبر ثمّة ليس في محلّه، ومثله تعبير أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:(رَوّوا السيوف من الدماء، تَرووا من الماء) (2) ، و(ما غُزي قومٌ في عُقر دارهم إلاّ ذلّوا) (3) ، فيتبيّن أنّ الصبر ليس راجحاً في كلّ مورد، بل الصبر بلحاظ ظرفه وجهته يكون ممدوحاً أو حسناً، وإلاّ قد يكون خلاف ذلك، فمن ثَمّ قد يكون إيجابيّاً و سلبيّاً فلابدّ أن يُقسّم الصبر إلى: مذموم، ومحمود.

ومثلُ ما في قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي (عليه السلام):(أبشِر فإنّ الشهادة من وراءك، فكيف صبرك إذاً، فقلتُ: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر..) (4) .

أي هذا موضع إبراز الشكر لله، لا موضع السكوت والتحمّل والصبر، نعم، هو مقابل اصطدام البليّة يكون صبراً، أمّا في مقابل تقدير الله، ليس عليك فقط أن تصبر، بل عليك الشكر والرضا بقضائه وقدره.

فالصبر درجة، أمّا الشكر لله سبحانه والرضا بقضائه وقدره فهو أرقى وأسمى.

الصبر وتحمّل المصيبة يمثّل درجة، أمّا الإحساس بعذوبة تقديره سبحانه

____________________

(1) البقرة: 193.

(2) نهج البلاغة 3: 244.

(3) نهج البلاغة 2: 74.

(4) شرح نهج البلاغة 9: 305.


وبحلاوة قضائه فيجسّد درجة أرقى، فتكون مورداً للرضا وللشكر، وهذه الحالة لا تُنافي الصبر بل تزيد عليه فضيلة، كذلك في موارد التشوّق إلى ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث وردَ على لسان الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم يَعدّون خسران وفقدان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مصيبة عُظمى، وتعبيرهم (عليهم السلام):(لم يُصب أحد فيما يُصاب، كما يُصاب بفقد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى يوم القيامة، فهي أعظم مصيبة) .

إذا كان الصبر معناه الحمد لله سبحانه على قضائه وقدره، فهذا صحيح وفي محلّه، لكن ليس معنى ذلك استلزامه عدم إبراز الأحاسيس، وعدم حصول التشوّق والعاطفة الصادقة التي هي وليدة الانجذاب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ههنا عدم إظهار ذلك غير محمود، الإظهار هو نوع من الفضيلة زائدة على الصبر، لا أنّ هذا الإظهار ينافي الصبر.

وفي مصحّحة معاوية بن وهب:(كلّ الجَزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين (عليه السلام)) (1) .

وفي رواية علي بن أبي حمزة:(إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جَزع، ما خلا البكاء على الحسين بن عليّ (عليه السلام) فإنّه فيه مأجور) (2) .

وفي صحيح معاوية بن وهب الآخر، المروي بعدّة طُرق عن أبي عبد الله (عليه السلام):(وارحَم تلك الأعين التي جَرت دموعها رحمةً لنا، وارحَم تلك

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 505 أبواب المزار - باب 66 استحباب البكاء لقتل الحسين وما أصاب أهل البيت (عليهم السلام).

(2) وسائل الشيعة 14: 507 أبواب المزار باب 66، ح13.


القلوب التي جَزعت واحترَقت لنا، وارحَم الصرخة التي كانت لنا) (1) .

الجَزع: بمعنى الانكسار، ولكنّه هنا ليس انكساراً، وليس بجزع بحقيقته، نعم، جزع من ظلم الأعداء وجزع من رذائل الأداء، وهذا جزع محمود وليس جزعاً مذموماً، باعتبار أنّه نوع من التشوّق الشديد لسيّد الشهداء (عليه السلام)، كما رواه الشيخ في أماليه بسنده عن عائشة، قالت: لمّا مات إبراهيم بكى النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى جَرت دموعه على لحيته، فقيل: يا رسول الله، تنهى عن البكاء وأنت تبكي؟!

فقال:(ليس هذا بكاء؛ وإنّما هذه رحمة، ومَن لا يَرحم لا يُرحم) (2) .

والسرّ في ذلك: هو أنّ أيّ فضيلة من الفضائل التي هي مربوطة بالخلق الإلهي، أو بالآداب الإلهيّة، أو بكلمات الله، كنماذج مجسّمة في المعصومين (عليهم السلام)، فعدم التفاعل الشديد معها ومع هذا الخلق ومع تلك الآداب، يُعتبر أمراً غير محمود بل مذموماً، فلابدّ من الانجذاب والتولّي والمتابعة والمودّة لهم، وهذا التشوّق ليس بالمذموم بل محمود وحسن، ليس هو من الجزع المذموم، والتشكّي ليس فيه اعتراض على الله، بل هو اعتراض واستنكار على الظلم والظالمين ونبذ للرذيلة وأصحابها، كما في جواب العقيلة (عليها السلام) حينما دخلت في الكوفة إلى مجلس عبيد الله بن زياد، وتوجّه إليها وقال: كيف رأيتِ صُنعَ الله بكِ وبأهل بيتكِ، قالت: (ما رأيتُ إلاّ جميلاً)(3) .

في حين أنّها تُبدي استنكارها من عُظم الفجيعة، وقد أحاطتها هالة من

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 412 أبواب المزار باب 37، ح7.

(2) وسائل الشيعة 3: 282 أبواب الدفن باب 88، ح 8.

(3) بحار الأنوار: 45: 116.


الحُزن والأسى.

الوجهُ الخامس: أنّ التمادي في الشعائر الحسينيّة، وفي البكاء يسبِّب طغيان حالة الانفعال والعاطفة على حالة التعقّل والتدبّر والتريّث والاقتباس من المُعطيات السامية لنهضته (عليه الصلاة والسلام)، والحالة العاطفيّة ليست حالة عقلائيّة، بل هي حالة هيجان واضطراب نفسي، وهذا خلاف ما هو الغاية والغرض من الشعائر الحسينيّة، حيث إنّ الغاية والغرض والهدف منها هو: الاتّعاظ والاعتبار من المواقف النبيلة في نهضته (عليه السلام)، والاقتباس من أنوار سيرته، وليس حصول حالة هيجان عاطفي وحماسي فقط من دون تدبّر ورَويّة.

فإذاً، سوف تطغى الحالة العاطفيّة على الحالة العقلائيّة، والحال أنّ المطلوب من الشعائر: هو التذكير بالمعاني الدينيّة والمبادئ الدينيّة، وأخذ العِبر والعِظات التي ضحّى سيّد الشهداء (عليه السلام) من أجلها، وحالة البكاء والهيجان خلاف ذلك، فبدلَ استلهام الدروس والعِبر تُستبدل بحالة عاطفيّة!

وربّما ترجع هذه الإشكالات بعضها إلى البعض الآخر، وإن اختلفت عناوينها.

وبعبارةٍ أخرى: أنّ التمادي في البكاء يُسبّب طغيان حالة الانفعال والعاطفة على حالة التعقّل والتدبّر، فالبكاء ليس فيه تفاعل إيجابي مع أغراض وغايات الشعائر الحسينيّة، وإنّه نوع من إخلاء الشعائر الحسينيّة عن محتواها وتفريغها عن مضمونها.

فالبكاء: صِرف تأثّر عاطفي من دون إدراك مضامين النهضة الحسينيّة، أو من دون إدراك أغراض وغايات وأهداف النهضة الحسينيّة.


الحبّ، وهل التولّي إلاّ الحبّ؟ وهل هناك مصداق للحبّ أوضح وأصدق من البكاء على مصابهم؟ والحُزن لحزنهم؟ والنفرة من أعدائهم؟ وبعبارةٍ أخرى: لو لم يكن للبكاء إلاّ هذا القدر من الفائدة لكفى، فهو نوع من المحافظة على جذور وأسس رُكني العقيدة المقدّسة الشريفة، ألا وهما التولّي لأولياء الله سبحانه والتبرّي من أعدائه وأعدائهم.

نعم، لابدّ فيه من إعطاء حقّ جانب الإدراك، مثل: لابُدّية إعطاء جانب العاطفة حقّها، دون أن يطغى أحد الجانبين على الآخر، كما يظهر من الروايات أنّ هناك دعوة إلى البكاء، كذلك هناك ورايات للتدبّر والتأسي بأفعالهم (عليهم السلام) والاقتداء بسيرتهم:(... ألا وإنّ لكلّ مأمومٍ إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه...) (1) ، هذا ضمن مضامين متواترة من الآيات والروايات، التي لا يتمّ الاقتداء والتأسّي إلاّ بعد استخلاص العِبر وتحليلها والتدبّر بها.

ومع ذلك، فإنّ البكاء بأيّ درجة كان وبأيّ شكل حصل - سواء في نثر، أو شعر، أو خطابة - لا يمكن فرضه إلاّ مع فرض تقارنه مع معلومة معيّنة ينطوي ضمنها، فهو يمتزج بنحو الإجمال مع تلك الحقائق الإدراكيّة، ولا يمكن فرض البكاء من دون حصول العِظة والعِبرة ولو بنحو الإجمال؛ لأنّنا نفرض أنّ الحالة العاطفيّة هي دوماً معلولة لجانب إدراكي.

الوجهُ السادس: البكاء في الواقع يُستخدم كسلاح ضدّ النفس، والحال أنّ ما يمتلكه الإنسان من طاقة مملوءة ومخزونة يجب أن يوجّهها ضدّ العدو، أو يوظّفها في الإثارة نحو السلوك العملي والبرنامج التطبيقي، بينما هذه الشحنة التي امتلأ

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 16: 205.


بها واختزنَ بها إذا فرّغها عن طريق البكاء، فكأنّما وجّه الصَدمة إلى داخل أعماق نفسه بدل أن يستفيد من تلك الصدمة، أو المصيبة، أو البليّة، أو المدافعة، كشحنة مختزنة وطاقة مكبوتة يمكن أن يستفيد منها في المضيّ قِدماً نحو البرامج الهادفة ونحو السلوك العمليّ البنّاء، فإذا أفرغها عن طريق البكاء، فحينئذٍ يكون قد ضيّع تلك الشحنة ولم يستفد منها في سبيل تحقيق هدفه، بل سوف تترك هذه الشحنة آثارها السلبيّة على نفسه، فإنّ شعور المظلوم المُفعم بالعدوان عليه سوف يجد له طريقاً لتنفيسه بشكل سلبي، وسوف تضيع هذه الطاقة الكامنة للانتصار للمظلوم، وإعادة الحقّ إلى أهله.

ويأتي هذا المُستشكل - في الإشكال السادس - بشواهد عديدة، مثلاً: لمّا أُصيبت قريش ونُكبت في معركة بدر فإنّهم منعوا البكاء في مكّة، وقالوا: يجب أن لا يبكي أحد، وظلّت شحنة المصيبة مختزنة حتّى وقعت الحرب الثانية (معركة أُحد)، حيث قاموا بتفريغ تلك الشحنة وتمّ لهم النصر، هذا شاهد على جدوى تأخّر امتصاص الصدمة إلى وقت آخر.

كما يمكن العثور على شواهد عديدة في تاريخ الأمم، أنّهم إذا أُصيبوا بمصيبة أو بليّة أو فجيعة؛ فإنّهم لا يفرّغون ذلك بتوسّط البكاء، بل يُفرغوها عن طريق العمل المُبرمج والمدروس والهادف.

وبعبارةٍ مختصرة: فإنّ البكاء سلاح ضدّ النفس والمفروض أن يكون سلاحاً ضدّ الأعداء، وهو نوع من تفريغ سعرة الطاقة الكامنة في النفس.

الجواب: وهذا الإشكال قد ذكرنا له أمثلة نقضيّة، وهو: أنّ مَن يفقد شيئاً يتشوّق إليه، فإذا بكى يزداد حرصاً وطلباً وإرادةً للوصول إلى ذلك المفقود، لا


أن تخفّ الطاقة المحرّكة نحو ذلك المفقود.

وأمّا كونه سلاحاً ضدّ النفس، فهذا غير صحيح، نعم، مَن يبكي بداعي الاعتراض على أمر الله سبحانه - لا سمحَ الله - ويجزع وييأس من روح الله ولا يُسلّم بما يُكتب له في حياته، فهذا نوع من الجَزع الممقوت، ونوع من الانكسار والانهيار، وهذا خُلف الفرض الذي نفرضه في البكاء على الحسين (عليه السلام).

حيث إنّ في البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) نوع من الانجذاب والتشوّق للفضائل والكمالات، ليس فيه نوع من اليأس، أو الحرمان، أو التشاؤم، وفي الروايات بيان ترتّب الفضل والثواب على هذه الظاهرة، مثل:(إذا أُصِبتم بمصاب ميّت، فاذكروا مصابَكم لفقدكم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يُصب أحد بشيء بأعظم ممّا أُصيبَ بحِرمانه بفقدان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (1) .

فالروايات تؤكّد: أنّك إذا أُصِبت بمصيبة، عليكَ أن توظِّف هذه الطاقة العاطفيّة في الانجذاب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإليهم (عليهم السلام)، فتنتشل نفسك من الحسرة، فالذي يُصاب بمصاب ما، ثُمّ يَعقد مجلساً لندبة مصاب سيّد الشهداء (عليه السلام) ويبكي يثاب على ذلك؛ لأنّه قد نقلَ نفسه من حالة انهياريّة يائسة إلى حالة مِلؤها العمل، ومِلؤها الانجذاب إلى الفضائل والنفرة من الرذائل، بل قد انتشلَ نفسه من مسير خاطئ إلى مسير سليم.

هذا هو الفرق الدقيق بين الحالتين: البكاء الممدوح للحصول على الفضائل والنفرة من الرذائل وهو فعلٌ كمالي، أمّا البكاء على الرذائل فهو مذموم، يعني لو بكى المرء - لأجل خسارة ماليّة - بكاءً شديداً، وإذا تحوّل البكاء إلى نحو من

____________________

(1) الوسائل، كتاب الجنائز، أبواب التعزية على الميت.


الاعتراض على الله - لا سمحَ الله - يكون مذموماً بل من الكبائر.

بخلاف ما إذا كان البكاء على الفضائل من حيث هي فضائل، كما هي الفضائل المجسّدة في وجوداتهم (عليهم السلام) والرذائل المجسّمة في أعدائهم، فإنّه نوع من الانفتاح والرجاء وبداية التصميم على الاقتداء وعدم التشاؤم، ونوع من تدّفق الروح والأمل في السير النفسي.

فالإشكاليّة على ظاهرة البكاء تدور ضمن هذه الوجوه الستّة، وهي مجمل الانتقاد والمعارضة لهذه الظاهرة وقد سَردنا أجوبة هذه الوجوه تباعاً.

نظرةٌ حول روايات البكاء

ومن باب التيمّن والتبرّك نذكر بعض الروايات الواردة في البكاء(1) ، كنهاية للبحث في هذه الجهة السادسة في المقام الثاني للكتاب.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ أبواب المزار التي تربو على أربعين باباً، عَقدها صاحب الوسائل في زيارة الحسين (عليه السلام)، والبكاء عليه ورثائه، وإنّها بشكل أو بآخر تتعرّض للبكاء، كذلك الأبواب العديدة التي ذكرها المرحوم المجلسي في تاريخ الحسين (عليه السلام)(2) ، أو في جزء كتاب المزار من البحار(3) ، كلّها تشير إلى جهة البكاء، وسنتعرّض لبعضها.

____________________

(1) في باب المزار / باب 66 من كتاب وسائل الشيعة: ج 14.

(2) بحار الأنوار: ج 44.

(3) بحار الأنوار: ج 97.


الرواية الأولى (1) : السند: أحمد بن محمد البرقي (المعروف بابن خالد البرقي) - في المحاسن - عن يعقوب بن يزيد (من الثقاة الأجلاّء الكبار)، عن محمّد بن أبي عمير (هو من أصحاب الإجماع) عن بكر بن محمّد الأزدي (ثقة؛ لأنّه هو الذي يروي عنه محمّد بن أبي عمير)، عن الفضيل بن يسار (من الفقهاء وأصحاب الإجماع في الطائفة)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)(2) قال:(مَن ذُكِرنا عنده ففاضت عيناه ولو مِثل جناح الذُبابة، غفرَ الله ذُنوبه ولو كانت مِثل زَبَد البحر) (3) ، هذه الرواية صحيحة السند، وذكرنا أنّه لا إيهام في مضمون الرواية، وإنّ مؤدّاها ليس كمؤدّى صكوك الغفران النصرانيّة المسيحيّة التي تقول: افعل ما شئت إلى يوم القيامة فإنّك - وإن ساءت عاقبتك - سيُغفر لك بقتل المسيح، فإنّه قد تسبَّب بقتله تكفير ذنوب أتباعه، وهذه عقيدة باطلة.

ومن البديهي بين المسلمين: أنّ التوبة توجِب محو الذنوب، لكن من دون كون التوبة تُغري للوقوع في المعاصي، ومن الأمور المسلّمة بين المسلمين: أنّ التوبة بابها مفتوح حتّى تبلغ النفس التّراقي، من دون استلزامها للإغراء، كما لا إغراء في نصوص التوبة القرآنيّة والروائيّة؛ لأنّها تنضمّ إلى مفاد آخر وهو:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ) (4) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 501 - باب 66 كتاب المزار، باب استحباب البكاء لقتل الحسين (عليه السلام) وما أصاب أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً يوم عاشوراء واتّخاذه يوم مصيبة وتحريم التبرّك به.

(2) الرواية صحيحة السند بدرجة عالية.

(3) وسائل الشيعة 14: باب 66: 501 رواية 19690.

(4) الروم: 10.


فما هو الضمان أن يعيش أبد الدهر، أو يعيش أكثر عمره في المعصية والفجور والتجرّي على الله سبحانه ثُمّ يوفّق للتوبة، وليس هناك من ضمان بأنّه سيتوب، إذ قد يفاجأه الموت قبل التوبة.

أضف إلى ذلك لساناً آخراً من الآيات الكريمة:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً ) (1) ، هذه الآية ليست خطاباً فقط لمَن لم يتب من الذين اجترحوا السيئات، إذ إنّ اجتراح السيئة وإن كان يعقبه التوبة بعد ذلك، وكانت التوبة تمحو السيئات، لكن لا يتساوى ذلك التائب مَحياً ومماتاً وجزاءً مع مَن كان طول عمره على الطاعة، والآية( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ... ) ، لم تقيّد بأنّهم لم يتوبوا،( أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ) ، لا يستوون، وكذلك في دعاء كميل(2) مثيل لمضمون هذه الآية الكريمة.

باب التوبة مفتوح حتّى آخر لحظة من لحظات العمر، لكن ليس في التوبة إغراء على المعصية؛ لأنّه لابدّ من جمع ألسِنة الشرع وتعاليم الشرع حتّى يتعرّف الإنسان على مراد ومغزى الشارع، إذاً هذه الرواية تامّة الدلالة صحيحة وعالية الإسناد.

ووجه المضمون هو: أنّ الانجذاب لهم (عليهم السلام) هو ابتعاد عن الرذائل، وعن حضيض الدركات والمهلكات، والعلو بالنفس إلى أوج الفضائل وذروة المكارم، ومن ثَمّ تُغفر ذنوب المنجذب ولو كانت مثل زَبد البحر.

الرواية الثانية: عن عبد الله بن جعفر الحِميري (الفقيه المعروف في الطائفة،

____________________

(1) الجاثية: 21.

(2)( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) .


صاحب قرب الإسناد، وكانت حياته في الغيبة الصغرى)، عن أحمد بن إسحاق الأشعري (المعروف الجليل، من عمدة الطائفة الذي تشرّف برؤية الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وهو من أبلغ الشيعة بنيابة النائب الأول)، عن بكر بن محمّد (نفسه بكر بن محمّد الأزدي الذي مرّ سابقاً، ويروي عنه أحمد بن إسحاق؛ لأنه عمّر طويلاً كما ذكرَ النجاشي)، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام):(تجلسون وتتحدّثون، فقال: نعم، فقال (عليه السلام):إنّ تلك المجالس أُحبّها، فأحيوا أمرَنا، رَحمَ الله مَن أحيا أمرَنا، يا فضيل، مَن ذَكرَنا أو ذُكِرنا عنده، ففاضَت عيناه ولو بِمثل جناحِ الذباب، غفرَ الله ذنوبه ولو كانت مثل زَبَد البحر) (1) .

ومضمون هذه الرواية عين مضمون الرواية الأولى، وللرواية طريقان، ولها تتمّة زيادةً عن رواية محاسن البرقي، ولها طريق ثالث أيضاً صحيح السند، بنقل الصدوق عن محمّد بن الحسن بن الوليد (شيخ الصدوق، ومن عظماء الطائفة)، عن الصفّار (محمّد بن الحسن الصفّار)، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمّد مثله.

فهذه الرواية التي وردت بلفظ:(كمثل جناح الذباب) مرويّة بثلاثة طرق من أعالي الإسناد.

الروايةُ الثالثة: رواية صحيحة السند، ولها ثلاثة طرق أيضاً، أحسن طرقها , الطريق الذي يرويه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه إبراهيم ابن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم(2) ، عن

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 501.

(2) هناك سند قبله وهو: الصدوق، عن محمّد بن موسى بن المتوكّل قد ترضّى عليه الشيخ


أبي جعفر (عليه السلام).

وهناك طريق لابن قولويه أيضاً.

وعلى كلّ حال يكفينا طريق علي بن إبراهيم، وهو صحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:(كان عليّ بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيّما مؤمنٍ دَمعت عيناه لقتل الحسين (عليه السلام) حتّى تسيل على خدّيه، بوّأه الله غُرفاً يسكن فيها أحقاباً، وأيّما مؤمنٍ دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه فيما مسّنا من الأذى من عدوّنا (1) بوّأه الله مبوّأ صِدق، وأيّما مؤمنٍ مسّه أذىً فينا فدمعت عيناه حتّى تسيل على خدِّه فيما أوذيَ فينا، صرفَ الله عنه وجه الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار) (2) .

الروايةُ الرابعة: دأبَ صاحب الوسائل أن يتعرّض في أوائل كلّ باب للطرق، والروايات الصحيحة الإسناد، ثُمّ للموثّقة، ثُمّ الضِعاف، ثُمّ لروايات العامّة أيضاً.

وهذه الرواية من الروايات المعروفة المشهورة، وسَندها معتبر، وهو كما يلي:

الصدوق عن محمّد بن علي ماجيلويه (وقد وثّقه غير واحد من متأخّري الرجاليّين، ومن الأجلاّء، وكان له نسبة مع البرقي، ومن رواة ومحدّثي قم)، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم صاحب التفسير المشهور، عن أبيه إبراهيم(3) بن هاشم

____________________

الصدوق، وإلاّ ليس فيه توثيق خاص، ونحن نستحسن طريق الصدوق، ولا حاجة لذكر ذلك الطريق في المقام.

(1) فتكون شاملة للبكاء على مصاب الزهراء (عليها السلام)، وبقيّة الأئمّة (عليهم السلام) وذراريهم أيضاً.

(2) تفسير القمّي 2: 291.

(3) إبراهيم بن هاشم: أوّل مَن نشرَ أحاديث الكوفيّين في قم، روى عن ستّين رجلاً من


(الثقة) عن الريّان بن شبيب (ثقة أيضاً)، فالرواية صحيحة السند(1) .

عن الرضا (عليه السلام)، أنّه قال:(يا بن شبيب، إن كنتَ باكياً لشيءٍ فابكِ للحسين بن عليّ (عليه السلام)، فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، (وهناك روايات عديدة بهذا المضمون: أنّ سائر المخلوقات، من السماوات والأرضين والجبال والكائنات بكت الحسين (عليه السلام)، وبكاء السماء والأرض والحجر والمدر مرويّ بما يزيد على عشر طرق في كتاب تاريخ دمشق للحاكم ابن عساكر، وطرق أخرى عامّيّة، فضلاً عن الطرق الخاصّة، وفضلاً عمّا نستفيده من الآية الشريفة في سورة الدخان،( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) (2) ، فلا يوجد في القرآن: ما أكلت السماء، أو ما نامت السماء، الفعل إذا نُفي عن شيء دلّ على أنّه من شأنه أن يفعل ذلك، فالآية لا تنفي الشأنيّة بل هي تثبت الشأنيّة وتنفي وقوع الفعل، فالسماء من شأنها البكاء، وقد بكت مع بقيّة المخلوقات على سيّد الشهداء (عليه السلام).

وقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله... ، إلى أن قال (عليه السلام):يا بن شبيب، إن بكيتَ على الحسين (عليه السلام) حتّى تسيل دموعك على خدّيك غفرَ الله لك كلّ ذنبٍ أذنبتهُ، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً، يا بن شبيب، إن سرّك أن

____________________

أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) من أكابر الثقاة عند المتأخّرين، وأدمَن ابنه عليّ بن إبراهيم الرواية عنه، ونقل الآخرين أيضاً عنه فأصبحت جلالته واضحة ولا غبار عليها.

(1) وهو في أمالي الصدوق: 112 / ح 5؛ وفي عيون أخبار الرضا 1: 299.

(2) الدخان: 29.


تلقى الله عزّ وجل ولا ذنبَ عليك فزُر الحسين (عليه السلام)، يا بن شبيب، إن سرّك أن تسكن الغُرف المبنيّة بالجنّة مع النبيّ وآله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالعَن (1) قَتَلة الحسين (عليه السلام).. .

يا بن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمَن استشهدَ مع الحسين (عليه السلام)، فقُل متى ذَكرته: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً (2) ،يا بن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العُلى من الجِنان، فاحزَن لحُزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنّ رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله معه يوم القيامة (3) ) .

هذه بعض الروايات ذكرناها للقارئ الكريم من باب التيمّن والتبرّك، والتي تدلّ على فضيلة واستحباب البكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام).

____________________

(1) اللعن لأعداء الدين هو أحد أقسام الشعائر الدينيّة والحسينيّة، وسيأتي التعرّض لمبحث اللعن في هذا الكتاب إن شاء الله، فانتظر.

(2) هذه من المستحبّات الأكيدة، وهو (عليه السلام)، في صدد سرد أقسام الشعائر الحسينيّة.

(3) الوسائل 14: باب 66: 503: رواية 9694.




الجهةُ السادسة: الشَعائرُ الحُسينيّة والضرر



البحث في الجهة السادسة في الشعائر الحسينيّة: وهي مثار جدل ونقض وإبرام في السطح العام دون الخاص، وهو بحث الضرر الذي يحصل بسبب الشعائر الحسينيّة، وأبرز ذلك في أقسام العزاء: اللطم، اللّدم بشدة، والبكاء والصياح حتّى الإغماء، والضرب بالسلاسل، والتطبير، وإلى غير ذلك من الأقسام، والجامع فيها هو الضرر الحاصل من جرّاء إقامة العزاء(1) .

الفهرسةُ لبحث الضرر

أوّلاً: في أنّه هل مانع وعائق عن الشعائر الحسينيّة أم لا؟ ويمكن ذِكر عدم ممانعته ومعارضته لأقسام العزاء الحسيني بثلاثة وجوه (وهذا بحث مطرّد في

____________________

(1) في زمن المرحوم الميرزا النائيني (رحمه الله) وردَ إلى العلماء استفتاءات من أهالي البصرة حول الشعائر الحسينيّة، وأفتى فيها أكثر العلماء مثل: المرحوم النائيني، والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، وجملة من مراجع النجف الأشرف، وكانت فتوى الميرزا النائيني بهذا الصدد بمنزلة منشور صناعي فتوائي، أفتى على غراره وسجيّته تقريباً كافّة تلاميذ الميرزا النائيني، والسيّد الخوئي وتلاميذه أيضاً ذهبوا على منواله.

وقد أشار الميرزا النائيني إلى نكات، ولعلّ كلامنا يكون كالتحليل لمباني الميرزا النائيني - لا أنّه لدينا شيء جديد - عدا ما يُذكر في فهرسة وتبويب البحث (انظر فتوى المحقّق النائيني (قدِّس سرّه) وتعليقة العلماء عليها حول الشعائر الحسينيّة، في المُلحق المُرفق آخر الكتاب).


مطلق الضرر، وليس في خصوص الشعائر الحسينيّة).

الوجهُ الأوّل: قصور عموم( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ ) (1) ، أو عموم حرمة الضرر والإضرار عن تناول إيقاع النفس في معرض الخطر في الموارد التي هي مُمضاة من قِبل الشارع.

وهذه المسألة لم تُبحث بشكل مفصّل في أبواب الفقه، ولكن لا بأس من الالتفات إليها.

إنّ عموم حرمة الإلقاء في التهلكة أو الإضرار، لا يشمل موارد إلقاء الإنسان نفسه في معرض قد يؤدّي به إلى تلف عضو، أو قد يؤدّي به إلى الهلكة، لكن في سبيل فضيلة دينيّة، أو من أجل السلوكيّة الممضاة من قِبل الشارع، وعدم الشمول إمّا قصوراً، أو - لو كان شاملاً - فهو مُخصّص بهذا المورد، هذا مُلخّص الوجه الأول.

الوجهُ الثاني: عدم إزالة الضرر الشخصي لأحكام الشعائر الحسينيّة، وهو ما ذكرناه في الفصل الأوّل في الجهات العامّة في بحث عموم الشعائر الدينيّة: من أنّ مبنى مشهور الفقهاء والعلماء أنّ قاعدة(لا ضررَ ولا ضِرار في الإسلام) حاكمة على الأدلّة الأوّليّة، وهي لُبّاً من باب التزاحم، لا من باب التخصيص.

وقد اتّفق الفقهاء على أنّ ليس أيّ درجة من الضرر أو الحرج أو بقيّة العناوين الثانويّة، تُزيل كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة الأوّليّة وإن بلغت أهميّة الحكم إلى درجة قصوى، ليس الحال كذلك، مثلاً الحرج والضرر الذي يزيل وجوب الوضوء هو غير الحرج والضرر الذي يزيل حرمة أكل المِـيتة.

____________________

(1) البقرة: 195.


فاختلاف مستويات ودرجات الضرر أو الحرج الرافع للأحكام الأوّليّة: هو من متفرّعات مبنى مشهور الفقهاء والأُصوليّين(1) .

بل سواء بنينا على بمنى المشهور في (لا ضرر)، أو على المبنى غير المشهور(2) ، على كلا التقديرين يمكن أن نستدلّ على أنّ الشعائر الحسينيّة من حيث الأهميّة في أقسامها، تفوق أهميّة دفع الضرر بشواهد مُسندة روائيّة وغيرها، بل عند بعضهم أنّ الضرر وإن بلغَ درجة التلف العضوي أو تلف النفس، فهو لا يُغيّر حكم الشعائر(3) .

يتّضح من ذلك: أنّ الضرر الذي يرفع أهميّة الشعائر الحسينيّة ليس هو الضرر اليسير أو المتوسط، وذهبَ بعض الأعلام إلى أنّ الضرر لو كان على المذهب فله صلاحيّة أن يزيل رسماً، أو قسماً، أو لوناً، أو طريقة من رسوم، أو أقسام، أو ألوان، أو طرق الشعائر الحسينية، أمّا الضرر الشخصي - وإن بلغَ لحدّ النفس - فليس بمزيل للشعائر.

____________________

(1) على عكس ما ذكره الميرزا النائيني، مع أنّ فتواه هذه - الشهيرة، المعروفة، التاريخيّة - في بحث الضرر في العزاء الحسيني مبنيّة على نفس مسلك مشهور الفقهاء، ممّا يدل على أنّه ارتكازاً يختار مسلك المشهور.

(2) سواء بنينا على مسلك المشهور، أو على مسلك المحقّق النائيني، أي ولو قلنا (لا ضرر ولا حرج) لبّاً مخصّصه، أيضاً فالمحقّق النائيني يعترف أنّ ليس أي ضرر أو أيّ حرج في أيّ درجة رافع لكلّ حكم، ولو بلغَ من الشدّة والأهمّيّة، بل الضرر المناسب له.

(3) هذه هي فتوى بعض العلماء ومنهم: الشيخ خضر بن شلاّل المعروف، وهو من تلاميذ الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وتلاميذ السيّد بحر العلوم، وله مقام خاص، وقد نُقل قبره الشريف من حيّ العمارة في النجف الأشرف إلى وادي السلام، ووضعوا له ضريحاً خاصّاً، وله كتاب أبواب الجنان.


هذا هو الوجه الثاني، فلابدّ من تناسب الضرر مع حجم أهميّة الشعائر الحسينيّة ليُمكنه أن يزيلها، وإلاّ فإنّ الضرر الشخصي على اختلاف درجاته ليس بمزيل ولا مؤثّر على الشعائر الحسينيّة.

الوجهُ الثالث: دعوى انتفاء الضرر موضوعاً، فلا رافع لحكم الشعائر التي تُعنون في الأقسام المختلفة المرسومة قديماً وحديثاً، ولا تجري فيها قاعدة الضرر لانتفاء الموضوع من الأساس؛ لأنّ الضرر بحسب التحليل الشرعي لا يتناول - ابتداءً - مثل هذه الدرجات من النقص، كما لا يُسبِّب شيئاً من النقص على المذهب.

وهذا الوجه يختلف عن الوجهين السابقين: فدليل الضرر من رأس لا يتناول الشعائر الحسينيّة من البداية، نظير موارد عديدة، مثل: عمليّة جراحيّة يجريها الإنسان لغرض معيّن، فلا يقال: إنّ شقّ البطن مثلاً نوع من الضرر الوارد المحرّم، بل هو نوع من المعالجة، ومثلاً الحجامة في الرأس، أو في البدن تُعتبر نوع من المعالجة، فدعوى الضرر من الأصل هو أوّل الكلام.

وكلّ من الوجه الثاني والثالث أفاض فيه الكثير من العلماء، ومع ذلك سنوضّحه إجمالاً.

تفصيلُ الوجه الأوّل

والأهمّ في بيان عدم ممانعة ومعارضة الضرر للشعائر الحسينيّة: هو الوجه الأوّل؛ لأنّه ينطوي على بيان قاعدة فقهيّة مرتكزة لدى علمائنا في الأبواب المختلفة، إلاّ أنّها لم تُعنون كقاعدة بإطار مستقل، وهي:


قاعدةُ معرضيّة الهلَكة في سبيل الفضيلة

أي ما نريد دفع ممانعته للشعائر الحسينيّة هو الضرر البالغ إلى إزهاق النفس، وجعل النفس في معرض الهلكة والتلف، إذا كان في سبيل فضيلة من الفضائل الدينيّة، فالإقدام على ذلك الفعل الذي يُعرّض النفس لتلف عضوٍ، أو تلفها هي، وإقحام النفس في ذلك الفعل، ليس مشمولاً لعموم حرمة قَتل النفس، أو إلقاء النفس في التهلكة، ولا مشمولاً لعموم حرمة الضرر أيضاً.

ولابدّ من توضيح صورة الفرض (الموضوع) أوّلاً، ثُمّ نُقيم الدليل (على المحمول) بعد ذلك.

فرضُ القاعدة: هو أن يُقدِم الإنسان على فعل فيه معرضيّة التلف (وليس حتميّة التلف): تلف عضو، أو تلف النفس، وكان ذلك الفعل ذاته لا ينفكّ عن الإيصال إلى فضيلة دينيّة، أو عقليّة راجحة عند الشارع.

الوقوع في ذلك الفعل وإن أدى إلى تلف عضو أو تلف النفس، ليس مشمولاً لعموم حرمة إقدام النفس على الضرر، بل هو مشمول لمديح الفضيلة الشرعيّة أو العقليّة.

هذه هي الدعوى في مفاد القاعدة، ولنذكر بعض كلمات الفقهاء في مسائل مشابهة كي يندفع استغراب ذلك، وهو بالأحرى استدلالٌ على القاعدة:

الشاهدُ الأول: مِلاك الدفاع عن النفس والمال: ما ذكروه في باب الدفاع عن النفس في كتاب الحدود، أنّ الدفاع على ثلاثة أقسام: إمّا عن النفس، أو عن العرض، أو عن المال، وكلّ قسم من هذه الأقسام إمّا أن يكون الدفاع مع ظنّ


السلامة، أو الاطمئنان إلى السلامة، أو مع احتمال التلف.

أمّا الدفاع عن النفس: ففي كلّ الشقوق الثلاثة يكون واجباً، فمع ظنّ السلامة، ومع الاطمئنان إلى السلامة فواضح، مثل: الدفاع في مقابل سارق، أو قاطع طريق، أو غاصب، أو...، وأمّا مع احتمال التلف فيجب أيضاً؛ لأنّه لا يجوز تسليم النفس إلى الهلكة، بل قال البعض: مع ظنّ التلف والاطمئنان بالتلف لا يجوز التسليم أيضاً، وهذا هو الصحيح، فلا يجوز الإعانة على النفس، فلابدّ من المعارضة والمقاومة، نظير بعض التقريبات في وجوه واقعة كربلاء، فلا يجوز التسليم.

هذا بالنسبة للدفاع عن النفس.

وبالنسبة للدفاع عن العرض: مع ظنّ السلامة، والاطمئنان إليها أيضاً فقد قالوا بالوجوب، أمّا مع احتمال التلف، فبعضٌ قال: يُلحق بالنفس فيجب، وبعض قال: بالعدم وإنّه رخصة غير عزيمة.

على كلّ حال، اتّفق الجميع على جواز المدافعة والوقوع في الدفاع وإن احتمل التلف.

أمّا الدفاع عن المال: فالمنسوب إلى الأكثر الرخصة مع ظنّ السلامة والاطمئنان إليها، ولم يوجبه أحد، إلاّ إذا كان مالاً خطيراً.

ونُسب إلى الأكثر أيضاً جواز المدافعة وإن احتملَ المعرضيّة والوقوع في العطب والتلف.

فالأكثر ذهب إلى جواز الدفاع عن المال، وقد ورد الدليل عن أحدهما (عليهما السلام)، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:(مَن قُتلَ دون ماله فهو شهيد)،


وقال (عليه السلام):(لو كنتُ أنا لتركتُ المال ولم أُقاتِل) (1) ، وعن أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:(قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد، ثُم قال:يا أبا مريم، هل تدري ما دون مظلمته؟ قلتُ: جُعلتُ فداك الرجل، يُقتل دون أهله ودون ماله وأشباه ذلك، فقال:يا أبا مريم، إنّ من الفقه عرفان الحق) (2) ، ففي هذه الرواية الشريفة دلالة واضحة: أنّ الدفاع دون المال والأهل أمر راجح بل يصل ثوابه إلى درجة عالية في صورة التلف، والدفاع عن المال والأهل هو أدنى درجات الدفاع، فكيف بنصرة الحق، والدفاع عن المبادئ الإسلاميّة العُليا، في حالة تهديدها بالخطر أو الاندراس.

ففي الصورة الثالثة من الدفاع عن المال يجوز المدافعة ولو مع احتمال التلف، وتمسّكوا بإطلاق رواية معتبرة عن المعصومين (عليهم السلام)، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(مَن قُتل دون ماله، فهو شهيد) وهذا النصّ مروي بإسناد معتبر في أبواب الحدود في كتاب الوسائل، باب الدفاع.

ويشمله الدليل:(مَن قُتل دون ماله فهو شهيد) ، فنستخلص من هذا الفرع الذي أفتى به الفقهاء: أنّ الدفاع نوع من الغيرة والإباء، باعتبار أنّ غيرة المؤمن تمنع من تحمّل الظلامة، وتمنع من الخنوع والذلّ، في إباء الشرع الحنيف للمسلم والمؤمن،(مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد) ، وهذا التعبير فيه إشعار بالعلّة مع كون المظلمة هي مال، ليس من جهة رجحان المال، إذ أين النفس من المال؟ إذ لو كان من باب التزاحم بين المال والنفس، لحُرِّم حينئذٍ ولمَا ساغَ وجاز؛ لأنّ المال

____________________

(1) الفقيه 4: 95، وسائل 18: باب 4 من أبواب الدفاع: 589: 1 - 2.

(2) الكافي 5: 52.


أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي سيرة كثير من أهل التقوى والورع.

والمهمّ من ذلك: أنّ هذا الفعل كان على مسمع ومرأى من الأئمّة (عليهم السلام)، وقد اشتهرَ أنّ إطالة السجود تؤدّي في جملة من الأحيان إلى عَمى العين، أي يكون الساجد في معرض ذلك، لكن لا يكون ملوماً ولا مذموماً.

الشاهدُ الرابع: بكاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) المستمرّ والدائم على أبيه الحسين (عليه السلام)، ففي الصحيح إلى العباس بن معروف عن محمد بن سهل البحراني (النجراني) - المستحسَن حاله - يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث:(... وأمّا عليّ بن الحسين (عليه السلام) فبكى على الحسين (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضِع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتّى قال له مولى له: إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين! قال: إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خَنقتني لذلك عبرة) (1) .

وفي الصحيح إلى أبي داود المسترقّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:(بكى عليّ بن الحسين على أبيه الحسين بن عليّ (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضِع بين يديه طعاماً إلاّ بكى على الحسين (عليه السلام) حتّى قال له مولى له: جُعلت فداك يا بن رسول الله...) ، ثُم ذكرَ نفس الرواية السابقة(2) .

وروى ابن قولويه بسند صحيح إلى إسماعيل بن منصور، عن بعض أصحابنا، قال: أشرف مولى لعليّ بن الحسين (عليه السلام) وهو في سقيفة له ساجد يبكي، فقال له: يا مولاي يا عليّ بن الحسين، أمَا آنَ لحُزنك أن ينقضي؟ فرفعَ رأسه إليه

____________________

(1) وسائل الشيعة 3: 281 أبواب الدفن باب 87؛ حُلية الأولياء 3: 138.

(2) كامل الزيارات: 107: باب 35، ح1.


وقال:(ويلكَ - أوثَكلتك أُمّك -والله، لقد شكى يعقوب إلى ربّه في أقلّ ممّا رأيتُ حتّى قال: يا أسفى على يوسف، إنّه فقدَ ابنا واحداً، وأنا رأيتُ أبي وجماعة أهل بيتي يُذبّحون حولي) الحديث(1) .

وكان (عليه السلام) إذا أخذ إناءً ليشرب ماءً بكى حتّى يملأها دمعاً، فقيل له في ذلك؟ فقال:(وكيف لا أبكي وقد مُنع أبي من الماء الذي كان مُطلقاً للسباع والوحوش) (2) .

وما نُقل في هذا الصدد الكثير(3) عن شدّة بكاء السجّاد وخوف أهل بيته وعشيرته وبني هاشم عليه، وكذلك اشتدّ خوف عامّة المسلمين عليه لشدّة بكائه على أبيه الحسين (عليه السلام)، وقد نُقل أنّه (عليه السلام) بكى حتّى خيفَ على عينيه(4) ، وهو (عليه السلام) يحتجّ بفعل يعقوب، فكيف يكون هذا الفعل محرّماً، بل إنّما يُعتبر فضيلة ومكرمة.

ونظيره إغماء الرضا (عليه السلام) مرّتين في إنشاء دعبل قصيدته التائيّة المشهورة(5) وقد مرّ وجه الاستشهاد: (أنشدَ دعبل، فلَطمت النساء وجوههنّ وعَلا الصُراخ من وراء الستر، وبكى الرضا (عليه السلام) حتّى أُغميَ عليه مرّتين)(6) .

____________________

(1) كامل الزيارات: 107 باب 30، ح 2؛ والبحار عنه 46: 109.

(2) المناقب 4: 166.

(3) البحار، ج 46، تاريخ عليّ بن الحسين (عليه السلام): 108؛ حلية الأولياء 3: 138؛ مناقب ابن شهر آشوب: 3: 303.

(4) المناقب 4: 166، عن حلية الأولياء.

(5) ومطلعها:

مدارسُ آياتٍ خَلت من تلاوةٍ ومَنزلُ وحي مُقفرُ العَرَصات

(6) عيون أخبار الرضا 2: 263.


وظاهر أنّ البكاء بهذه الشدّة اختياري، والإغماء ليس بالشيء غير محتمل الخطر، وقد ثبتَ علميّاً أنّ في الإغماء مُعرضيّة الموت، فالإغماء معروف قديماً وحديثاً، وهو فعل غير مضمون السلامة، وفي معرض الهلكة، كما حصلَ لهمّام عندما سمعَ صفات المتّقين من سيّدهم أمير المؤمنين (عليه السلام).

الشاهدُ الخامس: إغماء أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) في البكاء، وهذا ممّا استفاضَ نقله في كتب السيَر والتاريخ من العامّة والخاصّة، والروايات الواردة في ذلك - سواءً الروايات الحديثيّة أو التاريخيّة - مجموعها موجِب للاستفاضة أو الوثوق، مضافاً إلى وجود سيرة متشرعيّة بذلك مقرّرة على مسمع ومرئ من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والمعصومين (عليهم السلام)، مع أنّ فيه معرضيّة الخطر من تلف النفس.

الشاهدُ السادس: شاهدٌ آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - ذكرناه سابقاً - عندما أغار جيش معاوية على الأنبار، فخطبَ خطبته المعروفة يستحثّ فيها أهل الكوفة للقتال، ذكرها ابن الأثير والطبري في كتابيهما، ووردت في كتاب الغارات لابن إسحاق الثقفي أيضاً.

ومحلّ الشاهد من الخطبة هو:(... وهذا أخو غامد، قد وردت خيلُه الأنبار، وقد قَتلَ حسّان بن حسّان البكري، وأزالَ خيلكم من مسالِحها، ولقد بَلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهِدة، فينتزِع حِجلها وقَلبها وقلائِدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثُمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلَمٌ، ولا أُريقَ لهم دم، فلو أنّ امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً) (1) .

____________________

(1) نهج البلاغة 2: 74.


لو لم يكن الموت اختياريّاً لمَا كان هناك وجه لنفي اللوم، إذ لو كان موتاً عفويّاً، غير اختياري بل من الكمد والأسف، من شدّة التأسّف، حيث إنّ الذمّ والمدح إنّما يتوجّه على الفعل الاختياري القريب أو البعيد، أو على الأقلّ تكون مقدّماته اختياريّة، فلو أنّ الإنسان يتأثّر لأجل الغيرة الدينيّة، ويشتدّ تفاعله، ويزداد ويتحسَّس، حتّى لو علمَ أنّ هذا الحماس سوف يؤدّي به إلى الهلاك(ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً) .

بالإضافة إلى ذلك فإنّ هذا هو حكمٌ عقليّ أيضاً، فالعقل يقضي إذا كانت المقدّمات البعيدة اختياريّة في الفعل، فإنّه حين يقع الإنسان في دائرة الفعل يصبح غير اختياري، لكنّ مقدّماته البعيدة اختياريّة، فإذا وقعَ الإنسان في مَعرضيّة التلف لا يُعدّ عند العقلاء مذموماً.

____________________

- وبحار الأنوار، ج 8 من الطبعة الحجريّة، باب ما جرى من الفتن: 679 س 34.

- الغارات 2: 464.

- أحمد زكي صفوت في جمهرة خطب العرب 1: 239 - 242.

- وأبو الفرج الأصفهاني في الأغاني 15: 43، تحت عنوان: ذِكر الخبر في مقتل ابن عبيد الله بن العبّاس.

- ورواها الجاحظ في البيان والتبيين 2: 39 - 42، طبعة الرحمانيّة بمصر سنة 1351 هـ.

- الكافي 5: 89 في كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد مسندة، وهي غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار.

- ومعاني الأخبار: 309.

- وابن أبي الحديد 1: 141، وقال: هذه خطبة من مشاهير خطبه (عليه السلام)، قد ذكرها كثير من الناس، ورواه أبو العبّاس المبرّد في أوّل الكامل.

- والطبري في ضمن ذكره لأحداث سنة 39 هـ، ومصادر أخرى غيرها.


فعبارة:(ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً) ، من باب الجدارة والاقتضاء العقلي والحميّة الدينيّة.

الشاهدُ السابع: ما هو معروف في خطبته (عليه السلام) في وصف المتّقين، لمّا طلبَ منه همام ذلك.

وبعد تمام الخطبة، صعقَ همام بن عبّاد(1) صعقةً كانت نفسه فيها، فقال (عليه السلام):(أمَا والله، لقد كنتُ أخافها عليه) أخاف عليه، ليس من باب العلم اللّدنّي؛ إنّما من باب العلم العقلائي الحاصل من الحالة المعتادة، الذي هو علم ظاهري، وهو محلّ التكليف.

إقدامه على فعل فضيلي - وهو شدّة الخشية من الله سبحانه إلى أن يصعق - إنّما حصلَ من شدّة التأنيب والخوف والخشية من الله سبحانه.

ثُمّ قال (عليه السلام):(هكذا تصنعُ المواعظ البالغة بأهلها) ، فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام):(ويحكَ إنّه لكلّ أجلٍ وقتاً لا يعدوه، وسَبباً لا يتجاوزه) (2) .

هذه حالة فضيلة، مثل: أن يبرز للجهاد الذي هو ميدان فضيلة وكمال، وهي نوع من التسبيب، ونمط من الموت في سبيل الله، وهذا تقريب آخر لمفاد الرواية والخطبة، وهو أنّ المدّعى في هذه المسألة: هو أنّ الموت في الجوانب الفضيليّة هو

____________________

(1) نهج البلاغة 10: باب 186: 149.

والكافي 2: 227؛ ينابيع المودّة: 417؛ والمستدرك لكاشف الغطاء: 63؛ ومصادر نهج البلاغة 3: 65؛ مطالب السؤول ومصباح البلاغة 3: 274، عن الصواعق المحرقة لابن حجر؛ منهاج البراعة 12: 160.

(2) أشرنا إلى المصادر المختلفة لهذه الخطبة في الهامش السابق، فليراجع.


نوع من الموت في سبيل الله عقلاً وشرعاً، إذا كان الفرض أنّ الموت في طريق فضيلة من الفضائل الشرعيّة الراجحة.

الشاهدُ الثامن: الاستشهاد بفعل الزهراء (عليها السلام) وشدّة بكائها، وإن كان سبب شهادتها هو كسر الضلع وإسقاط الجنين - كما تشير إلى ذلك النصوص الكثيرة - لكن كان بكاؤها (عليها السلام) الشديد في معرضيّة التلف أيضاً.

الشاهدُ التاسع: فعلُ الرَباب - زوجة الحسين (عليه السلام) -(1) في عدم استظلالها بسقف بعد شهادة الحسين (عليه السلام) في القرّ والحرّ، وعدم الاستظلال بهذا الوصف مع الاستمرار بالبكاء هو في معرضيّة الهلاك والتلف، إلى أن توفيت كمَداً، ومع ذلك لم يُردعها السجّاد (عليه السلام) وأقرّها على فعلها، فيُعتبر ذلك إمضاءً من المعصوم (عليه السلام) على جواز ذلك الفعل.

ويؤيّد المقام: ما ذُكر في كتب السيَر والتواريخ والمقاتل من ترك الحسين لشرب الماء، كمؤيّد، حينما خاطبهُ أحد الأعداء: قد هُتك حَرمك، فترك الماء لكي يظهر أنّ غيرته (عليه السلام) وحميّته على حَرمه وعياله يضحّي من أجلها بأغلى الأثمان، حتّى ولو بترك شرب الماء الذي كان فيه حياته آنذاك.

وكذلك موقف العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم عاشوراء وعدم شُربه للماء.

شواهدٌ أخرى: نعم، هذه الموارد أو الشواهد العديدة تدلّ على المطلوب أوضح دلالة، ويمكن للإنسان جمع شواهد ومؤيّدات أخرى أيضاً،

____________________

(1) لواعج الأشجان (السيّد محسن الأمين): 223.


مثل:(ولأبكينّك بدلَ الدموع دَماً) الواردة في زيارة الناحية، ومفادها ظاهر ودالّ على المطلوب في المقام.

ومثل ما ورد عن السجّاد (عليه السلام) في خطبته عند دخولهم المدينة:(أيّ قلبٍ لا يتصدّع لقتله - يا لها من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأقضّها وأمّرها...) (1) ، والاستشهاد به لمَا يعمّ الشعائر الحسينيّة وغيرها، فيستشهد به في مطلق الإقدام على فعلٍ في معرضيّة التلف إذا كان الفعل لفضيلة دينيّة، كي يكون راجحاً.

على كلّ حال، فإنّ المتصفّح لفروع عديدة في الفقه، أو أبواب الأخلاق الممدوحة، يرى أنّ جامع هذه الموارد هو: أنّ الفعل الفضيلي والسلوك الكمالي إذا أقدمَ عليه الإنسان وكان فيه معرضيّة للخطر، فلا ملامة عقليّة في البين، بل على العكس يكون محلاًّ للمديح العقلي والمديح الشرعي، كما ظهر من هذه الشواهد أو المؤيّدات المستخلصة.

وهذا البحث أعمّ من بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّ مَن يموت في سبيل فضيلة، إنّما يحاول في الواقع إظهار وتثبيت تلك الفضيلة في المجتمع، على غرار مفاد الحديث النبوي المستفيض بين الفريقين:(مَن سَنّ سنّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عملَ بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء) (2) تكون نوعاً من السُنّة وإجراءً لتلك الفضيلة التي مات هو دونها، أي أنّ نفس الفضيلة سوف تُسنّ في المجتمع.

____________________

(1) بحار الأنوار 45: 148؛ وبعض العبارات في كتاب مثير الأحزان: 113.

(2) الكافي 5: 9 / رواية 1.


تفصيلُ الوجه الثاني

عدم إزالة الضرر الشخصي لحكم الشعائر بناءً على التمسّك بحرمة الضرر كرافع للأحكام الأوّليّة.

وقد مرّ بنا أنّ طروّ قاعدة (لا ضرر) على الشعائر الدينيّة - ومنها الشعائر الحسينيّة - ليس بأيّ درجة كان؛ لأنّ المفروض أنّ الضرر إنّما يرفع الحكم أو تنجيزه - على الاختلاف بين المشهور وغيره - عندما يكون مِلاك الحكم بدرجة مناسبة له، لا أيّ ضرر يسيرٍ يسبِّب رفع عموم الأحكام، ومن ثَمّ الآية الكريمة:( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (1) أنّ درجة الضرر والاضطرار هي: الإشراف على الموت، بخلاف الضرر والحرج في الوضوء.

سواء على مسلك المحقِّق النائيني في رفع الاضطرار من باب التخصيص، أو على مسلك المشهور وهو من باب التزاحم - وهو الصحيح - والتزاحم يتطلّب ملاكين متقاربين، والمِلاك اليسير لا يدافع الملاك المهمّ، والمصلحة اليسيرة لا تُدافع المصلحة الجليلة، إذا اتّضح ذلك: فتقرّر أنّ الملاك والمصلحة في نظر الشارع في الشعائر الحسينيّة أهمّ بكثير من تلف عضو، أو معرضيّته لذلك(2) ، (انظر فتوى المحقّق النائيني (قدِّس سرّه)

____________________

(1) النحل: 115.

(2) وكما ذكرنا على فتوى بعض الفقهاء: كالشيخ خضر بن شلاّل (الذي كان هو محدِّثاً وفقيهاً مقدّساً من تلاميذ الشيخ جعفر كاشف الغطاء ومن تلاميذ السيّد بحر العلوم أيضاً)، حيث أفتى


وتعليقة العلماء عليها حول الشعائر الحسينيّة، في الملحق المرفق آخر الكتاب)(1) .

فالمصلحة والأهميّة في الشعائر الحسينيّة تفوق قاعدة (لا ضرر) في الضرر الشخصي أو ضرر تلف العضو، والوجه في ذلك إجمالاً: أنّ بقاءها إبقاء للدين الحنيف كما هو مقتضى الحديث النبوي: (حُسينٌ منّي وأنا من حسين)(2) .

الشعائرُ الحُسينيّة أهمّ مِلاكاً من الضرر الشخصي

ولابدّ من تفصيل الأدلّة في تفوّق أهميّة المصلحة في الشعائر الحُسينيّة على الضرر في تلف العضو أو النفس.

ولنذكر مقدّمة تاريخيّة لها علاقة بالمقام، وهي: أنّ من الثابت تاريخيّاً أنّ قبر

____________________

في كتابه أبواب الجنان ص 39: بأنّ أهميّة الشعائر الحسينيّة بالنظر الشرعي، تفوق حتّى ضرر النفس، وتقدّمَ فيما سبق أنّ الميرزا القمّي - صاحب القوانين - في جامع الشتات 2: 77 الطبعة الحجريّة القديمة، أدرجَ إقامة الشعائر الحسينيّة في باب الجهاد، وهذا يقضي بأنّ المُرتكز عند الميرزا القمّي كون باب الشعائر الحسينيّة - أي إعلان الشعائر وإقامتها - مُتّحداً مِلاكاً مع باب الجهاد، وسيأتي بيان الأدلّة تباعاً.

وذكرَ غير واحد من الفقهاء ومراجع النجف الأشرف في فتواه التي شابهت فتوى المحقّق النائيني (رحمه الله) - ومنهم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء وغيره -: أنّ الإقدام والمعرضيّة لتلف العضو في جملة من الشعائر الحسينيّة كالزيارة، ليس محرّماً بل راجحاً، بل بعضهم تصاعدَ إلى معرضيّة تلف النفس.

(1) ص: 417 من هذا الكتاب.

(2) الإرشاد (الشيخ المفيد) 2: 127؛ بحار الأنوار 43: 271؛ المعجم الكبير (الطبراني) 3: 33؛ موارد الظمان (الهيثمي): 554؛ تاريخ مدينة دمشق (ابن عساكر) 14: 149؛ تهذيب الكمال (المزي) 6: 402؛ تهذيب التهذيب (ابن حجر): 299.


الحسين (عليه السلام) تعرّض للهدم عدّة مرات(1)، حيث هَدمه المنصور الدوانيقي، ثُمّ هَدمه هارون العبّاسي، وقطعَ السدرة(2) التي كانت علامةً على القبر، ثُمّ هَدمه مرةً أخرى بعد تجديد بنائه.

ثُمّ بُني بعد هارون في عهد المأمون، ثُمّ هَدمه المتوكّل عدّة مرات وأجرى الماء عليه، هذا هو المذكور تاريخيّاً من مصادر العامّة والخاصّة، وبالدقّة نذكر السنوات التي هدّم المتوكّل فيها قبر الحسين (عليه السلام) وغيره من خلفاء بني العبّاس: سنة 233 هـ، سنة 236 هـ، سنة 247 هـ، وفي سنة 273 هـ، والمرّة الخامسة هدّم القبر الموفّق ابن المتوكل، فهذه خمس مرّات هُدِم فيها القبر الشريف(3) .

وهذه شواهد تاريخيّة: على أنّ زيارة قبره (عليه السلام) كانت أمراً تحرص سلطات بني أميّة وبني العبّاس على منعه، ووضع العيون لمعرفة زائريه، والتصدّي لهم بشكلٍ شديد وخطير، بل زاد العباسيّون طغياناً، فكانت زيارته (عليه السلام) تُعتبر تعريض النفس للهلاك(4) ، أو تعريضاً لتلف عضو، وقد قُطعت الأيدي كما هو

____________________

(1) راجع: بحار الأنوار 45: 390 / باب 50 (جور الخلفاء على قبره الشريف وما ظهر من المعجزات عند ضريحه...)؛ لتقرأ المزيد عن هذه الحقيقة التاريخيّة.

(2) راجع: بحار الأنوار 45: 398.

(3) وقد قال في ذلك عبد الله بن رابية الطوري:

تالله إن كانت أُميّةُ قد أتت قَتلَ ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها هذا لعَمرُك قبره مهدوما

أسَفوا على أن لا يكونوا شايعوا في قتله فتتّبعوه رَميما

بحار الأنوار 45: 398.

(4) ورد في بحار الأنوار 45: 403: بأنّ المتوكّل العبّاسي قد أمرَ بهدم وحرث قبر


المأثور في سبيل زيارته (عليه السلام).

ومن جهةٍ أخرى، توجد العديد من الروايات في كتاب المزار التي تشير إلى نفس هذه الحقيقة الموضوعيّة التاريخيّة، وهي: الخوف والرعب الذي أوجدتهُ السلطة الأمويّة والعباسيّة حول زيارة الحسين (عليه السلام).

نذكر بعض الروايات الشريفة الدالّة على ذلك، وعلى تفوّق أهميّة مصلحة الشعائر الحسينيّة على الضرر في تلف العضو أو النفس:

* حَسنة أو مصحّحة الحسين بن بشّار الواسطي، قال: سألتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام): ما لمَن زار قبر أبيك؟

قال:(زُره.

قلتُ: فأيّ شيء فيه من الفضل؟

قال:فيه من الفضل كفضل مَن زارَ قبر والده - يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله -.

فقلتُ: فإنّي خِفتُ فلم يمكنّي أن أدخل داخلاً.

قال:سَلِّم من وراء الحائر - الجسرـ) (1) .

وروى ابن قولويه في كامل الزيارات أربع روايات(2) مسندة في الحثّ على زيارة قبره (عليه السلام) في حال الخوف، ومضاعفة الأجر في ذلك، اخترنا منها هذه الرواية:

____________________

الحسين (عليه السلام) وتوعّد الناس بالقتل لمَن زار قبره، وجعلَ رصداً من أجناده وأوصاهم كلّ مَن وجَدتموه يريد زيارة الحسين (عليه السلام) فاقتلوه.

(1) وسائل الشيعة 14: 545 أبواب المزار باب 80، 4.

(2) كامل الزيارات: 125 - باب 45، ثواب مَن زار الحسين (عليه السلام) وعليه خوف.


* بإسناده عن الأصم عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّي أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك فإذا خرجتُ فقلبي وَجل مشفق حتّى أرجع خوفاً من السلطان والسعادة وأصحاب المسالح.

فقال:(يا بن بكير، أمَا تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً، أمَا تعلم أنّه مَن خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان مُحدّثه الحسين (عليه السلام) تحت العرش، وآمنهُ الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يَفزع، فإن فزعَ وقّرتهُ (قوّته) الملائكة وسَكّنت قلبه بالبشارة) (1) .

* وفي موثّق حنان بن سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث:(ولكن زوروه ولا تجفوه؛ فإنّه سيّد شباب أهل الجنّة وشبيه يحيى بن زكريّا، وعليهما بكت السماوات والأرض) (2) .

* وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لي:(كم بينك وبين الحسين (عليه السلام)؟

قلت: يوم للراكب، ويوم، وبعضُ يوم للماشي.

قال:أفتأتيه كلّ جمعة؟

قال: قلت: ما آتيه إلاّ في الحين.

قال:ما أجفاك، أمَا لو كان قريباً منّا لاتّخذناه هجرةً) أي تهاجرنا إليه(3) .

* وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:(كم بينكم وبين قبر

____________________

(1) كامل الزيارات: 125.

(2) وسائل الشيعة 14: 451 أبواب المزار ب 45، 15.

(3) وسائل الشيعة 14: 438 أبواب المزار ب 40، 5.


الحسين (عليه السلام) ؟

قال: قلت: ستّة عشر فرسخاً.

قال:ما تأتونه؟

قلت: لا.

قال:ما أجفاكم؟) (1) .

* وفي صحيح الفضيل، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):(ما أجفاكم يا فُضيل لا تزورون الحسين! أمَا عَلمتَ أنّ أربعة آلاف مَلكٍ شُعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة) (2) .

* ورواية حنان بن سدير، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام)، فقال لرجل من أهل الكوفة:(تزور الحسين كلّ جمعة؟

قال: لا.

قال:ففي كلّ شهر؟

قال: لا.

قال:ففي كلّ سنة؟

قال: لا.

فقال أبو جعفر (عليه السلام):إنّك لمحرومٌ من الخير) (3) .

* وفي رواية عليّ بن ميمون الصائغ، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):(يا علي،

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 435 أبواب المزار ب 38، 20.

(2) وسائل الشيعة 14: 434 أبواب المزار ب 38، 19.

(3) وسائل الشيعة 14: 434 أبواب المزار ب 38، 18.


بَلغني أنّ أُناساً من شيعتنا تمرّ بهم السنة والسنتان وأكثر من ذلك، لا يزورون الحسين بن عليّ (عليهما السلام) .

قلت: إنّي لأعرف أُناساً كثيراً بهذه الصفة.

فقال:أمَا والله لحظِّهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة تباعدوا (1) .

* وروى ابن قولويه بإسنادَين متّصلين إلى سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):يا سدير، تزور قبر الحسين (عليه السلام) في كلّ يوم؟

قلت: لا.

قال: ما أجفاكم؟

قال:أتزوره في كلّ جمعة؟

قلت: لا.

قال:فتزورهُ في كلّ شهر؟

قلت: لا.

قال:فتزورهُ في كلّ سنة؟

قلت: قد يكون ذلك.

قال:يا سدير، ما أجفاكم بالحسين (عليه السلام)، أمَا عَلمت أنّ لله ألف مَلَك شُعثاً غُبراً يبكونه ويرثونه لا يفترون زوّاراً لقبر الحسين، وثوابهم لمَن زاره) (2) .

* وفي الصحيح إلى العبّاس بن عامر، قال: قال علي بن أبي حمزة - والظاهر أنّ ابن عامر يرويه عن البطائني أيّام استقامته - عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال:(لا تجفوه،

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 429 أبواب المزار ب 38، 3.

(2) كامل الزيارات: 291 - ب 97، ح 9 - 4.


يأتيه الموسر في كلّ أربعة أشهر، والمُعسر لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وسعها) (1) .

* وروى ابن قولويه بإسناد متصل عن صفوان الجمّال عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: قلت: ومَن يأتيه زائراً ثُمّ ينصرف عنه متى يعود إليه؟ وفي كم يؤتى؟ وكم يوماً؟ وكم يسع الناس تركه؟ قال:(لا يسع أكثر من شهر، وأمّا بعيد الدار ففي كلّ ثلاث سنين، فما جاز الثلاث سنين فلم يأته فقد عقّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقطعَ حرمته إلاّ عن علّة) (2) .

وغيرها من الروايات المستفيضة في ذلك، الدالّة على شدّة حثّ الصادقَين (عليهما السلام) - والكاظم (عليه السلام)، والرضا (عليه السلام)، وبقيّة الأئمّة (عليهم السلام) - الشيعة ومواليهم على زيارة الحسين (عليه السلام)، مع شدّة الظروف وصعوبة الأحوال، فكانوا (عليهم السلام) يأمرون أفضل مواليهم وفقهائهم: كزرارة، والفضيل بن يسار، وسدير الصيرفي، والحلبي، وأترابهم بزيارته (عليه السلام) مع أنّ من الخطورة التفريط بمثل هذه النماذج، إلاّ أنّ زيارة الحسين (عليه السلام) وشعيرة سيّد الشهداء (عليه السلام) أعظم مِلاكاً وأخطر في التشريع , وقد تصل صعوبة الظروف المحيطة بزيارته (عليه السلام) إلى حدّ يهدِّد الطائفة الشيعيّة بتمامها، فيعالج الأئمّة (عليهم السلام) الظرف المزبور بتخفيف إقامة الشعيرة الحسينيّة لكن من دون قطع ولا انقطاع عنها، مع كلّ تلك الشدّة في الظروف.

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 523 أبواب المزار ب 74، ح 5؛ كامل الزيارات: 294 ب 98، 7؛ بحار الأنوار 98:13.

(2) وسائل الشيعة 14: 534 أبواب المزار ب 74، 10؛ الدروع الواقية: 74؛ بحار الأنوار 98: 14.


ويشير إلى مثل هذا الظروف المتصاعدة في المحنة الطائفة التالية من الروايات:

* صحيح الحَلبي قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن زيارة الحسين (عليه السلام)، قال:في السنة مرّة، إنّي أخاف الشهرة) (1) .

* وفي صحيحه الآخر تعليله (عليه السلام):(إنّي أكره الشهرة) (2) .

* وفي صحيح ثالث لعبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّا نزور قبر الحسين (عليه السلام) في السنة مرّتين أو ثلاثاً.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام):(أكره أن تكثروا القصد إليه، زوروه في السنة مرّة.

قلت: كيف أُصلّي عليه؟

قال:تقوم خلفه عند كتفيه، ثُم تصلّي على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتصلّي على الحسين (عليه السلام)) (3) .

* وروي ابن قولويه عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحِميري، بإسناد متّصل إلى زرارة، قال: قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول فيمن زار أباك على خوف؟ قال:(يؤمِنه الله يوم الفزع الأكبر، وتلقاه الملائكة بالبشارة، ويقال له: لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك) (4) .

* وروى ابن قولويه أيضا عن الحِميري بإسناده عن ابن بكير، عن أبي عبد

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: 533 أبواب المزار ب 74، 6.

(2) وسائل الشيعة 14: 532 أبواب المزار ب 74، 3.

(3) وسائل الشيعة 14: 520 أبواب المزار ب 74، 11.

(4) وسائل الشيعة 45: 1 أبواب المزار ب 101، 10.


الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّي أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجتُ فقلبي وَجل مشفق حتّى أرجع، خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح(1)، فقال:

(يا بن بكير، أمَا تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً، أمَا تعلم أنّه مَن خافَ لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه وكان مُحدّثه الحسين (عليه السلام) تحت العرش، وآمنهُ الله من أفزاع يوم القيامة، يَفزع الناس ولا يَفزع، فإن فزعَ وقّرته الملائكة وسكّنت قلبه بالبشارة) (2).

* وروى ابن قولويه بأسانيد صحيحة عن موسى بن عمر، عن غسّان البصري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي:(يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسين (عليه السلام) لخوف، فإنّ مَن تركَ زيارته رأى من الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان عنده، أمَا تحبّ أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلي وفاطمة والأئمّة (عليهم السلام)) (3).

ورواه الصدوق في ثواب الأعمال بسندٍ صحيح عالٍ(4).

ورواه الكليني في الكافي بطريقين عن معاوية بن وهب(5).

قال المجلسي في البحار: لعلّ هذا الخبر - صحيح معاوية بن وهب - بتلك

____________________

(1) جمع مسلحة: وهي الحدود والثغور التي يرابط فيها أصحاب السلاح.

(2) كامل الزيارات ب 45، 2؛ بحار الأنوار 101: 11.

(3) كامل الزيارات ب 40، 8 - 1؛ ب 45، 3 بل رواه في كامل الزيارات عن معاوية بطرق عديدة كثيرة.

(4) ثواب الأعمال 120: 44.

(5) الكافي 4: 582، ح 11 - 10؛ الوسائل أبواب المزار ب 37، 7؛ المستدرك 10: 278.


الأسانيد الجمّة، محمول على خوف ضعيف يكون مع ظنّ السلامة، أو على خوف فوات العزّة والجاه، وذِهاب المال، لا تلف النفس والعِرض؛ لعمومات التقيّة والنهي عن إلقاء النفس في التهلكة، والله يعلم(1).

أقول: قد عرفتَ أنّ المحقّق الميرزا القمّي - وجماعة من الفقهاء - عملوا بظاهر مثل هذه الروايات الآمرة بالزيارة في ظرف الخوف مطلقاً من دون تفصيل، وأدرجوا شعيرة الحسين (عليه السلام) في باب الجهاد وإقامة فريضة الولاية والتولّي لهم (عليهم السلام).

هذا، وفي طريق الكليني حيث نقلَ الرواية بطولها، أيضاً هذه الفقرة في شأن زوّار الحسين (عليه السلام)، قوله (عليه السلام):(واكفِهم شرّ كلّ جبّار عنيد، وكلّ ضعيف من خلقك أو شديد، وشرّ شياطين الجنّ والإنس،... اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم يَنههُم ذلك عن الشُخوصِ إلينا وخلافاً منهم على مَن خَالفنا، فارحَم تلكَ الوجوه..) الحديث(2).

ولا يخفى إشارة الرواية إلى عدم الاكتراث بالخوف في هذه الشعيرة فضلاً عن استهزاء وسخريّة المخالفين.

* وروى ابن قولويه بإسناد متّصل عن محمّد بن مسلم في حديث طويل، قال: قال لي أبو جعفر محمّد بن علي (عليه السلام):(هل تأتي قبر الحسين (عليه السلام)؟

قلت: نعم، على خوفٍ ووجل.

____________________

(1) بحار الأنوار 101: 8.

(2) الكافي 4: 582؛ وسائل الشيعة 14: 582 - أبواب المزار ب 37، 7؛ بحار الأنوار 98: 8.


فقال:(ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف، ومَن خافَ في إتيانه آمنَ الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرفَ بالمغفرة، وسلّمت عليه الملائكة، وزاره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا له، وانقلبَ بنعمة الله وفضل لم يَمسسهُ سوء واتّبع رضوان الله) الحديث(1).

والرواية كما ترى متضمّنة ومصرّحة باشتداد الخوف(ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف) ، بلغَ ما بلغ من الخطورة، لا سيّما وإنّ أصل الخوف في تلك الأزمنة هو على النفس، كما أُشير إليه في العديد من الروايات.

ونلاحظ مُسائلة الإمام الصادق (عليه السلام) عن ذلك لعدّة من الرواة والأصحاب، وحثّه إيّاهم على زيارة قبر الحسين (عليه السلام) مع أنّهم في ظرف التقيّة، في زمن المنصور الدوانيقي وأمثاله من الطغاة(2).

وبالرغم من هذا التشدّد المعروف في زمن العبّاسيين، نجد أنّ الأئمّة (عليهم السلام) حثّوا شيعتهم على هذه الشعيرة المهمّة ومارسوها (عليهم السلام) عملاً، فقد وردَ أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)، والإمام الهادي (عليه السلام) مَرِضا فَندبا مَن يدعو لهما تحت قبّة الحسين (عليه السلام).

فقد روى ابن قولويه(3) بطريقين عن أبي هاشم الجعفري: أحدهما صحيح، والآخر مُصحّح(4) ، وكذلك روى الكليني(5) بطريق مصحّح عنه، قال:

____________________

(1) كامل الزيارات ب 45، 5.

(2) المتوكّل كانت له جارية يعزّها ويحبّها، فغابت عنه فترة، فعرف أنّها ذَهبت إلى زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فقتلها بذلك.

(3) كامل الزيارات ب 90، 2 - 1.

(4) الخبر الصحيح: هو المعتبر عند مشهور العلماء، أمّا الخبر المُصحّح: فهو المعتبر عند القائل،


بعث إليّ(6) أبو الحسن (عليه السلام) في مرضه وإلى محمّد بن حمزة، فسَبقني إليه محمّد بن حمزة، فأخبرني محمّد: ما زال يقول:(ابعثوا إلى الحير (الحائر)ابعثوا إلى الحير (الحائر).

فقلت لمحمّد: ألا قلتَ له: أنا أذهب إلى الحير (الحائر)؟ ثُمّ دخلتُ عليه وقلت له: جُعلت فداك أنا أذهب إلى الحير.

فقال:انظروا في ذلك - إلى أن قال - فذكرت لعليّ بن بلال فقال: ما كان يصنع الحير؟ هو الحير، فقدمتُ العسكر فدخلتُ عليه فقال لي:اجلِس، حين أردتُ القيام، فلمّا رأيته أنسَ بي ذكرتُ له قول علي بن بلال، فقال لي:ألا قلتَ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يطوف بالبيت ويُقبّل الحجر، وحرمة النبي والمؤمن أعظم من حرمة البيت، وأمرهُ الله عزّ وجل أن يقف بعرفة، وإنّما هي مواطن يحبّ الله أن يُذكر فيها، فأنا أحبّ أن يُدعى لي حيث يحبّ الله أن يُدعى فيها).

ورويَ في عدّة الداعي عن الصادق (عليه السلام)، أنّه مرضَ فأمرَ مَن عنده أن يستأجروا له أجيراً يدعو له عند قبر الحسين (عليه السلام)، فوجدوا رجلاً فقالوا له ذلك، فقال: أنا أمضي ولكنّ الحسين إمام مفترض الطاعة، وهو إمام مفترض الطاعة! فرجعوا إلى الصادق (عليه السلام) وأخبروه فقال:(هو كما قال ،ولكن أمَا عرفَ أنّ لله تعالى بقاعاً يُستجاب فيها الدعاء، فتلك البقعة من تلك البقاع) (7) .

____________________

فعند ذكر (المُصحّح) يَدفع توّهم ذهاب المشهور إلى اعتباره أيضاً.

(5) الكافي 4: 567؛ الوسائل أبواب المزار ب 76، 3.

(6) أي: إلى أبي هاشم الجعفري.

(7) عدّة الداعي: 57؛ وسائل الشيعة 14: 537 - أبواب المزار ب 76، 2.


هذا يقتضي أهميّة مِلاك الشُعيرة الحسينيّة في نظر الشارع، وهو يُعدّ سياسة تشريعيّة منهم لأجل دَعم الشعائر الحسينيّة، وكون الدعاء مستجاباً تحت قبّته، ونفهم منه أبعاداً عديدة، منها: إحياء ذكره وتخليده (عليه السلام)، وربط الناس به (عليه السلام) عبر الأجيال تلو الأجيال، مع أنّ الصادق (عليه السلام) عاش في زمن المنصور الدوانيقي الذي هدّم قبر الحسين (عليه السلام)، وهَدمُ القبر: يعني التصميم والإرادة على منع هذا الرافد للحقّ، وإطفاء هذا النور الذي يزيل ظلام الطاغوت العبّاسي على المسلمين، ومع ذلك ينتدب الصادق (عليه السلام) مَن يدعو له تحت قبّة الحسين (عليه السلام)، هذا التعظيم والتخليد لشعيرة من شعائر الحسين (عليه السلام)، مع أنّه في معرض تلف النفس، أو تلف العضو على الأقلّ، أو تلف المال، أو العِرض، أو الضرر بالسجن، أو التعرّض للضرب والإهانة.

وكذلك الإمام الهادي (عليه السلام) انتدبَ شخصاً يدعو له من سامراء إلى حائر الحسين، فذكرَ الرجل المنتدِب تساؤله بأنّ الإمام الهادي (عليه السلام) هو الحائر أيضاً، كما أنّ الحسين (عليه السلام) حائر النور ودائرة النور، فأجابه (عليه السلام):(هذا صحيح، إلاّ أنّ لله مواقع يحبّ أن يُدعى فيها، وأنا أحببتُ ذلك).

والهادي (عليه السلام) كان في زمن المتوكّل (لعنه الله)، الذي هدّم القبر عدّة مرات وأرسل الماء ليخفي ويُطمس أثر وجود القبر، والمعروف أنّ اسم الحائر كان لهذا السبب(1) ، واللطيف في الرواية ورود لفظة الحير وفيه إشارة لهذه المعجزة الباهرة.

____________________

(1) وهو أنّ الماء بعد إرساله على قبر الحسين (عليه السلام)، لم يصل إليه، وحار حول القبر الشريف، فلذا سُمّي حائراً.


إذاً، الروايات عديدة في فضل زيارته (عليه السلام)، والحثّ والأمر بها في تلك الظروف الصعبة المحفوفة بالمخاطر والمليئة بالمصاعب والشدائد، ونضيف ذِكر بعض هذه الروايات علاوةً على ما مضى؛ للاستدلال على شدّة هذا الأمر وأهمّيّته:

صحيحة معاوية بن وهب المعروفة، وهذه الرواية لها عدّة أسانيد، اثنان منها صحيحان(1) ، المتضمّنة لدعاء الصادق (عليه السلام) المعروف، وهي: استأذنتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) فقيل لي: ادخل، فدخلتُ فوجدتهُ في مصلاّه، فجلستُ حتّى قضى صلاته، فسمعتهُ وهو يُناجي ربّه وهو يقول:(يا مَن خصّنا بالكرامة وخصّنا بالوصيّة، وواعَدنا الشفاعة، وأعطانا عِلم ما مضى وما بقي، وجعلَ أفئدةً من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولأخواني، ولزوّار قبر أبي الحسين (عليه السلام) الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبةً في برّنا، ورجاءً لمَا عندكَ في صِلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك صلواتك عليه وعليهم (2) وإجابةً منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا..

أرادوا بذلك رضاك، فكافِهم عنّا بالرضوان، واكلأهُم بالليل والنهار، واخلُف على أهاليهم وأولادهم الذين خُلّفوا بأحسن الخلف، واصحبهم، واكفهم شرّ كلّ جبار عنيد) (3) ففيها دلالة واضحة، بأنّ زيارة الحسين (عليه السلام) مشروعة في ظروف الخوف وعدم الأمن ومعرضيّة التلف.

____________________

(1) الكافي 4: 582؛ وسائل الشيعة 14: 411 - باب 37 باب استحباب زيارته (عليه السلام).

(2) هذه الرواية تشتمل على حكم الشعائر الحسينيّة.

(3) وسائل الشيعة 14: 412 باب 37: رواية 19482.


وقوله (عليه السلام):(واكفِهم شرّ كلّ جبّار عنيد) ، إشارةً إلى زيارة الحسين (عليه السلام) في تلك الأزمنة، وإنّها مع ذلك مشروعة وإن كان يُحتمل بسببها التلف.

وكذلك قوله (عليه السلام):(اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم، فلم يُنههم ذلك عن شخوصهم، وخلافاً منهم على مَن خالفونا، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحَم تلك الخدود التي تقلّبت على حفرة أبي عبد الله، وارحَم تلك الأعين التي جَرت دموعها رحمةً لنا، وارحَم تلك القلوب التي جَزعت واحترَقت لنا (1) ،وارحَم الصرخة التي كانت لنا، اللهمّ إنّي استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى توافيهم الحوض يوم العطش... ، فقال: ما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلمّا انصرف، قلتُ: جُعلت فداك، لو أنّ هذا الذي سمعتُ منك كان لمَن لا يعرف الله لظننتُ أنّ النار لا تَطعم منه شيئاً، والله، إنّي قد تمنّيت أنّي كنت زرته ولم أحجّ، فقال لي:ما أقربكَ منه، فما الذي يمنعك من زيارته؟ ثُمّ قال:يا معاوية، لِمَ تدع ذلك؟ (2) قال: لم أدرِ أنّ الأمر يبلغ هذا كلّه، قال (عليه السلام):يا معاوية، إنّ مَن يدعو لزوّار الحسين (عليه السلام) في السماء أكثر ممّن يبلغ هذا كلّه، قال (عليه السلام):يا معاوية، لا تدعه، فمَن تركه رأى من الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان عنده، أمَا تحبّ أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليٌّ وفاطمة والأئمّة (عليهم السلام)) (3) .

____________________

(1) الكافي 4: 583؛ بحار الأنوار 98: 8. وهذه من الروايات المسندة الدالّة على مشروعيّة الجزع، وصحيحة السند، بطريقين.

(2) الإمام (عليه السلام) يستنكر عليه.

(3) وسائل الشيعة 14: 412 باب 37: 19482.


وقد عقدَ صاحب الوسائل باباً آخراً، وهو باب شدّة استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) عند الخوف، وكذلك صاحب كامل الزيارات، وقد ذكرنا بعض تلك الروايات فيما مضى من البحث(1) هناك روايات خاصة لانتداب زيارته عند الخوف.

وهناك روايات في هذا الباب، تتضمّن تأنيب الإمام الصادق (عليه السلام) أصحابه لعدم الزيارة، مع أنّهم يتعذّرون بالخوف، ومع ذلك يؤنّبهم على ترك الزيارة.

فمقتضى جملة هذه الروايات: أنّ مِلاك الشعائر الحسينيّة أهمّ بكثير من الضرر الشخصي، سواء تلف العضو، بل تلف النفس؛ لشدّة أهميّة المِلاك في حكم الشعائر الحسينيّة، والوجه بيّن في ذلك: حيث إنّ شعائره (عليه السلام) تُعتبر بقاءً للدين الحنيف، وإنّ في جملة من الروايات دلالة على أنّ زيارة الحسين (عليه السلام) أعظم ثواباً من الحجّ، ويقول (عليه السلام):(لولا أنّي أكره أن يدع الناس الحجّ، لحدّثتُك بحديثٍ لا تدع زيارة قبر الحسين (عليه السلام) أبداً) (2) .

وقد جمعَ صاحب الوسائل في أبواب المزار، في باب استحباب اختيار زيارة الحسين (عليه السلام) على الحج والعمرة المندوبين(3) ، وأبواب أخرى وروايات كثيرة تبلغ حدّ الاستفاضة أو أدنى حدّ التواتر.

ومن ثَمّ ذهبَ جملة من الأعلام في مسألة ما إذا نذر زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة ثُمّ حدثت له الاستطاعة، ودار الأمر بين الحج والوفاء بالنذر - أي بين بقاء

____________________

(1) راجع ص: 351 من هذا الكتاب.

(2) مصباح المتهجِّد (الطوسي): 716؛ وسائل الشيعة 14: 464.

(3) وسائل الشيعة 14.


استطاعة الحج ومشروعيّة النذر ورجحانه - ذهبوا إلى تقديم الزيارة المنذورة، منهم: صاحب الجواهر، والسيّد اليزدي، حيث قالوا: بأنّ نذر زيارة الحسين (عليه السلام) يوم عرفة يُقدّم على الحجّ الواجب، ووجوب النذر ههنا يُقدّم على وجوب الحج، والتقديم لخصوص هذا النذر، وقد تمسّك السيّد في العروة بأنّ الروايات الواردة في فضل زيارة الحسين (عليه السلام) يظهر منها أهميّة الملاك، ومقتضاه: أنّ مِلاك الشعائر الحسينيّة يفوق في الأهميّة ملاكات أحكامٍ عديدة.

ولعلّ الوجه في ذلك: أنّ باب الشعائر الحسينيّة هو باب الولاية، (لم يُنادَ بشيء كما نوديَ بالولاية)(1) ، لا سيّما ما في بعض الروايات(2) : أنّ هذه الولاية هي ولاية الله تعالى، وولاية رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأئمّة (عليهم السلام) في قبال بقيّة أركان وفروع الدين، فَعظمة شعائر الحسين (عليه السلام) هي من عظمة ولايته (عليه السلام).

ونُبيّن - للقارئ الكريم - شاهداً آخر على أهميّة مِلاك الشعائر الحسينيّة، وهو:

ما يظهر من جملة من الأدلّة والروايات: أنّ شعائر الحسين (عليه السلام) ممّا يجب إقامتها في الجملة، كما هو حال جملة من شعائر أركان

____________________

(1) الكافي 2: 18، وإليك نصّ الرواية، عن أبي جعفر (عليه السلام):(بُنيَ الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والولاية، ولم ينادَ بشيءٍ كما نوديَ بالولاية) .

(2) أبواب مقدّمات العبادات: باب 29، الوسائل 1: 118 منها: عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام):

(ذروةُ الأمر وسنامه، ومفتاحه، وباب الأشياء، ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، أمَا لو أنّ رجلاً قامَ ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره، ولم يعرف وليَّ الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان).


الدين: كالتظاهر بجماعات الصلاة ولواحق ذلك، والحجّ وغيرهما، ويظهر ذلك في العديد من الروايات التي مرّت الإشارة إليها، والتي جَمعها صاحب الوسائل في أبواب المزار، نظير ما ورد في الحج، أنّ الناس لو تركوا الحجّ لعوجِلوا بالنقمة الإلهيّة.

كما في صحيح جميل، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):(إنّ الله يدفع بمَن يصلّي من شيعتنا عمّن لا يصلّي من شيعتنا، ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا، وإنّ الله يدفع بمن يُزكّي من شيعتنا عمّن لا يزكّي من شيعيتنا، ولو أجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا، وإنّ الله ليدفع بمَن يحجّ من شيعتنا عمّن لا يحجّ من شيعتنا، ولو أجمعوا على ترك الحجّ لهلكوا، وهو قوله ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) (1) ) (2) .

وفي صحيح الحسين الأحمس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(لو تركَ الناس الحجّ لمَا نوظروا العذاب) ، أو قال:((لنزلَ عليهم العذاب) (3) ، ومثلها صحيح حمّاد، وموثّق سدير(4).

وفي صحيح أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة) (5) وغيرهما من الأحاديث(6) .

____________________

(1) البقرة: 251.

(2) الوسائل 1: 28 - أبواب مقدّمات العبادات ب 1.

(3) وسائل الشيعة 4: 271 أبواب وجوب الحجّ ب 4، (1، 2، 3، 5) وبقية روايات الباب.

(4) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.


فهذه الشعيرة يجب أن تظلّ دائماً نابضة ومستمرّة (مثاباً للناس)، فهناك روايات عديدة في أوائل أبواب وجوب الحج، في الوسائل، وكذلك من الروايات أيضاً:(أمَا أنّ الناس لو تركوا حجّ هذا البيت لنزلَ بهم العذاب وما نوظروا) (1).

هذا النحو من الوعيد والإنذار وردَ نظيره في أدلّة زيارات الحسين (عليه السلام)، وفي الشعائر الحسينيّة أيضاً.

إنّ مَن تركَ زيارته، أو مَن جفاهُ عوجِل بالنقمة، أو عوجِل بالبليّة.

وفي بعضها مَن تركَ الزيارة له (عليه السلام) من غير علّة فهو من أهل النار(2).

وإنّه يموت قبل أجَله بثلاثين سنة(3) ، كما في صحيح منصور بن حازم.

وفي رواية(4) عنبسة بن مصعب: أنّ مَن تركَ زيارة الحسين (عليه السلام) مُنتقَص الإيمان، مُنتقَص الدين، وفي بعضها: إنّ زيارته حقّ من حقوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ حقّ الحسين (عليه السلام) فريضةٌ من الله تعالى واجبة على كلّ مسلم(5) .

وفي الصحيح إلى أمّ سعيد الأحمسيّة، عنه (عليه السلام):(إنّ زيارة الحسين (عليه السلام) واجبة على الرجال والنساء) (6) .

____________________

(1) عن الإمام الصادق (عليه السلام): بحار الأنوار 99: 19 / رواية 69.

(2) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار ب 38، 13.

(2) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار ب 38، 4.

(2) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار ب 38، 5.

(2) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار ب 38، 1.

(2) وسائل الشيعة 14: 437 أبواب المزار ب 39، 3.


أو أخذَ على شيعتنا بالمواثيق زيارتنا كلّ عام(1) ، أو بمثل هذه التعبيرات، ولفظ الفريضة قد ورد في الروايات، وكذلك أنّ زيارته فريضة على النساء، وورد(2) أيضاً: أنّ المرأة تزور الحسين (عليه السلام) من دون مَحرم، كما هو حكم النساء في فريضة الحجّ إذ ليس من شرط الاستطاعة على المرأة ذهابها مع المَحرم، بل يجوز لها أن تذهب بدون مَحرم إذا أمَنت الرفقة.

وهناك تشابه كبير بين لسان أدلّة شعيرة الحجّ وبين لسان أدلّة شعيرة زيارة الحسين (عليه السلام).

أركانُ الشريعة الإسلاميّة

هذا لسان آخر، وعلى ضوء هذا الشاهد الذي ذكرناه، استظهاراً من الأدلّة، وذهب جملة من أساطين المذهب وعلمائه من الفقهاء، أو المحدّثين، أو المتكلّمين الإماميّة إلى أنّ في الشريعة الإسلاميّة ثلاثة معالِم ركنيّة عماديّة، كتبَ الله المحافظة عليها وعدم انطماسها، وإنّ فيها بقاء الدين وهي:

الأوّل: القرآن الكريم، قال تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (3) .

الثاني: الحجّ والمسجد الحرام:( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) (4) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار، ب 44.

(2) وسائل الشيعة 14: أبواب المزار، ب 39، 2.

(3) الحجر: 9.

(4) البقرة: 125.


الثالث: الشعائر الحسينيّة، كما هو لسان العرب، وقال تعالى:( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ... فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَال ) (1)، وبين علي وفاطمة وولداهما من أعظمها كما في روايات الفريقين(2) وقال تعالى:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (3) ، وكالنبوي:(إنّ الحسين مِصباحُ الهدى وسفينةُ النّجاة) .

والآخر:(حُسينٌ منّي وأنا من حسين) .

وتوبيخ العقيلة الكبرى (عليها السلام) في خطابها ليزيد (لعنه الله) في قصره بالشام حيث قالت له: (فو الله، لن تمحو ذِكرنا، ولا تُميت وَحيَنا)(4) .

وما قالته العقيلة (عليها السلام) لابن أخيها الإمام زين العابدين (عليه السلام)، عند رؤية جثمان أبيه وجُثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء بلا دفن: (مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأخوتي، فو الله، إنّ هذا لعهدٌ من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله

____________________

(1) النور: 35 - 36.

(2) الكافي 8: 321؛ وأورد عليّ بن يونس العاملي في كتابه الصراط المستقيم 1: 293 هذه الرواية:

( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ.. ) أسند الثعلبي إلى أنس وبريدة أنّها بيوت الأنبياء، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هذا البيت منها؟ - يعنى بيت علي وفاطمة - قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :(نعم، من أفاضلها) .

(3) التوبة: 32.

(4) اللهوف في قتلى الطفوف: 183؛ مثير الأحزان: 101.


ميثاق أُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة فيوارونها، ويَنصبون بهذا الطفّ عَلَماً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرس أثره، ولا يُمحى رسمه على كرور اللّيالي والأيّام، وليجهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلاّ علواً..)(1) .

وهذه المعالِم في الدين: القرآن، وشعيرة الحجّ والمسجد الحرام، والشعائر الحسينيّة (عليه السلام)، هذه المعالِم الأركان، عبارة أخرى عن الثَقلين: القرآن، والعترة، ويمكن الاستدلال على ركنيّة هذه الأمور في الدين الإسلامي بصحيحة عبد الله بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:(إنّ لله عزّ وجل حُرمات ثلاثاً ليس مثلهنّ شيء: كتابه وهو حكمته ونوره، وبيته الذي جعله قِبلة للناس لا يُقبل من أحد توجّهاً إلى غيره، وعترة نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (2) .

فهذه هي أثافي الإسلام، لا يُفرّط الله سبحانه وتعالى بها قضاءً وقدراً، في الإرادة التكوينيّة ولا في الإرادة التشريعيّة.

ومن ثَمّ، بنى عدّة من فقهاء الإماميّة على أنّ شعائر الإمام الحسين (عليه السلام) هي في درجة الأهميّة والمِلاك بهذه المثابة، كما أنّ قدسيّة وعظمة القرآن مستلزمة لبقاء القرآن، حيث إنّ قدسيّته بمكان من الأهميّة والتقدير والتفوّق، كذلك الحال في شعائر الإمام الحسين (عليه السلام)، التي هي نبراس وسؤدد، وهي العلامة الكبرى لولاية أهل البيت (عليهم السلام).

____________________

(1) كامل الزيارات: 221.

(2) الأمالي للصدوق: 291؛ وسائل 4: 300 - كتاب الصلاة - أبواب القبلة - باب 2/ 10.


فهذه وجوه عديدة تُذكر، والمتصفّح لبقيّة الروايات في هذا الباب، يستطيع أن يستخلص شواهد أخرى بأسانيد لروايات أخرى دالّة على عظم مِلاك الشعائر الحسينيّة.

لذا يرى البعض بأنّ الشعائر الحسينيّة هي من سنخ الواجب الكفائي: كفريضة الحج بحيث لو عُطّل الحج فينبغي تمويله من بيت المال(1) ، وكزيارة النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا عُطّلت فينبغي على الحاكم أن يتصدّى لإقامتها(2) ، وكذلك كضرورة إعمار الحَرَمين بالسكّان فإذا خَلت مكّة والمدينة من الساكنين، يجب على الوالي أن يُموّل ويبذل من بيت المال لأجل إعمارها بالسّكان(3) .

ويأتي هذا الأمر بحذافيره في فريضة الشعائر الحسينيّة على نحو الواجب الكفائي، بحيث لو عُطّلت في ظرف من الظروف، فعلى الحاكم الشرعي أن يتحمّل مسؤوليّة إقامتها وتمويل إحيائها بالشكل المناسب من بيت المال.

تفصيلُ الوجه الثالث

مرّ بنا أنّ الهلكة، أو التلف، أو النقصان؛ إنّما يصدق إذا ذهبَ التلف هَدراً أو

____________________

(1) الكافي 4: 27؛ الوسائل 11: 24 - عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(لو أنّ الناس تركوا الحجّ كان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفقَ عليهم من بيت مال المسلمين) .

(2) راجع الهامش السابق.

(3) ويمكن الاستدلال على هذا الأمر من الرواية السابقة بالتأمّل بعبارة(... وعلى المقام عنده...) ، التي تدلّ على ضرورة الإعمار والإقامة في الحرمين وعدم إخلائهما من السكّان.


يضيع النقصان سدىً ومن دون أي نتيجة أو ثمرة، أمّا إذا كان هناك ثمرة من ذلك التلف والضرر، فليس من باب إلقاء النفس في التهلكة.

ولتوضيح الكفرة: خروج المقام تخصّصاً وموضوعاً عن الضرر، وذلك بالالتفات إلى ما حُرّر في قاعدة (لا ضرر) من عدم شمولها لجملة من الأبواب والأحكام الأوّليّة: كالجهاد، والخمس، والزكاة ونحوها ممّا يتراءى في الوهلة الأولى أنّها ضرريّة؛ فإنّ آيات الجهاد، لا يقال إنّها مخصِّصة لعموم:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ ) كما لا يُتوهّم شمول النهي لموارد الجهاد، وإنّ أدلّة الجهاد مخصِّصة لها، لا يصحّ تقرير الظاهر من الدليلين بهذه الصورة؛ لأنّ المراد من الإلقاء في التهلكة هو الإلقاء سدىً وبدون نتيجة وبلا طائل، بخلاف ما إذا كانت هناك غاية فضيليّة مترتّبة على إلقاء النفس في فعل يستوجب معرضيّة التلف.

ويشير إلى ذلك مناظرة النبي يعقوب (عليه السلام) مع أبنائه:

( قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) فأجابهم:( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (1) أي أنّه ردّ على دعواهم في كون شدّة الحزن وطول البكاء هلكة، وإنّ تطبيقهم الهلكة عليهما هو بسبب جهلهم، وفي الموضوع عنوان آخر وموقف آخر إلاّ أنّهم يجهلون ذلك، وهذا الجواب يقتضي أنّ الحزن الشديد والبكاء الطويل وإن أوجبا ابيضاض العينين، قابلان لأن يتّصفا بالرجحان والغرض الكمالي، ويخرجان بذلك عن الهلكة المذمومة القبيحة.

فعلى كلّ حال: الظاهر أنّ الهلكة وما شابهها إنّما تكون في الموارد التي

____________________

(1) يوسف: 85 - 86.


تذهب فيها النفس سدىً، ولا يترتّب عليها نتيجة فضيليّة ولا أثر سامٍ، ومن ثَمّ يُتأمّل في التمسّك بالعموم في موارد الغرض الراجح الفضيلي، لا سيّما مع ما ذكرنا من حكم العقل من نفي الذمّ عمّن يُلقي نفسه في معرضيّة التلف بداعي وبسبب الفعل الفضيلي، أو لفعل فضيلة ما، إذ لا يذمّه العقل، وتعبير الإمام (عليه السلام):(لا يكون عندي ملوماً، بل يكون به جديراً..) أي يكون ممدوحاً.

فالهلكة المأخوذ فيها نحواً من القيود العقليّة في ماهيّتها، يتأمّل ويمنع صدقها في مثل تلك الموارد، فتكون تلك الموارد خارجة تخصّصاً وليس تخصيصاً.

وهذا هو محصّل الوجه الثالث: فإنّ موضوع الضرر والإضرار - كما يشير إليه المحقّق النراقي في عوائد الأيّام - ليس هو كلّ نقصٍ يحدث في المال، أو في البدن، أو في العرض، بل الذي لا يعوّض، ففي المعاوضات الماليّة - مثلاً - لا يُسمّى النقص مع العوض ضرراً، ولا يسمّى مطلق فوات النفع ضرراً، وإذا أُطلق عليه فهو من باب المجاز والتوسّع، لا من باب الحقيقة، بخلاف صرف رأس المال الذاهب سُدى من دون أن يعود عليه بأيّ فائدة، فيكون نقصاً مع عدم العوض.

وعلى ضوء ذلك: أُثيرَ في قاعدة الضرر وحرمته، أنّ الضرر هل هو النقص مع عدم العوض الدنيوي، أم عدم النفع الأخروي؟ ويُصرّ الشيخ النراقي (رحمه الله) على أنّ الآيات العديدة دالّة على أنّ الخسران والربح، أو الانكسار والجبران ليس بلحاظ النشأة الدنيويّة فقط، بل بلحاظ النشأة الأُخرويّة أيضاً، وإنّه ينبغي لحاظ الجبران الأخروي، أو الجبران العقلي، وإنّ النقص المتحمّل للغرض المحمود عقلاً لا يُعدّ ضرراً، ثُمّ يبني على هذا القول في كثير من الفروع في كتابه (مستند الشيعة).


وبناءً على ذلك: فالموارد التي بُحثت في المقام ليست نقصاً بلا عوض، حيث إنّ الضرر هو النقص من دون جبرٍ، وسواء كان الجبر دنيويّاً أو أخرويّاً.. وبعبارةٍ أخرى: إنّ وجه ما قالوا في عدم شمول قاعدة الضرر للضرر الأولي في الأحكام الأوّليّة وشمولها للضرر الطارئ، هو أنّ الأحكام الأوّليّة المبنيّة على المشقّة والحرج والضرر هو عوضيّة المِلاك والمصالح الموجودة في متعلّقات تلك الأحكام عن النقص والمشقّة الناجمة منها.

وكذا الحال في الشعائر الحسينيّة؛ فإنّ ماهيّة الشعيرة الحسينيّة - كما هو مستفاد من الروايات المتواترة التي جُمعت في أبواب عديدة ضمن مصادر معتبرة آنفة الذكر - متقوّمة بالحزن والتفجّع والحماس، كما هي متقوّمة بالمعاني السامية التي نهض من أجلها سيّد الشهداء (عليه السلام)، ومن الواضح أنّ الحزن والتفجّع بحماس فيه مكابدة وعناء وعبأ تحمّل روحي، لا سيّما وإنّ هذا الصخب الروحي - الممتزج بالحماس والمعاني الرافضة للظلم والمسار المنحرف للسلطة والحكم في المسلمين - يوجِب بطبيعته قلق وخوف الحكومات، فتقوم بممانعة إقامة الشعائر الحسينيّة، وإنزال العقوبة بالشيعة في طقوسهم في عاشوراء وشهر محرّم، كما حفلَ التاريخ بذلك منذ شهادة الحسين (عليه السلام) إلى يومنا وعصرنا الحاضر، بل لم تفتأ المُناصرة بين الحكومات وبين الشيعة على الشعائر الحسينيّة قائمة، سواء في زيارته (عليه السلام)، أو في المشي إلى زيارته، أو في إقامة مراسم العزاء بأشكالها المختلفة، أو في غير ذلك من مراسم وصور الشعائر الحسينيّة.

وهذا ممّا يؤكّد أنّ تشريع الشعائر الحسينيّة في الشريعة المقدّسة مبني من أساسه على المخاطرة والمكابدة والمجاهدة، ومن ثَمّ يتّضح وجه ما ذهبَ إليه المحقّق الميرزا القمّي في جامع الشتات من إدراج الشعائر


الحسينيّة في باب الجهاد، وعلى ضوء ذلك يتبيّن عدم شمول قاعدة الضرر لأبواب الشعائر الحسينيّة التي شرّعت في أصلها: كباب الجهاد ونحوه على تحمّل الضرر والمشقّة.

ومن الواضح أنّ النقض الذي يُشاهد في الشعائر الحسينيّة بهذا المقدار(1) هو ليس من الضرر شرعاً، بل ولا عند العقلاء: نظير جرح الشخص نفسه لإخراج الدم لأجل تحليله طبيّاً، أو مثل الحجامة، التي ورد الحثّ عليها من طرق العامّة والخاصّة ورجحانها أمر ثابت وطبيّاً أيضاً(2) .

فالبشر والعقلاء يمارسون العديد من التصرّفات اليسيرة في البدن، من دون أن يحرّموها أو يمنعوها.

فتحصّل: أنّ هناك ثلاثة وجوه لدفع توهّم الضرر في الشعائر الحسينيّة بأقسامها.

هذا بالنسبة إلى الجهة السادسة، وهي بحث الضرر المترتّب على بعض الشعائر الحسينيّة.

____________________

(1) كما ذَكر المحقّق النائيني وتلاميذه قاطبة.

(2) وقد عُبّر عن الحجامة في الرأس في الروايات، بالمنقِذة والمُغيثة والمنجية، والسرّ: هو أنّها تحمي من الجلطات الدماغيّة كما ثبتَ ذلك طبّيّاً، راجع الوسائل 17: 111.


الجهةُ السابعة: لبسُ السواد حُزناً على الحُسين (عليه السلام)



بدايةً وردت روايات في باب لباس المصلّي، مضمونها: أنّ لبس السواد هو لباس الأعداء، ولباس أهل النار، ولباس بني العبّاس، وفتوى أكثر الفقهاء على كراهة لبس السواد خصوصاً في الصلاة.

وذهبَ بعض المحدّثين الإخباريين إلى الحرمة.

وقد ذكرنا في الفصل الأوّل: أنّ اتّخاذ الشعيرة يكفي فيه الحلّيّة بالمعنى الأعم، فعلى افتراض كونه مكروهاً؛ فإنّ ذلك لا يمنع من اتّخاذه شعيرة للحزن.

حيث إنّ الشعيرة الواردة في الأدلّة ليست حقيقة شرعيّة، بل هي حقيقة عُرفيّة، فيمكن استحداث واتّخاذ ممارسة مصاديق ورسوم جديدة، هذاأوّلاً .

وثانياً: أنّ هذا السواد إنّما يكون مشمولاً للكراهة إذا اتُّخذ لباساً، أمّا إذا اتُّخذ شعاراً لإظهار الحزن فهو غير مشمول لتلك الكراهة، فمن ثَمّ ذهبَ - كما نقلنا في صدر البحث - صاحب الحدائق(1) ، والسيّد اليزدي(2) ، وعدّة من الفقهاء

____________________

(1) الحدائق 7: 118. حيث قال فيها: (لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام)؛ لمَا استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان.

(2) في أجوبة أسئلة حول الشعائر الحسينيّة، الذي هو ملحق على تعليقته على رسالة الشيخ جعفر التستري ص 12، في لبس السواد.


إلى عدم كراهة لبس السواد حتّى في الصلاة إذا كان لأجل إظهار الشعائر.

(والمسألة محرّرة في كتاب الصلاة).

فالروايات الناهية عن لبس السواد ليست متعرّضة لاتخاذه كشعار، ولأجل إظهار الأسى والحزن، نظير ألبِسة بعض الحِرف والمِهن، أو المؤسّسات والدوائر، فإنّ الهيئة الموحّدة في اللباس لديهم ليست زيّاً لباسيّاً في الحياة المعتادة، بل الهيئة الموحّدة من اللون أو الشكل، هي شعار يرمز إلى العمل الموحّد والانتساب المعيّن، ومن ثَمّ أفتى جمهرة أعلام العصر بجواز لبس الأشخاص الذين يقومون بالشبيه (المسرحيّة لحادثة الطف) زيّ الجنس الآخر، وإنّ ذلك لا يندرج في عموم حرمة تشبّه الرجال بالنساء أو العكس، ولا يندرج في حرمة لبس الرجال للباس النساء؛ وذلك لظهور المتعلّق في حكم الحرمة لمـَا يُتّخذ لبساً في الحياة العاديّة المعيشيّة.

وثالثاً: المتتبّع للسيرة يقرأ أنّ الأئمّة (عليهم السلام) وأتباعهم، ارتَدَوا ولبسوا السواد من أجل إظهار الحزن والتفجّع، وذلك في موارد:

1- منها ما في شرح ابن أبي الحديد: أنّ الحسنين (عليهما السلام) لَبسا السواد على أبيهما في الكوفة بعد شهادته(1) .

2- ومنها ما في كتاب المحاسن للبرقي(2) : أنّ الفاطميّات والعقائل - بعد رجوعهنّ من كربلاء إلى المدينة - لبسنَ السواد والمَسوح، وكان زين العابدين (عليه السلام) يطبخ لهم.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 8.

(2) المحاسن 2: 402، باب الإطعام؛ باب 25.


فذَكر فيه أنّ زين العابدين كان يطبخ ويُطعم النساء؛ لأنّهنّ شُغلنَ بإقامة المأتم على الحسين (عليه السلام)، ففيه نوع من تقرير المعصوم (عليه السلام) للبس السواد والمسوح.

3- ومنها ما في كتاب إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس(1) ، في فضيلة يوم الغدير، حيث ورد فيه: وهو يوم تنفيس الكرب، ويوم لبس الثياب، ونزع السواد.

4- ومنها ما في مستدرك الوسائل(2) بسنده عن أبي ظبيان قال: (خرجَ علينا عليّ (عليه السلام)، في إزار أصفر وخميصة(3) سوداء).

وسنذكر بعد قليل المزيد من الأدلّة المنقولة على ذلك.

ورابعاً: أنّ بني العبّاس اتّخذوا السواد شعاراً لهم بادئ الأمر؛ من أجل إظهار حزنهم على الحسين (عليه السلام)، وجعلوه ذريعة للانقضاض على بني أميّة، ممّا يدلّ على أنّ لبس السواد كان متّخذاً لإظهار الحزن والتفجّع عند العرف الاجتماعي آنذاك، وهو زمان حضور الأئمّة (عليهم السلام)، وهذه الظاهرة يمكن التحقّق منها تاريخيّاً، وإنّ بني العبّاس اتّخذوا السواد شعاراً لهم ذريعةً وحيلةً في أنّه حُزنٌ على مصاب سيّد الشهداء (عليه السلام)، وإنّهم قاموا بعنوان الثأر لسيّد الشهداء، وهو شعار الرضا من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن استغلّوا ذلك للتسلّط على رقاب المؤمنين والمسلمين.

إذاً، تتعاضد هذه الوجوه، وتدفع الريبة في الكراهة، وتؤيّد رجحان لبس السواد حُزناً لأجل مصاب أهل البيت (عليهم السلام).

____________________

(1) الإقبال: 464.

(2) مستدرك الوسائل 3: 234، باب 45 أبواب لباس المصلّي.

(3) ثوب خَز، أو صوف مُعلَم.


والآن نُقدّم - للقارئ الكريم - المزيد من الأدلّة والمؤيّدات على رجحان لبس السواد؛ لإظهار الحزن والأسى على سادات وأئمّة الورى (عليهم السلام):

بعضُ الأدلّة المنقولة في لبس السواد

1- لبسُ الحَسنان السواد على أبيهما بعد شهادته (عليه السلام): عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال: دخلتُ مسجد الكوفة بعد قَتل أمير المؤمنين ورأيتُ الحسن والحسين (عليهما السلام) لابسي السواد(1) .

2- وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وكان قد خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إليهم - إلى الناس بعد شهادة أبيه - وعليه ثياب سود(2) .

3- لبس نسُاء بني هاشم السواد والمسوح حُزناً على سيّد الشهداء (عليه السلام)، كما ورد ذلك في كتاب المحاسن للبرقي، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: لمّا قُتل الحسين بن علي (عليه السلام) لبسنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكينَ من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم)(3) ووجه الدلالة على الاستحباب وعلى رفع الكراهة: هو أنّ ذلك الفعل كان بإمضائه وتقرير الإمام المعصوم (عليه السلام)، إضافةً لدلالة الخبر على أنّ لبس السواد هو من شعار الحزن والعزاء على المفقود العزيز الجليل من قديم الزمان

____________________

(1) مجمعُ الدُرر في المسائل الاثنتي عشر، شيخ عبد الله المامقاني.

(2) شرح نهج البلاغة 16: 22.

(3) المحاسن 2: 402 - وقد دوّنت هذه الرواية في كتب: الكافي، والبحار، والوسائل نقلاً عن كتاب المحاسن.


وسالف العصر والأوان، وكما هو المرسوم اليوم في جميع نقاط العالَم(1).

4- وفي إقبال الأعمال(2) نقلاً عن كتاب (النشر والطيّ) بإسناده عن الرضا (عليه السلام)، أنّه قال - في حديث في فضيلة يوم الغدير -:(وهو يوم تنفيس الكرب ويوم لبس الثياب ونزع السواد).

5- ومثلها رويَ في مستدرك الوسائل عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان الحلّي بإسناده عن أحمد بن إسحاق، عن الإمام العسكري (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضيلة يوم التاسع من ربيع الأول، وأساميه - إلى أن قال - قال (عليه السلام):(ويوم نزع السواد) (3) .

6- ما جرى في الشام على قافلة سيّد الشهداء (عليه السلام)، بعدما أذِن لهم يزيد بالرجوع وطلبوا منه النوح على الحسين (عليه السلام): فلم تبقَ هاشميّة ولا قريشيّة إلاّ ولَبست السواد على الحسين وندبوه(4) .

7- سكينة بنت الحسين ترى الزهراء (عليها السلام) في المنام وهي تندب الحسين وعليها ثياب سود، يذكر ذلك المحقّق النوري في المستدرك حيث تقول سكينة (عليها السلام): (... فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله خلقتهنّ، وزاد في نورهنّ وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها، وعليها ثياب سود، وبيدها قميص مضمّخ بالدم

____________________

(1) راجع كتاب (إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد) للسيّد جعفر الطباطبائي الحائري، تعليق السيّد محمد رضا الحسيني الاعراجي الفحّام ص: 28 - هامش (2).

(2) إقبال الأعمال: 464.

(3) وفيه:(ويوم نزع الأسواد). - وقد أدرجه المجلسي في بحاره نقلاً عن كتاب زوائد الفوائد للسيّد ابن طاووس؛ مستدرك الوسائل 3: 326 - 327.

(4) مستدرك الوسائل 3: 327.


إلى أن ذكرت أنّها كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام)(1) .

8- وفي مقتل أبي مخنف(2) ، عندما أخبر نعمان بن بشير بقتل الحسين (عليه السلام)، فلم يبقَ في المدينة مخدّرة إلاّ وبرزت من خدرها، ولبسوا السواد وصاروا يدعون بالويل والثبور.

9- وروى في الدعائم(3) عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنّه قال:(لا تلبس الحاد - المرأة في حِدادها على زوجها -ثياباً مصبّغة ولا تكتحل ولا تطيّب ولا تزيّن حتّى تنقضي عدّتها، ولا بأس أن تلبس ثوباً مصبوغاً بسواد) ، وقد أفتى بمضمونه الشيخ في المبسوط(4) ، والمحقّق في الشرائع في حداد الزوجة وفي الإيضاح.

10- وروى الصفّار في بصائر الدرجات عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن عيسى بن عبد الله وثابت، عن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:(خطبَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً بعد أن صلّى الفجر في المسجد وعليه قميصة سوداء) ، وذكرَ (عليه السلام) أنّه توفّيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك اليوم(5) .

وفي سيرة ابن هشام(6) : كان على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قميصة سوداء حين اشتدّ به وجعه.

11- وروى الكليني(7) ،

____________________

(1) مستدرك الوسائل 3: 327.

(2) صفحة 222.

(3) 2: 291.

(4) 5: 265 - 264.

(5) بصائر الدرجات: 305 - 304؛ بحار الأنوار 22: 464.

(6) 4: 316.

(7) الكافي 6: 449.


والدعائم(1) بسنده عن سليمان بن راشد، عن أبيه قال: رأيتُ عليّ بن الحسين (عليه السلام) وعليه درّاعة سوداء وطيلسان أزرق.

12- وفي عيون الأخبار وفنون الآثار لعماد الدين إدريس القريشي(2) عن أبي نعيم، بإسناده عن أمّ سلمة رضوان الله عليها، أنّها لمّا بلغها مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ضربت قبّة سوداء في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولبست السواد.

13- وروى المجلسي في البحار(3) فيما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) بعد واقعة كربلاء، إلى أن قال (عليه السلام):(ثُمّ قال الوصيف: يا سكينة، اخفضي صوتكِ فقد أبكيتِ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثُمّ أخذَ الوصيف بيدي فأدخلني القصر، فإذا بخمس نسوة قد عظّم الله تعإلى خلقتهنّ وزاد في نورهنّ، وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها وعليها ثياب سود، بيدها قميص مضمّخ بالدم، وإذا قامت يقمنَ معها، وإذا جلست جَلسن معها، فقلتُ للوصيف: ما هؤلاء النسوة اللاتي قد عظّم الله خلقتهنّ؟

فقال: يا سكينة، هذه حوّاء أمّ البشر، وهذه مريم بنت عمران، وهذه خديجة بنت خويلد، وهذه هاجر، وهذه سارة، وهذه التي بيدها القميص المضمّخ - وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها - هي جدّتك فاطمة الزهراء عليها السلام) الحديث.

14- وروى الشيخ في الغَيبة بسنده إلى كامل بن إبراهيم، أنّه دخلَ على أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، فنظرَ إلى ثياب بياض ناعمة، قال: فقلتُ في نفسي:

____________________

(1) 2: 161.

(2) صفحة 109.

(3) 45: 195.


وليّ الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب، ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله؟

فقال (عليه السلام) متبسّماً:(يا كامل، وحسرَ عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال:هذا لله وهذا لكم) (1) .

15- في كامل الزيارات، بسنده: أنّ المَلَك الذي جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأخبره بقتل الحسين بن علي (عليه السلام) كان مَلَك البحار: وذلك أنّ مَلَكاً من ملائكة الفردوس نزلَ على البحر فنشر أجنحته عليها ثُمّ صاحَ صيحةً وقال:(يا أهل البحار، ألبسوا أثواب الحزن فإنّ فرخ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مذبوح...) (2) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 3: 351؛ بحار الأنوار 50: 253 وج 52: 50.

(2) كامل الزيارات: 67 / ح 3؛ مستدرك الوسائل 3: 327.


الجهةُ الثامنة: ضرورةُ لَعن أعداء الدِين



هناك جهة لاحقة أخرى، وهي: قضيّة لَعن أعداء الدين الواردة في بعض الزيارات والأدعية والمأثور من الأدلّة والروايات، وإدراجها ضمن الخطابة الحسينيّة، أو الشِعر، أو النثر، إذ يثير البعض تساؤلات حول هذه الظاهرة.

وإنّ السبّ واللعن لا يناسب أخلاق المسلم فضلاً عن المؤمن، ويكشف عن الحقد، وهو من الأخلاق الذميمة وليس من الأخلاق الإسلاميّة، وهو انفعال عاطفي حادّ أو حماسي لا تدبّر فيه ولا تفكّر، نظير بعض الإشكالات التي مرّت في البكاء، وقد وردَ في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يوصي أصحابه أن(لا تكونوا سبّابين) .

ولتحرير حقيقة الحال في هذه الإثارات لابدّ من الالتفات إلى أنّ اللعن ليس مطلقاً هو السب، بل ينطبق على اللَعن الابتدائي من دون موجب للّعن، فيكون سبّاً، نظير ما يرتكبه بعض عوام الناس وغير الملتزمين، وأمّا إذا دُعي على شخص بما يستحقّ الدعاء عليه، ونُسب له ما يوجب له أن يُذكر به، فهذا لا يُعدّ سبّاً، بل هو إظهار لإنكار المنكر، ويُعدّ فضيلة، ولا يعدّ سبّاً؛ وإنّما هو نوع من الحالة الطبيعيّة النفسيّة والاجتماعيّة في الفطرة الإنسانيّة أو في مجموع المجتمع، إذ هو تنفّر من المنكر ورفض القبيح، فهل تقبيح القبيح يُعتبر سبّاً؟

وبعبارةٍ أخرى: أنّ من مقتضيات الفطرة الإلهيّة - التي فطرَ الله الناس عليها


لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم -: هو تقبيح القبيح والنفرة منه وتحسين الحسن والانجذاب إليه، وهذه الفطرة الإنسانيّة والعقليّة تُحاذي فريضة وعقيدة التولّي والتبرّي، التولّي لأولياء الله تعإلى والتبرّي من أعدائه، حيث أمرَ بهما في الكثير من الآيات الكريمة كقوله تعإلى:( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) (1) .

وقوله تعإلى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (2) .

وقوله تعإلى:( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (3) .

وقوله تعإلى:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ ) (4).

وقوله تعإلى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) (5) .

وغيرها من آيات التولّي والتبرّي.

وقد قال تعإلى:( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (6) .

وقال تعإلى:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا

____________________

(1) الجاثية: 19.

(2) الممتحنة: 13.

(3) المجادلة: 22.

(4) الممتحنة: 4.

(5) الممتحنة: 1.

(6) الشورى: 23.


والآخِرة ) (1) .

ولا يخفى على اللبيب أنّ الحذر من اللعن لأعداء الله ورسوله هو في الحقيقة تذويب لظاهرة التوليّ والتبرّي، ومسخ لفطرة الحُسن والقُبح؛ لتعود الفطرة والقلب منكوسَين قبال الباطل والضلال، فهذا التحسّس والحذر من اللعن ينطوي على التنكّر لهدى عترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والميل لضلال مخالفيهم، ومن الخطورة البالغة تمكن فيما إذا انتكس القلب ودبّ فيه المرض( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) (2) لعترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم، تقبيح شخص بلا موجِب ومن دون عمل صدر منه يقتضي ذلك يُعتبر سبّاً، أمّا إذا صدرَ منه ما هو قبيح واستنكرنا ذلك القبيح فلا يُعد فعلنا سبّاً وليس بوقيعة، بل هو حالة طبيعة الفطرة وهي إنكار للمنكر، وإنّ إنكار المنكر يُعتبر أمراً صحّيّاً، ويدلّ على بقاء سلامة فطرة وتديّن الإنسان والتزامه باعتقاداته، وأمّا استحسان المنكر وعدم إنكاره - ولو قلباً وهو أضعف الإيمان - فأمر منبوذ شرعاً وعقلاً، ويدلّ على تبدّل لطبيعة الفطرة.

فتقبيح القبيح ليس بسب، أوَ ليس ينبغي أن نتخلّق بالأخلاق والصفات الإلهيّة؟ لاحظ مادّة اللعن في القرآن الكريم، وردت مادّة اللعن في القرآن الكريم ما يقرب من الأربعين مورداً، والنبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أريدَ مدحه يوصف بأنّ خُلقه كان خُلق القرآن، فأفضل ما يتخلّق به الإنسان هو أخلاق القرآن وأخلاق الله عزّ وجل، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى أنّ النهي عن المنكر يُعتبر

____________________

(1) الأحزاب: 57.

(2) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : 29.


من الفرائض الركنيّة في أبواب الفقه، وأدنى مراتبه هو الإنكار القلبي والبراءة القلبيّة من المنكر، والمرتبة الوسطى هو الإنكار اللساني، وهذا الحكم يتعلّق بموضوعه وهو المنكر مطلقاً، سواء كان المنكر السابق أم المنكر الحالي، وهذا يستلزم البراءة من جميع أعداء الله على مرّ الدهور والعصور قلباً ولساناً، ومن أوضح مصاديق إنكار المنكر هو اللعن لأعداء الدين والمناوئين للأنبياء والأولياء والصالحين.

اللعنُ من الآيات القرآنيّة

ومن الآيات في ذلك:

-( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (1) .

هذه الآية هي سنّة من الله على مَن يستحقّ اللعن من جهة، ومن جهة أخرى هي واردة أيضاً فيما نحن فيه في الشعائر الحسينيّة، حيث إنّ قَتَلة الحسين (عليه السلام) آذوا الله ورسوله كما ورد في نصوص الفريقين.

-( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) (2) .

ويحثّ الله عزّ وجل على لعنهم.

-( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا

____________________

(1) الأحزاب: 57.

(2) البقرة: 159.


والآخِرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1) .

وهذه نماذج يسيرة، وإلاّ فالآيات القرآنيّة كثيرة في موضوع اللعن.

وهناك مثالاً قرآنيّاً لعدم التولّي: ففي خطاب لإبليس بعد أن أبى أن يتّبع آدم:( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) هذه الآية هي رمز لعدم الموالاة لدين الله، ولعدم اتّباع حجّة الله، وإبليس كفره ليس كفر إنكار لله عزّ وجل، ولا إنكاراً منه للمعاد؛ إنّما كفره بسبب عدم السجود، فلم يؤنّبه الله بأنّك لم تُقرّ بخليقتي، بل كلّ السور التي تتعرّض لهذه الواقعة فيها ذمّ وتأنيب الله لإبليس على عدم السجود ولعدم الإذعان بإمامة وخلافة وحجيّة آدم،( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ... ) .

فكفرُ إبليس: كفر عدم إقرار بالإمامة وعدم اعتراف بالحجّة الإلهيّة، والواقعة القرآنيّة في بدء الخليقة رمز للإمامة، كما أُشير إلى ذلك في الرواية الواردة في تفسير البرهان، وقد شرحها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة(2) ، أنّ هذه الواقعة كلّها لأجل بيان أمور وأسرار عجيبة يستعرضها القرآن في سبع سِور.

( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) (3) : تدلّ على عدم الخضوع وعلى عدم الموالاة والاتّباع)،( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ

____________________

(1) النور: 23.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: باب 238: 127.

(3) ص: 75.


عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ) ، والذي لا يتولّى وليّ الله له لعنة خاصّة، أمّا مَن يُعادي وليّ الله وخليفة الله وحجّة الله؛ فإنّ الآية الشريفة تُقرّر اللعن الإلهي عليه وطرده من رحمة الله.

وفي سورة الإسراء(1) مثالاً آخر:( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ... ) هذه الرؤية في تفاسير العامّة الروائيّة أيضاً وردَ أنّها رؤية مَن ينزو على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن بألفاظ مختلفة، والمتتبّع فيها يصل إلى أنّ مضمونها هو نفس ما ذكرتهُ روايات الخاصّة في تفسير الآية، وهي الرؤيا التي انزعجَ منها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في اغتصاب الخلافة.

( إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) يعني: أحاط بالأحداث والوقائع التي تمرّ على الناس، والتي ترتبط بأمورهم وبشؤونهم وبمستقبل أفعالهم.

طبيعةُ القرآن: هو بيان الحقيقة من زاوية، أو عن طريق الإشارة كي يسلم القرآن من التحريف، ولو كان القرآن يتضمّن التصريح، أو قريب من التصريح، لحُرِّف وبدِّل من أوّل يوم، لكنّ القرآن الكريم يكنّي ويشير إلى حقيقة قد لا يلتفت لها إلاّ ذوو الألباب( لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) (2) .

-( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ) (3) .

____________________

(1) الآية 60.

(2) ص: 29.

(3) البقرة: 269.


-( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ ) (1) .

-( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) .

يدلّ على أنّ الشجرة وفتنة الناس، يعني أمر يُفتتن به الناس، فالأمر مرتبط بشأن اجتماعي وسياسي، فيظهر من نفس سياق الآية توقّع فتنة.

وهذه الفتنة للناس إشارة إلى السقيفة وما حصل فيها، ثُمّ إنّ آية( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ... ) هي سلالة أغصان وفروع، وهو مُلك بني أميّة تبدأ هذه الشجرة الملعونة بالنموّ على تربة وأساس تلك الفتنة.

تفسير هذه الشجرة الملعونة ليست شجرة نباتيّة، بل( وَنُخَوِّفُهُمْ.. ) ، و(هم) خطاب للعقاب،( فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) .

نفس الألفاظ إذا جُمعت في نفس السياق فإنّنا نحصل على صورة واضحة، لكن دَأب القرآن هو إعطاء الإشارات.

فهذه وغيرها من الآيات العديدة في القرآن التي تدلّ على وجود اللعن وجوازه على أعداء الدين.

____________________

(1) عنكبوت: 43.


الجهةُ التاسعة: العزاءُ والرِثاء سُنّة قرآنيّة



يطرح البعض سؤالاً عن المبرِّر الشرعي والأهداف الدينيّة، وراء تكرار العزاء وإقامة المأتم على سيّد الشهداء (عليه السلام)، وعلى بضعة المصطفى (عليها السلام) كلّ عام مع تطاول المدّة بنحو دائم وندبة راتبة، والحال أنّ الندبة والرثاء على السبط الشهيد (عليه السلام) قد ثبتَ أنّه سنّة إلهيّة تكوينيّة وقرآنيّة إضافة لكونها سنّة نبويّة، وقد أوضحَت الكثير من الكتب والمراجع التاريخيّة والدراسات عدداً من هذه الوجوه.

فالوجهُ الأوّل: وهو السنّة التكوينيّة الإلهيّة، فيشير إليه قوله تعالى في سورة الدخان( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ ) (1) ، تنفي هذه الآية السماء والأرض على هلاك قوم فرعون الظالمين، ممّا يقضي بوجود شأن فعل البكاء من السماء والأرض كظاهرة كونيّة، وإلاّ لمَا كان للنفي معنى محصّل، وقد أشارت المصادر العديدة من كتب العامّة - فضلاً عن كتب الخاصّة - إلى وقوع هذه الظاهرة الكونيّة عند مقتل الحسين (عليه السلام)، من مطر السماء دماً، واحمرارها مدّة مديدة، ورؤية لون الدم على الجدران وتحت الصخور والأحجار في المُدن والبلاد الإسلاميّة، فلاحظ ما ذكرهُ ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الحسين (عليه السلام) بأسانيد متعدّدة:

____________________

(1) الدخان: 29.


بل قد طالعنا أخيراً كتاب باللغة الانجليزيّة اسمه: (ذي أنكلو ساكسون كرونكل)(1) كتبه المؤلِّف سنة 1954، وهو يحوي الأحداث التاريخيّة التي مرّت بها الأمّة البريطانيّة منذ عهد المسيح (عليه السلام)، فيذكر لكلّ سنة أحداثها، حتى يأتي على ذِكر أحداث سنة (685) ميلاديّة، وهي تُقابل سنة (61) هجريّة سنة شهادة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فيذكر المؤلِّف أنّ في هذه السنة مطرت السماء دَماً، أصبح الناس في بريطانيا فوجدوا أنّ ألبانهم وأزبادهم تحوّلت إلى دم(2) ، هذا مع أنّ الكاتب لم يجد لهذه الظاهرة تفسيراً، ولم يُشر من قريب ولا بعيد إلى مقارنة ذلك إلى سنة (61) هـ ق.

وأمّا الوجهُ الثاني: وهو كون ذلك سُنّة قرآنيّة، فهو على نمطين:

الأوّل: إلزام الباري تعالى مودّة أهل البيت (عليهم السلام) على الناس، بل وجَعل هذه الفريضة من عظائم الفرائض القرآنيّة في قوله تعالى:( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (3) حيث جَعل المودّة أجراً على مجموع الرسالة المشتملة على أصول الدين العظيمة، ممّا يُدلّل على كون هذه الفريضة في مصاف أصول الديانة، ثُمّ بيّن تعالى أنّ المودّة لها لوازم وأحكام.

منها: الاتّباع كما في قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ

____________________

(1) لاحظ ص38، وص 35، وص 42 من كتاب ( The Angle - Saxon Chronical )، وقد سجّل الكتاب في مكتبة ( everman.s library ) تحت رقم (624).

(2) وإليك نصّ العبارة باللغة اللاتينيّة:

.685in this year in britain it rained blood and milk and butter were turned into blood.

(3) الشورى: 23.


اللَّهُ ) (1) ، ومنها: الإخبات والإيمان بذلك كما في قوله تعالى:( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ) (2) .

ومنها: الحُزن لحزنهم والفرح لفرحهم كما في قوله:( إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ) (3) ، فبيّن تعالى بدلالة المفهوم: أنّ العداوة مقتضاها الحُزن لفرح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته (عليهم السلام)، والفرح لمصيبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته (عليهم السلام)، فالمحبّة تقتضي الحُزن لمصابهم والفرح لفرحهم، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى:( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ) (4) ، فعلى هذه الدلالة القرآنيّة يكون العزاء وإقامة المأتم والرثاء والندبة على مصاب السبط - بضعة المصطفى، سيّد شباب أهل الجنة، ريحانة الرسول الأمين - من مقتضيات الفريضة العظيمة الخالدة بخلود الدين، وهي مودّة القربى.

الثاني: وهو ما عَقدنا هذا المقال له، وهو: أنّ القرآن قد تضمّن الرثاء والندبة على خريطة وقائمة المظلومين طوال سلسلة أجيال البشريّة، وقد استعرضَ القرآن الكريم ظلاماتهم بدءاً من هابيل إلى بقيّة أدوار الأنبياء والرسل وروّاد الصلاح والعدالة، والجماعات المصلحة المقاومة للفساد والظلم: كأصحاب الأخدود، وقوافل الشهداء عبر تاريخ البشريّة، وحتّى الأطفال المجنيّ عليهم

____________________

(1) آل عمران: 31.

(2) الحجرات: 7.

(3) البراءة: 50.

(4) آل عمران: 120.


نتيجة سُنن جاهليّة كالموؤدة، بل قد رَثى وندبَ القرآن ناقة صالح لمكانتها، ولم يقتصر القرآن على الرثاء والندبة لمَن وقعت عليهم الظلامات، بل أخذ في التنديد بالظالم وبالعتاة الظلمة، وتوعّدهم بالعذاب والنِقمة والبطش، كما سنجده في جملة من الموارد الآتية التي نتعرّض لها في السور القرآنيّة، وهي:

الأُولى: قصّة أصحاب الأخدود، ففي سورة البروج تستهلّ السورة بالقسم الإلهي أربع مرّات:( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) ، وهذا الابتداء بمثابة توثيق للواقعة والحادثة التي يريد الإخبار عنها، وفي هذا منهجاً ودرساً قرآنيّاً يحثّ على توثيق الحادثة أولاً، ثُمّ الخوض في تفاصيلها ورسم أحداثها، ثُمّ تَذكر السورة الخبر الذي وقعَ القَسَم الإلهي على وقوعه بابتداء لفظة( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) ، وهو أسلوب رثاء وندبة وعزاء، نظير قول الراثي: (قُتل الحسين عطشاناً).

كما أنّ توصيفهم بأصحاب الأخدود بيان لكيفيّة القتل التي جرت عليهم، فتواصِل السورة تصوير مسرح الحدث استثارة للعواطف وتهييجها بوصف الأخدود( النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) ، وهو بيان لشدّة سعرة النار التي أُجّجت لإحراقهم، وهو ترسيم لبشاعة الجناية وفظاعتها، ثُمّ يُتابع القرآن الكريم( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) وهو بيان لقطة أخرى من مسرح عمليّات الحادثة التي أوقعها الظالمون على المؤمنين، من إرعابهم وتهديدهم بإجلاسهم على شفير الأخدود المتأجّج أوّلاً، لأجل ممارسة الضغط عليهم للتخلّي عن مبادئهم التي يتمسّكون بها، وفيه بيان لشدّة صلابة المؤمنين مع هذا الإرعاب المتوجّه عليهم، ثُمّ تُتابع السورة( وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) وهذا بيان يُجسّد فوران الشَفقة الإلهيّة على الظلامة والتلهّف على ما يُفعل بالمؤمنين.


ثُمّ تتلو السورة( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) لتبيّن براءة المؤمنين لتركيز شدّة الظلامة، ومن جهةٍ أخرى: تبيّن شدّة صلابة المؤمنين وصمودهم وعلوّ مبدئهم، ثُمّ يبدأ الباري تعالى بتهديد الظالمين والتنديد بهم من موقع المالك للسموات والأرض والشاهد المراقب لكلّ الأمور، ثُمّ يقول تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ *... إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) .

فيُسطّر تعالى قاعدة وسنّة إلهيّة عامّة وهي: الوقوف بصف المظلومين والموجهة قبال الظالمين، وهو بذلك يُربّي المسلمين والمؤمنين - عبر القرآن الكريم - على التضامن مع المظلومين والنفرة والتنديد بالظالمين عبر التاريخ، ويُعلّمهم أن لا يتخاذلوا باللامبالاة، ولا يتقاعسوا بذريعة أنّ هذه الأحداث والوقائع غابرة في التاريخ، بل يحثّ على التضامن والوقوف في صفّ كلّ مظلوم من أول تاريخ البشريّة إلى آخرها، والتنديد بكلّ طاغوت وظالم.

وهذا الجوّ القرآني نراه لا يكتفي من المسلم والقارئ للسورة بالتعاطف وإثارة الأحاسيس تجاه المظلوم، بل يستحثّهما على النفور من الظالم والتنديد به وإن كان زمانه قد مضى في غابر التاريخ، كلّ ذلك لتطهير الإنسان من الذوبان في مسيرة الظالمين، وانجذاباً له مع مبادئ المظلومين، فترى السورة تضمّ إلى إقامة الندبة والرثاء على أصحاب الأخدود والتنديد بقاتليهم،( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ) فتُذكّر قارئ السورة بمسيرة بقيّة ظلامات الظالمين من عصابة جنود فرعون وثمود الذين جَنوا على الأنبياء والصالحين.


فالسورة ابتدأت بالقَسَم على تأكيد وقوع الفادحة وتحسّر في ندبتهم ورثائهم وإظهار العزاء عليهم، وبيان لعظم التنكيل بالمؤمنين وبراءة المؤمنين عن الجرم، ثُمّ توعّد على الانتقام بتصوير مليء بالعبارات المتحرِّكة بُغية إثارة العواطف والأحاسيس الجيّاشة.

ثُمّ إنّ ههنا إلفاتة مهمّة إلى بعض الأمور:

الأوّل: وهي أنّ هذه السورة حيث كانت في أسلوب أدب الرثاء والندبة والعزاء وإقامة المأتم على أصحاب الأخدود، فلابدّ أن يكون قراءة هذه السورة في كيفيّة التجويد بنحو من التصوير البياني والطور الإيقاعي المناسِب لجوّ معاني هذه السورة، وهذه الكيفيّة هي المعروفة بطور الرثاء والنوح، وقد تقرّر في علم التجويد أخيراً ضرورة التصوير والترسيم البياني لجوّ معاني الكلام، فلا يصحّ قراءة القرآن على وتيرة واحدة، بل آيات البشارة بالجنّة والثواب والنعيم تُقرأ بنحو الابتهاج والفرح، وآيات الإنذار والوعيد تُقرأ بكيفيّة الخوف والقشعريرة، وآيات التشريع والأحكام تُقرأ بكيفية التبيين والتعليم، وآيات الحِكمة والمعارف والموعظة تُقرأ بنحو الطور الصوتي المناسِب لجوّ الموعظة والحكمة، فمن ذلك نستخلص: أنّ النوح والترديد الرثائي من ألحان القراءة القرآنيّة لهذه السور المتضمّنة للمراثي.

الثاني: أشارَ الكثير من المفسّرين إلى أنّ القرآن قد نزلَ على: أمثال، ومواعظ، وحِكم، وإنذار، وبشارة، وأحكام ومعارف، وأخبار، وأنباء و...، ولم يشيروا إلى وجود أسلوب وأدب الرثاء والندبة في القرآن الكريم مع أنّه من الفصول المهمّة في الأدب والأسلوب القرآني، حيث سنذكر نموذجاً من بعض قائمة


المراثي والندبة في السور القرآنيّة.

الثالث: أنّ اشتمال الكتاب العزيز في العديد من السور القرآنيّة على المراثي والندبة والعزاء، وهو قرآن يُتلى كلّ صباح ومساء وفي كلّ آن وزمان، وهو عهد الله تعالى إلى خلقه اللازم عليهم أن يتعاهدوه بالقراءة والتدبّر كلّ يوم، ولا سيّما في شهر رمضان الذي هو ربيع القرآن، فيقضي ذلك دعوة القرآن لإقامة الرثاء والندبة والعزاء على ظلامات المظلومين وروّاد الإصلاح الإلهي في البشريّة، في كلّ يوم فضلاً عن كلّ أسبوع، وفضلاً عن كلّ شهر، وكلّ موسم، وكلّ سنة بنحو راتب ودائم، في كلّ قراءة للقرآن وترتيل.

فإذا كانت سنّة القرآن ذلك في ظلامات المظلومين مثل: أصحاب الأخدود، وأتباع الأنبياء، فما ظنّك ببضعة المصطفى (عليها السلام) وريحانة خاتم الأنبياء، وسيّد شباب أهل الجنة لا سيّما مع افتراض أمر القرآن بمودّتهم والحزن لمصابهم، كما تقدّم في النمط السابق؟

الثانية: قصّة يوسف (عليه السلام)، ويعقوب (عليه السلام)، ويستهلّ القرآن الكريم تفصيل أحداث المأساة التي جرت عليهما بقوله تعالى:( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) (1) ، كما يختم كلامه في السورة:( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ... ) (2) ؛ ليُبيّن أنّ ما قصّهُ و سَرَده من فعل يوسف ويعقوب (عليهما السلام) سُنّة تستنّ بها هذه الأمّة، ويبدأ الحديث عن ظلامة يوسف (عليه السلام) وهو في سنٍّ يافع ناعم الأظفار

____________________

(1) يوسف: 7.

(2) يوسف: 111.


بقوله:( فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ) فيرسم للقارئ مسرح الحدث بتعصّبهم وتجمّعهم على الطفل الصغير؛ ليلقوه في أعماق البئر( غَيَابَتِ الْجُبِّ ) ، هذا كلّه لبيان فظاعة فعلهم وأنّهم ألقوه في أعماق الجُبّ، وهذا نظير قوله تعالى:( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) .

وعلى غرار هذا التعبير الرثائي، ما استعملهُ شاعر أهل البيت (عليهم السلام) دعبل الخزاعي بقوله: (أفاطمُ لو خِلتِ الحسين مُجدّلاً) وهو نحو من تهييج العاطفة ليعيش السامع والقارئ الحالة المأساويّة وكأنّها تتجسّد أمامه، ثُمّ يقول تعالى في ذيل التصوير الأول:( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) حيث تُبيّن مدى شدّة القساوة الجارية على يوسف (عليه السلام) وهو في نعومة أظفاره، وإنّ العناية الإلهيّة لا تتركه من دون لطفها، وتُتابع السورة آثار المصيبة على يعقوب (عليه السلام)( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) ، فتُبيّن أنّ الجزع والندبة قد اشتدّا بالنبي يعقوب (عليه السلام) إلى حدّ إصابة عينيه بالعَمى، وقد اشتدّ حزنه وشكواه إلى الله تعالى إلى درجة اتّهام أبنائه بالخلل في عقله أو بدنه وهو معنى الحرض، والبثّ شدّة الحزن، وهذا دليل على أنّ الجزع من فعل الظالمين ممدوح، وإنّما الجزع من قضاء الله وقدره هو المذموم، وأمّا اللواذ والالتجاء إلى الله تعالى في الجزع والشكوى والبثّ والحزن فهذا ممدوح وهو تنفّر من الظالمين.

الثالثة: قصّةُ قَتل الأنبياء وقد ندّد القرآن الكريم واستنكرَ قتلهم فيما يقرب


من تسعة مواضع منها:( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) ، وقال:( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (2) كما في البقرة 61 - 91، وآل عمران 21 - 112، والمائدة 70 - 81 - 183، والنساء 155، وكذلك ندّد القرآن بقتل روّاد الإصلاح الإلهي في البشريّة:( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) .

الرابعة: ما في سورة التكوير:( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (4) ، وهذه ندبة قرآنيّة للمولودة التي تُقتل في زمن الجاهليّة نتيجة السُنن العرفيّة الجاهليّة الظالمة، ويتبيّن في هذا الأسلوب الرثائي كيفيّة مسرح الجناية بدفن الوليدة وهي حيّة في التراب مع كمال براءتها.

الخامسة: عزاء الشهداء في سبيل الله تعالى:( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) (5) .

السادسة: قصّةُ هابيل وجريمة قتله من قِبل قابيل، بقوله:( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ... فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (6) ، فيُبيّن البراءة في جانب هابيل والوحشيّة والقساوة في جانب قابيل، فالبيان يُصوّر شدّة الأحاسيس من الطرفين أثناء التحام الطرفين في

____________________

(1) البقرة: 91.

(2) البقرة: 61.

(3) آل عمران: 21.

(4) التكوير: 8، 9.

(5) البقرة: 154.

(6) المائدة: 28 - 30.


الحدث، إلاّ أنّ التهاب أحاسيس هابيل مملوءة بالصفاء والإحسان، وأحاسيس قابيل مشحونة بالعدوان والتجاوز لمقتضيات الفطرة.

السابعة: ما ارتكبه فرعون وهامان من طغيان واستكبار في الأرض:( يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ) (1) ، وقوله سبحانه:( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) (2) .

الثامنة: ناقة صالح في سورة الشمس:( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ) (3) ، فبيّن طغيان ثمود وإنّ الذي ارتكبَ الجريمة هو الأشقى من قوم ثمود، وبيّن حُرمة الناقة بإضافتها إلى ذاته المقدّسة مع كونها ناقة صالح، ثُمّ صوّر بإحساسٍ ملتهب عمليّة الجناية من المعتدي بأنّه قام بعمليّة العقر، واللفظ يُبيّن قساوة الفعل، والسورة تُسند الفعل إلى قوم ثمود كلِّهم لرضاهم بذلك، كما سبقَ أن وصفَ المعتدي بالشقاء البالغ غايته، ثُمّ بيّنَ بجانب وقوفه بصف المظلوم وتضامنه معه تنديده للظالم وانبعاث الغضب والنقمة الإلهيّة العاجلة وسخطهُ الشديد عليهم، فلم يكتفِ برثاء المظلوم، بل قَرنهُ بشجب الظالم والإنكار عليه، بل وإدانة قوم ثمود لموقفهم المتفاعِل تأييداً للجريمة.

فإذا كان موقف القرآن من ناقة صالح يُبدي مثل هذا التضامن معها وهي دابّة وآية إلهيّة، ويُدين ظلم قوم ثمود لها، فبالله عليك، ما هو موقف القرآن الكريم

____________________

(1) القصص: 4.

(2) إبراهيم: 6، البقرة: 49.

(3) الشمس: 11 - 15.


من سبط سيّد النبيّين وأشرف السفراء المقرّبين وسيّد شباب أهل الجنة؟ وإذا كان القرآن يدعونا إلى تلاوة الندبة والرثاء على ناقة صالح والظلامة الحادثة، بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة تتلقّى منه البشريّة دروساً من التربية، ويحثّنا على إقامة هذه الندبة وعلى التنديد بمرتَكبي تلك الظلامة، فكيف بك بالظلامة المرتكبة ضدّ سيّد شباب أهل الجنة، ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وما يُمثّله من مبادئ وأصول للدين الحنيف متجسّدة فيه.

وهذه نبذة من الندبة والمراثي التي تصدّى القرآن الكريم لاستعراضها وإقامتها في السور القرآنيّة، بأسلوب وأدب الرثاء والعزاء ونحو ذلك من أساليب الندبة الهادفة المطلوبة لإحياء المبادئ، المتمثّلة في الذين وقعت عليهم تلك الظلامات من أجل أنّهم يحملون تلك المبادئ ويسعون لإقامتها وبنائها.

فنستخلص: أنّ الندبة والرثاء الراتب سُنّة قرآنيّة يمارسها القارئ، والتالي، والمرتّل لكتاب الله العزيز، وهي مجلس من المجالس المُقامة في أندية القرآن الكريم.

وأمّا الوجه الأخير: وهو كون العزاء والمأتم على سيّد الشهداء (عليه السلام) سُنّة نبويّة أيضاً، فقد كُتب في بيانه جملة من الأعلام، نذكر - على سبيل المثال لا الحصر - ما أشار إليه العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه (سيرتنا وسنّتنا)، (سيرة النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وسنّته) في اثني عشر مأتماً ومجلساً عَقدهُ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لندبة الحسين (عليه السلام)، وهو يافع في نعومة أظفاره في مَلأ من المهاجرين والأنصار في المسجد تارةً، وأخرى في بيته مع بعض زوجاته، وثالثة مع بعض خواصّه، وقد نَقل تلك الوقائع المتكرّرة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الكثير من الحفّاظ وأئمّة الحديث في مسانيدهم، والمؤرّخين أصحاب


السيَر في كُتبهم، منهم: أحمد بن حنبل في مسنده، والنسائي والترمذي في سُننهما، وغيرهم وابن عساكر في تاريخه، وغيرهم، فلاحِظ ثمّة ما كتبهُ العلاّمة الأميني(1) ، وكذلك ما كتبهُ العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين (المأتم الحسيني مشروعيّته وأسراره).

ومِسكُ الختام لبحث الشعائر الحسينيّة، نذكر ما كتبهُ العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه سيرتنا وسنّتنا، حول المآتم التي أقامها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على سبطه سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، من خلال الفصل الآتي.

____________________

(1) وسيأتي هذا الفصل في آخر الكتاب ص: 411 تحت عنوان مسك الختام.


مِسكُ الخِتام



أحصى العلاّمة الأميني (قدِّس سرّه) في كتابه الشريف (سيرتنا وسنّتنا) عشرين مأتماً، أقامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، كلّ مأتم بأسانيد عديدة من كُتب صِحاح وحديث أهل السُنّة والجماعة باسطاً البحث عن صحّة أسانيدها من كتب الجرح والتعديل لديهم.

وإليك جرداً ببعض تلك القائمة:

1 - مأتمُ الميلاد: ما أخرجه الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي، والحافظ الخوارزمي، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العُقبى ص 119، والحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسين السبط (عليه السلام) في تاريخ دمشق.

2 - مأتمُ الرضوعة: أخرجه الحافظ الحاكم النيسابوري في المستدرك 3: 176 وص 179، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ الخوارزمي 1: 158 - 159 وص 162، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ص 154، وابن حجر في الصواعق ص 115، والنسائي في الخصائص الكبرى 2: 125، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223.

3 - مأتمُ رأس السنة: أخرجه الحافظ الخوارزمي في مقتل الإمام السبط


الشهيد 1: 163.

4 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة، أمّ المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم، والحافظ الهيثمي في المجمع 9: 189، والحافظ ابن عساكر في تاريخه.

5 - مأتمٌ آخر في بيت أمّ سلمة، أمّ المؤمنين بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين السبط (عليه السلام)، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ الكنجي في الكفاية ص 279، والحافظ الخوارزمي في المقتل ص 170، ومحبّ الدين الطبري في كتاب ذخائر العُقبى ص 147، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 42، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 189، والقسطلاني في المواهب اللدنيّة 2: 195، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 125، والشيخاني المدني في الصراط السوي ص 93، والسيّد القراغولي في جوهرة الكلام ص 120، والحافظ الزرندي في نظم الدُرر ص 215.

6 - مأتمٌ آخر في بيت السيّدة أمّ سلمة بنعي مَلك المطر: أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 3: 242 في باب مسند أنس بن مالك، وأيضاً في 3: 265، والحافظ أبو يعلى في مسنده، والحافظ أبو نعيم في الدلائل 3: 202، والحافظ الطبراني في الجزء الأوّل في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين السبط (عليه السلام)، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة في باب إخبار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل الحسين، والفقيه ابن المغازلي الواسطي في المناقب، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ


المحبّ الطبري في ذخائر العقبى ص 146 - 147، عن البغوي في معجمه، وأبي حاتم في صحيحه، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والحافظ العراقي في طرح التقريب، والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 187 - 190، والقرطبي في مختصر التذكرة ص 119، والحافظ ابن حجر في الصواعق ص 115، والحافظ الترمذي في كتاب أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل شرح كتاب الشمائل، وأبو الهدى في ضوء الشمس 1: 97 - 98، والحافظ القسطلاني في المواهب 2: 195، والسيوطي في الخصائص 2: 125، والشيخاني في الصراط السوي، والقراغولي في جوهرة الكلام ص117، وعماد الدين العامري في شرح بهجة المحافل 2: 236، والخوارزمي في مقتل الحسين 1: 162.

7 - مأتمٌ في بيت عائشة بنعي جبرئيل (عليه السلام): أخرجه الحافظ ابن البرقي، والسيّد محمود المدني في الصراط السوي، والطبراني في المعجم في ترجمة الحسين، وأبو الحسن الماوردي في أعلام النبوّة ص 83 الباب 12، وابن سعد في الطبقات الكبرى، وابن عساكر في تاريخه، والحافظ الدار قطني في الجزء الخامس في عِلل الحديث، والخوارزمي في المقتل 1: 159، والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9: 187 - 188، وابن حجر في الصواعق ص 115، والسيوطي في الخصائص 2: 125 - 126، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223، والقراغولي في جوهرة الكلام ص 117.

8 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ عبد الرزّاق الصنعاني في مصنّفه، وابن عساكر في تاريخه، والمحبّ الطبري في ذخائر العُقبى


ص 147، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة ص 154، وأبو المظفّر السبط في التذكرة ص 142، والشيخاني المدني في الصراط السوي ص 94، والقراغولي في جوهرة الكلام ص 117.

9 - مأتمٌ في بيت السيّدة زينب بنت جحش أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن عساكر في تاريخه، والهيثمي في المجمع 9: 188، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223.

10 - مأتمٌ في بيت أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير لدى ترجمة الحسين (عليه السلام)، والزرندي في نظم الدُرر ص 215، والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 188 - 189، والمتّقي الهندي في كنز العمّال 6: 223، والشيخاني المَدني في الصراط السوي ص 49.

11 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير، والحافظ الحاكم النيسابوري في المستدرك 4: 398، والحافظ البيهقي في دلائل النبوّة، وابن عساكر في تاريخه، والحافظ محمد بن أحمد المقدّسي الحنبلي في (صفات ربّ العالمين).

12 - مأتمٌ في بيت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين: أخرجه الحافظ ابن أبي شيبة في المصنّف ج 12، والطبراني في المعجم الكبير في ترجمة الإمام السبط الشهيد (عليه السلام).

13 - مأتمٌ في بيت عائشة بنعي مَلكٍ ما دخلَ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قط: أخرجه الطبراني في المعجم في ترجمته (عليه السلام)، وأحمد بن حنبل في مسنده 6: 294


بإسناده عن عائشة أو أمّ سلمة، والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 41، والهيثمي في المجمع 9: 187، وابن حجر في الصواعق ص115، والسيّد محمود المَدني في الصراط السوي.

14 - مأتمٌ في بيت عائشة: أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، والحافظ ابن عساكر في تاريخه.

15 - مأتمٌ في دار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أخرجه النسّابة العبيدلي العقيقي في أخبار المدينة، والسيّد محمود الشيخاني في الصراط السوي، والحافظ الخوارزمي في المقتل 2: 167.

16 - مأتمٌ في مَجمع الصحابة: أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير، والحافظ ابن عساكر في تاريخه، والسيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6: 223، والخوارزمي في المقتل ص 160 - 161.

17 - مأتمٌ في حَشدٍ من الصحابة: أخرجه ابن أبي شيبة المجلّد الثاني عشر في المصنّف، والحافظ ابن ماجة في السُنن 2: 518 في باب خروج المهدي، والحافظ العقيلي في ترجمة يزيد بن أبي زياد، والحاكم في المستدرك 4: 464، والحافظ أبو نعيم الإصبهاني في أخبار أصبهان 2: 12، والطبراني الجزء الثالث في المعجم الكبير.

18 - مأتمٌ في دار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العُقبى ص 148.

19 - مأتمٌ في كربلاء أقامهُ أبو الشهيد أمير المؤمنين: أخرجه أحمد بن حنبل


في مسنده 2: 60 - 61، وابن أبي شيبة في المصنّف ج 12، وابن سعد في الطبقات، والطبراني في الجزء الأوّل في المعجم الكبير، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن عساكر في تاريخه، والفقيه ابن المغازلي في المناقب، والحافظ ضياء الدين المقدّسي في المختارة، والخوارزمي في المقتل 1: 170، والسبط أبو المظفّر في تذكرة الأمّة ص 142، ومحبّ الدين الطبري في ذخائر العُقبى ص 148، وابن كثير في تاريخ الشام، والسيوطي في جمع الجوامع 6: 223، وفي الخصائص 2: 126، وفي الجامع الصغير 1: 13.

والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 187، وابن حجر في الصواعق ص 115، والسيّد محمود الشيخاني في الصراط السوي ص 93، والسيّد القراغولي الحَنفي في جوهرة الكلام ص 118، والشربيني في السراج المنير شرح الجامع الصغير 1: 68، والحفيني في حاشيته 1: 68، والمنّاوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 204، وأحمد محمد شاكر في شرح مسند أحمد 2: 60، ونصر بن مزاحم في كتاب صفّين ص 158، وابن كثير في البداية والنهاية 8: 199، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 278، والسيوطي في الخصائص 2: 126 وغيرها.

20 - مأتمٌ يوم عاشوراء: أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1: 283، والطبراني في الجزء الأوّل من المعجم الكبير، والبيهقي في دلائل النبوّة وفي باب رؤية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، والحاكم في المستدرك 4: 397، والحافظ الخطيب في تاريخ بغداد 1: 142، وأبو عمرو في الاستيعاب 1: 144، وابن عساكر في تاريخه 4: 340، والحافظ العراقي في طرح التقريب 1: 42، وابن الأثير في أُسد


الغابة 2: 22، والأصبهاني في سير السلف، والزرندي في نظم الدُرر ص 217، والكنجي في الكفاية ص 210، والحافظ الترمذي في الجامع الصحيح 13: 193، والحاكم في المستدرك 4: 19، والبيهقي في دلائل النبوّة باب رؤيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن الأثير في جامع الأصول، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 126، وغيرها كثير جدّاً.

وبسرد هذه الرسالة الشريفة، نصل إلى آخر صفحة من طيّات هذا الكتاب (الشعائر الحسينيّة بين الأصالة والتجديد) والحمدُ لله ظاهراً وباطناً، وأوّلاً وآخراً، والصلاة على محمّد وآله الميامين.



مُلحق:

فتوى الإمام النائيني (قدِّس سرّه) حول الشعائر الحسينيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى البصرة وما والاها:

بعد السلام على إخواننا الأماجد العظام أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.

قد تواردت علينا في (الكرّادة الشرقيّة) برقياتكم وكُتبكم المتضمنّة للسؤال عن حُكم المواكب العزائيّة وما يتعلّق بها، إذ رجعنا بحمده سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها فنحن نحرّر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:

الأولى: خروج المواكب العزائيّة في عشرة عاشوراء - ونحوها إلى الطرق والشوارع - ممّا لا شبهة في جوازه ورجحانه، وكونه من أظهر مصاديق ما يُقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينيّة إلى كلّ قريب وبعيد، لكنّ اللازم


تنزيه هذا الشعار العظيم عمّا لا يليق بعبادة مثله من غناء، أو استعمال آلات اللهو والتدافع في التقدّم والتأخّر بين أهل محلَّتين، ونحو ذلك، ولو اتّفق شيء من ذلك، فذلك الحرام الواقع في البين هو المحرّم، ولا تسري حُرمته إلى المواكب العزائي، ويكون كالناظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة في عدم بطلانها.

الثانية: لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدّ الاحمرار والاسوداد، بل يقوي جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور، إلى الحد المذكور، بل وإن تأدّى كلّ من اللطم والضرب إلى خروج دم يسير على الأقوى.

وأمّا إخراج الدم من الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً، وكان من مجرّد إخراج الدم من الناصية بلا صدمة على عظمها ولا يتعقّب عادة بخروج ما يضرّ خروجه من الدم، ونحو ذلك، كما يعرفه المتدرّبون العارفون بكيفيّة الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة، ولكن اتّفق خروج الدم قدر ما يضرّ خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمَن توضّأ أو اغتسلَ أو صام آمناً من ضرره ثُمّ تبيّن ضرره منه، لكنّ الأولى، بل الأحوط، أن لا يقتحمه غير العارفين المتدرّبين ولا سيّما الشبّان الذين لا يُبالون بما يوردون على أنفسهم لعظم المصيبة، وامتلاء قلوبهم من المحبّة الحسينيّة، ثبّتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

الثالثة: الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإماميّة باتّخاذها، لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء منذ قرون وإن تضمّنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنّا وإن كنّا مستشكلين سابقاً في جوازه وقيّدنا جواز التمثيل في الفتوى الصادرة منّا قبل أربع سنوات لكنّا لما


راجعنا المسألة ثانياً اتّضح عندنا أنّ المُحرّم من تشبيه الرجل بالمرأة: هو ما كان خروجاً عن زي الرجال رأساً وأخذاً بزي النساء، دونما إذا تلبّس بملابسها مقداراً من الزمان بلا تبديل لزيّه كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على العروة الوثقى.

نعم، يلزم تنزيهها أيضاً عن المحرّمات الشرعيّة، وإن كانت على فرض وقوعها لا تسري حرمتها إلى التشبيه، كما تقدّم.

الرابعة: الدمّام المُستعمل في هذه المواكب ممّا لم يتحقّق لنا إلى الآن حقيقته، فإن كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع، وتنبيه الراكب على الركوب وفي الهوسات العربيّة ونحو ذلك، ولا يُستعمل فيما يُطلب فيه اللهو والسرور، وكما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف فالظاهر جوازه، والله العالِم.

5 ربيع الأول سنة 1345 هـ

حرّره الأحقر

محمد حسين الغروي النائيني(1)

وبعد أن صدرت هذه الفتوى القيّمة من آية الله العظمى النائيني، عُرضت على بقيّة العلماء الأعلام فعلّقوا عليها بما يلي(2) :

____________________

(1) فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينيّة: 21 - 24.

(2) تقرأ هذه التعليقات في كتاب فتاوي علماء الدين حول الشعائر الحسينيّة: 25 - 36.


(1) الإمام الشيرازي (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له الإمام آية الله العظمى

السيّد ميرزا عبد الهادي الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

ما ذكرهُ قدِّس سره، في هذه الورقة، صحيح إن شاء الله تعالى.

الأقل

عبد الهادي الحسيني الشيرازي

(2) الإمام الحكيم (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة الإمام المجاهد آية الله العظمى

السيّد محسن الحكيم الطباطبائي

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد

ما سطرهُ أستاذنا الأعظم (قدِّس سرّه) في نهاية المتانة، وفي غاية الوضوح بل هو أوضح من أن يحتاج إلى أن يُعضد بتسجيل فتوى الوفاق، والمظنون أنّ بعض المناقشات إنّما نشأت من انضمام بعض الأمور من باب الاتّفاق التي ربّما تنافي مقام العزاء ومظاهر الحزن على سيّد الشهداء (عليه السلام)، فالأمل بل اللازم والاهتمام بتنزيهها عن ذلك، والمواظبة على البكاء والحزن من جميع مَن يقوم بهذه الشعائر المقدّسة، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلتُ وإليه أُنيب.

2 محرّم الحرام 1367

محسن الطباطبائي الحكيم


(3) الإمام الخوئي (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة الإمام آية الله العظمى

الحاج السيّد أبو القاسم الخوئي

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفادَ شيخنا الأستاذ (قدِّس سرّه) في أجوبته هذه عن الأسئلة البصريّة هو الصحيح، ولا بأس بالعمل على طبقه، ونسأل الله تعالى أن يوفّق جميع إخواننا المؤمنين لتعظيم شعائر الدين والتجنّب عن محارمه.

الأحقر

أبو القاسم الموسوي الخوئي

(4) الإمام الشاهرودي (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة آية الله العظمى

الإمام السيّد محمود الشاهرودي

بسم الله الرحمن الرحيم

ما حرّره هنا شيخنا العلاّمة قدّس الله تربته الزكية، من الأجوبة عن المسائل المندرجة في هذه الصحيفة هو الحقّ المحقّق عندنا، ونسأل الله أن يوفّقنا وجميع المسلمين لإقامة شعائر مذهب الإماميّة، والرجاء من شبّان الشيعة، وفّقهم الله تعالى، أن يُنزّهوا أمثال هذه الشعائر الدينيّة من المحرّمات التي تكون غالباً سبباً لزوالها، إنّه وليّ التوفيق.

30 ذي الحجّة الحرام سنة 1366 هـ

محمود الحُسيني الشاهرودي


(5) آية الله المظفّر (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله

الشيخ محمد حسن المظفّر

بسم الله وله الحمد

ما أفاد (قدّس الله سرّه) صحيح لا إشكال فيه، والله الموفّق.

محمد حسن بن الشيخ

محمد المظفّر

(6) الإمام الحمّامي (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله العظمى

السيّد حسين الحمّامي الموسوي

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به الشيخ (قدّس الله سرّه) صحيح شرعاً إن شاء الله تعالى.

الأحقر

حسين الموسوي الحمامي

(7) الإمام كاشف الغطاء (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله المُصلح

الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفاده (أعلى الله مقامه) من ذِكر فتاواه صحيح إن شاء الله.

محمد الحسين آل كاشف الغطاء


(8) الإمام الشيرازي (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله العظمى

الشيخ محمد كاظم الشيرازي

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به أعلى الله مقامه صحيح.

الأحقر

محمد كاظم الشيرازي

(9) الإمام الكلبايكاني (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله

السيّد جمال الدين الكلبايكاني

بسم الله الرحمن الرحيم

ما حرّره شيخنا الأستاذ (أعلى الله مقامه) في هذه الورقة صحيح ومطابق لرأيي.

الأحقر

جمال الدين الموسوي الكبايكاني

(10) آية الله المرعشي

ترجمة نصّ ما صرّح به آية الله السيّد كاظم المرعشي (مدّ ظله)، في تعليقه على استفتاء حول ما أفتى به سماحة آية الله النائيني (قدِّس سرّه) فيما يرتبط بإقامة الشعائر الحسينيّة:


بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به سماحة الأستاذ المحقّق المرحوم آية الله العظمى النائيني (قدِّس سرّه الشريف)، في رجحان وجواز إقامة عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بصورها المختلفة، في أعلى مراتب الصحّة، ولا يشوبه شك ولا ترديد إلاّ من أعداء الدين، وإغواء الشياطين، وعلى محبّي أهل البيت ومواليهم وشيعتهم، أن لا يقعوا عرضة لهذه التسويلات، بل عليهم أن يشتدّوا في مقابل ذلك حماساً ونشاطاً في إقامة الشعائر الحسينيّة، وخصوصاً مجالس التعزية والقراءة، فإنّها توجِب الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.

والله هو الهادي إلى الطريق المستقيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

1 شعبان المعظّم 1401 هـ

سيّد كاظم المرعشي

(11) وآية الله المرعشي

ترجمة نصّ ما تفضّل به سماحة آية الله السيّد مهدي المرعشي (مدّ ظله)، من الجواب على استفتاء حول ما أفتى به آية الله النائيني (قدِّس سرّه) فيما يتعلّق بإقامة الشعائر الحسينيّة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إقامة عزاء سيّد الكونين أبي عبد الله الحسين (روحي وأرواح العالمين له الفداء) فرع مضيء من الأنوار الملكوتيّة، وشعار مبارك من الشعائر الإلهيّة.

وقد أثبتَ التاريخ: أنّ مذهب التشيّع هو المذهب الوحيد من بين المذاهب الإسلاميّة، الذي استطاع عَبر إقامة الشعائر الحسينيّة من تحكيم موقعيّة الدين


الإسلامي المبين، والترويج لأحكام سيّد المرسلين، ونشر المذهب الجعفري وإيصال صداه إلى العالَم الإسلامي، وإحياء القسط والعدل، وإدانة الظلم والعدوان، وإبادة المفسدين والظالمين وأعوانهم في القرون الماضية، وكذلك في الحاضر وسيظل ويبقى في القرون الآتية.

وإنّ ما أفاده الأستاذ آية الله سماحة آية الله العظمى الحاج ميرزا حسين النائيني (قدِّس سرّه) في هذا المجال، إنّما هو في الحقيقة نفحة من نفحات الرحمان، فقد صدرَ من أهله ووقعَ في محلّه.

وعلى المؤمنين أن يسعوا غاية جهدهم في متابعة ما أفتى به سماحته، وتطبيقه كاملاً وبحذافيره، دون أي تقصير.

والسلام على مَن اتبعَ الهدى.

9 شعبان المعظّم 1401 هـ

سيّد مهدي المرعشي

(12) آية الله المَدد (قدِّس سرّه)

نصّ ما كتبهُ سماحة المغفور له آية الله

السيّد علي مَدد الموسوي القايني

بسم الله الرحمن الرحيم

ما رقّمهُ الأستاذ الأعظم (طاب ثراه) هو الحقّ الذي لا يشكّ فيه إلاّ المُرتابون.

الأحقر الجاني

علي مَدد القايني


(13) آية الله النوري

ترجمة نصّ ما أجابَ به آية الله الشيخ يحيى النوري (مدّ ظله) من طهران، في سؤال عن نظره بالنسبة إلى فتوى آية الله النائيني (قدِّس سرّه) فيما يتعلّق بإقامة الشعائر الحسينيّة:

بسم الله الرحمن الرحيم

ما أفتى به أستاذ الفقهاء والمجتهدين، المرحوم آية الله النائيني (أعلى الله مقامه) هي فتوى جامعة ومقبولة.

25 / ذي حجة الحرام / 1397 هجريّة

العبد يحيى النوري


فهرسُ المصادر

1. أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الوزازي الجصّاص - دار الكتب العلميّة بيروت 1415.

2. إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد للسيّد جعفر الطباطبائي الحائري - المطبعة العلميّة - قم - ط الأولى 1404 هـ.

3. إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر - الطبعة الحجريّة، طهران، 1320 هـ.

4. الاحتجاج لأحمد بن علي الطبرسي، تحقيق السيّد محمد باقر الخرسان - دار النعمان للطباعة والنشر.

5. الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد للشيخ المفيد - دار المفيد.

6. الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد للشيخ الطوسيّ - مطبعة خيّام - قم.

7. الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني عليّ بن الحسين - دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1383 هـ.

8. البداية والنهاية للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي - دار إحياء التراث العربي - ط الأولى 1408 هـ.

9. البيان والتبيين للجاحظ - دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1968 م.

10. الحدائق الناضرة للمحقّق يوسف البحراني - جماعة المدرّسين - قم.


11. الدروع الواقية لابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر - مؤسّسة آل البيت - قم.

12. الصِحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حمّاد الجوهري - دار العِلم للملايين - ط الرابعة - بيروت.

13. الصراط المستقيم للبيّاضي العاملي علي بن يونس العاملي - المكتبة المرتضويّة، ط الأولى 1384 هـ.

14. الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي، مكتبة القاهرة - القاهرة، ط الثانية 1385 هـ.

15. العروة الوثقى للسيّد اليزدي - مؤسّسة الأعلمي بيروت - ط الثانية 1409 هـ.

16. العقل العملي للشيخ محمّد السند - مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر - 1418 هـ.

17. العوالم للشيخ عبد الله البحراني - مطبعة أمير - قم ط الأولى 1408.

18. الغارات لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، تحقيق السيّد جلال الدين المحدِّث - مطبعة بهمن - قم -.

19. الفصول المختارة للشيخ المفيد - دار المفيد - بيروت - ط الثانية 1414 هـ - 1993 م.

20. القاموس المحيط للفيروز آبادي - دار العلم للجميع - بيروت.

21. اللهوف في قتلى الطفوف للسيّد علي بن موسى بن طاووس الحسيني - مطبعة مهر - قم (1417 هـ).

22. المحاسن لأحمد بن محمد بن خالد الرقي، تحقيق السيّد جلال الدين الحسيني - دار الكتب الإسلاميّة.

23. المعجم الكبير لسليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي، الطبراني - دار إحياء التراث العربي - ط الثانية.

24. المنطق للشيخ محمد رضا المظفّر - مطبعة النعمان - النجف 1388 هـ.

25. النصّ والاجتهاد للسيّد عبد الحسين شرف الدين - مطبعة سيّد الشهداء قم، ط الأولى 1404 هـ.

26. النوادر لقطب الدين الراوندي - دار الحديث - ط الأولى 1407 هـ.


27. أبواب الجنان للشيخ خضر بن شلاّل - طبعة النجف الأشرف.

28. أُسد الغابة للجزري المعروف بابن الأثير - انتشارات إسماعيليّان - طهران.

29. أصول الكافي للكليني - دار الكتب الإسلاميّة - ط الثالثة 1388 هـ.

30. أمالي الصدوق لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - مؤسّسة البعثة - قم - ط الأولى 1417 هـ.

31. بحار الأنوار محمد باقر المجلسي - مؤسّسة الوفاء بيروت - ط الثانية 1403 هـ 1983 م.

32. بصائر الدرجات للصفّار محمد بن الحسن بن فرخ، مطبعة الأحمدي - طهران 1402 هـ.

33. تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري، مؤسّسة الأعلمي - بيروت.

34. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - دار الفكر 1415 هـ.

35. تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - دار إحياء التراث 1405 هـ.

36. تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي - مؤسّسة دار الكتاب - قم، ط الثالثة 1404 هـ.

37. تفسير مجمع البيان لأمين الإسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي - مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - ط الأولى 1415 هـ.

38. تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني - دار الفكر - ط الأولى 1404 هـ.

39. تهذيب الكمال لأبي الحجّاج يوسف المزّي - مؤسّسة الرسالة ط الرابعة 1406 هـ.

40. ثواب الأعمال للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، منشورات الرضي - قم، ط الثانية 1412 هـ.

41. جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن حرير الطبري - دار الفكر بيروت - ط أولى 1415 هـ.

42. جامع الشتات للميرزا أبو القاسم القمّى - مؤسّسة كيهان - ط الأولى 1413 هـ.

43. جمهرة خُطب العرب لأحمد زكي صفوت.

44. جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي - دار الكتب الإسلاميّة - ط الثالثة - 1409 هـ.


45. حاشية السيّد اليزدي على رسالة الشيخ جعفر التستري - طبعة حجريّة قديمة - طهران.

46. حُلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني دار الكتب العربيّة - بيروت، ط الرابعة 1405 هـ.

47. ذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري - مكتبة القدسي، 1356 هـ.

48. رسائل المرتضى - دار القرآن - 1405 هـ.

49. روضة الواعظين لمحمّد بن الفتّال النيسابوري - منشورات الرضي - قم.

50. زاد المسير في علم التفسير لأبى الفرج جمال الدين عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي - دار الفكر 1407 هـ.

51. سُنن ابن ماجة (محمد بن يزيد القزويني) - دار الفكر، بيروت.

52. سيرتنا وسُنّتنا، الشيخ الأميني، دار الغدير.

53. شرح مسند أبي حنيفة للملاّ علي القاري - دار الكتب العلميّة - بيروت.

54. صحيح البخاري - محمد بن إسماعيل البخاري - دار الفكر بيروت.

55. عدّة الداعي لابن فهد الحلّي، تحقيق أحمد الموحدي القمّي - مكتبة الوجداني - قم.

56. عِلل الشرايع للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف، 1386 هـ.

57. عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق، أبى جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - مؤسّسة الأعلمي بيروت، ط الأولى 1404 هـ.

58. فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينيّة - مؤسّسة المنبر الحسيني - بيروت.

59. فرائد الأصول للشيخ مرتضى الأنصاري - مَجمع الفكر الإسلامي - قم 1419.

60. كامل الزيارات للشيخ جعفر بن محمد بن قولويه - مؤسّسة النشر الإسلامي - الأولى 1417 هـ.

61. كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي - مؤسّسة دار الهجرة - ط الثانية 1409.

62. كشف الغطاء للشيخ جعفر كاشف الغطاء، ط حجريّة - مهدوي أصفهان.

63. كفاية الأصول للآخوند محمد كاظم الخراساني - مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.


64. لواعج الأشجان للسيّد محسن الأمين - مكتبة بصيرتي - قم.

65. مثير الأحزان لابن نما الحلّي - المطبعة الحيدريّة - النجف - (1369 هـ - 1950 م).

66. مَجمع الدُرر في المسائل الاثنتي عشر للشيخ عبد الله المامقاني - طبعة حجريّة قديمة.

67. مَجمع المسائل للسيّد الگلبايگاني - دار القرآن - قم.

68. مُستدرك الوسائل ومستنبط المسائل للمحدّث النوري - مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث - ط الأولى 1408 هـ.

69. مُستمسك العروة الوثقى للسيّد محسن الحكيم - مكتبة السيّد المرعشي 1404 هـ.

70. مصادر نهج البلاغة للسيّد عبد الزهراء الحسيني - مؤسّسة الأعلمي - بيروت.

71. مصباح الأصول، تقريرات بحث السيّد الخوئي، للسيّد محمد سرور الواعظ الحسيني - مكتبة الداوري، قم - ط الخامسة 1417 هـ.

72. مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام) - مؤسّسة الأعلمي - ط الأولى 1400 هـ.

73. مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة الشافعي - مؤسّسة البلاغ - بيروت، ط الأولى 1419 هـ.

74. معاني الأخبار للشيخ الصدوق، أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، تصحيح علي أكبر الغفاري، انتشارات إسلامي 1406 هـ.

75. مفاتيح الجنان للمحدّث القمّي - دار إحياء التراث العربي - بيروت.

76. مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني - مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر قم - إيران.

77. مكيال المكارم للأصفهاني - المطبعة العلميّة - قم - ط الثانية 1398.

78. مناقب آل آبي طالب لابن شهر آشوب، المطبعة الحيدريّة - النجف، 1376 هـ.

79. مَن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق - جامعة المدرّسين - ط الثانية 1404 هـ.

80. منهاج البراعة للميرزا حبيب الله الخوئي - المطبعة الإسلاميّة - طهران ط الرابعة.

81. منهاج الصالحين للسيّد الخوئي - مطبعة مهر - قم - 1410 هـ - الطبعة الثامنة والعشرون.

82. منهج الرشاد لمَن أراد السداد، الشيخ جعفر كاشف الغطاء - مجمع أهل البيت العالمي / قم.


83. موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان لعلي بن أبي بكر الهيثمي - دار الكتب العلميّة - بيروت.

84. نصرة المظلوم للشيخ حسن المظفّر - دار الكتب العلميّة - بيروت.

85. نهاية الدارية للشيخ الأصفهاني - مؤسّسة آل البيت - قم.

86. نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي - دار إحياء الكتب العربيّة.

87. نهج البلاغة، تحقيق الشيخ محمّد عبده - دار المعرفة، بيروت.

88. وسائل الشيعة للحرّ العاملي - مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث - قم 1414 هـ.

89. ينابيع المودّة لذوي القربى للشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي - دار الأسوة - ط الأولى 1416 هـ.

90. The Angle - Saxon Chronical


المحتويات

الإهداء 7

تقريض 9

المقدّمة 11

ديباجةُ الكتاب 15

الجانب الأوّل: تنوّع موارد الشعائر 15

الجانب الثاني: الإشكالات حول الشعائر الدينيّة 17

الجانب الثالث: 20

الجانبُ الرابع: إطار موضوع القاعدة 22

الجانبُ الخامس: 23

المقامُ الأول 24

في عُموم قاعِدة الشَعائر الدينيّة 24

المقامُ الثاني 25

الشَعائرُ الحُسينيّة 25

المقامُ الأوّل الشَعائرُ الدينيّة 27

الجهةُ الأوّلى:الأدلّةُ الإجماليّة 29

الطائفة الأولى من الأدلّة: 32

الطائفةُ الثانية من الأدلّة: 34

الطائفةُ الثالثة من الأدلّة: 38

الجهةُ الثانية أقوالُ العامّة والخاصّة حول هذه القاعدة 40

أقوالُ العامّة: 42

أقوالُ الخاصّة: 43

فائدة 46

الجهةُ الثالثة: في معنى وماهيّة الموضوع (وهو الشَعائر) لُغةً 50

الشعائرُ في كتب اللغة: 53


نتيجةُ المطاف 55

الفرقُ بين النُسك والشعائر 57

المعنى الجامع بين اللغويّين 58

الجهةُ الرابعة: في كيفيّة تحقّق الموضوع ومُعالجة بعض قواعد التشريع 60

أمثلةٌ على تحديد الوجود الخارجي للموضوع من الشارع المقدّس 63

الوجودُ التكويني والوجود الاعتباري للأشياء 64

خلاصةُ القول 65

الشعيرةُ علامة وضعيّة 66

الشعائرُ ومناسك الحج 68

الترخيصُ في جَعل الشعائر بيد العُرف 69

الوجودُ الاعتباري للشعيرة 73

خلاصةُ القول 74

الاعتراضُ بتوقيفيّة الشعائر 76

أدلّةُ المُعترض: 77

جوابُ الاعتراض: 79

الجوابُ التفصيلي الأوّل 80

النقطة الأولى: تعلّق الأوامر بطبيعة الكلّي 80

الفوارقُ بين العناوين الثانويّة في جنبة الحكم وفي جنبة الموضوع 86

الخلاصة: 88

ثمرةُ الفرق بين النوعين: 89

اجتماعُ الأمر والنهي في مصداق واحد 93

بعضُ أقوال العلماء في المقام: 95

إطلالةٌ على سُنن المتشرِّعة المستجدّة 100

ضابطةُ التعارض والتزاحم 104

التشريعُ بين التطبيق والبِدعة 109

مراتبُ تنزّل القانون 111


قاعدةُ اتّخاذ السُّنّة الحَسنة 112

لمحةٌ حول الولاية التشريعيّة 113

بعضُ الفوارق بين صلاحيّة التفويض للأئمّة (عليهم السلام) والقوانين الوضعيّة 116

تعريفُ البدعة 117

جواب المحذور الثالث: 118

الثابتُ والمتغيّر في الشريعة 119

الدليلُ الاعتراضي الرابع والجواب عنه 122

التوقيفيّة وحدود الديّانة 127

الخُلاصة: 129

التعبّدُ بالمصاديق 131

الجهةُ الخامسة: مُتعلّقُ الحُكم لقاعدة الشَعائر 134

الجهةُ السادسة: النسبةُ بين حُكم القاعدة وبقيّة الأحكام 146

النسبةُ بين حُكم قاعدة الشعائر والأحكام الأوّليّة 148

تقسيمُ الأحكام الثانويّة في جنبة الحكم 153

الأحكامُ الثانويّة المُثبتة 153

الأحكام الثانويّة النافية 153

الفارقُ بين حكم القاعدة والأحكام الثانويّة المثبتة 154

النسبةُ بين قاعدة الشعائر والأحكام الثانويّة 155

الخلاصة في هذه الجهة 156

اختلافُ أحكام الشعائر شدّة وضعفاً 158

الجهةُ السابعة: الموانِعُ الطارِئة على قاعدة الشَعائر 159

الخُرافة والشعائر 161

الوهمُ والخيال 163

التضادّ بين الشعائر والخرافة 166

مميّزات وخصوصيّات الشعائر 168


تنوّع الشعائر 168

منشأ الشعيرة وأبعادها الخطيرة 169

دائرةُ الشعائر الدينيّة 172

تباين مِلاكات الأقسام في الشعائر 173

الشعائرُ والهَتك 176

أقسامُ الهتك والاستهزاء 178

الشعائرُ والآثار الاجتماعيّة 180

ممانعةُ بعض الشعائر تَبعاً للمصلحة 182

دواعي أخرى لممانعة الشعيرة 183

الشعائرُ والإصلاح الاجتماعي 185

المقامُ الثاني: الشَعائرُ الحُسينيّة 189

تمهيدٌ 191

الجهةُ الأولى: أهدافُ النَهضة الحُسينيّة 193

الجهةُ الثانية: أدلّةُ الشَعائر الحُسينيّة 203

الجهةُ الثالثة: أقسامُ الشَعائِر الحُسينيّة 215

الجهةُ الرابعة: الروايةُ في الشَعائر الحُسينيّة 221

أمّا المقام الأوّل 224

مبالغةُ الجهد علميّاً وعمليّاً 226

الرواية التاريخيّة 227

ضابطةُ الرواية القصصيّة 230

الروايةُ الشرعيّة 233

عدمُ جواز ردّ الخبر الضعيف 234

الروايةُ في باب العقائد 236

المقامُ الثاني 244

إشكالٌ وجواب 247

الجهةُ الخامسة: البكاءُ في الشَعائر الحسينيّة 251


البكاءُ في المَصادر المُعتبرة 253

البكاءُ ذَروة الشَعائر الحسينيّة 255

الجَزعُ في الشعائر الحُسينيّة 258

حقيقةُ البكاء 261

القوّة الإدراكيّة والقوّة العمليّة 262

الأوّل: الجهةُ الإدراكيّة 263

الثاني: الجهةُ العمليّة 263

ثوابتٌ عن ظاهرة التقديس 267

المنطقُ الشرعي وظاهرة البكاء 271

التشكيكُ سلاح ذو حدّين 272

تعريفُ البكاء 275

التناسبُ الطردي بين المعلومة والعاطفة 286

البكاءُ في القرآن الكريم 288

بعضُ الأدلّة الواردة في البكاء 294

2 - بكاءُ النبي جعفر بن أبي طالب وحثّ النساء بالبكاء عليه: 295

أوجهُ الاعتراض على ظاهرة البكاء والجواب عليها 301

نظرةٌ حول روايات البكاء 323

الجهةُ السادسة: الشَعائرُ الحُسينيّة والضرر 332

الفهرسةُ لبحث الضرر 334

تفصيلُ الوجه الأوّل 337

قاعدةُ معرضيّة الهلَكة في سبيل الفضيلة 338

تفصيلُ الوجه الثاني 348

الشعائرُ الحُسينيّة أهمّ مِلاكاً من الضرر الشخصي 349

أركانُ الشريعة الإسلاميّة 368

تفصيلُ الوجه الثالث 371

الجهةُ السابعة: لبسُ السواد حُزناً على الحُسين (عليه السلام) 376


بعضُ الأدلّة المنقولة في لبس السواد 381

الجهةُ الثامنة: ضرورةُ لَعن أعداء الدِين 386

اللعنُ من الآيات القرآنيّة 391

الجهةُ التاسعة: العزاءُ والرِثاء سُنّة قرآنيّة 395

مِسكُ الخِتام 409

مُلحق: 419

فتوى الإمام النائيني (قدِّس سرّه) حول الشعائر الحسينيّة 419

فهرسُ المصادر 429

المحتويات 438


الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

الشعائر الحسينية بين الاصالة والتجديد

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ محمد سند (حفظه الله)
الناشر: دار الغدير
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 440