التعليقات

مؤلف: ابن سينا
مكتبة الفلسفة والعرفان





تصدير

هذا كتاب «التعليقات» لابن سينا ، أملاه وعلقه عنه تلميذه بهمنيار. وكما يدل عليه اسمه إن هو إلا جمل وأقوال شتى تشمل معظم موضوعات الفلسفة ، وعلى الأخص المنطق وما بعد الطبيعة والطبيعة وعلم النفس. ومذهب ابن سينا فيها هو بعينه ذلك الذي نجده فى سائر كتبه. ولعل أقرب كتبه نسبا إلى هذا الكتاب من ناحية طريق التأليف هو كتاب «المباحثات» الذي نشرناه فى كتابنا «أرسطو عند العرب» (القاهرة سنة 19 4 7 ، ص 122 ـ ص 239).

وبعض هذه التعليقات يبدأ بقوله : «قوله ...». وأغلب الظن أن المقصود هاهنا هو أرسطو ، وإن كان من العسير ، لقصر العبارة وعدم تمامها ، أن نحدد فى أى كتاب من كتب أرسطو ورد هذا القول. لكن هذا النوع قليل فى ثنايا الكتاب ، مما يدل على أنه ليس المقصود من هذه التعليقات أن تكون شروحا على مواضع فى النص الأصلى لأرسطو ، «أو التعليم الأول» على حد تعبير ابن سينا فى كتاب «الشفاء» حين يشير إلى نص أرسطو الأصلى.

وينسب إلى ابن سينا كتب أخرى توصف «بالتعاليق» و«التعليقات» مما علقه تلاميذه عنه. منها :

1 ـ «كتاب تعاليق علقه عنه تلميذه أبو منصور بن زيلا» (أو زيله)(1) .

2 ـ «تعليقات استفادها أبو الفرج الطبيب الهمذانى من مجلسه وجوابات له»(2) .

________________

1) ابن أبى أصيبعة : «عيون الأنباء فى طبقات الأطباء» ج‍ 2 ص 19 س 19. نشرة ملر ، القاهرة سنة 1882 م.

2) ابن أبى أصيبعة : «عيون الأنباء» ح‍ 2 ص 20 س 11 ، نشرة ملر ، القاهرة سنة 1882 م.


تاريخ تأليفه

ولما كان هذا الكتاب ـ كتاب «التعليقات» ـ تعليقات علقها بهمنيار بن المرزبان عن أستاذه ابن سينا ، فلا بد أن يكون تعليقه إياها فى الفترة التي كان فيها بهمنيار يلازم ابن سينا.(1) و قد كان ذلك فيما بين سنة 4 0 4 ه‍ وسنة 4 12 ه‍ ، لما أن كان ابن سينا وزيرا لأبى طاهر شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه الديلمى فى همذان. وكان شمس الدولة قد قرب ابن سينا إليه بعد أن عالجه من قولنج «كان قد أصابه ، وعالجه (ابن سينا) حتى شفاه اللّه تعالى. وفاز من ذلك المجلس (أى مجلس شمس الدولة فى همذان) بخلع كثيرة وصار من ندماء الأمير. ثم اتفق نهوض الأمير إلى قرميسين لحرب عناز. وخرج الشيخ (ـ ابن سينا) فى خدمته. ثم توجه نحو همذان منهزما راجعا. ثم سألوه تقلد الوزارة. فتقلدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه ، وإشفاقهم منه على أنفسهم ، فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس ، وأغاروا على أسبابه (ـ أمواله) وأخذوا جميع ما كان يملكه. وسألوا الأمير (شمس الدولة) قتله. فامتنع منه ، وعدل إلى نفيه عن الدولة طلبا لمرضاتهم. فتوارى (ابن سينا) فى دار الشيخ أبى سعد (أو أبى سعيد) بن دخدوك أربعين يوما. فعاود الأمير شمس الدولة علة القولنج. وطلب الشيخ (ـ ابن سينا) فحضر مجلسه ، واعتذر الأمير إليه بكل الاعتذار. فاشتغل بمعالجته ، وأقام عنده مكرما مبجلا. وأعيدت الوزارة إليه ثانيا». وفى أثناء توليه الوزارة لشمس الدولة بن فخر الدولة كان «يجتمع كل ليلة فى داره طلبة العلم وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ بالنهار خدمة للأمير»(2) .

ولا بد أن هذه «التعليقات» التي علقها بهمنيار عن أستاذه ابن سينا كانت فى أثناء مجلس العلم هذا الذي كان يعقده ابن سينا فى داره لطلبة العلم أثناء الليل.

ويحسن بنا أن نورد ترجمة لبهمنيار الذي علق هذا الكتاب عن أستاذه ابن سينا.

________________

1) القفطي : «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» ص 419. نشرة لپرت ، ليپتسك ، سنة 1903.

2) النفطى : الكتاب نفسه ، ص 420.


بهمنيار

هو أبو الحسن بهمنيار بن المرزبان وأصله من أذربيجان وكان مجوسيا قليل العلم بالعربية وأسلم.

توفى حوالى سنة 4 30 ه‍ (1038 م) كما ذكر بروكلمن ، وفى سنة 45 8 ه‍. كما ذكر الخضيرى(1) .

راجع عنه : البيهقى : «تتمة صوان الحكمة» 91؛ محمد باقى الخونسارى : «روضات الجنات» ص 1 4 0 ، «جهار مقالة» 2 5 2.

وله من الكتب :

1 ـ رسالة فى مراتب الموجودات ـ مخطوطة فى ليدن برقم 1 4 82.

2 ـ رسالة فى موضوع العلم المعروف بما بعد الطبيعة ، ومنها مخطوط فى ليدن برقم 1 4 8 4. وطبعت فى القاهرة سنة 1329 ه‍ فى مطبعة كردستان العلمية.

وقد نشر پوپر S. Poper هاتين الرسالتين تحت عنوان :

Bahmanyar ben El ـ Marzuban, der persiche Aristoteliker aus Avicen ـ nas Schule, zwei metaphysische Abhandlungen von ihm, arabisch und deutsch mit Anmerkungen. Leipzig , 18 5 1.

3 ـ ويوجد مستخلص من رسائله مع ابن سينا فى مخطوط ليدن برقم 1 4 8 5 ، وبودلى 1 : 456 ، وأمبروزيانا 320 أ.

4 ـ « التحصيلات» ، وهو عرض لمذهب ابن سينا كما عرضه هذا فى كتابه دانش نامه علائى ، فى ثلاث مقالات :

(ا) المنطق.

(ب) ما بعد الطبيعة.

(ح‍) فى الموجودات.

ومنه نسخة فى ليدن برقم 1 4 82(4) والمتحف البريطانى برقم 978 ، والفاتيكان فاتيكانى برقم 1 4 10 ، وبيروت برقم 380 ، وطهران 1 : 28 ، 2 : 111 ،

________________

1) محمد محمود الخضيرى : «سلسلة متصلة من تلاميذ ابن سينا» بحث التي فى المهرجان الألفي لذكرى ابن سينا ونشر فى «الكتاب الذهبى للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا» ، ص 55. القاهرة سنة 1952 م.


وآصفية 3 : 4 88 (372 ـ 373) ، ورامفور : 379 (117) ، وبنكيبور 21 : 2220 يتنا. وطبع فى القاهرة سنة 1329 ، يتنا 1 : 209 (10 6 2). وقد طبع فى القاهرة سنة 1329 ه‍.

أبو العباس اللوكرى

أما واضع فهرس «التعليقات» الوارد فى أوائل بعض النسخ فهو أبو العباس الفضل بن محمد اللوكرى ، الذي ذكره ظهير الدين البيهقى فى تتمة «صوان الحكمة» فقال عنه إنه «كان تلميذ بهمنيار ، وبهمنيار تلميذ أبى على (بن سينا). ومن الأديب أبى العباس انتشرت علوم الحكمة بخراسان. وكان عالما بأجزاء علوم الحكمة دقيقها وجليلها وله تصانيف كثيرة ، منها «بيان الحق بضمان الصدق» وقصيدة مع شرحها بالفارسية ، ورسائل أخرى وتعليقات ومختصرات وديوان شعر»(1) .

وكتاب «بيان الحق وضمان الصدق» هذا موجود منه نسخة بهذا العنوان(2) نفسه فى المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم 5 900 عربى ، بخط نسخى من القرن العاشر الهجرى ، فى 129 ورقة ، مقاس 2 5 * 17 سم. وهو فى الطبيعيات ، وينقسم إلى خمسة فصول ، ويعتمد فيها اللوكرى على كتاب «السماع الطبيعى» لأرسطو كما لخصه وعرضه ابن سينا.

وله شعر بالعربية وبالفارسية.

واللوكرى نسبة إلى لوكر (بالفتح ثم السكون وفتح الكاف والراء) : «قرية كانت كبيرة على نهر مرو قرب بنج ده مقابلة لقرية يقال لها بركدز لوكر على شرقي النهر ، وبركدز على غربيه ، ولم يبق من لوكر غير منارة قائمة وخراب كثير يدل على أنها كانت مدينة. رأيتها فى سنة 6 1 6 وقد خربت بطرق العساكر لها ، فانها على طريق هراة وبنج ده من مرو» ـ كما قال ياقوت(3) .

ويذكر بروكلمن ( GAL ,,1 P. 6 02) عنه أنه كان معاصرا لعمر الخيام ، وأنه توفى سنة 5 17 ه‍ (ـ 1123 م) ، ولسنا ندرى من أين استقى هذا التاريخ. وعمر الخيام أغلب الظن أنه توفى سنة 5 2 6 ه‍ (1132 م) :

________________

1) ظهير الدين البيهقى : «تتمة صوان الحكمة» ، ص 120 ـ ص 121. نشرة محمد شفيع فى لاهور.

2) وليس بعنوان «بيان الحق بميزان الصدق» كما قرأ الخضيري خطأ.

3) معجم البلدان ج‍ 4 ص 370 ، نشرة فستنفلد.


نسخ «التعليقات»

(ا)

أحمد الثالث فى استانبول برقم 320 4 العاشر منها ، ويقع فى 179 ورقة ، مقاس 2 / 1 17 * 2 5 سم ، مسطرته 19 سطرا بخط نسخى.

وفى أوله : «فهرست كتاب التعليقات عن الشيخ الحكيم أبى نصر الفارابى والشيخ الرئيس أبى على بن سينا رواية بهمنيار : (2) فى علم البارى ، ويقدمه الكلام فى معنى إضافة العالم إلى المعلوم (ب) فى إرادة البارى ...»

وفى نهاية الفهرست ورد (ص 19 ب) : تولى عمل هذا الفهرست الشيخ الإمام الرئيس الحكيم الأديب وحيد الزمان برهان الحق أبو العباس الفضل بن محمد اللوكرى ، رحمه اللّه ورضى عنه ، في شهور سنة ثلاث وخمسمائة».

وفى ص 19 ب : كتاب التعليقات فى الحكميات. الحمد للّه إنما العالم إنما يصير مضافا ...».

(ب)

أيا صوفيا برقم 2390. وتاريخ نسخه سنة 5 21 ه‍. وفى أوله فهرس للموضوعات وضعه أبو العباس الفضل بن محمد اللوكرى.

ويقع فى 122 ورقة ، مقاس 1 5 * 2 / 1 19 سم ، والمكتوب 2 / 1 10 * 2 / 1 1 5 ومسطرته 20 سطرا.

ويقع الفهرست من 1 إلى 1 5 ب. والنص من 1 6 ب إلى 122 أ. وقد كتبه المظفر الحسين على أبو الفرج القلاس.

(ج‍)

فيض اللّه فى استانبول برقم 2188. ومقاسه 2 5 * 2 / 1 12 سم. ومسطرته 19 سطرا.

ويقع من ورقة 72 أإلى 210.

وعنوانه فى المخطوط : تعليقات فى الحكميات للشيخ الرئيس رواية بهمنيار


(د)

كوبرولى برقم 8 6 9 من ورقة 6 3 ب إلى 202 أ

(ه‍)

أحمد الثالث برقم 3 44 7 ، من ورقة 328 ب إلى 371 : مقاس 22 * 33 س ومسطرته 17 سطرا * 1 5 كلمة.

(و)

أيا صوفيا برقم 2389 فى 79 ورقة

(ز)

نورى عثمانية برقم 4 89 4

(ح)

المتحف البريطانى برقم 978. من ورقة 1 4 1 إلى 201.

(ط)

دار الكتب المصرية بالقاهرة ، برقم 6 م حكمة وفلسفة. من ورقة 1 ب إلى 6 8 أ.

وقد وصفنا هذا المجموع ـ رقم 6 م حكمة وفلسفة ـ وصفا شاملا فى مقدمة كتابنا : «أرسطو عند العرب» [ص ( 4 3) إلى ص ( 5 1)] ، فنكتفى بالإحالة إليه.

وعلى هذا المخطوط اعتمدنا ـ أساسا ـ فى تحقيق هذا الكتاب.

(ى)

مخطوط پرنستون فى الولايات المتحدة الأمريكية.

وممن أشار إلى كتاب «التعليقات» فخر الدين الرازى فى كتابه «المباحث المشرقية» ج‍ 1 ص 565 فى الفصل السابع «فى نسبة الحركة إلى المقولات». وربما أيضا فى موضعين آخرين هما ج‍ 2 ص 2 6 1؛ ج‍ 2 ص 32 4 ( طبعة حيدر أباد).

ونرجو أن يجد فيه الباحثون خلاصة مركزة لمذهب ابن سينا كله.

عبد الرحمن بدوى

بنغازى فى سبتمبر سنة 1972 م


رموز النسخ المخطوطة

ص مخطوط 6 م حكمة وفلسفة بدار الكتب المصرية.

ب برنستون.



بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

ثقتى بالله وحده :

الحمد للّه رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.

إنّ العالم إنما يصير مضافا إلى الشىء المعلوم بهيأة تحصل فى ذاته ، وليس الحال فى العالمية كالحال فى التيامن والتياسر الذي إذا تغير الأمر الذي(1) كان متيامنا لم يتغيّر هيأة فيمن كانت له هذه الإضافة إلا نفى هذه الإضافة ، أعنى التيامن ، فإن الإضافة قد تكون بهيأة فى المضاف والمضاف إليه ، كالحال فى العاشق والمعشوق والعالم والمعلوم ، وقد لا تكون بهيأة كالحال فى التيامن. فإن العالم يبطل علمه ببطلان هيأة كانت الإضافة بينه وبين المعلوم بسببها ، والمتيامن لا تبطل منه هيأة ثم يبطل ببطلانها التيامن ، فالإضافة بالحقيقة ، عارضة لتلك الهيأة التي فى العالم والعاشق ، لا أن تلك الهيأة هى نفس الإضافة. والعلم هيأة تحصل فى العالم توجد مع وجود المعلوم وتبطل مع عدمه ، فبطلان العلم مع عدم ذات الشىء المعلوم يعنى الأمر الذي له المعلوم صفة ، وهو الذي من خارج ، بل العالمية أمر زائد على التضايف الذي بينهما. ألا ترى أن المعدوم أيضا معلوم ولا ذات له من خارج؟ فللعالم مع كل معلوم هيأة خاصة ، فالعلم ليس هو وجود المعلوم فى ذاته؛ إذ ليس وجود الشىء فى ذاته سببا لحصول العلم ، وإلا لم يكن علم بالمعدوم ، بل العلم وجود هيأة فى ذات العالم : فالشيء إذا كان معلوما ثم يصير لا معلوما فالحالة تتغير فى العالم ، لا النفس الإضافة مطلقة.

فواجب الوجود لو كان علمه زمانيا أعنى زمانا مشارا إليه حتى يعلم أن الشىء الفلانى فى هذا الوقت غير موجود وغدا يكون موجودا ـ كان علمه متغيرا. فإنه كما أن هذا الشىء غير موجود الآن ويصير موجودا غدا ، كذلك العلم به إما أن يعلمه كذلك فيكون متغيرا ، وإما أن يكون علمه غدا كعلمه فى هذا اليوم فلا يكون علما ، فإنه يكون

________________

1) ب : فى الذي


محالا أن يكون علمه غدا كعلمه فى هذا اليوم ، بل قد تغير. وأما أنه كيف يكون علمه فهو أن يكون بسبب ، أعنى أن يكون يعرف الموجودات كلها على وجه كلى ، وإذا كانت الأشياء كلها واجبة عنده إلى أقصى الوجود فإنه يعرفها كلها ، إذ كلها من لوازمه ولوازم لوازمه. وإذا علم أنه كلما كان كذا كان كذا ، أعنى جزئيا ، وكلما كان كذا كان كذا ، أعنى جزئيا آخر ، وتكون هذه الجزئيات مطابقة لهذا الحكم ـ يكون قد عرف الجزئيات على الوجه الكلى الذي لا يتغير ، الذي يمكن أن يتناول أى جزئى كان لا هذا المشار إليه. إلا أن هذا الجزئىّ لما تخصص فلأسباب مخصصة جزئية أيضا.والجزئيات قد تعرف على وجه كلى ما لم يكن مشارا إليها أو مستندة إلى مشار إليه. مثال ذلك أنك إذا قلت : من سقراط ، فتقول : هو الذي ادعى النبوة وقتل ظلما وابن ملك ـ فإن هذا كله يمكن حمله على كثيرين ما لم تسنده إلى شخصى ، فتقول هو ابن هذا الإنسان المشار إليه ، فإن سقراط حينئذ مشار إليه إذ أسندته إلى مشار إليه. فواجب الوجود لا يجوز أن يكون علمه بالجزئى بحيث يكون مشارا إليه كالكسوف مثلا : فنقول هذا الكسوف المشار إليه أو الكسوف الذي يكون فى هذا اليوم أو غدا فإنه يعرف غدا أيضا على وجه كلى ، فإنه يعرفه بعد زمان كذا وحركة كذا فلا يعرفه مشارا إليه. وواجب الوجود مع إحاطة علمه بالجزئيات ونظام الموجودات على وجه كلى فلذلك يعلم أن نظام العالم هو نظام واحد ، أى هذا النظام المعقول ، فيكون قد أحاط علمه به على وجه كلى. فإنه إن لم يحط علمه بوحدانية النظام المعقول له لا يكون قد عرف العالم على حقيقته. ومثال هذا أن منجما إذا قال المقارنة فى هذا الوقت تقارن القمر كذا ، يكون العلم به متغيرا لأن هذه المقارنة بعينها لا تقع على غيرها فلهذا يبطل العلم مع بطلان هذه المقارنة. فهذه المقارنة متشخصة بزمان متشخص وهو هذا الوقت لأنها كانت فى هذا الوقت ، فلا يمكن حملها على غيرها. فالأول إذا كان يعرف من ذاته لوازمه ولوازم لوازمه على ترتيب السّببى والمسبّبى ويعلم أنه كلما كان كذا كان كذا أىّ مسبّب عن ذلك السبب إذ هو مسبّبه المطابق له فإنه يكون عارفا بالأشياء كلها على وجه كلى. ونحن لا نعرف الأسباب كلها وإلا كان علمنا علما كليا لا يتغير لو أدركنا الشىء بأسبابه ، ومع ذلك فإننا لا ننفكّ عن التصور والتعقل؛ ومعارضة الوهم تنقضه. وبعض الأسباب متوهمة لا معقولة : ومثال هذا أن منجما يعلم أن الكوكب الفلانى كان أولا فى الدرجة الفلانية فصار إلى الدرجة الفلانية ، ثم بعد كذا ساعة قابل الكوكب الفلانى وقد دخل بعد كذا ساعة فى الكسوف ، ثم يبقى بعد كذا كذا ساعة فى ذلك الكسوف ، ثم فارق الشمس وانجلى. ويكون قد عرف كل ذلك بأسبابه ولا يكون


قد عرف أن هذا التركيب فى هذه الساعة فى الدرجة الفلانية حتى تكون الساعة التي بعدها مستندة إلى هذه الساعة المشار إليها فيتغير علمه بحسب تغير الأحوال وتجدّدها. فإذا عرف على الوجه الذي ذكرناه ، أعنى بالسبب ، كان حكمه فى اليوم وأمسه وغدا حكما واحدا ، والعلم لا يتغير : فإنه صحيح دائما فى هذا الوقت وفيما قبله وفيما بعده أن الكوكب الفلانى فى كذا كذا ساعة يقارن الكوكب الفلانى. فأما إن قال : إن الكوكب الفلانى فى هذا الوقت المشار إليه المستفاد علمه من خارج مقارن للكوكب الفلانى ، وغدا مقارن لكوكب آخر ، فإنه إذا جاء غد بطل الحكم الوقتى والعلم الوقتى ، فإن الفرق بين العلمين ظاهر. فواجب الوجود علمه على الوجه الكلى علم لا يعزب عنه مثقال ذرة. وهذا الكسوف الشخصى ـ وإن كان معقولا على وجه كلى إذ قد علم بأسبابه والمعقول منه بحيث يجوز حمله على كسوفات كثيرة كل واحد منها حاله حال هذا الكسوف ، فإن الأول يعلم أنه شخصى فى الوجود إذ علمه محيط بوحدانيته. فإنه إن لم يعرف وحدانيته لم يعرفه حق المعرفة. وكذلك نظام الموجودات عنه وإن عرفه على وجه كلى بحيث يكون معقوله يجوز حمله على كثيرين فإنه يعلم أنه واحد ، وكذلك يعلم أن العقل الفعال واحد وإن كان عقله على وجه كلى. وعلمه بأن هذا الكسوف شخصى لا يدفع المعقول الكلى. والعلم ما يكون بأسباب ، والمعرفة ما تكون بمشاهدة. والعلم لا يتغير البتة ولو كان جزئيا : فإن علمنا بأن الكسوف غدا يكون مركبا عن علم ومشاهدة ، ولو كان غدا لم يكن مشارا إليه ، بل كان معلوما بأسبابه لم يكن إلا علما كليا ، ولم يكن يجوز أن يتغير ولم يكن زمانيا ، فإن كل علم لا يعرف بالإشارة وبالاستناد إلى شىء مشار إليه كان بسبب ، والعلم بالسبب لا يتغير ما دام السبب موجودا. لكن العلم الذي يتغير هو أن يكون مستفادا من وجود الشىء ومشاهدته. فواجب الوجود منزه عن ذلك ، إذ لا يعرف الشىء من وجوده فيكون علمه زمانيا ومستحيلا متغيرا ولو كنا نعرف حقيقة واجب الوجود وما توجبه ذاته من صدور اللوازم كلها عنه لازما بعد لازم إلى أقصى الوجود ، لكنا نحن أيضا نعلم الأشياء بأسبابها ولوازمها ، فكان علمنا أيضا لا يتغير. وإذا كان هو يعقل ذاته وما توجبه ذاته فيجب أن يكون علمه كليا بأسباب الشىء ولوازمه ، فلا يتغير. وكذلك لو كنا نعلم أوقات مقابلة القمر للشمس ولا نرصد له ، لكنا نعلم كل كسوف يكون بعلله وأسبابه ولوازمه. وكان علمنا ، قبل الكسوف وعنده وبعده ، علما واحدا لا يتغير لأنه كان بسبب. وما دام العلم بالسبب حاصلا ، فالعلم بالمعلوم بذلك السبب لا يتغير.


العناية : هو أن يوجد كل شىء على أبلغ ما يمكن فيه من النظام.

بيان إرادته : هذه الموجودات كلها صادرة عن ذاته ، وهى مقتضى ذاته ، فهى غير منافية له ، وأنه يعشق ذاته ، فهذه الأشياء كلها مرادة لأجل ذاته. فكونها مرادا له ليس هو لأجل غرض بل لأجل ذاته ، لأنها مقتضى ذاته ، فليس يريد هذه الموجودات لأنها هى ، بل لأجل ذاته ولأنها مقتضى ذاته. مثلا لو كنت تعشق شيئا لكان جميع ما يصدر عنه معشوقا لك لأجل ذات ذلك الشىء ، ونحن إنما نريد الشىء لأجل شهوة أو للذة ، لا لأجل ذات الشىء المراد. ولو كانت الشهوة واللذة أو غيرهما من الأشياء شاعرة بذاتها وكان مصدر الأفعال عنها ذاتها ، لكانت مريدة لتلك الأشياء لذاتها لأنها صادرة عن ذاتها ، والإرادة لا تكون إلا لشاعر بذاته. فكل ما يصدر عن فاعل فإنه إما أن يكون بالذات أو بالعرض. وما يكون بالذات يكون إما طبيعيا وإما إراديا. وكل فعل بصدر عن علم فإنه لا يكون بالطبع ولا بالعرض ، فإذن يكون بالإرادة. وكل فعل يصدر عن فاعل والفاعل يعرف صدوره عنه ويعرف أنه فاعله ، فإن ذلك الفعل صدر عن علمه. وكل فعل صدر عن إرادة فإما أن يكون مبدأ تلك الإرادة علما أو ظنا أو تخيلا. مثال ما يصدر عن العلم فعل المهندس أو الطبيب. ومثال ما يصدر عن الظن : التحرز مما فيه خطر. ومثال ما يصدر عن التخيل : إمّا أن يكون طلبا لشىء يشبه شيئا عاليا ، أو طلبا لشىء يشبه شيئا حسنا ، ليحصله لمشابهته للأمر العالى أو الأمر الحسن. ولا يصح أن يكون فعل واجب الوجود بحسب الظن أو بحسب التخيل ، فإن كل ذلك يكون لغرض ويكون معه انفعال ، فإن الغرض يؤثر فى ذى الغرض ، فإذن ينفعل عنه. وواجب الوجود بذاته واجب من جميع جهاته ، فإن حدث منه غرض فلا يكون من جهة انفعاله عن الغرض واجب الوجود بذاته. فإذن يجب أن تكون إرادته علمية.

والأولى بنا أن نفصل هاهنا أمر الإرادة : نحن إذا أردنا شيئا فإننا نتصور ذلك الشىء ـ إما ظنيا أو تخيليا أو علميا ـ أن ذلك الشىء المتصور موافق ، والموافق هو أن يكون حسنا أو نافعا. ثم يتبع هذا التصور والاعتقاد شوق إليه وإلى تحصيله. فإذا قوى الشوق والإجماع حركت القوة التي فى العضلات الآلة إلى تحصيله ، ولهذا السبب تكون أفعالنا تابعة للغرض. وقد بينا أن واجب الوجود تام بل فوق التمام ، فلا يصح أن يكون فعله لغرض ، ولا يصح أن يعلم أن شيئا هو موافق له فيشتاقه ثم يحصله. فإذن إرادته من جهة العلم أن يعلم أن ذلك الشىء فى نفسه خير وحسن ،


ووجود ذلك يجب أن يكون على الوجه الفلانى حتى يكون وجودا فاضلا ، وكون ذلك الشىء خير من لا كونه. ولا يحتاج بعد هذا العلم إلى إرادة أخرى ليكون الشىء موجودا ، بل تعيين علمه بنظام الأشياء الممكنة على الترتيب الفاضل هو سبب موجب لوجود تلك الأشياء على النظام الموجود والترتيب الفاضل وبالجملة وبلوازم ذاته أعنى المعلومات لم يعلمها. ثم رضى به ، بل لمسّا كان صدورها عن مقتضى ذاته كان تعين صدورها عنه نفس رضاه بها. فإذا لم يكن صدورها عنه منافيا لذاته بل مناسبا لذات الفاعل. وكل ما كان غير مناف ، وكان مع ذلك بعلم الفاعل أنه فاعله فهو مراده لأنه مناسب له ، فنقول : هذه المعلومات صدرت عن مقتضى ذات واجب الوجود بذاته المعشوقة له مع علم منه بأنه فاعلها وعلتها.

وكل ما صدر عن شىء على هذه الصفة فهو غير مناف لذلك الفاعل.

وكل فعل يصدر عن فاعل وهو غير مناف له فهو مراده.

فإذن الأشياء كلها مرادة لواجب الوجود ، وهذا المراد هو المراد الخالى من الغرض فى رضاه.

فصدور تلك الأشياء عنه أنه مقتضى ذاته المعشوقة له ، فيكون رضاه بتلك الأشياء لأجل ذاته ، وتكون الغاية فى فعله ذاته.

ومثال هذا : إذا أحببت شيئا لأجل إنسان كان المحبوب بالحقيقة ذلك الإنسان ، فلذلك المعشوق المطلق هو ذاته.

ومثال الإرادة فينا نحن أنّا نريد شيئا فنشتاقه لأنا محتاجون إليه ، وواجب الوجود يريده على الوجه الذي ذكرناه ، ولكنه لا يشتاق إليه لأنه غنيّ عنه ، والغرض لا يكون إلا مع الشوق.

فإنه يقال : لم طلب هذا؟ فيقال لأنه اشتهاه ، وحيث لا يكون الشوق لا يكون الغرض ، فليس هناك غرض فى تحصيل المتصوّر ولا غرض فيما يتبع تحصيله ، إذ تحصيل الشىء غرض ، وما يتبع ذلك التحصيل من النفع غرض أيضا.

والغاية قد تكون نفس الفعل ، وقد تكون نفعا تابعا للفعل مثلا : كالمشى قد يكون غاية وقد يكون الارتياض غاية ، وكذلك البناء قد يكون غرضا وقد يكون الاستكنان به غرضا.

تعليقات ابن سينا ـ 17


ولو أن إنسانا عرف الكمال الذي هو حقيقة واجب الوجود ثم كان ينظم الأمور التي بعده على مثاله حتى كانت الأمور على غاية النظام ، لكان الغرض بالحقيقة واجب الوجود بذاته ، الذي هو الكمال.

فإن كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل ، فهو أيضا الغاية والغرض.

كذلك لو عرفنا مثلا الكمال فى بناء نبنيه ثم رتبنا أمور ذلك البناء على مقتضى ذلك الكمال ، كان الغرض ذلك الكمال.

فإذا كان ذلك الكمال هو الفاعل ، كان الفاعل والغرض واحدا.

ومثال هذه الإرادة فينا أنّا إذا تصورنا شيئا وعرفنا أنه نافع أو جذّاب ، حرّك هذا الاعتقاد والتصور القوة الشهوانية ، ما لم يكن هناك ترجح ولم يكن هناك مانع ، فلا يكون بين التصور والاعتقاد المذكور وبين حركة القوة الشوقية إرادة أخرى إلا نفس هذا الاعتقاد.

فكذلك إرادة واجب الوجود ، فإن نفس معقولية الأشياء له على الوجه الذي أومأنا إليه هى علة وجود الأشياء ، إذ ليس يحتاج إلى شوق إلى ما يعقله وطلب حصوله. ونحن إنما نحتاج إلى القوة الشوقية ونحتاج فى الإرادة إلى الشوق لنطلب بالآلات ما هو موافق لنا ، فإن فعل الآلات يتبع شوقا يتقدمه ، وهناك ليس يحتاج إلى هذا الشوق واستعمال الآلات ، فليس هناك إلا العلم المطلق بنظام الموجودات ، وعلمه بأفضل الوجوه التي يجب أن يكون عليها الموجودات ، وعلمه بخير الترتيبات.

وهذا هو العناية بعينها ، فإنا لو رتبنا أمرا موجودا لكنا نعقل أولا : النظام الفاضل ثم نرتب الموجودات التي كنا نريد إيجادها بحسب ذلك النظام الأفضل وبمقتضاه. فإذا كان النظام والكمال نفس الفاعل ثم كان تصدر الموجودات عن مقتضاه ، كانت العناية حاصلة هناك ، وهى نفس الإرادة ، والإرادة نفس العلم. والسبب فى ذلك أن الفاعل والغاية شىء واحد.

والعناية هى أن يعقل واجب الوجود بذاته أن الإنسان كيف تجب أن تكون أعضاؤه والسماء كيف تجب أن تكون حركتها ، ليكونا فاضلين ويكون نظام الخير فيهما موجودا من دون أن يتبع هذا العلم شوق أو طلب أو غرض آخر سوى علمه بما ذكرنا وموافقة معلومه لذاته المعشوقة له. فإن الغرض ، وبالجملة النظر إلى أسفل ، أعنى لو خلق الخلق طلبا لغرض ، أعنى أن يكون الغرض الخلق والكمالات الموجودة


فى الخلق ، أعنى ما يتبع الخلق طلب كمال لم يكن لو لم يخلق. وهذا لا يليق بما هو واجب الوجود من جميع جهاته ، فإن قال قائل : إنا قد نعقل أفعالا بلا غرض ولا يكون لنا فيه نفع كالإحسان إلى الناس من دون أن يكون لنا فيه فائدة ، فكذلك يصح أن يكون واجب الوجود يخلق الخلق لأجل الخلق لا لغرض آخر يتبع الخلق كما نحسن إلى إنسان ـ قلنا إن مثل هذا الفعل لا يخلو عن غرض ، فإنا نريد الخير بالغير ليكون لنا اسم حسن أو ثواب أو يثنى هو أولى بأن يكون لنا من أن لا يكون بحسن يطلبه اختيارنا ، أو نكون قد فعلنا أمرا واجبا. وفعل الواجب فضيلة أو منقبة أو محمدة ، إن لم نفعل ذلك الواجب لم يكن لنا ما يتبعه من هذه الأشياء. وعلى كل حال فالغرض فائدة. وقد بيّنا أن الغرض هو السبب فى أن يصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن. ولا يجوز أن يكون لواجب الوجود بذاته الذي هو تام ، أمر يجعله على صفة لم يكن عليها ، فإنه يكون ناقصا من تلك الجهة ، وتلك الصفة إما أن تكون فضيلة أو نقصانا. وعلى جميع الأحوال فإن ذلك لا يليق به : لا النقصان ولا التكميل. فقد عرف إرادة واجب الوجود بذاته وأنها بعينها علمه ، وهى بعينها عناية ، وأن هذه الإرادة غير حادثة ، وبيّنا أن لنا أيضا إرادة على هذا الوجه.

بيان قدرته : كما أن البارئ الأول إذا تمثل تبع ذلك التمثيل الوجود ، كذلك نحن إذا تمثلنا تبعه الشوق ، وإذا اشتقنا تبعه لتحصيل الشىء حركة الأعضاء. واعلم أن القدرة هى أن يكون الفعل متعلقا بمشيئة من غير أن يعتبر معها شىء آخر. والقدرة فيه عن علمه فإنه إذا علم وتمثل فقد وجب وجود الشىء. والقدرة فينا عند المبدأ المحرك ، وهى القوة المحركة لا القوة العالمة ـ والقدرة فيه خالية عن الإمكان ، وهو صدور الفعل عنه بإرادة فحسب ، من غير أن يعتبر معها وجوب استثناء أحد الجزءين ، لا أنه أراد ولا أنه لم يرد. وليس هو مثل القدرة فينا هى بعينها القوة ، وهى فيه العقل فقط. فإنه إن لم يعتبر على هذا الوجه كان فيه إمكان ، وواجب الوجود منزه عن ذلك. وكذلك إن لم يعتبر أن قدرته هى بعينها إرادته وعلمه كان فى صفاته تكثّر. فيجب أن يكون مرجعها إلى العلم كما كان مرجع إرادته إلى علمه. والإرادة فينا تابعة لغرض ، ولم يكن فيه لغرض البتة غير ذاته. والإرادة فينا تختلف لأن الأغراض فينا تختلف. وفى الأبديات والكواكب لا تختلف الأغراض ، فلا تختلف الإرادات ، فكأن أفعالها الصادرة عنها صادرة عن طبع لعدم الاختلاف فيها. وكذلك القدرة فيه مخالفة لقدرتنا ، فإنها فيه بغير إمكان وفينا بإمكان ، وإرادة الشىء غير تحصيله. فإن إرادة الشىء بالحقيقة


تصوره مع موافقته لمتصوره. وإذا تصور لنا معنى ثم أردنا تحصيله كان تصوره لنا نفس إرادتنا له ، لكنا بعد ذلك نريد تحصيله(1) . والجمهور غافلون عن ذلك ، والمشهور عندهم أن القادر هو من إذا شاء فعل ، وإذا لم يشأ لم يفعل ، لا من يريد فيفعل أو لا يريد فلا يفعل دائما. فإن هاهنا أشياء مقرّا بها ، صحتها أن الخالق لا يريده قط ولا يفعله ، وهو مع ذلك قادر على فعله ، مثل الظلم. فإذن الشرط فى القدرة قضية شرطية ، وهو أنه إذا شاء فعله وإذا لم يشأ لم يفعل. والشرطية لا يتعلق بصحتها أن يكون جزءاها صادقين ، فإنه يصح أن يكون جزءاها كاذبين. ومثال هذا لو كان الإنسان طيارا لكان يتحرك فى الهواء ـ وهذه القضية صحيحة مع كذب مقدمها وتاليها. ويصح أيضا أن يكون المقدم كاذبا والتالى صادقا مع صحة القضية ، كما يقال : لو كان الإنسان طيارا لكان حيوانا. فإذن ليس يلزم من قولنا إن شاء فعل أنه يشاء حتى تصح هذه القضية : وهو إن شاء فعل ، ولم تصح بهذه القضية القدرة وإن خلت عن الاستثناء. وحق أنه لو كان جائزا أن يشاء والقدرة لا محالة تتعلق بالمشيئة إلا أن مشيئة الأول تستحيل أن تكون بالإمكان ، إذ ليس هناك دواع مختلفة ولا قسر ولا قهر ، بل هناك وجوب فقط ، فهو يفعل إذا شاء. وأما المشيئة فينا فبالإمكان. والقدرة فينا هى القوة ، والقوة ما لم يرجّح أحد الطرفين لم يكن أولى من الطرف الآخر. ولا بد فى قدرتنا من وارد علينا من خارج ، ويكون ذلك الوارد هو المعيّن للفعل. ويكون بالتقدير من اللّه ، فيكون ذلك التقدير يسوق ذلك المعنى. والوارد علينا من خارج هو كالدواعى والإرادة من القسر وغيره. ولا تخلو قدرتنا من إمكان فتكون أفعالنا كلها بتقدير ، وتكون أفعالنا كلها بالخير. فإنه ما لم يرجح قوتنا وارد من خارج ولم يصح الفعل ويكون بتقدير اللّه فإن التقدير من اللّه هو يسوق ذلك المعين والمخصّص. وصدور الأشياء عن ذاته لغرض فهو رضاه لأنها تصدر(2) عنه ثم ترضى بصدورها عنه. والقدرة فيه يستحيل أن تكون بالإمكان ، فهو إذا فعل فقد شاء ، وإذا لم يفعل فإنه لم يشأ ليتم الفعل والقدرة.

الحكمة : معرفة الوجود الواجب وهو الأول ، ولا يعرفه عقل كما يعرف هو ذاته. فالحكيم بالحقيقة هو الأول. والحكمة عند الحكماء تقع على العلم التام. والعلم التام فى باب التصورات أن يكون التصور بالحد ، وفى باب التصديق أن يعلم الشىء بأسبابه إن كان له سبب. فأما ما لا سبب له فإنه يتصور بذاته ويعرف بذاته ، كواجب الوجود : فإنه

________________

1) ب : تحصله.

2) ب : لا أنها تصدر.


لا حدّ له ، ويتصوّر بذاته ، لا يحتاج فى تصوره إلى شىء ، إذ هو أولىّ التصور ، ويعرف بذاته إذ لا سبب له. ويقع على الفعل المحكم ، والفعل المحكم هو أن يكون قد أعطى الشىء جميع ما يحتاج إليه ضرورة فى وجوده وفى حفظ وجوده بحسب الإمكان : إن كان ذلك الإمكان فى مادة فبحسب الاستعداد الذي فيها ، وإن لم يكن فى مادة فبحسب إمكان الأمر فى نفسه كالعقول الفعالة. وبالتفاوت فى الإمكانات تختلف درجات الموجودات فى الكمالات والنقصانات. فإن كان تفاوت الإمكانات فى النوع كان الاختلاف فى النوع ، وإن كان ذلك التفاوت فى إمكانات الأشخاص فاختلاف الكمال والنقصان يكون فى الأشخاص ، فالكمال المطلق يكون حيث الوجوب بلا إمكان والوجود بلا عدم والفعل بلا قوة والحق بلا باطل. ثم كل تال فإنه يكون أنقص من الأول وكل ما سواه فإنه ممكن فى ذاته. ثم الاختلاف من التوالى والأشخاص والأنواع يكون بحسب الاستعداد والإمكان ، فكل واحد من العقول الفعالة أشرف مما يليه. وجميع العقول الفعالة أشرف من الأمور المادية ، ثم السماويات من جملة الماديات أشرف من عالم الطبيعة. ويريد بالأشرف هاهنا ما هو أقدم فى ذاته ولا يصح وجود تاليه إلا بعد وجود متقدمه. وهذا أعنى الإمكانات هى أسباب الشر. فلهذا لا يخلو أمر من الأمور الممكنة من مخالطة الشر ، إذ الشر هو العدم كما أن الخير هو الوجود. وحيث يكون الإمكان أكثر كان الشر أكثر. وكما أنه يعطى كل شىء ما يحتاج إليه فى وجوده وبقائه فكذلك يعطيه ما فوق المحتاج إليه فى ذلك : مثلا أن يعطى الإنسان الحكمة والعلم بالهيئة إذ ليس الإنسان محتاجا فى بقائه ووجوده إلى علم الهيئة. فما لا بد منه فى وجوده هو الكمال الأول ، وذلك الآخر هو الكمال الثاني. فواجب الوجود يعلم كل شىء كما هو بأسبابه ، إذ يعلم كل شىء من ذاته التي هى سبب كل شىء لا من الأشياء التي هى من خارج. فهو بهذا المعنى حكيم وحكمته علمه بذاته ، فهو حكيم فى علمه ، محكم فى فعله. فهو الحكيم المطلق. وواجب الوجود أيضا هو علة كلّ موجود ، قد أعطى كل موجود كمال وجوده وهو ما يحتاج إليه فى وجوده وبقائه ، وزاده أيضا ما لا يحتاج إليه فى هذين. وقد دل القرآن على هذا المعنى حيث يقول : «رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ »(1) . فالهداية هى الكمال الذي لا يحتاج إليه فى وجوده وبقائه ، والخلق هو الكمال الذي يحتاج إليه فى وجوده وبقائه.

________________

1) سورة «طه» آية 50


وأيضا حيث يقول : «اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ »(1) . فالحكماء يسمون ما يحتاج إليه الشىء فى وجوده وبقائه الكمال الأول ، وما لا يحتاج إليه فى بقائه هو الكمال الثاني.

وأما الجود فهو إفادة الخير بلا غرض. والإفادة على وجهين : أحدهما معاملة والآخر جود ، فالمعاملة أن يعطى شيئا يأخذ بدله إما عينا وإما ذكرا حسنا وإما فرحا ، وإما دعاء ، وبالجملة ما يكون للمعطى برغبة أو غرض فإنه المعاملة بالحقيقة. وإن كان الجمهور يعرفون المعاملة حيث تكون معاوضة ، ولا يعدّون سواه عوضا ، ولكن العقلاء يعرفون أن كل ما فيه للمعطى رغبة ففيه له فائدة. والجود حيث لا يكون عوض ولا غرض وذلك يكون لمريد وفاعل لا غرض له ، وواجب الوجود فعله وإرادته كذلك. فإذن فعله هو الجود المحض.

الإرادة فينا لا تكون لذاتنا بل خارجة عنا واردة علينا من خارج. وإذا كان كذلك فجميع ما يكون لنا من إرادة ومشيئة وفعل وإدراك عقلى وحركة تكون بالقوة لا بالفعل ، ويحتاج إلى سبب معين مخصّص يخرج أحد الطرفين إلى الفعل ، ويكون سوق ذلك المعين المخصص بالتقديرات ، فتكون جميع أفعالنا بقدر.

نحن إذا أردنا شيئا فإنما تكون لنا تلك الإرادة بعد أن نتصور الشىء الملائم لنا فننفعل عنه أى نلتذ به ، فتنبعث منا إرادة له أو شهوة ، ثم تنبعث منا إرادة أخرى لتحصله فتكون الإرادة واردة علينا من خارج ، ويكون له سبب. وإرادة البارى لا تكون له بسبب لأنه لا ينفعل عن شىء ولا يكون له غرض فى شىء بل يكون السبب فى إرادته ذاته ، ولا يكون فيه إمكان إرادة أو إمكان مشيئة.

الإنسان فطر على أن يستفيد العلم ويدرك الأشياء طبعا من جهة الحواس ثم من جهة الوهم الذي هو نسختها. فأما ما يدركه عقلا فإنه يكون باكتساب لا طبعا. والذي يدركه من جهة الفعل إذا ساعد عليه الوهم فإنه يثق به. فإن عارض فيه لم يكد يخلص له اليقين به وربما يقع له فيه الحيرة والشك لا سيما إذا لم يكن إلفا للعقليات ، وهذه تكون حاله ما دام ممنونا بالوهم. وأما الأوائل التي تحصل له فإنها تكون من الاستقرار وهو تجربة ومن الشهادة. والنفس تعتقد أن كل ما توجبه الشهادة والاستقراء حقّ وقد لا يكون حقا ويكون من الوهميات الكاذبة. والعقول الفعالة لا يكون لها الوهم ، فلا تكون لها الوهميات بتة.

________________

1) سورة «الشعراء» آية 78.


الإدراك : إنّما هو للنفس ، وليس إلاّ الإحساس بالشيء المحسوس والانفعال عنه : والدليل على ذلك أن الحاسة قد تنفعل عن المحسوس ، وتكون النفس لاهية فيكون الشىء غير محسوس ولا مدرك ، فالنفس تدرك الصور المحسوسة بالحواس وتدرك صورها المعقولة بتوسط صورها المحسوسة ، إذ تستفيد معقولية تلك الصور من محسوسيتها ، ويكون معقول تلك الصور لها مطابقا لمحسوسها وإلا لم يكن معقولها. وليس للإنسان أن يدرك معقولية الأشياء من دون وساطة محسوسيتها ، وذلك لنقصان نفسه واحتياجه فى إدراك الصور المعقولة إلى توسط الصور المحسوسة. فأما الأول والعقول المفارقة لما كانت عاقلة بذواتها لم تحتج فى إدراك صورة الشىء المعقولة إلى توسط صورته المحسوسة ولم تستفدها من إحساسها ، بل أدركت الصورة المعقولة من أسبابها وعللها التي لا تتغير ، فيكون معقولها منه لا يتغير لهذا الشأن. ولكل شخص جزئى معقول مطابق لمحسوسه ، والنفس الإنسانية تدرك ذلك المعقول بتوسط محسوسه. والأوّل والعقول المفارقة تدرك المعقول من علله وأسبابه ، وحصول المعارف للإنسان تكون من جهة الحواس ، وإدراكه للكليات من جهة إحساسه بالجزئيات. ونفسه عالمة بالقوة ، فالطفل نفسه مستعدة لأن تحصل لها الأوائل والمبادئ ، وهى تحصل له من غير استعانة عليها بالحواس ، لا يحصل له عن غير قصد ومن حيث لا يشعر به. والسبب فى حصولها له استعداده لها. فإذا فارقت النفس البدن ، ولها الاستعداد لإدراك المعقولات ، فلعلها يحصل لها من غير حاجة لها إلى القوى الجسمية التي فاتته ، بل يحصل لها من غير قصد ومن حيث لا يشعر بها كالحال فى حصول الأوائل للطفل. والحواس هى الطرق التي تستفيد منها النفس الإنسانية المعارف.

المحسوس إذا لم تدركه النفس فلأن النفس مشغولة عنه بفكره أو عقله ، ويكون قد حصل فى الحس المشترك فلا يمكنه تأديته إليها ، ولأن الحس المشترك قد شغلته النفس بما هى مقبلة عليه فلا ينطبع المحسوس فيه.

النفس ما دامت ملابسة للهيولى لا تعرف مجرد ذاتها ، ولا شيئا من صفاتها التي تكون لها وهى مجردة ، ولا شيئا من أحوالها عند التجرد لأنها لا يمكنها الرجوع إلى خاصّ ذاتها والتجرد عما يلابسها وهذا يكون عائقا لها عن التحقق بذاتها وعن مطالعة شىء من أحوالها. فإذا تجردت وزال عنها هذا العوق فحينئذ تعرف ذاتها وأحوالها وصفاتها الخاصة بها ، وأنها تدرك الأشياء بلا آلة بدنية وإنها مستغنية عنها ، وأن ما يتخيل لها الآن من أن لا حقيقة إلا للجسم المحسوس وأن لا وجود لشىء سواه ـ كله باطل.


القوى البدنية تمنع النفس عن التفرد بذاتها وخاص إدراكاتها : فهى تدرك الأشياء متخيّلة لا معقولة لانجذابها إليها واستيلائها عليها ، ولأنها لم تألف العقليات ولم تعرفها ، بل نشأت على الحسيات فهى تطمئن إليها وتثق بها وتتوهم أن لا وجود للعقليات وإنما هى أوهام مرسلة.

المعقول من الشخص والمحسوس منه يتطابقان ، كما ذكر. إلا أن المعقول من الشخصى الذي نوعه مجموع فى شخصه وإن كان يطابق محسوسه فى الوجود فلا يمتنع فى العقل أن يكون كليا بأن يتصوره كليا ، ولو كان فى الوجود غير جائز ويحمله على كثيرين. وفى الأول كان هذا التصور ممتنعا. والمعقول من هذا الكسوف الجزئى وإن كان يلزم أن يطابق محسوسه فيكون جزئيا فاسدا فإن الأول لم تستفد معقوليته من حسيته ، بل علمه من الأسباب الموجبة له والصفات الكلية التي تخصصت بها فيكون معقوله منه كليا لأن الأسباب والصفات كلية بحيث يصح حمله على كثيرين. فلما تخصصت بهذا الكسوف الشخصى صار كلّ واحد من تلك الأسباب والصفات نوعا مجموعا فى شخصه ، فصار بحيث لا يحمل عليه وحده. وتلك الأسباب والصفات هى أن يقال فى هذا الكسوف إنه عن حركات للسماويات تأدت إلى اجتماع هذه الصفة ، وأنه كان بعد حركة كذا وفى الدورة الفلانية من كذا ، وأنه على وضع كذا وفى ناحية المشرق هو أو فى المغرب ، وأنه فى ناحية الشمال أو الجنوب ، وأنه على مقدار النصف منه أو الثلث ، وأنه على هذا اللون ـ فهذه صفات يمكن أن تعتبر كليا ، فتخصصت بهذا الشخص فصار كل واحد منها نوعا مجموعا فى شخصه ، والأشياء التي شخصت هذا الكسوف ـ وهو النهار الجزئى الذي حدث فيه والحالة الجزئية التي كانت له ـ لكل واحد منها صفات كلية إذا تخصصت به شخصا كان بمنزلة الكسوف وأسبابه وصفاته ، فيكون كلّ واحد من تلك الصفات نوعا مجموعا فى شخصه. والنوع المجموع فى شخصه يكون له معقول كلىّ فلا يفسد العلم به ولا يتغير ، فمعقول الأول من هذا الكسوف على هذا الوجه لا يتغير.

قوله(1) : «لكنك تعلم بحجة أن ذلك الكسوف يكون واحدا» ـ معناه أنه لا يمكن أن يكون فى زمان واحد إلا كسوف واحد ، لأن الشمس التي هى موضوع الكسوف واحد.

ذلك الكسوف الشخصى إذا علم من جهة أسبابه وصفاته الكلية التي يكون كلّ واحد منها نوعا مجموعا فى شخصه ، كان العلم به كليا؛ والكسوف وإن كان شخصيا فإنه عند ذلك يصير كليا ، ويكون نوعا مجموعا فى شخص ، والنوع المجموع فى شخص له معقول كلى لا يتغير. وما يسند إليه من صفاته وأحواله يكون مدركا بالعقل

________________

1) لا يتضح من القائل هاهنا.


فلا يتغير. وتلك الأسباب والصفات هى مثل أن يقول : إن هذا الكسوف كان عن حركات من الشمس والقمر وإحدى العقدتين كل واحد من تلك الحركات على صفات كذا وبعد حركة كذا وفى الدورة الفلانية من دورات كذا وفى ناحية كذا وفى جهة كذا وغير ذلك من الأسباب والعوارض الكلية التي يمكن أن تكون لكل كسوف أو لكسوفات كثيرة. وكل واحد من تلك الأشياء والصفات نوع مجموع فى شخص يصح الاستناد إليه ، ويصير الكسوف الشخصى أيضا بتلك الأسباب والصفات التي تخصصت بها نوعا مجموعا فى شخص ، فيكون له معقول كما يكون للنوع المجموع فى شخصه فلا يتغير ، والأشياء التي شخصته أيضا كالزمان الجزئى الذي حصل فيه ، والحالة الجزئية التي شخصته لكل واحد منها صفات وأسباب كلية ، كل واحد منها نوع مجموع فى شخص له ، معقول كلى ، لا يتغير فيصح الاستناد إليه. فيمكن فى هذه الأحوال الجزئية أن يعقل ويدرك بالعقل لا بالحس والإشارة إليه.

هذا الكسوف الذي يكون بهذه الأسباب وإن كان شخصيا فإنه حدّ متصوّر كليا من جهة أسبابه ، فيكون نوعا مجموعا فى شخصه ، فالعلم المستند إليه لا يتغير.

هذا الكسوف الشخصى ـ إذا كان معلوما من جهة أسبابه وعلله وصفاته الكلية على أن تلك الأسباب والصفات وإن كانت كلية فى ذواتها بحيث تحمل على كثيرين فقد تخصصت به ـ كان معقوله كليا ، وكان المعقول الشخصى الذي نوعه مجموع فى شخصه الذي لا يتغير ولا يتغير العلم به وتكون صفاته وأسبابه متخصصة به محمولة عليه وحده ، وكل ما نسب إليه ويسند إليه يمكن أن يدرك ، بالعقل فلا يتغير. ومعنى التخصص به أن يكون له وحده كما أن صفات الشخص الذي نوعه مجموع فى شخصه مقصورة عليه ، إذ لا شخص نظير له فيشاركه فيها.

المشخص للشىء يجب أن يكون شخصا ، لا كليا.

نحن نعلم المعانى الكلية من جهة ما يستدعى علمها إلى جزئياتها ، والجزء لا يحصل لنا العلم به إلا بعد وجوده ، ووجوده يكون جزئيا لا محالة ، فنحن إنما نعلم الكسوف من جهة وجوده ، فيكون هذا الكسوف الشخصى والأول لا نعلمه من جهة وجوده بل من جهة أسبابه ، فيكون له معقول كلى ، كما يكون للشىء الذي نوعه مجموع فى شخصه.

المشار إليه لا يكون له معقول إلا أن يكون شخصا محدوده معقوله ككرة الشمس. والشىء الذي معقوله محدوده هو ما يكون الذاتيات التي تقوّم بها ، والصفات التي


تخصّص بها تكون مقصورة عليه ، وتلك الصفات هى ما يحدده العقل فيعقلها الشىء الذي معقوله محدوده هو ما تكون ماهيته متقومة من الأشياء الذاتية التي توجد كلها فى حده. وما لا يكون محدوده معقوله فهو ما تكون ماهيته متقومة لا من الأشياء الكلية الذاتية المأخوذة فى حده فحسب بل منها ومن غيرها كالأشخاص التي تدخل تحت نوع فإنها متقوّمة من معنى النوع ومن أعراض لازمة لا توجد معه فى حده.

المعنى البسيط هو الذي لا يمكن العقل أن يعتبر فيه التآلف والتركب من عدة معان ، فلا يمكنه تحديده ، وذلك كالعقل والنفس. وما أمكن أن يعتبر فيه ذلك فهو غير بسيط كالإنسانية والحيوانية فإنها تنقسم بالحدّ إلى معان مختلفة.

كل شخصى فله معقول ، أى ماهية مجردة جزئية فاسدة من حيث تكون مقيسة إليه ويكون حصل فى الذهن من جهة الإحساس به ، وإلا لم يكن له حصول فيه فيكون مستفادا من الحسّ ، وهذا المحسوس هو فاسد ، فمعقوله من حيث يكون مقيسا إليه فاسد. فإذا علم ذلك المعقول من جهة علله وأسبابه لم يكن معقولا من جهة جزئية بل من جهة كلية ، فلا يكون حينئذ فاسدا. ومثال ذلك هذا الكسوف الشخصى له معقول شخصى وهو ذلك الاجتماع المعين الشخصى الذي حصل بين الشمس والقمر وإحدى العقدتين. وهذا يحصل العلم به عند وجوده ويبطل عند بطلانه. وقبل وجوده لم يكن العلم به حاصلا بل كان العلم إنما حصل بوجوده ، فكان علمان عند وجوده ولا وجوده ، وكان لكل واحد منهما صورة غير صورة الآخر. وهذا المعنى المعقول على هذا الوجه هو جزئى. فإذا علم من جهة أسبابه وعلله الموجبة له ـ وهو الحركات السماوية التي تأدت إلى هذا الاجتماع ـ كان ذلك معقولا من جهة كلية وكان العلم به قبل حدوثه وعند حدوثه وبعد حدوثه على حد واحد. والأول إنما يعقل الشخصى الفاسد من هذه الجهة الكلية فلا يتغير علمه إذ لا يتغير معلومه : فإنه كلما تحركت السماوية بحركاتها وتأدت إلى مثل هذا الاجتماع حصل لا محالة كسوف.

المعقول من كل شىء هو مجرد ماهيته المنسوبة إليه مع سائر لوازمه. فإن كان شخصيا نوعه مجموع فى شخصه ، فمعقوله كلىّ أى بحيث يصح حمله على كثيرين إلا أنه عرض لهذا الشخص أن كان واحدا. وإن كان شخصا فاسدا فمعقوله جزئى فاسد فلا يصح حمله إلا عليه ولا يمكن أن يحد ، والشخص الآخر يمكن أن يحد لأن معقوله محدوده. ومعقول الأول من هذا الشخص هو نفس الصورة المعقولة وهو الإنسانية المطلقة لا إنسانية ما متشخصة بعوارض ولوازم مشار إليها محسوسة.


المعقول من كل شىء مجرد ماهيته التي له والتي عليها وجوده ، والمعقول من هذا الشخص ماهيته مع عوارضه وخواصه التي تقوّم بها وتشخص ، وليس هو الصورة المحددة وحدها. فإن هذا الإنسان ليس هو ما هو بالإنسانية المحددة بل بمجموع الصورة والمادة والأعراض التي تشخص بها من كميته وكيفيته ووضعه وغير ذلك. فمعقول الشخصى ومحسوسه متطابقان ، لأنه لو لم يتطابقا لم يكن معقوله.

والمعقول من الشمس هو ماهيته(1) مع عوارضه ولوازمه ومقداره الذي كان يمكن أن يكون أكبر منه أو أصغر ، وحرارته التي كان يمكن أن تكون أشد منه أو أنقص ، وشعاعه الذي كان يمكن أن يكون أشد منه أو أنقص فكونه فى الفلك الرابع ، وقد كان يمكن أن يكون فى الفلك الأعلى ، فمعقوله يطابق محسوسه فى الوجود.

قوله : «أربعتها» إلا واحدا منها الذي لا يمكن القول به فإن المبدأ الفاعلى وهو البارى لا يجوز أن يكون موضوعا لهذا العلم.

الشىء من حيث يصدر عنه فعل ما ـ هو غيره من حيث يصدر عنه فعل آخر؛ فيكون الحيثان مختلفين والجهتان مختلفتين ، فإذا كان الشىء البسيط من حيث يصدر عنه هذا الفعل يصدر عنه غيره ويكون من حيث يصدر عنه هذا الفعل إذ هو غيره من حيث يصدر عنه ذلك الفعل الغير ، فإذن يصدر عن البسيط فعل واحد ، ولهذا يقول فى الأول إنه لا يصدر عنه إلا فعل واحد بسيط وهو اللازم للأول إذ لا تركيب هناك ولا حيثان مختلفان. الأوائل تحصل فى العقل الإنسانى من غير اكتساب ، ولا يدرى من أين تحصل فيه وكيف تحصل فيه.

العقول إذا اعتبرت تكون على ثلاثة أنحاء : منها ما يكون بالقوة من كل وجه كالعقول الإنسانية ، فإن المعقولات فيها بالقوة ، إلا الأوائل فإنها تحصل فيها بعد ترعرعه(2) و إذا قلنا : إنه كل شىء أى أن كل شىء فيه بالقوة وفى قوته أن يعقلها كلها. ومنها ما يكون بالفعل من كل وجه وليس فيه البتة ما بالقوة كالبارى فإن علمه لذاته ولا تعلق له بغيره ، ولذلك يقول إنه كل شىء أى أن يعرفها بالعقل. ومنها ما هو بالقوة من وجه وبالفعل من وجه. ثم إنها تترتب فى ذلك بالأقل والأكثر والأزيد والأنقص فبعض العقول يكون «بالقوة» فيه يسيرا وبعضها كثيرا ، وإنما قيل إنه «بالقوة» من وجه «وبالفعل» من وجه : لأنه بالقياس إلى الأول عاقله لأن الأول يفيدها العقل والعلم كما أنه يفيدها الوجود بتعلق علمها به فهى بالفعل من هذا الوجه؛ وبوجه اعتبار ذواتها يكون

________________

1) يلاحظ أنه يجعل «الشمس» مذكرا دائما.

2) أى ترعرع الانسان.


فيه بالقوة ، لأن علمها ليس لها بذاتها كما أن وجودها ليس لها من ذواتها : وهى بالاعتبار إلى ذواتها غير واجبة الوجود بل ممكنة كذلك ، باعتبار ذواتها عقولها وعلمها بالقوة. وإذا صح فى العقل الذي بالقوة أن يقال إنه كل شىء وإنه يعقل المعقولات بالفعل بلا نهاية فهو يعقل الأشياء غير المتناهية لأنه سبب كلّ معقول ، والمعقولات صادرة عنه على مراتبها واختلاف أحوالها من الأبدية والحادثة والقارّة وغير القارّة ، فهى كلها حاصلة له بالفعل ، وهذا كما تقول إن الأشياء الموجودة دائما والموجودة فى وقت بعد وقت والشيء المنقضى شيئا فشيئا كالزمان والحركة التي هى غير موجودة الجملة والقارة بالجملة والمعدومة فى الماضى والمعدومة فى المستقبل ـ كلها بالإضافة إليه موجودة وحاصلة بالفعل لأنه سبب وجودها ومبدأ الأسباب التي توجد عنها ، وهو يعقل ذاته ولوازم لوازمه إلى أقصى الوجود ، وكل المعقولات حاصلة له حاضرة عنده. وحالها عنده بالسواء فى كل حال ، أعنى قبل وجودها وعند وجودها ومع وجودها لا يتغير بوجودها وهو يعقل الأشياء معا ولا يعقلها شيئا فشيئا حتى يستكمل بمعقول ، ويتسبب(1) به إلى معقول آخر ، فإن عقله بالفعل : فهو يعقل الأشياء معا ودائما ويعقلها إلى ما لا نهاية ، والعقول البشرية لأنها بالقوة ليس بالفعل لا تعقل الأشياء معا ولا دائما ولا إلى ما لا نهاية بل تعقلها شيئا فشيئا وتتسبب مما تعقله إلى ما لا تعقله.

الموجودات ، ما خلا واجب الوجود الذي وجوده له من ذاته ، هى ممكنة الوجود. إلا أن منها ما إمكان وجوده فى غيره ، ومثل ذلك يتقدم وجوده بالفعل وجوده بالقوة وهى الممكنة الوجود على الإطلاق والكائنة. ومنها ما إمكان وجوده فى ذاته وهو الذي لا إمكان وجوده معه ولم يتقدم وجوده بالفعل وجوده بالقوة وهى العقول وسائر المبدعات. وإنما يقال فيها إنها ممكنة الوجود بمعنى أن تعلق وجودها لا بذاتها بل بموجدها ، فهى بالإضافة إليه موجودة ، وباعتبارها فى ذواتها غير موجودة.

علم البارى بالأشياء الجزئية هو أن يعرف الأشياء من ذاته وذاته مبدأ لها ، فيعرف أوائل الموجودات ولوازمها ولوازم لوازمها إلى أقصى الوجود. وكل شىء فإنه بالإضافة إليه واجب الوجود وبسببه فهو موجود بالإضافة إليه : مما وجد ومما يوجد. فإذا كانت الأشياء الجزئية أسبابا يلزم عنها تلك الجزئيات ولتلك الأسباب أسباب حتى تنتهى إلى ذوات الأول وهو يعرف ذاته ويعرفه سببا للموجودات ويعرف ما يلزم عن ذاته وما يلزم عن لازمه وكذلك هلم جرا حتى ينتهى إلى الجزئى ، فإنه يعرفه لكنه يعرفه بعلله وأسبابه. وهذا العلم لا يتغير بتغير الشخصى المعلوم فإن أسبابه لا تتغير

________________

1) تسبب به إليه : توسل.


وتكون كلية وإن كانت للشخصى أسباب جزئية مشخصة له فإن لكل سبب جزئى مشخص مبدءا كليا يستند إليه ، فهو يعرف ذلك الجزئى أيضا بأسبابه ، ويعرف الأشياء الغير المتناهية على ما هى عليه من اللاتناهى بأسبابها ، ويعلم الزمان الغير الثابت الذي ينقضى شيئا فشيئا بعلله وأسبابه ، فإنه يعرف الفلك وحركته ويعلم أن ماله حركة فله عدد ومقدار ، وكل ماله عدد ومقدار فله دورات مقدرة.

كل شخص يكون له معقول شخصىّ. فإذا علم ذلك بأسبابه وعلله تكون هذه الجملة كليا. فإنه كلما حصلت تلك العلل والأسباب وجب أن يكون ذلك الجزء فيقال إن هذا الشخص أسبابه كذا. وكلما حصلت هذه الأسباب كان هذا الشخصى أو مثله فيكون كليا بعلله. ومعقولات الأول كذلك : فإنه يعقل هذا الشخص بعلله وأسبابه ويعرف الأسباب السابقة لهذه الأسباب وإلى أن ينتهى إلى ذاته فيكون علمه محيطا بجميع الأشياء فلا يكون لعلمه تغير ، فإن معلومه لا يتغير ولا يزول بزوال ذلك الشخصى. الكلى الذي يلزم عنه الجزئى لا يفسد. فإنه يعلم أنه كلما كان كذا لزم عنه كذا ، وهذا الجزئى لازم عنه ذلك الكلى الذي فى معلومه فلا يخفى عليه خافية.

سبب وجود كل موجود علمه به وارتسامه فى ذاته. وهو يعلم الأشياء الغير المتناهية فعلمه غير متناه. وقد يتشكك فيقال إن تلك الأشياء غير موجودة بالفعل بل بالقوة فبعض علمه يكون بالقوة أو يكون لا يعلمها فيقال إن كل شىء فإنه واجب بسببه وبالإضافة إليه؛ فيكون موجودا بالفعل بالإضافة إليه.

سبب وجود كل موجود هو أنه يعلمه ، فإذا علمه فقد حصل وجوده وهو يعلم الأشياء دائما.

الأشياء كلها عند الأوائل واجبات وليس هناك إمكان البتة. وإذا كان شىء لم يكن فى وقت فإنما يكون ذلك من جهة القابل لا من جهة الفاعل ، فإنه كلما حدث استعداد من المادة حدث فيها صورة من هناك ليس هناك منع ولا تخل. فالأشياء كلها واجبات هناك لا تحدث وقتا وتمتنع وقتا ، ولا يكون هناك كما يكون عندنا. وقد يتشكّك فيقال : إذن الأفعال كلها طبيعية لا إرادية؟ فالجواب إن إرادتها على هذا الوجه ، إذ هو الدائم الفيض ، فالامتناع من جهة القابل.

كلما حدث مزاج صلح لنفس فأحدث لا محالة نفسا ، أو استعدت مادة لقبول صورة نارية أو هوائية أو مائية أو أرضية حدثت فيها تلك الصورة من المبادي المفارقة ، فالقول بالتناسخ يبطل من هذا الوجه.


لا يصح فى الأول أن يعلم الأشياء من وجودها فإنه يلزم أن يكون قبل وجودها لا يعلمها ، وإذا علمها بعد أن لا يعلمها يكون قد تغير منه شىء ويكون حصل فيه شىء لم يكن له. وكذلك إذا بطل ذلك الشىء بطل علمه فيكون قد تغير منه شىء فهو يعلم الأشياء على الإطلاق ودائما. لا يعلمها بعد أن لم يكن يعلمها ، فيحدث فيه تغير.

المقول على كثيرين مختلفين بالنوع هو محمول على الجنس «حمل على» فيقال الجنس : هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع وليس حمل الجنس على ، المقول على كثيرين مختلفين «حمل على» ، فيقال : المقول على كثيرين مختلفين هو جنس بل الجنسية عارضة له. وهذا كما يقال الإنسان نوع فإن النوعية عارضة للإنسان ، والإنسان من حيث هو إنسان ليس نوعا.

الذي يدل دلالة التضمن هو أن يكون جزءا من الشىء كما يدل النوع على الجنس إذ كان الجنس جزءا من النوع.

كلية الأجزاء وحدة تحدث بها الأجزاء ، فهى بها وحدة وجملة ، وذلك كالعشرية مثلا فإنها وحدة.

العدم يقال على وجهين : عدم له نحو من الوجود ، وهو ما يكون بالقوة فيخرج إلى الفعل ، وعدم لا صورة له البتة وهو ما يكون بالطبع ، وهو خلاف الأول فإنه ليس من شأنه أن يكون البتة كما يقال : الإنسان عدم الفرس.

النفس الإنسانية مطبوعة على أن تشعر بالموجودات ، فبعضها يشعر بها بالطبع وبعضها تقوى على أن تشعر بها بالاكتساب. فالذى بالطبع؛ فهو حاصل لها بالفعل دائما ، فشعورها بذاتها بالطبع ، فهو من مقوماتها فهو لها بالفعل لم يزل. فأما شعورها بأنها تشعر بذاتها فهو لها بالاكتساب ، ولذلك قد لا يعلم أنها شعرت بذاتها ، وكذلك سائر ما يقوى على أن يشعر بها ، وذلك ما هو غير حاصل له ويحتاج إلى استحصاله. ويشبه أن يكون تصريفها للحد العملى وللقوى البدنية بالطبع ، وللحد النظرى بالقوة. وتصريفها للقوى وإن كان طبيعيا لها فإن تصريفها لها على جهة السداد يكون باكتسابها كحالها فى القياس واستعماله.

النفس الإنسانية مفتتة إلى قوتين : نظرية وعملية ، والعملية تسمى قوة شوقية وهى تفتت إلى قوى كثيرة هى المصرفة لجميعها فى البدن. وهذه القوة هى التي أمر بتزكيتها وتهيئتها لأن تكون لها ملكة فاضلة لئلا تجذب النفس عند المفارقة إلى مقتضى ما اكتسبته من الهيئات الرديئة.

نفس الإنسان هى فى الحياة البدنية ممنوة بالبدن ودواعيه فلا يتحقق إلا ما رآه عيانا


أو أدركه بحواسه ، ويعتقد أن ما لا يدركه بها لا حقيقة له ولا وجود لشدة إلف نفسه بحواسه وذهولها عما سوى ذلك وانغماسها فى البدن وقواه.

وكل ذلك لأنها غير متحققة بذاتها بل مأخوذة عن ذاتها. فإذا فارقت وتحققت ذاتها أدركت حينئذ ما يراه الإنسان باطلا لا حقيقة له ، وأدركت الموجودات بذاتها لا بآلة بدنية. فتعلم أن الآلات كانت عائقة له عن خاصّ فعلها.

المقول على كثيرين ليس هو نفس معنى الجنس حتى يكون مرادفا لاسمه : فليس يقال على الجنس كقول الجنس نفسه. فإنه إذا قيل : «المقول على كثيرين جنس» فليس يحمل عليه إلا أنه عارض له كما يحمل الجنس على الحيوان فإنه عرض للحيوان أن صار جنسيا ، والحيوان ليس هو نفس معنى الجنس. وكذلك المقول على كثيرين وهو مع ذلك أعمّ من الجنس فإن النوعية أيضا تعرض لهذا اللفظ.

الجنس مقول على كمال ماهية مشتركة بالعموم ، والفصل يحمل من طريق ما هو على أنه جزء مقوّم لماهية الشىء ، والنوع مقول على ماهية خاصة. فقوله : «والفصل حكمه حكم الماهية» ، أى فى معنى أنه يقوم الماهية إلا أنه مقول على كمال الماهية ، بل طريقته ومذهبه مذهب الماهية.

الجنسية من حيث هى جنسية إذا اعتبرت غير مخصصة بجسم أو حيوان أو غيرهما من المعانى التي يعرض لها هى الجنس المنطقى ، وهى المعنى المقول على كثيرين مختلفين بالنوع. والمبحوث عنه منها فى المنطق هو هذه الجنسية غير مخصصة. وأما الحيوان معتبرا فيه الجنسية فهو الجنس الطبيعى ، وهو بما هو حيوان أعم من حيوان جنسى فإنه قد يكون شخصيا. وهو من حيث هو حيوان معنى عقلى. وهو فى ذاته ليس بكلى ولا جزئى بل هو موضوع لأن يعرض له الكلية والجزئية. وكذلك الكلى من حيث هو كلى ليس حيوانا ولا شيئا من الأشياء ، بل هو معنى مقول يعرض له أن يكون حيوانا أو جوهرا أو شيئا آخر. وهو إما أن يعرض له الحيوان أو الجوهر أو غيرهما ويعرض للحيوان أو الجوهر أو غيرهما بحسب الاعتبارات.

ما قبل الكثرة هو أن يعقل الحيوان فيحمله على كثيرين ، وما بعد الكثرة هو أن ينتزعه عن الأشخاص.

قوله : «ليس فى الأشخاص تقدم ولا تأخر» أى ليس شخص أولى بأن يكون متكونا من شخص. فلا يكون واحد أولى بأن يحمل عليه النوع من آخر ، وإن كان بعض الأشخاص متقدما فى الوجود على الآخر.


الإنسان لما اعتاد أن يدرك الأشياء بالحس صار يعتقد أن ما لا يدركه حسا لا حقيقة له ، ولا يصدّق بوجود النفس والعقل وكل صورة مجردة ، لأنه اعتاد أن يرى الصور الجسمانية ويراها محمولة فى شىء غير محدود هذا مع ما يراه من فعل الطبيعة وفعل النفس والعقل اعتبارا. لكنه بوجود الطبيعة أوثق منه بوجود النفس.

والعقل لأنه يشاهد الأجسام الطبيعية ويرى أفعال الطبيعة فيها ظاهرة وفعل النفس أخفى من الطبيعة لأنها أشد تجردا من الطبيعة وكذلك فعل العقل أشد تجردا منهما ـ فكل ما هو أظهر فعلا فى الأجسام فإنه بوجوده أو ثق ، وبالجملة فإنه يعتقد أن لا وجود لجوهر مجرد ولا حقيقة له ، وأن الحقيقة إنما هى للجسم المحسوس لأن الحس يدركه. ولعمرى : إن الحس لا يدرك المعقول لأنه محدود ولا يدركه إلا محددا ، وأما الغير محدد فلا يدركه إلا الغير المحدد. ويكاد يعتقد فى الجسم أنه واجب الوجود غير معلول لا سيما الفلك الأعلى لبساطته. ولا يجوز أن لا يكون معلولا لأنه مركب من هيولى وصورة. وهناك ثلاثة أشياء : هيولى وطبيعتها العدم ، وصورة تقيم الهيولى بالفعل وتظهر فى الهيولى وتكون محمولة فيها ، وتأليف. ولا يجوز أن يكون الجسم علة فاعليّة لنفسه. وأيضا فإنه يجب أن تقترن به صورة أخرى حتى يظهر وجوده على ما عرفت. والجسم لا فعل له بذاته بل بقواه التي تكون فيه. وهو محدود متناه ، والمحدود يجب أن يكون محدود القوة والقدرة متناهى الفعل ، ويكون فعله زمانيا وشيئا بعد شىء لا إبداعيا ، ويكون متغيرا لا محالة لأنه متحرك والحركة تغير وفائت ولاحق. والجسمانى يحاط به وتدرك أحواله ويمكن معرفتها لأنها تكون متناهية ، والمتناهى محاط به فلا يوصف بالعلو الغير المتناهى وبالمجد والقدرة والعظمة الغير المتناهية وبالعلم البسيط المحيط بجميع الأشياء وبالفعل المطلق لأن فيه ما بالقوة. ويكون لا محالة له قوى إما طبيعية وإما نفسانية ويكون له تخيل وتوهم. وبعض القوى يصده عن استعمال بعض القوى وعلى الجملة فإنه لا يكون متحققا بذاته ولوازم ذاته. ويوصف بالانبعاث للفعل بعد أن لم يكن ، وبالتغير. وبإدراك الجزئى. وفعل الجزئى. ويوصف باكتناف الأعراض له وأنه يفعل أفعاله بمجموع مادته وصورته وطبيعته ونفسه. ولا يعقل إلا بعد أن يستشرك المادة فى فعله ويفعل بمباشرة ووضع. والجسم الفلكى وإن كان يفعل فى كل جسم فلأن لكل جسم عنده وضعا ، فلذلك يؤثر فيه لأنه محيط. والجسمانى لا قدرة له إذا قيس بالمجرد فإنه لا يكون له تلك الكبرياء والعظمة والقدرة والجلالة الغير المحدودة ، والأفعال الإبداعية ـ تعالى اللّه عن أن يوصف بصفة طبيعية أو نفسانية أو عقلية وبأن تكون ذاته ذاتا يؤثر فيه شىء أو يلحقه لا حق من خارج أو يوصف بانفعال البتة! بل هو فعل


محض فلا يوصف إلا بالخيرية ، لا على أنها شىء يلحق ذاته بل هى نفس ذاته ، فهى سبب إيجاده لكل موجود. والأجسام الفلكية يعمها جميعا الجسمية والشكل المستدير والحركة على الاستدارة ، وإن فعالها بالطبيعة لا بالقصد ، فإن ما يقال عنها إنما يقع من طبيعية حركاتها وقواها؛ إلا أنها عالمة بما يقع من حركاتها وتشكلها بأشكالها المختلفة وممازجاتها.

المتحرك يحتاج إلى مسافة لأنه إما أن يتحرك فى مكان فتكون الحركة المستقيمة أو يتحرك على شىء فتكون مستديرة فلا غنى لها عن مسافة : فالحركة المستديرة ما لم يكن شىء يتحرك عليه المتحرك بالاستدارة لم يصح وجودها ، كما أن الحركة المستقيمة ما لم تكن مسافة لم يصح وجودها.

صورة الشىء كماله الأول ، وكيفيته كماله الثاني ، والكيفية تشتد وتضعف ، والصورة لا تشتد ولا تضعف. وإذا اشتدت الكيفية حتى تستعد لقبول صورة أخرى فإنها تكون بحركة وسلوك من طرف إلى طرف. والصورة لا تتحرك هكذا بل تنسلخ دفعة.

المعقول يجب أن يكون كليا حتى يمكن حمله على أشياء كثيرة. والمعقول من الشخص الغير المنتشر ، والمحسوس المشار إليه محال فإنه لا يكون له معقول من حيث هو محسوس مشار إليه لأن الإشارة لا تجوز أن تتناول أشياء مختلفة فى الوضع اللهم إلا أن تكون الإشارة إشارات كثيرة فإن الإشارة إلى شىء واحد لا يجوز أن تكون إلى غيره معه فإن وضعيهما يكونان مختلفين ، وكذلك جهتاهما وأمكنتهما فيلزم أن يتناول شيئا واحدا. والمعقول من الشخص الواحد المحسوس المشار إليه محال على أنه معقول ذلك الشخص ، فإنه يتناول أىّ شخص كان من أشخاص نوعه ، إلا أن يكون شخصا نوعه مجموع فيه فإن معقوله جسد لا يقع عليه ولا يتناول غيره ، ويكون معقوله محدوده ، فإن حده خاص له لا يحدّ به غيره. وإذا لم يكن كذلك لم يكن حده مقصورا عليه بل على كل شخص من نوعه. والجزئى وإن كان له معقول فإنه يكون له بالعرض لا بالذات ، وإنما يكون معقول الشخص المنتشر فلا يكون مقصورا عليه وحده بل أىّ شخص كان من أشخاص نوعه. وكذلك محدوده يكون له بالعرض بل يكون محدود الشخص المنتشر. وأما محسوسه فإنه مقصور عليه وحده للإشارة الواقعة عليه ويكون إلى شىء وحده.

الأول بسيط فى غاية البساطة والتحدد ، منزه الذات عن أن تلحقها هيئة أو حلية أو صفة جسمانية أو عقلية ، بل هو صريح ثبات على وحدة وتحدد ، وكذلك الوحدة

تعليقات ابن سينا ـ 33


التي يوصف بها ليست هى شيئا يلحق ذاته بل هو معنى سلبى الوجود ، وكذلك اللوازم التي توصف بها فيقال : هى من لوازمه هى خارجة عن تلك الذات ، وكل ما سواه فلا يمكن أن يتوهم أنه بذلك التحدد لأنه معلول ، وكل معلول فذو ماهية ويكون له صفة أو حلية ، فيكون هناك كثرة بوجه ما. كل ما كان أقلّ بساطة فإنه فى باب المعلولية أبلغ. والجسم ذو كمية وكيفية ووضع وعوارض ولواحق كثيرة. فالمعلولية فيه ظاهرة ، وكذلك الصور الجسمانية تلحقها عوارض وهيئات وأحوال لا تنفك منها. والنفس أيضا تلحقها هيئات وعوارض. والعقل أبعد عن ذلك ، فلذلك تنقسم النفس إلى : أفعال ، وقوى ، والعقل لا ينقسم.

لما كان الإنسان لا يمكنه أن يدرك حقيقة الأشياء لا سيما البسائط منها بل إنما يدرك لازما من لوازمه أو خاصة من خواصه ، وكان الأول أبسط الأشياء ، كان غاية ما يمكنه أن يدرك من حقيقة هذا اللازم ، هو وجوب الوجود إذ هو أخص لوازمه.

القدرة هى أن يصدر عن الشىء فعل بمشيئته ، وأنت قد عرفت أن الفعل الصادر عن الأول صادر عنه بإرادة ، فيكون قد فعل لأنه شاء ولو لم يشأ لم يفعل. وكذلك لا يلزم أنه لا يشاء لأن الشرطىّ لا تتعلق صحته بصدق جزئيته فإذ قد فعل فقد شاء ، وما لم يفعل فلأنه لم يشأ. ولا يتغير الحكم فى أن الشىء قادر ، إذا القدرة تتعلق بالمشيئة سواء كانت المشيئة يصح عليها التغير أو لا يصح عليها التغير.

الوقوف على حقائق الأشياء ليس فى قدرة البشر. ونحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواصّ واللوازم والأغراض ، ولا نعرف الفصول المقوّمة لكل واحد منها ، الدالة على حقيقته ، بل نعرف أنها أشياء لها خواص وأعراض ، فإنّا لا نعرف حقيقة الأول ولا العقل ولا النفس ولا الفلك والنار والهواء والماء والأرض ، ولا نعرف أيضا حقائق الأعراض. ومثال ذلك أنّا لا نعرف حقيقة الجوهر ، بل إنما عرفنا شيئا له هذه الخاصية وهو أنه الموجود لا فى موضوع. وهذا ليس حقيقته ، ولا نعرف حقيقة الجسم بل نعرف سببا له هذه الخواص وهى : الطول والعرض والعمق ، ولا نعرف حقيقة الحيوان ، بل إنما نعرف سببا له خاصية الإدراك والفعل ، فإن المدرك والفعال ليس هو حقيقة الحيوان بل خاصة أو لازم. والفصل الحقيقى له لا ندركه ، ولذلك يقع الخلاف فى ماهيات الأشياء ، لأن كل واحد أدرك لازما غير ما أدركه الآخر فحكم بمقتضى ذلك اللازم. ونحن إنما نثبت شيئا ما مخصوصا عرفنا أنه مخصوص من خاصة له أو خواص ، ثم عرفنا لذلك الشىء خواصّ. أخرى بواسطة ما عرفناه أولا ثم توصلنا


إلى معرفة آنيتها : كالأمر فى النفس والمكان وغيرهما مما أثبتنا آنياتها لا من ذواتها بل من نسب لها إلى أشياء عرفناها ، أو من عارض لها أو لازم.

ومثاله فى النفس : أنّا رأينا جسما يتحرك ، فأثبتنا لتلك الحركة محركا. ورأينا حركة مخالفة لحركات سائر الأجسام فعرفنا أن له محركا خاصا أو له صفة خاصة ليست لسائر المحركين ، ثم تتبعنا خاصة خاصة ، ولازما لازما ، فتوصلنا بها إلى آنيتها ، وكذلك لا نعرف حقيقة الأول ، إنما نعرف منه أنه يجب له الوجود أو ما يجب له الوجود.وهذا هو لازم من لوازمه لا حقيقة. ونعرف بواسطة هذا اللازم لوازم أخرى كالوحدانية وسائر الصفات. وحقيقته إن كان يمكن إدراكها هو الموجود بذاته أى الذي له الوجود بذاته. ومعنى قولنا الذي له الوجود إشارة إلى شىء لا نعرف حقيقته ، وليس حقيقته نفس الوجود ولا ماهية من الماهيات فإن الماهيات يكون بها الوجود خارجا عن حقائقها. وهو فى ذاته علة الوجود ، وهو إما أن يدخل الوجود فى تحديده. ودخول الجنس والفعل فى تحديد البسائط على حسب ما يفرضهما لها العقل ، فيكون الوجود جزءا من حده لا من حقيقته ، كما أن الجنس والفعل أجزاء لحدود البسائط لا لذواتها؛ وإنما يكون له حقيقة فوق الوجود يكون الوجود من لوازمها.

أجزاء حد البسيط تكون أجزاء لحده لا لقوامه ، وهو شىء يفرضه العقل : فأما هو فى ذاته فلا جزء له. ونحن نعرف فى الأول أنه واجب الوجود بذاته معرفة أولية من غير اكتساب فإنا نقسم الوجود إلى الواجب والممكن ، ثم نعرف أن واجب الوجود بذاته يجب أن يكون واحدا حتى يكون نوع وجوده مخالفا لنوع وجود آخر ونعرف وحدانيته بواسطة لازم يلزمه أولا وهو أنه واجب الوجود.

الأنواع التي تحت جنس واحد لا تقدم فيها ولا تأخر ، والجنس يحمل عليها بالسواء. والشىء الذي يتقدم على الآخر فى معنى ما إما أن يكون يتقدم عليه فى ذلك المعنى بعينه كتقدم الجوهر على العرض فى معنى الوجود ، وإما أن يتقدم عليه لا فى ذلك المعنى بل فى شىء آخر كتقدم الأب على الابن فى الزمان والوجود لا فى الإنسانية فإنهما فيهما بالسواء فإنهما لهما لا لعلة بل لماهيتها. وتقدم الهيولى والصورة على الجسم ليس هو كتقدم الجوهر على العرض فإنهما ليسا بعلة لكون الجسم جوهرا بل هو لذاته جوهر ، وجوهرية شىء لا تصير علة لجوهرية شىء آخر.

المخالف يخالف بشيء خارج ، والغير يغاير بالذات ، والمغايرة بالجنس الأعلى تجتمع فى مادة كالكمية والكيفية والوضع والأين المجتمعة فى شىء واحد كالنفاحة.


العدم يحمل عليه السلب ولا ينعكس : فاللابصر يحمل على الأعمى ، والأعمى لا يحمل إلاّ على اللابصير.

قوله : «سائر الأقسام غير مقصودة» يعنى الحكم بأن لها نهاية.

إذا قيل إن هذا الشخص مضاف إلى هذا الشىء فللاضافة التي بينهما إضافة بتلك الإضافة والعلاقة تكون تلك الإضافة : كالأب والابن فإنه بالأبوة التي فى الأب يضاف الأب إلى الابن ، وكذلك الابن. فأما الأبوة فإنها تضاف إلى الأب بلا إضافة أخرى.

أحوال المادة على وجهين : منها ما لا يصح وجود الصورة إلا مع تلك الحال ، ومنها ما يصح وجوده من دون تلك الحال بل مع ضد تلك الحال ، ومنها ما يكون صادقا عن وجود الصورة والصورة هى الغاية الطبيعية. وإذا كانت تلك الأحوال للمادة موجبة لوجود الصورة دخلت تلك الأحوال فى حد النوع ، وإذا لم تكن كذلك لم يدخل موجود القطعة فى الدائرة بسببه حال مناسبة للوجه الثاني ، وكذلك الإصبع فى الإنسان والحادة فى القائمة ـ فإنها أجزاء لماهيتها. فإذا حدّت بالكليات لم يلزم ما ذكر من تأخر أجزاء المحدود عن الحد.

كل ما يكون لوجوده سبب فهو ممكن الوجود ، والممكن الوجود هو أن يكون جائزا أن يكون وأن لا يكون. فأما وجوده بعد العدم فهو ضرورى ، فإنه ليس بجائز وجوده إلا بعد العدم.

الحسّ جنس للمسّ ، فلذلك يحمل عليه ، لكنه فصل لشىء آخر ، ومثل هذا الفصل لا يحمل على ما هو فصل له.

الحدّ له أجزاء ، والمحدود قد لا يكون له أجزاء وذلك إذا كان بسيطا ، وحينئذ يخترع العقل شيئا يقوم مقام الجنس وشيئا يقوم مقام الفصل. وأما فى المركب فإن الجنس يناسب المادة ، والفصل يناسب الصورة.

الوجود من لوازم الماهيات لا من مقوماتها ، لكن الحكم فى الأول الذي لا ماهية له غير الآنية يشبه أن يكون الوجود حقيقته إذا كان على صفة ، وتلك الصفة هى تأكد الوجود ، وليس تأكد الوجود وجودا يخصص بالتأكد ، بل هو معنى لا اسم له يعبّر عنه بتأكد الوجود. ويشبه أن يكون أولى ما يقال فيه أن حقيقته الواجبية على الإطلاق ، لا الواجبية بالمعنى العام. ومعناه أنه يجب له الوجود. وقد يعبّر عن القوى باللوازم إذ ليس يعرف حقيقة كل قوة ، ولو كان يعرف حقيقة الأول لكان وجوب الوجود شرح اسم تلك الحقيقة.


قوم من أصحاب النظر سلكوا الطريق إلى معرفة الأول من المعلومات فقالوا : إن الأجسام لا تنفك عن الأعراض ، والأعراض محدثة فهى إذن محدثة. وقالوا : كل جسم محدث ولا يصح أن يكون الأول جسما وهذه الحجة مع اختلالها وفساد مقدماتها غير مرتضاة فى معرفة الحقيقة فى ذلك من حيث السلوك. ألا ترى أن المحققين سلكوا إلى معرفة واجب الوجود بذاته وأنه ليس بجسم مسلكا آخر وهو أنهم قالوا : إن واجب الوجود بذاته لا ماهية له ، وكل جسم فله ماهية ، والوجود خارج عنه. فواجب الوجود ليس بجسم. وقالت الفرقة المتقدمة فى بيان التوحيد بمسألة التمانع أى «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا »(1) و هى مع سخافتها غير مؤدية إلى حقيقة المطلوب كما يجب ، وإنما الطريق الحق هو أن يقال : إن واجب الوجود بذاته لا يصح أن يكون له علة ، وكل معنى تتكثر أشخاصه فإنه يتكثر بعلة ، وسائر ما قيل فى بيان ذلك من أنه لا يصح أن تكثر أنواعه. وكل هذه البيانات تبنى على مقدمات أولية عقلية غير ملتفت فيها إلى المحسوس وإلى معلومات الأول.

لا يصح فى واجب الوجود الاثنينية فإنه لا ينقسم ، لأن المعنى الأحدى الذات لا ينقسم بذاته فإن انقسم هذا المعنى وهو وجوب الوجود فإما أن يكون واجبا فيه أو ممكنا أن ينقسم ، وكلا الوجهين محال فى واجب الوجود فإنه غير واجب فيه أن ينقسم اثنين لأنه بذاته واجب ولا علة له فى وجوده فهو أحدىّ الذات والإمكان منه أبعد.

المعنى فى الأعيان غير وجوده فى الذهن ، ومثال ذلك الفرح مثلا فإن وجوده فى الإنسان غير وجود صورته فى الذهن. وإذا وجد الفرح وعلم أنه قد فرح : يكون قد حصل صورة الفرح فى ذهنه ، وقد يكون الإنسان فرحا ولا يعلم أنه قد فرح كمن يبصر شيئا ولا يعلم أنه يبصر ، فإذا علم أنه أبصره يكون قد علم ذاته أولا ، وإذا لم يعلم أنه أبصره لم يحصل صورته فى ذهنه فلم يكن له وجود فى ذهنه.

نسبة الأفعال الجميلة إلى وجود الملكة الفاضلة كنسبة التأملات والأفكار إلى وجود اليقين. فكما أن التأملات والأفكار لا توجد اليقين بل تعد النفس لقبول النفس فكذلك الأفعال الحسنة تعد النفس لقبول الملكة الفاضلة من عند واهب الصور.

قولنا : «تغير فى سواديته» أى تغير فى الفعل لا فى عارض ، والكيفية تبطل عند التغير وتجىء كيفية أخرى إما أن تكون مثلها فى النوع أو تخالفها لا محالة بشيء وإلا فلم تتغير بحسب المشابهة ، بل تكون الأحوال متشابهة. وإن كانت الكيفية تخالف

________________

1) سورة الأنبياء آية 22.


الأخرى فإما بمعنى فصلى وإما بمعنى عرضى فيكون قد قارن تلك الكيفية عارض كأن يجوز أن يقارن الأول وهو بحالة فى كيفيته. وربما تغير بمقارنة ما ليس هو فيكون السواد المتغير لم يتغير فى سواديته بل فى عارض لا يجعل نفس السواد متغيرا ، وهذا لا يمنعه. فإن كان يجعل نفس السواد متبدلا فى سواديته فهو إذن فى الفصل. وكذلك الحال فى المزاج.

كل شىء له فى ذاته ترتيب فلا يجوز أن يكون غير متناه ، والعدد الذي يكون له ترتيب لا يصح أن يكون غير متناه. والعدد لا نهاية له لكن ليس بالفعل. والترتيب هو أن يكون موجودا بالفعل. وقولنا : «الكل ليس بموجود» هو غير قولنا «كل واحد موجود» فإن هذا صادق ، وقولنا : «الكل فى الأشياء الغير المتناهية موجود» ـ كاذب.

النظر فى العدد إما أن ينظر في أنه عدد أوفى أنه عارض لطبيعة أو لأمور مفارقة. والنظر فى أنه عدد وفى أنه عارض للمفارقات يتعلق بما لا يخالط الحركة ، والنظر فى أنه عارض لطبيعة فيتعلق بما يخالط الحركة ، والنظر فى الجمع والتفريق فيتعلق بما يخالط الحركة إذ الجمع والتفريق لا يتمسّان إلا بحركة والشىء الذي لا يقبل الحركة لا يمكن جمعه وتفريقه بل لا يصح فيه معنى الجمع والتفريق. والعدد العددى جعلوه مثلا للعدد وجعلوه مفارقا. والعدد التعليمى هو المقارن للمادة لكنه قد جرد عنها ، والعدد بالتكرار هو أن يكون وحدة سارية فى جميع الأعداد فيكون تارة واحدا وتارة اثنين وتارة ثلاثة وتكون الوحدة الشخصية باقية بعينها ويكون كل عدد بفعله التكرير للوحدة بقدر عدد ذلك العدد ومراته وتكون تلك الوحدة ثانية بشخصيتها لا بنوعيتها؛ وهذا محال فإن الوحدة فى الثاني هى غير الوحدة فى الأول بالشخص هى تلك فى النوع؛ وتكرار الوحدة يجب أن يكون فى الوسط عدم حتى يصح التكرار. فإنها إن لم تعدم الوحدة أولا ثم توجد ثانيا لم يكن تكرار ، وإذا تكررت الوحدة مرارا فإنه لا يكون إلا بأن يكون هناك مرة بعد مرة وهذه المرة إما زمانية وإما ذاتية. وإن كانت زمانية ولم يعدم الوسط فان الوحدة هى كما كانت فإنها كررت ، وإن عدمت ثم أوجدت فالموجدة موجدة أخرى بالشخص. وإن كانت ذاتية لا زمانية تكون تلك الذات بعينها باقية وإن كررت مائة مرة ويلزم أن تكون الوحدة غيرها. وهذا محال فإن الشيء لا يكون غير ذاته. والقائلون بالعدد العددى يجعلون الوحدة الأولى غير كل وحدة من اللتين فى الثنائية واتفاقها ، وكذلك السبيل فى الثنائية. والثلاثية وسائر الأعداد. ويقولون إن الثنائية يلحقها من حيث هى ثنائية وحدة غير وحدة الثلاثية فيلزم من ذلك أن لا يكون عدد مركبا من عدد ، وحتى تكون العشارية مركبة لا من خماسيتين فإن آحادها غير آحاد الخماسية


وليست هى مندرجة فى العشارية وهى مخالفة لآحاد العشارية فيلزم أن تكون الخماسية إذا أضيفت إلى العشارية لا تصير خمسة عشر إلا أن تستحيل آحادها ، أى تكون آحادها مغايرة لآحاد العشارية بل مشاكلة.

الهيولى : معنى قائم بنفسه وليس موجودا بالفعل ، وإنما يوجد بالفعل بالصورة ، فإن جاز أن يكون هيولى لا نهاية لها إما طبيعية وإما أشخاصها صحّ وجود جسم لا نهاية له أو أجسام لا نهاية لها فى العدد. وقد أبطل ذلك فى الطبيعيات.

الهيولى : هى مبدعة ، وهى متناهية ، ولا يجوز أن تكون الأشخاص من جهة الهيولى غير متناهية ، والهيولى باعتبار ذاتها لا يصحّ عليها معنى التناهى واللاتناهى ، إذ هى غير متحيزة ولا متميزة.

الشىء الموجود بالفعل لا يكون له أبعاض 1غير متناهية. إذا كان للأبعاض ترتيب كانت تلك الأبعاض مقدارية أو معنوية : فالمقدارية ظاهر أمرها أنها تكون متناهية ، وأما المعنوية فإذا كان لها ترتيب أى يكون هذا البعض أولا وذاك ثانيا وذاك ثالثا فإن الترتيب ينتهى عند حد ، إذ لا يجوز أن تكون الوسائط بين الطرفين المرتبين غير متناهية وإلا لم يكن الشىء موجودا بالفعل ، وإنما يصح فى الشىء الترتيب إذا كان بالفعل ، وإذا لم يكن للشىء ترتيب يجوز أن يكون غير متناه فإنه يكون حينئذ بالقوة.

إذا كان معلول أخير مطلقا أى لا يكون علة البتة وعلة لذلك المعلول ، لكن لا بد لها من علة أخرى ، تكون هذه العلة فى حكم الواسطة سواء كانت متناهية أو غير متناهية فلا يصح وجودها ما لم يعرض طرف غير معلول البتة. والعلة يجب أن توجد موجودة مع المعلول ، فإن العلل التي لا توجد مع المعلولات ليست عللا بالحقيقة بل هى معدّات أو معينات وهى كالحركة.

وجوب ثبات العلة يكون من جهة أن المعلول يجب أن يكون مع العلة ، وهذه الصور والأجسام كلها غير واجبة الوجود وبذواتها بل هى معلولة وثابتة فتحتاج إلى علة خارجة ثابتة ولا يجوز أن يكون نوع منها علة لنوع ولا شخص علة لشخص فعلتها إذن غيرها وهو واهب الصور. والحركات ليست هى عللا بالحقيقة ، بل هى معدّة ومهيئة.

العلة ليس من شأنها أن تتقدم المعلول بالزمان ، بل فى الوجود والذات.

________________

1) فى هامش ب : الأبعاد.


اذا كان شخص ما من الأشخاص ـ نارا كانت أو غيرها ـ علة لوجود نار لم يكن ذلك الشخص بالعلية أولى من شخص آخر من نوعه فى أن يكون علة. والشخص الذي هو المعلول سبيله سبيل سائر الأشخاص فى أن الشخص الذي هو العلة ليس هو أولى بالعلية من الشخص الذي هو معلول. وما يستغنى عنه بغيره لا يكون علة بالذات ، وأما تقدمه فى الزمان فبأسباب خارجة كأن يجوز أن يعرض للشخص المعلول. فيجب أن تكون العلة متقدمة بالذات لا بسبب عارض حتى تستحق أن تكون علة. فعلة النار مثلا يجب أن تكون موجودة خارجة عن طبيعة النار.

إن قال قائل إن الصبىّ فى استمراره إلى بلوغ الكمال ليس يجب أن يقال إن الوسائط متناهية ، لأن هذا الاستمرار ينقسم إلى ما لا نهاية له فإن الاستحالات غير متناهية والأحوال غير متناهية كالحال فى سائر الحركات فى أنها لا تتناهى ـ كان الجواب فى ذلك : اللانهاية فى مثل ذلك تكون موجودة بالقوة لا بالفعل.

الأشخاص الغير المتناهية لا تكون علة للأنواع إلاّ بالعرض فلا يجب أن تكون الأنواع غير متناهية أو هى تكون لها عللا بالعرض أى تكون علة للشخصية دون النوعية.

شخص من الماء إذا كان علة لشخص من الماء أو الهواء لا يصح أن يكون علة ذاتية أى علة لوجوده وإلاّ وجب أن تكون أشخاص لا نهاية لها موجودة معا لأن العلل الذاتية تكون مع المعلولات ، فإذن هو علة بالعرض أعنى أنها معدّة ومميطة للعائق لا علة لوجود ذلك الشخص. والحال فيه كالحال فى الحركة فى أنها معدة وفى كونها غير متناهية وأنها إذا بطلت حركة وحصلت حركة أخرى أوجب ذلك شيئا يكون علة لشىء معلول آخر.

ليس كون الماء علة مادية للهواء أولى من كون الهواء علة مادية للماء ، وإن كان شخص من الماء يصير بالضرورة متقدما على شخص من الهواء فإنه علة له بالعرض لأن الشخص لا يصير علة لوجود النوع إلا بالعرض على ما عرفت حيث كان الكلام فى العلل ـ فليس ذلك الشخص علة بالضرورة للشخص الآخر فى الوجود ، بل هو معدود وإلاّ وجب وجود علل لا نهاية لها معا لأن الأشخاص غير متناهية ويلزم أن تكون موجودة معا ويجب أن تكون مع المعلولات إذا كانت ذاتية. فإذن هى علل بالعرض لأن العلل الذاتية ليست غير متناهية.

كل ما لا نهاية له لا بداية له ، والأشخاص لا بداية لها ، والحركات لا بداية لها ، والحركة لا يجوز أن تكون عللا لأشياء قارّة لأنها غير قارّة ، وحركات العلل علل معدّة


لا موجبة للكائنات وهى أيضا علل لحركاتها ، وإنما أسبابها الموجدة الذاتية العقول الفعالة.

لو كانت الغاية موجودة فى علم مخصص كما ظنّ ، لم يكن النظر فيها إلا لصاحب العلم الكلى ، فإنه ينظر فيها أنها كيف كانت لو كانت عامة وكان النظر فيها نظرا عاما لا مخصصا ولم يكن فى منّة(1) صاحب العلم الجزئى أن يثبتها ويتكلم فيها وفيما يعرض لها المهندس مثلا لا ينظر فى المقادير والأشكال أنها هل هى لغاية أو لغير غاية ، وهل خلق الفلك لغاية أو لغير غاية.

المقادير من حيث هى غير مشكلة هيوليات قريبة للأشكال المقدارية ولخواصها. والوحدات أيضا هيوليات قريبة للعدد ولخواص العدد.

خواص المقادير والعدد هى غايات تتأدى إليها هيئاتها ، ولو لا أنها غايات لما كان الطالب يطلبها فإن الغاية فى الاستدارة شىء من خواصها ، لا نفس الاستدارة ، وتلك الخواص غاية لشكل الاستدارة.

الغاية توجد فى كل العلوم.

وإذا بطل السواد فقد بطل معه فعله المنوع له ، وبطلت حصة من طبيعة الجنس فإن اللون معنى عام يعمّ السواد وسائر الألوان ، ويكون لكل واحد فصل يحصل حصة من اللون ويخصصه كالنطقية مثلا التي تفرز حصة الإنسان من الحيوان وتحصلها أو تخصصها ، فإن فرضنا أن فصله المنوع له باق بكون السواد أيضا باقيا ، وإن فرضنا أن حصته من طبيعة الجنس باقية كان ذلك الفصل ـ الذي فرضناه فصلا منوعا ـ عرضا لا فصلا ، فإن الفصل هو الذي يتعلق به قوام الشىء والعرض لا يتعلق به.

الجوهرية فى النار إذا فسدت النار لا يصح أن تبقى مع حدوث الهواء حتى تبقى حصة الجنس مع فساد الفصل ، وكذلك الحيوانية التي فى الإنسان : فإنها ليست هى الحيوانية التي فى الفرس حتى يكون فيهما معنى واحد بالتغيير.

البياض إذا استحال سوادا كان له استحالات لا نهاية لها لكنها ليست بالفعل ولا تكون تلك الاستحالات موجودة معا بل تكون على سبيل التحدد كالحال فى الحركة.

ولا يمكن أن تكون فى آن واحد ثابتة على حالة واحدة بعينها ويكون مشارا إليها ولا يكون تغيره بالأشخاص بل بالأنواع. وأما الصور الجوهرية مثل الماء والنار فإنها تستحيل دفعة واحدة بغير وسائط ، فيجب لو كانت بينها وسائط غير متناهية أن تكون

________________

1) منّة : قوة.


تلك الوسائط بالفعل ، وهذا محال لما عرف وهو أن ما يكون بالفعل يجب أن يبقى آنا ويفسد فى آن ، وبين كل آنين زمان ، وإما أن توجد تلك الصور فى زمان غير متناه ومثل هذا لا يصح أن يكون بين متقابلين على ما تعرفه ، وإما أن توجد صور غير متناهية بالفعل فى زمان متناه ـ وهذا أيضا محال.

البخار ماء متصعد ، ونسبته إلى الماء نسبة الغبار إلى الأرض.

ليس للألوان فصل جوهرى نسبته إلى البياض والسواد كنسبة النطق إلى الإنسان؛ ولا للبسائط فصل جوهرى أيضا بل يكون ذلك للمركب الجوهرى.

إن الحيوان ليس يحتاج فى أن يكون حيوانا إلى أن يكون ناطقا أو غير ناطق ، بل يصح أن يكون هذا أو ذاك ، ولكن لا بد من أن يحمل ، لكن إذا حمل فقد تخصص ، فصار إما ناطقا وإما غير ناطق.

الذي يعرض للمادة المطابقة كالذكورة والأنوثة لا تؤخذ المادة والنوع الذي عرض له فى حدوده. والذي يعرض للمادة المتخصصة كالإصبع فإنه جزء للجسم لا مطلقا بل للجسم الذي صار حيوانا أو إنسانا. والحادة والقطعة ليس جزءا للسطح مطلقا بل لسطح صار قائمة أو دائرة فإنه تؤخذ تلك الصورة والنوع فى حدوده.

الكميات لها أجزاء ، والكيفيات لا أجزاء لها ، وليس لكل نوع إلا للجوهر المركب والكمية.

الخط ليس صورة الجسم ولا فاعله ولا غايته ولا هيولاه ، بل الجسم التام فى الأبعاد هو غاية الخط أى غاية وجود الخط الجسم فإنه يحتاج إليه للجسم ، وهو فاعله لأن الجسم ما لم يتناه فى الأبعاد إلى أبعد غاية لم يحدث خط.

القائمة هى معنى واحد ، وإذا تغير بطل معناها فلا تكون قائمة أكبر من قائمة ومنفرجة أكبر من منفرجة وحادة أكبر من حادة ، فليس كل منهما شيئا واحدا بل له أنواع. والقائمة هى كالواسطة والاعتدال الذي لا أعراض له ، فهى كالمعنى الوجودى. والحادة والمنفرجة إنما يعرفان بالقياس إليها كما تعرف الأعدام بالوجوديات وهى كالاعتدال وتانك هما كالخروج عن الاعتدال.

ما يكون منه الشىء إما أن يكون ذلك الشىء فيه وذلك كالنار إذا كانت علة للحرارة واليبوسة فإن علتهما فى جملة النار صورة ، وكذلك الحكم فى سائر اللوازم فإن الشىء إذا لزم عنه شىء إما أن يلزم عنه فى نفسه أو يلزم عنه فى غيره ، وإما أن يكون منه الشىء لا بأن يكون فيه ، وذلك كالإله للعالم.


الصورة ليست علة صورية للمادة بل صورة للمادة ، وهى علة صورية للمركب وليست علة للمركب. وسبب الخضرة فى السماء اختلاط المرئى بغير المرئى والهواء غير مرئى ، والهباء المنبث فيه مرئى ، فهذه الزرقة هى خلط مما هو مرئى وغير مرئى ، والهواء مشفّ والمشفّ غير مرئى.

الكرة التاسعة ليس لها إلى الحاوى نسبة بل إلى المحوىّ.

الوضع هو نسبة أجزاء جملة الشىء بعضها إلى بعض مأخوذة مع نسبتها إلى الجهات الخارجة عنها : كانت تلك الجهات حاوية أو محوية.

الاختلاف فى الوضع مع وحدانية الطبيعة اختلاف فى الشخص والعدد. فأما إن اختلفت الطبيعة كالرأس والساق فى الفوق والأسفل فحينئذ يختلف الوضع اختلاف التضاد. ويجب أن يتضاد هذا الذي كان أسفل ثم صار فوق والذي كان فوق ثم صار أسفل.

المحاذاة تابعة للوضع. وإذا تغير الوضع تغيرت المحاذاة والموازاة وجميع النسب التي تكون لذى الوضع ، وربما تغير الوضع ولم يتغير المكان الذي يكون فيه ذو الوضع.

قولنا متى وأين ليس يعنى به كون الشىء فى المكان أو الزمان مركبا ويعنى بالتركيب الموضوع مع نسبة ، بل يعنى به نفس النسبتين. فنفس النسبة هو الأين لا المنسوب ولا المنسوب إليه ولا مجموع النسبة والمنسوبين ، وكذلك الحال فى الإضافة والأخوّة.

متى هو الكون فى الزمان ، والزمان الواحد يصح أن يكون زمانا لعدة كثيرة بالتحقيق. فأما متى كل واحد منها فهو خلاف متى الآخر ، فإنّ كون كل واحد منها فى ذلك الزمان غير كون الآخر. والأين هو كون الشىء فى المكان ، ومعناه وجوده فيه ، وهو وجود نسبى لا وجودا على الإطلاق ، وهو مختلف فيه فإن كون زيد فى السوق غير كون عمرو فيه ، والكون فى الزمان غير نفس الزمان. وإذا بطل كون الواحد فى زمان لم يبطل كون الآخر ، والزمان ليس وجوده فى زمان فكذلك ليس بعدم فى زمان.

نسبة الأول إلى العقل الفعال أو إلى الفلك نسبة غير متقدرة زمانية ، بل نسبة الأبديات ، ونسبة الأبديات إلى الأبديات تسمى السرمد والدهر.

الزمان يدخل فيه ما هو متغير. ونسبة الأبديات إلى الزمان هو الدهر فإن الزمان متغير والأبديات غير متغيرة.

كل ما يقع في الزمان فإنه ينقسم كالحركة ، وذو الحركة المماسة يقع وطرف الزمان ، والطرف لا ينقسم ، واللامماسة لا تقع إلا فى الزمان لأنه مفارقة المماسة ، والمفارقة حركة.


متى الشىء هو كون الشىء فى زمانه. وقد يكون الزمان موجودا ، ولا يكون ذو الزمان فيه ولا يكون متى. وكذلك الأين.

إذا قيل هذا أشد سوادا من ذلك فليس يعنى السواد المطلق فإنهما فى حد السواد واحد ، لأنه يحمل على كليهما بالسواء بل معناه أن هذا فى سواده المخصص أشد من ذلك فى سوداه المخصص ، وإنما يكون ذاك بالإضافة إلى البياض بأن يكون هذا أقرب إلى البياض من ذاك.

معنى اشتداد السواد هو أن يشتد الموضوع فى سواديته لا أن يشتد سواد فى سواديته على أنه بقى منه أصل وانضاف إليه فرع ، بل يكون الأول قد بطل وحدث نوع آخر وعلى هذا يجب أن يكون كل سواد موجود عنه الاسوداد غير الأول بالنوع وهو فى حد ذاته لا يقبل الاشتداد والتنقص ، بل إنما يعرضان للسواد المعين بحسب قربه من الغاية وبعده. وكذلك الحال فى المزاج فإن النوع الأول من المزاج يبطل ويحدث نوع آخر من المزاج مخالف للأول ومعنى قولنا اشتد الشىء فى سواديته أنه تغير الشىء فى حقيقته السوادية لا فى عارض من عوارض السوادية. وإذا كان كذلك يكون تغير فى الفصل ، وإذا تغير فى الفصل يكون قد تغير فى النوع.

من الإضافة ما لا تنفك عن إضافتها إلى المضاف إليه كهيئة العلم فإنه لا ينفك عن إضافته إلى العالم والمعلوم ، ومنه ما لا يلزم فيه ذلك دائما كالإضافة التي هى أبوه أو بنوه فإن الأب من حيث هو إنسان قد ينفك عن إضافته إلى الابن.

المخالفان هما معا فى الوجود من حيث الإضافة ، كما أن المتشابهين هما معا فى الوجود ، من حيث الإضافة.

المتضادان يلزمهما التضايف بسبب التنازع ويكون كلّ واحد منهما معقول الماهية بالقياس إلى الآخر بسبب التنازع ، وصحيح أن يقال إنهما حيث هما متضادان متضايفان ، وليس صحيحا أن يقال من حيث هما متضايفان متضادان.

إذا قلنا : «لا خفيف ولا ثقيل» ليس يعنى به أنه متوسط بينهما بل يعنى أنه خارج عن جنس الخفة والثقل ، وهو سلب على الإطلاق كما يقال إن الصوت لا يرى فهو سلب على الإطلاق ، وليس كما يقال لا حار ولا بارد ويعنى به الفاتر.

الإيجاب والسلب يوجدان فى العلوم مخصصين ، والعدم والملكة هما الإيجاب والسلب مخصصين فى الموضوع فإن الإنسان إما أن يكون أعمى أو يكون بصيرا ، ومعناه أن الإنسان إما بصير وإما ليس بصيرا.


قد يكون اللفظ محصلا ومعناه غير محصل ، وقد يكون المعنى محصلا واللفظ غير محصل ، وذلك كما يقال : «ملول» فإنا نعنى به عدم الثبات وهذا كما يكون سلب لفظى وإيجاب معنوى وبالعكس.

الخير والشر ليسا جنسين بالحقيقة فإنهما يختلفان وذواتهما بحسب اعتبارات مختلفة وبحسب إضافات ، فإنه يشبه أن يكون ما يظنه أحد خيرا يظنه أحد لا خيرا ، وكذلك الموافق والمخالف هما من اللوازم التي تلزم الأشياء ، والراحة والألم من الموافق والمخالف والموافق والمخالف لا يدخلان فى تقويم الموضوع لهما ، وهما من مقولات كثيرة. وإذا كان شىء مركبا من مقولتين فلا ينسب إلى أحدهما إذا تساويا فيه بل يجب أن يخترع له معقوله.

كل حادث فقد حدث بعد ما لم يكن : فيجب أن يكون لحدوثه علة هى أيضا حادثة ، ولتلك العلة علة أخرى ، ولتلك أخرى فيتسلسل إلى ما لا نهاية. والكلام فى كل واحد منها كالكلام فيما قبله ولا يقف فيها سؤال «لم» فإما أن تكون كل علة فى آن فتتشافع الآنات؛ وإما أن تجتمع معا فى زمان ، وكلاهما محال أعنى تشافع الآنات واجتماع العلل كلها فى زمان واحد ، فيلزم حينئذ أن تكون هذه العلل إما حركة وإما ذوات حركة ، لأن الحركة بذاتها تبطل ، لا بسبب مبطل فيكون بطلانها علة لحدوث حركة أخرى فلا تكون الأسباب مجتمعة فى زمان ، ولو لا الحركة لما صح وجود حادث لما ذكر من وجود تشافع الآنات أو اجتماع العلم فى زمان واحد ، وقد عرف بطلانها ، فيجب أن تكون العلل الحركة التي تعدم واحدة وتلحق أخرى.

إذا سئل فقيل : لم حصل هذا الشخص؟ فقيل : لأنه كان كذا ، فيقال : ولم كان كذا؟ فقيل : «لأنه كان كذا» ـ فيجب أن تكون هذه الأشياء كلها فى آنات. وتشافع الآنات محال ، فيجب أن يكون هاهنا حركة فائتة ولا حقة.

العلل الحقيقية يجب أن تكون متناهية. فإنها إن لم تكن متناهية وجب وجود أشياء غير متناهية فى زمان واحد. وهذا محال. والعلل المعدّة وهى التي تعد المعلول لقبول الصورة أو الهيئة يجوز أن لا تكون متناهية ، وكذلك العلل المعينة يكون بعضها قبل بعض وتتعلق بالحركة.

عدم علة الحركة هو علة عدم الحركة.

البانى علة لتحريك اللّبن ، ثم إمساكه عن التحريك علة للسكون ، فإن عدم علة الحركة علة عدم الحركة. ثم ثبات اللّبن من مقتضى طبيعة الأرض ، ومستحفظ


طبيعة الأرض واهب الصور ، والنار علة لاستعداد تام فى المادة المسخنة ، والأب علة لحركة المنىّ ، وحركة المنىّ إذا انتهت إلى القرار علة لحصول المنىّ فى القرار ، ثم حصوله فيه علة لأمر ما ، وأما تصويره حيوانا وبقاؤه فعلته واهب الصور.

علة بقاء الفلك على نظامه وترتيبه طبيعته المقتضية لحفظ نظامه؛ وعلة طبيعته البارى.

الأب علة بالعرض لوجود الابن فإنه علة لتحريك المنىّ إلى القرار. ثم انحفاظ المنىّ فى القرار إما بطبعه وإما بانضمام فم الرحم ، وهو المانع الذي يمنعه عن السيلان ، ثم قبوله بصورة الإنسان لذاته. وأما مفيد الصورة فهو واهب الصّور. والبناء ليس هو علة لوجود البيت ، بل هو سبب لتحريك أجزاء البيت إلى أوضاع مختلفة تحصل من تلك الأوضاع صورة البيت ، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع تلك الأجزاء.

لو كانت الحرارة محددة كانت تسمى فاعلا بذاتها. ولما كانت آلة لشىء آخر هو النار ، وهى فاعلة بقوة ، فإن النار فاعلة بها أعنى بالحرارة التي هى قوتها. ومثاله فى النفس ولو كانت النفس فاعلة محددة كانت فاعلة بذاتها ، ولما صارت آلة لشىء صار بها فاعلا بالقوة ، ولو كان البدن فاعلا محددا من دونها كان فاعلا بذاته ولما صار آلة لها وكان الفعل به آليا.

العدم سبب للعدم : كعدم الحرارة يكون سببا لعدم ما يكون منه الحرارة ، يعنى لعدم اللطافة.

السؤال إذا لم يجب عنه بالغاية التي ينقطع عندها السؤال يكون لازما وعائدا مثلا يقال : لم كان كذا؟ فيقال : إنه كان كذا أو لا يكون ذلك الغاية التي ينقطع عندها السؤال ، بل يلزم أن يعاد السؤال.

سبب هذه التغيرات شىء متغير لا محالة وهو الحركة. وهذه التغيرات تتأدى إلى ثابت واحد ، وهذه المختلفات تتأدّى إلى نظام واتفاق واتحاد.

الاختلافات فى الأجناس وفى الأنواع وفى الأشخاص وفى الأحوال كلها الموجودة أعنى الاختلافات مقتضى معنى واحد وهو نظام الكل وحفظه ، فإن أجناس الموجودات كالحيوان مثلا وأنواعها كالإنسان مثلا وأشخاصها كأشخاص الإنسان وأحوالها المختلفة عليها كلها يقتضيها نظام الخير فى الكل وهو يؤدى إلى نظام عقلى. ولو صح أيضا وجود الأدوار لكان أيضا من مقتضى ذلك النظام والضرورات التابعة للغايات فى الموجودات وإن لم تكن مقصودة فى حفظ نظام الكل فإنها صرفت إلى أشياء نافعة بالتدبير الإلهى


ليحفظ بها نظام الكل. والشىء الواحد الجزئى الذي تتوافى إليه الأسباب وإن كان مستنكرا فى العقل كسرقة السارق وزنا الزانى لو لم يكن نظام العالم محفوظا فإن الأسباب المؤدية إليه هى الأسباب فى حفظ نظام العالم وهو كالضرورى التابع لها. والعقوبة التي تلحق الزانى والظالم إنما تقع عليهما لحفظ نظام الكل ، فإنه إن لم يتوقع المكافأة أو لم يخف المكافأة على ظلمه وفعله الشر والقبيح لم يقلع عن فعله ولم ينزجر فلم يبق نظام الكلّ محفوظا. ودخول الشرّ فى القضاء الإلهى هو أن ذلك الشر تابع للضرورى الذي هو من القسم الثاني. وهذا الضرورى قد صرّف بالتدبير الإلهى حفظ نظام الكل على أتم ما يمكن أن يكون كالشيخوخة والموت ، فإن الشيخوخة أمر ضرورى تابع وقد جعلت علة لطهارة النفس وكسر قواها الحيوانية ، والموت جعل علة لوجود أشخاص ونفوس لا نهاية لها كانت تستحق الوجود.

حصول الضوء فى القابل له هو من جهة واهب الصور ، ويكون حصوله فيه هو زوال العائق عنه الذي هو الظلمة وتمام استعداده لقبوله.

الضوء هو انفعال فى القابل من المضيء أو حصول أثر فيه من واهب الصور.

الألوان إنما تحدث فى السطوح من حصول المضيء ، وليست فى ذواتها موجودة : وهى أعراض تحصل بواسطة المضيء. وسبب كونها مختلفة وأن بعضها أبيض وبعضها أسود وبعضها فى كذا ، اختلاف الاستعدادات فى المواد.

لا يجوز أن يكون المضيء موجودا والضوء غير موجود ويجب أن يكونا معا من غير زمان ، وذلك كالهيولى والصورة فإن وجودهما معا بلا زمان. فإنه كما توجد الصورة من واهب الصور توجد الهيولى بالفعل.

سبب إجابة الدعاء توافى الأسباب معا لحكمة إلهية ، وهو أن يتوافى دعاء رجل مثلا فيما يدعو فيه وسبب وجود ذلك الشىء معا عن البارى. فإن قيل : فهل كان يصح وجود ذلك الشىء من دون الدعاء وموافاته لذلك الدعاء؟ قلنا : لا ، لأن علتهما واحدة وهو البارى ، وهو الذي جعل سبب وجود ذلك الشىء الدعاء كما جعل سبب صحة هذا المريض شرب الدواء ، وما لم يشرب الدواء لم يصح. وكذلك الحال فى الدعاء وموافاة ذلك الشىء فلحكمة ما توافيا معا على حسب ما قدر وقضى. فالدعاء واجب ، وتوقع الإجابة واجب. فإن انبعاثنا للدعاء يكون سببه من هناك ، ويصير دعاؤنا سببا للإجابة وموافاة الدعاء لحدوث الأمر المدعو لأجله هما معلولا علة واحدة ، وربما يكون أحدهما بواسطة الآخر. وقد يتوهم أن السماويات تنفعل من الأرضية ، وذلك أنا ندعوها فتستجيب لنا


ونحن معلولها وهى علتنا ، والمعلول لا يفعل فى العلة البتة. وإنما سبب الدعاء من هناك أيضا لأنها تبعثنا على الدعاء ، وهما معلولا علة واحدة. وإذا لم يستجب الدعاء لذلك الرجل ، وإن كان يرى الغاية التي يدعو لأجلها نافعة ، فالسبب فيه أن الغاية النافعة إنما تكون بحسب نظام الكل لا بحسب مراد ذلك الرجل ، فربما لا تكون الغاية بحسب مراده نافعة فلذلك لا تصح استجابة دعائه. والنفس الزكية عند الدعاء قد تفيض عليها من الأول قوة تصير بها مؤثرة فى العناصر فتطاوعها العناصر متصرفة على إرادتها ، فيكون ذلك إجابة للدعاء ، فإن العناصر موضوعة لفعل النفس عنها. واعتبار ذلك فى أبدانها صحيح فإنا ربما تخيلنا شيئا فتتغير أبداننا بحسب ما تقتضيه أحوال نفوسنا وتخيلاتها. وقد يمكن أن تؤثر النفس فى غير بدنها ، كما تؤثر فى بدنها ، وقد تؤثر النفس فى نفس غيرها ، كما يحكى عن الأوهام التي تكون لأهل الهند إن صحّت الحكاية. وقد تكون المبادي والأوّل تستجيب لتلك النفس إذا دعت فيما تدعو فيها إذا كانت الغاية التي تدعو فيها نافعة بحسب نظام الكل.

كل ما يصدر عن واجب الوجود فإنما يصدر بواسطة عقليته له. وهذه الصورة المعقولة له يكون نفس وجودها نفس عقله لها ، لا تمايز بين الحالين ولا ترتيب لأحدهما على الآخر ، فيكون عقله لها ممايزا لوجودها عنه. فليس معقوليته لها غير نفس وجودها عنه. فإذن من حيث هى موجودة هى معقولة ومن حيث هى معقولة هى موجودة ، كما أن وجود البارى ليس إلا نفس معقوليته لذاته. فالصور المعقولة له يجب أن يكون نفس وجودها عنه نفس عقليته لها ، وإلا إن كانت مقولات أخرى علة لوجود تلك الصور كان الكلام فى تلك المعقولات كالكلام فى تلك الصور ويتسلسل إلى غير النهاية. فإنه يجب أيضا أن تكون قد عقلت أولا حتى وجدت وذلك إلى ما لا نهاية ، أو تكون إنما عقلت لأنها وجدت فيكون علة معقوليتها وجودها ، وعلة وجودها معقوليتها ، فيلزم أن تكون علة معقوليتها معقوليتها وعلة وجودها وجودها.

الصور المعقولة إما أن توجد عنه بعد أن تكون معقولة فتكون قبل وجودها عنه موجودة لأنها إن لم تكن موجودة لم تكن معقولة ، فإن ما هو غير موجود لا يعقل ، فيلزم إذا كانت موجودة أن تتقدمها عقليته لها ، وذلك إلى غير نهاية. والكلام فى ذلك كالكلام فى هذا ، لأنها كانت معقولة له. وهى أيضا من لوازمه ، فتكون قد عقلت هذه أيضا بواسطة صور معقولة أخرى الكلام فيها كالكلام فى هذه ويتسلسل الأمر.

إن قيل : إنما وجدت هذه اللوازم لأنها عقلت ، وعقليته لها التي هى سبب وجودها


هى من اللوازم ، لزم السؤال فيقال : لم وجدت ، وبواسطة أىّ شىء؟ فيقال إنما وجدت لأنها عقلت فيتسلسل الأمر.

هذه الصور المعقولة من لوازم ذاته. وإذا تبع وجودها عقليته لها كانت عقليته لها من لوازم ذاته أيضا ، فتكون وجود العقلية من تعقله لها ، فيكون تعقّل بعد تعقل إلى ما لا نهاية.

إن صدر وجودها عنه بعد عقليته لها فيلزم أن تكون موجودة عند عقليته لها. فإن المعقول يجب أن يكون موجودا ، وإذا كانت موجودة يجب أن يتقدم وجودها أيضا عقليته لها فيتسلسل ذلك إلى غير نهاية فيجب إذن أن تكون نفس عقليتها لها نفس وجودها.

إن جعل بواسطة شىء عقليته لها يلزم أن يكون الشىء موجودا وتتقدمه عقليته له ويلزم أن يعود آخر الأمر إلى شىء تكون نفس عقليته له نفس وجوده حتى لا يتسلسل.

الموجودات الصادرة عن الأول ليس انتظامها لأن المقصود فيها هو النظام ، بل إنما لها النظام لأنها مراد الأول وهو نفس النظام.

الأول لا يتكثر لأجل تكثر صفاته ، لأن كل واحد من صفاته إذا حقق تكون الصفة الأخرى بالقياس إليه ، فتكون قدرته حياته وحياته قدرته وتكونان واحدة فهو حي من حيث هو قادر ، وقادر من حيث هو حي ، وكذلك سائر صفاته.

الأفعال الصادرة عن الأوائل لا تصدر عنها لأغراض لها كما تصدر عنّا أفعالنا لأغراضنا ، بل تصدر عنها لوجودها ، ولأن وجودها وجود تقتضى أن تكون عنها هذه الموجودات فهذه الموجودات موجودة عن وجودها ، لأنه ذلك الوجود لا لشىء آخر.

فرق بين أن تفيض عن الشىء صورة معقولة ، وبين أن تفيض عنه صورة من شأنها أن تعقل : فإن معنى الأول أنها صدرت وهى معقولة بالفعل فتكون عقليتها مع صدورها أو سبب صدورها ، ومعنى الثاني أنها صدرت وهى بالقوة معقولة وأنها تعقل بعد صورها.

الحد إنما يكون للطبيعة الكلية بالذات ، وأما للطبيعة الشخصية فإنه بالعرض : فإنه لو كان حدّ الإنسان حدا لزيد بالقصد الأول لم يكن إلا لزيد وكان يبطل مع بطلان زيد ، ولم يكن يقع على غيره. وكذلك العلم الكلى يتناول الجزئيات بالعرض إلا أن تكون شخصية نوعه مجموعة فى شخصه ، فإن الحدّ له وحده. فإن علمك بأنه كلما كانت الشمس فى مقابلة القمر وكانت الأرض بينهما ولم يكن للقمر عرض واتفق ليل

تعليقات ابن سينا ـ49


وجب الكسوف. ليس يتناول هذا الكسوف بعينه بالذات بل بالعرض ، فلهذا يقع على جميع الكسوفات.

المعقول من هذا الشخص المشار إليه هو أن تجرد ماهيته بصفاته وأحواله كلها وأعراضه حتى يكون مطابقا لمحسوسه ، وتجرده عن وضعه المشار إليه لا عن الوضع المطلق ، وعن مادته المشار إليها لا عن المادة المطلقة ، وعن صفاته المتخصصة بها لا عن الصفات مطلقة ، بل تأخذ جميع صفاته وأحواله وإن تخصصت به مطلقة كلية بحيث يصح حملها على كثيرين ، فيكون المعقول منه غير مشار إليه وإن كان معقولا كما هو لجميع أحواله من وضعه وأينه وصفاته ، والفرق بين محسوسه ومعقوله ، وإن كان مطلقه أو محسوسه مشارا إليه ومعقوله غير مشار إليه فإنه قد أحدث كل أحواله كلية.

المعقول من الشخص ما لم يكن مقيسا إليه على أنه معقول هذا الشخص المشار إليه المحسوس ، أو على أنه هو بعينه ، بل على أنه يجوز حمله عليه وعلى غيره من أشخاص النوع ـ كان كليا ، وذلك بأن تؤخذ صفاته وأحواله كلها كلية فلا يوجد معها ما تشخص به ، وهو الوضع والأين.

التحديد يكون بالمقومات. والذي نوعه فى شخصه فمعقوله ومحسوسه محدوده لأنه لا يشركه فيه غيره فما يعقل منه هو ما يحدّ به وهو مقوماته. وما يسند إليه يكون محدودا والعقل يثق به. والمتغير معقوله غير محدوده ، بل محسوسه فقط ، ومحسوسه تكون صفاته بحيث يمكن وقوع الشركة فيها. وإذا أسندت إليه لا تكون محدودة ولا يثق بها العقل ، لتغيرها. والمعقول هو المعنى المشترك فيه لا المعنى المخصص ويكون لا محالة كليا. والجزئى بهذا يكون له معقول إذا علم من جهة أسبابه وعلله لا من جهة الإشارة إليه بالحس كالكسوف الجزئى والشخص الإنسانى مثلا ما لم يشر إليه حسيّا ، بل علم من جهة أسبابه وعلله.

معنى واجب الوجود بذاته أنه نفس الواجبية ، وأن وجوده بالذات ، وأن كل صفة من صفاته بالفعل ليس فيها قوة ولا إمكان ولا استعداد. فإذا قلنا : إنه مختار وإنه قادر فإنه نعنى به أنه بالفعل كذلك لم يزل ولا يزال ، ولا نعنى به ما يتعارفه الناس منهما : فإن المختار فى العرف هو ما يكون بالقوة ويحتاج إلى مرجّح ، يخرج اختياره إلى الفعل إما داع يدعوه إلى ذلك من ذاته أو من خارج. فيكون المختار منا مختارا فى حكم مضطر ، والأول فى اختياره لم يدعه داع إلى ذلك غير ذاته وخيريته ، ولم يكن مختارا بالقوة ثم صار مختارا بالفعل ، بل لم يزل كان مختارا بالفعل. ومعناه أنه لم يختر


غير ما فعله وإنما فعله لذاته وخيريته ذاته لا لداع آخر ، ولم يكن هناك قوتان متنازعتان كما فينا فطاوع إحداهما ثم صار اختياره إلى الفعل بها. وكذلك معنى قولنا إنه قادر أنه بالفعل كذلك لم يزل ولا يزال ولا يعنى به ما يتعارفه الجمهور فى القادر منا فإن القدرة فينا قوة فإنه لا يمكن أن يصدر عن قدرتنا شىء ما لم يرجح مرجح ، فإن لنا قدرة على الضدين. فلو كان يصح صدور الفعل عن قدرة لصحّ صدور فعلين معا عن إنسان واحد فى حالة واحدة. فالقدرة فينا بالقوة ، والأول برئ من القوة. وإذا وصف بالقدرة فإنه يوصف بالفعل دائما. ونحن إذا حققنا معنى القدرة كان معناه أنّا متى شئنا ولم يكن مانع ، فعلنا. لكن قولنا متى شئنا ليس هو أيضا بالفعل فإنا أيضا قادرون على المشيئة على الوجه الذي ذكرناه ، فتكون المشيئة فينا أيضا بالقوة. فكأن القدرة فينا تارة تكون فى النفس ، وتارة فى الأعضاء. والقدرة فى النفس هى على المشيئة ، وفى الأعضاء على التحريك ، فلو وصف الأول بالقدرة على الوجه المتعارف لوجب أن يكون فعله بالقوة ، ولكان بقى هنا شىء لم يخرج إلى الفعل فلا يكون تامّا. وعلى الجملة فإن القوة والإمكان فى الماديات. والأول هو فعل على الإطلاق ، فكيف يكون قوة! والعقول الفعالة هى مثل الأول فى الاختيار والقدرة وذلك لأنها ليست تطلب خيرا مظنونا بل خيرا حقيقيا ، ولا ينازع هذا الطلب فيها طلبا آخر كما فينا إذ ليس فيها قوتان ويكون من وجه التنازع من قبلهما. فعلوّ الأول ومجده أنه بحيث يصدر عنه هذه الأفعال وتجدّ هذه العقول فى أن تتوخى أن تكون أفعالها مثل فعل الأول. وقد قيل : «الإنسان مضطر فى صورة مختار» ، ومعناه أن المختار منا لا يخلو فى اختياره من داع يدعوه إلى فعل ذلك. فإن كان الداعى الذي هو الغاية موافقا لأقوى القوى فينا ، قيل : فلان مختار فيما يفعله؛ وربما يكون ذلك الداعى من جهة إنسان آخر.

وفى حالة أخرى لا يوافقنا فيها ذلك الداعى ، فيكون صدور الفعل منا بحسبه على سبيل الإكراه. وإذا كان الداعى ذاتنا كان مختارا بحسبه. فالمختار بالحقيقة هو الذي لا يدعوه داع إلى فعل ما يفعله. ونحن إذا قلنا فلان يفعل كذا مختارا كان معناه أن داعيه ذاته. وإذا قلنا إنه فعله مكرها كان داعيه غيره. والداعى إذا لم يكن غيره كان الفاعل فيما يفعله مختارا ويكون عنده أن ذلك الداعى غاية أو خير إما بحسب الوهم أو بحسب العقل. وإذا كان الداعى غيره كان فعله ، وإن كان فيه صلاح للفاعل ، صادرا عنه على سبيل الكره. فالأول لما كان هو الخير كان صدور الأشياء عنه صدور ما لو صدر عن غيره كان طلبه فيه الخير. فلما لم يختلف فيه الغاية والفاعل ، وكان صدور هذه الأشياء عنه لا لغاية


خارجة عن ذاته ، كان بالحقيقة هو المختار. وإنما لا يصح فينا الاختيار الحقيقى لأن فينا قوتين : قوة تطلب شيئا خلاف ما تجبر عليه ، وقوة تحاول ضد ذلك. والأول ليس فيه هذا لأن صدور الأشياء عن ذاته هو بحسب خيريته ، وتلك الأشياء غير منافية لذاته فلا يكون هناك تنازع فى الإرادة.

يجب أن يكون فى الوجود وجود بالذات ، وفى الاختيار اختيار بالذات وفى الإرادة إرادة بالذات ، وفى القدرة قدرة بالذات حتى يصح أن تكون هذه الأشياء لا بالذات فى شىء. ومعناه أن يكون يجب أن يكون واجب الوجود وجودا بالذات ومختارا بالذات وقادرا بالذات ومريدا بالذات حتى تصح هذه الأشياء لا بالذات فى غيره.

العقول الفعالة لم يسبق وجودها إمكان ، فليست هى مادية ، فإمكان وجودها فى ذواتها.

كمالات الإنسان فى العلم والعمل محدودة ، وهى غير معتد بها بالقياس إلى كمالات العقليات ، والناس فيها متفاوتون ، وقلما يوجد منهم من يحيط بها مع نزارة مقدارها بل الجمهور فيهم نقص ، وكل إنسان يعرف من نفسه نقصانه ويشهد عليها به ولذلك يدهش فلا يهتدى إلى سمت رشده ، ولأجل هذا الدهش يذهب عن طلبها يأسا منها فيحيد عنها إلى أمور دنياوية ، أو يعول فى علمه على أوهام مضلة.

قد نكره على فعل شىء ويكون فيه صلاحنا فلا يكون فعلنا تبعا للوهم.

المعتزلة يظنون أنهم قد أثبتوا «أولا» ليس بجسم ، وليس الأمر على ذلك فإن براهينهم خيّلت لهم أنه ليس بجسم. ثم لما جاءوا إلى تفصيل أحواله شبهوا أحواله وأفعاله بأحوال الإنسان. والسبب فى ذلك أنهم لم يعرفوا خواصّ ما ليس بجسم فكانوا يثبتونها له بل ثبتوا له أحوالا تبعوا فيها الوهم بواسطة المحسوسات ، ثم قاسوا إليه أحوال المحسوسات فلم يقدروا على أن يوفّوه حقه فى المجد والعلو ، وحسبوا أنه إذا بريء من الأفعال الإنسانية والقدرة الإنسانية والإرادة الإنسانية والاختيار الإنسانى كان نقصا له ، ولم يعلموا أن هذه الأحوال التي لنا هى نقصانات ، ولم يعرفوا أيضا الكمال الحقيقى. فقصارى أمرهم أنهم نفوا عنه أحوال الجمادات ، وأثبتوا له أحوال الإنسان. والأحوال الجسمانية والأفعال التي تصدر عن الجسمانى لا تخلو من نقصانات كثيرة بالقياس إلى الكمال المطلق. وهم قاسوا أحوال الأول بأحوال الإنسان لأنهم لم يعرفوا العقليات وذات الأول ، وأثبتوا له صفات هى فى الإنسان فضائل وكمالات كالعلم والحكمة والسمع والبصر ، وإنما أثبتوها له هربا من نقائضها. إلا أنهم لما رأوا الإنسان مع هذه الفضائل


ناقصا وهى له من خارج ومكتسبة قالوا هى له من ذاته وأنها صفات له ، ولم يعلموا أن ذاته فعالة للأشياء بآنية وأنه أرفع مما ذهبوا إليه.

من خواص ممكن الوجود بذاته أنه يحتاج إلى شىء واجب وجوده حتى يوجده وإذا وصف الأول بأنه قادر على ما يقولونه وهو أنه ما يصح أن يصدر عنه الفعل أو أنه إذا شاء فعل ، فقد شبهوه فى هذه القدرة والمشيئة بالإنسان ، إذ هو قادر على أن يفعل إذا شاء ومعناه أنه يفعل بسبب داع يدعوه إليه ، وأنه يفعل إذا كان سبب مرجّح ولا يخلو البتة عن القوة فلا يكون بالفعل قادرا. ولا يغنى عنهم قولهم : إنه قادر لذاته لا بقدرة. فليس معنى القادر عندهم إلا ما ذكر. وإذا كان الأول واجبا بذاته وجعل القدرة له بالامكان فقد صار شيئا واحدا واجبا وممكنا ، أو يكون الإمكان صفة لواجب الوجود بذاته ، وهذا محال. فيجب أن يكون كل شىء فيه واجبا وبالفعل ، لأنه واجب الوجود بذاته ، ونحن إنما نعنى بقولنا أنه قادر بالفعل أن قدرته علمه ، فهو من حيث هو قادر عالم أى علمه سبب لصدور الفعل عنه ، وليست قدرته بسبب داع يدعوه إليه ، فقدرته علمه.

معنى القادر عندهم هو ما يجوز أن يصدر عنه الفعل.

كل ما كان ممكن الوجود بذاته فإنه يوجد بغيره لا محالة ، ولا يصح وجوده بذاته وما دام ممكن الوجود بغيره لا يكون موجودا ويكون ممكن الوجود بغيره فإذا زال إمكان وجوده بغيره صار موجودا ، إلا أن إمكان وجوده بذاته لا يزول عنه البتة لأن ذلك له بذاته وإمكان وجوده بغير هو بعلة ، ولا يكون له من ذاته ، فيصح أن يزول هذا الإمكان عنه إذ ليس له ذلك من ذاته.

النفس مضطرة فى صورة مختارة ، وحركاتها تسخيرية أيضا كالحركة الطبيعية فإنها تكون بحسب أعراض ودواع فهى مسخرة لها. إلا أن الفرق بينها وبين الطبيعية أنها تشعر بأغراضها ، والطبيعة لا تشعر بأغراضها ، والأفعال الاختيارية فى الحقيقة لا تصح إلا فى الأول وحده ، وحركة الأفلاك تسخيرية إلا أنها ليست بطبيعية فإن الحركات الطبيعية تكون على سبيل اللزوم ، وما يلزم سببا ليس يلزم نقيضه أيضا فى حالة واحدة والمحرك فى الفلك يحرّك من نقطة إلى تلك النقطة بعينها ، فهى ترك موضع وقصده معا.

عند المعتزلة أنّ الاختيار يكون بداع أو سبب ، والاختيار بالداعى يكون اضطرارا ، واختيار البارى وفعله ليس لداع.


البارى أحدىّ الذات ، وفعله أحدىّ الذات ليس لداع ولا قصد ، فلا شىء يحصل فيه يوجب اثنينية أو كثرة. وصدور الفعل عنه على سبيل اللزوم. ولا يصح أن يصدر عنه شىء على سبيل اللزوم إلا واحدا. فإن لازم الواحد واحد. ولا بد من أن تكون هاهنا كثرة ، فيجب بالضرورة أن تكون الكثرة فى اللازم عنه. ولا كثرة فى العقل الأول اللازم عنه إلاّ على وجه التثليث المذكور. وهو أنه بما يعقل الأول يلزم عنه عقل ، وبما يعقل من ذاته يلزم عنه فلك.

كل معنى لا تعلق له بمادة بوجه فليس يصح أن يسبقه عدم. برهان ذلك أنه لا محالة يسبقه إمكان الوجود ويكون ممكن الوجود بذاته ، فيكون إمكان وجوده إما أن يكون فى موضوع ـ وقد فرضنا أنه لا تعلق لا بالموضوع ـ وإما أن يكون جوهرا قائما بذاته. وإمكان الوجود معنى مضاف. فإذن هناك معنى زائد على إمكان الوجود وهو قيامه بنفسه ، ووجود جوهريته ، فيكون إمكان الوجود عارضا لذلك المعنى القائم بنفسه فيكون موضوعا ، وقد قلنا : لا تعلق لذلك الشىء بالموضوع ـ هذا خلف. وإنما يكون الإمكان موضوعا وجوهرا لأنّا فرضنا أنه يتقدم لا محالة وجود ذلك المعنى.

لكل جسم مبدأ حركة خاصية ، ولتلك الخاصية وسم المحرك بالتحريك كالنار مثلا فإن فيها قوة قبول الإحراق من واهب الصور ، ولو لا تلك القوة لم يكن فى قبولها للإحراق أولى من الماء مثلا فى قبوله لهذا الفعل وهو الإحراق من واهب الصور.

المعقول من الشىء يكون كليا ، والأمر الكلى لا يصح أن يصدر عنه فعل فإنه ليس بأن يصدر عنه هذا الفعل بأولى منه بأن يصدر عنه ذلك الفعل. فإذا صدر عنه فعل ما فلسبب مخصّص خصّصه. فالمادة الأولى مطلقة. والمعطى للصور على الإطلاق ليس واحد منهما بأن يكون منه هذا الشخص أولى منه بأن يكون منه ذلك الشخص إلا إذا حصل سبب مخصّص لهذا الشخص ، وكذلك المعقول من الحركة الدورية لا يصح أن تصدر عنه هذه الدورة المعينة إلا بسبب جزئى ، فإذن كل دورة تتخصص بسبب وهو الإرادة المتجددة.

كل فلك فله محرك مفارق ، وإنما يحركه بواسطة محرك قريب.

الجسم لا يتقوم جسما بأن تكون فيه هذه الأبعاد الثلاثة بالفعل ، وأن تكون فى سماء أو تحت سماء ، حتى تكون لها جهات من أجل جهات العالم ، بل الجسمية متقومة من دون هذه الأشياء. وهذه أمور تعرض لها من خارج.


الكمالات الأولى للجسم هى الصورة الجسمية ، والكمالات الثانية هى الأشكال وصورها الحافظة لطبائعها.

التخلخل والتكاثف إما بالذات ، وإما بالعرض. فإن كانا بالذات فإن الصورة الجسمية تتغير معها كالماء إذا استحال هواء فإن الصورة الجسمية فى الماء تبطل وتحدث صورة جسمية أخرى. وإذا كانا بالعرض فإنها لا تتغير فإن الهواء يتخلخل نهارا بالشمس ، ويتكاثف بالليل ، ولا تتغير صورة الجسمية فى الهواء البتة بذلك ـ عند ديموقراطيس أن الجسم فيه أجزاء بالفعل وحدانيات(1) لا تقبل الانفصال إلا فرضا وتوهما ، لا فعلا ، والجسم مؤلف منها ، وهى متماسة غير متصلة وطبائعها متشاكلة واعترض عليه بأن قيل : إن كانت طبائعها واحدة فما بال كلّ واحد من تلك الأجزاء الواحدانية تقبل الاتصال وتأبى الانفصال فى ذاته؟ وما بال كل تلك الأجزاء تكون متماسّة غير متصلة وطبائع الكل والجزء واحدة حتى إن الجزءين فى أنّهما لا يلتحمان والجزء فى أنّه لا ينفصل ولا يفترق اثنين أمر بطبيعتها ، فإذا هو محال. والجسم من حيث جسميته يقبل الاتصال والانفصال ، وليس فيه أجزاء بالفعل. فإذا كان جسم كالفلك مثلا لا يقبل الاتصال والانفصال فلصورته النوعية لا لجسميته.

قالوا : إن الهيولى من حيث هى هيولى شىء ، ومن حيث هى مستعدة شىء ، فالاستعداد صورتها. وليس كذلك فإن الاستعداد هو نفس الهيولى وهذا التحديد الذي حدت به وهو أنه أمر مستعد لا يكثرها فان البسائط تحدّ بحدّ يشتمل على الجنسين والفصل. وليس الجنس والفصل موجودين فى المحدود حتى يكون المحدود له جزءان ، بل هما جزءا الحد. وقولنا أمر مستعد ليس يجب منه أن يكون مركبا كما نقول فى أشياء بسيطة إنها أمر بصفة كذا ، ونقول فى الوحدة إنه عدد غير منقسم ، وليس هناك تركيب وإلا لم تكن وحدة ، وكما نقول فى الأول إنه واجب الوجود وليس هناك تركيب.

الحيوانية واللّونية والعددية والمقدارية معان غير محصّلة(2) ما لم تتنوع. فالعدد لا معنى له إلا أن يكون اثنين أو ثلاثة ، والحيوانية معنى مشترك يخترعه العقل بين الإنسان والفرس وغيرهما عند المقايسة ، والعددية يقع فيها الاشتراك من حيث إن لهذه الأنواع العددية معنى مشتركا فيه كالحيوانية لأنواعها. وأما الجسم فله وجود محصل ليس نسبته إلى النارية مثلا نسبة العدد إلى الاثنينية ، والمقدار إلى الخط ، والسطح والجسمانى. وكذلك اللون ، فإن السواد إذا استحال بياضا وكان كل واحد منهما محسوسا ولكن هذا المعنى هو اللونية فليست محسوسية البياض هى بعينها محسوسية السواد بل مثلها ، بل اللون فى البياضية

________________

1) يقصد «الذرات».

2) محصلة : إيجابية Positifis


والسوادية واحد بالعدد. وأما الجسمية فهى معنى محصل له وجود مشار إليه يتحقق فى نفسه يصح أن تترادف عليها صور مختلفة ، والسواد والبياض هما نفسا اللون ، والخط والسطح هما نفسا المقدار ، والإنسان والفرس هما نفسا الحيوان. وليس كذلك النارية والهوائية فليستا هما نفسا الجسمية. ويجب أن تعلم أنا إذا قلنا ناطق معناه قوة لها نطق ، وتلك القوة يصدر عنها مع النطق أفعال الحياة. ولما كانت أفعال الحياة منبعثة من قوة الفرس صارا مشتركين فى هذا المعنى وهو الحيوانية ، لأن الحيوان معنى يلزمه النطق أو غيره ، بل الحيوانية من لوازم الناطق. وأما فى الجسم فإن الجسمية معنى وهو الاتصال العارض للهيولى خارجا عن الهيولى. ولا يصح أن يوجد جسم إلا متقدرا بمقدار معلوم ، لا أن تكون الجسمية من لوازم المقدارية كما كانت الحيوانية من لوازم الناطق. بل وجود المقدار للجسمية كالسواد لصورة الجسمية فى أن كل واحد منهما خارج عن الموجود منه ، والجسمية معنى محصل والصورة الجسمية من وجه هى للمادة لأنها قائمة بها.

الاتصال هو الصورة الجسمية. وليس يخالف جسم جسما فى الصورة الجسمية ، وقد يتخالفان فى المقدار وغيرها.

سياقة البرهان على هذا أن المعانى التي تنضاف إلى الجسمية ووجودها غير ذاتية لها ، فليس تختلف بها الجسمية فى معانيها الذاتية. فليس يخالف جسم جسما فيها فى أنه جسم وفى أحواله من حيث الجسمية. فليس يجب إذن أن يكون جسم محتاجا إلى مادة وجسم غنيا عن المادة.

طبيعة الإنسان بما هى تلك الطبيعة : غير كائنة ولا فاسدة ، بل مبدعة ، وهى مستقاة بأشخاصها الكائنة الفاسدة. وأما طبيعة هذا الإنسان فإنها كائنة فاسدة ، وكذلك طبيعة كل واحد من العناصر مبدعة غير كائنة ولا فاسدة وهى مستقلة بأشخاصها. وأما طبيعة هذه الأرض من حيث هى هذه الأرض فإنها كائنة فاسدة.

الهواء إذا استحال مثلا أرضا فإنه إما أن يستحيل وهو فى حيزه أو فى حيز الأرض. فإذا كان فى حيز الهواء انحدر على استقامة حركة مسامتة إلى الموضع الذي يسامته من الأرض ، وهذه الحال هى المناسبة الوضعية. وكذلك الماء إذا تصعد بخارا فإنه يرتفع على استقامة حركة إلى ما يسامته من الهواء إلا أن يكون معوقا عن ذلك بعائق وهذه هى المناسبة الوضعية. وإنما اختص كل واحد منهما بذلك الموضع الذي حصل فيه للنسبة بينه وبين ذلك المكان ، وهى النسبة الوضعية.


المعنى العام لا وجود له إلا بأشخاصه ، والواحد بالعدد لا يستحفظ بالمعنى العام ، والمادة واحدة بالعدد ولا يجوز استحفاظها بأيّ صورة كانت. والواحد بالمعنى العام بالحقيقة هو أن تكون أجزاؤه أيضا بالمعنى العام. فلو كانت الصورة وعلة الصورة كلتاهما بالمعنى العام لكان لا يصح استحفاظ المادة بهما. لكن لما كان أحدهما ، وهو العلة ، واحدة بالعدد صح استحفاظ المادة بمجموعها. وإنما المختلف بالمعنى العام هو واحد منهما وهو الصورة والعلة ، وهى واهب الصور ، تستحفظ المادة بواحد من المختلف بالمعنى العام.

العلة العامة لا يجوز أن تكون لمعلول خاص ، فإن البناء على الإطلاق لا يصح أن يكون علة لبناء بيت معين ، وإنما تكون العلة بناء خاصّا معيّنا ، والنجار مطلقا لا يكون علة لهذا الباب بل هذا النجار علة له. وعلى هذا القياس أورد الشك ، فإن الصورة أخذت بالمعنى العام والهيولى خاصة.

الهيولى ليست علة للصورة فى تقويمها ، ولكن الصورة لا تفارقها ، وليس كل ما لا يفارق شيئا يجب أن يكون ذلك الشىء مقوّما له.

لو كانت المادة علة للصورة لكانت الصورة واحدة غير مختلفة ، والصور فى ذواتها مختلفة. إن قيل : إنّ اختلاف أحوال المواد علة لوجود صور مختلفة ، قلنا : وهل تختلف أحوال المادة إلا بقبول هيئات يكون الكلام فيها كالكلام فى الصور؟ فليس السبب فى اختلاف قبول المادة للصور المختلفة هو اختلاف أحوال المادة ، والعلة فى اختلاف الصور تلك الأحوال. فبقى للمادة القبول فحسب.

المادة ليست بذات أمرين : بأحدهما توجد وبالآخر تستعد كالطبيعة والحركة فى المادة ، فإن الطبيعة هى المحركة والمادة هى القابلة.

كل حادث مفتقر إلى مادة.

لما كان الشىء إنما يصير هو ما هو بصورته ، وكانت الهيولى إنما هى ما هى بالاستعداد المشار إليه ، كان هذا الاستعداد للهيولى رسما وظلا للصورة لا نفس الصورة ، فإن الهيولى يجب أن تكون معرّاة عن الصور ، وإلا لم تكن هيولى. فهذا الاستعداد لها ليس هو صورتها بل هو شبيه بالصورة.

قوله : «مجتمعة ومتعاقبة» ـ يشير إلى الصور الفلكية لأن صورها مجتمعة فيه ، والحركات فيه متعاقبة ، وفى الكائنة الفاسدة متعاقبة لا مجتمعة.


لا تتخصص صورة معقولة بحال ، وصورة أخرى بحال ، وتلك الصورة بتلك الحال مثلها فى النوع. ومثال ذلك المعقول من الإنسان فإنه يشترك فيه زيد وعمرو. والمتخيل من زيد وعمرو يخالف كلّ منهما فيه صاحبه إما بمقدار أو حال أو صفة أو عرض من الأعراض الجسمانية ، وبالجملة كل صورة تحصل فى مادة فهى محسوسة لا معقولة فالمتخيلات والموهومات كلها محسوسة ، وكل صورة لا تختلف إذا حصلت فى شىء فذلك الشىء ليس بمادة.

كل صورة حاصلة فى جسم أو جسمانى فذاتها مخالفة لذاتها ، أعنى أن أجزاءها غير جملتها فإن الجزء غير الكل ، وكذلك أعدادها وأشخاصها متخالفة. والصورة فى ذاتها غير مختلفة فإنها معنى واحد ، والذي يعرض لها من الاختلاف إنما يعرض لشيء مختلف فى ذاته وهو الجسم وعلائقه. ولهذا إذا حصلت الإنسانية فى قابل مختلف كالجسم الواحد اختلف أى الكل والجزء. وإذا كان المعقول غير مختلف ، كان القابل غير مختلف.

كل معنى فإنه واحد من كلّ جهة فى ذاته غير كثير كالإنسانية مثلا ، وإنما تتكثر بشيء آخر وهو المادة. وتلك الوحدة هى الإنسانية. وكل معنى فإنه متحقق بصورته ولوازم صورته. وقد قيل : كل حق فإنه فى ذاته متفق غير مختلف ولا متغير. فما يعطى الحقيقة أولى بأن يكون بهذه الصفة.

كل شىء يقبل صورة واحدة ولا تختلف تلك الصورة مقبولة ، والقابل غير مختلف فى ذاته فليس بجسم ، وذلك القابل هو النفس.

قد يتخصص كلى بكلى ، وقد يتخصص كلى بجزئى؛ وذلك كما تتخصص صفة كلية من الصفات الكلية بشخص جزئى ، وتلك الصفة يجوز أن تكون له ولغيره.

الصورة يجب أن تكون بالفعل أو فعلا إذا كانت المادة بالقوة على الإطلاق. وإذا كانت كذلك كانت الصورة جوهرا لازما ، وجوده فيما ليس بالفعل لا يصح أن يكون عرضا. فالصورة إذن تخالف العرض بهذا المعنى ، لأن المادة والقابل هناك بالفعل. وليس يجب أن يكون العرض جوهرا ومشابه العرض فى شىء وهو أنه لا بد من أن يكون وجودها مقارنا لشىء آخر ، إذ ليس يصح لها القوام بذاتها وفى شىء آخر وهو أن تتخصص بحاملها ، ومعنى هذا أن الصورة من لوازمها الذاتية أن يكون وجودها مقارنا للمادة لكنها مقارنة لمادة بصفة كذا إذ ليس يصحّ وجود هذه الصورة إلا فى هذه المادة ، فليس يصح أن تتشخص بشيء آخر : فالواسطة العلية بين واهب الصور وبين الأعراض : الموضوع ، والواسطة بين واهب الصور وبين الهيولى : الصورة ، ولما كان من لوازم


كل نوع أن لا يوجد إلا شخصا ، وكانت شخصية المفارقات فى ذواتها وكانت شخصية المخالطات بالمادة ، وجب أن لا يصح شىء من الماديات إلا فى المادة. فالمادة كأنها علة لوجود لازم للصورة وهو الشخصية ، ووجود الصورة فى الهيولى هو وجودها فى ذاتها ومعنى ذلك أن وجودها (119)(1) مقارن لوجود الهيولى ، فليست الصور ولا الأعراض يصح عليها الانتقال.

هذه المادة جزء من شخصية الصورة ، إذ هى مقومة لشخصيتها ، ولما كان إمكان وجود الصورة فى الهيولى على أن يكون وجودها فى نفسها هو وجودها فى الهيولى صارت الهيولى ضرورية فى وجود الصورة ومقوّمة لشخصيتها ، ومعينة لها. وهاهنا نكتة أخرى وهى أن الموضوع كما أنه بالفعل فيصير واسطة على ما ذكرنا ، فهو أيضا قابل ، والصور واسطة ، لكن القابل غيرها وهو الهيولى.

هذا النوع من الصور تشخصه بهذا النوع من الهيولى.

التشخص هو أن يتخصص الشىء بصفة لا تقع فيها شركة مثله فى الوجود. فأى نوع صح وجوده بحيث لا تقع فيه الشركة كان نوعه فى شخصه ، وأى نوع لا يصح وجوده كذلك اختلفت أشخاصه وتكثرت.

المعانى التي لا تتناهى يصح أن تدركها عقولنا شيئا بعد شىء ، وليس يلزم النفس إذا عقلت شيئا أن تكون تعقل معه الأمور التي تلزمها لزوما قريبا وإن كانت موجودة أيضا ، كالحال فى مناسبات الجذور الصّمّ وفى إضافات الأعداد وما أشبهها فإن هذه كلها موجودة مع الأعداد ، وليس يلزم النفس أن تعقلها مع الأعداد بالفعل بل بالقوة القريبة. فإن كان هاهنا فاعل للمعقولات ، وهو بالفعل من جميع الوجوه ، فيجب أن ندركها معا ، إذ لا يصح فيه القوة. ومن شأن تلك المعانى أن تحصل له أو منه ، فليس يتوقف إدراكه لها إلى وجود شىء آخر ، وكذلك المناسبات التي لا نهاية لها والإضافات التي لا تتناهى. ولكن يجب أن تكون المعانى محصورة من وجه ، وغير متناهية من وجه ، وعلى ما ذكر فى مواضع.

لو كانت الصورة العقلية فائضة عن الأول ، لا معا ولا دفعة واحدة بلا زمان ، بل شيئا بعد شىء ـ لم تكن معقولة بالحقيقة بل كانت مادية إذ كانت تكون بعد ما لم تكن ، وكانت حادثة. ولو كان هو لا يدركها بالفعل معا بل شيئا بعد شىء لكان فيه أيضا قوة تقبل الأشياء بعد ما لم تقبلها وكان ماديا.

________________

1) هذه أرقام أوراق المخطوط رقم 6 م حكمة وفلسفة بدار الكتب المصرية.


الشىء قد يدركه الإنسان فيكون ملائما له فيصير مرادا ومشتاقا إليه. وقد يصدر عن الشىء فعل فيكون ذلك الصادر من مقتضى ذاته أى لا يكون صادرا عنه عن قسر ثم يكون ذلك الصادر محبوبا لأن ذلك الشىء محبوب ، وذلك كمن يحب إنسانا فيكون جميع أفعاله محبوبا أيضا ، وكما يحب كلّ إنسان فعل نفسه لان كل واحد يعشق ذاته فلا تكون محبته لأفعاله لأنه ملائم له بل لأنه فعله ولأنه صادر عن ذاته. ولعل كون أفعاله محبوبا إليه هو نفس صدورها عنه.

فعل كل واحد يكون محبوبا إليه لذيذا لديه وإن لم يكن بالحقيقة لذيذا.

وجود البارى وجود معقول أى وجود مجرد ، وكل موجود مجرد فإنه يعقل ذاته والصور الموجودة عنه هى مجردة وهى معقولة لذواتها. وأنا إذا عقلت البارى فإنما أعقله بلوازمه ، ومن لوازمه وجود هذه الصور عنه فأنا أعقله مبدءا لهذه الصور وأعقله على ما عليه الأمر فى الوجود ، فتكون هذه المعقولية نفس الوجود. وإذا علمت أنه مبدأ لها فتحصيل ذلك أنه حصل فى ذهنى صورته صورة مجردة ووجدت فى ذهنى لوازمه مجردة : فنفس وجودها فى ذهنى نفس معقوليتها. فلو كانت موجودة فى الأعيان هذا الوجود لكان وجودها نفس معقوليتها.

المعقول من الشىء (19 ب) هو وجود مجرد من ذلك الشىء ، فإن كان وجود ذلك الشىء لك ، وذلك إذا كان ماديا كان معقولا لك ، وإن كان وجوده لذاته كان معقولا لذاته وذلك إذا كان مجردا. وإن كان وجوده فى الأعيان بهذه الصفة أى مجردا فهو معقول لذاته. فمعقولية الشىء هى بعينها وجوده المجرد عن المادة وعلائقها. فإذا وجد الشىء هذا النحو من الوجود فى الأعيان كان معقولا لذاته. وإن كان موجودا فى ذهنك كان معقولا لذهنك.

إذا كان الشىء موجودا فى الذهن ، ولم يكن فى الأعيان مجردا ، كان معقولا لى لا لذاته.

كون الأول مبدأ وعلمه بأنه مبدأ هو نفس وجود هذه الصور عنه. فوجود هذه الصور عنه هو علمه بأنه مبدؤها.

كونه موجودا وموجودا عنه هذه الصور هو علمه بأنه مبدأ لوجودها عنه ، وليس يحتاج إلى علم آخر يعلم به أنه مبدأ لوجودها عنه.

نحن نعقل الأول ونعقل أنه مبدأ للأشياء على وجه آخر ، وليس هو الأول بعينه كما أن تعقله لذاته وتعقله لأنه مبدأ لوجود الصور عنه هو بعينه وجودها. فإذن معلومنا


من الأول مخالف لمعلومه ، فليس لمعلومنا منه وجود إلاّ فى الذهن ، ومعلومه من ذاته ومن الصور هو نفس وجودها.

عندهم أن اللّه لا تصح عليه الأعراض ، وهو مع ذلك موصوف بالإرادة ، والإرادة عرض ، إلا أنهم يقولون : إن إرادته لا تحتاج إلى موضوع؛ وكذلك الفناء عندهم عرض لا يحتاج إلى موضوع.

السبب فى وجوب أن يكون واجب الوجود واحدا هو أن الذي يتشخص إما أن تكون ذاته علته ، وإما أن تكون غير ذاته علته. فإن كان ذاته علته لم يصح أن تتكثر أشخاصه لأنا إذا قلنا ذاته علة تشخصه كأنّا نقول : شخصيته فى ذاته ، فتكون ذاته وشخصيته شيئا واحدا. وإما أن تتكثر بصفات مختلفة فتكون تلك الصفات علة لوجود تلك الأشخاص فيكون وجوده الشخصى متعلقا بعلة. وواجب الوجود بذاته لا يصحّ أن يكون واجب الوجود بغيره.

إنّ ما يتشخص بذاته تكون ذاته علته فتكون علة كونه واحدا هو أنه هو هو. فلو كان الإنسان علة تشخصه ذاته لكان ذاتيا له أن يكون إنسانا لأنه لا علة فى كونه إنسانا غير ذاته. إن قيل : ما علة الإنسان فى أنه إنسان؟ قلنا : لا علة لكونه ذاتا فإن العلة لوجوده لماهيته وكونه إنسانا وواجب الوجود بذاته لا علة له فى أنه واجب الوجود بذاته. فإذا دخلت علة سواء أفادت وجودا شخصيا أو غير شخصى كان الوجود معلولا فيكون واجب الوجود بذاته واجب الوجود بغيره. فكونه واجب الوجود وكونه هو نفس ذاته ونفس حقيقته لأنه لم يصر بشيء آخر هذا ، فلما كان كذلك وكان علة شخصيته ذاته كان كونه هو وكونه واجب الوجود بذاته شيئا واحدا فلم يصح أن يتكثر هذا المعنى فى حقيقته.لأنه لم يصر بشيء آخر هذا ، فلما كان كذلك وكان علة شخصيته ذاته كان كونه هو وكونه واجب الوجود بذاته شيئا واحدا فلم يصح أن يتكثر هذا المعنى فى حقيقته.

كل معنى فى ذاته وحقيقته يكون واحدا فلا يتكثر فى حقيقته ، وإنما يتكثر بأعراض.

وصفات واجب الوجود لا يصح أن تتكثر بصفات وأعراض ، ولا يجوز أن يدخل عليه شىء يكون علة لوجوده ، فإنه نفس الوجود.

لا يصح فى واجب الوجود أن يتكثر لا فى معناه ولا فى تشخصه ، والشىء إذا تكثر فإما أن يتكثر فى معناه. وكل معنى فإنه فى ذاته واحد فلا يتكثر فى حقيقته؛ وإما فى تشخصه فإن تشخص واجب الوجود هو أنه هو ، فتشخصه وأنه هو واحد ، وهو نفس ذاته وحقيقته.

الحكمة معرفة الوجود الحق ، والوجود الحق واجب الوجود بذاته ، فالحكيم هو من عنده علم واجب الوجود (20 ا) بالكمال وكل ما سوى واجب الوجود بذاته


ففى وجوده نقصان عن درجة الأول بحسبه يكون ناقص الإدراك. فلا حكيم إلا الأول إذ هو كامل المعرفة بذاته.

كل غاية فهى خير ، وواجب الوجود لما كانت الغاية فيما يصدر عنه كمال الخير المطلق كان هو الغاية فى الخلق ، إذ كل شىء ينتهى إليه كما قال «وأن إلى ربك المنتهى (1) ».

الأول تام القدرة والحكمة والعلم ، كامل فى جميع أفعاله لا يدخل أفعاله خلل البتة ولا يلحقه عجز ولا قصور. ولو توهم متوهم أن العالم يدخله خلل أو يتعقب ائتلافه ونظامه انتقاض لوجب من ذلك أن يكون غير تام القدرة والحكمة والعلم ـ تعالى عن ذلك! ـ إذ قدرته سبب العالم وسبب بقائه ونظامه. وهذه الآفات والعاهات التي تدخل على الأشياء الأشياء الطبيعية إنما هى تابعة للضرورات ، ولعجز المادة عن قبول النظام التام.

إنما يتوهّم كمال فوق كمال باعتبار ذوى الكمال وتفاوت بعضهم من بعض فى إضافة الكمالات إلى الكمال التام ، فيكون التفاوت بحسب ذلك. وإذا كان الأول غاية فى الكمال وليس وراءه كمال يقاس به كماله ، فلا يتوهم كمال فوق كماله.

الطبيعيون توصلوا إلى إثبات المحرك الأول بما بينوا به من وجوب قوة غير جسمانية غير متناهية تحرك الفلك وارتقوا إليه من الطبيعة. والالهيون سلكوا غير هذا المسلك وتوصلوا إلى إثباته من وجوب الوجود وأنه يجب أن يكون واحدا لا يتكثر وبيّنوا أن الموجودات صادرة عنه وأنها من لوازم ذاته ، وأن الحركة الفلكية تتحرك شوقا إليه وطلبا للتشبه به فى الكمال ، ولا يجوز أن يكون كماله لا يكون متخصصا به ، ولا أن يكون فوق كماله كمال ، فإنه لو أمكن ذلك لكان ذلك الذي له ذلك الكمال الأعلى أولا.

عقول الكواكب بالقوة لا بالفعل ، فليس لها أن تعقل الأشياء دفعة بل شيئا بعد شىء ولا أن تتخيل الحركات دفعة بل حركة بعد حركة ، وإلا لكانت تتحرك الحركات كلها معا وهذا محال. وحيث تكون الكثرة يكون ثم نقصان ، ولما كانت الكواكب فى ذواتها كثرة إذ كان فيها تركيب من مادة وصورة هى النفس ، كان فى عقولها نقصان وإنما الكمال حيث تكون البساطة وهى الأول والعقول الفعالة.

إن لم يكن سبق للإمكان ، أو لم يكن الإمكان ، لم يكن موجود سوى واجب

________________

1) سورة النجم آية 42


الوجود. فإنه إن رفعت طبيعة الإمكان كانت طبيعية الامتناع أو طبيعية وجوب الوجود ، ووجوب الوجود لا يصح إلا لذات واحدة ، فلا يكون إذن موجود غيره.

النفس تحرك هذه المادة كما تحرك نفوس الأفلاك أجسامها. فكما أن تلك النفوس لا تحرك لتحصيل ما تحتها ، فكذلك هذه النفوس الأرضية لا تحرك لتحصيل المزاج أو غير المزاج من أحوال البدن ، بل لتكون على أفضل ما يمكن أن تكون عليه فيكون هذا من توابع ذلك الطلب ، فلذلك قيل : إن النفس هى الغاية. فالنفس تحرك لذاتها لأنها هو لا لشىء آخر ، وغايتها الشخصية هى أن تكون على أفضل ما يمكن أن تكون عليه. النفس إذا أدركت شيئا فإنها تطلب الاستكمال لا لتدرك ذات الشىء المدرك بل يكون ذلك من توابع ذاك.

النفس النباتية من الإنسان هى فى البدن فلا يصح أن يحصل فيها شىء لا يكون فى البدن. والمزاج وترتيب الأعضاء والأشكال والهيئات إنما تحصل فى النباتية مع حصولها فى البدن ، وهذه تحصل فى البدن بعد الحركة. فلهذا لا يصحّ أن تكون هذه الأشياء غايات بل هى من توابع الغايات ، والغاية التي يصح أن تكون فى النفس طلب الكمال الذي هذه من توابعه.

(20 ب) كل حالة من الأحوال الجسمانية فهى تابعة لكمال وذلك الكمال هو النفس.

النفس تحرك إلى غاية لها فى ذاتها ، وغايتها أن تكون على أفضل ما يمكن أن تكون عليه ، وغايتها التي لها فى ذاتها هى مطلوبها. والغاية إما أن تكون فى الأعيان أو فى نفس المحرك. ويجب أن يكون لكل حركة غاية متعينة إليها يتحرك الشىء تكون إما حاصلة فى الأعيان أو فى نفس المتحرك.

برهان فى إثبات النفس مأخوذ من جهة غاية حركة العناصر إلى الاجتماع المؤدى إلى وجودالنفس :

لما كانت الحركة تحصل بعد وجود الغايات فى الأعيان كالجهات أو فى نفس المحرك ، كما يكون فى نفس البناء ، وكان واجبا أن تكون الغاية الجزئية موجودة حتى يصح وجود حركة جزئية ، وجب أن تكون حركة العناصر إلى الاجتماع لغاية أخرى غير الاجتماع ، فإن الاجتماع يحصل بعد الحركة ، وتلك الغاية هيئة يصح وجودها وتكمل بالبدن ويكون الاجتماع والمزاج والتركيب والأشكال وغير ذلك من الأحوال التي تحصل للبدن بعد الحركة من توابع تلك الغاية ، وتلك الغاية هى بعينها المحركة ، فتكون فاعلة للحركة وغاية لها. والفاعل والغاية هما واحد فى الإنسان وهو النفس.


كل حالة من الأحوال الجسمانية تعرض بعد الحركة فلا يصح أن تجعل غاية للحركة فالمحرك هو بعينه الغاية ، وهو النفس.

لو كان المزاج هو النفس لكان يجب أن يكون المزاج موجودا قبل المزاج ، إذ كان هو الغاية المحركة للعناصر إلى الامتزاج.

كل إدراك جسمانى فإنما يتم بفعل وانفعال ، والانفعال هو حصول حال مع روال حال ولا يصح أن يكون المدرك هو الحاصل أو الزائل. فالجسم وأحواله آلات لأن المدرك يجب أن يكون شيئا ثابتا ، فالحرارة الطارئة مثلا تحيل الحرارة المزاجية ولا تجتمع معها إذ لا تجتمع كيفيتان فى جسم فحينئذ يقع الإحساس بالحار. وكذلك تفرق الاتصال يدركه غير الاتصال المتفرق وغير الاتصال الحادث ، وإنما يدركه شىء ثالث. وكذلك الحال فى المتحلل من البدن إنما يطلب بدل المتحلل شىء غير الباقى بعد التحلل فإن الباقى لم يتحلل منه شىء. فإذا إنما تحلل من شىء هو ثابت باق ، وذلك هو غير البدن بل الحافظ لمزاج البدن ، وهو الذي نسميه كماله. وكذلك الحال فى ترتب الأعضاء ، فهو غير المزاج. وكذلك النمو إنما الفاعل له غير المزاج؛ وهو المدبّر للبدن الذي يأخذ من جانب ويزيد فى جانب حتى تتم الأعضاء ، والمريض إذا صح فانما يثبت له العلم بما كان علمه لأجل انحفاظ معلوماته فى القوة الحافظة. والقوة الحافظة كانت معوقة عن فعلها فى حال المرض لأجل ما كان غشى المكان الذي تترتب منه القوة الحافظة من الأبخرة والأخلاط ، فلما زالت تلك المخالطات انجلى عنها العائق.

المعنى الكلى لا وجود له إلاّ فى الذهن ، ولا يجوز أن يتخصص شخصا واحدا ، ويكون موجودا عاما فإنه حينئذ لا يكون عاما ، وإذا وجد عينا فإنه يكون قد تخصص وجوده بأحد ما تحته ، وذلك كالحيوان فإنه معنى عام ولا يكون موجودا عينا واحدا فيكون حيوانا مطلقا بل إذا صار موجودا فإنما يكون إذا تخصص وجوده بأحد الأنواع التي تحته ، ويكون إما إنسانا وإمّا فرسا أو غيرهما. والتخصص لا محالة يكون بفصل مقوّم للنوع كالنطق أو الصّهال.

الجسم ليس مستقلا بنفسه فإن وجوده لغيره. فالصور الجسمية موجودة للهيولى قائمة بها ، والهيولى وجودها بغيرها فان وجودها (21 ا) بالصورة الجسمية وهى الاتصال أو الأقطار.

الوحدة من الأسماء المشككة كالوجود ، وهى من اللوازم. والمعنى الجامع لوحدتى الجوهر والعرض هو أنه وجود غير منقسم ، فهذا هو المعنى العام الواقع على الوحدة


وإذا قلنا وحدة الجوهر معنى يفارق موضوعاتها وأن وحدة العرض معنى لا يفارق موضوعاتها كنا قد خصصنا ذلك العام. وهذا التخصيص ليس بفصل أى ليس هو تخصيصا بفصل كما يخصص المعنى الكلى إذا وقع فى الوجود بفصل ، فيكون عينا موجودا فإن ما يعرض له الوحدة من الجوهر والعرض لا يقومها.

الوحدة حقيقتها أنها وجود غير منقسم ، ووحدة الأعراض ووحدة الجوهر من حيث حقيقة الوحدة لا تفارق موضوعاتها ، فليس من شأنها أن تفارق.

ليس سبيل الوحدة فى موضوعاتها سبيل اللونية فى البياض ، فالوحدة من اللوازم وهى كالوجود لا يقوم ما يطرأ عليه ولا يكون غير مفارق.

إن قيل : ليس امتناع مفارقة الوحدة لموضوعاتها كامتناع مفارقة البياض لموضوعه بل كامتناع مفارقة الجنس للفصل ـ أجيب إن موضوعات الوحدة لا تقومها وليس سبيل تلك الموضوعات مع الوحدة كسبيل الفصول مع الأجناس.

الأعراض والصور المادية وجودها فى ذواتها هو وجودها فى موضوعاتها فلا يصح عليها الانتقال عن موضوعاتها بل يبطل عنها ، والنفوس الحيوانية هى صور مادية ، والنفس الإنسانية ليست هى صورة مادية ، إذ هى غير منطبعة فى المادة. والشبهة إنما هى فى قواها الحيوانية والنباتية وهل هى قواها وأنها إن كانت قواها كيف تبطل ببطلان المادة وهى قواها؟! النفس الإنسانية وإن كانت قائمة بذاتها فإنها لا تنتقل عن هذا البدن إلى غيره ، لأن كل نفس لها مخصص ببدنها ، ومخصص هذه النفس غير مخصص تلك النفس. فلنسبة ما تخصصت بذلك البدن لا نعرفها.

الحدود لا يصح أن تسند إلى أشخاص النوع الفاسدة ، فإنه حينئذ يبطل ذلك الحد مع فساد المحدود ، لكن الحد لا يفسد. وأما إذا كان التشخص هو نفس النوع كالشمس مثلا صح إسناد الحد إليه ولم يقع إشفاق من فساده.

معقول الأول من أشخاص الأنواع الكائنة الفاسدة ليس يصح أن يكون محمولا على هذا الشخص ، على أن ذلك المعقول هو معقول هذا الشخص من حيث هو مقيس إليه فإنه يلزم حينئذ أن يكون استفاد عقليته له من وجوده ، ووجوده محسوس ويدرك بالإشارة من الحسّ إليه ويكون هذا المحسوس فاسدا ، ولا يجوز على علمه الفساد لكن المعقول له من الأشخاص ومن هذا الشخص أيضا هو نفس الصورة الحاصلة معقولة له لا أن يقايسه إلى هذا الشخص الموجود. فإنه إن قايسه إليه لزم حينئذ أن يكون عقل هذا الموجود لا من أسبابه وعلله بل من إشارة حسه إليه أو من وجه آخر مشابه لما يدرك عليه الشخص الجزئى


المشار إليه ، فلا يجب البتة أن يقايس بين هذا الشخص الموجود المشار إليه وبين معقوله بل يجب أن يكون معقوله كليا يصح حمله عليه وعلى سائر أشخاص نوعه. وأما معقولنا فقد يكون على هذا الوجه ما لم يقس إلى هذا الشخص الموجود حتى نقول : إن هذا المعقول هو هذا الموجود (21 ب) فإذا قسناه إليه على أنه هو بعينه يكون محسوسا لا معقولا فإن المعقول من الشيء هو أن نعرف الشىء بأسبابه وعلله وصفاته؛ على أن تلك الصفات يجوز حملها على هذا الشخص بعينه وعلى سائر أشخاص النوع. فإن قيست إلى هذا الشخص بعينه لا على أنها هو بعينه ، بل على أنها يصح مقايستها إلى أى شخص كان من أشخاص نوعه. ـ ومعقولنا أولا يكون من وجود الشىء ومن ادراك حسّنا له أولا ، وبهذا الوجه يكون جزئيا وفاسدا ومبعثرا إذا قسناه إليه ثم نعقل منه صفاته وأسبابه فيصير المعقول كليا لا يتغير ، ويكون حينئذ متناولا لأى شخص كان من أشخاص النوع ، والمثال فى معقولنا هو أنّا نعقل أنه كلما اتصلت ثلاثة خطوط على استقامة بعضها ببعض حصل مثلث تكون زواياه الثلاث مساوية لقائمتين. وهذا الحكم يكون كليا غير متغير يصح حمله على كل مثلث ، أو أنه كلما اجتمع القمر والشمس ولم يكن للقمر عرض كان كسوف ، وكل ذلك يكون لنا من قياس ونظر وبأن نحكم فنقول : كلما كان كذا كان كذا ويكون فى علمنا تكرار وانتقال من معقول إلى معقول. ومعقول الأول لا يصح فيه التكرار والانتقال من معقول إلى معقول ، ولا استفادة معقولية الشىء من وجوده بل يكون بسيطا يعقل من ذاته فيكون بعقله له على ما عليه وجوده على ترتيب السّببى والمسببى وعلمه ، فعلىّ لأنه من ذاته ، لا انفعالى ، فلا يتغير ، وعلمنا انفعالى مستفاد من خارج فيتغير بتغير المنفعل عنه. ولو كان فينا علم فعلى كان بسيطا ولم يكن بقياس ونظر ، وكان مثاله أن نقول مثلا : فلان يخرج إلى الموضع الفلانى ويلقاه فلان ويجرى بينهما البتة كذا فإن هذا حكم بسيط ليس فيه تعلق بشريطة. ومثال العلم الانفعالى أن تستفيد علم شيء من خارج ، أو يقال لك : إن فلانا خرج إلى الموضع الفلانى ولقيه فلان وجرى بينهما كذا ، فيكون بالضد من الأول.

علم الأول هو من ذاته ، وذاته سبب للأشياء كلها على مراتبها. فعلمه بالأشياء هو نفس وجودها. فهو يعلم الأشياء التي لم توجد بعد على أنها لم توجد بعد ويعرف أوقاتها وأزمنتها. وإذا وجدت تلك الأشياء لم يتجدد علمه بها فيستفيد من وجودها علما مستأنفا ، وهو يعرف كل شخص على وجه كلى معرفة بسيطة ويعرف وقته الذي يحدث فيه على الوجه الكلى. فإنه يعرف أشخاص الزمان كما يعرف أشخاص كل شىء على الوجه الكلى ، وكما يعرف هذا الكسوف على الوجه الكلى ، ويعرف المدة التي تكون


بين الكسوفين على الوجه الكلى ، ويعرف أحوال كل شخص وأفعاله وتغيراته واختلافات الأحوال به وعدمه وأسباب عدمه على الوجه الكلى الذي لا يتغير البتة ولا يزول بزواله ولا يجوز أن يدخل علمه الماضى والحاضر والمستقبل من الزمان كقولك : كان وسيكون وهو كائن من حيث هو كذلك فإنه إذا علم كان أو يكون كان علمه بالإضافة إلى زمان مشار إليه والإشارة لا تصح إلا بالحس.

المثل لا يكون شبيها بالمثل من كل وجه ، بل يكون بينهما اختلاف فى أشياء وإلا كان هو ذاك بعينه.

الأشخاص كلها متميزة فى علم اللّه.

الحد يجب أن يكون لموجود ، فإن الفعل هو الذي يحققه وهو المقوّم لوجوده.

كل مادة إذا حصلت مستعدة للصورة فإنها تستحق بذاتها من واهب الصور أن يفيض (22 أ) عليها صورة بلا زمان من غير توقف فيه. ومثاله المشف إذا قابلت به الشمس فإنه يقبل ضوءها بلا زمان ومن غير توقف فيه ولا يجوز أن يكون لها صورتان : صورة تفيض عليها من واهب الصور عند استعدادها ، وصورة تنتقل إليها فلا يجوز إذن أن يكون للبدن نفسان. فإذن لا تناسخ. والنفوس حالها فى التناهى واللاتناهى حال الأبدان فهما غير متناهيين.

الهيولى الأولى مبدعة والصورة الأولى مبدعة أبدعهما البارى معا ، لكن الصورة سبب لها فى تقومها بالفعل وعلة لها. والهيولى لا تفسد البتة لأنها لا ضد لها ، والصورة تبطل عنها وتفسد لتضادها ، وهى الصور الثوانى التي هى النارية مثلا أو الهوائية والمائية والأرضية لا الجسمية التي تتقوم بها الهيولى. ولو كانت هيولى ما تحدث لكان يحتاج فى حدوثها إلى هيولى تتقدمها ، فكان يتسلسل الأمر فيها إلى غير النهاية.

الصورة سبب للهيولى فى تقوّمها ووجودها بالفعل ، والهيولى سبب للصورة فى تشخصها وإن لم تكن سببا لوجودها وإذا فارقت الصورة الهيولى بطل تشخصها فبطلت إذ تعين وجودها فى تلك المادة.

الهيولى متناهية والصور متناهية ، والأجسام متناهية. ولو لم تكن الهيولى متناهية لزم منها أن يكون شىء منها غير متنفس بصورة ، إذ الصورة متناهية والأجسام متناهية ، والهيولى مستعدة لأن تقبل كل صورة ، لكن بعضها يعوقها عن قبول بعض ، وبعضها يحصل لها أولا وبعضها ثانيا ويكون سببا لها فى استعدادها للبعض.

الكيفيات التي تتبع الصور إذا بطلت بطل معها الصّور نفسها كالبرودة فى المادة إذا بطلت بطل معها المائية ، وسببها مجهول ، فانه لا يلزم من بطلان كيفية تابعة أن تبطل


صورة متبوعة ، فإن الصورة سبب لتلك الكيفية وكذلك الكيفيات تبطل للتضاد بينها ، والصور لا تضاد بينها كالحرارة فى النار يبطلها البرودة فى الماء ، لكنها إذا بطلت البرودة عن المادة بطل معها صورة الماء ، وهذه الكيفية ، أعنى الحرارة تعد المادة لأن تخلع تلك الصورة ، أى صورة الماء. كل شىء يكون بالفعل سمى صورة. ولذلك سميت الصور الجسمانية صورا لأنها تقيم الأجسام بالفعل.

الهيولى لا يحصل لها كل ما هى مستعدة له معا ، لأن بعض ذلك يعوقها عن بعض ، وبعضها سبب له في أن يستعد لبعض.

الأشياء المركبة لما كانت علتها هذه الكيفيات ، أعنى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، فإن المزاج يحدث من تفاعلها فواجب فيه أن يبطل وينتقض المزاج من بطلان الكيفيات ، إذ هى علة لها. وأما الأشياء البسيطة فلا علة لها وتلك الكيفية التي فيها كالنار مثلا ليس علتها الحرارة التي فيها لأنها كيفية تابعة لصورتها ، وإذا بطلت الحرارة بطل معها صورة النار ولا تعرف علتها.

حصول المحسوسات فى الحواس إنما يكون السبب فيه استعداد الحواس له فإن أيدينا مثلا إنما تحس بالحرارة وتتأثر عنها للاستعداد الذي هو فيها ، والبصر إنما يجعل فيه صور المبصر للاستعداد الذي هو فيه ، والسمع إنما يحدث فيه الصوت للاستعداد الذي هو فيه ، وليس للحواس إلا الإحساس فقط ، وهو حصول صورة المحسوس فيها فأما أن نعلم أن (22 ب) للمحسوس وجودا من خارج فهو للعقل أو الوهم. والدليل على ذلك أن المجنون مثلا لا يحصل فى حسّه المشترك صور يراها فيه ، ولا يكون لها وجود من خارج ويقول ما هذه المبصرات التي أراها ، لكن لما لم يكن له عقل غيرها ويعلم أن لا وجود لها من خارج توهم أنها بالحقيقة مرئية ، وكذلك النائم يرى عند منامه فى حسه المشترك أشياء لا حقيقة لها وسبب ذلك حصول تلك الصور فى حسه المشترك ، فيتخيل له أنه يراها بالحقيقة ، وذلك لغيبة العقل عن تدبرها ومعرفتها. وكذلك إذا تأثرت أيدينا مثلا عن حرارة فأحست بها لا يكون لها إلا الإحساس بها. فأما أن نعلم أن هذه الحرارة لا بد من أن تكون فى جسم حار فإنما ذلك للعقل ، وكذلك إذا حملت شيئا ثقيلا فإنما تحس بالثقل وتنفعل عن الثقل ، والنفس أو الوهم يحكم بأن هذا الثقل لا بد من أن يكون فى جسم الشىء لا يتأثر عن شبيهه ، كالحار لا يتأثر عن حار مثله ، فكذلك الجسم لا يتأثر عن الجسم ، بل إنما ينفعل الشيء عن مضادّه كالبارد ينفعل عن الحار. وإذا أحسّت أيدينا مثلا بحرارة مجاورة لحرارتها زائدة عليها أحسّت وتأثرت عنها


فإن كانت الحرارة حرارتها ، لم تحس بها لأن الشيء لا يحصل فى الشيء مرتين؛ فالحرارة الحاصلة فيها شبيهة بالطارئة عليها. فإذا زادت عليها تأثرت اليد منها فلا يكون الحاصل فيها مثلها.

الأشياء إما أن يكون وجودها لها أو وجودها لغيرها. فالمفارقة وجودها لها ، فلذلك تدرك ذواتها ، والنفس وجودها لها فلذلك تشعر بذاتها وتدركها. والآلات الجسدانية لا لذواتها كالعين مثلا بل لغيرها وهى القوة الباصرة فلذلك لا تدرك ذاتها وليس كذلك النفس :

المحسوسات توافى الحواس وتنطبع فيها ، والشك فى الحاسة المبصرة هل ينطبع فيها المبصر أم يخرج منها شعاع إلى المبصر. ولو كان يخرج منها الشعاع لكان يجب أن يكون ما يبصر أكثر من قدره فى الحقيقة لأن الشعاع الواقع عليه ينتشر فيه. ـ المبصر إما أن يكون المؤدى له الهواء أو الماء. فإن كان المؤدى له الهواء لا يكون الهواء مرئيا معه فيجب أن يكون قدر ما يحصل منه فى البصر لا يكون زائدا عن حقيقته. وذلك يختلف بحسب القرب والبعد فإن القرب يجعله أكبر والبعد أصغر لأن القاعدة تكون المبصر ، والزاوية تكون فى البصر ، وإذا بعد المبصر تكون الزاوية أحدّ ـ وإن كان المؤدى له الماء فيجب أن يكون قدر الحاصل منه فى البصر أكبر لأن المبصر ينتشر فى الماء ويكون الماء مرئيا فتكون القاعدة حينئذ جزءا من الماء الذي انتشر فيه ذلك المبصر ثم يمتد إلى البصر على خطين من جرم الماء فتكون الزاوية أعظم. والمرئى فى المرايا إنما يحصل فيها صورة المبصر بقدر جرم المرآة ثم ينعكس منها إلى البصر فيكون على زوايا مختلفة.

الإدراك هو حصول صورة المدرك فى ذات المدرك. وفى الإدراك بالحواس يكون هناك فعل وانفعال لا محالة. فنحن إذا أدركنا ذواتنا فإنما يكون المدرك لها نفوسنا التي لا تنفعل البتة لا أمزجتنا وأبداننا فلا تكون مدركة لها بآلة بل تدركها بذاتها. فإنها إن كان المدرك لها مزاجا فالمزاج قد انفعل عند إدراكها وتغير ، فيكون غير ثابت ولا باق على حالته التي كانت له قبل الإدراك فيجب أن يكون المدرك لها شيئا ثابتا وهو النفس الذي هو كماله.

النفس ليس بمزاج فإنه إذا تغير عن صحته واعتداله فإنه لا يحسّ بتغيره وهو غير باق على صحته بل قد تغير؛ فيجب أن يكون المدرك لتغيره شيء ثابت (23 ا) هو النفس الذي هو كماله. وكذلك إذا تفرق الاتصال لا يحس به المزاج وهو قد تفرق اتصاله وتغير بل يكون المدرك له شيئا ثابتا غيره وهو النفس ، وكذلك القوى التي فى أجسامنا إذا تحركت


إلى خلاف ميولها فإنما يحركها شيء غيرها وهو النفس وكذلك إذا أحست حاسة بشيء كان المدرك لها النفس ، فإن الحاسة قد انفعلت عند الإحساس فلم تبق على حالتها.

الوجود فى واجب الوجود من لوازم ذاته وهو الموجب له ، وذاته هو الواجبية وإيجاب الوجود فهو علة الوجود ، والوجود فى كل ما سواه غير داخل فى ماهيته ، بل طارئ عليه من خارج ولا يكون من لوازمه ، وذاته هو الواجبية أو الوجود بالفعل لا الوجود مطلقا بل ذلك من لوازمه.

الحق ما وجوده له من ذاته. فلذلك البارى هو الحق وما سواه باطل. كما أن واجب الوجود لا برهان عليه ولا يعرف إلاّ من ذاته ، فهو كما قال «شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ»(1) كل ما وجوده لذاته فيجب أن يكون واحدا ، وواجب الوجود وجوده لذاته فهو واحد فإن وجوده لأنه واجب الوجود ، فيقتضى ذلك أن يكون هذا بعينه ، ويكون غير معلول لأنه لا ماهية له بل له الآنية ، إذ كل ذى ماهية معلول لأن وجوده لا لذاته بل من غيره.

واجب الوجود يكون الوجود بالفعل داخلا فى حقيقته ، إذ هو وجوب الوجود لا لازما لحقيقته ، والوجود إذا أخذ فى حدّ الجوهر وقيل إنه الموجود لا فى موضوع فإنما يدل على حقيقة الماهية ومعناه أنه الشيء والذي من شأنه أن يكون وجوده لا فى موضوع فإن هذا مقسوم لكل جوهر وإن كان شيء يكون الوجود بالفعل داخلا فى حقيقته ولم يكن لازما له لم يكن ذلك الشيء جوهرا. وهذا هو واجب الوجود. فواجب الوجود لا يطلق عليه معنى الجوهر ، إذ ليس هو بجوهر ، وهو منزّه عن أن يقال : إنه جوهر.

الوجود ، إذا أخذ مطلقا ، غير مقيد بالوجوب الصرف وإذا أخذ لاحقا لماهيته ومقارنا لها فلا تكون تلك الماهية واجبة الوجود مطلقا ولا عارضا لها وجوب الوجود مطلقا لأنها لا تجب البتة فى وقت من الأوقات. وواجب الوجود مطلقا يجب فى كل وقت. ويجوز أن يكون ذلك الوجود معلول الماهية أو معلول شيء فى الماهية. والوجود المطلق الذي بالذات لا يكون معلولا البتة. فإن كان يقترن ماهية بواجب الوجود إن كان يمكن ذلك فتكون تلك الماهية عارضة له ، وواجب الوجود مشار إليه بالفعل فى ذاته متحقق فى نفسه وإن لم تكن تلك الماهية وهذه هى الآنية ، فوجوب الوجود لا ماهية له غير الآنية.

كل عرض وكل صورة مادية ليس يصح وجود طبيعته وإنما يصح وجود شخص منه وتشخيصه إما بذاته أو لا يكون بذاته. فإن كان تشخّصه بذاته كان شخصا واحدا مثل

________________

1) سورة آل عمران آية 18


صورة كل كوكب ، ولم يصح وجود أشخاص كثيرة منه. وإن كان تشخصه بشيء آخر فإما أن يكون ذلك الشيء موضوعه أو شيئا آخر. فإن كان شيئا آخر كان متقوما بشخصيته قائما بذاته مستغنيا عن موضوعه. وإن كان موضوعه فيجب أن يترجح موضوعه. فصلوحه له عن سائر الموضوعات التي يجوز أن تكون له بسبب لم يعرض لسائرها الذي كان جائزا أن يكون موضوعا له من أشخاص موضوعاته فاذن موضوعه هو الذي عين وجوده وشخصيته. فلا يصح وجوده من دون ذلك الموضوع. فلا يصح عليه الانتقال (23 ب).

النوعية كالإنسانية مثلا أو النارية كلها واحدة ، والمادة كذلك واحدة لا اختلاف فيها ، وهى مستعدة لكل صورة من حيث هى مادة وإذا تعينت مادة ما لصورة ما فإنما يكون ذلك بسبب ، وذلك السبب حادث بعد ما لم يكن ، وكل حادث بعد ما لم يكن فحدوثه فى مادة. فيجب أن يكون ذلك السبب المعين لتشخص تلك الصورة فى تلك المادة شيئا حادثا فى المادة لا فى تلك الصورة ، وكذلك النفوس كلها واحدة فى طبيعتها وجوهريتها واختلافها فى الذكاء والبلادة والخيرية والشرارة لأحوال تلحق المادة فتوجب فى النفس تلك الهيئة. وأما اختلافها فى الأحوال التي لها من خارج ، كالسعادة والنحوسة ، فلأحوال توافيها من خارج ، كحركة الفلك أو تقدير اللّه أو غيره مما يجرى هذا المجرى.

صورة الجسمية التي هى الاتصال تبطل مع بطلان الصورة المقترنة بها المقيمة إياها موجودة بالفعل : كالنار مثلا صورة الجسمية التي فى هيولاها المقترنة بالصورة النارية إذا بطلت صورة النار وحدثت صورة الهواء تبطل صورة الجسمية معها وتحدث صورة جسمية أخرى مع حدوث الصور الهوائية. والدليل على ذلك أن الأبعاد التي هى الاتصالات نفسها أو أشياء تعرض للاتصالات تتغير وتبطل بالتكاثف والتخلخل. فإنها إذا تخلخلت بالصورة النارية تلك الهيولى القابلة للاتصال كان الاتصال غير الاتصال الذي كان عند ما كانت قابلة للهوائية فإنها امتدت وتزايدت فى الأقطار. وإذا تكاثفت الهيولى بطلت تلك الصورة النارية وصورة الاتصال معها وحدثت صورة المائية مثلا واتصال آخر يكون صورة الجسمية فتجتمع الهيولى وتتكاثف وتتقلص أقطارها. فتغير الأبعاد دليل على بطلان الاتصال الذي هو صورة الجسمية وعلى حدوث اتصال آخر.

اللّه تعالى كان خلق هذا العالم مختارا. فإنه إن لم نقل إنه كان مختارا ، كان ذلك منه عن غير رضى به. وليس المختار إذا اختار الصلاح ففعله يلزمه أن يختار مقابله أيضا


فيفعله ، وإذا لم يفعل مقابله لم يكن مختارا بل بالاختيار يكون بحسب الدواعى وذاته دعا إلى الصلاح واختاره.

هو عاشق لذاته وذاته مبدأ كل نظام الخير ، فيكون نظام الخير معشوقا له بالقصد الثاني.

الخير بالحقيقة هو كمال الوجود ، وهو واجب الوجود بالحقيقة ، والشر عدم ذلك الكمال.

الأشياء النافعة لنا قد نسميها خيرات وليست هى بالحقيقة خيرات.

النظام الحقيقى والخير المحض هو ذات البارى ، ونظام العالم وخيره صادران عن ذاته ، وكل ما يصدر عن ذاته ، إذ هو نظام وخير ، يوجد مقترنا بنظام يليق به ، إذ الغاية فى الخلق هو ذاته. وهذا النظام والخير فى كل شىء ظاهر ، إذ كل شىء صادر ، عنه لكنه فى كل واحد من الأشياء غير ما فى الآخر : فالخير الذي فى الصلاة غير الذي فى الصوم.

التشبه بالبارى فى مجرى الخير أن يوجد عن الشىء شىء يكون الخير والفائدة من لوازم قصد أعلى منهما.

نحن إذا فعلنا فعلا وتوخينا به الخير الذي فى ذاتنا فذلك الفعل يكون فيه خير لأنه تابع لخيرية ذاتنا ، ويكون الخير فيه بحسب ذلك الشىء والمفعول وعلى ما يليق به ، فيكون هذا الخير بالقصد الثاني. وبالقصد الأول إنما (2 4 ا) يكون الخير الذي فى ذواتنا.

هذه الكيفيات الأربع هى أصول للأسطقس ، والأسطقس هو الموضوع للمزاج وكذلك تكون المركبات إذا بطلت عنها هذه الكيفيات التي هى فصول الأسطقس الموضوع للمزاج بطلت بأسرها ، لأنها تبطل ما قوّم مزاجها. وليست هى فصولا للعناصر التي هى غير الأسطقس باعتبار ، بل هى صور النار والهواء والماء والأرض. ومع ذلك إذا بطلت بطل معها الصور.

الإدراك اللمسىّ لا يتم إلا باستحالة فى المزاج. ومحال أن تبقى الكيفية المستحيلة مع المستحال إليه. ومحال أيضا أن تدرك ما ليس بباق. والمدرك غير المزاج. والتركيب الصحيح ما دام صحيحا لا يدرك تفرّق الاتصال ، إنما يدرك إذا حصل تفرق. والمتفرق من حيث هو متفرق غير باق على صحته ، إنما الباقى على صحته ما لم يلحقه التفرق ، فالمدرك للآلام الحاصلة من جهة تفرق الاتصال شىء ثابت غير التركيب الذي يفصل.


معنى قوله : «ماهية الجوهر جوهر» هو بمعنى أنه الموجود فى الأعيان لا فى موضوع ، وهذه الصفة موجودة له. وإذا عقلت النفس منه هذه الصفة فإنما يحصل منه فى النفس معقول ماهيته ومعناها لا ذاتها. وسواء كانت ماهيته فى الأعيان أو فى النفس فإن النفس تعقل منها أنها الموجودة فى الأعيان ، لا فى موضوع ، وليس إذا كانت فى النفس أو فى العقل فى موضوع بطل هذا الحكم عنها ، ولم يكن ماهية لا تكون فى الأعيان ليس فى موضوع ، وهو مثل حجر المغناطيس والكف.

هذه الماهية ـ وهى أنها ماهية من شأنها أن تكون موجودة فى الأعيان لا فى موضوع ـ إذا عقلت وحصلت فى العقل لم تتغير عن حقيقتها ، فإنها تكون أيضا فى الأعيان لا فى موضوع ، والمعقول منه فى النفس هو عرض فيها وهو أنه إذا وجد كان وجوده لا فى موضوع ويكون ذلك لازما من لوازمه لا حده.

قولهم : إن العقل ينتزع صور الموجودات ويستثبتها فى ذاته فليس معناه أنه ينتزع تلك الصور والذوات كما هى ، بل يعقل معناها ، ويستثبت ذلك المعنى فى ذاته. وتلك الموجودات ـ جواهر كانت أو أعراضا ـ فإن المعقول منها فى النفس عرض إذ هى فى النفس لا كجزء منها. ولا تصير تلك الذوات صورا للنفس أو العقل كما ذهب إليه قوم بل معانيها تكون صورا لها.

معقولية الشىء هى من لوازم الشىء وهى انتزاع معناه واستثباته فى الذهن.

ليس من شرط الموجود فى شىء أن يطابق ذاته كالمقدار فى الجسم أو النقطة فى الخط فإنه إن كان المقدار يطابق الجسم يكون مثله جسما فيكون جسم فى جسم. والنقطة فى الخط إن كان تطابق جزءا منه فسيكون من نقطة خط.

النقطة كيفية فى الخط ، وهو مثل التربيع لأنها حالة للخط المتناهى ولما كانت نهاية الخط الذي له بعد واحد ومقدار واحد لم يكن له مقدار ، كما أن الخط نهاية السطح الذي هو ذو بعدين وصار له بعد واحد. وكذلك السطح لما كان نهاية لذى الثلاثة الأبعاد وهو الجسم ، صار له بعدان.

كل ذى مقدار فله وضع خاص. والنقطة وإن لم تكن مقدارا فلها وضع وإليها (2 4 ب) إشارة. والنقطة لا تنقسم. وكل ذى وضع فإنه ينقسم ، فإن الموجبة الكلية لا تنعكس. والوضع للنقطة من جهة أنها تكون فى خط وأما فى ذاتها فإنها لا وجود لها منفردة بل هى كيفية فى موضوع ، وكذلك البياض له وضع من جهة موضوعه


والوحدة والنقطة والخط والسطح كلها تحد من دون الموضوع وإن لم تكن توجد إلا فى موضوع.

الفرق بين الكمية والمقدار. أن المقدار كمية محدودة ، والكمية مقدار غير محدود ، والكمية فى الحقيقة هى معنى يمكن أن يقدر به الشىء أو يقدر بالشيء.

الجسم الواحد قد يكون موضوعا لأبعاد مختلفة تترادف عليه بالفعل فيزول عنه بعد بعد بعد ، ويكون الجسم باقيا على حاله موضوعا للبعد والحادث المتجدد وتكون المادة لجميع الصور واحدة فلا يكون للاتصال غيرها للانفصال. وليس السطح كذلك : إذا بطل ما يشخص به فى موضوعه بطل ذلك السطح المتشخص وصار سطحا آخر لأنه عرض لا يكون تشخصه بذاته بل قوامه بموضوعه. وإذا تعين بموضوعه شخصا واحدا فإنه يبطل بالاتصال والانفصال واختلاف الأشكال والتقاطيع لأنه يبطل تشخصه بهذه الأسباب. المثال فى ذلك : إذا كان سطح ما فقطع بنصفين فقد بطل ذلك السطح وحدث سطحان آخران ولم يكن هناك شىء باق عرض له القطع ، كالهيولى إذا انفصل بنصفين.

السطح يعتبر فيه أنه نهاية ، ويعتبر فيه أنه مقدار ، وليس هو مقدارا بالجهة التي هو بها نهاية. ونسبة ذلك المعنى وهو أنه يمكن أن يعرض فيه بعدان إلى المقدارية فيه نسبة فصل إلى جنس ، لا كنسبة المقدارية إلى الصورة الجسمية ـ فإن هذه النسبة نسبة عارض إلى صورة.

الوحدة فاعلة للعدد ، فلذلك هى جزء له؛ والنقطة ليست فاعلة للخط ، فلذلك ليست هى بجزء له.

بين المماستين لا محالة حركة ، فلا يصح تتالى المماسات ويجب أن يتوسطهما حركة فإنها بالحركة تنتقل إلى المماسة الثانية ، وكذلك بين الآنين زمان لا محالة.

النقطة يجوز أن يعرض لها مماسة متنقلة ، والمماسة تكون فى آن والحركة تكون فى زمان لا محالة. وكما أن الزمان لا يكون من تتالى الآنات كذلك الخط لا يكون من تتالى النقط. وإذا ماسّ الجسم جسما بنقطة ثم ماسّه بنقطة أخرى ، تكون النقطة الأولى قد بطلت بالحركة التي بينهما إذ المماسة لا تثبت. والجسم يكون بعد المماسة. كما كان قبل المماسة لا يكون فيه نقطة ثابتة تكون مبدأ خط بعد المماسة ، ولا يبقى امتداد بينها وبين آخر المماسة ، فإن النقطة إنما هى نقطة بالمماسة لا غير. وإذا بطلت المماسة بالحركة لم تبق النقطة ولم يبق الخط الذي النقطة مبدأ له.


النقطة كيفية كالتربيع مثلا ، ولها وضع من جهة أنها فى الخط لأنها نهايته.

نسبة الآن إلى الزمان كنسبة النقطة إلى الخط ، لكن الآن لا وجود له بالفعل إلا بالفرض ، وإلاّ عرض للزمان قطع بالفعل.

العدد يعنى به ما فيه انفصال ويوجد فيه واحد. ويعنى بالأول أنه غير مركب من عدد وأنه لا نصف له عدد إلا نصفا مطلقا. ولكلّ واحد من الأعداد صورة تخصه كالعشرة وله حقيقة هى وحدته التي لا تنقسم ، فإن العشرة لا تنقسم إلى عشرتين يكون كلّ واحد منهما عشرة وله خواص العشرة. فأما انفصاله إلى خمسة وخمسة فإن ذلك من لوازمه لا من ماهيته ، فماهيته هى العشرية ومركبة من الآحاد التي فيها (2 5 ا)

لكل واحد من المضافين معنى فى نفسه ، ولكنه بالقياس إلى الآخر ، وليس هو ذلك المعنى الذي للآخر ، وهو بذلك المعنى مضاف كالأب مثلا فإن إضافته للأبوة التي فيه ، والابن فإن إضافته للبنوة التي فيه ، وليس هناك شيء واحد هو فى كليهما ولا حالة موضوعة للمعنيين اللذين هما بهما مضافان ، وإن كانت تلك الحال كون كل واحد من المضافين يحال بالقياس إلى الآخر ككون كل واحد من الققنس(1) و الثلج أبيض ، فهو محال ، فإن كون كل واحد منهما غير كون الآخر فلا حالة البتة موضوعة للأبوة والبنوة. وهذه الاثنينية موجودة ، والمعنيان لهما وجود من خارج لا فى الذهن وحده. قولهم : إن الإضافة لا تتناهى فإن لكل واحد من الإضافة إضافة أخرى كالأبوة مثلا فلها علاقة مع الأب دون العلاقة التي لها بالقياس إلى الابن ـ هذا الشك ينحل بتجريد معنى الإضافة :

كل واحد من المضافين معقول بالقياس إلى الآخر بسبب معنى الإضافة التي فيه ، وهذا المعنى ليس معقولا بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه بل هو مضاف لذاته. فليس هناك ذات ويبقى هو الإضافة ، بل هناك مضاف لذاته لا بإضافة أخرى.

ماهية الأبوة مضاف معقول بالقياس إلى الابن ، وكون هذا المعنى فى الأب مضاف بنفسه معقول بسبب نفسه لا بسبب شيء آخر. وهذه إضافة يخترعها العقل وهو عارض من المضاف لزم المضاف ، وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة أخرى فكون هذا المعنى محمولا مضاف لذاته وكونه «أبوه» مضاف لذاته ، فإن نفس هذا الكون مضاف لذاته بلا إضافة أخرى. فإنه فى الأعيان إذا كان مضافا إليها موجودا «مع» شيء آخر يكون لذاته لا لمعية أخرى تتبعه ، بل نفسه نفس «ألمع» أو «المعية» المخصصة بنوع تلك الإضافة كما كانت ماهية الأبوة مضافة بذاتها لا بإضافة أخرى. وحقيقة هذا المعنى

________________

1) الققنس : البلشون Gygne


فى الوجود هو أنه أمر بحيث يكون إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس وحقيقته فى العقل أن يعقل بالقياس إلى غيره ، فكونه فى العقل غير كونه إضافة فى الوجود. وليس كل ما يعقل مضافا يكون له إضافة فى الوجود ، فإن المتقدم والمتأخر هما متضايفان فى العقل وليسا متضايفين فى الوجود فإن أحدهما معدوم بالإضافة العقلية غير الإضافة الوجودية. وكون الشيء بحيث إذا عقل كان مضافا أى معقول الماهية بالقياس إلى غيره لا يلزم أن يكون له إضافة أخرى فى الوجود لا فى العقل ويكون معقولا بسبب شيء غير ذاته حتى تكون إضافات فى إضافات كثيرة لا تتناهى.

المضاف هو كون الشيء بحيث إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس إلى غيره؛ فإذا لم يعقل لم يكن مضافا.

اعتبار الذات شيء؛ واعتبار كونه بحال شيء آخر.

الأبوة معنى موجود فى الأب معقول بالقياس إلى الابن ، وهو معقول بذاته وكون هذا المعنى فى الأب ليس معقولا بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه.

الإضافة الوجودية هى كون المعنى بحيث إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس إلى غيره وليس ذلك وجوده.

ماهية الشيء ليست وجوده ، وكون الشيء معقول الماهية بالقياس إلى غيره ليس كونه موجودا بالقياس إلى غيره كالبياض مثلا فإنه موجود بالقياس إلى موضوعه ، وليست ماهيته معقولة بالقياس إلى الموضوع.

المتضايفان متكافئان فى اللزوم لا فى الوجود ، فقد يكون الشيئان متضايفين (2 5 ب) وأحدهما معدوم.

الشيء لا يحصل فى الشيء مرتين كبياض فى موضوع فإنه لا يحصل فيه مرتين بل يكون فيه مرة واحدة.

الأبيض إذا استحال إلى الخضرة فإنما يستحيل إلى ما فى الخضرة من خلط السواد لأن الشيء لا يتأثر عن مثله ، فإن الحرارة لا تتسخن عن الحرارة.

معنى قوله : «إنه بما يخالف يشابه» ـ أن فى الخضرة خلطا من السواد والبياض فلا يكون ضدا لهما.

الضرب بذاته لا يؤلم ، بل إنما يؤلم بسبب ما يحدث عنه من تغير المزاج وانفعاله


عنه ، فإذا لم ينفعل عنه لم يحس بالألم. فكثير من الناس يضربون وتكون نفوسهم مشغولة بشيء فلا يحسّون بالألم.

قوله : «النفس ذاتها لها» أى هى مجردة ، وقوامها بذاتها ، والعقول ذواتها لها فهى معقولة لذواتها. والمعقولات التي تجرد عن المواد ليست لها ذوات فهى معقولة لا لذواتها بل قوامها بغيرها.

إن عرفنا الأشياء بأسبابها ولوازمها عرفنا حقائقها ولوازمها. لكنا لا نعرفها بأسبابها ، بل من حيث هى موجودة محسوسة لنا ، كما إذا أدركنا شيئا جزئيا فإنا ندركه حسّا والإحساس بالحقيقة هو أن ندرك شيئا حادثا لم ندركه قبله ، وهو إدراك بعد أن لم ندرك ، والإحساس بالاعتبار إلى الإله من حيث إنه زال شيء وحصل شيء آخر هو انفعال ، وبالاعتبار إلى القوة المدركة ليس بانفعال ، فلهذا لا يصح أن ينفعل المدرك من حيث هو مدرك فإن المنفعل يجب أن يكون آلة ، والمدرك لا يجب أن تتغير ذاته من حيث هو يدرك وإن تغيرت أحواله وأحوال آلته. وليس فى العقل انفعال ، ولا قوة انفعالية ، وفى عقولنا انفعال من جهة مادتها ، ولو لا هذه القوة البدنية فينا لم يكن لنا سبيل إلى إدراك شيء. والفرق بين الانفعال والاستكمال أن الانفعال يعتبر فيه زوال شيء مع حدوث شيء. والاستكمال يعتبر فيه حدوث شيء فى شيء لم يكن فيه ضده فزال عنه وحدث هو فيه ، بل هو كاللوح إذا كتب فيه شيء.

الخير ما يتشوقه كلّ شيء فى حده ، ويتم به وجوده ، أى فى رتبته وطبقته من الوجود كالإنسان مثلا والفلك مثلا فإن كل واحد منهما يتشوق من الخير ما ينبغى له وما ينتهى إليه حدّه ثم سائر الأشياء على ذلك.

معنى قوله «ذاته له» أى لم توجد لغيره ، ولا أن يمتلكه غيره وأن يكون آلة لغيره أو صفة له أو عرضا يعرض له كما نقول : إن القوى وجودها للنفس أى آلة لها.

الواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود ولكل كمال وجود لا لشيء آخر أو سبب ، فإن ذلك يوجب له نقصا.

الشيء الذي يعقل بتجريد المادة لا يكون معقولا لذاته.

المانع للشيء أن يكون معقولا هو المادة وعلائقها؛ لأن الشيء إذا لم يكن متحققا يخلص وجوده منفردا به كان مقترنا به شيء غريب فلأجل أن هناك قابلا لذلك الغريب ويكون ذلك الهيولى لم يكن معقولا إذا لم يكن متجردا. فالبريء عن الهيولى وعلائقها معقول لذاته :


معقولية الشيء هى تجريده عن المادة وعلائقها ، والشيء إذا كان يخالطه شيء غريب لا يكون متجردا فلا يكون عقلا ولا يكون معقولا لذاته.

الهيولى وإن كان وجودها بالصورة فوجودها لذاتها لا للصورة وهى حاملة للصورة وليست هى كالعرض الذي هو محمول.

الشيء الذي وجوده وجود عقلى أى مجرد ، هو عقل؛ والذي هو له ذاته هو عقل ، بذاته. والعرض وجوده للجوهر أى قوامه (2 6 ا) هو إنما وجد ليكون نعتا له أو حلية كما البياض للجسم لأنه صفة للجسم موجودة له لا لذاته. وكل شيء ذاته لشيء فذلك الشيء يدركه وهو لا يدرك ذاته. فالأجسام والقوى الجسمانية ذواتها لا لها بل لغيرها أى للأنفس ، فهى لا تدرك ذواتها. كالقوة الباصرة مثلا فإنها لا تدرك ذاتها والقوة الحاسّة لا تدرك ذاتها ، وكذلك كل ما له ذاته فهو يدرك بذاته ، والمفارقات لها ذواتها فهى مدركة ذواتها. والبارى هو عقل لأنه هوية مجردة ، وهو عاقل لأن ذاته له ، وهو معقول لأن هويته المجردة لذاته. وكون ذات البارى عاقلا ومعقولا لا توجب أن يكون هناك اثنينية فى الذات ولا فى الاعتبار : فالذات واحدة والاعتبار واحد ، لكن فى الاعتبار تقديم وتأخير فى ترتيب المعانى ، ولا يجوز أن تحصل حقيقة الشيء مرتين كما نعلم. فلا يجوز أن تكون الذات اثنين كما إذا عقلت أنا معنى زيد يكون قد حصل ذاته فى ذاتى فتكون هناك اثنينية : ذاتى العاقلة وذاته المعقولة.

البارى يعقل ذاته لأن وجود ذاته له ، وكل ذات تعقل ذاتا فتلك الذات حاصلة لها فى ذاتها. فالحاصل فى ذاته هو ذاته لا غيرها ، وليس هناك اثنينية فإن حقيقة الشيء تكون مرة واحدة لا تحصل مرتين. وليس قولنا : إن ذاته موجودة له وقولنا : إن ذاته معقولة له تجعل الذات اثنين ، فإن حقيقته لا يعرض لها مرة شيء ومرة ليس ذلك الشيء وهو حقيقة واحدة دائما. فليس لكونها معقولة زيادة على شرط كونها موجودة بل زيادة شرط على الوجود مطلقا وهو أن وجود ذاته التي به هى معقولة حاصل له فى ذاته لا بغيره.

إذا قلت إنى أعقل الشيء فالمعنى أن أثرا منه موجود فى ذاتى فيكون لذلك الأثر وجود ولذاتى وجود. فلو كان وجود ذلك الأثر لا فى غيره بل فيه لكان أيضا يدرك ذاته ، كما أنه لما كان وجوده لغيره أدركه الغير. فالأول لما كان وجوده لذاته على الوجه الذي قلنا كان مدركا لذاته. فلا يظن أنه إذا قلنا : إن كل صورة معقولة فوجودها لذات ذلك المعقول فتكرر الوجودان والذاتان ، فتكون اثنينية.


إن وجد أثر من ذاتى فى ذاتى كنت أدرك ذاتى كما أدرك شيئا آخر بأن يوجد منه أثر فى ذاتى ، ولكن ليس لوجود الأثر الذي أدركت منه ذاتى تأثير فى إدراكى لذاتى إلا بسبب وجوده لى وإذ كان وجودى لى لم يحتج فى إدراكى لذاتى إلى أن يوجد أثر آخر فىّ سوى ذاتى ، أى لا أنفعل عن ذاتى وشيء آخر. وهو إنى إذا أدركت ذاتى فكان إدراكى لذاتى من أثر يحصل فىّ فكيف أدرك أن ذلك الأثر هو أثر ذاتى لو لا أنى علمت قبل ذلك ذاتى فكنت أعرف من ذلك الأثر بعلامة من العلامات أنه أثر ذاتى. وإذا أحضرت أثرا من ذاتى فى ذاتى أو فى آلة لذاتى ثم أحكم بأن ذلك الأثر هو من ذاتى أحتاج أن أجمع بين ذلك الأثر وبين ذاتى فأحكم وأقول : هذا الأثر هو أثر ذاتى يكون قد سبق إدراكى لذاتى لا من ذلك الأثر. فإن قيل : فمن أثر آخر؟ كان حكمه حكم هذا الأثر فيتسلسل إلى ما لا نهاية فبالضرورة يكون إدراكى لذاتى لا لأثر بل لوجود صورة ذاتى فى الأعيان لى ولا لوجود صورة أخرى أثر لذاتى. وإذ أدركت شيئا من أثر منه بسبب أنه يوجد فيه أثر فىّ ، فلو وجد هو فىّ لكان إدراكى له أتم. فإذا أدركت ذاتى من أثر يوجد لى فىّ وليس إلا الوجود ثم وجودى فى الأعيان لا لغيرى. فإدراكى لذاتى من ذاتى يتم أتم مما لو صحّ أن أدركها من أثر. وأما إذا أدركت ذاتى واعلم أنى أنا المدرك كان (2 6 ب) المدرك والمدرك شيئا واحدا. وهذه الخاصية هى للإنسان وحده من دون سائر الحيوانات ، فإن تلك ليس لها شعور بذواتها.

كل صورة أدركها فإنما أدركها إذا وجد مثالها فىّ فإنه لو كان لوجوده فى ذاته فى الأعيان لكنت أدرك كل شيء موجود وكنت لا أدرك المعدومات إذ فرضنا أن إدراكى له لوجوده فى ذاته. وهذان محالان لأنا ندرك المعدومات فى الأعيان. وقد لا ندرك الموجودات فى الأعيان. فإذن الشرط فى الإدراك أن يكون وجوده فى ذهنى.

إذا حصلت الذات جعل معها الشعور بها فهو مقوّم لها وتشعر بها بذاتها لا بآلة. وشعورها بذاتها شعور على الإطلاق أى لا شرط فيها بوجه ، فإنها دائمة الشعور بها لا فى وقت دون وقت.

اليقين هو أن تعلم أنك علمته ، وتعلم أنك تعلم أنك علمته ، إلى ما لا نهاية والإدراك للذات هذه سبيله ، فإنك تدرك ذاتك ، وتعلم أنك أدركته ، وتعلم أنك تعلم أنك أدركته ـ إلى ما لا نهاية.

شعور النفس الإنسانية بذاتها هو أوّلىّ لها ، فلا يحصل لها بكسب فيكون حاصلا لها بعد ما لم يكن. وسبيله سبيل الأوائل التي تكون حاصلة لها. إلا أن النفس قد تكون


ذاهلة عنها فتحتاج إلى أن تنبه كما تكون ذاهلة عن الأوليات فتنبه عليها. ولا يجوز أن يتوصل إلى إدراكها بغير ذاتها لأنه يكون بينها وبين ذاتها غير ، وهذا محال والنفس(1) إذا لم يعرف ذاتها كيف يعرفه إياها الغير؟ فيلزم من هذا أنه لا يكون له سبيل إلى معرفتها وأما الشعور بالشعور فمن جهة العقل.

إدراك الجسم يكون من جهة الحس إما بالبصر أو باللمس فمن جوز أن تكون المعرفة بالذات من طريق الحس لزمه أن يكون لم يعرف ذاته على الإطلاق ، بل عرفها حين أحس جسمه.

النفس الإنسانية إنما تعقل ذاتها لأنها مجردة ، والنفوس الحيوانية غير مجردة فلا تعقل ذواتها ، لأن عقلية الشيء هى تجريده عن المادة ، وإذا لم يكن مجردا لم يكن معقولا بل متخيلا. وهذا مما يستدل به على بقاء النفس ، لأنها مجردة عن المادة وليس قوامها بها كنفوس الحيوانات. والنفس إنما تدرك بوساطة الآلة الأشياء المحسوسة والمتخيلة. والأشياء المجردة لا تدركها بآلة بل بذاتها لأنه لا آلة لها تعرف بها المعقولات. والآلة إنما جعلت لها لتدرك بها الجزئيات والمحسوسات. وأما الكليات والعقليات فإنها تدركها بذاتها. ونفسها وإن كانت جزئية فإنها عقلية. وقد قيل إن المعنى العقلى لا يكون جزئيا بل يكون كليا ـ وهذا يجب أن يحقق. ولو كانت لها آلة جسمانية تدرك بها المعقولات لم تكن المعقولات إلا محسوسة أو متخيّلة ، وهذا محال ، فيجب أن لا تدركها بآلة بل بذاتها.

ليس كل عقلى يكون معنى كليا كالعقل والنفس.

البارى لا يوصف بأنه جنس ، ولا بأنه نوع إذ لا مجموع فى شخصه ولا متكثر الأشخاص بل يوصف بأنه شخص. ولا نعنى به أنه شخص من نوع أو شخص جسمانى كشخص الشمس مثلا. بل إنه شيء متميز بذاته عن سائر الموجودات. وكذلك كل واحد من العقول. ولذاك لا يوصف بأنه كلى ، ولا بأنه جزئى ، ويوصف بأنه عقلى أى مجرد لا أنه كلى.

لا كمية لفعل البارى ، لأن فعله لذاته لا لداع دعاه إلى ذلك.

هو الأول والآخر لأنه هو الفاعل وهو الغاية ، فغايته ذاته ولأن مصدر كل شيء عنه ومرجعه إليه.

الإرادة هى علمه بما عليه الوجود وكونه غير مناف لذاته.

________________

1) فى النسختين : والشيء.


الفيض فعل فاعل دائم الفعل ، ولا يكون فعله بسبب دعاه إلى ذلك ولا لغرض إلا نفس الفعل.

علم البارى لذاته لا يعلم كما يعلم الأشياء بعلم ، والعلم هو عرض يحلّ النفس ، وعلمه غير مستفاد من خارج بل يعلم الأشياء من ذاته.

علم البارى لذاته فهو يعلم الأشياء جزئيّها وكلّيّها على ما هو عليه من جزئيته وكليته وثباته وتغيره وكونه وحدوثه وعدمه وأسباب عدمه ، ويعرف الأبديات على ما هى عليه من أبدية والحادثات على ما هى عليه من حدوث. ويعرفها قبل حدوثها ومع حدوثها وبعد حدوثها بعللها وأسبابها الكلية ، ولا يفيده حدوثها علما لم يكن كما نحن لا نعلم الأشياء قبل حدوثها. فكلها حاضرة له فإن ذاته سببها. وهو لا يذهل عن ذاته. ويعرف الجزئيات والشخصيات بأسبابها وعللها على الوجه الذي لا يتغير به علمه ولا يبطل. وإن تغير الجزئيات والشخصيات فإنه لا يعرفه كما نعرفه نحن بإدراك الحس له وبالإشارة إليه ، بل يعرفه بالأسباب الموجودة له المؤدية إليه التي لا تتناول هذا الجزئى وهذا الشخص بعينه من حيث يكون مشارا إليه متخيلا ، فهو يعرف هذا الشخص بأسبابه وعلله المشخّصة له فيكون علمه لا يتغير وإن تغير الشخص وبطل ، ويعرف هذا الشخص وأنه شخصى مشار إليه وأنه فاسد ومتغير ولا يفسد علمه ولا يتغير بفساده وتغيره ، ويعرف جميع أحواله الحادثة له ويعلم أنها تكون حادثة له ، ولا يتغير علمه بها لأنه يعرفها بأسبابها ويعرف عدمه بأسبابه المقوّمة له.

النفس تدرك ذاتها عند تفردها بذاتها وتجردها عما يلابسها من المادة التي تعوقها عن إدراك ذاتها. وما دامت ملابسة للمادة ممنّوة بها فإنها بما يغشاها من ذلك الملابس الغريب لا يمكنها الرجوع إلى ذاتها والإدراك لها. والنفس لا تكون عاقلة بالحقيقة إلا بعد التفرد والتجرد عن المادة فإن معنى عقلية الشيء هو أن يتجرد العاقل عن المادة ويتجرد المعقول عن المادة.

إن كان الجسم شرطا فى بقاء النفس فلا بقاء لها من دونه ، وهو أشرف منها لحاجتها إليه واستغنائه عنها. وإن كان معادا فى المعاد مع النفس لم تنفكّ النفس من الأفعال البدنية والقوى الحيوانية التي هى عوائق لها عن نيل الكمال.

الجسم شرط فى وجود النفس لا محالة ، فأما فى بقائها فلا حاجة لها إليه ، ولعلها إذا فارقته ولم تكن كاملة كانت لها تكميلات من دونه إذ لم يكن شرطا فى تكميلها كما هو شرط فى وجودها.


النفس إذا طالعت شيئا من الملكوت فإنها لا محالة تكون مجردة غير مستصحبة لقوة خياليه أو وهمية أو غيرهما ويفيض عليها العقل الفعال ذلك المعنى كليا غير مفصل ولا منظم دفعة واحدة ثم يفيض عن النفس إلى القوة الخيالية فتتخيله مفصلا منظما بعبارة مسموعة منظومة ـ ويشبه أن يكون الوحى على هذا الوجه : فإن العقل الفعال لا يكون محتاجا إلى قوة تخيلية فيه إفاضة الوحى على النفس فيخاطب بألفاظ مسموعة مفصلة.

الفرق بين الإرادة والغرض ، وبين الغرض والدواعى أن الغرض هو الغاية التي توجب الفعل وكذلك الدواعى والإرادة لا توجب ذلك. فالغرض هو إرادة جازمة.

الإنسان لا يعرف حقيقة الشىء البتة (27 ب) لأن مبدأ معرفته للأشياء هو الحس. ثم يميز بالعقل بين المتشابهات والمتباينات ويعرف حينئذ بالعقل بعض لوازمه وأفعاله وتأثيراته وخواصه فيندرج من ذلك إلى معرفته معرفة مجملة غير محققة بما لم يعرف من لوازمه إلا اليسير ، وربما عرف أكثرها إلا أنه ليس يلزم أن يعرف لوازمه كلها. ولو كان يعرف حقيقة الشىء وكان ينحدر من معرفة حقيقية إلى لوازمه وخواصه ، لكان يجب أن يعرف لوازمه وخواصه أجمع ، لكن معرفته بالعكس مما يجب أن تكون عليه.

النفوس كلها محتاجة فى ذواتها إلى أن تستكمل بالعقل ، وهى مستعدة لذلك استعدادا قريبا وبعيدا.

نفوس الحيوانات غير الإنسان ليست بمجردة ، فهى لا تعقل ذواتها ، وإذا أدركت ذواتها فإنما تدركها بقوتها الوهمية ، فلا تكون معقولة. والوهم لها بمنزلة العقل للإنسان.

العلم هو حصول صور المعلومات فى النفس ، وليس نعنى به أن تلك الذوات تحصل فى النفس ، بل آثار منها ورسوم. وصور الموجودات مرتسمة فى ذات البارى إذ هى معلومات له وعلمه لها سبب وجودها.

الشعور بالذات يكون بأن نعقلها ، والتعقل يكون لشىء مجرد ، والحيوانات نفوسها غير مجردة فلا تعقل ذواتها بل تدركها بقوة الوهم.

الشعور بالذات يكون بالفعل فيكون دائما على الإطلاق ولا يكون باعتبار شىء آخر. والشعور بالشعور يكون بالقوة وحاصلا فى وقت دون وقت.

النفس وإن لم تكن فى البدن فإن قواها ، التي تصرّفه بها ، فى البدن؛ وهى متشبثة بها ، وهذه القوى مشتركة بينها وبينه ، وهى منبعثة عن القوة العملية.


غاية الحركة إما أن تكون بحسب العقل أو بحسب التخيل. فإن كانت بحسب العقل كان الواجب المقصود يسمى الغاية الحقيقية. وإن كانت بحسب التخيل كان إمّا مطابقا لما يتخيل ، فيسمى عبثا وإما مخالفا فيسمى جزافا.

كل ما وجوده لغيره فذلك الغير يعقله إذا لم يكن ذلك مؤثرا فيه.

الممكن وجوده فى الشىء لا يجب وجوده فيه ، فإن وجوده فيه ليس بأولى من وجوده فى شىء آخر ، فليس يجب وجوده ، فهو غير واجب وجوده لا فى هذا ولا فى ذاك.

الممكن غير موجود ما لم يجب ، فإنه ما دام على حد إمكانه فهو غير موجود.

هذا الفرض أو هذه الصورة إن كان واجبا وجوده فى هذه المادة فلا يجب وجوده فى غيرها ، وإن كان ممكنا وجوده فيها فلا يكون أولى من وجوده فى غيرها فلا يكون موجودا فى هذا ولا فى ذاك.

(نحن إذا رأينا شيئا فى المنام فإنما نعقله أوّلا ثم نتخيله ، وسببه أن العقل الفعال يفيض على عقولنا ذلك المعقول ثم يفيض عنه إلى تخيلنا. وإذا تعلمنا شيئا فإنما نتخيله أولا ثم نعقله فيكون بالعكس)(1) من ذلك الأول. ونحن إذا أردنا أن نعلم شيئا تستعد النفس لقبول معرفة ذلك من العقل الفعال بإزالة المانع العائق لها عن هذا الطلب فيتخصص استعدادها ، لذلك احتلنا عند ذلك كثيرا فى شغل القوة الخيالية عن المعارضة والمعاوقة عنه ، مثل ما إذا أردنا أن نعلم مسألة هندسية شغلنا القوة الخيالية بأشكالها المخطوطة لئلا نذهب إلى شىء آخر فيمانع. والنفوس الإنسانية إذا أخذت من القوة الخيالية مبادئ علومها حتى لا تحتاج فى شىء مما تحاول معرفتها إلى أخذ مبادئه من القوة الخيالية تكون قد استكملت. وإذا فارقت كانت متخصصة الاستعداد لقبول فيض العقل الفعال ، فإن العقل الفعال فعّال بالفعل أبدا لا يتوقف فعله على شىء وإذا كانت المادة القابلة متخصصة الاستعداد لقبول فيضه ، وهذا من إنسان ما ، فيجب أن يجتهد الإنسان حتى يبلغ هذا المبلغ فى هذه الدنيا.

هذه المنامات والإنذارات دليل على اتصال النفس الإنسانية بالأول طبعا بلا كسب.

العلوم التي إذا أدركت أمكن استثباتها على الذهن بالتخيل والحسّ ، كالأشكال

________________

1) ما بين القوسين ورد بنصه فى «المباحثات» برقم 476. راجع نشرتنا فى «أرسطو عند العرب» ص 233. القاهرة ، سنة 1947.


الهندسية والأمور التي تتعلق بوجه ما بالتخيل ، فالتخيل موات فيساعد فى إدراكه وتصوره ، والعلوم العقلية لما كانت بخلاف ذلك وكانت الخيالية تمانع وتعاوق عنها قهرت القوة الخيالية على ترك المعاوقة عنها.

إنما احتيج إلى أن تكون أشكال الهندسة مصوّرة فى لوح عند تعلم البراهين ليشتغل بها الخيال فلا يتشوش على العقل استيفاء البرهان ، ويكون الخيال مشغولا بشيء من جنس الشىء الذي يطلب برهانه فلا يعاوق ولا يمانع.

التعلم يتم بأن يشغل الخيال والحواسّ بشيء من مذهب ما فيه الرؤية ، حتى لا يعوق النفس عن مطلبها.

الرؤية هى أن تشغل النفس قواها بشيء من مذهب ما تطلبه ليتم استعدادها لقبول الصورة المطلوبة من عند واهب الصور.

الوجود من حيث هو وجود يتعلق بالفاعل لا من حيث هو حدوث. فلذلك كلما عدم الفاعل عدم معه الوجود ، ومعنى الحدوث هو وجود بعد ما لم يكن. وبعد ما لم يكن هو صفة لهذا الوجود الحادث. لكنها ليست بصفة له عن الفاعل ، بل هذه الصفة له بسبب سبق العدم. وليس لسبق العدم علة. فالفاعل إذن هو علة للوجود لا علة الحدوث فلو أن الفاعل كان حادثا كان يقال هو فاعل حادث وكان حدوثه بسبب سبق العدم. مفيد الوجود يفيد الوجود المطلق. فأما وجودا بعد ما لم يكن فلا اعتبار له من جهة مفيد الوجود ، فإن بعد ما لم يكن من لوازم الشيء أعنى من لوازم الماهية الموجودة ، كما أن المثلث كونه بحيث يمكن أن يخرج أحد أضلاعه إلى كذا هو من لوازمه لا مما يقوم به المثلث ، وكذلك الضحك للإنسان.

الفاعل من حيث هو فاعل لا يحتاج إلى حدوث حالة له فإنه حينئذ يكون منفعلا لأن ذاك يرد عليه من خارج ، والشىء لذاته محتاج إلى العلة ، وإمكان الوجود يدوم لطبيعة هذا الموجود الحادث وداخل فى شرطه ، فوجوده ممكن ووجوده بعد العدم فهو ضرورى أنه بعد العدم. فأما ما لا يكون موجودا ثم يوجد فيكون ضروريا أنه يكون بعد العدم. فأما الوجود فى نفسه واعتبار ذاته فهو ممكن.

لا يجوز أن يكون الفاعل من حيث هو فاعل يوجد قابلا للفعل أو للوجود لأن القبول هو انفعال فيه أو استكمال له ، فيكون لم يستكمل بعد. ويجب أن يكون ذات الفاعل مباينا لذات المفعول وإن كان يوجد المفعول حيث هو ملاقيا له. والطبيب إذا عالج نفسه فإنه يعالج بجزء منه ويتعالج بجزء آخر.

النفس الزكية إذا فارقت ، أفاض عليها العقول كمالا تكون من لوازمه


المعقولات ، فتستجلى لها الأشياء دفعة ولا تحتاج إلى مخصصات.

الوجود بعد ما لم يكن. هو ضرورى لأن الشىء إذا وجد بعد ما لم يكن يكون ضروريا أنه (28 ب) بعد ما لم يكن. وحق أن يقال إن وجوده جائز أن يكون وأن لا يكون بعد العدم. وليس حقا أن يقال إن وجوده بعد العدم من حيث هو بعد العدم جائز لأن هذه الحال تكون ضروريا لا جائزا.

المحدث إن عنى به كل ماله أيس بعد ليس(1) مطلقا أى بعد أن كان معدوم الذات لا معدوما فى حال وجود من أحواله. وإن لم يكن فى الزمان ـ كان كل معلول محدثا. وإن عنى به كل ما يوجد فى زمان ووقت قبله لمجيئه بعده أو تكون بعديته لا تكون مع القبلية موجودة بل ممايزة له ـ فالعالم وجد بعد أن لم يكن موجودا بعدية حدثت مع بطلان معنى هو القبلية ، ووجد وجودا زمانيا متقدرا يكون فيه القبل متقدما على البعد ، ويكون القبل باطلا لمجيء البعد.

الفاعل علة للوجود لا للحدوث ، والوجود إذا كان محتاجا إلى علة فسواء بحدث أو قدم فإنه محتاج فى الفاعل إلى علة لكون الشىء بعد ما لم يكن أو لوجود بعد ما لم يكن ، فإن قولنا : بعد ما لم يكن ليس يجعل الوجود بحال وإنما يطرأ على وجود فى ذاته محتاج إلى سبب قد سبق ذلك الوجود وعدم سبقا زمانيا. والوجود إذا كان فى ذاته محتاجا كان دائما محتاجا ، لأن كونه محتاجا مقوم لحقيقة ذلك الوجود ، فلا يستغنى فى وقت من الأوقات فى حال وجوده وعدمه عن سبب.

الحدوث وجود محتاج قد سبقه عدم سبقا زمانيا.

الحدوث هو نفس الحركة أو مقتضى الحركة.

الحادثات ليس السبب فى تعلقها بالفاعل التقدم الزمانى فى ذلك لأن حادثا إذا حدث فى وقت ما صح حدوثه فى وقت ما قبل ذلك بمائة سنة ، وكذلك إلى ما لا نهاية أو بعد ذلك الوقت بمائة سنة وكذلك إلى ما لا نهاية. فإذن إنما يتعلق بالفاعل من حيث هو مستفيد الوجود من ذلك الفاعل من حيث ذلك الفاعل مفيد الوجود ، فالعلاقة من المخلوق بالخالق هذه العلاقة. فإن فرضنا أن ذلك الفاعل لم يزل كان فاعلا كان لا يصح انفكاك المفعول منه. والتقدم والتأخر فى مثل هذا المكان هو الحاجة والاستغناء ، فإن أشياء كثيرة تتقدم على أشياء كثيرة بالزمان ، وما لم يكن بينهما هذا المعنى لا يصح أن يكون أحدهما فاعلا والآخر مفعولا. فإذا ما حصلت الحاجة والاستغناء ، فإن العلية والمعلولية حاصلتان.

________________

1) أيس : وجود. ليس عدم.


إن فرضنا وجودا غير البارى وغير العالم ، وكان الإله به متقدما على العالم حتى لو لم يكن ذلك المعنى ما كان الإله متقدما ، فذلك المعنى يجب أن يكون موجودا قبل وجود العالم. فإما أن يكون ذلك المعنى واجب الوجود بذاته ، أو واجب الوجود بغيره فإن كان واجب الوجود بذاته كان اثنين ، وهذا محال. فإن كان سبب ذلك الشىء الإله فالكلام فى ذلك كالكلام فى العالم أنه هل الإله يتقدمه أو لا يتقدمه؟ فالتقدم والتأخر هو الحاجة والاستغناء وطبيعة الوجوب قبل الإمكان. ونحن عرفنا حقيقة واجب الوجود قبل معرفتنا بإمكان الوجود ، وعرفنا خواص كل واحد من الحقيقتين وعرفنا أن واجب الوجود بذاته ما خواصه والممكن بذاته ما خواصه ، وعلمنا أن الممكن لا يصح وجوده إلا بواجب الوجود بذاته ـ ثم اعتبرنا.

لو كان وقوع اسم الحدث على هذا الشخص مثلا بسبب تقدم الخالق عليه بالزمان فالزمان غير محدث لأنه لا يصح أن الخالق يتقدم على الزمان بزمان آخر. فإن لم يكن الحدوث بسبب تقدم الزمان بل بسبب تقدمه بشيء آخر فهو شىء لا نعرفه.

الأحوال والذوات معان (29 ا) مشترك فيها. والنسب إما أن تكون نسبة معقولة أو نسبة محسوسة. والنسب المعقولة مشترك فيها ، والنسب المحسوسة مشترك فيها ، والنسب المحسوسة تحيزية وإلا لم تكن محسوسة. وهى إما أن تكون مكانية أو وضعية.والمكانية مشترك فيها لأن مكانا لا يخالف مكانا آخر من حيث إنه مكان ، بل إنما يخالفه فى معنى آخر زائد على المكان ، وذلك المعنى هو الوضع ، والوضع مخالف لوضع آخر بذاته لا بمعنى آخر. فالوضع هو المتشخص بذاته لكن كل ما يتشخص بالوضع يتشخص به لمعنى زائد على الوضعية لأن وضعا واحدا يصح أن يعرض لأمور كثيرة.فإذن إنما يتم التشخص به إذا لم يختلف الزمان. فكل شىء ليس بزمانى ولا وضع له لا توجد له أشخاص كثيرون كالعقول المفارقة.

إن قال قائل : إنه كما إذا تخصص الهيولى وجب أن توجد فيها الصورة من واهب الصور ، فكذلك يصحّ أن توجد للفلك بتخصصه بوضع وحركة حركة أخرى من المفارق فالجواب أن الحركة لا تتم إلاّ بعرض مبدأ ومنتهى متعينين مخصصين. وهذا لا يكون فى المعقول. فإذن يجب أن يتصور المبدأ والمنتهى فى شىء جزئى ليصح حينئذ أن تفيض الحركة من المفارق على جزء الفلك.

وضع المكان نسبته إلى جزء من الفلك.

التجريد العقلى ، أعنى المهيئ لأن يصير الشىء معقولا ، إنما هو تجريد عن


المقارنات المؤثرة ، والمقارنات المؤثرة كمقارنة الأعراض للكم فإن الأعراض إذا اقترنت بالكميات تميز بعضها عن بعض ، وصارت ذا كم. وأما المقارنات التي لا تؤثر فى ذات المقارن شيئا فغير مضرّة فى أن يكون الشىء معقولا.

اللاّمس ما لم يستحل مزاجه لم يدرك : كاليد إذا لم يستحل فى مزاجه لم يدرك الملموس. والمستحيل غير ثابت فكيف يدرك معدوم! فإذن المدرك شىء موجود وهو غير المزاج. وقد كان المزاج الأصلى لا يدرك ذاته. فلما صار الطارئ يدرك ذاته فإن حركة الارتعاش تقتضى محركين إذ قد عرفنا أن الحركة الطبيعية على سبيل اللزوم والارتعاش حركتان متمانعتان ، فلهما محركان أحدهما صورة المزاج والثاني معنى آخر وهو النفس لا محالة. وأيضا فإن حركة الأرواح مختلفة ولاختلافها أسباب مختلفة فهى غير المزاج فاذن هى النفس. وأيضا لو كان المحرك فى الحيوانات المزاج لما وجب الإعياء لأنه لا يوجب شىء واحد حركة ويمنع عنها. فالإعياء إحساس بألم تابع لتغير مزاج تابع لتحريك إلى خلاف ما يقتضيه المزاج. والمزاج الحاصل مع الإعياء هو مزاج العضو. فما الذي يشعر بالإعياء وهو نفس مزاج العضو لو لا تمانع الحركتين بسبب اختلاف المحركين وهما النفس والطبيعة والحركة المزاجية؟!

الألم إحساس بشيء غير ملائم. وليس يصح أن يفسد مزاج شىء من مقتضى ذاته ، فإن سوء المزاج هو تغير مزاج كان يقتضيه مثال يتوجه إليه المزاج فيقال هو صحيح بحسبه. وذلك المثال هو النفس الذي يعبر عنه بأنه الكمال فى المزاج. إذ الجسم الفاسد لا يصحّ أن يكون علة لإعادة المزاج الأصلى. ثم ما معنى المزاج الأصلى إن لم يكن هناك مثال يتوجه إليه المزاج فيقال هو صحيح بحسبه؟! فإن كل مزاج هو صحيح فى ذاته إن لم يعتبر قياسه إلى ما يقتضيه ذلك المثال ، وكذلك الحال فى الاغتذاء فإن طلب الغذاء هو طلب بدل ما قد تحلل من البدن (29 ب) ولا يتحلل من النامى شىء. فإذن هو فعل لغير المزاج بل كما له. وكذلك الحال فى المبادي فإنه غير المزاج الذي قد بطل بل هو الكمال للمزاج الأصلى.

الإعياء إنما يحدث من مقتضى تجاذب النفس والطبيعة وكذلك الارتعاش.

لا برهان على أن النفوس الغير المستكملة إذا فارقت يكون لها مكملات ، كما يعتقد بعضهم أن نفوس الكواكب مكملة لها وأن تلك النفوس المقارنة مكملة لها ، وكذلك لا برهان على أن النفوس الغير المستكملة إذا فارقت لا يكون لها بعد المفارقة مكملات.

إن كانت رؤيا النائم فيضا من العقل الفعال على النفس أولا ثم تفيض عنها إلى


القوة الخيالية ثانيا فعلى هذه الصفة يجوز أن تكون تلك الأنفس تفيض عليها من العقل ما يكملها. إذا النفس مستعدة فى كلتا الحالتين لقبول ما يفيض عنه. ولا تحتاج فى قبول ذلك الفيض إلى قوة من قوى البدن ، إذ هى تقبل ما تقبله عن العقل من غير حاجة إلى وساطة متوسطة. فإذا كان ذلك كذلك فيشبه أن تكون بعد المفارقة تقبل عن العقل فيضه من غير حاجة إلى قوة من القوى. ثم إن كانت إنما تزكو وتطهر وتكمل من أجل مقارنتها للبدن فيجب أن يكون لها عند مفارقتها وهى غير مستكملة مواد تتخيل بها لتعلم من التخيل المعلومات فتستكمل ويكون لها حال بعد حال متجددة وتكون فى الحركة إذ هى من صفاتها.

الحكمة الإلهية تقتضى أن يبلغ كل شىء كماله الموجود فى حده ، لا كمالا يتجاوزه حده فإن هذا محال. فإنا لو توهمنا أنه يبلغ بالجسم كمالا ليس فى حده وهو أن يصير عاقلا لكان ذلك غلطا من الوهم ، والحال فى النفوس الغير المستكملة مشتبهة هل تبلغ بها عند المفارقة درجة النفوس المستكملة أم هذا مجاوزة به حده.

رأى القدماء فى النفس الباقية أن تتولد بين هذه النفس الإنسانية وبين العقول الفعالة نفس تكون تلك الباقية ، وهى غير النفس الإنسانية ، والنفس الإنسانية فانية.

ليس للحس سبيل إلى إثبات وجود الجسم. والدليل على ذلك أن العقل يكون بإزائه جسم يبصره لكن لا يثبته ما لم يقبل عليه بالفكر فحينئذ يثبت وجوده فإذن المثبت غير القوة الباصرة.

فرق بين ما يصير به الجسم جسما فإنه جزء من الجسم من حيث هو جسم ، وبين ما يصير به الجسم مقدارا : فليس شىء من المقادير يقوّم الجسم بما هو جسم ، وإلا كان يكون ذلك المقدار مقوّما لطبيعة الجسمية. فكأن كل جسم له ذلك المقدار.

الجزء بما هو جزء ليس يعرض للجسم بما هو جسم ، وإنما يعرض للجسم بسبب المقدار.

نفس الكمية مجردة عن الجسم. فلكل جسم مقدار عارض يعرض له من خارج يعد تقوم الجسم جسما.

المتصل يقال على وجهين : فتارة يقال لشىء متصل بغيره فيكون بالقياس إلى غيره متصلا ، وتارة لا يقال بالقياس إلى غيره وهو ما يمكن فرض جزءين فيه يجمعهما حد مشترك يكون نهاية لهما. والذي يقال بالقياس بغيره فتارة يلحق الأعظام بما هى أعظام فإن الجسم الذي نصفه أسود ونصفه أبيض هو شىء واحد من حيث عظمه.


صفة الكمية التي ليست من باب العرض هى أنه ما يمكن أن يقدر أو يكون بحيث يمكن أن يقدر لا تقديرا متعينا. فإنه لو كان من شرط الكمية أن تكون مقدارا متعينا لكانت مقصورة على ذلك المقدار ، وما كان يشرك ذلك المقدار فى الكمية. والكمية التي هى من العرض وهى التي يقدر بها الجسم هى نفس المقدارية ، فالسطح هو نفس المقدار فإنّ له طولا وعرضا وليس هو شيئا يعرض له المقدارية.

السطح ليس مقدارا لأنه مكان بل لأنه حاو أو نهاية أو طرف ، وهذه كلها عوارض تعرض للمقدارية. فإن عرض فى المكان تضاد فلا يكون قد عرض التضاد للمقدار وإنما عرض لعوارض تعرض للمقدار.

المكان ليس يصح أن يكون نوعا آخر من الكميات فإنه تعتبر فيه الكمية من حيث السطح. وكونه حاويا لمحوىّ إضافة عارضة لذلك السطح ، والإضافة ليس من الكمية.

فالمكان إما سطح مأخوذ مع عارض غير ممنوع ، وإمّا نوع من السطح وليس بعد نوع الأنواع وأنواع الأجناس ، ولا الأنواع مأخوذة بأحوال.

الزمان كونه من الكمية بذاته أنه مقدار للحركة ، وكون المقدارية عارضة له هو لما يعرض له من مقدار المسافة. والدليل على [هذا] أن معنى المقدارين فيهما مختلف هو أن مقدار المسافة غير مقدار الحركة ، فإن مقدار حركة الفلك لا نهاية لها ، ومقدار الفلك متناه.

مقدار المسافة مقدار عارض للزمان الذي هو فى نفسه مقدار آخر.

المادة تقبل أشياء ، لكن بتوسط صورة. وتلك الصورة كالمهيئة لها ، والقبول يكون للمادة ، مثال ذلك : أن الإنسان يقبل الغضب. لكن إنما يقبله بسبب قوة مخالطة للمادة. فلولا المادة ما كان يغضب ، ولو لا القوة الحاصلة فى المادة ما كانت المادة يعرض لها الغضب.

لانقسام الذي بالعرض عارض للصورة وبالقطع للمادة لأنه لو لا المادة لكان يبقى القابل مع المقبول ، فكان يبقى الاتصال مع الانفصال. لكن المادة تقبل الانفصال والتجزي بسبب المقدار وهو الصورة الجسمية.

الانفصال فى المقدار من جهة الهيولى لا من جهة الصورة التي هى الاتصال. فلهذا لا يبقى الاتصال مع الانفصال.

المتصل لا يمكن فرض شىء مشترك بين جزأيه ، ذلك الشىء لا يصح أن يكون جزءا من أحدهما. والمنفصل ما لم يكن فيه ذلك. فإن الوحدة فى السبعة مثلا كما أنها نهاية


فكذلك جزء من السبعة. فإن كانت وحدة فى السبعة مشتركة وجب أن تكون السبعة ستة. وإن كان الاشتراك فى وحدة خارجة عن السبعة كانت السبعة ثمانية.

إذا قلنا : جزء من جسم فمعناه جزء من مقدار الجسم ، فإن الجسم بما هو جسم ليس هو جزءا ولا كلاّ. ومثاله فى المنفصل إذا قلنا جسمان من جملة خمسة أجسام فمعناه اثنان من جملة خمسة أعداد عرضت للجسم ، لا أن الجسم بما هو جسم واحد أو كثير.

الانقسام بالذات للمقدار ثم يعرض لغيره بسبب ما عرض له.

المقدار فضله ومقومه أنه شىء ممكن للذهن إذا تعرض له أن يفرض فيه أجزاء يجمع بينها حدود مشتركة يصير كل حد نهاية للجزءين. فغرض الانقسام إنما يمكن فى الجسم بسبب إمكان فرض فى المقدار. فهذا المعنى للمقدار ذاتى له أولا ويسببه للجسم ثانيا.

إن العدّ والمساحة منهما ما يؤخذ فى النفس وهو العاد والماسح ، ومنهما ما فى الشىء وهو المعدود والممسوح. وبيان هذا أن الموضوعات كالإنسان مثلا يوجد كل واحد منه وحده لا أن تفيد الوحدة حقيقتها ، بل أن يوجد معنى ذلك المعنى فى ذاته وحده ثم تحصل من تلك الموضوعات فى النفس خمس وحدات ، فتكون الموضوعات فى خمسيتها معدودة بما فى النفس فتكون الموضوعات موحدة للخمسة ومعدودة بالخمسة المرتسمة فى النفس. ومثال ذلك الحركة فإنها توجد بسبب وجودها فى مسافة معنى ، ذلك المعنى فى ذاته مقدار ، وهو الزمان ، فتكون الحركة موحدة للزمان لا جاعلة الزمان مقدارا ، لكن الزمان يقدر الحركة.

الموضوعات توجد الأعداد ولكن لا تفيد الأعداد كمية؛ وتعد بالأعداد ، كما أن الحركة توجد الزمان والزمان فى ذاته كم ، لا أن الحركة تفيده الكمية ثم الحركة تقدر بالزمان.

إن قال قائل : إن الزمان معنى يوجده اللّه فى الحركة وإن لم يشأ لم يوجده قيل له : هل يصح أن توجد حركة فى مسافة ثم لا يكون لتلك الحركة مقدار؟

المقادير بما يعرض لها من الكثرة لا تكون من الكمية المنفصلة ، بل تكون الكمية المنفصلة عارضة للكمية المتصلة. وكذلك الحال فى الزمان : إن فرضنا أن الآنات فيه فاصلة فإن كثرة الزمان من حيث العدد لكثرة السطوح ، فلا تلحق عروض العددية للزمان إياه بالكمية المنفصلة.

الانقسام بالذات للمقدار ثم يعرض لغيره بسبب المقدار الذي فيه وليس من جهة


الهيولى. فأما الانفصال والانفصام فإنما هو له من حيث هو فى الهيولى لا من قبل الهيولى. والتحيز له من جهة الهيولى ، والتحيز هو أن يكون الشىء بحيث تكون إليه إشارة. فهو يعرض أولا للهيولى ، والمتحيز بالحقيقة هو الجسم وليس الصورة هى التي تفيده التحيز.

المكان من حيث هو مقدار لا تضادّ فيه ، ومن حيث هو فوق وأسفل لا تصادّ فيه أيضا ، لأن معنى فوق وأسفل إما أن يكون على سبيل الإضافة ، أو على الإطلاق.فإن كان على سبيل الإضافة فلا تضاد فيه ، وإن كان على الإطلاق فالفوق على الإطلاق وهو سطح فلك القمر ولا ضد للفلك. وإن اعتبرنا المكان من حيث هو حاو كان عروض التضاد للفوق وللأسفل بسبب المتمكن فيهما ، فيكون عروض التضاد للمكان بسبب المتمكن لا فى ذاتها فيجتمع من ذلك أن لا تضاد فيه.

إن قال قائل : إن الصغير والكبير بينهما تضادّ إذ الكبير ضد للصغير الذي هو صغير عنده وفى نوعه لا لكل ما يفرض صغيرا ـ قيل : التضاد حينئذ إنما يعرض للصغير والكبير بسبب موضوعهما أعنى الطبيعة المنسوب إليها الصغير والكبير والأزيد والأنقص من حيث هما لا تضاد فيهما. وإن عرض تضاد فبسبب عروضهما لمعنيين متضادين كسواد قوىّ وسواد ضعيف فإنهما لذاتهما لا يجتمعان فى موضوع واحد فيعرض لهما حينئذ هذا التضايف الذي هو التضاد.

المتضايفان من حيث هما متضايفان متكافئان فى اللزوم لا فى الوجود وأما الأشياء التي تعرض لها الإضافة فقد لا تكون حالها هذه الحال ، وذلك إذا كان الشىء موجودا والعلم به مفقودا وكان العلم موجودا والشىء مفقودا وفى الثاني يكون حكم الأكبر هذا الحكم.

إن فرضنا زمانين فى الذهن ولا نحكم على أحدهما بأنه موجود أو معدوم لكن نحكم لأحدهما بالتقدم وللآخر بالتأخر صحّ حكم التقدم والتأخر وإن كان يوما من الأيام حاضرا فى الوجود فى الذهن أيضا فيضيف الذهن إليه زمانا يعقله مستقبلا وحكم بينهما بالتقدم والتأخر بأن يحضر الزمانين معا فى الذهن ولا يعتبر فيهما الوجود ولا العدم أو يحصر الذهن زمانا موجودا ويفرضه موجودا ، ويحضر الذهن زمانا مستقبلا غير موجود فيقايس بينهما أو يكون زمان موجودا وموجودا معه أيضا إمكان وجود زمان آخر مع عدم هذا الوجود ثم يوجد ذلك الزمان ويفقد هذا ، ويعلم جميع ذلك ، فيكون هذا من حيث هو مفقود متقدما فيرجع كله إلى الذهن.


التقدم فى المكان أن تضع رتبة مثل رتبة الملك فيكون كل من هو أقرب إليه يكون أشد تقدما ، وفى الفضائل غايات يكون كل من كان أقرب إليها يكون أشد تقدما ، وفى الزمان آن نفرضه فكل زمان أبعد من ذلك يكون أشد تقدما. وتقدم البارى على العالم هو تقدم بالوجود بالقياس إليه لا أن الوجود شىء ثالث بل هو نفسه ، وإنما تفرضه فى ذهنك ثالثا.

العدد إما أن ينظر فيه مجردا فيكون نظرا مفرقا للمادة ، وإما أن ينظر فيه من حيث يكون موضوعا للأحوال التي تعرض له كالجمع والتفريق وغير ذلك مما يكون فى علم الحساب.

إثبات العدد هو أن الإنسانية مثلا يشترك فيها الإنسان الواحد والعشرة من الناس ، ولكن الواحد والعشرة يختلفان بشيء آخر غير الإنسانية وهو العدد : مثلا ثلاثة أشخاص وعشرة أشخاص إنما يختلفان بالوحدات التي فى كل واحدة منها ، والوحدات أعداد إذ الوحدة هى ما يعد به الشىء.

لما كان الجسم مقدارا ذا ثلاثة أبعاد كانت نهايته ذات بعدين وهو السطح. وكذلك السطح مقدار ذو بعدين ونهايته ذات بعد واحد وهو الخط ، والخط مقدار ذو بعد ونهايته غير مقدار. ولا نهاية لما ليس بمقدار.

نحن إنما توصلنا إلى إثبات ماهية المثلث من وضع الدائرة.

المتضادان إذا وافاهما الصدق والكذب فبسبب التناقض ، لا من ذاتيهما.

الإنسان بما هو إنسان ليس كذا حكمه حكم التضاد ، والإنسان ليس بما هو إنسان حكمه حكم التناقض.

الحرارة والبرودة موضوعان للتضاد ، والتضاد موضوع للإضافة لأن التضاد يعرض لهما ، ثم يصيران بسبب التضاد موضوعين للمضاف فلا الحرارة ولا البرودة يعقل ما بينهما بالقياس إلى الأخرى ما لم يعتبر فيهما التضاد.

نفس التقابل ليس هو من المضاف بل تعرض له الإضافة فإن الشيئين من حيث هما متقابلان نوعا من التقابل متضايفان ، وكل تقابل من حيث هو تقابل مضاف. وليس كل تقابل مضافا ، فإن التضاد مقابل وليس هو مضافا من حيث هو تضاد ، ولكنه مضاف من حيث هو تقابل ، فالتقابل أعمّ من المضاف.


التقابل من حيث هو تقابل مضاف ، أى لا تعرض له الإضافة وليس هو نفس الإضافة.

الحيوان لا يحمل على الإنسان من حيث هو حيوان فإنه يكون حينئذ جزءا.

المشفّ لا لون له.

الإنسان حيوان مخصّص ، والحيوان يحمل عليه بالشركة لا بالانفراد.

الهيولى الأولى لا توصف بالاتصال والانفصال من حيث هى هيولى ، وإنما تتعاقب عليها الصفتان. فالهيولى ليست فى ذاتها متصلة ولا منفصلة.

الكمية تقبل الزيادة والنقصان ، ولا تقبل الأشد والأضعف. فالقائل يقول فى الأربعة : إنها أزيد من ثلاثة ولا يقول : إنها أشد فى العددية من ثلاثة. والمساواة فى الإضافة لا تقبل الشدة والضعف ، ولكنها تقبل القرب والبعد من المماثلة ، لأنك تقول الستة أقرب إلى الثلاثة من التسعة ، ولا يقال : إنها أشد وأضعف فى المساواة والمماثلة فى العددية.

الكمية التي تقبل الزيادة والنقصان هى من باب المضاف ، فإن العدد يقال مثلا للعشرة أكثر من خمسة ، ولا يقبل الكمية التي هى المقولة للزيادة والنقصان لأنك تعلم أن كل واحد من الأعداد كثير ، ولا يقال العشرة أشد فى العددية من خمسة كما يقال أكثر من خمسة.

فرق بين الموضوع للإضافة كالإنسان مثلا وبين نفس المضاف كذي اليد.

إن كان العدد لم يكن إلا فى النفس فليس له خواص العددية. وله خواص فهو إذا فى المعدودات أيضا ، فله وجود بذاته.

الحدود المختلفة لا تدل على ماهية واحدة بل تكون تلك رسوما ولا حدودا.

العدد مجردا من دون الموضوع أى المعدود لا وجود له فى ذاته ، فإنه عرض ، والعرض من دون حامله لا يوجد.

العدد كثرة مركبة من وحدات ، والوحدة فإنها تصيّر الواحد واحدا ، والوحدة ليست عددا بل هى علة العدد ، إذ هى علة الكثرة التي هى العدد فإنه لو لا تركب الوحدات لما وجد العدد. والعدد ضربان أحدهما فى العادّ وهو النفس ، وآخر فى المعدود وهو أعيان الموجودات. وكلاهما غير معدود وإنما المعدود هو الأعيان والفرق بينهما أن الذي فى الأعيان محدود لا زيادة عليه ولا نقصان منه إلا لآفة


وبالعرض كما فى الأشخاص. والذي فى العقل غير محدود أى يقبل الزيادة والنقصان بالذات. والأعيان كما أنها معدودة لا عدد ، كذلك هى كثيرة لا كثرة. والعدد كما أنه عدد لا معدود هو كثرة لا كثيرة. والاثنينية هى علة العدد وليست عددا وهى كالوحدة إلا أن الاثنينية كالعلة المادية ، والوحدة كالعلة الصورية. ويتقوم من مجموعهما الثلاثية التي هى العدد الأول. فانشد ما قوامه من تركيب ، ولا بد فيه مما يجرى مجرى المادة وما يجرى مجرى الصورة.

المقولات هى كالأجناس العالية لأنها تكون محمولة على أنواعها ولا يحمل عليها جنس آخر.

الإضافة ماهية تعقل بالقياس إلى غيرها ، ولا يصح فى مثل هذه الماهية إلا أن توجد مع غيرها. وقد يكون الشيء بحيث لا يصح وجوده إلا مع وجود غيره ، ولكن لا تكون ماهية معقولة بالقياس إلى غيرها فإن السواد لا يصح وجوده إلا مع جسم ، ولكن ليس تعقل ماهية السواد بالقياس إلى الجسم.

الأمور المضافة إما أن تكون مضافة بذواتها كالأخوّة والبنوّة ، وإما أن تلحقها الإضافة بنسبة ما عارضة لها ، فإن السواد والبياض غير مضافين ولكنهما من حيث هما محمولان فى حامل مضاف وكان لهما بهذه النسبة ماهية أخرى.

النسبة أن يكون الشىء منسوبا إلى شىء بلا زيادة. مثاله أن يكون السواد موجودا.

ونسبة الإضافة أن تعقل ، مع نسبة المنسوب ، نسبة المنسوب إليه ، كما تعقل مع نسبة السواد من حيث هو محمول نسبة الجسم من حيث هو حامل.

حد الأسود حدّ شىء عرض له الإضافة ، لا حدّ الإضافة مطلقا ولا حد السواد مطلقا.

المضاف كما أن ماهيته بالقياس إلى غيره من حيث هو مضاف ، فكذلك حاله فى الوجود أى وجوده بالقياس إلى غيره فإن حكم الماهية غير حكم الوجود.

كما أن الرأس مقول الماهية بالقياس إلى ذى الرأس بسبب النسبة التي لحقته ووجوده فى أنه رأس ، فكذلك لتلك النسبة أيضا وجود آخر بالقياس إلى غيره.

المضاف هو الذي الوجود له هو أنه مضاف أى معقول الماهية بالقياس إلى غيره وذلك وجود ماهيته أنها معقولة بالقياس إلى غيرها.

المضاف معقول غير متخيل ولا محسوس ويكون جواهر ثوانيا. وهذا الرأس من حيث هو هذا الرأس محسوس فلا يحكم الحسّ بأنه مضاف ، بل إنما تعرض له الإضافة إذا


أضيفت إليه مقدمة أخرى وهى أن الرأس من حيث هو رأس مضاف فيكون هذا مضافا بضرب من القياس.

المضاف بذاته هو مثل الأبوة والبنوة ، والمضاف بغيره هو كالرأس الذي يصير بنسبة ما عارضة له مضافا.

قوله : «الماهية معقول بالقياس إلى غيرها» ـ يقول : إن هذا الحد إن كان حدا بحسب المقولة لكانت الجواهر وأشياء أخر تعرض لها الإضافة وإنما هو حد بحسب اسم يعم المقولة وما هو مضاف لا بذاته أى معروض له الإضافة حتى يكون ذلك الشيء المحدود معنى يعم الوجهين جميعا ومثاله حد الأبيض لا حدّ البياض.

قيل إن المتضايفين يجب أن يكونا موجودين معا فنقض ذلك بالعلم والمعلوم : فالشيء قد يكون موجودا ولا يكون معلوما فلا يكون مضافا ، والمعلوم النسبة يكون مضافا.

فقد لاح أنه ليست هذه الخاصة مستمرة فى جميع المضافات ، وهذا يستمر فى معنى المضاف من حيث هو مضاف لا فى شيء يعرض له المضاف.

يقول المتشكك : لم نقل : إنه لا شىء من المتضايفات يكون معا إذ لا شىء من العلم والمعلوم يكون معا بل نقول : إنه قد يكون علم موجود والمعلوم غير موجود. وقد يكون الشىء موجودا ولا يكون معلوما. والموجودات معلومة للبارى فقد يكون علم واحدها غير موجود ، فالشك لا ينحل بما ذكر ، فالعالم حينئذ لا يكون مضافا إلى ذلك العلم.

يعنى أن هذه الأمثلة التي أوردتموها لتكن مسلمة فليست تقدح فى أن بعض المتضايفات غير متكافئ الوجود ، فإنا لم نقل : إن جميع المتضايفات لا يتكافأ فى الوجود ، وإنما قلنا : إن بعض المتضايفات غير متكافئ الوجود.

المعلوم هو نفس العلم فإنه تصوّر نفس العالم بصورة المعلوم ، فهما واحد والمضاف إليه شيئان اثنان. فالمعلوم وحده لا يكفى فى حصول الإضافة إذا لم يكن الشىء المعلوم موجودا.

الصّور الحاصلة فى الذهن لا تنفك من الإضافة إلى الذهن ، ولا تنفك من أن تكون مضافة بالقوة أو الفعل إلى شىء خارج. أما بالقوة فإذا كان الشىء من خارج غير موجود؛ وأما بالفعل فإذا كان الشىء من خارج موجودا. ما يبقى مع عدم الإضافة كان عارضا وصنف الإضافة كالرجل العادل إذا كان أبا فإنه إن عدم منه العدل لم تعدم الأبوة. وما يعدم مع عدم الإضافة كان ذاتيا ، ونوع الإضافة كالأب إذا عدم فعدمت معه الإضافة. فالكمية إذا عدمت عدم معها المساواة ، فالمساواة تنوعها ، وفى الكيفية المشابهة.


التنويع يكون بالفصول : فما يرفع عن الشىء ويبقى معه الشىء لا يكون فصلا منوّعا له ، وما لا يبقى ذلك فصلا. والتصنيف هو كما تصنّف الكتابة نوع الإنسان.

الحدود فى الأشياء المضافة يجب أن يقال : إنها لها من حيث معنى الحدود لها أى من حيث هى مضافة ، لا من حيث هى ذوات.

السبب فى الأبوة البنوة ، والسبب فى البنوة الأبوة ، وليس السبب فى الملكة العدم ، ولا فى العدم الملكة.

كيفية اجتماع الصور الكثيرة التي تحصل من جملتها صورة واحدة كالإنسانية مثلا التي تحصل من اجتماع صور كثيرة على هذا النحو : الصورة الواحدة تكون من اجتماع قوى على وجهين : أحدهما أن تحتفظ القوى فتتعاون على فعل واحد ، مثل تعاون التحليل والجذب فى بعض المسهلات على الإسهال ، أو على صورة وهيئة واحدة فى المادة ، مثل تعاون الجذبة والاستقامة على الشكل القطاع فإنهما هيئتان مختلفتان وحصلت منهما صورة واحدة. والوجه الثاني أن تنكسر الأطراف إلى الوسط فتحدث هيئة كاللزوجة بين الرطوبة والهشاشة. وكيفية حصول الصورة الإنسانية من القبيل الأول ، فإن القوى فيها تتعاون على فعل واحد ، والقوى الجاذبة تتم بواسطة الحرارة ، والماسكة تتم بواسطة اليبوسة ، وهما يتعاونان على فعل واحد.

كل شىء معلول فى نوعه أو فى جنسه فله علة خارجة عن نوعه وعن جنسه : فالنار والماء والنفس والأفلاك وجميع الأجسام وكل ماله تعلق بالأجسام فهو فى حيز ذاته ممكن الوجود بغيره وهو خارج عنه واجب الوجود. فإذا حصل فى مادة من المواد استعداد تام لقبول صورة وجب أن توجب عن العلة الخارجة عن نوعه صورته. مثال ذلك فى النار إذا ظن أنها حدثت عن نار أخرى فإن المادة إذا استعدت استعدادا تاما لقبول صورة النارية وجب أن توجد الصورة من واهب الصور أعنى العلة الخارجة من نوع النار فتكون النار التي تظن أنها علة النار أخرى مستغنى عنها ، وما يستغنى عنه فى العلية فليس بعلة. علة الحرارة المطلقة واهب الصور ، وعلة الإحراق هو واهب الصور ، وعلة النار هو واهب الصور ، ولا يجوز أن يكون الشخص منها علة لشخص.

المضاف حقيقته هو أن وجوده هو أنه مضاف كالأبوة والبنوة لا كالأب فإن له وجودا غير أنه مضاف ، والأبوة ليس وجودها إلا أنها مضاف كالحامل والمحمول : كالسقف والحائط. وقد يكون المضاف موجودا فى الأعيان ، وقد يكون فى الذهن ، وذلك مما يفرضه العقل.


كل فلك فإنما يصح وجود الفعل عنه بعد وجوده بعدية بالذات ، أو كيفما كانت. ووجوده يتم إما على جسم أو على خلاء. ويستحيل أن يكون وجوده على جسم يكون معلولا له ، إذ قد ذكر أن وجود المعلول لا يصح إلا بعد وجود العلة بكمالها. ومحال أن يتم وجوده على خلاء لاستحالة وجود الخلاء. فهو إنما يتم وجوده على وجود جسم يصدران معا الحاوى والمحوى عن علة أخرى. وكذلك الحال فى النقطة المحركة للفلك وهى مذكورة فى غير هذا الموضع. لا يصح أن تكون الكثرة الحاصلة فى العقول الفعالة علة لكثرة شخصيته تحت نوع واحد حتى يصحّ أن تصدر جميع الأفلاك عن عقل واحد على أن تكون الأفلاك أشخاص نوع واحد ، لأن تلك الكثرة إما أن تكون مختلفة الحقائق وتتبعها أشياء مختلفة الحقائق والأنواع ، أو كثرة مختلفة لا فى الحقائق بل فى الأغراض ، ولا يصح ذلك إلا فى مادى ولا مادة هناك ، فالكثرة الحاصلة فى العقول يجب أن تكون كثرة فى الحقائق لا فى الأعراض. فإذن يجب أن يكون ما تختلف به معلولات تلك الكثرة اختلافا فى الحقائق ، فلا يصح صدور أشخاص كثيرة عن عقل واحد. فإذن أشخاص الفلك أنواع كثيرة يجب أن يكون لكل واحد منها علة كعلة الفلك الأقصى ، فتتكثر العقول على هذا الوجه.

الأنفس يجب أن تكون علتها مع الموحد أشياء تعين وتخصص ، وتلك هى الحركات.

كل ما وجوده له فهو (33 أ) مدرك ذاته ، وكل ما وجوده لغيره فذاك الغير يدركه. ولا ينعكس هذا فيكون كل ما يدركه غيره يكون وجوده لذلك الغير. وأيضا فإن الإدراك بالحس يوجب أن يكون هناك شيء علم أنه قد أدرك المحسوس بالحس ويكون غير الحس ، وهذا هو النفس لا محالة.

البارى يعقل كل شيء من ذاته لا من ذلك الشيء ولا من ذاته ولا من وجوده ولا حال من أحواله. فإنه إن كان يعقله لا من ذاته ، بل من خارج عن ذاته لكان فيه انفعال ، وكان هناك قابل لذلك المعقول لأنه يكون له بعد ما لم يكن ، ويكون على الجملة له حال لا تلزم عن ذاته ، بل عن غيره. وإذ هو مبدأ كل شيء فهو يعقل ذاته ويعقل ما هو مبدأ وهو العقل الفعال ، ويعقل أنه مبدأ له ويعقل ما بعده ولوازمه وما بعد ذلك إلى ما لا يتناهى ، ويعقل الأشياء الأبدية أنها أبدية والأشياء الفاسدة أنها فاسدة إذ يعقل أسبابها وعللها ولوازمها ، ويعقل الأشياء الزمانية والزمان إذ هو من لوازمها ، ويعقل المتحرك والحركة وأنها زمانية ومتحركة ، ويعقل الشخصيات من الفاسدات من جهة عللها وأسبابها كما لو تعقلها أنت من جهة عللها وأسبابها. مثلا إذا عقلت أنت أنه كلما


تعفنت مادة فى عرق تتبعه حمى ، وتعلم مع ذلك من الأسباب والعلل أن شخصا ما يوجد يحدث فيه هذه فتحكم أن ذلك الشخص يحمّ ، فهذا الحكم لا يفسد وإن فسد الموضوع؛ ويعرف كل شيء كما هو موجود بعلله وأسبابه ويعرف المعدومات بعلل إعدامها وأسبابها ويكون علمه بها سبب وجودها لا وجودها سبب علمه ، وذلك بخلاف أحوالنا فإنا نعلمها من وجودها ونعرف الجزئيات من جهة كلية.

الأجسام الأسطقسية كائنة فاسدة. وهيولاها فيها آثار جميع الصور بالعموم وآثارها بالخصوص ، ولا يصح أن يكون وجودها على هذه الصورة أعنى أن يكون فيها آثار صور كثيرة مختلفة عن معنى أحدىّ الذات كما كان الأمر فى هيولى كل فلك. فوجب أن يكون تابعا لشىء فيه كثرة عامة وتغير. ولكن لما كان المعنى المشترك من الفلك الذي كان معيّنا فى وجود الهيولى معنى نوعيا أو جنسيا لم يصح وجود شىء أحدىّ الذات عنه ، وكان ذلك العام معينا فى وجوده أن فيه صورا مختلفة لكن وجب أن يكون علة وجوده الواحد المعين واحد معين ، وذلك الشيء لا يصح أن يكون جسما لما عرف. فيجب أن يكون عقلا. والسبب المخصص للصور الخاصة يجب أن يكون متغيرا كثيرا بالفعل وذلك السبب جزئيات الحركات الفلكية. الأول يتشخص بذاته لا بلوازم ذاته ، لأنه لو لم يتشخص بذاته ما كان واجب الوجود بذاته بل بغيره ، وهذا محال. والعقول المفارقة تتشخص بلوازمها ، فلذلك لم تتكثر أشخاص كل عقل منها ولوازمها هو عقله للأول وعقله لذاته وعقله لما بعد ذاته مما هو سببه وإمكان وجوده من ذاته ووجوب وجوده الأول.

معنى التشخص ما لا يصح وقوع الشركة فيه ، ومعنى النسبة حالة وجودها بالقياس إلى وجود آخر أو مع وجود آخر ، ومعنى الحالات أعم من معنى النسبة. والحالات إما أن يكون وجودها بنفسها وإن كان مع غيرها وجودها لا منسوبا إليها كالسواد والبياض مع (33 ب) الجسم؛ وإما أن يكون وجودها وجود منسوب كمتى وأين فإنهما نسبتان وهما الكون فى الزمان والمكان.

الأمور العامة مشترك فيها ، وكذلك الحالات والصفات إن كانت الحالات والصفات معقولة بذواتها. فإن كانت الحالات والصفات منسوبة فالأمر يختلف فيهما فانها إن كانت معقولة وجب وقوع الشركة فيها ، وإن كانت محسوسة لم يصح وقوع الشركة فيها ، والأحوال المنسوبة المحسوسة هى تحيزية ، والنسب التحيزية إما أن تكون مكانا أو وضعا. والمكان فى أنه مكان لا يتخصص بذاته ، بل بشيء آخر وهو أن يكون بصفة


لا تكون علتها المكان الآخر الذي هو نظيره. فالمتشخص بذاته إذن هو الوضع. فالزمان أيضا متشخص بالوضع ، وكذلك كل أمر عام. والوضع أيضا غير متشخص ما لم تشترط فيه وحدة الزمان ، وكل شيء متشخص فهو مما وضعه واحد أعنى زمانه واحد. وما ليس بزمانى ولا جسمانى فلا تتكثر أشخاصه.

العقل الفعال إذا استكمل بتعقل الأول لزم عنه عقل آخر.

هذه الموجودات اللازمة عن الأول كثيرة ولا يجب أن يكون عن الأحدىّ الذات إلا واحد ، فيجب أن يكون عنه بتوسط العقل الفعال. وسبب الكثرة يكون كثرة ولا كثرة فى العقل إلا التثليث المذكور فيه وهو إمكانه بذاته ووجوبه بالأول وأنه يعقل الأول فهذه هى علة الكثرة ، وهى علة لإمكان وجود الكثرة فيها ، إذ لا كثرة هناك غير هذه اللوازم المذكورة.

هذه العقول تعقّلها لذواتها هو وجودها.

«إمكان الوجود فيها يخرج إلى الفعل بالفعل الذي هو يحاذى صورة الفلك» : معناه أن صورة الفلك تخرج مادتها إلى الفعل وتقوّم وجودها فكذلك فعل البارى يخرج إمكان وجود العقول إلى الفعل ، والصورة فى جميع الأشياء هى المحاذية للفعل ، ولذلك يسمى كل شىء يوجد بالفعل صورة.

قوله : «وبما يختص بذاته على جهة الكثرة الأولى» ـ يريد به الإمكان الذي له بذاته ووجوب وجوده من الأول فهما السبب فى وجود مادة الفلك وصورته. والإمكان سبب لوجود مادة الفلك ، لأن المادة هى ما بالقوة ، ووجوب الوجود سبب الصورة لأنه بالفعل ، ويكون ما بالفعل سببا لما بالفعل.

قوله : «إن وضع لكل فلك شيء يصدر عنه فى فلكه شيء وأثر من غير أن تستغرق ذاته فى شغل ذلك الجرم به» أى إن فرض ـ له شيء ـ يصدر عنه فى الفلك أثر من غير أن يكون منطبعا فيه ولكن يكون مباينا له فى القوام والفعل فهو العقل المجرد. فلكل فلك عقل مجرد هو يعقل الأول ، وهو السبب فى تشويق الفلك أى أنه لا يصح إذا صدر فعل عن جسم أن يصدر عن جرم ذلك الجسم من دون أن يكون لجميع أجزاء الجسم فيه أثر.

ليس العلة فى صدور الفعل عن شخص إنسان دون الآخر ماهية الإنسان ، وإلا ما كان يصح صدور هذا الفعل. إذ ليس تتعين علته ـ فإذن النسب فيه الشخصية والشخصية ـ بالوضع. ومثاله أن الفعل الصادر عن زيد إنما يصحّ أن ينسب إليه من دون عمرو لشخصيته. والتشخص بالوضع. فالوضع بالحقيقة هو العلة فى تعين هذا الفعل.


الشىء العام لا يفعل كالجسم العام والصورة العامة ، بل لا وجود للشىء العام ، وإنما يفعل الجسم بواسطة الشخص.

كل جسم يفعل فإنه يفعل بشخصيته وبوضعه فإن ماهية أشخاص كثيرة لو نسب إليها فعل واحد لم يتعين من (3 4 ا) جهة الماهية. والفاعل ما لم يتعين لم يصح صدور فعل عنه. فالأجسام الفلكية تشخصها بلوازمها ، فلذلك أشخاص كل واحد منها موقوف عليه مخصوص به.

المعلول الأول عن العلة الأولى هو واحد ، وفيه كثرة من وجهة أنه وحدة ووجود. والعلة الأولى كان وجودا فحسب ، وهذا المعلول هو أحدىّ الذات بسيط لأنه لازم عن الأول الأحدى. ويجب أن يكون عقلا محضا بسيطا ، ولا يجوز أن يكون صورة مادة ولا مادة ، وأن تكون اللوازم بعده توجد بوساطته. وهذا هو البرهان على أن اللازم عنه يكون على هذه الصفة. فأما البرهان على أنه لم يلزم عن الأول هذه الموجودات فلا سبيل لنا إليه. ومعنى اللزوم للذات هو أن يصدر عن الذات شيء بلا سبب متوسط بينهما.فجميع لوازم الأول يجب أن تكون لذاته لا لعارض وسبب ، ويجوز فى أفعالنا أن تكون عن سبب متوسط فإنها لا تلزم ذواتنا بل تلزمها مأخوذة مع عارض آخر من إرادة متحدة أو عرض حاصل أو شوق إلى شيء أو عزيمة صادقة.

من اللوازم ما يلزم الشيء بسبب عارض له ، ومنها ما يلزم لازما قبله ، واللازم الذي يكون بواسطة عارض لا يصح فى الأول.

الفيض إنما يستعمل فى البارى والعقول لا غير ، لأنه لما كان صدور الموجودات عنه على سبيل اللزوم لا لإرادة تابعة لعرض بل لذاته ، وكان صدورها عنه دائما بلا منع ولا كلفة تلحقه فى ذلك ، كان الأولى به أن يسمى فيضا.

المعلول الأوّل وهو العقل الفعال إمكان وجوده له من ذاته لا من خارج؛ فإنه لو كان من خارج لزم أن يكون له إمكان فقبل به هذا الإمكان فتسلسل.

قد تبين بالضرورة أن واجب الوجود بذاته واحد من جميع جهاته ، وأن الموجودات تصدر عنه على سبيل اللزوم ، وأن الواحد من حيث هو واحد يلزم عنه واحد ، وأن الهيولى لا يصح أن تكون موجودة من دون الصّور بل يجب أن يكون وجودها بواسطة الصورة ، وأن الصورة الجسمانية لا يصح أن تكون علة لوجود الهيولى أو لوجود نفس أو جسم وأن الأحدىّ الذات يجب أن يكون صورة معقولة غير مخالطة للمادة وأن هذا العقل الأول ليس يصح أن تحصل فيه كثرة إلا من الوجوه المذكورة ، وهى أنه ممكن بذاته واجب بالأول عاقل للأول وأن


الأجسام فيها كثرة ، ويجب وجودها عن كثرة ، ولا كثرة إلا ما ذكرنا فيجب أن يكون وجودها تابعا لوجود الكثرة المذكورة ، والكثرة فى الأجسام ليست كالكثرة التي فى العقول التي هى سبب لوازمها وهى الإمكان من ذاتها والوجوب بالأول والتعقل للأول فإن الإمكان فى العقل الأول مثلا ليس هو مستفادا من غيره ، وليس كذلك الإمكان للهيولى والصورة فى الجسم فكل واحد منهما له حقيقة تستفيد الوجود من غيره.

خيرية الأفلاك والكواكب علة لخيرية الموجودات عنها وللزومها وليست هى قاصدة للاستكمال بتلك الخيرية التي عنها ، فإنها لا تخلو من أن تكون موجودة قبل القصد تامة ، ولا مدخل للقصد فى وجودها فلا تكون الخيرية المقصودة توجبها. وليس حال أن تلزم عنها هذه الموجودات لا عن قصد هو قصد هذه الحال ، فإنها إن قصدت أن تلزم عنها هذه الموجودات تكون خيريتها لازمة لهذا القصد ولازمة لخيرية الموجودات (3 4 ب) عنها ومعلومة لها وأما أن تكون غير كاملة وبهذا القصد تستكمل فيكون القصد علة لاستكمالها لا معلولا لها ، وبالجملة قصدها لأن تحصل عنها خيرية الموجودات عنها نقص لها وطلب الاستكمال بها فتكون خيريتها غير تامة ولازمة لقصدها. وفرق بين أن تلزم عن الخيرية خيرية ، وبين أن تقصد لأن يلزم عنها خيرية فإنها حينئذ تكون لازمة للقصد.

طبيعة الفلك من حيث هى طبيعة الجسم تطلب الأين الطبيعى والوضع الطبيعى لا أينا مخصوصا فيكون النقل عنه قسرا.

هذه الأوضاع والأيون كلها طبيعية له.

التشبه بالشيء هو أن يكون على مثال المؤتمّ به.

الفلك لو كان على أين مخصوص ووضع مخصوص لكان مقسورا على هذه الحركة.

كل شيء لم يكن متصورا بصورة مخصوصة فإنه قابل لجميع الصور من غير قسر وقبوله لكل الصور كالشىء الطبيعى فيه. ومثاله القوة الباصرة : لمّا لم يكن لها صورة مخصوصة كانت قابلة لجميع الصور.

الحركات المختلفة فى الفلك : كلّ واحدة منها تابعة لعرض عقلى ولتشبه بجوهر عقلى مفارق يخصه شوقا إليه. ولكل فلك عقل مفارق يعقل الخير الأول ، فليس يعقل الا شىء مفارق الذات بأن يحصل فيه صورة معقولة بالفعل يصير بها عقلا بالفعل. وهذا لا يمكن فى مخالط للجسم.

البارى والعقول لا يجوز أن يكون متوهما أو متخيلا بل معقولا لأنه لا يدرك بآلة


والمعقول إذا حصل فى شيء صار للشيء به عقل؛ والبارى والعقول لما كان دائم الوجود كان كل شىء يعقله دائم الوجود لأنه يصير صورة لعقله.

المعقولات إنما تحصل فينا من خارج لا من ذاتنا.

قصد الكواكب والأفلاك أن تكون على كماله الأفضل ليكون متشبها بالبارى ، فتبع ذلك حركته ولزمته ، ثم لزم عن حركته وجود هذه الكائنات فهى إذن بالقصد الثاني.

الأول لما كان كامل الذات عالما بكماله ومجده وأنه يفيض عنه وجود ما بعده كان وجوده عنه على سبيل اللزوم.

الكواكب لما كانت كاملة فى كل شيء إلا فى وضعها وأينها وأرادت الاستكمال ليكون لها التشبّه بالأول لزمتها ضرورة الحركة. فالحركة هى استكمال لها ، وهذه الحركة شبيهة بالثبات فى أنها نفس الكمال المطلوب لا أنها توصلها إلى ثبات كما فى الأمور الطبيعية.

تشبه الأفلاك بالأول هو أن تحصل على كمال يليق بها فتستتبع ما بعدها لا أن ما بعدها يفيدها كمالا. فإن الأوّل ليس يستفيد كمالا مما بعد. إنما هو فى ذاته كامل تام معشوق عاقل لذاته. إن له المجد والعلو ، وإن ما بعده تابع لمجده وعلوه ، وإنه خير ، وأن ما بعده تابع لخيريته ، لا أن الخيرية شيء غير ذاته. وفيما بعده يحصل له الكمال من الأول حتى يكون متشبها به على هذه الصفة وهى أن يلزم عنها ما بعده. والخير يفيد الخير لا على سبيل قصد ، بل على أنه لازم عنه لأن ذاته خير ، فما يلزم عنه يجب أن يكون خيرا وإن كان على سبيل قصد كما نقصد نحن فعل خير لنستكمل به يكون خيرنا الذي نقصد الاستكمال به لازما لخيرية فعلنا ومعلولا له.

اختلاف الأفعال يكون باختلاف الأغراض ، والغرض فى النفوس السماوية واحد فلذلك لا تختلف حركاتها والغرض هو التشبه بالأول فيكون أبدا على نظام واحد ونهج واحد (3 5 ا).

كل ممكن الوجود إما أن يمكن وجوده فى غيره أو يكون ممكن الوجود فى ذاته ، والذي يمكن وجوده فى غيره يكون إمكان وجوده فى ذلك الغير عند تخصصه ، والذي هو ممكن الوجود فى ذاته لا يصح أن يكون إمكان وجوده فى غيره لأنه ليس أن يعرض إمكان وجوده لشيء أولى من أن يعرض لشيء آخر ، فإذن هو قائم بذاته. فهو جوهر لكن معنى إمكان الوجود معنى مضاف فيكون إمكان الوجود له وجود آخر وهو أنه


جوهر ، فيكون هذا المعنى الذي هو الإضافة عارضا لذلك الجوهر ، وقد قلنا : إنه قائم بذاته غير عارض لشيء ـ هذا خلف.

العقول الفعالة هى فى ذواتها ممكنة ، ومعناه أنه لم تتقدم إمكاناتها وجودها ، وكل ماله إمكان سابق فإنه يكون فى مادة.

ذات البارى خير محض وهو يعقل ذاته ويعقل أنه يصدر عنه هذه الأشياء فيعرف خيريتها ووجه الحكمة فيها.

إرادته ليس لها داع كإرادتنا ، فإن إرادته علمه ولكن باعتبار واعتبار.

الإرادة إذا كانت تابعة لقصد من خارج تغيرت بحسب المقصود : فيصحّ أن تصدر عن مريد واحد بحسب اختلاف الدواعى أفعال مختلفة. وأما إذا لم تكن الإرادة تابعة لداع كانت الأفعال الصادرة عن ذلك المريد على سبيل اللزوم.

اللزوم على وجهين : أحدهما أن يكون الشىء لازما عن الشىء لطبيعته وجوهره ، كلزوم الضوء عن المضيء والإسخان عن الحار ، والآخر أن يكون لازما عنه وهو أن يكون تابعا لعلمه بذاته وأنه يعلم أنه يصدر عنه ذلك اللازم ، وهو اللزوم الذي يلزم عن البارى فإنه فى ذاته كامل تام معشوق عالم لذاته ، إن له المجد والعلو ، وإن هذه الموجودات عنه لازمة عن علمه بذاته وعن مجده وعلوه وعن خيريته ، لا أن الخيرية شيء غير ذاته.

الفلك يعقل هذه الأشياء ثم يتخيلها ، ونحن نتخيل الشيء أولا ثم نعقله.

التخيل يكون جزئيا ويكون لا محالة لذى جسم ، والفلك يعقل الأشياء بعقله ثم يتخيلها بنفسه.

الفلك والكواكب تعقل الأول فيستفزها الالتذاذ بهذا التعقل فتتبعه الحركة ، كما نتخيل نحن شيئا فيستفزنا ذلك ، فتحدث فينا حركات كالتواجد والنشاط ، إلا أن الفلك يتصور الغاية مع تلك الحركات ولا نتصور نحن الغاية.

الذي يحدث فى الفلك عند ما يعقل من الأول هو كالوجد الذي يلحقنا عند تخيلنا شيئا.

النفوس الفلكية تتصور أحوالا تعرف وجه الحكمة فيها فيستفزها ويعرض لها كالنشاط فتتبعها الحركة ، فتكون عن حركاتها هذه الكائنات وتلك الأحوال لو أدركناها كما ندركها الآن ، ولسنا نعرف وجه الحكمة فيها فنتعجب منها فيكون التغير الذي يعرض لنا


بالضد مما يعرض لها ، فإن تلك النفوس تعرف وجه الحكمة فيها ونحن نجهله ، فكما أن هذه الأحوال الدنياوية يتعجب منها الناس فإنها تستفز من يعرف وجه الحكمة فيها أكثر.

هذه الكائنات وأحوالها تحدث عن هذه الحركة بالقصد الثاني.

الفلك له عقل مفارق يعقل الأشياء ويستمد تعقلها من عقل فعال. فإذا عقلها على هذا الوجه أفاضها على نفس الفلك الحيوانية فيتخيلها.

لما كانت النفس الفلكية متحركة نحو الكمال الأول وهو المفارق ولم (3 5 ب) يكن ذلك الكمال مما يبلغ بالحركة ، صار كل حد ينتهى إليه فى الحركة علة لأن يطلب حدّا آخر وكذلك إلى ما لا نهاية.

تجدّد الحركات الطبيعية تابع لتجدد الحال الغير الطبيعية ، وتجدّد نسب البعد عن الغاية فإنه لا يزال على نسبه إلى أن يبلغ الغاية وذلك كالحجر فى هويّه إلى القرار.

ما نتوهمه يتحدد فى الوهم فتكون علة المحدود محدودا.

المحرك للفلك المخيل له الحافظ لاتصال حركاته هو المفارق الذي حدده فيه التوهم الأول الثابت الذي اهتاج عنه سائر التوهمات. ونحن إذا توهمنا شيئا انبعثنا لعمل شيء ، ثم إذا توهمنا آخر مما شئنا انبعثنا ثانيا لعمل شىء آخر ، ثم كذلك يستمر توهمنا فيستمر انبعاثنا فيكون التوهم الأول راسخا ثابتا فينا.

الجسم الفلكى إذا كانت له مناسبة مع ما في حشوه تحرك نحوها وانبعث لها ولم يقف عندها ، بل طلب مناسبة أخرى وكانت المناسبة الأولى علة للثانية فلا يزال يطلب نسبة ويطلب وضعا ثانيا.

اتصال الحركات المستديرة سببه الإرادات المتصلة ، ويكفى فيها محرك واحد على سبيل العشق ، وذلك المحرك هو طلب الكمال. وإذا كان الكمال لا يحصل للنفوس الفلكية موجودا فكل حد ينتهى إليه لا يقف عنده بل يطلب حدا آخر يقدره كمالا ، وكذلك إلى ما لا نهاية فتتصل الحركات.

الوهم إذا لم يكن مؤثرا يكون سبيله سبيل المحاذيات : فإن المحاذيات فى الفلك لا تقسم الفلك ولا تفرض فيه وضعا ، بل يكون الوهم أضعف من المحاذيات إذا لم يكن مؤثرا فيجب أن يكون الوهم مؤثرا حتى تتم الاستحالة.

إن قائل قال : إن كل وضع فى الفلك يعد الفلك لأن يطلب وضعا آخر. فنقول : هذا الوضع الآخر إما أن يكون بالقوة أو بالفعل ، والوضع بالقوة غير مطلوب والذي


بالفعل وبحسب الوجود يجب أن يتعين فيجب أن تتعين أوضاع لا نهاية لها إلا أن يكون هناك مرجّح ، والمرجح يكون بالحركة فيجب أن تكون الحركة وجدت حتى عيّنت لكن فرضنا هاهنا علة الحركة الوضع المعين ، فيكون قد تعين قبل الحركة ـ هذا خلف فإذن معين الحركة غير الوضع ، فيكون إما طبيعيا وإما إراديا. والطبيعى قد بطل ، فبقى أن يكون إراديا وهو الوهم المؤثر.

الاستحالة التي تعرض للقوى فى الأجسام الطبيعية سببها الأمكنة والأوضاع وذلك أن الحركة على الاستقامة تصدر عن الطبيعة والمتحرك على غير حالته الطبيعية. والعلة فى تحدد حركاته وتكررها واستحالة طبيعته إلى بطلان قوة وتجدد أخرى وجود أيون وأوضاع متحددة بالفعل من ابتداء الحركة وإلى حيث يكون القرار فلا تزال الطبيعة فى كل آن تكون فى حال متجددة غير الأولى وهذه أحوال للميول المتبدلة. وكذلك الاستحالة فى كيفية ما مثلا كالحرارة الغريبة فى الماء فإنه لا يزال له فى كل آن استحالة وتغير وزيادة أو نقصان إلى أن يعود إلى حالته الطبيعية. والعلة المتجددة له فى ذلك وجود الأيون والأوضاع المتحددة بالفعل. وليس كذلك الحال فى الأجسام الفلكية : فليس كل وضع له يتحدد بالفعل يحدث فى القوى استحالة ، وليس سبب استحالته أوضاعه بل توهمه وإرادته المتجددة توهما بعد توهم. ويجب أن يكون التوهم توهما مؤثرا فى الاستحالة وهو توهم تتغير به أحوال الفلك (3 6 أ) فى طبيعته لا فى ذاته ويتلوه توهم آخر ينتج عنه ، ولا يزال يتحدد بتوهم بعد توهم على سبيل البطلان والتجدد وتكون هذه التوهمات له منتجة عن التوهم الثابت الأول الذي حصل فيه عن توهم الأول.

سبب الحركة للفلك تصور النفس التي له تصورا بعد تصور. وهذا التصور والتخيل الذي له مع وضع ما سبب التخيل الآخر أى يستعد بالأول للثانى مما يجب أن يعلم هذا وهو أنه هل يصح أن يستعد موضوع واحد بحركة لقبول حركة أخرى كما يصح فى أن يستعد بتخيل حال خيال لقبول خيال آخر أو يصح أن تكون التصورات المتكررة تصورا واحدا فى النوع كثيرة بالشخص أو تصورات مختلفة؟

الجواب : هذا التصور الثاني هو مثل التصور الأول نوعا لا شخصا ، فيجوز أن تصدر عنه حركة مثل حركته نوعا لا شخصا. فلو كانا مثلين شخصا لكان واحدا وصدر عنهما حركة واحدة بالعدد.

التصور المطلق ليس بأن يقع عنه حركة أولى من حركة أخرى وإنما تقع عنه حركة واحدة؛ وإن لم يكن التصوران مختلفين لم تكن حركة ، فإنه لا وضع أولى بأن يخرج إلى


الوجود من وضع إلا بسبب مخصص ، وذلك المخصص وهم مؤثر.

يصح أن تختلف التصورات الجزئية إذا كان الغرض واحدا مثل من يقصد بغداد فان المقصود واحد ، ويعرض فى كل منزل تخيل خاص تتبعه حركة إلى المنزل الآخر.

الوضع المطلوب فى الحركة لا وجود له إلاّ متوهما ، والشيء يجب أن يتحرك إلى شيء موجود بالفعل أو فى وهم مؤثر فيه ، فإنه إن لم يكن الوهم مؤثرا فى تلك الحركة كان سواء وجوده وعدمه. وهذا الوهم إن كان له تأثير فهو الذي نعنى به أنه محرك الكرات ، فيكون الوهم هو الفاعل للحركة وهو الغاية المحركة فإنه ليس يطلب الحركة لذات الحركة بل لأجل ما عقله من المبدأ الأول أى توهمه.

كل وضع فى الفلك يقتضى وضعا ، وسببه توهم تجدد توهم بعد توهم آخر.

المشخصات تنتهى إلى شيء متشخص بذاته وهذا هو الأين والوضع فإنهما متشخصان بذاتهما ، والمخصصات تنتهى إلى متخصص بذاته وذلك الحركة الإرادية ، وكما أن فى الإضافة شيئا مضافا لذاته وهو النسبة الإضافية ، كذلك يجب أن يكون شيء يتشخص بذاته. فالوضع يتشخص بذاته ، والمكان متشخص بذاته ، وكل دورة فلها وضع مخصوص.

الأسباب المشخّصة للإنسان مثلا تكاد أن لا تتناهى ولا توجد معا بالفعل فلا بد من أن تدخلها الحركة ، وإلا كانت أسباب بلا نهاية معا والحركة فائتة ولا حقة ، فلا بد هاهنا من مبدأ كونه عنصرا وإلى أن يصير مثلا غدا ثم يصير ميتا ثم يصير كذا ثم كذا إلى أن تتخصص مادته بقبول صورته ، فيتشخص عند ذلك وضعه وأينه. وهذه الأشياء كلها مشخص جزئى يشخص آخر جزئيا لا يتشخص واحد منها بذاته ، وإنما المتشخص منها بذاته هو الوضع والأين الذي ينتهى إليه أخيرا.

ما ذكر من حركة الفلك أنه إنما تحرك هذه الحركات المختلفة لخيرية فيه يقصد بها إلى إيجاد هذه الكائنات ـ محال ، فإنه إن كان يقصد تلك الخيرية تكون تلك الخيرية على التحقيق استكمالا له عن نقصان كان فيه ، ويعود آخر الأمر إليه فى تحليل العلل والأسباب. وإن قيل إنه فعل الأولى به والأجمل فإن معناه إذا حقق أنه استفاد بذلك فائدة فإن الفاعل إذا فعل فعلا (3 6 ب) على هذه الجهة فإنه يفعل ما لو لم يفعله كان يلحقه بذلك نقيصة وسبّة ، فيكون قد انتفى عن النقائص بفعله. وفى ذلك طلب كمال.

الجود هو أن يفيد الجائد غيره كمالا لا لغرض خارج غير الجود.


الشفقة والرحمة وغيرهما من العطف والفرح بالإحسان انفعالات. وإذا نسبت إلى الفاعل فهى من الأعراض الخاصية بالفاعل ، وذلك لئلا يذم بضده أو يحط به عن كماله.

المتشخص هو الذي لا يوجد مثله معه ، والإنسان يوجد مثله معه من حيث هو إنسان لا من حيث هو متشخص ، لأن ما تشخص به زيد وهو وضعه وأينه لا يتشخص به عمرو.

المخصص ما يتعين بالوجود للشىء وينفرد به عن شبهه والمخصّص يدخل فى وجود الشىء ، والمشخص يدخل فى تقويمه وتكوينه بالفعل شخصا.

التشخص هو أن يكون للمتشخّص معان لا يشركه فيها غيره ، وتلك المعانى هى الوضع والزمان. فأما سائر الصفات واللوازم ففيها شركة كالسواد والبياض.

النّسب التحيزية هى الوضع ، والوضع للمتحيز لا غير.

الوضع نسبة الشىء فى حيّزه الذي هو فيه إلى ما يسامته أو يجاوره أو يكون منه بحال.

الأجزاء التي لها وضع يجب أن يكون لها وجود قارّ بالفعل ليكون لبعضها عند بعض وضع ، وأيضا اتصال ، وأيضا ترتيب.

لا وضع حقيقيا إلا للمتحيّز ، وهو الجسم. والعقليات لا وضع لها إذ لا تحيز لها.

وضع المكان نسبته إلى جرم الفلك.

النفس الإنسانى العقلى لا تحيز لها إذ ليست هى منطبعة فى مادة ، وأما النفس الحيوانى والنفس النباتى فكلها متحيزة ومنطبعة فى البدن وهى قوة البدن.

النفس لا تعقل ذاتها ما دامت مقارنة للمادة ، ولو عقلتها لكانت كاملة كالعقول التي تعقل ذواتها أو لعلها تعقل ذاتها فإنها تعلم ذلك بالاكتساب والتنبيه عليه.

الجسم فى ذاته شيء متصل واحد ، ولا يلزم أن يتعين فيه بعد فيكون بالفعل ، بل إنما يكون ذلك بالعرض ، فإن الطول مثلا لا سيما فى المكعب لا يمايز العرض إلا بالعرض.

الهيولى فى ذاتها ليست بذات وضع ، بل الوضع إنما صار لها بسبب البعد العارض لها ، فالوضع عارض إذن لها.

الفلك كامل فى كل شيء إلا فى وضعه وأينه فتدورك هذا النقصان فيه بالحركة. ولم يمكن أن يكون فى كل جزء من أجزائه مجموع أجزاء الحركة ، ولم يمكن أن يكون لكل جزء من أجزائه نسبة إلى جميع ما فى حشوه إلا على سبيل التعاقب.

حركة الفلك كماله ، لا ما يطلب به كماله. ولو كان كماله غير حركته لكان يقف عند


وصوله إليه. فالحركة فيه كالثبات فى المكان الطبيعى للأجسام المتحركة على الاستقامة فلهذا يتحرك دائما.

الحركة استكمال الفلك ويتبعه كمال آخر وهو وجود ما يكون عن حركتها من هذه الأشياء الكائنة. وهذه الحركة تابعة لطلبها الكمال ، والتشبه بالبارى ، ونفس ذلك التصور وذلك الشوق هو الموجب لها وليس هى مقصودة بذاتها ، بل المقصود بذاتها طلب الكمال فتتبعه الحركة كاللازم له.

حركات الفلك كمالات له ، ويلزم عنها كمالات أخر ، وهو وجود سائر الأشياء الموجودة الكائنة : فتلك الأول وهى ثوان.

إرادة الفلك والكواكب أن تستكمل وتتشبه بالأول فتتبع إرادتها هذه الحركة ويلزم عن حركتها وجود هذه الكائنات كمالات ثوان.

فإن قال قائل لم لا يصحّ أن تكون (37 ا) طبيعة الفلك تقتضى الحركة كما تقتضى طبيعة الحشو السكون فى أمكنته؟ فالجواب : أن الطبيعة إنما يصدر عنها ما يصدر على سبيل اللزوم ، فلا يصح أن يصدر عنها على سبيل اللزوم حركة إلى جهة ثم يصدر عنها على سبيل اللزوم حركة إلى ضد تلك الجهة ، اللهم إلا أن تتغير. وحركة الفلك ليست إلى جهة واحدة فإنها تتحرك من المشرق إلى المغرب ثم تتحرك منه إلى المشرق. فلو كانت طبيعية لكانت إلى جهة واحدة ، كما أن طبيعة الأرض تقتضى السكون فى مكان على سبيل اللزوم والحركة إلى المركز إذا لم تكن فى موضعه على سبيل اللزوم ، وكذلك طبيعة كل واحدة من العناصر. واللزوم هو أن يلزم شىء واحد لا الشىء وضده. وأيضا فإن الطبيعة ثابتة ، والحركة غير ثابتة. ومحال أن يصدر عن الشىء شيء يزول ، والعلة ثابتة. فإذن علة الحركة الفلكية هى النفس التي له.

الغرض فى الحركة الفلكية ليس هو نفس الحركة بما هى هذه الحركة بل حفظ طبيعة الحركة إلا أنها لم يمكن حفظها ، فاستبقيت بالنوع ، أى بالحركات الجزئية. وذلك كما استبقى نوع الإنسان بالأشخاص لأنه لم يمكن حفظه بشخص واحد لأنه كائن ، وكل كائن فاسد بالضرورة ، والحركة الفلكية وإن كانت متجددة فإنها واحدة بالاتصال والدوام ، ومن هذه الجهة وعلى هذا الاعتبار تكون كالثابتة.

الأشخاص التي لا نهاية لها ، إنما الغرض فيها أن توجد طبيعة نوعها لكن كان من الضرورى أن يكون استبقاء ذلك النوع بأشخاص لا نهاية لها ، وهذا الضرورى هو بمعنى القسم الأول من الضرورى. وفرق بين أن نقول : أشخاص لا نهاية لها ، وبين


أن نقول : لا تناه لا نهاية له. فقد يقال شخص بعد شخص ولا يقال لا تناه بعد لا تناه ، وذلك لأن شخصا واحدا يصح أن يكون غاية لطبيعة جزئية ، وأما لا تناه فلا يصح أن يكون غاية لطبيعة جزئية فإن اللاتناهى يصح أن يكون غاية لفاعل على الوجه الذي ذكرناه وهو استبقاء النوع بالأشخاص الغير المتناهية. فأما أن يوجد لا تناه بعد لا تناه لتستحفظ بإيجاده طبيعة اللاتناهى فهو محال.

غاية الطبيعة الجزئية شخص جزئى فالشخص الذي يكون بعده يكون غاية لطبيعة أخرى ، فأما الأشخاص التي لا نهاية لها فهى غاية للقوة السارية فى جواهر السماويات التي تتبعها الحركات التي لا نهاية لها ، التي تتبعها الأكوان التي لا نهاية لها.

المعقول من الشيء وإذا لم يكن الشىء بذاته مجردا بل تكتنفه أعراض ولواحق ولوازم تكون مجرد ذلك الشيء الذي يدركه التخيل والتوهم. فإن المعقولات لا يمكن تخيلها بل تعقل عقلا ، والعقل المحض الغير المشوب بالتخيل إذا عقل حركة دائرة الفلك التاسع وعقل حركة حد منها إلى حد ، ثم من ذلك الحد إلى حد آخر حتى تفنى الدائرة فإن الحركة الأولى والثانية والثالثة إلى آخرها فى العقل سواء لا يتعين منها واحدة فإن التعين يلحقها من خارج ، فيمكن تخيله لا بمجرد الحركة المعقولة والانتقال الذي فرض فيه سواء كان عن كلى أو جزئى.

العقليات المحضة باقية لا يجوز عليها الانتقال والتغير ، ومعقولاتها تكون حاضرة معها دائرة لا يحتاج فيها إلى انتقال من معقول إلى معقول آخر. والنفس وإن كانت عقلا فإن تعقلاتها مشوبة بتخيل ، فلذلك يصح عليها الانتقال من معقول إلى معقول وتستعد بهذا المعقول لمعقول آخر.

إنما لا يصح أن تقبل النفس المعقولات دفعة ومعا لأن ما تعقله يكون (37 ب) مشوبا بتخيل إذ لا بد أن تتخيله وإن كان معقولا ، والتخيل يكون جزئيا. وسبب عقليتها له هو أنه إنما تتخيله أولا ، ثم تستعد بذلك التخيل لأن يفيض عليه المفارق معقوليته.

المعقول من كل شيء لا يتخصص بشخص معين ، بل يكون كليا ويشترك فيه كثيرون وجودا أو ذهنا.

قد يصح أن تستحفظ قوة مفارقة فعلها غير متناه بواسطة شيء.

التخيل يكون لنفس مخالطة للمادة ويكون بالقوة المتخيلة ، والمجرد لا آلة له يتخيل بها لاستغنائه عنها.

كلّ ما تعقله النفس مشوب بتخيل.


إمكان وجود الشيء يكون له من نفسه ، ووجوبه يكون له من غيره. وكل ماله إمكان وجود تخصّص. فإن كان ذلك الشيء مما يجتمع نوعه فى شخصه فقد تخصص إمكان وجوده بذاته ، ولا يصح وجود غير ذلك الشخص ولا يحتاج إلى سبب مرجح يرجحه على غيره ، إذ لا يصح وجود غيره. فإن لم يكن على هذا الوجه بل كان مما لا يجتمع نوعه فى شخصه وكان بحيث يصح وجود أى شخص كان من أشخاصه كانت المادة مستعدة لقبول أى شخص كان ، فيكون لذلك الشخص إمكان تخصص وتخصصه شيء من خارج. مثلا المادة الإنسانية مستعدة لقبول النفس الإنسانية ، ونسبتها إلى كل واحدة منها بالسّوية. فإذا خصصها بقبول نفس دون نفس مخصص من خارج وتهيأت لذلك ، أفاض عليها واهب الصور تلك النفس التي تهيأت بتخصصاتها إذ لا توقّف البتة فى فعله ولا إمكان ، بل إفاضته بالفعل دائما. وأفعال الناس بخلاف ذلك ، فنحن إذا أردنا مثلا أن نجعل ماء فى مكان فيجب أن نهيئ ذلك المكان لنستنقع فيه الماء. فإذا تهيأ وتخصص استعداده لذلك لم نكن نحن مفيضين عليه بالفعل ما قد تهيأ له ، بل نحن نعد بالقوة فإذا امتحنا إليه الماء حصل فعلنا عند ذلك بالفعل.

هيوليات الفلك ليس لها إمكان بعيد فلا تحتاج إلى مخصّصات وإنما لها الإمكان القريب ، فتوجد دائما متخصصة من ذاتها لا من خارج. وهيوليات الأجسام الكائنة الفاسدة بخلاف ذلك ، فإن الهيولى لها إمكان أن تقبل الماء وهى فى حال ما هى قابلة فيها لصورة النار ، لكن ليس ذلك الإمكان كإمكانه لقبول صورة الماء وقد انسلخت عنها صورة النار فإنها عند ذلك متخصصة الاستعداد والإمكان لقبولها. ويشبه أن تكون النفس عند المفارقة تكون متخصصة الاستعداد لقبول الكمال ولا سيما إذا كانت زكية ، ولم يكن لها هيئة إلى البدن ومقتضياته من اللذات والشهوات الخسيسة والهيئات الرديئة.

كلّ نفس فلها إمكان مخصص لقبول الفيض إلا أن منها ماله إمكان بعيد فيحتاج إلى مخصص من خارج ، ومنها ما يكون له إمكان قريب فتتخصص من ذاتها لقبول الفيض.

النفس المفارقة لا تتشخص بوضع ، ولا بدن ، فلا محالة أن لكل واحدة منها اختصاصا بحال استفادتها من الشخص الذي كان لها قبل المفارقة ، إلا أنا لا نعرف ذلك الاختصاص.

المعنى الكلى لا يصدر عنه جزئى فإنه ليس بأن يتناول هذا الجزئى أولى منه بأن يتناول ذلك الجزئى ، فيكون ذلك سببه شيء مخصص لوجود هذا الجزئى مرجح له على غيره من الجزئيات. فالعلة المفارقة المبدعة للنفوس وإن كانت ذاتا واحدة فكأنه عام لعموم فعله فليس بأن تصدر عنه نفس أولى بأن تصدر عنه نفس (38 أ) أخرى. وكذلك المادة


المطلقة الغير المخصصة ليس بأن تحصل فيها أولى منها بأن تحصل فيها نفس أخرى ، فيكون حصول هذه النفس فيها دون غيرها بسبب مخصص جزئى ، وكذلك حركة الفلك مطلقة ليست بأن تكون هذه الحركة أولى بأن تكون تلك الأخرى إلا بسبب مخصص لهذه الحركة مرجح لها وهو تصور النفس المتجدد فى كل وقت تصورا بعد تصور. والأصل فى هذا كله أن الكلى لا يحصل بالفعل كليا فلا يصدر عنه جزئى إلا بسبب مخصّص.

العلة المفارقة المبدعة للنفوس نسبتها إلى كل واحدة منها نسبة واحدة ، وكذلك المادة. فإذن حصول نفس منها فى مادة مخصصة يكون بسبب مخصص يرجح وجود هذه النفس على النفوس الأخرى.

معقول العقول الفعالة من كل شيء سبب لوجوده ، ويجب أن يكون بإزاء كل معقول إمكان وجود ، فإن كان ذلك الشيء الذي له إمكان وجود مما يجتمع نوعه فى شخصه لم يحتج ذلك الشيء إلى مخصص له وكان لازما لذلك المعقول. وإن كان ذلك الشىء ليس مما يجتمع نوعه فى شخصه بل فى أشخاص كثيرة يحتاج فى كل شخص إلى مخصص يخصّصه به.

المخصص للنوع المجتمع فى شخص واحد ليس هو من خارج ، لأنه إنما لشخص فى ذلك الشخص الواحد لأجل ذلك الشخص ولأنه ذلك الشخص ويقتضيه ذلك الشخص. مثلا لو كان البياض كله مما يجتمع فى موضوع واحد حتى يتخصص بذلك الموضوع من دون سائر موضوعاته لكان مخصصه به لأجل ذلك الموضوع ولأنه يقتضيه ذلك الموضوع. والحركة هيئة غير قارّة ، بل هى متجددة جزءا بعد جزء ولا تجتمع كلها فى موضوع واحد. فلكل حركة مخصص وهو إرادة جزئية.

والكلام فى الإرادة كالكلام فى الحركة ، فإن هذه الإرادة تحتاج إلى مخصص.

الحركة مطلقا لا تتخصص البتة ، ولا تحصل دفعة واحدة ، ولا يكون جزء منها أولى بالحصول من جزء إلا بسبب مخصص. وهذا كما قيل : الذات مطلقا غير موضوعة لتخصص. فإذا تخصص فإنما يتخصص بجزئى.

المخصص لطبيعة فلك فلك وكوكب كوكب هو ذاته ، أو شيء من خارج أو لأنه لازم لمعقول واحد.

حكم الحركة فى الوجود كحكم سائر الأعراض التي لا تكون موجودة كلية نوعها فى شخصها ، بل شخص منه بعد شخص. فالمعقول من الحركة مطلقا هو بحيث


يصح حمله على كثيرين ، وكذلك من حركة ما يصح حمله على كثيرين.

دورة من دورات الفلك لا تتحرك بحركة واحدة حتى يكون ما تتحرك منه فى المشرق هو ما تتحرك منه فى المغرب ، فإن هذه لاحقة وتلك فائتة.

لا سكون البتة فى شيء من الأجرام السماوية ، فإنها جميعا متحركة والكواكب فى ذاتها أيضا متحركة فى أفلاك تداويرها غير مركوزة فيها.

المعنى الكلى لا يصدر عنه شيء جزئى البتة كالرأى الكلى منا والإرادة الكلية التي تحصل فى نفوسنا كلية لا يصدر عنه فعل لنا البتة. فإنا إذا أردنا مثلا أن نعمل بيتا على الإطلاق لا بيتا مخصصا ، فإنه من ذلك لا يمكن عمله بل يجب أن يتخصص جزئيا فى تخيلنا ووهمنا ، وأن يعمل فى مكان مخصص ومباشرة مخصصة.

العلل المفارقة المحدثة للنفوس الإنسانية ليس بأن تحدث عنها نفس أولى من أن تحدث نفس أخرى ، والموضوع للنفس وهى المادة المطلقة كذلك ليس بأن تحصل فيها نفس أولى من أن تحصل نفس أخرى إلا بأن تتخصص المادة بشيء يكون قبولها لهذه النفس (38 ب) دون تلك النفس ، وذلك الشيء الذي هو مزاج تتخصص به المادة فتكون المادة بذلك ترجح وجود هذه النفس على غيرها ، وكذلك الصور فى المواد والأعراض فى الموضوع لا ترجح المادة هذه الصور على غيرها إلا بسبب مخصص ، ولا يرجح الموضوع ذلك البياض مثلا على غيره إلا لمخصص. إلا أن المخصص فى الصور والأعراض يخصصها بالمواد والموضوع ويوجدها فيها. وفى النفوس يخصصها بالأجسام الموضوعة لها ولا يطبعها فيها لأن النفوس قائمة بذواتها وتلك الأخر لا تقوم بذواتها.

الشيء الكلى كحركة الفلك مطلقة كلية لا تحصل كلية بالفعل بل تحصل جزئية دورة بعد دورة وأن يحصل عنها وهى معقولة كلية دورة أولى من أن يصدر عنها دورة أخرى. ولأن الحركة طبيعية واحدة ، فالتحرك واحد فإذا ليس من جهة الفلك ولا من جهة الحركة الكلية أو من جهة الإرادة الكلية المحركة بل بسبب مخصص وهو إرادة مخصصة وهو تصور النفس التي له تصورا متجددا. وكما أن الأسباب المشخصات فى الأجسام الكائنة الفاسدة الحركات التي هى هيئة غير قارة. كذلك الأسباب المشخصات فى الأجسام الفلكية هيئة غير قارة وهى إرادات النفس المتجددة.

المشخص للشخص الجزئى متشخص جزئى ، وذلك يتمادى إلى ما لا نهاية. وسببها الحركة التي تفوت وتلحق. لا يحصل كلّ غير متناه إلى أن ينتهى إلى حركة الفلك ويكون سبب حركة الفلك إرادة النفس التي له.


الحركات فى الأجسام الكائنة الفاسدة تقرب وتبعد ، أى تقرب العلة من المعلول كذلك الإرادات فى الفلك تقرب وتبعد.

الحركة معنى متجدد النسب ، أى غير ثابت فلا نزال تتجدد نسبها. ولا يجوز أن يكون شيء غير ثابت عن معنى ثابت ، والحركة فى المتحرك لا تكون مقتضى طبيعة المتحرك فإن الحركات تتجدّد شيئا بعد شيء ، ونفوت الأولى وتلحق الثانية والطبيعة باقية ثابتة ، فيجب أن تكون عن حالة غير طبيعية وبسبب تجددها تحد ، والحالة الغير الطبيعية والطبيعة الا تحرك بالاختيار والإرادة ، بل بالتسخير فتكون حركتها إلى جهة واحدة ، والحركة المستديرة غير طبيعية وإذا كانت فى الشىء حركتان مختلفتان فإحداهما لغير الطبيعية كالحركتين اللتين فينا علوا وسفلا فإن إحداهما للنفس بقهر الجسم ، والأخرى للطبيعة. والحركة المستديرة فى الفلك للنفس التي تحركها إلا أنها حركة واحدة وكأنها طبيعية له مثلا كطبيعية حركة النار إلى العلو والأرض إلى السفل ، والقوة المحركة باقية موجودة مع انقضاء الحركة والميل ، وحركة الفلك إنما تتجدد بحسب تصورات النفس.

الحركة تتبع شيئا مستحيلا متغيرا ، والعقل غير مستحيل ، فلا تكون عنه حركة.

لو كانت الطبيعة علة الحركة لكان كل جزء من أجزاء الحركة ثابتا مع ثبات الطبيعة لكنها تبطل. وإذا كان الجسم خارجا عن مكانه الطبيعى ففى حال حركته إليه يكون على نسب مختلفة فيه فيكون فى أحوال مختلفة لا فى حالة واحدة فلهذا تبطل نسب الحركات.

إن قال قائل : لا يصح فى اللّه أنه لم يقدر فى وقت على الخلق لأنه أبدا كان قادرا بل إنما وجب فى المخلوق أن يخلقه فى حال دون حال (39 ا). فنقول إنما يكون هذا الصلوح عند الفاعل أو عند المنفعل ، ولا يصح أن يكون بسبب الفاعل. فإذن هو عند المنفعل. وهذا الصلوح هو الاستعداد التام والاستعداد التام يكون بتغير فيه. والمعدوم على الإطلاق لا يتغير حاله. فإذن يجب أن يسبقه وجود آخر غير الفاعل قد تغير ، وهذا هو صفة الحركة. وكل حادث يجب أن تسبقه حركة ، فالحركة سرمدية ، فيجب أن يكون هاهنا متحرك سرمدى وهو الفلك.

مفروضهم أنه يصح أن يكون قبل وجود الزمان معنى نتوهم كأنه مدة لا تكون زمانا ، وهذا هو معنى وهمى فى الحقيقة ، إلا أن ذلك المعنى يمكن أن تخلق فيه حركات تطابق البعض منه وحركات تطابق أكثر منه وهو فى نفسه غير ثابت. فيكون بعينه هو الزمان ، إذ يحصل فيه الأول والأكثر والتقضى. وهذا كله من صفات الزمان.

يمكن أن يفرض فى العدم المطلق حركتان : عظمى وصغرى ، ومحال أن يبتدئا معا


وينتهيا معا. فلا بد من أن تخلو الصغرى عن الكبرى بشيء مما تخلو به عنها هو مقدار ويحصل تقدم وتأخر ، وهذا هو صفة الزمان لا غير.

لما كانت الأشخاص حادثة وكانت مختلفة ولم يكن ذلك بمستنكر ، وجب أن تختلف أيضا فى صحة المزاج وفساده وفى اعتدال البنية وتفاوتها ، ولم يكن ذلك ظلما ، ولذلك يجب أن تختلف فى سائر أحوالها من الخيرية والشرارة والذكاء والفطنة والجهل والغباوة.

حقيقة الثواب والعقاب :

الثواب هو حصول استكمال النفس كمالها الذي تتشوقه ، والعقاب تعريض النفس الغير المستكملة لأن تستكمل ويلحقها فى ذلك أذى من قبل جهلها ونقصانها. والحال فى ذلك شبيهة بالحال فى المريض إذا عولج بما يكرهه ليعقبه ذلك صحة.

البقاء فى الأجسام غير مقدور عليه وهو محال ، والعدم فى النفس غير مقدور عليه وهو محال ، وكما أن البقاء فى الأجسام محال ، والإعادة فيها محال ، كذلك العدم فى النفس وإن كانت حادثة لا سرمدية.

المعنى العدمى هو الذي فى قوته أن يصير شيئا آخر ، أو أن يصير له شىء ليس له فى الحال.

العدم عدمان : عدم على الإطلاق وهو عدم الفناء فى النفوس ، وعدم ملكة وهو عدم شيء فيما من شأنه أن يكون لموضوعه عن موضوعه أو لنوعه أو جنسه. وقد يقال لما من شأنه أن يكون لأمر ما وليس من شأنه أن يكون لأمر آخر ، فيكون مسلوبا عنه كالرؤية فى الصوت فإنها تسلب عنه.

السؤال الذي قال فى الأشياء السرمدية وهو : هل كان وقت لم تكن موجودة فيه؟ فهو كما يقال : هل كان زمان لم يكن فيه زمان؟ والجواب هل المعنى الذي تسأل عنه موجود أم غير موجود؟ وهذا المعنى إما أن يكون حالة لتلك الأشياء فى ذواتها وإما حالة لها من خارج. فإن كانت فى ذواتها فإنها فى أى وقت مرضية على حالة واحدة وهى لا وجود لها من ذاتها لا قبل ولا بعد. وإنما الوجود لها من باريها. وإن كانت حالة من خارج ويصح أن تكون موجودة فالكلام فيها كالكلام فى الأول : فإن صح أن تكون موجودة فلم لا يصح أن تكون الأشياء موجودة؟!

الفرق بين الهيولى والمعدوم أن الهيولى معدوم بالعرض موجود بالذات ، والمعدوم


معدوم بالذات موجود بالعرض إذ يكون ، (39 ب) وجوده فى العقل على الوجه الذي يقال : إنه متصور فى العقل.

قولهم : «يلزم أن يكون فى الماضى أشياء بلا نهاية» : لا يستنكر أن تكون فى المعدومات أشياء بلا نهاية؛ إنما المستنكر أن تكون أشياء غير متناهية موجودة معا. فأما أن يوجد شيء بعد شيء من الغير المتناهى فهو مطابق لما عليه الأمر فى الوجود ، فإن الحركات الماضية التي تمادت إلى هذه الحركة الموجودة فى الوقت غير متناهية وقد انتهت إلى هذه الحركة وهذه الحركة موجودة ولم تكن موقوفة الوجود على ما لا يتناهى. ولم يلزم الشك الذي أتى به يحيى(1) و هو إن وضعت هذه الحركة سرمدية وكانت كل حركة موقوفة على حركة ، لم تكن هذه الحركة الموجودة فى هذا الوقت موجودة.

قولهم «كان ولا خلق» : إن عنى به مجرد مفهومنا لوجود البارى مع عدم الخلق يتناول حينئذ يكون ولا خلق حين يعدم الخلق ويبقى هو. فإن دلّ : «كان» على معنى ثالث غير الخلق وغير الخالق ، ويكون يدل على غيرهما كان الكون معنى غيرهما ويصح فى هذا الكون الفوت واللحاق. فهذا الكون غير البارى ، وهو شيء غير ثابت هو صفة الزمان أو الحركة ، وكلاهما متعلق بالحس.

القابل يعتبر فيه وجهان : أحدهما أن يكون يقبل شيئا من خارج فيكون ثم انفعال وهيولى يقبل ذلك الشيء الخارج ، وقابل من ذاته لما هو فى ذاته لا من خارج فلا يكون ثم انفعال. وإن كان هذا الوجه الثاني صحيحا ، فجائز أن يقال على البارى.

سبب علمنا بالأشياء قد يكون وجودها كما يكون تصادف بحواسنا صورة بيت فتحدث منها صورة فى أذهاننا. وقد يكون علمنا بها سبب إيجادها ، كما يكون علمنا بصورة بيت بأن حدثت صورته فى أنفسنا سببا لأن نوجدها.

الأشياء التي نسميها اتفاقات هى واجبات عند اللّه فإنه يعرف أسبابها وعللها.

أنا إذا علمت جزئيا ما ككسوف ثم علمت لا كسوفا فليس علمى بالأول هو علمى بالثانى لأن ذلك قد تغير ، لأنى أعلم كل واحد منها فى آن مفروض وأكون قد أدخلت الزمان فيما بينهما فتغير على.

لو أدركنا هذا الجزئى من جهة علله وأسبابه الكلية وعلمنا صفاته المشخصة له بأسبابها

________________

1) المقصود هو يحيى النحوي فى رده على برقلس فيما ذهب إليه هذا من أزلية وأبدية العالم Johannes Philoponus : De Aeternitate mundi contra Proclam. Editor Hugo Rabe. Lipsiae, B. G. Teubner,I 899 , XIV ـ 699 pp


وعللها الكلية لكان علمنا هذا كليا لا يتغير بتغير المعلوم فى ذاته فإن أسبابه وعلله الكلية لا مشخصاته لا تتغير ولا تفسد.

مشخصاته وإن كانت جزئية فإن لها عللا وأسبابا كلية لا تتغير ، فالبارى يعرفها كلها كلية وهو يعرف أوائلها من ذاته لأن وجودها عنه. وهو يعرف ذاته ويعرفها علة وأولا لصدور الموجودات عنه. فعلمه غير مستفاد من خارج يلزم ذاته وذاته لا تتغير.

الأول يعرف الشخصى وأحواله الشخصية ووقته الشخصى ومكانه الشخصى من أسبابه ولوازمه الموجبة له المؤدية اليه. وهو يعرف كل ذلك من ذاته إذ ذاته هو سبب الأسباب ، فلا يخفى عليه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة.

ينبغي أن نجتهد فى أن لا نجعل علمه عرضة للتغير والفساد البتة بأن نجعله زمانيا أو مستفادا من الحس ومن وجود الموجودات فيلزم ذاته أن أدخل فى علمه الزمان فيكون متغيرا وفاسدا ، لأن الشىء يكون فى وقت بحال ، ويكون فى وقت آخر بحال آخر.

الأول يعرف هذا الكسوف الجزئى بأسبابه المؤدية إليه ووقته الشخصى الذي يكون فيه بأسبابه الموجبة له ، ويعرف مقدار لبثه بسببه ، ويعرف انجلاءه بالسبب الموجب له ، وكل ذلك يعرفه كليا بأسبابه المؤدية إليه الموجبة له ، ويعرف المدة التي بين الكسوفين وجميع أحواله وأسبابه الشخصية ، فلا يتغير علمه بتغير هذه الأشياء وتشخصها إذ ليس يعرفها مشارا إليها.

الشىء المشار إليه لا يعرف معقولا إنما يعر محسوسا ، والمعلوم من الأشياء الجزئية لا يكون معقولا بحيث يصح حمله على كثيرين فإن المعقول من هذا الشخص من جهة ما هو جزئى معقول غير محدد فلا يصح حمله إلاّ عليه ، ويكون ذلك متخيلا بالحقيقة لا معقولا. وإذا كان المعقول معقول شىء من نوعه فى شخصه كان معقوله محدودا. فصح حمله على كثيرين وصح الاستناد إليه إذ هو لا يتغير ، وتكون جميع عوارضه وصفاته المستندة إليه معقولة كالحال فى الشمس وعوارضه وصفاته كالشعاع.

العلم فى الأول غير مستفاد من الموجودات ، بل من ذاته. فعلمه سبب لوجود الموجودات ، فلا يجوز على علمه التغير. وعلمنا مستفاد من خارج فيكون سببه وجود الشىء. وإذ كنا لا ندرك إلا الجزئيات المتغيرة فعلمنا يتغير ولأنها تبطل فيبطل علمنا بها. والمثال فى كون علمه سببا لوجود الموجودات هو كما لو علم إنسان صورة بناء فبنى على تلك الصورة بناء ، لا كمن يعلم صورة بناء حاصل بالفعل قائم.

لما كان علمه سببا لوجود الموجودات عنه من دون آلة وإرادة متجددة ، بل كانت الموجودات تابعة لمعلوماته ـ صح معنى : قوله : «كن فيكون».


الحى هو الدّرّاك الفعّال. ولما كان علمه سببا لوجود الأشياء وكان عالما بذاته كان من حيث هو عالم فاعلا ، فكان من حيث هو عالم حيا إذ لا يحتاج إلى شيء آخر به يفعل كما لو كان علمنا يكفى فى أن نفعل شيئا لم نحتج معه إلى قوة أخرى بها نفعل ، بل كنا من حيث نحن عالمون ـ فاعلين ولكنّا أحياء من حيث نحن عالمون.

العلم فى الأول هو نفس الإرادة لأن هذه المعلومات مقتضى ذاته ، وهذا المعنى هو معنى الإرادة.

هذه الموجودات على ما هى موجودة عليه مقتضى ذاته وذاته تقتضى الصلاح ونظام الخير فى الكل ، فهى غير منافية لذاته. فهذه الأشياء مرادة. ولو كانت منافية لذاته لما أوجدها وإذا لم تكن منافية له فهى على مقتضى ذاته ، فهى مرادة والإرادة فينا فى مثال البناء هو أنا لا نريد إلا بعد أن يشوقنا شىء إلى عمل ذلك البناء. وفى الأول لا يصح أن يشوقه شىء إلى إيجاد ما هو معلوم له ، فمعلومه مراده وكثير مما نعلمه لا نريده ، إذ لا يكون لإرادتنا لذلك المعلوم داع أو شوق. والإرادة فينا تحصل من تخيل يتبعه جماع أو حركة نحوه ، والإرادة بعينها فيه القدرة ، لأنه لو كان يصح فينا أن تكون الصورة المعلومة علة لوجود البناء لكان نفس وجودها قدرة فينا ، لأن معنى القدرة فينا هو أن نقدر على إيجاد ما علمناه وذلك فينا يتعلق بالقوة المحركة وبالآلات المحركة. وإذ كان ذلك غير جائز فى الأول ، أعنى أن يحرك شيئا أو يستعمل آلة كان المعلوم كافيا فيه أن يوجد منه ما هو معلوم له إذ هو سبب الفعل لا بقوة أخرى تفعل. وذلك بعينه هو الحياة لأن معنى الحى هو الدّرّاك الفعال. ولما كان معلومه قدرته ، وكان ذلك بذاته صح أن يقع عليه اسم الحياة. الا أن اعتبار هذه الأشياء فيه مختلفة فإن كونه عالما يكون بسلب المادة عنه فحسب ، وكونه حيّا يكون بالسلب وبإضافته إلى الموجودات فإنه بإضافته إلى الكل يكون حيا ففى العلم تسلب عنه المادة ، وفى الحياة تسلب عنه المادة ، ويضاف إلى الموجودات حتى تصح الحياة.

فى بعض صفاته تسلب عنه أشياء ، وفى بعضها إنضاف ( 4 0 ب) إلى أشياء ، وفى بعضها يسلب عنه ويضاف جميعا.

إن ورد على ذات البارى شيء من خارج يكون ثمّ انفعال ، ويكون هناك قابل له لأنه يكون بعد ما لم يكن. وكل ما يعرض أن يكون له بعد ما لم يكن فإنه يكون ممكنا فيه ، فيبطل أن يكون واجب الوجود بذاته فيؤدى ذلك إلى تغير فى ذاته أو تأثير شيء من خارج فيه ، فإذن يفعل كل شيء من ذاته.

الرحمة انفعال يعرض للإنسان إذا رأى شيئا مخالفا لما جرت به عادته ولما اقتضاه طبعه.


ولا يصح هذا فى اللّه فإنه يفعل كلّ شىء بالحكمة المتقنة ، فلا مدخل للانفعال فى الحكمة.

ما يوجد عن العلة فيجب أن يوجد عنها بوجوب. فإنه ما دام لا يجب عنها وكان ممكنا فإنه لا يوجد عنها.

العلة لذاتها تكون موجبة المعلول ، وإلا لم تتم عليّتها ، وتحتاج إلى ما تتم به فيكون ذلك الشيء هو العلة القريبة.

العلة التي يحدث فيها أمر به تتم عليتها من شأنها أن تنفعل وتتغير ويدخل عليها الحركة وكل ما ينفعل ويتغير ، فإنه مادة أو مادى. فتلك العلة تكون إذن جسما ومحتاجا إلى الحركة.

المادة الأولى المطلقة يتعلق كونها بالإبداع ، ومادة ما تتخصص بصفة أو بحالة حتى تصير مادة لهذا الشيء دون ذلك الشيء يحتاج إلى سبب حادث ، وذاك السبب إلى سبب آخر حادث ، ويتمادى حتى تنتهى آخر الأمر إلى حادث بذاته وهو الحركة ، وكل ذلك يكون لا محالة بحركة. فإن ذلك السبب يوصل العلة إلى المعلول بحركة وذاك إلى هذا بحركة ، فتكون الحركة متصلة من هذه الجهة.

الأشخاص من حيث هى أشخاص لها معقول كلى ، وإنما تتكثر بسبب الأعراض والصّور ، فالأشخاص متناهية والصور والأعراض عند الأول متناهية؛ والنسب بينها أى بين الأشخاص وبين الصور والأعراض وإن لم تكن متناهية فإنها عنده متناهية ، لأنه إذا كانت الأشخاص والأعراض والصّور عنده محصورة كانت النسب بينها أيضا ، عنده محصورة معلومة ، وهو يعرف كل واحد من الأشخاص والأعراض والصور مرة واحدة ، وتكون كلها متميزة عنده بأعراضها وصورها. فأنا وأنت متميزان عنده بصورنا وأعراضنا ولواحقنا ، وكذلك الكسوفات الجزئية كلها متميزة عنده بأعراض كل واحد منها ، والأزمنة أيضا متميزة عنده بصورها وأعراضها ، فإنه يعرف كل شىء على ما هو عليه فى الوجود : كليا كان أو جزئيا أو سرمديا أو زمانيا ، فإنه إذا كان يعرف الشيء بلوازمه والزمان من اللوازم ، فإنه يعرف الأشياء مع أزمنتها.

الأشياء المتضادة من شرطها أن تكون فى مادة وعلائقها ، وأن تفسد صورة وتحدث صورة فتتعاقب على المادة الصور. والأوّل بريء عن المادة وعلائقها وعن الفساد فلا ضد له.

المتضادان موضوعهما واحد ، وهما يتعاقبان عليه ، ولا يجتمعان معا فيه أو محلهما واحد ، فتكون الصورتان أيضا متضادتين كصورة الماء والنار فإنهما متضادان بجوهريهما ولا يجتمعان فى محل وليسا يتضادان بكيفيتهما بل بالصورتين اللتين يصدر


عنهما الكيفيتان. والمتحالفان والمتعاديان غير المتضادين كالتحالف بين الحيوانات والعداوة والمنافرة بينهما.

الفاسدات إذا عقلت بماهياتها المجردة عن المواد وبما يتبعها مما لا تتشخص به أى مما لا تتشخص به الماهيات المجردة فتصير جزئية فتكون فاسدة ، لم تعقل من حيث هى فاسدة. فإن ما تتشخص به الفاسدات تكون متشخصة جزئية وفاسدة أى بالأسباب والصفات الكلية التي يجوز ( 4 1 ا) وقوع الشركة فيه التي لا تتغير ، فإن الكليات لا تتغير.

الشخصى وإن كانت له أسباب غير متغيرة بل كلية ثابتة على حال بحيث تحمل عليه وعلى غيره ، فإنه من حيث هو شخصى له معقول شخصى متغير وهو يعقل بشخصيته فيتغير العلم به. والأول نعرفه شخصيا معرفة كلية بعللها وأسبابها لا معرفة شخصية متغيرة بل كلية إذ لم تستفد المعرفة به من جهة شخصيته ومن وجوده وقت تشخصه ووجوده فإنه يكون حينئذ مدركا من حيث هو محسوس أو متخيل لا معقول.

إذا عقلت الأشياء بما هى مقارنة لمادة وتركيب وتشخيص كان معقولها الحاصل فى الذهن مستفادا من الحس بها وقت الإحساس بها.

إذا كان هذا الكسوف الشخصى معقولا لا من الأسباب الموجبة له ، بل وجوده وقت كونه ، كان معقوله مستفادا من الحسّ به. وهذا لا يصحّ فى البارى لأنه نقص فيه لأنه يلزم أن يكون وجود هذا الكسوف أفاده علما لم يكن له.

الجزئى المنتشر يكون له معقول مستفاد من الحس وهو ماهيته المجردة الجزئية المقصورة عليه ، إلاّ أن معقوله غير محدوده فلا يمكن أن يحدّه الجزئى الذي هو شخصى. ونوعه مجموع فى شخصه فإن معقوله محدوده ، فإن ماهيته المجردة كلية ثابتة والأول ماهيته المجردة غير كلية ولا ثابتة فلا يمكن أن تحد ، إذ الحد هو تعريف الماهية وماهية الجزئى المنتشر تكون مقصورة عليه فيفسد بفساده.

البارى يعرف ذاته ويعرف لوازم ذاته ويعلم الموجودات عنها وأنه مبدأ لها ويعرف ما بعدها وما بعدها إلى ما لا يتناهى. فإذا يعرف الأشياء الجزئيات من جهة كلية فإنه يعرف أسبابها وأسباب أسبابها إلى أن تتأدى إلى ذاته فيعرف كل ذلك من ذاته لا من خارج فيكون لغيره فيه تأثير. وهذه العلل والأسباب لا يدركها عقل فإنها متتالية مترتبة بعضها على بعض فتكاد أن لا تتناهى.

هذه الموجودات من لوازم ذاته ، ولوازمه فيه بمعنى أنها تصدر عنه لا أن تصدر عن غيره فيه فيكون ثم قابل وانفعال. فقولنا فيه يعتبر على وجهين : أحدهما أن يكون عن


غيره فيه ، والآخر أن يكون فيه لا عن غيره ، بل فيه من حيث يصدر عنه.

البارى يعرف كل شخصى بعلله وأسبابه ، وتلك العلل والأسباب وإن تخصصت بذلك الشخص شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص وحال متشخصة قد اكتنفته. ومعناه بالإضافة إلى ما شخصه من الزمان الجزئى المتشخص والوضع الجزئى المتشخص أو حالة أخرى تشخصه ، وتلك الأحوال التي شخصته هى أيضا متشخصة ولها علل وأسباب جزئية إذا أخذت بتلك العلل والأسباب التي كانت أيضا بمنزلة ذلك الشخص. فكونها تستند إلى مبادئ كل واحد من تلك المبادي نوع لتلك الحال فى شخصها فإن لهذا الزمان الشخصى ولذلك الوضع الشخصى ولتلك الحالة الشخصية نوعا يحمل عليها وعلى أشخاصه التي هى تطرأ له ، وذلك النوع هو كالزمان المطلق والوضع المطلق أو الكيفية المطلقة. فالبارى يعرف تلك الأحوال بعللها وأسبابها ، ومن جهة كليتها التي لا تفسد. فإن كان ذلك الشخص مما هو فى العقل شخص وهو الواحد فى نوعه كالشمس مثلا فإنه يعرفه وإن كان النوع منتشرا فى الأشخاص عرف النوع وأشخاصه من جهة عللها؛ وأسبابها الكلية لا تتغير فيتغير معلومه ( 4 1 ب).

البارى يعلم أن فى الأشخاص شخصا جزئيا صفته كذا وعلله كذا ، ويعرف علل علله ، ويعرف مشخصاته وأحواله وعلل مشخصاته وعلل أحواله وكليات مشخصاته التي هى كالأنواع لتلك الأحوال الجزئية. فهو يعرف تلك الأحوال من جهة كلياتها.

قد يكون لشيء واحد مبادئ كثيرة كل واحد منها نوع فى شخصه ، وقد يكون له منها مشخّص له صفات كثيرة كل واحد من تلك الصفات يكون أشخاصا لها أنواع كالزمان الواحد الذي الزمان المطلق نوع له والوضع الواحد.

العقل البسيط هو أن يعقل المعقولات على ما هى عليه من تراتيبها وعللها وأسبابها دفعة واحدة بلا انتقال فى المعقولات من بعضها إلى بعض كالحال فى النفس بأن يكتسب علم بعضها من بعض فإنه يعقل كل شيء ويعقل أسبابه حاضرة معه. فاذا قيل للأول عقل قيل على هذا المعنى البسيط أنه يعقل الأشياء بعللها وأسبابها حاضرة معها من ذاته بأن يكون صدور هذه الأشياء عنه ، اذ له إليها إضافة المبدأ لا بأن تكون تلك فيه صورة الأشياء التي يعقلها متصورة فى ذاته وكأنها أجزاء ذاته ، بل تفيض عنه صورها معقولة وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة عن عقليته. والمعقولات البسيطة هى أن تكون كلها على ما هى عليه من ترتب بعضها على بعض. وعلية بعضها لبعض حاصلة له دفعة واحدة على أنها صادرة عنه إذ هو مبدأ لها. والمثال فى ذلك هو أن تقرأ كتابا فتسأل


عن علم مضمونه ، فيقال : هل تعرف ما فى الكتاب؟ فتقول : نعم ، إذ كنت تتيقن أنك تعلمه ويمكنك تأديته على تفصيله. والعقل البسيط هو المصور بهذه الصورة. وليس فى العقول الإنسانية عقل على هذا المثال ويكون متصورا بصور المعقولات جملة واحدة ودفعة واحدة. فكما يسمع القصة مثلا يتمثل له الحد الأوسط من غير اكتساب وفكر فيه وانتقال من معلوم إلى مجهول اللهم إلا أن يكون نبيا. والعلم العقلى هو بلا تفصيل ، والنفسانى هو بالتفصيل.

كل معقول للأول بسيط ، أى معلوم له بما له من اللوازم والملزومات إلى أقصى الوجود.

الأول يعقل الأشياء والصور على أنه مبدأ لتلك الصور الموجودة المعقولة وأنها فائضة عنه مجردة غاية التجريد ليس فيه اختلاف صور مرتبة متخالفة بل يعقلها بسيطا ومعا باختلاف ترتيب وليس يعقلها من خارج.

كما أن وجود الأول مباين لوجود الموجودات بأسرها فكذلك تعقّله مباين لتعقل الموجودات ، وكذلك جميع أحواله فلا تقاس حالة من أحواله إلى ما سواه. فهكذا يجب أن يعقل حتى يسلم من التشبيه ، تعالى عن ذلك.

الموجودات كلها من لوازم ذاته ، ولو لا أنها من لوازمه لم يكن لها وجود. وكذلك هى منتقشة الصور فى العقول ، وهى فيها كالهيئات الموجودة فيها إذ هى معلولة للهيئات الموجودة فيها ، ولو لا ذلك لم تكن موجودة. وكذلك الكائنات والحادثات منتقشة فى نفوس الكواكب والأفلاك ، ولولاها لم تكن كائنة ، فلو كانت نفوسنا تتخيل بقوة خيال الكواكب والأفلاك لكانت مطالعة لجميع ما يحدث ويكون.

يجوز أن يكون للشخص الواحد ( 4 2 ا) صفات وأحوال تكتنفه من جهات تكون كلها مشخصة له ، وتكون أيضا شخصيات لا محالة لأن ما يشخص الشخصى شخصى وتلك الشخصيات أيضا لها مشخصات جزئية فتتسلسل وسببها الحركة التي تقرب وتبعد ، وهى غير متناهية إلا أنها لا توجد معا بل يفوت شيء ويلحق آخر.

قوله : «فيستند إلى أمور شخصيته» أى من حيث وجود ذلك النوع فى شخصه.

الأشياء الفاسدة تدرك من وجهين : إما أن تدرك بشخصيتها وجزئيتها وذلك إما بالحس أو التخيل ، وإما أن تدرك بأسبابها وعللها. والعلم بها من الوجه الأول يتغير بتغيرها ، وبالوجه الثاني لا يتغير لأن ذلك السبب كلى لا يتغير وهو نوع فى شخصه وهو مقول عليها وعلى غيرها من أشخاص ذلك النوع ، وذلك كإنسانية زيد ، فإن العلم بها


من جهة شخصيتها يبطل ببطلانها ، فأما الماهية المجردة التي هى الإنسانية التي هى نوعها المحمول عليها وعلى غيرها فإنها لا تفسد ولا يفسد العلم بها.

الصور والهيئات متناهية ، والنسب بينها غير متناهية ، فلا يصح أن توجد صورة واحدة مرارا كثيرة معلومة للأول ، بل توجد الصّور والهيئات عنه وهى متناهية معلومة أى موجودة عنه ، وإذ هذه الصور توجد عنه فيوجد مع وجودها النسب التي بينها وإن كانت غير متناهية لأن تلك النسب ليست هيئات توجد فلا يصح وجودها غير متناهية ، بل يكون وجود هذه النسب له مع وجود هذه المتناسبات من غير أن يحتاج إلى اعتبارها بل تكون معتبرة له. فإذا النسب الغير المتناهية موجودة فى ذاته. وإذا كانت موجودة فهى معلولة له ، إذ نفس وجودها هى نفس معلوميتها له. وعلى هذا الوجه يكون علم الأول فيسقط إذا أنه يعلم الأشياء الغير المتناهية ، والغير المتناهية لا يحيط بها علم.

الأبديات وسائر الموجودات فى حالة واحدة لها أحوال ونسب لبعضها إلى بعض ، وتلك النسب كلها موجودة معا للأوّل فهى معلولة له. مثال تلك النسب هو أن تكون إما نسبة إضافية أو نسبة تضادية أو نسبة علية ومعلولية وكل واحد من هذه النسب لا يتناهى ، ولها اعتبارات غير متناهية فكل واحد من تلك الموجودات من الهيئات والصور يكون علة للآخر ويكون معلولا للآخر ويكون مضادا لشيء ويكون مضايفا لشيء ويكون له إضافة فى إضافة وتركيب إضافة مع إضافة وأحوال غير متناهية. إلا أنّه لما كانت الصور والهيئات متناهية وهو يعرفها متناهية وجب أن يعرف النسب التي بينها متناهية وإن كانت غير متناهية لأن تلك الصور والهيئات المتناهية موضوعة لاعتبارات غير متناهية ، وتلك الاعتبارات تكون حاضرة له لا يحتاج إلى اعتبارها كما نحتاج نحن إلى اعتبارها : فإنها إما أن تكون ، أعنى الصور والهيئات ، غير حاضرة لنا فنحتاج إلى تطلبها والبحث عنها؛ أو تكون كل واحدة منها حاضرة لنا فلا نعرف لوازمها والنسب التي بينها. ولا نعلم أنها لازم أيس(1) ، وملزوم أيس ، وعلة أيس ومعلول أيس ومضاد أيس ومضاف أيس.

العلم الزمانى هو أن ندرك ذلك المعلوم فى زمان أدرك كما أدرك الشيء المنسوب إليه كما يقول هذا الشيء فى هذا الزمان من حيث هو متخيل أو محسوس أو معقول ( 4 2 ب) من حيث تأدّى إلى العقل منهما ، لا من حيث حكم به العقل من أسبابه وموجباته.

الأول يعقل ذاته ، ويعقل لوازمه ، وهى المعقولات الموجودة عنه ، ووجودها معلول

________________

1) أيس : موجود. ، وجود. ومقابلها هو : ليس : عدم وجود.


وعقله لها ، ويعقل لوازم تلك الموجودات من لوازمها مثل الزمان والحركة. وأما الفاسدات فإنه يعقلها فاسدة من جهة أسبابها وعللها كما تعقل أنت فاسدا إذا عقلته من جهة أسبابه ، مثال ذلك أنك إذا عقلت أنه كلما تعفنت مادة فى عرق تبعها حمى وتعلم مع ذلك من الأسباب والعلل وأن شخصا ما يوجد تحدث فيه هذه فتحكم أن ذلك الشخص يحمّ فهذا الحكم لا يفسد ، وإن فسد الموضوع وشيء آخر وهو أن المعقولات التابعة للمحسوسات مما لم تدرك بعلة فإن كل ما تحسه تعقله من وجه. وإن لم يكن معقولا من جهة العلل والأسباب فإنه زمانى متغير وبالحقيقة المدرك الزمانى يكون بالحسّ والتخيل ، إذ نحن ليس يمكننا أن نصادف شيئا جزئيا إلا فى زمان. والأول حكمه بخلاف حكمنا ، فإن الزمان هو معقول له من كل وجه ، وهو محسوس لنا من وجه ، ومعقول من وجه. والمشخصات أيضا معقولة من وجه ما ، فإن وضعا ما أوجبه سبب من الأسباب يمكن أن يعقل ذلك السبب كليا والوضع كليا. والأول لما عقل هذه الأشياء على تراتيب وجودها أدركها كلها على تراتيبها. والشخص وإن كان فى الوجود شخصيا فإن ذلك الشخص عقلى عنده من حيث أدركه من أسبابه. وعندنا أيضا لو أنا أدركنا علل شخص ما ، كنا نحكم بأنه كلما وجدت تلك العلة وجد شخص تلك العلل علل شخصيته ، لكنا لا نعلم أى سبب يتأدّى إلى وجود هذه الأسباب فإن الأسباب السابقة غير متناهية ، وعند الأول تلك الأسباب على نظامها وتراتيبها معقولة له فلا يعزب عن علمه شيء من الموجودات.

نحن إذا أدركنا شخصا ما ، حكم العقل بأنه لا تقع الشركة فيه ، ولا يحمل على كثيرين ، فندرك من هذا أنه شخص. فلو عرفنا هذا من حيث هذا الشخص لكان وجب أن نعرف شخصيته من علله وأسبابه ولوازمه حتى يتأدى إلى ذات البارى. وليس هذا فى قدرة البشر ، وكان علمنا بشخصيته يصح اذ ذاك لا حين استفدنا شخصيته ووجوده من الحس.

لا يصح أن تكون صورة واحدة معقولة مرارا كثيرة ، كما نعقل نحن صورة النفس من أشخاص الناس فإنّا نعقلها مرة واحدة ، ولكن تارة مع لوازم هذا الشخص وتارة مع لوازم ذلك الشخص ، أو كالصورة الجسمية التي تشترك فيها أشياء جسمية كثيرة ويكون كل واحد من تلك الأشياء له لوازم غير لوازم الآخر.

لو كانت الصور والهيئات محصورة مجموعة حاضرة لنا ، وكنّا نعرف النسب بينها من غير تكلف اعتبار تلك النسب ، وإن كانت تلك النسب فى ذواتها غير متناهية لكنّا


نعرف تلك الهيئات والصور التي هى متناهية مع النسب التي بينها التي هى غير متناهية ، وكان يسقط إدراك العلم بغير المتناهى. فهكذا يجب أن نتصور علم البارى وأنه يعلم الأشياء الغير متناهية لأن الصور لا محالة متناهية ، والنسب التي بينها موجودة له معلومة وإن كانت فى ذواتها غير متناهية فهو يعلمها كلها متناهية.

لوازم البارى غير متناهية إلا اللازم الأول ، وهو ما عقله من ذاته من العقل الأول.

فأما اللوازم التي ( 4 3 ا) بعده فهى بوساطته وتترتب لازما بعد لازم ، وهى غير متناهية. واللازم الأول هو اللازم بالحقيقة وهذه الأخر هى لوازم لازمه. لا تتقوم الذات باللازم ، بل الذات توجب اللازم وتقتضيه ، فهى علته وبها وجوده.

قوله : «علة بذاته للخير والكمال بحسب الإمكان» معناه أن إمكان الخير والكمال فى الموجودات عنه مختلف. فإن إمكان الخير والكمال فى العقول والأبديات هو بخلاف إمكانه فى الكائنة الفاسدة وكل شيء يقبل الخير والكمال بحسب ما فى حده.

الصور المادية من حيث هى صور فعل ، وإمكان وجود هذه الصور فى أشياء أخر ، فإذن هى ممكنة الوجود. والصور المفارقة هى فعل ، وليس فيها قوة ولم تكن وقتا بالقوة بل كانت لم تزل فعلا ، ولا يصح أن تلابس المادة بوجه. فإذن إمكان وجودها فى ذاتها ، ومعنى إمكان وجودها حاجتها إلى موجدها إلا أن إمكان وجودها فى أشياء أخر كالحال فى تلك الصور الأخرى.

كيف يكون إمكان الوجود فى الأشياء القائمة بذاتها التي ليست فى موضوع ولا من موضوع؟ والقوة فى الأبديات؟

إمكان الوجود قد يكون مخالطا للعدم ، وهو المقارن للمادة ، وما هو باعتبار الشىء فى نفسه وموضوعه. وماهية الشيء التي لها بذاتها أن تكون ممكنة لا واجبة ولا ممتنعة ، ولها من جهة العلة : الوجود ، ومن جهة أن لا علة : الامتناع.

إن قيل : ما يكون فعلا كيف يكون قوة؟ قلنا : إن الإمكان بإزاء الوجوب.

إضافة عقلية البارى إلى الموجودات إضافة مخصصة ، وهى إضافة أنها معقولة له ، فإنها تفيض عنه معقولة لا تفيض عنه فيعقلها بعد فإنها لا محالة معلولة ذاته ، وهو يعقل ذاته ولوازم ذاته. ثم إن كان يعقلها من حيث هى موجودة لا من ذاته فلا يخلو إما أن يكون مبدءا لها فلا يعقل ذاته ولا لوازمه ، فيكون إدراكه لها عند وجودها وهذا محال. أو لا يكون مبدءا لها ، وهذا أيضا أشد إحالة.


البارى يعقل نظام الخير فى الكل فيتبع ما يعقله من ذلك نظام الخير ، ولأن ذاته خير تتبع ما تعقله من ذاته خيرية ذاته ، وخيرية ذاته هذا المعنى ، وذاته لا تشرف بذلك بل ذلك يشرف بذاته ، وذاته عقل محض وخير محض. فسبب نظام الخير فى الموجودات خيرية ذاته ، وليس يتبعه اتباع الضوء للمضيء لأن الضوء ليس هو معقول المضيء.

المعقول العقلى هو البسيط ، والنفسانى هو الذي فيه الانتقال من شيء إلى شيء ، أى من المقدمات إلى النتيجة.

الإضافة العقلية إليها ليست إضافة كيف وجدت ، أى إضافة البارى إلى هذه المعقولات إضافة مخصصة معقولة ، لا إضافة المادة إلى الصورة أى القابل أو وجود الصورة فى المادة بل الإضافة إليها وهى معقولة لا من حيث هى موجودة لأنه يعقلها من ذاته لا من خارج. ويعقل من ذاته أنه مبدأ لها. فإن كان يعقلها من حيث هى موجودة يكون إما أن لا يعقل ذاته ويكون يدرك الشيء عند وجوده أو لا يكون مبدأ له. وهذا محال فإنه يعقل ذاته وإدراكه لها من حيث من شأنها أن يفيض عنها كل وجود. وهذا الإدراك للذات يوجب إدراك الأمر اللازم لذاته ، وهو صدور المعقولات عنه.

إضافة البارى إلى هذه المعقولات إضافة فاعل لها قابل ، لأن وجودها من علمه بها فهو ( 4 3 ب) يعقلها من ذاته ثم يتبع وجودها عقليته لها ، وهى إضافة الفاعل للشيء ولو كان يتبع عقليته لها وجودها كانت الإضافة إضافة قابل لأنها تحصل فيه من خارج. إضافته إليها إضافة المبدأ لها ، وهى أنها فائضة عنه لا أنها فيه ، فيكون إضافة قابل كإضافة المادة إلى الصورة.

لا يستنكر أن تكون أشياء محصورة موضوعة لاعتبارات مختلفة ويعتبر فيها نسب غير متناهية ، وهذه الصور كلها لا شك أنها محصورة للأول موجودة له فإنه يعقلها من ذاته والنسب التي بينها وإن كانت فى نفسها غير متناهية فإنه يعلمها متناهية. فإن الصور موجودة له وتكون النّسب التي بينها لا محالة موجودة. فهو يعلم جميع الأشياء وجميع نسبها وأحوالها : فالأشياء الغير المتناهية يعلمها متناهية.

عندهم أن الغير المتناهى لا يحيط به علم وأن الأوّل يخفى عليه بعض حركات أهل الجنة. وحلّ ذلك أنه يعلم الأشياء الغير متناهية ، وذلك أن الجواهر والأعراض هى متناهية لكن النسب التي بينها غير متناهية أى بين الجواهر والجواهر؛ وبين الجواهر والأعراض ، وبين الأعراض والأعراض. وهذه المناسبات يمكن أن نعتبرها نحن غير متناهية. فأما عنده فهى متناهية إذ قد يصح أن توجد الجواهر والأعراض المتناهية فى الأعيان.


وإذا وجدت هذه الأشياء المتناهية فلا يتوقف وجود النسب التي بينها إلى وقت فإنه لا يصح أن يوجد شيء ولا توجد لوازمه ، وهذه النسب التي بين الجواهر والأعراض لوازم لها ، فما دامت الجواهر والأعراض بالقوة كانت اللوازم بالقوة. وإذا صارت إلى الفعل صارت تلك المناسبات موجودة بالفعل.

وإذا كانت الجواهر والأعراض صادرة عنه فائضة عنه فيضانا عقليا فالنّسب بينها أيضا موجودة. فكما أن وجود الجواهر والأعراض معقوليتها له ، كذلك وجود المناسبات معقوليتها له.

تلك المناسبات الغير المتناهية هى موجودة بين موضوعات متناهية. فالأشياء المتناهية موضوعة لمناسبات غير متناهية ، وأنت إذا نظرت إلى أشياء متناهية تحتاج إلى أن تحصل المناسبات بينها فى ذهنك لا فى ذات الأشياء ، فإن ما فى ذات الأشياء يكون المناسبات التي هى بينها بالفعل خافية عنك بالفعل. ولو كانت تلك المناسبات بالفعل فى ذات الأشياء ففى ذهنك لا تكون موجودة بالفعل إلاّ شيئا بعد شىء ، والأول ليس يحتاج إلى أن يحصل تلك المناسبات حتى تكون فى وقت عنده بالقوة إذ وجود تلك المناسبات هى نفس معقوليتها له.

المعقول من كل شيء لا يتشخص بشخص معين ، بل يصير كليا مشتركا فيه ، يصحّ حمله على كثيرين ، فالمعقول من حركة ت إلى أ، إن كان يصح حمله على كل حركة من ب إلى أ، وهو الصحيح لا يتعين بسببه وجود حركة. وإن لم يتناول كل حركة من ب إلى أ، لم يكن معقولا بل متخيلا أو محسوسا.

قولنا : كلما وجدت مادة بالصفة الفلانية توجد لها نفس مدبرة هذه المادة المخصصة(1) يصح أن توجد فى طبيعة المادة الكلية. فالمعقول من هذا التشخص لا يخصص وجوده إذ يحتمل طبيعة المادة من حيث هى طبيعة المادة أن تكون المادة المخصصة لا غير فيجب أن يكون لها مخصّص جزئى متخيل أو ( 44 ا) محسوس.

كل معقول من شيء. وإن كان يصح حمله على كثيرين. فيجب أن يكون بإزائه إمكان وجود لأولئك(2) الكثيرين حتى يصح حمله عليها. فإن كان ذلك المعقول لا يكون بإزائه إمكان وجود لكثيرين ، بل طبيعة واحدة متشخصة ، لم تحتج تلك الطبيعة إلى مخصص لها إذ تكون من ذاتها متخصصة ، كالفلك التاسع مثلا فإنه لما كان واحدا

________________

1) فوقها فى ص : المشخصة. وفى ب : المحصصة الشخصية.

2) ص ، ب : لتلك.


لم يكن له أشباه ونظائر ، وكان المخصص له ذاته أو من ذاته كان لازما لمعقول واحد ، وليس كون المعقول بحيث يصح حمله على كثيرين يلزم أن يوجد عنه كثيرون فليس يكفى المعقول فى وجود الكثيرين ما لم تكن طبيعة يمكن فيها وجود الكثيرين. فليس ما يصح حمله على كثيرين يوجب أن يوجد كثيرون. فالفلك التاسع لو كان له أشباه لكان المعقول يصح حمله عليها ، ولكان هذا الفلك يحتاج حينئذ إلى مخصص يخصصه ويميزه عن أشباهه ، والمشخصات للشيء تكون أمورا تخصص ذلك الشيء الواحد من مشاركته فى نوعه. فإن لم يكن من خارج بل كان من ذاته شخص ذلك الذات.

طبيعة الفلك طبيعة واحدة ، وهى لازمة لمعقول واحد ، والمعقول من كل دورة من الحركة معقول واحد؛ فلو كان كل واحدة من الدورات لازما لذلك المعقول لكان يجب أن توجد كلها معا أو توجد واحدة بعينها ، كوجود طبيعة الفلك التاسع. فكلّ واحدة من الدورات لا يصح أن تكون لازمة لطبيعة واحدة سواء أخذنا تلك الطبيعة المعقول منها أى من الحركة أو طبيعة الفلك التاسع كان اللازم الواحد واحدا بالعدد.

قد توجب حركة بعض الكواكب شيئا وحركة غيره المنع منه(1) فيتصادم موجباهما فيحدث شيء آخر.

المعقول من نوع مجموع فى شخص لا يصحّ حمله إلاّ على ذلك الواحد : كالفلك التاسع وكرة الشمس وكرة المشترى وغيرهما لأنه فى الوجود كذلك. لكن الذهن لا يمنع حمله على كثيرين. والمعقول من العالم ، وإن كان الذهن لا يمنع من حمله على عوالم كثيرة فإنه مقصور الحمل على هذا العالم لأنه فى الوجود وحده ، والمخصص لهذا النوع المجموع فى شخص هو ذاته أو فى ذاته لا من خارج. والمعقول من بيت أبنيه مثلا ، وإن كان يجوز حمله على كثيرين ، فإنه محمول على ذلك البيت الواحد لأنه يعتمد بذلك المعقول تخيل ، فالتخيل يخصصه.

المعقول من الشيء يجب أن يكون كليا ، والعقل الصرف لا يخالط معقوله تخيل ، فالأشياء الجزئية يجب أن يخصص كل واحد مخصص حتى يحصل بالفعل موجودا إلا أن يكون نوعها مجموعا فى شخص واحد.

المعقول من الشيء إذا كان ذلك الشيء نوعه فى شخصه صح وجوده عن المعقول من دون سبب مخصص إذ قد يخصص مكان وجوده بذاته فلم يصح وجود غير ذلك الشخص حتى كان يحتاج إلى سبب مرجّح والمعقول من أشخاص نوع واحد سواء كان عقلا

________________

1) فوقها فى ص : فيه. وفى ب لا توجد.


متنقلا أو غير متنقل لم يكف فى وجود تلك الأشخاص إذ كان كل واحد من تلك الأشخاص لا يخالف صاحبه فى شيء ولا يتميز عن الآخر بوجه ، فليس تناول المعقول لأحد تلك الأشخاص أولى من تناوله للآخر الذي هو قرينه وإن تميزت الأشخاص واختلفت حينئذ يكون اختلافها بشيء خارج عن النوعين لا حق من خارج. والكلام فى ذلك اللاحق كالكلام فى الملحوق ، فيتسلسل ان لم تكن حركة. ثم الكلام فى كل دورة من دورات الفلك التاسع ( 44 ب) إن لم يخصصه شيء آخر كالكلام فى كل واحد من تلك الأشخاص. فبالضرورة يجب أن تكون العلة القريبة لتلك الحركة شيئا متخصصا بذاته وبقى أن نبين أن ذلك المتخصص هو الإرادة الجزئية.

كل دورة لها وضع مخصوص.

العقل المحض لا يكون فيه شيء بالقوة ، بل تكون معقولاته حاضرة معه دائما والنفس إذا انتقلت من معلوم إلى مجهول ففيها ما بالقوة لأن مجهولها كان بالقوة ثم صار بالفعل ، والنفس دائما مستعدة فلا محالة أن المستعد لا يكون حاضرا لها دائما إذ المستعد له لا يصح أن يكون مستعدا له وهو حاضره ، فإنه يزول حينئذ الاستعداد إذا حصل له.

العقل الصرف لا يطلب شيئا. وكل حركة فإنما يطلب بها فى شيء تستكمل به.

ومثل هذا الطلب يكون لشيء مادى. فإذن لا بد من إرادة جزئية ، والنفس إنما تطلب لتعلقها بالمادة. وإذا تجردت لم تسمّ نفسا.

الغاية متقدمة فى شيئيتها على جميع الأسباب ومتأخرة فى وجودها عنها.

الغاية المعدومة على الإطلاق لا تكون علة بل يجب أن تكون موجودة فى نفس الفاعل ، حتى يفعل الفعل ، والفاعل علة لوجود الغاية لا لشيئيتها ، والغاية علة لأن يصير الفاعل فاعلا فإن علة الثلاثية فى شيئيتها هى ثلاث وحدات ، وأما علة وجودها فشيء آخر هو علة وجود الوحدات.

العلة فى أن تصير الغاية غاية ليست هى الفاعل ولا الصورة ولا المادة بل شيء آخر.

وقد تكون الصورة نفس الغاية. كالصحة : فإنها صورة وهى نفس الغاية.

الغايات فى الأمور الطبيعية هى نفس وجود الصورة فى المادة لأن طبيعة ما شخصية إنما تحرك لتحصل صورة ما فى مادة ما.

الغايات التي تكون صورا وأعراضا فى المنفعل هى من جهة أن الذي تكون منه بالقوة يصير بها بالفعل خير. والغايات التي لا تكون صورا فى المنفعل كالاستكنان مثلا


من جهة أن الفاعل يفعل لأجلها هى غاية ومن جهة أن الفاعل يصير بسببه بالفعل فاعلا بعد أن كان بالقوة فاعلا ـ خير لأن الخير هو الوجود ، والفعل والشر هو ما بالقوة الذي هو مقترن للعدم.

الاعتراض الواقع فى الغاية هو أنهم قالوا : إن الغاية من الأعراض اللازمة لطبيعة الأجسام ، وكان يجب أن يكون البحث عنها فى العلم الطبيعى لا فى العلم الكلى ، وحيث يكون البحث عن أعراض الأجسام المتحركة والساكنة أو المبحوث عنه فى العلوم هو الأعراض اللازمة لذلك العلم الموضوع. والعلوم الكلية والتعليميات ليس فيها حركة. والغاية إنما هى للحركة ، ونعنى بها ما يتحرك إليه الشىء. ـ والجواب أن النظر هاهنا فى الغاية ليس هو أنها غاية حركة كما ليس النظر هاهنا فى الفاعل على أنه مبدأ حركة ، إذ ليس كل غاية غاية حركة ، ولا كل فاعل مبدأ حركة. ولو كانت الغاية موجودة فى علم مخصص أيضا فليس النظر فيها نظرا مخصصا وإنما ننظر فيها أنها كيفية كان حكمها لو كانت عامة فيجب أن يكون النظر فيها فى العلم الكلى.

الكواكب تتخيل الأشياء فيصير تخيلها سببا لحدوث أشياء ، كما أن حركاتها تكون سببا لحدوث أشياء. وقد يصير تخيلها سببا لإيقاع تخيلات فى نفوسنا فيبعثنا على فعل أشياء وقد يتخيل الأشياء فيصير سببا لأمور طبيعية ، مثل أن يتخيل حرارة الهواء فيحدث فى الهواء حرارة وقد يتخيل فيحدث شيئا لا يتوسط حركة ، أو مع توسط حركة. والكواكب تتصور الحركة الجزئية وما يتأدى ( 45 ا) إليها الحركة وتقتضيها تلك الحركة فيعقل ما يحدث عن تلك الحركة فلا يعقل ما يحدث عن غير تلك الحركة. ولو كانت تصور غير تلك الحركة لوجب أن تحدث حركتان معا ومقتضاهما. وهذا محال. وتلك الأجرام والنفوس لا تتخيل المحال ، ولا تكون كاذبة البتة والسبب فى الاختلاف الواقع فى التخيل ، وكذب بعضه وصدق بعضه ، إنما يكون بسبب القابل وأنه مستعد لقبول فساد المزاج وفساد التركيب وغلبة الأخلاط بعضها على بعض وتشويش الفكر وخلوّه من القوة العقلية كما يكون حالنا فى المنام عند استيلاء القوة الخيالية. وليس فى الفلك شىء من هذا لأن هناك صفاء القابل وقلة العوائق فلا يتخيل إلا الواجبات دون المحالات. وأما الفاعل وهو العقل الفعال المفيض عليه التعقل ، أى التخيل ، فهو واحد فلا يكون من قبله خلاف فى التخييلات.

التأثيرات من نفوس الكواكب فى نفوسنا لا يكون بفعل وانفعال كما يكون بالحركات فإنّا نتصور شيئا فيكون لنا ذلك الشىء دفعة كما تتصور لنا صحة أو غثى فيكون


لنا ذلك الشيء وقد نتصور شيئا فيصير ذلك سببا لتصورنا لذلك الشىء فيبعثنا على فعله إذ تصورنا تابع لتصورها وذلك بأن تتصور تلك النفوس أنا ندعو ، فتعلم أنه ليس هناك مانع فتتبع دعاءنا الإجابة.

تلك النفوس تتصورنا وتتصور لوازمنا ، ومن لوازمنا أنا ندعو فيتبع دعاءنا الإجابة إذا لم يكن مانع ، ولذلك أمرنا بالدعاء وتوقع الاجابة.

ليس للأوائل إلا العقليات الصرفة ، فإن المعقولات تكون حاضرة لها فلا تحتاج إلى فكرة. ولا يكون لها الوهميات فلا تتوهم الأشياء.

مصادمات الأسباب هو تلاقيها وتوافى بعضها مع بعض ومعارضة بعضها لبعض وتأدية بعضها إلى بعض واستمرارها على التتالى والنظام وانجرارها تحت حركة الأفلاك وتخيلات نفوس الكواكب. وقد يكون الشىء سببا لشىء بالذات ولغيره بالعرض. وقد تكون أسباب كثيرة تتوافى فتصير سببا لشىء. ومثال الذاتى والعرضى فى الأسباب أن تكون مثلا رطوبة الهواء سببا لاعتدال مزاج رجل يابس المزاج بالذات لكنه يكون سببا لفساد مزاج رجل رطب المزاج بالذات ، ثم يكون ذلك الرطب المزاج سببا لحادث آخر أو لموته فيغتم قريب له أو يرث ماله حميم له.

الأسباب السابقة واللاحقة غير متناهية. ولا يمكن الإنسان أن يقف عليها فإنها تابعة لحركات الفلك الغير المتناهية ، إذ كل حادث فسببه حركة فإن حركة ما أوقعت فى نفس الإنسان أن يزرع ، وحركة أخرى كانت سببا للزراعة ، وحركة أخرى كانت سببا لاستعداد البذر للنبات ، فإن البذر لما حصل فى الارض حصل على نسبة أخرى صار بها مستعدا لقبول صورة النباتية من مفيد الصور. ثم كذلك وهلم جرا ، لأن البذر يتجدد له بسبب بتجدد حركات إلى أن يحصد ويؤكل ويستحيل مثلا منيا ويصير إلى رحم ويتكون منه حيوان. وهذه الأسباب هى معدات وهى تتجدد وتعدم.

الأسباب قد تكون سابقة وقد تكون واصلة ، كالحادث فى الهواء يكون سببا سابقا ثم تغير مزاج إنسان واصلا.

السبب الواصل مثلا موت إنسان ، وسببه الواصل احتراق مزاجه. وسبب احتراق ( 45 ب) مزاجه تناوله لشيء حار ، وسبب ذلك إرادته ، وسبب إرادته شيء آخر إلى ان ينتهى إلى حركة الفلك. فهذه هى أسباب سابقة ولا يحيط بها علم البشر. والمنجم الذي يدعى علم الكائنات لمعرفته بحركة الفلك وممازجة الكوكب والقوى المستكنة فى


الأفلاك فإنه لا يعرف الأسباب التي بعدها على التوالى حتى ينتهى إلى الحادث ، ولا يعرف الأسباب المنفعلة الأرضية تابعة للحركات. ولما كانت الحركات غير متناهية كانت الأسباب غير متناهية. وأسباب حادث جزئى تتركب تركيبا منتظما على ترتب المعلولى والعلىّ حتى ينتهى إلى حركة الفلك ، ومنها إلى تقدير البارى وإرادته. وكل فعل لنا وكل ارادة وكل تدبير ، لما كان حادثا كان سببه الحركة ، ولتلك الحركة حركة إلى أن ينتهى إلى الحركة الأولى. فإذن كل أفعالنا وإراداتنا وتدبيراتنا بقدر ونحن مخيرون عليه.

قوله : كل ما تكون بعديته بعدية لا تكون مع القبلية موجودة بل بما نراه فى الوجود معناه أن العالم وجد بعد أن لم يكن موجودا بعدية حدثت بعد بطلان معنى هو القبلية.

مصادمات الأسباب تعلّق بعضها ببعض وتسلسلها وتأدى بعضها إلى بعض واستمرارها على نظام من غير أن يتخلله انقطاع أو انخرام شىء. ومطابقاتها مسبباتها التي تنطبق عليها نهايات الشىء على الشىء ، فلا يفضل عنها ومعناه مسبباتها التي تكون لها وتختص بها ولا تزيد عليها ولا تنقص عنها.

وجوب الوجود لا علة له ، ومن خواص الوجود الذي لا علة له أن لا ينقسم ولا يكون اثنين وإلا كانت له علة. والمعنى الأحدىّ الذات لا ينقسم بذاته. وإذا انقسم إلى اثنينيته فلعلة من خارج غير ذاته. ووجوب الوجود معنى أحدىّ فإن انقسم لم ينقسم لذاته وكان له سبب ، ولم يكن حينئذ وجوب الوجود بذاته.

المعنى الواحد إذا تكثّر فإنما يتكثر بأسباب لاحقة كالإنسان مثلا ، ويكون ذلك المعنى لا محالة معلولا.

وجوب الوجود يمتنع عليه التكثر. فإنه إن تكثر لم يكن وجوب الوجود.

المعتزلة يفرضون علة الوجود علة حالة من حالات الوجود ، وهو الحدوث ، لا علة الوجود نفسه. وعلة الوجود تكون مع المعلول. وعلة الحدوث لا تكون معه. وكل من يقول بعلة الحدوث فإنه يعتقد أن الوجودات تحتاج فى أن تكون لها هذه الصفة وهو سبق العدم إلى علة ، والوجودات فى أن يسبقها عدم لا تحتاج إلى علة بل تحتاج فى أنفسها إلى علة.

عندهم أن الإرادة شىء خارج عن ذات البارى لا بد من أن يحدث لذاته أو فى ذاته يعنى : يؤدى آخره إلى ارادة لأنه لم يرد ثم أراد فإن كان يوجد شىء بعد ما لم يوجد


يجب أن نبحث عنه كيف يوجد. وعلى ذلك يكون لإرادته داع ، ويكون كإرادتنا ، وإرادتنا يكون سببها الحركة لأنها حادثة. فكل حادث فسببه الحركة.

عندهم أن هاهنا ذاتا عامة موجودة بالفعل ، وإنها إذا تخصصت بأحوال وصفات صارت تلك الذات متميزة عن نفسها إذا تخصصت بصفات وأحوال أخرى : مثلا إذا تخصصت بصفات صارت إنسانا ، وإذا تخصصت بصفات وأحوال أخرى صارت حيوانا آخر أو جمادا ، وهى عندهم موضوعة لأشياء كثيرة ، وكونها ذاتا غير كونها إنسانا. ويعنون بذلك ما نعنيه بالكلى الذي هو لازم للحقائق فى أذهاننا.

عندهم أن علمه لذاته ، وأنه إذا قابل به هذا المعلوم صار عالما بذلك ، وإذا قابل به معلوما آخر ( 46 ا) صار عالما لذلك الآخر. ومثلوه بالمرآة التي تقابل بها الشىء فتنطبع فيه صورته.

إذا كان معلول أخير وعلة لذلك المعلول ، لكن هذه العلة أيضا معلولة ، ولم تكن هذه الواسطة منتهية إلى طرف غير معلول ـ لم يصح وجودها لأن حكم الواسطة فى أنها تحتاج إلى علة أخرى واحد سواء كانت الواسطة واحدة أو غير متناهية. ثم العلة يجب أن تكون مع المعلول. ومثال ذلك إذا كان ح‍ معلولا أخيرا وب علته لكنه يحتاج أيضا إلى علة لم يصح وجود ب سواء كان واحدا أو غير واحد لا أن يكون هناك طرف ينتهى إليه. فإن ب وما يجرى مجراه حكمه حكم الواسطة فى أنها تحتاج إلى علة من خارج.

لا يجوز أن يكون فى الوجودات أشياء : علل ومعلولات ولا ينتهى إلى علة غير معلولة.

لا يصح أن يكون فى الوجودات شىء لا ينتهى إلى طرق.

الموجود المتعلق بالغير إنما صار متعلقا بالغير فى ذاته ممكن الوجود وهذا الممكن الوجود قد يصح أن يكون دائما مع العلة ، وقد يصح أن لا يكون كذلك ، بل يكون مسبوق العدم. فكونه مسبوق العدم أخص من كونه محتاجا إلى علة ، لأنّ الحاجة إلى العلة بسبب الإمكان الذي يعمّ ما يسبقه العدم وما لا يسبقه. فإذن تعلق هذا الموجود بالفاعل أولا بسب المعنى العام ، وهو الإمكان ، لا بسبب المعنى الخاص وهو سبق العدم.

العلة علة لوجود المعلول ، وإذا وجد المعلول صار علة لوجود العلاقة بينهما. والمعية إما أن تكون واجبة ذاتية من حيث وجود كل واحد منهما. فالمتضايفان هما معا فى الوجود. وليس يصحّ فى الوجود الواجب بذاته المعية لأنه إن كان يقتضى ذلك الوجود أن يكون مع فقد تعلق بشرط ، وواجب الوجود لا يتعلق بشرط. فإذن التكافؤ فى المعية يصحّ فى


وجودين غير واجبين بذاتيهما. وإما أن يكون احداهما علة والآخر معلولا فتكون العلة علة لوجود المعلول ، ووجود العلاقة بينهما ، فلا يكونان متكافئى الوجود. وإما أن يكون وجود كل واحد منهما عن ثالث فيكونان من حيث التكافؤ معلولين ، وقد يكون ذلك الثالث سببا لوجودهما وسببا للعلاقة ، فيكون التكافؤ بالعرض كالأخوين اللذين علتهما الأب وهو علة علاقة المعية.

المقدمات الطبية ممكنة على التساوى فتكون نتائجها ممكنة على التساوى ، فلا يترجح أحد الطرفين على الآخر ، فلأجل ذلك صار يقع فيه الغلط. وقد تكون تجربية ، وكذلك المقدمات النجومية. ولهذا ما يتعذر على الطبيب الحكم إذا كانت المقدمات ممكنة ، فإن النتيجة تكون ممكنة ويصح الطرفان عنده ولا يمكنه الحكم بأحدهما. ولذلك قد يشق عليه معرفة كمية الأخلاط التي فى البدن ومعرفة كمية ما زاد أحدهما عن مقداره حتى يرده إلى حال اعتداله بعلاجه. فإنه إن زاد فى العلاج الذي يريد ردّه به إلى حاله ، أوقعه فى مرض آخر؛ وإن نقص نقص عن المقدار المحتاج إليه.

مشخصات الشخص غير مقوّمات الماهية. فإن المشخصات أعراض ولوازم لأسباب فى مادة الحيوان. والإنسان لا يبطل ببطلانها الإنسانية كما تبطل الحيوانية ببطلان لإنسانية فإن الحيوان الذي كان يتكون إنسانا إنما جعله حيوانا ما ينعدم فيجعله إنسانا. وإذا بطل ما كان يجعله إنسانا بطل أن يكون حيوانا. وليس كذلك الحال فيما كان تشخص به أو تغير وبطل ، فإنه لو تغير ما كان تشخص وعرض أضداد تلك اللوازم والأعراض ( 46 ب) لكان الإنسان هو هو بعينه. وليس حقا ما يقال إنه لو لم يكن تلحقه ما جعلته إنسانا ، بل لحقته أضدادها لكان يكون حيوانا غير إنسان ، وهو ذلك الواحد بعينه ، فإن حصته من الحيوانية بطلت ببطلان الإنسانية.

الفصل يجب أن يلحق لحوقا أوّليا ، ولا يكون لاحقا لما فوقه ، حتى يكون فصلا لجنسه ، كالبياض والسواد لا يجوز أن يجعلا فصلين للحيوان لأنهما لا يلحقانه لكونه حيوانا بل لكونه جسما فهما للجسم أولا.

معنى قولنا : إن الفصل لا يفيد حقيقته الجنس (هو أن الناطق به يصح وجود الحيوانية ، وليس يصح به حقيقة الحيوانية)(1) ، فإن الحيوان على الإطلاق ليس له قوام ولا وجود بذاته فالناطق يصحح وجود الحيوانية.

________________

1) ما بين الرقمين ناقص فى ب.


كون الحيوان حيوانا لا يصح أن يختلف : فالحيوانية لا تختلف من حيث هى حيوانية لأن هذا المعنى يحصل بذاته.

القوة السارية من فلك الأفلاك إلى جميع الأجسام الموجودة فى العالم بها يهتدى كلّ واحد منها إلى خاصّ مصالحه ، وتحتها القوة السّارية من فلك البروج فإن بها يقوى كلّ واحد من أجسام العالم على إيراد فعل ما يليق به.

الشىء قد يتقدم على الشىء فى معنى ، ويكون معه فى معنى آخر كما يتقدم زيد على عمرو فى العلم مثلا ويكونان معا فى الزمان. والعلة والمعلول من حيث هما علة ومعلول لا يجوز أن يكونا معا بل تتقدم العلة على المعلول بالذات التقدم الوجودى وهو تقدم الحاجة والاستغناء ، ولا يجوز أن يستويا فى ذلك المعنى حتى يكونا معا.

الشخص لا يجوز أن يكون علة لشخص لأنهما يجوز أن يتساويا فى الوجود وفى الحقيقة والمعنى. والعلة والمعلول لا يصح ذلك فيهما فإنهما إن تساويا فى الوجود أو فى الحقيقة كان المعلول علة والعلة معلولا. ويجب أن يتمايزا فى ذلك وتكون العلة أبدا علة ، والمعلول أبدا معلولا. وهذا الفصل بنى أمره على ظاهر الحال وكان حقيقة ما يعتقده الفيلسوف بخلاف ذلك. ولهذا أشار فى القسم الثاني إلى أنه غير واجب. والذي يجب أن يعتقد فى هذا أن العلة تتقدم المعلول بالذات ، والشخصان إذا كانا من نوع واحد فليس يصحّ فى أحدهما التقدم الذاتى لأن التقدم الذاتى هو ما يبقى للعلة مع وجود المعلول لأنه مقوّم لها ، والتقدم بالزمان يبطل مع وجود المعلول لأنهما إذا اجتمعا فى زمان واحد فقد بطل تقدم ما فرض عليه.

العلة يجب عنها نوع من غير نوعها ، كالنار مثلا التي هى مخالفة لنوع المعلولات لها التي هى الأشياء الذاتية.

الماء والنار هما متكافئان فى أنه ليس النار أولى بأن تكون علة للماء من الماء بأن يكون علة للنار. والمتكافئان لا يصح أن يكون أحدهما علة للآخر.

نوع المعلول لا محالة يكون مخالفا لنوع العلة.

لا يصح أن يكون شخص ما من النار علة لوجود شخص آخر منها فإن العلة متقدمة بالذات على المعلول ، وهاهنا لا يصحّ ذلك لأنهما فى هذا الوجود قد استويا فلا يتميزان ، ولا يدرى أيهما العلة وأيهما المعلول ، وما يكون بالذات علة ، وما يكون بالذات معلولا لا يصح أن يستويا حتى يكونا معا فإن العلة الذاتية لا تصير مثل المعلول


ولا المعلول يصير مثل العلة. فإن المعلول لا تستحيل طبيعته حتى تصير علة. وأيضا فإن النار ممكنة الوجود ولا بدّ لها من علة ثانية واجبة فهى بذاتها معلولة ، ولها فى الموجودات علة متقدمة عليها بالذات. وأيضا فإن شخصا من النار يفرض علة قد يعدم ، والمعلول باق والمعلول لا يبقى مع بطلان ( 4 7 ا) العلة. وأيضا فإن الأجسام تستحيل لا دفعة بل بحركة. ووجود النارية يكون دفعة فالجسم لا يكون علة لما يوجد دفعة ، وأيضا فإن واجب الوجود بذاته واحد ، وهو علة لما بعده والنار من الموجودات التي بعده. فواجب الوجود بذاته علة لها. وأما فى حدث الأعداد فكلما وجد شخص من النار كان علة بالذات لحركة أو تغير أو إزالة لما كان عائقا. فالنار بطبيعتها علة لذلك التغير وللأعداد مع وجودها وكل شخص وجد بان عن الآخر. فما لم توجد الأعداد على الجملة لا توجد حركة ولا يوجد مثل المعدّ. فالنار بإعدادها توجب حركة ، ولا توجد نارا مثلها. والنار يصح أن تكون طبيعتها علة لطبيعة أخرى من الحركة أو غير الحركة وهذه النار علة لهذه الحركة. وأما أن تكون طبيعتها علة لوجود طبيعة النار حتى تكون هذه النار علة لوجود تلك النار ـ فلا يصح.

هذا التشخص من النار لا يجوز أن يكون علة لذلك الشخص على أنه موجد له. فإن الفاعل للشىء يجب أن يكون واحدا. وإذا كان الفاعل واهب الصور فقد وقع الاستغناء عن غيره.

يجوز أن يكون للشىء أحوال مختلفة ، ويستحق عليها أسبابا مختلفة. فأما الفاعل للشىء فلا يجوز أن يكون إلا واحدا. فإذا كان الموجد للشخص الأول من النار واهب الصور ، فذاك هو الموجد للشخص الثاني ، ولا حاجة معه إلى غيره بل يكون الأول معدّا للثانى لا موجدا له.

المعنى العام كالجنس مثلا إذا انقسم إلى قسميه انقسم بالفصول المنوعة لكل واحد من النوعين ، كاللون إذا انقسم إلى السواد والبياض ، والجسم إذا انقسم إلى المتحرك وغير المتحرك. ومحال أن تنقلب القسمة وذلك المشار إليه باقى الجوهر ، أى محال أن يكون الأبيض قد انقلب أسود ، والجوهر الذي كان عرض له البياض هو باق بعينه ، وقد زال البياض عنه ، وعرض له ثانيا السواد لأن البياض لا يبطل فصله وتبقى حصته من طبيعة اللون التي كانت مقارنة له بعينها وإلا فليس بفصل منوع بل عارض لا منوع.

البياض إذا استحال سوادا فإنه يبطل فصله المنوّع له وتبطل حصته من طبيعة اللون


الذي هو جنسه ، فلا يصير فى السواد تلك الحصة إلا على معنى الحد ، أى لا يبطل وتبقى حصته من طبيعة الجنس ، إلا على معنى الحد لا بمعنى القوام.

لكل واحد من القسمين حصة من طبيعة الجنس ، فلا يجوز أن تبطل وتبقى حصته من تلك الطبيعة ، فإنه حينئذ لم تقع القسمة بالفصول المنوعة ولا القسمة تكون ذاتية بل تكون بالعوارض ، ولم يكن القسيمان اقتسما طبيعة الجنس بالقسمة الذاتية فلا يكونان قسمين بالذات بل إذا كانت القسمة ذاتية وواقعة بالفصول لا بالأعراض يجب أن يكون كل واحد منهما لاتفاق حصته الخاصة من طبيعة الجنس فيكون السواد ملازما لحصته من طبيعة اللون والبياض ملازما لحصته من تلك الطبيعة. وكذلك الحال فى الناطق وغير الناطق.

الجنس لا يكون له قوام بالفعل وإنما يقوّمه الفصل بالفعل. وإذا بطل الفصل بطل معه حصته من الجنس الذي كان الفصل يقومها ، وحدث جنس آخر غير ذلك الجنس ، وليس هو شيئا قائما بذاته بالفعل فيصير موضوعا لفصلين يتعاقبان عليه. فإذا بطلت الإنسانية أو النطقية لا يجوز أن تكون الحصة من الحيوانية باقية ، بل تبطل تلك الحصة لأنها كانت تقوم بالفعل لا بالفصل الذي كان يقومه ، فكذلك السواد والبياض ، وليس سبيله سبيل الهيولى الموضوعة لصورتين.

الجنس والفصل حقيقتهما أن تعقل معان مختلفة تكون لها لوازم يشترك الجميع فى ( 4 7 ب) بعض تلك اللوازم ويختلف فى البعض. فاللوازم المشترك فيها تسمى جنسا ، والمختلف فيها تسمى فصلا أو لوازم أو أعراضا. ولسائل أن يسأل فيقول : فإذن هى لوازم ، لا مقوّمات فنقول : إنها لوازم بالإضافة إلى المعانى التي التقط منها هذه اللوازم ، وهى مقومات للمعنى العلمى من حيث المفهوم ، وذلك أن المعانى العامية لا وجود لها فى الأعيان كالحيوان مثلا وإنما وجودها فى الذهن ، فهى مقوّمة لنمط وجودها أعنى فى الذهن. واللوازم المذكورة فى الكتب هى اللوازم بحسب المفهوم ، لا بحسب الوجود ، فالحس والحركة والإرادة هى لوازم النفس ، ولكنها مقومات للحيوان ، أى من حيث المفهوم ، إذ الحيوان لا وجود له إلا فى الذهن.

الشيء لا يعدم بذاته وإلاّ لم يصح وجوده. والذي يتوهم فى الحركة أنها تعدم بذاتها محال ، فإنها يعدمها سبب ، فإذا بطلت الحركة الأولى تبع بطلانها وجود حركة أخرى.

الانقباض والانبساط فى النبض هو بحسب الانقباض والانبساط فى النفس وهما


معلولاهما ، لكن الآلة التي للنفس أظهر فعلا وأقوى وذلك أخفى. وإنما يكون التنفس أقوى بحسب الحاجة وشدة الحرارة وسعة المكان أعنى الصدر.

حركة الانقباض غير محسوسة ولكنها معلومة ، فإنها لا محالة ترجع إلى مكانها.

البسائط لا فصل لها فلا فصل للون ولا لغيره من الكيفيات ولا لغيره من البسائط ، وإنما الفصل للمركبات. وإنما نحاذى بالفصل الصورة كما نحاذى بالجنس المادة. والناطق ليس هو فصل الإنسان ، بل لازم من لوازم الفصل ، وهو النفس الإنسانى مثلا.

الفصول المنوّعة لا سبيل البتة إلى معرفتها وإدراكها. وإنما يدرك لازم من لوازمها ، فلا سبيل إلى معرفة ما تنفصل به النفس النباتية عن النفس الحيوانية وعن الناطقة ، ولا إلى معرفة ما تنفصل به الحيوانية عن الناطقة ولا شك أن ذلك واحدة منهما فصلا أو فصولا يحصر جنسها ثم يحصر أنواعها.

الفصل المقوم للنوع لا يعرف ولا يدرك علمه ومعرفته ، والأشياء التي يؤتى بها على أنها فصول فانها تدل على الفصول وهى لوازمها وذلك كالناطق فإنه شىء يدل على الفصل المقوّم للإنسان ، وهو معنى أوجب له أن يكون ناطقا. والتحديد بمثل هذه الأشياء يكون رسوما لا حدودا حقيقية وكذلك ما يتميز به الأشخاص وما تتميز به الأمزجة.

الميت يحمل عليه الإنسان باشتراك الاسم فيقال : هو إنسان ، وحمله عليه غير واجب فإن الإنسانية تتضمن الحيوانية ولا يصح أن يحمل على الميت أنه حيوان.

غذاء الروح هو النسيم فهى تحيله إلى جوهره وتغتذى به وتخرج ما قد سخن وتستخلف بدله. فأما الرطوبة فهى غذاء مستقرها وهو القلب ولهذا إذا لم يجد متنفسا بطلت ، وذلك كالسراج إذا(1) غمّت ولم تجد متنفسا فإنها تطفأ ولا يغنى عنها الدّهن.

كل متحرك فيجب أن يكون له ثابت لا يتغير ولا يتبدل ، عليه تكون الحركة كالفلك والمركز ، أو غيرهما كالنفس والمزاج أو الأجزاء المنوية والمزاج.

مركز الفلك موضوع لأن يعرض له أوضاع لا نهاية لها ، وتختلف نسبه بحسب تغير تلك الأوضاع ، والأوضاع التي لا نهاية لها لا يصحّ وجودها بالفعل لأنها غير متخصصة ، وكل وضع من الأوضاع التي يتحرك عليها الفلك يجب أن يتعين ويتخصص حتى يصح وجود الحركة لا بتخصص وجودها فى الأعيان. فيجب أن تكون فى نفس المحرك. وأيضا فإن هذه الأوضاع تتعين بعد الحركة. فإذن يجب أن يكون تعينها ( 4 8 ا) فى نفس المحرك فى الأعيان.

________________

1) غم الشىء فانغم : غطاه فتغطى.


سياقة البرهان على ذلك : كل متحرك فيجب أن تتعين الغاية التي يتحرك إليها. فكل واحدة من حركات الفلك يجب أن تتعين الغاية التي تؤمّها. ولا شىء من الأوضاع مما يصح وجودها أو يعيّنها فى الأعيان قبل الحركة. فإذن لا شىء من الأوضاع التي تتعين ويؤمها الفلك بالحركة مما يتعين فى الأعيان. وكل متعين من الحركات فإما أن يتعين فى الأعيان أو فى نفس المحرك. وإذا بطل القسم الأول فقد يصح القسم الثاني.

الحركات الفلكية على أوضاع متخصصة ، وتخصيصها يجب أن يكون فى نفس محركها.

كل حركة فيجب أن يتعين بازائها وضع حتى يصح وجودها أى كل دورة تعد وضعا.

المعقولات لا يتشخص بها شىء ، ولا يتشخص؛ والشىء إنما يتخصص بالوضع ، والوضع إنما يكون فى الأجسام.

تخصص أشخاص الأنواع لا يكون إلا بمادة ولا يكون بمعقول ، فإنه لا يتخصص به شخص واحد من أشخاص الإنسان ، بل يكون الإنسان فيه معنى أحديا ، وكذلك كل معنى.

المعنى المعقول لا يتكثر ، بل هو معنى أحدىّ الذات ويشترط فيه أن يقبل التكثر. وإذا حصل فى مادة قبل الانقسام. ويكثر أيضا من حيث يحصل فى مواد مختلفة.

وإذا تكثر فإنه يكون متخيلا لا معقولا ، ويكون حينئذ متخصصا بالتخيل. يصعب معرفة الفصول التي تتميز بها الأنواع وكذلك ما تتميز به الأشخاص ، وما تتميز به الأمزجة. والذي يؤتى به على أنه فصول كما يؤتى بالحساس فانه خاصة من خواصه أو لازم أو دليل أو شرح ذلك المعنى ، كما يقال فى واجب الوجود إنه شرح ذلك. فتنوع المعنى الجنسى فى كل واحدة منها ، فإن ما يتنوع به لا يعرف حقيقته ، وإنما يعرف لازم له ، لا الفصل بعينه.

الزمان لا يمكن رفعه عن الوهم ، فإنه لو توهم مرفوعا لأوجب الوهم وجود زمان يكون فيه الزمان مرفوعا. ولهذا أثبت المعتزلة هاهنا امتدادا ثابتا بين الأول وبين خلق العالم وسموه «اللاوجود». وهذا مثل ما أثبتت خلاء يكون فيه وجود العالم ، وأنه إذا توهم العالم مرفوعا وجب وجود الأبعاد فإنه يتوهم دائما فضاء غير متناه ، ولذلك يتوهم امتدادا ثابتا. وكلاهما محال. وفى امتناع ارتفاعهما عن الوهم دليل على أن الزمان سرمدىّ والعالم سرمدى وأن الأول يتقدم عليهما بذاته لا غير. ولا يمكن أن يتوهم الوهم الزمان إلاّ شيئا منقضيا سيّالا لا يثبت على حال ، وعندهم أن هذا الامتداد الثابت هو وعاء الزمان ، وهو محال ، إذ هو نفس الزمان ، فإنه منقض متجدّد


سيال فإن ذلك الجزء من الامتداد الذي كان فيه مثلا زمان الطوفان هو غير الجزء الذي فيه هذا الوقت لا محالة.

كل ما يكون له أول وآخر فبينهما اختلاف مقدارى ، أو عددى ، أو معنوىّ. فالمقدارىّ ، كالوقت والوقت ، أو الطرف والطرف. والعددىّ كالواحد والعشرة. والمعنوى كالجنس والنوع؛ والوجود لا أول له ولا آخر بذاته.

إن فرضنا مبدءا لخلق العالم على ما تقوله المعتزلة لزم منه محال فإنهم يفرضون شيئا قبله ، وذلك الشىء يمكن فيه فرض وجود حركات مختلفة والحركات المختلفة إنما تصح مع إمكان وقوع التقدير فيها يكون مع وجود الزمان. ففرض إمكان وجود الحركات المختلفة يكون مع وجود الزمان. فيكون قبل الزمان زمان.

لو لم يكن زمان ، لما أمكن فرض وجود حركات مختلفة. لكنّ فرض وجود حركات مختلفة ممكن. فالمقدّم باطل.

إذا كان الزمان ( 4 8 ب) موجودا كانت الأجسام موجودة.

إذا أمكن فرض الحركات المختلفة وجب مع إمكان هذا الفرض وجود الزمان ، ومع وجود الزمان وجود الحركة ، ومع وجود الحركة وجود الأجسام. فالأجسام لا محالة موجودة مع هذا الفرض ، وعلى هذه الجملة فلا بد من اعتبار الزمان فإن التقدم والتأخر فى الحركات يقتضى وجود الزمان.

قوله : «فى حال دون حال ووقع ذلك متقدما ومتأخرا» يشير به إلى الزمان. جوهر الفلك لا تدخل عليه الحركة وإنما الحركة حال له طارئة عليه بعد تحقق جوهره ، فلا تؤدى به الحركة إلى الفساد كما يؤدى بالأشياء التي هى فى الحركة وهى الأشياء الكائنة الفاسدة فإنها من مبتدأ كونها إلى منتهاها تكون فى الحركة والتغير ، وتؤثر فيها الحركة. ولذلك قيل : إن الفلك ليس فى الحركة بل مع الحركة ، ومع الزمان لا فى الزمان.

الشىء الماضى بذاته هو الزمان ، والماضى بالزمان هو الحركة ، وما فى الحركة ومعها ، أى ما تكون سيالة متغيرة.

الزمان عدد الحركة فى المتقدم والمتأخر ، أى حركة سيالة مختلفة يحدث فيها تقدم وتأخر فى المسافة.

متى فرضت الحركة حادثة كان الذي سبقها ليس لا شىء مطلقا ، وذلك لأنه لا يمنع أن يكون فى قدرة اللّه تعالى إيجاد حركات فى ذلك العدم الذي يقولونه. فإن فرضنا وجود


عشرين حركة تنتهى مع بداية الأول ، ووجود عشر حركات تنتهى أيضا مع بداية الأول ، لم يصحّ أن يقال : إن مطابق الحركتين من ذلك العدم واحد ، بل يجب أن يكون مطابق الحركات العشرين مخالفا لمطابق الحركات العشر. واللاشيء المطابق ليس فيه اختلاف ، وليس الاختلاف بينهما إلا اختلافا مقداريا سيالا وهو الزمان. فيكون قد سبق الحركة الحادثة زمان ، والزمان مقدار الحركة فيكون قد سبق الحركة حركة ، ولا بد من متحرك مع وجود الحركة. وقد منعنا أن يكون المفارق الذي لا علاقة له مع المادة. فيجب أن يكون المتحرك جسما أو جسمانيا. وإن منع أن يكون فى قدرة اللّه تعالى إيجاد حركات قبل بداية الحركة الأولى التي تفرض حادثة كان حكما عجيبا. وتقدير الحركات بذلك العدم هو مساو لتقدير الخلاء فى باب إنه لا شيء مطلقا. والعجب من هؤلاء فإنهم يثبتون الصانع بأن يقولوا : إن الأجسام لا تنفكّ من حوادث كحركة وسكون وكل ما لا ينفك من حوادث فإنه حادث. والكبرى تحتاج إلى تصحيح ، وهم يقولون : إنها أولية. وهذا البيان على سخافته يلزمهم أن الصانع حادث وذلك لأنه عندهم أنه لا يخلو من إرادات حادثة وكراهيات حادثة ، اللهم إلا أن يقولوا إن إرادة اللّه عز وجل وكراهيته من الأعراض التي لا تكون فى موضوع ـ وهذا كما تراه سخيف. أو يقولوا إن إرادته حدثية ، ويلزم حدوث إرادته محالات منها أنه يكون لها سبب عند ذات البارى تعالى من قصد أو طلب شىء بالجملة ، ومنها وجود التغير لذات الأول ، ومنها أن كل حادث فإنه يسبقه حادث إلى ما لا نهاية.

عندهم أنه قد تكون أعراض لا فى مادة ، فإنه عندهم أن اللّه تعالى يخلق فناء يفنى به الأشياء.

الحدّ ليس عليه برهان ، إذ هو أوّلىّ. التصوّر ، فإنه يكون بالذاتيات ، والذاتيات يكون بيّنا وجودها للشىء.

المقدمات الأولية للقياس ما تبين بسرعة ، وهى المقدمات الفطرية.

التصور مبدأ للتصديق ، فإن كل مصدّق به فهو متصوّر أولا ، ولا ينعكس. وفى التصديق تحتاج إلى أن تعلم أن النسبة بين المحمول والموضوع ـ وهو تصور أولى يحصل منه النسبة ـ هل هى صحيحة ، وفى التصور لا نحتاج إلى هذه النسبة وهى أنها هل النسبة بين المحمول والموضوع صحيحة.

غاية ( 4 9 ا) التصور فى التصديق وهو كماله لأنه إنما يحتاج اليه للتصديق ، والغرض من الحدود أيضا التصديق.


إذا أخذ الحيوان فى الحد فقد استغنى عن جميع ما يدل عليه الحيوان من الحس والحركة إذ قد أورد فيه ذلك بالقوة القريبة ، وكذلك الحال فى الفصل إذا أخذ فيه الفصل الخاص بالمحدود ، والحد يجب أن يكون فيه جميع الذاتيات لها بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل.

نسبة القياس المطلق إلى البرهانى نسبة عام مقوم. ونسبة القياس الجدلى إلى البرهانى نسبة عارض ، فإنه وإن كان أعمّ منه فهو غير مقوّم له. فالقياس المطلق تقدم على البرهانى بالضرورة. لأنه مقدم له ، وهذا تقدم عليه بالأولى والأحرى.

معقولات المقدمات مؤدية إلى معقولات النتائج ، فهى متقدمة عليها تصورا وتصديقا.

الحدس بالوسط لا يكون بفكر ، فإنه يسنح للذهن دفعة واحدة. وأما طلب الوسط فيكون بفكر وقياس. والفكرة هى استعمال النفس القوة التي فى وسط الدماغ واستعراض ما عندها من الصور ، ويكون بحركة ، واستفادة النتيجة يكون بفكر وقياس ، والمقدمات يكون العلم بها علما بالنتيجة بالقوة لأنها مؤدية إليها.

التذكر قد يكون سببا سانحا ، وقد يكون روية.

غايات الجزاف والعبث لا تكون بحسب الروية.

إذا لم يكن اللازم على سبيل الحمل والوضع لم يكن الأصغر مضمّنا فى الأكبر ، وذلك كما نقول : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ، فإن لزوم وجود النهار لطلوع الشمس غير مضمّن فى طلوع الشمس ، بل ذلك لازم ، وهو بدل عليه دلالة اللزوم لا دلالة التضمن.

قوله : «إليه توجه الطلب» أى أن الأكبر هو المطلوب أولا ، وهو الذي يجب أن يعلم هل هو موجود للأوسط ، فأما الأوسط للأصغر فإنه قد كان معلوما.

الحركة لا أول لها فإنها تنقسم بانقسام المسافة.

تركيب الحد تركيب تقييد لا تركيب قول جازم ، فلا يتعلق به الصدق والكذب كما تحدّ النقطة بأنها شىء لا جزء له فإنك لست تخبر بأنها شىء لا حد له بل تحدّها. وكما تحد الإنسان بأنه حي ناطق ، فإن معناه أنه حيوان ، ذلك الحيوان الذي هو ناطق ، فليس هاهنا حمل ووضع كما فى تركيب القول الجازم إذ هاهنا حمل ووضع.

العقل يفرض ثلاثة أكوان : أحدها : الكون فى الزمان وهو «متى» الأشياء المتغيرة التي يكون لها مبدأ ومنتهى ، ويكون مبدؤه غير منتهاه ، بل يكون متقضيا ويكون دائما


فى السيلان وفى تقضى حال وتجدّد حال. والثاني : كونه مع الزمان ويسمى الدّهر.وهذا الكون محيط بالزمان وهو كون الفلك مع الزمان ، والزمان فى ذلك الكون لأنه ينشأ من حركة الفلك وهو نسبة الثابت إلى المتغير إلاّ أنّ الوهم لا يمكنه إدراكه لأنه رأى كل شىء فى زمان ، ورأى كل شىء يدخله كان ويكون والماضى والحاضر والمستقبل ، ورأى لكل شىء «متى» إمّا ماضيا أو حاضرا ومستقبلا. والثالث : كون الثابت مع الثابت ويسمى السرمدى وهو محيط بالدهر.

الشيء الزمانىّ يكون له أول وآخر ، ويكون أوله غير آخره.

الوهم يثبت لكل شىء «متى» ، ومحال أن يكون للزمان نفسه «متى».

الفلك لا تغير فى ذاته ، والحركة حالة طارئة عليه.

ما يكون فى الشيء قد يكون مخالطا بذلك الشيء ، فهو متغير بتغير ذلك الشيء. فالشيء الذي يكون فى الزمان يتغير بتغير الزمان ويلحقه جميع أعراض الزمان ويتغير عليه أوقاته ، فيكون هذا الوقت الذي يكون مثلا مبدأ كونه أو مبدأ فعله غير ذلك الوقت الذي يكون آخره لأن زمانه ( 4 9 ب) يفوت ويلحق وما يكون مع الشيء فلا يتغير بتغيره ولا تتناوله أعراضه.

الدهر وعاء الزمان لأنه محاط به.

الزمان ضعيف الوجود لكونه سيّالا غير ثابت.

الفلك حامل الزمان ، والقوة المحركة فيه فاعل الزمان.

المقدر قد لا يكون قائما بالمقدر ، بل مباينا له كمسطرة يقدر بها ما يباينها.

الإضافة معية بالحقيقة وهى معنى عام. وإذا تخصص تخصص بنوع ما من الإضافة. وله أنواع مختلفة فإن الإضافة تدخل فى مقولات كثيرة ، وفى الإضافة أيضا مثاله : الأبوة والنصفية والحامل والمحمول والأكثرية والأقلية وكل واحد منها معية مخصصة النوع.

إذا قيل هما معا فى الزمان فهما متضايفان ، وموضوعهما الزمان ، والمعية إضافة مخصصة.

الإضافة معية وهى أن يوجد شىء مع شىء. فإن كان الشيء نفس المعية لم يحتج إلى شىء آخر يصير به معه : كالأبوة مضافة بذاتها وتعقل ماهيتها بالقياس إلى غيرها لا بإضافة أخرى لأنها نفس الإضافة والمعية.


لما لم يصح أن يحل عرض واحد محلين ، وجب أن تكون الإضافة التي فى أحد الأخوين بالعدد غير ما فى الأخ الآخر.

لا يصح أن يكون عرضان فى موضوع واحد كبياضين فى موضوع واحد ، ولا عرض واحد فى موضوعين.

قد تكون العلة أقدم فى الوجود من المعلول كالأب.

«معا» : إما أن يكون الشيئان معا فى الوجود أو فى الزمان أو فى شىء ثالث ينسبان إليه. والعلّة والمعلول هما معا ، وهما متلازمان. ولا يجوز أن يكونا فى الوجود لأن العلة أقدم من المعلول فيه ، ولا فى الزمان إن كان غير زمانين فهما معا فى التضايف ، وهو معية اللزوم لا الوجود.

التقدم على الشيء بالطبع هو ما يكون علة للشىء فى ماهيته ، مثلا الواحد علة الاثنين فى اثنينيته ، وخطوط المثلث علة له فى كونه مثلثا ، وآخر الحد علة للحد فى أنه هو ، وأما المتقدم بالعلية فهو أن يكون علة لوجوده ، لا لماهيته. فماهية الشيء غير آنيته. فالإنسان كونه إنسانا غير كونه موجودا. والتقدم قد يكون تقدما فى الوجود كتقدم الواحد على الاثنين ، وقد يكون فى المفهوم كتقدم الجوهر على العرض فى حمل الموجود عليهما.

التضاد بين الماء والنار تضاد جوهرى ، وليس إنما يتضادان بالكيفية بل بما تصدر عنه الكيفية ، وهو الجوهرية. فالجواهر متضادة بصورها إذ لا تجتمع فى موضوع.

العلة تتقدم المعلول بالذات ، والتقدم هو نفس العلية ، وكون العلة علة هو أنها متقدمة على المعلول بالذات ، ووجودها غير مستفاد من المعلول. والشخصان إذا كانا من نوع واحد فليس يصح فى أحدهما التقدم الذاتي لأن التقدم الذاتى هو ما يبقى للعلة مع وجود المعلول ، لأنه مقوّم له ، والتقدم بالزمان يبطل مع وجود المعلول لأنهما إذا اجتمعا فى زمان واحد فقد بطل تقدم ما فرض علة. فالنار علة لشخص نار أخرى ، وهى علة لناريتها بالعرض أعنى بوساطة الشخص

المعية المخصصة تنوع تلك الإضافة كالأخوة. مثلا. أو المشاكل أو المماثلة؛ إذ كل إضافة نوع.

تتصور اللانهاية الإضافات على وجهين : أحدهما أن يقال هذه الأخوة مضافة إلى الرجلين بإضافة أخرى حتى لا تتناهى. وليس يلزم أن لا تتناهى فإن الإضافة هاهنا هى


نفس الأخوة ، والأخوة معنى يعقل بالقياس إلى غيره لذاته ، والثاني أن تعتبر الإضافة إلى موضوعها كالبياض ، فإن ( 5 0 ا) البياض له إضافة إلى موضوعه من وجه واحد ، وهى كونه محمولا ، وكون موضوعه حاملا. وهذا الكون مضاف لذاته لا بإضافة أخرى ، أى لا بد ذلك المعنى يعقل بالقياس إلى غيره كما يعقل الرجل إلى الرجل بسبب الأخوّة ، والأخوة معقولة بالقياس إلى غيره بالكون فيه ، وهذا الكون هو نفس الإضافة ، والكون في الموضوع هو إضافة عارضة. وكل شىء عارض لشىء فهو مضاف إلى موضوعه ، ونسبته إلى ذلك المحلّ نسبة إضافة كالبياض مضاف إلى الجسم الأبيض ، وهذا النوع من الإضافة أعنى كونه فى شىء إضافة عارضة للإضافة ، فيكون تقدير الإضافة فى هذا الموضوع ليس هو بإضافة أخرى ، فإن هاهنا حاملا ومحمولا ، وكونه محمولا ليس بإضافة أخرى.

الأبوة والبنوة هما نفس الإضافة ، وليستا مضافين بإضافة أخرى ، وتعقل ماهية كل واحد منهما بالقياس إلى غيرها كما لا يعقل الرجل إلى الرجل بواسطة الأبوة والبنوة. وهيئة العلم عارضة للعالم كإضافة الرأس إلى ذى الرأس التي هى إضافة باضافة أخرى.

الإضافة هى معنى إذا عقل كانت ماهيته معقولة بالقياس إلى غيره بذاته : لا بإضافة أخرى ، فتصير الإضافات بذلك متناهية ، وهو فى ذاته غير معقول بالقياس إلى غيره إذا لم يعقل.

الجوهر من حيث هو جوهر معنى إذا وجد كان وجوده لا فى موضوع ، والمعقول منه هذا ، وهو لازم من لوازمه وهو أنه إذا وجد كان وجوده لا فى موضوع وهذا المعقول منه هو عرض فى النفس.

الشيء المفارق لا يصح أن تتكثر أشخاص نوعه. فإن التكثر إما بالفصول وهذا نوع واحد ، أو بالمواد فلا مادة هناك ، أو بالأعراض. واللازم منها يشترك الجميع فيه فلا يتكثر وما يكون عنه لازم فيكون عروضه بسبب ، وذلك السبب يجب أن يكون قابلا ، وهو المادة ، وقد فرض أنه غير مادى ـ هذا خلف.

الاشتراك لا يقع فى عين الشيء ، بل فى حدّه. فإن عين الحيوانية والإنسانية لا بمعنى الحد لا تقع فيها الشركة ، وما يعرض لطبيعة الحيوانية والإنسانية فلا تختلف فيه الموضوعات والأشخاص كالبياض والسواد ، والعلم ـ فان ذلك كله معان مستقرة فى حقيقة الإنسانية وطبيعتها ، فيجب أن تقع فيه الشركة ، وسبيله سبيل الإضافات التي يجوز أن يقع بها التمايز ، فإذن لا يجوز أن يكون معنى واحد موجودا فى كثيرين لا بمعنى الحد.


أشخاص الناس إنما تختلف فى الإضافات.

هوية الشيء وعين الشيء ووحدته وتشخصه وخصوصيته وجوده المنفرد له كله واحد وقولنا : إنه «هو» إشارة إلى هويته. وخصوصيته وجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك.

«الهو هو» معناه الوحدة والوجود. وإذا قلنا : زيد هو كاتب فلأن معناه زيد موجود كاتب فلان ، وهو مساوق لزيد ، ولكاتب فلان ، وهما واحد. والغيرية تساوق الكثرة واللاوجود. وإذا قلنا «غير» فمعناه أن وجوده غير وجوده.

«هو» تسمى رابطة ومعناه بالحقيقة الوجود. وإنما سمى رابطة لأنه يربط بين المعنيين ، كما تقول : زيد هو كاتب. وإذا قيل : «زيد كاتب» : ف‍ «هو» مضمر فيه.

إذا كان الموضوع اسما مشتركا تغيرت الرابطة بحسب تغير الموضوع فلا يكون واحدا كما تقول ( 5 0 ب) العين هو كذا. فهو فى هذا المكان لا يدل على واحد لأن الموضوع اسم مشترك.

الصفات كلها تقع فيها الشركة ، إلا الوضع والزمان؟! والتشخص إنما يكون بهما فقط. والوضع ينتقل ، فكيف يدوم به التشخص ولا يبطل؟

معنى التشخص هو أن لا يكون للمتشخص شركة لغيره فيما تشخص به. وعلى هذا الوجه فالبارى يتشخص بذاته لأنه غير مشارك فى حقيقته. والعقل يتشخص بلوازمه.

الوضع يتشخص بذاته وبالزمان.

الزمان يتشخص بالوضع. وكل زمان له وضع مخصوص لأنه تابع لوضع من الفلك مخصوص. والمكان يتشخص أيضا بالوضع ، فإن لهذا المكان نسبة إلى ما يحويه تغاير نسبة المكان الآخر إلى ما يحويه.

قولنا : هذا الوضع وهذا الزمان هو الذي شخّص هذا الشخص بالذات. ولو لا تشخصه لما شخص غيره.

المتقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ، ولا يجوز فى هذا التقدم أن يكون المتقدم متأخرا ، والمتأخر متقدما البتة. كما يجوز ذلك فى التقدم بالمرتبة.

قال : ليس امتناع مفارقة الوحدة لموضوعاتها كامتناع مفارقة البياض للموضوع بل كامتناع الجنس للفصل ـ والجواب : أن موضوعات الوحدة لا تقومها الوحدة. وليس سبيل تلك الموضوعات مع الوحدة كسبيل الفصول مع الأجناس.


حقيقة الشيء ووجود تلك الحقيقة غير معقولية تلك الحقيقة ، ففرق بين الوجود والمعقولية.

الإضافة معنى إذا عقل كان بالقياس إلى غيره ، وإذا وجد كان على هذه الصفة.

الإضافة معنى إذا عقل كانت ماهيته بالقياس إلى غيره ، وإذا لم يعقل لم يلزم هذا. وإذا وجد كان بحيث إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس إلى غيره ، ولا يلزم أن يكون موجودا بالقياس إلى غيره. فقد تبين الفرق العقلى والوجودى فى الإضافة. وعلى هذا الاعتبار ما يقال : إن الجوهر هو ما وجوده إذا وجد وجد لا فى موضوع. وليس يلزم إذا عقل أن يكون موجودا إلا فى موضوع ، معقوليته مخالفة الاعتبار لا لوجوده.

حد الجوهر أنه الموجود فى الأعيان لا فى موضوع. والحاصل فى النفس من هذا المعلوم المعقول هو عرض فيها ، وهو غير ماهية الجوهر ، فلا ينتقض بذلك حدّه وهو أنه الموجود فى الأعيان لا فى موضوع. فقولنا : إذا وجد فى الأعيان كان بصفة كذا ـ جزء من الصورة المعقولة والمعنى المعقول. ووجود هذه المعقولية تابع لوجود تلك الماهية ، كما يكون وجود معقولية الحركة تابعا لوجود الحركة.

من لوازم الجوهر أن يكون وجوده فى الأعيان ، لا فى موضوع. ويجب إذا عقل أن يعقل بلوازمه ، فيكون معقوله أنه إذا وجد فى الأعيان لم يكن فى موضوع وكذلك الحركة هذه صورتها : فإن معناها أنها كمال لما بالقوة بما هو كذلك ، وليس فى النفس حركة بهذه الصفة ، بل يحصل فى النفس من هذا المعلوم أنه صورة إذا وجدت فى الأعيان كان كمالا لما بالقوة بما هو كذلك. والحاصل من المعلوم فى الذهن هو غير الموجود من ماهيته. وكذلك الصورة المحسوسة من حيث هى محسوسة هى غير الصورة الموجودة من حيث هى موجودة.

علمى بالجوهر ، وهو أنه فى الأعيان لا فى موضوع ، هو عرض وهو ( 5 1 ا) الموجود فى ذهنى ، وليس هو فى الأعيان بل يكون من خارج إذا كان فى الأعيان ونحن نعلم أن فى الأعيان وجودا صفته كذا فى الأعيان. فوجود هذا المعنى فى الذهن ليس هو لا فى موضوع ، بل هو عرض. وهاهنا شىء مناسب لهذا وهو أن وجود الأول وصدور الموجودات عنه هو بعينه علة بأنه مبدأ لتلك الأشياء. ونحن نعقل الأول ونعقل أنه مبدأ للأشياء على وجه آخر ، وليس هو الأول بعينه.


الموجود فى الذهن هو أن الجسم مثلا فى الأعيان جوهر ، ووجوده فى الذهن غير وجوده فى الأعيان. فوجود هذا المعنى فى الذهن ليس بجوهر.

المعقول من ماهية الجوهر هو أثر منها لا نفس الماهية. فوجود هذا المعنى فى العقل هو غير وجود نفس الماهية ، بل هما متباينان. وهذا الوجود هو عرض. وهو وجود ذلك الوجود الذي هو صورة الجوهر. فهو وجود وجود أى وجودان. وجود الجوهر ليس فى موضوع إذا كان فى الأعيان. وليس ينتقل هذا المعنى بأن يكون لوجوده وجود فى الذهن مخالف له ، فإن هذا المعنى هو حقيقة لا تتغير ، وهو أنه إذا كان فى الأعيان لم يكن فى موضوع سواء كان فى الأعيان أو لم يكن. فوجوده فى الذهن هو وجود هذا المعنى منه لا نفس الجوهر.

قد يكون الإنسان فى غفلة عن الشعور بذاته فينبه على ذلك ، فلا يشعر بذاته مرتين. وأما الشعور بالشعور فقد يكون بكسب لا بالطبع.

إدراك أنه أدرك يكون بالعقل أو بالوهم. فإن سائر الحيوان تدرك أنها أدركت وذلك بالوهم.

المتصور من الذوات يكون مرة واحدة ، والعوارض التي تلحق بكل ذات لا تجعل تصور تلك الذات مرتين ، بل مرة واحدة. وإنما اختلفت بأنك أخذتها مرة مع عارض ، وأخرى مع عارض آخر ، وهى متصورة مرة واحدة ، وإذا تصورت نفسى لم أتصور غير نفسى ، ولم أتصورها مرتين. وإذا تصورت نفس زيد مثلا أكون تصورت مع نفسى شيئا آخر.

كل ما أصفه وأقول إنى قد أدركته فيجب أن يسبقه إدراكى لذاتى. فإن قلت : إنى عرفت ذاتى بهذا الشيء يكون قد سبق جهلى بذاتى ، فلم يصحّ قولى : إنى قد عرفت ذاتى. فإن ما قد عرفت به ذاتى هو ما أعبر عنه بقولى : عرفت. وإذا قلت : «عرفت ذاتى» ـ فيجب أن يكون قد سبق ذلك معرفتك بذاتك.

إذا شعرت بذاتك يجب أن يكون هناك هوية بين الشاعر والمشعور به كما إذا شعرت بزيد مثلا ، وكنت قد عرفت صفاته وأحواله فتجمع بين الاسم والأحوال فتقول هذا الاسم لمن له هذه الصفات والأحوال ، وهذا لا يمكن إدراكه بالحسّ البصرى ، ومثال ذلك : العسل إذا رأيت لونه أدركت أنه هو ما طعمه كذا. فقد حصلت هناك هوية بين المدرك وبين الذي سبق معرفته ومعرفة أحواله.


وإذا شعرت بغيرك ، كان يكون هناك غيرية بين الشاعر والمشعور به ، ويجوز أن تكون قد شعرت بذاتك أولا وشعرت بذلك الغير أولا حتى يصح لك الشعور به فتعرف الغيرية بين نفسك وبين ذلك الغير. والغيرية أيضا قد تكون على هذا الوجه وهو أن تعرف أسبابا وأحوالا وأسماء لم تطابقها مما شاهدت أو سمعت به ، فتحكم بالغيرية كما كانت الهوية مطابقة لما كنت عرفت من الأحوال والأسباب.

وأما الشعور بالذات فإن الشاعر ( 5 1 ب) بما هو (هو) نفس الذات ، فهناك هوية ولا غيرية بوجه من الوجوه. فإنك ما لم تعرف ذاتك لم تعرف أن هذا الشعور به من ذاتك هو ذاتك.

إذا لم تعرف زيدا لم تعلم أنه هو الفيلسوف. وفى الشعور بالغير يكون هناك غيرية لا محالة. فالشعور بالذات يكون بقوة واحدة. وإن كان الاعتبار من الشاعر والمشعور به مخالفا ، وفى الشعور بالغير يكون هناك شيئان : شاعر ومشعور به.

إدراكى لذاتى هو مقوّم لى لا حاصل له من اعتبار شىء آخر. فإنى إذا قلت : «فعلت كذا» فقد عبّرت عن إدراكى لذاتى. وإلا فمن أين أعلم أنى فعلت كذا ، لو لا أنى اعتبرت ذاتى أولا ثم اعتبرت فعلها ولم اعتبر شيئا أدركت به ذاتى؟!.

الذات تكون فى كل حال حاضرة للذات لا يكون هناك ذهول عنها. ونفس وجودها هو نفس إدراكها لذاتها ، فلا تحتاج إلى أن تدركها إذ هى مدركة وحاضرة لها ولا افتراق هناك ، كما يكون من المدرك والمدرك. فيلزم إذا كان الذات موجودا أن يكون مدركا لذاتها ، وأن يكون عاقلا لذاتها ، وشاعرا بذاتها وإلا احتاج إلى شىء يدرك به ذاتها من آلة أو قوة. فالقوة العقلية يجب أن تعقل ذاتها دائما فلا تكون ذاهلة عنها فتحتاج إلى أن تعقلها. بل نفس وجودها هو نفس إدراكها لذاتها ، وهما معنيان متلازمان.

الحسّ طريق إلى معرفة الشيء لا علمه. وإنما نعلم الشيء بالفكرة والقوة العقلية ، وبها نقتنص المجهولات بالاستعانة عليها بالأوائل.

الخاصة «على الإطلاق» هو أن يكون من جميع الوجوه ودائما ولجميع أشخاص النوع كالضحك. ـ «وبالقياس إلى شىء» هو أن لا يكون على الإطلاق. كذي الرّجل فإنه يعم الإنسان والطير. أو كالكاتب فإنه يعم صنفا من الناس.

المعقول من هذا الشخص والمحسوس منه يجب أن يكونا متطابقين وإلاّ لم يكن معقول هذا الشخص. فقولنا : المعقول منه هو الحاصل فى العقل ، وهو معنى كلى


والمحسوس منه هو غير ذاك فكيف يكونان متطابقين؟ إلا أن يعنى به أنه فى الوجود فى الأعيان ، أى معنى أمر موجود فى الأعيان لا معنى أمر معدوم فيه.

إذا كان المعقول من الشخص يكون كليا ، فكيف يطابقه وكيف يحمل على غيره؟ إلا أن يكون له حقيقتان : حقيقة فى عقلنا ، وحقيقة ذاته.

إذا سلم المخاطب القياس يكون القياس قياسا بحسبه. فأما فى نفسه فإنه إذا صح التأليف والمقدمات كان قياسا.

قوله : «قياس يلزم مقتضاه» ـ أى مقتضاه وهو النتيجة لازم إذا صحت المقدمات والتأليف وقياس بالقياس إلى المخاطب. وإنما يلزم مقتضاه وهو النتيجة أى تحت مقتضاه إذا تسلمه المخاطب سواء كان صدقا أو كذبا.

كون القياس قياسا أعمّ من كونه قياسا يلزم مقتضاه ، أى القياس على الإطلاق أعم ، والقياس الذي يلزم مقتضاه ـ على ضربين كما ذكر.

إعادة المعدوم لا يصحّ فإنه لا يكون للمعدوم عين ثابت مشار إليه فى حال العدم حتى يمكن إعادته بعينه بل إن كان فالذى يقال : إنه أعيد هو مثل المعدوم ، لا عينه.

إن كان وجود الفلك الأقصى علة لتاليه لزم أن يكون هو علة لامتناع وجود الخلاء ، ووجود الخلاء ممتنع بذاته ، وإنما لزم ذلك لأن قولنا هذا يوجب أن يكون إمكان وجود التالى معلولا بوجوب وجود الأول. فإذا كان هذا الإمكان معلوله كان امتناع وجود الخلاء أيضا معلوله ( 5 2 ا).

إن فرض أن الأوّل يخفى عليه شىء من الجزئيات الكائنة عرض منه محال ، وهو أن فى علمه ما هو بعد بالقوة فلم يخرج إلى الفعل وإنما يخرج إلى الفعل عند إدراكه لوجوده. وأيضا فإن كان كل ما يحدث ويكون لا يخلو من أن يكون بقدرة اللّه ، فإن كان لا يعلمه فلا يكون من قدرة اللّه فيكون هاهنا إله غير اللّه يكون ذلك الكائن من قدره ـ تعالى اللّه عن ذلك!.

سبب وجود الأشياء علمه بها وعقليته لها. فهو يعقل الأشياء على وجه الحكمة وعلى النظام الواجب لا كما يتفق ، أى لا يتمثل الأشياء ويتصور كما تتفق ، بل على الوجه الحكمى الواجب فى النظام ، وتمثل الأشياء كما يتفق إنما يصح فينا إذ كان أكثر أحوالنا على غير نظام. فأما الأول فلا يصح ذلك فيه لأن جميع أفعاله تكون على نظام فلا تحتاج إلى توخى النظام فيه.


هذا الجزء من الجسم مخالف لذلك الجزء منه بسبب المقدار الذي يكون لهما لا بسبب الجسمية ، فإنهما ـ من حيث هما جسم ومتفقان فى الجسمية ـ واحد.

لا يصحّ أن يكون البارى ينفعل عن الدعاء. بل إن كان الأمر المدعو له هو فى معلومه كان الدعاء مستجابا ، وإن لم يكن لم يكن مستجابا. لكنه ربما كان فى معلومه أن يكون سبب ذلك الأمر الدعاء.

الواجب الوجود يكون ضرورىّ الوجود. فإن جوّز عليه العدم لم يكن ضرورى. الوجود ، وذلك محال.

الأول كله فعل محض ، وهو واجب الوجود بذاته أى فى وجوده فلا تعلق له بشيء ، وليس فيه قوة البتة يقبل بها تأثيرا عن شىء ، فلا انفعال له عن شىء ولا يؤثر فيه شىء وكل ما سواه ففيه قوة قبول لشىء عنه ، فهو منفعل لا فعل محض؛ فهو وحده من بين الموجودات فعل محض بلا قوة. فلا سبب له فى وجوده. وهو سبب وجود كل ما سواه ، فحقيقته هو وجوب الوجود ، وكل ما هذا حقيقته فإنه لا يبطل ، فإذن لا يعدم البتة. فإن قيل إنه يدخل عليه شىء فيعدمه كان فيه قوة قبول للعدم ، فلا تكون حقيقته واجب الوجود ولا يكون فعلا محضا ، بل فيه انفعال ، وكان وجوده متعلقا بشيء لا بذاته ، وكان وجوده متعلقا بعدم سبب عدمه. فإنه لو لم يكن ذلك السبب معدوما لم يكن هذا موجودا ، وعلى الجملة فإن ما لا تعلق له البتة بشيء وليس فيه قوة البتة لا يعدم ولا يدخل عليه شىء فيعدمه. وإن كان يجوز عليه العدم من سبب ، ـ فما ذلك السبب؟ وكل شىء فهو معلوله ومسببه وهو موجده فلا يجوز أن يكون ما هو موجده سببا لعدمه ، أو يكون واجب وجود آخر سببا لعدمه ـ وذلك محال.

واجب(1) الوجود حقيقته وجوب الوجود. والحقائق لا تبطل البتة فإن الإنسانية مثلا لا تبطل فتصير شيئا آخر ، والحق لا يبطل فيصير شيئا آخر ، والوجوب لا يبطل فيصير إمكانا ، والإمكان لا يبطل بذاته فيصير وجوبا بل يكون أبدا إمكانا فى ذاته فما يكون واجبا بذاته ويكون ذلك حقيقته فإنه لا يدخل عليه شىء فيخرجه عن حقيقته. فواجب الوجود هو حق ، والحق لا يصير باطلا ، ولا يعدم البتة.

ليس فى الأول انفعال البتة. إذن ليس فيه قوة بل هو فعل محض. وهذه الانفعالات التي تنسب إليه كله باطل فإنه لا ينفعل عن شيء فيغضب أو يكره شيئا ، ولا تتجدد له حال لم تكن له قبل. فإن كان يغضب فيجب أن يكون أبدا غضبان لأنه يكون أبدا

________________

1) هذه صورة من صور الحجة الوجودية argument ontolugiqve لإثبات وجود اللّه.


عالما لا عند ما حل الشىء الذي أغضبه أو يكون حصل له العلم به عند حدوثه ( 5 2 ب) فيكون علمه لا من ذاته بل من خارج ومستفيدا العلم بعد ما لم يكن له. وهو لا يتجدد له حال لم تكن له قبل فإنه يكون فيه قوة ثم خرجت إلى الفعل ويكون سبب أخرجها إلى الفعل.

حقائق الأشياء لا تبطل فتصير حقائق أخرى ، وواجب الوجود حقيقته وجوب الوجود فلا تبطل حقيقته فيصير غير واجب الوجود فإذن لا يجوز عليه العدم ، وهو فعل محض. وإن جوّز عليه العدم ففيه قبول للعدم. فإنه لو لم يكن فيه قبول له لم يلحقه ففيه قوة إذن فيكون فيه انفعال أيضا ، فيكون ما هو فعل محض قد انقلب حقيقته فصار انفعالا.

كل ما فيه قبول الشىء ففيه قوة. فواجب الوجود فعل محض. فإن كان يقبل العدم ففيه قوة وهو محال.

إن كان يجوز أن يعدم فليس هو واجب الوجود بذاته ، بل وجوده معلول. وإن جوز أن يدخل عليه شىء فيعدمه فيكون فيه قبول للعدم فإنه لو لم يكن فيه قبول له لم يعدم ففيه قوة إذن. فواجب الوجود بذاته هو فعل محض ، ففيه فعل أن يكون دائما وقوة أن يبطل.

الهيئة والصورة قد تحدثان حدوثا أوليا ثم يحدث عنهما وعن المادة مجموع الصورة والمادة ، وهذا المجموع لا يحدث حدوثا أوليا.

الصورة توجد فى المادة ، والمركب يوجد فى الصورة والمادة.

الزمان هيئة : فلا يخلو إما أن يكون بتمام مقدارها فى المادة أو لا يكون بتمام مقدارها فى المادة. فلو كان بتمام مقدارها فى المادة لكان تزيد المادة التي فيها الزمان كما تزيد المواد بزيادة الهيئات التي فيها. وذلك كالبياض ، إذا كان فى جسم ، فإنه إذا زاد البياض فإنما يزيد بزيادة المادة التي فيها فتكون زيادته تابعا لزيادة المادة؛ أو لا يكون بتمام مقدارها فى المادة بل تكون الزيادة خارجة ، وذلك محال. فلا شىء من الهيئات كذلك فإذن هو هيئة لشىء غير قارّ وهو الحركة.

كل دعاء فإنه لا يمتنع أن يستجاب. ووجه لا امتناعيته أنه يكون معلولا للأول وإن كان بوساطة الداعى ، وكل ما يكون معلولا(1) له فإنه كائن إذا لم يكن هناك معلوم

________________

1) ص : معلوما.


آخر يمانعه. ومعنى ممانعة المعلوم الآخر الذي يمانعه هو مثلا أن يكون داع يدعو على إنسان بالبوار ، وبواره يتم فساد مزاجه. ويكون معلوما له أيضا من جانب آخر أن ذلك المزاج يجب أن يكون صحيحا ، فلا يصح أن يكون الدعاء مستجابا. وقوله : «من جانب آخر» أى من أسباب ذلك المزاج. وإن علم من أسبابه أنه لا يجب أن يكون صحيحا كان الدعاء مستجابا فلا يكون هناك ممانعة معلوم آخر. ولذلك يجب أن لا يدعو أحد على أحد فإنه لا محالة قد علم فى سابق علمه أن هذا الداعى يدعو فإذا دعا دلّ على أنه كان معلوما له ، وكل ما كان معلوما له فلا يمتنع وجوده.

الأول هو السبب فى لزوم المعلومات له ووجوبها عنه ، لكن على ترتيب وهو ترتيب السبب والمسبّب فإنه مسبّب لأسباب ، وهو سبب معلوماته ، فيكون بعض الشىء متقدما علميته له على بعض ، فيكون بوجه ما علة لأن عرف الأول معلولها وبالحقيقة فإنه علة كل معلوم وسبب لأنّه علم كل شىء. ومثال ذلك أنه علة لأن عرف العقل الأول ، ثم إن العقل الأول هو علة لأن عرف لازم العقل الأول فهو وإن كان سببا لأن عرف العقل الأول ولوازمه فبوجه ما صار العقل الأول علة لأن عرف الأول لوازم ذلك العقل الأول. ـ والأمر فى الدعاء ( 5 3 ا) كذلك فإنه بالحقيقة هو السبب فى دعاء الداعى وسبب للداعى ثم إن الداعى هو سبب لأن عرف دعاءه فإنه بوساطته يكون الدعاء معلوما له ، فيكون الداعى بوجه ما سببا لأن عرف الأول دعاءه وليس يؤثر الداعى بالحقيقة فى الأول بل هو بالحقيقة المؤثر لا الداعى.

العقل البسيط هو أن يعقل الشىء ولوازمه إلى أقصى الوجود معا ، لا بقياس وفكر وتنقّل فى المعقولات ومعرفة الشىء أولا واللوازم ثانيا بل كما يحضر الذهن فيك أنت معنى ما معقولا : حضر الذهن معه لوازمه وأسبابه وعلله من غير أن يحتاج إلى مقايسة وفكر بل يكون نفس عقلك للمعنى نفس عقلك لأسبابها وعللها ولوازمها ، وذلك بأن تكون قد حصلت أولا معرفة المعنى ومعرفة اللوازم والأسباب والعلل وحصلت كلها حاضرة فى ذهنك فلا تحتاج فيها إلى تنقل صور من شىء إلى شىء. فهذا النحو من التعقل بسبب تعقل الأول لذاته وللوازم عنها وللموجودات كلها : حاصلها وممكنها أبدياتها وكائنها وفاسدها وكليّها وجزأيها ، فإنه يعقلها كلها معا على الترتيب السببى والمسبّبى وهو تعقلها من ذاتها لأنها فائضة عنه وذاته مجردة. فهو عاقل ذاته وذاته معقولة فهو عاقل ومعقول ، والموجودات كلها معقولة على أنها عنه لا فيه.


نفس تعقّله لذاته هو وجود هذه الأشياء عنه ، ونفس وجود هذه الأشياء نفس معقوليتها له على أنها عنه.

وجود هذه الموجودات عنه وجود معقول ، لا وجود موجود من شأنه أن يعقل أو يحتاج إلى أن يعقل.

هو يعقل الأشياء لا على أنها تحصل فى ذاته كما نعقلها نحن ، بل على أنها تصدر عن ذاته وأن ذاته سبب لها.

إضافة هذه المعقولات اليه إضافة محضة عقلية أى إضافة المعقول إلى العاقل فقط لا إضافة كيفما وجدت ، أى ليس من حيث وجودها فى الأعيان أو من حيث هى موجودة فى عقل أو نفس أو إضافة صورة إلى مادة أو عرض إلى موضوع بل إضافة معقولة مجردة بلا زيادة وهو أنه يعقلها فحسب. فإنه إن لم يكن على هذه السبيل لكان كل مبدأ صورة فى مادة الذي له إليها إضافة ما وهى أن مبدأها عقلا بالفعل كما أن الأول عقل بالفعل ، أى إن لم تكن على هذه السبيل حتى تكون معقولة بالفعل لكان كل صورة فى مادة يمكن أن تعقل بتدبيرها من التجريد عنها معقولا بالفعل.

أنت إذا عقلت ذات الأول وقسته إلى ما صدر عنه تصوّر لك بعد هذه المقايسة أنه مبدأ لهذه الأشياء.

نحن إذا قايسنا بين شىء هو علة وشىء هو معلول نحتاج أن نعرف من المعلول لوازمه ومن العلة لوازمها ، فنقايس بتلك اللوازم بين العلة والمعلول. فحينئذ نحكم بأن أحدهما علة ، والآخر معلول. فإن قلنا إن الأول يعرف لكن مبدأ لمعلولاته على هذه السبيل. لزم أن يعرف العلة من معلولها ، وذلك محال ، ووجب أن يستفيد لوازم معلوله من معلومه. وقد أبطل ذلك على ذلك ، فإن الكلام فى اللوازم كالكلام فى المعلول ، فإن تلك اللوازم فائضة عنه معقولة.

أنت إذا عرفت شيئا مبدءا لشىء ، عرفته بلوازم العلة والمعلول. فإذا كان ذلك الشىء فى ذاته وجوده هذا الوجود ، أعنى وجودا عقليا ، لم تحتج إلى أن تستفيد كون الأول علة واللوازم معلولة ، إلى النمط الأول من الإدراك ، بل نفس الوجود نفس الإدراك.

الأول ليس يحتاج فى أن يعرف لوازمه إلى أن تصدر عنه ، بل نفس صدور هذه اللوازم عنه نفس عقليته لها. فإنه كما أنك تعلم أنه أول ، وتلك ثوان ، فكذلك


وجود الأول والثوانى. فنفس وجود الجميع ، أعنى الأول والثوانى ، نفس العقلية.

أنت إذا عرفت صفة لموصوف فإنما عرفته بعلة. فإذا كان ليس للصفة والموصوف والعلة بينهما وجود من خارج على ما هو موجود فى ذاته ، لم يحتج ذلك الموصوف إلى أن يعرف الصفة بعلتها.

الأول يعقل ذاته على ما هو عليه الذاتية مبدأ للموجودات وأنها لازمة له عقلا بسيطا. فليس يعقل ذاته أولا ، ويعقل أنه مبدأ للموجودات ثانيا ، فيكون عقل ذاته مرتين ، بل نفس عقله لها هو نفس وجودها عنه. وليس اعتبار تعقل الأول كاعتبار تعقلنا نحن : فإنّا نعرف العلة والمعلول من لوازم كل واحد منهما وبقياس واعتبار ، فنعقل أولا أنه موجود ، ونعقل أيضا أنه مبدأ للموجودات بقياس ونظر ، ونعقل أيضا أنا عقلنا ذلك بعقل آخر. وليس الحال فى تعقل الأول كالحال في تعقلنا ، فإنه ليس يحتاج إلى أن يعقل أنه قد عقل ذاته مبدءا للموجودات ، لأنه عقل ذلك بسيطا وعلى ما عليه الأمر فى الوجود ، ولم يعقله بمقايسة وإلاّ تسلسل الأمر ، فيكون عقل ذاته مبدءا ، وعقل أنه عقل ذاته مبدءا.

لو كان يعقل ذاته أولا ، ثم يعقلها مبدءا للموجودات ، لكان عقل ذاته مرتين ، ولم يكن عقله عقلا بسيطا ، بل كان عقله الثاني غير عقله الأول ، فيكون عقل ذاته مبدأ تعقل غير ما عقل به ذاته ، أو لأنه يعقل ذاته أولا لأنه يعقل ذاته أولا باعتبار ونظر. فإذن هو تعقل ذاته على أنه مبدأ لها ، على ما هى عليه ، وتعقل جميع الأشياء على ما هى عليه عقلا بسيطا من غير حاجة إلى اعتبار ونظر.

كون هذه الصورة موجودة عنه هو نفس علمه بها ، وعلمه بأنه يلزم عنها وجود ما هو مبدأ لوجودها عنه ، وليس يحتاج إلى علم آخر يعلم به أنه مبدأ لوجودها عنه.

وجود هذه الصور التي عنده عنه هو نفس علمه بأنه مبدأ لها. فهذه المعقولية هى نفس هذا الوجود ، وهذا الوجود هو نفس هذه المعقولية.

المعقولات إذا كانت غير مجردة قائمة بذاتها بل تكون مثل الصورة فى المادة ، فيحتاج فى تعقلها إلى أن تجرد عن المادة بتدبيرها ، ما لم تكن معقولة بالحقيقة. وليست معقولية المعقولات للأول هى على هذا ، حتى يكون تعقله لها من حيث أنها موجودة ومن حيث لوجودها تأثير فى عقليته لها ، حتى إنها تفيده عقلا ، بل هذه المعقولات من لوازم ذاته ، فهو يعقل ذاته على ما هو عليه من لزوم هذه الأشياء لها فلا يستفيد عقله


لها من وجودها ، فيكون قوله إذا عقل الأول هذه الصور ارتسمت فى أيها كان فى نفس أو عقل ، فليس يعنى به أنه إذا عقلها عقلها على أنها مرتسمة فى أيها كان ، أو أيها يرتسم فى أيها كان ، فإن ذلك محال ، بل الأول يعقل ذاته مبدءا لها على ما هو عليه الأمر ، فيكون نفس عقليته لها نفس وجودها وارتسامها فيما هى مرتسمة فيه ، فيكون كما قال : إنها تدخل فى جملة ما الأول يعقل ذاته مبدءا لها ، فيكون صدورها عنه ليس على ما قلنا من أنه إذا عقلها وجدت ، لأنها نفس عقله لها ، أو يتسلسل.

إن فرضنا أن الأول يعقل ذاته مبدءا لها ، ثم تكون تلك الموجودات موجودة فيه : فإما أن يكون وجودها فيه مؤثرا فى تعقله لها ، أولا يكون مؤثرا. فإن كان مؤثرا ، كان علة لأن يعقلها الأول. لكن علة وجودها هى أن الأول عقلها ، فيكون لأنها عقلها الأول عقلها ، أو لأنها وجدت عنه وجدت عنه.

الأول إذا كان يعقل ذاته مبدءا للأشياء ، ثم تكون تلك الأشياء حاصلة فيه ، فإما أن يكون يعقلها مرة أخرى ، أو لا يعقلها. فإن لم يعقلها مرة أخرى ، بل كان تعقله لها من حيث حصولها فيه هو بعينه تعقله لها من حيث إنه مبدأ لها ـ كان إن كان وجود تلك المعقولات علة لأن يعقلها الأول. ثم نقول إن عقل الأول لها هو علة وجودها كان كأنه يقال لأنها وجدت عنه وجدت. وإن كان يعقل الأول علة لوجودها ، ثم يصير وجودها علة لأن يعقلها كان كأنه لما عقلها عقلها ، وكلا الوجهين له محال. وحقيقة الأمر أن نفس معقوليتها له هو نفس وجودها عنه.

قوله : «إنما وجدت هذه الأشياء لأنه عقلها ، وإنما عقلها لأنها وجدت عنه» ـ يلزم أنها وجدت لأنها وجدت ، أو عقلت لأنها عقلت.

التسلسل هو أن نقول : الأول يعقل ذاته مبدءا لهذه الأشياء ، ثم يعقل ذاته مبدءا لهذا اللازم ، وهو أنه مبدأ للأشياء. واعتبر فى ذلك عقلنا للأول فى أنه مبدأ لها ، وفى وجود الأول مبدأ لها وجودا. عقليا فإنا نعقل للأول صفة ، وهو أنه مبدأ ، ونعقل أنّا عقلنا أن له هذه الصفة وهو أنه مبدأ فلا نحتاج فى ذلك إلى قياس ونظر. فالأول لا يحتاج إلى هذا القياس ، لأن وجوده هو على هذا ، وهو أنه مبدأ للأشياء.

الموجودات معلولة له لا محالة. وإذا قلنا إنه يستفيد علم الأشياء من وجودها ، يلزم أن يستفيد معقولية الأشياء من وجوداتها التي هى معلولة ، فتكون معقولية الشىء بعد وجوده وذلك محال ، فإن المعقولية سبب الوجود ، ويلزم من ذلك أن يكون علة تعرف من المعلول.


الأول لا يستفيد علم الموجودات من وجودها ، فإنه يفيدها الوجود ، فهو يعقلها فائضة عنه. ففى عقله لذاته عقله لها ، إذ هى لازمة له.

هو يوجدها معقولة؛ لا يوجدها من شأنها أن تعقل.

فإن قال قائل : إنه هل يعلمها قبل وجودها حتى يلزم من ذلك إما أن يعلمها وهى فى حال عدمها ، أو يلزم إما أن يكون يعلمها عند وجودها حتى يكون يعلمها من وجودها؟ ـ كان قوله ذلك محالا ، لأن علمه بها هو نفس وجودها ، ونفس كون هذه الموجودات معقولة له هو نفس كونها موجودة. وهو يعلم الأشياء ، لا بأن تحصل فيه فيعلمها كما نعلم نحن الأشياء من حصولها ووجودها ، بل حصولها هو علمه بها. ويعلمها بسيطة ، لا بأن يعلم الأسباب ويجمعها فيستنتج منها العلم ، كما نحكم نحن بأن هذا كذا. وكل ما كان كذا فهو كذا ، فيكون فى علمنا به تكرار واستنتاج للآخر من الأول ، بل يعلم هذه الأشياء من ذاته ولازمه ولازم لازمه ، فيكون يعلمها على ما هى موجودة عليه وعلى ما تكون موجودة عليه علما على ترتيب السّببىّ والمسبّبيّ.

إن قيل : إذا كان الأول يعلم الأشياء من ذاته ، فهل يعلم أن بإزاء علمه وجودا من خارج؟ ـ فالجواب : أنه يعلم الأشياء ولوازمها ولوازم لوازمها إلى أقصى الوجود على ترتيب السّببى والمسبّبى. ومن لوازم الأشياء أن لها وجودا من خارج ، فهو يعرفها على ما هى موجودة عليه ، فيعرف أن هذا سبب لذاك ، وأن ذاك سبب لذاك ـ معرفة بسيطة ، لأنه يعرف السبب أولا ، ثم يعرف بقياس أن ذلك السبب هو سبب لذلك المسبب كما نعرفه نحن ، فتتكرر معرفته بأن يعرف ذاك أولا ، ثم يعرفه ثانيا بأنه سبب.

الأول يعلم الأشياء كلها على ما هى موجودة عليه ، لأن سبب وجودها هو علمه ، فلا يصحّ فى علمه التكرار ، فإنه مثلا يعرف الإنسانية التي هى ذات ما وهى موجودة ، أى هى معلولة مرة واحدة ، لكنها متكثرة النسب. فالذوات محصورة متناهية ، والنسب غير متناهية. فإنه لو اجتمعت ألفا ذات ، ولكل واحدة منها نسبة إلى الأخرى فالنسب أيضا موجودة معها ، لأنها لا يتوقف وجود لوازمها على وجود شىء آخر ليس وجود تلك اللوازم فى شىء ، فإذن تلك النسب موجودة له ، أى معلومة له ، لأن تلك الموجودات مجردة. وعلم اللّه يتناول كل ذات توجد مرة واحدة فإنه يعرفها ويعرف نسبتها ولوازمها ولوازم لوازمها ، ويعرف المشابهات بينها وبين غيرها ، فيحتاج مثلا إلى أن يعرفها بنسبة ما ، ثم يعرفها ثانيا بنسبة أخرى ، فيتكرر علمه لها. وكذلك نحن


قد نعرف الأشياء على الوجه ، فإنا نعرف زيدا ، ونعرف أنه ابن فلان ، ونعرف أنه طويل أو قصير ، أو أنه بصفة من الصفات؛ وإن كان علمنا بانتقال لا بسيطا فلا تتكرر معرفتنا بزيد ، بل يكون علمنا به مرة واحدة. إلا أن نسبته تكثرت عندنا ، فعرفناها أولى وأخيرة ، والأول لا يكون فى علمه انتقال ، فلا يعرف لازما ، فيعرف لازما آخر بواسطة الأول ، بل يعرف الذات على ما هى موجودة عليه.

العناية هى أن الأول خيّر عاقل لذاته ، عاشق لذاته ، مبدأ لغيره فهو مطلوب ذاته. وكل ما يصدر عنه يكون المطلوب فيه الخير الذي هو ذاته. وكل هذه الصفات ما لم تعتبر فيها هذه الاعتبارات واحدة. وكل من يعتنى بشيء فهو يطلب الخير له. فالأول إذا كان عاشقا لذاته لأنه خير ، وذاته المعشوق مبدأ الموجودات ، فإنها تصدر عنه منتظمة على أحسن نظام.

العناية صدور الخير عنه لذاته ، لا لغرض خارج عن ذاته. فالإرادة تكون له متجددة.

فذاته عنايته. وإذا كان ذاته عنايته ، وذاته مبدأ الموجودات ، فعنايته بها تابعة لعنايته بذاته. وأيضا إذا كان مطلوبه الخير ، والخير ذاته وهو عنايته وهو مبدأ لما سواه ، فعلمه بذاته أنه خير مبدأ لهذه الأشياء وعناية له بها. ولو لم يكن عاقلا لذاته ، وعاقلا لأن ذاته مبدأ لما سواه ، لما كان يصدر عن ذاته التدبير والنظام. وكذلك لو لم يكن عاشقا لذاته لكان ما يصدر عنه غير منتظم لأنه يكون كارها له غير مريد له ، وليست الإرادة إلا أن الموجودات غير منافية لذاته.

ولما كان عاشقا لذاته ، وكانت الأشياء صادرة عن ذات هذه صفتها ، أى معشوقة ، فإنه يلزم أن يكون ما يصدر عنه معنيا به ، لأنه عاشق ذاته ومريد الخير له.

يكفى فى عنايته بالأشياء وجودها عنه. فعنايته بالأشياء هى حقيقة إذ هى عنايته بذاته ، وعناية الكواكب والأفلاك بالكائنات هى من طلبها الخير لذواتها بالتشبه بالأول ، ولأن ذواتها خير وطالبة للخير فجميع ما يصدر عنها يجب أن يكون خيرا ، ويكون فيه نظام الخير.

كما أن وجوده يظهر فى كل شىء فوجوده على صفة وجوده وهو أنه خير.

وجوده مباين لسائر الموجودات ، وتعقله مباين لسائر التعقلات ، فإن تعقله على أنه عنه ، أى على أنه مبدأ فاعلى له ، وتعقل غيره على أنه فيه ، أى على أنه مبدأ قابلىّ له.

وجود كل موجود هو للأول ، لأنه فائض عنه ، ووجوده هو له ، فوجوده مباين


لوجود سائر الموجودات. ولا شىء من جنس وجوده. وهو المعنى المشار إليه خارجا عن وجوده لغيره ، فهو غير مشارك فى وجوده الذي يخصه. فوجوده وكمال وجوده هما معنى واحد. فكمال وجوده هو أنه غير مشارك فى وجوده ، وهو أن كل شىء له فإنما هو له من ذاته ، لا من غيره ، وأن صفاته التي يوصف بها هى له على وجه أعلى وأشرف من المفهوم من تلك الصفات. فالحياة له على وجه أعلى وأشرف من مفهوم معنى الحياة؛ وكذلك العلم : فإنه له على وجه أعلى وأشرف من المفهوم من معنى العلم. فإن العلم هنا عرضىّ ، وهو له من صفات ذاته ، بل هو ذاته ، فلذلك يوصف بأنه العالم.

الفاعل قد يكون بالقوة فاعلا ، ثم يصير بالفعل فاعلا ، ككاتب لم يكتب ثم صار يكتب ، وكان خروجه إلى الفعل بسبب. فلو كان الفاعل الأول فاعلا على هذه الصورة لم يكن لذاته فاعلا ، وكان خروجه إلى الفعل بسبب ، فلا يتغير الحكم فى الإرادة وغير الإرادة. فإنه إن كان علة الإرادة لغرض لذاته ، وجب أن يكون أبدا مريدا. وإن كانت إرادة محصول غرض حصل بعد أن لم يكن ، كان ذلك الغرض صيّره فاعلا ، فإن الغاية تجعل الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا. فإذن هو فاعل لذاته ، وخالق لذاته.

الخلق من لوازم واجب الوجود لذاته ، كالوحدانية والعلم.

المعلومات كانت له ولا شك أنها قديمة ، ولم يصح القدم فى المعلومات ولم يصح فى الموجودات ، ولم يصحّ أن تكون صور الأشياء معلومات له قديمة ، ولا يصح وجود العالم والأبديات. ولا خلاف أن صور الأشياء معلومة له ، وكلها متميزة عنده ، أى يعلم كل واحد منها متميزا عن الآخر.

واجب الوجود يجب أن تكون لوازمه ، وهى معلوماته ، معه ، لا تتأخر عنه تأخرا زمانيا ، بل تأخّر المعلول عن العلّة ، فلا تكون متوقفة فى وجودها عنه على شىء ، فلا يجب أن تكون غير موجودة ثم وجدت ، أو يكون هو غير مريد ثم أراد ، بل يجب أن تكون معه ، ويعلم أنها تكون على ما هو عليه فى الوجود ، إذ هى مطابقة لعلمه ، وهى معلولة لعلمه ، والمسبّب مطابق للسبب.

لا يصح أن يكون المطلوب فى العلوم جنس الشىء أو فصله. فإن قيل : فكيف يطلب جنس النفس فى الطبيعيات؟ قيل : إنه يطلب فيه بهذا الطلب معنى الجوهرية لشيء مجهول ، على أنه عارض لذلك المجهول ، لا على أنه مقوّم له. فالجوهرية إثبات عارض


لشىء مجهول هو محرّك البدن ، ثم علمك بأن هذا الجوهر جنس لذلك الشىء هو علم لعارض لذلك الجوهر ، وهو جنس ، فإن الجنسية لا تقوم الجوهر.

قولك : «النفس جوهر ، والجوهر جنس لها» ـ لا يكون حمل الجنس على الجوهر حمل الجوهر على النفس ، فإن الجنسية عارضة للجوهر ، لا مقوّمة له ، والجوهرية مقوّمة للنفس ذاتية لها.

لا محالة أنه يعقل ذاته ، ويعقلها مبدأ للموجودات ، والموجودات معقولات هى غير خارجة عن ذاته ، لأن ذاته مبدأ لها ، فهو العاقل والمعقول. ويصح هذا الحكم فيه ، فلا يصح فيما سواه. فإن ما سواه يعقل ما هو خارج عن ذاته.

كل ما يعقل ذاته فإنه هو العقل والعاقل والمعقول. وهذا الحكم لا يصحّ إلا فى الأول ، فان ذاته فى الأعيان له وذاته مجرد ، فهو يعقله دائما ، فان ذاته حاصل له دائما.

عقله لذاته لسنا نعنى به أن ذاته غير حاصلة له ، فهو يروم أن يعقله ، كالحال فينا إذا لم يكن شىء لنا حاصلا معقولا ، فنبعث بعقلنا لاكتسابه ، بل ذاته حاصل له دائما ، وهو معقول له دائما ، فذاته عقله لذاته ، فهو معقولة. وأما ما يقال : إنّا إذا عقلنا شيئا فانّا نصير ذلك المعقول ـ فهو محال ، فإنه يلزم أن يكون إذا عقلنا البارى أن نتحد به ونكون هو. وهذا الحكم لا يصح إلا فى الأول ، فإنه يعقل ذاته ، وذاته مبدأ المعقولات ، فهو يعقل الأشياء من ذاته ، وكل شىء حاصل له حاضر عنده ، معقول له بالفعل.

عناية البارى ليس هو سبب عارض من خارج ، مثل إرادة من خارج أو عرض أو داع أو سبب ، بل هو عناية وهو ذاته. فإن صدور الأشياء عنه هو بسبب ذاته ، لا بسبب شىء خارج ، وذاته سبب النظام والخير. وكل ما يصدر عنه يجب أن يكون مناسبا لذاته ، ويكون خيرا لخيرية ذاته ، ولا يجوز أن يكون منافيا لذاته ، فيجب أن يكون كل شىء منتظما خيرا لأنه غير مناف لذاته. وليس معنى الخير والنظام فى الموجودات إلا أنه غير مناف لذاته. وهذا كما نقول فى حرارة النار إنّه لا يجوز أن يصدر عنها إلاّ الحرارة إن لم تقسر على ضدها. وليس هناك قسر ولا مانع غير ذاته.فعنايته هو عقله ، وعقله لذاته مبدأ وخير. وعقله لذاته على هذه الصفة هو وجودها ، أى العناية. وقولك(1) يعقلها نظاما وخيرا ، أى توجد

________________

1) ب : وقولها.


عنه هذه الأشياء وجودا ملائما له ، وذاته خير ونظام. فهذه الأشياء ذوات خيرية وهى كما أنها موجودة هى منتظمة ، كما أنها معقولة هى موجودة. ومعناه أن نفس وجودها منتظمة هو نفس معقوليتها على هذه الصفة ، وهو من حيث هو خير : غاية ، ومن حيث هو مبدأ : فاعل ، وهما شىء واحد ، إلاّ أنه يختلف بالإضافات وبالاعتبارات ، فيجب أن يعقل أنه واجب الوجود ، وأنه مبدأ ، وأنه خير ، وأنه غاية ، وأنه فاعل ، وأنه قادر ، وأنه كذا يعنى أنه معنى واحد ، لأنه ليس هناك كثرة ، وإنما ذلك يعرض بحسب الاعتبارات ، وليس يحتاج إلى أن يعتبر فى ذاته أنه خير ونظام ، وأنه كذا وكذا فيعرف ذاته متكثرة ، بل هذه المعانى هى واحدة ، وهى نفس هذا الوجود ، أى نفس الوجوب والنظام والخيرية وسائر الصفات التي له بحسب الاعتبارات التي يعرفها له من أدركه وعرفه. وليس هو بحسب هذه الاعتبارات ، بل هو فى نفسه خير ونظام واحد. وليس يحتاج إلى أن يجتهد فى أن يكون على أفضل ما يمكن كما يحتاج إليه الفلك وما سواه ، بل هو موجود على أفضل ما يمكن أن يكون.

لو أن صورة حلت فى ذهنك كان نفس وجودها نفس عقليتك لها ، وما كان يجب أن توجد فى ذهنك أولا ثم تعقلها ثانيا ، بل نفس وجودها فى ذهنك نفس معقوليتها لك. نحن إذا رأينا شيئا ارتسمت فى خيالنا صورته ، فانتزع العقل منها معناه ، فيكون المعقول فيه هو الذي إذا سمعنا باسمه كان حاضرا لنا. والمثال فى ذلك واضح.

الآلة إنما جعلت للشىء ليكتسب بها ما هو له بالقوة ، لا بالفعل. وشعور الذات بالذات لم يكن فقط بالقوة ، بل هى مفطورة عليه. وذات الإنسان ذات شاعرة ، فشعورها بذاتها بالطبع لها. وإذا كان كذلك لم يكن باكتساب. وإذا لم يكن باكتساب لم يكن بآلة.

الشعور بالذات ذاتى للنفس ، لا يكتسب من خارج ، وكأنه إذا حصل الذات حصل معها الشعور ، ولا نشعر بها بآلة ، بل نشعر بها بذاتها ومن ذاتها. وشعورنا شعور على الإطلاق ، أعنى لا شرط فيه بوجه ، وأنها دائمة الشعور لا فى وقت دون وقت. وإدراك الجسد هو من طريق الحس ، وذلك إما بالبصر ، وإما باللمس. فمن جوز أن تكون المعرفة بالذات من طريق الاستدلال عليه بالحس ، يلزمه أن يكون لم يعرف ذاته على الإطلاق ، بل عرفه حين أحس جسمه. وأيضا فإن الإدراك بالحس يوجب أن يكون هناك شىء علم أنه قد أدرك المحسوس بالحس ، ويكون غير


الحس ، فيكون هو النفس لا محالة. فإن ما أن نشعر بأنا قد شعرنا بذواتنا فهو من فعل العقل.

الشعور بالذات يكون للنفس بالفعل فإنها تكون دائمة الشعور بذاتها. وأما الشعور بالشعور فإنه يكون بالقوة. ولو كان الشعور بالشعور بالفعل ، لكان دائما ولم يحتج إلى اعتبار العقل.

إدراكى لذاتى هو أمر يقوم لى ، لا حاصلا لى من اعتبار شىء آخر ، فإنى إذا قلت : فعلت كذا ، فانى أعبر عن إدراكى لذاتى وإن كنت فى غفلة عن شعورى بها.وإلاّ فمن أين يكون (أن) أعلم أنى فعلت كذا لو لا أنى اعتبرت أولا ذاتى؟! فإذن قد اعتبرت أولا ذاتى لم فعلها ، ولم أعتبر شيئا أدركت به ذاتى.

شعورنا بذاتنا هو نفس وجودنا.

إذا علمنا شيئا ففى علمنا بادراكنا له شعور بذاتنا لا نعلم أن ذاتنا أدركته ، فشعرنا أولا بذاتنا. وإلا ، فمن أين نعلم أنا أدركناه لو لا أنا شعرنا أولا بذاتنا؟! ومثل ذلك بيّنة ، لا برهان ، على أن النفس شاعرة بذاتها.

الأوليات ليست بالفعل وإلا لم يحتج فيها إلى اعتبار.

الشعور بالذات هو غريزى للذات ، وهو نفس وجودها فلا نحتاج إلى شىء من خارج ندرك به الذات ، بل الذات هى التي ندرك بها ذاتها ، فلا يصح أن تكون موجودة غير مشعور بها ، على أن يكون الشاعر بها هو نفس ذاتها ، لا شىء آخر. وليس هذا خاصا للإنسان ، بل جميع الحيوانات تشعر بذواتها على هذا الوجه. والشعور بالغير يحتاج إلى معرفة سابقة بأحواله وصفاته ، فإنك لو لم تعرف زيدا بأحواله وصفاته لم تعلم إذا أدركته حسا أنه هو ذاك الذي تعرفه ، ولم تعلم أنه هو الفيلسوف مثلا ، فإن هذا المشاهد ما لم يسبق علمك به لم يمكنك أن تقول : إنه هو ذلك الشىء الذي أعرفه.

إن قال قائل : إن الأسماء لا تعرف منها حقائق الأشياء : فإنّا إذا سمعنا باسم رجل لم نشاهده ، أو باسم شىء لم نعرفه ، لم يمكنّا أن نستدلّ من الاسم على صورته ، بل تجب أن تكون قد وردت علينا صورته من طريق الحسّ مقرونة باسمه ، فإذا سمعنا باسمه تصورناه ، كما إذا تصورناه مثلا تذكرنا اسمه ـ فكيف الحكم فى واجب


الوجود بذاته ، ومن أين حصل لنا هذا المعنى حتى نقول إن واجب الوجود بذاته هو اسم الأول؟ ـ فالجواب : أنّا ندرك الأمور التي تتعلق فى الوجود بغيرها من طريق الحسّ أو من وجه آخر ، فتكون دلالة واجب الوجود بذاته على الضد من المعنى الذي حصل فى أذهاننا من الموجود بغيره. ومثل ذلك تصورنا الأشياء العدمية من الوجودية. ولذلك قد نرى أشياء كثيرة من غير أن نرى معها علتها أو سببها كالفلك ، فنتصور من ذلك فى أذهاننا الوجود الذي لا سبب له.

دلالة اللفظ على المعنى دلالة العسل المشاهد على حلاوته. وكما أن العسل أدرك حلاوته من أكله بحسّ الذوق ، ولونه بحسّ البصر ، ثم لما شاهده علم أنه حلو ، إلاّ أن الحلاوة تأدّت إليه من حسّ البصر ، بل لما ارتسم فى نفسه حلاوته؛ فكذلك الألفاظ إذا سمعت أدرك مع سماعها معنى ، فارتسم فى النفس المعنى. واللفظ معا. فكلما خطر بالبال ذلك المعنى أدرك اللفظ ، وكلما سمع ، ذلك اللفظ أدرك المعنى ، لا أن اللفظ هو ذلك المعنى ، بل هو مؤدّ إلى إدراكه.

الوجود الصورى هو الوجود العقلى. ومعنى الوجود العقلى أنه إذا وجدت تلك الصورة لشىء صار ذلك الشىء عقلا بها ، وإذا وجدت الصورة بشيء صار عاقلا لها. فالأول أولى بأن يكون عقلا وعاقلا ومعقولا.

الواجبات والأوليات واجبة بذاتها ، والاعتباريات ليست واجبة بذواتها ، بل يجب الشعور بها والتنبيه عليها.

الشعور بالذات لا يصحّ بآلة جسمانية ، فيجب أن يكون الشاعر بها والمشعور واحدا ، ويكون سببا أحديا مجردا ، ويجب أن يكون الشعور بالذات يدرك بالذات ، لا غيرها ، بل كلما فرضت أنك قد علمت ذاتك ، وأنه حصل لك علمك بذاتك بآلة من الآلات ، وجب أن يكون قد سبق علمك بذاتك ، فإنك ما لم تعرف ذاتك لم تعلم أن هذا الذي أدركته ذاتك ، كما أنك إذا لم تعرف شخصا ما بأحواله وصفاته وعلاماته فإذا شاهدته جمعت بينه وبين تلك الأحوال والصفات ـ لم يمكنك أن تقول : قد أدركته.

الطريق المسلوك إلى معرفة البارى هو أنا جئنا فقسّمنا الوجود إلى الواجب وغير الواجب ، ثم قسّمنا الواجب إلى ما هو بذاته ، وإلى ما هو ليس بذاته ، وقسمنا غير الواجب إلى ما هو غير واجب بذاته الذي هو الممتنع ، وإلى ما هو غير واجب لا بذاته ، وهو الممكن. وعرفنا خواصّ كل واحد من هذه الأقسام : بعضها بواسطة بعض ،


مثلا : عرفنا علم واجب الوجود بذاته بواسطة سلب المقدارى عنه ، أى أن ما ليس بجسم يجب أن يعقل ذاته ، وعرفنا قدرته بواسطة شىء آخر ، ثم هلم جرّا ، حتى عرفنا جميع خواصه ، وعرفنا بعد ذلك خواص كلّ قسم من الأقسام الباقية ، حتى وجب عندنا من ذلك أن ما خلا واجب الوجود بذاته الذي هو واحد ، متعلق الوجود بواجب الوجود.

الفكر إنما جعل لتعيين غاية الفعل ، ولكون الفعل يتوخى فيه النظام. ولتخصص الفعل والقوة المتخيلة إذا خليت رسوم طباعها لم يكن فعلها على النظام ، فأعينت بالفكرة ليكون فعلها على نظام.

إذا وجدنا شيئين ، وأحدهما علة ، والآخر معلول ، وكانا معا فى الوجود ، إلا أن أحدهما فى ذاته واجب الوجود ، والآخر فى ذاته ممكن الوجود ، وعرفنا حقيقة كل واحد منهما من خواصه ، علمنا أن ما يتعلق به طبيعة الإمكان هو معلول ، وأن الآخر هو علة. فإنا إذا عرفنا آنية واجب الوجود بذاته وحقيقته على ما عرفناه فى الإلهيات ، وعلمنا أنه واحد ضرورة ، علمنا أن ما سواه من الموجودات واجب به وممكن فى ذاته ، ويكون تقدم واجب الوجود عليه تقدم الاستغناء ، وتأخر ذاك عنه تأخر الحاجة. فالعلية والمعلولية بينهما الاستغناء والحاجة.

لو كان البارى يتوخى فى فعله النظام حتى كان النظام مقصودا ، لكان يجوز عليه أن يصدر عنه فعل على غير النظام ، كما يجوز ذلك على البشر. فإذا لم يجز أن يصدر عنه فعل على غير النظام ، فيجب أن لا يكون النظام متوخّى. فإذن كل أفعاله تصدر عنه منتظما.

الأول يتخصص بذاته ، والعقول المفارقة كل عقل منها يتخصص بلوازمه التي له فلا تقع فيها الشركة. فلذلك لم تتكثر أشخاص كل عقل.

يجب أن تكون التصورات الفلكية أول تصور ، ويكون ما سواه فنتيجة عنه تابعة له ، وهو التصور الأول الثابت المتصل الدائم الذي سائر التصورات تابعة له ولازمة. والمثال فى ذلك هو أن يحصل تصوّر لأمر ما ، فيستمر ذلك التصور دائما ، ويحدث عن ذلك التصور حركة ، فتستمر تلك الحركة ، لكن لا يزال يتجدد تصور بعد تصور يحدث عنه حركة بعد حركة ، إلى أن ينتهى إلى الغاية المقصودة بالتصور ، فيكون التصور بالاتصال تصورا واحدا ، والحركة حركة واحدة ، ويكون كلّ تصور متقدم علة لوجود التصور الذي بعده ، على الترتيب السّببى المسبّبى ، وذلك كمن يقصد


مثلا بغداد فيكون المقصود واحدا ، ويحدث هذا القصد عن التصور الأول الذي يتصوره ، فيتحدد له فى كل منزل ينزله تصور خاص. فتتبعه حركة إلى المنزل الآخر ، ويكون الأول علة لوجود ما بعده ، حتى يوافى الغاية. وهذا التصور الثاني هو مثل التصور الأول ، نوعا لا شخصا ، فتصدر عنه حركة مثل الحركة الأولى نوعا لا شخصا. فلو كانا مثلين شخصا ، لكانا واحدا ، وصدر عنهما حركة واحدة بالعدد. وكذلك الأمر فى التشخص ، فإن ما يشخص به الإنسان مثلا ، وهو الاستحالة الأولى التي وافاه فيها الوجود ، هو واحد متصل ، إلى أن ينتهى ويفنى. ولا يزال تتجدد عليه استحالة بعد استحالة ، وهى تابعة للأول ، وتكون بالعرض أو بالقوة ، ويكون الأول بالفعل وبالذات ، وتلك كاللوازم عنه.

تعقل واجب الوجود لذاته سبب لصدور الموجودات عنه ، وهو أحدىّ الذات والموجودات كثيرة ، فيجب أن تتكثر لوازمه. ويكون أول ما يتكثر بالذات تلك اللوازم ، كما أنه يجب أن يكون هاهنا أول شىء يتخصص بذاته ويتشخص بذاته ، وهو الإرادة الجزئية التي تكون للجسم الفلكى.

الإرادات علة للكائنات ، وكل كائن فعلته إرادة ما. والإرادة تتخصص بذاتها ، فلا تحتاج إلى مخصص كما يحتاج سائر الحادثات إلى مخصصات ، تخصص كل واحد من تلك المخصصات واحدة من تلك الحادثات دون ما يشاركها فى نوعها. والإرادة ، وإن كانت حادثة ، فلا تحتاج إلى مخصص ، فإن كل ما يعرض مخصصا يجب أن يسبق وجود إرادة ، فيؤدى ذلك إلى أن الإرادة تتخصص بذاتها.

كل ما لم يكن فى الزمان فلا يتغير ، إذ التغير يلحق أولا الزمان ثم ما يكون فيه.

الآلة إنما جعلت للنفس لتدرك بها ، أو تفعل ما ليس تدركه ، أو تفعله بذاتها. فلو كانت تدرك الأشياء بذاتها لم تعمل هذه الآلة. وإنما أعين بالآلة لأنها فى كل شىء هى بالقوة لا بالفعل ، فبالآلة تخرج إلى الفعل.

كل موجود إنما يصح وجوده بعد أن يسبقه تصور عقلى أو خيالى. قد بان ذلك فى العلوم الإلهية ، وأنه لو لم يكن تصور لم يصح وجود شىء ، إذ الموجودات كلها تابعة للتصورات العقلية ، وهى الإرادات بالحقيقة. وبان فيها أيضا أن التصور العقلى لا يصدر عنه أمر شخصى يكون له نظير من نوعه ، بل إن صدر عنه أمر كان كليا ، وذلك مثل النوع الكلى الذي يكون مجموعا فى شخص واحد. فيجب أن يكون هاهنا تصور خيالى أو فى حكم الخيالى ، بسببه توجد حركات كثيرة ، وبالجملة أشخاص من نوع واحد.


ولا يصح أن يسبق تلك التصورات المتخيلات أمور مخصصة ، فإن كل ما يفرض من تلك الأمور مخصصا للتصور يجب أن يكون وجوده بعد أن يسبقه التصور. فيجتمع من هذا أن المتخصص أولا وبذاته ، والمتشخص أولا وبذاته ، التصورات التي هى الإرادات. وإذ كان الجسم المتقدم بالطبع هو الفلك ، وكان التخيل أو ما يجرى مجراه يصح بجسم ، وجب أن تكون تلك الإرادات لذلك الجسم الفلكى ، فتكون الحركات وسائر الأنواع ، التي تتكثر أشخاصها ، بعد تلك الإرادات.

التصور العقلى ، وهو الإرادة الكلية ، لا يكون منه شىء جزئى ، إذ يكون كليا ، والخيالى يكون منه الجزئى والحركات ـ وهى متجددة ، وطباعها أن تكون وتبطل ـ فلا يصح أن تتخصص بذاتها ، ويجب أن يسبق كل حركة تصور حتى يصح وجودها. فالتصور يجب أن يتخصص بذاته ، ولا شىء يسبقه يكون سببا لتخصصه أو يكون مخصصا له. والأشياء الحادثة بينها الحركات لا محالة.

تعقل واجب الوجود لذاته سبب لصدور الموجودات عنه. وهو أحدىّ الذات ، فيلزمه شىء واحدى الذات ، وهو العقل الفعال. وكما علمنا أنه يجب أن يكون اللازم عنه لذاته يلزم عنه لا بمتوسط ، كذلك يجب أن يكون فى المخصصات شىء بذاته يتخصص بلا مخصص ، وهو الإرادة الجزئية التي للنفس الفلكية. ويجب أن تكون كل إرادة متقدمة علة لوجود ما بعدها من الإرادات على الترتيب السببى والمسببى. وهذا أيضا مما يدل على أن الإرادات تتخصص بذواتها لا بغيرها ، إذ كل إرادة متقدمة علة لما بعدها.

هذه الإرادة هى الغاية المحركة ، وهى الموجدة لها ، والفاعلة على مثال ما تكون الغايات فاعلة.

تخصّص الإرادة هو تميزها وانفرادها عن الإرادة الكلية المطلقة. وليس يحصل فعل إلا من إرادة متخصصة : فإنا نقول مثلا إنه كلما حصلت بصفة كذا وكذا ، حصلت حركة بهذه الصفة ، فتسير إلى إرادة ما متخصصة جزئية ، وهى بذاتها تتخصص لا تحتاج إلى مخصص. ويجب أن يكون فى المخصصات ما يتخصص بذاته ، وإلا تمادى إلى غير النهاية ، ولا يتخصص شىء. وكذلك فى كل شىء يجب أن يكون فيه ما يتحقق بمعنى ذلك الشىء بذاته وأولا ، حتى يصح وجود ذلك الشىء. وكذلك فى الأسباب ، يجب أن يكون فيها ما هو سبب بالذات وأولا ، ولا يحتاج إلى سبب حتى يحصل هذا الشىء المسبب. وفى الموجودات ما يوجد بذاته وأولا حتى يوجد الموجودات.


صفات الأول سلبية وإضافية ، وتلك السلوب يلزمها فى العقل وجود. فالوحدة فى صفاته ليست هى معنى وجوديا ـ كما يكون فى سائر الموجودات ـ بل يكون سلبيا ، وهى أنه غير مشارك فى وجوده الذي يخصه. وهو سلب إلا أنه يلزمه وجود فى العقل ، وهو أنه واحد. فتلك الوحدة لا تلحق ذاته فيكون واحدا بتلك الوحدة ، بل سلب الشريك عنه.

العالم لذاته والكامل لذاته والفاعل لذاته ، ما لا حاجة به إلى غير ذاته فى ذلك الشىء ، فيكون ذلك الشىء له دائما ، ولم يكن فيه قط بالقوة. فقولنا إنه عالم لذاته ، أى لا يحتاج إلى علم يعلم به الأشياء ، إذ ليس العلم إلا صور المعلومات ، فلا يحتاج إلى المعلومات فى حصول علمه بها.

العلم هو صور المعلومات ، كما أن الحس صور المحسوسات. وهى آثار ترد على النفس من خارج ، ويفيدها إياها واهب الصور إذا تم استعدادها لها ، كما أنه يفيد ( 5 8 ا) سائر الآثار. فالمعلومات تحصل للإنسان من خارج.

الإنسان يدرك المتخيل والمحسوس بواسطة الخارجات. والكواكب لا تحتاج فى إدراك ذلك إلى الخارجات ، بل تحصل فى تخيلاتها من عند العقول بأن يفضلها على عقولها ، ثم تحصل عنها فى خيالاتها ، كالحال فى المنام. وأما نحن فإنما يحصل الشىء أولا فى حواسنا ، ثم يرتفع عنها إلى خيالاتنا ثم إلى عقولنا.

الحاسّ والمتخيل يشتركان فى أن مدركهما يكون واحدا معينا لا غيره والعقل ليس كذلك ، فإنه أى شخص كان من أشخاص النوع ، جائز ، فإنه يدرك الشخص المنتشر ، إذ يكون كليا يجوز حمله على الأشخاص كلها ـ إلا أن يكون شخصا معقوله محسوسه. والشخصى يمكن أن يوجد معقولا بوجه.

الكواكب لها قوة التخيل ، وهذه القوة لها تامة ، فلهذا تؤثر فينا. ونحن لما كانت قوانا كثيرة ، عارض بعضها بعضا فى فعلها ، فلم يتم فعلها.

إذا قلنا : إن لهذا الجسم المتحرك محركا ، فإنّا نطلب عارضا من عوارض الحركة ، ثم الجوهرية عارض من عوارض هذا المحرك.

لا يمكن إثبات المبدأ المشترك فى العلوم الطبيعية ، كالهيولى والصورة ، والفاعل والغاية ، بل إنما يثبت فيها مبدأ بعض أنواع موضوعها ، أو مبدأ بعض أعراض موضوعها ، كمبدإ الحركة ، أو مبدأ النمو والتغذية ، أو مبدأ الصوت.


لا يصح صدور فعل إلا عن متصور ، فما لم يكن تصور لم يصح فعل. والعقل الذي بالقوة لا يصدر عنه فعل ، إذ لا تصور له بالفعل. والعقول الفعالة إنما تصح تأثيراتها وصدور الأفعال منها لتصوراتها التي لها بالفعل ، وكلما كان أشد تصورا ، يكون أتم فعلا ، إلى أن ينتهى إلى الأول الذي ليس فيه شىء بالقوة. فلذلك يلزم أن يكون صدور كل موجود عنه ، ولا يجوز أن يكون الأول جسما ، لأن الجسم تدبره نفس ، والنفس يكون تصورها بالقوة ، وتحتاج إلى مصور يصور لها الأشياء ، ويخرجها من القوة إلى الفعل ، فإنها تؤثر فى نفوسنا ، ولا تؤثر نفوسنا فيها ، لأنها غير متشعبة القوى. ونحن فقوانا متشعبة ، يصد بعض القوة بعض القوة عن فعلها بالتمام ، كما تشغل القوة الحاسة القوة الخيالية عن فعلها بالتمام ، فإذا لم تشغلها تم فعلها ، كالحال فى المنام. والكواكب لا تصدّ بعض قواها بعضا ، فيصح صدور الفعل عنها بالتمام ، وقواها غير متشعبة ، بل كأنها قوة واحدة. فالقوة الباصرة فيها هى القوة السامعة ، وهى القوة المتصورة ، فكأنها متوفرة على قوة واحدة ، فلهذا تؤثر فينا ولا نؤثر فيها.

موضوع المنطق هو المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأول ، من حيث يتوصل بها من معلوم إلى مجهول. وشرح ذلك أن للشىء معقولات أول ، كالجسم والحيوان وما أشبههما ، ومعقولات ثانية تستند إلى هذه ، وهى كون هذه الأشياء كلية وجزئية وشخصية. والنظر فى إثبات هذه المعقولات الثانية يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة. وهى موضوعة لعلم المنطق لا على نحو وجودها مطلقا ، فإن نحو وجودها مطلقا يثبت هناك ، وهو أنها هل لها وجود فى الأعيان أو فى النفس ـ بل بشرط آخر ، وهو أن يتوصل منها من معلوم إلى مجهول. وإثبات هذه الشريطة يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة ، وهو أن تعلم أن الكلى قد يكون جنسا ، وقد يكون فصلا ، وقد يكون نوعا ، وقد يكون خاصة ، وقد يكون عرضا عاما. فإذا أثبت فى علم ما بعد الطبيعة الكلى الجنسى والكلى النوعى ، صار الكل حينئذ بهذا الشرط موضوعا لعلم المنطق ، ثم ما يعرض للكلى بعد ذلك من لوازمها وأعراضها الذاتية يثبت فى علم المنطق. وللجهات أيضا شرائط تصير بها المعقولات الثانية موضوعة لعلم المنطق ، وهو أن نعلم أن الكلى قد يكون واجبا أو مطلقا أو ممكنا ، فقد يصير بذلك الكلى موضوعا لعلم المنطق ، وأما تحديد هذه الأشياء وتحقيق ماهياتها ، فيكون فى علم الطبيعة ، لا فى علم ما بعد الطبيعة ، كالحال فى تحديد موضوعات سائر العلوم. ومثال المعقولات الثانية


فى علم الطبيعة الجسم ، فإن إثباته يكون فى الفلسفة الأولى ، فكذلك إثبات الخواص التي يصير بها الجسم موضوعا لعلم الطبيعة ، وهى الحركة والتغير ، يكون فيها. وأما الأعراض التي تلزم بعد الحركة والتغير ، فإثباتها فى علم الطبيعة. فنسبة الجسم المطلق إلى علم الطبيعة كنسبة المعقولات الثانية إلى علم المنطق. ونسبة الحركة والتغير إلى علم الطبيعة كنسبة الجهات والجنسية والنوعية إلى علم المنطق. وأما تحديد الجسم والحركة وتحقيق ماهيتها ، فيصح أن يكون فى علم الطبيعة ، إذ تحديد المبادي والخواص التي تصير بها المبادي موضوعة لعلم ما ، يكون إلى صاحب ذلك العلم إن كان موضوع ذلك العلم مركبا. وأما إثبات المبادي والخواص التي بها تصير المبادي موضوعة لذلك العلم ، فيكون إلى علم آخر ، على ما شرح فى «البرهان». فإثبات الجهات فى علم ما بعد الطبيعة ، وتحديدها فى المنطق ، كما أن إثبات الحركة فى الفلسفة الأولى ، وتحديدها فى علم ما بعد الطبيعة. وخواص الجسم قد تثبت فى علم الطبيعة ، وقد تثبت فى علم ما بعد الطبيعة. والموجب والسالب يثبت فى علم ما بعد الطبيعة فى باب الهو هو والغيرية ، فإنه يؤخذ فيه كليا ، ويصير موضوعا لعلم المنطق. وأما أنه أىّ مقدمة تناقض أىّ مقدمة ، وغير ذلك مما هذا سبيله ، ففى المنطق. فالمعقولات الثانية ، أعنى الكليات الجنسية والنوعية والفصلية والعرضية والخاصية ، ينتفع بها فى التصور. والواجبة والممكنة وغيرها ، ينتفع بها فى التصديق. فهذه الكليات لا على الإطلاق بل على هذه الصفة ، وهو من حيث يتوصل بها من معلوم إلى مجهول ، هى موضوع المنطق. وأما على الإطلاق ، فلا ينتفع بها فى علم. ومثال ذلك الصوت المطلق لا ينتفع به فى علم الموسيقى ، بل الصوت من حيث يقبل التأليف هو موضوع الموسيقى. فالمعقولات الثانية على نوعين : مطلقة ، ومشروط فيها بشرط ما ، وتصير بذلك الشرط موضوعا لعلم المنطق.

إذا صار الكلى مقدمة فقد صار موضوعا ، ويكون النظر فيه منطقيا لا كليا.

إثبات نحو وجود الشىء هو أن يبيّن أى وجود يخصه.

تبيين ماهية الكلى والجزئى والشخصى وتبيين بعض لوازم هذه الأشياء كالجنسية والفصلية والنوعية ، وجهاتها ، فى المنطق. وإثبات وجودها فى الفلسفة الأولى.

أنحاء التعليم فى كل فن ، وأنحاء كل فن ما يبحث عنه فى ذلك الفن. وليس فى المنطق أنها تعليم الموجودات بما هى موجودات ، وإنما ذلك فى العلم الكلى والجنسى والفصل والنوع والخاصة والعرض ، من أنحاء تعليم الكلى ، لا من المنطق.


للألفاظ المفردة أحوال تعرض لها من حيث هى موجودة ، كدلالتها على معانيها ، مثل دلالة لفظ الجوهر على ما يدل عليه ، والكمية على ما تدل عليه. ولها أحوال تعرض لها من حيث هى متصورة ، كالكلى والجزئى والذاتى والعرضى ، وأمثال ذلك مما يعرض لها من حيث هى معقولة متصورة ، لا من حيث هى موجودة.وذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان لا تعرض له الكلية ولا الجزئية ولا الذاتية ولا العرضية ولا من حيث هو موجود فى الأعيان ، بل إنما تعرض له من حيث هو موجود معقول ، ويعرض العقل فيه هذه الاعتبارات ـ فيكون موضوع المنطق على هذا الوجه.

موضوعات العلوم إما بسيطة وإما مركبة. والبسيط منها عامة كالموجود الذي هو موضوع العلم الكلى. ثم الموجود ينقسم إلى قسمين : مفارق وغير مفارق. فالمفارق هو المخصوص باسم العلم الإلهى ، وهو النظر فى الموجودات البريئة عن المواد. وغير المفارق ما سواه من العلوم المركبة ، مما يكون من علمين ، وبعضها يكون علما تحت علم ، وبعضها لا يكون كذلك. فإن الطب موضوعه نوع من الأجسام الطبيعية ، وهو تحت العلم الطبيعى. وعلم الهيئة نظر فى مقادير مخصوصة ، وتلك فى الأجسام الفلكية ، وهو داخل فى علم الهندسة. وما لا يكون تحت علم ، كالموسيقى ، فإن موضوعه صوت مع نسبة ، والصوت طبيعى ، والنسبة عددى.

موضوع العلم الكلى لا يجب أن يخصص بعلم دون علم ، فهو إذن يشارك جميع العلوم. وموضوع العلم الجزئى مخصص ، ولذلك لا تقع فيه الشركة. وإذا تخصص موضوع العلم الكلى بأن يفصل لك أنواعه ، كان ذلك النوع المفصل إليه مبدءا لعلم جزئى : مثاله الموجود الذي هو موضوع العلم الكلى ، إذا انفصل إلى الجوهر والعرض ، ثم إذا انفصل الجوهر إلى الجسم ، ثم إذا انفصل الجسم إلى المتحرك والساكن ـ كان ذلك موضوع العلم الطبيعى.

وكذلك الحكم فى الغاية والفاعل ، فإنهما فى العلم الكلى. وإذا انفصل كل واحد منهما إلى الغاية التي هى غاية الحركة ، أى ما يتحرك إليه الشىء ، وإلى الفاعل الذي هو مبدأ الحركة ـ كان مبدأ العلم الطبيعى.

والعلم الغائى(1) وقعت فيه شبهة فى كيفية دخولها فى العلم الكلى ، إذ قد يظن أنها لا توجد فى جميع العلوم الجزئية ، حتى يجب أنه ينظر فيها صاحب العلم

________________

1) ب : المالى.


الكلى ، بأن ينظر فى المعنى المشترك فيها ، فإن الغاية تظن أنها لا تتعلق إلا بالحركة ، فتكون من الأعراض اللازمة لطبيعة الأجسام المتحركة والساكنة. فقيل كان يجب أن يكون البحث عنها حيث يكون البحث عن أعراض الأجسام المتحركة والساكنة وليس الأمر كذلك ، فإنها توجد فى جميع العلوم متفرقة. لكنها قد تظن أنها لا توجد فى العدد والهندسة والموسيقى ، إذ ليس فيها حركة ، فقد توجد الغاية فى هذه أيضا ، فإن هذه قد يوجد لها مبدأ فاعلى ومبدأ قابلى ، إذ لا يوجد إلا فاعلى وقابل للفعل وهو الهيولى ، وحيث كان ذلك كان التمام. والتمام هو الاعتدال والترتيب والتحديد ، التي بها يكون ما يكون لها من الخواص. وإنما هى لأجل أن تكون على ما هى عليه من الترتيب والاعتدال والتحديد فيكون ذلك غاية أى خيرية ، وعلة للغاية ، أى علة لأنها خير ، وقد كانت الغاية فى سائر العلوم إنما كانت غاية لأنه خير ، ثم اتفق لذلك الخير أن كان غاية الحركة ، إذا كان السبيل إليه بحركة. والتعليميّات هى مسوقة إليها ، فإنه يلزمها ، بسبب وجود تلك الغاية لها ، خواص. وكذلك سبيل كل علم. وتلك الخواص فى التعليميّات هى المثلث والمربع وسائر الأشكال فى الهندسة. وفى العدد خواصها المذكورة. وفى علم الهيئة خواصها التي لها لأجل أنها أجسام فلكية موجودة على ترتيب ما معين ، لو لم تكن على ذلك الترتيب لم يكن لها تلك الخواص. والترتيب فى العلوم الفعالة هو الخير ، وكذلك الترتيب فى كل شىء هو الغاية ، وهو الخير. وخواص المثلث غير خواص المربع ، وخواص الستة فى العدد غير خواص الأربعة ، فلكل شكل خاصة أو خواص ، وكذلك لكل عدد ولكل واحد من الأشكال والأعداد ترتيب هو الغاية والخير.

أعراض الأعراض اللازمة إما أن تعرض لذلك العرض لذاته وأولا. ومعنى قولنا هذا ، أن ذلك عارض له لا بسبب وجود العرض المعروض له موضوعات بعض العلوم الجزئية ، فيكون قد تخصص ، أى يكون حينئذ قد اختص بذلك الموضوع ، بل عروضه لذلك العارض لأنه موجود. فيكون النظر فى ذلك من علم ما بعد الطبيعة. وإما أن يعرض العرض المذكور بسبب عروضه أولا لموضوع ما ، فيكون النظر فى ذلك مختصا بذلك الموضوع. ومثال الثاني إذا بحثنا عن عارض من عوارض الحركة فى أنها هل هى سرمدية أم ليست سرمدية ، بحثنا عن ذلك فى علم الطبيعيات. وذلك لأنا نأخذ فى بيان ذلك موضوع الحركة ، فليس عروض السرمدية للحركة بسبب وجود الحركة غير معتبر فى أمرها الموضوع ، أى موضوع العلم. ومثال الأول أنّا إذا بحثنا عن


انتقال الأعراض أو لا انتقالها ، بحثنا عنه فى العلم الكلى ، لأنه ليس امتناع وجود الانتقال فى الأعراض إلا لنفس الأعراض ، لا لسبب تخصص الأعراض ببعض الموضوعات ، سواء أكان ذلك الموضوع جسما ، أم عقلا فعالا ، أم غيرهما.

النظر في هذه العلل لصاحب العلم الكلى ، وليس إنما ينظر فيها من جهة اشتراكها ، بل فيما يخص علما علما على أنه مبدأ له ، وعارض للمشترك. كما أن النظر فى النمو مثلا عارض فى العلم الطبيعى ومبدأ للطب ، وكما أن الأعراض لا يصح عليها الانتقال.

مسألة فى العلم الكلى ومبدأ العلم الطبيعى :

العلم الطبيعى له موضوع يشتمل على جميع الطبيعيات ، ونسبته إلى ما تحته نسبة العلوم الكلية إلى العلوم الجزئية. وذلك الموضوع هو الجسم بما هو متحرك وساكن ، والمبحوث فيه عنه هو الأعراض اللاحقة من حيث هو كذلك لا من حيث هو جسم مخصوص ، ثم النظر فى الأجسام الفلكية والأجسام الأسطقسية نظرا أخص من ذلك. فإن النظر هو فى موضوع هذا الجسم ، وهو جسم مخصوص ، لا الجسم المطلق. ثم يتبع ذلك النظر فيما هو أخص منه ، وهو النظر فى الأجسام الأسطقسية ، مأخوذة مع المزاج ، وما يعرض لها من حيث هى كذلك. ثم يتبع ذلك النظر فيما هو أخص منه ، وهو النظر فى الحيوان والنظر فى النبات ، وهناك يختم العلم الطبيعى. وأما الأجسام الفلكية ، فإنها لما كانت بسيطة ولم يعرض لها المزاج ، وكانت صورها موقوفة على موادها ، لم يكن يتعلق به نظر أخص منه ، ويشبه أن تكون تلك الأعراض اللاحقة للموضوعات التي هى أعم أجناسا للأعراض اللاحقة للأجسام المحسوسة. ويصح أن يكون المبحوث عنه فى علم واحد : الأعراض ، وأعراض الأعراض ، وأجناس الأعراض ، وفصول الأعراض ، وأجناس الفصول ، وفصول الفصول ، على ما شرح فى «البرهان». ومثال ذلك فى «السماع الطبيعى» أنه يبحث عن المكان أولا ، فإنه من عوارض الجسم بما هو متحرك وساكن ، ثم يبحث عنه أنه هل هو خلاء أو ليس بخلاء ، وهو من أعراض أعراضه ، وكذلك النظر فى الزمان ، هل يتناهى أم ليس يتناهى ، وهل له قطع أم لا ، أى ابتداء وانتهاء ، هو من أعراض أعراضه ، ويبحث عن أعراض الحركة وفصولها : وهو الوحدانية والتضاد ، فإنه من فصولها ، والقسرية والطبع والسرمدية وغير السرمدية ، فهى أعراض لها ، ويبحث عن أنواع الحركة. وأما النظر فى أنه هل الجسم مؤلف من أجزاء لا تتجزأ ، وهل هو متناه أو غير متناه ، وهل يجب أن يكون لكل جسم حيز وشكل وقوام أم لا ، فإنه يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة ، فإنها من أحوال الجسم من حيث هو موجود ، لا من حيث هو واقع فى التغير ، وهو البحث عن نحو وجوده


الذي يخصه ، وهو أنه أى وجود يخصه ، وأنه هل هو جوهر أم عرض ، وأنه إن كان جوهرا فهل هو متناه أم غير متناه ، لا من حيث أن أفعاله وتأثيراته هل هى متناهية أم غير متناهية ـ هو أيضا من علم بعد الطبيعة. وأما النظر فى أن الجسم من حيث هو متحرك هل هو متناه أم ليس بمتناه ، فإنه يتعلق بالطبيعى. وكذلك من حيث أفعاله وتأثيراته ، وهل هى متناهية أم غير متناهية ، من العلم الطبيعى. وقد يبحث فى علم النفس عن حال الحركة والإرادة ، وفى بعض المواضع عن حركة النمو ، وكلتاهما حركة متخصصة. وكون الشىء أخص من الآخر هو من الأعراض اللاحقة ، فإن النظر فى «السماع الطبيعى» هو فى الأمور العامة للطبيعيات.

العلوم التي لا تشترك فى مبادئ واحدة ، كالعلم الطبيعى ، لا يمتنع أن يثبت مبادئ ما هو فيها أخص فى مباحث ما هو أعم. مثلا كإثبات الجسم الفلكى فى «السماع الطبيعى». ثم البحث يكون عن أحوال هذا الجسم حيث يتكلم فى الأجسام البسيطة لأنها بسيطة ، فإن الجسم الفلكى يثبت من حيث ينظر فى الجسم على الإطلاق من حيث هو متحرك أو ساكن ، ثم يكون البحث عن أحواله حيث يكون البحث عن أحوال الجسم المخصوص.

الكلام في أن الجسم هل هو مؤلف من أجزاء لا تتجزأ ، هو الكلام فى نحو وجوده. وكذلك الكلام فى أنه هل هو مؤلف من هيولى وصورة. وليس يتعلق ذلك بالطبيعيات. فأما ما يتعلق بها ، فهو الكلام فيما يستدل به على وجوده من جهة حركاته وقواه وأفعاله. والكلام فى التناهى واللاتناهى من وجهين : أحدهما من جهة المقدار والجسم من حيث هو جسم ، والثاني من جهة أحوال الجسم من حيث هو متحرك وساكن ، وهذا هو المتعلق بالطبيعيات. ولم يقصد بالقصد الأول إلى الكلام فى التناهى واللاتناهى من الوجه الأول ، بل إلى الكلام فيها من الوجه الثاني. لكنه لما تكلم فيها أدرج الكلام فى الأول فى جملة الكلام فى الثاني ، فأخذ فيه مقدمات غير طبيعية.

الحركة من أعراض موضوع العلم الطبيعى ، وهو الجسم بما هو متحرك أو ساكن ، فيجب أن يكون إثباتها فيه ، وليست هى أجزاء من أجزاء الجسم بما هو مؤلف من هيولى وصورة فيكون إثباتها فيما بعد الطبيعة.

الصورة الجسمية ، وهو البعد المقوم للجسم الطبيعى ، ليس قوامها بالمحسوسات فتكون محسوسة ، بل هى مبدأ للمحسوسات ، فهى عارضة للموجود بما هو موجود. وكل ما يكون واحدا فى علوم كثيرة ، كالوحدة والكثرة وغيرهما ، فإنهما يدخلان


فى الطبيعيات والتعليميّات وغيرهما. فيجب أن تكون من العوارض الخاصة لعلم فوق تلك العلوم ، فإنهما من عوارض العلم الإلهى.

كون الموجود موجودا غير كونه مبدأ : فإن كونه مبدءا عارض من عوارض الموجود ، ونحن نثبت فى الطبيعيات مبدأ الحركة ، والحركة من عوارض موضوع العلم الطبيعى ، ثم نبحث عن ذلك المبدأ وأنه هل هو جوهر أم عرض ، فيكون هذان المعنيان عارضين لعارض من عوارض العلم الطبيعى. كذلك يثبت فى الإلهيات مبدأ الوجود ، ثم يبحث عنه : ما ذلك المبدأ ، وهل هو جوهر أم ليس بجوهر. وإنما يثبت مبدأ الموجود فى هذا العلم لما له مبدأ ، وهو الموجود المعاول. وإذا كان كذلك إثبات المبدأ لبعض الوجود لا لكله ، وهو من بعض ما فى هذا العلم كما فى سائر العلوم.

تحديد المبادي يكون فى العلم الذي هى له مبادئ ، وإثبات وجودها يكون فى علم آخر فوقه. وقد يتفق أن يكون دونه. وكذلك فى الهندسة كالنقطة إذا حددتها. وتقول : إنها شىء لا جزء له.

الجنس المنطقى هو الجنسية ، وهى المعنى المحمول على كل جنس ، والموضوع فى الجنس هو ذو الجنسية ، وهو الطبيعة التي عرض لها الجنسية ، وهى الطبيعة المقولة على كثيرين مختلفين بالنوع. وكذلك النوع المنطقى هو النوعية ، وهو المعنى المحمول على كل نوع. والموضوع فى النوع هو ذو النوعية ، وهى الطبيعة التي عرض لها النوعية ، وهى الطبيعة المقولة على كثيرين مختلفين بالعدد.

الصورة الجسمية فى كل شىء متقدمة للصورة التي للطبيعيات أجناسها وأنواعها ، كجسمية النار مثلا ، فإنها متقدمة على صورتها النوعية. وهى النارية ، التي بها صارت النار نارا وهى مقارنة لها.

الطبيعة بالحقيقة ليس لها إلا التحريك ، والإعداد لأن تقبل ما تحركه من المواد الصورة التي تحركه إليها ، وليس هى فاعلا ، ولا مفيد الوجود ، بل مفيد الوجود هو واهب الصور ، وإنما هى محركة للشىء نحو الذي يفيده إياه واهب الصور ، فلا فعل لها إلا تحريك الشىء نحو الغاية التي يؤمها به الفاعل الأول ، وكأنها مستأخرة مسخرة لذلك.

الفاعل والغاية ماخوذان على نحوين : أحدهما الفاعل المشترك والغاية المشتركة ، وكل واحد منهما غير واحد بالعدد ، وهو أن يعرف فاعل هذا الأمر الطبيعى وغاية هذا الأمر الطبيعى ، وتميز الغايات والفاعلات بعضها عن بعض لكل واحد من تلك


الأمور الطبيعية ، فيكون كل واحد من هذا الفاعل وهذه الغاية ذاتا واحدة بالعدد ، بل أمرا معقولا يشترك عند العقل من أنها فاعلات وغايات ، ويكون ذلك الأمر المعقول مقولا عليها.

إذا قيل للأول عقل فإنما يعنى به العقل بالمعنى البسيط ، لا بالمعنى المفصل ، حتى تكون المعقولات خارجة عن ذاته ، لازمة له على ما ذكرنا ، فلا تكون ذاته متكثرة بتلك اللوازم التي هى المعقولات إلا تكثرا إضافيا ، الذي لا يتكثر به الشىء فى حقيقته وماهيته.

ليس علوّ الأول ومجده هو تعقل الأشياء ، بل علوه ومجده بأن تفيض عنه الأشياء معقولة ، فيكون بالحقيقة علوه ومجده بذاته لا بلوازمه التي هى المعقولات. وكذلك الأمر فى الخالق ، فإن علوه ومجده بأنه حيث يخلق ، لا بأن الأشياء خلقه ، فعلوه ومجده إذن بذاته.

تحليل القياس : مثاله أن النظر فى أمر الزمان من الأمور التي تلزم كل حركة. وكل نظر من أمر يلزم كل حركة ، فهو مناسب للنظر فى أمر المكان. لأنه : «من الأمور التي تلزم كل حركة» هى الصغرى ، فكأنه قال : النظر فى أمر الزمان من الأمور التي تلزم كل حركة ، وكل نظر فى أمر يلزم كل حركة ، فهو مناسب للنظر فى أمر المكان ، فالنظر فى الزمان مناسب للنظر فى المكان.

العرض نوعان : أحدهما هو الذي إذا تصورته لم تحتج أن تنظر إلى ما هو خارج عن ذاته. والثاني هو الذي لا بد لك فى تصوره أن تنظر إلى ما هو خارج عن ذاته. والقسم الأول نوعان : أحدهما هو الذي سببه يقع على الجوهر : المقدار والقسمة والأقل والأكثر. وهو الكمية. الثاني أن لا يكون كذلك ، وهو حالة فى الجوهر لم تحتج فى تصورك إياها إلى ما هو خارج عن ذاته ، وهو الكيفية. مثال الكمية : العدد والطول والعرض والعمق والزمان ، ومثال الكيفية : الصحة والسقم والعفة والتعقل والعلم والقوة والضعف والكلام والطعم وما شاكلها. وكذلك التدوير والتطويل والتثليث والتربيع. والقسم الثاني سبعة أنواع : أحدها الإضافة ، وهى حالة للشىء يكون كونه بسببه ، وبه يعلم أن آخر مقابله ، مثل الأبوة للأب من جهة أن الابن موجود مقابل له ، وكذلك الصداقة والأخوة والقرابة؛ و«الأين» ، وهو كون الشىء فى مكانه ، مثل أن يكون أعلى أو أسفل؛ و«المتى» وهو كون الشىء فى الزمان ، مثل كونه أمس وغدا ، و«الوضع» وهو حال وضع أجزاء الجسم فى


الجهات المختلفة ، كالقيام والقعود ، ومثل اليد والرجل والرأس وسائر الأعضاء ، وأوضاعها عند الجهات ، مثل اليمين والشمال ، والسفل والعلو ، والقدام والخلف ، فإنه إذا كان بحال : يقال له قائم ، وإذا كان بحال أخرى : يقال له قاعد. والفرق بين الإضافة وبين النسب الأخرى هو أن معنى الإضافة يكون من حصول نفس كون ذلك الشىء بنسبته إليه ، فإن الأبوة من نفس وجود البنوّة ، وتحصل من نفس كونها. وحصول الأين لا يكون من نفس حصول الزمان. ـ و«أن يفعل» الشىء ، و«أن ينفعل» ، وهما المقولتان ، فأن يفعل وينفعل جزءان لهما. فأما «يفعل» فهو نسبة الشىء إلى ما يؤثر فيه تأثيرا على سبيل تخريجه إلى الفعل من القوة لا دفعة بل بالتدريج. وكذلك «أن ينفعل» هو نسبة المتأثر عن هذا التأثير المذكور.

المعدوم الذات ، الممتنع الوجود ، لا يكون شيئا ، فلا يحكم عليه بحكم وجودى أو بحكم على الإطلاق. إلا أن هذا القول ، وهو أنه معدوم الذات ، كان فيه إشارة إلى موجود ، وهذا هو بحسب اللفظ. فأما بالحقيقة ، فلا إشارة إليه بوجه. فالموجودات إذا : إما أن تكون واجبة الوجود ، وإما ممكنة الوجود. والواجب الوجود إما بذاته وإما بغيره ، والذي هو بذاته فالإله ، والذي هو بغيره فعلّته واجب الوجود بذاته ، وهو فى ذاته ممكن الوجود وبغيره واجب الوجود. وقد يكون بغيره أيضا ممكن الوجود إذا لم توجده علته. فإذا أوجدته صار به واجب الوجود وقد زال إمكان وجوده بغيره ، إلا أن إمكان وجوده بذاته لم يزل عنه إذ ذاك حقيقته وجوهره ، والجوهرية لا تبطل البتة ، إذ لا يتغير الشىء عن جوهره وحقيقته. والممتنع الوجود لا ذات له ، فلا حكم عليه. ولا يصح أن يوصف بأن له علة البتة ، إلا أن يكون معدوما لا على الإطلاق بل معدوما فى قوته أن يوجد ، وهذا هو الممكن ، فيكون حينئذ علة عدمه عدم علة وجوده. وبالجملة فالضرورى لا علة له ، وهو إما أن يكون واجب الوجود فلا علة لوجوده ، أو واجب العدم فلا علة لعدمه. وكما أن الضرورى العدم لا يوجد البتة ، كذلك الضرورى الوجود لا يصح أن يعدم البتة ، لأن الشىء لا يتغير عن حقائقه وجوهريته. وإذا قيل إنه يعدم لا من ذاته بل من خارج ، كان هناك قبول لذلك التأثير لا محالة. وواجب الوجود كله فعل ، ولا قوة فيه البتة ، فواجب الوجود معنى بسيط. لا يصح عليه الانقسام فى معناه ولا فى موضوعه ، ولا يصح أن يكون من وجه واجب الوجود ، ومن وجه غير واجب أى أن يكون فيه فعل وقوة معا ، إذ لا حد هناك ولا انقسام. والمفارقات وإن كان


منها قوة بها تقبل الوجود من الأول ، فإمكان وجودها فى ذواتها لا فى شىء آخر ، وهى غير مادية بل هى معان بسيطة.

الأشياء التي لا يسبق وجودها عدم هى المبدعات ، والتي يسبق وجودها عدم هى المحدثات. وكل شىء لا تعلق له بمادة فلا يصح أن يسبقه عدم. ومثل ذلك يكون إمكان وجوده فى ذاته لا فى غيره.

المعدوم على الإطلاق لا قوة فيه يقبل بها الوجود من موجده ، فلا يوجد البتة. وليس كذلك الممكن ، فإن فيه قوة ، فلذلك يوجد ، ولولاها لما كان يوجد.

النفس الإنسانية جوهرة قائمة بذاتها ، لا تنطبع فى مادة ، بل هى مفارقة. وإنما احتاجت إلى هذا البدن لأن إمكان وجودها لم يكن فى ذاتها ، بل مع هذا البدن ، واحتاجت أيضا إلى البدن لتنال به بعض استكمالها.

لو لم تكن النفس حادثة لما احتاجت إلى البدن.

البحث عن حال الممكن : كل ما هو ممكن الوجود فى ذاته فإنه يجب وجوده بغيره. والمفهوم من هذا القول ، وهو أنه يجب وجوده بغيره ، معنيان : أحدهما أن يوجد شىء سببا ، كما يوجد إنسان بيتا ، والثاني أن يتعلق وجوده بالموجود ويبقى وجوده به ، مثل الضوء الذي يبقى فى الأرض مع قيام الشمس. وعند الجمهور أن الموجد هو الذي يوجد سببا ، فإن حصل وجوده ، استغنى عن الموجد. ويحتجون بأن ما حصل وجوده ، استغنى عن الموجد ، فإن الموجد لا يوجد ثانيا. ويمثلون لذلك مثالا بأن البانى إذا بنى بيتا لم يحتج البيت إلى البانى ثانيا. وتبطل حجتهم بأنه لا يقول أحد إن الموجد يحتاج إلى موجد يوجده ثانيا ، لكن يحتاج إلى مستبقيه ، وأما مثال البيت ففيه غلط ، فإن البناء ليس هو علة لوجود البيت ، بل هو سبب لتحريك أجزاء البيت إلى أوضاع مختلفة يحصل منها صورة البيت ، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع تلك الأجزاء ، والاجتماع علة لشكل ما. وحافظ تلك الأجزاء على ذلك الشكل هو طبائعها التي تحفظ بها تلك الأجسام أمكنتها. وأيضا الموانع التي تمنع بعض الأجزاء من الحركة إلى أماكنها الطبيعية ، كالأعمدة والأساطين والحيطان الممسكة للسقوف ، فإن كل علة مع معلولها ، لأن البناء علة للحركة ، فإذا فقد البناء من حيث هو بناء ومحرك ، فقدت الحركة ، وفقدان الحركة نفس انتهائها ، وانتهاؤها علة لاجتماع الأجزاء ، واجتماعها على وضع ما علة لأن يحفظ بعض تلك الأجزاء أماكنها الطبيعية ، وبعضها يمنع عن زوال بعضها عن أماكنها ، كاللّبن


الأول فى مكانه الطبيعى الذي يمنع اللّبن الآخر أن يزول عن موضعه ، يتعاون كله على الثبات. فإذن البناء علة بالعرض للبيت ، وكذلك الأب علة بالعرض للابن ، فإنه علة لتحريك المنيّ إلى القرار ، ثم ينحفظ المنى فى القرار بطبعه ، أو بمانع آخر يمنعه السيلان ، وهو انضمام فم الرحم ، ثم قبوله للصورة الإنسانية لذاته. وأما مفيد الصورة فهو واهب الصور ، فهذا بعض حججهم.

وأما إثبات المذهب فيما نقوله : فيجب أن تعلم أن كل معلول فله صفتان ، وكل علة فلها صفتان ، أما ما للمعلول ، فإحداهما أن وجوده مستفاد من العلة ، والثاني أن العدم يسبق ذلك الوجود ، فيكون تعلق المعلول بالعلة إما من جهة وجوده أو من جهة سبق العدم. ومحال أن تكون العلة علة لسبق العدم ، فإن عدم الشىء لا علة له إلا عدم علة الوجود ، فليس للعلة تأثير فى سبق العدم. ثم إن لم يكن للمعلول تعلق بالعلة من جهة الوجود ، لم يكن له تعلق بالعلة أصلا. فإذن قد يجب أن يكون تعلق المعلول بالعلة من جهة الوجود لا غير. وأما كون ذلك الوجود بعد العدم فإنه لم يصر بعلة ، فإنه لا يمكن أن يكون وجود ذلك المعلول إلا بعد عدم ، وما لا يمكن فلا علة له ، فإن الممتنع لا علة له ، فليس لوجوده من بعد عدم سبب من حيث هو وجود بعد عدم. فإن هذا الوجود لا يمكن أن يكون إلا بعد عدم ، فإن الوجود الذي سبقه العدم لا يصح أن يكون إلا بعد سبق العدم ، لأنه يسبقه العدم بذاته ، فلا علة له. فلا إمكان لوجوده بعد عدم من حيث هو بعد العدم ، وإنما الإمكان للوجود من حيث هو وجود فحسب. وأما كونه بعد العدم فهو ضرورى لا ممكن. فالمعلول يحتاج إذن إلى العلة فى وجوده ، وهو ممكن ، إذ إمكانه فى وجوده فقط ، ولا حاجة له إلى العلة فى أن يكون بعد العدم ، فإن هذا المعنى هو واجب لذلك الوجود ، وما كان واجبا لم يحتج إلى علة من خارج. والشىء لا يتغير جوهره. ولما كان المعلول محتاجا إلى العلة ومتعلقا بها من هذه الجهة ، وجب أن يكون مثل هذا الوجود دائما محتاجا إلى العلة. وهذه الصفة مقومة لمثل هذا الوجود ، أعنى الحاجة إلى العلة. فإذن المعلول فى أنه يحتاج فى وجوده إلى العلة مقوم ذلك ، وإلا كان واجبا بذاته ، ولم يكن واجبا بغيره ، فإذن العلة علة الوجود. وأما سبق العدم فعلته أن تلك العلة لم تكن موجودة ، لا شىء آخر. فتكون العلة لها حالتان : إحداهما : أن لم يكن سبب الوجود ، والأخرى أن صار فى ذلك الوقت سببا للوجود. فإذن عليّتها لسبق العدم هو لا كونها علة للوجود ، ولا عليتها ليست هى علة ، ولا يدخل فى حكم كونها


علة. وعليتها للوجود هى العلة بالحقيقة ، أو هى كونها علة بالحقيقة. ومثال هذا أن يكون واحد من الناس لا يريد شيئا أولا من جملة الأشياء التي تكون بإرادته ، ولا يكون ذلك الشىء. فإذا أراد ، كان. فحق أن يقال عند كونه إن ذلك الشىء وجد عن علته ، فأما أن يقال إن ذلك المراد حصل ، بعد أن لم يكن حاصلا ، فلا أثر للعلة فى وجوده بعد أن لم يكن ، فلا تأثير لإرادته فى سبق العدم لذلك المراد. وعلى عبارة أخرى ، إذا وجد شىء عن إرادة حاصلة ، فحق أن يقال إن ذلك الشىء موجود ، فعلته علة ذلك الشىء المراد من جهة حصول إرادته وحصول مراده. فأما حصول الإرادة والمراد بعد أن لم يكونا ، فلا تأثير للعلة فيه ، فإن مثل هذا الحصول واجب على ما ذكرنا ، فإن حصول الوجود هو متعلق بحصول العلة ، وكون العلة علة وجود الشىء من علته ، وكون العلة علة غير معنى العليّة من حيث هى علية. فكون العلة علة هو أن تصير علة ، والعلية غير ذلك ، وهو أنه علة. كما أن كون الوجود هو غير نفس الوجود ، فكون العلة علة هو مقابل لكون المعلول موجودا ، لا لمصير المعلول موجودا. فوجود العلة مقابل لوجود المعلول ، وصيرورة العلة علة مقابلة لصيرورة المعلول موجودا. ثم إرادة الفاعل ما يصير به الشىء موجودا ، لا ما يتعلق به وجود الشىء ، كأنّ الفاعل هو ما يصير فاعلا ، فتكون العلة هى ما تصير علة ، لا ما هو علة. فإن معنى قولهم : العلة ما يصير به الشىء موجودا ، هو ما يصير علة بعد أن لم يكن علة ، لا ما يتعلق به وجود المعلول. فوجود المعلول متعلق بعلية العلة مطلقا. وأما صيرورة وجود المعلول فمتعلق بصيرورة العلة علة. ثم إن أريد بالفاعل ما يصير به الشىء موجودا بالفعل ، فإفادة الوجود غير العلية ، بل هو صيرورة العلة علة. فإن أردت بكل واحد من قولنا العلية ، ومن قولنا صيرورة العلة علة ، غير ما أريد بالآخر ، وهو الحق ـ كانت العلية لا نسبة لها إلى ما صار موجودا بعد أن لم يكن موجودا ، بل العلية مقابلة لوجود الشىء. وكل موجود متعلق الوجود بالغير ، ذلك الغير مباين له ، فذلك الغير هو فاعل ذلك الوجود ، سواء كان صدور ذلك الموجود عنه دائما أو وقتا ما.

الغاية أيضا علة مباينة للمعلول ، لكن الغاية والفاعل فى واجب الوجود هما واحد ، فهو الفاعل والغاية.

الوجود المستفاد من الغير : كونه متعلقا بالغير ، هو مقوم له ، كما أن الاستغناء عن الغير مقوم لواجب الوجود بذاته. والمقوم للشىء لا يجوز أن يفارقه ، إذ هو ذاتى له.


الوجود إما أن يكون محتاجا إلى الغير ، فتكون حاجته إلى الغير مقومة له ، وإما أن يكون مستغنيا عنه ، فيكون ذلك مقوما له. ولا يصح أن يوجد الوجود المحتاج غير محتاج ، كما أنه لا يصح أن يوجد الوجود المستغنى محتاجا ، وإلا قد تغير وتبدل حقيقتهما.

عند الجمهور العلية هى هى صيرورة العلة علة ، إذ لم يجدوا فاعلا إلا بعد أن لم يكن فاعلا ، ولم يعرفوا فاعلا يفعل دائما ، فظنوا أن العلة هى ما يصير علة بعد أن لم يكن ، إذ الفاعل الذي يعرفونه لا يخلو من أن يكون فاعلا بعد أن لم يكن. ثم لا يكون عندهم هذا التفصيل الذي ذكرناه ، أى حقيقة ما ذكرناه ، إذ لا يعرفون الفرق بين ما هو علة على الإطلاق ، وبين ما يصير علة. فقد بان أن ذات المعلول لا تنفكّ عن ذات العلة ، وأنه لا يصح أن تبقى مع عدم العلة. اللهم إلا أن تكون العلة لشىء آخر لا لوجود المعلول ، كما ذكرنا من حال البناء والأب. ويتبين من هذا أن علة الوجود يجب أن تكون مباينة لذات المعلول ، لأنه لو كانت مفيدة لوجود ذاتها ، لكانت قابلة لا فاعلة ، لكن العلة المفروضة هى علة الوجود فقط ، وإن العلة الأولى المطلقة واجبة بذاتها ، ولو كانت مفيدة الوجود لذاتها ، للزم أن تكون موجودة قبل إيجادها لذاتها ، فلا يجوز أن يكون شىء بسيط فاعلا وقابلا معا ، فإنه يكون هناك اثنينية ، فلا خلاف أنه يكون هناك قبول.

إن لجّ لاجّ وقال : إن العقل لا يصح إلا بعد أن يكون المعقول معدوما ، وقد سمع أن عدم المعقول ليس من الفاعل ، بل الوجود منه. والوجود الذي منه فى آن ، فليفرض ذلك متصلا إلى ما لا نهاية ، حتى لا يكون آن أولى من آن فيه يفيد الوجود ، فلا يكون الآن متخصصا متعينا. وإذا كان هذا الآن متصلا ، فغير واجب أن يسبقه العدم ، لأنه ليس يلزم أن يكون قبله آن ، فإنه آن مطلق غير متعين. فإن أزاغه عن هذا الحق قوله بأن الشىء الذي يكون موجودا لا يوجده موجد ، فليعلم أن المغالطة وقعت فى لفظة «يوجده» : فإن عنى أن الموجود لا يستأنف له وجود بعد ما لم يكن ، فهذا صحيح ، فإنه مستحيل أن يقال الموجود استؤنف له وجود بعد ما لم يكن. وإن عنى أن الموجود لا يكون البتة ، بحيث ذاته وماهيته لا تقتضى الوجود له ، بما هو هو ، بل شىء آخر هو الذي منه الوجود. وتحرير هذا المعنى أنه عنى بلفظة «يوجد» أنه لا يفيد لذلك ، أى أنه عنى أن الموجود يكتفى بذاته عن مفيد له الوجود ، فإن ذاته لا تكون البتة غير مقتضية لوجوده ، إنما يقتضى


وجوده شيئا يفيده الوجود ـ فإنّا نبين ما فيه من الخطأ ، ونقول : إن المعقول الذي نقول إن موجدا يوجده ، لا يخلو إما أن يفيده الوجود فى حالة العدم ، أو فى حال الوجود ، أو فيهما جميعا. ومعلوم أنه ليس موجدا له فى حال العدم ، فيبطل أن يكون موجدا فى الحالين جميعا ، فيبقى أن يكون موجدا له فى الحالة التي هى موجودة. فيكون الموجد إنما هو موجد الموجود وهو الذي يوصف بأنه موجد لشىء لا يوصف بأنه يوجد ، لأن لفظة «يوجد» توهم وجودا مستقبلا ليس فى الحال. فإن أزيل هذا الإيهام ، صح أن يقال إن الموجد موجد ، أى يوصف بأنه يوجد. فكما أنه فى حال ما هو موجود يوصف أنه موجد ـ ولفظة «يوصف» لا يعنى به أنه فى الاستقبال يوصف ـ كذلك الحال فى لفظة «يوجد». فلسنا نقول : إن الموجد يحتاج إلى موجد ، بل نقول : إنه يحتاج إلى مستبقى ومستحفظ.

اللازم ما يلزم الشيء لأنه هو ، ولا يقوم الشىء واللوازم كلها على هذا ، أى يلزم ملزومها لأنه هو.

لوازم الأول تكون صادرة عنه ، لا حاصلة فيه ، فلذلك لا تتكثر بها ، لأنه مبدؤها ، فلا يرد عليه من خارج. ومعنى اللازم أن يلزم شىء عن شىء بلا واسطة شىء ، أو يلزم شىء شيئا بلا واسطة شىء ، أو يلزم شىء شيئا بلا واسطة. ولوازم الأول لما كان هو مبدؤها كانت لازمة عنه ، صادرة لا لازمة له من غيره ، حاصلة فيه. وصفاته هى لازمة لذاته على أنها صادرة عنه ، لا على أنها حاصلة فيه ، فلذلك لا يتكثر بها وهو موجبها. فتلك اللوازم وتلك الصفات تلزم ذاته لأنه هو ، أى هو سببها لا شىء آخر. واللوازم التي تلزم غيره لا تلزمه لأنه هو ، بل قد يكون بوساطة شىء آخر ولازم آخر. وإذا لم يكن بوساطة شىء كان لازما له لأنه هو. واللوازم كلها حقيقتها أنها تلزم الشىء لأنه هو.

لازم الأول لا يجوز أن يكون إلا واحدا بسيطا ، فإنه لا يلزم عن الواحد إلا واحد. ثم اللازم الآخر يكون لازم لازمه. وكذلك اللازم الثالث يكون لازم لازمه ، ثم يكون الأمر على ذلك ، وتكون كثرة اللوازم للأول على هذا الوجه. وهذا كما نقول : إن الموجود شىء ، ثم يلزم عنه أنه نقطة ، ثم يلزم عن النقطة أنه شىء آخر.


اللوازم لا تدخل فى الحقائق بل تلزم بعد تقوّم الحقائق.

الأول ذاته البسيط لا كثرة فيه البتة. والعقل الفعال اللازم عنه أولا فيه كثرة ، لأنه ماهية وجود وارد عليه من الأول. ثم اللازم الثاني فيه كثرة زائدة على ما فى الأول ، وكذلك الحال فى اللازم بعد اللازم.

بيان أن واجب الوجود بذاته لا كثرة فيه : واجب الوجود لا يصح أن تكون فيه كثرة حتى تكون ذاته مجتمعة من أجزاء ، مثل بدن الإنسان ، أو من أجزاء كل واحد منها قائم بذاته ، كأجزاء البيت والخشب والطين ، ولا من أجزاء كل واحد منها غير قائم بذاته ، كالمادة والصورة للأجسام الطبيعية فإنه لو كانت ذاته تتعلق بالأجزاء لكان وجوب وجوده لا بذاته ، ولا يصح أيضا أن تكون فيها صفات مختلفة : فإنه لو كانت تلك الصفات أجزاء لذاته كان الحكم فيها ما ذكر. وإن كانت تلك الصفات عارضة لذاته كان وجود تلك الصفات إما عن سبب من خارج ، ويكون واجب الوجود قابلا له ، ولا يصح أن يكون واجب الوجود بذاته قابلا لشىء ، فإن القبول بما فيه معنى ما بالقوة. وإما أن تكون العوارض توجد فيه عن ذاته ، فيكون إذن قابلا كما هو فاعل : اللهم إلا أن تكون تلك الصفات والعوارض لوازم ذاته ، فإنها حينئذ لا تكون ذاته موضوعة لتلك الصفات ، لأن تلك الصفات موجودة فيه ، بل لأنه هو. وفرق بين أن يوصف الجسم بأنه أبيض لأن البياض يوجد فيه من خارج ، وبين أن يوصف بأنه أبيض لأن البياض من لوازمه وإنما وجد فيه لأنه هو ، لو كان يجوز ذلك فى الجسم. وإذا أخذت حقيقة الأول على هذا الوجه ، ولوازمه على هذا الوجه ، استمر هذا المعنى فيه ، وهو أنه لا كثرة فيه ، وليس هناك قابل وفاعل ، بل من حيث هو قابل فاعل. وهذا الحكم مطرد فى جميع البسائط ، فإن حقائقها هى أنها تلزم عنها اللوازم وفى ذاتها تلك اللوازم على أنها من حيث هى قابلة فاعلة ، فإن البسيط عنه وفيه شىء واحد ، إذ لا كثرة فيه ، ولا يصح فيه غير ذلك. والمركب يكون ما عنه غير ما فيه ، إذ هناك كثرة. وثم وجود هو حقيقته أنه يلزمه ذاك ، فيكون عنه وفيه شيء واحد. وكل اللوازم هذا حكمها ، فإن الوحدة فى الأول هى عنه وفيه لأنها من لوازمها ، والوحدة فى غيرها واردة عليه من خارج ، فهى فيه لا عنه ، وهناك قابل. وفى الأول القابل والفاعل شىء واحد.


البسائط ليس فيها استعداد ، فإن الاستعداد هو أن يوجد فى الشىء شىء عن شىء لم يكن ، وأظن استعداده لقبول ذلك الشىء مقدما على قبوله بالطبع.

النفس الإنسانية لا يصح أن تكون فاعلة المعقولات قابلة لها ، بعد أن لم تكن ، فإن مثل ذلك يجب أن يسبقه معنى ما بالقوة ، وفيها استعداد. فأما الشىء الذي حقيقته أن تلزمه المعقولات دائما ، فلا يجب أن يكون فيه معنى ما بالقوة.

لو كانت النفس الإنسانية تفعل المعقولات بعد أن لم تفعل لكان فيها معنى ما بالقوة.

الذي لا يقبل المعقولات لا يصح أن يكون فاعلا للمعقولات ، إذ لا يصح أن يكون شىء واحد فاعلا وقابلا بعد أن لم يكن فاعلا وقابلا ، فإنه يسبقه معنى ما بالقوة.

أقول إنه لا يصح أن يصدر عن شىء واحد بسيط من جميع الجهات إلا شىء واحد ، فقد عرفت أن الشىء لا يوجد عن الشىء ما لم يجب عنه ذلك الشىء. فإذا وجب أن يصدر عن شىء شىء ثم صدر عنه ، من حيث وجب أن يصدر عنه الشىء ، الأول ، ومن جهة ذلك الوجوب شىء آخر غير الأول ، لم يكن واجبا أن يصدر عنه الأول ، وإذا لم يكن بسيطا يصح أن يصدر عنه. فإن صدر عنه من جهة طبعه شىء ومن جهة إرادته شىء آخر ، كان الكلام فى اثنينية الطبع والإرادة ووجوبهما عن شىء بسيط وصدورهما عنه ، كالكلام فى الأول : فيقال : لم وجب عنه من حيث الطبع كذا؟ فإذن لا يصح أن يكون فى واجب الوجود كثرة أصلا وفى وحدة واجب الوجود أن كان واجب الوجود اثنين. ولا شك أن كل واحد منهما يتميز عن الآخر بفصل أو خاصة. ولو كانت الخاصة أو الفصل واحدا على حقيقته لكانا يفيدان ماهية الجنس فإن كل واحد منهما يفيد وجوب الجنس. وتغير الجنس والوجود هاهنا هو نفس الجنس ، وذلك محال ، فإن الفعل والخاصة لا يفيدان حقيقة الجنس ولا يقومانه ، وإلا كان الجنس لا يكون جنسا من دونها ، وكان مثل الحيوان الناطق يكون الناطق تمام الحيوانية ، فلا يكون ما ليس بناطق حيوانا. فإذن هما مفيدان وجود الجنس لا ماهيته. فلو كانا يدخلان على واجب الوجود وكانا يفيدان وجوده ، وكان الوجود حقيقة واجب الوجود ، لكانا يفيدان حقيقة الجنسية. فلأن واجب الوجود من دون الفصل والخاصة له وجوب الوجود ، فإن رفعت الفصل والخاصة من كل واحد من واجبى


الوجود ، فإما أن تبقى الاثنينية ، أو لا تبقى. فإن بقيا اثنين كان المعنى الواحد اثنين ، وهذا محال. وإن بطل معنى وجوب الوجود مع رفعيهما ، كان الفصل والخاصة شرطا فى حقيقة المعنى العام ، أعنى وجوب الوجود. وهذا محال. نعم إن كانت الماهية غير الآنية صح أن يصير المعنى الواحد اثنين بالفصل أو الخاصة ، فإذن لا يصح أن يصير واجب الوجود بذاته صفة لشيئين. على أنك قد عرفت أن المعنى الكلى لا يتعين شيئا واحدا من جملة ما هو كليه إلا بعد تخصص. ولو كان واجب الوجود بذاته يتخصص بعلة ، لكان ممكن الوجود لا واجبه. فإذن معنى واجب الوجود ليس للأمور العامة.

المعنى العام لا وجود له فى الأعيان ، بل وجوده فى الذهن ، كالحيوان مثلا فإذا تخصص وجوده ، كان إما إنسانا أو حيوانا آخر ، أو واحدا من قسميه ، وتخصصه يكون بعلة لا بذاته. وواجب الوجود لو كان معنى عاما لكان يتخصص وجوده لا بذاته ، فيكون ممكنا. فإذن معنى واجب الوجود ليس بعام ، لأن واجب الوجود شخصه بذاته ، لا بسبب من خارج ، وهو معنى لا ينقسم ، إذ هو يتشخص بتأحد.

وجوب الوجود بذاته ، وإن كانت صيغته صيغة المركب ، فليس هو مركبا ، بل هو شرح معنى لا اسم له عندنا ، وهو أنه يجب وجوده ، لأن ما يجب وجوده فحقيقته أنه يجب وجوده بذاته ، لا شىء عرض له وجوب الوجود.

إن كان واجبا فى وجوب الوجود أن يكون صفة متعينة لشىء ، فإنه يمتنع أن لا تكون صفة له متعينة ، ويمتنع أن تكون لغيره. وهذا كما يقال إن كان واجبا فى واجب الوجود أن يكون مقارنا للبياض فهذا إذا كان لذاته يقتضى أن يكون مقارنا له. وإن كان بسبب ما صار مقارنا له ، كان ممكن الوجود قد تغير عن هذا. بعبارة أخرى أن كون الواحد من المفروضين واجب الوجود ، وكونه هو بعينه من حيث هو ، أى من حيث هو ذلك الواحد المتعين لا من حيث هو واجب الوجود : إما أن يكون واحدا ، فيكون كل ما هو واجب الوجود فهو هو ، أى ذلك الواحد المتعين وليس غيره. وإما أن لا يكونا واحدا. بل معنى قولنا واجب الوجود غير معنى قولنا هو بعينه. فمقارنة واجب الوجود لأنه هو ، واختصاصه به إما أن يكون أمرا لذاته أو لسبب ، فإن كان كونه هو بعينه ، هو بعينه كونه واجب الوجود ، لم يصح أن يكونا إلا واحدا. فإن كان ذلك الاختصاص ، أى كونه هو بعينه واجب الوجود لذاته ، ولأنه واجب الوجود ، فيكون كل ما هو واجب الوجود هو بعينه ، وإن كان


لعلة وسبب غيره ، فلكونه هو بعينه ، أى لكون واجب الوجود هو سبب ، فهو معلول. وهذا كما يقال : إن كان كون الإنسان بذاته إنسانا وكونه هذا الشخص المعين ، واحد ، فمحال أن يكون غيره.

إن المعنى الواحد ، أىّ معنى كان ، لا يتكثر بذاته ، وإلا لم يوجد واحد منه ، لأن ذلك الواحد منه كان على طباع ذلك المتكثر ، فيكون هو أيضا متكثرا بذاته ، ويقتضى التكثر بذاته ، فهو مشارك للمعنى أيضا فى طباعه ، بل هو ذلك المعنى. مثلا البياض لو كان يتكثر بذاته فكل شخص من أشخاصه يقتضى التكثر ، إذ كل واحد يكون على طباع البياض ، ومشاركه فى معناه ، فلا سبب لتكثره غير معنى البياض ، فحقيقة كل شخص منها لا يخالف البياض المطلق ، وهو يقتضى التكثر بذاته ، فذلك الشخص أيضا يقتضى التكثر. وإذا لم يكن واحدا لم يكن كثرة أيضا. فإذا فرضنا المعنى الواحد يتكثر بذاته ، أبطلنا الكثرة ، لأنه واحد منه ، والكثرة تتركب من الواحد.

المعنى العام يقتضى التكثر بذاته من حيث هو عام ، والمعنى الواحد يقتضى التأحد بذاته ، ويكون تكثره بسبب. فإن كان تكثره بذاته كان له أشخاص ، وحقيقة كل شخص منها لا تخالف المعنى المتكثر بذاته ، فإن تكثر واجب الوجود ، وكان تكثره بذاته ، لم يكن واحد أصلا ، ولم تكن كثرة أيضا ، فنبطل أن يوجد الواحد من واجب الوجود ، فإذن لا يتكثر معنى واجب الوجود. وواجب الوجود شخصه فى ذاته لا يتشخص بغير ذاته.

واجب الوجود بذاته يقتضى بذاته أن يكون واحدا ، فلا يكون قابلا لكثرة أصلا ، إذ لا سبب له فى وجوده ولا فى صفاته ولا فى لوازمه ، فهو واجب من جميع جهاته.

تكثّر المعنى الواحد يكون بسبب من خارج لا من ذاته.

إن كان واجب الوجود اثنين ، فكل واحد منهما إما أن يكون وجوب الوجود وهويته شيئا واحدا ، فيكون كل ما هو واجب الوجود هو بعينه ، وإن كان وجوب الوجود غير هويته ، لكنه يختص به ويقارنه ، فاختصاصه به إما لذاته أو لعلة. فإن كان لذاته ولأنه واجب الوجود ، كان كل ما هو واجب الوجود هو بعينه. وإن كان لسبب ، كان معلولا.

حقيقة الأول آنيته.


كل ذى ماهية فهو معلول ، والآنية معنى طارئ عليه من خارج ، فهى لا تقوّم حقيقته ، فإما أن تكون تلك الماهية علة لآنيتها ، وإما أن تكون علتها أمرا من خارج ، أعنى علة الآنية. فإن كانت الماهية علة لوجود ذاتها ، فإما أن تكون علة وهى موجودة له ، أو علة وهى معدومة. ومحال أن تكون معدومة وهى علة لوجود ذاته. وإن كانت موجودة كان لها وجودان. والكلام فى الوجود الأول الذي به صارت الماهية علة للوجود الثاني ، كالكلام فى الوجود الثاني ، ويتسلسل إلى ما لا نهاية. وهى تستغنى بالوجود الأول عن الوجود الثاني إن كان لها ذلك الأول.

الذي يجب أن يبين من أمرها هو أنها هل هى وجدت بوجود متقدم ، أم وجدت وهى معدومة؟

إن كانت موجودة وهى علة ، فإنها تستغنى بالوجود الأول عن الثاني. فإن كان علة واجب الوجود أمرا عن خارج كان متعلقا بسبب ، وهو محال ، فإذن حقيقة الأول معنى شرح اسمه أو لازمه أنه واجب وجوده بذاته ، أو أنه يجب وجوده ، لا ما يجب وجوده فتثبت ماهية غير الآنية. وهذا كما يخبر عن القوى بلوازم ، كما يقال : إن النفس ما يصدر عنه كذا وكذا ، وهذا هو من لوازم النفس لا حقيقتها. وهذه الحقيقة التي قلنا إن واجب الوجود بذاته لازم لها ، هى الحقيقة المطلقة ، فإن حقيقة كل شىء وجوده. وحيث لا يكون معنى ما بالقوة أصلا ، بل يكون إما وجود مطلق ، أو وجود يكون وجوب الوجود من لوازمه ، تكون الحقيقة المطلقة البريئة عن معنى ما بالقوة والأعدام ، فلهذا صار أخص الصفات به الوحدة والحقية. إذا شاركه فى هذين المعنيين شيء ، فالواحد الحق أخص الصفات به. فالوحدة مساوية للحقية المطلقة ، إذ لا واحد مطلقا سواه ، والوجود المطلق هو الحقية ، وهو البراءة عن جميع ما بالقوة.

كل ما يقبل التغير فإنه يكون لما قبله سبب من خارج ، ومحال أن يكون واجب الوجود بذاته قابلا أن يكون له تعلق بسبب.

الوجود لا فى موضوع يحمل على وجود الأول على أنه هو ، لا على حمل الجنسية ، وكذلك الحال فى حمل واجب الوجود عليه.

الأول لا يدرك كنهه وحقيقته العقول البشرية ، وله حقيقة لا اسم لها عندنا. ووجوب الوجود إما شرح اسم تلك الحقيقة أو لازم من لوازمها ، وهو أخص لوازمها وأولها ، إذ هو لها بلا واسطة لازم آخر. وسائر اللوازم فإن بعضها يكون


بوساطة البعض. وكذلك الوحدة هى أخص لوازمها إذ الوحدة الحقيقية هى لها ، وما سواها فإنه لا يخلو عن ماهية وآنية ، فهى من أخص الصفات بها ، إذ لا يشاركها فى الوجود والحقية شىء ، والوجود والحقية هما متساوقان.

الماهيات كلها وجودها من خارج ، والوجود عرض فيها ، إذ لا تقوم حقيقة واحدة منها ، فإذن كلها معلولة.

ما حقيقته آنيته ، فلا ماهية له. يعنى بالماهية فى سائر المواضع : الحقيقة ، وواجب الوجود حقيقته الآنية.

الجوهر هو ما وجوده ليس فى موضوع. وليس يعنى بالوجود هاهنا الحصول بالفعل ، فلهذا تشك ، مع معرفتك بأن الجواهر جسم ، فى وجوده أو عدمه. فإذن الجواهر ماهية ، مثل الجسمية والنفسية والإنسانية ، إذا وجدت كان وجودها لا فى موضوع.

الجوهر حقيقته ماهية. وما لا ماهية له فليس بجوهر. فواجب الوجود ليس بجوهر.

وأما العرض ، فظاهر أن واجب الوجود بذاته لا يصح أن يكون عارضا لشىء حتى يكون متعلقا فى وجوده به.

كلّ عرض فموجود فى شىء ، وواجب الوجود لا يكون وجوده فى شىء فليس بعرض.

لما كان حمل الوجود لا فى موضوع على وجود واجب الوجود ، ووجود سائر الموجودات لم يكن بالتواطؤ ولا بالتشكيك ، كان حمل الوجود لا فى موضوع عليهما ليس حملا جنسيا ، ولا بالتشكيك. وقد بطل هاهنا أيضا اعتبار التشكيك الذي يكون فى وجود الأعراض ووجود الجواهر.

الوجود لا فى موضوع لا يحمل على ما تحته بالتواطؤ ، وكل جنس فإنه يحمل على ما تحته بالتواطؤ ، فالوجود لا فى موضوع ليس بجنس. فإذن حمله على وجود واجب الوجود ووجود الجوهر لا على سبيل الجنسية ، بل يكون الوجود لا فى موضوع جنسيا إذا عنى به أنه محمول على وجود ماهية إذا وجدت كان وجودها لا فى موضوع. وليس يعنى بقولنا الموجود لا فى موضوع هاهنا ما يعنى به فى رسم الجوهر ، فإنه يعنى به هناك وجود شىء إذا وجد كان وجوده لا فى موضوع. ويعنى به هاهنا


وجود دائم أبدا ، ووجود حقيقة يكون الوجوب من لوازمها ، وهو دائم الوجود لم يزل ولا يزال لا ماهية من شأنها أن توجد إذا وجدت لا فى موضوع.

الوجود لا فى موضوع هو غير الموجود لا فى موضوع.

الجوهر حقيقته ماهية ، وواجب الوجود حقيقته آنية لا ماهية. وما لا ماهية له فليس بجوهر ، فواجب الوجود ليس بجوهر ، ولا داخل فى مقولة من المقولات ، فإن كان مقولة ، فوجودها خارج عن ماهيتها ، وزائد عليها. وواجب الوجود ماهيته آنيته ، ليس آنيته زائدة على ماهيته ، بل لا ماهية له غير الآنية ـ ويعنى بالماهية الحقيقة : فما يعنى به الماهية فى سائر الأشياء ، فإنه يعنى به فى واجب الوجود الآنية. فقد بان أن واجب الوجود لا جنس له ، فلا فصل له ، إذ لا شريك له فى الجنس. وإذ لا فصل له ، فلا حد له ، ولا محل له ، فلا موضوع له. وإذ لا سبب له ، فلا جزء له ، فإن الأجزاء سبب الكل. ولا تغير فيه ، فإنه غير قابل ، والتغير يكون بسبب من خارج.

المعنى العام لا وجود له فى الأعيان ، فيكون شخصا ، فإنه لا يكون حينئذ عاما ، وإذا تخصص وجوده ، تخصص بأحد ما يكون من أنواعه ومن أشخاصه فوجد فى الأعيان حينئذ.

صفات الأشياء على أربعة أصناف : أحدها كما يوصف الإنسان بأنه حيوان أو جسم ، وهذه الصفة ذاتية له ، وشرط فى ماهيته. وليس هذه الصفة له بجعل جاعل ، بل هى ذاتية له ، فلا سبب لكونه صفة له ، وذلك مطرد فى جميع الذاتيات. والثاني كما يوصف الشىء بأنه أبيض ، فإنه صفة عرضية ، ويوصف الشىء بالبياض لوجوده فيه ، وهو غير ذاتى له. والثالث كما يوصف بأنه عالم ، فإن العلم هيئة موجودة فى النفس معتبرا معها الإضافة إلى أمر من خارج ، وهو المعلوم. فالعلم أمر من خارج ، كالبياض فى الجسم ، إلا أنه يخالف البياض ، فإن الأبيض لا يصير بالبياض مضافا إلى شىء من خارج. والعالم يصير بهيئة العلم مضافا إلى أمر من خارج ، وهو المعلوم. والرابع مثل الأب واليمين ، فإن الأبوة ليست هى هيئة توجد فى الإنسان ثم تعرض لها الإضافة ، كما كان فى هيأة العلم. وكذلك الأمر فى التيامن ، بل هما نفس الإضافة ، لا هيئة تعرض لها الإضافة ، وهاهنا صفات خارجة عن هذه الأربعة ، وهى بالحقيقة لا صفتية ، كما يوصف الحجر بالموات ، فليس الموات إلا امتناع وجود الحياة فى الحجر. فواجب الوجود


ليس له صفات ذاتية ، حتى تكون الصفات موجودة فيه ، إلا على الوجه الذي ذكرنا ، وهو أن تكون تلك الصفات من لوازم ذاته ، ولا صفات عرضية ، كالبياض. وأما الصفات الإضافية ، فلا بد من أن تكون موجودة له ، إذ الوجودات كلها عنه ، وهو معها ، أو متقدم عليها ، على اعتبارين مختلفين ، فإن المعية هى نفس الإضافة ، والتقدم نفس العلية ، وهذه الوجودات إضافات. وأيضا له صفات عدمية ، أعنى لا صفتية ، مثل الوحدة ، فإن معناها أنه موجود لا شريك له ، أو لا جزء له. وإذا قيل : «أزلى» ، أى أنه لا أول لوجوده ، فإنّا نسلب عنه الحدوث أو وجودا متعلقا بالزمان ، فهذه السلوب والإضافات لا تتكثر بها الذات ، فإن الإضافة معنى عقلى لا وجود له فى ذات الشىء. ولكن لما كان لمثل هذه السلوب ألفاظ محصلة ، مثل الوحدة والأزلية ، ظنّت أنها صفات محصّلة. وقد تكون ألفاظ محصلة ومعانيها غير محصلة ، ووجودية ، بل سلبية. وقد تكون ألفاظ محصلة ومعانيها محصلة وجودية. فالأول كالوحدة والزوج والفرد. والثاني كاللاأعمى ، أى البصير. أو مثال آخر ، وهذا كما يقال الغنى والفقير ، فإن الغنى ليس إلا إضافة ذى المال إلى ماله ، لا صفة موجودة فى ذات ذى المال. والفقر معنى عدمى ، ومعناه أنه ليس بذى المال. وليس لهاتين الصفتين وجود فى ذات صاحبيهما. فصفات واجب الوجود بذاته إما أن تكون لوازم له ، فلا يتكثر بها على ما ذكر ، وإما أن تكون عارضة له من خارج ، وذلك إما معنى إضافى ، وإما معنى عدمى ، فلا يتكثر بها.

لا يصح أن يكون واجب الوجود بذاته له سبب ، فإنه إن كان لا سبب لوجوده ، فليس لوجوده سبب ، فإذن لا تعلق له بسبب. وإن لم يكن له وجود إلا بسبب ، فليس هو واجب الوجود بذاته. ولا يصح أن يكون مستفيد الوجود من شىء آخر ، وذلك الشىء يستفيد وجوده من هذا الأول ، فإنه يكون كل واحد منهما أقدم من الآخر ، وأشد تأخرا من الآخر ، فلا يصح وجود أحدهما إلا بوجود الآخر الذي لا يوجد إلا بالأول ، فلا يكون له وجود أصلا. ولا يصح أن يكونا متكافئى الوجود ، مثل وجود الأخوة ، فإنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما يجب وجوده بالآخر ، أو يجب وجوده بذاته. فإن كان يجب وجوده بذاته ، كان لا تأثير للآخر فى وجوده ، فلا يكون لأحدهما تعلق بالآخر فى الوجود. وإن كان كل واحد منهما ليس واجبا بذاته ، فيكون بذاته ممكن الوجود ، فلا يكون وجوده أولى من لا وجوده. وكل ممكن الوجود فإنه يجب وجوده بسبب متقدم بالذات.


فإذن كل واحد منهما يحتاج فى وجوده إلى أمر من خارج متقدم عليهما ، إذ لا تقدم لأحدهما على الآخر ، إذ فرضناهما متكافئين. والعلة يجب أن تكون متقدمة. وإن كان أحدهما علة والآخر معلولا فإنه يكون أحدهما واجبا بذاته ، والآخر وجوده مستفاد منه. وبهذا نعلم أن واجب الوجود بذاته لا أجزاء له ، فإن الأجزاء سبب للجملة ، فإذن لا تعلق لواجب الوجود بشيء.

وجود الأجسام وأعراضها ، وبالجملة وجود العالم المحسوس ، ظاهر. وجميع هذه الموجودات وجودها خارج عن ماهيته ، إذ جميع هذه ماهيات فى المعقولات العشر ، وكلها ممكنة الوجود فى ذواتها. قوام الأعراض بالأجسام ، والأجسام قابلة للتغيرات. وأيضا فإنها مركبة من مادة وصورة ، وكل واحد منها جزء للجسم. والمادة لا قوام لها بالفعل ، وكذلك الصورة وكل ما كانت هذه صفاته ـ أعنى التغير والتجزؤ. واجتماع جملتها من الأجزاء وحصول معنى ما بالقوة ـ فهو ممكن الوجود. فكل ما هو ممكن الوجود فإنه يخرج إلى الفعل بأمر من خارج ، ويكون تعلق وجوده بذلك الأمر ، وهذا هو معنى الحدوث ، أعنى أن يصير الشىء أيس ، بعد أن كان ليس ، بعدية بالذات ، أى أنه متأخر الوجود عن وجود علته. وقد بينا أن جميع العلل تنتهى إلى واجب الوجود بذاته ـ وأن واجب الوجود بذاته واحد ، فيجب أن يكون للعالم مبدأ لا يشبهه ، فوجود العالم منه. ووجود ذلك المبدأ يكون واجبا بذاته ، بل تكون حقيقته الوجود المحض ، أى لا يخالطه معنى ما بالقوة وما سواه يكون وجوده منه ، مثل الشمس التي هى مضيئة بذاتها ، وما سواها مضىء بها ، والضوء عارض منها. وهذا المثال يصح لو كانت الشمس نفس الضوء ، ولم يكن للضوء موضوع. ولكن الأمر بخلاف ذلك ، فإن ضوء الشمس له موضوع ، وواجب الوجود بذاته لا موضوع له ، بل هو قائم بذاته.

المعلوم بالحقيقة هو نفس الصورة المنتقشة فى ذهنك. وأما الشىء الذي تلك الصورة صورته ، فهو بالعرض معلوم. فالمعلوم هو العلم ، وإلا كان يتسلسل إلى ما لا نهاية.

إن السبب فى أن يكون الشىء معقولا ، هو بأن يتجرد عن المادة ، وكذلك السبب في أن يصير الشىء عاقلا هو أن يتجرد عن المادة ، أعنى العقل. فإذا حصلت صورة مجردة عن المادة ، لصورة مجردة عن المادة ، كان ذلك النحو من الحصول عقلا ، والصورة الإنسانية إذا تجردت عن المادة ، واستحضرتها نفسك ، كانت نفسك ، على ما ذكر فى «كتاب النفس» ، عاقلة للمعقول من تلك الصورة الإنسانية. وبالجملة


فالصورة المجردة عن المادة وجودها معقوليتها ، أى وجودها هو أنها عقلت ، فإنها إن لم تعقل لم توجد. كما أن الصورة المحسوسة وجودها محسوسيتها ، وهو أنها أحست. وكما أنك لو أحضرت فى ذهنك صورا تجردها عن موادها ، لكان وجودها فى ذهنك هو أنك عقلتها ـ كذلك إذا كانت مجردة بذواتها لم يكن وجودها إلا أنها عقلت. فالوجود لها هو أنها معقولة ، فإنها إنما توجد عند ما تعقل. ووجود الأول هو عقليته لذاته ، أى أنه تعقل ذاته ، فإن ذاته مجردة ، فموجوديتها له هو أنه تعقلها. فوجود ذاته دائم ، فعقليته لها دائمة. ولما كانت النفس الإنسانية مجردة عن المادة ، وكان وجودها لذاتها ، كانت عاقلة لذاتها ، ومعقولة لذاتها ، إذ كانت ذاتها مجردة عن المادة ، على ما تبين ، ولم تكن ذاتها المجردة مباينة لذاتها المجردة ، كمباينة البياض مثلا ، أو الجسمية لذاتيهما ، فإن البياض والجسمية وجودهما لغيرهما ، أعنى للمادة والموضوع. ووجود ذات كل واحد منهما مباين لذاته ، فالنفس هى عالمة لذاتها ، ومعلومة لذاتها. وواجب الوجود مجرد عن المواد غاية التجريد ، فذاته غير محجوبة عن ذاتها ، أى واصلة إليها ، وغير مباينة لها ، إذ البياض محجوب عن ذاته ، أعنى أن وجوده فى غيره. والمحجوب عن الشىء هو أن لا يكون ذلك الشىء موجودا فى المحجوب عنه ، فإن البياض المحجوب عن البصر هو أن لا يكون حاصلا فى البصر ، فلا يدركه البصر. وأما الحاجز بينك وبينه ، فهو الذي يمنع من حصوله فى حس البصر ، وهو السبب فى عدم حصول ذلك الشىء المحسوس فى حسك ، أو عدم سبب الحصول. فواجب الوجود بذاته عاقل لذاته ومعقول لذاته ، فإنا إذا قلنا : «علم مجرد لشىء مجرد» ـ معناه أن ذلك المجرد إذا اتصل بمجرد ، عقله ذلك المجرد المتصل به ، ولما كانت ذات واجب الوجود مجردة ، ولم تكن مباينة لذاتها ، بل كانت متصلة بها ، أى وجوده له كان عاقلا لذاته ، ومعقولا لذاته ، وهو بالحقيقة وجوده شيئا ، ومعقوليته شيئا آخر ، كالحال فى الصورة المادية ، التي وجودها شىء ومعقوليتها تكون بعد وجودها ، فلا تكون معقولة وهى موجودة ، بل من شأنها أن تعقل. والصور الفائضة عن الأول فإن نفس صدورها عنه هو معقوليتها له ، لا أنها تصدر ، ثم تعقل بعد صدورها. والأول عقليته لذاته ومعقوليتها له شىء واحد ، فهو عاقل ومعقول وعقل ، والعقل بالحقيقة هو المعقول ، فإن المعقول هو الشىء الحاصل فى الذهن. فأما الأمر من خارج ، فهو بالعرض معلوم ومعقول ، لا بالذات ، وإلا لاحتيج إلى علم آخر به يعلم ذلك العلم ، وكذلك المحسوس بالذات هو الأثر الحاصل فى الحس ، فأما الشىء الذي ذكر الأثر أثره ، فهو محسوس بالعرض ، وذلك الأثر المحسوس بالحقيقة هو بعينه


الحس ، وإلا كان يتسلسل ، لأنه لو كان يجب أن يتكرر ذلك الأثر فى الحس حتى يصير حسا ، لكان الكلام فى الأثر الثاني كالكلام فى الأثر الأول ، وكذلك يستمر الكلام إلى ما لا نهاية. فإذن واجب الوجود عقله ما هو معقول ، وكذلك كل مجرد عن المادة ، وكل ذلك هو الوجود المجرد عن المادة.

كل ما كان وجوده لذاته ، فوجوده معقوليته. كل ما كان وجوده لغيره فوجود معقوليته لغيره.

ولما كان واجب الوجود مبدءا لجميع الموجودات على ترتيب الموجودات ، وكان عاقلا لحقيقة ذاته ، كان أيضا للوازمه ، لأن ما يعقل شيئا بالحقيقة فإنه يعقل (لا غير) لوازمه. ووجود لوازمه أيضا هو معقوليتها ، فلا يجوز أن يقال إنه عقلها فوجدت ، ولا أنها وجدت فعقلها ، وإلاّ كان يلزم محالان : أحدهما أنه يتسلسل إلى ما لا نهاية ، فإنه كان يسبق كل وجود لازم ، عقل واجب الوجود له ، وكل عقل واجب الوجود لتلك اللوازم ، وجودها.

علة وجود لوازمه عقليته لها ، فيجب أن تكون معقولة له قبل وجودها ، فيجب أن تكون موجودة حتى يعقلها.

إن فرضنا أن تلك اللوازم يجب أن يكون وجودها غير معقوليتها ، فيجب أن يسبق كل وجود معقولية ، وكل معقولية وجود ، فيتسلسل ، فيقال : إنما صارت موجودة لأنه يسبقها التعقل ، وإنما عقلها لأنه سبق عقليتها الوجود ، إذ كان ما ليس بموجود ليس بمعقول. إذ كان يلزم أيضا محال آخر ، وهو أنه إنما صارت تلك اللوازم معقولة لأنها موجودة وإنما صارت موجودة لأنها معقولة ، فيلزم أن يكون عقلا ، لأنه عقل. فكان يلزم أن يكون علة وجودها وجودها ، وعلة معقوليتها معقوليتها ، فكانت تصير معقولة لأنها معقولة وموجودة لأنها موجودة. فإذن يجب أن تكون نفس وجود هذه اللوازم نفس معقوليتها ، كما أن نفس وجود الأول نفس معقوليته.

تلك اللوازم معلوميتها هى نفس وجودها لازمة للأول ، ويعنى باللوازم معلوماته.

الوجود وجودان : عقلى وحسّى ، والعقليات نفس معقوليتها وجودها ، والحسيات نفس محسوسيتها وجودها.


اللوازم هى الهيئات العلمية. ولو أنها كانت موجودة فى ذهنك لم يكن وجودها فى غير ذهنك غير معقوليتها. فإذ قد صدرت عن واجب الوجود بذاته مجردة فوجودها معقوليتها. لو أنها حصلت فى ذهنك كان نفس وجودها عقليتك لها ، وما كان يجب أن توجد أولا ثم تعقلها ، بل نفس وجودها فى ذهنك نفس معقوليتها.

الحسّ يعنى به الإدراك الحسّى ، والعقل يعنى به الإدراك العقلى ، أى انتقاش الصورة المعقولة فى العقل ، وهو نفس الإدراك ، كما أن انتقاش المحسوس فى الحس هو نفس الإدراك الحسى. فإذا تصور الشىء فى العقل فنفس حصوله فى العقل هو نفس العقل.

الإدراك ليس هو بانفعال ما لمدرك ، لأن المدرك لا تتغير ذاته من حيث هو مدرك بل تتغير أحواله وأحوال آلته.

الأول يعرف كل شىء من ذاته لا على أن تكون الموجودات علة لعلمه بل علمه علة لها مثل أن يكون البنّاء يبدع فى الذهن صورة بيت فيبنيه على ما فى الذهن فلولا تلك الصورة المتصورة من البيت فى الذهن لم يكن للبيت وجود ، فلم تكن صورة البيت علة لعلم البناء به. وما يكون بخلاف ذلك فإنه كالسماء التي هى علة لعلمنا بها ، فإن وجودها علة لعلمنا بها. وقياس الموجودات إلى علمه كقياس الموجودات التي نستنبطها بأفكارنا ثم نوجدها فإن الصورة الموجودة من خارج علتها الصورة المبدعة فى أذهاننا ولكن البارى لم يكن يحتاج معه إلى استعمال آلة وإصلاح مادة بل كما نتصور نحن وجود الشىء بحسب التصور. وأما نحن فنحتاج مع التصور إلى استعمال آلات ونحتاج إلى شوق إلى تحصيل ذلك المتصور وطلب لتحصيلها. والأول غنيّ عن كل هذا. وشبّه طاعة المواد والموجودات لتصوره ـ سبحانه بأن يتصور شيئا! فإذا حصل منا الإجماع لطلبه انبعثت القوة التي فى العضلات إلى تحريك الآلات من دون استعمال آلة أخرى فى تحريك الآلات. وهذا معنى قوله «كن فيكون».

اللّه يوجد الشىء على ما يتمثله. فما يوجد فيه زمان يكون قد تصوره على أنه يكون فى زمان بعد زمان كذا ، مثال ذلك : أنه إذا علم أن الشمس كلما كانت فى الحمل فى درجة فإنها تنتهى إلى آخرها فى مدة كذا ، أى فى زمان قدره كذا فتصوّره للأشياء


يكون على ما يكون الأشياء علته فى الوجود إلا أنه لا يكون حسا مشارا إليه فإنه يعلم الكسوف الذي يكون فى غد لا حسا مشارا إليه فإنه يحدث ويتغير ولا يحدث علمه ويتغير بل يعرف كليا بأسبابه وعلله. فإنه يعلم أنه يكون بعد زمان كذا وعند اجتماع كذا وكذا وعلى وجه كلى بأسبابه وعلله فنفس وجود الأشياء هو معلوميتها له.

علم الأوّل ليس هو مثل علمنا ، فإن العلم فينا من لونين : علم يوجب التكثر ، وعلم لا يوجب التكثر. فالذى يوجب التكثر يسمى علما نفسانيا والذي لا يوجبه يسمى عقليا ، على ما يجيء شرحه. ومثال ذلك هو أنه إذا كان رجل عاقل يكون بينه وبين غيره مناظرة فيورد صاحبه كلاما طويلا فيأخذ العاقل فى جواب تلك الكلمات ، فيعرض لنفسه أولا خاطر يتيقن بذلك الخاطر أنه يورد جواب جميع ما قاله من دون أن يخطر بباله تلك الأجوبة مفصلة ، ثم يأخذ بعد ذلك فى ترتيب صورة صورة وكلمة كلمة ويعبّر عن ذلك التفصيل بعبارات كثيرة. وكلا العلمين علم بالفعل : فإنه بالخاطر الأول يتيقن أن عنده أجوبة جميع ما قاله صاحبه وذلك التيقن هو بالفعل. وكذلك الثاني هو علم بالفعل. فالأول علم هو مبدأ لما بعده فاعل للعلم الثاني والثاني علم انفعالى. والثاني يوجب الكثرة ، والأول لا يوجب الكثرة ، إذ للعلم الأول إضافة إلى كل واحد من التفاصيل. ثم الإضافة لا توجب الكثرة على أن لكل تفصيل من تلك التفاصيل معقولا على الوجه الأول أعنى معقولا كليا ينقسم إلى تفاصيل أخرى كثيرة ومقاييس كثيرة فإنه إذا كان قياس يجب تصحيح مقدماته بأقيسة كثيرة أخرى ولكل واحدة من هذه الجملة معقول كلى يصدر عنه تفصيل بحسبه فعلم واجب الوجود يكون على الوجه الأول بل أشد بساطة وأبلغ تجردا.

التصور الذي يكون للنفس يكون له تفصيل ونظم وترتيب للألفاظ والمعانى. ومثاله : كل إنسان حيوان ، فإن النفس تفصّل فى ذاتها معانى هذه الألفاظ. وكل معنى منها يكون كليا ، ويجوز أن يغير الترتيب حتى يكون هذا الحيوان محمولا على كل إنسان. والمعنى المعقول من هذا القول : «كل إنسان حيوان» ـ غير مختلف باختلاف الترتيبين.

ليس فى وسع أنفسنا وهى مع من البدن أن تعقل الأشياء معا دفعة واحدة.

التصور البسيط العقلى هو أن لا يكون هناك تفصيل ، لكن يكون مبدأ للتفصيل والترتيب : مثلا إذا عرفت أن اللّه ليس بجسم قبل أن تأخذ فى تفصيل البرهان عليه


فما لم يكن عندك النفس فإنه ليس بجسم لم يستعمل تفصيل البرهان عليه. وربما برهن على هذا بالشكل الأول أو بالثانى أو بالقياس الشرطى. لكن ما لم يكن عندك مبدأ تصير به النفس خلاقة للبراهين المفصلة ، لم يمكن لنفس أن تأتى بالبرهان عليه ، وذلك المبدأ هو التصور البسيط العقلى. وهذا هو الملكة المستفادة من واهب الصور ، وتخرج به عقولنا من القوة إلى الفعل.

آخر الموجود من هذه التعليقات

وللّه الحمد والمنة(1) .

تم كتاب التعليقات

________________

1) ب : «وهذا آخر الموجود من كتاب «التعليقات» للشيخ الرئيس أبى على عبد اللّه بن الحسين بن سينا رحمه اللّه. وللّه المنة والحمد».


فهرس أبجدى بالمعانى الرئيسية

(أ)

الآنية 30 ، 4 7 ، 64 ، 137 ، 1 5 7 ، 178 ، 179.

الأبديات 11 6.

الاتصال 5 0 ، 83 الاتفاق (الصدفة) 109.

اثبات المحرك الأول 56.

اثبات واجب الوجود 31.

الاختيار 45 ( الانسان مضطر فى صورة مختار) 4 7.

الادراك 17 ، 6 3 ، 18 6.

الارادة 10 ، 1 6 ، 97 ، 1 5 8 ، 1 5 9.

الارادة الالهية 10 ، 55 ، 111.

ارادة واجب الوجود هى علمه 13.

الاستحالة 99.

الاستدارة 3 5.

الاسود 88.

الاشرف 1 5.

الاضافة 6 9 ، 70 ، 88 ، 13 6 ، 137 ، 138 1 4 0.

الاضافة الوجودية 70.

الاعياء 81.

الألم 81.

الالهيات 1 6 7.

الالهيون 56.

الأمور العامة 92.

الامكان 1 5 ، 22 ، 23 ، 30 ، 4 8 ، 56 ؛ 10 4 ، 118.

الإنسان 8 6.

الانفصال 83.

الانفعال 71.

الانقسام 83 ، 8 4.

أن يفعل 1 6 9.

أن ينفعل 1 6 9.

الأوائل : 21.

الأول 21 ، 27 ، 4 3 ، (هو الخير) 45 46 ، 54 ، 56 ، 9 6 ، 11 6 ، 1 46 ، 1 6 8 ، 179.

الأوليات 1 56.

الايجاب والسلب 38.

أيس 79 ، 11 6 ، 183.

الأين 37.

(ب)

انبارى 4 8 ، (وجوده) 54 ( عقله لذاته) 73 ، 7 4 ، 91 ، 1 5 8 ، 1 5 9 (علمه) 110 ، 113 تعقله للأشياء 1 4 8.

البخار 3 6.

البرئ عن الهيولى 72.

البرهان على وجود اللّه بفكرة الواجب 1 56 ـ 1 5 7.

البسائط 131 ، 17 5 ، 17 6.

البسيط 21 ، 29.

البصر والابصار 6 3.

البياض 3 5 ، 129.

(ت)

التجريد العقلى 80.

التحديد 44.

التخصيص 10 6 ، 132.

التخلخل والتكاثف 4 9.

التخيل 97 ، 10 4 ، 1 6 0.

التذكر 13 5.

ترتيب العالم 1 5.

التسلسل 39 ، 4 2 ، 4 3 ، 1 4 9.

التشافع 39.

التشبه 9 5.

التشخص 5 3 ، 55 ، 80 ، 92 ، 101 ، 10 6. 139.

التصديق 13 4.

التصور 13 4 ، 187.

التصور المطلق 99.

التضاد 38 ، 8 6 ، 112.

التضايف 38.

تعقل اللّه للأشياء 11 5.

التغير 31. التقابل 8 6.

التقدم والتأخر 8 5 ، 128 ، 137.

التكثر 5 2.


التناسخ 23.

(ث)

الثواب 108.

(ج)

الجذر الأصم 5 3.

الجزء 82.

الجزئيات (علم البارى بها) 22.

جزاف 77.

الجسم 3 6 ، 4 8 ، 5 8 ، 82 ، 8 4 ، 8 6 ، 101.

الجسم شرط فى وجود النفس 7 6.

الجسم الاسطقسى 92.

الجسم الفلكى 98.

الجسمية 65.

الجنس 2 5 ، 130 ، 1 6 7.

الجنة (حركات أهل ...) 119.

الجوهر 6 7 ، 138 ، 1 4 0 ، 180 ، 181.

الجواهر الثوانى 88.

الجود 1 6 ، 100.

الجود المحض 1 6.

(ح)

الحادث 39 ، 79.

الحد 30 ، 4 3 ، 44 ، 5 9 ، 13 4.

الحدس 13 5.

الحدوث 79 ، 80.

الحرارة 4 0 ، 8 6.

الحركة 27 ، 39 ، 102 ، 10 5 ، 1 4 0.

الحركة المستديمة واتصالها 98 ، 107.

حركة الفلك 102.

الحس (والمعرفة الحسية) 2 6 ، 30 ، 1 4 2.1 6 0 ، 18 6.

الحق 64.

الحكمة 1 4 ، 55.

الحكمة الالهية 82.

الحى 111.

الخير المحض هو ذات البارى 66 ، 97 ، 119.

خيرية الأفلاك 9 5.

(د)

الدائرة 8 6.

الدعاء (وسبب اجابته) 4 1 ، 12 4 ، 1 44 ، 1 45.

الدهر 13 6.

الدواعى 7 6.

(ر)

الرحمة 101 ، 112.

الرؤيا فى المنام 77 ، 81.

الرؤية 78.

(ز)

اوية (حادة ومنفرجة وقائمة) 3 6.

الزمان 38 ، 83 ، 8 4 ، 132 ، 133 ، 13 6.

(س)

السبب 12 4.

السبب الواصل 12 4.

السرمدى 13 6 1 64.

السطح 83.

السواد 3 5.

(ش)

الشخص 19 ، 23 ، 39 ، 5 3 ، 11 5 ، 139.

الشخصى 20 ، 23 ، 113.

الشر 39 ، 66.

الشرارة (ضد الخيرية) 108.

شعور النفس بذاتها 73 ، 7 6 ، 1 4 2 ، 1 54 ، 1 55.

الشفعة 101.

الشوق 10 ، 11.

(ص)

الصدور 11 ، 4 3.

صفات اللّه 56 ، 9 6.

الصورة 37 ، 5 1 ، 5 2 ، 5 3 ، 89 ، 117.

الصورة الأولى 6 1.

الصورة الجسمية 1 6 7.


(ط)

الطب 1 6 3 ، 1 65.

الطبيب 127.

الطبيعة 1 6 7.

طبيعة الانسان 5 0.

طبائع مختلفة 5 0.

الطبيعيون 56.

(ع)

عاشق لذاته (اللّه) 66.

عالم 7 ، 1 6 0.

عبث 77 ، 13 5.

العد 8 4.

العدد 32 ، 6 9 ، 8 4 ، 8 6 ، 87.

العدد الأول 88.

العددية 4 9.

العدم 2 4 ، 30 ، 78 ، 79 ، 108 ، 12 6 ؛ 1 4 3.

العدم والملكة 38 ، 90 ، 108.

العرض 5 9 ، 1 6 8.

العشق 98 ، العقاب 108.

العقل 2 6 ، 1 6 8 ، 183 ، 18 6.

العقل الأول 4 8 ، 1 46.

العقل البسيط 11 4 ، 1 46.

العقل الفعال 1 5 ، 1 6 ، 3 5 ، 45 ، 46 ، 56 ؛ 77 ، 81 ، 91 ، 93 ، 9 4 ، 10 5 ، 17 5.

العقل المحض 9 4 ، 122.

العقول 21.

عقول الكواكب 56.

العقليات المحضة 103.

العلة 39 ، 4 0 ، 5 1 ، 90 ، 12 6 ، 128 ، 129 ، 137 ، 1 4 7 ، 171 ، 172.

العلل الحقيقية 39.

العلم 7 ، 7 6 ، 11 6 ، 1 6 0.

العلية 172 ، 173.

علم الموسيقى 1 6 2 ، 1 64.

علم الهندسة 1 6 3 ـ 1 64.

(غ)

الغاية 3 5 ، 103 ، 122 ، 1 6 7.

الغرض 13 ، 7 6 ، 9 6 ، 102.

(ف)

الفاعل 78.

الفصل (النوعى) 127 ، 130 ، 131.

(صدور) الفعل عن الفاعل 93.

(الأول) فعل محض 1 44 ، 1 45.

الفكر 1 5 7.

الفلسفة الأولى 1 6 2.

الفلك 4 0 ، 4 7 ، 4 8 ، 80 ، 91 ، 93 ، 9 5 ، 97 ، 98 ، 101 ، 102 ، 10 6 ، 121؛ 131.

الفلك التاسع 120 ، 121 ، 122.

الفلك الأقصى 1 4 3.

الفيض 23 ، 4 3 ، 7 5 ، 9 4 ، 10 4 ، 118.

فيض العقل الفعال 77 ، 78.

(ق)

القابل 109.

القادر 4 7.

قدم العالم (اثباته) 133.

القدر والاختيار 12 5.

القسمة المنطقية 130.

القدرة (قدرة واجب الوجود) 13 ، 28 ، 4 7.

القوام 29.

القوى البدنية 18.

القياس (بأنواعه) 13 5 ، 1 4 3 ، 1 6 8.

(ك)

(وجود) الكثرة (عن الأول) 93.

الكرة التاسعة 37.

الكل 32.


اللزوم 97.

اللوازم 9 4 ، 118 ، 18 5 ، 18 6.

لوازم البارى 218 ، 17 4.

لمس 30 ، 81.

لون 3 6 ، 4 1.

اللونية 4 9.

ليس 79 ، 183.

(م)

الماء 3 4.

المادة 5 1 ، 5 3 ، 83.

ماهية الشىء غير انيته 137.

المبادي 117.

المتحرك 2 5.

المتصل 82.

المتضادان 8 6.

المتقدم بالطبع 139.

المتى 1 6 8.

المثل 6 1.

المثلث 8 6.

مجد الأول 1 6 8.

المحدث 79.

المحرك الأول 56.

المحسوس 64 ، 6 3.

محصل 39.

المخالف والمغاير 29.

مختار 45.

المخصص 101 ، 10 5.

المزاج 5 8 ، 6 2 ، 6 3 ، 66 ، 81.

المساحة 8 4.

المسافة 83.

المقدار 3 5 ، 8 4.

المقدارية 4 9.

المقدمات الطبية 127.

المقدمات الأولية 13 4.

المقول على كثيرين 2 5.

المقولات 88 ، 1 6 8 ، 1 6 9.

المكان 83 ، 8 5.

المماسة 6 8.

المنام 77.

الموت 4 1 الممكن الوجود 22 ، 30 ، 4 7 ، 77 ، 9 6 ، 170.

موضوع العلم 1 6 2 ، 1 6 3.

(ن)

النار 3 4 ، 3 5 ، 129.

النسب التحيزية 101.

النسبة 88.

النظام 1 5 3 ، 1 54.

النفس 17 ، 2 4 ، 5 7 ، 5 9 ، 6 3 ، 101 ، 170.

النفس (اثبات وجودها) 5 7.

النفس والبدن 7 6.

النفس تعقل ذاتها 7 4 ، 7 5.

النفس الحيوانية 101.

النفس الذكية 78 ، 10 4.

النفس النباتية 5 7 ، 101.

النفوس السماوية 9 6 ، 98.

(ه‍)

الهداية 1 5.

الهواء 3 4 ، 5 0.

الهيولى 33 ، 4 9 ، 5 3 ، 6 1 ، 6 2 ، 108.

الهيولى الأولى 6 1 ، 6 7.


واهب الصور 4 8 ، 5 2 ، 78 ، 90 ، 10 4 ، 129 ، 1 6 0 ، 1 6 7 ، 171.

الوجود 30.

الوجود فى الأعيان وفى الأذهان 31.

الوجود الصورى هو الوجود العقلى 1 56.

الوجود والماهية (أو ، الآنية والماهية) 70 ، 179 ، 180.

الوحى 7 6.

وحدانيات (ذرات) 4 9.

الوضع 37 ، 101 ، 1 6 8.

وضع المكان 101.

الوهم 1 6 ، 7 6 ، 98 ، 99 ، 100 ، 1 4 1.

(ى)

اليقين 73.

فهرس الأعلام

بغداد 100 ، 1 5 8.

ديموقراطيس 4 9.

سقراط 8.

المعتزلة 46 ، 4 7 ، 12 5 ، 132 ، 133.

أسماء الكتب

«البرهان» لأرسطو 1 6 2.

«السماع الطبيعى» لأرسطو 1 66.

«كتاب النفس» لأرسطو 183.


الفهرس

تصدير 5

تاريخ تأليفه6

بهمنيار7

أبو العباس اللوكرى 8

نسخ «التعليقات» 9

عبد الرحمن بدوى 10

بنغازى فى سبتمبر سنة 1972 م10

رموز النسخ المخطوطة11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم 13

تم كتاب التعليقات 194

فهرس أبجدى بالمعانى الرئيسية195

فهرس الأعلام200

أسماء الكتب 200

الفهرس 201