لبّ الاثر
في
الجبر والقدر
تقريراً لمحاضرات آية الله العظمى السيد الإمام الخميني(طيب الله ثراه)
يتناول عرض مناهج الجبر والاختيار
بقلم
العلامة المحقّق
جعفر السبحاني
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المحقّق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل بريّته، وأشرف خليقته، محمد خاتم أنبيائه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، عيبة علمه وحفَظَةَ سننه وخلفائه في أُمّته.
أمّا بعد: فإنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي دام النزاع والبحث فيها عبْر قرون، فاختارت كل طائفة مذهباً.
فمن قائل إنّه ليس للاِنسان أيّ دور في فعله وعمله وإنّه مكتوف اليدين، مسيّر في حياته يسير على ما خُطَّ له من قبل.
إلى تفويضي يثبت له قدرة وإرادة مستقلة، وكأنّه إلهٌ آخر في الاَرض، مستغنٍ عن ربِّه في فعله.
ولكن مذهب الحق هو المذهب الوسط بين الجبر والتفويض، الذي تبناه القرآن الكريم والسنّة النبوية، وركّز عليه أئمة أهل البيت (عليهم السلام): وهو
الموافق للعقل والبرهان.
وقد أُلّفت حول المسألة رسائل وكتب كثيرة متوفرة بين السنة والشيعة لا مجال لذكر أسمائها وعناوينها.
وقد عثرت في هذا الموضوع على رسالتين كريمتين، وكنزين ثمينين.
إحداهما: للسيد القائد آية الله العظمى الامام الخميني - قدس سره - وقد اسماها بـ «لب الاَثر في الجبر والقدر» وهي بقلم سيّدي الوالد تقريراً لدروس استاذه الامام، وقد القاها عام 1371 هـ ق، فكانت كنزاً مستوراً، فقمت بإعدادها للنشر وتخريج احاديثها ومصادرها.
ثانيتهما: ما حرّرها الوالد بقلمه الشريف في هذا المجال في دوراته الأصولية، وقد أكملها دورة بعد دورة حتى بلغت في الدورة الرابعة الكمال المطلوب، فقمت أيضاً بإعدادها وتنسيقها.
فها أنا أنشر تينك الرسالتين. وأرجو من الله سبحانه أن يتقبّل عملي ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، انّه على كل شيء قدير وبالاِجابة جدير.
سعيد السبحاني
14 شهر ذي القعدة الحرام
من شهور عام 1418 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تقدّس عن وسمة الحُدوث والعوارض، وعظُم سلطانه عن الشريك والمعارض، فله الشكر الاَوفى وله العظمة والعلى.
والصلاة والسلام على صاحب الآيات البيّنات، والمعجزات الباهرات، الذي أكمل به الدين وأتمّ به النعمة، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فلمّا انتهى بحث سيدنا الأستاذ - علم العلم وتيّاره، وكعبة الفضل ومناره، مَن انتهت إليه رئاسة التدريس في العصر الحاضر - سيدنا وأُستاذنا الكبير آية الله العظمى الحاج السيد«روح الله الموسوي الخميني» - دام ظّله الوارف - إلى مسألة اتّحاد الطلب
والاِرادة وانجرّ البحث إلى مسألة الجبر والتفويض، ألحّ عليه روّاد العلم وطلاّب الحقيقة أن يغور في بحارها، ويخوضَ في عُبابها، فلبّى دعوتَهم، وأجاب مسؤلهم، فأتى في بحوثه بأفكار أبكار، وآراءٍ ناضجة، وطرحَ المسألة بشكل لم يسبق إليه سابق.
وقد اغتنمتُ الفرصة فأوردت ما أفاده في قالب التأليف، وأفرزته عن سائر المسائل الاُصولية لغزارة مطالبه وكثرة مباحثه، وقد عرضته عليه (دام ظله) فاستحسنه وأسماه «لبُّ الاَثر في الجبر والقدر». وأرجو من الله سبحانه أن يكون مصباحاً ينير الطريق لروّاد العلم وبغاة الفضيلة.(1)
قم
جعفر السبحاني
تحريراً في جمادى الآخرى
من شهور عام 1371 هـ. ق
____________________
(1) وقد قدمته للطبع بعد مضي سبع وأربعين سنة من تاريخ تحريره ولم أتصرف فيه إلاّ اليسير مما يرجع الى اصلاح العبارة وتبيين المقصود.
الفصل الاَوّل
مقدمة البحث
وقد ذكر (دام ظله) قبل الخوض في المقصود أموراً نأتي بها واحداً تلو الآخر.
الاَوّل: السير التاريخي للمسألة
إنّ مسألة الجبر والتفويض من المسائل الشائكة التي شغلت بال الحكماء والفلاسفة منذ عصور قديمة، وكانت مطروحة على بساط البحث بين حكماء الاَغريق(1) إلى أن طلعت شمس الاِسلام وبزغ نوره، فتداولت المسألة بين حكماء الاِسلام ومتكلّميه، نجم عنها فيما بعد، آراء ونظريات بين الاِفراط والتفريط.
فمن ذاهب إلى الجبر وأنّ أفعال العباد مخلوقة لله تبارك وتعالى، كخلق أجسامهم وطبائعهم، وليس للعباد فيها صنع حتى قيل بعدم الفرق بين حركة يد الكاتب والمرتعش؛ إلى آخر
____________________
(1) يطلق الاَغريق ويراد منه - اليونان - والنسبة إلاغريقي، جمعه الاَغارقة.
ذاهب إلى التفويض وأنّ أفعال العباد مفوّضة إليهم مخلوقة لهم، لا صلة لها بالله سبحانه سوى انّه أقدر العبد على العمل، وليس له تعالى إرادة ومشيئة متعلَقة بأفعالهم بل هي خارجة عن نطاق إرادته ومشيئته.
وقد أقام كلّ من الطائفتين دلائل وبراهين على مذهبه سوف نقوم باستقصائها إن شاء الله تعالى.
والمذهب الحق هو مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام): من نفي الجبر والقدر(1) ، وأنّ الحقيقة في أفعال العباد هو الأخذ بالأمر بين الاَمرين، فلا جبر حتى تُسلب المسؤوليّة عن الاِنسان ليكون بعث الاَنبياء سُدى، وجهود علماء التربية وزعماء الاِصلاح عبثاً، ولا تفويض حتى يُقوّض أصل التوحيد في الخالقية ويُؤلّه الاِنسان ويكون خالقاً ثانياً في مجال أفعاله، يخرج بذلك بعض ما في الكون عن إطار إرادة الله ومشيئته.
الثاني: صفاته تعالى عين ذاته
اتّفق الحكماء والمتكلّمون على أنّ له سبحانه صفاتِ جمالٍ
____________________
(1) المراد من القدر هنا التفويض، وقد استعمل القدر على لسان أئمة أهل الحديث في المفوضة، وقد ذكرنا ما يفيدك حول هذا اللفظ في الجزء الاَوّل من كتابنا بحوث في الملل والنحل. لاحظ ص 111 - 117.
وكمال، ويعبّر عنها بالصفات الجمالية والكمالية والثبوتية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها، ولكن اختلفوا في كيفية وصفه سبحانه بها، وملاك الاختلاف هو:
إنّ بساطة الذات وعدم تركّبها عقلاً وخارجاً تأبى عن وصفها بأوصاف كثيرة في مرتبة الذات، فإنّ حيثية العلم غير حيثية القدرة كما أنّهما غير حيثية الحياة، فكيف يمكن أن يجتمع وصف الذات بالبساطة مع وصفها بالعلم والقدرة والحياة في مقام الذات؟
وقد تخلّصت كلّ من الاَشاعرة والمعتزلة عن هذا المأزق بنحو خاص.
فذهبت الاَشاعرة إلى أنّ هذه الصفات ليست صفات ذاتية وإنّما هي من لوازم الذات، ففي مقام الذات لا علم ولا قدرة ولا حياة، وإنّما تلازمها هذه الاَوصاف دون أن يكون بينهما وحدة في الوجود والتحقّق.
ولمّا استلزم ذلك القولُ بوجود القدماء الثمانية المركبة من الذات والاَوصاف الثبوتية السبعة، ذهبت المعتزلة إلى نفي الصفات عنه تعالى بتاتاً لا في مرتبة الذات ولا في مرتبة الفعل،
بل قالوا إنّ ذاته نائبة مناب الصفات، بمعنى أنّ خاصية العلم تترتّب على الذات دون أن يكون هناك علم وراءها، كما أنّ أثر القدرة التي هي إتقان الفعل يترتّب على ذاته دون أن يكون هناك قدرة وراءها، فما يتوقع من الصفات كالكشف في العلم وإتقان الفعل في القدرة يترتّب على ذاته من دون أن يكون لتلك الاَوصاف وجود وتحقّق في مرتبتها، وقد اشتهر عنهم قولهم: «خذ الغايات واترك المبادىَ».
لنذكر شيئاً حول النظريتين وإن كانتا خارجتين عن محطّ البحث.
أمّا الاَشاعرة، فقد حاولوا الحفاظ على بساطة الذات بإخراج الصفات الثبوتية عن حدّ الذات وجعلها في مرتبة تالية لازمة لها قديمة مثلهّا إلاَ أنّهم وقعوا في ورطة القول بالقدماء الثمانية، فصار الاِله الواحد تسعة آلهة، وهو أشبه بالفرار من محذور إلى آخر أُفسد منه.
أضف إليه أنّ لهذا القول مضاعفات نشير إلى اثنين منها:
1. لو كانت زائدة على الذات كانت مرتبة الذات خالية عنها وإلاّ لكانت مرتبة الذات عين تلك السلوب لهذه الكمالات،
والخلو إن كان موضوعه الماهية كان إمكاناً ذاتياً، لكن لا ماهية للواجب تعالى، فموضوع ذلك الخلو وجود صرف هو حاق الواقع وعين الاَعيان، وإن كان موضوعه هو الاِمكان الاستعدادي القائم بالمادّة، والمادة لابد لها من صورة والمركّب منهما جسم،يلزم كونه سبحانه جسماً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.(1)
2. ما اعتمد عليه سيدنا الاُستاذ (دام ظله) وحاصل ما أفاد أنّ الوجود في أيّ مرتبة من المراتب فضلاً عن المرتبة العليا لا ينفكّ عن الكمال، أي العلم والشعور والقدرة والاِرادة، فكلّ مرتبة من مراتب الوجود، تلازم مرتبة من مراتب الكمال، فإذا كانت الذات في مرتبة تامّة من الوجود يستحيل انفكاك الكمال التام عنها.
برهانه: أنّ الكمالات المتصوّرة من العلم والاِرادة والقدرة والحياة إمّا من آثار الوجود أو من آثار الماهية أو من آثار العدم، ولا شك في بطلان الثالث، فدار الاَمر بين رجوعه إلى الماهية أو الوجود، وحيث إنّ الماهية أمر اعتباري لا تتأصّل إلاّ بالوجود، فتنحصر الواقعية بالوجود.
____________________
(1) لاحظ تعليقة المحقق السبزواري على الاَسفار: 6 / 133.
وعلى صعيد آخر: إنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مشككة، فكل مرتبة من مراتب الوجود غير خالية عن أصل الحقيقة (الوجود) وإنّما تختلف فيه شدّة وضعفاً؛ فيستنتج من هذين الاَمرين:
1. أصالة الوجود واعتبارية الماهيات.
2. أنّ الوجود حقيقة واحدة سارية في جميع المراتب.
عدم انفكاك الكمالات عن حقيقة الوجود في عامة المراتب خصوصاً في المرتبة التامّة، أعني: صرف الوجود وبحته.(1)
وبذلك يظهر وهن نظرية المعتزلة أيضاً حيث أنكروا صفاته تعالى من رأس تخلّصاً من ورطة القدماء الثمانية، بيد أنّهم وقعوا في محذور آخر وهو: خلوّ الذات عن الصفات وقيامها مناب الصفات، إذ يردها كلا الاَمرين إيضاً:
أ. إنّ موضوع الخلو إمّا الاِمكان الماهوي أو الاِمكان الاستعدادي.
ب. الوجود لا ينفك عن العلم وسائر الكمالات.
ثم إنّ المراد من عينية الصفات للذات ليس اتّحاد مفاهيمها
____________________
(1) ثمّة براهين أُخرى لاتّحاد الصفات مع الذات ذكرها صدر المتألّهين في أسفاره:6/ 133 - 136.
مع الذات أو اتّحاد مفاهيم بعضها مع الآخر، لاَنّ المفاهيم من مقولة الماهيات وهي مثار الكثرة، كما أنّ الوجود مدار الوحدة، بل المراد وحدة واقعية هذه الصفات مع واقعية الذات، وانّ الذات بوحدتها كافية في انتزاع هذه الصفات عنها وأنّها بصرافتها وخلوّها عن أيّ شيء غير الوجود، كاف في الحكم عليها بالعلم والقدرة والحياة.
الثالث: الاِرادة الذاتية لله سبحانه
اتّفق أهل الحديث على نفي الاِرادة الذاتية وأنّ إرادته سبحانه هي إحداثه وإيجاده تمسّكاً بالروايات الواردة عن أئمة أهل البيت:.
ولكن سلب الاِرادة الذاتية عنه سبحانه يستلزم خلوّ الذات عن الكمال المطلق للموجود بما هو موجود، وتصوّرَ ما هو أكمل منه ژتعالى، لاَنّ الفاعل المريد، أفضل وأكمل من الفاعل غير المريد، فيكون سبحانه كالفواعل الطبيعية غير المريدة التي تعد من مبادىَ الآثار.
وأمّا موقف الروايات التي رُويتْ عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فالاِمعان فيها يعرب عن أنّها بصدد نفي الاِرادة الحادثة
المتدرّجة عنه سبحانه.
روى صفوان بن يحيى قال: قلت لاَبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الاِرادة من الله ومن الخلق؟ فقال: «الاِرادة من الخلق: الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لاَنّه لا يروِّي ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه وهي صفات الخلق، فإرادة الله: الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له»(1)
ترى أنّ الراوي يسأل الاِمام عن واقع الاِرادة في الواجب والممكن، فبما أنّ واقعها في الممكن هي الاِرادة الحادثة، فنفاها الاِمام عن الله سبحانه وفسّرها بالاِحداث والاِيجاد، فلو أثبّت الاِمام في هذا المجال إرادة ذاتية له سبحانه مقام الذات، لاَوهمَ ذلك إنّ أرادتَها كإرادة الاِنسان الحادثة، مثلاً إنّه سبحانه كالاِنسان يُروِّي ويهمُّ ويتفكّر، فمثل هذه الرواية وأضرابها ليست بصدد نفي الاِرادة الذاتية بتاتاً، بل بصدد نفي الاِرادة الحادثة - كالاِرادة البشرية - في مقام الذات.
____________________
(1) الكافي: 1 / 109، باب الاِرادة أنّها من صفات الفعل.
شبهة نفاة الاِرادة الذاتيّة
ثم إنّ نُفاة الاِرادة في ذاته سبحانه تمسّكوا ببرهان عقلي مفاده أنّ القائلين بالاِرادة الذاتية لله سبحانه يفّسرونها بعلمه المحيط، ولكن إرادته لا تصحّ أن تكون عين علمه، لاَنّه يعلم كلّ شيء ولا يريد كل شيء، إذ لا يريد شراً ولا ظلماً ولا كفراً ولا شيئاً من القبائح والآثام، فعلمه متعلّق بكل شيء وإرادته ليست كذلك، فعلمه عين ذاته، أمّا إرادته فهي صفة زائدة على ذاته.
فهذه شبهة قد احتجّ بها بعض مشايخنا الاِمامية (رضوان الله عليهم) على إثبات أنّ الاِرادة زائدة على ذاته تعالى.
وقد أجاب عنها صدر المتألّهين وأوضحها سيدنا الاُستاذ بماحاصله:
إنّ في القبائح والآثام كالشرّ والظلم والكفر جهتين: جهة وجود، وجهة عدم؛ وإن شئت قلت: جهة كمال وجهة نقص؛
وإرادته كعلمه يتعلّق بجهة الوجود والكمال، ويستحيل أن يتعلّق بجهة العدم والنقص، فذاته سبحانه كشف تام عن الجهة الأولى وهي أيضاً مراده، ويستحيل أن تكون ذاته كشفاً تامّاً عن العدم والنقص، فإنّ الاَعدام والنقائص ليست بشيء، لاَنها بطلان محض.
وبعبارة أُخرى: إنّ العلم يكشف عن المعلوم بما هو موجود ولا يكشف عن الاَعدام وما في وزانها من النقائص والشرور، بل يكون كشفه عنها بالتبعيّة والعرض، فصرف الوجود - الذي هو كل الاَشياء، وبسيط الحقيقة التي بوحدتها وبساطتها جامعة لكلّ الاَشياء - إنّما يكشف في مقام الذات عن الاَشياء والموجودات دون الاَعدام والنقائص المحضة، وقد ثبت في محلّه أنّ واقع القبائح من الشرّ والظلم والكفر، عدم وبطلان محض، فلا يتعلّق بها العلم ولا الاِرادة إلاّ تبعاً وعرضاً.
أقول: قد أشار إلى هذا الجواب صدر المتألّهين، وقال: إنّ فيض وجوده يتعلّق بكل ما يعلمه خيراً في نظام الوجود، فليس في العالم الاِمكاني شيء مناف لذاته ولا لعلمه الذي هو عين ذاته ولا أمر غير مرضيّ به، فذاته بذاته كما أنّها علم تام بكل خير موجود، فهي أيضاً إرادة ورضاء لكل خير، إلاّ أنّ أصناف الخير
متفاوته وجميعها مرادة له - إلى أن قال: - فالخيرات كلّها مرادة بالذات، والشرور القليلة اللازمة للخيرات الكثيرة أيضاً إنّما يريدها بما هي لوازم تلك الخيرات لا بما هي شرور، فالشرور الطفيفة النادرة داخلة في قضاء الله بالعرض، وهي مرضيّ بها كذلك، فقوله تعالى:( وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) (1) وما يجري مجراها من الآيات معناه أنّ الكفر وغيره من القبائح غير مرضى بها له في أنفسها وبما هي شرور ولا ينافي ذلك كونها مرضياً بها بالتبعية والاستجرار.(2)
فتلخّص من ذلك: أنّ علمه تعالى إنّما يتعلّق بالموجود بما هو موجود الذي يساوق الخير والكمال، فلابدّ أن يكون كشفه عن نقيضه الموسوم بالعدم والشرّ بالتبع والعرض فيكون وزان العلم وزان الاِرادة، وبالعكس يتعلّق كل بما يتعلق به الآخر بالذات وبالعرض.
إلى هنا تبيّن أنّ الشبهة غير مجدية في سلب الاِرادة عن مقام الذات.
نعم لا نشاطر القوم الرأي في إرجاع الاِرادة إلى العلم بالمصالح، وذلك لاَنّ أصل الاِرادة كمال، وإرجاعه إلى العلم
____________________
(1) الزمر / 7.
(2) الاَسفار: 6 / 343 - 345.
الذي هو من مقولة الكيف، يستلزم سلب كمال عن ذاته وتصوّر أكمل منه.
وبه يظهر عدم تمامية القولين في باب الاِرادة:
أ - إرجاع إرادته إلى الفعل والاِحداث، كما عليه أهل الحديث.
ب - إرجاع إرادته إلى العلم بالمصالح.
فإنّ القولين يشتركان في سلب كمال عنه.
وأمّا ما هي حقيقة إرادته، فهذا خارج عن موضوع البحث موكول إلى أبحاث عليا.
الرابع: في كلامه سبحانه
اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على كونه سبحانه متكلِّماً، قال سبحانه:( وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ) (1) وقال سبحانه:( وَما كانَ لِبَشَرِ أنْ يُكلِّمَهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ أو يُرسِلَ رَسولاً فَيُوحي بإذِنِه ما يَشاءُ إنَّهُ عليٌّ حَكيمٌ ) (2)
ولكّنهم اختلفوا في تفسير كلامه.
فذهبت المعتزلة والاِمامية إلى أنّه من صفات الفعل وأنّ
____________________
(1) النساء / 164.
(2) الشورى / 51.
كلامه هو فعله، واستشهدوا عليه ببعض الآيات والروايات، قال سبحانه:( ولَوْ أنَّ ما في الاَرضِ مِنْ شَجرةٍ أقلامٌ والبَحرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعدهِ سَبعةُ أبحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلماتُ اللهِ إنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ ) (1)
وقال أمير المؤمنين - عليه السّلام-: «يخبرُ لا بلسان ولهوات، ويسمعُ لا بخروق وأدوات، يقولُ ولا يلفِظُ، ويَحفّظُ ولا يتحفظ، ويريدُ ولا يُضْمرِ، يُحبُ ويَرضى من غير رقة، ويبغضُ ويغضبُ من غير مشقة، يقولُ لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامهُ سبحانه فعلٌ منه أنشأه ومَثّلَهُ، ولم يكنْ من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً»(2)
وما ورد عنه - عليه السّلام- يبيّن نوعا من كلامه والنوع الاخر منه ايجاد الكلام في الشجر والجبل.
وحاصل تلك النظرية أنّ وصفه سبحانه بكونه متكلّماً، بمعنى قيام الكلام به قياماً صدورياً لا حلولياً، كما أنّ إطلاقه علينا كذلك، إلاّ أنّ الفرق أنّ إيجادنا بالآلة دونه تعالى، فالله سبحانه يخلق الحروف والكلمات في الحجر والشجر أو نفوس الاَنبياء بلا آلة فيصحّ وصفه بالتكلّم.
____________________
(1) لقمان / 27.
(2) نهج البلاغة، الخطبة 181، ج 2 / 146، ط عبده.
أقول : الكلام في وصفه سبحانه بفعل يصلح ان يصدر عنه بلا توسّط شيء، ومن الواضح أنّ العقل دلّ على امتناع وصفه سبحانه بهذا الملاك، فإنّ الكلام أمر حادث متدرّج متصرّم، والتصرّم والتجدّد نفس ذاته، وجلّ جنابه أن يكون مصدراً لهذا النوع من الحدث بلا واسطة، لاَنّ سبب الحادث حادث كما برهن عليه في الفن الاَعلى في مسألة ربط الحادث بالقديم، فكيف تكون ذاته القديمة البسيطة الثابتة مبدأ لموجود حادث متصرّم متجدّد؟!
وبذلك يظهر أنّه لا يصح وصفه بالتكلم بهذا الملاك، لاَنّ الكلام في وصفه سبحانه بما يصحّ صدوره عنه بلا توسيط، والمتجدّد بما هو متجدّد لا يصحّ صدوره عنه بلا واسطة.
نعم يمكن إيجاد الكلام المتصرّم في الشجر والحجر والنفس النبويّة لكنّه بحاجة إلى توسّط شيء آخر كما هو الحال في صدور كافة الموجودات الطبيعية التي جوهرها التصرّم والتجدّد.(2)
____________________
(1) يلاحظ عليه: أنّه لو تمّ ما ذكره (دام ظله) يلزم عدم صحة وصفه بالخالق والمبدع والمحيي والرزّاق والرحيم والغافر مع أنّها من أسمائه سبحانه وصفاته في الذكر الحكيم والاَحاديث والاَدعية، ويمكن دفع الاِشكال بأنّ حملَ كل صفة منتزعة من فعله عليه سبحانه لاَجل خصوصية موجودة في ذاته التي تصحّح صدور هذه =
وأمّا ما هو معنى نزول الوحي وإنزال الكتب على الاِنبياء والمرسلين، فهو من العلوم البرهانية التي قلّما يتّفق لبشر أن يكشف مغزاها؟ فالبحث عنه متروك لاَهله ومحلّه.
إذا وقفت على عقيدة المعتزلة في نفي الكلام عنه سبحانه، فحان حين البحث عمّا عليه الاَشاعرة.
____________________
= الأفعال عنها، فالفاعل باشتماله على تلك الخصوصية يصحّ حمل كل ما يصدر عنه، عليه ووصفه بها سواء كان الصدور بلا واسطة كالعقول، أو مع الواسطة كخلق السموات والاَرض وإبداعها وإنشائها.
ومن هذا القبيل إيجاده الكلام في الجبل والشجر والنفس النبويّة.
نظرية الاَشاعرة في تكلّمه سبحانه
ذهبت الاَشاعرة إلى أنّ التكلّم من صفات الذات لا من صفات الفعل، وفسّروا كلامه بالكلام النفسي وبالمعنى القائم بذاته في الاَزل.
الكلام النفسي عندهم غير العلم في الاَخبار، وغير الاِرادة والكراهة في الاِنشاء. ففي الجمل الخبرية مثل قولك: زيد قائم، أُمور ثلاثة:
أ - الكلام اللفظي.
ب - المدلول اللفظي (من التصوّر والتصديق).
جـ - الكلام النفسي.
وفي مثل الاِنشائيات كقولك: كُلْ، أو لا تشرب الخمر، أُمور ثلاثة:
أ - الكلام اللفظي.
ب - المدلول اللفظي (الاِرادة والكراهة).
جـ - الكلام النفسي.
والحاصل أنّهم اعتقدوا أنّ في جميع الموارد معنى قائماً بالنفس غير المدلول، من دون فرق بين الجمل الخبرية أو الاِنشائية، وأطلقوا عليه: الكلام النفسي، بيد أنّهم خصّصوا باب الاَوامر باسم خاص وأسموه: الطلب، فالاِرادة مدلول لفظي والطلب كلام نفسي، وبذلك ذهبوا إلى مغايرة الاِرادة والطلب.
ومن هنا ظهر منشأ عنوان هذه المسألة أي وحدة الاِرادة والطلب أو مغايرتهما، فإنّها نتيجة القول بالكلام النفسي المغاير للمدلول اللفظي في الاِخبار (التصديق) والاِنشاء (الاِرادة والكراهة).
ثم إنّهم عجزوا عن تفسير الكلام النفسي على وجه يجعله مغايراً للعلم في الاِخبار والاِرادة والكراهة في الاِنشاء، ومع ذلك أصرّوا على وجود ذلك الاَمر في كل متكلّم من غير فرق بين الواجب والممكن، إلاّ أنّه في الواجب قديم وفي الممكن حادث.
وقد استدلّوا على ذلك بوجوه:
أدلّة الاَشاعرة على وجود الكلام النفسي:
إنّ الاِنسان قد يأمر بما لا يريده كامتحان عبده وإنّه هل يطيعه أو لا؟ فالمقصود هو الاختبار فحسب، فثمة طلب دون إرادة.(1)
وبعبارة أُخرى: إنّ صدور الاَوامر الامتحانية يتوقّف على وجود مبدأ في النفس تترشّح منه، وبما أنّه ليس هناك مبدأ باسم الاِرادة، فلا يصلح له إلاّ الطلب القائم بالنفس، وهو الكلام النفسي في مورد الاِنشاء.
والجواب : أنّ البحث عن حقيقة الاِرادة ومبدئها موكول إلى الفن الاَعلى، والذي يناسب ذكره في المقام هو ما يلي:
إنّ كل فعل اختياري، مسبوق بالتصوّر ثم التصديق بفائدة وغاية، إذ لايتصوّر صدور الفعل بلا غاية، كيف، وهي من العلل
____________________
(1) شرح المواقف: 2 / 49.
الاَربعة: وربما يتمسّك في نفيها بالاَفعال العبثية، ولكّنه استدلال باطل، لاَنّ المنتفي فيها هو الغايات العقلائية، لا الغايات المسانخة للاَفعال الجزافية.
فإذا حصل التصديق بفائدة الفعل فتارة تَجدها النفس ملائمة لطبعها فتَشتاق إليه لاَجل الفائدة وكثرة الحاجة، يعقبها تجمّع(1) وتصميم من قبل النفس فتحرك الاَعضاء نحو الفعل.
وأمّا إذا لم تجده النفس ملائماً لطبعها فلا تتحرك نحوه، لكن لو حكم العقل بصلاح الفعل فتعزم بلا اشتياق، كشرب الدواء المرّ، أو قطع اليد الفاسدة.
وبهذا يعلم أنّ الشوق ليس من مبادىء الاختيار والاِرادة، على وجه الاطلاق فالاَوامر الصوريّة والحقيقية بما أنّها من الاَفعال الاختيارية رهن سبق اُمور منها:
التصور والتصديق بالفائدة والشوق، والتصميم والجزم، فالبعث، غير أنّهما يختلفان في الغاية.
توضيحه: أنّه لا فرق بين الاَوامر الامتحانية في أنّ الهيئة في كلا الموردين مستعملة في البعث نحو الشيء وإنّما الاختلاف
____________________
(1) الجمع بمعنى العزم، والتجمّع الحالة الخاصة في النفس يستتبعه تحريك العضلات لا محالة.
في الغاية، فهي في الاُولى عبارة عن تحصيل ما يترتّب على وجود الفعل من فوائد وعوائد، ولكّنها في الثانية تحصيل العلم بحال العبد من خير وصلاح أو شرّ وفساد، والاختلاف في الغاية لا يكون منشأً للاختلاف في استعمال الهيئة ومدلولها.
وأمّا الاِرادة فإن أراد الاَشعري من انتفائها في الاَمر الامتحاني عدم تعلّقها بوقوع الفعل خارجاً، فهو أمر مسلّم، من غير فرق بين الاَوامر الصورية والاَوامر الحقيقية، فإنّه يمتنع تعلّق الاِرادة على فعل الغير بما هو خارج عن سلطان المريد.
وإن أراد انتفاء تعلّق الاِرادة بالبعث الذي يستفاد من التلفظّ بلفظ الاَمر، فلا نسلِّم انتفاءها، وذلك لاَنّ البعث فعل اختياري فلابد أن تسبقه الاِرادة بمبادئها.
وحصيلة الكلام أنّه لو أراد من انتفاء الاِرادة، الاِرادةَ المتعلّقة بفعل الغير، فهي منتفيه في كلا القسمين، لاَنّ إرادة الاِنسان لا تتعلّق إلاّ بفعل نفسه لا بفعل الغير، لاَنّه خارج عن سلطانه.
وإن أراد من انتفائها، الاِرادةَ المتعلّقة بالبعث والزجر اللذَّين يعدّان من فعل الفاعل، فالاِرادة موجودة في كلا المقامين، كيف! والبعث والزجر فعلان اختياريان يوصفان به، ولا يصحّ
الوصف إلاّ بمسبوقيتهما بالاِرادة.
ثم إن المحقق الخراساني أجاب عن الاِشكال - وقسّم الاِرادة والطلب - بعد الحكم بوحدتهما - إلى قسمين: حقيقية وإنشائية، فقال بوجودهما حقيقة في الاَوامر الحقيقية، وبعد مهما حقيقة في الاَوامر الاختبارية، وبوجودهما فيهما انشاءً.
وقد أشار إلى هذا الجواب بقوله «فإنّه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين (صورتي الاختبار والاعتذار) لا طلب كذلك فيهما، والذي يكون فيهما إنّما هو الطلب الاِنشائي الايقاعي الذي هو مدلول الصيغة أو المادة.(1)
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّ الاِرادة من الاُمور التكوينية الحقيقية، ولا تقع مثل هذه الاُمور في إطار الاِنشاء، وإنّما يتعلّق الاِنشاء بالاُمور الاعتبارية، فتقسيم الاِرادة إلى حقيقية وإنشائية ليس بتام.
الثاني: قد عرفت وجود الاِرادة الحقيقية في الصورتين، وهو تعلّقها حقيقة بالبعث والطلب، وإن لم تتعلّق بنفس الفعل الخارجي، الذي هو خارج عن سلطان الأمر.
____________________
(1) كفاية الأصول، 1 / 96.
إكمال:
ما ذكرنا من أنّ تعلّق الاِرادة بشيء فرع وجود الغاية فيه، لا يهدف إلى لزوم وجود غاية زائدة على الذات مطلقاً بل أعم منها ومن غيرها، فالغاية في المريد الممكن هي التي تناسب مقام الفعل ومرتبته فهي زائدة عليها، وإنّما ارادته سبحانه تعلّقت بإيجاد الاَشياء أو ببعث الناس إلى أفعال خاصة، فالغاية هي ذاته لا شيء خارج عنها، لما حقّق في محلّه من أنّ العلّة الغائية، هي ما تقتضي فاعلية الفاعل، وتؤثر فيه وتخرجه عن مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل، على وجه لولا الغاية لما كانت مصدراً للفعل.
والغاية بهذا المعنى تستحيل على الله سبحانه، بأن يريد إيجاد شيء أو بعث الناس نحو شيء لغاية خارجة عن ذاته مكمِّلة لها في مقام الاِيجاد والاِنشاء، لاَنّ كل فاعل يفعل لغرض غير ذاته، فهو فقير مستفيض محتاج إلى ما يستكمل به، وهو يناسب الفقر والاِمكان، لا الغنى والوجوب.
أضف إليه أنّه لو كان لفعله سبحانه في مجال التكوين والتشريع غاية وراء ذاته لزم تأثيرها فيها، وهو يلازم كون
الذات حاملة للاِمكان الاستعدادي، فيخرج بحصول الغاية عن مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعلية، فيكون مركّباً من مادة وصورة، وهو يلازم التركيب والتجسيم والجهة، إلى غير ذلك من النواقص.
الدليل الثاني للاَشاعرة:
استدلّت الاَشاعرة على تغاير الطلب والاِرادة - لغاية إثبات الكلام النفسي في الاِنشاءات - بأنّ العصاة كافرين كانوا أم مسلمين، مكلّفون بما كلّف به أهل الاِيمان، لاَنّ استحقاق العقاب فرع وجود التكليف، ومن المعلوم أنّ التكليف الحقيقي فرع وجود مبدأ مثبت له، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المبدأ للتكليف، أهي الاِرادة أم الطلب.
فإن قيل بالاَوّل، يلزم تفكيك مراده سبحانه عن إرادته، وهو محال، وإن قيل بالثاني فهو المطلوب. فثبت أنّ وراء الاِنشائيات أمراً نفسانياً باسم الطلب غير الاِرادة وهو المصحّح لتكليف العصاة.
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بالتفريق بين الاِرادة التكوينية والاِرادة التشريعية، بأنّ امتناع التفكيك يختصّ بالأولى دون الثانية.
يلاحظ عليه : بما ذكرنا من أنّ الاِرادة من الأمور التكوينية،
ولها حكم واحد، فإن كان التفكيك ممتنعاً، فلا فرق حينئذ بين التكوينية والتشريعية، وإلاّ فيجوز في كلا الموردين.
والجواب : أنّ الاِرادة في جميع المصاديق غير منفكّة عن المراد، غير أنّه يجب تمييز المراد عن غيره، ففي غير مقام البعث تتعلق إرادته سبحانه بالاِيجاد والتكوين فلا شك أنّ تعلّقها به يلازم تحقّق المراد، قال سبحانه:( إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شَيئاً أنْ يقولَ لهُ كُنْ فَيكُونُ ) (1)
وأمّا في مقام البعث فتتعلّق إرادته بنفس البعث والطلب وهو أمر متحقّق لا ينفك عنه، وقد تقدم أنّ إرادة الفاعل لا تتعلّق إلاّ بفعل نفسه لا بفعل غيره، لاَنّ فعل الغير خارج عن سلطانه فكيف تتعلّق به؟
هذه بعض ما استدلّ به الاَشاعرة على مغايرة الطلب والاِرادة، ولهم أدلّة أُخرى، فمن أراد فليرجع إلى كتبهم الكلامية.(2)
هذا بعض الكلام حول اتحّاد الطلب والاِرادة استعرضناه
____________________
(1) يس / 82.
(2) لاحظ شرح المواقف للسيد الشريف على مواقف العضدي، شرح القوشجي على تجريد المحقق الطوسي، وقد أوضحنا حال أدلّتهم في الاِلهيات: 1 / 197 - 204.
ليكون مقدمة لمسألة الجبر والتفويض.
إذا عرفت هذه الامور الاربعة التي ذكرناها تحت عنوان المقدمة، اعلم ان لكلّ من الجبر والتفويض مباني مختلفة وهذا هو الذي سنتناوله في الفصل اللاحق:
الفصل الثاني:
مباني الجبر والتفويض وابطالهما
ربما يغترّ الاِنسان ويزعم أنّ اختلاف المنهجين يختصّ بفعل الاِنسان وعمله، وأنّ الاَشعري يسند جميع أفعال الاِنسان إلى الله سبحانه دون الفاعل، والمعتزلي ينسبه إلى نفس الفاعل الاختياري دون الله سبحانه، ولكن التحقيق أنَّ كلا القولين مبنيان على منهجين مختلفين في عامة العلل.
فالاَشعري لا يعترف بمؤثر في دار الوجود غيره سبحانه، ويعتقد بأنّه المؤثّر التام وليس لغيره من العلل أيّ دور فيه، وعلى ذلك ينسب شروق الشمس ونور القمر وبرودة الماء وإحراق النار إلى الله سبحانه وأنّه جرت عادته على خلق الآثار بعد خلق موضوعاتها ولا صلة بينها وبين آثارها لا استقلالاً ولا تبعاً.
وعلى ذلك المنهج أنكر قانون العلّية والمعلولية في عالم
الاِمكان واعترف بعلّة واحدة، وهو الله سبحانه، حتى صرّحوا بأنّ استنتاج الاَقيسة من باب العادة والاتفاق، فإذا قال القائل: الاِنسان حيوان وكل حيوان جسم، فلا ينتج قولنا كل إنسان جسم إلاّ بسبب جريان عادته سبحانه على حصول النتيجة عند حصول المقدّمات فلولاها لما أنتج.
وفي مقابل هذا المنهج منهج المفوّضة، الذين هم على جانب النقيض من عقيدة الاَشاعرة حيث اعترفوا بقانون العليّة والمعلولية بين الاَشياء لكن على نحو التفويض، بمعنى أنّه سبحانه خلق الاَشياء وفوّض تأثيرها إلى نفسها من دون أن يكون له سبحانه دور في تأثير العلل والاَسباب.
وبعبارة أُخرى: هذه الموضوعات والعلل الظاهرية، مستقلاّت في الايجاد غير مستندات في تأثيرها إلى مبدأ آخر، والله سبحانه بعدما خلقها وأفاض الوجود عليها انتهت ربوبيته بالنسبة إلى الاَشياء، فهي بنفسها مديرة مدبرة مؤثّرة.
إنّ الاَشعري إنّما ذهب إلى ما ذهب، لحفظ أصل توحيديّ هو التوحيد في الخالقية، فبما أنّه لا خالق إلاّ الله سبحانه لذا استنتج منه أنّه لا مؤثر اصلّيا ولا ظلّياً ولا تبعياً إلاّ هو.
ولكن المعتزلي أخذ بمبدأ العدل في الله سبحانه، وزعم أنّ إسناد أفعال العباد إلى الله سبحانه ينافي عدله وحكمته، فحكم بانقطاع الصلة وأنّ الموجودات مفوضّ إليها في مقام العمل.
فالمنهج الاَوّل ينتج الجبر والثاني ينتج التفويض، والحق بطلان كلا المنهجين. واليك ابطال منهج التفويض أوّلا، ثم منهج الجبر ثانيا.
إبطال التفويض:
إنّ نظرية التفويض، عبارة عن أنّ كلّ ظاهرة طبيعية بل كل موجود إمكاني سواء أكان مادياً أم غيره محتاج في وجوده وتحقّقه إلى الواجب دون أفعاله وتأثيره في معاليله، بل هو في مقام التأثير مستغنٍ عن الواجب ومستقلٍّ في التأثير.
أقول : هذه هي نظرية التفويض على وجه الاِيجاز وهي مردودة لوجهين:
الأوّل : إنّه من المقرر في محلّه «أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» والمراد من الوجوب هو انسداد جميع أبواب العدم على وجهه بحيث يكون أحد النقيضين (العدم) ممتنعاً والنقيض الآخر واجباً. فما لم يصل المعلول إلى هذا الحدّ، لا يرى نورَ الوجود، كما لو افترضنا أنّ علة الشيء مركبة من أجزاء خمسة، فوجود المعلول رهن وجود جميع هذه الاَحزاء، كما
أنّ عدَمه رهن فقدان واحد منها وإن وجدت سائر الاَجزاء، ففقدان كلّ جزء مع وجود سائر الاَجزاء يفتح الطريق أمام طروء العدم إلى المعلول فلا يوجد إلاّ بسدّ جميع الاَعدام الخمسة الطارئة على الشيء، وهذا ما يقال: «الشيء ما لم يجب لم يوجد».
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ استقلال الشيء في الفاعلية والاِيجاد إنّما يصحّ إذا كان سدّ جميع أبواب العدم الطارئة على المعلول، مستنداً إلى نفس الشيء وإلاّ فلا يستقل ذلك الشيء في التأثير، وليس المقام من هذا القبيل لانّه لا يستند سدّ جميع ابواب العدم إلى الفاعل وذلك لانّ منها انعدام المعلول بانعدام الفاعل وسدّ طروء هذا العدم على المعلول مستند إلى الله سبحانه لانّه قائم به، فهو محتاج إليه حدوثاً وبقاءً، ومع عدم استناد بعض أجزاء العلّة إلى نفسها كيف يكون في مقام التأثير مستقلاً؟
والحاصل: أنّه لو قلنا باستقلاله في الاِيجاد، فلازمه أن يكون مستقلاًّ في الوجود وهو عين انقلاب الممكن إلى الواجب.
وربّما يتصوّر أنّ الفاعل بعد الوجود مستغن عن الله سبحانه فيكون مستقلاًّ في الفعل، تشبيهاً له سبحانه بالبنّاء وفعله، فكما
أنّ البناء مستغن عن البنّاء بعد الاِيجاد فكذلك الاِنسان مستغنٍ عن الله بعد التكوين، ولكن التشبيه باطل فإنّ البنّاء علّة لحركات يده ورجله وأمّا صورة البناء وبقائها، فهي مستندة إلى القوى الماديّة الموجودة في المواد الاَساسية التي تشكّل التماسك والارتباط الوثيق بين أجزائه، فيبقى البناء بعد موت البنّاء، فليس البنّاء علّة لصورة البناء ولا لبقائه، بل الصورة مستندة إلى نفس الاَجزاء المتصوّرة المتآلفة على الوضع الهندسي الخاص، كما أنّ البقاء مستند إلى القوى الطبيعية التي توجِد التماسك والارتباط بين الاَجزاء على وجه يُعاضد بعضها بعضاً، فيبقى ما دامت القوى كذلك.
الثاني : إنّ الفاعل الاِلهي غير الفاعل الطبيعي وتفسيرهما بمعنى واحد، ليس على صواب.
أمّا الأوّل ، فهو مفيض الوجود وواهب الصور الجوهرية من كتم العدم، ومثَلُه الاَعلى هو الواجب ثم المجرّدات النورية من العقول والنفوس حتى نفس الاِنسان بالنسبة إلى أفعاله في صقعها.
وأمّا الثاني، فهو المعد ومهيّىَ الشيء لاِفاضة الصورة عليه، فالاَب فاعل مادّي وطبيعي يقوم بإلقاء النطفة في رحم الأم،
وبعمله هذا يقرب الممكن من طروء الصور النوعيّة عليه حتى تتحرك من مرحلة إلى أُخرى، إلى أن تصلح لاَن تفاض عليها الصورة الاِنسانية المجرّدة.
إنّ عدم التمييز بين الفاعلين انجرّ إلى الوقوع في أخطاء فادحة، فالمادّي بما أنّه لا يؤمن بعالم الغيب، يرى الفواعل الطبيعية كافية لخلق الصور الجوهرية الطارئة على المادة، ولكّنه لم يفرِّق بين واهب الصور، ومعدّ المادة، وقس على ذلك سائر العلل الطبيعية.
إذا علمت ذلك فنقول: إنّ المجعول في دار الاِمكان هو الوجود وهو أثر جعل الجاعل وهو متدلٍ بالفاعل بتمام هويته، وحيثيته، بحيث لا يملك واقعية سوى التعلّق والربط بموجده، وليس له شأن سوى الحاجة والفقر والتعلّق، على نحو يكون الفقر عين ذاته والتدلّي عينَ حقيقته، لا أمراً زائداً على ذاته، وإلاّ يلزم أن يكون في حدّ ذاته غنيّاً، ثم صار محتاجا وهو عينُ الانقلاب الباطل بالضرورة إذ كيف يتصوّر أن ينقلب الغنيّ بالذات إلى الفقير بالعرض.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الاِنسان مخلوق لله ومعلول له فقير في حدّ ذاته وكيانه، وما هذا شأنه لا يستغني في شؤونه وأفعاله
عن الواجب سبحانه، إذ لو استغنى في مقام الخلق والاِيجاد يلزم انقلاب الفقير بالذات إلى الغني بالذات، لاَنّ الفقير ذاتاً فقيرٌ فعلاً، والمتدلّي وجوداً متدلٍّ صدوراً.
وإن شئت قلت: إنّ الاِيجادَ فرعُ الوجود ولا يُعْقل أشرفية الفعل من الفاعلُ، فلو كان مستقلاًّ في الاِيجاد لصار مستقلاًّ في الوجود، فالقول بأنّ ممكنَ الوجود مستقلّ في فعله، يستلزم انقلاب الممكن بالذات إلى الواجب بالذات وهو محال، قال سبحانه:( يا أيُّها النّاسُ أنتُمُ الفُقَراءُ إلَى اللهِ واللهُ هوَ الغَنيُّ الحَميدُ ) (1)
وقال سبحانه:( يا أيُّهَا النَاسُ ضُرِبَ مَثلٌ فَاستَمِعُوا لهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُون مِنْ دُونِ اللهِ لَن يَخلُقُوا ذُباباً ولَو اجتمَعُوا لهُ وإنْ يَسلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَستنقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطلُوبُ * ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرهِ إنَّ اللهَ لَقويٌّ عَزِيزٌ ) (2)
فتلخّص من هذين البرهانين بطلان القول بالتفويض. ومادة البرهان في الاَوّل غيرها في الثاني.
فإنّ الاَوّل، يعتمد على أنّ المعلول لا يوجد إلاّ بعد الاِيجاب وليس الاِيجاب شأن الممكن، لاَنّ من طرق تطرّق العدم إلى الممكن هو عدم الفاعل وليس سدّ هذا العدم بيد الفاعل.
____________________
(1) فاطر / 15.
(2) الحج / 73 - 74.
وأمّا الثاني، فيعتمد على أنّ ما سوى الله فقير في ذاته قائم به قيام الربط بذيه والمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، والفقر ذاته والحاجة كيانه، وما كان كذلك لا يمكن أن يكون مستقلاًّ في مقام الاِيجاد وإلاّ يلزم انقلاب الممكن إلى الواجب، وهو باطل بالضرورة.
الكلام في إبطال الجبر
قد تبيّن بطلان التفويض، وحان حين البحث في إبطال الجبر.
البرهان الاَوّل لابطال الجبر
وهذا البرهان يتألّف من عدة مقدّمات هي كالتالي:
1. أصالة الوجود
إنّ الاَصل في التحقّق هو الوجود دون الماهية، لاَنّ الوجود بما هو هو يأبى عن العدم، بخلاف الماهية فإنّ حيثيتها حيثية عدم الاِباء عن الوجود والعدم، فاذا كان هذا حالهما فكيف يمكن أن يكون الاَصيل هو الماهيّة؟
وإن شئت قلت: اتّفق الحكماء على أنّ الاَصل في الواجب هو الوجود، ولكنّهم اختلفوا فيما هو الاَصل في غير الواجب،
فهل المجعول والصادر منه، هو الوجود أو الحدود القائمة به، فالاِنسان الخارجييتركّب عقلاً من وجود وحدّ له، وهو أنّه حيوان ناطق، فهل الصادر هو الوجود، والماهية من لوازم مرتبته، أو المجعول هي الحدود بمعنى إفاضة العينية لها ثم ينتزع منه الوجود والتحقّق؟
والتحقيق هو الاَوّل، لاَنّ الحدود قبل التحقّق، والوجود أُمور عدمية ليس لها أيّ شأن، وإنّما تكون ذات شأن بعد إفاضة الوجود عليها، فحينئذ يكون الوجود هو الاَولى؛ بالاَصالة.
وبعبارة أُخرى: إفاضة الوجود على ترتيب الاَسباب والمسبّبات تلازم اقتران الوجود مع حدّ من الحدود الجسمية أو المعدنية أو النباتية أو الحيوانية أو الاِنسانية، فالحدود مجعولة بالعرض ضمن جعل الوجود.
2. بساطة الوجود
الوجود بما هو وجود بسيط بحت في جميع مراتبه وتجلّياته، فلا حدّ ولا فصل له حتى يكون له أجزاء حدّية، فلا يمكن تحديده بالاَجزاء الحملية حتى يكون له أجزاء عقلية، ولا بالمادة والصورة حتى يتألّف من الاَجزاء العينية. وقد
برهنوا على البساطة بما هذا حاصله: لو كان الوجود مؤلّفاً من جنس وفصل لكان جنسه إمّا حقيقة الوجود، أو ماهية أُخرى معروضة للوجود، فعلى الاَوّل يلزم أن يكون الفصل مفيداً لمعنى ذات الجنس فكان الفصل المقسم مقوماً وهذا خلف.
وعلى الثاني: يكون حقيقة الوجود إمّا الفصل أو شيئاً آخر. وعلى كلا التقديرين يلزم خرق الفرض(1) كما لا يخفى، لاَنّ الطبائع المحمولة متحدّة بحسب الوجود مختلفة بحسب المعنى والمفهوم، والاَمر هنا ليس كذلك.(2)
وقد أقاموا براهين على البساطة طوينا الكلام عنها.
3. وحدة حقيقة الوجود
إنّ الوجود في الواجب والممكن في عامة مراتبه، ليس حقائق متباينة مختلفة بحيث لا جهة اشتراك بينهما وإن أصرّ عليه المشاؤون، بل هو حقيقة واحدة يعبّر عنها بالاِباء عن العدم وطارديته له، وعلى ذلك فالوجود في عامة تجلّياته حقيقة واحدة ذات مراتب مشكّكة بالشدة والضعف والتقدّم والتأخّر.
____________________
(1) وهو لزوم كون ما به الاتّحاد عين ما به الاختلاف.
(2) الاَسفار: 1 / 50.
وبرهانه:
هو امتناع انتزاع مفهوم واحد من أشياء متخالفة بما هي متخالفة من دون جهة وحدة بينها وإلاّ لزم أن يكون الواحد كثيراً، لاَنّ المحكي بالمفهوم الواحد هي هذه الكثرات المتكثّرة من دون وجود وجه اشتراك بينها، فكيف يكون الحاكي واحداً والمحكي متكثّراً؟
ثم إنّ لازم كون الوجود بسيطاً وله حقيقة واحدة، هو أن يكون الشدة والضعف عينَ تلك المرتبة لا شيئاً زائداً عليها، فالوجود الشديد هو الوجود، لا المركّب من الوجود وشدته، كما أنّ الوجود الضعيف نفس الوجود لا أنّه مركّب من وجود وضعف.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّه إذا كانت حقيقة الوجود في كلّ مرتبة هو أن تكون المرتبة نفس حقيقته لا شيئاً عارضاً عليه، وعليه يكون كل وجود في مرتبة لاحقة، متعلّقاً بالمرتبة السابقة غير متجافية عنها على وجه لو تخلّى عن مرتبته، يلزم الانقلاب الذاتي المحال.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت درجة الوجود تشكلّ في كلّ مرتبة
من المراتب واقعَ وجودِها فلا يمكن إسناد جميعِ المراتب إلى الله سبحانه والقول بأنّه قام بإيجادها مباشرة بلا توسّط الاَسباب، لاَنّ معنى ذلك عدم كون المرتبة مقومة لحقيقة الوجود فيها وقد عرفت خلافه، فهذا البرهان يجرّنا إلى القول بأنّ الوجود في كل درجة ومرتبة مؤثر في المرتبة اللاّحقة وإن كان تأثير كلّ بإذنه سبحانه، والجميع يستمدّ منه سبحانه إمّا بلا واسطة كالصادر الاَوّل أو مع الوسائط كسائر الصوادر.
البرهان الثاني لاِبطال الجبر
قد أثبت المحقّقون من العلماء في مسألة «ربط الحادث بالقديم» أنَّ سببَ الحادث حادث وأنّ المتغيّرات والمتجدّدات جواهر كانت أم أعراضاً، لا يمكن أن يستند إلى الواجب القديم الثابت غير المتغيّر، بل لابدّ من توسّط أمر مجرّد بينهما يكون له وجهان: وجه يلي الربَّ الثابت، ووجه يلي الخلق المتجدّد والمتصرّم.
ومبدؤه بساطة ذاته ويترتب عليها أمران:
الاَوّل : رجوع جميع صفاته وشؤونه إلى الوجود التام، البحت الخالي عن شوب التركيب فلا يعقل في ذاته وصفاته أيَّ
تركّب واثنينية فضلاً عن التصرّم والتجدّد، لاَنّ الاَخير يستلزم القوة والنقص حتى يكتمل بتجدّده، وبخروجه عن القوة إلى الفعلية وهذا ممّا ينافي بساطته الحقة، إذ كلّ متدرّج ومتصرّم مركّب من حقيقة وأمر طارىَ عليه مضافاً إلى وقوعه في إطار الزمان والمكان.
الثاني : انّ كلّ ما يصدر عن البسيط فلابدّ أن يصدر عن حاق ذاته وصرف وجوده، لعدم شائبة التركيب فيه حتى يصدر الشيء عن بعض الذات دون الآخر.
إذا عرفت هذين الاَمرين:
فاعلم أنّ معنى ذلك هو امتناع صدور المتصرّمات والمتجدّدات عن ذاته بلا واسطة وإلاّ يلزم التصرّم والتغيّر والتجدّد في هويته الوجوبية البسيطة، لاَنّ سبب الحادث حادث وسبب المتغيّر متغيّر، وما ربما يقال: من أنّ المصحِّح لصدور المتغيّرات والمتجدّدات المتكثّرة عن الذات البسيطة هو توسّط الاِرادة بينه سبحانه وبين الصوادر، غير تام.
لاَنّ إرادته سبحانه بأيّ معنى فُسّرت، عينُ ذاته وليست زائدة على الذات، لاستلزامه تصوّرَ وجود أكمل منه تعالى، فما
يصدر عنه بلا واسطة يمتنع أن يصدر عن إرادته دون ذاته، أو بالعكس.
وبالجملة فصدور المتغيّرات عنه سبحانه يستلزم حدوث القديم أو قدم الحادث، ثبات المتغيّر أو تغيّر الثابت، فلا محيص أن يكون المؤثّر فيها غير الذات وهو عين نفي الجبر ونفس الاعتراف بأنّ هنا مؤثراً ولو ظلّياً وراء الذات.
البرهان الثالث لاِبطال الجبر
قد ثبت في محلّه وجود الخصوصية بين العلّة والمعلول، بمعنى أنّه يجب أن تكون العلة مشتملة على خصوصية بحسبها يصدر عنها المعلول المعيّن، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ شيء علة في كل شيء، ولازم ذلك أن لا يصدر من البسيط الواحد إلاّ الواحد، إذ لو صدر شيئان متغايران لاقتضت كلّ خصوصية تركب الذاتُ البسيطة من شيئين وهو محال.
وإن شئت قلت: إنّه سبحانه هو البسيط غاية البساطة، لا تركّب في ذاته ولا هو ذو أجزاء فلا جنس ولا فصل له ولا مادة ولا صورة، عينية كانت أو ذهنية، ولا هو متكمّم حتى يتألف من الاَجزاء المقدارية، فهذا الوجود البحت البسيط يمتنع أن يكون
مصدراً للملك والملكوت والمجرّد والمادّي، وإلاّ لزم إمّا صدور الكثير من الواحد البسيط وهو يلازم إمّا بساطة الكثير أو تكثر البسيط.
وما ربما يقال من أنّ القول بوجود الخصوصية يختصّ بالفواعل الطبيعية حيث إنّ بين الماء والارتواء رابطة خاصة ليست موجودة في غيره. وأمّا المجردات فلم يدلّ دليل على لزوم اعتبار الخصوصية. غير تام لاَنّ القاعدة عقلية والتخصيص فيها غير ممكن وتوسيط الاِرادة بين الذات والعقل غير ناجح، لما عرفتَ من رجوعها إلى ذاته فلو صدر المتغيّرات والمتكثّرات عنه سبحانه فكلّ يقتضي خصوصية مستقلّة فيلزم وجود الكثرات في ذاته سبحانه.
ولا تتوهم أنّ معنى ذلك هو التفويض والاعتراف بالقصور في قدرته سبحانه، وإغلال يديه كما هي مزعمة اليهود لما سيوافيك من أنّ جميع المراتب العالية والدانية مع كونها مؤثرة في دانيها، متدلّيات بذاته، قائمة به تبارك وتعالى، كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والاعتراف بالدرجات والمراتب، وإنّ كلاًّ يؤثر في الآخر لا يستلزم شيئاً من التفويض.
البرهان الرابع لاِبطال الجبر
قد عرفت أنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب وليست المرتبة سوى نفس الوجود، وأنّ الشدّة والضعف يرجع في واقعها إلى الوجود، فإذا كانت حقيقة الوجود كذلك فلا يصحّ أن يكون مؤثراً في مرتبة عليا كالواجب، دون المراتب الدانية مع وحدة الحقيقة.
وما ربما يقال من أنّ التأثير من لوازم المرتبة الشديدة دون الضعيفة، غير تام، وذلك لما مرّ من أنّ الشدّة ليست إلاّ نفس الوجود لا أمراً زائداً عليه، فلو كان الوجود الشديد مؤثراً فمعناه أنّ حقيقة الوجود هي التي تلازم التأثير، فإذا كان كذلك فالوجود يكون مؤثراً في جميع المراتب عالية كانت أو دانية، ولاَجل ذلك قال الحكماء: إنّ حقيقة الوجود عين المنشئية للآثار ولا يمكن سلبها عنه، فسلب الآثار ولو في مرتبة من المراتب غير ممكن لاشتمالها على حقيقة الوجود وهو خلاف المفروض.
إلى هنا تمّ الكلام في إبطال الجبر والتفويض، بقي الكلام في إثبات المذهب المختار، أي الاَمر بين الاَمرين، والمنزلة بين المنزلتين.
الفصل الثالث
مذهب الاَمر بين الاَمرين
إذا ظهر بطلان كلا المذهبين فتثبت صحة القول بالاَمر بين الاَمرين، وذلك لما ظهر من أنّه لا يصحّ استقلال الممكن في الاِيجاد كما لا يمكن سلب الاَثر عنه، فالجمع بين الاَمرين يقتضي القول بالاَمر بين الاَمرين، وهو أنّ الموجودات الاِمكانية موجودات لا بالاستقلال بل استقلالها وتأثيرها باستقلال عللها إذ لا مستقلّ في الوجود والتأثير، غيره سبحانه.
وإن شئت قلت: إنّ وجوداتها إذا كانت عين الربط والفقر والتدلّي والتعلّق، فتكون أوصافها وآثارها وأفعالها متدلّيات وروابط ففاعليتها بفاعلية الربّ، وقدرتها بقدرته، فأفعالها وإرادتها مظاهر فعل الله وقدرته وإرادته وعلمه.
ويرشدنا إلى ذلك الذكر الحكيم يقول سبحانه:( وما رَمَيتَ
إذ رمَيتَ ولكنَّ اللهَ رمَى ) (1)
أثبت سبحانه الرمي للنبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - حيث نفاه عنه، وذلك لاَنّه لم يكن الرمي من النبيّ - صلّى الله عليه وآله وسلم - بعونه وحوله بل بحول الله تعالى وقوته، فهناك فعل واحد منتسب إلى الله سبحانه وإلى عبده، وقال سبحانه:( وما تشاءون إلاّ أنْ يَشاءَ اللهُ إنَّ اللهَ كانَ عَليماً حَكيماً ) (2)
فأثبت سبحانه المشيئة لنفسه حيث كانت لهم، وجه ذلك أنّ هنا مشيئة واحدة منتسبة إلى العبد وفي الوقت نفسه هو مظهر لمشيئة الله سبحانه.
إنّ المفوّضة لجأوا إلى القول بالتفويض بُغْية تنزيهه سبحانه عن القبائح، ولكنّهم غفلوا عن أنّهم بذلك القول وإن نُزِّه فعله عن القبح وحُفظ بذلك عدله وحكمته، لكن أُخرج الممكن عن حدِّ الاِمكان وأُدخل في حدّ الواجب فوقعوا في ورطة الشرك «لاَنّ الاستقلال في الاِيجاد فرع الاستقلال في الوجود» وبالتالي قالوا بتعدّد الواجب من حيث لا يشعرون.
يقول الاِمام الرضا (عليه السلام): «مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله عزّ وجلّ بعدله، فأخرجوه من قدرته وسلطانه »(3)
____________________
(1) الاَنفال / 17.
(2) الاِنسان / 30.
(3) البحار: 5 / 54، كتاب العدل والاِيمان، الحديث 93.
كما أنّ المجبّرة لجأوا إلى الجبر ونفي العلّية والقدرة والاختيار عن العباد لصيانة التوحيد في الخالقية وتمجيداً وتعظيماً له سبحانه، ولكنّهم غفلوا عن أنّهم نسبوا إلى الخالق القول، بالتكليف بما لا يطاق.
روى هشام بن سالم عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- أنّه قال: «إنّ الله أكرمُ من أن يكلّف الناسَ بما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(1)
وأمّا القائل بالاَمر بين الاَمرين، فقد حفظ مقام الربوبية والحدود الاِمكانية وأعطى لكلّ حقّه.
إن الناقد البصير والقائل بالاَمر بين الاَمرين له عينان يرى بواحدة منهما مباشرة العلّة القريبة بالفعل بقوته وإرادته وعلمه، فلا يحكم بالجبر، ويرى بالأخرى أنّ مبدأ هذه المواهب هو الله سبحانه وأنّ الجميع قائم به فلا يحكم بالتفويض ويختار الوسط.
فالجبري عينه اليمنى عمياء فلا يرى تأثير العلّة القريبة في الفعل، بل ينظر بعينه اليسرى إلى قيام الجميع بالله تبارك وتعالى.
____________________
(1) البحار، 5 / 41 الحديث 64.
والتفويضي عينه اليسرى عمياء، يرى بعينه اليمنى مباشرة الفاعل القريب للفعل ولا يرى بعينه اليسرى قيام الجميع بالله تبارك وتعالى.
فالجبرية مجوس هذه الأمة تنسب النقائص إلى الله تعالى والمفوضة يهود هذه الأمة، حيث تجعل يد الله مغلولة:( غُلَّتْ أيدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بل يدَاهُ مَبسوطَتانِ ) والقائل بالاَمر بين الاَمرين ينظر بكلا العينين ويسلك الجادة الوسطى، ومن ذلك يعلم وجه وصف الاِمام الرضا للقائل بالجبر بالكفر، وللقائل بالتفويض بالشرك حيث قال: والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك(1)
إيقاظ:
دلّ الذكر الحكيم على أنّ الحسنة والسيّئة من عند الله، قال سبحانه:( وإنْ تُصِبْهُمْ حَسنةٌ يقولُوا هذهِ مِنْ عندِ اللهِ وإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئةٌ يَقولُوا هذهِ مِنْ عندِكَ قُل كلٌّ مِنْ عندِ اللهِ فَما لِهؤلاءِ القومِ لا يَكادونَ يَفقَهونَ حَديثاً ) (2)
ولكن دلّت الآية التالية على أنّ الحسنة من الله والسيِّئة من
____________________
(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 114.
(2) النساء / 78.
الاِنسان، قال سبحانه:( ما أصابكَ مِنْ حسنةٍ فمِنَ اللهِ وما أصابكَ مِنْ سيِّئةٍ فمِنْ نَفسِكِ وأرسلناكَ للنّاسِ رَسولاً وكُفى باللهِ شَهيداً ) (1)
فكيف الجمع بينهما؟
أقول: إنّ اتضاح معنى الآيتين رهن مقدمة وهي:
دلّت البراهين على أنّ الكمالات كلّها راجعة إلى الوجود إذ مقابلها - أعني الماهيّات والاَعدام - لم تشمُ رائحة الوجود والكمال إلاّ بالعرض ويترتّب عليه أمران:
1. إنّه سبحانه صرف الوجود وإلاّ لزم التركيب من الوجود وغيره وهو مستلزم للاِمكان، لاَنّ كلّ مركّب محتاج إلى أجزائه، والحاجة نفس الاِمكان أو لازمه.
2. إنّ شأنه سبحانه إفاضة الوجود على كل موجود وهو كلّه خير محض والشرور والاَعدام وكذا الماهيات غير مجعولة، وأمّا ما يشتمل عليه من الشرور والنقائص فهي من لوازم درجة الوجود ومرتبته. فكل موجود من حيث اشتماله على الوجود خير وحسن وليس فيه شرّ ولا قبح، وإنّما يعرض له الشرّ من حيث نقصه عن التمام أو من حيث منافاته لخير آخر وكل منهما
____________________
(1) النساء / 79.
يرجع إلى نحو عدم، والعدم غير مجعول(1)
فاعلم أنّ مقتضى القاعدة الحكمية، أعني لزوم وجوب الصلة بين الصادر والصادر عنه، هو كون الشيء الصادر هو الكمال إذ لا صلة بين الكمال المطلق والنقص والشرّ والعدم.
أضف إلى ذلك أنّ الجعل لا يتعلّق بغير الوجود وهو نفس الخير والسعادة، وأمّا الاَعدام والنقائص فلا يتعلّق بها الجعل لعدم القابلية.
وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه:( كلٌّ مِن عندِ اللهِ ) أمّا الخير فواضح، وأمّا الشرّ فلما عرفت من أنّ الشيء الصادر هو الوجود وهو مساوق للخير وأمّا الشرّ فهو لازم أحد الاَمرين:
الاَوّل : كون الشرّ لازم مرتبته، مثلاً الموجود النباتي يلازم فقدان الشعور والاِرادة والحركة بحيث لو شعر لخرج عن حدّه، وكونه نباتاً، فهذا النقص راجع إلى عدم الوجود الذي هو من لوازم ذات الموجود في تلك المرتبة، والذي تعلّق به الجعل هو الوجود لا الدرجة والحد.
الثاني : تزاحم وجوده مع وجود آخر لاَجل ضيق عالم
____________________
(1) الاَسفار 6 / 375.
الطبيعة كالتزاحم الموجود بين وجود الاِنسان ووجود العقرب مثلاً.
وبذلك يتبيّن أنّ كلّ النقائص راجعة إمّا إلى حدّ الوجود، أو إلى التزاحم في عالم الطبيعة.
فيصحّ أن يقال: إنّ الحسنات والسيّئات من الله سبحانه باعتبار أنّ الوجود المفاض في كل منهما خير ومفاض من الله تبارك وتعالى، وإن نسبة الشرور والنقائص إليه بالعرض ولعلّه لهذا الاَمر يقول:( كلٌّ من عندِ الله ) ، بتخلّل كلمة «عند» ولكنّه عندما ينسب السيِّئة إلى العبد يستخدم كلمة «من» مكان «عند» ويقول:( وما أصابَكَ مِن سيِّئةٍ فمِنْ نَفسِكِ ) وذلك لاَنّ نسبة النقص والقبح إلى الله سبحانه نسبة بالعرض وهذا بخلاف نسبتهما إلى الفاعل المادّي، فإنّ النسبة إليه نسبة بالحقيقة.
فنسبة الوجود إلى الخيرات والشرور نسبة واحدة على حدّ سواء وأمّا الخير والشرّ فهي من لوازم مرتبته ودرجته أو تصادمه مع الخير الآخر، فهو كنور الشمس يشعّ على الطيّب والطاهر والرجس والخبيث، دون أن يوصف بصفاتها ودون أن يخرجه عن أصل نوريّته.
الايضاح الاَمر بين الاَمرين بالتمثيل:
قد اشتهر أنّ المثال يقرِّب من وجه ويبعّد من ألف، وقد استمدّ المحقّقون لتبيين مكانة فعل الفاعل إلى الله سبحانه بتمثيلين.
التمثيل الاَوّل : إذا أشرقت الشمس على موجود صيقليّ كالمرآة وانعكس النور منها على الجدار، فنور الجدارِ ليس من المرآة بالاَصالة وبالذات، ولا من الشمس بلا واسطة، إذ ربّما تشرق الشمسُ والجدار مظلم، بل هو من المرآة والشمس معاً، فالشمس مستقلّة بالاِفاضة مُنوِّرة بالذات دون الأخرى، والنور المفاض من الشمس غير محدود وإنّما يتحدّد بالمرآة، فالحدّ للمرآة أوّلاً وبالذات، وللنور ثانياً وبالعرض.
وإن شئت قلت: النور المفاض من الشمس غير محدود، وإنّما جاء الحدَ من قالبها الذي أشرقت عليه وهي المرآة المحدودة بالذات، والمفاض هو نفس النور دون حدوده وكلّما تنزّل يتحدّد بحدود أكثر ويعرضه النقص والعدم، فيصح أن يقال النور من الشمس، والحدود والنقائص من المرآة ومع
ذلك لولا الشمس وإشراقها لم يكن حدّ ولا ضعف، فيصح أن يقال: كلٌّ من عند الشمس.
فنور الوجود البازغ من أفق عالم الغيب كلّه ظلّ نور الاَنوار ومظهر إرادته وعلمه وقدرته وحوله وقوته، والحدود والتعيّنات والشرور كلّها من لوازم الذات الممكنة وحدود إمكانها، أو من تصادم المادّيات وتزاحم الطبائع.
التمثيل الثاني : قد نقل عن رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلم - «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» ولعلّ الاِمعان في قوى النفس ظاهرية كانت أو باطنية يُبيّن لنا مكانة أفعال العباد إلى الباري تعالى، لاَنّ قوى النفس قائمة بها، فإذا قامت القوى بالفعل والاِدراك يصح نسبتهما إلى القوى كما يصح نسبتهما إلى النفس فإذا رأى بالبصر وسمع بالسمع، فالاَفعال كلّها فعل للنفس بالذات وللقوى بالتبع فلا يصح سلبها عن النفس، لكونها بالبصر تبصر وبالسمع تسمع، ولا سلبها عن القوى لكونها قائمة بها ومظاهر لها.
يقول صدر المتألّهين: الاِبصار مثلاً فعل الباصرة بلا شك،
لاَنّه إحضار الصورة المبصرة أو انفعال البصر بها(1) وكذلك السماع فعل السمع لاَنّه إحضار الهيئة المسموعة أو انفعال السمع بها، فلا يمكن شيء منهما إلاّ بانفعال جسماني فكلّ منهما فعل النفس بلا شك لاَنّها السميعة البصيرة بالحقيقة.(2)
وأنت إذا كنت من أهل الكمال والمعرفة تقف على أنّ تعلّق نور الوجود المنبسط على الماهيات بنور الاَنوار وفنائه فيه، أشدّ من تعلّق قوى النفس وفنائها فيها، لاَنّ النفسَ ذات ماهية وحدود وهما تصحّحان الغيرية بينها وبين قواها، ومع ذلك ترى النسبة حقيقة وأين هو عن الموجود المنزّه عن التعيّن والحد، المبرّأ عن شوائب الكثرة والغيرية، والتضاد والتباين الذي نقل عن أمير المؤمنين - عليه السّلام- قوله المعروف: «داخل في الاَشياء لا بالممازجة، خارج عنها لا بالمباينة».(3)
إيضاح:
قد اتّضح بما ذكرنا أنّ حقيقة الاَمر بين الاَمرين تلك الحقيقة الربانيّة التي جاءت في الذكر الحكيم بالتصريح تارة والتلويح
____________________
(1) إشارة إلى النظريتين المختلفتين في حقيقة الاِبصار فهل الاِبصار بخلاقية النفس أو بانطباع الصورة فيها.
(2) الاَسفار 6 / 377.
(3) وفي النهج ما يقرب منه: «لم يحلّل في الاَشياء فيقال هو كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن». نهج البلاغة، الخطبة 62 طبعة عبده.
أُخرى وجرت على ألسنة أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
مثلاً تجد أنّه سبحانه: نسب التوفّي تارة إلى نفسه ويقول:( اللهُ يَتوفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوتِها ) (1) وأُخرى إلى ملك الموت ويقول:( قُلْ يَتوفّاكُم مَلَكُ المَوتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلي رَبّكُمْ تُرجَعُون ) (2) وثالثة إلى الملائكة ويقول:( فَكيفَ إذا تَوفَّتهُمُ الملائكةُ يَضرِبونَ وُجوهَهُمْ وأدبارَهُمْ ) (3)
ومثله أمر الضلالة، فتارة ينسبها إلى نفسه ويقول:( كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الكافرينَ ) (4) وأُخرى إلى إبليس ويقول:( إنَّهُ عدٌّومضلٌّ مُبينٌ ) (5) وثالثة إلى العباد ويقول:( وأضلَّهُمُ السّامِريُّ ) (6) والنسب كلّها صحيحة وما هذا إلاّ لكون أمر التوفّي منزلة بين المنزلتين، وهو مصحّح لعامة النسب.
ومّما يشير إلى أنّه منبع كلّ كمال على الاِطلاق حتى الكمال الموجود في الممكن قوله سبحانه:( الحمدَ للهِ ربِّ العالَمين ) حيث قصّر المحامد عليه حتى أنّ حَمْدَ غيره لكماله، حمدٌ لله تبارك وتعالى، فلولا أنّ كلّ كمال وجمال له عزّ وجلّ بالذات لما صحّ هذا الحصر.
____________________
(1) الزمر / 42.
(2) السجدة / 11.
(3) محمد / 27.
(4) غافر / 74.
(5) القصص / 15.
(6) طه / 85.
ويشير إلى المنزلة الوسطى بقوله:( وإيّاكَ نَستعين ) بمعنى نحن عابدون وفاعلون بعونك وحولك وقوّتك.
هذه نزر من الآيات التي تبيّن مكانة أفعال الاِنسان بالنسبة إلى البارىء، وأمّا الروايات ففيها تصريحات وتلويحات، وقد جمع المحقّق البارع الداماد ما يناهر اثنين وتسعين حديثاً في الاِيقاظ الرابع من قبساته، ونحن نقتصر على عدة روايات منها:
1. روى الكليني عن محمد بن أبي عبد الله(1) عن سهل بن زياد،(2) عن أحمد بن أبي نصر الثقة الجليل قال: قلت لاَبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّ بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة.
قال:«فقال لي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال عليّ بن الحسين: قال الله عزّ وجلّ: يا بن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء، وبقوّتي أدّيت اليَّ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك منّي، وذلك أنّي لا أسأل عمّا أفعل
____________________
(1) هو أبو الحسن محمد بن أبي عبد الله جعفر بن محمد بن عون الاَسدي الكوفي ساكن الري، قال النجاشي: كان ثقة صحيح الحديث. (تنقيح المقال: 2 / 95).
(2) الاَمر في سهل، سهل وإتقان رواياته آية وثاقته في النقل عنه دام ظلّه.
وهم يُسألون، قد نظمت لك كل شيء تريد».(1)
هذه الرواية هي المقياس لتفسير جميع الاَحاديث الواردة في هذا المقام.
2. وبهذا المضمون ما رواه الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سألته فقلتُ: إنّ الله فَوض الاَمر إلى العباد؟ قال: الله أعزّ من ذلك، قلت: فأجبرهم على المعاصي؟« قال: الله أعدل وأحكم من ذلك»، ثم قال:« قال الله عزّ وجل: يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملتَ المعاصي بقوتّي التي جعلتُها فيك ».(2)
3. روى هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:« إنّ الله أكرم من أن يكلّف الناسَ ما لا يطيقون، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد ».(3)
4. روى حفص بن قرط عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:« من زعم أنّ الله تعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ».(4)
____________________
(1) الكافي، 1 / 160 باب الجبر والقدر والاَمر بين الاَمرين، الحديث 12.
(2) بحار الاَنور 5 / 15 الحديث 20.
(3) بحار الانوار 5 / 41 الحديث 64.
(4) بحار الاَنور 5 / 51 الحديث 85.
الفصل الرابع
شبهات وحلول
قد ظهر وجه الحقيقة وانكشف الفجر الصادق من بين ظلمات مدلهمّة، غير أنّ ثمة شبهات نذكرها تباعاً مع حلولها.
الشبهة الأولى: الاِرادة ليست اختيارية:
إنّ اختيارية الفعل، بمسبوقيتها بالاِرادة الحاصلة في ضمن مقدّماتٌ غير أنّا ننقل الكلام إلى نفس الاِرادة فهل اختياريتّها بإرادة ثانية فثالثة ولا ينتهي إلى حدّ فلازمه التسلسل، أو ينتهي إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى وهو إمّا إرادة الواجب تعالى، أو إرادة نفس الاِنسان الحاصلة بلا سبق إرادة، فيصبح الاِنسان مجبوراً في فعله لاَنّ المفروض أنّ الاِرادت التي انتهت إليها سائر الارادات غير مسبوقة بإرادة أُخرى؟
وقد أُجيبَ عن الاِشكال بأجوبة غير مقنعة، وإليك بيانها واحداً تلو الآخر:
الاَوّل للسيّد المحقق الداماد : وقد اجاب عنه السيّد المحقّق الداماد ونقلَه صدر المتألّهين في الاَسفار وهذا لفظه: إذا انساقت العللُ والاَسبابُ المترتّبة المتأديّة بالاِنسان إلى أن يتصوّر فعلاً ويعتقد فيه خيراً ما، انبعث له تشوّق إليه لا محالة، فإذا تأكد هيجانُ الشوقِ واستتمّ نصاب إجماعه، تمّ قوام الاِرادة المستوجبةِ اهتزازَ العضلات والاَعضاء الادوية، فإنّ تلك الهيئة الاِرادية حالة شوقية إجمالية للنفس، بحيث إذا ما قيست إلى الفعل نفسِه، وكان هو الملتفتَ إليه بالذات، كانت هي شوقاً إليه وإرادة له، وإذا قيست إلى ارادة الفعل وكان الملتفت إليه هي نفسها لا نفس الفعل، كانت هي شوقاً وإرادة بالنسبة إلى الاِرادة من غير شوق آخر وإرادة أُخرى جديدة، وكذلك الاَمر في إرادة الاِرادة، وإرادة إرادة الاِرادة إلى سائر المراتب التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات، ويلاحظها على التفصيل، فكل من تلك الاِرادات المفصّلة يكون بالاِرادة وهي بأسرها مضمّنة في تلك الحالة الشوقية الاِرادية. والترتب بينها بالتقدّم والتأخّر عند التفصيل ليس يصادم اتّحادها في تلك الحالة الاِجمالية بهيئتها الوحدانيّة، فإنّ ذلك إنّما يمتنع في الكمية الاتّصالية والهوية الامتدادية لاغير، فلذلك بانَ أنّ المسافة الاَينية تستحيل أن تنحل إلى متقدّمات ومتأخّرات بالذات هي أجزاء تلك المسافة
وأبعاضها، بل إنّما يصحّ تحليلها إلى أجزائها وأبعاضها المتقدّمة والمتأخّرة بالمكان».(1)
يلاحظ عليه : أنّ المعلِّم الثالث مع ماله من العظمة والجلالة اشتبه عليه الاَمر، ومنشأ الاشتباه هو الخلط بين الحقائق والاعتباريات، فإنّ الاِرادة والعلم بالشيء والعلم بذواتنا صفات وجودية لابدّ لها من علّة موجدة حتى يستند كلّ إليها، وحينئذ فالعلّة التي أوجدت الاِرادة في أنفسنا إمّا إرادة أُخرى غير منتهية إلى حدّ يلزم التسلسل، أو كانت منتهية إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى من إرادة الواجب أو الممكن فيلزم الاضطرار ولا يمكن أن تكون علة الاِرادة نفسها بالضرورة ونظير ذلك، اللزوم بين العلّة والمعلول فهو أمر حقيقي يقوم بعلّة.
نعم إذا لاحظنا العلم بالعلم أو لزوم اللزوم، بحيث صار العلم الاَوّل طرفاً ومعلوماً بهذا اللحاظ وخرج اللزوم الاَوّل عن الوسطية وصار موضوعاً، فيعتبر علم آخر ولزوم ثان بينها وبين الموضوع وينقطع بانقطاع الاعتبار، وهذا ما يقال من أنّ التسلسل في الأمور الاعتبارية غير مضرّ لقوامه بالاعتبار وينتفي بانتفائه، وكم له من نظير مثل موجودية الموجود
____________________
(1) الاَسفار: 6 / 389.
وإمكان الممكن وغيرها.
والعجب أنّه قاس المقام بالنية مع أنّ الضرورة قاضية بعدم لزوم أن تكون نفس النية منوية فهي لا تحتاج إلى نية أُخرى، بخلاف الاِرادة إذ هي محتاجة إلى أُخرى حتى لا يلزم الاضطرار أو الاِلجاء.
وقد أورد عليه صدر المتألّهين وجوهاً ثلاثة نأخذ منها الوجه الاَخير حيث قال: إنّ لنا أن نأخذ جميع الاِرادات بحيث لا يشذّ عنها شيء منها ونطلب أنّ علّتها أي شيء هي، فإن كانت إرادة أُخرى لزم كون شيء واحد خارجاً وداخلاً بالنسبة إلى شيء واحد بعينه هو مجموع الاِرادات وذلك محال، وإن كان شيئاً آخر لزم الجبر في الاِرادة.(1)
قلت: نظير هذا ما يقال في إبطال التسلسل من أنّ السلسلة غير المتناهية المترتبة على نحو الترتّب العليِّ والمعلولي كلّها روابط ومعاني حرفية، فهذه الموجودات المتسلسلة وإن كان لا يمكن الاِحاطة بها بالاِشارة الحسّية غير أنّه يمكن بالاِشارة العقلية ولو بعنوان المشير، فنقول:
____________________
(1) صدر المتألّهين: الاَسفار: 6 / 390.
السلسلة غير المتناهية المحكوم عليها بالفقر والحاجة لا يمكن أن يدخل فرد منها في الوجود إلاّ بالاِفاضة عليه من جانب الغني بالذات، إذ الفقير الفاقد لجميع شؤونه حتى وجود ذاته لا يمكنه أن يكون معطياً ومغنياً سواء كان واحداً أو كثيراً، متناهيا أو غير متناهٍ.
الثاني جواب صدر المتألّهين : و هنا جواب ثان ذكره صدر المتألّهين وحاصله: أنّ المختار ما يكون فعله بإرادته لا ما يكون إرادته بإرادته وإلاّ لزم أن لا تكون إرادته سبحانه عين ذاته، والقادر ما يكون بحيث إن إراد الفعل صدر عنه الفعل وإلاّ فلا، لا ما يكون إن أراد الاِرادة للفعل فعل وإلاّ لم يفعل(1)
وقد أوضحه سيدنا الاَستاذ (دام ظله) ما هذا ملخّصه: إنّ الاِرادة والعلم والحبّ من الصفات الحقيقية ذات الاِضافة بين الاِنسان ومتعلّقه.
ثم إنّ المعلوم ما تعلّق به العلم، والمحبوب ما تعلّق به الحب لا ما تعلّق بعلمه العلم وبحبه الحب، فهكذا المراد والمختار ما تعلّقت به الاِرادة والاختيار لا ما تعلّقت بإرادته واختياره، الاِرادة والاختيار، والقادر عند العقلاء من إذا شاء صدر عنه
____________________
(1) صدر المتألهين: الاَسفار: 6 / 388.
الفعل وإذا لم يشأ أو شاء عدمه لم يصدر لا ما إذا أراد إرادة الفعل صدر عنه، ولو كان المقياس في الاختيار هو تعلّق الاِرادة على نظيرتها لم يصدر فعل إرادي عن المريد قط حتى الواجب.
فإن قلت: ليس النزاع في التسمية والاصطلاح حتى يندفع بما هو الميزان عند العقلاء في تشخيص الفعل الاختياري عن غيره، بل هو معنوي وهو أنّ مبدأ الفعل أعني الاِرادة إذا لم تكن باختيار النفس وانتخابها، بل كان رهن مقدمات غير اختيارية يصير الفعل معها اضطرارياً غير اختياري ومعه لا تصحّ العقوبة وإن سمّي عندهم فعلاً اختيارياً.
قلت: إنّ البحث يقع تارة في تشخيص الفعل الاِرادي عن غيره، وأُخرى في تنقيح مناط صحّة العقوبة، وما أفاده (طيب الله رمسه) كاف في المقام الاَوّل، إذ لا يشكُ أيّ ذي مسكة من أنّ الفعل الاِرادي هو ما تعلّقت به الاِرادة لا ما تعلّقت بإرادتها إرادة ثانية، في مقابل حركة المرتعش، إذ هي صادرة عنه لا بإرادة متعلّقة بفعله، من غير فرق بين الواجب والممكن.
وأمّا المقام الثاني أي تشخيص مناط صحّة العقوبة وعدمها، فالمرجع في ذلك هو العقلاء وفطرياتهم ومرتكزاتهم، ولا ريب أنّ جميع العقلاء يميّزون بين الحركة الاِرادية والحركة
الارتعاشية بصحة المؤاخذة على الاَولى دون الثانية، وليس ذلك إلاّ لحكمهم بأنّ الفعل صادر عن إرادته واختياره من دون اضطرار وإجبار وما ذكر من الشبهة إنّما هو جدل عقيم في سوق الاعتبار.
الجواب الثالث للمحقّق الخراساني:
وثمة جواب ثالث للمحقّق الخراساني أشار إليه في أوائل الجزء الثاني عند البحث في التجرّي وقال: «إنّ الاختيار (يريد من الاختيار، الاِرادة) وإن لم يكن بالاختيار إلاّ بعض مباديه، يكون غالباً بالاختيار للتمكّن من عدمه بالتأمل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللوم والمذّمة(1)
يلاحظ عليه: أنّ الاِشكال لا يُحسَم بما أفاد: إذ لقائل أن يسأل عن المبادىَ التي ادّعي أنّها بالاختيار، فهل الاِرادة المتعلّقة بها مسبوقة بإرادة أُخرى أو لا؟ فعلى الاَوّل ينتهي إلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى ولازمه الجبر والاضطرار، وعلى الثاني يلزم التسلسل.
الجواب الرابع للمحقّق الحائري:
انّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قد دفع الشبهة بوجه آخر
____________________
(1) كفاية الأصول: 2 / طبعة المشكيني.
وقال: «إنّما يلزم التسلسل لو قلنا بانحصار سبب الاِرادة في الاِرادة ولا نقول به، بل ندّعي أنّها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلّق، أعني: المراد، وقد توجد بالجهة الموجودة في نفسها فيكفي في تحقّقها أحد الاَمرين، وما كان من قبيل الاَوّل لا يحتاج إلى إرادة أُخرى وما كان من قبيل الثاني حاله حال سائر الاَفعال التي يقصدها الفاعل بملاحظة الجهة الموجودة فيها - إلى أن قال: - والدليل على أنّ الاِرادة قد تتحقّق في مصلحة في نفسها هو الوجدان، لاَنّا نرى إمكان أن يقصد الاِنسان، البقاء في المكان الخاص عشرة أيام بملاحظة أنّ صحة الصوم والصلاة التامّتين تتوقف على القصد المذكور، مع العلم بعدم كون هذا الاَثر مترتباً على نفس البقاء واقعاً، ونظير ذلك غير عزيز.(1)
يلاحظ عليه : أنّ الاِشكال بعد باقٍ، إذ لقائل أن يسأل عن تعلّق الاِرادة على إيجاد الاِرادة فهل هي مسبوقة بإرادة أُخرى وهكذا فيتسلسل أو لا؟ فيلزم الجبر.
الجواب الخامس: ما هو المشهور بين المحصلين
إنّ اختيارية كلّ شيء بالاِرادة وأمّا اختياريتها، فبذاتها إذ كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، فكما أنّ كل موجود
____________________
(1) درر الفوائد: 2 / 14 - 15.
موجود بالوجود والوجود بنفسه، فهكذا الاِرادة.
ولا يخفى أنّ الاِشكال بعدُ باقٍ.
توضيحه : أنّ القائل خلط بين الجهات التقييدية والتعليليّة، فإنّ مرادهم من قولهم: الوجود موجود بنفسه، هو أنّه لا يحتاج إلى ضمّ حيثية تقييدية وراء وجود موضوعه نظيره حمل الاَبيض على البياض الذي لا يحتاج إلى ضمّ ضميمة وراء وجود الموضوع، بخلاف قولنا: الجسم أبيض فإنّ الحمل رهن وجود حيثية تقييدية وراء الموضوع، ويسمّى الاَوّل المحمول بالصميمة والثاني المحمول بالضميمة.
وفي الوقت نفسه أنّ البياض وإن كان مستغنياً عن الحيثية التقييدية ولكّنه غير مستغن عن الحيثية التعليلية وعلى ضوء ذلك، فحصول الاِرادة في صقع الذهن غير مستغن عن الحيثية التعليلية فعندئذ فإمّا أن تحدث في النفس بإرادة سابقة عليها أولا، وعلى الثاني تكون أمراً غير اختياريّ لعدم مسبوقيتها بإرادة أُخرى وعلى الاَوّل، إمّا أن لا تنتهي سلسلة الاِرادات فيلزم التسلسل، وإمّا أن تنتهي فيلزم الجبر ثم يعود الاِشكال ويطرح نفسه من جديد.
الجواب السادس ما أجاب به سيّدنا الاَستاذ
وحاصل ما أفاده: أنّ الاِرادة تصدر عن النفس بلا توسّط شيء آخر، فإنّها فاعلة بالتجلّي الذي يكون تصوّر الفاعل كافياً في الاِيجاد والاِبداع ولا يتخلّف عنه، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ النفس من الفواعل الاِلهية وكل فاعل إلهي يجد كمالات فعله في مقام الذات فإذا كان الاختيار والانتخاب موجوداً في مقام الفعل فهو موجود في مرتبة الذات على نحو الاِجمال والبساطة لنفس القاعدة، فيكون معنى ذلك أنّ النفس واجدة في مقام ذاتها وحاق وجودها كمالات فعلها، أعني: العلم والاختيار والاِرادة، بنحو أتمّ وأشرف، فإنّ وجود هذه الثلاثة فى أقسام الفعل امر بديهيّ فلابد أن تكون موجودة في مقام الذات، لما أشرنا إليه من القاعدة.
وعلى ضوء ذلك فالنفس مختارة بالذات وفي ظلّ هذا الاختيار تصدر الاِرادة منها، فيكون الاِنسان في إرادته مختاراً في ظلّ الاختيار الذاتي للنفس.
هذا إجمال ما أفاده (دام ظله) وإليك تفصيله:
1. إنّ الاَفعال الصادرة عن النفس تنقسم إلى: تكوينيّ
ونفسيّ، وإن شئت قلتَ: إلى تسبيبي ومباشري، فالاَوّل منهما ما يصدر عنها لا بآلة، كالخياطة والكتابة وإحداث البناء إلى غير ذلك من الأمور الموجودة خارج لوح النفس، ففي هذه الموارد كل من المقدمة وذيها، مسبوق بالتصوّر والتصديق والشوق المؤكّد (في أغلب الموارد) فإذا تمتّ المقدمات يجد الاِنسان في ذهنه العزم والجزم والتصميم، وعند ذلك، تنقاد الاَعضاء وتتوجّه نحو القيام بالفعل.
إنّ النفس في مجال هذا النوع من العمل فاعلة للحركة فبحركة العضلات تتحقق الاَفعال التكوينية التسبيبية من الخياطة والكتابة.
والثاني منهما ما يصدر عنه بلا آلة أو بآلة غير جسمانية، وإن شئت قلت: ما يصدر عنها بخلاّقية النفس وإيجادها في صقعها. كصاحب ملكة علم الفقه أو النحو، فإذا سُئل عن عدة مسائل تأتي الاَجوبة في الذهن تباعاً، واحدة تلو الأخرى، ونظيرها خلق الصور البديعة الهندسية المقدارية، لمن زاول هندسة البناء وصار ذا ملكة فيها.
وهذا النوع من أفعال النفس، اختيارية لها، وإن لم يكن هناك تصوّر ولا تصديق، ولا شوق، ولا إرادة، وسيوافيك وجهه
ومثلها الإرادة، فإنّها فعل مباشري للنفس، وليست مسبوقة بمقدمات الاِرادة أصلاً.
2. إنّ النفس في هذا النوع من الاَفعال، فاعلة بالتجلّي وليست فاعلة بالعناية، والفاعل بالتجلّي جامع لكمالات فعله في مقام الذات على نحو الاِجمال والاِيجاد، فالاَجوبة العلمية والصور البديعة، والاختيار الملموس لكل إنسان قبل التصميم والجزم، وحتى نفس الاِرادة ونظائرها موجودة في مقام الذات لكن لا على نحو التفصيل، بل على سبيل الاِجمال، فتكون النفس في مقابل الذات مريدة ومختارة بالذات بشهادة وجودهما في مقام الفعل، ويكون هذا هو الملاك في كون القسم الثاني فعلاً اختيارياً وإرادياً، لا سبق إرادة تفصيلية عليه فبالاختيار الذاتي تنشأ الاِرادة والجزم والتصميم.
وتعلم حال النفس إذا قيست إلى الواجب عزّ اسمه، فإنّه سبحانه خلق الكون وما فيه لا بإرادته التفصيلية وإلاّ يلزم أن تكون الذات محلاًّ للحوادث، بل بإرادة إجمالية أو اختيار ذاتي، هما عين ذاته سبحانه وإن لم ينكشف لنا كنههما، فكما أنّ الملاك لكون فعله اختيارياً هو كونه موجوداً مختاراً بالذات، باختيار هو عين ذاته، فهكذا النفس فهي مختارة في إيجاد القسم
الثاني من الاَفعال باختيار ذاتي هو عين ذاتها.
والذي يحلّ العقدة، ويُزيل الشبهة من رأسها هو نفي كون شيء واحد (مسبوقية الشيء بالاِرادة) ملاكاً منحصراً للاختيار، بل الملاك أحد الاَمرين، إما مسبوقية الفعل بالاختيار، أو كونه صادراً عن فاعل مختار ومريد بالذات، ولاَجل ذلك صارت النفس مثَلاً لله سبحانه وإن كان سبحانه منزّهاً عن المثْلِ والندِّ.
الشبهة الثانية:
قد ثبت في الفن الاَعلى أنّ «الشيء ما لم يجب لم يوجد» وهي قاعدة محكمة بُنِيت على أُصول صحيحة، عامة لجميع الفواعل والعلل واجباً كانت أو ممكنة، مختارة كانت أو مضطرّة.
ثم إنّ جماعة ممّن لم يقفوا على مغزى القاعدة جعلوها من أدلّة القول بالجبر، قائلين بأنّ وجوب الشيء عبارة عن ضرورة تحقّقه وامتناع عدمه وما كان كذلك يكون الفاعل موجَباً (بالفتح) ومضطرّاً في إيجاده وملجأً في إحداثه، وإلاّ لم يجب وجوده ولم يمتنع عدمه.
وثمّة من رفض القاعدة في أفعال الواجب وإبداعاته لئلاّ يلزم الجبر في أفعاله، وفي الوقت نفسه أخذوا بها في مقام
إثبات الصانع، مستدلّين بأنّ وجوب الشيء وضرورة وجوده فرع وجود فاعل يخرجه عن الاِمكان إلى حدّ الضرورة وليس هو إلاّ الواجب سبحانه.
ومعنى ذلك أنّ القاعدة خاضعة لميولهم فرفضوها في مقام لا يناسب مذاقهم وأخذوا بها في مقام آخر يوافق فكرتهم وعقيدتهم، ولاَجل حسم الشبهة نبحث عنها في مقامين:
الاَوّل : في مفاد القاعدة.
الثاني : عدم منافاتها لاختيار الفاعل.
وإليك الكلام في المقام الاَوّل.
أ. ما هو مفاد القاعدة؟
إنّ تبيّن مفاد القاعدة رهن بيان أمرين:
الاَوّل: وصف الشيء بالاِمكان بالنظر إلى حاق ذاته:
إنّ تقسيم المفهوم إلى الممكن وغيره (المراد من الغير هو واجب الوجود وممتنعه) إنّما هو بالنظر إلى مفهوم الشيء الممكن مع قطع النظر عن الخارج، وإلاّ فبالنظر إلى خارج ذاته فهو إمّا ضروري الوجود، أو ممتنعه، إذ لو كانت علّة الوجود
موجودة فيدخل في القسم الاَوّل، ولو كانت معدومة فيدخل في الثاني.
فلا يمكن الحكم بإمكان الشيء أي سلب الضرورة عن الطرفين إلاّ إذا قُصِّر النظر على ذات الشيء دون ما حوله من علل الوجود أو خلافها.
وبعبارة أُخرى: كلّ ممكن لا يخلو في نفس الاَمر من إحدى حالتين:
فإمّا أن يكون مقارناً مع علل وجوده، أو مقارناً مع عدمها، ففي كل من الحالتين يحكم عليه بإحدى الضرورتين أي ضرورة الوجود أو ضرورة العدم، ففرض الاِمكان للماهية إنّما هو بتحليل من العقل وقصر النظر على صميم ذاتها، دون ملاحظتها مع الخارج.
الثاني: الاَولوية غير كافية في الاِيجاد
إنّ نسبة الممكن إلى الوجود والعدم على حدّ سواء، وخروجه عن طرفي الاستواء رهن علّة فاعلية تُضْفي عليه الوجود أو العدم (وإن كان عدم العلّة كافياً في عدم المعلول) فإذا كانت العلّة مركّبة من عدة أجزاء فلا تخلو العلّة:
إمّا أن تسدّ جميع أبواب العدم عليه باجتماع الاَجزاء أو لا، فعلى الاَوّل يثبت المطلوب أي يكون وجوده واجباً وضروريّاً، لاَنّ المفروض أنّ كلّ ما يحتاج إليه المعلول في وجوده فهو موجود بالفرض وشيء دخيل في تحقّق المعلول إلاّ وهو موجود.
وعلى الثاني أي لا يسدّ جميع أبواب العدم عليه وذلك بفقد بعض الاَجزاء يكون ممتنع الوجود، والقول بوجوده مع نقصان العلّة يرجع معناه إلى وجود المعلول بلا علّة وهو باطل بالضرورة.
وأمّا ما ربّما يقال من كفاية الاَولوية في تحقّق المعلول، وعدم لزوم وصول وجود المعلول إلى حدّ الوجوب بل يكفي ترجّح جانب الوجود على العدم، فغير تام.
لاَنّه إنْ أراد من الاَولوية كفاية وجود بعض أجزاء العلة دون بعض، لحصول الاَولوية بذلك فغير صحيح، لاَنّ معنى ذلك عدم مدخلية غير الموجود من اجزاء العلة في تحقق المعلول مع أنّ المفروض أنّه من أجزائها ومدخليته في تحقّقه ومرجعه إلى التناقض.
وإن أراد منها لزوم اجتماع جميع اجزاء العلة لكن لا يشترط وصول وجود المعلول الى حد الوجوب فقد عرفت بطلانه، لاَنّه مع ذلك الفرض يُسَدّ جميع أبواب العدم ويستحيل عروضه عليه، فيكون النقيض الآخر واجباً بلا كلام.
فاتّضح بذلك أمران:
1. إنّ وجود الشيء فرع اجتماع جميع أجزاء علّته حتى ينسدّ به أبواب العدم على المعلول. وتحقق جميع الاَجزاء يلازم وجوب الوجود ولزومه، وإلاّ فلو افترضنا اجتماع جميع أجزاء العلّة ومع ذلك لم يكن المعلول متحققاً يرجع معناه إلى عدم كفاية الموجود في التحقّق، وإلاّ فمع افتراضها لا وجه للانفكاك وعدم التحقّق.
2. عدم كفاية رجحان الوجود على العدم في تحقّقه لما عرفت من أنّ مرجع كفاية الرجحان إمّا إلى التناقض في القولْ وافتراض مدخلية شيء في تحقّق المعلول. وإمّا عدم تحقّقه مع اجتماع جميع ما يتوقف عليه من أجزاء العلّة.
إذا علمت هذين الاَمرين، تقف على أنّ القاعدة لا تنفي اختيارية الفاعل في فعله إذا كان الفاعل فاعلاً مختاراً، بل تؤكّد
الاختيار، لاَنّ الفاعل بإرادته واختياره يوجب وجود المعلول ويحتِّم ثبوته، والوجوب والاِيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار، وعلى ذلك فالفاعل فاعل موجِب (بالكسر) لا فاعل موجَب (بالفتح).
وإن شئتَ قلتَ: إنّ مفاد القاعدة هو أنّ المعلول لا يتحقّق إلاّ بسدّ جميع أبواب العدم عليه، ولا يسدّه إلاّ الفاعل، فهو لو كان فاعلاً مضطرّاً يسدّه بالاضطرار، ولو كان فاعلاً مختاراً يسدّه كذلك، فلا صلة بين القاعدة ونفي الاختيار.
تنبيه:
وربّما يتصوّر أنّ القاعدة مبنيّة على القول بامتناع الترجيح بلا مرجّح وعدمه، فاذا قلنا بالاَوّل فالقاعدة تامّة وإلاّ فلا.
يلاحظ عليه : أوّلاً: أنّ قاعدة امتناع الترجيح بلا مرجّح، من الاَوّليات التي لا يشك فيها ذو مسكة، لاَنّ مآل تجويزه هو جواز الترجح بلا مرجّح والمعلول بلا علّته وهو باطل بالضرورة.
وجه ذلك لو افترضنا أنّ بين يديك رغيفين أو أمام الهارب طريقين، فكما أنّ أصل الاَكل والهرب يحتاج إلى علّة، فهكذا
تخصيص أحدهما دون الآخر أمر وجوديّ لا يفارق العلة فمن قال بجواز الترجيح بلا مرجح، فقد جوّز تحقّق أمر وجوديّ وهو تخصيص أحدهما دون الآخر بلا علة، وما مثل برغيفي الجائع أو طريقي الهارب فثمة مرجِّحات خفية لا يلتفت إليها الاِنسان بتفصيل، كأن يختار ما يقع في جانب اليمين على ما في جانب اليسار، او يختار أوّل ما تطرف إليه عيناه، إلى غير ذلك من المرجحات التي ربّما تخفى على الاِنسان إلاّ بعد الاِمعان والدقة.
وثانيا : أنّ ترجيح أحد الفعلين متقدّم على تعلّق إرادته بالاِيجاد فهو يرجّح أوّلاً ثم يريد الاِيجاد، فعند ذلك يأتي دور قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» فاختيار الفعل عن ترجيح متقدم على الاِرادة ثم الاِيجاب والوجوب، فكيف يناط وجوب المعلول وعدمه بشيء لا دخل له فيه؟
وإن شئت قلت: إنّ النفس بعد اختيارها إيجاد شَيء بأيِّ نحو حصل، يكون فاعلاً موجباً للاِرادة أوّلاً، وفاعلاً موجِباً بتوسّط الاِرادة لتحريك العضلات ثانياً، وفاعلاً موجباً بالمعلول الخارجي ثالثاً، فجواز الترجيح بلا مرجّح وعدمه المتقدم على مسألة الاِيجاب والوجوب لا صلة له بالقاعدة.
نعم ثمة نكتة وهي: أنّ الاستقلال في الاِيجاد والاِيجاب فرع الاستقلال في الوجود، والعلّة التامة المستقلّة ما تسدُ بنفسها وبذاتها جميع الاَعدام الممكنة للمعلول، ومن تلك الاَعدام عدمه بانعدام فاعله ولا تجد لذلك مصداقاً في نظام الوجود يسدّ بنفسه جميع الاَعدام سوى الخالق المتعال (جلّت قدرته) وما سواه يمتنع عليه سدّ جميع أبواب العدم التي منها عدم وجود الفاعل.
الشبهة الثالثة: تعلّق علمه بأفعال العبد ينافي الاختيار
إنّ صفاته الجمالية سبحانه مع كثرتها واختلافها في المفاهيم، ترجع حسب الوجود إلى حقيقة بسيطة هي صرف كل كمال وجمال وليس في مقام الذات أيّ كثرة وتعدّد، بمعنى أنّ حيثية علمه في الوجود هي حيثية قدرته وإرادته وبالعكس، فالذات كلّها علم، وكلّها قدرة، وكلّها إرادة، فصدور فعل عن إرادته عين صدوره عن علمه، وهو عين صدوره عن ذاته الاَحدية أخذاً بوحدة الصفات في مقام الذات.
إذا علمت ذلك فتقرّر الشبهةُ بالنحو التالي:
إنّ العلم على قسمين: انفعاليّ وفعليّ، ففي الاَوّل، العلم يتبع
المعلومَ الخارجي ويستند إليه، فإذا رأى أنّ زيداً قائم، يحصل له العلم بأنّه كذا وكذا فليس للعلم أيّ تأثير في المعلوم الخارجي، وإنّما الاَمر على العكس فالخارج، هو الذي صار مبدأً لعلم الاِنسان بكونه قائماً.
وفي الثاني الاَمر على العكس، فالعلم يكون سبباً لحدوث المعلوم وتحقّقه في الخارج كما هو الحال في الفاعل العنائي والتجلّي (على الفرق المقرر بينهما).
فالناظر من شاهق يتصوّر السقوط ويكون مبدأً لسقوطه، فالمعلوم تابع للعلم ويكون متحقّقاً في ظلّه، والله سبحانه فاعل بالتجلّي الذي يكون نفس العلم فيه مبدأً ومصدراً من غير استعانة بشيء آخر، وما شأنه كذلك يكون العلم متبوعاً والمعلوم تابعاً، وإلى ذلك ينظر قول الاَكابر من أنّ النظام الكياني تابع للعلم الربّاني وأنّه المبدأ لنظام الوجود من الغيب والشهود، وأنّ ما في سلسلة الوجود من الجواهر والاَعراض والمجرّدات والماديات تابع لعلمه الذاتي الذي هو علّة لتحقّق السلسلة.
وعلى هذا يكون علمه سبحانه مبدأً لما في الكون من سلسلة الوجود على وجه لا يتخلّف المعلوم عن علمه، فعندئذ
يجب صدور جميع الموجودات ومنها أفعال العباد، بالقضاء الاِلهي والعلم الاَزلي، وإلاّ لزم تخلّف المعلوم عن العلم، والمراد عن الاِرادة الممتنع في حقه عزّ وجلّ، فيصير العباد مقهورين في أفعالهم وإن كانوا مختارين في الظاهر.
الجواب عن الشبهة
إن الجواب عن الشبهة واضح بشرط الالتفات إلى ما ذكرنا سابقاً، وهو انّ علمه تعالى لم يتعلّق بتحقّق الموجودات في عرض واحد حتى تُسلب العلّية عن سائر مراتب الوجود ويستند الكل إليه سبحانه في درجة واحدة، بل تعلّق علمه بالنظام الكياني على ترتيب الاَسباب والمسببات والعلل والمعلولات بحيث يصدر كلّ مسبّب عن سببه القريب حقيقة، ولم يتعلّق بتحقق الموجود في عرض علته أو به بلا توسّط سببه، والشاهد على ذلك كون الوجود معقولاً بالتشكيك وتعلّق كل مرتبة بمرتبة متلوّة على وجه لا يكون لكل درجة من الوجود، التجافيُ عنها، وإلاّ يلزم الانقلابُ الذاتي الممتنع، وعلى ذلك فكلّ ما في الكونِ من وجود وتحقّق فهو مرتبط بعلّته القريبة وسببه.
فالسبب يؤثّر في مسبِّبه، والعلّة في معلوله، وبه تَعلَّقَ علمه
الرباني وعلى ذلك يكون علمه بصدور كل معلول عن علّته مؤكِّداً للاختيار، لا سالباً له، إذ معناه أنّه تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله فلو كان الفاعل مضطراً تعلّق علمه بصدوره عنه على وجه الاضطرار، ولو كان فاعلاً مختاراً تعلّق علمه بصدوره عنه كذلك، فالنظام الكياني بوجوده وصفاته، متعلَّق علمه، ولو صدر فعل الفاعل الاختياري عنه على وجه الاضطرار لزم تخلّف علمه عن معلومه.
وإن شئت قلت: إنّ كلّ ما يوجد من الكمال والجمال فهو من صقع وجوده وتجلّيات ذاته وإنّ ما في دار الوجود من النظام الاَتمّ فهو عينُ علمه الفعلي إلاّ أنّه لا يلازم الاضطرار، لاَنّ كل مرتبة متعلّقة متدلّية بتمام هويتها لما فوقها، بحيث لا يمكن التجافي عنها ولا التنزّل إلى ما دونها ومعنى ذلك تعلّق علمه بصدور كلّ مسبِّب عن سببه، والمعلول عن علّته على النظام الخاص ولم يتعلّق علمه بصدور كلّ معلول عن علته فقط، وإنّما تعلّق بصدور كلّ معلوم عن علته على الوصف الخاص لها من اضطرار واختيار، فالقول بعلمه العنائي، وأنّ النظام الكياني تابع للعلم الرباني مع التحفّظ على نظام العلل والمعاليل يؤكِّد الاختيار وينفي الاضطرار.
وبعبارة موجزة: من عرف كيفية صلة الموجودات بأسبابها يعرف أنّ لكل جزء من النظام الكياني مع كونه مظهراً لاَسمائه وصفاته، أثر خاص، فالاِنسان فاعل مختار تحت ظل العامل المختار بالذات كالله سبحانه وفاعليته ظل فاعليته تعالى( وما تشاؤون إلاّ أنْ يشاءَ الله ) فتعلّقت إرادته بالنظام الاَتم على وجه يكون الاِنسان فيه فاعلاً مختاراً والنار فاعلاً مضطرّاً، فكون علمه العنائي منشأً للنظام الكياني، لا ينافي الاختيار.
إلى هنا تمّت الشبهات الثلاث مع أجوبتها، أعني:
أ: كون فعل الاِنسان داخلاً في إطار إرادته سبحانه، ينافي الاختيار.
ب: أنّ تحقق كلّ فعل إذا كان رهن الاِيجاب، فهو ينافي الاختيار.
ج: أنّ كون علمه العنائي منشأ للنظام الكياني، ينافي الاختيار. وقد عرفت عقم تلك الشبهات.
بقي الكلام في شبهه أُخرى وهي السعادة والشقاء الذاتيّين.
الشبهة الرابعة: السعادة والشقاء الذاتيّان
ربما يتصوّر أنّ لكلّ من السعادة والشقاء تأثيراً في مصير الاِنسان وأنّ السعيد بالذات يختار ما يناسبه والشقيّ بالذات ينتقي ما يلائمه، فالاِنسان يكون مجبوراً ومكتوفَ اليدين أمام مصيره.
هذه حاصل الشبهة لكنّ دفعها، وتحقيق معانيها يتوقف على بيان أُمور:
الاَوّل : يطلق الذاتي ويراد منه معانٍ مختلفة، ونذكر في المقام معنيين.
الأوّل : الذاتي ما ليس بخارج عن ذات الاِنسان فيكون إمّا جنسَه أو فصله أو نوعه، ويطلق عليه الذاتي بالمعنى المصطلح في باب الايساغوجي.
الثاني : ما ينتزع من ذات الشيء وحاقّه دون حاجة إلى ضمّ
حيثية وجودية إلى منشأ الانتزاع كلوازم الماهية كالزوجية والاِمكان، وهذا ما يطلق عليه الذاتي في باب البرهان، فإنّ افتراض الاَربعة كاف في انتزاع الزوجية وكافتراض الاِنسان كاف في انتزاع الاِمكان، ويقابله العرضي مالا ينتزع من حاق الذات وإنّما ينتزع من حيثية وجودية منضمة إلى منشأ الانتزاع كانتزاع الاَبيض عن الجسم فلا ينتزع إلاّ بعد انضمام حيثية وجودية - أعني البياض - إليه.
ويشير المحقّق السبزواري إلى ما ذكرنا بقوله:
كذلك الذاتي بذا المكان |
ليس هو الذاتي بالبرهان |
|
بل لاحِق لذات شيء، من حيث هي |
بلا توسّط لغير ذاته |
|
فمثل الاِمكان هو الذاتي |
لا الذاتي الايساغوجي بل ثاني |
الثاني: عرف الذاتي بأنّه الذي لا يعلّل، قال الحكيم السبزواري:
ذاتي شيء لم يكن معلّلاً |
وكان ما يسبقه تعقلاّ |
وربما ينسبق إلى الذهن بأنّ الذاتي لا يحتاج إلى علّة موجدة وهو خطأ محض، لاَنّ الذاتي أمر ممكن، والممكن لا يتحقّق إلاّ بعلّة محدثة، فالذاتي بحاجة ماسّة إلى العلّة في وجوده وتحقّقه، لاَنّ نسبة الوجود إلى موضوع لا يخلو عن حالات ثلاث: إمّا أن يكون وصفه به واجباً، أو ممكناً، أو ممتنعاً والاَمر دائر بين الثلاثة والحصر فيه عقلي، فإن كانت النسبة على النحو الاَوّل والثالث وقلنا باستقلال الامتناع في الجهة ولم نقل برجوعه إلى جانب الوجوب، على ما هو المبيّن في محلّه كان مستغنياً عن العلّة والجعل، لاَنّ وجوب الوجوب أو وجوب العدم مناط الاستغناء عن الجعل والعلّة، كما أنّ الثاني هو مناط الاحتياج، إذ المفروض أنّ الممكن برزخ بينهما يصح أن يُوصَف به وأن لا يوصَف، وما هو كذلك لا يوصف إلاّ مع العلة.
وعلى ذلك فإذا قلنا: الاَربعة موجودة، فنسبة الوجود إليها يكون من قبيل الثاني، فهي في حدّ الاستواء لا يخرج عنه إلاّ بسبب يُضفي عليه وجوبَ الوجود، أو وجوب العدم، وإن كان يكفي في عدمه عدم العلّة، ولكّنه بعد تحقّق الاَربعة في الخارج ينتزع الزوجية من دون حاجة إلى سبب آخر، بل سبب وجود الاَربعة كاف في انتزاعها عنه، لاَنّ المفروض أنّها لا تفارقها في
وعاء من الاَوعية، ففرض وجود الاَربعة كاف في فرض الزوجية.
هذا كلّه في الذاتي في باب البرهان، ومنه يعلم حال الذاتي في باب الايساغوجي، فإنّ نسبة الوجود إلى الاِنسان نسبة ممكنة فلا يخرج عن حدّ الاستواء إلاّ مع العلّة، ولكن بعد فرض وجوده في الخارج ينتزع منه الاِنسانية والحيوانية والناطقية بلا حاجة إلى سبب خاص فإنّ السبب المحقّق للاِنسان، كاف في انتزاع المفاهيم الثلاثة بلا حاجة إلى سبب آخر.
وعلى ذلك فالاِنسان، حيوان ناطق، بالضرورة، لكنّه ممكن وجوداً.
فظهر من ذلك أنّ المراد من عدم حاجة الذاتي إلى العلّة هو أحد أمرين على وجه مانعة الخلوّ:
1. إنّ فرضَ الموضوع في عالم المفاهيم كاف في حمل المحمول عليه سواء كان داخلاً في الذات كالذاتي المصطلح عليه فيباب الايساغوجي، أو خارجاً عنها لكن لازماً لها كالذاتي في باب البرهان.
2. عدم حاجته في مجال التحقق إلى سبب وراء السبب الذي أوجد الموضوع، فالسبب الموجد له كاف في انتزاع جميع الذاتيات بلا فرق بين الذاتي في البرهان أو باب الايساغوجي.
الثالث: الفرق بين الجهة التعليلية والتقييدية.
قد اشتهر في كلماتهم تقسيم الجهة الى تعليلية وتقييدية، والمراد من الأولى هو حاجة الشيء في خروجه عن حد الاستواء إلى علة وجودية تضفي عليه الوجود والتحقّق، والممكن بعامة أقسامه لا يستغني عن حيثية تعليلية.
وأمّا الحيثية التقييدية، فالمراد ضم حيثية وجودية إلى الموضوع تصحّحُ حمل المحمول عليه وراء حاجته إلى علة موجدة للموضوع، وهذا يتجلّى في المثال التالي:
إذا قلنا البياض أبيض.
أو قلنا الجسم أبيض.
فالاِوّل رهن حيثية تعليليّة تخرج البياض من حد الاستواء إلى جانب الوجود، وهذه الحيثية كافية في حمل المحمول على الموضوع، ولا يتوقف الحمل الى ضم حيثية تقييديّة الى
البياض بل وضعه يُصحِّحُ حمل الاَبيض، وهذا بخلاف الثاني فإنّ حمل الاَبيض على الجسم رهن حيثيتين: حيثيّة تعليلية تخرج الجسم عن الاِستواء إلى جانب الوجود، وحيثية تقييدية كالبياض منضّمة إلى جانب الجسم حتى تكون مصححا لحمل الاَبيض عليه.
هذا هو حال الممكنات، فلا يستغني أيّ ممكن في حمل محمول عليه من حيثية تعليلية في عامة الاَقسام وتقييدية في بعضها.
وأمّا الواجب جل ذكره فبما انّه واجب الوجود ولازم الثبوت، فهو في غنىً عن الحيثية التعليليّة.
كما أنّه في غنى عن الحيثية التقييدية، لاَنّ الذات عين الوجود والكمال، فلا حاجة في حمل أي كمال عليها لشيء وراء الذات.
فتبيّن بذلك انّ الواجب لا يحتاج إلى الجهات التعليلية والتقييدية، كما انّ الماهيات الممكنة بالنسبة إلى أعراضها كالجسم بالنسبة إلى البياض رهن كلتا الحيثيتين.
وأمّا الوجود المنبسط الذي بسطه الله سبحانه على هياكل
الماهيات فبما انّه صرف الوجود عين التعلّق والفقر، فهو محتاج الى حيثية تعليلية حتى يحقّقه ولا يحتاج في حمل الوجود عليه إلى حيثية تقييدية.
وإن شئت قلت: ليس في نظام الوجود شيء يوصف بالوجود بلا جهات تعليلية وتقييدية سوى الواجب فهو غير مفتقر ولا معلّل، وأمّا الموجودات الاِمكانية فهي بين ما يتوقّف على كلتا الحيثيتين، كقولنا: الجسم أبيض؛ وأُخرى على حيثية واحدة، كقولنا: الوجود موجود، أو البياض موجود. فلوازم الوجود والماهية معلّلة في التحقّق والثبوت غير معلّلة في اللزوم والاِيجاب.
الثالث: الوجود هو أصل الكمال ومبدؤه
الماهيات بما أنّها أُمور انتزاعية من حدود الموجود فلا أثر لها ولا اقتضاء وإنّما الاَثر والشرف والكمال كلّه للوجود، وهو الاَصيل في عالم التحقّق، إذ العلم بوجوده يكشف عن المعلوم لا بماهيته، وهو بوجوده أيضاً كمال وجمال لا بمفهومه، ومثله القدرة والحياة والاِرادة فكلّها شرف بالوجود لا بمفاهيمها، ولذلك كلّما اشتدّ الموجود، وقلّت حدوده الوجودية اشتدّ كماله، وكلّما ضعف الوجود وكثرت حدوده الوجودية ضعف كماله إلى أن يصل إلى حدّ ليس له حظّ من الوجود سوى كونه
أمراً بالقوة تسمّى بالهيولى.
وعلى ضوء ذلك فصرف الوجود، مبدأ كل كمال وجمال، والموجودات الاِمكانية لها حظّ من الآثار حسب حظّها من الوجود المنبسط، ولماهياتها خواص بالعرض تبع وجوداتها.
فتلخّص من ذلك أنّ الماهيّة مع قطع النظر عن تنوّرها بنور الوجود، منعزلة عن الآثار منخلعة عن الخواص، وما ربما ينسب إلى الماهية من الآثار فإنّما هي للوجود أوّلاً وبالذات وللماهية ثانياً وبالعرض.
فإن قلت : كيف لا أثر للماهية مع أنّ اللوازم تنقسم إلى لوازم الماهية، ولوازم الوجود؟ فالحرارة من لوازم وجود النار ولكن الزوجية من لوازم الماهية، فماهية الاَربعة مع قطع النظر عن الوجود الذهني والوجود الخارجي تلازم الزوجيّة، فهي ثابتة لها في وعاء الماهيات.
قلت: إنّ هذا التفسير للازم الماهية تفسير خاطىء، إذ ليست الزوجية ثابتة للاَربعة في حال عدمها وإنّما تثبت لها في ظرف وجود الاَربعة في أحد الموطنين: إمّا الذهن أو الخارج، ومع ذلك فليست الزوجية من لوازم الوجودين: الذهني أو
الخارجي، بل من لوازم الماهية ومعنى كونه من لوازم الماهية لا من لوازم الوجود، أنّ الاِنسان يدرك الاَربعة مع الزوجية حتى مع غفلته عن تحصلّها بالوجود الذهني، وهذا دليل على أنّ للوجود الذهني تأثيراً في ظهور الملازمة لا في نفس الملازمة، وإلاّ فلو كان الوجود الذهني مؤثّراً في الملازمة لامتنع تلازمهما مع الغفلة عن الوجود المقترن بهما والمحصل لهما، وهذا هو الفرق بين لازم الماهية ولازم الوجود، فالوجود في الاَوّل سبب لظهور الملازمة بخلاف الثاني فهو سبب لها.
إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات، فاعلم أنّ للسعادة والشقاء إطلاقات ثلاثة:
الاَوّل: ما اصطلح عليه أهل المعرفة والكمال من أنّ السعادة هي الكمال المطلق والخير المحض، وهو مساوق للوجود الذي إليه مرجع الكمالات فالوجود الاَتّم المطلق خير وسعيد مطلق. وكلّما تنزّل عن إطلاقه وشدّته وقوته، اختلفت سعادته وخيريّته. والشقاء في مقابلها وهو الشرّ المحض والعدم المطلق ظلمات بعضها فوق بعض ولها عرض عريض.
الثاني: ما هو المعروف لدى العرف وأبناء الدنيا أنّ مَنْ توفّرت له في هذه الدنيا الدنيّة وسائل اللذّة والشهوة فهو سعيد،
ومن أدبرت عنه وتركته في نكبة ومحنة ولا يجد ما يسدّ به رمقه فهو شقي.
الثالث: ما عليه الملّيون، أعني: الذين لهم عقيدة راسخة بالمبدأ والمعاد، والجنة ودرجاتها والنار ودركاتها، فمن نال الجنة ونعيمها فهو من السعداء، ومن دخل النار وجحيمها فهو من الاَشقياء، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه:
( فأمّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النارِ لَهُمْ فِيها زَفيرٌ وشَهِيقٌ * خالدينَ فيها مادامتِ السَّمواتُ والاَرضُ إلاّ ما شاءَ ربُّكَ إنّ ربَّكَ فَعّالٌ لما يُريد* وأمّا الَّذينَ سُعِدوا ففي الجنَّةِ خالدينَ فيِها مادامتِ السَّمواتُ والاَرضُ إلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عطاءً غيرَ مَجذُوذٍ ) (1)
فمن دخل الجنّة، فهو السعيد، وإن كان في الدنيا رهين الفقر والفاقة؛ ومن دخل الجحيم، فهو شقيّ، وإن كان في الدنيا حليف العيش الرغيد.
إذا وقفت على هذه المعاني الثلاثة للسعادة والشقاء، فاعلم أنّ المراد منهما في هذا المقام هو المعنى الثالث لخروج الاَوّلين عمّا يرتئيه الحكيم أو المتكلّم في ذلك المقام، ولا وجه لجعل السعادة والشقاء بالمعنى الثالث من الذاتيات غير المعلّلة كما
____________________
(1) هود / 106 - 108.
عليه المحقّق الخراساني وتبعه بعضهم، إذا ليستا جنس الاِنسان ولا فصله ولا من اللوازم المنتزعة من حاق الذات، بل ينتزعان من الحيثيات الوجودية التي يكتسبها العبد باختياره، والمراد من الحيثيات الوجودية هي العقائد الحقة والاَعمال الصالحة أو نقيضها من العقائد الفاسدة والاَعمال القبيحة، إلى غير ذلك مما يعدّ مبدأً لانتهاء مسير الاِنسان إلى الجنة أو النار.
ولو قلنا بأنّ الثواب والعقاب يرجع إلى الاِنسان حسب ما اكتسب من ملكات الخير والشرّ، فهو يخلق صوراً بهيّة وروضة غنّاء، يلتذ بها، أو يخلق صوراً قاتمة وحفرة من النيران يعذّب بها - ولو قلنا بذلك - فليست السعادة والشقاء من الأمور الذاتية وإنّما هي من لوازم الملكات التي يكتسبها العبد في طول حياته تحت ظلّ ممارسة الفكر والعمل.
إلى هنا تمّت الشبهات المطروحة حول اختيارية الاِنسان المتجلّي عندنا في المذهب الحق أي الاَمر بين الاَمرين.
الفصل الخامس
أخبار
الطينة وتفسيرها
إنّ من الاَسئلة المثارة حول اختياريّة الاِنسان مسألة خلقة الاِنسان من طينات مختلفة، فطينتهم إمّا من عليين أو من سجّين، ومن الواضح أنّ لكلّ أثراً خاصاً في مصير الاِنسان، ومعه كيف يمكن أن يكون الاِنسان فاعلاً مخيّراً وإنّما يكون فاعلاً مسيّراً؟
أقول : إنّ تحقيق الحق يتوقّف على بيان أمرين:
الاَوّل : إنّ ملاك المثوبة والعقوبة هو مخالفة البالغ العاقل التكليفَ الواصل إليه، فبالعقل يميّز بين الحسن والقبيح، وبين إطاعة المولى ومخالفته، كما أنّه بالوقوف على التكليف يقف على مراد المولى ممّا يُرضيه أو يسخطه، فإذا خالف باختياره وإرادته من دون ضرورة يكون هو تمام الموضوع عند العقلاء لصحة مؤاخذته وعقوبته بألوان العقوبات، فهذا هو ملاك
العقوبات عند العقلاء.
الثاني : يمتنع عليه سبحانه إمساك الفيض وقبض الاِحسان، لاَنّه الفيّاض المطلق الذي لا يتصوّر فيه شائبة البخل وعلى ضوء ذلك، فإذا كان الفاعل فياضاً والموضوع قابلاً للاَخذ والموانع منتفية، فما هو الوجه عن منع الاِفاضة؟
وإن شئت قلت: إنّ واجب الوجوب بالذات واجب من جميع الجهات والحيثيات، فلا يتصوّر فيه إمكان أن يفعل أو يترك، بل إمّا يجب فعله أو يلزم تركه حتى لا يتطرّق إليه الاِمكان المستلزم للمادة المنزّه عنها، والقول باللزوم في الفعل والترك لا ينافي كونه مختاراً، نظير لزوم ترك الظلم وعدم صدور القبيح الذي لا ينافي كونه مريداً قادراً مختاراً في ترك الظلم والقبح.
نعم يُفاضُ الجود حسب قبول القابل، وعلى وفق قابلية السائل، فإذا تمّ الاستعداد في القوابل تفاض عليها الصور من المبادىَ العالية، ويكون ما يفاض عليها أكملها وأفضلها.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ منشأ اختلاف النفوس من بدء نشوئها إلى ارتقائها، رهن عوامل عديدة نشير إليها، ولاَجل ذلك نرى أنّ بعض النفوس تسارع إلى الخيرات والاَعمال
الصالحة وبعضها تميل إلى الشرور والاعمال الطالحة، فكأنَّ في جوهر الأولى حبّ الصلاح والفلاح، وفي جوهر الثانية حبّ الدنيا وزخارفها، وإليك بيان تلك العوامل:
الاَوّل : اختلاف الناس في النفس المفاضة، واختلافها ناشىَ عن اختلاف النطف المستعدّة لقبول الصور الاِنسانية، وإليك توضيحه:
إنّ من القوى الكامنة في الاِنسان: القوة المولّدة وهي عبارة عن تهيئة المواد اللاّزمة من جسم الاِنسان وجعله مبدأً لاِنسان آخر أُودعت فيه لحفظ نوعه.
وثمة قوة ثانية باسم القوة المغيّرة وشأنها تهيئة كلّ جزء من المنيّ في الرحم ليختصّ بإيجاد أعضاء خاصة بأن يجعل بعضه مستعدّاً للعظميّة وبعضها الآخر للعصبية، إلى غير ذلك.
ثم إنّ مادة المنيّ الذي هو أثر القوة المولّدة عبارة عن الاَغذية، بعد عملِ القوى أعمالها وعبورها عن الهضم الرابع، ولكن الاَغذية مختلفة غاية الاختلاف في الصفاء والكدر واللّطافة والكثافة وبتبعه يختلف المنيّ، ويعبرّ العلماء عن اختلاف الاَغذية باختلافها من حيث الحرارة والبرودة
واليبوسة والرطوبة، ويعبّر عنها اليوم باشتمالها على فيتامينات وبروتينات مختلفة وغيرها.
وعلى أيّة حال فلو كانت النطفة حصيلة الاَغذية اللطيفة، يكون استعدادها لقبول الصور مغايراً لاستعداد النطف الحاصلة من الاَغذية الكثيفة، ومهما تصاعد اختلاف الاَغذية تصاعد الاختلاف في المنيّ صفاءً وكدراً أيضاً، وقد مضى أنّ الاِفاضة حسب قابلية المواد، فكما لا يمكن منع المواد من نور الوجود، كذلك يمتنع إفاضة صور قوية على المادة الضعيفة.
الثاني : إنّ لشموخ الاَصلاب وعلوّها ونورانيتها وكذا مقابلاتها، مدخلية تامّة في اختلاف الفيض المفاض واستعداد المواد للنفوس الطاهرة وخلافها ولذلك وردت في زيارة الاِمام الحسين بن علي - عليه السّلام-: «أشهد أنّك كنت نوراً في الاَصلاب الشامخة والاَرحام المطهّرة» فسمّيت النطفة لكمال لطافتها نوراً وإنّها لم تختلط بقذارة الاَرحام ونجاستها بل أُودعت في الاَرحام الطيبة.
الثالث : إنّ لمراعاة آداب النكاح والجماع والحمل ورعاية شرائط الرضاع وسلامة مزاج الزوج والزوجة وصفاء روحهما، تأثيراً خاصاً في صفاء النفس وكدرها، وقد ورد في هذا الصدد
روايات.
يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أُنظر في أيّ شيء تضع ولدك فإن العرق دسّاس»(1) .
والمراد من الدسّاس أنّ أخلاق الآباء تصل إلى الاَبناء.
ويقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إيّاكم وخضراءَ الدِمَن، قيل: يا رسول الله وما خضراءُ الدِّمَن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت سوء»(2)
يقول الاِمام عليّ - عليه السّلام-: «حسن الاَخلاق برهان كرم الاَعراق»(3)
الرابع : إنّ عنصر التربية من العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الاِنسان وتكامله فهو يلازمه منذ نعومة أظفاره إلى بلوغه، فإنّ دور الوالدين في تلقين الخير والشرّ لطفلهما أمر غير خفي على أحد، ويليه في الاَهميّة عنصر التعليم الذي يتلقاه الاِنسان في المدارس والمعاهد، إلى غير ذلك من العوامل المؤثّرة في النفس الاِنسانية.
الخامس : نشوؤها في البيئات الصالحة البعيدة عن المعاصي وفساد الاَخلاق التي تترك بصمات واضحة على خلق الاِنسان وأخلاقياته، وهذا أمر واضح لا يشوبه شك.
____________________
(1) المستطرف: 2 / 218.
(2) غرر الحكم: 379.
(3) البحار 23 / 54.
وحصيلة البحث : أنّ ثمة عوامل كثيرة مؤثّرة في تكوين شخصية الاِنسان منذ تكوّن نطفته في الاَرحام إلى أن يصبح إنساناً كاملاً، ولكن هذه الاَسباب خيرها وشرّها ليست على حدّ يسلب الاختيار عن الاِنسان ويجعله مكتوف اليد أمامها، بل كلّها مقرّبات ومعدّات لهما وفي مقابلها اختيار الاِنسان وانتخابه وحرّيته في العمل.
نعم من اجتمع له صفاء المراد وشموخ الاَصلاب وعلوّها وطهارة الاَرحام والبيئات يجد في نفسه ميلاً نحو العمل الصالح، كما أنّ من اجتمع فيه خلافها ومقابلاتها يجد في نِفسه ميلاً نحو العمل الطالح، ومع ذلك كلّه فليس كلٌّ إنسان ملْجئاً إلى ما يميل إليه، فالعبد بعدُ باسط اليدين وهو مختار في فعله لدى العقلاء وإن اختلفت طينته.
هذه هي العوامل التي تختلف بها الطينة تباعاً، فما ورد في المأثورات حول الطينة وخلقة الاِنسان فما كان موافقاً لما ذكرنا فيؤخذ به، وأمّا المخالف لما ذكرنا الدالة على الجبر فلابدّ من تأويله وتفسيره أو حمله على التقية، فإنّ الاَمر بين الاَمرين من ضروريات مذهب الاِمامية فلا يقدّم عليه الخبر الواحد.
إنّ ثمة مأثورات وروايات ربّما تقع ذريعة للقول بالجبر مع
أنّها لاصلة لها به وإنّما تشير إلى المعدات التي أشرنا إليها في الدراسة السابقة، وإليك بعض هذه المأثورات:
1. «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»(1)
والحديث بصدد بيان اختلاف جوهر النفوس في الصفاء والكدر كاختلاف المعادن في الصور النوعية والآثار والخواص، والجميع من نوع واحد لكن اختلافها حسب اختلاف الاَمكنة وحرارة الاَرض وجفافها وإشراق الشمس وعدمها، مّما لها مدخلية في تكون المعادن وصلابتها وخلوصها عن الشوائب.
وهكذا المواد المكوّنة للنطفة والظروف المحيطة بها لها تأثير في صفاء نفس الاِنسان، ومع ذلك لا تسلب الاختيار عنه.
2. ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «الشقيّ من شقى في بطن أُمه والسعيد من سعد في بطن أُمه»(2) وفي رواية أُخرى: «الشقي شقي في بطن أُمه، والسعيد سعيد في بطن أُمه»(3)
ولا دلالة للحديث على ما يرتئيه الجبري، وذلك لاَنّ النفس
____________________
(1) لعلّ في الحديث إشارة إلى أنّ جوهر عامة الناس ثمين إلاّ أنّه يختلف بعضه عن بعض بالخلوص والشوائب كما في الذهب والفضة.
(2) بحار الاَنوار: 3 / 44.
(3) تفسير روح البيان: 1 / 104.
المفاضة على المادة المستعدّة النورانيّة، طاهرة وسعيدة منذ أوّل أمرها لعدم تدنّسها من ناحية العوامل المدنّسة كالآباء والاَجداد وغيرهما، ولكن النفس المفاضة على المواد الكثيفة دنسة ونجسة وشقية منذ بدوها وأوّل نشوئها لكن لا طهارة النطفة موجبة إلى الخيرات والسعادات، ولا قذارة المادة وكثافتها موجبة لاختيار الشرور والشقاء، بل كل يحنُّ إلى ما يناسبه من الخيرات والشرور ولكن الميل شيء والاِلجاء شيء آخر.
ويمكن أن يكون الحكم بالسعادة أو الشقاء باعتبار ما يؤول إليه أمر الشخص فمن ينتهي مآل أمره إلى الجنة، فهو محكوم بالسعادة منذ أوان حياته، فكُنّي عن أوان الحياة ببطن الأم، ولعلّه إلى ذلك يشير الحديث الشريف الذي رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن أبي عمر، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر - عليه السّلام- عن معنى قول رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلم -: «الشقيُّ من شقي في بطن أُمّه والسعيد من سعد في بطن أُمّه» فقال: الشقيُّ من علم الله وهو في بطن أُمه أنّه سيعمل أعمال الاَشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أُمه أنّه سيعمل أعمال السعداء، قلت له: وما معنى قوله - صلّى الله عليه وآله وسلم -: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»؟
فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ خلق الجنّ والاِنسن ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عزّ وجلّ:( وما خَلقتُ الجِنَّ والاِنسَ إلاّ لِيَعبُدونِ ) فيسّر كلاً لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».(1)
فترى أنّه سلام الله عليه دفع الشبهه كلّها بأنّ العباد مختارون وأنّ ما خلقوا لاَجله من العبادة ميسور لهم، وأنّ علمه تعالى بعمل السعداء والاَشقياء أو اتخاذ النطف من الأمور الصفوة والكدرة لا تسلب الاختيار.
هذا بعض ما يمكن أن يقال في أخبار الطينة وما يشبهها.
خاتمة المطاف:
إنّ للعلماء الربّانيّين والعرفاء الشامخين من أهل الكشف واليقين هنا كلمة قيمّة هي عصارة الكتب المنزلة، والمأثورات الشرعية، مدعمة بالبرهان ألا وهو البحث عن أحكام الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها ووصفها وبيان حقيقتها وما يدور حولها من بحوث، ونحن نشير إلى بعضها بنحو الاِجمال والاختصار.
إن الله جلّت عظمته خلق العباد بقدرته، وأفاض عليهم من
____________________
(1) التوحيد / 356.
نور وجوده وفيض علمه وسائر كمالاته ما هو اللائق بحالهم وحسب قابلية المواد القابلة من غير ضنَّة وبخل، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وفطر النفس على اختلافها في القبول والاستعداد بفطرتين طيّبتين لتكونا جناحيها نحو معراجها إلى فاطرها، لتطير إلى وكرها وتصل إلى ربّها حسب معرفتها وعرفانها.
الفطرة الأولى : هي العشق للكمال المطلق والجمال المحض، أعني: النور الذي ليس فيه ظلمة، والعلم الذي لا يدانيه جهل وريب، والقدرة التي لا يشوبها عجز، ومن هو صرف كل جمال وكمال، فنوَّر قلب عبده بجمال معرفته، وهو توحيده وكمال تنزيهه حتى يتوجه إلى بارئه القدير، وخالقه العزيز، ويصل إلى فنائه ويستشعر بعلوّ جبروته وملكوته في جميع الآنات والاَوقات قام في محراب عبادته، اوغاروا في عباب عصيانه فهو في جميع الحالات، شاهد لربه بفطرته، عارف خالقه بخميرته، ناظر إلى كبريائه وجلاله بعين ذاته ونور حقيقته، ولا يتطرّق الزوال إلى هذه المعرفة الذاتية الحاصلة له من صقع فيض خالقه.
نعم ربّما تقع تحت حجاب المعاصي وظلمة الكفر والشرك، ويسدل عليها بأسدال الاِلحاد والخروج عليها، لكنّها
باقية ببقاء ذاته تجيش في كيانه.
الفطرة الثانية: هي كراهة النقص وبغضه والفرار من الشرّ ونبذه، فيتركه ويذره على حاله ويتنفّر عن جواره، كل ذلك لكي تكتمل فطرة التوحيد عنده وينتهي سيره إلى ربّه، ويتوجّه إلى غاية الغايات ونهاية المآرب( ألا بِذِكرِ اللهِ تَطمئِنُّ القُلوبُ ) (1)
إذ لا يرى مصداقاً لها سوى ذات ربّه المحفوف بالكمال، المحجوب عن خلقه بالجمال المنزّه عن العيوب.
ثم إنّه سبحانه لعلمه بأنّ عبده سيحجب عن هذه الفطرة بابتلائه بالقوى الحيوانية التي لا مناص له منها في بقاء نوعه وحفظ نسله، شفّع الفطرة بإرسال الرسل وإنزال الكتب لكي يكتمل سيره وسلوكه، برفع الحجب عن طريق الوعد والوعيد لهم، لاَنّ مغزى شريعة ما جاء به الاَنبياء والرسل يعود إلى الفطرة وأحكامها، فأُصولها عين الفطرة كالدعوة إلى التوحيد وأسمائه وصفاته، وفروعها مآل الفطرة، فإنّ النفس تكتسب الفضائل والكمالات بالصلاة التي هي معراجها إلى ربها، وبالحج الذي هو وفود إلى كعبة آمالها.
فإنّ الاَحكام جلّها بل كلّها على طبق الفطرة، والهدف
____________________
(1) الرعد / 28.
الاَسنى والمقصود الاَعلى من ورائها هو معرفته وتوحيده والفناء في جماله وجلاله.
فما جاءت به الرسل من وعد ووعيد إنّما هو لتطهير النفوس وتنزيه القلوب، فلا يزال سفراء بيت الوحي والهدى يداوون الاَرواح العليلة بهذه الادوية التي هي ألطاف إلهية خفيّة حتى تتطهّر النفوس من خبث الاَدناس.
فأمام الاِنسان عقبات كؤود لابد من الورود عليها إمّا تزحزحه عن العذاب أو تقحمه في النار الموقدة التي تطّلع على الاَفئدة.
أعاذنا الله من أمثال هذا الداء كي لا نحتاج إلى دواء بحق نبيّه الكريم وآله صلواته وسلامه عليهم أجمعين.
حرّرت الرسالة بيد مؤلّفها الفقير محمد جعفر بن الشيخ العالم البارع التقي الميرزا محمد حسين التبريزي (دامت بركاته العالية) في شهر رجب المرجب من شهور عام 1371 هـ وفرغ من تبييضها يوم الخميس المصادف 21 شهر ذي القعدة الحرام سنة 1373 من الهجرة النبوية الشريفة.
المحتويات
كلمة المحقّق 3
الفصل الاَوّل 7
مقدمة البحث 7
الاَوّل: السير التاريخي للمسألة 9
الثاني: صفاته تعالى عين ذاته 10
الثالث: الاِرادة الذاتية لله سبحانه 15
شبهة نفاة الاِرادة الذاتيّة 17
الرابع: في كلامه سبحانه 20
نظرية الاَشاعرة في تكلّمه سبحانه 24
أدلّة الاَشاعرة على وجود الكلام النفسي: 26
الدليل الثاني للاَشاعرة: 31
الفصل الثاني: 35
مباني الجبر والتفويض وابطالهما 35
إبطال التفويض: 40
الكلام في إبطال الجبر 46
البرهان الاَوّل لابطال الجبر 46
1. أصالة الوجود 46
2. بساطة الوجود 47
3. وحدة حقيقة الوجود 48
البرهان الثاني لاِبطال الجبر 50
البرهان الثالث لاِبطال الجبر 52
البرهان الرابع لاِبطال الجبر 54
الفصل الثالث 55
مذهب الاَمر بين الاَمرين 55
إيقاظ: 60
الايضاح الاَمر بين الاَمرين بالتمثيل: 64
التمثيل الاَوّل 64
التمثيل الثاني 65
إيضاح: 66
الفصل الرابع 71
شبهات وحلول 71
الشبهة الأولى: الاِرادة ليست اختيارية: 73
الاَوّل للسيّد المحقق الداماد 74
الثاني جواب صدر المتألّهين 77
الجواب الثالث للمحقّق الخراساني: 79
الجواب الرابع للمحقّق الحائري: 79
الجواب الخامس: ما هو المشهور بين المحصلين 80
الجواب السادس ما أجاب به سيّدنا الاَستاذ 82
هذا إجمال ما أفاده (دام ظله) وإليك تفصيله: 82
الشبهة الثانية: 85
أ. ما هو مفاد القاعدة؟ 86
الاَوّل: وصف الشيء بالاِمكان بالنظر إلى حاق ذاته: 86
الثاني: الاَولوية غير كافية في الاِيجاد 87
تنبيه: 90
الشبهة الثالثة: تعلّق علمه بأفعال العبد ينافي الاختيار 92
الجواب عن الشبهة 94
الشبهة الرابعة: السعادة والشقاء الذاتيّان 97
الثالث: الفرق بين الجهة التعليلية والتقييدية 101
الثالث: الوجود هو أصل الكمال ومبدؤه 103
الفصل الخامس 109
أخبار 109
الطينة وتفسيرها 109
خاتمة المطاف: 119