الأخلاق الحسينية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: جعفر البياتي
الإمام الحسين عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخلاق الحسينيّة

جعفر البيّاتي



الإهداء

إليك يا رسول الله.. أيُّها المصطفى يا حبيب الله

أرفع هذا الكتاب على كتفي مطأطئاً رأسي؛ حياءً منك لكثرةِ ذنوبي، علّك تستغفر لي ربَّك الرحيم كما استغفرتَ لذلك الرجل الذي أذنب ذنباً في حياتك فتغيّب حتّى وجد الحسنَ والحسينعليهما‌السلام في الطريق، فأخذهما وحملَهُما على عاتقيه، وأتى بهما إليك (صلّى الله عليك وعلى آلك الطاهرين)، وقال لك: يا رسول الله، إنّي مستجير بالله وبهما.

فضحكتَ يا رسولَ الله حتّى رددْتَ يدَك الطاهرة إلى فمك الشريف، ثمّ قلتَ للرجل:«اذهبْ فأنت طليق» . ثمّ قلتَ لِوَلدَيكَ الحسنِ والحسينعليهما‌السلام :«قد شفّعتُكما فيه أيْ فتيان» . فأنزل الله تعالى عليك( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (*) .

فيا أيُّها الهادي الرؤوف! ظلمتُ نفسي وجئتُك بوريقاتي في وَلَدِك الحسينعليه‌السلام أحملها على عاتقيَّ، مستجيراً بالله وبالحسين، ومستغفراً ربّي، فاستغفرْ لي حتّى أجدَ الله علَيَّ توّاباً، وبي رحيماً.

____________________

(*) الرواية في (مناقب آل أبي طالب) - لابن شهرآشوب 3 / 400، والآية في سورة النساء / 63.



مُفتَتح الحديث



مُفتَتح الحديث

بسم اللهّ الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وجعله أفضلَ أنواعِ الأكوان، أظهر فيه عجائبَ قدرتهِ القاهرة، وأبرز فيه غرائبَ عظمته الباهرة، خمّر طينتَه مِن الظلماتِ والنور، وركّب فيه دواعيَ الخيرِ والشرور، عجنَه من الموادّ المتخالفة، وجمع فيه القوى والأوصاف المتناقضة، ثمّ ندبه إلى تهذيبها بالتقويم والتعديل، وحثَّه على تحسينها بعدما سهّلَ له السبيل. والصلاةُ على نبيّنا الذي أُوتيَ جوامِعَ الكَلِم، وبُعِث لتتميمِ محاسنِ الأخلاقِ والشِّيَم، وعلى آلهِ مصابيحِ الظُّلَم، ومفاتيحِ أبوابِ السعادة والكرَم (صلّى الله عليه وعليهم).

وبعد، فلا ريبَ في أنَّ الغايةَ مِن وضع النواميس والأديان، وبعثةِ الـمُصطَفَينَ من عظماءِ الإنسان هو سَوْقُ الناس مِن مراتع البهائمِ والشياطين، وإيصالُهم إلى روضاتِ العِلّيّين. ولا يتيسّرُ ذلك إلاّ بالتخلّي عن ذمائمِ الأخلاقِ ورذائلِه، والتحلّي بشرائف الصفاتِ وفضائلِها.

ثمّ لا ريبَ في أنَّ التزكيةَ موقوفةٌ على معرفة مُهلِكاتِ الصفاتِ ومُنجياتِه، والعلمِ بأسبابها ومعالجاتِها(1) .

____________________

(1) من مقدّمة كتاب (جامع السعادات) - للشيخ محمّد مهدي النراقيّ 1 / 251، ط 3 مطبعة النجف الأشرف / 1383هـ - 1963م.


وإذا كانتِ الأخلاقُ بمعنى الملكاتِ الحاصلةِ للنفس، أو بمعنى الأفعالِ التي تستحقّ المدح(1) ، فإنَّها تعتمدُ على العقل والعلم مِن جهة، وعلى التربية والتهذيب والمجاهدة مِن جهة.

* جاء في جملة كلمات أميرِ المؤمنين عليٍّعليه‌السلام أنّه قال:«الخلُقُ المحمود مِن ثمار العقل. الخلُقُ المذموم مِن ثمارِ الجهْل» (2) .

وقال المولى محسن الكاشانيّ، المعروف بـ (بالفيض الكاشانيّ)رحمه‌الله : إنَّ الخُلقَ الحَسن صفةُ سيّدِ المرسَلين، وأفضلُ أعمالِ الصدّيقين، وهو على التحقيق شطْرُ الدين، وهو ثمرةُ مجاهدةِ المتّقين، ورياضة المتعبّدين.

والأخلاقُ السيّئةُ هي السمومُ القاتلة، والمهلِكاتُ الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائلُ الواضحة، والخبائثُ المبعِّدةُ مِن جوار ربِّ العالمين، المنخرطةُ بصاحبها في سلْكِ الشيطانِ اللعين، وهي الأبوابُ المفتوحةُ من القلب إلى نارِ الله الـمُوقَدة التي تطّلعُ على الأفئدة، كما أنَّ الأخلاقَ الجميلةَ هي الأبوابُ المفتوحةُ من القلبِ إلى نعيمِ الجِنان، وجِوارِ الرحمن(3) .

وإذا كانتِ الأخلاقُ بالمعنى الأدقّ هي الملكاتِ النفسيّةَ المقتضية لصدور الأفعال بسهولة مِن دون احتياجٍ إلى فكْرٍ ورَويّة، فإنّ تحصيلها يحتاج إلى مجاهدةٍ وتربية، من خلال التوجيه العقليّ والقلبيّ والروحيّ كيما تُبنى

____________________

(1) وإنْ كان البعضُ يرى أنّها تعني الملكات الحاصلة للنفس؛ سواء كانت فاضلة أم رذيلة، أو تعني الأفعال التي تستحقّ المدحَ أو الذمّ. يراجع في ذلك (فلسفة الأخلاق) - للشيخ محمّد تقي مصباح اليزديّ.

(2) غرر الحكم ودرر الكلم - للآمديّ / 28.

(3) المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء 5 / 87، كتاب رياضة النفس - طبع جامعة مدرّسي الحوزة العلميّة في قمّ.


على المباني الصحيحةِ الثابتة.

فلِلتمييز بين محاسن الأخلاق ومساوئها لا بدَّ لنا من التعرّف عليهما؛ لترغيب النفس على المكارم وأمرِها بها، وترهيبها من الخصال الذميمة ونهيِها عنها، على بيّنةٍ وبصيرةٍ من الأمر. قال مولانا الإمامُ عليٌّ (سلام الله عليه):«رأسُ العلم التمييزُ بين الأخلاق، وإظهار محمودِها، وقمعُ مذمومها» (1) .

وبعد أنْ قال الشيخ النراقيّ (قدّسَ الله سِرَّه): لا ريبَ في أنَّ التزكيةَ موقوفةٌ على معرفةِ مُهلِكاتِ الصفاتِ ومُنْجِياتِها، أعقبَ قولَه هذا بالقول: والعلمِ بأسبابها ومعالجاتها، وهذا هو الحكمةُ الحقّةُ التي مدحَ الله أهلَها، ولم يُرخّصْ لأحدٍ جَهلَها، وهي الـمُوجبةُ للحياةِ الحقيقيّة، والسعادةِ السرمديّة، والتاركُ لها على شفا جُرفِ الهلكات، وربّما أحرقتْه نيرانُ الشهوات(2) .

ومعرفةُ محاسنِ الأخلاقِ تمثّلتْ فيما أمرَ الله سبحانه وتعالى به ودعا إليه، وفيما ظهرَ مِن سيرةِ الأنبياءِ والأولياء، وأشرفُهم وسيّدُهم خاتَمُهُم محمّدٌ المصطفى الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي مدحَه الله (عزَّ وجلَّ) في قرآنه المجيد، وكفى بذلك فخراً، فقال يصفه:( وإنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيمٍ ) (3) .

جاء عن الإمام جعفرِ بن محمّدٍ الصادق (سلام الله عليه) أنّه قال:«كانَ فيما خاطبَ الله تعالى نبيَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ قال له: يامحمّد، إنَّكَ لَعلى خُلقٍ عظيم؛ السخاء، وحُسنُ الخُلق» (4) .

____________________

(1) غرر الحكم / 182.

(2) جامع السعادات 1 / 2.

(3) سورة القلم / 4.

(4) تفسير نور الثقلين - للمحدّث الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ 5 / 391، نقلاً عن أمالي الشيخ الطوسيّ.


وقد كان المصطفى الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله صفحةً قدسيّةً نيّرةً من الأخلاق الربّانيّة، قال الإمامُ الصادقعليه‌السلام :«إنَّ الله (عزّ وجلّ) أدّبَ نبيَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى إذا أقامه على ما أراد قال له: ( وأْمُرْ بالعُرفِ وأعرِضْ عن الجاهلين ) (1) ، فلمّا فعلَ ذلك له رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله زكّاه الله فقال: إنَّكَ لَعلى خُلقٍ عظيم» (2) .

وقد دعا إلى مكارم الأخلاق بنفسه المقدّسة حتّى صارتِ الأخلاق الكاملة عنوانُها المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد قال يوماً للإمام عليّعليه‌السلام :«ألاَ أُخبركَ بأشبهكم بي خُلقاً؟» .

قال:«بلى يا رسولَ الله» .

قال:«أحسنُكم خُلقاً، وأعظمُكم حلماً، وأبرُّكم بقرابته، وأشدُّكم مِن نفسِه إنصافاً» (3) .

وقد ورثَ أهلُ البيت (صلوات الله عليهم) من رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علمَه وأخلاقَه؛ حيث هم وارثوه في ذلك، لا ينازعُهم أحد؛ فهُم أهلُ بيتِ النبوّة، وموضعُ الرسالة، ومهبِطُ الوحي...

* عن الحكَمِ بن عُتيبة قال: لقيَ رجلٌ الحسينَ بنَ عليٍّعليهما‌السلام بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسينعليه‌السلام :«مِن أيِّ البلدانِ أنت؟» .

____________________

(1) سورة الأعراف / 199.

(2) بصائر الدرجات - للشيخ محمّد بن الحسن الصفّار القمّيّ، وهو من أصحاب الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام / 111.

(3) بحار الأنوار - للشيخ محمّد باقر المجلسيّ 77 / 58، عن مكارم الأخلاق - للشيخ رضيّ الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسيّ / 442.


فقال: مِن أهل الكوفة.

قال:«يا أخا أهلِ الكوفة، أمَا والله لو لَقِيتُك بالمدينة لأريتُكَ أثرَ جَبرئيلَ مِن دارنا، ونزوله على جدّي بالوحي. يا أخا أهلِ الكوفة، مستقى العلم مِن عندنا، أفَعَلِمُوا وجهِلنا؟! هذا ما لا يكون» (1) .

* وعن يحيى بنِ عبد الله بنِ الحسن قال: سمعتُ جعفرَ بن محمّدعليهما‌السلام يقول، وعنده ناسٌ مِن أهل الكوفة:«عجَباً للناس يقولونَ: أخذوا علمَهم كلَّه عن رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعلِمُوا به واهتدوا، ويَرون أنّا أهلَ البيت لم نأخذْ علمَه ولم نهتدِ به ونحنُ أهلُه وذرّيتُه! في منازلنا اُنزل الوحي، ومِن عندنا خرج إلى الناس العلم، أفتَراهم علِمُوا واهْتَدوا، وجهِلْنا وضللْنا؟! إنَّ هذا لمحال» (2) .

* وعن ضُريسٍ الكِناسيّ قال: كنتُ عند أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، فقال:«إنَّ داودَ ورِثَ عِلْمَ الأنبياء، وإنَّ سليمانَ ورِثَ داود، وإنَّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ورِثَ سليمان، وإنّا ورِثْنا محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنَّ عندنا صُحُفَ إبراهيمَ وألواحَ موسى عليهما‌السلام ...» (3) .

* وعن عبدِ الله بنِ جُنْدَب أنّه كتب إليه الرضاعليه‌السلام :«أمّا بعد، فإنَّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله كانَ أمينَ الله في خلْقه، فلمّا قُبض صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) بصائر الدرجات / 4.

(2) أمالي الشيخ المفيد / 71.

(3) الكافي - للشيخ ثقة الإسلام الكلينيّ 1 / 175 - باب: إنَّ الأئمّة ورثوا علم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - الحديث الرابع.


كنّا أهلَ بيتِه وَرَثَته، فنحنُ اُمناءُ الله في أرضه...»(1) .

ووراثةُ العلم بانتْ للمخالف والـمُؤالف؛ حيث كان من علومِ أهلِ البيت (صلواتُ الله عليهِم) ما طبّق الآفاق، وسارتْ به الركبان، واهتدى به خلْقٌ عظيم.

والعلم لا يقتصر على الحفْظ، إنَّما العلـمُ النافع ما أثمرَ عن زيادةٍ في الإيمانِ والتقوى، وارتقاءٍ في الأخلاق والسلوك.

* قال أميرُ المؤمنين عليٌّ (عليه أفضلُ الصلاةِ والسّلام):«ثمرةُ العلم العملُ به. ثمرةُ العلم العبادة. ثمرةُ العلم إخلاصُ العمل» (2) .

وقال (سلامُ الله عليه) أيضاً:«رأسُ العلم التواضع... ومِن ثمراتِه التقوى، واجتنابُ الهوى، واتّباعُ الهدى، ومُجانبةُ الذنوب، ومودّةُ الإخوان، والاستماعُ من العلماءِ والقبولُ منهم.

ومِن ثمراتِه تركُ الانتقامِ عند القدرة، واستقباحُ مقارفةِ الباطل، واستحسانُ متابعةِ الحقّ، وقولُ الصدق، والتجافي عن سرورٍ في غفلة، ومِن فعلِ ما يُعقّبُ نَدامة.

العلـمُ يَزيدُ العاقلَ عقْلاً، ويُورثُ مُتعلِّمَه صفاتِ حمْدٍ؛ فيجعلُ الحليمَ أميراً، وذا المشورةِ وزيراً، ويقمعُ الحرص، ويخلع المكْر، ويُميتُ البخل، ويجعل مُطْلَقَ الوحشِ مأسوراً، وبعيدَ السدادِ قريباً»(3) .

ولا يخفى علينا أنَّ جميعَ الصفاتِ الطيّبةِ الحميدة قد تجلّتْ بأسطع صورها الشريفةِ النورانيّة في أهل بيت العصمةِ والطهارة (صلواتُ الله عليهم أجمعين)؛ ذلك أنَّ الله تعالى طهّرهم وأذهبَ عنهم كلَّ رجس، أيْ كلَّ شركٍ،

____________________

(1) الكافي 1 / 175 - الحديث الخامس.

(2) غرر الحكم / 159، 158، 159.

(3) بحار الأنوار 78 / 6، عن مطالب السؤول - لمحمّد بن طلحة الشافعيّ.


أو كلّ معصيةٍ وذنب على رأيٍ آخر، أو كلَّ شيطانٍ على رأيٍ ثالث، وذلك ما أراده تبارك شأنه، وما شاء الله كان، وما لم يشأْ لم يكن، فقال عزّ مِن قائل:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) . فهم مطهّرونَ مِن كلِّ خَبثٍ أخلاقيّ، وهم أنقياء معصومون.

روى الشيخ سليمان القندوزيُّ الحنفيّ(2) عن ابن عبّاس (رضوانُ الله عليه) أنّه قال: سمعتُ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«أنا وعليّ والحسنُ والحسين، وتسعةٌ مِن ولْدِ الحسين مطهّرون معصومون» .

وفي سبب نزول آية التطهير روى الترمذيّ(3) عن عمر بن أبي سلَمة ربيبِ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: لـمّا نزلتْ هذه الآيةُ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت اُمِّ سلمة، فدعا فاطمةَ وحسناً وحسيناًعليهم‌السلام فجلّلَهم بكساء، وعليٌّ خلْفَ ظهرِه فجلّله بكساء، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«اللهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي، فأَذهِبْ عنهمُ الرجسَ وطهِّرْهم تطهيراً».

قالتْ اُمُّ سلمة: وأنا معهم يا نبيَّ الله؟

قال:«أنتِ على مكانِكِ، وأنتِ على خير» (4) .

ومن مقتضياتِ التطهير والعصمة سموُّ أخلاقهم، وخلوُّها مِن كلِّ شائبة، وقد قال الشاعرُ يمدحُهم:

مُطهَّرونَ نَقِيَّاتٌ ثِيابُهُمُ

تَجْري الصلاةُ عليهم أيْنَما ذُكِرُوا

____________________

(1) سورة الأحزاب / 33.

(2) وهو من علماءِ أهل السُّنَّة، في كتابه المشهور ينابيع المودّة 2 / 316، ح 910 - الفصل 56.

(3) صاحب السُّنن الصحاح، المعروف بـ (سُنن الترمذيّ)، وهو من مشاهير علماء السنّة.

(4) سنن الترمذيّ 5 /30، ح 3258.


فالله لَمَّا بَرَى خَلْقاً وأَتْقَنَهُ

صَفَاكُمُ وَاصْطَفاكُمْ أَيُّهَا البَشَرُ

فأنتُمُ الملأُ الأعْلَى وعِندَكُمُ

عِلْمُ الكِتابِ ومَا جاءَتْ بِهِ السُّوَرُ(1)

ولِمَ لا؟ وهم ورَثةُ مَنْ قال الله تعالى فيه:( وإنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيمٍ ) ، وورثةُ مَنْ قال:«أدَّبَني رَبِّي فأَحْسَنَ تَأْدِيبي» (2) . وبعد أن أدّبه الله تعالى كانَصلى‌الله‌عليه‌وآله مكلّفاً بتأديب الاُمّة، قال الإمامُ الصادقعليه‌السلام :«إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أدَّبَ نَبيَّهُ فأَحْسَنَ تأْدِيبَه، فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الأَدَبَ قالَ: ( وإنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيمٍ ) ، ثُمَّ فَوَّضَ إلَيهِ أَمْرَ النَّاسِ والاُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَهُ...» (3) .

ومَنْ كُلّف بتأديب الاُمَّة كان أَولى به أنْ يُؤدّبَ حامّتَه وأهلَ بيته، وذوي الصلة به. وقد دوّنَ التأريخُ لنا أنَّ آلَ رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا يحكونَ أخلاقَه، فتمثّلتْ فيهم حتّى أصبحوا ذكرى شاخصةً للناس تذكّر بأخلاقِ المصطفى (صلّى الله عليهِ وآلِه).

وأوّلُ أهلِ بيته تأسيّاً به واقتداءً، وتعلّماً منه هو الإمام عليُّ بنُ أبي طالب (سلام الله عليه)؛ فقد تربّى في حجره، وتغذّى من علومه وآدابه، ونشأ في منزله، ولم يفارقْه حتّى فاضتْ نفْسُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ورأسُه في حجر عليّعليه‌السلام الذي قال:«ولَقَد عَلِمَ

____________________

(1) أورد هذه الأبيات الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 143، وذكر أنَّ أبا نؤاس أنشأها في الإمام الرضاعليه‌السلام . أمّا السيّد محسن الأمين العامليّ فقد أورد الأبيات في كتابه أعيان الشيعة 4 / 126، ونسبها إلى أبي نؤاس، ثمّ قال: يمكن أن تكون الأبيات أصلُها للأعرابيّ الذي كان له لقاء مع الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتمثّل بها أبو نؤاس أيضاً في عصر الإمام عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام .

في حين أوردها ابن عساكر ونسبها للأعرابيّ في ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق / 160، الرقم 205.

(2) تفسير نور الثقلين 5 / 392، عن مجمع البيان للطبرسيّ.

(3) تفسير نور الثقلين 5 / 389، عن اُصول الكافي للكلينيّ.


الـمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله أَنّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى الله وَلاَ عَلَى رَسُولِهُ سَاعَةً قَطّ، وَلَقَدْ وَاسَيتُهُ بِنَفْسِي في المَوَاطِنِ التي تَنكُصُ فِيها الأَبْطالُ، وَتَتَأَخَّرُ فِيها الأَقْدَامُ؛ نَجْدَةً أَكْرَمَنِي الله بِهَا.

وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وَأنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ في كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي...»(1) .

وقال (سلامُ الله عليه) أيضاً:«وقد علِمتُم موضعي من رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابةِ القريبة، والمنزلةِ الخَصيصة؛ وضعَني في حِجْرِه وأنا وَلَدٌ؛ يضمُّني إلى صدره، ويكنُفني في فراشه، ويُمِسُّني جسَدَه، ويُشِمُّني عَرْفه. وكان يَمضغُ الشيءَ ثمَّ يُلْقِمُنيه، وما وجدَ لي كَذْبَةً في قول، ولا خَطْلَةً في فعل.

ولقد قرن الله بهصلى‌الله‌عليه‌وآله مِن لَدُنْ أنْ كانَ فطيماً أعظَمَ ملَكٍ مِن ملائكتهِ يَسلُكُ به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاقِ العالَم، ليلَه ونهارَه. ولقد كنتُ أتّبِعُه اتّباعَ الفصيلِ أَثَرَ اُمِّه، يَرفعُ لي في كلِّّ يومٍ مِن أخلاقِهِ علَم، ويأمرُني بالاقتداء به...»(2) .

ومِن قبل ذلك قال رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أنا أديبُ الله، وعَلُيٌّ أديبي» (3) . وقال (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله) أيضاً:«حسينٌ منّي وأنا من حسين» (4) .

____________________

(1) نهج البلاغة - الخطبة 197.

(2) نهج البلاغة - الخطبة 192.

(3) مكارم الأخلاق / 17.

(4) حديث مشهور نقله الخاصّةُ والعامّة، منهم الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقد صحّحه عن يحيى العامريّ، وأحمد بن حنبل في كتابه الفضائل مِن مسنده 4 / 172، والترمذيّ عن يعلي بن مرّة، والشيخ المجلسيّ في جلاء العيون، وغيرهم كثير.


وإذا كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من الحسينعليه‌السلام بمعنى أنَّ ذكرَه وشريعتَه كان بقاؤهما رهينَ نهضة الحسينعليه‌السلام وشهادته، فإنَّ الحسينَعليه‌السلام من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذْ هو ابنه بنصِّ القرآن الكريم في آية المباهلة( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (1) ، كما ذكر في تفسير الآية إجماعُ المفسّرين والرواة(2) أنّهما الحسنُ والحسين (سلام الله عليهما).

وكذلك فإنَّ الإمامَ الحسين (سلام الله عليه) من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث هو وارثُه علماً وأخلاقاً، فتعالَوا نتعرّف على أخلاق المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله مِن خلال سبطه وريحانته الحسينعليه‌السلام ، وتعالوا نمضِ شوطاً مع الحسينعليه‌السلام في أخلاقه النبويّة، وتعالوا نتأمّلْ ونتمثّلْ في الأخلاق الحسينيّة.

____________________

(1) سورة آل عمران / 61.

(2) منهم الزمخشريّ في تفسيره الكشّاف، والفخر الرازيّ في التفسير الكبير، ومسلم في صحيحه، وابن حنبل في مسنده، والسيوطيّ في تفسيره الدرّ المنثور، والترمذيّ في سننه.


لماذا أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام ؟



لماذا أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام ؟

ينبغي للمرءِ المؤمن أنْ يُجهدَ نفسَه في معرفةِ اُصول دينه، والإلمام بما يستطيعه من العقائد الحقّة في التوحيد الإلهيّ، والعدل الإلهيّ، والنبوّة الشريفة الـمُصطفاة، والإمامةِ المعصومة المنتخَبةِ المختارة من ربِّ العزّة، والمعادِ الذي يُثاب فيه المحسِنُ ويعاقَبُ فيه المسيء.

وإجمالاً، لا بدَّ أن نعلم أنَّ الإمامةَ أصلٌ مِن اُصول الدين لا يتمُّ الإيمان إلاّ بالاعتقاد بها، ويجبُ النظرُ فيها كما يجب النظرُ في التوحيدِ والنبوّة، وهي كالنبوّة؛ من حيث إنَّها لطفٌ من الله تعالى، فلا بدَّ أن يكونَ في كلِّ عصرٍ إمامٌ هادٍ يخلفُ النبيّ في وظائفه، في هدايةِ البشرِ وإرشادِهم إلى ما فيه الصلاحُ والسعادةُ في النشأتين.

وهي لا تكون إلاّ بالنصّ من الله تعالى على لسان النبيّ، أو لسان الإمام الذي سبق(1) . قال تعالى:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍٍ ) (2) .

* أورد الحاكم النيسابوريّ في مستدرك الصحيحين بسنده عن عباد بن عبد الله الأسديّ، عن عليّعليه‌السلام ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قالعليه‌السلام :

____________________

(1) يُراجع في ذلك كتاب (عقائد الإماميّة) للشيخ محمد رضا المظفّر - الفصل الثالث - باب الإمامة / 65، 66.

(2) سورة الرعد / 7.


«رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الـمُنذر، وأنا الهادي»(1) .

* وروى ابن جرير الطبريّ عن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، وضعصلى‌الله‌عليه‌وآله يدَه على صدره فقال:«أنا المنذر، ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) »، وأومأ بيده إلى منكبِ عليٍّعليه‌السلام ، فقال:«أنتَ الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي» (2) .

ولمزيد التعرّف واتّضاح هذه العقيدة الحقّة في الإمامةِ والإمام نقف عند جزءٍ من حديثٍ لمولانا الإمام عليِّ بنِ موسى الرضاعليه‌السلام ، حيث يقول فيه:«إنَّ الإمامة هي منزلةُ الأنبياء، وإرثُ الأوصياء. إنَّ الإمامةَ خلافةُ الله، وخلافةُ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومَقامُ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وميراث الحسنِ والحسين عليهما‌السلام .

إنَّ الإمامةَ زِمامُ الدين، ونظامُ المسلمين، وصلاحُ الدنيا، وعِزُّ المؤمنين.

إنَّ الإمامةَ اُسُّ الإسلامِ النامي، وفرعُه السامي...

الإمامُ يُحِلُّ حلالَ الله، ويُحرّم حرامَ الله، ويُقيم حدودَ الله، ويَذُبُّ عن دينِ الله، ويدعو إلى سبيلِ ربِّه بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، والحُجّةِ البالغة.

الإمامُ كالشمس الطالعةِ، الـمُجلِّلَةِ بنورها للعالم وهي في الاُفقِ، بحيثُ لا تنالُها الأيدي والأبصار.

الإمامُ البدرُ المنير، والسِّراجُ الزاهر، والنورُ

____________________

(1) 3 / 129، وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد.

(2) تفسير الطبريّ 13 / 72، وقد أورد قريباً من هذا الخبر وهذا الحديث المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 1 / 251، و 6 / 157، والهيثميّ في مجمع الزوائد 7 / 41، والفخر الرازيّ في التفسير الكبير في ظلّ الآية الشريفة، والسيوطيّ في الدرّ المنثور، وغيرهم كالشبلنجيّ في نور الأبصار / 70، والمناويّ في كنوز الحقائق / 42، والطبرانيّ في الصغير والأوسط، وكلّهم من علماء السنّة.


الساطع، والنجمُ الهادي في غياهِبِ الدُّجى، وأجواز(1) البلدانِ والقفار، ولُججِ البحار.

الإمامُ الماءُ العذْبُ على الظَّماء، والدَّالُّ على الهدى، والـمُنجي من الرَّدى.

الإمامُ النارُ على اليفاع(2) ، الحارُّ لِمَنِ اصطلى به، والدليلُ في المهالك، مَنْ فارقَه فهالِك.

الإمامُ السَّحابُ الماطر، والغيث الهاطل(3) ، والشمسُ المضيئة، والسماءُ الظليلة، والأرضُ البسيطة، والعينُ الغزيرة، والغديرُ والروضة.

الإمامُ الأنيسُ الرفيق، والولدُ الشفيق، والأخُ الشقيق، والاُمُّ البَرَّةُ بالولدِ الصغير، ومَفزعُ العِباد في الداهيةِ النآد(4) .

الإمامُ أمينُ الله في خلْقه، وحُجّتُه على عباده، وخليفتُه في بلاده، والداعي إلى الله، والذابُّ عن حُرُمِ الله.

الإمامُ المطّهَّرُ من الذنوب، والمبرّأُ عن العيوب، المخصوصُ بالعلم، الموسومُ بالحِلْم، نظامُ الدين، وعِزُّ المسلمين...»(5) .

ومصاديقُ هذه الصفاتِ الشريفة كثيرة، يجِدُها المتطلّعُ في الروايات المبيّنةِ لسيرة الأئمّةِ وأخلاقِهم (صلوات الله عليهم)؛ فالتعرّفُ عليهم إذَن يقتضي التعرّفُ على حياتهم بما فيها خواصُّهم وآدابهم. يقول المولى الفيضُ الكاشانيّ (أعلا الله مَقامَه):... إذْ كان للإمامعليه‌السلام أخلاقٌ شريفةٌ ربّانيّة لم يَشْرَكْه فيها سائر الخلْق، وصفاتٌ كريمةٌ موهبيّةٌ خصّه الله بها من دونهم للفرق، ولـمَنْ عرفَه

____________________

(1) جمع الجوز، وهو من كلّ شيء وسطه.

(2) اليفاع: ما ارتفع من الأرض.

(3) الهاطل: المطرُ المتتابع العظيم القطر.

(4) الداهية: الأمر العظيم. والنّآد: العظيمة.

(5) الكافي 1 / 154، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.


بحقِّه وحقيقتِه، وشيّعه على طريقتِه.

أيضاً آدابٌ وعلامات وخواصٌّ بها امتاز عن سائرِ المؤمنين، واستحقَّ لأَنْ يُحشَرَ مع إمامِه في درجةِ النبيّين، فكان من الواجب على العبدِ بعد معرفةِ الله (عزَّ وجلَّ) وصفاتِه، ومعرفةِ نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخلاقِه أن يعرفَ إمامَ زمانه، وصفاتِه وأخلاقَه المختصّةَ به؛ بأن يعلمَ مَقامَه ومرتبتَه عند الله، ويعرفَ شخصَه من بينِ الخلْق حتّى يتّبعَه، ويقتفيَ أثَرَه، ويُطيعَه في أوامرِه ونواهيه، ويصيرَ من شيعته(1) .

والواقف على أخلاق الأئمّةِ الأطهار عليهم أفضلُ الصلاةِ والسّلام يعرف السرَّ وراءَ تعلّق الناس بهم جيلاً بعد جيل؛ لأنَّ الأخلاقَ الإلهيّةَ المرْضيّة تجلّتْ في شخوصهم بأجلى صورها، وأحمدِ حالاتها، وظهرتْ منهم بأطيبِ معانيها، وأدقِّ مطلوباتها ومقتضياتها؛ ولأنَّ الأخلاق إحسانٌ للآخرين، وبيانٌ للحقِّّ والخيرِ والفضيلةِ، والنفسُ مجبولةٌ على حبِّ ذلك وبُغضِ خلافه.

* قال الإمام جعفر الصادق (سلامُ الله عليه):«طُبعتِ القلوبُ على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها، وبُغضِ مَنْ أساءَ إليها» (2) .

وفي روايةٍ اُخرى قالعليه‌السلام :«جُبلتِ القلوبُ على حبِّ مَنْ نفعَها، وبُغضِ مَنْ ضرّها» (3) .

ومَنْ أنفعُ للخلْق مِن النبيِّ وآله (صلواتُ الله عليه وعليهم) وهمُ الهُداةُ أبوابُ الإيمان، وساسةُ العباد، ومصابيحُ الدجى، وكهفُ الورى، والدعاةُ إلى الله، والأدلاّءُ على مرضاةِ الله حتّى قال رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ظلِّ الآية الشريفة:( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ

____________________

(1) المحجّة البيضاء 4 / 173.

(2) مَن لا يحضره الفقيه - للشيخ الصدوق 4 / 301 ح 913.

(3) الكافي 8 / 152 ح 140.


شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) (1) :«أفضلُ والدَيكم وأحقُّهما بشكركم محمّدٌ وعليٌّ» (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أنا وعليُّ بنُ أبي طالب أبَوا هذه الاُمّة، ولَحقُّنا عليهم أعظمُ مِن حقِّ والديهم؛ فإِنَّا نُنقذُهم - إنْ أطاعونا - من النار إلى دار القرار، ونُلحقُهم من العبوديّةِ بخيار الأحرار» (3) .

وقالت فاطمةُ الزهراءعليها‌السلام :«أبَوَا هذه الاُمّة محمّدٌ وعليّ؛ يُقيمانِ أودَهم (4) ، ويُنقذانِهم من العذابِ الدائم إنْ أطاعوهما، ويُبيحانِهمُ النعيمَ الدائم إنْ وافقوهما» (5) .

وقال عليُّ بنُ الحسينُعليهما‌السلام :«إنْ كان الأبَوَانِ إنَّما عظُمَ حقُّهما على أولادِهما لإحسانهما إليهم، فإحسانُ محمّدٍ وعليٍّ عليهما‌السلام إلى هذه الاُمّة أجلُّ وأعظم؛ فهُما بأنْ يكونا أبويهم أحقّ» (6) ؟!

ولم تكنْ أخلاقُ النبيِّ وأهلِ بيته (عليه وعليهم أفضلُ الصلاةِ والسّلام) إحساناً على مَن عاشروهم وتعاملوا معهم فحسب، بل إحسانٌ على الخلْق أجمع؛ حيث كانت سبباً حُجّةً للتعريف بالإمامة، وهي من اُصول الدين، وبالإمامِ وهو عِزُّ المسلمين، وسبباً حُجّةً للتعريف بالدين، وما يريدُ الله تعالى منّا من الأخلاق الفاضلة والصفات الطيّبة.

وكانت أيضاً سبباً حُجّةً للتعلّقِ بهم (صلواتُ الله عليهم)، ولمحبّتهم وولايتهم، وفي ذلك سببُ الرجاء للنجاةِ بهم؛ ذلك لأنَّ النبيَّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد قال:«مَن مات على

____________________

(1) سورة النساء / 36.

(2) تفسير الإمام العسكريّعليه‌السلام .

(3) المصدر نفسه.

(4) الأود: العِوج.

(5) تفسير الإمام العسكريّعليه‌السلام .

(6) المصدر نفسه.


حبِّ آلِ محمّدٍ ماتَ شهيداً» (1) .

ومن هنا نفهم معنى هذه الأحاديثِ الشريفة:

* قال رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ألاَ اُنبِّئكُم بخياركم؟».

قالوا: بلى يا رسولَ الله.

قال:«أحاسنُكم أخلاقاً، الموطّئون أكنافاً، الذينَ يألفونَ ويُؤلفون» (2) .

فالنبيُّ وآله (صلوات الله عليه وعليهم) إذَاً هم أحاسنُ الناس.

* وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«حُسْنُ الخُلق يثبت المودّة» (3) . وقد ثبتتْ مودّتُه ومودّتُهم (صلوات الله عليه وعليهم) في قلوب الناس هذه القرونَ المتطاولة وإلى ما يشاء الله، وحاشا أن تزول.

* وقال أميرُ المؤمنينعليه‌السلام :«حسنُ الخُلق رأسُ كلِّ بِرٍّ» (4) .

وقال (سلام الله عليه) أيضاً:«مَنْ حسُنتْ خليقتُه، طابتْ عِشْرتُه» (5) .

وها نحن إلى يومنا هذا تطيبُ عشرتُنا معهم (سلامُ الله عليهم)؛ حيث نُحسّ أنّهم يعيشون معنا ونعيش معهم؛ فهم يهدوننا إلى صلاح دنيانا وآخرتنا وسعادتهِما، ونحن نتابعهم بالتصديق والتسليم، والطاعة والمحبّة في الدين، وعلى هذا نَدين.

قال الإمامُ الباقرعليه‌السلام :«وهلِ الدينُ إلاّ الحبّ؟! إنَّ الله يقول: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) » (6) .

____________________

(1) تفسير الكشّاف - للزمخشريّ 4 / 220، والتفسير الكبير - للفخر الرازيّ 27 / 165.

(2) بحار الأنوار 71 / 396، عن كتابَي الحسين بن سعيد ونوادره.

(3) تحف العقول عن آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله - للشيخ أبي محمّد الحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحرّانيّ، من أعلام القرن الرابع / 38.

(4) غرر الحكم / 167.

(5) اغرر الحكم / 273.

(6) تفسير العيّاشيّ - في ظلّ الآية الشريفة 31 من سورة آل عمران.


* وجاء عن مولانا الإمام الصادق (سلام الله عليه) أنّه قال:«إنَّ البِرَّ وحُسْنَ الخلُق يُعمّرانِ الديار، ويزيدانِ في الأعمار» (1) .

وها هي ديارُ النبيّ وأهل بيته (صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم) عامرةٌ أشرفَ عمران؛ حيث تمتدُّ إليها الأيدي، وتهوي إليها القلوب، وتتلهّف لها الأنفسُ مِن أقاصي البلدان، وتحجّ إليها الأبدان.

وها هي أعمارُهم لا تنقضي، بل تزيد بحُسْنِ الذكْر، وقد جاء عن المصطفى الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله قولُه:«لا يزيدُ في العمر إلاّ البِرّ» (2)

وقد كان وآلُه (صلواتُ الله عليه وعليهم) أبَرَّ الناس بالناس، وعرفنا أنَّ بِرَّهم فوق كلِّ برٍّ؛ لأنّه الهدايةُ من الضَّلال، والتوفيقُ إلى مرضاة الله تبارك وتعالى.

جاء عن الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال:«الذِّكْرُ الجميل أحدُ الحياتين. الذِّكْرُ الجميل أحدُ العُمرَين» (3) .

وأخيراً، لأنّنا نرغبُ في السعادة، ونخشى الشقاء، فلا بدَّ لنا من التمسّكِ بأهل بيت العصمةِ والطهارةعليهم‌السلام ، ومنهم الإمام الحسين (سلامُ الله عليه)؛ فهو مدارُ ما نرغب ونخشى.

* عن عبد الله بن عمر قال: قال رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«بي اُنذرتُم، وبعليِّ بنِ أبي طالبٍ اهتديتُم. وقرأ:( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) .وبالحسنِ اُعطيتُم الإحسان، وبالحسين تُسعدون، وبه تشقون. ألا إنَّ الحسينَ بابٌ من أبوابِ الجنّة، مَن عانده حرّمَ الله عليه ريحَ الجنّة» (4) .

____________________

(1) بحار الأنوار 1 / 395، عن كتابَي الحسين بن سعيد ونوادره.

(2) الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة - للشيخ جمال الدين مكّي بن محمّد الجزّينيّ، الملقّب بـ(الشهيد الثاني) / 18.

(3) غرر الحكم.

(4) البرهان في تفسير القرآن - للسيد هاشم البحراني 2 / 281 ح18 عن ابن شاذان.


فلكي نُسعدَ بالحسينعليه‌السلام تعالوا نقف متأمّلين خاشعين أمامَ الأخلاقِ الحسينيّة، وتعالوا نمضِ مع الإمام الحسينعليه‌السلام في أخلاقِه النبويّة.


الموعظة الحسينيّة



الموعظة الحسينيّة

قد يتساءل مستغرب: ما العلاقةُ بين المواعظ الحسينيّة والأخلاق؟! أليست المواعظُ والحِكَمُ تُدرجُ في حقل العلوم والمعارف؟

الجواب: نعم، هي كذلك تُدرَجُ في العلوم والمعارف، ولكنْ نتساءل نحنُ في المقابل: أليستِ السُّنَّةُ النبويّةُ المطهّرة قد امتدّتْ بأمر الله سبحانه وتعالى وحكمته ومشيئته في سُنَّةِ أهلِ بيته (عليهمُ السّلام)؟

أليستْ السنّةُ النبويّة على ثلاث صور:

1 - فعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

2 - قوله

3 - تقريره؟

ألَمْ يكنْ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الصور الثلاث توجيهاتٌ أخلاقيّةٌ للاُمّة؟ حيث صدرتْ منه أفعالٌ في مكارم الأخلاق، وأقوالٌ في محاسن الأخلاق، وإقرارٌ وتبريكٌ وتشجيع لـمَنْ صدرَ منه خلُقٌ طيّب، أو بانتْ منه صفةٌ أخلاقيّةٌ حميدة.

فالمصطفى الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله كان كريماً، وكان يدعو إلى الكرم ويشوّق إليه، مبيّناً فضائلَه، ورذائلَ البخل. ويوم جيء بالاُسارى إليه أمر (صلّى الله عليهِ وآلِه) عليّاًعليه‌السلام بضرب أعناقهم؛ إذْ كانوا قد حاربوه وقتلوا المؤمنين، ثمّ أمره بإفرادِ واحدٍ من الأسرى المشركين لا يقتله، فقال الرجل: لِمَ أفردتني من أصحابي والجنايةُ واحدة؟!

فأجابه (صلّى الله عليهِ وآلِه) قائلاً:«إنَّ الله تبارك وتعالى أوحى إليَّ أنّك سخيُّ


قومِك، ولا أقتلك».

فقال الرجل: فإنّي أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ الله، وأنّك رسولُ الله.

قال: فقاده سخاؤه إلى الجنّة(1) .

* وجاء عن الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام أنّه اُتي النبيّ (صلّى الله عليهِ وآلِه) باُسارى، فأمر بقتلهم وخلّى رجلاً من بينهم، فقال الرجل: كيف أطلقتَ عنّي من بينهم؟!

فقال:«أخبرني جَبرئيلُ عنِ الله (جلَّ جلالُه) أنَّ فيك خمسَ خصالٍ يُحبُّها الله ورسولُه؛ الغَيرةُ الشديدةُ على حرمِك، والسخاء، وحُسْنُ الخلُق، وصدقُ اللسان، والشجاعة».

فلمّا سمعها الرجلُ أسلمَ وحسُنَ إسلامُه، وقاتل مع رسولِ الله (صلّى الله عليهِ وآلِه) قتالاً شديداً حتّى استُشهد(2) .

* ورأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا أيّوب الأنصاريّ (رضوانُ الله عليه) يلتقطُ نُثارةَ المائدة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«بُورِكَ لك، وبُوركَ عليك، وبُورك فيك» (3) . فدعا له (صلّى الله عليهِ وآلِه)؛ لأنّه عمِل مستحَبّاً، وكان منه التواضعُ واحترامُ نعمةِ الله (عزَّ وجلَّ).

وأهلُ البيت (سلامُ الله عليهم) كانوا يباركون لِمَنْ تصدُرْ منه بادرةٌ أخلاقيّة إيمانيّة؛ فيومَ عاشوراء التفتَ أبو ثمامةَ الصائدي إلى الشمس قد زالتْ - أي حَلّ وقتُ الظهر -، فقال للحسينعليه‌السلام : نفسي لكَ الفداء! إنّي أرى هؤلاءِ قد اقتربوا منك، لا والله لا تُقتَلُ حتّى اُقتلَ دونك، واُحبّ أنْ ألقى الله وقد صلّيتُ هذه

____________________

(1) الاختصاص - للشيخ المفيد / 253.

(2) الخصال - للشيخ الصدوق / 282.

(3) مكارم الأخلاق / 146.


الصلاةَ التي دنا وقتُها.

فرفع الحسين (سلام الله عليه) رأسَه إلى السماءِ وقال:«ذكرتَ الصلاة، جعَلَكَ الله مِنَ المصلّينَ الذَّاكرين. نعم هذا أوّلُ وقتها، سَلُوهم أن يكفُّوا عنّا حتّى نُصلّي» (1) .

فدعاعليه‌السلام له؛ لأنّه ذكر الصلاةَ في أوّلِ وقتها؛ اعتناءً بها، واهتماماً بطاعةِ الله (عزَّ وجلَّ) كما يُحبّ، وممّا يُحبّه سبحانه الصلاةُ في أوّل وقتها. فالتشجيعُ على الواجبات والمستحبّات والفضائل هو من الأخلاق الحميدة؛ لأنّه سببٌ لأنْ تسودَ السننُ الشريفة والأخلاقُ الكريمة.

ولا يفوتنا أن نقول: إنَّ الإمامةَ هي الامتدادُ الإلهيُّ والشرعيُّ للنبوّة، وبما أنَّ السُّنَّةَ النبويّةَ سُنَّةٌ مطهَّرةٌ معصومة، كذلك سُنّةُ الأئمّةِ الأطياب. فالأخلاقُ عندهم تظهرُ مَرَّةً في صورةِ فعل، ومرّةً اُخرى في صورةِ وعظٍ وإرشاد، ومرّةً ثالثة في صورةِ تقرير.

ثمّ لا ينبغي أنْ يفوتَنا أنَّ الوعظَ هو قول، والقولُ هو من العمل، فكما يكون الاعتداءُ على المؤمنِ البريء بالضربِ حراماً، كذلك شتمُه بالقول حرام، وكما يكونُ الدرهمُ والدينارُ صدقةً، كذلك الكلمةُ الطيّبةُ صدقة، وكما تكون الغلاّتُ والأموالُ زكاةً، كذلك العفو؛ فقد جاء عن الإمام عليٍّعليه‌السلام أنّه قال:«العفوُ زكاةُ القدرة» (2) .

وقد قال رسولُ الله (صلّى الله عليهِ وآلِه) يوماً لأصحابه:«أيعجزُ أحدُكم أن يكونَ كأبي ضمضم؟» .

قيل: يا رسولَ الله، وما أبو ضمضم؟

قال:«رجلٌ ممّنْ قبلكم، كان إذا أصبح يقول: اللهمَّ إنّي تصدّقتُ بِعرضي على

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 17.

(2) غرر الحكم / 22.


الناس عامّة »(1) . فيكون عفوه عن إساءات الناس صدقةً له عليهم.

ومن هنا نفهم أنَّ القولَ هو من الفعل، وإلاّ لَمَا حرّمَ الله تعالى الغيبةَ والنميمة، والكذبَ والبذاء... وهي أقوال، ولَما قال النبيُّ الهادي (صلّى الله عليهِ وآلِه):«إنَّ مَنْ حَسِبَ كلامَه مِن عمله قلَّ كلامُه إلاّ فيما يَعنيه» (2) ، ولَما قال أيضاً:«مَن لم يحسب كلامَه مِن عملِه كثُرتْ خطاياه، وحضر عذابُه» (3) .

إذَاً فإنَّ الكرمَ والغَيرةَ والعفوَ من الأخلاق؛ إذ هي أفعال ومواقف، والدعوةُ إليها باللسان والتشويقُ لها والتشجيعُ عليها كذلك من الأخلاق.

ومن هنا رأينا أهلَ البيت (سلام الله عليهم) لم يكتفوا بدعوةِ الاُمّة إلى الأخلاق الفاضلة من خلال أفعالهم وسيرتهم، إنَّما واصلوا ذلك من خلال وصاياهم وحكمِهم وإرشاداتهم، وتوجيهاتهم ومواعظهم، وهذا أيضاً من الأخلاق الفاضلة؛ لأنَّ الدعوةَ إلى الأخلاق هي من الأخلاق، بل هي كرم؛ لقول الإمام عليّعليه‌السلام في غرر الحكم:«النصيحة من أخلاق الكرام» .

فالقول كالفعل تترتّبُ عليه الآثار؛ طيّبةً حميدة، أو سيّئةً مذمومة؛ كالسرقة والكذب كلاهُما مخرّبانِ للمجتمع وإن كانتِ السرقةُ عملاً والكذبُ قولاً، وكالصدقةِ والسّلام كلاهما ينشرانِ المحبّة في المجتمع وإن كانتِ الصدقةُ فِعْلاً والسلامُ كلاماً.

وهنا نسأل: أليستْ مواعظُ الإمامِ الحسين (سلام الله عليه) تنمّ عن شفقة الحسين (صلواتُ الله عليه) على الاُمّة، ورأفتِه بالمؤمنينِ، ورحمتِه بالناس، وحرصِه عليهم أن يسلكوا سبيلَ الهدايةِ والخير، والفضيلةِ والسّلام، ويتجنّبوا

____________________

(1) مصباح الشريعة - للإمام جعفر الصادقعليه‌السلام - الباب 70 في العفو / 158.

(2) معاني الأخبار - للشيخ الصدوق / 334.

(3) الكافي 2 / 115.


خطُواتِ الشيطان الـمُؤدّيةِ إلى الضلالِ والشرّ، والباطل والفساد؟

أليستْ تدلُّ مواعظُ الإمام الحسينعليه‌السلام على اهتمامه الغيور بأن يوفَّق الناسُ جميعاً إلى الفوز بالسعادتين؛ الدنيويّة والاُخرويّة؟

إذَاً كانت مواعظُه أخلاقاً؛ حيث عبّرتْ عن حالاتٍ أخلاقيّة مِلْؤها الطيبةُ والإنسانيّةُ في أرقى آفاقها؛ فقد نوى خيراً، وعمِلَ خيراً؛ إذ نفع الناس أجيالاً متتابعةً متعاقبة، فكان خيرَ الناس، لا سيّما وقد خلُصتْ نيّتُه لله (عزَّ وجلَّ)، وبرِئتْ من كلّ شائبة وخاطرة، شاردة أو واردة تبتعد عن طلب مرضاةِ الله، أو تقصدُ غيرَ وجه الله.

ولكي نتعرّف على أخلاق الإمام الحسين (عليه أفضلُ الصلاة والسّلام) من خلال مواعظه، وحكمِه وبياناته، تعالوا نطالعْ بعقلٍ متبصّر، وقلبٍ نيّر، وروحٍ متفتّحة هذه الروايات الشريفة، وتلك الجُمَلَ الـمُنِيفة التي تُخبِرُنا عن مواقفَ متعاليةٍ سامقة في دنيا الأخلاق، معبِّرة عن طيبةِ الإمام الحسينعليه‌السلام ، إضافةً إلى تعبيرها عن علمِه الجمّ ومعرفته النورانيّة.

وهنا - وقبل عرض الأخلاق الحسينيّة - يحسُن بنا أن نعرف:

أوّلاً: أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان سلوكُه كلُّه أخلاقاً قويمةً طيّبة، شَهِدَ بذلك العدوُّ والصديق، حتَّى إنَّ مُبغضيه لم يستطيعوا أن يظفروا بشيءٍ يعابُ فيه، بل لم يملكوا إلاّ أن يمدحوه ويُثنوا عليه - والفضلُ ما شهِدتْ به الأعداءُ -، وما كان منهم إلاّ التعبير عن حسدِهم له، وحسدُهم دالٌّ على فضلهِ عليهم.

وهذا التاريخ، رغم تسليطه لأضوائه على الإمام الحسينعليه‌السلام باعتباره شخصيّةً كبيرة لم يدوّنْ عليه إلاّ الفضائلَ والمناقب والمكارم؛ فالأخلاقُ الإلهيّةُ تجسّدتْ فيه فعبّر عنها بشخصه الشريف قبل منطقِه


الحكيم؛ لذا جاءت مواعظُه نافعةً أبلغَ النفع، مؤثّرةً أبلغَ التأثير، ليس في زمانه فحسب، بل تعدّتْ حدود القرون والعصور، ثمَّ إنَّها جاءت مفصحةً عن مطاليب الشريعة الإسلاميّة وغاياتها.

ثانياً: اتّسمت أخلاقُ الإمام الحسين (سلام الله عليه) بالحكمة والـمُراعاة، فكانت موزونةً أدقَّ وزن؛ تُراعي الظروفَ الموضوعيّة، وتراعي حالةَ السامع والناظر من حيث مستواه وطبيعته، ومدى استعداده وتقبّله؛ لذا نجدُها أساليبَ مفيدةً في التربية والتوجيه، والإرشادِ والتعليم.

لنتأمّلْ مَثَلاً في هذه الرواية:

* عن الرُّويانيّ أنَّ الحسنَ والحسينعليهما‌السلام مَرَّا على شيخٍ يتوضّأ ولا يُحسن، فأخذا في التنازع؛ يقول كلُّ واحدٍ منهما:«أنت لا تُحسن الوضوء» ، فقالا:«أيُّها الشيخ، كُن حَكَماً بيننا، يتوضّأ كلُّ واحدٍ منّا». فتوضّأا ثمّ قالا:«أيُّنا يُحسِن؟».

قال: كلاكُما تُحسنانِ الوضوء، ولكنَّ هذا الشيخَ الجاهلَ هو الذي لم يكن يُحسن، وقد تعلّمَ الآنَ منكما، وتابَ على يديكما ببركتكما وشفقتكما على اُمّةِ جدِّكما(1) .

أيُّ أخلاقٍ هي! وهما صغيران لم يُحرِجا شيخاً يتوضّأ ولا يعرف كيف ينبغي أن يتوضّأ، فعلّماه دونَ أن يخدشا شعوره!

يقول العالِم الفاضل الشيخ جعفر التُّستَريّ (أعلا الله مَقامه): رأى رجلاً لا يُحسن الوضوء، فأراد أن يُعلّمَه، فاستحى من ذُلِّه حين يتعلّم، فقال لأخيه:«نحن نتوضّأ قُدّامَه، ثمّ نسألُه أيُّ الوُضوءينِ أحسن» . ففعلا ذلك، فقال الأعرابيّ: كِلاكُما تُحسنانِ الوضوء، وأنا

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب - للشيخ الفاضل ابن شهر آشوب 3 / 400.


الجاهلُ الذي لا أعرف(1) .

وكأنّهعليه‌السلام رأى الناسَ يملّون النثر، ويأنسون بالشعر، ويستعذبون الكلامَ المقفّى الموزون حتّى ليبقى في ذاكرتهم عقوداً من الزمن، فجاراهم وجاء لهم بالحكم والمواعظ في صيغٍ شعريّة جميلةٍ وواضحة.

فَمِمَّا نُسب إليه ودوّنه التأريخ، قولُه (سلام الله عليه):

إذا جادتِ الدنيا عليكَ فَجُدْ بها

على الناسِ طُّرَّاً قبلَ أن تتفلَّتِ

فلا الجُودُ يُفنيها إذا هي أقبلتْ

ولا البُخلُ يبقيها إذا ما تولَّتِ(2)

هذا في الحثِّ على الجودِ، أمَّا في الاستغناءِ بالله تعالى عن الناس، فقد قالعليه‌السلام :

اغْنَ عَنِ المخلوقِ بالخالقِ

تُغْنَ عنِ الكاذبِ والصادقِ

واسترزقِ الرحمنَ مِن فضلِهِ

فليس غيرُ الله من رازقِ

مَنْ ظنَّ أنَّ الناسَ يُغنونَهُ

فليس بالرحمنِ بالواثقِ

أو ظنَّ أنَّ المالَ مِن كسبِهِ

زلَّتْ به النعلانِ من حالقِ(3)

وقالعليه‌السلام في اللجوءِ إلى الله تعالى:

إذا ما عضّكَ الدَّهرُ

فلا تجنحْ إلى الخَلْقِ

ولا تسألْ سوىْ اللهِ

تعالى قاسمِ الرزقِ

فلو عشتَ وطوّفتَ

مِنَ الغربِ إلى الشرقِ

لما صادفتَ مَن يقْدِ

رُ أن يُسعِدَ أو يُشقي(4)

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة - للشيخ جعفر التستريّ / 22.

(2) تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر 4 / 325.

(3) المصدر نفسه.

(4) كشف الغمّة - للإربليّ 2 / 185.


ولمّا زار مقابرَ الشهداء بالبقيع قالعليه‌السلام :

ناديتُ سكّانَ القبورِ فاُسكِتُوا

فأجابني عن صمتِهمْ ندْبُ الحشا

قالتْ أتدري ما صنعتُ بساكني

مزّقْتُ جثماناً وخرّقْتُ الكِسا

وحَشَوْتُ أعينَهم تراباً بعد ما

كانتْ تَأذّى باليسير مِنَ القذا

أمّا العظامُ فإنّني مزّقْتُها

حتّى تباينتِ المفاصلُ والشَّوىْ

قطّعتُ ذا مِن ذا ومِن هذا كذا

فتركتُها ممّا يطولُ بها البِلى(1)

كلماتٌ رشيقة، وعباراتٌ عذبة، ومعانٍ عالية في صورٍ مُؤنسة أثمرتْ عن أبياتٍ واضحةٍ سهْلةِ الحفظ، من شأنها أن تبقى في خاطر السامع تتردّد على ذاكرته حتّى ترسخ قيمُها الأخلاقيّة والعقائديّة فتنعكس سلوكاً صحيحاً، وموقفاً مُحقّاً.

والآن نذهب إلى المنبر الحسينيّ الواعظ، حيث نستمعُ إلى ما يجودُ به علينا من كلماتٍ راشدة، وحِكَمٍ باصرة، ووصايا ذاتِ عبر...

خطب الإمام الحسينعليه‌السلام يوماً فقال:«يا أيُّها الناس، نافسُوا في المكارم، وسارعوا في المغانم... واعلموا أنَّ حوائجَ الناسِ إليكم من نِعَمِ الله عليكم، فلا تملّوا النِّعَمَ فتحور نِقَماً. واعلموا أنَّ المعروفَ مُكْسِبٌ حمْداً، ومعقبٌ أجراً، فلو رأيتُمُ المعروفَ رجلاً رأيتمُوه حسَناً جميلاً يسرُّ الناظرين، ولو رأيتُمُ اللُّؤمَ رأيتمُوهُ سمجاً (2) مشوَّهاً، تنفرُ منه القلوب، وتغضّ دونه الأبصار.

أيُّها الناس، مَن جادَ سادَ، ومَن بَخِلَ رذل. وإنَّ أجودَ الناسِ مَن أعطى

____________________

(1) تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر 4 / 325.

(2) السمج: القبيح والخبيث.


مَن لا يرجوه، وإنَّ أعفى الناس مَن عفا عن قُدرة، وإنَّ أوصلَ الناسِ مَن وصلَ مَن قطعَه.

والاُصولُ على مغارسها بفروعها تسمو؛ فمَن تعجّل لأخيه خيراً وجدَه إذا قدِم عليه غداً، ومَن أرادَ الله تبارك وتعالى بالصنيعةِ إلى أخيه كافاه بها في وقتِ حاجته، وصرفَ عنه من بلاءِ الدنيا ما هو أكثرُ منه، ومَن نفّسَ كُربةَ مؤمنٍ فرّج الله عنه كُرَبَ الدنيا والآخرة، ومَن أحسنَ أحسنَ الله إليه، والله يُحبُّ المحسنين» (1) .

قال الإربليّ: هذا الفصلُ من كلامه وإن كان دالاّ على فصاحته، ومُبِيناً عن بلاغته، فإنَّه دالٌّ على كرمِه وسماحتِه وجُودِه، مُخْبِرٌ عن شرفِ أخلاقِه وسيرته، وحُسنِ نيّتِه وسريرتِه، شاهدٌ بعفوه وحلْمِه وطريقته؛ فإنَّ هذا الفصلَ قد جمع مكارمَ الأخلاق، لكلّ صفةٍ من صفاتِ الخير فيها نصيب، واشتمل على مناقبَ عجيبةٍ، وما اجتماعُها في مثْلِه بعجيب.

وجاء في قصار الجمل هذه الحِكَمُ الجميلة:

-«الصدقُ عزٌّ، والكذبُ عجز، والسرُّ أمانة، والجوارُ قرابة، والمعونةُ صدقة، والعملُ تجربة، والخُلقُ الحسَنُ عبادة، والصمتُ زين، والشُّحُّ فَقْر، والسخاءُ غِنى، والرفْقُ لُبّ» (2) .

-«شرُّ خصالِ الملوك الجُبنُ مِنَ الأعداء، والقسوةُ على الضعفاء، والبخلُ عند الإعطاء» (3) .

____________________

(1) كشف الغمّة 2 / 241، 242، والفصول المهمّة - لابن الصبّاغ المالكيّ / 178، ووسيلة المآل - لباكثير الحضرميّ المكّيّ الشافعيّ / 182.

(2) لمعة من بلاغة الحسينعليه‌السلام / 104.

(3) المناقب 4 / 65.


- وقالعليه‌السلام لرجلٍ اغتابَ عنده رجلاً:«يا هذا، كُفَّ عنِ الغيبة؛ فإنَّها أدامُ كلابِ النار» (1) .

-«إيّاك وما تعتذرُ منه؛ فإنَّ المؤمنَ لا يُسيء ولا يعتذر، والمنافقُ كلَّ يومٍ يُسيءُ ويعتذر» (2) .

- وقال لابنه عليّ بن الحسينعليهما‌السلام :«أيْ بُنيّ، إيّاكَ وظُلْمَ مَنْ لا يجدُ عليكَ ناصراً إلاّ الله (جَلَّ وعزَّ)» (3) .

- وقال له رجلٌ ابتداءً: كيفَ أنتَ عافاكَ الله؟

فقالعليه‌السلام له:«السّلام قبل الكلام عافاك الله».

ثمّ قالعليه‌السلام :«لا تأذنوا لأحدٍ حتّى يُسلِّم» (4) .

وقال (سلام الله عليه):«البخيل مَنْ بخِلَ بالسّلام» (5) .

وقال رجلٌ عنده: إنَّ المعروفَ إذا اُسديَ إلى غيرِ أهله ضاع.

فقال الحسينعليه‌السلام :«ليس كذلك، ولكنْ تكونُ الصنيعةُ مثْلَ وابلِ المطر، تُصيبُ البرَّ والفاجر» (6) .

وقال (سلام الله عليه):«مَن قبِلَ عطاءَك فقد أعانَك على الكرم» (7) .

وقال (صلواتُ الله عليه):«صاحبُ الحاجةِ لم يُكرمْ وجهَه عن سؤالك، فأكرِمْ وجهَكَ عن رَدِّه» (8) .

كلمات تنسجم تمامَ الانسجام مع الفطرةِ الإنسانيّةِ السليمة، وتقع على

____________________

(1) تحف العقول / 176.

(2) تحف العقول / 179.

(3) تحف العقول / 177.

(4) المصدر نفسه.

(5) تحف العقول / 179.

(6) تحف العقول / 176.

(7) الدرّة الباهرة / 24.

(8) كشف الغمّة 2 / 208.


القلب موقعَ الماءِ البارد في حرِّ الضماء، وعلى العين موقع النور في الليلة الظلماء، وعلى الاُذن موقعَ صوتِ الأب الحنون ينادي ولدَه التائه، أو الاُمّ الرؤوم تلاطف ابنتَها المنكسرة.

كلمات هي للضّالِّ هدايةٌ مُطَمْئِنة، وللحائرِ سبيلٌ سهلة، ولقدِ انتفع مَن أسلمَ قلبه، واعتبرَ مَن صدق عقلُه في البحثِ عن العبرة، واهتدى من رغِبَ حقّاً في الخيرِ وطلبِ الحقيقة.

* ولقد أوصى فامتزج العلم بالاُبوّةِ الحانية، فكان أن قال:«لا تتكلّفْ ما لا تُطيق، ولا تتعرّض ما لا تُدرك، ولا تَعِدْ بما لا تقْدرُ عليه، ولا تُنفقْ إلاّ بقدْرِ ما تستفيد، ولا تطلبْ من الجزاءِ إلاّ بقدرِ ما صنعت، ولا تفرحْ إلاّ بما نلتَ مِن طاعةِ الله، ولا تتناولْ إلاّ ما رأيتَ نفسَكَ له أهلاً» (1) .

وقال (صلواتُ الله عليه):«اُوصيكم بتقوى الله؛ فإنَّ الله قد ضَمِن لِمَنِ اتّقاهُ أن يُحوّلَه عمّا يكره إلى ما يُحبّ، ويرزقَه مِن حيث لا يحتسب، فإيّاكَ أن تكونَ ممّن يخاف على العباد مِن ذنوبهم ويأمنُ العقوبةَ مِن ذنبهِ؛ فإنَّ الله تباركَ وتعالى لا يُخدَع عن جنّتِه، ولا يُنال ما عنده إلاّ بطاعته إن شاءَ الله» (2) .

لقد فاحتْ تلك الكلمات عن اُبوَّةٍ حانية، وقلبٍ رحيم، وفاضتْ عن صدرٍ مِلْؤه الإيمانُ والتقوى، والمعرفة وحبُّ الخير، وصدرتْ عن فمٍ طاهرٍ زاكٍ طالما قبّلَه رسولُ الله (صلّى الله عليهِ وآلِه)، ولكنَّ أعداءَ الله لم يتورّعوا في

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / 365.

(2) تحف العقول / 173.


هتكِ حرُماتِ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيتهعليهم‌السلام ؛ فقد جاء سنانُ بنُ أنس فرأى الإمامَ الحسينعليه‌السلام مطروحاً على رمالِ كربلاء، يشخبُ دماً ممّا أصابه من السهام والأحجار والسيوف، فطعنه في بواني صدره الشريف(1) !

ودعا عمرُ بنُ سعدٍ: ألاَ مَن ينتدب إلى الحسين فيُوطئ الخيلَ صدرَه وظهرَه؟ فقام عشرة(2) ... فداسوا بخيولهم جسَدَ ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله !

وقُطع الرأسُ الشريف قبل ذلك، ولم تُرعَ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حرمة.

أروحُكَ أم روحُ النبيِّ تَصَعَّدُ

من الأرضِ للفردوسِ والحُورُ سُجَّدُ

ورأسُكَ أم رأسُ الرسولِ على القَنا

بآيةِ (أهل الكهف) راح يُرَدِّدُ

وصدرُكَ أم مستودعُ العلمِ والحِجى

لتحطيمِه جيشٌ من الجهلِ يَعمدُ

وأيُّ شهيدٍ أصلَتِ الشمسُ جسمَه

ومشهدُها مِن أصلِه متولِّدُ

وأيُّ ذبيحٍ داستِ الخيلُ صدرَه

وفرسانُها مِن ذكرِه تتجمّدُ

فلو علمتْ تلك الخيولُ كأهلها

بأنَّ الذي تحت السنابكِ أحمدُ

لثارتْ على فرسانها وتمرّدتْ

عليهم كما ثاروا بها وتمرّدوا(3)

وفي الشام دعا يزيد برأس الحسينعليه‌السلام ووضعه أمامه في طستٍ من ذهب(4) ، ثمّ أخذ القضيب وجعل ينكثُ ثغرَ الحسينعليه‌السلام (5) ويقول:

____________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف - للسيّد ابن طاووس / 70.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 161، الكامل في التاريخ - لابن الأثير 4 / 33، مروج الذهب - للمسعوديّ 2 / 91، الخطط - للمقريزيّ 2 / 288، البداية والنهاية - لابن كثير 8 / 189، إعلام الورى بأعلام الهدى - للشيخ الطبرسيّ 1 / 470.

(3) من قصيدةٍ للسيّد صالح بن العلاّمة السيّد مهدي بحر العلوم.

(4) مرآة الجنان - لليافعيّ 1 / 135.

(5) تاريخ الطبريّ 6 / 267، الكامل في التاريخ 4 / 35، تذكرة خواصّ الاُمّة - لسبط ابن الجوزيّ / 148، الصواعق المحرقة - لابن حجر / 116، الفروع - لابن مفلّج الحنبليّ 3 / 549، مجمع الزوائد 9 / 195، الفصول المهمّة / 205، الخطط المقريزيّة 2 / 289، البداية والنهاية 8 / 192، الاتحاف بحبّ الأشراف - للشبراويّ / 23، وغيرها من المصادر المعروفة.


يومٌ بيومِ بدرٍ(1) . وكان أبو برزةَ الأسلميّ واقفاً، فقال: أشهدُ لك رأيتُ النبيَّ يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول:«أنتما سيّدا شباب أهلِ الجنّة، قتلَ الله قاتلَكما، ولعنه، وأعدَّ له جهنَّمَ وساءتْ مصيراً») . فغضبَ يزيدُ منه وأمرَ به فاُخرِجَ سَحْباً(2) .

* * * * *

وكان من أخلاق الإمام الحسينعليه‌السلام عطفُه على التائهين، وشفقتُه على الحائرين؛ لذا أكثرَ من وصاياه ومواعظه، وحِكَمِه وعِبَرِه؛ رجاءَ أن يتّجهُوا إلى الله سبحانه بالإخلاص، وإلى الناس بالأخلاق الطيّبة، فقال (سلام الله عليه) كلماتٍ امتزجتْ فيها المعارفُ الحقّةُ بالروحِ الأبويّة الحانية.

* قالعليه‌السلام :«مِن دلائلِ علاماتِ القبول الجلوسُ إلى أهل العقول» (3) .

* وقال (سلام الله عليه):«إنَّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادةُ التجّار، وإنَّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادةُ العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلكَ عبادةُ الأحرارِ وأهل الفضل» (4) .

* وكتب إليه رجل: عِظْني بحرفين. فكتبعليه‌السلام إليه:«مَن حاول

____________________

(1) المناقب 2 / 226.

(2) اللهوف / 102.

(3) تحف العقول / 178.

(4) تحف العقول / 177.


أمراً بمعصية الله كان أفوتَ لما يرجو، وأسرعَ لما يحذر» (1) .

* وسأله أحدُهم: لِمَ افترض الله على عبيده الصوم؟ فقالعليه‌السلام له:«ليجدَ الغنيُّ مَسَّ الجوع فيعودَ بالفضل على المساكين» (2) .

* وكتبَ إليه رجلٌ من الكوفة: يا سيّدي، أخبِرْني بخيرِ الدنيا والآخرة. فكتب الإمامُ الحسينعليه‌السلام :«بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنَّ مَن طَلَبَ رضا الله بسخطِ الناس كفاه الله اُمورَ الناس، ومَن طلبَ رضا الناس بسخَطِ الله وكَلَه الله إلى الناس. والسّلام» (3) .

وسأله نافعُ بنُ الأزرق، وهو من رؤساء الخوارج، قال له: صِفْ لي إلهكَ الذي تعبد.

فقال الإمامُعليه‌السلام :«يا نافع، إنَّ مَن وضعَ دينَه على القياس لم يَزَلِ الدهرَ في الارتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاّ عنِ السبيل، قائلاً غيرَ الجميل.

يابنَ الأزرق، أصِفُ إلهي بما وصفَ به نفسَه، واُعرّفُه بما عرّفَ به نفسَه؛ لا يُدرَك بالحواسّ، ولا يُقاسُ بالناس، قريبٌ غيرُ ملتصق، وبعيدٌ غيرُ متقصٍّ، يُوحَّد ولا يُبعّض، معروفٌ بالآيات، موصوفُ بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبيرُ المتعال».

فبكى ابن الأزرق وقال: ما أحسنَ كلامَكَ(4) !

وتمضي وصايا الإمام الحسينعليه‌السلام ومواعظُه وحِكمُه عبراً خالدة

____________________

(1) تحف العقول / 179.

(2) المناقب 2 / 193.

(3) الاختصاص / 225.

(4) التوحيد - للشيخ الصدوق / 80، تاريخ مدينة دمشق 4 / 323.


في ضمير التأريخ، عليه أن يردّدَها على مسامع الأجيال؛ فإنَّ فيها هدايتَها ونجاتها، ومعرفةَ السبيل إلى سعادتها وبيان اُمورها.

* قال الفرزذق (الشاعر): لَقِيَني الحسينُعليه‌السلام في منصرفي من الكوفة، فقال:«ما وراءَكَ يا أبا فراس؟» .

قلت: أَصْدُقكَ؟

قال:«الصدق اُريد» .

قلتُ: أمّا القلوبُ فمعَك، وأمّا السيوفُ فمعَ بني اُميّة، والنصرُ من عند الله.

قال:«ما أراكَ إلاّ صدقت؛ الناسُ عبيدُ المال، والدينُ لغْوٌ (1) على ألسنتهم، يَحُوطونه ما درّتْ به معايشُهم، فإذا مُحِّصُوا للابتلاء قلَّ الديّانون» (2) .

وهذه علامةٌ تنذرُنا بالخطر على ديننا، فإن كنّا من عبّادِ الدنيا فإنّنا عمّا قريب - إذا كان الابتلاء - سنكتشف أنَّ دينَنا مستعار أو مُعار، فلا بدَّ لنا من الاستعداد للامتحان، وخلع حبِّ الدنيا من قلوبنا؛ لننجوَ بديننا.

* * * * *

ويبلغُ الخلُق الحسينيّ مراقيهِ التي شاءَ الله له أن يبلغها؛ فقد صارح أصحابَه أكثرَ من مرّة أنّه سيُقتل، وأنَّ كربلاءَ الطاهرةَ هي المثوى؛ لكيلا يقولَ أحدٌ خُدعتُ وكنتُ أظنُّه النصر نُقْبل عليه. ثمَّ قدَّم لهم الفرصَ الوافرة، وعاملهم بالصراحةِ الطيّبة حتّى يكونوا على بيّنةٍ من أمرهم مختارين؛ إمّا أن يرجعوا إلى أهليهم وديارهم، وإمَّا أن يتشرّفوا بالشهادةِ بين يدَيْ وليِّ الله، سيّدِ شباب أهل الجنّةعليه‌السلام .

____________________

(1) وفي نسخةٍ اُخرى: لعق.

(2) كشف الغمّة 2 / 207.


لقد تعامل الإمامُ الحسينعليه‌السلام مع الناس بالصدق والصراحة والرفق، وأدلى بنصحه وموعظته ودعوته على وجهِ البساطة والوضوح. فحينما أراد أن يخرج إلى كربلاء وقف في مكّة وخطب الناسَ قائلاً:«... خُطَّ الموتُ على وُلْدِ آدمَ مخطَّ القلادةِ على جِيدِ الفتاة، وما أولَهني إلى أسلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يُوسُف. وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطّعها عُسلانُ الفَلَوات بين النواويسِ وكربلاء، فيملأْنَ منّي أكراشاً جُوفا، وأجربةً سَغْبا، لا مَحيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقلم... ألاَ ومَن كان فينا باذلاً مهجتَه، مُوَطّناً على لقاءِ الله نفسَه، فلْيرحلْ معنا؛ فإنّي راحلٌ مصبِحاً إن شاءَ الله» (1) .

ومن قبل ذلك كانت لهعليه‌السلام جواباتٌ صريحة مع مَن خشيَ عليه القتل، فحينَ رجتْه اُمُّ المؤمنين اُمُّ سلمة (رضوانُ الله عليها) أن يَدَع السفر قائلةً له: لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق.

أجابها (سلام الله عليه) قائلاً:«يا اُمَّاه، وأنا أعلم أنّي مقتولٌ مذبوحٌ ظُلماً وعُدواناً، وقد شاء الله (عزَّ وجلَّ) أن يرى حرَمي ورهطي مشرَّدِين، وأطفالي مذبوحين مأسورينَ مُقيّدين، وهم يستغيثونَ فلا يجدونَ ناصراً» (2) .

وكذلك أجاب أخاه محمّدَ بن الحنفيّة بقوله:«شاءَ الله أن يراني قتيلاً، وأن يرى النساءَ سبايا» (3) .

وفي بطن العقبة قال لـمَن معه:«ما أراني إلاّ مقتولاً؛ فإنّي رأيت في

____________________

(1) اللهوف / 53.

(2) مدينة المعاجز - للبحرانيّ / 224.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للسيّد عبد الرزّاق المقرّم / 65.


المنام كلاباً تنهشُني، وأشدُّها عَلَيَّ كلبٌ أبقع» (1) .

ولمّا أشار عليه عمرو بنُ لوذان بالانصراف عن الكوفة إلى أن ينظرَ ما يكون عليه حال الناس، قالعليه‌السلام :«ليس يخفى عَلَيَّ الرأي، ولكن لا يُغلب على أمرِ الله، وإنّهم لا يدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العَلَقةَ من جوفي» (2) .

وكتب إلى بني هاشم:«مَن لَحِقَ بنا منكمُ استُشهد، ومَن تخلّف لم يبلغِ الفتح» (3) .

وفي الطريق إلى العراق، وإلى كربلاء خيّر أصحابه بين الاستمرار أو الرجوع، فقال لأصحاب الإبل حينما مرَّ بـ (التنعيم)(4) :«مَن أحبَّ منكم أن ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءَه، وأحسنّا صُحبتَه، ومَن أحبَّ المفارقةَ أعطيناه من الكراء على ما قطع من الأرض».

ففارقه بعضُهم، ومضى مَن أحبَّ صحبتَه(5) .

____________________

(1) لعلّه الشمر بن ذي الجوشن الذي يصفه الشاعر المسيحيّ پولس سلامة في ديوانه (عيد الغدير / 287) بقوله:

أبرصاً كان ثعلبيَّ السماتِ

أصفرَ الوجهِ أحمرَ الشعراتِ

ناتئ الصدغ أعقفَ الأن

فِ مسوّدَ الثنايا مشوّه القسَماتِ

صِيغ من جبهة القرودِ وألوا

نِ الحرابي وأعينِ الحيّاتِ

مُنتنَ الريح لو تنفّس في ال

أسحار عاد الصباحُ للظلُماتِ

يستر الفجرَ أنفُه ويولّي

إن يُصعّدْ أنفاسَه المنتَناتِ

ذلك المسخ لو تصدّى لمرآ

ة ٍلشاهتْ صحيفةُ المرآةِ

رعبَ الاُمَّ حين مولدِه المشؤو

مِ والاُمّ سحنةُ السعلاةِ

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 226، والإرشاد للمفيد.

(3) كامل الزيارات - لابن بابويه / 75، وبصائر الدرجات / 141.

(4) موضع بمكّة في الحلّ، على فرسخينِ منها. يراجع معجم البلدان - لياقوت الحمويّ 2 / 416.

(5) تاريخ الطبريّ 6 / 218، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 220، والبداية والنهاية 8 / 166، ومثير الأحزان - لابن نما / 21.


وعندما جاءَه خبرُ شهادة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وهو في زَرود، أخرج كتاباً وقرأ على الناس:«بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنَّه قد أتانا خبرٌ فظيعٌ؛ قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتُنا، فمَن أحبَّ منكمُ الانصرافَ فلينصرفْ في غيرِ حرَجٍ، وليس عليه ذمام» (1) .

وفي خبرٍ آخر أنّهعليه‌السلام قال:«فمَن كان منكم يصبر على ضرب السيوف وطعنِ الأسنّة فليقم معنا، وإلاّ فلْينصرفْ عنّا». فجعل القومُ يتفرّقون ولم يبقَ معه إلاّ الذين خرجوا مِن مكّة.

* وصارحعليه‌السلام ابنَ الحرّ في قصر بني مقاتل قائلاً له:«يابنَ الحرِّ، إنَّ أهلَ مصرِكم كتبوا إليَّ أنّهم مجتمعونَ على نُصرتي، وسألوني القدوم عليهم، وليس الأمرُ على ما زعموا (2) ،وإنَّ عليكَ ذنوباً كثيرة، فهل لكَ من توبةٍ تمحو بها ذنوبَك؟».

قال: وما هي يابن رسول الله؟

فقال:«تنصرُ ابنَ بنت نبيّك وتقاتل معه» (3) .

وقرب المساء، قبلَ مقتلهعليه‌السلام بليلة، جمعَ الحسينُ أصحابه(4) فقال:«اُثني على الله أحسنَ الثناء، وأَحمَدُه على السرّاءِ والضرَّاء، اللهمَّ إنّي أحمدُك على أن أكرمتَنا بالنبوّة، وعلّمتَنا القرآن، وفقّهتَنا في الدين، وجعلتَ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3 / 376.

(2) نَفَس المهموم - للشيخ المحقّق عبّاس القمّيّ / 104.

(3) أسرار الشهادة - للشيخ الفاضل الدربنديّ / 233.

(4) إثبات الغيبة - للفضل بن شاذان.


لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ولم تجعلْنا من المشركين. أمّا بعد، فإنّي لا أعلـمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبَرَّ ولا أوصلَ من أهلِ بيتي، فجزاكمُ الله عنّي جميعاً (1) .وقد أخبرني جدّي رسولُ الله (صلّى الله عليهِ وآلِه) بأنّي ساُساق إلى العراق، فأنزل أرضاً يُقال لها: عَمُورا وكربلا، وفيها اُستَشْهَد، وقد قرُب الموعد (2) .

ألاَ وإنّي أظنُّ يومَنا من هؤلاءِ الأعداء غداً، وإنّي قد أذِنْتُ لكم فانطلقُوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم منّي ذمام. وهذا الليلُ قد غشِيَكم فاتَّخِذُوه جَمَلاً، ولْيأخذْ كلُّ رجلٍ منكم بيدِ رجلٍ من أهلِ بيتي، فجزاكمُ الله جميعاً خيراً، وتفرّقُوا في سوادِكم ومدائنكم؛ فإنَّ القومَ إنَّما يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلبِ غيري» .

فقال له إخوتُه وأبناؤُه، وبنو أخيه وأبناءُ عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعلُ ذلك؟! لنبقى بعدَك! لا أرانا الله ذلكَ أبداً. بدأهم بهذا القولِ العبّاسُ بن عليّ وتابعه الهاشميّون.

والتفت الحسينُعليه‌السلام إلى بني عقيل وقال:«حسبُكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذِنتُ لكم» .

فقالوا: إذاً ما يقول الناسُ، وما نقولُ لهم؟! إنَّا تركنا شيخَنا وسيّدنا وبني عمومتِنا خير الأعمام، ولم نَرمِ معهم بسهم، ولم نطعنْ برمح، ولم نضربْ بسيف، ولا ندري ما صنعوا! لا والله لا نفعل، ولكن نفديكَ بأنفسنا وأموالنا

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 238، والكامل في التاريخ - لابن الأثير 4 / 34.

(2) اثبات الغيبة.


وأهلينا، نقاتل معك حتّى نرِدَ مَوردَك؛ فقبّحَ الله العيشَ بعدَك(1) .

وقال مسلـمُ بن عوسجة: أنحنُ نخلّي عنك؟! وبماذا نعتذرُ إلى الله في أداءِ حقّك؟! أمَا والله لا اُفارقك حتّى أَطعنَ في صدورهم برمحي، وأضربَ بسيفي ما ثبت قائمُه بيدي، ولو لم يكنْ معي سلاحٌ اُقاتلهم به لقذفتُهم بالحجارة حتّى أموت معك.

وقال سعيدُ بنُ عبد الله الحنفيّ: والله، لا نُخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظْنا غيبةَ رسولِه فيك. أما والله لو علمتُ أنّي اُقتلُ ثمَّ اُحيا، ثمَّ اُحرقُ حيّاً، ثمَّ اُذرّى، يُفعل بي ذلك سبعينَ مرّة لما فارقتُكَ حتّى ألقى حِمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنَّما هي قتلةٌ واحدة، ثمَّ هي الكرامةُ التي لا انقضاءَ لها أبداً؟!

وقال زهيرُ بنُ القين: والله، وددتُ أنّي قُتلتُ ثمَّ نُشرتُ ثمَّ قُتلتُ حتّى اُقتلَ كذا ألف مرّة، وأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يدفع بذلك القتلِ عن نفسِك وعن أنفسِ هؤلاءِ الفتيان من أهل بيتك.

وتكلّم باقي الأصحاب بما يشبه بعضُه بعضاً، فجزّاهمُ الحسينُعليه‌السلام خيراً(2) .

وفي الحال قيل لمحمّد بنِ بشير الحضرميّ: قد اُسِر ابنُك بثغر الريّ. فقال: ما اُحبّ أن يُؤسَرَ وأنا أبقى بعده حيّاً. فقال له الحسينعليه‌السلام :«أنت في حِلٍّ من بيعتي، فاعملْ في فَكاكِ ولدك».

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 238، والكامل في التاريخ 4 / 24، وإعلام الورى - للطبرسيّ 1 / 455 - 456، وسير أعلام النبلاء - للذهبيّ 3 / 202.

(2) الإرشاد - للشيخ المفيد / 231، وتاريخ الطبريّ 6 / 239.


قال: لا والله، لا أفعل ذلك، أكلتْني السباعُ حيّاً إن فارقْتُك.

فقالعليه‌السلام :«إذاً أعطِ ابنَكَ هذه الأثوابَ الخمسةَ ليعملَ في فكاكِ أخيه». وكان قيمتُها ألفَ دينار(1) .

لقد تعلّم هؤلاء من الحسين السبطعليه‌السلام دروسَ الوفاءِ والتضحية، والإخلاص والإباء، فأبَوا أن يخذلوا إمامَهم، أو يخونوا رسول الله (صلّى الله عليهِ وآلِه) في ولده، أو يُخلّوا بينه وبين عدوِّه العازمِ على قتله وإن سلموا بالفرار.

أجل، فتقدّموا زرافاتٍ ووحداناً، وجاهدوا دونَ الحقّ باذلينَ المهجَ الشريفة بين يدي سيّدهم وإمامهم أبي عبد الله الحسين (صلواتُ الله عليه) حتّى استُشهدوا جميعاً، ولسانُ الواقع والحال منهم يقول: أَوفيتُ يابن رسول الله؟

فقد قام الحسينُعليه‌السلام إلى الصلاة يوم العاشر من المحرّم، فوقف أمامه سعيدُ بنُ عبد الله يحفظه، فاستقبل السهامَ بجسمه، حتّى إذا اُثخن بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول: اللهمَّ العنْهم لعنَ عادٍ وثمود، وأبلغْ نبيَّك منّي السّلام، وأبلغْه ما لقيتُ من ألَمِ الجراح؛ فإنّي أردتُ بذلك ثوابَك في نُصرةِ ذرّيّةِ نبيّكصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

والتفتَ إلى الحسينعليه‌السلام قائلاً: أَوفيتُ يابنَ رسولِ الله؟

قال:«نعم، أنتَ أمامي في الجنّة» (3) . وقضى نحبه.

ولمّا عرف الحسينُعليه‌السلام منهم صدقَ النيّة والإخلاص في المفاداةِ دونه أوقفَهم على غامض القضاء، فقال:«إنِّي غداً اُقتل، وكلُّكم تُقتلونَ معي، ولا

____________________

(1) اللهوف / 53.

(2) مقتل العوالم - للشيخ عبد الله البحرانيّ / 88.

(3) ذخيرة الدارين / 178.


يبقى منكم أحد» (1) .

وكانوا كلُّهم قد اُشربوا حُبَّ الحسينعليه‌السلام ، وأخلاقَ الحسين، فتقدّموا لا يطلبون إلاّ نُصرته؛ يضربون بذلك الأمثالَ الرائعةَ في الإخلاص والتضحية والـمُواساة. فحين قصد العبّاسعليه‌السلام الفرات ضامّاً إليه عشرين راجلاً، تقدّم نافعُ بنُ هلال الجمليّ (رضوانُ الله عليه) باللواء، فصاح عمْرُو بنُ الحجّاج: مَنِ الرجل؟

قال: جئنا لنشربَ من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه.

فقال عمرو: اشربْ هنيئاً، ولا تحملْ إلى الحسين منه.

قال نافع: لا والله، لا أشربُ منه قطرةً والحسينُ ومَنْ معه مِن آلِه وصحبِه عطاشى(2) .

ووقف عابسُ بن شبيب الشاكريّ (رضوانُ الله عليه) أمام الحسينعليه‌السلام وقال: ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعزَّ عَلَيَّ منك، ولو قدرتُ أنْ أدفعَ الضيمَ عنك بشيءٍ أعزَّ عَلَيَّ من نفسي لفعلت. السلام عليك، أشهدُ أَنّي على هُداك وهُدى أبيك.

ومشى نحو القوم مُصْلِتاً سيفَه، وبه ضربةٌ على جبينه، فنادى: ألاَ رجل؟ فأحجموا عنه؛ لأنّهم عرفوه أشجعَ الناس، فصاح عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة. فرُمي بها، فلمّا رأى ذلك ألقى درعَه ومغفرَه وشدَّ على الناس، وإنَّه ليطردُ أكثرَ مِن مئتين، ثمّ تعطّفوا عليه من كلِّ جانبٍ فقُتل(3) .

ووقف جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ أمامَ الحسينعليه‌السلام يستأذنه، فقالعليه‌السلام :

____________________

(1) نَفَس المهموم / 122.

(2) مقتل محمّد بن أبي طالب.

(3) تاريخ الطبريّ 6 / 254.


«يا جون، إنَّما تبِعتَنا طلباً للعافية، فأنتَ في إذنٍ منّي» .

أي انصرفْ عن ساحةِ المعركة، فوقع على قدميه يقبّلُهما ويقول: أنا في الرخاء ألحسُ قصاعَكم، وفي الشدّة أخذلُكم! لا والله، لا اُفارقكم حتّى يختلطَ هذا الدمُ الأسود مع دمائكم.

فأذِنَ له الحسينعليه‌السلام ، فقَتل خمسةً وعشرين وقُتل(1) .

وقُتل جميعُ أصحابه، وهم متأثّرون بمواعظه الشريفة وصراحته الطيّبة.

فالأخلاقُ الحسينيّة أبتْ أيّةَ مخادعة، فلم يُمَنِّ (سلام الله عليه) أحداً بدُنيا، وإنَّما قال لأصحابه:«إنّي راحلٌ إلى القتل، إلى الشهادة، فمَنْ أحبَّ أن يختار الرحيلَ معي فلْيوطِّنْ نفسَه على لقاءِ الله بين السيوف والأسنّة» .

واختبر إخلاصَهم وصفّاهم حتّى اصطفاهمُ الله تعالى للشرف التأريخيّ الشامخ؛ أن يُستشهَدوا مع سيّد الشهداء الإمامِ الحسين (صلوات الله عليه)، وهم اُباةٌ أوفياء، فزعوا إلى مضاجع العزّ، وختمُوا حياتَهم مرضيّين؛ لأنّهم نصروا إمامهم وذبُّوا عنه.

وتنادبتْ للذبِّ عنه عصبةٌ

ورِثُوا المعالي أشيباً وشبابا

مَن ينتدبْهم للكريهةِ ينتدبْ

منهم ضراغمةَ الاُسودِ غضابا

خفّوا لداعي الحرب حين دعاهمُ

ورسَوْا بعرصةِ كربلاءَ هِضابا

اُسْدٌ قدِ اتَّخذوا الصوارمَ حِلْيةً

وتسربلوا حلَقَ الدروعِ ثيابا

تخِذتْ عيونُهُمُ القساطلَ كُحلَه

وأكفُّهم فيضَ النحورِ خضابا

يتمايلون كأنّما غنَّى لهم

وقْعُ الظُّبا وسقاهُمُ أكوابا

برِقتْ سيوفهمُ فأمطرتِ الطلى

بدمائه والنقعُ ثار سَحابا

____________________

(1) مثير الأحزان - لابن نما / 33.


وكأنّهم مستقبِلونَ كواعب

مستقبلينَ أسنَّةً وكِعابا

وجدوا الردى مِن دونِ آلِ محمّدٍ

عذْباً وبَعدَهمُ الحياةَ عذابا

ودعاهُمُ داعي القضاءِ وكلُّهم

ندْبٌ إذا الداعي دعاهُ أجابا

فهَوَوْا على عفرِ التراب وإنَّم

ضمّوا هناكَ الخُرَّدَ الأترابا

ونأَوا عن الأعداءِ وارتحلوا إلى

دار النعيم وجاوروا الأحبابا(1)

* * * * *

وظلَّتِ المواعظُ الحسينيّة تأخذ مداها في الآفاق حتّى أثمرتْ عن فضحِ المتقمّصين لباسَ الخلافة الإسلاميّة، وكسرِ الإطار الدينيِّ المزيّف الذي ضربوه أمامَ حكومتهم، فعادَ الناسُ لا يُصدّقونَ أنَّ بني اُميّةَ لهم الحقّ في خلافةِ النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكذلك أثمرتْ عن شعورٍ بالإثم؛ فقد تغافل الناسُ زمناً عن وصايا الإمامِ الحسينعليه‌السلام ، ثمّ ما لبثُوا أن أفاقوا على كلماتِه عن لسانِ اُسرته، ولم يصبر الكثيرُ منهم حتّى عزم على الثأر والتكفير عن الذنب، فكانتْ ثورةُ التوّابين، وثورة المدينة، وثورة المختار الثقفيّ، وثورة مطرف بن المغيرة، وثورة عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث، وثورة زيد بن عليِّ بن الحسينعليهم‌السلام .

كلّ ذلك في سنواتٍ قليلة بعد شهادة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)؛ حيث أثّرتْ وصايا الحسين في أهل بيته، فمضَوا يُبصّرون الناس فيحرّكون ضمائرَهم، ويهزّون مشاعرَهم.

* * * * *

____________________

(1) من قصيدة للسيّد رضا الهنديّ الموسويّ / 41 من ديوانه المطبوع.


وكان الإمامُ الحسينعليه‌السلام قد شدّ على قلوب أهل بيته بالصبر والرضا بقضاء الله، فلمّا رأى النساءَ يبكينَ عليه ليلةَ عاشوراء، وسمع اُختَه اُمَّ كلثوم تنادي: واضيعتَنا بعدك يا أبا عبد الله! عزّاهاعليه‌السلام ، وقال لها:«يا اُختاه، تَعَزَّيْ بعزاءِ الله؛ فإنَّ سكَّان السماواتِ يفنَون، وأهل الأرض كلّهم يموتون، وجميع البريّة يهلكون».

ثمّ قال:«يا اُختاه يا اُمَّ كلثوم، وأنتِ يا زينب، وأنتِ يا فاطمة (ابنته)،وأنتِ يا رباب (زوجته)،انظرْنَ إذا أنا قُتلتُ، فلا تشققْنَ عَلَيَّ جيباً، ولا تخمشْنَ عَلَيَّ وجهاً، ولا تقلْنَ هجراً» (1) .

وكان درساً في الصبر، وفي العزّةِ والإباء أمامَ أعداءِ الله.

وفي الوداع الثاني لعياله أَمرهم بالصبر، وقال:«استعدّوا للبلاء، واعلموا أنَّ الله تعالى حاميكم وحافظُكم، وسيُنجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبةَ أمركم إلى خير، ويُعذّبُ عدوَّكم بأنواعِ العذاب، ويُعوّضُكم عن هذه البليّةِ بأنواعِ النِّعَمِ والكرامة. فلا تشكو، ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقصُ من قدْرِكم» (2) .

وقد أخذتْ هذه الموعظةُ طريقَها إلى قلوبِ العيال، فكان منهمُ الثباتُ والصبر والإباء، والعزّةُ والشموخ. فهذه سكينةُ ابنتُه (لم يتضعضع صبرُها، ولا وهى تسليمُها للقضاءِ الجاري، ولم يتحدّثِ المؤرّخون عمّا ينافي ثباتَها على الخطوب في الكوفةِ والشام مع ما لاقتْه من شماتةِ ابنِ مرجانة وابنِ ميسون، ونكتِه بالعودِ رأسَ الحسين...)(3) .

وهذه اُمُّ كلثوم تقف في الكوفة فتخطُبهم قائلة: يا أهل الكوفة، سَوْأةً

____________________

(1) اللهوف / 34.

(2) جلاء العيون - للشيخ المجلسيّ.

(3) السيّدة سكينة - للسيّد عبد الرزّاق المقرّم / 64.


لكم! ما لكم خذلتُم حسيناً وقتلتموه، وانتهبْتُم أمواله وورثتموه، وسبيتُم نساءَه ونكبتموه؟! فتبّاً لكم وسُحقاً!

ويلكم! أتدرونَ أيّ دواهٍ دهتْكم، وأيّ وزْرٍ على ظهوركم حملتُم، وأيّ دماءٍ سفكتموها، وأيّ كريمةٍ أصبتموها، وأيّ صبيّةٍ سلبتموها، وأيّ أموالٍ انتهبتموها؟! قتلتُم خيرَ رجالاتٍ بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونُزعتِ الرحمةُ من قلوبكم، ألاَ إنَّ حزبَ الشيطان همُ الخاسرون.

فضجّ الناسُ بالبكاء، فلم يُرَ باكيةٌ وباكٍ أكثر من ذلك اليوم(1) .

وتلك فاطمة بنتُ الحسين تقف هي الاُخرى في الكوفة لتخطب قائلة:... أمّا بعد يا أهلَ الكوفة، يا أهلَ المكرِ والغدرِ والخيلاء، فإنّا أهلُ بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا، فجعل بلاءَنا حسَناً، وجعلَ علمَه عندنا، وفهمَه لدينا؛ فنحنُ عيبةُ علمِه، ووعاءُ فهمه، وحكمته وحجّته على الأرض في بلاده لعباده. أكرمَنا الله بكرامته، وفضّلَنا بنبيّه محمّدٍصلى‌الله‌عليه‌وآله على كثيرٍ ممّن خلقَ تفضلاً بيّناً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتُم قتالَنا حلالاً، وأموالَنا نهباً...

ويلكم! أتدرونَ أيَّة يدٍ طاعنتْنا منكم، وأيَّة نفْسٍ نزعتْ إلى قتالنا، أم بأيَّةِ رِجْلٍ مشيتُم إلينا تبغون محاربتَنا؟! والله، قستْ قلوبُكم، وغلظتْ أكبادكم، وطُبِع على أفئدتكم، وخُتِم على سمعكم وبصركم، وسوّل لكمُ الشيطانُ وأملى لكم، وجعل على أبصاركم غشاوةً فأنتم لا تهتدون.

فتبّاً لكم يا أهلَ الكوفة! أيّ تِراتِ لرسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قِبَلَكم، وذحولٍ لديكم بما صنعتُم بأخيه عليِّ بنِ أبي طالب جدّي، وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار...؟!

فارتفعتِ

____________________

(1) اللهوف / 66.


الأصواتُ بالبكاءِ والنحيب، وقالوا: حسبكِ يابنةَ الطيّبين؛ فقد أحرقتِ قلوبنا، وأنضجتِ نحورَنا، وأضرمتِ أجوافنا. فسكتتْ(1) .

وأمّا العقيلةُ زينبعليها‌السلام فقد أصغتْ بعقلها وقلبها إلى موعظة أخيها الحسين (سلام الله عليه) ليلة عاشوراء، حيث قال لها:«ياُختاه، اتّقي الله، وتعزّيْ بعزاءِ الله، واعلمي أنَّ أهلَ الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهَهُ تعالى الذي خلَقَ الخلْقَ بقدرته، ويبعثُ الخلْقَ ويعودون، وهو فردٌ وحدَه. جدّي خيرٌ منّي، وأبي خيرٌ منّي، واُمّي خيرٌ منّي، وأخي خيرٌ منّي، ولي ولكلِّ مسلمٍ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اُسوة.

يا اُختاه، أقسمتُ عليكِ فأَبرّي قسَمي؛ لا تشقّي عَلَيَّ جيباً، ولا تخمشي عَلَيَّ وجهاً، ولا تدْعي عَلَيَّ بالويلِ والثبورِ إذا أنا هلكتُ» (2) .

وكانت زينب (سلام الله عليها) عند وصيّةِ أخيها؛ حيث لم يَرَ الأعداءُ منها وهْناً، بل وجدوها تلكَ الحرّةَ الأبيّة، واللبوةَ الطالبيّة، والمعجزةَ المحمّديّة، والذخيرةَ الحيدريّة، والوديعةَ الفاطميّة، تحدّتْ بمواقفها أهلَ النفاق والفتن، وأرهبتِ الطُّغاةَ في صلابتها، وأدهشتِ العقولَ برباطةِ جأشها، ومثّلتْ أباها عليّاًعليه‌السلام بشجاعتها، وأشبهتْ اُمَّها الزهراءَعليها‌السلام في عظمتِها وبلاغتها.

فقد شاهدت إخوانَها، وبني إخوانِها، وبني عمومتها، وشيعةَ أخيها على الرمال مجزّرين، وشاهدت إحراقَ خيامها بعد قتل أخيها الحسينعليه‌السلام ، ومرّتْ على مصارع الشهداء، وعاشتْ محنةَ الأسر، والسفر المرير إلى الكوفة، ثمّ الشام،

____________________

(1) اللهوف / 65.

(2) زينب الكبرى بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام - للشيخ جعفر النقديّ / 121.


ثمّ من الشام إلى كربلاء، فالمدينة المنوّرة.

وقد كانتْ لها مواقفُ شجاعة وهي امرأةٌ مكسورة بفجيعة أهلها؛ حيث خرجتْ إلى باب الفسطاط في ساحة الطفّ ونادت عمرَ بن سعد: ويلكَ يا عمر! أيُقتل أبو عبد الله وأنتَ تنظرُ إليه؟! فلم يُجبْها بشيء، فنادتْ: ويحكم! أما فيكم مسلم؟! فلم يُجبْها أحد(1) .

وبعد أن اُحرقتِ الخيام، وتفرّقتِ الأطفال، زينبُ هي التي تجمعُ النساءَ والأطفال؛ تتفقّدهم، وتتفحّص عن الأيتام حتّى جمعتْهم في خيمةٍ وجلستْ عندها، وكأنّها لم تُصَبْ بتلك الفاجعة الأليمة؛ فقد كان منها الحزم والصبرُ على البلاء حتّى جمعت المتشتّت، وعالجت المريض، وهدّأتِ اليتامى، وصبّرتِ الثواكلَ والأرامل.

لقد أخذتْ موعظةُ أخيها الحسينعليه‌السلام طريقَها إلى قلب زينب، فتعزَّتْ بعزاءِ الله؛ فوضعتْ يديها تحت جثمانه الموزّع بالسيوف رافعةً له، وهي تقول: اللهمَّ تقبّلْ منّا هذا القليلَ من القربان(2) .

وحينما أراد عبيد الله بنُ زياد قتلَ ابن أخيها عليِّ بن الحسينعليه‌السلام صاحتْ به: يابنَ زياد، حسبُك من دمائنا. واعتنقتْ عليّاًعليه‌السلام وقالت: والله لا اُفارقه، فإن قتلتَه فاقتلْني معه(3) .

وفي الكوفة خطبتْ تلكَ الخطبةَ المعروفة، والتي قال حذيمُ الأسديّ بعدها: لم أرَ والله خَفِرةً قطّ أنطقَ منها، كأنّها تنطقُ وتُفرغ عن لسان عليّ(4) !

____________________

(1) الإرشاد / 242.

(2) زينب الكبرى: 75.

(3) الإرشاد / 244.

(4) الاحتجاج - للشيخ أبي منصور أحمد بن عليّ الطبرسيّ 2 / 31.


وفي مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد سألها: كيف رأيتِ فعلَ الله بأهلِ بيتك؟

أجابته على الفور: ما رأيتُ إلاّ جميلاً، هؤلاءِ قوم كتب الله عليهمُ القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينَك وبينهم فتُحاجّ وتخاصم، فانظرْ لِمَنِ الفلَجُ يومئذٍ، ثكلتْكَ اُمُّكَ يابنَ مرجانة!

فغضب ابن زيادٍ واستشاط من كلامها معه(1) .

هذا وهي سبيّة، حتّى إذا وصلتْ إلى قصر يزيد بن معاوية، وسمعتْه يقرأ أبيات الكفر:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدو

جزَعَ الخزرج من وقعِ الأسلْ

لأهلّوا واستهلُّوا فرح

ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشلْ

قد قتلنا القومَ من ساداتِهمْ

وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ

لعبتْ هاشمُ بالـمُلْكِ فل

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلْ

لستُ من خِندفَ إن لم أنتقمْ

من بني أحمدَ ما كان فعلْ

خطبتْ زينبُعليها‌السلام خطبتَها المشهورة، وقد قالتْ فيها فيما قالتْ:... أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطارَ الأرضِ وآفاقَ السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الاُسارى، أنَّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنَّ ذلك لعِظَمِ خطرك عنده، فشمختَ بأنفك، ونظرتَ في عطفك جذلانَ مسروراً، حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة، والاُمورَ متّسقة، وحين صفا لك

____________________

(1) اللهوف / 90.


مُلكُنا وسلطاننا؟! فمهلاً مهلاً، أنسِيتَ قولَ الله تعالى:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (1) ؟!

أمِنَ العدل يابن الطلقاء، تخديرُك حرائرَك وإماءَك، وسوقُك بناتِ رسول الله سبايا؟!... ثمّ تقول غيرَ مستأثِم ولا مستعظِم:

لأهلّوا واستهلُّوا فرح

ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشلْ

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شبابِ أهلِ الجنّة تنكتُها بمخصرتك!... وتهتفُ بأشياخك زعمتَ أنّك تُناديهم! فلترِدَنّ وشيكاً موردَهم، ولتودّنَّ أنّك شُللتَ وبُكمتَ ولم تكن قلتَ ما قلت، وفعلتَ ما فعلت.

فوالله، ما فريتَ إلاّ جلْدَك، ولا حززْتَ إلاّ لحمَك، ولتردنَّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما تحمّلت من سفكِ دماءِ ذرّيّته، وانتهكتَ من حُرمتِه في عترتِه ولحمتِه... وحسبُك بالله حاكماً، وبمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّلَ لك ومكّنَكَ من رقاب المسلمين بئسَ للظالمين بدلاً، وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعفُ جُنْداً!

ولئن جرّتْ عَلَيَّ الدواهي مخاطبتَك، إنّي لاَستصغرُ قَدْرَك، وأستعظمُ تقريعَك، وأستكثر توبيخَك... ألاَ فالعجبُ كلُّ العجب لقتلِ حزب الله النجباء، بحزب الشيطانِ الطلقاء!... فكدْ كيدَك، واسعَ سعيَك، وناصبْ جهدَك، فوالله لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُمِيتُ وحيَنا، ولا ترخصُ عنك عارها، وهل رأيُك

____________________

(1) سورة آل عمران / 178.


إلاّ فَنَد، وأيّامُك إلاّ عدد، وجمعُك إلاّ بدد، يومَ ينادي المنادي: ألاّ لعنةُ الله على الظالمين.

والحمد لله ربِّ العالمين، الذي ختم لأوّلنا بالسعادةِ والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يُكْمِلَ لهمُ الثواب، ويُوجبَ لهمُ المزيد، ويُحسِنَ علينا الخلافة، إنَّه رحيمٌ ودود، وحسبُنا الله ونعمَ الوكيل.

فلم يملكْ يزيدُ إلاّ أن قال:

يا صيحةً تُحمدُ مِن صوائحْ

ما أهونَ النوحَ على النوائحْ(1)

* * * * *

لقد أثمرت الموعظة الحسينيّة عزّةً وإباءً، وكرامة وتضحيّة، وشجاعةً وتحدّياً للظالمين، فتحوّلت إلى ثورة متنقّلة ضاق بها الطغاة.

قال النسّابة العبيدليّ: كانت زينبُ بنتُ عليّ، وهي بالمدينة بعد عودتها من السبّي، تُؤلِّبُ الناس على القيام بأخذ ثأر الحسين وخلعِ يزيد. بلغ ذلك أهل المدينة، فخطبتْ فيهم زينب وصارت تُؤلّبُهم على القيام للأخذ بالثأر، فبلغ ذلك عمرو بنَ سعيد، فكتب إلى يزيد يُعلمه الخبر، فكتب إليه أن فرِّقْ بينها وبينهم، فأمر أن ينادى عليها بالخروج من المدينة والإقامةِ حيث تشاء...(2) .

* * * * *

* ولم تقِفِ الأخلاقُ الحسينيّة عند حدِّ نُصح الأهل والأصحاب، بل تعدّتْ ذلك إلى نُصح الأعداءِ والمخالفين ووعظهم، ودعوتهم إلى الحقّ

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 308، واللهوف / 76.

(2) السيّدة زينب / تأليف حسن محمّد قاسم.


والخير؛ ذلك لأنَّ أخلاق الحسينعليه‌السلام هي من أخلاق الله تبارك وتعالى، وأخلاقُ الله صبرٌ على الناس وإمهالٌ لهم، والرفقُ بهم والرحمةُ بحالهم، ومجادلتُهم بالحكمةِ والموعظة الحسنة حتّى يعلموا ما جهلوه، ويفيقوا من سكرة حبِّ الدنيا، ويَتحرَّكَ فيهم عرقُ الغيرةِ على الدين، وتظهرَ في قلوبهم نخوةُ الشجاعة والشهامة والعزَّةِ فيتركوا اللهاثَ وراءَ السلطانِ الجائر، ويَؤُوبوا إلى الله مولاهُمُ الحقّ.

فيوم جعجع به الحرُّ بن يزيد الرياحيّ في ألفِ فارس ليحبسه عن الرجوع، استقبلهم الحسينعليه‌السلام ، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:«إنَّها معذرةٌ إلى الله (عزَّ وجلَّ) وإليكم، وإنِّي لم آتِكم حتّى أتتْني كتبُكم، وقدِمتْ بها عَلَيَّ رسُلُكم أن اقدِمْ علينا فإنَّه ليس لنا إمام، ولعلَّ الله أن يجمعنا بكَ على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتُكم فأعطوني ما أطمئنُّ به من عهودكم ومواثيقكم...».

وبعد صلاة الظهر أقبل عليهم مرّةً اُخرى، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ، وقال:«أيُّها الناس، إنَّكم إن تتَّقوا الله وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهلُ بيتِ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أَوْلى بولاية هذا الأمر من هؤلاء الـمُدَّعين ما ليس لهم، والسائرين بالجور والعدوان. وإن أبيتمْ إلاّ الكراهيّةَ لنا والجهلَ بحقِّنا، وكان رأيُكمُ الآنَ على غير ما أتتْني كتبُكم انصرفتُ عنكم» .

فقال الحرُّ: ما أدري ما هذه الكتبُ التي تذكرها!

فأمر الحسينُعليه‌السلام عقبةَ بنَ


سمعان، فأخرج خُرجَينِ مملوءينِ كتباً(1) . وهي كتبُ أهلِ الكوفة تشكو للحسينعليه‌السلام ظلمَ يزيد، ويَدعونه للقدومِ عليهم ليكونَ إمامَهم. وقد جاء الإرشادُ الحسينيّ كاشفاً للحقيقة، ومُلزِماً لاتِّباعِ الحقّ.

وفي (البيضة) قال لهمعليه‌السلام :«أيُّها الناس، إنَّ رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً عهدَه، مخالفاً لسُنَّةِ رسولِ الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيّرْ عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخلَه مُدخلَه.

ألاَ وإنَّ هؤلاءِ قد لزِموا الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلالَه، وأنا أحقُّ ممَّن غيَّر. وقد أتتْني كتبُكم، وقدِمتْ عَلَيَّ رسلُكم ببيعتكم أنّكم لا تُسْلموني ولا تخذلوني، فإن أتممتُم عَلَيَّ بيعتَكم تُصيبوا رُشدَكم؛ فأنا الحسينُ بنُ عليّ، وابنُ فاطمةَ بنتِ رسول الله، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، ولكم فِيَّ اُسوة» (2) .

ولا يردُّ الوصايا الحسينيّة إلاّ معاندٌ منكرٌ للواقع، أمّا طُلاّبُ الحقيقة فقد استقرَّتْ عليها ضمائرُهم فبادروا إلى التوبة، ونقلوا رحالَهم إلى معسكر الحسينعليه‌السلام يقاتلون دونه، وكان سيَّدَهم في هذا الموقف الحرُّ بنُ يزيدٍ الرياحيّ؛ حيث ضربَ جوادَه نحو الحسينعليه‌السلام (3) منكّساً رمحه، قالباً ترسَه، وقد طأطأ برأسهِ حياءً من آل الرسول، رافعاً صوتَه:

____________________

(1) الإرشاد - للشيخ المفيد، والمناقب - لابن شهر آشوب 2 / 193.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 229، والكامل 4 / 21.

(3) تاريخ الطبريّ 6 / 244.


يا أبا عبد الله، إنَّي تائبٌ، فهل لي من توبة؟

فقال الحسينعليه‌السلام :«نعم، يتوب الله عليك» (1) .

فسَرّه قولُه، وتيقّن النعيمَ الدائم. ولم يكتفِ بذلك حتّى استأذنَ الحسينَعليه‌السلام في أن يكلِّم القوم، فأذِنَ له، فنادى بعسكر عبيد الله يعِظُهم ويبيّن لهم الحقّ، إلاّ أنَّ القوم حملوا عليه بالنبل.

ولم يكتفِ بهذا أيضاً حتّى نزل إلى ساحة المعركة يدافع عن الإمام الحقّ أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، فقَتل من أعداءِ الله نيّفاً وأربعين، ثمّ شدّتْ عليه الرجّالةُ غدراً فصرعتْه، فأبَّنَه الحسينُعليه‌السلام ، وقد حزن عليه، فقال:«قتْلةٌ مثْلُ قتلةِ النبيِّين وآلِ النبيِّين» . ثمّ التفتَ إلى الحرّ - وكان به رمق - فقالعليه‌السلام له وهو يمسح الدمَ عنه:«أنت الحرُّ كما سمَّتْكَ اُمُّك، وأنت الحرُّ في الدنيا والآخرة» (2) .

* ولكي لا يَدَّعِيَ أحدٌ أنَّ الأمر التبس عليه، أقام الإمامُ الحسينعليه‌السلام على القوم حُجَجَه بالغةً بيِّنة؛ فخرج إليهم في ساحة كربلاء ممتطياً فرسَ رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أخذ مصحفاً ونشرَه على رأسه، فوقف بأزاءِ القوم وقال:«يا قوم، إنَّ بيني وبينكم كتابَ الله، وسُنَّةَ جدِّي رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ».

ثمّ قالعليه‌السلام :«اُنشدكمُ الله، هل تعرفونني مَن أنا؟».

قالوا: أنت ابن رسول الله وسبطُه.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ جدِّي رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟».

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ أبي عليُّ بنُ أبي طالب؟».

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ جدَّتي خديجةُ بنتُ خويلد؟» .

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله،

____________________

(1) اللهوف / 58، وأمالي الصدوق / 97، وروضة الواعظين - للنيسابوريّ / 159.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 111.


هل تعلمون أنَّ سيّد الشهداء حمزةَ عمُّ أبي؟» .

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ الطيَّارَ في الجنَّة عمّي؟» .

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ هذا سيفُ رسول اللَه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنا متقلّدُه؟» .

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ هذه عمامةُ رسولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنا لابسُها؟».

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«اُنشدكمُ الله، هل تعلمون أنَّ عليّاً كان أوَّلَ القوم إسلاماً، وأعلمَهم علْماً، وأعظمَهم حِلْماً، وأنَّه وليُّ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة؟».

قالوا: اللهمَّ نعم.

قال:«فَبِمَ تستحِلُّونَ دمي، وأبي الذائدُ عن الحوض يذودُ عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصادر عن الماء؟!».

قالوا: قد علمنا ذلك، ونحن غيرُ تاركيكَ حتّى تذوقَ الموتَ عطشاً.

فقالعليه‌السلام :«تَبَّاً لكم أيَّتُها الجماعةُ وترَحاً! أحين استصرختمونا والِهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتُم علينا ناراً اقتدحناها على عدوِّنا وعدوِّكم، فأصبحتُم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدلٍ أفشَوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم! فهلاّ - لكمُ الويلات! -... إلى أن قالعليه‌السلام :ويحكم! أهؤلاءِ تعضدون وعنَّا تتخاذلون؟! أجل والله غدرٌ فيكم قديم، وشجتْ عليه اُصولُكم، وتأزَّرتْ فروعُكم، فكنتم أخبثَ ثمر، شجىً للناظر وأكلةً للغاصب.

ألاَ وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدعيِّ قد ركزَ بين اثنتين؛ بين السِّلَّةِ والذِّلَةِ، وهيهات منَّا الذلَّة! يأبى الله لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، وحجورٌ طابتْ وطَهُرَتْ، واُنُوفٌ حميَّة، ونفوسٌ أبيَّة مِن أن نُؤْثِرَ طاعةَ اللئامِ على مصارعِ الكرام...» .

ثمَّ قالعليه‌السلام :

فإن نهزِمْ فهزَّامونَ قِدْم

وإن نُهزَمْ فغيرُ مُهزَّمينا


وما إن طَبَّنا جبنٌ ولكن

منايانا ودولةُ آخَرينا

إذا ما الموت رفّع عن اُناسٍ

كلاكلَه أناخَ بآخَرينا

فأفنى ذلكم سَرواتِ قَومي

كما أفنى القرونَ الأوَّلينا

فلو خلدَ الملوكُ إذاً خلدْن

ولو بقيَ الكِرامُ إذاً بقينا

فقلْ للشامتين بنا أَفيقو

سيلقى الشامتون كما لقِينا

ثمّ قالعليه‌السلام :«أمَا والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركب الفرس حتّى تدورَ بكم دَورَ الرحى، وتعلقَ بكم قلق المحور...» (1) .

وكانت موعظةً بالغةَ الحُجَّة، مُخبرةً عن الحال والمآل، فيها التذكرة لمن أراد أن يذّكّر، أو كان له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد. وكان فيها تثبيتٌ للأخلاق الطيّبة؛ الوفاء، وإغاثة الملهوف إذا استصرخ، والعزّةُ والإباء، كما أنَّ فيها ذمّاً للأخلاق الشيطانيّة؛ الغدر، ونكث العهود، والتخاذل، والانحياز إلى الظالمين.

ولقد كانت أخلاقُ الإمام الحسينعليه‌السلام من السموّ أن نصحَ أعداءه، ووعظَ قاتليه؛ فيوم عاشوراء، وبعد أن صفَّ ابنُ سعد أصحابَه للحرب، دعا الحسينعليه‌السلام براحلته فركِبَها، ونادى بصوتٍ عالٍ يسمعُه جُلُّهم:«أيُّها الناس، اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتّى أعِظَكم بما هو حقٌّ لكم عَلَيَّ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي هذا واُعذرَ فيكم؛ فإن قبلتم عذري، وصدّقتُم قولي، وأعطيتموني النَّصَفَ من أنفسكم كنتم بذلك أسعدَ، ولم يكن لكم عَلَيَّ سبيل...».

____________________

(1) اللهوف / 56، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 8.


ثمّ قال:«الحمد لله الذي خلقَ الدنيا فجعلَها دارَ فناءٍ وزوال، متصرّفةً بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرورُ مَن غرَّتْه، والشقيُّ مَن فتنتْه، فلا تغرَّنَّكم هذه الدنيا؛ فإنَّها تقطعُ رجاءَ مَن ركنَ إليها، وتخيّب طمعَ مَن طمعَ فيها.

وأراكم قدِ اجتمعتُم على أمرٍ قد أسخطتُم الله فيه عليكم، وأعرضَ بوجههِ الكريمِ عنكم، وأحلَّ بكم نقمتَه، وجنَّبكم رحمتَه، فنِعمَ الربُّ ربُّنا، وبئس العبيدُ أنتم! أقررتُم بالطاعة، وآمنتُم بالرسولِ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ إنَّكم زحفتُم إلى ذرّيّته وعترته تُريدون قتلَهم! لقدِ استحوذ عليكمُ الشيطانُ فأنساكُم ذكْرَ الله العظيم. فتبَّاً لكم ولِما تُريدون! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، هؤلاءِ قومٌ كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين!

أيُّها الناس، انسبوني مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحلُّ لكم قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟! ألستُ ابنَ بنْتِ نبيّكم، وابنَ وصيّهِ وابن عمّه، وأوّلِ المؤمنين بالله، والمصدِّق لرسولهِ بما جاء من عند ربِّه؟! أَوَ ليس حمزةُ سيّد الشهداءِ عمَّ أَبي؟! أَوَ ليس جعفر الطيَّار عمّي؟! أَوَ لم يبلغْكمْ قولُ رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لي ولأخي: هذان سيّدا شبابِ أهلِ الجنَّة؟!

فإن صدّقتموني بما أقول، وهو الحقّ، فَوَالله ما تعمّدتُ الكذِبَ منذُ أن علمتُ أنَّ الله يمقتُ عليه أهلَه، ويضرُّ به مَنِ اختلقه، وإن كذّبتموني فإنَّ فيكم مَن إذا سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريّ، وأبا سعيدٍ الخُدْريّ، وسهلَ بنَ سعدٍ الساعديّ، وزيدَ بنَ أرقم، وأَنَسَ بنَ مالك يُخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لي ولأخي. أما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟!...».

ثمّ قالعليه‌السلام :«فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول، أفتشكّون في أنّي ابنُ


بنتِ نبيّكم؟... ويحكم! أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلتُه، أو مالٍ لكمُ استهلكتُه، أو بقصاص جراحة؟!».

فأخذوا لا يُكلِّمونه(1) ، بل أجابوه بالغدر، وأرسلوا له سهامَهم الخبيثة بعد أن أرسلَ لهمُ الحكمةَ والموعظة الحسنة.

وقام لسانُ الله يخطبُ واعظ

فصمّوا لِما عن قُدسِ أنواره عَمُوا

وقال انسبوني مَن أنا اليومَ وانظرو

حلالٌ لكم منّي دمي أم محرّمُ

فما وجدوا إلاّ السهامَ بنحرِه

ترشّى جواباً والعوالي تقوّمُ(2)

ولقد أجاد مَن وصفَ فقال:

لم أنْسَه إذْ قام فيهم خاطب

فإذا همُ لا يملكون خطابا

يدعو ألستُ أنا ابنَ بنتِ نبيِّكمْ

وملاذَكم إن صَرْفُ دهرٍ نابا

هل جئتُ في دين النبيِّ ببِدعةٍ

أم كنتُ في أحكامِه مُرتابا

أم لم يُوصِّ بنا النبيُّ وأودعَ الـ

ـثقلينِ فيكم عِترةً وكتابا

إن لم تَدينوا بالمعادِ فراجعو

أحسابَكم إن كنتمُ أعرابا

فغدَوا حيارى لا يرونَ لوعظهِ

إلاّ الأسنّةَ والسِّهامَ جوابا(3)

وهذا عمرُ بنُ سعد رأسُ الخيانة، يجنّد الجُند ليتقدّم على ذرّيّة رسولِ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛

____________________

(1) الإرشاد / 216، تاريخ الطبري 6 / 243.

(2) من قصيدة للمرجع الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

(3) ديوان السيّد رضا الهنديّ الموسويّ / 42.


يقتل رجالَهم، ويسبي نساءهم، ويُرعب أطفالَهم، والحسين (سلام الله عليه) يعلم بنيّته، ولكنَّ الأخلاق الحسينيّة تُسدي الخيرَ إلى كلّ أحد.

وقد علمنا أنّه سمع رجلاً عنده يقول: إنَّ المعروفَ إذا اُسديَ إلى غير أهله ضاع، فقال له الحسينعليه‌السلام :«ليس كذلك، ولكن تكونُ الصنيعةُ مثْلَ وابلِ المطر، تُصيبُ البرَّ والفاجر» .

وقد بقيَ الإمامُ الحسينعليه‌السلام وبعد سنينَ طويلة عند كلمته تلك؛ فيومَ عاشوراء استدعىعليه‌السلام عمرَ بنَ سعد فدُعي له، وكان كارهاً لا يُحبّ أن يأتيَه، فقال:«أيْ عمر! أتزعمُ أنّك تقتلُني ويُولّيك الدعيُّ بلادَ الريِّ وجُرجان؟! والله لا تهنأُ بذلك؛ عهدٌ معهود، فاصنعْ ما أنت صانع؛ فإنَّك لا تفرحُ بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسكَ على قصبةٍ يتراماهُ الصبيانُ بالكوفة، ويتّخذونه غرضاً بينهم» . فصرف بوجهه عنه مغضِباً(1) .

لقد وعظَه الإمامُ الحسينعليه‌السلام فأبلغ، وأخبرَه بما نوى، وما عليه حالُه، وما هو إليه في الغدِ مآلُه، إلاّ أنَّ الموعظةَ البالغةَ لا تنفع مَن شرح بالكفرِ صدراً، وعميتْ عينُه عن الآخرة فلم يعدْ يرى إلاّ الدنيا، ومات ضميره وقسى قلبه، واستبدّ به الطمع إلى حدٍّ فقد عاطفتَه.

فمِن أجل اُمنيةٍ لا يدري تتحقّق أم لا لا يتورّع عن قتل الأولياء والأبرياء، وهتك الحُرمات! وقد أخبره السبطُ الحسينعليه‌السلام أنّه لن يحصل على ما أمَّلوه. وعمرُ بنُ سعد يعلم يقيناً أنَّ ابنَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ولن يكذب، ولكنَّ نفسَه الشرهةَ لم تُمهلْه ساعةً يتدبّرُ فيها فيرجع عمّا أقدم عليه.

أمّا الحسين (سلام الله عليه)

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 8.


فقد أوقفه على المحجّة البيضاء هو ومَن معه؛ ذلك( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) .

وذاك الشمرُ بنُ ذي الجوشنرأسُ البغض على آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يأتي بفتنةٍ ليشقّ صفَّ معسكر الحسينعليه‌السلام ، فيصيح بأعلى صوته: أين بنو اُختنا؟ أين العبّاسُ وإخوته؟ وقد جاء لهم بالأمان من عبيدِ الله بن زياد إذا هم تركوا أخاهمُ الحسينعليه‌السلام وانصرفوا. وكان له رحِمٌ بهم، إلاّ أنَّ العبّاسَ وإخوته أعرضوا عن الشمر.

وهنا يظهر الخلُقُ الحسينيّ، فيعطي الفرصةَ لعدوّه كيما يقولَ ما يريد، فيقولعليه‌السلام للعبّاس وإخوته:«أجيبوهُ ولو كان فاسقاً» .

فقالوا لشمر: ما شأنك وما تُريد؟

قال: يا بني اُختي، أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعةَ... يزيد.

فقال العبّاس - وهو الذي تعلّم الإباء والوفاء من إمامه وأخيه الحسينعليه‌السلام -: لعنك الله ولعنَ أمانَك! أتُؤمننا وابنُ رسولِ الله لا أمانَ له؟! وتأمُرنا أن ندخلَ في طاعةِ اللُّعناء وأولادِ اللعناء(2) ؟!

وكان نصيبُ سيّد شباب أهل الجنَّة (سلام الله عليه) من القوم الذين وعظهم أن قال عمرُ بنُ سعد لأصحابه: ويحكم! اهجموا عليه.

فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتّى تخالفتْ بين أطناب المخيّم، فدُهشتِ النساءُ واُرعبن، فحمل عليهم كالليث الغضبان، فلا يلحقُ أحداً إلاّ بَعَجَه بسيفه فقتله، والسهامُ تأخذُه من كلِّ ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره(3) .

____________________

(1) سورة الأنفال / 42.

(2) تذكرة خواصّ الاُمَّة / 142، ومثير الأحزان - لابن نما / 28.

(3) مثير الأحزان - للشيخ شريف آل صاحب الجواهر.


ثمّ رجع إلى مركزه يُكثر من قول:«لا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله العظيم» (1) .

حتّى إذا اشتدّ به العطش، ورماه أبو الحتوف الجعفيّ بذلك السهم المشؤوم في جبهته الشريفة، وقف يستريح بعد أن ضعف عن القتال، فرماه رجل بحجرٍ على جبهته المقدّسة، ورماه آخر بسهم محدّدٍ له ثلاثُ شعب وقع على قلبه، فقال:«بسم الله وبالله، وعلى ملَّةِ رسول الله» .

ثمّ هوى على الأرض، وبقيَ مطروحاً مليّاً، فأخذ القومُ كلُّ قبيلةٍ تتّكل على غيرها، وتكره الإقدامَ على قتله(2) . هنا صاح الشمر: ما وقوفُكم، وما تنتظرون بالرجل وقد أثخنتْه السهام والرماح؟! احملوا عليه(3) .

وكان هذا هو نصيب السبط الحسينعليه‌السلام من القوم الذين دلَّهم على مرضاة الله، وبالغ في وعظهم، فما أن قال الشمر: احملوا عليه، حتّى أسرع زرعةُ بنُ شريك فضربه على كتفهِ الأيسر، ورماه الحصينُ في حلقه(4) ، وضربه آخَرُ على عاتقه، وطعنه سنانُ بنُ أنس في تُرقوته، ثمّ في بواني صدره، ثمّ رماه بسهمٍ في نحره(5) ، وطعنه صالحُ بنُ وهب في جنبه(6) .

وكان ما كان فيما بعد على يد ذلك الثعلبيّ (الشمر)، يصوِّرُ ذلك الشاعرُ المسيحيّ پولس سلامة، فيقول:

____________________

(1) اللهوف / 67.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 259.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 35.

(4) الإتحاف بحبّ الأشراف - للشبراويّ / 16.

(5) اللهوف / 70.

(6) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 25.


صاح شمرٌ بالناس هيّا اقتلوهُ

أتُراكم أصبحتمُ رحماءَا

قام بالسيف زرعةُ بنُ شَريكٍ

شرَّ مَن أنبتَ الورى لُؤماءَا

ضربَ الكِتْفَ والترائبُ حنّتْ

كحنين الناعورِ يُرخي الدَّلاءَا

ندَّ عَن دوحةِ الأكارمِ غصنٌ

دونه كلُّ روضةٍ غنَّاءَا

وتلاهُ بطعنةٍ (نُخعيٌّ)

فأطنَّتْ فقارَه والصلاءَا

تبِعتْها شِفارُهم تتوالى

كالزَّنابيرِ تطلبُ الحلواءَا

مالتِ الدوحةُ الرفيعةُ فانْه

رتْ قواها وهزّتِ البيداءَا

وانبرى الشمرُ يذبح السبطَ ذبح

ليتَ كانتْ يمينُه شلاّءَا(1)

____________________

(1) ديوان عيد الغدير / 316.


السخاوة الحسينيّة



السخاوة الحسينيّة

السخاء خُلقٌ من أخلاق الأنبياء على نبيّنا وآلِه وعليهم أفضلُ الصلاةِ والسّلام، قال تعالى:( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) (1) . والرسولُ الكريمُ هنا هو موسى (سلام الله عليه).

وقال تعالى:( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) (2) . وهنا المراد به المصطفى محمّد (صلَّى الله عليه وآلِهِ) الذي جمع الشمائلَ الشريفة كلَّها، وكان منها الكرم المادّيُّ والمعنويّ، في الأقوال والأفعال والصفات.

والسخاء خلُقٌ يُحبُّه الله (جلَّ وعلا)، ويدعو عبادَه إليه، فقال عزَّ مِن قائل:( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا ِلأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ) (3) . وفي الحديث الشريف قال النبيُّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«خُلقانِ يُحبّهما الله، وهما حُسْنُ الخلُق، والسخاء» (4) .

ومع أنَّ السخاءَ من حُسْنِ الخلُق، إلاّ أنّه جاء مُميَّزاً معتنىً به، مُفرداً له لفظٌ، ومعدوداً من بين خلُقَينِ يُحبُّهما الله سبحانه وتعالى؛ اهتماماً به.

____________________

(1) سورة الدخان / 17.

(2) سورة الحاقّة / 40.

(3) سورة المزّمّل / 20.

(4) جامع السعادات 2 / 113 - فصل السخاء.


وبين السخاء والكرم والجُودِ والسماحة مشتركاتٌ في المعنى وفروقات، نستطيع فهمَها بعد التأمّل في هذه الأحاديثِ الشريفة:

قال النبيُّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«الرجالُ أربعة؛ سخيٌّ وكريم، وبخيلٌ ولئيم؛ فالسخيُّ الذي يأكلُ ويُعطي، والكريمُ الذي لا يأكلُ ويُعطي، والبخيل الذي يأكلُ ولا يُعطي، واللئيمُ الذي لا يأكلُ ولا يُعطي» (1) .

وسُئل الإمامُ الصادقعليه‌السلام عن حدّ السخاء، فقال:«تُخرجُ مِن مالِكَ الحقَّ الذي أوجبَه الله عليك فتضعُه في موضعه» (2) .

وجاء عنه (سلامُ الله عليه) أيضاً أنّه قال:«السخيُّ الكريم الذي يُنفقُ مالَه في حقٍّ» (3) .

ورُوي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (صلواتُ الله عليه) أنّه قال:«السخيُّ يأكلُ مِن طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيلُ لا يأكلُ من طعام الناس لئلاّ يأكلوا من طعامه» (4) .

فالسخاء ليس في الإعطاء فحسب، بل في مقدِّماته أيضاً؛ بأن يَمُدّ الرجلُ يدَه إلى طعامٍ يُدعى إليه؛ تواضعاً لِما يُقدّم له، واستجابةً لدعوةِ الإخوان، وتشجيعاً لهم على أن يأكلوا من عنده، وكذا تشجيعاً لهم على الكرم. ألم نقرأ قولَ مولانا الإمامِ الحسين (سلام الله عليه) في مواعظه الشريفة:«مَن قَبِلَ عطاءَك فقد أعانَكَ على الكرم» .

أمّا الجُود، فيقول الشيخُ الجليل محمّد مهدي النراقيّرحمه‌الله في بيانه:

____________________

(1) جامع الأخبار - للسبزواري / 308 ح845.

(2) معاني الأخبار / 245.

(3) جامع الأخبار / 307 ح842.

(4) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 12.


اتّصافُه [المنفق] بالجود بقدْرِ ما تتّسع له نفسُه من قليلٍ أو كثير. وتختلفُ درجاتُ ذلك؛ فاصطناعُ المعروف أمرٌ وراءَ ما تُوجبه العادةُ والـمُروّة، وهو الجودُ بشرطِ أن يكون عن طيبةٍ من النفس، ولا يكون لأجلِ غرضٍ من خدمةٍ أو مدحٍ أو ثناء؛ إذ مَن يبذلُ المالَ بعِوضِ المدحِ والثناءِ أو غيرِه فليس بجواد، بل هو بيّاعٌ يشتري المدحَ بماله؛ لكونِ المدحِ ألذَّ عنده من المال.

فالجودُ هو بذلُ الشيء عن طيبةٍ من القلبِ من غير غرض، فإذا لم يكن غرضُه إلاّ الثوابَ في الآخرة، ورفعَ الدرجات، واكتسابَ فضيلةِ الجود، وتطهيرَ النفسِ عن رذيلةِ البُخل سُمّي جواداً(1) .

و أمّا في بيان السماحة فنُوردُ هاتينِ الروايتين:

قال أمير المؤمنين عليٌ لولده الحسن (سلام الله عليهما):«يا بُنيَّ، ما السماحة؟» .

قال:«البذلُ في العسر واليُسر» (2) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :«خيارُكم سمحاؤُكم، وشِرارُكم بُخلاؤُكم» .

ثمّ قال (سلام الله عليه):«إنَّ صاحبَ الكثير يهونُ عليه ذلك (أي البِرّ)، وقد مدح الله (عزَّ وجلَّ) صاحبَ القليل فقال: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ

____________________

(1) جامع السعادات 2 / 118، فصل معرفة ما يجب أن يُبذل.

(2) معاني الأخبار / 255.


كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) » (1) .

والإمامُ الحسين (صلواتُ الله عليه) يجمع كلَّ فضائل الكرم والسخاءِ، والجود والسماحة، ويضمُّ إليها مراقي الخصال والصفات الحميدةِ الطيّبة والأخلاق المحمودةِ، هذا ما حكتْه لنا سيرتُه الطاهرة.

فإذا كان السخاء من الإيمان(2) ؛ لقولِ الرسول المعظّمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ السخاء من الإيمان»، ولقولِهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ أفضلَ الناسِ إيماناً أبسطُهم كفَّاً» (3) ، فمَن ينافسُ الحسينَعليه‌السلام في ثبات إيمانه ورسوخه وشموخه؟!

وإذا كان للسخاء معالم؛ منها الابتداءُ بالأَوْلى، ومعرفةُ ما يجبُ بذلُه، والصدورُ عن طيبِ قلب، والإنفاق خالصاً لوجهِ الله تعالى، وما إلى ذلك، فمَنْ يزاحمُ الإمامَ الحسينَ (سلامُ الله عليه) في هذه المعارف والمعاني والحالات؟!

لقد بذل (صلواتُ الله عليه) حتّى عُرِف أنَّه لا يخشى النفاد؛ لأنَّه أحسنَ الظنَّ بالله تعالى؛ إذ هو الرزَّاق ذُو القوَّةِ المتين. فكانَعليه‌السلام كما قال وكما دعا؛ حيث ورد عنه (سلام الله عليه) في جملةِ حِكَمِه قولُه:«إنَّ أجودَ الناسِ مَنْ أعطى مَنْ لا يرجوه» (4) .

ولقد أعطى مَنْ يئس من الناس، وأعطى فوق ما ينتظر المعسر. ولا تستغرب وهو القائل:«مالُكَ إنْ لم يكنْ لك كنتَ له، فلا تُبقِ عليه؛ فإنَّه لا يُبقي عليك، وكُلْه قبل أنْ يأكلَك» (5) .

____________________

(1) الخصال 1 / 48، والآية في سورة الحشر / 9.

(2) جامع السعادات 2 / 113 - فصل السخاء.

(3) جامع السعادات 2 / 114.

(4) الدرّة الباهرة / 24.

(5) المصدر نفسه.


ولقد زهد (صلواتُ الله عليه) في الدنيا، وأحبَّ للناس أن يأخذوا منها حاجاتِهم، ولو أعطاهم مِن عنده ما يخلّفُ لديه خصاصة. فما أوفقَه (سلام الله عليه) مصداقاً لقول جَدِّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ما جُبِلَ وليُّ الله إلاّ على السخاء. والسخاءُ ما يقعُ على كلِّ محبوبٍ أقلُّه الدنيا. ومِن علاماتِ السخاء أن لا يُبالي مَن أكلَ الدنيا، ومَن ملكها؛ مؤمنٌ أو كافر، ومطيعٌ أو عاصٍ، وشريفٌ أو وضيع.

يُطعم غيرَه ويجوع، ويكسو غيرَه ويعرى، ويُعطي غيرَه ويمتنعُ من قبول عطاءِ غيره، ويُمَنُّ بذلك ولا يَمُنّ، ولو ملكَ الدنيا بأجمعها لم يرَ نفسه فيها إلاّ أجنبيّ، ولو بذلها في ذات الله (عزَّ وجلَّ) في ساعةٍ واحدةٍ ما ملء» (1) . أو في روايةٍ:«ما مَلّ» .

فالسخيّ مَن بذل ولم يخشَ الفقر، وأطعمَ غيرَه وجاع، وأعطى غيرَه وامتنع من قبولِ عطاءِ غيره إذا كان ذلك الغيرُ مُغرضاً، أو كان السخيُّ يخشى على نفسِه الطمع. إذاً فالسخاء ما حظيَ بخصلة العفَّة والإباء، فهذا من كرمِ النفس وعزّتِها.

ولقد ذَكَر لنا التاريخُ أنَّ الإمامَ موسى بن جعفرٍ الكاظمعليه‌السلام قال:«إنَّ الحسنَ والحسين عليهما‌السلام كانا لا يقبلانِ جوائزَ معاوية بنِ أبي سفيان» (2) ؛ ذلك أنَّ معاويةَ كان يحاول بجوائزه أن يستميلَ الإمامينعليهما‌السلام - وحاشاهما - ليقولا له بالإمامةِ الشرعيّة، والخلافة على المسلمين، وهيهات هيهات ذلك! هذا من جهة.

ومن جهةٍ اُخرى كان يحاول أن يقول للناس: إنَّ الأئمَّةَ - حاشاهم - أهلُ دنيا؛ ألا ترَونَ كيف يفرحون بالهدايا، ويطمعون بالعطايا، ويتنازلون بذلك عن شؤون الدين واُمور المسلمين؟

____________________

(1) مصباح الشريعة / 82، الباب 36 - في السخاء.

(2) مسند الإمام موسى بن جعفرعليهما‌السلام / 44.


قال محمّدُ بنُ طلحةَ الشافعيّ: وقد اشتهر النقلُ عنه (صلواتُ الله عليه) (أي الحسين عليه السّلام) أنَّه كان يُكرم الضيف، ويمنحُ الطالب، ويصلُ الرحم، ويُنيلُ الفقير، ويُسعفُ السائل، ويكسو العاري، ويُشْبع الجائع، ويُعطي الغارم، ويشدّ من الضعيف، ويُشفقُ على اليتيم، ويُعين ذا الحاجة، وقَلَّ أن وَصَلَه مالٌ إلاّ فرَّقَه.

ونُقل أنَّ معاويةَ لمَّا قدِمَ مكَّةَ وصله بمالٍ كثير، وثيابٍ وافرة، وكسواتٍ وافية، فردَّ الجميعَ عليه ولم يقبلْه منه، وهذا سجيّةُ الجواد، وشِنشنة(1) الكريم، وسمةُ ذي السماحة، وصفةُ مَن قد حوى مكارمَ الأخلاق؛ فأفعالُه الـمَتْلُوَّةُ شاهدةٌ له بصفةِ الكرم، ناطقةٌ بأنَّه متَّصفٌ بمحاسنِ الشِّيم(2) .

ولقد أجاد مَن قال في مدح الأئمّة (عليهمُ السّلام):

كرُموا وجادَ قبيلُهم مِن قبلِهم

وبنوهُمُ مِن بعدهم كُرَماءُ

فالناسُ أرضٌ في السماحةِ والندى

وهمُ إذا عُدَّ الكرامُ سماءُ(3)

وكلُّ ما قيل في الكرم والسخاء، والجود والسماحة ينطوي في أخلاق الإمام الحسين (سلام الله عليه) ويصغر؛ ذلك لأنَّ أخلاق الحسينعليه‌السلام - ومنها الكرم - هي على أفضل النيّةِ وأصلحها، وأنورِ الحكمةِ وأعقلها.

ثمّ إنَّ

____________________

(1) الشِّنشنة (بكسر الشين): الخلُق والطبيعة.

(2) مطالب السؤول - لابن طلحة الشافعيّ / 73، والفصول المهمّة - لابن الصبّاغ المالكيّ / 159 قريب منه.

(3) المحجّة البيضاء 4 / 225.


الكرمَ الحسينيّ يشملُ كلَّ ما ورد من خصائصَ وفضائلَ يحملها السخاءُ والجود والسماحة، حتّى لَيتميَّز عن كرمِ الناسِ باقترانِه بأخلاقٍ اُخرى، ومعانٍ عُلْويَّةٍ اُخرى، ومحاسنَ شريفةٍ اُخرى. فهو كرمٌ مقترنٌ بخلُقٍ طيّبٍ آخر، وهو كرمٌ مع فضلٍ نافل آخر.

تعالوا نتعرّف على ذلك ونحن نمشي مع الحسينعليه‌السلام في أخلاقه، وتعالَوا نتبيَّنْ ذلك من خلال الأخلاق الحسينيّة.

1 - السخاء مع الموعظة

فقد كان الإمامُ الحسين (عليه أفضلُ الصلاةِ والسّلام) يُقرن الكرمَ المادّيّ بالكرم المعنويّ؛ فيُسدي النصيحةَ والموعظة ما أمكنه إلى مَن جاء يسأله، ولا يبخل عليه بحكمةٍ أو وصيّةٍ تنفعه؛ فالمرءُ قد يحتاج إلى المال، لكنَّه إلى المواعظ أحوج.

عن عبد الرحمن العرزميّ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:«جاء رجل إلى الحسنِ والحسين عليهما‌السلام وهما جالسانِ على الصفا، فسألهما فقالا: إنَّ الصدقةَ لا تحلُّ إلاّ في دَينٍ مُوجِع، أو غرْمٍ مُفظع، أو فَقْرٍ مُدقع، ففيكَ شيءٌ من هذا؟ قال: نعم. فأعطَياه، وقد كان الرجلُ سألَ عبد الله بنَ عمر وعبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكر فأعطياه ولم يسألاهُ عن شيء، فرجع إليهما فقال لهما: ما لكُما لم تسألاني عمَّا سألني عنه الحسنُ والحسين؟!


وأخبرهما بما قالا، فقالا: إنَّهما غُذِّيا بالعلمِ غذاءاً» (1) .

وجاء الحسينَعليه‌السلام رجلٌ من الأنصار يريد أن يسأله حاجة، فقالعليه‌السلام :«يا أخا الأنصار، صُن وجهَكَ عن بِذلةِ المسألة، وارفعْ حاجتَكَ في رقعة؛ فإنّي آتٍ فيها ما سارّك إنَّ شاء الله» . فكتب: يا أبا عبد الله، إنَّ لفلانٍ عَلَيَّ خمسمئةِ دينار، وقد ألحَّ بي، فكلّمْه ينظرْني إلى ميسرة.

فلمّا قرأ الحسينُعليه‌السلام الرقعة دخل إلى منزله، فأخرج صُرَّةً فيها ألفُ دينار، وقال له:«أمَّا خمسمئة فاقضِ بها دَينَك، وأمَّا خمسمئة فاستعنْ بها على دهرك، ولا ترفعْ حاجتَكَ إلاّ إلى أحدِ ثلاثة؛ إلى ذي دِين، أو مُروَّة، أو حسب؛ فأمَّا ذو الدِّين فيصون دينَه؛ وأمَّا ذو الـمُروَّةِ فإنَّه يستحيي لمروّته؛ وأمَّا ذو الحسب فيعلم أَنَّك لم تُكرمْ وجهَك أن تبذلَه له في حاجتِك، فهو يصون وجهَك أن يَرُدَّك بغيرِ قضاءِ حاجتِك» (2) .

ولو وقفنا متأمّلين في هذه الرواية لوجدنا:

أوّلاً: أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام جمع إلى الكرمِ الماليّ الكرمَ المعنويّ؛ بإسداءِ الحكمةِ والموعظة.

ثانياً: أعطانا درساً في الأخلاق والشخصيّة، وهو ألاّ يُسرعَ المرءُ إلى السؤال، السؤال هو بذلُ ماءِ الوجه فلا يسترخصْه لأتفهِ الأسباب؛ كأن يبذّرُ فيعتمد على السؤال، أو يتكاسل عن العمل ويرجو إعانةَ الناس؛ فمِن سماتِ شخصيّة المؤمن الحياء، أمَّا كثرةُ السؤال فتُذهب الحياء.

ثمَّ إذا اضطُرَّ المرءُ إلى المسألة فعليه:

____________________

(1) بحار الأنوار 43 /320، الحديث الرابع، عن الكافي.

(2) تحف العقول / 177.


أ - أن يتكتّمَ ويتحرَّج في الطلب، ويتّخذ أشرفَ الأسباب إلى الاقتراض مثلاً، وأحفظها لكرامته.

ب - أن يختارَ من الناس مَن يحفظُ عليه ماءَ وجهه وكرامتَه، وقد وفَّرَ علينا الإمامُ الحسينعليه‌السلام وعلى السائل عناءَ البحث عمّن يحفظ ماءَ وجهه وكرامته؛ حيث دلاّه على ثلاثة؛ إمَّا ذي دِين، أو مروّة، أو حسَب.

ثالثاً: جمع الإمامُ الحسين (سلام الله عليه) إلى الكرم كفايةَ السائل، فلم يُعطِه نصفَ المبلغ مثلاً وقال له اطلبْ نصفَه الآخر من غيري، بل أعطاه ما يسدّ به دَينَه، ثمَّ زاد على ذلك بأن وهبَه خمسَمئةِ دينارٍ اُخرى يتوسَّع بها، ويُوسِّع بها على عياله؛ فالـمَدينُ لا بدَّ أن يكون عيالُه في ضائقة، ويستعين بها على ما بعد الدَّين؛ لكي لا يستدينَ مرَّةً اُخرى.

ثمَّ لا يفوتنا أنَّ الرجلَ حينما قدِم إلى الإمام الحسين (سلام الله عليه) كأنّه كان قد نوى سؤالَ حاجته، فلمَّا أرشده الحسينعليه‌السلام إلى صيانةِ وجههِ عن بذلة المسألة، ورفعِ حاجته في رقعة، كتب الرجلُ يسألُه أن يُكلِّمَ دائنَه في أن يُمهلَه إلى حين السعةِ والميسرة، ولم يكتبْ له في رقعته أن هبني ما أحتاجه وهو خمسُمئةِ دينار.

وكأنّه قد تعلَّم الدرس سريعاً، وكأنَّ الإمامَ الحسينعليه‌السلام قد كافأه على ذلك؛ بأن أكرمَه بما يقضي به دَينَه، وكافأه بخمسمئةِ دينارٍ اُخرى على حسن تعلّمه للدرس الأخلاقيّ، وهو صيانه الوجه عن بذلة المسألة، فصانَ وجهَه عن مطالبةِ الدائن، وعن المسألة في المستقبل، ووفّىعليه‌السلام بما وعدَه بأن يُؤتيَه ما يسرّه، وكان ما يسرّه قضاء دينه، والسعة في المستقبل.

فكان إلى كرم الحسينعليه‌السلام التكريم والمكافأة والرحمة؛ لأنَّ


الـمَدينَ يشعرُ بالذلِّ، ويشعر بالقلق غالباً.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لا تزال نفسُ المؤمن معلَّقةً ما كان عليه دَين» (1) .

وقال الإمام عليٌّعليه‌السلام :«إيَّاكُمْ والدَّين؛ فإنَّه هَمٌّ بالليل، وذُلٌّ بالنهار» (2) . هذا في الدَّين، أمَّا في المعيشة فيقول نبيُّ الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ النفسَ إذا أحرزتْ قُوتَها استقرَّتْ» (3) .

وقد جادَ الإمامُ الحسينعليه‌السلام على هذا الرجل السائل بالرحمة حين رفع عنه دَينَه، وأمَّنَ له قُوتَه للمستقبل، وكلُّ هذا كان مع الموعظة.

ذلك الكرمُ المعنويّ، فسلامُ الله عليك يا أبا عبد الله، يابن رسول الله، أيُّها الغصنُ الأشمُّ العاطر من الشجرةِ النبويّة والدوحة الهاشميّة.

2 - السخاء مع حفظ ماء الوجه

ولا يخفى على اللبيب أنَّ السائل إذا كان ذا عزَّةٍ وكرامة لا يهون عليه أن يبذلَ ماءَ وجهه إلاّ إذا اضطُرَّ لذلك، ووجدَ ذا دينٍ أو مروءةٍ أو حسب، فينهض إليه يعرض حاجته، فتتعثّرُ قدماه بأذيال الحياء، وتتردّد خطاه فيقوم بدافع الفاقة والضائقة، ويُحجم اُخرى بدافع العزّة والإباء، ثمَّ لا يجدُ بُدَّاً من أن يُعرِبَ عن حاجته وهو يُحسُّ أنّه باعَ ماء وجهه ولا يدري ماذا سيشتري به؟

أيحصَلْ على ما يفكّ به ظنكَه، أم يرجعُ خائباً محروماً وقد ذهب ماءُ وجهه في

____________________

(1) علل الشرائع - للشيخ الصدوق / 528 - الحديث الخامس.

(2) من لا يحضره الفقيه - للشيخ الصدوق 3 / 111 - الحديث 467.

(3) الكافي 5 / 89 - الحديث الثاني.


غير موضعه؟

هذا ما يجول في خاطر السائل، أمَّا مَن يقْدمُ على ريحانةِ المصطفى أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) فإنَّه لا يَرجِعُ إلى أهله وعياله إلاّ بالعطاءِ موفوراً، وبالكرامةِ محفوفاً، قد قضى الحسينُعليه‌السلام له حاجتَه، ونفّسَ كربتَه، ويسّر عُسرتَه، وحلَّ ضائقتَه بكرمه الغزير. وكلُّ ذلك يحظى به السائلُ عنده مع حفظ ماء الوجه، يشتريه بالتكريم ممّنِ اضطُرَّ إلى بيعه.

أعطى السائلَ الذي أتى إليه ألفاً، فأخذ ينقدها، فقال الخازن: بعتَنا شيئاً؟

قال السائل: ماءَ وجهي.

فقال الحسينعليه‌السلام :«صَدَق، أعطِه ألفاً وألفاً وألفاً؛ (الأوّل)لسؤالِك، (الألف الثاني)لماءِ وجهك، (الألف الثالث)لأنّك أتيتنا» (1) .

وأعطاه رجلٌ قطعةً، فقال له الإمامُ الحسينعليه‌السلام :«حاجتُك مقضيّة» ، قبل قراءتها، فقيل له: هلاّ رأيتَ ما فيها.

قال:«يسألُني الله عن وقوفه بين يدَيّ حتّى أقرأها» (2) .

وفي روايةٍ اُخرى: قيل له: يابنَ رسولِ الله، لو نظرتَ في رقعته ثمَّ رددتَ الجوابَ على قدْرِ ذلك.

فقال:«يسألُني الله تعالى عن ذُلِّ مَقامِه بين يدَيّ حتّى أقرأَ رقعتَه» (3) .

أيُّ تقوى هذه! وأيُّ عاطفةٍ شفّافةٍ تلك! إنَّه الحسين سبطُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورث عن جَدِّهِ الأخلاقَ العظيمة، فحظيَ منه الناس

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 22.

(2) المصدر نفسه.

(3) القطرة 2 / 231، الحديث العشرون نقلاً عن زهر الربيع - للسيّد نعمة الله الجزائريّ.


بالكرمِ الـمُكْرِم، وبالعطاء والتكريم، وبالجود والكرامة.

ويبلغُ شرفُ السخاءِ عن الإمام الحسينعليه‌السلام أنَّ سائلاً يتوهَّمُ فيأتي الحسينَ يظنُّه الحسنَ أخاه (سلام الله عليهما)؛ لأنّه كان قد وعدَه بمكافأة، فلم يفشله، ولم يخيّبْه، ولم يكشف له توهّمَه، وإليك الرواية بتفاصيلها كما ينقلُها الخوارزميّ(1) ، حيث يقول:

خرج الحسنعليه‌السلام إلى سفرٍ، فمرَّ براعي غنم، فنزل عنده فألطفه وبات عنده، فلمَّا أصبح دلّه على الطريق، فقال له الحسنعليه‌السلام :«إنّي ماضٍ إلى ضيعتي ثمّ أعود إلى المدينة». ووقّت له وقتاً وقال له:«تأتيني به» .

فلمّا جاء الوقتُ شُغل الحسنُ بشيءٍ من اُموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي وكان عبداً لرجلٍ من أهل المدينة، فصار إلى الحسين وهو يظنُّه الحسنَ، فقال: أنا العبدُ الذي بتَّ عندي ليلةَ كذا، ووعدتَني أن أصيرَ إليك في هذا الوقت.

وأراه علاماتٍ عرَف الحسينُ أنّه الحسن، فقال الحسينُ له:«لمَنْ أنت يا غلام؟».

فقال: لفلان.

فقال:«كم غنمُك؟» .

قال: ثلاثمئة. فأرسل إلى الرجل فرغّبه حتّى باعه الغنمَ والعبدَ، فأعتقه ووهبَ له الغنمَ؛ مكافأةً لما صنع مع أخيه، وقال:«إنَّ الذي باتَ عندك أخي، وقد كافأْتُكَ بفعلِكَ معه» (2) .

أيُّ خلُقٍ هذا! حَفِظَ به ماءَ وجهِ العبدِ إذ جاءه متوهّماً بعد أن ظنَّ أنَّه الحسنُعليه‌السلام ، فكافأه أصالةً عن نفسه الشريفة، ونيابةً عن أخيه، ولم يردَّه لتوهّمه. وقد أحسنَ المكافأةَ أيّما إحسانٍ؛ بأن أعتقه، واشترى له غنماً كثيرة فيتحرّر بذلك من رقِّ العبوديّة لذلك الرجل، ومن رقِّ سؤال الناس

____________________

(1) وهو من علماء السنّة.

(2) كتابه المعروف (مقتل الحسين عليه السّلام) 1/ 153.


والحاجة الـمُحرجة؛ فيكفّ يدَه ولسانَه عن السؤال، ولا يبذل ماءَ وجهه للناس.

وهو (سلام الله عليه) شجّع على الإحسان لأنّه يُحبّه، وكافأَ عليه ليسودَ المعروف ولا ينقطعَ سبيلُه، وأكرمَ القادمَ عليه وإن كان متوهّماً؛ فحفِظ عليه ماءَ وجهه؛ فبذلك جمع إلى السخاءِ الماديّ السخاءَ المعنويّ، وردَّ الغلامَ العبدَ إلى أهله حُرَّاً مكرَّماً، مسروراً مطمئنَّاً، قد رُفع عنه همُّ العيش وذلَّةُ الرقِّ والعبوديّة للناس.

وليس عجيباً أن يصدر ذلك من رجلٍ ورث أكرمَ الخلْق محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنَّما العجيبُ حقَّاً أن يُبخَلَ على هذا الكريم بقطرةِ ماء بعد أن أجهده القتال أمام الآلافِ المؤلّفة من جيش عمر بن سعد، وقد قال له الشمر: لا تذوقه حتّى تَرِدَ النار! وناداه رجل: يا حسين، ألاَ ترى الفراتَ كأنّه بطونُ الحيّات؟ فلا تشرب منه حتّى تموتَ عطشاً(1) ! من هوان الدنيا على الله إذ يشتدّ العطشُ بالكريم، فيحول بينه وبين الماءِ لئيم!

وقد عُرف الإمام الحسين (سلام الله عليه) بصدقات السرّ. يقول العالم الشيخ جعفر التستريّ (رضوان الله عليه) في جملةِ خصائص الحسينعليه‌السلام : ومنها الصدقات، فقد تحقّقتْ منه خصوصيّةٌ فيها ما سُمعتْ من غيره؛ وذلك أنّه رأَوا في ظهره يومَ الطفِّ ثفنات(2) ، فسُئل السجّادُ ولدُهعليه‌السلام عنها، فقال:«إنَّ ذلكَ ممّا كان ينقلُه في الليلِ على ظهرِه للأرامل والأيتام».

قال الراثيّ:

____________________

(1) مقاتل الطالبيّين - لأبي الفرج الأصبهانيّ / 47.

(2) جمع ثفنه، ما في ركبة البعير وصدره، من كثرةِ مماسّة الأرض.


وإنَّ ظَهراً غدا للبِرِّ ينقلُه

سرّاً إلى أهله ليلاً لَمكسورُ(1)

أجل، فذلك الظهر لا أدري كم هوتْ عليه سيوفُ الغدر، وطعنتْ به رماحُ الكفر حتّى مزّقتْه وكسّرته كما كسّرتْ...! كسّرتْ ذلك العاتقَ الشريفَ الذي حمل إلى الجياع والمساكين، والأطفال واليتامى والأرامل ما يسدّون به جَوعتَهم، ويحفظون به ماءَ وجوههم.

قد ضربوا عاتقَه الـمُطَهَّر

بضربةٍ كبا لها على الثَّرى(2)

ذلك بعد أن جمع الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الكرم الرحمةَ الرقيقة، والاُبوَّةَ الشفيقة، والسترَ على ذُلِّ المحتاجين، والكرامةَ على مَن يشعُر بعار السؤال حتّى أنسى القادمينَ عليه أنّهم سائلون؛ لجميلِ ما أكرمهم به، وطيبِ ما قابلهم به.

جاء أعرابيّ إلى الحسينعليه‌السلام فقال: يابنَ رسول الله، قد ضمنتُ دِيةً كاملةً وعجزتُ عن أدائها، فقلتُ في نفسي: أسألُ أكرمَ الناس، وما رأيتُ أكرمَ مِن أهل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال الحسينعليه‌السلام :«يا أخا العرب، أسألك عن ثلاثِ مسائل؛ فإن أجبتَ عن واحدةٍ أعطيتُك ثلُثَ المال، وإن أجبتَ عن اثنتين أعطيتُك ثلُثَي المال، وإن أجبتَ عنِ الكلِّ أعطيتُك الكلّ» .

فقال الأعرابيّ: يابن رسول الله، أمِثلُكَ يسألُ مثلي وأنتَ من أهل العلمِ والشرف؟!

فقال الحسينعليه‌السلام :«بلى، سمعتُ جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: المعروف بقدْرِ المعرفة» .

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 23، وفي رواية المناقب 4 / 66:«هذا ممّا كان ينقل الجرابَ على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين» ، كما روى ذلك شعيب بن عبد الرحمن الخزاعيّ.

(2) من المقبولة الحسينيّة - للشيخ هادي كاشف الغطاء / 56.


فقال الأعرابيّ: سَلْ عمّا بدا لك، فإن أجبتُ وإلاّ تعلّمتُ منك، ولا قوَّةَ إلاّ بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام :«أيُّ الأعمالِ أفضل؟».

فقال الأعرابيّ: الإيمان بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام :«فما النجاةُ مِن الهَلَكة؟».

فقال الأعرابيّ: الثقة بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام :«فما يزين الرجل؟».

فقال الأعرابيّ: علمٌ معه حِلْم.

قال:«فإن أخطأه ذلك؟».

فقال: مالٌ معه مروّة.

قال:«فإن أخطأه ذلك؟».

فقال: فَقْرٌ معه صبر.

فقال الحسينعليه‌السلام :«فإن أخطأه ذلك؟».

فقال الأعرابيّ: فصاعقةٌ تنزل من السماء وتُحرقه؛ فإنَّه أهلٌ لذلك.

فضحك الإمام الحسينعليه‌السلام ورمى له بصُرّةٍ فيها ألفُ دينار، وأعطاه خاتمَه وفيه فصٌّ قيمتُه مئتا درهم، وقال:«يا أعرابيّ، أعطِ الذهبَ إلى غرمائك، واصرفِ الخاتمَ في نفقتك».

فأخذ الأعرابيّ ذلك وقال:( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (1) .

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 196، عن جامع الأخبار / 381 ح1069، والآية في سورة الأنعام / 124. ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 155، ونزهة المجالس - للشيخ عبد الرحمن بن عبد السلام الصنوريّ الشافعيّ البغداديّ 2 / 233، والتفسير الكبير - للفخر الرازي 2 / 198.


وهنا تعالوا نتوقّف عند هذه الرواية لنرى ماذا كان غيرُ الكرم الحسينيّ؟

أوّلاً: إنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام أنسى الأعرابيّ مسألتَه وحاجتَه، فارتفع حَرَجُه، وذهبتْ عنه ذلّتُه. وليس ذلك فحسب، فإنَّه (سلام الله عليه) غيَّر جَوَّ المسألة والحاجة والطلب إلى جوِّ السؤال والجواب والعلم، فإذا بالأعرابيّ يجدُ نفسَه أمامَ عالِمٍ يُريد أجوبةً منه، وإن تظاهر ذلك العالِمُ أنَّه يُحبّ أن يسمع إجاباتِ المسائل الثلاث، حتّى تساءل الأعرابيّ متعجّباً: يابن رسول الله، أمثْلُك يسأل مثلي وأنت من أهل العلم والشرف؟!

وهذا يدلُّ على أنَّ الأعرابيّ لم يشعرْ أنَّه في جوِّ امتحان، إنَّما في جوٍّ علميّ تُطرح فيه الأسئلة ويُطلبُ منه ما ينفع المستمعين؛ فأجاب على أيِّ الأعمال أفضل، وما النجاة من الهلكة؟ وكان السؤال الثالث: ما يزينُ الرجل؟ فأجاب: علْمٌ معه حِلْم.

ويبدو أنَّ الأسئلة الثلاثة قد انتهت، إلاّ أنّنا نرى أنَّ أسئلةً اُخرى قد طُرحتْ بصيغةٍ متتابعة، وهي: فإن أخطأه ذلك؟ وإذا لم تكن أسئلة فهي تفريعات على السؤال الثالث. ولم نسمع من الأعرابيّ اعتراضاً على تجاوز السؤال الثالث إلى الرابع فالخامس فالسادس، أو قُلْ إن شئتَ: على التفريعات الإضافيّة الثلاثة للسؤال الثالث، إنَّما مضى يُجيب وكأنّه نسيَ أنّه قد جاءَ بحاجةٍ، وهي قضاءُ ديةٍ كاملةٍ في عاتقه؛ ممّا يدلُّ على أنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) قد خلقَ له جَوَّاً آخرَ ذهب فيه عن الأعرابيّ ما قد أحرجه من السؤال في قضاءِ حاجته.

ودليلٌ بيِّنٌ على ذلك أنَّ السؤال الأخير قد أجاب عليه بجملةٍ دعتِ الحسينعليه‌السلام يضحك، فكان جوَّ إخاءٍ ومفاكهة، ومفاكهةُ الإخوان من الأخلاق الفاضلة، لا سيّما إذا كانت معقولةً لا إسرافَ فيها، وجاءت مُذهبةً للهمّ، مزيلةً


للتعبِ والعناء.

ثانياً: جعل الإمامُ الحسين (سلام الله عليه) عطاءَه للأعرابيّ بصيغة مكافأةٍ علميّة لا بصيغةِ صدقةٍ على سؤال، وهذا أحفظُ لماءِ الوجه، وأكرم للرجل الوجيه الذي يحمل في صدره علماً.

ثالثاً: من خلال المباحثة العلميّة النافعة يستفيد القارئ أنَّ الحسينعليه‌السلام يشجّع على العلم، ويدعو إلى ذكر الله، وقد استطاع أن يُظهرَ علمَ الأعرابيّ. وأقول: علم الأعرابيِّ؛ لأنَّ الإمامَ الحسينعليه‌السلام أقرَّ على أجوبته، فهي صحيحة بالنسبة لأمثاله على أقلِّ الفروض، ولو كانت خطأً لردَّ عليها. ولم يخلُ اللقاءُ أو المجلس من ذكرٍ لله تعالى، ومن استفادةٍ علميّة للحاضرين إذا كان هناك مَن حضر.

رابعاً: كان من كرم الإمام الحسينعليه‌السلام أن زاد الأعرابيّ على حاجته، فأعطاه مبلغ الدية، ووهبَه خاتمَه لينفق ثمنه على ما يحتاجه، وبهذا يجمع الإمام الحسين (سلام الله عليه) إلى السخاء حفظَ ماءِ الوجه، والتذاكرَ في العلم، والعطاء بما يزيد على السؤال؛ فلعلَّ سائلاً يخجل أن يطلب أمرين: مبلغَ الدية مثلاً، وما يستعين به على حاجاته ونفقات عياله. وقد كفاه الإمام الحسينعليه‌السلام الأمر الثاني؛ فأعطاه خاتمَه من غير أن يسألَه ذلك. فسلامٌ عليك يا سليلَ النبوَّة ووريث الإمامة.

ولعلَّك استأنستَ بالرواية، وقد يحدوك الاستئناسُ إلى أن ترجعَ إليها تقراُها ثانيةً، لكنّي - وإن كنتُ لا أقف في طريق رجعتك إليها - أدعوك إلى أن


تقرأ الرواية من قلم الفخر الرازيّ(1) ، حيث كتب في تفسيره المعروف (التفسير الكبير)(2) :... أعرابيٌّ قصد الحسين بن عليّ (رضي الله عنهما) فسلّم عليه وسأله حاجةً، وقال: سمعتُ جدَّك يقول:«إذا سألتُم حاجةً فاسألوها من أحدِ أربعة؛ إمَّا عربيّ شريف، أو مَولىً كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجهٍ صبيح»؛ فأمَّا العرب فشرفتْ بجَدِّك، وأمَّا الكرمُ فبدأ بكم وسيرتكم، وأمَّا القرآنُ ففي بيوتكم نزل، وأمَّا الوجهُ الصبيح فإنّي سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«إذا أردتُم أن تنظروا إليَّ فانظروا إلى الحسنِ والحسين» .

فقال الحسينعليه‌السلام :«ما حاجتُك؟» .

فكتبها على الأرض، فقال الحسينعليه‌السلام :«سمعتُ أبي عليّاً يقول: قيمةُ كلِّ امرىءٍ ما يُحسنه. وسمعتُ جَدِّي يقول: المعروف بقدر المعرفة. فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنتَ في جوابِ واحدةٍ فلك ثلُثُ ما عندي، وإن أجبتَ عنَ اثنتينِ فلك ثلُثا ما عندي، وإن أجبتَ عن الثلاث فلك كلُّ ما عندي، وقد حُمل إليَّ صُرَّةٌ مختومةٌ من العراق».

فقال: سلْ، ولا حول ولا قوّةَ إلاّ بالله.

فقال:«أيُّ الأعمالِ أفضل؟».

فقال الأعرابيّ: الإيمان بالله.

قال:«فما نجاةُ العبدِ من الهلكة؟».

فقال الأعرابيّ: الثقة بالله.

قال:«فما يَزينُ المرء؟» .

____________________

(1) هو من مشاهير علماء السنّة.

(2) التفسير الكبير 2 / 198، طبع مصر.


فقال الأعرابيّ: علْمٌ معه حلْم.

قال:«فإنْ أخطأه ذلك؟» .

قال: فمالٌ معه كرم.

قال:«فإنْ أخطأه ذلك؟».

قال: ففقْرٌ معه صبر.

قال:«فإنْ أخطأه ذلك؟» .

قال: فصاعقةٌ تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الحسينعليه‌السلام ورمى بالصرّة اليه.

3 - السخاء مع الحياء

والحياء صفةٌ معروفةٌ عند أهل البيت (سلام الله عليهم)؛ إذ هم أشدُّ الناسِ حياءً من الله تعالى، وكلّما أرادوا أن يُعطوا خالط عطاءهمُ الحياء؛ لأنّهم (صلوات الله عليهم) يستقلّون هباتِهم، وقد عزفتْ نفوسهم عن حطامِ الدنيا، ورجَوا للناس أن تُقضى حوائجُهم، ولولا خشية الإسراف لبذلوا ما يبهتُ له السائل؛ إذ مروّتُهم أعلى ممّا يطلبهُ الناسُ ويحتاجونه.

جاء رجلٌ إلى الإمام محمّد الجوادعليه‌السلام فقال له: أعطنِي على قدْرِ مروّتِك.

فقالعليه‌السلام :«لا يَسَعُنِي» .

فقال: على قدْري.

قالعليه‌السلام :«أمَّا ذا فَنَعَم. يا غلامُ، أعطِه مئتَي دينار» (1) .

وإذا كان في المرء حياءٌ فإنَّك تنتظرُ منه خصالاً طيّبةً اُخرى؛ لأنَّ النبيّ

____________________

(1) كشف الغمّة 2 / 289.


الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:«أمّا الحياء فيتشعّب منه اللّينُ والرأفةُ والمراقبةُ لله في السرِّ والعلانية، والسلامةُ واجتنابُ الشرِّ، والبشاشةُ والسماحة، والظفرُ وحُسنُ الثناء على المرءِ في الناس...» (1) .

فإذا قدِم سائلٌ على أهل البيتعليهم‌السلام سارعوا إلى قضاءِ حاجته؛ يستحون أن يرَونَ على وجهه ذُلَّ المسألة وانكسارَ السائل، ويستحون أن يُؤخِّروه، أو يُعطوه دونَ ما يأمُل، أو دونَ حاجته. فإذا كان السائل ممّن هو أهلٌ للعطاء أكرموه وزادوا في إكرامه؛ حياءً منهم أن يردّوه بقضاءِ حاجته وحسب.

رُويَ أنَّ رجلاً جاء إلى الإمام الحسنعليه‌السلام وسأله حاجة، فقال له الإمام:«يا هذا، حقُّ سُؤالِكَ إيَّايَ يَعظُمُ لَدَيَّ، ومعرفتي بما يجب تكبرُ عَلَيَّ، ويدي تعجزُ عن نيلِكَ بما أنت أهلُه، والكثيرُ في ذاتِ الله (عزَّ وجلَّ) قليل، وما في مُلكي وفاء بشكرك؛ فإن قبِلتَ منّي الميسور، ورفعتَ عنّي مؤونةَ الاحتيالِ والاهتمام لما أتكلّفُه مِن واجبِك، فعلتُ» .

فقال الرجل: يابنَ رسولِ الله، أقبَلُ القليل، وأشكرُ العطيّة، وأعذرُ على المنع.

فدعا الحسنعليه‌السلام بوكيله، وجعل يُحاسبُه على نفقاتِه حتّى استقصاها، فقال:«هاتِ الفاضلَ من الثلاثمئةِ ألفِ درهم» . فأحضر خمسينَ ألفاً.

قال:«فما فُعل بالخمسمئة دينار؟» .

قال: هي عندي.

قال:«أحضِرْها».

فأحضرها، فدفع الدراهمَ والدنانيرَ إلى الرجل وقال:«هاتِ مَن يحملُها» .

فأتاه بحمّالين، فدفع الحسَنُ إليهم رداءَه لكراءِ الحمل، فقال له مَواليه: والله، ما عندنا درهم.

____________________

(1) تحف العقول / 20.


فقالعليه‌السلام :«لكنّي أرجو أن يكونَ لي عند الله أجرٌ عظيم» (1) .

وجاء بعضُ الأعراب، فقال الإمام الحسنعليه‌السلام :«أعطوهُ ما في الخزانة».

فقال الأعرابيّ: يا مولاي، ألاَ تركتَني أبوح بحاجتي، وأنشرُ مِدحتي؟!

فأنشأ الإمام الحسن (سلام الله عليه):

نحن اُناسٌ نوالُنا خضِلُ

يرتع فيه الرجاءُ والأملُ

تجود قبل السؤالِ أنفسُنا

خوفاً على ماءِ وجهِ مَن يَسَلُ(2)

هكذا هم أهلُ البيت (سلامُ الله عليهم)، يجودونَ قبل السؤال، ويزيدون على طلب السائل، ومع ذلك فإنَّ أوجُهَهم النورانيّة يجلّلُها الحياء حالَ الإعطاء، في حين يُنتظَرُ مِن المعطي أن يشعرَ بالفخر والعزّة إذا أرادَ أن يعطي.

يقول الشيخ التستريّ وهو يعدّد خصائصَ الإمام الحسينعليه‌السلام : ومنها العطاءُ للسائلين، فلهعليه‌السلام خصوصيّةٌ، وهي الحياء عند العطاء؛ فالناسُ تعرضُ لهم حالةُ ردِّ السائل، وهوعليه‌السلام له حالاتٌ عجيبة تعرضُ له عند سؤالِ أحد، فتراهعليه‌السلام يرقُّ على السائلِ لحاجته حين يُريد أن يُعطيَه سُؤْلَه، وتراهُ يرقُّ على السائل بسبب الذُّلِّ العارضِ له حين إعطائه له، لا لفقرِه واحتياجِه وصعوبةِ ذلك، بل لأجلِ السائل وحيائه(3) .

وكأنّه يُريد أن يقول: إنَّ الحسينعليه‌السلام كان إذا رأى السائلَ رقَّ

____________________

(1) مطالب السؤول 2 / 10، الفصول المهمّة / 139. أمّا الخوارزميّ فيذكر ذلك للحسينعليه‌السلام ، راجع مقتل الحسينعليه‌السلام 1 / 153.

(2) أعيان الشيعة 4 / 109 - القسم الأوّل.

(3) الخصائص الحسينيّة / 21 - 22.


لحاله، واستحيا من حيائه.

وفدَ أعرابيٌّ إلى المدينة فسألَ عن أكرمِ الناس بها، فدُلَّ على الحسينعليه‌السلام ، فدخل فوجدَه مصلّياً، فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يخبِ اليومَ مَن رجاكَ ومَن

حرَّكَ مِن دونِ بابِكَ الحلَقَهْ

أنتَ جوادٌ وأنتَ مُعتمَدٌ

أبوكَ قد كانَ قاتلَ الفسَقَهْ

لولا الذي كانَ مِن أوائلِكمْ

كانتْ علينا الجحيمُ منطبقهْ

فسلّم الحسينُعليه‌السلام وقال:«يا قنبر، هل بقيَ مِن مالِ الحجاز شيء؟» .

قال: نعم، أربعةُ آلافِ دينار.

قال:«هاتها؛ فقد جاءَ مَن هو أحقُّ بها منّا» .

ثمّ نزععليه‌السلام بُرْدَيهِ ولفَّ الدنانيرَ فيها، وأخرجَ يدَه مِن شقِّ البابِ حياءً مِن الأعرابيّ، وأنشأ:

خذْها فإنّي إليكَ معتذرٌ

واعلمْ بأنّي عليكَ ذو شفقَهْ

لو كان في سيرِنا الغداةَ عصاً

أمستْ سمانا عليكَ مندفِقَهْ

لكنَّ رَيبَ الزمانِ ذو غِيَرٍ

والكفُّ منّي قليلةُ النفَقَهْ

فأخذها الأعرابيُّ وبكى، فقال له الإمامُ الحسينعليه‌السلام :«لعلَّكَ استقللْتَ ما أعطيناكَ!» .

قال: لا، ولكنْ كيف يأكلُ الترابُ جُودَكَ(1) ؟!

بكى الأعرابيّ لاحتماله أن يأكلَ الترابُ جُودَ الحسينعليه‌السلام ، وليتَه رأى كيف أكلتِ السيوفُ والرماحُ جسَدَه في ساحةِ الطفِّ حين اجتمع اللئام على الكريم ابنِ الكرام، فأَعملوا في ذلك البدنِ القُدسيّ سيوفَ الحقد والكفر، ورماحَ الخُبثِ والغدر، وسهامَ الجُبنِ والنفاق،

____________________

(1) المناقب 4 / 66، تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر 4 / 324، أوردها بصورة اُخرى.


حتّى وقفتْ اُختُه العقيلة زينبعليها‌السلام على ذلك الجسد المبضّع، فشكتْ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما كان من القوم، قائلة: يا محمّداه! صلّى عليك مليكُ السماء، هذا حسينٌ مُرمَّلٌ بالدماء، مقطَّعُ الأعضاء(1) .

والحسين (سلام الله عليه) ذلك الكريمُ السخيّ الذي جاء بما عنده؛ فأشبع الجياع، وسقى العطاشى وجفناه يرتدّانِ عن حياءٍ ألاّ يردّ سائلاً إلاّ بما يسرُّه، وبما لم يرجُه مِن عطاءٍ وافر، فإذا ظمئ في كربلاء قال له أعداءُ الله: لا تذوق الماء، ولا تشرب منه حتّى تموتَ عطشاً! وأبَوا أن يسقوه.

يا ليتَ لا عذِبَ الفراتُ لواردٍ

وقلوبُ أبناءِ النبيِّ ظِماءُ(2)

وبدلَ أن يُسقى الماء سُقيَ الرماحَ؛ رماحَ اللُّؤْم، وفي هذا يقول الشريف الرضيّ:

يا رسولَ الله لو عاينتَهمْ

وهمُ ما بين قَتْلٍ وسبا

من رميضٍ يُمنع الظِّلَّ ومِنْ

عاطشٍ يُسقى أنابيبَ القنا(3)

4 - السخاء مع الرأفة

فالإمامُ الحسين (سلام الله عليه) قد أضفى على الاُمَّةِ اُبوّتَه الحانية؛ حيث مسح على رأسها بيدِه الشفيقة، وحباها بعواطفه الرقيقة، واختلط ذلك بكرمِه وجوده، فكان السائلُ عنده يغتبط بلطف الإمامِ الحسين (سلام الله عليه) وعطفه عليه أكثر ممّا يفرحُ بالأموال والهدايا؛ لأنّه يُحسّ أنَّ في عطاء الحسينعليه‌السلام

____________________

(1) زينب الكبرىعليها‌السلام / 110.

(2) من قصيدة للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.

(3) ديوان الشريف الرضيّ 1 / 44.


رحمةً وحناناً. وهو (سلام الله عليه) على سرّ أبيه عليٍّعليه‌السلام الذي قال فيه أبو الطفيل: رأيتُ عليّاًعليه‌السلام يدعو اليتامى فيُطعمُهم العسَل، حتّى قال بعضُ أصحابه: لَودَدْتُ أنّي كنتُ يتيماً(1) .

وكذا الإمامُ الحسين (عليه السلام)، أنِسَ السائلون عنده برأفته أكثرَ من اُنسِهم بدراهمه ودنانيره، وطابتْ أنفسُهم بكرم أخلاقه أكثر ممّا طابتْ بكرم يده؛ إذ وجدوه محبّاً للخير، باذلاً في ذلك جهدَه، مقرناً به لطفَه وحنانَه وعطفَه.

وقد كان في عطائه قضاءُ حاجةِ الـمُضطرّ، وتنفيس كُربةِ المكروب، وإغاثةُ الملهوف، وإحقاق الحقّ وبذل المال في محلّه، وإدخال السرور على المهموم، وفكّ العسر عن المغموم. وكان من عطفه على الناس أن توسّطَ في نيل ما يحتاجونه حتّى لدى الفاسقين.

دخل الحسينعليه‌السلام على معاويةَ يوماً وعنده أعرابيٌّ يسأله حاجة، فأمسكَ معاويةُ وتشاغل بالحسينعليه‌السلام ، فقال الأعرابيّ لبعضِ مَن حضر: مَن هذا الذي دخل؟ قالوا: الحسينُ بنُ عليّ. فقال الأعرابيُّ للحسينعليه‌السلام : أسألُك يابنَ بنتِ رسولِ الله لـمّا كلّمتَه في حاجتي.

فكلّمَه الحسينعليه‌السلام في ذلك فقضى حاجتَه، فقال الأعرابيّ:

أتيتُ العبشميَّ فلم يَجُدْ لي

إلى أنْ هزّه إبنُ الرسولِ

هو ابنُ المصطفى كرماً وجوداً

ومِن بطنِ الـمُطهّرةِ البتولِ

____________________

(1) بحار الأنوار 41 / 29 عن المناقب 1 / 290.


وإنَّ لهاشمٍ فضلاً عليكم

كما فضْلُ الربيعِ على الـمُحُولِ

فقال معاوية: يا أعرابيّ، أعطيكَ وتمدحُه؟!

فقال الأعرابيّ: يامعاوية، أعطيتَني مِن حقِّه، وقضيتَ حاجتي بقوله(1) .

وكان مِن حبِّ الإمامِ الحسين (سلام الله عليه) للخير والرحمة أن كافأ عليهما؛ فقد رُوي عنهعليه‌السلام أنّه قال:«صحَّ عندي قولُ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضلُ الأعمالِ بعد الصلاة إدخالُ السرور في قلب المؤمنِ بما لا إثمَ فيه. فإنّي رأيتُ غلاماً يواكلُ كلباً، فقلتُ له في ذلك، فقال: يابنَ رسول الله، إنّي مغمومٌ أطلبُ سروراً بسروره؛ لأنَّ صاحبي يهوديٌّ اُريد أنْ اُفارقه».

فأتى الحسينُ إلى صاحبه بمئتي دينارِ ثمناً له، فقال اليهوديّ: الغلامُ فداءٌ لخُطاك، وهذا البستانُ له، ورددتُ عليك المال.

فقالعليه‌السلام :«وأنا قد وهبتُ لك المال» .

قال: قبلتُ المالَ ووهبتُه للغلام.

فقال الحسينُعليه‌السلام :«أعتقتُ الغلامَ ووهبتُه له جميعاً» .

فقالتِ امرأته: قد أسلمتُ ووهبتُ زوجي مهري.

فقال اليهوديّ: وأنا أيضاً أسلمتُ وأعطيتُها هذه الدار(2) .

فما أن رأى الإمامُ الحسين (سلام الله عليه) هذا الغلام يواكل الكلب ويطلب سروره بسرور كلبه حتّى بادر إلى إكرامه والشفقة عليه؛ بأن ذهب إلى صاحبه اليهوديّ ليشتريَه منه و يحرّره.

والرواية مؤنسة ولا تتأخّر في الدخول إلى قلب كلّ طيّب، وقد نحدّث أنفسنا أن نعود عليها نطالعها من جديد، لكنّي - وإن كنتُ اُحبُّ ذلك - لا أجد بأساً أن نسمع الرواية من أخطب خوارزم على تفصيل فيها، حيث قال:

____________________

(1) المناقب 4 / 81.

(2) المناقب 4 / 73.


قال الحسنُ البصريّ: كان الحسينُ بن عليّ سيّداً زاهداً، ورعاً صالحاً، ناصحاً حسن الخلق، فذهب ذات يومٍ مع أصحابه إلى بستانه، وكان في ذلك البستان غلام له اسمه (صافي)، فلمّا قرب من البستان رأى الغلامَ قاعداً يأكل خبزاً، فنظر الحسينعليه‌السلام إليه، وجلس عند نخلةٍ مستتراً لا يراه، وكان يرفع الرغيفَ فيرمي بنصفه إلى الكلب ويأكل نصفه الآخر، فتعجّب الحسين من فعل الغلام، فلمّا فرغ الغلام من أكله قال: الحمد لله ربّ العالمين، اللهم اغفرْ لي واغفر لسيّدي، وباركْ له كما باركت على أبويه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

فقام الحسين وقال:«يا صافي» .

فقام الغلامُ فزعاً وقال: يا سيّدي وسيّد المؤمنين، إنّي ما رأيتك، فاعفُ عنّي.

فقال الحسينعليه‌السلام :«اجعلني في حلٍّ يا صافي؛ لأنّي دخلت بستانك بغير إذنك» .

فقال صافي: بفضلك ياسيّدي وكرمك، وبسؤددك تقول هذا!

فقال الحسينعليه‌السلام :«رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب، وتأكل النصف الآخر، فما معنى ذلك؟» .

فقال الغلام: إنّ هذا الكلب ينظر إليّ حين آكل، فأستحي منه يا سيّدي لنظره إليّ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، فأنا عبدك وهذا كلبك، فأكلنا رزقك معاً.

فبكى الحسينعليه‌السلام وقال:«أنت عتيق لله، وقد وهبت لك ألفَي دينار بطيبةٍ من قلبي» .

فقال: إن أعتقتني فأنا اُريد القيام ببستانك.

فقال الحسينعليه‌السلام :«إنّ الرجل إذا تكلّم بكلام فينبغي أن يصدّقه بالفعل، فأنا قد قلت: دخلتُ بستانك بغير إذنك، فصدّقت قولي ووهبت البستان وما فيه لك، غير أنّ أصحابي هؤلاء جاؤوا لأكل الثمار والرطب، فاجعلهم أضيافاً لك، وأكرمهم من أجلي أكرمك الله يوم القيامة، وبارك لك في حسن خلقك وأدبك» .

فقال الغلام: إن وهبت لي بستانك فأنا قد


سبّلته لأصحابك وشيعتك(1) .

فأغدق الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسّلام) على الغلام لطفه ورحمته ومكافأته، وشجّعه على روح العطف، وأعطاه درساً بليغاً في الأخلاق بانَ أثرُه لساعته؛ إذ أصرَّ الغلام بعد أن علم بعتقه أن يُقيم في بستان الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحين علم بأنَّ البستان هبة له جعله سبيلاً لأصحاب الحسين (سلام الله عليه).

ومن الرواية نستشفّ كأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد ضمَّ إلى سخائه حياءً من الغلام ألاّ يُكرمه على خصلةٍ فيه طيّبة، كما ضمَّ إليه رأفة بالغلام فلم يتركه إلاّ على حالٍ ميسورة بعد أن جعل عطاءه له مكافأةً على خلقٍ كريم.

وروى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 43 ح154، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام أنّه دخل المستراح فوجد لقمةً ملقاة، فدفعها إلى غلامٍ له فقال:«يا غلام، اذكرني بهذه اللقمة إذا خرجت».

فأكلها الغلام، فلمّا خرج الحسين بن عليّعليهما‌السلام قال:«يا غلام، أين اللقمة؟».

قال: أكلتها يا مولاي.

قال:«أنت حرٌّ لوجه الله تعالى» .

قال له رجل: أعتقته يا سيّدي؟!

قال:«نعم، سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَن وجد لقمةً ملقاةً فمسح منها أو غسل ما عليها، ثمّ أكلها، لم تستقرَّ في جوفه إلاّ أعتقه الله من النار».

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام 1 / 153.


5 - السخاء مع المكافأة العالية

إنّ الإسلام دين الإنسانيّة والخير والمحبة، وقد دعا الناسَ إلى أسباب السّلام والمودّة والتعارف. ومن دعواته الأخلاقيّة أن حثَّ الناسَ على مكافأة أهل المعروف، فقال النبيُّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«مَن آتاكم معروفاً فكافئوه، وإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا الله له حتّى تظنّوا أنّكم قد كافأتموه» (1) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«أطل يدك في مكافاة مَن أحسن إليك، فإن لم تقدر فلا أقلَّ من أن تشكره» (2) .

ودعا الإسلام إلى تعظيم أهل المعروف وتشجيعهم؛ ليسود الخير في الاُمَّة، وتشيع الاُلفة والتعاون والتكافل بين الناس. وقد أنزل الله أهل المعروف في الآخرة منزلةً رفيعة؛ إذ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» (3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً:«أوّل مَن يدخل الجنّة المعروف وأهله، وأوّل من يرد علَيَّ الحوض» (4) .

فلهم الفضل؛ إذ جاؤوا بما يحبُّ الله تعالى من الأفعال الحسنة، ولهم الفضل؛ إذ سبقوا إلى الخير؛ لذا ينبغي مكافأتهم. قال الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام :«المعروف غلٌّ، لا يفكُّه إلاّ مكافأة أو شكر» (5) .

هكذا يشعر أهل الحياء والعزّة إذا اُسدي إليهم معروف، حيث يرونه غلاّ لا يتحمّلونه حتّى يفكّوه بالمكافأة، والمكافأة الحقيقيّة ما فاقتِ المعروف

____________________

(1) كتاب الزهد / 31، الحديث 79.

(2) غرر الحكم / 64.

(3) الكافي 4 / 29، الحديث الثالث.

(4) الكافي 4 / 28، الحديث 11.

(5) الدرّة الباهرة / 34.


الذي قُدِّم لهم. ففي قوله تعالى:( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ) ، قال الإمام الكاظمعليه‌السلام :«جرت في المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر؛ مَن صُنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتّى ترى فضلك؛ فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء» (1) .

وفي وصايا أمير المؤمنينعليه‌السلام وحكمه:«إذا حُيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها، و إذا اُسديتْ إليك يدٌ فكافِئْها بما يُربي عليها، والفضل مع ذلك للبادئ» (2) .

وبما أنّ أهل البيتعليهم‌السلام هم أكثر الناس حياءً وعزّة، وإباءً وكرامة، فقد بادروا إلى مكافأة أهل المعروف بما يُربي ويغطّي عليه؛ سموّاً من عند أنفسهم، وتشجيعاً للإحسان وحسن الصنيعة، وإكراماً لأهل الفضل والخير.

وقد عُرف الكرم الحسينيّ فيما عُرف به بالمكافأة إليه، حتّى لم يُطق بعضهم ذلك، فسأل الإمامَ الحسينعليه‌السلام عن ذلك مستغرباً. روى أبو جعفر المدائنيّ في حديث طويل: خرج الحسن والحسينعليهما‌السلام وعبدالله بن جعفر حجّاجاً، ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا في بعض الشعاب خباءً رثّاً وعجوزاً، فاستسقوها فقالت: اطلبوا هذه الشويهة.

ففعلوا، واستطعموها فقالت: ليس إلاّ هي، فليقم أحدكم فليذبحها حتّى أصنع لكم طعاماً. فذبحها أحدهم، ثمَّ شوت لهم من لحمها فأكلوا وقيّلوا عندها، فلمّا نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا انصرفنا وعدنا فالممي بنا؛ فإنّا صانعون بك خيراً. ثمّ رحلوا.

____________________

(1) تحف العقول / 291.

(2) نهج البلاغة - الحكمة 62.


فلمّا جاء زوجها وعرف الحال أوجعها ضرباً، ثمّ مضت الأيّام فأضرّت بها الحال، فرحلت حتّى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسنعليه‌السلام فأمر لها بألف شاة، وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولاً إلى الحسينعليه‌السلام فأعطاها مثل ذلك، ثمّ بعثها إلى عبد الله بن جعفر فأعطاها مثل ذلك(1) .

وروي أنّ عبد الرحمن السلميّ علّم ولد الحسينعليه‌السلام الحمد، فلمّا قرأها على أبيه أعطاه (أي أعطى الحسينُ عبدَ الرحمن السلميّ) ألفَ دينار، وألف حُلّة، وحشا فاهُ درّاً، فقيل له في ذلك، فقال:«وأين يقع هذا من عطائه؟» (2) ، يعني تعليمه لولده. وفي رواية أنّهعليه‌السلام قال:«أين يقع هذا من حقّه؟» (3) .

فقد كان (سلام الله عليه) أشدَّ الناس وأحرصهم على مراعاة الحقوق، وإكرام أهل المعروف حتّى غطّى فضلُه فضلَهم، وجاد بما لا يُتوقّع؛ إذ تجاوز المثْل، وفاق المكافأة.

قال أنس بن مالك: كنت عند الحسينعليه‌السلام فدخلت عليه جارية، فحيّتْه بطاق ريحان، فقال لها:«أنتِ حرّة لوجه الله» .

يقول أنس: فقلت له: تجيئك بطاقةِ ريحان لا خطر لها(4) فتُعتقها!

قال:«كذا أدّبنا الله، قال الله: ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) ، وكان أحسن منها عتقها» (5) .

وأين العتق من طاقة ريحان؟! لكنّه الحسين رجل الكرم والتكريم، وصاحب العطاء والمكافأة، وقد أبت نفسه الزكيّة أن يكافئ هذه

____________________

(1) المناقب 1 / 311.

(2) المناقب 1 / 66.

(3) الخصائص الحسينية / 21.

(4) أي لا قيمة لها.

(5) كشف الغمة 2 / 206، والفصول المهمة / 159، ووسيلة المآل - لباكثير الحضرميّ / 183، والآية في سورة النساء / 86.


الجارية المؤدّبة إلاّ بالعتق.

وروى مسعدة قال: مرّ الحسين بن عليّ على مساكين قد بسطوا كساءً لهم وألقوا عليه كِسراً، فقالوا: هلمَّ يابن رسول الله. فثنى وركه وأكل معهم، وقال:«إنَّ الله لا يحبُّ المستكبرين» (1) . ثمّ قال:«قد أجبتكم فأجيبوني» .

قالوا: نعم يابن رسول الله.

فقاموا معه حتّى أتوا منزله، فقال للجارية:«أخرجي ما كنت تدّخرين» (2) .

والآن تعالَوا نقرأ الرواية نفسها بقلم الشيخ الخوارزميّ، حيث كتبها هكذا: كان الحسين يجالس المساكين ويقرأ:«إنّ الله لايحبّ المتكبّرين» (3) .

ومرّ على صبيان معهم كسرة، فسألوه أن يأكل معهم فأكل، ثمّ حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال:«إنّهم أسخى منّي؛ لأنّهم بذلوا جميع ما قدروا عليه، وأنا بذلت بعض ما أقدر عليه» (4) .

فإذا طابت نفوسنا للرواية تعالوا نقرأها بقلم ابن عساكر هذه المرّة، حيث كتبها في تاريخه بهذه العبارات: مرّ الحسين بمساكين يأكلون في الصفة، فقالوا: الغداء. فنزل وقال:«إنّ الله لا يحبّ المتكبّرين» . فتغدّى معهم، ثمّ قال لهم:«قد أجبتكم فأجيبوني» .

قالوا: نعم.

فمضى بهم إلى منزله، فقال للرباب:«أخرجي ما كنت تدّخرين» (5) .

____________________

(1) لعلّ هذه عبارته (سلام الله عليه)؛ لأنّ نصّ الآية( إنّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) كما في سورة النحل / 23، أو أنّ الراوي أخطأ في نقله للآية.

(2) تفسير العياشيّ 2 / 257، وتنبيه الغافلين - للشيخ نصر بن محمّد السمرقنديّ الحنفيّ / 66.

(3) وهذه أيضاً عبارتهعليه‌السلام ؛ إذ ليس لدينا آية بهذا النصّ.

(4) مقتل الحسينعليه‌السلام 1 / 155.

(5) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ مدينة دمشق / 151، الرقم 196.


وبعد أن أحطنا بالرواية على نصوصها الثلاثة تعالوا نتصوّرها ونتصوّر ما فيها من المعاني الكريمة، فهي:

أوّلاً: حكت تواضع الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ إذ نزل وقد كان راكباً، واستجاب لمساكين فقراء، أو لصبيان كانوا جالسين، وهو الذي قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّه إمام، وسيّد شباب أهل الجنة. ومَن لا يعرف الإمام الحسين (سلام الله عليه) وهو ابن الشرف الأسمى؟! ولكنّه سرعان ما استجاب لمساكين أو صبيان كانوا مغمورين بين الناس.

ثانياً: حكت الروايات الثلاث رحمة الإمام الحسينعليه‌السلام بالفقراء والمساكين، وحبّه لهم، فما كان منه بعد أن رآهم على تلك الحال حتّى بادر إلى رفع الحرج عنهم، وإغداقهم بالعطاء الوافر.

ثالثاً: باستجابتهعليه‌السلام لهم يكون قد دارى حياءهم حيث رأوه، فكان لا بدّ أن يدعوه على كساء نُثرت عليه كسرات خبز. فلكي لا يُحرجوا كان ما أسرع أن لبّى دعوتهم بتواضعه، فلم يشعروا بثلمة في شخصيّتهم، أو حرمان في حياتهم. وكيف يشعرون بذلك وقد جالسهم ريحانة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وأكل معهم، وكأنّه واحد منهم؟!

رابعاً: كانت استجابته (سلام الله عليه) لدعوتهم مقدّمة وعذراً لإكرامهم؛ فقد حفظ عليهم ماء وجوههم بأن لبّى دعوتهم؛ حيث رأوا أنفسهم قد أطعموه فلم يتحرّجوا بعد ذلك أن يستجيبوا لدعوته، ويقبلوا عطاءه. فلو لم يستجب لهم لما سمح لهم حياؤهم بأن يستجيبوا له.

وهكذا التمس لهم العذر باستجابتهم بأن استجاب لهم، فشجّعهم على قبول عطائه حين قبِل عطاءهم، وهذه خصلة السخيّ. قال


الإمام الرضاعليه‌السلام :«السخيّ يأكل من طعام الناس ليأكل الناس من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلاّ يأكلوا من طعامه» (1) .

خامساً: لقد أعان الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسّلام) اُولئك المساكين على الكرم مع قلّة يمينهم؛ إذ لم يكن لديهم إلاّ كسيرات، ولكنَّ الجُود ما كان عن قلّة، والاستجابة تحقّق كرم الداعي، وهو القائل:«مَن قَبِل عطاءك، فقد أعانك على الكرم».

سادساً: أعطاهم الإمام الحسين (سلام الله عليه) ما كان يدّخره أهله، وبذل لهم ما جمعه عند عياله، فكان منه السخاء والجود والكرم.

سابعاً: كان منه المكافأة، حيث أعطى اُولئك المساكين ما لم يكونوا يحلمون به أو يرجونه من الطعام والكساء وإن كانوا قد قدّموا له كسيراتٍ من خبز؛ ذلك لأنّه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولأنّه المكافئُ أهلَ المعروف، وقد رأى (سلام الله عليه) دعوتهم له معروفاً، فكانت رحمته وعزّته قد دعتاه إلى أن يغدق عليهم مكافأته العالية.

ولكنْ، هل كافأ الناس إمامهم الحسينعليه‌السلام كما كان يكافئُهم ويُكرمهم، وقد قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة؛ المكرم لذرّيّتي مِن بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في اُمورهم عندما اضطُرُّوا إليه، والمحبُّ لهم بقلبه ولسانه» (2) ؟!

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً:«مَن صنع إلى أحد من أهل بيتي يداً كافأتُه به يوم القيامة» (3) .

____________________

(1) الكافي 4 / 41 ح10.

(2) أمالي الطوسي 1 / 376.

(3) الكافي 4 / 60 ح8.


وجاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:«إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أيّها الخلائق، أنصتوا فإنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله يكلّمكم. فتنصت الخلائق، فيقوم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول: يا معشر الخلائق، مَن كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتّى اُكافئه.

فيقولون: بآبائنا وأمّهاتنا! وأيّ يدٍ، وأيّ منّة، وأيّ معروف لنا! بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق.

فيقول لهم: بلى، مَن آوى أحداً من أهل بيتي، أو برَّهم، أو كساهم من عُري، أو أشبع جائعهم فليقم حتّى اُكافئه.

فيقوم اُناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله تعالى: يا محمّد، يا حبيبي، قد جعلتُ مكافأتهم إليك، فأسكِنْهم من الجنّة حيث شئت».

قال:«فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحتجبون عن محمّد وأهل بيته عليهم‌السلام » (1) .

ولكنَّ القوم ما تركوا الإمام الحسينعليه‌السلام ليستقرّ في المدينة المنوّرة قرب قبر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث كتب يزيد إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة أن يأخذ له البيعة من أهل المدينة عامّة، ومن الحسينعليه‌السلام خاصّة، فأبى الإمام الحسين (سلام الله عليه) قائلاً له:«إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، مُعلِن بالفسق، ومثْلي لا يُبايع مثْله» (2) .

وظلّ مروان بن الحكم يضغط على الوليد أن يلحّ على الحسينعليه‌السلام ويجبره

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 36 ح154.

(2) الإرشاد / 183.


على البيعة حتّى اضطُرّعليه‌السلام إلى السفر إلى مكّة المكرّمة، وفي مكّة أنفذ يزيدُ عمرَو بن سعيد بن العاص في عسكرٍ وأمّره على الحاجّ، وولاّه أمر الموسم، وأوصاه بالفتك بالحسينعليه‌السلام أينما وُجد(1) . فعزمعليه‌السلام على الخروج من مكّة قبل إتمام الحجّ، واقتصر على العمرة؛ كراهيّةَ أن تستباح به حرمة البيت(2) .

وتمضي الأحداث حتّى تكون واقعة الطفّ المفجعة، حيث يُقتل الإمام الحسينعليه‌السلام هو وأهل بيته وإخوته وأبناؤه، وتُسبى عياله، فيقادون مأسورين مقيّدين إلى الكوفة ثمّ إلى الشام، تاركين جسد عميد الاُسرة الهاشميّة الحسينعليه‌السلام مقطّعَ الأوصال، مسلوب العمامة والرداء.

جاء (بجدَل) فرأى الخاتم في إصبعه، فقطعه وأخذ الخاتم، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وأخذ الحللَ الرحيلُ بن خيثمة الجعفيّ وغيره، ثمّ كان ما كان من قطع الرؤوس، وحرق الخيام، وإرعاب الأطفال اليتامى والنساء الأرامل، وأسْر اُسرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي قال له الله تعالى:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) .

وهؤلاء قربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين مقتول ومأسور، فكان هذا من القوم مكافأتَهم للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما بذل من نفسه المقدّسة من جهد وعناء لأجل هدايتهم، وقد دعاهم الله تعالى إلى أن يؤدّوا أجر ذلك لا بالأموال، بل بمودّة قربى المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :

ليس هذا لرسول الله ي

اُمّة الطغيان والغيّ جزا

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 99.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 177.

(3) سورة الشورى / 23.


جُزروا جزْر الأضاحي نسلَه

ثمّ ساقوا أهله سوق الإما

وها هو الحسين (سلام الله عليه) أخصُّ قرباه يُقتل أبشع قتلة، ويُفَرّق بين رأسه الشريف وبدنه الطاهر؛ ليُحمل ذلك الرأس في البلدان شماتةً وتشفّي بعد أن نادى عمر بن سعد: ألا من ينتدب إلى الحسين فيوطئ الخيلَ صدرَه وظهره.

فقام عشرة(1) ، حتّى قال أسيد بن مالك لعبيد الله بن زياد:

نحن رضضنا الصدرَ بعد الظهرِ

بكلِّ يعبوبٍ شديد الأسرِ

فأمر له ابن زياد بجائزة(2) .

ولم ينته الأمر إلى هنا، فقد دعا يزيد برأس الحسينعليه‌السلام ووضعه أمامه في طست من ذهب(3) ، ثمّ أخذ القضيب وجعل ينكث ثغر الحسينعليه‌السلام (4) .

ولمّا نظر مروان بن الحكم إلى رأس الحسينعليه‌السلام قال:

يا حبّذا بردُك في اليدينِ

ولونُك الأحمر في الخدّينِ

كأنّه بات بعسجدَينِ

شفيتُ نفسي من دم الحسينِ

وعندما كان يزيد جالساً في منظرةٍ على (جيرون) ورأى عائلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا، ورؤوس ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أطراف الرماح، نعب غراب، فأنشأ يزيد يقول:

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 161، والكامل - لابن الأثير 4 / 33، ومروج الذهب - للمسعوديّ 2 / 91، والخطط المقريزيّة 2 / 228، والبداية والنهاية - لابن كثير 8 / 189.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 39.

(3) مرآة الجنان - لليافعيّ 1 / 135.

(4) مجمع الزوائد - لابن حجر 9 / 195، والفصول المهمة / 205، والفروع - لابن مفلّج الحنبليّ 3 / 549، والصواعق المحرقة - لابن حجر / 116، والاتحاف بحبّ الأشراف / 23، والآثار الباقية - للبيرونيّ / 331، إضافة إلى تاريخ الطبريّ، والكامل، وتذكرة الخواصّ / 148 ومصادر اُخرى.


لمّا بدت تلك الحمولُ وأشرقت

تلك الرؤوسُ على شفا جيرونِ

نعب الغراب فقلت قلْ أو لا تقلْ

فلقد قضيتُ من الرسول ديوني(1)

ومن هنا حكم ابن الجوزيّ، والقاضي أبو يعلى، والتفتازانيّ، وجلال الدين السيوطيّ بكفر يزيد ولعنه.

قال الآلوسيّ في تفسيره (روح المعاني)(2) : أراد يزيد بقوله: (فلقد قضيتُ من الرسول ديوني ) أنّه قتلَ بما قتله رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر؛ كجدّه عتبة وخاله وغيرهما، وهذا كفر صريح.

أجل، هكذا كافؤوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قرباه وذرّيّته، فعادت اللائمة عليهم شديدة، والتوبيخ غليظاً.

جيء بعليّ بن الحسين على بعير ضالع، والجامعة في عنقه، ويداه مغلولتان إلى عنقه، وأوداجه تشخب دماً، فكان يقول:

يا اُمّةَ السوء لا سقياً لربعكمُ

يا اُمّةً لم تُراعِ جَدَّنا فينا

لو أنّنا ورسولَ الله يَجمعُن

يومُ القيامةِ ما كنتم تقولونا

تُسيّرونا على الأقتاب عاريةً

كأنّنا لم نشيّدْ فيكمُ دِينا

وقد أجاد الشاعر حيث قال:

مهلاً بني حربٍ فما قد نالن

فبعينِ جبّارِ السما لم يُكتمِ

فكأنّني يوم الحساب بأحمدٍ

بالرُّسل يَقْدم حاسراً عن معصمِ

____________________

(1) صورة الأرض - لابن حوقل / 161.

(2) روح المعاني - للآلوسي 26 / 73 في ظلّ الآية( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) . سورة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله / 22.


ويقولُ ويلكمُ هتكتُم حُرمتي

وتركتُم الأسيافَ تنطفُ من دمي

أمِنَ العدالةِ صونُكم فتَياتِكم

وحرائري تُسبى كَسبي الدَّيلمِ

كما أجاد الشريف الرضيّرحمه‌الله حيث قال:

والماء تُورده يعافير الفل

وكبود أطفالي ظِماءٌ تضرمُ

تالله لو ظفرتْ سراةُ الكفر في

رهطي لما ارتكبوا لذاك المعظمِ

وخطبت زينبعليها‌السلام في أهل الكوفة، فقالت: ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أيَّ كبدٍ لرسول الله فريتم، وأيَّ كريمة له أبرزتم، وأيَّ دم له سفكتم، وأيَّ حرمة له انتهكتم(1) ؟!

وفي قصر يزيد قال السجّاد عليّ بن الحسينعليه‌السلام :«أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد، فأتكلّم بكلامٍ فيه لله تعالى رضاً، ولهؤلاء أجر وثواب؟».

فأبى يزيد، وألحَّ الناس عليه، وما زالوا به حتّى أذِنَ له، فخطبعليه‌السلام خطبةً بليغة جاء فيها:«أيُّها الناس، مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني أنبأتُه بحسبي ونسبي.

أيُّها الناس، أنا ابن مكّة ومِنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن مَن حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، وخير من طاف وسعى، وحجّ ولبّى، أنا ابن مَن حُمل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى، فكان من ربّه قابَ قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى...» ، وهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وما زال يقول: أنا، يعرّف نفسه، ويذكّر الناس حتّى ضجّوا بالبكاء، وخشي يزيد الفتنة، فأمر المؤذّنَ أن يؤذّن، فلمّا وصل المؤذّن إلى أشهد أنّ محمّداً رسول الله،

____________________

(1) أمالي الطوسيّ، وأمالي ابن الطوسيّ، واللهوف، ومثير الأحزان - لابن نما، والاحتجاج، والمناقب.


قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام للمؤذّن:«أسألك بحقّ محمّد أن تسكت حتّى اُكلّم هذا». والتفتعليه‌السلام إلى يزيد وقال له:«هذا الرسول العزيز الكريم جَدُّك أم جدّي؟ فإن قلتَ: جدُّك، علم الحاضرون والناس كلُّهم أنّك كاذب، وإن قلت: جدّي، فلِمَ قتلتَ أبي ظلماً وعدواناً، وانتهبت ماله، وسبيت نساءه؟! فويلٌ لك يوم القيامة إن كان جدّي خصمَك!» .

فصاح يزيد بالمؤذّن: أقِمْ للصلاة.

فوقع بين الناس همهمة، وصلّى بعضهم وتفرّق الآخر(1) .

وما زالت توبيخات البيت النبويّ تقرع رؤوس الظالمين؛ فقد وقفت زينب (سلام الله عليها) تخاطب يزيد في قصره ومجلسه: أمن العدل يابن الطلقاء، تخديرُك حرائرَك وإماءك، وسَوقُك بنات رسول الله سبايا...؟! إلى أن قالت له: وكيف يُرتجى مراقبة مَن لفظَ فوه أكبادَ الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟! وكيف يُستبطأ في بغضنا أهلَ البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان؟!

ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم:

لأهلّوا واستهلّوا فرح

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشلْ

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكثها بمخصرتك! وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ... حتّى بلغت إلى قولها (سلام الله عليها) له:

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 69.


فوالله، ما فريتَ إلاّ جلدَك، ولا حززتَ إلاّ لحمَك، ولَترِدَنَّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما تحمّلتَ من سفك دماء ذرّيّته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمُّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم،( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) . وحسبك بالله حاكماً، وبمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصيماً...(1) .

ولمّا توجّهت اُمُّ كلثوم بنت الإمام عليّعليه‌السلام إلى المدينة عند عودتها من كربلاء والشام، جعلت تبكي وتقول:

مدينةَ جدّنا لا تقبلين

فبالحسَراتِ والأحزانِ جِينا

ألا فاخبر رسول الله عنّ

بأنّا قد فُجعنا في أخينا

وأنّ رجالنا في الطفّ صرعى

بلا روسٍ وقد ذَبحوا البنينا

وأخبرْ جدَّنا أنّا اُسرن

وبعد الأسر يا جدُّ سُبينا

ورهطك يارسولَ الله أضحَو

عرايا بالطفوف مسلَّبينا

وقد ذبحوا الحسين ولم يراعو

جنابك يا رسول الله فينا(2)

وخرجت بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نساء قومها حتّى انتهت إلى قبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلاذت به وشهقت عنده، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار تقول:

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم

يومَ الحسابِ وصدقُ القول مسموعُ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 226، والبداية والنهاية 8 / 195.

(2) المنتخب - للطريحي / 499، المجلس العاشر من الجزء الثامن.


خذلتمُ عترتي أو كنتم غيب

والحقُّ عند وليّ الأمر مجموعُ

أسلمتُموهم بأيدي الظالمين فم

منكم له اليوم عند الله مشفوعُ

ما كان عند غداة الطفّ إذ حضرو

تلك المنايا ولا عنهنّ مدفوعُ(1)

وكانت اُختها زينب تندب الإمامَ الحسينعليه‌السلام بأشجى ندبة، وتقول:

ماذا تقولون إذ قال النبيُّ لكمْ

ماذا فعلتم وأنتم آخِرُ الاُممِ

بعترتي وبأهلي بعد مفتقَدي

منهم اُسارى ومنهم ضُرِّجوا بدمِ

ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحِمي(2)

6 - السخاء مع العناء

فقد يكرم المرء إخوانه حينما لا يُجهده الكرم، وقد يسخو على ذويه حينما يجد سعة في ذات يده، أمّا السخاء الحسينيّ فهو لا يُحدّ بهذا ولا ذاك؛ فقد بذل الإمام الحسين (سلام الله عليه) أمواله في سبيل الله، وأنفقها على الفقراء

____________________

(1) أمالي ابن الشيخ الطوسيّ / 55.

(2) مثير الأحزان - لابن نما / 51، واللهوف / 96، والكامل 4 / 36.


طاعةً لله، وقرن ذلك بعناء وجهد لم يرج بهما إلاّ مرضاة الله، فكانعليه‌السلام يفزع إلى نجدة الملهوف، وإغاثة المضطرّ، وقضاء حاجة المحتاج، يبذل في ذلك طاقته...

قال شعيب بن عبد الرحمن الخزاعيّ: وُجِدَ على ظهر الحسين بن عليّ يوم الطفّ أثر، فسألوا زين العابدينعليه‌السلام عن ذلك، فقال:«هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين» (1) .

وقد عُرف (سلام الله عليه) كما هو ديدن أهل البيتعليهم‌السلام بصدقات السرّ، أو صدقات الليل؛ فحمل ظهره الشريف ما يحتاجه الأيتام والأرامل والفقراء في وقت يستسلم الناس للنوم، ويتمدّدون للراحة. ولا شكّ أنّ في ذلك عناءً، ولكنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام أبى سخاؤه إلاّ أن يكون مع العناء والنفس الساخن من التعب والمشقّة، ومع هذا لم يتركه القوم يموت موتة مريحة حتّى جعلوه يعاني في دفع السيوف والرماح عن نفسه المقدّسة.

فبعد أن كان (سلام الله عليه) يسقي الأرامل واليتامى والمساكين، ويحمل قِرَبَ الماء على ظهره لهم خلّفت عليه ثفنات، لم يُسقَ قطرة ماء قبل أن يُقتل، بل قال له الشمر: لا تذوقه حتّى ترد النار. وقال له رجل: ألا ترى الفرات كأنّه بطون الحيّات، فلا تشرب منه حتّى تموت عطشاً.

وحينما سقط على الأرض قال له رجل آخر: لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها.

فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام :«أنا أرد الحامية! وإنّما أرد على جدّي رسول الله، وأسكن معه في داره، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأشكو إليه ما

____________________

(1) المناقب 4 / 66.


ارتكبتم منّي وفعلتم بي» . فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحدهم من الرحمة شيئاً(1) .

أجل، هكذا ارتكبوا من صاحب السخاء الذي قرنه بالعناء، فأعملوا في جسده المقدّس كلّ سيف ورمح ونبل حملوه في أيديهم الخبيثة الآثمة.

فهوى بضاحية الهجير ضريبةً

تحت السيوف لحدِّها المسنونِ

وبها نعاه الروحُ يهتف منشد

عن قلبِ والهةٍ بصوتِ حزينِ

أضمير غيبِ الله كيف لك القن

نفذت وراء حجابِه المخزونِ

وتصكُّ جبهتَك السيوفُ وإنّه

لولا يمينُك لم تكن ليمينِ

والسُّمر كالأضلاع فوقك تنحني

والبِيض تنطبق انطباقَ جفونِ

وقضيت نحبك بين أظهرِ معشرٍ

حُملوا بأخبث أظهرٍ وبطونِ(2)

7 - السخاء مع سعة الصدر والوفاء

لقد عُرف أهل البيت (سلام الله عليهم) بسعة الصدر، والوفاء بالعهد، واستقبال كلّ حاجة وقضائها مهما كانت؛ لأنّ سماحتهم لا تقف عند حدّ، فهم يبذلون ما يسعهم حتّى لينصرف سائلهم مرفوعاً ثقله، مكشوفاً غمُّه؛ إذ هم أكرم الناس وأجودهم.

سُئل هشام بن عبد الملك عن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام وقد تنحّى الناس حتّى استلم الحجر الأسود؛ هيبةً له: مَن هذا؟

فقال هشام: لا أعرفه؛ لئلاّ يرغب أهل الشام فيه وقد رأوا أنّه لم يقدر على الاستلام من الزحام.

فقال

____________________

(1) مثير الأحزان - لابن نما / 39.

(2) ديوان السيّد حيدر الحليّرحمه‌الله .


الفرزدق، وكان حاضراً: لكنّي أعرفه.

فقال الشاميّ: مَن هو يا أبا فراس؟

فأنشأ قصيدته ارتجالاً:

يا سائلاً أين حلّ الجود والكرمُ

عندي بيانٌ إذا طلاّبُه قدِموا

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَه

والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهمُ

هذا التقيُّ النقيُّ الطاهر العلَمُ

هذا الذي أحمدُ المختار والدُه

صلّى عليه إلهي ما جرى القلـمُ

إذا رأتْه قريش قال قائلُه

إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ

ما قال لا قطُّ إلاّ في تشهّده

لولا التشهّدُ كانت لاؤه نَعمُ

حمّال أثقالِ أقوامٍ إذا فُدِحو

حلْوُ الشمايلِ تحلو عنده نِعَمُ

كلتا يديه غياثٌ عمَّ نفعُهم

يستوكفان ولا يعروهما عدمُ

سهل الخليقة لا تُخشى بوادرُه

يزينه خصلتانِ الحلْمُ والكرمُ


لا يُخلف الوعدَ ميموناً نقيبتُه

رحبُ الفِناء أريبٌ حين يعترمُ

إن عُدّ أهلُ التقى كانوا أئمّتَهم

أو قِيل مَن خير أهل الأرضِ قيل همُ

لا يستطيع جوادٌ بعد غايتهم

ولا يدانيهمُ قوم وإن كرموا

يأبى لهم أن يحلّ الذمُّ ساحتَهمْ

خيمٌ كريم وأيدٍ بالندى هضَمُ

لا يقبض العسرُ بسطاً من أكفّهمُ

سيّانَ ذلك إن أثرَوا وإن عُدِمُوا(1)

هكذا كانوا أهل البيتعليهم‌السلام حملة أثقال الناس إذا فدحوا، وكلّ أياديهم غيث يعمُّ الآخرين، لا يخلفون الوعد، ولا يضيقون بأحد، ولا يدانيهم في سخائهم أحد، وهم كرماء إن أقبلت الدنيا عليهم أو أدبرت، إن كانوا في يسر أو حلّ بهم عسر.

فهم (سلام الله عليهم) لا يردّون سائلاً مهما بلغ سؤاله، وعظمت حاجته، وهم لا يقبضون عن يدِ بخلٍ حاشاهم؛ لأنّهم أصحاب النفوس الزاهدة، والقلوب المتوكّلة على الله الرزّاق الغني.

____________________

(1) حلية الأولياء - لابي نعيم 3 / 139، والأغاني - لأبي الفرج الإصبهاني 14 / 75، و19 / 40 طبع الساسي بمصر، وشرح شواهد المغني للسيوطيّ / 249، وخزانة الأدب - للبغداديّ 2 / 513، وكفاية الطالب - للكنجيّ الشافعيّ / 303، وغيرها من المصادر المعروفة.


روى الشبلنجيّ الشافعيّ في كتاب (نور الأبصار)(1) أنّه قيل للحسن (رضي الله عنه): لأيّ شيء نراك لا تردُّ سائلاً وإن كنت على فاقة؟

فقال:«إنّي لله سائل، وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأَرُدَّ سائلاً. وإنَّ الله تعالى عوّدني عادة أن يفيض نعمه عَلَيَّ، وعوّدته أن اُفيض نِعَمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة». ثمّ أنشد يقول:

إذا ما أتاني سائلٌ قلتُ مرحب

بمَن فضلُه فرضٌ عَلَيَّ مُعجّلُ

ومِن فضله فضلٌ على كلّ فاضلٍ

وأفضلُ أيّام الفتى حين يُسألُ

وكان الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (سلام الله عليهما) إذا أتاه سائل قال له:«مرحباً بمَن يحمل زادي إلى الآخرة» (2) .

فهم (سلام الله عليهم) يفرحون بالقادم عليهم؛ يسألهم فيقضون دينه، ويفرّجون عن كربته، ولا يبالون كم عندهم وكم يريد سائلهم؛ فقد أعطى رجل سيّدنا الحسينعليه‌السلام رقعة كتب عليها حاجته، فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام :«حاجتك مقضيّة» . قبل قراءتها(3) ، فلا ينظرون إلى ما بقي عندهم بعد عطائهم، بل ينظرون إلى رحمة الله ومرضاته (جلّ وعلا).

قال له مولىً له: والله ما بقي عندنا درهم واحد.

وكان الإمام الحسينعليه‌السلام قد أكرم رجلاً ذا حاجة بكلّ ما لديه، ثمّ قال:«لكنّي أرجو أن يكون لي بفعلي هذا أجر عظيم» (4) .

والإمام الحسينعليه‌السلام أوسع صدراً من أن ينظر إلى المحتاج أكان من شيعته أم من مخالفيه؛ فاُسامة بن زيد كان من الممتنعين عن بيعة الإمام

____________________

(1) ص 177.

(2) تذكرة الخواصّ / 184.

(3) الخصائص الحسينيّة / 22.

(4) مقتل الحسينعليه‌السلام 1 / 153.


عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، لكن تعالوا نرى ماذا كان من ولده الحسين بن عليّعليه‌السلام معه في ضائقته، لِنُنصتْ: عن عمرو بن دينار وهو يروي قائلاً: دخل الحسينعليه‌السلام على اُسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: وا غمّاه!

فقال له الحسينعليه‌السلام :«ما غمُّك يا أخي؟» .

قال: دَيني، وهو ستّون ألف درهم.

فقال الحسينعليه‌السلام :«وهو عليّ» .

قال اُسامة: وإنّي أخشى أنْ أموت.

فقال الحسينعليه‌السلام :«لن تموت حتّى أقضيها عنك» .

قال عمرو بن دينار: فقضاها الحسين قبل موته(1) .

يذكر هذه الرواية العالم الشيخ جعفر التستريّ (رضوان الله عليه) في جملة خصائص الحسينعليه‌السلام ، ويعنونُها بالرقّة، فيقول: ومنها رقّة خاصّة له على أهل الهموم والغموم، حتّى إنّه دخل على اُسامة وهو محتضر ليعوده، فتأوّه اُسامة أمامه وقال: وا غمّاه!

فقالعليه‌السلام :«ما غمُّك؟» .

قال: دَينٌ عَلَيَّ ستّون ألفاً.

فقال:«عَلَيَّ قضاؤه» .

قال اُسامة: اُحبّ أن لا أموت مديوناً.

فأمر الحسينعليه‌السلام بإحضار المال ودفعه إلى غرمائه قبل خروج روحه(2) .

وبعد هذا لا ينبغي أن نعجب إذا علمنا أنّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) على وفرة ما كان عنده من الأموال استُشهد وهو عليه دَين!...

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :«مات الحسن [عليه السّلام] وعليه دين، وقُتل الحسين [عليه السّلام] وعليه دَين» (3) .

وجاء عن الإمام الباقر (سلام الله عليه) قوله:«إنّ الحسين عليه‌السلام قُتل

____________________

(1) المناقب 4 / 65.

(2) الخصائص الحسينيّة / 22.

(3) بحار الأنوار 43 / 321 ح5 عن الكافي وكشف المحجة.


وعليه دين، وإنّ عليّ بن الحسين عليه‌السلام باع ضيعةً له بثلاثمئة ألف درهم ليقضي دين الحسين عليه‌السلام وعِدات كانت عليه» (1) .

فلم يُبقِ شيئاً كان عنده، ولا عجب وهو القائل:«الشُحُّ فقر، والسخاء غنى» (2) ، والقائل:«مالُك إن لم يكن لك كنتَ له، فلا تُبق عليه؛ فإنّه لا يُبقي عليك» (3) .

ذلك أنّ الحسين (صلوات الله عليه) مِن عِظَمِ سخائه قد بذل كلّ ما عنده من الأموال، ولم يكتفِ بذلك حتّى استدان وقضى بالدَّين حوائج المحتاجين، ثمّ لم يكتف بذلك؛ لأنّ سخاءه أعلى من ذلك حتّى تعدّى كرمه الأموال، حيث جاد بالأصحاب المخلصين له؛ فقدّمهم لله سبحانه وتعالى بعد أن استأذنوه، وبعد أن قُتل منهم خمسون في الحملة الاُولى، فتقدّم مسلم بن عوسجة وجالدَ أعداء الله، فما انجلت غبرة الاقتتال إلاّ عن مصرعه، فمشى إليه الإمام الحسينعليه‌السلام وقال:«رحمك الله يامسلم» (4) .

وعندما قال الحصين وقد رأى الحسينعليه‌السلام يستعدّ للصلاة، قال: إنّها لا تُقبل(5) . أجابه حبيب بن مظاهر (رضي الله عنه): زعمت أنّها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار!

ثمّ كان بينهما اقتتال شديد حتّى كاد حبيب أن يقتله، لكنّ أصحابه استنقذوه، فقاتلهم حبيب وقتل منهم على كبره اثنين وستّين رجلاً، حتّى غدر به أعداء الله فقتلوه واحتزّوا رأسه، فهدّ مقتله

____________________

(1) كشف المحجّة لثمرة المهجة - للسيّد ابن طاووس / 125.

(2) لمعة من بلاغة الحسينعليه‌السلام / 104.

(3) الدرّة الباهرة / 24.

(4) تاريخ الطبريّ 6 / 249.

(5) وسائل الشيعة للحرّ العامليّ 1 / 247.


الحسينعليه‌السلام ، فقال:«عند الله أحتسبُ نفسي وحماةَ أصحابي» (1) . واسترجع كثيراً.

وتقدّم زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسينعليه‌السلام وقال مستأذناً:

أقدمْ هُديت هادياً مهديّ

فاليوم ألقى جدَّك النبيّا

وحسَناً والمرتضى عليّ

وذا الجناحين الفتى الكَمِيّا

وأسدَ الله الشهيدَ الحيّا

فقاتل قتال الأبطال، وقتل جماعةً عظيمة حتّى قُتل، فوقف الحسينعليه‌السلام وقال:«لا يبعدنّك الله يا زهير، ولعن قاتليك...» (2) .

وجاء عمرو بن جنادة الأنصاريّ بعد أن قُتل أبوه، وهو ابن إحدى عشرة سنة، يستأذن الحسينعليه‌السلام ، فأبىعليه‌السلام وقال:«هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الاُولى، ولعلّ اُمَّه تكره ذلك» .

قال الغلام: إنّ اُمّي أمرتني.

فأذِنَ له، فما أسرع أن قُتل ورُمي برأسه إلى جهة الحسين، فأخذته اُمُّه ومسحت الدم عنه، وعادت إلى المخيّم، فأخذت عموداً، وقيل: سيفاً، فردّها الحسين إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين(3) . هذا والحسينعليه‌السلام يتجرّع غصص الآلام وهو يرى أصحابه يُقتّلون على أيدي الظالمين حتّى لم يبقَ منهم أحد.

وبعد أنّ قدّم المخلصين مال السخاء الحسينيّ إلى أن يقدّم أهل بيته، وكان أوّلَ مَن تقدّم أبو الحسن عليّ الأكبر، ولَدُ الحسينعليه‌السلام ، فلمّا رآه لم يتمالك دون أن يرخي عينيه بالدموع، ثمّ رفع شيبته المقدّسة نحو السماء

____________________

(1) الكامل 4 / 29، وتاريخ الطبريّ 6 / 251، ومقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 19.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 253، ومقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 20.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 22.


وقال:«اللهمَّ اشهد على هؤلاء، فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمّد خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه» .

ونزل عليّ الأكبر إلى ساحة القتال وعين أبيه الحسين تلاحقه، حتّى اشتدّ به العطش بعد أن قتل عدداً من الفرسان، فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما أجهده من العطش، فبكى الحسين رحمةً، وقال له:«واغوثاه! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها» .

وأخذ لسانه فمصّه، ودفع إليه خاتمه ليضعه في فمه، فعاد عليّ الأكبر إلى الميدان يكثر القتلى في أهل الكوفة حتّى طعنه مرّة بن منقذ العبديّ بالرمح في ظهره، وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته، واعتنق فرسه فاحتمله إلى معكسر الأعداء وأحاطوا به حتّى قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً(1) .

ففُجع به أبوه الحسينعليه‌السلام ، وأتاه وانكبّ عليه واضعاً خدّه على خدّ ولده وهو يقول:«على الدنيا بعدك العفا، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول!» . وأمر فتيانه أن يحملوه إلى الخيمة، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه(2) .

إنّ هذا العطاء ما لا يتحمّله إلاّ السخاء الحسينيّ الذي لم يقف عند هذا الحدّ، فقد قدّم بعد ذلك عبدَ الله بن مسلم بن عقيل ابن اُخته رقيّة الكبرى، ومحمّداً وعوناً ابنَي عبد الله بن جعفر الطيّار، ابني اُخته زينب الكبرىعليها‌السلام ، وعبدَ الرحمن وجعفراً ولدَي عقيل بن أبي طالب، ومحمّد بن مسلم بن عقيل، وأخاه محمّدَ ابن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وعبد الله

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام 2 /31.

(2) الإرشاد / 239، وتاريخ الطبريّ 6 / 256، ومقتل الحسينعليه‌السلام 2 / 31.


ابن عقيل، وابن أخيه القاسمَ بن الحسن المجتبىعليه‌السلام الذي ضرب رأسَه بالسيف عمرُو بن سعد بن نفيل الأزديّ، فوقع القاسم - وهو غلام - لوجهه، وصاح: يا عمّاه! فأتاه الحسين كالليث الغضبان، وانجلت الغبرة وإذا الحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه، والحسينعليه‌السلام يقول:«بُعداً لقومٍ قتلوك! خصمهم يومَ القيامة جدُّك» . ثمّ احتمله وكان صدره على صدر الحسينعليه‌السلام ، ورجلاه تخطّان في الأرض، فألقاه مع عليّ الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته(1) .

وقدّم الحسين (سلام الله عليه) - صابراً محتسباً - ثلاثةَ إخوةٍ له مرّة واحدة، وهم أولاد اُمّ البنين (سلام الله عليها)، إخوة العبّاس؛ عبد الله وعثمان وجعفر الذين قاتلوا بين يدَي أبي الفضل العبّاس حتّى قُتلوا بأجمعهم.

ثمّ كان من السخاء الأعلى أن قدّم أخاه المخلص، والعبد الصالح العبّاس بن عليّعليه‌السلام الذي لم يتحمّل صراخ الأطفال من العطش؛ فركب جواده بعد أن استأذن أخاه الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأخذ القِربة، فأحاط به أربعة آلاف فطردهم حتّى ورد الفرات، فملأ القربة وركب جواده وعاد إلى المخيّم، فقُطع عليه الطريق، وجعل يضرب حتّى أكثر القتلَ في أعداء الله.

فكمن له زيد بن الرقاد الجهنيّ من وراء نخلة، وعاونه على الغدر حكيم بن الطفيل السنبسيّ فضربه على يمينه فبراها، فلم يعبأ العبّاسعليه‌السلام ؛ إذ كان همُّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين وعياله. ولكنّ حكيم بن الطفيل كمن له مرّة اُخرى من وراء نخلة، فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها، وتكاثروا عليه، وأتتْه

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 257، والبداية والنهاية 8 / 186.


السهام كالمطر فاُصيب بها صدره، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته، وسقط على الأرض ينادي: عليك منّي السلام أبا عبد الله. فأتاه الحسينعليه‌السلام فقال:«الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي» (1) .

ورجع الحسينعليه‌السلام بعد أن ترك أخاه في مكانه منكسراً حزيناً باكياً، يكفكف دموعه بكُمّه، وقد تدافعت الرجال على مخيّمه، وما علموا أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لا يدّخر شيئاً دون دين الله (عزّ وجلّ).

فلمّا قُتل العبّاس (سلام الله عليه) التفت الحسين فلم ير أحداً ينصره، ونظر إلى أهله وصحبه فرآهم مجزّرين كالأضاحي، وهو إذ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال، فأمر عياله بالسكوت، وودّعهم وتهيّأ للقتال، وقبل أن ينزل إلى المعركة دعا بولده الرضيع عبد الله ليودّعه، فأتتْه به زينب - واُمُّه الرباب -، فأجلسه في حجره يقبّله ويقول:«بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدُّك المصطفى خصمَهم!» (2) . ثمّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، فرماه حرملة بن كاهل الأسديّ بسهم فذبحه(3) ، فنزل الحسينعليه‌السلام عن فرسه، وحفر له بجفن سيفه ودفنه مرمّلاً بدمه(4) .

وتقدّم الحسينعليه‌السلام نحو القوم مصلتاً سيفه، ودعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً(5) ، وقد عزم

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 42.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 22.

(3) البداية والنهاية 8 / 186، والمناقب 2 / 222، ومثير الأحزان - لابن نما / 36.

(4) الإرشاد، ومثير الأحزان - لابن نما / 36.

(5) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 33، ومثير الأحزان - لابن نما / 37.


على أن يسخُوَ بنفسه المقدّسة الشريفة، فما زال يستقبل أضغان القوم حتّى صاح عمر بن سعد: احملوا عليه من كلّ جانب. فأتتهعليه‌السلام أربعةُ آلاف نبلة.

ولمّا عاد يودّع عياله ويهدّئهم قال عمر بن سعد لأصحابه: ويحكم! اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتُكم عن ميسرتكم. فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتّى تخالفت بين أطناب المخيّم، فاُدهشت النساء واُرعبن، فحمل الحسينعليه‌السلام عليهم كالليث الغضبان، فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، ورجع إلى مركزه وهو يُكثر من قول:«لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم» (1) .

ورماه أبو الحتوف الجُعفيّ بسهم في جبهته، ولما ضعف عن القتال وقف ليستريح، فرماه رجل بحجر في جبهته، ورماه آخر بسهم محدّد له ثلاث شعب وقع في قلبه. أخرج السهمَ مِن قفاه فانبعث الدم كالميزاب، وقال:«هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسولَ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا مخضّب بدمي، وأقول: يا جدّي، قتلني فلان وفلان» (2) .

وأعياه نزف الدم فجلس على الأرض، فانتهى إليه مالك بن النسر فشتمه ثمّ ضربه بالسيف على رأسه(3) ، وبقي الحسينعليه‌السلام مطروحاً مليّاً، ولو شاؤوا أن يقتلوه لفعلوا، إلاّ أنّ كلّ قبيلة تتّكل على غيرها وتكره

____________________

(1) اللهوف / 67.

(2) اللهوف / 70، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 2 / 134.

(3) الكامل 4 / 31، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 2 / 35.


الإقدام(1) .

فصاح الشمر: ما وقوفكم؟! وما تنتظرون بالرجل وقد أثخنته السهام والرماح؟! احملوا عليه(2) .

فحملوا عليه حتّى قتلوه، وحتّى كان الإمام الحسينعليه‌السلام قد قدّم لله تعالى كلَّ ما يملك، وآخرَ ما يملك نفسَه المقدّسة؛ إذ هو السخيّ الجواد الذي قدّم للناس كلّ ما في يمينه، ثمّ استدان لهم ما افتقروا إليه فكان أن لم تُرعَ له حرمة.

فسلام عليه من كريم لا يُدانى في العطاء، وسلام عليه من طيّب لم يشابهه أحدٌ في الوفاء، وسلام عليه من شهيد ساد الشهداء.

____________________

(1) الأخبار الطوال / 255، والخطط المقريزيّة 2 / 288.

(2) المناقب 2 / 222، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 35.


الشجاعة الحسينيّة



الشجاعة الحسينيّة

تُبحث الشجاعة في جملة القوى الغضبيّة لدى الإنسان من الرذائل والفضائل؛ فمن الرذائل في القوَّةِ الغضبيّة التهوّر، وهو الإقدام على ما لاينبغي، والخوض في ما يمنعه العقل والشرع من المهالك والمخاوف، ولا ريب أنّه من المهلكات في الدنيا والآخرة(1) .

ومن الرذائل أيضاً الجبن، وهو سكون النفس عن الحركة إلى الانتقام أو غيره مع كونها أَولى. ويلزمه من الأعراض الذميمة مهانة النفس، والذلّة، وسوء العيش، وطمع الناس فيما يملكه، وقلّة ثباته في الاُمور، والكسل، وحبُّ الراحة.

وهو يوجب الحرمان من السعادات بأسرها، وتمكين الظالمين من الظلم عليه، وتحمّله للفضائح في نفسه وأهله، واستماع القبائح من الشتم والقذف، وعدم مبالاته بما يوجب الفضيحة والعار، وتعطيل مقاصده ومهمّاته؛ ولذلك ورد في ذمّه من الشريعة ما ورد.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلاً ولا جباناً» (2) .

____________________

(1) جامع السعادات 1 / 206.

(2) جامع السعادات 1 / 207.


والتهوّر والجبن كلاهما متطرّفان متضادّان بين الإفراط والتفريط، ووسطهما الشجاعة، ولكن ما هي الشجاعة في نظر علماء الأخلاق؟

يقول الشيخ محمّد مهدي النراقيّ: إنّ الشجاعة هي طاعة قوّة الغضب العاقلة في الإقدام على الاُمور الهائلة، وعدم اضطرابها بالخوض في ما يقتضيها رأيها. ولا ريب في أنّها أشرف الملكات النفسيّة، وأفضل الصفات الكماليّة. وقد وصف اللّه خيار الصحابةِ بها في قوله:( أشدّاءُ على الكفّار ) (1) ، وأمر اللّه نبيَّه بها بقوله:( واغلُظ عليهم ) (2) ؛ إذ الشدّة من لوازمها وآثارها، والأخبار مصرّحةٌ باتّصاف المؤمن بها(3) .

قال الإمام الصادقعليه‌السلام :«إنّ المؤمن أشدُّ من زبرِ الحديد؛ إنَّ زبُرَ الحديد إذا دخل النار تغيّر، وإنَّ المؤمن لو قُتل ثمّ نُشر ثمّ قُتل لم يتغيّر قلبه» (4) .

وقال الإمام الكاظمعليه‌السلام :«إنَّ المؤمن أعزُّ من الجبل؛ الجبل يُستفلّ بالمعاول، والمؤمن لا يُستفلُّ دينه بشيء» (5) .

فالشجاعة إذاً من القوى الغضبيّة العاقلة التي تترفّع من جهة عن الجُبن والخوف المذموم، وعن الذلّةِ والدناءةِ والضَّعة، ومِن جهة اُخرى تتريّث من التهوّر والموقف المتعجّل والكلمة التي لا تمرُّ بتحليل الفكر الناضج.

قال الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام :«إنّ للسخاء مقداراً، فإنْ زاد عليه فهو سرف،

____________________

(1) سورة الفتح / 29.

(2) سورة التوبة / 73.

(3) جامع السعادات 1 / 208.

(4) صفات الشيعة - للشيخ الصدوق / 179. و«لم يتغيّر قلبه» : أي عقائده التي في قلبه.

(5) تنبيه الخواطر / 364.


وللحزم مقدار، فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدار، فإن زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدار، فإن زاد عليه فهو تهوّر» (1) .

فإذا اعتدلت القوّة الغضبيّة واتّسمتْ بالعقل كانتْ شجاعة، وكانت صفةً شريفة، وطاقةً نافعة. قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«السخاء والشجاعة غرائز شريفة يضعها اللّه سبحانه فيمَنْ أحبّه وامتحنه» (2) . وقال (سلام الله عليه) أيضاً:«الشجاعة نصرةٌ حاضرة، وقبيلةٌ ظاهرة» (3) .

ومثْل هذه الخصلة النبيلة ضروريٌّ أن يتحلّى بها الأنبياء (صلوات اللّه عليهم)؛ فهي من الكمالات الشريفة، والفاقد لها مجرّدٌ عن الرجولة. والنبيُّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هو سيّدُ الأنبياء والمرسلين، فالشجاعة فيه أعلى وأظهر، ولقد وُصف بها فقال أنَسُ بن مالك: كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشجعَ الناس، وأحسن الناس، وأجود الناس.

قال: لقد فزع أهل المدينة ليلةً، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فتلقّاهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد سبقهم، وهو يقول:«لم تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة وفي عنقه السيف، قال: فجعل يقول للناس:«لم تراعوا، وجدناه بحراً أو إنّه لبحر» (4) .

وعن الإمام عليٍّعليه‌السلام أيضاً قال:«رأيتني يوم بدر ونحن نلوذُ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً».

وعنهعليه‌السلام قال:«كنّا إذا أحمرَّ البأس، ولقيَ القوم القوم، اتّقينا

____________________

(1) الدرّة الباهرة / 43.

(2) غرر الحكم / 42 - 43.

(3) غرر الحكم / 39، وفي نسخة: وقبيلةٌ ظاهرة.

(4) مكارم الأخلاق - للشيخ رضيّ الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسيّ / 19.


برسول اللّه، فما يكون أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه» (1) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال:«إنّ اللّه تبارك وتعالى خصَّ رسوله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم؛ فإنْ كانت فيكم فاحمدوا اللّه (عزّ وجلّ)، وارغبوا إليه في الزيادة منها». فذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والحلم، وحسن الخلق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروّة(2) .

والأَولى برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهل بيته، أوصياؤه وخلفاؤه من بعده؛ عليٌّ والحسن والحسين والتسعة المعصومون من ذرّيّة الحسين (صلوات اللّه عليهم). وإذا كان الأئمة (سلام الله عليهم) كلُّهم معروفين بالشجاعة، فإنَّ هذه الصفة الشريفة ظهرت في الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء بما يناسب الموقف.

يقول الشيخ التستريّ في معرض بيانه للخصائص الحسينيّة: الشجاعة، ولها كيفيّة خاصّة بالحسينعليه‌السلام ؛ ولذا قيل: الشجاعة الحسينيّة. فقد ظهرت منه في يوم الطفّ في حالته شجاعةٌ ما ظهرت مِن أحد أبداً(3) .

وإذا أردنا معرفة بعض السرّ في ذلك علينا أن نقف عند هذه الرواية: عن إبراهيم بن عليٍّ الرافعيّ، عن أبيه، عن جدّته بنت أبي رافع قالت: أتتْ فاطمة بنت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بابنَيها الحسنِ والحسينعليهما‌السلام إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شكواه الذي تُوفّي فيه، فقالت:«يا رسول اللّه، هذانِ ابناك فورّثْهما شيئاً» .

قال:«أمّا الحسن فإنَّ له هيبتي وسؤدي، وأمّا

____________________

(1) مكارم الأخلاق / 18.

(2) تحف العقول / 362.

(3) الخصائص الحسينيّة / 21.


الحسين فإنَّ له جرأتي وجودي» (1) .

وفي رواية اُخرى قريبة منها، رَوَتْ زينب بنت أبي رافع، عن اُمّها قالت: قالت فاطمةعليه‌السلام :«يارسول اللّه، هذان ابناك فانحلْهما» .

فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أمّا الحسن فنحلتُه هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فنحلتُه سخائي وشجاعتي» (2) .

فالمهمّة الإلهيّةُ التي كُلّف بها الإمام الحسين (سلام الله عليه) اقتضتْ أن تظهر فيه الشجاعة بأجلى صورها، وبشكل مبكّر، وخاتمة جليلة؛ فقد تواجد الإمام الحسينعليه‌السلام في ساحة الفروسيّة منذ نعومة أظفاره وحداثة سنّه، ومارس فنون استعمال السلاح، وكان متهيّئاً للدفاع عن رسالة الإسلام والحفاظ على بيضة الدين، وصدّ العدوان عن المسلمين.

ثمّ ما إن شبّ قليلاً حتّى شهدت له ثلاث معارك بأنّه الفتى الشجاع الذي يغوص وسط الاشتباك، وهُنّ: الجمل، وصفّين، والنهروان. وقد اشترك (سلام الله عليه) في فتح طبرستان، ثمّ شهدت له الحياة السياسيّة في عهد معاوية ومن بعده يزيد أنّه صاحب المواقف الشجاعة، والكلمة الثابتة، والمنطق الحقّ في وجوه الطغاة، فما كان من التاريخ إلاّ أن سجّل له ذلك باعتزاز وافتخار.

قال الشيخ الإربليّ: وشجاعة الحسينعليه‌السلام يُضرب بها المثَل، وصبره في مأقط الحراب(3) أعجز الأواخر والاُوَل، وثباته إذا دعيت نزال

____________________

(1) الخصال / 77 ح122. والسُؤد: السيادة والشرافة. وقد روى نحو ذلك الطبرانيّ في الأوسط، وفيه مكان جرأتي (حزامتي). وأورده العسقلانيّ في تهذيب التهذيب.

(2) الخصال / 77 ح123.

(3) المأقط: موضع القتال، وقيل: المضيق في الحرب؛ لأنّهم يختلطون فيه. جمعه مآقط.


ثبات الجبل، وإقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل، ومقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادَلَ مقام جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ببدر فاعتدل، وصبره على كثرة أعدائه وقلّة أنصاره صبر أبيهعليه‌السلام في صفّين والجمل(1) .

وقال الاُستاذ عبد الحفيظ أبو السعود في الحسينعليه‌السلام : عنوان النضال الحرّ، والجهاد المستميت، والاستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور السلطان وبغي الحاكمين(2) .

والحقيقة أنّ الشجاعة لا تعدّ من الأخلاق الفاضلة، ولا يثاب عليها إلاّ إذا تحلّت بالصفات التالية:

1 - الوعي والبصيرة

فالشجاع قبل كلّ شيء عليه أن يعرف أحكام الجهاد في سبيل اللّه، متى يكون، وكيف شرائطه، وما هي حدوده؟ وإلى غير ذلك من الاُمور الشرعيّة؛ لكي يعرف متى يحمل السلاح، ومَنْ يقابل به، وإلى مَنْ يوجّهه، ومتى يضعه؟ وهذه الاُمور لا تخفى على سيّدنا الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ حيث هو ربيب بيت الوحي، ووريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله).

عن الحكم بن عتيبة قال: لقيَ رجلٌ الحسين بن عليّعليه‌السلام بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسينعليه‌السلام :«من أيّ البلدان أنت؟» .

فقال: من أهل الكوفة.

قال:«يا أخا أهل الكوفة، أما واللّه لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا، ونزوله على جدّي بالوحي. يا أخا أهل الكوفة، مستقى العلم من عندن، أفعلموا وجهلنا؟! هذا ما لا

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 180.

(2) سبطا رسول اللّه الحسن والحسينعليهم‌السلام / 188.


يكون»(1) .

فالإمام الحسين (سلام الله عليه) اتّصفتْ شجاعته بالعلم واقترنتْ به؛ فهو يعرف متى يتكلّم، ومتى يتحرّك، وإلى أين يتّجه، وماذا يقول، ويعرف تكليف نفسه وتكليف الناس.

وقد سُئل يوماً عن الجهاد؛ سنّة أو فريضة، فقالعليه‌السلام :«الجهادُ على أربعة أوجه؛ فجهادان فرض، وجهاد سنّة لا يقام إلاّ مع فرض، وجهاد سنّة. فأمّا أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسَه عن معاصي اللّه، وهو مِنْ أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض.

وأمّا الجهاد الذي هو سنّةٌ لا يقام إلاّ مع فرض فإنّ مجاهدة العدوّ فرضٌ على جميع الاُمّة، لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الاُمّة، وهو سنّةٌ على الإمام، وحدُّه أن يأتي العدوَّ مع الاُمّة فيجاهدهم.

وأمّا الجهاد الذي هو سنّة فكلُّ سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال؛ لأنها إحياء سنّة، وقد قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ سنَّ سنّةً حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمِل بها إلى يوم القيامة، من غير أن يُنقص من أجورهم شيئاً» (2) .

وهذا البيان المفصّل يكشف لنا عن علم محيط بالشريعة، فإذا انطلق الجهاد من هذا العلم كان جهاداً نيّراً، وإذا قامت به الشجاعة كانت شجاعةً واعية، وكان الإقدام على هدىً وبصيرة.

وقد رأى الإمام الحسين (صلوات اللّه عليه) أنَّ الظرف الذي عاشه آخر

____________________

(1) بصائر الدرجات / 4.

(2) تحف العقول / 175.


أيّامه المباركة قد استدعى حكم الجهاد في سبيل اللّه تعالى، حيث تمّت شروطه، واقتضى الحال نهوضاً لا تقيّة معه، فلا بدَّ أن تُقدَّم الدماء والأنفس دون الدين.

2 - الهدفيّة

فالشجاعة ما لم تحمل هدفاً مقدّساً وغايةً نبيلة فإنّها تهوّرٌ وإلقاءٌ بالنفس إلى التهلكة، في حين إذا جاءت عن نيّة مخلصة للّه تعالى، وشخّصت الهدف الإلهيّ، آتتْ ثوابها، وختمت لصاحبها بالشرف الرفيع، وقبول العمل، أو بكلتيهما مع التوفيق للشهادة في سبيل اللّه (عزّ وجلّ).

والنيّة - كما يقول الفقهاء وعلماء الأخلاق - شرطٌ في العبادات كلّها؛ فلا يصحُّ شيءٌ من الأفعال بدون النيّة. قال النبيُّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنّما الأعمال بالنيّات» (1) . فإذا ما نوى المرءُ الرياءَ فقد حبط عمله، وصارتْ طاعته معصية.

ومنْ يشكّ في نيّة الإمام الحسينعليه‌السلام وهو يعلم أنه قادمٌ على معركة يُقتل فيها ليحيا الإسلام، وأرض يغدر فيها به لتفيق الاُمّة؟! وقد صرّح بذلك مرّات ومرات، من ذلك أنه (سلام الله عليه) كتب إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة كتاباً هذا نصُّه:«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم. أمّا بعد، فإنَّ مَن لَحِق بي استُشهد، ومن تخلّف لم يدرك الفتح. والسّلام» (2) .

وخطبعليه‌السلام في مكة قبل سفره إلى كربلاء، فقال:«كأنّي بأوصالي

____________________

(1) حديث مشهور بين المسلمين على سبيل المثال، يراجع كنز العمّال - الخبر 7272، وبحار الأنوار 70 / 211 ح 35، عن غوالي اللآلي، وصحيح البخاريّ - كتاب الإيمان / 23.

(2) كامل الزيارات - لابن قولويه / 75.


تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفا، وأجربةً سغبا، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم» (1) .

أمّا الهدف الذي خرج من أجله الإمام الحسينعليه‌السلام فهو طاعة اللّه تعالى وطلب مرضاته، ثمّ ما يتحقّق بتوفيق اللّه (عزّ وجلّ) من:

أ - إقامة للعدل

ب - دَمْغ للظلم

ج - تحصين للدين

د - إيقاظ للمسلمين

هـ - إعلاء لكلمة الحقّ، وتنكيس لكلمة الباطل

و - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ز - فضح الظالمين والمنحرفين

وقد عبّر الإمام الحسين (سلام الله عليه) عن هذا الهدف الشريف بشجاعة ثابتة، ولمرّات عديدة. وقف عند قبر رسول اللّه يناجي ربَّه قائلاً:«اللّهمّ إنَّ هذا قبر نبيّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت. اللهمَّ إنّي اُحبُّ المعروف، وأنكر المنكر، وأسألك يا ذا الجلال والإكرام، بحقّ القبر ومَنْ فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضاً، ولرسولك رضاً» (2) . فالنيّة واضحة، والدعاء مفصحٌ عنه، والهدف بيّن، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد عبّر عن ذلك أيضاً في وصيّة إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، حيث كتب له فيها:«... وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ اُريدُ أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر...» (3) .

____________________

(1) اللهوف / 53.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 1 / 186.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 1 / 188.


أجل، فمثْلُ الإمام الحسينعليه‌السلام لا يقْدم إلاّ على مثْل هذا؛ فهو الذي خلصت نيّته للّه (جَلّ وعلا)، وعرف ماذا أمر اللّه تعالى في شريعته، وانشدّ قلبه إلى طاعة اللّه (عزّ وجلّ) وحده؛ فلا يقوم إلاّ للّه سبحانه، و لِمَ لا وهو الذي قال النبيُّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أخيه الحسنعليهما‌السلام :«الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» (1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«الحسن والحسين إمامان، إنْ قاما وإنْ قعدا» (2) .

وأخرج ابن تيمية (فقيه الحنابلة) قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أشار إلى الحسين:«هذا إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمّة تسعة» (3) .

وقد مرّ علينا أنّ من صفات الإمام - كما ذكرها عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام -:«أمين اللّه في خلقه، وحجّتُه على عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلى اللّه، والذابّ عن حُرُم اللّه...» (4) .

فيتعيّن بذلك أنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) يعلم ما ينبغي، ويعني ما يقوله وما يُقْدم عليه، وهدفه هو إرادة اللّه تبارك وتعالى التي دعت إلى إقامة العدل وإزاحة الجور، وإحقاق الحقّ وإبطال الباطل.

وقد عاش الإمام الحسينعليه‌السلام في ظلّ أوضاع أزرتْ بالمسلمين، وهدّدتْ شريعة سيّد المرسلين؛ حيث حكم بنو اُميّة، وما أدرانا ما بنو اُميّة!

____________________

(1) صحيح الترمذيّ 2 / 306، ومسند ابن حنبل 3 / 62، وحلية الأولياء 5 / 71، وتاريخ بغداد للخطيب البغداديّ / 331.

(2) الإتحاف بحبّ الأشراف / 129.

(3) منهاج السنّة 4 / 210.

(4) اُصول الكافي 1 / 156، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته - الحديث الأوّل.


أخرج الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطيّ الحافظ في تفسيره (الدرّ المنثور) قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«اُريت بني اُميّة على منابر الأرض، وسيملكونكم، فتجدونهم أرباب سوء».

واهتمّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك، فأنزل اللّه:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (1) .

وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن عليّ أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصبح وهو مهموم، فقيل: ما لك يا رسول اللّه؟ فقال:«إنّي اُريت في المنام كأنَّ بني اُميّة يتعاورون منبري هذا» . فقيل: يا رسول اللّه، لا تهتّم؛ فإنّها دنيا تنالهم. فأنزل اللّه:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ... ) ـ الآية.

وأخرج البيهقيّ في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن سعيد بن المسيِّب قال: رأى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بني اُميّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه إنّما هذه دنيا اُعطوها، فقرّت عينه، وهي قوله:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ... ) يعني بلاءً للناس(2) .

وجاء في (تفسير القرآن العظيم)(3) لابن كثير: المراد بالشجرة الملعونة بنو اُميّة. وفي (التفسير الكبير)(4) للفخر الرازيّ قال: قال ابن عبّاس: الشجرة بنو اُميّة. وجاء بمعناه في تفسير (النيسابوريّ) المسمّى بـ (غرائب القرآن ورغائب الفرقان)(5) .

____________________

(1) سورة الإسراء / 60.

(2) تفسير الدرّ المنثور - سورة الإسراء / 60.

(3) ج3 / 49.

(4) في ظلّ الآية 60 من سورة الإسراء.

(5) هامش تفسير الطبريّ 15 / 55.


وأخرج إمام المعتزلة ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة)(1) ، عن المدائنيّ أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رُفع له مُلْك بني اُميّة، فنظر إليهم يعلون منبره واحدٌ واحد، فشقَّ ذلك عليه، فأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآناً قال له:( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) .

قال الآلوسي: والشجرة الملعونة في عبارة بعض المفسّرين هي بنو اُميّة. إلى أن قال: وفيه من المبالغة في ذمّهم ما فيه، وجعل ضمير( نُخوِّفُهم ) على هذا لما كان له أو لا(2) ، أو للشجرة باعتبار أنَّ المراد بها بنو اُميّة، (ولعنهم) لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة، والفروج المحصنة، وأخذ الأموال من غير حلّها، ومنع الحقوق عن أهلها، وتبديل الأحكام، والحكم بغير ما أنزل اللّه تعالى على نبيّه (عليه الصلاة والسّلام)، إلى غير ذلك من القبائح العظام، والمخازي الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيّام. وجاء لعنهم في القرآن على الخصوص وعلى العموم(3) .

وأخرج المؤرّخ والمحدّث (المتّقي الهنديّ)(4) في كتابه الشهير (كنز العمّال)(5) ، عن عمر بن الخطّاب في قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا

____________________

(1) ج 16 / 16، الطبعة الحديثة، عن شرح المختار الثلاثين من الباب الثاني.

(2) هكذا في الأصل، و لعلّه: أولى.

(3) في تفسيره (روح البيان) 15 / 100 في ظلّ الآية( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (الإسراء / 60). وهو من مفسّري وعلماء أهل السنّة.

(4) وهو من علماء السنّة المعروفين.

(5) ج 1 / 252.


نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) ، قال عمر: هما الأفجرانِ من قريش؛ بنو المغيرة وبنو اُميّة.

ولكنَّ الغريب حقّاً أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي ولّى بني اُميّة على الشام! حتّى إذا جاء عثمان بن عفّان ثبّتهم على الحكم، وأطلق يدهم في الأموال، ووسّع لهم في السلطة على غير الشام، ومدّ لهم في الصلاحيّات.

وأخرج المؤرّخ المعروف (الخطيب البغداديّ) في تاريخه(1) ، عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيّوب الأنصاريّ عند منصرفه من صفّين، فقلنا له: يا أبا أيّوب، إنّ اللّه أكرمك بنزول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وبمجيء ناقته؛ تفضّلاً من اللّه وإكراماً لك أناخت ببابِكَ دون الناس، ثمّ جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلاّ اللّه.

فقال: يا هذا، إنَّ الرائد لا يكذبُ أهله، وإنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمرنا بقتال ثلاثة مع عليٍّ (كرّم اللّه وجهه)؛ بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين... إلى أن قال أبو أيّوب الأنصاريّ: وأمّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم. يعني معاوية وعمْراً.

ولم تأتِ روايةٌ تلوم هذا الصحابيَّ الجليل المتفقّه أبا أيّوب الأنصاريّ لأنه حارب بني اُميّة باعتبارهم القاسطين المنحرفين، ولكنَّ الأقلام الحاقدة حملت اللائمّة على الإمام الحسين (سلام الله عليه) حينما حمل سيفه وزحف إلى كربلاء، وأخذت تطبّق على الواقعة آية التهلكة، مع أنّ الإقدام على الشهادة ليس إعانةً على إزهاق النفوس، لا سيّما وأنّ الجهاد بأحكامه الإلهيّة دعا إلى إنقاذ الرسالة، وبثّ روح العزّة في المسلمين إذا خنعوا لسلاطين الجور والفساد،

____________________

(1) تاريخ بغداد 13 / 186.


وحمل السلاح في وجه المحاربين، ولقد قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ تكلّم بكلمة حقٍّ عند سلطان جائر فقتله» (1) .

وأخرج الحاكم(2) في (المستدرك على الصحيحين)(3) ، عن أبي برزة الأسلميّ قال: كان أبغض الأحياء إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنو اُميّة.

وأخرج أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من اُمتي قتلاً وتشريداً، وإنَّ أشدَّ قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة» (4)(5) .

وجاء في صحيح الترمذيّ ج 2، ومستدرك الصحيحين 3 / 170، وتفسير ابن جرير 30 / 167، وتفسير الفخر الرازيّ، والدرّ المنثور للسيوطيّ، وجامع البيان للطبريّ 30 / 167، وغيرها في تفسير الآية الشريفة( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أنها مؤوّلةٌ بملْك بني اُميّة، وقد دام ألف شهر.

وأبرز حكّام بني اُميّة معاوية بن أبي سفيان الذي مال الناس إليه بالترغيب والترهيب؛ فنسوا دينهم، وتخلّفوا عن أئمّة الحقّ والهدى، وهو الذي نقل لنا التاريخ عنه فسقه وفجوره، وقتله للصحابة...

قال ابن حجر العسقلانيّ: تواترت الأحاديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله)

____________________

(1) أحكام القرآن - للجصّاص 1 / 309 في ظلّ آية التهلكة.

(2) وهو من علماء أهل السنة.

(3) أي صحيحي مسلم والبخاريّ 4 / 480.

(4) ج 4 / 487.

(5) وأخرح أبو نعيم الأصبهانيّ في حلية الأولياء 6 / 293 عن عمران بن حصين قال: توفّي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يبغض ثلاث قبائل؛ بني حنيفة، وبني مخزوم، وبني اُميّة.


أنَّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنّه قُتل مع عليٍّ بصفّين(1) .

وأخرج إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) في مسنده عن عبد اللّه بن بريدة، قال: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثمّ أتانا بالطعام فأكلنا، ثمّ أتانا بالشراب فشرب معاوية، ثمّ ناوله أبي فقال أبي: ما شربته منذ حرّمه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وطالما حذّر منه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأشار إليه بإصبع الإنذار، وقد نقل الرُّواة في ذلك الكثيرَ الكثير، منه على سبيل المثال لا الحصر: أخرج ابن حجر الهيتميّ في كتابه (مجمع الزوائد)(2) ، عن عمرو بن الحمق الخزاعيّ قال: إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لي ذات يوم:«يا عمرو، هل لك أن اُريك آية النار تأكل الطعام وتشرب الشراب وتمشي في الأسواق؟» .

قلت: بلى بأبي أنت واُمّي!

قال:«هذا وقومه آية النار» ، وأشار إلى معاوية.

وروى البلاذريّ في (أنساب الأشراف) الجزء الأوّل، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت جالساً عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال:«يطلع عليكم من هذا الفجّ رجلٌ يموت - يوم يموت - على غير ملّتي».

قال عبد اللّه: وتركت أبي يلبس ثيابه، فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية(3) .

وفي كتاب (صفّين) لابن مزاحم / 244، قال البراء بن عازب: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«اللّهمّ العن التابع

____________________

(1) الإصابة في معرفة الصحابة 4 / 274.

(2) ج 9 / 405.

(3) مثله في تاريخ الطبريّ 11 / 357.


والمتبوع، اللّهمّ عليك بالاُقيعس» .

فقال ابن البراء لأبيه: مَن الاُقيعس؟

قال: معاوية.

والاُقيعس في اللغة: الرجل أخرج صدره، كناية عن التكبّر، أو لأنّه كان كبير البطن حتّى صار يُضرب بكبره المثل. وقد ذكر المؤرّخون أنَّ معاوية إذا جلس افترش كرشه على فخذيه فسترهما، ولم يبد منه سوى عيني ركبتيه.

وإذا كان هذا لا يكفي المسلمين أن يعرفوا من هو معاوية، وما ينبغي عليهم من التكليف تجاهه، فتعالوا نقف عند هذا الخبر. في (ميزان الاعتدال) للذهبيّ 2 / 7، روى عبّاد بن يعقوب، عن شريك عن عاصم، عن زرّ، عن عبد اللّه، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه». وقد صحّح الذهبيُّ الحديث، ثمّ رواه في الكتاب نفسه 2 / 129 عن أبي سعيد الخدريّ، وذكر نحوه عن أبي جذعان.

ورواه أيضاً ابن حجر في تهذيب التهذيب 5 / 110، و7 / 324 بنصّ قريب:«إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه» ، و8 / 74 أنَّ عمراً روى عن الحسن أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:«إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».

ثمّ جاء المناويّ(1) فقال في كتابه المعروف بـ (كنوز الحقائق) / 9: أقول: يُحتمل قويّاً أن يكون المراد من المنبر في قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إذا رأيتم معاوية على منبري...» هو مطلق المنبر؛ بدعوى أنّ كلّ منبر يُصعَد عليه في الإسلام ويُخطَبُ عليه فهو منبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويُحتمل أن يكون المراد منه هو خصوص منبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة كما

____________________

(1) وهو من علماء أهل السنّة.


يؤيّده بل يدلُّ عليه ما تقدّم في حديث أبي سعيد:«إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد...» .

وعلى كلّ حال فإنَّ معاوية حسب الأحاديث المتقدّمة ممّن يجب قتله بحكم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد تسامح فيه المسلمون؛ أمّا وجوب قتله على الاحتمال الأوّل فواضح، وأمّا على الثاني فلِما رواه ابن سعد في الطبقات (4 / 136 - القسم الأوّل) من مجيء معاوية إلى المدينة، وصعوده على منبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ، عن أيّوب، عن نافع قال: لـمّا قدم معاوية المدينة حلف على منبرِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليقتلنَّ ابن عمر.

هكذا أمر رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بياناً منه لانحراف معاوية، ولكنَّ معاوية هذا تولّى ولاية الشام في عهد «عمر بن الخطاّب» بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان، ولاّه عمر وهو الذي عُرف بشدّته في محاسبته للولاة، وصرامتُه نُقلتْ مع أبي هريرة بعد أن عزله من ولاية البحرين واتّهمه بسرقة بيت مال المسلمين، لكنّه لم يرد عن «عمر» أنّه حاسب معاوية! ثمّ لا ندري كيف فات خليفةَ المسلمين أنَّ الطلقاء لا يحقُّ لهم أن يتولَّوا(1) ؟!

في ترجمة (معاوية بن أبي سفيان) ذكر ابن الأثير: وروى عبد الرحمن بن أبزي، عن عمر أنّه قال: هذا الأمر من أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثمّ في أهل اُحد ما بقي منهم أحد، ثمّ في كذا وكذا، وليس فيها لطليق، ولا لولدِ طليق، ولا لمسلمة الفتح شيء(2) .

وفي ترجمة (عبد الرحمن بن غُنْم الأشعريّ) قال ابن عبد البرّ: ويُعرف

____________________

(1) يراجع: المنتظم - لابن الجوزيّ 4 / 7، معاني الأخبار / 364، الاحتجاج / 275.

(2) اُسد الغابة 4 / 387، ورواه ابن سعد في طبقاته 3 / 248 - القسم الأوّل.


بصاحب معاذ؛ لملازمته له، وسمع من عمر بن الخطّاب، وكان من أفقه أهل الشام، وهو الذي فقّه عامّة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدْر، وهو الذي عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذ انصرفا من عند عليٍّعليه‌السلام رسولين لمعاوية.

وكان ممّا قال لهما (عبد الرحمن بن غُنم الأشعريّ): عجباً منكما! كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليّاً أن يجعلها شورى وقد علمتما أنّه - أي عليّعليه‌السلام - قد بايعه المهاجرون والأنصار، وأهل الحجاز وأهل العراق، وأنّ من رضيه خيرٌ ممّن كرهه، ومَنْ بايعه خيرٌ ممّن لم يبايعه؟! وأيُّ مدخلٍ لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة، هو وأبوه من رؤوس الأحزاب؟!

قال: فندما (أبو هريرة وأبو الدرداء) على مسيرهما...(1) .

وقد أسّس معاوية لنفسه فترة خلافة عثمان استعداداً للوثبة على الخلافة، فلمّا قُتل عثمان أحدث الفتن، وأراق دماء ثمانين ألفاً من المسلمين في حرب صفّين، وبعد صفّين أرسل السرايا والجيوش إلى أطراف البلاد لإيجاد الفوضى والبلبلة بين المسلمين. واختلق الأحاديث لتثبيت سلطته، وتبرير قمعه للناس، كما اختلق فِرَقاً (سياسيّةً - دينيّة) باسم الإسلام تتّخذ اسم المرجئة مرّة، والجبريّة اُخرى؛ لتحريم الثورة ضدَّه(2) .

وقد أراد الإمام الحسن (سلام الله عليه) أن يقتل معاوية؛ ائتماراً بأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكنَّ الناس خذلوه ونكثوا عهدهم معه، فاضطُرّ إلى الصلح. بعده دخل معاوية الكوفة وقد وقّع على وثيقة الصلح أن

____________________

(1) الاستيعاب 2 / 402، وذكره ابن الأثير في اُسْد الغابة 3 / 318 باختلاف يسير.

(2) يراجع (مقالات الإسلاميّين) للأشعريّ / 141.


يتقيّد بشرع الإسلام، فأطبق جيشه على الكوفة، وخاطب أهلها قائلاً: يا أهل الكوفة، أتروني اُقاتلكم على الصلاة والزكاة والحجّ وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون؟! ولكنّني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألاَ إنّ كلَّ مالٍ أو دمٍ اُصيبَ في هذه الفتنة فمطلول، وكلّ شرطٍ شرطته فتحت قدمَيَّ هاتين(1) .

وكان ذلك إلغاءً صريحاً ونقضاً فاضحاً لبنود وثيقة الصلح، وقد شفع ذلك بتدبير مؤامرة اغتيال الإمام الحسنعليه‌السلام ؛ فأغرى به زوجته (جعدة بنت الأشعث) فقتلته بالسمّ، وقد منّاها أن يزوّجها ابنه يزيد فلم يفِ لها بذلك بعد جريمتها.

وقد استطاع الإمام الحسن (سلام الله عليه) بوثيقة الصلح أن يفضح معاوية؛ لعلمهعليه‌السلام أنَّ معاوية لا يتقيّد بشرط. وقد خدع معاويةُ الناسَ بادّعاءاته، فجاءتْ وثيقة الصلح فأبانت للناس غدره؛ حيث توّج ابنه (يزيد) خليفةً له وملِكاً على الاُمّة من بعده، مع أنَّ الوثيقة التي وقّعها معاوية تقضي أن يكون الإمام الحسنعليه‌السلام خليفة المسلمين بعد موت معاوية، فإن تُوفّي الحسن (سلام الله عليه) قبل معاوية فالإمام الحسينعليه‌السلام هو وليُّ الأمر.

حتّى إذا استتبّت الاُمور لمعاوية أظهر ما استبطنه من الأحقاد؛ فأشاع الإرهابَ، وأثار الفتن العرقيّة، والتعصبّات الجاهليّة، والعنعنات القبليّة، وأعمل القتلَ في موالي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ فكتب إلى قائدٍ من قوّاد جيوشه: فاقتل كلَّ مَن لقيتَه ممّن ليس هو على مثْل رأيك، واضرب كلَّ ما

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 6 / 15.


مررت به من القرى، واحرِبِ الأموال؛ فإنَّ حربَ الأموال شبيهٌ بالقتل، وهو أوجع للقلب(1) .

وكتب إلى ولاته في جميع الأمصار: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه(2) . ثمّ أمر أن يُلعَن أولياء الله على المنابر؛ فشُتم الإمام عليٌّعليه‌السلام على منابر بني اُميّة ألف شهر، أكثر من ثمانين سنة(3) ؛ ولذا اُوّلت الآية( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ذلك التأويل الذي ذكرناه.

أمّا حقده على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونعرته الجاهليّة، فيكفي في ذلك بياناً هذه الرواية: روى مطرف بن مغيرة بن شعبة قال: وفدت مع أبي على معاوية، فكان أبي يتحدّث عنده ثمّ ينصرف إليَّ وهو يذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه.

وأقبل ذات ليلةٍ - أي المغيرة بن شعبة - وهو غضبان، فأمسك عن العشاء، فانتظرته ساعةً وقد ظننت أنّه لشيءٍ حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟

قال: يا بنيّ، جئتك من عند أخبث الناس!

قلت: ما ذاك؟

قال: خلوت بمعاوية فقلت له: إنّك بلغت مناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً؛ فإنّك كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 2 / 86.

(2) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 11 / 45.

(3) أخرج ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2 / 301، قال: إنّ معاوية لعن عليّاً على المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا، فكتبت اُمُّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى معاوية: إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم؛ وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومَن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبه ورسوله. فلم يلتفت معاوية إلى كلامها.


فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيءٌ تخافه.

فثار معاوية واندفع يقول: هيهات، هيهات! ملك أخو تيمٍ فعدل، وفعل ما فعل، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: قال أبو بكر. ثمّ ملك أخو عديٍّ فاجتهد وشمّر عشر سنين، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر. ثمّ ملك أخونا عثمان، فملك رجلٌ لم يكن أحدٌ في مثل نسبه، فعُمل به ما عُمل، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره.

وإنَّ أخا هاشم - يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - يُصرخ به في كلّ يومٍ خمس مرّات: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، فأيُّ عملٍ يبقى بعد هذا لا اُمَّ لك! والله سحقاً سحقاً، والله دفناً دفناً(1) !

ثمّ ما أن استقرّت الأحوال لمعاوية حتّى كانت له اجتهاداتٌ - يطول بيانها - في تغيير الأحكام الإسلاميّة، بدّل منها ما بدّل حتّى سُمّي بعضها بأوّليّات معاوية(2) .

ثمّ جاء من بعده يزيد، وما أدراك ما يزيد! جاء في كتاب (صحيح البخاريّ) ج 9 كتاب الفتن - باب قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«هلاك اُمّتي على يدي اُغيلمةٍ سفهاء» ، حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمر بن سعيد، قال: أخبرني جدّي قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول:«هلكةُ اُمّتي على يدي غلمةٍ من قريش» .

يقول شارح صحيح البخاريّ ابنُ حجر

____________________

(1) العقد الفريد 2 / 297، والموفقيّات / 576، طبع وزارة الأوقاف ببغداد سنة 1392 هـ، ومروج الذهب - للمسعودي 2 / 341. ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة كتاب (الغدير) للعلاّمة الأمينيّ - الجزء العاشر.

(2) ذكر بعضها اليعقوبيّ في تاريخه، والسيوطيّ في تاريخ الخلفاء عند ذكر سيرة معاوية.


العسقلانيّ في (فتح الباري) 13 / 7 و 8: إنَّ أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: اللَّهمَّ لا تدركني سنة ستّين، ولا إفادة الصبيان.

قال ابن حجر: وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أوّل الاُغيلمة كان في سنة ستّين، وهو كذلك؛ فإنّ يزيد بن معاوية استُخلف فيها وبقي إلى سنة 64 هـ فمات، ثمّ وُلّيَ ولده معاوية ومات بعد أشهر.

وقال الشارح أيضاً: إنَّ أوّل هؤلاء الغلمان يزيد كما دلّ عليه قول أبي هريرة سنة ستّين وإمارة الصبيان.

وروى ابن حجر العسقلانيّ في كتابه: (مجمع الزوائد 5 / 241) عن مُسند أبي يعلى، والبزّاز، وابن حجر الهيتميّ في (الصواعق المحرقة / 132) عن مسند الرويانيّ، عن أبي الدرداء قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول:«أوّل من يبدّل سنّتي رجلٌ من بني اُميّة يُقال له: يزيد» .

أمّا أبو يعلى والبزّاز فقد رويا أنَّ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال:«لا يزال أمر اُمّتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجلٌ من بني اُميّة يقال له: يزيد» .

وأخرج القاضي نعمان المصريّ في كتابه (المناقب والمثالب / 71)، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه نظر يوماً إلى معاوية يتبختر في حبره، وينظر إلى عطفيه، فقال مخاطباً إيّاه:«أيّ يومٍ لاُمّتي منك! وأيّ يوم لذرّيّتي منك من جُروٍ يخرج من صلبك، يتّخذ آيات الله هزواً، ويستحلُّ من حرمتي ما حرّم الله (عزّ وجلّ)».

وفي كنز العمّال للمتّقي الهنديّ 6 / 39 هذا الحديث:«يزيد! لا بارك الله في يزيد؛ نُعِيَ إليَّ الحسين واُوتيت بتربته، واُخبرت بقاتله... واهاً لفراخ آل محمّد من خليفةٍ مستخلفٍ مترف يقتل خلَفي وخلَف الخلَف!» .


أخرجه الطبرانيٌّ عن معاذ، وذكره ابن حجر الهيثميّ في (مجمع الزوائد 9 / 189) عن معاذ بن جبل، إلاّ أنّه قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«يزيد! لا بارك الله في يزيد». ثمّ ذرفت عيناه، ثمّ قال:«نُعِيَ إليَّ حسين». وذكره المناويّ في (فيض القدير) وقال: أخرجه ابن عساكر عن سلمة بن الأكوع، ورواه عنه ابن نعيم والديلميّ.

وفي (كنز العمّال 6 / 223) أيضاً: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لا بارك الله في يزيد الطعّان اللّعّان، أما إنّه نُعي إليّ حبيبي حسين، واُوتيتُ بتربته، ورأيتُ قاتله، أما إنّه لا يُقتل بين ظهرانَي قومٍ فلا ينصروه إلاّ [عمّهم الله] بعقاب». أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب.

ومَن لم يسمع بهذه الأحاديث النبويّة الصريحة فلا بدَّ أنّه سمِع بسيرة يزيد، وقد سار بها الركبان، وشاعت بين البلدان؛ فقد نشأ يزيد نشأةً بعيدةً عن أجواء الإسلام؛ فمنطقة (حوّارين) التي عاشتْ فيها اُمّه وأهلها كانت ذات جوّ مسيحيّ، وظلّ يزيد بعد نشأته هناك يحنّ إلى (حوّارين) ويتردّد عليها بين الحين والآخَر(1) .

وقد آل الأمر إلى يزيد بعد أن هلك معاوية وهو هناك، ومات يزيد نفسه وهو هناك في (حوّارين) متشاغلاً بالخمور والفجور، ولم يَعُدْ إلاّ بعد عشرة أيّام من هلاك أبيه، فصلّى على قبره إذ كان مدفوناً(2) .

يقول الاُستاذ (عبد الله العلايليّ) في كتابه حول الإمام الحسينعليه‌السلام (سموّ المعنى في سموّ الذات) / 59: إذا كان يقيناً أو يشبه اليقين أنَّ

____________________

(1) يراجع (معاوية بن أبي سفيان) لعمر أبو النصر / 282.

(2) الفتوح المكّيّة - لابن عربيّ 4 / 265.


تربية يزيد لم تكن إسلاميّةً خالصة، أو بعبارة اُخرى: كانت مسيحيّةً خالصة فلم يبقَ ما يُستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستهتراً مستخفّاً بما عليه الجماعة الإسلاميّة، لا يحسب لتقاليدهما واعتقاداتها أيَّ حساب، ولا يقيم لها وزناً، بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك.

ويقول الاُستاذ عمر أبو النصر: أمّا اُستاذ يزيد أو أساتذته إذا كانوا غير واحد، فإنّهم مجهولون، وقد أسف «لامنس» المستشرق اليسوعيّ لهذا النقص التاريخيّ(1) ؛ لأنّه يعتقد أنّ اُستاذ يزيد لا يبعد أن يكون مسيحيّاً من مشارقة النصارى، خصوصاً ويزيد نفسه قد كلّف كاهناً مسيحيّاً بتثقيف ولده خالد.

لقد نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحيّة قبل الإسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين، فتأثّر بسلوكهم إلى حدٍّ بعيد؛ فكان يشرب الخمر معهم ويلعب بالكلاب(2) .

ويصفه السيّد مير علي الهنديّ مقارناً إيّاه بأبيه، فيقول: كان يزيد قاسياً غدّاراً كأبيه، ولكنّه ليس بداهيةٍ مثله، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرّفاته القاسية بستارٍ من اللباقة الدبلوماسيّة الناعمة، وكانت طبيعته المنحلّة وخلقه المنحطّ لا تتسرّب إليهما شفقةٌ ولا عدل، وكان يقتل ويعذّب نشداناً للمتعة واللذّة التي يشعر بها وهو ينظر إلى آلام الآخرين، وكان بؤرةً لأبشع الرذائل، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهدٍ على ذلك، لقد كانوا من حثالة

____________________

(1) معاوية / 359.

(2) كربلاء بين الحقائق والأوهام - لإبراهيم أشكياني / 61 - 62.


المجتمع(1) .

وروى الطبريّ في تاريخه 7 / 43 من شعر ابن عرادة، أنّ يزيد كان شرّيباً للخمر طوال حياته حتّى الموت، وقد مات بين كأس الخمر وزقّ الخمر، والمغنّية وآلة الطرب، قال:

أبنَي اُميّة إنّ آخِرَ ملكِكمْ

جَسَدٌ بحوّارين ثَمَّ مُقيمُ

طرقتْ منيّتُه وعند وسادِهِ

كوبٌ وزقٌّ راعف مرثومُ

[ومرنة] تبكي على نشوانه

بالصنج تقعد تارةً وتقومُ

وقد عُرف عنه الإدمان، حتّى إنَّ بعض المصادر تعزو سبب هلاكه إلى أنّه شرب مقداراً كبيراً من الخمرة فأصابه انفجار.

وكان قد اصطفى جماعةً من الخلعاء والماجنين، فكان يقضي معهم لياليه بين الشراب والغناء، وفي طليعة ندمائه الأخطل، الشاعر المسيحيّ الخليع؛ فكانا يشربان ويسمعان الغناء، وإذا أراد السفر صحبه معه، ولـمّا هلك يزيد وآلَ السلطان إلى عبد الملك بن مروان قرّب الأخطل؛ فكان يدخل عليه بغير استئذان، وعليه جُبّة خزّ، وفي عنقه سلسلةٌ من ذهب، والخمر يقطر من لحيته(2) .

وفي تاريخ ابن كثير 8 / 228: كان يزيد صاحب شراب، فأحبّ معاوية أن يعظه في رفق، فقال: يا بُنيّ، ما أقدرك على أن تصل حاجتك من غير تهتّكٍ يذهب بمروءتك وقدْرِك، ويشمت بك عدوّك، ويسيء بك صديقك.

ثمّ قال: يابُنيّ، إنّي منشدك أبياتاً فتأدّب بها واحفظها.

فأنشده:

____________________

(1) روح الإسلام / 296.

(2) الأغاني 7 / 170.


انصبْ نهارَك في طِلابِ العُل

واصبر على هجر الحبيب القريبْ

حتّى إذا الليل أتى بالدُّجى

واكتحلت بالغمض عينُ الرقيبْ

فباشرِ الليل بما تشتهي

فإنَّما الليلُ نهار الأريبْ

كم فاسقٍ تحسبه ناسك

قد باشر الليل بأمرٍ عجيبْ

غطّى عليه الليلُ أستارَه

فبات في أمنٍ وعيشٍ خصيبْ

ولذّة الأحمق مكشوفةٌ

يسعى بها كلُّ عدوٍّ مريبْ

وأضاف ابن كثير على الصفحة (230) قائلاً: وكان في يزيد أيضاً إقبالٌ على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات.

أمّا اليعقوبي فقد أورد في تاريخه 2 / 220 أنّ معاوية لـمّا أراد أن يأخذ البيعة ليزيد من الناس طلب من زياد بن أبيه أن يأخذ بيعة المسلمين في البصرة، فكان جواب زياد له: ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبّغات، ويُدمن الشراب، ويمشي على الدفوف، وبحضرتهم الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن الزبير، وعبدالله بن عمر؟! ولكن تأمره يتخلّق بأخلاق هؤلاء حولاً أو حولين؛ [فعسانا] أن نُمَوِّهَ على الناس.


وأرسل معاويةُ يزيدَ إلى الحجّ، وقيل: بل أخذه معه، فجلس يزيد بالمدينة على شراب، فاستأذن عليه عبد الله بن عبّاس والحسين بن عليّ، فأمر يزيد بشرابه فرُفع، وقيل له: إنّ ابن عبّاس إن وجد ريح شرابك عرفه. فحجبه وأذِنَ للحسين، فلمّا دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب، فقال:«ما هذا يابن معاوية؟» .

فقال: يا أبا عبد الله، هذا طيبٌ يصنع لنا بالشام.

ثمّ دعا بقدحٍ فشربه، ثمّ دعا بقدحٍ آخر فقال: اسقِ أبا عبد الله يا غلام.

فقال الحسين:«عليك شرابك أيّها المرء».

فقال يزيد:

ألا يا صاحِ للعجبِ

دعوتُك ثمَّ لم تُجبِ

إلى القيناتِ واللذّ

تِ والصهباء والطربِ

وباطيةٍ مكللّةٍ

عليها سادةُ العربِ

وفيهنّ التي تبلتْ

فؤادَك ثمّ لم تَتُبِ

فوثب الحسين عليه وقال:«بل فؤادَك يابن معاوية تبلتْ» (1) .

وذكر اليعقوبي أنّ معاوية حجّ وحاول أن يأخذ البيعة من أهل مكّة والمدينة، فأبى عبد الله بن عمر وقال: نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر ويُظهر الفِسْق؟! ما حجّتنا عند الله؟!

وقال عبد الله بن الزبير: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد أفسد علينا ديننا(2) .

وفي رواية أنّ الحسينعليه‌السلام قال لمعاوية:«كأنّك تصف محجوب، أو تنعت غائب، أو تُخبر عمّا كان احتويته لعلمٍ خاصّ. وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه؛ فخذ ليزيد في ما أخذ من استقرائه

____________________

(1) الأغاني 14 / 61، والكامل 4 / 5.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 228.


الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصراً، ودَعْ عنك ما تحاول» (1) .

وكان يزيد شاعر، وقد أكثر من نظم الشعر في الخمر والغناء، ومنه:

معشرَ الندمانِ قُومو

واسمعوا صوتَ الأغاني

واشربوا كأسَ مدامٍ

واتركوا ذكْرَ المثاني(2)

شغلتْني نغمة العيـ

ـدانِ عن صوت الأذانِ

وتعوّضت من الحو

ر عجوزاً في الدنانِ(3)

وروى صاحب الأغاني قائلاً: كان يزيد بن معاوية أوّلَ مَن سنّ الملاهي في الإسلام من الخلفاء، وآوى المغنّين، وأظهر الفتك، وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النصرانيّ مولاه، والأخطل - الشاعر النصرانيّ -، وكان يأتيه من المغنّين سائب خائر فيقيم عنده، فيخلع عليه(4) .

وجاء في أنساب الأشراف للبلاذريّ: كان يزيد بن معاوية أوّلَ مَن أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء والصيد، واتّخاذ القيان والغلمان، والتفكّه بما يضحك منه المترفون من القرود، والمعافرة بالكلاب والديكة(5) .

ثمّ روى البلاذريّ عن شيخٍ من أهل الشام أنّ سبب وفاة يزيد أنّه حمل قردةً على الأتان وهو سكران، ثمَّ ركض خلفها فسقط فاندقّتْ عنقه، أو انقطع في جوفه شيء.

كما روى عن ابن عيّاش أنّه قال: خرج يزيد يتصيّد بحوّارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشيّة قد حمل عليها قرداً، وجعل

____________________

(1) الإمامة والسياسة - لابن قتيبة 1 / 170.

(2) أي: اتركوا قراءة الحمد في الصلاة.

(3) تُراجع تذكرة الخواصّ - لسبط ابن الجوزيّ / 164.

(4) الأغاني 16 / 68.

(5) ج 4 / 1 - القسم الأوّل. والمعافرة كالمهارشة.


يركض الأتان ويقول:

أبا خلَفٍ احْتَلْ لنفسِك حِيلةً

فليس عليها إن هلكتَ ضمانُ

فسقط واندقّتْ عنقه(1) .

وقال ابن كثير في تاريخه 8 / 436: اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور، والغناء والصيد، واتّخاذ القيان والكلاب والنطاح بين الأكباش، والدباب والقرود. وما من يوم إلاّ ويصبح فيه مخموراً، وكان يشدُّ القرد على فرسٍ مسرجة بحبال ويسوق به، ويُلبس القردَ قلانسَ الذهب وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه.

وقيل: إنّ سبب موته أنّه حمل قردة وجعلها ينقّزها فعضّتْه.

نعم، هذا يزيد، وقد كان اتّخذ لمشورته رجلاً من النصارى اسمه (سرجون) الذي كان من ذي قبل مستودَعَ أسرار معاوية، فإذا تحيّر في أمر أتى هذا النصرانيَّ فأخذ برأيه.

وكان يزيد يأمر بقطع الرؤوس وإرسالها إليه لينظر إليها بعين التشفّي وينشو، ويشبع نهمه الذي لا يشبع في سفك الدماء، وما أشبهه بجدّته (هند) آكلة الأكباد التي مثّلت بجسد حمزة بن عبد المطلب سيّد الشهداء في (اُحد)، ولاكتْ كبدَه الشريف تشفّياً لحقدها العجيب على أولياء الله!

ثمّ كان ما كان من الإرهاب والقتل، والتشديد والتعذيب، وكثرة السجون والمفاسد والمظالم في عهد يزيد حتّى أقرَّ عليه المقرّبون، وخشي على

____________________

(1) أنساب الأشراف 4 / 2، وأبو خلف كنية قرده، وله قرد آخر بكنية أبي قيس، وقد قال فيه شعراً، منه:

تمسّكْ أبا قيسٍ بفضلِ عنانِه

فليس عليها إن سقطتَ ضمانُ


أنفسهم الأتقياء.

ذكر مَعقِلُ بن سنان يزيدَ بن معاوية لمسرف (وهو مسلم بن عقبة)، فقال: إنّي خرجت كرهاً لبيعة هذا الرجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه؛ هو رجلٌ يشرب الخمر، ويزني بالحرم. ثمّ نال منه، وذكر خصالاً كانتْ في يزيد(1) .

وأخرج الطبريّ(2) عن المنذر بن الزبير أنَّ يزيد بعث إليه بمئة ألف ليشتري منه دينه ويبايعه لأجلها، فأخذ المنذرُ بن الزبير المال وخطب في أهل المدينة، وقال فيما قال: إنّه - أي يزيد - قد أجازني بمئة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره؛ والله إنّه ليشرب الخمر، واللهِ إنّه ليسكر حتّى يدع الصلاة.

في حين ذكر ابن حجر في (الصواعق المحرقة / 132): أخرج الواقديّ من طرق أنّ عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: والله، ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء؛ إنّه رجلٌ ينكح اُمّهات الأولاد، والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.

وأورد ابن سعد في طبقاته 5 / 47 قريباً إلى هذا النصّ، وهو أنَّ عبد الله بن حنظلة قال: يا قوم، اتّقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء. إنّ رجلاً ينكح الاُمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحدٌ من الناس لأبليت الله فيه بلاءً حسناً. فتواثب الناس يومئذٍ يبايعون من كلّ النواحي.

____________________

(1) مستدرك الصحيحين - للحاكم 3 / 522، بسنده عن عثمان بن زياد الأشجعيّ.

(2) في تاريخه 4 / 68.


فأين هذا مِن قول مَن يقول: لا يجوز لعنُ يزيد؛ لأنّه مسلم، وسبّ المسلم فسق؟! ولا يجوز قتال يزيد؛ لأنّ قتال المسلم كفر؟!

تعالوا نقرأ ما كتبه العالم السُّنِّي المشهور (الآلوسي) في تفسيره:

مَن يقول: إنّ يزيد لم يعصِ بذلك ولا يجوز لعنه فينبغي أن ينتظم في سلسلة أنصار يزيد. وأنا أقول: إنَّ الخبيث لم يكن مصدِّقاً بالرسالة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنَّ مجموع ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته الطيّبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالةً على عدم تصديقه من إلقاء ورقةٍ من المصحف الشريف في قذَرٍ.

ولا أظنُّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين... ولو سُلّم أنَّ الخبيث كان مسلماً فهو مسلمٌ جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ولو لم يُتَصوَّرْ أن يكون له مثْلٌ من الفاسقين.

والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه. ويعجبني قول شاعر العصر، ذي الفضل الجلي، عبد الباقي أفندي العمريّ الموصلي، وقد سُئل عن لعن يزيد فقال:

يزيد على لعني عريضٌ جنابُه

فأغدو به طولَ المدى ألعن اللعنا

ومَن يخشى القيل والقال من التصريح بلعن ذلك الضلّيل فليقل: لعن الله (عزّ وجلّ) مَن رضيَ بقتل الحسينعليه‌السلام ، ومن آذى عترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بغير حقّ، ومن غصبهم حقّهم؛ فإنّه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوّليّاً في نفس الأمر.

ثمّ قال الآلوسي: نقل البرزنجيّ في (الإشاعة)... أنَّ الإمام أحمد بن حنبل لـمّا سأله ابنه


عبد الله عن لعن يزيد قال: كيف لا يُلعن مَن لعنه الله في كتابه!

فقال عبد الله: قرأت كتاب الله (عزّ وجلّ) فلم أجد فيه لعن يزيد!

فقال الإمام: إنّ الله يقول:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ... ) (سورة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله / 22 - 23). وأيُّ فسادٍ وقطيعةٍ أشدُّ ممّا فعله يزيد؟!

وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعةٌ من العلماء، منهم القاضي أبو يعلى، والحافظ ابن الجوزيّ، وجلال الدين السيوطيّ. وقال التفتازانيّ: لا نتوقّف في شأنه، بل في إيمانه (لعنة الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره).

وفي تاريخ ابن الورديّ، وكتاب (الوافي بالوفيّات): لـمّا ورد على يزيد نساء الحسين وأطفاله، والرؤوس على الرماح، وقد أشرف على ثنية جيرون، ونعب الغراب، قال:

لما بدتْ تلك الحمول وأشرقت

تلك الشموسُ على رُبى جيرونِ

نعب الغراب فقلتُ قُل أو لا تقل

فلقد قضيتُ من النبيِّ ديوني

يعني أنّه قتل بمَنْ قتله رسول الله يومَ بدر؛ كجدّه عتبة وخاله ولَدِ عتبة وغيرهما، وهذا كفرٌ صريح، فإذا صحَّ عنه فقد كفر به. ومثْله تمثّله بقولِ عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:ليت أشياخي... - الأبيات(1) .

فـ (يزيد) غير سويّ فضلاً عن عدم لياقته للخلافة، وقد أقرّ عليه ولده (معاوية الثاني) بذلك. جاء في الصواعق المحرقة / 134: ومن صلاحه

____________________

(1) تفسير روح المعاني 26 / 27، في ظل الآية( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) .


الظاهر (أي معاوية بن يزيد بن معاوية) أنّه لـمّا وُلّي صعد المنبر فقال: إنَّ هذه الخلافة حبل الله، وإنّ جدّي معاوية نازع الأمرَ أهلَه ومَن هو أحقُّ به منه عليَ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيّته فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثمّ قُلّد أبي الأمر وكان غيرَ أهلٍ له، ونازع ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقُصف عمره، وانبتر عقِبُه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه.

ثمّ بكى وقال: مِن أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبؤس منقلبه، وقد قتل عترةَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأباح الخمر، وخرّب الكعبة، ولم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلّد مرارتها، فشأنكم أمركم. والله لئنْ كانت الدنيا خيراً فقد نلْنا منها حظّاً، ولئن كانت شرّاً فكفى ذرّيّةَ أبي سفيان ما أصابوا منها.

قال ابن حجر: ثمّ تغيّب في منزله حتّى مات بعد أربعين يوماً كما مرّ، عن إحدى وعشرين سنة، وقيل: عشرين، فرحمه الله أنصف من أبيه، وعرف الأمر لأهله.

وقيل: إنّه قُتل كما قُتل معلّمه؛ لاتّهامه بتعليمه الزهدَ بالدنيا.

وهنا بعد هذه الرحلة التاريخيّة الطويلة نقول: إنّ الأخلاق الشرعيّة والسياسيّة، والاجتماعيّة والإنسانيّة كلّها تستدعي لأنْ ينهض الحسين (سلام الله عليه) ليصرخ صرخته التاريخيّة المدوّية في وجه الظلم الذي استفحل فهدّد الدين بالتحريف، وهدّد المسلمين بالقتل المعنويّ، فناموا على قبول الضيم، وانزوَوْا خانعين، وماتت الغيرة والهمّة والشهامة والمروءة والكرامة فيهم حتّى أقرّوا على حكم يزيد، ولم تُسمع منهم كلمة حقّ في وجه سلطانٍ جائر، ولم يُرَ منهم سيفٌ يسلط في وجه أميرٍ ظالم؛ فغضُّوا الأبصار عن جرائم بني اُميّة، وأصمّوا الأسماع عمّا شاع من يزيد وزمرته من الانتهاكات وهتك الحرمات.


فكان لا بدّ أن يقوم الإمام الحسينعليه‌السلام لله، وعلى حبّ الله، وطاعة الله، وفي سبيل الله ولو كلّفه ذلك الدماء الزكيّة، والأنفس القدسيّة، وآلام الأسر، وهو يعلم أنّ يزيد هذا لا يتورّع عن انتهاك أيّ حرمة، وارتكاب أيّ جريمة، فبذلك يُثبت للناس أنَّ يزيد كافر، وأنّ الاُمّة متخلّفةٌ عن تكاليفها الشرعيّة، وهذا لم يكن للإمام الحسينعليه‌السلام أن يثبته إلاّ بالدم النبويّ الشريف؛ فعرّضَ بدنه للسيوف والرماح والسهام، وعرّض اُسرته للقتل والسبي ليسلم الدين، ويستفيق المسلمون من أسر الغفلة وحبّ الدنيا والخوف.

وفعلاً افتضح أمر (يزيد) بعد واقعة الطفّ، وبعد تلك المواقف الشجاعة التي ظهرت من الإمام الحسينعليه‌السلام ، حتّى إذا استتبّ له الأمر هجم على المدينة في واقعة الحَرَّة فهتك حُرمة حرَمِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث أباح دماءها وأعراضها ثلاثة أيّام؛ فقتل جيشه ألفاً وسبعمئةٍ من الأنصار والمهاجرين، وأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجوه الناس، ومن العوامّ عشرة آلاف سوى النساء والصبيان.

هذا ما ذكره ابن قتيبة في الإمامة والسياسة، أضف إلى ذلك النهب والإفساد وأسر المسلمين، وانتُهكتْ ألفُ بنت في هذه المأساة، وحملت (من الزنا) سبعمئةِ امرأة بأولاد الزنا. ثمّ ماج يزيد على الكعبة فهدمها سنة 64هـ بالمنجنيق كما يذكر ابن الأثير في تاريخه (الكامل) 4 / 124.

إنّ الموقف يومذاك قد تطلّب معرفة أمرِ الله وحكْمِه، والحسين (سلام الله عليه) من أهل بيت الوحي، ومستقى العلم. وكذا تطلّب الموقف شجاعةً عالية لا يرقى إليها إلاّ الحسين، ولا يطالها إلاّ سيّدُ شباب أهل الجنّة،


ولا يفوز بها إلاّ سيّد الشهداء من الأوّلين والآخرين.

وقف الإمام الحسينعليه‌السلام أمام مروان بن الحكم وقد دعاه إلى بيعة يزيد، فقال:«إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا بُليتِ الاُمّة براعٍ مثلِ يزيد. ولقد سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرّمةٌ على آل أبي سفيان، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنة. وقد رآه أهل المدينة فلم يبقروا، فابتلاهم الله بيزيد الفاسق» (1) .

يقول ابن طاووس بعد هذا: والذي تحقّقناه أنّ الحسينعليه‌السلام كان عالِماً بما انتهت حاله إليه، و كان تكليفه ما اعتمد عليه.

ولهذا ندِم مَن تخلّف عن الإمام الحسين (سلام الله عليه)، فقام سليمان بن صرَد الخزاعيّ بثورة التوّابين سنة 65 هـ، وقام بثورة المدينة عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة)، وقام المختار الثقفيّ (رضوان الله عليه) بثورة في الكوفة سنة 66 هـ، وفي سنة 77 هـ ثار مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجّاج بن يوسف وخلع عبدَ الملك بن مروان، وثار سنة 81 هـ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث على الحجّاج أيضاً، ثمّ نهض زيد بن عليّ بن الحسين (سلام الله عليهم) بثورةٍ شامخة سنة 122 هـ.

ولم يستقرّ لبني اُميّة قرار حتّى آل سلطانهم إلى الانهيار، فانتصر الإمام الحسينعليه‌السلام نصرين، ونال كلتا الحُسنيين؛ غلبة السيف على الظلم، وغلبة الدم على السيف الظالم، وفاز هو وأنصاره بالشهادة العليا.

ثمّ يعود التاريخ فينحني إجلالاً وإكباراً للشجاعة الحسينيّة التي غيّرت

____________________

(1) اللهوف / 10، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 185.


عوالم في هذا الوجود، وطبّقت شريعة الله على الأرض بأغلى التضحيات، وصرعت رموز الكفر والضّلال والفساد.

قال ابن خلدون: غلط القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسيّ المالكيّ إذ قال في كتابه (العواصم والقواصم)(1) : إنّ الحسين قُتل بسيف شرعه. غفلةً عن اشتراطِ الإمام العادل في الخلافة الإسلاميّة، ومَن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء(2) ؟!

ثمّ ذكر الإجماع على فسق يزيد، ومعه لا يكون صالحاً للإمامة؛ ومِن أجله كان الحسينعليه‌السلام يرى من المتعيَّن الخروج عليه. وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله؛ لأنّهم يرون أن لا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين، بل قَتْلُه من فعلات يزيد المؤكِّدة لفسقه، والحسين فيها شهيد.

وقال ابن مفلح الحنبليّ: جوّز ابن عقيل وابن الجوزيّ الخروج على الإمام غير العادل، بدليل خروج الحسين على يزيد لإقامة الحقّ. وذكره ابن الجوزيّ في كتابه (السرّ المصون) من الاعتقادات العامّيّة التي غلبت على جماعةٍ من المنتسبين إلى السُّنَّة. ثمّ لو قدّرنا صحّة خلافة يزيد فقد بدرت منه بوادر، وظهرت منه اُمور كلٌّ منها يوجب فسخ ذلك العقد(3) .

وقال الشيخ محمّد عبده: إذا وُجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطّله، وجب على كلّ مسلم نصر الاُولى... ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على إمام الجور والبغي

____________________

(1) ص 232.

(2) مقدّمة ابن خلدون / 254 - 255، عند ذكر ولاية العهد.

(3) الفروع 3 / 548 - باب قتال أهل البغي.


الذي وُلّي أمر المسلمين بالقوّة والمكر (يزيد بن معاوية)، خذله الله وخذل من انتصر له من الكراميّة والنواصب(1) .

وهذا أثبته الإقدام الحسينيُّ المبارك، والشجاعة الحسينيّة الباصرة الداعية على هدىً إلى الجهاد في سبيل الله، والقيام لله، وإحياء الدين، وإماتة البدع، وقطع أيدي الظلمة، ودفع الظالم عن حوزة الدين ومجتمع المسلمين، وإنقاذ عباد الله عن الضلالة والحيرة. وقد بذل (سلام الله عليه) من أجل ذلك الخيرة من أصحابه، والخُلّص من أهل بيته، وفلذات كبده، وكلَّ عزيزٍ عليه، ثمّ نفسه القدسيّة الطاهرة.

وهذه في الحقيقة هي الشجاعة الفذّة الفريدة التي تقع موضع الرضوان الإلهيّ، والقبول الربّانيّ؛ إذ جمعت إلى العلم والمعرفة الهمّةَ والإقدام، وصلاحَ النيّة، وبصيرة الهدف، والجهاد في سبيل الله، ولله.

3 - الدعوة الحقّة

لا نستطيع أن نسمّي الهجوم المباغت على المخالف المخاصم شجاعة، ولا نستطيع أن نسمّي المقابلة الفضّة الغليظة الجافّة للناس شجاعة، كذلك لا نستطيع أن نسمّي تعبئة الأنصار بلا بيان، ودعوة الناس إلى القتال بلا حجّة شجاعة.

إنّما الشجاعة الكاملة ما جمعت إلى الوعي التوعية، وإلى الشهادة بالحقّ إشهاد الملأ عليه، وإلى بلوغ ساحة الحرب إبلاغ الاُمّة بواقعها وتكاليفها. والشجاعة الحقيقيّة ما اتّصفت بالكلمة الموقِظة المنبِّهة المرشدة، المبيِّنة للتكليف الشرعيّ، والرافعة للهمم والعزائم إلى مستوى الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى.

____________________

(1) تفسير المنار - لمحمّد رشيد رضا 1 / 367، في سورة المائدة / 37، و12 / 183 - 185.


والشجاعة الحقّة ما كانت جهاداً باللسان والقلم، فإن تعذّر الإصلاح إلاّ بالسيف فبه. قال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«ردّوا الحجر من حيث جاء؛ فإنّ الشرّ لا يدفعه إلا الشرّ» (1) . فكنّىعليه‌السلام بالحجر عن الشرّ، وبردّه من حيث جاء عن مقابلة الشرّ بمِثْله، وهو مخصوصٌ بشرٍّ لا يندفع إلاّ بالشرّ(2) .

فالكلمة المرشدة، الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر تدفع الكثير من الشرّ، وتترك الناس على المحجّة البيضاء والحجّة البالغة، وتسقط عن الجاهل والغافل، والمتجاهل والمتغافل، وعن كلّ مُدَّعٍ كلَّ عذر. وهي من الشجاعة؛ إذ يتحلّى المؤمن بالروح الإنسانيّة الداعية إلى الخير والإصلاح باللسان، ويتحلّى بالدليل الواضح والبرهان القاطع الذي يدعوه إلى الإقدام، ويردّ على كلّ شبهةٍ وتردّدٍ وتشكيك.

فالكلمة أوّلاً؛ لأنَّ الهدف ليس انتقاماً، ولا قصداً للقتل مجرّد القتل، ولا نشراً للرعب وفتكاً حاقداً بالمخالفين والضعفاء والأبرياء، إنّما القصد إحقاق الحقّ وإبطال الباطل، فلا بدّ من الحجّة المقنعة. وهكذا بدأ نبيُّ الهدى والرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله دعوتَه المباركة؛ فبلّغ الناسَ الحقّ، ودعا إلى الخير، ونشَرَ الحكمة، وخاطب الملأ بالحكمة والموعظة الحسنة، حتّى إذا رأى سيوف الشرك والكفر والجاهليّة تُشهر في وجه الإسلام سلّ سيف الدفاع، وقطع رؤوس الفتنة، وهدّد قلاع الأحزاب وفرّقهم عن قصدهمُ الشيطانيّ.

____________________

(1) نهج البلاغة - الحكمة 314.

(2) اختيار مصباح السالكين - لكمال الدين ابن ميثم البحرانيّ / 651، تحقيق الدكتور الشيخ محمّد هادي الأمينيّ.


ومن بعد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله حارب أهلُ البيتعليهم‌السلام على التأويل كما حارب رسول الهدى على التنزيل؛ فدعوا قومهم ما استطاعوا وما وجدوا إلى طاعة الله سبيلاً، حتّى اضطُرّ الإمامُ عليٌّعليه‌السلام إلى دفع المارقين والقاسطين والناكثين بالاحتجاجات الطويلة، فلمّا رأى سيوفهم سُلّت على الإسلام جرّد سيفه ذا الفقار فدفعهم في الجمل وصفّين والنهروان، لا يجد عن ذلك بُدّاً؛ لأنَّ شريعة الله وحال دولة الإسلام أصبحا في خطر، وكذا أنذر وضع الاُمّة بالانحراف.

وجاء الإمام الحسن (سلام الله عليه) فخطب وخاطب، ودعا واستدعى، وبلّغ وبالغ في النصيحة؛ فتخلّف الناس عنه، واتّجهت قلوبهم إلى الدنيا وعيونهم إلى دنانير معاوية. فلمّا دعاهم إلى قتال المنحرفين تململوا وتعلّلوا وتثاقلوا، ثمّ غدروا به وخذلوه وكادوا يقتلونه، حتّى استطاع (معاوية) أن يدسّ له السمَّ القاتل على يد الآثمة (جعدة) فقتله، وأصبحت الاُمّة في محنةٍ حقيقيّة.

وجاء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) فلم يشرع أمرَه بالسيف، ولم يبدأ الناس بالدعوة إلى الحرب، بل تقدّم لهم بالكلمة المرشدة المدعومة بالدليل العقليّ، والدليل الشرعيّ النقليّ؛ فخاطب العقول والضمائر، وعالج النفوس المنكمشة والقلوب المتحيّرة، وصدع بالحقّ والحقيقة بشجاعةٍ عاقلةٍ هادفة حملها ذلك القائد الهمام بين جنبيه مع حبّ الخير للناس؛ فجمع إلى الوعي التوعية. ومَن أفقه من الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومَن أوضح منه بياناً إذا خطب أو خاطب؟!

وكانت كلماته (سلام الله عليه) تبثّ همّة الجهاد، وتبعث روح الشجاعة في النفوس المخذولة المنهزمة؛ لأنَّ معاوية أنفق بيت مال المسلمين على شراء


الضمائر والذمم، وجرَّ الناس إليه بالترغيب والترهيب، وجنّد لذلك وعّاظ السلاطين، والمحدّثين الوضّاعين، والدنانيرَ الثقيلة التي يسيل لها لعاب كلِّ طمّاعٍ حبّابٍ للدنيا، ضعيف التقوى، متخلخل الإيمان، مستعار الشخصيّة. وليس أدلّ على ذلك من إرسال معاوية إلى (مالك بن الهبيرة السكونيّ) ألف درهم حين بلغه استياؤه من قتل معاوية للصحابيّ الجليل حِجْر بن عدِيّ وأصحابه (رضوان الله عليهم)، فما كان من السكونيّ إلاّ أن أخذ ثمن ضميره وتخلّى عن عزمه على التحرّك بوجه الظلم والفساد(1) .

وأرسل معاوية أموالاً إلى بعض قوّاد جيش الإمام الحسنعليه‌السلام ، فما أسرع أن ركبوا الليل سرجاً للفرار، وتبعهم إلى ذلك آلافٌ من الجند.

ودسَّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وإلى حجر بن الحجر، وشبث بن ربعيّ دسيساً أفرد كلَّ واحدٍ منهم بعينٍ من عيونه أنّك إذا قتلت الحسن بن عليّ فلك مئتا ألف درهم، وجندٌ من أجنادِ الشام، وبنتٌ من بناتي.

فبلغ الحسنَعليه‌السلام ذلك، فاستلام(2) ولبس درعاً وكفرها(3) ، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يلبث فيه؛ لما عليه من اللاّمة، فلمّا صار في مظلم (ساباط) ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمِل فيه الخنجر، فأمرعليه‌السلام أن يُعدَلَ به إلى بطن (جريحى)(4) .

لقد ظهرت على الناس بوادرُ الميل الدنيويّ الحادّ بشكلٍ شرهٍ

____________________

(1) يراجع في ذلك كتب السيرة، وكذا شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

(2) أي: لبس لامته.

(3) أي: غطّاها وسترها.

(4) علل الشرائع / 220 - 221.


ومفضوح؛ فتسابق أصحاب التيّار النفعيّ ليستحوذوا على الإمارات، أو يحصلوا على دريهمات السلطان بعد طول وقوفٍ ذليلٍ على بابه، ولم يَعُدْ هناك مجتمعٌ مستعدٌّ لرفض الباطل أو التصريح بالحقّ، فضلاً عن مواجهة الطغاة.

استأذن زهيرُ بن مظاهر الأسديّ (رضوان الله عليه) الإمام الحسينعليه‌السلام ليدعو عشيرته بني أسد للالتحاق، فأذِنَ له، فكانت نتيجةَ مفاتحته أن غادرتْ عشيرته المنطقةَ بأجمعها، وانسحبت انسحاباً جماعيّاً في تلك الليلة ذاتها(1) ، في حين جنّد عبيد الله بن زياد الآلاف من أهل الكوفة ليضعهم في خطّ بني اُميّة، ويقتل بهم الحسينعليه‌السلام وأنصاره.

وقصّة مسلم بن عقيلعليه‌السلام معروفة مشهورة، وهي تحكي عن روح الهزيمة، وقد كان مع مسلم أربعة آلاف رجل أخذوا يطوفون قصر الإمارة، وابن زياد في قصره ليس معه إلاّ عدد قليلٌ من الشرطة لا يتجاوزون الثلاثين، فهرب أنصار مسلم جميعاً بالدعاية، فأسرع ابن زياد في قتل مسلم وهانئ بن عروة بعد أن خذلته عشيرته ولم تنقذه من السجن، واقتنعت بالمكيدة القائلة: إنَّ هانئاً حيٌّ لم يُقتل.

ومن هنا نعرف مدى حاجة الناس إلى التوعية العقليّة والروحيّة قبل التقدّم إلى ساحة المعركة، وقد كان للإمام الحسين (سلام الله عليه) في كلّ موقع تذكير ودعوة، وتنبيه وإيقاظ، وتعريف وبيان وتبيين وتفصيل، وإذا تطلّب الأمر خلاف ذلك سمعناه (سلام الله عليه) يوخز الضمائر، ويهتف بالهمم، ويثير العزائم، أو يؤنُّب الجبناء، ويوبّخ المنحرفين، ويعاتب المقصّرين، ويلوم المتخلّفين...

____________________

(1) إبصار العين في أنصار الحسينعليه‌السلام - للشيخ المرحوم مهدي السماويّ / 67.


وهذا ما يقرأه التاريخ عنه من خلال وثائقه التي جمعها لنا في بطون المؤلّفات، تعالوا نطالعها:

من كلامهعليه‌السلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

«اعتبروا أيُّها الناس بما وعظ اللهُ به أولياءَه من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول: ( لَوْلاَ يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ ) (1) ،وقال: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - إلى قوله -لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (2) .وإنّما عاب الله ذلك عليهم لأنّهم كانوا يرون من الظلَمة الذين بين أظهُرِهمُ المنكَر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك؛ رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً ممّا يحذرون، والله يقول: ( فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي ) (3) ،وقال: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ) (4) .

فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةً منه؛ لعلمه بأنّها إذا اُدِّيَت واُقيمت استقامت الفرائض كلّها؛ هيّنها وصعبها؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاءٌ إلى الإسلام مع ردّ المظالم، ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.

ثمّ أنتم أيّتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة. يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم مَن لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في

____________________

(1) سورة المائدة / 63.

(2) سورة المائدة / 78 - 79.

(3) سورة المائدة / 44.

(4) سورة التوبة / 71.


الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر. أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ الله وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصرون! فاستخففتم بحقّ الأئمّة؛ فأمّا حقّ الضعفاء فضيّعتُم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم؛ فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله.

أنتم تتمنّون على الله جنّته، ومجاورة رسله، وأماناً من عذابه! لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته؛ لأنّكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضّلتم بها. ومَن يعرف بالله لا تكرمون وأنتم بالله في عباده تكرمون! وقد ترون عهود الله منقوصة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون! وذمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محقورة، والعمي والبُكم والزمّن في المدائن مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعنون، وبالأدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون!

وأنتم أعظم الناس مصيبة؛ لما غلبتم عليه من منازل العلماء، لو كنتم تسعون ذلك بأن مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الاُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة. ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت اُمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمةَ مِن منزلتكم، واستسلمتم اُمور الله في أيديهم؛ يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات.

سلّطهم على ذلك فرارُكم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم؛ فأسلمتم الضعفاء في أيديهم. فمِن بين مستعبَدٍ مقهور، وبين مستضعف على


معيشة مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم؛ اقتداءً بالأشرار، وجرأة على الجبّار. في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع؛ فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يدَ لامس. فمِن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ الـمُعيد.

فيا عجباً! وما لي (لا) أعجب والأرض من غاشٍ غشوم، ومتصدّق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنَّه لم يكن ما كان منَّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لِنُريَ المعالمَ مِن دينك، ونظهر الإصلاحَ في بلادك، ويأمَن المظلومون من عبادك، ويُعمَل بفرائضك وسننك وأحكامك؛ [فإن لم] تنصرونا وتنصفونا قوي الظلَمةِ عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم. وحسبنا الله وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير» (1) .

يقول الاُستاذ أحمد الصابريّ الهمدانيّ معلّقاً على هذه الخطبة الشريفة: وهذه الخطبة العظيمة ممّا يهيّج الباطل العاطل، ويقوّي الضعيف المسامح المماهل في اُمور المجتمع والاُمّة، ويبيّن وظيفة هامّة ومسؤوليّة اجتماعيّة مهمّة لأرباب العلم والفضل، وطبقة العلماء والربّانيّين، ويوجب عليهم أن ينكروا المنكر بفعلهم وقولهم، وأن لا يداهنوا الظلمة حتّى لا تضيع حقوق الضعَفة والعجَزة من الرعيّة، وأن لا يتفرّقوا عن الحقّ ولا يختلفوا في السُنّة.

ويقول الإمامعليه‌السلام :«لو أنّهم أقاموا الأمر بالمعروف والنهي عن

____________________

(1) تحف العقول / 171 - 172.


المنكر لاستقامت الفرائض كلّها، وبه يُردّ المظالم، ومخافة الظالم، ويكون مجاري الاُمور بيد العلماء» .

وقد استدلّ بتلك الخطبة لولاية الفقهاء كما أوضحنا ذلك في كتاب الهداية إلى مَن له الولاية(1)(2) .

وروى محمّد بن الحسن أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام قال لأصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه:«إنّه قد نزل بنا من الأمر بما قد تَرون، وإنّ الدنيا تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها واستمرّت (3) ،ولم يبق منها إلاّ صبابةٌ كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل. ألاَ ترون إلى الحقّ لا يُعمَلُ به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياةَ مع الظالمين إلاّ برماً. إنَّ الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلّ الديّانون».

وأنشأ متمثّلاً:

سأمضي فما بالموت عارٌ على الفتى

إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما

وواسى الرجالَ الصالحين بنفسِه

وفارقَ مَذموماً وخالف مجرما

اُقدِّم نفسي لا اُريد بقاءَه

لتلقى خميساً في الهياجِ عرَمرما

____________________

(1) أدب الحسينعليه‌السلام وحماسته - للاُستاذ أحمد الهمدانيّ الصابريّ / 95.

(2) كتاب ألّفه الاُستاذ أحمد الصابريّ سنة 1373 هـ، وطبع سنة 1383 هـ، يبحث فيه ولاية الفقهاء وكيفيّتها.

(3) أي صارت مُرّة.


فإن عشْتُ لم اُذْمم وإن مِتُّ لم اُلَمْ

كفى بك ذُلاً أن تعيش فتُرغَما(1)

وهذه دعوةٌ صادقة تبيّن تكليف المسلم في ذلك المقطع الزمنيّ الحسّاس، وتوضّح علّة ذلك التكليف، وتثير في المرء نخوة الجهاد في سبيل الله، وتبثّ فيه روح الشهامة والعزّة والإباء.

ولقد أمر الإمام الحسين (سلام الله عليه) بالمعروف وكان في طليعة أهله، ونهى عن المنكر وكان في طليعة المحاربين له؛ بالدعوة إلى إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، فإذا لم تنفع الدعوة، وصُكّت الأسماع دون الكلمة الشجاعة، تقدّم الإمام الحسينعليه‌السلام بالسيف، مقدِّماً عليه نفسَه الشريفة ودمه الزاكي؛ جهاداً في سبيل الله، ودفاعاً عن شريعة الله، ورفعاً للحيف عن عباد الله، وإيقاظاً للمسلمين ممّا لا يرضاه لهم الله.

فجرّد حسام العزّة حتّى الشهادة، ولكنّه لم ينسَ الكلمة التي يكون الناس بعدها ينادَون بها:( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) .

خطب الإمام الحسينعليه‌السلام في (البيضة) للحرّ وأصحابه، وقد جعجعوا به إلى ذلك المكان، فقال بعد الحمد والثناء:«أيّها الناس، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحِلاً لحرام الله، ناكثاً عهدَه، مخالِفاً لسُنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن

____________________

(1) المناقب 4 / 68، وحلية الأولياء 2 / 539 مع اختلاف يسير، وتحف العقول / 176.

(2) سورة الأنفال / 42.


يُدخله مُدخلَه. ألاَ وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعةَ الشيطان، وتولَّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلُّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإنّي أحَقُّ بهذا الأمر؛ لقرابتي من رسول الله.

وقد أتتني كتبكم، وقَدِمَتْ عَلَيَّ رسُلُكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، وأنا الحسين بن عليّ، ابن فاطمة بنتِ رسول الله، ونفسي مع أنفسكم، ووُلْدي مع أهاليكم وأولادكم، ولكم بي اُسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي، وخلفتم بيعتي، فلَعَمري ما هي منكم بنُكْر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل. والمغرور من اغترّ بكم؛ فحظَّكم أخطأتم، ونصيبَكم ضيّعتُم، ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيُغني الله عنكم، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» (1) .

إنّ ممّا تحلّت به الشجاعة الحسينيّة الروحَ الإنسانيّة الـمُحِبّة للخير، الحريصة على إنقاذ الناس من الضَّلالة وميتة الجهالة؛ ولهذا قدّم الإمام الحسين (سلام الله عليه) الموعظةَ والتذكير على السيف والنفير، واستجاب لرسائل أهل الكوفة والتي دعته لأن يُقبل عليهم فيكون لهم إماماً وقدوة، وهو يعلم أنّهم الغدرة.

لكنّه جاء إليهم ليقطع عذرَ العاذر، ويخلّف الندم والحسرة في قلب كلِّ متخلّفٍ عنه، ولئلا يقول قائل: لقد خيّبنا إمامُنا حيث دعوناه فلم يستجب، واستنجدناه فلم ينجدنا، ومددنا إليه يد المستغيث فلم يراعنا ولم يغثنا، فيكون لهم الحجّة الظاهرة إذا نكصوا عن الجهاد أو انصاعوا إلى سلطة الجلاّد.

لقد قدِم الإمام الحسين (سلام الله عليه) لتصبح الحجّة ظاهرةً وباطنة، قائمةً

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3 / 376.


عليهم؛( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) ، ولئلاّ يقول أحد: يا رب، لولا أقمت لنا علماً هادياً فنتّبع أوامرَك مِن قبل أن نَذِلَّ ونخزى. فقد عقّب الله تعالى برسله أوصياءَ مستحفَظين، حجّةً منه بالغةً على العباد،( فلله الحجّةُ البالغة... ) (1) .

وقد جاء عن الإمام المهديّ (سلام الله عليه) في دعاء الندبة قوله:«وكلٌّ (أي من الأنبياء عليهم السّلام)شرعتَ له شريعة، ونهجت له منهاجاً، وتخيّرتَ له أوصياءَ [أوصياءَه] مستحفَظاً بعد مُستحفِظ، من مدّةٍ إلى مدّة؛ إقامةً لدينك، وحجّةً على عبادك، ولئلاّ يزول الحقُّ عن مقرّه، ويغلبَ الباطلُ على أهله، ولئلاّ يقول أحدٌ: لولا أرسلتَ إلينا رسولاً منذراً، وأقمتَ لنا علَماً هادياً فنتّبع آياتك من قبل أن نذلَّ ونخزى...» (2) .

ثمّ كان لا بدَّ من الإقدام؛ إذ لا بدّ من الدم؛ حيث الدين في خطر، والاُمّة في سبات، فرأى الحسينعليه‌السلام أن يذهب إلى كربلاء نصرَه الناسُ أم خذلوه، أسلموه أم قتلوه. ولكن رأى أيضاً أن يُدليَ لهم بالنصيحة، ويقيم عليهم الحجّة بل الحُجج، ويذكّرَهم ويحذِّرهم ممّا هم مُقبلون عليه من سخط الله وعظيم غضبه بقتلهم وصيّ المصطفى وريحانته، والثلّة المؤمنة من أهل بيته وأنصاره.

لمّا بلغ عمرَ بن سعد توجّهُ الحسين إلى العراق لحقه وأشار عليه بالطاعة والانقياد، فقال له الحسين:«يا عبد الله، أمَا علمت أنَّ من هوان الدنيا على الله

____________________

(1) سورة الأنعام / 149.

(2) يراجع كتب الأدعية، ومنها: جمال الاُسبوع - للسيّد ابن طاووس، ومصباح الزائر، وتحفة الزائر - للعلاّمة المجلسي.


أنَّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل - إلى قوله -فلم يعجّل الله عليهم، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر؟!» . ثمّ قالعليه‌السلام لعمر:«اتّقِ الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدَعنَّ نصرتي» (1) .

وفي اليوم السابع من المحرّم سنة 61 هـ، وفي ساحة كربلاء أرسل الإمام الحسينعليه‌السلام عمرو بن قرظة الأنصاريّ إلى عمر بن سعد يطلب الاجتماع معه ليلاً بين المعسكرين، فخرج كلٌّ منهما في عشرين فارساً، وأمر الحسين مَن معه أن يتأخّرَ إلاّ العبّاس وابنه عليّاً الأكبر، وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص وغلامه.

فقال الحسينعليه‌السلام :«يابن سعد، أتقاتلني؟! أمَا تتّقي الله الذي إليه معادُك؛ فأنا ابن مَن علمت؟! ألاَ تكون معي وتدع هؤلاء فإنّه أقرب إلى الله تعالى».

قال عمر بن سعد: أخاف أن تُهدم داري.

قال الحسينعليه‌السلام :«أنا أبنيها لك» .

قال عمر: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

قالعليه‌السلام :«أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي من الحجاز» (2) .

ويُروى أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام قال لعمر بن سعد:«أعطيك البغيبغة» . وكانت عظيمةً فيها نخلٌ وزرعٌ كثير، دفع معاوية فيها ألف ألف دينار فلم يبعها منه(3) ، فقال ابن سعد: إنَّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم

____________________

(1) مثير الأحزان / 29، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 192 و 193، واللهوف / 13، قال بعض المحقّقين: يبدو أن عمر بن سعد حاور الإمام الحسينعليه‌السلام في هذا الأمر مرّتين؛ أولاهما عند توجّههعليه‌السلام إلى مكّة، والثانية بعد خروجهعليه‌السلام من مكّة متوجّهاً إلى العراق.

(2) مقتل العوالم / 78.

(3) تظلّم الزهراء للسيّد رضي بن نبيّ القزوينيّ / 103.


من ابن زياد القتل.

ولمّا أيس الحسينعليه‌السلام منه قام وهو يقول:«ما لك! ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلاّ يسيراً».

قال ابن سعد مستهزئاً: في الشعير كفاية(1) .

وأوّل ما شاهده عمر بن سعد من غضب الله عليه ذهاب ولاية الريّ؛ فإنّه لـمّا رجع من كربلاء طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولاية (الريّ)، فادّعى ابن سعد ضياعه، فشدّوا عليه بإحضاره، فقال له ابن سعد: تركته يقرأ على عجائز قريش اعتذاراً منهنّ، أما والله لقد نصحتك بالحسين نصيحةً لو نصحتها أبي (سعداً) كنت قد أدّيت حقَّه.

فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق، وددت أنَّ في أنف كلّ رجلٍ من بني زياد خزامةً إلى يوم القيامة وأنَّ الحسين لم يُقتل(2) .

وكان من صنع المختار مع عمر بن سعد أنّه لـمّا أعطاه الأمان استأجر نساءً يبكين على الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد، وكان هذا الفعل يلفت أنظار المارّة، فصاحب هذا الدار قاتل الحسين، فكيف يكون على داره نساءٌ يبكين الحسين! فضجر ابن سعد من ذلك، وكلّم المختار في رفعهنَّ عن باب داره، فقال له المختار: ألا يستحقّ الحسينُ البكاءَ عليه(3) !

ولمّا أراد أهل الكوفة أن يؤمّروا عليهم عمرَ بن سعد بعد موت يزيد بن معاوية لينظروا في أمرهم، جاءتْ نساء همدان وربيعة إلى الجامع الأعظم

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي / 245.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 268.

(3) يراجع في ذلك العقد الفريد لابن عبد ربّه - باب نهضة المختار.


صارخاتٍ يقلن: ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتّى أراد أن يتأمّر! فبكى الناس وأعرضوا عنه(1) .

ولقد تقدّم الإمام الحسينعليه‌السلام بالنصيحة والموعظة والدعوة الحقّة، قدّم كلَّ ذلك قبل أن يتقدّم بالسيف يدافع به عن حُرَم الإسلام المتعرّضة إلى الهتك على أيدي بني اُميّة؛ وبذلك تكون الشجاعة الحسينيّة قد امتازت بأن أصبحت موجِّهةً للناس، كاشفةً عن الحقائق، مرشدةً إلى أداء التكاليف، وهذا من أخلاق الحسينعليه‌السلام ؛ حيث قدّم الكلمة على السيف، والتوعية على القتال، والبيان على القيام، وقد أبى الكثير؛ فنصحهم ووعظهم، وقال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً.

4 - الموقف الكاشف

إنَّ الشجاعة الحسينيّة لم تكن مجرّد اصطدام ومواجهةٍ وثبات، ولم تكن خصومة تقصد الغلبة الدنيويّة، إنّما كانت - كما اتّضح لنا - جهاداً باللسان والسيف، وكانت إقداماً ذا هدفٍ رسالي؛ لهذا اقترنت الشجاعة الحسينيّة بالموقف الرساليّ والدليل الشرعيّ؛ فأسفر الإمام الحسين (سلام الله عليه) عن وجهي الحقّ والباطل، وأبان للناس أين هو العدل وأين هو الظلم، وما هو الخير وما هو الشرّ، ومن أحقّ بخلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى مع الإغماض عن النصوص النبويّة الشريفة.

عن أبي سلمة قال: حججت مع عمر بن الخطّاب، فلمّا صرنا بالأبطح فإذا بأعرابيّ قد أقبل علينا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنيّ خرجت وأنا حاجٌّ محرِم، فأصبت بيض النعام، فاجتنيتُ وشويت وأكلت، فما يجب علَيّ؟

قال عمر: ما

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 105 - في أخبار يزيد.


يحضرني في ذلك شيء، فاجلس لعلّ الله يفرّج عنك ببعض أصحاب محمّد.

فإذا أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام قد أقبل والحسينعليه‌السلام يتلوه، فقال عمر: يا أعرابيّ، هذا علي بن أبي طالب، فدونَك ومسألتك.

فقام الأعرابيّ وسأله، فقال عليٌّعليه‌السلام :«يا أعرابيّ، سل هذا الغلام عندك» ، يعني الحسينعليه‌السلام .

فقال الأعرابيّ: إنّما يحيلني كلُّ واحدٍ منكم على الآخر! فأشار الناس إليه: ويحك! هذا ابن رسول الله فاسأله. فقال الأعرابيّ: يابن رسول الله، إنّي خرجتُ من بيتي حاجّاً - وقصّ عليه القصّة -، فقال له الحسين:«ألَكَ إبل؟» .

قال: نعم.

قال:«خذْ بعدد البيض الذي أصبتَ نُوقاً فاضربها بالفحولة، فما فصلت فاهدها إلى بيت الله الحرام».

فقال عمر: يا حسين، النُّوق يزلقن(1) .

فقال الحسين:«يا عمر، إنَّ البيَضَ يمرقن» (2) .

فقال عمر: صدقت وبررت.

فقام عليٌّعليه‌السلام وضمَّ الحسينَ إلى صدره وقرأ:« ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) » (3) .

فأثبت الإمام عليٌعليه‌السلام أنَّ ولده الحسينعليه‌السلام إمامٌ عالِم، يعرف ما جهله (خليفة المسلمين) وتحيّر به ودعا بالفرج عنه، وأثبت الإمام الحسين (سلام الله عليه) - وهو غلام يومذاك - بشجاعته أنَّ الخليفة ليس خليفة، وأنّ المنصب الذي تقمّصه هو منصب الأعلم، فأثبت لهعليه‌السلام أنّه

____________________

(1) في اللغة: أزلقت الحامل أي أسقطت جنينها. والزّليق من الأجنّة: السِّقط.

(2) مرقت البيضة: أي فسدت.

(3) بحار الأنوار 44 / 197 ح12، قال العلامة المجلسيّ في مقدّمة الحديث: روي في بعض مؤلّفات أصحابنا عن أبي سلمة... ثمّ روى الحادثة. أمّا الآية ففي سورة آل عمران / 34.


ليس الأعلم.

وهناك روايةٌ اُخرى تحكي إثبات ذلك، وتدلُّ على شجاعة الإمام الحسين (سلام الله عليه) في موقفٍ حقّ: جاء في كتاب الاحتجاج لأبي منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ، وهو من علماء القرن السادس، هذه الرواية في باب احتجاج الحسين بن عليّعليهما‌السلام على عمر بن الخطّاب في الإمامة والخلافة: روي أنّ عمر بن الخطّاب كان يخطب الناس على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فذكر في خطبته أنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقال له الحسينعليه‌السلام من ناحية المسجد:«انزل أيّها الكذّاب عن منبر رسول الله لا منبر أبيك» .

فقال له عمر: فمنبر أبيك لعمري يا حسين لا منبر أبي. مَن علّمك هذا؟ أبوك علي بن أبي طالب؟

فقال له الحسينعليه‌السلام :«إن اُطعْ أبي فيما أمرني فلَعمري إنّه لَهادٍ وأنا مهتدٍ به، وله في رقاب الناس البيعة على عهد رسول الله، نزل بها جبرئيل من عند الله تعالى، لا ينكرها إلاّ جاحد بالكتاب، قد عرفها الناس بقلوبهم وأنكروها بألسنتهم، وويل للمنكرين حقَّنا أهلَ البيت! ماذا يلقاهم به محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من إدامة الغضب وشدّة العذاب!» .

فقال عمر: يا حسين، من أنكر حقَّ أبيك فعليه لعنة الله، أمّرَنا الناسُ فتأمّرْنا، ولو أمّروا أباك لأطعنا.

فقال له الحسينعليه‌السلام :«يابن الخطّاب، فأيّ الناس أمّرك على نفسه قبل أن تؤمّر أبا بكر على نفسك، فيؤمّرك على الناس بلا حجة من نبيّ ولا رضاً من


آل محمّد؟! فرضاكم كان لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله رضاً أو رضا أهله كان له سخطاً؟! أمَا والله لو أنّ لللسان مقالاً يطول تصديقه، وفعلاً يعينه المؤمنون لما تخطّأتَ رقابَ آل محمّد؛ ترقى منبرهم، وصرت الحاكم عليهم بكتاب نزل فيهم لا تعرف معجمه، ولا تدري تأويله إلاّ سماع الآذان. المخطئ والمصيب عندك سواء، فجزاك الله جزاك، وسألك عمّا أحدثتَ سؤالاً حفيّاً».

قال: فنزل عمر مغضباً، فمشى معه اُناس من أصحابه حتّى أتى باب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فاستأذن عليه فأذِنَ له، فدخل فقال: يا أبا الحسن، ما لقيتُ اليومَ مِن ابنِك الحسين! يجهرنا بصوت في مسجد رسول الله، ويحرّض عَلَيَّ الطغام وأهل المدينة.

فقال له الحسنعليه‌السلام :«على مثل الحسين ابن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يشخب بمَن لا حكم له، أو يقول بالطغام على أهل دينه؟! أمَا والله ما نلتَ إلاّ بالطغام، فلعن الله من حرّض الطغام».

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :«مهلاً يا أبا محمّد! فإنّك لن تكون قريبَ الغضب، ولا لئيم الحسب، ولا فيك عروق من السودان، اسمع كلامي ولا تعجل بالكلام».

فقال له عمر: يا أبا الحسن، إنّهما ليهمّان في أنفسهما بما لا يرى بغير الخلافة.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«هما أقرب نسباً برسول الله من أن يهمّا، أما فارضهما يابن الخطّاب بحقّهما يرضَ عنك مَن بعدهما» .

قال: وما رضاهما يا أبا الحسن؟


قال:«رضاهما الرجعة عن الخطيئة، والتقيّة عن المعصية بالتوبة».

فقال له عمر: أدِّب يا أبا الحسن ابنك أن لا يتعاطى السلاطين الذين هم الحكماء في الأرض.

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام :«أنا اُؤدِّب أهلَ المعاصي على معاصيهم، ومَن أخاف عليه الزلّةَ والهلكة، فأمّا مَن والده رسول الله ونحله أدبه فإنّه لا ينتقل إلى أدبٍ خير له منه، أما فارضهما يابن الخطاب» .

قال: فخرج عمر فاستقبله عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال له عبد الرحمن: يا أبا حفص، ما صنعت فقد طالت بكما الحجّة؟

فقال له عمر: وهل حجّة مع ابن أبي طالب وشبليه؟!

فقال له عثمان: يابن الخطّاب، هم بنو عبد مناف الأسمنون، والناسُ عجاف.

فقال له عمر: ما أعد ما صرت إليه فخراً فخرت به بحمقك.

فقبض عثمان على مجامع ثيابه ثمّ نبذ به وردّه، ثمّ قال له: يابن الخطّاب، كأنّك تنكر ما أقول؟! فدخل بينهما عبد الرحمن وفرّق بينهما وافترق القوم(1) .

وفي اُصول الكافي(2) لثقة الإسلام الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ: لـمّا قُبض الحسنعليه‌السلام وُضع على سريره وانطُلق به إلى مصلّى رسول الله الذي كان يصلّي فيه على الجنائز، فَصُلِّيَ على الحسنعليه‌السلام ، فلمّا أن صُلّي عليه حُمل فاُدخل المسجد، فلمّا اُوقف على قبر رسول الله بلغ عائشةَ(3) الخبر، وقيل لها: إنّهم قد أقبلوا بالحسن بن عليٍّعليه‌السلام ليُدفن

____________________

(1) ص 292 - 293.

(2) ج 2 / 302.

(3) وكانت عائشة يومذاك ذات سلطان عشائريّ، وكانت إلى ذلك مدعومةً من قبل بني اُميّة أصحاب السلطة وغيرهم، ويكفي في إثبات ذلك قيادتها لمعركة الجمل على رأس جيش جرّار واجهت به أمير المؤمنين عليّاًعليه‌السلام ، فهي يومذاك ذات نفوذ سياسي.


مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرجت مبادرةً على بغلٍ بسرج، فكانت أوّل امرأةٍ ركبت في الإسلام سرجاً، فوقفت وقالت: نحّوا ابنَكم عن بيتي؛ فإنّه لا يُدفن فيه شيء، ولا يُهتك على رسول الله حجابه.

فقال لها الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما):«قديماً هتكتِ أنتِ وأبوك حجابَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأدخلتِ بيتَه من لا يحبّ رسولُ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قُربَه، وإنَّ الله سائلك عن ذلك يا عائشة! إنَّ أخي أمرني أن اُقَرّبَه من أبيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليحدث به عهداً.

واعلمي أنَّ أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يَهتك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سترَه؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (1) ،وقد أدخلتِ أنتِ بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الرجال بغير إذنه!

وقد قال الله (عزّ وجلّ): ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (2) ،ولَعمري لقد ضربتِ أنتِ لأبيك وفاروقه عند اُذُنِ رسول الله المعاول (3) !

وقال الله (عزّ وجلّ): ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ) (4) ،ولعمري لقد أدخلَ أبوكِ وفاروقُه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقربهما منه الأذى،

____________________

(1) سورة الأحزاب / 53.

(2) سورة الحجرات / 2.

(3) كناية عن حفر القبرين إلى جانب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر وعمر.

(4) سورة الحجرات / 3.


وما رعيا من حقّه ما أمرَهما الله به على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنَّ الله حرّم على المؤمنين أمواتاً ما حرّم منهم أحياءً.

وتالله يا عائشة، لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه (صلوات الله عليهما) جائزاً فيما بيننا وبين الله، لعلمتِ أنّه سيُدفن وإن رُغِم معطسُك».

ثمّ تكلّم محمّد بن الحنفيّة وقال: يا عائشة، يوماً على بغل، ويوماً على جمل، فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرضَ عداوةً لبني هاشم؟!

فأقبلت عليه فقالت: يابن الحنفيّة، هؤلاء الفواطم يتكلّمون، فما كلامك؟

فقال لها الحسين:«وأنّى تُبعدين محمّداً من الفواطم! فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم؛ فاطمة بنت عمران بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر» .

فقالت عائشة للحسينعليه‌السلام : نحُّوا ابنكم واذهبوا به؛ فإنّكم قومٌ خصِمون.

فمضى الحسينعليه‌السلام إلى قبر اُمّه، ثمّ أخرجه فدفنه بالبقيع.

وأمّا مع مروان بن الحكم، رأس الفتنة والنفاق، فقد كانت للإمام الحسينعليه‌السلام مواجهات فضحه فيها وأخزاه، وفضح مَن سلّطه على رقاب المسلمين، وقوّاه على الباطل والشرّ والفساد والإفساد.

وقبل ذلك لا بأس بالتعرّف على مروان هذا من خلال أسطرٍ قليلة فقط:

اختصم مروان وعبد الرحمن بن أبي بكر، فسمعت عائشة أنّ مروان كان يعيّره ويقول له: ألستَ الذي قال لوالديه أفٍّ لكما؟ وفي رواية: هذا الذي قال الله فيه:( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ) (1) .

____________________

(1) سورة الأحقاف / 17.


فأجابته عائشة: كذب مروان، كذب مروان! ولكنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن أبا مروان ومروانُ في صلبه، فمروان فضضٌ من لعنة الله.

وفي لفظ آخر: ولكنّ رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضضٌ من لعنة الله(1) .

وأخرج الحاكم في المستدرك(2) من طريق عبد الرحمن بن عوف، وصحّحه، أنّه قال: كان لا يولد لأحدٍ بالمدينة ولدٌ إلاّ أتى به إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاُدخل عليه مروان بن الحكم، فقال:«هو الوزَغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون» (3) .

وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال: كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمرَّ الحكم، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ويلٌ لاُمّتي ممّا في صلب هذا» (4) .

وقال البلاذريّ في الأنساب(5) : كان مروان يلقّب (خيط باطل)؛ لدقّته، وطوله شبه الخيط الأبيض الذي يُرى في الشمس(6) .

ومروان هذا كان يحظى بنفوذٍ سياسيّ وماليّ في عهد عثمان، ثمّ

____________________

(1) يراجع مستدرك الصحيحين 4 / 481، وتفسير القرطبيّ 16 / 197، وتفسير الزمخشريّ 3 / 99، وتفسير ابن كثير 4 / 159، وتفسير الرازيّ 7 / 491، واُسد الغابة 2 / 34، وغير ذلك عشرات المصادر.

(2) ج 4 / 479.

(3) وذكره الدميريّ في حياة الحيوان 2 / 399، وابن حجر في الصواعق المحرقة / 108، والحلبيّ في السيرة الحلبيّة 1 / 337.

(4) اُسد الغابة 2 / 34، والإصابة 1 / 346، وكنز العمّال 6 / 40، والسيرة الحلبيّة 1 / 337.

(5) ج 5 / 126.

(6) من أراد التفصيل في ذلك فليراجع (الغدير) للعلاّمة الأمينيّ ج 8.


معاوية بن أبي سفيان، ولكنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) أرغم أنف مروان وأخزاه في وقائع ومواقف كثيرة، منها: عن محمّد بن السائب قال: قال مروان بن الحكم يوماً للحسين بن عليّعليهما‌السلام : لولا فخركم بفاطمة بما كنتم تفتخرون علينا؟

فوثب الحسينعليه‌السلام ، وكانعليه‌السلام شديد القبضة، فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه حتّى غُشي عليه، ثمّ تركه، وأقبل الحسينعليه‌السلام على جماعةٍ من قريش فقال:«اُنشدكم بالله إلاّ صدّقتموني إن صدقت. أتعلمون أنّ في الأرض حبيبين كانا أحبَّ إلى رسول الله منّي ومن أخي، أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيٍّ غيري وغير أخي؟» .

قالوا: لا.

قال:«وإني لا أعلم أنَّ في الأرض ملعون ابن ملعون غير هذا وأبيه طريد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » (1) .

وعن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (الصادق)عليه‌السلام قال:«دخل مروان بن الحكم المدينة، قال:فاستلقى على السرير، وثَمَّ مولىً للحسين عليه‌السلام ، فقال: ( رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) . فقال الحسين لمولاه: ماذا قال هذا حين دخل؟ قال: استلقى على السرير فقرأ: ( رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ - إلى قوله -الْحَاسِبِينَ ) .فقال الحسين عليه‌السلام : نعم والله، رُددتُ أنا وأصحابي إلى الجنّة، ورُدَّ هو وأصحابه إلى النار» (2) .

وكثيرة هي المواقف الشجاعة للإمام الحسينعليه‌السلام والتي فضح

____________________

(1) الاحتجاج / 153، والمناقب - لابن شهر آشوب 4 / 51.

(2) تفسير العيّاشيّ 1 / 362، والآية في سورة الأنعام / 62.


فيها رؤوس الجاهليّة وأذناب النفاق، وأذيال الطمع وأنياب الفتنة المسمومة، ومنها (عمرو بن العاص)، وما أدراك ما عمرو بن العاص!

أبوه هو الأبتر بنصّ الذكر الحميد( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (1) ، وعليه أكثر أقوال المفسّرين والعلماء، منهم: ابن سعد، ذكر ذلك في طبقاته 1 / 115، وابن قتيبة في المعارف / 124، وابن عساكر في تاريخه 7 / 330. أمّا اُمّه فهي ليلى أشهر بغيّ مكّة وأرخصهنّ اُجرة، ولـمّا وضعت عَمْراً هذا ادّعاه خمسة، غير أنّها ألحقته بالعاص بن وائل لأنّه أكثر نفقةً عليها.

قال ابن أبي الحديد: ذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) قال: كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمةً لرجل مِن عنزة، فسُبيت، فاشتراها عبد الله بن جذعان التيميّ بمكّة، فكانت بغياً ثمّ أعتقها، فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطّلب، واُميّة بن خلف الجحميّ، وهشام بن المغيرةِ المخزوميّ، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل السهميّ في طهرٍ واحد فولدت عمْراً، فادّعاه كلهم، فحُكّمت اُمُّه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل؛ وذلك لأن العاص كان ينفق عليها كثيراً. قالوا: وكان أشبه بأبي سفيان(2) .

* وعنه غانمة بنت غانم أنها جاءت مِن مكّة إلى الشام، فأتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السّلام، وعلى الكافرين الهوان. ثمّ قالت: أفيكم عمرو بن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم، وأنت أهل السبّ، وفيك السبّ، وإليك يعود السبّ؟!

يا عمرو، إنّي والله لعارفة بك وبعيوبك وعيوب اُمّك، وإني أذكر لك ذلك عيباً عيباً؛ وُلدت من

____________________

(1) سورة الكوثر / 3.

(2) بحار الأنوار 33 / 229، المحاسن و المساوئ - للبيهقي / 93، المساوئ - للجاحظ / 103.


أمة سوداء مجنونة حمقاء، تبول مِن قيام ويعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذَ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً. وأمّا أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشد، ومفسداً غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت. وأمّا أنت يا معاوية، فما كنت في خير، ولا رُبّيتَ في نعمة(1) .

* الإمام عليعليه‌السلام :«العجب لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو ويصدّقونه وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلة ورعه أن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد لعنه سبعين لعنة، ولعن صاحبه الذي يدعو إليه في غير موطن؛ وذلك أنه هجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقصيدة سبعين بيتاً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهمَّ إنّي لا أقول الشعر ولا أحلّه، فالعنه أنت وملائكتك بكلِّ بيتٍ لعنةً تترى على عقبه إلى يوم القيامة» (2) .

ولمّا قُتل محمّد بن أبي بكر جزعت عليه اُخته عائشة، وجعلت تقنتُ وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص(3) ؛ إذ هما صاحبا فتن عظيمة، فقد أخرج ابن مزاحم في كتاب (صفّين / 112)، وروى ابن عبد ربّه في (العقد الفريد 2 / 290) أنّه دخل زيد بن الأرقم على معاوية فإذا عمْرو بن العاص جالسٌ معه على السرير، فلمّا رأى ذلك زيدٌ جاء حتّى رمى بنفسه بينهما، فقال له عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلساً إلاّ أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟

فقال زيد: إنَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزا غزوةً وأنتما معه، فرآكما مجتمعَينِ، فنظر إليكما نظراً شديداً، ثمّ رآكما اليوم الثاني واليوم

____________________

(1) المحاسن و المساوئ - البيهقيّ / 93، المحاسن و الأضداد - للجاحظ / 103.

(2) كتاب سليم / 172.

(3) تاريخ الطبريّ 6 / 60، والكامل 3 / 155، وتاريخ ابن كثير 7 / 314.


الثالث، كلُّ ذلك يديم النظر إليكما، فقال في اليوم الثالث:«إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرّقوا بينهم؛ فإنّهما لن يجتمعا على خير» (1) .

وروى الواقديّ أنَّ عمرو بن العاص كان أحد مَن يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكّة ويشتمه، ويضع في طريقه الحجارة في مسلكه ليلاً ليطوف بالكعبة.

وروي عنه أنّه مرّ على كعب الأحبار فعثرت به دابّته، فقال: يا كعب، أتجد في التوراة أنَّ دابّتي تعثر بي؟ قال كعب: لا، ولكن أجدُ في التوراة رجلاً ينزو في الفتنة كما ينزو الحمار في القيد(2) .

وذكر التاريخ فيه المخازي والمثالب ما يطول عرضه(3) ، ولكنّ عمرو بن العاص هذا كان له دور سياسيّ مؤثّر زمن عثمان، وفي ظلّ معاوية بن أبي سفيان، ونستطيع أن نقول: إنّه ومروان بن الحكم يعدّان بمثابة وزراء في سلطان بني اُميّة، ولكنَّ الشجاعة الحسينيّة استطاعتْ أن تعرّف للناس من عمرو هذا، وكيف حقَّ للبعض تقريبه وتمكينه من الرقاب وتسليطه على الأموال! وكان الإمام الحسنعليه‌السلام قد فضحه من قبل ذلك.

ذكر الواقديّ جملةً من مثالب عمرو بن العاص، ثمّ نقل عن الزبير بن بكّار في كتاب (المفاخرات) ضمن ما نقله أنَّ الحسن المجتبىعليه‌السلام قال لعمرو:«وأمّا أنت يابن العاص، فإنَّ أمرك مشترك؛ وضعتك اُمُّك مجهولاً من عهرٍ وسفاح، فتحاكم فيك أربعةٌ من قريش، فغلب عليك جزّارها؛ ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، ثمّ قام أبوك

____________________

(1) روى ذلك عبادة بن الصامت في غزوة تبوك.

(2) الإيضاح - للفضل بن شاذان / 43.

(3) مَن رغب في التفصيل فليراجع (الغدير) - الجزء الثاني.


فقال: أنا شانئ محمّدٍ الأبتر. فأنزل الله فيه ما أنزل.

وقاتلتَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع المشاهد، وهجوتَه وآذيتَه بمكّة، وكدته كيدك كلَّه، وكنت من أشدّ الناس له تكذيباً وعداوة، ثمّ خرجت تريد النجاشيَّ مع أصحاب السفينة؛ لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكّة، فلمّا أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حدَّكَ على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشيّ؛ حسداً لما ارتُكب من حليلته، ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدوُّ بني هاشم في الجاهليّة والإسلام.

ثمّ إنّك تعلم، وكلُّ هؤلاء الرهط يعلمون، أنّك هجوت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بسبعين بيتاً من الشعر، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهمَّ إنّي لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللّهمّ العنه بكلّ حرفٍ ألف لعنة. فعليك إذاً من الله ما لا يُحصى من اللعن» (1) .

وفي رواية قال الإمام الحسنعليه‌السلام لعمرو بن العاص:«وأنت مَن تعلمِ ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزّاروها؛ ألأمهم حسباً، وأعظمهم لؤماً، فايّاك عني فإنك رجس، ونحن أهل بيت الطهارة أذهب الله عنّا الرجس وطهّرنا تطهيراً». فاُفحم عمرو وانصرف كئيباً(2) .

ويأتي الإمام الحسينعليه‌السلام فيكشف للناس عن بؤرة عمروٍ هذا. روى ابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب)(3) أنّ عمرو بن العاص قال للحسينعليه‌السلام : ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟

فقالعليه‌السلام :

____________________

(1) يراجع هوامش المحقّق الفاضل السيّد جلال الدين الحسينيّ الأرموي على كتاب الإيضاح - لابن شاذان / 41 - 42.

(2) شرح نهج البلاغة 16 / 28.

(3) ج 4 / 67.


بُغاث الطير أكثرُها فراخ

واُمُّ الصقر مقلاتٌ نزورُ

فقال عمرو: ما بالُ الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم؟

فقالعليه‌السلام :«إنَّ نساءكم نساء بخرة، فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكته في وجهه، فشاب منه شاربه».

فقال: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا؟

فقالعليه‌السلام :« ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) » (1) .

فقال معاوية لعمرو: بحقّي عليك إلاّ سكت؛ فإنّه ابن عليّ بن أبي طالب.

فقال الحسينعليه‌السلام :

إن عادتِ العقربُ عُدْنا له

وكانتِ النعلُ لها حاضرهْ

قد علِمَ العقرب واستيقنتْ

أنْ لا لَها دنيا ولا آخرهْ

قال الجوهريّ في (صحاح اللغة): قال ابن السكيّت: البغاث: طائرٌ أبغث إلى الغبرة دُوين الرَّخمة، بطيء الطيران.

وقال الفرّاء: بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها. قوله: مقلات، لعلّه من القِلى بمعنى البغض، أي لا تحبّ الولد، ولا تحبّ زوجها لتكثّر الولد، أو من قولهم: قلا البعير اُتنه، يقلوها قلواً إذا طردها. والصواب أنّه من قلّت. قال الجوهريّ: المقلات من النُّوق: التي تضع واحداً ثمّ لا تحمل بعده، والمقلات من النساء: التي لا يعيش لها ولد. وقال: النزور: المرأة القليلة الولد.

وإذا تركنا هؤلاء إلى (معاوية) وجدناه ذلك الطاغية المتجبِّر الذي قتل عشرات الآلاف من الأبرياء؛ الأطفال والنساء، والشيوخ والعجزة، والصالحين والعزّل من الناس، في الشام والحجاز واليمن، على يدِ جلاوزته.

وهو الذي كان

____________________

(1) سورة الأعراف / 58.


يوصي ولاتَه: من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره(1) .

وقد صوّر الإمام الباقرعليه‌السلام تلك المآسي التي عاشها الناس في زمن معاوية، فقال:«... فقُتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعتِ الأيدي والأرجل على الظنّة، وكلّ مَن يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سجن، أو نُهب ماله، أو هُدّمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه‌السلام » (2) .

وفي تلك المجازر الرهيبة قُتلت كوكبةٌ من الصحابة الأبرار؛ حِجْر بن عَديّ وجماعته، ورُشَيد الهجريّ، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ، وأوفى بن حصين... وغيرهم كثير. وقد كانت الفاجعة العظمى بقتل الإمام الحسن المجتبى سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومِن قبله مالك الأشتر النخعيّ والي أمير المؤمنينعليه‌السلام على مصر، دسَّ إليه معاوية السمّ في عسل، ووقف على المنبر يدعو الناس للدعاء على مالك، فلمّا جاء خبر شهادته قال للناس: إنّ الله استجاب دعوتكم. ثمّ أخذ يردّد بتشفٍّ: إنّ لله جنوداً من عسل.

ولكنَّ هذا الطاغية المتغطرس الذي برئ من التقوى والإيمان فضلاً عن مكارم الأخلاق قد ذاق المرارة من الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ حيث ظهرت شجاعتهعليه‌السلام قباله في مواقف كاشفةٍ عن جهل معاوية، وخباثته وانحرافه، وعدم لياقته للتأمّر على الناس. تعالَوا نتبيّنْ ذلك في رحلةٍ إلى عالم الروايات:

كتب معاوية إلى جميع عمّاله في جميع الأمصار أن لا تجيزوا لأحد من

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 2 / 86.

(2) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 2 / 43.


شيعة عليّ وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه، ومحبّي أهل بيته وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه؛ فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته.

ففعلوا حتّى كثرت الرواية في عثمان وافتعلوها؛ لما كان يبعث إليهم من الصلات والخلع والقطائع من العرب والموالي، وكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في الأموال والدنيا، فليس أحد يجيء من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلاّ كُتب اسمه واُجيز، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثمّ كتب إلى عمّاله: إنَّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه؛ فإنّ ذلك أحبّ إلينا، وأقرّ لأعيننا، وأدحض لحجّة أهل البيت وأشدّ عليهم.

فقرأ كلّ أمير وقاض كتابه على الناس؛ فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كلّ كورة وكلّ مسجد زوراً، وألقوا ذلك إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا ذلك صبيانهم كما يعلّمونهم القرآن، حتّى علّموه بناتهم ونساءهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

وكتب زياد بن أبيه إليه في حقّ الحضرميّين أنّهم على دين عليّ وعلى رأيه، فكتب إليه معاوية: اقتل كلَّ مَن كان على دين عليّ ورأيه. فقتلهم ومثّل بهم.

وكتب كتاباً آخر: انظروا من قبلكم من شيعة عليّ واتّهمتموه بحبّه فاقتلوه، وإن لم تقم عليه البيّنة فاقتلوه على التهمة والظنّة والشبهة، تحت كلّ حجر. حتّى لو كان الرجل تسقط منه كلمة ضُربت عنقه، حتّى لو كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر كان يُكَرَّم ويعظَّم ولا يُتَعَرَّض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان لا سيّما الكوفة والبصرة، حتّى لو أنَّ أحداً منهم أراد أن يلقي سرَّاً إلى مَن يثق به لأتاه في بيته فيخاف خادمه


ومملوكه، فلا يحدّثه إلاّ بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلّظة ليكتمنّ عليه، ثمّ لا يزداد الأمر إلاّ شدّة حتّى كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلّمون ذلك.

وكان أشدَّ الناس في ذلك القرّاء المرّاؤون المتصنّعون الذين يُظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولّدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة، ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الأموال والقطائع والمنازل حتّى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقّاً وصدقاً؛ فروَوها وقبلوها، وتعلّموها وعلّموها، وأحبّوا عليها وأبغضوا مَن ردّها أو شكّ فيها.

فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت في يد المتنسّكين والمتديّنين منهم الذين لا يحبّون الافتعال إلى مثلها، فقبلوها وهم يرون أنّها حقّ، ولو علموا بطلانها وتيقّنوا أنّها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحقّ في ذلك الزمان عندهم باطلاً والباطل عندهم حقّاً، والكذب صدقاً والصدق كذباً.

فلمّا مات الحسن بن عليّعليهما‌السلام ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله وليّ إلاّ خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد أو شريد، فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين بن عليّعليه‌السلام ، وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عبّاس معه، وقد جمع الحسين بن عليّعليه‌السلام بني هاشم؛ رجالهم ونساءهم، ومواليهم وشيعتهم، مَن حجّ منهم ومن لم يحجّ، ومن الأنصار ممّن يعرفونه وأهل بيته، ثمّ لم يدع أحداً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ جمعهم.

فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسينعليه‌السلام في سرادقه، عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسينعليه‌السلام فيهم خطيباً،


فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:«أمّا بعد، فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم، وشهدتم وبلغكم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقتُ فصدّقوني، وإن كذبتُ فكذّبوني. اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَن أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمٌّ نوره ولو كره الكافرون».

فما ترك الحسينعليه‌السلام شيئاً أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسول في أبيه واُمّه وأهل بيته (صلوات الله عليهم جميعاً) إلاّ رواه، وكلّ ذلك يقول الصحابة: اللهمَّ نعم، قد سمعناه وشهدناه. ويقول التابعون: اللهمَّ قد حدّثَنا مَن نصدّقه ونأتمنه. حتّى لم يترك شيئاً إلاّ قاله، ثمّ قال:«اُنشدكم بالله إلاّ رجعتم وحدَّثتم به مَن تثقون به». ثمّ نزل وتفرّق الناس على ذلك(1) .

ومن احتجاجهعليه‌السلام على معاوية توبيخاً له على قتل مَن قتله من شيعة أمير المؤمنين، وترحّمه عليهم: عن صالح بن كيسان قال: لما قتل معاويةُ حِجرَ بن عدي وأصحابَه حجّ ذلك العام فلقي الحسين بن عليّعليه‌السلام ، فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحِجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟

فقالعليه‌السلام :«وما صنعتَ بهم؟».

قال: قتلناهم وكفّنّاهم وصلّينا عليهم.

فضحك الحسينعليه‌السلام ثمّ قال:«خصَمك القوم يا معاوية، لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّنّاهم ولا صلّينا عليهم ولا قبرناهم، ولقد بلغني وقيعتُك في

____________________

(1) الاحتجاج / 295 - 296.


عليٍّ، وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ثمّ سلها الحقّ عليها ولها؛ فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلا توترنَّ غير قوسك، ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب؛ فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع» يعني عمرو بن العاص(1) .

وروي أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، ومروان عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنَّ عمرو بن عثمان ذكر أنَّ رجالاً من أهل العراق، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن عليّ، وذكر أنّه لا يأمن وثوبه، وقد بحثتُ عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمَنُ أن يكون هذا أيضاً لما بعده، فاكتب إلَيَّ برأيك في هذا، والسلام.

فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فقد بلغني وفهمتُ ما ذكرتَ فيه من أمر الحسين، فإيّاك أن تعرض للحسين في شيء، واترك حسيناً ما تركك؛ فإنّا لا نريد أن نعرض له في شيء ما وفى بيعتنا، ولم ينازعنا سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته. والسلام.

وكتب معاوية إلى الحسين بن عليّعليه‌السلام : أمّا بعد، فقد انتهت إليَّ اُمور عنك، إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، ولَعَمر الله، إنَّ مَن أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، فإن كان الذي بلغني باطلاً فإنّك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك فاذكر، وبعهد الله أوفِ؛ فإنّك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدك، فاتّق شقَّ عصا هذه الاُمّة وأن يردَّهم الله على

____________________

(1) الاحتجاج / 296 - 297.


يديك في فتنة؛ فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد، ولا يستخفّنّك السفهاء والذين لا يعلمون.

فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين (صلوات الله عليه) كتب إليه:«أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنّه قد بلغك عنّي اُمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير؛ فإنَّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله.

وأمّا ما ذكرتَ أنّه انتهى إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميم، وما اُريد لك حرباً ولا عليك خلافاً. وأيم الله، إنّي لخائف لله في ترك ذلك، وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي اُولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألستَ القاتلَ حجراً أخا كندة والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمَّ قتلتَهم ظلماً وعدواناً من بعدما كنتَ أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك؟!

أَوَ لست قاتلَ عمْرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيتَه طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثمَّ قتلتَه جرأةً على ربّك، واستخفافاً بذلك العهد؟!

أوَ لستَ المدَّعي زيادَ بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر. فتركتَ سنّة رسول الله تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثمَّ سلّطته على العراقينِ؛ يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلّبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الاُمّة


وليسوا منك؟!

أوَ لستَ صاحب الحضرميّين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم كانوا على دين عليّ (صلوات الله عليه)، فكتبت إليه أن اقتل كلَّ من كان على دين عليّ. فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودينُ عليّعليه‌السلام - والله - الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلستَ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرِّحلتين؟!

وقلتَ فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد، واتّقِ شقَّ عصا هذه الاُمّة وأن تردَّهم إلى فتنة. وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولاُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله علينا أفضل من أن اُجاهدك؛ فإن فعلتُ فإنّه قربة إلى الله، وإن تركته فإنّي أستغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلتَ فيما قلت: إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني. فكدني ما بدا لك؛ فإنّي أرجو أن لا يضرَّني كيدك فيَّ، وأن لا يكون على أحد أضرَّ منه على نفسك؛ لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيتَ بشرط، ولقد نقضتَ عهدكَ بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان، والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقُتلوا. ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلَنا، وتعظيمهم حقَّنا، فقتلتَهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متَّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أنَّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله بناسٍ لأخذك بالظنّة، وقتلِك أولياءَه على التُّهم، ونفيك أولياءَه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث؛ يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب. لا أعلـمُك إلاّ


وقد خسرت نفسك، وبترتَ دينك، وغششت رعيّتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيَّ لأجلهم. والسّلام».

فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال: لقد كان في نفسه ضبٌّ ما أشعر به!

فقال يزيد: يا أمير المؤمنين، أجبه جواباً يصغّر إليه نفسه، وتذكر فيه أباه بشرّ فعله.

قال: ودخل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له معاوية: أما رأيت ما كتب به الحسين؟!

قال: وما هو؟

قال: فأقرأَه الكتاب، فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغّر إليه نفسه؟ وإنما قال ذلك في هوى معاوية، فقال يزيد: كيف رأيتَ يا أمير المؤمنين رأيي؟

فضحك معاوية، فقال: أمّا يزيد فقد أشار عَلَيَّ بمثل رأيك.

قال عبد الله: فقد أصاب يزيد.

فقال معاوية: أخطأتُم؛ أرأيتما لو أنّي ذهبت لعيب عليّ محقّاً ما عسيت أن أقول فيه؟! ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل وما لا يُعرف، ومتى ما عبت رجلاً بما لا يعرفه الناس لم يحفل بصاحبه، ولا يراه الناس شيئاً، وكذَّبوه. وما عسيت أن أعيب حسيناً! ووالله ما أرى للعيب فيه موضعاً، وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعّده وأتهدَّده، ثمَّ رأيت أن لا أفعل ولا أمحكه(1) .

احتجاجه (صلوات الله عليه) بإمامته على معاوية وغيره

وذكر طرف من مفاخراته ومشاجراته التي جرت له

مع معاوية وأصحابه

عن موسى بن عقبة أنّه قال: لقد قيل لمعاوية: إنَّ الناس قد رموا

____________________

(1) رجال الكشّي / 259، والاحتجاج / 297 - 298.


أبصارهم إلى الحسين، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب فإنّ فيه حصراً أو في لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظنّنا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا. فلم يزالوا به حتّى قال للحسين: يا أبا عبد الله، لو صعدتَ المنبر فخطبت.

فصعد الحسينعليه‌السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسمع رجلاً يقول: مَن هذا الذي يخطب؟

فقال الحسينعليه‌السلام :«نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الأقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلينِ اللذينِ جعلَنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثانيَ كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، لا يُبطينا تأويله، بل نتّبع حقايقه؛ فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة، أَنْ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله (عزّ وجلّ): ( أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (1) .وقال: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (2) .

واُحذّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنّه لكم عدوّ مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: ( لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ

____________________

(1) سورة النساء / 59.

(2) سورة النساء / 83.


لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ ) (1) .

فتلقون للسيوف ضرباً، وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثمّ لا يُقبَل من نفسٍ ( إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ) » .

قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله، قد بلّغت(2) .

ولم تعبّر الاحتجاجات الحسينيّة عن الشجاعة الحسينيّة فقط، بل عبّرت أيضاً عن الموقف الكاشف للحقّ والباطل، وعبّرت كذلك عن العلم الجمّ، والغيرة على الدين، وأخلاق المحاججة بما يناسب أعداء الله، وعن جهاد الكلمة الشجاعة الداعية إلى سبيل الله على هدىً وبصيرة، وأدّت إضافةً إلى كلّ ذلك دور توعية الناس، وإيقاظهم من غفلتهم، وتعريفهم ما هم عليه وما ينبغي عليهم، ومن هو المتحكّم في مقدّساتهم، ومن ينبغي أن يكون إمامهم.

صحيحٌ أنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) أطلقها كلمات وعباراتٍ وجملاً في وجه معاوية وأزلامه، إلاّ أنّه ثبّت الموقف الشرعيّ، ووصم أهل العار بعارهم، وأطلق كلمة الحقّ في وجه السلطان الشرِّير، وكلمة العدل في وجه السلطان الظالم، وهذا يحتاج إلى شجاعة يفتقدها الناس؛ ولذا ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:«ألا لا يمنعنَّ رجلاً مهابةُ الناس أن يتكلّم بالحقّ إذا علمه. ألاَ إنَّ أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر» (3) .

وفي بيان فضيلة ذلك وردت الروايات الوفيرة، منها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أحبُّ الجهاد إلى الله كلمة حقٍّ تُقال لإمامٍ جائر» (4) .

____________________

(1) سورة الأنفال / 48.

(2) الاحتجاج / 298 - 299، المناقب 4 / 67.

(3) كنز العمّال / الخبر 43588.

(4) كنز العمال / الخبر 5510.


وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند إمام جائر. أفضل الجهاد كلمة حكم عند إمامٍ جائر» (1) .

وعن أبي أمامة قال: عرض لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلٌ عند الجمرة الاُولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلمّا رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلّما رمى جمرة العقبة وضع رِجله في الغرز ليركب، قال:«أين السائل؟» .

قال: أنا يا رسول الله.

قال:«كلمة حقٍّ تُقال عند ذي سلطانٍ جائر» (2) .

بعد هذا لا ندري لماذا يُلام مَن قال كلمة الحقّ، وكلمة العدل، وكلمة الحكم عند أئمّة الجور من آل اُميّة؟! ألأِنّه عرَّض نفسه للقتل دون دين الله، ودفاعاً عن حُرَم الله في حين يروي من يلوم أنَّ المقتول في هذا السبيل هو ليس شهيداً فحسب، بل هو سيّد الشهداء؟! قال النبيُّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كما يُروى:«سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه، فقتله» (3) .

فالدم مطلوب في بعض المواقف، والشهادة ضرورة في بعض الحالات، ومنها إذا توقّف عليهما حفظ الدين، وفضح المشوّهين له، وإيقاظ الاُمّة من نسيان التكاليف.

قال الشيخ جعفر التستري (رضوان الله عليه):... أمّا التكليف الواقعيّ الذي دعا الإمامَ الحسينعليه‌السلام إلى الإقدام على الموت والقتل، وتعريض عياله للأسر، وأطفاله للذبح مع علمه بذلك، فالوجه فيه: أنَّ عتاة بني اُميّة

____________________

(1) كنز العمال / الخبر 5576.

(2) الترغيب والترهيب - للمنذريّ 3 / 255، ورواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح عنده.

(3) الترغيب والترهيب 3 / 225، رواه الترمذيّ، والحاكم قائلاً: صحيح الإسناد.


- خصوصاً معاوية - قد اُشرب الناسُ حبَّهم، بحيث اعتقدوا فيهم أنّهم على الحقّ، وأنَّ عليَّاً وأولاده وشيعتهم على الباطل، حتّى جعلوا سبَّ عليٍّعليه‌السلام مِن أجزاء صلاة الجمعة. وبلغ الأمر في ذلك أنّ بعض أتباعهم نسي السبّ في صلاة الجمعة حين خطبته، وسافر وذكره وهو في البرّيّة، قضاه في محلّ تذكّره، فبنوا هناك مسجداً سمَّوه (مسجد الذِّكْر)؛ تأكيداً لهذا الأمر!

فلو كان الحسينعليه‌السلام يبايعهم تقيّةً ويسلّم لهم، لم يبق من الحقّ أثر؛ فإنَّ كثيراً من الناس اعتقدوا أنّه لا مخالف لهم - أي لبني اُميّة - في جميع الاُمّة، وأنّهم خلفاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حقّاً. فبعد أن حاربهم الحسينعليه‌السلام ، وصدر ما صدر إلى نفسه وعياله وأطفاله وحرم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تنبّه الناس لضلالتهم - أي ضلالة حكّام بني اُميّة - أنّهم سلاطين الجور، لا حجج الله وخلفاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

فالحسينعليه‌السلام بكلماته نبّه العقول، وبدمائه نبّه القلوب، وبمواقفه كشف الحقائق، ورسم للاُمّة طريق الجهاد والعزّة والكرامة.

وكان من مواقفه (صلوات الله عليه) أن رفض هدايا معاوية - كما أسلفنا(2) - فسجّل أكثر من علامة، منها: إباء نفسه الشريفة وزهده عن أطماع الدنيا، ومنها: فضحه لمعاوية الذي كان يرجو بهداياه التي سرقها من بيت مال المسلمين أن يشتري من أهل البيتعليهم‌السلام - وأنّى له ذلك - موقف الرضا عنه، وتركه وشأنه يتّخذ عباد الله خولاً، وأموالهم دولاً، وموقف الاعتراف والإقرار بشرعيّة سلطانه، أو على أقلّ الفروض كان ينتظر أن يتوهّم الناس أنَّ الحسينعليه‌السلام لا يخالف معاوية في شيء، وأنّه على حسن

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 43 - 44.

(2) مطالب السؤول / 73.


صلةٍ به إذا قبِل هداياه.

ولكنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) خيّب كلَّ الآمال الشيطانيّة والنوايا الخبيثة التي طال انتظارها في قلب معاوية، وأثبت للناس أنَّ الخلافة مسروقةٌ مغتصَبة، وأنَّ الولاة سرّاقٌ منحرفون لا دين لهم؛ وذلك من خلال مواقف حازمة وبياناتٍ مقنعة.

يذكر ابن شهر آشوب في كتابه القيِّم (مناقب آل أبي طالب)(1) جملةً من المواقف الشجاعة للإمام الحسينعليه‌السلام ، فيقول: ومن شجاعتهعليه‌السلام أنّه كان بين الحسينعليه‌السلام وبين الوليد بن عقبة منازعةٌ في ضيعة، فتناول الحسينعليه‌السلام عمامة الوليد عن رأسه وشدّها في عنقه، وهو يومئذٍ والٍ على المدينة، فقال مروان: بالله ما رأيت كاليوم جرأةَ رجلٍ على أميره!

فقال الوليد: والله، ما قلتَ هذا غضباً لي، وإنّما كانت الضيعة له.

فقال الحسين:«الضيعة لك يا وليد» . وقام.

وفي خصوص بيعة يزيد كان للحسينعليه‌السلام أكثر من موقف شجاع كشف به الحقيقة الـمُرّة، وهو تسلّط رجلٍ مثل يزيد على اُمّةٍ لا تقوى على أن تقول: لا، لكنَّ الحسين (سلام الله عليه) ثبّت موقف الرفض لحاكمٍ فاسد حينما واجه والي المدينة بحزمٍ وقاطعيّة.

روى الطبريّ(2) في بيان ذلك فقال: بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه في رجب سنة ستّين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يكن ليزيد همّة حينَ ولّي إلاّ بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناسَ إلى بيعته، وأنّه وليُّ عهده بعده، والفراغ من أمرهم.

____________________

(1) ج 4 / 68.

(2) في تاريخه 6 / 188 - باب خلافة يزيد بن معاوية.


فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية، وكتب إليه في صحيفةٍ كأنّها اُذُن فأرة: أمّا بعد، فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا. والسلام.

فأشار عليه مروان أن يبعث إليهم في تلك الساعة يدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن فعلوا قبِل منهم وكفَّ عنهم، وإن أبوا قدّمهم فضرب أعناقهم؛ فإنّهم إن علموا بموت معاوية وثب كلٌّ منهم في جانب، وأظهر الخلاف والمنابذة، ودعا إلى نفسه.

فأرسل عبد الله بن عمرِو بن عثمان إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد فدعاهما في ساعةٍ لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، فقالا: انصرف، الآن نأتيه. فقال حسين لابن الزبير:«أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشَو في الناس الخبر» .

فقال: وأنا ما أظنُّ غيره.

فقام الحسين وجمع إليه مواليه وأهل بيته وسار إلى باب الوليد، وقال لهم:«إنّي داخل، فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علَيّ، وإلاّ فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم».

فدخل على الوليد، ومروان جالسٌ عنده، فأقرأه الوليد الكتابَ ودعاه إلى البيعة، فقال الحسين:«إنَّ مثلي لا يعطي بيعةً سرّاً، ولا أراك تجتزئ بها (1) مني سرّاً دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانية» .

قال: أجل.

قال:«فإن خرجتَ إلى الناس فدعوتَهم إلى البيعة دعوتَنا مع الناس فكان أمراً واحد» .

فقال له الوليد - وكان يحبّ العافية(2) -: انصرفْ على اسم الله.

فقال له مروان: والله، لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه. احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب

____________________

(1) أي تجزي عندك.

(2) أي يحبّ الابتعاد عن الاصطدام.


عنقه.

فوثب عند ذلك الحسين فقال:«يابن الزرقاء (1) !أنت تقتلني أم هو؟ كذبتَ والله وأثمت».

وفي تاريخ ابن أعثم، ومقتل الخوارزمي، ومثير الأحزان / 15 - 14، واللهوف - واللفظ لابن طاووس -: كتب يزيد إلى الوليد يأمره أن يأخذ البيعة على أهلها عامّة، وخاصّةً على الحسينعليه‌السلام ، ويقول له: إنْ أبى عليك فاضرب عنقه...

ثمّ أوردوا الخبر نظير ما ذكره الطبريّ، إلى قولهما ( أي مروان والحسينعليه‌السلام )، فأضاف: فغضب الحسين وقال:«ويلي عليك يابن الزرقاء! أنت تأمر بضرب عنقي؟! كذبتَ ولؤمت. نحن أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة، ويزيد فاسقٌ، شارب الخمر، وقاتل النفس، ومثْلي لا يبايع مثلَه».

وفي الكامل من التاريخ - لابن الأثير 3 / 262 أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام قال للوليد بن عتبة:«إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجلٌ شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقُّ بالخلافة والبيعة».

وفي الإرشاد - للشيخ المفيد / 183: ثمّ أغلظ الإمام الحسينعليه‌السلام القول لمروان وأنذره، فوقعت مشادّةٌ كلاميّةٌ بين الجانبين انتهت بهجوم أصحاب الحسينعليه‌السلام إلى داخل الدار، واصطحابهم إيّاه راجعين

____________________

(1) قال ابن الأثير في الكامل من التاريخ 4 / 160: وهي الزرقاء بنت موهب جدّة مروان، وكانت من ذوات الرايات التي تستدلّ على بيوت البغاء.


به إلى داره.

وقال ابن نما في (مثير الأحزان / 14)، والخوارزميّ في المقتل، وابن أعثم في فتوحه: فلمّا أصبح الحسين لقيه مروان، فقال: أطعْني ترشد.

قال:«قل» .

قال مروان: بايع أمير المؤمنين يزيد؛ فهو خيرٌ لك في الدارين.

فقال الحسينعليه‌السلام :«إنّا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السّلام إذ قد بُليت الاُمّةُ براعٍ مثل يزيد» .

وأضاف ابن طاووس في اللهوف أنَّ الحسينعليه‌السلام قال لمروان أيضاً:«ولقد سمعت جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرّمةٌ على آل أبي سفيان، فإذا رأيتُم معاويةَ على منبري فابقروا بطنه. وقد رآه أهل المدينة فلم يبقروا، فابتلاهم الله بيزيد الفاسق» (1) .

وفي الأمالي / 92: قال الحسينعليه‌السلام (2) :«قد علمتَ أنّا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الحقِّ الذين أودعه الله (عزّ وجلّ) قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا فنطقت بأذن الله (عزّ وجلّ). ولقد سمعت جدّي رسول الله يقول: إنَّ الخلافة محرّمةٌ على ولْد أبي سفيان. وكيف اُبايع أهل بيتٍ قد قال فيهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هذا؟!» .

وقد جرت محاولاتٌ كثيرةٌ لحمل الحسينعليه‌السلام للعدول عن موقفه الحازم فأبى، وجابه تلك المحاولات بشجاعةٍ أفصحت عن موقفٍ كاشف، من ذلك أنَّ قيس بن الأشعث - وهو أحد شانئيه - طلب منه أن يبايع يزيد، فقال له الحسينعليه‌السلام :«لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد» (3) .

____________________

(1) ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 185.

(2) لعلّه قال للوليد بن عتبة.

(3) أنساب الأشراف - للبلاذريّ 3 / 188.


وثبّتت الشجاعةُ الحسينيّة موقفاً صغر عنه الكثير حتّى مَن رفض بيعة يزيد، فسرعان ما انزووا أو بايعوا بدعوى نحن مع الأقوى. وقد رضي البعض بالمناصب، وبعضهم بالهدايا والأموال، وحتّى من بقي منهم فإنّه بقي على هامش الأحداث ولبني اُميّة طمعٌ فيه وأمل، إلاّ الإمام الحسين (سلام الله عليه)، فقد زرع اليأس في قلوب الأعداء، وجرى ذلك اعترافاً على ألسنتهم.

وحديث (عقبة بن سمعان) يفسِّر حال الحسينعليه‌السلام ، حيث قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة، ومنها إلى العراق، ولم اُفارقه حتّى قُتل، وقد سمعت جميع كلامه، فما سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس من أن يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيّره إلى ثغرٍ من الثغور، لا في المدينة، ولا في مكّة، ولا في الطريق، ولا في العراق، ولا في عسكره إلى حين قتله(1) .

وكتب عبيد الله بن زياد كتاباً - بتأثيرٍ من الشمر - إلى ابن سعد: أمّا بعد، إنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفَّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة، ولا لتكون له عندي شفيعاً. انظر، فإنْ نزل حسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إليَّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقّون.

فإن قُتل حسينٌ فأوطئ الخيلَ صدرَه وظهره، ولستُ أرى أنّه يضرّ بعد الموت، ولكن على قولٍ قلتُه: لو قتلتُه لفعلتُ هذا به. فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر؛ فإنّا قد أمرناه بذلك(2) .

فلمّا جاء الشمر بالكتاب قال له ابن سعد: ويلك! لا قرّبَ الله دارك، وقبّح الله ما جئتَ به، وإنّي لأظنّ أنّك الذي نهيته، وأفسدت علينا أمراً رجونا أن يصلح. والله لا

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 235.

(2) تاريخ ابن الأثير 4 / 23.


يستسلم حسين؛ فإنّ نفس أبيه بين جنَبيه(1) .

* الإباء السامق: الشجاعة - كما قدّمنا - ليست مجرّد إقدام على الخصم وإهواء السيف على رأسه، إنّما الشجاعة الحقّة ما كانت جهاداً في سبيل الله، وتحقيقاً لطاعة الله، وإقداماً على هدىً من الله، ودفعاً لأعداء الله، وتحصيناً لدين الله، وحمايةً لعباد الله.

وإلى ذلك كلّه لا بدّ للشجاعة الحقيقيّة أن تعبّر عن العزّة والكرامة والإباء، وعن الشهامة والمروءة والترفّع عن حبّ الدنيا وأطماعها؛ فإنَّ الشجاعة مجرّدةً عن ذلك تكون تهوّراً وحبّاً للانتقام، وطلباً للسمعة، ووقوعاً في معصية الله، وسقوطاً في شراك الشيطان.

فقد يظنّ القاتل أنّه شجاع، فإذا تأمّل وجد أنّه قاتلٌ للنفس المحترمة، ومن جهةٍ اُخرى أنّه عبدٌ لنزواته، ومن جهةٍ ثالثة أنّه ذليلٌ بطاعته للشيطان وهوى النفس، وإقدامه على القتال طمعاً في دنيا، ورغبةً في شهرة، فلم تكن شجاعته لله، ولا في سبيل الله.

بينما الشجاعة في الدين عزّة، يقول أمير المؤمنين عليّ (صلوات الله عليه):«الشجاعة عِزٌّ حاضر. الشجاعة أحد العزَّين» (2) .

وكيف تكون الشجاعة عزّاً إذا لم تكن رفضاً للظلم، وترفّعاً عن الطمع، وإباءً ونخوةً وغَيرةً على الإسلام! يقول الإمام عليّ (سلام الله عليه):«جُبلت الشجاعة على ثلاث طباع، لكلّ واحدةٍ منهنّ فضيلة ليست للاُخرى؛ السخاء بالنفس، والأنفة من الذُّلِّ، وطلب الذِكْر. فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يُقام سبيله، والموسوم بالإقدام في عصره، وإن تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 236.

(2) غرر الحكم / 17، 39.


شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر وأشدَّ إقداماً» (1) .

فقد يُراد من المؤمن أن يرضى بالضيم، ويقعد على بساط الذُّلّ، وأن يسكت مع الإهانة والهوان، ويحجم عن الدفاع عن دينه وعرضه، ويوسم بالذكر السيّئ فلا يعرب عن رفض، ولا يبدو منه ردّ أو نخوة.

هكذا يراد منه أحياناً لكنَّ الإباء يمنعه أن يرضى، والحميّة تنكر عليه أن يسكت؛ فينتفض شجاعاً لا يقبل بشيءٍ دون عزّته، وهنا تكون شجاعته على قدر ما رُزق من شرف الإباء.

جاء في غرر الحكم لأمير المؤمنين (سلام الله عليه) أنّه قال:«شجاعة الرجل على قدْر همّته، وغيرتُه على قدْر حمّيته» . وفي حديثٍ آخر قالعليه‌السلام :«على قدْر الحميّة تكون الشجاعة» .

والشجاعة الحسينيّة أثبتت أنّها تحمل الإباء بأشرف منازله، والحميّة بأعزّ حالاتها، والكرامة بأعلى درجاتها، فهي أسمى من المداهنات، وأرفع من التنازلات، وأبعد ما تكون عن الإغراءات.

وقد كانت للإمام الحسين (صلوات الله عليه) مواقف وعبارات أفصحت عن إبائه، فيئست منه قلوب الطامعين، وحقدت عليه نفوس المخاصمين. وقد سُمع (سلام الله عليه) ورئي أنّه إلى الموت أقرب منه إلى بيعة الظالمين، وأنّه في طلب الشهادة لا في طلب الدنيا.

وكانت كلماتهعليه‌السلام كمواقفه ليس فيها أيُّ مبالغة، أثبت ذلك في كلّ واقعة؛ فالإمام الحسينعليه‌السلام هو الذي رفض هدايا معاوية وردَّها عليه، وهو الذي قال:«الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 236، عن تحف العقول / 237 - 238.


درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون»(1) .

وهو الذي رفض بيعة يزيد، وأجاب عمر الأطراف عندما اقترح عليه الصلح مع الطاغية يزيد بقوله:«حدّثني أبي أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبره بقتله وقتلي، وأنَّ تربته تكون بالقرب من تربتي. أتظنٌّ أنَّك علمت ما لم أعلمه؟ والله لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً...» (2) .

قالعليه‌السلام ذلك وثبت عنده، وضاقت عليه الأرض ولم ير إلاّ عند كلمته:«لو لم يكن ملجأ لما بايعت يزيد».

قال التستريّ (رضوان الله عليه): ومنها - أي من خصائصه (عليه السلام) - إباء الضيم، فله نحوٌ خاصٌّ به. قالعليه‌السلام لـمّا أرادوا منه النزول على حكم يزيد وابن زياد:«لا والله، لا اُعطي بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد» . بل يقال: إنّه سنَّ إباء الضيم، وإنَّ أباة الضيم يتأسَّون به(3) .

والحسينعليه‌السلام هو الذي قالها قاطعةً حازمة، صادقةً جازمة:«موتٌ في عزٍّ خيرٌ من حياةٍ في ذلّ» (4) .

وحين قُدِّمت له الحياة المنعّمة في ذلٍّ أباها ورفضها، واختار الموت في عزٍّ. اختار الموت، ولكن أيّ موت؟! إنّه الموت الصعب، الموت المتعدّد؛ حيث رأت عيناه الكريمتان أبناءَه يُقتَّلون، ويقطّعون بالسيوف، ويُطعنون بالرماح، ونظر إلى إخوته وأبناء إخوته وأبناء عمومته، وإلى الخلّص من أصحابه يقعون على الأرض مضرَّجين بدمائهم على رمال كربلاء، وطالما التفتتْ مقلتاه الشريفتان إلى الخيم وهو يرى ببصيرته أنَّ مَن فيها من النساء سيترمّلن، ومن الأطفال سيُؤتمون، وأنَّ في انتظارهم فجائع

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 5.

(2) اللهوف / 23.

(3) الخصائص الحسينيّة / 21.

(4) المناقب 4 / 68.


ونكبات، فيتألّم لذلك قلبه الرؤوف، ولكن كلُّ ذلك لا بدّ منه إذا كان الدين في خطر، والحياة في ذلّ.

التفتَ إلى أصحابه في مسيرة الشهادة، واستوقف الضمائر والقلوب فخاطبها قائلاً:«إنَّ الدنيا تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها واستمْرَت، ولم يبق منها إلاّ صبابةٌ كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل. ألاَ تَرون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً...» (1) .

وهذا منطق الشجاع الأبيّ الذي لا يخاف من الموت، بل يرغب فيه حيث سعادته؛ لأنَّ قباله الحياة مع الظالمين، وهي برمٌ - أي سأمٌ وضجرٌ لأبيّ الضيم وعزيز النفس -، والموت هنا سعادة يرغب فيها الشريف الشهم فضلاً عن عدم خوفه منه.

وفي الطريق إلى كربلاء قال الحرُّ بن يزيد للإمام الحسينعليه‌السلام : إنّي أشهد لئن قاتلتَ لتُقتلَنّ.

فقال الحسينعليه‌السلام :«أفبالموت تخوّفني؟! وهل يغدو بكم الخطْب أن تقتلوني؟! وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى

إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجالَ الصالحين بنفسهِ

وفارق مثبوراً وخالف مُجرما

____________________

(1) حلية الأولياء - لأبي نعيم الإصفهاني 2 / 239، وتحف العقول / 176.


اُقدِّم نفسي لا اُريد بقاءه

لتلقى خميساً في الهياجِ عرمرما

فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم اُلَم

كفى بك ذُلاّ أن تعيش وتُرغما»(1)

وروي أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان كثيراً ما ينشد تلك الأبيات حتّى زعم الرواة أنّها ممّا أمْلتْه نفسه المقدّسة، وهي:

لئن كانت الأفعالُ يوماً لأهله

كمالاً فحسن الخُلْقِ أبهى وأكملُ

وإن تكن الدنيا تُعَدّ نفيسةً

فدار ثواب الله أعلى وأنبلُ

وإن تكن الأموالُ للترك جمعه

فما بالُ متروكٍ به الحرُّ يبخلُ

وإن تكن الأرزاقُ قسْماً مقدَّر

فقلّة حرص المرء في الكسب أجملُ

وإن تكن الأبدانُ للموت اُنشِئت

فقتلُ أمرئٍ بالسيف في الله أفضلُ

سأمضي وما بالقتل عارٌ على الفتى

إذا في سبيل الله يمضي ويُقتَلُ(2)

فالأبيّ حينما يتزاحم الذلُّ مع الموت يختار الموت، وحينما يُخيَّر بين

____________________

(1) المناقب 2 / 193، وانساب الأشراف 3 / 171، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 /230.

(2) المناقب 4 / 95، وكشف الغمّة 3 / 40، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 33.


العار والقتل يختار القتل، وحينما يدور المدار بين الدنيا الآثمة ودخول المعركة القاتلة فإنّه يخطو بشوق إلى القتال والموت المحتّم؛ حيث يرى فيه حياته، ويرى في الحياة الخانعة الموتَ الحقيقيّ.

وهكذا كان رجل الإباء، سيّد الشهداء، الحسين بن عليّ (صلوات الله عليه)، حتّى عبّر عن ذلك ابن نباتة فقال: الحسين الذي رأى القتلَ في العزّ حياةً والعيش في الذلّ قتلاً(1) .

لقد كان الإباء ينطلق من لسان الإمام الحسينعليه‌السلام قولاً صادقاً حتّى تمثّل في كربلاء بأجلى صورهِ مواقفَ شامخة، فوقف على أرض الطفّ وقال في شجاعة الرجل الأبيّ:«ألا إنَّ الدعيَّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى الله لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، واُنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام» (2) .

وقد ترجم الإمام الحسين (سلام الله عليه) كلَّ كلمة من هذه الكلمات إلى جميع لغات العزّة والكرامة، والإباء والشهامة، والرفعة والشرف المؤبّد، فكان أن وقف على أرض الطفّ وحيداً بعد مقتل أخيه العبّاسعليه‌السلام ، وأمامه ثلاثون ألف مقاتل، فلم يَروه يهتزّ هيبةً منهم، ولم يجدوا فيه رغبةً في استسلام، بل وقفوا يتأمّلون فيه ماذا هو صانعٌ بنفسه، فإذا الحسينعليه‌السلام يطلب ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه لئلاّ يُجرَّد منه؛ فإنّه مقتولٌ مسلوب.

فأتوه بتبّان، فلم يرغب فيه؛ لأنّه من لباس الذلّة(3) ، وأخذ ثوباً وخرّقه وجعله تحت ثيابه(4) ، ودعا بسراويل حبرة ففزرها ولبسها لئلاّ

____________________

(1) المناقب 4 / 68.

(2) تاريخ دمشق - لابن عساكر / 215.

(3) المناقب 2 / 222.

(4) مجمع الزوائد - للهيثميّ 9 / 193.


يُسلبَها(1) . ثمّ تقدّم نحو القوم مصلتاً سيفاً، ودعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلَّ من برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً(2) .

قال الأربليّ(3) : وشجاعة الحسينعليه‌السلام يُضرب بها المثل، وصبره في مأقط الحراب (أي مضيقه) أعجَزَ الأواخر والاُوَل، وثباته إذا دعيت نزال ثبات الجبل، وإقدامه إذا ضاق المجال إقدام الأجل، ومقامه في مقابلة هؤلاء الفجرة عادَلَ مقامَ جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ببدرٍ فاعتدل، وصبره على كثرة أعدائه وقلّة أنصاره صبرُ أبيهعليه‌السلام في صفّين والجمل، ومشرب العداوة واحد، فبفعل الأوّل فعل الآخر ما فعل. فكم من فارسٍ مدلّ ببأسه جدَّلهعليه‌السلام فانجدل، وكم من بطلٍ طلّ دمه فبطل، وكم حكّم سيفه فحكم في الهوادي والقلل، فما لاقى شجاعاً إلاّ وكان لاُمّه الهبل.

ولمّا اشتدّ به العطش، وأعياه الكرُّ والفرّ على جموع المبارزين، هجموا عليه غدراً بالحجارة، ورمياً من بعيد بالسهم؛ جُبناً منهم أن يبارزه الرجل بعد الرجل.

ثمّ أصابته صدمات فضعف عن الجلوس، وجعل يقوم مرّةً ويسقط اُخرى، كلُّ ذلك لئلاّ يروه مطروحاً فيشمتون(4) .

فجمع (سلام الله عليه) إلى الشجاعة إباءً وعزّة، وإلى رفض الباطل محاربةً له، وإلى إنكار المنكر ترفّعاً عنه، فكان كريمَ النفس، مضى هكذا وختم حياته أشرف خاتمة، ولم ينل منه العدوّ موقف ضعفٍ أو ذلّة، فأصبح النبراس الوهّاج في سماءٍ التضحية والشجاعة، والفداء والإباء.

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 259.

(2) مقتل العوالم / 97، ومثير الأحزان - لابن نما / 37، ومقتل الحسين - للخوارزميّ 2 / 33.

(3) كشف الغمّة 2 / 180.

(4) الخصائص الحسينيّة / 38.


قال الاُستاذ عبد الحفيظ أبو السعود في الإمام الحسينعليه‌السلام : عنوان النضال الحرّ، والجهاد المستميت، والاستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور السلطان وبغي الحاكمين(1) .

وقال الاُستاذ محمّد الباقر: إنَّ سيرة البطل الشهيد الإمام الحسين بن عليّ جديرةٌ بأن ينقشها العرب جميعاً على تنوّع ميولهم ومذاهبهم في أمواق أفئدتهم؛ ذلك لأنَّ هذه السيرة إنّما هي سيرة التضحية والعقيدة، سيرة العزّة والكرامة(2) .

رامت اُميّة أن يبايعَ خاضع

وأبى الكريمُ بأن يذلَّ ويخضعا

وأختمُ موضوع (الشجاعة الحسينيّة) بقصيدة الحاجّ عبد الحسين الاُزريّ البغداديّ (رحمه الله ورضي عنه)، حيث قال ونعم ما قال:

عش في زمانِك ما استطعت نبيل

واترك حديثك للرواة جميلا

ولعزِّك استرخصْ حياتَك إنّه

أغلى وإلاّ غادرتْك ذليلا

فالعزُّ مقياس الحياة وضلَّ مَن

قد عدّ مقياسَ الحياة الطُّولا

قُل كيف عاش ولا تقلْ كم عاش مَن

جعلَ الحياةَ إلى عُلاه سبيلا

لا غروَ إن طوتِ المنيّةُ ماجد

كثرت محاسنُه وعاش قليلا

____________________

(1) سبطا رسول الله الحسن والحسينعليهما‌السلام / 88.

(2) كتابه ( الشهيد الخالد الحسين بن عليّ ) / 6.


ما كان للأحرار إلاّ قدوة

بطلٌ توسّد في الطفوف قتيلا

بعثته أسفارُ الحقائق آيةً

لا تقبل التفسيرَ والتأويلا

لا زال يقرأها الزمان معظِّم

في شأنها ويزيدها ترتيلا

يَدْوي صداها في المسامع زاجر

من علَّ ضيماً واستكان خمولا

أفديك معتصماً بسيفك لم تجْد

إلاّه في حفظِ الذِمارِ كفيلا

خَشِيَتْ اُميّةُ أن تُزعزع عرشَه

والعرشُ لولاك استقامَ طويلا

مِن أين تأمن منك أرؤسُ معشرٍ

حسِبتْك سيفاً فوقَها مسلولا

طبعتْك أهدافُ النبيّ وذرّبت

يدُها شباتَك وانتضتْك صقيلا

فإذا خطبتَ رأوك عنه معبِّر

وإذا انتميتَ رأوك منه سليلا

أو قمت عن بيتِ النبوّة معرِب

وجدوا به لك منشأً ومقيلا

قطعوا الطريق لذا عليك وألَّبُو

مِن كلّ فجٍّ عصبةً وقبيلا


وهناك آل الأمرُ إمّا سلّةٌ

أو ذلّةٌ فأبيت إلاّ الاُولى

ومشيت مشيةَ مطمئنٍّ حينم

أزمعتَ عن هذي الحياة رحيلا

تستقبل البيض الصفاحَ كأنّه

وفدٌ يؤمّل من نداك منيلا

فكأنَّ موقفَك الأبيَّ رسالةٌ

وبها كأنّك قد بُعثت رسولا

نَهجَ الاُباةُ على هداك ولم تزل

لهمُ مثالاً في الحياة نبيلا

وتعشّق الأحرارُ سُنَّتك التي

لم تُبقِ عذراً للشجى مقبولا

قتلوك للدنيا ولكنْ لم تدم

لبني اُميّةَ بعد قتلِك جيلا

ولرُبَّ نصرٍ عاد شرَّ هزيمةٍ

تركتْ بيوتَ الظالمين طُلولا

حملت بصفّين الكتابَ رماحُهم

ليكون رأسُك بعدَه محمولا

يدعون باسم (محمّد) وبكربل

دمُه غدا بسيوفهم مطلولا

لو لم تبت لنصالهم نهباً لما اجـ

ـترأ الوليدُ فمزّق التنزيلا


تمضي الدهورُ ولا ترى إلاّك في الـ

ـدنيا شهيدَ المكرمات جليلا

فكفاك تعظيماً لشأوِك موقفٌ

أمسى عليك مدى الحياة دليلا

بسمائك الشعراءُ مهما حلّقو

لم يبلغوا من ألفِ ميلٍ ميلا(1)

____________________

(1) الدرّ النضيد / 272 - 274.


الغيرة الحسينيّة



الغيرة الحسينيّة

الغَيرة أو الحميّة: هي السعي في محافظة ما يلزم محافظته، وهي من نتائج الشجاعة وكبر النفس وقوّتها(1) . قال أمير المؤمنين عليٌّعليه‌السلام :«على قدر الحميّة تكون الشجاعة» (2) . وقال (سلام الله عليه) أيضاً:«ثمرةُ الشجاعة الغَيرة» (3) .

والغيرة هي من شرائف الملكات، وبها تتحقّق الرجوليّة، والفاقد لها غير معدودٍ من الرجال(4) . وهي تعبُّر - فيما تعبّر عنه - عن الاعتزاز بالشرف والكرامة، وعن اليقظة والمروءة والنخوة، وهذه من مثيرات الشجاعة، ومن دواعي رفض العدوان.

ومقتضى الغيرة والحميّة في الدين أن يجتهد المرء في حفظه عن بدع المبتدعين، وانتحال المبطلين، وإهانة من يستخفُّ به من المخالفين، وردّ شبه الجاحدين، ويسعى في ترويجه، ولا يتسامح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

____________________

(1) جامع السعادات 1 /265 - باب الغيرة والحميّة.

(2) غرر الحكم / 215.

(3) غرر الحكم / 158.

(4) جامع السعادات 1 / 265.


ومقتضى الغيرة على (الحريم) ألاّ يتغافل عن حفظِهنّ عن أجانب الرجال، وعن الاُمور التي تُخشى غوائلها، ويمنعهنّ عن جميع ما يمكن أن يؤدّي إلى فسادٍ وريبة.

وأمّا مقتضى الغيرة على الأولاد أن تراقبهم من أوّل أمرهم، فإذا بدأتْ فيهم مخائل التمييز فينبغي أن يؤدَّبوا بآداب الأخيار، ويُعلّموا محاسنَ الأخلاق والأفعال، والعقائد الحقّة(1) .

ولأهميّة الغيرة في حفظ المقدّسات وسلامة الاُمّة وشرف كرامتها جاءت الآيات الكريمة والأحاديث المنيفة تؤكّد عليها، وتبيّن فضائلها وتدعو إليها؛ إذ هي خلقٌ من أخلاق الله تبارك وتعالى، ومن أخلاق الأنبياء والمرسلين، والأئمّة الهداة المهديّين (صلوات الله عليهم أجمعين).

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ألاَ وإنَّ الله حرّم الحرام، وحدّ الحدود، وما أحدٌ أغير من الله، ومن غيرته حرّم الفواحش» (2) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً قال:«إنّي لغيور، والله (عزّ وجلّ) أغير منّي، وإنّ الله تعالى يحبّ من عباده الغيور» (3) .

والغيرة مفصحة عن الإيمان؛ لقول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ الغيرة من الإيمان» (4) . وهي من نتائج القوّة الغضبيّة في الإنسان، قد تُنتج مساوئَ أخلاقيّة كالتهوّر وسوء الظنّ والغضب المذموم، وقد تنتج محاسن أخلاقيّة كالغضب لله تعالى، والشجاعة والعزّة والإباء.

وقد عُرِفَ الإمام الحسينعليه‌السلام بخلق الغيرة على الدين والحريم

____________________

(1) يراجع في تفصيل ذلك وبيانه المصدر السابق.

(2) أمالي الصدوق / 257.

(3) كنز العمال / الخبر 7076.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3 / 381.


والأولاد، وهو الذي تربّى في ظلّ أغير الناس جدّه المصطفى، وأبيه المرتضى، واُمّه فاطمة الزهراء (صلوات الله عليهم)، وعاش في بيت العصمة والطهارة والنجابة، والشرف المؤبّد والكرامة، ونشأ في أهل بيتٍ لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها، ولم تلبسهم من مدلَهِمّات ثيابها.

فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان - كما يقول الإمام عليّعليه‌السلام - لا يصافح النساء، فكان إذا أراد أن يبايع النساء اُتِيَ بإناءٍ فيه ماء فغمس يده ثمّ يخرجها، ثمّ يقول:«اغمسن أيديكنّ فيه فقد بايعتكن» (1) .

أمّا ابنته فاطمة (صلوات الله عليها) فقد سألها أبوهاصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً:«أيُّ شيءٍ خيرٌ للمرأة؟» .

فقالت:«أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل» .

فضمَّها إليه وقال:( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (2) .

وأمّا أمير المؤمنين (سلام الله عليه) فيكفي ما ذكره يحيى المازنيّ حيث قال: كنت جوار أمير المؤمنينعليه‌السلام مدّةً مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فوالله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تخرج ليلاً، والحسن عن يمينها، والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرّةً عن ذلك، فقال:«أخشى أن ينظر أحدٌ إلى شخص اُختك زينب» (3) .

هذه الخَفِرة عقيلة بني هاشم (سلام الله عليها) كان لا بدّ من أجل إنقاذ الدين، وفضح الجاهليّين أن تخرج إلى كربلاء لتثبت أنَّ بني اُميّة لا يرقبون

____________________

(1) تحف العقول / 457.

(2) المناقب، عن حلية الأولياء - لأبي نعيم، ومسند أبي يعلى، والآية في سورة آل عمران / 34.

(3) زينب الكبرىعليها‌السلام / 22.


في مؤمنٍ إلاّ ولا ذمّة، ولا يحفظون حرمةً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ حيث اُسرت بناته في كربلاء، وساقهنَّ أعداء الله في مسيرة وعرة إلى الكوفة، ثمَّ إلى الشام، في حالٍ من الجوع والإعياء، واُسكِنَّ الخرائب مقيّداتٍ بالحبال.

ويأبى ذلك لهنَّ كلُّ غيور لولا الغيرة على الدين؛ حيث لا يُنقذُ الدين إلاّ في موقفٍ يُقتل فيه حزب الله النجباء بيد حزب الشيطان الطلقاء، وتؤسر فيه بنات الرسالة، ويقضي الأطفال بين الجوع والعطش والهلع، وحوافر الخيل والضياع في الصحارى. إنَّ كلَّ ذلك من أجل الدين الذي دونه الأنفس وكلُّ عزيز.

ولقد كان الإمام الحسين (صلوات الله عليه) أغير الناس على دين الله؛ فأقدم على ما أحجم عنه غيرُه، وقدّم ما بخل به غيره، وقد شهدت له مواقف كربلاء أنّه الغيور الذي لم تشغله الفجائع ولا أهوال الطفّ عن حماسة حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

في يوم العاشر، وبعد أن قُتل جميع أنصار الحسينعليه‌السلام وأصحابه وأهل بيته، وقُبيلَ الاشتباك بالآلاف صاح عمر بن سعد بالجمع: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلّ جانب.

فأتتهعليه‌السلام أربعة آلاف نبلة(1) ، وحال الرجال بينه وبين رحله، فصاح بهم:«يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون».

فناداه شمر: ما تقول يابن فاطمة؟

قال:«أنا الذي اُقاتلكم، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً» .

فقال الشمر:

____________________

(1) المناقب 2 / 223.


لك ذلك.

وقصده القوم، واشتدّ القتال وقد اشتدّ به العطش(1) ، قيل: وقصده القوم من كلِّ جانب، وافترقوا عليه أربع فرق من جهاته الأربع؛ فرقة بالسيوف وهم القريبون منه، وفرقة بالرماح وهم المحيطون به، وفرقة بالسهام والنبال وهم الذين في أعالي التلال ورؤوس الهضاب، وفرقة بالحجارة وهم رجّالة العسكر. ازدحم عليه العسكر، واستحرى القتال، وهو يقاتلهم ببأسٍ شديد وشجاعةٍ لا مثيل لها(2) .

وحملعليه‌السلام من نحو الفرات على عمرو بن الحجّاج، وكان في أربعة آلافٍ، فكشفهم عن الماء، وأقحم الفرسَ الماء، فلما مدّ الحسين يده ليشرب ناداه رجل: أتلتذُّ بالماء وقد هُتكت حرمك؟! فرمى الماء ولم يشرب، وقصد الخيمة(3) .

وفي رواية الشيخ الدربنديرحمه‌الله : فنفض الماء مِن يده، وحملعليه‌السلام على القوم فكشفهم، فإذا الخيمة سالمة.

إنَّ الإمامعليه‌السلام كان سيّد سادات أهل النفوس الأبيّة، والهمم العالية، فلمّا سمع أنَّ المنافقين يذكرون اسم الحرم والعترة الطاهرة كفَّ نفسَه عن شرب الماء بمحض ذكرهم هذا؛ فقد سنَّ - روحي له الفداء - لأصحاب الشيم الحميدة والغيرة سُنّةً بيضاء، وطريقة واضحةً في مراعاة الناموس والغيرة(4) .

وهذه خصّيصة شريفةٌ اُخرى من الخصائص الحسينيّة، حيث وقف عليها الشيخ التستري (أعلا الله مقامه) فقال: ومنها: الغيرة بالنسبة إلى النفس، وبالنسبة إلى الأهل والعيال. أمّا

____________________

(1) اللهوف / 67.

(2) إبصار العين - للشيخ السماوي.

(3) مقتل العوالم - للشيخ عبد الله البحرانيّ / 98، ونَفَس المهموم / 188.

(4) في كتابه (أسرار الشهادة) / 411.


بالنسبة إلى النفس فأقواله في ذلك؛ شعره ونثره ونظمه حين حملاته معروفة، وأفعاله الدالّة على ذلك كثيرة، لكن قد أقرح القلبَ واحدٌ منها، وهو أنّهعليه‌السلام لـمّا ضعف عن الركوب لضربة صالح بن وهب نزل أو سقط عن فرسه على خدّه الأيمن، فلم تدعه الغيرة للشماتة، والغيرة على العيال لأن يبقى ساقطاً، فقام (صلوات الله عليه)، وبعد ذلك أصابته صدماتٌ أضعفته عن الجلوس، فجعل يقوم مرةً ويسقط اُخرى، كلُّ ذلك لئلاّ يروه مطروحاً فيشمتون.

وأمّا بالنسبة إلى العيال فقد بذل جهده في ذلك في حفر الخندق واضطرام النار فيه، وقوله: اقصدوني دونهم. ووصلت إلى أنّه صبَّ الماء الذي في كفّه وقد أدناه إلى فمه وهو عطشان لما سمع قول: إنّه قد هُتك خيمةُ حرَمك(1) .

وحينما عاد الإمام الحسينعليه‌السلام إلى المخيّم ورام توديع العيال الوداع الثاني؛ ليسكّن روعتهم، ويخفّف لوعتهم، ويصبّرهم على فراقه... قال عمر بن سعد لأصحابه: ويحكم! اهجموا عليه مادام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم.

فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتّى تخالفت السهام بين أطناب المخيّم، وشكّ سهمٌ بعض اُزر النساء فدهشنَ واُرعبنَ، وصِحنَ ودخلن الخيمة ينظرن إلى الحسين كيف يصنع، فحمل عليهم كالليث الغضبان، فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلِّ ناحية وهو يتّقيها بصدره ونحره(2) .

ورجع إلى مركزه يكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم(3) .

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 37 - 38.

(2) مثير الأحزان - للشيخ شريف آل صاحب الجواهر.

(3) اللهوف / 67.


بأبي من رسيم ضيماً فأبى

أن يُسام الضيمَ واختار الرّدى

كيف يأوي الضيمُ منه جانب

هو مأوى كلِّ عزٍّ وإبا

فغدا يسطو على جمع العِدى

مثل صقرٍ شدّ في سرب القطا

شبل آسادٍ إذا ما غضبو

زلزلوا الأرض بحملات الوغى(1)

* * *

يلقى كتائبهمْ بجأش طامنٍ

والصدرُ في ضيق المجال رحيبُ

ويرى إلى نحو الخيامِ ونحوِهم

من طرْفهِ التصعيدُ والتصويبُ

للمشرفيّة والسهام بجسمِه

والسمهريّة للجراح ضروبُ

حتّى هوى فوق الصعيد وحان مِن

بدرِ التمام عن الأنامِ غروبُ(2)

ثمّ إنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام لما سقط ولده عليّ الأكبرعليه‌السلام

____________________

(1) من قصيدة للسيّد محسن الأمين في كتابه (الدّر النضيد في مراثي السبط الشهيد) / 5.

(2) للسيد الأمين أيضاً في الدّر النضيد / 26.


أتاه مسرعاً وانكبّ عليه بعد أن كشف عنه قتَلتَه، فوضع خدَّه على خدّه وقال:«على الدنيا بعدك العفا! يعزّ على جدّك وأبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث فلا يغيثونك!» (1) .

ولمّا ضرب عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي رأس القاسم ابن الإمام الحسنعليه‌السلام بالسيف وقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه! فأتاه الحسينعليه‌السلام كالليث الغضبان، فضرب عمراً بالسيف فاتّقاه بالساعد فأطنّها(2) من المرفق، وانجلت الغبرة وإذا الحسينعليه‌السلام قائمٌ على رأس الغلام وهو يفحص برجلَيه، والحسين يقول:«بُعداً لقومٍ قتلوك! خصمهم يوم القيامة جدُّك» . ثمّ قال:«عزَّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك!» (3) .

وروى بعضهم أنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام لـمّا اُصيب بالسهام والحجارة، وأعياه نزف الدم، سقط على الأرض لا يقوى على القيام والنهوض. فلبثوا هنيئةً وعادوا إليه وأحاطوا به، فنظر عبد الله بن الحسن السبطعليه‌السلام - وله إحدى عشرة سنة - إلى عمّه وقد أحدق به القوم، فأقبل يشتدّ نحو عمّه، وأرادت زينب حبسه فأفلت منها، وجاء إلى عمّه، وأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين فصاح الغلام: يابن الخبيثة! أتضرب عمّي؟!

فضربه، واتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة، فصاح الغلام: يا عمّاه! ووقع في حجر الحسينعليه‌السلام ، فضمّه إليه وقال:«يابن أخي، اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير؛ فإنّ الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين» (4) .

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 265، ومقتل العوالم / 95.

(2) أي قطعها.

(3) تاريخ الطبريّ 6 / 257، والبداية والنهاية 8 / 186.

(4) تاريخ الطبريّ 6 / 259، واللهوف / 68.


وأخذه الإعياء فلا تقوى جوارحه من شدّة النزف على أن يجلس.

روى بعضهم أنَّ أعداء الله أرادوا أن يتأكّدوا من عجزه عن القيام لمواجهتهم، فنادوا عليه بأنَّ رحله قد هُتك، فقام وسقط، وحاول النهوض غيرةً على عياله فسقط، وجاهد ذلك ثالثةً فسقط، حينذاك اطمئنّوا أنّه لا يقوى على قيام.

وقد قال في خصائصه (الشيخ التستري): وكانعليه‌السلام حين وقوعه صريعاً مطروحاً يسعى لتخليص أهله ومن يجئ إليه، فهو المطروح الساعي(1) .

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 42.



الصلابة الحسينيّة



الصلابة الحسينيّة

الصبر: خصيصةٌ فاضلة يُعجَب بها الناس ويجلّونها، ويُكْبرون صاحبها، ويتمنّون أنّها فيهم، ولكن قليلٌ هم الذين يحظون بها.

والصبر: خلقٌ ينطوي على معانٍ ساميةٍ رفيعة، منها: الإيمان بالله، والتسليم لقضاء الله، والرضا بأمر الله، والشكر على ما يريده ويحبّه الله. كما يعبّر عن قوّة الجَنان، ورجاحة العقل، وثبات القلب، واطمئنان النفس وهدوئها، ويشير إلى الزهد وحسن التوكّل على الله، والثقة به سبحانه وتعالى، والتصديق بوعده وهو القائل:( يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1) .

وفي تعريف الصبر قال علماء الأخلاق: هو ضدُّ الجزع، وهو ثبات النفس، أو هو احتمال المكاره من غير جزع، أو هو قسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل؛ أوامرَ ونواهي.

وفي الرواية قال جبرئيلعليه‌السلام في تفسير الصبر: تصبر في الضرّاء كما تصبر في السرّاء، وفي الفاقة كما تصبر في الغنى، وفي البلاء كما تصبر في العافية، فلا يشكو حالَه عند المخلوق.

وفي رواية: فلا يشكو خالقه عند المخلوق بما يصيبه من البلاء(2) .

وفي بيان أنواع الصبر قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

____________________

(1) سورة الزمر / 10.

(2) معاني الأخبار / 261.


«الصبر ثلاثة؛ صبرٌ على المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية»(1) .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«الصبر صبران؛ صبرٌ عند المصيبة، حسنٌ جميل، وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرّم الله عليك» (2) . وعنه (سلام الله عليه) أيضاً قال:«الصبر صبران؛ صبرٌ على ما تكره، وصبرٌ عمّا تحبّ» (3) .

والصبر يوحي بأنَّ هناك صراعاً ومقاومة، وقتالاً وغلبة، أو أنَّ هنالك طرفَينِ متنازعين، وهناك نتيجة، والصبر هو الذي يحدّد النتيجة. قال الإمام عليّعليه‌السلام :«الإيمان على أربع دعائم؛ على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. والصبر منها على أربع شعب؛ على الشوق، والشفق، والزهد، والترقّب؛ فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات، ومَن أشفق من النار اجتنب عن المحرّمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات» (4) .

والصبر ليس تحمّلاً وحسب، إنّما هو شكرٌ وتسليمٌ لله (جلّ ثناؤه) أيضاً. والصبر ليس مقاومة وحسب، إنّما هو مبادرةٌ للقتال ضدَّ جنود الضلال والتضليل أحياناً. والصبر ليس إمساكاً للنفس عن اقتراف المعاصي وحسب، إنّما هو أيضاً نهوضٌ وعزم على عمل الخير وإتمامه بنيّةٍ سليمةٍ صالحة؛ فهو مقيّدٌ بقوله تعالى:( ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) (5) .

ومن هنا يتمايز الصابرون؛ فمنهم من يتصبّر لوجه الناس، لا عن إيمانٍ أو رضاً أو تسليمٍ لقضاء الله سبحانه وتعالى، ومنهم من يرجو بصبره نوال ثوابه تبارك وتعالى، أو يتحاشى به عقاباً،

____________________

(1) اُصول الكافي 2 / 91 ح 15، باب الصبر.

(2) الكافي 2 / 91 ح 11.

(3) نهج البلاغة - قصار الحكم / 55.

(4) نهج البلاغة - الحكمة 31.

(5) سورة الرعد / 22.


ولكن منهم مَن يصبر طاعةً لله (جلّ وعلا)، وحبّاً ورضاً وتسليماً لأمره (عزّ وجلّ)، فلا يشكو ولا يضجر ولا يعترض.

والصبر درجات وأنواع، منه صبر العوامّ على وجه التجلّد، وهو لا ثواب عليه؛ إذ لا يكون لله، ومنه صبر الزهّاد والعبّاد لتوقّع ثواب الآخرة وخشية عقابها، ومنه صبر العارفين الذين يتلذّذون بالمكروه؛ لأنّه من عند المحبوب الله (جلّ جلاله)؛ إذ خصّهم به دون الناس فصاروا ملحوظين بشرف نظرته سبحانه، وموعودين بطيّب بشارته،( وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ) (1) .

والإمام الحسينعليه‌السلام قد أخلص النيّة لله (عزّ شأنه)، وسلّم له أمره، وصبر أيَّ صبر... حتّى قال في زيارته حفيدُه الإمام المهديّعليه‌السلام :«وجاهدت في الله حقَّ الجهاد، وكنت لله طائعاً، ولجدّك محمدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله تابعاً، ولقول أبيك سامعاً، وإلى وصيّة أخيك مسارعاً، ولعماد الدين رافعاً، وللطغيان قامعاً، وللطُّغاة مقارعاً، وللاُمّة ناصحاً، وفي غمرات الموت سابحاً، وللفسّاق مكافحاً، وبحجج الله قائماً، وللإسلام والمسلمين راحماً، وللحقّ ناصراً، وعند البلاء صابراً...» (2) .

فصبر الحسين (سلام الله عليه) كان جهداً وجهاداً ومجاهدة، وكان معبّراً عن الطاعة المطلقة الخالصة لله سبحانه وتعالى، وعن الشجاعة المذهلة. فالصبر مع أنّه إمساكٌ للنفس عن الجزع هو ثباتٌ على قدم الشجاعة، قال الإمام عليّعليه‌السلام في مجمل غرر حكمه ودرر كلِمِه:«الشجاعة صبر

____________________

(1) سورة البقرة / 155 - 157.

(2) زيارة الناحية المقدّسة، المزار - للشيخ محمّد ابن المشهدي / 501.


ساعة (1) .الصبر شجاعة» (2) .

وقيل للحسن بن عليّعليه‌السلام : ما الشجاعة؟

فقال:«موافقة الأقران، والصبر عند الطعان» (3) .

ولقد صبر الإمام الحسين (سلام الله عليه) على الطاعات الطويلة، وعن المعاصي الثقيلة، وعلى مصائبَ جمّة، إلاّ أن تُهتك حرماتُ الدين وتهان كرامة المسلمين فذلك ما لم يصبر عليه. وله في جدّه رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله اُسوة؛ حيث وقف يوماً فقال:«قد صبرتُ في نفسي وأهلي وعِرضي، ولا صبر لي على ذكر إلهي» (4) . فأنزل الله (عزّ وجلّ):( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) (5) .

وصبر الإمام الحسينعليه‌السلام صبر الحكماء العقلاء حتّى كانت نهضته في موقعها المناسب مكاناً وزماناً؛ فصبر لله، وقام لله (جلّ وعلا). وقد كتب إلى أخيه (محمّد بن الحنفيّة):«فمن قبِلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَن ردَّ عَلَيَّ هذا أصبر حتّى يقضيَ الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين» (6) . حتّى إذا استوجب الأمر أن يصبر على المسير قامعليه‌السلام صابراً كما انتظر صابراً؛ فذهب إلى مكّة ووقف هناك يقول للناس خاطباً:«ألاَ ومَن كان فينا باذلاً مهجتَه، موطّناً على لقاء الله نفسَه، فلْيرحل معنا؛ فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء الله» (7) .

واعترضه في الطريق (أبو الهرم) وسأله: يابن رسول الله، ما الذي

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 11، عن مطالب السؤول.

(2) تحف العقول / 143.

(3) تحف العقول / 163.

(4) الكافي 2 / 88 ح 3 - باب الصبر.

(5) سورة ق / 39.

(6) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 188.

(7) اللهوف / 53.


أخرجك عن حرَم جدّك؟

فأجابهعليه‌السلام :«يا أبا هرم، إنَّ بني اُميّة شتموا عرضي فصبرت، وأخذوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت...» (1) .

أمّا الذي لم يصبر عليه الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وهو الغيور، فهو أن يرى بني اُميّة ينزون على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويحكمون بما لم يُنزل الله به كتاباً، ويذلّون عباد الله، ويهينون أولياء الله، ويعودون بالناس القهقرى إلى الجاهليّة الاُولى، ويهلكون الحرث والنسل، ويشيعون الفساد والإفساد، ويسلبون الأموال، ويقتلون الرجال، ويهتكون الأعراض.

فوقف يعلنها ثورةً دونها الأبدان والأنفس والدماء، فقال خاطباً:«ألاَ ترون إلى الحقّ لا يُعمَل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟! ليرغب المؤمنُ في لقاء الله؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياةَ مع الظالمين إلاّ برَماً» (2) .

وأيّ صبرٍ هذا حينما يقْدم المرء على الموت، يرفع إليه قدميه مقْبلاً عليه، راغباً فيه، يراه السعادةَ بعينها؛ ذلك لأنّه لا يستطيع الصبر على ظلم الظالمين، ولا يقوى أن يرى كيف تُهتك مقدّسات الدين!

فصبرَ الإمام الحسينعليه‌السلام حينما كلّفه الله بالصمت، وصبر أيضاً حينما كلّفه سبحانه وتعالى بالسفر إلى كربلاء، وصبر في كلّ موقف بما يقتضيه حكم الله (عزّ وجلّ). ولم يُعرف منه أنّه ضعف في موقفٍ أو حالة، بل كان إذا حدّث الخصوم يريد لهم النصيحة في الله لا إنقاذَ نفسه من سيوفهم، وهو الذي قالها في مكّة على مسامع الملأ:«كأنّي بأوصالي تتقطّعها عسلان

____________________

(1) اللهوف / 62، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 226.

(2) تاريخ الطبريّ 7 / 300، وغيره كثير.


الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن منّي أكراشاً جُوفاً، وأجربةً سُغباً. لا محيص عن يومٍ خُطَّ بالقلم» (1) .

ولم يقف الحسين (سلام الله عليه) يطلب الحياة من الغدرَة يريد أن يؤجّل بطلبه أجلاً هو يعلمه، حاشاه وهو القائل لاُمّ سلمة (رضوان الله عليها):«إنّي أعلم اليومَ الذي اُقتل فيه، والساعةَ التي اُقتل فيها، وأعلم مَن يُقتل من أهل بيتي وأصحابي. أتظنّين أنّك علمتِ ما لم أعلمْه؟! وهل من الموت بُدّ؟! فإن لم أذهب اليوم ذهبتُ غداً».

وقال لابن الزبير:«لو كنتُ في جُحْر هامةٍ من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم» .

وقال لعبد الله بن جعفر:«إنّي رأيت رسول الله في المنام وأمرني بأمرٍ أنا ماضٍ له» .

وفي بطن العقبة قال لـمَن معه:«ما أراني إلاّ مقتولاً؛ فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني، وأشدُّها علَيَّ كلبٌ أبقع» (2) .

ويفسّر هذا ما أورده المتّقي الهنديّ في (كنز العمّال)(3) ، عن محمّد بن عمرو بن حسين قال: كنّا مع الحسينعليه‌السلام بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال:«صدق الله ورسوله، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : كأنّي أنظرُ إلى كلبٍ أبقع يلغ في دماء أهل بيتي». وكان شمر أبرص(4) .

وقد أجاد في وصفه الشاعرُ المسيحيّ (پولس سلامة) في إحدى قصائده التي حواها ديوانه (عيد الغدير)، حيث قال:

أبرصاً كان ثعلبيَّ السِماتِ

أصغر الوجهِ أحمرَ الشعَراتِ

____________________

(1) اللهوف / 53.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للسيّد عبد الرزّاق المقرّم الموسويّ / 65.

(3) ج 7 / 110.

(4) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق - ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام .


ناتئَ الصدغ أعقفَ الأنف مُسْـ

ـودَّ الثنايا مشوَّهَ القسَماتِ

صِيغ من جبهةِ القرود وألو

انِ الحرابي وأعينِ الحيّاتِ

منتن الريح لو تنفّس في الأسـ

ـحار عاد الصباحُ للظلماتِ

يستر الفجرَ أنفُه ويولّي

إن يصعّدْ أنفاسَه المنتِناتِ

ذلك المسخ لو تصدّى لمر

ة ٍ لَشاهتْ صحيفةُ المرآةِ

رعبَ الاُمَّ حين مولده المشـ

ـؤوم والاُمُّ سُحنةُ السَّعَلاةِ

ودعاه (ذو الجوشن) النذل شمر

لم يشمّرْ إلاّ عن الـمُوبِقاتِ

لم يحرّك يداً لإتيان خيرٍ

فإذا هَمَّ هَمَّ بالسيّئاتِ(1)

فالإمام الحسينعليه‌السلام حاشاه أن يرجو من هؤلاء خيراً، لكنّه التكليفُ يستدعي أن يبلّغ حتّى يقطع على كلّ ذي عذرٍ عذرَه؛ فيعلّم الجاهل، ويخبر الغائب، وينبّه الغافل، ويضع الحجّة البالغة والمحجّة الناصعة الدامغة أمام أعين الناس. وإلاّ فهو يعلم أنّه مقتول، فلمّا أشار عليه عمرو بن لوذان بالانصراف عن الكوفة إلى أن ينظر ما يكون عليه حال الناس، قالعليه‌السلام :«لن يخفى عَلَيّ الرأي، ولكنْ لا يُغلب على أمر الله، وإنّهم لا يدَعوني حتّى يستخرجوا هذه العلَقَة مِن جوفي» (2) .

وهذا هو الصبر، ولا ينافيه أن تسحّ عيناه الكريمتان بالدموع الغزيرة في مواقف عديدة؛ فالبكاء معبّرٌ عن حزن رحمة، وعن رقّةِ قلب، وسخاء عاطفة. وقد عُرف به الأنبياء والمرسلون (صلوات الله عليهم). يقول أحد الشعراء في اُرجوزةٍ له:

انظر إلى بكاءِ حضرةِ الصفي

آدمَ بعد مَخدعٍ وقد خُفي

____________________

(1) عيد الغدير / 287 - 288.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم / 65.


بكاؤُه أيضاً على هابيل

في أربعينَ ليلةً قتيلا

أمَا سمعتَ من بكاءِ يوسُفِ

في السجن بعد قولهِ المتّصفِ

وانظر إلى البكاء من يعقوبه

ذَهابَ عينهِ على محبوبه

انظر إلى الحقّ إلى خليلهِ

بكاءَه بكاء إسماعيلهِ

انظر إلى الخِضر إلى بكائهِ

لأجل آلِ الله عن بلائهِ

وانظر إلى بكاء حضرة النبي

السيّدِ المكرّمِ المنتجَبِ

دموع عينيهِ على رُقيّهْ

معروفةٌ مشهورةٌ مرويّهْ

انظر إلى بكائه وغمّهِ

لابن أبي طالب ابن عمّهِ

لجعفر الشهيد عند موتهِ

ولابنه الصغيرِ بعدَ فوتهِ

لاُمّه الفاطم بنتِ الأسدِ

كاُمّه زوجةِ عمٍّ أمجدِ

اسمع بكاءَه على النجاشي

سلطانِ حبشانٍ بلا تحاشي

انظر إلى دموعه في الحادثهْ

لموت إبراهيمَ وابن الحارثهْ

انظر إلى دموعه المطهَّره

لذكر اُمّ المؤمنين الطاهره

فالحزن والبكاء من طبائع النفس البشريّة، والأنبياء والأولياء أرقُّ الناس عاطفة؛ فبكى آدمعليه‌السلام على ولَده هابيل وحزن عليه، وبكى يعقوبعليه‌السلام على ولده يوسف حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، وأمّا المصطفى الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله - وكان الأصبرَ في الشدائد والمصائب، والأثبتَ في النوائب - فقد بكى وحزن، ولم يكن ذلك جزعاً من نازلة، أو اعتراضاً على قضاء الله، أو سخطاً على أمره، حاشاه.

في صحيح البخاريّ(1) ، عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) ج 2 / 105.


على أبي سيف القين، [وكان ظئراً لإبراهيم، فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إبراهيم فقبّله وشمّه](*) ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمعليه‌السلام يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله تبكي!

فقال:«يابن عوف، إنّها رحمة». ثمّ أتبعها باُخرى، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«[إنّ] العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربَّنا، وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

يقول الشهيد الثاني زين الدين عليّ بن أحمد الجُبعي العاملي (رضوان الله عليه): اعلم أنَّ البكاء بمجرّده غير منافٍ للصبر ولا للرضا بالقضاء، وإنّما هو طبيعةٌ بشريّة، وجِبلّةٌ إنسانيّة، ورحمةٌ رحميّة أو حبيبيّة، فلا حرج في إبرازها، ولا ضرر في إخراجها ما لم تشتمل على أحوالٍ تأذن بالسخط، وتنبئ عن الجزع(1) .

والحسين (سلام الله عليه) بكى على مَن قُتل من أهل بيته، وعلى من ظمئ منهم. يقول الشيخ التستري: إنَّ الطبائع البشريّة موجودةٌ فيهم ( في أهل البيتعليهم‌السلام )، فيعرضهم الجوع والعطش عند أسبابه، وتحترق قلوبهم لما يرد عليهم(2) .

وقد بكى على ابن أخيه القاسم بن الحسن - وهو غلام لم يبلغ الحلم - حينما برز إلى الحرب، فاعتنقه حتّى غُشي عليه، وبكى على ولده عليٍّ الأكبر حين برز إلى الميدان، وحين استُشهد، وبكى على أخيه العبّاس حين وجَده قطيعَ اليدين، مُطفأ العينين؛ واحدةٌ قد نبت فيها السهم، والاُخرى قد جمد عليها الدم، والرأس مفضوخٌ بعمودٍ قد نثر دِماغه على كتفَيه، والسهام تجمّعت على بدنه الشريف.

وهنا نقف على صبر الإمام الحسينعليه‌السلام في خصائصه؛ فالصبر

____________________

(*) أثبتنا ما بين المعقوفتين من أصل المصدر، هذا بالإضافة إلى تبديل ضمير المفرد المتكلم إلى ضمير الجمع حسب ما ورد في صحيح البخاري نفسه. ولكن نقول: ربما اعتمد الأخ المؤلِّف على نسخة اُخرى غير التي بين أيدينا فكانت خالية من بعض ما أشرنا إليه.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(1) مسكّن الفؤاد / 92.

(2) الخصائص الحسينيّة / 40.


الحسينيّ امتاز عن غيره، وتفرّد في أحايين كثيرة، فلنتأمّل في ذلك:

الخصّيصة الاُولى

إنَّ الصبر عادةً تُعرف درجته من خلال عظم المصيبة وشدّة الموقف؛ فمَن صبر على فقد مال غيرُ مَن صبر على فقد الولد، ومَن صبر على نازلة الموت وهو على فراشه يحيط به أبناؤه وأهله غيرُ مَن صبر على القتل الفضيع في ساحة المعركة وأهلُ بيته ينظر إليهم أشلاءَ ضحايا، مجزَّرين على صعيد المنايا، ويرى مصارع الشهداء من عشيرته، وأبنائه وإخوته، وأصحابه وبني عمومته. ومَن صبر على تكليف إبلاغ الحقّ غيرُ مَن صبر على القتال دونه.

ولقد خُصّ الصبر الحسينيّ بأنّه كان على أمرٍ عظيم، وتكليف جسيم، وقضيّةٍ مهولة، ومسؤوليّةٍ تأريخيّة تنوء بها الجبال، ويتعيّن بها شأن الدين والاُمّة. يقول الشيخ جعفر التستريّ: قد اختُصَّ ( الإمام الحسين (صلوات الله عليه) ) بخصوصيّةٍ في الجهاد؛ فاُمر بجهادٍ خاصٍّ في أحكامه لم يؤمَر به أحدٌ قبله بالنسبة إلى أحكامه، وذلك من وجوه:

الأوّل: من شرائط الجهاد في أوّل الأمر أن يكون الواحد بعشرة لا بأزيد، فيلزم ثبات كلّ واحد في مقابل عشرٍ من الكفار. ثمّ خفّف الله عنهم وعلم أنَّ فيهم ضعفاً، فجعل شرط الوجوب أن يكون الواحد باثنين؛ فإذا كان عدد العدوّ زائداً على المئة بالنسبة إلى العشرة بعد نسخ الأوّل لم يجب الجهاد. ولكن قد كتب عليه ( أي الإمام الحسينعليه‌السلام ) مقاتلته وحده في مقابل ثلاثين ألفاً أو أزيد.

الثاني: لا جهاد على الصبيان، ولا على الهِمِّ وهو الشيخ الكبير. وقد شُرّع الجهاد في واقعته على الصبيان مثل القاسم، وابن العجوز، بل مثل عبد الله بن الحسن، وعلى الشيخ الكبير كحبيب بن مظاهر.


الثالث: أن لا يظنّ الهلاك، وهناك قد علمعليه‌السلام بأنّه يُقتل، فقال لأصحابه:«أشهد أنّكم تُقتلون جميعاً، ولا ينجو أحدٌ منكم إلاّ ولدي عليّ» ، أي السجّاد زين العابدينعليه‌السلام .

ثمّ إنّهم (أي أعداؤه) قد خالفوا في السلوك معه أحكام السلوك التي جعل الله للكفّار حين الجهاد، وهي كثيرة:

- منها: في الشهر الحرام، ولكن حيث قاتلوه فيه قاتلهم فيه.

- ومنها: أن لا يُقتل فيه صبيّ ولا امرأة من الكفّار، وقد قتلوا ( أي أعداء الحسينعليه‌السلام ) منه صبياناً، بل رضعاناً؛ فرضيعٌ حين أراد تقبيله، ورضيعٌ حين أراد منهم سقيَه.

- ومنها: أن لا يُحرَق زرعُهم (أي مِن قِبل الكفّار)، وقد حُرق بعضُ خيامهعليه‌السلام حين حياته، وأرادوا حرقها مع مَن فيها، وحرقوها بعد قتله.

- ومنها: أن لا يهجموا دفعةً...(1) .

ثمّ يقول مضيفاً: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهعليه‌السلام من ذلك قسمٌ لم يكلَّف به غيره؛ فإنّه كُلّف به مع العلم بالضرر، له كيفيّات...(2) .

كلّ هذه التكاليف، والمصاعب والأتعاب، والهموم والآلام، والمصائب والفجائع، والحسينعليه‌السلام صبر ولم يهن ولم يضعف، ولم يشكّ ولم يخفّف على نفسه طاعةً لله (جلّ وعلا)، فأيُّ صبرٍ ذاك!

الخصّيصة الثانية

قد يصبر المرء ولكن على ذلّةٍ وهوان، أو يرى الصبر في السكوت والقعود، والتنحّي عن ساحة الصراع المرير. وقد رأينا بعض الصحابة والتابعين

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 30 - 31.

(2) الخصائص الحسينيّة / 33.


حينما كُلّفوا بالوقوف في وجه الكفر والظلم اتّخذوا لأنفسهم مساجد ومحاريب، أو صوامع يتعبّدون فيها؛ فتطير أخبار صلاحهم في البلدان، ويأمنون بعد ذلك سطوة السلطان. فلا يُعرَفون إلاّ بالزهد وعناء العبادة وترك الدنيا، في حين أنَّ زهدهم لم يكن بالأموال، بل زهدوا بالثواب العظيم، وأنَّ عبادتهم تلك كانت معاصيَ؛ إذ لم يكلّفهم بها الله تعالى، إنّما كلّفهم بالكلمة الحقّة العادلة في وجه السلطان الظالم الجائر، فتركوا ذلك ولم يأتمروا، وعصوا الله، والعبادة هي الطاعة.

كذا لم يكن مكثهم في المساجد والمحاريب تعبيراً عن ترك حبّ الدنيا، بل كان تعبيراً عن حبّ الدنيا؛ لأنّهم حين قبعوا في زواياهم تلك أرادوا الحفاظ على أنفسهم، والإبقاء على حياتهم ودنياهم وإن مات الدين وسُحقت كرامة المسلمين. لكنَّ الإمام الحسين (سلام الله عليه) كان ممّن عُرف بصبره على طاعة الله، وفي الوقت ذاته عُرف بصبره عن معصية الله، وكان الانزواء في تلك المرحلة التأريخيّة من أكبر المعاصي؛ إذ يمكّن الكفرَ من الشريعة، ويمكّن الطغاةَ من رقاب الناس.

وكان من صبر الحسين (صلوات الله عليه) أن اقتحم ساحة المواجهة ضدّ رؤوس الضلال والفساد والظلم، وجابه الطواغيتَ بجميع صورهم وقواهم، وعرّض نفسه المقدّسة للصعاب من أجل إنقاذ الرسالة الإسلاميّة والاُمّة الإسلاميّة؛ فبهجومه هجم على كلّ انحراف، وببريق سيفه كشف كلّ حقيقة، وبنهضته نبّه كلَّ غافل ونائم؛ فكان صبره متحلّياً بالإباء لا بالخنوع، وبالوعي والعزّة لا بالانزواء والخضوع.

وقد شهدت له ساحة الطفّ أنّه الصبور؛ فمع قلّة العدد، وخذلان الناصر، وكثرة العدوّ، وشدّة الموقف، وذلك العطش القاتل، وحراجة الحال،


وسوء حال العيال من الأرامل واليتامى والأطفال، هجم الحسينعليه‌السلام على أعدائه المتجمّعين آلافاً متراصّةً فشتّتهم، وكرّ عليهم فكشفهم مرّات، وسيفه المنتضى يقرأ على مسامع الأوباش خطب العزّة والكرامة والإباء، والشجاعة والصبر والفداء.

طمِعت أن تسومه القوم ضيم

وأبى الله والحسامُ الصنيعُ

كيف يلوي على الدنيّة جِيد

لِسوى الله ما لواه الخضوعُ

ولديه جأشٌ أردُّ من الدرْ

ع لظمأى القنا وهُنَّ شروعُ

وبه يرجع الحفاظ لصدرٍ

ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيعُ

فأبى أن يعيش إلاّ عزيز

أو تجلَّى الكفاحُ وهو صريعُ

فتلقّى الجموع فرداً ولكن

كلُّ عضوٍ في الرَّوع منه جُموعُ

رمحُه مِن بَنانهِ وكأنْ مِن

عزمهِ حدُّ سيفه مطبوعُ

زوّجَ السيفَ بالنفوس ولكن

مهرُها الموت والخضابُ النجيعُ

بأبي كالئاً على الطفّ خدر

هو في شفرة الحسام منيعُ(1)

فأيُّ صبرٍ هذا في موقف كذاك!

الخصّيصة الثالثة

إنَّ أشدَّ الشجعان صبراً لا يقْدم على ساحةٍ يتأكّد أنّه مقتول عليها، إنّما يخطو إلى معركةٍ يتفاءل فيها بالنصر أو يحتمله ولو قليلاً على أقلّ الفروض. أمّا أن يقْدم مبارزٌ على معركةٍ لا يتفاءل بها إلاّ بالشهادة، ولا يرى إلاّ أنّه مقتول هو وأهل بيته، ثمّ يخطو بحزم، ويتقدّم بعزم، فذلك هو الصبر في أعلى درجاته.

____________________

(1) الدرّ النضيد / 212 - 213، والقصيدة للسيّد حيدر الحلّيّ.


لمّا عزم الحسينعليه‌السلام على الخروج من المدينة أتته اُمّ سلمة (رضي الله عنها)، فقالت: يابنيَّ، لا تُحزنّي بخروجك إلى العراق؛ فإنّي سمعت جدَّك يقول:«يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرضٍ يقال لها: كربلا» .

فقال لها:«يا اُمّاه، وأنا والله أعلم ذلك، وإنّي مقتولٌ لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وإنّي والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، وأعرف مَن يقتلني، وأعرف البقعة التي اُدفن فيها، وإنّي أعرف مَن يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردتِ يا اُمّاه اُريك حفرتي ومضجعي».

ثمّ أشارعليه‌السلام إلى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت اُمُّ سلمة بكاءً شديداً، وسلّمت أمرَه إلى الله، فقال لها:«يا اُمّاه، قد شاء الله (عزّ وجلّ) أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً» (1) .

وقد نقلتْ لنا كتب الحديث عشرات الروايات من عشرات المصادر عن طرقٍ عديدة لجميع المذاهب الإسلاميّة في شأن إخبار الله تعالى أنبياءه ونبيّنا (صلوات الله عليهم) بشهادة الحسينعليه‌السلام ، وإخبار الرسول وأمير المؤمنين والحسنعليهم‌السلام بشهادتهعليه‌السلام ، ما يجتمع لها كتابٌ كبير(2) .

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 331 - 332.

(2) يراجع من أراد التفصيل والمزيد: عوالم العلوم - للشيخ عبد الله البحرانيّ 17 / 95 - 157، ومعالم المدرستين - للسيّد مرتضى العسكريّ 3 / 26 - 44، وحول البكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام - للشيخ محمّد علي دانشيار / 14 - 63، بالإضافة إلى بحار الأنوار 43 / 217 - 268، وإحقاق الحقّ - ملحقاته للسيّد المرعشيّ النجفيّ ج 11.


فإنْ يقْدم الرجل على موتٍ محقّق، وقتلٍ مؤكّد ثمّ لا يهتزّ ولا يتردّد فذلك هو الصبر في أرسخ مواقفه وأشمخ وقفاته. وأن يتقدّم الرجل إلى ساحةٍ رهيبةٍ يعلم يقيناً أنَّ فيها مصرعه فتلك هي الشجاعة في أبهى صورها وأعزّ أوصافها. وتلك هي الصلابة الحسينيّة، وذلك هو ربط الجأش وشدّة العزيمة، وليست الشجاعة الحقيقيّة عند من دخل معركة يحتمل فيها النصر والغلبة، ويتوقّع الخروج منها سالماً غانماً.

إنَّ الإمام الحسينعليه‌السلام تقدّم لا يعبأ بالموت؛ إذ كان أصبر عليه في طاعة الله وسبيله من الحياة الذليلة مع الظالمين، بل كان الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وهو القائل:«وأيم الله، ليقتلوني» (1) ، يجد أنَّ في الحياة موتاً، وأنَّ في الموت حياة إذا كان العيش ذلّة، والموت بعد جهادٍ شرفاً وعزّة. وقد أثبت الإمام الحسينعليه‌السلام ذلك بصبره، ولله درُّ القائل فيه:

وجدَ الردى في العزّ عينَ حياتهِ

ورأى مع الذُّلِّ الحياةَ مَماتا

ما مات بل غنم الحياةَ مشيَّعٌ

تحت الصوارمِ والأسنّةِ ماتا(2)

وكذا لله درّ القائل فيهعليه‌السلام :

نفسي الفداءُ لسيّدٍ

خانت مواثقَه الرعيّهْ

رامت اُميّةُ ذُلَّه

بالسِلم لا عزّت اُميّهْ

حاشاه مِن خوف المنيّـ

ـة والركونِ إلى الدنيّهْ

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 226، واللهوف / 62.

(2) الدرّ النضيد / 60، من قصيدة للسيّد محسن الأمين العامليّ.


فأبى إباءَ الاُسْد مخـ

ـتاراً على الذُلِّ المنيّهْ(1)

وأجاد الاُستاذ أحمد حسن لطفي في كلمته: إنَّ الموت الذي كان ينشده ( الحسينعليه‌السلام ) فيها كان يمثّل في نظره مُثُلاً أروع من كلّ مثُل الحياة؛ لأنّه الطريق إلى الله الذي منه المبتدأ وإليه المنتهى؛ لأنّه السبيل إلى الانتصار وإلى الخلود، فأعظم بطل ينتصر بالموت على الموت(2) .

الخصّيصة الرابعة

إنَّ من مقامات الصبر الرضا بالمقدّر، والرضا بقضاء الله تبارك وتعالى، وهذه هي درجة الزاهدين. جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال:«إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه؛ فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه» (3) .

ومن مقامات الصبر صبر الصدّيقين الذين يحبّون ما يصنع به مولاهم؛ يرضون ويبتهجون ويتلذّذون بورود المكروه من الله سبحانه، ويعتبرون ذلك التفاتاً من المحبوب، وكلُّ ما يفعله المحبوب محبوب.

نزل الإمام الحسين (صلوات الله عليه) في منزل شقوق في مسيره إلى كربلاء، فأتاه رجلٌ من العراق فسأله، فأخبره بحاله، ثمّ قالعليه‌السلام :«إنَّ الأمر لله يفعل ما يشاء، وربُّنا تبارك كلَّ يومٍ هو في شأن؛ فإن نزل القضاء فالحمد لله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر...» ، ثمّ أنشد:

فإن تكنِ الدنيا تُعدّ نفيسةً

فدارُ ثوابِ الله أعلا وأنبلُ(4)

____________________

(1) الدرّ النضيد / 353، والأبيات للشيخ حسن قفطان النجفي.

(2) الشهيد الخالد الحسين بن عليّعليه‌السلام / 47.

(3) مسكّن الفؤاد / 80.

(4) المناقب 4 / 91، وتاريخ مدينة دمشق / 64، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 23.


فكلّ شيءٍ يقضيه الله تعالى خيرٌ ورحمةٌ حتّى الموت، بل حتّى القتل طاعةً له سبحانه. وقد تعجّب الناس كيف استقبل الإمام الحسينعليه‌السلام ذلك القتل الرهيب بصدرٍ ملؤه الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، وهذه صفةٌ عرفت فيه، وخلقٌ ظهر عليه.

عن إسماعيل بن يحيى المزنيّ قال: سمعت الشافعيّ يقول: مات ابنٌ للحسينعليه‌السلام فلم يُرَ به كآبة(1) ، فعوتب على ذلك فقال:«إنّا أهل البيت نسأل الله (عزّ وجلّ) فيعطينا، فإذا أراد ما نكره فيما يحبّ رضينا» (2) .

ولمّا سقط الحسينعليه‌السلام ونالته السهام والسيوف والرماح ما نالته، قال هلال بن نافع: كنت واقفاً نحو الحسين وهو يجود بنفسه، فوالله ما رأيت قتيلاً قطُّ مضمَّخاً بدمه أحسنَ منه وجهاً ولا أنور! ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله(3) .

ولمّا اشتدّ به الحال، رفع طرفه إلى السماء وقال:«اللّهمّ متعالي المكان، عظيمُ الجبروت، شديد المحال، غنيٌّ عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريبُ الرحمة، صادق الوعد، سابق النعمة، حسَن البلاء، قريبٌ إذا دعيت، محيطٌ بما خلقت، قابل التوبة لمَن تاب إليك، قادر على ما أردت، ومدرك ما طلبت، شكورٌ إذا شُكرت، ذكورٌ إذا ذُكرت. أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي إليك مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكّل عليك كافياً.

اللّهمّ احكم بيننا وبين قومنا؛ فإنّهم غرّونا وخذلونا، وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترةُ نبيّك،

____________________

(1) في اللغة: كئب كآبة: تغيّرت نفسه وانكسرت من شدّة الهمّ والحزن.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 147.

(3) مثير الأحزان - لابن نما / 39.


وولْدُ حبيبك محمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنتَه على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين (1) .

صبراً على قضائك يا ربّ، لا إله سواك يا غياثَ المستغيثين (2) ،ما لي ربٌّ سواك، ولا معبود غيرك. صبراً على حكمك يا غياث مَن لا غياث له، يا دائماً لا نفاد له، يا محييَ الموتى، يا قائماً على كلِّ نفسٍ بما كسبت، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين» (3) .

وهذا هو التسليم لله (جلّ وعلا)، وعين الرضا بقضائه وإن كان قتلاً مؤلماً، وذلك هو الصبر الذي دونه كلُّ صبر، ومَن يقوى أو يثبت على موقف كهذا؟!

فإن يك إسماعيلُ أسلمَ نفسَه

إلى الذبحِ في حِجر الذي هو راحمُهْ

فعاد ذبيحُ الله حقّاً ولم تكنْ

تصافحُه بيضُ الظُّبا وتسالـمُهْ

فإنَّ حسيناً أسلَم النفسَ صابر

على الذبح في سيفِ الذي هو ظالـمُهْ

ومِن دون دين الله جاد بنفسِه

وكلّ نفيسٍ كي تُشاد دعائمُهْ

ورضّت قراه العادياتُ وصدرَه

وسِيقت على عُجف المطايا كرائمُهْ(4)

____________________

(1) مصباح المتهجّد - للشيخ الطوسيّ / 574، والإقبال - للسيّد ابن طاووس / 185، عنهما البحار 101 / 348 ح1.

(2) أسرار الشهادة / 423.

(3) رياض المصائب / 33.

(4) من قصيدة للعلاّمة الشيخ محمّد تقي آل صاحب الجواهر.


الخصّيصة الخامسة

إنَّ الصبور - مهما صبر - قد لا يُوفَّق أن يقضي عمره وهو راسخ القدمين على ساحة الصبر، فلا بدّ أن يعتريه الوهن والضعف، والضجر والملل، والتأفّف والتضجّر في موقفٍ ما، أو في حالةٍ عصيبةٍ لا تتحمّلها نفسه.

أمّا أن يبدأ بالصبر، ويواصل حياته على ما فيها من نكبات في صبر، ويختمها في أشدّ المحن بصبر، فذلك عُرف به الحسين (صلوات الله عليه). وقد كشف الصبرَ الحسينيَّ تلك المصائبُ المهولة، وساحة كربلاء قد ذُهلت من صبر سيّد الشهداء وشجاعته. يقول الإمام الصادقعليه‌السلام :«ثلاثةٌ لا تُعرف إلاّ في ثلاثة مواطن؛ لا يُعرف الحليم إلاّ عند الغضب، ولا الشجاع إلاّ عند الحرب، ولا أخٌ إلاّ عند الحاجة» (1) .

فقد ينجح المرء في دخول الأمر الصعب ولكنّه لا يقوى على المواصلة في التحمّل، وقد يواصل لكنّه لا يستطيع الثبات؛ فتراه يهتزّ ويسقط. وقد يثبت حيناً لكنّه لا يختم حياته بذلك، والخاتمة هي المعوّل عليه. قال النبيُّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«خير الاُمور خيرها عاقبة (2) . ملاك العمل خواتيمه (3) .الاُمور بتمامها، والأعمال بخواتمها» (4) .

ولكي نتعرّف على صور مهيبةٍ من صور الصبر الحسينيّ تعالوا نقف عند هذه الواقعة: يقول المؤرّخون بعد ذكر شهادة الأصحاب وأهل بيت

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 229، عن تحف العقول / 233.

(2) أمالي الصدوق / 292.

(3) الاختصاص / 342.

(4) بحار الأنوار 77 / 165، عن غوالي اللآلي 1 / 289.


الحسينعليه‌السلام ، وبقائه وحيداً في ساحة المعركة: تقدّم الحسينعليه‌السلام نحو القوم مصلتاً سيفه، فدعا الناسَ إلى البراز، فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً(1) .

وبعد أن قتل مقتلةً عظيمة صاح عمرو بن سعد: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلّ جانب. فصوّبت نحوه أربعة آلاف نبلة، فحملعليه‌السلام على الميمنة حملة ليثٍ مغضب، وجراحاته تشخب دماً، ثمّ حمل على الميسرة(2) فتطاير العسكر من بين يديه، واتّجهوا نحو الخيام... ثمّ ازدحم عليه العسكر، واستحرى القتال وهو يقاتلهم ببأسٍ شديد، وشجاعةٍ لا مثيل لها.

قال عبد الله بن عمّار بن يغوث: فوالله ما رأيتُ مكثوراً قطّ قد قُتل ولْدُه وأهلُ بيته وصحبه أربطَ جأشاً منه، ولا أمضى جَناناً، ولا أجرأَ مقْدماً! ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدَّ فيها، ولم يثبت له أحد(3) .

وفي روايةٍ اُخرى: فوالله ما رأيت مكسوراً قطّ قد قُتل ولْده وأهل بيته وأصحابه أربطَ جأشاً ولا أمضى جَناناً منه، ولا أجرأ مقدماً! والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله؛ أن كانت الرجّالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدَّ فيها الذئب(4) .

قال ابن الأثير: المكثور: المغلوب، وهو الذي تتكاثر عليه الناس(5) .

____________________

(1) مثير الأحزان - لابن نما / 37، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 33.

(2) المناقب 2 / 223.

(3) تاريخ الطبريّ 6 / 259، ونسبه الخوارزميّ في مقتله 2 / 38 إلى بعض من شهد الواقعة.

(4) تاريخ الاُمم والملوك - للطبريّ 4 / 345، مطبعة الاستقامة بمصر.

(5) البداية والنهاية 4 / 10.


وقال آخر: ولقد كان يحمل فيهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً، فينهزمون مِن بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول:«لا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم» (1) .

هكذا حتّى غدروا به بالحجارة والسهام من بعيد، فصبر وصابر:

إلى أن أتاه السهمُ مِن كفِّ كافرٍ

ألا خاب باريها وضَلَّ المصوِّبِ

فخرَّ على وجهِ الترابِ لوجهِه

كما خرّ مِن رأس الشناخيب أخشبِ

وأعياه النزف، فجلس على الأرض ينوء برقبته(2) ... لا يرى منه إلاّ الصبر والرضا عن الله تعالى في جميع قضائه.

قال الشيخ التستري: وأمّا صبرهعليه‌السلام كما ورد؛ ولقد عجِبتْ من صبره ملائكةُ السماوات. فتدبّرْ في أحواله وتصوَّرها حين كان مُلقىً على الثرى في الرمضاء، مجرّحَ الأعضاء بسهامٍ لا تعدُّ ولا تحصى، مفطور الهامة، مكسورَ الجبهة، مرضوضَ الصدر من السهام، مثقوب الصدر بذي الثلاث شعب؛ سهمٌ في نحره، وسهم في حنكه، وسهمٌ في حلقه.

اللسان مجروحٌ من اللَّوك، والكبِد محترق، والشفاه يابسة من الظمأ، القلب محروقٌ من ملاحظة الشهداء في أطرافه، ومكسورٌ من ملاحظة العيال في الطرف الآخر، الكفُّ مقطوعٌ من ضربة زرعة بن شريك، والرمح في الخاصرة، مخضّب اللحية والرأس، يسمع صوتَ الاستغاثات من عياله، والشماتات من أعدائه، بل الشتم

____________________

(1) اللهوف / 67.

(2) الكامل - لابن الأثير 4 / 31، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 35.


والاستخفاف من الأطراف، ويرى بعينه إذا فتحها القتلى الموضوعة بعضها على بعض، ومع ذلك كلّه لم يتأوّه في ذلك الوقت، ولم تقطر من عينه قطرة دمع، وإنّما قال:«صبراً على قضائك، لا معبودَ سواك يا غياث المستغيثين» . وفي الزيارة:«ولقد عجبتْ من صبرك ملائكة السماوات» .

وروي عن السجّادعليه‌السلام :«كلّما كان يشتدّ الأمر كان يشرق لونه، وتطمئنُّ جوارحه، فقال بعضهم: انظروا كيف لا يبالي بالموت؟!» (1) .

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 39 - 40.


الرحمة الحسينيّة



الرحمة الحسينيّة

الرحمة: كلمة تقع على القلب موقع الاطمئنان والسرور والمحبّة، وهي خلقٌ إنسانيّ أوجب الله تعالى - وهو أرحم الراحمين - أن يرحم من تخلّق به؛ إذ الرحمة من أخلاقه سبحانه (عزّ وجلّ)؛ ولذا نسمع رسول الله، نبيّ الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«الراحمون يرحمهمُ الرحمنُ يومَ القيامة. ارحمْ مَن في الأرض يرحمْك مَن في السماء» (1) .

وجاء رجلٌ فقال له: أحبّ أن يرحمني ربّي. فقال له المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ارحم نفسَك، وارحم خلْقَ الله يرحمْك الله» (2) .

أمّا أمير المؤمنينعليه‌السلام فقد كان له كلمات اُخرى تدعو إلى الرحمة وترغّب فيها، وتبيّن عوائدها الطيّبة، من ذلك قوله (سلام الله عليه):«أحْسِن يُحسَنْ إليك. ارحم تُرحم (3) .اِرحم مَن دونَك يرحمْك مَن فوقَك، وقس سهوه بسهوك، ومعصيته بمعصيتك لرّبك، وفقرَه إلى رحمتك بفقرك إلى رحمة ربّك (4) . عجبت لمَن يرجو رحمة من فوقه كيف

____________________

(1) بحار الأنوار 77 / 167.

(2) كنز العمال - الخبر 44154.

(3) بحار الأنوار 77 / 383.

(4) غرر الحكم / 66.


لا يرحم من دونه» (1) .

وفي موجبات الرحمة الإلهيّة قال (عليه أفضل الصلاة والسّلام):«ببذل الرحمة تستنزل الرحمة (2) .رحمة الضعفاء تستنزل الرحمة (3) .أبلغُ ما تُستدرُّ به الرحمة أن تضمر لجميع الناس الرحمة» (4) .

وهذا خلق الأنبياء والأوصياء، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أرحم الناس بالناس، فنصح لهم وهداهم سبيل الخير والصلاح، ودعاهم إلى السّلام والأخلاق الطيّبة، وأخذ بأيديهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، إلاّ من أبى، حتّى قال الله تعالى فيه:( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (5) .( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (6) .

فكان من أوصافهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه يشقُّ عليه ضرُّ الناس أو هلاكهم، وأنّه حريصٌ عليهم جميعاً؛ من مؤمنٍ أو غير مؤمن، وأنّه رؤوفٌ رحيمٌ بالمؤمنين منهم خاصّة. وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله رحمةً لأهل الدنيا؛ لأنّه أتى بدين فيه سعادتهم، وهو القائل:«إنّما أنا رحمةٌ مهداة» (7) .

وتلك سيرته الشريفة العاطرة تشهد برحمته التي طبّقت الآفاق، وشملت الناس جميعاً، فكان يحنو على الأطفال واليتامى والأرامل، والفقراء والمساكين، ويشفق على الصبيان والبنات، والمظلومين والمحرومين، ويرحم أصحابه

____________________

(1) غرر الحكم / 218.

(2) غرر الحكم / 148.

(3) غرر الحكم / 187.

(4) غرر الحكم / 99.

(5) سورة التوبة / 128.

(6) سورة الأنبياء / 107.

(7) تفسير نور الثقلين 3 / 466 ح 197.


والمخالفين، ويدعوهم بأخلاقه العظيمة إلى الهداية من الضلال، والنور من الظلمات حتّى عُرف بالعفو والصفح والمواساة، وتطييب الخواطر وجبر القلوب، والمسح بيد الرحمة على رؤوس اليتامى وصدور المحزونين وجراح المكلومين.

ومِن بعده كان وريثه وسبطه الحسين (سلام الله عليه) مقتفياً آثاره الشريفة في كلّ خلُقٍ فاضلٍ كريم؛ فوعظ الناسَ كجدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله لينقذهم من الظلمات إلى النور، ويخلّصهم من شِراك الشياطين، وأسرِ ظلمة السلاطين الذين يأخذون بأيديهم إلى مهاوي الجحيم.

وقد مدَّ سيّد شباب أهل الجنّة (صلوات الله عليه) على الناس يد الرحمة فشمل القاصي والداني، والعدوَّ والصديق، والمخالف والمؤالف؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى بَرٌّ رحيم، وقد دعاه إلى ذلك؛ فأغاث الملهوف، وأدخل على قلب المحزون السرور، وتفقّد المحرومين والمعوزين، وعاد المرضى، ومسح على آلام المحرومين والمظلومين فأبرأها، وعلى عيون المضلَّلين فبصّرها، وعلى آذان المغفّلين فأسمعها كلماتِ الهداية والرشد، وعلى صدر المفجوعين فسكّنها وطمأنها.

وكان من رحمته على المؤمنين أن ذرف عليهم دموعه حزينةً ساخنةً سخيّة، ثمّ شفعها بكلمات هي بلسم العليل، وهديّة الخليل، والماء البارد على جمرة الغليل. فحين اشتدّ بولده عليّ الأكبرعليه‌السلام [العطش] رجع إلى أبيه الحسين (سلام الله عليه) يستريح، فلمّا ذكر له ما أجهده من العطش(1) بكى الحسينعليه‌السلام ، وقال:«وا غوثاه! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربةً لا تظمأ بعدها».

____________________

(1) مقاتل الطالبيّين / 47.


ثمّ أخذ لسان ولده فمصّه، ودفع إليه خاتمة ليضعة في فيه(1) . فعاد (عليٌّ) إلى الميدان مبتهجاً بالبشارة حتّى قَتل عدداً كبيراً من أعداء الله.

وبعد أن قُتل عبد الله بن مسلم بن عقيل حمل آل أبي طالب حملةً واحدة، فصاح بهم الحسينعليه‌السلام :«صبراً على الموت يا بني عمومتي، والله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم» (2) . وكان النداء الحسينيّ الرحيم يقع على قلوبهم موضعَ الـمُطَمْئِن المسكِّن، فيصبّرهم ويشدّ عزائمهم على الأمر العصيب.

وحين خرج ابن أخيه (القاسم بن الحسن) وهو غلام لم يبلغ الحلُم، نظر إليه الحسينعليه‌السلام واعتنقه وبكى(3) ، نظر إليه وهو بقيّة أخيه السبط الشهيد أبي محمّد الحسن بن عليّعليه‌السلام ، ولولا إصراره على النزال ما أذن لهعليه‌السلام . ولكنَّ هذا الغلام الغيور لم يصبر أن يرى أعداء الله يقتلون أولياء الله، حتّى إذا استشهد قام عمّه على رأسه وقال:«بُعداً لقومٍ قتلوك! خصمُهم يومَ القيامة جَدُّك» . ثمّ قال:«عزَّ والله على عمّك أن تدعوَه فلا يُجيبك، أو يُجيبك ثمّ لا ينفعك!» . ثمّ احتمله فألقاه مع ولده عليّ الأكبرعليه‌السلام (4) .

ورفع طرفه إلى السماء وقال:«اللّهمّ أحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً. صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً» (5) .

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 31، مقتل العوالم / 95.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 78، واللهوف / 64، تاريخ الطبريّ 6 / 256.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 27 ذكر أنّ الحسينعليه‌السلام أبى أن يأذن للقاسم، فما زال الغلام يقبّل يديه ورجليه حتّى أذِن له.

(4) البداية والنهاية 8 / 186، تاريخ الطبري 6 / 257.

(5) مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي 2 / 28.


ولمّا استُشهد أخوه أبو الفضل العبّاس (سلام الله عليه) حضر عنده وبكى عليه.

لقد جاء الحسينعليه‌السلام بهذا الركب القدسيّ من أهل بيته النجباء ليقدّمهم قرابين لله تعالى؛ فداءً لدينه الأقدس، ورحمةً بالاُمّة كي تنتفع بدمائهم، وائتماراً بما يريد الله تعالى ويرضى. وقد قالعليه‌السلام :«شاء الله أن يراني قتيلاً، ويرى النساءَ سبايا».

هذا ما بلّغ به أخاه محمّدَ بن الحنفيّة(1) ، أمّا ما قاله لاُمّ المؤمنين اُمّ سلمة (رضوان الله عليها) فهو:«يا اُمّاه، وأنا أعلم أنّي مقتولٌ مذبوح ظلماً وعدواناً، وقد شاء (عزّ وجلّ) أن يرى حرمي ورهطي مشرَّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً» (2) .

فقدّم الحسينعليه‌السلام كلَّ شيء لله؛ لأجل أن تُسمِع صرختُه آذانَ النائمين والغافلين والذين خدّرتهم الدنيا؛ فبتضحياته تلك استطاع أن يُثبت للاُمّة بأنَّ الخلافة بيد أعداء الإسلام، وأنَّ الدين في خطر، وأنَّ بني اُميّة لا يتورّعون عن تحريف الرسالة المحمّدية، وعن استئصال أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل بيت الوحي والرسالة، وعن التنكيل بحرم المصطفى وبناته؛ وبذلك عيّن الإمام الحسينعليه‌السلام للاُمّة - رحمةً بها - تكليفها لتنجو بأدائه من غضب الله (عزّ وجلّ).

ومن أجل ذلك قدّم أهل بيته وأصحابه حتّى الطفل الرضيع؛ فتقدّم وهو يتأذّى لعويل الأيامى وصراخ الأطفال، فأمر عياله بالسكوت وودّعهم، وتقدّم يقتل بسيفه أعداء الله حتّى أردى منهم جمعاً كثيراً، ثمّ عاد إلى عياله

____________________

(1) كما ذكر السيّد المقرّم في مقتل الحسينعليه‌السلام / 65.

(2) مدينة المعاجز - للبحرانيّ / 244.


يودّعهم ثانياً، ويأمرهم بالصبر قائلاً لهم:«استعدّوا للبلاء، واعلموا أنَّ الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبةَ أمركم إلى خير، ويعذّب عدوَّكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النعم والكرامة؛ فلا تشكو، ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقص مِن قدْركم» (1) .

كلمات نزلت منزل الرحمة على النفوس الحزينة، ومنزل الطمأنينة على القلوب الخائفة الوجلة؛ فسكّن بها روعتهنّ، وبلّ غلّتهن. ثمّ التفتعليه‌السلام إلى ابنته سكينة فرآها منحازةً عن النساء، باكية معولة، فوقف عليها مصبّراً ومسليّاً.

يقول الشيخ التستري: الملاطفة من الآباء مع الأولاد مستحبّ خاصّة، ولتفريح البنات خصوصيّةٌ في الفضيلة. وقد تحقّق ذلك من الحسينعليه‌السلام بأحسن وجوهه، وأراد ذلك بتسلية ابنته الصغيرة سكينة، أراد أن يفرّحها بتقبيل وجهها ومسح رأسها وتسليتها، فما تزداد بهذه إلاّ غصّةً وحزناً(2) .

وقيل: فضمّها الحسينعليه‌السلام إلى صدره الشريف، وقبّلها ومسح دموعها بكُمّه، وقال:

سيطول بعدي يا سكينةُ فاعلمي

منك البكاءُ إذا الحِمام دهاني

لا تُحرقي قلبي بدمعِكِ حسرةً

مادام منّي الروحُ في جثماني

فإذا قُتلتُ فأنتِ أَولى بالذي

تأتينه يا خيرة النسوانِ(3)

ولقد ترك الحسينعليه‌السلام آثار رحمته الأبويّة عليها، فعاشت بعده أكثر من ستّين عاماً لا تنساه، ولا تنسى دروس الصبر والوفاء.

____________________

(1) جلاء العيون - للعلاّمة المجلسي.

(2) الخصائص الحسينيّة / 34.

(3) مقتل أبي مخنف / 132.


وكذلك ترك على اُخته زينبعليها‌السلام آثاراً من الصبر الجميل حين عزّاها وأوصاها في كربلاء، قائلاً لها:«يا اُختاه، تعزَّي بعزاء الله؛ فإنّ سكّان السماوات يفنون، وأهل الأرض كلّهم يموتون، وجميع البريّة يهلكون» (1) .

فزرع في قلبها الصبر والثبات ورباطة الجأش، فنهضت بأعباء مسؤوليّاتٍ تنوء من حملها الجبال الرواسي، وتحمّلت مصائب وآلاماً تنهدّ لهولها عزائم الرجال الأشدّاء؛ فهي التي شهدت واقعة الطفّ بكلّ مآسيها وفجائعها، ومصائبها ونكباتها، وعانت الجوع والعطش.

وكُلّفت بجمع الأرامل واليتامى، وانتشال الأطفال من تحت حوافر الخيل، وستر العيال في خيمة، والأسر إلى الكوفة والشام مربّطين بالحبال هديةً إلى الطاغية عبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية، والسفر إلى المدينة بعد وقوفٍ حزين في كربلاء يوم أربعينيّة أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)؛ تبكي عليه وعلى إخوتها، وولدَيها وأولاد إخوتها، وبني عمومتها والخلّص من الأصحاب الشهداء الأبرار.

وفي المدينة أبلت البلاء الحسن في عرض وقائع فاجعة الطفّ العظمى؛ فألهبت العواطف، وألّبت القلوب، وخلقت ثورةً في المدينة بانت فيما بعد آثارها، فتُرجمت إلى ثوراتٍ انفجرت ضدّ الحكم الاُمويّ حتّى زلزلته ودمّرته.

وهكذا تستحقّ أن توصف بما وصفتها الزيارة الزينبيّة:«سلامٌ على مَن ناصرتِ الحسينَ في جهادِه، ولم تضعفْ عزيمتُها بعد استشهادِه. سلامٌ على قلبِ زينب الصبور، ولسانِها الشكور. سلامٌ على مَن تظافرت عليها المصائبُ والكروب، وذاقت من النوائب ما تذوب منها

____________________

(1) زينب الكبرىعليها‌السلام / 119.


القلوب. سلامٌ على مَن تجرّعت غصصَ الآلامِ والمآسي، وما لا تقوى على احتمالها الجبالُ الرواسي؛ فأصبحت للبلايا قِبلتَها، وللرزايا كعبتَها. سلامٌ على مَن شاطرت اُمَّها الزهراء في ضروب المحنِ والأرزاء، ودارت عليها رحى الكوارث والبلاء يوم كربلاء. سلامٌ على من عجبت من صبرها ملائكة السماء، سلامٌ على من فُجعت بجدّها وأبيها، واُمّها وبنيها، والخيرة من أهلها وذويها».

ولا نستطيع أن نقول: إنَّ ذلك دون أن تسعفها الرحمة الحسينيّة بالرعاية والتوجيه، وشدِّ القلب على الصبر، والتسليم لله (عزّ وجلّ) والرضا عنه، حتّى إذا قال لها عبيد الله بن زياد: كيف رأيتِ فعْلَ الله بأهلِ بيتك؟ أجابته قائلة: ما رأيتُ إلاّ جميلاً؛ هؤلاءِ قومٌ كتب الله عليهمُ القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم، فانظر لـمَنِ الفلجُ يومئذٍ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة(1) !

ونعود إلى الشيخ جعفر التستريّ لنسمع منه مقالته في الرحمة الحسينيّة، حيث يقول: (باب ردّ العادية وإغاثة اللهيف)، لهعليه‌السلام من هذين المستحبّين ما لم يتحقّق لغيره منذ صارت من المستحبّات؛ فقد ردّ العادية لـمّا صرخن النساء حين الإحاطة بهنّ بأحسن ردّ، فقال لهم:«اقصدوني بنفسي ، يعني اشتغلوا بضربي بالسيوف ورميي بالسهام،واتركوا حرمي» .

وقد أغاث اللهيف لاثنين وسبعين مغيثاً من أصحابه حين كانوا ينادونه إذا صُرعوا ليحضر عندهم، فأغاثهم كلَّهم، وسبعةً وعشرين مغيثاً من أهل بيته.

____________________

(1) اللهوف / 90.


(باب إدخال السرور على المؤمن، وزيارة المؤمن)، وهما من أفضل الأعمال كما في الروايات، وقد سعىعليه‌السلام في إدخال السرور على المؤمنين والمؤمنات في ذلك اليوم بتسلياتٍ وملاطفات، وأمر بالصبر ومواعظ نحو ذلك...

(باب عيادة المريض) التي ورد فيها أنَّ عيادة المريض بمنزلة عيادة الله (جلّ جلاله)، ولقد ظهر منه عيادةٌ للمريض والمجروحين حين دعَوه إليهم ليعودهم، فلم يكتفِ بمحض المجيء والجلوس عندهم، بل كان يخصّ بعضهم بملاطفاتٍ خاصّة، وخصوصاً الغرباء منهم؛ كالعبد الأسود، والغلام التركيّ الذي جاء إليه ووجده قتيلاً...(1) .

لقد كان من رحمة الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه كان يخفّف آلام المؤمنين، ويشدّ على قلوب أهل الابتلاء برباط الصبر والتوكّل؛ فلمّا نُفي اُبو ذرّ - الصحابيّ الجليل (رضوان الله عليه) - إلى الربذة بأمر عثمان الذي منع الناسَ أن يودّعوه ويشيّعوه، خرج الإمام عليّ وولداه الحسن والحسين (سلام الله عليهم) إلى أبي ذرّ وودّعوه وشيّعوه، وقالوا له كلمات كانت من بينهنّ كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام :

«يا عمّاه، إنَّ الله قادرٌ أن يغيّر ما قد ترى، والله كلَّ يوم هو في شأن، وقد منعك القومُ دنياهم ومنعتَهم دينَك، فما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم! فاسأل الصبرَ والظفر، واستعذ به من الجشع والجزع؛ فإنَّ الصبر من الدين والكرم، وإنَّ الجشع لا يقدّم رزقاً ولا يؤخّر أجلاً» (2) .

أو في رواية البرقيّ في المحاسن / 353، ح 45، عن أبي عبد الله

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 34 - 35.

(2) الروضة من الكافي - للشيخ الكليني / 207.


الصادقعليه‌السلام قال:«لما شيّع أمير المؤمنين عليه‌السلام أبا ذرّ، وشيّعه الحسن والحسين عليهما‌السلام ، وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر وعمّار بن ياسر (رض)، قال لهم أمير المؤمنين عليه‌السلام : ودّعوا أخاكم؛ فإنّه لا بدّ للشاخص من أن يمضي، وللمشيّع من أن يرجع» .

قال:«فتكلّم كلّ رجل منهم على حياله، فقال الحسين بن عليّ عليه‌السلام : رحمك الله يا أبا ذرّ، إنّ القوم إنّما امتهنوك بالبلاء لأنّك منعتَهم دينَك فمنعوك دنياهم، فما أحوجك غداً إلى ما منعتَهم، وأغناك عمّا منعوك!

فقال أبو ذرّرحمه‌الله : رحمكم الله مِن أهل بيت، فما لي في الدنيا من شجنٍ غيركم، إنّي إذا ذكرتُكم ذكرتُ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

عباراتٌ هي بلسمٌ شافٍ لجراحات أبي ذرّ، قوّمتْه وشدّت عزيمته، وصبّرتْه وقوّت شكيمته، فواصل جهاده؛ جهاد الكلمة الحقّة العادلة، لا تأخذه في الله لومة لائم حتّى تُوفّي وفيّاً للإسلام، ناصحاً مخلصاً للمسلمين.

وكتب الإمام الحسينعليه‌السلام إلى عبد الله بن العبّاس حين سيّره عبد الله بن الزبير إلى اليمن(*) :«أمّا بعد، بلغني أنّ ابن الزبير سيّرك إلى الطائف، فرفع الله لك بذلك ذكراً، وحطَّ به عنك وزراً، وإنّما يُبتلى الصالحون. ولو لم تُؤجر إلاّ فيما تحب لقلّ الأجر. عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى، والشكر عند النعمى، ولا أشمت بنا ولا بك عدوّاً حاسداً أبداً. والسّلام» (1) .

هذه هي الرحمة الحسينيّة، ولكن لنذهب إلى كربلاء لنجدها صوراً تتجاوب معها اللواعج والدموع.

لمّا عرف الإمامُ الحسينعليه‌السلام من أصحابه صدق النيّة والإخلاص

____________________

(*) هكذا وردت العبارة هنا مأخوذة عن الحراني في تحف العقول، وحينما راجعنا المصدر الأساس وجدناها كما نقلها الأخ المؤلِّف، ولكن الغريب أننا لم نجد أي مؤرخ يذكر تسيير ابن الزبير لعبد الله بن العباس أيام الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإنما أجمع المؤرّخون على أن هذا التسيير قد وقع بعد شهادة الإمامعليه‌السلام ، بل بعد ثورة المختار سنة (66) للهجرة؛ وعليه فلا يمكن قبول ما ذُكر. اللهمّ إلاّ إذا قلنا: بأنّ هذا الكتاب هو من الإمام السجادعليه‌السلام لابن عباس، فحينها يمكن تصحيح الرواية على هذا القول.(موقع معهد الإمامين الحسنين)

(1) تحف العقول / 177.


في المفاداة دونه، أوقفهم على غامض القضاء بأنّه مقتولٌ غداً، وكلّهم مقتولون(1) .

فقالوا بأجمعهم: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أوَ لا ترضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول الله؟! فدعا لهم بالخير(2) ، وكشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان، وعرّفهم منازلهم فيها(3) .

ولمّا فرغعليه‌السلام من الصلاة يوم عاشوراء قال لأصحابه:«يا كرام، هذه الجنّة قد فُتحت أبوابها، واتّصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومكم، ويتباشرون بكم؛ فحاموا عن دين الله ودين نبيّه، وذُبّوا عن حرم الرسول» .

فقالوا: نفوسُنا لنفسك الفداء، ولَدماؤُنا لدمك الوقاء، فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوءٌ وفينا عرقٌ يضرب(4) .

إنّها الرحمة الحسينيّة تجعل الـمُرَّ شهداً.

وقف جون مولى أبي ذرّ الغفاريّ أمام الحسينعليه‌السلام يستأذنه، فقالعليه‌السلام :«يا جون، إنّما تبِعتَنا طلباً للعافية، فأنت في إذنٍ منّي».

فوقع جون على قدميه يقبّلهما ويقول: أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم! إنَّ ريحي لَنتن، وحسبي لَلئيم، ولوني لأسود، فتنفّسْ عَلَيَّ بالجنّة ليطيبَ ريحي، ويشرف حسبي، ويبيَّض لوني. لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.

فأذِنَ له الحسينعليه‌السلام (5) ، فقتل خمساً وعشرين وقُتل، فوقفعليه‌السلام وقال:«اللّهمَّ بيّضْ وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ،

____________________

(1) نَفَس المهموم / 122.

(2) المصدر نفسه.

(3) الخرائج والجرائح - للراونديّ.

(4) أسرار الشهادة / 175.

(5) مثير الأحزان - لابن نما / 33، واللهوف / 61.


وعرّفْ بينه وبين آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ». فكان مَن يمرّ بالمعركة يشمُّ منه رائحةً طيّبةً أذكى من المسك(1) .

وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهليّ شيخاً كبيراً، صحابيّاً رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمع حديثه، وشهد معه بدراً وحنيناً، فاستأذن الحسينعليه‌السلام وبرز شادّاً وسطه بالعمامة، رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولـمّا نظر إليه الحسينعليه‌السلام بهذه الهيئة بكى وقال:«شكر الله لك يا شيخ». فقتل على كبره ثمانية عشر رجلاً وقُتل(2) .

ولمّا استُشهد جُنادة الأنصاري جاء ابنه عمرو - وهو ابن إحدى عشرة سنة - يستأذن الإمامَ الحسينعليه‌السلام ، فأبى وقال:«هذا غلامٌ قُتِلَ أبوه في الحملة الاُولى، ولعلَّ اُمّه تكره ذلك» .

فقال الغلام: إنَّ اُمّي أمرتني.

فأذن له فقُتل، فأخذت اُمُّه عموداً، وقيل: سيفاً، فردَّها الحسينُعليه‌السلام إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين وهي تنشئ:

إنّي عجوزٌ في النِّسا ضعيفهْ

خاويةٌ باليةٌ نحيفهْ

أضربكم بضربةٍ عنيفهْ

دون بني فاطمة الشريفهْ(3)

وقالعليه‌السلام لبشر بن عمرو بن الأحدوث الحضرمي:«إنَّ ابنك قد اُسِر في ثغر الريّ» .

فقال بشر: عند الله أحتسبه ونفسي.

فلمّا سمع الحسينعليه‌السلام مقالته قال:«رحمك الله، أنت في حلٍّ من بيعتي، فاذهب واعمل في فكاك ابنك» .

قال بشر: أكلتني السباع حيّاً إن أنا فارقتك.

فقالعليه‌السلام له:«فأعطِ ابنَك محمّداً هذه الأثواب البرود - وكان معه -ليستيعن بها في فكاك

____________________

(1) مقتل العوالم / 88.

(2) ذخيرة الدارين / 208.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 22.


أخيه» . وأعطاه خمسة أثوابٍ قيمتها ألف دينار، وقُتل بشر في الحملة الاُولى(1) .

ولا تقف الرحمة الحسينيّة عند حدّ، فبعد شهادة القاسمعليه‌السلام برز أخوه أحمد بن الحسن، فقاتل حتّى أخذه العطش، فنادى: يا عمّاه! هل من شربة ماء؟

فقال له الحسينعليه‌السلام :«يابن أخي، اصبر قليلاً حتّى تلقى جدّك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيسقيك شربةً من الماء لا تظمأ بعدها أبداً» (2) .

فرجع الغلام وقاتل صابراً متصبّراً بكلمة عمّه الحسين (سلام الله عليه).

ولمّا سقط الإمام الحسينعليه‌السلام بعد جراحات لا يقوى معها على قيام، نظر إليه ابن أخيه عبد الله بن الحسن السبطعليه‌السلام ، وله إحدى عشرة سنة، وقد أحدق به القوم، فأقبل يشتدّ نحو عمّه، وأرادت زينب حبسه فأفلت منها، وجاء إلى عمّه، فأهوى بحرُ بن كعب بالسيف ليضرب الحسين فصاح الغلام: يابن الخبيثة! أتضرب عمّي؟!

فضربه، واتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد، فإذا هي معلّقةٌ، فصاح الغلام: يا عمّاه! ووقع في حِجر الحسينعليه‌السلام ، فضمّه إليه وقال:«يابن أخي، اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير؛ فإنّ الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين».

فرمى الغلامَ حرملةُ بن كاهل بسهمٍ فذبحه وهو في حجر عمّه.

في حالةٍ كان يجود الحسينعليه‌السلام بنفسه ضمَّ إليه ذلك الغلام، وصبّره بتلك الكلمات التي تُنسي الألمَ وشدّة الموقف. إنّها الرحمة الحسينيّة التي فاضت خيراً وإنسانيّة وكرماً لا على

____________________

(1) العيون العبرى - للسيّد إبراهيم الميانجيّ / 111.

(2) مقتل أبي مخنف / 126.


الإنسان فحسب، بل تعدّته إلى البهائم.

فعند مبارزته اشتدّ به العطش، فحمل نحو الفرات على عمرو بن الحجّاج فكشف جندَه، وكانوا أربعة آلاف، كشفهم عن الماء وأقحم الفرس الماء ليشرب(1) .

وأكثر من ذلك ما رواه الطبريّ، حيث ذكر في تاريخه(2) : فبعد أن طلع عليهم الحرّ الرياحيّ مع ألف فارس بعثه ابن زياد ليحبس الحسين عن الرجوع إلى المدينة أينما وجده، أو يقْدم به الكوفة، فوقف الحرُّ وأصحابه مقابل الحسين في حَرِّ الظهيرة(3) .

قال الطبريّ: فلمّا رأى سيّدُ الشهداء ما بالقوم (أي الحُرّ وأصحابه) من العطش أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشّفوا الخيل، فسقوهم وخيولَهم عن آخرهم، ثمّ أخذوا يملؤون القصاع والطساس ويُدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت وسُقي آخر حتّى سقوا الخيل كلّها.

وكان عليُّ بن الطعان المحاربيّ مع الحرّ، فجاء آخرَهم وقد أضرَّ به العطش، فقال الحسينعليه‌السلام :«أنخِ الراوية». وهي الجمل بلغة الحجاز، فلم يفهم مراده، فقالعليه‌السلام :«أنخِ الجمل» . ولـمّا أراد أن يشرب جعل الماءُ يسيل من السقاء، فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام :«أخنث السقاء» . فلم يَدْرِ (عليّ بن الطعان) ما يصنع؛ لشدّة العطش، فقامعليه‌السلام بنفسه وعطف السقاء حتّى ارتوى وسقى فرسه(4) .

وهذه هي الرحمة الحسينيّة العجيبة، فبيده الشريفة يسقي البهائم الظامئة،

____________________

(1) مقتل العوالم / 98، ونَفَس المهموم / 188.

(2) ج 6 / 226.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 1 / 230.

(4) مقتل الحسينعليه‌السلام - للسيّد المقرّم / 182.


وبيده الكريمة يقدّم الماء في البيداء المقفرة إلى العطاشى من أعدائه الذين سيشهرون سيوفهم غداً عليه، بل سيبضّعونه بها وهو يعلم ذلك، لكنَّ الرحمة تمنعه من الانتقام منهم وإجراء القصاص قبل الجناية.

وهذا هو الذي أيقظ في الحرّ بن يزيد الرياحيّ حالة الندم والتوبة، متأثّراً برحمة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهذا هو الذي جعل الأجيال تحبّ الإمام الحسينعليه‌السلام وتُجلُّه وتقدُّسه؛ لأنّه رجل المكارم، ورجل الأخلاق الفاضلة التي تترفّع ولا تمدّ إلى الناس إلاّ يد رحمة حتّى تشمل الخيول، خيول الأعداء.

قال الشيخ التستري: (باب سقي الماء)، والظاهر أنّه مستحبّ حتّى للكفّار في حال العطش، وللبهائم، وواجبٌ في بعض الأوقات، وأجره أوّل أجرٍ يُعطى يومَ القيامة. وقد تحقّق من الإمام الحسينعليه‌السلام أنواع السقي كلّها حتّى السقي للمخالفين له، والسقي لدوابّهم بنفسه النفيسة، وسقي ذي الجناح، فقال له:«اشرب وأنا أشرب...» .

(باب الإطعام)، وكفى في فضله أنَّ الخلاص من العقبة قد حُمل عليه في الآية الشريفة:( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) (1) .

قال الإمام السجّادعليه‌السلام :«قُتل ابن رسول الله جائعاً، قُتل ابن رسول الله عطشانَ» (2) .

أجل، فذلك الرجل العطوف الشفيق الرحيم يُقتل، ويُقتل عطشانَ بعد أن سقى الناس حتّى أعداءه، وحتّى البهائم التي ركبوها للكرّ عليه وقتلِه. وذلك الرجل الطيّب الذي طالما أشبع الجياع قُتل، وقُتل ساغباً جائعاً، وكانت يده السخيّة تحمل الطعام والماء كلَّ ليلةٍ إلى الفقراء والمساكين، والأيتام والاُسَرِ

____________________

(1) سورة البلد / 6 - 11.

(2) الخصائص الحسينيّة / 33.


الأبيّة، حتّى ترك ذلك أثراً على ظهره، فسُئل الإمام زين العابدينعليه‌السلام عن ذلك، فقال:«هذا ممّا كان ينقل الجرابَ على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين» (1) .

إلاّ أنَّ هذا الظهر العطوف قد عملت فيه سيوفُ ورماح وسهام أعداء الله عملَها، ثمّ جاءت خيولهم فداسته. وذلك الصدر الرحيم الذي حمل هموم المحرومين، وفاض بالحنان على اليتامى والمساكين، وجاد على الناس حتّى العدوّ منهم بالنصيحة والموعظة لم يدّخر من ذلك شيئاً، قد هشّمته السيوفُ وسنابك الخيل.

وذلك الوجه النوريّ المقدّس الذي سجد لله طويلاً، وبكى على آلام الناس طويلاً فُصلِ عن البدن ورُفع على الرمح؛ تشفّياً ونكالاً، ولم يستحِ العدوُّ وقد رأى الحسينَ (عليه السلامُ) يبكي، فسُئل عن ذلك وهو في ساحة الطفّ، فأخبر بأنّه يبكي على أعدائه حيث احتشدوا عليه يريدون قتله، وبذلك يدخلون النار بانتهاك حرمته.

لقد كان منهم ما تتفطّر له السماوات وتنهدّ الجبال؛ حيث:

فرى الغيُّ نحراً يَغبطُ البدرُ نورَه

وفي كلِّ عِرقٍ منه للحقِّ فرقدُ

وهشّمَ أضلاعاً بها العطفُ مودَعٌ

وقطّع أنفاساً بها اللطفُ موجَدُ(2)

____________________

(1) المناقب 4 / 66.

(2) من قصيدة للسيّد صالح ابن العلاّمة السيّد مهدي بحر العلوم.


الخصال الحسينيّة



الخصال الحسينيّة

كانت سياحةً ممتعةً في الأخلاق الحسينيّة الشريفة؛ حيث تعرّفنا فيها على بعض فضائل مولانا سيّد الشهداء أبي عبد الله السبط، سيّدِ شبابِ أهل الجنَّة الإمام الحسين بن عليّ، ابن فاطمةَ بنت النبيّ المصطفى (صلوات الله عليهم أجمعين).

ولم يَنتهِ بعدُ ما في أيدينا ممَّا حفِظتْه بطونُ كتبِ المناقب والفضائل والخصائص، ونقله الرواة والمؤرِّخون وكُتَّابُ السير من أهل الإسلام على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم ومشاربهم؛ لذا رغِبْنا أن نَعرض - وبشكلٍ مختصرٍ وعاجل - خصالاً اُخرى للإمام الحسينعليه‌السلام ، وهي:

1 - العَفْوُ الحُسَينِيّ

والعفو هو ضدُّ الانتقام، وهو إسقاطُ ما يستحقُّه من قصاصٍ أو غرامة(1) . وقد وردت في كتاب الله العزيز آيات كثيرة تدعو إلى العفو

____________________

(1) جامع السّعادات 1 / 301 - باب العفو.


وترغِّبُ فيه، منها قولُه تعالى:( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) (1) ، وقوله (عزَّ مِن قائل):( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (2) ، وقولُه (عزَّ وجلَّ):( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (3) .

أمَّا من الأحاديث فقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنَّه قال:«العفوُ لا يزيد العبدَ إلاَّ عِزَّاً؛ فاعفُوا يُعزَّكمُ الله (4) . مَن عفا عن مظلمةٍ أبدله الله بها عزَّاً في الدنيا والآخرة (5) .عليكم بمكارم الأخلاق؛ فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) بعثني بها، وإنَّ مِن مكارم الأخلاق أنْ يعفوَ الرجلُ عمَّنْ ظلمَه، ويُعطيَ مَنْ حرمَه، ويَصلَ مَنْ قطعَه، وأنْ يعودَ مَنْ لا يعودُه» (6) .

ورُوي عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام أنَّه قال:«العفوُ تاجُ المكارم (7) .شيئانِ لا يوزن ثوابهما؛ العفوُ والعدل» (8) .

وقال (سلام الله عليه):«أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثر إلاّ ويدُ الله بيده يرفعُه» (9) . كذا قال (صلوات الله عليه):«إنَّما ينبغي لأهل العصمةِ والمصنوعِ إليهم في السلامة أنْ يرحموا أهلَ الذنوب والمعصية، ويكونَ الشكرُ هو الغالبَ عليهم» (10) .

وجاء عنهعليه‌السلام أيضاً قولُه:«إذا قدرتَ على عدوّك فاجعلِ العفوَ عنه شكراً للقدرةِ عليه» (11) .

____________________

(1) سورة الأعراف / 199.

(2) سورة البقرة / 237.

(3) سورة النور / 22.

(4) جامع السّعادات 1 / 301.

(5) أمالي الطوسيّ 1 / 185.

(6) أمالي الطوسيّ 2 / 92.

(7) غرر الحكم / 32.

(8) غرر الحكم / 199.

(9) نهج البلاغة - الحكمة 20.

(10) نهج البلاغة - الخطبة 140.

(11) نهج البلاغة - الحكمة 11.


وقوله:«بالعفوِ تنزل الرحمة» (1) .

والإمام الحسينعليه‌السلام هو الملبّي لنداء الله تعالى في كلِّ دعوةٍ إلى خُلُقٍ فاضلٍ حميد، وهو أتقى الناس وأولى منهم بالفضائل، ومنها العفو. وهو العزيزُ النفس والجانب بالعفوِ عن المخطئين، وغير ذلك من مكارمِ الأخلاق حتَّى عفا عمَّن ظلمَه، وأعطى مَنْ حرمه، ووصلَ مَن قطعهُ، وعادَ مَن لم يعدْه.

وقد أقالَ عثراتِ الناس جزاءً على مروءاتهم، ورحمةً بحالهم، وتجاوز بعصمته المقدّسة عن ذنوبهم ومعاصيهم، وكان قادراً أنْ يعاقب فعفا، كجدِّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله حين قال لأهل مكّة:«اذهبوا فأنتمُ الطلقاء» ، من بعد ما آذَوه أشدَّ الإيذاء.

وصدرَ عفوه عن مقدرة فكان أحسنَ العافين، وهو القائلعليه‌السلام :«إنَّ أعفى الناس مَنْ عفا عند قدرته» (2) .

روى ابنُ الصبَّاغ المالكيّ: جنى بعضُ أقاربه جنايةً تُوجب التأديب، فأمر بتأديبه، فقال: يا مولاي، قال الله تعالى:( والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) .

قالعليه‌السلام :«خلُّوا عنه، فقد كظمتُ غيظي» .

فقال:( وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ) .

قالعليه‌السلام :«قد عفوتُ عنك» .

فقال:( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .

قال:«أنتَ حُرٌّ لوجه الله تعالى» . وأجازه بجائزة سَنيّة(3) .

وفي رواية الإربلي في كشف الغمّة(4) : قالعليه‌السلام :«أنتَ حُرٌّ لوجه الله، ولكَ ضِعفُ ما كنتُ اُعطيك».

فكان عفوُ الحسين (سلام الله عليه):

أوَّلاً: مكافئة هنيئة على ذلك الغلام؛ لأنَّه استعانَ بالقرآنِ

____________________

(1) غرر الحكم / 148.

(2) الدرّة الباهرة / 24.

(3) الفصول المهمّة / 159، وسيلة المآل - لباكثير الحضرميّ / 183، والآية في سورة آل عمران / 34.

(4) ص 184.


الكريم، وخاطب به سيّدَ الأخلاق معوِّلاً على كرمه وعفوه، فلم يُخيّبْه الإمامُ الحسين (صلواتُ الله عليه)، بل صفحَ عنه، ثمّ قدَّمَ له هديَّتينِ؛ الاُولى العتق، وأيُّ هديَّة تلك! والثانية عطاءٌ مضاعفٌ أو جائزةٌ سنيّة يستعين بها على العيش الحرّ الكريم.

فجمع الإمامُ الحسينعليه‌السلام أكثرَ مِن خلُق؛ العفو والتعليم والكرم، وتلك هي أخلاقُه (سلام الله عليه) متعدّدةٌ في الموقف الواحد، متداخلةٌ فيما بينها لا تدري أيّاً منها تُشير إليها.

ثانياً: كان عفوُ الحسينعليه‌السلام تأديباً وإصلاحاً لذلك الغلام، وإعطاءً لفرصةٍ يستدرك بها خطأَه، ويستفيد من رحمةِ الإمام الحسينعليه‌السلام وعفوه وحلمه.

ثالثاً: كان عفوه (سلام الله عليه) عن قدرة شكرَها لله تعالى بالعفوِ عن عباده، وإلاّ كان من حقّهعليه‌السلام أن يعاقب، إلاّ أنَّه اختار العفو بحكمته، وبلطفه ورحمته.

رابعاً: لم يكن عفوُهعليه‌السلام مجرَّد عفو، أي مجرَّد إسقاطِ حقٍّ من قصاص، بل كان إضافةً إلى ذلك صفحاً جميلاً، والصفحُ الجميل في قوله تعالى:( فاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (1) هو العفوُ من غير عتاب كما قال الإمام الرضاعليه‌السلام (2) ، أو هو كما قال الإمام الصادقعليه‌السلام :«عفواً مِن غير عقوبة، ولا تعنيف،

____________________

(1) سورة الحجر / 85.

(2) أمالي الصدوق / 45.


ولا عتب» (1) .

ولم يجمعِ الإمامُ الحسينعليه‌السلام ذلك فحسب، إنَّما أضاف إليه الجائزةَ السنيّة ورحمةَ الحرِّيَّة.

وفي كلّ مواقفه (سلام الله عليه) كان يقدِّم عفوَه على غضبه، ويعرضُ العفوَ على مبغضيه وأعدائه علَّهم يهتدون، وإلى الحقِّ يؤوبون، وعن الباطل والضلال يرجعون، ومن فرصةِ السلام يستفيدون.

وهذا من الرحمةِ الحسينيّة التي استفاد منها الحرُّ بنُ يزيد الرياحيّ (رضوان الله عليه)؛ إذ لـمّا سمع كلامَ الحسينعليه‌السلام ، ودعوتَه الحقَّة أقبل على عمر بنِ سعد وقال له: أمُقاتلٌ أنتَ هذا الرجل؟

قال عمر: إي والله قتالاً أيسرُه أنْ تسقط فيه الرؤوس، وتطيحَ الأيدي.

فقال الحرّ: ما لكم في ما عرضه عليكم من الخصال؟

فقال عمر: لو كان الأمرُ إلَيَّ لقبِلتُ، ولكنَّ أميرَكَ أبى ذلك.

فتركه الحرُّ ووقف مع الناس، وكان إلى جنبهِ قُرَّةُ بنُ قيس، فقال لقُرّة: هل سقيتَ فرسَكَ اليوم؟

قال: لا.

قال: فهل تُريد أن تَسقيه؟

فظنَّ قُرَّةُ مِن ذلك أنَّه يُريد الاعتزال ويكرهُ أن يشاهدَه، فتركه، فأخذ الحرُّ يدنو من الحسين قليلاً، فقال له المهاجرُ بنُ أوس: أتريد أن تحمل؟

فسكتَ الحرُّ، وأخذتْه الرعدة، فارتاب المهاجرُ مِن هذا الحال، وقال له: لو قيل لي: مَنْ أشجعُ أهلِ الكوفةِ لما عدوتُك، فما هذا الذي أراه منك؟!

فقال الحرّ: إنّي اُخيِّر نفسي بين الجنَّةِ والنار، والله لا أختارُ على الجنَّةِ شيئاً ولو حُرِّقتُ.

ثمَّ ضرب جوادَه نحو الحسين(2) ؛ منكِّساً رمحَه، قالباً ترسَه، وقد طأطأ برأسِه حياءً مِنْ آل الرسول بما أتى إليهم، وجعجعَ بهم في هذا المكان على غير ماءٍ ولا كلأ،

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 357، عن أعلام الدين / 307، رواه عن الإمام الرضاعليه‌السلام .

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 244.


رافعاً صوته: اللَّهمَّ إليك اُنيب فتُبْ عَلَيَّ؛ فقد أرعبتُ قلوبَ أوليائك وأولادِ نبيِّك. يا أبا عبد الله، إنّي تائب، فهل لي من توبة.

فقال الحسينعليه‌السلام - وهو العفوُّ -:«نعم، يتوبُ الله عليك» (1) .

فسرَّه قولُه، وتيقَّنَ الحياةَ الأبديَّةَ والنعيمَ الدائم، ووضح له قولُ الهاتف لـمّا خرج من الكوفة، فحدّثَ الحسينَعليه‌السلام بحديثٍ قال فيه: لـمّا خرجتُ من الكوفة نُوديتُ: أبْشِرْ يا حُرُّ بالجَنَّةِ. فقلتُ: ويلٌ للحرِّ! يُبشَّرُ بالجنَةِ وهو يسير إلى حرب ابن بنتِ رسول الله(2) !

فقال له الحسينعليه‌السلام :«لقد أصبتَ خيراً وأجراً». وكان مع الحرّ غلامٌ له تركيّ(3) .

ثمَّ استأذنَ الحرُّ الحسينَعليه‌السلام في أنْ يكلِّمَ القوم، فأذِنَ له، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الكوفة، لأمَّكم الهبل والعبر! إذْ دعوتموه وأخذتُم بكظمه، وأحطْتُم به من كلِّ جانب فمنعتموه التوجّهَ إلى بلاد الله العريضة حتّى يأمَنَ وأهلُ بيته، وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، وحَلأْتُموه ونساءَه وصبيتَه وصَحبَه عن ماءِ الفراتِ الجاري الذي يشربه اليهودُ والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السوادِ وكلابُه، وها هم قد صرعهمُ العطش، بئسما خلفتُم محمَّداً في ذرّيّته! لا سقاكمُ اللّهُ يومَ الظمأ.

فحملتْ على الحرّ رجَّالةٌ ترميه بالنبل، فتقهقر حتّى وقفَ أمامَ الحسينعليه‌السلام (4) .

____________________

(1) اللهوف / 58، أمالي الصدوق / 97، روضة الواعظين / 159.

(2) أمالي الصدوق / 93 - المجلس 30.

(3) مقتل الحسين - للخوارزميّ 2 / 9، مثير الأحزان - لابن نما / 31.

(4) الكامل 4 / 27.


وهكذا يتحوّل الحرّ ببركة عفو سيّده الحسينعليه‌السلام إلى صفّ الإيمان والحقّ، والجهاد والشهادة، ويعلو صوتُه بدعوةِ أهل الكوفة إلى المعروف، ونهيهم عن منكرهم وضلالهم في قتالهم لسيّد شباب أهل الجنّةعليه‌السلام .

وبعد شهادة حبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه) خرج الحرُّ بن يزيد الرياحيّ ومعه زهيرُ بنُ القين يحمي ظهرَه، فكان إذا شدَّ أحدُهما واستلحم شدَّ الآخرُ واستنقذه، ففعلا ساعة(1) ، وإنَّ فرس الحرّ لمضروب على اُذُنَيه وحاجبَيْه، والدماءُ تسيل منه، وهو يتمثّل بقول عنترة:

ما زلتُ أرميهم بثغرةِ نحرِه

ولبانه حتّى تسربل بالدمِ

فقال الحصين ليزيد بن سفيان: هذا الحرُّ الذي كنتَ تتمنّى قتله.

قال: نعم.

وخرج إليه يطلب المبارزة، فما أسرع أن قتله الحرّ، ثمّ رمى أيُّوبُ بنُ مشرح الخيوانيّ فرسَ الحرّ فعقره، وشبّ به الفرس فوثب عنه كأنَّه ليث(2) ، وبيده السيف، وجعل يقاتل راجلاً حتّى قتل نيّفاً وأربعين(3) ، ثمَ شدَّتْ عليه الرجَّالةُ فصرعته، وحمله أصحابُ الحسينعليه‌السلام ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلونَ دونه، وهكذا يُؤتى بكلّ قتيل إلى هذا الفسطاط، والحسينُعليه‌السلام يقول:«قتلةٌ مْثلُ قتْلةِ النبيِّينَ وآل النبيّين» (4) .

ثمَّ التفتَعليه‌السلام إلى الحرّ، وكان به رمق، فقال له وهو يمسح الدمَ عنه:«أنت الحرّ كما سمّتْك اُمُّك، وأنت الحرُّ في الدنيا والآخرة».

ورثاه رجل من أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وقيل: عليُّ بن الحسينعليه‌السلام (5) ، وقيل: إنَّها من إنشاء الحسينعليه‌السلام

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 6 / 252، البداية والنهاية 8 / 183.

(2) تاريخ الطبريّ 6 / 248 و 250.

(3) المناقب 2 / 217.

(4) الغيبة - للنعمانيّ / 113، الطبعة الحجريّة، تظلّم الزهراءعليها‌السلام / 118.

(5) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 11.


خاصّة(1) :

لَنِعْمَ الحُرُّ حُرُّ بَني رِياحِ

صبورٌ عندَ مشتَبكِ الرماحِ

وَنِعْمَ الحرُّ إذْ فادى حسين

وجاد بنفسه عند الصباحِ

2 - الحِلْمُ الحُسَينِيّ

والحلم هو طمأنينةُ النفس، بحيث لا يُحرِّكها الغضب بسهولة، ولا يزعجُها المكروهُ بسرعة؛ فهو الضدُّ الحقيقيُّ للغضب؛ لأنَّه المانعُ من حدوثِه وبعدَ هيجانه.

والحلم أشرفُ الكمالاتِ النفسيّة بعد العلم، بل لا ينفع العلـمُ بدونه أصلاً؛ ولذا كلّما يُمدح العلـمُ أو يُسأل عنه يُقارَنُ به. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«اللَّهمَّ أغنني بالعلْم، وزيِّنِّي بالحلْم» .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ الله يُحِبُّ الحيّيَ الحليم» .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ما أعزَّ الله بجهلٍ قطّ، ولا أذلَّ بحلمٍ قطّ» .

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام :«ليس الخيرُ أن يكثر مالُك ووُلْدُك، ولكنَّ الخيرَ أن يكثُرَ علـمُك ويَعظُمَ حِلْمُك» .

وقال عليُّ بنُ الحسينعليهما‌السلام :«إنَّه لَيُعجبُني الرجلُ أن يُدركَه حِلْمُه عند غضبه» .

وقال الرضاعليه‌السلام :«لا يكون الرجلُ عابداً حتّى يكون حليماً» (2) .

والحلم - كما يرى علماءُ الأخلاق - من آثارِ قوّةِ النفسِ وشجاعتِها،

____________________

(1) روضة الواعظين / 160، أمالي الصدوق / 97 - المجلس 30.

(2) جامع السّعادات 1 / 295 - 297.


ولا يُعرف إلاّ في الموقف الصعب أو حالةِ الهيجان. قال الإمام الصادقعليه‌السلام :«ثلاثة لا تُعرف إلاّ في ثلاثة مواطن؛ لا يُعرف الحليم إلاّ عند الغضب، ولا الشجاع إلاّ عند الحرب، ولا أخٌ إلاّ عند الحاجة» (1) .

والحاجات تختلف؛ فمنها معنويّةٌ أخلاقيّة؛ إذ قد يحتاج الأخُ من أخيه أن يعفوَ عنه ويصفح، وأن يحلمَ عليه ولا يغضب. والشجاعة لا تقتصر على قوّةِ البدن واندفاعه في ساحةِ القتال؛ إذ منها إمساكُ النفس عن الغضب كما هو منها إمساكُ النفس عن الخوف والجُبن والوهن.

سألَ النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً أصحابَه:«ما الصرعةُ فيكم؟» .

قالوا: الشديدُ القويُّ الذي لا يُوضَعُ جنبُه.

فقال:«بل الصرعةُ حقّ الصرعة رجلٌ وكزَ الشيطانَ في قلبه، واشتدّ غضبُه وظهر دمُه، ثمَّ ذكرَ الله فصرعَ بحِلْمِه غضبَه» (2) .

وفي رواية أنَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج وقومٌ يُدحرجون حجر، فقال:«أشدُّكم مَنْ ملكَ نفسَه عند الغضب، وأحلـمُكم مَنْ عفا بعدَ المقدرة» (3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ليس الشديد بالصرعة، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسَه عند الغضب» (4) .

وجاء عن مولانا الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال:«أقوى الناس مَن قوِيَ على غضبهِ بحِلْمِه» (5) .

ورُوي عن مولانا الإمام الباقرعليه‌السلام قولُه:«لا قُوَّةَ كَرَدِّ

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 229 عن تحف العقول / 233.

(2) بحار الأنوار 77 / 150 عن تحف العقول / 39.

(3) تحف العقول / 37.

(4) تحف العقول / 39.

(5) غرر الحكم / 93.


الغَضَبِ» (1) .

وصورة من صور الحلم الحسينيّ الشريف ما رواه للتاريخ عصام بن المصطلق، حيث قال: دخلتُ المدينةَ فرأيتُ الحسينَ بنَ عليّعليه‌السلام فأعجبني سمْتُه ورواؤُه، وأثارَ مِن الحسدِ ما كانَ يُخفيهِ صدري لأبيهِ من البُغض، فقلتُ له: أنتَ ابنُ أبي تراب؟

فقال:«نعم».

قال عصام: فبالغتُ في شتمِه وشتمِ أبيه (نعوذ بالله)، فنظر إلَيَّ نظرةَ عاطفٍ رؤوف، ثمّ قال:«أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمنِ الرحيم، ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ) » (2) .

قال عصام: ثمّ قال لي:«خفّضْ عليك، أستغفر الله لي ولك، إنَّكَ لوِ استعنتَنا لأعنّاك، ولوِ استرفدتنا لرفدناك، ولوِ استرشدتنا لرشدناك».

قال عصام: فتوسّم منّي الندمُ على ما فرط منّي، فقال:« ( لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (3) .أمِن أهل الشامِ أنت؟» .

قلتُ: نعم.

فقال:«شنشنةٌ أعرفُها مِن أخزمِ (4) .حيّانا الله وإيّاك، انبسطْ إلينا في حوائجك وما يعرضُ لك تجدني عند أفضلِ ظنِّكَ إنْ شاء الله تعالى».

قال عصام: فضاقتْ عَلَيَّ الأرضُ بما رحُبتْ، ووددتُ لو ساختْ بي، ثمَّ سللْتُ منه

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 165 عن تحف العقول / 208.

(2) سورة الأعراف / 199 - 202.

(3) سورة يوسف / 92.

(4) مثلٌ يُشير إلى أصل الفتنة، وهو هنا معاوية الذي ضلّل أهل الشام وحملهم على بغض أهلِ البيتعليهم‌السلام .


لواذاً وما على الأرضِ أحَبُّ إلَيَّ منه ومِن أبيه(1) .

فبالحلم أعزّ الإمامُ الحسينعليه‌السلام نفسَه وأكرمَها، وأنقذ هذا المسكين الذي أثّرتْ عليه دعاياتُ وافتراءاتُ بني اُميّة ضدَّ أهلِ بيت العصمة والطهارة (صلوات اللَّه عليهم)، حتّى إذا التقى بأحدهم - وهو الحسين (سلام اللَّه عليه) - وجدَ خلُقاً رفيعاً، وحلْماً عظيماً، وصدْراً رحباً واسعاً يتحمّل إساءاتِ الآخرين حتّى السبَّ منه.

وقد قالعليه‌السلام وهو الصادق، كما روى الزرنديُّ الحنفيّ في كتابه (نظم درر السمطين)(2) :«لو شتمني رجلٌ في هذه الأذُن - وأومىعليه‌السلام إلى اليُمنى -واعتذر لي في الاُخرى لقبِلْتُ ذلك منه؛ وذلك أنَّ أميرَ المؤمنين عليَّ بنَ أبي طالب (رض) حدّثني أنه سمع جَدّي رسولَ اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: لا يرِد الحوضَ مَنْ لم يقبلِ العُذرَ من مُحقٍّ أو مُبطل» .

لقد كان صدرُ الإمام الحسينعليه‌السلام صدراً حليماً بحقّ، تحمّلَ وصبر وحلم على شتم الشاتمين، ولكن كيف يحقُّ لمسلمٍ أن يسبَّ مَن قال فيه رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«حسين منّي وأنا مِن حسين» كما روى الترمذي في صحيحه(3) ، وابنُ ماجة في الفضائل(4) ، والهندي في كنز العمال(5) ، وأحمد بنُ حنبل في مسنده(6) ، وغيرُهم كثير(7) ؟!

ألا بعد هذا

____________________

(1) سفينة البحار 2 / 116، عن نفثة المصدور / 614.

(2) ص 209، طبعة القضاء.

(3) ج 2 / 307.

(4) فضائل أصحاب رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(5) ج 6 / 221، و ج 7 / 107.

(6) ج 4 / 172.

(7) كالبخاري في الأدب المفرد - باب معانقة الصبيّ، والحاكم في المستدرك 3 / 177، وابن الأثير في اُسد الغابة 2 / 19 و 5 / 130. ورواه أئمة الحديث وأربابُ السنن من الفريقين.


أنَّ شتمَ الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو مِن رسول اللَّه ورسولُ اللَّه منه، أنّه شتمٌ لرسولِ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

وهذا ما بدا من جيش يزيد بن معاوية بقيادة عبيد اللَّه بن زياد، وتنفيذ عمر بن سعد، وعلى ألسنةِ المرتزقة الذين لم يكفهم أنْ رماه أبو الحتوف الجعفيّ بسهم في جبهة الحسينعليه‌السلام ، ورماه رجلٌ بحجر في جبهته المقدسةِ أيضاً، ورماه آخَرُ بسهمٍ محدّدٍ له ثلاثُ شعب وقع في قلبه المقدِّس للَّه (عز ّوجلّ)، فأعياه نزفُ الدم، فجلس على الأرض ينوء برأسه، لم يكفهم هذا حتّى انتهى إليه في تلك الحال مالكُ بنُ النسر فشتمه، ثم ضربه بالسيف على رأسه، وكان عليه برنسٌ فامتلأَ البرنسُ دماً(1) .

فيالَحلم الحسين! ويالحلم اللَّه! وللَّه درُّ الحسين (سلام اللَّه عليه) وهو على تلك الحالة يُخرج السهمَ مِن قفاه، فينبعث الدمُ كالميزاب(2) ، ويضع يدَه تحت الجراح، فإذا امتلأتْ رمى به نحو السماء وقال:«هوّنَ عَليَّ ما نزل بي أنّه بعين اللَّه» . فلم يسقط مِن ذلك الدم قطرةٌ إلى الأرض(3) .

3 - المروءة الحسينيّة

والمروّة أو المروءة خلُقٌ يحمل عدّةَ معانٍ إنسانيّة وسلوكية، نستطيع أن نتبيّن ذلك من خلال الأحاديث الشريفة:

قال رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لرجلٍ من ثقيف:«يا أخا ثقيف، ما المروءةُ فيكم؟» .

قال: يا رسول اللَّه، الإنصافُ والإصلاح.

قال:«وكذلك هي

____________________

(1) الكامل 4 / 31، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 2 / 35.

(2) نفَس المهموم / 189، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 34، واللهوف / 68.

(3) تهذيب تاريخ مدينة دمشق 4 / 338، ومقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزميّ 2 / 34.


فينا» (1) .

وجاء عن الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال:«ثلاثٌ هنّ جماعُ المروءة؛ عطاءٌ مِن غير مسألة، ووفاءٌ مِن غير عهد، وجودٌ مع إقلال (2) .على قدْرِ شرف النفس تكونُ المروءة» (3) .

وخرجعليه‌السلام على أصحابه وهم يتذاكرون المروّة، فقال:«أين أنتم مِن كتاب اللَّه (عزّ وجلّ)؟» .

قالوا: يا أمير المؤمنين، في أيّ موضع؟

فقال:«في قوله (عزّ وجلّ): ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) ؛ فالعدل: الإنصاف، والإحسان: التفضّل» (4) .

وقال (سلام اللَّه عليه):«المروّة اسم جامع لسائر الفضائل والمحاسن» (5) .

وسألَ معاويةُ الحسنَ بنَ عليٍّعليه‌السلام عن الكرم والمروءة، فقال:«أمّا الكرم فالتبرعُ بالمعروف، والإعطاءُ قبل السؤال، والإطعامُ في المحلّ؛ وأمّا المروءة فحفظُ الرجلِ دينَه، وإحرازُ نفسِه مِن الدنس، وقيامه بضيفه، وأداء الحقوق، وإفشاء السّلام» (6) .

وقال عبد الرحمن بن عباس، رفعه، قال: سأل معاويةُ الحسنَ بن عليّعليهما‌السلام عن المروّة، فقال:«شُحُّ الرجلِ على دينه، وإصلاح ماله، وقيامُه بالحقوق» .

فقال معاوية: أحسنت يا أبا محمّد، أحسنتَ يا أبا محمّد.

فكان معاوية يقول بعد ذلك: وددتُ أنَّ يزيدَ قالها وإنه كان أعور(7) .

____________________

(1) كنز العمال - خ 8762.

(2) غرر الحكم / 160.

(3) غرر الحكم / 215.

(4) معاني الأخبار / 257، والآية في سورة النحل / 90.

(5) غرر الحكم / 58.

(6) كنز العمال - خ 8760.

(7) معاني الأخبار /257.


وسُئل الإمام الحسنعليه‌السلام : ما المروّة؟

فقال:«حفظُ الدين، وإعزازُ النفس، ولين الكنف، وتعهّدُ الصنيعة، وأداء الحقوق، والتحبّبُ إلى الناس» (1) .

ورُويَ عن الإمام الصادقعليه‌السلام قولهُ:«الفتوّةُ والمروّة: طعامٌ موضوع، ونائلٌ مبذول، واصطناعُ المعروف، وأذىً مكفوف» (2) .

إلى ما يقرب من ذلك مِن معاني العفّة والشهامة، والتفضّل والرحمة، والإحسان والإصلاح، وإكرام النفس وإعزازها، والترفع عن الخسّةِ والدناءةِ والرذيلة.

والآن نأتي إلى مروءة الإمام الحسين (سلام اللَّه عليه) لنرى ماذا أبقى للناس مِن منزلتها:

فممّا روي فيها ما رواه القوم، منهم الحافظ محمد بن جرير الطبريّ في تاريخ الاُمم والملوك(3) قال: وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه:«اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً» .

فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم، وأقبلوا يملؤون القصاع والأتوار والطساس من الماء ثمَّ يُدنونها من الفرَس، فإذا عبّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت عنه وسقوا

____________________

(1) تحف العقول / 162.

(2) أمالي الصدوق / 329.

(3) ج 4 / 301، طبعة الاستقامة بمصر.


آخَر حتّى سقوا الخيل كلّها.

وفي رواية اُخرى: قال هشام: حدّثني لقيط، عن عليّ بن طعان المحاربيّ [قال]: كنت مع الحرّ بن يزيد، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسينُ ما بي وبفرسي من العطش قال:«أنخِ الراوية» . والراوية عندي السّقاء، ثمّ قال:«يابن أخي، أنخِ الجمل» . فأنختُه، فقال:«اشرب» . فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين:«اخنث السقاء» ، أي أعطفه. قال: فجعلت لا أدري كيف أفعل، قال: فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسي(1) .

ومنهم ابن الأثير في (الكامل)(2) ، روى الحديث بعين ما تقدّم أوّلاً عن (تاريخ الإسلام)، لكنّه أسقط قوله: والحسين وأصحابه معتمّون متقلّدو أسيافهم(3) .

ومنهم أبو المؤيد موفّق بن أحمد في «مقتل الحسين»(4) : أخبرني الإمام الأجل مجد الدّين قوام السنّة أبو الفتوح محمّد بن أبي جعفر الطائيّ فيما كتب إليَّ من همدان، أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي سنة اثنتين وخمسمئة بباب المدينة بمرو في الجامع، أخبرنا الإمام حقّاً وشيخ الإسلام صدقاً أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرّحمن الصابونيّ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن محمّد بهراة، أخبرنا أبو عليّ أحمد بن محمّد بن عليّ، حدّثنا عليّ بن خشرم، سمعت يحيى بن عبد الله بن بشير الباهليّ، حدّثنا ابن المبارك أو غيره - شكّ الباهليّ - قال: بلغني أنَّ معاوية قال

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 302.

(2) ج 3 / 279 - طبعة المنيرية بمصر.

(3) وروى الخوارزميُّ الحديثَ أيضاً نقلاً عن أحمد بن أعثم بمثل ما تقدّم في مقتل الحسينعليه‌السلام 1 / 229.

(4) ج 1 / 149 - طبعة الغريّ.


ليزيد: هل بقيت لذَّة من الدُنيا لم تنلها؟

قال: نعم، اُمّ أبيها هند بنت سهيل بن عمرو، خطبتها وخطبها عبد الله بن عامر بن كريز فتزوّجته وتركتني.

فأرسل معاوية إلى عبد الله بن عامر وهو عامله على البصرة، فلمّا قدم عليه قال: انزل عن اُمّ أبيها لوليّ عهد المسلمين يزيد.

قال: ما كنت لأفعل. قال: أقطعك البصرة، فإن لم تفعل عزلتك عنها. قال: وإن.

فلمّا خرج من عنده قال له مولاه: امرأة بامرأة، أتترك البصرة بطلاق امرأة؟! فرجع إلى معاوية فقال: هي طلاق. فردّه إلى البصرة، فلمّا دخل تلقّته اُمّ أبيها فقال: استترى. فقالت: فعلها اللّعين! واستترت.

قال: فعدّ معاوية الأيّام حتّى إذا انقضتِ العِدَّة وجّه أبا هريرة يخطبها ليزيد، وقال له: أمهرها بألف ألف. فخرج أبو هريرة فقدم المدينة، فمرّ بالحسين بن عليّعليه‌السلام ، فقال:«ما أقدَمك المدينة يا أبا هريرة؟» .

قال: اُريد البصرة أخطب اُمّ أبيها لوليّ عهد المسلمين يزيد.

قال:«فترى أن تذكرني لها» . قال: إن شئت. قال:«قد شئت» .

فقدم أبو هريرة البصرة، فقال لها: ياُمّ أبيها، إنَّ أمير المؤمنين يخطبك لوليّ عهد المسلمين يزيد، وقد بذل لك في الصّداق ألف ألف، ومررت بالحسين بن عليّ فذكرك.

قالت: فما ترى يا أبا هريرة؟ قال: ذلك إليك.

قالت: فشَفَةٌ قبّلها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه وآله) أحبّ إليَّ.

قال: فتزوّجت الحسينَ بن عليّعليه‌السلام ، ورجع أبو هريرة فأخبر معاوية.

قال: فقال له: يا حمار، ليس لهذا وجّهناك.

قال: فلمّا كان بعد ذلك حجَّ عبد الله بن عامر، فمرّ بالمدينة فلقيَ الحسين بن عليّ، فقال له: يابن رسول اللَّه، تأذن لي في كلام اُمّ أبيها؟ فقال:«إذا شئت» .

فدخل معه البيت، واستأذن على اُمّ أبيها فأذنت له، ودخل معه الحسين، فقال لها عبد الله بن عامر: يا اُمّ أبيها، ما فعلت الوديعة الّتي استودعتُكِ؟

قالت: عندي. يا جارية، هاتي سفط كذا.

فجاءت به، ففتحته وإذا هو مملوء لآلي وجوهر يتلألأ، فبكى ابن عامر، فقال الحسين:«ما يبكيك؟» .


فقال: يابن رسول اللَّه، أتلومني على أن أبكى على مثلها في ورعها وكمالها ووفائها؟

قال:«يابن عامر، نِعم المحلّل كنت لكما، هي طلاق». فحجّ، فلمّا رجع تزوّج بها.

ومنهم العلاّمة الشيخ تقيّ الدين أبو بكر بن عليّ الحنفيّ في (ثمرات الأوراق)(1) ، أورد الواقعة لكنّه ذكر اسم المرأة اُرينب بنت إسحاق، واسم زوجها عبد الله بن سلام.

هذه هي شهامة الحسينعليه‌السلام ومروءتُه ونُبلُه وإنسانيّتُه، وتلك كانتْ مواقفُه مع نساءِ المسلمين، فكيف كان خصومُه مع نسائه؟

قال المؤرّخون: لـمّا قُتل أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام مالَ الناسُ على ثقله ومتاعه، وانتهبوا ما في الخيام، وأضرموا النارَ فيها(2) ، وتسابق القومُ على سلب حرائر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففررنَ بناتُ الزهراءعليها‌السلام مسلّباتٍ باكيات(3) .

قال أبو مخنف (رحمه اللَّه): فلمّا ارتفع صياحُ النساء صاح ابنُ سعد: ويلكم! اكبسوا عليهنّ الخِبا، وأضرموهنّ ناراً فأحرقوها ومَنْ فيها.

فقال رجلٌ منهم: ويلك يابنَ سعد! أما كفاك قتلُ الحسينِ وأهلِ بيته وأنصاره عن إحراق أطفاله ونسائه؟! لقد أردتَ أنْ يخسفَ الله بنا الأرض؟! فتبادروا إلى نهبِ النساءِ الطاهرات(4) .

وبقين بناتُ الرسالة والأراملُ واليتامى ليلة الحادي عشر من المحرّم

____________________

(1) ج 7 / 174 - طبعة القاهرة.

(2) الكامل 4 / 22.

(3) تاريخ الطبري 6 / 260.

(4) مقتل أبي مخنف / 154.


بعد شهادة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام في حلكٍ دامس مِن فقد تلك الأنوار الساطعة؛ بين رحْلٍ منتهَب، وخباءٍ محترق، وفرَقٍ سائد، وحُماةٍ صرعى، لا مُحامٍ لهنّ ولا كفيل. نعم، كان بينهنّ صراخُ الصبية، وأنينُ الفتيات، ونشيج الوالهات(1) .

ولمّا سيّر ابنُ سعدٍ الرؤوسَ - رؤوسَ شهداءِ الطفّ - أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشر، فجمع قتلاه وصلّى عليهم ودفنهم، وترك سيّد شبابِ أهل الجنّة وريحانة الرسول الأكرم ومَن معه من أهل بيته وصحبهِ بلا دفن(2) ، تسفي عليهمُ الصبا.

وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساءُ الحسين وصبيتهُ وجواريه وعيالات الأصحاب، وكنّ عشرينَ امرأة(3) ، وسيّروهنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء كما يساق سَبيُّ التركِ والروم، وهنّ ودائعُ خير الأنبياء، ومعهنّ السجادعليه‌السلام وقد أنهكتْه العلّة(4) ، ومعه ولدُه الباقرعليه‌السلام وله سنتانِ وشهور(5) .

فقلن النسوة: باللَّه عليكم إلاّ ما مررتُم بنا على القتلى.

ولمّا نظرنَ إليهم مقطَّعي الأوصال، قد طعمتْهم سُمْرُ الرماح، ونهلتْ مِن دمائهم بيضُ الصفاح، وطحنتْهمُ الخيلُ بسنابكها، صحن(6) وصاحتْ زينب: يا محمّداه! هذا حسينٌ بالعراء، مرمّلٌ بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتُك سبايا، وذريّتُك مقتَّلَة. فأبكتْ كلَّ عدوٍّ وصديق(7) .

ثمّ بسطتْ يديها تحت بدنه المقدس ورفعتْه

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم / 289.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 39.

(3) نَفَس المهموم / 204.

(4) الإقبال - للسيد ابن طاووسرحمه‌الله / 54.

(5) إثبات الوصية - للمسعودي / 143، وفي تاريخ أبي الفداء 1 / 203: له ثلاث سنين.

(6) مثير الأحزان - لابن نما / 41، واللهوف / 74، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 39، والمقتل - للطريحيّ / 332.

(7) الخطط المقريزية 2 / 280.


نحو السماء وقالت: إلهي، تقبّلْ منّا هذا القربان(1) . واعتنقتْ سكينةُ جسدَ أبيها الحسينعليه‌السلام ولم يستطعْ أحدٌ أن يُنحّيها عنه حتّى اجتمع عليها عدّةٌ وجرّوها بالقهر(2) .

ولمّا اُدخلتْ بناتُ أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الكوفة اجتمع أهلُها للنظر إليهم، فصاحتْ اُمُّ كلثوم: يا أهلَ الكوفة، أما تستحون مِن اللَّهِ ورسوله أنْ تنظروا إلى حرم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) ؟!

وأشرفتْ عليهنّ امرأةٌ من الكوفيّات، ورأتهنّ على تلك الحالِ التي تُشجي العدوَّ الألد، فقالت: مِن أيّ الاُسارى أنتم؟ فقلن: نحن اُسارى آلِ محمّد(4) .

تلك كانت مروءةَ الحسين (صلوات اللَّه عليه)، دعتْه إلى الحفاظِ على الذمام، وحفظ العهود، والاستجابة إلى رسائل أهل الكوفة، والدعوة إلى الإصلاح في اُمّةِ جدِّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذه أخلاقُ القوم؛ غدر، وتنكيل، وانتقام بلا مبرر، وطمع في دنيا غير دائمة وغير مضمونة، وهتكٌ للحرمات، وأسرٌ لاُسرةِ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه وآله) وتسييرُها إلى الكوفة ثمّ إلى الشام في تقييدٍ بالحبال، وحالةٍ من الجوعِ والعطش.

فحسْبُكمُ هذا التفاوتُ بينن

وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

أو كما قال الشاعر:

يا اُمّةً نقضتْ عهودَ نبيِّه

أفمَنْ إلى نقض العهودِ دَعاكِ

____________________

(1) الكبريت الأحمر 3 / 13.

(2) تظلّم الزهراءعليها‌السلام / 135.

(3) الدمعة الساكبة / 364.

(4) مثير الأحزان - لابن نما / 84، واللهوف / 81.


لولاكِ ما ظفرتْ عُلوجُ اُميّةٍ

يوماً بعترةٍ أحمدٍ لولاكِ

وعليكِ خزْيٌ يا اُميّةُ دائمٌ

يبقى كما في النار دام بَقاكِ

فلقد حملتِ من الأَثامِ جهالةً

ما عنه ضاق لـمَن وَعاكِ وِعاكِ

هلاّ صفحتِ عن الحسينِ ورهطِه

صفحَ الوصيِّ أبيه عن آباكِ

وعففتِ يومَ الطفِّ عِفّةَ جَدِّه الـ

ـمبعوثِ يومَ الفتحِ عن طُلَقاكِ

أفهَلْ يدٌ سلبتْ إماءَكِ مثْلم

سلبتْ كريماتِ الحسين يَداكِ

أم هل بَرزْن بفتح مكّةَ حُسّر

كنسائهِ يومَ الطفوف نِساكِ

ما بينَ نادبةٍ وبين مَرُوعةٍ

في أسرِ كلِّ معاندٍ أفّاكِ

يا اُمّةً باءتْ بقتلِ هُداته

شُلّتْ يداكِ و ما بلغتِ مُناكِ

بئس الجزاءُ لأحمدٍ في آلهِ

وبنيهِ يومَ الطفّ كان جَزاكِ

يا عينُ ما سفحتْ دمُوعُكِ فلْيكُنْ

حزناً على سبطِ النبيّ بُكاكِ

وابكِ القتيلَ الـمُستضام ومن بَكتْ

لمصابهِ الأملاكُ في الأفلاكِ(1)

4 - التواضعُ الحسَيْني

والتواضع كما يعرّفه علماء الأخلاق: احترامُ الناس حسب أقدارهم، وعدمُ الترفّع عليهم. وهو خُلقٌ كريم، وخلّةٌ جذّابة تستهوي القلوب وتستثير التقدير. وناهيك في فضل التواضع أنَّ اللَّه تعالى أمرَ حبيبه وسيّد رسُلِه به، فقال (جلّ وعَلا):( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

وقد أشاد أهلُ البيتعليهم‌السلام بشرفِ هذا الخُلق، وشوّقوا إليه

____________________

(1) من قصيدةٍ للشيخ علي الشفهينيّ الحليّ - الدر النضيد / 240 - 241.

(2) سورة الشعراء / 215.


بأقوالهمُ الحكيمة، وسيرتِهمُ المثالية، وكانوا رُوّادَ الفضائل، ومنارَ الخُلقِ الرفيع(1) .

قال النبيُّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لا حسبَ كالتواضع» (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً:«إنّ التواضع يزيد صاحبَه رفعة، فتواضعوا يرفعْكمُ اللَّه» (3) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً قال:«إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم منيّ يوم القيامةِ مجلساً أحسنُكم خُلُقاً، وأشدُّكم تواضعاً...» (4) .

وقال أمير المؤمنين عليٌ (سلام اللَّه عليه):«التواضع زينة الحسب (5) .التواضع زكاة الشرف (6) .التواضع ينشر الفضيلة (7) .عليك بالتواضع فإنه مِن أعظم العبادة» (8) .

وجاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال:«إنّ في السماء ملَكينِ موكَّلينِ بالعباد، فمَنْ تواضع للَّهِ رفعاه، ومَنْ تكبّر وضعاه» (9) .

وممّا قيل في التواضع قولُ أبي العلاء المعرّي:

فيا واليَ المِصر لا تظلِمَنْ

فكم جاءَ مثْلُك ثم انصرَفْ

تواضعْ إذا ما رُزقتَ العُل

فذلك مِمّا يزيد الشرفْ

____________________

(1) أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام - للسيد مهدي الصدر / 49.

(2) بحار الأنوار 77 / 168، عن كنز الفوائد - للكراجكي.

(3) أمالي الطوسي 1 / 13.

(4) قرب الإسناد - للحميري / 46 ح 148.

(5) بحار الأنوار 78 / 80، عن كشف الغمة.

(6) غرر الحكم / 22.

(7) غرر الحكم / 32.

(8) أمالي الطوسي 1 / 6.

(9) الكافي 2 / 98 ح 2 - باب التواضع.


وقد كان النبيُّ المصطفى الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثرَ الناسِ تواضعاً؛ يقعد في أدنى المجلس حيث يدخل، وكان يحلبُ شاتَه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعلَه، ويخدم نفسه، ويحمل بضاعتَه في السوق، ويجالس الفقراء، ويواكل المساكين(1) .

عن أبي ذرّ الغِفاريّ (رضوان اللَّه عليه): كان رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجلس بين ظهرانيّ أصحابه، فيجيء الغريبُ فلا يدري أيُّهم هو حتّى يسأل، فطلبنا إليه أنْ يجعل مجلساً يعرفه الغريبُ إذا أتاه.

ورُويَ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في سفر، فأمر بإصلاحِ شاة، فقال رجل: يا رسولَ اللَّه، علَيّ ذبحها، وقال آخر: علَيّ سلخها، وقال آخر: علَيَّ طبخُها. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«وعلَيّ جمع الحطب».

فقالوا: يارسولَ اللَّه، نحن نكفيك.

فقال:«قد علمتُ أنكم تكفوني، ولكنْ أكرهُ أنْ أتميّزَ عليكم؛ فإنّ اللَّه يكرهُ مِن عبدِه أنْ يراه متميّزاً بين أصحابه». وقام وجمع الحطب(2) .

والإمام الحسينعليه‌السلام كان مِن سماتِه الواضحة بين الناس التواضع، فلم يجالسِ الطواغيت والمتكبّرين، وأصحابَ القلوبِ الميّتة والضمائر الفاسدة، والمغرورين بدُنياهم. كان ينصح، ولكنّه في الوقت ذاته كان يحبُّ الضعفاء والمساكينَ والفقراء، ويجالسهم ويواكلُهم ويحادثهم.

وممّا امتاز به تواضعه (سلامُ اللَّه عليه):

أوّلاً: أنّه كان خالصاً مخلصاً لوجهِ اللَّه تعالى، لا يبتغي به إلاّ مرضاته (جَلّ وعَلا)؛ لأنّ هناكَ مَنْ يتواضع للناس يطلبُ بذلك المدحَ والسمعة، يُرائي

____________________

(1) كتب السيرة النبويّة تذكر ذلك على وجه التفصيل والإجمال، منها مكارم الاخلاق - للطبرسي / 16.

(2) سفينة البحار - للشيخ المحقق عباس القمي 1 / 415.


بتواضعه وينتظر أنْ يُثنى عليه، فاذا لم يحصل على ذلك عاد إلى كِبره، واذا طُلِبَ منه أنْ يُذعن للحقّ ظهرتْ عليه علاماتُ التجبّر والاستنكاف والتعالي.

أمّا الإمام الحسين (سلام اللَّه عليه) فكان متواضعاً لـمَنْ دونَه في الفضل، يطلبُ بذلك طاعةَ الرحمن (جَلّ جلالُه).

* حدّث الصوليّ عن الإمام الصادقعليه‌السلام في خبر أنه جرى بين الإمام الحسينعليه‌السلام وبين أخيه محمّد بن الحنفية كلام، فكتب ابنُ الحنفية إلى الحسينعليه‌السلام : أمّا بعدُ يا أخي، فإنَّ أبي وأباكَ عليٌّ، لا تفضلُني فيه ولا أفضلُك، واُمُّك فاطمةُ بنتُ رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو كان ملء الأرض ذهباً مُلك اُمّي ما وفَتْ باُمِّك، فاذا قرأتَ كتابي هذا فصِرْ إليَّ حتى تترضّاني فإنّكَ أحقُّ بالفضلِ منّي، والسّلام عليكم ورحمةُ اللَّه وبركاته.

ففعل الحسينعليه‌السلام ، فلم يَجْرِ بعد ذلك بينهما شيء(1) .

فالإمام الحسين (سلامُ اللَّه عليه) هو الأشرف مِن أخيه باعتراف أخيه، وهو الأفضل، ولكنّه كانَ الأسبقَ إليه؛ تواضعاً منه لأنّه الأسبق إلى اللَّه (عزّ وجلّ) في الطاعات وارتقاء الدرجات.

ثانياً: أنَّ تواضع الحسين (صلوات اللَّه عليه) كان عن عِزّةٍ وكرامةٍ وكمال، لا عن ذِلّةٍ أو ضعفٍ أو طمع حاشاه عن كلِّ ذلك؛ [إذ] (إنّ التواضعُ الممدوح هو المتّسم بالقصد والاعتدال، لا افراطَ فيه ولا تفريط؛ فالإسرافُ في التواضع داعٍ إلى الخسة والمهانة، والتفريط فيه باعثٌ على الكِبرِ والأنانية، وعلى العاقل أنْ يختار النهجَ الوسط بإعطاءِ كلِّ فردٍ ما يستحقّه من الحفاوة

____________________

(1) المناقب 4 / 66.


والتقدير حسبَ منزلته ومؤهلاته؛ لذلك لا يحسن التواضعُ للأنانيّين والمتعالينَ على الناس بزهوهم وصَلَفِهم. إنّ التواضعَ - والحالةُ هذه - مدعاةٌ للذُّلّ والهوان، وتشجيعٌ على الأنانية والكِبر)(1) .

ولذلك - كما مرّ بنا - كان الحسينعليه‌السلام لا يتواضع للمتجبّرين كمعاوية ويزيد، ومراونِ بن الحكم وعمرو بن العاص والوليد بن عقبة، بل ترفّع عنهم، ولا للمستكبرين والمغرورين والمتعالين، حتّى قال له أحدُهم: إنّ فيكَ كِبْراً، فأجابه الحسينُعليه‌السلام :«كلُّ الكِبْرِ للَّه وحدَه، ولا يكونُ في غيره، قال اللَّهُ تعالى: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) » (2) .

وتكملةُ الآية( وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) ، فحاشاه أنْ يكون الإمام الحسين (سلام اللَّه عليه) متكبّراً، ولكنّه العزيزُ الذي لا يذلّ.

وخيرُ التواضع ما كان عن عزّةٍ وترفّع، قال رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أفضل الناس مَنْ تواضع عن رفعة» (3) . وجاء عن الإمام عليّعليه‌السلام قولُه:«التواضعُ مع الرفعة كالعفوِ مع المقدرة» (4) .

فمع الكافرين العزّة، والتواضع إنّما يكونُ مع المؤمنين، وهكذا وصف اللَّه تعالى مَن يُحبّه( ... فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (5) ، [وهاتان] صفتانِ معربتانِ عن الاعتدال، وفي ذلك يقول المصطفى الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«طوبى لمَنْ تواضع للَّه تعالى في غير منقصة، و أذلَّ نفسَه في غير مسكنة» (6) ، ويقول

____________________

(1) أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام / 50.

(2) بحار الأنوار 44 / 198، عن كنز الفوائد، والآية في سورة (المنافقون) / 8.

(3) بحار الأنوار 77 / 179، عن أعلام الدين.

(4) غرر الحكم / 50.

(5) سورة المائدة / 54.

(6) بحار الأنوار 77 / 90، عن مكارم الأخلاق.


أميرُ المؤمينن عليٌّعليه‌السلام :«طوبى لِمَنْ شغلَه عيبُه عن عيوبِ الناس، وتواضع مِن غير منقصة، وجالس أهل الفقهِ والرحمة، وخالط أهلَ الذلِّ والمسكنة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية» (1) .

والآن تعالوا نتأمّل في هذه الرواية لنرى هل تركَ الإمام الحسينعليه‌السلام شيئاً بعد (طوبى)؟

* روى الشيخ نصر بنُ محمد السمرقنديّ الحنفيّ في (تنبيه الغافلين)(2) ، عن سفيان بن مسعر قال: بلغني عن الحسين بن عليّ (رضيَ اللَّهُ تعالى عنهما) أَنّه مرَّ بمساكينَ وهم يأكلون كسراً لهم على كساء، فقالوا: يا أبا عبد الله، الغداء.

فنزل وقالعليه‌السلام :«إنّه لا يحبّ اللَّهُ المستكبرين» . فأكل معهم، ثمّ قال لهم:«قد أجبتُكم فأجيبوني». فانطلقوا معه، فلمّا أتَوا المنزل قال لجاريته:«أخرجي ما كنتِ تدّخرين» .

ورواها ابو المؤيد الموفقُ بنُ أحمد الخوارزميّ في مقتل الحسينعليه‌السلام (3) بهذه الصورة: كان ( أي الحسينُ بنُ عليّعليه‌السلام ) يجالس المساكين ويقرأ:«إنّ اللَّه لا يحبّ المتكبّرين» (4) . ومرّ على صبيانٍ معهم كسرة، فسألوه أنْ يأكلَ معهم فأكل، ثمّ حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم.

فلم يشتغل (سلام اللَّه عليه) - حاشاه - بنقصهم بل عيوبهم، وتواضع لهم مِن غير منقصة، بل عن رفعة، وجالسهم وهم أهل الرحمة، وخالطهم وهم أهلُ الفقر والمسكنة، وأنفق عليهم مِن مالٍ جمعه فوضعه في طاعةِ اللَّه سبحانه.

____________________

(1) بحار الأنوار 75 / 119، عن تفسير عليّ بن إبراهيم.

(2) ج 1 / 66 - طبعة القاهرة. والحنفيّ تعني حنفيّ المذهب، وكذا المالكيّ والشافعيّ إذا وردتْ ألقاباً لعلماء ذلك المذهب.

(3) ج 1 / 155 - مطبعة الغري.

(4) هذا نصُّهعليه‌السلام على ما هو منقول، وإلاّ فالآية( إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) في سورة النحل / 23.


أضف إلى ذلك أنّه جمع إلى التواضع السخاء، وتلك هي أخلاق سيّدنا الإمام الحسينعليه‌السلام ، متعدّدةً في الموقف الواحد، متداخلةً مع بعضها، حتّى إذا تأمّلْتَها وجدتَها اكثَر مِن خلُقٍ طيّب.

بقيَ شيءٌ واحدٌ لم يكنْ للحسينعليه‌السلام في هذه الرواية، وهو مجالسةُ أهلِ الفقه؛ إذ هو الأفقه، وحيثما حَلّ بين الناس فقّههم بشريعة الإسلام وأخلاقهِ الفاضلة. نعم، جالسَ أخاه الإمام الحسنعليه‌السلام فكان عنده أكثَر المجالسين أدباً؛ حيث أجَلّ له إمامتَه. قال الإمام الباقرعليه‌السلام :«ما تكلّم الحسين بينَ يَديِ الحسن؛ إعظاماً له» .

وقد بادله الإمام الحسن (سلام اللَّه عليه)(1) هذا الأدب، فالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال فيهما:«ابنايَ هذانِ إمامانِ قاما أو قعدا» (2) ؛ ولذا نقرأ في كتاب (التعازي) للسيد الشريف أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي: كان الحسنعليه‌السلام يعظّمُ الحسينعليه‌السلام حتّى كأنه هو أسنُّ منه. قال ابنُ عباس وقد سألتُه عن ذلك، فقال: سمعتُ الحسنَعليه‌السلام وهو يقول:«إنّي لأهابُه كهيبةِ أمير المؤمنين عليه‌السلام » (3) .

وبقيت سِمةُ التواضعُ عند الإمام الحسينعليه‌السلام خصلةً واضحة عرفها الناسُ فيه فأجلّوها، وحظيَ بها المؤمنون المخلصون لا سيّما شهداء كربلاء (رضوانُ اللَّه تعالى عليهم).

فساعةَ سقط (أسلم) - وهو مولىً له - في ساحةِ الطفّ شهيداً مشى إليه الإمام الحسين (صلوات اللَّه عليه) بنفسه الشريفة واعتنقه، وكان به رمق، فتبسّم

____________________

(1) المناقب 3 / 400.

(2) بحار الأنوار 43 / 278، عن المناقب.

(3) القطرة 1 / 181 الحديث - 16.


أسلم وافتخر بذلك ومات. هنيئاً له أنْ حظِيَ بلطف سيّد شباب أهل الجنّة، ورحمته وتواضعه(1) .

وكان للإمام الحسينعليه‌السلام مولىً آخر هو (واضح التركي) (رضوان اللَّه تعالى عليه)، جاهد بين يدي الحسين (سلام اللَّه عليه) وقاتل أعداءَه، فلمّا صُرع على ساحةِ الشرف بكربلاء استغاث بالحسين، فأتاهعليه‌السلام واعتنقه، فقال واضح: مَنْ مثْلي وابنُ رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضعٌ خدَّه على خدي! ثمّ فاضتْ نفسُه الطاهرة(2) .

5 - الوفاء الحسيني

قال تعالى في محكم كتابه المجيد:( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) (3) .( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (4) .

وفي ظلّ هذه الآية الكريمة قال العلامة المرحوم السيد محمّد حسين الطباطبائي (المفسّر المعروف): يدلّ الكتاب على الأمر بالوفاء بالعقود، وهو بظاهره عام يشمل كلَّ ما يصدقُ عليه العقدُ عُرفاً ممّا يلائم الوفاء... وكالعهد الذي يمكّن فيه العاهدُ المعهودَ له مِن نفسه فيما عهِدَه، وليس له أنْ ينقضَه.

وقد أكّد القرآن على الوفاءِ بالعقدِ والعهد بجميع معانيه، وفي جميع مصاديقه، وشدّد فيه كلّ التشديد، وذمَّ

____________________

(1) ذخيرة الدارين / 366.

(2) إبصار العين في انصار الحسينعليه‌السلام / 85، وفي مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 24: كان الغلام التركيّ من مَوالي الحسينعليه‌السلام قارئاً للقرآن عارفاً بالعربية، وقد وضع الحسينعليه‌السلام خدَّه على خدِّه حين صُرع، فتبسّم.

(3) سورة الإسراء / 34.

(4) سورة المائدة / 1.


الناقضين للمواثيق ذمّاً بالغاً وأوعدهم إيعاداً عنيفاً، ومدح الـمُوفينَ بعهدهم إذا عاهدوا.

وأكّد اللَّهُ سبحانه على حفظ العهد والوفاء به، قال تعالى:( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) ، والآية تشمل العهدَ الفرديّ كما تشمل العهدَ الاجتماعي...؛ لذلك أتى الكتاب العزيز في أدقِّ موارده وأهونها نقضاً بالمنع عن النقض بأصرح القول وأوضح البيان، قال تعالى:( بَرَاءةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) ( سورة براءة / 1 - 3) إلى أن قال:( لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ ) (براءة / 10)، وقال:( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (براءة / 12).

وجُملةُ الأمر أنَّ الإسلام يرى حرمةَ العهد ووجوبَ الوفاء به على الإطلاق؛ سواء انتفع به العاهد أو تضرّر بعدما أوثق الميثاق؛ فإنّ رعايةَ جانبِ العدلِ الاجتماعيّ ألزمُ وأوجبُ مِن رعاية أيّ نفعٍ خاص إلاّ أنْ ينقضَ أحدُ المتعاهدينِ عهدَه؛ فللمتعاهد الآخَرِ نقضُه بمثل ما نقضَه، والاعتداء عليه بمثل ما اعتدى عليه(1) .

وقد وردتْ في شأن الوفاء جملةٌ من الأحاديث الشريفة، منها: قولُ النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليوم الآخر فلْيفِ إذا وعد» (2) .

وقولُهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أقربُكم غداً

____________________

(1) تفسير الميزان - للعلاّمة السيد محمّد حسين الطباطبائي 5 / 158 - 160.

(2) تحف العقول / 38.


منّي في الموقف أصدقُكم للحديث، وأدّاكُم للأمانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنُكم خلُقاً، وأقربُكم من الناس» (1) .

وقول الإمام عليّ (صلوات اللَّه عليه):«الوفاء حفظُ الذمام. الوفاء حلية العقل وعُنوانُ النُّبل. الوفاء وفورُ الدين وقوّة الأمانة. نعم قرين الصدق الوفاء. أشرفُ الخلائق الوفاء» (2) .

وقولُ الإمام الصادقعليه‌السلام :«ثلاثةٌ لا عذر لأحدٍ فيها؛ أداءُ الأمانةِ إلى البَرّ والفاجر، والوفاءُ للبر والفاجر، وبرّ الوالدين برّينِ كانا أو فاجرين» (3) .

والإمام الحسينعليه‌السلام كجدِّه المصطفى وأبيه المرتضى (صلوات اللَّه عليهما وآلهما)، كان شديدَ الوفاء بالعهود؛ فالنبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي لليهودِ حين عاهدهم حتّى نقضوا عهدَه فحاربهم وأجلاهم بعد واقعة الخندق؛ حيث أغرى (حيُّ بنُ أخطب) زعيمَ بني قريظة كعبَ بنَ أسد وإخوانَه اليهود بنقضِ العهد مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيقول بعد ذلك: لا عهدَ بيننا وبينكم ولا عقد.

وكذلك غدر بنو النضير وقينُقاع فأجلاهم رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في واقعة خيبر، وكان أقدر عليهم قبل غدرهم، إلاّ أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوفى الناس مع الناس، فلمّا غدروا به أدّبهم، ولم يكن راغباً أنْ يبدأهم بقتال.

وبهذا عُرف أمير المؤمنين (سلام اللَّه عليه)، مثال ذلك ما جرى في معركةِ الجمل... قال عبد الله بن عباس:

____________________

(1) أمالي الطوسي 1 / 233.

(2) غرر الحكم / 56، 37، 33، 321، 86.

(3) الخصال / 66.


فانصرفتُ إلى عائشة وهي في هودجٍ، وقد دُفّف بالدروعِ على جَمَلِها (عسكر)، وكعبُ بن شور القاضي أخذ بخطامه وحولها الأزد وضبّة، فلمّا رأتني قالتْ: ما الذي جاءَ بك يابنَ عباس؟ واللَّهِ لا سمعتُ منكَ شيئاً، ارجع إلى صاحبك ( تعني عليّاًعليه‌السلام ) وقُل له: ما بيننا وبينك إلاّ السيف.

وصاح مَنْ حولها: ارجع يابن عباس لئلاّ يُسفكَ دمُك.

قال ابنُ عباس: فرجعتُ إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فأخبرتُه الخبرَ، وقلت: ما تنتظر؟ واللَّهِ لا يُعطيكَ القومُ إلاّ السيف، فاحملْ عليهم قبل أنْ يحملوا عليك.

فقالعليه‌السلام :«نستظهرُ باللَّه عليهم» .

قال ابنُ عباس: فواللَّه ما رمتُ مِن مكاني حتّى طلع عليّ نشابُهم كأنه جرادٌ منتشر، فقلت: ما ترى يا أمير المؤمنين إلى ما يصنع القوم؟! مُرنا ندفعهم.

فقال:«حتّى اُعذرَ إليهم ثانية» . ثمّ قال:«مَنْ يأخذ هذا المصحفَ فيدعوهم إليه وهو مقتول، وأنا ضامنٌ له على اللَّه الجنّة...» (1) .

والحسينعليه‌السلام هو شبلُ ذلك الأسد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وفرعُ تلك الشجرة النبوية، والدوحةِ الهاشمية، خُلقُه خلقُهم؛ دليلُ ذلك تشابه المواقف: حين التقى جيش (الحرّ) في قرى الطفِّ بجيش الحسينعليه‌السلام قرأ الحرُّ الكتاب على الحسين، فقال لهعليه‌السلام :«دعْنا ننزلْ نينوى أو الغاضريّات أو شفية» .

فقال الحرّ: لا أستطيع؛ فإنّ الرجلَ عينٌ عَلَيّ(2) .

____________________

(1) الجمَل أو النُصرة في حرب البصرة - للشيخ المفيد / 181.

(2) الإرشاد - للشيخ المفيد / 227.


قال زهيرُ بنُ القين: يابنَ رسول اللَّه، إنَّ قتالَ هؤلاء أهونُ علينا مِن قتالِ مَنْ يأتينا مِن بعدهم، فلَعمري ليأتينا ما لا قِبَلَ لنا به.

فقال له الحسينعليه‌السلام :«ما كنتُ أبدأهُم بقتال» (1) .

ويوم عاشوراء، وكان الإمام الحسينعليه‌السلام قد أمر بحفر خندقٍ خلفَ الخيام وإضرام النار فيه؛ لتتوحّدَ جبهة الحرب، وتُضمنَ سلامةُ الخيام. فأقبل أعداءُ اللَّه يجولونَ حول الخيام فيرونَ النارَ تضطرم في الخندق، فنادى شمر بنُ ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين، تعجّلتَ بالنار قبلَ يومِ القيامة!

فقال الحسينعليه‌السلام :«مَنْ هذا؟ كأنه شمرُ بنُ ذي الجوشن» .

قيل: نعم.

فقالعليه‌السلام :«يابنَ راعيةِ المعزى (2) !أنتَ أَولى بها مِنيّ صلِيّاً».

ورام مسلـمُ بنُ عوسجة (رضوان اللَّه عليه) أنْ يرميَه بسهم فمنعه الحسينعليه‌السلام ، وقال:«أكرهُ أنْ أبدأهم بقتال» (3) .

إنّه الحسين سبطُ المصطفى، وشبلُ المرتضى، ورضيعُ الزهراء، وسليل الوفاء، فما كان مِن عادته أنْ يغدرَ - حاشاه -، ولا أنْ يهمَّ بانتقام إلاّ أنْ يُضطَرَّ إلى دفاعٍ عن حرمة، وإنّما الذي غدر هو خصمُه؛ فذاك معاوية أبرم صلحاً مع الإمام الحسنعليه‌السلام ، ثمّ ما لبثَ قليلاً حتّى وقف على منبر الكوفة ليقول: ألا إنّ كلَّ مالٍ أو دمٍ اُصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكلُّ شرطٍ شرطتُه فتحتَ قدَمَيَّ هاتين(4) .

إلى غير ذلك مِن غدره بالصحابة الصالحين، وخيانته للإسلام

____________________

(1) المنتخب - للطريحيّ / 308.

(2) كأنها إشارة إلى مَنْ جاءتْ به وهي ترعى المعزى.

(3) تاريخ الطبري 6 / 242، والإرشاد / 234.

(4) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 16 / 15.


والمسلمين، ثمّ جاءَ بعده ابنُه المشهور بفسقه ليواصل الفتْكَ والغدر والخيانة، فلم يتركْ حُرمة لهذا الدين ولا لهذه الاُمّةِ إلاّ هتكها؛ لأنّه ملِك جاءَ كأبيه معاوية ليتأمّر، وقد سمع أهلُ الكوفة معاويةَ يقول لهم مِن على المنبر:... وقد علمتُ أنّكم تصلّون وتُزكّون وتَحجّون، ولكنيّ قاتلتُكم لأتأمّرَ عليكم وعلى رقابكم...(1) .

وهل يُنتَظَر ممّنْ جاءَ بالسيف والإرهاب والغدر ليملك وليتسلط ويُصبح ملكاً أن يُخلص ويفي، وقد قال رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«أقلُّ الناس وفاءً الملوك» (2) ؟! وهل يفي مَنْ خان وغدر ليصلَ إلى مركزٍ يستعلي فيه على الناس كمعاوية ويزيد؟! إنهما اُشربوا الغدر، وما أدراكَ ما الغدر؟! إنّه مجانبٌ للإيمان، مخالفٌ للتقوى، مُفصحٌ عن سوءِ الطبع ودناءةِ الخلق.

* عن الإمام عليٍّعليه‌السلام أنَّ رسولَ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له فيما عهد إليه:«وإيّاكَ والغدرَ بعهد اللَّه والإخفار لذمّته؛ فإنَّ اللَّه جعل عهدَه وذمّتَه أماناً أمضاه بين العبادِ برحمته. والصبرُ على ضيقٍ ترجو انفراجه خيرٌ مِن غدرٍ تخاف أوزارَه وتبِعاتِه وسوءَ عاقبته» (3) .

* وقال الإمام عليٌّعليه‌السلام :«إيّاكَ والغدر؛ فإنّه أقبحُ الخيانة. إنَّ الغدورَ لَمُهانٌ عند اللَّه بغدره» (4) . وقال (سلام اللَّه عليه):«الغدرُ شيمةُ

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 16 / 15.

(2) بحار الأنوار 77 / 112، عن أمالي الطوسي، وكنز الفوائد، ومعاني الأخبار، وغيرها من المصادر المعتبرة.

(3) مستدرك وسائل الشيعة - للميرزا حسين النوري 2 / 250.

(4) غرر الحكم / 76.


اللئام» (1) . وعنه (صلوات اللَّه عليه):«الغدرُ بكلّ أحدٍ قبيح، وهو بذي القدرةِ والسلطان أقبح» (2) .

* وجاء عن مولانا الإمام الصادقعليه‌السلام أنه قال:«لا ينبغي للمسلمين أنْ يغدروا، ولا يأمروا بالغدر، ولا يقاتلوا مع الذين غدروا» (3) .

وقد غدر أهلُ الكوفة مِن بعد أنْ راسلوا الإمام الحسينعليه‌السلام ونكثوا عهودَهم معه، ثمّ أمروا بالغدر وقاتلوا مع الغدرة، وكان (سلام اللَّه عليه) قد أجابهم على رسائلهم - وهي آلاف - بأجوبة عديدة، منها: كتابُه إلى أهل الكوفة بشأن مسلم بن عقيلعليه‌السلام ، وهو:«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى الملأ مِنَ المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد، فإنَّ هانئاً وسعيداً قدِما عَلَيَّ بكتبكم، وكان آخِرَ مَنْ قدِمَ علَيَّ مَن رسُلِكم، وقد فهمتُ كلَّ الذي اقتصصتُم وذكرتُم، ومقالةُ جُلِّكم أنّه ليس علينا إمام، فأقبلْ لعلَّ اللَّه يجمعُنا بكَ على الحقّ والهدى.

وإنّي باعثٌ اليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي مِن أهل بيتي مسلمَ بنَ عقيل؛ فإنْ كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأيُ ملأِكم، وذوي الحِجى والفضلِ منكم على مثلِ ما قدِمتْ به رسلُكم، وقرأتُ في كتبكم، فإنّي أقدِم إليكم وشيكاً إنْ شاء اللَّه؛ فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكمُ بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسَه على ذاتِ اللَّه. والسّلام»(4) .

فاذا وصل مسلم بنُ عقيل إلى الكوفة استقبله أهلُها أحسنَ استقبال وهو

____________________

(1) غرر الحكم / 15.

(2) غرر الحكم / 47.

(3) وسائل الشيعة - للحر العاملي 11 / 51.

(4) الإرشاد / 210.


يقرأ عليهم كتابَ الحسينعليه‌السلام فيبكون، ويسارعون إلى مبايعته للحسينعليه‌السلام ، حتّى بلغ سجلُّ المبايعين ثمانية عشر ألفاً، وقيل: بايعه ثلاثون الفاً(1) . وقد كتب مسلم ذلك إلى الحسينعليه‌السلام .

وصلّتِ الآلاف خلفه، وما هي إلاّ سويعات حتّى تفرّق الناسُ حينما سمعوا بقدوم عبيد اللَّه بن زياد، فإذا بمسلم وحيداً يتلدّد في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب، وإنْ هي إلاّ ليلة ويُقتل غدراً في قصةٍ حكتِ البطولَة والفجيعة معا.

وأمّا الكتاب الآخر إلى أهل الكوفة فقد بعثه الإمام الحسينعليه‌السلام مع قيس بن مُسْهِر الصيداوي (رضوان اللَّه تعالى عليه)، وهو:«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى إخوانه المؤمنين المسلمين. سلامٌ عليكم، فإنّي أحمد إليكمُ اللَّهَ الذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فإنَّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يُخبرني فيه بحُسْنِ رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسألتُ اللَّهَ أن يُحسنَ لنا الصنع، وأنْ يُثيبَكم على ذلك أعظمَ الأجر.

وقد شخصتُ إليكم مِن مكّةَ يوم الثلاثاء لثمانٍ مضينَ مَن ذي الحجة [يوم التروية]، فإذا قدِم عليكم رسولي فاكتموا أمرَكم وجدُّوا؛ فإنّي قادمٌ عليكم في أيامي هذه إنْ شاء اللَّه تعالى. والسّلام» (2) .

ولم يقابل الإمام الحسينعليه‌السلام حالةَ الغدر بالانزواءِ أو الغدر، بل أقبل شجاعاً شهماً أشمَّ يقطع الصحارى والفيافي إلى كربلاء في مسيرةِ الإخلاص للَّه تعالى، والوفاء مع الناس؛ حيث عاهدهم على المجيء ليقطعَ الأعذار الكاذبة، ويسحق حالاتِ الخنوع والضعف والغدر والخيانة، وليثبّتَ القيمَ الإسلاميّة بدمائهِ الزاكية ودماءِ أهل بيته الأطهار وصحابته الأبرار، ولئلاّ

____________________

(1) تاريخ ابن الوردي 1 / 230.

(2) الحسينعليه‌السلام - لعلي جلال 1 / 196.


يقول أحد: خُذلنا ولم يأتِ إلينا مَنْ دعَوناه، وتخلّف عن إغاثتنا ونجدتنا إمامُنا.

فقد جاء إليهم وقدِم عليهم وفيّاً بعهوده، وإنّما الذي غدر وخذل وتخلّف وخانَ هُمْ؛ فقد كتبُوا إليه ثمّ انقلبوا عليه، يُنكرون ما أرسلوه إليه وهو يحمل رسائلهم في الخرج، ويشهرون سيوفَهم عليه وكان ينبغي أن تنحاز إليه على عدوّهم (يزيد).

وقد ذكّرهم مراراً، وأوخز ضمائرَهم علَّهم يتراجعون عن غيّهم وغدرهم. ففي (البيضة) خطب الحسينعليه‌السلام أصحاب الحرّ، فقال ضمنَ خطبته:«... ألاَ وإنّ هؤلاء قد لزمُوا طاعة الشيطان، وتركوا طاعةَ الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرامَ اللَّه وحرّموا حلالَه، وأنا أحقُّ ممّنْ غيّر.

وقد أتتني كتبُكم، وقدِمتْ عليَّ رسلُكم ببيعتكم أنّكم لا تُسْلِموني ولا تخذلوني؛ فإنْ أتممتُم علَيَّ بيعتكم تُصيبوا رُشدَكم؛ فأنا الحسينُ بن عليّ، وابنُ فاطمة بنتِ رسول اللَّه، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، ولكم فيَّ اُسوة.

وإنْ لم تفعلوا ونقضتُم عهدَكم، وخلعتُم بيعتي مِن أعناقكم، فلَعمري ما هي لكم بنُكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، فالمغرورُ منِ اغترّ بكم؛ فحظَّكم أخطأتُم، ونصيبَكم ضيّعتُم، ومَن نكثَ فأنما ينكث على نفسه، وسيُغني اللَّه عنكم، والسّلام عليكم ورحمةُ اللَّه وبركاته» (1) .

ولم يغترَّ الإمام الحسينعليه‌السلام بأهل الكوفة، وكيف يغترّ وقد غدروا قبل ذلك بأبيه وأخيه وابن عمّه مسلم بن عقيل؟! لكنّه كان قادماً على الشهادة التي بها حياة الدين، وعازماً على إحياء القيم والأخلاق والمبادئ

____________________

(1) تاريخ الطبري 6 / 229، والكامل 4 / 21.


الإسلاميّة بالدماء، وهو الذي أعلنَ عن مقتله قبل أنْ يتحركَ من المدينة، وعن قصّة الغدر التي ستكون.

في قصر بني مقاتل حين استقرّ المجلسُ بالحسينعليه‌السلام حمد اللَّه وأثنى عليه، وقال لابن الحرِّ:«يابنَ الحرّ، إنّ أهلَ مصركم كتبوا إليَّ أنّهم مجتمعون على نُصرتي، وسألوني القدومَ عليهم، وليس الأمرُ على ما زعموا» (1) .

ويوم العاشر من المحرّم خطب الإمام الحسينعليه‌السلام ... ثمّ نادى:«يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بنَ الأشعث، ويا زيد بنَ الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن اقدم؛ قد أينعتِ الثمار، و اخضرّ الجناب، وإنما تقدِم على جُندٍ لك مجنّدة؟» .

فقالوا: لم نفعل.

قال:«سبحانَ اللَّه! بلى واللَّهِ لقد فعلتُم» (2) .

وخطب خطبةً ثانية سألهم فيها عمّا أقدَمهم على قتله، فقالوا: طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد، فقالعليه‌السلام :«تبّاً لكم أيّتُها الجماعةُ وترحاً! أحِينَ استصرختمونا والهين، فأصرخناكم مُوجفين، سللتُم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدلٍ أفشَوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم؟!

فهلاّ - لكم الويلات! - تركتمونا والسيفُ مشيم، والجأشُ طامن، والرأيُ لـمّا يُستحصف؟! ولكنْ أسرعتُم إليها كطِيرةِ الدّبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفَراش، ثمّ نقضتموها. فسُحقاً لكم ياعبيدَ الاُمّة، وشذّاذَ الأحزاب، ونبذَةَ الكتاب، ومحرّفي الكَلِم، وعصبة

____________________

(1) نَفَس المهموم / 104.

(2) تاريخ الطبري 6 / 243.


الإثم، ونفثةَ الشيطان، ومُطفئي السُّنن!

ويْحكم! أهؤلاءِ تعضدون وعنّا تتخاذلون؟! أجلْ واللَّه غدرٌ فيكم قديم، وشِجَتْ عليه اُصولُكم، وتأزّرت فروعُكم؛ فكنتم أخبثَ ثمرة شجىً للناظر وأكلةً للغاصب»(1) .

هكذا واجههم بشجاعة فريدة، فاضحاً لحالهم، مثبّتاً حُسْنَ الوفاء وقُبحَ الغدر ودناءةَ الغادر، فما كان منهم إلاّ أنْ هجموا عليه فقتل منهم خلْقاً، فعادوا عليه يستشعرون الضَّعةَ والصَّغارَ في أنفسهم؛ فشفعوا غدرتَهم تلك بغدرةٍ اُخرى حين سدّدوا إليه السهامَ مِن بعيد، ورموه بالحجارة مِن بعيد، فأصابتْ منه مواضعَ في بدنه الشريف جعلتْه يقع إلى الأرض بعد جهدٍ جهيد من قتال مرير، وعطشٍ شديد، ونزفٍ لم ينقطعْ أعياه.

فاذا سقط عادتْ إلى نفوس القوم قوّةُ غدرهم، فاقتربوا منهعليه‌السلام وأحاطوا به، وقد مكثَ طويلاً مِن النهار، ولو شاءَ أنْ يقتلوه لفعلوا، ولكنّهم كان يتّقي بعضُهم ببعضاً، ويُحبّ هؤلاء أنْ يكفيَهم هؤلاء، فنادى شمرٌ في الناس: ويحكم! ما تنتظرونَ بالرجل؟! اقتلوه.

فضربه ذرعةُ بنُ شريك على كتفه - أو على يده اليسرى -، وضربه آخَرُ على عاتقه، وطعنه سنانُ بنُ أنس بالرمح، ثمّ انتزعه فطعنه في بواني صدره، ثمّ رماه سنان أيضاً بسهم فوقع في نحره.

فنزععليه‌السلام السهمَ مِن نحره وقرنَ كفّيه جميعاً، فكلّما امتلأتا مِن دمائه خضّب بهما رأسه ولحيَته وهو يقول:«هكذا ألقى اللَّه مخضّباً بدمي، مغصوباً على حقّي» .

فقال عمر بنُ سعد لرجلٍ عن يمينه: انزلْ - وَيْحك! - إلى الحسين فأرِحْه.

فبدر اليه خولّى بنُ يزيد الأصبحي ليحتزّ رأسَه فاُرعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضرب بالسيف حلْقَه الشريف... حتّى قتلوه.

____________________

(1) اللهوف / 54، و تاريخ دمشق - لابن عساكر 4 / 333، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزميّ 2 / 6.


جاء عن الإمام المهديّ (عجّل اللَّه تعالى فرَجَه) في زيارته لجدّه الإمام الحسينعليه‌السلام المسمّاة بـ(زيارة الناحية المقدّسة):«السّلام على الحسين الذي سمحتْ نفسه بمهجته، السّلام على مَنْ أطاع اللَّه في سرّهِ وعلانيته... السّلام على الشيب الخضيب، السّلام على الخدِّ التريب، السّلام على البدنِ السليب، السّلام على الثغر المقروع، السّلام على الرأس المرفوع... إلى أن يقول:والشمرُ جالسٌ على صدرِك، مولعٌ سيفَه في نَحْرِك، قابضٌ على شيبتكَ بيده، ذابحٌ لك بمهنّده، قد سكنت حواسُّك، وخِفيت أنفاسُك، ورُفع على القنا رأسك...».

لم أنسَهُ والشمرُ مِن فوقِ صدرِهِ

يُهشّمُ صدراً وهو للعلمِ مَجمعُ

ولم أنسَ مظلوماً ذبيحاً من القَف

وقد كان نورَ اللَّه في الأرض يسطعُ

يقبّله الهادي النبيُّ بنحرِهِ

وموضعُ تقبيلِ النبيِّ يُقطَّعُ

آهٍ آه على أهلِ العلم والحِجى! والنبلِ والوفا، آهٍ آه!

نعى الروحُ جبريلٌ بأنَّ ذوي الغدْرِ

أراقوا دمَ الـمُوفينَ للَّهِ بالنَّذْرِ

نعى ذاتَ قُدسٍ يعلـمُ اللَّهُ أنّه

منزّهةُ الأفعالِ في السِّرِ والجهرِ

نعى ساجداً صلّتْ إلى اللَّهِ روحُه

قضى رأسُه المرفوعُ من سجدةِ الشكرِ

نعى شاكراً نال الشهادةَ صابر

وقد يُجتنى شَهدُ العواقبِ بالصبرِ(1)

____________________

(1) هذه المشاهد والأشعار نقلناها من كتاب (اللهوف) / 54، و(العيون العبرى) / 185 - 189.


الفضائل الحسَينيّة



الفضائل الحسَينيّة

في شخصيّة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام تجلّتْ جميع المعاني الشريفة والقيمِ الرفيعة والصورِ الإنسانيّة النبيلة، فأصبح (سلام اللَّه عليه) مظهرَ الفضائل، وعنوانَ الخصال الطيّبة التي ترتاح لها النفوسُ السويّة، والفِطَرُ السليمة، والقلوبُ الُمحبّةُ للخير، والضمائر الحيّة، والعقول الباصرة.

ولقد وقف التاريخ للإمام الحسينعليه‌السلام إجلالاً وإكباراً وإعظاماً، ونظر إليه - وما زال - نظراتِ الإعجابِ والتوقير والإكرام؛ اِذْ شهد له أنّه كان الفريدَ بين الخلْق في سماته وفي ملَكاته، فهابه الأشراف، واحتارتِ الألسن أنْ تذكر ما عنده مِن كرائم الأوصاف.

إنّه الحسينعليه‌السلام موضعُ عناية الباري، ليُصبح للعالم قُدوة تنجذب إليها كلُّ نفس تتوق إلى الفضيلة، ويتأسّى بها كلُّ مَنْ رامَ الحقَّ والعدلَ والشرف.

إنّه الحسينعليه‌السلام الذي ملأَ الآفاقَ بالحسراتِ عليه والشوق إليه؛ حيث هو محلُّ معرفةِ اللَّه، ومسكنُ بركة اللَّه، ظُلِم فعظُمتْ رزيّتهُ؛ فخلّفَ عليه عبْرَ التاريخ وعلى امتداد الزمن آهاتٍ لا تنقطع، ودموعاً مِن عينِ كلِّ عارفٍ بشأنه متفجِّع.

ولكي نزداد معرفةً ونزداد بركةً بالإمام الحسين (صلوات اللَّه عليه) دعونا نقف عند النصوص التي ذكرتْه، نبتدئ بأشرفها وهي آياتُ الكتاب الحكيم.


1 - قال اللَّه الرحيم في محكم تنزيلهِ الكريم:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

والآية وثيقةٌ إلهيّةٌ، وشهادةٌ عُلْويّة تثبّتُ وسامَ المقامِ السامي الذي يحظى به أهلُ البيت (سلام اللَّهِ عليهم أجمعين)، ومنهم الإمام الحسين (عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام)؛ إذِ الآيةُ الكريمة - كما ذكر أهلُ الصحاح - في مقام دعاءِ النبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد أنْ جلَّل عليّاً وفاطمةَ والحسن والحسين (عليهم السلام) بكسائه، ثمّ قال:«اللّهمَّ هؤلاءِ أهل بيتي فأَذهِبْ عنهمُ الرجسَ وطهِّرهم تطهيراً» .

يراجع في ذلك صحيح مسلم (فضائل الصحابة)، وصحيح الترمذي (الجزء الثاني)، ومسند أحمد بن حنبل، ومستدرك الصحيحين، ومجمع البيان، وغيرها مِن كتب التفسير والحديث والسيرة.

2 - وقال (تبارك وتعالى):( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) .

وقد أجمعَ أهلُ التفسير، ومنهم: الزمخشريّ في (الكشّاف)، والفخرُ الرازي في (التفسير الكبير)، والسيوطي في (الدرّ المنثور)، وأهلُ الحديث، ومنهم: مسلم في (الصحيح)، وأحمد بن حنبل في (الـمُسند)، والترمذي في (السُّنن)، وغيرُهم، أجمعوا على أنَّ الآية الكريمة نزلتْ بعد اتّفاق لنصارى نجران مع رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يبتهلوا إلى اللَّه تعالى لِيُهلِكَ مَنْ كان في دعوته على الباطل.

وفي يوم الموعد خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للمباهلة محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وابنتهُ فاطمة تسير خلْفَه، وعليٌّ

____________________

(1) سورة الأحزاب / الآية 33.

(2) سورة آل عمران / الآية 61.


يمشي خلفَهم، وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«إذا دعوتُ فأَمِّنُوا» .

فما أنْ رأى نصارى نجران تلكَ الوجوه البهيّة حتّى اعتذروا إلى رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن المباهلة، وهي لعن الكاذب بعد أنْ دعاهُم النبيُّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الشهادتين، وأنَّ عيسىعليه‌السلام عبدٌ مخلوق يأكلُ ويشرب ويحدث، فأَبَوْ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«فلْيُحْضِرْ كلٌّ منّا ومنكم نفسَه وأعزّةَ أهله فندعوا على الكاذبِ من الفريقين».

وأخيراً زحف الخوفُ إلى نفوس النصارى وانسحبوا عن المباهلة راضين بالجزية، منصرفين بالخزي والخيبة، معتقدين أنَّ الخمسة المباهلين هم أولياءُ اللَّه.

3 - وقال (عزَّ مِن قائل):( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

جاء في مسند أحمد بن حنبل، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وتفسير الثعالبي، وتفسير الطبرسي، عن ابن عباس (رحمه اللَّه) أنّه قال: لـمّا نزل قوله تعالى:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا: يا رسول اللَّه، مَنْ قرابتُك الذين وجبتْ علينا مودّتُهم؟

قال (صلوات اللَّه وسلامُه عليه وآله):«عليٌّ وفاطمة وابناهما».

وفي أسباب النزول، عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال في حديثٍ طويل:«فلمّا رجع رسولُ اللَّه (صلى اللَّه عليه وآله) مِن حجّة الوداع، وقدِم المدينة، أتتْه الأنصارُ فقالوا: يا رسول الله، إنّ اللَّه (جَلّ ذِكْرُه) قد أحسنَ إلينا وشرّفنَا بك وبنزولك بين ظهرانين؛ فقد فرّح اللَّهُ صديقَنا، وكبتَ عدوّنا (أي أذلّه وأخزاه)،وقد تأتيك وفودٌ فلا تجد ما تُعطيهم فيشمت بك العدوّ، فنُحبّ أنْ

____________________

(1) سورة الشورى / الآية 23.


تأخذ ثُلُثَ أموالنا حتّى إذا قدِم عليك وفدُ مكةَ وجدتَ ما تُعطيهم.

فلم يردَّ رسولُ اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عليهم شيئاً، وكان ينتظر ما يأتيه مِن ربّه، فنزل جبرئيلُ عليه‌السلام وقال: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ،ولم يقبلْ أموالهم» (1) .

وأمّا أحاديثُ النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأن الإمام الحسينعليه‌السلام فهي وافرة وفيرة لا يجمعها كتابٌ واحد، وقد اُفردتْ لها فصولٌ عديدة، بل كتبٌ مفصلّة. ونحن إذْ يفوتُنا الكثير لا نعذر أنفسَنا عن ذكْرِ اليسير،فما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُترك كلُّه .

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«حسينٌ منّي وأنا مِن حسين، أحَبَّ اللَّه مَنْ أحبَّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط» (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنّ ابني هذا يُقتل بأرضٍ مِن أرض العراق، فمَنْ أدركه فلْينصرْه» (3) .

وعن أبي هريرة قال: نظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليٍّ والحسن والحسين وفاطمةعليهم‌السلام ، فقال:«أنا حربٌ لمَنْ حاربكم، وسلمٌ لمن سالمكم» (4) .

وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

____________________

(1) تفسير نور الثقلين - للمحدث الشيخ الحويزي 4 / 573 - الحديث 73.

(2) صحيح الترمذي 2 / 307، وصحيح ابن ماجه - باب فضائل أصحاب رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومسند أحمد بن حنبل 4 / 172، واُسد الغابة - لابن الأثير 2 / 19، وكنزالعمال 7 / 107 وغيرها.

(3) اُسد الغابة 1 / 123، 249، والإصابة - لابن حجر 1 / 68، وكنز العمال 6 / 223، والمحبّ الطبري في ذخائر العقبى / 146 وغيرها.

(4) مسند أحمد بن حنبل 2 / 442.


«الحسن والحسين سيّدا شبابِ أهل الجنّة» (1) .

وقال النبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لمّا استقرّ أهلُ الجنّة، قالتِ الجنّة: يا ربّ، أليس وعدتَني أنْ تزيّنني بركنينِ من أركانك؟ قال: ألم اُزيّنكِ بالحسن والحسين؟! فماستِ الجنّة ميساً كما تميس العروس» (2) .

وعن سلمان المحمّدي قال: دخلتُ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واذا الحسينُ على فخِذه، وهو يقبّلُ عينَيه ويلثمُ فاه، ويقول:«إنّك سيد ابن سيد أبو سادة، إنك إمام ابن امام أبو أئمّة، إنك حجّة ابن حجّة أبو حججٍ تسعةٍ من صُلبك، تاسعهُم قائمهم» (3) .

وعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الحسن والحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثمُ هذا مرّة وهذا مرّة حتّى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول اللَّه، إنك تُحبُّهم؟

فقال:«نعم، مَنْ أحبّهما فقد أحبّني، ومَنْ أبغضهما فقد أبغضني» (4) .

وقال النبيُّ الهاديصلى‌الله‌عليه‌وآله :«لكلّ اُمّةٍ سبط، وسبطُ هذه الاُمّة الحسن والحسين» (5) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لابنته فاطمةعليها‌السلام :«... ومِنّا سبطا هذهِ الاُمّة الحسنُ والحسين، وهما ابناك، ومِنّا المهديّ» (6) .

____________________

(1) صحيح الترمذيّ 2 / 306، و 2 / 307، ومسند ابن حنبل 3 / 64، وصحيح ابن ماجة - باب فضائل أصحاب رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومستدرك الصحيحين 3 / 167، وحلية الأولياء - لأبي نعيم 4 / 139، وتاريخ بغداد - للخطيب البغدادي 1 / 140، والإصابة 1 / 266، وكنز العمال 6 / 221، وغيرها كثير.

(2) تاريخ بغداد 2 / 238، وكنز العمال 6 / 221، وغيرهما.

(3) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 146.

(4) مستدرك الصحيحين 3 / 166، وغيره.

(5) كنز العمال 2 / 88.

(6) مرقاة المفاتيح - لعليّ بن سلطان 5 / 602، وأخرجه الطبرانيّ في معجمه، وذكره المحبّ الطبريّ أيضاً في ذخائر العقبى / 44.


وعن ابن عباس قال: قال رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ليلة عُرج بي إلى السماء رأيتُ على باب الجنّة مكتوباً: لا إله إلاّ اللَّه، محمّدٌ رسولُ اللَّه، عليٌ حِبُّ اللَّه، والحسن والحسين صفوةُ اللَّه، فاطمةُ خيرةُ اللَّه، على باغضهم لعنة اللَّه» (1) .

وعن ابن عباس قال: قدِم يهوديّ يُقال له: (نعثل)، فقال: يا محمّد، أسألك عن أشياءَ تتلجلجُ في صدري منذ حين، فإنْ أجبتَني عنها أسلمتُ على يديك. أخبرْني عن وصيّكَ مَنْ هو؟ فَما مِن نبيٍّ إلاّ وله وصيّ، وإنّ نبيّنا موسى بنَ عمران وصيُّه يوشَعُ بنُ نون.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنَّ وصيّي عليُّ بنُ أبي طالب، وبعده سبطاي الحسنُ والحسين، تتلوه تسعةُ أئمةٍ مِن صُلب الحسين».

قال: يا محمّد، فسَمِّها لي.

قال:«فإذا مضى الحسين فابنُه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنُه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنُه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنُه موسى، فإذا مضى موسى فابنهُ عليّ، فإذا مضى عليّ فابنهُ محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه عليّ، فإذا مضى عليّ فابنه الحسن، فإذا مضى الحسنُ فابنُه الحجّةُ المهديّ» (2) .

وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ (رضي اللَّه عنه) قال: دخل جندل بنُ جبير اليهوديّ على رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسأل عن أشياءَ فأجابه النبيّ، ثم قال: أخبرْني عن أوصيائِكَ مِن بعدك لأتمسّك بهم.

قال:«أوصيائي

____________________

(1) تاريخ بغداد 1 / 259 - والحِبّ هو المحبوب.

(2) ينابيع المودة - للشيخ القندوزي الحنفي - باب 76 - 2 / 440، طبع سنة 1302، نقلاً عنه الحمويني في (فرائد السمطين)، وإكمال الدين وإتمام النعمة - للشيخ الصدوق (قُدّس سرّه) / 252.


اثنا عشر».

قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة. يا رسول اللَّه، سمّهم لي.

فقال:«أوّلُهم سيّدُ الأوصياء أبو الأئمةِ علي، ثمَّ ابناه الحسن والحسين، فاستمسكْ بهم ولا يغرّنك جهلُ الجاهلين، فإذا وُلد عليُّ بنُ الحسين زينُ العابدين يقضي اللَّهُ عليك ويكون آخر زادك من الدنيا شربة لبنٍ تشربه» .

فقال جندل: وجدنا في التوراة وفي كتب الأنبياء إيليا وشبّراً وشُبيراً، فهذا اسمُ عليّ والحسنِ والحسين، فمَن بعد الحسين، وما اسمُهم؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله له:«إذا انقضتْ مدةُ الحسين فالإمام ابنُه عليّ، ويُلقّبُ بزينِ العابدين، فبعده ابنُه محمّد، ويلقّبُ بالباقر، فبعده ابنه جعفر، يُدعى بالصادق، فبعده ابنه موسى، يُدعى بالكاظم، فبعده ابنُه عليّ، يُدعى بالرضا، فبعده محمّد، يُدعى بالتقيّ والزكيّ، فبعده ابنُه عليّ، يُدعى بالنقيّ والهادي، فبعده ابنُه الحسن، يُدعى بالعسكريّ، فبعده ابنُه محمّد، يُدعى بالمهديّ والقائم والحجة، فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً...» (1) .

وعن ابن عباس قال: كنتُ عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى فخذه الأيسر ابنُه إبراهيم، وعلى فخذه الأيمن الحسينُ بنُ عليّ؛ تارةً يُقبّل هذا وتارةً يقبّلُ هذا، إذْ هبط عليه جبرئيلعليه‌السلام بوحيٍ مِن ربّ العالمين، فلمّا سرى عنه قال:«أتاني جبريلُ من ربّي، فقال لي: يا محمّد، إنّ ربَّكَ يقرأ عليك السّلام، ويقول لك: لستُ أجمعهمُا لك، فافْدِ احدَهما بصاحبه».

فنظر النبيُّ (صلى اللَّه عليه وآله) [إلى إبراهيم] فبكى، ونظر إلى الحسين فبكى، ثم قال:«إنّ إبراهيم اُمُّه أَمَة، ومتى مات لم يحزنْ عليه غيري، واُمُّ الحسين فاطمة، وأبوه عليٌّ ابنُ عمّي، لحمي ودمي، ومتى مات حزنتْ ابنتي وحزن ابن عمّي وحزنتُ أنا عليه، وأنا اُوثر حزني على حزنهما. يا جبريل، تقبضُ إبراهيم؛

____________________

(1) كفاية الطالب - للكَنجي الشافعي، عنه ينابيع المودة - باب 76 / 443، عن المناقب، عن واثلة بن الأصقع بن قرحاب.


فديته بإبراهيم» .

قال: فقُبض بعد ثلاث، فكان النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رأى الحسينَ مُقْبِلاً قبّله، وضمّه إلى صدره، ورشفَ ثناياه، وقال:«فُديت من فَديتُه بابني إبراهيم» (1) .

وعن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) قال: حضرتُ رسولَ اللَّه (صلى اللَّه عليه وآله) عند وفاته وهو يجود بنفسه، وقد ضمَّ الحسينَ إلى صدره وهو يقول:«هذا من أطائب اُرومتي، وأبرارِ عترتي، وخيار ذرّيّتي، لا بارك اللَّهُ فيمَنْ لم يحفظْه مِن بعدي».

قال ابنُ عباس: ثمّ اُغميَ على رسول اللَّه ساعة، ثم أفاق، فقال:«يا حسين، إنّ لي ولقاتلِكَ يوم القيامة مقاماً بين يدَيْ ربيّ وخصومة، وقد طابتْ نفسي؛ إذْ جعلني اللَّهُ خصماً لمَنْ قاتلك يومَ القيامة» (2) .

وهذه الأحاديث الشريفة - على قلّة ما أوردنا - هي مفصحةٌ عن قدْر الإمام الحسينعليه‌السلام ومقامه السامي، ومنزلته الرفيعة وشأنه الجليل عند اللَّه (جلّ ذكْرُه)، وعند سيّد الرسُلصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولا نقول بعد ذلك إلاّ أنّ الإمام الحسين (سلام اللَّه عليه) هو مجمعُ الفضائل، وقد فاز مَنْ أحبّه، وسعد مَنْ والاه، وهلكَ مَن عاداه، وخابَ مَنْ جحَده وحاربه وأبغضه، وضلّ مَن فارقه وخالفه.

ومَنْ أراد الاطمئنان إلى صحةِ ذلك فنحن نصحبُه إلى صحابة النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومَنْ جاءَ بعدهم، نجالسهم ونستمع إليهم وهم يُحدّثوننا عمّا أرتأوا.

* قال عمر بن الخطاب للإمام الحسينعليه‌السلام : إنّما أنبتَ ما ترى في رؤوسنا اللَّه، ثمّ أنتم(3) .

* وقال: أخرجه ابن سعد، وابن راهويه، وذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة / 107، ولكن قال: قال عمر: وهل أنبت الشعرَ في الرأس بعد اللَّه إلاّ أنتم؟!

قال:

____________________

(1) تاريخ بغداد 2 / 204.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 176.

(3) تاريخ بغداد 1 / 141، وذكره الهندي في كنز العمال 7 / 105.


* وفي رواية قال عمر: إذا جئتَ فلا تستأذن. أخرجه الدارقطني.

* وروى ذلك أحمد بن حنبل في مسنده بهذه الصيغة: وعن عبيد بن حنين، عن حسين بن عليعليه‌السلام قال:«صعدتُ إلى عمر وهو على المنبر، فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك. فقال: مَنْ علّمكَ هذا؟ قلت: ما علّمنيهِ أحد. فقال: منبرُ أبيكَ واللَّهِ، وهل أنبتَ على رؤوسنا الشعرَ إلاّ أنتم» .

* وذكره محمّد بن سعد في كتابه، وطرقه محدّث الشام بطرق شتّى، وأورده ابن حجر في الإصابة 1 / 333 بهذا النص: قال عمر بن الخطاب للحسينعليه‌السلام : فإنّما أنبتَ ما ترى في رؤوسنا اللَّه ثمَّ أنتم.

* وقال: سنده صحيح. ثمَّ روى على الصفحة ذاتها بإسناده عن العيزاب بن حرب، بينا عبد الله بن عمر جالس في ظلّ الكعبة إذْ رأى الحسينَ مقبل، فقال: هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى أهل السماءِ اليوم.

* وفي رواية ابن الأثير في اُسد الغابة 3 / 234 قال ابن عمر: ألاَ اُخبركم بأحبّ أهل الأرضِ إلى أهل السماء؟ قالوا: بلى. قال: هو هذا الماشي - مشيراً إلى الإمام الحسينعليه‌السلام .

ذكره الهندي في كنز العمال 6 / 86، وأخرجه ابن عساكر، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 186، وأورده ابن حجر في الإصابة 2 / 15، وتهذيب التهذيب 2 / 346.

* وقال عثمان بن عفان في الحسن والحسين وعبد الله بن جعفرعليهم‌السلام : فُطموا العلمَ فطماً، وحازوا الخيرَ والحكمة(1) .

* وقال أبو هريرة: دخل الحسين بن عليّ وهو معتمّ، فظننتُ أنّ النبيَّ قد بُعث(2) .

____________________

(1) الخصال / 136.

(2) بحار الأنوار 44.


* وروى الگنجيّ الشافعيّ بإسناده عن أبي المهزم قال: كنّا مع جنازةِ امرأة ومعنا أبو هريرة، فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأةِ فصلّى عليهما، فلما أقبلنا أعيا الحسين فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفضُ الترابَ عن قدميه بطرفِ ثوبه، فقال الحسينعليه‌السلام :«يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا؟!».

فقال أبو هريرة: دعْني، فواللَّهِ لو علِمَ الناسُ منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(1) .

* وأخذ ابن عباس بركاب الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فعُوتب في ذلك، فقيل له: أنت أسنّ منهما. فقال: إنّ هذينِ ابنا رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أفليس من سعادتي أنْ آخذَ بركابهما(2) .

* وفي رواية أجاب المعترض: يالُكع! وما تدري مَنْ هذان؟ هذانِ ابنا رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو ليس ممّا أنعم اللَّه علَيّ به أن أمسك لهما واُسوّيَ عليهما(3) .

* وقال له معاوية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام : يابنَ عباس، أصبحتَ سيّدَ قومك.

فقال: أمّا ما أبقى اللَّهُ أبا عبد الله الحسين فلا(4) .

* وقال معاوية لعبد اللَّه بن جعفر: أنت سيّدُ بني هاشم.

فأجابه عبد الله: سيّدُ بني هاشم حسنٌ وحسين(5) .

* وكتب عبد الله بن جعفر (رضوان اللَّه تعالى عليه) إلى الإمام الحسينعليه‌السلام : إنْ هلكتَ اليوم طُفئ نورُ الإسلام؛ فإنّك علَمُ المهتدين، ورجاءُ المؤمنين(6) .

* وسألَ رجلٌ عبد الله بن عمر عن دم البعوض، أي عن نجاسته، فقال عبد الله: ممّن أنت؟

فقال: مِن أهل العراق.

قال: انظروا إلى هذا يسألُني عن دم

____________________

(1) كفاية الطالب / 425، وتاريخ مدينة دمشق 4 / 322.

(2) تاريخ مدينة دمشق 4 / 322.

(3) مناقب آل أبي طالب 3 / 400.

(4) حياة الإمام الحسينعليه‌السلام - لباقر شريف القرشي 2 / 500.

(5) الحسن بن عليعليه‌السلام - لكامل سليمان / 173.

(6) البداية والنهاية - لابن كثير 8 / 167.


البعوض وقد قتلوا ابن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ! وسمعتُ النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«هما ريحانتايَ من الدنيا» (1) .

* وقال محمّد بن الحنفيّة: إنّ الحسين أعلـمُنا علْماً، وأثقلُنا حلْماً، وأقربُنا من رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رحماً، كان إماماً فقيهاً(2) .

* مرّ الحسينعليه‌السلام بعمرو بنِ العاص وهو جالسٌ في ظلّ الكعبة، فقال عمرو: هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى أهل الأرض، وإلى أهل السماء اليوم(3) .

* وقال عبد الله بن عمْرو بنِ العاص، وقد مرّ عليه الحسينعليه‌السلام : مَن أحبَّ أنْ ينظر إلى أحبِّ أهل الأرض إلى أهل السماء فلْينظرْ إلى هذا المجتاز(4) .

* وقال معاوية لابنهِ يزيد، وقد أشار عليه أنْ يكتب للحسينعليه‌السلام جواباً عن كتابٍ كتبهعليه‌السلام لمعاوية، وأنْ يُصغِّر له نفسَه، قال: وما عسيتُ أنْ أَعيبَ حسيناً! وواللَّهِ ما أرى للعيبِ فيه موضعاً(5) .

* وقال الوليد بن عتبة - والي المدينة - لمروان بن الحكم لـمّا أشار عليه مروان بقتل الحسينعليه‌السلام إذا لم يبايع يزيد: واللَّهِ يا مروان، ما اُحبُّ أنَّ لي الدنيا وما فيها وأنيّ قتلتُ الحسين. سبحانَ اللَّه! أقتلُ حسيناً إنْ قال: لا اُبايع! واللَّهِ إنيّ لأظنُّ أنَّ مَنْ يقتل الحسين يكون خفيفَ الميزان يوم

____________________

(1) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ورواه الترمذي في صحيحه 2 / 306، وأحمد بن حنبل في مسنده 2 / 85 و93 و114 و153، وأبو نعيم في حلية الأولياء 5 / 70، والنسائي في خصائصه / 37، وابن عساكر في تاريخه 4 / 314 وغيرهم.

(2) بحار الأنوار 10 / 140، الطبعة القديمة.

(3) تاريخ مدينة دمشق 4 / 322.

(4) بحار الأنوار 10 / 83، الطبعة القديمة.

(5) أعيان الشيعة - للسيد محسن العاملي - القسم الأوّل 4 / 146.


القيامة(1) .

* وخطب يزيدُ بن مسعود النهشليّ (رحمه اللَّه) فقال: وهذا الحسينُ بنُ عليّ، ابنُ رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذو الشرف الأصيل، والرأيِ الأثيل، له فضلٌ لا يُوصف، وعلمٌ لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر؛ لسابقته وسنِّه، وقِدَمه وقرابته؛ يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرِمْ به راعيَ رعيه، وإمامَ قومٍ وجبتْ للَّه به الحُجّة، وبلغتْ به الموعظة(2) .

* قال عبد الله بن الحرّ الجُعفيّ: ما رأيتُ أحداً قطّ أحسنَ ولا أملأَ للعين من الحسين(3) .

* وقال الربيعُ بن خيثم لبعضِ مَن شهد قتلَ الحسينعليه‌السلام : واللَّه، لقد قتلتُم صفوةً لو أدركهم رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقبّل أفواههم، وأجلسهم في حِجْرِه(4) .

* وقال إبراهيم النخعيّ: لو كنتُ فيمَنْ قاتل الحسين ثمّ أدخل الجنّة لاستحييتُ أنْ أنظرَ إلى وجه رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله (5) .

* وقال ابن سيرين: لم تبكِ السماءُ على أحدٍ بعد يَحيى بنِ زكريا إلاّ على الحسينعليه‌السلام ، ولـمّا قُتل اسودّتِ السماء، وظهرتِ الكواكبُ نهاراً حتّى رُؤيتِ الجوزاءُ عند العصر، وسقط الترابُ الأحمر، ومكثت السماءُ سبعة أيام بلياليها كأنّها علَقة(6) .

* وقال (غاندي) زعيم الهند: تعلّمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصِر(7) .

____________________

(1) البداية والنهاية - لابن كثير 8 / 147.

(2) أعيان الشيعة - القسم الأوّل 4 / 195.

(3) أعيان الشيعة - القسم الأوّل 4 / 118.

(4) بحار الأنوار 10 / 79 الطبعة القديمة.

(5) الإصابة في معرفة الصحابة - لابن حجر 1 / 335.

(6) تاريخ مدينة دمشق 4 / 339.

(7) قول مشهور له.


* وقال الاُستاذ علي جلال الحسينيّ: السيّد الزكيّ، الإمام أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام ، ابن بنت رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته، وابنُ أمير المؤمنين عليّ (كرّم اللَّه وجهَه)، وشأن بيت النبوة له أشرف نَسب، وأكمل نفس.

جمعَ الفضائلَ ومكارمَ الأخلاق ومحاسنَ الأعمال؛ من علوِّ الهمّة، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غايةِ الجود، وأسرار العلم، وفصاحةِ اللسان، ونصرة الحق، والنهيِ عن المنكر، وجهاد الظلم، والتواضع عن عزِّ، والعدل، والصبر، والحلم، والعفاف، والمروءة، والورع، وغيرها.

واختصّ بسلامةِ الفطرة، وجمال الخلقة، ورجاحةِ العقل، وقوة الجسم، وأضاف إلى هذه المحامد كثرة العبادة وأفعالَ الخير؛ كالصلاة، والحجّ، والجهاد في سبيل اللَّه، والإحسان.

وكان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيداً بعلمه، مُرشِداً بعمله، مهذِّباً بكريم أخلاقه، ومؤدِّباً ببليغ بيانه، سخيّاً بمالِه، متواضعاً للفقراء، معظَّماً عند الخلفاء، موصلاً للصدقة على الأيتام والمساكين، منتصفاً للمظلومين، مشتغلاً بعبادته، مشى من المدينة على قدميه إلى مكّة حاجّاً خمساً وعشرين مرّة... إلخ.

وقال: كان الحسينُ في وقته علَمَ المهتدين، ونور الأرض، فأخبارُ حياته فيها هدىً للمسترشدين بأنوار محاسنه، المقتفين آثار فضله(1) .

* وقال الاُستاذ محمّد رضا المصري: هو ابنُ بنتِ رسولِ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلَمُ المهتدين، ورجاءُ المؤمنين(2) .

* وقال عمر رضا كحالة: الحسين بن عليّ، وهو سيّدُ أهلِ العراق فقهاً

____________________

(1) كتاب الحسينعليه‌السلام 1 / 6.

(2) كتابه الحسن والحسين سبطا رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله / 75.


وحالاً، وجُوداً وبذلاً(1) .

* وقال الاُستاذ عبد الله العلايلي: جاء في أخبار الحسينعليه‌السلام أنّه كان صورةً احتبكتْ ظِلالُها مِن أشكال جَدّهِ العظيم، فأفاض النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه إشعاعةً غامرةً مِن حبّه وأشياءِ نفسه؛ ليتمَّ له أيضاً مِن وراءِ الصورة معناها، فتكون حقيقةً مِن بعدُ كما كانت مِن قبلُ إنسانيّةً ارتقتْ إلى نبوّة«وأنا مِن حسين» ، ونبوّةً هبطتْ إلى إنسانيّة«حسين منّي» ، فسلامٌ عليه يوم وُلد(2) .

* وقال الاُستاذ عبّاس محمود العقّاد: مَثُلَ للناس في حُلّةٍ من النور تخشع لها الأبصار، وباءَ بالفخرِ الذي لا فخرَ مثلُه في تواريخ بني الإنسان، غير مستثنىً منهم عربيٌّ ولا عجميّ، وقديم وحديث؛ فليس في العالم اُسرةٌ أنجبتْ من الشهداء مَنْ أنجبتْهم اُسرةُ الحسين؛ عُدّةً وقدرة وذكرة، وحسْبُه أنّه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيدُ ابنُ الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين(3) .

* وقال الاُستاذ عمر أبو النصر: هذه قصة اُسرةٍ من قريش، حملتْ لواءَ التضحية والاستشهاد والبطولة من مشرق الأرض إلى مغربها، قصة ألّفَ فصولَها شبابٌ ما عاشوا كما عاش الناس، ولا ماتوا كما مات الناس؛ ذلك أنَّ اللَّه شرّفَ هذهِ الجماعةَ مِن خلْقه بأنْ جعل النبوّة والوحيَ والإلهامَ في منازلها، وزاد ندىً فلم يشأ لها حظَّ الرجلِ العادي مِن عباده، وإنّما أرادها للتشريد والاستشهاد، وأرادها للـمُثلِ العليا مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب لها أنْ تتزعّمَ لواءَ التقوى والصلاح إلى آخر ما يكون مِن ذرّيتها(4) .

* وقال الاُستاذ عبد الحفيظ أبو السعود: عنوانُ النضال الحرّ، والجهادِ

____________________

(1) كتابه أعلام النساء 1 / 28.

(2) كتابه تاريخ الحسين أو سمّو الذات في سموّ المعنى / 226.

(3) كتاب أبو الشهداء الحسين بن عليعليه‌السلام / 230.

(4) كتابه آل محمّدٍ في كربلاء / 30.


المستميت، والاستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور السلطان وبغي الحاكمين(1) .

* وقال الاُستاذ محمّد الباقر: إنّ سيرة البطل الشهيد الإمام الحسين بن عليّ جديرةٌ بأنْ ينقشَها العربُ جميعاً - على تنوّعِ ميولهم ومذاهبهم - في أمواق أفئدتهم؛ ذلك لأنّ هذهِ السيرةَ إنما هي سيرة التضحية والعقيدة، سيرةُ العزّةِ والكرامة(2) .

* وقال الاُستاذ أحمد حسن لطفي: إنّ الموتَ الذي كان ينشدهُ فيها كان يمثّلُ في نظرهِ مثلاً أروع من كل مُثلِ الحياة؛ لأنَّه الطريق إلى اللَّهِ الذي منه المبتدأ وإليه المنتهى؛ ولأنّه السبيلُ إلى الانتصار وإلى الخلود؛ فأعظمُ بطل مَن ينتصر بالموت على الموت(3) .

* وقال الاُستاذ علي الشرقيّ: ما أجدر بثورةٍ كثورةٍ الحسينعليه‌السلام بأنْ تُوصفَ بالشموليّة؛ فهي ثورةٌ لكلِّ انسانٍ فوق هذا الكوكب، مسلماً كان أو غير مسلم، وهذا بعضُ ما يجب أنْ يُقالَ بحقّ الثورةِ التي كانتْ وستبقى الثورةَ المثالية والرائدةَ بلا مُنازع(4) .

* وقال الاُستاذ أنطون بارا (الكاتب المسيحيّ): الثورة التي فجّرها الحسين بن عليّ (عليه وعلى أبيه أفضلُ السّلام) في أعماق الصدور المؤمنة والضمائر الحرّة، هي حكاية الحريّة الموءودة بسكّينِ الظلم في كلِّ زمانٍ ومكان وُجِد بهما حاكمٌ ظالم غشوم لا يُقيم وزناً لحريّة إنسان، ولا يصون عهداً لقضيّةٍ بشريّة.

وهي (أي ثورة الحسين) قضية الأحرار تحت أيِّ عنوانٍ انضوَوا، وخلفَ أيّةِ عقيدةٍ ساروا...

____________________

(1) سبطا رسول اللَّه الحسن والحسين / 188.

(2) كتابه الشهيد الخالد الحسين بن عليعليه‌السلام / 6.

(3) كتابه الشهيد الخالد الحسين بن عليعليه‌السلام / 47.

(4) مجلة الموقف البحرينيّة - العدد 262 - 5 فبراير 1979م.


- الحسينعليه‌السلام ثار مِن أجل الحقّ، والحقُّ لكل الشعوب. والحسينعليه‌السلام ثار مِن أجل مرضاةِ اللَّه، وما دام اللَّه خالقَ الجميع فكذلك ثورة الحسين لا تختصّ بأحدٍ معيّن، بل هي لكلِّ خلْقِ اللَّه.

وفي قولة النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله :«إنّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً» دِلالةٌ على شموليّةِ ثورة الحسينعليه‌السلام ؛ فقولةُ رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تقتصر على (المسلمين)، وإلاّ للَفظها لسانُه الكريم بهذا المعنى، لكنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله شمل كلَّ المؤمنين قاطبةً تحتَ أيّة عقيدةٍ انضوَوا، وفوقَ أيّةِ بقعةٍ فوق الأرض وُجدوا، وخصّهم بنصيبٍ من هذه الحرارة السَّنِيّة التي لا تبرد في قلوبهم لقتل الحسينعليه‌السلام .

المظلومون والمضطهدون، والمقهورون والمروَّعون مِن كلّ المذاهب والبقاع يتّجهونَ في كلّ رغباتهم إلى جوهر ثورة الحسينعليه‌السلام ؛ ففي اتجاههمُ الفطريّ ورودٌ إلى منبع الكرامةِ والإنصاف، والعدل والأمان(1) .

* وقال المطران الدكتور برتلماوس عجمي: مَن أجدر من الحسينعليه‌السلام لأنْ يكونَ تجسيداً للفداء في الإسلام؟! ومَن أجدر من الفكر المسيحيّ لأنْ يفهم رموزَ ومعاني هذا الفداء - الركن الأول في المسيحيّة، وبالتالي يُحبّ من يتقدّم إليه راضياً مرضيّاً لوجه اللَّه والحقِّ الإلهيّ؟! فالحسين من وجهةِ نظرٍ مسيحيّة هو شهيد للمسيحيّة كما للإسلام، وكما لغيرهما أيضاً؛ لأنَّ فداءَه ذو أهدافٍ إنسانيّة شمولية لا تختصّ بفردٍ دونَ آخَر(2) .

* وقديماً قال ذلك المسيحيّ المعجَب: لو كان الحسينُ لنا لرفعنا له في كلِّ بلدٍ بيرقاً، ولنصبنا له في كلّ قريةٍ مِنبراً، ولدعونا الناس إلى المسيحيّة باسم

____________________

(1) من كتابه الحسين في الفكر المسيحي / 21 و 71.

(2) من كتاب الاُستاذ انطون بارا (الحسين في الفكر المسيحيّ) / 357 - 358.


الحسين(1) .

أجل واللَّه، فالحسين مفخرةُ الدهر، وغُرّة جبين التاريخ، ومشعل الحرية، وكمال الشرف الإنساني، وعنوانُ كلِّ فضيلة. يحقّ لكلّ مؤمنٍ وحرّ، بل ينبغي أنْ يرفع للحسين - مفتخِراً - بيرقاً أينما كان، وينصبَ له في كلّ قرية منبراً يصدعُ مِن عليه بياناتِ الثورة الحسينيّة؛ اُسوةِ كلّ الثورات.

فالحسين القدوةُ الأجلّ، وثورتُه ثورةُ الحقِّ الذي تتوق إليه الاُمم، فيفتخر - ويحقُّ له ذلك - كلُّ من انتسب إلى الحسينعليه‌السلام بالسبب وبالنسَب كما انتسب سلمان إلى البيت النبويّ الشريف بالسبب، حينما قال رسولُ الإنسانيّةصلى‌الله‌عليه‌وآله :«سلمانُ منّا أهلَ البيت» .

لقد بلغ الإمام الحسينُعليه‌السلام شأواً وشأناً عظيمَينِ أخضع بهما رقابَ المعاندين فأقرّوا له بالكمالات والفضائل، وأجبر بهما القلوبَ على مولاته إلاّ ما رانَ عليها، واستدرّتا الألسنة بالمدحِ والإطراءِ عليه (سلام اللَّه عليه)، فقال مَن قال وهو في نشوةِ الحديث، وظنّ البعضُ أنّه وفى بوصفه، وأنّى له ذلك! لأنّ مَنْ رأى لم يرَ إلاّ قبساً من النور الإلهيّ الأقدس الذي شدَّ إليه العيون والألباب، الأعداءَ منهم والأحباب.

يقول الشيخ التستريّ (طاب ثراه): كُتب مدحُه عن يمين العرش أنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة، وقد مدحه تعالى في الأحاديث القدسيّة بمدائح، منها ما في حديث وضع اليد، قال تعالى:«بُوركَ مِن مولود عليه صلواتي، ورحمتي وبركاتي» .

وقد وصفه بأنّه:«نورُ أوليائي، وحُجّتي على خلْقي، والذخيرة للعصاة» .

وقد مدحه رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمدائح عجيبة، منها أنّه قال له يوماً:«مرحباً بكَ يازينَ السماوات والأرض» .

فقال اُبيُّ بنُ كعب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : وهل غيرُك زينُ

____________________

(1) من كتاب الاُستاذ انطون بارا (الحسين في الفكر المسيحيّ) / 72.


السماواتِ والأرض؟!

فقال:«يا اُبي، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، إنّ الحسينَ بنَ عليّ في السماوات أعظمُ ممّا في الأرض، وقد كتب اللَّهُ في يمين العرش أنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة». ثمّ أخذصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد الحسينعليه‌السلام وقال:«أيُّها الناس، هذا الحسينُ بنُ عليّ فاعرفوه، وفضّلوه كما فضّله اللَّه» . إلى غير ذلك.

وقد مدحه جميعُ الأنبياءِ والملائكة وعباد اللَّه الصالحين، لكنّ خصوصيّتهعليه‌السلام في الممدوحية أنه ممدوحُ الأولياءِ والأعداء؛ فقدِ اختُصّ بمدحِ أعدائهِ له، مدحه معاويةُ في وصيّته ليزيد، ومدحه عُمر بنُ سعد في بعض أبياته، مدحه قتَلَتُه حين وقفوا لمبارزته، وأشهَدهم.

ومدحه شمر قاتلُه حين قال له: كفوٌ كريم، ليس القتلُ بيده عاراً. ومدحه سنان حين اشتغل بقتله، فقال:

اقتلُك اليومَ ونفسي تعلمْ

علماً يقيناً ليس فيه مكتمْ

أنَّ أباكَ خيرُ مَن تكلّمْ

ومدَحَه رافعُ رأسه حين جاء به إلى ابن زياد، فقال:

املأْ ركابي فضّةً أو ذهب

إنّي قتلتُ السيّدَ المحجَّبا

قتلتُ خيرَ الناسِ اُمّاً و أب

وخيرَهم إذْ يُنسَبونَ نسبا

وقد مدحه يزيد في مجلسه حين دخلتْ عليه (هند) زوجتُه في مجلس عامٍّ حاسرةً فغطّاها، فقال: اذهبي وابكي وأعولي على الحسين صريخةِ قريش(1) .

نعم، فكلّ مَنْ رآه أو سمع به تاقتْ نفسُه إلى الثناء عليه، أو غفل عن لسانه حتّى سمعه يُثني عليه، ولكنْ كلُّ مَنْ قال مادحاً عاد إلى نفسه فوجد أَنّه عرف شيئاً وغابتْ عنه أشياء، ولسانُ حاله يقول:

ويا عجباً منّي اُحاول وصفَه

وقد فُنيتْ فيه القراطيسُ والصُحْفُ

وذلك لأنَّ الحسينعليه‌السلام أجلُّ مِن أنْ يُحاط به الوصف، يقول فيه أحدُ الشعراء:

____________________

(1) الخصائص الحسينيّة / 24 - 25.


تعاليتَ عن مدحٍ فأَبلغُ خاطبٍ

بمدحِكَ بين الناسِ أقصرُ قاصرِ

إذا طاف قومٌ في المشاعرِ والصّف

فقبرُك ركني طائفاً ومشاعري

وإنْ ذخرَ الأقوامُ نُسْكَ عبادةٍ

فحبُّك أوفى عُدّتي وذخائري

أجل يا ربِّ، سنقْدم عليك وليس لنا ما نستحقّ به الرحمة إلاّ الولاء لأهل بيت الرحمةعليهم‌السلام ؛ فقد قرأنا وسمعنا أنّ حبيبَكَ المصطفى (صلواتُك عليه وعلى آله) أخذ يوماً بيد الحسن والحسينعليهما‌السلام فقال:«مَن أحبّني وأحبَّ هذينِ وأباهما واُمَّهما كان معي في درجتي في الجنّة يوم القيامة» (1) .

فنظم هذا المعنى أبو الحسين - كما في نظم الأخبار - فقال:

أخذَ النبيُّ يدَ الحسين وصنوِهِ

يوماً وقال و صحْبُه في مَجمعِ

مَنْ ودّني يا قومِ أو هذينِ أو

أبوَيهِما فالخُلْدُ مسكنُه معي

اللهمَّ وفّقْنا لأنْ نُرضيَ رسولَك بحُبِّ آله أجراً للرسالة، وأنتَ الذي قلت له:( قلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) .

وقد قرأنا وسمعنا، ونَقَل لنا اُسامةُ بن زيد قائلاً: طرقتُ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج إليّ وهو مشتمِلٌ على شيءٍ ما أدري ما هو، فلمّا فرغتُ مِن حاجتي قلتُ: ما هذا الذي أنتَ مشتملٌ عليه؟

فكشفه فاذا هو الحسنُ والحسين على ورِكَيه، فقال:«هذانِ ابنايَ وابنا ابنتي، اللهمَّ إنّي اُحبُّهما واُحبّ مَنْ يُحبُّهما» (3) .

____________________

(1) جامع الترمذي، والفضائل لابن حنبل، والفضائل للسمعاني، وأمالي ابن شريح، وغيره).

(2) سورة الشورى / 23.

(3) جامع الترمذي، وكتاب السمعاني، وغيرهما.



الخاتمة



الخاتمة

وأنا أجمع أوراقي هذه وددتُ أنْ اُشير إلى بعض النقاط، أجد أهميّةً في ملاحظتها والالتفات إليها، وهي:

أوّلاً: لا بدَّ قبل التأليف وبعده من الاعتراف بالعجز عن الإحاطة بحياةِ أهلِ البيتعليهم‌السلام ، ولـمّا كان علينا أنْ نتبيّن سيرتَهم (صلوات اللَّه عليهم)؛ لِما في ذلك من الفوائد الضروريّة كان لا بُدّ مِن أنْ تُستلَّ الأقلام لتسطّرَ بأمانةٍ وبصيرةٍ ما جرى وما ينبغي معرفتُه مِن العقائد والأخلاق؛ إذْ لا يسقطُ الميسور بالمعسور، و ما لا يُدرَك كلُّه، لا يُترك كلُّه.

وهذه الوريقات إنّما جَمعتْ بعضَ الإشارات إلى أخلاق سيّد الشهداء وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ممّا استطاع التاريخ حفظَه لنا ونقله إلينا، وجَمعَه في قراطيس شاءَ اللَّهُ تعالى أنْ يهديَ بها هذه الاُمّة المرحومة بما حباها الجليل من نبيٍّ مرسَل هو أشرفُ الأنبياء والمرسلين، وهادٍ وصيٍّ هو سيّدُ الهُداةِ والوصيّين، وأئمّة راشدين هم بعد النبيّ سادةُ الخلْقِ أجمعين. ونحن إذْ نغترف مِن مَعينهم إنما نغترف مِن معين الشرف والهدى والسعادة.

ثانياً: لا يفوتنا أنْ نقول: إنّ أغلبَ المؤلَّفات التي حامتْ حولَ الإمام


الحسين (صلوات اللَّه عليه) ركّزتْ على جوانب وأهملتْ جوانب، ومرّتْ على جوانب مروراً سريعاً عابراً، ومِن ذلك الجانب الاخلاقيّ في شخصية الإمام الحسينعليه‌السلام الذي يُعبّر عن ذلك الإيمان السامق الراسخ، وعن تلك التقوى المنشدّةِ إلى اللَّه، وعن ذلك العقل الحكيم والروحِ الطاهرة والنفس الشريفة.

فعمدتُ - بتوفيق اللَّه تعالى - إلى تسليط الأضواءِ على المواقف الأخلاقيّة لسيّدي الحسين بن عليّ (عليهما أفضلُ الصلاةِ والسّلام) دونَ أنْ أهمل الجانبَ التاريخيّ؛ فدخلتُ فيه حتّى اقتحمتُ كربلاء لا أكتفي بذكر مصائبها، بل سجّلتُ أخلاقَ الإمام الحسين (سلام اللَّه عليه) في تلك المواقف العصيبة التي أثبتتْ فيما أثبتتْه: إمامتَه، وعصمتَه، وعمقَ إيمانه، واستحكام تقواه، وقوّة التعلّق والارتباط باللَّه (جَلّ وعلا).

فكربلاء لم تكنْ ساحةَ اقتتال بين فئتين تتبارزان بالسيوف والرماح والسهام فحسب، بل كانتْ ساحةَ صراعٍ بين الحقّ والباطل، الخيرِ والشرّ، النور والظلام، الهدى والضلال، والإسلام والجاهليّة، وبين الأخلاق الإلهيّة والأخلاق الشيطانيّة.

فحين تعامى القوم عن سبيل الهدى صدعَ الإمام الحسينعليه‌السلام بمواعظه الحكيمة الراشدة، وحين بخل القوم بأنفسهم وأموالهم تقدّمعليه‌السلام ليقدّم كلَّ ما لديه للَّه (عزّ وجلّ)، وحين جبنُوا وجدوه ذلك المقدامَ الهمام الذي لا يخشى إلاّ اللَّه (تبارك وتعالى)، وحين كشّر القومُ عن أسنان الحقد والرذيلة رأَوا الحسين (صلوات اللَّه عليه) ذلك الانسانَ الطيّبَ الذي يُريد الخير للبشرية، ويدعو إلى كلِّ فضيلة.

ولذلك نحن لا نعتقد أنَّ الحسينَ (سلام اللَّه عليه) قد قُتل، نعم نال الشهادة بأرفع درجاتها، بل تشرّفتِ الشهادة أنْ تضمَّ اليها اسمَ الحسينعليه‌السلام .


إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يُقتل؛ لأنه قام للَّه، ودعا إلى الحقّ والخير، والهدى والفضيلة؛ لذا فهو يعيش في القلوب والضمائر، وفي العقول والأنفُس، يتجدّد ذكرُه جيلاً بعد آخرَ، ويُتأسى بأخلاقه؛ لأنّه ضربَ أسمى الأمثلةِ في محاسنها ومكارمها؛ فهو الاُسوة، وهو القدوة، نضعه أمامَنا في كلّ موقف لنتعلّمَ منه تلكَ الدروسَ الخالدة التي سجّلَها بدمه الزاكي، دماءِ أهلِ بيته الأخيار، وأصحابه المخلصين الأبرار.

ثالثاً: إنّ الغرضَ من بيان الأخلاق الحسينيّة يتعدّد، فيكون:

أ - مرّةً لبيان الحقيقة ودحض الأباطيل.

ب - ومرةً لترسيخ الاعتقاد بإمامةِ ووصاية أهل البيتعليهم‌السلام ؛ إذْ أخلاقُهم (صلواتُ اللَّه عليهم) دلّتْ فيما دلّتْ على شرفهم ورفعتهم وإمامتهم.

ج - ومرّةً لإصابة الثواب؛ إذْ إنّ ذكرَ أهل البيت (سلام اللَّه عليهم) عبادة، وهي في الوقت ذاته رحمةٌ وسعادة.

جاء في كتاب الاختصاص للشيخ المفيد (أعلا اللَّه مقامه) عن ابن بابويه بأسانيده المفصّلة، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: قال رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله :«ذِكْرُ اللَّه (عزّ وجلّ) عبادة، وذِكْري عبادة، وذِكْرُ عليٍّ عبادة، وذكْرُ الأئمةِ مِن ولْدِه عبادة» .

وفي كتاب (ثواب الأعمال / 108) للشيخ الصدوق (قدس اللَّه سرَّه)، قال الإمام الصادقعليه‌السلام للفضيل:«تجلسونَ وتتحدّثون؟» .

قال الفضيل: نعم.

فقالعليه‌السلام :«إنّ تلكَ المجالسَ اُحبُّها، فأَحْيُوا أمرَنا؛


فرحمَ اللَّهُ مَنْ أحيا أمرَنا» .

د - ومرةً اُخرى نتبيّن الأخلاق الحسينيّة ونحاول التأسّي بها والاقتداء بها؛ لنجمعَ إلى المحبّةِ بالقلب الاتّباعَ بالجوارح. فنحن كما دُعينا إلى اتّباع المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ( لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) (1) ، كذلك دُعينا إلى اتّباع أهل بيت المصطفى (صلوات اللَّه عليه وعليهم)؛ إذْ هم خلفاؤه وأوصياؤه وورثتُه.

قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام :«إنَّ داودَ ورِث علمَ الأنبياء، وإنّ سليمانَ ورِث داودَ، وإنَّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ورِث سليمانَ، وإنّا ورِثْنا محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ عندنا صُحفَ إبراهيم وألواحَ موسى عليهما‌السلام » (2) .

وكتب الإمام عليّ الرضاعليه‌السلام إلى عبد الله بن جُندب:«أمّا بعد، فإنَّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله كانَ أمينَ اللَّه في خلْقِه، فلمّا قُبض صلى‌الله‌عليه‌وآله كنّا أهلَ البيت ورثتَه، فنحنُ اُمناءُ اللَّه في أرضه» (3) .

فالمودّةُ لأهل البيتعليهم‌السلام واجبة بنصّ آية المودّة( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى... ) (4) ، ولكنْ مِن صور المودّة الاتّباعُ؛ فـ(إنّ الُمحبَّ لِمَنْ أحبَّ مطيعُ) .

فنحن إذْ نذكر أخلاق الإمام الحسينعليه‌السلام يزدادُ اعتقادُنا بإمامته، وتزدادُ محبّتُنا لشخصه الشريف، ونقتربُ من حالة الاقتداء التي هي الهدف من الوقوف عند الأخلاق الحسينيّة الطيّبة.

فالتشيّع لا يُعيَّن بالانتساب الظاهريّ إلى أهل البيتعليهم‌السلام حتّى

____________________

(1) سورة الأحزاب / 21.

(2) اُصول الكافي 1 / 175.

(3) اُصول الكافي 1 / 174.

(4) سورة الشورى / 23.


يعكس حالةَ الإيمان الثابت، والتقوى المستحكمة، والأخلاق الحميدة، والخصال النبيلة؛ وبذلك يبدأ ولاؤُنا بالتزايد والتكامل.

قال الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام :«ما شيعتُنا إلاّ مَنِ اتّقى اللَّهَ وأطاعه، وما كانوا يُعرفون إلاّ بالتواضع، والتخشّع، وأداءِ الأمانة، وكثرةِ ذكْر اللَّه، والصوم والصلاة، والبرِّ بالوالدين، وتعهّد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدقِ الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسنِ عن الناس إلاّ مِن خير، وكانوا اُمناءَ عشائرهم في الأشياء» (1) .

وهذه هي أخلاق الإمام الحسينعليه‌السلام ، فمَنْ أحبّه ووالاه كانَ على مثْلِ هذه الخصال والصفات.

وقال (سلام اللَّه عليه):«لا تذهب بكمُ المذاهب، فواللَّهِ ما شيعتُنا إلاّ مَنْ اطاعَ اللَّه (عزّ وجلّ)» (2) .

وطاعة اللَّه (عزّ وجلّ) تتضمّن المحبّةَ والتأسّي معاً، فمحبّتنا للإمامِ الحسينعليه‌السلام لكي تكون تشيّعاً وولاءً حقيقيّاً ينبغي أنْ نُتمِّمَها بالاقتداءِ به (صلوات اللَّه عليه)، والتزوّدِ مِن معارفه وأخلاقه الفاضلة.

وقال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام :«شيعتُنا مَنْ قدّم ما استُحسن، وأمسكَ ما استُقبح، وأظهرَ الجميل، وسارع بالأمر الجليل؛ رغبةً إلى رحمة الجليل، فذاك منّا وإلينا، ومعنا حيثما كنّا» (3) .

وقالعليه‌السلام :«إنّما شيعتُنا يُعرَفون بخصالٍ شتّى؛ بالسخاء، والبذلِ للإخوان، وبأنْ يُصلُّوا الخمسين ليلاً ونهاراً...» (4) .

وقال الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام :«شيعةُ عليٍّ عليه‌السلام همُ الذين لا يبالون في سبيل اللَّه أَوَقعَ الموتُ عليهم أو وقعوا على الموت. وشيعةُ عليٍّ عليه‌السلام

____________________

(1) تحف العقول / 215.

(2) اُصول الكافي 2 / 73.

(3) صفات الشيعة - للشيخ الصدوق (قدّس سره).

(4) تحف العقول / 223.


همُ الذين يُؤثرونَ إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهمُ الذين لا يراهمُ اللَّهُ حيث نهاهم، ولا يفقدهم حيث أمرَهم. وشيعةُ عليٍّ همُ الذين يقتدون بعليٍّ عليه‌السلام في إكرام إخوانهمُ المؤمنين» (1) .

والاقتداء بعليّعليه‌السلام هو الاقتداء بالحسن والحسين والأئمةِ التسعةِ مِن ذريّةِ الحسين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين). أورد العالم الحنفيّ المذهب الشيخ سليمان القندوزي في كتابه الشهير (ينابيع المودة / 445) عن ابن عباس (رضي اللَّه عنهما) أنّه قال: سمعتُ رسول اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:«أنا وعليّ، والحسنُ والحسينُ، وتسعةُ مِن وُلْدِ الحسين مطهَّرون معصومون» .

فالاقتداء بالحسين (سلام اللَّه عليه) هو الاقتداء بالنبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالأئمّةِ الأطهارعليهم‌السلام ؛ لأنّهم (سلام اللَّه عليهم) نورٌ واحد، وكلُّهم مطهّرون معصومون. أمّا مخالفتُهم فذلك هو مجانبةُ التشيّع.

قال الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام :«قال رجلٌ لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : فلان ينظر إلى حرم جاره، وإنْ أمكنه مواقعة حرام لم يرعْ عنه. فغضب رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: اِئتوني به. فقال رجلٌ آخَر: يا رسول الله، إنّه مِن شيعتكم، مِمّنْ يعتقدُ موالاتكم وموالاةَ عليٍّ عليه‌السلام ، ويتبرّأ مِن أعدائكما.

فقال رسولُ اللَّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تقلْ مِن شيعتنا؛ فإنّه كذب، إنّ شيعتَنا مَنْ شيّعنا وتبِعَنا في أعمالنا»(2) .

____________________

(1) تفسير الإمام العسكريّعليه‌السلام .

(2) تنبيه الخواطر - لورّام / 347.


وقال الإمام الصادقعليه‌السلام :«ليس مِن شيعتنا مَنْ قال بلسانه وخالفَنا في أعمالنا وآثارنا» (1) .

فالتشيّع هو المشايعة والاتّباع في الأعمال، واقتفاء الآثار والأقوال، وليس هو الادّعاء فحسب. نعم قد يكون المسلـمُ محبّاً للأئمّة (عليهم السلام) ولكنّه لا يرتقي إلى التشيّع إلاّ بالتأسّي والاقتداء في الاعتقاد والأخلاق.

وقالعليه‌السلام أيضاً:«يا شيعةَ آل محمّد، إنه ليس منّا مَنْ لم يملكْ نفسَه عند الغضب، ولم يُحسن صُحبةَ مَن صحبه، ومرافقةَ مَن رافقه، ومصالحةَ مَن صالحه، ومخالفةَ مَنْ خالفَه. يا شيعةَ آل محمّد، اتّقوا اللَّهَ ما استطعتم» (2) .

وقال (سلام اللَّه عليه) كذلك:«إنّما أنا إمامُ مَن أطاعني» (3) .

وجاء عن الإمام الكاظمعليه‌السلام :«ليس مِن شيعتنا مَنْ خلا ثمّ لم يرع قلبُه» (4) .

ولكي نكونَ مِن أهل الولاء، وأهل الوفاء، وأهل الاقتداء سطّرنا كلماتِنا على هذه الوريقات تمهيداً لما يُحبّ اللَّهُ ويرضى.

رابعاً وأخيراً: أودّ ألاّ يفوتَني القول بأنَّ أخلاق الإمام الحسينعليه‌السلام متعدّدة الجوانب؛ فقد نجد في الموقف الواحد أكثرَ مِن خُلُقِ كريم، وفي الرواية الواحدة أكثر من منقبة، وفي الجواب الواحد والحديث الواحد أكثر مِن فضيلة، وأكثر من خصلةٍ شريفة.

وقد ظهرت تلك الصفات الطاهرة في محلّها وقتاً ومكاناً؛ حيث جمع ما

____________________

(1) بحار الأنوار 68 / 164.

(2) تحف العقول / 281.

(3) بحار الأنوار 2 / 80 عن كتاب (الغيبة) - للنعماني.

(4) بحار الأنوار 68 / 153 عن بصائر الدرجات - للشيخ الصفّار القمّي.


تشتّت عند الناس، وفاقهم في السموّ والحكمة، فكان كلُّ خلُقٍ يبدو منه أنسبَ ما يكون؛ فبانتِ الشجاعة في وقت التحدّي، وظهر الصبر في ساعات الشدة، وانطلقت منه الموعظة في ساعة الاحتجاج، وهكذا.

إنّ هذا ممّا لا بدّ من الإشارة إليه؛ لئلاّ نظلم مولانا الإمام الحسينعليه‌السلام بالغفلة عن مثل هذه الفضائل.

كما لا يفوتني أنْ أطلب قبل أنْ أطوي آخر صفحةٍ مِن هذا الكتاب شفاعةَ مولاي أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، فإذا حُرمتُها فأنا ممّن لا يستحقّها، وإذا اُعطيتُها فأنا الفائزُ بلطف اللَّه تعالى بعد ذلك.

والحمد للَّه ربّ العالمين، وصلّى اللَّه على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين


المصادر

- القرآن الكريم

- نهج البلاغة

أ

- الآثار الباقية عن القرون الخالية - أبو ريحان البيرونيّ محمّد بن أحمد البيرونيّ الخوارزميّ (م 440 هـ)، انتشارات مورگينال - لا يبزك / 1923 م.

- إبصار العين في أنصار الحسينعليه‌السلام - الشيخ محمّد السماويّ (معاصر)، انتشارات الشريف الرضيّ - قمّ.

- أبو الشهداء الحسين بن عليّعليه‌السلام - عبّاس محمود العقّاد.

- الإتحاف بحبّ الأشراف - عبد الله بن محمّد الشبراويّ (م 1031 هـ)، المطبعة الأدبيّة بمصر - منشورات الشريف الرضيّ - قمّ / 1985 م.

- إثبات الوصيّة - عليّ بن الحسين المسعوديّ (م 346 هـ)، ط 2 منشورات الشريف الرضيّ - قمّ / 1404 هـ.

- الاحتجاج - أحمد بن عليّ الطبرسيّ (ق 6 هـ)، ط 2 مؤسّسة الأعلميّ - بيروت / 1403 هـ - 1983 م.


- إحقاق الحق - القاضي نور الله ابن السيّد شريف التستري (ش 1019 هـ)، مكتبة السيّد المرعشيّ - قمّ / 1377 هـ.

- أحكام القرآن - أحمد بن عليّ الجصّاص (م 370 هـ)، ط 1 دار الكتب العلميّة - بيروت / 1415 هـ.

- الأخبار الطوال - أحمد بن داود الدينوريّ (م 282 هـ)، دار إحياء الكتب العربيّة - بيروت / 1960 م.

- الاختصاص - محمّد بن محمّد العكبريّ المفيد (م 413 هـ)، انتشارات جماعة المدرّسين - قم.

- اختيار مصباح السالكين - ميثم بن عليّ بن ميثم البحرانيّ (م 689 هـ)، تحقيق: الدكتور محمّد هادي الأمينيّ - مجمع البحوث الإسلاميّة - مشهد المقدّسة / 1408 هـ.

- أخلاق أهل البيتعليهم‌السلام - السيّد مهدي الصدر (معاصر)، دار الكتاب الإسلاميّ - قمّ / 1404 هـ.

- أدب الحسينعليه‌السلام وأخلاقه - أحمد الصابريّ الهمدانيّ (معاصر)، مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قمّ / 1407 هـ.

- الإرشاد - الشيخ المفيد - منشورات مكتبة بصيرتي - قمّ.

- الاستيعاب - يوسف بن عبد البرّ النمريّ القرطبيّ المالكيّ (م 463 هـ)، مطبوع بهامش الإصابة لابن حجر سنة 1328 هـ - دار المعارف - مصر.

- اُسد الغابة في معرفة الصحابة - عليّ بن أبي الكرم، ابن الأثير الشيبانيّ (م 630 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1970 م، وانتشارات إسماعيليان - طهران / 1380 هـ.


- أسرار الشهادة - الآخوند ملاّ آقا الشهير بالفاضل الدربنديّ (م 1286 هـ)، منشورات الأعلميّ - طهران.

- الإصابة في تمييز الصحابة - أحمد بن عليّ العسقلانيّ، ابن حجر (م 852 هـ)، مطبعة السعادة - مصر / 1328 هـ.

- إعلام الدين في صفات المؤمنين - الحسن بن أبي الحسن الديلميّ (ق 8 هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قمّ / 1414 هـ.

- إعلام الورى بأعلام الهدى - الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ق 6 هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قمّ / 1417 هـ.

- أعيان الشيعة - السيّد محسن الأمين العامليّ (م 1371 هـ)، ط 3 مطبعة ابن زيدون - دمشق / 1370 هـ.

- الأغاني - عليّ بن الحسين، أبو الفرج الإصفهانيّ (م 356 هـ)، دار الفكر للجميع - بيروت / 1390 هـ.

- إقبال الأعمال - السيّد رضيّ الدين عليّ بن موسى بن طاووس (م 664 هـ)، دار الكتب الإسلاميّة - طهران / 1390 هـ.

- أمالي الشيخ المفيد - ط 3 منشورات المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف.

- أمالي الصدوق - محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ الصدوق (م 381 هـ)، ط 5 مطبعة الأعلميّ - بيروت / 1400 هـ - 1980 م.

- أمالي الطوسيّ - محمّد بن الحسن (م 460 هـ)، مطبعة النعمان - النجف الأشرف / 1384 هـ.

- الإمامة والسياسة - عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ (م 276 هـ)، ط 2 دار المعرفة - بيروت / 1393 هـ - 1973 م.


- أنساب الأشراف - أحمد بن يحيى البلاذريّ (م 279 هـ)، ط 1 مؤسسة الأعلميّ - بيروت.

- الإيضاح - الفضل بن شاذان النيسابوريّ (م 260 هـ)، مؤسّسة الأعلميّ - بيروت / 1402 هـ - 1982 م.

ب

- بحار الأنوار - محمّد باقر المجلسيّ (م 1111 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1403 هـ.

- البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير الدمشقيّ (م 774 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1408 هـ.

- بصائر الدرجات - محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصفّار القمّيّ (م 290 هـ)، منشورات مكتبة السيّد المرعشيّ - قمّ / 1404 هـ.

ت

- تاريخ بغداد - أحمد بن عليّ، الخطيب البغداديّ (م 463 هـ)، دار الكتب العلميّة - بيروت.

- تاريخ الخلفاء - جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر السيوطيّ (م 911 هـ)، مطبعة السعادة - مصر / 1371 هـ - 1952 م.

- تاريخ دمشق - عليّ بن الحسن، ابن عساكر (م 571 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1407 هـ.


- تاريخ الطبريّ (تاريخ الاُمم والملوك) - أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ (م 310 هـ)، المطبعة الحسينيّة - مصر / 1326 هـ.

- تاريخ اليعقوبي - أحمد بن إسحاق بن يعقوب (م 292 هـ)، دار صادر - بيروت.

- تتمّة المختصر في أخبار البشر (تاريخ ابن الورديّ) - زين الدين عمر بن مظفّر (م 749 هـ)، منشورات المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1389 هـ - 1969 م.

- تحف العقول عن آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله - الحسن بن عليّ، ابن شعبة الحرّانيّ (ق 4 هـ)، ط 5 منشورات الأعلميّ - بيروت / 1394 هـ - 1974 م.

- تحفة الزائر - الشيخ محمّد باقر المجلسيّ (ت 1111 هـ) - تبريز / 1312 هـ.

- تذكرة خواصّ الاُمّة - يوسف بن فرغلي، سبط ابن الجوزيّ (م 654 هـ)، المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1383 هـ.

- الترغيب والترهيب - عبد العظيم بن عبد القويّ المنذريّ (م 656 هـ)، ط 3 دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1388 هـ - 1968 م.

- تظلّم الزهراء (عليها السلام) من إهاق دماء آل العباء - رضيّ الدين بن نبيّ القزوينيّ (ق 12 هـ)، منشورات الرضيّ - قم.

- تفسير الإمام العسكريّعليه‌السلام - المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام (ش 260 هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهديّعليه‌السلام - قم / 1409 هـ.

- تفسير الخازن، المسمّى (لباب التأويل في معاني التنزيل) - علاء الدين عليّ بن محمّد البغداديّ الصوفيّ المعروف بـ (الخازن)، المكتبة التجاريّة الكبرى - مصر.

- تفسير روح البيان - إسماعيل حقّي البرسويّ (م 1137 هـ)، المطبعة العثمانيّة - طهران / 1330 هـ.


- تفسير الطبريّ (جامع البيان في تفسير القرآن) - محمّد بن جرير الطبريّ، دار المعرفة - بيروت / 1403 هـ - 1983 م.

- تفسير العيّاشيّ - محمّد بن مسعود بن عيّاش السلميّ (م 320 هـ)، المكتبة العلميّة الإسلاميّة - طهران.

- تفسير القرآن العظيم - إسماعيل بن كثير الدمشقيّ (م 774 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.

- التفسير الكبير - فخر الدين الرازيّ (م 606 هـ)، دار الكتب العلميّة - طهران (أوفست).

- تفسير المنار - محمّد رشيد رضا (م 1354 هـ)، دار المعرفة - بيروت.

- تفسير نور الثقلين - الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ (م 1112 هـ)، المطبعة العلميّة - قم / 1382 هـ.

- تنبيه الخواطر - أبو الحسين ورّام بن أبي فراس (م 605 هـ)، دار صعب - دار التعارف - بيروت.

- تنبيه الغافلين بأحاديث سيّد الأنبياء والمرسلين - أبو ليث نصر بن محمّد السمرقنديّ الحنفيّ (ت 375 هـ)، دار الكتاب العربيّ - بيروت / 1408 هـ.

- تهذيب تاريخ دمشق - عبد القادر بدران، ط 2 دار المسير - بيروت / 1399 هـ - 1979 م.

- تهذيب التهذيب - أحمد بن عليّ بن محمّد العسقلانيّ، ابن حجر (م 852 هـ)، دائرة المعارف العثمانيّة - حيدر آباد الدكن - الهند / 1325 هـ.

- التوحيد - مؤسّسة النشر الإسلاميّ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم / 1398 هـ.


ث

- ثواب الأعمال وعقاب الأعمال - الشيخ الصدوق، منشورات الرضيّ - قم.

ج

- جامع الأخبار - محمّد بن محمّد السبزواريّ (ق 7 هـ)، تحقيق: علاء آل جعفر، مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم / 1414 هـ.

- جامع السعادات - الشيخ محمّد مهديّ النراقيّ (م 1209 هـ)، مطبعة النجف - النجف الأشرف / 1383 هـ - 1963 م.

- الجامع الصغير - السيوطيّ، دار الكتب العلميّة - القاهرة / 1373 هـ.

- الجامع لأحكام القرآن - محمّد بن أحمد الأنصاريّ القرطبيّ (م 671 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1372 هـ - 1952 م.

- جلاء العيون - السيّد عبد الله شبّر (م 1242 هـ)، المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1373 هـ.

- جمال الاُسبوع بكمال العمل المشروع - السيّد ابن طاووس، تحقيق: جواد قيّوميّ، مؤسسة الآفاق - إيران 1410 هـ.

- الجَمل أو (النصرة في حرب البصرة) - الشيخ المفيد، منشورات مكتبة الداوريّ - قم.

- الجواهر الحسان في تفسير القرآن (تفسير الثعالبي) - عبد الرحمان بن محمّد الثعالبيّ (875 هـ)، مؤسّسة الأعلميّ - بيروت.


ح

- الحسينعليه‌السلام في الفكر المسيحيّ - أنطون بارا، انتشارات الهاشميّ - قم / 1404 هـ - 1984 م. عن ط 2 الكويت / 1980 م.

- حلية الأولياء - أحمد بن عبد الله، أبو نُعَيم الإصفهانيّ (م 430 هـ)، دار الكتاب العربيّ - بيروت / 1407 هـ.

- حياة الحيوان الكبرى - محمّد بن موسى الدَّميريّ (م 808 هـ)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبيّ - مصر.

خ

- الخرائج والجرائح - قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراونديّ (م 573 هـ)، تحقيق: مؤسسة الإمام المهديّعليه‌السلام - قم / 1409 هـ.

- خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب - عبد القادر بن عمر البغداديّ (م 1093 هـ)، دار صادر - بيروت.

- الخصائص الحسينيّة - الشيخ جعفر التستريّ (م 1303 هـ)، ط 4 المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1375 هـ - 1956 م.

- الخصال - الشيخ الصدوق، منشورات جماعة المدرّسين - قم / 1403 هـ.

- الخطط المقريزيّة - تقيّ الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ (م 845 هـ)، مكتبة مدبولي - القاهرة.


د

- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور - السيوطيّ (م 911 هـ)، طهران / 1377 هـ.

- الدرّ النضيد في مراثي السبط الشهيد - السيّد محسن الأمين، مطبعة الإتقان - دمشق / 1365 هـ - 1946 م.

- الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة - محمّد بن جمال الدين مكّيّ بن محمّد العامليّ، الشهيد الأوّل، مؤسّسة طبع ونشر الآستانة الرضويّة المقدّسة - مشهد.

- الدمعة الساكبة - محمّد باقر بن عبد الكريم البهبهانيّ (م 1285 هـ)، ط 1 / 1409 هـ - 1988 م.

- ديوان السيّد حيدر الحلّيّ - نشر وتصحيح وتعليق: عليّ الخاقانيّ، انتشارات دار البيان - النجف الأشرف / 1369 هـ.

- ديوان السيّد رضا الموسويّ الهنديّ - انتشارات الشريف الرضيّ - قم / 1379 هـ.

- ديوان الشريف الرضيّ - السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسين الموسويّ (م 406 هـ)، منشورات مطبعة وزارة الإرشاد الإسلاميّ - إيران / 1406 هـ.

- ديوان عيد الغدير - بولس سلامة (معاصر)، ط 4 المؤسّسة الثقافيّة لهيئة أنصار الحسينعليه‌السلام - إيران / 1410 هـ - 1990 م.

ذ

- ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى - أحمد بن عبد الله، محبّ الدين الطبريّ (م 694 هـ)، دار المعرفة - بيروت / 1974 م.


- ذخيرة الدارين فيما يتعلّق بالحسين وأصحابهعليهم‌السلام - عبد المجيد بن محمّد رضا الحسينيّ الحائريّ، المطبعة المرتضويّة - النجف الأشرف / 1345 هـ.

ر

- رجال الكشّيّ - أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ، طبعة كليّة الإلهيّات في مشهد المقدّسة / 1348 هـ.

- روح الإسلام - محمّد عطيّة الأبراشيّ (معاصر)، مكتبة الأنجلو - مصر / 1964 م.

- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني - شهاب الدين محمود الآلوسيّ البغداديّ (م 1270 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.

- روضة الواعظين - محمّد بن الحسن بن الفتّال النيسابوريّ (ش 508 هـ)، المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف.

- رياض المصائب - السيّد محمّد مهديّ بن محمّد جعفر الموسويّ التنكابنيّ - كارخانه افتخار.

ز

- زينب الكبرى بنت أمير المؤمنينعليه‌السلام - الشيخ جعفر النقديّ (م 1370 هـ)، مؤسّسة الإمام الحسينعليه‌السلام - قم / 1411 هـ.

س

- سفينة البحار ومدينة الحِكم والآثار - الشيخ عبّاس القمّيّ (م 1359 هـ)، اُوفست مؤسّسة انتشارات فراهاني - إيران.


- سنن ابن ماجة (صحيح ابن ماجة) - أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزوينيّ (م 275 هـ)، دار إحياء الكتب العربيّة - بيروت / 1372 هـ.

- سنن الترمذيّ (الجامع الصحيح) (صحيح الترمذيّ) - أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذيّ (م 279 هـ)، دار الفكر - بيروت / 1400 هـ - 1980 م.

- السيّدة سكينة ابنة الإمام الشهيد الحسينعليه‌السلام - السيّد عبد الرزّاق الموسويّ المقرّم (معاصر) - النجف الأشرف.

- سِيَر أعلام النبلاء - محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ (م 748 هـ)، مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1398 هـ - 1978 م.

- السيرة الحلبيّة - عليّ بن برهان الدين الحلبيّ الشافعيّ (م 1044 هـ)، المكتبة الإسلاميّة - بيروت.

ش

- شرح شواهد المغني - جلال الدين السيوطيّ، نشر: أدب الحوزة - قم.

- شرح نهج البلاغة - عبد المجيد بن هبة الله، ابن أبي الحديد المعتزليّ (م 655 هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط 1 دار إحياء الكتب العربيّة - مصر / 1378 هـ - 1959 م.

ص

- صحيح البخاريّ - محمّد بن إسماعيل (م 256 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.


- صحيح مسلم - مسلم بن الحجّاج بن مسلم القُشَيريّ (م 261 هـ)، دار الفكر - بيروت / 1398 هـ.

- صفات الشيعة - الشيخ الصدوق - إيران.

- الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيثميّ (م 973 هـ)، دار الطباعة المحمّدية - القاهرة.

- صورة الأرض - محمّد بن عليّ بن حوقل النصيبيّ الموصليّ البغداديّ (ق 4 هـ)، دار مكتبة الحياة - بيروت.

ع

- عقائد الإماميّة - الشيخ محمّد رضا المظفّر (معاصر)، تقديم: الدكتور حامد حفني داود، منشورات المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف.

- العِقد الفريد - أحمد بن محمّد بن عبد ربّه الأندلسيّ (م 328 هـ)، منشورات دار الكتاب العربيّ - بيروت.

- علل الشرائع - الشيخ الصدوق، مكتبة الداوريّ - قم، عن منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1385 هـ.

- عليّعليه‌السلام من المهد إلى اللحد - السيّد محمّد كاظم القزوينيّ (معاصر)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.

- عوالم العلوم - الشيخ عبد الله البحرانيّ، مدرسة الإمام المهديّعليه‌السلام - قم / 1407 هـ.

- عيون أخبار الرضاعليه‌السلام - الشيخ الصدوق، مكتبة طوس - قم / 1985 م.

- العيون العبرى في مقتل سيّد الشهداء - السيّد إبراهيم الميانجيّ، منشورات المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة.


غ

- الغدير - الشيخ عبد الحسين الأمينيّ (معاصر)، دار الكتاب العربيّ - بيروت / 1387 هـ.

- غرر الحكم ودرر الكلم - ناصح الدين أبو الفتح عبد الواحد بن محمّد الآمديّ (م 510 هـ)، منشورات دار الثقافة العامّة - مطبعة النعمان - النجف الأشرف.

- غوالي اللآلي - محمّد بن عليّ بن إبراهيم الإحسائيّ، ابن أبي جمهور (م 940 هـ)، مطبعة سيّد الشهداءعليه‌السلام - قم / 1403 هـ.

ف

- الفتوحات المكّيّة - محمّد بن عليّ، ابن عربيّ (م 638 هـ)، دار صادر - بيروت.

- الفروع - محمّد بن مفلح الـمَقْدسيّ الحنبليّ (م 763 هـ)، تحقيق: حازم القاضي، دار الكتب العلميّة - بيروت / 1418 هـ.

- الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة - عليّ بن محمّد بن أحمد المالكيّ، ابن الصبّاغ (م 855 هـ)، مطبعة العدل - النجف الأشرف / 1950 م.

- فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام - أحمد بن حنبل، من كتاب (فضائل الصحابة).

ق

- قرب الإسناد - عبد الله بن جعفر الحِمْيريّ القمّيّ (ق 3 هـ)، تحقيق: مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم / 1413 هـ.


- القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة - السيّد أحمد المستنبط (معاصر)، ط 2 مكتبة نينوى الحديثة - طهران.

ك

- الكافي - أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ (م 329 هـ)، ط 2 دار الكتب الإسلاميّة - طهران / 1404 هـ.

- كامل الزيارات - جعفر بن محمّد بن قولويه (م 367 هـ)، المطبعة المباركة المرتضويّة - النجف الأشرف / 1356 هـ.

- الكامل في التاريخ - عليّ بن محمّد الشيبانيّ، ابن الأثير، منشورات دار صادر - بيروت / 1402 هـ.

- الكبريت الأحمر - محمّد باقر الخراسانيّ القائينيّ البيرجنديّ - كتاب فروشي إسلاميّة - طهران / 1347 هـ ش.

- كتاب سُلَيم بن قيس - سليم بن قيس الهلاليّ (م حدود 90 هـ)، منشورات دار الفنون - بيروت، مكتبة الإيمان - الشياح / 1400 هـ - 1980 م.

- كربلاء بين الحقائق والأوهام - إبراهيم إشكناني (معاصر)، دار التعارف - بيروت / 1398 هـ - 1978 م.

- الكشّاف عن حقائق التنزيل - جار الله محمود بن عمر الزمخشريّ (م 538 هـ)، دار المعرفة - بيروت.

- كشف الغمّة في معرفة الأئمّة - عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الإربليّ (م 692 هـ)، المطبعة العلميّة - قم / 1381 هـ.


- كشف المحجّة لثمرة المهجة - السيّد ابن طاووس، منشورات المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1370 هـ - 1950 م.

- كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام - محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ (م 658 هـ)، المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1390 هـ.

- كنز العمّال - عليّ بن حسام، المتّقيّ الهنديّ (م 975 هـ)، مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1405 هـ، عن طبعة جمعيّة دائرة المعارف العثمانيّة - حيدر آباد الدكن - الهند / 1364 هـ.

- كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق - عبد الرؤوف المناويّ (م 1031 هـ)، مطبوع بهامش الجامع الصغير للسيوطيّ - ط مصر.

ل

- اللهوف في قتلى الطفوف - السيّد ابن طاووس، منشورات المكتبة الحيدريّة - النجف الأشرف / 1385 هـ - 1965 م.

م

- مثير الأحزان - نجم الدين جعفر بن محمّد، ابن نما الحلّيّ (م 645 هـ)، تحقيق ونشر: مؤسّسة الإمام المهديّعليه‌السلام - ط 3 قم / 1406 هـ.

- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - عليّ بن أبي بكر الهيثميّ، ابن حجر (م 807 هـ)، ط 3 دار الكتاب العربيّ - بيروت / 1402 هـ - 1982 م.

- المحاسن والأضداد - عمرو بن بحر الجاحظ (م 255 هـ)، مطبعة السعادة - مصر / 1330 هـ.


- المحاسن والمساوئ - إبراهيم بن محمّد البيهقيّ (ق 4 هـ)، دار صادر - بيروت / 1390 هـ.

- المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء - محمّد بن المرتضى، المولى محسن الفيض الكاشانيّ (م 1091 هـ)، تصحيح وتعليق: عليّ أكبر غفاري، طبع دفتر انتشارات إسلامي - جامعة المدرّسين - قم / 1383 هـ.

- المختصر في أخبار البشر - عماد الدين إسماعيل بن عليّ، أبو الفداء (م 732 هـ)، منشورات دار الكتب العلميّة - بيروت / 1417 هـ - 1997 م.

- مدينة المعاجز - السيّد هاشم البحرانيّ (م 1107 هـ) - طبعة اُوفست 1290 هـ، مكتبة المحموديّ - طهران.

- مرآة الجِنان وعِبرة اليقظان - عبد الله بن أسعد اليافعيّ الشافعيّ (م 768 هـ)، طبعة حيدر آباد الدكن - الهند / 1338 هـ.

- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - الملاّ عليّ القاري (م 1014 هـ)، دار الفكر - بيروت / 1412 هـ - 1992 م.

- مروج الذهب ومعادن الجوهر - عليّ بن الحسين المسعوديّ (م 346 هـ)، دار الأندلس - بيروت / 1385 هـ - 1965 م.

- المستدرك على الصحيحين - أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوريّ (م 405 هـ)، ط دائرة المعارف النظاميّة - حيدر آباد الدكن - الهند / 1335 هـ.

- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل - الميرزا حسين النوريّ الطبرسيّ (م 1320 هـ)، المكتبة الإسلاميّة - طهران / 1382 هـ.

- مسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد - زين الدين عليّ بن أحمد الجُبَعيّ


العامليّ، الشهيد الثاني (م 965 هـ)، تحقيق: مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم / 1407 هـ.

- مسند أحمد بن حنبل - أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل الشيبانيّ (م 241 هـ)، دار صادر - بيروت.

- مصباح الزائر - السيّد ابن طاووس، نشر: مؤسّسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث - قم / 1417 هـ.

- مصباح الشريعة - المنسوب للإمام الصادقعليه‌السلام ، مؤسّسة الأعلميّ - بيروت / 1400 هـ - 1980 م.

- مصباح المتهجّد - الشيخ الطوسيّ، نشر: إسماعيل الأنصاريّ - قم / 1401 هـ.

- مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول - محمّد بن طلحة الشافعيّ (م 652 هـ)، ط النجف الأشرف.

- معاني الأخبار - الشيخ الصدوق، نشر: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم / 1379 هـ.

- معجم البلدان - ياقوت بن عبد الله الحمويّ البغداديّ (م 626 هـ)، دار صادر - بيروت / 1397 هـ.

- مقاتل الطالبيّين - عليّ بن الحسين، أبو الفرج الإصفهانيّ، مؤسّسة إسماعيليان - طهران، عن الطبعة المصريّة الاُولى في القاهرة / 1368 هـ - 1949 م.

- مقالات الإسلاميّين - عليّ بن إسماعيل الأشعريّ (م 324 هـ)، دار الحداثة - بيروت / 1405 هـ.

- مقتل الحسينعليه‌السلام - أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزديّ (ق 2 هـ)، انتشارات الأعلميّ - طهران.


- مقتل الحسينعليه‌السلام - السيّد عبد الرزّاق الموسويّ المقرّم (م 1391 هـ)، منشورات قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة - طهران.

- مقتل الحسينعليه‌السلام - الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ (م 568 هـ)، منشورات مكتبة المفيد - قم.

- مقتل الطريحيّ: يراجع المنتخب للطريحيّ.

- مقدّمة ابن خلدون - عبد الرحمان بن محمّد بن خلدون المالكيّ (م 808 هـ)، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت.

- مكارم الأخلاق - الحسن بن الفضل الطبرسيّ (ق 6 هـ)، ط 6 مؤسّسة الأعلميّ - بيروت / 1392 هـ - 1972 م.

- مَن لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق، ط 5 دار الكتب الإسلاميّة - طهران / 1390 هـ.

- مناقب آل أبي طالب - رشيد الدين محمّد بن عليّ بن شهر آشوب السرويّ المازندرانيّ (م 588 هـ)، مؤسّسة انتشارات العلاّمة - قم.

- المنتخب - فخر الدين الطريحيّ (م 1085)، انتشارات كتابخانه اُروميّة - قم.

- منهاج السُّنّة - أحمد بن تيميّة (م 728)، ط مصر / 1322 هـ.

- الموفقيّات (الأخبار الموفقيّات) - الزبير بن بكّار (م 256 هـ)، انتشارات الشريف الرضيّ - قم / 1416 هـ.

- الميزان في تفسير القرآن - السيّد محمّد حسين الطباطبائي (م 1402 هـ)، مؤسّسة إسماعيليان - قم / 1393 هـ - 1973 م.


ن

- نزهة المجالس - الصفوريّ الشافعيّ (م 894 هـ)، طبعة مصر - مكتبة مصطفى محمّد.

- نَفَس المهموم في مصيبة أبي عبد الله الحسين المظلوم - المحدّث الشيخ عبّاس القمّيّ (م 1359 هـ)، كتاب فروشي إسلاميّة - طهران / 1368 هـ.

و

- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة - محمّد بن الحسن، الحرّ العامليّ (م 1104 هـ)، دار إحياء التراث - بيروت / 1391 هـ.

- وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل - أحمد بن محمّد بن باكثير الحضرميّ المكّيّ الشافعيّ (م 1047 هـ)، مخطوط.

ي

- ينابيع المودّة - الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزيّ (م 1294 هـ)، تحقيق: السيّد علي جمال أشرف الحسينيّ، طبع دار الاُسوة - قم / 1422 هـ.



الفهرس

الإهداء 3

مُفتَتح الحديث 5

لماذا أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام ؟ 17

الموعظة الحسينيّة 27

السخاوة الحسينيّة 71

1 - السخاء مع الموعظة 79

2 - السخاء مع حفظ ماء الوجه 82

3 - السخاء مع الحياء 91

4 - السخاء مع الرأفة 95

5 - السخاء مع المكافأة العالية 100

6 - السخاء مع العناء 113

7 - السخاء مع سعة الصدر والوفاء 115

الشجاعة الحسينيّة 127

1 - الوعي والبصيرة 134

2 - الهدفيّة 136

3 - الدعوة الحقّة 165

من كلامه عليه‌السلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 170

4 - الموقف الكاشف 179

الغيرة الحسينيّة 221

الصلابة الحسينيّة 233

الخصّيصة الاُولى 244

الخصّيصة الثانية 245

الخصّيصة الثالثة 247

الخصّيصة الرابعة 250

الخصّيصة الخامسة 253


الرحمة الحسينيّة 257

الخصال الحسينيّة 275

1 - العَفْوُ الحُسَينِيّ 277

2 - الحِلْمُ الحُسَينِيّ 284

3 - المروءة الحسينيّة 288

4 - التواضعُ الحسَيْني 296

5 - الوفاء الحسيني 303

الفضائل الحسَينيّة 315

الخاتمة 337

المصادر 347


الأخلاق الحسينية

الأخلاق الحسينية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: جعفر البياتي
الناشر: تكسوار حجاز
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 368