كتاب شرح نهج البلاغة الجزء 3

مؤلف: ابن أبي الحديد
أمير المؤمنين عليه السلام

كتاب شرح نهج البلاغة

الجزء الثالث

ابن أبي الحديد


هذا الكتاب

طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين(عليهما‌السلام )للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


تتمة الخطب و الأوامر

تتمة خطبة.43

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله الواحد العدل الكريم،و اعلم أن الذي ذكره المرتضىرحمه‌الله تعالى،و أورده على قاضي القضاة جيد و لازم متى ادعى قاضي القضاة أن العدالة إذا ثبتت ظنا أو قطعا لم يجز العدول عنها،و التبرؤ إلا بما يوجب القطع،و يعلم به علما يقينيا زوالها،فأما إذا ادعى أن المعلوم لا يزول إلا بما يوجب العلم،فلا يرد عليه ما ذكره المرتضىرحمه‌الله تعالى.و له أن يقول قد ثبتت بالإجماع إمامة عثمان،و الإجماع دليل قطعي عند أصحابنا،و كل من ثبتت إمامته ثبتت عدالته بالطريق التي بها ثبتت إمامته ؛ لأنه لا يجوز أن تكون إمامته معلومة و شرائطها مظنونة ؛ لأن الموقوف على المظنون مظنون،فتكون إمامته مظنونة،و قد فرضناها معلومة و هذا خلف و محال،و إذا كانت عدالته معلومة لم يجز القول بانتفائها و زوالها إلا بأمر معلوم.و الأخبار التي رويت في أحداثه أخبار آحاد لا تفيد العلم،فلا يجوز العدول عن المعلوم بها،فهذا الكلام إذا رتب هذا الترتيب اندفع به ما اعترض به المرتضىرحمه‌الله تعالى


بقية رد المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان

فأما كلام المرتضىرحمه‌الله تعالى على الفصل الثاني من كلام قاضي القضاة،و هو الفصل المحكي عن شيخنا أبي عليرحمه‌الله تعالى،فنحن نورده قالرحمه‌الله تعالى.أما قوله:لو كان ما ذكر من الأحداث قادحا لوجب من الوقت الذي ظهرت الأحداث فيه أن يطلبوا رجلا ينصبونه في الإمامة ؛ لأن ظهور الحدث كموته فلما رأيناهم طلبوا إماما بعد قتله،دل على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث،فليس بشي‏ء معتمد ؛ لأن تلك الأحداث و إن كانت مزيلة عندهم لإمامته و فاسخة لها و مقتضية ؛ لأن يعقدوا لغيره الإمامة إلا أنهم لم يكونوا قادرين على أن يتفقوا على نصب غيره مع تشبثه بالأمر خوفا من الفتنة و التنازع و التجاذب،و أرادوا أن يخلع نفسه حتى تزول الشبهة و ينشط من يصلح للأمر لقبول العقد و التكفل بالأمر،و ليس يجري ذلك مجرى موته ؛ لأن موته يحسم الطمع في استمرار ولايته و لا تبقى شبهة في خلو الزمان من إمام،و ليس كذلك حدثه الذي يسوغ فيه التأويل على بعده،و تبقى معه الشبهة في استمرار أمره،و ليس نقول إنهم لم يتمكنوا من ذلك كما سأل نفسه بل الوجه في عدولهم ما ذكرناه من إرادتهم حسم المواد و إزالة الشبهة و قطع أسباب الفتنة.


قال:فأما قوله:إنه معلوم من حال هذه الأحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حصر فيها و قتل،بل كانت تقع حالا بعد حال،فلو كانت توجب الخلع و البراءة لما تأخر من المسلمين الإنكار عليه،و لكان المقيمون من الصحابة بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد،فلا شك أن الأحداث لم تحصل في وقت واحد إلا أنه غير منكر أن يكون نكيرهم إنما تأخر ؛ لأنهم تأولوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه حتى زاد الأمر و تفاقم،و بعد التأويل و تعذر التخريج و لم يبق للظن الجميل طريق فحينئذ أنكروا،و هذا مستمر على ما قدمنا ذكره من أن العدالة و الطريقة الجميلة،يتأول لها في الفعل و الأفعال القليلة بحسب ما تقدم من حسن الظن به،ثم ينتهي الأمر بعد ذلك إلى بعد التأويل و العمل على الظاهر القبيح.قال:على أن الوجه الصحيح في هذا الباب أن أهل الحق كانوا معتقدين بخلعه من أول حدث بل معتقدين أن إمامته لم تثبت وقتا من الأوقات،و إنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدمناه من أسباب الخوف و التقية ؛ لأن الاعتذار بالوجل كان عاما،فلما تبين أمره حالا بعد حال و أعرضت الوجوه عنه،و قل العاذر له قويت الكلمة في خلعه،و هذا إنما كان في آخر الأمر دون أوله،فليس يقتضي الإمساك عنه إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نسبة الخطأ إلى الجميع على ما ظنه.قال:فأما دفعه بأن تكون الأمة أجمعت على خلعه بخروجه نفسه،و خروج من كان في حيزه عن القوم فليس بشي‏ء ؛ لأنه إذا ثبت أن من عداه و عدا عبيده و الرهيط من فجار أهله و فساقهم،كمروان و من جرى مجراه كانوا مجمعين على خلعه فلا شبهة


في أن الحق في غير حيزه ؛ لأنه لا يجوز أن يكون هو المصيب و جميع الأمة مبطل،و إنما يدعى أنه على الحق لمن ينازع في إجماع من عداه،فأما مع التسليم لذلك فليس يبقى شبهة،و ما نجد مخالفينا يعتبرون في باب الإجماع بإجماع الشذاذ،و النفر القليل الخارجين من الإجماع،ألا ترى أنهم لا يحفلون بخلاف سعد و أهله و ولده في بيعه أبي بكر لقلتهم و كثرة من بإزائهم،و لذلك لا يعتدون بخلاف من امتنع من بيعة أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و يجعلونه شاذا لا تأثير بخلافه،فكيف فارقوا هذه الطريقة في خلع عثمان،و هل هذا إلا تقلب و تلون.قلت:أما إذا احتج أصحابنا على إمامة أبي بكر بالإجماع،فاعتراض حجتهم بخلاف سعد و ولده و أهله اعتراض جيد،و ليس يقول أصحابنا في جوابه هؤلاء شذاذ فلا نحفل بخلافهم،و إنما المعتبر بالكثرة التي بإزائهم،و كيف يقولون هذا و حجتهم الإجماع و لا إجماع،و لكنهم يجيبون عن ذلك بأن سعدا مات في خلافة عمر،فلم يبق من يخالف في خلافة عمر فانعقد الإجماع عليها،و بايع ولد سعد و أهله من قبل،و إذا صحت خلافة عمر صحت خلافة أبي بكر ؛ لأنها فرع عليها و محال أن يصح الفرع و يكون الأصل فاسدا،فهكذا يجيب أصحابنا عن الاعتراض بخلاف سعد إذا احتجوا بالإجماع،فأما إذا احتجوا بالاختيار،فلا يتوجه نحوهم الاعتراض بخلاف سعد و أهله و ولده ؛ لأنه ليس من شرط ثبوت الإمامة بالاختيار إجماع الأمة على الاختيار،و إنما يكفي فيه بيعة خمسة من أهل الحل و العقد على الترتيب الذي يرتب أصحابنا الدلالة عليه،و بهذا الطريق يثبت عندهم إمامة علي(عليه‌السلام )،و لم يحفل بخلاف معاوية و أهل الشام فيها.


قالرحمه‌الله تعالى:فأما قوله إن الصحابة كانت بين فريقين من نصره كزيد بن ثابت،و ابن عمر،و فلان و فلان،و الباقون ممتنعون انتظارا لزوال العارض،و لأنه ما ضيق عليهم الأمر في الدفع عنه فعجيب ؛ لأن الظاهر أن أنصاره هم الذين كانوا معه في الدار يقاتلون عنه و يدفعون الهاجمين عليه.فأما من كان في منزله ما أغنى عنه فتيلا فلا يعد ناصرا،و كيف يجوز ممن أراد نصرته و كان معتقدا لصوابه و خطإ المطالبين له بالخلع أن يتوقف عن النصرة طلبا لزوال العارض،و هل تراد النصرة إلا لدفع العارض و بعد زواله لا حاجة إليها،و ليس يحتاج في نصرته إلى أن يضيق هو عليهم الأمر فيها بل من كان معتقدا لها لا يحتاج حمله إلى إذنه فيها،و لا يحفل بنهيه عنها ؛ لأن المنكر مما قد تقدم أمر الله تعالى بالنهي عنه،فليس يحتاج في إنكاره إلى أمر غيره.قال:فأما زيد بن ثابت فقد روي ميله إلى عثمان و ما يغني ذلك و بإزائه جميع المهاجرين و الأنصار و لميله إليه سبب معروف،فإن الواقدي روى في كتاب الدار أن مروان بن الحكم لما حصر عثمان الحصر الأخير أتى زيد بن ثابت فاستصحبه إلى عائشة ليكلمها في هذا الأمر فمضيا إليها،و هي عازمة على الحج فكلماها في أن تقيم و تذب عنه فأقبلت على زيد بن ثابت،فقالت:و ما منعك يا ابن ثابت و لك الأشاريف قد اقتطعكها عثمان،و لك كذا و كذا،و أعطاك عثمان من بيت المال عشرة آلاف دينار.قال زيد:فلم أرجع عليها حرفا واحدا و أشارت إلى مروان بالقيام،فقام مروان و هو يقول:


حرق قيس علي البلاد

حتى إذا اضطرمت أجذما

فنادته عائشة و قد خرج من العتبة:يا ابن الحكم أعلي تمثل الأشعار قد و الله سمعت ما قلت،أتراني في شك من صاحبك ؟ و الذي نفسي بيده لوددت أنه الآن في غرارة من غرائري مخيط عليه فألقيه في البحر الأخضر.قال زيد بن ثابت:فخرجنا من عندها على اليأس منها.و روى الواقدي أن زيد بن ثابت اجتمع عليه عصابة من الأنصار،و هو يدعوهم إلى نصرة عثمان فوقف عليه جبلة بن عمرو بن حبة المازني،فقال له:و ما يمنعك يا زيد،أن تذب عنه أعطاك عشرة آلاف دينار و حدائق من نخل لم ترث عن أبيك مثل حديقة منها ؟ فأما ابن عمر،فإن الواقدي روى أيضا عنه أنه قال:و الله ما كان فينا إلا خاذل أو قاتل،و الأمر على هذا أوضح من أن يخفى.فأما ما ذكره من إنفاذ أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،الحسن و الحسين(عليهما‌السلام )،فإنما أنفذهما إن كان أنفذهما ليمنعا من انتهاك حريمه و تعمد قتله و منع خرمه و نسائه من الطعام و الشراب،و لم ينفذهما ليمنعا من مطالبته بالخلع و كيف و هو(عليه‌السلام )مصرح بأنه يستحق بإحداثه الخلع،و القوم الذين سعوا في ذلك إليه كانوا يغدون و يروحون،و معلوم منه ضرورة أنه كان مساعدا على خلعه و نقض أمره،لا سيما في المرة الأخيرة فأما ادعاؤه أنه(عليه‌السلام )لعن قتلته فهو يعلم ما في هذا من الروايات المختلفة التي


هي أظهر من هذه الرواية،و إن صحت فيجوز أن تكون محمولة على لعن من قتله متعمدا قتله قاصدا إليه،فإن ذلك لم يكن لهم.فأما ادعاؤه أن طلحة رجع لما ناشده عثمان يوم الدار،فظاهر البطلان و غير معروف في الرواية،و الظاهر المعروف أنه لم يكن على عثمان أشد من طلحة و لا أغلظ منه.قال:و لو حكينا من كلامه فيه ما قد روي،لأفنينا قطعة كثيرة من هذا الكتاب،و قد روي أن عثمان كان يقول يوم الدار:اللهم اكفني طلحة و يكرر ذلك علما بأنه أشد القوم عليه،و روي أن طلحة كان عليه يوم الدار درع و هو يرامي الناس و لم ينزع عن القتال حتى قتل الرجل.فأما ادعاؤه الرواية عن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ستكون فتنة،و أن عثمان و أصحابه يومئذ على الهدى،فهو يعلم أن هذه الرواية الشاذة لا تكون في مقابلة المعلوم ضرورة من إجماع الأمة على خلعه و خذله،و كلام وجوه المهاجرين و الأنصار فيه،و بإزاء هذه الرواية ما يملأ الطروس عن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و غيره مما يتضمن ما تضمنته،و لو كانت هذه الرواية معروفة لكان عثمان أولى الناس بالاحتجاج بها يوم الدار،و قد احتج عليهم بكل غث و سمين،و قبل ذلك لما خوصم و طولب بأن يخلع نفسه،و لاحتج بها عنه بعض أصحابه و أنصاره،و في علمنا بأن شيئا من ذلك لم يكن دلالة على أنها مصنوعة موضوعة.فأما ما رواه عن عائشة من قولها:قتل و الله مظلوما،فأقوال عائشة فيه معروفة و معلومة و إخراجها قميص رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و هي تقول:هذا قميصه لم يبل،و قد أبلى عثمان سنته إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.


فأما مدحها له و ثناؤها عليه،فإنما كانا عقيب علمها بانتقال الأمر إلى من انتقل إليه،و السبب فيه معروف،و قد وقفت عليه و قوبل بين كلامها فيه متقدما و متأخرا.فأما قوله،لا يمتنع أن يتعلق بأخبار الآحاد في ذلك ؛ لأنها في مقابلة ما يدعونه مما طريقه أيضا الآحاد فواضح البطلان ؛ لأن إطباق الصحابة و أهل المدينة إلا من كان في الدار معه على خلافه،فإنهم كانوا بين مجاهد و مقاتل مبارز،و بين متقاعد خاذل معلوم ضرورة لكل من سمع الأخبار،و كيف يدعى أنها من جهة الآحاد حتى يعارض بأخبار شاذة نادرة،و هل هذا إلا مكابرة ظاهرة ؟ فأما قوله:إنا لا نعدل عن ولايته بأمور محتملة،فقد مضى الكلام في هذا المعنى،و قلنا إن المحتمل هو ما لا ظاهر له و يتجاذبه أمور محتملة،فأما ما له ظاهر فلا يسمى محتملا،و إن سماه بهذه التسمية فقد بينا أنه مما يعدل من أجله عن الولاية،و فصلنا ذلك تفصيلا بينا.و أما قوله:إن للإمام أن يجتهد برأيه في الأمور المنوطة به و يكون مصيبا،و إن أفضت إلى عاقبة مذمومة،فأول ما فيه أنه ليس للإمام و لا غيره أن يجتهد في الأحكام،و لا يجوز أن يعمل فيها إلا على النص،ثم إذا سلمنا الاجتهاد فلا شك أن هاهنا أمورا لا يسوغ فيها الاجتهاد حتى يكون من خبرنا عنه بأنه اجتهد فيها غير مصوب،و تفصيل هذه الجملة يبين عند الكلام على ما تعاطاه من الإعذار عن أحداثه على جهة التفصيل.قلت:الكلام في هذا الموضع على سبيل الاستقصاء إنما يكون في الكتب الكلامية المبسوطة في مسألة الإمامة،و ليس هذا موضع ذاك و لكن يكفي قاضي القضاة أن يقول:


قد ثبت بالإجماع صحة إمامة عثمان،فلا يجوز الرجوع عن هذا الإجماع إلا بإجماع معلوم على خلعه و إباحة قتله،و لم يجمع المسلمون على ذلك ؛ لأنه قد كان بالمدينة من ينكر ذلك و إن قلوا،و قد كان أهل الأمصار ينكرون ذلك كالشام و البصرة،و الحجاز،و اليمن،و مكة،و خراسان،و كثير من أهل الكوفة،و هؤلاء مسلمون فيجب أن تعتبر أقوالهم في الإجماع،فإذا لم يدخلوا فيمن أجلب عليه لم ينعقد الإجماع على خلعه،و لا على إباحة دمه فوجب البقاء على ما اقتضاه الإجماع الأول.

ذكر المطاعن التي طعن بها على عثمان و الرد عليها

فأما الكلام في المطاعن المفصلة التي طعن بها فيه،فنحن نذكرها و نحكي ما ذكره قاضي القضاة،و ما اعترضه به المرتضىرحمه‌الله تعالى.الطعن الأول:قال قاضي القضاة في المغني فمما طعن به عليه،قولهم:إنه ولى أمور المسلمين من لا يصلح لذلك و لا يؤتمن عليه،و من ظهر منه الفسق و الفساد،و من لا علم عنده مراعاة منه لحرمة القرابة،و عدولا عن مراعاة حرمة الدين،و النظر للمسلمين حتى ظهر ذلك منه و تكرر،و قد كان عمر حذره من ذلك حيث وصفه بأنه كلف بأقاربه،و قال له:إذا وليت هذا الأمر فلا تسلط بني أبي معيط على رقاب الناس،فوقع منه ما حذره إياه و عوتب في ذلك،فلم ينفع العتب و ذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة و تقليده إياه


حتى ظهر منه شرب الخمر،و استعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه أهل الكوفة،و توليته عبد الله بن أبي سرح،و عبد الله بن عامر،بن كريز حتى روي عنه في أمر ابن أبي سرح أنه لما تظلم منه أهل مصر،و صرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر كاتبه بأن يستمر على ولايته،فأبطن خلاف ما أظهر فعل من غرضه خلاف الدين،و يقال:إنه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر و غيره ممن يرد عليه و ظفر بذلك الكتاب،و لذلك عظم التظلم من بعد و كثر الجمع،و كان سبب الحصار و القتل حتى كان من أمر مروان و تسلطه عليه و على أموره ما قتل بسببه،و ذلك ظاهر لا يمكن دفعه.قالرحمه‌الله تعالى:و جوابنا عن ذلك أن نقول أما ما ذكر من توليته من لا يجوز أن يستعمل،فقد علمنا أنه لا يمكن أن يدعى أنه حين استعملهم علم من أحوالهم خلاف الستر و الصلاح ؛ لأن الذي ثبت عنهم من الأمور القبيحة حدث من بعد،و لا يمتنع كونهم في الأول مستورين في الحقيقة أو مستورين عنده،و إنما كان يجب تخطئته لو استعملهم،و هم في الحال لا يصلحون لذلك.فإن قيل فلما علم بحالهم كان يجب أن يعزلهم،قيل:كذلك فعل ؛ لأنه إنما استعمل الوليد بن عقبة قبل ظهور شرب الخمر عنه


فلما شهد عليه بذلك جلده الحد و صرفه،و قد روي مثله عن عمر،فإنه ولى قدامة بن مظعون بعض أعماله فشهدوا عليه بشرب الخمر أشخصه و جلده الحد،فإذا عد ذلك في فضائل عمر لم يجز أن يعد ما ذكروه في الوليد من معايب عثمان،و يقال إنه لما أشخصه أقام عليه الحد بمشهد أمير المؤمنين(عليه‌السلام ).و قد اعتذر من عزله سعد بن أبي وقاص بالوليد بأن سعدا شكاه أهل الكوفة،فأداه اجتهاده إلى عزله بالوليد.فأما سعيد بن العاص،فإنه عزله عن الكوفة و ولى مكانه أبا موسى و كذلك عبد الله بن أبي سرح عزله،و ولى مكانه محمد بن أبي بكر،و لم يظهر له من مروان ما يوجب أن يصرفه عما كان مستعملا فيه،و لو كان ذلك طعنا لوجب مثله في كل من ولى،و قد علمنا أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ولى الوليد بن عقبة فحدث منه ما حدث،و حدث من بعض أمراء أمير المؤمنين(عليه‌السلام )الخيانة كالقعقاع بن شور ؛ لأنه ولاه على ميسان فأخذ مالها و لحق بمعاوية،و كذلك فعل الأشعث بن قيس بمال آذربيجان،و ولى أبا موسى الحكم فكان منه ما كان و لا يجب أن يعاب أحد بفعل غيره،و إذا لم يلحقه عيب في ابتداء ولايته فقد زال العيب فيما بعده.و قولهم إنه قسم أكثر الولايات في أقاربه،و زال عن طريقة الاحتياط للمسلمين،و قد كان عمر حذره من ذلك فليس بعيب ؛ لأن تولية الأقارب كتولية الأباعد في أنه يحسن إذا كانوا على صفات مخصوصة،و لو قيل:إن تقديمهم أولى لم يمتنع إذا كان المولي لهم أشد تمكنا من عزلهم و الاستبدال بهم،و قد ولى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )عبد الله بن العباس البصرة،و عبيد الله بن العباس اليمن،و قثم بن العباس مكة حتى قال مالك الأشتر عند ذلك:


على ما ذا قتلنا الشيخ أمس فيما يروى،و لم يكن ذلك بعيب إذا أدى ما وجب عليه في اجتهاده.فأما قولهم:إنه كتب إلى ابن أبي سرح حيث ولى محمد بن أبي بكر بأنه يقتله و يقتل أصحابه،فقد أنكر ذلك أشد إنكار حتى حلف عليه،و بين أن الكتاب الذي ظهر ليس كتابه و لا الغلام غلامه و لا الراحلة راحلته،و كان في جملة من خاطبه في ذلك أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فقبل عذره و ذلك بين ؛ لأن قول كل أحد مقبول في مثل ذلك،و قد علم أن الكتاب يجوز فيه التزوير،فهو بمنزلة الخبر الذي يجوز فيه الكذب.فإن قيل:فقد علم أن مروان هو الذي زور الكتاب ؛ لأنه هو الذي كان يكتب عنه فهلا أقام فيه الحد.قيل ليس يجب بهذا القدر أن يقطع على أن مروان هو الذي فعل ذلك ؛ لأنه و إن غلب ذلك في الظن،فلا يجوز أن يحكم به و قد كان القوم يسومونه تسليم مروان إليهم و ذلك ظلم ؛ لأن الواجب على الإمام أن يقيم الحد على من يستحقه أو التأديب،و لا يحل له تسليمه إلى غيره،فقد كان الواجب أن يثبتوا عنده ما يوجب في مروان الحد و التأديب ليفعله به،و كان إذا لم يفعل،و الحال هذه يستحق التعنيف،و قد ذكر الفقهاء في كتبهم أن الأمر بالقتل لا يوجب قودا و لا دية و لا حدا،فلو ثبت في مروان ما ذكروه لم يستحق القتل،و إن استحق التعزير لكنه عدل عن تعزيره ؛ لأنه لم يثبت و قد يجوز أن يكون عثمان ظن أن هذا الفعل فعل بعض من يعادي مروان تقبيحا لأمره ؛ لأن ذلك يجوز كما يجوز أن يكون من فعله،و لا يعلم كيف كان اجتهاده و ظنه و بعد،فإن هذا الحدث من أجل ما نقموا عليه،فإن كان شي‏ء من ذلك يوجب خلع عثمان و قتله فليس إلا هذا،و قد علمنا أن هذا الأمر لو ثبت ما كان يوجب القتل ؛ لأن الأمر بالقتل لا يوجب القتل سيما قبل وقوع القتل المأمور به فنقول لهم لو ثبت ذلك على عثمان أكان يجب قتله فلا يمكنهم ادعاء


ذلك؛لأنه بخلاف الدين و لا بد أن يقولوا إن قتله ظلم و كذلك حبسه في الدار و منعه من الماء،فقد كان يجب أن يدفع القوم عن كل ذلك ،و أن يقال إن من لم يدفعهم و ينكر عليهم يكون مخطئا.و في القول بأن الصحابة اجتمعوا على ذلك كلهم تخطئة لجميع أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و ذلك غير جائز،و قد علم أيضا أن المستحق للقتل و الخلع لا يحل أن يمنع الطعام و الشراب،و علم أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لم يمنع أهل الشام من الماء في صفين،و قد تمكن من منعهم و كل ذلك يدل على كون عثمان مظلوما،و أن ذلك من صنع الجهال،و أن أعيان الصحابة كانوا كارهين لذلك،و أيضا فإن قتله لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من الناس،و لا شبهة أن الذين أقدموا على قتله كانوا بهذه الصفة،و إذا صح أن قتله لم يكن لهم فمنعهم و النكير عليهم واجب.و أيضا فقد علم أنه لم يكن من عثمان ما يستحق به القتل من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق،و أنه لو كان منه ما يوجب القتل لكان الواجب أن يتولاه الإمام فقتله على كل حال منكر،و إنكار المنكر واجب.و ليس لأحد أن يقول إنه أباح قتل نفسه من حيث امتنع من دفع الظلم عنهم ؛ لأنه لم يمتنع من ذلك بل أنصفهم،و نظر في حالهم،و لأنه لو لم يفعل ذلك لم يحل لهم قتله ؛ لأنه إنما يحل قتل الظالم إذا كان على وجه الدفع و المروي أنهم أحرقوا بابه،و هجموا عليه في منزله،و بعجوه بالسيف و المشاقص،و ضربوا يد زوجته لما وقعت عليه و انتهبوا متاع داره،و مثل هذه القتلة لا تحل في الكافر و المرتد فكيف يظن أن الصحابة لم ينكروا ذلك ،و لم يعدوه ظلما حتى يقال:إنه مستحق من حيث لم يدفع القوم عنه،و قد تظاهر الخبر بما جرى من تجمع القوم عليه،و توسط أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لأمرهم و أنه


بذل لهم ما أرادوه و أعتبهم و أشهد على نفسه بذلك،و أن الكتاب الموجود بعد ذلك المتضمن لقتل القوم و وقف عليه و ممن أوقفه عليه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )فحلف أنه ما كتبه و لا أمر به،فقال له:فمن تتهم ؟ قال:ما أتهم أحدا و إن للناس لحيلا.و الرواية ظاهرة أيضا

بقوله:إن كنت أخطأت أو تعمدت،فإني تائب و مستغفر،فكيف يجوز و الحال هذه أن تهتك فيه حرمة الإسلام و حرمة البلد الحرام،و لا شبهة في أن القتل على وجه الغيلة لا يحل فيمن يستحق القتل،فكيف فيمن لا يستحقه و لو لا أنه كان يمنع من محاربة القوم ظنا منه أن ذلك يؤدي إلى القتل الذريع لكثر أنصاره.و قد جاء في الرواية أن الأنصار بدأت معونته و نصرته،و أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )قد بعث إليه ابنه الحسن(عليه‌السلام )فقال له:قل لأبيك فلتأتني،فأراد أمير المؤمنين(عليه‌السلام )المصير إليه فمنعه من ذلك محمد ابنه،و استعان بالنساء عليه حتى جاء الصريخ بقتل عثمان،فمد يده إلى القبلة و قال:اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان.فإن قالوا إنهم اعتقدوا أنه من المفسدين في الأرض و أنه داخل تحت آية المحاربين.قيل:فقد كان يجب أن يتولى الإمام هذا الفعل ؛ لأن ذلك يجري مجرى الحد و كيف يدعى ذلك،و المشهور عنه أنه كان يمنع من مقاتلتهم حتى روي أنه قال لعبيدة و مواليه،و قد هموا بالقتال من أغمد سيفه فهو حر،و لقد كان مؤثرا لنكير ذلك الأمر بما لا يؤدي إلى إراقة الدماء و الفتنة،و لذلك لم يستعن بأصحاب الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و إن كان لما اشتد الأمر أعانه من أعان ؛ لأن عند ذلك تجب النصرة و المعونة فحيث


كانت الحال متماسكة،و كان ينهى عن إنجاده و إعانته بالحرب امتنعوا و توقفوا،و حيث اشتد الأمر أعانه و نصره من أدركه دون من لم يغلب ذلك في ظنه.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:أما قوله لم يكن عالما بحال الفسقة الذين ولاهم قبل الولاية،فلا تعويل عليه ؛ لأنه لم يول هؤلاء النفر إلا و حالهم مشهورة في الخلاعة و المجانة و التجرم و التهتك،و لم يختلف اثنان في أن الوليد بن عقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر،و الاستخفاف بالدين على استقبال ولايته للكوفة،بل هذه كانت سنته و العادة المعروفة منه،و كيف يخفى على عثمان و هو قريبه و لصيقه و أخوه لأمه من حاله ما لا يخفى على الأجانب الأباعد،و لهذا قال له سعد بن أبي وقاص في رواية الواقدي،و قد دخل الكوفة:يا أبا وهب،أمير أم زائر ؟ قال:بل أمير،فقال سعد:ما أدري أحمقت بعدك أم كست بعدي ؟ قال:ما حمقت بعدي و لا كست بعدك،و لكن القوم ملكوا فاستأثروا،فقال سعد:ما أراك إلا صادقا.و في رواية أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن الوليد لما دخل الكوفة مر على مجلس عمرو بن زرارة النخعي فوقف،فقال عمرو:يا معشر بني أسد،بئسما استقبلنا به أخوكم ابن عفان أمن عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين السهل القريب،و يبعث بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديما و حديثا و استعظم الناس مقدمه،و عزل سعد به و قالوا أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و هذا تحقيق ما ذكرناه من أن حاله كانت مشهورة قبل الولاية لا ريب فيها عند أحد،فكيف


يقال:إنه كان مستورا حتى ظهر منه ما ظهر و في الوليد نزل قوله تعالى:( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) ،فالمؤمن هاهنا أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و الفاسق الوليد على ما ذكره أهل التأويل،و فيه نزل قوله تعالى:( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) و السبب في ذلك أنه كذب على بني المصطلق عند رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و ادعى أنهم منعوه الصدقة و لو قصصنا مخازيه المتقدمة و مساويه،لطال بها الشرح.و أما شربه الخمر بالكوفة و سكره حتى دخل عليه [ من دخل ] و أخذ خاتمه من إصبعه،و هو لا يعلم فظاهر و قد سارت به الركبان،و كذلك كلامه في الصلاة و التفاته إلى من يقتدي به فيها و هو سكران،و قوله لهم:أأزيدكم ؟ فقالوا:لا قد قضينا صلواتنا حتى قال الحطيئة في ذلك.

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه

أن الوليد أحق بالعذر


نادى و قد نفدت صلاتهم

أأزيدكم ثملا و ما يدري

ليزيدهم خيرا و لو قبلوا

منه لقادهم على عشر

فأبوا أبا وهب و لو فعلوا

لقرنت بين الشفع و الوتر

حبسوا عنانك إذ جريت و لو

خلوا عنانك لم تزل تجري

و قال فيه أيضا:

تكلم في الصلاة و زاد فيها

علانية و جاهر بالنفاق

و مج الخمر في سنن المصلى

و نادى و الجميع إلى افتراق

أزيدكم على أن تحمدوني

فما لكم و ما لي من خلاق

و أما قوله:إنه جلده الحد و عزله فبعد أي شي‏ء كان ذلك،و لم يعزله إلا بعد أن دافع و مانع و احتج عنه و ناضل،و لو لم يقهره أمير المؤمنين(عليه‌السلام )على رأيه لما عزله،و لا أمكن من جلده،و قد روى الواقدي أن عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بشرب الخمر أوعدهم و تهددهم.قال الواقدي:و يقال إنه ضرب بعض الشهود أيضا أسواطا،فأتوا أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فشكوا إليه،فأتى عثمان،فقال:عطلت الحدود و ضربت قوما شهدوا على أخيك،فقلبت الحكم و قد قال لك عمر:لا تحمل بني أمية و آل أبي معيط على رقاب الناس.قال:فما ترى ؟ قال:أرى أن تعزله و لا توليه شيئا من أمور المسلمين،و أن تسأل عن الشهود،فإن لم يكونوا أهل ظنة و لا عداوة أقمت على صاحبك الحد،و تكلم في مثل ذلك طلحة،و الزبير،و عائشة،و قالوا أقوالا شديدة و أخذته الألسن من كل جانب،فحينئذ عزله و مكن من إقامة الحد عليه.


و قد روى الواقدي:أن الشهود لما شهدوا عليه في وجهه،و أراد عثمان أن يحده ألبسه جبة خز و أدخله بيتا فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد:أنشدك الله أن تقطع رحمي و تغضب أمير المؤمنين،فلما رأى علي(عليه‌السلام )ذلك أخذ السوط و دخل عليه فجلده به،فأي عذر لعثمان في عزله و جلده بعد هذه الممانعة الطويلة و المدافعة الشديدة.و قصة الوليد مع الساحر الذي كان يلعب بين يديه و يغر الناس بمكره و خديعته،و أن جندب بن عبد الله الأزدي امتعض من ذلك و دخل عليه فقتله و قال له:أحي نفسك إن كنت صادقا،و أن الوليد أراد أن يقتل جندبا بالساحر حتى أنكر الأزد ذلك عليه فحبسه،و طال حبسه حتى هرب من السجن معروفة مشهورة.فإن قيل:فقد ولى رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )الوليد بن عقبة هذا صدقة بني المصطلق و ولاه عمر صدقة تغلب،فكيف تدعون أن حاله في أنه لا يصلح للولاية ظاهرة ؟ قلنا:لا جرم إنه غر رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و كذب على القوم حتى نزلت فيه الآية التي قدمنا ذكرها،فعزله و ليس خطب ولاية الصدقة مثل خطب ولاية الكوفة.فأما عمر فإنه لما بلغه قوله:

إذا ما شددت الرأس مني بمشوذ

فويلك مني تغلب ابنة وائل

عزله.و أما عزل أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بعض أمرائه لما ظهر من الحدث كالقعقاع بن شور و غيره،و كذلك عزل عمر قدامة بن مظعون لما شهد عليه بشرب الخمر و جلده له،فإنه لا يشبه ما تقدم ؛ لأن كل واحد ممن ذكرناه لم يول إلا من هو حسن الظاهر عنده و عند الناس غير معروف باللعب و لا مشهور بالفساد،ثم لما ظهر منه ما ظهر


لم يحام عنه و لا كذب الشهود عليه و كابرهم بل عزله مختارا غير مضطر،و كل هذا لم يجر في أمراء عثمان،و قد بينا كيف كان عزل الوليد و إقامة الحد عليه.فأما أبو موسى فإن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لم يوله الحكم مختارا لكنه غلب على رأيه و قهر على أمره و لا رأى لمقهور.فأما قوله:إن ولاية الأقارب كولاية الأباعد،بل الأقارب أولى من حيث كان التمكن من عزلهم أشد،و ذكر تولية أمير المؤمنين(عليه‌السلام )أولاد العباسرحمه‌الله تعالى و غيرهم فليس بشي‏ء ؛ لأن عثمان لم ينقم عليه تولية الأقارب من حيث كانوا أقارب،بل من حيث كانوا أهل بيت الظنة و التهمة،و لهذا حذره عمر و أشعر بأنه يحملهم على رقاب الناس و أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لم يول من أقاربه متهما و لا ظنينا،و حين أحس من ابن العباس ببعض الريبة لم يمهله و لا احتمله،و كاتبه بما هو شائع ظاهر،و لو لم يجب على عثمان أن يعدل عن ولاية أقاربه إلا من حيث جعل عمر ذلك سبب عدوله عن النص عليه،و شرط عليه يوم الشورى ألا يحمل أقاربه على رقاب الناس،و لا يؤثرهم لمكان القرابة بما لا يؤثر به غيرهم لكان صارفا قويا،فضلا عن أن ينضاف إلى ذلك ما انضاف من خصالهم الذميمة و طرائقهم القبيحة.فأما سعيد بن أبي العاص،فإنه قال في الكوفة:إنما السواد بستان لقريش تأخذ منه ما شاءت و تترك حتى قالوا له أتجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك و لقومك،و نابذوه و أفضى الأمر إلى تسييره من سير عن الكوفة و القصة مشهورة،ثم انتهى الأمر إلى منع أهل الكوفة سعيدا من دخولها و تكلموا فيه،و فيه عثمان كلاما ظاهرا حتى


كادوا يخلعون عثمان،فاضطر حينئذ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى،فلم يصرف سعيدا مختارا بل ما صرفه جملة،و إنما صرفه أهل الكوفة عنهم.فأما قوله:إنه أنكر الكتاب المتضمن لقتل محمد بن أبي بكر و أصحابه،و حلف على أن الكتاب ليس بكتابه،و لا الغلام غلامه،و لا الراحلة راحلته،و أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )قبل عذره،فأول ما فيه أنه حكى القصة بخلاف ما جرت عليه ؛ لأن جميع من يروي هذه القصة ذكر أنه اعترف بالخاتم و الغلام و الراحلة،و إنما أنكر أن يكون أمر بالكتابة ؛ لأنه روي أن القوم لما ظفروا بالكتاب قدموا المدينة،فجمعوا أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و طلحة و الزبير و سعدا و جماعة الأصحاب،ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصة الغلام،فدخلوا على عثمان و الكتاب مع أمير المؤمنين،فقال له:أهذا الغلام غلامك ؟ قال:نعم.قال:و البعير بعيرك ؟ قال:نعم.قال:أفأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال:لا و حلف بالله أنه ما كتب الكتاب و لا أمر به،فقال له:فالخاتم خاتمك ؟ قال:نعم.قال:فكيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه خاتمك و لا تعلم به.و في رواية أخرى أنه لما واقفه عليه،قال عثمان:أما الخط فخط كاتبي و أما الخاتم فعلى خاتمي.قال:فمن تتهم ؟ قال:أتهمك و أتهم كاتبي،فخرج أمير المؤمنين(عليه‌السلام )مغضبا و هو يقول بل بأمرك،و لزم داره و بعد عن توسط أمره حتى جرى عليه ما جرى.و أعجب الأمور قوله لأمير المؤمنين(عليه‌السلام ):إني أتهمك و تظاهره بذلك و تلقيه إياه في وجهه بهذا القول مع بعده من التهمة و الظنة في كل شي‏ء و في أمره خاصة،فإن القوم في الدفعة الأولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخبروه،حتى قام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بأمره،و توسطه،و أصلحه،و أشار عليه بأن يقاربهم و يعينهم حتى انصرفوا عنه و هذا


فعل النصيح المشفق الحدب المتحنن،و لو كان(عليه‌السلام )و حوشي من ذلك متهما عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة ؛ لأن الكتاب بخط عدوه مروان،و في يد غلام عثمان،و محمول على بعيره و مختوم بخاتمه،فأي ظن تعلق بأمير المؤمنين(عليه‌السلام )في هذا المكان لو لا العداوة و قلة الشكر للنعمة.و لقد قال له المصريون لما جحد:أن يكون الكتاب كتابه شيئا لا زيادة عليه في باب الحجة ؛ لأنهم قالوا له:إذا كنت ما كتبت و لا أمرت به ف،أنت ضعيف من حيث تم عليك أن يكتب كاتبك بما تختمه بخاتمك،و ينفذه بيد غلامك،و على بعيرك بغير أمرك،و من تم عليه ذلك لا يصلح أن يكون واليا على أمور المسلمين فاختلع عن الخلافة على كل حال.قال:و لقد كان يجب على صاحب المغني أن يستحيي من قوله،إن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )قبل عذره،و كيف يقبل عذر من يتهمه و يستغشه،و هو له ناصح،و ما قاله أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بعد سماع هذا القول منه معروف.و قوله:إن الكتاب يجوز فيه التزوير ليس بشي‏ء ؛ لأنه لا يجوز التزوير في الكتاب و الغلام و البعير،و هذه الأمور إذا انضاف بعضها إلى بعض بعد فيها التزوير،و قد كان يجب على كل حال أن يبحث عن القصة و عمن زور الكتاب،و أنفذ الرسول و لا ينام عن ذلك حتى يعرف من أين دهي و كيف تمت الحيلة عليه،فيحترز من مثلها و لا يغضي عن ذلك إغضاء ساتر له خائف من بحثه و كشفه.فأما قوله:إنه و إن غلب على الظن أن مروان كتب الكتاب،فإن الحكم بالظن لا يجوز و تسليمه إلى القوم على ما سألوه إياه ظلم ؛ لأن الحد و الأدب إذا وجب عليه فالإمام يقيمه دونهم،فتعلل بما لا يجدي ؛ لأنا لا نعمل إلا على قوله في أنه لم يعلم أن


مروان هو الذي كتب الكتاب،و إنما غلب على ظنه أما كان يستحق مروان بهذا الظن بعض التعنيف و الزجر و التهديد،أو ما كان يجب مع وقوع التهمة عليه،و قوة الأمارات في أنه جالب الفتنة و سبب الفرقة أن يبعده عنه و يطرده من داره و يسلبه ما كان يخصه به من إكرامه،و ما في هذه الأمور أظهر من أن ينبه له.فأما قوله:إن الأمر بالقتل لا يوجب قودا و لا دية سيما قبل وقوع القتل المأمور به،فهب أن ذلك على ما قال:أما أوجب الله تعالى على الأمر بقتل المسلمين تأديبا،و لا تعزيرا،و لا طردا،و لا إبعادا.و قوله:لم يثبت ذلك قد مضى ما فيه و بين أنه لم يستعمل فيه ما يجب استعماله من البحث،و الكشف،و تهديد المتهم،و طرده،و إبعاده،و التبرؤ من التهمة بما يتبرأ به من مثلها.فأما قوله:إن قتله ظلم و كذلك حبسه في الدار و منعه من الماء،و إنه لو استحق القتل أو الخلع لا يحل أن يمنع الطعام و الشراب،و قوله:إن من لم يدفع عن ذلك من الصحابة يجب أن يكون مخطئا،و قوله:إن قتله لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من الناس فباطل ؛ لأن الذين قتلوه غير منكر أن يكونوا تعمدوا قتله،و إنما طالبوه بأن يخلع نفسه لما ظهر لهم من أحداثه و يعتزل عن الأمر اعتزالا يتمكنون معه من إقامة غيره فلج،و صمم على الامتناع،و أقام على أمر واحد،فقصد القوم بحصره أن يلجئوه إلى خلع نفسه،فاعتصم بداره و اجتمع إليه نفر من أوباش بني أمية يدفعون عنه و يرمون من دنا إلى الدار،فانتهى الأمر إلى القتال بتدريج،ثم إلى القتل و لم يكن القتال،و لا القتل مقصودين في الأصل،و إنما أفضى الأمر إليهما على ترتيب و جرى ذلك مجرى


ظالم غلب إنسانا على رحله أو متاعه،فالواجب على المغلوب أن يمانعه و يدافعه ليخلص ماله من يده،و لا يقصد إلى إتلافه و لا قتله،فإن أفضى الأمر إلى ذلك بلا قصد كان معذورا،و إنما خاف القوم في التأني به و الصبر عليه إلى أن يخلع نفسه من كتبه التي طارت في الآفاق يستنصر عليهم،و يستقدم الجيوش إليهم،و لم يأمنوا أن يرد بعض من يدفع عنه فيؤدي ذلك إلى الفتنة الكبرى و البلية العظمى.و أما منع الماء و الطعام،فما فعل ذلك إلا تضييقا عليه ليخرج و يحوج إلى الخلع الواجب عليه،و قد يستعمل في الشريعة مثل ذلك فيمن لجأ إلى الحرم من ذوي الجنايات،و تعذر إقامة الحد عليه لمكان الحرم على أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )قد أنكر منع الماء و الطعام،و أنفذ من مكن من حمل ذلك ؛ لأنه قد كان في الدار من الحرم و النسوان و الصبيان من لا يحل منعه من الطعام و الشراب،و لو كان حكم المطالبة بالخلع و التجمع عليه و التضافر فيه حكم منع الطعام و الشراب في القبح و المنكر،لأنكره أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و منع منه كما منع من غيره،فقد روي عنه(عليه‌السلام ):أنه لما بلغه أن القوم قد منعوا الدار من الماء،قال:لا أرى ذلك إن في الدار صبيانا و عيالا،لا أرى أن يقتل هؤلاء عطشا بجرم عثمان،فصرح بالمعنى الذي ذكرناه،و معلوم أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )ما أنكر المطالبة بالخلع بل كان مساعدا على ذلك و مشاورا فيه.فأما قوله:إن قتل الظالم إنما يحل على سبيل الدفع،فقد بينا أنه لا ينكر أن يكون قتله وقع على ذلك الوجه ؛ لأنه في تمسكه بالولاية عليهم،و هو لا يستحقها في حكم الظالم لهم فمدافعته واجبة.


و أما قصة الكتاب الموجود فلم يحكها على الوجه،و قد شرحنا نحن الرواية الواردة بها.و أما قوله:إنه قال إن كنت أخطأت أو تعمدت،فإني تائب مستغفر،فقد أجابه القوم عن هذا،و قالوا:هكذا قلت في المرة الأولى و خطبت على المنبر بالتوبة و الاستغفار،ثم وجدنا كتابك بما يقتضي الإصرار على أقبح ما عتبنا منه،فكيف نثق بتوبتك و استغفارك.فأما قوله:إن القتل على وجه الغيلة لا يحل فيمن يستحق القتل فكيف فيمن لا يستحقه،فقد بينا أنه لم يكن على سبيل الغيلة و أنه لا يمتنع أن يكون إنما وقع على سبيل المدافعة.فأما ادعاؤه أنه منع من نصرته و أقسم على عبيده بترك القتال،فقد كان ذلك لعمري في ابتداء الأمر ظنا منه أن الأمر ينصلح،و القوم يرجعون عما هموا به،فلما اشتد الأمر و وقع اليأس من الرجوع و النزوع،لم يمنع أحدا من نصرته و المحاربة عنه،و كيف يمنع من ذلك،و قد بعث إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )يستنصره و يستصرخه.و الذي يدل على أنه لم يمنع في الابتداء من محاربتهم إلا للوجه الذي ذكرناه دون غيره أنه لا خلاف بين أهل الرواية غب عن نصرة الحاضر من يستدعي نصرة الغائب.فأما قوله:إن أميفي أن كتبه تفرقت في الآفاق يستنصر و يستدعي الجيوش فكيف يرر المؤمنين(عليه‌السلام )أراد أن يأتيه حتى منعه ابنه محمد،فقول بعيد مما جاءت به الرواية جدا ؛ لأنه لا إشكال في أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لما واجهه عثمان بأنه يتهمه و يستغشه انصرف مغضبا عامدا،على أنه لا يأتيه أبدا قائلا فيه ما يستحقه من الأقوال.


فأما قوله في جواب سؤال،من قال إنهم اعتقدوا فيه أنه من المفسدين في الأرض،و أن آية المحاربة تتناوله،و أنه قد كان يجب أن يتولى الإمام ذلك الفعل بنفسه ؛ لأن ذلك يجري مجرى الحد فطريف ؛ لأن الإمام يتولى ما يجري هذا المجرى إذا كان منصوبا ثابتا،و لم يكن على مذهب القوم هناك إمام يجوز أن يتولى ما يجري مجرى الحدود،و متى لم يكن إمام يقوم بالدفع عن الدين و الذب عن الأمة جاز أن تتولى الأمة ذلك بنفوسها.قال:و ما رأيت أعجب من ادعاء مخالفينا أن أصحاب الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )كانوا كارهين لما جرى على عثمان،و أنهم كانوا يعتقدونه منكرا و ظلما،و هذا يجري عند من تأمله مجرى دفع الضرورات قبل النظر في الأخبار،و سماع ما ورد من شرح هذه القصة ؛ لأنه معلوم أن ما يكرهه جميع الصحابة أو أكثرهم في دار عزهم و بحيث ينفذ أمرهم و نهيهم لا يجوز أن يتم،و معلوم أن نفرا من أهل مصر لا يجوز أن يقدموا المدينة،فيغلبوا جميع المسلمين على آرائهم و يفعلوا بإمامهم ما يكرهونه بمرأى منهم و مسمع،و هذا معلوم بطلانه بالبداهة،و الضرورات قبل تصفح الأخبار و تأملها،و قد روى الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبي جعفر القارئ مولى بني مخزوم،قال:كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي،و كنانة بن بشر الكندي،و عمرو بن الحمق الخزاعي،و الذين قدموا المدينة من الكوفة مائتين عليهم مالك الأشتر النخعي،و الذين قدموا من البصرة مائة رجل رئيسهم حكيم بن جبلة العبدي،و كان أصحاب النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )الذين خذلوه لا يرون أن الأمر يبلغ به القتل،و لعمري لو قام بعضهم فحثا التراب في وجوه أولئك لانصرفوا،و هذه الرواية تضمنت من عدد القوم الوافدين،في هذا الباب أكثر مما تضمنه غيرها.و روى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال:قلت له


كيف لم يمنع أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )عن عثمان،فقال:إنما قتله أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).و روي عن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فقال:نعم شهده ثمانمائة.و كيف يقال إن القوم كانوا كارهين،و هؤلاء المصريون كانوا يغدون إلى كل واحد منهم،و يروحون و يشاورونه فيما يصنعونه،و هذا عبد الرحمن بن عوف،و هو عاقد الأمر لعثمان و جالبه إليه،و مصيره في يده يقول على ما رواه الواقدي،و قد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه،فبلغ ذلك عثمان،فبعث إلى بئر كان عبد الرحمن يسقي منها نعمه فمنع منها،و وصى عبد الرحمن ألا يصلي عليه عثمان،فصلى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص،و قد كان حلف لما تتابعت أحداث عثمان ألا يكلمه أبدا.و روى الواقدي قال:لما توفي أبو ذر بالربذة تذاكر أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و عبد الرحمن فعل عثمان،فقال أمير المؤمنين(عليه‌السلام )له:هذا عملك فقال عبد الرحمن،فإذا شئت فخذ سيفك و آخذ سيفي إنه خالف ما أعطاني.فأما محمد بن مسلمة،فإنه أرسل إليه عثمان يقول له عند قدوم المصريين في الدفعة الثانية،اردد عني،فقال:لا و الله لا أكذب الله في سنة مرتين و إنما عنى بذلك أنه كان أحد من كلم المصريين في الدفعة الأولى،و ضمن لهم عن عثمان الرضا.و في رواية الواقدي أن محمد بن مسلمة كان يموت و عثمان محصور،فيقال له:عثمان مقتول،فيقول:هو قتل نفسه.


فأما كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و طلحة،و الزبير،و عائشة،و جميع الصحابة واحدا واحدا،فلو تعاطينا ذكره لطال به الشرح و من أراد أن يقف على أقوالهم مفصلة،و ما صرحوا به من خلعه و الإجلاب عليه فعليه بكتاب الواقدي،فقد ذكر هو و غيره من ذلك ما لا زيادة عليه.الطعن الثاني:كونه رد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة،و قد كان رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )طرده و امتنع أبو بكر من رده،فصار بذلك مخالفا للسنة و لسيرة من تقدمه مدعيا على رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )عاملا بدعواه من غير بينة.قال قاضي القضاةرحمه‌الله ،و جوابنا عن ذلك:أن المروي في الأخبار أنه لما عوتب في ذلك ذكر أنه استأذن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فيه،و إنما لم يقبل أبو بكر و عمر قوله ؛ لأنه شاهد واحد،و كذلك روي عنهما فكأنهما جعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تختص،فلم يقبلا فيه خبر الواحد،و أجرياه مجرى الشهادة،فلما صار الأمر إليه حكم بعلمه ؛ لأن للحاكم أن يحكم بعلمه في هذا الباب،و في غيره عند شيخينا و لا يفصلان بين حد و حق و لا بين أن يكون العلم قبل الولاية أو حال الولاية،و يقولان إنه أقوى من البينة و الإقرار.و قال شيخنا أبو عليرحمه‌الله تعالى:إنه لا وجه يقطع به على كذب روايته في إذن


النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )في رده ،و لا بد من تجويز كونه صادقا ،و في تجويز ذلك كونه معذورا.فإن قيل الحاكم إنما يحكم بعلمه مع زوال التهمة ،و قد كانت التهمة في رد الحكم قوية لقرابته.قيل:الواجب على غيره ألا يتهمه إذا كان لفعله وجه يصح عليه ؛ لأنه قد نصب منصبا يقتضي زوال التهمة عنه ،و حمل أفعاله على الصحة ،و متى طرقنا عليه التهمة أدى إلى بطلان كثير من الأحكام ،و قد قال الشيخ أبو الحسين الخياطرحمه‌الله تعالى إنه لو لم يكن في رده إذن من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لجاز أن يكون طريقه الاجتهاد ؛ لأن النفي إذا كان صلاحا في الحال لا يمتنع أن يتغير حكمه باختلاف الأوقات ،و تغير حال المنفي ،و إذا كان لأبي بكر أن يسترد عمر من جيش أسامة للحاجة إليه ،و إن كان قد أمر رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )بنفوذه من حيث تغيرت الحال ،فغير ممتنع مثله في الحكم.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى على هذا ،فقال:أما دعواه أن عثمان ادعى أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أذن في رد الحكم فشي‏ء لم يسمع إلا من قاضي القضاة ،و لا يدرى من أين نقله ،و لا في أي كتاب وجده ،و الذي رواه الناس كلهم خلاف ذلك.روى الواقدي من طرق مختلفة ،و غيره أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح أخرجه النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )إلى الطائف ،و قال لا تساكني في بلد أبدا ،فجاءه عثمان فكلمه فأبى،ثم كان من أبي بكر مثل ذلك،ثم كان من عمر مثل ذلك ،فلما قام عثمان أدخله و وصله و أكرمه ،فمشى في ذلك علي و الزبير ،و طلحة ،و سعد ،و عبد الرحمن بن عوف


و عمار بن ياسر حتى دخلوا على عثمان،فقالوا له:إنك قد أدخلت هؤلاء القوم يعنون الحكم و من معه،و قد كان النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أخرجهم،و إنا نذكرك الله و الإسلام و معادك،فإن لك معادا و منقلبا،و قد أبت ذلك الولاة قبلك،و لم يطمع أحد أن يكلمها فيهم،و هذا شي‏ء نخاف الله فيه عليك،فقال عثمان:إن قرابتهم مني ما تعلمون،و قد كان رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )حيث كلمته أطعمني في أن يأذن لهم،و إنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم،و لم يضركم مكانهم شيئا،و في الناس من هو شر منهم،فقال علي(عليه‌السلام ):لا أجد شرا منه و لا منهم،ثم قال:هل تعلم عمر يقول:و الله ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس،و الله إن فعل ليقتلنه،فقال عثمان:ما كان منكم أحد ليكون بينه و بينه من القرابة ما بيني و بينه،و ينال من المقدرة ما نلت إلا قد كان سيدخله،و في الناس من هو شر منه،قال فغضب علي(عليه‌السلام )،و قال:و الله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت،و سترى يا عثمان،غب ما تفعل،ثم خرجوا من عنده.و هذا كما ترى خلاف ما ادعاه صاحب المغني ؛ لأن الرجل لما احتفل ادعى أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )كان أطمعه في رده،ثم صرح بأن رعايته فيه القرابة هي الموجبة لرده و مخالفة الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و قد روي من طرق مختلفة أن عثمان لما كلم أبا بكر و عمر في رد الحكم أغلظا له و زبراه،و قال له عمر يخرجه رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و تأمرني أن أدخله،و الله لو أدخلته لم آمن أن يقول قائل غير عهد رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و الله لأن أشق باثنتين كما تشق الأبلمة أحب إلى من أن أخالف لرسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أمرا،و إياك يا ابن عفان،أن تعاودني فيه بعد اليوم و ما رأينا


عثمان.قال في جواب هذا التعنيف و التوبيخ من أبي بكر و عمر:إن عندي عهدا من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فيه لا أستحق معه عتابا و لا تهجينا،و كيف تطيب نفس مسلم موقر لرسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )معظم له أن يأتي إلى عدو رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )مصرح بعداوته و الوقيعة فيه،حتى بلغ به الأمر إلى أن كان يحكى مشيته طرده رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و أبعده و لعنه،حتى صار مشهورا بأنه طريد رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فيكرمه و يرده إلى حيث أخرج منه،و يصله بالمال العظيم إما من مال المسلمين أو من ماله إن هذا لعظيم كبير قبل التصفح و التأمل و التعلل بالتأويل الباطل.فأما قول صاحب المغني إن أبا بكر و عمر لم يقبلا قوله ؛ لأنه شاهد واحد و جعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تخص،فأول ما فيه أنه لم يشهد عندهما بشي‏ء واحد في باب الحكم على ما رواه جميع الناس،ثم ليس هذا من باب الذي يحتاج فيه إلى الشاهدين،بل هو بمنزلة كل ما يقبل فيه أخبار الآحاد و كيف يجوز أن يجري أبو بكر و عمر مجرى الحقوق ما ليس منها،و قوله لا بد من تجويز كونه صادقا في روايته ؛ لأن القطع على كذب روايته لا سبيل إليه ليس بشي‏ء ؛ لأنا قد بينا أنه لم يرو عن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )إذنا إنما ادعى أنه أطمعه في ذلك،و إذا جوزنا كونه صادقا في هذه الرواية بل قطعنا على صدقه لم يكن معذورا.فأما قوله:الواجب على غيره ألا يتهمه إذا كان لفعله وجه يصح عليه لانتصابه منصبا يزيل التهمة،فأول ما فيه أن الحاكم لا يجوز أن يحكم بعلمه مع التهمة،و التهمة قد تكون لها أمارات و علامات فما وقع منها عن أمارات و أسباب تتهم في العادة كان مؤثرا،و ما لم يكن كذلك فلا تأثير له و الحكم هو عم عثمان و قريبه و نسيبه و من


قد تكلم في رده مرة بعد أخرى،و لوال بعد وال،و هذه كلها أسباب التهمة،فقد كان يجب أن يتجنب الحكم بعلمه في هذا الباب خاصة لتطرق التهمة إليه.فأما ما حكاه عن أبي الحسين الخياط من أن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لو لم يأذن في رده لجاز أن يرده إذا أداه اجتهاده إلى ذلك ؛ لأن الأحوال قد تتغير فظاهر البطلان ؛ لأن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )إذا حظر شيئا أو أباحه لم يكن لأحد أن يجتهد في إباحة المحظور أو حظر المباح،و من يجوز الاجتهاد في الشريعة لا يقدم على مثل هذا ؛ لأنه إنما يجوز عندهم فيما لا نص فيه و لو سوغنا الاجتهاد في مخالفة ما تناوله النص لم يؤمن أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى تحليل الخمر،و إسقاط الصلاة بأن تتغير الحال،و هذا هدم للشريعة،فأما الاستشهاد باسترداد عمر من جيش أسامة،فالكلام في الأمرين واحد.الطعن الثالث:أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة التي هي عدة المسلمين،نحو ما روي أنه دفع إلى أربعة أنفس من قريش زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار،و أعطى مروان مائة ألف عند فتح إفريقية،و يروى خمس إفريقية و غير ذلك،و هذا بخلاف سيرة من تقدمه في القسمة على الناس بقدر الاستحقاق،و إيثار الأباعد على الأقارب.قال قاضي القضاة و جوابنا عن ذلك أن من الظاهر المشهور أن عثمان كان عظيم اليسار كثير المال،فلا يمتنع أن يكون إنما أعطى أهل بيته من ماله،و إذا احتمل ذلك وجب حمله على الصحة.و قد قال شيخنا أبو عليرحمه‌الله تعالى أن الذي روي من دفعه إلى ثلاثة نفر من قريش زوجهم بناته إلى كل واحد منهم مائة ألف دينار،إنما هو من ماله و لا رواية


تصح أنه أعطاهم ذلك من بيت المال و لو صح ذلك لكان لا يمتنع أن يكون أعطاهم من بيت المال ليرد عوضه من ماله ؛ لأن للإمام عند الحاجة أن يفعل ذلك كما له أن يقرض غيره.و قال شيخنا أبو علي أيضا أن ما روي من دفعه خمس إفريقية لما فتحت إلى مروان ليس بمحفوظ و لا منقول على وجه يجب قبوله و إنما يرويه من يقصد التشنيع و قد قال الشيخ أبو الحسين الخياط أن ابن أبي سرح لما غزا البحر و معه مروان في الجيش ففتح الله عليهم و غنموا غنيمة عظيمة اشترى مروان من ابن أبي سرح الخمس بمائة ألف و أعطاه أكثرها ثم قدم على عثمان بشيرا بالفتح و قد كانت قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش فرأى عثمان أن يهب له ما بقي عليه من المال و للإمام فعل مثل ذلك ترغيبا في مثل هذه الأمور.قال و هذا الصنع كان منه في السنة الأولى من إمامته و لم يبرأ أحد منه فيها فلا وجه للتعلق بذلك.و ذكر أبو الحسين الخياط أيضا فيما أعطاه أقاربه أنه وصلهم لحاجتهم فلا يمتنع مثله في الإمام إذا رآه صلاحا و ذكر في إقطاعه القطائع لبني أمية أن الأئمة قد تحصل في أيديهم الضياع لا مالك لها و يعلمون أنها لا بد فيها ممن يقوم بإصلاحها و عمارتها و يؤدى عنها ما يجب من الحق فله أن يصرف من ذلك إلى من يقوم به و له أيضا أن يهد بعضها على بعض بحسب ما يعلم من الصلاح و التألف و طريق ذلك الاجتهاد.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام فقال أما قوله يجوز أن يكون إنما أعطاهم من ماله فالرواية بخلاف ذلك و قد صرح الرجل بأنه كان يعطي من بيت المال


صلة لرحمه و لما عوتب على ذلك لم يعتذر عنه بهذا الضرب من العذر و لا قال إن هذه العطايا من مالي فلا اعتراض لأحد فيها روى الواقدي بإسناده عن المسور بن عتبة قال سمعت عثمان يقول إن أبا بكر و عمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما و ذوي أرحامهما و إني تأولت فيه صلة رحمي.و روي عنه أيضا أنه كان بحضرته زياد بن عبيد مولى الحارث بن كلدة الثقفي و قد بعث إليه أبو موسى بمال عظيم من البصرة فجعل عثمان يقسمه بين ولده و أهله بالصحاف فبكى زياد فقال لا تبك فإن عمر كان يمنع أهله و ذوي قرابته ابتغاء وجه الله و أنا أعطي أهلي و ولدي و قرابتي ابتغاء وجه الله.و قد روي هذا المعنى عنه من عدة طرق بألفاظ مختلفة.و روى الواقدي أيضا بإسناده قال قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص و روى أيضا أنه ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمائة ألف فوهبها له حين أتاه بها و روى أبو مخنف و الواقدي أن الناس أنكروا على عثمان إعطاء سعيد بن العاص مائة ألف و كلمه علي و الزبير و طلحة و سعد و عبد الرحمن في ذلك فقال إن له قرابة و رحما قالوا فما كان لأبي بكر و عمر قرابة و ذوو رحم فقال إن أبا بكر و عمر كان يحتسبان في منع قرابتهما و أنا أحتسب في إعطاء قرابتي قالوا فهديهما و الله أحب إلينا من هديك.و روى أبو مخنف أن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية قدم على عثمان من مكة و معه ناس فأمر لعبد الله بثلاثمائة ألف و لكل واحد من القوم بمائة ألف


و صك بذلك على عبد الله بن الأرقم و كان خازن بيت المال فاستكثره و رد الصك به و يقال إنه سأل عثمان أن يكتب عليه بذلك كتابا فأبى و امتنع ابن الأرقم أن يدفع المال إلى القوم فقال له عثمان إنما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت فقال ابن الأرقم كنت أراني خازن المسلمين و إنما خازنك غلامك و الله لا إلي لك بيت المال أبدا و جاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر و يقال بل ألقاها إلى عثمان فرفعها إلى نائل مولاه.و روى الواقدي أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يحمل من بيت مال المسلمين إلى عبد الله بن الأرقم في عقيب هذا الفعل ثلاثمائة ألف درهم فلما دخل بها عليه قال له يا أبا محمد إن أمير المؤمنين أرسل إليك يقول إنا قد شغلناك عن التجارة و لك ذوو رحم أهل حاجة ففرق هذا المال فيهم و استعن به على عيالك فقال عبد الله بن الأرقم:ما لي إليه حاجة و ما عملت ؛ لأن يثيبني عثمان و الله إن كان هذا من بيت مال المسلمين ما بلغ قدر عملي أن أعطى ثلاثمائة ألف و لئن كان من مال عثمان ما أحب أن أرزأه من ماله شيئا و ما في هذه الأمور أوضح من أن يشار إليه و ينبه عليه.فأما قوله و لو صح أنه أعطاهم من بيت المال لجاز أن يكون ذلك على طريق القرض فليس بشي‏ء ؛ لأن الروايات أولا تخالف ما ذكره و قد كان يجب لما نقم عليه وجوه الصحابة إعطاء أقاربه من بيت المال أن يقول لهم هذا على سبيل القرض و أنا أرد عوضه و لا يقول ما تقدم ذكره من أنني أصل به رحمي على أنه ليس للإمام أن يقترض من بيت مال المسلمين إلا ما ينصرف في مصلحة لهم مهمة يعود عليهم نفعها أو في سد خلة و فاقة لا يتمكنون من القيام بالأمر معها فأما أن يقرض المال ليتسع به


و يمرح فيه مترفي بني أمية و فساقهم فلا أحد يجيز ذلك.فأما قوله حاكيا عن أبي علي إن دفعه خمس إفريقية إلى مروان ليس بمحفوظ و لا منقول فباطل ؛ لأن العلم بذلك يجري مجرى العلم بسائر ما تقدم و من قرأ الأخبار علم ذلك على وجه لا يعترض فيه شك كما يعلم نظائره.روى الواقدي عن أسامة بن زيد عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال أغزانا عثمان سنة سبع و عشرين إفريقية فأصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح غنائم جليلة فاعطى عثمان مروان بن الحكم تلك الغنائم و هذا كما ترى يتضمن الزيادة على إعطاء الخمس و يتجاوزه إلى إعطاء الأصل.و روى الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور قالت لما بنى مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه و كان المسور ممن دعاه فقال مروان و هو يحدثهم و الله ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما فما فوقه فقال المسور لو أكلت طعامك و سكت كان خيرا لك لقد غزوت معنا إفريقية و إنك لأقلنا مالا و رقيقا و أعوانا و أخفنا ثقلا فأعطاك ابن عمك خمس إفريقية و عملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين.و روى الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف أن مروان ابتاع خمس إفريقية بمائتي ألف درهم و مائتي ألف دينار و كلم عثمان فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان و هذا بعينه هو الذي اعترف به أبو الحسين الخياط و اعتذر عنه بأن قلوب المسلمين تعلقت بأمر ذلك الجيش فرأى عثمان أن يهب لمروان ثمن ما ابتاعه من الخمس لما جاءه بشيرا بالفتح على سبيل الترغيب و هذا الاعتذار ليس بشي‏ء لأن الذي رويناه من الأخبار في هذا الباب خال من البشارة و إنما يقتضي أنه سأله ترك ذلك عليه فتركه و ابتدأ هو بصلته و لو أتى بشيرا بالفتح كما ادعوا لما جاز أن يترك عليه خمس الغنيمة العائد نفعه على المسلمين،


لأن تلك البشارة لا تبلغ إلى أن يستحق البشير بها مائتي ألف درهم و لا اجتهاد في مثل هذا و لا فرق بين من جوز أن يؤدي الاجتهاد إلى مثله و من جوز أن يؤدي الاجتهاد إلى دفع أصل الغنيمة إلى البشير بها و من ارتكب ذلك ألزم جواز أن يؤدي الاجتهاد إلى إعطاء هذا البشير جميع أموال المسلمين في الشرق و الغرب.فأما قوله إنه وصل بني عمه لحاجتهم و رأى في ذلك صلاحا فقد بينا أن صلاته لهم كانت أكثر مما تقتضيه الخلة و الحاجة و أنه كان يصل فيهم المياسير،ثم الصلاح الذي زعم أنه رآه لا يخلو إما أن يكون عائدا على المسلمين أو على أقاربه فإن كان على المسلمين فمعلوم ضرورة أنه لا صلاح لأحد من المسلمين في إعطاء مروان مائتي ألف دينار و الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم و ابن أسيد ثلاثمائة ألف درهم إلى غير ما ذكرنا بل على المسلمين في ذلك غاية الضرر و إن أراد الصلاح الراجع إلى الأقارب فليس له أن يصلح أمر أقاربه بفساد أمر المسلمين و ينفعهم بما يضر به المسلمين.و أما قوله:إن القطائع التي أقطعها بني أمية إنما أقطعهم إياها لمصلحة تعود على المسلمين ؛ لأن تلك الضياع كانت خرابا لا عامر لها فسلمها إلى من يعمرها و يؤدي الحق عنه فأول ما فيه أنه لو كان الأمر على ما ذكره و لم تكن هذه القطائع على سبيل الصلة و المعونة لأقاربه لما خفي ذلك على الحاضرين و لكانوا لا يعدون ذلك من مثالبه و لا يواقفونه عليه في جملة ما واقفوه عليه من أحداثه،ثم كان يجب لو فعلوا ذلك أن يكون جوابه بخلاف ما روي من جوابه ؛ لأنه كان يجب أن يقول لهم و أي منفعة في هذه القطائع عائدة على قرابتي حتى تعدوا ذلك من جملة صلاتي لهم و إيصالي المنافع إليهم و إنما جعلتهم فيها بمنزلة الأكرة الذين ينتفع بهم أكثر من انتفاعهم أنفسهم و ما كان


يجب أن يقول ما تقدمت روايته من أني محتسب في إعطاء قرابتي و أن ذلك على سبيل الصلة لرحمي إلى غير ذلك مما هو خال من المعنى الذي ذكره.الطعن الرابع إنه حمى الحمى عن المسلمين مع أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )جعلهم سواء في الماء و الكلأ.قال قاضي القضاة و جوابنا عن ذلك إنه لم يحم الكلأ لنفسه و لا استأثر به لكنه حماه لإبل الصدقة التي منفعتها تعود على المسلمين و قد روي عنه هذا الكلام بعينه و أنه قال إنما فعلت ذلك لإبل الصدقة و قد أطلقته الآن و أنا أستغفر الله و ليس في الاعتذار ما يزيد عن ذلك.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام فقال:أما أولا فالمروي بخلاف ما ذكر ؛ لأن الواقدي روى بإسناده قال كان عثمان يحمي الربذة و الشرف و البقيع فكان لا يدخل الحمى بعير له و لا فرس و لا لبني أمية حتى كان آخر الزمان فكان يحمي الشرف لإبله و كانت ألف بعير و لإبل الحكم بن أبي العاص و يحمي الربذة لإبل الصدقة و يحمي البقيع لخيل المسلمين و خيله و خيل بني أمية.قال على أنه لو كان إنما حماه لإبل الصدقة لم يكن بذلك مصيبا ؛ لأن الله تعالى و رسوله أباحا الكلأ و جعلاه مشتركا فليس لأحد أن يغير هذه الإباحة و لو كان


في هذا الفعل مصيبا و أنه إنما حماه لمصلحة تعود على المسلمين لما جاز أن يستغفر الله منه و يعتذر ؛ لأن الاعتذار إنما يكون من الخطإ دون الصواب.الطعن الخامس إنه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة و غيرها و ذلك مما لا يحل في الدين قال قاضي القضاة و جوابنا عن ذلك أنه إنما جاز له ذلك لعلمه بحاجة المقاتلة و استغناء أهل الصدقة ففعل ذلك على سبيل الإفراض و قد فعل رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )مثله و للإمام في مثل هذه الأمور أن يفعل ما جرى هذا المجرى ؛ لأن عند الحاجة ربما يجوز له أن يقترض من الناس فأن يجوز له أن يتناول من مال في يده ليرد عوضه من المال الآخر أولى.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:إن المال الذي جعل الله تعالى له جهة مخصوصة لا يجوز أن يعدل به عن جهته بالاجتهاد و لو كانت المصلحة في ذلك موقوفة على الحاجة لشرطها الله تعالى في هذا الحكم لأنه سبحانه أعلم بالمصالح و اختلافها منا و لكان لا يجعل لأهل الصدقة منها القسط مطلقا.و أما قوله إن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فعل مثله فهي دعوى مجردة من برهان و قد كان يجب أن يروي ما ذكر في ذلك و أما ما ذكره من الاقتراض فأين كان عثمان عن هذا العذر لما ووقف عليه.الطعن السادس أنه ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه


قال قاضي القضاة قال شيخنا أبو عليرحمه‌الله تعالى لم يثبت عندنا و لا صح عندنا ما يقال من طعن عبد الله عليه و إكفاره له و الذي يصح من ذلك أن عبد الله كره منه جمعه الناس على قراءة زيد بن ثابت و إحراقه المصاحف و ثقل ذلك عليه كما يثقل على الواحد منا تقديم غيره عليه.و قد قيل إن بعض موالي عثمان ضربه لما سمع منه الوقيعة في عثمان و لو صح أنه أمر بضربة لم يكن بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود لأن للإمام تأديب غيره و ليس لغيره الوقيعة فيه إلا بعد البيان و قد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن ابن مسعود إنما عابه لعزله إياه،و قد روي أن عثمان اعتذر إليه فلم يقبل عذره و لما أحضر إليه عطاءه في مرضه قال ابن مسعود منعتني إياه إذ كان ينفعني و جئتني به عند الموت لا أقبله و أنه وسط أم حبيبة زوج النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ليزيل ما في نفسه فلم يجب و هذا يوجب ذم ابن مسعود إذ لم يقبل الندم و يوجب براءة عثمان من هذا العيب لو صح ما صح ما رووه من ضربه.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال المعلوم المروي خلاف ما ذكره أبو علي و لا يختلف أهل النقل في طعن ابن مسعود على عثمان و قوله فيه أشد الأقوال و أعظمها و العلم بذلك كالعلم بكل ما يدعى فيه الضرورة و قد روى كل من روى السيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود كان يقول ليتني و عثمان برمل عالج يحثو علي و أحثو عليه حتى يموت الأعجز مني و منه.و رووا أنه كان يطعن عليه فيقال له ألا خرجت عليه ليخرج معك فيقول ؛ لأن أزاول جبلا راسيا أحب إلى من أن أزاول ملكا مؤجلا.


و كان يقوم كل يوم جمعة بالكوفة جاهرا معلنا أن أصدق القول كتاب الله و أحسن الهدي هدي محمد و شر الأمور محدثاتها و كل محدث بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار و إنما كان يقول ذلك معرضا بعثمان حتى غضب الوليد بن عقبة من استمرار تعريضه و نهاه عن خطبته هذه فأبى أن ينتهي فكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان يستقدمه عليه.و روي أنه لما خرج عبد الله بن مسعود إلى المدينة مزعجا عن الكوفة خرج الناس معه يشيعونه و قالوا له:يا أبا عبد الرحمن،ارجع فو الله لا نوصله إليك أبدا فإنا لا نأمنه عليك فقال أمر سيكون و لا أحب أن أكون أول من فتحه.و قد روي عنه أيضا من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب و تعاطى ما روي عنه في هذا الباب يطول و هو أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد عليه و أنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته بالعداوة أن قال لما حضره الموت من يتقبل مني وصية أوصيه بها على ما فيها فسكت القوم و عرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمار بن ياسررحمه‌الله تعالى أنا أقبلها فقال ابن مسعود ألا يصلي علي عثمان قال ذلك لك فيقال إنه لما دفن جاء عثمان منكرا لذلك فقال له قائل أن عمارا ولي الأمر فقال لعمار ما حملك على أن لم تؤذني فقال عهد إلي ألا أوذنك فوقف على قبره و أثنى عليه ثم انصرف و هو يقول رفعتم و الله أيديكم عن خير من بقي فتمثل الزبير بقول الشاعر:

لا ألفينك بعد الموت تندبني

و في حياتي ما زودتني زادي

و لما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا،فقال ما تشتكي فقال ذنوبي قال فما تشتهي قال رحمة بي قال ألا أدعو لك طبيبا؟قال:


الطبيب أمرضني قال أفلا آمر لك بعطائك قال منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغن عنه قال يكون لولدك قال رزقهم على الله تعالى قال استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي.قال و صاحب المغني قد حكى بعض هذا الخبر في آخر الفصل الذي حكاه من كلامه و قال هذا يوجب ذم ابن مسعود من حيث لم يقبل العذر و هذا منه طريف ؛ لأن مذهبه لا يقتضي قبول كل عذر ظاهر و إنما يجب قبول العذر الصادق الذي يغلب في الظن أن الباطن فيه كالظاهر فمن أين لصاحب المغني أن اعتذار عثمان إلى ابن مسعود كان مستوفيا للشرائط التي يجب معها القبول و إذا جاز ما ذكرناه لم يكن على ابن مسعود لوم في الامتناع من قبول عذره.فأما قوله إن عثمان لم يضربه و إنما ضربه بعض مواليه لما سمع وقيعته فيه فالأمر بخلاف ذلك و كل من قرأ الأخبار علم أن عثمان أمر بإخراجه عن المسجد على أعنف الوجوه و بأمره جرى ما جرى عليه و لو لم يكن بأمره و رضاه لوجب أن ينكر على مولاه كسر ضلعه و يعتذر إلى من عاتبه على فعله بابن مسعود بأن يقول إني لم آمر بذلك و لا رضيته من فاعله و قد أنكرت عليه فعله.و في علمنا بأن ذلك لم يكن دليل على ما قلنا و قد روى الواقدي بإسناده و غيره أن ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلما علم عثمان بدخوله قال أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة من تمشي على طعامه يقي‏ء و يسلح،فقال ابن مسعود لست كذلك و لكنني صاحب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )يوم بدر و صاحبه يوم أحد و صاحبه يوم بيعة الرضوان و صاحبه يوم الخندق و صاحبه يوم حنين قال و صاحت عائشة يا عثمان أ تقول هذا لصاحب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فقال عثمان اسكتي،ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصي أخرجه إخراجا عنيفا فأخذه


ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب مسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه فقال ابن مسعود قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان و في رواية أخرى أن ابن زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولى لعثمان أسود مسدما طوالا و في رواية أخرى أن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان و في رواية أنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله أنشدك الله ألا تخرجني من مسجد خليلي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).قال الراوي فكأني أنظر إلى حموشة ساقي عبد الله بن مسعود و رجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد و هو الذي يقول فيه رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد.و قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر و هذه قصة أخرى و ذلك أن أبا ذررحمه‌الله تعالى لما حضرته الوفاة بالربذة و ليس معه إلا امرأته و غلامه عهد إليهما أن غسلاني،ثم كفناني،ثم ضعاني على قارعة الطريق،فأول ركب يمرون بكم قولوا لهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فأعينونا على دفنه فلما مات فعلوا ذلك و أقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها فقام إليهم العبد فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فأعينونا على دفنه فانهل ابن مسعود باكيا و قال صدق رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،قال له تمشي وحدك و تموت وحدك و تبعث وحدك ثم نزل هو و أصحابه فواروه قال فأما قوله إن ذلك ليس بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود فواضح البطلان و إنما كان طعنا في عثمان دون ابن مسعود ؛ لأنه لا خلاف


بين الأمة في طهارة ابن مسعود و فضله و إيمانه و مدح رسول الله ص و ثنائه عليه و أنه مات على الجملة المحمودة منه و في جميع هذا خلاف بين المسلمين في عثمان.فأما قوله إن ابن مسعود كره جمع عثمان الناس على قراءة زيد و إحراقه المصاحف فلا شك أن عبد الله كره ذلك كما كرهه جماعة من أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و تكلموا فيه و قد ذكر الرواة كلام كل واحد منهم في ذلك مفصلا و ما كره عبد الله من ذلك إلا مكروها و هو الذي يقول رسول الله ص في حقه من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد و روي عن ابن عباسرحمه‌الله تعالى أنه قال قراءة ابن أم عبد هي القراءة الأخيرة إن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )كان يعرض عليه القرآن في كل سنة من شهر رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه دفعتين فشهد عبد الله ما نسخ منه و ما صح فهي القراءة الأخيرة.

و روي عن الأعمش قال قال ابن مسعود لقد أخذت القرآن من في رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )سبعين سورة و إن زيد بن ثابت لغلام في الكتاب له ذؤابة.فأما حكايته عن أبي الحسين الخياط أن ابن مسعود إنما عاب عثمان لعزله إياه فعبد الله عند كل من عرفه بخلاف هذه الصورة و إنه لم يكن ممن يخرج على عثمان و يطعن في إمامته بأمر يعود إلى منفعة الدنيا و إن كان عزله بما لا شبهة فيه في دين و لا أمانة عيبا لا شك فيه.


الطعن السابع:أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة،و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شك أنه نزل من القرآن،و أنه مأخوذ عن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و لو كان ذلك مما يسوغ لسبق إليه رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و لفعله أبو بكر و عمر.قال قاضي القضاة و جوابنا عن ذلك أن الوجه في جمع القرآن على قراءة واحدة تحصين القرآن،و ضبطه،و قطع المنازعة،و الاختلاف فيه و قولهم:لو كان ذلك واجبا لفعله الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )غير لازم ؛ لأن الإمام إذا فعله صار كأن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فعله،و لأن الأحوال في ذلك تختلف،و قد روي أن عمر كان عزم على ذلك فمات دونه،و ليس لأحد أن يقول إن إحراقه المصاحف استخفاف بالدين و ذلك ؛ لأنه إذا جاز من الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أن يخرب المسجد الذي بني ضرارا و كفرا،فغير ممتنع إحراق المصاحف.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:إن اختلاف الناس في القراءة ليس بموجب لما صنعه ؛ لأنهم يروون أن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )قال:نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف،فهذا الاختلاف عندهم في القرآن مباح مسند عن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسع في الحروف ما هو مباح،فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادعى لما أباح النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )في الأصل إلا القراءة الواحدة ؛ لأنه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته من حيث كان مؤيدا بالوحي موفقا في كل ما يأتي و يذر،و ليس له أن يقول حدث من الاختلاف في أيام عثمان ما لم يكن في أيام الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و لا ما أباحه و ذلك ؛ لأن الأمر


لو كان على هذا لوجب أن ينهى عن القراءة الحادثة،و الأمر المبتدع،و لا يحمله ما أحدث من القراءة على تحريم المتقدم بلا شبهة.و قوله:إن الإمام إذا فعل ذلك،فكأن الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فعله تعلل بالباطل،و كيف يكون كما ادعى،و هذا الاختلاف بعينه قد كان موجودا في أيام الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فلو كان سبب الانتشار الزيادة في القرآن و في قطعه تحصين له لكان(عليه‌السلام )بالنهي عن هذا الاختلاف أولى من غيره،اللهم إلا أن يقال:حدث اختلاف لم يكن فقد قلنا فيه ما كفى.و أما قوله:إن عمر قد كان عزم على ذلك فمات دونه فما سمعناه إلا منه و لو فعل ذلك،أي:فاعل كان لكان منكرا.فأما الاعتذار عن كون إحراق المصاحف لا يكون استخفافا بالدين بحمله إياه على تخريب مسجد الضرار،فبين الأمرين بون بعيد ؛ لأن البنيان إنما يكون مسجدا و بيتا لله تعالى بنية الباني و قصده،و لو لا ذلك لم يكن بعض البنيان بأن يكون مسجدا أولى من بعض،و لما كان قصد الباني لذلك الموضع غير القربة و العبادة بل خلافها و ضدها من الفساد و المكيدة لم يكن في الحقيقة مسجدا،و إن سمي بذلك مجازا على ظاهر الأمر فهدمه لا حرج فيه،و ليس كذلك ما بين الدفتين ؛ لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظم الذي يجب صيانته عن البذلة و الاستخفاف،فأي نسبة بين الأمرين.الطعن الثامن:أنه أقدم عمار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق،و لهذا صار أحد من ظاهر المتظلمين من أهل الأمصار على قتله،و كان يقول قتلناه كافرا.


قال قاضي القضاة:و قد أجاب شيخنا أبو عليرحمه‌الله تعالى عن ذلك،فقال:إن ضرب عمار غير ثابت و لو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله لم يجب أن يكون طعنا عليه ؛ لأن للإمام تأديب من يستحق التأديب و مما يبعد صحة ذلك أن عمارا لا يجوز أن يكفره،و لما يقع منه ما يستوجب به الكفر ؛ لأن الذي يكفر به الكافر معلوم،و لأنه لو كان قد وقع ذلك لكان غيره من الصحابة أولى بذلك،و لوجب أن يجتمعوا على خلعه،و لوجب أن يكون قتله مباحا لهم بل كان يجب أن يقيموا إماما ليقتله على ما قدمناه،و ليس لأحد أن يقول إنما كفره عمار من حيث وثب على الخلافة و لم يكن لها أهلا ؛ لأنا قد بينا القول في ذلك،و لأنه كان منصوبا لأبي بكر و عمر ما تقدم،و قد بينا أن صحة إمامتهما تقتضي صحة إمامة عثمان.

و قد روي أن عمارا نازع الحسن بن علي(عليه‌السلام )في أمر عثمان،فقال عمار:قتل عثمان كافرا،و قال الحسن(عليه‌السلام ):قتل مؤمنا و تعلق بعضهما ببعض فصارا إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فقال:ما ذا تريد من ابن أخيك فقال إني قلت كذا،و قال:كذا،فقال له:أمير المؤمنين(عليه‌السلام ):أتكفر برب كان يؤمن به عثمان،فسكت عمار و قد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه عمارا احتج لنفسه،فقال:جاءني سعد و عمار فأرسلا إلي أن ائتنا،فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها،فأرسلت إليهما أني مشغول فانصرفا فموعدكما يوم كذا،فانصرف سعد،و أبى عمار أن ينصرف فأعدت الرسول إليه فأبى أن ينصرف،فتناوله بغير أمري و و الله ما أمرت به و لا رضيت،و ها أنا فليقتص مني.قال:و هذا من أنصف قول و أعدله.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:أما الدفع لضرب عمار فهو


كالإنكار لطلوع الشمس ظهورا و انتشارا،و كل من قرأ الأخبار و تصفح السير يعلم من هذا الأمر ما لا تثنيه عنه مكابرة و لا مدافعة،و هذا الفعل أعني ضرب عمار لم تختلف الرواة فيه،و إنما اختلفوا في سببه،فروى عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي و جوهر،فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله،فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك و كلموه فيه بكل كلام شديد حتى أغضبوه،فخطب فقال:لنأخذن حاجتنا من هذا الفي‏ء و إن رغمت به أنوف أقوام،فقال له علي(عليه‌السلام ):إذن تمنع من ذلك و يحال بينك و بينه،فقال عمار:أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك،فقال عثمان:أعلي يا ابن ياسر،تجترئ خذوه فأخذ و دخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه،ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة رضي الله تعالى عنها،فلم يصل الظهر و العصر و المغرب،فلما أفاق توضأ و صلى،و قال:الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا في الله تعالى،فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي:و كان عمار حليفا لبني مخزوم يا عثمان،أما علي فاتقيته و أما نحن فاجترأت علينا،و ضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف،أما و الله لئن مات لأقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشأن،فقال عثمان:و إنك لهاهنا يا ابن القسرية.قال:فإنهما قسريتان،و كانت أم هشام و جدته قسريتين من بجيلة فشتمه عثمان،و أمر به فأخرج فأتي به أم سلمة رضي الله تعالى عنها،فإذا هي قد غضبت لعمار،و بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها ما صنع بعمار ف،غضبت أيضا و أخرجت شعرا من شعر رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و نعلا من نعاله،و ثوبا من ثيابه و قالت:ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم و هذا شعره و ثوبه و نعله لم يبل بعد.


وروى آخرون:أن السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد،فسأل عنه فقيل عبد الله بن مسعود،فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصلاة عليه و القيام بشأنه،فعندها وطئ عثمان عمارا حتى أصابه الفتق.و روى آخرون أن المقداد،و عمارا،و طلحة،و الزبير و عدة من أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان،و خوفوه به،و أعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع،فأخذ عمار الكتاب فأتاه به فقرأ منه صدرا،ثم قال له أعلي تقدم من بينهم فقال:لأني أنصحهم لك.قال:كذبت يا ابن سمية،فقال:أنا و الله ابن سمية،و ابن ياسر،فأمر عثمان غلمانا له فمدوا بيديه و رجليه،ثم ضربه عثمان برجليه،و هي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق،و كان ضعيفا كبيرا فغشي عليه.قال:فضرب عمار على ما ترى غير مختلف فيه بين الرواة،و إنما اختلفوا في سببه و الخبر الذي رواه صاحب المغني،و حكاه عن أبي الحسين الخياط ما نعرفه،و كتب السيرة المعلومة خالية منه و من نظيره،و قد كان يجب أن يضيفه إلى الموضع الذي أخذ منه،فإن قوله و قول من أسند إليه ليس بحجة،و لو كان صحيحا لكان يجب أن يقول بدل قوله:ها أنا فليقتص مني إذا كان ما أمر بذلك،و لا رضي عنه،و إنما ضربه الغلام الجاني فليقتص منه،فإنه أولى و أعدل.و بعد فلا تنافي بين الروايتين لو كان ما رواه معروفا ؛ لأنه يجوز أن يكون غلامه ضربه في حال و ضربه هو في حال أخرى،و الروايات إذا لم تتعارض لم يجز إسقاط شي‏ء منها.فأما قوله:إن عمارا لا يجوز أن يكفره و لم يقع منه ما يوجب الكفر،فإن تكفير عمار و غير عمار له معروف،و قد جاءت به الروايات،و قد روي من طرق مختلفة و بأسانيد كثيرة أن عمارا كان يقول ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر،و أنا الرابع،و أنا شر


الأربعة( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْكافِرُونَ ) ،و أنا أشهد أنه قد حكم بغير ما أنزل الله.و روي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له:بأي شي‏ء كفرتم عثمان ؟ فقال:بثلاث جعل المال دولة بين الأغنياء و جعل المهاجرين من أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )بمنزلة من حارب الله و رسوله،و عمل بغير كتاب الله.و روي عن حذيفة أنه كان يقول ما في عثمان بحمد الله أشك لكني أشك في قاتله لا أدري أكافر قتل كافرا أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله ؟ و هو أفضل المؤمنين إيمانا،فأما ما رواه من منازعة الحسن(عليه‌السلام )عمارا في ذلك،و ترافعهما إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فهو أولا غير دافع لكون عمار مكفرا له بل شاهد بذلك من قوله(عليه‌السلام ):ثم إن كان الخبر صحيحا فالوجه فيه أن عمارا كان يعلم من لحن كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و عدوله عن أن يقضي بينهما بصريح من القول أنه متمسك بالتقية،فأمسك عمار متابعة لغرضه.فأما قوله:لا يجوز أن يكفره من حيث وثب على الخلافة ؛ لأنه كان مصوبا لأبي بكر و عمر لما تقدم من كلامه في ذلك،فإنا لا نسلم له أن عمارا كان مصوبا لهما و ما تقدم من كلامه قد تقدم كلامنا عليه.فأما قوله عن أبي علي أنه لو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله فيه لم يكن طعنا ؛ لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك،فقد كان يجب أن يستوحش صاحب كتاب المغني أو من حكى كلامه من أبي علي،و غيره من أن يعتذر من ضرب عمار،و وقذه حتى لحقه من الغشي ما ترك له الصلاة،و وطئه بالأقدام امتهانا و استخفافا بشي‏ء من العذر


فلا عذر يسمع من إيقاع نهاية المكروه بمن روي أن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )قال:فيه عمار جلده ما بين العين و الأنف،و متى تنكأ الجلدة يدم الأنف،و روي أنه قال(عليه‌السلام ):ما لهم و لعمار يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار روى العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل،عن علقمة،عن خالد بن الوليد،أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )قال:(من عادى عمارا عاداه الله،و من أبغض عمارا أبغضه الله)و أي كلام غليظ سمعه عثمان من عمار يستحق به ذلك المكروه العظيم الذي يجاوز مقدار ما فرضه الله تعالى في الحدود،و إنما كان عمار و غيره أثبتوا عليه أحداثه و معايبه أحيانا على ما يظهر من سيئ أفعاله،و قد كان يجب عليه أحد أمرين إما أن ينزع عما يواقف عليه من تلك الأفعال أو يبين من عذره عنها،و براءته منها ما يظهر و يشتهر،فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه و تفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره،و لا يقدم على ما يفعله الجبابرة و الأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى و حكم به.الطعن التاسع:إقدامه علي أبي ذر مع تقدمه في الإسلام حتى سيره إلى الربذة و نفاه،و قيل إنه ضربه.قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك:أن شيخنا أبا عليرحمه‌الله تعالى قال:إن الناس اختلفوا في أمر أبي ذررحمه‌الله تعالى،و روي أنه قيل لأبي ذر عثمان أنزلك الربذة،فقال:لا بل اخترت لنفسي ذلك.و روي أن معاوية كتب يشكوه و هو بالشام،فكتب عثمان إليه أن صر إلى المدينة فلما صار إليها قال:ما أخرجك إلى الشام قال:لأني سمعت رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )


يقول:إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج عنها فلذلك خرجت،فقال:فأي البلاد أحب إليك بعد الشام ؟ قال:الربذة،فقال:صر إليها.قال:و إذا تكافأت الأخبار لم يكن لهم في ذلك حجة و لو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن يخرجه إلى الربذة لصلاح يرجع إلى الدين،فلا يكون ظلما لأبي ذر بل يكون إشفاقا عليه و خوفا من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه،فقد روي أنه كان يغلظ في القول و يخشن الكلام،فيقول لم يبق أصحاب محمد على ما عهد و ينغر بهذا القول،فرأى إخراجه أصلح لما يرجع إليه و إليهم و إلى الدين،و قد روي أن عمر أخرج عن المدينة نصر بن الحجاج لما خاف ناحيته،و قد ندب الله سبحانه إلى خفض الجناح للمؤمنين و إلى القول اللين للكافرين،و بين للرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أنه لو استعمل الفظاظة لانفضوا من حوله،فلما رأى عثمان من خشونة كلام أبي ذر و ما كان يورده مما يخشى منه التنغير فعل ما فعل.قال:و قد روي عن زيد بن وهب قال:قلت لأبي ذررحمه‌الله تعالى و هو بالربذة:ما أنزلك هذا المنزل ؟ قال:أخبرك أني كنت بالشام في أيام معاوية،و قد ذكرت هذه الآية( وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) ،فقال معاوية:هذه في أهل الكتاب،فقلت:هي فيهم و فينا،فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك فكتب إلي أن أقدم علي فقدمت عليه فانثال الناس إلي،كأنهم لم يعرفوني فشكوت ذلك إلى عثمان فخيرني و قال:انزل حيث شئت فنزلت الربذة.


و قد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط قريبا مما تقدم من أن إخراج أبي ذر إلى الربذة كان باختياره،و روى في ذلك خبرا قال:و أقل ما في ذلك أن تختلف الأخبار فتطرح،و يرجع إلى الأمر الأول في صحة إمامة عثمان و سلامة أحواله.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:أما قول أبي علي إن الأخبار في سبب خروج أبي ذر إلى الربذة متكافئة،فمعاذ الله أن تتكافأ في ذلك بل المعروف و الظاهر أنه نفاه أولا إلى الشام،ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية،ثم نفاه من المدينة إلى الربذة،و قد روى جميع أهل السير على اختلاف طرقهم و أسانيدهم أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ما أعطاه،و أعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم،و أعطى زيد بن ثابت مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول بشر الكانزين بعذاب أليم،و يتلو قول الله تعالى:( وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) ،فرفع ذلك مروان إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك،فقال:أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله و عيب من ترك أمر الله فو الله ؛ لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي و خير لي من أن أسخط الله برضاه،فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر.و قال يوما:أيجوز للإمام أن يأخذ من المال،فإذا أيسر قضى،فقال كعب الأحبار:لا بأس بذلك،فقال له أبو ذر:يا ابن اليهوديين،أتعلمنا ديننا فقال عثمان،قد كثر أذاك لي و تولعك بأصحابي الحق بالشام،فأخرجه إليها فكان أبو ذر ينكر علي معاوية أشياء يفعلها،فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار،فقال أبو ذر:إن كانت هذه


من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها،و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها و ردها عليه.و بنى معاوية الخضراء بدمشق،فقال أبو ذر:يا معاوية،إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة،و إن كانت من مالك فهو الإسراف.و كان أبو ذررحمه‌الله تعالى يقول:و الله لقد حدثت أعمال ما أعرفها،و الله ما هي في كتاب الله،و لا سنة نبيه،و الله إني لأرى حقا يطفأ،و باطلا يحيا،و صادقا مكذبا،و أثرة بغير تقى و صالحا مستأثرا عليه،فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية:أن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه،فكتب معاوية إلى عثمان فيه،فكتب عثمان إلى معاوية أما بعد فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب و أوعره،فوجه به مع من سار به الليل و النهار،و حمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة،و قد سقط لحم فخذيه من الجهد،فلما قدم أبو ذر المدينة بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت،فقال:بمكة ؟ قال:لا قال فبيت المقدس ؟ قال:لا.قال:فأحد المصرين ؟ قال:لا،و لكني مسيرك إلى الربذة،فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.و في رواية الواقدي أن أبا ذر لما دخل علي عثمان قال له:لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب،فقال أبو ذر:أنا جنيدب و سماني رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )عبد الله،فاخترت اسم رسول الله الذي سماني به على اسمي،فقال عثمان:أنت الذي تزعم أنا نقول إن يد الله مغلولة،و إن الله فقير و نحن أغنياء،فقال أبو ذر:لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم


مال الله على عباده،و لكني أشهد لسمعت رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )يقول:إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا،و عباد الله خولا،و دين الله دخلا،فقال عثمان لمن حضره:أسمعتموها من نبي الله ؟ فقالوا:ما سمعناه،فقال عثمان:ويلك يا أباذر،أتكذب على رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فقال أبوذر:لمن حضر أما تظنون أني صدقت ؟ قالوا:لا و الله ما ندري،فقال عثمان:ادعوا لي عليا فدعي،فلما جاء قال عثمان لأبي ذر:اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص فحدثه،فقال عثمان لعلي:هل سمعت هذا من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )؟ فقال علي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):لا و قد صدق أبو ذر.قال عثمان:بم عرفت صدقه ؟ قال:لأني سمعت رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )يقول:ما أظلت الخضراء و لا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر،فقال جميع من حضر من أصحاب النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):لقد صدق أبوذر،فقال أبو ذر:أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،ثم تتهمونني ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).و روى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين،قال:رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان،فقال له:أنت الذي فعلت و فعلت ؟ فقال له أبو ذر:نصحتك فاستغششتني،و نصحت صاحبك فاستغشني،فقال عثمان:كذبت و لكنك تريد الفتنة و تحبها قد انغلت الشام علينا،فقال له أبو ذر:اتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام.قال عثمان:ما لك و ذلك لا أم لك ؟ قال أبو ذر:و الله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف،و النهي عن المنكر،فغضب عثمان و قال:أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله،فإنه قد فرق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الإسلام،فتكلم علي(عليه‌السلام )و كان حاضرا و قال:أشير عليك


بما قاله مؤمن آل فرعون:( وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) ،قال:فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره،و أجابه(عليه‌السلام )بمثله،قال:ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه فمكث كذلك أياما،ثم أمر أن يؤتى به فلما أتي به وقف بين يديه،قال:ويحك يا عثمان،أما رأيت رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و رأيت أبا بكر و عمر،هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك لتبطش بي بطش جبار،فقال:اخرج عنا من بلادنا،فقال أبو ذر:ما أبغض إلي جوارك فإلى أين أخرج ؟ قال:حيث شئت.قال:فأخرج إلى الشام أرض الجهاد.قال:إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها.قال:أفأخرج إلى العراق ؟ قال:لا.قال:و لم ؟ قال:تقدم على قوم أهل شبه و طعن في الأئمة.قال:أفأخرج إلى مصر ؟ قال:لا.قال:فإلى أين أخرج ؟ قال:حيث شئت.قال أبو ذر:فهو إذن التعرب بعد الهجرة أأخرج إلى نجد ؟ فقال عثمان:الشرف الأبعد أقصى فأقصى امض على وجهك هذا،و لا تعدون الربذة،فخرج إليها.و روى الواقدي عن مالك بن أبي الرجال،عن موسى بن ميسرة،أن أبا الأسود الدؤلي قال:كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه،فنزلت الربذة فقلت له:ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها ؟ فقال:كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم،فأخرجت إلى مدينة الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فقلت:أصحابي و دار هجرتي،فأخرجت منها إلى ما ترى،ثم قال:بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فضربني برجله و قال:لا أراك نائما في المسجد،فقلت:بأبي أنت


و أمي غلبتني عيني فنمت فيه،فقال:كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ فقلت:إذن ألحق بالشام،فإنها أرض مقدسة و أرض بقية الإسلام و أرض الجهاد فقال:فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ فقلت:أرجع إلى المسجد.قال:فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت:آخذ سيفي فأضرب به،فقال:(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ألا أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك،و تسمع و تطيع،فسمعت و أطعت،و أنا أسمع و أطيع،و الله ليلقين الله عثمان و هو آثم في جنبي.و كان يقول بالربذة ما ترك الحق لي صديقا،و كان يقول فيها ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.و الأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصر و أوسع من أن نذكرها،و ما يحمل نفسه على ادعاء أن أبا ذر خرج مختارا إلى الربذة إلا مكابر،و لسنا ننكر أن يكون ما أورده صاحب كتاب المغني من أنه خرج مختارا،قد روي إلا أنه من الشاذ النادر و بإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات التي تتضمن خلافها،و من تصفح الأخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظن صاحب المغني و كيف يجوز خروجه عن اختيار،و إنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص عليه من خشونة المركب،و قبح السير به للموجدة عليه،ثم لما قدم منع الناس من كلامه و أغلظ له في القول،و كل هذا لا يشبه أن يكون خروجه إلى الربذة باختياره،و كيف يظن عاقل أن أبا ذر يختار الربذة منزلا مع جدبها و قحطها،و بعدها عن الخيرات و لم تكن بمنزل مثله.فأما قوله:إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ لهم القول فليس بشي‏ء ؛ لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله عاتبا بمثل عتبة إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه و مخف ما عنده،و ما في أهل المدينة إلا


من رثى لأبي ذر مما حدث عليه و من استفظعه و من رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه.فأما قوله:أن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج فيا بعد ما بين الأمرين،و ما كنا نظن أن أحدا يسوي بين أبي ذر و هو وجه الصحابة و عينهم و،من أجمع المسلمون على توقيره و تعظيمه،و أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )مدحه من صدق اللهجة بما لم يمدح به أحدا و بين نصر بن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء بشبابه،و لا حظ له في فضل و لا دين على أن عمر قد ذم بإخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه،فإذا كان من أخرج نصر بن حجاج مذموما،فكيف من أخرج أبا ذر.فأما قوله:إن الله تعالى و الرسول قد ندبا إلى خفض الجناح و لين القول للمؤمن و الكافر،فهو كما قال:إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر و لا يقابله بالتكذيب،و قد قطع رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )على صدقه و لا يسمعه مكروه الكلام،فإنما نصح له و أهدى إليه عيوبه و عاتبه على ما لو نزع عنه لكان خيرا له في الدنيا و الآخرة.الطعن العاشر:تعطيله الحد الواجب على عبيد الله بن عمر بن الخطاب،فإنه قتل الهرمزان مسلما فلم يقده به،و قد كان أمير المؤمنين(عليه‌السلام )يطلبه لذلك.قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك:أن شيخنا أبا عليرحمه‌الله تعالى قال:إنه لم يكن للهرمزان ولى يطلب بدمه،و الإمام ولي من لا ولي له،و للولي أن يعفو كما له أن يقتل،و قد روي أنه سأل المسلمين أن يعفوا عنه فأجابوا عنه إلى ذلك.


قال:و إنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين ؛ لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله،فيقال:قتلوا إمامهم و قتلوا ولده و لا يعرفون الحال في ذلك،فيكون فيه شماتة و قد قال الشيخ أبو الحسين الخياط:أن عامة المهاجرين أجمعوا على أنه لا يقاد بالهرمزان،و قالوا لعثمان:هذا دم سفك في غير ولايتك و ليس له ولي يطلب به و أمره إلى الإمام،فاقبل منه الدية فذلك صلاح للمسلمين.قال:و لم يثبت أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )كان يطلبه ليقتله بالهرمزان ؛ لأنه لا يجوز قتل من عفا عنه ولي المقتول،و إنما كان يطلبه ليضع من قدره و يصغر من شأنه.قال:و يجوز أن يكون ما روي عن علي(عليه‌السلام )من أنه قال:لو كنت بدل عثمان لقتلته يعني أنه كان يرى ذلك أقوى في الاجتهاد ،و أقرب إلى التشدد في دين الله سبحانه.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام قال:أما قوله لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه فالإمام يكون وليه ،و له أن يعفو عنه كما له أن يقتص فليس بمعتمد ؛ لأن الهرمزان رجل من أهل فارس و لم يكن له ولي حاضر يطالب بدمه ،و قد كان الواجب أن يبذل الإنصاف لأوليائه و يؤمنوا متى حضروا حتى أنه لو كان له ولي يريد المطالبة حضر و طالب،ثم لو لم يكن له ولي لم يكن عثمان ولي دمه ؛ لأنه قتل في أيام عمر ،فصار عمر ولي دمه ،و قد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم تقم البينة العادلة على الهرمزان و جفينة أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بقتله ،و كانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى ،فقال:أيكم ولي هذا الأمر فليفعل كذا و كذا مما ذكرناه ،فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء


الوصية في عبيد الله بن عمر فدافع عن ذلك و عللهم،و لو كان هو ولي الدم على ما ذكروا لم يكن له أن يعفو،و أن يبطل حدا من حدود الله تعالى،و أي شماتة للعدو في إقامة حد من حدود الله تعالى،و إنما الشماتة كلها من أعداء الإسلام في تعطيل الحدود،و أي حرج في الجمع بين قتل الإمام و ابنه حتى يقال:كره أن ينتشر الخبر بأن الإمام و ابنه قتلا،و إنما قتل أحدهما ظلما و الآخر عدلا أو أحدهما بغير أمر الله،و الآخر بأمره سبحانه.

و قد روى زياد بن عبد الله البكائي،عن محمد بن إسحاق،عن أبان بن صالح،أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )أتى عثمان بعد ما استخلف فكلمه في عبيد الله و لم يكلمه أحد غيره،فقال:اقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل أميرا مسلما،فقال عثمان:قتلوا أباه بالأمس و أقتله اليوم و إنما هو رجل من أهل الأرض،فلما أبى عليه مر عبيد الله على علي(عليه‌السلام )،فقال له:إيه يا فاسق،أما و الله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك،فلذلك خرج مع معاوية عليه،و روى القناد عن الحسن بن عيسى،بن زيد،عن أبيه،أن المسلمين لما قال عثمان:إني قد عفوت عن عبيد الله بن عمر قالوا:ليس لك أن تعفو عنه.قال:بلى،إنه ليس لجفينة و الهرمزان قرابة من أهل الإسلام،و أنا ولي أمر المسلمين،و أنا أولى بهما و قد عفوت،فقال علي(عليه‌السلام ):إنه ليس كما تقول،إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين،إنه قتلهما في إمرة غيرك،و قد حكم الوالي الذي قتلا في إمارته بقتله،و لو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه فاتق الله،فإن الله سائلك عن هذا فلما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره،فارتحل إلى الكوفة و أقطعه بها دارا و أرضا،و هي التي يقال لها:كويفة بن عمر فعظم ذلك عند المسلمين و أكبروه و كثر كلامهم فيه.


و روي عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )أنه قال:ما أمسى عثمان يوم ولي حتى نقموا عليه في أمر عبيد الله بن عمر حيث لم يقتله بالهرمزان،فأما قوله إن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لم يطلبه ليقتله بل ليضع من قدره ف،هو بخلاف ما صرح به(عليه‌السلام )من أنه إن تمكن ليضربن عنقه.و بعد،فإن ولي الدم إذا عفا عنه على ما ادعوا لم يكن لأحد أن يستخف به،و لا يضع من قدره كما ليس له أن يقتله.و أما قوله إن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لا يجوز أن يتوعده مع عفو الإمام عنه،فإنما يكون صحيحا لو كان ذلك العفو مؤثرا،و قد بينا أنه غير مؤثر.و أما قوله يجوز أن يكون(عليه‌السلام )رأى أن قتله أقوى في الاجتهاد،و أقرب إلى التشدد في دين الله فلا شك أنه كذلك،و هذا بناء منه على أن كل مجتهد مصيب،و قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك،و إذا كان اجتهاد أمير المؤمنين(عليه‌السلام )يقتضي قتله فهو الذي لا يسوغ خلافه.الطعن الحادي عشر:و هو إجمالي،قالوا:وجدنا أحوال الصحابة دالة على تصديقهم المطاعن فيه و براءتهم منه،و الدليل على ذلك أنهم تركوه بعد قتله ثلاثة أيام لم يدفنوه،و لا أنكروا على من أجلب عليه من أهل الأمصار،بل أسلموه و لم يدفعوا عنه،و لكنهم أعانوا عليه و لم يمنعوا من حصره،و لا من منع الماء عنه و لا من قتله مع تمكنهم من خلاف ذلك،و هذا من أقوى الدلائل على ما قلناه،و لو لم يدل على أمره عندهم إلا ما روي عن علي(عليه‌السلام )أنه قال:الله قتله و أنا معه و أنه كان في أصحابه(عليه‌السلام )من يصرح بأنه قتل


عثمان،و مع ذلك لا يقيدهم بل و لا ينكر عليهم و كان أهل الشام يصرحون بأن مع أمير المؤمنين قتلة عثمان،و يجعلون ذلك من أوكد الشبه و لا ينكر ذلك عليهم مع أنا نعلم أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لو أراد أن يتعاضد هو و أصحابه على المنع عنه لما وقع في حقه ما وقع،فصار كفه و كف غيره عن ذلك من أدل الدلائل على أنهم صدقوا عليه ما نسب إليه من الأحداث،و أنهم لم يقبلوا منه ما جعله عذرا.و أجاب قاضي القضاة عن هذا،فقال:أما تركه بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن فليس بثابت،و لو صح لكان طعنا على من لزمه القيام به،و قد قال شيخنا أبو عليرحمه‌الله تعالى:إنه لا يمتنع أن يشتغلوا بإبرام البيعة لأمير المؤمنين(عليه‌السلام )خوفا على الإسلام من الفتنة،فيؤخروا دفنه.قال:و بعيد مع حضور قريش و قبائل العرب و سائر بني أمية و مواليهم أن يترك عثمان،و لا يدفن هذه المدة و بعيد أن يكون أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لا يتقدم بدفنه،و لو مات في جواره يهودي أو نصراني،و لم يكن له من يواريه ما تركه أمير المؤمنين ألا يدفن،فكيف يجوز مثل ذلك في عثمان و قد روي أنه دفن في تلك الليلة و هذا هو الأولى.فأما التعلق بأن الصحابة لم تنكر على القوم و لا دفعت عنه فقد سبق القول في ذلك،و الصحيح عن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )أنه تبرأ من قتل عثمان،و لعن قتلته في البر و البحر و السهل و الجبل،و إنما كان يجري من جيشه هذا القول منه على جهة المجاز ؛ لأنا نعلم أن جميع من كان يقول نحن قتلناه لم يقتله ؛ لأن في الخبر أن العدد الكثير كانوا يصرحون بذلك،و الذين دخلوا عليه و قتلوه اثنان أو ثلاثة،و إنما كانوا يقصدون بهذا القول،أي:احسبوا أنا قتلناه فما لكم و ذلك أن الإمام هو الذي يقوم بأمر القود،و ليس للخارج عليه أن يطالب بذلك،و لم يكن لأمير المؤمنين(عليه‌السلام )أن يقتل قتلته لو عرفهم ببينة أو إقرار و ميزهم من غيرهم إلا عند مطالبة ولي الدم،و الذين كانوا أولياء


الدم لم يكونوا يطالبونه و لا كانت صفتهم صفة من يطالب ؛ لأنهم كانوا كلهم أو بعضهم يدعون أن عليا(عليه‌السلام )ليس بإمام،و لا يحل لولي الدم مع هذا الاعتقاد أن يطالب بالقود،فلذلك لم يقتلهم(عليه‌السلام )هذا لو صح أنه كان يميزهم فكيف و ذلك غير صحيح.

فأما ما روي عنه من قوله(عليه‌السلام ):قتله الله و أنا معه،فإن صح فمعناه مستقيم يريد أن الله أماته و سيميتني و سائر العباد.ثم قال:سائلا نفسه كيف يقول ذلك و عثمان مات مقتولا من جهة المكلفين و أجاب بأنه،و إن قتل فالإماتة من قبل الله تعالى و يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة لا محالة،فإذا مات صحت الإماتة على طريق الحقيقة.اعترض المرتضىرحمه‌الله تعالى هذا الكلام،فقال:أما تضعيفه أن يكون عثمان ترك بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن فليس بحجة ؛ لأن ذلك قد رواه جماعة الرواة و ليس يخالف في مثله أحد يعرف بالرواية،و قد ذكر ذلك الواقدي و غيره و روى أن أهل المدينة منعوا الصلاة عليه حتى حمل بين المغرب و العتمة،و لم يشهد جنازته غير مروان و ثلاثة من مواليه،و لما أحسوا بذلك رموه بالحجارة و ذكروه بأسوإ الذكر،و لم يقع التمكن من دفنه إلا بعد أن أنكر أمير المؤمنين(عليه‌السلام )المنع من دفنه،و أمر أهله بتولي ذلك منه.فأما قوله:إن ذلك إن صح كان طعنا على من لزمه القيام بأمره،فليس الأمر على ما ظنه بل يكون طعنا على عثمان من حيث لا يجوز أن يمنع أهل المدينة،و فيها وجوه الصحابة من دفنه و الصلاة عليه إلا لاعتقاد قبيح أو ؛ لأن أكثرهم و جمهورهم يعتقد ذلك،و هذا طعن لا شبهة فيه و استبعاد صاحب المغني لذلك مع ظهور الرواية به


لا يلتفت إليه،فأما أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و استبعاد صاحب المغني منه ألا يتقدم بدفنه،فقد بينا أنه تقدم بذلك بعد مماكسة و مراوضة و أعجب من كل شي‏ء قول صاحب المغني إنهم أخروا دفنه تشاغلا بالبيعة لأمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و أي شغل في البيعة لأمير المؤمنين يمنع من دفنه و الدفن فرض على الكفاية لو قام به البعض و تشاغل الباقون بالبيعة لجاز،و ليس الدفن و لا البيعة أيضا مفتقرة إلى تشاغل جميع أهل المدينة بها.فأما قوله:إنه قد روي أن عثمان دفن تلك الليلة،فما تعرف هذه الرواية،و قد كان يجب أن يسندها و يعزوها إلى راويها أو الكتاب الذي أخذها منه،فالذي ظهر في الرواية هو ما ذكرناه.فأما إحالته على ما تقدم في معنى الإنكار من الصحابة على القوم المجلبين على عثمان،فقد سبق القول في ذلك.فأما روايته عن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )تبرؤه من قتل عثمان،و لعنه قتلته في البر و البحر،و السهل و الجبل،فلا شك في أنه(عليه‌السلام )كان بريئا من قتله،و قد روي عنه(عليه‌السلام )أنه قال:و الله ما قتلت عثمان و لا مالأت في قتله،و الممالأة هي المعاونة و الموازرة،و قد صدق(عليه‌السلام )في أنه ما قتل و لا وازر على القتل.فأما لعنه قتلته فضعيف في الرواية،و إن كان قد روي فأظهر منه ما رواه الواقدي عن الحكم بن الصلت،عن محمد بن عمار بن ياسر،عن أبيه قال:رأيت عليا(عليه‌السلام )على منبر رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )حين قتل،و هو يقول ما أحببت قتله،و لا كرهته،و لا أمرت به و لا نهيت عنه،و قد روى محمد بن سعد،عن عفان بن جرير،بن بشير،عن أبي جلدة أنه سمع عليا


(عليه‌السلام )يقول،و هو يخطب فذكر عثمان و قال:و الله الذي لا إله إلا هو ما قتلته،و لا مالأت على قتله و لا ساءني،و روى ابن بشير عن عبيدة السلماني قال:سمعت عليا(عليه‌السلام )يقول من كان سائلي عن دم عثمان،فإن الله قتله و أنا معه،و قد روي هذا اللفظ من طرق كثيرة.و قد روى شعبة عن أبي حمزة الضبعي قال:قلت لابن عباس إن أبي أخبرني أنه سمع عليا يقول ألا من كان سائلي على دم عثمان،فإن الله قتله و أنا معه،فقال:صدق أبوك هل تدري ما معنى قوله:إنما عنى الله قتله و أنا مع الله.قال:فإن قيل كيف يصح الجمع بين معاني هذه الأخبار.قلنا لا تنافي بينها ؛ لأنه(عليه‌السلام )تبرأ من مباشرة قتله و المؤازرة عليه،ثم قال:ما أمرت بذلك،و لا نهيت عنه،يريد أن قاتليه لم يرجعوا إلي،و لم يكن مني قول في ذلك بأمر و لا نهى،فأما قوله الله قتله و أنا معه فيجوز أن يكون المراد به الله حكم بقتله و أوجبه و أنا كذلك ؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يقتله على الحقيقة فإضافة القتل إليه لا تكون إلا بمعنى الحكم و الرضا،و ليس يمتنع أن يكون مما حكم الله تعالى به ما لم يتوله بنفسه و لا آزر عليه و لا شايع فيه.فإن قال قائل هذا ينافي ما روي عنه من قوله:ما أحببت قتله و لا كرهته،و كيف يكون من حكم الله،و حكمه أن يقتل و هو لا يحب قتله.قلنا يجوز أن يريد بقوله ما أحببت قتله و لا كرهته أن ذلك لم يكن مني على سبيل التفصيل و لا خطر لي ببال،و إن كان على سبيل الجملة يحب قتل من غلب المسلمين


على أمورهم و طالبوه بأن يعتزل ؛ لأنه مستول عليهم بغير حق،فامتنع من ذلك و يكون فائدة هذا الكلام التبرؤ من مباشرة قتله و الأمر به على سبيل التفصيل أو النهي عنه،و يجوز أن يريد أنني ما أحببت قتله إن كانوا تعمدوا القتل،و لم يقع على سبيل الممانعة،و هو غير مقصود و يريد بقوله ما كرهته أني لم أكرهه على كل حال و من كل وجه.فأما لعنه قتلته فقد بينا أنه ليس بظاهر ظهور ما ذكرناه و إن صح فهو،مشروط بوقوع القتل على الوجه المحظور من تعمد له و قصد إليه و غير ذلك،على أن المتولي للقتل على ما صحت به الرواية كنانة بن بشير التجيبي و سودان بن حمران المرادي،و ما منهما من كان غرضه صحيحا في القتل،و لا له أن يقدم عليه فهو ملعون به،فأما محمد بن أبي بكر فما تولى قتله،و إنما روي أنه لما جثا بين يديه قابضا على لحيته قال له:يا ابن أخي،دع لحيتي،فإن أباك لو كان حيا لم يقعد مني هذا المقعد،فقال محمد:أن أبي لو كان حيا،ثم يراك تفعل ما تفعل لأنكره عليك،ثم وجأه بجماعة قداح كانت في يده فحزت في جلده و لم تقطع،و بادره من ذكرناه في قتله بما كان فيه قتله.فأما تأويله قول أمير المؤمنين(عليه‌السلام ):قتله الله و أنا معه،على أن المراد به الله أماته و سيميتني فبعيد من الصواب ؛ لأن لفظة أنا لا تكون كناية عن المفعول و إنما تكون كناية عن الفاعل،و لو أراد ما ذكره لكان يقول:و إياي معه،و ليس له أن يقول إننا نجعل قوله،و أنا معه مبتدأ محذوف الخبر،و يكون تقدير الكلام و أنا معه مقتول و ذلك ؛ لأن هذا ترك للظاهر و إحالة على ما ليس فيه،و الكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقل ظاهره به من غير تقدير،و حذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف على أنهم إذا جعلوه مبتدأ و قدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه،و يجعل بدلا من لفظة المقتول المحذوفة لفظة معين أو ظهير.


و إذا تكافأ القولان في التقدير و تعارضا سقطا،و وجب الرجوع إلى ظاهر الخبر على أن عثمان مضى مقتولا،فكيف يقال:إن الله تعالى أماته،و القتل كاف في انتفاء الحياة،و ليس يحتاج معه إلى ناف للحياة يسمى موتا.و قول صاحب المغني يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة ليس بشي‏ء ؛ لأن المروي أنه ضرب على رأسه بعمود عظيم من حديد،و أن أحد قتلته قال:جلست على صدره فوجأته تسع طعنات علمت أنه مات في ثلاث،و وجأته الست الأخر لما كان في نفسي عليه من الحنق.و بعد فإذا كان جائزا فمن أين علمه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )حتى يقول إن الله أماته و إن الحياة لم تنتف بما فعله القاتلون،و إنما انتفت بشي‏ء زاد على فعلهم من قبل الله تعالى مما لا يعلمه على سبيل التفصيل إلا علام الغيوب سبحانه.و الجواب عن هذه المطاعن على وجهين إجمالا و تفصيلا:أما الوجه الإجمالي،فهو أننا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين،و لكنا ندعي مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق،و لا أحبطت ثوابه،و أنها من الصغائر التي وقعت مكفرة،و ذلك لأنا قد علمنا أنه مغفور له،و أنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه.أحدها:أنه من أهل بدر،و قد قال رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):إن الله اطلع على أهل بدر،فقال:اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،و لا يقال إن عثمان لم يشهد بدرا ؛ لأنا نقول صدقتم أنه لم يشهدها و لكنه تخلف على رقية ابنة رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )


بالمدينة لمرضها،و ضرب له رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )بسهمه و أجره باتفاق سائر الناس.و ثانيها:أنه من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم:( لَقَدْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ ) و لا يقال:إنه لم يشهد البيعة تحت الشجرة ؛ لأنا نقول صدقتم أنه لم يشهدها و لكنه كان رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أرسله إلى أهل مكة،و لأجله كانت بيعة الرضوان حيث أرجف بأن قريشا قتلت عثمان،فقال رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):إن كانوا قتلوه لأضرمنها عليهم نارا،ثم جلس تحت الشجرة و بايع الناس على الموت،ثم قال:إن كان عثمان حيا فأنا أبايع عنه،فصفح بشماله على يمينه و قال:شمالي خير من يمين عثمان.روى ذلك جميع أرباب أهل السيرة متفقا عليه.و ثالثها:أنه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنهم من أهل الجنة.و إذا كانت الوجوه الثلاثة دالة على أنه مغفور له،و أن الله تعالى قد رضي عنه و هو من أهل الجنة بطل أن يكون فاسقا ؛ لأن الفاسق يخرج عندنا من الإيمان و يحبط ثوابه و يحكم له بالنار،و لا يغفر له و لا يرضى عنه و لا يرى الجنة و لا يدخلها،فاقتضت هذه الوجوه الصحيحة الثابتة أن يحكم بأن كل ما وقع منه،فهو من باب الصغائر المكفرة توفيقا بين هذه الوجوه و بين روايات الأحداث المذكورة.و أما الوجه التفصيلي:فهو مذكور في كتب أصحابنا المطولة في الإمامة،فليطلب من مظانه،فإنهم قد استقصوا في الجواب عن هذه المطاعن استقصاء لا مزيد عليه


بيعة جرير بن عبد الله البجلي لعلي(عليه‌السلام )

فأما خبر جرير بن عبد الله البجلي و بعث أمير المؤمنين(عليه‌السلام )إياه إلى معاوية فنحن نذكره نقلا من كتاب صفين لنصر بن مزاحم بن بشار المنقري،و نذكر حال أمير المؤمنين(عليه‌السلام )منذ قدم الكوفة بعد وقعة الجمل،و مراسلته معاوية و غيره،و مراسلة معاوية له و لغيره،و ما كان من ذلك في مبدأ حالتهما إلى أن سار علي(عليه‌السلام )إلى صفين.قال نصر:حدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال:لما قدم علي(عليه‌السلام )الكوفة بعد انقضاء أمر الجمل كاتب العمال،فكتب إلى جرير بن عبد الله البجلي مع زحر بن قيس الجعفي و كان جرير عاملا لعثمان على ثغر همذان،أما بعد:( فإِنَّ اَللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اَللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) ،و إني أخبرك عن نبإ من سرنا إليه من جموع طلحة و الزبير عند نكثهم بيعتي،و ما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف إني نهضت من المدينة بالمهاجرين و الأنصار،حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة الحسن بن علي،و عبد الله بن عباس،و عمار بن ياسر،و قيس بن عبادة،فاستنفرتهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة،فأعذرت في


الدعاء و أقلت العثرة و ناشدتهم عهد بيعتهم فأبوا إلا قتالي،فاستعنت الله عليهم فقتل من قتل،و ولوا مدبرين إلى مصرهم و سألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء،فقبلت العافية و رفعت السيف و استعملت عليهم عبد الله بن العباس،و سرت إلى الكوفة و قد بعثت إليك زحر بن قيس فاسأله عما بدا لك و السلام.قال:فلما قرأ جرير الكتاب قام،فقال:أيها الناس،هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )،و هو المأمون على الدين و الدنيا،و قد كان من أمره و أمر عدوه ما نحمد الله عليه،و قد بايعه الناس الأولون من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان،و لو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها،ألا و إن البقاء في الجماعة و الفناء في الفرقة،و إن عليا حاملكم على الحق ما استقمتم،فإن ملتم أقام ميلكم،فقال الناس:سمعا و طاعة رضينا رضينا.فكتب جرير إلى علي(عليه‌السلام )جواب كتابه بالطاعة.قال نصر:و كان مع علي رجل من طيئ ابن أخت لجرير،فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير و هو:

جرير بن عبد الله لا تردد الهدى

و بايع عليا إنني لك ناصح

فإن عليا خير من وطي‏ء الحصا

سوى أحمد و الموت غاد و رائح

و دع عنك قول الناكثين فإنما

أولاك أبا عمرو كلاب نوابح

و بايع إذا بايعته بنصيحة

و لا يك منها من ضميرك قادح

فإنك إن تطلب بها الدين تعطه

و إن تطلب الدنيا فإنك رابح


و إن قلت عثمان بن عفان حقه

علي عظيم و الشكور مناصح

فحق علي إذ وليك كحقه

وشكرك ما أوليت في الناس صالح

و إن قلت لا أرضى عليا إمامنا

فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح

أبى الله إلا أنه خير دهره

و أفضل من ضمت عليه الأباطح

قال نصر،ثم إن جريرا قام في أهل همذان خطيبا،فقال:الحمد لله الذي اختار لنفسه الحمد،و تولاه دون خلقه لا شريك له في الحمد،و لا نظير له في المجد،و لا إله إلا الله وحده الدائم القائم إله السماء و الأرض،و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالنور الواضح،و الحق الناطق داعيا إلى الخير،و قائدا إلى الهدى،ثم قال:أيها الناس،إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول،و لكن لا بد من رد الكلام إن الناس بايعوا عليا بالمدينة عن غير محاباة له ببيعتهم لعلمه بكتاب الله،و سنن الحق و إن طلحة و الزبير نقضا بيعته على غير محاباة حدثت،و ألبا عليه الناس،ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب،و أخرجا أم المؤمنين فلقيهما،فأعذر في الدعاء و أحسن في البقية،و حمل الناس على ما يعرفون،فهذا عيان ما غاب عنكم و إن سألتم الزيادة زدناكم و لا قوة إلا بالله،ثم قال:

أتانا كتاب علي فلم

ترد الكتاب بأرض العجم

و لم نعص ما فيه لما أتى

و لما نذم و لما نلم

و نحن ولاة على ثغرنا

نضيم العزيز و نحمي الذمم

نساقيهم الموت عند اللقاء

بكأس المنايا و نشفي القرم


فصلى الإله على أحمد

رسول المليك تمام النعم

رسول المليك و من بعده

خليفتنا القائم المدعم

عليا عنيت وصي النبي

نجالد عنه غواة الأمم

له الفضل و السبق و المكرمات

و بيت النبوة لا يهتضم

قال نصر:فسر الناس بخطبة جرير و شعره.و قال ابن الأزور القسري في جرير يمدحه بذلك:

لعمر أبيك و الأنباء تنمي

لقد جلى بخطبته جرير

و قال مقالة جدعت رجالا

من الحيين خطبهم كبير

بدا بك قبل أمته علي

و مخك إن رددت الحق رير

أتاك بأمره زحر بن قيس

و زحر بالتي حدثت خبير

فكنت لما أتاك به سميعا

و كدت إليه من فرح تطير

فأنت بما سعدت به ولي

و أنت لما تعد له نصير

و أحرزت الثواب و رب حاد

حدا بالركب ليس له بعير

بيعة الأشعث لعلي

قال نصر:و كتب علي(عليه‌السلام )إلى الأشعث،و كان عامل عثمان على آذربيجان


يدعوه إلى البيعة و الطاعة،و كتب جرير بن عبد الله البجلي إلى الأشعث يحضه على طاعة أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و قبول كتابه أما بعد،فإني أتتني بيعة علي فقبلتها،و لم أجد إلى دفعها سبيلا ؛ لأني نظرت فيما غاب عني من أمر عثمان،فلم أجده يلزمني و قد شهد المهاجرون و الأنصار،فكان أوفق أمرهم فيه الوقوف فأقبل بيعته،فإنك لا تنقلب إلى خير منه و اعلم أن بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة و السلام.قال نصر:فقبل الأشعث البيعة و سمع و أطاع،و أقبل جرير سائرا من ثغر همذان حتى ورد علي(عليه‌السلام )الكوفة فبايعه،و دخل فيما دخل فيه الناس من طاعته و لزوم أمره.

دعوة علي معاوية إلى البيعة و الطاعة و رد معاوية عليه

قال نصر:فلما أراد علي(عليه‌السلام )أن يبعث إلى معاوية رسولا قال له جرير:ابعثني يا أمير المؤمنين إليه،فإنه لم يزل لي مستخصا و ودا آتيه،فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر و يجامعك على الحق على أن يكون أميرا من أمرائك و عاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله و اتبع ما في كتاب الله و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولايتك فجلهم قومي و أهل بلادي،و قد رجوت ألا يعصوني.فقال له الأشتر:لا تبعثه و لا تصدقه فو الله إني لأظن هواه هواهم و نيته نيتهم.فقال له علي(عليه‌السلام ):دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا،فبعثه علي(عليه‌السلام )و قال له(عليه‌السلام ):حين أراد أن يبعثه إن حولي من أصحاب رسول الله(صلي الله عليه و آله وسلم)من أهل الرأي،و الدين من قد رأيت،و قد اخترتك عليهم لقول رسول الله فيك


إنك من خير ذي يمن ائت معاوية بكتابي،فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون و إلا فانبذ إليه و أعلمه إني لا أرضى به أميرا،و أن العامة لا ترضى به خليفة.فانطلق جرير حتى أتى الشام و نزل بمعاوية فلما دخل عليه حمد الله و أثنى عليه،و قال:أما بعد،يا معاوية،فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين،و أهل المصرين،و أهل الحجاز،و أهل اليمن،و أهل مصر،و أهل العروض،و العروض عمان،و أهل البحرين،و اليمامة فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها،و قد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك و يهديك إلى مبايعة هذا الرجل و دفع إليه كتاب علي(عليه‌السلام )،و فيه أما بعد ،فإن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام ؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بويعوا عليه ،فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد ،و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ،فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ،فإن أبى قاتلوه على اتباع سبيل المؤمنين و ولاه الله ما تولى ،و يصليه جهنم و ساءت مصيرا ،و إن طلحة و الزبير بايعاني،ثم نقضا بيعتي فكان نقضهما كردتهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق ،و ظهر أمر الله و هم كارهون ،فادخل فيما دخل فيه المسلمون ،فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء،فإن تعرضت له قاتلتك و استعنت بالله عليك.و قد أكثرت في قتلة عثمان ،فادخل فيما دخل فيه الناس،ثم حاكم القوم إلي أحملك


و إياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن و لعمري ، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان ، و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا يحل لهم الخلافة ، و لا تعرض فيهم الشورى ، و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد الله البجلي ، و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قوة إلا بالله فلما قرأ الكتاب قام جرير فخطب ، فقال:الحمد لله المحمود بالعوائد ، و المأمول منه الزوائد المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب أحمده ، و أستعينه في الأمور التي تحير دونها الألباب ، و تضمحل عندها الأسباب ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كل شي‏ء هالك إلا وجهه ، له الحكم و إليه ترجعون ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بعد فترة من الرسل الماضية و القرون الخالية ، و أبدان البالية ، و الجبلة الطاغية فبلغ الرسالة و نصح للأمة ، و أدى الحق الذي استودعه الله ، و أمره بأدائه إلى أمته(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )من رسول و مبتعث و منتجب أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فكيف بمن غاب عنه و إن الناس بايعوا عليا غير واتر و لا موتور ، و كان طلحة و الزبير ممن بايعاه ، ثم نكثا بيعته على غير حدث ، ألا و إن هذا الدين لا يحتمل الفتن ألا و إن العرب لا تحتمل الفتن ، و قد كانت بالبصرة أمس روعة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها ، فلا بقاء للناس


و قد بايعت الأمة عليا ، و لو ملكنا و الله الأمور لم نختر لها غيره ، و من خالف هذا استعتب فادخل يا معاوية ، فيما دخل فيه الناس فإن قلت استعملني عثمان ، ثم لم يعزلني ، فإن هذا قول لو جاز لم يقم لله دين ، و كان لكل امرئ ما في يديه ، و لكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول و جعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضا ، ثم قعد قال نصر:فقال معاوية:أنظر و تنظر و أستطلع رأي أهل الشام فمضت أيام و أمر معاوية مناديا ينادي الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر ، ثم قال:الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا ، و الشرائع للإيمان برهانا يتوقد قبسه في الأرض المقدسة جعلها الله محل الأنبياء و الصالحين من عباده ، فأحلهم أرض الشام و رضيهم لها و رضيها لهم لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ، و مناصحتهم خلفاءه و القوام بأمره ، و الذابين عن دينه و حرماته ، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما و في سبيل الخيرات أعلاما يردع الله بهم الناكثين ، و يجمع بهم ألفة المؤمنين ، و الله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام و تباعد بعد القرب ، اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ، و يخيفون آمننا ، و يريدون إراقة دمائنا ، و إخافة سبلنا ، و قد علم الله أنا لا نريد لهم عقابا ، و لا نهتك لهم حجابا و لا نوطئهم زلقا غير أن الله الحميد كسانا


من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى ، و سقط الندى ، و عرف الهدى ، حملهم على ذلك البغي و الحسد ، فنستعين الله عليهم ، أيها الناس ، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، و خليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم ، و أني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط ، و أني ولي عثمان و قد قتل مظلوما ، و الله تعالى يقول:( وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) ، و أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان فقام أهل الشام بأجمعهم ، فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان و بايعوه على ذلك ، و أوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم و أنفسهم حتى يدركوا بثأره أو تلتحق أرواحهم بالله قال:نصر فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه و جنة الليل و عنده أهل بيته ، فقال:

تطاول ليلي و اعترتني وساوسي

لآت أتى بالترهات البسابس

أتاني جرير و الحوادث جمة

بتلك التي فيها اجتداع المعاطس

أكايده و السيف بيني و بينه

و لست لأثواب الدني‏ء بلابس

إن الشام أعطت طاعة يمنية

تواصفها أشياخها في المجالس

فإن يفعلوا أصدم عليا بجبهة

تفت عليه كل رطب و يابس

و إني لأرجو خير ما نال نائل

و ما أنا من ملك العراق بآيس

F قلت الجبهة هاهنا الخيل ، و منه قول النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ليس في الجبهة صدقة ، أي:زكاة


قال نصر:فاستحثه جرير بالبيعة ، فقال:يا جرير ، إنها ليست بخلسة و إنه أمر له ما بعده ، فأبلعني ريقي حتى أنظر و دعا ثقاته فأشار عليه أخوه بعمرو بن العاص ، و قال له:إنه من قد عرفت و قد اعتزل عثمان في حياته ، و هو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن يثمن له دينه و قد ذكرنا فيما تقدم خبر استدعائه عمرا و ما شرط له من ولاية مصر ، و استقدامه شرحبيل بن السمط رئيس اليمنية و شيخها و المقدم عليها و تدسيس الرجال إليه ، يغرونه بعلي(عليه‌السلام )، و يشهدون عنده أنه قتل عثمان ، حتى ملئوا صدره و قلبه حقدا و ترة و إحنة على علي(عليه‌السلام )و أصحابه بما لا حاجة إلى إعادته قال نصر:فحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني ، قال:جاء شرحبيل إلى حصين بن نمير فقال:ابعث إلى جرير فليأتنا ، فبعث حصين بن نمير إلى جرير أن زرنا ، فعندنا شرحبيل فاجتمعا عند حصين ، فتكلم شرحبيل


فقال:يا جرير ، أتيتنا بأمر ملفف لتلقينا في لهوات الأسد ، و أردت أن تخلط الشام بالعراق ، و أطريت عليا و هو قاتل عثمان ، و الله سائلك عما قلت يوم القيامة فأقبل عليه جرير و قال:يا شرحبيل ، أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون ملففا ، و قد اجتمع عليه المهاجرون و الأنصار ، و قوتل على رده طلحة و الزبير و أما قولك إني ألقيك في لهوات الأسد ، ففي لهواتها ألقيت نفسك و أما خلط أهل الشام بأهل العراق فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل و أما قولك:إن عليا قتل عثمان فو الله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، و لكنك ملت إلى الدنيا و شي‏ء كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص فبلغ ما قالاه إلى معاوية فبعث إلى جرير فزجره قال نصر:و كتب إلى شرحبيل كتاب لا يعرف كاتبه فيه

شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى

فما لك في الدنيا من الدين من بدل

و لا تك كالمجرى إلى شر غاية

فقد خرق السربال و استنوق الجمل

و قل لابن حرب ما لك اليوم خلة

تروم بها ما رمت و اقطع له الأمل

شرحبيل إن الحق قد جد جده

فكن فيه مأمون الأديم من النغل

و أرود و لا تفرط بشي‏ء نخافه

عليك و لا تعجل فلا خير في العجل


مقال ابن هند في علي عضيهة

و لله في صدر بن أبي طالب أجل

و ما من علي في ابن عفان سقطة

بقول و لا مالا عليه و لا قتل

و ما كان إلا لازما قعر بيته

إلى أن أتى عثمان في داره الأجل

فمن قال قولا غير هذا فحسبه

من الزور و البهتان بعض الذي احتمل

وصى رسول الله من دون أهله

و من باسمه في فضله يضرب المثل

قال نصر:فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر و فكر ، و قال:هذه نصيحة لي في ديني ، و لا و الله لا أعجل في هذا الأمر بشي‏ء و في نفسي منه حاجة ، و كاد يحول عن نصر معاوية و يتوقف فلفق له معاوية الرجال يدخلون إليه و يخرجون و يعظمون عنده قتل عثمان ، و يرمون به عليا ، و يقيمون الشهادة الباطلة ، و الكتب المختلقة ، حتى أعادوا رأيه و شحذوا عزمه


قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد بإسناده قال:بعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط إنه قد كان من إجابتك إلى الحق ، و ما وقع فيه أجرك على الله و قبله عنك صلحاء الناس ما علمت و إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يتم إلا برضا العامة فسر في مدائن الشام و ناد فيهم بأن عليا قتل عثمان و أنه يجب علي المسلمين أن يطلبوا بدمه فسار شرحبيل فبدأ بأهل حمص ، فقام فيهم خطيبا و كان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها ، فقال:أيها الناس ، إن عليا قتل عثمان فغضب له قوم من أصحاب رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فلقيهم فهزم الجمع و قتل صلحاءهم ، و غلب على الأرض فلم يبق إلا الشام ، و هو واضع سيفه على عاتقه ، ثم خائض غمرات الموت حتى يأتيكم أو يحدث الله أمرا و لا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية ، فجدوا و انهضوا فأجابه الناس كلهم إلا نساكا من أهل حمص ، فإنهم قالوا له:بيوتنا قبورنا و مساجدنا و أنت أعلم بما ترى قال:و جعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها لا يأتي على قوم إلا قبلوا


ما أتاهم به فبعث إليه النجاشي بن الحارث و كان له صديقا:

شرحبيل ما للدين فارقت ديننا

و لكن لبغض المالكي جرير

و شحناء دبت بين سعد و بينه

فأصبحت كالحادي بغير بعير

و ما أنت إذ كانت بجيلة عاتبت

قريشا فيا لله بعد نصير

أ تفصل أمرا غبت عنه بشبهة

و قد حار فيه عقل كل بصير

بقول رجال لم يكونوا أئمة

و لا للتي لقوكها بحضور

و ما قول قوم غائبين تقاذفوا

من الغيب ما دلاهم بغرور

و تترك أن الناس أعطوا عهودهم

عليا على أنس به و سرور

إذا قيل هاتوا واحدا يقتدى به

نظيرا له لم يفصحوا بنظير

لعلك أن تشقى الغداة بحربه

فليس الذي قد جئته بصغير

قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة عن الشعبي أن شرحبيل بن السمط ، بن الأسود ، بن جبلة الكندي دخل على معاوية ، فقال له:أنت عامل أمير المؤمنين ، و ابن عمه ، و نحن المؤمنون ، فإن كنت رجلا تجاهد عليا و قتلة عثمان ، حتى ندرك ثارنا أو تذهب أرواحنا استعملناك علينا و إلا عزلناك و استعملنا غيرك ممن نريد ، ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك فقال جرير بن عبد الله و كان حاضرا:مهلا يا شرحبيل ، فإن الله قد حقن الدماء و لم الشعث و جمع أمر الأمة و دنا من هذه الأمة سكون ، فإياك أن تفسد بين الناس


و أمسك عن هذا القول قبل أن يشيع ، و يظهر عنك قول لا تستطيع رده ، فقال:لا و الله لا أسرة أبدا ، ثم قام فتكلم به فقال الناس:صدق صدق القول ما قال و الرأي ما رأى فأيس جرير عند ذلك من معاوية ، و من عوام أهل الشام قال نصر:و حدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال:كان معاوية قد أتى جريرا قبل ذلك في منزله ، فقال له:يا جرير إني قد رأيت رأيا قال:هاته قال:اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام و مصر جباية ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده في عنقي بيعة ، و أسلم له هذا الأمر و اكتب إليه بالخلافة ، فقال جرير:اكتب ما أردت أكتب معك فكتب معاوية بذلك إلى علي ، فكتب علي(عليه‌السلام )إلى جرير:أما بعد ، فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة و أن يختار من أمره ما أحب ، و أراد أن يريثك و يبطئك حتى يذوق أهل الشام ، و أن المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام ، و أنا حينئذ بالمدينة فأبيت ذلك عليه و لم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا ، فإن بايعك الرجل و إلا فأقبل و السلام قال نصر:و فشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة:

معاوي إن الشام شامك فاعتصم

بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

و حام عليها بالصوارم و القنا

و لا تك موهون الذراعين وانيا

و إن عليا ناظر ما تجيبه

فأهد له حربا تشيب النواصيا


و إلا فسلم إن في السلم راحة

لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

و إن كتابا يا ابن حرب كتبته

على طمع يزجى إليك الدواهيا

سألت عليا فيه ما لن تناله

و لو نلته لم يبق إلا لياليا

و سوف ترى منه التي ليس بعدها

بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا

أمثل علي تعتريه بخدعة

و قد كان ما جربت من قبل كافيا

قال و:كتب الوليد بن عقبة إلى معاوية أيضا يوقظه و يشير عليه بالحرب و ألا يكتب جواب جرير:

معاوي إن الملك قد جب غاربه

و أنت بما في كفك اليوم صاحبه

أتاك كتاب من علي بخطه

هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه

فلا ترج عند الواترين مودة

و لا تأمن اليوم الذي أنت راهبه

وحاربه إن حاربت حرب ابن حرة

و إلا فسلم لا تدب عقاربه

فإن عليا غير ساحب ذيله

على خدعة ما سوغ الماء شاربه

و لا قابل ما لا يريد و هذه

يقوم بها يوما عليه نوادبه

فلا تدعن الملك و الأمر مقبل

و تطلب ما أعيت عليك مذاهبه

فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه

فقبح ممليه و قبح كاتبه

و إن كنت تنوي أن ترد كتابه

و أنت بأمر لا محالة راكبه

فألق إلى الحي اليمانين كلمة

تنال بها الأمر الذي أنت طالبه

تقول أمير المؤمنين أصابه

عدو و مالأهم عليه أقاربه

أفانين منهم قائل و محرض

بلا ترة كانت و آخر سالبه


و كنت أميرا قبل بالشام فيكم

فحسبي و إياكم من الحق واجبه

فجيئوا و من أرسى ثبيرا مكانه

ندافع بحرا لا ترد غواربه

فأقلل و أكثر ما لها اليوم صاحب

سواك فصرح لست ممن تواربه

قال نصر:و خرج جرير يوما يتجسس الأخبار ، فإ ذا هو بغلام يتغنى على قعود له هو يقول:

حكيم و عمار الشجا و محمد

و أشتر و المكشوح جروا الدواهيا

و قد كان فيها للزبير عجاجة

و صاحبه الأدنى أثاروا الدواهيا

فأما علي فاستجار ببيته

فلا آمر فيها و لم يك ناهيا

فقل في جميع الناس ما شئت بعده

فلو قلت أخطأ الناس لم تك خاطيا

و إن قلت عم القوم فيه بفتنة

فحسبك من ذاك الذي كان كافيا

فقولا لأصحاب النبي محمد

و خصا الرجال الأقربين الأدانيا

أيقتل عثمان بن عفان بينكم

على غير شي‏ء ليس إلا تعاميا

فلا نوم حتى نستبيح حريمكم

و نخضب من أهل الشنان العواليا

فقال جرير:يا ابن أخي من أنت ؟ فقال:غلام من قريش و أصلي من ثقيف أنا ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق قتل أبي مع عثمان يوم الدار فعجب جرير


من شعره و قوله ، و كتب بذلك إلى علي(عليه‌السلام )، فقال علي:و الله ما أخطأ الغلام شيئا قال نصر و في حديث صالح بن صدقة قال:أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس ، و قال علي(عليه‌السلام ):قد وقت لجرير وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا و أبطأ على علي حتى أيس منه قال:و في حديث محمد و صالح بن صدقة قالا:فكتب علي(عليه‌السلام )إلى جرير بعد ذلك إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، ثم خيره و خذه بالجواب بين حرب مخزية أو سلم محظية ، فإن اختار الحرب فانبذ إليه و إن اختار السلم فخذه ببيعته و السلام قال:فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية ، فأقرأه الكتاب و قال له:يا معاوية ، إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب و لا يشرح صدر إلا بتوبة ، و لا أظن قلبك إلا مطبوعا عليه أراك قد وقفت بين الحق و الباطل ، كأنك تنتظر شيئا في يد غيرك فقال معاوية:ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله فلما بايع معاوية أهل الشام بعد أن ذاقهم قال:يا جرير ، الحق بصاحبك و كتب إليه بالحرب و كتب في أسفل الكتاب شعر كعب بن جعيل:

أرى الشام تكره أهل العراق

و أهل العراق لهم كارهونا


و قد ذكرنا هذا الشعر فيما تقدم و قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب الكامل:إن عليا(عليه‌السلام )لما أراد أن يبعث جريرا إلى معاوية ، قال:و الله يا أمير المؤمنين ، ما أدخرك من نصرتي شيئا و ما أطمع لك في معاوية ، فقال علي(عليه‌السلام )إنما قصدي حجة أقيمها عليه ، فلما أتى جرير معاوية دافعه بالبيعة ، فقال له جرير:إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بدا ، فقال معاوية:إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن فأبلغني ريقي إنه أمر له ما بعده قال و كتب مع جرير إلى علي(عليه‌السلام )جوابا عن كتابه إليه من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب(عليه‌السلام ):أما بعد ، فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك ، و أنت بري‏ء من دم عثمان كنت كأبي بكر و عمر و عثمان ، و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين و خذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل و قوي بك الضعيف ، و قد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، و لعمري ليس حججك علي كحججك على طلحة و الزبير ؛ لأنهما بايعاك و لم أبايعك ، و ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ؛ لأن أهل البصرة أطاعوك ، و لم يطعك أهل الشام ، فأما شرفك في الإسلام و قرابتك من النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و موضعك من قريش فلست أدفعه


ثم كتب في آخر الكتاب شعر كعب بن جعيل الذي أوله:

أرى الشام تكره أهل العراق

و أهل العراق لهم كارهونا

قال أبو العباس المبرد رحمه الله تعالى:فكتب إليه علي(عليه‌السلام )جوابا عن كتابه:هذا من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر بن حرب ، أما بعد ، فإنه أتاني منك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ، و لا قائد يرشده دعاه الهوى فأجابه و قاده الضلال فاتبعه زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان ، و لعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا ، و أصدرت كما أصدروا ، و ما كان الله ليجمعهم على الضلال و لا ليضربهم بالعمى و بعد فما أنت و عثمان إنما أنت رجل من بني أمية و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه ، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلي و أما تمييزك بينك و بين طلحة و الزبير و بين أهل الشام و أهل البصرة ، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواء ؛ لأنها بيعة شاملة لا يستثنى فيها الخيار و لا يستأنف فيها النظر ، و أما شرفي في الإسلام و قرابتي من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، و موضعي من قريش فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته قال:ثم دعا النجاشي أحد بني الحارث بن كعب ، فقال له:إن ابن جعيل شاعر أهل الشام و أنت شاعر أهل العراق ، فأجب الرجل فقال ، يا أمير المؤمنين ، أسمعني قوله قال:إذن أسمعك شعر شاعر ، ثم أسمعه فقال النجاشي يجيبه:


دعا يا معاوي ما لن يكونا

فقد حقق الله ما تحذرونا

أتاكم علي بأهل العراق

و أهل الحجاز فما تصنعونا

على كل جرداء خيفانة

و أشعث نهد يسر العيونا

عليها فوارس مخشية

كأسد العرين حمين العرينا

يرون الطعان خلال العجاج

و ضرب الفوارس في النقع دينا

هم هزموا الجمع جمع الزبير

و طلحة و المعشر الناكثينا

وآلوا يمينا على حلفة

لنهدي إلى الشام حربا زبونا

تشيب النواهد قبل المشيب

و تلقى الحوامل منها الجنينا

فإن تكرهوا الملك ملك العراق

فقد رضي القوم ما تكرهونا

فقل للمضلل من وائل

و من جعل الغث يوما سمينا

جعلتم عليا و أشياعه

نظير ابن هند أما تستحونا

إلى أفضل الناس بعد الرسول

و صنو الرسول من العالمينا

و صهر الرسول و من مثله

إذا كان يوم يشيب القرونا

قلت أبيات كعب بن جعيل خير من هذه الأبيات و أخبث مقصدا و أدهى و أحسن و زاد نصر بن مزاحم في هذه الرسالة بعد قوله و لا ليضربهم بالعمى و ما ألبت فتلزمني خطيئة الأمر ، و لا قتلت فيجب على القصاص و أما قولك إن


أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من أهل الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار و إلا أتيتك به من قريش الحجاز و أما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان و لا يقين الخبر.و هذه الزيادة التي ذكرها نصر بن مزاحم تقتضي أنه كان في كتاب معاوية إليه ع أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز و ما وجدنا هذا الكلام في كتابه

أخبار متفرقة

و روى نصر بن مزاحم قال لما قتل عثمان ضربت الركبان إلى الشام بقتله فبينا معاوية يوما إذا أقبل رجل متلفف فكشف عن وجهه و قال لمعاوية يا أمير المؤمنين أ تعرفني قال نعم أنت الحجاج بن خزيمة بن الصمة فأين تريد قال إليك القربان نعي ابن عفان ثم قال :

إن بني عمك عبد المطلب

هم قتلوا شيخكم غير كذب

و أنت أولى الناس بالوثب فثب

و اغضب معاوي للإله و احتسب

و سر بنا سير الجرير المتلئب

و انهض بأهل الشام ترشد و تصب

ثم اهزز الصعدة للشأس الشغب

قال يعني عليا ع قلت المتلئب المستقيم المطرد يقال هذا قياس متلئب أي مستمر مطرد


و يقال مكان شأس أي غليظ صلب و الشغب الهائج للشر و من رواه للشاسي بالياء فأصله الشاصي بالصاد و هو المرتفع يقال شصا السحاب إذا ارتفع فأبدل الصاد سينا و مراده هنا نسبة علي ع إلى التيه و الترفع عن الناس.قال نصر فقال له معاوية أ فيك مهز فقال نعم فقال أخبر الناس فقال الحجاج يا أمير المؤمنين و لم يخاطب معاوية بأمير المؤمنين قبلها إني كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد القسري مغيثا لعثمان فقدمت أنا و زفر بن الحارث فلقينا رجلا زعم أنه ممن قتل عثمان فقتلناه و إني أخبرك يا أمير المؤمنين إنك لتقوى على علي بدون ما يقوى به عليك لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت و لا يسألون إذا أمرت و إن مع علي قوما يقولون إذا قال و يسألون إذا أمر فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه و اعلم أنه لا يرضى علي إلا بالرضا و إن رضاه سخطك و لست و علي سواء علي لا يرضى بالعراق دون الشام و أنت ترضى بالشام دون العراق.قال نصر فضاق معاوية صدرا بما أتاه و ندم على خذلان عثمان و قال

أتاني أمر فيه للنفس غمة

و فيه بكاء للعيون طويل

و فيه فناء شامل و خزاية

و فيه اجتداع للأنوف أصيل

مصاب أمير المؤمنين و هدة

تكاد لها صم الجبال تزول

فلله عينا من رأى مثل هالك

أصيب بلا ذنب و ذاك جليل

تداعت عليه بالمدينة عصبة

فريقان منهم قاتل و خذول

دعاهم فصموا عنه عند دعائه

و ذاك على ما في النفوس دليل

ندمت على ما كان من تبعي الهوى

و قصري فيه حسرة و عويل


سأبغي أبا عمرو بكل مثقف

و بيض لها في الدار عين صليل

تركتك للقوم الذين هم هم

شجاك فما ذا بعد ذاك أقول

فلست مقيما ما حييت ببلدة

أجر بها ذيلي و أنت قتيل

فلا نوم حتى تشجر الخيل بالقنا

و يشفي من القوم الغواة غليل

و نطحنهم طحن الرحى بثفالها

و ذاك بما أسدوا إليك قليل

فأما التي فيها مودة بيننا

فليس إليها ما حييت سبيل

سألقحها حربا عوانا ملحة

و إني بها من عامنا لكفيل

قال نصر و افتخر الحجاج على أهل الشام بما كان من تسليمه على معاوية بأمره المؤمنين.قال نصر و حدثنا صالح بن صدقة عن ابن إسحاق عن خالد الخزاعي و غيره ممن لا يتهم أن عثمان لما قتل و أتي معاوية بكتاب علي ع بعزله عن الشام صعد المنبر و نادى في الناس أن يحضروا فحضروا فخطبهم فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال يا أهل الشام قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و خليفة عثمان و قد قتل و أنا ابن عمه و وليه و الله تعالى يقول( وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) و أنا أحب أن تعلموني ما في نفوسكم من قتل خليفتكم.


فقام مرة بن كعب و في المسجد يومئذ أربعمائة رجل من أصحاب النبي ص أو نحوها فقال و الله لقد قمت مقامي هذا و إني لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة لرسول الله ص مني و لكني شهدت رسول الله ص نصف النهار في يوم شديد الحر و هو يقول لتكونن فتنة حاضرة فمر رجل مقنع فقال رسول الله و هذا المقنع يومئذ على الهدى فقمت فأخذت بمنكبه و حسرت عن رأسه فإذا عثمان فأقبلت بوجهه على رسول الله ص و قلت هذا يا رسول الله فقال نعم فأصفق أهل الشام مع معاوية حينئذ و بايعوه على الطلب بدم عثمان أميرا لا يطمع في الخلافة ثم الأمر شورى.و روى إبراهيم بن الحسن بن ديزيل في كتاب صفين عن أبي بكر بن عبد الله الهذلي أن الوليد بن عقبة كتب إلى معاوية يستبطئه في الطلب بدم عثمان و يحرضه و ينهاه عن قطع الوقت بالمكاتبة

ألا أبلغ معاوية بن حرب

فإنك من أخي ثقة مليم

قطعت الدهر كالسدم المعنى

تهدر في دمشق و لا تريم


فإنك و الكتاب إلى علي

كدابغة و قد حلم الأديم

لك الويلات أقحمها عليهم

فخير الطالبي الترة الغشوم

قال فكتب معاوية إليه الجواب بيتا من شعر أوس بن حجر:

و مستعجب مما يرى من أناتنا

و لو زبنته الحرب لم يترمرم

و روى ابن ديزيل قال لما عزم علي ع على المسير إلى الشام دعا رجلا فأمره أن يتجهز و يسير إلى دمشق فإذا دخل أناخ راحلته بباب المسجد و لا يلقي من ثياب سفره شيئا فإن الناس إذا رأوه عليه آثار الغربة سألوه فليقل لهم تركت عليا قد نهد إليكم بأهل العراق فانظر ما يكون من أمرهم ففعل الرجل ذلك فاجتمع الناس و سألوه فقال لهم فكثروا عليه يسألونه فأرسل


إليه معاوية بالأعور السلمي يسأله فأتاه فسأله فقال له فأتى معاوية فأخبره فنادى الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس و قال لهم إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما ترون فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلمون فقام ذو الكلاع الحميري فقال عليك ام‏رأي و علينا ام‏فعال و هي لغة حمير.فنزل و نادى في الناس بالخروج إلى معسكرهم و عاد إلى علي ع فأخبره فنادى الصلاة جامعة ثم قام فخطب الناس فأخبرهم أنه قدم عليه رسول كان بعثه إلى الشام و أخبره أن معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام فما الرأي.قال فاضطرب أهل المسجد هذا يقول الرأي كذا و هذا يقول الرأي كذا و كثر اللغط و اللجب فلم يفهم علي ع من كلامهم شيئا و لم يدر المصيب من المخطئ فنزل عن المنبر و هو يقول إنا لله و إنا إليه راجعون ذهب بها ابن آكلة الأكباد يعني معاوية.و روى ابن ديزيل عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن الأعمش قال كان أبو مريم صديقا لعلي ع فسمع بما كان فيه علي ع من اختلاف أصحابه عليه فجاءه فلم يرع عليا ع إلا و هو قائم على رأسه بالعراق فقال له أبا مريم ما جاء بك نحوي قال ما جاء بي غيرك عهدي بك لو وليت أمر الأمة كفيتهم ثم سمعت بما أنت فيه من الاختلاف فقال يا أبا مريم إني منيت بشرار خلق الله أريدهم على الأمر الذي هو الرأي فلا يتبعونني.


و روى ابن ديزيل عن عبد الله بن عمر عن زيد بن الحباب عن علاء بن جرير العنبري عن الحكم بن عمير الثمالي و كانت أمه بنت أبي سفيان بن حرب قال قال رسول الله ص لأصحابه ذات يوم كيف بك يا أبا بكر إذا وليت قال لا يكون ذلك أبدا قال فكيف بك يا عمر إذا وليت فقال آكل حجرا لقد لقيت إذن شرا قال فكيف بك يا عثمان إذا وليت قال آكل و أطعم و أقسم و لا أظلم قال فكيف بك يا علي إذا وليت قال آكل الفوت و أحمي الجمرة و أقسم التمرة و أخفي الصور قال أي العورة فقال ص أما إنكم كلكم سيلي و سيرى الله أعمالكم ثم قال يا معاوية كيف بك إذا وليت قال الله و رسوله أعلم فقال أنت رأس الحطم و مفتاح الظلم حصبا و حقبا تتخذ الحسن قبيحا و السيئة حسنة يربو فيها الصغير و يهرم فيها الكبير أجلك يسير و ظلمك عظيم.و روى ابن ديزيل أيضا عن عمر بن عون عن هشيم عن أبي فلج عن عمرو بن ميمون قال قال عبد الله بن مسعود كيف أنتم إذا لقيتكم فتنة يهرم فيها الكبير و يربو فيها الصغير تجري بين الناس و يتخذونها سنة فإذا غيرت قيل هذا منكر.و روى ابن ديزيل قال حدثنا الحسن بن الربيع البجلي عن أبي إسحاق الفزاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك في قوله تعالى( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ اَلَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) قال أكرم الله تعالى نبيه ع أن يريه في أمته ما يكره رفعه إليه و بقيت النقمة.


قال ابن ديزيل و حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثنا عمرو بن محمد قال أخبرنا أسباط عن السدي عن أبي المنهال عن أبي هريرة قال قال رسول الله ص سألت ربي لأمتي ثلاث خلال فأعطاني اثنتين و منعني واحدة سألته ألا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها و سألته ألا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها و سألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.قال ابن ديزيل و حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو معاوية عن عمار بن زريق عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إن الله تعالى قد آمننا أن يظلمنا و لم يؤمنا أن يفتننا أ رأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع فقال عليك كتاب الله تعالى قال أ فرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب الله تعالى

فقال ابن مسعود سمعت رسول الله ص يقول إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق يعني عمارا.

و روى ابن ديزيل قال حدثنا يحيى بن زكريا قال حدثنا علي بن القاسم عن سعيد بن طارق عن عثمان بن القاسم عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله ص أ لا أدلكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا إن وليكم الله و إن إمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه و صدقوه فإن جبريل أخبرني بذلك.فإن قلت هذا نص صريح في الإمامة فما الذي تصنع المعتزلة بذلك.قلت يجوز أن يريد أنه إمامهم في الفتاوي و الأحكام الشرعية لا في الخلافة.و أيضا فإنا قد شرحنا من قول شيوخنا البغداديين ما محصله إن الإمامة كانت لعلي


ع إن رغب فيها و نازع عليها و إن أقرها في غيره و سكت عنها تولينا ذلك الغير و قلنا بصحة خلافته و أمير المؤمنين ع لم ينازع الأئمة الثلاثة و لا جرد السيف و لا استنجد بالناس عليهم فدل ذلك على إقراره لهم على ما كانوا فيه فلذلك توليناهم و قلنا فيهم بالطهارة و الخير و الصلاح و لو حاربهم و جرد السيف عليهم و استصرخ العرب على حربهم لقلنا فيهم ما قلناه فيمن عامله هذه المعاملة من التفسيق و التضليل.قال ابن ديزيل و حدثنا عمرو بن الربيع قال حدثنا السري بن شيبان عن عبد الكريم أن عمر بن الخطاب قال لما طعن يا أصحاب محمد تناصحوا فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان.قلت إن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد أحد الإمامية قال في بعض كتبه إنما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية و عمرو بن العاص بطلب الخلافة و إطماعهما فيها لأن معاوية كان عامله و أميره على الشام و عمرو بن العاص عامله و أميره على مصر و خاف أن يضعف عثمان عنها و أن تصير إلى علي ع فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما و هما بمصر و الشام فيتغلبا على هذين الإقليمين إن أفضت إلى علي ع.و هذا عندي من باب الاستنباطات التي يوجبها الشنآن و الحنق و عمر كان أتقى لله من أن يخطر له هذا و لكنه من فراسته الصادقة التي كان يعلم بها كثيرا من الأمور المستقبلة كما قال عبد الله بن عباس في وصفه و الله ما كان أوس بن حجر عنى أحدا سواه بقوله

الألمعي الذي يظن بك الظن كان قد رأى و قد سمعا


و روى ابن ديزيل عن عفان بن مسلم عن وهب بن خالد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن مرة بن كعب قال ذكر رسول الله ص فتنة فقربها فمر رجل قد تقنع بثوبه فقال ع هذا و أصحابه يومئذ على الحق فقمت إليه فأخذت بمنكبه فقلت هو هذا فقال نعم فإذا هو عثمان بن عفان.قلت هذا الحديث قد رواه كثير من محققي أصحاب الحديث و رواه محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير بعدة روايات و ليس لقائل أن يقول فهذا الحديث إذا صححتموه كان حجة للسفيانية لأنا نقول الخبر يتضمن أن عثمان و أصحابه على الحق و هذا مذهبنا لأنا نذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما و أنه و ناصريه يوم الدار على الحق و أن القوم الذين قتلوه لم يكونوا على الحق فأما معاوية و أهل الشام الذين حاربوا عليا ع بصفين فليسوا بداخلين في الخبر و لا في ألفاظ الخبر لفظ عموم يتعلق به أ لا ترى أنه ليس فيه كل من أظهر الانتصار لعثمان في حياته و بعد وفاته فهو على الحق و إنما خلاصته أنه ستقوم فتنة يكون عثمان فيها و أصحابه على الحق و نحن لا نأبى ذلك بل هو مذهبنا.و روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر و قد رأيت أن أقيمه خطيبا يشهد على علي بقتل عثمان و ينال منه فقال الرأي ما رأيت فبعث إليه فأتاه فقال له معاوية يا ابن أخي إن لك


اسم أبيك فانظر بمل‏ء عينيك و أنطق بمل‏ء فيك فأنت المأمون المصدق فاصعد المنبر و اشتم عليا و اشهد عليه أنه قتل عثمان.فقال أيها الأمير أما شتمه فإن أباه أبو طالب و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فما عسى أن أقول في حسبه و أما بأسه فهو الشجاع المطرق و أما أيامه فما قد عرفت و لكني ملزمه دم عثمان فقال عمرو بن العاص قد و أبيك إذن نكأت القرحة.فلما خرج عبيد الله بن عمر قال معاوية أما و الله لو لا قتله الهرمزان و مخافته عليا على نفسه ما أتانا أبدا أ لا ترى إلى تقريظه عليا فقال عمرو يا معاوية إن لم تغلب فاخلب قال و خرج حديثهما إلى عبيد الله فلما قام خطيبا تكلم بحاجته فلما انتهى إلى أمر علي أمسك و لم يقل شيئا فلما نزل بعث إليه معاوية يا ابن أخي إنك بين عي و خيانة فبعث إليه إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان و عرفت أن الناس محتملوها عني فتركتها.قال فهجره معاوية و استخف به و فسقه فقال عبيد الله:

معاوي لم أحرض بخطبة خاطب

و لم أك عيا في لؤي بن غالب

و لكنني زاولت نفسا أبية

على قذف شيخ بالعراقين غائب

و قذفي عليا بابن عفان جهرة

كذاب و ما طبي سجايا المكاذب

و لكنه قد قرب القوم جهده

و دبوا حواليه دبيب العقارب

فما قال أحسنتم و لا قد أسأتم

و أطرق إطراق الشجاع المواثب


فأما ابن عفان فأشهد أنه

أصيب بريئا لابسا ثوب تائب

و قد كان فيها للزبير عجاجة

و طلحة فيها جاهد غير لاعب

و قد أظهرا من بعد ذلك توبة

فيا ليت شعري ما هما في العواقب

قال فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه و قال حسبي هذا منك.و روى نصر عن عبيد الله بن موسى قال سمعت سفيان بن سعيد المعروف بسفيان الثوري يقول ما أشك أن طلحة و الزبير بايعا عليا و ما نقما عليه جورا في حكم و لا استئثارا بفي‏ء و ما قاتل عليا أحد إلا و علي أولى بالحق منه.و روى نصر بن مزاحم أن عليا ع قدم من البصرة في غرة شهر رجب من سنة ست و ثلاثين إلى الكوفة و أقام بها سبعة عشر شهرا تجري الكتب بينه و بين معاوية و عمرو بن العاص حتى سار إلى الشام.قال نصر و قد روي من طريق أبي الكنود و غيره أنه قدم الكوفة بعد وقعة الجمل لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة ست و ثلاثين.

قال نصر فدخل الكوفة و معه أشراف الناس من أهل البصرة و غيرهم فاستقبله أهل الكوفة و فيهم قراؤهم و أشرافهم فدعوا له بالبركة و قالوا يا أمير المؤمنين أين تنزل أ تنزل القصر قال لا و لكني أنزل الرحبة فنزلها و أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال


أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا و تغيروا دعوتكم إلى الحق فأجبتم و بدأتم بالمنكر فغيرتم ألا إن فضلكم فيما بينكم و بين الله فأما في الأحكام و القسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم و دخل فيما دخلتم فيه ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و أما طول الأمل فينسي الآخرة ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة و لكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل الحمد لله الذي نصر وليه و خذل عدوه و أعز الصادق المحق و أذل الناكث المبطل عليكم بتقوى الله و طاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين المقابلين إلينا يتفضلون بفضلنا و يجاحدوننا أمرنا و ينازعوننا حقنا و يباعدوننا عنه فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم و أنا عليهم عاتب زار فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي و كان صاحب شرطته فقال و الله إني لأرى الهجر و سماع المكروه لهم قليلا و الله لو أمرتنا لنقتلنهم فقال علي ع سبحان الله يا مال جزت المدى و عدوت الحد فأغرقت في النزع فقال يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمر ينوبك من مهادنة الأعادي فقال علي ع ليس هكذا قضى الله يا مال قال سبحانه( اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) فما بال ذكر الغشم


و قال تعالى( وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ ) و الإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه و ذاك هو الغشم فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي و كان ممن تخلف عنه فقال يا أمير المؤمنين أ رأيت القتلى حول عائشة و طلحة و الزبير علام قتلوا أو قال بم قتلوا فقال علي ع قتلوا بما قتلوا شيعتي و عمالي و قتلوا أخا ربيعة العبدي في عصابة من المسلمين قالوا إنا لا ننكث كما نكثتم و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني أقتلهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني و بينهم فأبوا علي و قاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء قريب من ألف رجل من شيعتي فقتلتهم أ في شك أنت من ذلك فقال قد كنت في شك فأما الآن فقد عرفت و استبان لي خطأ القوم و أنك المهتدي المصيب.قال نصر و كان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا و قد شهد على ذلك صفين مع علي ع و لكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة و كان عليه كريما.قال ثم إن عليا ع تهيأ لينزل و قام رجال ليتكلموا فلما رأوه نزل جلسوا و سكتوا.قال و نزل علي ع بالكوفة على جعدة بن هبيرة المخزومي.قلت جعدة ابن أخته أم هانئ بنت أبي طالب كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي فأولدها جعدة و كان شريفا.


قال نصر و لما قدم علي ع إلى الكوفة نزل على باب المسجد فدخل فصلى ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من الصحابة كان نزل الكوفة فقال قائل استأثر الله به

فقال علي ع إن الله تبارك و تعالى لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد الله جل ذكره بالموت إعزاز نفسه و إذلال خلقه و قرأ( كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) قال نصر فلما لحقه ع ثقله قالوا أ ننزل القصر فقال قصر الخبال لا تنزلوا فيه.

قال نصر و دخل سليمان بن صرد الخزاعي على علي ع مرجعه من البصرة فعاتبه و عذله و قال له ارتبت و تربصت و راوغت و قد كنت من أوثق الناس في نفسي و أسرعهم فيما أظن إلى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك و ما زهدك في نصرتهم فقال يا أمير المؤمنين لا تردن الأمور على أعقابها و لا تؤنبني بما مضى منها و استبق مودتي تخلص لك نصيحتي فقد بقيت أمور تعرف فيها عدوك من وليك فسكت عنه و جلس سليمان قليلا ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي ع و هو قاعد في باب المسجد فقال أ لا أعجبك من أمير المؤمنين و ما لقيت منه من التوبيخ و التبكيت فقال الحسن إنما يعاتب من ترجى مودته و نصيحته فقال لقد وثبت أمور ستشرع فيها القنا و تنتضى فيها السيوف و يحتاج فيها إلى أشباهي فلا


تستغشوا عتبي و لا تتهموا نصحي،فقال الحسن رحمك الله ما أنت عندنا بظنين ،قال نصر:و دخل عليه سعيد بن قيس الأزدي فسلم عليه،فقال:و عليك السلام و إن كنت من المتربصين،قال:حاش لله يا أمير المؤمنين،فإني لست من أولئك،فقال لعل الله فعل ذلك.قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد،قال:حدثنا يحيى بن سعيد،عن محمد بن مخنف قال:دخلت مع أبي على علي(عليه‌السلام )مقدمه من البصرة،و هو عام بلغت الحلم،فإذا بين يديه رجال يؤنبهم و يقول لهم ما أبطأ بكم عني،و أنتم أشراف قومكم و الله إن كان من ضعف النية و تقصير البصيرة،إنكم لبور و إن كان من شك في فضلي و مظاهرة علي إنكم لعدو.فقالوا:حاش لله يا أمير المؤمنين،نحن سلمك و حرب عدوك،ثم اعتذر القوم فمنهم من ذكر عذرا،و منهم من اعتل بمرض،و منهم من ذكر غيبة فنظرت إليهم فعرفتهم،فإذا عبد الله المعتم العبسي،و حنظلة بن الربيع التميمي و كلاهما كانت له صحبة،و إذا أبو بردة بن عوف الأزدي،و إذا غريب بن شرحبيل الهمداني.قال و نظر علي(عليه‌السلام )إلى أبي،فقال:و لكن مخنف بن مسلم و قومه لم يتخلفوا و لم يكن مثلهم كمثل القوم الذين قال الله تعالى فيهم:( وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ


أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً وَ لَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) .قال نصر:ثم إن عليا(عليه‌السلام )مكث بالكوفة،فقال الشني في ذلك [ شن بن عبد القيس ]:

قل لهذا الإمام قد خبت الحرب

و تمت بذلك النعماء

و فرغنا من حرب من نقض العهد

و بالشام حية صماء

تنفث السم ما لمن نهشته

فارمها قبل أن تعض شفاء

إنه و الذي يحج له الناس

و من دون بيته البيداء

لضعيف النخاع إن رمي اليوم

بخيل كأنها أشلاء

تتبارى بكل أصيد كالفحل

بكفيه صعدة سمراء

إن تذره فما معاوية الدهر

بمعطيك ما أراك تشاء

و لنيل السماء أقرب من ذاك

و نجم العيوق و العواء

فأعد بالحد و الحديد إليهم

ليس و الله غير ذاك دواء


قال نصر و أتم علي(عليه‌السلام )صلاته يوم دخل الكوفة،فلما كانت الجمعة خطب الناس،فقال:(الحمد لله الذي أحمده،و أستعينه و أستهديه،و أعوذ بالله من الضلالة من يهد الله فلا مضل له،و من يضلل فلا هادي له،و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،و أشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه لأمره و اختصه بنبوته،أكرم خلقه عليه و أحبهم إليه،فبلغ رسالة ربه و نصح لأمته و أدى الذي عليه أوصيكم بتقوى الله،فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله و أقربه إلى رضوان الله،و خيره في عواقب الأمور عند الله،و بتقوى الله أمرتم و للإحسان و الطاعة خلقتم،فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه،فإنه حذر بأسا شديدا و اخشوا خشية ليست بتعذير،و اعملوا في غير رياء و لا سمعة،فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له،و من عمل لله مخلصا تولى الله أجره،أشفقوا من عذاب الله،فإنه لم يخلقكم عبثا،و لم يترك شيئا من أمركم سدى،قد سمى آثاركم،و علم أعمالكم،و كتب آجالكم،فلا تغتروا بالدنيا،فإنها غرارة لأهلها مغرور من اغتر بها و إلى فناء ما هي،و إن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون،أسأل الله منازل الشهداء،و مرافقة الأنبياء،و معيشة السعداء،فإنما نحن به و له).قال نصر:ثم استعمل علي(عليه‌السلام )العمال و فرقهم في البلاد و كتب إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي ما تقدم ذكره


قال نصر:و قال معاوية لعمرو بن العاص أيام كان جرير عنده ينتظر جوابه إنني قد رأيت أن نلقي إلى أهل مكة و أهل المدينة كتابا نذكر فيه أمر عثمان،فإما أن ندرك به حاجتنا أو نكف القوم عنا،فقال له عمرو:إنما تكتب إلى ثلاثة نفر رجل راض بعلي فلا يزيده كتابك إلا بصيرة فيه،أو رجل يهوي عثمان فلن يزيده كتابك على ما هو عليه،أو رجل معتزل فلست في نفسه بأوثق من علي.قال علي:ذاك فكتبا أما بعد،فإنه مهما غاب عنا من الأمور فلم يغب عنا أن عليا قتل عثمان،و الدليل على ذلك مكان قتلته منه،و إنما نطلب قتلته حتى يدفعوا إلينا فنقتلهم بكتاب الله عز و جل،فإن دفعهم علي إلينا كففنا عنه و جعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب،فأما الخلافة فلسنا نطلبها،فأعينونا على أمرنا هذا،و انهضوا من ناحيتكم،فإن أيدينا و أيديكم إذا اجتمعت على أمر واحد هاب علي ما هو فيه و السلام.فكتب إليهما عبد الله بن عمر:أما بعد،فلعمري لقد أخطأتما موضع النصرة و تناولتماها من مكان بعيد،و ما زاد الله من شك في هذا الأمر بكتابكما إلا شكا،و ما أنتما و المشورة،و ما أنتما و الخلافة،أما أنت يا معاوية،فطليق،و أما أنت يا عمرو فظنين،ألا فكفا أنفسكما فليس لكم فينا ولي و لا نصير و السلام.قال نصر:و كتب رجل من الأنصار إليهما مع كتاب عبد الله بن عمر


معاوي إن الحق أبلج واضح

و ليس بما ربصت أنت و لا عمرو

نصبت ابن عفان لنا اليوم خدعة

كما نصب الشيخان إذ قضي الأمر

يعني طلحة و الزبير رحمهما الله:

فهذا كهذاك البلا حذو نعله

سواء كرقراق يرغر به السفر

رميتم عليا بالذي لا يضيره

و إن عظمت فيه المكيدة و المكر

و ما ذنبه إن نال عثمان معشر

أتوه من الأحياء تجمعهم مصر

فثار إليه المسلمرون ببيعة

علانية ما كان فيها لهم قسر

و بايعه الشيخان ثم تحملا

إلى العمرة العظمى و باطنها الغدر

فكان الذي قد كان مما اقتصاصه

يطول فيا لله ما أحدث الدهر

و ما أنتما و النصر منا و أنتما

بعيثا حروب ما يبوخ لها جمر

و ما أنتما لله در أبيكما

و ذكركما الشورى و قد وضح الفجر

قال نصر:و قام عدي بن حاتم الطائي إلى علي(عليه‌السلام ):فقال يا أمير المؤمنين،إن عندي رجلا لا يوازى به رجل و هو يريد أن يزور ابن عمه حابس بن سعد الطائي بالشام،فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره و يكسر أهل الشام،فقال علي


(عليه‌السلام ):نعم،فأمره عدي بذلك،و كان اسم الرجل خفاف بن عبد الله.فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام و حابس سيد طي‏ء بها،فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة،و سار مع علي إلى الكوفة و كان لخفاف لسان و هيئة و شعر،فغدا حابس بخفاف إلى معاوية،فقال:إن هذا ابن عم لي قدم الكوفة مع علي،و شهد عثمان بالمدينة و هو ثقة،فقال له معاوية:هات حدثنا عن عثمان،فقال:نعم،حصره المكشوح و حكم فيه حكيم،و وليه عمار و تجرد في أمره ثلاثة نفر:عدي بن حاتم،و الأشتر النخعي،و عمرو بن الحمق،و جد في أمره رجلان:و طلحة،و الزبير،و أبرأ الناس منه علي قال:ثم مه.قال:ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش،حتى ضاعت النعل و سقط الرداء،و وطئ الشيخ و لم يذكر عثمان و لم يذكر له،ثم تهيأ للمسير و خف معه المهاجرون و الأنصار،و كره القتال معه ثلاثة نفر:سعد بن مالك،و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة،فلم يستكره أحدا و استغنى بمن خف معه عمن ثقل،ثم سار حتى أتى جبل طي‏ء فأتته منا جماعة كان ضاربا بهم الناس،حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة،فسرح رجالا إلى الكوفة يدعونهم،فأجابوا دعوته فسار إلى البصرة،فإذا هي في كفه،ثم قدم الكوفة فحمل إليه الصبي،و دبت إليه العجوز،و خرجت إليه العروس فرحا به و شوقا إليه و تركته،و ليس له همة إلا الشام.فذعر معاوية من قوله و قال حابس:أيها الأمير،لقد أسمعني شعرا غير به حالي في عثمان و عظم به عليا عندي.


فقال معاوية:أسمعنيه يا خفاف،فأنشده شعرا أوله:

قلت و الليل ساقط الأكناف

و لجنبي عن الفراش تجاف

يذكر فيه حال عثمان و قتله و فيه إطالة عدلنا عن ذكره...و من جملته:

قد مضى ما مضى و مر به الدهر

كما مر ذاهب الأسلاف

إنني و الذي يحج له الناس

على لحق البطون عجاف

تتبارى مثل القسي من النبع

بشعث مثل السهام نحاف

أرهب اليوم إن أتاكم علي

صيحة مثل صيحة الأحقاف

إنه الليث غاديا و شجاع

مطرق نافث برسم زعاف

واضع السيف فوق عاتقه الأيمن

يفري به شئون القحاف

سوم الخيل ثم قال لقوم

بايعوه إلى الرطعان خفاف

استعدوا لحرب طاغية الشام

فلبوه كاليدين اللطاف

ثم قالوا أنت الجناح لك الريش

القدامى و نحن منه الخوافي

فانظر اليوم قبل بادرة القوم

بسلم تهم أم بخلاف

قال فانكسر معاوية و قال:يا حابس،إني لأظن هذا عينا لعلي أخرجه عنك لئلا يفسد علينا أهل الشام.


قال نصر:و حدثنا عطية بن غني عن زياد بن رستم،قال:كتب معاوية إلى عبد الله بن عمر خاصة،و إلى سعد بن أبي وقاص،و إلى محمد بن مسلمة دون كتابه إلى أهل المدينة،فكان كتابه إلى عبد الله بن عمر،أما بعد:فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع عليه الناس بعد قتل عثمان منك،ثم ذكرت خذلك إياه و طعنك على أنصاره فتغيرت لك،و قد هون ذلك علي خلافك على علي،و محا عنك بعض ما كان منك،فأعنا رحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم،فإني لست أريد الإمارة عليك و لكني أريدها لك،فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.فأجابه عبد الله بن عمر:أما بعد،فإن الرأي الذي أطمعك في هو الذي صيرك إلى ما صيرك إليه اترك عليا في المهاجرين و الأنصار،و طلحة و الزبير،و عائشة أم المؤمنين،و أتبعك،و أما زعمك أني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الإيمان و الهجرة و مكانه من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و نكايته في المشركين و لكني عهد إلي في هذا الأمر عهد ففزعت فيه إلى الوقوف،و قلت:إن كان هذا هدى ففضل تركته،و إن كان ضلالا فشر نجوت منه فأغن عنا نفسك و السلام.


قال:و كان كتاب معاوية إلى سعد أما بعد،فإن أحق الناس بنصر عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه و اختاروه على غيره،و قد نصره طلحة و الزبير،و هما شريكان في الأمر و نظيراك في الإسلام،و خفت لذلك أم المؤمنين فلا تكرهن ما رضوا و لا تردن ما قبلوا،فإنا نردها شورى بين المسلمين.فأجابه سعد:أما بعد،فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة من قريش،فلم يكن أحد منا أحق بها من صاحبه إلا بإجماعنا عليه إلا أن عليا كان فيه ما فينا،و لم يكن فينا ما فيه،و هذا أمر قد كرهت أوله و كرهت آخره،فأما طلحة و الزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما،و الله يغفر لأم المؤمنين ما أتت و السلام.قال:و كان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة:أما بعد،فإني لم أكتب إليك و أنا أرجو مبايعتك،و لكني أردت أن أذكرك النعمة التي خرجت منها و الشك الذي صرت إليه،إنك فارس الأنصار و عدة المهاجرين،و قد ادعيت على رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أمرا لم تستطع إلا أن تمضي عليه،و هو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة أفلا نهيت أهل القبلة عن قتال بعضهم بعضا


فقد كان عليك أن تكره لهم ما كره رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،ألم تر عثمان و أهل الدار من أهل القبلة،فأما قومك فقد عصوا الله و خذلوا عثمان،و الله سائلهم و سائلك عما كان يوم القيامة و السلام.قال:فكتب إليه محمد بن مسلمة:أما بعد،فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )مثل الذي في يده قد أخبرني رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )بالذي هو كائن قبل أن يكون،فلما كان كسرت سيفي و جلست في بيتي و اتهمت الرأي على الدين إذ لم يصح لي معروف آمر به و لا منكر أنهي عنه،و أما أنت،فلعمري ما طلبت إلا الدنيا،و لا اتبعت إلا الهوى،و إن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا و السلام.

مفارقة جرير بن عبد الله البجلي لعلي

قد أتينا على ما أردنا ذكره من حال أمير المؤمنين(عليه‌السلام )مذ قدم من حرب البصرة إلى الكوفة و ما جرى بينه و بين معاوية من المراسلات،و ما جرى بين معاوية و بين غيره من الصحابة من الاستنجاد و الاستصراخ،و ما أجابوه به،و نحن نذكر الآن ما جرى لجرير بن عبد الله عند عوده إلى أمير المؤمنين من تهمة الشيعة له بممالأة معاوية عليهم،و مفارقته جنبة أمير المؤمنين.قال نصر بن مزاحم:حدثنا صالح بن صدقة بإسناده،قال:قال لما رجع جرير


إلى علي(عليه‌السلام )كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية،فاجتمع جرير و الأشتر عند علي(عليه‌السلام )،فقال الأشتر:أما و الله يا أمير المؤمنين،أن لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى خناقه،و أقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه،و لا بابا يخاف أمره إلا سده.فقال جرير:لو كنت و الله أتيتهم لقتلوك و خوفه بعمرو،و ذي الكلاع،و حوشب،و قال:إنهم يزعمون أنك من قتلة عثمان.فقال الأشتر:و الله،لو أتيتهم يا جرير لم يعيني جوابها،و لم يثقل علي محملها،و لحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر.قال:فائتهم إذا.قال:الآن،و قد أفسدتهم و وقع بينهم الشر.و روى نصر عن نمير بن وعلة عن الشعبي قال:اجتمع جرير و الأشتر عند علي(عليه‌السلام )،فقال الأشتر:أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا و أخبرتك بعداوته و غشه ؟ و أقبل الأشتر يشتمه و يقول:يا أخا بجيلة،إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان،و الله ما أنت بأهل أن تترك تمشي فوق الأرض إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم،ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم،و أنت و الله منهم،و لا أرى سعيك إلا لهم،لئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك و أشباهك في حبس لا تخرجون منه حتى تستتم هذه الأمور،و يهلك الله الظالمين.قال جرير:وددت و الله أن لو كنت مكاني بعثت إذن و الله لم ترجع.


قال:فلما سمع جرير مثل ذلك من قوله،فارق عليا(عليه‌السلام )فلحق بقرقيسياء،و لحق به ناس من قسر من قومه،فلم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلا،و لكن شهدها من أحمس سبعمائة رجل.قال نصر:و قال الأشتر فيما كان من تخويف من جرير،إياه بعمرو،و حوشب،و ذي الكلاع:

لعمرك يا جرير لقول عمرو

و صاحبه معاوي بالشام

و ذي كلع و حوشب ذي ظليم

أخف علي من ريش النعام

إذا اجتمعوا علي فخل عنهم

و عن باز مخالبه دوامي

و لست بخائف ما خوفوني

و كيف أخاف أحلام النيام

و همهم الذي حاموا عليه

من الدنيا و همي ما أمامي

فإن أسلم أعمهم بحرب

يشيب لهولها رأس الرغلام

و إن أهلك فقد قدمت أمرا

أفوز بفلجه يوم الخصام

و قد زادوا علي و أوعدوني

و من ذا مات من خوف الكلام

نسب جرير بن عبد الله البجلي و بعض أخباره

و ذكر ابن قتيبة في المعارف أن جريرا قدم على رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )


سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه و أسلم،و كان جرير صبيح الوجه جميلا،قال رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):كأن على وجهه مسحة ملك،و كان عمر يقول جرير يوسف هذه الأمة و كان طوالا يفتل في ذروة البعير من طوله،و كانت نعله ذراعا،و كان يخضب لحيته بالزعفران من الليل و يغسلها إذا أصبح فتخرج مثل لون التبر،و اعتزل عليا(عليه‌السلام )،و معاوية و أقام بالجزيرة و نواحيها حتى توفي بالشراة سنة أربع و خمسين في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة.فأما نسبه فقد ذكره ابن الكلبي في جمهرة الأنساب،فقال:هو جرير بن عبد الله،بن جابر،بن مالك،بن نضر،بن ثعلب،بن جشم،بن عويف،بن حرب،بن علي،بن مالك،بن سعد،بن بدير،بن قسر،و اسمه ملك بن عبقر،بن أنمار،بن أراش،بن عمرو،بن الغوث،بن نبت،بن زيد،بن كهلان.و يذكر أهل السير أن عليا(عليه‌السلام )هدم دار جرير و دور قوم ممن خرج معه،حيث فارق عليا(عليه‌السلام )منهم أبو أراكة بن مالك بن عامر القسري كان ختنه على ابنته و موضع داره بالكوفة،كان يعرف بدار أبي أراكة قديما،و لعله اليوم نسي ذلك الاسم.


44.و من كلام له(عليه‌السلام )لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية

و كان قد ابتاع سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و أعتقه،فلما طالبه بالمال خاس به و هرب إلى الشام،فقال:(قَبَحَ اَللَّهُ مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ اَلسَّادَةِ [ اَلسَّادَاتِ ] وَ فَرَّ فِرَارَ اَلْعَبِيدِ فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ وَ لاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ وَ اِنْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ خاس به يخيس

)و يخوس،أي:غدر به،و خاس فلان بالعهد:أي نكث.و قبح الله فلانا،أي:نحاه عن الخير،فهو مقبوح.و التبكيت كالتقريع و التعنيف و الوفور مصدر وفر المال،أي:تم و يجي‏ء متعديا و يروى موفوره و الموفور التام،و قد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء،فقال:

يا من مدحناه فأكذبنا

بفعاله و أثابنا خجلا

بردا قشيبا من مدائحنا

سربلت فاردده لنا سملا

إن التجارب تهتك المستور من

أبنائها و تبهرج الرجلا


نسب بني ناجية

فأما القول في نسب بني ناجية،فإنهم ينسبون أنفسهم إلى سامة،بن لؤي،بن غالب،بن فهر،بن مالك،بن النضر،بن كنانة،بن خزيمة،بن مدركة،بن إلياس،بن مضر،بن نزار،بن معد،بن عدنان،و قريش تدفعهم عن هذا النسب،و يسمونهم بني ناجية،و هي أمهم،و هي امرأة سامة بن لؤي،بن غالب،و يقولون إن سامة خرج إلى ناحية البحرين مغاضبا لأخيه كعب بن لؤي في مماظة كانت بينهما،فطأطأت ناقته رأسها لتأخذ العشب،فعلق بمشفرها أفعى،ثم عطفت على قتبها فحكته به فدب الأفعى على القتب حتى نهش ساق سامة فقتله،فقال أخوه كعب بن لؤي يرثيه:

عين جودي لسامة بن لؤي

علقت ساق سامة العلاقه

رب كأس هرقتها ابن لؤي

حذر الموت لم تكن مهراقه

قالوا:و كانت معه امرأته ناجية ،فلما مات تزوجت رجلا في البحرين ،فولدت منه الحارث و مات أبوه و هو صغير ،فلما ترعرع طمعت أمه أن تلحقه بقريش ،فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي بن غالب ،فرحل من البحرين إلى مكة ،و معه أمه ،فأخبر كعب بن لؤي أنه ابن أخيه سامة ،فعرف كعب أمه ناجية فظن أنه صادق في دعواه فقبله و مكث عنده مدة حتى قدم مكة ركب من البحرين ،فرأوا الحارث فسلموا عليه و حادثوه ،فسألهم كعب بن لؤي من أين يعرفونه ؟ فقالوا:هذا ابن رجل من بلدنا يعرف بفلان و شرحوا له خبره ،فنفاه كعب عن مكة ،و نفى أمه فرجعا إلى البحرين فكانا هناك ،و تزوج الحارث فأعقب هذا العقب.


و قال هؤلاء:إنه روي عن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،أنه قال:عمي سامة لم يعقب.و زعم ابن الكلبي أن سامة بن لؤي ولد غالب بن سامة،و الحارث بن سامة و أم غالب بن سامة ناجية،ثم هلك سامة فخلف عليها ابنه الحارث بن سامة نكاح مقت،ثم هلك ابنا سامة،و لم يعقبا و إن قوما من بني ناجية،بن جرم،بن ربان،بن علاف ادعوا أنهم بنو سامة بن لؤي،و أن أمهم ناجية هذه و نسبوها هذا النسب،و انتموا إلى الحارث بن سامة،و هم الذين باعهم علي(عليه‌السلام )على مصقلة بن هبيرة و هذا هو قول الهيثم بن عدي كل هذا ذكره أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الكبير.و وجدت أنا في جمهرة النسب لابن الكلبي كلاما قد صرح فيه،بأن سامة بن لؤي أعقب،فقال:ولد سامة بن لؤي الحارث،و أمه هند بنت تيم و غالب بن سامة و أمه ناجية بنت جرم بن بابان من قضاعة فهلك غالب بعد أبيه،و هو ابن اثنتي عشرة سنة فولد الحارث بن سامة لؤيا و عبيدة و ربيعة،و سعدا،و أمهم سلمى بنت ثيم،بن شيبان،بن محارب بن فهر،و عبد البيت و أمه ناجية بنت جرم خلف عليها الحارث بعد أبيه بنكاح مقت،فهم الذين قتلهم علي(عليه‌السلام ).قال أبو الفرج الأصفهاني:أما الزبير بن بكار،فإنه أدخلهم في قريش و هم قريش العازبة قال:و إنما سموا العازبة ؛ لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية بنت جرم،بن ربان بن علاف،و هو أول من اتخذ الرحال العلافية،فنسبت إليه


و اسم ناجية ليلى و إنما سميت ناجية ؛ لأنها سارت مع سامة في مفازة فعطشت فاستسقته،فقال لها:الماء بين يديك و هو يريها السراب حتى أتت إلى الماء فشربت فسميت ناجية.قال أبو الفرج و للزبير بن بكار في إدخالهم في قريش مذهب،و هو مخالفة أمير المؤمنين علي(عليه‌السلام )و ميله إليهم لإجماعهم على بغضه(عليه‌السلام )حسب المشهور المأثور من مذهب الزبير في ذلك.

نسب علي بن الجهم و ذكر طائفة من أخباره و شعره

و من المنتسبين إلى سامة بن لؤي علي بن الجهم الشاعر،و هو علي بن الجهم بن بدر بن جهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كراز بن كعب بن جابر بن مالك بن عتبة بن الحارث بن عبد البيت بن سامة بن لؤي بن غالب.هكذا ينسب نفسه و كان مبغضا لعلي(عليه‌السلام )ينحو نحو مروان بن أبي حفصة في هجاء الطالبيين،و ذم الشيعة و هو القائل:

و رافضة تقول بشعب رضوى

إمام خاب ذلك من إمام

إمام من له عشرون ألفا

من الأتراك مشرعة السهام

و قد هجاه أبو عبادة البحتري فقال فيه:

إذا ما حصلت عليا قريش

فلا في العير أنت و لا النفير

و لو أعطاك ربك ما تمنى

لزاد الخلق في عظم الأيور


و ما الجهم بن بدر حين يعزى

من الأقمار ثم و لا البدور

علام هجوت مجتهدا عليا

بما لفقت من كذب و زور

أ ما لك في استك الوجعاء شغل

يكفك عن أذى أهل القبور

و سمع أبو العيناء علي بن الجهم يوما يطعن على أمير المؤمنين،فقال له:أنا أدري لم تطعن على أمير المؤمنين،فقال:أتعني قصة بيعة أهلي من مصقلة بن هبيرة قال:لا أنت أوضع من ذلك و لكنه(عليه‌السلام )قتل الفاعل من قوم لوط و المفعول به،و أنت أسفلهما و من شعر علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:

ألم تر مظهرين علي عتبا

و هم بالأمس إخوان الصفاء

فلما أن بليت غدوا و راحوا

علي أشد أسباب البلاء

أبت أخطارهم أن ينصروني

بمال أو بجاه أو ثراء

و خافوا أن يقال لهم خذلتم

صديقا فادعوا قدم الجفاء

تظافرت الروافض و النصارى

و أهل الاعتزال على هجائي


و عابوني و ما ذنبي إليهم

سوى علمي بأولاد الزناء

يعني بالروافض نجاح بن مسلمة و النصارى بختيشوع،و أهل الاعتزال علي بن يحيى بن المنجم.قال أبو الفرج:و كان علي بن الجهم من الحشوية شديد النصب عدوا للتوحيد و العدل،فلما سخط المتوكل على أحمد بن أبي دواد و كفاه شمت به علي بن الجهم،فهجاه و قال فيه:

يا أحمد بن أبي دواد دعوة

بعثت عليك جنادلا و حديدا

ما هذه البدع التي سميتها

بالجهل منك العدل و التوحيدا

أفسدت أمر الدين حين وليته

و رميته بأبي الوليد وليدا


أبو الوليد بن أحمد بن أبي دواد و كان رتبه قاضيا:

لا محكما جلدا و لا مستطرفا

كهلا و لا مستحدثا محمودا

شرها إذا ذكر المكارم و العلا

ذكر القلايا مبدئا و معيدا

و يود لو مسخت ربيعة كلها

و بنو أياد صحفة و ثريدا

و إذا تربع في المجالس خلته

ضبعا و خلت بني أبيه قرودا

و إذا تبسم ضاحكا شبهته

شرقا تعجل شربه مردودا

لا أصبحت بالخير عين أبصرت

تلك المناخر و الثنايا السودا

و قال يهجوه لما فلج:

لم يبق منك سوى خيالك لامعا

فوق الفراش ممهدا بوساد

فرحت بمصرعك البرية كلها

من كان منهم موقنا بمعاد

كم مجلس لله قد عطلته

كي لا يحدث فيه بالإسناد

و لكم مصابيح لنا أطفأتها

حتى تحيد عن الطريق الهادي

و لكم كريمة معشر أرملتها

و محدث أوثقت في الأقياد

إن الأسارى في السجون تفرجوا

لما أتتك مواكب العواد

و غدا لمصرعك الطبيب فلم يجد

لدواء دائك حيلة المرتاد

فذق الهوان معجلا و مؤجلا

و الله رب العرش بالمرصاد

لا زال فالجك الذي بك دائما

و فجعت قبل الموت بالأولاد


و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني،في ترجمة مروان بن أبي حفصة الأصغر:أن علي بن الجهم خطب امرأة من قريش فلم يزوجوه،و بلغ المتوكل ذلك فسأل عن السبب فحدث بقصة بني سامة بن لؤي،و أن أبا بكر و عمر لم يدخلاهم في قريش،و أن عثمان أدخلهم فيها،و أن عليا(عليه‌السلام )أخرجهم منها،فارتدوا و أنه قتل من ارتد منهم و سبى بقيتهم فباعهم من مصقلة بن هبيرة،فضحك المتوكل و بعث إلى علي بن الجهم فأحضره و أخبره بما قال القوم،و كان فيهم مروان بن أبي حفصة المكنى أبا السمط و هو مروان الأصغر و كان المتوكل يغريه بعلي بن الجهم و يضعه على هجائه و ثلبه فيضحك منهما،فقال مروان:

إن جهما حين تنسبه

ليس من عجم و لا عرب

لج في شتمي بلا سبب

سارق للشعر و النسب

من أناس يدعون أبا

ما له في الناس من عقب

فغضب علي بن الجهم و لم يجبه ؛ لأنه كان يستحقره فأومأ إليه المتوكل أن يزيده فقال:

أأنتم يا ابن جهم من قريش

و قد باعوكم ممن تريد

أترجو أن تكاثرنا جهارا

بأصلكم و قد بيع الجدود

فلم يجبه ابن الجهم فقال فيه أيضا:

علي تعرضت لي ضله

لجهلك بالشعر يا مائق

تروم قريشا و أنسابها

و أنت لأنسابها سارق

فإن كان سامة جدا لكم

فأمك مني إذا طالق


نسب مصقلة بن هبيرة

فأما نسب مصقلة بن هبيرة،فإن ابن الكلبي قد ذكره في جمهرة النسب فقال:هو مصقلة بن هبيرة،بن شبل،بن يثربي،بن إمرئ القيس،بن ربيعة،بن مالك،بن ثعلبة،بن شيبان،بن ثعلبة،بن عكابة،بن صعب،بن علي،بن بكر،بن وائل،بن قاسط،بن هنب،بن أفصى،بن دعمي،بن جديلة،بن أسد،بن ربيعة،بن نزار بن معد بن عدنان.

خبر بني ناجية مع علي

و أما خبر بني ناجية مع أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فقد ذكره إبراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات قال:حدثني محمد بن عبد الله،بن عثمان،عن نصر بن مزاحم،قال:حدثني عمر بن سعد عمن حدثه ممن أدرك أمر بني ناجية قال:لما بايع أهل البصرة عليا بعد الهزيمة دخلوا في الطاعة غير بني ناجية،فإنهم عسكروا فبعث إليهم علي(عليه‌السلام )رجلا من أصحابه في خيل ليقاتلهم فأتاهم،فقال:ما بالكم عسكرتم و قد دخل الناس في الطاعة غيركم،فافترقوا ثلاث فرق فرقه قالوا:كنا نصارى فأسلمنا و دخلنا فيما دخل الناس فيه من الفتنة و نحن نبايع كما بايع الناس،فأمرهم فاعتزلوا و فرقة قالوا:كنا نصارى فلم نسلم و خرجنا مع القوم الذين كانوا خرجوا قهرونا،فاخرجونا كرها فخرجنا معهم،فهزموا فنحن ندخل فيما دخل الناس فيه و نعطيكم الجزية كما أعطيناهم،فقال:اعتزلوا فاعتزلوا و فرقة قالوا:كنا نصارى فأسلمنا فلم يعجبنا الإسلام،فرجعنا إلى النصرانية،فنحن نعطيكم الجزية كما أعطاكم النصارى،فقال لهم:توبوا و ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فقتل مقاتلهم و سبى ذراريهم،و قدم بهم على علي(عليه‌السلام )


قصة الخريت بن راشد الناجي و خروجه على علي

قال ابن هلال الثقفي و روى محمد بن عبد الله بن عثمان،عن أبي سيف عن الحارث بن كعب الأزدي،عن عمه عبد الله بن قعين الأزدي قال:كان الخريت بن راشد الناجي أحد بني ناجية قد شهد مع علي(عليه‌السلام )صفين،فجاء إلى علي(عليه‌السلام )بعد انقضاء صفين و بعد تحكيم الحكمين في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يديه،فقال:لا و الله،لا أطيع أمرك و لا أصلي خلفك و إني غدا لمفارق لك،فقال له:ثكلتك أمك إذا تنقض عهدك و تعصي ربك و لا تضر إلا نفسك أخبرني لم تفعل ذلك قال:لأنك حكمت في الكتاب و ضعفت عن الحق إذ جد الجد،و ركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك راد و عليهم ناقم و لكم جميعا مباين.فقال له علي(عليه‌السلام ):ويحك هلم إلي أدارسك و أناظرك في السنن،و أفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك،فلعلك تعرف ما أنت الآن له منكر و تبصر ما أنت الآن عنه عم و به جاهل،فقال الخريت:فإني غاد عليك غدا فقال علي(عليه‌السلام ):اغد و لا يستهوينك الشيطان و لا يتقحمن بك رأي السوء،و لا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون،فو الله إن استرشدتني و استنصحتني و قبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد.فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله.قال عبد الله بن قعين:فعجلت في أثره مسرعا و كان لي من بني عمه صديق،فأردت أن ألقى ابن عمه في ذلك فأعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين،و آمر ابن عمه أن يشتد بلسانه عليه و أن يأمره بطاعة أمير المؤمنين و مناصحته و يخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا و آجل الآخرة.قال:فخرجت حتى انتهيت إلى منزله و قد سبقني فقمت عند باب دار فيها رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فو الله ما رجع


و لا ندم على ما قال لأمير المؤمنين و ما رد عليه و لكنه قال لهم:يا هؤلاء،إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل و قد فارقته على أن أرجع إليه من غد،و لا أرى إلا المفارقة،فقال له:أكثر أصحابه لا تفعل حتى تأتيه،فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه،و إن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه،قال لهم:نعم ما رأيتم.قال:فاستأذنت عليهم فأذنوا لي فأقبلت على ابن عمه و هو مدرك بن الريان الناجي،و كان من كبراء العرب،فقلت له:إن لك على حقا لإحسانك و ودك و حق المسلم على المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك فأخل به فاردد عليه رأيه و عظم عليه ما أتى،و اعلم أني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتلك و نفسه و عشيرته،فقال:جزاك الله خيرا من أخ إن أراد فراق أمير المؤمنين(عليه‌السلام )ففي ذلك هلاكه و إن اختار مناصحته و الإقامة معه ففي ذلك حظه و رشده.قال:فأردت الرجوع إلى علي(عليه‌السلام )لأعلمه الذي كان،ثم اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلي فبت،ثم أصبحت فلما ارتفع النهار أتيت أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فجلست عنده ساعة و أنا أريد أن أحدثه بالذي كان على خلوة،فأطلت الجلوس و لا يزداد الناس إلا كثرة فدنوت منه فجلست وراءه فأصغى إلي برأسه فأخبرته بما سمعته من الخريت،و ما قلت لابن عمه و ما رد علي فقال(عليه‌السلام ):دعه فإن قبل الحق و رجع عرفنا له ذلك و قبلناه منه،فقلت:يا أمير المؤمنين،فلم لا تأخذه الآن فتستوثق منه ؟ فقال:إنا لو فعلنا هذا بكل من يتهم من الناس ملأنا السجون منهم،و لا أراني يسعني الوثوب بالناس و الحبس لهم و عقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف.قال:فسكت عنه و تنحيت،فجلست مع أصحابي هنيهة،فقال لي(عليه‌السلام ):


ادن مني فدنوت فقال لي مسرا:اذهب إلى منزل الرجل فاعلم ما فعل فإنه قل يوم لم يكن يأتيني فيه قبل هذه الساعة،فأتيت إلى منزله،فإذا ليس في منزله منهم ديار فدرت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه،فإذا ليس فيها داع و لا مجيب،فأقبلت إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فقال لي حين رآني:أوطنوا فأقاموا أم جبنوا فظعنوا قلت لا بل ظعنوا،فقال:أبعدهم الله كما بعدت ثمود،أما و الله لو قد أشرعت لهم الأسنة و صبت على هامهم السيوف لقد ندموا إن الشيطان قد استهواهم و أضلهم،و هو غدا متبرئ منهم و مخل عنهم،فقام إليه زياد بن خصفة،فقال:يا أمير المؤمنين،إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم علينا،فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا و قلما ينقصون من عددنا بخروجهم منا و لكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليهم من أهل طاعتك فائذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله.فقال له(عليه‌السلام ):فاخرج في آثارهم راشدا فلما ذهب ليخرج قال له:و هل تدري أين توجه القوم ؟ قال:لا،و الله و لكني أخرج فأسأل و أتبع الأثر،فقال:اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى،ثم لا تبرحه حتى يأتيك أمري،فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة،فإن عمالي ستكتب إلي بذلك و إن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم و سأكتب إلى من حولي من عمالي فيهم.

فكتب نسخة واحدة و أخرجها إلى العمال من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من العمال أما بعد،فإن رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة،فاسأل عنهم أهل بلادك و اجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك،ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم و السلام.


فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره،و جمع أصحابه،فحمد الله و أثنى عليه،ثم قال:يا معشر بكر بن وائل،إن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم له،و أمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره،و أنتم شيعته و أنصاره،و أوثق حي من أحياء العرب في نفسه،فانتدبوا معي الساعة و عجلوا،فو الله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه مائة و ثلاثون رجلا،فقال:اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء فخرج حتى قطع الجسر،ثم أتى دير أبي موسى فنزله،فأقام به بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين(عليه‌السلام ).قال إبراهيم بن هلال:فحدثني محمد بن عبد الله،عن ابن أبي سيف،عن أبي الصلت التيمي،عن أبي سعيد،عن عبد الله بن وأل التيمي قال:إني لعند أمير المؤمنين إذا فيج قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري و كان أحد عماله فيه لعبد الله علي أمير المؤمنين من قرظة بن كعب سلام عليك،فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو،أما بعد،فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر و أن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم و صلى يقال له:زاذان فروخ أقبل من عند أخوال له فلقوه،فقالوا له:أمسلم أنت أم كافر ؟ قال:بل مسلم،قالوا:فما تقول في علي ؟ قال:أقول فيه خيرا أقول إنه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و سيد البشر،و وصي رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )فقالوا:كفرت يا عدو الله،ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم،و أخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا،فقالوا له:ما دينك ؟ قال:يهودي،فقالوا:


خلوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا الخبر،و قد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشي‏ء،فليكتب إلي أمير المؤمنين فيهم برأي أنته إليه إن شاء الله.فكتب إليه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،أما بعد،فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك،فقتلت البر المسلم و أمن عندهم المخالف المشرك،و أن أولئك قوم استهواهم الشيطان،فضلوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا و صموا،فأسمع بهم و أبصر يوم تخبر أعمالهم،فالزم عملك و أقبل على خراجك،فإنك كما ذكرت في طاعتك و نصيحتك و السلام.قال:فكتب علي(عليه‌السلام )إلى زياد بن خصفة مع عبد الله بن وأل التيمي كتابا نسخته،أما بعد،فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري،و ذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم،و قد بلغني أنهم أخذوا نحو:قرية من قرى السواد فاتبع آثارهم و سل عنهم،فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا،فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم و استعن بالله عليهم،فإنهم قد فارقوا الحق و سفكوا الدم الحرام و أخافوا السبيل و السلام.قال عبد الله بن وأل:فأخذت الكتاب منه(عليه‌السلام )و أنا يومئذ شاب،فمضيت به غير بعيد،ثم رجعت إليه فقلت:يا أمير المؤمنين،ألا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوك إذا دفعت إليه كتابك،فقال:يا ابن أخي افعل،فو الله إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق و أنصاري على القوم الظالمين،قال:فو الله،ما أحب أن لي بمقالته


تلك حمر النعم،فقلت له:يا أمير المؤمنين،أنا و الله كذلك من أولئك أنا و الله حيث تحب.ثم مضيت إلى زياد بالكتاب و أنا على فرس رائع كريم و على السلاح،فقال لي زياد:يا ابن أخي،و الله ما لي عنك من غنى و إني أحب أن تكون معي في وجهي هذا،فقلت:إني قد استأذنت أمير المؤمنين في ذلك،فأذن لي فسر بذلك،ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه،فسألنا عنهم،فقيل أخذوا نحو المدائن فلحقناهم و هم نزول بالمدائن،و قد أقاموا بها يوما و ليلة و قد استراحوا و علفوا خيولهم فهم جامون مريحون،و أتيناهم و قد تقطعنا و لغبنا و نصنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها،فجئنا حتى انتهينا إليهم،فنادى الخريت بن راشد:يا عميان القلوب و الأبصار،أمع الله و كتابه أنتم أم مع القوم الظالمين ؟ فقال له زياد بن خصفة:بل مع الله و كتابه و سنة رسوله،و مع من الله و رسوله و كتابه آثر عنده من الدنيا ثوابا،و لو أنها منذ يوم خلقت إلى يوم تفنى لآثر الله عليها أيها العمي الأبصار الصم الأسماع.فقال الخريت:فأخبرونا ما تريدون،فقال له زياد:و كان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من النصب و اللغوب و الذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانية على رءوس أصحابك،و لكن تنزلون و ننزل،ثم نخلو جميعا،فنتذاكر أمرنا و ننظر فيه،فإن رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته،و إن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا و لك لم أرده عليك.فقال:الخريت انزل فنزل فأقبل إلينا زياد،فقال:انزلوا على هذا الماء،فأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فنزلنا به فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا فتحلقنا عشرة،و تسعة،و ثمانية،و سبعة تضع كل حلقة طعامها بين أيديها لتأكل،ثم تقوم إلى الماء فتشرب.


و قال لنا زياد:علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مخاليها و وقف زياد في خمسة فوارس أحدهم عبد الله بن وأل بيننا و بين القوم،و انطلق القوم فتنحوا فنزلوا،و أقبل إلينا زياد،فلما رأى تفرقنا و تحلقنا قال:سبحان الله،أنتم أصحاب حرب،و الله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحالة ما أرادوا من غرتكم أفضل من أعمالكم التي أنتم عليها عجلوا قوموا إلى خيولكم،فأسرعنا فمنا من يتوضأ،و منا من يشرب،و منا من يسقي فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك أتينا زيادا،و إن في يده لعرقا ينهسه فنهس منه نهستين أو ثلاثة،ثم أتى بإداوة فيها ماء فشرب،ثم ألقى العرق من يده و قال:يا هؤلاء،إنا قد لقينا العدو و إن القوم لفي عدتكم و لقد حزرتهم،فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر،فإني أرى أمركم و أمرهم سيصير إلى القتال،فإن كان ذلك فلا تكونوا أعجز الفريقين.ثم قال:ليأخذ كل رجل منكم بعنان فرسه،فإذا دنوت منهم و كلمت صاحبهم،فإن تابعني على ما أريد و إلا،فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيلكم،ثم أقبلوا معا غير متفرقين،ثم استقدم أمامنا و أنا معه فسمعت رجلا من القوم يقول جاءكم القوم و هم كالون معيون،و أنتم جامون مريحون فتركتموهم حتى نزلوا فأكلوا و شربوا،و أراحوا دوابهم هذا،و الله سوء الرأي.قال:و دعا زياد صاحبهم الخريت،فقال له:اعتزل ننظر في أمرنا فأقبل إليه في خمسة نفر فقلت لزياد:أدعو لك ثلاثة نفر من أصحابنا حتى نلقاهم في عددهم،فقال:ادع من أحببت فدعوت له ثلاثة،فكنا خمسة و هم خمسة.فقال له زياد:ما الذي نقمت على أمير المؤمنين و علينا حتى فارقتنا،فقال لم أرض


صاحبكم إماما و لم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل و أكون مع من يدعو إلى الشورى بين الناس ،فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضا كنت مع الناس.فقال زياد:ويحك و هل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله و بكتابه و سنة رسوله مع قرابته و سابقته في الإسلام ،فقال الخريت:هو ما أقول لك ،فقال:ففيم قتلتم الرجل المسلم ؟ فقال الخريت:ما أنا قتلته قتلته طائفة من أصحابي.قال:فادفعهم إلينا.قال:ما إلي ذلك من سبيل.قال:أو هكذا أنت فاعل ؟ قال:هو ما تسمع.قال:فدعونا أصحابنا و دعا الخريت أصحابه ،ثم اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ،ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت و عقرت عامه خيلنا و خيلهم ،و كثرت الجراح فيما بيننا و بينهم ،و قتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رأيته يدعى سويدا ،و رجل من الأبناء يدعى واقد بن بكر و صرع منهم خمسة نفر و حال الليل بيننا و بينهم و قد و الله كرهونا و كرهناهم و هرونا و هررناهم و قد جرح زياد و جرحت ،ثم إنا بتنا في جانب و تنحوا فمكثوا ساعة من الليل ،ثم مضوا فذهبوا و أصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا ،فو الله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة و بلغنا أنهم أتوا الأهواز فنزلوا في جانب منها و تلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين كانوا معهم بالكوفة لم يكن لهم من القوة ما ينهضون به معهم حين نهضوا ،فاتبعوهم من بعد لحوقهم بالأهواز فأقاموا معهم.قال:و كتب زياد بن خصفة إلى علي(عليه‌السلام )،أما بعد ،فإنا لقينا عدو الله الناجي و أصحابه بالمدائن ،فدعوناهم إلى الهدى و الحق و كلمة


السواء فتولوا عن الحق و أخذتهم العزة بالإثم،و زين لهم الشيطان أعمالهم،فصدهم عن السبيل فقصدونا و صمدنا صمدهم،فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن دلكت الشمس و استشهد منا رجلان صالحان و أصيب منهم خمسة نفر،و خلوا لنا المعركة و قد فشت فينا و فيهم الجراح ،ثم إن القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الأهواز،و قد بلغني أنهم نزلوا من الأهواز جانبا و نحن بالبصرة نداوي جراحنا و ننتظر أمرك رحمك الله و السلام.فلما أتاه الكتاب قرأه على الناس،فقام إليه معقل بن قيس الرياحي،فقال:أصلحك الله يا أمير المؤمنين،إنما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الذين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين،فإذا لحقوهم استأصلوا شأفتهم و قطعوا دابرهم،فأما أن تلقاهم بأعدادهم فلعمري ليصبرن لهم،فإنهم قوم عرب و العدة تصبر للعدة فيقاتلون كل القتال.

قال:فقال(عليه‌السلام )له تجهز يا معقل إليهم و ندب معه ألفين من أهل الكوفة فيهم يزيد بن معقل،و كتب إلى عبد الله بن العباس بالبصرةرحمه‌الله تعالى،أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة،فليتبع معقل بن قيس،فإذا خرج من أرض البصرة،فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا،فإذا لقيه فمعقل أمير الفريقين فليسمع منه و ليطعه و لا يخالفه و مر زياد بن خصفة،فليقبل إلينا فنعم المرء زياد و نعم القبيل قبيله و السلام


قال:و كتب(عليه‌السلام )إلى زياد بن خصفة،أما بعد،فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت به الناجي،و أصحابه الذين طبع الله على قلوبهم،و زين لهم الشيطان أعمالهم،فهم حيارى عمون يحسبون أنهم يحسنون صنعا،و وصفت ما بلغ بك و بهم الأمر فأما أنت و أصحابك فلله سعيكم و عليه جزاؤكم و أيسر ثواب الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقبل الجاهلون بأنفسهم عليها ف( ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و لنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) و أما عدوكم الذين لقيتم فحسبهم خروجهم من الهدى و ارتكاسهم في الضلالة و ردهم الحق و جماحهم في التيه فذرهم و ما يفترون و دعهم في طغيانهم يعمهون فأسمع بهم و أبصر فكأنك بهم عن قليل بين أسير و قتيل فأقبل إلينا أنت و أصحابك مأجورين فقد أطعتم و سمعتم و أحسنتم البلاء و السلام.قال:و نزل الناجي جانبا من الأهواز و اجتمع إليه علوج كثير من أهلها ممن أراد كسر الخراج و من اللصوص و طائفة أخرى من الأعراب ترى رأيه.قال إبراهيم بن هلال:فحدثنا محمد بن عبد الله قال:حدثني ابن أبي سيف عن الحارث بن كعب عن عبد الله بن قعين قال:كنت أنا و أخي كعب بن قعين في ذلك الجيش مع معقل بن قيس فلما أراد الخروج أتى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )يودعه

فقال:يا معقل بن قيس اتق الله ما استطعت فإنه وصية الله للمؤمنين لا تبغ على أهل القبلة و لا تظلم أهل الذمة و لا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال:معقل الله المستعان فقال:خير مستعان.


،ثم قام فخرج و خرجنا معه حتى نزل الأهواز فأقمنا ننتظر بعث البصرة فأبطأ علينا فقام معقل فقال:أيها الناس إنا قد انتظرنا أهل البصرة و قد أبطئوا علينا و ليس بنا بحمد الله قلة و لا وحشة إلى الناس فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل فإني أرجو أن ينصركم الله و يهلكهم فقام إليه أخي كعب بن قعين فقال:أصبت إن شاء الله رأينا رأيك و إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم و إن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا فقال:سيروا على بركة الله فسرنا فو الله ما زال معقل بن قيس لي و لأخي مكرما وادا ما يعدل بنا أحدا من الجند و لا يزال يقول لأخي كيف قلت إن في الموت على الحق لتعزية عن الدنيا صدقت و الله و أحسنت و وفقت وفقك الله قال فو الله ما سرنا يوما و إذا بفيج يشتد بصحيفة في يده.من عبد الله بن عباس إلى معقل بن قيس أما بعد فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت مقيما به أو أدركك و قد شخصت منه فلا تبرحن من المكان الذي ينتهي إليك رسولي و أنت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك فقد وجهت إليك خالد بن معدان الطائي و هو من أهل الدين و الصلاح و النجدة فاسمع منه و أعرف ذلك له إن شاء الله و السلام.قال:فقرأه معقل بن قيس على أصحابه فسروا به و حمدوا الله و قد كان ذلك الوجه هالهم و أقمنا حتى قدم علينا خالد بن معدان الطائي و جاءنا حتى دخل على صاحبنا فسلم عليه بالإمرة و اجتمعنا جميعا في عسكر واحد ،ثم خرجنا إلى الناجي و أصحابه فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة حصينة و جاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك فخرجنا في آثارهم فلحقناهم و قد دنوا من الجبل فصففنا لهم ،ثم أقبلنا نحوهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المعقل الأزدي و على ميسرته منجاب بن راشد الضبي و وقف


الخريت بن راشد الناجي بمن معه من العرب فكانوا ميمنة و جعل أهل البلد و العلوج و من أراد كسر الخراج و جماعة من الأكراد ميسرة.قال:و سار فينا معقل يحرضنا و يقول يا عباد الله لا تبدءوا القوم و غضوا الأبصار و أقلوا الكلام و وطنوا أنفسكم على الطعن و الضرب و أبشروا في قتالهم بالأجر العظيم إنما تقاتلون مارقة مرقت و علوجا منعوا الخراج و لصوصا و أكرادا فما تنتظرون فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد.قال:فمر في الصف يكلمهم يقول هذه المقالة حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل فوقف وسط الصف في القلب و نظرنا إليه ما يصنع فحرك رأسه تحريكتين ،ثم حمل في الثالثة و حملنا معه جميعا فو الله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا و انهزموا و قتلنا سبعين عربيا من بني ناجية و من بعض من اتبعه من العرب و نحو ثلاثمائة من العلوج و الأكراد.قال كعب:و نظرت فإذا صديقي مدرك بن الريان قتيلا و خرج الخريت منهزما حتى لحق بسيف من أسياف البحر و بها جماعة من قومه كثير فما زال يسير فيهم و يدعوهم إلى خلاف علي(عليه‌السلام )و يزين لهم فراقه و يخبرهم أن الهدى في حربه و مخالفته حتى اتبعه منهم ناس كثير.و أقام معقل بن قيس بأرض الأهواز و كتب إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بالفتح و كنت أنا الذي قدم بالكتاب عليه و كان في الكتاب لعبد الله علي أمير المؤمنين من معقل بن قيس سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا لقينا المارقين و قد استظهروا علينا بالمشركين


فقتلنا منهم ناسا كثيرا و لم نعد فيهم سيرتك فلم نقتل منهم مدبرا و لا أسيرا و لم نذفف منهم على جريح و قد نصرك الله و المسلمين و الحمد لله رب العالمين.قال:فلما قدمت بالكتاب على علي(عليه‌السلام )قرأه على أصحابه و استشارهم في الرأي فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد قالوا:نرى أن تكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم و لا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو ينفيهم من أرض الإسلام فإنا لا نأمن أن يفسدوا عليك الناس.

قال:فردني إليه و كتب معي أما بعد فالحمد لله على تأييده أولياءه و خذله أعداءه جزاك الله و المسلمين خيرا فقد أحسنتم البلاء و قضيتم ما عليكم فاسأل عن أخي بني ناجية فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه فإنه لم يزل للمسلمين عدوا و للفاسقين وليا و السلام.قال:فسأل معقل عن مسيره و المكان الذي انتهى إليه فنبئ بمكانه بسيف البحر بفارس و أنه قد رد قومه عن طاعة علي(عليه‌السلام )و أفسد من قبله من عبد القيس و من والاهم من سائر العرب و كان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين و منعوها في ذلك العام أيضا فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة و البصرة فأخذوا على أرض فارس حتى انتهوا إلى أسياف البحر فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج فأسر إليهم إني أرى رأيكم و أن عليا ما كان ينبغي له أن يحكم الرجال في دين الله و قال:لمن يرى رأي عثمان و أصحابه أنا على رأيكم و إن عثمان قتل مظلوما معقولا و قال لمن منع الصدقة:


شدوا أيديكم على صدقاتكم ،ثم صلوا بها أرحامكم و عودوا إن شئتم على فقرائكم فأرضى كل طائفة بضرب من القول و كان فيهم نصارى كثير و قد كانوا أسلموا فلما رأوا ذلك الاختلاف قالوا:و الله لديننا الذي خرجنا منه خير و أهدى من دين هؤلاء الذين لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء و إخافة السبل فرجعوا إلى دينهم.فلقي الخريت أولئك فقال:ويحكم إنه لا ينجيكم من القتل إلا الصبر لهؤلاء القوم و لقتالهم أ تدرون ما حكم علي فيمن أسلم من النصارى ،ثم رجع إلى النصرانية لا و الله لا يسمع له قولا و لا يرى له عذرا و لا يقبل منه توبة و لا يدعوه إليها و إن حكمه فيه أن يضرب عنقه ساعة يستمكن منه فما زال حتى خدعهم و جاءهم من كان من بني ناجية في تلك الناحية و من غيرهم فاجتمع إليه ناس كثير و كان منكرا داهيا.قال:فلما رجع معقل قرأ على أصحابه كتابا من علي(عليه‌السلام )

فيه من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين و المؤمنين و المارقين و النصارى و المرتدين سلام على من اتبع الهدى و آمن بالله و رسوله و كتابه و البعث بعد الموت وافيا بعهد الله و لم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه و أن أعمل فيكم بالحق و بما أمر الله تعالى في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله و كف يده و اعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله و رسوله و المسلمين و سعى في الأرض فسادا فله الأمان على ماله و دمه و من تابعه على حربنا و الخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه و جعلناه بيننا و بينه و كفى بالله وليا و السلام.قال:فأخرج معقل راية أمان فنصبها و قال:من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت و أصحابه الذين نابذوا أول مرة فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه و عبأ معقل بن قيس أصحابه ،ثم زحف بهم نحوه و قد حضر مع الخريت جميع


قومه مسلمهم و نصرانيهم و مانعي الصدقة منهم فجعل مسلميهم يمنة و النصارى و مانعي الصدقة يسرة و جعل يقول لقومه امنعوا اليوم حريمكم و قاتلوا عن نسائكم و أولادكم و الله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم و ليسلبنكم.فقال له رجل من قومه:هذا و الله ما جرته علينا يدك و لسانك فقال لهم:قاتلوا فقد سبق السيف العذل.قال:و سار معقل بن قيس يحرض أصحابه فيما بين الميمنة و الميسرة و يقول:أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة و ارتدوا عن الإسلام و نكثوا البيعة ظلما و عدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة و من عاش بأن الله يقر عينه بالفتح و الغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس أجمعين ،ثم وقف في القلب برايته و بعث إلى يزيد بن المعقل الأزدي و هو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ،ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان فيه من الميمنة ،ثم بعث إلى المنجاب بن راشد الضبي و هو في الميسرة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ،ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان في الميسرة ،ثم بعث معقل إلى ميمنته و ميسرته إذا حملت فاحملوا جميعا ،ثم أجرى فرسه و ضربها و حمل أصحابه فصبروا لهم ساعة.ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فصرعه عن فرسه ،ثم نزل إليه و قد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان و قتل معه في المعركة سبعون و مائة و ذهب الباقون في الأرض يمينا و شمالا و بعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك فيها رجالا و نساء و صبيانا ،ثم نظر فيهم فمن كان مسلما خلاه و أخذ


بيعته و خلى سبيل عياله و من كان ارتد عن الإسلام عرض عليه الرجوع إلى الإسلام و إلا القتل فأسلموا فخلى سبيلهم و سبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له:الرماحس بن منصور فإنه قال:و الله ما زلت مصيبا مذ عقلت إلا في خروجي من ديني دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا و الله لا أدع ديني و لا أقرب دينكم ما حييت.فقدمه معقل فضرب عنقه و جمع الناس فقال:أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين و عمد إلى النصارى و عيالاتهم فاحتملهم معه و أقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا و دعا الرجال و النساء بعضهم إلى بعض.قال:فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم و لا بعدهم و كتب معقل إلى علي(عليه‌السلام )أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده و عن عدوه إنا دفعنا إلى عدونا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات حد و عدد و قد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة و الطاعة و إلى حكم الكتاب و السنة و قرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و رفعنا لهم راية أمان فمالت إلينا طائفة منهم و ثبتت طائفة أخرى فقبلنا أمر التي أقبلت و صمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم و نصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه و أخذنا بيعته لأمير المؤمنين و أخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم و أما من ارتد فعرضنا عليهم الرجوع إلى الإسلام و إلا قتلناهم فرجعوا إلى الإسلام غير رجل واحد فقتلناه و أما النصارى فإنا سبيناهم و أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة كي لا يمنعوا الجزية و لا يجترئوا على قتال أهل القبلة و هم للصغار و الذلة


أهل رحمك الله يا أمير المؤمنين و عليك الصلاة و السلام و أوجب لك جنات النعيم و السلام.قال ،ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني و هو عامل لعلي(عليه‌السلام )على أردشيرخرة و هم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء و الصبيان و تصايح الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل يا مؤي الضعيف و فكاك العصاة امنن علينا فاشترنا و أعتقنا فقال مصقلة:أقسم بالله لأتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقل بن قيس فقال:و الله لو أعلمه قالها توجعا لهم و إزراء علي لضربت عنقه و إن كان في ذلك فناء بني تميم و بكر بن وائل.ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل فقال:بعني نصارى ناجية فقال:أبيعكهم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراوده حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم و دفعهم إليه و قال:عجل بالمال إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )فقال مصقلة:أنا باعث الآن بصدر منه ،ثم أتبعك بصدر آخر ثم كذلك حتى لا يبقى منه شي‏ء و أقبل معقل إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )فأخبره بما كان من الأمر فقال له:أحسنت و أصبت و وفقت.و انتظر علي(عليه‌السلام )مصقلة أن يبعث بالمال فأبطأ به و بلغ عليا(عليه‌السلام )أن مصقلة خلى الأسارى و لم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشي‏ء فقال:ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة و لا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحا ،ثم كتب إليه


أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة و أعظم الغش على أهل المصر غش الإمام و عندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث بها إلى حين يأتيك رسولي و إلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال و السلام.و كان الرسول أبو جرة الحنفي فقال له أبو جرة:إن تبعث بهذا المال و إلا فاشخص معي إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة و كان العمال يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس فيكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،ثم أقبل من البصرة حتى أتى عليا(عليه‌السلام )بالكوفة فأقره أياما لم يذكر له شيئا،ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف درهم و عجز عن الباقي.قال:فروى ابن أبي سيف عن أبي الصلت عن ذهل بن الحارث قال:دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاء فطعمنا منه ،ثم قال:و الله إن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )يسألني هذا المال و و الله ما أقدر عليه فقلت له لو شئت لم يمض عليك جمعة حتى تجمع هذا المال فقال ما كنت لأحملها قومي و لا أطلب فيها إلى أحد.ثم قال:و الله لو أن ابن هند مطالبي بها أو ابن عفان لتركها لي ألم تر إلى عثمان كيف أعطى الأشعث مائة ألف درهم من خراج آذربيجان في كل سنة فقلت إن هذا لا يرى ذلك الرأي و ما هو بتارك لك شيئا فسكت ساعة و سكت عنه فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية.فبلغ ذلك عليا(عليه‌السلام )فقال:ما له ترحه الله فعل فعل السيد و فر فرار العبد و خان خيانة الفاجر أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه


و إن لم نجد له مالا تركناه ،ثم سار علي(عليه‌السلام )إلى داره فهدمها.و كان أخوه نعيم بن هبيرة الشيباني شيعة لعلي(عليه‌السلام )مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له:حلوان أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة و مناك الإمارة فأقبل ساعة تلقى رسولي و السلام.فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرح به إلى علي(عليه‌السلام )فأخذ كتابه فقرأه ،ثم قدمه فقطع يده فمات و كتب نعيم إلى أخيه مصقلة شعرا لم يرده عليه:

لا ترمين هداك الله معترضا

بالظن منك فما بالي و حلوانا

ذاك الحريص على ما نال من طمع

و هو البعيد فلا يورثك أحزانا

ما ذا أردت إلى إرساله سفها

ترجو سقاط امرئ لم يلف وسنانا

عرضته لعلي إنه أسد

يمشي العرضنة من آساد خفانا

قد كنت في خير مصطاف و مرتبع

تحمي العراق و تدعى خير شيبانا

حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه

للراكبين له سرا و إعلانا

لو كنت أديت مال الله مصطبرا

للحق زكيت أحيانا و موتانا

لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا

فضل ابن هند فذاك الرأي أشجانا

فاليوم تقرع سن العجز من ندم

ما ذا تقول و قد كان الذي كانا

أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة

لم يرفع الله بالعصيان إنسانا


فلما بلغ الكتاب إليه علم أن النصراني قد هلك و لم يلبث التغلبيون إلا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم فأتوا مصقلة فقالوا:أنت أهلكت صاحبنا فإما أن تجيئنا به و إما أن تديه فقال:أما أن أجي‏ء به فلست أستطيع ذلك و أما أن أديه فنعم فوداه.قال إبراهيم:و حدثني ابن أبي سيف عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال:قيل لعلي(عليه‌السلام )حين هرب مصقلة اردد الذين سبوا و لم تستوف أثمانهم في الرق فقال:ليس ذلك في القضاء بحق قد عتقوا إذ أعتقهم الذي اشتراهم و صار مالي دينا على الذي اشتراهم.و روى إبراهيم أيضا عن إبراهيم بن ميمون عن عمرو بن القاسم بن حبيب التمار عن عمار الدهني قال:لما هرب مصقلة قال أصحاب علي(عليه‌السلام )له:يا أمير المؤمنين فيئنا قال:إنه قد صار على غريم من الغرماء فاطلبوه.و قال ظبيان بن عمارة أحد بني سعد بن زيد مناة في بني ناجية:

هلا صبرت للقراع ناجيا

و المرهفات تختلي الهواديا

و الطعن في نحوركم تواليا

و صائبات الأسهم القواضيا

و قال ظبيان أيضا:

ألا فاصبروا للطعن و الضرب ناجيا

و للمرهفات يختلين الهواديا

فقد صب رب الناس خزيا عليكم

و صيركم من بعد عز مواليا


سما لكم بالخيل جردا عواديا

أخو ثقة لا يبرح الدهر غازيا

فصبحكم في رحلكم و خيولكم

بضرب يرى منه المدجج هاويا

فأصبحتم من بعد عز و كثرة

عبيد العصا لا تمنعون الذراريا

قال إبراهيم بن هلال و روى عبد الرحمن بن حبيب عن أبيه:أنه لما بلغ عليا(عليه‌السلام )مصاب بني ناجية و قتل صاحبهم قال:هوت أمه ما كان أنقص عقله و أجرأه إنه جاءني مرة فقال:إن في أصحابك رجالا قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم فقلت إني لا آخذ على التهمة و لا أعاقب على الظن و لا أقاتل إلا من خالفني و ناصبني و أظهر العداوة لي ،ثم لست مقاتله حتى أدعوه و أعذر إليه فإن تاب و رجع قبلنا منه و إن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه و ناجزناه فكف عني ما شاء الله ،ثم جاءني مرة أخرى فقال لي:إني قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب و زيد بن حصين الطائي إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتهما لم تفارقهما حتى تقتلهما أو توثقهما فلا يزالان بمحبسك أبدا فقلت له إني مستشيرك فيهما فما ذا تأمرني به قال:إني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما فعلمت أنه لا ورع له و لا عقل فقلت له و الله ما أظن لك ورعا و لا عقلا لقد كان ينبغي لك أن تعلم أني لا أقتل من لم يقاتلني و لم يظهر لي عداوته للذي كنت أعلمتكه من رأيي حيث جئتني في المرة الأولى و لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول لي اتق الله بم تستحل قتلهم و لم يقتلوا أحدا و لم ينابذوك و لم يخرجوا من طاعتك.فأما ما يقوله الفقهاء في مثل هذا السبي فقبل أن نذكر ذلك نقول إن الرواية قد


اختلفت في المرتدين من بني ناجية فالرواية الأولى التي رواها محمد بن عبد الله بن عثمان عن نصر بن مزاحم تتضمن أن الأمير الذي من قبل علي(عليه‌السلام )قتل مقاتلة المرتدين منهم بعد امتناعهم من العود إلى الإسلام و سبى ذراريهم فقدم بها على علي(عليه‌السلام )فعلى هذه الرواية يكون الذين اشتراهم مصقلة ذراري أهل الردة.و الرواية الثانية التي رواها محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف تتضمن أن معقل بن قيس الأمير من قبل علي(عليه‌السلام )لم يقتل من المرتدين من بني ناجية إلا رجلا واحدا و أما الباقون فرجعوا إلى الإسلام و الاسترقاق إنما كان للنصارى الذين ساعدوا في الحرب و شهروا السيف على جيش الإمام و ليسوا مرتدين بل نصارى في الأصل و هم الذين اشتراهم مصقلة.فإن كانت الرواية الأولى هي الصحيحة ففيها إشكال ؛ لأن المرتدين لا يجوز عند الفقهاء استرقاقهم و لا أعرف خلافا في هذه المسألة و لا أظن الإمامية أيضا تخالف فيها و إنما ذهب أبو حنيفة إلى أن المرأة المرتدة إذا لحقت بدار الحرب جاز استرقاقها و سائر الفقهاء على خلافه و لم يختلفوا في أن الذكور البالغين من المرتدين لا يجوز استرقاقهم فلا أعلم كيف وقع استرقاق المرتدين من بني ناجية على هذه الرواية على أني أرى أن الرواية المذكورة لم يصرح فيها باسترقاقهم و لا بأنهم بيعوا على مصقلة ؛ لأن لفظ الراوي فأبوا فقتل مقاتلتهم و سبى ذراريهم فقدم بهم على علي(عليه‌السلام )و ليس في الرواية ذكر استرقاقهم و لا بيعهم على مصقلة بل فيها ما ينافي بيعهم على مصقلة و هو قوله فقدم بهم على علي(عليه‌السلام )فإن مصقلة ابتاع السبي من الطريق في أردشيرخرة قبل قدومه على علي(عليه‌السلام )و لفظ الخبر فقدم بهم على علي(عليه‌السلام ).و إنما يبقى الأشكال على هذه الرواية أن يقال:إذا كان قد قدم بهم على علي(عليه‌السلام )


فمصقلة من اشترى و لا يمكن دفع كون مصقلة اشترى قوما في الجملة فإن الخبر بذلك مشهور جدا يكاد يكون متواترا.فإن قيل فما قولكم فيما إذا ارتد البالغون من الرجال و النساء،ثم أولدوا ذرية صغارا بعد الردة هل يجوز استرقاق الأولاد فإن كان يجوز فهلا حملتم الخبر عليه قيل إذا ارتد الزوجان فحملت منه في حال الردة و أتت بولد كان محكوما بكفره ؛ لأنه ولد بين كافرين.و هل يجوز استرقاقه فيه للشافعي قولان و أما أبو حنيفة فقال:إن ولد في دار الإسلام لم يجز استرقاقه و إن ولد في دار الحرب جاز استرقاقه فإن كان استرقاق هؤلاء الذرية موافقا لأحد قولي الشافعي فلعله ذاك.و أما الرواية الثانية فإن كانت هي الصحيحة و هو الأولى فالفقه في المسألة أن الذمي إذا حارب المسلمين فقد نقض عهده فصار كالمشركين الذين في دار الحرب فإذا ظفر به الإمام جاز استرقاقه و بيعه و كذلك إذا امتنع من أداء الجزية أو امتنع من التزام أحكام الإسلام.و اختلف الفقهاء في أمور سبعة هل ينتقض بها عهدهم و يجوز استرقاقهم أم لا و هي أن يزني الذمي بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح أو يفتن مسلما عن دينه أو يقطع الطريق على المسلمين أو يؤوي للكفار عينا أو يدل على عورات المسلمين أو يقتل مسلما.فأصحاب الشافعي يقولون إن شرط عليهم في عقد الذمة الكف عن ذلك فهل ينقض عهدهم بفعله فيه وجهان و إن لم يشترط ذلك في عقد الذمة لم ينتقض عهدهم بذلك.و قال الطحاوي من أصحاب أبي حنيفة:ينتقض عهدهم بذلك سواء شورطوا عن


الكف عنه في عقد الذمة أو لم يشارطوا عليه،فنصارى بني ناجية على هذه الرواية قد انتقض عهدهم بحرب المسلمين،فأبيحت دماؤهم،و جاز للإمام قتلهم،و جاز له استرقاقهم كالمشركين الأصليين في دار الحرب،و أما استرقاق أبي بكر بن أبي قحافة لأهل الردة و سبيه ذراريهم،فإن صح كان مخالفا لما يقول الفقهاء من تحريم استرقاق المرتدين،إلا أن يقولوا إنه لم يسب المرتدين،و إنما سبى من ساعدهم و أعانهم في الحرب من المشركين الأصليين،و في هذا الموضع نظر


45.و من خطبة له(عليه‌السلام )

(اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ وَ لاَ مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَ لاَ مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ اَلَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ وَ لاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ وَ اَلدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا اَلْفَنَاءُ وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا اَلْجَلاَءُ وَ هِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ خَضْرَاءُ وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ وَ اِلْتَبَسَتْ بِقَلْبِ اَلنَّاظِرِ فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ وَ لاَ تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ اَلْكَفَافِ وَ لاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ اَلْبَلاَغِ مني لها الفناء أي قدر و الجلاء بفتح الجيم الخروج عن الوطن قال سبحانه وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمُ اَلْجَلاءَ).و حلوة خضرة مأخوذ من قول رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):إن الدنيا حلوة خضرة،و إن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون.و الكفاف من الرزق قدر القوت،و هو ما كف عن الناس،أي:أغنى.و البلاغ و البلغة من العيش ما يتبلغ به.


و اعلم أن هذا الفصل يشتمل على فصلين من كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،أحدهما:حمد الله و الثناء عليه إلى قوله و لا تفقد له نعمة،و الفصل الثاني:ذكر الدنيا إلى آخر الكلام،و أحدهما غير مختلط بالآخر و لا منسوق عليه،و لكن الرضي رحمة الله تعالى يلتقط كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )التقاطا،و لا يقف مع الكلام المتوالي ؛ لأن غرضه ذكر فصاحته(عليه‌السلام )لا غير و لو أتى بخطبه كلها على وجهها لكانت أضعاف كتابه الذي جمعه.

فصل بلاغي في الموازنة و السجع

فأما الفصل الأول:فمشتمل من علم البيان على باب كبير يعرف بالموازنة و ذلك غير مقنوط،فإنه وازنه في الفقرة الثانية بقوله و لا مخلو،ألا ترى أن كل واحدة منهما على وزن مفعول،ثم قال في الفقرة الثالثة:و لا مأيوس فجاء بها على وزن مفعول أيضا،و لم يمكنه في الفقرة الرابعة ما أمكنه في الأولى،فقال:و لا مستنكف فجاء به على وزن مستفعل،و هو و إن كان خارجا عن الوزن،فإنه غير خارج عن المفعولية ؛ لأن مستفعل مفعول في الحقيقة،كقولك:زيد مستحسن،ألا ترى أن مستحسنا من استحسنه فهو أيضا غير خارج عن المفعولية.ثم وازن(عليه‌السلام )بين قوله:لا تبرح و قوله:لا تفقد و بين رحمة و نعمة،فأعطت هذه الموازنات الكلام من الطلاوة،و الصنعة ما لا تجده عليه لو قال الحمد لله غير مخلو من نعمته و لا مبعد من رحمته ؛ لأن مبعد بوزن مفعل و هو غير مطابق و لا مماثل لمفعول،بل هو بناء آخر.و كذلك لو قال:لا تزول منه رحمة،فإن تزول ليست في المماثلة و الموازنة


لتفقد كتبرح ألا ترى أنها معتلة و تلك صحيحة،و كذلك لو قال:لا تبرح منه رحمة و لا يفقد له أنعام،فإن أنعاما ليس في وزن رحمة و الموازنة مطلوبة في الكلام الذي يقصد فيه الفصاحة لأجل الاعتدال الذي هو مطلوب الطبع في جميع الأشياء و الموازنة أعم من السجع ؛ لأن السجع تماثل أجزاء الفواصل لو أوردها على حرف واحد،نحو:القريب و الغريب و النسيب و ما أشبه ذلك،و أما الموازنة فنحو:القريب و الشديد و الجليل،و ما كان على هذا الوزن و إن لم يكن الحرف الآخر بعينه واحدا،و كل سجع موازنة،و ليس كل موازنة سجعا،و مثال الموازنة في الكتاب العزيز:( وَ آتَيْناهُمَا اَلْكِتابَ اَلْمُسْتَبِينَ وَ هَدَيْناهُمَا اَلصِّراطَ اَلْمُسْتَقِيمَ ) ،و قوله تعالى:( لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ،ثم قال:( وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) ،ثم قال:( تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) ،ثم قال:( نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) فهذه الموازنة.و مما جاء من المثال في الشعر قوله:

بأشدهم بأسا على أعدائهم

و أعزهم فقدا على الأصحاب

فقوله:و أعزهم بإزاء أشدهم،و قوله:فقدا بإزاء بأسا.و الموازنة كثيرة في الكلام و هي في كتاب الله تعالى أكثر.

نبذ من كلام الحكماء في مدح القناعة و ذم الطمع

فأما الفصل الثاني،فيشتمل على التحذير من الدنيا و على الأمر بالقناعة و الرضا بالكفاف،فأما التحذير من الدنيا فقد ذكرنا و نذكر منه ما يحضرنا،و أما القناعة فقد ورد فيها شي‏ء كثير.


قال رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لأخوين من الأنصار:لا تيئسا من روح الله ما تهزهزت رءوسكما،فإن أحدكم يولد لا قشر عليه،ثم يكسوه الله و يرزقه،و عنه(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و يعزى إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام ):القناعة كنز لا ينفد،و ما يقال:إنه من كلام لقمان الحكيم كفى بالقناعة عزا،و بطيب النفس نعيما،و من كلام عيسى(عليه‌السلام ):اتخذوا البيوت منازل،و المساجد مساكن و كلوا من بقل البرية،و اشربوا من الماء القراح،و اخرجوا من الدنيا بسلام لعمري لقد انقطعتم إلى غير الله فما ضيعكم،أفتحافون الضيعة إذا انقطعتم إليه.و في بعض الكتب الإلهية القديمة،يقول الله تعالى:يا ابن آدم،أتخاف أن أقتلك بطاعتي هزلا و أنت تتفتق بمعصيتي سمنا.قال أبو وائل:ذهبت أنا و صاحب لي إلى سلمان الفارسي فجلسنا عنده،فقال:لو لا أن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )نهى عن التكلف لتكلفت لكم،ثم جاء بخبز و ملح ساذج لا أبزار عليه،فقال صاحبي:لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر،فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على سعتر،فلما أكلنا قال صاحبي:الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان:لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة.عباد بن منصور لقد كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد و أفصح،و لكنه كان أصبرهم عن الدينار و الدرهم فساد أهل البصرة.قال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد:لم لا تأخذ مني ؟ فقال:لا يأخذ أحد من أحد إلا ذل له و أنا أكره أن أذل لغير الله.


كان معاش عمرو بن عبيد من دار ورثها كان يأخذ أجرتها في كل شهر دينارا واحدا فيتبلغ به.الخليل بن أحمد كان الناس يكتسبون الرغائب بعلمه،و هو بين أخصاص البصرة لا يلتفت إلى الدنيا و لا يطلبها.وهب بن منبه أرملت مرة حتى كدت أقنط،فأتاني آت في المنام و معه شبه لوزة،فقال:افضض ففضضتها،فإذا حريرة فيها ثلاثة أسطر لا ينبغي لمن عقل عن الله أمره،و عرف لله عدله أن يستبطئ الله في رزقه فقنعت و صبرت،ثم أعطاني الله فأكثر.

قيل للحسن(عليه‌السلام ):إن أبا ذر كان يقول الفقر أحب إلي من الغنى،و السقم أحب إلي من الصحة،فقال:رحم الله أبا ذر،أما أنا فأقول من اتكل إلى حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له لعمري،يا ابن آدم،الطير لا تأكل رغدا و لا تخبأ لغد،و أنت تأكل رغدا و تخبأ لغد،فالطير أحسن ظنا منك بالله عز و جل،حبس عمر بن عبد العزيز الغذاء عن مسلمة حتى برح به الجوع،ثم دعا بسويق فسقاه،فلما فرغ منه لم يقدر على الأكل،فقال:يا مسلمة،إذا كفاك من الدنيا ما رأيت فعلام التهافت في النار.عبد الواحد بن زيد ما أحسب شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا و القناعة،و لا أعلم درجة أرفع من الرضا و هو رأس المحبة.قال ابن شبرمة في محمد بن واسع:لو أن إنسانا اكتفى بالتراب لاكتفى به.يقال من جملة ما أوحى الله تعالى إلى موسى(عليه‌السلام ):قل لعبادي المتسخطين لرزقي إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا.


كان لبعض الملوك نديم فسكر،ففاتته الصلاة،فجاءت جارية له بجمرة نار،فوضعتها على رجله فانتبه مذعورا،فقالت:إنك لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصبر على نار الآخرة ؟ فترك الدنيا و انقطع إلى العبادة،و قعد يبيع البقل،فدخل عليه الفضيل و ابن عيينة،فإذا تحت رأسه لبنة و ليس تحت جنبه حصير،فقالا:له إنا روينا أنه لم يدع أحد شيئا لله إلا عوضه خيرا منه فما عوضك ؟ قال:القناعة و الرضا بما أنا فيه.أصابت داود الطائي ضائقة شديدة،فجاء حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركة أبيه،فقال داود:هي لعمري من مال رجل ما أقدم عليه أحدا في زهده و ورعه و طيب كسبه،و لو كنت قابلا من أحد شيئا لقبلتها إعظاما للميت و إيجابا للحي،و لكني أحب أن أعيش في عز القناعة.سفيان الثوري:ما أكلت طعام أحد قط إلا هنت عليه.مسعر بن كدام من صبر على الخل و البقل لم يستعبد.فضيل:أصل الزهد الرضا بما رزقك الله،ألا تراه كيف يصنع بعبده ما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها تطعمه مرة خبيصا و مرة صبرا،تريد بذلك ما هو أصلح له.

المسيح(عليه‌السلام ):أنا الذي كببت الدنيا على وجهها و قدرتها بقدرها ليس لي ولد يموت،و لا بيت يخرب،وسادي الحجر،و فراشي المدر،و سراجي القمر أمير المؤمنين(عليه‌السلام )أكل تمر دقل،ثم شرب عليه ماء و مسح بطنه،و قال:من أدخلته بطنه النار فأبعده الله،ثم أنشد:

فإنك إن أعطيت بطنك سؤله

و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا


في الحديث الصحيح المرفوع إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب.من كلام الحكماء من ظفر بالقناعة،فقد ظفر بالكيمياء الأعظم.الحسن:الحريص الراغب و القانع الزاهد كلاهما مستوف أجله مستكمل أكله غير مزداد و لا منتقص مما قدر له فعلام التقحم في النار.

ابن مسعود رفعه:إنه ليس أحد بأكيس من أحد قد كتب النصيب و الأجل،و قسمت المعيشة و العمل و الناس يجرون منهما إلى منتهى معلوم.المسيح(عليه‌السلام )انظروا إلى طير السماء تغدو و تروح ليس معها شي‏ء من أرزاقها لا تحرث و لا تحصد و الله يرزقها،فإن زعمتم أنكم أوسع بطونا من الطير،فهذه الوحوش من البقر و الحمر لا تحرث و لا تحصد و الله يرزقها.سويد بن غفلة كان إذا قيل له قد ولي فلان يقول حسبي كسرتي و ملحي.وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إليه خلته،فقال له:ألست القائل:

لقد علمت و ما الإشراف من خلقي

أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيعنيني تطلبه

و لو قعدت أتاني لا يعنيني

فكيف خرجت من الحجاز إلى الشام تطلب الرزق،ثم اشتغل عنه فخرج و قعد على ناقته و نصها راجعا إلى الحجاز،فذكره هشام في الليل،فسأل عنه فقيل إنه رجع إلى الحجاز فتذمر و ندم،و قال رجل:قال حكمة و وفد علي مستجديا فجبهته،


و رددته،ثم وجه إليه بألفي درهم فجاء الرسول و هو بالمدينة فدفعها إليه،فقال له:قل لأمير المؤمنين كيف رأيت سعيت،فأكديت و قعدت في منزلي،فأتاني رزقي.عمر بن الخطاب تعلم أن الطمع فقر و أن اليأس غنى و من يئس من شي‏ء استغنى عنه أهدي لرسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )طائران،فأكل أحدهما عشية،فلما أصبح طلب غداء فأتته بعض أزواجه بالطائر الآخر،فقال:ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد،فإن من خلق الغد خلق رزقه و في الحديث المرفوع قد أفلح من رزق كفافا و قنعه الله بما آتاه من حكمة سليمان(عليه‌السلام )قد جربنا لين العيش و شدته،فوجدنا أهنأه أدناه وهب في قوله تعالى:( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) قال:القناعة.بعض حكماء الشعراء:

فلا تجزع إذا أعسرت يوما

فقد أيسرت في الدهر الطويل

و لا تظنن بربك ظن سوء

فإن الله أولى بالجميل

و إن العسر يتبعه يسار

و قيل الله أصدق كل قيل

و لو أن العقول تجر رزقا

لكان المال عند ذوي العقول

عائشة:قال لي رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )إن أردت اللحوق بي فيكفيك من الدنيا زاد الراكب،و لا تخلقي ثوبا حتى ترقعيه،و إياك و مجالسة الأغنياء


يقال:إن جبرائيل(عليه‌السلام )جاء إلى رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )بمفاتيح خزائن الدنيا،فقال:لا حاجة لي فيها،بل جوعتان و شبعة.وجد مكتوبا على صخرة عادية يا ابن آدم،لست ببالغ أملك و لا سابق أجلك،و لا مغلوب على رزقك،و لا مرزوق ما ليس لك،فعلام تقتل نفسك.الحسين بن الضحاك:

يا روح من عظمت قناعته

حسم المطامع من غد و غد

من لم يكن لله متهما

لم يمس محتاجا إلى أحد

أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه،أتدري لم رزقت الأحمق ؟ قال:لا.قال:ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتمال.قنط يوسف بن يعقوب(عليه‌السلام )في الجب لجوع اعتراه،فأوحي إليه انظر إلى حائط البئر،فنظر،فانفرج الحائط عن ذرة على صخرة معها طعامها،فقيل له:أتراني لا أغفل عن هذه الذرة و أغفل عنك و أنت نبي ابن نبي.دخل علي(عليه‌السلام )المسجد و قال لرجل:أمسك على بغلتي فخلع لجامها و ذهب به،فخرج علي(عليه‌السلام )بعد ما قضى صلاته و بيده درهمان ليدفعهما إليه مكافأة له،فوجد البغلة عطلا،فدفع إلى أحد غلمانه الدرهمين ليشتري بهما لجاما،فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق قد باعه الرجل بدرهمين،فأخذه بالدرهمين و عاد إلى مولاه،فقال علي(عليه‌السلام ):إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر


و لا يزاد على ما قدر له

سليمان بن المهاجر البجلي:

كسوت جميل الصبر وجهي فصانه

به الله عن غشيان كل بخيل

فلم يتبذلني البخيل و لم أقم

على بابه يوما مقام ذليل

و إن قليلا يستر الوجه أن يرى

إلى الناس مبذولا لغير قليل

وقف بعض الملوك على سقراط و هو في المشرقة،فقال له:سل حاجتك.قال:حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعتني الرفق بالشمس،فأحضر له ذهبا و كسوة ديباج،فقال:إنه لا حاجة بسقراط إلى حجارة الأرض و لعاب الدود إنما حاجته إلى أمر يصحبه حيثما توجه.صلى معروف الكرخي خلف إمام فلما انفتل سأل ذلك الإمام معروفا من أين تأكل ؟ قال:اصبر علي حتى أعيد ما صليته خلفك.قال:لماذا ؟ قال:لأن من شك في الرزق شك في الرازق.قال الشاعر:

و لا تهلكن النفس وجدا و حسرة

على الشي‏ء أسداه لغيرك قادرة

و لا تيأسن من صالح أن تناله

و إن كان نهبا بين أيد تبادره

فإنك لا تعطي أمرا حظ نفسه

و لا تمنع الشق الذي الغيث ناصره

قال عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب:قد مللت الناس و أحببت أن ألحق بصاحبي،فقال:إن سرك اللحوق بهما فقصر أملك و كل دون الشبع،و اخصف النعل،و كن كميش الإزار مرقوع القميص تلحق بهما.


و قال بعض شعراء العجم:

غلا السعر في بغداد من بعد رخصة

و إني في الحالين بالله واثق

فلست أخاف الضيق و الله واسع

غناه و لا الحرمان و الله رازق

قيل لعلي(عليه‌السلام )لو سد على رجل باب بيت و ترك فيه من أين كان يأتيه رزقه قال:من حيث كان يأتيه أجله.قال بعض الشعراء:

صبرت النفس لا أجز

ع من حادثة الدهر

رأيت الرزق لا يكسب

بالعرف و لا النكر

و لا بالسلف الأمثل

أهل الفضل و الذكر

و لا بالسمر اللدن

و لا بالخذم البتر

و لا بالعقل و الدين

و لا الجاه و لا القدر

و لا يدرك بالطيش

و لا الجهل و لا الهذر

و لكن قسم تجري

بما ندري و لا ندري

سجاء فتح بن شخرف إلى منزله بعد العشاء فلم يجد عندهم ما يتعشى به و لا وجد دهنا للسراج،و هم في الظلمة فجلس ليلة يبكي من الفرح و يقول:بأي يد قد كانت مني ؟ بأي طاعة تنعم علي بأن أترك على مثل هذه الحال.لقي هرم بن حيان أويسا القرني،فقال:السلام عليك يا أويس بن عامر،فقال:و عليك السلام يا هرم بن حيان،فقال هرم:أما إني عرفتك بالصفة فكيف عرفتني ؟ قال:إن أرواح المؤمنين لتشام كما تشام الخيل فيعرف بعضها بعضا،قال:أوصني،


قال:عليك بسيف البحر،قال:فمن أين المعاش ؟ قال:أف لك خالطت الشك الموعظة أتفر إلى الله بدينك و تتهمه في رزقك.منصور الفقيه:

الموت أسهل عندي

بين القنا و الأسنه

و الخيل تجري سراعا

مقطعات الأعنه

من أن يكون لنذل

على فضل و منه

أعرابي:

أتيئس أن يقارنك النجاح

فأين الله و القدر المتاح

قال رجل لرسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أوصني.قال:إياك و الطمع،فإنه فقر حاضر و عليك باليأس مما في أيدي الناس.حكيم أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك و لا يحقرك لها من فوقك.أبو العلاء المعري:

فإن كنت تهوى العيش فابغ توسطا

فعند التناهي يقصر المتطاول

توقي البدور النقص و هي أهلة

و يدركها النقصان و هي كوامل

خالد بن صفوان كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مالا،فإن الكريم من كرمت عند الحاجة خلته و اللئيم من لؤمت عند الفاقة طعمته.


شعر:

و كم ملك جانبته من كراهة

لإغلاق باب أو لتشديد حاجب

ولي في غنى نفسي مراد و مذهب

إذا أبهمت دوني وجوه المذاهب

بعض الحكماء ينبغي للعاقل أن يكون في دنياه كالمدعو إلى الوليمة إن أتته صحفة تناولها،و إن جازته لم يرصدها و لم يطلبها.


46.و من كلام له(عليه‌السلام )عند عزمه على المسير إلى الشام

(اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ اَلسَّفَرِ وَ كَآبَةِ اَلْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ اَلْمَنْظَرِ فِي اَلْأَهْلِ وَ اَلْمَالِ وَ اَلْوَلَدِ اَللَّهُمَّ أَنْتَ اَلصَّاحِبُ فِي اَلسَّفَرِ وَ أَنْتَ اَلْخَلِيفَةُ فِي اَلْأَهْلِ وَ لاَ يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ ؛ لِأَنَّ اَلْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً وَ اَلْمُسْتَصْحَبُ لاَ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً)،قال الرضيرحمه‌الله :و ابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و قد قفاه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بأبلغ كلام و تممه بأحسن تمام من قوله و لا يجمعهما غيرك إلى آخر الفصل وعثاء السفر مشقته ،و أصل الوعث المكان السهل الكثير الدهس تغيب فيه الأقدام ،و يشق على من يمشي فيه أوعث القوم ،أي:وقعوا في الوعث و الكآبة الحزن و المنقلب مصدر من انقلب منقلبا ،أي:رجع و سوء المنظر قبح المرأى.


و صدر الكلام مروي عن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )في المسانيد الصحيحة،و ختمه أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و تممه بقوله،و لا يجمعهما غيرك و هو الصحيح ؛ لأن من يستصحب لا يكون مستخلفا،فإنه مستحيل أن يكون الشي‏ء الواحد في المكانين مقيما و سائرا و إنما تصح هذه القضية في الأجسام ؛ لأن الجسم الواحد لا يكون في جهتين في وقت واحد،فأما ما ليس بجسم و هو البارئ سبحانه،فإنه في كل مكان لا على معنى أن ذاته ليست مكانية و إنما المراد علمه و إحاطته و نفوذ حكمه و قضائه و قدره،فقد صدق(عليه‌السلام )أنه المستخلف و أنه المستصحب و أن الأمرين مجتمعان له جل اسمه.و هذا الدعاء دعا به أمير المؤمنين(عليه‌السلام )بعد وضع رجله في الركاب من منزله بالكوفة متوجها إلى الشام لحرب معاوية و أصحابه ذكره نصر بن مزاحم في كتاب صفين،و ذكره غيره أيضا من رواة السيرة

أدعية علي عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية

قال نصر:لما وضع علي(عليه‌السلام )رجله في ركاب دابته يوم خرج من الكوفة إلى صفين،قال:بسم الله،فلما جلس على ظهرها قال:( سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون ) ،اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر إلى آخر الفصل،و زاد فيه نصر و من الحيرة بعد اليقين قال،ثم خرج أمامه الحر بن سهم بن طريف و هو يرتجز و يقول:

يا فرسي سيري و أمي الشاما

و قطعي الحزون و الأعلاما

و نابذي من خالف الإماما

إني لأرجو إن لقينا العاما


جمع بني أمية الطغاما

أن نقتل العاصي و الهماما

و أن نزيل من رجال هاما

قال و قال حبيب بن مالك و هو على شرطة علي(عليه‌السلام )و هو آخذ بعنان دابته يا أمير المؤمنين،أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد بالقتال و تخلفني بالكوفة لحشر الرجال،فقال(عليه‌السلام ):إنهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه،و أنت هاهنا أعظم غناء عنهم منك لو كنت معهم،فخرج علي(عليه‌السلام )حتى إذا حاذى الكوفة صلى ركعتين.قال:و حدثنا عمرو بن خالد عن أبي الحسين،زيد بن علي(عليه‌السلام )عن آبائه:أن عليا(عليه‌السلام )خرج و هو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه،فنادى بالصلاة،فتقدم فصلى ركعتين حتى إذا قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه،فقال:أيها الناس،ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة،فإنا قوم سفر،ألا و من صحبنا فلا يصومن المفروض،و الصلاة المفروضة ركعتان.قال نصر:ثم خرج حتى نزل دير أبي موسى،و هو من الكوفة على فرسخين،فصلى به العصر،فلما انصرف من الصلاة قال:سبحان الله ذي الطول و النعم،سبحان الله ذي القدرة و الإفضال،أسأل الله الرضا بقضائه،و العمل بطاعته و الإنابة إلى أمره،إنه سميع الدعاء.قال نصر:ثم خرج(عليه‌السلام )حتى نزل على شاطئ نرس بين موضع حمام أبي بردة و حمام عمر،فصلى بالناس المغرب،فلما انصرف

قال:الحمد لله الذي يولج


الليل في النهار و يولج النهار في الليل،و الحمد لله كلما وقب ليل و غسق،و الحمد لله كلما لاح نجم و خفق،ثم أقام حتى صلى الغداة،ثم شخص حتى بلغ إلى قبة قبين و فيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر،فلما رآها قال:( و النخل باسقات لها طلع نضيد ) ،ثم أقحم دابته النهر فعبر إلى تلك البيعة فنزلها و مكث قدر الغداء.قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد،عن محمد بن مخنف بن سليم قال:إني لأنظر إلى أبي و هو يساير عليا(عليه‌السلام )،و علي يقول له:إن بابل أرض قد خسف بها فحرك دابتك لعلنا نصلي العصر خارجا منها،فحرك دابته و حرك الناس دوابهم في أثره،فلما جاز جسر الفرات نزل فصلى بالناس العصر،قال:حدثني عمر بن عبد الله،بن يعلى،بن مرة الثقفي،عن أبيه،عن عبد خير قال:كنت مع علي أسير في أرض بابل،قال:و حضرت الصلاة صلاة العصر،قال:فجعلنا لا نأتي مكانا إلا رأيناه أفيح من الآخر،قال:حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا،و قد كادت الشمس أن تغيب،قال:فنزل علي(عليه‌السلام )فنزلت معه،قال:فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر،قال:فصليت العصر،ثم غابت الشمس،ثم خرج حتى أتى دير كعب،ثم خرج منه فبات بساباط فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل و الطعام،فقال:لا ليس ذلك لنا عليكم،فلما أصبح و هو بمظلم ساباط


قرأ:( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ) .قال نصر:و بلغ عمرو بن العاص مسيره فقال:

لا تحسبني يا علي غافلا

لأوردن الكوفة القنابلا

بجمعي العام و جمعي قابلا

قال:فبلغ ذلك عليا(عليه‌السلام )،فقال:

لأوردن العاصي ابن العاصي

سبعين ألفا عاقدي النواصي

مستحقبين حلق الدلاص

قد جنبوا الخيل مع القلاص

أسود غيل حين لا مناص

نزول علي بكربلاء

قال نصر:و حدثنا منصور بن سلام التميمي،قال:حدثنا حيان التيمي عن أبي عبيدة عن هرثمة بن سليم،قال:غزونا مع علي(عليه‌السلام )صفين،فلما نزل بكربلاء صلى بنا فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها،ثم قال:واها لك يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب.قال:فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير،و كانت من شيعة علي(عليه‌السلام )حدثها هرثمة فيما حدث،فقال لها:ألا أعجبك من صديقك أبي حسن،


قال:لما نزلنا كربلاء و قد أخذ حفنة من تربتها فشمها،و قال:واها لك أيتها التربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب و ما علمه بالغيب،فقالت المرأة له:دعنا منك أيها الرجل،فإن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )لم يقل إلا حقا.قال:فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين(عليه‌السلام )كنت في الخيل التي بعث إليهم،فلما انتهيت إلى الحسين(عليه‌السلام )و أصحابه عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع علي(عليه‌السلام )،و البقعة التي رفع إليه من تربتها و القول الذي قاله:فكرهت مسيري،فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين(عليه‌السلام )فسلمت عليه و حدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل،فقال الحسين(عليه‌السلام ):(أمعنا أم علينا)؟ فقلت:يا ابن رسول الله لا معك و لا عليك،تركت ولدي و عيالي أخاف عليهم من ابن زياد،فقال الحسين(عليه‌السلام ):(فول هربا حتى لا ترى مقتلنا،فو الذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد،ثم لا يعيننا إلا دخل النار).قال:فأقبلت في الأرض أشتد هربا حتى خفي على مقتلهم.قال نصر:و حدثنا مصعب،قال:حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة،قال:جاء عروة البارقي إلى سعد بن وهب فسأله فقال:حديث حدثتناه عن علي بن أبي طالب،قال:نعم بعثني مخنف بن سليم إلى علي عند توجهه إلى صفين فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده،و يقول هاهنا،هاهنا،فقال له:


رجل و ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال:(ثقل لآل محمد ينزل هاهنا،فويل لهم منكم،و ويل لكم منهم)،فقال له الرجل:ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال:(ويل لهم منكم تقتلونهم،و ويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار).قال نصر:و قد روي هذا الكلام على وجه آخر أنه(عليه‌السلام )قال:(فويل لكم منهم و ويل لكم عليهم)،فقال الرجل:أما ويل لنا منهم فقد عرفناه،فويل لنا عليهم ما معناه ؟ فقال:(ترونهم يقتلون لا تستطيعون نصرتهم)قال نصر:و حدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن كثير عن أبيه أن عليا(عليه‌السلام )أتى كربلاء فوقف بها،فقيل له:يا أمير المؤمنين،هذه كربلاء ؟ فقال:(ذات كرب و بلاء)،ثم أومأ بيده إلى مكان،فقال:هاهنا موضع رحالهم و مناخ ركابهم،ثم أومأ بيده إلى مكان آخر،فقال:هاهنا مراق دمائهم،ثم مضى إلى ساباط.

خروج علي لحرب معاوية و ما دار بينه و بين أصحابه

و ينبغي أن نذكر هاهنا ابتداء عزمه على مفارقة الكوفة و المسير إلى الشام و،ما خاطب به أصحابه و ما خاطبوه به و ما كاتب به العمال و كاتبوه جوابا عن كتبه،و جميع ذلك منقول من كتاب نصر بن مزاحم.قال نصر:حدثنا عمر بن سعد عن إسماعيل بن أبي خالد،عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود،قال:لما أراد علي(عليه‌السلام )المسير إلى الشام دعا من كان معه من المهاجرين و الأنصار فجمعهم،ثم حمد الله و أثنى عليه و قال:أما بعد،فإنكم ميامين


الرأي،مراجيح الحلم مباركو الأمر و مقاويل بالحق،و قد عزمنا على المسير إلى عدونا و عدوكم،فأشيروا علينا برأيكم.فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فحمد الله و أثنى عليه،و قال:أما بعد يا أمير المؤمنين،فأنا بالقوم جد خبير هم لك و لأشياعك أعداء،و هم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء،و هم مقاتلوك و مجادلوك لا يبقون جهدا مشاحة على الدنيا و ضنا بما في أيديهم منها،ليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من طلب دم ابن عفان،كذبوا ليس لدمه ينفرون،و لكن الدنيا يطلبون انهض بنا إليهم،فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال و إن أبوا إلا الشقاق فذاك ظني بهم،و الله ما أراهم يبايعون و قد بقي فيهم أحد ممن يطاع إذا نهى و يسمع إذا أمر.قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد،عن الحارث بن حصيرة،عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود،أن عمار بن ياسر،قام فحمد الله و أثنى عليه و قال:يا أمير المؤمنين،إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا،فافعل اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة و اجتماع رأيهم على الصدود و الفرقة،و ادعهم إلى حظهم و رشدهم،فإن قبلوا سعدوا و إن أبوا إلا حربنا،فو الله إن سفك دمائهم و الجد في جهادهم لقربة عند الله و كرامة منه،ثم قام قيس بن سعد بن عبادة،فحمد الله و أثنى عليه،ثم قال:يا أمير المؤمنين،انكمش بنا إلى عدونا و لا تعرج،فو الله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك


و الروم لإدهانهم في دين الله و استذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان،إذا غضبوا على رجل حبسوه،و ضربوه،و حرموه،و سيروه،و فيئنا لهم في أنفسهم حلال،و نحن لهم فيما يزعمون قطين،قال:يعني رقيق،فقال أشياخ الأنصار:منهم خزيمة بن ثابت و أبو أيوب و غيرهما لم تقدمت أشياخ قومك،و بدأتهم بالكلام يا قيس،فقال:أما إني عارف بفضلكم معظم لشأنكم،و لكني وجدت في نفسي الضغن الذي في صدوركم جاش حين ذكرت الأحزاب.فقال بعضهم لبعض:ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم،فقام سهل بن حنيف فحمد الله و أثنى عليه،ثم قال:يا أمير المؤمنين،نحن سلم لمن سالمت و حرب لمن حاربت و رأينا رأيك و نحن يمينك،و قد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة،فتأمرهم بالشخوص و تخبرهم بما صنع لهم في ذلك من الفضل،فإنهم أهل البلد و هم الناس،فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد و تطلب،فأما نحن فليس عليك خلاف منا متى دعوتنا أجبناك و متى أمرتنا أطعناك.

قال نصر:فحدثنا عمر بن سعد،عن أبي مخنف،عن زكريا بن الحارث،عن أبي خشيش،عن معبد قال:قام علي(عليه‌السلام )خطيبا على منبره،فكنت تحت المنبر أسمع تحريضه الناس،و أمره لهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشام،فسمعته يقول:


سيروا إلى أعداء الله،سيروا إلى أعداء القرآن و السنن،سيروا إلى بقية الأحزاب و قتلة المهاجرين و الأنصار،فقام رجل من بني فزارة،فقال له:أتريد أن تسير بنا إلى إخواننا من أهل الشام،فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة،فقتلتهم كلا ها الله إذا لا نفعل ذلك.فقام الأشتر،فقال:من هذا المارق.فهرب الفزاري و اشتد الناس على أثره،فلحق في مكان من السوق تباع فيه البراذين فوطئوه بأرجلهم و ضربوه بأيديهم و نعال سيوفهم حتى قتل،فأتى علي(عليه‌السلام )فقيل له:يا أمير المؤمنين،قتل الرجل،قال:و من قتله قالوا قتلته همدان و معهم شوب من الناس،فقال:قتيل عمية لا يدرى من قتله ديته من بيت مال المسلمين،فقال:بعض بني تيم اللات بن ثعلبة:

أعوذ بربي أن تكون منيتي

كما مات في سوق البراذين أربد

تعاوره همدان خفق نعالهم

إذا رفعت عنه يد وضعت يد

فقام الأشتر فقال:يا أمير المؤمنين،لا يهدنك ما رأيت و لا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن إن جميع من ترى من الناس شيعتك لا يرغبون بأنفسهم عن نفسك و لا يحبون البقاء بعدك،فإن شئت فسر بنا إلى عدوك،فو الله ما ينجو من الموت من خافه و لا يعطي البقاء من أحبه،و إنا لعلى بينة من ربنا و إن أنفسنا لن تموت حتى يأتي أجلها،و كيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين،و قد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين بالأمس و باعوا خلاقهم بعرض من الدنيا يسير.


فقال علي(عليه‌السلام ):الطريق مشترك و الناس في الحق سواء و من اجتهد رأيه في نصيحة العامة،فقد قضى ما عليه،ثم نزل فدخل منزله.قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد،قال:حدثني أبو زهير العبسي عن النضر بن صالح أن عبد الله بن المعتم العبسي،و حنظلة بن الربيع التميمي لما أمر علي(عليه‌السلام )الناس بالمسير إلى الشام دخلا عليه في رجال كثير من غطفان و بني تميم،فقال له حنظلة:يا أمير المؤمنين،إنا قد مشينا إليك في نصيحة فاقبلها و رأينا لك رأيا فلا تردنه علينا،فإنا نظرنا لك و لمن معك أقم،و كاتب هذا الرجل،و لا تعجل إلى قتال أهل الشام،فإنا و الله ما ندري و لا تدري لمن تكون الغلبة إذا التقيتم و لا على من تكون الدبرة.و قال ابن المعتم:مثل قوله و تكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل كلامهما فحمد علي(عليه‌السلام )الله و أثنى،ثم قال:أما بعد،فإن الله وارث العباد و البلاد،و رب السموات السبع و الأرضين السبع،و إليه ترجعون يؤتي الملك من يشاء،و ينزع الملك ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء أما الدبرة،فإنها على الضالين العاصين ظفروا أو ظفر بهم و ايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يعرفون معروفا،و لا ينكرون منكرا.فقام إليه معقل بن قيس الرياحي،فقال:يا أمير المؤمنين،إن هؤلاء و الله ما آثروك بنصح و لا دخلوا عليك إلا بغش فاحذرهم،فإنهم أدنى العدو.و قال له مالك بن حبيب:إنه بلغني يا أمير المؤمنين،أن حنظلة هذا يكاتب معاوية،فادفعه إلينا نحبسه حتى تنقضي غزاتك و تنصرف.


و قام من بني عبس قائد بن بكير و عياش بن ربيعة العبسيان،فقالا:يا أمير المؤمنين إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية فاحبسه أو مكنا من حبسه حتى تنقضي غزاتك،ثم تنصرف.فقالا:هذا جزاء لمن نظر لكم و أشار عليكم بالرأي فيما بينكم و بين عدوكم.فقال لهما علي(عليه‌السلام ):الله بيني و بينكم و إليه أكلكم،و به أستظهر عليكم اذهبوا حيث شئتم قال نصر:و بعث علي(عليه‌السلام )إلى حنظلة بن الربيع المعروف بحنظلة الكاتب،و هو من الصحابة،فقال له:يا حنظلة،أنت علي أم لي ؟ فقال:لا لك و لا عليك.قال:فما تريد قال اشخص إلى الرها،فإنه فرج من الفروج اصمد له حتى ينقضي هذا الأمر.فغضب من قوله خيار بني عمرو بن تميم و هم رهطه،فقال:إنكم و الله لا تغروني من ديني دعوني،فأنا أعلم منكم،فقالوا:و الله إن لم تخرج مع هذا الرجل لا ندع فلانة تخرج معك لأم ولده و لا ولدها،و لئن أردت ذلك لنقتلنك.فأعانه ناس من قومه و اخترطوا سيوفهم،فقال:أجلوني حتى أنظر و دخل منزله و أغلق بابه حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية،و خرج من بعده إليه من قومه رجال كثير،و هرب ابن المعتم أيضا حتى أتى معاوية في أحد عشر رجلا من قومه.و أما حنظلة فخرج إلى معاوية في ثلاثة و عشرين رجلا من قومه لكنهما لم يقاتلا مع معاوية و اعتزلا الفريقين جميعا.


و قال:و أمر علي(عليه‌السلام )بهدم دار حنظلة فهدمت هدمها عريفهم شبث بن ربعي و بكر بن تميم،فقال حنظلة بهجوهما:

أيا راكبا إما عرضت فبلغن

مغلغلة عني سراة بني عمرو

فأوصيكم بالله و البر و التقى

و لا تنظروا في النائبات إلى بكر

و لا شبث ذي المنخرين كأنه

أزب جمال قد رغا ليلة النفر

و قال أيضا:يحرض معاوية بن أبي سفيان:

أبلغ معاوية بن حرب خطة

و لكل سائلة تسيل قرار

لا تقبلن دنية ترضونها

في الأمر حتى تقتل الأنصار

و كما تبوء دماؤهم بدمائكم

و كما تهدم بالديار ديار

و ترى نساؤهم يجلن حواسرا

و لهن من ثكل الرجال جؤار

قال نصر:حدثنا عمر بن سعد عن سعد بن طريف عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة،قال:قام عدي بن حاتم الطائي بين يدي علي(عليه‌السلام )،فحمد الله و أثنى عليه و قال:يا أمير المؤمنين،ما قلت إلا بعلم و لا دعوت إلا إلى حق و لا أمرت إلا برشد،و لكن إذا رأيت أن تستأني هؤلاء القوم و تستديمهم حتى تأتيهم كتبك،و يقدم عليهم رسلك فعلت،فإن يقبلوا يصيبوا رشدهم و العافية أوسع لنا و لهم


و إن يتمادوا في الشقاق و لا ينزعوا عن الغي فسر إليهم،و قد قدمنا إليهم بالعذر،و دعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق،فو الله لهم من الحق أبعد و على الله أهون من قوم قاتلناهم أمس بناحية البصرة لما دعوناهم إلى الحق فتركوه ناوجناهم براكاء القتال،حتى بلغنا منهم ما نحب و بلغ الله منهم رضاه.فقام زيد بن حصين الطائي و كان من أصحاب البرانس المجتهدين،فقال:الحمد لله حتى يرضى و لا إله إلا الله ربنا،أما بعد،فو الله إن كنا في شك من قتال من خالفنا،و لا تصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم و نستأنيهم ما الأعمال إلا في تباب و لا السعي إلا في ضلال،و الله تعالى يقول:( وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) إننا و الله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يتبعونه،فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم القليل من الإسلام حظهم أعوان الظلمة،و أصحاب الجور و العدوان ليسوا من المهاجرين،و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان.فقام رجل من طيئ،فقال:يا زيد بن حصين،أكلام سيدنا عدي بن حاتم تهجن ؟ فقال زيد:ما أنتم بأعرف بحق عدي مني،و لكني لا أدع القول بالحق و إن سخط الناس.قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد عن الحارث بن حصين قال:دخل أبو زينب


بن عوف على علي(عليه‌السلام )،فقال:يا أمير المؤمنين،لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلا و أعظمنا في الخير نصيبا و لئن كنا على ضلال إنك لأثقلنا ظهرا و أعظمنا وزرا قد أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو،و قد قطعنا ما بيننا و بينهم من الولاية و أظهرنا لهم العداوة،نريد بذلك ما يعلمه الله تعالى من طاعتك أليس الذي نحن عليه هو الحق المبين،و الذي عليه عدونا هو الحوب الكبير ؟

فقال(عليه‌السلام ):بلى شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرا لدعوتنا صحيح النية في نصرنا قد قطعت منهم الولاية،و أظهرت لهم العداوة كما زعمت،فإنك ولي الله تسبح في رضوانه،و تركض في طاعته فأبشر أبا زينب.و قال له عمار بن ياسر:اثبت أبا زينب و لا تشك في الأحزاب أعداء الله و رسوله.فقال أبو زينب:ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة شهدا لي عما سألت من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما.قال:و خرج عمار بن ياسر،و هو يقول:

سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي

سيروا فخير الناس أتباع علي

هذا أوان طاب سل المشرفي

وقودنا الخيل و هز السمهري

قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد عن أبي روق قال:دخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي(عليه‌السلام )،فقال:يا أمير المؤمنين،نحن أولو جهاز و عدة و أكثر


الناس أهل قوة و من ليس به ضعف و لا علة فمر مناديك ،فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة ،فإن أخا الحرب ليس بالسئوم و لا النئوم و لا من إذا أمكنته الفرص أجلها و استشار فيها ،و لا من يؤخر عمل الحرب في اليوم لغد و بعد غد.فقال زياد بن النضر:لقد نصح لك يزيد بن قيس يا أمير المؤمنين ،و قال:ما يعرف فتوكل على الله و ثق به و اشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا فإن يرد الله بهم خيرا لا يتركوك رغبة عنك إلى من ليس له مثل سابقتك و قدمك و إلا ينيبوا و يقبلوا و يأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا ،و نرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس.ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ،فقال:يا أمير المؤمنين،إن القوم لو كانوا الله يريدون و لله يعملون ما خالفونا و لكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الأسوة و حبا للأثرة و ضنا بسلطانهم ،و كرها لفراق دنياهم التي في أيديهم و على إحن في نفوسهم ،و عداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم و أعوانهم.ثم التفت إلى الناس ،فقال:كيف يبايع معاوية عليا و قد قتل أخاه حنظلة و خاله الوليد و جده عتبة في موقف واحد ،و الله ما أظنهم يفعلون و لن يستقيموا لكم دون أن تقصف فيهم قنا المران ،و تقطع على هامهم السيوف ،و تنثر حواجبهم بعمد الحديد و تكون أمور جمة بين الفريقين.


قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد،عن الحارث بن حصين،عن عبد الله بن شريك،قال:خرج حجر بن عدي و عمرو بن الحمق يظهران البراءة من أهل الشام،فأرسل علي(عليه‌السلام )إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه،فقالا:يا أمير المؤمنين،ألسنا محقين ؟ قال:بلى.قالا:أو ليسوا مبطلين ؟ قال:بلى.قالا:فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال:كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون و تتبرءون،و لكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا و كذا،و من أعمالهم كذا و كذا كان أصوب في القول،و أبلغ في العذر،و قلتم مكان لعنكم إياهم و براءتكم منهم،اللهم احقن دماءهم و دماءنا،و أصلح ذات بينهم و بيننا،و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله،و يرعوي عن الغي و العدوان منهم من لهج به لكان أحب إلي و خيرا لكم،فقالا:يا أمير المؤمنين،نقبل عظتك و نتأدب بأدبك.قال نصر:و قال له عمرو بن الحمق:يومئذ و الله يا أمير المؤمنين،إني ما أحببتك و لا بايعتك على قرابة بيني و بينك و لا إرادة مال تؤتينيه،و لا التماس سلطان ترفع ذكري به،و لكنني أحببتك بخصال خمس إنك ابن عم رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و وصيه،و أبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و أسبق الناس إلى الإسلام و أعظم المهاجرين سهما في الجهاد،فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي و نزح البحور الطوامي،حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك و أهين عدوك ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك.فقال علي(عليه‌السلام ):اللهم نور قلبه بالتقى و اهده إلى صراطك المستقيم


ليت أن في جندي مائة مثلك،فقال حجر:إذا و الله يا أمير المؤمنين،صح جندك و قل فيهم من يغشك.قال نصر:و قام حجر بن عدي،فقال:يا أمير المؤمنين،نحن بنو الحرب و أهلها الذين نلقحها و ننتجها قد ضارستنا و ضارسناها،و لنا أعوان و عشيرة ذات عدد و رأي مجرب و بأس محمود،و أزمتنا منقادة لك بالسمع و الطاعة،فإن شرقت شرقنا و إن غربت غربنا و ما أمرتنا به من أمر فعلنا،فقال علي(عليه‌السلام ):أكل قومك يرى مثل رأيك ؟ قال:ما رأيت منهم إلا حسنا،و هذه يدي عنهم بالسمع و الطاعة و حسن الإجابة،فقال له علي(عليه‌السلام ):خيرا.قال نصر حدثنا عمر بن سعد قال كتب(عليه‌السلام )إلى عماله حينئذ يستفزهم،فكتب إلى مخنف بن سليم سلام عليك،فإني أحمد إليك الله الذي لا إله:إلا هو أما بعد،فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه و عب في نعاس العمى و الضلال اختيارا له فريضة على العارفين،إن الله يرضى عمن أرضاه،و يسخط على من عصاه،و إنا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله،و استأثروا بالفي‏ء،و عطلوا الحدود،و أماتوا الحق،و أظهروا في الأرض الفساد،و اتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين،فإذا ولي لله أعظم أحداثهم أبغضوه،و أقصوه،و حرموه،و إذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه و أدنوه و بروه،فقد أصروا على الظلم و أجمعوا على الخلاف و قديما ما صدوا عن الحق،و تعاونوا على الإثم و كانوا ظالمين،فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك،و أقبل إلينا لعلك تلقى معنا هذا العدو


المحل،فتأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر،و تجامع الحق و تباين الباطل،فإنه لا غناء بنا و لا بك عن أجر الجهاد،و حسبنا الله و نعم الوكيل.و كتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة سبع و ثلاثين.قال:فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع،و استعمل على همذان سعيد بن وهب،و كلاهما من قومه،و أقبل حتى شهد مع علي(عليه‌السلام )صفين.قال نصر:و كتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى علي(عليه‌السلام )يذكر له اختلاف أهل البصرة،فكتب إليه علي(عليه‌السلام )من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس،أما بعد،فقد قدم علي رسولك و قرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة و اختلافهم بعد انصرافي عنهم،و سأخبرك عن القوم و هم بين مقيم لرغبة يرجوها أو خائف من عقوبة يخشاها،فأرغب راغبهم بالعدل عليه و الإنصاف له و الإحسان إليه،و احلل عقدة الخوف عن قلوبهم و انته إلى أمري و لا تعده و أحسن إلى هذا الحي من ربيعة و كل من قبلك،فأحسن إليه ما استطعت إن شاء الله.قال نصر:و كتب إلى أمراء أعماله كلهم بنحو ما كتب به إلى مخنف بن سليم و أقام ينتظرهم.قال:فحدثنا عمر بن سعد عن أبي روق،قال:قال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل إن يومنا اليوم عصبصب ما يصبر عليه إلا كل مشيع القلب الصادق


النية رابط الجأش،و ايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقي منهم،و لا منا إلا الرذال.فقال عبد الله بن بديل:أنا و الله أظن ذلك فبلغ كلامهما عليا(عليه‌السلام )،فقال لهما:ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما لا تظهراه،و لا يسمعه منكما سامع إن الله كتب القتل على قوم و الموت على آخرين،و كل آتيه منيته كما كتب الله له،فطوبى للمجاهدين في سبيله و المقتولين في طاعته.قال نصر:فلما سمع هاشم بن عتبة ما قالاه:أتى عليا(عليه‌السلام )،فقال:سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم،الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و عملوا في عباد الله بغير رضا الله،فأحلوا حرامه و حرموا حلاله،و استوى بهم الشيطان و وعدهم الأباطيل،و مناهم الأماني حتى أزاغهم عن الهدى،و قصد بهم قصد الردى،و حبب إليهم الدنيا،فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة،و انتجاز موعد ربنا،و أنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )رحما،و أفضل الناس سابقة و قدما و هم يا أمير المؤمنين،يعلمون منك مثل الذي نعلم،و لكن كتب عليهم الشقاء و مالت بهم الأهواء،و كانوا ظالمين فأيدينا مبسوطة لك بالسمع و الطاعة،و قلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة،و أنفسنا تنصرك على من خالفك و تولى الأمر دونك جذلة،و الله ما أحب أن لي ما على الأرض مما أقلت،و لا ما تحت السماء مما أظلت و أني واليت عدوا لك أو عاديت وليا لك،فقال(عليه‌السلام ):(اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك و المرافقة لنبيك).قال نصر:ثم إن عليا(عليه‌السلام )صعد المنبر،فخطب الناس و دعاهم إلى الجهاد،فبدأ بحمد الله و الثناء عليه،ثم قال:


إن الله قد أكرمكم بدينه و خلقكم لعبادته،فانصبوا أنفسكم في أداء حقه و تنجزوا موعوده،و اعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة و عراه وثيقة،ثم جعل الطاعة حظ الأنفس و رضا الرب و غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة،و قد حملت أمر أسودها و أحمرها،و لا قوة إلا بالله،و نحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه،و تناول ما ليس له و ما لا يدركه معاوية،و جنده الفئة الطاغية الباغية يقودهم إبليس،و يبرق لهم ببارق تسويفه و يدليهم بغروره،و أنتم أعلم الناس بالحلال و الحرام،فاستغنوا بما علمتم و احذروا ما حذركم الله من الشيطان،و ارغبوا فيما عنده من الأجر و الكرامة،و اعلموا أن المسلوب من سلب دينه و أمانته،و المغرور من آثر الضلالة على الهدى،فلا أعرفن أحدا منكم تقاعس عني،و قال:في غيري كفاية،فإن الذود إلى الذود إبل و من لا يذد عن حوضه يتهدم،ثم إني آمركم بالشدة في الأمر و الجهاد في سبيل الله،و ألا تغتابوا مسلما و انتظروا للنصر العاجل من الله إن شاء الله،قال نصر:ثم قام ابنه الحسن بن علي(عليه‌السلام )فقال:الحمد لله لا إله غيره و لا شريك له،ثم قال:إن مما عظم الله عليكم من حقه،و أسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره،و لا يؤدى شكره و لا يبلغه قول و لا صفة،و نحن إنما غضبنا لله و لكم إنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم و استحكمت عقدتهم،فاحتشدوا في قتال عدوكم معاوية و جنوده و لا تخاذلوا،فإن الخذلان يقطع نياط القلوب،و إن الإفدام على الأسنة نخوة و عصمة لم يتمنع قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة،و كفاهم جوائح الذلة،و هداهم إلى معالم الملة،ثم أنشد:


و الصلح تأخذ منه ما رضيت به

و الحرب يكفيك من أنفاسها جرع

ثم قام الحسين بن علي(عليه‌السلام )،فحمد الله و أثنى عليه و قال:يا أهل الكوفة،أنتم الأحبة الكرماء و الشعار دون الدثار،جدوا في إطفاء ما دثر بينكم،و تسهيل ما توعر عليكم،ألا إن الحرب شرها ذريع،و طعمها فظيع فمن أخذ لها أهبتها،و استعد لها عدتها،و لم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها و من عاجلها قبل أوان فرصتها و استبصار سعيه فيها،فذاك قمن ألا ينفع قومه و أن يهلك نفسه نسأل الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة،ثم نزل،قال نصر:فأجاب عليا(عليه‌السلام )إلى السير جل الناس إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه فيهم عبيدة السلماني و أصحابه،فقالوا له:إنا نخرج معكم و لا نترك عسكركم و نعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم،و أمر أهل الشام فمن رأيناه أراد ما لا يحل له أو بدا لنا منه بغي كنا عليه،فقال لهم علي(عليه‌السلام ):مرحبا و أهلا هذا هو الفقه في الدين و العلم بالسنة من لم يرض بهذا،فهو خائن جبار.و أتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود منهم الربيع بن خثيم،و هم يومئذ أربعمائة رجل،فقالوا:يا أمير المؤمنين:إنا قد شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك و لا غناء بنا و لا بك و لا بالمسلمين عمن يقاتل العدو،فولنا بعض هذه الثغور نكمن،ثم نقاتل عن أهله فوجه علي(عليه‌السلام )بالربيع بن خثيم على ثغر الري،فكان أول لواء عقده(عليه‌السلام )بالكوفة لواء الربيع بن خثيم.


قال نصر:و حدثني عمر بن سعد،عن يوسف بن يزيد،عن عبد الله بن عوف بن الأحمر،أن عليا(عليه‌السلام )لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة،قال:و كان كتاب علي(عليه‌السلام )إلى ابن عباس،أما بعد،فاشخص إلي بمن قبلك من المسلمين و المؤمنين،و ذكرهم بلائي عندهم و عفوي عنهم في الحرب،و أعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل و السلام.قال:فلما وصل كتابه إلى ابن عباس بالبصرة،قام في الناس فقرأ عليهم الكتاب،و حمد الله و أثنى عليه،و قال:أيها الناس،استعدوا للشخوص إلى إمامكم و انفروا خفافا و ثقالا،و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم،فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن،و لا يعرفون حكم الكتاب،و لا يدينون دين الحق مع أمير المؤمنين،و ابن عم رسول الله الآمر بالمعروف،و الناهي عن المنكر،و الصادع بالحق و القيم بالهدى،و الحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم و لا يداهن الفجار،و لا تأخذه في الله لومة لائم.فقام إليه الأحنف بن قيس،فقال:نعم و الله لنجيبنك و لنخرجن معك على العسر و اليسر،و الرضا و الكره،نحتسب في ذلك الأجر،و نأمل به من الله العظيم حسن الثواب.و قام خالد بن المعمر السدوسي،فقال:سمعنا و أطعنا فمتى استنفرتنا نفرتا،و متى دعوتنا أجبنا.و قام عمرو بن مرجوم العبدي،فقال:وفق الله أمير المؤمنين و جمع له أمر المسلمين


و لعن المحلين القاسطين لا يقرءون القرآن،نحن و الله عليهم حنقون،و لهم في الله مفارقون فمتى أردتنا صحبك خيلنا و رجالنا إن شاء الله.قال:و أجاب الناس إلى المسير و نشطوا و خفوا،فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدؤلي و خرج حتى قدم على علي(عليه‌السلام )بالنخيلة.

كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية و جوابه عليه

قال نصر:و كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية،من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر سلام على أهل طاعة الله،ممن هو سلم لأهل ولاية الله،أما بعد،فإن الله بجلاله و عظمته و سلطانه و قدرته،خلق خلقا بلا عبث،و لا ضعف في قوته لا حاجة به إلى خلقهم،و لكنه خلقهم عبيدا و جعل منهم شقيا و سعيدا و غويا و رشيدا،ثم اختارهم على علمه،فاصطفى و انتخب منهم محمدا(صلي اللهعليه‌السلام )،فاختصه برسالته و اختاره لوحيه،و ائتمنه على أمره و بعثه رسولا مصدقا لما بين يديه من الكتب و دليلا على الشرائع،فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة و الموعظة الحسنة،فكان أول من أجاب،و أناب،و صدق و وافق،فأسلم و سلم أخوه و ابن عمه علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )،فصدقه بالغيب المكتوم و آثره على كل حميم و وقاه كل هول،و واساه بنفسه في كل خوف،فحارب حربه و سالم سلمه،فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل و مقامات الروع حتى برز سابقا


لا نظير له في جهاده و لا مقارب له في فعله،و قد رأيتك تساميه،و أنت أنت و هو هو السابق المبرز في كل خير أول الناس إسلاما،و أصدق الناس نية و أطيب الناس ذرية،و أفضل الناس زوجة،و خير الناس ابن عم،و أنت اللعين ابن اللعين،لم تزل أنت و أبوك تبغيان لدين الله الغوائل و تجتهدان على إطفاء نور الله،و تجمعان على ذلك الجموع،و تبذلان فيه المال،و تحالفان في ذلك القبائل على هذا مات أبوك،و على ذلك خلفته،و الشاهد عليك بذلك من يأوي و يلجأ إليك من بقية الأحزاب،و رءوس النفاق و الشقاق لرسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و الشاهد لعلي مع فضله،و سابقته القديمة أنصاره الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن،ففضلهم و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار،فهم معه كتائب و عصائب يجالدون حوله بأسيافهم،و يهريقون دماءهم دونه،يرون الفضل في اتباعه،و الشقاق و العصيان في خلافه،فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي،و هو وارث رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و وصيه و أبو ولده،و أول الناس له اتباعا،و آخرهم به عهدا يخبره بسره،و يشركه في أمره و،أنت عدوه و ابن عدوه ؟ فتمتع ما استطعت بباطلك،و ليمددك لك ابن العاص في غوايتك،فكان أجلك قد انقضى و كيدك قد وهى و سوف تستبين لمن تكون العاقبة العليا،و اعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده و أيست من روحه،و هو لك بالمرصاد،و أنت منه في غرور و بالله و بأهل بيت رسوله عنك الغناء،و السلام على من اتبع الهدى.فكتب إليه معاوية من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري،على أبيه محمد بن أبي بكر سلام على أهل طاعة الله،أما بعد،فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته و سلطانه،و ما أصفى به نبيه مع كلام ألفته و وضعته لرأيك فيه تضعيف و لأبيك فيه تعنيف ذكرت حق


ابن أبي طالب،و قديم سابقته،و قرابته من نبي الله،و نصرته له و مواساته إياه في كل خوف و هول،و احتجاجك علي،و فخرك بفضل غيرك لا بفضلك فاحمد إلها صرف ذلك الفضل عنك و جعله لغيرك،فقد كنا و أبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا و فضله مبرزا علينا،فلما اختار الله لنبيه ما عنده،و أتم له ما وعده،و أظهر دعوته و أفلج حجته قبضه الله إليه،فكان أبوك و فاروقه أول من ابتزه و خالفه على ذلك اتفقا و اتسقا،ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما و تلكأ عليهما فهما به الهموم و أرادا به العظيم،فبايعهما و سلم لهما لا يشركانه في أمرهما،و لا يطلعانه على سرهما حتى قبضا،و انقضى أمرهما،ثم أقاما بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما،و يسير بسيرتهما،فعبته أنت و صاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي،و بطنتما و ظهرتما،و كشفتما له عداوتكما و غلكما حتى بلغتما منه مناكما،فخذ حذرك يا ابن أبي بكر،فسترى وبال أمرك،و قس شبرك بفترك تقصر عن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه،و لا تلين على قسر قناته و لا يدرك ذو مدى أناته أبوك مهد له مهاده،و بنى ملكه و شاده،فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله،و إن يكن جورا فأبوك أسه،و نحن شركاؤه فبهداه أخذنا و بفعله اقتدينا رأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله و اقتدينا بفعاله فعب أباك بما بدا لك أو دع،و السلام على من أناب و رجع من غوايته و ناب.قال:و أمر علي(عليه‌السلام )الحارث الأعور أن ينادي في الناس اخرجوا إلى معسكركم


بالنخيلة،فنادى الحارث في الناس بذلك،و بعث إلى مالك بن حبيب اليربوعي صاحب شرطته يأمره أن يحشر الناس إلى المعسكر،و دعا عقبة بن عمرو الأنصاري فاستخلفه على الكوفة،و كان أصغر أصحاب العقبة السبعين،ثم خرج(عليه‌السلام )و خرج الناس معه.

قال نصر:و دعا علي(عليه‌السلام )زياد بن النضر و شريح بن هانئ،و كانا على مذحج و الأشعريين،فقال:يا زياد اتق الله في كل ممسى و مصبح و خف على نفسك الدنيا الغرور لا تأمنها على حال،و اعلم أنك إن لم تزعها عن كثير مما تحب مخافة مكروهة سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر،فكن لنفسك مانعا وازعا من البغي و الظلم و العدوان،فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم إن خيركم عند الله أتقاكم تعلم من عالمهم و علم جاهلهم،و احلم عن سفيههم،فإنك إنما تدرك الخير بالحلم و كف الأذى و الجهل.فقال:زياد أوصيت يا أمير المؤمنين،حافظا لوصيتك مؤديا لأربك يرى الرشد في نفاذ أمرك و الغي في تضييع عهدك.فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد و لا يختلفا و بعثهما في اثني عشر ألفا على مقدمته،و كل واحد منهما على جماعة من ذلك الجيش،فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة و لا يقرب زيادا،فكتب زياد إلى علي(عليه‌السلام )مع مولى له يقال له:شوذب لعبد الله علي أمير المؤمنين من زياد بن النضر سلام عليك،فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو،أما بعد،فإنك وليتني أمر


الناس و إن شريحا لا يرى بي عليه طاعة و لا حقا،و ذلك من فعله بي استخفاف بأمرك و ترك لعهدك و السلام.و كتب شريح بن هانئ إلى علي(عليه‌السلام )لعبد الله علي أمير المؤمنين من شريح بن هانئ سلام عليك،فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو،أما بعد،فإن زياد بن النضر حين أشركته في أمرك،و وليته جندا من جنودك طغى و استكبر،و مال به العجب و الخيلاء و الزهو إلى ما لا يرضى الله تعالى به من القول و الفعل،فإن رأى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )أن يعزله عنا و يبعث مكانه من يحب فليفعل،فإنا له كارهون و السلام.

فكتب علي(عليه‌السلام )إليهما من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر،و شريح بن هانئ سلام عليكما،فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو،أما بعد،فإني قد وليت مقدمتي زياد بن النضر و أمرته عليها،و شريح بن هانئ على طائفة منها أمير،فإن انتهى جمعكما إلى بأس فزياد بن النضر على الناس كلهم و إن افترقتما،فكل واحد منكما أمير الطائفة التي وليناه أمرها،و اعلما أن مقدمة القوم عيونهم،و عيون المقدمة طلائعهم،فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع،و من نفض الشعاب و الشجر و الخمر في كل جانب كي لا يغتركما عدو أو يكون لهم كمين،و لا تسيرن الكتائب و القبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبئة،فإن دهمكم عدو أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبئة،فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح


الجبال و أثناء الأنهار كيما يكون ذلك لكم ردءا،و تكون مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين،و اجعلوا رقباءكما في صياصي الجبال،و بأعالي الأشراف و مناكب الأنهار يرون لكم كي لا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن و إياكم و التفرق،فإذا نزلتم فانزلوا جميعا،و إذا رحلتم فارحلوا جميعا،فإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح و الترسة،و لتكن رماتكم من وراء ترسكم و رماحكم يلونهم و ما أقمتم،فكذلك فافعلوا كي لا تصاب لكم غفلة،و لا تلفى لكم غرة فما قوم يحفون عسكرهم برماحهم و ترستهم من ليل أو نهار،إلا كانوا كأنهم في حصون،و احرسا عسكركما بأنفسكما،و إياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة،ثم ليكن ذلك شأنكما و دأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما،و ليكن كل يوم عندي خبركما و رسول من قبلكما،فإني و لا شي‏ء إلا ما شاء الله حثيث السير في أثركما عليكما في جريكما بالتؤدة،و إياكما و العجلة إلا أن تمكنكما فرصة بعد الإعذار و الحجة،و إياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلا أن تبدءا أو يأتيكما أمري إن شاء الله.قال نصر:و كتب علي(عليه‌السلام )إلى أمراء الأجناد،و كان قد قسم عسكره أسباعا فجعل على كل سبع أميرا،فجعل سعد بن مسعود الثقفي على قيس،و عبد القيس و معقل بن قيس اليربوعي على تميم،و ضبة و الرباب و قريش


و كنانة و أسد و مخنف بن سليم على الأزد،و بجيلة و خثعم و الأنصار و خزاعة و حجر بن عدي الكندي على كندة،و حضرموت و قضاعة و زياد بن النضر على مذحج،و الأشعريين و سعيد بن مرة الهمداني على همدان،و من معهم من حمير و عدي بن حاتم الطائي على طيئ،تجمعهم الدعوة مع مذحج،و تختلف الرايتان راية مذحج مع زياد بن النضر،و راية طيئ مع عدي بن حاتم هذه عساكر الكوفة،و أما عساكر البصرة،فخالد بن معمر السدوسي على بكر بن وائل،و عمرو بن مرجوم العبدي على عبد القيس،و ابن شيمان الأزدي على الأزد،و الأحنف على تميم و ضبة و الرباب و شريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية،أما بعد،فإني أبرأ إليكم من معرة الجنود إلا من جوعة إلى شبعة،و من فقر إلى غنى أو عمى إلى هدى،فإن ذلك عليهم فأغربوا الناس عن الظلم و العدوان و خذوا على أيدي سفهائكم،و احترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد بها علينا،و عليكم دعاءنا،فإنه تعالى يقول:( ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) ،و إن الله إذا مقت قوما من السماء هلكوا في الأرض،فلا تألوا أنفسكم خيرا و لا الجند حسن سيرة،و لا الرعية معونة،و لا دين الله قوة،و أبلوا في سبيله ما استوجب عليكم،فإن الله قد اصطنع عندنا و عندكم ما يجب علينا أن نشكره بجهدنا و أن ننصره ما بلغت قوتنا،و لا قوة إلا بالله


قال:و كتب(عليه‌السلام )إلى جنوده يخبرهم بالذي لهم و عليهم،أما بعد،فإن الله جعلكم في الحق جميعا سواء أسودكم و أحمركم و جعلكم من الوالي و جعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد،و بمنزلة الولد من الوالد الذي لا يكفيه منعه إياهم طلب عدوه و التهمة به ما سمعتم و أطعتم و قضيتم الذي عليكم،فحقكم عليه إنصافكم و التعديل بينكم و الكف عن فيئكم،فإذا فعل معكم ذلك وجبت عليكم طاعته فيما وافق الحق و نصرته،و الدفع عن سلطان الله،فإنكم وزعة الله في الأرض فكونوا له أعوانا،و لدينه أنصارا،و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها إن الله لا يحب المفسدين .قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد.قال:حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته.قال:قال علي(عليه‌السلام )ما يقول الناس في هذا القبر و في النخيلة و بالنخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله ،فقال الحسن بن علي(عليه‌السلام ):يقولون هذا قبر هود لما عصاه قومه جاء ،فمات هاهنا فقال:كذبوا ؛ لأنا أعلم به منهم هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق ،بن إبراهيم بكر يعقوب ،ثم قال:أهاهنا أحد من مهرة فأتي بشيخ كبير ،فقال:أين منزلك ؟ قال:على شاطئ البحر.قال:أين أنت من الجبل قال:أنا قريب منه قال:فما يقول قومك فيه قال:يقولون إن فيه قبر ساحر قال:كذبوا ذاك قبر هود النبي(عليه‌السلام )،و هذا قبر يهودا بن يعقوب ،ثم قال:


(عليه‌السلام )يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس يدخلون الجنة بغير حساب.قال نصر:فلما نزل علي(عليه‌السلام )النخيلة متوجها إلى الشام و بلغ معاوية خبره،و هو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مختضبا بالدم و حول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله لا تجف دموعهم على عثمان خطبهم،و قال:يا أهل الشام،قد كنتم تكذبونني في علي و قد استبان لكم أمره،و الله ما قتل خليفتكم غيره،و هو أمر بقتله و ألب الناس عليه،و آوى قتلته،و هم جنده و أنصاره و أعوانه،و قد خرج بهم قاصدا بلادكم و دياركم لإبادتكم،يا أهل الشام،الله،الله،في دم عثمان،فأنا وليه و أحق من طلب بدمه،و قد جعل الله لولي المقتول ظلما سلطانا،فانصروا خليفتكم المظلوم،فقد صنع القوم به ما تعلمون قتلوه ظلما و بغيا،و قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية حتى تفي‏ء إلى أمر الله،ثم نزل.قال نصر فأعطوه الطاعة و انقادوا له،و جمع إليه أطرافه و استعد للقاء علي(عليه‌السلام )


47.و من كلام له(عليه‌السلام )في ذكر الكوفة

(كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ اَلْأَدِيمِ اَلْعُكَاظِيِّ تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ اِبْتَلاَهُ اَللَّهُ بِشَاغِلٍ أَوْ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ)،عكاظ اسم سوق للعرب بناحية مكة كانوا يجتمعون بها في كل سنة يقيمون شهرا،و يتبايعون و يتناشدون شعرا،و يتفاخرون قال أبو ذؤيب:

إذا بني القباب على عكاظ و قام البيع و اجتمع الألوف

فلما جاء الإسلام هدم ذلك و أكثر ما كان يباع الأديم بها فنسب إليها.و الأديم واحد و الجمع أدم كما قالوا أفيق للجلد الذي لم تتم دباغته و جمعه أفق،و قد يجمع أديم على آدمة كما قالوا رغيف و أرغفة.و الزلازل هاهنا الأمور المزعجة و الخطوب المحركة.


و قوله(عليه‌السلام ):تمدين مد الأديم استعارة لما ينالها من العسف و الخبط و قوله:تعركين من عركت القوم الحرب إذا مارستهم حتى أتعبتهم.

فصل في ذكر فضل الكوفة

و قد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيت(عليه‌السلام )شي‏ء كثير،نحو:قول أمير المؤمنين(عليه‌السلام )نعمت المدرة،و قوله(عليه‌السلام ):إنه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفا وجوههم على صورة القمر،و قوله(عليه‌السلام )هذه مدينتنا و محلتنا و مقر شيعتنا،و قول جعفر بن محمد(عليه‌السلام )،اللهم ارم من رماها،و عاد من عاداها،و قوله(عليه‌السلام ):تربة تحبنا و نحبها.فأما ما هم به الملوك و أرباب السلطان فيها من السوء،و دفاع الله تعالى عنها فكثير.قال المنصور لجعفر بن محمد(عليه‌السلام )إني قد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها،و يجمر نخلها و يستصفي أموالها،و يقتل أهل الريبة منها،فأشر علي،فقال:يا أمير المؤمنين،إن المرء ليقتدي بسلفه،و لك أسلاف ثلاثة،سليمان أعطي فشكر،و أيوب ابتلي فصبر،و يوسف قدر فغفر،فاقتد بأيهم شئت فصمت قليلا،ثم قال:قد غفرت.


و روى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتاب المنتظم أن زيادا لما حصبه أهل الكوفة،و هو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم،و هم أن يخرب دورهم و يجمر نخلهم،فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد و الرحبة يعرضهم على البراءة من علي(عليه‌السلام )،و علم أنهم سيمتنعون،فيحتج بذلك على استئصالهم و إخراب بلدهم.قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري،فإني لمع نفر من قومي و الناس يومئذ في أمر عظيم إذ هومت تهويمه،فرأيت شيئا أقبل طويل العنق مثل عنق البعير أهدر أهدل،فقلت:ما أنت ؟ فقال:أنا النقاد ذو الرقبة،بعثت إلى صاحب هذا القصر فاستيقظت فزعا،فقلت لأصحابي:هل رأيتم ما رأيت ؟ قالوا:لا،فأخبرتهم و خرج علينا خارج من القصر،فقال انصرفوا،فإن الأمير يقول لكم:إني عنكم اليوم مشغول،و إذا بالطاعون قد ضربه،فكان يقول إني لأجد في النصف من جسدي حر النار حتى مات،فقال عبد الرحمن بن السائب:

ما كان منتهيا عما أراد بنا

حتى تناوله النقاد ذو الرقبة

فاثبت الشق منه ضربة عظمت

كما تناول ظلما صاحب الرحبة

قلت:قد يظن ظان أن قوله صاحب الرحبة يمكن أن يحتج به من قال:إن قبر أمير المؤمنين(عليه‌السلام )في رحبة المسجد بالكوفة،و لا حجة في ذلك ؛ لأن أمير المؤمنين كان يجلس معظم زمانه في رحبة المسجد يحكم بين الناس،فجاز أن ينسب إليه بهذا الاعتبار.


48.و من خطبة له(عليه‌السلام )عند المسير إلى الشام

(اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ اَلْإِنْعَامِ وَ لاَ مُكَافَإِ اَلْإِفْضَالِ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا اَلْمِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ اَلنُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ مُوطِنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ اَلْقُوَّةِ لَكُمْ)،قال الرضيرحمه‌الله :يعني(عليه‌السلام )بالملطاط هاهنا السمت الذي أمرهم بلزومه،و هو شاطئ الفرات،و يقال ذلك أيضا لشاطئ البحر،و أصله ما استوى من الأرض،و يعني بالنطفة ماء الفرات،و هو من غريب العبارات و عجيبها وقب الليل،أي:دخل،قال الله تعالى:( وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ) .و غسق،أي:أظلم،و خفق النجم،أي:غاب.


و مقدمة الجيش بكسر الدال أوله و ما يتقدم منه على جمهور العسكر،و مقدمة الإنسان بفتح الدال صدره،و الملطاط حافة الوادي و شفيرة و ساحل البحر.قال رؤبة:نحن جمعنا الناس بالملطاط.قال الأصمعي:يعني به ساحل البحر،و قول ابن مسعود هذا الملطاط طريق بقية المؤمنين هرابا من الدجال يعني به شاطئ الفرات.فأما قول الرضيرحمه‌الله تعالى:الملطاط السمت الذي أمرهم بلزومه،و هو شاطئ الفرات،و يقال ذلك لشاطئ البحر فلا معنى له ؛ لأنه لا فرق بين شاطئ الفرات و شاطئ البحر،و كلاهما أمر واحد،و كان الواجب أن يقول الملطاط السمت في الأرض،و يقال أيضا لشاطئ البحر.و الشرذمة نفر قليلون.و موطنين أكناف دجلة،أي:قد جعلوا أكنافها وطنا أوطنت البقعة و الأكناف الجوانب واحدها كنف،و الأمداد جمع مدد،و هو ما يمد به الجيش تقوية له.و هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،و هو بالنخيلة خارجا من الكوفة،و متوجها إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة سبع و ثلاثين ذكرها جماعة من أصحاب السير و زادوا فيها،قد أمرت على المصر عقبة بن عمرو الأنصاري،و لم آلكم و لا نفسي فإياكم و التخلف و التربص،فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي،و أمرته ألا يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إن شاء الله.


و روى نصر بن مزاحم عوض قوله فأنهضهم معكم إلى عدوكم،فأنهضهم معكم إلى عدو الله،قال نصر:فقام إليه معقل بن قيس الرياحي،فقال:يا أمير المؤمنين،و الله ما يتخلف عنك إلا ظنين،و لا يتربص بك إلا منافق،فمر مالك بن حبيب فليضرب أعناق المتخلفين،فقال قد أمرته بأمري و ليس بمقصر إن شاء الله.

أخبار علي في جيشه و هو في طريقه إلى صفين

قال نصر بن مزاحم ثم سار(عليه‌السلام )حتى انتهى إلى مدينة بهرسير،و إذا رجل من أصحابه يقال له حر بن سهم بن طريف،من بني ربيعة بن مالك،ينظر إلى آثار كسرى و يتمثل بقول الأسود بن يعفر:

جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد

فقال له(عليه‌السلام )ألا قلت:( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّماءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ ) ،إن هؤلاء كانوا وارثين،فأصبحوا مورثين و لم يشكروا النعمة،فسلبوا دنياهم بالمعصية إياكم،و كفر النعم لا تحل بكم النقم انزلوا بهذه الفجوة.


قال نصر:و حدثنا عمر بن سعد عن مسلم الأعور عن حبة العرني،قال:أمر علي(عليه‌السلام )الحارث الأعور،فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة،فليواف أمير المؤمنين(عليه‌السلام )صلاة العصر،فوافوه في تلك الساعة فحمد الله و أثنى عليه،ثم قال:أما بعد،فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم و انقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها الهالك أكثر ساكنيها لا معروف يأمرون به،و لا منكر ينهون عنه.قالوا:يا أمير المؤمنين،إنا ننتظر أمرك مرنا بما أحببت فسار و خلف عليهم عدي بن حاتم أقام عليهم ثلاثا،ثم خرج في ثمانمائة رجل منهم،و خلف ابنه زيدا بعده فلحقه في أربعمائة رجل منهم.و جاء علي(عليه‌السلام )حتى مر بالأنبار فاستقبله بنو خشنوشك دهاقينها،قال نصر:الكلمة فارسية أصلها خش،أي:الطيب.قال:فلما استقبلوه نزلوا عن خيولهم،ثم جاءوا يشتدون معه،و بين يديه و معهم براذين قد أوقفوها في طريقه،فقال ما هذه الدواب التي معكم و ما أردتم بهذا الذي صنعتم قالوا:أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء،و أما هذه البراذين فهدية لك و قد صنعنا للمسلمين طعاما و هيأنا لدوابكم علفا كثيرا.

فقال(عليه‌السلام ):أما هذا الذي زعمتم أنه فيكم خلق تعظمون به الأمراء،فو الله ما ينفع ذلك الأمراء و إنكم لتشقون به على أنفسكم و أبدانكم،فلا تعودوا


له و أما دوابكم هذه،فإن أحببتم أن آخذها منكم و أحسبها لكم من خراجكم أخذناها منكم،و أما طعامكم الذي صنعتم لنا،فإنا نكره أن نأكل من أموالكم إلا بثمن،قالوا:يا أمير المؤمنين،نحن نقومه،ثم نقبل ثمنه قال إذا لا تقومونه قيمته نحن نكتفي بما هو دونه،قالوا:يا أمير المؤمنين،فإن لنا من العرب موالي و معارف أتمنعنا أن نهدي لهم أو تمنعهم أن يقبلوا منا،فقال كل العرب لكم موال،و ليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم،و إن غصبكم أحد فأعلمونا،قالوا:يا أمير المؤمنين،إنا نحب أن تقبل هديتنا و كرامتنا،قال:ويحكم،فنحن أغنى منكم و تركهم و سار.قال نصر:و حدثنا عبد العزيز بن سياه،قال:حدثنا حبيب بن أبي ثابت،قال:حدثنا أبو سعيد التيمي المعروف بعقيصي،قال:كنا مع علي(عليه‌السلام )في مسيره إلى الشام،حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس،و احتاجوا إلى الماء،فانطلق بنا علي(عليه‌السلام )حتى أتى بنا إلى صخرة ضرس في الأرض،كأنها ربضة عنز،فأمرنا فاقتلعناها،فخرج لنا من تحتها ماء فشرب الناس منه و ارتووا،ثم أمرنا فأكفأناها عليه،و سار الناس حتى إذا مضى قليلا.قال(عليه‌السلام )أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا:نعم،يا أمير المؤمنين.قال:فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا و مشاة،فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه،فطلبناه فلم نقدر على شي‏ء حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب


منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم،قالوا ليس قربنا ماء،فقلنا:بلى إنا شربنا منه.قالوا:أنتم شربتم منه ؟ قلنا:نعم،فقال صاحب الدير:و الله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء،و ما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي.

قال نصر:ثم مضى(عليه‌السلام )حتى نزل بأرض الجزيرة،فاستقبله بنو تغلب و النمر بن قاسط بجزور،فقال(عليه‌السلام )ليزيد بن قيس الأرحبي:يا يزيد،قال:لبيك يا أمير المؤمنين،قال:هؤلاء قومك من طعامهم فاطعم و من شرابهم فاشرب.قال:ثم سار حتى أتى الرقة و جل أهلها عثمانية فروا من الكوفة إلى معاوية،فأغلقوا أبوابها دونه و تحصنوا،و كان أميرهم سماك بن مخرقة الأسدي في طاعة معاوية،و قد كان فارق عليا(عليه‌السلام )في نحو من مائة رجل من بني أسد،ثم كاتب معاوية و أقام بالرقة حتى لحق به سبعمائة رجل.قال نصر:فروى حبة أن عليا(عليه‌السلام )لما نزل على الرقة نزل بموضع يقال له البليخ على جانب الفرات،فنزل راهب هناك من صومعته،فقال لعلي(عليه‌السلام ):إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى ابن مريم أعرضه عليك،قال:نعم،فقرأ الراهب الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضي فيما قضي،و سطر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة،و يدلهم على سبيل الله لا فظ و لا غليظ،و لا صخاب في الأسواق،و لا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو و يصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشر،و في كل صعود و هبوط تذل ألسنتهم


بالتكبير،و التهليل،و التسبيح،و ينصره الله على من ناواه،فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده،ثم اجتمعت،فلبثت ما شاء الله،ثم اختلفت فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات،يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر،و يقضي بالحق،و لا يركس الحكم الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت به الريح،و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمآن يخاف الله في السر،و ينصح له في العلانية لا يخاف في الله لومة لائم فمن أدرك ذلك النبي من أهل هذه البلاد،فآمن به كان ثوابه رضواني و الجنة و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره،فإن القتل معه شهادة.ثم قال له:أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك فبكى(عليه‌السلام )،ثم قال:الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار.فمضى الراهب معه،فكان فيما ذكروا يتغدى مع أمير المؤمنين،و يتعشى حتى أصيب يوم صفين،فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم.قال:(عليه‌السلام )اطلبوه،فلما وجدوه صلى عليه و دفنه،و قال هذا منا أهل البيت و استغفر له مرارا.روى هذا الخبر نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمر بن سعد،عن مسلم الأعور،عن حبة العرني،و رواه أيضا إبراهيم بن ديزيل الهمداني بهذا الإسناد عن حبة أيضا في كتاب صفين.و روى ابن ديزيل في هذا الكتاب،قال:حدثني يحيى بن سليمان،حدثني يحيى بن عبد الملك،بن حميد بن عتيبة،عن أبيه،عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه،و محمد


بن فضيل،عن الأعمش،عن إسماعيل بن رجاء،عن أبي سعيد الخدريرحمه‌الله ،قال:كنا مع رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فانقطع شسع نعله،فألقاها إلى علي(عليه‌السلام )يصلحها،ثم قال:إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله،فقال أبو بكر الصديق،أنا هو يا رسول الله ؟ فقال:لا،فقال عمر بن الخطاب:أنا هو يا رسول الله ؟ قال:لا،و لكنه ذاكم خاصف النعل،و يد علي(عليه‌السلام )على نعل النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )يصلحها.قال أبو سعيد،فأتيت عليا(عليه‌السلام )فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شي‏ء قد كان علمه من قبل.و روى ابن ديزيل في هذا الكتاب أيضا عن يحيى بن سليمان،عن ابن فضيل،عن إبراهيم الهجري،عن أبي صادق قال:قدم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق،فأهدت له الأزد جزرا فبعثوها معي،فدخلت إليه فسلمت عليه و قلت له:يا أبا أيوب،قد كرمك الله عز و جل بصحبة نبيه(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و نزوله عليك،فما لي أراك تستقبل الناس بسيفك تقاتلهم هؤلاء مرة،و هؤلاء مرة.قال:إن رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين،فقد قاتلناهم و عهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين،فهذا وجهنا إليهم يعني معاوية و أصحابه،و عهد إلينا أن نقاتل معه المارقين و لم أرهم بعد.و روى ابن ديزيل أيضا في هذا الكتاب عن يحيى عن يعلى بن عبيد الحنفي عن إسماعيل السدي عن زيد بن أرقم قال:كنا مع رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و هو


في الحجرة يوحى إليه،و نحن ننتظره حتى اشتد الحر،فجاء علي بن أبي طالب،و معه فاطمة،و حسن،و حسين(عليهم‌السلام )،فقعدوا في ظل حائط ينتظرونه،فلما خرج رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )رآهم،فأتاهم و وقفنا نحن مكاننا،ثم جاء إلينا و هو يظلهم بثوبه ممسكا بطرف الثوب و علي ممسك بطرفه الآخر،و هو يقول:(اللهم إني أحبهم فأحبهم،اللهم إني سلم لمن سالمهم،و حرب لمن حاربهم)،قال:فقال ذلك ثلاث مرات.

قال إبراهيم في الكتاب المذكور،و حدثنا يحيى بن سليمان،قال:حدثنا ابن فضيل،قال:حدثنا الحسن بن الحكم النخعي،عن رباح بن الحارث النخعي،قال:كنت جالسا عند علي(عليه‌السلام )إذ قدم عليه قوم متلثمون،فقالوا:السلام عليك يا مولانا،فقال:لهم أو لستم قوما عربا ؟ قالوا:بلى،و لكنا سمعنا رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )يقول يوم غدير خم:(من كنت مولاه فعلي مولاه،اللهم وال من والاه و عاد من عاداه،و انصر من نصره و اخذل من خذله)،قال فلقد رأيت عليا(عليه‌السلام )ضحك حتى بدت نواجذه،ثم قال:اشهدوا.ثم إن القوم مضوا إلى رحالهم،فتبعتهم فقلت لرجل منهم:من القوم ؟ قالوا:نحن رهط من الأنصار،و ذاك يعنون رجلا منهم أبو أيوب صاحب منزل رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،قال:فأتيته فصافحته.

قال نصر:و حدثني عمر بن سعد،عن نمير بن وعلة،عن أبي الوداك أن عليا(عليه‌السلام )بعث من المدائن معقل بن قيس الرياحي في ثلاث آلاف،و قال له:خذ على


الموصل،ثم نصيبين،ثم القنى بالرقة،فإني موافيها و سكن الناس و أمنهم،و لا تقاتل إلا من قاتلك و سر البردين و غور بالناس أقم الليل،و رفه في السير،و لا تسر أول الليل،فإن الله جعله سكنا أرح فيه بدنك و جندك و ظهرك،فإذا كان السحر أو حين يتبلج الفجر فسر.فسار حتى أتى الحديثة،و هي إذ ذاك منزل الناس،و إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان،فإذا بكبشين ينتطحان و مع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة،قتل بعد ذلك مع الحرورية،فأخذ يقول:إيه إيه،فقال معقل:ما تقول ؟ فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا و انصرفا،فقال الخثعمي لمعقل:لا تغلبون و لا تغلبون،فقال معقل:من أين علمت ؟ قال:أما أبصرت الكبشين أحدهما مشرق و الآخر مغرب التقيا فاقتتلا و انتطحا،فلم يزل كل واحد من مصاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد منهما صاحبه،فانطلق به،فقال معقل:أو يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم،ثم مضى حتى وافى عليا(عليه‌السلام )بالرقة.قال نصر:و قالت طائفة من أصحاب علي(عليه‌السلام )له يا أمير المؤمنين،اكتب إلى معاوية و من قبله من قومك،فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما،فكتب إليهم(عليه‌السلام ):(بسم الله الرحمن الرحيم)،من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية و من قبله من قريش


سلام عليكم ،فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ،أما بعد ،فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل و عرفوا التأويل ،و فقهوا في الدين ،و بين الله فضلهم في القرآن الحكيم ،و أنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول تكذبون بالكتاب مجمعون على حرب المسلمين من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه ،حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه و إظهار أمره ،فدخلت العرب في الدين أفواجا ،و أسلمت له هذه الأمة طوعا و كرها ،فكنتم فيمن دخل في هذا الدين إما رغبة و إما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم،و فاز المهاجرون الأولون بفضلهم ،و لا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين و لا فضائلهم في الإسلام ،أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله و أولى به فيجور و يظلم ،و لا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره و يعدو طوره و يشقى نفسه بالتماس ما ليس بأهله ،فإن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما و حديثا أقربها من الرسول ،و أعلمها بالكتاب ،و أفقهها في الدين ،أولها إسلاما و أفضلها جهادا ،و أشدها بما تحمله الأئمة من أمر الأمة اضطلاعا ،فاتقوا الله الذي إليه ترجعون ،و لا تلبسوا الحق بالباطل ،و تكتموا الحق و أنتم تعلمون ،و اعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون ،و أن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم ،فإن للعالم بعلمه فضلا ،و إن الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلا جهلا ،ألا و إني أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه و حقن دماء هذه الأمة ،فإن قبلتم أصبتم رشدكم و اهتديتم لحظكم و إن أبيتم إلا الفرقة و شق عصا هذه الأمة لم تزدادوا من الله إلا بعدا ،و لا يزداد الرب عليكم إلا سخطا و السلام).فكتب إليه معاوية جواب هذا الكتاب سطرا واحدا ،و هو أما بعد ،فإنه


ليس بيني و بين قيس عتاب

غير طعن الكلي و ضرب الرقاب

فقال علي(عليه‌السلام ):لما أتاه هذا الجواب:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اَللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) قال نصر:و قال علي(عليه‌السلام )لأهل الرقة:جسروا لي جسرا أعبر عليه من هذا المكان إلى الشام،فأبوا و قد كانوا ضموا السفن إليهم فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج و خلف عليهم الأشتر،فقال:يا أهل هذا الحصن،إني أقسم بالله إن مضى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و لم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف فلأقتلن مقاتلكم،و لأخربن أرضكم،و لآخذن أموالكم.فلقي بعضهم بعضا فقالوا:إن الأشتر يفي بما حلف عليه،و إنما خلفه علي عندنا ليأتينا بشر،فبعثوا إليه إنا ناصبون لكم جسرا،فأقبلوا فأرسل الأشتر إلى علي(عليه‌السلام )فجاء و نصبوا له الجسر فعبر الأثقال و الرجال،و أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر،ثم عبر آخر الناس رجلا.قال نصر:و ازدحمت الخيل حين عبرت فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين،فنزل فأخذها و ركب،ثم سقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها،ثم ركب،فقال لصاحبه:

فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا

كما زعموا أقتل وشيكا و تقتل

فقال عبد الله بن أبي الحصين:ما شي‏ء أحب إلي مما ذكرت فقتلا معا يوم صفين.


قال نصر:فلما قطع علي(عليه‌السلام )الفرات دعا زياد بن النضر،و شريح بن هانئ،فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة في اثني عشر ألفا،و قد كانا حيث سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات،فبلغهم أخذ علي(عليه‌السلام )طريق الجزيرة،و علما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقباله،فقالا:و الله،ما هذا برأي أن نسير و بيننا و بين أمير المؤمنين هذا البحر،و ما لنا خير في أن نلقى جموع الشام في قلة من العدد منقطعين عن المدد،فذهبوا ليعبروا من عانات ف،منعهم أهلها و حبسوا عنهم السفن،فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت و لحقوا عليا(عليه‌السلام )بقرية دون قرقيسيا،فلما لحقوا عليا(عليه‌السلام )عجب و قال:مقدمتي تأتي من ورائي،فقام له زياد،و شريح،و أخبراه بالرأي الذي رأيا،فقال:قد أصبتما رشدكما فلما عبروا الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية،فلما انتهيا إلى معاوية لقيهما أبو الأعور السلمي في جنود من أهل الشام،و هو على مقدمة معاوية فدعواه إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فأبى،فبعثوا إلى علي(عليه‌السلام )إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام،فدعوناه و أصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبى علينا،فمرنا بأمرك.فأرسل علي(عليه‌السلام )إلى الأشتر،فقال:يا مال،إن زيادا و شريحا أرسلا إلي يعلمانني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم،و نبأني الرسول أنه تركهم متواقفين فالنجاء النجاء إلى أصحابك،فإذا أتيتهم فأنت عليهم،و إياك أن تبدأ القوم بقتال إن لم يبدءوك،و ألقهم و اسمع منهم و لا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل


دعائهم و الإعذار إليهم مرة بعد مرة،و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا و قف من أصحابك وسطا و لا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب و لا تتباعد عنهم تباعد من يهاب الناس حتى أقدم عليك،فإني حثيث السير إليك إن شاء الله قال:و كتب علي(عليه‌السلام )إليهما و كان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي،أما بعد،فإني قد أمرت عليكما مالكا فاسمعا له و أطيعا أمره،و هو ممن لا يخاف رهقه و لا سقاطه و لا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم و لا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل،و قد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم و يدعوهم و يعذر إليهم إن شاء الله.قال:فخرج الأشتر حتى قدم على القوم،فاتبع ما أمره به علي(عليه‌السلام )و كف عن القتال،فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور،فثبتوا له و اضطربوا ساعة،ثم إن أهل الشام انصرفوا،ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل و رجال حسن عدتها و عددها،فخرج إليهم أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل،و الرجال على الرجال،و صبر بعضهم لبعض،ثم انصرفوا و بكر عليهم الأشتر،فقتل من أهل الشام عبد الله بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي،و ما هو يومئذ إلا فتى حديث السن و إن كان الشامي لفارس أهل الشام،و أخذ الأشتر يقول ويحكم أروني أبا الأعور.ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا نحوه فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة،و جاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة،فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي:انطلق إلى أبو الأعور فادعه إلى المبارزة


فقال:إلى مبارزتي أم إلى مبارزتك ؟ فقال:أو لو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال:نعم،و الذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت حتى أضربه بالسيف،فقال:يا ابن أخي،أطال الله بقاءك قد و الله ازددت فيك رغبة لا ما أمرتك بمبارزته إنما أمرتك أن تدعوه لمبارزتي،فإنه لا يبارز إن كان ذلك من شأنه إلا ذوي الأسنان و الكفاءة و الشرف،و أنت بحمد الله من أهل الكفاءة و الشرف،و لكنك حديث السن و ليس يبارز الأحداث فاذهب فادعه إلى مبارزتي،فأتاهم فقال:أنا رسول فآمنوني فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور.قال نصر:فحدثني عمر بن سعد عن أبي زهير العبسي،عن صالح بن سنان،عن أبيه قال:فقلت له:إن الأشتر يدعوك إلى المبارزة،قال:فسكت عني طويلا،ثم قال:إن خفة الأشتر و سوء رأيه و هوانه دعاه إلى إجلاء عمال عثمان و افترائه عليه يقبح محاسنه و يجهل حقه،و يظهر عداوته و من خفة الأشتر و سوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره و قراره،فقتله فيمن قتله و أصبح متبعا بدمه لا حاجة لي في مبارزته.فقلت إنك قد تكلمت فاسمع حتى أجيبك،فقال:لا حاجة لي في جوابك و لا الاستماع منك اذهب عني،و صاح بي أصحابه فانصرفت عنه و لو سمع لأسمعته عذر صاحبي و حجته.فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة،فقال لنفسه نظر.قال:فتواقفنا،فإذا هم قد انصرفوا قال:و صبحنا علي(عليه‌السلام )غدوة سائرا نحو معاوية،فإذا أبو الأعور قد سبق إلى سهولة الأرض و سعة المنزل و شريعة الماء مكان


أفيح و كان أبو الأعور على مقدمة معاوية و اسمه سفيان بن عمرو،و قد جعل على ساقته بسر بن أرطاة العامري و على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب،و دفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد،و جعل على ميمنته حبيب بن مسلمة الفهري و على رجالته من الميمنة يزيد بن زحر الضبي،و على الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص،و على الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائي،و على خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهري،و على رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلي،و على أهل حمص ذا الكلاع و على أهل فلسطين مسلمة بن مخلد،و كان وصول علي(عليه‌السلام )إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع و ثلاثين.


49.و من خطبة له(عليه‌السلام )

(اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ اَلْأَمُوُرِ وَ دَلَّتْ [ ذَلَّتْ ] عَلَيْهِ أَعْلاَمُ اَلظُّهُورِ وَ اِمْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ اَلْبَصِيرِ فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ وَ لاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ سَبَقَ فِي اَلْعُلُوِّ فَلاَ شَيْ‏ءَ أَعْلَى مِنْهُ وَ قَرُبَ فِي اَلدُّنُوِّ فَلاَ شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلاَ اِسْتِعْلاَؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَ لاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي اَلْمَكَانِ بِهِ لَمْ يُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ فَهُوَ اَلَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ اَلْوُجُودِ عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي اَلْجُحُودِ تَعَالَى اَللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ اَلْمُشَبِّهُونَ [ اَلْمُشْتَبِهُونَ ] بِهِ وَ اَلْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً)بطنت سر فلان،أي:أخفيته.و الأعلام جمع علم و هو المنار يهتدى به،ثم جعل لكل ما دل على شي‏ء،فقيل لمعجزات الأنبياء أعلام لدلالتها على نبوتهم و قوله(عليه‌السلام ):أعلام الظهور أي الأدلة الظاهرة الواضحة.و قوله:فيما بعد أعلام الوجود،أي:الأدلة الموجودة،و الدلالة هي الوجود نفسه و سيأتي شرح ذلك.و قوله و امتنع على عين البصير يقول إنه سبحانه ليس بمرئي بالعين و مع


ذلك فلا يمكن من لم يره بعينه أن ينكره لدلالة كل شي‏ء عليه بل لدلالته سبحانه على نفسه.ثم قال:و لا قلب من أثبته يبصره،أي:لا سبيل لمن أثبت وجوده أن يحيط علما بجميع أحواله،و معلوماته،و مصنوعاته أو أراد أنه لا تعلم حقيقة ذاته كما قاله قوم من المحققين.و قد روي هذا الكلام على وجه آخر قالوا في الخطبة:فلا قلب من لم يره ينكره،و لا عين من أثبته تبصره،و هذا غير محتاج إلى تفسير لوضوحه.و قوله(عليه‌السلام ):فلا استعلاؤه باعده،أي:ليس علوه و لا قربه كما نعقله من العلو و القرب المكانيين،بل هو علو و قرب خارج من ذلك فليس علوه يقتضي بعده بالمكان عن الأجسام،و لا قربه يقتضي مساواته إياها في الحاجة إلى المكان و الجهة.و الباء في به متعلقة بساواهم معناه و لا قربه ساواهم به في الحاجة إلى المكان،أي:لم يقتض قربه مماثلته و مساواته إياهم في ذلك.

فصول في العلم الإلهي

و هذا الفصل يشتمل على عدة مباحث من العلم الإلهي،أولها:كونه تعالى عالما بالأمور الخفية.و الثاني:كونه تعالى مدلولا عليه بالأمور الظاهرة يعني أفعاله.و الثالث:أن هويته تعالى غير معلومة للبشر.و الرابع:نفي تشبيهه بشي‏ء من مخلوقاته.


و الخامس:بيان أن الجاحد لإثباته مكابر بلسانه و عارف به بقلبه.و نحن نذكر القول في جميع ذلك على سبيل اقتصاص المذاهب و الأقوال و نحيل في البرهان على الحق من ذلك،و بطلان شبه المخالفين فيه على ما هو مذكور في كتبنا الكلامية إذ ليس هذا الكتاب موضوعا لذلك،و إن كنا قد لا نخلي بعض فصوله من إشارة إلى الدليل موجزة و تلويح إلى الشبهة لطيف فنقول أما.

الفصل الأول:و هو الكلام في كونه تعالى عالما بالأمور الخفية

فاعلم أن أمير المؤمنين(عليه‌السلام )إنما قال بطن خفيات الأمور،و هذا القدر من الكلام يقتضي كونه تعالى عالما يعلم الأمور الخفية الباطنة،و هذا منقسم قسمين أحدهما أن يعلم الأمور الخفية الحاضرة.و الثاني:أن يعلم الأمور الخفية المستقبلة.و الكلام من حيث إطلاقه يحتمل الأمرين فنحمله عليهما معا،فقد خالف في كل واحدة من المسألتين قوم فمن الناس من نفى كونه عالما بالمستقبلات،و من الناس من نفى كونه عالما بالأمور الحاضرة،سواء كانت خفية أو ظاهرة،و هذا يقتضينا أن نشرح أقوال العقلاء في هذه المسائل،فنقول:إن الناس فيها على أقوال القول الأول قول جمهور المتكلمين،و هو أن البارئ سبحانه يعلم كل معلوم الماضي،و الحاضر،و المستقبل،ظاهرها و باطنها و محسوسها و غير محسوسها،فهو تعالى العالم بما كان و ما هو حاضر و ما سيكون و ما لم يكن،أن لو كان كيف كان يكون كقوله


تعالى:( وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) ،فهذا علم بأمر مقدر على تقدير وقوع أصله الذي قد علم أنه لا يكون.القول الثاني:قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الأمور المستقبلة،و شبهوه بكونه مدركا قالوا:كما أنه لا يدرك المستقبلات،فكذلك لا يعلم المستقبلات،و هو قول هشام بن الحكم.القول الثالث:قول من زعم أنه لا يعلم الأمور الحاضرة،و هذا القول نقيض القول الثاني،و شبهوه بكونه قادرا،قالوا:كما أنه لا يقدر على الموجود فكذلك لا يعلم الموجود،و نسب ابن الراوندي هذا القول إلى معمر بن عباد أحد شيوخنا و أصحابنا يكذبونه في ذلك و يدفعون الحكاية عنه.القول الرابع:قول من زعم أنه تعالى لا يعلم نفسه خاصة،و يعلم كل ما عدا ذاته و نسب ابن الراوندي هذه المقالة إلى معمر أيضا،و قال:إنه يقول إن العالم غير المعلوم،و الشي‏ء لا يكون غير نفسه و أصحابنا يكذبون ابن الراوندي في هذه الحكاية،و ينزهون معمرا عنها.القول الخامس:قول من قال إنه تعالى لم يكن فيما لم يزل عالما بشي‏ء أصلا،و إنما أحدث لنفسه علما علم به الأشياء،و هو قول جهم بن صفوان.القول السادس:قول من قال إنه تعالى لا يعلم كل المعلومات على تفاصيلها،و إنما يعلم ذلك إجمالا و هؤلاء يسمون المسترسلية ؛ لأنهم يقولون يسترسل علمه على المعلومات


إجمالا لا تفصيلا،و هو مذهب الجويني من متكلمي الأشعرية.القول السابع:قول من قال إنه تعالى يعلم المعلومات المفصلة ما لم يفض القول به إلى محال،و زعموا أن القول بأنه يعلم كل شي‏ء يفضي إلى محال،و هو أن يعلم و يعلم أنه يعلم،و هلم جرا إلى ما لا نهاية له،و كذلك المحال لازم إذا قيل إنه يعلم الفروع،و فروع الفروع،و لوازمها،و لوازم لوازمها إلى ما لا نهاية له،قالوا:و محال اجتماع كل هذه العلوم غير المتناهية في الوجود،و هذا مذهب أبي البركات البغدادي صاحب المعتبر.القول الثامن:قول من زعم أنه تعالى لا يعلم الشخصيات الجزئية،و إنما يعلم الكليات التي لا يجوز عليها التغيير،كالعلم،بأن كل إنسان حيوان و يعلم نفسه أيضا،و هذا مذهب أرسطو و ناصري قوله من الفلاسفة كابن سينا و غيره.القول التاسع:قول من زعم أنه تعالى لا يعلم شيئا أصلا لا كليا و لا جزئيا،و إنما وجد العالم عنه لخصوصية ذاته فقط من غير أن يعلمه كما أن المغناطيس يجذب الحديد لقوة فيه من غير أن يعلم بالجذب،و هذا قول قوم من قدماء الفلاسفة.فهذا تفصيل المذاهب في هذه المسألة.و اعلم أن حجة المتكلمين على كونه عالما بكل شي‏ء،إنما تتضح بعد إثبات حدوث العالم،و أنه فعله بالاختيار فحينئذ لا بد من كونه عالما ؛ لأنه لو لم يكن عالما بشي‏ء أصلا لما صح أن يحدث العالم على طريق الاختيار ؛ لأن الإحداث على طريق الاختيار إنما يكون بالغرض و الداعي و ذلك يقتضي كونه عالما،فإذا ثبت أنه عالم بشي‏ء أفسدوا حينئذ أن يكون عالما بمعنى اقتضى له العالمية أو بأمر خارج عن ذاته مختارا كان أو غير مختار


فحينئذ ثبت لهم أنه إنما علم ؛ لأنه هذه الذات المخصوصة لا لشي‏ء أزيد منها،فإذا كان لهم ذلك وجب أن يكون عالما بكل معلوم ؛ لأن الأمر الذي أوجب كونه عالما بأمر ما هو ذاته يوجب كونه عالما بغيره من الأمور ؛ لأن نسبة ذاته إلى الكل نسبة واحدة.فأما الجواب عن شبه المخالفين فمذكور في المواضع المختصة بذلك فليطلب من كتبنا الكلامية.

الفصل الثاني:في تفسير قوله(عليه‌السلام )و دلت عليه أعلام الظهور

فنقول إن الذي يستدل به على إثبات الصانع يمكن أن يكون من وجهين،و كلاهما يصدق عليه أنه أعلام الظهور أحدهما الوجود،و الثاني الموجود.أما الاستدلال عليه بالوجود نفسه فهي طريقة المدققين من الفلاسفة،فإنهم استدلوا على أن مسمى الوجود مشترك،و أنه زائد على ماهيات الممكنات و أن وجود البارئ لا يصح أن يكون زائدا على ماهيته،فتكون ماهيته وجودا و لا يجوز أن تكون ماهيته عارية عن الوجود،فلم يبق إلا أن تكون ماهيته هي الوجود نفسه و أثبتوا وجوب ذلك الوجود،و استحالة تطرق العدم بوجه ما فلم يفتقروا في إثبات البارئ إلى تأمل أمر غير نفس الوجود.و أما الاستدلال عليه بالموجود لا بالوجود نفسه فهو الاستدلال عليه بأفعاله،و هي طريقة المتكلمين قالوا:كل ما لم يعلم بالبديهة و لا بالحس،فإنما يعلم بآثاره الصادرة عنه و البارئ تعالى كذلك،فالطريق إليه ليس إلا أفعاله فاستدلوا عليه بالعالم و قالوا تارة:العالم محدث و كل محدث له محدث،و قالوا تارة أخرى:العالم ممكن فله مؤثر


و قال ابن سينا:إن الطريقة الأولى و هي الاستدلال عليه بالوجود نفسه أعلى و أشرف ؛ لأنه لم يحتج فيها إلى الاحتجاج بأمر خارج عن ذاته و استنبط آية من الكتاب العزيز في هذا المعنى،و هي قوله تعالى:( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ ) .قال ابن سينا:أقول إن هذا حكم لقوم يعني المتكلمين و غيرهم ممن يستدل عليه تعالى بأفعاله و تمام الآية( أوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) .قال هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه يعني الذين استدلوا عليه بنفس الوجود،و لم يفتقروا إلى التعلق بأفعاله في إثبات ربوبيته.

الفصل الثالث:في أن هويته تعالى غير هوية البشر

و ذلك معنى قوله(عليه‌السلام )و امتنع على عين البصير و قوله و لا قلب من أثبته يبصره،و قوله:و لم يطلع العقول على تحديد صفته فنقول:إن جمهور المتكلمين زعموا أنا نعرف حقيقة ذات الإله و لم يتحاشوا من القول بأنه تعالى لا يعلم من ذاته إلا ما نعلمه نحن منها،و ذهب ضرار بن عمرو أن لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو و هذا هو مذهب


الفلاسفة،و قد حكي عن أبي حنيفة و أصحابه أيضا،و هو الظاهر من كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )في هذا الفصل.

الفصل الرابع:في نفي التشبيه عنه تعالى

و هو معنى قوله(عليه‌السلام ):بعد و قرب،أي:في حال واحدة و ذلك يقتضي نفي كونه تعالى جسما،و كذلك قوله(عليه‌السلام ):فلا استعلاؤه باعده و لا قربه ساواهم في المكان به،فنقول إن مذهب جمهور المتكلمين نفي التشبيه،و هذا القول يتنوع أنواعا.النوع الأول،نفي كونه تعالى جسما مركبا أو جوهرا فردا غير مركب،و المراد بالجوهر هاهنا الجرم و الحجم،و هو قول المعتزلة و أكثر محققي المتكلمين من سائر الفرق،و إليه ذهبت الفلاسفة أيضا.و قال قوم من مستضعفي المتكلمين خلاف ذلك،فذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى جسم مركب كهذه الأجسام و اختلفت الحكاية عنه فروي عنه أنه قال:إنه يشبر نفسه سبعة أشبار،و روي عنه أنه قال إنه على هيئة السبيكة،و روي عنه أنه قال:إنه على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة،و روي عنه أيضا قال:إنه ذو صورة و أصحابه من الشيعة يدفعون اليوم هذه الحكايات عنه و يزعمون أنه لم يزد على قوله أنه جسم لا كالأجسام،و أنه إنما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه إثباته.


و صدقوا عنه أنه كان يطلق عليه كونه نورا لقول الله سبحانه:( اَللَّهُ نُورُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) .و حكي عن محمد بن النعمان الأحول المعروف بشيطان الطاق،و هشام بن سالم المعروف بالجواليقي،و أبي مالك بن الحضرمي أنه نور على صورة الإنسان،و أنكروا مع ذلك أن يكون جسما،و هذه مناقضة ظاهرة.و حكي عن علي بن ميثم مثله و قد حكي عنه أنه كان يقول بالصورة و الجسم.و حكي عن مقاتل بن سليمان،و داود الجواربي،و نعيم بن حماد المصري أنه في صورة الإنسان،و أنه لحم و دم،و له جوارح و أعضاء من يد و رجل و لسان و رأس و عينين،و هو مع ذلك لا يشبه غيره و لا يشبهه غيره وافقهم على ذلك جماعة من العامة و من لا نظر له.و حكي عن داود الجواربي أنه قال:اعفوني من الفرج و اللحية و سلوني عما وراء ذلك،و حكي عنه أنه قال:هو أجوف من فيه إلى صدره و ما سوى ذلك مصمت.و حكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم الجواليقي كان يقول:إن له وفرة سوداء.و ذهب جماعة من هؤلاء إلى القول بالمؤانسة،و الخلوة،و المجالسة،و المحادثة.و سئل بعضهم عن معنى قوله تعالى:( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) ،فقال:يقعد معه على سريره و يغلفه بيده.و قال بعضهم:سألت معاذا العنبري،فقلت:أله وجه ؟ فقال:نعم حتى عددت


جميع الأعضاء من أنف و فم و صدر و بطن ،و استحييت أن أذكر الفرج ،فأومأت بيدي إلى فرجي ،فقال:نعم.فقلت:أذكر أم أنثى ؟ فقال:ذكر.و يقال:إن ابن خزيمة أشكل عليه القول:في أنه أذكر أم أنثى ؟ فقال له بعض أصحابه:إن هذا مذكور في القرآن و هو قوله تعالى:( وَ لَيْسَ اَلذَّكَرُ كَالْأُنْثى ) ،فقال:أفدت و أجدت و أودعه كتابه.و دخل إنسان على معاذ بن معاذ يوم عيد و بين يديه لحم في طبيخ سكباج ،فسأله عن البارئ تعالى في جملة ما سأله ،فقال:هو و الله مثل هذا الذي بين يدي لحم و دم.و شهد بعض المعتزلة عند معاذ بن معاذ ،فقال له:لقد هممت أن أسقطك لو لا أني سمعتك تلعن حماد بن سلمة ،فقال:أما حماد فلم ألعنه و لكني ألعن من يقول إنه سبحانه ينزل ليلة عرفة من السماء إلى الأرض على جمل أحمر في هودج من ذهب ،فإن كان حماد يروي هذا أو يقوله فعليه لعنة الله ،فقال:أخرجوه فأخرج.و قال بعضهم:خرجنا يوم عيد إلى المصلى ،فإذا جماعة بين يدي أمير ،و الطبول تضرب ،و الأعلام تخفق ،فقال واحد من خلفنا:اللهم لا طبل إلا طبلك فقل له لا تقل هكذا فليس لله تعالى طبل ،فبكى و قال:أرأيتم هو يجي‏ء وحده و لا يضرب بين يديه طبل و لا ينصب على رأسه علم ،فإذن هو دون الأمير.و روى بعضهم أنه تعالى أجرى خيلا فخلق نفسه من مثلها.و روى قوم منهم أنه نظر في المرآة ،فرأى صورة نفسه فخلق آدم عليها.و رووا أنه يضحك حتى تبدو نواجذه.


و رووا أنه أمرد جعد قطط في رجليه نعلان من ذهب،و أنه في روضة خضراء على كرسي تحمله الملائكة.و رووا أنه يضع رجلا على رجل و يستلقي،فإنها جلسة الرب.و رووا أنه خلق الملائكة من زغب ذراعيه،و أنه اشتكى عينه فعادته الملائكة و أنه يتصور بصورة آدم و يحاسب الناس في القيامة،و له حجاب من الملائكة يحجبونه.و رووا عن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أنه قال:رأيت ربي في أحسن صورة،فسألته عما يختلف فيه الملأ الأعلى،فوضع يده بين كتفي،فوجدت بردها فعلمت ما اختلفوا فيه.و رووا أنه ينزل إلى السماء الدنيا في نصف شعبان،و أنه جالس على العرش قد فضل منه أربع أصابع من كل جانب،و أنه يأتي الناس يوم القيامة فيقول:أنا ربكم،فيقولون:نعوذ بالله منك،فيقول لهم:أفتعرفونه إن رأيتموه ؟ فيقولون:بيننا و بينه علامة،فيكشف لهم عن ساقه و قد تحول في الصورة التي يعرفونها فيخرون له سجدا.و رووا أنه يأتي في غمام فوقه هواء و تحته هواء.و كان بطبرستان قاص من المشبهة يقص على الناس،فقال يوما في قصصه:إن يوم القيامة تجي‏ء فاطمة بنت محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )معها قميص الحسين ابنها،تلتمس القصاص من يزيد بن معاوية،فإذا رآها الله تعالى من بعيد دعا يزيد و هو بين يديه،فقال له:ادخل تحت قوائم العرش لا تظفر بك فاطمة،فيدخل و يختبئ و تحضر فاطمة فتتظلم و تبكي،فيقول سبحانه:انظري يا فاطمة،إلى قدمي و يخرجها إليها و به جرح من سهم نمرود


فيقول:هذا جرح نمرود في قدمي و قد عفوت عنه أفلا تعفين أنت عن يزيد،فتقول:هي أشهد يا رب،أني قد عفوت عنه.و ذهب بعض متكلمي المجسمة إلى أن البارئ تعالى مركب من أعضاء على حروف المعجم.و قال بعضهم:إنه ينزل على حمار في صورة غلام أمرد في رجليه نعلان من ذهب،و على وجهه فراش من ذهب يتطاير.و قال بعضهم:إنه في صورة غلام أمرد صبيح الوجه عليه كساء أسود ملتحف به.و سمعت أنا في عصري هذا من قال في قوله تعالى:( وَ تَرَى اَلْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ ) ،إنهم قيام على رأسه بسيوفهم و أسلحتهم،فقال له آخر:على سبيل التهكم به يحرسونه من المعتزلة أن يفتكوا به،فغضب و قال:هذا إلحاد.و رووا أن النار تزفر و تتغيظ تغيظا شديدا،فلا تسكن حتى يضع قدمه فيها فتقول:قط قط،أي:حسبي حسبي،و يرفعون هذا الخبر مسندا،و قد ذكر شبيه به في الصحاح.و روي في الكتب الصحاح أيضا:أن الله خلق آدم على صورته،و قيل:إن في التوراة نحو ذلك في السفر الأول.و اعلم أن أهل التوحيد يتأولون ما يحتمل التأويل من هذه الروايات على وجوه محتملة غير مستبعدة،و ما لا يحتمل التأويل منها يقطعون ببطلانه،و بأنه موضوع و للاستقصاء في هذا المعنى موضع غير هذا الموضع.و حكى أبو إسحاق النظام و محمد بن عيسى برغوث أن قوما قالوا:إنه تعالى الفضاء نفسه و ليس بجسم ؛ لأن الجسم يحتاج إلى مكان و نفسه مكان الأشياء.


و قال برغوث:و طائفة منهم يقولون:هو الفضاء نفسه و هو جسم تحل الأشياء فيه،و ليس بذي غاية و لا نهاية،و احتجوا بقوله تعالى:(وَ جاهِدُوا فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ).فأما من قال:إنه جسم لا كالأجسام على معنى أنه بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل و نفوا عنه معنى الجسمية و إنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنه شي‏ء لا كالأشياء و ذات لا كالذوات فأمرهم سهل ؛ لأن خلافهم في العبارة و هم علي بن منصور و السكاك و يونس بن عبد الرحمن،و الفضل بن شاذان و كل هؤلاء من قدماء رجال الشيعة،و قد قال بهذا القول ابن كرام و أصحابه قالوا:معنى قولنا فيه سبحانه أنه جسم أنه قائم بذاته لا بغيره.و المتعصبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنه لم يقل بالتجسيم المعنوي،و إنما قال:إنه جسم لا كالأجسام بالمعنى الذي ذكرناه عن يونس و السكاك و غيرهما،و إن كان الحسن بن موسى النوبختي،و هو من فضلاء الشيعة،قد روي عنه التجسيم المحض في كتاب الآراء و الديانات.النوع الثاني:نفي الأعضاء و الجوارح عنه سبحانه،فالذي يذهب إليه المعتزلة و سائر المحققين من المتكلمين نفي ذلك عنه،و قد تأولوا ما ورد في القرآن العزيز من ذلك من نحو قوله تعالى:( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) و قوله سبحانه( عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللَّهِ ) و غير ذلك،و حملوه على وجوه صحيحة جائزة في اللغة العربية.و أطلقت الكرامية عليه سبحانه لفظ اليدين و الوجه،و قالوا:لا نتجاوز الإطلاق


و لا نفسر ذلك و لا نتأوله،و إنما نقتصر على إطلاق ما ورد به النص.و أثبت الأشعري اليدين صفة قائمة بالبارئ سبحانه و كذلك الوجه من غير تجسيم.و قالت المجسمة:إن لله تعالى يدين هما عضوان له و كذلك الوجه و العين،و أثبتوا له رجلين قد فضلتا عن عرشه و ساقين يكشف عنهما يوم القيامة و قدما يضعها في جهنم فتمتلئ،و أثبتوا له ذلك معنى لا لفظا و حقيقة لا مجازا.فأما أحمد بن حنبل فلم يثبت عنه تشبيه و لا تجسيم أصلا،و إنما كان يقول بترك التأويل فقط،و يطلق ما أطلقه الكتاب و السنة،و لا يخوض في تأويله و يقف على قوله تعالى:( وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللَّهُ ) و أكثر المحصلين من أصحابه على هذا القول.النوع الثالث:نفي الجهة عنه سبحانه،فالذي يذهب إليه المعتزلة و جمهور المحققين من المتكلمين أنه سبحانه ليس في جهة و لا مكان،و أن ذلك من توابع الجسمية أو العرضية اللاحقة بالجسمية،فإذا انتفى عنه كونه جسما و كونه عرضا لم يكن في جهة أصلا،و إلى هذا القول يذهب الفلاسفة.و ذهبت الكرامية و الحشوية إلى أن الله تعالى في جهة فوق،و إليه ذهب هشام بن الحكم،و علي بن منصور،و يونس بن عبد الرحمن،و هشام بن سالم الجواليقي،و كثير من أهل الحديث.و ذهب محمد بن الهيصم متكلم الكرامية إلى أنه تعالى ذات موجودة منفردة بنفسها عن سائر الموجودات،لا تحل شيئا حلول الأعراض،و لا تمازج شيئا ممازجة الأجسام


،بل هو مباين للمخلوقين إلا أنه في جهة فوق و بينه و بين العرش بعد لا يتناهى.هكذا يحكي المتكلمون عنه،و لم أره في شي‏ء من تصانيفه و أحالوا ذلك ؛ لأن ما لا يتناهى لا يكون محصورا بين حاصرين،و أنا أستبعد عنه هذه الحكاية ؛ لأنه كان أذكى من أن يذهب عليه فساد هذا القول،و حقيقة مذهب مثبتي المكان أنه سبحانه متمكن على العرش كما يتمكن الملك على سريره،فقيل لبعض هؤلاء:أهو أكبر من العرش أم أصغر أم مساو له ؟ فقال:بل أكبر من العرش،فقيل له:فكيف يحمله ؟ فقال:كما تحمل رجلا الكركي جسم الكركي و جسمه أكبر من رجليه،و منهم من يجعله مساويا للعرش في المقدار،و لا يمتنع كثير منهم من إطلاق القول بأن أطرافه تفضل عن العرش،و قد سمعت أنا من قال منهم:إنه مستو على عرشه كما أنا مستو على هذه الدكة،و رجلاه على الكرسي الذي وسع السموات و الأرض،و الكرسي تحت العرش كما يجعل اليوم الناس تحت أسرتهم كراسي يستريحون بوضع أرجلهم عليها.و قال هؤلاء كلهم:إنه تعالى ينزل و يصعد حقيقة لا مجازا و إنه يتحرك و ينزل فمن ذلك نزوله إلى السماء الدنيا كما ورد في الخبر،و من ذلك إتيانه و مجيئه كما نطق به الكتاب العزيز في قوله سبحانه:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمامِ ) ،و قوله:( وَ جاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) .و أطلق ابن الهيصم عليه هذه الألفاظ اتباعا لما ورد في الكتاب و السنة،و قال:لا أقول بمعانيها و لا أعتقد حركته الحقيقية،و إنما أرسلها إرسالا كما وردت،و أما غيره فاعتقد معانيها حقيقة،و قال ابن الهيصم في كتاب المقالات:إن أكثر الحشوية يجيز عليه تعالى العدو و الهرولة.


و قال قوم منهم:إنه تعالى يجوز أن ينزل فيطوف البلدان و يدور في السكك.و قال بعض الأشعريين:إن سائلا سأل السكاك،فقال:إذا أجزت عليه الحركة فهلا أجزت عليه أن يطفر ؟ فقال:لا يجوز عليه الطفر ؛ لأن الطفر إنما يكون فرارا من ضد أو اتصالا بشكل،فقال له:فالحركة أيضا كذلك فلم يأت بفرق.فأما القول بأنه تعالى في كل مكان فإن المعتزلة يقولون ذلك و تريد به أنه و إن لم يكن في مكان أصلا،فإنه عالم بما في كل مكان و مدبر لما في كل مكان،و كأنه موجود في جميع الأمكنة لإحاطته بالجميع.و قال قوم من قدماء الفلاسفة:إن البارئ تعالى روح شديد في غاية اللطافة و في غاية القوة ينفذ في كل العالم و هؤلاء يطلقون عليه أنه في كل مكان حقيقة لا تأويلا و من هؤلاء من أوضح هذا القول،و قال:إنه تعالى سار في هذا العالم سريان نفس الواحد منا في بدنه،فكما أن كل بدن منا له نفس سارية فيه تدبره كذلك البارئ سبحانه هو نفس العالم،و سار في كل جزء من العالم فهو إذا في كل مكان بهذا الاعتبار ؛ لأن النفس في كل جزء من البدن.و حكى الحسن بن موسى النوبختي عن أهل الرواق من الفلاسفة أن الجوهر الإلهي سبحانه روح ناري عقلي ليس له صورة،لكنه قادر على أن يتصور بأي صورة شاء،و يتشبه بالكل و ينفذ في الكل بذاته و قوته لا بعلمه و تدبيره.النوع الرابع:نفي كونه عرضا حالا في المحل فالذي تذهب إليه المعتزلة و أكثر المسلمين و الفلاسفة نفي ذلك القول باستحالته عليه سبحانه لوجوب وجوده،و كون كل حال في الأجسام ممكنا بل حادثا.


و ذهبت الحلولية من أهل الملة و غيرها،إلى أنه تعالى يحل في بعض الأجسام دون بعض كما يشاء سبحانه،و إلى هذا القول ذهب أكثر الغلاة في أمير المؤمنين،و منهم من قال بانتقاله من أمير المؤمنين(عليه‌السلام )إلى أولاده،و منهم من قال بانتقاله من أولاده إلى قوم من شيعته و أوليائه،و اتبعهم على هذه المقالة قوم من المتصوفة كالحلاجية،و البسطامية،و غيرهم.و ذهبت النسطورية من النصارى إلى حلول الكلمة في بدن عيسى(عليه‌السلام )،كحلول السواد في الجسم.فأما اليعقوبية من النصارى فلا تثبت الحلول،و إنما تثبت الاتحاد بين الجوهر الإلهي و الجوهر الجسماني،و هو أشد بعدا من الحلول.النوع الخامس:في نفي كونه تعالى محلا لشي‏ء ذهبت المعتزلة،و أكثر أهل الملة و الفلاسفة إلى نفي ذلك،و القول باستحالته على ذاته سبحانه.و ذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تحل في ذاته،فإذا أحدث جسما أحدث معنى حالا في ذاته،و هو الإحداث،فحدث ذلك الجسم مقارنا لذلك المعنى أو عقيبه،قالوا:و ذلك المعنى هو قول كن و هو المسمى خلقا،و الخلق غير المخلوق قال الله تعالى:( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) قالوا:لكنه قد أشهدنا ذواتها فدل على أن خلقها غيرها.


و صرح ابن الهيصم في كتاب المقالات بقيام الحوادث بذات البارئ،فقال:إنه تعالى إذا أمر أو نهى أو أراد شيئا كان أمره و نهيه،و إراداته كائنة بعد أن لم تكن و هي قائمة به ؛ لأن قوله منه يسمع،و كذلك إرادته منه توجد.قال:و ليس قيام الحوادث بذاته دليلا على حدوثه،و إنما يدل على الحدوث تعاقب الأضداد التي لا يصح أن يتعطل منها،و البارئ تعالى لا تتعاقب عليه الأضداد.و ذهب أبو البركات البغدادي صاحب المعتبر إلى أن الحوادث تقوم بذات البارئ سبحانه،و إنه لا يصح إثبات الإلهية إلا بذلك،و قال:إن المتكلمين ينزهونه عن ذلك و التنزيه عن هذا التنزيه هو الواجب.و ذهب أصحابنا و أكثر المتكلمين إلى أن ذلك لا يصح في حق واجب الوجود،و أنه دليل على إمكان ذاته بل على حدوثها،و أجازوا مع ذلك عليه أن يتجدد له صفات يعنون الأحوال لا المعاني،نحو:كونه مدركا بعد أن لم يكن،و كقول أبي الحسين:أنه يتجدد له عالمية بما وجد و كان من قبل عالما بأنه سيوجد و إحدى هاتين الصفتين غير الأخرى.و قالوا:إن الصفات و الأحوال قيل مفرد عن المعاني و المحال إنما هو حلول المعاني في ذاته،لا تجدد الصفات لذاته و للكلام في هذا الباب موضع هو أليق به.النوع السادس:في نفي اتحاده تعالى بغيره،ذهب أكثر العقلاء إلى استحالة ذلك،و ذهبت اليعقوبية من النصارى إلى أن الكلمة اتحدت بعيسى،فصارت جوهرا من جوهرين أحدهما إلهي و الآخر جسماني،و قد أجاز الاتحاد في نفس الأمر لا في ذات


البارئ قوم من قدماء الفلاسفة منهم فرفريوس،و أجازه أيضا منهم من ذهب إلى أن النفس إنما تعقل المعقولات لاتحادها بالجوهر المفارق المفيض للنفوس على الأبدان،و هو المسمى بالعقل الفعال.النوع السابع:في نفي الأعراض الجسمانية عنه من التعب،و الاستراحة،و الألم،و اللذة،و الغم،و السرور،و نحو ذلك.و ذهبت المعتزلة و أكثر العقلاء من أهل الملة و غيرهم إلى نفي ذلك،و القول باستحالته عليه سبحانه.و ذهبت الفلاسفة إلى جواز اللذة عليه،و قالوا:إنه يلتذ بإدراك ذاته و كماله ؛ لأن إدراك الكمال هو اللذة أو سبب اللذة و هو تعالى أكمل الموجودات و إدراكه أكمل الإدراكات،و إلى هذا القول ذهب محمد الغزالي من الأشعرية.و حكى ابن الراوندي عن الجاحظ:أن أحد قدماء المعتزلة و يعرف بأبي شعيب كان يجوز عليه تعالى السرور و الغم،و الغيرة،و الأسف،و يذكر في ذلك ما روي عن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )أنه قال:لا أحد أغير من الله و إنه تعالى يفرح بتوبة عبده و يسر بها.و قال تعالى:( فَلَمَّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) و قال مقال المتحسر على الشي‏ء:( يا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبادِ ) ،و حكي عنه أيضا أنه يجوز عليه أن يتعب و يستريح و يحتج بقوله:( وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ) .


و هذه الألفاظ كلها عند أصحابنا متأولة محمولة على محامل صحيحة،تشتمل على شرحها الكتب المبسوطة.النوع الثامن:في أنه تعالى ليس بمتلون لم يصرح أحد من العقلاء قاطبة بأن الله تعالى متلون،و إنما ذهب قوم من أهل التشبيه و التجسيم إلى أنه نور،فإذا أبصرته العيون و أدركته أبصرت شخصا نورانيا مضيئا لم يزيدوا على ذلك،و لم يصرحوا بإثبات اللون بهذه العبارة،و إن كان كل مضي‏ء ملونا.النوع التاسع:في أنه تعالى لا يشتهي و لا ينفر،ذهب شيوخنا المتكلمون إلى أنه سبحانه لا يصح عليه الشهوة و النفرة ؛ لأنهما إنما يصحان على ما يقبل الزيادة و النقصان بطريق الاغتذاء و النمو،و البارئ سبحانه و تعالى يتعالى عن ذلك،و ما عرفت لأحد من الناس خلافا في ذلك،اللهم إلا أن يطلق هاتان اللفظتان على مسمى الإرادة و الكراهية على سبيل المجاز.النوع العاشر:في أن البارئ تعالى غير متناهي الذات،قالت المعتزلة:لما كان البارئ تعالى ليس بجسم و جسماني،و كانت النهاية من لواحق الأشياء ذوات المقادير،يقال:هذا الجسم متناه،أي:ذو طرف.قلنا:إن ذات البارئ تعالى غير متناهية لا على معنى أن امتداد ذاته غير متناه،فإنه سبحانه ليس بذي امتداد بل بمعنى أن الموضوع الذي يصدق عليه النهاية ليس بمتحقق في حقه سبحانه،فقلنا:إن ذاته غير متناهية كما يقول المهندس إن النقطة غير متناهية لا على معنى أن لها امتدادا غير متناه،فإنها ليست بممتدة أصلا بل على معنى أن الأمر


الذي تصدق عليه النهاية و هو الامتداد لا يصدق عليها،فإذن صدق عليها أنها غير متناهية،و هذا قول الفلاسفة و أكثر المحققين.و قالت الكرامية:البارئ تعالى ذات واحدة منفردة عن العالم قائمة بنفسها،مباينة للموجودات متناهية في ذاتها،و إن كنا لا نطلق عليها هذا اللفظ لما فيه من إيهام انقطاع وجودها و تصرم بقائها.و أطلق هشام بن الحكم و أصحابه عليه تعالى القول بأنه متناهي الذات غير متناهي القدرة.و قال الجاحظ:إن لي قوما زعموا أنه تعالى ذاهب في الجهات الست التي لا نهاية لها.النوع الحادي عشر:في أنه تعالى لا تصح رؤيته.قالت المعتزلة:رؤية البارئ تعالى مستحيلة في الدنيا و الآخرة،و إنما يصح أن يرى المقابل ذو الجهة.و قالت الكرامية و الحنابلة و الأشعرية:تصح رؤيته و يرى في الآخرة يراه المؤمنون،ثم اختلفوا،فقالت الكرامية و الحنابلة:يرى في جهة فوق،و حكي عن مضر و كهمس و أحمد الجبي،أنهم أجازوا رؤيته في الدنيا و ملامسته و مصافحته،و زعموا أن المخلصين يعانقونه متى شاءوا و يسمون الحبية.و حكى شيخنا أبو الحسين في التصفح عن أيوب السجستاني من المرجئة:أن البارئ تعالى تصح رؤيته و لمسه.و ذهب قوم إلى أنهم لا يزالون يرون الله تعالى،و أن الناس كلهم كافرهم و مؤمنهم يرونه و لكن لا يعرفونه.


و قال:من ترفع عن هذه الطبقة،منهم لا يجوز أن يرى بعين خلقت للفناء،و إنما يرى في الآخرة بعين خلقت للبقاء.و قال كثير من هؤلاء:إن محمدا(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )رأى ربه بعيني رأسه ليلة المعراج.و رووا عن كعب الأحبار أن الله تعالى قسم كلامه و رؤيته بين موسى و محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ).و رووا عن المبارك بن فضالة أن الحسن كان يحلف بالله قد رأى محمد ربه.و تعلق كثير منهم بقوله تعالى:( وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) و قالوا:كلمه موسى(عليه‌السلام )مرتين،و رآه محمد(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )مرتين.و أنكر ابن الهيصم مع اعتقاده أقوال الكرامية ذلك،و قال:إن محمدا(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لم يره و لكنه سوف يراه في الآخرة.قال:و إلى هذا القول ذهبت عائشة،و أبو ذر،و قتادة،و قد روي مثله عن ابن عباس و ابن مسعود.و اختلف من قال:إنه يرى في الآخرة هل يجوز أن يراه الكافر ؟ فقال أكثرهم:إن الكفار لا يرونه ؛ لأن رؤيته كرامة و الكافر لا كرامة له،و قالت السالمية و بعض الحشوية:إن الكفار يرونه يوم القيامة،و هو قول محمد بن إسحاق بن خزيمة،ذكر ذلك عنه محمد بن الهيصم.فأما الأشعري و أصحابه،فإنهم لم يقولوا كما قال هؤلاء:إنه يرى كما يرى الواحد منا،بل قالوا:يرى و ليس فوقا،و لا تحتا،و لا يمينا،و لا شمالا،و لا أماما،و لا وراء و لا يرى كله و لا بعضه،و لا هو في مقابلة الرائي و لا منحرفا عنه،و لا تصح الإشارة إليه إذا رئي


و هو مع ذلك يرى و يبصر،و أجازوا أيضا عليه أن تسمع ذاته،و أن تشم و تذاق،و تحس لا على طريق الاتصال بل تتعلق هذه الإدراكات كلها بذاته تعلقا عاريا عن الاتصال،و أنكرت الكرامية ذلك،و لم يجيزوا عليه إلا إدراك البصر وحده،و ناقضهم شيخنا أبو الحسين في التصفح،و ألزمهم أحد أمرين إما نفي الجميع أو إثبات إدراكه من جميع الجهات كما يقوله الأشعرية.و ذهب ضرار بن عمرو إلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة بحاسة سادسة لا بهذا البصر،و قيل ذلك عن جماعة غيره.و قال قوم:يجوز أن يحول الله تعالى قوة القلب إلى العين فيعلم الله تعالى بها فيكون ذلك الإدراك علما باعتبار أنه بقوة القلب،و رؤية باعتبار أنه قد وقع بالمعنى الحال في العين.فهذه الأنواع الأحد عشر هي الأقوال و المذاهب التي يشتمل قوله(عليه‌السلام )بنفي التشبيه عليها،و سيأتي من كلامه(عليه‌السلام )في نفي التشبيه ما هو أشد تصريحا من الألفاظ التي نحن في شرحها.

الفصل الخامس في بيان أن الجاحد له مكابر بلسانه و مثبت له بقلبه

و هو معنى قوله(عليه‌السلام ):فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود.لا شبهة في أن العلم بافتقار المتغير إلى المغير ضروري و العلم بأن المتغير ليس هو المغير


إما أن يكون ضروريا أو قريبا من الضروري،فإذا قد شهدت أعلام الوجود على أن الجاحد لإثبات الصانع،إنما هو جاحد بلسانه لا بقلبه ؛ لأن العقلاء لا يجحدون الأوليات بقلوبهم و إن كابروا بألسنتهم،و لم يذهب أحد من العقلاء إلى نفي الصانع سبحانه.و أما القائلون بأن العالم وجد عن طبيعة،و أن الطبيعة هي المدبرة له،و القائلون بتصادم الأجزاء في الخلاء الذي لا نهاية له حتى حصل منها هذا العالم،و القائلون بأن أصل العالم و أساس بنيته هو النور و الظلمة،و القائلون بأن مبادئ العالم هي الأعداد المجردة،و القائلون بالهيولى القديمة التي منها حدث العالم،و القائلون بعشق النفس للهيولى حتى تكونت منها هذه الأجسام،فكل هؤلاء أثبتوا الصانع و إنما اختلفوا في ماهيته و كيفية فعله.و قال قاضي القضاة:إن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى نفي الصانع للعالم بالكلية و لكن قوما من الوراقين اجتمعوا و وضعوا بينهم مقالة لم يذهب أحد إليها،و هي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه و لا إله للعالم،و لا صانع أصلا،و إنما هو هكذا ما زال و لا يزال من غير صانع و لا مؤثر.قال:و أخذ ابن الراوندي هذه المقالة فنصرها في كتابه المعروف بكتاب التاج قال:فأما الفلاسفة القدماء و المتأخرون فلم ينفوا الصانع،و إنما نفوا كونه فاعلا بالاختيار،و تلك مسألة أخرى قال:و القول بنفي الصانع قريب من القول بالسفسطة،بل هو هو بعينه ؛ لأن من شك في المحسوس أعذر ممن قال:إن المتحركات تتحرك من غير محرك حركها.و قول قاضي القضاة:هذا هو محض كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و عينه و ليس قول الجاحظ هو هذا ؛ لأن الجاحظ يذهب إلى أن جميع المعارف و العلوم الإلهية ضرورية،و نحن ما ادعينا في هذا المقام إلا أن العلم بإثبات الصانع فقط هو الضروري،فأين أحد القولين من الآخر.


50.و من خطبة له(عليه‌السلام )

(إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ اَلْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اَللَّهِ وَ يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اَللَّهِ فَلَوْ أَنَّ اَلْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ اَلْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى اَلْمُرْتَادِينَ وَ لَوْ أَنَّ اَلْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ اَلْبَاطِلِ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ اَلْمُعَانِدِينَ وَ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي اَلشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَ يَنْجُو اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ اَلْحُسْنَى)المرتاد الطالب و الضغث من الحشيش القبضة ،منه قال الله تعالى:( وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ) .يقول(عليه‌السلام )إن المذاهب الباطلة و الآراء الفاسدة التي يفتتن الناس بها أصلها اتباع الأهواء و ابتداع الأحكام التي لم تعرف يخالف فيها الكتاب ،و تحمل العصبية و الهوى على تولي أقوام قالوا بها على غير وثيقة من الدين و مستند وقوع هذه الشبهات امتزاج الحق بالباطل في النظر الذي هو الطريق إلى استعلام المجهولات ،فلو أن النظر تخلص مقدماته و ترتب قضاياه من قضايا باطلة لكان الواقع عنه هو العلم المحض ،و انقطع عنه ألسن المخالفين و كذلك لو كان النظر تخلص مقدماته من قضايا صحيحة بأن كان كله مبنيا


على الفساد لظهر فساده لطلبة الحق و إنما يقع الاشتباه لامتزاج قضاياه الصادقة بالقضايا الكاذبة.مثال ذلك:احتجاج من أجاز الرؤية بأن البارئ تعالى ذات موجودة،و كل موجود يصح أن يرى فإحدى المقدمتين حق و الأخرى باطل،فالتبس أمر النتيجة على كثير من الناس.و مثال ما يكون المقدمتان جميعا باطلتين:قول قوم من الباطنية البارئ لا موجود و لا معدوم،و كل ما لا يكون موجودا و لا معدوما يصح أن يكون حيا قادرا،فالبارئ تعالى يصح أن يكون حيا قادرا،فهاتان المقدمتان جميعا باطلتان،لا جرم أن هذه المقالة مرغوب عنها عند العقلاء.و مثال ما تكون مقدماته حقا:كلها العالم متغير و كل متغير ممكن،فالعالم ممكن فهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء.فإن قيل فما معنى قوله(عليه‌السلام ):فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه و ينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى،أليس هذا إشعارا بقول المجبرة و تلويحا به.قيل:لا إشعار في ذلك بالجبر،و مراده(عليه‌السلام )أنه إذا امتزج في النظر الحق بالباطل،و تركبت المقدمات من قضايا صحيحة و فاسدة تمكن الشيطان من الإضلال و الإغواء،و وسوس إلى المكلف،و خيل له النتيجة الباطلة و أماله إليها،و زينها عنده بخلاف ما إذا كانت المقدمات حقا كلها،فإنه لا يقدر الشيطان على أن يخيل له ما يخالف العقل الصريح،و لا يكون له مجال في تزيين الباطل عنده،ألا ترى أن الأوليات لا سبيل للإنسان إلى جحدها و إنكارها لا بتخييل الشيطان و لا بغير ذلك.


و معنى قوله على أوليائه،أي:على من عنده استعداد للجهل و تمرن على اتباع الهوى،و زهد في تحقيق الأمور العقلية على وجهها تقليدا للأسلاف،و محبة لأتباع المذهب المألوف،فذاك هو الذي يستولي عليه الشيطان و يضله و ينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى،و هم الذين يتبعون محض العقل،و لا يركنون إلى التقليد،و يسلكون مسلك التحقيق،و ينظرون النظر الدقيق،يجتهدون في البحث عن مقدمات أنظارهم،و ليس في هذا الكلام تصريح بالجبر،و لا إشعار به على وجه من الوجوه و هذا واضح.و حمل الراوندي قوله(عليه‌السلام ):فلو أن الباطل خلص إلى آخره على أن المراد به نفي القياس في الشرع.قال:لأن القائسين يحملون المسكوت عنه على المنطوق،فيمتزج المجهول بالمعلوم فيلتبس و يظن لامتزاج بعضه ببعض حقا،و هذا غير مستقيم ؛ لأن لفظ الخطبة أن الحق يمتزج بالباطل،و أصحاب القياس لا يسلمون أن استخراج العلة من الحكم المعلوم باطل،بل يقولون إنه حق و إن الدليل الدال على ورود العبارة بالقياس قد أمنهم من كونه باطلا.و اعلم أن هذا الكلام الذي قاله(عليه‌السلام ):حق إذا تأملته و إن لم تفسره على ما قدمناه من التفسير،فإن الذين ضلوا من مقلدة اليهود و النصارى و أرباب المقالات الفاسدة من أهل الملة الإسلامية و غيرها،إنما ضل أكثرهم بتقليد الأسلاف و من يحسن الظن فيه من الرؤساء و أرباب المذاهب،و إنما قلدهم الأتباع لما شاهدوا من إصلاح ظواهرهم،و رفضهم الدنيا و زهدهم فيها،و إقبالهم على العبادة و تمسكهم بالدين،و أمرهم بالمعروف،و نهيهم عن المنكر،و شدتهم في ذات الله،و جهادهم في سبيله،و قوتهم في


مذاهبهم،و صلابتهم في عقائدهم،فاعتقد الأتباع و الخلف و القرون التي جاءت بعدهم أن هؤلاء يجب اتباعهم و تحرم مخالفتهم،و أن الحق معهم و أن مخالفهم مبتدع ضال،فقلدوهم في جميع ما نقل إليهم عنهم و وقع الضلال و الغلط بذلك ؛ لأن الباطل استتر و انغمر بما مازجه من الحق الغالب الظاهر المشاهد عيانا أو الحكم الظاهر،و لولاه لما تروج الباطل و لا كان له قبول أصلا.


51.و من كلام له(عليه‌السلام )لما غلب أصحاب معاوية أصحابه(عليه‌السلام )على شريعة الفرات بصفين و منعوهم من الماء

(قَدِ اِسْتَطْعَمُوكُمُ اَلْقِتَالَ فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ أَوْ رَوُّوا اَلسُّيُوفَ مِنَ اَلدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ اَلْمَاءِ فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَ اَلْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ أَلاَ وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ اَلْغُوَاةِ وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَرَ حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ اَلْمَنِيَّةِ)استطعموكم القتال كلمة مجازية و معناها طلبوا القتال منكم،كأنه جعل القتال شيئا يستطعم،أي:يطلب أكله و في الحديث إذا استطعمكم الإمام فأطعموه يعني إمام الصلاة،أي:إذا ارتج فاستفتحكم فافتحوا عليه و تقول فلان يستطعمني الحديث،أي:يستدعيه مني و يطلبه.و اللممة بالتخفيف جماعة قليلة.و عمس عليهم الخبر يجوز بالتشديد و يجوز بالتخفيف،و التشديد يعطي الكثرة و يفيدها،و معناه أبهم عليهم الخبر و جعله مظلما ليل عماس،أي:مظلم و قد عمس الليل نفسه


بالكسر إذا أظلم و عمسه غيره و عمست عليه عمسا إذا أريته أنك لا تعرف الأمر و أنت به عارف.و الأغراض جمع غرض و هو الهدف.و قوله:فأقروا على مذلة و تأخير محلة،أي:أثبتوا على الذل و تأخر المرتبة و المنزلة أو فافعلوا كذا و كذا.و نحو قوله(عليه‌السلام )فالموت في حياتكم مقهورين،قول أبي نصر بن نباتة و الحسين الذي رأى الموت في العز حياة و العيش في الذل قتلا.و قال التهامي:

و من فاته نيل العلا بعلومه

و أقلامه فليبغها بحسامه

فموت الفتى في العز مثل حياته

و عيشته في الذل مثل حمامه

الأشعار الواردة في الإباء و الأنف من احتمال الضيم

و الأشعار في الإباء الأنف من احتمال الضيم و الذل و التحريض على الحرب كثيرة،و نحن نذكر منها هاهنا طرفا فمن ذلك قول عمرو بن براقة الهمداني:

و كيف ينام الليل من جل ماله

حسام كلون الملح أبيض صارم

كذبتم و بيت الله لا تأخذونها

مراغمة ما دام للسيف قائم

و من يطلب المال الممنع بالقنا

يعش ماجدا أو تخترمه الخوارم


و مثله:

و من يطلب المال الممنع بالقنا

يعش ماجدا أو يؤذ فيما يمارس

و قال حرب بن مسعر:

عطفت عليه المهر عطفة باسل

كمي و من لا يظلم الناس يظلم

فأوجرته لدن الكعوب مثقفا

فخر صريعا لليدين و للفم

و قال الحارث بن الأرقم:

و ما ضاق صدري يا سليمى بسخطكم

و لكنني في الحادثات صليب

تروك لدار الخسف و الضيم منكر

بصير بفعل المكرمات أريب

إذا سامني السلطان ذلا أبيته

و لم أعط خسفا ما أقام عسيب

و قال العباس بن مرداس السلمي:

بأبي فوارس لا يعرى صواهلها

أن يقبلوا الخسف من ملك و إن عظما

لا و السيوف بأيدينا مجردة

لا كان منا غداة الروع منهزما

و قال وهب بن الحارث:

لا تحسبني كأقوام عبثت بهم

لن يأنفوا الذل حتى تأنف الحمر

لا تعلقني قذاة لست فاعلها

و احذر شباتي فقدما ينفع الحذر

فقد علمت بأني غير مهتضم

حتى يلوح ببطن الراحة الشعر

و قال المسيب بن علس:

أبلغ ضبيعة أن البلاد

فيها لذي قوة مغضب


و قد يقعد القوم في دارهم

إذا لم يضاموا و إن أجدبوا

و يرتحل القوم عند الهوان

عن دارهم بعد ما أخصبوا

و قد كان سامة في قومه

له مطعم و له مشرب

فساموه خسفا فلم يرضه

و في الأرض عن ضيمهم مهرب

و قال آخر:

إن الهوان حمار القوم يعرفه

و الحر ينكره و الرسلة الأجد

و لا يقيم على خسف يراد به

إلا الأذلان عير الحي و الوتد

هذا على الخسف مشدود برمته

و ذا يشج فلا يأوي له أحد

فإن أقمتم على ضيم يراد بكم

فإن رحلي له وال و معتمد

و في البلاد إذا ما خفت بادرة

مكروهة عن ولاة السوء مفتقد

و قال بعض بني أسد:

إني امرؤ من بني خزيمة لا

أطعم خسفا لناعب نعبا

لست بمعط ظلامة أبدا

عجما و لا أتقي بها عربا

دخل مويلك السدوسي إلى البصرة يبيع إبلا فأخذ عامل الصدقة بعضها،فخرج إلى البادية و قال:

ناق إني أرى المقام على الضيم

عظيما في قبة الإسلام

قد أراني و لي من العامل النصف

بحد السنان أو بالحسام


و وثقت بالدنيا و أنت ترى جماعتها شتاتا

و عزمت ويك على الحياة و طولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه فيمن قد رأى كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة أم خلت إن لك انفلاتا

و من الذي طلب التفلت من منيته ففاتا

كل تصبحه المنية أو تبيته بياتا

و له:

أرى الدنيا لمن هي في يديه

عذابا كلما كثرت لديه

تهين المكرمين لها بصغر

و تكرم كل من هانت عليه

إذا استغنيت عن شي‏ء فدعه

و خذ ما أنت محتاج إليه

و له:

ألم تر ريب الدهر في كل ساعة

له عارض فيه المنية تلمع

أيا باني الدنيا لغيرك تبتني

و يا جامع الدنيا لغيرك تجمع

أرى المرء وثابا على كل فرصة

و للمرء يوما لا محالة مصرع

ينازل ما لا يملك الملك غيره

متى تنقضي حاجات من ليس يشبع

و أي امرئ في غاية ليس نفسه

إلى غاية أخرى سواها تطلع

و له:

سل الأيام عن أمم تقضت

ستخبرك المعالم و الرسوم


و إلا حساما يبهر العين لمحه كصاعقة في عارض قد تبسما

أباة الضيم و أخبارهم

سيد أهل الإباء الذي علم الناس الحمية و الموت تحت ظلال السيوف اختيارا له على الدنية،أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )عرض عليه الأمان و أصحابه،فأنف من الذل و خاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله،فاختار الموت على ذلك.و سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول:كان أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين(عليه‌السلام ):

و قد كان فوت الموت سهلا فرده

إليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

و نفس تعاف الضيم حتى كأنه

هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله

و قال لها من تحت أخمصك الحشر

تردى ثياب الموت حمرا فما أتى

لها الليل إلا و هي من سندس خضر

لما فر أصحاب مصعب عنه و تخلف في نفر يسير من أصحابه كسر جفن سيفه و أنشد:

فإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا

فعلم أصحابه أنه قد استقتل.و من كلام الحسين(عليه‌السلام )يوم الطف المنقول عنه نقله عنه زين العابدين علي ابنه(عليه‌السلام ):ألا و إن الدعي بن الدعي قد خيرنا بين اثنتين السلة


أو الذلة،و هيهات منا الذلة،يأبى الله ذلك لنا و رسوله و المؤمنون،و حجور طابت و حجز طهرت و أنوف حمية و نفوس أبية.و هذا نحو قول أبيه(عليه‌السلام )،و قد ذكرناه فيما تقدم إن امرأ أمكن عدوا من نفسه يعرق لحمه،و يفري جلده و يهشم عظمه لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره،فكن أنت ذاك إن شئت،فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام و تطيح السواعد و الأقدام.و قال العباس بن مرداس السلمي:

مقال امرئ يهدي إليك نصيحة

إذا معشر جادوا بعرضك فابخل

و إن بوءوك منزلا غير طائل

غليظا فلا تنزل به و تحول

و لا تطعمن ما يعلفونك إنهم

أتوك على قرباهم بالمثمل

أراك إذا قد صرت للقوم ناضحا

يقال له بالغرب أدبر و أقبل

فخذها فليست للعزيز بخطة

و فيها مقام لامرئ متذلل


و له أيضا:

فحارب فإن مولاك حارد نصره

ففي السيف مولى نصره لا يحارد

و قال مالك بن حريم الهمداني:

و كنت إذا قوم غزوني غزوتهم

فهل أنا في ذا يا ل همدان ظالم

متى تجمع القلب الذكي و صارما

و أنفا حميا تجتنبك المظالم

و قال رشيد بن رميض العنزي:

باتوا نياما و ابن هند لم ينم

بات يقاسيها غلام كالزلم

خدلج الساقين خفاق القدم

قد لفها الليل بسواق حطم

ليس براعي إبل و لا غنم

و لا بجزار على ظهر و ضم

من يلقني يود كما أودت إرم

و قال آخر:

و لست بمبتاع الحياة بسبة

و لا مرتق من خشية الموت سلما

و لما رأيت الود ليس بنافعي

عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما


و من أباة الضيم يزيد بن المهلب كان يزيد بن عبد الملك يشنؤه قبل خلافته لأسباب ليس هذا موضع ذكرها،فلما أفضت إليه الخلافة خلعه يزيد بن المهلب،و نزع يده من طاعته،و علم أنه إن ظفر به قتله و ناله من الهوان ما القتل دونه،فدخل البصرة و ملكها عنوة و حبس عدي بن أرطاة عامل يزيد بن عبد الملك عليها،فسرح إليه يزيد بن عبد الملك جيشا كثيفا،و يشتمل على ثمانين ألفا من أهل الشام و الجزيرة،و بعث مع الجيش أخاه مسلمة بن عبد الملك،و كان أعرف الناس بقيادة الجيوش و تدبيرها،و أيمن الناس نقيبه في الحرب و ضم إليه ابن أخيه العباس بن الوليد،بن عبد الملك،فسار يزيد بن المهلب من البصرة،فقدم واسط فأقام بها أياما،ثم سار عنها فنزل العقر،و اشتملت جريدة جيشه على مائة و عشرين ألفا و قدم مسلمة بجيوش الشام،فلما تراءى العسكران و شبت الحرب،أمر مسلمة قائدا من قواده أن يحرق الجسور التي كان عقدها يزيد بن المهلب فأحرقها،فلما رأى أهل العراق الدخان قد علا انهزموا،فقيل ليزيد بن المهلب قد انهزم الناس،قال:و مم انهزموا ؟ هل كان قتال ينهزم الناس من مثله ؟ فقيل له:إن مسلمة أحرق الجسور فلم يثبتوا،فقال:قبحهم الله بق دخن عليه فطار،ثم وقف و معه أصحابه،فقال:اضربوا وجوه المنهزمين،ففعلوا ذلك حتى كثروا عليه و استقبله منهم أمثال الجبال،فقال:دعوهم قبحهم الله غنم عدا في نواحيها الذئب و كان يزيد لا يحدث نفسه بالفرار،و قد كان أتاه يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي بواسط،فقال له:

فعش ملكا أو مت كريما فإن تمت

و سيفك مشهور بكفك تعذر

فقال:ما شعرت ؟ فقال:


إن بني مروان قد باد ملكهم

فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر

فقال:أما هذا فعسى فلما رأى يزيد انهزام أصحابه نزل عن فرسه و كسر جفن سيفه و استقتل فأتاه آت،فقال:إن أخاك حبيبا قد قتل فزاده ذلك بصيرة في توطينه نفسه على القتل،و قال:لا خير في العيش بعد حبيب،و الله لقد كنت أبغض الحياة بعد الهزيمة و قد ازددت لها بغضا امضوا قدما،فعلم أصحابه أنه مستميت فتسلل عنه من يكره القتال و بقي معه جماعة خشية،فهو يتقدم كلما مر بخيل كشفها و هو يقصد مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره،فلما دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب و حالت خيول أهل الشام بينهما،و عطفت على يزيد بن المهلب فجالدهم بالسيف مصلتا حتى قتل،و حمل رأسه إلى مسلمة،و قتل معه أخوه محمد بن المهلب و كان أخوهما المفضل بن المهلب،يقاتل:أهل الشام في جهة أخرى و لا يعلم بقتل أخويه يزيد و محمد،فأتاه أخوه عبد الملك بن المهلب و قال له:ما تصنع و قد قتل يزيد و محمد و قبلهما قتل حبيب و قد انهزم الناس.و قد روي أنه لم يأته بالخبر على وجهه و خاف أن يخبره بذلك فيستقتل و يقتل،فقال له:إن الأمير قد انحدر إلى واسط فاقتص أثره فانحدر المفضل حينئذ،فلما علم بقتل إخوته حلف ألا يكلم أخاه عبد الملك أبدا،و كانت عين المفضل قد أصيبت من قبل في حرب الخوارج،فقال:فضحني عبد الملك فضحه الله ما عذري إذا رآني الناس،فقالوا:شيخ أعور مهزوم ألا صدقني فقتلت،ثم قال:

و لا خير في طعن الصناديد بالقنا

و لا في لقاء الناس بعد يزيد

فلما اجتمع من بقي من آل المهلب بالبصرة بعد الكسرة أخرجوا عدي بن أرطاة أمير البصرة من الحبس فقتلوه و حملوا عيالهم في السفن البحرية،و لججوا في البحر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك بعثا عليه قائد من قواده،فأدركهم في قندابيل فحاربهم


و حاربوه،و تقدم بنو المهلب بأسيافهم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم،و هم المفضل بن المهلب،و زياد بن المهلب،و مروان بن المهلب،و عبد الملك بن المهلب،و معاوية بن يزيد بن المهلب،و المنهال بن أبي عيينة بن المهلب،و عمرو و المغيرة ابنا قبيصة بن المهلب،و حملت رءوسهم إلى مسلمة بن عبد الملك،و في أذن كل واحد منهم رقعة فيها اسمه،و استؤسر الباقون في الوقعة،فحملوا إلى يزيد بن عبد الملك بالشام و هم أحد عشر رجلا،فلما دخلوا عليه قام كثير بن أبي جمعة فأنشد:

حليم إذا ما نال عاقب مجملا

أشد العقاب أو عفا لم يثرب

فعفوا أمير المؤمنين و حسبة

فما تأته من صالح لك يكتب

أساءوا فإن تصفح فإنك قادر

و أفضل حلم حسبة حلم مغضب

فقال يزيد:أطت بك الرحم يا أبا صخر،لو لا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم،ثم أمر بقتلهم فقتلوا و بقي منهم صبي صغير،فقال:اقتلوني فلست بصغير،فقال يزيد بن عبد الملك:انظروا هل أنبت ؟ فقال:أنا أعلم بنفسي قد احتلمت و وطئت النساء فاقتلوني فلا خير في العيش بعد أهلي،فأمر به فقتل.قال أبو عبيدة معمر بن المثنى،و أسماء الأسارى الذين قتلوا صبرا،و هم أحد عشر مهلبيا المعارك،و عبد الله،و المغيرة،و المفضل،و المنجاب بنو يزيد بن المهلب،و دريد،و الحجاج،و غسان،و شبيب،و الفضل بنو المفضل بن المهلب لصلبه،و الفضل بن قبيصة بن المهلب قال:و لم يبق بعد هذه الوقعة الثانية لأهل المهلب باقية إلا أبو عيينة بن المهلب،و عمر بن يزيد بن المهلب،و عثمان بن المفضل بن المهلب،فإنهم لحقوا برتبيل،ثم أومنوا بعد ذلك.


و قال الرضي الموسويرحمه‌الله تعالى:

ألا لله بادرة الطلاب

و عزم لا يروع بالعتاب

و كل مشمر البردين يهوي

هوى المصلتات إلى الرقاب

أعاتبه على بعد التنائي

فيعذلني على قرب الإياب

رأيت العجز يخضع لليالي

و يرضى عن نوائبها الغضاب

و آمل أن تطاوعني الليالي

و ينشب في المنى ظفري و نابي

و لو لا صولة الأقدار دوني

هجمت على العلا من كل باب

و قال أيضا:

لا يبذ الهموم إلا غلام

يركب الهول و الحسام رديف

ما يذل الزمان بالفقر حرا

كيفما كان فالشريف شريف

و قال أيضارحمه‌الله تعالى:

و لست أضل في طرق المعالي

و نار العز عالية الشعاع

و دون المجد رأي مستطيل

و باع غير مجبوب الذراع

و يعجبني البعاد كان قلبي

يحدث عن عدي بن الرقاع

فرد نهي العلاء بلا رقيب

و شمر في الأمور بلا نزاع

و لا تغررك قعقعة الأعادي

فذاك الصخر خر من اليفاع

و نحن أحق بالدنيا و لكن

تخيرت القطوف على الوساع


و قال حارثة بن بدر الغداني:

أهان و أقصى ثم ينتصحونني

و من ذا الذي يعطي نصيحته قسرا

رأيت أكف المصلتين عليكم

ملاء و كفى من عطائكم صفرا

متى تسألوني ما علي و تمنعوا

الذي لي لا أستطيع في ذلكم صبرا

و قال بعض الخوارج:

تعيرني بالحرب عرسي و ما درت

بأني لها في كل ما أمرت ضد

لحا الله قوما يقعدون و عندهم

سيوف و لم يعصب بأيديهم قد

و قال الأعشى:

أبالموت خشتني عباد و إنما

رأيت منايا القوم يسعى دليلها

و ما موتة إن متها غير عاجز

بعار إذا ما غالت النفس غولها

و قال آخر:

فلا أسمعن فيكم بأمر هضيمة

و ضيم و لا تسمع به هامتي بعدي

فإن السنان يركب المرء حده

من الضيم أو يعدو على الأسد الورد

و مثله:

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته

على طرف الهجران إن كان يعقل

و يركب حد السيف من أن تضيمه

إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل


و قال آخر:

كرهوا الموت فاستبيح حماهم

و أقاموا فعل اللئيم الذليل

أ من الموت تهربون فإن

الموت الذليل غير جميل

و قال بشامة بن الغدير:

و إن التي سامكم قومكم

هم جعلوها عليكم عدولا

أ خزي الحياة و كره الممات

فكلا أراه طعاما وبيلا

فإن لم يكن غير إحداهما

فسيروا إلى الموت سيرا جميلا

و لا تقعدوا و بكم منة

كفى بالحوادث للمرء غولا

قال يزيد بن المهلب في حرب جرجان لأخيه أبي عيينة:ما أحسن منظر رأيت في هذه الحرب ؟ قال:سيف بن أبي سبرة و بيضته،و كان عبد الله بن أبي سبرة حمل على غلام تركي قد أفرج الناس له و صدوا عنه لبأسه و شجاعته،فتضاربا ضربتين،فقتله ابن أبي سبرة بعد أن ضربه التركي في رأسه فنشب سيفه في بيضة ابن أبي سبرة،فعاد إلى الصف و سيفه مصبوغ بدم التركي و سيف التركي ناشب في بيضته كجزء منها يلمع،فقال الناس:هذا كوكب الذنب و عجبوا من منظره.و قال هدبة بن خشرم:

و إني إذ ما الموت لم يك دونه

قدى الشبر أحمى الأنف أن أتأخرا

و لكنني أعطي الحفيظة حقها

فأعرف معروفا و أنكر منكرا

و قال آخر:

إني أنا المرء لا يغضي على ترة

و لا يقر على ضيم إذا غشما


ألقى المنية خوفا أن يقال فتى

أمسى و قد ثبت الصفان منهزما

و قال آخر:

قوض خيامك و التمس بلدا

تنأى عن الغاشيك بالظلم

أو شد شدة بيهس فعسى

أن يتقوك بصفحة السلم

استنصر سبيع بن الخطيم التيمي من بني تيم اللات بن ثعلبة زيد الفوارس الضبي فنصره،فقال:

نبهت زيدا فلم أفزع إلى وكل

رث السلاح و لا في الحي مغمور

سالت عليه شعاب الحي حين دعا

أنصاره بوجوه كالدنانير

و قال أبو طالب بن عبد المطلب:

كذبتم و بيت الله نخلي محمدا

و لما نطاعن دونه و نناضل

و ننصره حتى نصرع حوله

و نذهل عن أبنائنا و الحلائل

لما برز علي و حمزة و عبيدة(عليه‌السلام )يوم بدر إلى عتبة و شيبة و الوليد،قتل علي(عليه‌السلام )الوليد،و قتل حمزة شيبة على اختلاف في رواية ذلك،هل كان شيبة قرنه أم عتبة،و تجالد عبيدة و عتبة بسيفيهما،فجرح عبيدة عتبة في رأسه،و قطع عتبة ساق عبيدة،فكر علي و حمزة(عليه‌السلام )على صاحبهما فاستنقذاه من عتبة،و خبطاه بسيفيهما حتى قتلاه،و احتملا صاحبهما فوضعاه بين يدي رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )في العريش،و هو يجود بنفسه،و إن مخ ساقه ليسيل،فقال:يا رسول الله،لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أولى منه بقوله:


كذبتم و بيت الله نخلي محمدا

و لما نطاعن دونه و نناضل

و ننصره حتى نصرع حوله

و نذهل عن أبنائنا و الحلائل

فبكى رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )و قال:اللهم أنجز لي ما وعدتني،اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض.لما قدم جيش الحرة إلى المدينة،و على الجيش مسلم بن عقبة المري أباح المدينة ثلاثا،و استعرض أهلها بالسيف جزرا كما يجزر القصاب الغنم،حتى ساخت الأقدام في الدم،و قتل أبناء المهاجرين و الأنصار،و ذرية أهل بدر،و أخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كل من استبقاه من الصحابة و التابعين،على أنه عبد قن لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية،هكذا كانت صورة المبايعة يوم الحرة إلا علي بن الحسين بن علي(عليه‌السلام )،فإنه أعظمه و أجلسه معه على سريره و أخذ بيعته على أنه أخو أمير المؤمنين يزيد بن معاوية و ابن عمه دفعا له عما بايع عليه غيره،و كان ذلك بوصاة من يزيد بن معاوية له،فهرب علي بن عبد الله بن العباسرحمه‌الله تعالى إلى أخواله من كندة،فحموه من مسلم بن عقبة و قالوا لا يبايع ابن أختنا إلا على ما بايع عليه ابن عمه علي بن الحسين،فأبى مسلم بن عقبة ذلك و قال:إني لم أفعل ما فعلت إلا بوصاة أمير المؤمنين،و لو لا ذلك لقتلته،فإن أهل هذا البيت أجدر بالقتل أو لأخذت بيعته على ما أخذت عليه بيعة غيره،و سفر السفراء بينه و بينهم حتى وقع الاتفاق على أن يبايع و يقول أنا أبايع لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية،و ألتزم طاعته و لا يقول غير ذلك،فقال علي بن عبد الله بن العباس:

أبي العباس رأس بني قصي

و أخوالي الملوك بنو وليعه

هم منعوا ذماري يوم جاءت

كتائب مسرف و بنو اللكيعه


أراد بي التي لا عز فيها

فحالت دونه أيد منيعه

مسرف كناية عن مسلم،و أم علي بن عبد الله بن العباس زرعة بنت مشرح،بن معديكرب،بن وليعة،بن شرحبيل،بن معاوية،بن كندة.قال الحسين بن الحمام:

و لست بمبتاع الحياة بسبة

و لا مرتق من خشية الموت سلما

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

لنفسي حياة مثل أن أتقدما

فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

و لكن على أقدامنا تقطر الدما

نفلق هاما من رجال أعزة

علينا و هم كانوا أعق و أظلما

أبى لابن سلمى أنه غير خالد

ملاقي المنايا أي صرف تيمما

ابن سلمى يعني نفسه و سلمى أمه.و قال الطرماح بن حكيم:

و ما منعت دار و لا عز أهلها

من الناس إلا بالقنا و القنابل

و قال آخر:

و إن التي حدثتها في أنوفنا

و أعناقنا من الإباء كما هيا

و قال آخر:

فإن تكن الأيام فينا تبدلت

ببؤسي و نعمى و الحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة

و لا ذللتنا للتي ليس تجمل

و لكن رحلناها نفوسا كريمة

تحمل ما لا يستطاع فتحمل


و قال آخر:

أحــــــــــــــــب

أحــــــــــــــــب

إذا جانب أعياك فاعمد لجانب فإنك لاق في البلاد معولا

و قال أبو النشناش:

إذا المرء لم يسرح سواما و لم يرح

سواما و لم تعطف عليه أقاربه

فللموت خير للفتى من قعوده

عديما و من مولى تدب عقاربه

و لم أر مثل الهم ضاجعه الفتى

و لا كسواد الليل أخفق طالبه

فعش معدما أو مت كريما فإنني

أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه

وفد يحيى بن عروة،بن الزبير على عبد الملك،فجلس يوما على بابه ينتظر إذنه،فجرى ذكر عبد الله بن الزبير،فنال منه حاجب عبد الملك فلطم يحيى وجهه حتى أدمى أنفه،فدخل على عبد الملك و دمه يجري من أنفه،فقال:من ضربك ؟ قال:يحيى بن عروة.قال:أدخله و كان عبد الملك متكئا،فجلس،فلما دخل قال:ما حملك على ما صنعت بحاجبي ؟ قال:يا أمير المؤمنين،إن عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا،و الله إن كان ليوصي أهل ناحيته ألا يسمعوها قذعا،و لا يذكروكم عندها إلا بخير،و إن كان ليقول لها من سب أهلك فقد سب أهله،فأنا و الله المعم المخول تفرقت العرب بين عمي و خالي فكنت كما قال الأول:

يداه أصابت هذه حتف هذه

فلم تجد الأخرى عليها مقدما

فرجع عبد الملك إلى متكئه و لم يزل يعرف منه الزيادة في إكرام يحيى بعدها.


و أم يحيى هذه ابنة الحكم بن أبي العاص عمة عبد الملك بن مروان.و قال سعيد بن عمر الحرشي أمير خراسان:

فلست لعامر إن لم تروني

أمام الخيل أطعن بالعوالي

و أضرب هامة الجبار منهم

بماضي الغرب حودث بالصقال

فما أنا في الحروب بمستكين

و لا أخشى مصاولة الرجال

أبى لي والدي من كل ذم

و خالي حين يذكر خير خال

قال عبد الله بن الزبير لما خطب حين أتاه نعي مصعب:أما بعد،فإنه أتانا من العراق خبر أفرحنا و أحزننا أتانا خبر قتل المصعب،فأما الذي أحزننا فلوعة يجدها الحميم عند فراق حميمه،ثم يرعوي بعدها ذو اللب إلى حسن الصبر و كرم العزاء.و أما الذي أفرحنا فإن ذلك كان له شهادة،و كان لنا و له خيرة،إنا و الله ما نموت حبجا كما يموت آل أبي العاص ما نموت إلا قتلا قعصا بالرماح و موتا تحت ظلال السيوف،فإن يهلك المصعب،فإن في آل الزبير لخلفا.و خطب مرة أخرى فذكره،فقال:لوددت و الله أن الأرض قاءتني عنده حين لفظ غصته و قضى نحبه شعر:

خذيه فجريه ضباع و أبشري

بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره


و قال الشداخ بن يعمر الكناني:

قاتلوا القوم يا خزاع و لا

يدخلكم من قتالهم فشل

القوم أمثالكم لهم شعر

في الرأس لا ينشرون إن قتلوا

و قال يحيى بن منصور الحنفي:

و لما نأت عنا العشيرة كلها

أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة

و لا نحن أغضينا الجفون على وتر

قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد و يحك أقتلتم ذرية رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،فقال:عضضت بالجندل إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا،ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا و شمالا،و تلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان و لا ترغب في المال و لا يحول حائل بينها و بين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك،فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها،فما كنا فاعلين لا أم لك.السخاء من باب الشجاعة و الشجاعة من باب السخاء ؛ لأن الشجاعة إنفاق العمر و بذله فكانت سخاء،و السخاء إقدام على إتلاف ما هو عديل المهجة،فكان شجاعة أبو تمام في تفضيل الشجاعة على السخاء:

كم بين قوم إنما نفقاتهم

مال و قوم ينفقون نفوسا


قيل لشيخنا أبي عبد الله البصريرحمه‌الله تعالى أتجد في النصوص ما يدل على تفضيل علي(عليه‌السلام )بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه،فإن ذاك أمر مفروغ منه فذكر حديث الطائر المشوي،و أن المحبة من الله تعالى إرادة الثواب،فقيل له:قد سبقك الشيخ أبو عليرحمه‌الله تعالى إلى هذا فهل تجد غير ذلك ؟ قال:نعم.قول الله تعالى:(إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ)،فإذا كان أصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص،فكل من زاد ثباته زادت المحبة له و معلوم أن عليا(عليه‌السلام )ما فر في زحف قط،و فر غيره في غير موطن.و قال أبو تمام:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد و اللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهن جلاء الشك و الريب

و العلم في شهب الأرماح لامعة

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

و قال أبو الطيب المتنبي:

حتى رجعت و أقلامي قوائل لي

المجد للسيف ليس المجد للقلم


اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به

فإنما نحن للأسياف كالخدم

أسمعتني و دوائي ما أشرت به

فإن غفلت فدائي قلة الفهم

من اقتضى بسوى الهندي حاجته

أجاب كل سؤال عن هل بلم

قال عطاف بن محمد الألوسي:

أمكابد الزفرات مؤصدة

تلتذ خوف القطع بالشلل

صرف همومك تنتدب همما

فالسكر يعقب نشوة الثمل

و لليلة الميلاد مفرحة

تنسي الحوامل أشهر الحبل

سر في البلاد تخوضها لججا

فالدر ليس يصاب في الوشل

و اجعل لصبوتك الظبا سكنا

و الدور أكوارا على الإبل

و العيش و الوطن الممهد في

غرب الحسام و غارب الجمل

و اشدد عليك و خذ إليك و دع

ضعة الخمول و فترة الكسل

و ارم العداة بكل صائبة

ما الرمي موقوفا على ثعل

لا تحسب النكبات منقصة

قد يستجاد السيف بالفلل

و قال عروة بن الورد:

لحا الله صعلوكا إذا جن ليله

مصافي المشاش آلفا كل مجزر


يعد الغنى من نفسه كل ليلة

أصاب قراها من صديق ميسر

ينام عشاء ثم يصبح ناعسا

يحت الحصى من جنبه المتعفر

يعين نساء الحي ما يستعنه

و يمسي طليحا كالبعير المحسر

و لكن صعلوكا صفيحة وجهه

كضوء شهاب القابس المتنور

مطلا على أعدائه يزجرونه

بساحتهم زجر المنيح المشهر

و إن قعدوا لا يأمنون اقترابه

تشوف أهل الغائب المتنظر

فذلك إن يلق المنية يلقها

حميدا و إن يستغن يوما فأجدر

و قال آخر:

و لست بمولى سوءة أدعي لها

فإن لسوآت الأمور مواليا

و سيان عندي أن أموت و أن أرى

كبعض رجال يوطنون المخازيا

و لن يجد الناس الصديق و لا العدا

أديمي إذا عدوا أديمي واهيا

و إن نجاري بابن غنم مخالف

نجار لئام فابغني من ورائيا

و لست بهياب لمن لا يهابني

و لست أرى للمرء ما لا يرى ليا

إذا المرء لم يحببك إلا تكرها

عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا


نهار بن توسعة في يزيد بن المهلب:

و ما كنا نؤمل من أمير

كما كنا نؤمل من يزيد

فأخطأ ظننا فيه و قدما

زهدنا في معاشرة الزهيد

إذا لم يعطنا نصفا أمير

مشينا نحوه مشي الأسود

كان هدبة اليشكري و هو ابن عم شوذب الخارجي اليشكري شجاعا مقداما،و كان ابن عمه بسطام الملقب شوذبا الخارج في خلافة عمر بن عبد العزيز،و يزيد بن عبد الملك فأرسل إليه يزيد بن عبد الملك جيشا كثيفا،فحاربه فانكشفت الخوارج و ثبت هدبة و أبى الفرار،فقاتل حتى قتل،فقال أيوب بن خولي يرثيه:

فيا هدب للهيجا و يا هدب للندى

و يا هدب للخصم الألد يحاربه

و يا هدب كم من ملحم قد أجبته

و قد أسلمته للرماح كتائبه

تزودت من دنياك درعا و مغفرا

و عضبا حساما لم تخنك مضاربه

و أجرد محبوك السراة كأنه

إذا انفض وافى الريش حجن مخالبه

كانت وصايا إبراهيم الإمام و كتبه ترد إلى أبي مسلم بخراسان إن استطعت،ألا تدع بخراسان أحدا يتكلم بالعربية إلا و قتلته فافعل و أيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه


فاقتله و عليك بمضر،فإنهم العدو القريب الدار فأبد خضراءهم،و لا تدع على الأرض منهم ديارا.قال المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

و له:

و من عرف الأيام معرفتي بها

و بالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظفروا به

و لا في الردى الجاري عليهم بآثم

و قال المتنبي أيضا:

ردي حياض الردى يا نفس و اطرحي

حياض خوف الردى للشاء و النعم

إن لم أذرك على الأرماح سائلة

فلا دعيت ابن أم المجد و الكرم

و من أباة الضيم قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان و ما وراء النهر لم يصنع أحد صنيعه في فتح بلاد الترك،و كان الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان بن عبد الملك من العهد بعده و يجعله في ابنه عبد العزيز بن الوليد،فأجابه إلى ذلك قتيبة بن مسلم و جماعة من الأمراء،فلما مات الوليد قبل إتمام ذلك و قام سليمان بالأمر بعده،و كان


قتيبة أشد الناس في أمر سليمان و خلعه عن العهد علم أنه سيعزله عن خراسان و يوليها يزيد بن المهلب لود كان بينه و بين سليمان،فكتب قتيبة إليه كتابا يهنئه بالخلافة و يذكر بلاءه و طاعته لعبد الملك و للوليد بعده،و أنه على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان،و كتب إليه كتابا آخر يذكره فيه بفتوحه و آثاره و نكايته في الترك،و عظم قدره عند ملوكهم و هيبة العجم و العرب له و عظم صيته فيهم،و يذم آل المهلب و يحلف له بالله لئن استعمل يزيد بن المهلب خراسان ليخلعنه،و ليملأنها عليه خيلا و رجلا،و كتب كتابا ثالثا فيه خلع سليمان،و بعث بالكتب الثلاثة مع رجل من قومه من باهلة يثق به،و قال له:ادفع الكتاب الأول إليه،فإن كان يزيد بن المهلب حاضرا عنده فقرأ الكتاب،ثم دفعه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني،فإن قرأه و ألقاه إليه أيضا فادفع إليه الثالث،و إن قرأ الكتاب الأول و لم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين معك.فقدم الرسول على سليمان و دخل عليه،و عنده يزيد بن المهلب،فدفع إليه الكتاب الأول فقرأ و ألقاه إلى يزيد،فدفع إليه الكتاب الثاني فقرأه و ألقاه إلى يزيد أيضا،فدفع إليه الكتاب الثالث،فقرأه و تغير لونه و طواه و أمسكه بيده،و أمر بإنزال الرسول و إكرامه،ثم أحضره ليلا و دفع إليه جائزته و أعطاه عهد قتيبة على خراسان،و كان ذلك مكيدة من سليمان يسكنه ليطمئن،ثم يعزله و بعث مع رسوله رسولا،فلما كان بحلوان بلغه خلع قتيبة سليمان بن عبد الملك،فرجع رسول سليمان إليه،فلما اختلفت العرب على قتيبة حين أبدى صفحته لسليمان و خلع ربقة الطاعة بايعوا وكيع بن أبي سود التميمي على أمارة خراسان،و كانت أمراء القبائل قد تنكرت لقتيبة لإذلاله إياهم و استهانته بهم و استطالته عليهم و كرهوا إمارته،فكانت بيعة وكيع في أول الأمر


سرا،ثم ظهر لقتيبة أمره فأرسل إليه يدعوه فوجده قد طلا رجله بمغرة،و علق في عنقه خرزا و عنده رجلان يرقيان رجله،فقال للرسول:قد ترى ما برجلي فرجع و أخبر قتيبة فأعاده إليه،فقال:قل له ليأتيني محمولا.قال:لا أستطيع،فقال قتيبة لصاحب شرطته:انطلق إلى وكيع فأتني به،فإن أبى فاضرب عنقه و ائتني برأسه و وجه معه خيلا،فقال وكيع لصاحب الشرطة:البث قليلا تلحق الكتائب و قام فلبس سلاحه و نادى في الناس فأتوه،فخرج فتلقاه رجل فقال:ممن أنت ؟ فقال:من بني أسد،فقال:ما اسمك ؟ فقال:ضرغام،فقال:ابن من ؟ قال:ابن ليث فتيمن به و أعطاه رايته،و أتاه الناس إرسالا من كل وجه فتقدم بهم و هو يقول:

قرم إذا حمل مكروهة

شد الشراسيف لها و الحزيم

و اجتمع إلى قتيبة أهله و ثقاته و أكثر العرب ألسنتهم له و قلوبهم عليه،فأمر قتيبة رجلا فنادى أين بنو عامر،و قد كان قتيبة جفاهم في أيام سلطانه،فقال له مجفر بن جزء الكلابي:نادهم حيث وضعتهم،فقال قتيبة:أنشدكم الله و الرحم و ذاك ؛ لأن باهلة و عامرا من قيس عيلان فقال مجفر:أنت قطعتها قال:فلكم العتبى،فقال مجفر:لا أقالنا الله إذا،فقال قتيبة:

يا نفس صبرا على ما كان من ألم

إذ لم أجد لفضول العيش أقرانا

،ثم دعا ببرذون له مدرب ليركبه فجعل يمنعه الركوب حتى أعيا ،فلما رأى ذلك


عاد إلى سريره فجلس و قال:دعوه،فإن هذا أمر يراد و جاء حيان النبطي و هو يومئذ أمير الموالي و عدتهم سبعة آلاف و كان واجدا على قتيبة،فقال له عبد الله بن مسلم أخو قتيبة:احمل يا حيان،فقال:لم يأن بعد،فقال له:ناولني قوسك،فقال حيان:ليس هذا بيوم قوس،ثم قال حيان لابنه:إذ رأيتني قد حولت قلنسوتي و مضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي فلما حول حيان قلنسوته،و مضى نحو عسكر وكيع مالت الموالي معه بأسرها،فبعث قتيبة أخاه صالح بن مسلم إلى الناس،فرماه رجل من بني ضبة فأصاب رأسه فحمل إلى قتيبة و رأسه مائل،فوضعه على مصلاه و جلس عند رأسه ساعة،و تهايج الناس و أقبل عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة نحوهم فرماه الغوغاء و أهل السوق فقتلوه،و أشير على قتيبة بالانصراف،فقال:الموت أهون من الفرار و أحرق وكيع موضعا كانت فيه إبل قتيبة و دوابه و زحف بمن معه حتى دنا منه،فقاتل دونه رجل من أهله قتالا شديدا،فقال له قتيبة:أنج بنفسك فإن مثلك يضن به عن القتل.قال:بئسما جزيتك به أيها الأمير،إذا و قد أطعمتني الجردق و ألبستني النمرق و تقدم الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة،فأشار عليه نصحاؤه بالهرب،فقال:إذا لست لمسلم بن عمرو،ثم خرج إليهم بسيفه يجالدهم،فجرح جراحات كثيرة حتى ارتث و سقط فأكبوا عليه فاحتزوا رأسه،و قتل معه من إخوته عبد الرحمن،و عبد الله،و صالح،و الحصين،و عبد الكريم،و مسلم،و قتل معه جماعة من أهله و عدة من قتل معه من أهله و إخوته أحد عشر رجلا،و صعد وكيع بن أبي سود المنبر و أنشد من ينك العير ينك نياكا


إن قتيبة أراد قتلي و أنا قتال الأقران،ثم أنشد:

قد جربوني ثم جربوني

من غلوتين و من المئين

حتى إذا شبت و شيبوني

خلوا عناني ثم سيبوني

حذار مني و تنكبوني

فإنني رام لمن يرميني

ثم قال:أنا أبو مطرف يكررها مرارا،ثم قال:

أنا ابن خندف تنميني قبائلها

للصالحات و عمي قيس عيلانا

ثم أخذ بلحيته و قال:إني لأقتلن،ثم لأقتلن و لأصلبن،ثم لأصلبن إن مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى أسعاركم،و الله لئن لم يصر القفيز بأربعة دراهم لأصلبنه صلوا على نبيكم،ثم نزل و طلب رأس قتيبة و خاتمه فقيل له:إن الأزد أخذته فخرج مشهرا و قال:و الله الذي لا إله إلا هو لا أبرح حتى أوتي بالرأس أو يذهب رأسي معه،فقال له الحصين بن المنذر:يا أبا مطرف،فإنك تؤتى به،ثم ذهب إلى الأزد فأخذ الرأس و أتاه به فسيره إلى سليمان بن عبد الملك فأدخل عليه و معه رءوس إخوته و أهله،و عنده الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي،فقال:أساءك هذا يا هذيل ؟ قال:لو ساءني لساء ناسا كثيرا،فقال سليمان:ما أردت هذا كله و إنما قال سليمان:ذلك للهذيل ؛ لأن قيس عيلان تجمع كلابا و باهلة.قالوا:ما ولي خراسان أحد كقتيبة بن مسلم و لو كانت باهلة في الدناءة و الضعة و اللؤم إلى أقصى غاية لكان لها بقتيبة الفخر على قبائل العرب.


قال رؤساء خراسان من العجم لما قتل قتيبة:يا معشر العرب،قتلتم قتيبة و الله لو كان منا،ثم مات لجعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا.و قال الأصبهبذ:يا معشر العرب،قتلتم قتيبة و يزيد بن المهلب لقد جئتم شيئا إدا،فقيل له:أيهما كان أعظم عندكم و أهيب ؟ قال:لو كان قتيبة بأقصى حجرة في المغرب مكبلا بالحديد و القيود،و يزيد معنا في بلدنا وال علينا،لكان قتيبة أهيب في صدورنا و أعظم.و قال عبد الرحمن بن جماعة الباهلي يرثي قتيبة:

كأن أبا حفص قتيبة لم يسر

بجيش إلى جيش و لم يعل منبرا

و لم تخفق الرايات و الجيش حوله

صفوفا و لم يشهد له الناس عسكرا

دعته المنايا فاستجاب لربه

و راح إلى الجنات عفا مطهرا

فما رزئ الإسلام بعد محمد

بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا

عبهر أم ولد له.و في الحديث الصحيح أن من خير الناس رجلا ممسكا بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار إليها.كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد و اعلم أن عليك عيونا من الله ترعاك و تراك،فإذا لقيت العدو فاحرص على الموت توهب لك الحياة و لا تغسل الشهداء من دمائهم،فإن دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة.


عمر لا تزالون أصحاء ما نزعتم و نزوتم يزيد ما نزعتم في القوس و نزوتم على الخيل بعض الخوارج:

و من يخش أظفار المنايا فإننا

لبسنا لهن السابغات من الصبر

و إن كريه الموت عذب مذاقه

إذا ما مزجناه بطيب من الذكر

حفص منصور بن عمار في قصصه على الغزو و الجهاد فطرحت في المجلس صرة فيها شي‏ء ففتحت،فإذا فيها ضفيرتا امرأة و قد كتبت رأيتك يا ابن عمار تحض على الجهاد،و و الله إني لا أملك لنفسي مالا،و لا أملك سوى ضفيرتي هاتين و قد ألقيتهما إليك،فتالله إلا جعلتهما قيد فرس غاز في سبيل الله فلعل الله أن يرحمني بذلك.فارتج المجلس بالبكاء و الضجيج.لبعض شعراء العجم:

وا سوءتا لامرئ شبيبته

في عنفوان و ماؤه خضل

راض بنزر المعاش مضطهد

على تراث الآباء يتكل

لا حفظ الله ذاك من رجل

و لا رعاه ما أطت الإبل

كلا و ربي حتى تكون فتى

قد نهكته الأسفار و الرحل

مشمرا يطلب الرئاسة أو

يضرب يوما بهلكه المثل

حتى متى تتبع الرجال و لا

تتبع يوما لأمك الهبل


عبد الله بن ثعلبة الأزدي:

فلئن عمرت لأشفين النفس من تلك المساعي

و لأعلمن البطن أن الزاد ليس بمستطاع

أما النهار فقد أرى قومي بمرقبة يفاع

في قرة هلك و شوك مثل أنياب الأفاعي

ترد السباع معي فتحسبني السباع من السباع

مجير الجراد أبو حنبل حارثة بن مر الطائي أجار جرادا نزل به،و منع من صيده حتى طار من أرضه فسمي مجير الجراد.و قال هلال بن معاوية الطائي:

و بالجبلين لنا معقل

صعدنا إليه بصم الصعاد

ملكناه في أوليات الزمان

من قبل نوح و من قبل عاد

و منا ابن مر أبو حنبل

أجار من الناس رجل الجراد

و زيد لنا و لنا حاتم غياث

الورى في السنين الشداد

و قال يحيى بن منصور الحنفي:

و لما نأت عنا العشيرة كلها

أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر

فما أسلمتنا عند يوم كريهة

و لا نحن أغضينا الجفون على وتر


و قال آخر:

أرق لأرحام أراها قريبة

لحار بن كعب لا لجرم و راسب

و و إنا نرى أقدامنا في نعالهم

و آنفنا بين اللحى و الحواجب

و أقدامنا يوم الوغى و إباءنا

إذا ما أبينا لا ندر لعاصب

حاصرت الترك مدينة برذعة من أعمال آذربيجان في أيام هشام بن عبد الملك حصارا شديدا،و استضعفتها و كادت تملكها،و توجه إليها لمعاونتها سعيد الحرشي من قبل هشام بن عبد الملك في جيوش كثيفة و علم الترك بقربه منهم فخافوا،و أرسل سعيد واحدا من أصحابه إلى أهل برذعة سرا يعرفهم وصوله و يأمرهم بالصبر خوفا ألا يدركهم،فسار الرجل و لقيه قوم من الترك فأخذوه و سألوه عن حاله،فكتمهم فعذبوه فأخبرهم و صدقهم،فقالوا:إن فعلت ما نأمرك به أطلقناك و إلا قتلناك،فقال:ما تريدون ؟ قالوا:أنت عارف بأصحابك ببرذعة و هم يعرفونك،فإذا وصلت تحت السور فنادهم إنه ليس خلفي مدد و لا من يكشف ما بكم،و إنما بعثت جاسوسا فأجابهم إلى ذلك،فلما صار تحت سورها وقف حيث يسمع أهلها كلامه،و قال لهم:أتعرفونني ؟ قالوا:نعم أنت فلان بن فلان.قال:فإن سعيدا الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في مائة ألف سيف،و هو يأمركم بالصبر و حفظ البلد و هو مصبحكم أو ممسيكم،فرفع أهل برذعة أصواتهم بالتكبير و قتلت الترك ذلك الرجل،و رحلوا عنها و وصل سعيد فوجد أبوابها مفتوحة و أهلها سالمين.و قال الراجز:

من كان ينوي أهله فلا رجع

فر من الموت و في الموت وقع


أشرف معاوية يوما فرأى عسكر علي(عليه‌السلام )بصفين فهاله،فقال:من طلب عظيما خاطر بعظيمته.و قال الكلحبة:

إذا المرء لم يغش المكارة أوشكت

حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا

و من شعر الحماسة:

أقول لها و قد طارت شعاعا

من الأبطال ويحك لا تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم

على الأجل الذي لك لم تطاعي

فصبرا في مجال الموت صبرا

فما نيل الخلود بمستطاع

و لا ثوب البقاء بثوب عز

فيطوى عن أخي الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كل حي

فداعيه لأهل الأرض داع

و من لا يعتبط يسأم و يهرم

و تسلمه المنون إلى انقطاع

و ما للمرء خير في حياة

إذا ما عد من سقط المتاع

و منه أيضا:

و في الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان

و منه أيضا:

و لم ندر إن جضنا عن الموت جيضة

كم العمر باق و المدى متطاول


و منه أيضا:

و لا يكشف الغماء إلا ابن حرة

يرى غمرات الموت ثم يزورها

و منه أيضا:

فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم

لشي‏ء و لا أني من الموت أفرق

و لا أن نفسي يزدهيها وعيدكم

و لا أنني بالمشي في القيد أخرق

و منه أيضا:

سأغسل عني العار بالسيف جالبا

على قضاء الله ما كان جالبا

و أذهل عن داري و أجعل هدمها

لعرصي من باقي المذمة حاجبا

و يصغر في عيني تلادي إذا انثنت

يميني بإدراك الذي كنت طالبا

فإن تهدموا بالغر داري فإنها

تراث كريم لا يبالي العواقبا

أخي عزمات لا يطيع على الذي

يهم به من مفظع الأمر عاتبا

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

و نكب عن ذكر العواقب جانبا

فيا لرزام رشحوا بي مقدما

إلى الموت خواضا إليه السباسبا

إذا هم لم تردع عزيمة همه

و لم يأت ما يأتي من الأمر هائبا

و لم يستشر في أمره غير نفسه

و لم يرض إلا قائم السيف صاحبا

و منه أيضا:

هما خطتا إما إسار و منة

و إما دم و القتل بالحر أجدر


و منه أيضا:

و أنا لقوم لا نرى القتل سبة

إذا ما رأته عامر و سلول

يقصر حب الموت آجالنا لنا

و تكرهه آجالهم فتطول

و ما مات منا سيد حتف أنفه

و لا طل منا حيث كان قتيل

تسيل على حد الظبات نفوسنا

و ليست على غير السيوف تسيل

و منه أيضا:

لا يركنن أحد إلى الإحجام

يوم الوغى متخوفا لحمام

فلقد أراني للرماح دريئة

من عن يميني تارة و أمامي

حتى خضبت بما تحدر من دمي

أكناف سرجي أو عنان لجامي

ثم انصرفت و قد أصبت و لم أصب

جذع البصيرة قارح الأقدام

و منه أيضا:

و إني لدى الحرب الضروس موكل

بإقدام نفس لا أريد بقاءها

متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة

لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

كتب عبد الحميد بن يحيى عن مروان بن محمد إلى أبي مسلم كتابا حمل على جمل لعظمه و كثرته،و قيل إنه لم يكن في الطول إلى هذه الغاية،و قد حمل على جمل تعظيما لأمره و قال لمروان بن محمد:إن قرأه خاليا نخب قلبه و إن قرأه في ملإ من


أصحابه ثبطهم و خذلهم،فلما وصل إلى أبي مسلم أحرقه بالنار و لم يقرأه و كتب على بياض كان على رأسه و أعاده إلى مروان:

محا السيف أسطار البلاغة و انتحت

إليك ليوث الغاب من كل جانب

فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة

يهون عليها العتب من كل عاتب

و يقال:إن أول الكتاب كان لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا،و كتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار و هو أول كتاب صدر عن أبي مسلم إلى نصر،و ذلك حين لبس السواد،و أعلن بالدعوة في شهر رمضان من سنة تسع و عشرين و مائة،أما بعد فإن الله جل ثناؤه ذكر أقواما،فقال:( وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى‏ مِنْ إِحْدَى اَلْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً اِسْتِكْباراً فِي اَلْأَرْضِ وَ مَكْرَ اَلسَّيِّئِ وَ لا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ اَلْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلاً ) .فلما ورد الكتاب إلى نصر تعاظمه أمره و كسر له إحدى عينيه و قال:إن لهذا الكتاب لأخوات و كتب إلى مروان يستصرخه،و إلى يزيد بن هبيرة يستنجده فقعدا عنه حتى أفضى ذلك إلى خروج الأمر عن بني عبد شمس.الرضي الموسويرحمه‌الله تعالى:

سأمضي للتي لا عيب فيها

و إن لم أستفد إلا عناء


و أطلب غاية إن طوحت بي

أصابت بي الحمام أو العلاء

نماني من أباة الضيم آب

أفاض علي تلك الكبرياء

و منا كل أغلب مستميت

إذا أنت لددته بالذل قاء

إذا ما ضيم نمر صفحتيه

و قام على براثنه إباء

و نأبى أن ينال النصف منا

و أن نعطي مقارعنا السواء

و لو كان العداء يسوغ فينا

لما سمنا الورى إلا العداء

و له:

سيقطعك المهند ما تمنى

يعطيك المثقف ما تشاء

و ما ينجي من الغمرات إلا

طعان أو ضراب أو رماء

و من أهل الإباء الذين كرهوا الدنية و اختاروا عليها المنية عبد الله بن الزبير تفرق عنه لما حاربه الحجاج بمكة و حصره في الحرم عامة أصحابه و خرج كثير منهم إلى الحجاج في الأمان حتى حمزة و خبيب ابناه،فدخل عبد الله على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق،و كانت قد كف بصرها و هي عجوز كبيرة،فقال لها:خذلني الناس حتى ولدي و أهلي و لم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة،و القوم يعطونني من الدنيا ما سألت فما رأيك ؟ فقالت:أنت يا بني أعلم بنفسك،إن كنت تعلم أنك على حق و إليه تدعو فامض له،فقد قتل أكثر أصحابك،فلا تمكن من رقبتك يتلاعب بها غلمان بني أمية و إن كنت إنما أردت الدنيا،فبئس العبد أنت أهلكت


نفسك و أهلكت من قتل معك،و إن كنت قاتلت على الحق فما وهن أصحابك إلا ضعفت فليس هذا فعل الأحرار و لا أهل الدين و كم خلودك في الدنيا القتل أحسن.فدنا عبد الله منها فقبل رأسها و قال:هذا و الله رأيي،و الله ما ركنت إلى الدنيا و لا أحببت الحياة فيها و ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله تعالى عز و جل أن تستحل محارمه،و لكنني أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتني بصيرة،فانظري يا أماه،أني مقتول يومي هذا فلا يشتد جزعك و سلمي لأمر الله،فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر،و لا عملا بفاحشة،و لم يجر في حكم الله،و لم يظلم مسلما و لا معاهدا،و لا بلغني ظلم عن عامل من عمالي فرضيت به بل أنكرته،و لم يكن شي‏ء عندي آثر من رضا الله.اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي أنت أعلم بي،و لكني أقوله تعزية لأمي لتسلو عني،فقالت:إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني،فاخرج لأنظر إلى ما ذا يصير أمرك،فقال:جزاك الله خيرا يا أمي،فلا تدعي الدعاء لي حيا و ميتا.قالت:لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل،فقد قتلت على حق،ثم قالت:اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل،و ذلك النحيب في الظلماء،و ذلك الصوم في هواجر مكة و المدينة و بره بأبيه و بي،اللهم إني قد أسلمت لأمرك،و رضيت بما قضيت فيه،فأثبني عليه ثواب الصابرين.و قد روي في قصة عبد الله مع أمه أسماء رواية أخرى،أنه لما دخل عليها و عليه الدرع و المغفر،و هي عمياء لا تبصر وقف فسلم،ثم دنا فتناول يدها فقبلها.قالت:هذا وداع فلا تبعد،فقال:نعم إنما جئت مودعا إني لأرى هذا اليوم آخر أيامي من الدنيا،و اعلمي يا أمي،أني إذا قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي،فقالت:صدقت يا بني،أقم على بصيرتك و لا تمكن ابن أبي عقيل منك ادن مني لأودعك فدنا منها فقبلته


و عانقته فوجدت مس الدرع،فقالت:ما هذا صنع من يريد ما تريد،فقال:إنما لبسته لأشد منك.قالت:إنه لا يشد مني،ثم انصرف عنها و هو يقول:

إني إذا أعرف يومي أصبر

إذ بعضهم يعرف ثم ينكر

و أقام أهل الشام على كل باب من أبواب الحرم رجالا و قائدا،فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة،و لأهل دمشق باب بني شيبة،و لأهل الأردن باب الصفا،و لأهل فلسطين باب جمع،و لأهل قنسرين باب بني سهم و خرج ابن الزبير،فمرة يحمل هاهنا و مرة يحمل هاهنا،و كأنه أسد لا يقدم عليه الرجال و أرسلت إليه زوجته أأخرج فأقاتل معك،فقال:لا،و أنشد:

كتب القتل و القتال علينا

و على المحصنات جر الذيول

فلما كان الليل قام يصلي إلى قريب السحر،ثم أغفى محتبيا بحمائل سيفه،ثم قام فتوضأ و صلى و قرأ:( ن وَ اَلْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ) ،ثم قال:بعد انقضاء صلاته من كان عني سائلا فإني في الرعيل الأول،ثم أنشد:

و لست بمبتاع الحياة بسبة

و لا مرتق من خشية الموت سلما

ثم حمل حتى بلغ الحجون فرمي بآجرة فأصابت وجهه فدمي،فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه أنشد:

و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

و لكن على أقدامنا تقطر الدما

ثم حمل على أهل الشام فغاص فيهم و اعتوروه بأسيافهم حتى سقط و جاء الحجاج


فوقف عليه و هو ميت و معه طارق بن عمرو،فقال:ما ولدت النساء أذكر من هذا و بعث برأسه إلى المدينة فنصب بها،ثم حمل إلى عبد الملك.أبو الطيب المتنبي:

أطاعن خيلا من فوارسها الدهر

وحيدا و ما قولي كذا و معي الصبر

و أشجع مني كل يوم سلامتي

و ما ثبتت إلا و في نفسها أمر

تمرست بالآفات حتى تركتها

تقول أ مات الموت أم ذعر الذعر

و أقدمت إقدام الأبي كأن لي

سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر

ذر النفس تأخذ حظها قبل بينها

فمفترق جاران دارهما العمر

و لا تحسبن المجد زقا و قينة

فما المجد إلا السيف و الفتكة البكر

و تضريب هامات الملوك و أن ترى

لك الهبوات السود و العسكر المجر

و تركك في الدنيا دويا كأنما

تداول سمع المرء أنمله العشر

و قال ابن حيوس:

و لست كمن أخنى عليه زمانه

فظل على أحداثه يتعتب

تلذ له الشكوى و إن لم يفد بها

صلاحا كما يلتذ بالحك أجرب

و لكنني أحمي ذماري بعزمة

تنوب مناب السيف و السيف مقضب


و ليس الفتى من لم تسم جسمه الظبا

و يحطم فيه من قنا الخط أكعب

و له أيضا:

أخفق المترف الجنوح إلى الخفض

و فاز المخاطر المقدام

و إذا ما السيوف لم تشهد الحرب

فسيان صارم و كهام

و ممن تقبل مذاهب الأسلاف في إباء الضيم و كراهية الذل ،و اختار القتل على ذلك و أن يموت كريما أبو الحسين زيد بن علي ،بن الحسين ،بن علي ،بن أبي طالب ،أمه أم ولد و كان السبب في خروجه و خلعه طاعة بني مروان ،أنه كان يخاصم عبد الله بن حسن ،بن حسن ،بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )في صدقات علي(عليه‌السلام )،هذا يخاصم عن بني حسين ،و هذا عن بني حسن ،فتنازعا يوما عند خالد بن عبد الملك ،بن الحارث ،بن الحكم أمير المدينة ،فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه ،فسر خالد بن عبد الملك بذلك و أعجبه سبابهما ،و قال لهما حين سكنا:اغدوا علي فلست بابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما غدا فباتت المدينة تغلي كالمرجل ،فمن قائل يقول قال زيد:كذا و قائل يقول قال عبد الله:كذا فلما كان الغد جلس خالد في المسجد و جمع الناس فمن بين شامت و مغموم و دعا بهما ،و هو يحب أن يتشاتما ،فذهب عبد الله يتكلم ،فقال زيد:لا تعجل يا أبا محمد،أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا ،ثم أقبل على خالد ،فقال له:أجمعت ذرية رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )لأمر ما كان يجمعهم عليه أبوبكر و لا عمر ،فقال خالد:أما لهذا السفيه أحد يكلمه.فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم ،فقال:يا ابن أبي تراب ،و يا ابن


حسين السفيه أما ترى عليك لوال حقا و لا طاعة،فقال زيد:اسكت أيها القحطاني،فإنا لا نجيب مثلك،فقال الأنصاري:و لم ترغب عني فو الله إني لخير منك،و أبي خير من أبيك،و أمي خير من أمك،فتضاحك زيد و قال:يا معشر قريش،هذا الدين قد ذهب أفذهبت الأحساب ؟ فتكلم عبد الله بن واقد،بن عبد الله،بن عمر بن الخطاب،فقال:كذبت أيها القحطاني،و الله لهو خير منك نفسا و أبا و أما و محتدا،و تناوله بكلام كثير،و أخذ كفا من الحصى،فضرب به الأرض و قال:إنه و الله ما لنا على هذا من صبر و قام.فقام زيد أيضا و شخص من فوره إلى هشام بن عبد الملك،فجعل هشام لا يأذن له،و زيد يرفع إليه القصص،و كلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها ارجع إلى أرضك،فيقول زيد:و الله لا أرجع إلى ابن الحارث أبدا،ثم أذن له بعد حبس طويل و هشام في علية له فرقي زيد إليها و قد أمر هشام خادما له أن يتبعه حيث لا يراه زيد و يسمع ما يقول،فصعد زيد و كان بادنا،فوقف في بعض الدرجة،فسمعه الخادم و هو يقول:ما أحب الحياة إلا من ذل،فأخبر الخادم هشاما بذلك،فلما قعد زيد بين يدي هشام و حدثه حلف له على شي‏ء،فقال هشام:لا أصدقك،فقال زيد:إن الله لا يرفع أحدا عن أن يرضى بالله،و لم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه.قال له هشام:إنه بلغني أنك تذكر الخلافة و تتمناها و لست هناك ؛ لأنك ابن أمة فقال زيد:إن لك جوابا قال:تكلم.قال:إنه ليس أحد أولى بالله،و لا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه،و هو إسماعيل بن إبراهيم،و هو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته،و أخرج منه خير البشر،فقال هشام:فما يصنع أخوك البقرة ؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه،ثم قال:سماه رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )الباقر،و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا،فيرد الجنة و ترد النار.


فقال هشام:خذوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه،فأخذ الغلمان بيده فأقاموه،فقال هشام:احملوا هذا الخائن الأهوج إلى عامله،فقال زيد:و الله لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا و أنت حيين و ليموتن الأعجل منا،فأخرج زيد و أشخص إلى المدينة،و معه نفر يسيرونه حتى طردوه عن حدود الشام،فلما فارقوه عدل إلى العراق و دخل الكوفة و بايع لنفسه،فأعطاه البيعة أكثر أهلها،و العامل عليها و على العراق يومئذ يوسف بن عمر الثقفي،فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ و خذل أهل الكوفة زيدا،و تخلف معه ممن تابعه نفر يسير و أبلى بنفسه بلاء حسنا و جهادا عظيما،حتى أتاه سهم غرب فأصاب جانب جبهته اليسرى،فثبت في دماغه فحين نزع منه مات(عليه‌السلام ).عنف محمد بن عمر،بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )،زيدا لما خرج و حذره القتل و قال له:إن أهل العراق خذلوا أباك عليا و حسنا و حسينا ؟(عليهما‌السلام )،و إنك مقتول و إنهم خاذلوك فلم يثن ذلك عزمه و تمثل:

بكرت تخوفني الحتوف كأنني

أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

فأجبتها إن المنية منهل

لا بد أن أسقى بذاك المنهل

إن المنية لو تمثل مثلت

مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل

فاقني حياءك لا أبا لك و اعلمي

أني امرؤ سأموت إن لم أقتل


العلوي البصري صاحب الزنج يقول:

و إذا تنازعني أقول لها قري

موت الملوك على صعود المنبر

ما قد قضى سيكون فاصطبري له

و لك الأمان من الذي لم يقدر

و قال أيضا:

إني و قومي في أنساب قومهم

كمسجد الخيف في بحبوحة الخيف

ما علق السيف منا بابن عاشرة

إلا و عزمته أمضى من السيف

بعض الطالبيين:

و إنا لتصبح أسيافنا

إذا ما انتضين ليوم سفوك

منابرهن بطون الأكف

و أغمادهن رءوس الملوك

بعض الخوارج يصف أصحابه:

و هم الأسود لدى العرين بسالة

و من الخشوع كأنهم أحبار

يمضون قد كسروا الجفون إلى الدعا

متبسمين و فيهم استبشار

فكأنما أعداؤهم أحبابهم

فرحا إذا خطر القنا الخطار

يردون حومات الحمام و إنها

تالله عند نفوسهم لصغار

و لقد مضوا و أنا الحبيب إليهم

و هم لدي أحبة أبرار

قدر يخلفني و يمضيهم به

يا لهف كيف يفوتني المقدار

و في الحديث المرفوع خلقان يحبهما الله الشجاعة و السخاء.كان بشر بن المعتمر من قدماء شيوخنارحمه‌الله تعالى يقول بتفضيل علي(عليه‌السلام )


و يقول:كان أشجعهم و أسخاهم و منه سرى القول بالتفضيل إلى أصحابنا البغداديين قاطبة و في كثير من البصريين.دخل النضر بن راشد العبدي على امرأته في حرب الترك بخراسان،في ولاية الجنيد بن عبد الرحمن المري،في خلافة هشام بن عبد الملك و الناس يقتتلون،فقال لها:كيف تكونين إذا أتيت بي في لبد قتيلا مضرجا بالدماء،فشقت جيبها و دعت بالويل،فقال:حسبك لو أعولت علي كل أنثى لعصيتها شوقا إلى الجنة،ثم خرج فقاتل حتى قتل،و حمل إلى امرأته في لبد و دمه يقطر من خلاله.قال أبو الطيب المتنبي:

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم

يرى الجبناء إن الجبن حزم

و تلك خديعة الطبع اللئيم

و كل شجاعة في المرء تغني

و لا مثل الشجاعة في الحكيم

و قال:

إذا لم تجد ما يبتر العمر قاعدا

فقم و اطلب الشي‏ء الذي يبتر العمرا

و قال:

أهم بشي‏ء و الليالي كأنها

تطاردني عن كونه و أطارد

وحيدا من الخلان في كل بلدة

إذا عظم المطلوب قل المساعد


قيل لأبي مسلم في أيام صباه:نراك تنظر إلى السماء كثيرا كأنك تسترق السمع أو تنتظر نزول الوحي.قال:لا،و لكن لي همة عالية و نفس تتطلع إلى معالي الأمور مع عيش كعيش الهمج و الرعاع،و حال متناهية في الاتضاع.قيل:فما الذي يشفي علتك و يروي غلتك ؟ قال:الملك،قيل:فاطلب الملك.قال:إن الملك لا يطلب هكذا.قيل:فما تصنع و أنت تذوب حسرا و تموت كمدا.قال:سأجعل بعض عقلي جهلا و أطلب به ما لا يطلب إلا بالجهل و أحرس بالباقي ما لا يحرس إلا بالعقل،فأعيش بين تدبير ضدين،فإن الخمول أخو العدم،و الشهرة أخت الكون.قال ابن حيوس:

أمواتهم بالذكر كالأحياء

و لحيهم فضل على الأحياء

نزلوا على حكم المروءة و امتطوا

بالبأس ظهر العزة القعساء

و العز لا يبقى لغير معود

أن يكشف الغماء بالغماء

لا تحسب الضراء ضراء إذا

أفضت بصاحبها إلى السراء

و قال:

و هي الرئاسة لا تبوح بسرها

إلا لأروع لا يباح ذماره

يحمي حماه قلبه و لسانه

و تذود عنه يمينه و يساره

لا العذل ناهيه و لا الحرص الذي

أمر النفوس بشحها أماره

فليعلم الساعي ليبلغ ذا المدى

أن الطريق كثيرة أخطاره


كان ثابت قطنة في خيل عبد الله بن بسطام في فتح شكند من بلاد الترك في أيام هشام بن عبد الملك،فاشتدت شوكة الترك و انحاز كثير من المسلمين و استؤسر منهم خلق،فقال ثابت:و الله لا ينظر إلي بنو أمية غدا مشدودا في الحديد أطلب الفداء،اللهم إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة فاجعلني ضيفك الليلة،ثم حمل و حمل معه جماعة فكسرتهم الترك،فرجع أصحابه و ثبت هو فرمي برذونه فشب و ضربه،فأقدم فصرع ثابت و ارتث،فقال:اللهم إنك استجبت دعوتي و أنا الآن ضيفك فاجعل قراي الجنة فنزل تركي فأجهز عليه.قال يزيد بن المهلب لابنه خالد و قد أمره على جيش في حرب جرجان:يا بني،إن غلبت على الحياة فلا تغلبن علي الموت و إياك أن أراك غدا عندي مهزوما.

عن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )الخير في السيف و الخير مع السيف و الخير بالسيف،كما يقال:المنية و لا الدنية،و النار و لا العار،و السيف و لا الحيف.قال سيف بن ذي يزن حين أعانه بوهرز الديلمي و من معه لأنوشروان:أيها الملك،أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفا ؟ فقال:يا أعرابي،كثير الحطب يكفيه قليل النار.لما حبس مروان بن محمد إبراهيم الإمام خرج أبو العباس السفاح و أخوه أبو جعفر،و عبد الوهاب و،محمد ابنا إبراهيم الإمام،و عيسى،و صالح،و إسماعيل،و عبد الله،و عبد الصمد أبناء علي بن عبد الله بن العباس،و عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس،و يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس،من الحميمة،من أرض السراة يطلبون الكوفة،و قد كان داود بن علي بن عبد الله بن العباس،و ابنه موسى بن داود بالعراق،فخرجا يطلبان الشام فتلقاهما أبو العباس و أهل بيته بدومة الجندل،فسألهم داود عن


خروجهم،فأخبروه أنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها و يدعوا إلى البيعة لأبي العباس،فقال:يا أبا العباس،يظهر أمرك الآن بالكوفة و مروان بن محمد شيخ بني أمية بحران مطل على العراق في جيوش أهل الشام و الجزيرة،و يزيد بن عمر بن هبيرة شيخ العرب بالعراق في فرسان العرب،فقال:يا عم،من أحب الحياة ذل،ثم تمثل بقول الأعشى:

فما ميتة إن متها غير عاجز

بعار إذا ما غالت النفس غولها

فقال داود لابنه موسى:صدق ابن عمك ارجع بنا معه فإما أن نهلك أو نموت كراما.و كان عيسى بن موسى يقول بعد ذلك:إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة إن ثلاثة عشر رجلا خرجوا من ديارهم و أهليهم،يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم كبيرة نفوسهم شديدة قلوبهم.أبو الطيب المتنبي:

و إذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

و له:

إلى أي حين أنت في زي محرم

و حتى متى في شقوة و إلى كم

و إلا تمت تحت السيوف مكرما

تمت و تقاسى الذل غير مكرم

فثب واثقا بالله وثبة ماجد

يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم


و قال آخر:

إن تقتلوني فآجال الرجال كما

حدثت قتل و ما بالقتل من عار

و إن سلمت لوقت بعده فعسى

و كل شي‏ء إلى حد و مقدار

خطب الحجاج فشكا سوء ضاعة أهل العراق فقام إليه جامع المحاربي،فقال:أيها الأمير،دع ما يباعدهم منك إلى ما يقربهم إليك،و التمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك فلو أحبوك لأطاعوك إنهم ما شنئوك بنسبك و لا لبأوك و لكن لإيقاعك بعد وعيدك و وعيدك بعد وعدك.فقال الحجاج:ما أراني أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف،فقال جامع:أيها الأمير،إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار،فقال الحجاج:الخيار يومئذ لله،فقال:أجل و لكنك لا تدري لمن يجعله الله،فقال:يا هناه،إيها فإنك من محارب،فقال جامع:

و للحرب سمينا فكنا محاربا

إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا

و من الشعر الجيد في تحسين الإباء و الحمية،و التحريض على النهوض و الحرب،و طلب الملك و الرئاسة قصيدة عمارة اليمني شاعر المصريين في فخر الدين تورانشاه بن أيوب،التي يغريه فيها بالنهوض إلى اليمن و الاستيلاء على ملكها و صادفت هذه القصيدة محلا قابلا و ملك تورانشاه اليمن بما هزت هذه القصيدة من عطفه و حركت من عزمه و أولها:


العلم مذ كان محتاج إلى العلم

و شفرة السيف تستغني عن القلم

و خير خيلك إن غامرت في شرف

عزم يفرق بين الساق و القدم

إن المعالي عروس غير واصلة

ما لم تخلق رادءيها بنضح دم

ترى مسامع فخر الدين تسمع ما

أملاه خاطر أفكاري على قلمي

فإن أصبت فلي حظ المصيب و إن

أخطأت قصدك فاعذرني و لا تلم

كم تترك البيض في الأجفان ظامئة

إلى الموارد في الأعناق و القمم

و مقلة المجد نحو العزم شاخصة

فاترك قعودك عن إدراكها و قم

فعمك الملك المنصور سومها

من الفرات إلى مصر بلا سأم

و اخلق لنفسك أمرا لا تضاف به

إلى سواك و أور النار في العلم

و انه المشيرين إن لجت نصيحتهم

أو لا فأنعم على العميان بالصمم

و اعزم و صمم فقد طالت و قد سمجت

قضية لفظتها ألسن الأمم

فرب أمر يهاب الناس غايته

و الأمر أهون فيه من يد لفم

فكيف إن نهضت فيما هممت به

أسد تسير من الخطى في أجم

لا يدرك المجد إلا كل مقتحم

في موج ملتطم أو فوج مضطرم

لا ينقض الخطوة الأولى بثانية

و لا يفكر في العقبى من الندم

كأنما السيف أفتاه بقتلهم

في فتح مكة حل القتل في الحرم

و لم يراعوا لعثمان و لا عمر

و لا الحسين ذمام الأشهر الحرم

فما تروم سوى فتح صوارمه

يضحكن في كل يوم عابس البهم

حتى كأن لسان السيف في يده

يروي الشريعة عن عاد و عن إرم


هذا ابن تومرت قد كانت بدايته

فيما يقول الورى لحما على وضم

و قد ترقى إلى أن صار طالعة

من الكواكب بالأنفاس و الكظم

و كان أول هذا الدين من رجل

سعى إلى أن دعوه سيد الأمم

كذب لم يظهر الدين الحنيف المقدس على الأديان بسعي البشر بل بالتأييد الإلهي و السر الرباني صلوات الله و سلامه على القائم به و المتحمل له:

و البدر يبدو هلالا ثم يكشف

بالأنوار ما سترته شملة الظلم

و الغيث فهو كما قد قيل أوله

قطر و بدء خراب السد بالعرم

تنمو قوى الشي‏ء بالتدريج إن رزقت

لطفا و يقوى شرار النار بالضرم

حاسب ضميرك عن رأي أتاك و قل

نصيحة وردت من غير متهم

أقسمت ما أنت ممن جل همته

ما راق من نعم أو رق من نعم

و إنما أنت مرجو لواحدة

بنى بها الدهر مجدا غير منهدم

كأنني بالليالي و هي هاتفة

قد صم سمع رجال دونها و عمي

و بالعلى كلما لاقتك قائلة

أهلا بمنشر آمالي من الرمم

و من أباة الضيم الذين اختاروا القتل على الأسر و الموت على الدنية مصعب بن الزبير كان أمير العراقين من قبل عبد الله بن الزبير،و كان قد كسر جيوش عبد الملك مرارا،و أعياه أمره فخرج إليه من الشام بنفسه فليم في ذلك،و قيل له:إنك تغرر بنفسك و خلافتك،فقال:إنه لا يقوم لحرب مصعب غيري هذا أمر يحتاج إلى أن يقوم به شجاع ذو رأي،و ربما بعثت شجاعا و لا رأي له أو ذا رأي و لا شجاعة عنده،و أنا بصير بالحرب شجاع بالسيف،فلما أجمع على الخروج إلى حرب مصعب جاءته


امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فالتزمته و بكت لفراقه و بكى جواريها حولها،فقال عبد الملك:قاتل الله ابن أبي جمعة كأنه شاهد هذه الصورة حيث يقول:

إذا هم بالأعداء لم يثن عزمه

حصان عليها نظم در يزينها

نهته فلما لم تر النهي عاقه

بكت فبكى مما عراها قطينها

فسار عبد الملك حتى إذا كان بمسكن من أرض العراق و قد دنا منه عسكر مصعب تقاعد بمصعب أصحابه و قواده و خذلوه،فقال لابنه عيسى:الحق بمكة فانج بنفسك و أخبر عمك عبد الله بما صنع أهل العراق بي و دعني فإني مقتول،فقال:لا تتحدث نساء قريش أني فررت عنك و لكن أقاتل دونك حتى نقتل فالفرار عار و لا عار في القتل،ثم قاتل دونه حتى قتل و خف من يحامي عن مصعب من أهل العراق و أيقن بالقتل،فأنفذ عبد الملك إليه أخاه محمد بن مروان فأعطاه الأمان و ولاية العراقين أبدا ما دام حيا،و ألفي ألف درهم صلة فأبى و قال:إن مثلي لا ينصرف عن هذا المكان إلا غالبا أو مقتولا،فشد عليه أهل الشام و رموه بالنبل فأثخنوه و طعنه زائدة بن قيس بن قدامة السعدي،و نادى يا لثارات المختار،فوقع إلى الأرض فنزل إليه عبد الملك بن زياد بن ظبيان،فاحتز رأسه و حمله إلى عبد الملك.لما حمل رأس مصعب إلى عبد الملك بكى و قال:لقد كان أحب الناس إلي و أشدهم مودة لي و لكن الملك عقيم.كتب مصعب إلى سكينة بنت الحسين(عليه‌السلام )،و كانت زوجته لما شخص إلى حرب عبد الملك،و هي بالكوفة بعد ليال من فراقها:

و كان عزيزا إن أبيت و بيننا

حجاب فقد أصبحت مني على عشر


و أبكاهما و الله للعين فاعلمي

إذا ازددت مثليها فصرت على شهر

و أنكى لقلبي منهما اليوم أنني

أخاف بألا نلتقي آخر الدهر

ثم أرسل إليها و أشخصها فشهدت معه حرب عبد الملك،فدخل عليها يوم قتل و قد نزع ثيابه،ثم لبس غلالة و توشح بثوب واحد و هو محتضن سيفه،فعلمت أنه غير راجع فصاحت وا حزناه عليك يا مصعب،فالتفت إليها و قال:إن كل هذا في قلبك قالت و ما أخفي أكثر.قال:لو كنت أعلم هذا لكان لي و لك شأن،ثم خرج فلم يرجع.فقال عبد الملك يوما لجلسائه:من أشجع الناس ؟ فقالوا:قطري شبيب فلان و فلان.قال عبد الملك:بل رجل جمع بين سكينة بنت الحسين،و عائشة بنت طلحة،و أمة الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز،و قلابة ابنة زبان بن أنيف الكلبي سيد العرب،و ولي العراقين خمس سنين،فأصاب كذا و كذا ألف درهم و أعطي الأمان على ذلك كله و على ولايته و ماله،فأبى و مشى بسيفه إلى الموت حتى قتل ذاك مصعب بن الزبير لا من قطع الجسور مرة هاهنا و مرة هاهنا.سئل سالم بن عبد الله بن عمر،أي:ابني الزبير أشجع،فقال:كلاهما جاءه الموت و هو ينظر إليه.لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك أنشد:

لقد أردى الفوارس يوم حسي

غلاما غير مناع المتاع

و لا فرح بخير إن أتاه

و لا هلع من الحدثان لاع

و لا وقافة و الخيل تردي

و لا خال كأنبوب اليراع


كان ابن ظبيان يقول:ما ندمت على شي‏ء ندمي على ألا أكون لما حملت إلى عبد الملك رأس مصعب،فسجد قتلته في سجدته فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.قال رجل لعبد الله بن ظبيان:بماذا تحتج عند الله عز و جل غدا و قد قتلت مصعبا ؟ قال:إن تركت أحتج كنت أخطب من صعصعة بن صوحان.كان مصعب لما خرج إلى حرب عبد الملك سأل عن الحسين بن علي(عليه‌السلام )و كيف كان قتله،فجعل عروة بن المغيرة يحدث عن ذلك،فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة:

و إن الألى بالطف من آل هاشم

تأسوا فسنوا للكرام التأسيا

قال عروة:فعلمت أن مصعبا لا يفر.لما كان يوم السبخة و عسكر الحجاج بإزاء شبيب قال له الناس:أيها الأمير،لو تنحيت عن هذه السبخة فإنها منتنة الريح،قال:ما تنحونني و الله إليه أنتن و هل ترك مصعب لكريم مفرا،ثم أنشد قول الكلحبة:

إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت

حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا

و روى أبو الفرج في كتاب الأغاني خطبة عبد الله بن الزبير في قتل مصعب برواية هي أتم مما ذكرناه نحن فيما تقدم قال:لما أتي خبر المصعب إلى مكة أضرب عبد الله بن الزبير عن ذكره أياما حتى تحدث به جميع أهل مكة في الطريق،ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم،فنظر الناس إليه و إن الكآبة على وجهه لبادية و إن


جبينه ليرشح عرفا،فقال واحد لآخر:ما له لا يتكلم أتراه يهاب النطق،فو الله إنه لخطيب،فما تراه يهاب ؟ قال:أراه يريد أن يذكر قتل المصعب سيد العرب فهو يقطع بذلك فابتدأ،فقال:الحمد لله الذي له الخلق و الأمر ملك الدنيا و الآخرة يعز من يشاء و يذل من يشاء إلا أنه لا يذل من كان الحق معه و إن كان مفردا ضعيفا،و لا يعز من كان الباطل معه و إن كان ذا عدد و كثرة،ثم قال:أتانا خبر من العراق بلد الغدر و الشقاق فساءنا و سرنا أتانا أن مصعبا قتلرحمه‌الله ،فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة و لوعة يجدها حميمه عند المصيبة،ثم يرعوي ذو الرأي و الدين إلى جميل الصبر،و أما الذي سرنا منه فإن قتله كان له شهادة،و إن الله جاعل لنا و له في ذلك الخيرة،ألا إن أهل العراق باعوه بأقل الأثمان و أخسرها و أسلموه إسلام النعم المخطمة فقتل،و إن قتل لقد قتل أبوه و عمه و أخوه و كانوا الخيار الصالحين و،إنا و الله ما نموت حتف آنافنا،ما نموت إلا قتلا قتلا و قعصا قعصا بين قصد الرماح و تحت ظلال السيوف ليس كما تموت بنو مروان،و الله ما قتل منهم رجل في جاهلية و لا إسلام و إنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه و لا يبيد ملكه،فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ اللئيم البطر،و إن تدبر عني لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر،ثم نزل.


و قال الطرماح بن حكيم و كان يرى رأي الخوارج:

و إني لمقتاد جوادي فقاذف

به و بنفسي اليوم إحدى المتالف

لأكسب مالا أو أأوب إلى غنى

من الله يكفيني عداة الخلائف

فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن

على شرجع يعلى بخضر المطارف

و لكن قبري بطن نسر مقيله

بجو السماء في نسور عواكف

و أمسي شهيدا ثاويا في عصابة

يصابون في فج من الأرض خائف

فوارس أشتات يؤلف بينهم

هدى الله نزالون عند المواقف

قال ابن شبرمة:مررت يوما في بعض شوارع الكوفة،فإذا بنعش حوله رجال و عليه مطرف خز أخضر،فسألت عنه،فقيل:الطرماح،فعلمت أن الله تعالى لم يستجب له.و قال محمد بن هانئ:

و لم أجد الإنسان إلا ابن سعيه

فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا

و بالهمة العلياء ترقي إلى العلا

فمن كان أعلى همه كان أظهرا

و لم يتأخر من أراد تقدما

و لم يتقدم من أراد تأخرا

الرضي الموسويرحمه‌الله تعالى:

و من أخرته نفسه مات عاجزا

و من قدمته نفسه مات سيدا


و لهرحمه‌الله :

ما مقامي على الهوان و عندي

مقول صارم و أنف حمي

و إباء محلق بي عن الضيم

كما زاغ طائر وحشي

أبو الطيب المتنبي:

تقولين ما في الناس مثلك عاشق

جدي مثل من أحببته تجدي مثلي

محب كنى بالبيض عن مرهفاته

و بالحسن في أجسامهن عن الصقل

و بالسمر عن سمر القنا غير أنني

جناها أحبائي و أطرافها رسلي

عدمت فؤادا لم يبت فيه فضلة

لغير ثنايا الغر و الحدق النجل

تريدين إدراك المعالي رخيصة

و لا بد دون الشهد من أبر النحل

ابن الهبارية الهمم العلية و المهج الأبية تقرب المنية منك أو الأمنية.أبو تمام:

فتى النكبات من يأوي إذا ما

قطفن به إلى خلق و ساع

يثير عجاجة في كل فج

يهيم بها عدي بن الرقاع

يخوض مع السباع الماء حتى

لتحسبه السباع من السباع


فلب العزم إن حاولت يوما

بأن تستطيع غير المستطاع

فلم تركب كناجية المهاري

و لم تركب همومك كالزماع

و له أيضا:

إن خيرا مما رأيت من الصفح

عن النائبات و الإغماض

غربة تقتدي بغربة قيس

بن زهير و الحارث بن مضاض

غرضي نكبتين ما فتلا رأيا

فخافا عليه نكث انتقاض

من أبن البيوت أصبح في ثوب

من العيش ليس بالفضفاض

صلتان أعداؤه حيث حلوا

في حديث من ذكره مستفاض

و الفتى من تعرقته الليالي

و الفيافي كالحية النضناض

كل يوم له بصرف الليالي

فتكة مثل فتكة البراض

و له أيضا:

إن تريني ترى حساما صقيلا

مشرفيا من السيوف الحداد

ثاني الليل ثالث البيد و السير

نديم النجوم ترب السهاد

أخذ هذا اللفظ أبو عبادة البحتري فقال:

يا نديمي بالسواجير من شمس

بن عمرو و بحتر بن عتود


اطلبا ثالثا سواي فإني

رابع العيس و الدجى و البيد

لست بالعاجز الضعيف و لا القائل

يوما إن الغنى بالجدود

و إذا استصعبت مقادة أمر

سهلته أيدي المهاري القود

و قال الرضيرحمه‌الله تعالى:

و لم أر كالرجاء اليوم شيئا

تذل له الجماجم و الرقاب

و بعض العدم مأثرة و فخر

و بعض المال منقصة و عاب

بناني و العنان إذا نبت بي

ربا أرض و رجلي و الركاب

و قد عرفت توقلي الليالي

كما عرفت توقلي العقاب

لأمنع جانبا و أفيد عزا

و عز الموت ما عز الجناب

إذا هول دعاك فلا تهبه

فلم يبق الذين أبوا و هابوا

كليب عافصته يد و أودى

عتيبة يوم أقعصه ذؤاب

سواء من أقل الترب منا

و من وارى معالمه التراب

و إن مزايل العيش اعتباطا

مساو للذين بقوا و شابوا

و أولنا العناء إذا طلعنا

إلى الدنيا و آخرنا الذهاب

إلى كم ذا التردد في الأماني

و كم يلوي بناظري السراب

و لا نقع يثار و لا قتام

و لا طعن يشب و لا ضراب


و لا خيل معقدة النواصي

يموج على شكائمها اللعاب

عليها كل ملتهب الحواشي

يصيب من العدو و لا يصاب

سأخطبها بحد السيف فعلا

إذا لم يغن قول أو خطاب

و آخذها و إن رغمت أنوف

مغالبة و إن ذلت رقاب

قعد سليمان بن عبد الملك يعرض و يفرض،فأقبل فتى من بني عبس وسيم فأعجبه فقال:ما اسمك ؟ قال:سليمان.قال:ابن من ؟ قال ابن عبد الملك،فأعرض عنه و جعل يفرض لمن دونه،فعلم الفتى أنه كره موافقة اسمه و اسم أبيه،فقال:يا أمير المؤمنين،لا عدمت اسمك و لا شقي اسم يوافق اسمك فافرض،فإنما أنا سيف بيدك إن ضربت به قطعت و إن أمرتني أطعت،و سهم في كنانتك أشتد إن أرسلت،و أنفذ حيث وجهت،فقال له سليمان و هو يروزه و يختبره:ما قولك يا فتى لو لقيت عدوا ؟ قال:أقول حسبي الله و نعم الوكيل.قال سليمان:أكنت مكتفيا بهذا لو لقيت عدوك دون ضرب شديد ؟ قال الفتى:إنما سألتني يا أمير المؤمنين ما أنت قائل فأخبرتك،و لو سألتني ما أنت فاعل لأنبأتك أنه لو كان ذلك لضربت بالسيف حتى يتعقف،و لطعنت بالرمح حتى يتقصف،و لعلمت إن ألمت فإنهم يألمون،و لرجوت من الله ما لا يرجون،فأعجب سليمان به و ألحقه في العطاء بالأشراف و تمثل:

إذا ما اتقى الله الفتى ثم لم يكن

على أهله كلا فقد كمل الفتى


السر تحت قوله ثم لم يكن على أهله كلا يقال في المثل لا تكن كلا على أهلك فتهلك.عدي بن زيد:

فهل من خالد إما هلكنا

و هل بالموت يا للناس عار

الرضي الموسويرحمه‌الله تعالى:

إذا لم يكن إلا الحمام فإنني

سأكرم نفسي عن مقال اللوائم

و ألبسها حمراء تضفو ذيولها

من الدم بعدا عن لباس الملاوم

فمن قبل ما اختار ابن الأشعث عيشه

على شرف عال رفيع الدعائم

فطار ذميما قد تقلد عارها

بشر جناح يوم دير الجماجم

و جاءهم يجرى البريد برأسه

و لم يغن إيغال به في الهزائم

و قد حاص من خوف الردى كل حيصة

فلم ينج و الأفدار ضربة لازم

و هذا يزيد بن المهلب نافرت

به الذل أعراق الجدود الأكارم

فقال و قد عن الفرار أو الردى

لحا الله أخزى ذكرة في المواسم

و ما غمرات الموت إلا انغماسة

و لا ذي المنايا غير تهويم نائم


رأى أن هذا السيف أهون محملا

من العار يبقى وسمه في المخاطم

و ما قلد البيض المباتير عنقه

سوى الخوف من تقليدها بالأداهم

فعاف الدنايا و امتطى الموت شامخا

بمارن عز لا يذل لخاطم

و قد حلقت خوف الهوان بمصعب

قوادم آباء كرام المقادم

على حين أعطوه الأمان فعافه

و خير فاختار الردى غير نادم

و في خدره غراء من آل طلحة

علاقة قلب للنديم المخالم

تحبب أيام الحياة و إنها

لأعذب من طعم الخلود لطاعم

ففارقها و الملك لما رآهما

يجران إذلال النفوس الكرائم

و لما ألاح الحوفزان من الردى

ذاه المخازي رمح قيس بن عاصم

و غادرها شنعاء إن ذكرت له

من العار طأطأ رأس خزيان واجم

كذاك مني بعد الفرار أمية

بشقشقة لوثاء من آل دارم

و سل لها سل الحسام ابن معمر

فكر على أعقاب ناب بصارم

يردد ذكري كل نجد و غائر

و ألجم خوفي كل باع و ظالم

و هددني الأعداء في المهد لم يحن

نهوضي و لم تقطع عقود تمائمي

و عندي يوم لو يزيد و مسلم

بدا لهما لاستصغرا يوم واقم

على العز مت لا ميتة مستكينة

تزيل عن الدنيا بشم المراغم

و خاطر على الجلى خطار ابن حرة

و إن زاحم الأمر العظيم فزاحم


و من أباة الضيم و مؤثري الموت على الحياة الذليلة محمد و إبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن،بن الحسن،بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )،لما أحاطت عساكر عيسى بن موسى بمحمد،و هو بالمدينة قيل له:أنج بنفسك فإن لك خيلا مضمرة و نجائب سابقة فاقعد عليها و التحق بمكة أو باليمن،قال:إني إذا لعبد و خرج إلى الحرب يباشرها بنفسه و بمواليه،فلما أمسى تلك الليلة و أيقن بالقتل أشير عليه بالاستتار،فقال:إذن يستعرض عيسى أهل المدينة بالسيف،فيكون لهم يوم كيوم الحرة لا و الله لا أحفظ نفسي بهلاك أهل المدينة،بل أجعل دمي دون دمائهم،فبذل له عيسى الأمان على نفسه و أهله و أمواله،فأبى و نهد إلى الناس بسيفه لا يقاربه أحد إلا قتله،لا و الله ما يبقي شيئا و إن أشبه خلق الله به فيما ذكر هو حمزة بن عبد المطلب،و رمي بالسهام و دهمته الخيل،فوقف إلى ناحية جدار و تحاماه الناس،فوجد الموت فتحامل على سيفه فكسره فالزيدية تزعم أنه كان سيف رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )ذا الفقار.و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب مقال الطالبيين أن محمدا(عليه‌السلام )قال لأخته ذلك اليوم إني في هذا اليوم على قتال هؤلاء،فإن زالت الشمس و أمطرت السماء،فإني مقتول و إن زالت الشمس و لم تمطر السماء و هبت الريح،فإني أظفر بالقوم فأججي التنانير،و هيئي هذه الكتب يعني كتب البيعة الواردة عليه من الآفاق،فإن زالت الشمس و مطرت السماء،فاطرحي هذه الكتب في التنانير،فإن قدرتم على بدني


فخذوه،و إن لم تقدروا على رأسي فخذوا سائر بدني فأتوا به ظلة بني بلية على مقدار أربعة أذرع أو خمسة منها،فاحفروا لي حفيرة و ادفنوني فيها فمطرت السماء وقت الزوال،و قتل محمد(عليه‌السلام )،و كان عندهم مشهورا أن آية قتل النفس الزكية أن يسيل دم بالمدينة حتى يدخل بيت عاتكة،فكانوا يعجبون كيف يسيل الدم حتى يدخل ذلك البيت،فأمطرت السماء ذلك اليوم و سال الدم بالمطر حتى دخل بيت عاتكة،و أخذ جسده فحفر له حفيرة في الموضع الذي حده لهم،فوقعوا على صخرة فأخرجوها،فإذا فيها مكتوب هذا قبر الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه‌السلام )،فقالت زينب أخت محمد(عليه‌السلام ):رحم الله أخي كان أعلم حيث أوصى أن يدفن في هذا الموضع.و روى أبو الفرج قال:قدم على المنصور قادم،فقال:هرب محمد،فقال له:كذبت إنا أهل البيت لا نفر.و أما إبراهيم(عليه‌السلام )فروى أبو الفرج عن المفضل بن محمد الضبي قال:كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواريا عندي بالبصرة،و كنت أخرج و أتركه،فقال لي:إذا خرجت ضاق صدري فأخرج إلي شيئا من كتبك أتفرج به،فأخرجت إليه كتبا من الشعر،فاختار منها القصائد السبعين التي صدرت بها كتاب المفضليات،ثم أتممت عليها باقي الكتاب.فلما خرج خرجت معه فلما صار بالمربد مربد سليمان بن علي وقف عليهم و أمنهم،و استسقى ماء فأتي به فشرب فأخرج إليه صبيان من صبيانهم فضمهم إليه


و قال هؤلاء و الله منا و نحن منهم لحمنا و دمنا،و لكن آباءهم انتزوا على أمرنا و ابتزوا حقوقنا و سفكوا دماءنا،ثم تمثل:

مهلا بني عمنا ظلامتنا

إن بنا سورة من الغلق

لمثلكم نحمل السيوف و لا

تغمز أحسابنا من الرقق

إني لأنمي إذا انتميت إلى

عز عزيز و معشر صدق

بيض سباط كان أعينهم

تكحل يوم الهياج بالعلق

فقلت له:ما أجود هذه الأبيات و أفحلها فلمن هي ؟ فقال:هذه يقولها ضرار بن الخطاب الفهري يوم عبر الخندق على رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )،و تمثل بها علي بن أبي طالب يوم صفين،و الحسين يوم الطف،و زيد بن علي يوم السبخة،و يحيى بن زيد يوم الجوزجان ف،تطيرت له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل،ثم سرنا إلى باخمرى،فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتغير لونه و جرض بريقه،ثم أجهش باكيا و قال:اللهم إن كنت تعلم أن محمدا خرج يطلب مرضاتك و يؤثر أن تكون كلمتك العليا،و أمرك المتبع المطاع فاغفر له و ارحمه و ارض عنه،و اجعل ما نقلته إليه من الآخرة خيرا مما نقلته عنه من الدنيا،ثم انفجر باكيا،ثم تمثل:

أبا المنازل يا خير الفوارس من

يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

الله يعلم إني لو خشيتهم

أو آنس القلب من خوف لهم فزعا

لم يقتلوك و لم أسلم أخي لهم

حتى نعيش جميعا أو نموت معا

قال المفضل:فجعلت أعزيه و أعاتبه على ما ظهر من جزعه،فقال:إني و الله في هذا كما قال دريد بن الصمة:


يقول ألا تبكي أخاك و قد أرى

مكان البكا لكن بنيت على الصبر

لمقتل عبد الله و الهالك الذي

على الشرف الأعلى قتيل أبي بكر

و عبد يغوث تحجل الطير حوله

و جل مصابا جثو قبر على قبر

فأما ترينا لا تزال دماؤنا

لدى واتر يسعى بها آخر الدهر

فإنا للحم السيف غير نكيرة

و نلحمه طورا و ليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفى

بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدهر شطرين بيننا

فما ينقضي إلا و نحن على شطر

قال المفضل ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد فتمثل إبراهيم(عليه‌السلام )قوله:

إن يقتلوني لا تصب أرماحهم

ثأري و يسعى القوم سعيا جاهدا

نبئت أن بني جذيمة أجمعت

أمرا تدبره لتقتل خالدا

أرمي الطريق و إن رصدت بضيقه

و أنازل البطل الكمي الحاردا

فقلت له:من يقول هذا الشعر يا ابن رسول الله ؟ فقال:يقوله خالد بن جعفر بن كلاب يوم شعب جبلة،و هذا اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما.قال:و أقبلت عساكر أبي جعفر،فطعن رجلا و طعنه آخر،فقلت له:أتباشر القتال بنفسك و إنما العسكر منوط بك ؟ فقال:إليك يا أخا بني ضبة،فإني لكما قال عويف القوافي:

ألمت سعاد و إلمامها

أحاديث نفس و أحلامها

محجبة من بني مالك

تطاول في المجد أعلامها


و إن لنا أصل جرثومة

ترد الحوادث أيامها

ترد الكتيبة مفلولة

بها أفنها و بها ذامها

و التحمت الحرب و اشتدت،فقال:يا مفضل،احكني بشي‏ء فذكرت أبياتا لعويف القوافي لما كان ذكره هو من شعره فأنشدته:

ألا أيها الناهي فزارة بعد ما

أجدت لسير إما أنت ظالم

أبى كل حر أن يبيت بوتره

و تمنع منه النوم إذ أنت نائم

أقول لفتيان كرام تروحوا

على الجرد في أفواههن الشكائم

قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها

و من يخترم لا تتبعه اللوائم

و هل أنت إن باعدت نفسك عنهم

لتسلم فيما بعد ذلك سالم

فقال:أعد و تبينت من وجهه أنه يستقتل فانتهبت و قلت أو غير ذلك فقال:لا بل أعد الأبيات فأعدتها فتمطى في ركابيه فقطعهما،و حمل فغاب عني و أتاه سهم عائر فقتله،و كان آخر عهدي به(عليه‌السلام )قلت في هذا الخبر ما:

يحتاج إلى تفسير أما قوله إن بنا سورة من الغلق

فالغلق الضجر و ضيق الصدر و الحدة يقال:احتد فلان فنشب في حدته و غلق و السورة الوثوب يقال:إن لغضبه لسورة و إنه لسوار،أي:وثاب معربد و سورة الشراب وثوبه في الرأس،و كذلك سورة السم،و سورة السلطان سطوته و اعتداؤه.و أما قوله:لمثلكم نحمل السيوف فمعناه أن غيركم ليس بكف‏ء لنا لنحمل له السيوف،و إنما نحملها لكم ؛ لأنكم أكفاؤنا فنحن نحاربكم على الملك و الرئاسة،و إن كانت أحسابنا واحدة و هي شريفة لا مغمز فيها.


و الرقق بفتح الراء الضعف و منه قول الشاعر:

لم تلق في عظمها وهنا و لا رققا

و قوله:تكحل يوم الهياج بالعلق،فالعلق الدم يريد أن عيونهم حمر لشدة الغيظ و الغضب،فكأنها كحلت بالدم.و قوله:لكن بنيت على الصبر،أي:خلقت و بنيت بنية تقتضي الصبر و الشرف لأعلى العالي،و بنو أبي بكر بن كلاب من قيس عيلان،ثم أحد بني عامر بن صعصعة.و أما قوله:

إن يقتلوني لا تصب أرماحهم

فمعناه أنهم إن قتلوني،ثم حاولوا أن يصيبوا رجلا آخر مثلي يصلح أن يكون لي نظيرا و أن يجعل دمه بواء لدمي و سعوا في ذلك سعيا جاهدا،فإنهم لم يجدوا و لم يقدروا عليه.و قوله أرمي الطريق...البيت يقول أسلك الطريق الضيق،و لو جعل علي فيه الرصد لقتلي.و الحارد المنفرد في شجاعته الذي لا مثل له.

غلبة معاوية على الماء بصفين ثم غلبة علي عليه بعد ذلك

فأما حديث الماء و غلب أصحاب معاوية على شريعة الفرات بصفين،فنحن نذكره من كتاب صفين لنصر بن مزاحم.قال نصر:كان أبو الأعور السلمي على مقدمة معاوية،و كان قد ناوش مقدمة


علي(عليه‌السلام )و عليها الأشتر النخعي مناوشة ليست بالعظيمة،و قد ذكرنا ذلك فيما سبق من هذا الكتاب،و انصرف أبو الأعور عن الحرب راجعا،فسبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين،و ساق الأشتر يتبعه فوجده غالبا على الماء،و كان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق،فصدموا أبا الأعور و أزالوه عن الماء،فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه و قضيضه،فلما رآهم الأشتر انحاز إلى علي(عليه‌السلام )،و غلب معاوية و أهل الشام على الماء،و حالوا بين أهل العراق و بينه،و أقبل علي(عليه‌السلام )في جموعه فطلب موضعا لعسكره،و أمر الناس أن يضعوا أثقالهم و هم أكثر من مائة ألف فارس،فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي(عليه‌السلام )على خيولهم إلى جهة معاوية يتطاعنون و يرمون بالسهام،و معاوية بعد لم ينزل فناوشهم أهل الشام القتال فاقتتلوا هويا.قال نصر:فحدثني عمر بن سعد،عن سعد بن طريف،عن الأصبغ بن نباته،فكتب معاوية إلى علي(عليه‌السلام )عافانا الله و إياك:

ما أحسن العدل و الإنصاف من عمل

و أقبح الطيش ثم النفش في الرجل

و كتب بعده:

اربط حمارك لا تنزع سويته

إذا يرد و قيد العير مكروب

ليست ترى السيد زيدا في نفوسهم

كما يراه بنو كوز و مرهوب

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله

و الدرع محقبة و السيف مقروب

أو تأنفون فإنا معشر أنف

لا نطعم الضيم إن السم مشروب


فأمر علي(عليه‌السلام )أن يوزع الناس عن القتال حتى أخذ أهل الشام مصافهم،ثم قال:أيها الناس،إن هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة و من فلج فيه فلج يوم القيامة،ثم قال لما رأى نزول معاوية بصفين:

لقد أتانا كاشرا عن نابه

يهمط الناس على اعتزابه

فليأتينا الدهر بما أتى به

قال نصر:و كتب علي(عليه‌السلام )إلى معاوية جواب كتابه،أما بعد:

فإن للحرب عراما شررا

إن عليها قائدا عشنزرا

ينصف من أحجر أو تنمرا

على نواحيها مزجا زمجرا

إذا ونين ساعة تغشمرا

و كتب بعده:

ألم تر قومي إن دعاهم أخوهم

أجابوا و إن يغضب على القوم يغضبوا

هم حفظوا غيبي كما كنت حافظا

لقومي أخرى مثلها إن يغيبوا

بنو الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم

و آباؤهم آباء صدق فأنجبوا

قال:قد تراجع الناس كل من الفريقين إلى معسكرهم،و ذهب شباب من الناس إلى أن يستقوا،فمنعهم أهل الشام.قلت في هذه الألفاظ ما ينبغي أن يشرح.


قوله:فاقتتلوا هويا بفتح الهاء،أي:قطعة من الزمان و ذهب هوي من الليل،أي:فريق منه.و النفش كثرة الكلام و الدعاوي و أصله من نفش الصوف.و السوية كساء محشو بثمام و نحوه:كالبرذعة و كرب القيد إذا ضيقه على المقيد و قيد مكروب،أي:ضيق يقول لا تنزع برذعة حمارك عنه و اربطه و قيده،و إلا أعيد إليك و قيده ضيق و هذا مثل ضربه لعلي(عليه‌السلام )يأمره فيه بأن يردع جيشه عن التسرع و العجلة في الحرب.و زيد المذكور في الشعر هو زيد بن حصين،بن ضرار،بن عمرو،بن مالك،بن زيد بن كعب،بن بجالة بن ذهل،بن مالك،بن بكر،بن سعد،بن ضبة،بن أد،بن طابخة،بن إلياس،بن مضر،بن نزار،بن معد،بن عدنان،و هو المعروف بزيد الخيل،و كان فارسهم،و بنو السيد من ضبة أيضا،و هم بنو السيد بن مالك،بن بكر،بن سعد بن ضبة،بن أد بن طابخة...إلى آخر النسب و بنو السيد بنو عم زيد الفوارس ؛ لأنه من بني ذهل بن مالك،و هؤلاء بنو السيد بن مالك،و بينهم عداوة النسب يقول إن بني السيد لا يرون زيدا في نفوسهم كما تراه أهله الأدنون منه نسبا،و هم بنو كوز،و بنو مرهوب،فأما بنو كوز فإنهم بنو كوز بن كعب،بن بجالة،بن ذهل بن مالك،و أما بنو مرهوب،فإنهم بنو مرهوب بن عبيد،بن هاجر،بن كعب بن بجالة،بن ذهل بن مالك،يقول:نحن لا نعظم زيدا و لا نعتقد فيه من الفضيلة ما يعتقده أهله،و بنو عمه الأدنون و المثل لعلي(عليه‌السلام )،أي:نحن لا نرى في علي ما يراه أهل العراق من تعظيمه و تبجيله.و قوله:و الدرع محقبة و السيف مقروب،أي:و الدرع بحالها في حقابها ،و هو ما يشد به في غلافها و السيف بحاله ،أي:في قرابه


و هو جفنه يقال:حقبت الدرع و قربت السيف كلاهما ثلاثيان يقول:إن سألتم الحق أعطيناكموه من غير حاجة إلى الحرب بل نجيبكم إليه و الدروع بحالها لم تلبس،و السيوف في أجفانها لم تشهر.و أما إثبات النون في تأنفون،فإن الأصوب حذفها لعطف الكلمة على المجزوم قبلها و لكنه استأنف،و لم يعطف كأنه قال:أو كنتم تأنفون يقول و إن أنفتم و أبيتم إلا الحرب،فإنا نأنف مثلكم أيضا لا نطعم الضيم و لا نقبله،ثم قال:إن السم مشروب،أي:إن السم قد نشربه و لا نشرب الضيم،أي:نختار الموت على الضيم و الذلة و يروى:

و إن أنفتم فإنا معشر أنف

لا نطعم الضيم إن الضيم مرهوب

و الشعر لعبد الله بن عنمة الضبي من بني السيد و من جملته:

و قد أروح أمام الحي يقدمني

صافي الأديم كميت اللون منسوب

محنب مثل شاة الربل محتفز

بالقصريين على أولاه مصبوب

يبذ ملجمه هاد له تلع

كأنه من جذوع العين مشذوب

فذاك ذخري إذا ما خيلهم ركضت

إلى المثوب أو مقاء سرحوب

فأما قوله(عليه‌السلام ):هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة،أي:من تلطخ


فيه بعيب من فرار أو نكول عن العدو يقال:نطف فلان بالكسر إذا تدنس بعيب،و نطف أيضا إذا فسد يقول:من فسدت حاله اليوم في هذا الجهاد فسدت حاله غدا عند الله.قوله:من فلج فيه بفتح اللام،أي:من ظهر و فاز و كذلك يكون غدا عند الله يقال:فلج زيد على خصمه بالفتح يفلج بضم اللام،أي:ظهرت حجته عليه و في المثل من يأت الحكم وحده يفلج.قوله:يهمط الناس،أي:يقهرهم و يخبطهم و أصله الأخذ بغير تقدير.و قوله:على اعتزابه،أي:على بعده عن الإمارة و الولاية على الناس و العرام بالضم الشراسة،و الهوج و العشنزر الشديد القوي.و أحجر ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا حجرهم أو بيوتهم و تنمر،أي:تنكر حتى صار كالنمر.يقول هذا القائد الشديد القوي ينصف من يظلم الناس و يتنكر لهم،أي:ينصف منه فحذف حرف الجر كقوله:(وَ اِخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ)،أي:من قومه و المزج بكسر الميم السريع النفوذ،و أصله الرمح القصير كالمزراق.و رجل زمجر،أي:مانع حوزته و الميم زائدة،و من رواها زمخرا بالخاء عنى به المرتفع العالي الشأن،و جعل الميم زائدة أيضا من زخر الوادي،أي:علا و ارتفع.و غشمر السيل أقبل،و الغشمرة إثبات الأمر بغير تثبيت.يقول:إذا أبطأن ساقهن سوقا عنيفا.و الأبيات البائية لربيعة بن مقروم الطائي.قال نصر:حدثنا عمر بن سعد عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن


الأحمر قال:لما قدمنا على معاوية و أهل الشام بصفين،وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واسعا،و أخذوا الشريعة فهي في أيديهم،و قد صف عليها أبو الأعور الخيل و الرجالة،و قدم الرامية و معهم أصحاب الرماح و الدرق و على رءوسهم البيض،و قد أجمعوا أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام )،فأخبرناه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان،فقال:ائت معاوية و قل له إنا سرنا إليك مسيرنا هذا،و أنا كره لقتالكم قبل الإعذار إليكم،و إنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك،و بدأتنا بالحرب،و نحن ممن رأينا الكف حتى ندعوك و نحتج عليك،و هذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس و بين الماء فخل بينهم و بينه حتى ننظر فيما بيننا و بينكم،و فيما قدمنا له و قدمتم له،و إن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له،و ندع الناس يقتتلون حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية،قال معاوية لأصحابه:ما ترون ؟ فقال الوليد بن عقبة:أمنعهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء و لين الطعام،أقتلهم عطشا قتلهم الله.و قال عمرو بن العاص:خل بين القوم و بين الماء،فإنهم لن يعطشوا و أنت ريان،و لكن لغير الماء فانظر فيما بينك و بينهم.فأعاد الوليد مقالته.و قال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح،و كان أخا عثمان من الرضاعة:أمنعهم الماء إلى الليل،فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا و كان رجوعهم هزيمتهم أمنعهم الماء منعهم


الله يوم القيامة،فقال صعصعة بن صوحان:إنما يمنعه الله يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك،و ضرب هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة.فتواثبوا إليه يشتمونه و يتهددونه فقال معاوية:كفوا عن الرجل فإنما هو رسول.قال عبد الله بن عوف بن أحمر:إن صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية،و ما كان منه و ما رده عليه قلنا،و ما الذي رده عليك معاوية ؟ قال:لما أردت الانصراف من عنده قلت ما ترد علي قال:سيأتيكم رأيي قال:فو الله ما راعنا إلا تسوية الرجال و الصفوف و الخيل فأرسل إلى أبي الأعور امنعهم الماء فازدلفنا،و الله إليهم فارتمينا و أطعنا بالرماح و اضطربنا بالسيوف،فطال ذلك بيننا و بينهم حتى صار الماء في أيدينا،فقلنا:لا و الله لا نسقيهم،فأرسل إلينا علي(عليه‌السلام )أن خذوا من الماء حاجتكم،و ارجعوا إلى معسكركم،و خلوا بينهم و بين الماء،فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم و بغيهم.و روى نصر بن محمد بن عبد الله قال:قام ذلك اليوم رجل من أهل الشام من السكون يعرف بالشليل بن عمر إلى معاوية،فقال:

اسمع اليوم ما يقول الشليل

إن قولي قول له تأويل

امنع الماء من صحاب علي

أن يذوقوه فالذليل ذليل

و اقتل القوم مثل ما قتل الشيخ

صدى فالقصاص أمر جميل

إننا و الذي تساق له البدن

هدايا كأنهن الفيول

لو علي و صحبه وردوا الماء

لما ذقتموه حتى تقولوا


قد رضينا بأمركم و علينا

بعد ذاك الرضا جلاد ثقيل

فامنع القوم ماءكم ليس للقوم

بقاء و إن يكن فقليل

فقال معاوية:أما أنت فندري ما تقول،و هو الرأي و لكن عمرا لا يدري،فقال عمرو:خل بينهم و بين الماء،فإن عليا لم يكن ليظمأ و أنت ريان و في يده أعنة الخيل،و هو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت،و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق،و معه أهل العراق و أهل الحجاز

،و قد سمعته أنا مرارا و هو يقول:لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الأمر الأول.و روى نصر قال:لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة،و قال معاوية:يا أهل الشام،هذا و الله أول الظفر لا سقاني الله،و لا أبا سفيان أن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه و تباشر أهل الشام،فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يتأله،و يكثر العبادة يعرف بمعري بن أقبل،و كان صديقا لعمرو بن العاص و أخا له،فقال:يا معاوية،سبحان الله،لأن سبقتم القوم إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعوهم الماء،أما و الله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات،فينزلوا على فرضة أخرى و يجازوكم بما صنعتم أما تعلمون أن فيهم العبد،و الأمة و الأجير و الضعيف و من لا ذنب له هذا،و الله أول الجور لقد شجعت الجبان و نصرت المرتاب،و حملت من لا يريد قتالك على كتفيك،فأغلظ له معاوية و قال لعمرو:اكفني صديقك فأتاه عمرو فأغلظ له،فقال الهمداني في ذلك شعرا:

لعمر أبي معاوية بن حرب

و عمرو ما لدائمها دواء


سوى طعن يحار العقل فيه

و ضرب حين تختلط الدماء

و لست بتابع دين ابن هند

طوال الدهر ما أرسى حراء

لقد ذهب العتاب فلا عتاب

و قد ذهب الولاء فلا ولاء

و قولي في حوادث كل خطب

على عمرو و صاحبه العفاء

ألا لله درك يا ابن هند

لقد برح الخفاء فلا خفاء

أتحمون الفرات على رجال

و في أيديهم الأسل الظماء

و في الأعناق أسياف حداد

كأن القوم عندهم نساء

أترجو أن يجاوركم علي

بلا ماء و للأحزاب ماء

دعاهم دعوة فأجاب قوم

كجرب الإبل خالطها الهناء

قال:ثم سار الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي(عليه‌السلام ).قال:و مكث أصحاب علي(عليه‌السلام )بغير ماء،و اغتم علي(عليه‌السلام )بما فيه أهل العراق.قال نصر و حدثنا محمد بن عبد الله عن الجرجاني قال:لما اغتم علي بما فيه أهل العراق من العطش خرج ليلا قبل رايات مذحج،فإذا رجل ينشد شعرا:

أيمنعنا القوم ماء الفرات

و فينا الرماح و فينا الحجف

و فينا الشوازب مثل الوشيج

و فينا السيوف و فينا الزغف


و فينا علي له سورة

إذا خوفوه الردى لم يخف

و نحن الذين غداة الزبير

و طلحة خضنا غمار التلف

فما بالنا أمس أسد العرين

و ما بالنا اليوم شاء النجف

فما للعراق و ما للحجاز

سوى الشام خصم فصكوا الهدف

و ثوروا عليهم كبزل الجمال

دوين الذميل و فوق القطف

فإما تفوزوا بماء الفرات

و منا و منهم عليه جيف

و إما تموتوا على طاعة

تحل الجنان و تحبو الشرف

و إلا فأنتم عبيد العصا

و عبد العصا مستذل نطف

قال:فحرك ذلك عليا(عليه‌السلام )،ثم مضى إلى رايات كندة فإذا إنسان ينشد إلى جانب منزل الأشعث،و هو يقول:

لئن لم يجل الأشعث اليوم كربة

من الموت فيها للنفوس تعنت

فنشرب من ماء الفرات بسيفه

فهبنا أناسا قبل ذاك فموتوا

فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا

و تنض التي فيها عليك المذلة


فمن ذا الذي تثني الخناصر باسمه

سواك و من هذا إليه التلفت

و هل من بقاء بعد يوم و ليلة

نظل خفوتا و العدو يصوت

هلموا إلى ماء الفرات و دونه

صدور العوالي و الصفيح المشتت

و أنت امرؤ من عصبة يمنية

و كل امرئ من سنخه حين ينبت

قال:فلما سمع الأشعث قول الرجل قام فأتى عليا(عليه‌السلام )،فقال:يا أمير المؤمنين،أيمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فينا و السيوف في أيدينا خل عنا،و عن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت و مر الأشتر فليعل بخيله و يقف حيث تأمره،فقال علي(عليه‌السلام )ذلك إليكم.فرجع الأشعث فنادى في الناس من كان يريد الماء أو الموت فميعاده موضع كذا،فإني ناهض فأتاه اثنا عشر ألفا من كندة،و أفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم،فشد عليه سلاحه و نهض بهم حتى كاد يخالط أهل الشام و جعل يلقي رمحه و يقول لأصحابه:بأبي و أمي أنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا،فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم و حسر عن رأسه،و نادى أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء،فنادى أبو الأعور أما و الله حتى لا تأخذنا و إياكم السيوف،فقال الأشعث:


قد و الله أظنها دنت منا و منكم و كان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي فبعث إليه الأشعث أقحم الخيل،فأقحمها حتى وضعت سنابكها في الفرات،و أخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين.قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر و زيد بن الحسن قال:فنادى الأشعث عمرو بن العاص،فقال:ويحك يا ابن العاص خل بيننا و بين الماء،فو الله لئن لم تفعل لتأخذنا و إياكم السيوف،فقال:عمرو و الله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف و إياكم فيعلم ربنا أينا أصبر اليوم،فترجل الأشعث و الأشتر و ذوو البصائر من أصحاب علي(عليه‌السلام )و ترجل معهما اثنا عشر ألفا،فحملوا على عمرو و أبي الأعور و من معهما من أهل الشام فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي(عليه‌السلام )سنابكها في الماء.قال نصر فروى عمر بن سعد أن عليا(عليه‌السلام )قال:ذلك اليوم هذا يوم نصرتم فيه بالحمية.قال نصر:و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر،قال:سمعت تميما الناجي يقول سمعت الأشعث يقول حال عمرو بن العاص بيننا و بين الفرات فقلت له:ويحك يا عمرو،أما و الله إن كنت لأظن لك رأيا،فإذا أنت لا عقل لك أترانا نخليك و الماء تربت يداك أما علمت أنا معشر عرب ثكلتك أمك و هبلتك لقد رمت أمرا عظيما،فقال لي عمرو:أما و الله لتعلمن اليوم أنا سنفي بالعهد و نحكم العقد و نلقاكم


بصبر و جد فنادى به الأشتر يا ابن العاص،أما و الله لقد نزلنا هذه الفرضة و إنا لنريد القتال على البصائر و الدين،و ما قتالنا سائر اليوم إلا حمية،ثم كبر الأشتر و كبرنا معه و حملنا فما ثار الغبار حتى انهزم أهل الشام.قالوا فلقي عمرو بن العاص بعد انقضاء صفين الأشعث،فقال له:يا أخا كندة،أما و الله لقد أبصرت صواب قولك يوم الماء،و لكن كنت مقهورا على ذلك الرأي فكابرتك بالتهدد و الوعيد و الحرب خدعة.قال نصر:و لقد كان من رأي عمرو التخلية بين أهل العراق و الماء،و رجع معاوية بأخرة إلى قوله بعد اختلاط القوم في الحرب،فإن عمرا فيما روينا أرسل إلى معاوية أن خل بين القوم و بين الماء،أترى القوم يموتون عطشا و هم ينظرون إلى الماء،فأرسل معاوية إلى يزيد بن أسد القسري أن خل بين القوم و بين الماء يا أبا عبد الله،فقال يزيد و كان شديد العثمانية:كلا و الله لنقتلنهم عطشا كما قتلوا أمير المؤمنين.قال فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر،قال:خطب علي(عليه‌السلام )يوم الماء فقال:أما بعد فإن القوم قد بدءوكم بالظلم،و فاتحوكم بالبغي،و استقبلوكم بالعدوان،و قد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء فأقروا على مذلة و تأخير مهلة...الفصل إلى آخره.قال نصر:و كان قد بلغ أهل الشام أن عليا(عليه‌السلام )جعل للناس إن فتح الشام أن يقسم بينهم التبر و الذهب و هما الأحمران،و أن يعطي كلا منهم خمسمائة كما أعطاهم بالبصرة،فنادى ذلك اليوم منادي أهل الشام يا أهل العراق،لما ذا نزلتم بعجاج


من الأرض نحن أزد شنوءة لا أزد عمان يا أهل العراق:

لا خمس إلا جندل الأحرين

و الخمس قد تجشمك الأمرين

قال نصر:فحدثني عمرو بن شمر عن إسماعيل السدي عن بكر بن تغلب،قال:حدثني من سمع الأشعث يوم الفرات،و قد كان له غناء عظيم من أهل العراق،و قتل رجالا من أهل الشام بيده و هو يقول:و الله إن كنت لكارها قتال أهل الصلاة و لكن معي من هو أقدم مني في الإسلام و أعلم بالكتاب و السنة،فهو الذي يسخي بنفسه.


قال نصر:و حمل ظبيان بن عمارة التميمي على أهل الشام و هو يقول:

هل لك يا ظبيان من بقاء

في ساكني الأرض بغير ماء

لا و إله الأرض و السماء

فاضرب وجوه الغدر الأعداء

بالسيف عند حمس الهيجاء

حتى يجيبوك إلى السواء

قال:فضربهم و الله حتى خلوا له الماء.قال نصر:و دعا الأشتر بالحارث بن همام النخعي،ثم الصهباني فأعطاه لواءه و قال له:يا حارث،لو لا أني أعلم أنك تصبر عند الموت لأخذت لوائي منك و لم أحبك بكرامتي،فقال:و الله يا مالك،لأسرنك أو لأموتن فاتبعني،ثم تقدم باللواء و ارتجز فقال:

يا أخا الخيرات يا خير النخع

و صاحب النصر إذا عم الفزع

و كاشف الخطب إذا الأمر وقع

ما أنت في الحرب العوان بالجذع

قد جزع القوم و عموا بالجزع

و جرعوا الغيظ و غصوا بالجرع

إن تسقنا الماء فليست بالبدع

أو نعطش اليوم فجند مقتطع

ما شئت خذ منها و ما شئت فدع

فقال الأشتر:ادن مني يا حارث،فدنا منه فقبل رأسه،فقال:لا يتبع رأسه اليوم إلا خير،ثم صاح الأشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدوا شدة المحرج الراجي للفرج،فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها،فإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل على نواجذه،فإنه أشد لشئون الرأس،ثم استقبلوا القوم بهامكم.


قال:و كان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب،و قتل بيده من أهل الشام من فرسانهم و صناديدهم سبعة صالح بن فيروز العكي،و مالك بن أدهم السلماني،و رياح بن عتيك الغساني،و الأجلح بن منصور الكندي،و كان فارس أهل الشام،و إبراهيم بن وضاح الجمحي،و زامل بن عبيد الحزامي،و محمد بن روضة الجمحي.قال نصر:فأول قتيل قتله الأشتر بيده ذلك اليوم صالح بن فيروز ارتجز على الأشتر،و قال له:

يا صاحب الطرف الحصان الأدهم

أقدم إذا شئت علينا أقدم

أنا ابن ذي العز و ذي التكرم

سيد عك كل عك فاعلم

قال:و كان صالح مشهورا بالشدة و البأس،فارتجز عليه الأشتر فقال له:

أنا ابن خير مذحج مركبا

و خيرها نفسا و أما و أبا

آليت لا أرجع حتى أضربا

بسيفي المصقول ضربا معجبا

،ثم شد عليه فقتله فخرج إليه مالك بن أدهم السلماني،و هو من مشهوريهم أيضا فحمل على الأشتر بالرمح،فلما رهقه التوى الأشتر على فرسه و مار السنان فأخطأه،ثم استوى على فرسه و شد على الشامي فقتله طعنا بالرمح،ثم قتل بعده رياح بن عقيل و إبراهيم بن وضاح،ثم برز إليه زامل بن عقيل و كان فارسا،فطعن الأشتر في موضع الجوشن فصرعه عن فرسه و لم يصب مقتلا،و شد عليه الأشتر بالسيف راجلا فكشف قوائم فرسه،و ارتجز عليه،فقال:


لا بد من قتلي أو من قتلكا

قتلت منكم أربعا من قبلكا

كلهم كانوا حماة مثلكا

ثم ضربه بالسيف و هما راجلان فقتله،ثم خرج إليه محمد بن روضة،فقال:و هو يضرب في أهل العراق ضربا منكرا:

يا ساكني الكوفة يا أهل الفتن

يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن

أورث قلبي قتله طول الحزن

أضربكم و لا أرى أبا حسن

فشد عليه الأشتر فقتله و قال:

لا يبعد الله سوى عثمانا

و أنزل الله بكم هوانا

و لا يسلى عنكم الأحزانا

ثم برز إليه الأجلح بن منصور الكندي،و كان من شجعان العرب و فرسانها،و هو على فرس له اسمه لاحق فلما استقبله الأشتر كره لقاءه و استحيا أن يرجع عنه،فتضاربا بسيفيهما فسبقه الأشتر بالضربة فقتله،فقالت أخته ترثيه:

ألا فابكي أخا ثقة

فقد و الله أبكينا

لقتل الماجد القمقام

لا مثل له فينا

أتانا اليوم مقتله

فقد جزت نواصينا

كريم ماجد الجدين

يشفي من أعادينا

شفانا الله من أهل

العراق فقد أبادونا

أما يخشون ربهم

و لم يرعوا له دينا


قال و بلغ شعرها عليا(عليه‌السلام )،فقال:أما إنهن ليس بملكهن ما رأيتم من الجزع،أما إنهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى حزانى بائسات،قاتل الله معاوية،اللهم حمله آثامهم و أوزارا و أثقالا مع أثقاله،اللهم لا تعف عنه.قال نصر:و حدثنا عمرو بن شمر،عن جابر،عن الشعبي،عن الحارث بن أدهم،و عن صعصعة قال:أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء،و هو يقول:

لا تذكروا ما قد مضى وفاتا

و الله ربي الباعث الأمواتا

من بعد ما صاروا كذا رفاتا

لأوردن خيلي الفراتا

شعث النواصي أو يقال ماتا

قال:و كان لواء الأشعث بن قيس مع معاوية بن الحارث،فقال له الأشعث:لله أبوك ليست النخع بخير من كندة قدم لواءك،فإن الحظ لمن سبق فتقدم لواء الأشعث ،و حملت الرجال بعضها على بعض ،و حمل في ذلك اليوم أبو الأعور السلمي ،و حمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما من صاحبه ،و حمل شرحبيل بن السمط على الأشعث فكانا كذلك ،و حمل حوشب ذو ظليم على الأشعث أيضا و انفصلا ،و لم ينل أحدهما من صاحبه أمرا فما زالوا كذلك حتى انكشف أهل الشام عن الماء ،و ملك أهل العراق المشرعة.قال نصر:فحدثنا محمد بن عبد الله عن الجرجاني قال:قال عمرو بن العاص لمعاوية:لما ملك أهل العراق الماء ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك اليوم الماء كما منعتهم ؟


أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوأة،فقال معاوية:دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي.قال:ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه و أن الذي جاء له غير الماء.قال:فقال له معاوية قولا أغضبه،فقال عمرو:

أمرتك أمرا فسخفته

و خالفني ابن أبي سرحة

و أغمضت في الرأي إغماضة

و لم تر في الحرب كالفسحة

فكيف رأيت كباش العراق

ألم ينطحوا جمعنا نطحة

فإن ينطحونا غدا مثلها

نكن كالزبيري أو طلحة

أظن لها اليوم ما بعدها

و ميعاد ما بيننا صبحه

و إن أخروها لما بعدها

فقد قدموا الخبط و النفحة

و قد شرب القوم ماء الفرات

و قلدك الأشتر الفضحة

قال نصر:فقال أصحاب علي(عليه‌السلام )له امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك،فقال،لا خلوا بينهم و بينه لا أفعل ما فعله الجاهلون سنعرض عليهم كتاب الله و ندعوهم إلى الهدى،فإن أجابوا و إلا ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله.قال:فو الله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم و سقاة أهل الشام و رواياهم و روايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا


52.و من خطبة له(عليه‌السلام )

(و قد تقدم مختارها برواية و نذكر ما نذكره هنا برواية أخرى لتغاير الروايتين:أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا [ سَاكِنِيهَا ] وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا وَ قَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْواً وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ اَلْإِدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ اَلْمَقْلَةِ لَوْ تَمَزَّزَهَا اَلصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ فَأَزْمِعُوا عَبِادَ اَللَّهِ اَلرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ اَلدَّارِ اَلْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا اَلزَّوَالُ وَ لاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا اَلْأَمَلُ وَ لاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا اَلْأَمَدُ فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ اَلْوُلَّهِ اَلْعِجَالِ وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ اَلْحَمَامِ وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي اَلرُّهْبَانِ وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مِنَ اَلْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ اِلْتِمَاسَ اَلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي اِرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلاً فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَ بِاللَّهِ تَاللَّهِ لَوِ اِنْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ اِنْمِيَاثاً وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا مَا اَلدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ اَلْعِظَامَ وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ)


تصرمت انقطعت و فنيت و آذنت بانقضاء أعلمت بذلك آذنته بكذا،أي:أعلمته و تنكر معروفها جهل منها ما كان معروفا.و الحذاء السريعة الذهاب و رحم حذاء مقطوعة غير موصولة،و من رواه جذاء بالجيم أراد منقطعة الدر و الخير.و تحفر بالفناء سكانها تعجلهم و تسوقهم و أمر الشي‏ء صار مرا و كدر الماء بكسر الدال،و يجوز كدر بضمها و المصدر من الأول كدرا و من الثاني كدورة.و السملة بفتح الميم البقية من الماء تبقى في الإناء،و المقلة بفتح الميم و تسكين القاف حصاة القسم التي تلقى في الماء ليعرف قدر ما يسقى كل واحد منهم،و ذلك عند قلة الماء في المفاوز قال:

قذفوا سيدهم في ورطة

قذفك المقلة وسط المعترك

و التمزز تمصص الشراب قليلا قليلا و الصديان العطشان.و لم ينقع لم يرو و هذا يمكن أن يكون لازما،و يمكن أن يكون متعديا تقول نقع الرجل بالماء،أي:روي و شفى غليله ينقع و نقع الماء الصدى ينقع،أي:سكنه.فأزمعوا الرحيل،أي:اعزموا عليه يقال أزمعت الأمر و لا يجوز أزمعت على الأمر و أجازه الفراء.قوله المقدور على أهلها الزوال،أي:المكتوب قال:

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر

في الصحف الأولى الذي كان سطر


أي:كتب و الوله العجال النوق الوالهة الفاقدة أولادها الواحدة عجول و الوله ذهاب العقل،و فقد التمييز،و هديل الحمام صوت نوحه و الجؤار صوت مرتفع،و المتبتل المنقطع عن الدنيا،و انماث القلب،أي:ذاب.و قوله،و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم اعتراض في الكلام.و أنعمه منصوب ؛ لأنه مفعول جزت.و في هذا الكلام تلويح و إشارة إلى مذهب البغداديين من أصحابنا في أن الثواب على فعل الطاعة غير واجب ؛ لأنه شكر النعمة فلا يقتضي وجوب ثواب آخر،و هو قوله(عليه‌السلام ):لو انماثت قلوبكم انمياثا...إلى آخر الفصل.و أصحابنا البصريون لا يذهبون إلى ذلك،بل يقولون إن الثواب واجب على الحكيم سبحانه ؛ لأنه قد كلفنا ما يشق علينا،و تكليف المشاق كإنزال المشاق فكما اقتضت الآلام،و المشاق النازلة بنا من جهته سبحانه أعواضا مستحقه عليه تعالى عن إنزالها بنا،كذلك تقتضي التكليفات الشاقة ثوابا مستحقا عليه تعالى عن إلزامه إيانا بها قالوا،فأما ما سلف من نعمه علينا فهو تفضل منه تعالى،و لا يجوز في الحكمة أن يتفضل الحكيم على غيره بأمر من الأمور،ثم يلزمه أفعالا شاقة و يجعلها بإزاء ذلك التفضل إلا إذا كان في تلك الأمور منافع عائدة على ذلك الحكيم،فكان ما سلف من المنافع جاريا مجرى الأجرة كمن يدفع درهما إلى إنسان ليخيط له ثوبا،و البارئ تعالى منزه عن المنافع و نعمه علينا منزهة أن تجري مجرى الأجرة على تكليفنا المشاق.و أيضا فقد يتساوى اثنان من الناس في النعم المنعم بها عليهما،و يختلفان في التكاليف


فلو كان التكليف لأجل ما مضى من النعم لوجب أن يقدر بحسبها،فإن قيل فعلى ما ذا يحمل كلام أمير المؤمنين(عليه‌السلام )و فيه إشارة إلى مذهب البغداديين.قيل إنه(عليه‌السلام )،لم يصرح بمذهب البغداديين،و لكنه قال:لو عبدتموه بأقصى ما ينتهي الجهد إليه و ما وفيتم بشكر أنعمه،و هذا حق غير مختلف فيه ؛ لأن نعم البارئ تعالى لا تقوم العباد بشكرها و إن بالغوا في عبادته و الخضوع له و الإخلاص في طاعته و لا يقتضي صدق هذه القضية،و صحتها صحة مذهب البغداديين في أن الثواب على الله تعالى غير واجب ؛ لأن التكليف إنما كان باعتبار أنه شكر النعمة السالفة.

ما قيل من الأشعار في ذم الدنيا

فأما ما قاله الناس في ذم الدنيا،و غرورها،و حوادثها،و خطوبها،و تنكرها لأهلها،و الشكوى منها،و العتاب لها،و الموعظة بها،و تصرمها و تقلبها فكثير من ذلك قول بعضهم:

هي الدنيا تقول بمل‏ء فيها

حذار حذار من بطشي و فتكي

فلا يغرركم حسن ابتسامي

فقولي مضحك و الفعل مبك

و قال آخر:

تنح عن الدنيا و لا تطلبنها

ولا تخطبن قتالة من تناكح

فليس يفي مرجوها بمخوفها

و مكروهها إما تأملت راجح

لقد قال فيها القائلون فأكثروا

و عندي لها وصف لعمرك صالح

سلاف قصاراها ذعاف و مركب

شهي إذا استلذذته فهو جامح

و شخص جميل يعجب الناس حسنه

و لكن له أفعال سوء قبائح


و قال أبو الطيب:

أبدا تسترد ما تهب الدنيا

فيا ليت جودها كان بخلا

و هي معشوقه على الغدر لا تحفظ

عهدا و لا تتم وصلا

كل دمع يسيل منها عليها

و بفك اليدين عنها تخلى

شيم الغانيات فيها و لا أدري

لذا أنث اسمها الناس أم لا

و قال آخر:

إنما الدنيا عوار

و العواري مسترده

شدة بعد رخاء

و رخاء بعد شده

و قال محمد بن هانئ المغربي:

و ما الناس إلا ظاعن فمودع

و ثاو قريح الجفن يبكي لراحل

فما الدهر إلا كالزمان الذي مضى

و لا نحن إلا كالقرون الأوائل

نساق من الدنيا إلى غير دائم

و نبكي من الدنيا على غير طائل

فما عاجل نرجوه إلا كآجل

و لا آجل نخشاه إلا كعاجل

و قال ابن المظفر المغربي:

دنياك دار غرور

و نعمة مستعاره

و دار أكل و شرب

و مكسب و تجاره

و رأس مالك نفس

فخف عليها الخساره


و لا تبعها بأكل

و طيب عرف و شاره

فإن ملك سليمان

لا يفي بشراره

و قال أبو العتاهية:

ألا إنما التقوى هي البر و الكرم

و حبك للدنيا هو الفقر و العدم

و ليس على عبد تقي غضاضة

إذا صحح التقوى و إن حاك أو حجم

و قال أيضا:

تعلقت بآمال

طوال أي آمال

و أقبلت على الدنيا

ملحا أي إقبال

أيا هذا تجهز

لفراق الأهل و المال

فلا بد من الموت

على حال من الحال

و قال أيضا:

سكن يبقى له سكن

ما بهذا يؤذن الزمن

نحن في دار يخبرنا

ببلاها ناطق لسن

دار سوء لم يدم فرح

لامرئ فيها و لا حزن

في سبيل الله أنفسنا

كلنا بالموت مرتهن

كل نفس عند موتتها

حظها من مالها الكفن

إن مال المرء ليس له

منه إلا ذكره الحسن


و قال أيضا:

ألا إننا كلنا بائد

و أي بني آدم خالد

و بدؤهم كان من ربهم

و كل إلى ربه عائد

فوا عجبا كيف يعصي الإله

أم كيف يجحده الجاحد

و في كل شي‏ء له آية

تدل على أنه الواحد

و قال الرضي الموسوي:

يا آمن الأيام بادر صرفها

و اعلم بأن الطالبين حثاث

خذ من ثرائك ما استطعت فإنما

شركاؤك الأيام و الوراث

لم يقض حق المال إلا معشر

نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا

تحثو على عيب الغني يد الغنى

و الفقر عن عيب الفتى بحاث

المال مال المرء ما بلغت به

الشهوات أو دفعت به الأحداث

ما كان منه فاضلا عن قوته

فليعلمن بأنه ميراث

ما لي إلى الدنيا الدنية حاجة

فليجن ساحر كيدها النفاث

طلقتها ألفا لأحسم داءها

و طلاق من عزم الطلاق ثلاث

و ثباتها مرهوبة و عداتها

مكذوبة و حبالها أنكاث

أم المصائب لا تزال تروعنا

منها ذكور حوادث و إناث

إني لأعجب للذين تمسكوا

بحبائل الدنيا و هن رثاث

كنزوا الكنوز و اعقلوا شهواتهم

فالأرض تشبع و البطون غراث

أ تراهم لم يعلموا أن التقى

أزوادنا و ديارنا الأجداث


و قال آخر:

هذه الدنيا إذا صرفت

وجهها لم تنفع الحيل

و إذا ما أقبلت لعم

بصرته كيف يفتعل

و إذا ما أدبرت لذكي

غاب عنه السهل و الجبل

فهي كالدولاب دائرة

ترتقي طورا و تستفل

في زمان صار ثعلبة

أسدا و استذاب الحمل

فالذنابى فيه ناصية

و النواصي خشع ذلل

فاصبري يا نفس و احتملي

إن نفس الحر تحتمل

و قال أبو الطيب:

نعد المشرفية و العوالي

و تقتلنا المنون بلا قتال

و نرتبط السوابق مقربات

و ما ينجين من خبب الليالي

و من لم يعشق الدنيا قديما

و لكن لا سبيل إلى الوصال

نصيبك في حياتك من حبيب

نصيبك في منامك من خيال

رماني الدهر بالأرزاء حتى

فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام

تكسرت النصال على النصال

و هان فما أبالي بالرزايا

لأني ما انتفعت بأن أبالي

يدفن بعضنا بعضا و يمشي

أواخرنا على هام الأوالي

و كم عين مقبلة النواحي

كحيل في الجنادل و الرمال


و مغض كان لا يغضي لخطب

و بال كان يفكر في الهزال

و قال أبو العتاهية في أرجوزته المشهورة في ذم الدنيا،و فيها أنواع مختلفة من الحكمة:

ما زالت الدنيا لنا دار أذى

ممزوجة الصفو بألوان القذى

الخير و الشر بها أزواج

لذا نتاج و لذا نتاج

من لك بالمحض و ليس محض

يخبث بعض و يطيب بعض

لكل إنسان طبيعتان

خير و شر و هما ضدان

و الخير و الشر إذا ما عدا

بينهما بون بعيد جدا

إنك لو تستنشق الشحيحا

وجدته أنتن شي‏ء ريحا

حسبك مما تبتغيه القوت

ما أكثر القوت لمن يموت

الفقر فيما جاوز الكفافا

من اتقى الله رجا و خافا

هي المقادير فلمني أو فذر

إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

لكل ما يؤذي و إن قل ألم

ما أطول الليل على من لم ينم

ما انتفع المرء بمثل عقله

و خير ذخر المرء حسن فعله

إن الفساد ضده الصلاح

و رب جد جره المزاح

من جعل النمام عينا هلكا

مبلغك الشر كباغيه لكا

إن الشباب و الفراغ و الجده

مفسدة للمرء أي مفسده

يغنيك عن كل قبيح تركه

قد يوهن الرأي الأصيل شكه

ما عيش من آفته بقاه

نغص عيشا ناعما فناه


يا رب من أسخطنا بجهده

قد سرنا الله بغير حمده

ما تطلع الشمس و لا تغيب

إلا لأمر شأنه عجيب

لكل شي‏ء قدر و جوهر

و أوسط و أصغر و أكبر

و كل شي‏ء لاحق بجوهره

أصغره متصل بأكبره

من لك بالمحض و كل ممتزج

وساوس في الصدر منك تعتلج

عجبت و استغرقني السكوت

حتى كأني حائر مبهوت

إذا قضى الله فكيف أصنع

و الصمت إن ضاق الكلام أوسع

و قال أيضا:

كل على الدنيا له حرص

و الحادثات لنا بها قرص

و كان من واروه في جدث

لم يبد منه لناظر شخص

يهوى من الدنيا زيادتها

و زيادة الدنيا هي النقص

ليد المنية في تلطفها

عن ذخر كل نفيسة فحص

و قال أيضا:

أبلغ الدهر في مواعظه بل

زاد فيهن لي من الإبلاغ

أي عيش يكون أطيب من عيش

كفاف قوت بقدر البلاغ

غصبتني الأيام أهلي و مالي

و شبابي و صحتي و فراغي

صاحب البغي ليس يسلم منه

و على نفسه بغي كل باغ

رب ذي نعمة تعرض منها

حائل بينه و بين المساغ


و قال ابن المعتز:

حمدا لربي و ذما للزمان فما

أقل في هذه الدنيا مسراتي

كفت يدي أملى عن كل مطلب

و أغلقت بابها من دون حاجاتي

و له أيضا:

ألست ترى يا صاح ما أعجب الدهرا

فذما له لكن للخالق الشكرا

لقد حبب الموت البقاء الذي أرى

فيا حبذا مني لمن سكن القبرا

و سبحان ربي راضيا بقضائه

و كان اتقائي الشر يغري بي الشرا

و له:

قل لدنياك قد تمكنت مني

فافعلي ما أردت أن تفعلي بي

و اخرقي كيف شئت خرق جهول

إن عندي لك اصطبار لبيب

و قال أبو العلاء المعري:

و الدهر إبرام و نقض و تفريق

و جمع و نهار و ليل

لو قال لي صاحبه سمه

ما جزت عن ناجية أو بديل

و قال آخر:

و الدهر لا يبقى على حالة

لا بد أن يدبر أو يقبلا

و قال أبو الطيب:

ما لي و للدنيا طلابي نجومها

و مسعاي منها في شدوق الأراقم


و قال آخر:

لعمرك ما الأيام إلا معارة

فما اسطعت من معروفها فتزود

و قال آخر:

لعمرك ما الأيام إلا كما ترى

رزية مال أو فراق حبيب

الوزير المهلبي:

ألا موت يباع فأشتريه

فهذا العيش ما لا خير فيه

ألا رحم المهيمن نفس حر

تصدق بالممات على أخيه

و له:

أشكو إلى الله أحداثا من الزمن

يبرينني مثل بري القدح بالسفن

لم يبق بالعيش لي إلا مرارته

إذا تذوقته و الحلو منه فني

لا تحسبن نعما سرتك صحبتها

إلا مفاتيح أبواب من الحزن

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

ألا أيها الدهر الذي قد مللته

سألتك إلا ما سللت حياتي

فقد و جلال الله حببت جاهدا

إلي على كره الممات مماتي

و له:

ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى

و يسلب ما أعطى و يفسد ما أسدى

فمن سره ألا يرى ما يسوءه

فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا

البحتري:

كان الليالي أغريت حادثاتها

بحب الذي نأبى و بغض الذي نهوى


و من عرف الأيام لم ير خفضها نعيما و لم يعدد مضرتها بلوى

أبو بكر الخوارزمي:

ما أثقل الدهر على من ركبه

حدثني عنه لسان التجربه

لا تشكر الدهر لخير سببه

فإنه لم يتعمد بالهبه

و إنما أخطأ فيك مذهبه

كالسيل قد يسقي مكانا أخربه

و السم يستشفي به من شربه

و قال آخر:

يسعى الفتى في صلاح العيش مجتهدا

و الدهر ما عاش في إفساده ساعى

آخر:

يغر الفتى مر الليالي سليمة

و هن به عما قليل عواثر

آخر:

إذا ما الدهر جر على أناس

كلاكله أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

آخر:

قل لمن أنكر حالا منكره

و رأى من دهره ما حيره

ليس بالمنكر ما أنكرته

كل من عاش رأى ما لم يره

ابن الرومي:

سكن الزمان و تحت سكنته

دفع من الحركات و البطش


كالأفعوان تراه منبطحا

بالأرض ثم يثور للنهش

أبو الطيب:

أنا لفي زمن ترك القبيح به

من أكثر الناس إحسان و إجمال

ذكر الفتى عمره الثاني و حاجته

ما قاته و فضول العيش أشغال

و قال آخر:

جار الزمان علينا في تصرفه

و أي حر عليه الدهر لم يجر

عندي من الدهر ما لو أن أيسره

يلقى على الفلك الدوار لم يدر

آخر:

هذا الزمان الذي كنا نحاذره

فيما يحدث كعب و ابن مسعود

إن دام هذا و لم تعقب له غير

لم يبك ميت و لم يفرح بمولود

آخر:

يا زمانا ألبس

الأحرار ذلا و مهانه

لست عندي بزمان

إنما أنت زمانه

أ جنون ما نراه

منك يبدو أم مجانه

الرضي الموسوي:

تأبى الليالي أن تديما

بؤسا لخلق أو نعيما

و المرء بالإقبال يبلغ

وادعا خطرا جسيما

فإذا انقضى إقباله

رجع الشفيع له خصيما


و هو الزمان إذا نبا

سلب الذي أعطى قديما

كالريح ترجع عاصفا

من بعد ما بدأت نسيما

أبو عثمان الخالدي:

ألفت من حادثات الدهر أكبرها

فما أعادي على أحداثها الصغر

تزيدني قسوة الأيام طيب نثا

كأنني المسك بين الفهر و الحجر

السري الرفاء:

تنكد هذا الدهر فيما يرومه

على أنه فيما نحاذره ندب

فسير الذي نرجوه سير مقيد

و سير الذي نخشى غوائله وثب

ابن الرومي:

ألا إن في الدنيا عجائب جمة

و أعجبها ألا يشيب وليدها

إذا ذل في الدنيا الأعزاء و اكتست

أذلتها عزا و ساد مسودها

هناك فلا جادت سماء بصوبها

و لا أمرعت أرض و لا اخضر عودها

أرى الناس مخسوفا بهم غير أنهم

على الأرض لم يقلب عليهم صعيدها

و ما الخسف أن يلفى أسافل بلدة

أعاليها بل أن يسود عبيدها

السري الرفاء:

لنا من الدهر خصم لا نطالبه

فما على الدهر لو كفت نوائبه

يرتد عنه جريحا من يسالمه

فكيف يسلم منه من يحاربه

و لو أمنت الذي تجنى أراقمه

علي هان الذي تجنى عقاربه


أبو فراس بن حمدان:

تصفحت أحوال الزمان و لم يكن

إلى غير شاك للزمان وصول

أكل خليل هكذا غير منصف

و كل زمان بالكرام بخيل

ابن الرومي:

رأيت الدهر يرفع كل وغد

و يخفض كل ذي شيم شريفه

كمثل البحر يغرق فيه حي

و لا ينفك تطفو فيه جيفه

أو الميزان يخفض كل واف

و يرفع كل ذي زنة خفيفه

ابن نباتة:

و أصغر عيب في زمانك أنه

به العلم جهل و العفاف فسوق

و كيف يسر الحر فيه بمطلب

و ما فيه شي‏ء بالسرور حقيق

أبو العتاهية:

لتجذبني يد الدنيا بقوتها

إلى المنايا و إن نازعتها رسني

لله دنيا أناس دائبين لها

قد ارتعوا في غياض الغي و الفتن

كسائمات رواع تبتغي سمنا

و حتفها لو درت في ذلك السمن

و له أيضا:

أنساك محياك المماتا

فطلبت في الدنيا الثباتا


و قال يزيد بن مفرغ الحميري:

لا ذعرت السوام في فلق الصبح

مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المخافة ضيما

و المنايا يرصدنني أن أحيدا

و قال آخر:

لا تحسبيني يا أمامة

عاجزا دنسا ثيابه

إني إذا خفت الهوان

مشيع ذلل ركابه

مثله قول عنترة:

ذلل ركابي حيث شئت مشايعي

لبي و أحفزه برأي مبرم

و قال آخر:

أخشية الموت در دركم

أعطيتم القوم فوق ما سألوا

إنا لعمر الإله نأبى الذي قالوا

و لما تقصف الأسل

نقبل ضيما و نحن نعرفه

ما دام منا بظهرها رجل

و قال آخر:

و رب يوم حبست النفس مكرهة

فيه لأكبت أعداء أحاشيها

آبى و آنف من أشياء آخذها

رث القوى و ضعيف القوم يعطيها

مثله للشداخ:

أبينا فلا نعطي مليكا ظلامة

و لا سوقة إلا الوشيج المقوما


تروم الخلد في دار التفاني

و كم قد رام قبلك ما تروم

لأمر ما تصرمت الليالي

و أمر ما تقلبت النجوم

تنام و لم تنم عنك المنايا

تنبه للمنية يا نئوم

إلى ديان يوم الدين نمضي

و عند الله تجتمع الخصوم

حسبنا الله وحده و صلواته على خيرته من خلقه سيدنا محمد و آله الطاهرين

تم الجزء الثالث ،و يليه الجزء الرابع و أوله في ذكر يوم النحر و صفة الأضحية


الفهرس

كتاب شرح نهج البلاغة الجزء الثالث ابن أبي الحديد 1

بقية رد المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان 4

ذكر المطاعن التي طعن بها على عثمان و الرد عليها 11

بيعة جرير بن عبد الله البجلي لعلي( عليه‌السلام ) 70

بيعة الأشعث لعلي 73

دعوة علي معاوية إلى البيعة و الطاعة و رد معاوية عليه 74

أخبار متفرقة 91

مفارقة جرير بن عبد الله البجلي لعلي 115

نسب جرير بن عبد الله البجلي و بعض أخباره 117

نسب بني ناجية 120

نسب علي بن الجهم و ذكر طائفة من أخباره و شعره 122

نسب مصقلة بن هبيرة 127

خبر بني ناجية مع علي 127

قصة الخريت بن راشد الناجي و خروجه على علي 128

فصل بلاغي في الموازنة و السجع 153

نبذ من كلام الحكماء في مدح القناعة و ذم الطمع 154

أدعية علي عند خروجه من الكوفة لحرب معاوية 166

نزول علي بكربلاء 169

خروج علي لحرب معاوية و ما دار بينه و بين أصحابه 171

كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية و جوابه عليه 188

فصل في ذكر فضل الكوفة 198

أخبار علي في جيشه و هو في طريقه إلى صفين 202


فصول في العلم الإلهي 217

الأشعار الواردة في الإباء و الأنف من احتمال الضيم 245

أباة الضيم و أخبارهم 249

غلبة معاوية على الماء بصفين ثم غلبة علي عليه بعد ذلك 312

ما قيل من الأشعار في ذم الدنيا 335

الفهرس 350


كتاب شرح نهج البلاغة الجزء ٣

كتاب شرح نهج البلاغة

مؤلف: ابن أبي الحديد
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 351