کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء السابع
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل
تتمة خطبة 90
فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اِخْتَارَ آدَمَ ع خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي اَلْإِقْدَامِ عَلَيْهِ اَلتَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ اَلْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ اَلتَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَ لِيُقِيمَ اَلْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ اَلْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاَتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ وَ بَلَغَ اَلْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَ نُذُرُهُ مهد أرضه سواها و أصلحها و منه المهاد و هو الفراش و مهدت الفراش بالتخفيف مهدا أي بسطته و وطأته و قوله خيرة من خلقه على فعلة مثل عنبة الاسم
من قولك اختاره الله يقال محمد خيرة الله من خلقه و يجوز خيرة الله بالتسكين و الاختيار الاصطفاء.و الجبلة الخلق و منه قوله تعالى( وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ ) و يجوز الجبلة بالضم و قرأ بها الحسن البصري و قرئ قوله سبحانه( وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً ) على وجوه فقرأ أهل المدينة بالكسر و التشديد و قرأ أبو عمرو جبلا كثيرا مثل قفل و قرأ الكسائي( جِبِلاًّ كَثِيراً ) بضم الباء مثل حلم و قرأ عيسى بن عمر( جِبِلاًّ ) بكسر الجيم و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق( جِبِلاًّ ) بالضم و التشديد.قوله و أرغد فيها أكله أي جعل أكله و هو المأكول رغدا أي واسعا طيبا قال سبحانه( وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ) و تقرأ رغدا و رغدا بكسر الغين و ضمها و أرغد القوم أخصبوا و صاروا في رغد من العيش.قوله و أوعز إليه فيما نهاه عنه أي تقدم إليه بالإنذار و يجوز و وعز إليه بالتشديد توعيزا و يجوز التخفيف أيضا وعز إليه وعزا.و الواو في و أعلمه عاطفة على و أوعز لا على نهاه.قوله موافاة لسابق علمه لا يجوز أن ينتصب لأنه مفعول له و ذلك لأن المفعول له يكون عذرا و علة للفعل و لا يجوز أن يكون إقدام آدم على الشجرة لأجل الموافاة للعلم الإلهي السابق و لا يستمر ذلك على مذاهبنا بل يجب أن ينصب موافاة على
المصدرية المحضة كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة.قوله فأهبطه بعد التوبة قد اختلف الناس في ذلك فقال قوم بل أهبطه قبل التوبة ثم تاب عليه و هو في الأرض و قال قوم تاب قبل الهبوط و هو قول أمير المؤمنين ع و يدل عليه قوله تعالى( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) فأخبر عن أنه أهبطهم بعد تلقي الكلمات و التوبة و قال تعالى في موضع آخر( وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ اَلشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ ) .فبين أن اعترافهما بالمعصية و استغفارهما كانا قبل أمرهما بالهبوط و قال في موضع آخر( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ) فجعل الإهباط بعد الاجتباء و التوبة و احتج الأولون بقوله تعالى( وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ اَلظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ) قالوا فأخبر سبحانه عن أمره لهم بالهبوط عقيب إزلال الشيطان لهما ثم عقب الهبوط بفاء التعقيب في قوله( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) فدل على أن التوبة بعد الهبوط.
و يمكن أن يجاب عن هذا فيقال إنه تعالى لم يقل فقلنا اهبطوا بالفاء بل قال( وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا ) بالواو و الواو لا تقتضي الترتيب و لو كان عوضها فاء لكانت صريحة في أن الإهباط كان عقيب الزلة فأما الواو فلا تدل على ذلك بل يجوز أن تكون التوبة قبل الإهباط و يخبر عن الإهباط بالواو قبل أن يخبر عن التوبة.قوله ع و ليقيم الحجة على عباده أي إذا كان أبوهم أخرج من الجنة بخطيئة واحدة فأخلق بها ألا يدخلها ذو خطايا جمة و هذا يؤكد مذهب أصحابنا في الوعيد.ثم أخبر ع أن البارئ سبحانه ما أخلى عباده بعد قبض آدم و توفيه مما يؤكد عليهم حجج الربوبية بل أرسل إليهم الرسل قرنا فقرنا بفتح القاف و هو أهل الزمان الواحد قال الشاعر
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم |
و خلفت في قرن فأنت غريب |
و تعاهدهم بالحجج أي جدد العهد عندهم بها و يروى بل تعهدهم بالتشديد و التعهد التحفظ بالشيء تعهدت فلانا و تعهدت ضيعتي و هو أفصح من تعاهدت لأن التفاعل إنما يكون من شيئين و تقول فلان يتعهده صرع.قوله و بلغ المقطع عذره و نذره مقطع الشيء حيث ينقطع و لا يبقى خلفه شيء منه أي لم يزل يبعث الأنبياء واحدا بعد واحد حتى بعث محمدا ص فتمت به حجته على الخلق أجمعين و بلغ الأمر مقطعه أي لم يبق بعده رسول ينتظر
و انتهت عذر الله تعالى و نذره فعذره ما بين للمكلفين من الإعذار في عقوبته لهم إن عصوه و نذره ما أنذرهم به من الحوادث و من أنذرهم على لسانه من الرسل
القول في عصمة الأنبياء
و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في عصمة الأنبياء و نحن نذكر هاهنا طرفا من حكاية المذاهب في هذه المسألة على سبيل الاقتصاص و نقل الآراء لا على سبيل الحجاج و نخص قصة آدم ع و الشجرة بنوع من النظر إذ كانت هذه القصة مذكورة في كلام أمير المؤمنين ع في هذا الفصل فنقول اختلف الناس في المعصوم ما هو فقال قوم المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي و هؤلاء هم الأقلون أهل النظر و اختلفوا في عدم التمكن كيف هو فقال قوم منهم المعصوم هو المختص في نفسه أو بدنه أو فيهما بخاصية تقضي امتناع إقدامه على المعاصي.و قال قوم منهم بل المعصوم مساو في الخواص النفسية و البدنية لغير المعصوم و إنما العصمة هي القدرة على الطاعة أو عدم القدرة على المعصية و هذا قول الأشعري نفسه و إن كان كثير من أصحابه قد خالفه فيه.و قال الأكثرون من أهل النظر بل المعصوم مختار متمكن من المعصية و الطاعة.و فسروا العصمة بتفسيرين أحدهما أنها أمور يفعلها الله تعالى بالمكلف فتقتضي ألا يفعل المعصية اقتضاء
غير بالغ إلى حد الإيجاب و فسروا هذه الأمور فقالوا إنها أربعة أشياء أولها أن يكون لنفس الإنسان ملكة مانعة من الفجور داعية إلى العفة و ثانيها العلم بمثالب المعصية و مناقب الطاعة و ثالثها تأكيد ذلك العلم بالوحي و البيان من الله تعالى و رابعها أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان و السهو لم يترك مهملا بل يعاقب و ينبه و يضيق عليه العذر قالوا فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان الشخص معصوما عن المعاصي لا محالة لأن العفة إذا انضاف إليها العلم بما في الطاعة من السعادة و ما في المعصية من الشقاوة ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه و ترادفه و تظاهر البيان عنده و تمم ذلك خوفه من العتاب على القدر القليل حصل من اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة.و قال أصحابنا العصمة لطف يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختيارا و قد يكون ذلك اللطف خارجا عن الأمور الأربعة المعدودة مثل أن يعلم الله تعالى أنه إن أنشأ سحابا أو أهب ريحا أو حرك جسما فإن زيدا يمتنع عن قبيح مخصوص اختيارا فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك و يكون هذا اللطف عصمة لزيد و إن كان الإطلاق المشتهر في العصمة إنما هو لمجموع ألطاف يمتنع المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه.و ينبغي أن يقع الكلام بعد هذه المقدمة في ثلاثة فصولالفصل الأول في حال الأنبياء قبل البعثة و من الذي يجوز أن يرسله الله تعالى إلى العباد فالذي عليه أصحابنا المعتزلة رحمهم الله أنه يجب أن ينزه النبي قبل البعثة عما كان فيه تنفير عن الحق الذي يدعو إليه و عما فيه غضاضة و عيب.
فالأول نحو أن يكون كافرا أو فاسقا و ذلك لأنا نجد التائب العائد إلى الصلاح بعد أن عهد الناس منه السخف و المجون و الفسق لا يقع أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر عند الناس موقعهما ممن لم يعهدوه إلا على السداد و الصلاح.و الثاني نحو أن يكون حجاما أو حائكا أو محترفا بحرفه يقذرها الناس و يستخفون بصاحبها إلا أن يكون المبعوث إليهم على خلاف ما هو المعهود الآن بألا يكون من تعاطى ذلك مستهانا به عندهم.و وافق أصحابنا في هذا القوم جمهور المتكلمين.و قال قوم من الخوارج يجوز أن يبعث الله تعالى من كان كافرا قبل الرسالة و هو قول ابن فورك من الأشعرية لكنه زعم أن هذا الجائز لم يقع.و قال قوم من الحشوية قد كان محمد ص كافرا قبل البعثة و احتجوا بقوله تعالى( وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ) و قال برغوث المتكلم و هو أحد النجارية لم يكن النبي ص مؤمنا بالله قبل أن يبعثه لأنه تعالى قال له( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتابُ وَ لاَ اَلْإِيمانُ ) .و روي عن السدي في قوله تعالى( وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) قال وزره الشرك فإنه كان على دين قومه أربعين سنة.و قال بعض الكرامية في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ص
( قالَ أَسْلَمْتُ ) إنه أسلم يومئذ و لم يكن من قبل ذلك مسلما و مثل ذلك قال اليمان بن رباب متكلم الخوارج.و حكى كثير من أرباب المقالات عن شيخنا أبي الهذيل و أبي علي جواز أن يبعث الله تعالى من قد ارتكب كبيرة قبل البعثة و لم أجد في كتب أصحابنا حكاية هذا المذهب عن الشيخ أبي الهذيل و وجدته عن أبي علي ذكره أبو محمد بن متويه في كتاب الكفاية فقال منع أهل العدل كلهم من تجويز بعثة من كان فاسقا قبل النبوة إلا ما جرى في كلام الشيخ أبي عليرحمهالله تعالى من ثبوت فصل بين البعثة و قبلها فأجاز أن يكون قبل البعثة مرتكبا لكبيرة ثم يتوب فيبعثه الله تعالى حينئذ و هو مذهب محكي عن عبد الله بن العباس الرامهرمزي ثم قال الشيخ أبو محمدرحمهالله تعالى و الصحيح من قول أبي عليرحمهالله تعالى مثل ما نختاره من التسوية بين حال البعثة و قبلها في المنع من جواز ذلك.و قال قوم من الأشعرية و من أهل الظاهر و أرباب الحديث إن ذلك جائز واقع و استدلوا بأحوال إخوة يوسف و منع المانعون من ذلك من ثبوت نبوة إخوة يوسف ثم هؤلاء المجوزون منهم من جوز عليهم فعل الكبائر مطلقا و منهم من جوز ذلك على سبيل الندرة ثم يتوبون عنه و يشتهر حالهم بين الخلق بالصلاح فأما لو فرضنا إصرارهم على الكبائر بحيث يصيرون مشهورين بالفسق و المعاصي فإن ذلك لا يجوز لأنه يفوت الغرض من إرسالهم و نبوتهم على هذا التقدير.و قالت الإمامية لا يجوز أن يبعث الله تعالى نبيا قد وقع منه قبيح قبل النبوة
لا صغيرا و لا كبيرا لا عمدا و لا خطأ و لا على سبيل التأويل و الشبهة و هذا المذهب مما تفردوا به فإن أصحابنا و غيرهم من المانعين للكبائر قبل النبوة لم يمنعوا وقوع الصغائر منهم إذا لم تكن مسخفة منفرة.اطردت الإمامية هذا القول في الأئمة فجعلت حكمهم في ذلك حكم الأنبياء في وجوب العصمة المطلقة لهم قبل النبوة و بعدها الفصل الثاني في عصمة الأنبياء في زمن النبوة عن الذنوب في أفعالهم و تروكهم عدا ما يتعلق بتبليغ الوحي و الفتوى في الأحكامجوز قوم من الحشوية عليهم هذه الكبائر و هم أنبياء كالزنا و اللواط و غيرهما و فيهم من جوز ذلك بشرط الاستسرار دون الإعلان و فيهم من جوز ذلك على الأحوال كلها.و منع أصحابنا المعتزلة من وقوع الكبائر منهم ع أصلا و منعوا أيضا من وقوع الصغائر المسخفة منهم و جوزوا وقوع الصغائر التي ليست بمسخفه منهم ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي الإقدام على المعصية الصغيرة غير المسخفة عمدا و هو قول شيخنا أبي هاشمرحمهالله تعالى فإنه أجاز ذلك و قال إنه لا يقدم ع على ذلك إلا على خوف و وجل و لا يتجرأ على الله سبحانه.و منهم من منع من تعمد إتيان الصغيرة و قال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل و دخول الشبهة و هذا قول أبي عليرحمهالله تعالى.
و حكى عن أبي إسحاق النظام و جعفر بن مبشر أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو و النسيان و أنهم مؤاخذون بذلك و إن كان موضوعا عن أمتهم لأن معرفتهم أقوى و دلائلهم أكثر و أخطارهم أعظم و يتهيأ لهم من التحفظ ما لا يتهيأ لغيرهم.و قالت الإمامية لا تجوز عليهم الكبائر و لا الصغائر لا عمدا و لا خطأ و لا سهوا و لا على سبيل التأويل و الشبهة و كذلك قولهم في الأئمة و الخلاف بيننا و بينهم في الأنبياء يكاد يكون ساقطا لأن أصحابنا إنما يجوزون عليهم الصغائر لأنه لا عقاب عليها و إنما تقتضي نقصان الثواب المستحق على قاعدتهم في مسألة الإحباط فقد اعترف إذا أصحابنا بأنه لا يقع من الأنبياء ما يستحقون به ذما و لا عقابا و الإمامية إنما تنفي عن الأنبياء الصغائر و الكبائر من حيث كان كل شيء منها يستحق فاعله به الذم و العقاب لأن الإحباط باطل عندهم فإذا كان استحقاق الذم و العقاب يجب أن ينفى عن الأنبياء وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب فقد صار الخلاف إذا متعلقا بمسألة الإحباط و صارت هذه المسألة فرعا من فروعها.و اعلم أن القول بجواز الصغائر على الأنبياء بالتأويل و الشبهة على ما ذهب إليه شيخنا أبو عليرحمهالله تعالى إنما اقتضاه تفسيره لآيه آدم و الشجرة و تكلفه إخراجها عن تعمد آدم للعصيان فقال إن آدم نهي عن نوع تلك الشجرة لا عن عينها بقوله تعالى( وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ ) و أراد سبحانه نوعها المطلق فظن آدم أنه أراد خصوصية تلك الشجرة بعينها و قد كان أشير إليها فلم يأكل منها بعينها و لكنه أكل من شجرة أخرى من نوعها فأخطأ في التأويل و أصحاب شيخنا أبي هاشم لا يرضون هذا المذهب و يقولون إن الإشكال باق بحاله لأن آدم أخل بالنظر على
هذا القول في أن المنهي عنه هل هو عين الشجرة أو نوعها مع أنه قد كان مدلولا على ذلك لأنه لو لم يكن مدلولا على ذلك لكان تكليف الامتناع عن التناول تكليف ما لا يطاق و إذا دل على ذلك وجب عليه النظر و لا وجه يجب النظر لأجله إلا الخوف من تركه و إذا لم يكن بد من كونه خائفا فهو عالم إذا بوجوب هذا التأمل و النظر فإذا أخل به فقد وقعت منه المعصية مع علمه.و كما لا يرضى أصحاب شيخنا أبي هاشم هذا المذهب فكذلك لا يرتضون مذهب النظام و جعفر بن مبشر و ذلك لأن القول بأن الأنبياء يؤاخذون على ما يفعلونه سهوا متناقض لأن السهو يزيل التكليف و يخرج الفعل من كونه ذنبا مؤاخذا به و لهذا لا يصح مؤاخذة المجنون و النائم و السهو في كونه مؤثرا في رفع التكليف جار مجرى فقد القدر و الآلات و الأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء حال غيرهم في صحة تكليفهم مع السهو جاز أن يخالف حالهم حال غيرهم في صحة التكليف مع فقد القدر و الآلات و ذلك باطل.و اعلم أن الشريف المرتضىرحمهالله تعالى قد تكلم في كتابه المسمى بتنزيه الأنبياء و الأئمة على هذه الآية و انتصر لمذهب الإمامية فيها و حاول صرفها عن ظاهرها و تأول اللفظ بتأويل مستكره غير صحيح و أنا أحكي كلامه هاهنا و أتكلم عليه نصرة لأصحابنا و نصرة أيضا لأمير المؤمنين ع فإنه قد صرح في هذا الفصل بوقوع الذنب من آدم ع أ لا ترى إلى قوله و المخاطرة بمنزلته و هل تكون هذه اللفظة إلا في الذنب و كذلك سياقة الفصل من أوله إلى آخره إذا تأمله المنصف و اطرح الهوى و التعصب ثم إنا نذكر كلام السيد الشريف المرتضىرحمهالله تعالى قالرحمهالله تعالى
أما قوله تعالى( وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ ) فإن المعصية مخالفة للأمر و الأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب و بالندب معا فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة فيكون بمواقعتها تاركا فرضا و نفلا و غير فاعل قبيحا و ليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر و لهذا يقولون أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير فعصاني و خالفني و إن لم يكن ما أمر به واجبا.يقال له الكلام على هذا التأويل من وجوه أولها أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية ما لم يكن لها حقائق شرعية فإذا كان لها حقائق شرعية وجب أن تحمل على عرف الشرع و اصطلاحه كالصلاة و الحج و النفاق و الكفر و نحو ذلك من الألفاظ الشرعية و هكذا قال السيد المرتضىرحمهالله تعالى في كتابه في أصول الفقه المعروف بالذريعة في باب كون الأمر للوجوب و هو الحق الذي لا مندوحة عنه و إذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي موضوعا لمخالفة الأمر الإيجابي لم يجز العدول عنه و حمله على مخالفة الندب.و معلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي لا يطلق إلا على مخالفة الأمر المقتضي للوجوب فالقول بجواز حملها على مخالفة الأمر الندبي قول تبطله و تدفعه تلك القاعدة المقررة التي ثبتت بالاتفاق و بالدليل على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل إنه عاص لا في أصل اللغة و لا في العرف و لا في الشرع و ذلك لأن حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف الأولى أن تفعل هذا و لك ألا تفعله و معلوم أن
تارك مثل ذلك لا يطلق عليه أنه عاص و يبين ذلك أن لفظ العصيان في اللغة موضوع للامتناع و لذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها و منه قولهم قد شق العصا أي خرج عن الربقة المانعة من الاختلاف و التفرق و تارك الندب لا يمتنع من أمر لأن الأمر الندبي لا يقتضي شيئا اقتضاء اللزوم بل معناه إن فعلت فهو أولى و يجوز ألا تفعل فأي امتناع حدث إذا خولف أمر الندب سمي المخالف له عاصيا و يبين ذلك أيضا أن لفظ عاص اسم ذم فلا يجوز إطلاقه على تارك الندب كما لا يسمى فاسقا و إن كان الفسق في أصل اللغة للخروج.ثم يسأل المرتضىرحمهالله تعالى عما سأل عنه نفسه فيقال له كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية أ و ليس هذا يوجب أن يوصف الأنبياء بأنهم عصاة في كل حال و أنهم لا ينفكون عن المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب.و قد أجابرحمهالله تعالى عن هذا فقال وصف تارك الندب بأنه عاص توسع و تجوز و المجاز لا يقاس عليه و لا يعدي عن موضعه و لو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح و تارك الأولى و الأفضل لم يجز إطلاقه في الأنبياء إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في فاعل القبائح فإطلاقه عن التقييد موهم.لكنا نقول إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبيح فلا يجوز ذلك و إن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه لاستحقوا الثواب و لكان أولى فهم كذلك.كذلك يقال له ليس هذا من باب القياس على المجاز الذي اختلف فيه أرباب أصول الفقه لأن من قال إذا ترك زيد الندب فإنه يسمى عاصيا يلزمه أن يقول إن عمرا إذا ترك الندب يسمى عاصيا و ليس هذا قياسا كما أن من قال لزيد البليد هذا
حمار قال لعمرو البليد هذا حمار و القياس على المجاز الذي اختلف الأصوليون في جوازه خارج عن هذا الموضع.و مثال المسألة الأصولية المختلف فيها( وَ اِخْفِضْ لَهُما جَناحَ اَلذُّلِّ ) هل يجوز أن يقال طأطئ لهما عنق الذل.و أما قوله لو سلمنا أنه حقيقة في تارك الندب لم يجز إطلاقه في حق الأنبياء لأنه يوهم العصيان بل يجب أن يقيد.فيقال له لكن البارئ سبحانه أطلقه و لم يقيده في قوله( وَ عَصى آدَمُ ) فيلزمك أن يكون تعالى موهما و فاعلا للقبيح لأن إيهام القبيح قبيح.فإن قال الدلالة العقلية على استحالة المعاصي على الأنبياء تؤمن من الإيهام.قيل له و تلك الدلالة بعينها تؤمن من الإيهام في قول القائل الأنبياء عصاة فهلا أجزت إطلاق ذلك.و ثانيها أنه تعالى قال( فَغَوى ) و الغي الضلال.قال المرتضىرحمهالله تعالى معنى غوى هاهنا خاب لأنه نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحقه بالامتناع و لا شبهه في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره |
و من يغو لا يعدم على الغي لائما |
يقال له أ لست القائل في مصنفاتك الكلامية إن المندوبات إنما ندب إليها لأنها كالمسهلات و الميسرات لفعل الواجبات العقلية و أنها ليست ألطافا في واجب عقلي و أن ثوابها يسير جدا بالإضافة إلى ثواب الواجب فإذا كان آدم ع ما أخل بشيء من الواجبات و لا فعل شيئا من المقبحات فقد استحق من الثواب العظيم ما يستحقر ثواب المندوب بالإضافة إليه و مثل هذا لا يقال فيه لمن ترك المندوب إنه قد خاب أ لا ترى أن من اكتسب مائة ألف قنطار من المال و ترك بعد ذلك درهما واحدا كان يمكنه اكتسابه فلم يكتسبه لا يقال إنه خاب.و ثالثها أن ظاهر القرآن يخالف ما ذكره لأنه تعالى أخبر أن آدم منهي عن أكل الشجرة بقوله( وَ لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ اَلظَّالِمِينَ ) و قوله( أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ ) و هذا يوجب أنه قد عصى بأن فعل منهيا عنه و الشريف المرتضىرحمهالله تعالى يقول إنه عصى بأن ترك مأمورا به.قال المرتضىرحمهالله تعالى مجيبا عن هذا إن الأمر و النهي ليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و اشتراك و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر و إنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه فإذا قال تعالى( لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ ) و لم يكره قربهما لم يكن في الحقيقة ناهيا كما أنه تعالى لما قال( اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ) و لم يرد ذلك لم يكن أمرا به و إذا كان قد صحب قوله( لا تَقْرَبا هذِهِ اَلشَّجَرَةَ ) إرادة ترك التناول وجب أن يكون هذا القول أمرا و إنما سماه منهيا و سمى
أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي لأن في النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل و تزهيدا في الفعل نفسه و لما كان الأمر ترغيبا من فعل المأمور و تزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا.و قد يتداخل هذان الوضعان في الشاهد فيقول أحدنا قد أمرت فلانا بألا يلقى الأمير و إنما يريد أنه نهاه عن لقائه و يقول نهيتك عن هجر زيد و إنما معناه أمرتك بمواصلته.يقال له هذا خلاف الظاهر فلا يجوز المصير إليه إلا بدلالة قاطعة تصرف اللفظ عن ظاهره و يكفي أصحاب أبي هاشم في نصرة قولهم التمسك بالظاهر.و اعلم أن بعض أصحابنا تأول هذه الآية و قال إن ذلك وقع من آدم ع قبل نبوته لأنه لو كان نبيا قبل إخراجه من الجنة لكان إما أن يكون مرسلا إلى نفسه و هو باطل أو إلى حواء و قد كان الخطاب يأتيها بغير واسطة لقوله تعالى( وَ لا تَقْرَبا ) أو إلى الملائكة و هذا باطل لأن الملائكة رسل الله بدليل قوله( جاعِلِ اَلْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) و الرسول لا يحتاج إلى رسول آخر أو يكون رسولا و ليس هناك من يرسل إليه و هذا محال فثبت أن هذه الواقعة وقعت له ع قبل نبوته و إرساله الفصل الثالث في خطئهم في التبليغ و الفتاوي قال أصحابنا إن الأنبياء معصومون من كل خطإ يتعلق بالأداء و التبليغ فلا يجوز
عليهم الكذب و لا التغيير و لا التبديل و لا الكتمان و لا تأخر البيان عن وقت الحاجة و لا الغلط فيما يؤدونه عن الله تعالى و لا السهو فيه و لا الإلغاز و لا التعمية لأن كل ذلك إما أن ينقض دلالة المعجز على صدقه أو يؤدى إلى تكليف ما لا يطاق.و قال قوم من الكرامية و الحشوية يجوز عليهم الخطأ في أقوالهم كما جاز في أفعالهم قالوا و قد أخطأ رسول الله ص في التبليغ حيث قال "تلك الغرانيق العلا و إن شفاعتهن لترتجى".
و قال قوم منهم يجوز الغلط على الأنبياء فيما لم تكن الحجة فيه مجرد خبرهم لأنه لا يكون في ذلك إبطال حجة الله على خلقه كما وقع من النبي ص في هذه الصورة فإن قوله ذلك ليس بمبطل لحجة العقل في أن الأصنام لا يجوز تعظيمها و لا ترجى شفاعتها فأما ما كان السبيل إليه مجرد السمع فلو أمكن الغلط فيه لبطلت الحجة بإخبارهم.و قال قوم منهم إن الأنبياء يجوز أن يخطئوا في أقوالهم و أفعالهم إذا لم تجر تلك الأفعال مجرى بيان الوحي كبيانه ع لنا الشريعة و لا يجوز عليه الخطأ في حال البيان و إن كان يجوز عليه ذلك في غير حال البيان كما روي من خبر ذي اليدين حين سها النبي ص في الصلاة و كذلك ما يكون منه من تبليغ وحي فإنه لا يجوز عليه أن يخطئ فيه لأنه حجة الله على عباده فأما في أقواله الخارجة عن التبليغ فيجوز
أن يخطئ كما روي عنه ص في نهيه لأهل المدينة عن تأبير النخل.فأما أصحابنا المعتزلة فإنهم اختلفوا في الخبر المروي عنه ع في سورة النجم فمنهم من دفع الخبر أصلا و لم يقبله و طعن في رواته و منهم من اعترف بكونه قرآنا منزلا و هم فريقان أحدهما القائلون بأنه كان وصفا للملائكة فلما ظن المشركون أنه وصف آلهتهم رفع و نهي عن تلاوته و ثانيهما القائلون إنه خارج على وجه الاستفهام بمعنى الإنكار فتوهم سامعوه أنه بمعنى التحقيق فنسخه الله تعالى و نهى عن تلاوته.و منهم من قال ليس بقرآن منزل بل هو كلام تكلم به رسول الله ص من قبل نفسه على طريق الإنكار و الهزء بقريش فظنوا أنه يريد التحقيق فنسخه الله بأن بين خطأ ظنهم و هذا معنى قوله( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى اَلشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللَّهُ ما يُلْقِي اَلشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللَّهُ آياتِهِ ) قالوا فإلقاء الشيطان هاهنا هو إلقاء الشبهة في قلوب المشركين و إنما أضافه إلى أمنيته و هي تلاوته القرآن لأن بغرور الشيطان و وسوسته أضاف المشركون إلى تلاوته ع ما لم يرده بها.و أنكر أصحابنا الأخبار الواردة التي تقتضي الطعن علي الرسول ص قالوا و كيف يجوز أن تصدق هذه الأخبار الآحاد على من قد قال الله تعالى له( كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ) و قال له ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) و قال عنه( وَ لَوْ تَقَوَّلَ
عَلَيْنا بَعْضَ اَلْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ اَلْوَتِينَ ) و أما خبر ذي اليدين و خبر تأبير النخل فقد تكلمنا عليهما في كتبنا المصنفة في أصول الفقه : وَ قَدَّرَ اَلْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَى اَلضِّيقِ وَ اَلسَّعَةِ فَعَدَّلَ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ اَلشُّكْرَ وَ اَلصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وَ بِسَلاَمَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَ خَلَقَ اَلآْجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا الضيق و الضيق لغتان فأما المصدر من ضاق فالضيق بالكسر لا غير و عدل فيها من التعديل و هو التقويم و روي فعدل بالتخفيف من العدل نقيض الظلم.و الميسور و المعسور مصدران و قال سيبويه هما صفتان و لا يجيء عنده المصدر على وزن مفعول البتة و يتأول قولهم دعه إلى ميسوره و يقول كأنه قال دعه إلى أمر يوسر فيه و كذلك يتأول المعقول أيضا فيقول كأنه عقل له شيء أي حبس و أيد و سدد.و معنى قوله ع ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها هو معنى قول النبي ص إن إعطاء هذا المال فتنة و إمساكه فتنة.
والعقابيل في الأصل الحلأ و هو قروح صغار تخرج بالشفة من بقايا المرض و الفاقة الفقر.و طوارق الآفات متجددات المصائب و أصل الطروق ما يأتي ليلا.و الأتراح الغموم الواحد ترح و ترحه تتريحا أي حزنه.و خالجا جاذبا و الخلج الجذب خلجه يخلجه بالكسر و اختلجه و منه الخليج الحبل لأنه يجتذب به و سمى خليج البحر خليجا لأنه يجذب من معظم البحر.و الأشطان الجبال واحدها شطن و شطنت الفرس أشطنه إذا شددته بالشطن.و القرائن الحبال جمع قرن و هو من شواذ الجموع قال الشاعر
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه |
أن لدى الباب كالمشدود في قرن |
و مرائر القرائن جمع مرير و هو ما لطف و طال منها و اشتد فتله و هذا الكلام من باب الاستعارة : عَالِمُ اَلسِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ اَلْمُضْمِرِينَ وَ نَجْوَى اَلْمُتَخَافِتِينَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ اَلظُّنُونِ وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ اَلْيَقِينِ وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ اَلْجُفُونِ وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ اَلْقُلُوبِ وَ غَيَابَاتُ اَلْغُيُوبِ وَ مَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ اَلْأَسْمَاعِ وَ مَصَايِفِ اَلذَّرِّ وَ مَشَاتِي اَلْهَوَامِّ وَ رَجْعِ اَلْحَنِينِ مِنَ اَلْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ اَلْأَقْدَامِ وَ مُنْفَسَحِ اَلثَّمَرَةِ مِنْ وَلاَئِجِ غُلُفِ اَلْأَكْمَامِ وَ مُنْقَمَعِ اَلْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ اَلْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا وَ مُخْتَبَإِ اَلْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ
اَلْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا وَ مَغْرِزِ اَلْأَوْرَاقِ مِنَ اَلْأَفْنَانِ وَ مَحَطِّ اَلْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ اَلْأَصْلاَبِ وَ نَاشِئَةِ اَلْغُيُومِ وَ مُتَلاَحِمِهَا وَ دُرُورِ قَطْرِ اَلسَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا وَ مَا تَسْفِي اَلْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَ تَعْفُو اَلْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا وَ عَوْمِ بَنَاتِ اَلْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ اَلرِّمَالِ وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ اَلْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ اَلْجِبَالِ وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ اَلْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ اَلْأَوْكَارِ وَ مَا أَوْعَبَتْهُ اَلْأَصْدَافُ وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ اَلْبِحَارِ وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ وَ مَا اِعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ اَلدَّيَاجِيرِ وَ سُبُحَاتُ اَلنُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلاَلَةٍ لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ وَ لاَ اِعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا اِبْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ وَ لاَ اِعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ اَلْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ اَلْمَخْلُوقِينَ مَلاَلَةٌ وَ لاَ فَتْرَةٌ بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ لو سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جريج لإسماعيل بن بلبل
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم |
كلا و لكن لعمري منه شيبان |
|
و كم أب قد علا بابن ذرا شرف |
كما علا برسول الله عدنان |
إذ كان يفخر به على عدنان و قحطان بل كان يقر به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن
و يقول له إنه لم يعف ما شيدت من معالم التوحيد بل أخرج الله تعالى لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهلية النبط بل لو سمع هذا الكلام أرسطوطاليس القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات لخشع قلبه و قف شعره و اضطرب فكره أ لا ترى ما عليه من الرواء و المهابة و العظمة و الفخامة و المتانة و الجزالة مع ما قد أشرب من الحلاوة و الطلاوة و اللطف و السلاسة لا أرى كلاما يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه فإن هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة و جدول من ذلك البحر و جذوة من تلك النار و كأنه شرح قوله تعالى( وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ اَلْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ اَلْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) .ثم نعود إلى التفسير فنقول النجوى المسارة تقول انتجى القوم و تناجوا أي تساروا و انتجيت زيدا إذا خصصته بمناجاتك و منه الحديث أنه ص أطال النجوى مع علي ع فقال قوم لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه ذلك فقال إني ما انتجيته و لكن الله انتجاه و يقال للسر نفسه النجو يقال نجوته نجوا أي ساررته و كذلك ناجيته مناجاة و سمي ذلك الأمر المخصوص نجوى لأنه يستسر به فأما قوله تعالى( وَ إِذْ هُمْ نَجْوى ) فجعلهم هم النجوى و إنما النجوى فعلهم فإنما هو كقولك قوم رضا و إنما الرضا فعلهم و يقال للذي تساره النجي على فعيل و جمعه أنجيه قال الشاعر
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه
و قد يكون النجي جماعة مثل الصديق قال الله تعالى( خَلَصُوا نَجِيًّا ) و قال الفراء قد يكون النجي و النجوى اسما و مصدرا.و المتخافتين الذين يسرون المنطق و هي المخافتة و التخافت و الخفت قال الشاعر
أخاطب جهرا إذ لهن تخافت |
و شتان بين الجهر و المنطق الخفت |
و رجم الظنون القول بالظن قال سبحانه( رَجْماً بِالْغَيْبِ ) و منه الحديث المرجم بالتشديد و هو الذي لا يدرى أحق هو أم باطل و يقال صار رجما أي لا يوقف على حقيقة أمره.و عقد عزيمات اليقين العزائم التي يعقد القلب عليها و تطمئن النفس إليها.و مسارق إيماض الجفون ما تسترقه الأبصار حين تومض يقال أومض البصر و البرق إيماضا إذا لمع لمعا خفيفا و يجوز ومض بغير همز يمض ومضا و وميضا و ومضانا و أكنان القلوب غلفها و الكن الستر و الجمع أكنان قال تعالى( جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبالِ أَكْناناً ) و يروى أكنة القلوب و هي الأغطية أيضا قال تعالى( وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) و الواحد كنان قال عمر بن أبي ربيعة
تحت عين كناننا |
ظل برد مرحل |
و يعني بالذي ضمنته أكنان القلوب الضمائر.و غيابات الغيوب جمع غيابة و هي قعر البئر في الأصل ثم نقلت إلى كل غامض خفي مثل غيابة و قد روي غبابات بالباء.و أصغت تسمعت و مالت نحوه و لاستراقه لاستماعه في خفيه قال تعالى( إِلاَّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ ) .و مصائخ الأسماع خروقها التي يصيخ بها أي يتسمع.و مصايف الذر المواضع التي يصيف الذر فيها أي يقيم الصيف يقال صاف بالمكان و اصطاف بمعنى و الموضع مصيف و مصطاف.و الذر جمع ذرة و هي أصغر النمل.و مشاتي الهوام المواضع التي تشتو الهوام بها يقال شتوت بموضع كذا و تشتيت أي أقمت به الشتاء.و الهوام جمع هامة و لا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من الأحناش.
و رجع الحنين ترجيعه و ترديده و المولهات النوق و النساء اللواتي حيل بينهن و بين أولادهن.و همس الأقدام صوت وطئها خفيا جدا قال تعالى( فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ) و منه قول الراجز.
فهن يمشين بنا هميسا
و الأسد الهموس الخفي الوطء.و منفسح الثمرة أي موضع سعتها من الأكمام و قد روي متفسخ بالخاء المعجمة و تشديد السين و بتاء بعد الميم مصدرا من تفسخت الثمرة إذا انقطعت.و الولائج المواضع الساترة و الواحدة وليجة و هو كالكهف يستتر فيه المارة من مطر أو غيره و يقال أيضا في جمعه ولج و أولاج.و متقمع الوحوش موضع تقمعها و استتارها و سمي قمعة بن إلياس بن مضر بذلك لأنه انقمع في بيته كما زعموا.و غيران الجبال جمع غار و هو كالكهف في الجبل و المغار مثل الغار و المغارة مثله.و مختبأ البعوض موضع اختبائها و استتارها و سوق الأشجار جمع ساق و ألحيتها جمع لحاء و هو القشر.و مغرز الأوراق موضع غرزها فيها.
و الأفنان جمع فنن و هو الغصن و الأمشاج ماء الرجل يختلط بماء المرأة و دمها جمع مشيج كيتيم و أيتام و محطها إما مصدر أو مكان.و مسارب الأصلاب المواضع التي يتسرب المني فيها من الصلب أي يسيل.و ناشئة الغيوم أول ما ينشأ منها و هو النشيء أيضا و ناشئة الليل في قوله تعالى( إِنَّ ناشِئَةَ اَللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً ) أول ساعاته و يقال هي ما ينشأ في الليل من الطاعات و متلاحمها ما يلتصق منها بعضها ببعض و يلتحم.و درور قطر السحائب مصدر من در يدر أي سال و ناقة درور أي كثيرة اللبن و سحاب درور أي كثير المطر و يقال إن لهذا السحاب لدرة أي صبا و الجمع درور و متراكمها المجتمع المتكاثف منها ركمت الشيء أركمه بالضم جمعته و ألقيت بعضه على بعض و رمل ركام و سحاب ركام أي مجتمع.و الأعاصير جمع إعصار و هي ريح تثير الغبار فيرتفع إلى السماء كالعمود و قال تعالى( فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ ) .و تسفي من سفت الريح التراب سفيا إذا أذرته فهو سفي و ذيولها هاهنا يريد به أطرافها و ما لاحف الأرض منها.و ما تعفو الأمطار أي ما تدرس عفت الريح المنزل أي درسته و عفا المنزل نفسه يعفو درس يتعدى و لا يتعدى.و بنات الأرض الهوام و الحشرات التي تكون في الرمال و عومها فيها سباحتها و يقال لسير السفينة و سير الإبل أيضا عوم عمت في الماء بضم أوله أعوم.
و كثبان الرمال جمع كثيب و هو ما انصب من الرمل و اجتمع في مكان واحد فصار تلا و كثبت الشيء أكثبه كثبا إذا جمعته و انكثب الرمل اجتمع.و شناخيب الجبال رءوسها واحدها شنخوب و ذراها أعاليها جمع ذروة و ذروة بالكسر و الضم.و التغريد التطريب بالغناء و التغرد مثله و كذلك الغرد بفتحهما و يقال غرد الطائر فهو غرد إذا طرب بصوته.و ذوات المنطق هاهنا الأطيار و سمي صوتها منطقا و إن كان لا يطلق إلا على ألفاظ البشر مجازا.و دياجير جمع ديجور و هو الظلام و الأوكار جمع وكر و هو عش الطائر و يجمع أيضا على وكور و وكر الطائر يكر وكرا أي دخل وكره.و قوله و ما أوعبته الأصداف أي من اللؤلؤ و حضنت عليه أمواج البحار أي ما ضمته كما تحضن الأنثى من الطير بيضها و هو ما يكون في لجة إما من سمك أو خشب أو ما يحمله البحر من العنبر كالجماجم بين الأمواج و غير ذلك.و سدفة الليل ظلمته و جاء بالفتح و قيل السدفة اختلاط الضوء و الظلمة معا كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار.و غشيته غطته و ذر عليه شارق نهار أي ما طلعت عليه الشمس و ذرت الشمس تذر بالضم ذرورا طلعت و ذر البقل إذا طلع من الأرض.و شرقت الشمس طلعت و أشرقت بالهمزة إذا أضاءت و صفت.و اعتقبت تعاقبت و أطباق الدياجير أطباق الظلم و أطباقها جمع طبقة أي
أغطيتها أطبقت الشيء أي غطيته و جعلته مطبقا و قد تطبق هو و منه قولهم لو تطبقت السماء على الأرض لما فعلت كذا و سبحات النور عطف على أطباق الدياجير أي يعلم سبحانه ما تعاقب عليه الظلام و الضياء و سبحات هاهنا ليس يعني به ما يعنى بقوله سبحان وجه ربنا لأنه هناك بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجرى من سبح الفرس و هو جريه و يقال فرس سابح.و الخطوة ما بين القدمين بالضم و خطوت خطوة بالفتح لأنه المصدر.و رجع كل كلمة ما ترجع به من الكلام إلى نفسك و تردده في فكرك.و النسمة الإنسان نفسه و جمعها نسم و مثقال كل ذرة أي وزن كل ذرة و مما يخطئ فيه العامة قولهم للدينار مثقال و إنما المثقال وزن كل شيء قال تعالى( إِنَّ اَللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) .و هماهم كل نفس هامة الهماهم جمع همهمة و هي ترديد الصوت في الصدر و حمار همهيم يهمهم في صوته و همهمت المرأة في رأس الصبي و ذلك إذا نومته بصوت ترققه له و النفس الهامة ذات الهمة التي تعزم على الأمر.قوله و ما عليها أي ما على الأرض فجاء بالضمير و لم يسبق ذكر صاحبه اعتمادا على فهم المخاطب كما قال تعالى( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ) .و قرارة النطفة ما يستقر فيه الماء من الأماكن قال الشاعر
و أنتم قرارة كل معدن سوءة |
و لكل سائلة تسيل قرار |
و النطفة الماء نفسه،و منه قوله ع في الخوارج إن مصارعهم النطفة أي لا يعبرون النهر و يجوز أن يريد بالنطفة المني و يقويه ما ذكره بعده من المضغة.
و النقاعة نقرة يجتمع فيها الدم و مثله أنقوعة و يقال لوقبة الثريد أنقوعة.و المضغة قطعة اللحم و السلالة في الأصل ما استل من الشيء و سميت النطفة سلالة الإنسان لأنها استلت منه و كذلك الولد.و الكلفة المشقة و اعتورته مثل عرته و نفذهم علمه تشبيه بنفوذ السهم و عدي الفعل بنفسه و إن كان معدى في الأصل بحرف الجر كقولك اخترت الرجال زيدا أي من الرجال كأنه جعل علمه تعالى خارقا لهم و نافذا فيهم و يروى و أحصاهم عده بالتضعيف : اَللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ اَلْوَصْفِ اَلْجَمِيلِ وَ اَلتَّعْدَادِ اَلْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ اَللَّهُمَّ فَقَدْ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لاَ أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَ لاَ أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ وَ لاَ أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ اَلْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ اَلرِّيبَةِ وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ اَلآْدَمِيِّينَ وَ اَلثَّنَاءِ عَلَى اَلْمَرْبُوبِينَ اَلْمَخْلُوقِينَ اَللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلاً عَلَى ذَخَائِرِ اَلرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ اَلْمَغْفِرَةِ اَللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ اَلَّذِي هُوَ لَكَ وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ اَلْمَحَامِدِ وَ اَلْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لاَ يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلاَّ فَضْلُكَ وَ لاَ يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلاَّ مَنُّكَ وَ جُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا اَلْمَقَامِ رِضَاكَ وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ اَلْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
التعداد مصدر و خير خبر مبتدإ محذوف تقديره فأنت خير مأمول.و معنى قوله قد بسطت لي أي قد آتيتني لسنا و فصاحة و سعة منطق فلا أمدح غيرك و لا أحمد سواك.و يعني بمعادن الخيبة البشر لأن مادحهم و مؤملهم يخيب في الأكثر و جعلهم مواضع الريبة لأنهم لا يوثق بهم في حال.و معنى قوله ع و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة و كنوز المغفرة أنه راج منه أن يدله على الأعمال التي ترضيه سبحانه و يستوجب بها منه الرحمة و المغفرة و كأنه جعل تلك الأعمال التي يرجو أن يدل عليها ذخائر للرحمة و كنوزا.و الفاقة الفقر و كذلك المسكنة.و ينعش بالفتح يرفع و الماضي نعش و منه النعش لارتفاعه و المن العطاء و النعمة و المنان من أسماء الله سبحانه
91 و من كلام له ع لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمانرضياللهعنه
دَعُونِي وَ اِلْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ لاَ تَقُومُ لَهُ اَلْقُلُوبُ وَ لاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ اَلْعُقُولُ وَ إِنَّ اَلآْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَ اَلْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ.وَ اِعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ اَلْقَائِلِ وَ عَتْبِ اَلْعَاتِبِ وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَ أَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً في أكثر النسخ لما اراده الناس على البيعة و وجدت في بعضها أداره الناس على البيعة فمن روى الأول جعل على متعلقة بمحذوف و تقديره موافقا و من روى الثاني جعلها متعلقة بالفعل الظاهر نفسه و هو أداره تقول أدرت فلانا على كذا و داورت فلانا على كذا أي عالجته.و لا تقوم له القلوب أي لا تصبر و أغامت الآفاق غطاها الغيم أغامت و غامت و أغيمت و تغيمت كله بمعنى و المحجة الطريق و تنكرت جهلت فلم تعرف و وزيرا و أميرا منصوبان على الحال.و هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره و يقولون إنه ع لم يكن منصوصا
عليه بالإمامة من جهة الرسول ص و إن كان أولى الناس بها و أحقهم بمنزلتها لأنه لو كان منصوصا عليه بالإمامة من جهة الرسول ع لما جاز له أن يقول دعوني و التمسوا غيري و لا أن يقول و لعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم و لا أن يقول و أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا و تحمله الإمامية على وجه آخر فيقولون إن الذين أرادوه على البيعة هم كانوا العاقدين بيعة الخلفاء من قبل و قد كان عثمان منعهم أو منع كثيرا منهم عن حقه من العطاء لأن بني أمية استأصلوا الأموال في أيام عثمان فلما قتل قالوا لعلي ع نبايعك على أن تسير فينا سيرة أبي بكر و عمر لأنهما كانا لا يستأثران بالمال لأنفسهما و لا لأهلهما فطلبوا من علي ع البيعة على أن يقسم عليهم بيوت الأموال قسمة أبي بكر و عمر فاستعفاهم و سألهم أن يطلبوا غيره ممن يسير بسيرتهما و قال لهم كلاما تحته رمز و هو قوله إنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول و إن الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت.قالوا و هذا كلام له باطن و غور عميق معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو و يجهلونه هم و هو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض و اختلاف الكلمة و ظهور الفتنة.و معنى قوله له وجوه و ألوان أنه موضع شبهة و تأويل فمن قائل يقول أصاب علي و من قائل يقول أخطأ و كذلك القول في تصويب محاربيه من أهل الجمل و صفين و النهروان و تخطئتهم فإن المذاهب فيه و فيهم تشعبت و تفرقت جدا.و معنى قوله الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت أن الشبهة قد استولت على العقول و القلوب و جهل أكثر الناس محجة الحق أين هي فأنا لكم وزيرا عن رسول الله ص أفتي فيكم بشريعته و أحكامه خير لكم مني أميرا محجورا عليه
مدبرا بتدبيركم فإني أعلم أنه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة رسول الله ص في أصحابه مستقلا بالتدبير لفساد أحوالكم و تعذر صلاحكم.و قد حمل بعضهم كلامه على محمل آخر فقال هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه يقول لهم دعوني و التمسوا غيري على طريق الضجر منهم و التبرم بهم و التسخط لأفعالهم لأنهم كانوا عدلوا عنه من قبل و اختاروا عليه فلما طلبوه بعد أجابهم جواب المتسخط العاتب.و حمل قوم منهم الكلام على وجه آخر فقالوا إنه أخرجه مخرج التهكم و السخرية أي أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا فيما تعتقدونه كما قال سبحانه( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ ) أي تزعم لنفسك ذلك و تعتقده.و اعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه لو كان الدليل قد دل على ذلك فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره و نحن نتمسك بالظاهر إلا أن تقوم دلالة على مذهبهم تصدنا عن حمل اللفظ عن ظاهره و لو جاز أن تصرف الألفاظ عن ظواهرها لغير دليل قاهر يصدف و يصد عنها لم يبق وثوق بكلام الله عز و جل و بكلام رسوله ع و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الحال التي كانت بعد قتل عثمان و البيعة العلوية كيف وقعت
فصل فيما كان من أمر طلحة و الزبير عند قسم المال
و نحن نذكر هاهنا في هذه القصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتابه
الذي نقض فيه كتاب العثمانية لشيخنا أبي عثمان فإن الذي ذكره لم نورده نحن فيما تقدم.قال أبو جعفر لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله ص بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان و أبو أيوب الأنصاري و عمار بن ياسر بعلي ع و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته فأجابهم الناس إليه فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي ع فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة و منهم من فضله على المسلمين كلهم كافة ثم بويع و صعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة و هو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة فحمد الله و أثنى عليه و ذكر محمدا فصلى عليه ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها و ذكر الآخرة فرغبهم إليها
ثم قال أما بعد فإنه لما قبض رسول الله ص استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة فأفضي الأمر منهم إلى عثمان فعمل ما أنكرتم و عرفتم ثم حصر و قتل ثم جئتموني طائعين فطلبتم إلي و إنما أنا رجل منكم لي ما لكم و علي ما عليكم و قد فتح الله الباب بينكم و بين أهل القبلة و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم و لا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر و البصر و العلم بمواقع الأمر و إني حاملكم على منهج نبيكم ص و منفذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي و بالله المستعان ألا إن موضعي من رسول الله ص بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته فامضوا لما تؤمرون به و قفوا عند ما تنهون عنه و لا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم فإن لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا ألا و إن الله عالم من فوق سمائه و عرشه أني كنت كارها للولاية على أمة محمد حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله ص يقول أيما وال ولي الأمر من بعدي أقيم على حد الصراط
و نشرت الملائكة صحيفته فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله و إن كان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ثم يهوى إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه و حر وجهه و لكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم ثم التفت ع يمينا و شمالا فقال ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار و فجروا الأنهار و ركبوا الخيول الفارهة و اتخذوا الوصائف الروقة فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون فينقمون ذلك و يستنكرون و يقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ألا و أيما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول الله ص يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته فإن الفضل النير غدا عند الله و ثوابه و أجره على الله و أيما رجل استجاب لله و للرسول فصدق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده فأنتم عباد الله و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد و للمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء و أفضل الثواب لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا و لا ثوابا و ما عند الله خير للأبرار و إذا كان غدا إن شاء الله فاغدوا علينا فإن عندنا مالا نقسمه فيكم و لا يتخلفن أحد منكم عربي و لا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر إذا كان مسلما حرا أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم ثم نزل.قال شيخنا أبو جعفر و كان هذا أول ما أنكروه من كلامه ع و أورثهم الضغن عليه و كرهوا إعطاءه و قسمه بالسوية فلما كان من الغد غدا و غدا الناس لقبض المال فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه ابدأ بالمهاجرين فنادهم و أعط كل
رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك و من يحضر من الناس كلهم الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك.فقال سهل بن حنيف يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالأمس و قد أعتقته اليوم فقال نعطيه كما نعطيك فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير و لم يفضل أحدا على أحد و تخلف عن هذا القسم يومئذ طلحة و الزبير و عبد الله بن عمر و سعيد بن العاص و مروان بن الحكم و رجال من قريش و غيرها.قال و سمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير يقول لأبيه و طلحة و مروان و سعيد ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد فقال سعيد بن العاص و التفت إلى زيد بن ثابت إياك أعني و اسمعي يا جارة فقال عبيد الله بن أبي رافع لسعيد و عبد الله بن الزبير إن الله يقول في كتابه( وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) .ثم إن عبيد الله بن أبي رافع أخبر عليا ع بذلك فقال و الله إن بقيت و سلمت لهم لأقيمنهم على المحجة البيضاء و الطريق الواضح قاتل الله ابن العاص لقد عرف من كلامي و نظري إليه أمس أني أريده و أصحابه ممن هلك فيمن هلك.قال فبينا الناس في المسجد بعد الصبح إذ طلع الزبير و طلحة فجلسا ناحية عن علي ع ثم طلع مروان و سعيد و عبد الله بن الزبير فجلسوا إليهما ثم جاء قوم من قريش فانضموا إليهم فتحدثوا نجيا ساعة ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فجاء إلى علي ع فقال يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعا أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا و خذلت أخي يوم الدار بالأمس و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب و كان ثور قريش و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه و نحن إخوتك
و نظراؤك من بني عبد مناف و نحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في أيام عثمان و أن تقتل قتلته و إنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام.
فقال أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم و أما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم و لا عن غيركم و أما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس و لكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم و إن خفتكم أن أسيركم.فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم و افترقوا على إظهار العداوة و إشاعة الخلاف فلما ظهر ذلك من أمرهم قال عمار بن ياسر لأصحابه قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم فإنه قد بلغنا عنهم و رأينا منهم ما نكره من الخلاف و الطعن على إمامهم و قد دخل أهل الجفاء بينهم و بين الزبير و الأعسر العاق يعني طلحة.فقام أبو الهيثم و عمار و أبو أيوب و سهل بن حنيف و جماعة معهم فدخلوا على علي ع فقالوا يا أمير المؤمنين انظر في أمرك و عاتب قومك هذا الحي من قريش فإنهم قد نقضوا عهدك و أخلفوا وعدك و قد دعونا في السر إلى رفضك هداك الله لرشدك و ذاك لأنهم كرهوا الأسوة و فقدوا الأثرة و لما آسيت بينهم و بين الأعاجم أنكروا و استشاروا عدوك و عظموه و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة و تألفا لأهل الضلالة فرأيك.فخرج علي ع فدخل المسجد و صعد المنبر مرتديا بطاق مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا متوكئا على قوس
فقال أما بعد فإنا نحمد الله ربنا و إلهنا و ولينا و ولي النعم علينا الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة و باطنة امتنانا منه بغير حول منا و لا قوة ليبلونا أ نشكر أم نكفر فمن شكر زاده و من كفر عذبه فأفضل الناس عند الله منزلة و أقربهم من الله وسيلة أطوعهم لأمره
و أعملهم بطاعته و أتبعهم لسنة رسوله و أحياهم لكتابه ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله و طاعة الرسول هذا كتاب الله بين أظهرنا و عهد رسول الله و سيرته فينا لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر قال الله تعالى( يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ ) ثم صاح بأعلى صوته أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أطيعوا اَلرَّسُولَ فإن توليتم فَإِنَّ اَللَّهَ لا يُحِبُّ اَلْكافِرِينَ ثم قال يا معشر المهاجرين و الأنصار أ تمنون على الله و رسوله بإسلامكم بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال أنا أبو الحسن و كان يقولها إذا غضب ثم قال ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تمنونها و ترغبون فيها و أصبحت تغضبكم و ترضيكم ليست بداركم و لا منزلكم الذي خلقتم له فلا تغرنكم فقد حذرتكموها و استتموا نعم الله عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة الله و الذل لحكمه جل ثناؤه فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثرة و قد فرغ الله من قسمته فهو مال الله و أنتم عباد الله المسلمون و هذا كتاب الله به أقررنا و له أسلمنا و عهد نبينا بين أظهرنا فمن لم يرض به فليتول كيف شاء فإن العامل بطاعة الله و الحاكم بحكم الله لا وحشة عليه ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين ثم بعث بعمار بن ياسر و عبد الرحمن بن حنبل القرشي إلى طلحة و الزبير و هما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما فقاما حتى جلسا إليه ع فقال لهما نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة و دعوتماني إليها و أنا كاره لها قالا نعم فقال غير مجبرين و لا مقسورين فأسلمتما لي بيعتكما و أعطيتماني عهدكما
قالا نعم قال فما دعاكما بعد إلى ما أرى قالا أعطيناك بيعتنا على ألا تقضي الأمور و لا تقطعها دوننا و أن تستشيرنا في كل أمر و لا تستبد بذلك علينا و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر و تمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا فقال لقد نقمتما يسيرا و أرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما أ لا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه قالا معاذ الله قال فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشيء قالا معاذ الله قال أ فوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه قالا معاذ الله قال فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي قالا خلافك عمر بن الخطاب في القسم أنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا و سويت بيننا و بين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى علينا بأسيافنا و رماحنا و أوجفنا عليه بخيلنا و رجلنا و ظهرت عليه دعوتنا و أخذناه قسرا قهرا ممن لا يرى الإسلام إلا كرها فقال فأما ما ذكرتماه من الاستشارة بكما فو الله ما كانت لي في الولاية رغبة و لكنكم دعوتموني إليها و جعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الأمة فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله و سنة رسوله فأمضيت ما دلاني عليه و اتبعته و لم أحتج إلى آرائكما فيه و لا رأي غيركما و لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه و لا في السنة برهانه و احتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه و أما القسم و الأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء قد وجدت أنا و أنتما رسول الله ص يحكم بذلك و كتاب الله ناطق به و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و أما قولكما جعلت فيئنا و ما أفاءته سيوفنا و رماحنا سواء بيننا و بين غيرنا فقديما سبق إلى الإسلام قوم و نصروه بسيوفهم و رماحهم فلم يفضلهم رسول الله ص في القسم و لا آثرهم بالسبق و الله
سبحانه موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم و ليس لكما و الله عندي و لا لغيركما إلا هذا أخذ الله بقلوبنا و قلوبكم إلى الحق و ألهمنا و إياكم الصبر ثم قال رحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه و رأى جورا فرده و كان عونا للحق على من خالفه.
قال شيخنا أبو جعفر و قد روي أنهما قالا له وقت البيعة نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر فقال لهما لا و لكنكما شريكاي في الفيء لا أستأثر عليكما و لا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دونه لا أنا و لا ولداي هذان فإن أبيتما إلا لفظ الشركة فإنما عونان لي عند العجز و الفاقة لا عند القوة و الاستقامة.قال أبو جعفر فاشترطا ما لا يجوز في عقد الأمانة و شرط ع لهما ما يجب في الدين و الشريعة.قالرحمهالله تعالى و قد روي أيضا أن الزبير قال في ملإ من الناس هذا جزاؤنا من علي قمنا له في أمر عثمان حتى قتل فلما بلغ بنا ما أراد جعل فوقنا من كنا فوقه.و قال طلحة ما اللوم إلا علينا كنا معه أهل الشورى ثلاثة فكرهه أحدنا يعني سعدا و بايعناه فأعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجوناه أمس و لا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم.فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء كما قسمه أمير المؤمنين ع و لم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين ع فما الفرق بين الحالتين.قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله ص فلما ولي عمر الخلافة و فضل قوما على قوم ألفوا ذلك و نسوا تلك القسمة الأولى و طالت أيام عمر
و أشربت قلوبهم حب المال و كثرة العطاء و أما الذين اهتضموا فقنعوا و مرنوا على القناعة و لم يخطر لأحد من الفريقين له أن هذه الحال تنتقض أو تتغير بوجه ما فلما ولي عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه فازداد وثوق القوم بذلك و من ألف أمرا أشق عليه فراقه و تغيير العادة فيه فلما ولي أمير المؤمنين ع أراد أن يرد الأمر إلى ما كان في أيام رسول الله ص و أبي بكر و قد نسي ذلك و رفض و تخلل بين الزمانين اثنتان و عشرون سنة فشق ذلك عليهم و أنكروه و أكبروه حتى حدث ما حدث من نقض البيعة و مفارقة الطاعة و لله أمر هو بالغه
92 و من خطبة له ع
أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اَللَّهِ وَ اَلثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ اَلْفِتْنَةِ وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَ اِشْتَدَّ كَلَبُهَا فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَسْأَلُونَنِي تَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلسَّاعَةِ وَ لاَ عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلاَّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ اَلْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ اَلْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ اَلسَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمَسْئُولِينَ وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَ كَانَتِ ضَاقَتِ اَلدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ اَلْبَلاَءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اَللَّهُ لِبَقِيَّةِ اَلْأَبْرَارِ مِنْكُمْ إِنَّ اَلْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَتٍ وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ اَلرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً أَلاَ وَ إِنَّ أَخْوَفَ اَلْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَ أَصَابَ اَلْبَلاَءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَ أَخْطَأَ اَلْبَلاَءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ اَلضَّرُوسِ تَعْذِمُ
بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا لاَ يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لاَ يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلاَّ نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ وَ لاَ يَزَالُ بَلاَؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَكُونَ اِنْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاَّ مِثْلَ اِنْتِصَارِ كَانْتِصَارِ اَلْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهاً شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَ لاَ عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ اَلْبَيْتِ مِنْهَا بِنَجَاةٍ بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اَللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ اَلْأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لاَ يُعْطِيهِمْ إِلاَّ اَلسَّيْفَ وَ لاَ يُحْلِسُهُمْ إِلاَّ اَلْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ اَلْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلاَ يُعْطُونَنِيهِ يُعْطُونِيهِ فقأت عينه أي بخقتها و تفقأت السحابة عن مائها تشققت و تفقأ الدمل و القرح و معنى فقئه ع عين الفتنة إقدامه عليها حتى أطفأ نارها كأنه جعل للفتنة عينا محدقة يهابها الناس فأقدم هو عليها ففقأ عينها فسكنت بعد حركتها و هيجانها و هذا من باب الاستعارة و إنما قال و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري لأن الناس كلهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة و لا يعلمون كيف يقاتلونهم هل يتبعون موليهم أم لا و هل يجهزون على جريحهم أم لا و هل يقسمون فيئهم أم لا و كانوا يستعظمون قتال من يؤذن كأذاننا و يصلي كصلاتنا و استعظموا أيضا حرب عائشة و حرب طلحة و الزبير لمكانهم في الإسلام و توقف جماعتهم عن الدخول في تلك الحرب كالأحنف بن قيس و غيره فلو لا أن عليا اجترأ على سل السيف فيها ما أقدم أحد عليها حتى
الحسن ع ابنه أشار عليه ألا يبرح عرصة المدينة و نهاه عن المسير إلى البصرة حتى قال له منكرا عليه إنكاره و لا تزال تخن خنين الأمة و قد روى ابن هلال صاحب كتاب الغارات أنه كلم أباه في قتال أهل البصرة بكلام أغضبه فرماه ببيضة حديد عقرت ساقه فعولج منها شهرين.و الغيهب الظلمة و الجمع غياهب و إنما قال بعد ما ماج غيهبها لأنه أراد بعد ما عم ضلالها فشمل فكنى عن الضلال بالغيهب و كنى عن العموم و الشمول بالتموج لأن الظلمة إذا تموجت شملت أماكن كثيرة غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة و اشتد كلبها أي شرها و أذاها و يقال للقحط الشديد كلب و كذلك للقر الشديد.
ثم قال ع سلوني قبل أن تفقدوني روى صاحب كتاب الإستيعاب و هو أبو عمر محمد بن عبد البر عن جماعة من الرواة و المحدثين قالوا لم يقل أحد من الصحابةرضياللهعنه م سلوني إلا علي بن أبي طالب و روى شيخنا أبو جعفر الإسكافي في كتاب نقض العثمانية عن علي بن الجعد عن ابن شبرمة قال ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر سلوني إلا علي بن أبي طالب ع.و الفئة الطائفة و الهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه و أصله فيء مثال فيع لأنه من فاء و يجمع على فئات مثل شيات و هبات و لدات.و ناعقها الداعي إليها من نعيق الراعي بغنمه و هو صوته نعق ينعق بالكسر نعيقا و نعاقا أي صاح بها و زجرها قال الأخطل
فانعق بضأنك يا جرير فإنما |
منتك نفسك في الخلاء ضلالا |
فأما الغراب فيقال نغق بالغين المعجمة ينغق بالكسر أيضا و حكى ابن كيسان نعق الغراب أيضا بعين غير معجمه.و الركاب الإبل واحدتها راحلة و لا واحد لها من لفظها و جمعها ركب مثل كتاب و كتب و يقال زيت ركابي لأنه يحمل من الشام عليها.و المناخ بضم الميم و محط بفتحها يجوز أن يكونا مصدرين و أن يكونا مكانين أما كون المناخ مصدرا فلأنه كالمقام الذي بمعنى الإقامة و أما كون المحط مصدرا فلأنه كالمرد في قوله سبحانه وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اَللَّهِ و أما كونهما موضعين فلأن المناخ من أنخت الجمل لا من ناخ الجمل لأنه لم يأت و الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع منه يأتي مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة نحو دحرج و هذا مدحرجنا و من قال هذا مقام بني فلان أي موضع مقامهم جعله كما جعلناه نحن من أقام يقيم لا من قام يقوم و أما المحط فإنه كالمقتل موضع القتل يقال مقتل الرجل بين فكيه و يقال للأعضاء التي إذا أصيب الإنسان فيها هلك مقاتل و وجه المماثلة كونهما مضمومي العين
فصل في ذكر أمور غيبية أخبر بها الإمام ثم تحققت
و اعلم أنه ع قد أقسم في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم و بين القيامة إلا أخبرهم به و أنه ما صح من طائفة من الناس يهتدي بها مائة و تضل بها مائة إلا و هو مخبر لهم إن سألوه برعاتها و قائدها و سائقها و مواضع نزول ركابها و خيولها و من يقتل منها قتلا و من يموت منها موتا و هذه الدعوى ليست منه عليه ع ادعاء الربوبية و لا ادعاء النبوة و لكنه كان يقول إن رسول الله ص
أخبره بذلك و لقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخباره عن الضربة يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته و إخباره عن قتل الحسين ابنه ع و ما قاله في كربلاء حيث مر بها و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده و إخباره عن الحجاج و عن يوسف بن عمر و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم و صلب من يصلب و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و إخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص ع إلى البصرة لحرب أهلها و إخباره عن عبد الله بن الزبير و قوله فيه خب ضب يروم أمرا و لا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا و هو بعد مصلوب قريش و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة أخرى بالزنج و هو الذي صحفه قوم فقالوا بالريح و كإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان و تنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين و ولده و إسحاق بن إبراهيم و كانوا هم و سلفهم دعاة الدولة العباسية و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر و الداعي و غيرهما في قوله ع و إن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء دعاؤه حتى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة و قوله إنه يقتل عند أحجار الزيت و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر و قوله فيه أيضا يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤسا للرامي شلت يده و وهن عضده و كإخباره عن قتلى وج و قوله فيهم هم خير أهل الأرض و كإخباره عن المملكة العلوية بالغرب و تصريحه بذكر كتامة و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم و كقوله و هو يشير إلى أبي عبد الله المهدي و هو أولهم ثم يظهر
صاحب القيروان الغض البض ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذي البداء المسجى بالرداء و كان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا بحمرة رخص البدن تار الأطراف و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد ع و هو المسجى بالرداء لأن أباه أبا عبد الله جعفرا سجاه بردائه لما مات و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة في أمره.و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم و يخرج من ديلمان بنو الصياد إشارة إليهم و كان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو و عياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة و نشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم و كقوله ع فيهم ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء فقال له قائل فكم مدتهم يا أمير المؤمنين فقال مائة أو تزيد قليلا و كقوله فيهم و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة و هو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين و كان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده للنكوص في الحرب و كان ابنه عز الدول بختيار مترفا صاحب لهو و شرب و قتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب و سلبه ملكه فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي و رتب عوضه المطيع و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع و رتب عوضه القادر و كانت مدة ملكهم كما أخبر به ع.و كإخباره ع لعبد الله بن العباسرحمهالله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده فإن علي بن عبد الله لما ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي ع فأخذه و تفل في فيه
و حنكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة و هي التي ذكرها أبو العباس المبرد في كتاب الكامل و ليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة و لا منقولة من كتاب معتمد عليه.و كم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرة و كتب السير تشتمل عليها مشروحة.فإن قلت لما ذا غلا الناس في أمير المؤمنين ع فادعوا فيه الإلهية لإخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عيانا و لم يغلوا في رسول الله ص فيدعوا له الإلهية و أخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها و علموها يقينا و هو كان أولى بذلك لأنه الأصل المتبوع و معجزاته أعظم و أخباره عن الغيوب أكثر قلت إن الذين صحبوا رسول الله ص و شاهدوا معجزاته و سمعوا أخباره عن الغيوب الصادقة عيانا كانوا أشد آراء و أعظم أحلاما و أوفر عقولا من تلك الطائفة الضعيفة العقول السخيفة الأحلام الذين رأوا أمير المؤمنين ع في آخر أيامه كعبد الله بن سبإ و أصحابه فإنهم كانوا من ركاكة البصائر و ضعفها على حال مشهورة فلا عجب عن مثلهم أن تستخفهم المعجزات فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر الإلهي قد حله لاعتقادهم أنه لا يصح من البشر هذا إلا بالحلول و قد قيل إن جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى و اليهود و قد كانوا سمعوا من آبائهم و سلفهم القول بالحلول في أنبيائهم و رؤسائهم فاعتقدوا فيه ع مثل ذلك و يجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام فذهبوا إلى ذلك و لو كانوا في أيام رسول الله ص لقالوا فيه مثل هذه المقالة إضلالا لأهل
الإسلام و قصدا لإيقاع الشبهة في قلوبهم و لم يكن في الصحابة مثل هؤلاء و لكن قد كان فيهم منافقون و زنادقة و لم يهتدوا إلى هذه الفتنة و لا خطر لهم مثل هذه المكيدة.و مما ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم و بين العرب الذين عاصروا رسول الله ص أن هؤلاء من العراق و ساكني الكوفة و طينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء و أصحاب النحل العجيبة و المذاهب البديعة و أهل هذا الإقليم أهل بصر و تدقيق و نظر و بحث عن الآراء و العقائد و شبه معترضة في المذاهب و قد كان منهم في أيام الأكاسرة مثل ماني و ديصان و مزدك و غيرهم و ليست طينة الحجاز هذه الطينة و لا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان و الغالب على أهل الحجاز الجفاء و العجرفية و خشونة الطبع و من سكن المدن منهم كأهل مكة و المدينة و الطائف فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة و لم يكن فيهم من قبل حكيم و لا فيلسوف و لا صاحب نظر و جدل و لا موقع شبهة و لا مبتدع نحلة و لهذا نجد مقالة الغلاة طارئة و ناشئة من حيث سكن علي ع بالعراق و الكوفة لا في أيام مقامه بالمدينة و هي أكثر عمره.فهذا ما لاح لي من الفرق بين الرجلين في المعنى المقدم ذكره.فإن قلت لما ذا قال عن فئة تهدى مائة و ما فائدة التقييد بهذا العدد قلت لأن ما دون المائة حقير تافه لا يعتد به ليذكر و يخبر عنه فكأنه قال مائة فصاعدا.قوله ع كرائه الأمور جمع كريهة و هي الشدة في الحرب و حوازب الخطوب جمع حازب و حزبه الأمر أي دهمه.
و فشل جبن فإن قلت أما فشل المسئول فمعلوم فما الوجه في إطراق السائل قلت لشدة الأمر و صعوبته حتى أن السائل ليبهت و يدهش فيطرق و لا يستطيع السؤال.قوله ع إذا قلصت حربكم يروى بالتشديد و بالتخفيف و يروى عن حربكم فمن رواه مشددا أراد انضمت و اجتمعت و ذلك لأنه يكون أشد لها و أصعب من أن تتفرق في مواطن متباعدة أ لا ترى أن الجيوش إذا اجتمعت كلها و اصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب و أفظع من أن تكون كل كتيبة من تلك الجيوش تحارب كتيبة أخرى في بلاد متفرقة متباعدة و ذلك لأن اصطدام الفيلقين بأجمعهما هو الاستئصال الذي لا شوى له و لا بقيا بعده و من رواها بالتخفيف أراد كثرت و تزايدت من قولهم قلصت البئر أي ارتفع ماؤها إلى رأسها أو دونه و هو ماء قالص و قليص و من روى إذا قلصت عن حربكم أراد إذا قلصت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها و المضارع من قلص يقلص بالكسر.قوله و شمرت عن ساق استعارة و كناية يقال للجاد في أمره قد شمر عن ساق و ذلك لأن سبوغ الذيل معثرة و يمكن أن يجري اللفظ على حقيقته و ذلك أن قوله تعالى( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ) فسروه فقالوا الساق الشدة فيكون قد أراد بقوله و شمرت عن ساق أي كشفت عن شدة و مشقة.ثم قال تستطيلون أيام البلاء و ذلك لأن أيام البؤس طويلة قال الشاعر
فأيام الهموم مقصصات |
و أيام السرور تطير طيرا |
و قال أبو تمام
ثم انبرت أيام هجر أردفت |
بجوى أسى فكأنها أعوام |
قوله ع إن الفتن إذا أقبلت شبهت معناه أن الفتن عند إقبالها و ابتداء حدوثها يلتبس أمرها و لا يعلم الحق منها من الباطل إلى أن تنقضي و تدبر فحينئذ ينكشف حالها و يعلم ما كان مشتبها منها ثم أكد ع هذا المعنى بقوله ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات و مثال ذلك فتنة الجمل و فتنة الخوارج كان كثير من الناس فيها في مبدإ الأمر متوقفين و اشتبه عليهم الحال و لم يعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنة و وضعت الحرب أوزارها و بان لهم صاحب الضلالة من صاحب الهداية.ثم وصف الفتن فقال إنها تحوم حوم الرياح يصبن بلدا و يخطئن بلدا حام الطائر و غيره حول الشيء يحوم حوما و حومانا أي دار.ثم ذكر أن أخوف ما يخاف عليهم فتنة بني أمية و معنى قوله عمت خطتها و خصت بليتها أنها عمت الناس كافة من حيث كانت رئاسة شاملة لكل أحد و لكن حظ أهل البيت ع و شيعتهم من بليتها أعظم و نصيبهم فيها أوفر.و معنى قوله و أصاب البلاء من أبصر فيها و أخطأ البلاء من عمي عنها أن العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر و الجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر لأن من لا يعلم المنكر منكرا لا يلزمه إنكاره و لا يعني بالمنكر هاهنا
ما كان منكرا من الاعتقادات و لا ما يتعلق بالأمانة بل الزنى و شرب الخمر و نحوهما من الأفعال القبيحة.فإن قلت أي فرق بين الأمرين قلت لأن تلك يلحق الإثم من لا يعلمها إذا كان متمكنا من العلم بها و هذه لا يجب إنكارها إلا مع العلم بها و من لا يعلمها لا يلحقه الإثم إذا كان متمكنا من العلم بها فافترق الموضوعان.ثم أقسم ع فقال و ايم الله و أصله و ايمن الله و اختلف النحويون في هذه الكلمة فعند الأكثرين منهم أن ألفها ألف وصل و أن أيمن اسم وضع للقسم هكذا بألف وصل و بضم الميم و النون قالوا و لم يأت في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها و تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء فتقول ليمن الله فتذهب الألف قال الشاعر
فقال فريق القوم لما نشدتهم |
نعم و فريق ليمن الله ما ندري |
و هذا الاسم مرفوع بالابتداء و خبره محذوف و التقدير ليمن الله قسمي فإذا خاطبت قلت ليمنك و في حديث عروة بن الزبير ليمنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت و لئن كنت أخذت لقد أبقيت و تحذف نونه فيصير ايم الله بألف وصل مفتوحة و قد تكسر و ربما حذفوا الياء فقالوا ام الله و ربما أبقوا الميم وحدها مضمومة فقالوا م الله و قد يكسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء و ربما قالوا من الله بضم الميم و النون و من الله بكسرهما و من الله بفتحهما و ذهب أبو عبيد و ابن كيسان و ابن درستويه إلى أن أيمن جمع يمين و الألف همزة قطع و إنما خففت
و طرحت في الوصل لكثرة الاستعمال قالوا و كانت العرب تحلف باليمين فتقول يمين الله لا أفعل قال إمرؤ القيس
فقلت يمين الله أبرح قاعدا |
و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي |
قالوا و اليمين تجمع على أيمن قال زهير
فتجمع أيمن منا و منكم |
بمقسمة تمور بها الدماء |
ثم حلفوا به فقالوا أيمن الله ثم كثر في كلامهم و خف على ألسنتهم حتى حذفوا منه النون كما حذفوا في قوله لم يكن فقالوا لم يك فأقسم ع لأصحابه أنهم سيجدون بني أمية بعده لهم أرباب سوء و صدق ص فيما قال فإنهم ساموهم سوء العذاب قتلا و صلبا و حبسا و تشريدا في البلاد.ثم شبه بني أمية بالناب الضروس و الناب الناقة المسنة و الجمع نيب تقول لا أفعله ما حنت النيب و الضروس السيئة الخلق تعض حالبها.و تعذم بفيها تكدم و العذم الأكل بجفاء و فرس عذوم يعض بأسنانه.و الزبن الدفع زبنت الناقة تزبن إذا ضربت بثفناتها عند الحلب تدفع الحالب عنها و الدر اللبن و في المثل لا در دره الأصل لبنه ثم قيل لكل خير و ناقة درور أي كثيرة اللبن.ثم قال لا يزالون بكم قتلا و إفناء لكم حتى لا يتركوا منكم إلا من ينفعهم إبقاؤه أو لا يضرهم و لا ينفعهم قال حتى يكون انتصار أحدكم منهم كانتصار العبد من مولاه أي لا انتصار لكم منهم لأن العبد لا ينتصر من مولاه أبدا و قد جاء في كلامه
ع في غير هذا الموضع تتمة هذا المعنى إن حضر أطاعه و إن غاب سبعه أي ثلبه و شتمه و هذه أمارة الذل كما قال أبو الطيب
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني |
و لا أعاتبه صفحا و إهوانا |
|
و هكذا كنت في أهلي و في وطني |
إن النفيس نفيس أينما كانا |
قال ع و الصاحب من مستصحبه أي و التابع من متبوعه.و الشوه جمع شوهاء و هي القبيحة الوجه شاهت الوجوه تشوه شوها قبحت و شوهه الله فهو مشوه و هي شوهاء و لا يقال للذكر أشوه و مخشية مخوفة.و قطعا جاهلية شبهها بقطع السحاب لتراكمها على الناس و جعلها جاهلية لأنها كأفعال الجاهلية الذين لم يكن لهم دين يردعهم و يروى شوهاء و قطعاء أي نكراء كالمقطوعة اليد.قوله نحن أهل البيت منها بمنجاة أي بمعزل و النجاة و النجوة المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاك و لا يعلوه السيل و لسنا فيها بدعاة أي لسنا من أنصار تلك الدعوة و أهل البيت منصوب على الاختصاص كقولهم نحن معشر العرب نفعل كذا و نحن آل فلان كرماء.قوله كتفريج الأديم الأديم الجلد و جمعه أدم مثل أفيق و أفق و يجمع أيضا على آدمة كرغيف و أرغفة و وجه التشبيه أن الجلد ينكشف عما تحته فوعدهم ع بأن الله تعالى يكشف تلك الغماء كانكشاف الجلد عن اللحم بمن يسومهم خسفا و يوليهم ذلا.
و العنف بالضم ضد الرفق و كأس مصبرة ممزوجة بالصبر لهذا المر و يجوز أن يكون مصبرة مملوءة إلى أصبارها و هي جوانبها و في المثل أخذها بأصبارها أي تامة الواحد صبر بالضم.و يحلسهم يلبسهم أحلست البعير ألبسته الحلس و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة يقال له حلس و حلس مثل شبه و شبه.و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى و جزرها ذبحها.و هذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة و انقراض ملك بني أمية و وقع الأمر بموجب إخباره ص حتى لقد صدق قوله لقد تود قريش الكلام إلى آخره فإن أرباب السير كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الزاب لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى و القصة طويلة و هي مشهورة.و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي ع بعد انقضاء أمر النهروان و فيها ألفاظ لم يوردها الرضيرحمهالله من ذلك
قوله ع و لم يكن ليجترئ عليها غيري و لو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل و النهروان و ايم الله لو لا أن تتكلوا فتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله عز و جل على لسان نبيكم ص لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه سلوني قبل أن تفقدوني فإني ميت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم و ضرب بيده إلى لحيته
و منها في ذكر بني أمية يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا إلى أن يضع الله عز و جل جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها ألا و إنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر و حنين تؤجروا و لا تمالئوا عليهم عدوهم فتصرعكم البلية و تحل بكم النقمة
و منها إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه و إن توارى عنه شتمه و ايم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم
و منها فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا و إن استنصروكم فانصروهم فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاما و رفاتا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اَللَّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً.فإن قيل لما ذا قال و لو لم أك فيكم لما قوتل أهل الجمل و أهل النهروان و لم يذكر صفين قيل لأن الشبهة كانت في أهل الجمل و أهل النهروان ظاهرة الالتباس لأن الزبير و طلحة موعودان بالجنة و عائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله ص في الآخرة كما هي زوجته في الدنيا و حال طلحة و الزبير في السبق و الجهاد و الهجرة معلومة و حال عائشة في محبة الرسول ص لها و ثنائه عليها و نزول القرآن فيها معلومة و أما أهل النهروان فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد و عزوف عن الدنيا و إقبال على أمور الآخرة و هم كانوا قراء أهل العراق و زهادهم و أما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين و الانحراف عن الإسلام و كذلك ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص و من اتبعهما من طغام أهل الشام و أجلافهم و جهال الأعراب فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم بخلاف حال من تقدم ذكره.
فإن قيل و من هذا الرجل الموعود به الذي قال ع عنه بأبي ابن خيرة الإماء قيل أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر و أنه ابن أمة اسمها نرجس و أما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لأم ولد و ليس بموجود الآن.فإن قيل فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا حتى يقول ع في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم حتى يودوا لو أن عليا ع كان المتولي لأمرهم عوضا عنه.قيل أما الإمامية فيقولون بالرجعة و يزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية و غيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر و أنه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم و يسمل عيون بعضهم و يصلب قوما آخرين و ينتقم من أعداء آل محمد ع المتقدمين و المتأخرين و أما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة ع ليس موجود الآن و أنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما و ينتقم من الظالمين و ينكل بهم أشد النكال و أنه لأم ولد كما قد ورد في هذا الأثر و في غيره من الآثار و أن اسمه محمد كاسم رسول الله ص و أنه إنما يظهر بعد أن يستولي على كثير من الإسلام ملك من أعقاب بني أمية و هو السفياني الموعود به في الخبر الصحيح من ولد أبي سفيان بن حرب بن أمية و أن الإمام الفاطمي يقتله و يقتل أشياعه من بني أمية و غيرهم و حينئذ ينزل المسيح ع من السماء و تبدو أشراط الساعة و تظهر دابة الأرض و يبطل التكليف و يتحقق قيام الأجساد عند نفخ الصور كما نطق به الكتاب العزيز.
فإن قيل فإنكم قلتم فيما تقدم أن الوعد إنما هو بالسفاح و بعمه عبد الله بن علي و المسودة و ما قلتموه الآن مخالف لذلك.قيل إن ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضيرحمهالله تعالى من كلام أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة و هذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضي و هي قوله بأبي ابن خيرة الإماء و قوله لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا فلا مناقضة بين التفسيرين
93 و من خطبة له ع
فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ يَنَالُهُ حَدْسُ اَلْفِطَنِ اَلْأَوَّلُ اَلَّذِي لاَ غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِي فَيَنْتَهِيَ وَ لاَ آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي فَيَنْقَضِيَ البركة كثرة الخير و زيادته و تبارك الله منه و بركت أي دعوت بالبركة و طعام بريك أي مبارك و يقال بارك الله لزيد و في زيد و على زيد و بارك الله زيدا يتعدى بنفسه و منه قوله تعالى( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنَّارِ ) و يحتمل تبارك الله معنيين أحدهما أن يراد تبارك خيره و زادت نعمته و إحسانه و هذا دعاء و ثانيهما أن يراد به تزايد و تعال في ذاته و صفاته عن أن يقاس به غيره و هذا تمجيد.قوله ع لا يبلغه بعد الهمم أي بعد الأفكار و الأنظار عبر عنها بالهمم لمشابهتها إياها و حدس الفطن ظنها و تخمينها حدست أحدس بالكسر.و يسأل عن قوله لا غاية له فينتهي و لا آخر له فينقضي فيقال إنما تدخل الفاء فيما إذا كان الثاني غير الأول و كقولهم ما تأتينا فتحدثنا و ليس الثاني هاهنا غير الأول لأن الانقضاء هو الآخرية بعينها فكأنه قال لا آخر له فيكون له آخر و هذا لغو و كذلك القول اللفظة في الأولى.و ينبغي أن يقال في الجواب إن المراد لا آخر له بالإمكان و القوة فينقضي بالفعل فيما
لا يزال و لا هو أيضا ممكن الوجود فيما مضى فيلزم أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم و هو معنى قوله فينتهي بل هو واجب الوجود في حالين فيما مضى و في المستقبل و هذان مفهومان متغايران و هما العدم و إمكان العدم فاندفع الإشكال : فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ وَ أَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ اَلْأَصْلاَبِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ اَلْأَرْحَامِ كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اَللَّهِ خَلَفٌ حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ص فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ اَلْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وَ أَعَزِّ اَلْأَرُومَاتِ مَغْرِساً مِنَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَ اِنْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ اَلْعِتَرِ وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ اَلْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ اَلشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرٌ لاَ يُنَالُ فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اِتَّقَى وَ بَصِيرَةُ مَنِ اِهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ اَلْقَصْدُ وَ سُنَّتُهُ اَلرُّشْدُ وَ كَلاَمُهُ اَلْفَصْلُ وَ حُكْمُهُ اَلْعَدْلُ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ وَ هَفْوَةٍ عَنِ اَلْعَمَلِ وَ غَبَاوَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ تناسختهم أي تناقلتهم و التناسخ في الميراث أن يموت ورثة بعد ورثة و أصل الميراث
قائم لم يقسم كأن ذلك تناقل من واحد إلى آخر و منه نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته أي نقلت ما فيه و يروى تناسلتهم.و السلف المتقدمون و الخلف الباقون و يقال خلف صدق بالتحريك و خلف سوء بالتسكين.و أفضت كرامة الله إلى محمد ص أي انتهت و الأرومات جمع أرومة و هي الأصل و يقال أروم بغير هاء و صدع شق و انتجب اصطفى و الأسرة رهط الرجل.و قوله نبتت في حرم يجوز أن يعني به مكة و يجوز أن يعني به المنعة و العز.و بسقت طالت و معنى قوله و ثمر لا ينال ليس على أن يريد به أن ثمرها لا ينتفع به لأن ذلك ليس بمدح بل يريد به أن ثمرها لا ينال قهرا و لا يجنى غصبا و يجوز أن يريد بثمرها نفسه ع و من يجري مجراه من أهل البيت ع لأنهم ثمرة تلك الشجرة.و لا ينال أي لا ينال مساعيهم و مآثرهم و لا يباريهم أحد و قد روي في الحديث عن النبي ص في فضل قريش و بني هاشم الكثير المستفيض نحو قوله ع قدموا قريشا و لا تقدموها و قوله الأئمة من قريش و قوله إن الله اصطفى من العرب معدا و اصطفى من معد بني النضر بن كنانة و اصطفى هاشما من بني النضر و اصطفاني من بني هاشم و
قوله إن جبرائيل ع قال لي يا محمد قد طفت الأرض شرقا و غربا فلم أجد فيها أكرم منك و لا بيتا أكرم من بني هاشم و قوله نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية و قوله ع إن الله تعالى لم يمسسني بسفاح في أرومتي منذ إسماعيل بن إبراهيم إلى عبد الله
بن عبد المطلب وقوله ص سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا أنا و علي و حسن و حسين و حمزة و جعفر وقوله و قد سمع رجلا ينشد
يا أيها الرجل المحول رحله |
هلا نزلت بآل عبد الدار |
أ هكذا قال يا أبا بكر منكرا لما سمع فقال أبو بكر لا يا رسول الله إنه لم يقل هكذا و لكنه قال
يا أيها الرجل المحول رحله |
هلا نزلت بآل عبد مناف |
|
عمرو العلا هشم الثريد لقومه |
و رجال مكة مسنتون عجاف |
فسر ص بذلك و قوله أذل الله من أذل قريشا قالها ثلاثا و كقوله أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وكقوله الناس تبع لقريش برهم لبرهم و فاجرهم لفاجرهم و كقوله أنا ابن الأكرمين و قوله لبني هاشم و الله لا يبغضكم أحد إلا أكبه الله على منخريه في النار وقوله ما بال رجال يزعمون أن قرابتي غير نافعة بلى إنها لنافعة و إنه لا يبغض أحد أهلي إلا حرمه الله الجنة.و الأخبار الواردة في فضائل قريش و بني هاشم و شرفهم كثيرة جدا و لا نرى الإطالة هاهنا باستقصائها.و سطع الصبح يسطع سطوعا أي ارتفع و السطيع الصبح و الزند العود تقدح به النار و هو الأعلى و الزندة السفلى فيها ثقب و هي الأنثى فإذا اجتمعا قيل زندان و لم يقل زندتان تغليبا للتذكير و الجمع زناد و أزند و أزناد.و القصد الاعتدال و كلامه الفصل أي الفاصل و الفارق بين الحق و الباطل و هو مصدر بمعنى الفاعل كقولك رجل عدل أي عادل.و الهفوة الزلة هفا يهفو و الغباوة الجهل و قلة الفطنة يقال غبيت عن الشيء و غبيت
الشيء أيضا أغبى غباوة إذا لم يفطن له و غبي علي الشيء كذلك إذا لم تعرفه و فلان غبي على فعيل أي قليل الفطنة : اِعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ عَلَى أَعْلاَمٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُو إِلَى دَارِ اَلسَّلاَمِ وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِيَةٌ وَ اَلْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ اَلْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ وَ اَلْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ الطريق يذكر و يؤنث يقال هذا الطريق الأعظم و هذه الطريق العظمى و الجمع أطرقة و طرق.و أعلام بينة أي منار واضح و نهج أي واضح و دار السلام الجنة و يروى و الطريق نهج بالواو واو الحال.و أنتم في دار مستعتب أي في دار يمكنكم فيها استرضاء الخالق سبحانه و استعتابه.ثم شرح ذلك فقال أنتم ممهلون متفرغون و صحف أعمالكم لم تطو بعد و أقلام الحفظة عليكم لم تجف بعد و أبدانكم صحيحة و ألسنتكم ما اعتقلت كما تعتقل ألسنة المحتضرين عند الموت و توبتكم مسموعة و أعمالكم مقبولة لأنكم في دار التكليف لم تخرجوا منها
94 و من خطبة له ع
بَعَثَهُ وَ اَلنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَةٍ وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اِسْتَهْوَتْهُمُ اَلْأَهْوَاءُ وَ اِسْتَزَلَّتْهُمُ اَلْكِبْرِيَاءُ وَ اِسْتَخَفَّتْهُمُ اَلْجَاهِلِيَّةُ اَلْجَهْلاَءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ اَلْأَمْرِ وَ بَلاَءٍ مِنَ اَلْجَهْلِ فَبَالَغَ ص فِي اَلنَّصِيحَةِ وَ مَضَى عَلَى اَلطَّرِيقَةِ وَ دَعَا إِلَى اَلْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ حاطبون في فتنة جمع حاطب و هو الذي يجمع الحطب و يقال لمن يجمع بين الصواب و الخطإ أو يتكلم بالغث و السمين حاطب ليل لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله.و يروى خابطون.و استهوتهم الأهواء دعتهم إلى نفسها.و استزلتهم الكبرياء جعلتهم ذوي زلل و خطإ و استخفتهم الجاهلية جعلتهم ذوي خفة و طيش و خرق.و الزلزال بالفتح الاسم بالكسر المصدر و الزلازل الشدائد و مثله في الكسر عند الاسمية و الفتح عند المصدر القلقال
95 و من خطبة له ع
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْأَوَّلِ فَلاَ شَيْءَ قَبْلَهُ وَ اَلآْخِرِ فَلاَ شَيْءَ بَعْدَهُ وَ اَلظَّاهِرِ فَلاَ شَيْءَ فَوْقَهُ وَ اَلْبَاطِنِ فَلاَ شَيْءَ دُونَهُ تقدير الكلام و الظاهر فلا شيء أجلى منه و الباطن فلا شيء أخفى منه فلما كان الجلاء يستلزم العلو و الفوقية و الخفاء يستلزم الانخفاض و التحتية عبر عنهما بما يلازمهما و قد تقدم الكلام في معنى الأول و الآخر و الظاهر و الباطن.و ذهب أكثر المتكلمين إلى أن الله تعالى يعدم أجزاء العالم ثم يعيدها و ذهب قوم منهم إلى أن الإعادة إنما هي جمع الأجزاء بعد تفريقها لا غير.و احتج الأولون بقوله تعالى( هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ ) قالوا لما كان أولا بمعنى أنه الموجود و لا موجود معه وجب أن يكون آخرا بمعنى أنه سيئول الأمر إلى عدم كل شيء إلا ذاته تعالى كما كان أولا و البحث المستقصى في هذا الباب مشروح في كتبنا الكلامية
وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلرَّسُولِ ص مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ اَلْكَرَامَةِ وَ مَمَاهِدِ اَلسَّلاَمَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ اَلْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ اَلْأَبْصَارِ دَفَنَ اَللَّهُ بِهِ اَلضَّغَائِنَ وَ أَطْفَأَ بِهِ اَلنَّوَائِرَ اَلثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً وَ أَعَزَّ بِهِ اَلذِّلَّةَ وَ أَذَلَّ بِهِ اَلْعِزَّةَ كَلاَمُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ المهاد الفراش و لما قال في معادن و هي جمع معدن قال بحكم القرينة و الازدواج و مماهد و إن لم يكن الواحد منها ممهدا كما قالوا الغدايا و العشايا و مأجورات و مأزوات و نحو ذلك و يعني بالسلامة هاهنا البراءة من العيوب أي في نسب طاهر غير مأفون و لا معيب.ثم قال قد صرفت نحوه أي نحو الرسول ص و لم يقل من صرفها بل جعله فعلا لم يسم فاعله فإن شئت قلت الصارف لها هو الله تعالى لا بالجبر كما يقوله الأشعرية بل بالتوفيق و اللطف كما يقوله أصحابنا و إن شئت قلت صرفها أربابها.و الضغائن جمع ضغينة و هي الحقد ضغنت على فلان بالكسر ضغنا و الضغن الاسم كالضغينة و قد تضاغنوا و اضطغنوا انطووا على الأحقاد و دفنها أكمنها و أخفاها و ألف به إخوانا لأن الإسلام قد ألف بين المتباعدين و فرق بين المتقاربين و قال
تعالى( فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) قطع ما بين حمزة و أبي لهب مع تقاربهما و ألف بين علي ع و عمار مع تباعدهما.قوله ع و صمته لسان لا يعني باللسان هاهنا الجارحة نفسها بل الكلام الصادر عنها كقول الأعشى
إني أتتني لسان لا أسر بها
قالوا في تفسيره أراد الكلمة و جمعه على هذا ألسن لأنه مؤنث كقولك ذراع و أذرع فأما جمع لسان للجارحة فألسنة لأنه مذكر كقولك حمار و أحمرة يقول ع إن كلام الرسول ص بيان و البيان إخراج الشيء من حيز الخفاء إلى حيز الوضوح و صمته ص كلام و قول مفيد أي أن صمته لا يخلو من فائدة فكأنه كلام و هذا من باب التشبيه المحذوف الأداة كقولهم يده بحر و وجهه بدر
96 و من كلام له ع
وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اَللَّهُ اَلظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وَ بِمَوْضِعِ اَلشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِهِمْ بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ اَلْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اِسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ اَلْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ اَلْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ اَلْحَنِيَّةِ عَجَزَ اَلْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ اَلْمُقَوَّمُ أَيُّهَا اَلْقَوْمُ اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ اَلْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اَللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَ صَاحِبُ أَهْلِ اَلشَّامِ يَعْصِي اَللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَ اَللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ اَلدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ
يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اِثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلاَمٍ وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلْبَلاَءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ اَلْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ وَ اَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ حَمِيَ اَلضِّرَابُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ اِنْفِرَاجَ اَلْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي وَ إِنِّي لَعَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً أمهله أخره و أخذه فاعل و المفعول محذوف تقديره فلن يفوته و المرصاد الطريق و هي من ألفاظ الكتاب العزيز.و مجاز طريقه مسلكه و موضع جوازه و الشجا ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره و موضع الشجا هو الحلق نفسه و مساغ ريقه موضع الإساغة أسغت الشراب أوصلته إلى المعدة و يجوز سغت الشراب أسوغه و أسيغه و ساغ الشراب نفسه يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق يتعدى و لا يتعدى و هذا الكلام من باب التوسع و المجاز لأن الله تعالى لا يجوز عليه الحصول في الجهات و لكنه كقوله تعالى( وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) و قوله( وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ ) .
ثم أقسم ع أن أهل الشام لا بد أن يظهروا على أهل العراق و أن ذلك ليس لأنهم على الحق و أهل العراق على الباطل بل لأنهم أطوع لأميرهم و مدار النصرة في الحرب إنما هو على طاعة الجيش و انتظام أمره لا على اعتقاد الحق فإنه ليس يغني في الحرب أن يكون الجيش محقا في العقيدة إذا كان مختلف الآراء غير مطيع لأمر المدبر له و لهذا تجد أهل الشرك كثيرا ما ينتصرون على أهل التوحيد.ثم ذكر ع نكتة لطيفة في هذا المعنى فقال العادة أن الرعية تخاف ظلم الوالي و أنا أخاف ظلم رعيتي و من تأمل أحواله ع في خلافته علم أنه كان كالمحجور عليه لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه و ذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين و كان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه و يرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه و يظنون أن الأفضلية إنما هي الخلافة و يقلد أخلافهم أسلافهم و يقولون لو لا أن الأوائل علموا فضل المتقدمين عليه لما قدموهم و لا يرونه إلا بعين التبعية لمن سبقه و أنه كان رعية لهم و أكثرهم إنما يحارب معه بالحمية و بنخوة العربية لا بالدين و العقيدة و كان ع مدفوعا إلى مداراتهم و مقاربتهم و لم يكن قادرا على إظهار ما عنده أ لا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الأمصار.و
قوله فاقضوا كما كنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة و أموت كما مات أصحابي و هذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير و معناه واضح و هو أنه قال لهم اتبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال في الأحكام و القضايا التي كنتم تقضون بها إلى أن يكون للناس جماعة أي إلى أن تسفر هذه الأمور و الخطوب عن الاجتماع و زوال الفرقة و سكون الفتنة و حينئذ أعرفكم ما عندي في هذه القضايا و الأحكام التي قد استمررتم عليها.ثم قال أو أموت كما مات أصحابي فمن قائل يقول عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمين
و من قائل يقول عنى بأصحابه شيعته كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و نحوهم أ لا ترى إلى قوله على المنبر في أمهات الأولاد كان رأيي و رأي عمر ألا يبعن و أنا أرى الآن بيعهن فقام عليه عبيدة السلماني فقال له رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك فما أعاد عليه حرفا فهل يدل هذا على القوة و القهر أم على الضعف في السلطان و الرخاوة و هل كانت المصلحة و الحكمة تقتضي في ذلك الوقت غير السكوت و الإمساك أ لا ترى أنه كان يقرأ في صلاة الصبح و خلفه جماعة من أصحابه فقرأ واحد منهم رافعا صوته معارضا قراءة أمير المؤمنين ع( إن الحكم إلا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين ) فلم يضطرب ع و لم يقطع صلاته و لم يلتفت وراءه و لكنه قرأ معارضا له على البديهة( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ اَلَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) و هذا صبر عظيم و أناة عجيبة و توفيق بين و بهذا و نحوه استدل أصحابنا المتكلمون على حسن سياسته و صحة تدبيره لأن من مني بهذه الرعية المختلفة الأهواء و هذا الجيش العاصي له المتمرد عليه ثم كسر بهم الأعداء و قتل بهم الرؤساء فليس يبلغ أحد في حسن السياسة و صحة التدبير مبلغه و لا يقدر أحد قدره و قد قال بعض المتكلمين من أصحابنا إن سياسة علي ع إذا تأملها المنصف متدبرا لها بالإضافة إلى أحواله التي دفع إليها مع أصحابه جرت مجرى المعجزات لصعوبة الأمر و تعذره فإن أصحابه كانوا فرقتين إحداهما تذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما و تتولاه و تبرأ من أعدائه و الأخرى و هم جمهور أصحاب الحرب و أهل الغناء و البأس يعتقدون أن عثمان قتل لأحداث أوجبت عليه القتل و قد كان منهم من يصرح بتكفيره و كل من هاتين الفرقتين يزعم أن عليا ع موافق لها على رأيها و تطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان و تسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره و كان ع
يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى و أسلمته و تولت عنه و خذلته فأخذ ع يعتمد في جوابه و يستعمل في كلامه ما تظن به كل واحدة من الفرقتين أنه يوافق رأيها و يماثل اعتقادها فتارة يقول الله قتله و أنا معه و تذهب الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن الله أماته و سيميتني كما أماته و تذهب الطائفة الأخرى إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أيضا و كذلك قوله تارة أخرى ما أمرت به و لا نهيت عنه و قوله لو أمرت به لكنت قاتلا و لو نهيت عنه لكنت ناصرا و أشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه فلم يزل على هذه الوتيرة حتى قبض ع و كل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان و الحاجة إلى ذكره في كل مقام لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها و أحذقهم فيها و أعلمهم بوجوه مخارج الكلام و تدبير أحوال الرجال.ثم نعود إلى الشرح قوله ع و نصحت لكم هو الأفصح و عليه ورد لفظ القرآن و قول العامة نصحتك ليس بالأفصح.قوله و عبيد كأرباب يصفهم بالكبر و التيه.فإن قلت كيف قال عنهم إنهم عبيد و كانوا عربا صلبية قلت يريد أن أخلاقهم كأخلاق العبيد من الغدر و الخلاف و دناءة الأنفس و فيهم مع ذلك كبر السادات و الأرباب و تيههم فقد جمعوا خصال السوء كلها.و أيادي سبأ مثل يضرب للمتفرقين و أصله قوله تعالى( عن أهل سبإ وَ مَزَّقْناهُمْ
كُلَّ مُمَزَّقٍ ) و سبأ مهموز و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان و يقال ذهبوا أيدي سبأ و أيادي سبأ الياء ساكنة و كذلك الألف و هكذا نقل المثل أي ذهبوا متفرقين و هما اسمان جعلا واحدا مثل معديكرب.قوله تتخادعون عن مواعظكم أن تمسكون عن الاتعاظ و الانزجار و تقلعون عن ذلك من قولهم كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك و أقلع و يجوز أن يريد تتلونون و تختلفون في قبول الموعظة من قولهم خلق فلان خلق خادع أي متلون و سوق خادعة أي مختلفة متلونة و لا يجوز أن يريد باللفظة المعنى المشهور منها لأنه إنما يقال فلان يتخادع لفلان إذا كان يريه أنه منخدع له و ليس بمنخدع في الحقيقة و هذا لا يطابق معنى الكلام.و الحنية القوس و قوله كظهر الحنية يريد اعوجاجهم كما أن ظهر القوس معوج و أعظل المقوم أي أعضل داؤه أي أعيا و يروى أيها الشاهدة أبدانهم بحذف الموصوف.ثم أقسم أنه يود أن معاوية صارفه بهم فأعطاه من أهل الشام واحدا و أخذ منه عشرة صرف الدينار بالدراهم أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبير لما وفد إليه أهل البصرة و فيهم الأحنف فتكلم منهم أبو حاضر الأسدي و كان خطيبا جميلا فقال له عبد الله بن الزبير اسكت فو الله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدينار بالدراهم فقال يا أمير المؤمنين إن لنا و لك مثلا أ فتأذن في ذكره قال نعم قال مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام قول الأعشى
علقتها عرضا و علقت رجلا |
غيري و علق أخرى غيرها الرجل |
أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام و أحب أهل الشام عبد الملك فما تصنع ثم ذكر ع أنه مني أي بلي منهم بثلاث و اثنتين إنما لم يقل بخمس لأن الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية فأحب أن يفرق بين الإثبات و النفي.و يروى لا أحرار صدق عند اللقاء جمع صادق و لا إخوان ثقة عند البلاء أي موثوق بهم.تربت أيديكم كلمة يدعى على الإنسان بها أي لا أصبتم خيرا و أصل ترب أصابه التراب فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر حتى يلتصق بالتراب.قوله فما إخالكم أي فما أظنكم و الأفصح كسر الألف و هو السماع و بنو أسد يفتحونها و هو القياس.قوله ألو أصله أن لو ثم أدغمت النون في الألف فصارت كلمة واحدة.و حمس الوغى بكسر الميم اشتد و عظم فهو حمس و أحمس بين الحمس و الحماسة.و الوغى في الأصل الأصوات و الجلبة و سميت الحرب نفسها وغى لما فيها من ذلك.و قوله انفراج المرأة عن قبلها أي وقت الولادة.قوله ألقطه لقطا يريد أن الضلال غالب على الهدى فأنا ألتقط طريق الهدى من بين طريق الضلال لقطا من هاهنا و هاهنا كما يسلك الإنسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيهما كليهما فهو يلتقط النهج التقاطا : اُنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ وَ اِتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَ لاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا وَ لاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا
لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ اَلْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ اَلْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ اَلشَّجَرُ يَوْمَ اَلرِّيحِ اَلْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ السمت الطريق و لبد الشيء بالأرض يلبد بالضم لبودا التصق بها و يصبحون شعثا غبرا من قشف العبادة و قيام الليل و صوم النهار و هجر الملاذ فيراوحون بين جباههم و خدودهم تارة يسجدون على الجباه و تارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة تذللا و خضوعا و المراوحة بين العمل أن يعمل هذا مرة و هذا مرة و يراوح بين رجليه إذا قام على هذه تارة و على هذه أخرى.و يقال معزى لهذا الجنس من الغنم و معز و معيز و أمعوز و معز بالتسكين و واحد المعز ماعز كصحب و صاحب و الأنثى ماعزة و الجمع مواعز.و هملت أعينهم سالت تهمل و تهمل.و يروى حتى تبل جباههم أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته و مادوا تحركوا و اضطربوا إما خوفا من العقاب كما يتحرك الرجل و يضطرب أو رجاء للثواب كما يتحرك النشوان من الطرب و كما يتحرك الجذل المسرور من الفرح
97 و من كلام له ع
وَ اَللَّهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لاَ يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلاَّ اِسْتَحَلُّوهُ وَ لاَ عَقْداً إِلاَّ حَلُّوهُ وَ حَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لاَ وَبَرٍ إِلاَّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ رَعْيِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ اَلْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ اَلْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اِغْتَابَهُ وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاءً عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً فَإِنْ أَتَاكُمُ اَللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ اُبْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ اَلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ تقدير الكلام لا يزالون ظالمين فحذف الخبر و هو مراد و سدت حتى و ما بعدها مسد الخبر و لا يصح ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن زال بمعنى تحرك و انتقل فلا تكون محتاجة إلى خبر بل تكون تامة في نفسها لأن تلك مستقبلها يزول بالواو و هاهنا بالألف لا يزالون فهي الناقصة التي لم تأت تامة قط و مثلها في أنها لا تزال ناقصة ظل و ما فتى و ليس.و المحرم ما لا يحل انتهاكه و كذلك المحرمة بفتح الراء و ضمها.و بيوت المدر هي البيوت المبنية في القرى و بيوت الوبر ما يتخذ في البادية من وبر الإبل و الوبر لها كالصوف للضأن و كالشعر للمعز.
و قد وبر البعير بالكسر فهو وبر و أوبر إذا كثر وبره و نبا به منزله إذا ضره و لم يوافقه و كذلك نبا به فراشه فالفعل لازم فإذا أردت تعديته بالهمزة قلت قد أنبى فلان على منزلي أي جعله نابيا و إن عديته بحرف الجر قلت قد نبا بمنزلي فلان أي أنباه علي و هو في هذا الموضع معدى بحرف الجر.و سوء رعتهم أي سوء ورعهم أي تقواهم و الورع بكسر الراء الرجل التقي ورع يرع بالكسر فيهما ورعا و رعة و يروى سوء رعيهم أي سوء سياستهم و إمرتهم و نصرة أحدكم من أحدهم أي انتصاره منه و انتقامه فهو مصدر مضاف إلى الفاعل و قد تقدم شرح هذا المعنى و قد حمل قوم هذا المصدر على الإضافة إلى المفعول و كذلك نصرة العبد و تقدير الكلام حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة لأحدكم كنصرة سيد العبد السيئ الطريقة إياه و من في الموضعين مضافة إلى محذوف تقديره من جانب أحدهم و من جانب سيده و هذا ضعيف لما فيه من الفصل بين العبد و بين قوله إذا شهد أطاعه و هو الكلام الذي إذا استمر المعنى جعل حالا من العبد بقوله من سيده و الضمير في قوله فيها يرجع إلى غير مذكور لفظا و لكنه كالمذكور يعني الفتنة أي حتى يكون أعظمكم في الفتنة غناء.و يروى برفع أعظمكم و نصب أحسنكم و الأول أليق و هذا الكلام كله إشارة إلى بني أمية
98 و من خطبة له ع
نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ وَ نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَدْيَانِ كَمَا نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَبْدَانِ عِبَادَ اَللَّهِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلتَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا وَ اَلْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ وَ كَمْ عَسَى اَلْمُجْرِي إِلَى اَلْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدُوهُ وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ اَلْمَوْتِ يَحْدُوهُ وَ مُزْعِجٌ فِي اَلدُّنْيَا عَنِ اَلدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً فَلاَ تَنَافَسُوا فِي عِزِّ اَلدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا وَ لاَ تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا وَ لاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى اِنْقِطَاعٍ وَ إِنَّ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى اِنْتِهَاءٍ وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ اَلْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَ فِي آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ اَلْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى اَلْمَاضِينَ مِنْكُمْ لاَ يَرْجِعُونَ وَ إِلَى اَلْخَلَفِ اَلْبَاقِينَ لاَ يَبْقَوْنَ أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْيَا يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ يُصْبِحُونَ وَ يُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيِّتٌ فَمَيْتٌ يُبْكَى وَ آخَرُ يُعَزَّى وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ يَعُودُ وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا
وَ اَلْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وَ عَلَى أَثَرِ اَلْمَاضِي مَا يَمْضِي اَلْبَاقِي أَلاَ فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اَللَّذَّاتِ وَ مُنَغِّصَ اَلشَّهَوَاتِ وَ قَاطِعَ اَلْأُمْنِيَّاتِ عِنْدَ اَلْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ اَلْقَبِيحَةِ وَ اِسْتَعِينُوا اَللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ وَ مَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ لما كان الماضي معلوما جعل الحمد بإزائه لأن المجهول لا يحمد عليه و لما كان المستقبل غير معلوم جعل الاستعانة بإزائه لأن الماضي لا يستعان عليه و لقد ظرف و أبدع ع في قوله و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان و ذلك أن للأديان سقما و طبا و شفاء كما أن للأبدان سقما و طبا و شفاء قال محمود الوراق
و إذا مرضت من الذنوب فداوها |
بالذكر إن الذكر خير دواء |
|
و السقم في الأبدان ليس بضائر |
و السقم في الأديان شر بلاء |
و قيل لأعرابي ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال الجنة قيل أ فلا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني.سمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلا يقول ما أشد العمى على من كان بصيرا فقالت عبد الله غفلت عن مرض الذنوب و اهتممت بمرض الأجساد عمى القلوب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا وددت أن الله وهب لي كنه محبته و لم يبق مني جارحة إلا تبلها.قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه ما مرضك قال مرض لا يفهمه الأطباء قيل
و ما هو قال مرض الذنوب فقيل كيف تجدك الآن قال بخير إن نجوت من النار قيل فما تشتهي قال ليلة طويلة بعيدة ما بين الطرفين أحييها بذكر الله.ابن شبرمة عجبت ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار قوله ع الدنيا التاركة لكم و إن لم تحبوا تركها معنى حسن و منه قول أبي الطيب
كل دمع يسيل منها عليها |
و بفك اليدين عنها تخلى |
و الرفض الترك و إبل رفض متروكة ترعى حيث شاءت و قوم سفر أي مسافرون و أموا قصدوا و العلم الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به.و كأن في هذه المواضع كهي في قوله كأنك بالدنيا لم تكن و كأنك بالآخرة لم تزل ما أقرب ذلك و أسرعه و تقدير الكلام هاهنا كأنهم في حال كونهم غير قاطعين له قاطعون له و كأنهم في حال كونهم غير بالغين له بالغون له لأنه لما قرب زمان إحدى الحالتين من زمان الأخرى شبهوا و هم في الحال الأولى بهم أنفسهم و هم على الحال الثانية.قوله ع و كم عسى المجري أجرى فلان فرسه إلى الغاية إذا أرسلها ثم نقل ذلك إلى كل من يقصد بكلامه معنى أو بفعله غرضا فقيل فلان يجري بقوله إلى كذا أو يجري بحركته الفلانية إلى كذا أي يقصد و ينتهي بإرادته و أغراضه و لا يعدوه و لا يتجاوزه.و الحثيث السريع و يحدوه يسوقه و المنافسة المحاسدة و نفست عليه بكذا أي ضننت و البؤس الشدة و النفاد الفناء.
و ما في قوله على أثر الماضي ما يمضي الباقي إما زائدة أو مصدرية و قد أخذ هذا اللفظ الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم مات مسلمة بن عبد الملك قيل لما مات مسلمة بن عبد الملك و اجتمع بنو أمية و رؤساء العرب ينظرون جنازته خرج الوليد بن يزيد على الناس و هو نشوان ثمل يجر مطرف خز و هو يندب مسلمة و مواليه حوله فوقف على هشام فقال يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى و قد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى و اختل الثغر فوهى و ارتج الطود فهوى و على أثر من سلف ما يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى.قوله ع عند مساورة الأعمال القبيحة العامل في عند قوله اذكروا أي ليكن ذكركم الموت وقت مساورتكم و المساورة المواثبة و سار إليه يسور سورا وثب قال الأخطل يصف خمرا له
لما أتوها بمصباح و مبزلهم |
سارت إليهم سئور الأبجل الضاري |
أي كوثوب العرق الذي قد فصد أو قطع فلا يكاد ينقطع دمه و يقال إن لغضبه لسورة و هو سوار أي وثاب معربد
99 و من خطبة له ع
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلنَّاشِرِ فِي اَلْخَلْقِ فَضْلَهُ وَ اَلْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ اَلْحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ اَلْكَلاَمِ بَطِيءُ اَلْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ اَلْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اَللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اَللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ فَلاَ تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ وَ لاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ فَإِنَّ اَلْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ اَلْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ص كَمَثَلِ نُجُومِ اَلسَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اَللَّهِ فِيكُمُ اَلصَّنَائِعُ وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ يده هاهنا نعمته يقال لفلان عندي يد أي نعمة و إحسان قال الشاعر
فإن ترجع الأيام بيني و بينها |
فإن لها عندي يدا لا أضيعها |
و صادعا أي مظهرا و مجاهرا للمشركين قال تعالى( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) و راية الحق الثقلان المخلفان بعد رسول الله ص و هما الكتاب و العترة.و مرق خرج أي فارق الحق و مزق السهم عن الرمية خرج من جانبها الآخر و به سميت الخوارق مارقة.و زهقت نفسه بالفتح زهوقا أي خرجت قال تعالى( وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ ) و زهقت الناقة إذا سبقت و تقدمت أمام الركاب و زهق الباطل اضمحل يقول ع من خالفها متقدما لها أو متأخرا عنها فقد خرج عن الحق و من لازمها فقد أصاب الحق.ثم قال دليلها مكيث الكلام يعني نفسه ع لأنه المشار إليه من العترة و أعلم الناس بالكتاب و مكيث الكلام بطيئه و رجل مكيث أي رزين و المكث اللبث و الانتظار مكث و مكث بالفتح و الضم و الاسم المكث و المكثة بالضم و كسرها يعني أنه ذو أناة و تؤدة ثم أكد ذلك بقوله بطيء القيام ثم قال سريع إذا قام أي هو متأن متثبت في أحواله فإذا نهض جد و بالغ و هذا المعنى كثير جدا قال أبو الطيب
و ما قلت للبدر أنت اللجين |
و لا قلت للشمس أنت الذهب |
|
فيقلق منه البعيد الأناة |
و يغضب منه البطيء الغضب |
يعني سيف الدولة
أقوال مأثورة في مدح الأناة و ذم العجلة
و من أمثالهم يريك الهوينى و الأمور تطير يضرب لمن ظاهره الأناة و باطنه إبرام الأمور و تنفيذها و الحاضرون لا يشعرون و يقولون لمن هو كذلك وَ تَرَى اَلْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ.و وقع ذو الرئاستين إلى عامل له أن أسرع النار التهابا أسرعها خمودا فتأن في أمرك
و يقال إن آدم ع أوصى ولده عند موته فقال كل عمل تريدون أن تعملوه فتوقفوا فيه ساعة فإني لو توقفت لم يصبني ما أصابني.بعض الأعراب يوصي ولده إياكم و العجلة فإن أبي كان يكنيها أم الندم.و كان يقال من ورد عجلا صدر خجلا.و قال ابن هاني المغربي
و كل أناة في المواطن سؤدد |
و لا كأناة من قدير محكم |
|
و من يتبين أن للصفح موضعا |
من السيف يصفح عن كثير و يحلم |
|
و ما الرأي إلا بعد طول تثبت |
و لا الحزم إلا بعد طول تلوم |
و قوله ع بطيء القيام سريع إذا قام فيه شبه من قول الشنفري
مسبل في الحي أحوى رفل |
و إذا يغزو فسمع أزل |
و من أمثالهم في مدح الأناة و ذم العجلة أخطأ مستعجل أو كاد و أصاب متثبت أو كاد.
و منها
و قد يكون مع المستعجل الزلل
و منها رب عجلة تهب ريثا
و قال البحتري
حليم إذا القوم استخفت حلومهم |
وقور إذا ما حادث الدهر أجلبا |
قال الأحنف لرجل سبه فأفرط يا هذا إنك منذ اليوم تحدو بجمل ثقال.و قال الشاعر
أحلامنا تزن الجبال رجاحة |
و تخالنا جنا إذا ما نجهل |
فصل في مدح قلة الكلام و ذم كثرته
فأما قوله ع مكيث الكلام فإن قلة الكلام من صفات المدح و كثرته من صفات الذم قالت جارية ابن السماك له ما أحسن كلامك لو لا أنك تكثر ترداده فقال أردده حتى يفهمه من لم يفهمه قالت فإلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من فهمه.بعث عبد العزيز بن مروان بن الحكم إلى ابن أخيه الوليد بن عبد الملك قطيفة حمراء و كتب إليه أما بعد فقد بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء حمراء فكتب إليه الوليد أما بعد فقد وصلت القطيفة و أنت يا عم أحمق أحمق أحمق.
و قال المعتضد لأحمد بن الطيب السرخسي طول لسانك دليل على قصر عقلك.قيل للعتابي ما البلاغة قال كل من أفهمك حاجته من غير إعادة و لا خلسة و لا استعانة فهو بليغ قيل له ما الاستعانة قال أ لا ترى الرجل إذا حدث قال يا هناه و استمع إلي و افهم و أ لست تفهم هذا كله عي و فساد.دخل على المأمون جماعة من بني العباس فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار و هيئة و من تكلم منهم أكثر و هذر فكانت حاله أفحش من حال الساكتين فقال ما أبين الخلة في هؤلاء لا خلة الأيدي بل خلة الألسنة و الأحلام.
و سئل علي ع عن اللسان فقال معيار أطاشه الجهل و أرجحه العقل.سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم فقال له يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان و لا بكثرة الهذيان و لكنها إصابة المعنى و القصد إلى الحجة.قال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزبعري ما لك لا تسهب في شعرك قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة.و في خطبة كتاب البيان و التبيين لشيخنا أبي عثمان و نعوذ بك من شر السلاطة و الهذر كما نعوذ بك من العي و الحصر قال أحيحة بن الجلاح
و الصمت أجمل بالفتى |
ما لم يكن عي يشينه |
|
و القول ذو خطل إذا |
ما لم يكن لب يعينه |
و قال الشاعر يرثي رجلا
لقد وارى المقابر من شريك |
كثير تحلم و قليل عاب |
صموتا في المجالس غير عي |
جديرا حين ينطق بالصواب |
و كان رسول الله ص يكره التشادق و الإطالة و الهذر و قال إياك و التشادق
و قال ص أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون
و روى عمرو بن عبيدرحمهالله تعالى عن النبي ص أنا معاشر الأنبياء بكاءون قليلو الكلام رجل بكيء على فعيل.قال و كانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله.و قيل للخليل و قد اجتمع بابن المقفع كيف رأيته فقال لسانه أرجح من عقله و قيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل قال عقله أرجح من لسانه فكان عاقبتهما أن عاش الخليل مصونا مكرما و قتل ابن المقفع تلك القتلة.و سأل حفص بن سالم عمرو بن عبيد عن البلاغة فقال ما بلغك الجنة و باعدك عن النار و بصرك مواقع رشدك و عواقب غيك قال ليس عن هذا أسأل فقال كانوا يخافون من فتنة القول و من سقطات الكلام و لا يخافون من فتنة السكوت و سقطات الصمت.قال أبو عثمان الجاحظ و كان عمرو بن عبيدرحمهالله تعالى لا يكاد يتكلم فإن تكلم لم يكد يطيل و كان يقول لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه و إذا أطال المتكلم الكلام عرضت له أسباب التكلف و لا خير في شيء يأتيك بالتكلف.و قال بعض الشعراء
و إذا خطبت على الرجال فلا تكن |
خطل الكلام تقوله مختالا |
و اعلم بأن من السكوت إبانة |
و من التكلف ما يكون خبالا |
و كان يقال لسان العاقل من وراء قلبه فإذا أراد الكلام تفكر فإن كان له قال و إن كان عليه سكت و قلب الجاهل من وراء لسانه فإن هم بالكلام تكلم به.و قال سعد بن أبي وقاص لعمرو ابنه حين نطق مع القوم فبذهم و قد كان غضب عليه فكلموه في الرضا عنه هذا الذي أغضبني عليه
سمعت رسول الله ص يقول يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها.و قال معاوية لعمرو بن العاص في أبي موسى قد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز و طبق المفصل و لا تلقه برأيك كله.و كان يقال لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.و كان يقال مقتل الرجل بين فكيه و قيل بين لحييه.و كان يقال ما شيء بأحق بسجن من لسان.و قالوا اللسان سبع عقور.و أخذ أبو بكر بطرف لسانه و قال هذا الذي أوردني الموارد.لما أنكح ضرار بن عمرو ابنته من معبد بن زرارة أوصاها حين أخرجها إليه فقال أمسكي عليك الفضلين قالت و ما هما قال فضل الغلمة و فضل الكلام.و سئل أعرابي كان يجالس الشعبي عن طول صمته فقال أسمع فأعلم و أسكت فأسلم.و
قال النبي ص و هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم
تكلم رجل في مجلس النبي ص فخطل في كلامه فقال ع ما أعطي العبد شرا من ذلاقة لسان.قال عمر بن عبد العزيز يوم بويع بالخلافة خالد بن عبد الله القسري و قد أنشده متمثلا
و إذا الدر زان حسن نحور |
كان للدر حسن نحرك زينا |
إن صاحبكم أعطي مقولا و حرم معقولا.و قيل لإياس بن عمر ادع لنا فقال اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا فقالوا زدنا يا أبا الرحمن فقال أعوذ بالله من الإسهاب.و كان القباع و هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي مسهابا سريع الحديث كثيره فقال فيه أبو الأسود الدؤلي
أمير المؤمنين جزيت خيرا |
أرحنا من قباع بني المغيرة |
|
بلوناه و لمناه فأعيا |
علينا ما يمر لنا مريره |
|
على أن الفتى نكح أكول |
و مسهاب مذاهبه كثيره |
و قال أبو العتاهية
كل امرئ في نفسه |
أعلى و أشرف من قرينه |
|
و الصمت أجمل بالفتى |
من منطق في غير حينه |
و قال الشاعر
و إياك إياك المراء فإنه |
إلى الشر دعاء و للشر جالب |
و كان يقال العجلة قيد الكلام.
أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره قال ليس حسن الخطبة على حسب طاقة الخاطب و لكن على حسب طاقة السامع.
محمد الباقر ع إني لأكره أن يكون مقدار لسان الرجل فاضلا على مقدار علمه كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.أطال ربيعة الرأي الكلام و عنده أعرابي فلما فرغ من كلامه قال للأعرابي ما تعدون العي و الفهاهة فيكم قال ما كنت فيه أصلحك الله منذ اليوم و
من كلام أمير المؤمنين ع إذا تم العقل نقص الكلام.واصل بن عطاء لأن يقول الله لي يوم القيامة هلا قلت أحب إلي من أن يقول لي لم قلت لأني إذا قلت طالبني بالبرهان و إذا سكت لم يطالبني بشيء.نزل النعمان بن المنذر برابية فقال له رجل من أصحابه أبيت اللعن لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية إلى أين كان يبلغ دمه فقال النعمان المذبوح و الله أنت و لأنظرن إلى أين يبلغ دمك فذبحه فقال رجل رب كلمة تقول دعني.أعرابي رب منطق صدع جمعا و رب سكوت شعب صدعا.قالت امرأة لبعلها ما لك إذا خرجت تطلقت و تحدثت و إذا دخلت قعدت و سكت قال لأني أدق عن جليلك و تجلين عن دقيقي.النخعي كانوا يتعلمون السكوت كما يتعلمون الكلام.
علي بن هشام
لعمرك إن الحلم زين لأهله |
و ما الحلم إلا عادة و تحلم |
|
إذا لم يكن صمت الفتى من بلادة |
و عي فإن الصمت أهدى و أسلم |
وهيب بن الورد إن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت و العاشرة العزلة عن الناس.
مكث الربيع بن خثيم عشرين سنة لا يتكلم إلى أن قتل الحسين ع فسمعت منه كلمة واحدة قال لما بلغه ذلك أ و قد فعلوها ثم قال اللهم فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ثم عاد إلى السكوت حتى مات.الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب
زعم ابن سلمى أن حلمي ضرني |
ما ضر قبلي أهله الحلم |
|
إنا أناس من سجيتهم |
صدق الحديث و رأيهم حتم |
|
لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهم |
سقموا و لم يمسسهم سقم |
|
إني وجدت العدم أكبره |
عدم العقول و ذلك العدم |
|
و المرء أكثر عيبه ضررا |
خطل اللسان و صمته حكم |
جاء في الحديث المرفوع عن النبي ص إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه فإنه يلقى الحكمة.سفيان بن عيينة من حرم العلم فليصمت فإن حرمها فالموت خير له.و كان يقال إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك و اعلم أن هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين ع في الجمعة الثالثة من خلافته و كنى فيها عن حال نفسه و أعلمهم فيها أنهم سيفارقونه و يفقدونه بعد اجتماعهم عليه و طاعتهم له و هكذا وقع الأمر فإنه نقل أن أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل فيه ع.و جاء في الأخبار أنه عقد للحسن ابنه ع على عشرة آلاف و لأبي أيوب
الأنصاري على عشرة آلاف و لفلان و فلان حتى اجتمع له مائة ألف سيف و أخرج مقدمته أمامه يريد الشام فضربه اللعين ابن ملجم و كان من أمره ما كان و انفضت تلك الجموع و كانت كالغنم فقد راعيها.و معنى قوله ألنتم له رقابكم أطعتموه و معنى أشرتم إليه بأصابعكم أعظمتموه و أجللتموه كالملك الذي يشار إليه بالإصبع و لا يخاطب باللسان ثم أخبرهم أنهم يلبثون بعده ما شاء الله و لم يحدد ذلك بوقت معين ثم يطلع الله لهم من يجمعهم و يضمهم يعني من أهل البيت ع و هذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت و عند أصحابنا أنه غير موجود الآن و سيوجد و عند الإمامية أنه موجود الآن.قوله ع فلا تطمعوا في غير مقبل و لا تيأسوا من مدبر ظاهر هذا الكلام متناقض و تأويله أنه نهاهم عن أن يطمعوا في صلاح أمورهم على يد رئيس غير مستأنف الرئاسة و هو معنى مقبل أي قادم تقول سوف أفعل كذا في الشهر المقبل و في السنة المقبلة أي القادمة يقول كل الرئاسات التي تشاهدونها فلا تطمعوا في صلاح أموركم بشيء منها و لأن تنصلح أموركم على يد رئيس يقدم عليكم مستأنف الرئاسة خامل الذكر ليس أبوه بخليفة و لا كان هو و لا أبوه مشهورين بينكم برئاسة بل يتبع و يعلو أمره و لم يكن قبل معروفا هو و لا أهله الأدنون و هذه صفة المهدي الموعود به.و معنى قوله و لا تيأسوا من مدبر أي و إذا مات هذا المهدي و خلفه بنوه بعده فاضطرب أمر أحدهم فلا تيأسوا و تتشككوا و تقولوا لعلنا أخطأنا في اتباع هؤلاء فإن المضطرب الأمر منا ستثبت دعائمه و تنتظم أموره و إذا زلت إحدى رجليه ثبتت
الأخرى فثبتت الأولى أيضا و يروى فلا تطعنوا في عين مقبل أي لا تحاربوا أحدا منا و لا تيأسوا من إقبال من يدبر أمره منا.ثم ذكر ع أنهم كنجوم السماء كلما خوى نجم طلع نجم خوى مال للمغيب.ثم وعدهم بقرب الفرج فقال إن تكامل صنائع الله عندكم و رؤية ما تأملونه أمر قد قرب وقته و كأنكم به و قد حضر و كان و هذا على نمط المواعيد الإلهية بقيام الساعة فإن الكتب المنزلة كلها صرحت بقربها و إن كانت بعيدة عندنا لأن البعيد في معلوم الله قريب و قد قال سبحانه( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً )
100 و من خطبة له ع و هي من الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَ اَلآْخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ وَ بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ وَ بِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ يقول البارئ تعالى موجود قبل كل شيء يشير العقل إليه و يفرضه أول الموجودات و كذلك هو موجود بعد كل شيء يشير العقل إليه و يفرضه آخر ما يبقى من جميع الموجودات فإن البارئ سبحانه بالاعتبار الأول يكون أولا قبل كل ما يفرض أولا و بالاعتبار الثاني يكون آخرا بعد كل ما يفرض آخرا.فأما قوله بأوليته وجب أن لا أول له إلى آخر الكلام فيمكن أن يفسر على وجهين أحدهما أنه تعالى لما فرضناه أولا مطلقا تبع هذا الفرض أن يكون قديما أزليا و هو المعني بقوله وجب أن لا أول و إنما تبعه ذلك لأنه لو لم يكن أزليا لكان محدثا فكان له محدث و المحدث متقدم على المحدث لكنا فرضناه أولا مطلقا أي لا يتقدم عليه شيء فيلزم المحال و الخلف و هكذا القول في آخريته لأنا إذا فرضناه آخرا مطلقا تبع هذا الفرض أن يكون مستحيل العدم و هو المعني بقوله وجب أن لا آخر له
و إنما تبعه ذلك لأنه لو لم يستحل عدمه لصح عدمه لكن كل صحيح و ممكن فليفرض وقوعه لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال مع فرضنا إياه صحيحا و ممكنا لكن فرض تحقق عدمه محال لأنه لو عدم لما عدم بعد استمرار الوجودية إلا بضد لكن الضد المعدم يبقى بعد تحقق عدم الضد المعدوم لاستحالة أن يعدمه و يعدم معه في وقت واحد لأنه لو كان وقت عدم الطارئ هو وقت عدم الضد المطروء عليه لامتنع عدم الضد المطروء عليه لأن حال عدمه الذي هو الأثر المتجدد تكون العلة الموجبة للأثر معدومة و المعدوم يستحيل أن يكون مؤثرا البتة فثبت أن الضد الطارئ لا بد أن يبقى بعد عدم المطروء عليه و لو وقتا واحدا لكن بقاءه بعده و لو وقتا واحدا يناقض فرضنا كون المطروء عليه آخرا مطلقا لأن الضد الطارئ قد بقي بعده فيلزم من الخلف و المحال ما لزم في المسألة الأولى.و التفسير الثاني ألا تكون الضمائر الأربعة راجعة إلى البارئ سبحانه بل يكون منها ضميران راجعين إلى غيره و يكون تقدير الكلام بأولية الأول الذي فرضنا كون البارئ سابقا عليه علمنا أن البارئ لا أول له و بآخرية الآخر الذي فرضنا أن البارئ متأخر عنه علمنا أن البارئ لا آخر له و إنما علمنا ذلك لأنه لو كان سبحانه أولا لأول الموجودات و له مع ذلك أول لزم التسلسل و إثبات محدثين و محدثين إلى غير نهاية و هذا محال.و لو كان سبحانه آخرا لآخر الموجودات و له مع ذلك آخر لزم التسلسل و إثبات أضداد تعدم و يعدمها غيرها إلى غير نهاية و هذا أيضا محال : وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا اَلسِّرُّ اَلْإِعْلاَنَ وَ اَلْقَلْبُ اَللِّسَانَ
أَيُّهَا اَلنَّاسُ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي وَ لاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَ لاَ تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ إِنَّ اَلَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ ص وَ اَللَّهِ مَا كَذَبَ اَلْمُبَلِّغُ وَ لاَ جَهِلَ اَلسَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ اِشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي اَلْأَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ اَلْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا وَ مَاجَتِ اَلْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَ بَدَا مِنَ اَلْأَيَّامِ كُلُوحُهَا وَ مِنَ اَللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وَ قَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ اَلْفِتَنِ اَلْمُعْضِلَةِ وَ أَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ اَلْبَحْرِ اَلْمُلْتَطِمِ هَذَا وَ كَمْ يَخْرِقُ اَلْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ اَلْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَ يُحْصَدُ اَلْقَائِمُ وَ يُحْطَمُ اَلْمَحْصُودُ في الكلام محذوف و تقديره لا يجرمنكم شقاقي على أن تكذبوني و المفعول فضلة و حذفه كثير نحو قوله تعالى( اَللَّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ ) فحذف العائد إلى الموصول و منها قوله سبحانه( لا عاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ ) أي من رحمه و لا بد من تقدير العائد إلى الموصول و قد قرئ قوله( وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) و( ما عملت أيديهم ) بحذف المفعول.لا يجرمنكم لا يحملنكم و قيل لا يكسبنكم و هو من الألفاظ القرآنية.
و لا يستهوينكم أي لا يستهيمنكم يجعلكم هائمين.و لا تتراموا بالأبصار أي لا يلحظ بعضكم بعضا فعل المنكر المكذب.ثم أقسم بالذي فلق الحبة و برأ النسمة فلق الحبة من البر أي شقها و أخرج منها الورق الأخضر قال تعالى( إِنَّ اَللَّهَ فالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى ) .و برأ النسمة أي خلق الإنسان و هذا القسم لا يزال أمير المؤمنين يقسم به و هو من مبتكراته و مبتدعاته.و المبلغ و السامع هو نفسه ع يقول ما كذبت على الرسول تعمدا و لا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطا.و الضليل الكثير الضلال كالشريب و الفسيق و نحوهما.و هذا كناية عن عبد الملك بن مروان لأن هذه الصفات و الأمارات فيه أتم منها في غيره لأنه قام بالشام حين دعا إلى نفسه و هو معنى نعيقه و فحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق و قتل مصعبا و تارة لما استخلف الأمراء على الكوفة كبشر بن مروان أخيه و غيره حتى انتهى الأمر إلى الحجاج و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل وطأته و حينئذ صعب الأمر جدا و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن الأشعث فلما كمل أمر عبد الملك و هو معنى أينع زرعه هلك و عقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلب و كحروبهم مع زيد بن علي ع و كالفتن الكائنة بالكوفة أيام يوسف بن عمر و خالد القسري و عمر بن هبيرة و غيرهم و ما جرى فيها من الظلم و استئصال الأموال و ذهاب النفوس.
و قد قيل إنه كنى عن معاوية و ما حدث في أيامه من الفتن و ما حدث بعده من فتنة يزيد و عبيد الله بن زياد و واقعة الحسين ع و الأول أرجح لأن معاوية في أيام أمير المؤمنين ع كان قد نعق بالشام و دعاهم إلى نفسه و الكلام يدل على إنسان ينعق فيما بعد أ لا تراه يقول لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام ثم نعود إلى تفسير الألفاظ و الغريب.النعيق صوت الراعي بغنمه و فحص براياته من قولهم ما له مفحص قطاة أي مجثمها كأنهم جعلوا ضواحي الكوفة مفحصا و مجثما لراياتهم.و كوفان اسم الكوفة و الكوفة في الأصل اسم الرملة الحمراء و بها سميت الكوفة و ضواحيها نواحيها القريبة منها البارزة عنها يريد رستاقها.و فغرت فاغرته فتح فاه و هذا من باب الاستعارة أي إذا فتك فتح فاه و قتل كما يفتح الأسد فاه عند الافتراس و التأنيف للفتنة.و الشكيمة في الأصل حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة ثم قالوا فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد المراس شديد النفس عسر الانقياد.و ثقلت وطأته عظم جوره و ظلمه و كلوح الأيام عبوسها و الكدوح الآثار من الجراحات.و القروح الواحد الكدح أي الخدش.و المراد من قوله من الأيام ثم قال و من الليالي أن هذه الفتنة مستمرة الزمان كله لأن الزمان ليس إلا النهار و الليل.و أينع الزرع أدرك و نضج و هو الينع و الينع بالفتح و الضم مثل النضج و النضج
و يجوز ينع الزرع بغير همز ينع ينوعا و لم تسقط الياء في المضارع لأنها تقوت بأختها و زرع ينيع و يانع مثل نضيج و ناضج و قد روي أيضا هذا الموضع بحذف الهمز.و قوله ع و قام على ينعه الأحسن أن يكون ينع هاهنا جمع يانع كصاحب و صحب ذكر ذلك ابن كيسان و يجوز أن يكون أراد المصدر أي و قام على صفة و حالة هي نضجه و إدراكه.و هدرت شقاشقه قد مر تفسيره في الشقشقية و برقت بوارقه سيوفه و رماحه و المعضلة العسرة العلاج داء معضل.و يخرق الكوفة يقطعها و القاصف الريح القوية تكسر كل ما تمر عليه و تقصفه.ثم وعد ع بظهور دولة أخرى فقال و عن قليل تلتف القرون بالقرون و هذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية و القرون الأجيال من الناس واحدها قرن بالفتح.و يحصد القائم و يحطم المحصود كناية عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب ثم قتل المأسورين منهم صبرا فحصد القائم قتل المحاربة و حطم الحصيد القتل صبرا و هكذا وقعت الحال مع عبد الله بن علي و أبي العباس السفاح
101 و من خطبة له ع تجري هذا المجرى
وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اَللَّهُ فِيهِ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلآْخِرِينَ لِنِقَاشِ اَلْحِسَابِ وَ جَزَاءِ اَلْأَعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ اَلْعَرَقُ وَ رَجَفَتْ بِهِمُ اَلْأَرْضُ فَأَحْسَنُهُمُ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً هذا شرح حال يوم القيامة و النقاش مصدر ناقش أي استقصى في الحساب
و في الحديث من نوقش الحساب عذب.و ألجمهم العرق سال منهم حتى بلغ إلى موضع اللجام من الدابة و هو الفم.و رجفت بهم تحركت و اضطربت رجف يرجف بالضم و الرجفة الزلزلة و الرجاف من أسماء البحر سمي بذلك لاضطرابه.ثم وصف الزحام الشديد الذي يكون هناك فقال أحسن الناس حالا هناك من وجد لقدميه موضعا و من وجد مكانا يسعه : وَ مِنْهَا فِتَنٌ كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ وَ لاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَ يَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ
سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ فِي اَلْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَ فِي اَلسَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اَللَّهِ لاَ رَهَجَ لَهُ وَ لاَ حِسَّ وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ اَلْأَحْمَرِ وَ اَلْجُوعِ اَلْأَغْبَرِ قطع الليل جمع قطع و هو الظلمة قال تعالى( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ ) .قوله لا تقوم لها قائمة أي لا تنهض بحربها فئة ناهضة أو لا تقوم لتلك الفتن قائمة من قوائم الخيل يعني لا سبيل إلى قتال أهلها و لا يقوم لها قلعة قائمة أو بنية قائمة بل تنهدم.قوله و لا يرد لها راية أي لا تنهزم و لا تفر لأنها إذا فرت فقد ردت على أعقابها.قوله مزمومة مرحولة أي تامة الأدوات كاملة الآلات كالناقة التي عليها رحلها و زمامها قد استعدت لأن تركب.يحفزها يدفعها و يجهدها يحمل عليها في السير فوق طاقتها جهدت دابتي بالفتح و يجوز أجهدت و المراد أن أرباب تلك الفتن يجتهدون و يجدون في إضرام نارها رجلا و فرسانا فالرجل كنى عنهم بالقائد و الفرسان كنى عنهم بالراكب.و الكلب الشدة من البرد و غيره و مثله الكلبة و قد كلب الشتاء و كلب القحط و كلب العدو و الكلب أيضا الشر دفعت عنك كلب فلان أي شره و أذاه.
و قوله قليل سلبهم أي همهم القتل لا السلب كما قال أبو تمام
إن الأسود أسود الغاب همتها |
يوم الكريهة في المسلوب لا السلب |
ثم ذكر ع أن هؤلاء أرباب الفتن يجاهدهم قوم أذلة كما قال الله تعالى أَذِلَّةٍ( عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكافِرِينَ ) و ذلك من صفات المؤمنين.ثم قال هم مجهولون عند أهل الأرض لخمولهم قبل هذا الجهاد و لكنهم معروفون عند أهل السماء و هذا إنذار بملحمة تجري في آخر الزمان و قد أخبر النبي ص بنحو ذلك و قد فسر هذا الفصل قوم و قالوا إنه أشار به إلى الملائكة لأنهم مجهولون في الأرض معروفون في السماء و اعتذروا عن لفظة قوم فقالوا يجوز أن يقال في الملائكة قوم كما قيل في الجن قوم قال سبحانه( فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) إلا أن لفظ أذلة عند المتكبرين يبعد هذا التفسير.ثم أخبر بهلاك البصرة بجيش من نقم الله لا رهج له و لا حس الرهج الغبار و كنى بهذا الجيش عن جدب و طاعون يصيب أهلها حتى يبيدهم و الموت الأحمر كناية عن الوباء و الجوع.الأغبر كناية عن المحل و سمي الموت الأحمر لشدته و منه
الحديث كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله و وصف الجوع بأنه أغبر لأن الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة و ظلاما و فسر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزنج و هو بعيد لأن جيشه كان ذا حس و رهج و لأنه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن أ لا تراه قال فويل لك يا بصرة عند ذلك و لم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين ع
102 و من خطبة له ع
أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُنْظُرُوا إِلَى اَلدُّنْيَا نَظَرَ اَلزَّاهِدِينَ فِيهَا اَلصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اَللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ اَلثَّاوِيَ اَلسَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ اَلْمُتْرَفَ اَلآْمِنَ لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ اَلرِّجَالِ فِيهَا إِلَى اَلضَّعْفِ وَ اَلْوَهْنِ فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ وَ اِعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ الصادفين عنها أي المعرضين و امرأة صدوف التي تعرض وجهها عليك ثم تصدف عنك.و عما قليل عن قليل و ما زائدة.و الثاوي المقيم ثوى يثوي ثواء و ثويا مثل مضى يمضي مضاء و مضيا و يجوز ثويت بالبصرة و ثويت البصرة و جاء أثويت بالمكان لغة في ثويت قال الأعشى
أثوى و قصر ليله ليزودا |
فمضت و أخلف من قتيلة موعدا |
و المترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته يقول ع لا يعود على الناس ما أدبر و تولى عنهم من أحوالهم الماضية كالشباب و القوة و لا يعلم حال المستقبل من صحة أو مرض أو حياة أو موت لينتظر و ينظر إلى هذا المعنى قول الشاعر
و أضيع العمر لا الماضي انتفعت به |
و لا حصلت على علم من الباقي |
و مشوب مخلوط شبته أشوبه فهو مشوب و جاء مشيب في قول الشاعر
و ماء قدور في القصاع مشيب
فبناه على شيب لم يسم فاعله و في المثل هو يشوب و يروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل.و الجلد الصلابة و القوة و الوهن الضعف نفسه و إنما عطف للتأكيد كقوله تعالى( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً ) و قوله( لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) .ثم نهى عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا و علل حسن هذا النهي و قبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب مفارقيها منها و قال الشاعر
فما تزود مما كان يجمعه |
إلا حنوطا غداة البين في خرق |
|
و غير نفحة أعواد شببن له |
و قل ذلك من زاد لمنطلق |
ثم جعل التفكر علة الاعتبار و جعل الاعتبار علة الأبصار و هذا حق لأن الفكر يوجب الاتعاظ و الاتعاظ يوجب الكشف و المشاهدة بالبصيرة التي نورها الاتعاظ.
ثم ذكر أن ما هو كائن و موجود من الدنيا سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير معدوما و الزمان القصير هاهنا انقضاء الأجل و حضور الموت.ثم قال إن الذي هو كائن و موجود من الآخرة سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير أيضا كأنه لم يزل و الزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة و هي و إن كانت تأتي بعد زمان طويل إلا أن الميت لا يحس بطوله و لا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا و بين يوم واحد لأن الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة و يدل على ذلك حال النائم ثم قال كل معدود منقض و هذا تنبيه بطريق الاستدلال النظري على أن الدنيا زائلة و منصرفة و قد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول فقالوا لأنها داخلة تحت العدد و كل معدود يستحيل أن يكون غير متناه و الكلام في هذا مذكور في كتبنا العقلية.
ثم ذكر أن كل ما يتوقع لا بد أن يأتي،و كل ما سيأتي فهو قريب و كأنه قد أتى،و هذا مثل قول قس بن ساعدة الإيادي ما لي أرى الناس يذهبون ثم لا يرجعون أ رضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس قسما إن في السماء لخبرا و إن في الأرض لعبرا سقف مرفوع و مهاد موضوع و نجوم تمور و بحار لا تغور اسمعوا أيها الناس و عوا من عاش مات و من مات فات و كل ما هو آت آت : وَ مِنْهَا اَلْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ اَلرِّجَالِ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اَللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ
دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلدُّنْيَا عَمِلَ وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلآْخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَ كَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ قوله ع العالم من عرف قدره من الأمثال المشهورة عنه ع و قد قال الناس بعده في ذلك فأكثروا نحو قولهم إذا جهلت قدر نفسك فأنت لقدر غيرك أجهل و نحو قولهم من لم يعرف قدر نفسه فالناس أعذر منه إذا لم يعرفوه و نحو قول الشاعر أبي الطيب
و من جهلت نفسه قدره |
رأى غيره منه ما لا يرى |
ثم عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فصارت مثلا أيضا و هي قوله كفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره و من الكلام المروي عن أبي عبد الله الصادق ع مرفوعا ما هلك امرؤ عرف قدره رواه أبو العباس المبرد عنه في الكامل
قال ثم قال أبو عبد الله ع و ما إخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من خلل في عقله.و
روى صاحب الكامل أيضا عن أبي جعفر الباقر ع قال لما حضرت الوفاة علي بن الحسين ع أبي ضمني إلى صدره ثم قال يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي يوم قتل و بما ذكر لي أن أباه عليا ع أوصاه به يا بني عليك ببذل نفسك فإنه لا يسر أباك بذل نفسه حمر النعم.و كان يقال من عرف قدره استراح.
وفي الحديث المرفوع ما رفع امرؤ نفسه في الدنيا درجة إلا حطه الله تعالى في الآخرة درجات.و كان يقال من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه ثم ذكر ع أن من أبغض البشر إلى الله عبدا وكله الله إلى نفسه أي لم يمده بمعونته و ألطافه لعلمه أنه لا ينجع ذلك فيه و أنه لا ينجذب إلى الخير و الطاعة و لا يؤثر شيء ما في تحريك دواعيه إليها فيكله الله حينئذ إلى نفسه.و الجائر العادل عن السمت و لما كان هذا الشقي خابطا فيما يعتقده و يذهب إليه مستندا إلى الجهل و فساد النظر جعله كالسائر بغير دليل.و الحرث هاهنا كل ما يفعل ليثمر فائدة فحرث الدنيا كالتجارة و الزراعة و حرث الآخرة فعل الطاعات و اجتناب المقبحات و المعاصي و سمي حرثا على جهة المجاز تشبيها بحرث الأرض و هو من الألفاظ القرآنية.و كسل الرجل بكسر السين يكسل أي يتثاقل عن الأمور فهو كسلان و قوم كسالى و كسالى بالفتح و الضم.قال ع حتى كان ما عمله من أمور الدنيا هو الواجب عليه لحرصه و جده فيه و كان ما ونى عنه أي فتر فيه من أمور الآخرة ساقط عنه و غير واجب عليه لإهماله و تقصيره فيه : وَ مِنْهَا وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ
لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ اَلْهُدَى وَ أَعْلاَمُ اَلسُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَ لاَ اَلْمَذَايِيعِ اَلْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اَللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَ يَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ اَلْإِسْلاَمُ كَمَا يُكْفَأُ اَلْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) قال الرضيرحمهالله تعالى أما قوله ع كل مؤمن نومة فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم و المذاييع جمع مذياع و هو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها و نوه بها و البذر جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه شهد حضر و كفأت الإناء أي قلبته و كببته و قال ابن الأعرابي يجوز أكفأته أيضا و البذر جمع بذور مثل صبور و صبر و هو الذي يذيع الأسرار و ليس كما قال الرضيرحمهالله تعالى فقد يكون الإنسان بذورا و إن لم يكثر سفهه و لم يلغ منطقه بأن يكون علنة مذياعا من غير سفه و لا لغو و الضراء الشدة و مثلها البأساء و هما اسمان مؤنثان من غير تذكير و أجاز الفراء أن يجمع على آضر و أبؤس كما يجمع النعماء على أنعم.
و اعلم أنه قد جاء في التواضع و هضم النفس شيء كثير و من ذلكالحديث المرفوع من تواضع لله رفعه الله و من تكبر على الله وضعه ويقال إن الله تعالى قال لموسى إنما كلمتك لأن في أخلاقك خلقا أحبه الله و هو التواضع.و رأى محمد بن واسع ابنه يمشي الخيلاء فناداه فقال ويلك أ تمشي هذه المشية و أبوك أبوك و أمك أمك أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم و أما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله.و مثل قوله ع كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف و إن غاب لم يفتقد قول رسول الله ص رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه.و قال عمر لابنه عبد الله التمس الرفعة بالتواضع و الشرف بالدين و العفو من الله بالعفو عن الناس و إياك و الخيلاء فتضع من نفسك و لا تحقرن أحدا فإنك لا تدري لعل من تزدريه عيناك أقرب إلى الله وسيلة منك.و قال الأحنف عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين من فرجين كيف يتكبر و قد جاء في كلام رسول الله ص ما يناسب كلام أمير المؤمنين ع هذا إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة.و أما إفشاء السر و أذاعته فقد ورد فيه أيضا ما يكثر و لو لم يرد فيه إلا قوله سبحانه( وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) لكفى.
وفي الحديث المرفوع من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنم قيل في تفسيره هو أن يسعى بأخيه و يجر نفعا بسعايته.الجنيد ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت.عبد الرحمن بن عوف من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.قال رجل لعمرو بن عبيد إن عليا الأسواري لم يزل منذ اليوم يذكرك بسوء و يقول الضال فقال عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه و لا وفيتني حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه اعلم أن الموت يعمنا و البعث يحشرنا و القيامة تجمعنا و الله يحكم بيننا.و كان يقال من نم إليك نم عليك.و قالوا في السعاة يكفيك أن الصدق محمود إلا منهم و إن أصدقهم أخبثهم.وشي واش برجل إلى الإسكندر فقال له أ تحب أن أقبل منك ما قلت فيه على أن أقبل منه ما قال فيك قال لا قال فكف عن الشر يكف عنك.قال رجل لفيلسوف عابك فلان بكذا قال لقيتني لقحتك بما لم يلقني به لحيائه.عاب مصعب بن الزبير الأحنف عن شيء بلغه عنه فأنكره فقال أخبرني بذلك الثقة فقال كلا أيها الأمير إن الثقة لا ينم.عرض بعض عمال الفضل بن سهل عليه رقعة ساع في طي كتاب كتبه إليه فوقع الفضل قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة و القبول إجازة و ليس من دل على قبيح كمن أجازه و عمل به فاطرد هذا الساعي عن عملك و أقصه عن بابك فإنه لو لم يكن في سعايته كاذبا لكان في صدقه لئيما إذ لم يرع الحرمة و لم يستر العورة و السلام.
صالح بن عبد القدوس
من يخبرك بشتم عن أخ |
فهو الشاتم لا من شتمك |
|
ذاك شيء لم يواجهك به |
إنما اللوم على من أعلمك |
|
كيف لم ينصرك إن كان أخا |
ذا حفاظ عند من قد ظلمك |
طريح بن إسماعيل الثقفي
إن يعلموا الخير يخفوه و إن علموا |
شرا أذاعوا و إن لم يعلموا كذبوا |
و معنى قوله ع و إن غاب لم يفتقد أي لا يقال ما صنع فلان و لا أين هو أي هو خامل لا يعرف.و قوله أولئك يفتح الله بهم أبواب الرحمة و يكشف بهم ضراء النقمة و روي أولئك يفتح الله بهم أبواب رحمته و يكشف بهم ضراء نقمته أي ببركاتهم يكون الخير و يندفع الشر.ثم ذكر ع أنه سيأتي على الناس زمان تنقلب فيه الأمور الدينية إلى أضدادها و نقائضها و قد شهدنا ذلك عيانا.ثم أخبر ع أن الله لا يجور على العباد لأنه تعالى عادل و لا يظلم و لكنه يبتلي عباده أي يختبرهم ثم تلا قوله تعالى( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) و المراد أنه تعالى إذا فسد الناس لا يلجئهم إلى الصلاح لكن يتركهم و اختيارهم امتحانا لهم فمن أحسن أثيب و من أساء عوقب
103 و من خطبة له ع
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ اَلْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لاَ وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَ يُبَادِرُ بِهِمُ اَلسَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ يَحْسِرُ اَلْحَسِيرُ وَ يَقِفُ اَلْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ إِلاَّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَ اِسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَ اِسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ وَ لاَ خُنْتُ وَ لاَ وَهَنْتُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ اَلْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ اَلْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ قال الرضيرحمهالله تعالى و قد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة و نقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية لقائل أن يقول أ لم يكن في العرب نبي قبل محمد و هو خالد بن سنان العبسي و أيضا فقد كان فيها هود و صالح و شعيب.
و نجيب هذا القائل بأن مراده ع أنه لم يكن في زمان محمد ص و ما قاربه من ادعى النبوة فأما هود و صالح و شعيب فكانوا في دهر قديم جدا و أما خالد بن سنان فلم يقرأ كتابا و لا يدعي شريعة و إنما كانت نبوة مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يكن لهم كتب و لا شرائع و إنما ينهون عن الشرك و يأمرون بالتوحيد.و منجاتهم نجاتهم نجوت من كذا نجاء ممدود و نجا مقصور و منجاة على مفعله و منه قولهم الصدق منجاة.قوله ع و يبادر بهم الساعة كأنه كان يخاف أن تسبقه القيامة فهو يبادرها بهدايتهم و إرشادهم قبل أن تقوم و هم على ضلالهم.و الحسير المعيا حسر البعير بالفتح يحسر بالكسر حسورا و استحسر مثله و حسرته أنا يتعدى و لا يتعدى حسرا فهو حسير و يجوز أحسرته بالهمزة و الجمع حسرى مثل قتيل و قتلى و منه حسر البصر أي كل يحسر قال تعالى يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ و هذا الكلام من باب الاستعارة و المجاز يقول ع كان النبي ص لحرصه على الإسلام و إشفاقه على المسلمين و رأفته بهم يلاحظ حال من تزلزل اعتقاده أو عرضت له شبهة أو حدث عنده ريب و لا يزال يوضح له و يرشده حتى يزيل ما خامر سره من وساوس الشيطان و يلحقه بالمخلصين من المؤمنين و لم يكن ليقصر في مراعاة أحد من المكلفين في هذا المعنى إلا من كان يعلم أنه لا خير فيه أصلا لعناده و إصراره على الباطل و مكابرته للحق.و معنى قوله حتى يلحقه غايته حتى يوصله إلى الغاية التي هي الغرض بالتكليف يعني اعتقاد الحق و سكون النفس إلى الإسلام و هو أيضا معنى قوله و بوأهم محلتهم.
و معنى قوله فاستدارت رحاهم انتظم أمرهم لأن الرحى إنما تدور إذا تكاملت أدواتها و آلاتها كلها و هو أيضا معنى قوله و استقامت قناتهم و كل هذا من باب الاستعارة.ثم أقسم أنه ع كان من ساقتها الساقة جمع سائق كقادة جمع قائد و حاكة جمع حائك و هذا الضمير المؤنث يرجع إلى غير مذكور لفظا و المراد الجاهلية كأنه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الإسلام و جعل نفسه من الحاملين عليها بسيفه حتى فرت و أدبرت و أتبعها يسوقها سوقا و هي مولية بين يديه.حتى أدبرت بحذافيرها أي كلها عن آخرها.ثم أتى بضمير آخر إلى غير مذكور لفظا و هو قوله و استوسقت في قيادها يعني الملة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى و استوسقت اجتمعت يقول لما ولت تلك الدعوة الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كما تستوسق الإبل المقودة إلى أعطانها و يجوز أن يعود هذا الضمير الثاني إلى المذكور الأول و هو الجاهلية أي ولت بحذافيرها و اجتمعت كلها تحت ذل المقادة.ثم أقسم أنه ما ضعف يومئذ و لا وهن و لا جبن و لا خان و ليبقرن الباطل الآن حتى يخرج الحق من خاصرته كأنه جعل الباطل كالشيء المشتمل على الحق غالبا عليه و محيطا به فإذا بقر ظهر الحق الكامن فيه و قد تقدم منا شرح ذلك
104 و من خطبة له ع
حَتَّى بَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً ص شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً خَيْرَ اَلْبَرِيَّةِ طِفْلاً وَ أَنْجَبَهَا كَهْلاً وَ أَطْهَرَ اَلْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَ أَجْوَدَ اَلْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً فَمَا اِحْلَوْلَتْ لَكُمُ اَلدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَ لاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ اَلسِّدْرِ اَلْمَخْضُودِ وَ حَلاَلُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ ظِلاًّ مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَ أَيْدِي اَلْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَ إِنَّ اَلثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَ هُوَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ معنى كون النبي ص شهيدا أنه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة و عصيان أنجبها أكرمها و رجل نجيب أي كريم بين النجابة و النجبة مثل الهمزة.
و يقال هو نجبة القوم أي النجيب منهم و أنجب الرجل أي ولد ولدا نجيبا و امرأة منجبة و منجاب تلد النجباء و نسوة مناجيب.و الشيمة الخلق و الديمة مطر يدوم و المستمطرون المستجدون و المستماحون و احلولت حلت و قد عداه حميد بن ثور في قوله
فلما أتى عامان بعد انفصاله |
عن الضرع و احلولى دماثا يرودها |
و لم يجئ افعوعل متعديا إلا هذا الحرف و حرف آخر و هو اعروريت الفرس و هو الرضاع بفتح الراء رضع الصبي أمه بكسر الضاد يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا و أهل نجد يقولون رضع بالفتح يرضع بالكسر مثل ضرب يضرب ضربا و قال الأصمعي أخبرني عيسى بن عمر أنه سمع العرب تنشد هذا البيت
و ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها |
أفاويق حتى ما يدر لها ثعل |
بكسر الضاد و الأخلاف للناقة بمنزلة الأطباء للكلبة واحدها خلف بالكسر و هو حلمة الضرع و الخطام زمام الناقة خطمت البعير زممته و ناقة مخطومة و نوق مخطمة.و الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب و التصدير للرحل و الحزام للسرج و هو سيور تنسج مضاعفة بعضها على بعض يشد بها الهودج منه إلى بطن البعير و الجمع وضن.و المخضود الذي خضد شوكة أي قطع.و شاغرة خالية شغر المكان أي خلا و بلدة شاغرة إذا لم تمتنع من غارة أحد و الثائر طالب الثأر لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره.
يقول ع مخاطبا لمن في عصره من بقايا الصحابة و لغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر رسول الله ص إن الله بعث محمدا و هو أكرم الناس شيمة و أنداهم يدا و خيرهم طفلا و أنجبهم كهلا فصانه الله تعالى في أيام حياته عن أن يفتح عليه الدنيا و أكرمه عن ذلك فلم تفتح عليكم البلاد و لا درت عليكم الأموال و لا أقبلت الدنيا نحوكم و ما دالت الدولة لكم إلا بعده فتمكنتم من أكلها و التمتع بها كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها و حلت لذاتها لكم و استطبتم العيشة و وجدتموها حلوة خضرة.ثم ذكر أنهم صادفوها يعني الدنيا و قد صعبت على من يليها ولاية حق كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها بممكن راكبها من نفسه قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس و حلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه و كونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة إليه و هذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر و أنه كان الأولى و الأحق.فإن قلت إذا كانت الدنيا قلقة الوضين جائلة الخطام فهي صعبة الركوب و هذا ضد قوله حرامها بمنزلة السدر المخضود لأنه من الأمثال المضروبة للسهولة قلت فحوى كلامه أن الدنيا جمحت به ع فألقته عن ظهرها بعد أن كان راكبا لها أو كالراكب لها لاستحقاقه ركوبها و أنها صارت بعده كالناقة التي خلعت زمامها أو أجالته فلا يتمكن راكبها من قبضه و استرخى وضينها لشدة ما كان صدر عنها من النفار و التقحم حتى أذرت راكبها فصارت على حال لا يركبها إلا من هو موصوف بركوب غير طبيعي لأنه ركب ما لا ينبغي أن يركب فالذين ولوا أمرها ولوه
على غير الوجه كما أن راكب هذه الناقة يركبها على غير الوجه و لهذا لم يقل فصار حرامها بمنزلة السدر المخضود بل قال عند أقوام فخصص.و هذا الكلام كله محمول عند أصحابنا على التألم من كون المتقدمين تركوا الأفضل كما قدمناه في أول الكتاب.ثم ذكر ع أن الدنيا فانية و أنها ظل ممدود إلى أجل معدود ثم ذكر أن الأرض بهؤلاء السكان فيها صورة خالية من معنى كما قال الشاعر
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم |
الله يعلم أني لم أقل فندا |
|
إني لأفتح عيني ثم أغمضها |
على كثير و لكن لا أرى أحدا |
ثم أعاد الشكوى و التألم فقال أيديكم في الدنيا مبسوطة و أيدي مستحقي الرئاسة و مستوجبي الأمر مكفوفة و سيوفكم مسلطة علي أهل البيت الذين هم القادة و الرؤساء و سيوفهم مقبوضة عنكم و كأنه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين ع و أهله و كأنه يشاهد ذلك عيانا و يخطب عليه و يتكلم على الخاطر الذي سنح له و الأمر الذي كان أخبر به ثم قال إن لكل دم ثائرا يطلب القود و الثائر بدمائنا ليس إلا الله وحده الذي لا يعجزه مطلوب و لا يفوته هارب.و معنى قوله ع كالحاكم في حق نفسه أنه تعالى لا يقصر في طلب دمائنا كالحاكم الذي يحكم لنفسه فيكون هو القاضي و هو الخصم فإنه إذا كان كذلك يكون مبالغا جدا في استيفاء حقوقه.ثم أقسم و خاطب بني أمية و صرح بذكرهم أنهم ليعرفن الدنيا عن قليل في أيدي غيرهم و في دورهم و أن الملك سينتزعه منهم أعداؤهم و وقع الأمر بموجب إخباره ع
فإن الأمر بقي في أيدي بني أمية قريبا من تسعين سنة ثم عاد إلى البيت الهاشمي و انتقم الله تعالى منهم على أيدي أشد الناس عداوة لهم
هزيمة مروان بن محمد في موقعة الزاب ثم مقتله بعد ذلك
سار عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس في جمع عظيم للقاء مروان بن محمد بن مروان و هو آخر خلفاء الأمويين فالتقيا بالزاب من أرض الموصل و مروان في جموع عظيمة و أعداد كثيرة فهزم مروان و استولى عبد الله بن علي على عسكره و قتل من أصحابه خلقا عظيما و فر مروان هاربا حتى أتى الشام و عبد الله يتبعه فصار إلى مصر فاتبعه عبد الله بجنوده فقتله ببوصير الأشمونين من صعيد مصر و قتل خواصه و بطانته كلها و قد كان عبد الله قتل من بني أمية على نهر أبي فطرس من بلاد فلسطين قريبا من ثمانين رجلا قتلهم مثلة و احتذى أخوه داود بن علي بالحجاز فعله فقتل منهم قريبا من هذه العدة بأنواع المثل.و كان مع مروان حين قتل ابناه عبد الله و عبيد الله و كانا وليي عهده فهربا في خواصهما إلى أسوان من صعيد مصر ثم صارا إلى بلاد النوبة و نالهم جهد شديد و ضر عظيم فهلك عبد الله بن مروان في جماعة ممن كان معه قتلا و عطشا و ضرا و شاهد من بقي منهم أنواع الشدائد و ضروب المكاره و وقع عبيد الله في عدة ممن نجا معه في أرض البجه و قطعوا البحر إلى ساحل جدة و تنقل فيمن نجا معه من أهله و مواليه في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا فظفر بعبد الله أيام السفاح فحبس
فلم يزل في السجن بقية أيام السفاح و أيام المنصور و أيام المهدي و أيام الهادي و بعض أيام الرشيد و أخرجه الرشيد و هو شيخ ضرير فسأله عن خبره فقال يا أمير المؤمنين حبست غلاما بصيرا و أخرجت شيخا ضريرا فقيل إنه هلك في أيام الرشيد و قيل عاش إلى أن أدرك خلافة الأمين.شهد يوم الزاب مع مروان في إحدى الروايتين إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع الذي خطب له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن الوليد بن عبد الملك فقتل فيمن قتل و في الرواية الثانية أن إبراهيم قتله مروان الحمار قبل ذلك.لما انهزم مروان يوم الزاب مضى نحو الموصل فمنعه أهلها من الدخول فأتى حران و كانت داره و مقامه و كان أهل حران حين أزيل لعن أمير المؤمنين عن المنابر في أيام الجمع امتنعوا من إزالته و قالوا لا صلاة إلا بلعن أبي تراب فاتبعه عبد الله بن علي بجنوده فلما شارفه خرج مروان عن حران هاربا بين يديه و عبر الفرات و نزل عبد الله بن علي على حران فهدم قصر مروان بها و كان قد أنفق على بنائه عشرة آلاف ألف درهم و احتوى على خزائن مروان و أمواله فسار مروان بأهله و عترته من بني أمية و خواصه حتى نزل بنهر أبي فطرس و سار عبد الله بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها و عليها من قبل مروان الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان في خمسين ألف مقاتل فألقى الله تعالى بينهم العصبية في فضل نزار على اليمن و فضل اليمن على نزار فقتل الوليد و قيل بل قتل في حرب عبد الله بن علي و ملك عبد الله دمشق فأتى يزيد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان و عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فحملهما مأسورين إلى أبي العباس السفاح فقتلهما و صلبهما بالحيرة و قتل عبد الله بن علي بدمشق خلقا كثيرا من أصحاب مروان و موالي بني أمية و أتباعهم و نزل عبد الله على نهر
أبي فطرس فقتل من بني أمية هناك بضعا و ثمانين رجلا و ذلك في ذي القعدة من سنة ثنتين و ثلاثين و مائة
شعر عبد الله بن عمرو العبلي في رثاء قومه
و في قتلى نهر أبي فطرس و قتلى الزاب يقول أبو عدي عبد الله بن عمرو العبلي و كان أموي الرأي
تقول أمامة لما رأت |
نشوزي عن المضجع الأملس |
|
و قلة نومي على مضجعي |
لدى هجعة الأعين النعس |
|
أبي ما عراك فقلت الهموم |
عرين أباك فلا تبلسي |
|
عرين أباك فحبسنه |
من الذل في شر ما محبس |
|
لفقد الأحبة إذ نالها |
سهام من الحدث المبئس |
|
رمتها المنون بلا نكل |
و لا طائشات و لا نكس |
|
بأسهمها المتلفات النفوس |
متى ما تصب مهجة تخلس |
|
فصر عنهم بنواحي البلاد |
فملقى بأرض و لم يرمس |
|
نقى أصيب و أثوابه |
من العيب و العار لم تدنس |
|
و آخر قد رس في حفرة |
و آخر طار فلم يحسس |
|
أفاض المدامع قتلى كدى |
و قتلى بكثوة لم ترمس |
|
و قتلى بوج و باللابتين |
من يثرب خير ما أنفس |
و بالزابيين نفوس ثوت |
و قتلى بنهر أبي فطرس |
|
أولئك قومي أناخت بهم |
نوائب من زمن متعس |
|
إذا ركبوا زينوا الموكبين |
و إن جلسوا زينة المجلس |
|
و إن عن ذكرهم لم ينم |
أبوك و أوحش في المأنس |
|
فذاك الذي غالني فاعلمي |
و لا تسألي بامرئ متعس |
|
هم أضرعوني لريب الزمان |
و هم ألصقوا الخد بالمعطس |
أنفة بن مسلمة بن عبد الملك
و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني قال نظر عبد الله بن علي في الحرب إلى فتى عليه أبهة الشرف و هو يحارب مستقتلا فناداه يا فتى لك الأمان و لو كنت مروان بن محمد قال إلا أكنه فلست بدونه فقال و لك الأمان و لو كنت من كنت فأطرق ثم أنشد
لذل الحياة و كره الممات |
و كلا أراه طعاما وبيلا |
|
و إن لم يكن غير إحداهما |
فسيرا إلى الموت سيرا جميلا |
ثم قاتل حتى قتل فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك
مما قيل من الشعر في التحريض على قتل بني أمية
و روى أبو الفرج أيضا عن محمد بن خلف وكيع قال دخل سديف مولى آل أبي لهب على أبي العباس بالحيرة و أبو العباس جالس على سريره و بنو هاشم دونه على الكراسي و بنو أمية حوله على وسائد قد ثنيت لهم و كانوا في أيام دولتهم يجلسونهم و الخليفة منهم على الأسرة و يجلس بنو هاشم على الكراسي فدخل الحاجب فقال يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازي أسود راكب على نجيب متلثم يستأذن و لا يخبر باسمه و يحلف لا يحسر اللثام عن وجهه حتى يرى أمير المؤمنين فقال هذا سديف مولانا أدخله فدخل فلما نظر إلى أبي العباس و بنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه ثم أنشد
أصبح الملك ثابت الأساس |
بالبهاليل من بني العباس |
|
بالصدور المقدمين قديما |
و البحور القماقم الرؤاس |
|
يا إمام المطهرين من الذم |
و يا رأس منتهى كل رأس |
|
أنت مهدي هاشم و فتاها |
كم أناس رجوك بعد أناس |
|
لا تقيلن عبد شمس عثارا |
و اقطعن كل رقلة و غراس |
أنزلوها بحيث أنزلها الله |
بدار الهوان و الإنعاس |
|
خوفها أظهر التودد منها |
و بها منكم كحز المواسي |
|
أقصهم أيها الخليفة و احسم |
عنك بالسيف شأفة الأرجاس |
|
و اذكرن مصرع الحسين و زيد |
و قتيلا بجانب المهراس |
|
و القتيل الذي بحران أمسى |
ثاويا بين غربة و تناس |
|
فلقد ساءني و ساء سوائي |
قربهم من نمارق و كراسي |
|
نعم كلب الهراش مولاك شبل |
لو نجا من حبائل الإفلاس |
قال فتغير لون أبي العباس و أخذه زمع و رعدة فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه فقال قتلنا و الله العبد فأقبل أبو العباس عليهم فقال يا بني الزواني لا أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا و أنتم أحياء تتلذذون في الدنيا خذوهم فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي و قال إن أبي لم يكن كآبائهم
و قد علمت صنيعته إليكم فأجاره و استوهبه من السفاح و قال له قد علمت صنيع أبيه إلينا فوهبه له و قال لا يريني وجهه و ليكن بحيث نأمنه و كتب إلى عماله في الآفاق بقتل بني أمية.فأما أبو العباس المبرد فإنه روى في الكامل هذا الشعر على غير هذا الوجه و لم ينسبه إلى سديف بل إلى شبل مولى بني هاشم.قال أبو العباس دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي و قد أجلس ثمانين من بني أمية على سمط الطعام فأنشده
أصبح الملك ثابت الأساس |
بالبهاليل من بني العباس |
|
طلبوا وتر هاشم و شفوها |
بعد ميل من الزمان و يأس |
|
لا تقيلن عبد شمس عثارا |
و اقطعن كل رقلة و أواسي |
|
ذلها أظهر التودد منها |
و بها منكم كحز المواسي |
|
و لقد غاظني و غاظ سوائي |
قربها من نمارق و كراسي |
|
أنزلوها بحيث أنزلها الله |
بدار الهوان و الإنعاس |
|
و اذكرا مصرع الحسين و زيد |
و قتلا بجانب المهراس |
|
و القتيل الذي بحران أضحى |
ثاويا بين غربة و تناس |
|
نعم شبل الهراش مولاك شبل |
لو نجا من حبائل الإفلاس |
فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد و بسطت البسط عليهم و جلس عليها و دعا
بالطعام و إنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا و قال لشبل لو لا أنك خلطت شعرك بالمسألة لأغنمتك أموالهم و لعقدت لك على جميع موالي بني هاشم.قال أبو العباس الرقلة النخلة الطويلة و الأواسي جمع آسية و هي أصل البناء كالأساس و قتيل المهراس حمزة ع و المهراس ماء بأحد و قتيل حران إبراهيم الإمام.قال أبو العباس فأما سديف فإنه لم يقم هذا المقام و إنما قام مقاما آخر دخل على أبي العباس السفاح و عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك و قد أعطاه يده فقبلها و أدناه فأقبل على السفاح و قال له
لا يغرنك ما ترى من رجال |
إن تحت الضلوع داء دويا |
|
فضع السيف و ارفع السوط حتى |
لا ترى فوق ظهرها أمويا |
فقال سليمان ما لي و لك أيها الشيخ قتلتني قتلك الله فقام أبو العباس فدخل و إذا المنديل قد ألقي في عنق سليمان ثم جر فقتل.فأما سليمان بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فقتل بالبلقاء و حمل رأسه إلى عبد الله بن علي
أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس
و ذكر صاحب مروج الذهب أنه أرسل عبد الله أخاه صالح بن علي و معه عامر بن إسماعيل أحد الشيعة الخراسانية إلى مصر فلحقوا مروان ببوصير فقتلوه و قتلوا كل من كان معه من أهله و بطانته و هجموا على الكنيسة التي فيها بناته و نساؤه فوجدوا خادما بيده سيف مشهور يسابقهم على الدخول فأخذوه و سألوه عن أمره فقال إن
أمير المؤمنين أمرني إن هو قتل أن أقتل بناته و نساءه كلهن قبل أن تصلوا إليهن فأرادوا قتله فقال لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني فقدتم ميراث رسول الله ص فقالوا و ما هو فأخرجهم من القرية إلى كثبان من الرمل فقال اكشفوا هاهنا فإذا البردة و القضيب و قعب مخضب قد دفنها مروان ضنا بها أن تصير إلى بني هاشم فوجه به عامر بن إسماعيل إلى صالح بن علي فوجه به صالح إلى أخيه عبد الله فوجه به عبد الله إلى أبي العباس و تداوله خلفاء بني العباس من بعد.و أدخل بنات مروان و حرمه و نساؤه على صالح بن علي فتكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه و أسعدك في أحوالك كلها و عمك بخواص نعمه و شملك بالعافية في الدنيا و الآخرة نحن بناتك و بنات أخيك و ابن عمك فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم قال إذا لا نستبقي منكم أحدا لأنكم قد قتلتم إبراهيم الإمام و زيد بن علي و يحيى بن زيد و مسلم بن عقيل و قتلتم خير أهل الأرض حسينا و إخوته و بنيه و أهل بيته و سقتم نساءه سبايا كما يساق ذراري الروم على الأقتاب إلى الشام فقال يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذا قال أما هذا فنعم و إن أحببت زوجتك من ابني الفضل بن صالح قالت يا عم أمير المؤمنين و أي ساعة عرس ترى بل تلحقنا بحران فحملهن إلى حران.كان عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة الفهري عامل إفريقية لمروان فلما حدثت الحادثة هرب عبد الله و العاص ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك إليه فاعتصما به فخاف
على نفسه منهما و رأى ميل الناس إليهما فقتلهما و كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك يريد أن يقصده و يلتجئ إليه فلما علم ما جرى لابني الوليد بن يزيد خاف منه فقطع المجاز بين إفريقية و الأندلس و ركب البحر حتى حصل بالأندلس فالأمراء الذين ولوها كانوا من ولده.ثم زال أمرهم و دولتهم على أيدي بني هاشم أيضا و هم بنو حمود الحسنيون من ولد إدريس بن الحسن ع.لما قتل عامر بن إسماعيل مروان ببوصير و احتوى على عسكره دخل إلى الكنيسة التي كان فيها فقعد على فراشه و أكل من طعامه فقالت له ابنة مروان الكبرى و تعرف بأم مروان يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه حتى أقعدك عليها تأكل من طعامه ليلة قتله محتويا على أمره حاكما في ملكه و حرمه و أهله لقادر أن يغير ذلك فأنهي هذا الكلام إلى أبي العباس السفاح فاستهجن ما فعله عامر بن إسماعيل و كتب إليه أ ما كان لك في أدب الله ما يزجرك أن تقعد في مثل تلك الساعة على مهاد مروان و تأكل من طعامه أما و الله لو لا أن أمير المؤمنين أنزل ما فعلته على غير اعتقاد منك لذلك و لا نهم على طعام لمسك من غضبه و أليم أدبه ما يكون لك زاجرا و لغيرك واعظا فإذا أتاك كتاب أمير المؤمنين فتقرب إلى الله بصدقة تطفئ بها غضبه و صلاة تظهر فيها الخشوع و الاستكانة له و صم ثلاثة أيام و تب إلى الله من جميع ما يسخطه و يغضبه و مر جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك.و لما أتي أبو العباس برأس مروان سجد فأطال ثم رفع رأسه و قال الحمد لله الذي
لم يبق ثأرنا قبلك و قبل رهطك الحمد لله الذي أظفرنا بك و أظهرنا عليك ما أبالي متى طرقني الموت و قد قتلت بالحسين ع ألفا من بني أمية و أحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي كما أحرقوا شلوه و تمثل
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم |
و لا دماؤهم جمعا ترويني |
ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت |
قواطع في أيماننا تقطر الدما |
|
إذا خالطت هام الرجال تركتها |
كبيض نعام في الثرى قد تحطما |
ثم قال أما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم و قتلنا سائر بني أمية بحسين و من قتل معه و بعده من بني عمنا أبي طالب.و روى المسعودي في كتاب مروج الذهب عن الهيثم بن عدي قال حدثني عمرو بن هانئ الطائي قال خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطا ثم أحرقه و استخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئا إلا صلبه و رأسه و أضلاعه فأحرقناه و فعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني أمية و كانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا و لا كثيرا و احتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شئون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلا عظما واحدا و وجدنا
من موضع نحره إلى قدمه خطا واحدا أسود كأنما خط بالرماد في طول لحده و تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم.قلت قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي بن عبد الله في سنة خمس و ستمائة و قلت له أما إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم فما معنى جلده ثمانين سوطا فقالرحمهالله تعالى أظن عبد الله بن علي ذهب في ذلك إلى حد القذف لأنه يقال إنه قال لزيد يا ابن الزانية لما سب أخاه محمدا الباقر ع فسبه زيد و قال له سماه رسول الله ص الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما و لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار.و هذا استنباط لطيف.قال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيى حين أيقن بزوال ملكه قد احتجت إلى أن تصير مع عدوي و تظهر الغدر بي فإن إعجابهم ببلاغتك و حاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى اصطناعك و تقريبك فإن استطعت أن تسعى لتنفعني في حياتي و إلا فلن تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أشرت به هو أنفع الأمرين لي و أقبحهما بي و ما عندي إلا الصبر معك حتى يفتح الله لك أو أقتل بين يديك ثم أنشد
أسر وفاء ثم أظهر غدرة |
فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره |
فثبت على حاله و لم يصر إلى بني هاشم حتى قتل مروان ثم قتل هو بعده صبرا.
و قال إسماعيل بن عبد الله القسري دعاني مروان و قد انتهت به الهزيمة إلى حران فقال يا أبا هاشم و ما كان يكنيني قبلها قد ترى ما جاء من الأمر و أنت الموثوق به و لا عطر بعد عروس ما الرأي عندك فقلت يا أمير المؤمنين علام أجمعت قال ارتحل بموالي و من تبعني حتى آتي الدرب و أميل إلى بعض مدن الروم فأنزلها و أكاتب ملك الروم و أستوثق منه فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم و ليس هذا عارا على الملوك فلا يزال يأتيني من الأصحاب الخائف و الهارب و الطامع فيكثر من معي و لا أزال على ذلك حتى يكشف الله أمري و ينصرني على عدوي فلما رأيت ما أجمع عليه من ذلك و كان الرأي و رأيت آثاره في قومه من نزار و عصبيته على قومي من قحطان غششته فقلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي أن تحكم أهل الشرك في بناتك و حرمك و هم الروم لا وفاء لهم و لا يدرى ما تأتي به الأيام و إن حدث عليك حدث من أرض النصرانية و لا يحدثن الله عليك إلا خيرا ضاع من بعدك و لكن اقطع الفرات و استنفر الشام جندا جندا فإنك في كنف و عدة و لك في كل جند صنائع و أصحاب إلى أن تأتي مصر فهي أكثر أرض الله مالا و خيلا و رجالا و الشام أمامك و إفريقية خلفك فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام و إن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية فقال صدقت و أستخير الله فقطع الفرات و الله ما قطعه معه من قيس إلا رجلان ابن حديد السلمي و كان أخاه من الرضاعة و الكوثر بن الأسود الغنوي و غدر به سائر النزارية مع تعصبه لهم فلما اجتاز ببلاد قنسرين و خناصرة أوقعوا بساقته و وثب به أهل حمص و صار إلى دمشق فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي ثم العقيلي ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو التميمي ثم مر بفلسطين فوثب به أهلها و علم مروان أن إسماعيل بن عبد الله قد غشه في الرأي و لم يمحضه النصيحة و أنه فرط في مشورته إياه
إذ شاور رجلا من قحطان موتورا شانئا له و إن الرأي كان أول الذي هم به من قطع الدرب و النزول ببعض مدن الروم و مكاتبته ملكها و لله أمر هو بالغه.لما نزل مروان بالزاب جرد من رجاله ممن اختاره من أهل الشام و الجزيرة و غيرها مائة ألف فارس على مائة ألف قارح ثم نظر إليهم و قال إنها لعدة و لا تنفع العدة إذا انقضت المدة.لما أشرف عبد الله بن علي يوم الزاب في المسودة و في أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت و قد جعل لها بدلا من القنا خشب الصفصاف و الغرب قال مروان لمن قرب منه أ ما ترون رماحهم كأنها النخل غلظا أ ما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود فبينما هو ينظرها و يعجب إذ طارت قطعة عظيمة من الغربان السود فنزلت على أول عسكر عبد الله بن علي و اتصل سوادها بسواد تلك الرايات و البنود و مروان ينظر فازداد تعجبه و قال أ ما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد حتى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة ثم أقبل على رجل إلى جنبه فقال أ لا تعرفني من صاحب جيشهم فقال عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال ويحك أ من ولد العباس هو قال نعم قال و الله لوددت أن علي بن أبي طالب ع مكانه في هذا الصف قال يا أمير المؤمنين أ تقول هذا لعلي مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها قال ويحك إن عليا مع شجاعته صاحب دين و إن الدين غير الملك و إنا نروي عن قديمنا أنه لا شيء لعلي و لا لولده في هذا ثم قال من هو من ولد العباس
فإني لا أثبت شخصه قال هو الرجل الذي كان يخاصم بين يديك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال أذكرني صورته و حليته قال هو الرجل الأقنى الحديد العضل المعروق الوجه الخفيف اللحية الفصيح اللسان الذي قلت لما سمعت كلامه يومئذ يرزق الله البيان من يشاء فقال و إنه لهو قال نعم فقال إنا لله و إنا إليه راجعون أ تعلم لم صيرت الأمر بعدي لولدي عبد الله و ابني محمد أكبر سنا منه قال لا قال إن آباءنا أخبرونا أن الأمر صائر بعدي إلى رجل اسمه عبد الله فوليته دونه.ثم بعث مروان بعد أن حدث صاحبه بهذا الحديث إلى عبد الله بن علي سرا فقال يا ابن عم إن هذا الأمر صائر إليك فاتق الله و احفظني في حرمي فبعث إليه عبد الله أن الحق لنا في دمك و أن الحق علينا في حرمك.قلت إن مروان ظن أن الخلافة تكون لعبد الله بن علي لأن اسمه عبد الله و لم يعلم أنها تكون لآخر اسمه عبد الله و هو أبو العباس السفاح.كان العلاء بن رافع سبط ذي الكلاع الحميري مؤنسا لسليمان بن هشام بن عبد الملك لا يكاد يفارقه و كان أمر المسودة بخراسان قد ظهر و دنوا من العراق و اشتد إرجاف الناس و نطق العدو بما أحب في بني أمية و أوليائهم.قال العلاء فإني لمع سليمان و هو يشرب تجاه رصافة أبيه و ذلك في آخر أيام يزيد الناقص و عنده الحكم الوادي و هو يغنيه بشعر العرجي
إن الحبيب تروحت أجماله |
أصلا فدمعك دائم إسباله |
|
فاقن الحياء فقد بكيت بعولة |
لو كان ينفع باكيا إعواله |
يا حبذا تلك الحمول و حبذا |
شخص هناك و حبذا أمثاله |
فأجاد ما شاء و شرب سليمان بن هشام بالرطل و شربنا معه حتى توسدنا أيدينا فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي فقمت مسرعا و قلت ما شأن الأمير فقال على رسلك رأيت كأني في مسجد دمشق و كأن رجلا على يده حجر و على رأسه تاج أرى بصيص ما فيه من الجوهر و هو رافع صوته بهذا الشعر
أ بني أمية قد دنا تشتيتكم |
و ذهاب ملككم و ليس براجع |
|
و ينال صفوته عدو ظالم |
كأسا لكم بسمام موت ناقع |
s فقلت أعيذ الأمير بالله وساوس الشيطان الرجيم هذا من أضغاث الأحلام و مما يقتضيه و يجلبه الفكر و سماع الأراجيف فقال الأمر كما قلت لك ثم وجم ساعة و قال يا حميري بعيد ما يأتي به الزمان قريب قال العلاء فو الله ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم.سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملككم فقال جار عمالنا على رعيتنا فتمنوا الراحة منا و تحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا و خربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا و وثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا و أمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا و تأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا و استدعاهم عدونا فظافروه على حربنا و طلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا و كان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا.كان سعيد بن عمر بن جعدة بن هبيرة المخزومي أحد وزراء مروان و سماره فلما ظهر
أمر أبي العباس السفاح انحاز إلى بني هاشم و مت إليهم بأم هانئ بنت أبي طالب و كانت تحت هبيرة بن أبي وهب فأتت منه بجعدة فصار من خواص السفاح و بطانته فجلس السفاح يوما و أمر بإحضار رأس مروان و هو بالحيرة يومئذ ثم قال للحاضرين أيكم يعرف هذا فقال سعيد أنا أعرفه هذا رأس أبي عبد الملك مروان بن محمد بن مروان خليفتنا بالأمسرحمهالله تعالى قال سعيد فحدقت إلي الشيعة و رمتني بأبصارها فقال لي أبو العباس في أي سنة كان مولده قلت سنة ست و سبعين فقام و قد تغير لونه غضبا علي و تفرق الناس من المجلس و تحدثوا به فقلت زلة و الله لا تستقال و لا ينساها القوم أبدا فأتيت منزلي فلم أزل باقي يومي أعهد و أوصي فلما كان الليل اغتسلت و تهيأت للصلاة و كان أبو العباس إذا هم بأمر بعث فيه ليلا فلم أزل ساهرا حتى أصبحت و ركبت بغلتي و أفكرت فيمن أقصد في أمري فلم أجد أحدا أولى من سليمان بن مجالد مولى بني زهرة و كانت له من أبي العباس منزلة عظيمة و كان من شيعة القوم فأتيته فقلت له أ ذكرني أمير المؤمنين البارحة قال نعم جرى ذكرك فقال هو ابن أختنا وفي لصاحبه و نحن لو أوليناه خيرا لكان لنا أشكر فشكرت لسليمان بن مجالد ما أخبرني به و جزيته خيرا و انصرفت فلم أزل من أبي العباس على ما كنت عليه لا أرى منه إلا خيرا.و إنما ذلك المجلس إلى عبد الله بن علي و إلى أبي جعفر المنصور فأما عبد الله بن علي فكتب إلى أبي العباس يغريه بي و يعاتبه على الإمساك عني و يقول له إنه ليس مثل هذا مما يحتمل و كتب إليه أبو جعفر يعذر لي و ضرب الدهر ضربه فأتى ذات يوم عند أبي العباس فنهض و نهضت فقال لي على رسلك يا ابن هبيرة فجلست فرفع الستر و دخل و ثبت في مجلسه قليلا ثم خرج في ثوبي وشي و رداء و جبة فما رأيت و الله أحسن منه و لا مما عليه قط فقال لي يا ابن هبيرة إني ذاكر لك أمرا فلا
يخرجن من رأسك إلى أحد من الناس قلت نعم قال قد علمت ما جعلنا من هذا الأمر و ولاية العهد لمن قتل مروان و إنما قتله عمي عبد الله بجيشه و أصحابه و نفسه و تدبيره و أنا شديد الفكر في أمر أخي أبي جعفر في فضله و علمه و سنه و إيثاره لهذا الأمر كيف أخرجه عنه فقلت أصلح الله أمير المؤمنين إني أحدثك حديثا تعتبر به و تستغني بسماعه عن مشاورتي قال هاته فقلت كنا مع مسلمة بن عبد الملك عام الخليج بالقسطنطينية إذ ورد علينا كتاب عمر بن عبد العزيز ينعى سليمان و مصير الأمر إليه فدخلت إليه فرمى الكتاب إلي فقرأته و استرجعت و اندفع يبكي و أطال فقلت أصلح الله الأمير و أطال بقاءه إن البكاء على الأمر الفائت عجز و الموت منهل لا بد من ورده فقال ويحك إني لست أبكي على أخي لكني أبكي لخروج الأمر عن ولد أبي إلى ولد عمي فقال أبو العباس حسبك فقد فهمت عنك ثم قال إذا شئت فانهض فلما نهضت لم أمض بعيدا حتى قال لي يا ابن هبيرة فالتفت إليه فقال أما إنك قد كافأت أحدهما و أخذت بثأرك من الآخر قال سعيد فو الله ما أدري من أي الأمرين أعجب من فطنته أم من ذكره.لما ساير عبد الله بن علي في آخر أيام بني أمية عبد الله بن حسن بن حسن و معهما داود بن علي فقال داود لعبد الله بن الحسن لم لا تأمر ابنيك بالظهور فقال عبد الله بن حسن لم يأن لهما بعد فالتفت إليه عبد الله بن علي فقال أظنك ترى أن ابنيك قاتلا مروان فقال عبد الله بن حسن إنه ذلك قال هيهات ثم تمثل
سيكفيك الجعالة مستميت |
خفيف الحاذ من فتيان جرم |
أنا و الله أقتل مروان و أسلبه ملكه لا أنت و لا ولداك.و قد روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني رواية أخرى في سبب قتل السفاح لمن كان أمنه من بني أمية قال حدث الزبير بن بكار عن عمه أن السفاح أنشد يوما قصيدة مدح بها و عنده قوم من بني أمية كان آمنهم على أنفسهم فأقبل على بعضهم فقال أين هذا مما مدحتم به فقال هيهات لا يقول و الله أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا
ما نقموا من بني أمية إلا |
أنهم يحلمون إن غضبوا |
|
و أنهم معدن الملوك فما |
تصلح إلا عليهم العرب |
فقال له يا ماص كذا من أمه و إن الخلافة لفي نفسك بعد خذوهم فأخذوا و قتلوا.و روى أبو الفرج أيضا أن أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا و أمر ببساط فبسط عليهم و جلس فوقه يأكل و هم يضطربون تحته فلما فرغ قال ما أعلم أني أكلت أكلة قط كانت أطيب و لا أهنأ في نفسي من هذه فلما فرغ من الأكل قال جروهم بأرجلهم و ألقوهم في الطريق ليلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء.
قال فلقد رأينا الكلاب تجرهم بأرجلهم و عليهم سراويلات الوشي حتى أنتنوا ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها.قال أبو الفرج و روى عمر بن شبة قال حدثني محمد بن معن الغفاري عن معبد الأنباري عن أبيه قال لما أقبل داود بن علي من مكة أقبل معه بنو حسن جميعا و فيهم عبد الله بن حسن بن حسن و أخوه حسن بن الحسن و معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان و هو أخو عبد الله بن الحسن لأمه فعمل داود مجلسا ببعض الطريق جلس فيه هو و الهاشميون كلهم و جلس الأمويون تحتهم فجاء ابن هرمة فأنشده قصيدة يقول فيها
فلا عفا الله عن مروان مظلمة |
و لا أمية بئس المجلس النادي |
|
كانوا كعاد فأمسى الله أهلكهم |
بمثل ما أهلك الغاوين من عاد |
|
فلن يكذبني من هاشم أحد |
فيما أقول و لو أكثرت تعدادي |
قال فنبذ داود نحو عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص ضحكة كالكشرة فلما قاموا قال عبد الله بن الحسن لأخيه الحسن بن الحسن أ ما رأيت ضحك داود إلى ابن عنبسة الحمد لله الذي صرفها عن أخي يعني العثماني قال فما هو إلا أن قدم المدينة حتى قتل ابن عنبسة.قال أبو الفرج و حدثني محمد بن معن قال حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو
بن عثمان قال استحلف أخي عبد الله بن الحسن داود بن علي و قد حج معه سنة اثنتين و ثلاثين و مائة بطلاق امرأته مليكة بنت داود بن الحسن ألا يقتل أخويه محمدا و القاسم ابني عبد الله بن عمرو بن عثمان قال فكنت أختلف إليه آمنا و هو يقتل بني أمية و كان يكره أن يراني أهل خراسان و لا يستطيع إلي سبيلا ليمينه فاستدناني يوما فدنوت منه فقال ما أكثر الغفلة و أقل الحزمة فأخبرت بها أخي عبد الله بن الحسن فقال يا ابن أم تغيب عن الرجل و أقل عنه فتغيب حتى مات.قلت إلا أن ذلك الدين الذي لم يقضه داود قضاه أبو جعفر المنصور.و روى أبو الفرج في الكتاب المذكور أن سديفا أنشد أبا العباس و عنده رجال من بني أمية فقال
يا ابن عم النبي أنت ضياء |
استبنا بك اليقين الجليا |
فلما بلغ قوله
جرد السيف و ارفع العفو حتى |
لا ترى فوق ظهرها أمويا |
|
قطن البغض في القديم و أضحى |
ثابتا في قلوبهم مطويا |
و هي طويلة فقال أبو العباس يا سديف خلق الإنسان من عجل ثم أنشد أبو العباس متمثلا
أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا |
فلن تبيد و للآباء أبناء |
ثم أمر بمن عنده فقتلوا.و روى أبو الفرج أيضا عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه عن عمومته أنهم حضروا سليمان بن علي بالبصرة و قد حضر جماعة من بني أمية عنده عليهم الثياب الموشاة المرتفعة قال أحد الرواة المذكورين فكأني أنظر إلى أحدهم و قد أسود شيب في عارضيه من الغالية فأمر بهم فقتلوا و جروا بأرجلهم فألقوا على الطريق و إن عليهم لسراويلات الوشي و الكلاب تجرهم بأرجلهم.و روى أبو الفرج أيضا عن طارق بن المبارك عن أبيه قال جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان قال يقول لك عمرو قد جاءت هذه الدولة و أنا حديث السن كثير العيال منتشر الأموال فما أكون في قبيلة إلا شهر أمري و عرفت و قد عزمت على أن أخرج من الاستتار و أفدي حرمي بنفسي و أنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي فصر إلي فوافيته فإذا عليه طيلسان أبيض مطبق و سراويل وشي مسدول فقلت يا سبحان الله ما تصنع الحداثة بأهلها أ بهذا اللباس تلقى هؤلاء القوم لما تريد لقاءهم فيه فقال لا و الله و لكن ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى فأعطيته طيلساني و أخذت طيلسانه و لويت سراويله إلى ركبتيه فدخل إلي سليمان ثم خرج مسرورا فقلت له حدثني ما جرى بينك و بين الأمير قال دخلت عليه و لم يرني قط فقلت أصلح الله الأمير لفظتني البلاد إليك و دلني فضلك
عليك إما قتلتني غانما و إما أمنتني سالما فقال و من أنت حتى أعرفك فانتسبت له فقال مرحبا بك اقعد فتكلم سالما آمنا ثم أقبل علي فقال حاجتك يا ابن أخي فقلت إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن معنا و أولى الناس بهن بعدنا قد خفن لخوفنا و من خاف خيف عليه فو الله ما أجابني إلا بدموعه على خديه ثم قال يا ابن أخي يحقن الله دمك و يحفظك في حرمك و يوفر عليك مالك فو الله لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت فكن متواريا كظاهر و آمنا كخائف و لتأتني رقاعك قال فو الله لقد كنت أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه و عمه قال فلما فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه فقال مهلا فإن ثيابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلينا.و روى أبو الفرج الأصفهاني قال أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة قال قال سديف لأبي العباس يحضه على بني أمية و يذكر من قتل مروان و بنو أمية من أهله
كيف بالعفو عنهم و قديما |
قتلوكم و هتكوا الحرمات |
|
أين زيد و أين يحيى بن زيد |
يا لها من مصيبة وترات |
|
و الإمام الذي أصيب بحران |
إمام الهدى و رأس الثقات |
|
قتلوا آل أحمد لا عفا الذنب |
لمروان غافر السيئات |
قال أبو الفرج و أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني محمد بن يزيد المبرد لرجل من شيعة بني العباس يحضهم على بني أمية
إياكم أن تلينوا لاعتذارهم |
فليس ذلك إلا الخوف و الطمع |
|
لو أنهم أمنوا أبدوا عداوتهم |
لكنهم قمعوا بالذل فانقمعوا |
|
أ ليس في ألف شهر قد مضت لهم |
سقيتم جرعا من بعدها جرع |
|
حتى إذا ما انقضت أيام مدتهم |
متوا إليكم بالأرحام التي قطعوا |
|
هيهات لا بد أن يسقوا بكأسهم |
ريا و أن يحصدوا الزرع الذي زرعوا |
|
إنا و إخواننا الأنصار شيعتكم |
إذا تفرقت الأهواء و الشيع |
قال أبو الفرج و روى ابن المعتز في قصة سديف مثل ما ذكرناه من قبل إلا أنه قال فيها فلما أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال يا ماص بظر أمه أ تجبهنا بمثل هذا و نحن سروات الناس فغضب أبو العباس و كان سليمان بن هشام صديقه قديما و حديثا يقضي حوائجه في أيامهم و يبره فلم يلتفت إلى ذلك و صاح بالخراسانية خذوهم فقتلوهم جميعا إلا سليمان بن هشام فأقبل عليه أبو العباس فقال يا أبا الغمر ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا قال لا و الله قال فاقتلوه و كان إلى جنبه فقتل و صلبوا في بستانه حتى تأذى جلساؤه بريحهم فكلموه في ذلك فقال و الله إن ريحهم عندي لألذ و أطيب من ريح المسك و العنبر غيظا عليهم و حنقا.قال أبو الفرج و كان أبو سعيد مولى فائد من مواليهم يعد في موالي عثمان بن عفان و اسم أبي سعيد إبراهيم و هو من شعرائهم الذين رثوهم و بكوا على دولتهم و أيامهم فمن شعره بعد زوال أمرهم
بكيت و ما ذا يرد البكاء |
و قل البكاء لقتلى كداء |
|
أصيبوا معا فتولوا معا |
كذلك كانوا معا في رخاء |
|
بكت لهم الأرض من بعدهم |
و ناحت عليهم نجوم السماء |
|
و كانوا ضياء فلما انقضى |
الزمان بقومي تولى الضياء |
و من شعره فيهم
أثر الدهر في رجالي فقلوا |
بعد جمع فراح عظمي مهيضا |
|
ما تذكرتهم فتملك عيني |
فيض دمع و حق لي أن تفيضا |
و من شعره فيهم
أولئك قومي بعد عز و ثروة |
تداعوا فإلا تذرف العين أكمد |
|
كأنهم لأناس للموت غيرهم |
و إن كان فيهم منصفا غير معتد |
و قال أبو الفرج ركب المأمون بدمشق يتصيد حتى بلغ جبل الثلج فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات لم ير أحسن منها فنزل هناك و جعل ينظر إلى آثار بني أمية و يعجب منها و يذكرهم ثم دعا بطبق عليه طعام فأكل و أمر علوية فغنى
أولئك قومي بعد عز و منعة |
تفانوا فإلا تذرف العين أكمد |
و كان علوية من موالي بني أمية فغضب المأمون و قال يا ابن الفاعلة أ لم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلا هذا الوقت قال كيف لا أبكي عليهم و مولاكم زرياب كان في أيام دولتهم يركب معهم في مائة غلام و أنا مولاهم معكم أموت جوعا فقام المأمون
فركب و انصرف الناس و غضب على علوية عشرين يوما و كلم فيه فرضي عنه و وصله بعشرين ألف درهم.لما ضرب عبد الله بن علي أعناق بني أمية قال له قائل من أصحابه هذا و الله جهد البلاء فقال عبد الله كلا ما هذا و شرطة حجام إلا سواء إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.خطب سليمان بن علي لما قتل بني أمية بالبصرة فقال( وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ اَلصَّالِحُونَ ) قضاء فصل و قول مبرم فالحمد لله الذي صدق عبده و أنجز وعده و بعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا و الدين هزوا و الفيء إرثا و القرآن عضين لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون و كأين ترى لهم من بئر معطلة و قصر مشيد ذلك بما قدمت أيديهم و ما ربك بظلام للعبيد أمهلهم حتى اضطهدوا العترة و نبذوا السنة و استفتحوا و خاب كل جبار عنيد ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا.ضرب الوليد بن عبد الملك علي بن عبد الله بن العباس بالسياط و شهره بين الناس يدار به على بعير و وجهه مما يلي ذنب البعير و صائح يصيح أمامه هذا علي بن عبد الله الكذاب فقال له قائل و هو على تلك الحال ما الذي نسبوك إليه من الكذب يا أبا محمد قال بلغهم قولي إن هذا الأمر سيكون في ولدي و الله ليكونن فيهم
حتى يملكه عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه الذين كان وجوههم المجان المطرقة.و روي أن علي بن عبد الله دخل على هشام و معه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس و أبو جعفر فكلمه فيما أراد ثم ولى فقال هشام إن هذا الشيخ قد خرف و أهتر يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع علي بن عبد الله كلامه فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان.و قد روى أبو العباس المبرد في كتاب الكامل هذا الحديث فقال دخل علي بن عبد الله بن العباس على سليمان بن عبد الملك فيما رواه محمد بن شجاع البلخي و معه ابنا ابنه الخليفتان بعد أبو العباس و أبو جعفر فأوسع له على سريره و بره و سأله عن حاجته فقال ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها قال و استوص بابني هذين خيرا ففعل فشكره علي بن عبد الله و قال وصلتك رحم فلما ولى قال سليمان لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل و أسن و خلط و صار يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع ذلك علي بن عبد الله فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان.قال أبو العباس المبرد و في هذه الرواية غلط لأن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان و إنما ينبغي أن يكون دخل على هشام لأن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان يحاول التزويج في بني الحارث بن كعب و لم يكن سليمان بن عبد الملك يأذن له فلما قام عمر بن عبد العزيز جاء فقال إني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث
بن كعب فتأذن لي فقال عمر بن عبد العزيز تزوج يرحمك الله من أحببت فتزوجها فأولدها أبا العباس السفاح و عمر بن عبد العزيز بعد سليمان و أبو العباس ينبغي ألا يكون تهيأ لمثله أن يدخل على خليفة حتى يترعرع و لا يتم مثل هذا إلا في أيام هشام بن عبد الملك.
قال أبو العباس المبرد و قد جاءت الرواية أن أمير المؤمنين عليا ع لما ولد لعبد الله بن العباس مولود فقده وقت صلاة الظهر فقال ما بال ابن العباس لم يحضر قالوا ولد له ولد ذكر يا أمير المؤمنين قال فامضوا بنا إليه فأتاه فقال له شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب ما سميته فقال يا أمير المؤمنين أ و يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فقال أخرجه إلي فأخرجه فأخذه فحنكه و دعا له ثم رده إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك قد سميته عليا و كنيته أبا الحسن قال فلما قدم معاوية خليفة قال لعبد الله بن العباس لا أجمع لك بين الاسم و الكنية قد كنيته أبا محمد فجرت عليه.قلت سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيدرحمهالله تعالى فقلت له من أي طريق عرف بنو أمية أن الأمر سينتقل عنهم و أنه سيليه بنو هاشم و أول من يلي منهم يكون اسمه عبد الله و لم منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب لعلمهم أن أول من يلي الأمر من بني هاشم تكون أمه حارثية و بأي طريق عرف بنو هاشم أن الأمر سيصير إليهم و يملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا صاحب الأمر بعينه كما قد جاء في هذا الخبر
فقال أصل هذا كله محمد بن الحنفية ثم ابنه عبد الله المكنى أبا هاشم.قلت له أ فكان محمد بن الحنفية مخصوصا من أمير المؤمنين ع بعلم يستأثر به على أخويه حسن و حسين ع قال لا و لكنهما كتما و أذاع ثم قال قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا و عن غيرهم من أرباب الحديث أن عليا ع لما قبض أتى محمد ابنه أخويه حسنا و حسينا ع فقال لهما أعطياني ميراثي من أبي فقالا له قد علمت أن أباك لم يترك صفراء و لا بيضاء فقال قد علمت ذلك و ليس ميراث المال أطلب إنما أطلب ميراث العلم.
قال أبو جعفررحمهالله تعالى فروى أبان بن عثمان عمن يروي له ذلك عن جعفر بن محمد ع قال فدفعا إليه صحيفة لو أطلعاه على أكثر منها لهلك فيها ذكر دولة بني العباس.قال أبو جعفر و قد روى أبو الحسن علي بن محمد النوفلي قال حدثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لما قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و هي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة في صندوق من نحاس صغير ثم دفناه تحت زيتونات بالشراة لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن فلما أفضى السلطان إلينا و ملكنا الأمر أرسلنا إلى ذلك الموضع فبحث و حفر فلم يوجد فيه شيء فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حتى بلغ الحفر الماء و لم نجد شيئا.قال أبو جعفر و قد كان محمد بن الحنفية صرح بالأمر لعبد الله بن العباس و عرفه تفصيله و لم يكن أمير المؤمنين ع قد فصل لعبد الله بن العباس الأمر و إنما أخبره به
مجملا كقوله في هذا الخبر خذ إليك أبا الأملاك و نحو ذلك مما كان يعرض له به و لكن الذي كشف القناع و أبرز المستور عليه هو محمد بن الحنفية.و كذلك أيضا ما وصل إلى بني أمية من علم هذا الأمر فإنه وصل من جهة محمد بن الحنفية و أطلعهم على السر الذي علمه و لكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس فإن كشفه الأمر لبني العباس كان أكمل.قال أبو جعفر فأما أبو هاشم فإنه قد كان أفضى بالأمر إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و أطلعه عليه و أوضحه له فلما حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مر بالشراة و هو مريض و محمد بن علي بها فدفع إليه كتبه و جعله وصيه و أمر الشيعة بالاختلاف إليه.قال أبو جعفر و حضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم محمد بن علي هذا و معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فلما مات خرج محمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده و كل واحد منهما يدعي وصايته فأما عبد الله بن الحارث فلم يقل شيئا.قال أبو جعفررحمهالله تعالى و صدق محمد بن علي أنه إليه أوصى أبو هاشم و إليه دفع كتاب الدولة و كذب معاوية بن عبد الله بن جعفر لكنه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه ذكرا يسيرا فادعى الوصية بذلك فمات و خرج ابنه عبد الله بن معاوية يدعي وصاية أبيه و يدعي لأبيه وصاية أبي هاشم و يظهر الإنكار على بني أمية و كان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرا حتى قتل.دخلت إحدى نساء بني أمية على سليمان بن علي و هو يقتل بني أمية بالبصرة
فقالت أيها الأمير إن العدل ليمل من الإكثار منه و الإسراف فيه فكيف لا تمل أنت من الجور و قطيعة الرحم فأطرق ثم قال لها
سننتم علينا القتل لا تنكرونه |
فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر |
ثم قال يا أمة الله
و أول راض سنة من يسيرها
أ لم تحاربوا عليا و تدفعوا حقه أ لم تسموا حسنا و تنقضوا شرطه أ لم تقتلوا حسينا و تسيروا رأسه أ لم تقتلوا زيدا و تصلبوا جسده أ لم تقتلوا يحيى و تمثلوا به أ لم تلعنوا عليا على منابركم أ لم تضربوا أبانا علي بن عبد الله بسياطكم أ لم تخنقوا الإمام بجراب النورة في حبسكم ثم قال أ لك حاجة قالت قبض عمالك أموالي فأمر برد أموالها عليها.لما سار مروان إلى الزاب حفر خندقا فسار إليه أبو عون عبد الله بن يزيد الأزدي و كان قحطبة بن شبيب قد وجهه و أمد أبو سلمة الخلال بأمداد كثيرة فكان بإزاء مروان ثم إن أبا العباس السفاح قال لأهله و هو بالكوفة حينئذ من يسير إلى مروان من أهل بيتي و له ولاية العهد إن قتله فقال عبد الله عمه أنا قال سر على بركة الله فسار فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه و خلاه له بما فيه ثم سأل عبد الله عن مخاضة في الزاب فدل عليها فأمر قائدا من قواده فعبرها في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا و تحاجزوا و رجع القائد بأصحابه فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن علي و أصبح مروان فعقد جسرا و عبر بالجيش كله إلى
عبد الله بن علي فكان ابنه عبد الله بن مروان في مقدمته و على الميمنة الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان و على الميسرة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان و عبأ عبد الله بن علي جيشه و تراءى الجمعان فقال مروان لعبد العزيز بن عمر انظر فإن زالت الشمس اليوم و لم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم و إن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله و إنا إليه راجعون ثم أرسل إلى عبد الله بن علي يسأله الكف عن القتال نهار ذلك اليوم فقال عبد الله كذب ابن زربي إنما يريد المدافعة إلى الزوال لا و الله لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله ثم حرك أصحابه للقتال فنادى مروان في أهل الشام لا تبدءوهم بالحرب فلم يسمع الوليد بن معاوية منه و حمل على ميسرة عبد الله بن علي فغضب مروان و شتمه فلم يسمع له و اضطرمت الحرب فأمر عبد الله الرماة أن ينزلوا و نادى الأرض الأرض فنزل الناس و رمت الرماة و أشرعت الرماح و جثوا على الركب فاشتد القتال فقال مروان لقضاعة انزلوا قالوا حتى تنزل كندة فقال لكندة انزلوا فقالوا حتى تنزل السكاسك فقال لبني سليم انزلوا فقالوا حتى تنزل عامر فقال لتميم احملوا فقالوا حتى تحمل بنو أسد فقال لهوازن احملوا قالوا حتى تحمل غطفان فقال لصاحب شرطته احمل ويلك قال ما كنت لأجعل نفسي غرضا قال أما و الله لأسوأنك قال وددت أن أمير المؤمنين يقدر على ذلك فانهزم عسكر مروان و انهزم مروان معهم و قطع الجسر فكان من هلك غرقا أكثر ممن هلك تحت السيف و احتوى عبد الله بن علي على عسكر مروان بما فيه و كتب إلى أبي العباس يخبره الواقعة.كان مروان سديد الرأي ميمون النقيبة حازما فلما ظهرت المسودة و لقيهم كان
ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل و لقد وقف يوم الزاب و أمر بالأموال فأخرجت و قال للناس اصبروا و قاتلوا و هذه الأموال لكم فجعل ناس يصيبون من ذلك المال و يشتغلون به عن الحرب فقال لابنه عبد الله سر في أصحابك فامنع من يتعرض لأخذ المال فمال عبد الله برايته و معه أصحابه فتنادي الناس الهزيمة الهزيمة فانهزموا و ركب أصحاب عبد الله بن علي أكتافهم.لما قتل مروان ببوصير قال الحسن بن قحطبة أخرجوا إلى إحدى بنات مروان فأخرجوها إليه و هي ترعد قال لا بأس عليك قالت و أي بأس أعظم من إخراجك إياي حاسرة و لم أر رجلا قبلك قط فأجلسها و وضع رأس مروان في حجرها فصرخت و اضطربت فقيل له ما أردت بهذا قال فعلت بهم فعلهم بزيد بن علي لما قتلوه جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي بن الحسين ع.دخلت زوجة مروان بن محمد و هي عجوز كبيرة على الخيزران في خلافة المهدي و عندها زينب بنت سليمان بن علي فقالت لها زينب الحمد لله الذي أزال نعمتك و صيرك عبرة أ تذكرين يا عدوة الله حين أتاك نساؤنا يسألنك أن تكلمي صاحبك في أمر إبراهيم بن محمد فلقيتهن ذلك اللقاء و أخرجتهن ذلك الإخراج فضحكت و قالت أي بنت عمي و أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله بي عقيب ذلك حتى أردت أن تتأسى بي فيه ثم ولت خارجة.بويع أبو العباس السفاح بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلون من شهر ربيع
الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة فصعد المنبر بالكوفة فخطب فقال الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه و كرمه و شرفه و عظمه و اختاره لنا و أيده بنا و جعلنا أهله و كهفه و حصنه و القوام به و الذابين عنه و الناصرين له و خصنا برحم رسول الله ص و أنبتنا من شجرته و اشتقنا من نبعته و أنزل بذلك كتابا يتلى فقال سبحانه( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى ) فلما قبض رسول الله ص قام بالأمر أصحابه( وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) فعدلوا و خرجوا خماصا ثم وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزوها و تداولوها و استأثروا بها و ظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا و رد علينا حقنا فأنا السفاح المبيح و الثائر المبير.و كان موعوكا فاشتدت عليه الوعكة فجلس على المنبر و لم يستطع الكلام فقام عمه داود بن علي و كان بين يديه فقال يا أهل العراق إنا و الله ما خرجنا لنحفر نهرا و لا لنكنز لجينا و لا عقيانا و إنما أخرجتنا الأنفة من ابتزاز الظالمين حقنا و لقد كانت أموركم تتصل بنا فترمضنا و نحن على فرشنا لكم ذمة الله و ذمة رسوله و ذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله و نعمل فيكم بكتاب الله و نسير فيكم بسنة رسول الله ص و اعلموا أن هذا الأمر ليس بخارج عنا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم.
يا أهل الكوفة إنه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حق إلا علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فأحمد الله الذي رد إليكم أموركم ثم نزل.و قد روي حديث خطبة داود بن علي برواية أخرى و هي الأشهر قالوا لما صعد أبو العباس منبر الكوفة حصر فلم يتكلم فقام داود بن علي و كان تحت منبره حتى قام بين يديه تحته بمرقاة فاستقبل الناس و قال أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله و لأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال و حسبكم كتاب الله تمثلا فيكم و ابن عم رسول الله ص خليفة عليكم أقسم بالله قسما برا ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله ص أحق به من علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فليهمس هامسكم و لينطق ناطقكم ثم نزل.و من خطب داود التي خطب بها بعد قتل مروان شكرا شكرا أ ظن عدو الله أن لن يظفر به أرخي له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه فالآن عاد الحق إلى نصابه و طلعت الشمس من مطلعها و أخذ القوس باريها و صار الأمر إلى النزعة و رجع الحق إلى مستقره أهل بيت نبيكم أهل الرأفة و الرحمة.و خطب عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مروان فقال الحمد لله الذي لا يفوته من طلب و لا يعجزه من هرب خدعت و الله الأشقر نفسه إذ ظن أن الله ممهله و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون فحتى متى و إلى متى
أما و الله لقد كرهتهم العيدان التي افترعوها و أمسكت السماء درها و الأرض ريعها و قحل الضرع و جفز الفنيق و أسمل جلباب الدين و أبطلت الحدود و أهدرت الدماء و كان ربك بالمرصاد فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها و لا يخاف عقباها و ملكنا الله أمركم عباد الله لينظر كيف تعملون فالشكر الشكر فإنه من دواعي المزيد أعاذنا الله و إياكم من مضلات الأهواء و بغتات الفتن فإنما نحن به و له.لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن ع يا ابن عمي إذا أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك و ما يكفيك منهم أن يروك غاديا و رائحا فيما يسرك و يسوءهم كان داود بن علي يمثل ببني أمية يسمل العيون و يبقر البطون و يجدع الأنوف و يصطلم الآذان كان عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس يصلبهم منكسين و يسقيهم النورة و الصبر و الرماد و الخل و يقطع الأيدي و الأرجل و كان سليمان بن علي بالبصرة يضرب الأعناق.خطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة فقال
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود و الله لا أعدكم شيئا و لا أتوعدكم إلا وفيت بالوعد و الوعيد و لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة و لأغمدن السيف إلا في إقامة حد أو بلوغ حق و لأعطينكم حتى أرى العطية ضياعا إن أهل بيت اللعنة و الشجرة الملعونة في القرآن كانوا لكم أعداء لا يرجعون معكم من حالة إلا إلى ما هو أشد منها و لا يلي عليكم منهم وال إلا تمنيتم من كان قبله و إن كان لا خير في جميعهم منعوكم الصلاة في أوقاتها و طالبوكم بأدائها في غير وقتها و أخذوا المدبر بالمقبل و الجار بالجار و سلطوا شراركم على خياركم فقد محق الله جورهم و أزهق باطلهم بأهل بيت نبيكم فما نؤخر لكم عطاء و لا نضيع لأحد منكم حقا و لا نجهزكم في بعث و لا نخاطر بكم في قتال و لا نبذلكم دون أنفسنا و الله على ما نقول وكيل بالوفاء و الاجتهاد و عليكم بالسمع و الطاعة.ثم نزل.كان يقال لو ذهبت دولة بني أمية على يد غير مروان بن محمد لقيل لو كان لها مروان لما ذهبت.كان يقال إن دولة بني أمية آخرها خليفة أمه أمة فلذلك كانوا لا يعهدون إلى بني الإماء منهم و لو عهدوا إلى ابن أمة لكان مسلمة بن عبد الملك أولاهم بها و كان انقراض أمرهم على يد مروان و أمه أمة كانت لمصعب بن الزبير وهبها من إبراهيم بن الأشتر فأصابها محمد بن مروان يوم قتل ابن الأشتر فأخذها من ثقله فقيل إنها كانت حاملا بمروان فولدته على فراش محمد بن مروان و لذلك كان أهل خراسان ينادونه في الحرب يا ابن الأشتر.قيل أيضا إنها كانت حاملا به من مصعب بن الزبير و إنه لم تطل مدتها عند
إبراهيم بن الأشتر حتى قتل فوضعت حملها على فراش محمد بن مروان و لذلك كانت المسودة تصيح به في الحرب يا ابن مصعب ثم يقولون يا ابن الأشتر فيقول ما أبالي أي الفحلين غلب علي لما بويع أبو العباس جاءه ابن عياش المنتوف فقبل يده و بايعه و قال الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة و ابن أمة النخع ابن عم رسول الله ص و ابن عبد المطلب.لما صعد السفاح منبر الكوفة يوم بيعته و خطب الناس قام إليه السيد الحميري فأنشده
دونكموها يا بني هاشم |
فجددوا من آيها الطامسا |
|
دونكموها لا علا كعب من |
أمسى عليكم ملكها نافسا |
|
دونكموها فالبسوا تاجها |
لا تعدموا منكم له لابسا |
|
خلافة الله و سلطانه |
و عنصر كان لكم دارسا |
|
قد ساسها من قبلكم ساسة |
لم يتركوا رطبا و لا يابسا |
|
لو خير المنبر فرسانه |
ما اختار إلا منكم فارسا |
|
و الملك لو شوور في سائس |
لما ارتضى غيركم سائسا |
|
لم يبق عبد الله بالشام من |
آل أبي العاص امرأ عاطسا |
|
فلست من أن تملكوها إلى |
هبوط عيسى منكم آيسا |
قال داود بن علي لإسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص بعد قتله من قتل من بني
أمية هل علمت ما فعلت بأصحابك قال نعم كانوا يدا فقطعتها و عضدا ففتت فيها و مرة فنقضتها و جناحا فحصصتها قال إني لخليق أن ألحقك فيهم قال إني إذا لسعيد.لما استوثق الأمر لأبي العباس السفاح وفد إليه عشرة من أمراء الشام فحلفوا له بالله و بطلاق نسائهم و بأيمان البيعة بأنهم لا يعلمون إلى أن قتل مروان أن لرسول الله ص أهلا و لا قرابة إلا بني أمية.و روى أبو الحسن المدائني قال حدثني رجل قال كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي أحدا أو يناديه يا علي أو يا حسن أو يا حسين و إنما أسمع معاوية و الوليد و يزيد حتى مررت برجل فاستسقيته ماء فجعل ينادي يا علي يا حسن يا حسين فقلت يا هذا إن أهل الشام لا يسمون بهذه الأسماء قال صدقت إنهم يسمون أبناءهم بأسماء الخلفاء فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه فقد لعن اسم بعد الخلفاء و أنا سميت أولادي بأسماء أعداء الله فإذا شتمت أحدهم أو لعنته فإنما ألعن أعداء الله.كانت أم إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أموية من ولد عثمان بن عفان.قال إبراهيم فدخلت على جدي عيسى بن موسى مع أبي موسى فقال لي جدي أ تحب بني أمية فقال له موسى أبي نعم إنهم أخواله فقال و الله لو رأيت جدك
علي بن عبد الله بن العباس يضرب بالسياط ما أحببتهم و لو رأيت إبراهيم بن محمد يكره على إدخال رأسه في جراب النورة لما أحببتهم و سأحدثك حديثا إن شاء الله أن ينفعك به نفعك لما وجه سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب بن سليمان إلى الطائف وجه معه جماعة فكنت أنا و محمد بن علي بن عبد الله جدي معهم و أنا حينئذ حديث السن و كان مع أيوب مؤدب له يؤدبه فدخلنا عليه يوما أنا و جدي و ذلك المؤدب يضربه فلما رآنا الغلام أقبل على مؤدبه فضربه فنظر بعضنا إلى بعض و قلنا ما له قاتله الله حين رآنا كره أن نشمت به ثم التفت أيوب إلينا فقال أ لا أخبركم يا بني هاشم بأعقلكم و أعقلنا أعقلنا من نشأ منا يبغضكم و أعقلكم من نشأ منكم يبغضنا و علامة ذلك أنكم لم تسموا بمروان و لا الوليد و لا عبد الملك و لم نسم نحن بعلي و لا بحسن و لا بحسين.لما انتهى عامر بن إسماعيل و كان صالح بن علي قد أنفذه لطلب مروان إلى بوصير مصر هرب مروان بين يديه في نفر يسير من أهله و أصحابه و لم يكن قد تخلف معه كثير عدد فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق ليس للخيل عبور إلا على تلك القنطرة و عامر بن إسماعيل من ورائهم فصادف مروان على تلك القنطرة بغالا قد استقبلته تعبر القنطرة و عليها زقاق عسل فحبسته عن العبور حتى أدركه عامر بن إسماعيل و رهقه فلوى مروان دابته إليهم و حارب فقتل فلما بلغ صالح بن علي ذلك قال إن لله جنودا من عسل.لما نقف رأس مروان و نفض مخه قطع لسانه و ألقى مع لحم عنقه فجاء كلب فأخذ اللسان فقال قائل
إن من عبر الدنيا أن رأينا لسان مروان في فم كلب.خطب أبو مسلم بالمدينة في السنة التي حج فيها في خلافة السفاح فقال الحمد لله الذي حمد نفسه و اختار الإسلام دينا لعباده ثم أوحى إلى محمد رسول الله ص من ذلك ما أوحى و اختاره من خلقه نفسه من أنفسهم و بيته من بيوتهم ثم أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه و أشهد ملائكته على حقه قوله( إِنَّما يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ثم جعل الحق بعد محمد ع في أهل بيته فصبر من صبر منهم بعد وفاة رسول الله ص على اللأواء و الشدة و أغضى على الاستبداد و الأثرة ثم إن قوما من أهل بيت الرسول ص جاهدوا على ملة نبيه و سنته بعد عصر من الزمان من عمل بطاعة الشيطان و عداوة الرحمن بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل و الفاني على الباقي إن رتق جور فتقوه أو فتق حق رتقوه أهل خمور و ماخور و طنابير و مزامير إن ذكروا لم يذكروا أو قدموا إلى الحق أدبروا و جعلوا الصدقات في الشبهات و المغانم في المحارم و الفيء في الغي هكذا كان زمانهم و به كان يعمل سلطانهم و زعموا أن غير آل محمد أولى بالأمر منهم فلم و بم أيها الناس أ لكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة الشركاء في النسب و الورثة في السلب مع ضربهم على الدين جاهلكم و إطعامهم في الجدب جائعكم و الله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط و ما زلتم بعد نبيه تختارون تيميا مرة و عدويا مرة و أمويا مرة و أسديا مرة و سفيانيا مرة و مروانيا مرة
حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه و لا بيته يضربكم بسيفه فأعطيتموها عنوة و أنتم صاغرون ألا إن آل محمد أئمة الهدى و منار سبيل التقى القادة الذادة السادة بنو عم رسول الله و منزل جبريل بالتنزيل كم قصم الله بهم من جبار طاغ و فاسق باغ شيد الله بهم الهدى و جلا بهم العمى لم يسمع بمثل العباس و كيف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمة أبو رسول الله بعد أبيه و إحدى يديه و جلده بين عينيه أمينه يوم العقبة و ناصره بمكة و رسوله إلى أهلها و حاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين لا يخالف له رسما و لا يعصي له حكما الشافع يوم نيق العقاب إلى رسول الله في الأحزاب ها إن في هذا أيها الناس لعبرة لأولي الأبصار.قلت الأسدي عبد الله بن الزبير و من لا يعرفون اسمه و لا بيته يعني نفسه لأنه لم يكن معلوم النسب و قد اختلف فيه هل هو مولى أم عربي.و يوم العقبة يوم مبايعة الأنصار السبعين لرسول الله ص بمكة و يوم نيق العقاب يوم فتح مكة شفع العباس ذلك اليوم في أبي سفيان و في أهل مكة فعفا النبي ص عنهم.اجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه منهم عيسى بن موسى و العباس بن محمد و غيرهما فتذاكروا خلفاء بني أمية و السبب الذي به سلبوا عزهم فقال المنصور كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع و كان الوليد لحانا مجنونا و كان سليمان همته بطنه و فرجه و كان عمر أعور بين عميان و كان هشام رجل القوم و لم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه و يصونونه و يحفظونه و يحرسون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي الأمور و رفضهم أدانيها حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم فغمطوا النعمة و لم يشكروا العافية و أساءوا الرعاية فابتدأت النقمة منهم
باستدراج الله إياهم آمنين مكره مطرحين صيانة الخلافة مستخفين بحق الرئاسة ضعيفين عن رسوم السياسة فسلبهم الله العزة و ألبسهم الذلة و أزال عنهم النعمة.سأل المنصور ليلة عن عبد الله بن مروان بن محمد فقال له الربيع إنه في سجن أمير المؤمنين حيا فقال المنصور قد كان بلغني كلام خاطبه به ملك النوبة لما قدم دياره و أنا أحب أن أسمعه من فيه فليؤمر بإحضاره فأحضر فلما دخل خاطب المنصور بالخلافة فأمره المنصور بالجلوس فجلس و للقيد في رجليه خشخشة قال أحب أن تسمعني كلاما قاله لك ملك النوبة حيث غشيت بلاده قال نعم قدمت إلى بلد النوبة فأقمت أياما فاتصل خبرنا بالملك فأرسل إلينا فرشا و بسطا و طعاما كثيرا و أفرد لنا منازل واسعة ثم جاءني و معه خمسون من أصحابه بأيديهم الحراب فقمت إليه فاستقبلته و تنحيت له عن صدر المجلس فلم يجلس فيه و قعد على الأرض فقلت له ما منعك من القعود على الفرش قال إني ملك و حق الملك أن يتواضع لله و لعظمته إذا رأى نعمه متجددة عنده و لما رأيت تجدد نعمة الله عندي بقصدكم بلادي و استجارتكم بي بعد عزكم و ملككم قابلت هذه النعمة بما ترى من الخضوع و التواضع ثم سكت و سكت فلبثنا ما شاء الله لا يتكلم و لا أتكلم و أصحابه قيام بالحراب على رأسه ثم قال لي لما ذا شربتم الخمر و هي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا بجهلهم قال فلم وطئتم الزروع بدوابكم و الفساد محرم عليكم في كتابكم و دينكم قلت فعل ذلك أتباعنا و عمالنا جهلا منهم قال فلم لبستم الحرير و الديباج و الذهب و هو محرم عليكم في كتابكم و دينكم قلت استعنا في أعمالنا بقوم من
أبناء العجم كتاب دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك اتباعا لسنة سلفهم على كره منا فأطرق مليا إلى الأرض يقلب يده و ينكت الأرض ثم قال عبيدنا و أتباعنا و عمالنا و كتابنا ما الأمر كما ذكرت و لكنكم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم و ركبتم ما عنه نهيتم و ظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز و ألبسكم الذل و إن له سبحانه فيكم لنقمة لم تبلغ غايتها بعد و أنا خائف أن يحل بكم العذاب و أنتم بأرضي فينالني معكم و الضيافة ثلاث فاطلبوا ما احتجتم إليه و ارتحلوا عن أرضي.فأخذنا منه ما تزودنا به و ارتحلنا عن بلده فعجب المنصور لذلك و أمر بإعادته إلى الحبس.و قد جاءنا في بعض الروايات أن السفاح لما أراد أن يقتل القوم الذين انضموا إليه من بني أمية جلس يوما على سرير بهاشمية الكوفة و جاء بنو أمية و غيرهم من بني هاشم و القواد و الكتاب فأجلسهم في دار تتصل بداره و بينه و بينهم ستر مسدول ثم أخرج إليهم أبا الجهم بن عطية و بيده كتاب ملصق فنادى بحيث يسمعون أين رسول الحسين بن علي بن أبي طالب ع فلم يتكلم أحد فدخل ثم خرج ثانية فنادى أين رسول زيد بن علي بن الحسين فلم يجبه أحد فدخل ثم خرج ثالثة فنادى أين رسول يحيى بن زيد بن علي فلم يرد أحد عليه فدخل ثم خرج رابعة فنادى أين رسول إبراهيم بن محمد الإمام و القوم ينظر بعضهم إلى بعض و قد أيقنوا بالشر ثم دخل و خرج فقال لهم إن أمير المؤمنين يقول لكم هؤلاء أهلي و لحمي فما ذا صنعتم بهم ردوهم إلي أو فأقيدوني من أنفسكم فلم ينطقوا بحرف و خرجت الخراسانية بالأعمدة فشدخوهم عن آخرهم.
قلت و هذا المعنى مأخوذ من قول الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب لما قتل زيد بن علي ع في سنة اثنتين و عشرين و مائة في خلافة هشام بن عبد الملك و ذلك أن هشاما كتب إلى عامله بالبصرة و هو القاسم بن محمد الثقفي أن يشخص كل من بالعراق من بني هاشم إلى المدينة خوفا من خروجهم و كتب إلى عامل المدينة أن يحبس قوما منهم و أن يعرضهم في كل أسبوع مرة و يقيم لهم الكفلاء على ألا يخرجوا منها فقال الفضل بن عبد الرحمن من قصيدة له طويلة
كلما حدثوا بأرض نقيقا |
ضمنونا السجون أو سيرونا |
|
أشخصونا إلى المدينة أسرى |
لا كفاهم ربي الذي يحذرونا |
|
خلفوا أحمد المطهر فينا |
بالذي لا يحب و استضعفونا |
|
قتلونا بغير ذنب إليهم |
قاتل الله أمة قتلونا |
|
ما رعوا حقنا و لا حفظوا فينا |
وصاة الإله بالأقربينا |
|
جعلونا أدنى عدو إليهم |
فهم في دمائنا يسبحونا |
|
أنكروا حقنا و جاروا علينا |
و على غير إحنة أبغضونا |
|
غير أن النبي منا و أنا |
لم نزل في صلاتهم راغبينا |
|
إن دعونا إلى الهدى لم يجيبونا |
و كانوا عن الهدى ناكبينا |
|
أو أمرنا بالعرف لم يسمعوا منا |
و ردوا نصيحة الناصحينا |
|
و لقدما ما رد نصح ذوي الرأي |
فلم يتبعهم الجاهلونا |
|
فعسى الله أن يديل أناسا |
من أناس فيصبحوا ظاهرينا |
|
فتقر العيون من قوم سوء |
قد أخافوا و قتلوا المؤمنينا |
ليت شعري هل توجفن بي الخيل |
عليها الكمأة مستلئمينا |
|
من بني هاشم و من كل حي |
ينصرون الإسلام مستنصرينا |
|
في أناس آباؤهم نصروا الدين |
و كانوا لربهم ناصرينا |
|
تحكم المرهفات في الهام منهم |
بأكف المعاشر الثائرينا |
|
أين قتلى منا بغيتم عليهم |
ثم قتلتموهم ظالمينا |
|
ارجعوا هاشما و ردوا أبا اليقظان |
و ابن البديل في آخرينا |
|
و ارجعوا ذا الشهادتين و قتلى |
أنتم في قتالهم فاجرونا |
|
ثم ردوا حجرا و أصحاب حجر |
يوم أنتم في قتلهم معتدونا |
|
ثم ردوا أبا عمير و ردوا |
لي رشيدا و ميثما و الذينا |
|
قتلوا بالطفوف يوم حسين |
من بني هاشم و ردوا حسينا |
|
أين عمرو و أين بشر و قتلى |
معهم بالعراء ما يدفنونا |
|
ارجعوا عامرا و ردوا زهيرا |
ثم عثمان فارجعوا عازمينا |
|
و ارجعوا الحر و ابن قين و قوما |
قتلوا حين جاوزوا صفينا |
|
و ارجعوا هانئا و ردوا إلينا |
مسلما و الرواع في آخرينا |
|
ثم ردوا زيدا إلينا و ردوا |
كل من قد قتلتم أجمعينا |
|
لن تردوهم إلينا و لسنا |
منكم غير ذلكم قابلينا |
أَلاَ إِنَّ أَبْصَرَ اَلْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي اَلْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ اَلْأَسْمَاعِ مَا وَعَى اَلتَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وَ اِمْتَاحُوا مِنْ صَفِيِّ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ اَلْكَدَرِ عِبَادَ اَللَّهِ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَ لاَ تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ لِأَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ اَلنَّازِلَ بِهَذَا اَلْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ يَنْقُلُ اَلرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَ يُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ فَاللَّهَ اَللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَ لاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى اَلْإِمَامِ إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ اَلْإِبْلاَغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ اَلاِجْتِهَادُ فِي اَلنَّصِيحَةِ وَ اَلْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَ إِقَامَةُ اَلْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَ إِصْدَارُ اَلسُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ اَلْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَ اِنْهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ اَلتَّنَاهِي هار الجرف يهور هورا و هئورا فهو هائر و قالوا هار خفضوه في موضع الرفع كقاض و أرادوا هائر و هو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما قلبوا شائك السلاح إلى شاكي السلاح و هورته فتهور و انهار أي انهدم.
و أشكيت زيدا أزلت شكايته و الشجو الهم و الحزن.و صوح النبت أي جف أعلاه قال
و لكن البلاد إذا اقشعرت
و صوح نبتها رعي الهشيم
يقول ع أشد العيون إدراكا ما نفذ طرفها في الخير و أشد الأسماع إدراكا ما حفظ الموعظة و قبلها.ثم أمر الناس أن يستصبحوا أي يسرجوا مصابيحهم من شعلة سراج متعظ في نفسه واعظ لغيره و روي بالإضافة من شعلة مصباح واعظ بإضافة مصباح إلى واعظ و إنما جعله متعظا واعظا لأن من لم يتعظ في نفسه فبعيد أن يتعظ به غيره و ذلك لأن القبول لا يحصل منه و الأنفس تكون نافرة عنه و يكون داخلا في حيز قوله تعالى( أَ تَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) و في قول الشاعر
لا تنه عن خلق و تأتي مثله
و عني بهذا المصباح نفسه ع.ثم أمرهم أن يمتاحوا من عين صافية قد انتفى عنها الكدر كما يروق الشراب بالراووق فيزول عنه كدرة و الامتياح نزول البئر و ملء الدلاء منها و يكني بهذا أيضا عن نفسه ع.
ثم نهاهم عن الانقياد لأهوائهم و الميل إلى جهالتهم و قال إن من يكون كذلك فإنه على جانب جرف متهدم و لفظة هار من الألفاظ القرآنية.ثم قال و من يكون كذلك فهو أيضا ينقل الهلاك على ظهره من موضع إلى موضع ليحدث رأيا فاسدا بعد رأي فاسد أي هو ساع في ضلال يروم أن يحتج لما لا سبيل إلى إثباته و ينصر مذهبا لا انتصار له.ثم نهاهم و حذرهم أن يشكوا إلى من لا يزيل شكايتهم و من لا رأي له في الدين و لا بصيرة لينقض ما قد أبرمه الشيطان في صدورهم لإغوائهم و يروى إلى من لا يشكي شجوكم و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم و هذه الرواية أليق أي لا تشكوا إلى من لا يدفع عنكم ما تشكون منه و إنما ينقض برأيه الفاسد ما قد أبرمه الحق و الشرع لكم.ثم ذكر أنه ليس على الإمام إلا ما قد أوضحه من الأمور الخمسة.ثم أمرهم بمبادرة أخذ العلم من أهله يعني نفسه ع قبل أن يموت فيذهب العلم و تصويح النبت كناية عن ذلك.ثم قال و قبل أن تشغلوا بالفتن و ما يحدث عليكم من خطوب الدنيا عن استثارة العلم من معدنه و استنباطه من قرارته.ثم أمرهم بالنهي عن المنكر و أن يتناهوا عنه قبل أن ينهوا عنه و قال إنما النهي بعد التناهي.
و في هذا الموضع إشكال و ذلك أن لقائل أن يقول النهي عن المنكر واجب على العدل و الفاسق فكيف قال إنما أمرتم بالنهي بعد التناهي و قد روي أن الحسن البصري قال للشعبي هلا نهيت عن كذا فقال يا أبا سعيد إني أكره أن أقول ما لا أفعل قال الحسن غفر الله لك و أينا يقول ما يفعل ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه فلم يأمر أحد بمعروف و لم ينه عن منكر.و الجواب أنه ع لم يرد أن وجود النهي عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهي عن المنكر و إنما أراد أني لم آمركم بالنهي عن المنكر إلا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر فالترتيب إنما هو في أمره ع لهم بالحالتين المذكورتين لا في نهيهم و تناهيهم.فإن قلت فلما ذا قدم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهي قلت لأن إصلاح المرء نفسه أهم من الاعتناء بإصلاحه لغيره
105 و من خطبة له ع
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي شَرَعَ اَلْإِسْلاَمَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اِسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اِتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ اَلْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ اَلْوَلاَئِجِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُشْرِقُ اَلْجَوَادِّ مُضِيءُ اَلْمَصَابِيحِ كَرِيمُ اَلْمِضْمَارِ رَفِيعُ اَلْغَايَةِ جَامِعُ اَلْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ اَلسُّبْقَةِ شَرِيفُ اَلْفُرْسَانِ اَلتَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَ اَلصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ اَلْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ اَلدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ اَلْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ اَلْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ هذا باب من الخطابة شريف و ذلك لأنه ناط بكل واحدة من اللفظات لفظة تناسبها و تلائمها لو نيطت بغيرها لما انطبقت عليها و لا استقرت في قرارها أ لا تراه قال أمنا لمن علقه فالأمن مرتب على الاعتلاق و كذلك في سائر الفقر كالسلم المرتب على الدخول و البرهان المرتب على الكلام و الشاهد المرتب على الخصام و النور المرتب
على الاستضاءة إلى آخرها أ لا ترى أنه لو قال و برهانا لمن دخله و نورا لمن خاصم عنه و شاهدا لمن استضاء به لكان قد قرن باللفظة ما لا يناسبها فكان قد خرج عن قانون الخطابة و دخل في عيب ظاهر و توسم تفرس و الولائج جمع وليجة و هو المدخل إلى الوادي و غيره.و الجنة الترس و أبلج المناهج معروف الطريق.و الحلبة الخيل المجموعة للمسابقة.و المضمار موضع تضمير الخيل و زمان تضميرها و الغاية الراية المنصوبة و هو هاهنا خرقة تجعل على قصبة و تنصب في آخر المدى الذي تنتهي إليه المسابقة كأنه ع جعل الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم و غايتها رفيعة عالية و حلبتها جامعة حاوية و سبقتها متنافس فيها و فرسانها أشراف.ثم وصفه بصفات أخرى فقال التصديق طريقه و الصالحات أعلامه و الموت غايته أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن و يحظى بالسعادة الأبدية.قال و الدنيا مضماره كأن الإنسان يجري إلى غاية هي الموت و إنما جعلها مضمار الإسلام لأن المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته فالدنيا له كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة.قال و القيامة حلبته أي ذات حلبته فحذف المضاف كقوله تعالى( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللَّهِ ) أي ذوو درجات.ثم قال و الجنة سبقته أي جزاء سبقته فحذف أيضا
مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلنَّبِيِّ ص حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لقَابِسٍ وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ اَلْمَأْمُونُ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ اَلدِّينِ وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً اَللَّهُمَّ اِقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ وَ اِجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ اَلْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اَللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ اَلْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ وَ شَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ وَ آتِهِ اَلْوَسِيلَةَ وَ أَعْطِهِ اَلسَّنَاءَ وَ اَلْفَضِيلَةَ وَ اُحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا وَ لاَ نَادِمِينَ وَ لاَ نَاكِبِينَ وَ لاَ نَاكِثينَ وَ لاَ ضَالِّينَ وَ لاَ مُضِلِّينَ وَ لاَ مَفْتُونِينَ قال الرضيرحمهالله تعالى و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف قبسا منصوب بالمفعولية أي أورى رسول الله ص قبسا و القبس شعلة من النار و القابس طالب الاستصباح منها و الكلام مجاز و المراد الهداية في الدين.و علما منصوب أيضا بالمفعولية أي و أنا رسول الله ص علما.لحابس أي نصب لمن قد حبس ناقته ضلالا فهو يخبط لا يدري كيف يهتدي إلى المنهج علما يهتدي به.
فإن قلت فهل يجوز أن ينصب قبسا و علما على أن يكون كل واحد منهما حالا أي حتى أورى رسول الله في حال كونه قبسا و أنار في حال كونه علما قلت لم أسمع أورى الزند و إنما المسموع ورى و ورى و لم يجئ أورى إلا متعديا أورى زيد زنده فإن حمل هاهنا على المتعدي احتيج إلى حذف المفعول و يصير تقديره حتى أورى رسول الله الزند حال كونه قبسا فيكون فيه نوع تكلف و استهجان.و البعيث المبعوث و مقسما نصيبا و إن جعلته مصدرا جاز.و النزول طعام الضيف و الوسيلة ما يتقرب به و قد فسر قولهم في دعاء الأذان اللهم آته الوسيلة بأنها درجة رفيعة في الجنة و السناء بالمد الشرف و زمرته جماعته.و خزايا جمع خزيان و هو الخجل المستحيي مثل سكران و سكارى و حيران و حيارى و غيران و غيارى.و ناكبين أي عادلين عن الطريق و ناكثين أي ناقضين للعهد.قلت سألت النقيب أبا جعفررحمهالله و كان منصفا بعيدا عن الهوى و العصبية عن هذا الموضع فقلت له قد وقفت على كلام الصحابة و خطبهم فلم أر فيها من يعظم رسول الله ص تعظيم هذا الرجل و لا يدعو كدعائه فإنا قد وقفنا من نهج البلاغة و من غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل تدل على إجلال عظيم و تبجيل شديد منه لرسول الله ص فقال و من أين لغيره من الصحابة كلام مدون يتعلم منه كيفية ذكرهم للنبي ص و هل وجد لهم إلا كلمات مبتدرة لا طائل تحتها ثم قال إن عليا ع كان قوي الإيمان برسول الله ص و التصديق له ثابت اليقين قاطعا بالأمر متحققا له و كان
مع ذلك يحب رسول الله ص لنسبته منه و تربيته له و اختصاصه به من دون أصحابه و بعد فشرفه له لأنهما نفس واحدة في جسمين الأب واحد و الدار واحدة و الأخلاق متناسبة فإذا عظمه فقد عظم نفسه و إذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه و لقد كان يود أن تطبق دعوة الإسلام مشارق الأرض و مغاربها لأن جمال ذلك لاحق به و عائد عليه فكيف لا يعظمه و يبجله و يجتهد في إعلاء كلمته.فقلت له قد كنت اليوم أنا و جعفر بن مكي الشاعر نتجاذب هذا الحديث فقال جعفر لم ينصر رسول الله ص أحد نصرة أبي طالب و بنيه له أما أبو طالب فكفله و رباه ثم حماه من قريش عند إظهار الدعوة بعد إصفاقهم و إطباقهم على قتله و أما ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى أرض الحبشة فنشر دعوته بها و أما علي فإنه أقام عماد الملة بالمدينة ثم لم يمن أحد من القتل و الهوان و التشريد بما مني به بنو أبي طالب أما جعفر فقتل يوم مؤتة و أما علي فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل و تمنى الموت و لو تأخر قتل ابن ملجم لمات أسفا و كمدا ثم قتل ابناه بالسم و السيف و قتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطف و حملت نساؤهم على الأقتاب سبايا إلى الشام و لقيت ذريتهم و أخلافهم بعد ذلك من القتل و الصلب و التشريد في البلاد و الهوان و الحبس و الضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه فأي خير أصاب هذا البيت من نصرته و محبته و تعظيمه بالقول و الفعل فقالرحمهالله و أصاب فيما قال فهلا قلت( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) .ثم قال و هلا قلت له فقد نصرته الأنصار و بذلت مهجها دونه و قتلت بين يديه في
مواطن كثيرة و خصوصا يوم أحد ثم اهتضموا بعده و استؤثر عليهم و لقوا من المشاق و الشدائد ما يطول شرحه و لو لم يكن إلا يوم الحرة فإنه اليوم الذي لم يكن في العرب مثله و لا أصيب قوم قط بمثل ما أصيب به الأنصار ذلك اليوم ثم قال إن الله تعالى زوى الدنيا عن صالحي عباده و أهل الإخلاص له لأنه لم يرها ثمنا لعبادتهم و لا كفؤا لإخلاصهم و أرجأ جزاءهم إلى دار أخرى غير هذه الدار في مثلها يتنافس المتنافسون : مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اَللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ وَ تُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ وَ يُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ لاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ وَ يَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَ لاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اَللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلاَ تَغْضَبُونَ وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ وَ كَانَتْ أُمُورُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَ عَنْكُمْ تَصْدُرُ وَ إِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ اَلظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَ أَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَ أَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اَللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَ يَسِيرُونَ فِي اَلشَّهَوَاتِ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اَللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ هذا خطاب لأصحابه الذين أسلموا مدنهم و نواحيهم إلى جيوش معاوية التي كان
يغير بها على أطراف أعمال علي ع كالأنبار و غيرها مما تقدم ذكرنا له قال لهم إن الله أكرمكم بالإسلام بعد أن كنتم مجوسا أو عباد أصنام و بلغتم من كرامته إياكم بالإسلام منزلة عظيمة أكرم بها إماؤكم و عبيدكم و من كان مظنة المهنة و المذلة.و وصل بها جيرانكم أي من التجأ إليكم من معاهد أو ذمي فإن الله تعالى حفظ لهم ذمام المجاورة لكم حتى عصم دماءهم و أموالهم و صرتم إلى حال يعظمكم بها من لا فضل لكم عليه و لا نعمة لكم عنده كالروم و الحبشة فإنهم عظموا مسلمي العرب لتقمصهم لباس الإسلام و الدين و لزومهم ناموسه و إظهارهم شعاره.و يهابكم من لا يخاف لكم سطوة و لا لكم عليه إمرة كالملوك الذين في أقاصي البلاد نحو الهند و الصين و أمثالها و ذلك لأنهم هابوا دولة الإسلام و إن لم يخافوا سطوة سيفها لأنه شاع و ذاع أنهم قوم صالحون إذا دعوا الله استجاب لهم و أنهم يقهرون الأمم بالنصر السماوي و بالملائكة لا بسيوفهم و لا بأيديهم قيل إن العرب لما عبرت دجلة إلى القصر الأبيض الشرقي بالمدائن عبرتها في أيام مدها و هي كالبحر الزاخر على خيولها و بأيديها رماحها و لا دروع عليها و لا بيض فهربت الفرس بعد رمي شديد منها للعرب بالسهام و هم يقدمون و يحملون و لا تهولهم السهام فقال فلاح نبطي بيده مسحاته و هو يفتح الماء إلى زرعه لأسوار من الأساورة معروف بالبأس و جودة الرماية ويلكم أ مثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء القوم الحاسرين و لذعه باللوم و التعنيف فقال له أقم مسحاتك فأقامها فرماها فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر ثم قال انظر الآن ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه و لا فرسه منها بسهم واحد و إنه لقريب منه غير بعيد و لقد كان بعض السهام يسقط بين يدي الأسوار فقال له بالفارسية أ علمت أن القوم مصنوع لهم قال نعم.
ثم قال ع ما لكم لا تغضبون و أنتم ترون عهود الله منقوضة و إن من العجب أن يغضب الإنسان و يأنف من نقض عهد أبيه و لا يغضب و لا يأنف لنقض عهود إلهه و خالقه.ثم قال لهم كانت الأحكام الشرعية إليكم ترد مني و من تعليمي إياكم و تثقيفي لكم ثم تصدر عنكم إلى من تعلمونه إياها من أتباعكم و تلامذتكم ثم يرجع إليكم بأن يتعلمها بنوكم و إخوتكم من هؤلاء الأتباع و التلامذة ففررتم من الزحف لما أغارت جيوش الشام عليكم و أسلمتم منازلكم و بيوتكم و بلادكم إلى أعدائكم و مكنتم الظلمة من منزلتكم حتى حكموا في دين الله بأهوائهم و عملوا بالشبهة لا بالحجة و اتسعوا في شهواتهم و مآرب أنفسهم.ثم أقسم بالله إن أهل الشام لو فرقوكم تحت كل كوكب ليجمعنكم الله ليوم و هو شر يوم لهم و كنى بذلك عن ظهور المسودة و انتقامها من أهل الشام و بني أمية و كانت المسودة المنتقمة منهم عراقية و خراسانية
106 و من كلام له ع في بعض أيام صفين
وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ اِنْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ اَلْجُفَاةُ اَلطَّغَامُ وَ أَعْرَابُ أَهْلِ اَلشَّامِ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ اَلْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ اَلشَّرَفِ وَ اَلْأَنْفُ اَلْمُقَدَّمُ وَ اَلسَّنَامُ اَلْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ اَلْهِيمِ اَلْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا جولتكم هزيمتكم فأجمل في اللفظ و كنى عن اللفظ المنفر عادلا عنه إلى لفظ لا تنفير فيه كما قال تعالى( كانا يَأْكُلانِ اَلطَّعامَ ) قالوا هو كناية عن إتيان الغائط و إجمال في اللفظ.و كذلك قوله و انحيازكم عن صفوفكم كناية عن الهرب أيضا و هو من قوله تعالى( إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ) .
و هذا باب من أبواب البيان لطيف و هو حسن التوصل بإيراد كلام غير مزعج عوضا عن لفظ يتضمن جبها و تقريعا.و تحوزكم تعدل بكم عن مراكزكم و الجفاة جمع جاف و هو الفدم الغليظ و الطغام الأوغاد و اللهاميم جمع لهموم و هو الجواد من الناس و الخيل قال الشاعر
لا تحسبن بياضا في منقصة |
إن اللهاميم في أقرابها بلق |
و اليآفيخ جمع يافوخ و هو معظم الشيء تقول قد ذهب يافوخ الليل أي أكثره و يجوز أن يريد به اليافوخ و هو أعلى الرأس و جمعه يآفيخ أيضا و أفخت الرجل ضربت يافوخه و هذا أليق لأنه ذكر بعده الأنف و السنام فحمل اليافوخ على العضو إذا أشبه.و الوحاوح الحرق و الحزازات و لقيته بأخرة على فعلة أي أخيرا.و الحس القتل قال الله تعالى( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) .و شجرت زيدا بالرمح طعنته و التأنيث في أولاهم و أخراهم للكتائب.و الهيم العطاش و تذاد تصد و تمنع و قد روي الطغاة عوض الطغام.و روي حشأ بالهمز من حشأت الرجل أي أصبت حشاه.و روي بالنضال بالضاد المعجمة و هو المناضلة و المراماة.و قد ذكرنا نحن هذا الكلام فيما اقتصصناه من أخبار صفين فيما تقدم من هذا الكتاب
107 و من خطبة له ع و هي من خطب الملاحم
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ وَ اَلظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ خَلَقَ اَلْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ اَلرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِذَوِي اَلضَّمَائِرِ وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ اَلسُّتُرَاتِ وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ اَلسَّرِيرَاتِ الملاحم جمع ملحمة و هي الوقعة العظيمة في الحرب و لما كانت دلائل إثبات الصانع ظاهرة ظهور الشمس وصفه ع بكونه ظهر و تجلى لخلقه و دلهم عليه بخلقه إياهم و إيجاده لهم.ثم أكد ذلك بقوله و الظاهر لقلوبهم بحجته و لم يقل لعيونهم لأنه غير مرئي و لكنه ظاهر للقلوب بما أودعها من الحجج الدالة عليه.ثم نفى عنه الروية و الفكر و التمثيل بين خاطرين ليعمل على أحدهما لأن ذلك إنما يكون لأرباب الضمائر و القلوب أولي النوازع المختلفة و البواعث المتضادة.ثم وصفه بأن علمه محيط بالظاهر و الباطن و الماضي و المستقبل فقال إن علمه خرق باطن الغيوب المستورة و أحاط بالغامض من عقائد السرائر
مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلنَّبِيِّ ص اِخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَ مِشْكَاةِ اَلضِّيَاءِ وَ ذُؤَابَةِ اَلْعَلْيَاءِ وَ سُرَّةِ اَلْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِيحِ اَلظُّلْمَةِ وَ يَنَابِيعِ اَلْحِكْمَةِ شجرة الأنبياء أولاد إبراهيم ع لأن أكثر الأنبياء منهم و المشكاة كوة غير نافذة يجعل فيها المصباح و الذؤابة طائفة من شعر الرأس و سرة البطحاء وسطها و بنو كعب بن لؤي يفخرون على بني عامر بن لؤي بأنهم سكنوا البطاح و سكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة و سكن معها بنو فهر بن مالك رهط أبي عبيدة بن الجراح و غيره قال الشاعر
فحللت منها بالبطاح |
و حل غيرك بالظواهر |
و قال طريح بن إسماعيل
أنت ابن مسلنطح البطاح و لم |
تطرق عليك الحني و الولج |
و قال بعض الطالبيين
و أنا ابن معتلج البطاح إذا غدا |
غيري و راح على متون ظواهر |
يفتر عني ركنها و حطيمها |
كالجفن يفتح عن سواد الناظر |
|
كجبالها شرفي و مثل سهولها |
خلقي و مثل ظبائهن مجاوري |
وَ مِنْهَا طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ اَلْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَ آذَانٍ صُمٍّ وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ اَلْغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ اَلْحَيْرَةِ إنما قال دوار بطبه لأن الطبيب الدوار أكثر تجربة أو يكون عنى به أنه يدور على من يعالجه لأن الصالحين يدورون على مرضى القلوب فيعالجونهم و يقال إن المسيح رئي خارجا من بيت مومسة فقيل له يا سيدنا أ مثلك يكون هاهنا فقال إنما يأتي الطبيب المرضي.و المراهم الأدوية المركبة للجراحات و القروح و المواسم حدائد يوسم بها الخيل و غيرها.ثم ذكر أنه إنما يعالج بذلك من يحتاج إليه و هم أولو القلوب العمي و الآذان الصم و الألسنة البكم أي الخرس و هذا تقسيم صحيح حاصر لأن الضلال و مخالفة
الحق يكون بثلاثة أمور إما بجهل القلب أو بعدم سماع المواعظ و الحجج أو بالإمساك عن شهادة التوحيد و تلاوة الذكر فهذه أصول الضلال و أما أفعال المعاصي ففروع عليها
فصل في التقسيم و ما ورد فيه من الكلام
و صحة التقسيم باب من أبواب علم البيان و منه قوله سبحانه( ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ ) .و هذه قسمة صحيحة لأن المكلفين إما كافر أو مؤمن أو ذو المنزلة بين المنزلتين هكذا قسم أصحابنا الآية على مذهبهم في الوعيد.و غيرهم يقول العباد إما عاص ظالم لنفسه أو مطيع مبادر إلى الخير أو مقتصد بينهما.و من التقسيم أيضا قوله( وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ اَلْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ اَلْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ اَلْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ اَلْمَشْئَمَةِ وَ اَلسَّابِقُونَ اَلسَّابِقُونَ ) و مثل ذلك.و قوله تعالى( هُوَ اَلَّذِي يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً ) لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف و طامع.و وقف سائل على مجلس الحسن البصري فقال رحم الله عبدا أعطى من سعة أو واسى من كفاف أو آثر من قلة فقال الحسن لم تترك لأحد عذرا.
و من التقسيمات الفاسدة في الشعر قول البحتري
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا |
مقصرا في ملامة أو مطيلا |
|
قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا |
أو معينا أو عاذرا أو عذولا |
فالتقسيم في البيت الأول صحيح و في الثاني غير صحيح لأن المشوق يكون حزينا و المسعد يكون معينا فكذلك يكون عاذرا و يكون مشوقا و يكون حزينا.و قد وقع المتنبي في مثل ذلك فقال
فافخر فإن الناس فيك ثلاثة |
مستعظم أو حاسد أو جاهل |
فإن المستعظم يكون حاسدا و الحاسد يكون مستعظما.و من الأبيات التي ليس تقسيمها بصحيح ما ورد في شعر الحماسة
و أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا |
فخنت و إما قلت قولا بلا علم |
|
فأنت من الأمر الذي قد أتيته |
بمنزلة بين الخيانة و الإثم |
و ذلك لأن الخيانة أخص من الإثم و الإثم شامل لها لأنه أعم منها فقد دخل أحد القسمين في الآخر و يمكن أن يعتذر له فيقال عنى بالإثم الكذب نفسه و كذلك هو المعني أيضا بقوله قولا بلا علم كأنه قال له إما أن أكون أفشيت سري إليك فخنتني أو لم أفش فكذبت علي فأنت فيما أتيت بين أن تكون خائنا أو كاذبا.و مما جاء من ذلك في النثر قول بعضهم من جريح مضرج بدمائه أو هارب لا يلتفت إلى ورائه و ذلك أن الجريح قد يكون هاربا و الهارب قد يكون جريحا.و قد أجاد البحتري لما قسم هذا المعنى و قال
غادرتهم أيدي المنية صبحا |
للقنا بين ركع و سجود |
|
فهم فرقتان بين قتيل |
قبضت نفسه بحد الحديد |
|
أو أسير غدا له السجن لحدا |
فهو حي في حالة الملحود |
|
فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم |
قسرا و فرقة للقيود |
و من ذلك قول بعض الأعراب النعم ثلاث نعمة في حال كونها و نعمة ترجى مستقبلة و نعمة تأتي غير محتسبة فأبقى الله عليك ما أنت فيه و حقق ظنك فيما ترتجيه و تفضل عليك بما لم تحتسبه و ذلك أنه أغفل النعمة الماضية و أيضا فإن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة.و قد صحح القسمة أبو تمام فقال
جمعت لنا فرق الأماني منكم |
بأبر من روح الحياة و أوصل |
|
كالمزن من ماضي الرباب و مقبل |
متنظر و مخيم متهلل |
|
فصنيعة في يومها و صنيعة |
قد أحولت و صنيعة لم تحول |
فإن قلت فإن ما عنيت به فساد التقسيم على البحتري و المتنبي يلزمك مثله فيما شرحته لأن الأعمى القلب قد يكون أبكم اللسان أصم السمع.قلت إن الشاعرين ذكرا التقسيم بأو و أمير المؤمنين ع قسم بالواو و الواو للجمع فغير منكر أن تجتمع الأقسام الوحد أو أن تعطي معنى الانفراد فقط فافترق الموضعان
لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ اَلْحِكْمَةِ وَ لَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ اَلْعُلُومِ اَلثَّاقِبَةِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ اَلسَّائِمَةِ وَ اَلصُّخُورِ اَلْقَاسِيَةِ قَدِ اِنْجَابَتِ اَلسَّرَائِرُ لِأَهْلِ اَلْبَصَائِرِ وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ اَلْحَقِّ لِخَابِطِهَا وَ أَسْفَرَتِ اَلسَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا وَ ظَهَرَتِ اَلْعَلاَمَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَرْوَاحٍ وَ أَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاحٍ وَ نُسَّاكاً بِلاَ صَلاَحٍ وَ تُجَّاراً بِلاَ أَرْبَاحٍ وَ أَيْقَاظاً نُوَّماً وَ شُهُوداً غُيَّباً وَ نَاظِرَةً عَمْيَاءَ وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ وَ نَاطِقَةً بَكْمَاءَ انجابت انكشفت و المحجة الطريق و الخابط السائر على غير سبيل واضحة و أسفرت الساعة أضاءت و أشرقت و عن متعلقة بمحذوف و تقديره كاشفة عن وجهها.و المتوسم المتفرس أشباها بلا أرواح أي أشخاصا لا أرواح لها و لا عقول و أرواحا بلا أشباح يمكن أن يريد به الخفة و الطيش تشبيها بروح بلا جسد و يمكن أن يعني به نقصهم لأن الروح غير ذات الجسد ناقصة عن الاعتمال و التحريك اللذين كانا من فعلها حيث كانت تدير الجسد.و نساكا بلا صلاح نسبهم إلى النفاق و تجارا بلا أرباح نسبهم إلى الرياء و إيقاع الأعمال على غير وجهها.ثم وصفهم بالأمور المتضادة ظاهرا و هي مجتمعة في الحقيقة فقال أيقاظا نوما
لأنهم أولو يقظة و هم غفول عن الحق كالنيام و كذلك باقيها قال تعالى( فَإِنَّها لا تَعْمَى اَلْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ ) رَايَةُ ضَلاَلٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ اَلْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى اَلضَّلَّةِ فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاَّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ اَلْقِدْرِ أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ اَلْعِكْمِ تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ اَلْأَدِيمِ وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ اَلْحَصِيدِ وَ تَسْتَخْلِصُ اَلْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اِسْتِخْلاَصَ اَلطَّيْرِ اَلْحَبَّةَ اَلْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ اَلْحَبِّ هذا كلام منقطع عما قبله لأن الشريف الرضيرحمهالله كان يلتقط الفصول التي في الطبقة العليا من الفصاحة من كلام أمير المؤمنين ع فيذكرها و يتخطى ما قبلها و ما بعدها و هو ع يذكر هاهنا ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني و غيره.و القطب في قوله ع قامت على قطبها الرئيس الذي عليه يدور أمر الجيش و الشعب القبيلة العظيمة و ليس التفرق للراية نفسها بل لنصارها و أصحابها فحذف المضاف و معنى تفرقهم أنهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرقة أي تفرق ذلك الجمع العظيم في الأقطار داعين إلى أمر واحد و يروى بشعبها جمع شعبة
و تقدير تكيلكم بصاعها تكيل لكم فحذف اللام كما في قوله تعالى( وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ ) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم و المعنى تحملكم على دينها و دعوتها و تعاملكم بما يعامل به من استجاب لها و يجوز أن يريد بقوله تكيلكم بصاعها يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم و يتلاعبون بكم و يرفعونكم و يضعونكم كما يفعل كيال البر به إذا كاله بصاعه.و تخبطكم بباعها تظلمكم و تعسفكم قائدها ليس على ملة الإسلام بل مقيم على الضلالة يقال ضلة لك و إنه ليلومني ضلة إذا لم يوفق للرشاد في عذله.و الثفالة ما ثفل في القدر من الطبيخ و النفاضة ما سقط من الشيء المنفوض.و العكم العدل و العكم أيضا نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها.و عركت الشيء دلكته بقوة و الحصيد الزرع المحصود.و معنى استخلاص الفتنة المؤمن أنها تخصه بنكايتها و أذاها كما قيل المؤمن ملقى و الكافر موقى
و في الخبر المرفوع آفات الدنيا أسرع إلى المؤمن من النار في يبيس العرفج : أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ اَلْمَذَاهِبُ وَ تَتِيهُ بِكُمُ اَلْغَيَاهِبُ وَ تَخْدَعُكُمُ اَلْكَوَاذِبُ وَ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ وَ لِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَ اِسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ
وَ لْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْيَجْمَعْ شَمْلَهُ وَ لْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ اَلْأَمْرَ فَلْقَ اَلْخَرَزَةِ وَ قَرَفَهُ قَرْفَ اَلصَّمْغَةِ الغياهب الظلمات الواحد غيهب و تتيه بكم تجعلكم تائهين عدي الفعل اللازم بحرف الجر كما تقول في ذهب ذهبت به و التائه المتحير.و الكواذب هاهنا الأماني فحذف الموصوف و أبقى الصفة كقوله
إلا بكفي كان من أرمى البشر
أي بكفي غلام هذه صفته.و قوله و لكل أجل كتاب أظنه منقطعا أيضا عن الأول مثل الفصل الذي تقدم و قد كان قبله ما ينطبق عليه و يلتئم معه لا محالة و يمكن على بعد أن يكون متصلا بما هو مذكور هاهنا.و قوله و لكل غيبة إياب قد قاله عبيد بن الأبرص و استثنى من العموم الموت فقال
و كل ذي غيبة يئوب |
و غائب الموت لا يئوب |
و هو رأي زنادقة العرب فأما أمير المؤمنين و هو ثاني صاحب الشريعة التي جاءت بعود الموتى فإنه لا يستثني و يحمق عبيدا في استثنائه.و الرباني الذي أمرهم بالاستماع منه إنما يعني به نفسه ع و يقال رجل
رباني أي متأله عارف بالرب سبحانه و في وصف الحسن لأمير المؤمنين ع كان و الله رباني هذه الأمة و ذا فضلها و ذا قرابتها و ذا سابقتها.ثم قال و أحضروه قلوبكم أي اجعلوا قلوبكم حاضرة عنده أي لا تقنعوا لأنفسكم بحضور الأجساد و غيبة القلوب فإنكم لا تنتفعون بذلك و هتف بكم صاح و الرائد الذي يتقدم المنتجعين لينظر لهم الماء و الكلأ و في المثل الرائد لا يكذب أهله.و قوله و ليجمع شمله أي و ليجمع عزائمه و أفكاره لينظر فقد فلق هذا الرباني لكم الأمر أي شق ما كان مبهما و فتح ما كان مغلقا كما تفلق الخرزة فيعرف باطنها.و قرفه أي قشره كما تقشر الصمغة عن عود الشجرة و تقلع : فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ اَلْبَاطِلُ مَآخِذَهُ وَ رَكِبَ اَلْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ وَ عَظُمَتِ اَلطَّاغِيَةُ وَ قَلَّتِ اَلدَّاعِيَةُ وَ صَالَ اَلدَّهْرُ صِيَالَ اَلسَّبُعِ اَلْعَقُورِ وَ هَدَرَ فَنِيقُ اَلْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ وَ تَوَاخَى اَلنَّاسُ عَلَى اَلْفُجُورِ وَ تَهَاجَرُوا عَلَى اَلدِّينِ وَ تَحَابُّوا عَلَى اَلْكَذِبِ وَ تَبَاغَضُوا عَلَى اَلصِّدْقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ اَلْوَلَدُ غَيْظاً وَ اَلْمَطَرُ قَيْظاً وَ تَفِيضُ اَللِّئَامُ فَيْضاً وَ تَغِيضُ اَلْكِرَامُ غَيْضاً وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ ذِئَاباً وَ سَلاَطِينُهُ سِبَاعاً وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالاً أَكَالاً وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وَ غَارَ اَلصِّدْقُ وَ فَاضَ اَلْكَذِبُ وَ اُسْتُعْمِلَتِ اَلْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَ تَشَاجَرَ اَلنَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَ صَارَ اَلْفُسُوقُ نَسَباً وَ اَلْعَفَافُ عَجَباً وَ لُبِسَ اَلْإِسْلاَمُ لُبْسَ اَلْفَرْوِ مَقْلُوباً
تقول أخذ الباطل مأخذه كما تقول عمل عمله أي قوي سلطانه و قهر و مثله ركب الجهل مراكبه.و عظمت الطاغية أي الطغيان فاعلة بمعنى المصدر كقوله تعالى( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) أي تكذيب و يجوز أن تكون الطاغية هاهنا صفة فاعل محذوف أي عظمت الفئة الطاغية و قلت الداعية مثله أي الفرقة الداعية.و صال حمل و وثب صولا و صولة يقال رب قول أشد من صول و الصيال و المصاولة هي المواثبة صايله صيالا و صيالة و الفحلان يتصاولان أي يتواثبان.و الفنيق فحل الإبل و هدر ردد صوته في حنجرته و إبل هوادر و كذلك هدر بالتشديد تهديرا و في المثل هو كالمهدر في العنة يضرب للرجل يصيح و يجلب و ليس وراء ذلك شيء كالبعير الذي يحبس في العنة و هي الحظيرة و يمنع من الضراب و هو يهدر و قال الوليد بن عقبة لمعاوية
قطعت الدهر كالسدم المعنى |
تهدر في دمشق و لا تريم |
و الكظوم الإمساك و السكوت كظم البعير يكظم كظوما إذا أمسك الجرة و هو كاظم و إبل كظوم لا تجتر و قوم كظم ساكتون.و تواخى الناس صاروا إخوة و الأصل تآخى الناس فأبدلت الهمزة واوا كآزرته أي أعنته و وازرته.يقول اصطلحوا على الفجور و تهاجروا على الدين أي تعادوا و تقاطعوا.فإن قلت فإن من شعار الصالحين أن يهجروا في الدين و يعادوا فيه
قلت لم يذهب أمير المؤمنين حيث ظننت و إنما أراد أن صاحب الدين مهجور عندهم لأن صاحب الدين مهجور و صاحب الفجور جار عندهم مجرى الأخ في الحنو عليه و الحب له لأنه صاحب فجور.ثم قال كان الولد غيظا أي لكثرة عقوق الأبناء للآباء و صار المطر قيظا يقال إنه من علامات الساعة و أشراطها.و أوساطه أكالا أي طعاما يقال ما ذقت أكالا و في هذا الموضع إشكال لأنه لم ينقل هذا الحرف إلا في الجحد خاصة كقولهم ما بها صافر فالأجود الرواية الأخرى و هي آكالا بمد الهمزة على أفعال جمع أكل و هو ما أكل كقفل و أقفال و قد روي أكالا بضم الهمزة على فعال و قالوا إنه جمع أكل للمأكول كعرق و عراق و ظئر و ظؤار إلا أنه شاذ عن القياس و وزن واحدهما مخالف لوزن واحد أكال لو كان جمعا يقول صار أوساط الناس طعمة للولاة و أصحاب السلاطين و كالفريسة للأسد.و غار الماء سفل لنقصه و فاض سال.و تشاجر الناس تنازعوا و هي المشاجرة و شجر بين القوم إذا اختلف الأمر بينهم و اشتجروا مثل تشاجروا.و صار الفسوق نسبا يصير الفاسق صديق الفاسق حتى يكون ذلك كالنسب بينهم و حتى يعجب الناس من العفاف لقلته و عدمه.و لبس الإسلام لبس الفرو و للعرب عادة بذلك و هي أن تجعل الخمل إلى الجسد و تظهر الجلد و المراد انعكاس الأحكام الإسلامية في ذلك الزمان
108 و من خطبة له ع
كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ لَمْ تَرَكَ اَلْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ بَلْ كُنْتَ قَبْلَ اَلْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقِ اَلْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ وَ لاَ اِسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ وَ لاَ يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ وَ لاَ يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ وَ لاَ يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ وَ لاَ يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ وَ لاَ يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ وَ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ وَ كُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ أَنْتَ اَلْأَبَدُ فَلاَ أَمَدَ لَكَ وَ أَنْتَ اَلْمُنْتَهَى فَلاَ مَحِيصَ عَنْكَ وَ أَنْتَ اَلْمَوْعِدُ فَلاَ مُنْجِيَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَ مَا أَصْغَرَ كُلِّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي اَلدُّنْيَا وَ مَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ اَلآْخِرَةِ
قال كل شيء خاضع لعظمة الله سبحانه و كل شيء قائم به و هذه هي صفته الخاصة أعني كونه غنيا عن كل شيء و لا شيء من الأشياء يغني عنه أصلا.ثم قال غنى كل فقير و عز كل ذليل و قوة كل ضعيف و مفزع كل ملهوف.
جاء في الأثر من اعتز بغير الله ذل و من تكثر بغير الله قل و كان يقال ليس فقيرا من استغنى بالله و قال الحسن وا عجبا للوط نبي الله قال( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) أ تراه أراد ركنا أشد و أقوى من الله.و استدل العلماء على ثبوت الصانع سبحانه بما دل عليه فحوى قوله ع و مفزع كل ملهوف و ذلك أن النفوس ببدائها تفزع عند الشدائد و الخطوب الطارقة إلى الالتجاء إلى خالقها و بارئها أ لا ترى راكبي السفينة عند تلاطم الأمواج كيف يجأرون إليه سبحانه اضطرارا لا اختيارا فدل ذلك على أن العلم به مركوز في النفس قال سبحانه( وَ إِذا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ) .ثم قال ع من تكلم سمع نطقه و من سكت علم سره يعني أنه يعلم ما ظهر و ما بطن.ثم قال و من عاش فعليه رزقه و من مات فإليه منقلبه أي هو مدبر الدنيا و الآخرة و الحاكم فيهما.ثم انتقل عن الغيبة إلى الخطاب فقال لم ترك العيون
فصل في الكلام على الالتفات
و اعلم أن باب الانتقال من الغيبة إلى الخطاب و من الخطاب إلى الغيبة باب كبير من أبواب علم البيان و أكثر ما يقع ذلك إذا اشتدت عناية المتكلم بذلك المعنى المنتقل إليه كقوله سبحانه( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ ) فأخبر عن غائب ثم انتقل إلى خطاب الحاضر فقال( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) قالوا لأن منزلة الحمد دون منزلة العبادة فإنك تحمد نظيرك و لا تعبده فجعل الحمد للغائب و جعل العبادة لحاضر يخاطب بالكاف لأن كاف الخطاب أشد تصريحا به سبحانه من الأخبار بلفظ الغيبة قالوا و لما انتهى إلى آخر السورة قال( صِراطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فأسند النعمة إلى مخاطب حاضر و قال في الغضب( غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) فأسنده إلى فاعل غير مسمى و لا معين و هو أحسن من أن يكون قال لم تغضب عليهم و في النعمة الذين أنعم عليهم.و من هذا الباب قوله تعالى( وَ قالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمنُ وَلَداً ) فأخبر بقالوا عن غائبين ثم قال( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ) فأتى بلفظ الخطاب استعظاما للأمر كالمنكر على قوم حاضرين عنده.و من الانتقال عن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى( هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ) ...الآية.
و فائدة ذلك أنه صرف الكلام من خطاب الحاضرين إلى أخبار قوم آخرين بحالهم كأنه يعدد على أولئك ذنوبهم و يشرح لهؤلاء بغيهم و عنادهم الحق و يقبح عندهم ما فعلوه و يقول أ لا تعجبون من حالهم كيف دعونا فلما رحمناهم و استجبنا دعاءهم عادوا إلى بغيهم و هذه الفائدة لو كانت الآية كلها على صيغة خطاب الحاضر مفقودة.قال ع ما رأتك العيون فتخبر عنك كما يخبر الإنسان عما شاهده بل أنت أزلي قديم موجود قبل الواصفين لك.فإن قلت فأي منافاة بين هذين الأمرين أ ليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له و مع ذلك يدرك بالأبصار إذا خلق خلقه ثم يصفونه رأي عين قلت بل هاهنا منافاة ظاهرة و ذلك لأنه إذا كان قديما لم يكن جسما و لا عرضا و ما ليس بجسم و لا عرض تستحيل رؤيته فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة.ثم ذكر ع أنه لم يخلق الخلق لاستيحاشه و تفرده و لا استعملهم بالعبادة لنفعه و قد تقدم شرح هذا.ثم قال لا تطلب أحدا فيسبقك أي يفوتك و لا يفلتك من أخذته.فإن قلت أي فائدة في قوله و لا يفلتك من أخذته لأن عدم الإفلات هو الأخذ فكأنه قال لا يفلتك من لم يفلتك قلت المراد أن من أخذت لا يستطيع أن يفلت كما يستطيع المأخوذون مع ملوك الدنيا أن يفلتوا بحيلة من الحيل.فإن قلت أفلت فعل لازم فما باله عداه.قلت تقدير الكلام لا يفلت منك فحذف حرف الجر كما قالوا استجبتك أي استجبت لك قال
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
و قالوا استغفرت الله الذنوب أي من الذنوب و قال الشاعر
أستغفر الله ذنبا لست محصيه |
رب العباد إليه الوجه و العمل |
قوله ع و لا يرد أمرك من سخط قضاءك و لا يستغني عنك من تولى عن أمرك تحته سر عظيم و هو قول أصحابنا في جواب قول المجبرة لو وقع منا ما لا يريده لاقتضى ذلك نقصه إنه لا نقص في ذلك لأنه لا يريد الطاعات منا إرادة قهر و إلجاء و لو أرادها إرادة قهر لوقعت و غلبت إرادته إرادتنا و لكنه تعالى أراد منا أن نفعل نحن الطاعة اختيارا فلا يدل عدم وقوعها منا على نقصه و ضعفه كما لا يدل بالاتفاق بيننا و بينكم عدم وقوع ما أمر به على ضعفه و نقصه.ثم قال ع كل سر عندك علانية أي لا يختلف الحال عليه في الإحاطة بالجهر و السر لأنه عالم لذاته و نسبة ذاته إلى كل الأمور واحدة.ثم قال أنت الأبد فلا أمد لك هذا كلام علوي شريف لا يفهمه إلا الراسخون في العلم و فيه سمة من
قول النبي ص لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله و في مناجاة الحكماء لمحة منه أيضا و هو قولهم أنت الأزل السرمد و أنت الأبد الذي لا ينفد بل قولهم أنت الأبد الذي لا ينفد هو قوله أنت الأبد فلا أمد لك بعينه و نحن نشرحه هاهنا على موضوع هذا الكتاب فإنه كتاب أدب لا كتاب نظر فنقول إن له في العربية محملين أحدهما أن المراد به أنت ذو الأبد كما قالوا رجل خال أي ذو خال و الخال الخيلاء و رجل داء أي به داء و رجل
مال أي ذو مال و المحمل الثاني أنه لما كان الأزل و الأبد لا ينفكان عن وجوده سبحانه جعله ع كأنه أحدهما بعينه كقولهم أنت الطلاق لما أراد المبالغة في البينونة جعلها كأنها الطلاق نفسه و مثله قول الشاعر
فإن المندى رحلة فركوب
و قال أبو الفتح في الدمشقيات استدل أبو علي على صرف منى للموضع المخصوص بأنه مصدر منى يمني قال فقلت له أ تستدل بهذا على أنه مذكر لأن المصدر إلى التذكير فقال نعم فقلت فما تنكر ألا يكون فيه دلالة عليه لأنه لا ينكر أن يكون مذكر سمي به البقعة المؤنثة فلا ينصرف كامرأة سميتها بحجر و جبل و شبع و معي فقال إنما ذهبت إلى ذلك لأنه جعل كأنه المصدر بعينه لكثرة ما يعاني فيه ذلك فقلت الآن نعم.و من هذا الباب قوله
فإنما هي إقبال و إدبار
و قوله
و هن من الإخلاف قبلك و المطل
و قوله فلا منجى منك إلا إليك قد أخذه الفرزدق فقال لمعاوية:
إليك فررت منك و من زياد |
و لم أحسب دمي لكما حلالا |
ثم استعظم و استهول خلقه الذي يراه و ملكوته الذي يشاهده و استصغر و استحقر
ذلك بالإضافة إلى قدرته تعالى و إلى ما غاب عنا من سلطانه ثم تعجب من سبوغ نعمه تعالى في الدنيا و استصغر ذلك بالنسبة إلى نعم الآخرة و هذا حق لأنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي : مِنْهَا مِنْ مَلاَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وَ أَخْوَفُهُمْ لَكَ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ لَمْ يَسْكُنُوا اَلْأَصْلاَبَ وَ لَمْ يُضَمَّنُوا اَلْأَرْحَامَ وَ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ اَلْمَنُونِ وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ وَ اِسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ وَ كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ وَ لَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً مَشْرَباً وَ مَطْعَماً وَ أَزْوَاجاً وَ خَدَماً وَ قُصُوراً وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلاَ اَلدَّاعِيَ أَجَابُوا وَ لاَ فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَ لاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اِشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ اِفْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا وَ اِصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ اَلشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَ أَمَاتَتِ اَلدُّنْيَا قَلْبَهُ وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اَللَّهِ بِزَاجِرٍ وَ لاَ يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وَ هُوَ يَرَى اَلْمَأْخُوذِينَ
عَلَى اَلْغِرَّةِ حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ لَهُمْ وَ لاَ رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وَ قَدِمُوا مِنَ اَلآْخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ اَلْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ وَ فِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ وَ يَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يُنَعَّمُونَ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونُ اَلْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ وَ اَلْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ اَلْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهِ وَ يَتَمَنَّى أَنَّ اَلَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ اَلْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَ لاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ اِلْتِيَاطاً بِهِ فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ وَ خَرَجَتِ اَلرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أُوحِشُوا أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً وَ لاَ يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي اَلْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ وَ اِنْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَ اَلْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَ أُلْحِقَ آخِرُ اَلْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ أَمَادَ اَلسَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا وَ أَرَجَّ اَلْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا وَ دَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَ أَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاَقِهِمْ وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ
مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا اَلْأَعْمَالِ وَ خَبَايَا اَلْأَفْعَالِ وَ جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ وَ اِنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ فَأَمَّا أَهْلُ اَلطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَ خَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لاَ يَظْعَنُ اَلنُّزَّالُ وَ لاَ تَتَغَيَّرُ بِهِمُ اَلْحَالُ وَ لاَ تَنُوبُهُمُ اَلْأَفْزَاعُ وَ لاَ تَنَالُهُمُ اَلْأَسْقَامُ وَ لاَ تَعْرِضُ لَهُمُ اَلْأَخْطَارُ وَ لاَ تُشْخِصُهُمُ اَلْأَسْفَارُ وَ أَمَّا أَهْلُ اَلْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَ غَلَّ اَلْأَيْدِيَ إِلَى اَلْأَعْنَاقِ وَ قَرَنَ اَلنَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ وَ أَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ اَلْقَطِرَانِ وَ مُقَطَّعَاتِ اَلنِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اِشْتَدَّ حَرُّهُ وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَ لَجَبٌ وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ وَ قَصِيفٌ هَائِلٌ لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لاَ يُفَادَى أَسِيرُهَا وَ لاَ تُفْصَمُ كُبُولُهَا لاَ مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى وَ لاَ أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى هذا موضع المثل في كل شجرة نار و استمجد المرخ و العفار الخطب الوعظية الحسان كثيرة و لكن هذا حديث يأكل الأحاديث
محاسن أصناف المغنين جمة |
و ما قصبات السبق إلا لمعبد |
من أراد أن يتعلم الفصاحة و البلاغة و يعرف فضل الكلام بعضه على بعض فليتأمل هذه الخطبة فإن نسبتها إلى كل فصيح من الكلام عدا كلام الله و رسوله نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء و الجلالة و الرواء و الديباجة و ما تحدثه من الروعة و الرهبة و المخافة و الخشية حتى لو تليت على زنديق ملحد مصمم على اعتقاد نفي البعث و النشور لهدت قواه و أرعبت قلبه و أضعفت على نفسه و زلزلت اعتقاده فجزى الله قائلها عن الإسلام أفضل
ما جزى به وليا من أوليائه فما أبلغ نصرته له تارة بيده و سيفه و تارة بلسانه و نطقه و تارة بقلبه و فكره إن قيل جهاد و حرب فهو سيد المجاهدين و المحاربين و إن قيل وعظ و تذكير فهو أبلغ الواعظين و المذكرين و إن قيل فقه و تفسير فهو رئيس الفقهاء و المفسرين و إن قيل عدل و توحيد فهو إمام أهل العدل و الموحدين:
ليس على الله بمستنكر |
أن يجمع العالم في واحد |
ثم نعود إلى الشرح فنقول قوله ع أسكنتهم سماواتك لا يقتضي أن جميع الملائكة في السماوات فإنه قد ثبت أن الكرام الكاتبين في الأرض و إنما لم يقتض ذلك لأن قوله من ملائكة ليس من صيغ العموم فإنه نكرة في سياق الإثبات و قد قيل أيضا إن ملائكة الأرض تعرج إلى السماء و مسكنها بها و يتناوبون على أهل الأرض.قوله هم أعلم خلقك بك ليس يعني به أنهم يعلمون من ماهيته تعالى ما لا يعلمه البشر أما على قول المتكلمين فلأن ذاته تعالى معلومة للبشر و العلم لا يقبل الأشد و الأضعف و أما على قول الحكماء فلأن ذاته تعالى غير معلومة للبشر و لا للملائكة و يستحيل أن تكون معلومة لأحد منهم فلم يبق وجه يحمل عليه قوله ع هم أعلم خلقك بك إلا أنهم يعلمون من تفاصيل مخلوقاته و تدبيراته ما لا يعلمه غيرهم كما يقال وزير الملك أعلم بالملك من الرعية ليس المراد أنه أعلم بذاته و ماهيته بل بأفعاله و تدبيره و مراده و غرضه.قوله و أخوفهم لك لأن قوتي الشهوة و الغضب مرفوعتان عنهم و هما منبع
الشر و بهما يقع الطمع و الإقدام على المعاصي و أيضا فإن منهم من يشاهد الجنة و النار عيانا فيكون أخوف لأنه ليس الخبر كالعيان.قوله و أقربهم منك لا يريد القرب المكاني لأنه تعالى منزه عن المكان و الجهة بل المراد كثرة الثواب و زيادة التعظيم و التبجيل و هذا يدل على صحة مذهب أصحابنا في أن الملائكة أفضل من الأنبياء.ثم نبه على مزية لهم تقتضي أفضلية جنسهم على جنس البشر بمعنى الأشرفية لا بمعنى زيادة الثواب و هو قوله لم يسكنوا الأصلاب و لم يضمنوا الأرحام و لم يخلقوا من ماء مهين و لم يتشعبهم ريب المنون و هذه خصائص أربع فالأولى أنهم لم يسكنوا الأصلاب و البشر سكنوا الأصلاب و لا شبهة أن ما ارتفع عن مخالطة الصورة اللحمية و الدموية أشرف مما خالطها و مازجها.و الثانية أنهم لم يضمنوا الأرحام و لا شبهة أن من لم يخرج من ذلك الموضع المستقذر أشرف ممن خرج منه و كان أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن كامكاو بن يزدجرد بن شهريار يفخر على أبناء الملوك بأنه لم يخرج من بضع امرأة لأن أمه ماتت و هي حامل به فشق بطنها عنه و أخرج قال أبو الريحان البيروني في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية عن هذا الرجل أنه كان يتيه على الناس و إذا شتم أحدا قال ابن البضع قال أبو الريحان و أول من اتفق له ذلك الملك المعروف بأغسطس ملك الروم و هو أول من سمي فيهم قيصر لأن تفسير قيصر بلغتهم شق عنه و أيامه تاريخ كما أن أيام الإسكندر تاريخ لعظمه و جلالته عندهم.و الثالثة أنهم لم يخلقوا من ماء مهين و قد نص القرآن العزيز على أنه مهين و كفى ذلك في تحقيره و ضعته فهم لا محالة أشرف ممن خلق منه لا سيما و قد ذهب كثير من العلماء إلى نجاسته.
و الرابعة أنهم لا يتشعبهم المنية و لا ريب أن من لا تتطرق إليه الأسقام و الأمراض و لا يموت أشرف ممن هو في كل ساعة و لحظة بعرض سقام و بصدد موت و حمام.و اعلم أن مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء لها صورتان إحداهما أن أفضل بمعنى كونهم أكثر ثوابا و الأخرى كونهم أفضل بمعنى أشرف كما تقول إن الفلك أفضل من الأرض أي إن الجوهر الذي منه جسمية الفلك أشرف من الجوهر الذي منه جسمية الأرض.و هذه المزايا الأربع دالة على تفضيل الملائكة بهذا الاعتبار الثاني.قوله ع يتشعبهم ريب المنون أي يتقسمهم و الشعب التفريق و منه قيل للمنية شعوب لأنها تفرق الجماعات و ريب المنون حوادث الدهر و أصل الريب ما راب الإنسان أي جاءه بما يكره و المنون الدهر نفسه و المنون أيضا المنية لأنها تمن المدة أي تقطعها و المن القطع و منه قوله تعالى( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) .و قال لبيد
غبس كواسب لا يمن طعامها
ثم ذكر أنهم كثرة عبادتهم و إخلاصهم لو عاينوا كنه ما خفي عليهم من البارئ تعالى لحقروا أعمالهم و زروا على أنفسهم أي عابوها تقول زريت على فلان أي عبته و أزريت بفلان أي قصرت به.
فإن قلت ما هذا الكنه الذي خفي عن الملائكة حتى قال لو عاينوه لحقروا عبادتهم و لعلموا أنهم قد قصروا فيها قلت إن علوم الملائكة بالبارئ تعالى نظرية كعلوم البشر و العلوم النظرية دون العلوم الضرورية في الجلاء و الوضوح فأمير المؤمنين ع يقول لو كانت علومهم بك و بصفاتك إثباتية و السلبية و الإضافية ضرورية عوض علومهم هذه المتحققة الآن التي هي نظرية و لا نكشف لهم ما ليس الآن على حد ذلك الكشف و الوضوح و لا شبهة أن العبادة و الخدمة على قدر المعرفة بالمعبود فكلما كان العابد به أعرف كانت عبادته له أعظم و لا شبهة أن العظيم عند الأعظم حقير.فإن قلت فما معنى قوله و استجماع أهوائهم فيك و هل للملائكة هوى و هل تستعمل الأهواء إلا في الباطل قلت الهوى الحب و ميل النفس و قد يكون في باطل و حق و إنما يحمل على أحدهما بالقرينة و الأهواء تستعمل فيهما و معنى استجماع أهوائهم فيه أن دواعيهم إلى طاعته و خدمته لا تنازعها الصوارف و كانت مجتمعة مائلة إلى شق واحد.فإن قلت الباء في قوله بحسن بلائك بما ذا تتعلق قلت الباء هاهنا للتعليل بمعنى اللام كقوله تعالى( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ ) أي لأنهم فتكون متعلقة بما في سبحانك من معنى الفعل أي أسبحك لحسن بلائك و يجوز أن تتعلق بمعبود أي يعبد لذلك.ثم قال خلقت دارا يعني الجنة و المأدبة و المأدبة بفتح الدال و ضمها الطعام الذي يدعى الإنسان إليه أدب زيد القوم يأدبهم بالكسر أي دعاهم إلى طعامه و الآدب الداعي إلى طعامه قال طرفة
نحن في المشتاة ندعو الجفلى |
لا ترى الآدب فينا ينتقر |
و في هذا الكلام دلالة على أن الجنة الآن مخلوقة و هو مذهب أكثر أصحابنا.و معنى قوله و زروعا أي و غروسا من الشجر يقال زرعت الشجر كما يقال زرعت البر و الشعير و يجوز أن يقال الزروع جمع زرع و هو الإنبات يقال زرعه الله أي أنبته و منه قوله تعالى( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزَّارِعُونَ ) و لو قال قائل إن في الجنة زروعا من البر و القطنية لم يبعد.قوله ثم أرسلت داعيا يعني الأنبياء و أقبلوا على جيفة يعني الدنيا و من كلام الحسنرضياللهعنه إنما يتهارشون على جيفة.و إلى قوله و من عشق شيئا أعشى بصره نظر الشاعر فقال
و عين الرضا عن كل عيب كليلة |
كما أن عين السخط تبدي المساويا |
و قيل لحكيم ما بال الناس لا يرون عيب أنفسهم كما يرون عيب غيرهم قال إن الإنسان عاشق لنفسه و العاشق لا يرى عيوب المعشوق.قد خرقت الشهوات عقله أي أفسدته كما تخرق الثوب فيفسد.و إلى قوله فهو عبد لها و لمن في يديه شيء منها نظر ابن دريد فقال
عبيد ذي المال و إن لم يطمعوا |
من ماله في نغبة تشفي الصدى |
|
و هم لمن أملق أعداء و إن |
شاركهم فيما أفاد و حوى |
و إلى قوله حيثما زالت زال إليها و حيثما أقبلت أقبل عليها نظر الشاعر فقال
ما الناس إلا مع الدنيا و صاحبها |
فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا |
|
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت |
يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا |
و الغرة الاغترار و الغفلة و الغار الغافل و قد اغتررت بالرجل و اغتره زيد أي أتاه على غرة منه و يجوز أن يعني بقوله المأخوذين على الغرة الحداثة و الشبيبة يقول كان ذلك في غرارتي و غرتي أي في حداثتي و صباي.قوله سكرة الموت و حسرة الفوت أي الحسرة على ما فاتهم من الدنيا و لذتها و الحسرة على ما فاتهم من التوبة و الندم و استدراك فارط المعاصي.و الولوج الدخول ولج يلج.قوله و بقاء من لبه أي لبه باق لم يعدم و يروى و نقاء بالنون و النقاء النظافة أي لبه غير مغمور.أغمض في مطالبها أي تساهل في دينه في اكتسابه إياها أي كان يفنى نفسه بتأويلات ضعيفة في استحلال تلك المطالب و المكاسب فذاك هو الإغماض قال تعالى( وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) و يمكن أن يحمل على وجه آخر و هو أنه قد كان يحتال بحيل غامضة دقيقة في تلك المطالب حتى حصلها و اكتسبها.قوله ع و أخذها من مصرحاتها و مشتبهاتها أي من وجوه مباحة و ذوات شبهة و هذا يؤكد المحمل الأول في أغمض.و التبعات الآثام الواحدة تبعة و مثلها التباعة قال
لم يحذروا من ربهم |
سوء العواقب و التباعة |
و المهنأ المصدر من هنئ الطعام و هنؤ بالكسر و الضم مثل فقه و فقه فإن كسرت قلت يهنأ و إن ضممت قلت يهنؤ و المصدر هناءة و مهنأ أي صار هنيئا و هنأني الطعام يهنؤني و يهنئني و لا نظير له في المهموز هنأ و هناء و هنئت الطعام أي تهنأت به و منه قوله تعالى( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) .و العبء الحمل و الجمع أعباء.و غلق الرهن أي استحقه المرتهن و ذلك إذا لم يفتكك في الوقت المشروط قال زهير
و فارقتك برهن لا فكاك له |
يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا |
فإن قلت فما معنى قوله ع قد غلقت رهونه بها في هذا الموضع قلت لما كان قد شارف الرحيل و أشفى على الفراق و صارت تلك الأموال التي جمعها مستحقة لغيره و لم يبق له فيها تصرف أشبهت الرهن الذي غلق على صاحبه فخرج عن كونه مستحقا له و صار مستحقا لغيره و هو المرتهن.و أصحر انكشف و أصله الخروج إلى الصحراء و البروز من المكمن.رجع كلامهم ما يتراجعونه بينهم من الكلام ازداد الموت التياطا به أي التصاقا قد أوحشوا أي جعلوا مستوحشين و المستوحش المهموم الفزع و يروى أوحشوا من جانبه أي خلوا منه و أقفروا تقول قد أوحش المنزل من أهله أي أقفر.و خلا إلى مخط في الأرض أي إلى خط سماه مخطا أو خطا لدقته يعني اللحد
و يروى إلى محط بالحاء المهملة و هو المنزل و حط القوم أي نزلوا.و ألحق آخر الخلق بأوله أي تساوى الكل في شمول الموت و الفناء لهم فالتحق الآخر بالأول.أماد السماء حركها و يروى أمار و الموران الحركة و فطرها شقها و أرج الأرض زلزلها تقول رجت الأرض و أرجها الله و يجوز رجها و قد روي رج الأرض بغير همزة و هو الأصح و عليه ورد القرآن( كَلَّا إِذا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا ) .أرجفها جعلها راجفة أي مرتعدة متزلزلة رجفت الأرض ترجف و الرجفان الاضطراب الشديد و سمي البحر رجافا لاضطرابه قال الشاعر
حتى تغيب الشمس في الرجاف
و نسفها قلعها من أصولها و دك بعضها بعضا صدمه و دقه حتى يكسره و يسويه بالأرض و منه قوله سبحانه( وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ) .ميزهم أي فصل بينهم فجعلهم فريقين سعداء و أشقياء و منه قوله تعالى( وَ اِمْتازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ ) أي انفصلوا من أهل الطاعة.يظعن يرحل تنوبهم الأفزاع تعاودهم و تعرض لهم الأخطار جمع خطر و هو ما يشرف به على الهلكة.
و تشخصهم الأسفار تخرجهم من منزل إلى منزل شخص الرجل و أشخصه غيره و غل الأيدي جعلها في الأغلال جمع غل بالضم و هو القيد و القطران الهناء قطرت البعير أي طليته بالقطران قال
كما قطر المهنوءة الرجل الطالي
و بعير مقطور و هذا من الألفاظ القرآنية قال تعالى( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ اَلنَّارُ ) و المعنى أن النار إلى القطران سريعة جدا.و مقطعات النيران أي ثياب من النيران قد قطعت و فصلت لهم و قيل المقطعات قصار الثياب و الكلب الشدة و الجلب و اللجب الصوت و القصيف الصوت الشديد.لا يقصم كبولها لا يكسر قيودها الواحد كبل.ثم ذكر أن عذابهم سرمدي و أنه لا نهاية له نعوذ بالله من عذاب ساعة واحدة فكيف من العذاب الأبدي
موازنة بين كلام الإمام علي و خطب ابن نباتة
و نحن نذكر في هذا الموضع فصولا من خطب الخطيب الفاضل عبد الرحيم بن نباتةرحمهالله و هو الفائز بقصبات السبق من الخطباء و للناس غرام عظيم بخطبه و كلامه ليتأمل الناظر كلام أمير المؤمنين ع في خطبه و مواعظه و كلام هذا الخطيب المتأخر
الذي قد وقع الإجماع على خطابته و حسنها و أن مواعظه هي الغاية التي ليس بعدها غاية فمن ذلك قوله أيها الناس تجهزوا فقد ضرب فيكم بوق الرحيل و ابرزوا فقد قربت لكم نوق التحويل و دعوا التمسك بخدع الأباطيل و الركون إلى التسويف و التعليل فقد سمعتم ما كرر الله عليكم من قصص أبناء القرى و ما وعظكم به من مصارع من سلف من الورى مما لا يعترض لذوي البصائر فيه شك و لا مرا و أنتم معرضون عنه إعراضكم عما يختلق و يفترى حتى كان ما تعلمون منه أضغاث أحلام الكرى و أيدي المنايا قد فصمت من أعماركم أوثق العرى و هجمت بكم على هول مطلع كريه القرى فالقهقرى رحمكم الله عن حبائل العطب القهقرى و اقطعوا مفاوز الهلكات بمواصلة السرى و قفوا على أحداث المنزلين من شناخيب الذرى المنجلين بوازع أم حبوكرى المشغولين بما عليهم من الموت جرى و اكشفوا عن الوجوه المنعمة أطباق الثرى تجدوا ما بقي منها عبرة لمن يرى فرحم الله امرأ رحم نفسه فبكاها و جعل منها إليها مشتكاها قبل أن تعلق به خطاطيف المنون و تصدق فيه أراجيف الظنون و تشرق عليه بمائها مقل العيون و يلحق بمن دثر من القرون قبل أن يبدوا على المناكب محمولا و يغدو إلى محل المصائب منقولا و يكون عن الواجب مسئولا و بالقدوم على الطالب الغالب مشغولا هناك يرفع الحجاب و يوضع الكتاب و تقطع الأسباب و تذهب الأحساب و يمنع الإعتاب و يجمع من حق عليه العقاب و من وجب له الثواب فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب.فلينظر المنصف هذا الكلام و ما عليه من أثر التوليد أولا بالنسبة إلى ذلك الكلام العربي المحض ثم لينظر فيما عليه من الكسل و الرخاوة و الفتور و البلادة حتى كأن ذلك
الكلام لعامر بن الطفيل مستلئما شكته راكبا جواده و هذا الكلام للدلال المديني المخنث آخذا زمارته متأبطا دفه.و المح ما في بوق الرحيل من السفسفة و اللفظ العامي الغث و اعلم أنهم كلهم عابوا على أبي الطيب قوله
فإن كان بعض الناس سيفا لدولة |
ففي الناس بوقات لها و طبول |
و قالوا لا تدخل لفظة بوق في كلام يفلح أبدا.و المح ما على قوله القهقرى القهقرى متكررة من الهجنة و أهجن منها أم حبوكرى و أين هذا اللفظ الحوشي الذي تفوح منه روائح الشيح و القيصوم و كأنه من أعرابي قح قد قدم من نجد لا يفهم محاورة أهل الحضر و لا أهل الحضر يفهمون حواره من هذه الخطبة اللينة الألفاظ التي تكاد أن تتثنى من لينها و تتساقط من ضعفها ثم المح هذه الفقر و السجعات التي أولها القرى ثم المر ثم يفترى ثم الكرى إلى قوله عبرة لمن يرى هل ترى تحت هذا الكلام معنى لطيفا أو مقصدا رشيقا أو هل تجد اللفظ نفسه لفظا جزلا فصيحا أو عذبا معسولا و إنما هي ألفاظ قد ضم بعضها إلى بعض و الطائل تحتها قليل جدا و تأمل لفظة مرا فإنها ممدودة في اللغة فإن كان قصرها فقد ركب ضرورة مستهجنة و إن أراد جمع مرية فقد خرج
عن الصناعة لأنه يكون قد عطف الجمع المفرد فيصير مثل قول القائل ما أخذت منه دينارا و لا دراهم في أنه ليس بالمستحسن في فن البيان.و من ذلك قوله أيها الناس حصحص الحق فما من الحق مناص و أشخص الخلق فما لأحد من الخلق خلاص و أنتم على ما يباعدكم من الله حراص و لكم على موارد الهلكة اغتصاص و فيكم عن مقاصد البركة انتكاص كأن ليس أمامكم جزاء و لا قصاص و لجوارح الموت في وحش نفوسكم اقتناص ليس بها عليها تأب و لا اعتياص.فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة و البيان هذا الكلام بعين الإنصاف يعلموا أن سطرا واحدا من كلام نهج البلاغة يساوى ألف سطر منه بل يزيد و يربي على ذلك فإن هذا الكلام ملزق عليه آثار كلفة و هجنة ظاهرة يعرفها العامي فضلا عن العالم.و من هذه الخطبة فاهجروا رحمكم الله وثير المراقد و ادخروا طيب المكتسب تخلصوا من انتقاد الناقد و اغتنموا فسحة المهل قبل انسداد المقاصد و اقتحموا سبل الآخرة على قلة المرافق و المساعد.فهل يجد متصفح الكلام لهذا الفصل عذوبة أو معنى يمدح الكلام لأجله و هل هو إلا ألفاظ مضموم بعضها إلى بعض ليس لها حاصل كما قيل في شعر ذي الرمة بعر ظباء و نقط عروس و من ذلك قوله فيا له من واقع في كرب الحشارج مصارع لسكرات الموت معالج حتى درج على تلك المدارج و قدم بصحيفته على ذي المعارج.
و غير خاف ما في هذا الكلام من التكلف.و من ذلك قوله فكأنكم بمنادي الرحيل قد نادى في أهل الإقامة فاقتحموا بالصغار محجة القيامة يتلو الأوائل منهم الأواخر و يتبع الأكابر منهم الأصاغر و يلتحق الغوامر من ديارهم بالغوامر حتى تبتلع جميعهم الحفر و المقابر.فإن هذا الكلام ركيك جدا لو قاله خطيب من خطباء قرى السواد لم يستحسن منه بل ترك و استرذل.و لعل عائبا يعيب علينا فيقول شرعتم في المقايسة و الموازنة بين كلام أمير المؤمنين ع و بين كلام ابن نباتة و هل هذا إلا بمنزلة قول من يقول السيف أمضى من العصا و في هذه غضاضة على السيف فنقول إنه قد اشتملت كتب المتكلمين على المقايسة بين كلام الله تعالى و بين كلام البشر ليبينوا فضل القرآن و زيادة فصاحته على فصاحة كلام العرب نحو مقايستهم بين قوله تعالى( وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ ) و بين قول القائل القتل أنفى للقتل و نحو مقايستهم بين قوله تعالى( خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ ) و بين قول الشاعر
فإن عرضوا بالشر فاصفح تكرما |
و إن كتموا عنك الحديث فلا تسل |
و نحو إيرادهم كلام مسيلمة و أحمد بن سليمان المعري و عبد الله بن المقفع فصلا فصلا و الموازنة و المقايسة بين ذلك و بين القرآن المجيد و إيضاح أنه لا يبلغ ذلك إلى درجة
القرآن العزيز و لا يقاربها فليس بمستنكر منا أن نذكر كلام ابن نباتة في معرض إيرادنا كلام أمير المؤمنين ع لتظهر فضيلة كلامه ع بالنسبة إلى هذا الخطيب الفاضل الذي قد اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه.و اعلم أنا لا ننكر فضل ابن نباتة و حسن أكثر خطبه و لكن قوما من أهل العصبية و العناد يزعمون أن كلامه يساوى كلام أمير المؤمنين ع و يماثله و قد ناظر بعضهم في ذلك فأحببت أن أبين للناس في هذا الكتاب أنه لا نسبة لكلامه إلى كلام أمير المؤمنين ع و أنه بمنزلة شعر الأبله و ابن المعلم بالإضافة إلى زهير و النابغة.و اعلم أن معرفة الفصيح و الأفصح و الرشيق و الأرشق و الحلو و الأحلى و العالي و الأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق و لا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه و هو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة دقيقة الشفتين نقية الثغر كحلاء العينين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة و الأخرى دونها في هذه الصفات و المحاسن لكنها أحلى في العيون و القلوب منها و أليق و أصلح و لا يدرى لأي سبب كان ذلك و لكنه بالذوق و المشاهدة يعرف و لا يمكن تعليله و هكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الموضعين أن حسن الوجوه و ملاحتها و تفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة و أما الكلام فلا يعرفه إلا أهل الذوق و ليس كل من اشتغل بالنحو و اللغة أو بالفقه كان من أهل الذوق و ممن يصلح لانتقاد الكلام و إنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان و راضوا أنفسهم بالرسائل و الخطب و الكتابة و الشعر و صارت لهم
بذلك دربة و ملكة تامة فإلى أولئك ينبغي أن ترجع في معرفة الكلام و فضل بعضه على بعض إن كنت عادما لذلك من نفسك : مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلنَّبِيِّ ص قَدْ حَقَّرَ اَلدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اَللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اِخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ اِحْتِقَاراً فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ عَنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَ دَعَا إِلَى اَلْجَنَّةِ مُبَشِّراً وَ خَوَّفَ مِنَ اَلنَّارِ مُحَذِّراً فعل مشدد للتكثير قتلت أكثر من قتلت فيقتضي قوله ع قد حقر الدنيا زيادة تحقير النبي ص لها و ذلك أبلغ في الثناء عليه و تقريظه.قوله و صغرها أي و صغرها عند غيره ليكون قوله و أهون بها و هونها مطابقا له أي أهون هو بها و هونها عند غيره.و زواها قبضها
قال ع زويت لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها.و قوله اختيارا أي قبض الدنيا عنه باختيار و رضا من النبي ص بذلك و علم بما فيه من رفعة قدره و منزلته في الآخرة.
و الرياش و الريش بمعنى و هو اللباس الفاخر كالحرم و الحرام و اللبس و اللباس و قرئ( و رياشا و لباس التقوى ذلك خير ) و يقال الريش و الرياش المال و الخصب و المعاش و ارتاش فلان حسنت حاله و معذرا أي مبالغا أعذر فلان في الأمر أي بالغ فيه : نَحْنُ شَجَرَةُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مَحَطُّ اَلرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ مَعَادِنُ اَلْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ اَلْحُكْمِ نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ اَلرَّحْمَةَ وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ اَلسَّطْوَةَ هذا الكلام غير ملتصق بالأول كل الالتصاق و هو من النمط الذي ذكرناه مرارا لأن الرضيرحمهالله يقتضب فصولا من خطبة طويلة فيوردها إيرادا واحدا و بعضها منقطع عن البعض.قوله ع نحن شجرة النبوة كأنه جعل النبوة كثمرة أخرجتها شجرة بني هاشم و محط الرسالة منزلها و مختلف الملائكة موضع اختلافها في صعودها و نزولها و إلى هذا المعنى نظر بعض الطالبيين فقال يفتخر على بني عم له ليسوا بفاطميين
هل كان يقتعد البراق أبوكم |
أم كان جبريل عليه ينزل |
|
أم هل يقول له الإله مشافها |
بالوحي قم يا أيها المزمل |
و قال آخر يمدح قوما فاطميين
و يطرقه الوحي وهنا و أنتم |
ضجيعان بين يدي جبرئيلا |
يعني حسنا ع و حسينا ع.و اعلم أنه إن أراد بقوله نحن مختلف الملائكة جماعة من جملتها رسول الله ص فلا ريب في صحة القضية و صدقها و إن أراد بها نفسه و ابنيه فهي أيضا صحيحة و لكن مدلوله مستنبط
فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه قال يا جبريل إنه مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكما و
روى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين لم تصل على ثالث لنا و ذلك قبل أن يظهر أمر الإسلام و يتسامع الناس به.و
في خطبة الحسن بن علي ع لما قبض أبوه لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون كان يبعثه رسول الله ص للحرب و جبريل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و
جاء في الحديث أنه سمع يوم أحد صوت من الهواء من جهة السماء يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و أن رسول الله ص قال هذا صوت جبريل.فأما قوله و معادن العلم و ينابيع الحكم يعني الحكمة أو الحكم الشرعي فإنه و إن عنى بها نفسه و ذريته فإن الأمر فيها ظاهر جدا
قال رسول الله ص أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب و
قال أقضاكم علي و القضاء أمر يستلزم علوما كثيرة.و
جاء في الخبر أنه بعثه إلى اليمن قاضيا فقال يا رسول الله إنهم كهول و ذوو أسنان
و أنا فتى و ربما لم أصب فيما أحكم به بينهم فقال له اذهب فإن الله سيثبت قلبك و يهدي لسانك.و جاء في تفسير قوله تعالى( وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) سألت الله أن يجعلها أذنك ففعل و جاء في تفسير قوله تعالى( أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أنها أنزلت في علي ع و ما خص به من العلم و جاء في تفسير قوله تعالى( أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) أن الشاهد علي ع.وروى المحدثون أنه قال لفاطمة زوجتك أقدمهم سلما و أعظمهم حلما و أعلمهم علما وروى المحدثون أيضا عنه ع أنه قال من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه و موسى في علمه و عيسى في ورعه فلينظر إلى علي بن أبي طالب.و بالجملة فحاله في العلم حال رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها و لا قاربه و حق له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم و ينابيع الحكم فلا أحد أحق بها منه بعد رسول الله ص.فإن قلت كيف قال عدونا و مبغضنا ينتظر السطوة و نحن نشاهد أعداءه و مبغضيه لا ينتظرونها قلت لما كانت منتظرة لهم و معلوما بيقين حلولها بهم صاروا كالمنتظرين لها و أيضا فإنهم ينتظرون الموت لا محالة الذي كل إنسان ينتظره و لما كان الموت مقدمة العقاب و طريقا إليه جعل انتظاره انتظار ما يكون بعده
108 و من خطبة له ع
إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ اَلْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى اَلْإِيمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ اَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا اَلْفِطْرَةُ وَ إِقَامُ اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا اَلْمِلَّةُ وَ إِيتَاءُ اَلزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ اَلْعِقَابِ وَ حَجُّ اَلْبَيْتِ وَ اِعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ اَلْفَقْرَ وَ يَرْحَضَانِ اَلذَّنْبَ وَ صِلَةُ اَلرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي اَلْمَالِ وَ مَنْسَأَةٌ فِي اَلْأَجَلِ وَ صَدَقَةُ اَلسِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ اَلْخَطِيئَةَ وَ صَدَقَةُ اَلْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ اَلسُّوءِ وَ صَنَائِعُ اَلْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ اَلْهَوَانِ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلذِّكْرِ وَ اِرْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ اَلْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ اَلْوَعْدِ وَ اِقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اَلْهَدْيِ وَ اِسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى اَلسُّنَنِ وَ تَعَلَّمُوا اَلْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلْحَدِيثِ وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ اَلْقُلُوبِ وَ اِسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ اَلصُّدُورِ وَ أَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ اَلْقَصَصِ وَ إِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ اَلْحَائِرِ اَلَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَ اَلْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَ هُوَ عِنْدَ اَللَّهِ أَلْوَمُ ذكر ع ثمانية أشياء كل منها واجب.
أولها: الإيمان بالله و برسوله و يعني بالإيمان هاهنا مجرد التصديق بالقلب مع قطع النظر عما عدا ذلك من التلفظ بالشهادة و من الأعمال الواجبة و ترك القبائح و قد ذهب إلى أن ماهية الإيمان هو مجرد التصديق القلبي جماعة من المتكلمين و هو و إن لم يكن مذهب أصحابنا فإن لهم أن يقولوا إن أمير المؤمنين ع جاء بهذا اللفظ على أصل الوضع اللغوي لأن الإيمان في أصل اللغة هو التصديق قال سبحانه و تعالى( وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) أي لست بمصدق لنا لا إن كنا صادقين و لا إن كنا كاذبين و مجيئه ع به على أصل الوضع اللغوي لا يبطل مذهبنا في مسمى الإيمان لأنا نذهب إلى أن الشرع استجد لهذه اللفظة مسمى ثانيا كما نذهب إليه في الصلاة و الزكاة و غيرهما فلا منافاة إذا بين مذهبنا و بين ما أطلقه ع.و ثانيها الجهاد في سبيل الله و إنما قدمه على التلفظ بكلمتي الشهادة لأنه من باب دفع الضرر عن النفس و دفع الضرر عن النفس مقدم على سائر الأعمال المتعلقة بالجوارح و التلفظ بكلمتي الشهادة من أعمال الجوارح و إنما أخره عن الإيمان لأن الإيمان من أفعال القلوب فهو خارج عما يتقدم عليه و دفع الضرر من الأفعال المختصة بالجوارح و أيضا فإن الإيمان أصل الجهاد لأنه ما لم يعلم الإنسان على ما ذا يجاهد لا يجاهد و إنما جعله ذروة الإسلام أي أعلاه لأنه ما لم تتحصن دار الإسلام بالجهاد لا يتمكن المسلمون من القيام بوظائف الإسلام فكان إذا من الإسلام بمنزلة الرأس من البدن.و ثالثها كلمة الإخلاص يعني شهادة أن لا إله إلا الله و شهادة أن محمدا رسول الله قال فإنها الفطرة يعني هي التي فطر الناس عليها و الأصل الكلمة الأولى لأنها التوحيد و عليها فطر البشر كلهم و الكلمة الثانية تبع لها فأجريت مجراها و إنما أخرت
هذه الخصلة عن الجهاد لأن الجهاد كان هو السبب في إظهار الناس لها و نطقهم بها فصار كالأصل بالنسبة إليها.و رابعها إقام الصلاة أي إدامتها و الأصل أقام إقواما فحذفوا عين الفعل و تارة يعوضون عن العين المفتوحة هاء فيقولون إقامة قال فإنها الملة و هذا مثل
قول النبي ص الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين.و خامسها إيتاء الزكاة و إنما أخرها عن الصلاة لأن الصلاة آكد افتراضا منها و إنما قال في الزكاة فإنها فريضة واجبة لأن الفريضة لفظ يطلق على الجزء المعين المقدر في السائمة باعتبار غير الاعتبار الذي يطلق به على صلاة الظهر لفظ الفريضة و الاعتبار الأول من القطع و الثاني من الوجوب و قال فإنها فريضة واجبة مثل أن يقول فإنها شيء مقتطع من المال موصوف بالوجوب.و سادسها صوم شهر رمضان و هو أضعف وجوبا من الزكاة و جعله جنة من العقاب أي سترة.و سابعها الحج و العمرة و هما دون فريضة الصوم و قال إنهما ينفيان الفقر و يرحضان الذنب أي يغسلانه رحضت الثوب و ثوب رحيض و هذا الكلام يدل على وجوب العمرة و قد ذهب إليه كثير من الفقهاء العلماء.و ثامنها صلة الرحم و هي واجبة و قطيعة الرحم محرمة قال فإنها مثراة في المال أي تثريه و تكثره.و منسأة في الأجل أي تنسؤه و تؤخره و يقال نسأ الله في أجلك و يجوز أنسأه بالهمزة.فإن قلت فما الحجة على تقديم وجوب الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج
قلت أما الصلاة فلأن تاركها يقتل و إن لم يجحد وجوبها و غيرها ليس كذلك و إنما قدمت الزكاة على الصوم لأن الله تعالى قرنها بالصلاة في كثير من الكتاب العزيز و لم يذكر صوم شهر رمضان إلا في موضع واحد و كثرة تأكيد الشيء و ذكره دليل على أنه أهم و إنما قدم الصوم على الحج لأنه يتكرر وجوبه و الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة فدل على أنه أهم عند الشارع من الحج.ثم قال ع و صدقة السر فخرج من الواجبات إلى النوافل قال فإنها تكفر الخطيئة و التكفير هو إسقاط عقاب مستحق بثواب أزيد منه أو توبة و أصله في اللغة الستر و التغطية و منه الكافر لأنه يغطي الحق و سمي البحر كافرا لتغطيته ما تحته و سمي الفلاح كافرا لأنه يغطي الحب في الأرض المحروثة.ثم قال و صدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء كالغرق و الهدم و غيرها.قال و صنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان كأسر الروم للمسلم أو كأخذ الظلمة لغير المستحق للأخذ.ثم شرع في وصايا أخر عددها و الهدي السيرة و
في الحديث و اهدوا هدي عمار يقال هدى فلان هدي فلان أي سار سيرته.و سمي القرآن حديثا اتباعا لقول الله تعالى( نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ) و استدل أصحابنا بالآية على أنه محدث لأنه لا فرق بين حديث و محدث في اللغة فإن قالوا إنما أراد أحسن الكلام قلنا لعمري إنه كذلك و لكنه لا يطلق على الكلام القديم لفظة حديث لأنه إنما سمي الكلام و المحاورة و المخاطبة حديثا لأنه أمر يتجدد حالا فحالا و القديم ليس كذلك.
ثم قال تفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب من هذا أخذ ابن عباس قوله إذا قرأت ألم حم وقعت في روضات دمثات.ثم قال فإنه شفاء الصدور و هذا من الألفاظ القرآنية.ثم سماه قصصا اتباعا لما ورد في القرآن من قوله( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ ) .ثم ذكر أن العالم الذي لا يعمل بعلمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله.ثم قال بل الحجة عليه أعظم لأنه يعلم الحق و لا يعمل به فالحجة عليه أعظم من الحجة على الجاهل و إن كانا جميعا محجوجين أما أحدهما فبعلمه و أما الآخر فبتمكنه من أن يعلم.ثم قال و الحسرة له ألزم لأنه عند الموت يتأسف ألا يكون عمل بما علم و الجاهل لا يأسف ذلك الأسف.ثم قال و هو عند الله ألوم أي أحق أن يلام لأن المتمكن عالم بالقوة و هذا عالم بالفعل فاستحقاقه اللوم و العقاب أشد
110 و من خطبة له ع
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَلَّتْ بِالآْمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَ لاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لاَ تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ اَلرَّغْبَةِ فِيهَا وَ اَلرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّياحُ وَ كانَ اَللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً لَمْ يَكُنِ اِمْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلاَّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً وَ لَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلاَّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاَءٍ وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اِعْذَوْذَبَ وَ اِحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لاَ يَنَالُ اِمْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلاَّ أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَ لاَ يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلاَّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا لاَ خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ اَلتَّقْوَى
مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ وَ مَنِ اِسْتَكْثَرَ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ قَدْ صَرَعَتْهُ وَ ذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وَ ذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَ عَيْشُهَا رَنَقٌ رَنِقٌ وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً وَ أَبْقَى آثَاراً وَ أَبْعَدَ آمَالاً وَ أَعَدَّ عَدِيداً وَ أَكْثَفَ جُنُوداً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ وَ آثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ وَ لاَ ظَهْرٍ قَاطِعٍ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ اَلدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ اَلْمَنُونِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ اَلْأَبَدِ وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ اَلسَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ اَلضَّنْكَ أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ اَلظُّلْمَةَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ اَلنَّدَامَةَ أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ فَبِئْسَتِ اَلدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا وَ اِتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وَ أُنْزِلُوا
اَلْأَجْدَاثَ فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ اَلصَّفِيحِ أَجْنَانٌ وَ مِنَ اَلتُّرَابِ أَكْفَانٌ وَ مِنَ اَلرُّفَاتِ جِيرَانٌ فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً وَ لاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً وَ لاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وَ إِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وَ هُمْ آحَادٌ وَ جِيرَةٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ وَ قَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَ جُهَلاَءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لاَ يُخْشَى فَجْعُهُمْ وَ لاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ اِسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ اَلْأَرْضِ بَطْناً وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَ بِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدَّائِمَةِ وَ اَلدَّارِ اَلْبَاقِيَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) خضرة أي ناضرة و هذه اللفظة من الألفاظ النبوية
قال النبي ص إن الدنيا حلوة خضرة و إن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون.و حفت بالشهوات كان الشهوات مستديرة حولها كما يحف الهودج بالثياب و حفوا حوله يحفون حفا أطافوا به قال الله تعالى( وَ تَرَى اَلْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ ) .قوله و تحببت بالعاجلة أي تحببت إلى الناس بكونها لذة عاجلة و النفوس مغرمة مولعة بحب العاجل فحذف الجار و المجرور القائم مقام المفعول.قوله و راقت بالقليل أي أعجبت أهلها و إنما أعجبتهم بأمر قليل ليس بدائم.
قوله و تحلت بالآمال من الحلية أي تزينت عند أهلها بما يؤملون منها.قوله و تزينت بالغرور أي تزينت عند الناس بغرور لا حقيقة له.و الحبرة السرور و حائلة متغيرة و نافدة فانية و بائدة منقضية و أكالة قتالة و غوالة مهلكة و الغول ما غال أي أهلك و منه المثل الغضب غول الحلم.ثم قال إنها إذا تناهت إلى أمنية ذوي الرغبات فيها لا تتجاوز أن تكون كما وصفها الله تعالى به وهو قوله ( وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّياحُ وَ كانَ اَللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) .فاختلط أي فالتف بنبات الأرض و تكاثف به أي بسبب ذلك الماء و بنزوله عليه و يجوز أن يكون تقديره فاختلط بنبات الأرض لأنه لما غذاه و أنماه فقد صار مختلطا به و لما كان كل واحد من المختلطين مشاركا لصاحبه في مسمى الاختلاط جاز فاختلط به نبات الأرض كما يجوز فاختلط هو بنبات الأرض.و الهشيم ما تهشم و تحطم الواحدة هشيمة و تذروه الرياح تطيره و كان الله على ما يشاء من الإنشاء و الإفناء مقتدرا.قوله من يلق من سرائها بطنا إنما خص السراء بالبطن و الضراء بالظهر لأن الملاقي لك بالبطن ملاق بالوجه فهو مقبل عليك و المعطيك ظهره مدبر عنك.و قيل لأن الترس بطنه إليك و ظهره إلى عدوك و قيل لأن المشي في بطون الأودية أسهل من السير على الظراب و الآكام.و طله السحاب يطله إذا أمطره مطرا قليلا يقول إذا أعطت قليلا من الخير أعقبت ذلك بكثير من الشر لأن التهتان الكثير المطر هتن يهتن بالكسر هتنا و هتونا و تهتانا.
قوله و حري أي جدير و خليق يقال بالحري أن يكون هذا الأمر كذا و هذا الأمر محراة لذلك أي مقمنة مثل محجاة و ما أحراه مثل ما أحجاه و أحر به مثل أحج به و تقول هو حري أن يفعل ذلك بالفتح أي جدير و قمين لا يثنى و لا يجمع قال الشاعر
و هن حري ألا يثبنك نقرة |
و أنت حري بالنار حين تثيب |
فإذا قلت هو حر بكسر الراء و حري بتشديدها على فعيل ثنيت و جمعت فقلت هما حريان و حريان و حرون مثل عمون و أحراء أيضا و في المشدد حريون و أحرياء و هي حرية و حرية و هن حريات و حريات و حرايا.فإن قلت فهلا قال و حرية إذا أصبحت لأنه يخبر عن الدنيا قلت أراد شأنها فذكر أي و شأنها خليق أن يفعل كذا.و اعذوذب صار عذبا و احلولى صار حلوا و من هاهنا أخذ الشاعر قوله
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة |
إذا اخضر منها جانب جف جانب |
|
فلا تكتحل عيناك منها بعبرة |
على ذاهب منها فإنك ذاهب |
و ارتفع جانب المذكور بعد إن لأنه فاعل فعل مقدر يفسره الظاهر أي و إن اعذوذب جانب منها لأن إن تقتضي الفعل و تطلبه فهي كإذا في قوله تعالى( إِذَا اَلسَّماءُ اِنْشَقَّتْ ) .و أمر الشيء أي صار مرا و أوبى صار وبيا و لين الهمز لأجل السجع.و الرغب مصدر رغبت في الأمر رغبة و رغبا أي أردته.يقول لا ينال الإنسان منها إرادته إلا أرهقته تعبا يقال أرهقه إثما أي حمله و كلفه.
فإن قلت لم خص الأمن بالجناح و الخوف بالقودام قلت لأن القوادم مقاديم الريش و الراكب عليها بعرض خطر عظيم و سقوط قريب و الجناح يستر و يقي البرد و الأذى قال أبو نواس
تغطيت من دهري بظل جناحه |
فصرت أرى دهري و ليس يراني |
|
فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت |
و أين مكاني ما عرفن مكاني |
و الهاء في جناحه ترجع إلى الممدوح بهذا الشعر.و توبقه تهلكه و الأبهة الكبر و الرنق بفتح النون مصدر رنق الماء أي تكدر و بالكسر الكدر و قد روي هاهنا بالفتح و الكسر فالكسر ظاهر و الفتح على تقدير حذف المضاف أي ذو رنق.و ماء أجاج قد جمع المرارة و الملوحة أج الماء يؤج أجاجا و الصبر بكسر الباء هذا النبات المر نفسه ثم سمي كل مر صبرا و السمام جمع سم لهذا القاتل يقال سم و سم بالفتح و الضم و الجمع سمام و سموم.و رمام بالية و أسبابها حبالها و موفورها و ذو الوفر و الثروة منها و المحروب المسلوب أي لا تحمى جارا و لا تمنعه.ثم أخذ قوله تعالى( وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ اَلْأَمْثالَ ) فقال أ لستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا نصب أطول بأنه خبر كان و قد دلنا الكتاب الصادق على أنهم كانوا أطول
أعمارا بقوله( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً ) و ثبت بالعيان أنهم أبقى آثارا فإن من آثارهم الأهرام و الإيوان و منارة الإسكندرية و غير ذلك و أما بعد الآمال فمرتب على طول الأعمار فكلما كانت أطول كانت الآمال أبعد و إن عنى به علو الهمم فلا ريب أنهم كانوا أعلى همما من أهل هذا الزمان و قد كان فيهم من ملك معمورة الأرض كلها و كذلك القول في أعد عديدا و أكثف جنودا و العديد العدو الكثير و أعد منهم أي أكثر.قوله و لا ظهر قاطع أي قاطع لمسافة الطريق.و الفوادح المثقلات فدحه الدين أثقله و يروى بالقوادح بالقاف و هي آفة تظهر في الشجر و صدوع تظهر في الأسنان.و أوهقتهم جعلتهم في الوهق بفتح الهاء و هو حبل كالطول و يجوز التسكين مثل نهر و نهر.و القوارع المحن و الدواهي و سميت القيامة قارعة في الكتاب العزيز من هذا المعنى و ضعضعتهم أذلتهم قال أبو ذؤيب
أنى لريب الدهر لا أتضعضع
و ضعضعت البناء أهدمته.و عفرتهم للمناخر ألصقت أنوفهم بالعفر و هو التراب و المناسم جمع منسم بكسر السين و هو خف البعير.
و دان لها أطاعها و دان لها أيضا ذل و أخلد إليها مال قال تعالى( وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ ) .و السغب الجوع يقول إنما زودتهم الجوع و هذا مثل كما قال
و مدحته فأجازني الحرمانا
و معنى قوله أو نورت لهم إلا الظلمة أي بالظلمة و هذا كقوله هل زودتهم إلا السغب و هو من باب إقامة الضد مقام الضد أي لم تسمح لهم بالنور بل بالظلمة و الضنك الضيق.ثم قال فبئست الدار و حذف الضمير العائد إليها و تقديره هي كما قال تعالى( نِعْمَ اَلْعَبْدُ ) و تقديره هو.و من لم يتهمها من لم يسؤ ظنا بها و الصفيح الحجارة و الأجنان القبور الواحد جنن و المجنون المقبور و منه قول الأعرابية لله درك من مجنون في جنن و الأكنان جمع كن و هو الستر قال تعالى( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبالِ أَكْناناً ) .و الرفات العظام البالية و المندبة الندب على الميت لا يبالون بذلك لا يكترثون به و جيدوا مطروا و قحطوا انقطع المطر عنهم فأصابهم القحط و هو الجدب و إلى معنى قوله ع فهم جيرة لا يجيبون داعيا و لا يمنعون ضيما جميع و هم آحاد و جيرة و هم أبعاد متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون نظر البحتري فقال
بنا أنت من مجفوة لم تؤنب |
و مهجورة في هجرها لم تعتب |
|
و نازحة و الدار منها قريبة |
و ما قرب ثاو في التراب مغيب |
و قد قال الشعراء و الخطباء في هذا المعنى كثيرا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسنرحمهالله في مرثية لأبي إسحاق الصابي
أعزز علي بأن نزلت بمنزل |
متشابه الأمجاد بالأوغاد |
|
في عصبة جنبوا إلى آجالهم |
و الدهر يعجلهم عن الإرواد |
|
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم |
من غير أطناب و لا أوتاد |
|
ركب أناخوا لا يرجى منهم |
قصد لإتهام و لا إنجاد |
|
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة |
للدهر نازلة بكل مقاد |
|
فتهافتوا عن رحل كل مذلل |
و تطاوحوا عن سرج كل جواد |
|
بادون في صور الجميع و إنهم |
متفردون تفرد الآحاد |
فقوله بادون في صور الجمع...البيت هو قوله ع جمع و هم آحاد بعينه و قال الرضيرحمهالله تعالى أيضا
متوسدين على الخدود كأنما |
كرعوا على ظمإ من الصهباء |
|
صور ضننت على العيون بحسنها |
أمسيت أوقرها من البوغاء |
|
و نواظر كحل التراب جفونها |
قد كنت أحرسها من الأقذاء |
|
قربت ضرائحهم على زوارها |
و نأوا عن الطلاب أي تناء |
قوله قربت ضرائحهم...البيت هو معنى قوله ع و جيرة و هم أبعاد بعينه.و من هذا المعنى قول بعض الأعراب
لكل أناس مقبر في ديارهم |
فهم ينقصون و القبور تزيد |
|
فكائن ترى من دار حي قد أخرجت |
و قبر بأكناف التراب جديد |
|
هم جيرة الأحياء أما مزارهم |
فدان و أما الملتقى فبعيد |
و من كلام ابن نباتة وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان.و منه قوله أسير وحشة الانفراد فقير إلى اليسير من الزاد جار من لا يجير و ضيف من لا يمير حملوا و لا يرون ركبانا و انزلوا و لا يدعون ضيفانا و اجتمعوا و لا يسمون جيرانا و احتشدوا و لا يعدون أعوانا و هذا كلام أمير المؤمنين ع بعينه المذكور في هذه الخطبة و قد أخذه مصالتة.و منه قوله طحنتهم طحن الحصيد و غيبتهم تحت الصعيد فبطون الأرض لهم أوطان و هم في خرابها قطان عمروا فأخربوا و اقتربوا فاغتربوا و اصطحبوا و ما اصطحبوا.و منه قوله غيبا كأشهاد عصبا كآحاد همودا في ظلم الإلحاد إلى يوم التناد.
و اعلم أن هذه الخطبة ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان و التبيين و رواها لقطري بن الفجاءة و الناس يروونها لأمير المؤمنين ع و قد رأيتها في كتاب المونق لأبي عبيد الله المرزباني مروية لأمير المؤمنين ع و هي بكلام أمير المؤمنين أشبه و ليس يبعد عندي أن يكون قطري قد خطب بها بعد أن أخذها عن بعض أصحاب أمير المؤمنين ع فإن الخوارج كانوا أصحابه و أنصاره و قد لقي قطري أكثرهم
111 و من خطبة له ع يذكر فيها ملك الموت و توفيه الأنفس
هَلْ تُحِسُّ يُحَسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى اَلْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ اَلرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ أما مذهب جمهور أصحابنا و هم النافون للنفس الناطقة فعندهم أن الروح جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية ينفذ في العروق الضوارب و الحياة عرض قائم بالروح و حال فيها فللدماغ روح دماغية و حياة حالة فيها و كذلك للقلب و كذلك للكبد و عندهم أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه لو لا ذلك لتعذر عليه و هو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد في المشرق و المغرب لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد قال أصحابنا و لا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون هم القابضين للأرواح عند انقضاء الأجل قالوا و كيفية القبض ولوج الملك من الفم إلى القلب لأنه جسم لطيف هوائي لا يتعذر عليه النفوذ في المخارق الضيقة فيخالط الروح
التي هي كالشبيهة به لأنها جسم لطيف بخاري ثم يخرج من حيث دخل و هي معه و إنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى له فيه و هو حضور الأجل فألزموا على ذلك أن يغوص الملك في الماء مع الغريق ليقبض روحه تحت الماء فالتزموا ذلك و قالوا ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسام الماء فإن فيه مسام و منافذ و في كل جسم على قاعدتهم في إثبات الماء في الأجسام.قالوا و لو فرضنا أنه لا مسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكانا كما يلجه الحجر و السمك و غيرهما و كالريح الشديدة التي تقرع ظاهر البحر فتقعره و تحفره و قوة الملك أشد من قوة الريح.ثم نعود إلى الشرح فنقول الملك أصله مألك بالهمز و وزنه مفعل و الميم زائدة لأنه من الألوكة و الألوك و هي الرسالة ثم قلبت الكلمة و قدمت اللام فقيل ملأك قال الشاعر
فلست لإنسي و لكن لملأك |
تنزل من جو السماء يصوب |
ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل ملك فلما جمع ردت الهمزة إليه فقالوا ملائكة و ملائك قال أمية بن أبي الصلت
و كأن برقع و الملائك حولها |
سدر تواكله القوائم أجرد |
و التوفي الإماتة و قبض الأرواح قال( الله تعالى اَللَّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) .و التقسيم الذي قسمه في وفاة الجنين حاصر لأنه مع فرضنا إياه جسما يقبض الأرواح التي في الأجسام إما أن يكون مع الجنين في جوف أمه فيقبض روحه عند حضور أجله
أو خارجا عنها و القسم الثاني ينقسم قسمين أحدهما أن يلج جوف أمه لقبض روحه فيقبضها و الثاني أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها و ذلك بأن تطيعه الروح و تكون مسخرة إذا أراد قبضها امتدت إليه فقبضها و هذه القسمة لا يمكن الزيادة عليها و لو قسمها واضع المنطق لما زاد.ثم خرج إلى أمر آخر أعظم و أشرف مما ابتدأ به فقال كيف يصف إلهه من يعجز عن وصف مخلوق مثله و إلى هذا الغرض كان يترامى و إياه كان يقصد و إنما مهد حديث الملك و الجنين توطئة لهذا المعنى الشريف و السر الدقيق
فصل في التخلص و سياق كلام للشعراء فيه
و هذا الفن يسميه أرباب علم البيان التخلص و أكثر ما يقع في الشعر كقول أبي نواس
تقول التي من بيتها خف مركبي |
عزيز علينا أن نراك تسير |
|
أ ما دون مصر للغني متطلب |
بلى إن أسباب الغنى لكثير |
|
فقلت لها و استعجلتها بوادر |
جرت فجرى في جريهن عبير |
|
ذريني أكثر حاسديك برحلة |
إلى بلد فيه الخصيب أمير |
و من ذلك قول أبي تمام
يقول في قومس صحبي و قد أخذت |
منا السرى و خطا المهرية القود |
|
أ مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا |
فقلت كلا و لكن مطلع الجود |
و منه قول البحتري:
هل الشباب ملم بي فراجعة |
أيامه لي في أعقاب أيامي |
|
لو أنه نائل غمر يجاد به |
إذن تطلبته عند ابن بسطام |
و منه قول المتنبي و هو يتغزل بأعرابية و يصف بخلها و جبنها و قلة مطعمها و هذه كلها من الصفات الممدوحة في النساء خاصة
في مقلتي رشأ تديرهما |
بدوية فتنت بها الحلل |
|
تشكو المطاعم طول هجرتها |
و صدودها و من الذي تصل |
|
ما أسأرت في القعب من لبن |
تركته و هو المسك و العسل |
|
قالت إلا تصحو فقلت لها |
أعلمتني أن الهوى ثمل |
|
لو أن فناخسر صبحكم |
و برزت وحدك عاقه الغزل |
|
و تفرقت عنكم كتائبه |
إن الملاح خوادع قتل |
|
ما كنت فاعلة و ضيفكم |
ملك الملوك و شأنك البخل |
|
أ تمنعين قرى فتفتضحي |
أم تبذلين له الذي يسل |
|
بل لا يحل بحيث حل به |
بخل و لا جور و لا وجل |
و هذا من لطيف التخلص و رشيقه و التخلص مذهب الشعراء و المتأخرون يستعملونه كثيرا و يتفاخرون فيه و يتناضلون فأما التخلص في الكلام المنثور فلا يكاد يظهر لمتصفح الرسالة أو الخطبة إلا بعد تأمل شديد و قد وردت منه مواضع في القرآن العزيز فمن
أبينها و أظهرها أنه تعالى ذكر في سورة الأعراف الأمم الخالية و الأنبياء الماضين من لدن آدم ع إلى أن انتهى إلى قصة موسى فقال في آخرها بعد أن شرحها و أوضحها( وَ اِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ اَلسُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ اِرْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغافِرِينَ وَ اُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ اَلدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْراةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلالَ اَلَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ) .و هذا من التخلصات اللطيفة المستحسنة
فصل في الاستطراد و إيراد شواهد للشعراء فيه
و اعلم أن من أنواع علم البيان نوعا يسمى الاستطراد و قد يسمى الالتفات و هو من جنس التخلص و شبيه به إلا أن الاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره و كأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل و وقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه و تتركه و تعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه و كالملغى عما استطردت بذكره فمن ذلك قول البحتري و هو يصف فرسا
و أغر في الزمن البهيم محجل |
قد رحت منه على أغر محجل |
|
كالهيكل المبني إلا أنه |
في الحسن جاء كصورة في هيكل |
|
وافي الضلوع يشد عقد حزامه |
يوم اللقاء على معم مخول |
|
أخواله للرستمين بفارس |
و جدوده للتبعين بموكل |
|
يهوى كما هوت العقاب و قد رأت |
صيدا و ينتصب انتصاب الأجدل |
|
متوجس برقيقتين كأنما |
تريان من ورق عليه مكلل |
|
ما إن يعاف قذى و لو أوردته |
يوما خلائق حمدويه الأحول |
|
ذنب كما سحب الرشاء يذب عن |
عرف و عرف كالقناع المسبل |
|
جذلان ينفض عذرة في غرة |
يقق تسيل حجولها في جندل |
|
كالرائح النشوان أكثر مشيه |
عرضا على السنن البعيد الأطول |
|
ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة |
فيه بناظرها حديد الأسفل |
|
هزج الصهيل كأن في نغماته |
نبرات معبد في الثقيل الأول |
|
ملك القلوب فإن بدا أعطينه |
نظر المحب إلى الحبيب المقبل |
أ لا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب و كأنه لم يقصد ذلك و لا أراده و إنما جرته القافية ثم ترك ذكره و عاد إلى وصف الفرس و لو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره و لذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقا فهذا هو الاستطراد.و من الفرق بينه و بين التخلص أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح
أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية و أقبلت على ما تخلصت إليه من المديح و الهجاء بيتا بعد بيت حتى تنقضي القصيدة و في الاستطراد تمر على ذكر الأمر الذي استطردت به مرورا كالبرق الخاطف ثم تتركه و تنساه و تعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك و إنما عرض عروضا و إذا فهمت الفرق فاعلم أن الآيات التي تلوناها إذا حققت و أمعنت النظر من باب الاستطراد لا من باب التخلص و ذلك لأنه تعالى قال بعد قوله( وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ قُلْ يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِماتِهِ وَ اِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ وَ قَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ اَلْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ اَلْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) فعاد إلى ما كان فيه أولا ثم مر في هذه القصة و في أحوال موسى و بني إسرائيل حتى قارب الفراغ من السورة.و من لطيف التخلص الذي يكاد يكون استطرادا لو لا أنه أفسده بالخروج إلى المدح قول أبي تمام في قصيدته التي يمدح بها محمد بن الهيثم التي أولها
أسقى طلولهم أجش هزيم |
و غدت عليهم نضرة و نعيم |
|
ظلمتك ظالمة البريء ظلوم |
و الظلم من ذي قدرة مذموم |
|
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت |
منها طلول باللوى و رسوم |
لا و الذي هو عالم إن النوى |
صبر و إن أبا الحسين كريم |
|
ما حلت عما تعهدين و لا غدت |
نفسي على إلف سواك تحوم |
فلو أتم متغزلا لكان مستطردا لا محالة و لكنه نقض الاستطراد و غمس يده في المدح فقال بعد هذا البيت
لمحمد بن الهيثم بن شبانة |
مجد إلى جنب السماك مقيم |
|
ملك إذا نسب الندى من ملتقى |
طرفيه فهو أخ له و حميم |
و مضى على ذلك إلى آخرها.و من الاستطراد أن يحتال الشاعر لذكر ما يروم ذكره بوصف أمر ليس من غرضه و يدمج الغرض الأصلي في ضمن ذلك و في غضونه و أحسن ما يكون ذلك إذا صرح بأنه قد استطرد و نص في شعره على ذلك كما قال أبو إسحاق الصابي في أبيات كتبها إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة كتبها إليه إلى شيراز و أبو إسحاق في بغداد و كانت أخبار فتوح عضد الدولة بفارس و كرمان و ما والاها متواصلة مترادفة إلى العراق و كتب عبد العزيز واصلة بها إلى عز الدولة بختيار و الصابي يجيب عنها
يا راكب الجسرة العيرانة الأجد |
يطوي المهامة من سهل إلى جلد |
|
أبلغ أبا القاسم نفسي الفداء له |
مقالة من أخ للحق معتمد |
|
في كل يوم لكم فتح يشاد به |
بين الأنام بذكر السيد العضد |
|
و ما لنا مثله لكننا أبدا |
نجيبكم بجواب الحاسد الكمد |
|
فأنت أكتب مني في الفتوح و ما |
تجري مجيبا إلى شاوي و لا أمدي |
و ما ذممت ابتدائي في مكاتبة |
و لا جوابكم في القرب و البعد |
|
لكنني رمت أن أثني على ملك |
مستطرد بمديح فيه مطرد |
و لقد ظرف و ملح أبو إسحاق في هذه الأبيات و متى خلا أو عرى عن الظرف و الملاحة و لقد كان ظرفا و لباقة كله.و ليس من الاستطراد ما زعم ابن الأثير الموصلي في كتابه المسمى بالمثل السائر أنه استطراد و هو قول بعض شعراء الموصل يمدح قرواش بن المقلد و قد أمره أن يعبث بهجاء وزيره سليمان بن فهد و حاجبه أبي جابر و مغنية المعروف بالبرقعيدي في ليلة من ليالي الشتاء و أراد بذلك الدعابة و الولع بهم و هم في مجلس في شراب و أنس فقال و أحسن فيما قال
و ليل كوجه البرقعيدي ظلمة |
و برد أغانيه و طول قرونه |
|
سريت و نومي فيه نوم مشرد |
كعقل سليمان بن فهد و دينه |
|
على أولق فيه التفات كأنه |
أبو جابر في خطبة و جنونه |
|
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه |
سنا وجه قرواش و ضوء جبينه |
و ذلك لأن الشاعر قصد إلى هجاء كل واحد منهم و وضع الأبيات لذلك و أمره قرواش رئيسهم و أميرهم بذلك فهجاهم و مدحه و لم يستطرد و هذه الأبيات تشبيهات كلها مقصود بها الهجاء لم يأت بالعرض في الشعر كما يأتي الاستطراد.و هذا غلط من مصنف الكتاب
112 و من خطبة له ع
وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا دَارٌ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا وَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يُصْفِهَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا عَنْ عَلَى أَعْدَائِهِ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ اَلْبِنَاءِ وَ عُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ اَلزَّادِ وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ اِنْقِطَاعَ اَلسَّيْرِ اِجْعَلُوا مَا اِفْتَرَضَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ طَلَبِكُمْ وَ اِسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا مَا سَأَلَكُمْ وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ اَلْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ اَلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا وَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا وَ يَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اِغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلآْجَالِ وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلآْمَالِ فَصَارَتِ اَلدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلآْخِرَةِ وَ اَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلآْجِلَةِ وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اَللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ وَ سُوءُ اَلضَّمَائِرِ فَلاَ تَوَازَرُونَ وَ لاَ تَنَاصَحُونَ وَ لاَ تَبَاذَلُونَ وَ لاَ تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ اَلدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ وَ لاَ يَحْزُنُكُمُ اَلْكَثِيرُ مِنَ اَلآْخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَ يُقْلِقُكُمُ اَلْيَسِيرُ مِنَ اَلدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي
وُجُوهِكُمْ وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَ كَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلاَّ مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ اَلآْجِلِ وَ حُبِّ اَلْعَاجِلِ وَ صَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ رِضَا رِضَى سَيِّدِهِ قوله ع فإنها منزل قلعة بضم القاف و سكون اللام أي ليست بمستوطنة و يقال هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة و يقال هم على قلعة أي على رحلة و من هذا الباب قولهم فلان قلعة إذا كان ينقلع عن سرجه و لا يثبت في البطش و الصراع و القلعة أيضا المال العارية و
في الحديث بئس المال القلعة.و النجعة طلب الكلأ في موضعه و فلان ينتجع الكلأ و منه انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه.ثم وصف هوان الدنيا على الله تعالى فقال من هوانها أنه خلط حلالها بحرامها...الكلام مراده تفضيل الدار الآتية على هذه الحاضرة فإن تلك صفو كلها و خير كلها و هذه مشوبة و الكدر و الشر فيها أغلب من الصفو و الخير و من كلام بعض الصالحين من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها و لا ينال ما عنده إلا بتركها و يروى و لم يضن بها على أعدائه و الرواية المشهورة عن أعدائه و كلاهما مستعمل.
و الزهيد القليل و العتيد الحاضر و السير سير المسافر.ثم أمرهم بأن يجعلوا الفرائض الواجبة عليهم من جملة مطلوباتهم و أن يسألوا الله من الإعانة و التوفيق على القيام بحقوقه الواجبة كما سألهم أي كما ألزمهم و افترض عليهم فسمى ذلك سؤالا لأجل المقابلة بين اللفظين كما قال سبحانه( وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) و كما قال النبي ص فإن الله لا يمل حتى تملوا و كما قال الشاعر
ألا لا يجهلن أحد علينا |
فنجهل فوق جهل الجاهلينا |
ثم أمرهم أن يسمعوا أنفسهم دعوة الموت قبل أن يحضر الموت فيحل بهم و مثل قوله تبكي قلوبهم و إن ضحكوا قول الشاعر و إن لم يكن هذا المقصد بعينه قصد
كم فاقة مستورة بمروءة |
و ضرورة قد غطيت بتجمل |
|
و من ابتسام تحته قلب شج |
قد خامرته لوعة ما تنجلي |
و المقت البغض و اغتبطوا فرحوا.و قوله أملك بكم مثل أولى بكم و قوله و العاجلة أذهب بكم من الآجلة أي ذهبت العاجلة بكم و استولت عليكم أكثر مما ذهبت بكم الآخرة و استولت عليكم.ثم ذكر أن الناس كلهم مخلوقون على فطرة واحدة و هي دين الله و توحيده و إنما اختلفوا و تفرقوا باعتبار أمر خارجي عن ذلك و هو خبث سرائرهم و سوء ضمائرهم فصاروا إلى حال لا يتوازرون أي لا يتعاونون و الأصل الهمز آزرته ثم تقلب الهمزة واوا و أصل قوله فلا توازرون فلا تتوازرون فحذفت إحدى التاءين كقوله تعالى( ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ) أي لا تتناصرون و التبادل أن يجود بعضهم على بعض بماله و يبذله له.
و مثل قوله ع ما بالكم تفرحون بكذا و لا تحزنون لكذا و يقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم من هذا قول الرضيرحمهالله
نقص الجديدين من عمري يزيد على |
ما ينقصان على الأيام من مالي |
|
دهر تؤثر في جسمي نوائبه |
فما اهتمامي أن أودي بسربالي |
و الضمير في يخاف راجع إلى الأخ لا إلى المستقبل له أي ما يخافه الأخ من مواجهته بعينه.قوله و صار دين أحدكم لعقة على لسانه أخذه الفرزدق فقال للحسين بن علي ع و قد لقيه قادما إلى العراق و سأله عن الناس أما قلوبهم فمعك و أما سيوفهم فعليك و الدين لعقة على ألسنتهم فإذا امتحصوا قل الديانون و اللفظة مجاز و أصل اللعقة شيء قليل يؤخذ بالملعقة من الإناء يصف دينهم بالنزارة و القلة كتلك اللعقة و لم يقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط أي ليس في قلوبهم
113 و من خطبة له ع
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْوَاصِلِ اَلْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَ اَلنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ اَلنُّفُوسِ اَلْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ اَلسِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ اَلْغُيُوبَ وَ وَقَفَ عَلَى اَلْمَوْعُودِ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ اَلشِّرْكَ وَ يَقِينُهُ اَلشَّكَّ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ اَلْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ اَلْعَمَلَ لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ وَ لاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّتِي هِيَ اَلزَّادُ وَ بِهَا اَلْمَعَاذُ زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ مَحَارِمَهُ وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ اَلرِّيَّ بِالظَّمَإِ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ وَ لاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي اَلْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَ اَلصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ اَلنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَجْمَعُ
مَا لاَ يَأْكُلُ وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَ لاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَ لاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَقْرَبَ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَ أَبْعَدَ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ اَلْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ اَلدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِيَانِ اَلسَّمَاعُ وَ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْخَبَرُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ زَادَ فِي اَلآْخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ اَلآْخِرَةِ وَ زَادَ فِي اَلدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ إِنَّ اَلَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ اَلَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اِتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلاَ يَكُونَنَّ اَلْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ اَلْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِعْتَرَضَ اَلشَّكُّ وَ دَخَلَ دَخِلَ اَلْيَقِينُ حَتَّى كَأَنَّ اَلَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وَضِعَ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا اَلْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ اَلْأَجَلِ فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلرِّزْقِ مَا فَاتَ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ اَلْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ اَلْيَوْمَ
رَجْعَتُهُ اَلرَّجَاءُ مَعَ اَلْجَائِي وَ اَلْيَأْسُ مَعَ اَلْمَاضِي فَاتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لقائل أن يقول أما كونه واصل الحمد له من عباده بالنعم منه عليهم فمعلوم فكيف قال إنه يصل النعم المذكورة بالشكر و الشكر من أفعال العباد و ليس من أفعاله ليكون واصلا للنعم به و جواب هذا القائل هو أنه لما وفق العباد للشكر بعد أن جعل وجوبه في عقولهم مقررا و بعد أن أقدرهم عليه صار كأنه الفاعل له فأضافه إلى نفسه توسعا كما يقال أقام الأمير الحد و قتل الوالي اللص فأما حمده سبحانه على البلاء كحمده على الآلاء فقد تقدم القول فيه و من الكلام المشهور سبحان من لا يحمد على المكروه سواه و السر فيه أنه تعالى إنما يفعل المكروه بنا لمصالحنا فإذا حمدناه عليه فإنما حمدناه على نعمه أنعم بها و إن كانت في الظاهر بلية و ألما.فإن قلت فقد كان الأحسن في البيان أن يقول نحمده على بلائه كما نحمده على آلائه قلت إنما عكس لأنه جاء باللفظين في معرض ذكر النعم و الشكر عليها فاستهجن أن يلقبها بلفظة الحمد على البلاء للمنافرة التي تكون بينهما فقال نحمده على هذه الآلاء التي أشرنا إليها التي هي آلاء في الحقيقة و هذا ترتيب صحيح منتظم.ثم سأل الله أن يعينه على النفس البطيئة عن المأمور به السريعة إلى المنهي عنه و من دعاء بعض الصالحين اللهم إني أشكو إليك عدوا بين جنبي قد غلب علي.و فسر قوم من أهل الطريقة و الحقيقة قوله تعالى( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا
اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ اَلْكُفَّارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) قالوا أراد مجاهدة النفوس و من كلام رسول الله ص أبت الأنفس إلا حب المال و الشرف و إن حبهما لأذهب بدين أحدكم من ذئبين ضاريين باتا في زريبة غنم إلى الصباح فما ذا يبقيان منها.ثم شرع في استغفار الله سبحانه من كل ذنب و عبر عن ذلك بقوله مما أحاط به علمه و أحصاه كتابه لأنه تعالى عالم بكل شيء و محيط بكل شيء و قد أوضح ذلك بقوله علم غير قاصر و كتاب غير مغادر أي غير مبق شيئا لا يحصيه قال تعالى( ما لِهذَا اَلْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها ) .ثم قال و نؤمن به إيمان من عاين و شاهد لأن إيمان العيان أخلص و أوثق من إيمان الخبر فإنه ليس الخبر كالعيان و هذا إشارة إلى إيمان العارفين الذين هو ع سيدهم و رئيسهم و لذلك قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.و قوله تصعدان القول إشارة إلى قوله تعالى( إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) و روي تسعدان القول بالسين أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان و يسعدانها.ثم ذكر أنهما شهادتان لا يخف ميزان هما فيه و لا يثقل ميزان رفعا عنه.أما أنه لا يثقل ميزان رفعا عنه فهذا لا كلام فيه و إنما الشأن في القضية الأولى لأن ظاهر هذا القول يشعر بمذهب المرجئة الخلص و هم أصحاب مقاتل بن سليمان القائلون إنه لا يضر مع الشهادتين معصية أصلا و إنه لا يدخل النار من في قلبه ذرة من الإيمان
و لهم على ذلك احتجاج قد ذكرناه في كتبنا الكلامية فنقول في تأويل ذلك إنه لم يحكم بهذا على مجرد الشهادتين و إنما حكم بهذا على شهادتين مقيدتين قد وصفهما بأنهما يصعدان القول و يرفعان العمل و تانك الشهادتان المقيدتان بذلك القيد إنما هو الشهادتان اللتان يقارنهما فعل الواجب و تجنب القبيح لأنه إن لم يقارنهما ذلك لم يرفعا العمل و إذا كان حكمه ع بعد خفة ميزان هما فيه إنما هو على شهادتين مقيدتين لا مطلقتين فقد بطل قول من يجعل هذا الكلام حجة للمرجئة.ثم أخذ في الوصاة بالتقوى و قال إنما الزاد في الدنيا الذي يزود منه لسفر الآخرة و بها المعاذ مصدر من عذت بكذا أي لجأت إليه و اعتصمت به.ثم وصفهما أعني الزاد و المعاذ فقال زاد مبلغ أي يبلغك المقصد و الغاية التي تسافر إليها و معاذ منجح أي يصادف عنده النجاح.دعا إليها أسمع داع يعني البارئ سبحانه لأنه أشد الأحياء أسماعا لما يدعوهم إليه و بناء أفعل هاهنا من الرباعي كما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و أنت أكرم لي من زيد أي أشد إكراما و هذا المكان أقفر من غيره أي أشد إقفارا و في المثل أفلس من ابن المذلق و روي دعا إليها أحسن داع أي أحسن داع دعا و لا بد من تقرير هذا المميز لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن و إنما يوصف بالحسن أفعاله.و وعاها خير واع أي من وعاها عنه تعالى و عقلها و أجاب تلك الدعوة فهو خير واع.و قيل عنى بقوله أسمع داع رسول الله ص و عنى بقوله خير واع نفسه لأنه أنزل فيه( وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) و الأول أظهر.
ثم قال فأسمع داعيها أي لم يبق أحدا من المكلفين إلا و قد أسمعه تلك الدعوة و فازوا عليها أفلح من فهمها و أجاب إليها لا بد من تقدير هذا و إلا فأي فوز يحصل لمن فهم و لم يجب و التقوى خشية الله سبحانه و مراقبته في السر و العلن و الخشية أصل الطاعات و إليها وقعت الإشارة بقوله تعالى( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ ) و قوله سبحانه( وَ مَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .قوله حتى أسهرت لياليهم و أظمأت هواجرهم من قول العرب نهاره صائم و ليله قائم نقلوا الفعل إلى الظرف و هو من باب الاتساع الذي يجرون فيه الظروف مجرى المفعول به فيقولون الذي سرته يوم الجمعة أي سرت فيه و قال
و يوم شهدناه سليما و عامرا
أي شهدنا فيه سليما و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا
يا سارق الليلة أهل الدار
و قال تعالى( بَلْ مَكْرُ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ ) فأخرجوهما بالإضافة عن الظرفية.قوله ع فأخذوا الراحة النصب يروى فاستبدلوا الراحة و النصب التعب و استقربوا الأجل رأوه قريبا.فإن قلت لما ذا كرر لفظة الأجل و في تكرارها مخالفة لفن البيان قلت إنه استعملها في الموضعين بمعنيين مختلفين فقوله استقربوا الأجل يعني المدة و قوله فلاحظوا الأجل يعني الموت نفسه.
و يروى موتر و موتر بالتشديد و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح أسوت الجرح أي أصلحته و لا ينقع لا يروى شرب حتى نقع أي شف عليله و ماء ناقع و هو كالناجع و ما رأيت شربه انقع منها.و إلى قوله ع يجمع ما لا يأكل و يبني ما لا يسكن نظر الشاعر فقال
أموالنا لذوي الميراث نجمعها |
و دورنا لخراب الدهر نبنيها |
و قال آخر
أ لم تر حوشبا أمسى يبني |
بناء نفعه لبني بقيلة |
|
يؤمل أن يعمر عمر نوح |
و أمر الله يطرق كل ليلة |
قوله و من غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما أي يصير الفقير غنيا و الغني فقيرا و قد فسره قوم فقالوا أراد أنك ترى من هو في باطن الأمر مرحوم مغبوطا و ترى من هو في باطن الأمر مغبوط مرحوما أي تحسب ذاك و تتخيله و هذا التأويل غير صحيح لأن قوله بعده ليس ذلك إلا نعيما زل و بؤسا نزل و يكذبه و يصدق التفسير الأول.و أضحى فيئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس ثم قال لا جاء يرد و لا ماض يرتد أي يسترد و يسترجع أخذه أبو العتاهية فقال
فلا أنا راجع ما قد مضى لي |
و لا أنا دافع ما سوف يأتي |
و إلى قوله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به و ما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه نظر الشاعر فقال
يا بعيدا عني و ليس بعيدا |
من لحاقي به سميع قريب |
صرت بين الورى غريبا كما أنك تحت الثرى وحيد غريب فإن قلت ما وجه تقسيمه ع الأمور التي عددها إلى الفناء و العناء و الغير و العبر قلت لقد أصاب الثغرة و طبق المفصل أ لا تراه ذكر في الفناء رمي الدهر الإنسان عن قوس الردى و في العناء جمع ما لا يأكل و بناء ما لا يسكن و في الغير الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر و في العبر اقتطاع الأجل الأمل فقد ناط بكل لفظة ما يناسبها.و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه و ليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه فقال
خير البضائع للإنسان مكرمة |
تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه |
|
فالخير خير و خير منه فاعله |
و الشر شر و شر منه صانعه |
إلا أن أمير المؤمنين ع استثنى العقاب و الثواب و الشاعر جعل مكانهما فاعل الخير و الشر.ثم ذكر أن كل شيء من أمور الدنيا المرغبة و المرهبة سماعه أعظم من عيانه و الآخرة بالعكس و هذا حق أما القضية الأولى فظاهرة و قد قال القائل
اهتز عند تمني وصلها طربا |
و رب أمنية أحلى من الظفر |
و لهذا يحرص الواحد منا على الأمر فإذا بلغه برد و فتر و لم يجده كما كان يظن في اللذة و يوصف لنا البلد البعيد عنا بالخصب و الأمن و العدل و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصف بل ربما وجدنا القليل من ذلك و يوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم بفنون من الآداب و الحكم و يبالغ الواصفون في ذلك فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف و كذلك قد يخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما فإذا
وقع فيهما هان ما كان يتخوفه و وجد الأمر دون ذلك و كذلك القتل و الموت فإن ما يستعظمه الناس منهما دون أمرهما في الحقيقة و قد قال أبو الطيب و هو حكيم الشعراء
كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس |
سهل فيها إذا هو كانا |
و يقال في المثل لج الخوف تأمن و أما أحوال الآخرة فلا ريب أن الأمر فيها بالضد من ذلك لأن الذي يتصوره الناس من الجنة أنها أشجار و أنهار و مأكول و مشروب و جماع و أمرها في الحقيقة أعظم من هذا و أشرف لأن ملاذها الروحانية المقارنة لهذه الملاذ المضادة لها أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظيمة و كذلك أكثر الناس يتوهمون أن عذاب النار يكون أياما و ينقضي كما يذهب إليه المرجئة أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا كما هو قول الخلص من المرجئة و أن أهل النار يألفون عذابها فلا يستضرون به إذا تطاول الأمد عليهم و أمر العذاب أصعب مما يظنون خصوصا على مذهبنا في الوعيد و لو لم يكن إلا آلام النفوس باستشعارها سخط الله تعالى عليها فإن ذلك أعظم من ملاقاة جرم النار لبدن الحي.و في هذا الموضع أبحاث شريفة دقيقة ليس هذا الكتاب موضوعا لها.ثم أمرهم بأن يكتفوا من عيان الآخرة و غيبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبيل و نحن في هذه الدار إلى أكثر من ذلك.و إلى قوله ما نقص من الدنيا و زاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة و زاد في الدنيا نظر أبو الطيب فقال إلا أنه أخرجه في مخرج آخر
بلاد ما اشتهيت رأيت فيها |
فليس يفوتها إلا كرام |
فهلا كان نقص الأهل فيها |
و كان لأهلها منها التمام |
ثم قال فكم من منقوص في دنياه و هو رابح في آخرته و كم من مزيد في دنياه و هو خاسر في آخرته ثم قال إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه و ما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم الجملة الأولى هي الجملة الثانية بعينها و إنما أتى بالثانية تأكيدا للأولى و إيضاحا لها و لأن فن الخطابة و الكتابة هكذا هو و ينتظم كلتا الجملتين معنى واحد و هو أن فيما أحل الله غنى عما حرم بل الحلال أوسع أ لا ترى أن المباح من المآكل و المشارب أكثر عددا و أجناسا من المحرمات فإن المحرم ليس إلا الكلب و الخنزير و أشياء قليلة غيرهما و المحرم من المشروب الخمر و نحوها من المسكر و ما عدا ذلك حلال أكله و شربه و كذلك القول في النكاح و التسري فإنهما طريقان مهيعان إلى قضاء الوطر و السفاح طريق واحد و الطريقان أكثر من الطريق الواحد.فإن قلت فكيف قال إن الذي أمرتم به فسمى المباح مأمورا به قلت سمى كثير من الأصوليين المباح مأمورا به و ذلك لاشتراكه مع المأمور به في أنه لا حرج في فعله فأطلق عليه اسمه و أيضا فإنه لما كان كثير من الأمور التي عددناها مندوبا أطلق عليه لفظ الأمر لأن المندوب مأمور به و ذلك كالنكاح و التسري و أكل اللحوم التي هي سبب قوة البدن و شرب ما يصلح المزاج من الأشربة التي لا حرج في استعمالها و قال بعض العقلاء لبنيه يا بني إنه ليس كل شيء من اللذة ناله أهل الخسارة بخسارتهم إلا ناله أهل المروءة و الصيانة بمروءتهم و صيانتهم فاستتروا بستر الله
و دخل إنسان على علي بن موسى الرضا ع و عليه ثياب مرتفعة القيمة فقال يا ابن رسول الله أ تلبس مثل هذا فقال له مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ
ثم أمر بالعمل و العبادة و نهى عن الحرص على طلب الرزق فقال إنكم أمرتم بالأول و ضمن لكم الثاني فلا تجعلوا المضمون حصوله لكم هو المخصوص بالحرص و الاجتهاد بل ينبغي أن يكون الحرص و الاجتهاد فيما أمرتم بعمله و هو العبادة و قد يتوهم قوم أنه ارتفع طلبه بالمضنون كقولك المضروب أخوه و هذا غلط لأنه لم يضمن طلبه و إنما ضمن حصوله و لكنه ارتفع لأنه مبتدأ و خبره أولى و هذا المبتدأ و الخبر في موضع نصب لأنه خبر يكونن أو ارتفع لأنه بدل من المضنون و هذا أحسن و أولى من الوجه الأول و هو بدل الاشتمال.ثم ذكر أن رجعة العمر غير مرجوة و رجعة الرزق مرجوة أوضح ذلك بأن الإنسان قد يذهب منه اليوم درهم فيستعيضه أي يكتسب عوضه في الغد دينارا و أما أمس نفسه فمستحيل أن يعود و لا مثله لأن الغد و بعد الغد محسوب من عمره و ليس عوضا من الأمس الذاهب و هذا الكلام يقتضي أن العمر مقدور و أن المكاسب و الأرزاق إنما هي بالاجتهاد و ليست محصورة مقدرة و هذا يناقض في الظاهر ما تقدم من قوله إن الرزق مضمون فلا تحرصوا عليه فاحتاج الكلام إلى تأويل و هو أن العمر هو الظرف الذي يوقع المكلف فيه الأعمال الموجبة له السعادة العظمى المخلصة له من الشقاوة العظمى و ليس له ظرف يوقعها فيه إلا هو خاصة فكل جزء منه إذا فات من غير عمل لما بعد الموت فقد فات على الإنسان بفواته ما لا سبيل له إلى استدراكه بعينه و لا اغترام مثله لأن المثل الذي له إنما هو زمان آخر و ليس ذلك في مقدور الإنسان و الزمان المستقبل الذي يعيش فيه الإنسان لم يكتسبه هو لينسب إليه فيقال إنه حصله عوضا مما انقضى و ذهب من عمره و إنما هو فعل غيره و مع ذلك فهو معد و مهيأ لأفعال من العبادة توقع فيه كما كان الجزء الماضي معدا لأفعال
توقع فيه فليس أحدهما عوضا عن الآخر و لا قائما مقامه و أما المنافع الدنيوية كالمآكل و المشارب و الأموال فإن الإنسان إذا فاته شيء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كانت عينه باقية و ما لا تبقى عينه يقدر على اكتساب مثله و الرزق و إن كان مضمونا من الله إلا أن للحركة فيه نصيبا إما أن يكون شرطا أو أن يكون هو بذاته من أثر قدرة الإنسان كحركته و اعتماده و سائر أفعاله و يكون الأمر بالتوكل و النهي عن الاجتهاد في طلب الرزق على هذا القول إنما هو نهي عن الحرص و الجشع و التهالك في الطلب فإن ذلك قبيح يدل على دناءة الهمة و سقوطها.ثم هذه الأغراض الدنيوية إذا حصلت أمثالها بعد ذهابها قامت مقام الذاهب لأن الأمر الذي يراد الذاهب له يمكن حصوله بهذا المكتسب و ليس كذلك الزمان الذاهب من العمر لأن العبادات و الأعمال التي كان أمس متعينا لها لا يمكن حصولها اليوم على حد حصولها أمس فافترق البابان باب الأعمال و باب الأرزاق.و قوله الرجاء مع الجائي و اليأس مع الماضي كلام يجري مجرى المثل و هو تأكيد للمعنى الأول و جعل الجائي مرجوا لأنه لا يعلم غيبه قال الشاعر
ما مضى فات و المقدر غيب |
و لك الساعة التي أنت فيها |
و قوله حق تقاته أي حق تقيته أي خوفه اتقى يتقي تقية و تقاة و وزنها فعلة و أصلها الياء و مثلها اتخم تخمة و اتهم تهمة
114 و من خطبة له ع في الاستسقاء
اَللَّهُمَّ قَدِ اِنْصَاحَتْ جِبَالُنَا وَ اِغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَ هَامَتْ دَوَابُّنَا وَ تَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وَ عَجَّتْ عَجِيجَ اَلثَّكَالَى عَلَى أَوْلاَدِهَا وَ مَلَّتِ اَلتَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا وَ اَلْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ اَلآْنَّةِ وَ حَنِينَ اَلْحَانَّةِ اَللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا وَ أَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا اَللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اِعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ اَلسِّنِينَ وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ اَلْجُودِ فَكُنْتَ اَلرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ وَ اَلْبَلاَغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ اَلْأَنَامُ وَ مُنِعَ اَلْغَمَامُ وَ هَلَكَ اَلسَّوَامُ أَلاَّ تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا وَ لاَ تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا وَ اُنْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ اَلْمُنْبَعِقِ وَ اَلرَّبِيعِ اَلْمُغْدِقِ وَ اَلنَّبَاتِ اَلْمُونِقِ سَحّاً وَابِلاً تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ وَ تَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَريِئَةً مَرِيعَةً زَاكِياً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا تُنْعِشُ بِهَا اَلضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ وَ تُحْيِي بِهَا اَلْمَيِّتَ مِنْ بِلاَدِكَ اَللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا وَ تَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا وَ يُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا مِنْ بَرَكَاتِكَ اَلْوَاسِعَةِ وَ عَطَايَاكَ اَلْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ اَلْمُرْمِلَةِ وَ وَحْشِكَ اَلْمُهْمَلَةِ وَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً مِدْرَاراً هَاطِلَةً يُدَافِعُ اَلْوَدْقُ مِنْهَا اَلْوَدْقَ وَ يَحْفِزُ اَلْقَطْرُ مِنْهَا
اَلْقَطْرَ غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا وَ لاَ جَهَامٍ عَارِضُهَا وَ لاَ قَزَعٍ رَبَابُهَا وَ لاَ شَفَّانٍ ذِهَابُهَا حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا اَلْمُجْدِبُونَ وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا اَلْمُسْنِتُونَ فَإِنَّكَ تُنْزِلُ اَلْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَ أَنْتَ اَلْوَلِيُّ اَلْحَمِيدُ قال الشريف الرضيرحمهالله تعالى قوله ع انصاحت جبالنا أي تشققت من المحول يقال انصاح الثوب إذا انشق و يقال أيضا انصاح النبت و صاح و صوح إذا جف و يبس كله بمعنى.و قوله و هامت دوابنا أي عطشت و الهيام العطش.و قوله حدابير السنين جمع حدبار و هي الناقة التي أنضاها السير فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب قال ذو الرمة
حدابير ما تنفك إلا مناخة |
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا |
و قوله و لا قزع ربابها القزع القطع الصغار المتفرقة من السحاب.و قوله و لا شفان ذهابها فإن تقديره و لا ذات شفان ذهابها و الشفان الريح الباردة و الذهاب الأمطار اللينة فحذف ذات لعلم السامع به
يجوز أن يريد بقوله و هامت دوابنا معنى غير ما فسره الشريف الرضيرحمهالله به و هو ندودها و ذهابها على وجوهها لشدة المحل يقول هام على وجهه يهيم هيما و هيمانا.و المرابض مبارك الغنم و هي لها كالمواطن للإبل واحدها مربض بكسر الباء مثل مجلس و عجت صرخت و يحتمل الضمير في أولادها أن يرجع إلى الثكالى أي كعجيج الثكالى على أولادهن و يحتمل أن يرجع إلى الدواب أي و عجت على أولادها كعجيج الثكالى و إنما وصفها بالتحير في مرابضها لأنها لشدة المحل تتحير في مباركها و لا تدري ما ذا تصنع إن نهضت لترعى لم تجد رعيا و إن أقامت كانت إلى انقطاع المادة أقرب قوله و ملت التردد في مراتعها و الحنين إلى مواردها و ذلك لأنها أكثرت من التردد في الأماكن التي كانت تعهد مراتعها فيها فلم تجد مرتعا فملت الترداد إليها و كذلك ملت الحنين إلى الغدران و الموارد التي كانت تعتادها للشرب فإنها حنت إليها لما فقدتها حتى ضجرت و يئست فملت مما لا فائدة لها فيه.و الآنة و الحانة الشاة و الناقة و يقال ما له حانة و لا آنة و أصل الأنين صوت المريض و شكواه من الوصب يقال أن يئن أنينا و أنانا و تأنانا.و الموالج المداخل و إنما ابتدأ ع بذكر الأنعام و ما أصابها من الجدب اقتفاء بسنة رسول الله ص و لعادة العرب أما سنة رسول الله ص
فإنه قال لو لا البهائم الرتع و الصبيان الرضع و الشيوخ الركع لصب
عليكم العذاب صبا و قد ذهب كثير من الفقهاء إلى استحباب إخراج البهائم في صلاة الاستسقاء و تقدير دعائه ع اللهم إن كنت حرمتنا الغيث لسوء أعمالنا فارحم هذه الحيوانات التي لا ذنب لها و لا تؤاخذها بذنوبنا و أما عادة العرب فإنهم كانوا إذا أصابهم المحل استسقوا بالبهائم و دعوا الله بها و استرحموه لها و منهم من كان يجعل في أذناب البقر السلع و العشر و يصعد بها في الجبال و التلاع العالية و كانوا يسقون بذلك و قال الشاعر
أ جاعل أنت بيقورا مسلعة |
ذريعة لك بين الله و المطر |
فاعتكرت ردف بعضها بعضا و أصل عكر عطف و العكرة الكرة و
في الحديث قال له قوم يا رسول الله نحن الفرارون فقال بل أنتم العكارون إن شاء الله.و البيت الذي ذكره الرضيرحمهالله لذي الرمة لا أعرفه إلا حراجيج و هكذا رأيته بخط ابن الخشابرحمهالله و الحرجوج الناقة الضامرة في طول.و فيه مسألة نحوية و هي أنه كيف نقض النفي من ما تنفك و هو غير جائز كما لا يجوز ما زال زيد إلا قائما و جوابها أن تنفك هاهنا تامة أي ما تنفصل و مناخة منصوب على الحال.قوله و أخلفتنا مخايل الجود أي كلما شمنا برقا و اختلنا سحابا أخلفنا و لم يمطر.و الجود المطر الغزير و يروى مخايل الجود بالضم.
و المبتئس ذو البؤس و البلاغ للملتمس أي الكفاية للطالب.و تقول قنط فلان بالفتح يقنط و يقنط بالكسر و الضم فهو قانط و فيه لغة أخرى قنط بالكسر يقنط قنطا مثل تعب يتعب تعبا و قناطة أيضا فهو قنط و قرئ( وَلَا تَكُنْ مِنَ اَلْقانِطِينَ ) .و إنما قال و منع الغمام فبنى الفعل للمفعول به لأنه كره أن يضيف المنع إلى الله تعالى و هو منبع النعم فاقتضى حسن الأدب أنه لم يسم الفاعل و روي منع الغمام أي و منع الغمام القطر فحذف المفعول و السوام المال الراعي.فإن قلت ما الفرق بين تؤاخذنا و بين تأخذنا.قلت المؤاخذة دون الأخذ لأن الأخذ الاستئصال و المؤاخذة عقوبة و إن قلت.و السحاب المنبعق المتبعج بالمطر و مثله المتبعق و مثله البعاق و الربيع المغدق الكثير و النبات المونق المعجب.و انتصب سحا على المصدر و الوابل المطر الشديد.ثم قال تحيي به ما قد مات أي يكاد يتلف بها من الزرع و ترد به ما قد فات أي يستدرك به الناس ما فاتهم من الزرع و الحرث.و السقيا مؤنثة و هي الاسم من سقى و المريعة الخصيبة.و ثامرا فرعها ذو ثمر كما قالوا لابن و تامر ذو لبن و تمر.و تنعش ترفع و النجاد جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض و الوهاد جمع وهد و هو المطمئن منها و روي نجادنا بالنصب على أنه مفعول.
قوله و تندى بها أقاصينا أي الأباعد منا و يندى بها ينتفع نديت بكذا أي انتفعت.و الضواحي النواحي القريبة من المدينة العظمى و المرملة الفقيرة أرمل افتقر و نفد زاده و وحشك المهملة التي لا راعي لها و لا صاحب و لا مشفق.و سماء مخضلة تخضل النبت أي تبله و روي مخضلة أي ذات نبات و زروع مخضلة يقال اخضل النبت اخضلالا أي ابتل و إنما أنث السماء و هو المطر و هو مذكر لأنه أراد الأمطار و الودق المطر و يحفز يدفع بشدة و إذا دفع القطر القطر كان أعظم و أغزر له.و برق خلب لا مطر معه و سحاب جهام لا ماء فيه و المجدبون أهل الجدب و المسنتون الذين أصابتهم السنة و هي المحل و القحط الشديد
صلاة الاستسقاء و آدابها
و اعلم أن صلاة الاستسقاء عند أكثر الفقهاء سنة.و قال أبو حنيفة لا صلاة للاستسقاء قال أصحابه يعني ليست سنة في جماعة و إنما يجوز أن يصلي الناس وحدانا قالوا و إنما الاستسقاء هو الدعاء و الاستغفار.و قال باقي الفقهاء كالشافعي و أبي يوسف و محمد و غيرهم بخلاف ذلك قالوا و قد روي أن رسول الله ص صلى بالناس جماعة في الاستسقاء فصلى ركعتين جهر بالقراءة فيهما و حول رداءه و رفع يديه و استسقى قالوا و السنة أن يكون في المصلى و إذا أراد الإمام الخروج لذلك وعظ الناس و أمرهم بالخروج من المظالم و التوبة من المعاصي لأن ذلك يمنع القطر.
قالوا وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال إذا بخس المكيال حبس القطر.و قال مجاهد في قوله تعالى( وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاَّعِنُونَ ) قال دواب الأرض تلعنهم يقولون منعنا القطر بخطاياهم.قالوا و يأمر الإمام الناس بصوم ثلاثة أيام قبل الخروج ثم يخرج في اليوم الرابع و هم صيام و يأمرهم بالصدقة و يستسقي بالصالحين من أهل بيت رسول الله ص كما فعل عمر و يحضر معه أهل الصلاح و الخير و يستسقي بالشيوخ و الصبيان.و اختلفوا في إخراج البهائم فمنهم من استحب ذلك و منهم من كرهه و يكره إخراج أهل الذمة فإن حضروا من عند أنفسهم لم يمنعوا و الغسل و السواك في صلاة الاستسقاء عندهم مسنونان و لا يستحب فيهما التطيب لأن الحال لا يقتضيه.و ينبغي أن يكون الخروج بتواضع و خشوع و إخبات كما خرج رسول الله ص للاستسقاء.قالوا و لا يؤذن لهذه الصلاة و لا يقام و إنما ينادي لها الصلاة جامعة و هي ركعتان كصلاة العيد يكبر في الأولى سبع تكبيرات و في الثانية خمس تكبيرات.قالوا و يخطب بعد الصلاة خطبتين و يكون دعاء الاستسقاء في الخطبة الأولى.قالوا فيقول اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد و البلاد من اللأواء و الضنك و الجهد ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع و أدر لنا الضرع و اسقنا من بركات السماء اللهم اكشف عنا الجهد و الجوع و العري و اكشف عنا ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.
قالوا و يستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية و يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر و ما على الأيسر على الأيمن تفاؤلا بتحول الحال و كذا روي أن رسول الله ص فعل و يستحب للناس أن يحولوا أرديتهم مثله و يتركوها كما هي و لا يعيدوها إلى حالها الأولى إلا إذا رجعوا إلى منازلهم.و يستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سرا فيجمع بين الجهر و السر كما قال سبحانه و تعالى( إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ) و كقوله تعالى( وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ ) قالوا و يستحب رفع اليد في هذا الدعاء و أن يكثروا من الاستغفار لقوله تعالى( اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ اَلسَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) فإن صلوا و استسقوا فلم يسقوا عادوا من الغد و صلوا و استسقوا و إن سقوا قبل الصلاة صلوا شكرا و طلبا للزيادة.قالوا و يستحب أن يقفوا تحت المطر حتى يصيبهم و أن يحسروا له عن رءوسهم وقد روي أن رسول الله ص حسر عن رأسه حتى أصابه مطر الاستسقاء.و يستحب إذا سال الوادي أن يغتسلوا فيه و يتوضئوا منه.و قد استحب قوم من الفقهاء أن يخرج الناس للاستسقاء حفاة حاسرين و الأكثرون على خلاف ذلك.فأما مذهب الشيعة في هذه المسألة فأن يستقبل الإمام القبلة بعد صلاة الركعتين فيكبر الله مائة تكبيرة و يرفع بها صوته و يكبر من حضر معه ثم يلتفت عن يمينه فيسبح الله مائة تسبيحة يرفع بها صوته و يسبح معه من حضر ثم يلتفت عن يساره فيهلل الله
مائة مرة يرفع بها صوته و يقول من حضر مثل ذلك ثم يستقبل الناس بوجهه فيحمد الله مائة مرة يرفع بها صوته و يقول معه من حضر مثل ذلك ثم يخطب بهذه الخطبة المروية عن أمير المؤمنين ع في الاستسقاء فإن لم يتمكن منها اقتصر على الدعاء
أخبار و أحاديث في الاستسقاء
و جاء في الأخبار الصحيحة رؤيا رقيقة في الجاهلية و هي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف قالت رقيقة تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع و أرقت العظم فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة و معي صنوي إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلتكم أيامه و هذا إبان نجومه فحيهلا بالخصب و الحيا ألا فانظروا رجلا منكم عظاما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب
سهل الخدين أشم العرنين له سنة تهدى إليه ألا فليخلص هو و ولده و ليدلف إليه من كل بطن رجل ألا فليشنوا عليهم من الماء و ليمسوا من الطيب و ليطوفوا بالبيت سبعا و ليكن فيهم الطيب الطاهر لداته فليستق الرجل و ليؤمن القوم ألا فغثتم إذا ما شئتم.قالت فأصبحت علم الله مذعورة قد قف جلدي و وله عقلي فاقتصصت رؤياي على الناس فذهبت في شعاب مكة فو الحرمة و الحرم إن بقي أبطحي إلا و قال هذا شيبة الحمد.فتتامت رجال قريش و انقض إليه من كل بطن رجل فشنوا عليهم ماء و مسوا طيبا و استلموا و اطوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس و طفق القوم يدفون حول عبد المطلب ما إن يدرك سعيهم مهلة حتى استقروا بذروة الجبل و استكفوا جانبيه.فقام فاعتضد ابن ابنه محمدا ص فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام
قد أيفع أو كرب ثم قال اللهم ساد الخلة و كاشف الكربة أنت عالم غير معلم و مسئول غير مبخل و هذه عبداؤك و إماؤك بعذارات حرمك يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف و الظلف فاسمعن اللهم و أمطرن علينا غيثا مغدقا مريعا سحا طبقا دراكا.قالت فو رب الكعبة ما راموا حتى انفجرت السماء بمائها و اكتظ الوادي بثجيجه و انصرف الناس يقولون لعبد المطلب هنيئا لك سيد البطحاء و في رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى قال فسمعنا شيخان قريش و جلتها عبد الله بن جدعان و حرب بن أمية و هشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب هنيئا لك أبا البطحاء و في ذلك قال شاعر من قريش و قد روي هذا الشعر لرقيقة
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا |
و قد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر |
|
فجاد بالماء و سمي له سبل |
سحا فعاشت به الأنعام و الشجر |
وفي الحديث من رواية أنس بن مالك أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله ص فقام إليه رجل و هو يخطب يوم جمعة فقال يا رسول الله هلك الشاء هلك الزرع ادع الله لنا أن يسقينا فمد ع يده و دعا و استسقى
و إن السماء كمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا و دام القطر فقام إليه الرجل في اليوم الثالث فقال يا رسول الله تهدمت البيوت ادع الله أن يحبسه عنا فتبسم رسول الله ص ثم رفع يده و قال اللهم حوالينا و لا علينا قال أنس فو الذي بعث محمدا بالحق لقد نظرت إلى السحاب و إنه لقد انجاب حول المدينة كالإكليل وفي حديث عائشة أنه ع استسقى حين بدا قرن الشمس فقعد على المنبر و حمد الله و كبره ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم و قد أمركم الله أن تدعوه و وعدكم أن يستجيب لكم فادعوه ثم رفع صوته فقال اللهم إنك أنت الغني و نحن الفقراء فأنزل علينا الغيث و لا تجعلنا من القانطين اللهم اجعل ما تنزله علينا قوة لنا و بلاغا إلى حين برحمتك يا أرحم الراحمين فأنشأ الله سحابا فرعدت و برقت ثم أمطرت فلم يأت ع منزله حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه و قال أشهد أني عبد الله و رسوله و أن الله على كل شيء قدير ومن دعائه ع في الاستسقاء و قد رواه الفقهاء و غيرهم اللهم اسقنا و أغثنا اللهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ربيعا وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا عاما
هنيئا مريئا مريعا مربعا مرتعا وابلا سابلا مسيلا مجللا درا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث غيثا اللهم تحيي به العباد و تغيث به البلاد و تجعله بلاغا للحاضر منا و الباد اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها و أنزل علينا في أرضنا سكنها اللهم أنزل علينا ماء طهورا فأحي به بلدة ميتا و اسقه مما خلقت لنا أنعاما و أناسي كثيرا.و روى عبد الله بن مسعود أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعباس فقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك و قفية آبائه و كبر رجاله فإنك قلت و قولك الحق( وَ أَمَّا اَلْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ ) الآية فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين و مستغفرين ثم أقبل على الناس فقال استغفروا ربكم إنه كان غفارا.قال ابن مسعود رأيت العباس يومئذ و قد طال عمر و عيناه تنضحان و سبائبة تجول على صدره و هو يقول اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة و لا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير و رق الكبير و ارتفعت الشكوى و أنت تعلم السر و أخفى اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون.
قال فنشأت طريرة من سحاب و قال الناس ترون ترون ثم تلاءمت و استتمت و مشت فيها ريح ثم هدت و درت فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الأحذية و قلصوا المآزر و طفق الناس يلوذون بالعباس يمسحون أركانه و يقولون هنيئا لك ساقي الحرمين
115 و من خطبة له ع
أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى اَلْحَقِّ وَ شَاهِداً عَلَى اَلْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاَتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَ لاَ مُقَصِّرٍ وَ جَاهَدَ فِي اَللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَ لاَ مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اِتَّقَى وَ بَصَرُ مَنِ اِهْتَدَى قوله و شاهدا على الخلق أي يشهد على القوم الذين بعث إليهم و شهد لهم فيشهد على العاصي بالعصيان و الخلاف و يشهد للمطيع بالإطاعة و الإسلام و هذا من قوله سبحانه و تعالى( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) و من قوله تعالى( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ) .فإن قلت إذا كان الله تعالى عالما بكل شيء و مالكا لكل أحد فأي حاجة إلى الشهادة قلت ليس بمنكر أن يكون في ذلك مصلحة للمكلفين في أديانهم من حيث إنه قد تقرر في عقول الناس أن من يقوم عليه شاهد بأمر منكر قد فعله فإنه يخزى
و يخجل و تنقطع حجته فإذا طرق أسماعهم أن الأنبياء تشهد عليهم و الملائكة الحافظين تكتب أعمالهم كانوا عن مواقعة القبيح أبعد.و الواني الفاتر الكال و الواهن الضعيف.و المعذر الذي يعتذر عن تقصيره بغير عذر قال تعالى( وَ جاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرابِ ) : مِنْهَا وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى اَلصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لاَ حَارِسَ لَهَا وَ لاَ خَالِفَ عَلَيْهَا وَ لَهَمَّتْ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَا ذُكِّرْتُمْ وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اَللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ قَوْمٌ وَ اَللَّهِ مَيَامِينُ اَلرَّأْيِ مَرَاجِيحُ اَلْحِلْمِ مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ مَضَوْا قُدُماً عَلَى اَلطَّرِيقَةِ وَ أَوْجَفُوا عَلَى اَلْمَحَجَّةِ فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى اَلدَّائِمَةِ وَ اَلْكَرَامَةِ اَلْبَارِدَةِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلاَمُ ثَقِيفٍ اَلذَّيَّالُ اَلْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَ يُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ
قال الرضيرحمهالله تعالى الوذحة الخنفساء و هذا القول يومئ به إلى الحجاج و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره الصعيد التراب و يقال وجه الأرض و الجمع صعد و صعدات كطريق و طرق و طرقات و الالتدام ضرب النساء صدورهن في النياحة و لا خالف عليها لا مستخلف.قوله و لهمت كل امرئ منكم نفسه أي أذابته و أنحلته هممت الشحم أي أذبته و يروى و لأهمت كل امرئ و هو أصح من الرواية الأولى أهمني الأمر أي أحزنني.و تاه عن فلان رأيه أي عزب و ضل.ثم ذكر أنه يود و يتمنى أن يفرق الله بينه و بينهم و يلحقه بالنبي ص و بالصالحين من أصحابه كحمزة و جعفر ع و أمثالهما ممن كان أمير المؤمنين يثني عليه و يحمد طريقته من الصحابة فمضوا قدما أي متقدمين غير معرجين و لا معردين.و أوجفوا أسرعوا و يقال غنيمة باردة و كرامة باردة أي لم تؤخذ بحرب و لا عسف و ذلك لأن المكتسب بالحرب جار في المعنى لما يلاقي و يعاني في حصوله من المشقة.و غلام ثقيف المشار إليه هو الحجاج بن يوسف و الذيال التائه و أصله من ذال أي تبختر و جر ذيله على الأرض و الميال الظالم.و يأكل خضرتكم يستأصل أموالكم و يذيب شحمتكم مثله و كلتا اللفظتين استعارة.
ثم قال له كالمخاطب لإنسان حاضر بين يديه إيه أبا وذحة إيه كلمه يستزاد بها من الفعل تقديره زد و هات أيضا ما عندك و ضدها إيها أي كف و أمسك.قال الرضيرحمهالله و الوذحة الخنفساء و لم أسمع هذا من شيخ من أهل الأدب و لا وجدته في كتاب من كتب اللغة و لا أدري من أين نقل الرضيرحمهالله ذلك ثم إن المفسرين بعد الرضيرحمهالله قالوا في قصة هذه الخنفساء وجوها منها أن الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه فطردها فعادت ثم طردها فعادت فأخذها بيده و حذف بها فقرصته قرصا ورمت يده منها ورما كان فيه حتفه قالوا و ذلك لأن الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التي دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه.و منها أن الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدب قريبة منه يأمر غلمانه بإبعادها و يقول هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة قالوا و كان مغرى بهذا القول و الوذح ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجف.و منها أن الحجاج قال و قد رأى خنفساوات مجتمعات وا عجبا لمن يقول إن الله خلق هذه قيل فمن خلقها أيها الأمير قال الشيطان إن ربكم لأعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح قالوا فجمعها على فعل كبدنة و بدن فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه.و منها أن الحجاج كان مثفارا و كان يمسك الخنفساء حية ليشفى بحركتها في الموضع حكاكه قالوا و لا يكون صاحب هذا الداء إلا شائنا مبغضا لأهل البيت قالوا و لسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء و إنما قلنا كل من فيه هذا الداء فهو مبغض.قالوا و قد روى أبو عمر الزاهد و لم يكن من رجال الشيعة في أماليه و أحاديثه عن السياري
عن أبي خزيمة الكاتب قال ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء إلا وجدناه ناصبيا.قال أبو عمر و أخبرني العطافي عن رجاله قالوا سئل جعفر بن محمد ع عن هذا الصنف من الناس فقال رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي و ما كانت هذه الخصلة في ولي لله تعالى قط و لا تكون أبدا و إنما تكون في الكفار و الفساق و الناصب للطاهرين.و كان أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي من القوم و كان أشد الناس عداوة لرسول الله ص قالوا و لذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر يا مصفر استه.فهذا مجموع ما ذكره المفسرون و ما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع و يغلب على ظني أنه أراد معنى آخر و ذلك أن عادة العرب أن تكني الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم كقولهم أبو الهول و أبو المقدام و أبو المغوار فإذا أرادت تحقيره و الغض منه كنته بما يستحقر و يستهان به كقولهم في كنية يزيد بن معاوية أبو زنة يعنون القرد و كقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث أبو الفأر و كقولهم للطفيلي أبو لقمة و كقولهم لعبد الملك أبو الذبان لبخره و كقول ابن بسام لبعض الرؤساء
فأنت لعمري أبو جعفر |
و لكننا نحذف الفاء منه |
و قال أيضا
لئيم درن الثوب |
نظيف القعب و القدر |
|
أبو النتن أبو الدفر |
أبو البعر أبو الجعر |
فلما كان أمير المؤمنين ع يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي و الذنوب
التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء كناه أبو وذحة و يمكن أيضا أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه و حقارة منظره و تشويه خلقته فإنه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين مجدور الوجه أصلع الرأس فكناه بأحقر الأشياء و هو البعرة.و قد روى قوم هذه اللفظة بصيغة أخرى فقالوا إيه أبا ودجة قالوا واحدة الأوداج كناه بذلك لأنه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف و رواه قوم أبا وحرة و هي دويبة تشبه الحرباء قصيرة الظهر شبهه بها.و هذا و ما قبله ضعيف و ما ذكرناه نحن أقرب الصواب
116 و من كلام له ع
فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا وَ لاَ أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لاَ تُكْرِمُونَ اَللَّهَ فِي عِبَادِهِ فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ اِنْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ انتصاب الأموال بفعل مقدر دل عليه بذلتموها و كذلك أنفس يقول لم تبذلوا أموالكم في رضا من رزقكم إياها و لم تخاطروا بأنفسكم في رضا الخالق لها و الأولى بكم أن تبذلوا المال في رضا رازقه و النفس في رضا خالقها لأنه ليس أحد أحق منه بالمال و النفس و بذلهما في رضاه.ثم قال من العجب أنكم تطلبون من عباد الله أن يكرموكم و يطيعوكم لأجل الله و انتمائكم إلى طاعته ثم إنكم لا تكرمون الله و لا تطيعونه في نفع عباده و الإحسان إليهم.و محصول هذا القول كيف تسيمون الناس أن يطيعوكم لأجل الله ثم إنكم أنتم لا تطيعون الله الذي تكلفون الناس أن يطيعوكم لأجله ثم أمرهم باعتبارهم بنزولهم منازل من كان قبلهم و هذا مأخوذ من قوله
تعالى( وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ اَلْأَمْثالَ ) .وروي عن أصل إخوانكم و ذلك بموت الأب فإنه ينقطع أصل الأخ الواشج بينه و بين أخيه و الرواية الأولى أظهر
117 و من كلام له ع
أَنْتُمُ اَلْأَنْصَارُ عَلَى اَلْحَقِّ وَ اَلْإِخْوَانُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلْجُنَنُ يَوْمَ اَلْبَأْسِ وَ اَلْبِطَانَةُ دُونَ اَلنَّاسِ بِكُمْ أَضْرِبُ اَلْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَةَ اَلْمُقْبِلِ فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ اَلْغِشِّ سَلِيمَةٍ مِنَ اَلرَّيْبِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى اَلنَّاسِ بِالنَّاسِ الجنن جمع جنة و هي ما يستر به و بطانة الرجل خواصه و خالصته الذين لا يطوي عنهم سره.فإن قلت أما ضربه بهم المدبر فمعلوم يعني الحرب فما معنى قوله ع و أرجو طاعة المقبل قلت لأن من ينضوي إليه من المخالفين إذا رأى ما عليه شيعته و بطانته من الأخلاق الحميدة و السيرة الحسنة أطاعه بقلبه باطنا بعد أن كان انضوى إليه ظاهرا.و اعلم أن هذا الكلام قاله أمير المؤمنين ع للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل و قد ذكره المدائني و الواقدي في كتابيهما
118 و من كلام له ع و قد جمع الناس و حضهم على الجهاد فسكتوا مليا
فقال ع : مَا بَالُكُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَكَ فَقَالَ ع مَا بَالُكُمْ لاَ سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لاَ هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ وَ لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ اَلْجُنْدَ وَ اَلْمِصْرَ وَ بَيْتَ اَلْمَالِ وَ جِبَايَةَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْقَضَاءَ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلنَّظَرَ فِي حُقُوقِ اَلْمُطَالِبِينَ ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ اَلْقِدْحِ فِي اَلْجَفِيرِ اَلْفَارِغِ وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ اَلرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهُ اِسْتَحَارَ مَدَارُهَا وَ اِضْطَرَبَ ثِفَالُهَا هَذَا لَعَمْرُ اَللَّهِ اَلرَّأْيُ اَلسُّوءُ وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ رَجَائِي اَلشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي اَلْعَدُوَّ وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اِخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ إِنَّهُ لاَ غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ مَعَ قِلَّةِ اِجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ اَلَّتِي لاَ يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ هَالِكٌ مَنِ اِسْتَقَامَ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى اَلنَّارِ
سكتوا مليا أي ساعة طويلة و مضى ملي من النار كذلك قال الله تعالى( وَ اُهْجُرْنِي مَلِيًّا ) و أقمت عند فلان ملاوة و ملاوة و ملاوة من الدهر بالحركات الثلاث أي حينا و برهة و كذلك أقمت ملوة و ملوة و ملوة بالحركات الثلاث.و قوله أ مخرسون أنتم اسم المفعول من أخرسه الله و خرس الرجل و الخرس المصدر.و الكتيبة قطعة من الجيش و التقلقل الحركة في اضطراب و القدح السهم و الجفير الكنانة و قيل وعاء للسهام أوسع من الكنانة.و استحار مدارها اضطرب و المدار هاهنا مصدر و الثقال بكسر الثاء جلد يبسط و توضع الرحى فوقه فتطحن باليد ليسقط عليه الدقيق.و حم أي قدر و الركاب الإبل و شخصت عنكم خرجت ثم وصفهم بعيب الناس و الطعن فيهم و أنهم يحيدون عن الحق و عن الحرب أي ينحرفون و يروغون كما يروغ الثعلب.ثم قال إنه لا غناء عندكم و إن اجتمعتم بالأبدان مع تفرقي القلوب و الغناء بالفتح و المد النفع.و انتصب طعانين على الحال من الضمير المنصوب في أطلبكم.
و هذا كلام قاله أمير المؤمنين ع في بعض غارات أهل الشام على أطراف أعماله بالعراق بعد انقضاء أمر صفين و النهروان و قد ذكرنا سببه و وقعته فيما تقدم.فإن قلت كيف قال الطريق الواضح فذكره ثم قال لا يهلك فيها فأنثه قلت لأن الطريق يذكر و يؤنث تقول الطريق الأعظم و الطريق العظمى فاستعمل اللغتين معا
119 و من كلام له ع
تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ اَلرِّسَالاَتِ وَ إِتْمَامَ اَلْعِدَاتِ وَ تَمَامَ اَلْكَلِمَاتِ وَ عِنْدَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ أَبْوَابُ اَلْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ اَلْأَمْرِ أَلاَ وَ إِنَّ شَرَائِعَ اَلدِّينِ وَاحِدَةٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ اِعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ اَلذَّخَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ اَلسَّرَائِرُ وَ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ وَ اِتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ.أَلاَ وَ إِنَّ اَللِّسَانَ اَلصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اَللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي اَلنَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ اَلْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لاَ يَحْمَدُهُ رواها قوم لقد علمت بالتخفيف و فتح العين و الرواية الأولى أحسن فتبليغ الرسالات تبليغ الشرائع بعد وفاة الرسول ص إلى المكلفين و فيه إشارة إلى قوله تعالى( يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اَللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللَّهَ ) و إلى قول النبي ص في قصة براءة لا يؤدي عني إلا أنا و رجل مني.
و إتمام العدات إنجازها و فيه إشارة إلى قوله تعالى( مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اَللَّهَ عَلَيْهِ ) و إلى قول النبي ص في حقه ع قاضي ديني و منجز موعدي.و تمام الكلمات تأويل القرآن و فيه إشارة إلى قوله تعالى( وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً ) و إلى قول النبي في حقه ع اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه.و خلاصة هذا أنه أقسم بالله أنه قد علم أو علم على اختلاف الروايتين أداء الشرائع إلى المكلفين و الحكم بينهم بما أنزله الله و علم مواعيد رسول الله التي وعد بها فمنها ما هو وعد لواحد من الناس بأمر نحو أن يقول له سأعطيك كذا و منها ما هو وعد بأمر يحدث كأخبار الملاحم و الأمور المتجددة و علم تمام كلمات الله تعالى أي تأويلها و بيانها الذي يتم به لأن في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغني عن متمم و مبين يوضحه.ثم كشف الغطاء و أوضح المراد فقال و عندنا أهل البيت أبواب الحكم يعني الشرعيات و الفتاوي و ضياء الأمر يعني العقليات و العقائد و هذا مقام عظيم لا يجسر أحد من المخلوقين أن يدعيه سواه ع و لو أقدم أحد على ادعائه غيره لكذب و كذبه الناس.و أهل البيت منصوب على الاختصاص.و سبله قاصدة أي قريبة سهلة و يقال بيننا و بين الماء ليلة قاصدة و رافهة أي هينة المسير لا تعب و لا بطء.و تبلى فيه السرائر أي تختبر.ثم قال من لا ينفعه لبه الحاضر و عقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر
و لا موجود من العقل عنده أولى و أحرى أي من لم يكن له من نفسه و من ذاته وازع و زاجر عن القبيح فبعيد أن ينزجر و أن يرتدع بعقل غيره و موعظة غيره له كما قيل :و زاجر من النفس خير من عتاب العواذل ثم ذكر النار فحذر منها.و قوله حليتها حديد يعني القيود و الأغلال.ثم ذكر أن الذكر الطيب يخلفه الإنسان بين الناس خير له من مال يجمعه و يورثه من لا يحمده و جاء في الأثر أن أمير المؤمنين جاءه مخبر فأخبره أن مالا له قد انفجرت فيه عين خرارة يبشره بذلك فقال بشر الوارث بشر الوارث يكررها ثم وقف ذلك المال على الفقراء و كتب به كتابا في تلك الساعة
120 و من كلام له ع
وَ قَدْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ نَهَيْتَنَا عَنِ اَلْحُكُومَةِ ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا فَمَا نَدْرِي فَلَمْ نَدْرِ أَيُّ اَلْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ فَصَفَّقَ ع إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى اَلْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ اَلْعُقْدَةَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ اَلَّذِي يَجْعَلُ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اِسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَ إِنِ اِعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ اَلْوُثْقَى وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ اَلشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا اَللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا اَلدَّاءِ اَلدَّوِيِّ وَ كَلَّتِ اَلنَّزَعَةُ اَلنَّزْعَةُ بِأَشْطَانِ اَلرَّكِيِّ أَيْنَ اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ دُعُوا إِلَى اَلْإِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ وَ قَرَءُوا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ هِيجُوا إِلَى اَلْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اَللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا وَ سَلَبُوا اَلسُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَ أَخَذُوا بِأَطْرَافِ اَلْأَرْضِ زَحْفاً زَحْفاً وَ صَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وَ بَعْضٌ نَجَا لاَ يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَ لاَ يُعَزَّوْنَ عَنِ اَلْمَوْتَى مُرْهُ اَلْعُيُونِ مِنَ اَلْبُكَاءِ خُمْصُ اَلْبُطُونِ مِنَ اَلصِّيَامِ ذُبُلُ اَلشِّفَاهِ مِنَ اَلدُّعَاءِ صُفْرُ اَلْأَلْوَانِ مِنَ اَلسَّهَرِ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ اَلْخَاشِعِينَ أُولَئِكَ إِخْوَانِي اَلذَّاهِبُونَ فَحَقَّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ وَ نَعَضَّ اَلْأَيْدِي عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً وَ يُعْطِيَكُمْ
بِالْجَمَاعَةِ اَلْفُرْقَةَ وَ بِالْفُرْقَةِ اَلْفِتْنَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اِقْبَلُوا اَلنَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَ اِعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ هذه شبهة من شبهات الخوارج و معناها أنك نهيت عن الحكومة أولا ثم أمرت بها ثانيا فإن كانت قبيحة كنت بنهيك عنها مصيبا و بأمرك بها مخطئا و إن كانت حسنة كنت بنهيك عنها مخطئا و بأمرك بها مصيبا فلا بد من خطئك على كل حال.و جوابها أن للإمام أن يعمل بموجب ما يغلب على ظنه من المصلحة فهو ع لما نهاهم عنها كان نهيه عنها مصلحة حينئذ و لما أمرهم بها كانت المصلحة في ظنه قد تغيرت فأمرهم على حسب ما تبدل و تغير في ظنه كالطبيب الذي ينهى المريض اليوم عن أمر و يأمره بمثله غدا.و قوله هذا جزاء من ترك العقدة يعني الرأي الوثيق و في هذا الكلام اعتراف بأنه بان له و ظهر فيما بعد أن الرأي الأصلح كان الإصرار و الثبات على الحرب و أن ذلك و إن كان مكروها فإن الله تعالى كان يجعل الخيرة فيه كما قال سبحانه( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) ثم قال كنت أحملكم على الحرب و ترك الالتفات إلى مكيدة معاوية و عمرو من رفع المصاحف فإن استقمتم لي اهتديتم بي و إن لم تستقيموا فذلك ينقسم إلى قسمين أحدهما أن تعوجوا أي يقع منكم بعض الالتواء و يسير من العصيان كفتور الهمة و قلة الجد في الحرب و الثاني التأني و الامتناع المطلق من الحرب فإن كان الأول قومتكم
بالتأديب و الإرشاد و إرهاق الهمم و العزائم بالتبصير و الوعظ و التحريض و التشجيع و إن كان الثاني تداركت الأمر معكم إما بالاستنجاد بغيركم من قبائل العرب و أهل خراسان و الحجاز فكلهم كانوا شيعته و قائلين بإمامته أو بما أراه في ذلك الوقت من المصلحة التي تحكم بها الحال الحاضرة.قال لو فعلت ذلك لكانت هي العقدة الوثقى أي الرأي الأصوب الأحزم.فإن قلت أ فتقولون إنه أخطأ في العدول عن هذا الرأي قلت لا نقول إنه أخطأ بمعنى الإثم لأنه إنما فعل ما تغلب على ظنه أنه المصلحة و ليس الواجب عليه إلا ذلك و لكنه ترك الرأي الأصوب كما قال الحسن هلا مضيت قدما لا أبا لك و لا يلحق الإثم من غلب على ظنه في حكم السياسة أمر فاعتمده ثم بان له أن الأصوب كان خلافه و قد قيل إن قوله
لقد عثرت عثرة لا تنجبر |
سوف أكيس بعدها و أستمر |
و أجمع الرأي الشتيت المنتشر
إشارة إلى هذا المعنى و قيل فيه غير ذلك مما قدمنا ذكره قبل.و قال شيخنا أبو عثمان الجاحظرضياللهعنه من عرفه عرف أنه غير ملوم في الانقياد معهم إلى التحكيم فإنه مل من القتل و تجريد السيف ليلا و نهارا حتى ملت الدماء من إراقته لها و ملت الخيل من تقحمه الأهوال بها و ضجر من دوام تلك الخطوب الجليلة و الأرزاء العظيمة و استلاب الأنفس و تطاير الأيدي و الأرجل بين يديه و أكلت الحرب أصحابه و أعداءه و عطلت السواعد و خدرت الأيدي التي سلمت من وقائع السيوف بها و لو أن أهل الشام لم يستعفوا من الحرب و يستقيلوا من
المقارعة و المصادمة لأدت الحال إلى قعود الفيلقين معا و لزومهم الأرض و إلقائهم السلاح فإن الحال أفضت بعظمها و هو لها إلى ما يعجز اللسان عن وصفه.و اعلم أنه ع قال هذا القول و استدرك بكلام آخر حذرا أن يثبت على نفسه الخطأ في الرأي فقال لقد كان هذا رأيا لو كان لي من يطيعني فيه و يعمل بموجبة و أستعين به على فعله و لكن بمن كنت أعمل ذلك و إلى من أخلد في فعله أما الحاضرون لنصري فأنتم و حالكم معلومة في الخلاف و الشقاق و العصيان و أما الغائبون من شيعتي كأهل البلاد النائية فإلى أن يصلوا يكون قد بلغ العدو غرضه مني و لم يبق من أخلد إليه في إصلاح الأمر و إبرام هذا الرأي الذي كان صوابا لو اعتمد إلا أن أستعين ببعضكم على بعض فأكون كناقش الشوكة بالشوكة و هذا مثل مشهور لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها لها و الضلع الميل يقول لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها فإن إحداهما في القوة و الضعف كالأخرى فكما أن الأولى انكسرت لما وطئتها فدخلت في لحمك فالثانية إذا حاولت استخراج الأولى بها تنكسر و تلج في لحمك.ثم قال اللهم إن هذا الداء الدوي قد ملت أطباؤه و الدوي الشديد كما تقول ليل أليل.و كلت النزعة جمع نازع و هو الذي يستقي الماء و الأشطان جمع شطن و هو الحبل و الركي الآبار جمع ركية و تجمع أيضا على ركايا.ثم قال أين القوم هذا كلام متأسف على أولئك متحسر على فقدهم.و الوله شدة الحب حتى يذهب العقل وله الرجل.و اللقاح بكسر اللام الإبل و الواحدة لقوح و هي الحلوب مثل قلاص و قلوص.
قوله و أخذوا بأطراف الأرض أي أخذوا على الناس بأطراف الأرض أي حصروهم يقال لمن استولى على غيره و ضيق عليه قد أخذ عليه بأطراف الأرض قال الفرزدق
أخذنا بأطراف السماء عليكم |
لنا قمراها و النجوم الطوالع |
و زحفا زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا و الكلمة الثانية تأكيد للأولى و كذلك قوله و صفا صفا.ثم ذكر أن بعض هؤلاء المتأسف عليهم هلك و بعض نجا و هذا ينجي قوله تعالى( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) .ثم ذكر أن هؤلاء قوم و قذتهم العبادة و انقطعوا عن الناس و تجردوا عن العلائق الدنيوية فإذا ولد لأحدهم مولود لم يبشر به و إذا مات له ميت لم يعز عنه.و مرهت عين فلان بكسر الراء إذا فسدت لترك الكحل لكن أمير المؤمنين ع جعل مره عيون هؤلاء من البكاء من خوف خالقهم سبحانه و ذكر أن بطونهم من خماص الصوم و شفاههم ذابلة من الدعاء و وجوههم مصفرة من السهر لأنهم يقومون الليل و على وجوههم غبرة الخشوع.ثم قال أولئك إخواني الذاهبون فإن قلت من هؤلاء الذين يشير ع إليهم قلت هم قوم كانوا في نأنأة الإسلام و في زمان ضعفه و خموله أرباب زهد و عبادة و جهاد شديد في سبيل الله كمصعب بن عمير من بني عبد الدار و كسعد بن معاذ من الأوس و كجعفر بن أبي طالب و عبد الله بن رواحة و غيرهم ممن استشهد من الصالحين
أرباب الدين و العبادة و الشجاعة في يوم أحد و في غيره من الأيام في حياة رسول الله ص و كعمار و أبي ذر و المقداد و سلمان و خباب و جماعة من أصحاب الصفة و فقراء المسلمين أرباب العبادة الذين قد جمعوا بين الزهد و الشجاعة و قد جاء في الأخبار الصحيحة أن رسول الله ص قال إن الجنة لتشتاق إلى أربعة علي و عمار و أبي ذر و المقداد و جاء في الأخبار الصحيحة أيضا أن جماعة من أصحاب الصفة مر بهم أبو سفيان بن حرب بعد إسلامه فعضوا أيديهم عليه و قالوا وا أسفاه كيف لم تأخذ السيوف مأخذها من عنق عدو الله و كان معه أبو بكر فقال لهم أ تقولون هذا لسيد البطحاء فرفع قوله إلى رسول الله ص فأنكره و قال لأبي بكر انظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربك فجاء أبو بكر إليهم و ترضاهم و سألهم أن يستغفروا له فقالوا غفر الله لك.قوله فحق لنا يقال حق له أن يفعل كذا و هو حقيق به و هو محقوق به أي خليق له و الجمع أحقاء و محقوقون.و يسني يسهل و صدف عن الأمر يصدف أي انصرف عنه و نزغات الشيطان ما ينزغ به بالفتح أي يفسد و يغرى و نفثاته ما ينفث به و ينفث بالضم و الكسر أي يخيل و يسحر.و اعقلوها على أنفسكم أي اربطوها و الزموها
121 و من كلام له ع قاله للخوارج
وَ قَدْ خَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى إِنْكَارِ اَلْحُكُومَةِ فَقَالَ ع أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ فَقَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلاًّ مِنْكُمْ بِكَلاَمِهِ وَ نَادَى اَلنَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ اَلْكَلاَمِ وَ أَنْصِتُوا لِقَوْلِي وَ أَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ع بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ مِنْ جُمْلَتِهِ أَنْ قَالَ ع أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ اَلْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَ غِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا اِسْتَقَالُونَا وَ اِسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ اَلْقَبُولُ مِنْهُمْ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَ اِلْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وَ عَضُّوا عَلَى اَلْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ وَ لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَ إِنْ تُرِكَ ذَلَّ وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ اَلْفَعْلَةُ وَ قَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَ لاَ حَمَّلَنِي اَللَّهُ ذَنْبَهَا وَ وَ اَللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ اَلَّذِي يُتَّبَعُ وَ إِنَّ اَلْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ إِنَّ اَلْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى اَلآْبَاءِ وَ اَلْأَبْنَاءِ
وَ اَلْإِخْوَانِ وَ اَلْقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ شِدَّةٍ إِلاَّ إِيمَاناً وَ مُضِيّاً عَلَى اَلْحَقِّ وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْجِرَاحِ وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي اَلْإِسْلاَمِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ اَلزَّيْغِ وَ اَلاِعْوِجَاجِ وَ اَلشُّبْهَةِ وَ اَلتَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اَللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى اَلْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا هذا الكلام يتلو بعضه بعضا و لكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالآخر و هذه عادة الرضي تراه ينتخب من جملة الخطبة الطويلة كلمات فصيحة يوردها على سبيل التتالي و ليست متتالية حين تكلم بها صاحبها و سنقطع كل فصل منها عن صاحبه إذا مررنا على متنها.قوله إلى معسكرهم الكاف مفتوحة و لا يجوز كسرها و هو موضع العسكر و محطه.و شهد صفين حضرها قال تعالى( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ ) .قوله فامتازوا أي انفردوا قال تعالى( وَ اِمْتازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ ) .قوله حتى أكلم كلا منكم بكلامه أي بالكلام الذي يليق به و الغيلة الخداع و الناعق المصوت.قوله إن أجيب ضل و إن ترك ذل...هو آخر الفصل الأول و قوله ضل أي ازداد ضلالا لأنه قد ضل قبل أن يجاب.
فأما قوله فلقد كنا مع رسول الله ص فهو من كلام آخر و هو قائم بنفسه إلى قوله و صبرا على مضض الجراح فهذا آخر الفصل الثاني.فأما قوله لكنا إنما أصبحنا فهو كلام ثالث غير منوط بالأولين و لا ملتصق بهما و هو في الظاهر مخالف و مناقض للفصل الأول لأن الفصل الأول فيه إنكار الإجابة إلى التحكيم و هذا يتضمن تصويبها و ظاهر الحال أنه بعد كلام طويل و قد قال الرضيرحمهالله في أول الفصل أنه من جملة كلام طويل و أنه لما ذكر التحكيم قال ما كان يقوله دائما و هو أني إنما حكمت على أن نعمل في هذه الواقعة بحكم الكتاب و إن كنت أحارب قوما ما أدخلوا في الإسلام زيغا و أحدثوا به اعوجاجا فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم و أبقيت عليهم لأني طمعت في أمر يلم الله به شعث المسلمين و يتقاربون بطريقه إلى البقية و هي الإبقاء و الكف.فإن قلت إنه قد قال نقاتل إخواننا من المسلمين و أنتم لا تطلقون على أهل الشام المحاربين له لفظة المسلمين قلت إنا و إن كنا نذهب إلى أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنا و لا مسلما فإنا نجيز أن يطلق عليه هذا اللفظ إذا قصد به تمييزه عن أهل الذمة و عابدي الأصنام فيطلق مع قرينة حال أو لفظ يخرجه عن أن يكون مقصودا به التعظيم و الثناء و المدح فإن لفظة مسلم و مؤمن تستعمل في أكثر الأحوال كذلك و أمير المؤمنين ع لم يقصد بذلك إلا تمييزهم من كفار العرب و غيرهم من أهل الشرك و لم يقصد مدحهم بذلك فلم ينكر مع هذا القصد إطلاق لفظ المسلمين عليهم
122 و من كلام له ع قاله لأصحابه في ساعة الحرب بصفين
وَ أَيُّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ رِبَاطَةَ جَأْشٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ رَأَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَشَلاً فَلْيَذُبَّ عَنْ أَخِيهِ بِفَضْلِ نَجْدَتِهِ اَلَّتِي فُضِّلَ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَوْ شَاءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ إِنَّ اَلْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لاَ يَفُوتُهُ اَلْمُقِيمُ وَ لاَ يُعْجِزُهُ اَلْهَارِبُ إِنَّ أَكْرَمَ اَلْمَوْتِ اَلْقَتْلُ وَ اَلَّذِي نَفْسُ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى اَلْفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اَللَّهِ أحسن علم و وجد و رباطة جأش أي شدة قلب و الماضي ربط كأنه يربط نفسه عن الفرار و المروي رباطة بالكسر و لا أعرفه نقلا و إنما القياس لا يأباه مثل عمر عمارة و خلب خلابة.و الفشل الجبن و ذب الرجل عن صاحبه أي أكثر الذب و هو الدفع و المنع.و النجدة الشجاعة و الحثيث السريع و في بعض الروايات فليذب عن صاحبه بالإدغام و في بعضها فليذبب بفك الإدغام و الميتة بالكسر هيئة الميت كالجلسة و الركبة هيئة الجالس و الراكب يقال مات فلان ميتة حسنة و المروي في نهج
البلاغة بالكسر في أكثر الروايات و قد روي من موتة و هو الأليق يعني المرة الواحدة ليقع في مقابلة الألف.و اعلم أنه ع أقسم أن القتل أهون من الموت حتف الأنف و ذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى من الشجاعة الخارقة لعادة البشر و هو ع يحاول أن يحض أصحابه و يحرضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه و إقدامهم على الحرب مماثلا لإقدامه على عادة الأمراء في تحريض جندهم و عسكرهم و هيهات إنما هو كما قال أبو الطيب
يكلف سيف الدولة الجيش همه |
و قد عجزت عنه الجيوش الخضارم |
|
و يطلب عند الناس ما عند نفسه |
و ذلك ما لا تدعيه الضراغم |
ليست النفوس كلها من جوهر واحد و لا الطباع و الأمزجة كلها من نوع واحد و هذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة و الدهور المتباعدة و ما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا أن أحدا أعطي من الشجاعة و الإقدام ما أعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك و الفرس و العرب و الروم و غيرهم و المعلوم من حاله أنه كان يؤثر الحرب على السلم و الموت على الحياة و الموت الذي كان يطلبه و يؤثره إنما هو القتل بالسيف لا الموت على الفراش كما قال الشاعر
لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا |
لمات إذ لم يمت من شدة الحزن |
و كما قال الآخر
يستعذبون مناياهم كأنهم |
لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا |
فإن قلت فما قولك فيما أقسم عليه هل ألف ضربة بالسيف أهون ألما على المقتول من موتة واحدة على الفراش بالحقيقة أم هذا قول قاله على سبيل المبالغة و التجوز ترغيبا لأصحابه في الجهاد قلت الحالف يحلف على أحد أمرين أحدهما أن يحلف على ظنه و اعتقاده نحو أن يحلف أن زيدا في الدار أي أنا حالف و مقسم على أني أظن أن زيدا في الدار أو أني أعتقد كون زيد في الدار و الثاني أن يحلف لا على ظنه بل يحلف على نفس الأمر في الخارج فإن حملنا قسم أمير المؤمنين ع على المحمل الأول فقد اندفع السؤال لأنه ع قد كان يعتقد ذلك فحلف أنه يعتقد و أنه يظن ذلك و هذا لا كلام فيه و إن حملناه على الثاني فالأمر في الحقيقة يختلف لأن المقتول بسيف صارم معجل للزهوق لا يجد من الألم وقت الضربة ما يجده الميت دون النزع من المد و الكف نعم قد يجد المقتول قبل الضربة ألم التوقع لها و ليس كلامنا في ذلك بل في ألم الضربة نفسها و ألف سيف صارم مثل سيف واحد إذا فرضنا سرعة الزهوق و أما في غير هذه الصورة نحو أن يكون السيف كالا و تتكرر الضربات به و الحياة باقية بعد و قايسنا بينه و بين ميت يموت حتف أنفه موتا سريعا إما بوقوف القوة الغاذية كما يموت الشيوخ أو بإسهال ذريع تسقط معه القوة و يبقى العقل و الذهن إلى وقت الموت فإن الموت هاهنا أهون و أقل ألما فالواجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع إما على جهة التحريض فيكون قد بالغ كعادة العرب و الخطباء في المبالغات المجازية و إما أن يكون أقسم على أنه يعتقد ذلك و هو صادق فيما أقسم لأنه هكذا كان يعتقد بناء على
ما هو مركوز في طبعه من محبة القتال و كراهية الموت على الفراش و قد روي أنه قيل لأبي مسلم الخراساني إن في بعض الكتب المنزلة من قتل بالسيف فبالسيف يقتل فقال القتل أحب إلي من اختلاف الأطباء و النظر في الماء و مقاساة الدواء و الداء فذكر ذلك للمنصور بعد قتل أبي مسلم فقال قد أبلغناه محبته
123 و من كلام له ع
وَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ تَكِشُّونَ كَشِيشَ اَلضِّبَابِ لاَ تَأْخُذُونَ حَقّاً وَ لاَ تَمْنَعُونَ ضَيْماً قَدْ خُلِّيتُمْ وَ اَلطَّرِيقَ فَالنَّجَاةُ لِلْمُقْتَحِمِ وَ اَلْهَلَكَةُ لِلْمُتَلَوِّمِ الكشيش الصوت يشوبه خور مثل الخشخشة و كشيش الأفعى صوتها من جلدها لا من فمها و قد كشت تكش قال الراجز:
كشيش أفعى أجمعت لعض |
و هي تحك بعضها ببعض |
يقرع ع أصحابه بالجبن و الفشل و يقول لهم لكأني أنظر إليكم و أصواتكم غمغمة بينكم من الهلع الذي قد اعتراكم فهي أشبه شيء بأصوات الضباب المجتمعة.ثم أكد وصف جبنهم حقا و خوفهم فقال لا تأخذون حقا و لا تمنعون ضيما و هذه غاية ما يكون من الذل.ثم ترك هذا الكلام و ابتدأ فقال قد خليتم و طريق النجاة عند الحرب و دللتم عليها
و هي أن تقتحموا و تلحجوا و لا تهنوا فإنكم متى فعلتم ذلك نجوتم و متى تلومتم و تثبطتم و أحجمتم هلكتم و من هذا المعنى قول الشاعر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد |
لنفسي حياة مثل أن أتقدما |
و قال قطري بن الفجاءة:
لا يركنن أحد إلى الإحجام |
يوم الوغى متخوفا لحمام |
|
فلقد أراني للرماح دريئة |
من عن يميني تارة و أمامي |
|
حتى خضبت بما تحدر من دمي |
أكناف سرجي أو عنان لجامي |
|
ثم انصرفت و قد أصبت و لم أصب |
جذع البصيرة قارح الإقدام |
و كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد و اعلم أن عليك عيونا من الله ترعاك و تراك فإذا لقيت العدو فاحرص على الموت توهب لك الحياة و لا تغسل الشهداء من دمائهم فإن دم الشهيد نور له يوم القيامة و قال أبو الطيب:
يقتل العاجز الجبان و قد يعجز |
عن قطع بخنق المولود |
|
و يوقى الفتى المخش و قد خوض في |
ماء لبة الصنديد |
و لهذا المعنى الذي أشار إليه ع سبب معقول و هو أن المقدم على خصمه يرتاع له خصمه و تنخذل عنه نفسه فتكون النجاة و الظفر للمقدم و أما المتلوم عن خصمه المحجم المتهيب له فإن نفس خصمه تقوى عليه و يزداد طمعه فيه فيكون الظفر له و يكون العطب و الهلاك للمتلوم الهائب تم الجزء السابع من شرح نهج البلاغة و يليه الجزء الثامن.
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء السابع ابن ابي الحديد 1
القول في عصمة الأنبياء 7
فصل فيما كان من أمر طلحة و الزبير عند قسم المال 35
فصل في ذكر أمور غيبية أخبر بها الإمام ثم تحققت 47
أقوال مأثورة في مدح الأناة و ذم العجلة 86
فصل في مدح قلة الكلام و ذم كثرته 87
هزيمة مروان بن محمد في موقعة الزاب ثم مقتله بعد ذلك 121
شعر عبد الله بن عمرو العبلي في رثاء قومه 123
أنفة بن مسلمة بن عبد الملك 124
مما قيل من الشعر في التحريض على قتل بني أمية 125
أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس 128
فصل في التقسيم و ما ورد فيه من الكلام 184
فصل في الكلام على الالتفات 196
موازنة بين كلام الإمام علي و خطب ابن نباتة 211
فصل في التخلص و سياق كلام للشعراء فيه 239
فصل في الاستطراد و إيراد شواهد للشعراء فيه 241
صلاة الاستسقاء و آدابها 267
أخبار و أحاديث في الاستسقاء 270
الفهرس 307