كتاب شرح نهج البلاغة الجزء 11

مؤلف: ابن أبي الحديد
أمير المؤمنين عليه السلام

کتاب شرح نهج البلاغة

الجزء الحادي عشر

ابن ابي الحديد


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل

196 و من كلام له ع

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا اَلدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ اَلآْخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لاَ تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ اَلدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِيهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ اَلْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ اَلنَّاسُ مَا تَرَكَ وَ قَالَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ مَا قَدَّمَ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً وَ لاَ تُخْلِفُوا كُلاًّ فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل عن الأصمعي قال خطبنا أعرابي بالبادية فحمد الله و استغفره و وحده و صلى على نبيه ص فأبلغ في إيجاز ثم قال أيها الناس إن الدنيا دار بلاغ و الآخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم في الدنيا أنتم


و لغيرها خلقتم أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم و المصلى عليه رسول الله و المدعو له الخليفة و الأمير جعفر بن سليمان.و ذكر غيره الزيادة التي في كلام أمير المؤمنين ع و هي أن المرء إذا هلك إلى آخر الكلام.و أكثر الناس على أن هذا الكلام لأمير المؤمنين ع.و يجوز أن يكون الأعرابي حفظه فأورده كما يورد الناس كلام غيرهم.قوله ع دار مجاز أي يجاز فيها إلى الآخرة و منه سمي المجاز في الكلام مجازا لأن المتكلم قد عبر الحقيقة إلى غيرها كما يعبر الإنسان من موضع إلى موضع.و دار القرار دار الاستقرار الذي لا آخر له.فخذوا من ممركم أي من الدنيا لمقركم و هو الآخرة.قوله ع قال الناس ما ترك يريد أن بني آدم مشغولون بالعاجلة لا يفكرون في غيرها و لا يتساءلون إلا عنها فإذا هلك أحدكم فإنما قولهم بعضهم لبعض ما الذي ترك فلان من المال ما الذي خلف من الولد و أما الملائكة فإنهم يعرفون الآخرة و لا تستهويهم شهوات الدنيا و إنما هم مشغولون بالذكر و التسبيح فإذا هلك الإنسان قالوا ما قدم أي أي شي‏ء قدم من الأعمال.ثم أمرهم ع بأن يقدموا من أموالهم بعضها صدقة فإنها تبقى لهم و نهاهم أن يخلفوا أموالهم كلها بعد موتهم فتكون وبالا عليهم في الآخرة


197 و من كلام له ع كان كثيرا ما ينادي به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ وَ أَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ اَلْعَرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْيَا وَ اِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ اَلزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لاَ بُدَّ مِنَ اَلْوُرُودِ عَلَيْهَا وَ اَلْوُقُوفِ عِنْدَهَا.وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَلاَحِظَ اَلْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَائِبَةٌ دَانِيَةٌ وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ مِنْهَا مُفْظِعَاتُ اَلْأُمُورِ وَ مُضْلِعَاتُ مُعْضِلاَتُ اَلْمَحْذُورِ.فَقَطِّعُوا عَلاَئِقَ اَلدُّنْيَا وَ اِسْتَظْهِرُوا بِزَادِ اَلتَّقْوَى و قد مضى شي‏ء من هذا الكلام فيما تقدم يخالف هذه الرواية تجهزوا لكذا أي تهيئوا له.و العرجة التعريج و هو الإقامة تقول ما لي على ربعك عرجة أي إقامة و عرج فلان على المنزل إذا حبس عليه مطيته.


و العقبة الكئود الشاقة المصعد و دائبة جادة و المخلب للسبع بمنزلة الظفر للإنسان.و أفظع الأمر فهو مفظع إذا جاوز المقدار شدة.و مضلعات المحذور الخطوب التي تضلع أي تجعل الإنسان ضليعا أي معوجا و الماضي ضلع بالكسر يضلع ضلعا.و من رواها بالظاء أراد الخطوب التي تجعل الإنسان ظالعا أي يغمز في مشيه لثقلها عليه و الماضي ظلع بالفتح يظلع ظلعها فهو ظالع


198 و من كلام له ع كلم به طلحة و الزبير بعد بيعته بالخلافة

و قد عتبا عليه من ترك مشورتهما و الاستعانة في الأمور بهما : لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً أَ لاَ تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اِسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ أَمْ أَوْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ.وَ اَللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي اَلْخِلاَفَةِ رَغْبَةٌ وَ لاَ فِي اَلْوَلاَيَةِ إِرْبَةٌ وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَ مَا اِسْتَنَّ اَلنَّبِيُّ ص فَاقْتَدَيْتُهُ فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِكُمَا وَ لاَ رَأْيِ غَيْرِكُمَا وَ لاَ وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَ إِخْوَانِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لاَ عَنْ غَيْرِكُمَا.وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ اَلْأُسْوَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي وَ لاَ وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اَللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اَللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ فَلَيْسَ لَكُمَا وَ اَللَّهِ عِنْدِي وَ لاَ لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى.أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ اَلصَّبْرَ.


ثُمَّ قَالَ ع رَحِمَ اَللَّهُ رَجُلاً رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ وَ كَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ نقمت عليه بالفتح أنقم هذه اللغة الفصيحة و جاء نقمت بالكسر أنقم.و أرجأتما أخرتما أي نقمتما من أحوالي اليسير و تركتما الكثير الذي ليس لكما و لا لغيركما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير.و ليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن و العيب و لكنه على جهة الجدل و الاحتجاج كما تقول لمن يطعن في بيت من شعر شاعر مشهور لقد ظلمته إذ تتعلق عليه بهذا البيت و تنسى ما له من المحاسن الكثيرة في غيره.ثم ذكر وجوه العتاب و الاسترادة و هي أقسام إما أن يكون لهما حق يدفعهما عنه أو استأثر عليهما في قسم أو ضعف عن السياسة أو جهل حكما من أحكام الشريعة أو أخطأ بابه.فإن قلت أي فرق بين الأول و الثاني قلت أما دفعهما عن حقهما فمنعهما عنه سواء صار إليه ع أو إلى غيره أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال.


و أما القسم الثاني فهو أن يأخذ حقهما لنفسه و بين القسمين فرق ظاهر و الثاني أفحش من الأول.فإن قلت فأي فرق بين قوله أم جهلته أو أخطأت بابه.قلت جهل الحكم أن يكون الله تعالى قد حكم بحرمة شي‏ء فأحله الإمام أو المفتي و كونه يخطئ بابه هو أن يصيب في الحكم و يخطئ في الاستدلال عليه.ثم أقسم أنه لم يكن له في الخلافة رغبة و لا إربة بكسر الهمزة و هي الحاجة و صدق ع فهكذا نقل أصحاب التواريخ و أرباب علم السير كلهم و روى الطبري في التاريخ و رواه غيره أيضا إن الناس غشوه و تكاثروا عليه يطلبون مبايعته و هو يأبى ذلك و يقول دعوني و التمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تثبت عليه العقول و لا تقوم له القلوب قالوا ننشدك الله أ لا ترى الفتنة أ لا ترى إلى ما حدث في الإسلام أ لا تخاف الله فقال قد أجبتكم لما أرى منكم و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم و إن تركتموني فإنما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم إليه فقالوا ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال إن كان لا بد من ذلك ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفيا و لا تكون إلا عن رضا المسلمين و في ملإ و جماعة فقام و الناس حوله فدخل المسجد و انثال عليه المسلمون فبايعوه و فيهم طلحة و الزبير.قلت قوله إن بيعتي لا تكون خفيا و لا تكون إلا في المسجد بمحضر من جمهور الناس يشابه قوله بعد وفاة رسول الله ص للعباس لما سامه مد يده للبيعة إني أحب أن أصحر بها و أكره أن أبايع من وراء رتاج.


ثم ذكر ع أنه لما بويع عمل بكتاب الله و سنة رسوله و لم يحتج إلى رأيهما و لا رأي غيرهما و لم يقع حكم يجهله فيستشيرهما و لو وقع ذلك لاستشارهما و غيرهما و لم يأنف من ذلك.ثم تكلم في معنى التنفيل في العطاء فقال إني عملت بسنة رسول الله ص في ذلك و صدق ع فإن رسول الله ص سوى في العطاء بين الناس و هو مذهب أبي بكر.و العتبى الرضا أي لست أرضيكما بارتكاب ما لا يحل لي في الشرع ارتكابه و الضمير في صاحبه و هو الهاء المجرورة يرجع إلى الجور أي و كان عونا بالعمل على صاحب الجور

من أخبار طلحة و الزبير

قد تقدم منا ذكر ما عتب به طلحة و الزبير على أمير المؤمنين ع و أنهما قالا ما نراه يستشيرنا في أمر و لا يفاوضنا في رأي و يقطع الأمر دوننا و يستبد بالحكم عنا و كانا يرجوان غير ذلك و أراد طلحة أن يوليه البصرة و أراد الزبير أن يوليه الكوفة فلما شاهدا صلابته في الدين و قوته في العزم و هجره الادهان و المراقبة و رفضه المدالسة و المواربة و سلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب و السنة و قد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه و سجيته و كان عمر قال لهما و لغيرهما إن الأجلح إن وليها ليحملنكم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم و كان رسول الله ص


من قبل قال و إن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا إلا أنه ليس الخبر كالعيان و لا القول كالفعل و لا الوعد كالإنجاز و حالا عنه و تنكرا له و وقعا فيه و عاباه و غمصاه و تطلبا له العلل و التأويلات و تنقما عليه الاستبداد و ترك المشاورة و انتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال و أثنيا على عمر و حمدا سيرته و صوبا رأيه و قالا إنه كان يفضل أهل السوابق و ضللا عليا ع فيما رآه و قالا إنه أخطأ و إنه خالف سيرة عمر و هي السيرة المحمودة التي لم تفضحها النبوة مع قرب عهدنا منها و اتصالها بها و استنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين كان عمر يفضلهم و ينفلهم في القسم على غيرهم و الناس أبناء الدنيا و يحبون المال حبا جما فتنكرت على أمير المؤمنين ع بتنكرهما قلوب كثيرة و نغلت عليه نيات كانت من قبل سليمة و لقد كان عمر موفقا حيث منع قريشا و المهاجرين و ذوي السوابق من الخروج من المدينة و نهاهم عن مخالطة الناس و نهى الناس عن مخالطتهم و رأى أن ذلك أس الفساد في الأرض و أن الفتوح و الغنائم قد أبطرت المسلمين و متى بعد الرءوس و الكبراء منهم عن دار الهجرة و انفردوا بأنفسهم و خالطهم الناس في البلاد البعيدة لم يأمن أن يحسنوا لهم الوثوب و طلب الإمرة و مفارقة الجماعة و حل نظام الألفة و لكنهرضي‌الله‌عنه نقض هذا الرأي السديد بما فعله بعد طعن أبي لؤلؤة له من أمر الشورى فإن ذلك كان سبب كل فتنة وقعت و تقع إلى أن تنقضي الدنيا و قد قدمنا ذكر ذلك و شرحنا ما أدى إليه أمر الشورى من الفساد بما حصل في نفس كل من الستة من ترشيحه للخلافة.


و روى أبو جعفر الطبري في تاريخه قال كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن و أجل فشكوه فبلغه فقام فخطب فقال ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا ثم يكون رباعيا ثم سديسا ثم بازلا ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان ألا و إن الإسلام قد صار بازلا و إن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات على ما في أنفسهم ألا إن في قريش من يضمر الفرقة و يروم خلع الربقة أما و ابن الخطاب حي فلا إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش و حجزها أن يتهافتوا في النار.و قال أبو جعفر الطبري في التاريخ أيضا فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به فخرجوا إلى البلاد فلما نزلوها و رأوا الدنيا و رآهم الناس خمل من لم يكن له طول و لا قدم في الإسلام و نبه أصحاب السوابق و الفضل فانقطع إليهم الناس و صاروا أوزاعا معهم و أملوهم و تقربوا إليهم و قالوا يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة فكان ذلك أول وهن على الإسلام و أول فتنة كانت في العامة.و روى أبو جعفر الطبري عن الشعبي قال لم يمت عمر حتى ملته قريش و قد كان حصرهم بالمدينة و سألوه أن يأذن لهم في الخروج إلى البلاد فامتنع عليهم و قال إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد حتى أن الرجل كان يستأذنه في غزو الروم أو الفرس و هو ممن حبسه بالمدينة من قريش و لا سيما من المهاجرين فيقول له إن لك في غزوك مع رسول الله ص ما يكفيك و يبلغك و يحسبك و هو خير لك من الغزو اليوم و إن خيرا لك ألا ترى الدنيا و لا تراك.


فلما مات عمر و ولي عثمان خلى عنهم فانتشروا في البلاد و اضطربوا و انقطع إليهم الناس و خالطوهم فلذلك كان عثمان أحب إلى قريش من عمر.فقد بان لك حسن رأي عمر في منع المهاجرين و أهل السابقة من قريش من مخالطة الناس و الخروج من المدينة و بان لك أن عثمان أرخى لهم في الطول فخالطهم الناس و أفسدوهم و حببوا إليهم الملك و الإمرة و الرئاسة لا سيما مع الثروة العظيمة التي حصلت لهم و الثراء مفسدة و أي مفسدة و حصل لطلحة و الزبير من ذلك ما لم يحصل لغيرهما ثروة و يسارا و قدما في الإسلام و صار لهما لفيف عظيم من المسلمين يمنونهما الخلافة و يحسنون لهما طلب الإمرة لا سيما و قد رشحهما عمر لها و أقامهما مقام نفسه في تحملها و أي امرئ منى بها قط نفسه ففارقها حتى يغيب في اللحد و لا سيما طلحة قد كان يحدث بها نفسه و أبو بكر حي و يروم أن يجعلها فيه بشبهة أنه ابن عمه و سخط خلافة عمر و قال لأبي بكر ما تقول لربك و قد وليت علينا فظا غليظا و كان له في أيام عمر قوم يجلسون إليه و يحادثونه سرا في معنى الخلافة و يقولون له لو مات عمر لبايعناك بغتة جلب الدهر علينا ما جلب و بلغ ذلك عمر فخطب الناس بالكلام المشهور أن قوما يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلتة و إنه لو مات عمر لفعلنا و فعلنا أما إن بيعة أبي بكر كانت فلتة إلا أن الله وقى شرها و ليس فيكم من تقطع إليه الرقاب كأبي بكر فأي امرئ بايع امرأ من غير مشورة من المسلمين فإنهما بغرة أن يقتلا فلما صارت إلى عثمان سخطها طلحة بعد أن كان رضيها و أظهر ما في نفسه و ألب عليه حتى قتل و لم يشك أن الأمر له فلما صارت إلى علي ع حدث منه ما حدث و آخر الدواء الكي.و أما الزبير فلم يكن إلا علوي الرأي شديد الولاء جاريا من الرجل مجرى نفسه.


و يقال إنه ع لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة و ما جرى فيه و كان يحمل فاطمة ع ليلا على حمار و ابناها بين يدي الحمار و هو ع يسوقه فيطرق بيوت الأنصار و غيرهم و يسألهم النصرة و المعونة أجابه أربعون رجلا فبايعهم على الموت و أمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رءوسهم و معهم سلاحهم فأصبح لم يوافه منهم إلا أربعة الزبير و المقداد و أبو ذر و سلمان ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاءه منهم إلا أربعة و كذلك في الليلة الثالثة و كان الزبير أشدهم له نصرة و أنفذهم في طاعته بصيرة حلق رأسه و جاء مرارا و في عنقه سيفه و كذلك الثلاثة الباقون إلا أن الزبير هو كان الرأس فيهم و قد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة ع و كسر سيفه في صخرة ضربت به و نقلوا اختصاصه بعلي ع و خلواته به و لم يزل مواليا له متمسكا بحبه و مودته حتى نشأ ابنه عبد الله و شب فنزع به عرق من الأم و مال إلى تلك الجهة و انحرف عن هذه و محبة الوالد للولد معروفة فانحرف الزبير لانحرافه على أنه قد كانت جرت بين علي ع و الزبير هنات في أيام عمر كدرت القلوب بعض التكدير و كان سببها قصة موالي صفية و منازعة علي للزبير في الميراث فقضى عمر للزبير فأذعن علي ع لقضائه بحكم سلطانه لا رجوعا عما كان يذهب إليه من حكم الشرع في هذه المسألة و بقيت في نفس الزبير على أن شيخنا أبا جعفر الإسكافي رحمه الله ذكر في كتاب نقض العثمانية عن الزبير كلاما إن صح فإنه يدل على انحراف شديد و رجوع عن موالاة أمير المؤمنين ع.قال تفاخر علي ع و الزبير فقال الزبير أسلمت بالغا و أسلمت طفلا و كنت أول من سل سيفا في سبيل الله بمكة و أنت مستخف في الشعب يكفلك الرجال


و يمونك الأقارب من بني هاشم و كنت فارسا و كنت راجلا و في هيأتي نزلت الملائكة و أنا حواري رسول الله ص.قال شيخنا أبو جعفر و هذا الخبر مفتعل مكذوب و لم يجر بين علي و الزبير شي‏ء من هذا الكلام و لكنه من وضع العثمانية و لم يسمع به في أحاديث الحشوية و لا في كتب أصحاب السيرة.و لعلي ع أن يقول طفل مسلم خير من بالغ كافر و أما سل السيف بمكة فلم يكن في موضعه و في ذلك قال الله تعالى( أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) الآية و أنا على منهاج الرسول في الكف و الإقدام و ليس كفالة الرجال و الأقارب بالشعب عارا علي فقد كان رسول الله ص في الشعب يكفله الرجال و الأقارب و أما حربك فارسا و حربي راجلا فهلا أغنت فروسيتك يوم عمرو بن عبد ود في الخندق و هلا أغنت فروسيتك يوم طلحة بن أبي طلحة في أحد و هلا أغنت فروسيتك يوم مرحب بخيبر ما كانت فرسك التي تحارب عليها في هذه الأيام إلا أذل من العنز الجرباء و من سلمت عليه الملائكة أفضل ممن نزلت في هيأته و قد نزلت الملائكة في صورة دحية الكلبي أ فيجب من ذلك أن يكون دحية أفضل مني و أما كونك حواري رسول الله ص فلو عددت خصائصي في مقابلة هذه اللفظة الواحدة لك لاستغرقت الوقت و أفنيت الزمان و رب صمت أبلغ من نطق.ثم نرجع إلى الحديث الأول فتقول إن طلحة و الزبير لما أيسا من جهة علي ع


و من حصول الدنيا من قبله قلبا له ظهر المجن فكاشفاه و عاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا روى شيخنا أبو عثمان قال أرسل طلحة و الزبير إلى علي ع قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة و قالا لا تقل له يا أمير المؤمنين و لكن قل له يا أبا الحسن لقد فال فيك رأينا و خاب ظننا أصلحنا لك الأمر و وطدنا لك الإمرة و أجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لأمرهم أسرعنا إليك و بايعناك و قدنا إليك أعناق العرب و وطئ المهاجرون و الأنصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا و رفضتنا رفض التريكة و أذلتنا إذالة الإماء و ملكت أمرك الأشتر و حكيم بن جبلة و غيرهما من الأعراب و نزاع الأمصار فكنا فيما رجوناه منك و أملناه من ناحيتك كما قال الأول

فكنت كمهريق الذي في سقائه

لرقراق آل فوق رابية صلد

فلما جاء محمد بن طلحة أبلغه ذاك فقال اذهب إليهما فقل لهما فما الذي يرضيكما فذهب و جاءه فقال إنهما يقولان ول أحدنا البصرة و الآخر الكوفة فقال لاها الله إذن يحلم الأديم و يستشرى الفساد و تنتقض على البلاد من أقطارها و الله إني لا آمنهما و هما عندي بالمدينة فكيف آمنهما و قد وليتهما العراقين اذهب إليهما فقل أيها الشيخان احذرا من سطوة الله و نقمته و لا تبغيا للمسلمين غائلة و كيدا و قد سمعتما قول الله تعالى( تِلْكَ اَلدَّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) فقام محمد بن طلحة فأتاهما و لم يعد إليه و تأخرا عنه أياما ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة فأذن لهما بعد أن أحلفهما


ألا ينقضا بيعته و لا يغدرا به و لا يشقا عصا المسلمين و لا يوقعا الفرقة بينهم و أن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا.و روى شيخنا أبو عثمان قال لما خرج طلحة و الزبير إلى مكة و أوهما الناس أنهما خرجا للعمرة قال علي ع لأصحابه و الله ما يريدان العمرة و إنما يريدان الغدرة فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.و روى الطبري في التاريخ قال لما بايع طلحة و الزبير عليا ع سألاه أن يؤمرهما على الكوفة و البصرة فقال بل تكونان عندي أتجمل بكما فإنني أستوحش لفراقكما.قال الطبري و قد كان قال لهما قبل بيعتهما له إن أحببتما أن تبايعاني و إن أحببتما بايعتكما فقالا لا بل نبايعك ثم قالا بعد ذلك إنما بايعناه خشية على أنفسنا و قد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا ثم ظهرا إلى مكة و ذلك بعد قتل عثمان بأربعة أشهر.و روى الطبري أيضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا و تم له الأمر قال طلحة للزبير ما أرى أن لنا من هذا الأمر إلا كحسة أنف الكلب.و روى الطبري أيضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا ع بعد قتل عثمان جاء علي إلى الزبير فاستأذن عليه قال أبو حبيبه مولى الزبير فأعلمته به فسل السيف و وضعه تحت فراشه و قال ائذن له فأذنت له فدخل فسلم على الزبير و هو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل لأمر ما قضاه قم مقامه و انظر هل ترى من


السيف شيئا فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته و قلت إن ذباب السيف ليظهر لمن قام في هذا الموضع فقال ذاك أعجل الرجل و روى شيخنا أبو عثمان قال كتب مصعب بن الزبير إلى عبد الملك من مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد

ستعلم يا فتى الزرقاء أني

سأهتك عن حلائلك الحجابا

و أترك بلدة أصبحت فيها

تهور من جوانبها خرابا

أما إن لله على الوفاء بذلك إلا أن تتراجع أو تتوب و لعمري ما أنت كعبد الله بن الزبير و لا مروان كالزبير بن العوام حواري رسول الله ص و ابن عمته فسلم الأمر إلى أهله فإن نجاتك بنفسك أعظم الغنيمتين و السلام.فكتب إليه عبد الملك من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى الذلول الذي أخطأ من سماه المصعب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد

أ توعدني و لم أر مثل يومي

خشاش الطير يوعدن العقابا

متى تلق العقاب خشاش طير

يهتك عن مقاتلها الحجابا

أ توعد بالذئاب أسود غاب

و أسد الغاب تلتهم الذئابا

أما ما ذكرت من وفائك فلعمري لقد وفى أبوك لتيم و عدي بعداء قريش و زعانفها حتى إذا صارت الأمور إلى صاحبها عثمان الشريف النسب الكريم الحسب بغاة الغوائل و أعد له المخاتل حتى نال منه حاجته ثم دعا الناس إلى علي و بايعه فلما


دانت له أمور الأمة و أجمعت له الكلمة و أدركه الحسد القديم لبني عبد مناف فنقض عهده و نكث بيعته بعد توكيدها ف فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ و تمزقت لحمه الضباع بوادي السباع و لعمري إنك تعلم يا أخا بني عبد العزى بن قصي أنا بنو عبد مناف لم نزل سادتكم و قادتكم في الجاهلية و الإسلام و لكن الحسد دعاك إلى ما ذكرت و لم ترث ذلك عن كلالة بل عن أبيك و لا أظن حسدك و حسد أخيك يئول بكما إلا إلى ما آل إليه حسد أبيكما من قبل وَ لا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.و روى أبو عثمان أيضا قال دخل الحسن بن علي ع على معاوية و عنده عبد الله بن الزبير و كان معاوية يحب أن يغري بين قريش فقال يا أبا محمد أيهما كان أكبر سنا علي أم الزبير فقال الحسن ما أقرب ما بينهما و علي أسن من الزبير رحم الله عليا فقال ابن الزبير رحم الله الزبير و هناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب فقال يا عبد الله و ما يهيجك من أن يترحم الرجل على أبيه قال و أنا أيضا ترحمت على أبي قال أ تظنه ندا له و كفؤا قال و ما يعدل به عن ذلك كلاهما من قريش و كلاهما دعا إلى نفسه و لم يتم له قال دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش و من الرسول ص حيث تعلم و لما دعا إلى نفسه أتبع فيه و كان رأسا و دعا الزبير إلى أمر و كان الرأس فيه امرأة و لما تراءت الفئتان نكص على عقبيه و ولى مدبرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه أو يدحض الباطل فيتركه فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر فضرب عنقه و أخذ سلبه و جاء برأسه و مضى علي قدما كعادته مع ابن عمه رحم الله عليا


فقال ابن الزبير أما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم فقال إن الذي تعرض به يرغب عنك و كفه معاوية فسكتوا.و أخبرت عائشة بمقالتهم و مر أبو سعيد بفنائها فنادته يا أبا سعيد أنت القائل لابن أختي كذا فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا فقال إن الشيطان يرانا و لا نراه فضحكت عائشة و قالت لله أبوك ما أذلق لسانك


199 و من كلام له ع و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين

إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِيَ عَنِ اَلْغَيِّ وَ اَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ السب الشتم سبه يسبه بالضم و التساب التشاتم و رجل مسب بكسر الميم كثير السباب و رجل سبه أي يسبه الناس و رجل سببه أي يسب الناس و رجل سب كثير السباب و سبك الذي يسابك قال

لا تسبنني فلست بسبي

إن سبي من الرجال الكريم

و الذي كرهه ع منهم أنهم كانوا يشتمون أهل الشام و لم يكن يكره منهم لعنهم إياهم و البذاءة منهم لا كما يتوهمه قوم من الحشوية فيقولون لا يجوز


لعن أحد ممن عليه اسم الإسلام و ينكرون على من يلعن و منهم من يغالي في ذلك فيقول لا ألعن الكافر و ألعن إبليس و إن الله تعالى لا يقول لأحد يوم القيامة لم لم تلعن و إنما يقول لم لعنت.و اعلم أن هذا خلاف نص الكتاب لأنه تعالى قال( إِنَّ اَللَّهَ لَعَنَ اَلْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) .و قال( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاَّعِنُونَ ) .و قال في إبليس( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ اَلدِّينِ .و قال( مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا ) .و في الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع.و كيف يجوز للمسلم أن ينكر التبرؤ ممن يجب التبرؤ منه أ لم يسمع هؤلاء قول الله تعالى( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَداوَةُ وَ اَلْبَغْضاءُ أَبَداً ) و إنما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله فإن كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن و البراءة فلا ضير على من يلعنه و يبرأ منه و إن لم يكن قد قارف كبيرة لم يجز لعنه و لا البراءة منه.و مما يدل على أن من عليه اسم الإسلام إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنه بل يجب في وقت قول الله تعالى في قصة اللعان( فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ


لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ وَ اَلْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ اَلْكاذِبِينَ ) .و قال تعالى في القاذف( إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَناتِ اَلْغافِلاتِ اَلْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .فهاتان الآيتان في المكلفين من أهل القبلة و الآيات قبلهما في الكافرين و المنافقين و لهذا قنت أمير المؤمنين ع على معاوية و جماعة من أصحابه و لعنهم في أدبار الصلوات.فإن قلت فما صوره السب الذي نهى أمير المؤمنين ع عنه.قلت كانوا يشتمونهم بالآباء و الأمهات و منهم من يطعن في نسب قوم منهم و منهم من يذكرهم باللؤم و منهم من يعيرهم بالجبن و البخل و بأنواع الأهاجي التي يتهاجى بها الشعراء و أساليبها معلومة فنهاهم ع عن ذلك و قال إني أكره لكن أن تكونوا سبابين و لكن الأصوب أن تصفوا لهم أعمالهم و تذكروا حالهم أي أن تقولوا إنهم فساق و إنهم أهل ضلال و باطل.ثم قال اجعلوا عوض سبهم أن تقولوا اللهم احقن دماءنا و دماءهم.حقنت الدم أحقنه بالضم منعت أن يسفك أي ألهمهم الإنابة إلى الحق و العدول عن الباطل فإن ذلك إذا تم حقنت دماء الفريقين.فإن قلت كيف يجوز أن يدعو الله تعالى بما لا يفعله أ ليس من أصولكم أن الله تعالى لا يضطر المكلف إلى اعتقاد الحق و إنما يكله إلى نظره.قلت الأمر و إن كان كذلك إلا أن المكلفين قد تعبدوا بأن يدعوا الله تعالى


بذلك لأن في دعائهم إياه بذلك لطفا لهم و مصالح في أديانهم كالدعاء بزيادة الرزق و تأخير الأجل.قوله و أصلح ذات بيننا و بينهم يعني أحوالنا و أحوالهم و لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين كما أنه لما كانت الضمائر ملابسة للصدور قيل ذات الصدور و كذلك قولهم اسقني ذا إنائك لما كان ما فيه من الشراب ملابسا له و يقولون للمتبرز قد وضع ذا بطنه و للحبلى تضع ألقت ذا بطنها.و ارعوى عن الغي رجع و كف.لهج به بالكسر يلهج أغرى به و ثابر عليه


200 و من كلام له ع في بعض أيام صفين و قد رأى الحسن ابنه ع يتسرع إلى الحرب

اِمْلِكُوا عَنِّي هَذَا اَلْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي اَلْحَسَنَ وَ اَلْحُسَيْنَ ع عَلَى اَلْمَوْتِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اَللَّهِ ص قال الرضي أبو الحسن رحمه الله قوله ع املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه الألف في املكوا ألف وصل لأن الماضي ثلاثي من ملكت الفرس و العبد و الدار أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه.و عن متعلقة بمحذوف تقديره استولوا عليه و أبعدوه عني و لما كان الملك سبب الحجر على المملوك عبر بالسبب عن المسبب كما عبر بالنكاح عن العقد و هو في الحقيقة اسم الوطء لما كان العقد طريقا إلى الوطء و سببا له.و وجه علو هذا الكلام و فصاحته أنه لما كان في املكوا معنى البعد أعقبه


بعن و ذلك أنهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين ع إلا و قد أبعدوه عنه أ لا ترى أنك إذا حجرت على زيد دون عمرو فقد باعدت زيدا عن عمرو فلذلك قال املكوا عني هذا الغلام و استفصح الشارحون قول أبي الطيب

إذا كان شم الروح أدنى إليكم

فلا برحتني روضة و قبول

قالوا و لما كان في فلا برحتني معنى فارقتني عدي اللفظة و إن كانت لازمة نظرا إلى المعنى.قوله لا يهدني أي لئلا يهدني فحذف كما حذف طرفه في قوله

ألا أي هذا الزاجري أحضر الوغى

أي لأن أحضر.و أنفس أبخل نفست عليه بكذا بالكسر.فإن قلت أ يجوز أن يقال للحسن و الحسين و ولدهما أبناء رسول الله و ولد رسول الله و ذرية رسول الله و نسل رسول الله.قلت نعم لأن الله تعالى سماهم أبناءه في قوله تعالى( نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ ) و إنما عنى الحسن و الحسين و لو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات و سمى الله تعالى عيسى ذرية إبراهيم في قوله( وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ ) إلى أن قال( وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى) و لم يختلف أهل اللغة في أن ولد البنات من نسل الرجل.


فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى ما كانَ( مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ) قلت أسألك عن أبوته لإبراهيم بن مارية فكما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن الحسن و الحسين ع.و الجواب الشامل للجميع أنه عنى زيد بن حارثة لأن العرب كانت تقول زيد بن محمد على عادتهم في تبني العبيد فأبطل الله تعالى ذلك و نهى عن سنة الجاهلية و قال إن محمدا ع ليس أبا لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزي إليه بالنبوة و ذلك لا ينفي كونه أبا لأطفال لم تطلق عليهم لفظة الرجال كإبراهيم و حسن و حسين ع.فإن قلت أ تقول إن ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز.قلت لذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة أصلية لأن أصل الإطلاق الحقيقة و قد يكون اللفظ مشتركا بين مفهومين و هو في أحدهما أشهر و لا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألا يكون حقيقة في الآخر.و لذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة عرفية و هي التي كثر استعمالها و هي في الأكثر مجاز حتى صارت حقيقة في العرف كالراوية للمزادة و السماء للمطر.و لذاهب أن يذهب إلى كونه مجازا قد استعمله الشارع فجاز إطلاقه في كل حال و استعماله كسائر المجازات المستعملة.و مما يدل على اختصاص ولد فاطمة دون بني هاشم كافة بالنبي ع أنه ما كان يحل له ع أن ينكح بنات الحسن و الحسين ع و لا بنات ذريتهما و إن بعدن و طال الزمان و يحل له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبيين و غيرهم و هذا يدل على مزيد الأقربية و هي كونهم أولاده لأنه ليس هناك من القربى غير


هذا الوجه لأنهم ليسوا أولاد أخيه و لا أولاد أخته و لا هناك وجه يقتضي حرمتهم عليه إلا كونه والدا لهم و كونهم أولادا له فإن قلت قد قال الشاعر

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا

بنوهن أبناء الرجال الأباعد

و قال حكيم العرب أكثم بن صيفي في البنات يذمهن إنهن يلدن الأعداء و يورثن البعداء.قلت إنما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الأشهر و ليس في قول أكثم ما يدل على نفي بنوتهم و إنما ذكر أنهن يلدن الأعداء و قد يكون ولد الرجل لصلبه عدوا قال الله تعالى( إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) و لا ينفي كونه عدوا كونه ابنا.قيل لمحمد بن الحنفية ع لم يغرر بك أبوك في الحرب و لم لا يغرر بالحسن و الحسين فقال لأنهما عيناه و أنا يمينه فهو يذب عن عينيه بيمينه


201 و من كلام له ع قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة

يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ حَتَّى نَهِكَتْكُمُ اَلْحَرْبُ وَ قَدْ وَ اَللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ.لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ اَلْيَوْمَ مَأْمُوراً وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ اَلْيَوْمَ مَنْهِيّاً وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ اَلْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ نهكتكم بكسر الهاء أدنفتكم و أذابتكم و يجوز فتح الهاء و قد نهك الرجل أي دنف و ضني فهو منهوك و عليه نهكه المرض أي أثرة الحرب مؤنثة.و قد أخذت منكم و تركت أي لم تستأصلكم بل فيكم بعد بقية و هي لعدوكم أنهك لأن القتل في أهل الشام كان أشد استحرارا و الوهن فيهم أظهر و لو لا فساد أهل العراق برفع المصاحف لاستؤصل الشام و خلص الأشتر إلى معاوية فأخذه بعنقه و لم يكن قد بقي من قوة الشام إلا كحركة ذنب الوزغة عند قتلها يضطرب يمينا و شمالا و لكن الأمور السماوية لا تغالب.فأما قوله كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا فقد قدمنا شرح حالهم من قبل و أن أهل العراق لما رفع عمرو بن العاص و من معه المصاحف على وجه المكيدة


حين أحس بالعطب و علو كلمة أهل الحق ألزموا أمير المؤمنين ع بوضع أوزار الحرب و كف الأيدي عن القتال و كانوا في ذلك على أقسام فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف و غلب على ظنه أن أهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة و حيلة بل حقا و دعاء إلى الدين و موجب الكتاب فرأى أن الاستسلام للحجة أولى من الإصرار على الحرب.و منهم من كان قد مل الحرب و آثر السلم فلما رأى شبهة ما يسوغ التعلق بها في رفض المحاربة و حب العافية أخلد إليهم.و منهم من كان يبغض عليا ع بباطنه و يطيعه بظاهره كما يطيع كثير من الناس السلطان في الظاهر و يبغضه بقلبه فلما وجدوا طريقا إلى خذلانه و ترك نصرته أسرعوا نحوها فاجتمع جمهور عسكره عليه و طالبوه بالكف و ترك القتال فامتنع امتناع عالم بالمكيدة و قال لهم إنها حيلة و خديعة و إني أعرف بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب قرآن و لا دين قد صحبتهم و عرفتهم صغيرا و كبيرا فعرفت منهم الإعراض عن الدين و الركون إلى الدنيا فلا تراعوا برفع المصاحف و صمموا على الحرب و قد ملكتموهم فلم يبق منهم إلا حشاشة ضعيفة و ذماء قليل فأبوا عليه و ألحوا و أصروا على القعود و الخذلان و أمروه بالإنفاذ إلى المحاربين من أصحابه و عليهم الأشتر أن يأمرهم بالرجوع و تهددوه إن لم يفعل بإسلامه إلى معاوية فأرسل إلى الأشتر يأمره بالرجوع و ترك الحرب فأبى عليه فقال كيف أرجع و قد لاحت أمارات الظفر فقولوا له ليمهلني ساعة واحدة و لم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت فلما عاد إليه الرسول بذلك غضبوا و نفروا و شغبوا و قالوا أنفذت إلى الأشتر سرا و باطنا تأمره بالتصميم و تنهاه عن الكف و إن لم تعده الساعة و إلا قتلناك كما قتلنا عثمان فرجعت الرسل إلى الأشتر فقالوا له أ تحب أن تظفر بمكانك و أمير المؤمنين قد سل عليه


خمسون ألف سيف فقال ما الخبر قال إن الجيش بأسره قد أحدق به و هو قاعد بينهم على الأرض تحته نطع و هو مطرق و البارقة تلمع على رأسه يقولون لئن لم تعد الأشتر قتلناك قال ويحكم فما سبب ذلك قالوا رفع المصاحف قال و الله لقد ظننت حين رأيتها رفعت أنها ستوقع فرقة و فتنة.ثم كر راجعا على عقبيه فوجد أمير المؤمنين ع تحت الخطر قد ردده أصحابه بين أمرين إما أن يسلموه إلى معاوية أو يقتلوه و لا ناصر له منهم إلا ولداه و ابن عمه و نفر قليل لا يبلغون عشرة فلما رآهم الأشتر سبهم و شتمهم و قال ويحكم أ بعد الظفر و النصر صب عليكم الخذلان و الفرقة يا ضعاف الأحلام يا أشباه النساء يا سفهاء العقول فشتموه و سبوه و قهروه و قالوا المصاحف المصاحف و الرجوع إليها لا نرى غير ذلك فأجاب أمير المؤمنين ع إلى التحكيم دفعا للمحذور الأعظم بارتكاب المحظور الأضعف فلذلك قال كنت أميرا فأصبحت مأمورا و كنت ناهيا فصرت منهيا و قد سبق من شرح حال التحكيم و ما جرى فيه ما يغني عن إعادته


202 و من كلام له ع بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي

و هو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال : مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسَعَةِ بِسِعَةِ هَذِهِ اَلدَّارِ فِي اَلدُّنْيَا أَمَا وَ أَنْتَ إِلَيْهَا فِي اَلآْخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا اَلآْخِرَةَ تَقْرِي فِيهَا اَلضَّيْفَ وَ تَصِلُ فِيهَا اَلرَّحِمَ وَ تُطْلِعُ مِنْهَا اَلْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا اَلآْخِرَةَ فَقَالَ لَهُ اَلْعَلاَءُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ وَ مَا لَهُ قَالَ لَبِسَ اَلْعَبَاءَةَ اَلْعَبَاءَ وَ تَخَلَّى مِنَ عَنِ اَلدُّنْيَا قَالَ عَلَيَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اِسْتَهَامَ بِكَ اَلْخَبِيثُ أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَ وَلَدَكَ أَ تَرَى اَللَّهَ أَحَلَّ لَكَ اَلطَّيِّبَاتِ وَ هُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَ جُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ قَالَ وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْحَقِّ اَلْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ


كنت هاهنا زائدة مثل قوله تعالى( كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ) .و قوله و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة لفظ فصيح كأنه استدرك و قال و بلى على أنك قد تحتاج إليها في الدنيا لتجعلها وصلة إلى نبل الآخرة بأن تقري فيها الضيف و الضيف لفظ يقع على الواحد و الجمع و قد يجمع فيقال ضيوف و أضياف و الرحم القرابة.و تطلع منها الحقوق مطالعها توقعها في مظان استحقاقها.و العباء جمع عباءة و هي الكساء و قد تلين كما قالوا عظاءة و عظاية و صلاءة و صلاية.و تقول علي بفلان أي أحضره و الأصل أعجل به علي فحذف فعل الأمر و دل الباقي عليه.و يا عدي نفسه تصغير عدو و قد يمكن أن يراد به التحقير المحض هاهنا.و يمكن أن يراد به الاستعظام لعداوته لها و يمكن أن يخرج مخرج التحنن و الشفقة كقولك يا بني.و استهام بك الخبيث يعني الشيطان أي جعلك هائما ضالا و الباء زائدة.فإن قيل ما معنى قوله ع أنت أهون على الله من ذلك.قلت لأن في المشاهد قد يحل الواحد منا لصاحبه فعلا مخصوصا محاباة و مراقبة له


و هو يكره أن يفعله و البشر أهون على الله تعالى من أن يحل لهم أمرا مجاملة و استصلاحا للحال معهم و هو يكره منهم فعله.و قوله هذا أنت أي فما بالنا نراك خشن الملبس و التقدير فها أنت تفعل كذا فكيف تنهى عنه.و طعام جشب أي غليظ و كذلك مجشوب و قيل إنه الذي لا أدم معه.قوله ع أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس أي يشبهوا و يمثلوا.و تبيغ الدم بصاحبه و تبوغ به أي هاج به و في الحديث عليكم بالحجامة لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله و قيل أصل يتبيغ يتبغى فقلب جذب و جبذ أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه و طعامه بضعفة الناس جمع ضعيف لكيلا يهلك الفقراء من الناس فإنهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة و بذلك المطعم كان أدعى لهم إلى سلوان لذات الدنيا و الصبر عن شهوات النفوس

ذكر بعض مقامات العارفين و الزهاد

و روي أن قوما من المتصوفة دخلوا خراسان على علي بن موسى الرضا فقالوا له إن أمير المؤمنين فكر فيما ولاه الله من الأمور فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس و نظر فيك من أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس فرأى أن يرد هذا الأمر إليك و الإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يركب الحمار و يعود المريض فقال لهم إن يوسف كان نبيا يلبس أقبية الديباج المزررة بالذهب و يجلس على متكآت آل فرعون ويحكم إنما يراد من الإمام قسطه و عدله إذا قال صدق


و إذا حكم عدل و إذا وعد أنجز إن الله لم يحرم لبوسا و لا مطعما ثم قرأ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ الآية.و هذا القول مخالف للقانون الذي أشار أمير المؤمنين إليه و للفلاسفة في هذا الباب كلام لا بأس به و قد أشار إليه أبو علي بن سينا في كتاب الإشارات و عليه يتخرج قولا أمير المؤمنين و علي بن موسى الرضا ع قال أبو علي في مقامات العارفين العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر على حسب ما يختلف عندهم من دواعي العبر فربما استوى عند العارف القشف و الترف بل ربما آثر القشف و كذلك ربما سوى عنده التفل و العطر بل ربما آثر التفل و ذلك عند ما يكون الهاجس بباله استحقار ما عدا الحق و ربما صغا إلى الزينة و أحب من كل شي‏ء عقيلته و كره الخداج و السقط و ذلك عند ما يعتبر عادته من صحبته الأحوال الظاهرة فهو يرتاد إليها في كل شي‏ء لأنه مزية خطوة من العناية الأولى و أقرب أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه و قد يختلف هذا في عارفين و قد يختلف في عارف بحسب وقتين.و اعلم أن الذي رويته عن الشيوخ و رأيته بخط عبد الله بن أحمد بن الخشاب رحمه الله أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فأتاه علي ع عائدا فقال كيف تجدك أبا عبد الرحمن قال أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه قال و ما قيمة بصرك عندك قال لو كانت لي الدنيا لفديته بها قال لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك إن الله تعالى يعطي على قدر الألم و المصيبة و عنده تضعيف كثير قال الربيع


يا أمير المؤمنين أ لا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي قال ما له قال لبس العباء و ترك الملاء و غم أهله و حزن ولده فقال علي ادعوا لي عاصما فلما أتاه عبس في وجهه و قال ويحك يا عاصم أ ترى الله أباح لك اللذات و هو يكره ما أخذت منها لأنت أهون على الله من ذلك أ و ما سمعته يقول مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ثم يقول يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجانُ و قال وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها أما و الله إن ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال و قد سمعتم الله يقول وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ و قوله مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ و قال يا أَيُّهَا اَلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ اَلطَّيِّباتِ وَ اِعْمَلُوا صالِحاً و قال رسول الله ص لبعض نسائه ما لي أراك شعثاء مرهاء سلتاء.قال عاصم فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الجشب قال إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره فما قام علي ع حتى نزع عاصم العباء و لبس ملاءة.و الربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان و فيه قال عمر دلوني على رجل إذا كان


في القوم أميرا فكأنه ليس بأمير و إذا كان في القوم ليس بأمير فكأنه الأمير بعينه و كان خيرا متواضعا و هو صاحب الوقعة مع عمر لما أحضر العمال فتوحش له الربيع و تقشف و أكل معه الجشب من الطعام فأقره على عمله و صرف الباقين و قد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم.و كتب زياد ابن أبيه إلى الربيع بن زياد و هو على قطعة من خراسان أن أمير المؤمنين معاوية كتب إلي يأمرك أن تحرز الصفراء و البيضاء و تقسم الخرثي و ما أشبهه على أهل الحرب فقال له الربيع إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ثم نادى في الناس أن اغدوا علي غنائمكم فأخذ الخمس و قسم الباقي على المسلمين ثم دعا الله أن يميته فما جمع حتى مات.و هو الربيع بن زياد بن أنس بن ديان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن مالك بن كعب بن الحارث بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد.و أما العلاء بن زياد الذي ذكره الرضي رحمه الله فلا أعرفه لعل غيري يعرفه


203 و من كلام له ع و قد سأله سائل عن أحاديث البدع و عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر

فقال ع : إِنَّ فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلاً وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً وَ عَامّاً وَ خَاصّاً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهَماً وَهْماً وَ قَدْ لَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ وَ إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلاَمِ لاَ يَتَأَثَّمُ وَ لاَ يَتَحَرَّجُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ اَلنَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اَللَّهِ ص رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اَللَّهُ عَنِ اَلْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ اَلضَّلاَلَةِ وَ اَلدُّعَاةِ إِلَى اَلنَّارِ بِالزُّورِ وَ اَلْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ اَلْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ اَلنَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ اَلدُّنْيَا وَ إِنَّمَا اَلنَّاسُ مَعَ اَلْمُلُوكِ وَ اَلدُّنْيَا إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اَللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ اَلْأَرْبَعَةِ وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ


كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَ يَرْوِيهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص فَلَوْ عَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لاَ يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لاَ يَعْلَمُ فَحَفِظَ اَلْمَنْسُوخَ وَ لَمْ يَحْفَظِ اَلنَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَ لَوْ عَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ وَ آخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اَللَّهِ وَ لاَ عَلَى رَسُولِهِ مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اَللَّهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اَللَّهِ ص وَ لَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ سَمْعِهِ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ فَهُوَ حَفِظَ اَلنَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَ حَفِظَ اَلْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ وَ عَرَفَ اَلْخَاصَّ وَ اَلْعَامَّ وَ اَلْمُحْكَمَ وَ اَلْمُتَشَابِهَ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ وَ قَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص اَلْكَلاَمُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلاَمٌ خَاصٌّ وَ كَلاَمٌ عَامٌّ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ مَا عَنَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَ لاَ مَا عَنَى رَسُولُ اَللَّهِ ص فَيَحْمِلُهُ اَلسَّامِعُ وَ يُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ مَا قَصَدَ قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اَللَّهِ ص مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي‏ءَ اَلْأَعْرَابِيُّ وَ اَلطَّارِئُ فَيَسْأَلَهُ ع حَتَّى يَسْمَعُوا وَ كَانَ لاَ يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ اَلنَّاسُ فِي اِخْتِلاَفِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ


الكلام في تفسير الألفاظ الأصولية و هي العام و الخاص و الناسخ و المنسوخ و الصدق و الكذب و المحكم و المتشابه موكول إلى فن أصول الفقه و قد ذكرناه فيما أمليناه من الكتب الأصولية و الإطالة بشرح ذلك في هذا الموضع مستهجنة.قوله ع و حفظا و وهما الهاء مفتوحة و هي مصدر وهمت بالكسر أوهم أي غلطت و سهوت و قد روي وهما بالتسكين و هو مصدر وهمت بالفتح أوهم إذا ذهب وهمك إلى شي‏ء و أنت تريد غيره و المعنى متقارب.و قول النبي ص فليتبوأ مقعده من النار كلام صيغته الأمر و معناه الخبر كقوله تعالى( قُلْ مَنْ كانَ فِي اَلضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمنُ مَدًّا ) و تبوأت المنزل نزلته و بوأته منزلا أنزلته فيه.و التأثم الكف عن موجب الإثم و التحرج مثله و أصله الضيق كأنه يضيق على نفسه.و لقف عنه تناول عنه.و جنب عنه أخذ عنه جانبا.و إن في قوله حتى إن كانوا ليحبون مخففة من الثقيلة و لذلك جاءت اللام في الخبر.و الطارئ بالهمز الطالع عليهم طرأ أي طلع و قد روي عللهم بالرفع عطفا على وجوه و روي بالجر عطفا على اختلافهم


ذكر بعض أحوال المنافقين بعد وفاة محمد ع

و اعلم أن هذا التقسيم صحيح و قد كان في أيام الرسول ص منافقون و بقوا بعده و ليس يمكن أن يقال إن النفاق مات بموته و السبب في استتار حالهم بعده أنه ص كان لا يزال بذكرهم بما ينزل عليه من القرآن فإنه مشحون بذكرهم أ لا ترى أن أكثر ما نزل بالمدينة من القرآن مملوء بذكر المنافقين فكان السبب في انتشار ذكرهم و أحوالهم و حركاتهم هو القرآن فلما انقطع الوحي بموته ص لم يبق من ينعى عليهم سقطاتهم و يوبخهم على أعمالهم و يأمر بالحذر منهم و يجاهرهم تارة و يجاملهم تارة و صار المتولي للأمر بعده يحمل الناس كلهم على كاهل المجاملة و يعاملهم بالظاهر و هو الواجب في حكم الشرع و السياسة الدنيوية بخلاف حال الرسول ص فإنه كان تكليفه معهم غير هذا التكليف أ لا ترى أنه قيل له وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً فهذا يدل على أنه كان يعرفهم بأعيانهم و إلا كان النهي له عن الصلاة عليهم تكليف ما لا يطاق و الوالي بعده لا يعرفهم بأعيانهم فليس مخاطبا بما خوطب به ص في أمرهم و لسكوت الخلفاء عنهم بعده خمل ذكرهم فكان قصارى أمر المنافق أن يسر ما في قلبه و يعامل المسلمين بظاهره و يعاملونه بحسب ذلك ثم فتحت عليهم البلاد و كثرت الغنائم فاشتغلوا بها عن الحركات التي كانوا يعتمدونها أيام رسول الله و بعثهم الخلفاء مع الأمراء إلى بلاد فارس و الروم فألهتهم الدنيا عن الأمور التي كانت تنقم منهم في حياة رسول الله ص و منهم من استقام اعتقاده و خلصت نيته لما رأوا الفتوح و إلقاء الدنيا أفلاذ كبدها من الأموال العظيمة و الكنوز الجليلة إليهم فقالوا لو لم يكن هذا الدين


حقا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه و بالجملة لما تركوا تركوا و حيث سكت عنهم سكتوا عن الإسلام و أهله إلا في دسيسة خفية يعملونها نحو الكذب الذي أشار إليه أمير المؤمنين ع فإنه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الإضلال و تخبيط القلوب و العقائد و قصد به بعضهم التنويه بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوي و قد قيل إنه افتعل في أيام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه و لم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا بل ذكروا كثيرا من هذه الأحاديث الموضوعة و بينوا وضعها و أن رواتها غير موثوق بهم إلا أن المحدثين إنما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة و لا يتجاسرون في الطعن على أحد من الصحابة لأن عليه لفظ الصحبة على أنهم قد طعنوا في قوم لهم صحبة كبسر بن أرطاة و غيره.فإن قلت من هم أئمة الضلالة الذين يتقرب إليهم المنافقون الذين رأوا رسول الله ص و صحبوه للزور و البهتان و هل هذا إلا تصريح بما تذكره الإمامية و تعتقده.قلت ليس الأمر كما ظننت و ظنوا و إنما يعني معاوية و عمرو بن العاص و من شايعهما على الضلال كالخبر الذي رواه من في حق معاوية اللهم قه العذاب و الحساب و علمه الكتاب و كرواية عمرو بن العاص تقربا إلى قلب معاوية إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله و صالح المؤمنين و كرواية قوم في أيام معاوية أخبارا كثيرة من فضائل عثمان تقربا إلى معاوية بها و لسنا نجحد فضل عثمان و سابقته و لكنا نعلم أن بعض الأخبار الواردة فيه موضوع كخبر عمرو بن مرة فيه و هو مشهور و عمر بن مرة ممن له صحبة و هو شامي


ذكر بعض ما مني به آل البيت من الأذى و الاضطهاد

و ليس يجب من قولنا إن بعض الأخبار الواردة في حق شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل فإنا مع اعتقادنا أن عليا أفضل الناس نعتقد أن بعض الأخبار الواردة في فضائله مفتعل و مختلق.و قد روي أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر ع قال لبعض أصحابه يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا و تظاهرهم علينا و ما لقي شيعتنا و محبونا من الناس إن رسول الله ص قبض و قد أخبر أنا أولى الناس بالناس فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه و احتجت على الأنصار بحقنا و حجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا و نصبت الحرب لنا و لم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه و عوهد ثم غدر به و أسلم و وثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه و نهبت عسكره و عولجت خلاليل أمهات أولاده فوادع معاوية و حقن دمه و دماء أهل بيته و هم قليل حق قليل ثم بايع الحسين ع من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به و خرجوا عليه و بيعته في أعناقهم و قتلوه ثم لم نزل أهل البيت نستذل و نستضام و نقصى و نمتهن و نحرم و نقتل و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم و قضاة السوء و عمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة و رووا عنا ما لم نقله و ما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن ع فقتلت شيعتنا بكل بلدة و قطعت الأيدي و الأرجل على الظنة و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد و يزداد


إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ع ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة و أخذهم بكل ظنة و تهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي و حتى صار الرجل الذي يذكر بالخير و لعله يكون ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة و لم يخلق الله تعالى شيئا منها و لا كانت و لا وقعت و هو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب و لا بقلة ورع.و روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث قال كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب و أهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة و على كل منبر يلعنون عليا و يبرءون منه و يقعون فيه و في أهل بيته و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ع فاستعمل عليهم زياد ابن سمية و ضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة و هو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي ع فقتلهم تحت كل حجر و مدر و أخافهم و قطع الأيدي و الأرجل و سمل العيون و صلبهم على جذوع النخل و طرفهم و شردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي و أهل بيته شهادة و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و أهل ولايته و الذين يروون فضائله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم و اكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات و الكساء و الحباء و القطائع و يفيضه في العرب منهم و الموالي فكثر ذلك في كل مصر و تنافسوا في المنازل و الدنيا فليس يجي‏ء أحد مردود من الناس عاملا من


عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه و قربه و شفعه فلبثوا بذلك حينا.ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر و في كل وجه و ناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة و الخلفاء الأولين و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا و تأتوني بمناقض له في الصحابة فإن هذا أحب إلى و أقر لعيني و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته و أشد عليهم من مناقب عثمان و فضله.فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر و ألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن و حتى علموه بناتهم و نساءهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه و شفع ذلك بنسخة أخرى من اتهمتموه بمولاه هؤلاء القوم فنكلوا به و أهدموا داره فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق و لا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي ع ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره و يخاف من خادمه و مملوكه و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع و بهتان منتشر و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقربوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع


و المنازل حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان فقبلوها و رووها و هم يظنون أنها حق و لو علموا أنها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها.فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي ع فازداد البلاء و الفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا و هو خائف على دمه أو طريد في الأرض.ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ع و ولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة و ولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك و الصلاح و الدين ببغض علي و موالاة أعدائه و موالاة من يدعي من الناس أنهم أيضا أعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم و سوابقهم و مناقبهم و أكثروا من الغض من علي ع و عيبه و الطعن فيه و الشنئان له حتى أن إنسانا وقف للحجاج و يقال إنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا و إني فقير بائس و أنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج و قال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه و هو من أكابر المحدثين و أعلامهم في تاريخه ما يناسب هذا الخبر و قال إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم.قلت و لا يلزم من هذا أن يكون علي ع يسوءه أن يذكر الصحابة و المتقدمون عليه بالخير و الفضل إلا أن معاوية و بني أمية كانوا يبنون الأمر من هذا على ما يظنونه في علي ع من أنه عدو من تقدم عليه و لم يكن الأمر في الحقيقة كما


يظنونه و لكنه كان يرى أنه أفضل منهم و أنهم استأثروا عليه بالخلافة من غير تفسيق منه لهم و لا براءة منهم.فأما قوله ع و رجل سمع من رسول الله شيئا و لم يحفظه على وجهه فوهم فيه فقد وقع ذلك و قال أصحابنا في الخبر الذي رواه عبد الله بن عمر أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه إن ابن عباس لما روي له هذا الخبر قال ذهل ابن عمر إنما مر رسول الله ص على قبر يهودي فقال إن أهله ليبكون عليه و إنه ليعذب.و قالوا أيضا إن عائشة أنكرت ذلك و قالت ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قليب بدر

إنما قال ع إنهم ليبكون عليه و إنه ليعذب بجرمه.قالوا و موضع غلطه في خبر القليب أنه

روى أن النبي ص وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ثم قال إنهم يسمعون ما أقول لهم فأنكرت عائشة ذلك و قالت إنما

قال إنهم يعلمون أن الذي كنت أقوله لهم هو الحق و استشهد بقوله تعالى( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ اَلْمَوْتى ) ‏.فأما الرجل الثالث و هو الذي يسمع المنسوخ و لم يسمع الناسخ فقد وقع كثيرا و كتب الحديث و الفقه مشحونة بذلك كالذين أباحوا لحوم الحمر الأهلية لخبر رووه في ذلك و لم يرووا الخبر الناسخ.و أما الرجل الرابع فهم العلماء الراسخون في العلم.و أما قوله ع و قد كان يكون من رسول الله ص الكلام له


وجهان فهذا داخل في القسم الثاني و غير خارج عنه و لكنه كالنوع من الجنس لأن الوهم و الغلط جنس تحته أنواع.و اعلم أن أمير المؤمنين ع كان مخصوصا من دون الصحابة رضوان الله عليهم بخلوات كان يخلو بها مع رسول الله ص لا يطلع أحد من الناس على ما يدور بينهما و كان كثير السؤال للنبي ص عن معاني القرآن و عن معاني كلامه ص و إذا لم يسأل ابتدأه النبي ص بالتعليم و التثقيف و لم يكن أحد من أصحاب النبي ص كذلك بل كانوا أقساما فمنهم من يهابه أن يسأله و هم الذين يحبون أن يجي‏ء الأعرابي أو الطارئ فيسأله و هم يسمعون و منهم من كان بليدا بعيد الفهم قليل الهمة في النظر و البحث و منهم من كان مشغولا عن طلب العلم و فهم المعاني إما بعبادة أو دنيا و منهم المقلد يرى أن فرضه السكوت و ترك السؤال و منهم المبغض الشانئ الذي ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته و زمانه بالسؤال عن دقائقه و غوامضه و انضاف إلى الأمر الخاص بعلي ع ذكاؤه و فطنته و طهارة طينته و إشراق نفسه و ضوءها و إذا كان المحل قابلا متهيئا كان الفاعل المؤثر موجودا و الموانع مرتفعة حصل الأثر على أتم ما يمكن فلذلك كان علي ع كما قال الحسن البصري رباني هذه الأمة و ذا فضلها و لذا تسميه الفلاسفة إمام الأئمة و حكيم العرب

فصل فيما وضع الشيعة و البكرية من الأحاديث

و اعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة فإنهم وضعوا


في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم نحو حديث السطل و حديث الرمانة و حديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين و تعرف كما زعموا بذات العلم و حديث غسل سلمان الفارسي و طي الأرض و حديث الجمجمة و نحو ذلك فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو لو كنت متخذا خليلا فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء و نحو سد الأبواب فإنه كان لعلي ع فقلبته البكرية إلى أبي بكر و نحو ايتوني بدواة و بياض أكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان ثم قال يأبى الله تعالى و المسلمون إلا أبا بكر فإنهم وضعوه في مقابلة

الحديث المروي عنه في مرضه ايتوني بدواة و بياض أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدا فاختلفوا عنده و قال قوم منهم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله و نحو حديث أنا راض عنك فهل أنت عني راض و نحو ذلك فلما رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه فتله في عنق خالد و حديث اللوح الذي زعموا أنه كان في غدائر الحنفية أم محمد و حديث لا يفعلن خالد ما آمر به و حديث الصحيفة التي علقت عام الفتح بالكعبة و حديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس إلى بيعته و أحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعين الأولين و كفرهم و علي أدون الطبقات فيهم فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي و في ولديه و نسبوه تارة إلى ضعف العقل و تارة إلى ضعف السياسة و تارة إلى حب الدنيا و الحرص عليها و لقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه و اجترحاه و لقد كان في فضائل علي ع الثابتة الصحيحة و فضائل أبي بكر المحققة


المعلومة ما يغني عن تكلف العصبية لهما فإن العصبية لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل إلى ذكر الرذائل و من تعديد المحاسن إلى تعديد المساوئ و المقابح و نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى و حب العصبية و أن يجرينا على ما عودنا من حب الحق أين وجد و حيث كان سخط ذلك من سخط و رضي به من رضي بمنه و لطفه


204 و من خطبة له ع

وَ كَانَ مِنِ اِقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ وَ بَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ اَلْبَحْرِ اَلزَّاخِرِ اَلْمُتَرَاكِمِ اَلْمُتَقَاصِفِ يَبَساً جَامِداً ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ بَعْدَ اِرْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ وَ قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ وَ أَرْسَى أَرضاً يَحْمِلُهَا اَلْأَخْضَرُ اَلْمُثْعَنْجِرُ وَ اَلْقَمْقَامُ اَلْمُسَخَّرُ قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ وَ وَقَفَ اَلْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ وَ جَبَلَ جَلاَمِيدَهَا وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَ أَطْوَادِهَا أَطْوَادَهَا فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا وَ أَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا قَرَارَتَهَا فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي اَلْهَوَاءِ وَ رَسَتْ أُصُولُهَا فِي اَلْمَاءِ فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا فَأَشْهَقَ قِلاَلَهَا وَ أَطَالَ أَنْشَازَهَا وَ جَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وَ أَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لاَ يَجْرِي وَ قَائِمٍ لاَ يَسْرِي تُكَرْكِرُهُ اَلرِّيَاحُ اَلْعَوَاصِفُ وَ تَمْخُضُهُ اَلْغَمَامُ اَلذَّوَارِفُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى


أراد أن يقول و كان من اقتداره فقال و كان من اقتدار جبروته تعظيما و تفخيما كما يقال للملك أمرت الحضرة الشريفة بكذا و البحر الزاخر الذي قد امتد جدا و ارتفع و المتراكم المجتمع بعضه على بعض و المتقاصف الشديد الصوت قصف الرعد و غيره قصيفا.و اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم ييبس و منه قوله تعالى( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي اَلْبَحْرِ يَبَساً ) و اليبس بالسكون اليابس خلقة حطب يبس هكذا يقوله أهل اللغة و فيه كلام لأن الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل فالأصوب أن يقال لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة و فطر خلق و المضارع يفطر بالضم فطرا.و الأطباق جمع طبق و هو أجزاء مجتمعة من جراد أو غيم أو ناس أو غير ذلك من حيوان أو جماد يقول خلق منه أجساما مجتمعة مرتتقة ثم فتقها سبع سموات و روي ثم فطر منه طباقا أي أجساما منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة بعضها فوق بعض و هي من ألفاظ القرآن المجيد و الضمير في منه يرجع إلى ماء البحر في أظهر النظر و قد يمكن أن يرجع إلى اليبس.و اعلم أنه قد تكرر في كلام أمير المؤمنين ما يماثل هذا القول و يناسبه و هو مذهب


كثير من الحكماء الذين قالوا بحدوث السماء منهم ثاليس الملطي قالوا أصل الأجسام الماء و خلقت الأرض من زبده و السماء من بخاره و قد جاء القرآن العزيز بنحو هذا قال سبحانه اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْماءِ.قال شيخنا أبو علي و أبو القاسم رحمهما الله في تفسيريهما هذه الآية دالة على أن الماء و العرش كانا قبل خلق السموات و الأرض قالا و كان الماء على الهواء قالا و هذا يدل أيضا علي أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق السموات و الأرض لأن الحكيم سبحانه لا يجوز أن يقدم خلق الجماد على خلق المكلفين لأنه يكون عبثا.و قال علي بن عيسى الرماني من مشايخنا أنه غير ممتنع أن يخلق الجماد قبل الحيوان إذا علم أن في إخبار المكلفين بذلك لطفا لهم و لا يصح أن يخبرهم إلا و هو صادق فيما أخبر به و إنما يكون صادقا إذا كان المخبر خبره على ما أخبر عنه و في ذلك حسن تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان و كلام أمير المؤمنين ع يدل على أنه كان يذهب إلى أن الأرض موضوعة على ماء البحر و أن البحر حامل لها بقدرة الله تعالى و هو معنى قوله يحملها الأخضر المثعنجر و القمقام المسخر و أن البحر الحامل لها قد كان جاريا فوقف تحتها و أنه تعالى خلق الجبال في الأرض فجعل أصولها راسخة في ماء البحر الحامل للأرض و أعاليها شامخة في الهواء و أنه سبحانه جعل هذه الجبال عمادا للأرض و أوتادا تمنعها من الحركة و الاضطراب و لولاها لماجت و اضطربت و أن هذا البحر الحامل للأرض تصعد فيه الرياح الشديدة فتحركه حركة عنيفة و تموج السحب التي تغترف الماء منه لتمطر الأرض به و هذا كله مطابق لما في الكتاب العزيز و السنة النبوية و النظر الحكمي أ لا ترى إلى قوله تعالى( أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضَ


كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) و هذا هو صريح قوله ع ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها و إلى قوله تعالى( وَ جَعَلْنا فِي اَلْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) و إلى ما ورد في الخبر من أن الأرض مدحوة على الماء و أن الرياح تسوق السحب إلى الماء نازلة ثم تسوقها عنه صاعدة بعد امتلائها ثم تمطر.و أما النظر الحكمي فمطابق لكلامه إذا تأمله المتأمل و حمله على المحمل العقلي و ذلك لأن الأرض هي آخر طبقات العناصر و قبلها عنصر الماء و هو محيط بالأرض كلها إلا ما برز منها و هو مقدار الربع من كرة الأرض على ما ذكره علماء هذا الفن و برهنوا عليه فهذا تفسير قوله ع يحملها الأخضر المثعنجر.و أما قوله و وقف الجاري منه لخشيته فلا يدل دلالة قاطعة على أنه كان جاريا و وقف و لكن ذلك كلام خرج مخرج التعظيم و التبجيل و معناه أن الماء طبعه الجريان و السيلان فهو جار بالقوة و إن لم يكن جاريا بالفعل و إنما وقف و لم يجر بالفعل بقدرة الله تعالى المانعة له من السيلان و ليس قوله و رست أصولها في الماء مما ينافي النظر العقلي لأنه لم يقل و رست أصولها في ماء البحر و لكنه قال في الماء و لا شبهة في أن أصول الجبال راسية في الماء المتخلخل بين أجزاء الأرض فإن الأرض كلها يتخلخل الماء بين أجزائها على طريق استحالة البخار من الصورة الهوائية إلى الصورة المائية.و ليس ذكره للجبال و كونها مانعة للأرض من الحركة بمناف أيضا للنظر الحكمي لأن الجبال في الحقيقة قد تمنع من الزلزلة إذا وجدت أسبابها الفاعلة فيكون ثقلها مانعا من الهدة و الرجفة.


ليس قوله تكركره الرياح منافيا للنظر الحكمي أيضا لأن كرة الهواء محيطة بكرة و قد تعصف الرياح في كرة الهواء للأسباب المذكورة في موضعها من هذا العلم فيتموج كثير من الكرة المائية لعصف الرياح.و ليس قوله ع و تمخضه الغمام الذوارف صريحا في أن السحب تنزل في البحر فتغترف منه كما قد يعتقد في المشهور العامي نحو قول الشاعر:

كالبحر تمطره السحاب و ما لها

فضل عليه لأنها من مائه

بل يجوز أن تكون الغمام الذراف تمخضه و تحركه بما ترسل عليه من الأمطار السائلة منها فقد ثبت أن كلام أمير المؤمنين ع موجه إن شئت فسرته بما يقوله أهل الظاهر و إن شئت فسرته بما يعتقده الحكماء.فإن قلت فكيف قال الله تعالى( أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) و هل كان الذين كفروا راءين لذلك حتى يقول لهم أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا.قلت هذا في قوله اعلموا أن السموات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما كما يقول الإنسان لصاحبه أ لم تعلم أن الأمير صرف حاجبه الليلة عن بابه أي اعلم ذلك إن كنت غير عالم و الرؤية هنا بمعنى العلم.و اعلم أنه قد ذهب قوم من قدماء الحكماء و يقال أنه مذهب سقراط إلى تفسير القيامة و جهنم بما يبتني على وضع الأرض على الماء فقالوا الأرض موضوعة على الماء و الماء على الهواء و الهواء على النار و النار في حشو الأفلاك و لما كان العنصران الخفيفان و هما الهواء و النار يقتضيان صعود ما يحيطان به و العنصران الثقيلان اللذان في وسطهما و هما


الماء و الأرض يقتضيان النزول و الهبوط وقعت الممانعة و المدافعة فلزم من ذلك وقوف الماء و الأرض في الوسط.قالوا ثم إن النار لا تزال يتزايد تأثيرها في إسخان الماء و ينضاف إلى ذلك حر الشمس و الكواكب إلى أن تبلغ البحار و العنصر المائي غايتهما في الغليان و الفوران فيتصاعد بخار عظيم إلى الأفلاك شديد السخونة و ينضاف إلى ذلك حر فلك الأثير الملاصق للأفلاك فتذوب الأفلاك كما يذوب الرصاص و تتهافت و تتساقط و تصير كالمهل الشديد الحرارة و نفوس البشر على قسمين أحدهما ما تجوهر و صار مجردا بطريق العلوم و المعارف و قطع العلائق الجسمانية حيث كان مدبرا للبدن و الآخر ما بقي على جسمانيته بطريق خلوه من العلوم و المعارف و انغماسه في اللذات و الشهوات الجسمانية فأما الأول فإنه يلتحق بالنفس الكلية المجردة و يخلص من دائرة هذا العالم بالكلية و أما الثاني فإنه تنصب عليه تلك الأجسام الفلكية الذائبة فيحترق بالكلية و يتعذب و يلقي آلاما شديدة.قالوا هذا هو باطن ما وردت به الرواية من العذاب عليها و خراب العالم و الأفلاك و انهدامها.ثم نعود إلى شرح الألفاظ قوله ع فاستمسكت أي وقفت و ثبتت.و الهاء في حده تعود إلى أمره أي قامت على حد ما أمرت به أي لم تتجاوزه و لا تعدته.و الأخضر البحر و يسمى أيضا خضارة معرفة غير مصروف و العرب تسميه بذلك إما لأنه يصف لون السماء فيرى أخضر أو لأنه يرى أسود لصفائه فيطلقون عليه لفظ


الأخضر كما سموا الأخضر أسود نحو قوله مُدْهامَّتانِ و نحو تسميتهم قرى العراق سوادا لخضرتها و كثرة شجرها و نحو قولهم للديزج من الدواب أخضر.المثعنجر السائل ثعجرت الدم و غيره فاثعنجر أي صببته فانصب و تصغير المثعنجر مثيعج و مثيعيج.و القمقام بالفتح من أسماء البحر و يقال لمن وقع في أمر عظيم وقع في قمقام من الأمر تشبيها بالبحر.قوله ع و جبل جلاميدها أي و خلق صخورها جمع جلمود.و النشوز جمع نشز و هو المرتفع من الأرض و يجوز فتح الشين.و متونها جوانبها و أطوادها جبالها و يروى و أطوادها بالجر عطفا على متونها.فأرساها في مراسيها أثبتها في مواضعها رسا الشي‏ء يرسو ثبت و رست أقدامهم في الحرب ثبتت و رست السفينة ترسو رسوا و رسوا أي وقفت في البحر و قوله تعالى( بِسْمِ اَللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها ) بالضم من أجريت و أرسيت و من قرأ بالفتح فهو من رست هي و جرت هي.و ألزمها قرارتها أمسكها حيث استقرت.قوله فأنهد جبالها أي أعلاها نهد ثدي الجارية ينهد بالضم إذا أشرف و كعب فهي ناهد و ناهدة.و سهولها ما تطامن منها عن الجبال.و أساخ قواعدها أي غيب قواعد الجبال في جوانب أقطار الأرض ساخت قوائم


الفرس في الأرض تسوخ و تسيخ أي دخلت فيها و غابت مثل ثاخت و أسختها أنا مثل أثختها و الأنصاب الأجسام المنصوبة الواحد نصب بضم النون و الصاد و منه سميت الأصنام نصبا في قوله تعالى( وَ ما ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ ) لأنها نصبت فعبدت من دون الله قال الأعشى:

و ذا المنصوب لا تنسكنه

لعاقبة و الله ربك فاعبدا

أي و أساخ قواعد الجبال في متون أقطار الأرض و في المواضع الصالحة لأن تكون فيها الأنصاب المماثلة و هي الجبال أنفسها.قوله فأشهق قلالها جمع قلة و هي ما علا من رأس الجبل أشهقها جعلها شاهقة أي عالية.و أرزها أثبتها فيها رزت الجرادة ترز رزا و هو أن تدخل ذنبها في الأرض فتلقى بيضها و أرزها الله أثبت ذلك منها في الأرض و يجوز أرزت لازما غير متعد مثل رزت و ارتز السهم في القرطاس ثبت فيه و روي و آرزها بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الأرض أرزت بالفتح تأرز بالكسر أي ثبتت و آرزها بالمد غيرها أي أثبتها.و تميد تتحرك و تسيخ تنزل و تهوي.فإن قلت ما الفرق بين الثلاثة تميد بأهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها.قلت لأنها لو تحركت لكانت إما أن تتحرك على مركزها أو لا على مركزها


و الأول هو المراد بقوله تميد بأهلها و الثاني تنقسم إلى أن تنزل إلى تحت أو لا تنزل إلى تحت فالنزول إلى تحت هو المراد بقوله أو تسيخ بحملها و القسم الثاني هو المراد بقوله أو تزول عن مواضعها.فإن قلت ما المراد ب على في قوله فسكنت على حركتها.قلت هي لهيئة الحال كما تقول عفوت عنه على سوء أدبه و دخلت إليه على شربه أي سكنت على أن من شأنها الحركة لأنها محمولة على سائل متموج.قوله موجان مياهها بناء فعلان لما فيه اضطراب و حركة كالغليان و النزوان و الخفقان و نحو ذلك.و أجمدها أي أجعلها جامدة و أكنافها جوانبها و المهاد الفراش.فوق بحر لجي كثير الماء منسوب إلى اللجة و هي معظم البحر.قوله يكركره الرياح الكركرة تصريف الريح السحاب إذا جمعته بعد تفريق و أصله يكرر من التكرير فأعادوا الكاف كركرت الفارس عني أي دفعته و رددته.و الرياح العواصف الشديدة الهبوب و تمخضه يجوز فتح الخاء و ضمها و كسرها و الفتح أفصح لمكان حرف الحلق من مخضت اللبن إذا حركته لتأخذ زبده.و الغمام جمع و الواحدة غمامة و لذلك قال الذوارف لأن فواعل أكثر ما يكون لجمع المؤنث ذرفت عينه أي دمعت أي السحب المواطر و المضارع من ذرفت عينه تذرف بالكسر ذرفا و ذرفا و المذارف المدامع


205 و من خطبة له ع

اَللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا اَلْعَادِلَةَ غَيْرَ اَلْجَائِرَةِ وَ اَلْمُصْلِحَةَ غَيْرَ اَلْمُفْسِدَةِ فِي اَلدِّينِ وَ اَلدُّنْيَا غَيْرَ اَلْمُفْسِدَةِ فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلاَّ اَلنُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَ اَلْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ اَلشَّاهِدِينَ شَهَادَةً وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ بَعْدُ اَلْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ وَ اَلآْخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ ما في أيما زائدة مؤكدة و معنى الفصل وعيد من استنصره فقعد عن نصره.و وصف المقالة بأنها عادلة إما تأكيد كما قالوا شعر شاعر و إما ذات عدل كما قالوا رجل تأمر و لابن أي ذو تمر و لبن و يجوز أيضا أن يريد بالعادلة المستقيمة التي ليست كاذبة و لا محرفة عن جهتها و الجائرة نقيضها و هي المنحرفة جار فلان عن الطريق أي انحرف و عدل.و النكوص التأخر.قوله ع نستشهدك عليه أي نسألك أن تشهد عليه و وصفه تعالى


بأنه أكبر الشاهدين شهادة لقوله تعالى( قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اَللَّهُ ) يقول اللهم إنا نستشهدك على خذلان من استنصرناه و استنفرناه إلى نصرتك و الجهاد عن دينك فأبى النهوض و نكث عن القيام بواجب الجهاد و نستشهد عبادك من البشر في أرضك و عبادك من الملائكة في سمواتك عليه أيضا ثم أنت بعد ذلك المغني لنا عن نصرته و نهضته بما تتيحه لنا من النصر و تؤيدنا به من الإعزاز و القوة و الأخذ له بذنبه في القعود و التخلف.و هذا قريب من قوله تعالى( وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ )


206 و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ اَلْمَخْلُوقِينَ اَلْغَالِبِ لِمَقَالِ اَلْوَاصِفِينَ اَلظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ وَ اَلْبَاطِنِ بِجَلاَلِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِ اَلْمُتَوَهِّمِينَ اَلْعَالِمِ بِلاَ اِكْتِسَابٍ وَ لاَ اِزْدِيَادٍ وَ لاَ عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ اَلْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ اَلْأُمُورِ بِلاَ رَوِيَّةٍ وَ لاَ ضَمِيرٍ اَلَّذِي لاَ تَغْشَاهُ اَلظُّلَمُ وَ لاَ يَسْتَضِي‏ءُ بِالْأَنْوَارِ وَ لاَ يَرْهَقُهُ لَيْلٌ وَ لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْإِبْصَارِ وَ لاَ عِلْمُهُ بِالْإِخْبَارِ يجوز شبه و شبه و الرواية هاهنا بالفتح و تعاليه سبحانه عن شبه المخلوقين كونه قديما واجب الوجود و كل مخلوق محدث ممكن الوجود.قوله الغالب لمقال الواصفين أي إن كنه جلاله و عظمته لا يستطيع الواصفون وصفه و إن أطنبوا و أسهبوا فهو كالغالب لأقوالهم لعجزها عن إيضاحه و بلوغ منتهاه و الظاهر بأفعاله و الباطن بذاته لأنه إنما يعلم منه أفعاله و أما ذاته فغير معلومة.ثم وصف علمه تعالى فقال إنه غير مكتسب كما يكتسب الواحد منا علومه بالاستدلال و النظر و لا هو علم يزداد إلى علومه الأولى كما تزيد علوم الواحد منا و معارفه و تكثر لكثرة الطرق التي يتطرق بها إليها.


ثم قال و لا علم مستفاد أي ليس يعلم الأشياء بعلم محدث مجدد كما يذهب إليه جهم و أتباعه و هشام بن الحكم و من قال بقوله.ثم ذكر أنه تعالى قدر الأمور كلها بغير روية أي بغير فكر و لا ضمير و هو ما يطويه الإنسان من الرأي و الاعتقاد و العزم في قلبه.ثم وصفه تعالى بأنه لا يغشاه ظلام لأنه ليس بجسم و لا يستضي‏ء بالأنوار كالأجسام ذوات البصر و لا يرهقه ليل أي لا يغشاه و لا يجري عليه نهار لأنه ليس بزماني و لا قابل للحركة ليس إدراكه بالأبصار لأن ذلك يستدعي المقابلة و لا علمه بالإخبار مصدر أخبر أي ليس علمه مقصورا على أن تخبره الملائكة بأحوال المكلفين بل هو يعلم كل شي‏ء لأن ذاته ذات واجب لها أن تعلم كل شي‏ء لمجرد ذاتها المخصوصة من غير زيادة أمر على ذاتها : وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ اَلنَّبِيِّ ص أَرْسَلَهُ بِالضِّيَاءِ وَ قَدَّمَهُ فِي الاِصْطِفَاءِ فَرَتَقَ بِهِ اَلْمَفَاتِقَ وَ سَاوَرَ بِهِ اَلْمُغَالِبَ وَ ذَلَّلَ بِهِ اَلصُّعُوبَةَ وَ سَهَّلَ بِهِ اَلْحُزُونَةَ حَتَّى سَرَّحَ اَلضَّلاَلَ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ أرسله بالضياء أي بالحق و سمى الحق ضياء لأنه يهتدى به أو أرسله بالضياء أي بالقرآن.


و قدمه في الاصطفاء أي قدمه في الاصطفاء على غيره من العرب و العجم قالت قريش( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ ) أي على رجل من رجلين من القريتين عَظِيمٍ أي إما على الوليد بن المغيرة من مكة أو على عروة بن مسعود الثقفي من الطائف.ثم قال تعالى( أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) أي هو سبحانه العالم بالمصلحة في إرسال الرسل و تقديم من يرى في الاصطفاء على غيره.فرتق به المفاتق أي أصلح به المفاسد و الرتق ضد الفتق و المفاتق جمع مفتق و هو مصدر كالمضرب و المقتل.و ساور به المغالب ساورت زيدا أي واثبته و رجل سوار أي وثاب و سورة الخمر وثوبها في الرأس.و الحزونة ضد السهولة و الحزن ما غلظ من الأرض و السهل ما لان منها و استعير لغير الأرض كالأخلاق و نحوها.قوله حتى سرح الضلال أي طرده و أسرع به ذهابا.عن يمين و شمال من قولهم ناقة سرح و منسرحة أي سريعة و منه تسريح المرأة أي تطليقها


207 و من خطبة له ع

وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ وَ حَكَمٌ فَصَلَ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ كُلَّمَا نَسَخَ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ وَ لاَ ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ أَلاَ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلاً وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ يَقُولُ عَلَى اَلْأَلْسِنَةِ وَ يُثَبِّتُ بِهِ اَلْأَفْئِدَةَ فِيهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَ يَتَلاَقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ وَ يَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ لاَ تَشُوبُهُمُ اَلرِّيبَةُ وَ لاَ تُسْرِعُ فِيهِمُ اَلْغِيبَةُ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلاَقَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ اَلْبَذْرِ يُنْتَقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يُلْقَى قَدْ مَيَّزَهُ اَلتَّخْلِيصُ وَ هَذَّبَهُ اَلتَّمْحِيصُ فَلْيَقْبَلِ اِمْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا وَ لْيَنْظُرِ اِمْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ وَ قَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ سَبِيلَ اَلسَّلاَمَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ اَلْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ


وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَ اِسْتَفْتَحَ اَلتَّوْبَةَ وَ أَمَاطَ اَلْحَوْبَةَ فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى اَلطَّرِيقِ وَ هُدِيَ نَهْجَ اَلسَّبِيلِ الضمير في أنه يرجع إلى القضاء و القدر المذكور في صدر هذه الخطبة و لم يذكره الرضي رحمه الله يقول أشهد أن قضاءه تعالى عدل عدل و حكم بالحق فإنه حكم فصل بين العباد بالإنصاف و نسب العدل و الفصل إلى القضاء على طريق المجاز و هو بالحقيقة منسوب إلى ذي القضاء و القاضي به هو الله تعالى.قوله و سيد عباده هذا كالمجمع عليه بين المسلمين و إن كان قد خالف فيه شذوذ منهم و احتج الجمهور

بقوله أنا سيد ولد آدم و لا فخر و بقوله ادعوا لي سيد العرب عليا فقالت عائشة أ لست سيد العرب فقال أنا سيد البشر و علي سيد العرب و بقوله آدم و من دونه تحت لوائي و احتج المخالف

بقوله ع لا تفضلوني على أخي يونس بن متى.و أجاب الأولون تارة بالطعن في إسناد الخبر و تارة بأنه حكاية كلام حكاه ص عن عيسى ابن مريم و تارة بأن النهي إنما كان عن الغلو فيه كما غلت الأمم في أنبيائها فهو كما ينهى الطبيب المريض فيقول لا تأكل من الخبز و لا درهما و ليس مراده تحريم أكل الدرهم و الدرهمين بل تحريم ما يستضر بأكله منه.قوله ع كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما النسخ النقل و منه نسخ الكتاب و منه نسخت الريح آثار القوم و نسخت الشمس الظل يقول


كلما قسم الله تعالى الأب الواحد إلى ابنين جعل خيرهما و أفضلهما لولادة محمد ع و سمى ذلك نسخا لأن البطن الأول يزول و يخلفه البطن الثاني و منه مسائل المناسخات في الفرائض.و هذا المعنى قد ورد مرفوعا في عدة أحاديث نحو قوله ص ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده إلا كنت في خيرهما و نحو

قوله إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل و اصطفى من ولد إسماعيل مضر و اصطفى من مضر كنانة و اصطفى من كنانة قريشا و اصطفى من قريش هاشما و اصطفاني من بني هاشم قوله لم يسهم فيه عاهر و لا ضرب فيه فاجر لم يسهم لم يضرب فيه عاهر بسهم أي بنصيب و جمعه سهمان و العاهر ذو العهر بالتحريك و هو الفجور و الزناء و يجوز تسكين الهاء مثل نهر و نهر و هذا هو المصدر و الماضي عهر بالفتح و الاسم العهر بكسر العين و سكون الهاء و المرأة عاهرة و معاهرة و عيهرة و تعيهر الرجل إذا زنى و الفاجر كالعاهر هاهنا و أصل الفجور الميل قال لبيد

فإن تتقدم تغش منها مقدما

غليظا و إن أخرت فالكفل فاجر

يقول مقعد الرديف مائل

ذكر بعض المطاعن في النسب و كلام للجاحظ في ذلك

و في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن كما يقال إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من بني زهرة بن كلاب و إنهم من بني عذرة من قحطان


و كما قالوا إن آل الزبير بن العوام من أرض مصر من القبط و ليسوا من بني أسد بن عبد العزى قال الهيثم بن عدي في كتاب مثالب العرب إن خويلد بن أسد بن عبد العزى كان أتى مصر ثم انصرف منها بالعوام فتبناه فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خويلد:

بني أسد ما بال آل خويلد

يحنون شوقا كل يوم إلى القبط

متى يذكروا قهقى يحنوا لذكرها

و للرمث المقرون و السمك الرقط

عيون كأمثال الزجاج وضيعة

تخالف كعبا في لحى كثة ثط

يرى ذاك في الشبان و الشيب منهم

مبينا و في الأطفال و الجلة الشمط

لعمر أبي العوام إن خويلدا

غداة تبناه ليوثق في الشرط

و كما يقال في قوم آخرين نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن به في أنسابهم كي لا يظن بنا أنا نحب المقالة في الناس.قال شيخنا أبو عثمان في كتاب مفاخرات قريش لا خير في ذكر العيوب إلا من ضرورة و لا نجد كتاب مثالب قط إلا لدعي أو شعوبي و لست واجده لصحيح النسب و لا لقليل الحسد و ربما كانت حكاية الفحش أفحش من الفحش و نقل الكذب أقبح من الكذب و قال النبي ص اعف عن ذي قبر و قال لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات و قيل في المثل يكفيك من شر سماعه و قالوا أسمعك من أبلغك و قالوا من طلب عيبا وجده و قال النابغة:

و لست بمستبق أخا لا تلمه

على شعث أي الرجال المهذب


قال أبو عثمان و بلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الأشعار و حملة الآثار يعيبون الناس و يثلبونهم في أسلافهم فقام على المنبر و قال إياكم و ذكر العيوب و البحث عن الأصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذا الأبواب إلا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال إذا كنت أنا و أنت يا أمير المؤمنين نخرج فقال كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد.قلت الرجل الذي قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي كان عمر يبغضه لبغضه أباه خالدا و لأن المهاجر كان علوي الرأي جدا و كان أخوه عبد الرحمن بخلافه شهد المهاجر صفين مع علي ع و شهدها عبد الرحمن مع معاوية و كان المهاجر مع علي ع في يوم الجمل و فقئت ذلك اليوم عينه و لأن الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر و كان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش و كونه يسمى ريحانة قريش و يسمى العدل و يسمى الوحيد حداد يصنع الدروع و غيرها بيده ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب المعارف.و روى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء و قال إنه روى عند جعفر بن محمد ع بالمدينة فقال لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل بن عبد العزى و صهاك أمة الزبير بن عبد المطلب ثم قال رحم الله عمر فإنه لم يعد السنة و تلا إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.أما قول ابن جرير الآملي الطبرستاني في كتاب المسترشد إن عثمان والد


أبي بكر الصديق كان ناكحا أم الخير ابنة أخته فليس بصحيح و لكنها ابنة عمه لأنها ابنة صخر بن عامر و عثمان هو ابن عمرو بن عامر و العجب لمن اتبعه من فضلاء الإمامية على هذه المقالة من غير تحقيق لها من كتب الأنساب و كيف تتصور هذه الواقعة في قريش و لم يكن أحد منهم مجوسيا و لا يهوديا و لا كان من مذهبهم حل نكاح بنات الأخ و لا بنات الأخت.ثم نعود لإتمام حكاية كلام شيخنا أبي عثمان قال و متى يقدر الناس حفظك الله على رجل مسلم من كل ابنة و مبرأ من كل آفة في جميع آبائه و أمهاته و أسلافه و أصهاره حتى تسلم له أخواله و أعمامه و خالاته و عماته و أخواته و بناته و أمهات نسائه و جميع من يناسبه من قبل جداته و أجداده و أصهاره و أختانه و لو كان ذلك موجودا لما كان لنسب رسول الله ص فضيلة في النقاء و التهذيب و في التصفية و التنقيح

قال رسول الله ص ما مسني عرق سفاح قط و ما زلت أنقل من الأصلاب السليمة من الوصوم و الأرحام البريئة من العيوب فلسنا نقضي لأحد بالنقاء من جميع الوجوه إلا لنسب من صدقه القرآن و اختاره الله على جميع الأنام و إلا فلا بد من شي‏ء يكون في نفس الرجل أو في طرفيه أو في بعض أسلافه أو في بعض أصهاره و لكنه يكون مغطى بالصلاح و محجوبا بالفضائل و مغمورا بالمناقب.و لو تأملت أحوال الناس لوجدت أكثرهم عيوبا أشدهم تعييبا قال الزبرقان من بدر ما استب رجلان إلا غلب ألأمهما و قال خصلتان كثيرتان في امرئ السوء


كثرة اللطام و شدة السباب و لو كان ما يقوله أصحاب المثالب حقا لما كان على ظهرها عربي كما قال عبد الملك بن صالح الهاشمي إن كان ما يقول بعض في بعض حقا فما فيهم صحيح و إن كان ما يقول بعض المتكلمين في بعض حقا فما فيهم مسلم.قوله ع ألا و إن الله قد جعل للخير أهلا و للحق دعائم و للطاعة عصما الدعائم ما يدعم بها البيت لئلا يسقط و العصم جمع عصمة و هو ما يحفظ به الشي‏ء و يمنع فأهل الخير هم المتقون و دعائم الحق الأدلة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب و عصم الطاعة هي الإدمان على فعلها و التمرن على الإتيان بها لأن المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولته عليه و العون هاهنا هو اللطف المقرب من الطاعة المبعد من القبيح.ثم قال ع إنه يقول على الألسنة و يثبت الأفئدة و هذا من باب التوسع و المجاز لأنه لما كان مستهلا للقول أطلق عليه إنه يقول على الألسنة و لما كان الله تعالى هو الذي يثبت الأفئدة كما قال( يُثَبِّتُ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ ) نسب التثبيت إلى اللطف لأنه من فعل الله تعالى كما ينسب الإنبات إلى المطر و إنما المنبت للزرع هو الله تعالى و المطر فعله.ثم قال ع فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف و الوجه فيه كفاية فإن الهمز لا وجه له هاهنا لأنه من باب آخر و لكنه أتى بالهمزة للازدواج بين كفاء


و شفاء كما قالوا الغدايا و العشايا و كما قال ع مأزورات غير مأجورات فأتى بالهمز و الوجه الواو للازدواج

ذكر بعض أحوال العارفين و الأولياء

ثم ذكر العارفين فقال و اعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه إلى قوله و هذبه التمحيص.و اعلم أن الكلام في العرفان لم يأخذه أهل الملة الإسلامية إلا عن هذا الرجل و لعمري لقد بلغ منه إلى أقصى الغايات و أبعد النهايات و العارفون هم القوم الذين اصطفاهم الله تعالى و انتخبهم لنفسه و اختصهم بأنسه أحبوه فأحبهم و قربوا منه فقرب منهم قد تكلم أرباب هذا الشأن في المعرفة و العرفان فكل نطق بما وقع له و أشار إلى ما وجده في وقته.و كان أبو علي الدقاق يقول من أمارات المعرفة حصول الهيبة من الله فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته.و كان يقول المعرفة توجب السكينة في القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته.و سئل الشبلي عن علامات العارف فقال ليس لعارف علامة و لا لمحب سكون و لا لخائف قرار.و سئل مرة أخرى عن المعرفة فقال أولها الله و آخرها ما لا نهاية له.و قال أبو حفص الحداد منذ عرفت الله ما دخل قلبي حق و لا باطل و قد أشكل هذا الكلام على أرباب هذا الشأن و تأوله بعضهم فقال عند القوم إن المعرفة توجب


غيبة العبد عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق عليه فلا يشهد غير الله و لا يرجع إلا إليه و كما إن العاقل يرجع إلى قلبه و تفكره و تذكره فيما يسنح له من أمر أو يستقبله من حال فالعارف رجوعه إلى ربه لا إلى قلبه و كيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له.و سئل أبو يزيد البسطامي عن العرفان فقال إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً و هذا معنى ما أشار إليه أبو حفص الحداد.و قال أبو يزيد أيضا للخلق أحوال و لا حال للعارف لأنه محيت رسومه و فنى هو و صارت هويته هوية غيره و غيبت آثاره في آثار غيره.قلت و هذا هو القول بالاتحاد الذي يبحث فيه أهل النظر.و قال الواسطي لا تصح المعرفة و في العبد استغناء بالله أو افتقار إليه و فسر بعضهم هذا الكلام فقال إن الافتقار و الاستغناء من أمارات صحو العبد و بقاء رسومه على ما كانت عليه و العارف لا يصح ذلك عليه لأنه لاستهلاكه في وجوده أو لاستغراقه في شهوده إن لم يبلغ درجة الاستهلاك في الوجود مختطف عن إحساسه بالغنى و الفقر و غيرهما من الصفات و لهذا قال الواسطي من عرف الله انقطع و خرس و انقمع

قال ص لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.و قال الحسين بن منصور الحلاج علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا و الآخرة.و قال سهل بن عبد الله التستري غاية العرفان شيئان الدهش و الحيرة.و قال ذو النون أعرف الناس بالله أشدهم تحيرا فيه.و قيل لأبي يزيد بما ذا وصلت إلى المعرفة قال ببدن عار و بطن جائع.


و قيل لأبي يعقوب السوسي هل يتأسف العارف على شي‏ء غير الله فقال و هل يرى شيئا غيره ليتأسف عليه.و قال أبو يزيد العارف طيار و الزاهد سيار.و قال الجنيد لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر و الفاجر و كالسحاب يظل كل شي‏ء و كالمطر يسقى ما ينبت و ما لا ينبت.و قال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا و لا يقضى وطره من شيئين بكائه على نفسه و حبه لربه.و كان ابن عطاء يقول أركان المعرفة ثلاثة الهيبة و الحياء و الأنس و قال بعضهم العارف أنس بالله فأوحشه من خلقه و افتقر إلى الله فأغناه عن خلقه و ذل لله فأعزه في خلقه.و قال بعضهم العارف فوق ما يقول و العالم دون ما يقول.و قال أبو سليمان الداراني إن الله يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح للعابد و هو قائم يصلي.و كان رويم يقول رياء العارفين أفضل من إخلاص العابدين.و سئل أبو تراب النخشبي عن العارف فقال هو الذي لا يكدره شي‏ء و يصفو به كل شي‏ء.و قال بعضهم المعرفة أمواج ترفع و تحط.و سئل يحيى بن معاذ عن العارف فقال الكائن البائن.و قيل ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة فكيف عند أبناء الدنيا.و قال محمد بن الفضل المعرفة حياة القلب مع الله.و سئل أبو سعيد الخراز هل يصير العارف إلى حال يجفو عليه البكاء قال


نعم إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله فإذا صاروا إلى حقائق القرب و ذاقوا طعم الوصول زال عنهم ذلك.و اعلم أن إطلاق أمير المؤمنين ع عليهم لفظة الولاية في قوله يتواصلون بالولاية و يتلاقون بالمحبة يستدعي الخوض في مقامين جليلين من مقامات العارفين المقام الأول الولاية و هو مقام جليل قال الله تعالى( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اَللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ ) و جاء في الخبر الصحيح عن النبي ص يقول الله تعالى من آذى لي وليا فقد استحل محارمي و ما تقرب إلي العبد بمثل أداء ما فرضت عليه و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه و لا ترددت في شي‏ء أنا فاعله كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و لا بد له منه.و اعلم أن الولي له معنيان أحدهما فعيل بمعنى مفعول كقتيل و جريح و هو من يتولى الله أمره كما قال الله تعالى( إِنَّ وَلِيِّيَ اَللَّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى اَلصَّالِحِينَ ) فلا يكله إلى نفسه لحظة عين بل يتولى رعايته.و ثانيهما فعيل بمعنى فاعل كنذير و عليم و هو الذي يتولى طاعة الله و عبادته فلا يعصيه.و من شرط كون الولي وليا ألا يعصي مولاه و سيده كما أن من شرط كون النبي


نبيا العصمة فمن ظن فيه أنه من الأولياء و يصدر عنه ما للشرع فيه اعتراض فليس بولي عند أصحاب هذا العلم بل هو مغرور مخادع.و يقال إن أبا يزيد البسطامي قصد بعض من يوصف بالولاية فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل و تنخم في المسجد فانصرف أبو يزيد و لم يسلم عليه و قال هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة كيف يكون أمينا على أسرار الحق.و قال إبراهيم بن أدهم لرجل أ تحب أن تكون لله وليا قال نعم قال لا ترغب في شي‏ء من الدنيا و لا من الآخرة و فرغ نفسك لله و أقبل بوجهك عليه ليقبل عليك و يواليك.و قال يحيى بن معاذ في صفة الأولياء هم عباد تسربلوا بالأنس بعد المكابدة و ادرعوا بالروح بعد المجاهدة بوصولهم إلى مقام الولاية.و كان أبو يزيد يقول أولياء الله عرائس الله و لا يرى العرائس إلا المحارم فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس لا يراهم أحد في الدنيا و لا في الآخرة.و قال أبو بكر الصيدلاني كنت أصلح لقبر أبي بكر الطمستاني لوحا أنقر فيه اسمه فيسرق ذلك اللوح فأنقر له لوحا آخر و أنصبه على قبره فيسرق و تكرر ذلك كثيرا دون غيره من ألواح القبور فكنت أتعجب منه فسألت أبا علي الدقاق عن ذلك فقال إن ذلك الشيخ آثر الخفاء في الدنيا و أنت تريد أن تشهره باللوح الذي تنصبه على قبره فالله سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره كما هو ستر نفسه.و قال بعضهم إنما سمي الولي وليا لأنه توالت أفعاله على الموافقة.


و قال يحيى بن معاذ الولي لا يرائي و لا ينافق و ما أقل صديق من يكون هذا خلقه.المقام الثاني المحبة قال الله سبحانه مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و المحبة عند أرباب هذا الشأن حالة شريفة.قال أبو يزيد البسطامي المحبة استقلال الكثير من نفسك و استكثار القليل من حبيبك.و قال أبو عبد الله القرشي المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شي‏ء و أكثرهم على نفي صفة العشق لأن العشق مجاوزة الحد في المحبة و البارئ سبحانه أجل من أن يوصف بأنه قد تجاوز أحد الحد في محبته.سئل الشبلي عن المحبة فقال هي أن تغار على المحبوب أن يحبه أحد غيرك.و قال سمنون ذهب المحبون بشرف الدنيا و الآخرة

لأن النبي ص قال المرء مع من أحب فهم مع الله تعالى.و قال يحيى بن معاذ حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء و لا يزيد بالبر.و قال ليس بصادق من ادعى محبته و لم يحفظ حدوده.و قال الجنيد إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب.و أنشد في معناه:

إذا صفت المودة بين قوم

و دام ودادهم سمج الثناء

و كان أبو علي الدقاق يقول أ لست ترى الأب الشفيق لا يبجل ولده في الخطاب و الناس يتكلفون في مخاطبته و الأب يقول له يا فلان باسمه.


و قال أبو يعقوب السوسي حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله و ينسى حوائجه إليه.قيل للنصرآباذي يقولون إنه ليس لك من المحبة شي‏ء قال صدقوا و لكن لي حسراتهم فهو ذو احتراق فيه.و قال النصرآباذي أيضا المحبة مجانبة السلو على كل حال ثم أنشد:

و من كان في طول الهوى ذاق سلوة

فإني من ليلى لها غير ذائق

و أكثر شي‏ء نلته في وصالها

أماني لم تصدق كلمحة بارق

و كان يقال الحب أوله خبل و آخره قتل.و قال أبو علي الدقاق في معنى قول النبي ص حبك الشي‏ء يعمي و يصم قال يعمي و يصم عن الغير إعراضا و عن المحبوب هيبة ثم أنشد:

إذا ما بدا لي تعاظمته

فأصدر في حال من لم يره

و قال الجنيد سمعت الحارث المحاسبي يقول المحبة إقبالك على المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك و مالك و ولدك ثم موافقتك له في جميع الأمور سرا و جهرا ثم اعتقادك بعد ذلك أنك مقصر في محبته.و قال الجنيد سمعت السري يقول لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر يا أنا.و قال الشبلي المحب إذا سكت هلك و العارف إذا لم يسكت هلك.و قيل المحبة نار في القلب تحرق ما سوى ود المحبوب.و قيل المحبة بذل الجهد و الحبيب يفعل ما يشاء.و قال الثوري المحبة هتك الأستار و كشف الأسرار.


حبس الشبلي في المارستان بين المجانين فدخل عليه جماعة فقال من أنتم قالوا محبوك أيها الشيخ فأقبل يرميهم بالحجارة ففروا فقال إذا ادعيتم محبتي فاصبروا على بلائي.كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي قد سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته فكتب إليه أبو يزيد غيرك شرب بحور السموات و الأرض و ما روي بعد و لسانه خارج و يقول هل من مزيد.و من شعرهم في هذا المعنى:

عجبت لمن يقول ذكرت ربي

و هل أنسى فأذكر ما نسيت

شربت الحب كأسا بعد كأس

فما نفد الشراب و لا رويت

و يقال إن الله تعالى أوحى إلى بعض الأنبياء إذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا و الآخرة ملأته من حبي و قال أبو علي الدقاق إن في بعض الكتب المنزلة عبدي أنا و حقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا.و قال عبد الله بن المبارك من أعطي قسطا من المحبة و لم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع.و قيل المحبة ما تمحو أثرك و تسلبك عن وجودك.و قيل المحبة سكر لا يصحوا صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثم إن السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف و أنشد

فأكسر القوم دور كأس

و كان سكرى من المدير

و كان أبو علي الدقاق ينشد كثيرا


لي سكرتان و للندمان واحدة

شي‏ء خصصت به من بينهم وحدي

و كان يحيى بن معاذ يقول مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.و قال بعضهم من أراد أن يكون محبا فليكن كما حكي عن بعض الهند أنه أحب جارية فرحلت عن ذلك البلد فخرج الفتى في وداعها فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى فغمض التي لم تدمع أربعا و ثمانين سنة و لم يفتحها عقوبة لأنها لم تبك على فراق حبيبته.و أنشدوا في هذا المعنى

بكت عيني غداة البين دمعا

و أخرى بالبكاء بخلت علينا

فعاقبت التي بخلت علينا

بأن غمضتها يوم التقيا

و قيل إن الله تعالى أوحى إلى داود ع إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبي و حب غيري.و قيل المحبة إيثار المحبوب على النفس كامرأة العزيز لما أفرط بها الحب قالت أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ و في الابتداء قالت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ فوركت الذنب في الابتداء عليه و نادت في الانتهاء على نفسها بالخيانة و قال أبو سعيد الخراز رأيت النبي ص في المنام فقلت يا رسول الله اعذرني فإن محبة الله شغلتني عن حبك فقال يا مبارك من أحب الله فقد أحبني.


ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل قوله ع يصونون مصونه أي يكتمون من العلم الذي استحفظوه ما يجب أن يكتم و يفجرون عيونه يظهرون منه ما ينبغي إظهاره و ذلك أنه ليس ينبغي إظهار كل ما استودع العارف من الأسرار و أهل هذا الفن يزعمون أن قوما منهم عجزوا عن أن يحملوا بما حملوه فباحوا به فهلكوا منهم الحسين بن منصور الحلاج و لأبي الفتوح الجارودي المتأخر أتباع يعتقدون فيه مثل ذلك.و الولاية بفتح الواو المحبة و النصرة و معنى يتواصلون بالولاية يتواصلون و هم أولياء و مثله و يتلاقون بالمحبة كما تقول خرجت بسلاحي أي خرجت و أنا متسلح فيكون موضع الجار و المجرور نصبا بالحال أو يكون المعنى أدق و ألطف من هذا و هو أن يتواصلوا بالولاية أي بالقلوب لا بالأجسام كما تقول أنا أراك بقلبي و أزورك بخاطري و أواصلك بضميري.قوله و يتساقون بكأس روية أي بكأس المعرفة و الأنس بالله يأخذ بعضهم عن بعض العلوم و الأسرار فكأنهم شرب يتساقون بكأس من الخمر.قال و يصدرون برية يقال من أين ريتكم مفتوحة الراء أي من أين ترتوون الماء.قال لا تشوبهم الريبة أي لا تخالطهم الظنة و التهمة و لا تسرع فيهم الغيبة لأن أسرارهم مشغولة بالحق عن الخلق.قال على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم الضمير في عقد يرجع إلى الله تعالى أي على هذه الصفات و الطبائع عقد الخالق تعالى خلقتهم و خلقهم أي هم متهيئون لما صاروا إليه

كما قال ع إذا أرادك لأمر هيأك له


و قال ع كل ميسر لما خلق له.قال فعليه يتحابون و به يتواصلون أي ليس حبهم بعضهم بعضا إلا في الله و ليست مواصلتهم بعضهم بعضا إلا لله لا للهوى و لا لغرض من أغراض الدنيا أنشد منشد عند عمر قول طرفة

فلو لا ثلاث هن من عيشة الفتى

و جدك لم أحفل متى قام عودي

فمنهن سبقي العاذلات بشربة

كميت متى ما تعل بالماء تزبد

و كري إذا نادى المضاف محنبا

كسيد الغضا نبهته المتورد

و تقصير يوم الدجن و الدجن معجب

ببهكنة تحت الطراف المعمد

فقال عمر و أنا لو لا ثلاث هن من عيشة الفتى لم أحفل متى قام عودي حبي في الله و بغضي في الله و جهادي في سبيل الله.قوله ع فكانوا كتفاضل البذر أي مثلهم مثل الحب الذي ينتفي للبذر يستصلح بعضه و يسقط بعضه.قد ميزه التخليص قد فرق الانتقاء بين جيدة و رديئة و هذبه التمحيص

قال النبي ص إن المرض ليمحص الخطايا كما تمحص النار الذهب أي كما تخلص النار الذهب مما يشوبه.ثم أمر ع المكلفين بقبول كرامة الله و نصحه و وعظه و تذكيره و بالحذر


من نزول القارعة بهم و هي هاهنا الموت و سميت الداهية قارعة لأنها تقرع أي تصيب بشدة.قوله فليصنع لمتحوله أي فليعد ما يجب إعداده للموضع الذي يتحول إليه تقول اصنع لنفسك أي اعمل لها.قوله و معارف منتقله معارف الدار ما يعرفها المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار و معالم الدار و منه معارف المرأة و هو ما يظهر منها كالوجه و اليدين و المنتقل بالفتح موضع الانتقال.قوله فطوبى هي فعلى من الطيب قلبوا الياء واوا للضمة قبلها و يقال طوبى لك و طوباك بالإضافة.و قول العامة طوبيك بالياء غير جائز.قوله لذي قلب سليم هو من ألفاظ الكتاب العزيز أي سليم من الغل و الشك.قوله أطاع من يهديه أي قبل مشورة الناصح الآمر له بالمعروف و الناهي له عن المنكر.و تجنب من يرديه أي يهلكه بإغوائه و تحسين القبيح له.و الباء في قوله ببصر من بصره متعلقة بأصاب.قوله قبل أن تغلق أبوابه أي قبل أن يحضره الموت فلا تقبل توبته.و الحوبة الإثم و إماطته إزالته و يجوز أمطت الأذى عنه و مطت الأذى عنه أي نحيته و منع الأصمعي منه إلا بالهمزة


208 و من دعاء كان يدعو به ع كثيرا

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّتاً وَ لاَ سَقِيماً وَ لاَ مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ وَ لاَ مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي وَ لاَ مَقْطُوعاً دَابِرِي وَ لاَ مُرْتَدّاً عَنْ دِينِي وَ لاَ مُنْكِراً لِرَبِّي وَ لاَ مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي وَ لاَ مُلْتَبِساً عَقْلِي وَ لاَ مُعَذَّباً بِعَذَابِ اَلْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي لَكَ اَلْحُجَّةُ عَلَيَّ وَ لاَ حُجَّةَ لِي وَ لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلاَّ مَا أَعْطَيْتَنِي وَ لاَ أَتَّقِيَ إِلاَّ مَا وَقَيْتَنِي اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ أَوْ أُضْطَهَدَ وَ اَلْأَمْرُ لَكَ اَللَّهُمَّ اِجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي وَ أَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي اَللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ أَوْ تَتَابَعَ تَتَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ اَلْهُدَى اَلَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ


قوله كثيرا منصوب بأنه صفة مصدر محذوف أي دعاء كثيرا و ميتا منصوب على الحال أي لم يفلق الصباح على ميتا و لا يجوز أن تكون يصبح ناقصة و يكون ميتا خبرها كما قال الراوندي لأن خبر كان و أخواتها يجب أن يكون هو الاسم أ لا ترى أنهما مبتدأ و خبر في الأصل و اسم يصبح ضمير الله تعالى و ميتا ليس هو الله سبحانه.قوله و لا مضروبا على عروقي بسوء أي و لا أبرص و العرب تكني عن البرص بالسوء و من أمثالهم ما أنكرك من سوء أي ليس إنكاري لك عن برص حدث بك فغير صورتك.و أراد بعروقه أعضاءه و يجوز أن يريد و لا مطعونا في نسبي و التفسير الأول أظهر.و لا مأخوذا بأسوإ عملي أي و لا معاقبا بأفحش ذنوبي.و لا مقطوعا دابري أي عقبي و نسلي و الدابر في الأصل التابع لأنه يأتي دبرا و يقال للهالك قد قطع الله دابره كأنه يراد أنه عفا أثره و محا اسمه قال سبحانه أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ.و لا مستوحشا أي و لا شاكا في الإيمان لأن من شك في عقيدة استوحش منها.و لا متلبسا عقلي أي و لا مختلطا عقلي لبست عليهم الأمر بالفتح أي خلطته و عذاب الأمم من قبل المسخ و الزلزلة و الظلمة و نحو ذلك.


قوله لك الحجة علي و لا حجة لي لأن الله سبحانه قد كلفه بعد تمكينه و إقداره و إعلامه قبح القبيح و وجوب الواجب و ترديد دواعيه إلى الفعل و تركه و هذه حجة الله تعالى على عباده و لا حجة للعباد عليه لأنه ما كلفهم إلا بما يطيقونه و لا كان لهم لطف في أمر إلا و فعله.قوله لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني و لا أتقي إلا ما وقيتني أي لا أستطيع أن أرزق نفسي أمرا و لكنك الرزاق و لا أدفع عن نفسي محذورا من المرض و الموت إلا ما دفعته أنت عني.و قال الشاعر:

لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتقي

نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر

يرى الشي‏ء مما يتقى فيخافه

و ما لا يرى مما يقي الله أكثر

و قال عبد الله بن سليمان بن وهب

كفاية الله أجدى من توقينا

و عادة الله في الأعداء تكفينا

كاد الأعادي فما أبقوا و لا تركوا

عيبا و طعنا و تقبيحا و تهجينا

و لم نزد نحن في سر و في علن

على مقالتنا الله يكفينا

و كان ذاك و رد الله حاسدنا

بغيظه لم ينل مأموله فينا

قوله ع أن أفتقر في غناك موضع الجار و المجرور نصب على الحال و في متعلقة بمحذوف و المعنى أن أفتقر و أنت الموصوف بالغنى الفائض على الخلق.و كذلك قوله أو أضل في هداك معناه أو أضل و أنت ذو الهداية العامة للبشر كافة و كذلك أو أضام في سلطانك كما يقول المستغيث إلى السلطان كيف أظلم في عدلك.


و كذلك قوله أو أضطهد و الأمر لك أي و أنت الحاكم صاحب الأمر و الطاء في أضطهد هي تاء الافتعال و أصل الفعل ضهدت فلانا فهو مضهود أي قهرته و فلان ضهده لكل أحد أي كل من شاء أن يقهره فعل.قوله اللهم اجعل نفسي هذه الدعوة مثل دعوة رسول الله ص و هي قوله اللهم متعنا بأسماعنا و أبصارنا و اجعله الوارث منا أي لا تجعل موتنا متأخرا عن ذهاب حواسنا و كان علي بن الحسين يقول في دعائه اللهم احفظ علي سمعي و بصري إلى انتهاء أجلي.و فسروا قوله ع و اجعله الوارث منا فقالوا الضمير في و اجعله يرجع إلى الإمتاع.فإن قلت كيف يتقى الإمتاع بالسمع و البصر بعد خروج الروح.قلت هذا توسع في الكلام و المراد لا تبلنا بالعمى و لا الصمم فنكون أحياء في الصورة و لسنا بأحياء في المعنى لأن من فقدهما لا خير له في الحياة فحملته المبالغة على أن طلب بقاءهما بعد ذهاب النفس إيذانا و إشعارا بحبه ألا يبلى بفقدهما.و نفتتن على ما لم يسم فاعله نصاب بفتنة تضلنا عن الدين و روي نفتتن بفتح حرف المضارعة على نفتعل افتتن الرجل أي فتن و لا يجوز أن يكون الافتتان متعديا كما ذكره الراوندي و لكنه قرأ في الصحاح للجوهري و الفتون الافتتان يتعدى و لا يتعدى فظن أن ذلك للافتتان و ليس كما ظن و إنما ذلك راجع إلى الفتون.و التتابع التهافت في اللجاج و الشر و لا يكون إلا في مثل ذلك و روي أو تتابع بطرح إحدى التاءات


209 و من خطبة له ع خطبها بصفين

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ وَ لَكُمْ عَلَيَّ مِنَ اَلْحَقِّ مِثْلُ اَلَّذِي لِي عَلَيْكُمْ وَ اَلْحَقُّ أَوْسَعُ اَلْأَشْيَاءِ فِي اَلتَّوَاصُفِ وَ أَضْيَقُهَا فِي اَلتَّنَاصُفِ لاَ يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ وَ لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَ لاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ اَلثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ اَلْمَزِيدِ أَهْلُهُ الذي له عليهم من الحق هو وجوب طاعته و الذي لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم و الحق أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف معناه أن كل أحد يصف الحق و العدل و يذكر حسنه و وجوبه و يقول لو وليت لعدلت فهو بالوصف باللسان وسيع و بالفعل ضيق لأن ذلك العالم العظيم الذين كانوا يتواصفون حسنه و يعدون أن لو ولوا باعتماده و فعله لا تجد في الألف منهم واحدا لو ولي لعدل و لكنه قول بغير عمل.


ثم عاد إلى تقرير الكلام الأول و هو وجوب الحق له و عليه فقال إنه لا يجري لأحد إلا و جرى عليه و كذلك لا يجري عليه إلا و جرى له أي ليس و لا واحد من الموجودين بمرتفع عن أن يجري الحق عليه و لو كان أحد من الموجودين كذلك لكان أحقهم بذلك البارئ سبحانه لأنه غاية الشرف بل هو فوق الشرف و فوق الكمال و التمام و هو مالك الكل و سيد الكل فلو كان لجواز هذه القضية وجه و لصحتها مساغ لكان البارئ تعالى أولى بها و هي ألا يستحق عليه شي‏ء و تقدير الكلام لكنه يستحق عليه أمور فهو في هذا الباب كالواحد منا يستحق و يستحق عليه و لكنه ع حذف هذا الكلام المقدر أدبا و إجلالا لله تعالى أن يقول إنه يستحق عليه شي‏ء.فإن قلت فما بال المتكلمين لا يتأدبون بأدبه ع و كيف يطلقون عليه تعالى الوجوب و الاستحقاق.قلت ليست وظيفة المتكلمين وظيفة أمير المؤمنين ع في عباراتهم هؤلاء أرباب صناعة و علم يحتاج إلى ألفاظ و اصطلاح لا بد لهم من استعماله للإفهام و الجدل بينهم و أمير المؤمنين إمام يخطب على منبره يخاطب عربا و رعية ليسوا من أهل النظر و لا مخاطبته لهم لتعليم هذا العلم بل لاستنفارهم إلى حرب عدوه فوجب عليه بمقتضى الأدب أن يتوقى كل لفظة توهم ما يستهجنه السامع في الأمور الإلهية و في غيرها.فإن قلت فما هذه الأمور التي زعمت أنها تستحق على البارئ سبحانه و أن أمير المؤمنين ع حذفها من اللفظ و اللفظ يقتضيها.قلت الثواب و العوض و قبول التوبة و اللطف و الوفاء بالوعد و الوعيد و غير ذلك مما يذكره أهل العدل.


فإن قلت فما معنى قوله لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده و لعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه و هب أن تعليل عدم استحقاق شي‏ء على الله تعالى بقدرته على عباده صحيح كيف يصح تعليل ذلك بعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه أ لا ترى أنه ليس بمستقيم أن تقول لا يستحق على البارئ شي‏ء لأنه عادل و إنما المستقيم أن تقول لا يستحق عليه شي‏ء لأنه مالك و لذلك عللت الأشعرية هذا الحكم بأنه مالك الكل و الاستحقاق إنما يكون على من دونه.قلت التعليل صحيح و هو أيضا مما عللت به الأشعرية مذهبها و ذلك لأنه إنما يتصور الاستحقاق على الفاعل المختار إذا كان ممن يتوقع منه أو يصح منه أن يظلم فيمكن حينئذ أن يقال قد وجب عليه كذا و استحق عليه كذا فأما من لا يمكن أن يظلم و لا يتصور وقوع الظلم منه و لا الكذب و لا خلف الوعد و الوعيد فلا معنى لإطلاق الوجوب و الاستحقاق عليه كما لا يقال كذا الداعي الخالص يستحق عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي و يجب عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي مثل الهارب من الأسد و الشديد العطش إذا وجد الماء و نحو ذلك.فإن قلت أ ليس يشعر قوله ع و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه بمذهب البغداديين من أصحابكم و هو قولهم إن الثواب تفضل من الله سبحانه و ليس بواجب.قلت لا و ذلك لأنه جعل المتفضل به هو مضاعفة الثواب لا أصل الثواب و ليس ذلك بمستنكر عندنا.فإن قلت أ يجوز عندكم أن يستحق المكلف عشرة أجزاء من الثواب فيعطى عشرين جزءا منه أ ليس من مذهبكم أن التعظيم و التبجيل لا يجوز من البارئ سبحانه أن يفعلهما


في الجنة إلا على قدر الاستحقاق و الثواب عندكم هو النفع المقارن للتعظيم و التبجيل فيكف قلت إن مضاعفة الثواب عندنا جائزة.قلت مراده ع بمضاعفة الثواب هنا زيادة غير مستحقة من النعيم و اللذة الجسمانية خاصة في الجنة فسمى تلك اللذة الجسمانية ثوابا لأنها جزء من الثواب فأما اللذة العقلية فلا يجوز مضاعفتها.قوله ع بما هو من المزيد أهله أي بما هو أهله من المزيد فقدم الجار و المجرور و موضعه نصب على الحال و فيه دلالة على أن حال المجرور تتقدم عليه كما قال الشاعر

لئن كان برد الماء حران صاديا

إلي حبيبا إنها لحبيب

ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً اِفْتَرَضَهَا لِبَعْضِ اَلنَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ لاَ يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ.وَ أَعْظَمُ مَا اِفْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ اَلْحُقُوقِ حَقُّ اَلْوَالِي عَلَى اَلرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ اَلرَّعِيَّةِ عَلَى اَلْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ اَلرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ اَلْوُلاَةِ وَ لاَ تَصْلُحُ اَلْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ اَلرَّعِيَّةِ فَإِذَا أَدَّتْ اَلرَّعِيَّةُ إِلَى اَلْوَالِي حَقَّهُ وَ أَدَّى اَلْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ اَلْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ اَلدِّينِ وَ اِعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ اَلْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا اَلسُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ اَلزَّمَانُ وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ اَلدَّوْلَةِ وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ اَلْأَعْدَاءِ.


وَ إِذَا غَلَبَتِ اَلرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ اَلْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اِخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ اَلْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ اَلْجَوْرِ وَ كَثُرَ اَلْإِدْغَالُ فِي اَلدِّينِ وَ تَرَكَتْ مَحَاجُّ اَلسُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَ عُطِّلَتِ اَلْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ اَلنُّفُوسِ فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لاَ لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ اَلْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ اَلْأَشْرَارُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ اَلْعِبَادِ.فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَ حُسْنِ اَلتَّعَاوُنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اِشْتَدَّ عَلَى رِضَا اَللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِي اَلْعَمَلِ اِجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ اَلطَّاعَةِ لَهُ وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ اَلنَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَ اَلتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ اَلْحَقِّ بَيْنَهُمْ وَ لَيْسَ اِمْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي اَلْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ وَ تَقَدَّمَتْ فِي اَلدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اَللَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَ لاَ اِمْرُؤٌ وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ اَلنُّفُوسُ وَ اِقْتَحَمَتْهُ اَلْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ تتكافأ في وجوهها تتساوى و هي حق الوالي على الرعية و حق الرعية على الوالي.و فريضة قد روي بالنصب و بالرفع فمن رفع فخبر مبتدإ محذوف و من نصب فبإضمار فعل أو على الحال.و جرت على أذلالها السنن بفتح الهمزة أي على مجاريها و طرقها.و أجحف الوالي برعيته ظلمهم.و الإدغال في الدين الفساد.


و محاج السنن جمع محجة و هي جادة الطريق.قوله و كثرت علل النفوس أي تعللها بالباطل و من كلام الحجاج إياكم و علل النفوس فإنها أدوى لكم من علل الأجساد.و اقتحمته العيون احتقرته و ازدرته قال ابن دريد

و منه ما تقتحم العين فإن

ذقت جناه ساغ عذبا في اللها

و مثل قوله ع و ليس امرؤ و إن عظمت في الحق منزلته قول زيد بن علي ع لهشام بن عبد الملك إنه ليس أحد و إن عظمت منزلته بفوق أن يذكر بالله و يحذر من سطوته و ليس أحد و إن صغر بدون أن يذكر بالله و يخوف من نقمته.و مثل قوله ع و إذا غلبت الرعية واليها قول الحكماء إذا علا صوت بعض الرعية على الملك فالملك مخلوع فإن قال نعم فقال أحد من الرعية لا فالملك مقتول

فصل فيما ورد من الآثار فيما يصلح الملك

و قد جاء في وجوب الطاعة لأولي الأمر الكثير الواسع قال الله سبحانه أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و روى عبد الله بن عمر عن رسول الله ص السمع و الطاعة على المرء


المسلم فيما أحب و كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بها فلا سمع و لا طاعة و عنه ص إن أمر عليكم عبد أسود مجدع فاسمعوا له و أطيعوا و من كلام علي ع إن الله جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة.بعث سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي من العراق إلى عمر بن الخطاب بالمدينة فقال له عمر كيف تركت الناس قال تركتهم كقداح الجعبة منها الأعصل الطائش و منها القائم الرائش قال فكيف سعد لهم قال هو ثقافها الذي يقيم أودها و يغمز عصلها قال فكيف طاعتهم قال يصلون الصلاة لأوقاتها و يؤدون الطاعة إلى ولاتها قال الله أكبر إذا أقيمت الصلاة أديت الزكاة و إذا كانت الطاعة كانت الجماعة.و من كلام أبرويز الملك أطع من فوقك يطعك من دونك.و من كلام الحكماء قلوب الرعية خزائن واليها فما أودعه فيها وجده.و كان يقال صنفان متباغضان متنافيان السلطان و الرعية و هما مع ذلك متلازمان إن أصلح أحدهما صلح الآخر و إن فسد فسد الآخر.و كان يقال محل الملك من رعيته محل الروح من الجسد و محل الرعية منه محل الجسد من الروح فالروح تألم بألم كل عضو من أعضاء البدن و ليس كل واحد من الأعضاء يألم بألم غيره و فساد الروح فساد جميع البدن و قد يفسد بعض البدن و غيره من سائر البدن صحيح.


و كان يقال ظلم الرعية استجلاب البلية.و كان يقال العجب ممن استفسد رعيته و هو يعلم أن عزه بطاعتهم.و كان يقال موت الملك الجائر خصب شامل.و كان يقال لا قحط أشد من جور السلطان.و كان يقال قد تعامل الرعية المشمئزة بالرفق فتزول أحقادها و يذل قيادها و قد تعامل بالخرق فتكاشف بما غيبت و تقدم على ما عيبت حتى يعود نفاقها شقاقا و رذاذها سيلا بعاقا ثم إن غلبت و قهرت فهو الدمار و إن غلبت و قهرت لم يكن يغلبها افتخار و لم يدرك بقهرها ثأر و كان يقال الرعية و إن كانت ثمارا مجتناه و ذخائر مقتناه و سيوفا منتضاه و أحراسا مرتضاه فإن لها نفارا كنفار الوحوش و طغيانا كطغيان السيول و متى قدرت أن تقول قدرت على أن تصول.و كان يقال أيدي الرعية تبع ألسنتها فلن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها و لن يملك جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه و لن تحبه حتى يعدل عليها في أحكامه عدلا يتساوى فيه الخاصة و العامة و حتى يخفف عنها المؤن و الكلف و حتى يعفيها من رفع أوضاعها و أراذلها عليها و هذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية و تطمع السفلة في الرتب السنية.و كان يقال الرعية ثلاثة أصناف صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرئاسة و السياسة يعلمون فضيلة الملك و عظيم غنائه و يرثون له من ثقل أعبائه فهؤلاء يحصل الملك موداتهم بالبشر عند اللقاء و يلقى أحاديثهم بحسن الإصغاء و صنف فيهم خير و شر ظاهران فصلاحهم يكتسب من معاملتهم بالترغيب و الترهيب و صنف من السفلة الرعاع أتباع


لكل داع لا يمتحنون في أقوالهم و أعمالهم بنقد و لا يرجعون في الموالاة إلى عقد.و كان يقال ترك المعاقبة للسفلة على صغار الجرائم تدعوهم إلى ارتكاب الكبائر العظائم أ لا ترى أول نشور المرأة كلمة سومحت بها و أول حران الدابة حيدة سوعدت عليها.و يقال إن عثمان قال يوما لجلسائه و هو محصور في الفتنة وددت أن رجلا صدوقا أخبرني عن نفسي و عن هؤلاء فقام إليه فتى فقال إني أخبرك تطأطأت لهم فركبوك و ما جراهم على ظلمك إلا إفراط حلمك قال صدقت فهل تعلم ما يشب نيران الفتن قال نعم سألت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعة قد نقب في الأرض و علم علما جما فقال الفتنة يثيرها أمران أثرة تضغن على الملك الخاصة و حلم يجزئ عليه العامة قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم زعم أن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة العثرة و تعميم الخاصة بالأثرة فإذا استحكمت الفتنة أخمدها الصبر قال عثمان صدقت و إني لصابر حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين و يقال إن يزدجرد بن بهرام سأل حكيما ما صلاح الملك قال الرفق بالرعية و أخذ الحق منها بغير عنف و التودد إليها بالعدل و أمن السبل و إنصاف المظلوم قال فما صلاح الملك قال وزراؤه إذا صلحوا صلح قال فما الذي يثير الفتن قال ضغائن يظهرها جرأة عامه و استخفاف خاصة و انبساط الألسن بضمائر القلوب و إشفاق موسر و أمن معسر و غفلة مرزوق و يقظة محروم قال و ما يسكنها قال أخذ العدة لما يخاف و إيثار الجد حين يلتذ الهزل و العمل بالحزم و ادراع الصبر و الرضا بالقضاء.و كان يقال خير الملوك من أشرب قلوب رعيته محبته كما أشعرها هيبته و لن ينال ذلك منها حتى تظفر منه بخمسه أشياء إكرام شريفها و رحمة ضعيفها و إغاثة لهيفها


و كف عدوان عدوها و تأمين سبل رواحها و غدوها فمتى أعدمها شيئا من ذلك فقد أحقدها بقدر ما أفقدها.و كان يقال الأسباب التي تجر الهلك إلى الملك ثلاثة أحدها من جهة الملك و هو أن تتأمر شهواته على عقله فتستهويه نشوات الشهوات فلا تسنح له لذة إلا اقتنصها و لا راحة إلا افترصها.و الثاني من جهة الوزراء و هو تحاسدهم المقتضي تعارض الآراء فلا يسبق أحدهم إلى حق إلا كويد و عورض و عوند.و الثالث من جهة الجند المؤهلين لحراسة الملك و الدين و توهين المعاندين و هو نكولهم عن الجلاد و تضجيعهم في المناصحة و الجهاد و هم صنفان صنف وسع الملك عليهم فأبطرهم الإتراف و ضنوا بنفوسهم عن التعريض للإتلاف و صنف قدر عليهم الأرزاق فاضطغنوا الأحقاد و استشعروا النفاق

الآثار الواردة في العدل و الإنصاف

قوله ع أو أجحف الوالي برعيته قد جاء من نظائره الكثير جدا و قد ذكرنا فيما تقدم نكتا حسنة في مدح العدل و الإنصاف و ذم الظلم و الإجحاف و قال النبي ص زين الله السماء بثلاثة الشمس و القمر و الكواكب و زين الأرض بثلاثة العلماء و المطر و السلطان العادل.و كان يقال إذا لم يعمر الملك ملكه بإنصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية.و قيل لأنوشروان أي الجنن أوقى قال الدين قيل فأي العدد أقوى قال العدل.


وقع جعفر بن يحيى إلى عامل من عماله كثر شاكوك و قل حامدوك فإما عدلت و إما اعتزلت.وجد في خزانة بعض الأكاسرة سفط ففتح فوجد فيه حب الرمان كل حبة كالنواة الكبيرة من نوى المشمش و في السفط رقعة فيها هذا حب رمان عملنا في خراجه بالعدل.جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلما فقال يا أمير المؤمنين هذا مكان العائذ بك قال له عذت بمعاذ ما شأنك قال سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفني بسوطه و يقول أنا ابن الأكرمين و بلغ أباه ذلك فحبسني خشية أن أقدم عليك فكتب إلى عمرو إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت و ابنك فلما قدم عمرو و ابنه دفع الدرة إلى المصري و قال اضربه كما ضربك فجعل يضربه و عمر يقول اضرب ابن الأمير اضرب ابن الأمير يرددها حتى قال يا أمير المؤمنين قد استقدت منه فقال و أشار إلى عمرو ضعها على صلعته فقال المصري يا أمير المؤمنين إنما أضرب من ضربني فقال إنما ضربك بقوة أبيه و سلطانه فاضربه إن شئت فو الله لو فعلت لما منعك أحد منه حتى تكون أنت الذي تتبرع بالكف عنه ثم قال يا ابن العاص متى تعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرار.خطب الإسكندر جنده فقال لهم بالرومية كلاما تفسيره يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصرنا بعد حين الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة و إليه مفزعكم عند الكرب و الله لا يبلغني إن الله أحب شيئا إلا أحببته و عملت به إلى يوم أجلي و لا يبلغني أنه أبغض شيئا إلا أبغضته و هجرته إلى يوم أجلي و قد أنبئت أن الله يحب العدل في عباده و يبغض الجور فويل للظالم من سوطي و سيفي و من ظهر منه


العدل من عمالي فليتكئ في مجلسي كيف شاء و ليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته و الله المجازي كلا بعمله.قال رجل لسليمان بن عبد الملك و هو جالس للمظالم يا أمير المؤمنين أ لم تسمع قول الله تعالى( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى اَلظَّالِمِينَ ) قال ما خطبك قال وكيلك اغتصبني ضيعتي و ضمها إلى ضيعتك الفلانية قال فإن ضيعتي لك و ضيعتك مردودة إليك ثم كتب إلى الوكيل بذلك و بصرفه عن عمله.و رقى إلى كسرى قباذ أن في بطانة الملك قوما قد فسدت نياتهم و خبثت ضمائرهم لأن أحكام الملك جرت على بعضهم لبعضهم فوقع في الجواب أنا أملك الأجساد لا النيات و أحكم بالعدل لا بالهوى و أفحص عن الأعمال لا عن السرائر.و تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال ما علمت في عمالي أعدل و لا أقوم بأمر الرعية و لا أعود بالرفق منه فقال له منهم واحد فلا أحد أولى منك يا أمير المؤمنين بالعدل و الإنصاف و إذا كان بهذه الصفة فمن عدل أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق أهل كل بلد من عدله مثل ما لحقنا منه و يأخذوا بقسطهم منه كما أخذ منه سواهم و إذا فعل أمير المؤمنين ذلك لم يصب الكوفة منه أكثر من ثلاث سنين فضحك و عزله.كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن قبلنا قوما لا يؤدون الخراج إلا أن يمسهم نصب من العذاب فاكتب إلى أمير المؤمنين برأيك فكتب أما بعد فالعجب لك كل العجب تكتب إلي تستأذنني في عذاب البشر كأن إذني لك جنة من عذاب الله أو كان رضاي ينجيك من سخط الله فمن أعطاك ما عليه عفوا


فخذ منه و من أبى فاستحلفه و كله إلى الله فلأن يلقوا الله بجرائمهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم.فضيل بن عياض ما ينبغي أن تتكلم بفيك كله أ تدري من كان يتكلم بفيه كله عمر بن الخطاب كان يعدل في رعيته و يجور على نفسه و يطعمهم الطيب و يأكل الغليظ و يكسوهم اللين و يلبس الخشن و يعطيهم الحق و يزيدهم و يمنع ولده و أهله أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم ثم زاده ألفا فقيل له أ لا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا فقال إن هذا ثبت أبوه يوم أحد و إن عبد الله فر أبوه و لم يثبت.و كان يقال لا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان.و كان يقال العدل حصن وثيق في رأس نيق لا يحطمه سيل و لا يهدمه منجنيق.وقع المأمون إلى عامل كثر التظلم منه أنصف من وليت أمرهم و إلا أنصفهم منك من ولي أمرك.بعض السلف العدل ميزان الله و الجور مكيال الشيطان


210 و من خطبة له ع

فَأَجَابَهُ ع رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلاَمٍ طَوِيلٍ يَكْثُرُ فِيهِ اَلثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَ يَذْكُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ فَقَالَ ع إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلاَلُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ اِزْدَادَ حَقُّ اَللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاَتِ اَلْوُلاَةِ عِنْدَ صَالِحِ اَلنَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ اَلْفَخْرِ وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى اَلْكِبْرِ وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ اَلْإِطْرَاءَ وَ اِسْتِمَاعَ اَلثَّنَاءِ وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اَللَّهِ كَذَلِكَ وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ اِنْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ اَلْعَظَمَةِ وَ اَلْكِبْرِيَاءِ وَ رُبَّمَا اِسْتَحْلَى اَلنَّاسُ اَلثَّنَاءَ بَعْدَ اَلْبَلاَءِ فَلاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ اَلتَّقِيَّةِ اَلْبَقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وَ فَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا فَلاَ تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ اَلْجَبَابِرَةُ وَ لاَ تَتَحَفَّظُوا بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ اَلْبَادِرَةِ وَ لاَ تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ وَ لاَ تَظُنُّوا بِي اِسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَ لاَ اِلْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اِسْتَثْقَلَ اَلْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ اَلْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ اَلْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ


فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ وَ لاَ آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اَللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ اَلضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا اَلْبَصِيرَةَ بَعْدَ اَلْعَمَى هذا الفصل و إن لم يكن فيه ألفاظ غريبة سبيلها أن تشرح ففيه معان مختلفة سبيلها أن تذكر و توضح و تذكر نظائرها و ما يناسبها.فمنها قوله ع إن من حق من عظمت نعمة الله عليه أن تعظم عليه حقوق الله تعالى و أن يعظم جلال الله تعالى في نفسه و من حق من كان كذلك أن يصغر عنده كل ما سوى الله.و هذا مقام جليل من مقامات العارفين و هو استحقار كل ما سوى الله تعالى و ذلك أن من عرف الله تعالى فقد عرف ما هو أعظم من كل عظيم بل لا نسبة لشي‏ء من الأشياء أصلا إليه سبحانه فلا يظهر عند العارف عظمة غيره البتة كما أن من شاهد الشمس المنيرة يستحقر ضوء القمر و السراج الموضوع في ضوء الشمس حال مشاهدته جرم الشمس بل لا تظهر له في تلك الحال صنوبرة السراج و لا تنطبع صورتها في بصره.و منها قوله ع من أسخف حالات الولاة أن يظن بهم حب الفخر و يوضع


أمرهم على الكبر

قال النبي ص لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر و قال ص لو لا ثلاث مهلكات لصلح الناس شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه.و كان يقال ليس لمعجب رأي و لا لمتكبر صديق.و كان أبو مسلم صاحب الدولة يقول ما تاه إلا وضيع و لا فاخر إلا لقيط و لا تعصب إلا دخيل.و قال عمر لبعض ولده التمس الرفعة بالتواضع و الشرف بالدين و العفو من الله بالعفو عن الناس و إياك و الخيلاء فتضع من نفسك و لا تحقرن أحدا لأنك لا تدري لعل من تزدريه عيناك أقرب إلى الله وسيلة منك.و منها قوله ع قد كرهت أن تظنوا بي حب الإطراء و استماع الثناء قد روي عن النبي ص أنه قال احثوا في وجوه المداحين التراب و قال عمر المدح هو الذبح.و كان يقال إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك.و يقال إن في بعض الكتب المنزلة القديمة عجبا لمن قيل فيه الخير و ليس فيه كيف يفرح و لمن قيل فيه الشر و ليس فيه كيف يغضب و أعجب من ذلك من أحب نفسه على اليقين و أبغض الناس على الظن.و كان يقال لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك.و قال رجل لعبد الملك إني أريد أن أسر إليك يا أمير المؤمنين شيئا فقال لمن حوله


إذا شئتم فانهضوا فتقدم الرجل يريد الكلام فقال له عبد الملك قف لا تمدحني فإني أعلم بنفسي منك و لا تكذبني فإنه لا رأي لمكذوب و لا تغتب عندي أحدا فإني أكره الغيبة قال أ فيأذن أمير المؤمنين في الانصراف قال إذا شئت.و ناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجاني في مسألة كلامية فجعل النوشجاني يخضع في الكلام و يستخذي له فقال يا محمد أراك تنقاد إلى ما أقوله قبل وجوب الحجة لي عليك و قد ساءني منك ذلك و لو شئت أن أفسر الأمور بعزة الخلافة و هيبة الرئاسة لصدقت و إن كنت كاذبا و عدلت و إن كنت جائرا و صوبت و إن كنت مخطئا و لكني لا أقنع إلا بإقامة الحجة و إزالة الشبهة و إن أنقص الملوك عقلا و أسخفهم رأيا من رضي بقولهم صدق الأمير.و قال عبد الله بن المقفع في اليتيمة إياك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح و التزكية و أن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثلم يقتحمون عليك منها و بابا يفتتحونك منه و غيبة يغتابونك بها و يسخرون منك لها و اعلم أن قابل المدح كمادح نفسه و أن المرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده فإن الراد له ممدوح و القابل له معيب.و قال معاوية لرجل من سيد قومك قال أنا قال لو كنت كذلك لم تقله.و قال الحسن ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السر.كان يقال من أظهر عيب نفسه فقد زكاها.و منها قوله ع لو كنت كذلك لتركته انحطاطا لله تعالى عن تناول ما هو أحق به من الكبرياء

في الحديث المرفوع من تواضع لله رفعه الله و من تكبر خفضه الله.


و فيه أيضا العظمة إزاري و الكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته.و منها قوله ع فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة و لا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة.أحسن ما سمعته في سلطان لا تخاف الرعية بادرته و لا يتلجلج المتحاكمون عنده مع سطوته و قوته لإيثاره العدل قول أبي تمام في محمد بن عبد الملك:

وزير حق و والي شرطة و رحى

ديوان ملك و شيعي و محتسب

كالأرحبي المذكي سيره المرطى

و الوخد و الملع و التقريب و الخبب

عود تساجله أيامه فبها

من مسه و به من مسها جلب

ثبت الخطاب إذا اصطكت بمظلمة

في رحله ألسن الأقوام و الركب


لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه

يوما و لا حجة الملهوف تستلب

كأنما هو في نادي قبيلته

لا القلب يهفو و لا الأحشاء تضطرب

و من هذا المعنى قول أبي الجهم العدوي في معاوية:

نقلبه لنخبر حالتيه

فنخبر منهما كرما و لينا

نميل على جوانبه كأنا

إذا ملنا نميل على أبينا

و منها قوله ع لا تظنوا بي استثقال رفع الحق إلي فإنه من استثقل الحق أن يقال له كان العمل به عليه أثقل.هذا معنى لطيف و لم أسمع منه شيئا منثورا و لا منظوما.و منها قوله ع و لا تكفوا عن قول بحق أو مشورة بعدل.قد ورد في المشورة شي‏ء كثير قال الله تعالى( وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ ) .و كان يقال إذا استشرت إنسانا صار عقله لك.و قال أعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل و كيف ذاك قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم.و كان يقال من أعطي الاستشارة لم يمنع الصواب و من أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة و من أعطي التوبة لم يمنع القبول و من أعطي الشكر لم يمنع المزيد.و في آداب ابن المقفع لا يقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر منك للناس حاجتك إلى رأي غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة فإنك لا تريد الرأي للفخر


و لكن للانتفاع به و لو أنك أردته للذكر لكان أحسن الذكر عند العقلاء أن يقال إنه لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه.و منها أن يقال ما معنى قوله ع و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء إلى قوله لا بد من إمضائها فنقول إن معناه أن بعض من يكره الإطراء و الثناء قد يحب ذلك بعد البلاء و الاختبار كما قال مرداس بن أدية لزياد إنما الثناء بعد البلاء و إنما نثني بعد أن نبتلي فقال لو فرضنا أن ذلك سائغ و جائز و غير قبيح لم يجز لكم أن تثنوا علي في وجهي و لا جاز لي أن أسمعه منكم لأنه قد بقيت علي بقية لم أفرغ من أدائها و فرائض لم أمضها بعد و لا بد لي من إمضائها و إذا لم يتم البلاء الذي قد فرضنا أن الثناء يحسن بعده لم يحسن الثناء.و معنى قوله لإخراجي نفسي إلى الله و إليكم أي لاعترافي بين يدي الله و بمحضر منكم أن علي حقوقا في إيالتكم و رئاستي عليكم لم أقم بها بعد و أرجو من الله القيام بها.و منها أن يقال ما معنى قوله فلا تخالطوني بالمصانعة فنقول إن معناه لا تصانعوني بالمدح و الإطراء عن عمل الحق كما يصانع به كثير من الولاة الذين يستفزهم المدح و يستخفهم الإطراء و الثناء فيغمضون عن اعتماد كثير من الحق مكافأة لما صونعوا به من التقريظ و التزكية و النفاق.و منها قوله ع فإني لست بفوق أن أخطئ هذا اعتراف منه ع بعدم العصمة فإما أن يكون الكلام على ظاهره أو يكون قاله على سبيل هضم


النفس

كما قال رسول الله ص و لا أنا إلا أن يتداركني الله برحمته.و منها قوله ع أخرجنا مما كنا فيه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه ع لأنه لم يكن كافرا فأسلم و لكنه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا و يجوز أن يكون معناه لو لا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد ص لكنت أنا و غيري على أصل مذهب الأسلاف من عبادة الأصنام كما قال تعالى( لنبيه وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى) ليس معناه أنه كان كافرا بل معناه لو لا اصطفاه الله تعالى لك لكنت كواحد من قومك و معنى وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ أي و وجدك بعرضة للضلال فكأنه ضال بالقوة لا بالفعل


211 و من كلام له ع

اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي وَ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لاَ ذَابٌّ وَ لاَ مُسَاعِدٌ إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْمَنِيَّةِ فَأَغْضَيْتُ عَلَى اَلْقَذَى وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى اَلشَّجَا وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ اَلْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ اَلْعَلْقَمِ وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ اَلشِّفَارِ قال الرضي رحمه الله و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم لك منه يقال استعديت الأمير على فلان فأعداني أي استعنت به عليه فأعانني.و قطعوا رحمي و قطعوا قرابتي أي أجروني مجرى الأجانب و يجوز أن يريد أنهم عدوني كالأجنبي من رسول الله ص و يجوز أن يريد أنهم جعلوني كالأجنبي


منهم لا ينصرونه و لا يقومون بأمره.و أكفئوا إنائي قلبوه و كبوه و حذف الهمزة من أول الكلمة أفصح و أكثر و قد روي كذلك و يقال لمن قد أضيعت حقوقه قد أكفأ إناءه تشبيها بإضاعة اللبن من الإناء.و قد اختلفت الرواية في قوله إلا أن في الحق أن تأخذه فرواها قوم بالنون و قوم بالتاء و قال الراوندي إنها في خط الرضي بالتاء و معنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقا و إن ولي غيرك كانت ولايته حقا على مذهب أهل الاجتهاد و من رواها بالنون فالمعنى ظاهر.و الرافد المعين و الذاب الناصر.و ضننت بهم بخلت بهم و أغضيت على كذا صبرت.و جرعت بالكسر و الشجا ما يعترض في الحلق.و الوخز الطعن الخفيف و روي من خز الشفار و الخز القطع و الشفار جمع شفرة و هي حد السيف و السكين و اعلم أن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين ع ما يناسبه و يجري مجراه و لم يؤرخ الوقت الذي قاله فيه و لا الحال التي عناها به و أصحابنا يحملون ذلك على أنه ع قاله عقيب الشورى و بيعة عثمان فإنه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنه تظلم و تألم حينئذ.و يكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة.و لقائل أن يقول لهم أ تقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة فيقولون لا فيقال


لهم فعلى ما ذا تحملون كلامه ع مع تعظيمكم له و تصديقكم لأقواله فيقولون نحمل ذلك على تألمه و تظلمه منهم إذا تركوا الأولى و الأفضل فيقال لهم فلا تكرهوا قول من يقول من الشيعة و غيرهم إن هذا الكلام و أمثاله صدر عنه عقيب السقيفة و حملوه على أنه تألم و تظلم من كونهم تركوا الأولى و الأفضل فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل و الأحق بالأمر بل تعترفون بذلك و تقولون ساغت إمامة غيره و صحت لمانع كان فيه ع و هو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه فإنه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي الخلافة لأسباب يذكرونها و يعدونها و قد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و أنه قال و هو يشير إلى القبر يا اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي و أنه قال وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم وا حمزتاه و لا حمزة لي اليوم.و قد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم و كل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل و القرابة و ليس بدال عندنا على وجود النص لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة و أسهل طريقا و أيسر لما يريد تناولا أن يقول يا هؤلاء إن العهد لم يطل و إن رسول الله ص أمركم بطاعتي و استخلفني عليكم بعده و لم يقع منه ع بعد ما علمتموه و نص ينسخ ذلك و لا يرفعه فما الموجب لتركي و العدول عني.فإن قالت الإمامية كان يخاف القتل لو ذكر ذلك فقيل لهم فهلا يخاف القتل و هو يعتل و يدفع ليبايع و هو يمتنع و يستصرخ تارة بقبر رسول الله ص


و تارة بعمه حمزة و أخيه جعفر و هما ميتان و تارة بالأنصار و تارة ببني عبد مناف و يجمع الجموع في داره و يبث الرسل و الدعاة ليلا و نهارا إلى الناس يذكرهم فضله و قرابته و يقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله ص و أنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم.و هلا خاف من هذا الامتناع و من هذا الاحتجاج و من الخلوة في داره بأصحابه و من تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له.و كل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمر و أخطأت في أمر أما الأمر الذي أصابت فيه فقولها إنه امتنع و تلكأ و أراد الأمر لنفسه و أما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها إنه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة تعلمه الصحابة كلها أو أكثرها و أن ذلك النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية و إيثارا للعاجلة و أن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد أمرين إما الكفر أو الفسق فإن قرائن الأحوال و أماراتها لا تدل على ذلك و إنما تدل و تشهد بخلافه و هذا يقتضي أن أمير المؤمنين ع كان في مبدإ الأمر يظن أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة و أنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه و الاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع و العقود في بيته إلى أن صح عنده و ثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه و أنهم لم يميلوا إلى هوى و لا أرادوا الدنيا و إنما فعلوا الأصلح في ظنونهم لأنه رأى من بغض الناس له و انحرافهم عنه و ميلهم عليه و ثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم و احتدام النيران التي كانت في قلوبهم و تذكروا التراث التي وتراهم فيما قبل بها و الدماء التي سفكها منهم و أراقها.


و تعلل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنه و استهجانهم تقديم الشباب على الكهول و الشيوخ.و تعلل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة و الخلافة في بيت واحد فيجفخون على الناس كما قاله من قاله و استصعاب قوم منهم شكيمته و خوفهم تعديه و شدته و علمهم بأنه لا يداجي و لا يحابي و لا يراقب و لا يجامل في الدين و أن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه و يعمل بموجب استصلاحه و انحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله ص لشدة اختصاصه له و تعظيمه إياه و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه و علو مكانه و ما اختص به من مصاهرته و أخوته و نحو ذلك من أحواله معه و تنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب و التيه كما زعموا و احتقاره العرب و استصغاره الناس كما عددوه عليه و إن كانوا عندنا كاذبين و لكنه قول قيل و أمر ذكر و حال نسبت إليه و أعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله فإنا صنائع ربنا و الناس بعد صنائع لنا و ما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا و لا ينتظم و لا يستمر و أنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استئصال شأفة الإسلام و هدم أركانه فأذعن بالبيعة و جنح إلى الطاعة و أمسك عن طلب الإمرة و إن كان على مضض و رمض.و قد روي عنه ع أن فاطمة ع حرضته يوما على النهوض و الوثوب فسمع صوت المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله فقال لها أ يسرك زوال هذا النداء من الأرض قالت لا قال فإنه ما أقول لك.


و هذا المذهب هو أقصد المذاهب و أصحها و إليه يذهب أصحابنا المتأخرون من البغداديين و به يقول.و اعلم أن حال علي ع في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الإسهاب و الإطناب فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله ص بخمس و عشرين سنة و في دون هذه المدة تنسى الأحقاد و تموت التراث و تبرد الأكباد الحامية و تسلو القلوب الواجدة و يعدم قرن من الناس و يوجد قرن و لا يبقى من أرباب تلك الشحناء و البغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه ص من إظهار ما في النفوس و هيجان ما في القلوب حتى أن الأخلاف من قريش و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه و فتكاته في أسلافهم و آبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله و تقاعست عن بلوغ شأوه فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة و سيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد و عليهم كان يجب أن يعتمد إذن كانت تدرس أعلام الملة و تنعفي رسوم الشريعة و تعود الجاهلية الجهلاء على حالها و يفسد ما أصلحه رسول الله ص في ثلاث و عشرين سنة في شهر واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه و الله متم نوره و لو كره المشركون


فصل في أن جعفرا و حمزة لو كان حيين لبايعا عليا

و سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي يزيد رحمه الله قلت له أ تقول إن حمزة و جعفرا لو كانا حيين يوم مات رسول الله ص أ كانا يبايعانه بالخلافة فقال نعم كانا أسرع إلى بيعة من النار في يبس العرفج فقلت له أظن أن جعفرا كان يبايعه و يتابعه و ما أظن حمزة كذلك و أراه جبارا قوي النفس شديد الشكيمة ذاهبا بنفسه شجاعا بهمه و هو العم و الأعلى سنا و آثاره في الجهاد معروفة و أظنه كان يطلب الخلافة لنفسه.فقال الأمر في أخلاقه و سجاياه كما ذكرت و لكنه كان صاحب دين متين و تصديق خالص لرسول الله ص و لو عاش لرأى من أحوال علي ع مع رسول الله ص ما يوجب أن يكسر له نخوته و أن يقيم له صعره و أن يقدمه على نفسه و أن يتوخى رضا الله و رضا رسوله فيه و إن كان بخلاف إيثاره.ثم قال أين خلق حمزة السبعي من خلق علي الروحاني اللطيف الذي جمع بينه و بين خلق حمزة فاتصفت بهما نفس واحدة و أين هيولانية نفس حمزة و خلوها من العلوم من نفس علي القدسية التي أدركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الإلهيين لو أن حمزة حيي حتى رأى من علي ما رآه غيره لكان أتبع له من ظله و أطوع له من أبي ذر و المقداد أما قولك هو و العم و الأعلى سنا فقد كان العباس العم و الأعلى سنا و قد عرفت ما بذله له و ندبه إليه و كان أبو سفيان كالعم و كان أعلى سنا و قد عرفت ما عرضه عليه ثم قال ما زالت الأعمام تخدم أبناء الإخوة و تكون أتباعا لهم أ لست ترى داود بن


علي و عبد الله بن علي و صالح بن علي و سليمان بن علي و عيسى بن علي و إسماعيل ابن علي و عبد الصمد بن علي خدموا ابن أخيهم و هو عبد الله السفاح بن محمد بن علي و بايعوه و تابعوه و كانوا أمراء جيوشه و أنصاره و أعوانه أ لست ترى حمزة و العباس اتبعا ابن أخيهما صلوات الله عليه و أطاعاه و رضيا برياسته و صدقا دعوته أ لست تعلم أن أبا طالب كان رئيس بني هاشم و شيخهم و المطاع فيهم و كان محمد رسول الله ص يتيمه و مكفوله و جاريا مجرى أحد أولاده عنده ثم خضع له و اعترف بصدقه و دان لأمره حتى مدحه بالشعر كما يمدح الأدنى الأعلى فقال فيه

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يطيف به الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة و فواضل

و إن سرا اختص به محمد ص حتى أقام أبا طالب و حاله معه حاله مقام المادح له لسر عظيم و خاصية شريفة و إن في هذا لمعتبر عبرة أن يكون هذا الإنسان الفقير الذي لا أنصار له و لا أعوان معه و لا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلا عن أن يقهر غيره تعمل دعوته و أقواله في الأنفس ما تعمله الخمر في الأبدان المعتدلة المزاج حتى تطيعه أعمامه و يعظمه مربيه و كافله و من هو إلى آخر عمره القيم بنفقته و غذاء بدنه و كسوة جسده حتى يمدحه بالشعر كما يمدح الشعراء الملوك و الرؤساء و هذا في باب المعجزات عند المنصف أعظم من انشقاق القمر و انقلاب العصا و من أبناء القوم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم.ثم قال رحمه الله كيف قلت أظن أن جعفرا كان يبايعه و يتابعه و لا أظن في حمزة ذلك إن كنت قلت ذلك لأنه أخوه فإنه أعلى منه سنا هو أكبر من علي بعشر


سنين و قد كانت له خصائص و مناقب كثيرة و قال فيه النبي ص قولا شريفا اتفق عليه المحدثون قال له لما افتخر هو و علي و زيد بن حارثة و تحاكموا إلى رسول الله ص أشبهت خلقي و خلقي فخجل فرحا ثم قال لزيد أنت مولانا و صاحبنا فخجل أيضا ثم قال لعلي أنت أخي و خالصتي قالوا فلم يخجل قالوا كان ترادف التعظيم له و تكرره عليه لم يجعل عنده للقول ذلك الموضع و كان غيره إذا عظم عظم نادرا فيحسن موقعه عنده و اختلف الناس في أي المدحتين أعظم.فقلت له قد وقفت لأبي حيان التوحيدي في كتاب البصائر على فصل عجيب يمازج ما نحن فيه قال في الجزء الخامس من هذا الكتاب سمعت قاضي القضاة أبا سعد بشر بن الحسين و ما رأيت رجلا أقوى منه في الجدل في مناظرة جرت بينه و بين أبي عبد الله الطبري و قد جرى حديث جعفر بن أبي طالب و حديث إسلامه و التفاضل بينه و بين أخيه علي فقال القاضي أبو سعد إذا أنعم النظر علم أن إسلام جعفر كان بعد بلوغ و إسلام البالغ لا يكون إلا بعد استبصار و تبين و معرفة بقبح ما يخرج منه و حسن ما يدخل فيه و أن إسلام علي مختلف في حاله و ذلك أنه قد ظن أنه كان عن تلقين لا تبيين إلى حين بلوغه و أوان تعقبه و نظره و قد علم أيضا أنهما قتلا و أن قتلة جعفر شهادة بالإجمال و قتلة علي فيها أشد الاختلاف ثم خص الله جعفرا بأن قبضه إلى الجنة قبل ظهور التباين و اضطراب الحبل و كثرة الهرج و على أنه لو انعقد الإجماع و تظاهر جميع الناس على أن القتلتين شهادة لكانت الحال في الذي رفع إليها جعفر أغلظ و أعظم و ذلك أنه قتل مقبلا غير مدبر و أما علي فإنه اغتيل اغتيالا و قصد من حيث لا يعلم و شتان ما بين من فوجئ بالموت و بين من عاين مخايل الموت


و تلقاه بالنحر و الصدر و عجل إلى الله بالإيمان و الصدق أ لا تعلم أن جعفرا قطعت يمناه فأمسك اللواء بيسراه و قطعت يسراه فضم اللواء إلى حشاه ثم قاتله ظاهر الشرك بالله و قاتل علي ممن صلى إلى القبلة و شهد الشهادة و أقدم عليه بتأويل و قاتل جعفر كافر بالنص الذي لا خلاف فيه أ ما تعلم أن جعفرا ذو الجناحين و ذو الهجرتين إلى الحبشة و المدينة.قال النقيب رحمه الله اعلم فداك شيخك أن أبا حيان رجل ملحد زنديق يحب التلاعب بالدين و يخرج ما في نفسه فيعزوه إلى قوم لم يقولوه و أقسم بالله إن القاضي أبا سعد لم يقل من هذا الكلام لفظة واحدة و لكنها من موضوعات أبي حيان و أكاذيبه و ترهاته كما يسند إلى القاضي أبي حامد المروروذي كل منكر و يروى عنه كل فاقرة.ثم قال يا أبا حيان مقصودك أن تجعلها مسألة خلاف تثير بها فتنة بين الطالبيين لتجعل بأسهم بينهم و كيف تقلبت الأحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم.ثم ضحك رحمه الله حتى استلقى و مد رجليه و قال هذا كلام يستغنى عن الإطالة في إبطاله بإجماع المسلمين فإنه لا خلاف بين المسلمين في أن عليا أفضل من جعفر و إنما سرق أبو حيان هذا المعنى الذي أشار إليه من رسالة المنصور أبي جعفر إلى محمد بن عبد الله النفس الزكية قال له و كانت بنو أمية يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبات كما تلعن الكفرة فعنفناهم و كفرناهم و بينا فضله و أشدنا بذكره فاتخذت ذلك علينا حجة و ظننت أنه لما ذكرناه من فضله أنا قدمناه على حمزة و العباس و جعفر أولئك مضوا سالمين مسلمين منهم و ابتلي أبوك بالدماء.فقلت له رحمه الله و إذا لا إجماع في المسألة لأن المنصور لم يقل بتفضيله عليهم


و أنت ادعيت الإجماع فقال إن الإجماع قد سبق هذا القائل و كل قول قد سبقه الإجماع لا يعتد به.فلما خرجت من عند النقيب أبي جعفر بحثت في ذلك اليوم في هذا الموضوع مع أحمد بن جعفر الواسطي رحمه الله و كان ذا فضل و عقل و كان إمامي المذهب فقال لي صدق النقيب فيما قال أ لست تعلم أن أصحابكم المعتزلة على قولين أحدهما أن أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر و الآخر أن أكثرهم ثوابا علي و أصحابنا يقولون إن أكثر المسلمين ثوابا علي و كذلك الزيدية و أما الأشعرية و الكرامية و أهل الحديث فيقولون أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر فقد خلص من مجموع هذه الأقوال أن ثواب حمزة و جعفر دون ثواب علي ع أما على قول الإمامية و الزيدية و البغداديين كافة و كثير من البصريين من المعتزلة فالأمر ظاهر و أما الباقون فعندهم أن أكثر المسلمين ثوابا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي و لم يذهب ذاهب إلى أن ثواب حمزة و جعفر أكثر من ثواب علي من جميع الفرق فقد ثبت الإجماع الذي ذكره النقيب إذا فسرنا الأفضلية بالأكثرية ثوابا و هو التفسير الذي يقع الحجاج و الجدال في إثباته لأحد الرجلين و أما إذا فسرنا الأفضلية بزيادة المناقب و الخصائص و كثرة النصوص الدالة على التعظيم فمعلوم أن أحدا من الناس لا يقارب عليا ع في ذلك لا جعفر و لا حمزة و لا غيرهما.ثم وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الإسكافي ذكر فيه أن مذهب بشر بن المعتمر و أبي موسى و جعفر بن مبشر و سائر قدماء البغداديين أن أفضل المسلمين علي بن أبي طالب ثم ابنه الحسن ثم ابنه الحسين ثم حمزة بن عبد المطلب ثم جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر بن أبي قحافة ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان


قال و المراد بالأفضل أكرمهم عند الله أكثرهم ثوابا و أرفعهم في دار الجزاء منزلة.ثم وقفت بعد ذلك على كتاب لشيخنا أبي عبد الله البصري يذكر فيه هذه المقالة و ينسبها إلى البغداديين و قال إن الشيخ أبا القاسم البلخي كان يقول بها و قبله الشيخ أبو الحسين الخياط و هو شيخ المتأخرين من البغداديين قالوا كلهم بها فأجبني هذا المذهب و سررت بأن ذهب الكثير من شيوخنا إليه و نظمته في الأرجوزة التي شرحت فيها عقيدة المعتزلة فقلت:

و خير خلق الله بعد المصطفى

أعظمهم يوم الفخار شرفا

السيد المعظم الوصي

بعل البتول المرتضى علي

و ابناه ثم حمزة و جعفر

ثم عتيق بعدهم لا ينكر

المخلص الصديق ثم عمر

فاروق دين الله ذاك القسور

و بعده عثمان ذو النورين

هذا هو الحق بغير مين


212 و من كلام له ع في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه ع

فَقَدِمُوا عَلَى عُمَّالِي وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِي فِي يَدَيَّ وَ عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ كُلُّهُمْ فِي طَاعَتِي وَ عَلَى بَيْعَتِي فَشَتَّتُوا كَلِمَتَهُمْ وَ أَفْسَدُوا عَلَيَّ جَمَاعَتَهُمْ وَ وَثَبُوا عَلَى شِيعَتِي فَقَتَلُوا طَاِئفَةً منْهُمْ غَدْراً وَ طَاِئفَةً طَاِئفَةٌ عَضُّوا عَلَى أَسْيَافِهِمْ فَضَارَبُوا بِهَا حَتَّى لَقُوا اَللَّهَ صَادِقِينَ عضوا على أسيافهم كناية عن الصبر في الحرب و ترك الاستسلام و هي كناية فصيحة شبه قبضهم على السيوف بالعض و قد قدمنا ذكر ما جرى و أن عسكر الجمل قتلوا طائفة من شيعة أمير المؤمنين ع بالبصرة بعد أن أمنوهم غدرا و أن بعض الشيعة صبر في الحرب و لم يستسلم و قاتل حتى قتل مثل حكيم بن جبلة العبدي و غيره و روي و طائفة عضوا على أسيافهم بالرفع تقديره و منهم طائفة.قرأت في كتاب غريب الحديث لأبي محمد عبد الله بن قتيبة في حديث حذيفة بن اليمان أنه ذكر خروج عائشة فقال تقاتل معها مضر مضرها الله في النار


و أزد عمان سلت الله أقدامها و أن قيسا لن تنفك تبغي دين الله شرا حتى يركبها الله بالملائكة فلا يمنعوا ذنب تلعة.قلت هذا الحديث من أعلام نبوة سيدنا محمد ص لأنه إخبار عن غيب تلقاه حذيفة عن النبي ص و حذيفة أجمع أهل السيرة على أنه مات في الأيام التي قتل عثمان فيها أتاه نعيه و هو مريض فمات و علي ع لم يتكامل بيعة الناس و لم يدرك الجمل.و هذا الحديث يؤكد مذهب أصحابنا في فسق أصحاب الجمل إلا من ثبتت توبته منهم و هم الثلاثة


213 و من كلام له ع لما مر بطلحة بن عبيد الله و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل

لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا اَلْمَكَانِ غَرِيباً أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ اَلْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَ أَفْلَتَنِي أَعْيَارُ أَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحٍ جُمَحَ لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ

عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد

هو عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ليس بصحابي و لكنه من التابعين و أبوه عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس من مسلمة الفتح و لما خرج رسول الله ص من مكة إلى حنين استعمله عليها فلم يزل أميرها حتى قبض رسول الله ص و بقي على حاله خلافة أبي بكر الصديق و مات هو و أبو بكر في يوم واحد لم يعلم أحدهما بموت الآخر و عبد الرحمن هذا هو الذي قال أمير المؤمنين فيه و قد مر به قتيلا يوم الجمل لهفي عليك يعسوب قريش هذا فتى الفتيان هذا اللباب المحض من بني عبد مناف شفيت نفسي و قتلت معشري إلى الله أشكو عجري و بجري فقال له قائل لشد ما أطريت


الفتى يا أمير المؤمنين منذ اليوم قال إنه قام عني و عنه نسوة لم يقمن عنك و عبد الرحمن هذا هو الذي احتملت العقاب كفه يوم الجمل و فيها خاتمه فألقتها باليمامة فعرفت بخاتمه و علم أهل اليمامة بالوقعة.و رأيت في شرح نهج البلاغة للقطب الراوندي في هذا الفصل عجائب و طرائف فأحببت أن أوردها هاهنا منها أنه قال في تفسير قوله ع أدركت و ترى من بني عبد مناف قال يعني طلحة و الزبير كانا من بني عبد مناف و هذا غلط قبيح لأن طلحة من تيم بن مرة و الزبير من أسد بن عبد العزى بن قصي و ليس أحد منهما من بني عبد مناف و ولد عبد مناف أربعة هاشم و عبد شمس و نوفل و عبد المطلب فكل من لم يكن من ولد هؤلاء الأربعة فليس من ولد عبد مناف.و منها أنه قال إن مروان بن الحكم من بني جمح و لقد كان هذا الفقيه رحمه الله بعيدا عن معرفة الأنساب مروان من بني أمية بن عبد شمس و بنو جمح من بني هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب و اسم جمح تيم بن عمرو بن هصيص و أخوه سهم بن عمرو بن هصيص رهط عمرو بن العاص فأين هؤلاء و أين مروان بن الحكم.و منها أنه قال و أفلتتني أغيار بني جمح بالغين المعجمة قال هو جمع غير الذي بمعنى سوى و هذا لم يرو و لا مثله مما يتكلم به أمير المؤمنين لركته و بعده عن طريقته فإنه يكون قد عدل عن أن يقول و لم يفلتني إلا بنو جمح إلى مثل هذه العبارة الركيكة المتعسفة


بنو جمح

و اعلم أنه ع أخرج هذا الكلام مخرج الذم لمن حضر الجمل مع عائشة زوجة النبي ص من بني جمح فقال و أفلتتني أعيار بني جمح جمع عير و هو الحمار و قد كان معها منهم يوم الجمل جماعة هربوا و لم يقتل منهم إلا اثنان فممن هرب و نجا بنفسه عبد الله الطويل بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح و كان شريفا و ابن شريف و عاش حتى قتل مع ابن الزبير بمكة.و منهم يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية بن خلف عاش حتى استعمله عمرو بن سعيد الأشدق على مكة لما جمع له بين مكة و المدينة فأقام عمرو بالمدينة و يحيى بمكة.و منهم عامر بن مسعود بن أمية بن خلف كان يسمى دحروجة الجعل لقصره و سواده و عاش حتى ولاه زياد صدقات بكر بن وائل و ولاه عبد الله بن الزبير بن العوام الكوفة.و منهم أيوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعة بن الأعور بن أهيب بن حذافة بن جمح عاش حتى قتل بقديد قتلته الخوارج.فهؤلاء الذين أعرف حضورهم الجمل مع عائشة من بني جمح و قتل من بني جمح مع عائشة عبد الرحمن بن وهب بن أسيد بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح و عبد الله بن ربيعة بن دراج العنبس بن وهبان بن وهب بن حذافة بن جمح لا أعرف أنه قتل من بني جمح ذلك اليوم غيرهما فإن صحت الرواية و أفلتني أعيان بني جمح بالنون فالمراد رؤساؤهم و ساداتهم.و أتلعوا أعناقهم رفعوها و رجل أتلع بين التلع أي طويل العنق و جيد تليع أي طويل قال الأعشى


يوم تبدي لنا قتيله عن جيد

تليع تزينه الأطواق

و وقص الرجل إذا اندقت عنقه فهو موقوص و وقصت عنق الرجل أقصها وقصا أي كسرتها و لا يجوز وقصت العنق نفسها.و الضمير في قوله ع لقد أتلعوا يرجع إلى قريش أي راموا الخلافة فقتلوا دونها.فإن قلت أ تقول إن طلحة و الزبير لم يكونا من أهل الخلافة إن قلت ذلك تركت مذهب أصحابك و إن لم تقله خالفت قول أمير المؤمنين لم يكونوا أهله.قلت هما أهل للخلافة ما لم يطلبها أمير المؤمنين فإذا طلبها لم يكونا أهلا لها لا هما و لا غيرهما و لو لا طاعته لمن تقدم و ما ظهر من رضاه به لم نحكم بصحة خلافته


214 و من كلام له ع

قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ اَلْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ اَلطَّرِيقَ وَ سَلَكَ بِهِ اَلسَّبِيلَ وَ تَدَافَعَتْهُ اَلْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ اَلسَّلاَمَةِ وَ دَارِ اَلْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ اَلْأَمْنِ وَ اَلرَّاحَةِ بِمَا اِسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ يصف العارف يقول قد أحيا قلبه بمعرفة الحق سبحانه و أمات نفسه بالمجاهدة و رياضة القوة البدنية بالجوع و العطش و السهر و الصبر على مشاق السفر و السياحة.حتى دق جليله أي حتى نحل بدنه الكثيف.و لطف غليظه تلطفت أخلاقه و صفت نفسه فإن كدر النفس في الأكثر إنما يكون من كدر الجسد و البطنة كما قيل تذهب الفطنة

فصل في مجاهدة النفوس و ما ورد في ذلك من الآثار

و تقول أرباب هذه الطريقة من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة.


و قال عثمان المغربي الصوفي من ظن أنه يفتح عليه شي‏ء من هذه الطريقة أو يكشف له عن سر من أسرارها من غير لزوم المجاهدة فهو غالط.و قال أبو علي الدقاق من لم يكن في بدايته قومة لم يكن في نهايته جلسة.و من كلامهم الحركة بركة حركات الظواهر توجب بركات السرائر.و من كلامهم من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة.و قال الحسن الفرازيني هذا الأمر على ثلاثة أشياء ألا تأكل إلا عند الفاقة و لا تنام إلا عند الغلبة و لا تتكلم إلا عند الضرورة.و قال إبراهيم بن أدهم لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النعمة و يفتح عليها باب الشدة.و من كلامهم من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه.و قال أبو علي الروذباري إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق و مروه بالكسب.و قال حبيب بن أوس أبو تمام و هو يقصد غير ما نحن فيه و لكنه يصلح أن يستعمل فيما نحن فيه:

خذي عبرات عينك عن زماعي

و صوني ما أزلت من القناع

أقلي قد أضاق بكاك ذرعي

و ما ضاقت بنازله ذراعي

أ آلفة النحيب كم افتراق

أظل فكان داعية اجتماع


فليست فرحة الأوبات إلا

لموقوف على ترح الوداع

تعجب أن رأت جسمي نحيلا

كان المجد يدرك بالصراع

أخو النكبات من يأوي إذا ما

أطفن به إلى خلق وساع

يثير عجاجة في كل فج

يهيم به عدي بن الرقاع

أبن مع السباع الماء حتى

لخالته السباع من السباع

و قال أيضا:

فاطلب هدوءا بالتقلقل و استثر

بالعيس من تحت السهاد هجودا

ما أن ترى الأحساب بيضا وضحا

إلا بحيث ترى المنايا سودا

و جاء في الحديث أن فاطمة جاءت إلى رسول الله ص بكسرة خبز فقال ما هذه قالت قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فأكلها و قال أما إنها لأول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث.و كان يقال ينابيع الحكمة من الجوع و كسر عادية النفس بالمجاهدة.


و قال يحيى بن معاذ لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره.و قال سهل بن عبد الله لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية و الجهل و جعل في الجوع الطاعة و الحكمة.و قال يحيى بن معاذ الجوع للمريدين رياضة و للتائبين تجربة و للزهاد سياسة و للعارفين تكرمة.و قال أبو سلمان الداراني مفتاح الدنيا الشبع و مفتاح الآخرة الجوع.و قال بعضهم أدب الجوع ألا ينقص من عادتك إلا مثل أذن السنور هكذا على التدريج حتى تصل إلى ما تريد.و يقال إن أبا تراب النخشبي خرج من البصرة إلى مكة فوصل إليها على أكلتين أكلة بالنباج و أكلة بذات عرق.قالوا و كان سهل بن عبد الله التستري إذا جاع قوي و إذا أكل ضعف.و كان منهم من يأكل كل أربعين يوما أكلة واحدة و منهم من يأكل كل ثمانين يوما أكلة واحدة.قالوا و اشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين كثيرة ثم تهيأ له أكله من وجه حلال فلما مد يده ليأكل أصابت إصبعه شوكة من شوك السمك فقام و ترك الأكل و قال يا رب هذا لمن مد يده بشهوة إلى الحلال فكيف بمن مد يده بشهوة إلى الحرام.و في الكتاب العزيز وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ فالجملة الأولى هي التقوى و الثانية هي المجاهدة.


و قال النبي ص أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى و طول الأمل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق و أما طول الأمل فينسي الآخرة.و سئل بعض الصوفية عن المجاهدة فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة.و قال من نجمت طوارق نفسه أفلت شوارق أنسه.و قال إبراهيم بن شيبان ما بت تحت سقف و لا في موضع عليه غلق أربعين سنة و كنت أشتهي في أوقات أن أتناول شبعة عدس فلم يتفق ثم جملت إلي و أنا بالشام غضارة فيها عدسية فتناولت منها و خرجت فرأيت قوارير معلقة فيها شبه أنموذجات فظننتها خلا فقال بعض الناس أ تنظر إلى هذه و تظنها خلا و إنما هي خمر و هي أنموذجات هذه الدنان لدنان هناك فقلت قد لزمني فرض الإنكار فدخلت حانوت ذلك الخمار لأكسر الدنان و الجرار فحملت إلى ابن طولون فأمر بضربي مائتي خشبة و طرحي في السجن فبقيت مدة حتى دخل أبو عبد الله الوباني المغربي أستاذ ذلك البلد فعلم أني محبوس فشفع في فأخرجت إليه فلما وقع بصره علي قال أي شي‏ء فعلت فقلت شبعة عدس و مائتي خشبة فقال لقد نجوت مجانا.و قال إبراهيم الخواص كنت في جبل فرأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت و تركت الرمان فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فسلمت عليه فرد علي باسمي فقلت كيف عرفتني قال من عرف الله لم يخف عليه شي‏ء فقلت له أرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يحميك و يقيك من أذى هذه الزنابير فقال و أرى لك حالا مع الله فلو سألته أن يقيك من شهوة الرمان فإن لذع الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة و لذع الزنابير


يجد الإنسان ألمه في الدنيا فتركته و مضيت على وجهي.و قال يوسف بن أسباط لا يمحو الشهوات من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.و قال الخواص من ترك شهوة فلم يجد عوضها في قلبه فهو كاذب في تركها.و قال أبو علي الرباطي صحت عبد الله المروزي و كان يدخل البادية قبل أن أصحبه بلا زاد فلما صحبته قال لي أيما أحب إليك تكون أنت الأمير أم أنا قلت بل أنت فقال و عليك الطاعة قلت نعم فأخذ مخلاة و وضع فيها زادا و حملها على ظهره فكنت إذا قلت له أعطني حتى أحملها قال الأمير أنا و عليك الطاعة قال فأخذنا المطر ليلة فوقف إلى الصباح على رأسي و عليه كساء يمنع عني المطر فكنت أقول في نفسي يا ليتني مت و لم أقل له أنت الأمير ثم قال لي إذا صحبت إنسانا فاصحبه كما رأيتني صحبتك.أبو الطيب المتنبي

ذريني أنل ما لا ينال من العلا

فصعب العلا في الصعب و السهل في السهل:

تريدين إدراك المعالي رخيصة

و لا بد دون الشهد من إبر النحل

و له أيضا:

و إذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

و من أمثال العامة من لم يغل دماغه في الصيف لم تغل قدره في الشتاء.من لم يركب الأخطار لم ينل الأوطار.


إدراك السول و بلوغ المأمول بالصبر على الجوع و فقد الهجوع و سيلان الدموع و اعلم أن تقليل المأكول لا ريب في أنه نافع للنفس و الأخلاق و التجربة قد دلت عليه لأنا نرى المكثر من الأكل يغلبه النوم و الكسل و بلادة الحواس و تتبخر المأكولات الكثيرة أبخرة كثيرة فتتصاعد إلى الدماغ فتفسد القوى النفسانية و أيضا فإن كثرة المأكل تزيل الرقة و تورث القساوة و السبعية و القياس أيضا يقتضي ذلك و لأن كثرة المزاولات سبب لحصول الملكات فالنفس إذا توفرت على تدبير الغذاء و تصريفه كان ذلك شغلا شاغلا لها و عائقا عظيما عن انصبابها إلى الجهة الروحانية العالية و لكن ينبغي أن يكون تقليل الغذاء إلى حد يوجب جوعا قليلا فإن الجوع المفرط يورث ضعف الأعضاء الرئيسة و اضطرابها و اختلال قواها و ذلك يقتضي تشويش النفس و اضطراب الفكر و اختلال العقل و لذلك تعرض الأخلاط السوداوية لمن أفرط عليه الجوع فإذن لا بد من إصلاح أمر الغذاء بأن يكون قليل الكمية كثير الكيفية فتؤثر قلة كميته في أنه لا يشغل النفس بتدبير الهضم عن التوجه إلى الجهة العالية الروحانية و تؤثر كثرة كيفيته في تدارك الخلل الحاصل له من قلة الكمية و يجب أن يكون الغذاء شديد الإمداد للأعضاء الرئيسة لأنها هي المهمة من أعضاء البدن و ما دامت باقية على كمال حالها لا يظهر كثير خلل من ضعف غيرها من الأعضاء


فصل في الرياضة النفسية و أقسامها

و اعلم أن الرياضة و الجوع هي أمر يحتاج إليه المريد الذي هو بعد في طريق السلوك إلى الله.و ينقسم طالبوا هذا الأمر الجليل الشاق إلى أقسام أربعة أحدها الذين مارسوا العلوم الإلهية و أجهدوا أنفسهم في طلبها و الوصول إلى كنهها بالنظر الدقيق في الزمان الطويل فهو لا يحصل لهم شوق شديد و ميل عظيم إلى الجهة العالية الشريفة فيحملهم حب الكمال على الرياضة.و ثانيها الأنفس التي هي بأصل الفطرة و الجوهر مائلة إلى الروحانية من غير ممارسة علم و لا دربة بنظر و بحث و قد رأينا مثلهم كثيرا و شاهدنا قوما من العامة متى سنح لهم سانح مشوق مثل صوت مطرب أو إنشاد بيت يقع في النفس أو سماع كلمة توافق أمرا في بواطنهم فإنه يستولي عليهم الوجد و يشتد الحنين و تغشاهم غواش لطيفة روحانية يغيبون بها عن المحسوسات و الجسمانيات.و ثالثها نفوس حصل لها الأمران معا الاستعداد الأصلي و الاشتغال بالعلوم النظرية الإلهية.و رابعها النفوس التي لا استعداد لها في الأصل و لا ارتاضت بالعلوم الإلهية و لكنهم قوم سمعوا كمال هذه الطريقة و أن السعادة الإنسانية ليست إلا بالوصول إليها فمالت نحوها و حصل لها اعتقاد فيها.فهذه أقسام المريدين و الرياضة التي تليق بكل واحد من هذه الأقسام غير الرياضة اللائقة بالقسم الآخر.


و نحتاج قبل الخوض في ذلك إلى تقديم أمرين أحدهما أن النفحات الإلهية دائمة مستمرة و أنه كل من توصل إليها وصل قال سبحانه و تعالى( وَ اَلَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) و قال النبي ص إن لربكم في أيام عصركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحاته.و ثانيهما أن النفوس البشرية في الأكثر مختلفة بالنوع فقد تكون بعض النفوس مستعدة غاية الاستعداد لهذا المطلب و ربما لم تكن البتة مستعدة له و بين هذين الطرفين أوساط مختلفة بالضعف و القوة.و إذا تقرر ذلك فاعلم أن القسمين الأولين لما اختلفا فيما ذكرناه لا جرم اختلفا في الكسب و المكتسب.أما الكسب فإن صاحب العلم الأولى به في الأكثر العزلة و الانقطاع عن الخلق لأنه قد حصلت له الهداية و الرشاد فلا حاجة له إلى مخالطة أحد يستعين به على حصول ما هو حاصل و أما صاحب الفطرة الأصلية من غير علم فإنه لا يليق به العزلة لأنه يحتاج إلى المعلم و المرشد فإنه ليس يكفي الفطرة الأصلية في الوصول إلى المعالم الإلهية و الحقائق الربانية و لا بد من موقف و مرشد في مبدإ الحال هذا هو القول في الكسب بالنظر إليها.و أما المكتسب فإن صاحب العلم إذا اشتغل بالرياضة كانت مشاهداته و مكاشفاته أكثر كمية و أقل كيفية مما لصاحب الفطرة المجردة أما كثرة الكمية فلأن قوته النظرية تعينه على ذلك و أما قلة الكيفية فلأن القوة النفسانية تتوزع على تلك الكثرة و كلما كانت الكثرة أكثر كان توزع القوة إلى أقسام أكثر و كان كل واحد منها


أضعف مما لو كانت الأقسام أقل عددا و إذا عرفت ذلك عرفت أن الأمر في جانب صاحب الفطرة الأصلية بالعكس من ذلك و هو أن مشاهداته و مكاشفاته تكون أقل كمية و أكثر كيفية.و أما الاستعداد الثالث و هو النفس التي قد جمعت الفطرة الأصلية و العلوم الإلهية النظرية بالنظر فهي النفس الشريفة الجليلة الكاملة.و هذه الأقسام الثلاثة مشتركة في أن رياضتها القلبية يجب أن تكون زائدة في الكم و الكيف على رياضتها البدنية لأن الغرض الأصلي هو رياضة القلب و طهارة النفس و إنما شرعت الرياضات البدنية و العبادات الجسمانية لتكون طريقا إلى تلك الرياضة الباطنة فإذا حصلت كان الاشتغال بالرياضة البدنية عبثا لأن الوسيلة بعد حصول المتوسل إليه فضلة مستغنى عنها بل ربما كانت عائقة عن المقصود نعم لا بد من المحافظة على الفرائض خاصة لئلا تعتاد النفس الكسل و ربما أفضى ذلك إلى خلل في الرياضة النفسانية و لهذا حكي عن كثير من كبراء القوم قلة الاشتغال بنوافل العبادات.و أما القسم الرابع و هو النفس التي خلت عن الوصفين معا فهذه النفس يجب ألا تكون رياضتها في مبدإ الحال إلا بتهذيب الأخلاق بما هو مذكور في كتب الحكمة الخلقية فإذا لانت و مرنت و استعدت للنفحات الإلهية حصل لها ذوق ما فأوجب ذلك الذوق شوقا فأقبلت بكليتها على مطلوبها


فصل في أن الجوع يؤثر في صفاء النفس

و اعلم أن السبب الطبيعي في كون الجوع مؤثرا في صفاء النفس أن البلغم الغالب على مزاج البدن يوجب بطبعه البلادة و إبطاء الفهم لكثرة الأرضية فيه و ثقل جوهرة و كثرة ما يتولد عنه من البخارات التي تسد المجاري و تمنع نفوذ الأرواح و لا ريب أن الجوع يقتضي تقليل البلغم لأن القوة الهاضمة إذا لم تجد غذاء تهضمه عملت في الرطوبة الغريبة الكائنة في الجسد فكلما انقطع الغذاء استمر عملها في البلغم الموجود في البدن فلا تزال تعمل فيه و تذيبه الحرارة الكائنة في البدن حتى يفنى كل ما في البدن من الرطوبات الغريبة و لا يبقى إلا الرطوبات الأصلية فإن استمر انقطاع الغذاء أخذت الحرارة و القوة الهاضمة في تنقيص الرطوبات الأصلية من جوهر البدن فإن كان ذلك يسيرا و إلى حد ليس بمفرط لم يضر ذلك بالبدن كل الإضرار و كان ذلك هو غاية الرياضة التي أشار أمير المؤمنين ع إليها بقوله حتى دق جليله و لطف غليظه و إن أفرط وقع الحيف و الإجحاف على الرطوبة الأصلية و عطب البدن و وقع صاحبه في الدق و الذبول و ذلك منهي عنه لأنه قتل للنفس فهو كمن يقتل نفسه بالسيف أو بالسكين

كلام للفلاسفة و الحكماء في المكاشفات الناشئة عن الرياضة

و اعلم أن قوله ع و برق له لامع كثير البرق هو حقيقة مذهب الحكماء و حقيقة قول الصوفية أصحاب الطريقة و الحقيقة و قد صرح به الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب الإشارات فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان ثم إنه


إذا بلغت به الإرادة و الرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه و هي التي تسمى عندهم أوقاتا و كل وقت يكتنفه وجد إليه و وجد عليه ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جانب القدس فتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شي‏ء و لعله إلى هذا الحد تستولي عليه غواشيه و يزول هو عن سكينته و يتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره فإذا طالت عليه الرياضة لم تستنفره غاشية و هدي للتأنس بما هو فيه ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب مألوفا و الوميض شهابا بينا و يحصل له معارف مستقرة كأنها صحبة مستمرة و يستمتع فيها ببهجته فإذا انقلب عنها انقلب حيران آسفا.فهذه ألفاظ الحكيم أبي علي بن سينا في الإشارات و هي كما نراها مصرح فيها بذكر البروق اللامعة للعارف.و قال القشيري في الرسالة لما ذكر الحال و الأمور الواردة على العارفين قال هي بروق تلمع ثم تخمد و أنوار تبدو ثم تخفى ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها ثم تمثل بقول البحتري:

خطرت في النوم منها خطرة

خطرة البرق بدا ثم اضمحل

أي زور لك لو قصدا سرى

و ملم بك لو حقا فعل

فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم و كلاهما يتبع ألفاظ أمير المؤمنين ع لأنه حكيم الحكماء و عارف العارفين و معلم الصوفية و لو لا أخلاقه


و كلامه و تعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله و تارة بفعله لما اهتدى أحد من هذه الطائفة و لا علم كيف يورد و لا كيف يصدر.و قال القشيري أيضا في الرسالة المحاضرة قبل المكاشفة فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة.و قال و هي أرفع الدرجات قال فالمحاضرة حضور القلب و قد تكون بتواتر البرهان و الإنسان بعد وراء الستر و إن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر.و أما المكاشفة فهي حضور البين غير مفتقر إلى تأمل الدليل و تطلب السبيل ثم المشاهدة و هي وجود الحق من غير بقاء تهمة.و أحسن ما ذكر في المشاهد قول الجنيد هي وجود الحق مع فقدانك.و قال عمرو بن عثمان المكي المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلي على القلب من غير أن يتخللها ستر و لا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما أنها تصير من ذلك بضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلي مع النهار فلا ليل.و أنشدوا شعرا:

ليلي بوجهك مشرق

و ظلامه في الناس سار

فالناس في سدف الظلام

و نحن في ضوء النهار

و قال الثوري لا تصح للعبد المشاهدة و قد بقي له عرق قائم.و قالوا إذا طلع الصباح استغني عن المصباح.و أنشدوا أيضا:

فلما استنار الصبح طوح ضوءه

بأنواره أنوار ضوء الكواكب


فجرعهم كأسا لو ابتليت لظى

بتجريعه طارت كأسرع ذاهب

كأس و أي كأس تصطلمهم عنهم و تفنيهم و تخطفهم منهم و لا تبقيهم كأس لا تبقى و لا تذر تمحو بالكلية و لا تبقى شظية من آثار البشرية كما قال قائلهم

ساروا فلم يبق لا عين و لا أثر

و قال القشيري أيضا هي ثلاث مراتب اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل:

فافترقنا حولا فلما التقينا

كان تسليمه علي وداعا

و أنشدوا:

يا ذا الذي زار و ما زارا

كأنه مقتبس نارا

مر بباب الدار مستعجلا

ما ضره لو دخل الدارا

ثم اللوامع و هي أظهر من اللوائح و ليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين و ثلاثة و لكن كما قيل

العين باكية لم تشبع النظرا

أو كما قالوا:

و بلائي من مشهد و مغيب

و حبيب مني بعيد قريب

لم ترد ماء وجهه العين حتى

شرقت قبل ريها برقيب

فأصحاب هذا المقام بين روح و فوح لأنهم بين كشف و ستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكر عليه عساكر الليل فهم كما قيل:

و الليل يشملنا بفاضل برده

و الصبح يلحفنا رداء مذهبا

ثم الطوالع و هي أبقى وقتا و أقوى سلطانا و أدوم مكثا و أذهب للظلمة و أنفي للمهمة.


أ فلا ترى كلام القوم كله مشحون بالبروق و اللمعان.و كان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر و علي بن عيسى الجراح وزيره أيضا على الحلاج أنهما وجدا في كتبه لفظ النور الشعشعاني و ذلك لجهالتهما مراد القوم و اصطلاحهم و من جهل أمرا عاداه.ثم قال ع و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه حتى وصل و تلك المقامات معروفة عند أهلها و من له أنس بها و سنذكرها فيما بعد.ثم قال و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه أي كانت الراحة الكلية و السعادة الأبدية مستثمره من ذلك التعب الذي تحمله لما استعمل قلبه و راض جوارحه و نفسه حتى وصل كما قيل:

عند الصباح يحمد القوم السرى

و تنجلي عنا غيابات الكرى

و قال الشاعر:

تقول سليمى لو أقمت بأرضنا

و لم تدر أني للمقام أطوف

و قال آخر:

ما ابيض وجه المرء في طلب العلا

حتى يسود وجهه في البيد

و قال:

فاطلب هدوءا بالتقلقل و استثر

بالعيس من تحت السهاد هجودا

ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا

إلا بحيث ترى المنايا سودا


215 و من كلام له ع يحث فيه أصحابه على الجهاد

وَ اَللَّهُ مُسْتَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ وَ مُوَرِّثُكُمْ أَمْرَهُ وَ مُمْهِلُكُمْ فِي مِضْمَارٍ مَحْدُودٍ مَمْدُودٍ لِتَتَنَازَعُوا سَبَقَهُ فَشُدُّوا عُقَدَ اَلْمَآزِرِ وَ اِطْوُوا فُضُولَ اَلْخَوَاصِرِ لاَ تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَ وَلِيمَةٌ مَا أَنْقَضَ اَلنَّوْمَ لِعَزَائِمِ اَلْيَوْمِ وَ أَمْحَى اَلظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ اَلْهِمَمِ مستأديكم شكره أي طالب منكم أداء ذلك و القيام به استأديت ديني عند فلان أي طلبته.و قوله و مورثكم أمره أي سيرجع أمر الدولة إليكم و يزول أمر بني أمية.ثم شبه الآجال التي ضربت للمكلفين ليقوموا فيها بالواجبات و يتسابقوا فيها إلى الخيرات بالمضمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق.ثم قال فشدوا عقد المآزر أي شمروا عن ساق الاجتهاد و يقال لمن يوصى بالجد و التشمير اشدد عقدة إزارك لأنه إذا شدها كان أبعد عن العثار و أسرع للمشي.قوله و اطووا فضول الخواصر نهى عن كثرة الأكل لأن الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها و القليل الأكل يأكل في بعضها و يطوي بعضها قال الشاعر


كلوا في بعض بطنكم و عفوا

فإن زمانكم زمن خميص

و قال أعشى باهلة:

طاوي المصير على العزاء منصلت

بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر

و قال الشنفري:

و أطوي على الخمص الحوايا كما انطوت

خيوطة ماري تغار و تفتل

ثم أتى ع بثلاثة أمثال مخترعة له لم يسبق بها و إن كان قد سبق بمعناها و هي قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة و قوله ما أنقض النوم لعزائم اليوم و قوله و أمحى الظلم لتذاكير الهمم.فمما جاء للمحدثين من ذلك ما كتبه بعض الكتاب إلى ولده:

خدمة السلطان والكا

سات في أيدي الملاح

ليس يلتامان فاطلب

رفعة أو شرب راح

و مثله قول آخر لولده:

ما للمطيع هواه

من الملام ملاذ

فاختر لنفسك هذا

مجد و هذا التذاذ

و قال آخر:

و ليس فتى الفتيان من راح و اغتدى

لشرب صبوح أو لشرب غبوق

و لكن فتى الفتيان من راح و اغتدى

لضر عدو أو لنفع صديق


و هذا كثير جدا يناسب قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة و مثل قوله ما أنقض النوم لعزائم اليوم قول الشاعر:

فتى لا ينام على عزمه

و من صمم العزم لم يرقد

و قوله و أمحى الظلم لتذاكير الهمم أي الظلم التي ينام فيها لا كل الظلم أ لا ترى أنه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدة العزم و قوة التصميم ما لا ينام معه فإن الظلمة لا تمحو تذاكير هممه و التذاكير جمع تذكار.و المثلان الأولان أحسن من الثالث و كان الثالث من تتمة الثاني و قد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى و جاء في القرآن العزيز أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْساءُ وَ اَلضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اَللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ.و هذا مثل قوله لا تجتمع عزيمة و وليمة أي لا يجتمع لكم دخول الجنة و الدعة و القعود عن مشقة الحرب


216 و من كلام له ع قاله بعد تلاوته

أَلْهاكُمُ اَلتَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ اَلْمَقابِرَ يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اِسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ اَلْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ قد اختلف المفسرون في تأويل هاتين الآيتين فقال قوم المعنى أنكم قطعتم أيام عمركم في التكاثر بالأموال و الأولاد حتى أتاكم الموت فكني عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر.و قال قوم بل كانوا يتفاخرون بأنفسهم و تعدى ذلك إلى أن تفاخروا بأسلافهم الأموات فقالوا منا فلان و فلان لقوم كانوا و انقرضوا.و هذا هو التفسير الذي يدل عليه كلام أمير المؤمنين ع قال يا له مراما منصوب على التمييز.ما أبعده أي لا فخر في ذلك و طلب الفخر من هذا الباب بعيد و إنما الفخر بتقوى الله و طاعته.


و زورا ما أغفله إشارة إلى القوم الذين افتخروا جعلهم بتذكر الأموات السالفين كالزائرين لقبورهم و الزور اسم للواحد و الجمع كالخصم و الضيف قال ما أغفلهم عما يراد منهم لأنهم تركوا العبادة و الطاعة و صرموا الأوقات بالمفاخرة بالموتى.ثم قال و خطرا ما أفظعه إشارة إلى الموت أي ما أشده فظع الشي‏ء بالضم فهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للمقدار.قوله لقد استخلوا منهم أي مدكر قال الراوندي أي وجدوا موضع التذكر خاليا من الفائدة و هذا غير صحيح و كيف يقول ذلك و قد قال و خطرا ما أفظعه و هل يكون أمر أعظم تذكيرا من الاعتبار بالموتى و الصحيح أنه أراد باستخلوا ذكر من خلا من آبائهم أي من مضى يقال هذا الأمر من الأمور الخالية و هذا القرن من القرون الخالية أي الماضية.و استخلى فلان في حديثه أي حدث عن أمور خالية و المعنى أنه استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا و عمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير فقال أي مدكر و واعظ في ذلك و روي أي مذكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد و المعتبر بمعنى الاعتبار.و تناوشوهم من مكان بعيد أي تناولوهم و المراد ذكروهم و تحدثوا عنهم فكأنهم تناولوهم و هذه اللفظة من ألفاظ القرآن العزيز وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ اَلتَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ و أنى لهم تناول الإيمان حينئذ بعد فوات الأمر


يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ اَلْعَشْوَةِ وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ وَ لَوِ اِسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ اَلدِّيَارِ اَلْخَاوِيَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي اَلْأَرْضِ ضُلاَّلاً وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا اَلْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَ نَوَائِحُ عَلَيْكُمْ أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ اَلَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ اَلْعِزِّ وَ حَلَبَاتُ اَلْفَخْرِ مُلُوكاً وَ سُوَقاً يرتجعون منهم أجسادا أي يذكرون آباءهم فكأنهم ردوهم إلى الدنيا و ارتجعوهم من القبور و خوت خلت.قال و هؤلاء الموتى أحق بأن يكونوا عبرة و عظة من أن يكونوا فخرا و شرفا و المفتخرون بهم أولى بالهبوط إلى جانب الذلة منهم بالقيام مقام العز.و تقول هذا أحجى من فلان أي أولى و أجدر و الجناب الفناء.


ثم قال لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة أي لم ينظروا النظر المفضي إلى الرؤية لأن أبصارهم ذات عشوة و هو مرض في العين ينقص به الأبصار و في عين فلان عشاء و عشوة بمعنى و منه قيل لكل أمر ملتبس يركبه الراكب على غير بيان أمر عشوة و منه أوطأتني عشوة و يجوز بالضم و الفتح.قال و ضربوا بهم في غمرة جهالة أي و ضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهل و الضرب ها هنا استعارة أو يكون من الضرب بمعنى السير كقوله تعالى( وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ ) أي خاضوا و سبحوا من ذكرهم في غمرة جهالة و كل هذا يرجع إلى معنى واحد و هو تسفيه رأي المفتخرين بالموتى و القاطعين الوقت بالتكاثر بهم إعراضا عما يجب إنفاقه من العمر في الطاعة و العبادة.ثم قال لو سألوا عنهم ديارهم التي خلت منهم و يمكن أن يريد بالديار و الربوع القبور لقالت ذهبوا في الأرض ضلالا أي هالكين و منه قوله تعالى( وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .و ذهبتم في أعقابهم أي بعدهم جهالا لغفلتكم و غروركم.قوله ع تطئون في هامهم أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعري فقال:

خفف الوطء ما أظن أديم

الأرض إلا من هذه الأجساد

رب لحد قد صار لحدا مرارا

ضاحك من تزاحم الأضداد


و دفين على بقايا دفين

من عهود الآباء و الأجداد

صاح هذي قبورنا تملأ الأرض

فأين القبور من عهد عاد

سر إن اسطعت في الهواء رويدا

لا اختيالا على رفات العباد

قوله و تستنبتون في أجسادهم أي تزرعون النبات في أجسادهم و ذلك لأن أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الموتى فالزرع لا محالة يكون نابتا في الأجزاء الترابية التي هي أبدان الحيوانات و روي و تستثبتون بالثاء أي و تنصبون الأشياء الثابتة كالعمد و الأساطين للأوطان في أجساد الموتى.ثم قال و ترتعون فيما لفظوا لفظت الشي‏ء بالفتح رميته من فمي ألفظه بالكسر و يجوز أن يريد بذلك أنكم تأكلون ما خلفوه و تركوه و يجوز أن يريد أنكم تأكلون الفواكه التي تنبت في أجزاء ترابية خالطها الصديد الجاري من أفواههم ثم قال و تسكنون فيما خربوا أي تسكنون في المساكن التي لم يعمروها بالذكر و العبادة فكأنهم أخربوها في المعنى ثم سكنتم أنتم فيها بعدهم و يجوز أن يريد أن كل دار عامرة قد كانت من قبل خربة و إنما أخربها قوم بادوا و ماتوا فإذن لا ساكن منا في عمارة إلا و يصدق عليه أنه ساكن فيما قد كان خرابا من قبل و الذين أخربوه الآن موتى و يجوز أن يريد بقوله و تسكنون فيما خربوا و تسكنون في دور فارقوها و أخلوها فأطلق على الخلو و الفراغ لفظ الخراب مجازا.قوله و إنما الأيام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم يريد أن الأيام و الليالي تشيع رائحا إلى المقابر و تبكي و تنوح على الباقين الذين سيلتحقون به عن قريب.


قوله أولئكم سلف غايتكم السلف المتقدمون و الغاية الحد الذي ينتهي إليه إما حسيا أو معنويا و المراد هاهنا الموت.و الفرط القوم يسبقون الحي إلى المنهل.و مقاوم العز دعائمه جمع مقوم و أصلها الخشبة التي يمسكها الحراث و حلبات الفخر جمع حلبة و هي الخيل تجمع للسباق.و السوق بفتح الواو جمع سوقة و هو من دون الملك : سَلَكُوا فِي بُطُونِ اَلْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ اَلْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لاَ يَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لاَ يُوجَدُونَ لاَ يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ اَلْأَهْوَالِ وَ لاَ يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ اَلْأَحْوَالِ وَ لاَ يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لاَ يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ غُيَّباً لاَ يُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لاَ يَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلاَّفاً آلاَفاً فَافْتَرَقُوا وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لاَ بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً فَكَأَنَّهُمْ فِي اِرْتِجَالِ اَلصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ جِيرَانٌ لاَ يَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لاَ يَتَزَاوَرُونَ بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا اَلتَّعَارُفِ وَ اِنْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ اَلْإِخَاءِ فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ وَ بِجَانِبِ اَلْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلاَّءُ لاَ يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَ لاَ لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ اَلْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ


عَلَيْهِمْ سَرْمَداً شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا فَكِلاَ فَكِلْتَا اَلْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ اَلْخَوْفِ وَ اَلرَّجَاءِ فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَ اِنْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ اَلْعِبَرِ وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ اَلْعُقُولِ وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ اَلنُّطْقِ فَقَالُوا كَلَحَتِ اَلْوُجُوهُ اَلنَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ اَلْأَجْسَامُ اَلنَّوَاعِمُ وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ اَلْبِلَى وَ تَكَاءَدَنَا ضِيقُ اَلْمَضْجَعِ وَ تَوَارَثْنَا اَلْوَحْشَةَ وَ تَهَدَّمَتْ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا اَلرُّبُوعُ اَلصُّمُوتُ فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا وَ طَالَتْ فِي مَسَاكِنِ اَلْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً وَ لاَ مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ اَلْغِطَاءِ لَكَ وَ قَدِ اِرْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ وَ اِكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ وَ تَقَطَّعَتِ اَلْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلاَقَتِهَا وَ هَمَدَتِ اَلْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا وَ عَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلًى سَمَّجَهَا وَ سَهَّلَ طُرُقَ اَلآْفَةِ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلاَ أَيْدٍ تَدْفَعُ وَ لاَ قُلُوبٌ تَجْزَعُ لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لاَ تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لاَ تَنْجَلِي فَكَمْ أَكَلَتِ اَلْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي اَلدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ يَفْزَعُ إِلَى اَلسَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى اَلدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ اَلدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ اَلْأَيَّامُ قُوَاهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ اَلْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لاَ يَعْرِفُهُ وَ نَجِيُّ هَمٍّ


مَا كَانَ يَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ اَلْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ اَلْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِيكِ اَلْبَارِدِ بِالْحَارِّ فَلَمْ يُطْفِئُ بِبَارِدٍ إِلاَّ ثَوَّرَ حَرَارَةً وَ لاَ حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلاَّ هَيَّجَ بُرُودَةً وَ لاَ اِعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ اَلطَّبَائِعِ إِلاَّ أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ اَلسَّاِئِلينَ عَنْهُ وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ فَقَائِلٌ يَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ يُذَكِّرُهُمْ أَسَى اَلْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْيَا وَ تَرْكِ اَلْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ اَلدُّنْيَا هذا موضع المثل ملعا يا ظليم و إلا فالتخوية من أراد أن يعظ و يخوف و يقرع صفاة القلب و يعرف الناس قدر الدنيا و تصرفها بأهلها فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح و إلا فليمسك فإن السكوت أستر و العي خير من منطق يفضح صاحبه و من تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه و الله ما سن


الفصاحة لقريش غيره و ينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس و تلى عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع

قلم أصاب من الدواة مدادها

فلما قيل لهم في ذلك قالوا إنا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن.و إني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود و النمور و أمثالهما من السباع الضارية ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحما و لم يريقوا دما فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني و عتيبة بن الحارث اليربوعي و عامر بن الطفيل العامري و تارة يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني و يوحنا المعمدان الإسرائيلي و المسيح ابن مريم الإلهي.و أقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرة ما قرأتها قط إلا و أحدثت عندي روعة و خوفا و عظة و أثرت في قلبي وجيبا و في أعضائي رعدة و لا تأملتها إلا و ذكرت الموتى من أهلي و أقاربي و أرباب ودي و خيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف ع حاله و كم قد قال الواعظون و الخطباء و الفصحاء في هذا المعنى و كم وقفت على ما قالوه و تكرر وقوفي عليه فلم أجد لشي‏ء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي فإما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة و يقينه كان ثابتا و إخلاصه كان محضا


خالصا فكان تأثير قوله في النفوس أعظم و سريان موعظته في القلوب أبلغ ثم نعود إلى تفسير الفصل فالبرزخ الحاجز بين الشيئين و البرزخ ما بين الدنيا و الآخرة من وقت الموت إلى البعث فيجوز أن يكون البرزخ في هذا الموضع القبر لأنه حاجز بين الميت و بين أهل الدنيا كالحائط المبني بين اثنين فإنه برزخ بينهما و يجوز أن يريد به الوقت الذي بين حال الموت إلى حال النشور و الأول أقرب إلى مراده ع لأنه قال في بطون البرزخ و لفظة البطون تدل على التفسير الأول و لفظتا أكلت الأرض من لحومهم و شربت من دمائهم مستعارتان.و الفجوات جمع فجوة و هي الفرجة المتسعة بين الشيئين قال سبحانه وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ و قد تفاجى الشي‏ء إذا صارت له فجوة.و جمادا لا ينمون أي خرجوا عن صورة الحيوانية إلى صورة الجماد الذي لا ينمي و لا يزيد و يروى لا ينمون بتشديد الميم من النميمة و هي الهمس و الحركة و منه قولهم أسكت الله نامته في قول من شدد و لم يهمز.و ضمارا يقال لكل ما لا يرجى من الدين و الوعد و كل ما لا تكون منه على ثقة ضمار.ثم ذكر أن الأهوال الحادثة في الدنيا لا تفزعهم و أن تنكر الأحوال بهم و بأهل الدنيا لا يحزنهم و يروى تحزنهم على أن الماضي رباعي.و مثله قوله لا يحفلون بالرواجف أي لا يكترثون بالزلازل.


قوله و لا يأذنون للقواصف أي لا يسمعون الأصوات الشديدة أذنت لكذا أي سمعته.و جمع الغائب غيب و غيب و كلاهما مروي هاهنا و أراد أنهم شهود في الصورة و غير حاضرين في المعنى.و ألاف على فعال جمع آلف كالطراق جمع طارق و السمار جمع سامر و الكفار جمع كافر.ثم ذكر أنه لم تعم أخبارهم أي لم تستبهم أخبارهم و تنقطع عن بعد عهد بهم و لا عن بعد منزل لهم و إنما سقوا كأس المنون التي أخرستهم بعد النطق و أصمتهم بعد السمع و أسكنتهم بعد الحركة.و قوله و بالسمع صمما أي لم يسمعوا فيها نداء المنادي و لا نوح النائح أو لم يسمع في قبورهم صوت منهم.قوله فكأنهم في ارتجال الصفة أي إذا وصفهم الواصف مرتجلا غير مترو في الصفة و لا متهيئ للقول.قال كأنهم صرعى سبات و هو نوم لأنه لا فرق في الصورة بين الميت حال موته و النائم المسبوت.ثم وصفهم بأنهم جيران إلا أنهم لا مؤانسة بينهم كجيران الدنيا و أنهم أحباء إلا أنهم لا يتزاورون كالأحباب من أهل الدنيا.و قوله أحباء جمع حبيب كخليل و أخلاء و صديق و أصدقاء.ثم ذكر أن عرا التعارف قد بليت منهم و انقطعت بينهم أسباب الإخاء و هذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة.


ثم وصفهم بصفة أخرى فقال كل واحد منهم موصوف بالوحدة و هم مع ذلك مجتمعون بخلاف الأحياء الذين إذا انضم بعضهم إلى بعض انتفى عنه وصف الوحدة.ثم قال و بجانب الهجر و هم أخلاء أي و كل منهم في جانب الهجر و هم مع ذلك أهل خلة و مودة أي كانوا كذلك و هذا كله من باب الصناعة المعنوية و المجاز الرشيق.ثم قال إنهم لا يعرفون للنهار ليلا و لا لليل نهارا و ذلك لأن الواحد من البشر إذا مات نهارا لم يعرف لذلك النهار ليلا أبدا و إن مات ليلا لم يعرف لذلك الليل صباحا أبدا و قال الشاعر:

لا بد من يوم بلا ليلة

أو ليلة تأتي بلا يوم

و ليس المراد بقوله أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا أنهم و هم موتى يشعرون بالوقت الذي ماتوا فيه و لا يشعرون بما يتعقبه من الأوقات بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت أبدا من غير أن يزيلها وقت آخر يطرأ عليها و يجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الأنفس فيقال إن النفس التي تفارق ليلا تبقى الصورة الليلية و الظلمة حاصلة عندها أبدا لا تزول بطرآن نهار عليها لأنها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شي‏ء من المحسوسات بعد المفارقة و إنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه و كذلك الأنفس التي تفارق نهارا

بعض الأشعار و الحكايات في وصف القبور و الموتى

و اعلم أن الناس قد قالوا في حال الموتى فأكثروا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسن رحمه الله تعالى


أعزز علي بأن نزلت بمنزل

متشابه الأمجاد بالأوغاد

في عصبة جنبوا إلى آجالهم

و الدهر يعجلهم عن الإرواد

ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم

من غير أطناب و لا أعماد

ركب أناخوا لا يرجى منهم

قصد لإتهام و لا إنجاد

كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة

للدهر باركة بكل مفاد

فتهافتوا عن رحل كل مذلل

و تطاوحوا عن سرج كل جواد

بادون في صور الجميع و إنهم

متفردون تفرد الآحاد

قوله بادون في صور الجميع مأخوذ من قول أمير المؤمنين ع فكلهم وحيد و هم جميع.و قال أيضا

و لقد حفظت له فأين حفاظه

و لقد وفيت له فأين وفاؤه

أوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة

أم ضل عنه من البعاد دعاؤه

هيهات أصبح سمعه و عيانه

في الترب قد حجبتها أقذاؤه

يمسي و لين مهاده حصباؤه

فيه و مؤنس ليله ظلماؤه

قد قلبت أعيانه و تنكرت

أعلامه و تكسفت أضواؤه


مغف و ليس للذة إغفاؤه

مغض و ليس لفكرة إغضاؤه

وجه كلمع البرق غاض و ميضه

قلب كصدر العضب فل مضاؤه

حكم البلى فيه فلو تلقى به

أعداءه لرتى له أعداؤه

و قال أبو العلاء:

أستغفر الله ما عندي لكم خبر

و ما خطابي إلا معشرا قبروا

أصبحتم في البلى غبرا ملابسكم

من الهباء فأين البرد و القطر

كنتم على كل خطب فادح صبرا

فهل شعرتم و قد جادتكم الصبر

و ما درى يوم أحد بالذين ثووا

فيه و لا يوم بدر أنهم نصروا

و قال أبو عارم الكلابي:

أ جازعة ردينة أن أتاها

نعيي أم يكون لها اصطبار

إذا ما أهل قبري و دعوني

و راحوا و الأكف بها غبار

و غودر أعظمي في لحد قبر

تراوحه الجنائب و القطار

تهب الريح فوق محط قبري

و يرعى حوله اللهق النوار

مقيم لا يكلمه صديق

بقبر لا أزور و لا أزار

فذاك النأي لا الهجران حولا

و حولا ثم تجتمع الديار

مر الإسكندر بمدينة قد ملكها سبعة أملاك من بيت واحد و بادوا فسأل هل بقي من نسلهم أحد قالوا بقي واحد و هو يلزم المقابر فدعا به فسأله لم تلزم المقابر قال أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء قال هل لك أن تلزمني حتى أنيلك بغيتك قال لو علمت أنك تقدر على ذلك للزمتك قال و ما بغيتك


قال حياة لا موت معها قال لن أقدر على ذلك قال فدعني أطلبه ممن يقدر عليه.

قال النبي ص ما رأيت منظرا إلا و القبر أفظع منه و قال ص القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر و من لم ينج فما بعده شر له.مر عبد الله بن عمررضي‌الله‌عنه بمقبرة فصلى فيها ركعتين و قال ذكرت أهل القبور و أنه حيل بينهم و بين هذا فأحببت أن أتقرب بهما إلى الله فإن قلت ما معنى قوله ع و بجانب الهجر و أي فائدة في لفظة جانب في هذا الموضع.قلت لأنهم يقولون فلان في جانب الهجر و في جانب القطيعة و لا يقولون في جانب الوصل و في جانب المصافاة و ذلك أن لفظة جنب في الأصل موضوعة للمباعدة و منه قولهم الجار الجنب و هو جارك من قوم غرباء يقال جنبت الرجل و أجنبته و تجنبته و تجانبته كله بمعنى و رجل أجنبي و أجنب و جنب و جانب كله بمعنى.قوله ع شاهدوا من أخطار دارهم المعنى أنه شاهد المتقون من آثار الرحمة و أماراتها و شاهد المجرمون من آثار النقمة و أماراتها عند الموت و الحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون و يظنون أيام كونهم في الدنيا.ثم قال فكلا الغايتين مدت لهم المعنى مدت الغايتان غاية الشقي منهم و غاية السعيد.


إلى مباءة أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف أو رجاء راج و تلك المباءة هي النار أو الجنة و تقول قد استباء الرجل أي اتخذ مباءة و أبأت الإبل رددتها إلى مباءتها و هي معاطنها.ثم قال فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بتشديد الياء قال الشاعر:

عيوا بأمرهم كما

عيت ببيضتها الحمامة

جعلت لها عودين من

نشم و آخر من ثمامة

و روي لعيوا بالتخفيف كما تقول حيوا قالوا ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأن الواو ساكنة و ضمت الياء الأولى لأجل الواو قال الشاعر:

و كنا حسبناهم فوارس كهمس

حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا

قوله لقد رجعت فيهم يقال رجع البصر نفسه و رجع زيد بصره يتعدى و لا يتعدى يقول تكلموا معنى لا صورة فأدركت حالهم بالأبصار و الأسماع العقلية لا الحسية و كلحت الوجوه كلوحا و كلاحا و هو تكشر في عبوس.و النواضر النواعم و النضرة الحسن و الرونق.و خوت الأجساد النواعم خلت من دمها و رطوبتها و حشوتها و يجوز أن يكون خوت أي سقطت قال تعالى( فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها ) و الأهدام جمع هدم و هو الثوب البالي قال أوس:

و ذات هدم عار نواشرها

تصمت بالماء تولبا جذعا


و تكاءدنا شق علينا و منه عقبة كئود و يجوز تكأدنا جاءت هذه الكلمة في أخوات لها تفعل و تفاعل بمعنى و مثله تعهد الضيعة و تعاهدها.و يقال قوله و توارثنا الوحشة كأنه لما مات الأب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضا صار كان الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تورث الأموال و هذا من باب الاستعارة.قوله و تهدمت علينا الربوع يقال تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد غضبه و يجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت و روي و تهكمت بالكاف و هو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا و يعني بالربوع الصموت القبور و جعلها صموتا لأنه لا نطق فيها كما تقول ليل قائم و نهار صائم أي يقام و يصام فيهما و هذا كله على طريق الهز و التحريك و إخراج الكلام في معرض غير المعرض المعهود جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم لأتوا بما وصفه من أحوالهم و ورد في الحديث أن عمر حضر جنازة رجل فلما دفن قال لأصحابه قفوا ثم ضرب فأمعن في القبور و استبطأه الناس جدا ثم رجع و قد احمرت عيناه و انتفخت أوداجه فقيل أبطأت يا أمير المؤمنين فما الذي حبسك قال أتيت قبور الأحبة فسلمت فلم يردوا علي السلام فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت باليدين قلت ما فعلت بهما قال قطعت الكفين من الرسغين و قطعت الرسغين من الذراعين و قطعت الذراعين من المرفقين و قطعت المرفقين من العضدين و قطعت العضدين من المنكبين و قطعت المنكبين من الكتفين فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال أ لا تسألني يا عمر ما فعلت بالأبدان و الرجلين قلت ما فعلت قال قطعت الكتفين من الجنبين و قطعت الجنبين من الصلب و قطعت الصلب من الوركين و قطعت الوركين من الفخذين و قطعت الفخذين من الركبتين


و قطعت الركبتين من الساقين و قطعت الساقين من القدمين فلما ذهبت أقفي ناداني التراب فقال يا عمر عليك بأكفان لا تبلى فقلت و ما أكفان لا تبلى قال تقوى الله و العمل بطاعته و هذا من الباب الذي نحن بصدده نسب الأقوال المذكورة إلى التراب و هو جماد و لم يكن ذلك و لكنه اعتبر فانقدحت في نفسه هذه المواعظ الحكمية فأفرغها في قالب الحكاية و رتبها على قانون المسألة و الإجابة و أضافها إلى جماد موات لأنه أهز لسامعها إلى تدبرها و لو قال نظرت فاعتبرت في حال الموتى فوجدت التراب قد قطع كذا من كذا لم تبلغ عظته المبلغ الذي بلغته حيث أودعها في الصورة التي اخترعها.قوله ع فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك إلى آخر جواب لو هذا الكلام أخذه ابن نباته بعينه فقال فلو كشفتم عنهم أغطية الأجداث بعد ليلتين أو ثلاث لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة و الألوان من ضيق اللحود حائلة و هوام الأرض في نواعم الأبدان جائلة و الرءوس الموسدة على الأيمان زائلة ينكرها من كان لها عارفا و يفر عنها من لم يزل لها آنفا.قوله ع ارتسخت أسماعهم ليس معناه ثبتت كما زعمه الراوندي لأنها لم تثبت و إنما ثبتت الهوام فيها بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه و نضب و يقال قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان.و استكت أي ضاقت و انسدت قال النابغة

و نبئت خير الناس أنك لمتني

و تلك التي تستك منها المسامع


قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت أي غارت و ذهبت في الرأس و أخذ المتنبي قوله و اكتحلت أبصارهم بالتراب فقال:

يدفن بعضنا بعضا و يمشي

أواخرنا على هام الأوالي

و كم عين مقبلة النواحي

كحيل بالجنادل و الرمال

و مغض كان لا يغضي لخطب

و بال كان يفكر في الهزال

و ذلاقة الألسن حدتها ذلق اللسان و السنان يذلق ذلقا أي ذرب فهو ذلق و أذلق.و همدت بالفتح سكنت و خمدت و عاث أفسد و قوله جديد بلى من فن البديع لأن الجدة ضد البلى و قد أخذ الشاعر هذه اللفظة فقال:

يا دار غادرني جديد بلاك

رث الجديد فهل رثيث لذاك

و سمجها قبح صورتها و قد سمج الشي‏ء بالضم فهو سمج بالسكون ثم ضخم فهو ضخم و يجوز فهو سمج بالكسر مثل خشن فهو خشن.قوله و سهل طرق الآفة إليها و ذلك أنه إذا استولى العنصر الترابي على الأعضاء قوي استعدادها للاستحالة من صورتها الأولى إلى غيرها.و مستسلمات أي منقادة طائعة غير عاصية فليس لها أيد تدفع عنها و لا لها قلوب تجزع و تحزن لما نزل بها.و الأشجان جمع شجن و هو الحزن.و الأقذاء جمع قذى و هو ما يسقط في العين فيؤذيها.


قوله صفة حال لا تنتقل أي لا تنتقل إلى حسن و صلاح و ليس يريد لا تنتقل مطلقا لأنها تنتقل إلى فساد و اضمحلال.و رجل عزيز أي حدث و عزيز الجسد أي طري و أنيق اللون معجب اللون و غذي ترف قذ غذي بالترف و هو التنعم المطغي.و ربيب شرف أي قد ربي في الشرف و العز و يقال رب فلان ولده يربه ربا و رباه يربيه تربية.و يتعلل بالسرور يتلهى به عن غيره و يفزع إلى السلوة يلتجئ إليها و ضنا أي بخلا و غضارة العيش نعيمه و لينه.و شحاحة أي بخلا شححت بالكسر أشح و شححت أيضا بالفتح أشح و أشح بالضم و الكسر شحا و شحاحة و رجل شحيح و شحاح بالفتح و قوم شحاح و أشحة.و يضحك إلى الدنيا و تضحك إليه كناية عن الفرح بالعمر و العيشة و كذا كل واحد منهما يضحك إلى صاحبه لشدة الصفاء كأن الدنيا تحبه و هو يحبها.و عيش غفول قد غفل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدهر فيكدر عليه وقته قال الشاعر:

و كان المرء في غفلات عيش

كأن الدهر عنها في وثاق

و قال الآخر:

ألا إن أحلى العيش ما سمحت به

صروف الليالي و الحوادث نوم

قوله إذ وطئ الدهر به حسكة أي إذ أوطأه الدهر حسكة و الهاء في حسكة ترجع إلى الدهر عدي الفعل بحرف الجر كما تقول قام زيد بعمرو أي أقامه.


و قواه جمع قوة و هي المرة من مرائر الحبل و هذا الكلام استعارة.و من كثب من قرب و البث الحزن و البث أيضا الأمر الباطن الدخيل.و نجي الهم ما يناجيك و يسارك و الفترات أوائل المرض.و آنس ما كان بصحته منصوب على الحال و قال الراوندي في الشرح هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما ثم ذكر أن العامل في الحال فترات قال تقديره فترات آنس ما كان و ما ذكره الراوندي فاسد فإنه ليس هذا من باب أخطب ما يكون الأمير قائما لأن ذلك حال سد مسد خبر المبتدإ و ليس هاهنا مبتدأ و أيضا فليس العامل في الحال فترات و لا فتر بل العامل تولدت و القار البارد.فإن قلت لم قال تسكين الحار بالقار و تحريك البارد بالحار و لأي معنى جعل الأول التسكين و الثاني التحريك قلت لأن من شأن الحرارة التهييج و التثوير فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة التسكين و من شأن البرودة التخدير و التجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة التحريك.قوله و لا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء أي و لا استعمل دواء مفردا معتدل المزاج أو مركبا كذلك إلا و أمد كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الأول.و ينبغي أن يكون قوله و لا اعتدل بممازج أي و لا رام الاعتدال لممتزج لأنه لو حصل له الاعتدال لكان قد برئ من مرضه فسمي محاولة الاعتدال اعتدالا لأنه بالاستدلال المعتدلات قد تهيأ للاعتدال فكان قد اعتدل بالقوة.و ينبغي أيضا أن يكون قد حذف مفعول أمد و تقديره بمرض كما قدرناه نحن و حذف المفعولات كثير واسع.


قوله حتى فتر معلله لأن معللي المرض في أوائل المرض يكون عندهم نشاط لأنهم يرجون البرء فإذا رأوا أمارات الهلاك فترت همتهم.قوله و ذهل ممرضه ذهل بالفتح و هذا كالأول لأن الممرض إذا أعيا عليه المرض و انسدت عليه أبواب التدبير يذهل.قوله و تعايا أهله بصفة دائه أي تعاطوا العي و تساكتوا إذا سئلوا عنه و هذه عادة أهل المريض المثقل يجمجمون إذا سئلوا عن حاله.قوله و تنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه أي تخاصموا في خبر ذي شجى أي خبر ذي غصة يتنازعونه و هم حول المريض سترا دونه و هو لا يعلم بنجواهم و بما يفيضون فيه من أمره.فقائل منهم هو لمآبه أي قد أشفى على الموت و آخر يمنيهم إياب عافيته أي عودها آب فلان إلى أهله أي عاد.و آخر يقول قد رأينا مثل هذا و من بلغ إلى أعظم من هذا ثم عوفي فيمني أهله عود عافيته.و آخر يصبر أهله على فقده و يذكر فضيلة الصبر و ينهاهم عن الجزع و يروي لهم أخبار الماضين.و أسى أهليهم و الأسى جمع أسوة و هو ما يتأسى به الإنسان قالت الخنساء

و ما يبكون مثل أخي و لكن

أسلي النفس عنه بالتأسي

قوله على جناح من فراق الدنيا أي سرعان ما يفارقها لأن من كان على جناح طائر فأوشك به أن يسقط.


قوله إذ عرض له عارض يعني الموت و من غصصه جمع غصة و هو ما يعترض مجرى الأنفاس و يقال إن كل ميت من الحيوان لا يموت إلا خنقا و ذلك لأنه من النفس يدخل فلا يخرج عوضه أو يخرج فلا يدخل عوضه و يلزم من ذلك الاختناق لأن الرئة لا تبقى حينئذ مروحة للقلب و إذا لم تروحه اختنق.قوله فتحيرت نوافذ فطنته أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيرت عند الموت و تبلدت.قوله و يبست رطوبة لسانه لأن الرطوبة اللعابية التي بها يكون الذوق تنشف حينئذ و يبطل الإحساس باللسان تبعا لسقوط القوة.قوله فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده نحو أن يكون له مال مدفون يسأل عنه حال ما يكون محتضرا فيحاول أن يعرف أهله به فلا يستطيع و يعجز عن رد جوابهم و قد رأينا من عجز عن الكلام فأشار إشارة فهموا معناها و هي الدواة و الكاغذ فلما حضر ذلك أخذ القلم و كتب في الكاغذ ما لم يفهم و يده ترعد ثم مات قوله و دعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه أظهر الصمم لأنه لا حيلة له.ثم وصف ذلك الدعاء فقال من كبير كان يعظمه نحو صراخ الوالد على الولد و الولد يسمع و لا يستطيع الكلام و صغير كان يرحمه نحو صراخ الولد على الوالد و هو يسمع و لا قدرة له على جوابه.ثم ذكر غمرات الدنيا فقال إنها أفظع من أن تحيط الصفات بها و تستغرقها أي تأتي على كنهها و تعبر عن حقائقها.قوله أو تعتدل على عقول أهل الدنيا هذا كلام لطيف فصيح غامض و معناه


أن غمرات الموت و أهواله عظيمة جدا لا تستقيم على العقول و لا تقبلها إذا شرحت لها و وصفت كما هي على الحقيقة بل تنبو عنها و لا نصدق بما يقال فيها فعبر عن عدم استقامتها على العقول بقوله أو يعتدل كأنه جعلها كالشي‏ء المعوج عند العقل فهو غير مصدق به

إيراد أشعار و حكايات في وصف الموت و أحوال الموتى

و مما يناسب ما ذكر من حال الإنسان قول الشاعر:

بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما

يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى

إذ قيل بات بليلة ما نامها

إذ قيل أصبح مثقلا ما يرتجى

إذ قيل أمسى شاخصا و موجها

إذ قيل فارقهم و حل به الردى

و قال أبو النجم العجلي:

و المرء كالحالم في المنام

يقول إني مدرك أمامي

في قابل ما فاتني في العام

و المرء يدنيه إلى الحمام

مر الليالي السود و الأيام

إن الفتى يصبح للأسقام

كالغرض المنصوب للسهام

أخطأ رام و أصاب رام

و قال عمران بن حطان:

أ في كل عام مرضة ثم نقهة

و ينعى و لا ينعى متى ذا إلى متى


و لا بد من يوم يجي‏ء و ليلة

يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا

و جاء في الحديث أن رسول الله ص مر بمقبرة فنادى يا أهل القبور الموحشة و الربوع المعطلة أ لا أخبركم بما حدث بعدكم تزوج نساؤكم و تبوئت مساكنكم و قسمت أموالكم هل أنتم مخبرون بما عاينتم ثم قال ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى.و نظر الحسن إلى رجل يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله و إن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف آخره.و قال عبده بن الطبيب و يعجبني قوله على الحال التي كان عليها فإنه كان أسود لصا من لصوص بني سعد بن زيد مناه بن تميم.

و لقد علمت بأن قصري حفرة

غبراء يحملني إليها شرجع

فبكى بناتي شجوهن و زوجتي

و الأقربون إلي ثم تصدعوا

و تركت في غبراء يكره وردها

تسفي على الريح ثم أودع

أن الحوادث يخترمن و إنما

عمر الفتى في أهله مستودع

و نظير هذه الأبيات في رويها و عروضها قول متمم بن نويرة اليربوعي:

و لقد علمت و لا محالة أنني

للحادثات فهل تريني أجزع

أهلكن عادا ثم آل محرق

فتركنهم بلدا و ما قد جمعوا


و لهن كان الحارثان كلاهما

و لهن كان أخو المصانع تبع

فعددت آبائي إلى عرق الثرى

فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا

ذهبوا فلم أدركهم ودعتهم

غول أتوها و الطريق المهيع

لا بد من تلف مصيب فانتظر

أ بأرض قومك أم بأخرى تصرع

و ليأتين عليك يوم مرة

يبكى عليك مقنعا لا تسمع

لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سال عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها و كانت عمياء فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس ما شي‏ء يدب تحت الخورنق إلا تحت أيدينا ثم غربت و قد رحمنا كل من يدور به و ما بيت دخلته حبرة إلا دخلته عبرة ثم قالت:

و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا

إذا نحن فيه سوقة نتنصف

فأف لدنيا لا يدوم نعيمها

تقلب تارات بنا و تصرف

فقال قائل ممن كان حول خالد قاتل الله عدي بن زيد لكأنه ينظر إليها حين يقول

إن للدهر صرعة فاحذرنها

لا تبيتن قد أمنت الدهورا

قد يبيت الفتى معافى فيردى

و لقد كان آمنا مسرورا

دخل عبد الله بن العباس على عبد الملك بن مروان يوم قر و هو على فرش


يكاد يغيب فيها فقال يا ابن عباس إني لأحسب اليوم باردا قال أجل و إن ابن هند عاش في مثل ما ترى عشرين أميرا و عشرين خليفة ثم هو ذاك على قبره ثمامة تهتز.فيقال إن عبد الملك أرسل إلى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة.كان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره ببغداد على دجلة فإذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة على رأسها رقعة فأمر بها فوجد هذا:

تاه الأعيرج و استولى به البطر

فقل له خير ما استعملته الحذر

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت

و لم تخف سوء ما يأتي به القدر

و سالمتك الليالي فاغتررت بها

و عند صفو الليالي يحدث الكدر

فلم ينتفع بنفسه أياما.عدي بن زيد:

أيها الشامت المعير بالدهر

أ أنت المبرأ الموفور

أم لديك العهد الوثيق من الأيام

بل أنت جاهل مغرور

من رأيت المنون خلدن أم من

ذا عليه من أن يضام خفير

أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان

أم أين قبله سابور

و بنو الأصفر الكرام ملوك الروم

و لم يبق منهم مذكور


و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة

تجبى إليه و الخابور

لم يهبه ريب المنون فباد

الملك عنه فبابه مهجور

شاده مرمرا و جلله كلسا

فللطير في ذراه وكور

و تبين رب الخورنق إذ أشرف

يوما و للهدى تفكير

سره حاله و كثرة ما يملك

و البحر معرضا و السدير

فارعوى قلبه و قال فما غبطة

حي إلى الممات يصير

ثم بعد الفلاح و الملك و الأمة

وارتهم هناك القبور

ثم أضحوا كأنهم ورق جف

فألوت به الصبا و الدبور

قد اتفق الناس على أن هذه الأبيات أحسن ما قيل من القريض في هذا المعنى و أن الشعراء كلهم أخذوا منها و احتذوا في هذا المعنى حذوها.و قال الرضي أبو الحسنرضي‌الله‌عنه

انظر إلى هذا الأنام بعبرة

لا يعجنك خلقه و رواؤه

فتراه كالورق النضير تقصفت

أغصانه و تسلبت شجراؤه

أني تحاماه المنون و إنما

خلقت مراعي للردى خضراؤه

أم كيف تأمل فلتة أجساده

من ذا الزمان و حشوها أدواؤه


لا تعجبن فما العجيب فناؤه

بيد المنون بل العجيب بقاؤه

إنا لنعجب كيف حم حمامه

عن صحة و يغيب عنا داؤه

من طاح في سبل الردى آباؤه

فليسلكن طريقهم أبناؤه

و مؤمر نزلوا به في سوقة

لا شكله فيهم و لا نظراؤه

قد كان يفرق ظله أقرانه

و يغض دون جلاله أكفاؤه

و محجب ضربت عليه مهابة

يعشي العيون بهاؤه و ضياؤه

نادته من خلف الحجاب منية

أمم فكان جوابها حوباؤه

شقت إليه سيوفه و رماحه

و أميط عنه عبيده و إماؤه

لم يغنه من كان ود لو أنه

قبل المنون من المنون فداؤه

حرم عليه الذل إلا أنه

أبدا ليشهد بالجلال بناؤه

متخشع بعد الأنيس جنابه

متضائل بعد القطين فناؤه

عريان تطرد كل ريح تربه

و يطيع أول أمرها حصباؤه

و لقد مررت ببرزخ فسألته

أين الألى ضمتهم أرجاؤه

مثل المطي بواركا أجداثه

تسفي على جنباتها بوغاؤه

ناديته فخفى علي جوابه

بالقول إلا ما زقت أصداؤه


من ناظر مطروفه ألحاظه

أو خاطر مظلولة سوداؤه

أو واجد مكظومة زفراته

أو حاقد منسية شحناؤه

و مسندين على الجنوب كأنهم

شرب تخاذل بالطلا أعضاؤه

تحت الصعيد لغير إشفاق إلى

يوم المعاد يضمهم أحشاؤه

أكلتهم الأرض التي ولدتهم

أكل الضروس حلت له أكلاؤه

و قال أيضا:

و تفرق البعداء بعد تجمع

صعب فكيف تفرق القرباء

و خلائق الدنيا خلائق مومس

للمنع آونة و للإعطاء

طورا تبادلك الصفاء و تارة

تلقاك تنكرها من البغضاء

و تداول الأيام يبلينا كما

يبلي الرشاء تطاوح الأرجاء

و كان طول العمر روحة راكب

قضى اللغوب و جد في الإسراء

لهفي على القوم الأولى غادرتهم

و عليهم طبق من البيداء


متوسدين على الخدود كأنما

كرعوا على ظمإ من الصهباء

صور ضننت على العيون بلحظها

أمسيت أوقرها من البوغاء

و نواظر كحل التراب جفونها

قد كنت أحرسها من الأقذاء

قربت ضرائحهم على زوارها

و نأوا عن الطلاب أي تناء

و لبئس ما يلقى بعقر ديارهم

أذن المصيخ بها و عين الرائي


217 و من كلام له ع قاله عند تلاوته

يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ اَلذِّكْرَ جَلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ اَلْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ اَلْعَشْوَةِ وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ اَلْمُعَانَدَةِ وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلاَؤُهُ فِي اَلْبُرْهَةِ بَعْدَ اَلْبُرْهَةِ وَ فِي أَزْمَانِ اَلْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ وَ كَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَبْصَارِ اَلْأَبْصَارِ وَ اَلْأَسْمَاعِ وَ اَلْأَفْئِدَةِ يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اَللَّهِ وَ يُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ اَلْأَدِلَّةِ فِي اَلْفَلَوَاتِ مَنْ أَخَذَ اَلْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَيْهِ طَرِيقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ وَ مَنْ أَخَذَ يَمِيناً وَ شِمَالاً ذَمُّوا إِلَيْهِ اَلطَّرِيقَ وَ حَذَّرُوهُ مِنَ اَلْهَلَكَةِ وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ اَلظُّلُمَاتِ وَ أَدِلَّةَ تِلْكَ اَلشُّبُهَاتِ وَ إِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ اَلدُّنْيَا بَدَلاً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْهُ يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ اَلْحَيَاةِ وَ يَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ فِي أَسْمَاعِ اَلْغَافِلِينَ وَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ فَكَأَنَّهُمْ قَطَعُوا اَلدُّنْيَا إِلَى اَلآْخِرَةِ وَ هُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا


اِطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ اَلْبَرْزَخِ فِي طُولِ اَلْإِقَامَةِ فِيهِ وَ حَقَّقَتِ اَلْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لاَ يَرَى اَلنَّاسُ وَ يَسْمَعُونَ مَا لاَ يَسْمَعُونَ فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ اَلْمَحْمُودَةِ وَ مَجَالِسِهِمُ اَلْمَشْهُودَةِ وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا وَ حَمَّلُوا ثقَلَ أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ اَلاِسْتِقْلاَلِ بِهَا فَنَشَجُوا نَشِيجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَ اِعْتِرَافٍ لَرَأَيْتَ أَعْلاَمَ هُدًى وَ مَصَابِيحَ دُجًى قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّكِينَةُ وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ اَلسَّمَاءِ وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ اَلْكَرَامَاتِ فِي مَقْعَدٍ اِطَّلَعَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ اَلتَّجَاوُزِ رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ وَ أُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ جَرَحَ طُولُ اَلْأَسَى قُلُوبَهُمْ وَ طُولُ اَلْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اَللَّهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ يَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِيقُ لَدَيْهِ اَلْمَنَادِحُ وَ لاَ يَخِيبُ عَلَيْهِ اَلرَّاغِبُونَ فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ اَلْأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ من قرأ يسبح له فيها بفتح الباء ارتفع رجال عنده بوجهين


أحدهما أن يضمر له فعل يكون هو فاعله تقديره يسبحه رجال و دل على يسبحه يسبح كما قال الشاعر:

ليبك يزيد ضارع لخصومة

و مختبط مما تطيح الطوائح

أي يبكيه ضارع و دل على يبكيه ليبك.و الثاني أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره المسبحون رجال و من قرأ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بكسر الباء فرجال فاعل و أوقع لفظ التجارة في مقابلة لفظ البيع إما لأنه أراد بالتجارة هاهنا الشراء خاصة أو لأنه عمم بالتجارة المشتملة على البيع و الشراء ثم خص البيع لأنه أدخل في باب الإلهاء لأن البيع يحصل ربحه بيقين و ليس كذلك الشراء و الذكر يكون تارة باللسان و تارة بالقلب فالذي باللسان نحو التسبيح و التكبير و التهليل و التحميد و الدعاء و الذي بالقلب فهو التعظيم و التبجيل و الاعتراف و الطاعة.و جلوت السيف و القلب جلاء بالكسر و جلوت اليهود عن المدينة جلاء بالفتح.و الوقرة الثقل في الأذن و العشوة بالفتح فعله من العشا في العين و آلاؤه نعمه.فإن قلت أي معنى تحت قوله عزت آلاؤه و عزت بمعنى قلت و هل يجوز مثل ذلك في تعظيم الله.قلت عزت هاهنا ليس بمعنى قلت و لكن بمعنى كرمت و عظمت تقول منه عززت على فلان بالفتح أي كرمت عليه و عظمت عنده و فلان عزيز علينا أي كريم معظم.


و البرهة من الدهر المدة الطويلة و يجوز فتح الباء.و أزمان الفترات ما يكون منها بين النوبتين.و ناجاهم في فكرهم ألهمهم بخلاف مناجاة الرسل ببعث الملائكة إليهم و كذلك و كلمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة صار ذلك النور مصباحا لهم يستضيئون به.قوله من أخذ القصد حمدوا إليهم طريقه إلى هاهنا هي التي في قولهم أحمد الله إليك أي منهيا ذلك إليك أو مفضيا به إليك و نحو ذلك و طريقة العرب في الحذف في مثل هذا معلومة قال سبحانه وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً أي لجعلنا بدلا منكم ملائكة و قال الشاعر:

فليس لنا من ماء زمزم شربة

مبردة بانت على طهيان

أي عوضا من ماء زمزم.قوله و من أخذ يمينا و شمالا أي ضل عن الجادة.و إلى في قوله ذموا إليه الطريق مثل إلى الأولى.و يهتفون بالزواجر يصوتون بها هتفت الحمامة تهتف هتفا و هتف زيد بالغنم هتافا بالكسر و قوس هتافة و هتفى أي ذات صوت.و القسط العدل و يأتمرون به يمتثلون الأمر.و قوله فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة إلى قوله و يسمعون ما لا يسمعون هو شرح قوله عن نفسه ع لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.و الأوزار الذنوب و النشيج صوت البكاء و المقعد موضع القعود.


و يد قارعة تطرق باب الرحمة و هذا الكلام مجاز.و المنادح المواضع الواسعة.و على في قوله و لا يخيب عليه الراغبون متعلقة بمحذوف مثل إلى المتقدم ذكرها و التقدير نادمين عليه.و الحسيب المحاسب.و اعلم أن هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصاص و المتصدين لإنكار المنكرات أ لا تراه يقول يذكرون بأيام الله أي بالأيام التي كانت فيها النقمة بالعصاة و يخوفون مقامه من قوله تعالى( وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) ثم قال فمن سلك القصد حمدوه و من عدل عن الطريق ذموا طريقه و خوفوه الهلاك ثم قال يهتفون بالزواجر عن المحارم في أسماع الغافلين و يأمرون بالقسط و ينهون عن المنكر.و هذا كله إيضاح لما قلناه أولا إن ظاهر الكلام شرح حال القصاص و أرباب المواعظ في المجامع و الطرقات و المتصدين لإنكار القبائح و باطن الكلام شرح حال العارفين الذين هم صفوة الله تعالى من خلقه و هو ع دائما يكني عنهم و يرمز إليهم على أنه في هذا الموضع قد صرح بهم في قوله حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس و يسمعون ما لا يسمعون.و قد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل الذكر و محاسبة النفس و البكاء و النحيب و الندم و التوبة و الدعاء و الفاقة و الذلة و الحزن و هو الأسى الذي ذكر أنه جرح قلوبهم بطوله


بيان أحوال العارفين

و قد كنا وعدنا بذكر مقامات العارفين فيما تقدم و هذا موضعه فنقول إن أول مقام من مقامات العارفين و أول منزل من منازل السالكين التوبة قال الله تعالى( وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) و قال النبي ص التائب من الذنب كمن لا ذنب له و قال علي ع ما من شي‏ء أحب إلى الله من شاب تائب.و التوبة في عرف أرباب هذه الطريقة الندم على ما عمل من المخالفة و ترك الزلة في الحال و العزم على ألا يعود إلى ارتكاب معصية و ليس الندم وحده عند هؤلاء توبة و إن جاء في الخبر الندم توبة لأنه على وزان قوله ع الحج عرفة ليس على معنى أن غيرها ليس من الأركان بل المراد أنه أكبر الأركان و أهمها و منهم من قال يكفي الندم وحده لأنه يستتبع الركنين الآخرين لاستحالة كونه نادما على ما هو مصر على مثله أو ما هو عازم على الإتيان بمثله.قالوا و للتوبة شروط و ترتيبات فأول ذلك انتباه القلب من رقد الغفلة و رؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة و إنما يصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه يسمع قلبه فإن في الخبر النبوي عنه ص واعظ كل حال الله في قلب كل امرئ مسلم و في الخبر أن في بدن المرء لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن ألا و هي القلب و إذا فسدت فسد جميع البدن ألا و هي القلب.


و إذا فكر العبد بقلبه في سوء صنيعه و أبصر ما هو عليه من ذميم الأفعال سنحت في قلبه إرادة التوبة و الإقلاع عن قبيح المعاملة فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة و الأخذ في طرق الرجوع و التأهب لأسباب التوبة.و أول ذلك هجران إخوان السوء فإنهم الذين يحملونه على رد هذا القصد و عكس هذا العزم و يشوشون عليه صحة هذه الإرادة و لا يتم ذلك له إلا بالمواظبة على المشاهد و المجالس التي تزيده رغبة في التوبة و توفر دواعيه إلى إتمام ما عزم عليه مما يقوي خوفه و رجاءه فعند ذلك تنحل عن قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال فيقف عن تعاطي المحظورات و يكبح نفسه بلجام الخوف عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال و يلزم العزيمة على ألا يعود إلى مثلها في الاستقبال فإن مضى على موجب قصده و نفذ على مقتضى عزمه فهو الموفق حقا و إن نقض التوبة مرة أو مرات ثم حملته إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا كثيرا فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء فإن لكل أجل كتابا و قد حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال اختلفت إلى مجلس قاص فأثر كلامه في قلبي فلما قمت لم يبق في قلبي شي‏ء فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي من كلامه في قلبي أثر في الطريق ثم زال ثم عدت ثالثا فوقر كلامه في قلبي و ثبت حتى رجعت إلى منزلي و كسرت آلات المخالفة و لزمت الطريق.و حكيت هذه الحكاية ليحيي بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا يعني بالعصفور القاص و بالكركي أبا سليمان.و يحكي أن أبا حفص الحداد ذكر بدايته فقال تركت ذلك العمل يعني المعصية كذا و كذا مرة ثم عدت إليها ثم تركني العمل فلم أعد إليه.


و قيل إن بعض المريدين تاب ثم وقعت له فترة و كان يفكر و يقول أ ترى لو عدت إلى التوبة كيف كان يكون حكمي فهتف به هاتف يا فلان أطعتنا فشكرناك ثم تركتنا فأمهلناك و إن عدت إلينا قبلناك فعاد الفتى إلى الإرادة.و قال أبو علي الدقاق التوبة على ثلاثة أقسام فأولها التوبة و أوسطها الإنابة و آخرها الأوبة فجعل التوبة بداية و الأوبة نهاية و الإنابة واسطة بينهما و المعنى أن من تاب خوفا من العقاب فهو صاحب التوبة و من تاب طمعا في الثواب فهو صاحب الإنابة و من تاب مراعاة للأمر فقط فهو صاحب الأوبة.و قال بو علي أيضا التوبة صفة المؤمنين قال سبحانه وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ و الإنابة صفة الأولياء قال سبحانه وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ و الأوبة صفة الأنبياء قال سبحانه نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.و قال الجنيد دخلت على السري يوما فوجدته متغيرا فسألته فقال دخل علي شاب فسألني عن التوبة فقلت ألا تنسى ذنبك فقال بل التوبة ألا تذكر ذنبك قال الجنيد فقلت له إن الأمر عندي ما قاله الشاب قال كيف قلت لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الصفاء فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فسكت السري.و قال ذو النون المصري الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين.و سئل البوشنجي عن التوبة فقال إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره فذاك حقيقة التوبة.


و قال ذو النون حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار ثم تضيق عليك نفسك كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله حَتَّى إِذا ضاقَتْ( عَلَيْهِمُ اَلْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اَللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) .و قيل لأبي حفص الحداد لم تبغض الدنيا فقال لأني باشرت فيها الذنوب قيل فهلا أحببتها لأنك وفقت فيها للتوبة فقال أنا من الذنب على يقين و من هذه التوبة على ظن.و قال رجل لرابعة العدوية إني قد أكثرت من الذنوب و المعاصي فهل يتوب علي أن تبت قالت لا بل لو تاب عليك لتبت.قالوا و لما كان الله تعالى يقول في كتابه العزيز( إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلتَّوَّابِينَ ) دلنا ذلك على محبته لمن صحت له حقيقة التوبة و لا شبهة أن من قارف الزلة فهو من خطئه على يقين فإذا تاب فإنه من القبول على شك لا سيما إذا كان من شرط القبول محبة الحق سبحانه له و إلى أن يبلغ العاصي محلا يجد في أوصافه أمارة محبة الله تعالى إياه مسافة بعيدة فالواجب إذا على العبد إذا علم أنه ارتكب ما يجب عنه التوبة دوام الانكسار و ملازمة التنصل و الاستغفار كما قيل استشعار الوجل إلى الأجل.

و كان من سنته ع دوام الاستغفار و قال إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة.


و قال يحيى بن معاذ زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها.و يحكي أن علي بن عيسى الوزير ركب في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون من هذا من هذا فقالت امرأة قائمة على السطح إلى متى تقولون من هذا من هذا هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه بما ترون فسمع علي بن عيسى كلامها فرجع إلى منزله و لم يزل يتوصل في الاستعفاء من الوزارة حتى أعفي و ذهب إلى مكة فجاور بها.و منها المجاهد و قد قلنا فيها ما يكفي فيما تقدم.و منها العزلة و الخلوة و قد ذكرنا في جزء قبل هذا الجزء مما جاء في ذلك طرفا صالحا و منها التقوى و هي الخوف من معصية الله و من مظالم العباد قال سبحانه( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ ) و قيل إن رجلا جاء إلى رسول الله ص فقال يا رسول الله أوصني فقال عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير و عليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلم و عليك بذكر الله فإنه نور لك.و قيل في تفسير قوله تعالى( اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) أن يطاع فلا يعصى و يذكر فلا ينسى و يشكر فلا يكفر.


و قال النصرآباذي من لزم التقوى بادر إلى مفارقة الدنيا لأن الله تعالى يقول( وَ لَدارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ) .و قيل يستدل على تقوى الرجل بثلاث التوكل فيما لم ينل و الرضا بما قد نال و حسن الصبر على ما فات.و كان يقال من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه.و قد حكوا من حكايات المتقين شيئا كثيرا مثل ما يحكى عن ابن سيرين أنه اشترى أربعين حبا سمنا فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أي حب أخرجها قال لا أدري فصبها كلها.و حكي أن أبا يزيد البسطامي غسل ثوبه في الصحراء و معه مصاحب له فقال صاحبه نضرب هذا الوتد في جدار هذا البستان و نبسط الثوب عليه فقال لا يجوز ضرب الوتد في جدار الناس قال فنعلقه على شجرة حتى يجف قال يكسر الأغصان فقال نبسطه على الإذخر قال إنه علف الدواب لا يجوز أن نستره منها فولى ظهره قبل الشمس و جعل القميص على ظهره حتى جف أحد جانبيه ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.و منها الورع و هو اجتناب الشبهات و قال ص لأبي هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس و قال بو بكر كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب واحد من الحرام.


و كان يقال الورع في المنطق أشد منه في الذهب و الفضة و الزهد في الرئاسة أشد منه في الذهب و الفضة لأنك تبذلهما في طلب الرئاسة.و قال أبو عبد الله الجلاء أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته و رشائه.و قال بشر بن الحارث أشد الأعمال ثلاثة الجود في القلة و الورع في الخلوة و كلمة الحق عند من يخاف و يرجى.و يقال إن أخت بشر بن الحارث جاءت إلى أحمد بن حنبل فقالت إنا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الطاهرية فيقع شعاعها علينا أ فيجوز لنا الغزل في ضوئها فقال أحمد من أنت يا أمة الله قالت أخت بشر الحافي فبكى أحمد و قال من بيتكم خرج الورع لا تغزلي في ضوء مشاعلهم.و حكى بعضهم قال مررت بالبصرة في بعض الشوارع فإذا بمشايخ قعود و صبيان يلعبون فقلت أ ما تستحيون من هؤلاء المشايخ فقال غلام من بينهم هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم.و يقال إن مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة ما صح له أن يأكل من تمر البصرة و لا من رطبها حتى مات و لم يذقه و كان إذا انقضى أوان الرطب يقول يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شي‏ء سواء علي أكلت من رطبكم أو لم آكل.و قال الحسن مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم و الصلاة.و دخل الحسن مكة فرأى غلاما من ولد علي بن أبي طالب قد أسند ظهره إلى


الكعبة و هو يعظ الناس فقال له الحسن ما ملاك الدين قال الورع قال فما آفته قال الطمع فجعل الحسن يتعجب منه.و قال سهل بن عبد الله من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل و لم يشبع.و حمل إلى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم فقبض على مشمه و قال إنما ينتفع من هذا بريحه و أنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين.و سئل أبو عثمان الحريري عن الورع فقال كان أبو صالح بن حمدون عند صديق له و هو في النزع فمات الرجل فنفث أبو صالح في السراج فأطفأه فقيل له في ذلك فقال إلى الآن كان الدهن الذي في المسرجة له فلما مات صار إلى الورثة.و منها الزهد و قد تكلموا في حقيقته فقال سفيان الثوري الزهد في الدنيا قصر الأمل.و قال الخواص الزهد أن تترك الدنيا فلا تبالي من أخذها.و قال أبو سليمان الداراني الزهد ترك كل ما يشغل عن الله.و قيل الزهد تحت كلمتين من القرآن العزيز لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.و كان يقال من صدق في زهده أتته الدنيا و هي راغمة و لهذا قيل لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها.و قال يحيى بن معاذ الزهد يسعطك الخل و الخردل و العرفان يشمك المسك و العنبر.


و قيل لبعضهم ما الزهد في الدنيا قال ترك ما فيها على من فيها.و قال رجل لذي النون المصري متى تراني أزهد في الدنيا قال إذا زهدت في نفسك.و قال رجل ليحيي بن معاذ متى تراني أدخل حانوت التوكل و ألبس رداء الزهد و أقعد بين الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك القوت ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك و لا في يقينك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فقعودك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن أن تفتضح.و قال أحمد بن حنبل الزهد على ثلاثة أوجه ترك الحرام و هو زهد العوام و ترك الفضول من الحلال و هو زهد الخواص و ترك كل ما يشغلك عن الله و هو زهد العارفين.و قال يحيى بن معاذ الدنيا كالعروس فطالبها كماشطتها تحسن وجهها و تعطر ثوبها و الزاهد فيها كضرتها تسخم وجهها و تنتف شعرها و تحرق ثوبها و العارف مشتغل بالله لا يلتفت إليها و لا يشعر بها.و كان النصرآباذي يقول في مناجاته يا من حقن دماء الزاهدين و سفك دماء العارفين.و كان يقال إن الله تعالى جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد و جعل الشر كله في بيت و جعل مفتاحه حب الدنيا.و منها الصمت و قدمنا فيما سبق من الأجزاء نكتا نافعة في هذا المعنى و نذكر الآن شيئا آخر قال رسول الله ص من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذين جاره و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت.


و قال أصحاب هذا العلم الصمت من آداب الحضرة قال الله تعالى( وَ إِذا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا ) .و قال مخبرا عن الجن( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ) .و قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة( وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ) .و قالوا كم بين عبد سكت تصونا عن الكذب و الغيبة و عبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة.و أنشدوا:

أرتب ما أقول إذا افترقنا

و أحكم دائما حجج المقال

فأنساها إذا نحن التقينا

و أنطق حين أنطق بالمحال

و أنشدوا:

فيا ليل كم من حاجة لي مهمة

إذا جئتكم لم أدر بالليل ماهيا

قالوا و ربما كان سبب الصمت و السكوت حيرة البديهة فإنه إذا ورد كشف بغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان و لا نطق و طمست الشواهد فلا علم و لا حس قال الله تعالى( يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ اَلرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ اَلْغُيُوبِ ) فأما إيثار أرباب المجاهدة الصمت فلما علموا في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حط النفس و إظهار صفات المدح و الميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق و غير ذلك من ضروب آفات الكلام و هذا نعت أرباب


الرياضة و هو أحد أركانهم في حكم مجاهدة النفس و منازلتها و تهذيب الأخلاق.و يقال إن داود الطائي لما أراد أن يقعد في بيته اعتقد أن يحضر مجلس أبي حنيفة لأنه كان تلميذا له و يقعد بين أضرابه من العلماء و لا يتكلم في مسألة على سبيل رياضته نفسه فلما قويت نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك و آثر العزلة.و يقال إن عمر بن عبد العزيز كان إذا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب و غيره.و قال بشر بن الحارث إذا أعجبك الكلام فاصمت فإذا أعجبك الصمت فتكلم و قال سهل بن عبد الله لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة و لا يصح لأحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت.و منها الخوف قال الله تعالى( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً ) .و قال تعالى( وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) .و قال( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) .أبو علي الدقاق الخوف على مراتب خوف و خشية و هيبة.فالخوف من شروط الإيمان و قضاياه قال الله تعالى( فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .و الخشية من شروط العلم قال الله تعالى( إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ ) .


و الهيبة من شروط المعرفة قال سبحانه وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللَّهُ نَفْسَهُ.و قال أبو عمر الدمشقي الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان.و قال بعضهم من خاف من شي‏ء هرب منه و من خاف الله هرب إليه.و قال أبو سليمان الداراني ما فارق الخوف قلبا إلا خرب و منها الرجاء و قد قدمنا فيما قبل من ذكر الخوف و الرجاء طرفا صالحا قال سبحانه مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ.و الفرق بين الرجاء و التمني و كون أحدهما محمودا و الآخر مذموما أن التمني ألا يسلك طريق الاجتهاد و الجد و الرجاء بخلاف ذلك فلهذا كان التمني يورث صاحبه الكسل.و قال أبو علي الروذباري الرجاء و الخوف كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر و تم طيرانه و إذا نقص أحدهما وقع فيه النقص و إذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.و قال أبو عثمان المغربي من حمل نفسه على الرجاء تعطل و من حمل نفسه على الخوف قنط و لكن من هذا مرة و من هذا مرة.و من كلام يحيى بن معاذ و يروى عن علي بن الحسين ع يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على


الإخلاص و كيف أحرزها و أنا بالآفة معروف و أجدني في الذنوب أعتمد على عفوك و كيف لا تغفرها و أنت بالجود موصوف.و منها الحزن و هو من أوصاف أهل السلوك.و قال أبو علي الدقاق صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر ما لا يقطعه من فقد الحزن في سنتين.

في الخبر النبوي ص إن الله يحب كل قلب حزين.و في بعض كتب النبوات القديمة إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة و إذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا.و روي أن رسول الله ص كان متواصل الأحزان دائم الفكر.و قيل إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن الدار إذا لم يكن فيها ساكن خربت.و سمعت رابعة رجلا يقول وا حزناه فقالت قل وا قلة حزناه لو كنت محزونا ما تهيأ لك أن تتنفس.و قال سفيان بن عيينة لو أن محزونا بكى في أمة لرحم الله تلك الأمة ببكائه.و كان بعض هؤلاء القوم إذا سافر واحد من أصحابه يقول إذا رأيت محزونا فأقرئه عني السلام.و كان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة.و قال وكيع يوم مات الفضيل ذهب الحزن اليوم من الأرض.و قال بعض السلف أكثر ما يجده المؤمن في صحيفته من الحسنات الحزن و الهم.


و قال الفضيل أدركت السلف يقولون إن لله في كل شي‏ء زكاة و زكاة العقل طول الحزن.و منها الجوع و ترك الشهوات و قد تقدم ذكر ذلك.و منها الخشوع و التواضع قال سبحانه اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و في الخبر النبوي عنه ص لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر و لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال رجل يا رسول الله إن المرء ليحب أن يكون ثوبه حسنا فقال إن الله جميل يحب الجمال إنما المتكبر من بطر الحق و غمص الناس و روى أنس بن مالك أن رسول الله ص كان يعود المريض و يشيع الجنائز و يركب الحمار و يجيب دعوة العبد.و كان يوم قريظة و النضير على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف.و دخل مكة يوم فتحها راكب بعير برحل خلق و إن ذقنه لتمس وسط الرحل خضوعا لله تعالى و خشوعا و جيشه يومئذ عشرة آلاف.قالوا في حد الخشوع هو الانقياد للحق و في التواضع هو الاستسلام و ترك الاعتراض على الحكم.و قال بعضهم الخشوع قيام القلب بين يدي الحق بهم مجموع.و قال حذيفة بن اليمان أول ما تفقدون من دينكم الخشوع.


و كان يقال من علامات الخشوع أن العبد إذا أغضب أو خولف أو رد عليه استقبل ذلك بالقبول.و قال محمد بن علي الترمذي الخاشع من خمدت نيران شهوته و سكن دخان صدره و أشرق نور التعظيم في قلبه فماتت حواسه و حيي قلبه و تطامنت جوارحه.و قال الحسن الخشوع هو الخوف الدائم اللازم للقلب.و قال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال الله تعالى( وَ عِبادُ اَلرَّحْمنِ اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى اَلْأَرْضِ هَوْناً أي خاشعون متواضعون ) .و رأي بعضهم رجلا منقبض الظاهر منكسر الشاهد قد زوي منكبيه فقال يا فلان الخشوع هاهنا و أشار إلى صدره لا هاهنا و أشار إلى منكبيه.و روي أن رسول الله ص رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.و قيل شرط الخشوع في الصلاة ألا يعرف من على يمينه و لا من على شماله.و قال بعض الصوفية الخشوع قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة.و كان يقال من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره.و قيل إن عمر بن عبد العزيز لم يكن يسجد إلا على التراب.و كان عمر بن الخطاب يسرع في المشي و يقول هو أنجح للحاجة و أبعد من الزهو.كان رجاء بن حيوة ليلة عند عمر بن عبد العزيز و هو خليفة فصعف المصباح فقام رجل ليصلحه فقال اجلس فليس من الكرم أن يستخدم المرء ضيفه فقال


أنبه الغلام قال إنها أول نومه نامها ثم قام بنفسه فأصلح السراج فقال رجاء أ تقوم إلى السراج و أنت أمير المؤمنين قال قمت و أنا عمر بن عبد العزيز و رجعت و أنا عمر بن عبد العزيز.و في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ص كان يعلف البعير و يقم البيت و يخصف النعل و يرقع الثوب و يحلب الشاة و يأكل مع الخادم و يطحن معها إذا أعيت و كان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى منزل أهله و كان يصافح الغني و الفقير و يسلم مبتدئا و لا يحقر ما دعي إليه و لو إلى حشف التمر و كان هين المئونة لين الخلق كريم السجية جميل المعاشرة طلق الوجه بساما من غير ضحك محزونا من غير عبوس متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما لكل مسلم ما تجشأ قط من شبع و لا مد يده إلى طبع.و قال الفضيل أوحى الله إلى الجبال أني مكلم على واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال و تواضع طور سيناء فكلم الله عليه موسى لتواضعه.سئل الجنيد عن التواضع فقال خفض الجناح و لين الجانب.ابن المبارك التكبر على الأغنياء و التواضع للفقراء من التواضع.و قيل لأبي يزيد متى يكون الرجل متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاما و لا حالا و لا يرى أن في الخلق من هو شر منه.و كان يقال التواضع نعمة لا يحسد عليها و التكبر محنة لا يرحم منها و العز في التواضع فمن طلبه في الكبر لم يجده.و كان يقال الشرف في التواضع و العز في التقوى و الحرية في القناعة.يحيى بن معاذ التواضع حسن في كل أحد لكنه في الأغنياء أحسن و التكبر سمج في كل أحد و لكنه في الفقراء أسمج.


و ركب زيد بن ثابت فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال مه يا ابن عم رسول الله فقال إنا كذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد أرني يدك فأخرجها فقبلها فقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.و قال عروة بن الزبير رأيت عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى و على عاتقه قربة ماء فقلت يا أمير المؤمنين إنه لا ينبغي لمثلك هذا فقال إنه لما أتتني الوفود سامعة مهادنة دخلت نفسي نخوة فأحببت أن أكسرها و مضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها.أبو سليمان الداراني من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.يحيى بن معاذ التكبر على من تكبر عليك تواضع.بشر الحافي سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه بلغني أنك اشتريت خاتما و فصه بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم و أشبع به ألف بطن و اتخذ خاتما من درهمين و اجعل فصه حديدا صينيا و اكتب عليه رحم الله امرأ عرف قدره.قومت ثياب عمر بن عبد العزيز و هو يخطب أيام خلافته باثني عشر درهما و هي قباء و عمامة و قميص و سراويل و رداء و خفان و قلنسوة.و قال إبراهيم بن أدهم ما سررت قط سروري في أيام ثلاثة كنت في سفينة و فيها رجل مضحك كان يلعب لأهل السفينة فيقول كنا نأخذ العلج من بلاد الترك هكذا و يأخذ بشعر رأسي فيهزني فسرني ذلك لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر مني في عينه و كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن و قال اخرج فلم أطق فأخذ


برجلي و جرني إلى خارج المسجد و كنت بالشام و علي فرو فنظرت إليه فلم أميز بين الشعر و بين القمل لكثرته.عرض على بعض الأمراء مملوك بألوف من الدراهم فاستكثر الثمن فقال العبد اشترني يا مولاي ففي خصلة تساوي أكثر من هذا الثمن قال ما هي قال لو قدمتني على جميع مماليك و خولتني بكل مالك لم أغلظ في نفسي بل أعلم أني عبدك فاشتراه.

تشاجر أبو ذر و بلال فعير أبو ذر بلالا بالسواد فشكاه إلى رسول الله ص فقال يا أبا ذر ما علمت أنه قد بقي في قلبك شي‏ء من كبر الجاهلية فألقى أبو ذر نفسه و حلف ألا يحمل رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه فما رفع رأسه حتى فعل بلال ذلك

مر الحسن بن علي ع بصبيان يلعبون و بين أيديهم كسر خبز يأكلونها فدعوه فنزل و أكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم و كساهم و قال الفضل لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني و نحن نجد أكثر مما أطعمناهم.و منها مخالفة النفس و ذكر عيوبها و قد تقدم ذكر ذلك.و منها القناعة قال الله تعالى( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) قال كثير من المفسرين هي القناعة.و في الحديث النبوي و يقال إنه من كلام أمير المؤمنين ع القناعة كنز لا ينفد


و في الحديث النبوي أيضا كن ورعا تكن أعبد الناس و كن قنوعا تكن أشكر الناس و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا و أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما و أقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.و كان يقال الفقراء أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة.و قال أبو سليمان الداراني القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد هذا أول الرضا و هذا أول الزهد.و قيل القناعة سكون النفس و عدم انزعاجها عند عدم المألوفات.و قيل في تفسير قوله تعالى( لَيَرْزُقَنَّهُمُ اَللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ) أنه القناعة.و قال أبو بكر المراغي العاقل من دبر أمر الدنيا بالقناعة و التسويف و أنكر أبو عبد الله بن خفيف فقال القناعة ترك التسويف بالمفقود و الاستغناء بالموجود.و كان يقال خرج العز و الغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا.و كان يقال من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرقة.مر أبو حازم الأعرج بقصاب فقال له خذ يا أبا حازم فقال ليس معي درهم قال أنا أنظرك قال نفسي أحسن نظرة لي منك.و قيل وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع العز في الطاعة و الذل في المعصية و الهيبة في قيام الليل و الحكمة في البطن الخالي و الغنى في القناعة.و كان يقال انتقم من فلان بالقناعة كما تنتقم من قاتلك بالقصاص.ذو النون المصري من قنع استراح من أهل زمانه و استطال على أقرانه.و أنشدوا:

و أحسن بالفتى من يوم عار

ينال به الغنى كرم و جوع


و رأى رجل حكيما يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء فقال له لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا فقال و أنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان.و قيل العقاب عزيز في مطاره لا تسمو إليه مطامع الصيادين فإذا طمع في جيفة علقت على حباله نزل من مطاره فنشب في الأحبولة.و قيل لما نطق موسى بذكر الطمع فقال لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قال له الخضر هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ و فسر بعضهم قوله هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فقال مقاما في القناعة لا يبلغه أحد.و منها التوكل قال الله تعالى( وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) و قال سهل بن عبد الله أول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء لا يكون له حركة و لا تدبير.و قال رجل لحاتم الأصم من أين تأكل فقال( وَ لِلَّهِ خَزائِنُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لكِنَّ اَلْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) .و قال أصحاب هذا الشأن التوكل بالقلب و ليس ينافيه الحركة بالجسد بعد أن يتحقق العبد أن التقدير من الله فإن تعسر شي‏ء فبتقديره و أن تسهل فبتيسيره.


و في الخبر النبوي أنه ع قال للأعرابي الذي ترك ناقته مهملة فندت فلما قيل له قال توكلت فتركتها فقال ع اعقل و توكل.و قال ذو النون التوكل الانخلاع من الحول و القوة و ترك تدبير الأسباب و قال بعضهم التوكل رد العيش إلى يوم واحد بإسقاط هم غد.و قال أبو علي الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل و هو أدناها ثم التسليم ثم التفويض فالأولى للعوام و الثانية للخواص و الثالثة لخواص الخواص.جاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال فقال ارجع إلى بيتك فمن وجدت منهم ليس رزقه على الله فأخرجه من البيت.و قال سهل بن عبد الله من طعن في التوكل فقط طعن في الإيمان و من طعن في الحركة فقد طعن في السنة.و كان يقال المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يهتدي إلا إلى ربه.و رأى أبو سليمان الداراني رجلا بمكة لا يتناول شيئا إلا شربة من ماء زمزم فمضت عليه أيام فقال له يوما أ رأيت لو غارت أي زمزم أي شي‏ء كنت تشرب فقام و قبل رأسه و قال جزاك الله خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ثم تركه و مضى.و قيل التوكل نفي الشكوك و التفويض إلى مالك الملوك.و دخل جماعة على الجنيد فقالوا نطلب الرزق قال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا فنسأل الله ذلك قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا لندخل البيت فنتوكل قال التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة.


و قيل التوكل الثقة بالله و اليأس عما في أيدي الناس.و منها الشكر و قد تقدم منا ذكر كثير مما قيل فيه.و منها اليقين و هو مقام جليل قال الله تعالى( وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) و قال علي بن أبي طالب ع لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.و قال سهل بن عبد الله حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين و فيه شكوى إلى غير الله.و ذكر للنبي ص ما يقال عن عيسى ابن مريم ع أنه مشى على الماء فقال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء و في الخبر المرفوع عنه ص أنه قال لعبد الله بن مسعود لا ترضين أحدا بسخط الله و لا تحمدن أحدا على فضل الله و لا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله و اعلم أن الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يرده كراهة كاره و أن الله جعل الروح و الفرج في الرضا و اليقين و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط.و منها الصبر قال الله تعالى( وَ اِصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ ) و قال علي ع الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.و سئل الفضيل عن الصبر قال تجرع المرارة من غير تعبيس.و قال رويم الصبر ترك الشكوى.


و قال علي ع الصبر مطية لا تكبو.وقف رجل على الشبلي فقال أي صبر أشد على الصابرين قال الشبلي الصبر في الله تعالى فقال لا قال فالصبر لله فقال لا قال فالصبر مع الله تعالى فقال لا قال فأي شي‏ء قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة عظيمة و وقع.و يقال إن الشبلي حبس في المارستان فدخل عليه قوم فقال من أنتم قالوا محبوك جئناك زائرين فرماهم بالحجارة فهربوا فقال لو كنتم أحباي لصبرتم على بلائي و جاء في بعض الأخبار عن الله تعالى بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي و قال عمر بن الخطاب لو كان الصبر و الشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت و في الحديث المرفوع الإيمان الصبر و السخاء و في الخبر العلم خليل المؤمن و الحلم وزيره و العقل دليله و العمل قائده و الرفق والده و البر أخوه و الصبر أمير جنوده قالوا فناهيك بشرف خصلة تتأمر على هذه الخصال و المعنى أن الثبات على هذه الخصال و استدامة التخلق بها إنما يكون بالصبر فلذلك كان أمير الجنود.و منها المراقبة جاء في الخبر عن النبي ص أن سائلا سأله عن الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.و هذه إشارة إلى حال المراقبة لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه فاستدامة العبد لهذا العلم مراقبة للحق و هو أصل كل خير و لا يكاد يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد فراغه عن المحاسبة فإذا حاسب نفسه على ما سلف و أصلح حاله في الوقت


و لازم طريق الحق و أحسن بينه و بين الله تعالى بمراعاة القلب و حفظ مع الله سبحانه الأنفاس راقبه تعالى في عموم أحواله فيعلم أنه تعالى رقيب عليه يعلم أحواله و يرى أفعاله و يسمع أقواله و من تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة.و يحكى أن ملكا كان يتحظى جارية له و كان لوزيره ميل باطن إليها فكان يسعى في مصالحها و يرجح جانبها على جانب غيرها من حظايا الملك و نسائه فاتفق أن عرض عليها الملك حجرين من الياقوت الأحمر أحدهما أنفس من الآخر بمحضر من وزيره فتحيرت أيهما تأخذ فأومأ الوزير بعينه إلى الحجر الأنفس و حانت من الملك التفاته فشاهد عين الوزير و هي مائلة إلى ذلك الجانب فبقي الوزير بعدها أربعين سنة لا يراه الملك قط إلا كاسرا عينه نحو الجانب الذي كان طرفه مائلا إليه ذلك اليوم أي كأن ذلك خلقة و هذا عزم قوي في المراقبة و مثله فليكن حال من يريد الوصول.و يحكى أيضا أن أميرا كان له غلام يقبل عليه أكثر من إقباله على غيره من مماليكه و لم يكن أكثرهم قيمة و لا أحسنهم صورة فقيل له في ذلك فأحب أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فكان يوما راكبا و معه حشمه و بالبعد منهم جبل عليه ثلج فنظر الأمير إلى الثلج و أطرق فركض الغلام فرسه و لم يعلم الغلمان لما ذا ركض فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء و معه شي‏ء من الثلج فقال الأمير ما أدراك أني أردت الثلج فقال إنك نظرت إليه و نظر السلطان إلى شي‏ء لا يكون إلا عن قصد فقال الأمير لغلمانه إنما أختصه بإكرامي و إقبالي لأن لكل واحد منكم شغلا و شغله مراعاة لحظاتي و مراقبة أحوالي.


و قال بعضهم من راقب الله في خواطره عصمه الله في جوارحه.و منها الرضا و هو أن يرضى العبد بالشدائد و المصائب التي يقضيها الله تعالى عليه و ليس المراد بالرضا رضا العبد بالمعاصي و الفواحش أو نسبتها إلى الرب تعالى عنها فإنه سبحانه لا يرضاها كما قال جل جلاله وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ اَلْكُفْرَ.و قال كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً.قال رويم الرضا أن لو أدخلك جهنم لما سخطت عليه.و قيل لبعضهم متى يكون العبد راضيا قال إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة.قال الشبلي مرة و الجنيد حاضر لا حول و لا قوة إلا بالله فقال الجنيد أرى أن قولك هذا ضيق صدر و ضيق الصدر يجي‏ء من ترك الرضا بالقضاء.و قال أبو سليمان الدارني الرضا ألا تسأل الله الجنة و لا تستعيذ به من النار.و قال تعالى فيمن سخط قسمته وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ.ثم نبه على ما حرموه من فضيلة الرضا فقال وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ سَيُؤْتِينَا اَللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اَللَّهِ راغِبُونَ و جواب لو هاهنا محذوف لفهم المخاطب و علمه به.


و في حذفه فائدة لطيفة و هو أن تقديره لرضي‌الله‌عنه م و لما كان رضاه عن عباده مقاما جليلا جدا حذف ذكره لان الذكر له لا ينبئ عن كنهه و حقيقة فضله فكان الإضراب عن ذكره أبلغ في تعظيم مقامه.و من الأخبار المرفوعة أنه ص قال اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء قالوا إنما قال بعد القضاء لأن الرضا قبل القضاء لا يتصور و إنما يتصور توطين النفس عليه و إنما يتحقق الرضا بالشي‏ء بعد وقوع ذلك الشي‏ء.و في الحديث أنه قال لابن عباس يوصيه اعمل لله باليقين و الرضا فإن لم يكن فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا و في الحديث أنه ص رأى رجلا من أصحابه و قد أجهده المرض و الحاجة فقال ما الذي بلغ بك ما أرى قال المرض و الحاجة قال أ و لا أعلمك كلاما إن أنت قلته أذهب الله عنك ما بك قال و الذي نفسي بيده ما يسرني بحظي منهما أن شهدت معك بدرا و الحديبية فقال ص و هل لأهل بدر و الحديبية ما للراضي و القانع.و قال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر و الرضا.قدم سعد بن أبي وقاص مكة بعد ما كف بصره فانثال الناس عليه يسألونه الدعاء لهم فقال له عبد الله بن السائب يا عم إنك تدعو للناس فيستجاب لك هلا دعوت أن يرد عليك بصرك فقال يا ابن أخي قضاء الله تعالى أحب إلي من بصري.عمر بن عبد العزيز أصبحت و ما لي سرور إلا في مواقع القدر.و كان يقال الرضا إطراح الاقتراح على العالم بالصلاح و كان يقال إذا كان القدر حقا كان سخطه حمقا.


و كان يقال من رضي حظي و من اطرح الاقتراح أفلح و استراح.و كان يقال كن بالرضا عاملا قبل أن تكون له معمولا و سر إليه عادلا و إلا سرت نحوه معدولا.و قيل للحسن من أين أتى الخلق قال من قلة الرضا عن الله فقيل و من أين دخلت عليهم قلة الرضا عن الله قال من قلة المعرفة بالله.و قال صاحب سلوان المطاع في الرضا:

يا مفزعي فيما يجي‏ء

و راحمي فيما مضى

عندي لما تقضيه ما

يرضيك من حسن الرضا

و من القطيعة أستعيذ مصرحا و معرضا و قال أيضا:

كن من مدبرك الحكيم

علا و جل على وجل

و ارض القضاء فإنه

حتم أجل و له أجل

و قال أيضا:

يا من يرى حالي و أن ليس لي

في غير قربي منه أوطار

و ليس لي ملتحد دونه

و لا عليه لي أنصار

حاشا لذاك العز و الفضل أن

يهلك من أنت له جار

و إن تشأ هلكي فهب لي رضا

بكل ما تقضي و تختار


عندي لأحكامك يا مالكي

قلب كما أنعمت صبار

كل عذاب منك مستعذب

ما لم يكن سخطك و النار

و منها العبودية و هي أمر وراء العبادة معناها التعبد و التذلل قالوا العبادة للعوام من المؤمنين و العبودية للخواص من السالكين.و قال أبو علي الدقاق العبادة لمن له علم اليقين و العبودية لمن له عين اليقين.و سئل محمد بن خفيف متى تصح العبودية فقال إذا طرح كله على مولاه و صبر معه على بلواه.و قال بعضهم العبودية معانقة ما أمرت به و مفارقة ما زجرت عنه.و قيل العبودية أن تسلم إليه كلك و تحمل عليه كلك.و في الحديث المرفوع تعس عبد الدينار و تعس عبد الخبيصة.رأى أبو يزيد البسطامي رجلا فقال له ما حرفتك قال خربنده قال أمات الله حمارك لتكون عبدا لله لا عبدا للحمار.و كان ببغداد في رباط شيخ الشيوخ صوفي كبير اللحية جدا و كان مغرى و معنى بها أكثر زمانه يدهنها و يسرحها و يجعلها ليلا عند نومه في كيس فقام بعض المريدين إليه في الليل و هو نائم فقصها من الإذن إلى الإذن فأصبحت كالصريم و أصبح الصوفي شاكيا إلى شيخ الرباط فجمع الصوفية و سألهم فقال المريد أنا قصصتها قال و كيف فعلت ويلك ذلك قال أيها الشيخ إنها كانت صنمه و كان يعبدها من دون الله فأنكرت ذلك بقلبي و أردت أن أجعله عبدا لله لا عبدا للحية.


قالوا و ليس شي‏ء أشرف من العبودية و لا اسم أتم للمؤمن من اسمه بالعبودية و لذلك قال سبحانه في ذكر النبي ص ليلة المعراج و كان ذلك الوقت أشرف أوقاته في الدنيا سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً و قال تعالى( فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى) فلو كان اسم أجل من العبودية لسماه به.و أنشدوا

لا تدعني إلا بيا عبدها

فإنه أشرف أسمائي

و منها الإرادة قال تعالى( وَ لا تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) .قالوا الإرادة هي بدء طريق السالكين و هي اسم لأول منازل القاصدين إلى الله و إنما سميت هذه الصفة إرادة لأن الإرادة مقدمة كل أمر فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله فلما كان هذا الشأن أول الأمر لمن يسلك طريق الله سمي إرادة تشبيها له بالقصد إلى الأمور التي هو مقدمتها.قالوا و المريد على موجب الاشتقاق من له إرادة و لكن المريد في هذا الاصطلاح من لا إرادة له فما لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا كما أن من لا إرادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريدا.و قد اختلفوا في العبارات الدالة على ماهية الإرادة في اصطلاحهم فقال بعضهم الإرادة ترك ما عليه العادة و عادة الناس في الغالب التعريج على أوطان الغفلة


و الركون إلى اتباع الشهوة و الإخلاد إلى ما دعت إليه المنية و المريد هو المنسلخ عن هذه الجملة.و قال بعضهم الإرادة نهوض القلب في طلب الرب و لهذا قيل إنها لوعة تهون كل روعة.و قال أبو علي الدقاق الإرادة لوعة في الفؤاد و لذعة في القلب و غرام في الضمير و انزعاج في الباطن و نيران تأجج في القلوب.و قال ممشاذ الدينوري مذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرا و ذلك أن فقيرا قدم علي فقال أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة فجرى على لساني إرادة و عصيدة فتأخر الفقير و لم أشعر فأمرت باتخاذ عصيدة و طلبته فلم أجده فتعرفت خبره فقيل إنه انصرف من فوره و هو يقول إرادة و عصيدة إرادة و عصيدة و هام على وجهه حتى خرج إلى البادية و هو يكرر هذه الكلمة فما زال يقول و يرددها حتى مات.و حكى بعضهم قال كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فصحت يا أنس كلموني يا جن كلموني فهتف هاتف أي شي‏ء ناديت فقلت الله فقال الهاتف كذبت لو أردته لما ناديت الإنس و لا الجن.فالمريد هو الذي لا يشغله عن الله شي‏ء و لا يفتر آناء الليل و أطراف النهار فهو في الظاهر بنعت المجاهدات و في الباطن بوصف المكابدات فارق الفراش و لازم الانكماش و تحمل المصاعب و ركب المتاعب و عالج الأخلاق و مارس المشاق و عانق الأهوال و فارق الأشكال فهو كما قيل:

ثم قطعت الليل في مهمه

لا أسدا أخشى و لا ذيبا


يغلبني شوقي فأطوى السرى

و لم يزل ذو الشوق مغلوبا

و قيل من صفات المريدين التحبب إليه بالتوكل و الإخلاص في نصيحة الأمة و الأنس بالخلوة و الصبر على مقاساة الأحكام و الإيثار لأمره و الحياء من نظره و بذل المجهود في محبته و التعرض لكل سبب يوصل إليه و القناعة بالخمول و عدم الفرار من القلب إلى أن يصل إلى الرب.و قال بعضهم آفة المريد ثلاثة أشياء التزويج و كتبه الحديث و الأسفار.و قيل من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء نومه غلبة و أكله فاقة و كلامه ضرورة.و قال بعضهم نهاية الإرادة أن يشير إلى الله فيجده مع الإشارة فقيل له و أي شي‏ء يستوعب الإرادة فقال أن يجد الله بلا إشارة.و سئل الجنيد ما للمريدين و سماع القصص و الحكايات فقال الحكايات جند من جند الله تعالى يقوي بها قلوب المريدين فقيل له هل في ذلك شاهد فتلا قوله تعالى( وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ اَلرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) .و قال أصحاب الطريقة بين المريد و المراد فرق فالمريد من سلك الرياضة طلبا للوصول و المراد من فاضت عليه العناية الإلهية ابتداء فكان مخطوبا لا خاطبا و بين الخاطب و المخطوب فرق عظيم.قالوا كان موسى ع مريدا قال( رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي ) و كان محمد ص مرادا قال له( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) و سئل الجنيد عن


المريد و المراد فقال المريد سائر و المراد طائر و متى يلحق السائر الطائر.أرسل ذو النون المصري رجلا إلى أبي يزيد و قال له إلى متى النوم و الراحة قد سارت القافلة فقال له أبو يزيد قل لأخي الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة فقال ذو النون هنيئا له هذا الكلام لا تبلغه أحوالنا.و قد تكلم الحكماء في هذا المقام فقال أبو علي بن سينا في كتاب الإشارات أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة و هو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد.ثم إنه ليحتاج إلى الرياضة و الرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض الأول تنحيه ما دون الحق عن سنن الإيثار.و الثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل و الوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة من التوهمات المناسبة للأمر السفلي.و الثالث تلطيف السر لنفسه.فالأول يعين عليه الزهد الحقيقي و الثاني يعين عليه عدة أشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الأوهام ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكي بعبارة بليغة و نغمة رخيمة و سمت رشيد و الثالث يعين عليه الفكر اللطيف و العشق العفيف الذي تتأمر فيه شمائل المعشوق دون سلطان الشهوة.


و منها الاستقامة و حقيقتها الدوام و الاستمرار على الحال قال تعالى( إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا ) .و سئل بعضهم عن تارك الاستقامة فقال قد ذكر الله ذلك في كتابه فقال( وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) و في الحديث المرفوع شيبتني هود فقيل له في ذلك فقال قوله( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) .و قال تعالى( وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) فلم يقل سقيناهم بل أسقيناهم أي جعلنا لهم سقيا دائمة و ذلك لأن من دام على الخدمة دامت عليه النعمة.و منها الإخلاص و هو إفراد الحق خاصة في الطاعة بالقصد و التقرب إليه بذلك خاصة من غير رياء و من غير أن يمازحه شي‏ء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة بين الناس أو محبة مدح أو معنى من المعاني و لذلك قال أرباب هذا الفن الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.و قال الخواص من هؤلاء القوم نقصان كل مخلص في إخلاصه رؤية إخلاصه فإذا أراد الله أن يخلص إخلاص عبد أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا.و جاء في الأثر عن مكحول ما أخلص عبد لله أربعين صباحا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.


و منها الصدق و يطلق على معنيين تجنب الكذب و تجنب الرياء و قد تقدم القول فيهما.و منها الحياء و في الحديث الصحيح إذا لم تستحي فاصنع ما شئت و في الحديث أيضا الحياء من الإيمان و قال تعالى( أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللَّهَ يَرى) قالوا معناه أ لم يستحي.و في الحديث أنه قال لأصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحيي و نحمد الله قال ليس كذلك من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس و ما وعى و البطن و ما حوى و ليذكر الموت و طول البلى و ليترك زينة الحياة الدنيا فمن يعمل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.و قال ابن عطاء العلم الأكبر الهيبة و الحياء فإذا ذهبا لم يبق خير.و قال ذو النون الحب ينطق و الحياء يسكت و الخوف يقلق.و قال السري الحياء و الأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد و الورع حطا و إلا رحلا.و كان يقال تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين حتى رق الدين ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فنيت المروءة ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قل الحياء ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة و الرهبة


و قال الفضيل خمس من علامات الشقاء القسوة في القلب و جمود العين و قلة الحياء و الرغبة في الدنيا و طول الأمل.و فسر بعضهم قوله تعالى( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ ) أنها كان لها صنم في زاوية البيت فمضت فألقت على وجهه ثوبا فقال يوسف ما هذا قالت أستحيي منه قال فأنا أولى أن أستحيي من الله.و في بعض الكتب القديمة ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده و يعصيني و أنا أراه فلا يستحيي مني و منها الحرية و هو ألا يكون الإنسان بقلبه رق شي‏ء من المخلوقات لا من أغراض الدنيا و لا من أغراض الآخرة فيكون فردا لفرد لا يسترقه عاجل دنيا و لا آجل منى و لا حاصل هوى و لا سؤال و لا قصد و لا أرب.

قال له ص بعض أصحاب الصفة قد عزفت نفسي يا رسول الله عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها و حجرها قال صرت حرا.و كان بعضهم يقول لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت:

أ تمنى على الزمان محالا

أن ترى مقلتاي طلعة حر

و سئل الجنيد عمن لم يبق له من الدنيا إلا مقدار مص نواه فقال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.و منها الذكر قال الله تعالى( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً )


و روى أبو الدرداء أن رسول الله ص قال أ لا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند خالقكم و أرفعها في درجاتكم و خير من إعطائكم الذهب و الفضة في سبيل الله و من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم قالوا ما ذلك يا رسول الله قال ذكر الله و في الحديث المرفوع لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله.و قال أبو علي الدقاق الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فقد أعطي المنشور و من سلب الذكر فقد عزل.و قيل ذكر الله تعالى بالقلب سيف المريدين به يقاتلون أعداءهم و به يدفعون الآفات التي تقصدهم و أن البلاء إذا أظل العبد ففزع بقلبه إلى الله حاد عنه كل ما يكرهه.و في الخبر المرفوع إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها قيل و ما رياض الجنة قال مجالس الذكر و في الخبر المرفوع أنا جليس من ذكرني.و سمع الشبلي و هو ينشد:

ذكرتك لا أني نسيتك لمحة

و أيسر ما في الذكر ذكر لساني

فكدت بلا وجد أموت من الهوى

و هام على القلب بالخفقان

فلما أراني الوجد أنك حاضري

شهدتك موجودا بكل مكان

فخاطبت موجودا بغير تكلم

و لاحظت معلوما بغير عيان


و منها الفتوة قال سبحانه مخبرا عن أصحاب الأصنام قالُوا( سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ) و قال تعالى في أصحاب الكهف( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً ) .و قد اختلفوا في التعبير عن الفتوة ما هي فقال بعضهم الفتوة ألا ترى لنفسك فضلا على غيرك.و قال بعضهم الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان.و قالوا إنما هتف الملك يوم أحد بقوله:

لا سيف إلا ذو الفقار

و لا فتى إلا علي

لأنه كسر الأصنام فسمي بما سمي به أبوه إبراهيم الخليل حين كسرها و جعلها جذاذا.قالوا و صنم كل إنسان نفسه فمن خالف هواه فقد كسر صنمه فاستحق أن يطلق عليها لفظ الفتوة.و قال الحارث المحاسبي الفتوة أن تنصف و لا تنتصف.و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سئل أبي عن الفتوة فقال ترك ما تهوى لما تخشى.و قيل الفتوة ألا تدخر و لا تعتذر.

سأل شقيق البلخي جعفر بن محمد الصادق ع عن الفتوة فقال ما تقول أنت قال إن أعطينا شكرنا و إن منعنا صبرنا قال إن الكلاب عندنا بالمدينة هذا شأنها و لكن قل إن أعطينا آثرنا و إن منعنا شكرنا.


و منها الفراسة قيل في تفسير قوله تعالى( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) أي للمتفرسين و قال النبي ص اتقوا فراسة المؤمن فإنها لا تخطئ قيل الفراسة سواطع أنوار لمعت في القلوب حتى شهدت الأشياء من حيث أشهدها الحق إياها و كل من كان أقوى إيمانا كان أشد فراسة.و كان يقال إذا صحت الفراسة ارتقى منها صاحبها إلى المشاهدة.و منها حسن الخلق و هو من صفات العارفين فقد أثنى الله تعالى به على نبيه فقال( وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) و قيل له ص أي المؤمنين أفضل إيمانا فقال أحسنهم خلقا و بالخلق تظهر جواهر الرجال و الإنسان مستور بخلقه مشهور بخلقه.و قال بعضهم حسن الخلق استصغار ما منك و استعظام ما إليك.و قال النبي ص إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.قيل لذي النون من أكبر الناس هما قال أسوؤهم خلقا.و كان يقال ما تخلق أحد أربعين صباحا بخلق إلا صار ذلك طبيعة فيه.قال الحسن في قوله تعالى( وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) أي و خلقك فحسن.شتم رجل الأحنف بن قيس و جعل يتبعه و يشتمه فلما قرب الحي وقف و قال يا فتى إن كان قد بقي في قلبك شي‏ء فقله كيلا يسمعك سفهاء الحي فيجيبوك.


و يقال إن معروفا الكرخي نزل دجلة ليسبح و وضع ثيابه و مصحفه فجاءت امرأة فاحتملتهما فتبعها و قال أنا معروف الكرخي فلا بأس عليك أ لك ابن يقرأ قالت لا قال أ فلك بعل قالت لا قال فهاتي المصحف و خذي الثياب.قيل لبعضهم ما أدب الخلق قال ما أدب الله به نبيه في قوله( خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ )

يقال إن في بعض كتب النبوات القديمة يا عبدي اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.قالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي فقال لقد وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة.قال بعضهم و قد سئل عن غلام سوء له لم يمسكه قال أ تعلم عليه الحلم.و كان يقال ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة الحليم عند الغضب و الشجاع عند الحرب و الصديق عند الحاجة إليه.و قيل في تفسير قوله تعالى( وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً ) الظاهرة تسوية الخلق و الباطنة تصفية الخلق.الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق.خرج إبراهيم بن أدهم إلى بعض البراري فاستقبله جندي فسأله أين العمران فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فشجه و أدماه فلما جاوزه قيل له إن ذلك إبراهيم بن أدهم


زاهد خراسان فرد إليه يعتذر فقال إبراهيم إنك لما ضربتني سألت الله لك الجنة.قال لم سألت ذلك قال علمت أني أوجر على ضربك لي فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير و نصيبك مني الشر.و قال بعض أصحاب الجنيد قدمت من مكة فبدأت بالشيخ كي لا يتعنى إلي فسلمت عليه ثم مضيت إلى منزلي فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف فقلت إنما جئتك أمس لئلا تتعنى فقال ذلك فضلك و هذا حقك.

كان أبو ذر على حوض يسقي إبله فزاحمه إنسان فكسر الحوض فجلس أبو ذر ثم اضطجع فقيل له في ذلك فقال أمرنا رسول الله ص إذا غضب الرجل و هو قائم فليجلس فإن ذهب عنه و إلا فليضطجع.دعا إنسان بعض مشاهير الصوفية إلى ضيافة فلما حضر باب داره رده و اعتذر إليه ثم فعل به مثل ذلك و ثانية و ثالثة و الصوفي لا يغضب و لا يضجر فمدحه ذلك الإنسان و أثنى عليه بحسن الخلق فقال إنما تمدحني على خلق تجد مثله في الكلب إن دعوته حضر و إن زجرته انزجر.مر بعضهم وقت الهاجرة بسكة فألقى عليه من سطح طست رماد فغضب من كان في صحبته فقال لا تغضبوا من استحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم تجز له أن يغضب.كان لبغض الخياطين جار يدفع إليه ثيابا فيخيطها و يدفع إليه أجرتها دراهم زيوفا فيأخذها فقام يوما من حانوته و استخلف ولده فجاء الجار بالدراهم الزائفة فدفعها إلى الولد فلم يقبلها فأبدلها بدراهم جيدة فلما جاء أبوه دفع إليه الدراهم فقال ويحك هل جرى بينك و بينه أمر قال نعم إنه أحضر الدراهم زيوفا فرددتها فأحضر هذه


فقال بئس ما صنعت إنه منذ كذا و كذا سنة يعاملني بالزائف و أصبر عليه و ألقيها في بئر كي لا يغر غيري بها و قيل الخلق السيئ هو أن يضيق قلب الإنسان عن أن يتسع لغير ما تحبه النفس و تؤثره كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه.و كان يقال من سوء الخلق أن تقف على سوء خلق غيرك و تعيبه به.

قيل لرسول الله ادع الله على المشركين فقال إنما بعثت رحمة و لم أبعث عذابا

دعا علي ع غلاما له مرارا و هو لا يجيبه فقام إليه فقال أ لا تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك على ترك الجواب قال أمني لعقوبتك قال اذهب فأنت حر.و منها الكتمان

قال رسول الله ص استعينوا على أموركم بالكتمان.و قال السري علامة الحب الصبر و الكتمان و من باح بسرنا فليس منا.و قال الشاعر:

كتمت حبك حتى منك تكرمة

ثم استوى فيك إسراري و إعلاني

كأنه غاض حتى فاض عن جسدي

فصار سقمي به في جسم كتماني

و هذا ضد ما يذهب إليه القوم من الكتمان و هو عذر لأصحاب السر و الإعلان و كان يقال المحبة فاضحة و الدمع نمام.و قال الشاعر:

لا جزى الله دمع عيني خيرا

و جزى الله كل خير لساني


فاض دمعي فليس يكتم شيئا

و وجدت اللسان ذا كتمان

يقال إن بعض العارفين أوصى تلميذه بكتمان ما يطلع عليه من الحال فلما شاهد الأمر غلب فكان يطلع في بئر في موضع خال فيحدثها بما يشاهد فنبتت في تلك البئر شجرة سمع منها صوت يحكي كلام ذلك التلميذ كما يحكي الصدا كلام المتكلم فأسقط بذلك من ديوان الأولياء.و أنشدوا :

أبدا تحن إليكم الأرواح

و وصالكم ريحانها و الراح

و قلوب أهل ودادكم تشتاقكم

و إلى لقاء جمالكم ترتاح

وا رحمة للعاشقين تحملوا

ثقل المحبة و الهوى فضاح

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

و كذا دماء البائحين تباح

و قال الحسين بن منصور الحلاج:

إني لأكتم من علمي جواهره

كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتننا

و قد تقدمني فيه أبو حسن

إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا

يا رب مكنون علم لو أبوح به

لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال صالحون دمي

يرون أقبح ما يأتونه حسنا

و منها الجود و السخاء و الإيثار قال الله تعالى( وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) و قال النبي ص السخي قريب من الله قريب من الناس


و البخيل بعيد من الله بعيد من الناس و أن الجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل.قالوا لا فرق بين الجود و السخاء في اصطلاح أهل العربية إلا أن الباري سبحانه لا يوصف بالسخاء لأنه يشعر بسماح النفس عقيب التردد في ذلك و أما في اصطلاح أرباب هذه الطريقة فالسخاء هو الرتبة الأولى و الجود بعده ثم الإيثار فمن أعطى البعض و أبقى البعض فهو صاحب السخاء و من أعطى الأكثر و أبقى لنفسه شيئا فهو صاحب الجود و الذي قاسى الضراء و آثر غيره بالبلغة فهو صاحب الإيثار.قال أسماء بن خارجة الفزاري ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبها إن كان كريما صنت عرضه عن الناس و إن كان لئيما صنت عنه عرضي.كان مؤرق العجلي يتلطف في بر إخوانه يضع عندهم ألف درهم و يقول أمسكوها حتى أعود إليكم ثم يرسل إليهم أنتم منها في حل.و كان يقال الجود إجابة الخاطر الأول.و كان أبو الحسن البوشنجي في الخلاء فدعا تلميذا له فقال انزع عني هذا القميص و ادفعه إلى فلان فقيل له هلا صبرت فقال لم آمن على نفسي أن تغير علي ما وقع لي من التخلق معه بالقميص.

رئي علي ع يوما باكيا فقيل له لم تبكي فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني.أضاف عبد الله بن عامر رجلا فأحسن قراه فلما أراد أن يرتحل لم يعنه غلمانه فسئل عن ذلك فقال إنهم إنما يعينون من نزل علينا لا من ارتحل عنا.و منها الغيرة قال رسول الله ص لا أحد أغير من الله إنما حرم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن لغيرته


و في حديث أبي هريرة أن الله ليغار و أن المؤمن ليغار قال و الغيرة هي كراهية المشاركة فيما هو حقك.و قيل الغيرة الأنفة و الحمية.و حكي عن السري أنه قرئ بين يديه وَ إِذا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً فقال لأصحابه أ تدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة و لا أحد أغير من الله.قالوا و معنى حجاب الغيرة أنه لما أصر الكافرون على الجحود عاقبهم بأن لم يجعلهم أهلا لمعرفة أسرار القرآن.و قال أبو علي الدقاق إن أصحاب الكسل عن عبادته هم الذين ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لهم البعد و أخرهم عن محل القرب و لذلك تأخروا.و في معناه أنشدوا فقالوا:

أنا صب بمن هويت و لكن

ما احتيالي في سوء رأي الموالي

و في معناه قالوا سقيم لا يعاد و مريد لا يراد.و كان أبو علي الدقاق إذا وقع شي‏ء في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول هذا من غيرة الحق يريد به ألا يتم ما أملناه من صفاء هذا الوقت.و أنشدوا في معناه:

همت بإتياننا حتى إذا نظرت

إلى المرأة نهانا وجهها الحسن

و قيل لبعضهم أ تريد أن تراه قال لا قيل لم قال أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي و في معناه أنشدوا:

إني لأحسد ناظري عليك

حتى أغض إذا نظرت إليك


و أراك تخطر في شمائلك التي

هي فتنتي فأغار منك عليكا

و سئل الشبلي متى تستريح قال إذا لم أر له ذاكرا.و قال أبو علي الدقاق في قول النبي ص عند مبايعته فرسا من أعرابي و أنه استقاله فأقاله فقال الأعرابي عمرك الله فمن أنت قال ص أنا امرؤ من قريش فقال بعض الصحابة من الحاضرين للأعرابي كفاك جفاء ألا تعرف نبيك فكان أبو علي يقول إنما قال امرؤ من قريش غيرة و نوعا من الأنفة و إلا فقد كان الواجب عليه أن يتعرف لكل أحد أنه من هو لكن الله سبحانه أجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي بقوله كفاك جفاء ألا تعرف نبيك.و قال أصحاب الطريقة مساكنة أحد من الخلق للحق في قلبك توجب الغيرة منه تعالى.أذن الشبلي مرة فلما انتهى إلى الشهادتين قال و حقك لو لا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك.و سمع رجل رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله عن هذا.و كان بعض العارفين يقول لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من قرط الأذن.و قيل لأبي الفتوح السهروردي و قد أخذ بحلب ليصلب على خشبة ما الذي أباحهم هذا منك قال إن هؤلاء دعوني إلى أن أجعل محمدا شريكا لله في الربوبية فلم أفعل فقتلوني.


و منها التفويض قال الله تعالى( وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) فاستوقف من عقل أمره عن الاقتراح عليه و أفهمه ما يرضاه به من التفويض إليه فالعاقل تارك للاقتراح على العالم بالصلاح.و قال تعالى( فَعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً فبعث على تأكيد الرجاء بقوله خَيْراً كَثِيراً ) .و لما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله( فَوَقاهُ اَللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذابِ ) كما ورد في الكتاب العزيز.و حقيقة التفويض هي التسليم لأحكام الحق سبحانه و إلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى( قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اَللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ) فأس التفويض و الباعث عليه هو اعتقاد العجز عن مغالبة القدر و أنه لا يكون في الخير و الشر أعني الرخص و الصحة و سعة الرزق و البلايا و الأمراض و العلل و ضيق الرزق إلا ما أراد الله تعالى كونه و لا يصح التفويض ممن لم يعتقد ذلك و لم يعلمه علم اليقين.و قد بالغ النبي ص في التصريح به و النص عليه

بقوله لعبد الله بن مسعود ليقل همك ما قدر أتاك و ما لم يقدر لم يأتك و لو جهد الخلق أن ينفعوك بشي‏ء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه و لو جهدوا أن يضروك بشي‏ء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك


و في صحيح مسلم بن الحجاج أنه قال لأبي هريرة في كلام له فإن أصابك شي‏ء فلا تقل لو فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان و لكن قل ما قدر الله و ما شاء فعل و في صحيح مسلم أيضا عن البراء بن عازب إذا أخذت مضجعك فقل كذا إلى أن قال وجهت وجهي إليك و ألجأت ظهري إليك رغبة و رهبة إليك لا منجى و لا ملجأ منك إلا إليك.و كان يقال معارضة المريض طبيبه توجب تعذيبه و كان يقال إنما الكيس الماهر من أمسى في قبضة القاهر.و كان يقال إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فما من أعوان تقوده إلى الحيلة.و كان يقال إذا التبست المصادر ففوض إلى القادر.و كان يقال من الدلالة على أن الإنسان مصرف مغلوب و مدبر مربوب أن يتبلد رأيه في بعض الخطوب و يعمى عليه الصواب المطلوب.و إذا كان كذلك فربما كان تدميره في تدبيره و اغتياله من احتياله و هلكته من حركته.و في ذلك أنشدوا:

أيا من يعول في المشكلات

على ما رآه و ما دبره

إذا أعضل الأمر فافزع به

إلى من يرى منه ما لم تره

تكن بين عطف يقيل الخطوب

و لطف يهون ما قدره

إذا كنت تجهل عقبى الأمور

و ما لك حول و لا مقدره

فلم ذا العنا و علام الأسى

و مم الحذار و فيم الشره


و أنشدوا في هذا المعنى:

يا رب مغتبط و مغبوط

بأمر فيه هلكه

و منافس في ملك ما

يشقيه في الدارين ملكه

علم العواقب دونه

ستر و ليس يرام هتكه

و معارض الأقدار بالآراء

سيئ الحال ضنكه

فكن امرأ محض اليقين

و زيف الشبهات سبكه

تفويضه توحيده

و عناده المقدار شركه

و منها الولاية و المعرفة و قد تقدم القول فيهما.و منها الدعاء و المناجاة قال الله تعالى( اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) و في الحديث المرفوع الدعاء مخ العبادة.و قد اختلف أرباب هذا الشأن في الدعاء فقال قوم الدعاء مفتاح الحاجة و مستروح أصحاب الفاقات و ملجأ المضطرين و متنفس ذوي المآرب.و قد ذم الله تعالى قوما فقال( وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) فسروه و قالوا لا يمدونها إليه في السؤال.و قال سهل بن عبد الله التستري خلق الله الخلق و قال تاجروا في فإن لم تفعلوا فاسمعوا مني فإن لم تفعلوا فكونوا ببابي فإن لم تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي.قالوا و قد أثنى الله على نفسه فقال( أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ) قالوا الدعاء إظهار فاقة العبودية.


و قال أبو حاتم الأعرج لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة.و قال قوم بل السكوت و الخمود تحت جريان الحكم و الرضا بما سبق من اختيار الحكيم العالم بالمصالح أولى و لهذا قال الواسطي اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت.و قال النبي ص إخبارا عن الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.و قال قوم يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه و صاحب رضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا.و قال قوم إن الأوقات تختلف ففي بعض الأحوال يكون الدعاء أفضل من السكوت و في بعض الأحوال يكون بالعكس و إنما يعرف هذا في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت فإذا وجد في قلبه الإشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى و إن وجد بقلبه الإشارة إلى السكوت فالسكوت له أتم و أولى.و جاء في الخبر أن الله يبغض العبد فيسرع إجابته بغضا لسماع صوته و أنه يحب العبد فيؤخر إجابته حبا لسماع صوته.و من أدب الدعاء حضور القلب فقد روي عنه ص أن الله لا يستجيب دعاء قلب لاه.و من شروط الإجابة طيب الطعمة و حل المكسب قال ص لسعد بن أبي وقاص أطب كسبك تستجب دعوتك.


و ينبغي أن يكون الدعاء بعد المعرفة

قيل لجعفر بن محمد الصادق ع ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال لأنكم تدعون من لا تعرفونه.كان صالح المري يقول كثيرا ادعوا فمن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له فقالت له رابعة العدوية ما ذا تقول أغلق هذا الباب حتى يستفتح فقال صالح شيخ جهل و امرأة علمت.و قيل فائدة الدعاء إظهار الفاقة من الخلق و إلا فالرب يفعل ما يشاء.و قيل دعاء العامة بالأقوال و دعاء العابد بالأفعال و دعاء العارف بالأحوال.و قيل خير الدعاء ما هيجه الأحزان و الوجد.و قيل أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الاضطرار لقوله تعالى( أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ) .قال أصحاب هذه الطريقة ألسنة المبتدءين أرباب الإرادة منطلقة بالدعاء و ألسنة المحققين الواصلين قد خرست عن ذلك.و كان عبد الله بن المبارك يقول ما دعوته منذ خمسين سنة و لا أريد أن يدعو لي أحد.و قيل الدعاء سلم المذنبين.و قال من قال بنقيض هذا الدعاء مراسلة و ما دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بعد.و قالوا ألسنة المذنبين دموعهم.و كان أبو علي الدقاق يقول إذا بكى المذنب فقد راسل الله.و في معناه أنشدوا:

دموع الفتى عما يجن تترجم

و أنفاسه تبدين ما القلب يكتم


و قال بعضهم لبعض العارفين ادع لي فقال كفاك من الإجابة ألا تجعل بينك و بينه واسطة.و منها التأسي قال سبحانه لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي في مصابه و ما نيل منه في نفسه و في أهله يوم أحد فلا تجزعوا أن أصيب بعضكم.و جاء في الحديث المرفوع لا تنظروا إلى من فوقكم و انظروا إلى من دونكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعم الله عليكم.و قالت الخنساء ترثى أخاها:

و لو لا كثرة الباكين حولي

على إخوانهم لقتلت نفسي

و ما يبكون مثل أخي و لكن

أعزي النفس عنه بالتأسي

و حقيقة التأسي تهوين المصائب و النوائب على النفس بالنظر إلى ما أصاب أمثالك و من هو أرفع محلا منك.و قد فسر العلماء قوله تعالى( وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) قال إنه لا يهون على أحد من أهل النار عذابه و إن تأسى بغيره من المعذبين لأن الله تعالى جعل لهم التأسي نافعا في الدنيا و لم يجعله نافعا لأهل النار مبالغة في تعذيبهم و نفيا لراحة تصل إليهم.


و منها الفقر و هو شعار الصالحين

قال رسول الله ص اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني مع المساكين.قال لعلي ع إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بأحسن منها وهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا و يرضون بك إماما.و جاء في الخبر المرفوع الفقراء الصبر جلساء الله يوم القيامة.و سئل يحيى بن معاذ عن الفقر فقال ألا تستغني إلا بالله.و قال أبو الدرداء لأن أقع من فوق قصر فأتحطم أحب إلي من مجالسة الغني لأني سمعت رسول الله ص يقول إياكم و مجالسة الموتى فقيل له و ما الموتى قال الأغنياء.قيل للربيع بن خثيم قد غلا السعر قال نحن أهون على الله من أن يجيعنا إنما يجيع أولياءه.و قيل ليحيى بن معاذ ما الفقر قال خوف الفقر.و قال الشبلي أدنى علامات الفقير أن لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد ثم خطر بباله لو أمسكت منها قوت يوم آخر لم يصدق في فقره.سئل ابن الجلاء عن الفقر فسكت ثم ذهب قليلا و عاد فقال كانت عندي أربعة دوانيق فضة فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر و هي عندي فذهبت فأخرجتها ثم قعد فتكلم في الفقر.و قال أبو علي الدقاق في تفسير

قوله ص من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه إن المرء بقلبه و لسانه و جوارحه فمن تواضع لغني بلسانه و جوارحه ذهب ثلثا دينه فإن تواضع له مع ذلك بقلبه ذهب دينه كله.


و منها الأدب قالوا في تفسير قوله تعالى ما( زاغَ اَلْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ ) حفظ أدب الحضرة.قيل إنه ع لم يمد نظره فوق المقام الذي أوصل إليه ليلة شاهد السدرة و هي أقصى ما يمكن أن ينتهي إليه البشريون.و في الحديث المرفوع أدبني ربي فأحسن تأديبي و قيل إن الجنيد لم يمد رجله في الخلوة عشرين سنة و كان يقول الأدب مع الله أولى من الأدب مع الخلق.و قال أبو علي الدقاق من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل.و من كلامه ع ترك الأدب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب و من أساء الأدب على الباب رد إلى ساحة الدواب.و قال عبد الله بن المبارك قد أكثر الناس في الأدب و عندي أن الأدب معرفة الإنسان بنفسه.و قال الثوري من لم يتأدب للوقت فوقته مقت.و قال أبو علي الدقاق في قوله تعالى حكاية عن أيوب( إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ ) قال لم يقل فارحمني لأنه حفظ آداب الخطاب و كذلك قال في قول عيسى( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) قال لم يقل لم أقل رعاية لأدب الحضرة.


و منها المحبة و هي مقام جليل قالوا المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شي‏ء.قيل لبعض العرب ما وجدت من حب فلانة قال أرى القمر على جدارها أحسن منه على جدران الناس.و قال أبو عبد الرحمن السلمي المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبه غيرك.و قال النصرآباذي المحبة نوعان نوع يوجب حقن الدماء و نوع يوجب سفك الدماء.و قال يحيى بن معاذ المحبة الخالصة ألا تنقص بالجفاء و لا تزيد بالبر.و قيل للنصرآباذي كيف حالك في المحبة قال عدمت وصال المحبين و رزقت حسراتهم فهو ذا أنا أحترق فيها ثم قال المحبة مجانبة السلو على كل حال.و أنشدوا:

و من كان في طول الهوى ذاق سلوة

فإني من ليلى لها غير ذائق

و أكثر شي‏ء نلته من وصالها

أماني لم تصدق كلمحة بارق

و جاء في الحديث المرفوع المرء مع من أحب و لما سمع سمنون هذا الخبر قال فاز المحبون بشرف الدنيا و الآخرة لأنهم مع الله تعالى.و في الحديث المرفوع لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله و هذا يتجاوز حد الجلالة و الشرف.و كان يقال الحب أوله ختل و آخره قتل.قيل كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد سكرت من كثرة ما شربت من محبته فكتب إليه أبو زيد غيرك شرب بحور السموات و الأرض و ما روي بعد و لسانه خارج و هو يقول هل من مزيد.


و أنشد:

عجبت لمن يقول ذكرت حبي

و هل أنسى فأذكر ما نسيت

شربت الحب كأسا بعد كأس

فما نفد الشراب و لا رويت

و قيل المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف.و أنشدوا:

فأسكر القوم دور كأس

و كان سكري من المدير

و منها الشوق

جاء في الخبر المرفوع أن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي و سلمان و عمار.الشوق مرتبة من مراتب القوم و مقام من مقاماتهم سئل ابن عطاء الشوق أعلى أم المحبة فقال المحبة لأن الشوق منها يتولد.و من الأدعية النبوية المأثورة الدعاء الذي كان يدعو به عمار بن ياسررضي‌الله‌عنه اللهم بعلمك بالغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني ما كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الغنى و الفقر و أسألك نعيما لا يبيد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بعد القضاء و برد العيش بعد الموت و أسألك النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين.قالوا الشوق احتياج القلب إلى لقاء المحبوب و على قدر المحبة يكون الشوق و علامة الشوق حب الموت.


و هذا هو السر في قوله تعالى( فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي أن من كان صاحب محبة يتمنى لقاء محبوبه فمن لا يتمنى ذلك لا يكون صادق المحبة.قيل لبعض الصوفية هل تشتاق إليه فقال إنما الشوق إلى غائب و هو حاضر لا يغيب.و قالوا في قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ إنه تطيب لقلوب المشتاقين.و يقال إنه مكتوب في بعض كتب النبوات القديمة شوقناكم فلم تشتاقوا و زمرنا لكم فلم ترقصوا و خوفناكم فلم ترهبوا و نحنا لكم فلم تحزنوا و قيل إن شعيبا بكى حتى عمي فرد الله إليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد عليه بصره ثم كذلك ثلاثا فقال الله تعالى إن كان هذا البكاء شوقا إلى الجنة فقد أبحتها لك و إن كان خوفا من النار فقد أجرتك منها فقال و حقك لا هذا و لا هذا و لكن شوقا إليك فقال له لأجل ذلك أخدمتك نبيي و كليمي عشر سنين.و منها الزهد و رفض الدنيا قال سبحانه( وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) و جاء في الخبر أن يوسف ع كان يجوع في سني الجدب فقيل له أ تجوع و أنت على خزائن مصر فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع و كذلك

قال علي ع و قد قيل له أ هذا لباسك و هذا مأكولك و أنت أمير


المؤمنين فقال نعم إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم كضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره.و منع عمر بن الخطاب نفسه عام الرمادة الدسم و قال لا آكله حتى يصيبه المسلمون جميعا.و كان عمر بن عبد العزيز من أكثر الناس تنعما قبل أن يلي الخلافة قومت ثيابه حينئذ بألف دينار و قومت و هو يخطب الناس أيام خلافته بثلاثة دراهم.و اعلم أن بعض هذه المراتب و المقامات التي ذكرناها للقوم قد يكون متداخلا في الظاهر و له في الباطن عندهم فرق يعرفه من يأنس بكتبهم و قد أتينا في تقسيم مراتبهم و تفصيل مقاماتهم في هذا الفصل بما فيه كفاية


218 و من كلام له ع قاله عند تلاوته

يا أَيُّهَا اَلْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّةً وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ يَا أَيُّهَا اَلْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ وَ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ وَ مَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ نَوْمِكَ يَقَظَةٌ أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى اَلضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ اَلشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ أَوْ تَرَى اَلْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَ جَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ وَ عَزَّاكَ عَنِ اَلْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَ هِيَ أَعَزُّ اَلْأَنْفُسِ عَلَيْكَ وَ كَيْفَ لاَ يُوقِظُكَ خَوْفُ بَيَاتِ نِقْمَةٍ وَ قَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِيهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ اَلْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ وَ مِنْ كَرَى اَلْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ وَ كُنْ لِلَّهِ مُطِيعاً وَ بِذِكْرِهِ آنِساً وَ تَمَثَّلْ فِي حَالِ تَوَلِّيكَ عَنْهُ إِقْبَالَهُ عَلَيْكَ يَدْعُوكَ إِلَى عَفْوِهِ وَ يَتَغَمَّدُكَ بِفَضْلِهِ وَ أَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ


فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَكَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ أَنْتَ فِي كَنَفِ سِتْرِهِ مُقِيمٌ وَ فِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ فَلَمْ يَمْنَعْكَ فَضْلَهُ وَ لَمْ يَهْتِكْ عَنْكَ سِتْرَهُ بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَيْنٍ فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَكَ أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْكَ أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْكَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ اَلصِّفَةَ كَانَتْ فِي مُتَّفِقَيْنِ فِي اَلْقُوَّةِ مُتَوَازِيَيْنِ فِي اَلْقُدْرَةِ لَكُنْتَ أَوَّلَ حَاكِمٍ عَلَى نَفْسِكَ بِذَمِيمِ اَلْأَخْلاَقِ وَ مَسَاوِئِ اَلْأَعْمَالِ وَ حَقّاً أَقُولُ مَا اَلدُّنْيَا غَرَّتْكَ وَ لَكِنْ بِهَا اِغْتَرَرْتَ وَ لَقَدْ كَاشَفَتْكَ اَلْعِظَاتِ وَ آذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ وَ لَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ اَلْبَلاَءِ بِجِسْمِكَ وَ اَلنَّقْضِ اَلنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ أَصْدَقُ وَ أَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ أَوْ تَغُرَّكَ وَ لَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَكَ مُتَّهَمٌ وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي اَلدِّيَارِ اَلْخَاوِيَةِ وَ اَلرُّبُوعِ اَلْخَالِيَةِ لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ وَ بَلاَغِ مَوْعِظَتِكَ بِمَحَلَّةِ اَلشَّفِيقِ عَلَيْكَ وَ اَلشَّحِيحِ بِكَ وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلاًّ وَ إِنَّ اَلسُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ اَلْهَارِبُونَ مِنْهَا اَلْيَوْمَ إِذَا رَجَفَتِ اَلرَّاجِفَةُ وَ حَقَّتْ بِجَلاَئِلِهَا اَلْقِيَامَةُ وَ لَحِقَ بِكُلِّ مَنْسَكٍ أَهْلُهُ وَ بِكُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ وَ بِكُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ فَلَمْ يَجْرِ يُجْزَ فِي عَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ يَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِي اَلْهَوَاءِ وَ لاَ هَمْسُ قَدَمٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ بِحَقِّهِ فَكَمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذَاكَ دَاحِضَةٌ وَ عَلاَئِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَةٌ فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِكَ مَا يَقُومُ بِهِ عُذْرُكَ وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُكَ وَ خُذْ مَا يَبْقَى لَكَ مِمَّا لاَ تَبْقَى لَهُ وَ تَيَسَّرْ لِسَفَرِكَ وَ شِمْ بَرْقَ اَلنَّجَاةِ وَ اِرْحَلْ مَطَايَا اَلتَّشْمِيرِ


لقائل أن يقول لو قال ما غرك بربك العزيز أو المنتقم أو نحو ذلك لكان أولى لأن للإنسان المعاتب أن يقول غرني كرمك الذي وصفت به نفسك.و جواب هذا أن يقال إن مجموع الصفات صار كشي‏ء واحد و هو الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صوره ما شاء ركبك و المعنى ما غرك برب هذه صفته و هذا شأنه و هو قادر على أن يجعلك في أي صوره شاء فما الذي يؤمنك من أن يمسخك في صورة القردة و الخنازير و نحوها من الحيوانات العجم و معنى الكريم هاهنا الفياض على المواد بالصور و من هذه صفته ينبغي أن يخاف منه تبديل الصورة.قال ع أدحض مسئول حجة المبتدأ محذوف و الحجة الداحضة الباطلة.و المعذرة بكسر الذال العذر.و يقال لقد أبرح فلان جهالة و أبرح لؤما و أبرح شجاعة و أتى بالبرح من ذلك أي بالشديد العظيم و يقال هذا الأمر أبرح من هذا أي أشد و قتلوه أبرح قتل و جهالة منصوب على التمييز.و قال القطب الراوندي مفعول به قال معناه جلب جهالة إلى نفسه و ليس بصحيح و أبرح لا يتعدى هاهنا و إنما يتعدى أبرح في موضعين أحدهما أبرحه الأمر أي أعجبه و الآخر أبرح زيد عمرا أي أكرمه و عظمه.قوله ما جرأك بالهمزة و فلان جري‏ء القوم أي مقدمهم.و ما أنسك بالتشديد و روي ما آنسك بالمد و كلاهما من أصل واحد و تأنست


بفلان و استأنست بمعنى و فلان أنيسي و مؤانسي و قد أنسني كله بمعنى أي كيف لم تستوحش من الأمور التي تؤدي إلى هلكة نفسك.و البلول مصدر بل الرجل من مرضه إذا برئ و يجوز أبل قال الشاعر:

إذا بل من داء به ظن أنه

نجا و به الداء الذي هو قاتله

و الضاحي لحر الشمس البارز و هذا داء ممض أي مؤلم أمضني الجرح إمضاضا و يجوز مضني.و روي و جلدك على مصائبك بصيغة الجمع.و بيات نقمة بفتح الباء طروقها ليلا و هي من ألفاظ القرآن العزيز.و تورط وقع في الورطة بتسكين الراء و هي الهلاك و أصل الورطة أرض مطمئنة لا طريق فيها و قد أورطه و ورطه توريطا أي أوقعه فيها.و المدارج الطرق و المسالك و يجوز انتصاب مدارج هاهنا لأنها مفعول به صريح و يجوز أن ينتصب على تقدير حرف الخفض و حذفه أي في مدارج سطواته.قوله و تمثل أي و تصور.و يتغمدك بفضله أي يسترك بعفوه و سمى العفو و الصفح فضلا تسمية للنوع بالجنس.قوله مطرف عين بفتح الراء أي زمان طرف العين و طرفها إطباق أحد


جفنيها على الآخر و انتصاب مطرف هاهنا على الظرفية كقولك وردت مقدم الحاج أي وقت قدومهم.قوله متوازيين في القدرة أي متساويين و روي متوازنين بالنون.و العظات جمع عظة و هو منصوب على نزع الخافض أي كاشفتك بالعظات و روي العظات بالرفع على أنه فاعل و روي كاشفتك الغطاء.و آذنتك أي أعلمتك.و على سواء أي على عدل و إنصاف و هذا من الألفاظ القرآنية.و الراجفة الصيحة الأولى و حقت بجلائلها القيامة أي بأمورها العظام و المنسك الموضع الذي تذبح فيه النسائك و هي ذبائح القربان و يجوز فتح السين و قد قرئ بهما في قوله تعالى( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً ) .فإن قلت إذا كان يلحق بكل معبود عبدته فالنصارى إذن تلحق بعيسى و الغلاة من المسلمين بعلي و كذلك الملائكة فما القول في ذلك.قلت لا ضرر في التحاق هؤلاء بمعبوديهم و معنى الالتحاق أن يؤمر الأتباع في الموقف بالتحيز إلى الجهة التي فيها الرؤساء ثم يقال للرؤساء أ هؤلاء أتباعكم و عبدتكم فحينئذ يتبرءون منهم فينجو الرؤساء و تهلك الأتباع كما قال سبحانه( أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ اَلْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) أي إنما كانوا يطيعون الشياطين المضلة لهم فعبادتهم في


الحقيقة للشياطين لا لنا و إنهم ما أطاعونا و لو أطاعونا لكانوا مهتدين و إنما أطاعوا شياطينهم.و لا حاجة في هذا الجواب إلى أن يقال ما قيل في قوله تعالى( إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ ) من تخصيص العموم بالآية الأخرى و هي قوله تعالى( إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنى‏ أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) .فإن قلت فما قولك في اعتراض ابن الزبعري على الآية هل هو وارد.قلت لا لأنه قال تعالى( إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ ) و ما لما لا يعقل فلا يرد عليه الاعتراض بالمسيح و الملائكة و الذي قاله المفسرون من تخصيص العموم بالآية الثانية تكلف غير محتاج إليه.فإن قلت فما الفائدة في أن قرن القوم بأصنامهم في النار و أي معنى لذلك في زيادة التعذيب و السخط.قلت لأن النظر إلى وجه العدو باب من أبواب العذاب و إنما أصاب هؤلاء ما أصابهم بسبب الأصنام التي ضلوا بها فكلما رأوها معهم زاد غمهم و حسرتهم.و أيضا فإنهم قدروا أن يستشفعوا بها في الآخرة فإذا صادفوا الأمر على عكس ذلك لم يكن شي‏ء أبغض إليهم منها.قوله فلم يجر قد اختلف الرواة في هذه اللفظة فرواها قوم فلم يجر و هو مضارع جرى يجري تقول ما الذي جرى للقوم فيقول من سألته قدم الأمير من السفر فيكون المعنى على هذا فلم يكن و لم يتجدد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير و لا حقير إلا بالحق و الإنصاف و هذا مثل قوله تعالى( لا ظُلْمَ اَلْيَوْمَ إِنَّ اَللَّهَ سَرِيعُ


اَلْحِسابِ ) و رواها قوم فلم يجز مضارع جاز يجوز أي لم يسغ و لم يرخص ذلك اليوم لأحد من المكلفين في حركة من الحركات المحقرات المستصغرات إلا إذا كانت قد فعلها بحق و على هذا يجوز فعل مثلها و رواها قوم فلم يجر من جار أي عدل عن الطريق أي لم يذهب عنه سبحانه و لم يضل و لم يشذ عن حسابه شي‏ء من أمر محقرات الأمور إلا بحقه أي إلا ما لا فائدة في إثباته و المحاسبة عليه نحو الحركات المباحة و العبثية التي لا تدخل تحت التكليف.و قال الراوندي خرق بصر مرفوع لأنه اسم ما لم يسم فاعله و لا أعرف لهذا الكلام معنى.و الهمس الصوت الخفي.قوله فتحر من أمرك تحريت كذا أي توخيته و قصدته و اعتمدته.قوله و تيسر لسفرك أي هيئ أسباب السفر و لا تترك لذاك عائقا.و الشيم النظر إلى البرق.و رحلت مطيتي إذا شددت على ظهرها الرحل قال الأعشى:

رحلت سمية غدوة أجمالها

غضبى عليك فما تقول بدا لها

و التشمير الجد و الانكماش في الأمر.و معاني الفصل ظاهرة و ألفاظه الفصيحة تعطيها و تدل عليها بما لو أراد المفسر أن يعبر عنه بعبارة غير عبارته ع لكان لفظه ع أولى أن يكون تفسيرا لكلام ذلك المفسر


219 و من كلام له ع

وَ اَللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ اَلسَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي اَلْأَغْلاَلِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ اَلْعِبَادِ وَ غَاصِباً لِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْحُطَامِ وَ كَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى اَلْبِلَى قُفُولُهَا وَ يَطُولُ فِي اَلثَّرَى حُلُولُهَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَ قَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اِسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَ رَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ اَلشُّعُورِ غُبْرَ اَلْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَ عَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَ كَرَّرَ عَلَيَّ اَلْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَ أَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَ كَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ ثَكِلَتْكَ اَلثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَ تَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ أَ تَئِنُّ مِنَ اَلْأَذَى وَ لاَ أَئِنُّ مِنْ لَظَى وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وِعَائِهَا وَ مَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا فَقُلْتُ أَ صِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ فَقَالَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ وَ لَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ فَقُلْتُ هَبِلَتْكَ اَلْهَبُولُ أَ عَنْ دِينِ اَللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَنِي أَ مُخْتَبِطٌ أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٌ أَمْ تَهْجُرُ وَ اَللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ اَلْأَقَالِيمَ اَلسَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اَللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ


مَا فَعَلْتُهُ وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا مَا لِعَلِيٍّ وَ لِنَعِيمٍ يَفْنَى وَ لَذَّةٍ لاَ تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ اَلْعَقْلِ وَ قُبْحِ اَلزَّلَلِ وَ بِهِ نَسْتَعِينُ السعدان نبت ذو شوك يقال له حسك السعدان و حسكة السعدان و تشبه به حلمة الثدي فيقال سعدانة الثندوة و هذا النبت من أفضل مراعي الإبل و في المثل مرعى و لا كالسعدان و نونه زائدة لأنه ليس في الكلام فعلال غير مضاعف إلا خزعال و هو ظلع يلحق الناقة و قهقار و هو الحجر الصلب و قسطال و هو الغبار.و المسهد الممنوع النوم و هو السهاد.و الأغلال القيود و المصفد المقيد و الحطام عروض الدنيا و متاعها شبه لزواله و سرعة فنائه بما يتحطم من العيدان و يتكسر.ثم قال كيف أظلم الناس لأجل نفس تموت سريعا يعني نفسه ع.فإن قلت أ ليس قوله عن نفس يسرع إلى البلى قفولها يشعر بمذهب من قال بقدم الأنفس لأن القفول الرجوع و لا يقال في مذهبه للمسافرة قافلة إلا إذا كانت راجعة.قلت لا حاجة إلى القول بقدم الأنفس محافظة على هذه اللفظة و ذلك لأن النفس إذا كانت حادثة فقد كان أصلها العدم فإذا مات الإنسان عدمت نفسه فرجعت إلى العدم الأصلي و هو المعبر عنه بالبلى.


و أملق افتقر قال تعالى( وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ) .و استماحني طلب مني أن أعطيه صاعا من الحنطة و الصاع أربعة أمداد و المد رطل و ثلث فمجموع ذلك خمسة أرطال و ثلث رطل و جمع الصاع أصوع و إن شئت همزت و الصواع لغة في الصاع و يقال هو إناء يشرب فيه.و العظلم بالكسرة في الحرفين نبت يصبغ به ما يراد اسوداده و يقال هو الوسمة و شعث الألوان أي غبر.و أصغيت إليه أملت سمعي نحوه.و أتبع قياده أطيعه و انقاد له.و أحميت الحديدة في النار فهي محماة و لا يقال حميت الحديدة.و ذي دنف أي ذي سقم مؤلم.و من ميسمها من أثرها في يده.و ثكلتك الثواكل دعاء عليه و هو جمع ثاكلة و فواعل لا يجي‏ء إلا جمع المؤنث إلا فيما شذ نحو فوارس أي ثكلتك نساؤك.قوله أحماها إنسانها أي صاحبها و لم يقل إنسان لأنه يريد أن يقابل هذه اللفظة بقوله جبارها.و سجرها بالتخفيف أوقدها و أحماها و السجور ما يسجر به التنور.قوله بملفوفة في وعائها كان أهدى له الأشعث بن قيس نوعا من الحلواء تأنق فيه و كان ع يبغض الأشعث لأن الأشعث كان يبغضه و ظن الأشعث أنه يستميله بالمهاداة لغرض دنيوي كان في نفس الأشعث و كان أمير المؤمنين


ع يفطن لذلك و يعلمه و لذلك رد هدية الأشعث و لو لا ذلك لقبلها لأن النبي ص قبل الهدية و قد قبل علي ع هدايا جماعة من أصحابه و دعاء بعض من كان يأنس إليه إلى حلواء عملها يوم نوروز فأكل و قال لم عملت هذا فقال لأنه يوم نوروز فضحك و قال نوروزا لنا في كل يوم إن استطعتم.و كان ع من لطافة الأخلاق و سجاحة الشيم على قاعدة عجيبة جميلة و لكنه كان ينفر عن قوم كان يعلم من حالهم الشنآن له و عمن يحاول أن يصانعه بذلك عن مال المسلمين و هيهات حتى يلين لضرس الماضغ الحجر.و قال بملفوفة في وعائها لأنه كان طبق مغطى.ثم قال و معجونة شنئتها أي أبغضتها و نفرت عنها كأنها عجنت بريق الحية أو بقيئها و ذلك أعظم الأسباب للنفرة من المأكول.و قال الراوندي وصفها باللطافة فقال كأنها عجنت بريق الحية و هذا تفسير أبعد من الصحيح.قوله أ صلة أم زكاة أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت الصلة العطية لا يراد بها الأجر بل يراد وصلة التقرب إلى الموصول و أكثر ما تفعل للذكر و الصيت و الزكاة هي ما تجب في النصاب من المال.و الصدقة هاهنا هي صدقة التطوع و قد تسمى الزكاة الواجبة صدقة إلا أنها هنا هي النافلة.فإن قلت كيف قال فذلك محرم علينا أهل البيت و إنما يحرم عليهم الزكاة الواجبة خاصة و لا يحرم عليهم صدقة التطوع و لا قبول الصلات قلت أراد بقوله أهل البيت الأشخاص الخمسة محمدا و عليا و فاطمة و حسنا و حسينا


ع فهؤلاء خاصة دون غيرهم من بني هاشم محرم عليهم الصلة و قبول الصدقة و أما غيرهم من بني هاشم فلا يحرم عليهم إلا الزكاة الواجبة خاصة.فإن قلت كيف قلت إن هؤلاء الخمسة يحرم عليهم قبول الصلات و قد كان حسن و حسين ع يقبلان صلة معاوية.قلت كلا لم يقبلا صلته و معاذ الله أن يقبلاها و إنما قبلا منه ما كان يدفعه إليهما من جملة حقهما من بيت المال فإن سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز و لهما غير سهم ذوي القربى سهم آخر للإسلام من الغنائم.قوله هبلتك الهبول أي ثكلتك أمك و الهبول التي لها عادة بثكل الولد.فإن قلت ما الفرق بين مختبط و ذي جنة و يهجر.قلت المختبط المصروع من غلبه الأخلاط السوداوية أو غيرها عليه و ذو الجنة من به مس من الشيطان و الذي يهجر هو الذي يهذي في مرض ليس بصرع كالمحموم و المبرسم و نحوهما.و جلب الشعيرة بضم الجيم قشرها و الجلب و الجلبة أيضا جليدة تعلو الجرح عند البرء يقال منه جلب الجرح يجلب و يجلب و أجلب الجرح أيضا و يقال للجليدة التي تجعل على القتب جلبة أيضا.و تقضمها بفتح الضاد و الماضي قضم بالكسر


نبذ من أخبار عقيل بن أبي طالب

و عقيل هو عقيل بن أبي طالب ع بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخو أمير المؤمنين ع لأمه و أبيه و كان بنو أبي طالب أربعة طالب و هو أسن من عقيل بعشر سنين و عقيل و هو أسن من جعفر بعشر سنين و جعفر و هو أسن من علي بعشر سنين و علي و هو أصغرهم سنا و أعظمهم قدرا بل و أعظم الناس بعد ابن عمه قدرا.و كان أبو طالب يحب عقيلا أكثر من حبه سائر بنيه فلذلك قال للنبي ص و للعباس حين أتياه ليقتسما بنيه عام المحل فيخففا عنه ثقلهم دعوا لي عقيلا و خذوا من شئتم فأخذ العباس جعفرا و أخذ محمد ص عليا ع.و كان عقيل يكنى أبا يزيد

قال له رسول الله ص يا أبا يزيد إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني و حبا لما كنت أعلم من حب عمي إياك.أخرج عقيل إلى بدر مكرها كما أخرج العباس فأسر و فدي و عاد إلى مكة ثم أقبل مسلما مهاجرا قبل الحديبية و شهد غزوة مؤتة مع أخيه جعفر ع و توفي في خلافة معاوية في سنة خمسين و عمره ست و تسعون سنة.و له دار بالمدينة معروفة و خرج إلى العراق ثم إلى الشام ثم عاد إلى المدينة و لم يشهد مع أخيه أمير المؤمنين ع شيئا من حروبه أيام خلافته و عرض نفسه و ولده عليه فأعفاه و لم يكلفه حضور الحرب.و كان أنسب قريش و أعلمهم بأيامها و كان مبغضا إليهم لأنه كان يعد مساوئهم


و كانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله ص فيصلي عليها و يجتمع إليه الناس في علم النسب و أيام العرب و كان حينئذ قد ذهب بصره و كان أسرع الناس جوابا و أشدهم عارضة.كان يقال إن في قريش أربعة يتحاكم إليهم في علم النسب و أيام قريش و يرجع إلى قولهم عقيل بن أبي طالب و مخرمة بن نوفل الزهري و أبو الجهم بن حذيفة العدوي و حويط بن عبد العزى العامري.و اختلف الناس في عقيل هل التحق بمعاوية و أمير المؤمنين حي فقال قوم نعم و رووا أن معاوية قال يوما و عقيل عنده هذا أبو زيد لو لا علمه أني خير له من أخيه لما أقام عندنا و تركه فقال عقيل أخي خير لي في ديني و أنت خير لي في دنياي و قد آثرت دنياي أسأل الله خاتمة خير.و قال قوم إنه لم يعد إلى معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين ع و استدلوا على ذلك بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته و الجواب الذي أجابه ع و قد ذكرناه فيما تقدم و سيأتي ذكره أيضا في باب كتبه ع و هذا القول هو الأظهر عندي و روى المدائني قال قال معاوية يوما لعقيل بن أبي طالب هل من حاجة فأقضيها لك قال نعم جارية عرضت علي و أبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفا فأحب معاوية أن يمازحه فقال و ما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا و أنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما قال أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف فضحك معاوية و قال مازحناك يا أبا يزيد و أمر فابتيعت له الجارية


التي أولد منها مسلما فلما أتت على مسلم ثماني عشرة سنة و قد مات عقيل أبوه قال لمعاوية يا أمير المؤمنين إن لي أرضا بمكان كذا من المدينة و إني أعطيت بها مائة ألف و قد أحببت أن أبيعك إياها فادفع إلي ثمنها فأمر معاوية بقبض الأرض و دفع الثمن إليه.

فبلغ ذلك الحسين ع فكتب إلى معاوية أما بعد فإنك غررت غلاما من بني هاشم فابتعت منه أرضا لا يملكها فاقبض من الغلام ما دفعته إليه و اردد إلينا أرضنا.فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك و أقرأه كتاب الحسين ع و قال اردد علينا مالنا و خذ أرضك فإنك بعت ما لا تملك فقال مسلم أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه فقال يا بني هذا و الله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له أمك.ثم كتب إلى الحسين إني قد رددت عليكم الأرض و سوغت مسلما ما أخذ فقال الحسين ع أبيتم يا آل أبي سفيان إلا كرما.و قال معاوية لعقيل يا أبا يزيد أين يكون عمك أبو لهب اليوم قال إذا دخلت جهنم فاطلبه تجده مضاجعا لعمتك أم جميل بنت حرب بن أمية.و قالت له زوجته ابنة عتبة بن ربيعة يا بني هاشم لا يحبكم قلبي أبدا أين عمي أين أخي كان أعناقهم أباريق الفضة ترى آنافهم الماء قبل شفاههم قال إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك.


سأل معاوية عقيلا عن قصة الحديدة المحماة المذكورة فبكى و قال أنا أحدثك يا معاوية عنه ثم أحدثك عما سألت نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهما اشترى به خبزا و احتاج إلى الإدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن فأخذ منه رطلا فلما طلبها ع ليقسمها قال يا قنبر أظن أنه حدث بهذا الزق حدث فأخبره فغضب ع و قال علي بحسين فرفع عليه الدرة فقال بحق عمي جعفر و كان إذا سئل بحق جعفر سكن فقال له ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة قال إن لنا فيه حقا فإذا أعطيناه رددناه قال فداك أبوك و إن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم أما لو لا أني رأيت رسول الله ص يقبل ثنيتك لأوجعتك ضربا ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه و قال اشتر به خير عسل تقدر عليه قال عقيل و الله لكأني أنظر إلى يدي علي و هي على فم الزق و قنبر يقلب العسل فيه ثم شده و جعل يبكي و يقول اللهم اغفر لحسين فإنه لم يعلم.فقال معاوية ذكرت من لا ينكر فضله رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان قبله و أعجز من يأتي بعده هلم حديث الحديدة.

قال نعم أقويت و أصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني و جئته بهم و البؤس و الضر ظاهران عليهم فقال ائتني عشية لأدفع إليك شيئا فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحي ثم قال أ لا فدونك فأهويت حريصا قد غلبني الجشع أظنها صرة فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا فلما قبضتها نبذتها و خرت كما يخور الثور تحت يد جازره فقال لي ثكلتك أمك هذا من حديدة


أوقدت لها نار الدنيا فكيف بك و بي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم ثم قرأ( إِذِ اَلْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ اَلسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) .ثم قال ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى فانصرف إلى أهلك.فجعل معاوية يتعجب و يقول هيهات هيهات عقمت النساء أن يلدن مثله


220 و من دعاء له ع

اَللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ وَ لاَ تَبْذُلْ جَاهِي بِالْإِقْتَارِ فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ وَ أَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ وَ أُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي وَ أُفْتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي وَ أَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ اَلْإِعْطَاءِ وَ اَلْمَنْعِ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ صن وجهي باليسار أي استره بأن ترزقني يسارا و ثروة أستغني بهما عن مسألة الناس.و لا تبذل جاهي بالإقتار أي لا تسقط مروءتي و حرمتي بين الناس بالفقر الذي أحتاج معه إلى تكفف الناس.و روي أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الجواد رقت حاله في آخر عمره لأن عبد الملك جفاه فراح يوما إلى الجمعة فدعا فقال اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها فإن كان ذلك قد انقضى فاقبضني إليك فلم يلحق الجمعة الأخرى.و كان الحسن بن علي ع يدعو فيقول اللهم وسع علي فإنه لا يسعني إلا الكثير.


قوله فأسترزق منصوب لأنه جواب الدعاء كقولهم ارزقني بعيرا فأحج عليه بين ع كيفية تبذل جاهه بالإقتار و فسره فقال بأن أطلب الرزق ممن يطلب منك الرزق.و أستعطف الأشرار من الناس أي أطلب عاطفتهم و إفضالهم و يلزم من ذلك أمران محذوران أحدهما أن أبتلى بحمد المعطي.و الآخر أن أفتتن بذم المانع.قوله ع و أنت من وراء ذلك كله مثل يقال للمحيط بالأمر القاهر له القادر عليه كما نقول للملك العظيم هو من وراء وزرائه و كتابه أي مستعد متهيئ لتتبعهم و تعقبهم و اعتبار حركاتهم لإحاطته بها و إشرافه عليها.و ولي مرفوع بأنه خبر المبتدإ و يكون خبرا بعد خبر و يجوز أن يكون ولي هو الخبر و يكون من وراء ذلك جملة مركبة من جار و مجرور منصوبة الموضع لأنه حال


221 و من خطبة له ع

دَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ وَ بِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا وَ لاَ يَسْلَمُ نُزَّالُهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَ تَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ اَلْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ وَ اَلْأَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ وَ إِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدِفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا وَ تُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّكُمْ وَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ اَلدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً وَ أَعْمَرَ دِيَاراً وَ أَبْعَدَ آثَاراً أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً وَ رِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً وَ أَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً وَ دِيَارُهُمْ خَالِيَةً وَ آثَارُهُمْ عَافِيَةً فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ اَلْمَشَيَّدَةِ وَ اَلنَّمَارِقِ اَلْمُمَهَّدَةِ اَلصُّخُورَ وَ اَلْأَحْجَارَ اَلْمُسْنَدَةَ اَلْمُسَنَّدَةَ وَ اَلْقُبُورَ اَللاَّطِئَةَ اَلْمُلْحَدَةَ اَلَّتِي قَدْ بُنِيَ عَلَى اَلْخَرَابِ فِنَاؤُهَا وَ شُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ وَ سَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ وَ أَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ لاَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ وَ لاَ يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ اَلْجِيرَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ اَلْجِوَارِ وَ دُنُوِّ اَلدَّارِ وَ كَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ وَ قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ اَلْبِلَى وَ أَكَلَتْهُمُ اَلْجَنَادِلُ وَ اَلثَّرَى وَ كَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ وَ اِرْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ اَلْمَضْجَعُ وَ ضَمَّكُمْ ذَلِكَ اَلْمُسْتَوْدَعُ فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ اَلْأَمُورُ وَ بُعْثِرَتِ اَلْقُبُورُ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ


نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلاهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ بالبلاء محفوفة قد أحاط بها من كل جانب.و تارات جمع تارة و هي المرة الواحدة و متصرفة منتقلة متحولة.و مستهدفة بكسر الدال منتصبة مهيأة للرمي و روي مستهدفة بفتح الدال على المفعولية كأنها قد استهدفها غيرها أي جعلها أهدافا.و رياحهم راكدة ساكنة و آثارهم عافية مندرسة.و القصور المشيدة العالية و من روى المشيدة بالتخفيف و كسر الشين فمعناه المعمولة بالشيد و هو الجص.و النمارق الوسائد.و القبور الملحدة ذوات اللحود.و روي و الأحجار المسندة بالتشديد.قوله ع قد بني على الخراب فناؤها أي بنيت لا لتسكن الأحياء فيها كما تبنى منازل أهل الدنيا.و الكلكل الصدر و هو هاهنا استعارة.و الجنادل الحجارة و بعثرت القبور أثيرت.و تبلو كل نفس ما أسلفت تخبر و تعلم جزاء أعمالها و فيه حذف مضاف و من


قرأ تتلو بالتاء بنقطتين أي تقرأ كل نفس كتابها و ضل عنهم ما كانوا يفترون بطل عنهم ما كانوا يدعونه و يكذبون فيه من القول بالشركاء و أنهم شفعاء

ذكر بعض الآثار و الأشعار الواردة في ذم الدنيا

و من كلام بعض البلغاء في ذم الدنيا أما بعد فإن الدنيا قد عاتبت نفسها بما أبدت من تصرفها و إنبات عن مساوئها بما أظهرت عن مصارع أهلها و دلت على عوراتها بتغير حالاتها و نطقت ألسنة العبر فيها بزوالها و شهد اختلاف شئونها على فنائها و لم يبق لمرتاب فيها ريب و لا ناظر في عواقبها شك بل عرفها جل من عرفها معرفة يقين و كشفوها أوضح تكشيف ثم اختلجتهم الأهواء عن منافع العلم و دلتهم الآمال بغرور فلججت بهم في غمرات العجز فسبحوا في بحورها موقنين بالهلكة و رتعوا في عراصها عارفين بالخدعة فكان يقينهم شكا و علمهم جهلا لا بالعلم انتفعوا و لا بما عاينوا اعتبروا قلوبهم عالمة جاهلة و أبدانهم شاهدة غائبة حتى طرقتهم المنية فأعجلتهم عن الأمنية فبغتتهم القيامة و أورثتهم الندامة و كذلك الهوى حلت مذاقته و سمت عاقبته و الأمل ينسى طويلا و يأخذ وشيكا فانتفع امرؤ بعلمه و جاهد هواه أن يضله و جانب أمله أن يغره و قوي يقينه على العمل و نفى عنه الشك بقطع الأمل فإن الهوى و الأمل إذا استضعفا اليقين صرعاه و إذا تعاونا على ذي غفلة خدعاه فصريعهما لا ينهض سالما و خديعهما لا يزال نادما و القوي من قوي عليهما و الحازم من احترس منهما ألبسنا الله و إياكم جنة السلامة و وقانا و إياكم سوء العذاب.


كان عمر بن عبد العزيز إذا جلس للقضاء قرأ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ.قال منصور بن عمار لأهل مجلسه ما أرى إساءة تكبر على عفو الله فلا تيأس و ربما آخذ الله على الصغير فلا تأمن و قد علمت أنك بطول عفو الله عنك عمرت مجالس الاغترار به و رضيت لنفسك المقام على سخطه و لو كنت تعاقب نفسك بقدر تجاوزه عن سيئاتك ما استمر بك لجاج فيما نهيت عنه و لا قصرت دون المبالغة فيه و لكنك رهين غفلتك و أسير حيرتك.قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب قدم علينا بعبادان راهب من الشام و نزل دير ابن أبي كبشة فذكروا حكمة كلامه فحملني ذلك على لقائه فأتيته و هو يقول إن لله عبادا سمت بهم هممهم فهووا عظيم الذخائر فالتمسوا من فضل سيدهم توفيقا يبلغهم سمو الهمم فإن استطعتم أيها المرتحلون عن قريب أن تأخذوا ببعض أمرهم فإنهم قوم قد ملكت الآخرة قلوبهم فلم تجد الدنيا فيها ملبسا فالحزن بثهم و الدمع راحتهم و الدءوب وسيلتهم و حسن الظن قربانهم يحزنون بطول المكث في الدنيا إذا فرح أهلها فهم فيها مسجونون و إلى الآخرة منطلقون.فما سمعت موعظة كانت أنفع لي منها.و من جيد شعر أبي نواس في الزهد:

يا بني النقص و الغير

و بني الضعف و الخور

و بني البعد في الطباع

على القرب في الصور


و الشكول التي تباين

في الطول و القصر

أين من كان قبلكم

من ذوي البأس و الخطر

سائلوا عنهم المدائن

و استبحثوا الخبر

سبقونا إلى الرحيل

و إنا لبالأثر

من مضى عبرة لنا

و غدا نحن معتبر

أن للموت أخذة

تسبق اللمح بالبصر

فكأني بكم غدا

في ثياب من المدر

قد نقلتم من القصور

إلى ظلمة الحفر

حيث لا تضرب القباب

عليكم و لا الحجر

حيث لا تطربون منه

للهو و لا سمر

رحم الله مسلما

ذكر الموت فازدجر

رحم الله مؤمنا

خاف فاستشعر الحذر

و من جيد شعر الرضي أبي الحسن رحمه الله في ذكر الدنيا و تقلبها بأهلها

و هل نحن إلا مرامي السهام

يحفزها نابل دائب

نسر إذا جازنا طائش

و نجزع إن مسنا صائب

ففي يومنا قدر لا بد

و عند غد قدر واثب


طرائد تطردها النائبات

و لا بد أن يدرك الطالب

أرى المرء يفعل فعل الحديد

و هو غدا حمأ لازب

عواري من سلب الهالكين

يمد يدا نحوها السالب

لنا بالردى موعد صادق

و نيل المنى موعد كاذب

حبائل للدهر مبثوثه

يرد إلى جذبها الهارب

و كيف نجاوز غاياتنا

و قد بلغ المورد القارب

نصبح بالكأس مجدحة

ذعافا و لا يعلم الشارب

و قال أيضا و هي من محاسن شعره:

ما أقل اعتبارنا بالزمان

و أشد اغترارنا بالأماني

وقفات على غرور و إقدام

على مزلق من الحدثان

في حروب مع الردى فكانا اليوم

في هدنة مع الأزمان

و كفانا مذكرا بالمنايا

علمنا أننا من الحيوان

كل يوم رزية بفلان

و وقوع من الردى بفلان

كم تراني أضل نفسا و ألهو

فكأني وثقت بالوجدان

قل لهذي الهوامل استوقفي السير

أو استنشدي عن الأعطان

و استقيمي قد ضمك اللقم النهج

و غني وراءك الحاديان


كم محيدا عن الطريق وقد ضرح

خلج البرى و جذب العران

ننثني جازعين من عدوة الدهر

و نرتاع للمنايا الرواني

جفلة السرب في الظلام و قد ذعذع

روعا من عدوة الذؤبان

ثم ننسى جرح الحمام و إن كان

رغيبا يا قرب ذا النسيان

كل يوم تزايل من خليط

بالردى أو تباعد من دان

و سواء مضى بنا القدر الجد

عجولا أو ماطل العصران

و أيضا من هذه القصيدة:

قد مررنا على الديار خشوعا

و رأينا البنا فأين الباني

و جهلنا الرسوم ثم علمنا

فذكرنا الأوطار بالأوطان

التفاتا إلى القرون الخوالي

هل ترى اليوم غير قرن فان

أين رب السدير فالحيرة البيضاء

أم أين صاحب الإيوان

و السيوف الحداد من آل بدر

و القنا الصم من بني الريان

طردتهم وقائع الدهر عن لعلع

طرد السفاف عن نجران

و المواضي من آل جفنة أرسى

طنبا ملكهم على الجولان

يكرعون العقار في فلق الإبريز

كرع الظماء في الغدران

من أباة اللعن الذين يحيون

بها في معاقد التيجان

تتراءاهم الوفود بعيدا

ضاربين الصدور بالأذقان


في رياض من السماح حوال

و جبال من الحلوم رزان

و هم الماء لذ للناهل الظمآن

بردا و النار للحيران

كل مستيقظ الجنان إذا أظلم

ليل النوامة المبطان

يغتدي في السباب غير شجاع

و يرى في النزال غير جبان

ما ثنت عنهم المنون يدا شوكاء

أطرافها من المران

عطف الدهر فرعهم فرءاه

بعد بعد الذرى قريب المجاني

وثنتهم بعد الجماح المنايا

في عنان التسليم و الإذعان

عطلت منهم المقاري و باخت

في حماهم مواقد النيران

ليس يبقى على الزمان جري‏ء

في إباء أو عاجز في هوان

لا شبوب من الصوار و لا أعنق

يرعى منابت العلجان

لا و لا خاضب من الربد يختال

بريط أحم غير يمان

يرتمي وجهة الرئال إذا آنس

لون الإظلام و الإدجان

و عقاب الملاع تلحم فرخيها

بإزليقة زلول القنان

نائلا في مطامح الجو هاتيك

و ذا في مهابط الغيطان

و هذا شعر فصيح نادر معرق في العربية.


و من شعره الجيد أيضا في ذكر الدنيا و مصائبها:

أو ما رأيت وقائع الدهر

أفلا تسي‏ء الظن بالعمر

بينا الفتى كالطود تكنفه

هضباته و العضب ذي الأثر

يأبى الدنية في عشيرته

و يجاذب الأيدي على الفخر

و إذا أشار إلى قبائله

حشدت عليه بأوجه غر

يترادفون على الرماح فهم

سيل يعب و عارض يسري

إن نهنهوا زادوا مقاربة

فكأنما يدعون بالزجر

عدد النجوم إذا دعي بهم

يتزاحمون تزاحم الشعر

عقدوا على الجلى مآزرهم

سبطي الأنامل طيبي النشر

زل الزمان بوطء أخمصه

و مواطئ الأقدام للعثر

نزع الإباء و كان شملته

و أقر إقرارا على صغر

صدع الردى أعيا تلاحمه

من ألحم الصدفين بالقطر

جر الجياد على الوجى و مضى

أمما يدق السهل بالوعر

حتى التقى بالشمس مغمدة

في قعر منقطع من البحر

ثم انثنت كف المنون به

كالضغث بين الناب و الظفر

لم تشتجر عنه الرماح و لا

رد القضاء بماله الدثر

جمع الجنود وراءه فكأنما

لاقته و هو مضيع الظهر

و بنى الحصون تمنعا فكأنما

أمسى بمضيعة و ما يدري

و بري المعابل للعدا فكأنما

لحمامه كان الذي يبري


إن التوقي فرط معجزة

فدع القضاء يقد أو يفري

و حمى المطاعم للبقا و ذي الآجال

مل‏ء فروجها تجري

لو كان حفظ النفس ينفعنا

كان الطبيب أحق بالعمر

الموت داء لا دواء له

سيان ما يوبي و ما يمري

و هذا من حر الكلام و فصيحه و نادره و لا عجب فهذه الورقة من تلك الشجرة و هذا القبس من تلك النار


222 و من دعاء له ع

اَللَّهُمَّ إِنَّكَ آنَسُ اَلآْنِسِينَ لِأَوْلِيَائِكَ وَ أَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ وَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ وَ تَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ فَأَسْرَارُهُمْ لَكَ مَكْشُوفَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَيْكَ مَلْهُوفَةٌ إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ اَلْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُكَ وَ إِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمُ اَلْمَصَائِبُ لَجَئُوا إِلَى اَلاِسْتِجَارَةِ بِكَ عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ اَلْأُمُورِ بِيَدِكَ وَ مَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِكَ اَللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَوْ عَمِيتُ عَنْ طِلْبَتِي فَدُلَّنِي عَلَى مَصَالِحِي وَ خُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُكْرٍ مِنْ هِدَايَاتِكَ وَ لاَ بِبِدْعٍ مِنْ كِفَايَاتِكَ اَللَّهُمَّ اِحْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ وَ لاَ تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ أنست ضد وحشت و الإيناس ضد الإيحاش و كان القياس أن يقول إنك آنس المؤنسين لأن الماضي أفعل و إنما الآنسون جمع آنس و هو الفاعل من أنست بكذا لا من آنست فالرواية الصحيحة إذن بأوليائك أي أنت أكثرهم أنسا بأوليائك و عطفا و تحننا عليهم.و أحضرهم بالكفاية أي أبلغهم إحضارا لكفاية المتوكلين عليهم و أقومهم بذلك


تشاهدهم في سرائرهم أي تطلع على غيبهم و البصائر العزائم نفذت بصيرته في كذا أي حق عزمه.و قلوبهم إليك ملهوفة أي صارخة مستغيثه.و فههت عن مسألتي بالكسر عييت و الفهة و الفهاهة العي رجل أفه و رجل فه أيضا و امرأة فههة قال الشاعر:

فلم تلفني فها و لم تلف حاجتي

ملجلجة أبغي لها من يقيمها

و قد فههت يا رجل فهها أي عييت و يقال سفيه فهيه و فههه الله و خرجت لحاجة فأفهني عنها فلان أي أنسانيها.و يروى أو عمهت بالهاء و الميم المكسورة و العمه التحير و التردد عمه الرجل فهو عمه و عامه و الجمع عمه و أرض عمهاء لا أعلام بها.و النكر العجب و البدع المبتدع و منه قوله تعالى( قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ ) أي لم آت بما لم أسبق إليه.و مثل قوله ع اللهم احملني على عفوك و لا تحملني على عدلك قول المروانية للهاشمية لما قتل مروان في خبر قد اقتصصناه قديما ليسعنا عدلكم قالت الهاشمية إذن لا نبقي منكم أحدا لأنكم حاربتم عليا ع و سممتم الحسن ع و قتلتم الحسين و زيدا و ابنه و ضربتم علي بن عبد الله و خنقتم إبراهيم الإمام في جراب النورة.قالت قد يسعنا عفوكم قالت أما هذا فنعم


أدعية فصيحة من كلام أبي حيان التوحيدي

و من الدعوات الفصيحة المستحسنة فصول من كلام أبي حيان التوحيدي نقلتها.فمنها اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك و من الأمل إلا فيك و من التسليم إلا لك و من التفويض إلا إليك و من التوكل إلا عليك و من الطلب إلا منك و من الرضا إلا عنك و من الذل إلا في طاعتك و من الصبر إلا على بلائك و أسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي و الشكر على نعمك شعاري و دثاري و النظر إلى ملكوتك دأبي و ديدني و الانقياد لك شأني و شغلي و الخوف منك أمني و إيماني و اللياذ بذكرك بهجتي و سروري.اللهم تتابع برك و اتصل خيرك و عظم رفدك و تناهى إحسانك و صدق وعدك و بر قسمك و عمت فواضلك و تمت نوافلك و لم تبق حاجة إلا و قد قضيتها أو تكلفت بقضائها فاختم ذلك كله بالرضا و المغفرة إنك أهل ذلك و القادر عليه و الملي به.و منها اللهم إني أسألك خفايا لطفك و فواتح توفيقك و مألوف برك و عوائد إحسانك و جاه المقدسين من ملائكتك و منزلة المصطفين من رسلك و مكاثرة الأولياء من خلقك و عاقبة المتقين من عبادك.و أسألك القناعة برزقك و الرضا بحكمك و النزاهة عن محظورك و الورع في شبهاتك و القيام بحجتك و الاعتبار بما أبديت و التسليم لما أخفيت و الإقبال على ما أمرت و الوقوف عما زجرت حتى أتخذ الحق حجة عند ما خف و ثقل و الصدق سنة فيما عسر و سهل و حتى أرى أن شعار الزهد أعز شعار و منظر الباطل أشوه منظر


فأتبختر في ملكوتك بفضفاض الرداء بالدعاء إليك و أبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك.و منها اللهم إليك أرفع عجري و بجري و بك أستعين في عسري و يسري و إياك أدعو رغبا و رهبا فإنك العالم بتسويل النفس و فتنة الشيطان و زينة الهوى و صرف الدهر و تلون الصديق و بائقة الثقة و قنوط القلب و ضعف المنة و سوء الجزع.فقني اللهم ذلك كله و اجمع من أمري شمله و انظم من شأني شتيته و احرسني عند الغنى من البطر و عند الفقر من الضجر و عند الكفاية من الغفلة و عند الحاجة من الحسرة و عند الراحة من الفسولة و عند الطلب من الخيبة و عند المنازلة من الطغيان و عند البحث من الاعتراض عليك و عند التسليم من التهمة لك.و أسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك و لساني مفتاح تمجيدك و جوارحي خدم طاعتك فإنه لا عز إلا في الذل لك و لا غنى إلا في الفقر إليك و لا أمن إلا في الخوف منك و لا قرار إلى في القلق نحوك و لا روح إلا في الكرب لوجهك و لا ثقة إلا في تهمة خلقك و لا راحة إلا في الرضا بقسمك و لا عيش إلا في جوار المقربين عندك.و منها اللهم ببرهانك الصادع و بنور وجهك الساطع صل على محمد نبيك نبي الرحمة و قائد الأمة و إمام الأئمة و احرس علي إيماني بك بالتسليم لك و خفف عني مئونة الصبر على امتحانك و واصل لي أسباب المزيد عند الشكر على نعمتك و اجعل بقية عمري في غنى عن خلقك و رضا بالمقدم من رزقك.


اللهم إنك إن آخذتنا بذنوبنا خسفت الأرض بنا و إن جازيتنا على ظلمنا قطعت دوابرنا فإنك قلت( فَقُطِعَ دابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ ) اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا و غل صدورنا و فتنة أنفسنا و طموح أبصارنا و رفث ألسنتنا و سخف أحلامنا و سوء أعمالنا و فحش لجاجنا و قبح دعوانا و نتن أشرارنا و خبث أخيارنا و تلزق ظاهرنا و تمزق باطننا.اللهم فارحمنا و ارأف بنا و اعطف علينا و أحسن إلينا و تجاوز عنا و اقبل الميسور منا فإننا أهل عقوبة و أنت أهل مغفرة و أنت بما وصفت به نفسك أحق منا بما وسمنا به أنفسنا فإن في ذلك ما اقترن بكرمك و أدى إلى عفوك و من قبل ذلك و بعده فألب عيشنا بنعمتك و أرح أرواحنا من كد الأمل في خلقك و خذ بأزمتنا إلى بابك و أله قلوبنا عن هذه الدار الفانية و ازرع فيها محبة الدار الباقية و قلبنا على بساط لطفك و حثنا بالإحسان إلى كنفك و رفهنا عن التماس ما عند غيرك و اغضض عيوننا من ملاحظة ما حجب من غيرك و صل بيننا و بين الرضا عنك و ارفع عنا مئونة العرض عليك و خفف علينا كل ما أوصلنا إليك و أذقنا حلاوة قربك و اكشف عن سرائرنا سواتر حجبك و وكل بنا الحفظة و ارزقنا اليقظة حتى لا نقترف سيئة و لا نفارق حسنة إنك قائم على كل نفس بما كسبت و أنت بما نخفي و ما نعلن خبير بصير.و منها اللهم أنت الحي القيوم و الأول الدائم و الإله القديم و البارئ المصور و الخالق المقدس و الجبار الرفيع و القهار المنيع و الملك الصفوح و الوهاب المنوح


و الرحمن الرءوف و الحنان العطوف و المنان اللطيف مالك الذوائب و النواصي و حافظ الأداني و الأقاصي و مصرف المطيع و العاصي.اللهم أنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطمأنينة و أسلمه اليأس و أوحشه القنوط و رحلت عنه العصمة و تردد بين رجاء قد نأى عنه التوفيق و أمل قد حفت به الخيبة و طمع يحوم على أرجاء التكذيب و سر قد أطاف به الشقاء و علانية قد أناف عليها البلاء موهون المنة منسوخ العقدة مسلوب العدة تشنؤه العين و تقليه النفس عقله عقل طائر و لبه لب حائر و حكمه حكم جائر لا يروم قرارا إلا أزعج عنه و لا يستفتح بابا إلا أرتج دونه و لا يقتبس ضرما إلا أجج عليه عثرته موصولة بالعثرة و حسرته مقرونة إلى حسرة إن سمع زيف و إن قال حرف و إن قضى خرف و إن احتج زخرف و لو فاء إلى الحق لوجد ظله ظليلا و أصاب تحته مثوى و مقيلا و أنت الباطن الذي لا يرومك رائم و لا يحوم على حقيقتك حائم إلا غشيه من نور إلهيتك و عز سلطانك و عجيب قدرتك و باهر برهانك و غرائب غيوبك و خفي شأنك و مخوف سطوتك و مرجو إحسانك ما يرده خاسئا من مزحزحه عن الغاية خجلا مبهورا و يرده إلى عجزه ملتحفا بالندم مرتديا بالاستكانة راجعا إلى الصغار موقوفا مع الذلة فظاهرك يدعو إليك بلسان الاضطرار و باطنك يحير فيك لسعة قضاء الاعتبار و فعلك يدل عليك الأسماع و الأبصار و حكمتك تعجب منك الألباب و الأسرار لك السلطان و الملكة و بيدك النجاة و الهلكة فإليك المفر و معك المقر و منك صنوف الإحسان و البر أسألك بأصح سر و أكرم لفظ و أفصح لغة و أتم إخلاص و أشرف همة و أفضل نية و أطهر عقيدة و أثبت يقين أن تصد عني


كل ما يصد عنك و تصلني بكل ما يصل بك و تحبب إلي كل ما يحبب إليك فإنك الأول و الثاني و المشار إليه في جميع المعاني لا إله إلا أنت.و منها اللهم إني أسألك جدا مقرونا بالتوفيق و علما بريئا من الجهل و عملا عريا من الرياء و قولا موشحا بالصواب و حالا دائرة مع الحق و فطنة عقل مضروبة في سلامة صدور و راحة جسم راجعة إلى روح بال و سكون نفس موصولا بثبات يقين و صحة حجة بعيدة من مرض شبهة حتى تكون غايتي في هذه الدنيا موصولة بالأمثل فالأمثل و عاقبتي عندك محمودة بالأفضل فالأفضل من حياة طيبة أنت الواعد بها و نعيم دائم أنت المبلغ إليه.اللهم لا تخيب رجاء هو منوط بك و لا تصفر كفا هي ممدودة إليك و لا تعذب عينا فتحتها بنعمتك و لا تذل نفسا هي عزيزه بمعرفتك و لا تسلب عقلا هو مستضي‏ء بنور هدايتك و لا تخرس لسانا عودته الثناء عليك فكما كنت أولا بالتفضل فكن آخرا بالإحسان.الناصية بيدك و الوجه عان لك و الخير متوقع منك و المصير على كل حال إليك.ألبسني في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة و حلني في تلك الدار الباقية بزينة الأمن و أفطم نفسي عن طلب العاجلة الزائدة و أجرني على العادة الفاضلة و لا تجعلني ممن سها عن باطن ما لك عليه بظاهر ما لك عنده فالشقي من لم تأخذ بيده و لم تؤمنه من غده و السعيد من آويته إلى كنف نعمتك و نقلته حميدا إلى منازل رحمتك غير مناقش في الحساب و لا سائق له إلى العذاب فإنك على ذلك قدير.و منها اللهم اجعل غدونا إليك مقرونا بالتوكل عليك و رواحنا عنك موصولا


بالنجاح منك و إجابتنا لك راجعة إلى التهالك فيك و ذكرنا إياك منوطا بالسكون معك و ثقتنا بك هادئة إلى التفويض إليك و لا تخلنا من يد تستوعب الشكر و من شكر يمتري خلف المزيد و من مزيد يسبق اقتراح المقترحين و صنع يفوق ذرع الطالبين حتى نلقاك مبشرين بالرضا محكمين في المنى غير مناقشين و لا مطرودين.اللهم أعذنا من جشع الفقير و ريبة المنافق و تجليح المعاند و طيشة العجول و فترة الكسلان و حيلة المستبد و فتور العقل و حيرة المخرج و حسرة المحوج و فلتة الذهول و حرقة النكول و رقة الخائف و طمأنينة المغرور و غفلة الغرور.و اكفنا مئونة أخ يرصد مسكونا إليه و يمكر موثوقا به و يخيس معتمدا عليه.و صل الكفاية بالسلوة عن هذه الدنيا و اجعل التهافنا عليها حنينا إلى دار السلام و محل القرار و غلب إيماننا بالغيب على يقيننا بالعيان و احرسنا من أنفسنا فإنها ينابير الشهوة و مفاتيح البلوى.و أرنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك و أوضح لنا من حكمتك ما يقلبنا في ملكوتك و أسبغ علينا من نعمتك ما يكون لنا عونا على طاعتك و أشع في صدورنا من نورك ما تتجلى به حقائق توحيدك و اجعل ديدننا ذكرك و عادتنا الشوق إليك و علمنا النصح لخلقك و اجعل غايتنا الاتصال بك و احجبنا عن قول يبرئ من رضاك و عمل يعمى صاحبه عن هداك و ألف بيننا و بين الحق و قربنا من معادن الصدق و اعصمنا من بوائق الخلق و انقلنا من مضايق الرق و اهدنا إلى فوائد العتق.اللهم إنك بدأت بالصنع و أنت أهله فعد بالتوفيق فإنك أهله.


اللهم إنا نتضاءل لك عند مشاهدة عظمتك و ندل عليك عند تواتر برك و نذل لك عند ظهور آياتك و نلح عليك عند علمنا بجودك.و نسألك من فضلك ما لا يرزؤك و لا ينكؤك و نتوسل إليك بتوحيد لا ينتمي إليه خلق و لا يفارقه حق.و منها اللهم عليك أتوكل و بك أستعين و فيك أوالي و بك أنتسب و منك أفرق و معك أستأنس و لك أمجد و إياك أسأل لسانا سمحا بالصدق و صدرا قد ملئ من الحق و أملا منقطعا عن الخلق و حالا مكنونها يبوئ الجنة و ظاهرها يحقق المنة و عاقبة تنسي ما سلف و تتصل بما يتمنى و يتوكف.و أسألك اللهم كبدا رجوفا خئوفا و دمعا نطوفا شوقا إليك و نفسا عزوفا إذعانا لك و سرا ناقعا ببرد الإيمان بك و نهارا مشتملا على ما كسب من مرضاتك و ليلا مالئا بما أزلف لديك.أشكو إليك اللهم تلهفي على ما يفوتني من الدنيا و إنني في طاعة الهوى جاهلا بحقك ساهيا عن واجبك ناسيا ما تكرره من وعظك و إرشادك و بيانك و تنبيهك حتى كان حلاوة وعدك لم تلج أذني و لم تباشر فؤادي و حتى كأني مرارة عتابك و لائمتك لم تهتك حجابي و لم تعرض علي أوصابي.اللهم إليك المفر من دار منهومها لا يشبع و حائمها لا ينقع و طالبها لا يربع و واجدها لا يقنع و العيش عنك رقيق و للأمل فيك تحقيق.اللهم كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلت على العقول و حارت معها البصائر فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق و تشوفت نحوها السرائر و خذ معنا بالفضل الذي إليك هو منسوب و عنك هو مطلوب و أفطم نفوسنا من رضاع الدنيا


و الطف بما أنت له أهل إنك على كل شي‏ء قدير.اللهم قدنا بأزمة التوحيد إلى محاضر طاعتك و اخلطنا في زمرة المخلصين لذكرك و اجعل إجابتك من قبيل ما يتصل بكرم عفوك و لا تجعل خيبتنا من قبل جهلنا بقدرك و إضرابنا عن أمرك فلا سائل أحوج منا و لا مسئول أجود منك.اللهم احجر بيننا و بين كل ما دل على غيرك ببيانك و دعا إلى سواك ببرهانك و انقلنا عن مواطن العجز مرتقيا بنا إلى شرفات العز فقد استحوذ الشيطان و خبثت النفس و ساءت العادة و كثر الصادون عنك و قل الداعون إليك و ذهب المراعون لأمرك و فقد الواقفون عند حدودك و خلت ديار الحق من سكانها و بيع دينك بيع الخلق و استهزئ بناشر مجدك و أقصي المتوسل بك.اللهم فأعد نضارة دينك و أفض بين خلقك بركات إحسانك و امدد عليهم ظل توفيقك و اقمع ذوي الاعتراض عليك و اخسف بالمقتحمين في دقائق غيبك و اهتك أستار الهاتكين لستر دينك و القارعين أبواب سرك القائسين بينك و بين خلقك اللهم إني أسألك أن تخصني بإلهام اقتبس الحق منه و توفيق يصحبني و أصحبه و لطف لا يغيب عني و لا أغيب عنه حتى أقول إذا قلت لوجهك و أسكت إذا سكت بإذنك و أسأل إذا سألت بأمرك و أبين إذا أبنت بحجتك و أبعد إذا بعدت بإجلالك و أقرب إذا قربت برحمتك و أعبد إذا عبدت مخلصا لك و أموت إذا مت منتقلا إليك اللهم فلا تكلني إلى غيرك و لا تؤيسني من خيرك.و منها اللهم إنا بك نعز كما إنا بغيرك نذل و إياك نرجو كما إنا من غيرك نيأس و إليك نفوض كما إنا من غيرك نعرض أذنت لنا في دعائك و أدنيتنا إلى فنائك و هيأتنا لعطائك و خصصتنا بحبائك و وسمتنا بولائك و عممتنا بآلائك و غمستنا في نعمائك و ناغيتنا بألسن ملكوتك عن دفائن ما في عالمك و لاطفتنا بظاهر قولك


و توليتنا بباطن فعلك فسمت نحوك أبصارنا و شامت بروق جودك بصائرنا فلما استقر ما بيننا و بينك أرسلت علينا سماء فضلك مدرارا و فتحت لنا منا أسماعا و أبصارا فرأينا ما طاح معه تحصيلنا و سمعنا ما فارقنا عنده تفضيلنا فلما سرنا إلى خلقك من ذلك ذروا اتخذونا من أجله لعبا و هزوا فبقدرتك على بلوانا بهم أرنا بك الغنى عنهم اللهم قيض لنا فرجا من عندك و أنح لنا مخلصا إليك فإنا قد تعبنا بخلقك و عجزنا عن تقويمهم لك و نحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك لأنه لا طاقة لنا بدهمائهم و لا صبر لنا على بلوائهم و لا حيلة لنا في شفائهم فنسألك بالضراعة التامة و بالإخلاص المرفود إلا أخذت بأيدينا و أرسلت رحمتك علينا فما أقدرك على الإجابة و ما أجودك بكل مصون يا ذا الجلال و الإكرام.و منها اللهم إنا قربنا بك فلا تنئنا عنك و ظهرنا لك فلا تبطنا دونك و وجدناك بما ألقيت إلينا من غيب ملكوتك و عزفنا عن كل ما لوانا عن بابك و وثقنا بكل ما وعدتنا في كتابك و توكلنا بالسر و العلن على لطيف صنعك.اللهم إليك نظرت العيون فعادت خاسئة عبرى و فيك تقسمت الظنون فانقلبت يائسة حسرى و في قدرتك حارت الأبصار و في حكمتك طاحت البصائر و في آلائك غرقت الأرواح و على ما كان منك تقطعت الأنفاس و من أجل إعراضك التهبت الصدور و لذكر ما مضى منك هملت الدموع اللهم تولنا فيما وليتنا حتى لا نتولى عنك و أمنا مما خوفتنا حتى نقر معك و أوسعنا رحمتك حتى نطمئن إلى ما وعدتنا في كتابك و فرق بيننا و بين الغل حتى لا نعامل به خلقك و أغننا بك حتى لا نفتقر إلى عبادك فإنك إذا يسرت أمرا تيسر و مهما بلوتنا فلا تبلنا بهجرك و لا تجرعنا مرارة سخطك لا قد اعترفنا بربوبيتك


عبودية لك فعرفنا حقيقتها بالعفو عنا و الإقبال علينا و الرفق بنا يا رحيم.و منها اللهم إن الرغبات بك منوطة و الوسائل إليك متداركة و الحاجات ببابك مرفوعة و الثقة بك مستحصفة أي مستحكمة و الأخبار بجودك شائعة و الآمال نحوك نازعة و الأماني وراءك منقطعة و الثناء عليك متصل و وصفك بالكرم معروف و الخلائق إلى لطفك محتاجة و الرجاء فيك قوي و الظنون بك جميلة و الأعناق لعزك خاضعة و النفوس إلى مواصلتك مشتاقة و الأرواح لعظمتك مبهوته لأنك لإله العظيم و الرب الرحيم و الجواد الكريم و السميع العليم تملك العالم كله و ما بعده و ما قبله و لك فيه تصاريف القدرة و خفيات الحكمة و نوافذ الإرادة و لك فيه ما لا ندريه مما تخفيه و لا تبديه جللت عن الإجلال و عظمت عن التعظيم و قد أزف ورودنا عليك و وقوفنا بين يديك و ظننا ما قد علمت و رجاؤنا ما قد عرفت فكن عند ظننا بك و حقق رجاءنا فيك فما خالفناك جرأة عليك و لا عصيناك تقحما في سخطك و لا اتبعنا هوانا استهزاء بأمرك و نهيك و لكن غلبت علينا جواذب الطينة التي عجنتنا بها و بذور الفطرة التي أنبتنا منها فاسترخت قيودنا عن ضبط أنفسنا و عزبت ألبابنا عن تحصيل حظوظنا و لسنا ندعي حجة و لكن نسألك رأفة فبسترك السابغ الذيال و فضلك الذي يستوعب كل مقال إلا تممت ما سلف منك إلينا و عطفت بجودك الفياض علينا و جذبت بأضباعنا و أقررت عيوننا و حققت آمالنا إنك أهل ذلك و أنت على كل شي‏ء قدير.


الفهرس

کتاب شرح نهج البلاغة الجزء الحادي عشر ابن ابي الحديد 1

من أخبار طلحة و الزبير 10

ألا أي هذا الزاجري أحضر الوغى 26

ذكر بعض مقامات العارفين و الزهاد 34

ذكر بعض أحوال المنافقين بعد وفاة محمد ع 41

ذكر بعض ما مني به آل البيت من الأذى و الاضطهاد 43

فصل فيما وضع الشيعة و البكرية من الأحاديث 48

ذكر بعض أحوال العارفين و الأولياء 72

فصل في الرياضة النفسية و أقسامها 134

فصل في أن الجوع يؤثر في صفاء النفس 137

قلم أصاب من الدواة مدادها 153

بعض الأشعار و الحكايات في وصف القبور و الموتى 156

إيراد أشعار و حكايات في وصف الموت و أحوال الموتى 168

بيان أحوال العارفين 181

و ينبغي أن يكون الدعاء بعد المعرفة 230

و منها الفقر و هو شعار الصالحين 232

نبذ من أخبار عقيل بن أبي طالب 250

ذكر بعض الآثار و الأشعار الواردة في ذم الدنيا 259

أدعية فصيحة من كلام أبي حيان التوحيدي 269

الفهرس 279


كتاب شرح نهج البلاغة الجزء ١١

كتاب شرح نهج البلاغة

مؤلف: ابن أبي الحديد
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 279