كتاب شرح نهج البلاغة الجزء 16

مؤلف: ابن أبي الحديد
أمير المؤمنين عليه السلام

کتاب شرح نهج البلاغة

الجزء السادس عشر

ابن ابي الحديد


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل

29 و من كتاب له ع إلى أهل البصرة

وَ قَدْ كَانَ مِنِ اِنْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَ شِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَ رَفَعْتُ اَلسَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ اَلْمُرْدِيَةُ وَ سَفَهُ اَلآْرَاءِ اَلْجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتِي وَ خِلاَفِي فَهَأَنَذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي وَ رَحَلُتْ رِكَابِي وَ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى اَلْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لاَ يَكُونُ يَوْمُ اَلْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاَعِقٍ مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي اَلطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَ لِذِي اَلنَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ وَ لاَ نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ ما لم تغبوا عنه أي لم تسهوا عنه و لم تغفلوا يقال غبيت عن الشي‏ء أغبي غباوة إذا لم يفطن و غبي الشي‏ء علي كذلك إذا لم تعرفه و فلان غبي على فعيل أي قليل الفطنة و قد تغابى أي تغافل يقول لهم قد كان من خروجكم يوم الجمل عن الطاعة


و نشركم حبل الجماعة و شقاقكم لي ما لستم أغبياء عنه فغفرت و رفعت السيف و قبلت التوبة و الإنابة.و المدبر هاهنا الهارب و المقبل الذي لم يفر لكن جاءنا فاعتذر و تنصل.ثم قال فإن خطت بكم الأمور خطا فلان خطوة يخطو و هو مقدار ما بين القدمين فهذا لازم فإن عديته قلت أخطيت بفلان و خطوت به و هاهنا قد عداه بالباء.و المردية المهلكة و الجائرة العادلة عن الصواب و المنابذة مفاعلة من نبذت إليه عهده أي ألقيته و عدلت عن السلم إلى الحرب أو من نبذت زيدا أي أطرحته و لم أحفل به.قوله قربت جيادي أي أمرت بتقريب خيلي إلى لأركب و أسير إليكم.و رحلت ركابي الركاب الإبل و رحلتها شددت على ظهورها الرحل قال

رحلت سمية غدوة أجمالها

غضبى عليك فما تقول بدا لها

كلعقة لاعق مثل يضرب للشي‏ء الحقير التافه و يروى بضم اللام و هي ما تأخذه الملعقة.ثم عاد فقال مازجا الخشونة باللين مع أني عارف فضل ذي الطاعة منكم و حق ذي النصيحة و لو عاقبت لما عاقبت البري‏ء بالسقيم و لا أخذت الوفي بالناكث.خطب زياد بالبصرة الخطبة الغراء المشهورة و قال فيها و الله لآخذن البري‏ء بالسقيم و البر باللئيم و الوالد بالولد و الجار بالجار أو تستقيم إلي قناتكم فقام أبو بلال مرداس


ابن أدية يهمس و هو حينئذ شيخ كبير فقال أيها الأمير أنبأنا الله بخلاف ما قلت و حكم بغير ما حكمت قال سبحانه( وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏) فقال زياد يا أبا بلال إني لم أجهل ما علمت و لكنا لا نخلص إلى الحق منكم حتى نخوض إليه الباطل خوضا.و في رواية الرياشي لآخذن الولي بالولي و المقيم بالظاعن و المقبل بالمدبر و الصحيح بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم.


30 و من كتاب له ع إلى معاوية

فَاتَّقِ اَللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ وَ اُنْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ وَ اِرْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لاَ تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً وَ سُبُلاً نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً يَرِدُهَا اَلْأَكْيَاسُ وَ يُخَالِفُهَا اَلْأَنْكَاسُ مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ اَلْحَقِّ وَ خَبَطَ فِي اَلتِّيهِ وَ غَيَّرَ اَللَّهُ نِعْمَتَهُ وَ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اَللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ وَ حَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ وَ مَحَلَّةِ كُفْرٍ فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً وَ أَقْحَمَتْكَ غَيّاً وَ أَوْرَدَتْكَ اَلْمَهَالِكَ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ اَلْمَسَالِكَ قوله و غاية مطلبة أي مساعفة لطالبها بما يطلبه تقول طلب فلان مني كذا فأطلبته أي أسعفت به قال الراوندي مطلبة بمعنى متطلبة يقال طلبت كذا و تطلبته و هذا ليس بشي‏ء و يخرج الكلام عن أن يكون له معنى.و الأكياس العقلاء و الأنكاس جمع نكس و هو الدني‏ء من الرجال و نكب عنها عدل.قوله و حيث تناهت بك أمورك الأولى ألا يكون هذا معطوفا و لا متصلا


بقوله فقد بين الله لك سبيلك بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف حيث أنت أي قف حيث أنت فلا يذكرون الفعل و مثله قولهم مكانك أي قف مكانك.قوله فقد أجريت يقال فلان قد أجرى بكلامه إلى كذا أي الغاية التي يقصدها هي كذا مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة و كذلك قد أجرى بفعله إلى كذا أي انتهى به إلى كذا و يروى قد أوحلتك شرا أو أورطتك في الوحل و الغي ضد الرشاد.و أقحمتك غيا جعلتك مقتحما له.و أوعرت عليك المسالك جعلتها وعرة.وأول هذا الكتاب أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي و تستقبح موازرتي و تزعمني متحيرا و عن الحق مقصرا فسبحان الله كيف تستجيز الغيبة و تستحسن العضيهة أي لم أشاغب إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر و لم أتجبر إلا على باغ مارق أو ملحد منافق و لم آخذ في ذلك إلا بقول الله سبحانه( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ ) و أما التقصير في حق الله تعالى فمعاذ الله و إنما المقصر في حق الله جل ثناؤه من عطل الحقوق المؤكدة و ركن إلى الأهواء المبتدعة و أخلد إلى الضلالة المحيرة و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان و تخالف البرهان و تنكث الوثائق التي هي لله عز و جل طلبة و على عباده حجة مع نبذ الإسلام و تضييع الأحكام و طمس الأعلام


و الجري في الهوى و التهوس في الردى فاتق الله فيما لديك و انظر في حقه عليك الفصل المذكور في الكتاب.و في الخطبة زيادات يسيرة لم يذكرها الرضيرحمه‌الله منها

و إن للناس جماعة يد الله عليها و غضب الله على من خالفها فنفسك نفسك قبل حلول رمسك فإنك إلى الله راجع و إلى حشره مهطع و سيبهظك كربه و يحل بك غمه في يوم لا يغني النادم ندمه و لا يبل من المعتذر عذره( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ )


31 و من وصيته ع للحسن ع كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين

مِنَ اَلْوَالِدِ اَلْفَانِ اَلْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ اَلْمُدْبِرِ اَلْعُمُرِ اَلْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ اَلذَّامِّ لِلدُّنْيَا اَلسَّاكِنِ مَسَاكِنَ اَلْمَوْتَى اَلظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً إِلَى اَلْمَوْلُودِ اَلْمُؤَمِّلِ مَا لاَ يُدْرِكُ اَلسَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ غَرَضِ اَلْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ اَلْأَيَّامِ وَ رَمِيَّةِ اَلْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ اَلدُّنْيَا وَ تَاجِرِ اَلْغُرُورِ وَ غَرِيمِ اَلْمَنَايَا وَ أَسِيرِ اَلْمَوْتِ وَ حَلِيفِ اَلْهُمُومِ وَ قَرِينِ اَلْأَحْزَانِ وَ نُصُبِ اَلآْفَاتِ وَ صَرِيعِ اَلشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ اَلْأَمْوَاتِ

ترجمة الحسن بن علي و ذكر بعض أخباره

قال الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش ولد الحسن بن علي ع للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة و سماه رسول الله ص حسنا و توفي لليال خلون من شهر ربيع الأول سنة خمسين.قال و المروي أن رسول الله ص سمى حسنا و حسينارضي‌الله‌عنه ما يوم سابعهما و اشتق اسم حسين من اسم حسن.


قال و روى جعفر بن محمد ع أن فاطمة ع حلقت حسنا و حسينا يوم سابعهما و وزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة

قال الزبير و روت زينب بنت أبي رافع قالت أتت فاطمة ع بابنيها إلى رسول الله ص في شكوه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا فقال أما حسن فإن له هيبتي و سوددي و أما حسين فإن له جرأتي و جودي.و روى محمد بن حبيب في أماليه أن الحسن ع حج خمس عشرة حجة ماشيا تقاد الجنائب معه و خرج من ماله مرتين و قاسم الله عز و جل ثلاث مرات ماله حتى أنه كان يعطي نعلا و يمسك نعلا و يعطي خفا و يمسك خفا.وروى أبو جعفر محمد بن حبيب أيضا أن الحسن ع أعطى شاعرا فقال له رجل من جلسائه سبحان الله أ تعطي شاعرا يعصي الرحمن و يقول البهتان فقال يا عبد الله إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك و إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.و روى أبو جعفر قال قال ابن عباسرحمه‌الله أول ذل دخل على العرب موت الحسن ع.وروى أبو الحسن المدائني قال سقي الحسن ع السم أربع مرات فقال لقد سقيته مرارا فما شق علي مثل مشقته هذه المرة فقال له الحسين ع أخبرني من سقاك قال لتقتله قال نعم قال ما أنا بمخبرك إن يكن صاحبي الذي أظن فالله أشد نقمة و إلا فما أحب أن يقتل بي بري‏ء.


و روى أبو الحسن قال قال معاوية لابن عباس و لقيه بمكة يا عجبا من وفاة الحسن شرب علة بماء رومة فقضى نحبة فوجم ابن عباس فقال معاوية لا يحزنك الله و لا يسوءك فقال لا يسوءني ما أبقاك الله فأمر له بمائة ألف درهم.و روى أبو الحسن قال أول من نعى الحسن ع بالبصرة عبد الله بن سلمة نعاه لزياد فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه فبكى الناس و أبو بكرة يومئذ مريض فسمع الضجة فقال ما هذا فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية مات الحسن بن علي فالحمد لله الذي أراح الناس منه فقال اسكتي ويحك فقد أراحه الله من شر كثير و فقد الناس بموته خيرا كثيرا يرحم الله حسنا.قال أبو الحسن المدائني و كانت وفاته في سنة تسع و أربعين و كان مرضه أربعين يوما و كانت سنه سبعا و أربعين سنة دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن و قال لها إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف و أزوجك يزيد ابني فلما مات وفى لها بالمال و لم يزوجها من يزيد قال أخشى أن تصنع بابني كما صنعت بابن رسول الله ص.وروى أبو جعفر محمد بن حبيب عن المسيب بن نجبة قال سمعت أمير المؤمنين ع يقول أنا أحدثكم عني و عن أهل بيتي أما عبد الله ابن أخي فصاحب لهو و سماح و أما الحسن فصاحب جفنة و خوان فتى من فتيان قريش و لو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم شيئا في الحرب و أما أنا و حسين فنحن منكم و أنتم منا


قال أبو جعفر و روى ابن عباس قال دخل الحسن بن علي ع على معاوية بعد عام الجماعة و هو جالس في مجلس ضيق فجلس عند رجليه فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث ثم قال عجبا لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله و أن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ما لها و لهذا يغفر الله لها إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس و قد استأثر الله به فقال الحسن أ و عجب ذلك يا معاوية قال إي و الله قال أ فلا أخبرك بما هو أعجب من هذا قال ما هو قال جلوسك في صدر المجلس و أنا عند رجليك فضحك معاوية و قال يا ابن أخي بلغني أن عليك دينا قال إن لعلي دينا قال كم هو قال مائة ألف فقال قد أمرنا لك بثلاثمائة ألف مائة منها لدينك و مائة تقسمها في أهل بيتك و مائة لخاصة نفسك فقم مكرما و اقبض صلتك فلما خرج الحسن ع قال يزيد بن معاوية لأبيه تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له بثلاثمائة ألف قال يا بني إن الحق حقهم فمن أتاك منهم فاحث له وروى أبو جعفر محمد بن حبيب قال قال علي ع لقد تزوج الحسن و طلق حتى خفت أن يثير عداوة قال أبو جعفر و كان الحسن إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها فقال أ يسرك أن أهب لك كذا و كذا فتقول له ما شاءت أو نعم فيقول هو لك فإذا قام أرسل إليها بالطلاق و بما سمى لها.و روى أبو الحسن المدائني قال تزوج الحسن بن علي ع هندا بنت سهيل ابن عمرو و كانت عند عبد الله بن عامر بن كريز فطلقها فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية فلقيه الحسن ع فقال أين تريد قال أخطب هندا بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية قال الحسن ع


فاذكرني لها فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر فقالت اختر لي فقال أختار لك الحسن فتزوجته فقدم عبد الله بن عامر المدينة فقال للحسن إن لي عند هند وديعة فدخل إليها و الحسن معه فخرجت حتى جلست بين يدي عبد الله بن عامر فرق لها رقة عظيمة فقال الحسن أ لا أنزل لك عنها فلا أراك تجد محللا خيرا لكما مني قال لا ثم قال لها وديعتي فأخرجت سفطين فيهما جوهر ففتحهما و أخذ من أحدهما قبضة و ترك الآخر عليها و كانت قبل ابن عامر عند عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فكانت تقول سيدهم جميعا الحسن و أسخاهم ابن عامر و أحبهم إلي عبد الرحمن بن عتاب.و روى أبو الحسن المدائني قال تزوج الحسن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر و كان المنذر بن الزبير يهواها فأبلغ الحسن عنها شيئا فطلقها فخطبها المنذر فأبت أن تتزوجه و قالت شهر بي فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فأبلغه المنذر عنها شيئا فطلقها فخطبها المنذر فقيل لها تزوجيه فقالت لا و الله ما أفعل و قد فعل بي ما قد فعل مرتين لا و الله لا يراني في منزله أبدا.و روى المدائني عن جويرية بن أسماء قال لما مات الحسن ع أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره فقال له الحسين ع تحمل اليوم جنازته و كنت بالأمس تجرعه الغيظ قال مروان نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.وروى المدائني عن يحيى بن زكريا عن هشام بن عروة قال قال الحسن عند وفاته ادفنوني عند قبر رسول الله ص إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر فلما أرادوا دفنه قال مروان بن الحكم لا يدفن عثمان في حش كوكب و يدفن الحسن هاهنا


فاجتمع بنو هاشم و بنو أمية و أعان هؤلاء قوم و هؤلاء قوم و جاءوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان أ تمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله ص يقول الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة قال مروان دعنا منك لقد ضاع حديث رسول الله ص إذ كان لا يحفظه غيرك و غير أبي سعيد الخدري و إنما أسلمت أيام خيبر قال أبو هريرة صدقت أسلمت أيام خيبر و لكنني لزمت رسول الله ص و لم أكن أفارقه و كنت أسأله و عنيت بذلك حتى علمت من أحب و من أبغض و من قرب و من أبعد و من أقر و من نفى و من لعن و من دعا له فلما رأت عائشة السلاح و الرجال و خافت أن يعظم الشر بينهم و تسفك الدماء قالت البيت بيتي و لا آذن لأحد أن يدفن فيه و أبى الحسين ع أن يدفنه إلا مع جده فقال له محمد بن الحنفية يا أخي إنه لو أوصى أن ندفنه لدفناه أو نموت قبل ذلك و لكنه قد استثنى و قال إلا أن تخافوا الشر فأي شر يرى أشد مما نحن فيه فدفنوه في البقيع.قال أبو الحسن المدائني وصل نعي الحسن ع إلى البصرة في يومين و ليلتين فقال الجارود بن أبي سبرة:

إذا كان شر سار يوما و ليلة

و إن كان خير أخر السير أربعا

إذا ما بريد الشر أقبل نحونا

بإحدى الدواهي الربد سار و أسرعا

و روى أبو الحسن المدائني قال خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة و صلح الحسن ع له فأرسل معاوية إلى الحسن ع يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج فقال الحسن سبحان الله تركت قتالك و هو لي حلال لصلاح الأمة و ألفتهم أ فتراني أقاتل معك فخطب معاوية أهل الكوفة فقال يا أهل الكوفة


أ تروني قاتلتكم على الصلاة و الزكاة و الحج و قد علمت أنكم تصلون و تزكون و تحجون و لكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم و على رقابكم و قد آتاني الله ذلك و أنتم كارهون ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول و كل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين و لا يصلح الناس إلا ثلاث إخراج العطاء عند محله و إقفال الجنود لوقتها و غزو العدو في داره فإنهم إن لم تغزوهم غزوكم ثم نزل.

قال المدائني فقال المسيب بن نجبة للحسن ع ما ينقضي عجبي منك بايعت معاوية و معك أربعون ألفا و لم تأخذ لنفسك وثيقة و عقدا ظاهرا أعطاك أمرا فيما بينك و بينه ثم قال ما قد سمعت و الله ما أراد بها غيرك قال فما ترى قال أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه فقد نقض ما كان بينه و بينك فقال يا مسيب إني لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء و لا أثبت عند الحرب مني و لكني أردت صلاحكم و كف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله و قضائه حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر.قال المدائني و دخل عبيدة بن عمرو الكندي على الحسن ع و كان ضرب على وجهه ضربة و هو مع قيس بن سعد بن عبادة فقال ما الذي أرى بوجهك قال أصابني مع قيس فالتفت حجر بن عدي إلى الحسن فقال لوددت أنك كنت مت قبل هذا اليوم و لم يكن ما كان إنا رجعنا راغمين بما كرهنا و رجعوا مسرورين بما أحبوا فتغير وجه الحسن و غمز الحسين ع حجرا فسكت فقال الحسن ع يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك و ما فعلت إلا إبقاء عليك و الله كل يوم في شأن.


قال المدائني و دخل عليه سفيان بن أبي ليلى النهدي فقال له السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال الحسن اجلس يرحمك الله إن رسول الله ص رفع له ملك بني أمية فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا فشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا قال له( وَ ما جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ ) و سمعت عليا أبيرحمه‌الله يقول سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم كبير البطن فسألته من هو فقال معاوية و قال لي إن القرآن قد نطق بملك بني أمية و مدتهم قال تعالى( لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قال أبي هذه ملك بني أمية.

قال المدائني فلما كان عام الصلح أقام الحسن ع بالكوفة أياما ثم تجهز للشخوص إلى المدينة فدخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري و ظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه فقال الحسن : الحمد لله الغالب على أمره لو أجمع الخلق جميعا على ألا يكون ما هو كائن ما استطاعوا فقال أخوه الحسين ع : لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل أبي حتى عزم علي أخي فأطعته و كأنما يجذ أنفي بالمواسي فقال المسيب إنه و الله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تضاموا و تنتقصوا فأما نحن فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه فقال الحسين يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا فقال الحسن ع سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ص يقول من أحب قوما كان معهم فعرض له المسيب و ظبيان بالرجوع فقال ليس لي إلى ذلك سبيل فلما كان من غد خرج فلما صار بدير هند نظر إلى الكوفة و قال:

و لا عن قلى فارقت دار معاشري

هم المانعون حوزتي و ذماري


ثم سار إلى المدينة.قال المدائني فقال معاوية يومئذ للوليد بن عقبة بن أبي معيط بعد شخوص الحسن ع يا أبا وهب هل رمت قال نعم و سموت.قال المدائني أراد معاوية قول الوليد بن عقبة يحرضه على الطلب بدم عثمان:

ألا أبلغ معاوية بن حرب

فإنك من أخي ثقة مليم

قطعت الدهر كالسدم المعنى

تهدر في دمشق و لا تريم

فلو كنت القتيل و كان حيا

لشمر لا ألف و لا سئوم

و إنك و الكتاب إلى علي

كدابغة و قد حلم الأديم

وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال دخل رجل على الحسن ع بالمدينة و في يده صحيفة فقال له الرجل ما هذه قال هذا كتاب معاوية يتوعد فيه على أمر كذا فقال الرجل لقد كنت على النصف فما فعلت فقال له الحسن ع أجل و لكني خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون ألفا تشخب أوداجهم دما كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه.قال أبو الحسن و كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول و الله ما وفى معاوية للحسن بشي‏ء مما أعطاه قتل حجرا و أصحاب حجر و بايع لابنه يزيد و سم الحسن.


قال المدائني و روى أبو الطفيل قال قال الحسن ع لمولى له أ تعرف معاوية بن خديج قال نعم قال إذا رأيته فأعلمني فرآه خارجا من دار عمرو ابن حريث فقال هو هذا فدعاه فقال له أنت الشاتم عليا عند ابن آكلة الأكباد أما و الله لئن وردت الحوض و لم ترده لترينه مشمرا عن ساقيه حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين قال أبو الحسن و روى هذا الخبر أيضا قيس بن الربيع عن بدر بن الخليل عن مولى الحسن ع.

قال أبو الحسن و حدثنا سليمان بن أيوب عن الأسود بن قيس العبدي إن الحسن ع لقي يوما حبيب بن مسلمة فقال له يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله فقال أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال بلى و الله و لكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك و لو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كان ذلك كما قال عز و جل( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً ) و لكنك كما قال سبحانه( كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ )

قال أبو الحسن طلب زياد رجلا من أصحاب الحسن ممن كان في كتاب الأمان فكتب إليه الحسن من الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا و قد ذكر لي فلان أنك تعرضت له فأحب ألا تعرض له إلا بخير و السلام.


فلما أتاه الكتاب و ذلك بعد ادعاء معاوية إياه غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك و شيعة أبيك و ايم الله لأطلبنه بين جلدك و لحمك و إن أحب الناس إلي لحما أن آكله للحم أنت منه و السلام.فلما قرأ الحسن ع الكتاب بعث به إلى معاوية فلما قرأه غضب و كتب من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد أما بعد فإن لك رأيين رأيا من أبي سفيان و رأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم و حزم و أما رأيك من سمية فما يكون من مثلها إن الحسن بن علي ع كتب إلي بأنك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فإني لم أجعل لك عليه سبيلا و إن الحسن ليس ممن يرمى به الرجوان و العجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمه فالآن حين اخترت له و السلام.قلت جرى في مجلس بعض الأكابر و أنا حاضر القول في أن عليا ع شرف بفاطمة ع فقال إنسان كان حاضر المجلس بل فاطمة ع شرفت به و خاض الحاضرون في ذلك بعد إنكارهم تلك اللفظة و سألني صاحب المجلس أن أذكر ما عندي في المعنى و أن أوضح أيما أفضل علي أم فاطمة فقلت أما أيهما أفضل فإن أريد بالأفضل الأجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس نحو العلم و الشجاعة و نحو ذلك فعلي أفضل و إن أريد بالأفضل الأرفع منزلة عند الله فالذي


استقر عليه رأي المتأخرين من أصحابنا أن عليا أرفع المسلمين كافة عند الله تعالى بعد رسول الله ص من الذكور و الإناث و فاطمة امرأة من المسلمين و إن كانت سيدة نساء العالمين و يدل على ذلك أنه قد ثبت أنه أحب الخلق إلى الله تعالى بحديث الطائر و فاطمة من الخلق و أحب الخلق إليه سبحانه أعظمهم ثوابا يوم القيامة على ما فسره المحققون من أهل الكلام و إن أريد بالأفضل الأشرف نسبا ففاطمة أفضل لأن أباها سيد ولد آدم من الأولين و الآخرين فليس في آباء علي ع مثله و لا مقارنه و إن أريد بالأفضل من كان رسول الله ص أشد عليه حنوا و أمس به رحما ففاطمة أفضل لأنها ابنته و كان شديد الحب لها و الحنو عليها جدا و هي أقرب إليه نسبا من ابن العم لا شبهة في ذلك.فأما القول في أن عليا شرف بها أو شرفت به فإن عليا ع كانت أسباب شرفه و تميزه على الناس متنوعة فمنها ما هو متعلق بفاطمة ع و منها ما هو متعلق بأبيها ص و منها ما هو مستقل بنفسه.فأما الذي هو مستقل بنفسه فنحو شجاعته و عفته و حلمه و قناعته و سجاحة أخلاقه و سماحة نفسه و أما الذي هو متعلق برسول الله ص فنحو علمه و دينه و زهده و عبادته و سبقه إلى الإسلام و إخباره بالغيوب.و أما الذي يتعلق بفاطمة ع فنكاحه لها حتى صار بينه و بين رسول الله ص الصهر المضاف إلى النسب و السبب و حتى إن ذريته منها صارت ذرية لرسول الله ص و أجزاء من ذاته ع و ذلك لأن الولد إنما يكون من مني الرجل و دم المرأة و هما جزءان من ذاتي الأب و الأم ثم هكذا أبدا في ولد الولد و من بعده من البطون دائما فهذا هو القول في شرف علي ع بفاطمة.


فأما شرفها به فإنها و إن كانت ابنة سيد العالمين إلا أن كونها زوجة علي أفادها نوعا من شرف آخر زائدا على ذلك الشرف الأول أ لا ترى أن أباها لو زوجها أبا هريرة أو أنس بن مالك لم يكن حالها في العظمة و الجلالة كحالها الآن و كذلك لو كان بنوها و ذريتها من أبي هريرة و أنس بن مالك لم يكن حالهم في أنفسهم كحالهم الآن.قال أبو الحسن المدائني و كان الحسن كثير التزوج تزوج خولة بنت منظور بن زبان الفزارية و أمها مليكة بنت خارجة بن سنان فولدت له الحسن بن الحسن و تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله فولدت له ابنا سماه طلحة و تزوج أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري و اسم أبي مسعود عقبة بن عمر فولدت له زيد بن الحسن و تزوج جعدة بنت الأشعث بن قيس و هي التي سقته السم و تزوج هند ابنة سهيل بن عمرو و حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر و تزوج امرأة من كلب و تزوج امرأة من بنات عمرو بن أهتم المنقري و امرأة من ثقيف فولدت له عمرا و تزوج امرأة من بنات علقمة ابن زرارة و امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة فقيل له إنها ترى رأي الخوارج فطلقها و قال إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم.و قال المدائني و خطب إلى رجل فزوجه و قال له إني مزوجك و أعلم أنك ملق طلق غلق و لكنك خير الناس نسبا و أرفعهم جدا و أبا.قلت أما قوله ملق طلق فقد صدق و أما قوله غلق فلا فإن الغلق الكثير الضجر و كان الحسن ع أوسع الناس صدرا و أسجحهم خلقا.


قال المدائني أحصيت زوجات الحسن بن علي فكن سبعين امرأة.قال المدائني و لما توفي علي ع خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال إن أمير المؤمنين ع توفي و قد ترك خلفا فإن أحببتم خرج إليكم و إن كرهتم فلا أحد على أحد فبكى الناس و قالوا بل يخرج إلينا

فخرج الحسن ع فخطبهم فقال أيها الناس اتقوا الله فإنا أمراؤكم و أولياؤكم و إنا أهل البيت الذين قال الله تعالى فينا( إِنَّما يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فبايعه الناس.و كان خرج إليهم و عليه ثياب سود ثم وجه عبد الله بن عباس و معه قيس بن سعد بن عبادة مقدمة له في اثني عشر ألفا إلى الشام و خرج و هو يريد المدائن فطعن بساباط و انتهب متاعه و دخل المدائن و بلغ ذلك معاوية فأشاعه و جعل أصحاب الحسن الذين وجههم مع عبد الله يتسللون إلى معاوية الوجوه و أهل البيوتات فكتب عبد الله بن العباس بذلك إلى الحسن ع فخطب الناس و وبخهم و قال خالفتم أبي حتى حكم و هو كاره ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني و تحاربوا من حاربني و قد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية و بايعوه فحسبي منكم لا تغروني من ديني و نفسي.و أرسل عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و أمه هند بنت أبي سفيان بن حرب إلى معاوية يسأله المسالمة و اشترط عليه العمل بكتاب الله و سنة نبيه و ألا يبايع لأحد من بعده و أن يكون الأمر شورى و أن يكون الناس أجمعون آمنين.


و كتب بذلك كتابا فأبى الحسين ع و امتنع فكلمه الحسن حتى رضي و قدم معاوية إلى الكوفة.قال أبو الحسن و حدثنا أبو بكر بن الأسود قال كتب ابن العباس إلى الحسن أما بعد فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد علي ع فشمر للحرب و جاهد عدوك و قارب أصحابك و اشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دينا و وال أهل البيوتات و الشرف تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة فإن بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق و كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل و عز الدين خير من كثير مما يحبه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور و ذل المؤمنين و عز الفاجرين و اقتد بما جاء عن أئمة العدل فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حرب أو إصلاح بين الناس فإن الحرب خدعة و لك في ذلك سعة إذا كنت محاربا ما لم تبطل حقا.و اعلم أن عليا أباك إنما رغب الناس عنه إلى معاوية أنه أساء بينهم في الفي‏ء و سوى بينهم في العطاء فثقل عليهم و اعلم أنك تحارب من حارب الله و رسوله في ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر الله فلما وحد الرب و محق الشرك و عز الدين أظهروا الإيمان و قرءوا القرآن مستهزءين بآياته و قاموا إلى الصلاة و هم كسالى و أدوا الفرائض


و هم لها كارهون فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار توسموا بسيما الصالحين ليظن المسلمون بهم خيرا فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم و قالوا حسابهم على الله فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين و قد منيت بأولئك و بأبنائهم و أشباههم و الله ما زادهم طول العمر إلا غيا و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا فجاهدهم و لا ترض دنية و لا تقبل خسفا فإن عليا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب و إنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل فلما حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله و لا تخرجن من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك و السلام

قال المدائني و كتب الحسن ع إلى معاوية من عبد الله الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن الله بعث محمدا ص رحمة للعالمين فأظهر به الحق و قمع به الشرك و أعز به العرب عامة و شرف به قريشا خاصة فقال( وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ ) فلما توفاه الله تنازعت العرب في الأمر بعده فقالت قريش نحن عشيرته و أولياؤه فلا تنازعونا سلطانه فعرفت العرب لقريش ذلك و جاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب فهيهات ما أنصفتنا قريش و قد كانوا ذوي فضيلة في الدين و سابقة في الإسلام و لا غرو إلا منازعته إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف و لا أثر في الإسلام محمود فالله الموعد نسأل الله ألا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة إن عليا لما توفاه الله ولاني المسلمون الأمر بعده فاتق الله يا معاوية و انظر لأمة محمد


ص ما تحقن به دماءها و تصلح به أمرها و السلام.و بعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيمي تيم الرباب و جندب الأزدي فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعة الحسن ع فلم يجبهما و كتب جوابه أما بعد فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل كله و ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر و أبي عبيدة الأمين و صلحاء المهاجرين فكرهت لك ذلك إن الأمة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به فرأت قريش و الأنصار و ذوو الفضل و الدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها بالله و أخشاها له و أقواها على الأمر فاختاروا أبا بكر و لم يألوا و لو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه و يذب عن حرم الإسلام ذبه ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر و الحال اليوم بيني و بينك على ما كانوا عليه فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية و أحوط على هذه الأمة و أحسن سياسة و أكيد للعدو و أقوى على جمع الفي‏ء لسلمت لك الأمر بعد أبيك فإن أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما فطالب الله بدمه و من يطلبه الله فلن يفوته ثم ابتز الأمة أمرها و فرق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة و الجهاد و القدم في الإسلام و ادعى أنهم نكثوا بيعته فقاتلهم فسفكت الدماء و استحلت الحرم ثم أقبل إلينا لا يدعي علينا بيعة و لكنه يريد أن يملكنا اغترارا فحاربناه و حاربنا ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلا و اخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمة و تعود به الجماعة و الألفة و أخذنا بذلك عليهما ميثاقا و عليه مثله و علينا مثله على الرضا بما حكما فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت و خلعاه فو الله ما رضي بالحكم و لا صبر لأمر الله فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك و قد خرج منه فانظر لنفسك و لدينك و السلام.


قال ثم قال للحارث و جندب ارجعا فليس بيني و بينكم إلا السيف فرجعا و أقبل إلى العراق في ستين ألفا و استخلف على الشام الضحاك بن قيس الفهري و الحسن مقيم بالكوفة لم يشخص حتى بلغه أن معاوية قد عبر جسر منبج فوجه حجر بن عدي يأمر العمال بالاحتراس و يذب الناس فسارعوا فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثني عشر ألفا فنزل دير عبد الرحمن و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب و أمر قيس بن سعد بالمسير و ودعه و أوصاه فأخذ على الفرات و قرى الفلوجة ثم إلى مسكن

و ارتحل الحسن ع متوجها نحو المدائن فأتى ساباط فأقام بها أياما فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس فقال أيها الناس إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت و تحاربوا من حاربت و إني و الله ما أصبحت محتملا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق و لا غرب و لما تكرهون في الجماعة و الألفة و الأمن و صلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة و الخوف و التباغض و العداوة و إن عليا أبي كان يقول لا تكرهوا إمارة معاوية فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كالحنظل ثم نزل.فقال الناس ما قال هذا القول إلا و هو خالع نفسه و مسلم الأمر لمعاوية فثاروا به فقطعوا كلامه و انتهبوا متاعه و انتزعوا مطرفا كان عليه و أخذوا جارية كانت معه و اختلف الناس فصارت طائفة معه و أكثرهم عليه فقال اللهم أنت المستعان و أمر بالرحيل فارتحل الناس و أتاه رجل بفرس فركبه و أطاف به بعض أصحابه فمنعوا الناس عنه و ساروا فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط فأقام به فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه و طعنه في فخذه بالمعول طعنة كادت تصل إلى العظم فغشي عليه و ابتدره أصحابه فسبق إليه عبيد الله الطائي فصرع سنانا و أخذ ظبيان بن عمارة المعول


من يده فضربه به فقطع أنفه ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله و أفاق الحسن ع من غشيته فعصبوا جرحه و قد نزف و ضعف فقدموا به المدائن و عليها سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد و أقام بالمدائن حتى برأ من جرحه.قال المدائني و كان الحسن ع أكبر ولد علي و كان سيدا سخيا حليما خطيبا و كان رسول الله ص يحبه سابق يوما بين الحسين و بينه فسبق الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى ثم أجلس الحسين على الفخذ اليسرى فقيل له يا رسول الله أيهما أحب إليك فقال أقول كما قال إبراهيم أبونا و قيل له أي ابنيك أحب إليك قال أكبرهما و هو الذي يلد ابني محمدا ص.وروى المدائني عن زيد بن أرقم قال خرج الحسن ع و هو صغير و عليه بردة و رسول الله ص يخطب فعثر فسقط فقطع رسول الله ص الخطبة و نزل مسرعا إليه و قد حمله الناس فتسلمه و أخذه على كتفه و قال إن الولد لفتنة لقد نزلت إليه و ما أدري ثم صعد فأتم الخطبة وروى المدائني قال لقي عمرو بن العاص الحسن ع في الطواف فقال له يا حسن زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك و بأبيك فقد رأيت الله أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله و بينا بعد خفائه أ فرضي الله بقتل عثمان أ و من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقئ البيض و أنت قاتل عثمان و الله إنه لألم للشعث و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك فقال الحسن ع إن لأهل النار علامات يعرفون بها إلحادا لأولياء الله و موالاة لأعداء الله و الله إنك


لتعلم أن عليا لم يرتب في الدين و لا يشك في الله ساعة و لا طرفة عين قط و ايم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأنفذن حضنيك بنوافذ أشد من القعضبية فإياك و التهجم علي فإني من قد عرفت لست بضعيف الغمزة و لا هش المشاشة و لا مري‏ء المأكلة و إني من قريش كواسطة القلادة يعرف حسبي و لا أدعى لغير أبي و أنت من تعلم و يعلم الناس تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزاروها ألأمهم حسبا و أعظمهم لؤما فإياك عني فإنك رجس و نحن أهل بيت الطهارة أذهب الله عنا الرجس و طهرنا تطهيرا فأفحم عمرو و انصرف كئيبا وروى أبو الحسن المدائني قال سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح أن يخطب الناس فامتنع فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال الحمد لله الذي توحد في ملكه و تفرد في ربوبيته يؤتي الملك من يشاء و ينزعه عمن يشاء و الحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم و أخرج من الشرك أولكم و حقن دماء آخركم فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء إن شكرتم أو كفرتم أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه و لقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله و لم تجدوا مثل سابقته فهيهات هيهات طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم و هو صاحبكم و عدوكم في بدر و أخواتها جرعكم رنقا و سقاكم علقا و أذل رقابكم و أشرقكم بريقكم فلستم بملومين على بغضه و ايم الله لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم في بني أمية و لقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم فعند الله أحتسب ما مضى و ما ينتظر من سوء دعتكم و حيف حكمكم ثم قال يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله صائب


على أعداء الله نكال على فجار قريش لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفاسها ليس بالملومة في أمر الله و لا بالسروقة لمال الله و لا بالفروقة في حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه دعاه فأجابه و قاده فاتبعه لا تأخذه في الله لومة لائم فصلوات الله عليه و رحمته ثم نزل فقال معاوية أخطأ عجل أو كاد و أصاب مثبت أو كاد ما ذا أردت من خطبة الحسن.فأما أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني فإنه قال كان في لسان أبي محمد الحسن ع ثقل كالفأفأة حدثني بذلك محمد بن الحسين الأشناني قال حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي عن مفضل بن صالح عن جابر قال كان في لسان الحسن ع رتة فكان سلمان الفارسيرحمه‌الله يقول أتته من قبل عمه موسى بن عمران ع.قال أبو الفرج و مات شهيدا مسموما دس معاوية إليه و إلى سعد بن أبي وقاص حين أراد أن يعهد إلى يزيد ابنه بالأمر بعده سما فماتا منه في أيام متقاربة و كان الذي تولى ذلك من الحسن ع زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بمال بذله لها معاوية و يقال إن اسمها سكينة و يقال عائشة و يقال شعثاء و الصحيح أن اسمها جعدة.قال أبو الفرج فروى عمرو بن ثابت قال كنت أختلف إلى أبي إسحاق


السبيعي سنة أسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي ع عقيب وفاة أبيه و لا يحدثني بها فدخلت إليه في يوم شات و هو في الشمس و عليه برنسه فكأنه غول فقال لي من أنت فأخبرته فبكى و قال كيف أبوك و كيف أهلك قلت صالحون قال في أي شي‏ء تتردد منذ سنة قلت في خطبة الحسن بن علي بعد وفاه أبيه.

حدثني هبيرة ابن مريم قال خطب الحسن ع بعد وفاة أمير المؤمنين ع فقال قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله ص فيسبقه بنفسه و لقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه و لقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم و التي توفي فيها يوشع بن نوح و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ثم خنقته العبرة فبكى و بكى الناس معه ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله ص أنا ابن البشير أنا ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه و السراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول( وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.قال أبو الفرج فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة قام عبد الله بن العباس بين


يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا و قالوا ما أحبه إلينا و أحقه بالخلافة فبايعوه ثم نزل من المنبر.قال أبو الفرج و دس معاوية رجلا من حمير إلى الكوفة و رجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار فدل على الحميري و على القيني فأخذا و قتلا.وكتب الحسن ع إلى معاوية أما بعد فإنك دسست إلي الرجال كأنك تحب اللقاء لا أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله و بلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذو الحجى و إنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

فإنا و من قد مات منا لكالذي

يروح فيمسي في المبيت ليغتدي

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى

تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

فأجابه معاوية أما بعد فقد وصل كتابك و فهمت ما ذكرت فيه و لقد علمت بما حدث فلم أفرح و لم أحزن و لم أشمت و لم آس و إن عليا أباك لكما قال أعشى بني قيس ابن ثعلبة:

فأنت الجواد و أنت الذي

إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقاء

يضرب منها النساء النحورا

و ما مزيد من خليج البحار

يعلو الإكام و يعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده

فيعطي الألوف و يعطي البدورا


قال أبو الفرج و كتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى معاوية أما بعد فإنك و دسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن أبي الأسكر:

لعمرك إني و الخزاعي طارقا

كنعجة عاد حتفها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها

فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم من صديقك أهلكوا

أصابهم يوم من الدهر أصفر

فأجابه معاوية أما بعد فإن الحسن بن علي قد كتب إلي بنحو مما كتبت به و أنبأني بما لم يحقق سوء ظن و رأي في و إنك لم تصب مثلي و مثلكم و إنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر

فو الله ما أدري و إني لصادق

إلى أي من يظنني أتعذر

أعنف إن كانت زبينة أهلكت

و نال بني لحيان شر فأنفروا


قال أبو الفرج و كان أول شي‏ء أحدثه الحسن ع أنه زاد المقاتلة مائة مائة و قد كان علي ع فعل ذلك يوم الجمل و فعله الحسن حال الاستخلاف فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك.

قال و كتب الحسن ع إلى معاوية مع حرب بن عبد الله الأزدي من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين و منة للمؤمنين و كافة للناس أجمعين( لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكافِرِينَ ) فبلغ رسالات الله و قام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصر و لا وان و بعد أن أظهر الله به الحق و محق به الشرك و خص به قريشا خاصة فقال له( وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ ) فلما توفي تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش نحن قبيلته و أسرته و أولياؤه و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقه فرأت العرب أن القول ما قالت قريش و أن الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد فأنعمت لهم و سلمت إليهم ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد و أولياءه إلى محاجتهم و طلب النصف منهم باعدونا و استولوا بالإجماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا فالموعد الله و هو الولي النصير


و لقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا و سلطان نبينا و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام و أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف و لا أثر في الإسلام محمود و أنت ابن حزب من الأحزاب و ابن أعدى قريش لرسول الله ص و لكتابه و الله حسيبك فسترد فتعلم لمن عقبى الدار و بالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك و ما الله بظلام للعبيد إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض و يوم من الله عليه بالإسلام و يوم يبعث حيا ولاني المسلمون الأمر بعده فأسأل الله ألا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة و إنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني و بين الله عز و جل في أمرك و لك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم و الصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله و عند كل أواب حفيظ و من له قلب منيب و اتق الله و دع البغي و احقن دماء المسلمين فو الله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به و ادخل في السلم و الطاعة و لا تنازع الأمر أهله و من هو أحق به منك ليطفئ الله النائرة بذلك و يجمع الكلمة و يصلح ذات البين و إن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين.فكتب معاوية إليه


من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي سلام الله عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت به محمدا رسول الله من الفضل و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل كله قديمه و حديثه و صغيره و كبيره و قد و الله بلغ و أدى و نصح و هدى حتى أنقذ الله به من الهلكة و أنار به من العمى و هدى به من الجهالة و الضلالة فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته و صلوات الله عليه يوم ولد و يوم بعث و يوم قبض و يوم يبعث حيا.و ذكرت وفاة النبي ص و تنازع المسلمين الأمر بعده و تغلبهم على أبيك فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين و حواري رسول الله ص و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك إنك امرؤ عندنا و عند الناس غير الظنين و لا المسي‏ء و لا اللئيم و أنا أحب لك القول السديد و الذكر الجميل إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم و لا سابقتكم و لا قرابتكم من نبيكم و لا مكانكم في الإسلام و أهله فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها و رأى صلحاء الناس من قريش و الأنصار و غيرهم من سائر الناس و عوامهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما و أعلمها بالله و أحبها له و أقواها على أمر الله فاختاروا أبا بكر و كان ذلك رأي ذوي الدين و الفضل و الناظرين للأمة فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة و لم يكونوا متهمين و لا فيما أتوا بالمخطئين و لو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه و يقوم مقامه و يذب عن حريم الإسلام ذبه


ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه و لكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله و الله يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا.و قد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح و الحال فيما بيني و بينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد وفاة النبي ص فلو علمت أنك أضبط مني للرعية و أحوط على هذه الأمة و أحسن سياسة و أقوى على جمع الأموال و أكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه و رأيتك لذلك أهلا و لكن قد علمت أني أطول منك ولاية و أقدم منك بهذه الأمة تجربة و أكبر منك سنا فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني فادخل في طاعتي و لك الأمر من بعدي و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما يبلغ تحمله إلى حيث أحببت و لك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجيبها أمينك و يحملها إليك في كل سنة و لك ألا نستولي عليك بالإساءة و لا نقضي دونك الأمور و لا نعصي في أمر أردت به طاعة الله أعاننا الله و إياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء و السلام.قال جندب فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية قلت له إن الرجل سائر إليك فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه و بلاده و عمله فإما أن تقدر أنه ينقاد لك فلا و الله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين فقال افعل ثم قعد عن مشورتي و تناسى قولي.قالوا و كتب معاوية إلى الحسن


أما بعد فإن الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس و ايئس من أن تجد فينا غميزة و إن أنت أعرضت عما أنت فيه و بايعتني وفيت لك بما وعدت و أجريت لك ما شرطت و أكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

و إن أحد أسدى إليك أمانة

فأوف بها تدعى إذا مت وافيا

و لا تحسد المولى إذا كان ذا غنى

و لا تجفه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي فأنت أولى الناس بها و السلام.

فأجابه الحسن أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت فتركت جوابك خشية البغي مني عليك و بالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله و علي إثم أن أقول فأكذب و السلام.فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان و من قبله من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم و قتل خليفتكم إن الله بلطفه و حسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده


فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين و قد جاءتنا كتب أشرافهم و قادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم فاقبلوا إلى حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم و جندكم و حسن عدتكم فقد أصبتم بحمد الله الثأر و بلغتم الأمل و أهلك الله أهل البغي و العدوان و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.قال فاجتمعت العساكر إلى معاوية فسار بها قاصدا إلى العراق و بلغ الحسن خبره و مسيره نحوه و إنه قد بلغ جسر منبج فتحرك عند ذلك و بعث حجر بن عدي فأمر العمال و الناس بالتهيؤ للمسير و نادى المنادي الصلاة جامعة فأقبل الناس يثوبون و يجتمعون و قال الحسن إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني و جاءه سعيد بن قيس الهمداني فقال له اخرج

فخرج الحسن ع و صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه و سماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين اِصْبِرُوا إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلصَّابِرِينَ فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر و تنظروا و نرى و تروا.قال و إنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له قال فسكتوا فما تكلم منهم أحد و لا أجابه بحرف فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال أنا ابن حاتم سبحان الله ما أقبح هذا المقام أ لا تجيبون إمامكم و ابن بنت نبيكم أين خطباء مضر أين المسلمون أين


الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب أ ما تخافون مقت الله و لا عيبها و عارها.ثم استقبل الحسن بوجهه فقال أصاب الله بك المراشد و جنبك المكاره و وفقك لما يحمد ورده و صدره قد سمعنا مقالتك و انتهينا إلى أمرك و سمعنا لك و أطعناك فيما قلت و ما رأيت و هذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافيني فليواف.ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد و دابته بالباب فركبها و مضى إلى النخيلة و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه و كان عدي بن حاتم أول الناس عسكرا.و قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري و معقل بن قيس الرياحي و زياد بن صعصعة التيمي فأنبوا الناس و لاموهم و حرضوهم و كلموا الحسن ع بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة و القبول فقال لهم الحسن ع صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية و الوفاء و القبول و المودة الصحيحة فجزاكم الله خيرا ثم نزل.و خرج الناس فعسكروا و نشطوا للخروج و خرج الحسن إلى العسكر و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب و أمره باستحثاث الناس و أشخاصهم إليه فجعل يستحثهم و يستخرجهم حتى يلتئم العسكر.

و سار الحسن ع في عسكر عظيم و عدة حسنة حتى نزل دير عبد الرحمن


فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له يا ابن عم إني باعث إليك اثني عشر ألفا من فرسان العرب و قراء المصر الرجل منهم يزيد الكتيبة فسر بهم و ألن لهم جانبك و ابسط لهم وجهك و افرش لهم جناحك و أدنهم من مجلسك فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين و سر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم تصير إلى مسكن ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا و ليكن خبرك عندي كل يوم و شاور هذين يعني قيس بن سعد و سعيد بن قيس و إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله و إن أصبت فقيس بن سعد على الناس و إن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس.فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي ثم لزم الفرات و الفلوجة حتى أتى مسكن و أخذ الحسن على حمام عمر حتى أتى دير كعب ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة فلما أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا

فصعد المنبر فخطبهم فقال الحمد لله كلما حمده حامد و أشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد و أشهد أن محمدا رسول الله أرسله بالحق و ائتمنه على الوحي ص أما بعد فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله و منه و أنا أنصح خلقه لخلقه و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة و لا مريد له بسوء و لا غائلة ألا و إن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا و إني ناظر لكم خيرا


من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري و لا تردوا على رأيي غفر الله لي و لكم و أرشدني و إياكم لما فيه محبته و رضاه إن شاء الله ثم نزل.قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض و قالوا ما ترونه يريد بما قال قالوا نظنه يريد أن يصالح معاوية و يكل الأمر إليه كفر و الله الرجل ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا سيفا بغير رداء فدعا بفرسه فركبه و أحدق به طوائف من خاصته و شيعته و منعوا منه من أراده و لاموه و ضعفوه لما تكلم به فقال ادعوا إلي ربيعة و همدان فدعوا له فأطافوا به و دفعوا الناس عنه و معهم شوب من غيرهم فلما مر في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد ثم من بني نصر بن قعين يقال له جراح بن سنان و بيده معول فأخذ بلجام فرسه و قال الله أكبر يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت و طعنه بالمعول فوقعت في فخذه فشقته حتى بلغت أربيته و سقط الحسن ع إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده و اعتنقه فخرا جميعا إلى الأرض فوثب عبد الله بن الأخطل الطائي و نزع المعول من يد جراح بن سنان فخضخضه به و أكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه ثم أخذا له الآجر فشدخا رأسه و وجهه حتى قتلوه.


و حمل الحسن ع على سرير إلى المدائن و بها سعيد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله و قد كان علي ع ولاه المدائن فأقره الحسن ع عليها فأقام عنده يعالج نفسه فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية بمسكن و أقبل عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزائه فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد راسلني في الصلح و هو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا و إلا دخلت و أنت تابع و لك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم أعجل لك في هذا الوقت نصفها و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر فانسل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده و أصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فثبتهم و ذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر و النهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة و قالوا له انهض بنا إلى عدونا على اسم الله فنزل فنهض بهم.و خرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع و إمامكم الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم.


فقال لهم قيس بن سعد اختاروا إحدى اثنتين إما القتال مع غير إمام و إما أن تبايعوا بيعة ضلال فقالوا بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه و يمنيه فكتب إليه قيس لا و الله لا تلقاني أبدا إلا بيني و بينك الرمح فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك و تقتلها فيما ليس لك فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك و غدرك و إن ظهر أبغضهم إليك نكل بك و قتلك و قد كان أبوك أوتر غير قوسه و رمى غير غرضه فأكثر الحز و أخطأ المفصل فخذله قومه و أدركه يومه فمات بحوران طريدا غريبا و السلام.فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن دخلت في الإسلام كرها و أقمت فيه فرقا و خرجت منه طوعا و لم يجعل الله لك فيه نصيبا لم يقدم إسلامك و لم يحدث نفاقك و لم تزل حربا لله و لرسوله و حزبا من أحزاب المشركين و عدوا لله و لنبيه و للمؤمنين من عباده و ذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه و لا رمى إلا غرضه فشغب عليه من لا يشق غباره و لا يبلغ كعبه و زعمت أني يهودي ابن يهودي و قد علمت و علم الناس أني و أبي أعداء الدين الذي خرجت منه و أنصار الدين الذي دخلت فيه و صرت إليه و السلام.فلما قرأ معاوية كتابه غاظه و أراد إجابته فقال له عمرو مهلا فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه.قال و بعث معاوية عبد الله بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح فدعواه


إليه فزهداه في الأمر و أعطياه ما شرط له معاوية و ألا يتبع أحد بما مضى و لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه و لا يذكر علي إلا بخير و أشياء شرطها الحسن فأجاب إلى ذلك و انصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة و انصرف الحسن أيضا إليها و أقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة و اجتمع إلى الحسن ع وجوه الشيعة و أكابر أصحاب أمير المؤمنين ع يلومونه و يبكون إليه جزعا مما فعله

قال أبو الفرج فحدثني محمد بن أحمد بن عبيد قال حدثنا الفضل بن الحسن البصري قال حدثنا ابن عمرو قال حدثنا مكي بن إبراهيم قال حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن سفيان بن أبي ليلى قال أبو الفرج و حدثني به أيضا محمد بن الحسين الأشنانداني و علي بن العباس المقانعي عن عباد بن يعقوب عن عمرو بن ثابت عن الحسن بن الحكم عن عدي بن ثابت عن سفيان بن أبي ليلى قال أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره و عنده رهط فقلت السلام عليك يا مذل المؤمنين قال و عليك السلام يا سفيان و نزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه فقال كيف قلت يا سفيان قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال لم جرى هذا منك إلينا قلت أنت و الله بأبي و أمي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة و سلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد و معك مائة ألف كلهم يموت دونك فقد جمع الله عليك أمر الناس فقال يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به و إني سمعت عليا يقول سمعت رسول الله ص يقول لا تذهب الليالي و الأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم


ضخم البلعوم يأكل و لا يشبع لا ينظر الله إليه و لا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر و لا في الأرض ناصر و إنه لمعاوية و إني عرفت أن الله بالغ أمره ثم أذن المؤذن فقمنا على حالب نحلب ناقته فتناول الإناء فشرب قائما ثم سقاني و خرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي ما جاء بك يا سفيان قلت حبكم و الذي بعث محمدا بالهدى و دين الحق قال فأبشر يا سفيان فإني سمعت عليا يقول سمعت رسول الله ص يقول يرد علي الحوض أهل بيتي و من أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابتين أو كهاتين يعني السبابة و الوسطى إحداهما تفضل على الأخرى أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر و الفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد ص.قلت قوله و لا في الأرض ناصر أي ناصر ديني أي لا يمكن أحدا أن ينتصر له بتأويل ديني يتكلف به عذرا لأفعاله القبيحة.فإن قلت قوله و إنه لمعاوية من الحديث المرفوع أو من كلام علي ع أو من كلام الحسن ع قلت الظاهر أنه من كلام الحسن ع فإنه قد غلب على ظنه أن معاوية صاحب هذه الصفات و إن كان القسمان الأولان غير ممتنعين.فإن قلت فمن هو إمام الحق من آل محمد قلت أما الإمامية فتزعم أنه صاحبهم الذي يعتقدون أنه الآن حي في الأرض و أما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يخلقه الله في آخر الزمان.


قال أبو الفرج و سار معاوية حتى نزل النخيلة و جمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة و جاءت منقطعة في الحديث و سنذكر ما انتهى إلينا منها.فأما الشعبي فإنه روى أنه قال في الخطبة ما اختلف أمر أمة بعد نبيها إلا و ظهر أهل باطلها على أهل حقها ثم انتبه فندم فقال إلا هذه الأمة فإنها و إنها و أما أبو إسحاق السبيعي فقال إن معاوية قال في خطبته بالنخيلة ألا إن كل شي‏ء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به.قال أبو إسحاق و كان و الله غدارا.و روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد قال صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة ثم خطبنا فقال و الله إني ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتصوموا و لا لتحجوا و لا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك و إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون.قال و كان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول هذا و الله هو التهتك.

قال أبو الفرج و حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد قال حدثني الفضل بن الحسن البصري قال حدثني يحيى بن معين قال حدثني أبو حفص اللبان عن عبد الرحمن بن شريك عن إسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال خطب معاوية بالكوفة حين دخلها و الحسن و الحسين ع جالسان تحت المنبر فذكر عليا ع


فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين ع ليرد عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال أيها الذاكر عليا أنا الحسن و أبي علي و أنت معاوية و أبوك صخر و أمي فاطمة و أمك هند و جدي رسول الله و جدك عتبة بن ربيعة و جدتي خديجة و جدتك قتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا و شرنا قديما و حديثا و أقدمنا كفرا و نفاقا فقال طوائف من أهل المسجد آمين قال الفضل قال يحيى بن معين و أنا أقول آمين.قال أبو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل و أنا أقول آمين و يقول علي بن الحسين الأصفهاني آمين.قلت و يقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب آمين.قال أبو الفرج و دخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة و بين يديه خالد ابن عرفطة و معه حبيب بن حماد يحمل رايته فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل و اجتمع الناس إليه.

قال أبو الفرج فحدثني أبو عبيد الصيرفي و أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن علي بن خلف عن محمد بن عمرو الرازي عن مالك بن سعيد عن محمد بن عبد الله الليثي عن عطاء بن السائب عن أبيه قال بينما علي بن أبي طالب ع على منبر الكوفة إذ دخل رجل فقال يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة فقال لا و الله ما مات و لا يموت حتى يدخل من باب المسجد و أشار إلى باب الفيل و معه راية ضلالة يحملها حبيب بن حماد قال فوثب رجل فقال يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حماد و أنا لك شيعة فقال


فإنه كما أقول فو الله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن حماد : قال أبو الفرج و قال مالك بن سعيد و حدثني الأعمش بهذا الحديث قال حدثني صاحب هذه الدار و أشار إلى دار السائب أبي عطاء إنه سمع عليا ع يقول هذا.قال أبو الفرج فلما تم الصلح بين الحسن و معاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة فجاءه و كان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف و رجلاه تخطان في الأرض و ما في وجهه طاقة شعر و كان يسمى خصي الأنصار فلما أرادوا إدخاله إليه قال إني حلفت ألا ألقاه إلا و بيني و بينه الرمح أو السيف فأمر معاوية برمح و سيف فوضعا بينه و بينه ليبر يمينه.قال أبو الفرج و قد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف فارس فأبى أن يبايع فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال أ في حل أنا من بيعتك فقال نعم فألقي له كرسي و جلس معاوية على سرير و الحسن معه فقال له معاوية أ تبايع يا قيس قال نعم و وضع يده على فخذه و لم يمدها إلى معاوية فجاء معاوية من سريره و أكب على قيس حتى مسح يده على يده و ما رفع إليه قيس يده.


قال أبو الفرج ثم إن معاوية أمر الحسن أن يخطب فظن أنه سيحصر فقام فخطب

فقال في خطبته إنما الخليفة من سار بكتاب الله و سنة نبيه و ليس الخليفة من سار بالجور ذاك رجل ملك ملكا تمتع به قليلا ثم تنخمه تنقطع لذته و تبقى تبعته( وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ ) قال و انصرف الحسن إلى المدينة فأقام بها و أراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن عليه شي‏ء أثقل من أمر الحسن بن علي و سعد بن أبي وقاص فدس إليهما سما فماتا منه.قال أبو الفرج فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن عيسى بن مهران عن عبيد بن الصباح الخراز عن جرير عن مغيرة قال أرسل معاوية إلى بنت الأشعث بن قيس و هي تحت الحسن فقال لها إني مزوجك يزيد ابني على أن تسمي الحسن و بعث إليها بمائة ألف درهم ففعلت و سمت الحسن فسوغها المال و لم يزوجها منه فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيروهم و قالوا يا بني مسمة الأزواج.قال حدثني أحمد قال حدثني يحيى بن بكير عن شعبة عن أبي بكر بن حفص قال توفي الحسن بن علي و سعد بن أبي وقاص في أيام متقاربة و ذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين و كانوا يروون أنه سقاهما السم

قال أبو الفرج و حدثني أحمد بن عون عن عمران بن إسحاق قال كنت مع الحسن و الحسين ع في الدار فدخل الحسن المخرج ثم خرج فقال لقد سقيت السم مرارا ما سقيت مثل هذه المرة لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت


أقلبها بعود معي فقال الحسين و من سقاك قال و ما تريد منه أ تريد أن تقتله إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك و إن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بري‏ء.قال أبو الفرج دفن الحسن ع في قبر فاطمة بنت رسول الله ص في البقيع و قد كان أوصى أن يدفن مع النبي ص فمنع مروان بن الحكم من ذلك و ركبت بنو أمية في السلاح و جعل مروان يقول

يا رب هيجا هي خير من دعه

يدفن عثمان في البقيع و يدفن الحسن في بيت النبي ص و الله لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف و كادت الفتنة تقع و أبى الحسين ع أن يدفنه إلا مع النبي ص فقال له عبد الله بن جعفر عزمت عليك يا أبا عبد الله بحقي ألا تكلم بكلمة فمضوا به إلى البقيع و انصرف مروان.

قال أبو الفرج و قد روى الزبير بن بكار أن الحسن ع أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يدفن مع النبي ص فقالت نعم فلما سمعت بنو أمية بذلك استلأموا في السلاح و تنادوا هم و بنو هاشم في القتال فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى بني هاشم أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جنب أمي فدفن إلى جنب فاطمة ع.قال أبو الفرج فأما يحيى بن الحسن صاحب كتاب النسب فإنه روى أن عائشة


ركبت ذلك اليوم بغلا و استنفرت بنو أمية مروان بن الحكم و من كان هناك منهم و من حشمهم و هو قول القائل

فيوما على بغل و يوما على جمل

قلت و ليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عائشة لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل و إنما المستنفرون هم بنو أمية و يجوز أن تكون عائشة ركبت لتسكين الفتنة لا سيما و قد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت نعم فهذه الحال و القصة منقبة من مناقب عائشة.

قال أبو الفرج و قال جويرية بن أسماء لما مات الحسن و أخرجوا جنازته جاء مروان حتى دخل تحته فحمل سريره فقال له الحسين ع أ تحمل اليوم سريره و بالأمس كنت تجرعه الغيظ قال مروان كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال.قال و قدم الحسين ع للصلاة عليه سعيد بن العاص و هو يومئذ أمير المدينة و قال تقدم فلو لا أنها سنة لما قدمتك.قال قيل لأبي إسحاق السبيعي متى ذل الناس فقال حين مات الحسن و ادعي زياد و قتل حجر بن عدي.قال اختلف الناس في سن الحسن ع وقت وفاته فقيل ابن ثمان و أربعين و هو المروي عن جعفر بن محمد ع في رواية هشام بن سالم و قيل ابن ست و أربعين و هو المروي أيضا عن جعفر بن محمد ع في رواية أبي بصير.


قال و في الحسن ع يقول سليمان بن قتة يرثيه و كان محبا له:

يا كذب الله من نعى حسنا

ليس لتكذيب نعيه ثمن

كنت خليلي و كنت خالصتي

لكل حي من أهله سكن

أجول في الدار لا أراك و في

الدار أناس جوارهم غبن

بدلتهم منك ليت أنهم

أضحوا و بيني و بينهم عدن

ثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل أما قوله كتبها إليه بحاضرين فالذي كنا نقرؤه قديما كتبها إليه بالحاضرين على صيغة التثنية يعني حاضر حلب و حاضر قنسرين و هي الأرباض و الضواحي المحيطة بهذه البلاد ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام و لم يفسروه و منهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية و منهم من يقول بخناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها و قد طلبت هذه الكلمة في الكتب المصنفة سيما في البلاد و الأرضين فلم أجدها و لعلي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع.قوله من الوالد الفان حذف الياء ها هنا للازدواج بين الفان و الزمان و لأنه وقف و في الوقف على المنقوص يجوز مع اللام حذف الياء و إثباتها و الإثبات هو الوجه و مع عدم اللام يجوز الأمران و إسقاط الياء هو الوجه.قوله المقر للزمان أي المقر له بالغلبة كأنه جعل نفسه فيما مضى خصما للزمان بالقهر.قوله المدبر العمر لأنه كان قد جاوز الستين و لم يبق بعد مجاوزة الستين إلا إدبار العمر لأنها نصف العمر الطبيعي الذي قل أن يبلغه أحد فعلى تقدير أنه


يبلغه فكل ما بعد الستين أقل مما مضى فلا جرم يكون العمر قد أدبر.قوله المستسلم للدهر هذا آكد من قوله المقر للزمان لأنه قد يقر الإنسان لخصمه و لا يستسلم.قوله الذام للدنيا هذا وصف لم يستحدثه عند الكبر بل لم يزل عليه و لكن يجوز أن يزيد ذمه لها لأن الشيخ تنقص قواه التي يستعين بها على الدنيا و الدين جميعا و لا يزال يتأفف من الدنيا.قوله الساكن مساكن الموتى إشعار بأنه سيموت و هذا من قوله تعالى( وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) .قوله الظاعن عنها غدا لا يريد الغد بعينه بل يريد قرب الرحيل و الظعن.و هذا الكلام من أمير المؤمنين ع كلام من قد أيقن بالفراق و لا ريب في ظهور الاستكانة و الخضوع عليه و يدل أيضا على كرب و ضيق عطن لكونه لم يبلغ أربه من حرب أهل الشام و انعكس ما قدره بتخاذل أصحابه عنه و نفوذ حكم عمرو بن العاص فيه لحمق أبي موسى و غباوته و انحرافه أيضا.قوله إلى المولود هذه اللفظة بإزاء الوالد.قوله المؤمل ما لا يدرك لو قال قائل إنه كنى بذلك عن أنه لا ينال الخلافة بعد موتي و إن كان مؤملا لها لم يبعد و يكون ذلك إخبارا عن غيب و لكن الأظهر أنه لم يرد ذلك إنما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن و كذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة لا تخص الحسن ع بعينه بل هي و إن كانت له في الظاهر بل هي للناس كلهم في الحقيقة أ لا ترى إلى قوله بعدها السالك سبيل من قد هلك فإن كل واحد من الناس يؤمل أمورا لا يدركها و كل واحد من الناس سألك سبيل من هلك قبله.


قوله ع غرض الأسقام لأن الإنسان كالهدف لآفات الدنيا و أعراضها.قوله ع و رهينة الأيام الرهينة هاهنا المهزول يقال إنه لرهن و إنه لرهينة إذا كان مهزولا بالياء قال الراجز:

أما ترى جسمي خلاء قد رهن

هزلا و ما مجد الرجال في السمن

و يجوز أن يريد بالرهينة واحدة الرهائن يقال للأسير أو للزمن أو للعاجز عند الرحيل أنه لرهينة و ذلك لأن الرهائن محتبسة عند مرتهنها.قوله و رمية المصائب الرمية ما يرمى.قوله و عبد الدنيا و تاجر الغرور و غريم المنايا لأن الإنسان طوع شهواته فهو عبد الدنيا و حركاته فيها مبنية على غرور لا أصل له فهو تاجر الغرور لا محالة و لما كانت المنايا تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريما له يقتضيه ما لا بد له من أدائه.قوله و أسير الموت و حليف الهموم و قرين الأحزان و نصب الآفات و سريع الشهوات لما كان الإنسان مع الموت كما قال طرفة:

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى

لكالطول المرخى و ثنياه باليد

كان أسيرا له لا محالة و لما كان لا بد لكل إنسان من الهم كان حليف الهموم و كذلك لا يخلو و لا ينفك من الحزن فكان قرينا له و لما كان معرضا للآفات كان نصبا لها و لما كان إنما يهلك بشهواته كان صريعا لها.قوله و خليفة الأموات قد أخذه من قال إن أمرا ليس بينه و بين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.و اعلم أنه عد من صفات نفسه سبعا و عد من صفات ولده أربع عشرة صفة فجعل


بإزاء كل واحدة مما له اثنتين فليلمح ذلك

بعض ما قيل من الشعر في الدهر و فعله بالإنسان

و من جيد ما نعى به شاعر نفسه و وصف ما نقص الدهر من قواه قول عوف بن محلم الشيباني في عبد الله بن طاهر أمير خراسان:

يا ابن الذي دان له المشرقان

و ألبس الأمن به المغربان

إن الثمانين و بلغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

و بدلتني بالشطاط انحنا

و كنت كالصعدة تحت السنان

و قاربت مني خطا لم تكن

مقاربات و ثنت من عنان

و عوضتني من زماع الفتى

و همه هم الجبان الهدان

و أنشأت بيني و بين الورى

عنانة من غير نسج العنان

و لم تدع في لمستمتع

إلا لساني و كفاني لسان

أدعو به الله و أثني به

على الأمير المصعبي الهجان


و من الشعر القديم الجيد في هذا المعنى قول سالم بن عونة الضبي:

لا يبعدن عصر الشباب و لا

لذاته و نباته النضر

و المشرفات من الخدور كإيماض

الغمام يجوز بالقطر

و طراد خيل مثلها التقتا

لحفيظة و مقاعد الخمر

لو لا أولئك ما حلفت متى

عوليت في خرج إلى قبري

هربت زبيبة أن رأت ثرمي

و أن انحنى لتقادم ظهري

من بعد ما عهدت فأدلفني

يوم يمر و ليلة تسري

حتى كأني خاتل قنصا

و المرء بعد تمامه يجري

لا تهزئي مني زبيب فما

في ذاك من عجب و لا سخر

أ و لم تري لقمان أهلكه

ما اقتات من سنة و من شهر

و بقاء نسر كلما انقرضت

أيامه عادت إلى نسر

ما طال من أمد على لبد

رجعت محارته إلى قصر

و لقد حلبت الدهر أشطره

و علمت ما آتي من الأمر

أنا أستفصح قوله ما اقتات من سنة و من شهر جعل الزمان كالقوت له و من اقتات الشي‏ء فقد أكله و الأكل سبب المرض و المرض سبب الهلاك


أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ اَلدُّنْيَا عَنِّي وَ جُمُوحِ اَلدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ اَلآْخِرَةِ إِلَيَّ مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ وَ اَلاِهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ اَلنَّاسِ هَمُّ نَفْسِي فَصَدَّقَنِي فَصَدَفَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي فَأَفْضَى بِي إِلَى جَدٍّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ وَ صِدْقٍ لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَ كَأَنَّ اَلْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ يزعني يكفني و يصدني وزعت فلانا و لا بد للناس من وزعة.و سوى لفظة تقصر إذا كسرت سينها و تمد إذا فتحتها و هي هاهنا بمعنى غير و من قبلها بمعنى شي‏ء منكر كقوله

رب من أنضجت غيظا قلبه

و التقدير غير ذكر إنسان سواي و يجوز أن تكون من موصولة و قد حذف أحد جزأي الصلة و التقدير عن ذكر الذي هو غيري كما قالوا في( لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ ) أي هو أشد يقول ع إن فيما قد بان لي من تنكر الوقت و إدبار الدنيا و إقبال الآخرة شاغلا لي عن الاهتمام بأحد غيري و الاهتمام و الفكر في أمر الولد و غيره ممن أخلفه ورائي.


ثم عاد فقال ألا إن همي بنفسي يقتضي اهتمامي بك لأنك بعضي بل كلي فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري لم تكن أنت داخلا في جملة من يصرفني همي بنفسي عنهم لأنك لست غيري.فإن قلت أ فهذا الهم حدث لأمير المؤمنين ع الآن أو من قبل لم يكن عالما بأن الدنيا مدبرة و الآخرة مقبلة.قلت كلا بل لم يزل عالما عارفا بذلك و لكنه الآن تأكد و قوي بطريق علو السن و ضعف القوى و هذا أمر يحصل للإنسان على سبيل الإيجاب لا بد من حصوله لكل أحد و إن كان عالما بالحال من قبل و لكن ليس العيان كالخبر.و من مستحسن ما قيل في هذا المعنى قول أبي إسحاق الصابئ:

أقيك الردى إني تنبهت من كرى

و سهو على طول المدى اعترياني

فأثبت شخصا دانيا كان خافيا

على البعد حتى صار نصب عياني

هو الأجل المحتوم لي جد جده

و كان يريني غفلة المتواني

له نذر قد آذنتني بهجمة

له لست منها آخذا بأمان

و لا بد منه ممهلا أو معاجلا

سيأتي فلا يثنيه عني ثان

و أول هذه القصيدة و هو داخل له في هذا المعنى أيضا:

إذا ما تعدت بي و سارت محفة

لها أرجل يسعى بها رجلان

و ما كنت من فرسانها غير أنها

وفت لي لما خانت القدمان

نزلت إليها عن سراة حصاني

بحكم مشيب أو فراش حصان

فقد حملت مني ابن سبعين سالكا

سبيلا عليها يسلك الثقلان


كما حمل المهد الصبي و قبلها

ذعرت أسود الغيل بالنزوان

و لي بعدها أخرى تسمى جنازة

جنيبة يوم للمنية دان

تسير على أقدام أربعة إلى

ديار البلى معدودهن ثمان

و إني على عيث الردى في جوارحي

و ما كف من خطوي و بطش بناني

و إن لم يدع إلا فؤادا مروعا

به غير باق من الحدثان

تلوم تحت الحجب ينفث حكمه

إلى أذن تصغي لنطق لسان

لأعلم أني ميت عاق دفنه

ذماء قليل في غد هو فان

و إن فما للأرض غرثان حائما

يراصد من أكلي حضور أوان

به شره عم الورى بفجائع

تركن فلانا ثاكلا لفلان

غدا فاغرا يشكو الطوى و هو راتع

فما تلتقي يوما له الشفتان

إذا عاضنا بالنسل ممن نعوله

تلا أولا منه بمهلك ثان

إلى ذات يوم لا ترى الأرض وارثا

سوى الله من إنس تراه و جان

قوله تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي أي دون الهموم التي قد كانت تعتريني لأجل أحوال الناس.فصدقني رأيي يقال صدقته كذا أي عن كذا و في المثل صدقني سن بكره لأنه لما نفر قال له هدع و هي كلمة تسكن بها صغار الإبل إذا نفرت و المعنى أن هذا الهم صدقني عن الصفة التي يجب أن يكون رأيي عليها و تلك الصفة هي ألا يفكر في


أمر شي‏ء من الموجودات أصلا إلا الله تعالى و نفسه و فوق هذه الطبقة طبقة أخرى جدا و هي ألا تفكر في شي‏ء قط إلا في الله وحده و فوق هذه الطبقة طبقة أخرى تجل عن الذكر و التفسير و لا تصلح لأحد من المخلوقين إلا النادر الشاذ و قد ذكرها هو فيما سبق و هو ألا يفكر في شي‏ء أصلا لا في المخلوق و لا في الخالق لأنه قد قارب أن يتحد بالخالق و يستغني عن الفكر فيه.قوله و صرفني عن هواي أي عن هواي و فكري في تدبير الخلافة و سياسة الرعية و القيام بما يقوم به الأئمة.قوله ع و صرح لي محض أمري يروى بنصب محض و رفعه فمن نصب فتقديره عن محض أمري فلما حذف الجار نصب و من رفع جعله فاعلا و صرح كشف أو انكشف.قوله فأفضى بي إلى كذا ليس بمعنى أنه قد كان من قبل يمازج جده باللعب بل المعنى أن همومه الأولى قد كانت بحيث يمكن أن يتخللها وقت راحة أو دعابة لا يخرج بها عن الحق كما كان رسول الله ص يمزح و لا يقول إلا حقا فالآن قد حدث عنده هم لا يمكن أن يتخلله من ذلك شي‏ء أصلا و مدار الفرق بين الحالتين أعني الأولى و الثانية على إمكان اللعب لا نفس اللعب و ما يلزم من قوله أفضى لك بي هذا الهم إلى انتفاء إمكان اللعب أن تكون همومه الأولى قد كان يمازجها اللعب و لكن يلزم من ذلك أنها قد كانت يمكن ذلك فيها إمكانا محضا على أن اللعب غير منكر إذا لم يكن باطلا أ لا ترى إلى قول النبي ص المؤمن دعب لعب و كذلك القول في قوله و صدق لا يشوبه كذب أي لا يمكن أن يشوبه كذب و ليس المراد بالصدق و الكذب هاهنا مفهومهما المشهورين بل هو من قولهم صدقونا اللقاء و من قولهم حمل عليهم فما كذب قال زهير


ليث بعثر يصطاد الليوث إذا

ما كذب الليث عن أقرانه صدقا

أي أفضى بي هذا الهم إلى أن صدقتني الدنيا حربها كأنه جعل نفسه محاربا للدنيا أي صدقتني الدنيا حربها و لم تكذب أي لم تجبن و لم تخن.أخبر عن شدة اتحاد ولده به فقال وجدتك بعضي قال الشاعر:

و إنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

و غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره فاستعطفه له الأحنف قال له يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا و عماد ظهورنا و نحن لهم سماء ظليلة و أرض ذليلة فإن غضبوا فأرضهم و إن سألوا فأعطهم فلا تكن عليهم قفلا فيملوا حياتك و يتمنوا موتك.و قيل لابنة الخس أي ولديك أحب إليك قالت الصغير حتى يكبر و المريض حتى يبرأ و الغائب حتى يقدم.غضب الطرماح على امرأته فشفع فيها ولده منها صمصام و هو غلام لم يبلغ عشرا فقال الطرماح:

أ صمصام إن تشفع لأمك تلقها

لها شافع في الصدر لم يتزحزح

هل الحب إلا أنها لو تعرضت

لذبحك يا صمصام قلت لها اذبحي

أحاذر يا صمصام إن مت أن يلي

تراثي و إياك امرؤ غير مصلح

إذا صك وسط القوم رأسك صكة

يقول له الناهي ملكت فأسجح

وفي الحديث المرفوع إن ريح الولد من ريح الجنة


وفي الحديث الصحيح أنه قال لحسن و حسين ع إنكم لتجبنون و إنكم لتبخلون و إنكم لمن ريحان الله.و من ترقيص الأعراب قول أعرابية لولدها:

يا حبذا ريح الولد

ريح الخزامى في البلد

أ هكذا كل ولد

أم لم يلد قبلي أحد

وفي الحديث المرفوع من كان له صبي فليستصب له.و أنشد الرياشي:

من سره الدهر أن يرى الكبدا

يمشي على الأرض فلير الولدا

فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ أَيُّ بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ اَلاِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ اَلدُّنْيَا وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ اَلدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اَللَّيَالِي وَ اَلْأَيَّامِ وَ اِعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ اَلْمَاضِينَ وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا اِنْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ اِنْتَقَلُوا عَنِ اَلْأَحِبَّةِ وَ حَلُّوا دَارَ دِيَارَ اَلْغُرْبَةِ وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ


فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لاَ تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ وَ دَعِ اَلْقَوْلَ فِيمَا لاَ تَعْرِفُ وَ اَلْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ فَإِنَّ اَلْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ اَلضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ اَلْأَهْوَالِ قوله ع و أي سبب أوثق إشارة إلى القرآن لأنه هو المعبر عنه بقوله تعالى( وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا ) .ثم أتى بلفظتين متقابلتين و ذلك من لطيف الصنعة فقال أحي قلبك بالموعظة و أمته بالزهادة و المراد إحياء دواعيه إلى الطاعة و إماتة الشهوات عنه.قوله ع و اعرض عليه أخبار الماضين معنى قد تداوله الناس قال الشاعر:

سل عن الماضين إن نطقت

عنهم الأجداث و الترك

أي دار للبلى نزلوا

و سبيل للردي سلكوا

قوله ع و دع القول فيما لا تعرف من قول رسول الله ص لعبد الله بن عمرو بن العاص يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم و أماناتهم و صار الناس هكذا و شبك بين أصابعه قال عبد الله فقلت مرني يا رسول الله فقال خذ ما تعرف و دع ما لا تعرف و عليك بخويصة نفسك.


قوله و الخطاب فيما لم تكلف من قول رسول الله ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه و قال معاوية في عبد الملك بن مروان و هو حينئذ غلام إن لهذا الغلام لهمة و إنه مع ذلك تارك لثلاث آخذ بثلاث تارك مساءة الصديق جدا و هزلا تارك ما لا يعنيه تارك ما لا يعتذر منه آخذ بأحسن الحديث إذا حدث و بأحسن الاستماع إذا حدث و بأهون الأمرين إذا خولف.قوله ع و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته مأخوذ من قول النبي ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وفي خبر آخر إذا رابك أمر فدعه : وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَ أَنْكِرِ اَلْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ وَ جَاهِدْ فِي اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَ لاَ تَأْخُذْكَ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ وَ خُضِ اَلْغَمَرَاتِ إِلَى اَلْحَقِّ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي اَلدِّينِ وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ اَلصَّبْرَ اَلتَّصَبُّرَ عَلَى اَلْمَكْرُوهِ وَ نِعْمَ اَلْخُلُقُ اَلتَّصَبُرُ فِي اَلْحَقِّ وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ وَ أَخْلِصْ فِي اَلْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ اَلْعَطَاءَ وَ اَلْحِرْمَانَ وَ أَكْثِرِ اَلاِسْتِخَارَةَ وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي وَ لاَ تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً فَإِنَّ خَيْرَ اَلْقَوْلِ مَا نَفَعَ وَ اِعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَ لاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ


أمره يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و هما واجبان عندنا و أحد الأصول الخمسة التي هي أصول الدين.و معنى قوله تكن من أهله لأن أهل المعروف هم الأبرار الصالحون و يجب إنكار المنكر باللسان فإن لم ينجع فباليد و تفصيل ذلك و ترتيبه مذكور في كتبي الكلامية.قوله و خض الغمرات إلى الحق لا شبهة أن الحسن ع لو تمكن لخاضها إلا أن من فقد الأنصار لا حيلة له.

و هل ينهض البازي بغير جناح

و الذي خاضها مع عدم الأنصار هو الحسين ع و لهذا عظم عند الناس قدره فقدمه قوم كثير على الحسن ع فإن قلت فما قول أصحابكم في ذلك قلت هما عندنا في الفضيلة سيان أما الحسن فلوقوفه مع قوله تعالى( إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا ) و أما الحسين فلإعزاز الدين.قوله فنعم التصبر قد تقدم منا كلام شاف في الصبر.و قوله و أكثر الاستخارة ليس يعني بها ما يفعله اليوم قوم من الناس من سطر رقاع و جعلها في بنادق و إنما المراد أمره إياه بأن يطلب الخيرة من الله فيما يأتي و يذر.قوله لا خير في علم لا ينفع قول حق لأنه إذا لم ينفع كان عبثا.


قوله و لا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه أي لا يجب و لا يندب إليه و ذلك لأن النفع إنما هو نفع الآخرة فما لم يكن من العلوم مرغبا فيه إما بإيجاب أو ندب فلا انتفاع به في الآخرة و ذلك كعلم الهندسة و الأرثماطيقي و نحوهما : أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ وَ أَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ اَلْهَوَى وَ فِتَنِ اَلدُّنْيَا فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ اَلنَّفُورِ وَ إِنَّمَا قَلْبُ اَلْحَدَثِ كَالْأَرْضِ اَلْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ اَلْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ اَلتَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ اَلطَّلَبِ وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلاَجِ اَلتَّجْرِبَةِ فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ وَ اِسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ هذه الوصية كتبها ع للحسن بعد أن تجاوز الستين و روي أنه ذكر عند رسول الله ص ما بين الستين و السبعين فقال معترك المنايا.قوله ع أو أن أنقص في رأيي هذا يدل على بطلان قول من قال إنه لا يجوز أن ينقص في رأيه و أن الإمام معصوم عن أمثال ذلك و كذلك قوله


للحسن أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى و فتن الدنيا يدل على أن الإمام لا يجب أن يعصم عن غلبات الهوى و لا عن فتن الدنيا.قوله فتكون كالصعب النفور أي كالبعير الصعب الذي لا يمكن راكبا و هو مع ذلك نفور عن الأنس.ثم ذكر أن التعلم إنما هو في الصبا و في المثل الغلام كالطين يقبل الختم ما دام رطبا.و قال الشاعر:

اختم و طينك رطب إن قدرت فكم

قد أمكن الختم أقواما فما ختموا

و مثل هو ع قلب الحدث بالأرض الخالية ما ألقي فيها من شي‏ء قبلته و كان يقال التعلم في الصغر كالنقش في الحجر و التعلم في الكبر كالخط على الماء.قوله فأتاك من ذلك ما كنا نأتيه أي الذي كنا نحن نتجشم المشقة في اكتسابه و نتكلف طلبه يأتيك أنت الآن صفوا عفوا : أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ بَلْ كَأَنِّي بِمَا اِنْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ جَلِيلَهُ نَخِيلَهُ وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ


جَمِيلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي اَلْوَالِدَ اَلشَّفِيقَ وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَ أَنْتَ مُقْبِلُ اَلْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ اَلدَّهْرِ ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَأْوِيلِهِ وَ شَرَائِعِ اَلْإِسْلاَمِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلاَلِهِ وَ حَرَامِهِ لاَ أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ مِثْلَ اَلَّذِي اِلْتَبَسَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرٍ لاَ آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ بِهِ اَلْهَلَكَةَ وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اَللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ هذا الفصل و ما بعده يشعر بالنهي عن علم الكلام حسب ما يقتضيه ظاهر لفظه أ لا تراه قال له كنت عازما على أن أعلمك القرآن و تفسيره و الفقه و هو المعرفة بأحكام الشريعة و لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ثم خفت أن تدخل عليك شبهة في أصول الدين فيلتبس عليك في عقيدتك الأصلية ما التبس على غيرك من الناس فعدلت عن العزم الأول إلى أن أوصيك بوصايا تتعلق بأصول الدين.و معنى قوله ع و كان إحكام ذلك إلى قوله لا آمن عليك به الهلكة أي فكان إحكامي الأمور الأصلية عندك و تقرير الوصية التي أوصيك بها في ذهنك فيما رجع إلى النظر في العلوم الإلهية و إن كنت كارها للخوض معك


فيه و تنبيهك عليه أحب إلي من أن أتركك سدى مهملا تتلاعب بك الشبه و تعتورك الشكوك في أصول دينك فربما أفضى ذلك بك إلى الهلكة.فإن قلت فلما ذا كان كارها تنبيه ولده على ذلك و أنتم تقولون إن معرفة الله واجبة على المكلفين و ليس يليق بأمير المؤمنين أن يكره ما أوجبه الله تعالى قلت لعله علم إما من طريق وصية رسول الله ص أو من طريق معرفته بما يصلح أن يكون لطفا لولده و معرفته بما يكون مفسدة له لكثرة التجربة له و طول الممارسة لأخلاقه و طباعه أن الأصلح له ألا يخوض في علم الكلام الخوض الكلي و أن يقتنع بالمبادئ و الجمل فمصالح البشر تختلف فرب إنسان مصلحته في أمر ذلك الأمر بعينه مفسدة لغيره و نحن و إن أوجبنا المعرفة فلم نوجب منها إلا الأمور المجملة و أما التفصيلات الدقيقة الغامضة فلا تجب إلا عند ورود الشبهة فإذا لم تقع الشبهة في نفس المكلف لم يجب عليه الخوض في التفصيلات.قوله ع قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم العين مفتوحة و الميم مكسورة مخففة تقول عمر الرجل يعمر عمرا و عمرا على غير قياس لأن قياس مصدره التحريك أي عاش زمانا طويلا و استعمل في القسم أحدهما فقط و هو المفتوح.قوله ع حيث عناني من أمرك أي أهمني قال

عناني من صدودك ما عنا

قوله و أجمعت عليه أي عزمت.و مقتبل الدهر يقال اقتبل الغلام فهو مقتبل بالفتح و هو من الشواذ و مثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن و إذا عف فمحصن أيضا و أسهب إذا أطال الحديث فهو مسهب و ألفج إذا افتقر فهو ملفج و ينبغي أن يكون له من قوله تنبيهك له بمعنى


عليه أو تكون على أصلها أي ما كرهت تنبيهك لأجله.فإن قلت إلى الآن ما فسرت لما ذا كره تنبيهه على هذا الفن قلت بلى قد أشرت إليه و هو أنه كره أن يعدل به عن تفسير القرآن و علم الفقه إلى الخوض في الأمور الأصولية فنبهه على أمور يجره النظر و تأمل الأدلة و الشبهات إليها دقيقة يخاف على الإنسان من الخوض فيها أن تضطرب عقيدته إلا أنه لم يجد به بدا من تنبيهه على أصول الديانة و إن كان كارها لتعريضه لخطر الشبهة فنبهه على أمور جملية غير مفصلة و أمره أن يلزم ذلك و لا يتجاوزه إلى غيره و أن يمسك عما يشتبه عليه و سيأتي ذكر ذلك : وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اَللَّهِ وَ اَلاِقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اَللَّهُ عَلَيْكَ وَ اَلْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ اَلْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ وَ اَلصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى اَلْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا وَ اَلْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ لاَ بِتَوَرُّطِ اَلشُّبُهَاتِ وَ عُلَقِ اَلْخُصُومَاتِ وَ اِبْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاِسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ وَ اَلرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلاَلَةٍ فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ


فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ اَلْعَشْوَاءَ وَ تَتَوَرَّطُ اَلظَّلْمَاءَ وَ لَيْسَ طَالِبُ اَلدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ وَ اَلْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ أمره أن يقتصر على القيام بالفرائض و أن يأخذ بسنة السلف الصالح من آبائه و أهل بيته فإنهم لم يقتصروا على التقليد بل نظروا لأنفسهم و تأملوا الأدلة ثم رجعوا آخر الأمر إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عما لم يكلفوا.فإن قلت من سلفه هؤلاء الذين أشار إليهم قلت المهاجرون الأولون من بني هاشم و بني المطلب كحمزة و جعفر و العباس و عبيدة بن الحارث و كأبي طالب في قول الشيعة و كثير من أصحابنا و كعبد المطلب في قول الشيعة خاصة.فإن قلت فهل يكون أمير المؤمنين ع نفسه معدودا من جملة هؤلاء قلت لا فإنه لم يكن من أهل المبادئ و الجمل المقتصر بهم في تكليفهم العقليات على أوائل الأدلة بل كان سيد أهل النظر كافة و إمامهم.فإن قلت ما معنى قوله لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم قلت لأنهم إذا تأملوا الأدلة و فكروا فيها فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه ليخلصها من مضرة عظيمة سبيلها أن تقع به إن لم ينظر في الخلاص منها و هذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة الله و الخوف من إهمال النظر.فإن قلت ما معنى قوله إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عما لم يكلفوا


قلت الأخذ بما عرفوا مثل أدلة حدوث الأجسام و توحيد البارئ و عدله و الإمساك عما لم يكلفوا مثل النظر في إثبات الجزء الذي لا يتجزأ و نفيه و مثل الكلام في الخلإ و الملإ و الكلام في أن هل بين كل حركتين مستقيمتين سكون أم لا و أمثال ذلك مما لا يتوقف أصول التوحيد و العدل عليه فإنه لا يلزم أصحاب الجمل و المبادئ أن يخوضوا في ذلك لأنهم لم يكلفوا الخوض فيه و هو من وظيفة قوم آخرين.قوله ع فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا هذا الموضع فيه نظر لأنا قد قلنا إنهم لم يعلموا التفاصيل الدقيقة فكيف يجعلهم عالمين بها و يقول أن تعلم كما علموا و ينبغي أن يقال إن الكاف و ما عملت فيه في موضع نصب لأنه صفة مصدر محذوف و تقديره فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك علما كما علموا دون أن تعلم التفاصيل الدقيقة و جاز انتصاب علما و العامل فيه تقبل لأن القبول من جنس العلم لأن القبول اعتقاد و العلم اعتقاد و ليس لقائل أن يقول فإذن يكون قد فصل بين الصفة و الموصوف بأجنبي لأن الفصل بينهما قد جاء كثيرا قال الشاعر:

جزى الله كفا ملئها من سعادة

سرت في هلاك المال و المال نائم

و يجوز أن يقال كما علموا الآن بعد موتهم فإنهم بعد الموت يكونون عالمين بجميع ما يشتبه علمه على الناس في الحياة الدنيا لأن المعارف ضرورية بعد الموت و النفوس باقية على قول كثير من المسلمين و غيرهم.و اعلم أن الذي يدعو إلى تكلف هذه التأويلات أن ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليد النبي ص و الأخذ بما في القرآن و ترك النظر العقلي هذا هو ظاهر الكلام أ لا تراه كيف يقول له الاقتصار على ما فرضه الله عليك و الأخذ بما مضى عليه أهل


بيتك و سلفك فإنهم لما حاولوا النظر رجعوا بأخرة إلى السمعيات و تركوا العقليات لأنها أفضت بهم إلى ما لا يعرفونه و لا هو من تكليفهم.ثم قال له فإن كرهت التقليد المحض و أحببت أن تسلك مسلكهم في النظر و إن أفضى بك الأمر بأخرة إلى تركه و العود إلى المعروف من الشرعيات و ما ورد به الكتاب و السنة فينبغي أن تنظر و أنت مجتمع الهم خال من الشبهة و تكون طالبا للحق غير قاصد إلى الجدل و المراء فلما وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني و لم يجز عندنا أن يأمر أمير المؤمنين ع ولده مع حكمته و أهلية ولده بالتقليد و ترك النظر رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به ع من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأمر به.و اعلم أنه قد أوصاه إذا هم بالشروع في النظر بمحض ما ذكره المتكلمون و ذلك أمور منها أن يرغب إلى الله في توفيقه و تسديده.و منها أن يطلب المطلوب النظري بتفهم و تعلم لا بجدال و مغالبة و مراء و مخاصمة.و منها إطراح العصبية لمذهب بعينه و التورط في الشبهات التي يحاول بها نصره ذلك المذهب.و منها ترك الإلف و العادة و نصرة أمر يطلب به الرئاسة و هو المعني بالشوائب التي تولج في الضلال.و منها أن يكون صافي القلب مجتمع الفكر غير مشغول السر بأمر من جوع


أو شبع أو شبق أو غضب و لا يكون ذا هموم كثيرة و أفكار موزعة مقسمة بل يكون فكره و همه هما واحدا.قال فإذا اجتمع لك كل ذلك فانظر و إن لم يجتمع لك ذلك و نظرت كنت كالناقة العشواء الخابطة لا تهتدي و كمن يتورط في الظلماء لا يعلم أين يضع قدمه و ليس طالب الدين من كان خابطا أو خالطا و الإمساك عن ذلك أمثل و أفضل : فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي وَ اِعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ اَلْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ اَلْحَيَاةِ وَ أَنَّ اَلْخَالِقَ هُوَ اَلْمُمِيتُ وَ أَنَّ اَلْمُفْنِيَ هُوَ اَلْمُعِيدُ وَ أَنَّ اَلْمُبْتَلِيَ هُوَ اَلْمُعَافِي وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلاَّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اَللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ اَلنَّعْمَاءِ وَ اَلاِبْتِلاَءِ وَ اَلْجَزَاءِ فِي اَلْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ تَعْلَمُ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ اَلْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قد تعلق بهذه اللفظة و هو قوله أو ما شاء مما لا تعلم قوم من التناسخية و قالوا المعني بها الجزاء في الهياكل التي تنتقل النفوس إليها و ليس ما قالوه بظاهر و يجوز أن يريد ع أن الله تعالى قد يجازي المذنب في الدنيا بنوع من العقوبة كالأسقام و الفقر و غيرهما و العقاب و إن كان مفعولا على وجه الاستحقاق و الإهانة فيجوز لمستحقه و هو الباري


أن يقتصر منه على الإيلام فقط لأن الجميع حقه فله أن يستوفي البعض و يسقط البعض و قد روي أو بما شاء بالباء الزائدة و روي بما لا يعلم و أما الثواب فلا يجوز أن يجازى به المحسن في الدنيا لأنه على صفة لا يمكن أن تجامع التكليف فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة.ثم أعاد ع وصيته الأولى فقال و إن أشكل عليك شي‏ء من أمر القضاء و القدر و هو كون الكافر مخصوصا بالنعماء و المؤمن مخصوصا بضرب من الابتلاء و كون الجزاء قد يكون في المعاد و قد يكون في غير المعاد فلا تقدحن جهالتك به في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته و هو أن الله تعالى هو المحيي المميت المفني المعيد المبتلي المعافي و أن الدنيا بنيت على الابتلاء و الأنعام و أنهما لمصالح و أمور يستأثر الله تعالى بعلمها و أنه يجازي عباده إما في الآخرة أو غير الآخرة على حسب ما يريده و يختاره.ثم قال له إنما خلقت في مبدإ خلقتك جاهلا فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها أو لها إليها وصول بعد أمور صعبة و متاعب شديدة فمن خلق جاهلا حقيق أن يكون جهله مدة عمره أكثر من علمه استصحابا للأصل.ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه فقال له و عساك إذا جهلت شيئا من ذلك أن تعلمه فيما بعد فما أكثر ما تجهل من الأمور و تتحير فيه ثم تبصره و تعرفه و هذا من الطب اللطيف و الرقى الناجعة و السحر الحلال


فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ فَلْيَكُنْ وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا ص فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى اَلنَّجَاةِ قَائِداً فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي اَلنَّظَرِ لِنَفْسِكَ وَ إِنِ اِجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ عاد إلى أمره باتباع الرسول ص و أن يعتمد على السمع و ما وردت به الشريعة و نطق به الكتاب و قال له إن أحدا لم يخبر عن الله تعالى كما أخبر عنه نبينا ص و صدق ع فإن التوراة و الإنجيل و غيرهما من كتب أنبياء بني إسرائيل لم تتضمن من الأمور الإلهية ما تضمنه القرآن و خصوصا في أمر المعاد فإنه في أحد الكتابين مسكوت عنه و في الآخر مذكور ذكرا مضطربا و الذي كشف هذا القناع في هذا المعنى و صرح بالأمر هو القرآن ثم ذكر له أنه أنصح له من كل أحد و أنه ليس يبلغ و إن اجتهد في النظر لنفسه ما يبلغه هو ع له لشدة حبه له و إيثاره مصلحته و قوله لم آلك نصحا لم أقصر في نصحك ألى الرجل في كذا يألو أي قصر فهو آل و الفعل لازم و لكنه حذف اللام فوصل الفعل إلى الضمير فنسبه و كان أصله لا آلو لك نصحا و نصحا منصوب على التمييز و ليس كما قاله الراوندي إن انتصابه على أنه مفعول ثان فإنه إلى مفعول واحد لا يتعدى فكيف إلى اثنين


و يقول هذه امرأة آلية أي مقصرة و جمعها أوال و في المثل إلا حظية فلا ألية أصله في المرأة تصلف عند بعلها فتوصي حيث فاتتها الحظوة ألا تألوه في التودد إليه و التحبب إلى قلبه.قوله و منه شفقتك أي خوفك.و رائد أصله الرجل يتقدم القوم فيرتاد بهم المرعى : وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مِلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتَهُ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لاَ يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لاَ يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ أَوَّلٌ قَبْلَ اَلْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّلِيَّةٍ وَ آخِرٌ بَعْدَ اَلْأَشْيَاءِ بِلاَ نِهَايَةٍ عَظُمَ أَنْ تُثْبَتَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ وَ قِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ و عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ وَ اَلرَّهِينَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَ اَلْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَ اَلشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلاَّ بِحَسَنٍ وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلاَّ عَنْ قَبِيحٍ يمكن أن يستدل بهذا الكلام على نفي الثاني من وجهين أحدهما أنه لو كان في الوجود ثان للبارئ تعالى لما كان القول بالوحدانية حقا بل كان الحق هو القول بالتثنية و محال ألا يكون ذلك الثاني حكيما و لو كان الحق هو


إثبات ثان حكيم لوجب أن يبعث رسولا يدعو المكلفين إلى التثنية لأن الأنبياء كلهم دعوا إلى التوحيد لكن التوحيد على هذا الفرض ضلال فيجب على الثاني الحكيم أن يبعث من ينبه المكلفين على ذلك الضلال و يرشدهم إلى الحق و هو إثبات الثاني و إلا كان منسوبا في إهمال ذلك إلى السفه و استفساد المكلفين و ذلك لا يجوز و لكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثان في الإلهية فبطل كون القول بالتوحيد ضلالا و إذا لم يكن ضلالا كان حقا فنقيضه و هو القول بإثبات الثاني باطل الوجه الثاني أنه لو كان في الوجود ثان للقديم تعالى لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته إما من مجرد أفعاله أو من صفات أفعاله أو من صفات نفسه أو لا من هذا و لا من هذا فمن التوقيف.و هذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين ع لأن قوله أتتك رسله هو التوقيف و قوله و لرأيت آثار ملكه و سلطانه هي صفات أفعاله و قوله و لعرفت أفعاله و صفاته هما القسمان الآخران.أما إثبات الثاني من مجرد الفعل فباطل لأن الفعل إنما يدل على فاعل و لا يدل على التعدد و أما صفات أفعاله و هي كون أفعاله محكمة متقنة فإن الأحكام الذي نشاهده إنما يدل على عالم و لا يدل على التعدد و أما صفات ذات البارئ فالعلم بها فرع على العلم بذاته فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور.و أما التوقيف فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني و إذا بطلت الأقسام كلها و قد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته بطل القول بإثبات الثاني.ثم قال لا يضاده في ملكه أحد ليس يريد بالضد ما يريده المتكلمون من نفي ذات هي معاكسة لذات البارئ تعالى في صفاتها كمضادة السواد للبياض بل مراده نفي الثاني لا غير فإن نفي الضد بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام.


ثم ذكر له أن البارئ تعالى قديم سابق للأشياء لا سبقا له حد محدود و أول معين بل لا أول له مطلقا.ثم قال و هو مع هذا آخر الأشياء آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة.ثم ذكر أن له ربوبية جلت عن أن تحيط بها الأبصار و العقول.و قد سبق منا خوض في هذا المعنى و ذكرنا من نظمنا في هذا النمط أشياء لطيفة و نحن نذكر هاهنا من نظمنا أيضا في هذا المعنى و في فننا الذي اشتهرنا به و هو المناجاة و المخاطبة على طريقة أرباب الطريقة ما لم نذكره هناك فمن ذاك قولي:

فلا و الله ما وصل ابن سينا

و لا أغنى ذكاء أبي الحسين

و لا رجعا بشي‏ء بعد بحث

و تدقيق سوى خفي حنين

لقد طوفت أطلبكم و لكن

يحول الوقت بينكم و بيني

فهل بعد انقضاء الوقت أحظى

بوصلكم غدا و تقر عيني

منى عشنا بها زمنا و كانت

تسوفنا بصدق أو بمين

فإن أكدت فذاك ضياع ديني

و إن أجدت فذاك حلول ديني

و منها:

أ مولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن

غدا محرقا بالنار من كان يهواكا

أ تجمع لي نارين نار محبة

و نار عذاب أنت أرحم من ذاكا

و منها:

قوم موسى تاهوا سنين كما قد

جاء في النص قدرها أربعونا

و لي اليوم تائها في جوى من

لا أسمي و حبه خمسونا

قل لأحبابنا إلام نروم

الوصل منكم و أنتم تمنعونا


كم نناجيكم فلا ترشدونا

و نناديكم فلا تسمعونا

حسبنا علمكم بأنا مواليكم

و إن كنتم لنا كارهينا

فعسى تدرك السعادة أرباب

المعاصي فيصبحوا فائزينا

و منها:

و الله ما آسى من الدنيا على

مال و لا ولد و لا سلطان

بل في صميم القلب مني حسرة

تبقى معي و تلف في أكفاني

إني أراك بباطني لا ظاهري

فالحسن مشغلة عن العرفان

يا من سهرت مفكرا في أمره

خمسين حولا دائم الجولان

فرجعت أحمق من نعامة بيهس

و أضل سعيا من أبي غبشان

و منها:

و حقك إن أدخلتني النار قلت

للذين بها قد كنت ممن أحبه

و أفنيت عمري في علوم دقيقة

و ما بغيتي إلا رضاه و قربه

هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله

و أوبقه بين البرية ذنبه

أ ما يقتضي شرع التكرم عتقه

أ يحسن أن ينسى هواه و حبه

أ ما كان ينوي الحق فيما يقوله

أ لم تنصر التوحيد و العدل كتبه

أ ما رد زيغ ابن الخطيب و شكه

و إلحاده إذ جل في الدين خطبه

أ ما قلتم من كان فينا مجاهدا

سيكرم مثواه و يعذب شربه

و نهديه سبلا من هدانا جهاده

و يدخله خير المداخل كسبه

فأي اجتهاد فوق ما كان صانعا

و قد أحرقت زرق الشياطين شهبه

و ما نال قلب الجيش جيش محمد

كما نال من أهل الضلالة قلبه


فإن تصفحوا يغنم و إن تتجرموا

فتعذيبكم حلو المذاقة عذبه

و آية صدق الصب أن يعذب الأذى

إذ كان من يهوى عليه يصبه

و منها:

إذا فكرت فيك يحار عقلي

و ألحق بالمجانين الكبار

و أصحو تارة فيشوب ذهني

و يقدح خاطري كشواظ نار

فيا من تاهت العقلاء فيه

فأمسوا كلهم صرعى عقار

و يا من كاعت الأفكار عنه

فآبت بالمتاعب و الخسار

و يا من ليس يعلمه نبي

و لا ملك و لا يدريه دار

و يا من ليس قداما و خلفا

و لا جهة اليمين و لا اليسار

و لا فوق السماء و لا تدلى

من الأرضين في لجج البحار

و يا من أمره من ذاك أجلى

من ابن ذكاء أو صبح النهار

سألتك باسمك المكتوم إلا

فككت النفس من رق الإسار

وجدت لها بما تهوى فأنت

العليم بباطن اللغز الضمار

و منها:

يا رب إنك عالم

بمحبتي لك و اجتهادي

و تجردي للذب عنك

على مراغمة الأعادي

بالعدل و التوحيد أصدع

معلنا في كل نادي

و كشفت زيغ ابن الخطيب

و لبسه بين العباد

و نقضت سائر ما بناه

من الضلالة و الفساد


و أبنت عن إغوائه

في دين أحمد ذي الرشاد

و جعلت أوجه ناصريه

محممات بالسواد

و كففت من غلوائهم

بعد التمرد و العناد

فكأنما نخل الرماد

عليهم بعد الرماد

و قصدت وجهك أبتغي

حسن المثوبة في المعاد

فأفض على العبد الفقير

إليكم نور السداد

و ارزقه قبل الموت

معرفة المصائر و المبادي

و افكك أسير الحرص

باللأصفاد من أسر الصفاد

و اغسل بصفو القرب من

أبوابكم كدر البعاد

و أعضه من حر الغليل

بوصلكم برد الفؤاد

و ارحم عيونا فيك

هامية و قلبا فيك صاد

يا ساطح الأرض المهاد

و ممسك السبع الشداد

يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ اَلدُّنْيَا وَ حَالِهَا وَ زَوَالِهَا وَ اِنْتِقَالِهَا وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ اَلآْخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا اَلْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ اَلدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ اَلطَّرِيقِ وَ فِرَاقَ اَلصَّدِيقِ وَ خُشُونَةَ اَلسَّفَرِ وَ جُشُوبَةَ اَلمَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَ لاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً وَ لاَ شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ


وَ أَدْنَاهُمْ إِلَى مِنْ مَحَلَّتِهِمْ وَ مَثَلُ مَنِ اِغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لاَ أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ حذا عليه يحذو و احتذى مثاله يحتذي أي اقتدى به و قوم سفر بالتسكين أي مسافرون.و أموا قصدوا و المنزل الجديب ضد المنزل الخصيب.و الجناب المريع بفتح الميم ذو الكلإ و العشب و قد مرع الوادي بالضم.و الجناب الفناء و وعثاء الطريق مشقتها.و جشوبة المطعم غلظه طعام جشيب و مجشوب و يقال إنه الذي لا أدم معه.يقول مثل من عرف الدنيا و عمل فيها للآخرة كمن سافر من منزل جدب إلى منزل خصيب فلقي في طريقه مشقة فإنه لا يكترث بذلك في جنب ما يطلب و بالعكس من عمل للدنيا و أهمل أمر الآخرة فإنه كمن يسافر إلى منزل ضنك و يهجر منزلا رحيبا طيبا و هذا من قول رسول الله ص الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر


يَا بُنَيَّ اِجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ اِكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَ لاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَ اِسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَ اِرْضَ مِنَ اَلنَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ وَ لاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْإِعْجَابَ ضِدُّ اَلصَّوَابِ وَ آفَةُ اَلْأَلْبَابِ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَ لاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ وَ إِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ

جاء في الحديث المرفوع لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه و يكره لأخيه ما يكره لنفسه و قال بعض الأسارى لبعض الملوك افعل معي ما تحب أن يفعل الله معك فأطلقه و هذا هو معنى قوله ع و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم.و قوله و أحسن من قول الله تعالى( وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ ) .و قوله و استقبح من نفسك سئل الأحنف عن المروءة فقال أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك و روي و ارض من الناس لك و هي أحسن.و أما العجب و ما ورد في ذمة فقد قدمنا فيه قولا مقنعا.


قوله ع و اسع في كدحك أي أذهب ما اكتسبت بالإنفاق و الكدح هاهنا هو المال الذي كدح في حصوله و السعي فيه إنفاقه و هذه كلمة فصيحة و قد تقدم نظائر قوله و لا تكن خازنا لغيرك.ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون لله إذ هداه لرشده و ذلك لأن هدايته إياه إلى رشده نعمة عظيمة منه فوجب أن يقابل بالخشوع لأنه ضرب من الشكر : وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ أَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ اَلاِرْتِيَادِ وَ قَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ اَلزَّادِ مَعَ خِفَّةِ اَلظَّهْرِ فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ اَلْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلاَ تَجِدُهُ وَ اِغْتَنِمْ مَنِ اِسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً اَلْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ اَلْمُثْقِلِ وَ اَلْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ أَمْراً حَالاً مِنَ اَلْمُسْرِعِ وَ أَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ مَهْبِطَكَ بِهَا لاَ مَحَالَةَ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ وَطِّئِ اَلْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ فَلَيْسَ بَعْدَ اَلْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَ لاَ إِلَى اَلدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ


أمره في هذا الفصل بإنفاق المال و الصدقة و المعروف فقال إن بين يديك طريقا بعيد المسافة شديد المشقة و من سلك طريقا فلا غنى له عن أن يرتاد لنفسه و يتزود من الزاد قدر ما يبلغه الغاية و أن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك فإياك أن تحمل من المال ما يثقلك و يكون وبالا عليك و إذا وجدت من الفقراء و المساكين من يحمل ذلك الثقل عنك فيوافيك به غدا وقت الحاجة فحمله إياه فلعلك تطلب مالك فلا تجده

جاء في الحديث المرفوع خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أوجب له الجنة من سقى هامة صادية أو أطعم كبدا هافية أو كسا جلدة عارية أو حمل قدما حافية أو أعتق رقبة عانية قيل لحاتم الأصم لو قرأت لنا شيئا من القرآن قال نعم فاندفع فقرأ( الم ذلِكَ اَلْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) يكنزون فقالوا أيها الشيخ ما هكذا أنزل قال صدقتم و لكن هكذا أنتم : وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي اَلدُّعَاءِ وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَكَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ


وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ وَ لَمْ يُعَيِّرْكَ بِالْإِنَابَةِ وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ اَلْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ اَلْإِنَابَةِ وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ اَلرَّحْمَةِ بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ اَلذَّنْبِ حَسَنَةً وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ اَلْمَتَابِ وَ بَابَ اَلاِسْتِعْتَابِ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ وَ اِسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ وَ اِسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ اَلْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ اَلْأَبْدَانِ وَ سَعَةِ اَلْأَرْزَاقِ ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ فَمَتَى شِئْتَ اِسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ وَ اِسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ فَلاَ يُقْنِطَنَّكَ يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ فَإِنَّ اَلْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ اَلنِّيَّةِ وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ اَلْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ اَلسَّائِلِ وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ اَلآْمِلِ وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ اَلشَّيْ‏ءَ فَلاَ تُعْطَاهُ تُؤْتَاهُ وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَ لاَ تَبْقَى لَهُ قد تقدم القول في الدعاء.قوله بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة هذا متفق عليه بين أصحابنا و هو أن تارك القبيح لأنه قبيح يستحق الثواب.


قوله حسب سيئتك واحدة و حسب حسنتك عشرا هذا إشارة إلى قوله تعالى( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلاَّ مِثْلَها ) .قوله و أبثثته ذات نفسك أي حاجتك.ثم ذكر له وجوها في سبب إبطاء الإجابة منها أن ذلك أمر عائد إلى النية فلعلها لم تكن خالصة.و منها أنه ربما أخرت ليكون أعظم لأجر السائل لأن الثواب على قدر المشقة.و منها أنه ربما أخرت ليعطي السائل خيرا مما سائل إما عاجلا أو آجلا أو في الحالين.و منها أنه ربما صرف ذلك عن السائل لأن في إعطائه إياه مفسدة في الدين.قوله فالمال لا يبقى لك و لا تبقى له لفظ شريف فصيح و معنى صادق محقق فيه عظة بالغة و قال أبو الطيب:

أين الجبابرة الأكاسرة الألى

كنزوا الكنوز فما بقين و لا بقوا

و يروى من يحجبه عنك.و روى حيث الفضيحة أي حيث الفضيحة موجودة منك.و اعلم أن في قوله قد أذن لك في الدعاء و تكفل لك بالإجابة إشارة إلى قوله تعالى( اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .و في قوله و أمر أن تسأله ليعطيك إشارة إلى قوله( وَ سْئَلُوا اَللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) .


و في قوله و تسترحمه ليرحمك إشارة إلى قوله( وَ ما كانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .و في قوله و لم يمنعك إن أسأت من التوبة إشارة إلى قوله( إِلاَّ مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اَللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) :وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلآْخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا وَ لِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لاَ لِلْحَيَاةِ وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ وَ طَرِيقٍ إِلَى اَلآْخِرَةِ وَ أَنَّكَ طَرِيدُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ وَ لاَ يَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَ لاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالِ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ اَلْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ وَ لاَ يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِ اَلدُّنْيَا إِلَيْهَا وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا فَقَدْ نَبَّأَكَ اَللَّهُ عَنْهَا وَ نَعَتَتْ لَكَ نَفْسَهَا نَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضِ وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا


نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا وَ لاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا سَلَكَتْ بِهِمُ اَلدُّنْيَا طَرِيقَ اَلْعَمَى وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ اَلْهُدَى فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا وَ اِتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا رُوَيْداً يُسْفِرُ اَلظَّلاَمُ كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ اَلْأَظْعَانُ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ يقول هذا منزل قلعة بضم القاف و سكون اللام أي ليس بمستوطن و يقال هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة و يقال أيضا هم على قلعة أي على رحلة و القلعة أيضا هو المال العارية وفي الحديث بئس المال القلعة و كله يرجع إلى معنى واحد.قوله و دار بلغة و البلغة ما يتبلغ به من العيش.قوله سروح عاهة و السروح جمع سرح و هو المال السارح و العاهة الآفة أعاه القوم أصابت ماشيتهم العاهة.و واد وعث لا يثبت الحافر و الخف فيه بل يغيب فيه و يشق على من يمشي فيه.و أوعث القوم وقعوا في الوعث.و مسيم يسيمها راع يرعاها.قوله رويدا يسفر الظلام إلى آخر الفصل ثلاثة أمثال محركة لمن عنده


استعداد و استقرأني أبو الفرج محمد بن عبادرحمه‌الله و أنا يومئذ حدث هذه الوصية فقرأتها عليه من حفظي فلما وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة و سقط و كان جبارا قاسي القلب

أقوال حكيمة في وصف الدنيا و فناء الخلق

و اعلم أنا قدمنا في وصف الدنيا و الفناء و الموت من محاسن كلام الصالحين و الحكماء ما فيه الشفاء و نذكر الآن أشياء آخر.فمن كلام الحسن البصري يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة فإذا مضى يوم مضى بعضك.عن بعض الحكماء رحم الله امرأ لا يغره ما يرى من كثرة الناس فإنه يموت وحده و يقبر وحده و يحاسب وحده.و قال بعضهم لا وجه لمقاساة الهموم لأجل الدنيا و لا الاعتداد بشي‏ء من متاعها و لا التخلي منها أما ترك الاهتمام لها فمن جهة أنه لا سبيل إلى دفع الكائن من مقدورها و أما ترك الاعتداد بها فإن مرجع كل أحد إلى تركها و أما ترك التخلي عنها فإن الآخرة لا تدرك إلا بها.و من كلام بعض الحكماء أفضل اختيار الإنسان ما توجه به إلى الآخرة و أعرض به عن الدنيا و قد تقدمت الحجة و أذنا بالرحيل و لنا من الدنيا على الدنيا دليل و إنما أحدنا في مدة بقائه صريع لمرض أو مكتئب بهم أو مطروق بمصيبة أو مترقب لمخوف لا يأمن المرء أصناف لذته من المطعوم و المشروب أن يكون موته فيه و لا يأمن مملوكه


و جاريته أن يقتلاه بحديد أو سم و هو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال و سمعه من صمم و بصره من عمى و لسانه من خرس و سائر جوارحه من زمانة و نفسه من تلف و ماله من بوار و حبيبه من فراق و كل ذلك يشهد شهادة قطعية أنه فقير إلى ربه ذليل في قبضته محتاج إليه لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه و عمر آخرته بتخريب دنياه و إذا اعترضته بحار المكاره جعل معابرها الصبر و التأسي و لم يغتر بتتابع النعم و إبطاء حلول النقم و أدام صحبة التقي و فطم النفس عن الهوى فإنما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها و لا يمكنه أن يزيد فيها و مثل ذلك يوشك فناؤه و سرعة زواله.و قال أبو العتاهية في ذكر الموت:

ستباشر الترباء خدك

و سيضحك الباكون بعدك

و لينزلن بك البلى

و ليخلفن الموت عهدك

و ليفنينك مثل ما

أفنى أباك بلى و جدك

لو قد رحلت عن القصور

و طيبها و سكنت لحدك

لم تنتفع إلا بفعل

صالح قد كان عندك


و ترى الذين قسمت مالك

بينهم حصصا و كدك

يتلذذون بما جمعت

لهم و لا يجدون فقدك

وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً وَ يَقْطَعُ اَلْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً وَ اِعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي اَلطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِي اَلْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ وَ لاَ كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى اَلرَّغَائِبِ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً وَ لاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اَللَّهُ حُرّاً وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ وَ يُسْرٍ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْرٍ وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا اَلطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ اَلْهَلَكَةِ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ وَ إِنَّ اَلْيَسِيرَ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ وَ أَعْظَمُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ اَلْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ


مثل الكلمة الأولى قول بعض الحكماء وقد نسب أيضا إلى أمير المؤمنين ع أهل الدنيا كركب يسار بهم و هم نيام.قوله فخفضن في الطلب من قول رسول الله ص إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب.و قال الشاعر:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله

عوضا و لو نال الغنى بسؤال

و إذا النوال إلى السؤال قرنته

رجح السؤال و خف كل نوال

و قال آخر:

رددت رونق وجهي عن صحيفته

رد الصقال بهاء الصارم الخذم

و ما أبالي و خير القول أصدقه

حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي

و قال آخر:

و إني لأختار الزهيد على الغنى

و أجزأ بالمال القراح عن المحض

و أدرع الإملاق صبرا و قد أرى

مكان الغنى كي لا أهين له عرضي

و قال أبو محمد اليزيدي في المأمون:

أبقى لنا الله الإمام و زاده

شرفا إلى الشرف الذي أعطاه

و الله أكرمنا بأنا معشر

عتقاء من نعم العباد سواه

و قال آخر:

كيف النهوض بما أوليت من حسن

أم كيف أشكر ما طوقت من نعم


ملكتني ماء وجه كاد يسكبه

ذل السؤال و لم تفجع به هممي

و قال آخر:

لا تحرصن على الحطام فإنما

يأتيك رزقك حين يؤذن فيه

سبق القضاء بقدره و زمانه

و بأنه يأتيك أو يأتيه

و كان يقال ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه.و قال رجل في مجلس فيه قوم من أهل العلم لا أدري ما يحمل من يوقن بالقدر على الحرص على طلب الرزق فقال له أحد الحاضرين يحمله القدر فسكت.أقول لو كنت حاضرا لقلت لو حمله القدر لما نهاه العقلاء عن الحرص و لما مدحوه على العفة و القناعة فإن عاد و قال و أولئك ألجأهم القدر إلى المدح و الذم و الأمر و النهي فقد جعل نفسه و غيره من الناس بل من جميع الحيوانات بمنزلة الجمادات التي يحركها غيرها و من بلغ إلى هذا الحد لا يكلم.و قال الشاعر:

أراك تزيدك الأيام حرصا

على الدنيا كأنك لا تموت

فهل لك غاية إن صرت يوما

إليها قلت حسبي قد رضيت

أبو العتاهية:

أي عيش يكون أطيب من عيش

كفاف قوت بقدر البلاغ

قمرتني الأيام عقلي و مالي

و شبابي و صحتي و فراغي

و أوصى بعض الأدباء ابنه فكتب إليه


كن حسن الظن برب خلقك

بني و احمده على ما رزقك

و اعلم بأن الحرص يطفي رونقك

فجانب الحرص و حسن خلقك

و اصدق و صادق أبدا من صدقك

دار معاديك و مق من ومقك

و اجعل لأعدائك حزما ملقك

و جنبن حشو الكلام منطقك

هذي وصاة والد قد عشقك

وصاة من يقلقه ما أقلقك

أرشدك الله لها و وفقك

أبو العتاهية:

أجل الغنى مما يؤمل أسرع

و أراك تجمع دائما لا تشبع

قل لي لمن أصبحت تجمع دائبا

أ لبعل عرسك لا أبا لك تجمع

و أوصى زياد ابنه عبيد الله عند موته فقال لا تدنسن عرضك و لا تبذلن وجهك و لا تخلقن جدتك بالطلب إلى من إن ردك كان رده عليك عيبا و إن قضى حاجتك جعلها عليك منا و احتمل الفقر بالتنزه عما في أيدي الناس و الزم القناعة بما قسم لك فإن سوء عمل الفقير يضع الشريف و يخمل الذكر و يوجب الحرمان : وَ تَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ وَ حِفْظُ مَا فِي اَلْوِعَاءِ بِشَدِّ اَلْوِكَاءِ وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ وَ مَرَارَةُ اَلْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ اَلطَّلَبِ إِلَى اَلنَّاسِ وَ اَلْحِرْفَةُ مَعَ اَلْعِفَّةَ خَيْرٌ مِنَ اَلْغِنَى مَعَ اَلْفُجُورِ وَ اَلْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ


مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ قَارِنْ أَهْلَ اَلْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ وَ بَايِنْ أَهْلَ اَلشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ بِئْسَ اَلطَّعَامُ اَلْحَرَامُ وَ ظُلْمُ اَلضَّعِيفِ أَفْحَشُ اَلظُّلْمِ إِذَا كَانَ اَلرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ اَلْخُرْقُ رِفْقاً رُبَّمَا كَانَ اَلدَّوَاءُ دَاءً وَ اَلدَّاءُ دَوَاءً وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ اَلنَّاصِحِ وَ غَشَّ اَلْمُسْتَنْصَحُ وَ إِيَّاكَ وَ اَلاِتِّكَالَ عَلَى اَلْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ اَلنَّوْكَى وَ اَلْعَقْلُ حِفْظُ اَلتَّجَارِبِ وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ بَادِرِ اَلْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لاَ كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ وَ مِنَ اَلْفَسَادِ إِضَاعَةُ اَلزَّادِ وَ مَفْسَدَةُ اَلْمَعَادِ وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ اَلتَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ هذا الكلام قد اشتمل على أمثال كثيرة حكمية.أولها قوله تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك و هذا مثل قولهم أنت قادر على أن تجعل صمتك كلاما و لست بقادر على أن تجعل كلامك صمتا و هذا حق لأن الكلام يسمع و ينقل فلا يستطاع إعادته صمتا و الصمت عدم الكلام فالقادر على الكلام قادر على أن يبدله بالكلام و ليس الصمت بمنقول و لا مسموع فيتعذر استدراكه.


و ثانيها قوله حفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في أيدي غيرك هذا مثل قولهم في المثل البخل خير من سؤال البخيل و ليس مراد أمير المؤمنين ع وصايته بالإمساك و البخل بل نهيه عن التفريط و التبذير قال الله تعالى( وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) و أحمق الناس من أضاع ماله اتكالا على مال الناس و ظنا أنه يقدر على الاستخلاف قال الشاعر:

إذا حدثتك النفس أنك قادر

على ما حوت أيدي الرجال فكذب

و ثالثها قوله مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس من هذا أخذ الشاعر قوله:

و إن كان طعم اليأس مرا فإنه

ألذ و أحلى من سؤال الأراذل

و قال البحتري:

و اليأس إحدى الراحتين و لن ترى

تعبا كظن الخائب المغرور

و رابعها قوله الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور و الحرفة بالكسر مثل الحرف بالضم و هو نقصان الحظ و عدم المال و منه قوله رجل محارف بفتح الراء يقول لأن يكون المرء هكذا و هو عفيف الفرج و اليد خير من الغنى مع الفجور و ذلك لأن ألم الحرفة مع العفة و مشقتها إنما هي في أيام قليلة و هي أيام العمر و لذة الغنى إذا كان مع الفجور ففي مثل تلك الأيام يكون و لكن يستعقب عذابا طويلا فالحال الأولى خير لا محالة و أيضا ففي الدنيا خير أيضا للذكر الجميل فيها و الذكر القبيح في الثانية و للمحافظة على المروءة في الأولى و سقوط المروءة في الثانية.


و خامسها قوله المرء أحفظ لسره أي الأولى ألا تبوح بسرك إلى أحد فأنت أحفظ له من غيرك فإن أذعته فانتشر فلا تلم إلا نفسك لأنك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك فغيرك عن حفظ سرك و هو أجنبي أعجز قال الشاعر:

إذا ضاق أصدر المرء عن حفظ سره

فصدر الذي يستودع السر أضيق

و سادسها قوله رب ساع فيما يضره قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبي مسلم لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا.و سابعها قوله من أكثر أهجر يقال أهجر الرجل إذا أفحش في المنطق السوء و الخنى قال الشماخ:

كماجدة الأعراق قال ابن ضرة

عليها كلاما جار فيه و أهجرا

و هذا مثل قولهم من كثر كلامه كثر سقطه و قالوا أيضا قلما سلم مكثار أو أمن من عثار.و ثامنها قوله من تفكر أبصر قالت الحكماء الفكر تحديق العقل نحو المعقول كما أن النظر البصري تحديق البصر نحو المحسوس و كما أن من حدق نحو المبصر و حدقته صحيحة و الموانع مرتفعة لا بد أن يبصره كذلك من نظر بعين عقله و أفكر فكرا صحيحا لا بد أن يدرك الأمر الذي فكر فيه و يناله.و تاسعها قوله قارن أهل الخير تكن معهم و باين أهل الشر تبن عنهم كأن يقال حاجبك وجهك و كاتبك لسانك و جليسك كلك و قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن مقتد


و عاشرها قوله بئس الطعام الحرام هذا من قوله تعالى( إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) .و حادي عشرها قوله ظلم الضعيف أفحش الظلم رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما فقال يا بني كيف لا يسع حلمك من تضربه فلا يمتنع منك و أمر المأمون بإشخاص الخطابي القاص من البصرة فلما مثل بين يديه قال له يا سليمان أنت القائل العراق عين الدنيا و البصرة عين العراق و المربد عين البصرة و مسجدي عين المربد و أنا عين مسجدي و أنت أعور فإن عين الدنيا عوراء قال يا أمير المؤمنين لم أقل ذاك و لا أظن أمير المؤمنين أحضرني لذلك قال بلغني أنك أصبحت فوجدت على سارية من سواري مسجدك

رحم الله عليا إنه كان تقيا

فأمرت بمحوه قال يا أمير المؤمنين كان و لقد كان نبيا فأمرت بإزالته فقال كذبت كانت القاف أصح من عينك الصحيحة ثم قال و الله لو لا أن أقيم لك عند العامة سوقا لأحسنت تأديبك قال يا أمير المؤمنين قد ترى ما أنا عليه من الضعف و الزمانة و الهرم و قلة البصر فإن عاقبتني مظلوما فاذكر قول ابن عمك علي ع ظلم الضعيف أفحش الظلم و إن عاقبتني بحق فاذكر أيضا قوله لكل شي‏ء رأس و الحلم رأس السؤدد فنهض المأمون من مجلسه و أمر برده إلى البصرة و لم يصله بشي‏ء و لم يحضر أحد قط مجلس المأمون إلا وصله عدا الخطابي و ليس هذا هو المحدث الحافظ المشهور ذاك أبو سليمان أحمد بن محمد بن أحمد البستي كان في أيام المطيع و الطائع و هذا قاص بالبصرة كان يقال له أبو زكريا سليمان بن محمد البصري.و ثاني عاشرها قوله إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا يقول إذا كان استعمال


الرفق مفسدة و زيادة في الشر فلا تستعمله فإنه حينئذ ليس برفق بل هو خرق و لكن استعمل الخرق فإنه يكون رفقا و الحالة هذه لأن الشر لا يلقى إلا بشر مثله قال عمرو ابن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و في المثل إن الحديد بالحديد يفلج.و قال زهير:

و من لا يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم و من لا يظلم الناس يظلم

و قال أبو الطيب:

و وضع الندى في موضع السيف بالعلى

مضر كوضع السيف في موضع الندى

و ثالث عشرها قوله و ربما كان الدواء داء و الداء دواء هذا مثل قول أبي الطيب:

ربما صحت الأجسام بالعلل

و مثله قول أبي نواس

و داوني بالتي كانت هي الداء

و مثل قول الشاعر:

تداويت من ليلى بليلى فلم يكن

دواء و لكن كان سقما مخالفا

و رابع عشرها قوله ربما نصح غير الناصح و غش المستنصح كان المغيرة بن شعبة يبغض عليا ع منذ أيام رسول الله ص و تأكدت


بغضته إلى أيام أبي بكر و عثمان و عمر و أشار عليه يوم بويع بالخلافة أن يقر معاوية على الشام مدة يسيرة فإذا خطب له بالشام و توطأت دعوته دعاه إليه كما كان عمر و عثمان يدعوانه إليهما و صرفه فلم يقبل و كان ذلك نصيحة من عدو كاشح.و استشار الحسين ع عبد الله بن الزبير و هما بمكة في الخروج عنها و قصد العراق ظانا أنه ينصحه فغشه و قال له لا تقم بمكة فليس بها من يبايعك و لكن دونك العراق فإنهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحدا فخرج إلى العراق حتى كان من أمره ما كان.و خامس عشرها قوله إياك و الاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى جمع أنوك و هو الأحمق من هذا أخذ أبو تمام قوله:

من كان مرعى عزمه و همومه

روض الأماني لم يزل مهزولا

و من كلامهم ثلاثة تخلق العقل و هو أوضح دليل على الضعف طول التمني و سرعة الجواب و الاستغراب في الضحك و كان يقال التمني و الحلم سيان و قال آخر شرف الفتى ترك المنى.و سادس عشرها قوله العقل حفظ التجارب من هذا أخذ المتكلمون قولهم العقل نوعان غريزي و مكتسب فالغريزي العلوم البديهية و المكتسب ما أفادته التجربة و حفظته النفس.و سابع عشرها قوله خير ما جربت ما وعظك مثل هذا قول أفلاطون إذا لم تعظك التجربة فلم تجرب بل أنت ساذج كما كنت.و ثامن عشرها قوله بادر الفرصة قبل أن تكون غصة حضر عبيد الله بن زياد عند هانئ بن عروة عائدا و قد كمن له مسلم بن عقيل و أمره أن يقتله إذا جلس


و استقر فلما جلس جعل مسلم يؤامر نفسه و يريدها على الوثوب به فلم تطعه و جعل هانئ ينشد كأنه يترنم بالشعر

ما الانتظار بسلمى لا تحييها

و يكرر ذلك فأوجس عبيد الله خيفة و نهض فعاد إلى قصر الإمارة و فات مسلما منه ما كان يؤمله بإضاعة الفرصة حتى صار أمره إلى ما صار و تاسع عشرها قوله ليس كل طالب يصيب و لا كل غائب يثوب الأولى كقول القائل:

ما كل وقت ينال المرء ما طلبا

و لا يسوغه المقدار ما وهبا

و الثانية كقول عبيد:

و كل ذي غيبة يئوب

و غائب الموت لا يئوب

العشرون قوله من الفساد إضاعة الزاد و مفسدة المعاد و لا ريب أن من كان في سفر و أضاع زاده و أفسد الحال التي يعود إليها فإنه أحمق و هذا مثل ضربه للإنسان في حالتي دنياه و آخرته.الحادي و العشرون قوله و لكل أمر عاقبة هذا مثل المثل المشهور لكل سائلة قرار.الثاني و العشرون قوله سوف يأتيك ما قدر لك هذا من

قول رسول الله ص و إن يقدر لأحدكم رزق في قبة جبل أو حضيض بقاع يأته.الثالث و العشرون قوله التاجر مخاطر هذا حق لأنه يتعجل بإخراج الثمن و لا يعلم هل يعود أم لا و هذا الكلام ليس على ظاهره بل له باطن و هو أن من مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السيئة مثل قوله( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً )


فإنه مخاطر لأنه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفر تلك السيئات و المراد أنه لا يجوز للمكلف أن يفعل إلا الطاعة أو المباح.الرابع و العشرون قوله رب يسير أنمى من كثير قد جاء في الأثر قد يجعل الله من القليل الكثير و يجعل من الكثير البركة و قال الفرزدق:

فإن تميما قبل أن يلد الحصى

أقام زمانا و هو في الناس واحد

و قال أبو عثمان الجاحظ رأينا بالبصرة أخوين كان أبوهما يحب أحدهما و يبغض الآخر فأعطى محبوبه يوم موته كل ماله و كان أكثر من مائتي ألف درهم و لم يعط الآخر شيئا و كان يتجر في الزيت و يكتسب منه ما يصرفه في نفقة عياله ثم رأينا أولاد الأخ الموسر بعد موت الأخوين من عائلة ولد الأخ المعسر يتصدقون عليهم من فواضل أرزاقهم : لاَ خَيْرَ فِي مُعِينٍ مُهِينٍ مَهِينٍ وَ لاَ فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ سَاهِلِ اَلدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ وَ لاَ تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اَللَّجَاجِ اِحْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى اَلصِّلَةِ وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اَللُّطْفِ وَ اَلْمُقَارَبَةِ وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى اَلْبَذْلِ وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى اَلدُّنُوِّ وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اَللِّينِ وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى اَلْعُذْرِ حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ


وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ وَ اِمْحَضْ أَخَاكَ اَلنَّصِيحَةَ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً وَ تَجَرَّعِ اَلْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَ لاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحَدُ أَحْلَى اَلظَّفَرَيْنِ وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبِقْ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ وَ لاَ تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اِتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ وَ لاَ يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى اَلْخَلْقِ بِكَ وَ لاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ وَ لاَ يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ وَ لاَ تَكُونَنَّ عَلَى اَلْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى اَلْإِحْسَانِ وَ لاَ يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ هذا الفصل قد اشتمل على كثير من الأمثال الحكمية.فأولها قوله لا خير في معين مهين و لا في صديق ظنين مثل الكلمة الأولى قولهم:

إذا تكفيت بغير كاف

وجدته للهم غير شاف

و من الكلمة الثانية أخذ الشاعر قوله:

فإن من الإخوان من شحط النوى

به و هو راع للوصال أمين

و منهم صديق العين أما لقاؤه

فحلو و أما غيبه فظنين


و ثانيها قوله ساهل الدهر ما ذلك لك قعوده هذا استعارة و القعود البكر حين يمكن ظهره من الركوب إلى أن يثني و مثل هذا المعنى قولهم في المثل من ناطح الدهر أصبح أجم.و مثله

و در مع الدهر كيفما دارا

و مثله:

و من قامر الأيام عن ثمراتها

فأحر بها أن تنجلي و لها القمر

و مثله:

إذا الدهر أعطاك العنان فسر به

رويدا و لا تعنف فيصبح شامسا

و ثالثها قوله لا تخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه هذا مثل قولهم من طلب الفضل حرم الأصل.و رابعها قوله إياك و أن تجمح بك مطية اللجاج هذا استعارة و في المثل ألج من خنفساء و ألج من زنبور و كان يقال اللجاج من القحة و القحة من قلة الحياء و قلة الحياء من قلة المروءة و في المثل لج صاحبك فحج.و خامسها قوله احمل نفسك من أخيك إلى قوله أو تفعله بغير أهله اللطف بفتح اللام و الطاء الاسم من ألطفه بكذا أي بره به و جاءتنا لطفة من فلان أي هدية و الملاطفة المبارة و روي عن اللطف و هو الرفق للأمر و المعنى أنه أوصاه إذا قطعه أخوه أن يصله و إذا جفاه أن يبره و إذا بخل عليه أن يجود عليه إلى آخر الوصاة.ثم قال له لا تفعل ذلك مع غير أهله قال الشاعر


و أن الذي بيني و بين بني أبي

و بين بني أمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم

و إن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

و إن زجروا طيرا بنحس تمر بي

زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

و لا أحمل الحقد القديم عليهم

و ليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

و قال الشاعر:

إني و إن كان ابن عمي كاشحا

لمقاذف من خلفه و ورائه

و مفيده نصري و إن كان امرأ

متزحزحا في أرضه و سمائه

و أكون والي سره و أصونه

حتى يحق علي وقت أدائه

و إذا الحوادث أجحفت بسوامه

قرنت صحيحتنا إلى جربائه

و إذا دعا باسمي ليركب مركبا

صعبا قعدت له على سيسائه

و إذا أجن فليقة في خدره

لم أطلع مما وراء خبائه

و إذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل

يا ليت أن علي فضل ردائه

و سادسها قوله لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك قد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا قال بعضهم:

إذا صافى صديقك من تعادي

فقد عاداك و انقطع الكلام

و قال آخر:

صديق صديقي داخل في صداقتي

و خصم صديقي ليس لي بصديق

و قال آخر:

تود عدوي ثم تزعم أنني

صديقك إن الرأي عنك لعازب


و سابعها قوله و امحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة ليس يعني ع بقبيحة هاهنا القبيح الذي يستحق به الذم و العقاب و إنما يريد نافعة له في العاجل كانت أو ضارة له في الأجل فعبر عن النفع و الضرر بالحسن و القبيح كقوله تعالى( وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ) .و قد فسره قوم فقالوا أراد كانت نافعة لك أو ضارة لك و يحتمل تفسير آخر و هو وصيته إياه أن يمحض أخاه النصيحة سواء كانت مما لا يستحيا من ذكرها و شياعها أو كانت مما يستحيا من ذكرها و استفاضتها بين الناس كمن ينصح صديقه في أهله و يشير عليه بفراقهم لفجور اطلع عليه منهم فإن الناس يسمون مثل هذا إذا شاع قبيحا.و ثامنها قوله تجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة و لا ألذ مغبة هذا مثل قولهم الحلم مرارة ساعة و حلاوة الدهر كله و كان يقال التذلل للناس مصايد الشرف.

قال المبرد في الكامل أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي ع فقال يا بني عليك بتجرع الغيظ من الرجال فإن أباك لا يسره بنصيبه من تجرع الغيظ من الرجال حمر النعم و الحلم أعز ناصرا و أكثر عددا.و تاسعها قوله لن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك هذا مثل المثل المشهور إذا عز أخوك فهن و الأصل في هذا قوله تعالى( اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .و عاشرها قوله خذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين هذا معنى مليح و منه قول ابن هانئ في المعز


ضراب هام الروم منتقما و في

أعناقهم من جوده أعباء

لو لا انبعاث السيف و هو مسلط

في قتلهم قتلتهم النعماء

و كنت كاتبا بديوان الخلافة و الوزير حينئذ نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقدرحمه‌الله فوصل إلى حضرة الديوان في سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة محمد بن محمد أمير البحرين على البر ثم وصل بعده الهرمزي صاحب هرمز في دجلة بالمراكب البحرية و هرمز هذه فرضة في البحر نحو عمان و امتلأت بغداد من عرب محمد بن محمد و أصحاب الهرمزي و كانت تلك الأيام أياما غراء زاهرة لما أفاض المستنصر على الناس من عطاياه و الوفود تزدحم من أقطار الأرض على أبواب ديوانه فكتبت يوم دخول الهرمزي إلى الوزير أبياتا سنحت على البديهة و أنا متشاغل بما كنت فيه من مهام الخدمة و كانرحمه‌الله لا يزال يذكرها و ينشدها و يستحسنها:

يا أحمد بن محمد أنت الذي

علقت يداه بأنفس الأعلاق

ما أملت بغداد قبلك أن ترى

أبدا ملوك البحر في الأسواق

ولهوا عليها غيرة و تنافسوا

شغفا بها كتنافس العشاق

و غدت صلاتك في رقاب سراتهم

و نداك كالأطواق في الأعناق

بسديد رأيك أصلحت جمحاتهم

و تألفوا من بعد طول شقاق

لله همه ماجد لم تعتلق

بسحيل آراء و لا أحذاق

جلب السلاهب من أراك و بعدها

جلب المراكب من جزيرة واق

هذا العداء هو العداء فعد عن

قول ابن حجر في لأى و عناق

و أظنه و الظن علم أنه

سيجيئنا بممالك الآفاق

إما أسير صنيعة في جيده

بالجود غل أو أسير وثاق


لا زال في ظل الخليفة ما له

فان و سودده المعظم باق

و حادي عشرها قوله إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا ذلك له يوما هذا مثل قولهم أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما و أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما و ما كان يقال إذا هويت فلا تكن غاليا و إذا تركت فلا تكن قاليا.و ثاني عشرها قوله من ظن خيرا فصدق ظنه كثير من أرباب الهمم يفعلون هذا يقال لمن قد شدا طرفا من العلم هذا عالم هذا فاضل فيدعوه ما ظن فيه من ذلك إلى تحقيقه فيواظب على الاشتغال بالعلم حتى يصير عالما فاضلا حقيقة و كذلك يقول الناس هذا كثير العبادة هذا كثير الزهد لمن قد شرع في شي‏ء من ذلك فتحمله أقوال الناس على الالتزام بالزهد و العبادة.و ثالث عشرها قوله و لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك و بينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه من هذا النحو قول الشاعر:

إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم

تدلون إدلال المقيم على العهد

صلوا و افعلوا فعل المدل بوصله

و إلا فصدوا و افعلوا فعل ذي الصدى

و كان يقال إضاعة الحقوق داعية العقوق.و رابع عشرها قوله لا ترغبن فيمن زهد فيك الرغبة في الزاهد هي الداء العياء قال العباس بن الأحنف:

ما زلت أزهد في مودة راغب

حتى ابتليت برغبة في زاهد

هذا هو الداء الذي ضاقت به

حيل الطبيب و طال يأس العائد


و قد قال الشعراء المتقدمون و المتأخرون فأكثروا نحو قولهم:

و في الناس إن رثت حبالك واصل

و في الأرض عن دار القلى متحول

و قول تأبط شرا:

إني إذا خلة ضنت بنائلها

و أمسكت بضعيف الحبل أحذاقي

نجوت منها نجائي من بجيلة إذ

ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقي

و خامس عشرها قوله لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته و لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان هذا أمر له بأن يصل من قطعه و أن يحسن إلى من أساء إليه.ظفر المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بكتب قد كتبها محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ع إلى أهل الكرخ و غيرهم من أعمال أصفهان يدعوهم فيها إلى نفسه فأحضرها بين يديه و دفعها إليه و قال له أ تعرف هذه فأطرق خجلا فقال له أنت آمن و قد وهبت هذا الذنب لعلي و فاطمة ع فقم إلى منزلك و تخير ما شئت من الذنوب فإنا نتخير لك مثل ذلك من العفو.و سادس عشرها قوله لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته و نفعك و ليس جزاء من سرك أن تسوءه

جاء في الخبر المرفوع إنه ص سمع عائشة تدعو على من سرق عقدا لها فقال لها لا تمسحي عنه بدعائك أي لا تخففي عذابه و قوله ع و ليس جزاء من سرك أن تسوءه يقول لا تنتقم ممن ظلمك فإنه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك و ليس جزاء من ينفع إنسانا أن يسي‏ء إليه و هذا مقام جليل


لا يقدر عليه إلا الأفراد من الأولياء الأبرار و قبض بعض الجبابرة على قوم صالحين فحبسهم و قيدهم فلما طال عليهم الأمر زفر بعضهم زفرة شديدة و دعا على ذلك الجبار فقال له بعض أولاده و كان أفضل أهل زمانه في العبادة و كان مستجاب الدعوة لا تدع عليه فتخفف عن عذابه قالوا يا فلان أ لا ترى ما بنا و بك لا يأنف ربك لنا قال إن لفلان مهبطا في النار لم يكن ليبلغه إلا بما ترون و إن لكم لمصعدا في الجنة لم تكونوا لتبلغوه إلا بما ترون قالوا فقد نال منا العذاب و الحديد فادع الله لنا أن يخلصنا و ينقذنا مما نحن فيه قال إني لأظن أني لو فعلت لفعل و لكن و الله لا أفعل حتى أموت هكذا فألقى الله فأقول له أي رب سل فلانا لم فعل بي هذا و من الناس من يجعل قوله ع و ليس جزاء من سرك أن تسوءه كلمة مفردة مستقلة بنفسها ليست من تمام الكلام الأول و الصحيح ما ذكرناه.و سابع عشرها و من حقه أن يقدم ذكره قوله و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك هذا كما يقال في المثل من شؤم الساحرة أنها أول ما تبدأ بأهلها و المراد من هذه الكلمة النهي عن قطيعة الرحم و إقصاء الأهل و حرمانهم وفي الخبر المرفوع صلوا أرحامكم و لو بالسلام : وَ اِعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ اَلرِّزْقَ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ مَا أَقْبَحَ اَلْخُضُوعَ عِنْدَ اَلْحَاجَةِ وَ اَلْجَفَاءَ عِنْدَ اَلْغِنَى إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ وَ إِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ


اِسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ فَإِنَّ اَلْأُمُورَ أَشْبَاهٌ وَ لاَ تَكُونَنَّ مِمَّنْ لاَ تَنْفَعُهُ اَلْعِظَةُ إِلاَّ إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلاَمِهِ فَإِنَّ اَلْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآْدَابِ وَ اَلْبَهَائِمَ لاَ تَتَّعِظُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ.اِطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ اَلْهُمُومِ بِعَزَائِمِ اَلصَّبْرِ وَ حُسْنِ اَلْيَقِينِ مَنْ تَرَكَ اَلْقَصْدَ جَارَ وَ اَلصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ وَ اَلصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ وَ اَلْهَوَى شَرِيكُ اَلْعَمَى وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ وَ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ وَ اَلْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ مَنْ تَعَدَّى اَلْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ قَدْ يَكُونُ اَلْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ اَلطَّمَعُ هَلاَكاً لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لاَ كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ اَلْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ اَلْأَعْمَى رُشْدَهُ أَخِّرِ اَلشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ وَ قَطِيعَةُ اَلْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ اَلْعَاقِلِ مَنْ أَمِنَ اَلزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ إِذَا تَغَيَّرَ اَلسُّلْطَانُ تَغَيَّرَ اَلزَّمَانُ سَلْ عَنِ اَلرَّفِيقِ قَبْلَ اَلطَّرِيقِ وَ عَنِ اَلْجَارِ قَبْلَ اَلدَّارِ


في بعض الروايات اطرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر و كرم العزاء قد مضى لنا كلام شاف في الرزق.و روى أبو حيان قال رفع الواقدي إلى المأمون رقعة يذكر فيها غلبة الدين عليه و كثرة العيال و قلة الصبر فوقع المأمون عليها أنت رجل فيك خلتان السخاء و الحياء فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك و أما الحياء فهو الذي بلغ بك إلى ما ذكرت و قد أمرنا لك بمائة ألف درهم فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك و إن كنا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك و أنت كنت حدثتني و أنت على قضاء الرشيد

عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك إن رسول الله ص قال للزبير يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش ينزل الله تعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر له و من قلل قلل له قال الواقدي و كنت أنسيت هذا الحديث و كانت مذاكرته إياي به أحب من صلته.و اعلم أن هذا الفصل يشتمل على نكت كثيرة حكمية منها قوله الرزق رزقان رزق تطلبه و رزق يطلبك و هذا حق لأن ذلك إنما يكون على حسب ما يعلمه الله تعالى من مصلحة المكلف فتارة يأتيه الرزق بغير اكتساب و لا تكلف حركة و لا تجشم سعي و تارة يكون الأمر بالعكس.دخل عماد الدولة أبو الحسن بن بويه شيراز بعد أن هزم ابن ياقوت عنها و هو فقير


لا مال له فساخت إحدى قوائم فرسه في الصحراء في الأرض فنزل عنها و ابتدرها غلمانه فخلصوها فظهر لهم في ذلك الموضع نقب وسيع فأمرهم بحفرة فوجدوا فيه أموالا عظيمة و ذخائر لابن ياقوت ثم استلقى يوما آخر على ظهره في داره بشيراز التي كان ابن ياقوت يسكنها فرأى حية في السقف فأمر غلمانه بالصعود إليها و قتلها فهربت منهم و دخلت في خشب الكنيسة فأمر أن يقلع الخشب و تستخرج و تقتل فلما قلعوا الخشب وجدوا فيه أكثر من خمسين ألف دينار ذخيرة لابن ياقوت.و احتاج أن يفصل و يخيط ثيابا له و لأهله فقيل هاهنا خياط حاذق كان يخيط لابن ياقوت و هو رجل منسوب إلى الدين و الخير إلا أنه أصم لا يسمع شيئا أصلا فأمر بإحضاره فأحضر و عنده رعب و هلع فلما أدخله إليه كلمه و قال أريد أن تخيط لنا كذا و كذا قطعة من الثياب فارتعد الخياط و اضطرب كلامه و قال و الله يا مولانا ما له عندي إلا أربعة صناديق ليس غيرها فلا تسمع قول الأعداء في فتعجب عماد الدولة و أمر بإحضار الصناديق فوجدها كلها ذهبا و حليا و جواهر مملوءة وديعة لابن ياقوت.و أما الرزق الذي يطلبه الإنسان و يسعى إليه فهو كثير جدا لا يحصى و منها قوله ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغنى هذا من قول الله تعالى( حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ اَلْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ) .و من الشعر الحكمي في هذا الباب قول الشاعر:

خلقان لا أرضاهما لفتى

تيه الغنى و مذلة الفقر


فإذا غنيت فلا تكن بطرا

و إذا افتقرت فته على الدهر

و منها قوله إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك هذا من كلام رسول الله ص يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت.و قال أبو العتاهية:

ليس للمتعب المكادح من دنياه

إلا الرغيف و الطمران

و منها قوله و إن كنت جازعا على ما تفلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك يقول لا ينبغي أن تجزع على ما ذهب من مالك كما لا ينبغي أن تجزع على ما فاتك من المنافع و المكاسب فإنه لا فرق بينهما إلا أن هذا حصل و ذاك لم يحصل بعد و هذا فرق غير مؤثر لأن الذي تظن أنه حاصل لك غير حاصل في الحقيقة و إنما الحاصل على الحقيقة ما أكلته و لبسته و أما القنيات و المدخرات فلعلها ليست لك كما قال الشاعر:

و ذي إبل يسقي و يحسبها له

أخي تعب في رعيها و دءوب

غدت و غدا رب سواه يسوقها

و بدل أحجارا و جال قليب

و منها قوله استدل على ما لم يكن بما كان فإن للأمور أشباها يقال إذا شئت أن تنظر للدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك.و قال أبو الطيب في سيف الدولة:

ذكي تظنيه طليعة عينه

يرى قلبه في يومه ما يرى غدا

و منها قوله و لا تكونن ممن لا تنفعه العظة...إلى قوله إلا بالضرب هو قول الشاعر:


العبد يقرع بالعصا

و الحر تكفيه الملامة

و كان يقال اللئيم كالعبد و العبد كالبهيمة عتبها ضربها.و منها قوله اطرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر و كرم العزاء هذا كلام شريف فصيح عظيم النفع و الفائدة و قد أخذ عبد الله بن الزبير بعض هذه الألفاظ فقال في خطبته لما ورد عليه الخبر بقتل مصعب أخيه لقد جاءنا من العراق خبر أحزننا و سرنا جاءنا خبر قتل مصعب فأما سرورنا فلأن ذلك كان له شهادة و كان لنا إن شاء الله خيرة و أما الحزن فلوعة يجدها الحميم عند فراق حميمه ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى حسن الصبر و كرم العزاء.و منها قوله من ترك القصد جار القصد الطريق المعتدل يعني أن خير الأمور أوسطها فإن الفضائل تحيط بها الرذائل فمن تعدى هذه يسيرا وقع في هذه.و منها قوله الصاحب مناسب كان يقال الصديق نسيب الروح و الأخ نسيب البدن قال أبو الطيب:

ما الخل إلا من أود بقلبه

و أرى بطرف لا يرى بسوائه

و منها قوله الصديق من صدق غيبه من هاهنا أخذ أبو نواس قوله في المنهوكة:

هل لك و الهل خبر

فيمن إذا غبت حضر

أو ما لك اليوم أثر

فإن رأى خيرا شكر

أو كان تقصير عذر

و منها قوله الهوى شريك العمى هذا مثل قولهم حبك الشي‏ء يعمي و يصم قال الشاعر:


و عين الرضا عن كل عيب كليلة

كما أن عين السخط تبدي المساويا

و منها قوله رب بعيد أقرب من قريب و قريب أبعد من بعيد هذا معنى مطروق قال الشاعر:

لعمرك ما يضر البعد يوما

إذا دنت القلوب من القلوب

و قال الأحوص:

إني لأمنحك الصدود و إنني

قسما إليك مع الصدود لأميل

و قال البحتري:

و نازحة و الدار منها قريبة

و ما قرب ثاو في التراب مغيب

و منها قوله و الغريب من لم يكن له حبيب يريد بالحبيب هاهنا المحب لا المحبوب قال الشاعر:

أسرة المرء والداه و فيما

بين جنبيهما الحياة تطيب

و إذا وليا عن المرء يوما

فهو في الناس أجنبي غريب

و منها قوله من تعدى الحق ضاق بمذهبه يريد بمذهبه هاهنا طريقته و هذه استعارة و معناه أن طريق الحق لا مشقة فيها لسالكها و طرق الباطل فيها المشاق و المضار و كان سالكها سالك طريقة ضيقة يتعثر فيها و يتخبط في سلوكها.و منها قوله من اقتصر على قدره كان أبقى له هذا مثل قوله رحم الله امرأ عرف قدره و لم يتعد طوره وقال من جهل قدره قتل نفسه و قال أبو الطيب:

و من جهلت نفسه قدره

رأى غيره منه ما لا يرى


و منها قوله أوثق سبب أخذت به سبب بينك و بين الله سبحانه هذا من قول الله تعالى( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقى‏ لاَ اِنْفِصامَ لَها ) .و منها قوله فمن لم يبالك فهو عدوك أي لم يكترث بك و هذه الوصاة خاصة بالحسن ع و أمثاله من الولاة و أرباب الرعايا و ليست عامة للسوقة من أفناء الناس و ذلك لأن الوالي إذا أنس من بعض رعيته أنه لا يباليه و لا يكترث به فقد أبدى صفحته و من أبدى لك صفحته فهو عدوك و أما غير الوالي من أفناء الناس فليس أحدهم إذا لم يبال الآخر بعدو له.و منها قوله قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا هذا مثل قول القائل:

من عاش لاقى ما يسوء

من الأمور و ما يسر

و لرب حتف فوقه

ذهب و ياقوت و در

و المعنى ربما كان بلوغ الأمل في الدنيا و الفوز بالمطلوب منها سببا للهلاك فيها و إذا كان كذلك كان الحرمان خيرا من الظفر.و منها قوله ليس كل عورة تظهر و لا كل فرصة تصاب يقول قد تكون عورة العدو مستترة عنك فلا تظهر و قد تظهر لك و لا يمكنك إصابتها.و قال بعض الحكماء الفرصة نوعان فرصة من عدوك و فرصة في غير عدوك فالفرصة من عدوك ما إذا بلغتها نفعتك و إن فاتتك ضرتك و في غير عدوك ما إذا أخطأك نفعه لم يصل إليك ضره.


و منها قوله فربما أخطأ البصير قصده و أصاب الأعمى رشده من هذا النحو قولهم في المثل مع الخواطئ سهم صائب و قولهم رمية من غير رام و قالوا في مثل اللفظة الأولى الجواد يكبو و الحسام قد ينبو و قالوا قد يهفو الحليم و يجهل العليم.و منها قوله أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته مثل هذا قولهم في الأمثال الطفيلية كل إذا وجدت فإنك على الجوع قادر و من الأمثال الحكمية ابدأ بالحسنة قبل السيئة فلست بمستطيع للحسنة في كل وقت و أنت على الإساءة متى شئت قادر.و منها قوله قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل هذا حق لأن الجاهل إذا قطعك انتفعت ببعده عنك كما تنتفع بمواصلة الصديق العاقل لك و هذا كما يقول المتكلمون عدم المضرة كوجود المنفعة و يكاد أن يبتني على هذا قولهم كما أن فعل المفسدة قبيح من البارئ فالإخلال باللطف منه أيضا يجب أن يكون قبيحا.و منها قوله من أمن الزمان خانه و من أعظمه أهانه مثل الكلمة الأولى قول الشاعر:

و من يأمن الدنيا يكن مثل قابض

على الماء خانته فروج الأنامل

و قالوا احذر الدنيا ما استقامت لك و من الأمثال الحكمية من أمن الزمان ضيع ثغرا مخوفا و مثل الكلمة الثانية قولهم الدنيا كالأمة اللئيمة المعشوقة كلما ازددت لها عشقا و عليها تهالكا ازدادت إذلالا و عليك شطاطا.و قال أبو الطيب:

و هي معشوقة على الغدر لا تحفظ

عهدا و لا تتمم وصلا


شيم الغانيات فيها فلا أدري

لذا أنث اسمها الناس أم لا

و منها قوله ليس كل من رمى أصاب هذا معنى مشهور قال أبو الطيب:

ما كل من طلب المعالي نافذا

فيها و لا كل الرجال فحولا

و منها قوله إذا تغير السلطان تغير الزمان في كتب الفرس أن أنوشروان جمع عمال السواد و بيده درة يقلبها فقال أي شي‏ء أضر بارتفاع السواد و أدعى إلى محقه أيكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرة في فيه فقال بعضهم انقطاع الشرب و قال بعضهم احتباس المطر و قال بعضهم استيلاء الجنوب و عدم الشمال فقال لوزيره قل أنت فإني أظن عقلك يعادل عقول الرعية كلها أو يزيد عليها قال تغير رأي السلطان في رعيته و إضمار الحيف لهم و الجور عليهم فقال لله أبوك بهذا العقل أهلك آبائي و أجدادي لما أهلوك له و دفع إليه الدرة فجعلها في فيه.و منها قوله سل عن الرفيق قبل الطريق و عن الجار قبل الدار و قد روي هذا الكلام مرفوعا و في المثل جار السوء كلب هارش و أفعى ناهش.و في المثل الرفيق إما رحيق أو حريق : إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ اَلْكَلاَمِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ


وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ اَلنِّسَاءِ فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ وَ اُكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ فَإِنَّ شِدَّةَ اَلْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ وَ لاَ تُمَلِّكِ اَلْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا فَإِنَّ اَلْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ وَ لاَ تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا وَ لاَ تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا وَ إِيَّاكَ وَ اَلتَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو اَلصَّحِيحَةَ إِلَى اَلسَّقَمِ وَ اَلْبَرِيئَةَ إِلَى اَلرِّيَبِ وَ اِجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلاَّ يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ اَلَّذِي بِهِ تَطِيرُ وَ أَصْلُكَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ وَ يَدُكَ اَلَّتِي بِهَا تَصُولُ اِسْتَوْدِعِ اَللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ وَ اِسْأَلْهُ خَيْرَ اَلْقَضَاءِ لَكَ فِي اَلْعَاجِلَةِ وَ اَلآْجِلَةِ وَ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةِ وَ اَلسَّلاَمُ نهاه أن يذكر من الكلام ما كان مضحكا لأن ذلك من شغل أرباب الهزل و البطالة و قل أن يخلو ذلك من غيبة أو سخرية ثم قال و إن حكيت ذلك عن غيرك فإنه كما يستهجن الابتداء بذلك يستهجن حكايته عن الغير و ذلك كلام فصيح أ لا ترى أنه لا يجوز الابتداء بكلمة الكفر و يكره أيضا حكايتها و قال عمر لما نهاه


رسول الله ص أن يحلف بالله فما حلفت به ذاكرا و لا آثرا و لا حاكيا.و كان يقال من مازح استخف به و من كثر ضحكه قلت هيبته.فأما مشاورة النساء فإنه من فعل عجزة الرجال قال الفضل بن الربيع أيام الحرب بين الأمين و المأمون في كلام يذكر فيه الأمين و يصفه بالعجز ينام نوم الظربان و ينتبه انتباهة الذئب همه بطنه و لذته فرجه لا يفكر في زوال نعمة و لا يروي في إمضاء رأي و لا مكيدة قد شمر له عبد الله عن ساقه و فوق له أشد سهامه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ و الموت القاصد قد عبى له المنايا على متون الخيل و ناط له البلايا بأسنة الرماح و شفار السيوف فكأنه هو قال هذا الشعر و وصف به نفسه و أخاه:

يقارع أتراك ابن خاقان ليله

إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم

فيصبح من طول الطراد و جسمه

نحيل و أضحي في النعيم أصمم

و همي كأس من عقار و قينة

و همته درع و رمح و مخذم

فشتان ما بيني و بين ابن خالد

أمية في الرزق الذي الله يقسم

و نحن معه نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا و إن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا و إنما نحن شعب من أصل إن قوي قوينا و إن ضعف ضعفنا إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء يشاور النساء و يعتزم على الرؤيا قد أمكن أهل الخسارة و اللهو من سمعه فهم يمنونه الظفر و يعدونه عقب الأيام و الهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل.قوله ع فإن رأيهن إلى أفن الأفن بالسكون النقص و المتأفن


المتنقص يقال فلان يتأفن فلانا أي يتنقصه و يعيبه و من رواه إلى أفن بالتحريك فهو ضعف الرأي أفن الرجل يأفن أفنا أي ضعف رأيه و في المثل إن الرقين تغطي أفن الأفين و الوهن الضعف.قوله و اكفف عليهن من أبصارهن من هاهنا زائدة و هو مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الموجب و يجوز أن يحمل على مذهب سيبويه فيعنى به فاكفف عليهن بعض أبصارهن.ثم ذكر فائدة الحجاب و نهاه أن يدخل عليهن من لا يوثق به و قال إن خروجهن أهون من ذلك و ذلك لأن من تلك صفته يتمكن من الخلوة ما لا يتمكن منه من يراهن في الطرقات.ثم قال إن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل كان لبعضهم بنت حسناء فحج بها و كان يعصب عينيها و يكشف للناس وجهها فقيل له في ذلك فقال إنما الحذر من رؤيتها الناس لا من رؤية الناس لها.قال و لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها أي لا تدخلها معك في تدبير و لا مشورة و لا تتعدين حال نفسها و ما يصلح شأنها.فإن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة أي إنما تصلح للمتعة و اللذة و ليست وكيلا في مال و لا وزيرا في رأي.ثم أكد الوصية الأولى فقال لا تعد بكرامتها نفسها هذا هو قوله و لا تملكها من أمرها ما جاوز نفسها.ثم نهاه أن يطمعها في الشفاعات.


و روى الزبير بن بكار قال كانت الخيزران كثيرا ما تكلم موسى ابنها لما استخلف في الحوائج و كان يجيبها إلى كل ما تسأل حتى مضت أربعة أشهر من خلافته و تتألى الناس عليها و طمعوا فيها فكانت المواكب تغدو إلى بابها و كلمته يوما في أمر فلم يجد إلى إجابتها سبيلا و احتج عليها بحجة فقالت لا بد من إجابتي فقال لا أفعل قالت إني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك فغضب موسى و قال ويلي على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها و الله لا قضيتها لك و لا له قالت و الله لا أسألك حاجة أبدا قال إذن و الله لا أبالي فقامت مغضبة فقال مكانك تستوعبي كلامي و أنا و الله بري‏ء من قرابتي من رسول الله ص لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي و خاصتي و خدمي و كتابي على بابك لأضربن عنقه و أقبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم أ ما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لملي أو ذمي فانصرفت و ما تعقل ما تطأ عليه و لم تنطق عنده بحلوة و لا مرة بعدها حتى هلك.و أخذ هذه اللفظة منه و هي قوله إن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة الحجاج فقالها للوليد بن عبد الملك روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال دخل الحجاج على الوليد بن عبد الملك و عليه درع و عمامة سوداء و فرس عربية و كنانة و ذلك في أول قدمة قدمها عليه من العراق فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان و هي تحت الوليد إليه من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك و أنت في غلالة فأرسل إليها هذا الحجاج فأعادت إليه الرسول فقال تقول لك و الله لأن يخلو بك ملك الموت في اليوم أحيانا أحب


إلي من أن يخلو بك الحجاج فأخبره الوليد بذلك و هو يمازحه فقال يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة فلا تطلعها على سرك و مكايدة عدوك فلما دخل الوليد عليها أخبرها و هو يمازحها بمقالة الحجاج فقالت يا أمير المؤمنين حاجتي أن تأمره غدا أن يأتيني مسلما ففعل ذلك فأتاها الحجاج فحجبته فلم يزل قائما ثم أذنت له فقالت يا حجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير و ابن الأشعث أما و الله لو لا أن الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام و لا بقتل ابن ذات النطاقين أول مولود في دار هجرة الإسلام و أما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء و بلوغ لذاته و أوطاره فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ منك و إن كن ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك أما و الله لقد نقص نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من قرن قد أظلتك رماحهم و أثخنك كفاحهم و حين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من أبنائهم و آبائهم فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه قاتل الله القائل حين ينظر إليك و سنان غزالة بين كتفيك:

أسد علي و في الحروب نعامة

ربداء تنفر من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى

بل كان قلبك في جناحي طائر

قم فاخرج فقام فخرج


بعض ما قيل في الغيرة من الشعر

فأما قوله ع إياك و التغاير في غير موضع غيرة فقد قيل هذا المعنى قال بعض المحدثين:

يا أيها الغائر مه لا تغر

إلا لما تدركه بالبصر

ما أنت في ذلك إلا كمن

بيته الدب لرمي الحجر

و كان مسكين الدارمي أحد من يستهجن الغيرة و يستقبح وقوعها في غير محلها فمن شعره في هذا المعنى:

ما أحسن الغيرة في حينها

و أقبح الغيرة في غير حين

من لم يزل متهما عرسه

مناصبا فيها لرجم الظنون

يوشك أن يغريها بالذي

يخاف أو ينصبها للعيون

حسبك من تحصينها ضمها

منك إلى خيم كريم و دين

لا تظهرن يوما على عورة

فيتبع المقرون حبل القرين

و قال أيضا:

ألا أيها الغائر المستشيط

علام تغار إذ لم تغر

فما خير عرس إذا خفتها

و ما خير بيت إذا لم يزر

تغار من الناس أن ينظروا

و هل يفتن الصالت النظرحا

فإني سأخلي لها بيتها

فتحفظ لي نفسها أو تذر


إذا الله لم يعطه ودها

فلن يعطي الود سوط ممر

و من ذا يراعي له عرسه

إذا ضمه و الركاب السقر

و قال أيضا

و لست امرأ لا أبرح الدهر قاعدا

إلى جنب عرسي لا أفارقها شبرا

و لا مقسما لا أبرح الدهر بيتها

لأجعله قبل الممات لها قبرا

و لا حاملا ظني و لا قول قائل

على غيره حتى أحيط به خبرا

و هبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا

فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا

إذا هي لم تحصن لما في فنائها

فليس بمنجيها بنائي لها قصرا

فأما قوله و اجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به فقد قالت الحكماء هذا المعنى قال أبرويز في وصيته لولده شيرويه و انظر إلى كتابك فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها فوله الخراج و من كان منهم ذا عبيد قد أحسن سياستهم و تثقيفهم فوله الجند و من كان منهم ذا سراري و ضرائر قد أحسن القيام عليهن فوله النفقات و القهرمة و هكذا فاصنع في خدم دارك و لا تجعل أمرك فوضى بين خدمك فيفسد عليك ملكك.و أما قوله فأكرم عشيرتك فإنهم جناحك فقد تقدم منا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر.

اعتزاز الفرزدق بقومه

روى أبو عبيدة قال كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء و الأمراء إلا قاعدا


فدخل على سليمان بن عبد الملك يوما فأنشده شعرا فخر فيه بآبائه و قال من جملته

تالله ما حملت من ناقة رجلا

مثلي إذا الريح لفتني على الكور

فقال سليمان هذا المدح لي أم لك قال لي و لك يا أمير المؤمنين فغضب سليمان و قال قم فأتمم و لا تنشد بعده إلا قائما فقال الفرزدق لا و الله أو يسقط إلى الأرض أكثري شعرا فقال سليمان ويلي على الأحمق ابن الفاعلة لا يكنى و ارتفع صوته فسمع الضوضاء بالباب فقال سليمان ما هذا قيل بنو تميم على الباب قالوا لا ينشد الفرزدق قائما و أيدينا في مقابض سيوفنا قال فلينشد قاعدا

وفود الوليد بن جابر على معاوية

و روى أبو عبيد الله محمد بن موسى بن عمران المرزباني قال كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي ممن وفد على رسول الله ص فأسلم ثم صحب عليا ع و شهد معه صفين و كان من رجاله المشهورين ثم وفد على معاوية في الاستقامة و كان معاوية لا يثبته معرفة بعينه فدخل عليه في جملة الناس فلما انتهى إليه استنسبه فانتسب له فقال أنت صاحب ليلة الهرير قال نعم قال و الله ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة و قد علا صوتك أصوات الناس و أنت تقول:

شدوا فداء لكم أمي و أب

فإنما الأمر غدا لمن غلب

هذا ابن عم المصطفى و المنتجب

تنمه للعلياء سادات العرب

ليس بموصوم إذا نص النسب

أول من صلى و صام و اقترب

قال نعم أنا قائلها قال فلما ذا قلتها قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة


توجب الخلافة و لا فضيلة تصير إلى التقدمة إلا و هي مجموعة له كان أول الناس سلما و أكثرهم علما و أرجحهم حلما فات الجياد فلا يشق غباره يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره و أوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره و سلك القصد فلا تدرس آثاره فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده و حول الأمر إلى من يشاء من عباده دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يدا عن طاعة و لم نصدع صفاة جماعة على أن لك منا ما ظهر و قلوبنا بيد الله و هو أملك بها منك فاقبل صفونا و أعرض عن كدرنا و لا تثر كوامن الأحقاد فإن النار تقدح بالزناد قال معاوية و إنك لتهددني يا أخا طيئ بأوباش العراق أهل النفاق و معدن الشقاق فقال يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق و حبسوك في المضيق و ذادوك عن سنن الطريق حتى لذت منهم بالمصاحف و دعوت إليها من صدق بها و كذبت و آمن بمنزلها و كفرت و عرف من تأويلها ما أنكرت فغضب معاوية و أدار طرفه فيمن حوله فإذا جلهم من مضر و نفر قليل من اليمن فقال أيها الشقي الخائن إني لإخال أن هذا آخر كلام تفوه به و كان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ فعرف موقف الطائي و مراد معاوية فخافه عليه فهجم عليهم الدار و أقبل على اليمانية فقال شاهت الوجوه ذلا و قلا و جدعا و فلا كشم الله هذه الأنف كشما مرعبا ثم التفت إلى معاوية فقال إني و الله يا معاوية ما أقول قولي هذا حبا لأهل العراق و لا جنوحا إليهم و لكن الحفيظة تذهب الغضب لقد رأيتك بالأمس خاطبت أخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان و هو أعظم جرما عندك من هذا و أنكأ لقلبك و أقدح في صفاتك و أجد في عداوتك و أشد انتصارا في حربك ثم أثبته و سرحته و أنت الآن مجمع على قتل هذا زعمت استصغارا لجماعتنا فإنا لا نمر و لا نحلي و لعمري لو وكلتك أبناء قحطان إلى قومك لكان جدك العاثر و ذكرك الداثر


و حدك المفلول و عرشك المثلول فاربع على ظلعك و اطونا على بلالتنا ليسهل لك حزننا و يتطامن لك شاردنا فإنا لا نرام بوقع الضيم و لا نتلمظ جرع الخسف و لا نغمز بغماز الفتن و لا نذر على الغضب فقال معاوية الغضب شيطان فاربع نفسك أيها الإنسان فإنا لم نأت إلى صاحبك مكروها و لم نرتكب منه مغضبا و لم ننتهك منه محرما فدونكه فإنه لم يضق عنه حلمنا و يسع غيره فأخذ عفير بيد الوليد و خرج به إلى منزله و قال له و الله لتئوبن بأكثر مما آب به معدي من معاوية و جمع من بدمشق من اليمانية و فرض على كل رجل دينارين في عطائه فبلغت أربعين ألفا فتعجلها من بيت المال و دفعها إلى الوليد و رده إلى العراق


32 و من كتاب له ع إلى معاوية

وَ أَرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ اَلنَّاسِ كَثِيراً خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ تَغْشَاهُمُ اَلظُّلُمَاتُ وَ تَتَلاَطَمُ بِهِمُ اَلشُّبُهَاتُ فَجَارُوا فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ إِلاَّ مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ اَلْبَصَائِرِ فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ وَ هَرَبُوا إِلَى اَللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى اَلصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ اَلْقَصْدِ فَاتَّقِ اَللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ وَ جَاذِبِ اَلشَّيْطَانَ قِيَادَكَ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَ اَلآْخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ وَ اَلسَّلاَمُ أرديتهم أهلكتهم و جيلا من الناس أي صنفا من الناس و الغي الضلال و جاروا عدلوا عن القصد و وجهتهم بكسر الواو يقال هذا وجه الرأي أي هو الرأي بنفسه و الاسم الوجه بالكسر و يجوز بالضم.قوله و عولوا على أحسابهم أي لم يعتمدوا على الدين و إنما أردتهم الحمية و نخوة الجاهلية فأخلدوا إليها و تركوا الدين و الإشارة إلى بني أمية و خلفائهم الذين اتهموه ع بدم عثمان فحاموا عن الحسب و لم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة


ثم استثنى قوما فاءوا أي رجعوا عن نصرة معاوية و قد ذكرنا في أخبار صفين من فارق معاوية و رجع إلى أمير المؤمنين ع أو فارقه و اعتزل الطائفتين.قوله حملتهم على الصعب أي على الأمر الشاق و الأصل في ذلك البعير المستصعب يركبه الإنسان فيغرر بنفسه

ذكر بعض ما دار بين علي و معاوية من الكتب

و أول هذا الكتاب من عبد الله علي أمير المؤمنين ع إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن الدنيا دار تجارة و ربحها أو خسرها الآخرة فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة و من رأى الدنيا بعينها و قدرها بقدرها و إني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مرد له دون نفاذه و لكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الأمانة و أن ينصحوا الغوي و الرشيد فاتق الله و لا تكن ممن لا يرجو لله وقارا و من حقت عليه كلمة العذاب فإن الله بالمرصاد و إن دنياك ستدبر عنك و ستعود حسرة عليك فاقلع عما أنت عليه من الغي و الضلال على كبر سنك و فناء عمرك فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر و قد أرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك إلى آخر الكتاب.قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني فكتب إليه معاوية من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد وقفت على كتابك و قد أبيت على الفتن إلا تماديا و إني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذلك مصرعك الذي


لا بد لك منه و إن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك فطالما خف عقلك و منيت نفسك ما ليس لك و التويت على من هو خير منك ثم كانت العاقبة لغيرك و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك و السلام.

فكتب علي ع إليه أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك و قومك الذين حملهم الكفر و تمني الأباطيل على حسد محمد ص حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت لم يمنعوا حريما و لم يدفعوا عظيما و أنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم و الفال لحدهم و القاتل لرءوسهم و رءوس الضلالة و المتبع إن شاء الله خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف أتبع سلفا محله و محطه النار و السلام.قال فكتب إليه معاوية أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك كما طالما تمادي عن الحرب نكوصك و إبطاؤك فتوعد وعيد الأسد و تروغ روغان الثعلب فحتام تحيد عن لقاء مباشرة الليوث الضارية و الأفاعي القاتلة و لا تستبعدنها فكل ما هو آت قريب إن شاء الله و السلام.

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك و ما أعلمني بما أنت إليه صائر و ليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب و أنا به مصدق و كأني بك غدا و أنت تضج من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال و ستدعوني أنت و أصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم و تجحدونه بقلوبكم و السلام.قال فكتب إليه معاوية


أما بعد فدعني من أساطيرك و اكفف عني من أحاديثك و اقصر عن تقولك على رسول الله ص و افترائك من الكذب ما لم يقل و غرور من معك و الخداع لهم فقد استغويتهم و يوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك و يعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل و السلام.

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين و نبذتموه وراء ظهوركم و جهدتم بإطفاء نور الله بأيديكم و أفواهكم وَ اَللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكافِرُونَ و لعمري ليتمن النور على كرهك و لينفذن العلم بصغارك و لتجازين بعملك فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنك بباطلك و قد انقضى و بعملك و قد هوى ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا وَ ما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ.قال فكتب إليه معاوية أما بعد فما أعظم الرين على قلبك و الغطاء على بصرك الشره من شيمتك و الحسد من خليقتك فشمر للحرب و اصبر للضرب فو الله ليرجعن الأمر إلى ما علمت و العاقبة للمتقين هيهات هيهات أخطأك ما تمنى و هوى قلبك مع من هوى فاربع على ظلعك و قس شبرك بفترك لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه و يفصل بين أهل الشك علمه و السلام.

قال فكتب إليه علي ع أما بعد فإن مساوئك مع علم الله تعالى فيك حالت بينك و بين أن يصلح لك أمرك و أن يرعوي قلبك يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك و يفصل بين أهل الشك علمك و أنت الجلف المنافق الأغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل فإن كنت صادقا فيما تسطر و يعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا و تيسر لما دعوتني إليه من الحرب و الصبر على


الضرب و أعف الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن قاتل جدك و أخيك و خالك و ما أنت منهم ببعيد و السلام.قلت و أعجب و أطرب ما جاء به الدهر و إن كانت عجائبه و بدائعه جمة أن يفضى أمر علي ع إلى أن يصير معاوية ندا له و نظيرا مماثلا يتعارضان الكتاب و الجواب و يتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه و لا يقول له علي ع كلمة إلا قال مثلها و أخشن مسا منها فليت محمدا ص كان شاهد ذلك ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها و قاسى أعظم المشاق في تحملها و كابد الأهوال في الذب عنها و ضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها و شيد أركانها و ملأ الآفاق بها خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذبوه لما دعا إليها و أخرجوه عن أوطانه لما حض عليها و أدموا وجهه و قتلوا عمه و أهله فكأنه كان يسعى لهم و يدأب لراحتهم كما قال أبو سفيان في أيام عثمان و قد مر بقبر حمزة و ضربه برجله و قال يا أبا عمارة إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليا كما يتفاخر الأكفاء و النظراء...

إذا عير الطائي بالبخل مادر

و قرع قسا بالفهاهة باقل

و قال السها للشمس أنت خفية

و قال الدجى يا صبح لونك حائل

و فاخرت الأرض السماء سفاهة

و كاثرت الشهب الحصى و الجنادل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة

و يا نفس جدي إن دهرك هازل

ثم أقول ثانيا لأمير المؤمنين ع ليت شعري لما ذا فتح باب الكتاب


و الجواب بينه و بين معاوية و إذا كانت الضرورة قد قادت إلى ذلك فهلا اقتصر في الكتاب إليه على الموعظة من غير تعرض للمفاخرة و المنافرة و إذا كان لا بد منهما فهلا اكتفى بهما من غير تعرض لأمر آخر يوجب المقابلة و المعارضة بمثله و بأشد منه( وَ لا تَسُبُّوا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ فَيَسُبُّوا اَللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) و هلا دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه عن سباب هذا السفيه الأحمق هذا مع أنه القائل من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون أي افتروا عليه و قالوا فيه الباطل.

أيها الشاتمي لتحسب مثلي

إنما أنت في الضلال تهيم

لا تسبنني فلست بسبي

إن سبي من الرجال الكريم

و هكذا جرى في القنوت و اللعن قنت بالكوفة على معاوية و لعنه في الصلاة و خطبة الجمعة و أضاف إليه عمرو بن العاص و أبا موسى و أبا الأعور السلمي و حبيب بن مسلمة فبلغ ذلك معاوية بالشام فقنت عليه و لعنه بالصلاة و خطبة الجمعة و أضاف إليه الحسن و الحسين و ابن عباس و الأشتر النخعي و لعله ع قد كان يظهر له من المصلحة حينئذ ما يغيب عنا الآن و لله أمر هو بالغه


33 و من كتاب له ع إلى قثم بن العباس و هو عامله على مكة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى اَلْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ اَلشَّامِ اَلْعُمْيِ اَلْقُلُوبِ اَلصُّمِّ اَلْأَسْمَاعِ اَلْكُمْهِ اَلْأَبْصَارِ اَلَّذِينَ يَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ يُطِيعُونَ اَلْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ اَلْخَالِقِ وَ يَحْتَلِبُونَ اَلدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ اَلْأَبْرَارِ اَلْمُتَّقِينَ وَ لَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلاَّ عَامِلُهُ وَ لاَ يُجْزَى جَزَاءَ اَلشَّرِّ إِلاَّ فَاعِلُهُ فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ اَلْحَازِمِ اَلطَّبِيبِ اَلصَّلِيبِ وَ اَلنَّاصِحِ اَللَّبِيبِ اَلتَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ اَلْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَ لاَ تَكُنْ عِنْدَ اَلنَّعْمَاءِ بَطِراً وَ لاَ عِنْدَ اَلْبَأْسَاءِ فَشِلاً وَ اَلسَّلاَمُ كان معاوية قد بعث إلى مكة دعاة في السر يدعون إلى طاعته و يثبطون العرب عن نصرة أمير المؤمنين و يوقعون في أنفسهم أنه إما قاتل لعثمان أو خاذل و إن الخلافة


لا تصلح فيمن قتل أو خذل و ينشرون عندهم محاسن معاوية بزعمهم و أخلاقه و سيرته فكتب أمير المؤمنين ع هذا الكتاب إلى عامله بمكة ينبهه على ذلك ليعتمد فيه بما تقتضيه السياسة و لم يصرح في هذا الكتاب بما ذا يأمره أن يفعل إذا ظفر بهم.قوله عيني بالمغرب أي أصحاب أخباره عند معاوية و سمى الشام مغربا لأنه من الأقاليم المغربية.و الموسم الأيام التي يقام فيها الحج.و قوله و يحتلبون الدنيا درها بالدين دلالة على ما قلنا إنهم كانوا دعاة يظهرون سمت الدين و ناموس العبادة و فيه إبطال قول من ظن أن المراد بذلك السرايا التي كان معاوية يبعثها فتغير على أعمال علي ع و درها منصوب بالبدل من الدنيا و روي الذين يلتمسون الحق بالباطل أي يطلبونه أي يتبعون معاوية و هو على الباطل التماسا و طلبا للحق و لا يعلمون أنهم قد ضلوا.قوله و إياك و ما يعتذر منه من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع و قد رويت مرفوعة و كان يقال ما شي‏ء أشد على الإنسان من حمل المروءة و المروءة ألا يعمل الإنسان في غيبة صاحبه ما يعتذر منه عند حضوره.قوله و لا تكن عند النعماء بطرا و لا عند البأساء فشلا معنى مستعمل قال الشاعر:

فلست بمفراح إذا الدهر سرني

و لا جازع من صرفه المتقلب

و لا أتمنى الشر و الشر تاركي

و لكن متى أحمل على الشر أركب


قثم بن عباس و بعض أخباره

فأما قثم بن العباس فأمه أم إخوته و روى ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب عن عبد الله بن جعفر قال كنت أنا و عبيد الله و قثم ابنا العباس نلعب فمر بنا رسول الله ص راكبا فقال ارفعوا إلي هذا الفتى يعني قثم فرفع إليه فأردفه خلفه ثم جعلني بين يديه و دعا لنا فاستشهد قثم بسمرقند.قال ابن عبد البر و روى عبد الله بن عباس قال كان قثم آخر الناس عهدا برسول الله ص أي آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه قال و كان المغيرة بن شعبة يدعي ذلك لنفسه فأنكر علي بن أبي طالب ع ذلك و قال بل آخر من خرج من القبر قثم بن العباس.قال ابن عبد البر و كان قثم واليا لعلي ع على مكة عزل علي ع خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي و كان واليها لعثمان و ولاها أبا قتادة الأنصاري ثم عزله عنها و ولى مكانه قثم بن العباس فلم يزل واليه عليها حتى قتل علي ع قال هذا قول خليفة و قال الزبير بن بكار استعمل علي ع قثم بن العباس على المدينة.قال ابن عبد البر و استشهد قثم بسمرقند كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية فقتل هناك.قال و كان قثم يشبه رسول الله ص و فيه يقول داود بن مسلم


عتقت من حل و من رحلة

يا ناق إن أدنيتني من قثم

إنك إن أدنيت منه غدا

حالفني اليسر و مات العدم

في كفه بحر و في وجهه

بدر و في العرنين منه شمم

أصم عن قيل الخنا سمعه

و ما على الخير به من صمم

لم يدر ما لا و بلا قد درى

فعافها و اعتاض منها نعم


34 و من كتاب له ع إلى محمد بن أبي بكر

لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر ثم توفي الأشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ اَلْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ وَ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اِسْتِبْطَاءً لَكَ فِي اَلْجَهْدَ وَ لاَ اِزْدِيَاداً لَكَ فِي اَلْجِدِّ وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَ أَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً إِنَّ اَلرَّجُلَ اَلَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً فَرحمه‌الله فَلَقَدِ اِسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ وَ لاَقَى حِمَامَهُ وَ نَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ أَوْلاَهُ اَللَّهُ رِضْوَانَهُ وَ ضَاعَفَ اَلثَّوَابَ لَهُ فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ وَ اِمْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ وَ شَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ وَ اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ وَ أَكْثِرِ اَلاِسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ وَ يُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ

محمد بن أبي بكر و بعض أخباره

أم محمدرحمه‌الله أسماء بنت عميس الخثعمية و هي أخت ميمونة زوج النبي ص


و أخت لبابة أم الفضل و عبد الله زوج العباس بن عبد المطلب و كانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة و هي إذ ذاك تحت جعفر بن أبي طالب ع فولدت له هناك محمد بن جعفر و عبد الله و عونا ثم هاجرت معه إلى المدينة فلما قتل جعفر يوم مؤتة تزوجها أبو بكر فولدت له محمد بن أبي بكر هذا ثم مات عنها فتزوجها علي ع و ولدت له يحيى بن علي لا خلاف في ذلك.و قال ابن عبد البر في الإستيعاب ذكر ابن الكلبي أن عون بن علي اسم أمه أسماء بنت عميس و لم يقل ذلك أحد غيره.و قد روي أن أسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب فولدت له بنتا تسمى أمة الله و قيل أمامة و محمد بن أبي بكر ممن ولد في عصر رسول الله ص.قال ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب ولد عام حجة الوداع في عقب ذي القعدة بذي الحليفة حين توجه رسول الله ص إلى الحج فسمته عائشة محمدا و كنته أبا القاسم بعد ذلك لما ولد له ولد سماه القاسم و لم تكن الصحابة ترى بذلك بأسا ثم كان في حجر علي ع و قتل بمصر و كان علي ع يثني عليه و يقرظه و يفضله و كان لمحمدرحمه‌الله عبادة و اجتهاد و كان ممن حضر عثمان و دخل عليه فقال له لو رآك أبوك لم يسره هذا المقام منك فخرج و تركه و دخل عليه بعده من قتله و يقال إنه أشار إلى من كان معه فقتلوه.قوله و بلغني موجدتك أي غضبك وجدت على فلان موجدة و وجدانا لغة قليلة و أنشدوا:

كلانا رد صاحبه بغيظ

على حنق و وجدان شديد


فأما في الحزن فلا يقال إلا وجدت أنا بالفتح لا غير.و الجهد الطاقة أي لم أستبطئك في بذل طاقتك و وسعك و من رواها الجهد بالفتح فهو من قولهم اجهد جهدك في كذا أي أبلغ الغاية و لا يقال هذا الحرف هاهنا إلا مفتوحا.ثم طيب ع نفسه بأن قال له لو تم الأمر الذي شرعت فيه من ولاية الأشتر مصر لعوضتك بما هو أخف عليك مئونة و ثقلا و أقل نصبا من ولاية مصر لأنه كان في مصر بإزاء معاوية من الشام و هو مدفوع إلى حربه.ثم أكد ع ترغيبه بقوله و أعجب إليك ولاية.فإن قلت ما الذي بيده مما هو أخف على محمد مئونة و أعجب إليه من ولاية مصر قلت ملك الإسلام كله كان بيد علي ع إلا الشام فيجوز أن يكون قد كان في عزمه أن يوليه اليمن أو خراسان أو أرمينية أو فارس.ثم أخذ في الثناء على الأشتر و كان علي ع شديد الاعتضاد به كما كان هو شديد التحقق بولايته و طاعته.و ناقما من نقمت على فلان كذا إذا أنكرته عليه و كرهته منه.ثم دعا له بالرضوان و لست أشك بأن الأشتر بهذه الدعوة يغفر الله له و يكفر ذنوبه و يدخله الجنة و لا فرق عندي بينها و بين دعوة رسول الله ص و يا طوبى لمن حصل له من علي ع بعض هذا.قوله و أصحر لعدوك أي ابرز له و لا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها أصحر الأسد من خيسه إذا خرج إلى الصحراء.و شمر فلان للحرب إذا أخذ لها أهبتها


35 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ اِفْتُتِحَتْ وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍرحمه‌الله قَدِ اُسْتُشْهِدَ فَعِنْدَ اَللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلاً كَادِحاً وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ رُكْناً دَافِعاً وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ اَلنَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ اَلْوَقْعَةِ وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً فَمِنْهُمُ اَلآْتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ اَلْمُعْتَلُّ كَاذِباً وَ مِنْهُمُ اَلْقَاعِدُ خَاذِلاً أَسْأَلُ اَللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلاً فَوَاللَّهِ لَوْ لاَ طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي اَلشَّهَادَةِ وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى اَلْمَنِيَّةِ لَأَحْبَبْتُ أَلاَّ أَبْقَى أَلْقَى مَعَ هَؤُلاَءِ يَوْماً وَاحِداً وَ لاَ أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها و تملكه زمامها و اعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه و تطاوعه سلسة سهلة تتدفق من غير تعسف و لا تكلف حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال يوما واحدا و لا ألتقي بهم أبدا و أنت و غيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن و الفواصل


تارة مرفوعة و تارة مجرورة و تارة منصوبة فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين و علامة واضحة و هذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ذكره عبد القاهر قال انظر إلى سورة النساء و بعدها سورة المائدة الأولى منصوبة الفواصل و الثانية ليس فيها منصوب أصلا و لو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا و ظهر أثر التركيب و التأليف بينهما.ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية ثم انظر إلى الصفات و الموصوفات في هذا الفصل كيف قال ولدا ناصحا و عاملا كادحا و سيفا قاطعا و ركنا دافعا لو قال ولدا كادحا و عاملا ناصحا و كذلك ما بعده لما كان صوابا و لا في الموقع واقعا فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة و الخصائص الشريفة أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء و خرج أعرف بالحكمة و دقائق العلوم الإلهية من أفلاطون و أرسطو و لم يعاشر أرباب الحكم الخلقية و الآداب النفسانية لأن قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك و خرج أعرف بهذا الباب من سقراط و لم يرب بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة و لم يكونوا ذوي حرب و خرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض قيل لخلف الأحمر أيما أشجع عنبسة و بسطام أم علي بن أبي طالب فقال إنما يذكر عنبسة و بسطام مع البشر و الناس لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة فقيل له فعلى كل حال قال و الله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما و خرج أفصح من سحبان و قس و لم تكن قريش بأفصح العرب كان غيرها أفصح منها قالوا أفصح العرب جرهم و إن لم تكن لهم نباهة و خرج أزهد الناس في الدنيا و أعفهم مع أن قريشا ذوو حرص و محبة للدنيا و لا غرو فيمن كان


محمد ص مربيه و مخرجه و العناية الإلهية تمده و ترفده أن يكون منه ما كان.يقال احتسب ولده إذا مات كبيرا و افترط ولده إذا مات صغيرا قوله فمنهم الآتي قسم جنده أقساما فمنهم من أجابه و خرج كارها للخروج كما قال تعالى( كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ ) و منهم من قعد و اعتل بعلة كاذبة كما قال تعالى( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً ) و منهم من تأخر و صرح بالقعود و الخذلان كما قال تعالى( فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اَللَّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ ) و المعنى أن حاله كانت مناسبة لحال النبي ص و من تذكر أحوالهما و سيرتهما و ما جرى لهما إلى أن قبضا علم تحقيق ذلك.ثم أقسم أنه لو لا طمعه في الشهادة لما أقام مع أهل العراق و لا صحبهم.فإن قلت فهلا خرج إلى معاوية وحده من غير جيش إن كان يريد الشهادة قلت ذلك لا يجوز لأنه إلقاء النفس إلى التهلكة و للشهادة شروط متى فقدت فلا يجوز أن تحمل إحدى الحالتين على الأخرى


36 و من كتاب له ع إلى أخيه عقيل بن أبي طالب في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء

و هو جواب كتاب كتبه إليه عقيل : فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ وَ قَدْ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلاَ وَ لاَ فَمَا كَانَ إِلاَّ كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُ غَيْرُ اَلرَّمَقِ فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ فِي اَلضَّلاَلِ وَ تَجْوَالَهُمْ فِي اَلشِّقَاقِ وَ جِمَاحَهُمْ فِي اَلتِّيهِ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اَللَّهِ ص قَبْلِي فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي اَلْجَوَازِي فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ اِبْنِ أُمِّي وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي اَلْقِتَالِ فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ اَلْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اَللَّهَ لاَ يَزِيدُنِي كَثْرَةُ اَلنَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً وَ لاَ تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اِبْنَ أَبِيكَ وَ لَوْ أَسْلَمَهُ اَلنَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً وَ لاَ مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً وَ لاَ سَلِسَ اَلزِّمَامِ لِلْقَائِدِ وَ لاَ وَطِئَ اَلظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ اَلْمُقْتَعِدِ اَلْمُتَقَعِّدِ وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ:

فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي

صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ اَلزَّمَانِ صَلِيبُ

يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ

فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ


قد تقدم ذكر هذا الكتاب في اقتصاصنا ذكر حال بسر بن أرطاة و غارته على اليمن في أول الكتاب.و يقال طفلت الشمس بالتشديد إذا مالت للغروب و طفل الليل مشددا أيضا إذا أقبل ظلامه و الطفل بالتحريك بعد العصر حين تطفل الشمس للغروب و يقال أتيته طفلي أي في ذلك الوقت.و قوله ع للإياب أي للرجوع أي ما كانت عليه في الليلة التي قبلها يعني غيبوبتها تحت الأرض و هذا الخطاب إنما هو على قدر أفهام العرب كانوا يعتقدون أن الشمس منزلها و مقرها تحت الأرض و أنها تخرج كل يوم فتسير على العالم ثم تعود إلى منزلها فتأوي إليه كما يأوي الناس ليلا إلى منازلهم.و قال الراوندي عند الإياب عند الزوال و هذا غير صحيح لأن ذلك الوقت لا يسمى طفلا ليقال إن الشمس قد طفلت فيه.قوله ع فاقتتلوا شيئا كلا و لا أي شيئا قليلا و موضع كلا و لا نصب لأنه صفة شيئا و هي كلمة تقال لما يستقصر وقته جدا و المعروف عند أهل اللغة كلا و ذا قال ابن هانئ المغربي:

و أسرع في العين من لحظة

و أقصر في السمع من لا و ذا

و في شعر الكميت كلا و كذا تغميضة.و قد رويت في نهج البلاغة كذلك إلا أن في أكثر النسخ كلا و لا و من الناس من يرويها كلا و لات و هي حرف أجري مجرى ليس و لا تجي‏ء


حين إلا أن تحذف في شعر و من الرواة من يرويها كلا و لأي و لأي فعل معناه أبطأ.قوله ع نجا جريضا أي قد غص بالريق من شدة الجهد و الكرب يقال جرض بريقه يجرض بالكسر مثال كسر يكسر و رجل جريض مثل قدر يقدر فهو قدير و يجوز أن يريد بقوله فنجا جريضا أي ذا جريض و الجريض الغصة نفسها و في المثل حال الجريض دون القريض قال الشاعر:

كان الفتى لم يغن في الناس ليلة

إذا اختلف اللحيان عند الجريض

قال الأصمعي و يقال هو يجرض بنفسه أي يكاد يموت و منه قول إمرئ القيس:

و أفلتهن علباء جريضا

و لو أدركنه صفر الوطاب

و أجرضه الله بريقه أغصه.قوله ع بعد ما أخذ منه بالمخنق هو موضع الخنق من الحيوان و كذلك الخناق بالضم يقال أخذ بخناقه فأما الخناق بالكسر فالحبل تخنق به الشاة و الرمق بقية الروح.قوله ع فلأيا بلأي ما نجا أي بعد بطء و شدة و ما زائدة أو مصدرية و انتصب لأيا على المصدر القائم مقام الحال أي نجا مبطئا و العامل في المصدر محذوف أي أبطأ بطئا و الفائدة في تكرير اللفظة المبالغة في وصف البطء الذي نجا موصوفة به أي لأيا مقرونا بلأي


و قال الراوندي هذه القصة و هذا الهارب جريضا و بعد لأي ما نجا هو معاوية قال و قد قيل إن معاوية بعث أمويا فهرب على هذه الحال و الأول أصح و هذا عجيب مضحك وددت له ألا يكون شرح هذا الكتاب.قوله فدع عنك قريشا إلى قوله على حرب رسول الله ص هذا الكلام حق فإن قريشا اجتمعت على حربه منذ يوم بويع بغضا له و حسدا و حقدا عليه فأصفقوا كلهم يدا واحدة على شقاقه و حربه كما كانت حالهم في ابتداء الإسلام مع رسول الله ص لم تخرم حاله من حاله أبدا إلا أن ذاك عصمه الله من القتل فمات موتا طبيعيا و هذا اغتاله إنسان فقتله.قوله فجزت قريشا عني الجوازي فقد قطعوا رحمي و سلبوني سلطان ابن أمي هذه كلمة تجري مجرى المثل تقول لمن يسي‏ء إليك و تدعو عليه جزتك عني الجوازي يقال جزاه الله بما صنع و جازاه الله بما صنع و مصدر الأول جزاء و الثاني مجازاة و أصل الكلمة أن الجوازي جمع جازية كالجواري جمع جارية فكأنه يقول جزت قريشا عني بما صنعت لي كل خصلة من نكبة أو شدة أو مصيبة أو جائحة أي جعل الله هذه الدواهي كلها جزاء قريش بما صنعت بي و سلطان ابن أمي يعني به الخلافة و ابن أمه هو رسول الله ص لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم أم عبد الله و أبي طالب و لم يقل سلطان ابن أبي لأن غير أبي طالب من الأعمام يشركه في النسب إلى عبد المطلب.قال الراوندي الجوازي جمع جازية و هي النفس التي تجزي أي جزاهم و فعل بهم ما يستحقون عساكر لأجلي و في نيابتي و كافأهم سرية تنهض إليهم و هذا إشارة إلى بني أمية يهلكون من بعده و هذا تفسير غريب طريف.


و قال أيضا قوله سلطان ابن أمي يعني نفسه أي سلطانه لأنه ابن أم نفسه قال و هذا من أحسن الكلام و لا شبهة أنه على تفسير الراوندي لو قال و سلبوني سلطان ابن أخت خالتي أو ابن أخت عمتي لكان أحسن و أحسن و هذا الرجل قد كان يجب أن يحجر عليه و لا يمكن من تفسير هذا الكتاب و يؤخذ عليه أيمان البيعة ألا يتعرض له.قوله فإن رأيي قتال المحلين أي الخارجين من الميثاق و البيعة يعني البغاة و مخالفي الإمام و يقال لكل من خرج من إسلام أو حارب في الحرم أو في الأشهر الحرم محل و على هذا فسر قول زهير

و كم بالقنان من محل و محرم

أي من لا ذمة له و من له ذمة و كذلك قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام:

ألا من لقلب معنى غزل

يحب المحلة أخت المحل

أي ناقضة العهد أخت المحارب في الحرم أو أخت ناقض بيعة بني أمية و روي متخضعا متضرعا بالضاد.و مقرا للضيم و بالضيم أي هو راض به صابر عليه و واهنا أي ضعيفا.السلس السهل و مقتعد البعير راكبه.و الشعر ينسب إلى العباس بن مرداس السلمي و لم أجده في ديوانه و معناه ظاهر و في الأمثال الحكمية لا تشكون حالك إلى مخلوق مثلك فإنه إن كان صديقا أحزنته و إن كان عدوا أشمته و لا خير في واحد من الأمرين


37 و من كتاب له ع إلى معاوية

فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءَ اَلْمُبْتَدَعَةِ وَ اَلْحَيْرَةِ اَلْمُتَّبَعَةِ مَعَ تَضْيِيعِ اَلْحَقَائِقِ وَ اِطِّرَاحِ اَلْوَثَائِقِ اَلَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى طِلْبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ فَأَمَّا إِكْثَارُكَ اَلْحِجَاجَ عَلَى عُثْمَانَ وَ قَتَلَتِهِ فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ اَلنَّصْرُ لَكَ وَ خَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ اَلنَّصْرُ لَهُ وَ اَلسَّلاَمُ أول هذا الكتاب

قوله أما بعد فإن الدنيا حلوة خضرة ذات زينة و بهجة لم يصب إليها أحد إلا و شغلته بزينتها عما هو أنفع له منها و بالآخرة أمرنا و عليها حثثنا فدع يا معاوية ما يفنى و اعمل لما يبقى و احذر الموت الذي إليه مصيرك و الحساب الذي إليه عاقبتك و اعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا حال بينه و بين ما يكره و وفقه لطاعته و إذا أراد الله بعبد سوءا أغراه بالدنيا و أنساه الآخرة و بسط له أمله و عاقه عما فيه صلاحه و قد وصلني كتابك فوجدتك ترمي غير غرضك و تنشد غير ضالتك و تخبط في عماية


و تتيه في ضلالة و تعتصم بغير حجة و تلوذ بأضعف شبهة فأما سؤالك المتاركة و الإقرار لك على الشام فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس و أما قولك إن عمر ولاكه فقد عزل من كان ولاه صاحبه و عزل عثمان من كان عمر ولاه و لم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الأمة إماما قد كان ظهر لمن قبله أو أخفى عنهم عيبه و الأمر يحدث بعده الأمر و لكل وال رأي و اجتهاد فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة و الحيرة المتبعة إلى آخر الفصل.و أما قوله ع إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك إلى آخره فقد روى البلاذري قال لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده بعث يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق و قال له إذا أتيت ذا خشب فأقم بها و لا تتجاوزها و لا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فإنني أنا الشاهد و أنت الغائب.قال فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه و إنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.و كتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن ع له كتابا يدعوه فيه إلى بيعته و يقول له فيه و لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا و أن يكون رأيا صوابا فإنك من الساعين عليه و الخاذلين له و السافكين دمه و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني و لا بيدك أمان.فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه و أما قولك إني من الساعين على عثمان و الخاذلين له و السافكين دمه و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني


فأقسم بالله لأنت المتربص بقتله و المحب لهلاكه و الحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره و لقد أتاك كتابه و صريخه يستغيث بك و يستصرخ فما حفلت به حتى بعثت إليه معذرا بأجرة أنت تعلم إنهم لن يتركوه حتى يقتل فقتل كما كنت أردت ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا و بينك فطفقت تنعى عثمان و تلزمنا دمه و تقول قتل مظلوما فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين ثم لم تزل مصوبا و مصعدا و جاثما و رابضا تستغوي الجهال و تنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت( وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ )


38 و من كتاب له ع إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر

مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِلَى اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ فَضَرَبَ اَلْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى اَلْبَرِّ وَ اَلْفَاجِرِ وَ اَلْمُقِيمِ وَ اَلظَّاعِنِ فَلاَ مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ وَ لاَ مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اَللَّهِ لاَ يَنَامُ أَيَّامَ اَلْخَوْفِ وَ لاَ يَنْكُلُ عَنِ اَلْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ اَلرَّوْعِ أَشَدَّ عَلَى اَلْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ اَلنَّارِ وَ هُوَ مَالِكُ بْنُ اَلْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ اَلْحَقَّ فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اَللَّهِ لاَ كَلِيلُ اَلظُّبَةِ وَ لاَ نَابِي اَلضَّرِيبَةَ فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا وَ إِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَ لاَ يُحْجِمُ وَ لاَ يُؤَخِّرُ وَ لاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي وَ قَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ وَ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ هذا الفصل يشكل علي تأويله لأن أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان و إذا شهد أمير المؤمنين ع أنهم غضبوا لله حين عصي في الأرض فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان و إتيان المنكر و يمكن أن يقال و إن كان متعسفا إن الله تعالى


عصي في الأرض لا من عثمان بل من ولاته و أمرائه و أهله و ذهب بينهم بحق الله و ضرب الجور سرادقه بولايتهم و أمرهم على البر و الفاجر و المقيم و الظاعن فشاع المنكر و فقد المعروف يبقى أن يقال هب أن الأمر كما تأولت فهؤلاء الذين غضبوا لله إلى ما ذا آل أمرهم أ ليس الأمر آل إلى أنهم قطعوا المسافة من مصر إلى المدينة فقتلوا عثمان فلا تعدو حالهم أمرين إلا أن يكونوا أطاعوا الله بقتله فيكون عثمان عاصيا مستحقا للقتل أو يكونوا أسخطوا الله تعالى بقتله فعثمان إذا على حق و هم الفساق العصاة فكيف يجوز أن يبجلهم أو يخاطبهم خطاب الصالحين و يمكن أن يجاب عن ذلك بأنهم غضبوا لله و جاءوا من مصر و أنكروا على عثمان تأميره الأمراء الفساق و حصروه في داره طلبا أن يدفع إليهم مروان ليحبسوه أو يؤدبوه على ما كتبه في أمرهم فلما حصر طمع فيه مبغضوه و أعداؤه من أهل المدينة و غيرها و صار معظم الناس إلبا عليه و قل عدد المصريين بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره و مطالبته بخلع نفسه و تسليم مروان و غيره من بني أمية إليهم و عزل عماله و الاستبدال بهم و لم يكونوا حينئذ يطلبون نفسه و لكن قوما منهم و من غيرهم تسوروا داره فرماهم بعض عبيده بالسهام فجرح بعضهم فقادت الضرورة إلى النزول و الإحاطة به و تسرع إليه واحد منهم فقتله ثم إن ذلك القاتل قتل في الوقت و قد ذكرنا ذلك فيما تقدم و شرحناه فلا يلزم من فسق ذلك القاتل و عصيانه أن يفسق الباقون لأنهم ما أنكروا إلا المنكر و أما القتل فلم يقع منهم و لا راموه و لا أرادوه فجاز أن يقال إنهم غضبوا لله و أن يثنى عليهم و يمدحهم.ثم وصف الأشتر بما وصفه به و مثل قوله لا ينام أيام الخوف قولهم لا ينام ليلة يخاف و لا يشبع ليلة يضاف و قال


فأتت به حوش الفؤاد مبطنا

سهدا إذا ما نام ليل الهوجل

ثم أمرهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به مما يطابق الحق و هذا من شدة دينه و صلابته ع لم يسامح نفسه في حق أحب الخلق إليه أن يهمل هذا القيد

قال رسول الله ص لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.و قال أبو حنيفة قال لي الربيع في دهليز المنصور إن أمير المؤمنين يأمرني بالشي‏ء بعد الشي‏ء من أمور ملكه فأنفذه و أنا خائف على ديني فما تقول في ذلك قال و لم يقل لي ذلك إلا في ملإ الناس فقلت له أ فيأمر أمير المؤمنين بغير الحق قال لا قلت فلا بأس عليك أن تفعل بالحق قال أبو حنيفة فأراد أن يصطادني فاصطدته.و الذي صدع بالحق في هذا المقام الحسن البصري قال له عمر بن هبيرة أمير العراق في خلافة يزيد بن عبد الملك في ملإ من الناس منهم الشعبي و ابن سيرين يا أبا سعيد إن أمير المؤمنين يأمرني بالشي‏ء اعلم أن في تنفيذه الهلكة في الدين فما تقول في ذلك قال الحسن ما ذا أقول إن الله مانعك من يزيد و لن يمنعك يزيد من الله يا عمر خف الله و اذكر يوما يأتيك تتمخض ليلته عن القيامة أنه سينزل عليك ملك من السماء فيحطك عن سريرك إلى قصرك و يضطرك من قصرك إلى لزوم فراشك ثم ينقلك عن فراشك إلى قبرك ثم لا يغني عنك إلا عملك فقام عمر بن هبيرة باكيا يصطك لسانه.قوله فإنه سيف من سيوف الله هذا لقب خالد بن الوليد و اختلف فيمن


لقبه به فقيل لقبه به رسول الله ص و الصحيح أنه لقبه به أبو بكر لقتاله أهل الردة و قتله مسيلمة.و الظبة بالتخفيف حد السيف و النابي من السيوف الذي لا يقطع و أصله نبا أي ارتفع فلما لم يقطع كان مرتفعا فسمي نابيا و في الكلام حذف تقديره و لا ناب ضارب الضريبة و ضارب الضريبة هو حد السيف فأما الضريبة نفسها فهو الشي‏ء المضروب بالسيف و إنما دخلته الهاء و إن كان بمعنى مفعول لأنه صار في عداد الأسماء كالنطيحة و الأكيلة.ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به من الإقدام و الإحجام و قال إنه لا يقدم و لا يؤخر إلا عن أمري و هذا إن كان قاله مع أنه قد سنح له أن يعمل برأيه في أمور الحرب من غير مراجعته فهو عظيم جدا لأنه يكون قد أقامه مقام نفسه و جاز أن يقول إنه لا يفعل شيئا إلا عن أمري و إن كان لا يراجعه في الجزئيات على عادة العرب في مثل ذلك لأنهم يقولون فيمن يثقون به نحو ذلك و قد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن الله تعالى قال لمحمد ص احكم بما شئت في الشريعة فإنك لا تحكم إلا بالحق و إنه كان يحكم من غير مراجعته لجبرائيل و إن الله تعالى قد قال في حقه( وَ ما يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى‏ ) و إن كان ع قال هذا القول عن الأشتر لأنه قد قرر معه بينه و بينه ألا يعمل شيئا قليلا و لا كثيرا إلا بعد مراجعته فيجوز و لكن هذا بعيد لأن المسافة طويلة بين العراق و مصر و كانت الأمور هناك تقف و تفسد.ثم ذكر أنه آثرهم به على نفسه و هكذا قال عمر لما أنفذ عبد الله بن مسعود إلى الكوفة في كتابه إليهم قد آثرتكم به على نفسي و ذلك أن عمر كان يستفتيه في الأحكام و علي ع كان يصول على الأعداء بالأشتر و يقوي أنفس جيوشه بمقامه بينهم فلما بعثه إلى مصر كان مؤثرا لأهل مصر به على نفسه


39 و من كتاب له ع إلى عمرو بن العاص

فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا اِمْرِئٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ يَشِينُ اَلْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ وَ يُسَفِّهُ اَلْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَ طَلَبْتَ فَضْلَهُ اِتِّبَاعَ اَلْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ وَ يَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَ آخِرَتَكَ وَ لَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ فَإِنْ يُمَكِّنِ يُمَكِّنِّي اَللَّهُ مِنْكَ وَ مِنِ اِبْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا وَ إِنْ تُعْجِزَا وَ تَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا وَ اَلسَّلاَمُ كل ما قاله فيهما هو الحق الصريح بعينه لم يحمله بغضه لهما و غيظه منهما إلى أن بالغ في ذمهما به كما يبالغ الفصحاء عند سورة الغضب و تدفق الألفاظ على الألسنة و لا ريب عند أحد من العقلاء ذوي الإنصاف أن عمرا جعل دينه تبعا لدنيا معاوية و أنه ما بايعه و تابعه إلا على جعالة جعلها له و ضمان تكفل له بإيصاله و هي ولاية مصر مؤجلة و قطعة وافرة من المال معجلة و لولديه و غلمانه ما ملأ أعينهم.فأما قوله ع في معاوية ظاهر غيه فلا ريب في ظهور ضلاله و بغيه و كل باغ غاو.


أما مهتوك ستره فإنه كان كثير الهزل و الخلاعة صاحب جلساء و سمار و معاوية لم يتوقر و لم يلزم قانون الرئاسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين و احتاج إلى الناموس و السكينة و إلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح و كان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه إلا أنه كان يلبس الحرير و الديباج و يشرب في آنية الذهب و الفضة و يركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها و عليها جلال الديباج و الوشي و كان حينئذ شابا و عنده نزق الصبا و أثر الشبيبة و سكر السلطان و الإمرة و نقل الناس عنه في كتب السيرة أنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام و أما بعد وفاة أمير المؤمنين و استقرار الأمر له فقد اختلف فيه فقيل إنه شرب الخمر في ستر و قيل إنه لم يشربه و لا خلاف في أنه سمع الغناء و طرب عليه و أعطى و وصل عليه أيضا.و روى أبو الفرج الأصفهاني قال قال عمرو بن العاص لمعاوية في قدمة قدمها إلى المدينة أيام خلافته قم بنا إلى هذا الذي قد هدم شرفه و هتك ستره عبد الله بن جعفر نقف على بابه فنسمع غناء جواريه فقاما ليلا و معهما وردان غلام عمرو و وقفا بباب عبد الله بن جعفر فاستمعا الغناء و أحس عبد الله بوقوفهما ففتح الباب و عزم على معاوية أن يدخل فدخل فجلس على سرير عبد الله فدعا عبد الله له و قدم إليه يسيرا من طعام فأكل فلما أنس قال يا أمير المؤمنين أ لا تأذن لجواريك أن يتممن أصواتهن فإنك قطعتها عليهن قال فليقلن فرفعن أصواتهن و جعل معاوية يتحرك قليلا قليلا حتى ضرب برجله السرير ضربا شديدا فقال عمرو قم أيها الرجل فإن الرجل الذي جئت لتلحاه أو لتعجب من امرئ أحسن حالا منك فقال مهلا فإن الكريم طروب.


أما قوله يشين الكريم بمجلسه و يسفه الحليم بخلطته فالأمر كذلك فإنه لم يكن في مجلسه إلا شتم بني هاشم و قذفهم و التعرض بذكر الإسلام و الطعن عليه و إن أظهر الانتماء إليه و أما طلب عمرو فضله و اتباعه أثره اتباع الكلب للأسد فظاهر و لم يقل الثعلب غضا من قدر عمرو و تشبيها له بما هو أبلغ في الإهانة و الاستخفاف.ثم قال و لو بالحق أخذت أدركت ما طلبت أي لو قعدت عن نصره و لم تشخص إليه ممالئا به على الحق لوصل إليك من بيت المال قدر كفايتك.و لقائل أن يقول إن عمرا ما كان يطلب قدر الكفاية و علي ع ما كان يعطيه إلا حقه فقط و لا يعطيه بلدا و لا طرفا من الأطراف و الذي كان يطلب ملك مصر لأنه فتحها أيام عمر و وليها برهة و كانت حسرة في قلبه و حزازة في صدره فباع آخرته بها فالأولى أن يقال معناه لو أخذت بالحق أدركت ما طلبت من الآخرة.فإن قلت إن عمرا لم يكن علي ع يعتقد أنه من أهل الآخرة فكيف يقول له هذا الكلام قلت لا خلل و لا زلل في كلامه ع لأنه لو أخذ بالحق لكان معتقدا كون علي ع على الحق باعتقاده صحة نبوة رسول الله ص و صحة التوحيد فيصير تقدير الكلام لو بايعتني معتقدا للزوم بيعتي لك لكنت في ضمن ذلك طالبا الثواب فكنت تدركه في الآخرة.ثم قال مهددا لهما و متوعدا إياهما فإن يمكن الله منك و من ابن أبي سفيان و أقول لو ظفر بهما لما كان في غالب ظني يقتلهما فإنه كان حليما كريما و لكن كان يحبسهما ليحسم بحبسهما مادة فسادهما.


ثم قال و إن تعجزا و تبقيا أي و إن لم أستطع أخذكما أو أمت قبل ذلك و بقيتما بعدي فما أمامكما شر لكما من عقوبة الدنيا لأن عذاب الدنيا منقطع و عذاب الآخرة غير منقطع.و ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين هذا الكتاب بزيادة لم يذكرها الرضي

قال نصر و كتب علي ع إلى عمرو بن العاص من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد و آل محمد في الجاهلية و الإسلام سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه و يسفه الحليم بخلطته فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل وافق شن طبقة فسلبك دينك و أمانتك و دنياك و آخرتك و كان علم الله بالغا فيك فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجى أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره و حوايا فريسته و لكن لا نجاة من القدر و لو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت و قد رشد من كان الحق قائده فإن يمكن الله منك و من ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله ص و إن تعجزا و تبقيا بعد فالله حسبكما و كفى بانتقامه انتقاما و بعقابه عقابا و السلام


40 و من كتاب له ع إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ وَ أَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ اَلْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَ أَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ اَلنَّاسِ وَ اَلسَّلاَمُ أخزيت أمانتك أذللتها و أهنتها و جردت الأرض قشرتها و المعنى أنه نسبه إلى الخيانة في المال و إلى إخراب الضياع و في حكمة أبرويز أنه قال لخازن بيت المال إني لا أحتملك على خيانة درهم و لا أحمدك على حفظ عشرة آلاف ألف درهم لأنك إنما تحقن بذلك دمك و تعمر به أمانتك و إنك إن خنت قليلا خنت كثيرا فاحترس من خصلتين من النقصان فيما تأخذ و من الزيادة فيما تعطي و اعلم أني لم أجعلك على ذخائر الملك و عمارة المملكة و العدة على العدو إلا و أنت أمين عندي من الموضع الذي هي فيه و من خواتمها التي هي عليها فحقق ظني في اختياري إياك أحقق ظنك في رجائك لي و لا تتعوض بخير شرا و لا برفعة ضعة و لا بسلامة ندامة و لا بأمانة خيانة.


وفي الحديث المرفوع من ولي لنا عملا فليتزوج و ليتخذ مسكنا و مركبا و خادما فمن اتخذ سوى ذلك جاء يوم القيامة عادلا غالا سارقا و قال عمر في وصيته لابن مسعود إياك و الهدية و ليست بحرام و لكني أخاف عليك الدالة.و أهدى رجل لعمر فخذ جزور فقبله ثم ارتفع إليه بعد أيام مع خصم له فجعل في أثناء الكلام يقول يا أمير المؤمنين افصل القضاء بيني و بينه كما يفصل فخذ الجزور فقضى عمر عليه ثم قام فخطب الناس و حرم الهدايا على الولاة و القضاة.و أهدى إنسان إلى المغيرة سراجا من شبه و أهدى آخر إليه بغلا ثم اتفقت لهما خصومة في أمر فترافعا إليه فجعل صاحب السراج يقول إن أمري أضوأ من السراج فلما أكثر قال المغيرة ويحك إن البغل يرمح السراج فيكسره.و مر عمر ببناء يبنى بآجر و جص لبعض عماله فقال أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها و روي هذا الكلام عن علي ع و كان عمر يقول على كل عامل أمينان الماء و الطين.و لما قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر يا عدو الله و عدو كتابه أ سرقت مال الله تعالى قال أبو هريرة لست بعدو الله و لا عدو كتابه و لكني عدو من عاداهما و لم أسرق مال الله فضربه بجريدة على رأسه ثم ثناه بالدرة و أغرمه عشرة آلاف درهم ثم أحضره فقال يا أبا هريرة من أين لك عشرة آلاف درهم قال خيلي تناسلت و عطائي تلاحق و سهامي تتابعت قال عمر كلا و الله ثم تركه أياما ثم قال له أ لا تعمل قال لا قال قد عمل من هو خير منك يا أبا هريرة قال من هو قال يوسف الصديق فقال أبو هريرة إن يوسف عمل لمن لم يضرب رأسه


و ظهره و لا شتم عرضه و لا نزع ماله لا و الله لا أعمل لك أبدا.و كان زياد إذا ولى رجلا قال له خذ عهدك و سر إلى عملك و اعلم أنك محاسب رأس سنتك و أنك ستصير إلى أربع خصال فاختر لنفسك إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك و سلمتك من معرتنا أمانتك و إن وجدناك خائنا قويا استعنا بقوتك و أحسنا أدبك على خيانتك و أوجعنا ظهرك و أثقلنا غرمك و إن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين و إن وجدناك أمينا قويا زدنا رزقك و رفعنا ذكرك و كثرنا مالك و أوطأنا الرجال عقبك.و وصف أعرابي عاملا خائنا فقال الناس يأكلون أماناتهم لقما و هو يحسوها حسوا.قال أنس بن أبي إياس الدؤلي لحارثة بن بدر الغداني و قد ولي سرق و يقال إنها لأبي الأسود:

أ حار بن بدر قد وليت ولاية

فكن جرذا فيها تخون و تسرق

و لا تحقرن يا حار شيئا أصبته

فحظك من ملك العراقين سرق

و باه تميما بالغنى إن للغني

لسانا به المرء الهيوبة ينطق

فإن جميع الناس إما مكذب

يقول بما تهوى و إما مصدق

يقولون أقوالا و لا يتبعونها

و إن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا

فيقال إنها بلغت حارثة بن بدر فقال أصاب الله به الرشاد فلم يعد بإشارته ما في نفسي


41 و من كتاب له ع إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي وَ جَعَلْتُكَ شِعَارِي وَ بِطَانَتِي وَ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِي رَجُلٌ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُوَاسَاتِي وَ مُوَازَرَتِي وَ أَدَاءِ اَلْأَمَانَةِ إِلَيَّ فَلَمَّا رَأَيْتَ اَلزَّمَانَ عَلَى اِبْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ وَ اَلْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ وَ أَمَانَةَ اَلنَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ وَ هَذِهِ اَلْأُمَّةُ قَدْ فَتَكَتْ فَنَكَتْ وَ شَغَرَتْ قَلَبْتَ لاِبْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ اَلْمِجَنِّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ اَلْمُفَارِقِينَ وَ خَذَلْتَهُ مَعَ اَلْخَاذِلِينَ وَ خُنْتَهُ مَعَ اَلْخَائِنِينَ فَلاَ اِبْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ وَ لاَ اَلْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اَللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ كَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ اَلْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ وَ تَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ اَلشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ اَلْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ اَلْكَرَّةَ وَ عَاجَلْتَ اَلْوَثْبَةَ وَ اِخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ اَلْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَ أَيْتَامِهِمُ اِخْتِطَافَ اَلذِّئْبِ اَلْأَزَلِّ دَامِيَةَ اَلْمِعْزَى اَلْكَسِيرَةَ فَحَمَلْتَهُ إِلَى اَلْحِجَازِ رَحِيبَ اَلصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ كَأَنَّكَ لاَ أَبَا لِغَيْرِكَ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ أَ مَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ أَ وَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ اَلْحِسَابِ أَيُّهَا اَلْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ أُولِي اَلْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَ طَعَاماً وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَ تَشْرَبُ حَرَاماً وَ تَبْتَاعُ اَلْإِمَاءَ وَ تَنْكِحُ اَلنِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ اَلْيَتَامَى وَ اَلْمَسَاكِينِ


وَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُجَاهِدِينَ اَلَّذِينَ أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ اَلْأَمْوَالَ وَ أَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ اَلْبِلاَدَ فَاتَّقِ اَللَّهَ وَ اُرْدُدْ إِلَى هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اَللَّهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اَللَّهِ فِيكَ وَ لَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي اَلَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ اَلنَّارَ وَ وَ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ اَلْحَسَنَ وَ اَلْحُسَيْنَ فَعَلاَ مِثْلَ اَلَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَ لاَ ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى آخُذُ اَلْحَقَّ مِنْهُمَا وَ أُزِيحَ اَلْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي فَضَحِّ رُوَيْداً فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ اَلْمَدَى وَ دُفِنْتَ تَحْتَ اَلثَّرَى وَ عُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ اَلَّذِي يُنَادِي اَلظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ وَ يَتَمَنَّى اَلْمُضَيِّعُ فِيهِ اَلرَّجْعَةَ وَ لاَتَ حِينَ مَنَاصٍ أشركتك في أمانتي جعلتك شريكا فيما قمت فيه من الأمر و ائتمنني الله عليه من سياسة الأمة و سمى الخلافة أمانة كما سمى الله تعالى التكليف أمانة في قوله( إِنَّا عَرَضْنَا اَلْأَمانَةَ ) فأما قوله و أداء الأمانة إلي فأمر آخر و مراده بالأمانة الثانية ما يتعارفه الناس من قولهم فلان ذو أمانة أي لا يخون فيما أسند إليه.و كلب الزمان اشتد و كذلك كلب البرد.


و حرب العدو استأسد و خزيت أمانة الناس ذلت و هانت.و شغرت الأمة خلت من الخير و شغر البلد خلا من الناس.و قلبت له ظهر المجن إذا كنت معه فصرت عليه و أصل ذلك أن الجيش إذا لقوا العدو و كانت ظهور مجانهم إلى وجه العدو و بطون مجانهم إلى وجه عسكرهم فإذا فارقوا رئيسهم و صاروا مع العدو كان وضع مجانهم بدلا من الوضع الذي كان من قبل و ذلك أن ظهور الترسة لا يمكن أن تكون إلا في وجوه الأعداء لأنها مرمى سهامهم.و أمكنتك الشدة أي الحملة.قوله أسرعت الكرة لا يجوز أن يقال الكرة إلا بعد فرة فكأنه لما كان مقلعا في ابتداء الحال عن التعرض لأموالهم كان كالفار عنها فلذلك قال أسرعت الكرة.و الذئب الأزل الخفيف الوركين و ذلك أشد لعدوه و أسرع لوثبته و إن اتفق أن تكون شاة من المعزى كثيرة و دامية أيضا كان الذئب على اختطافها أقدر.و نقاش الحساب مناقشته.قوله فضح رويدا كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة و الأناة و السكون و أصلها الرجل يطعم إبله ضحى و يسيرها مسرعا ليسير فلا يشبعها فيقال له ضح رويدا

اختلاف الرأي فيمن كتب له هذا الكتاب

و قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب فقال الأكثرون إنه عبد الله بن العباسرحمه‌الله و رووا في ذلك روايات و استدلوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب


كقوله أشركتك في أمانتي و جعلتك بطانتي و شعاري و أنه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك و قوله على ابن عمك قد كلب ثم قال ثانيا قلبت لابن عمك ظهر المجن ثم قال ثالثا و لابن عمك آسيت و قوله لا أبا لغيرك و هذه كلمة لا تقال إلا لمثله فأما غيره من أفناء الناس فإن عليا ع كان يقول لا أبا لك.و قوله أيها المعدود كان عندنا من أولي الألباب و قوله لو أن الحسن و الحسين ع و هذا يدل على أن المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجري مجراهما عنده.و قد روى أرباب هذا القول أن عبد الله بن عباس كتب إلى علي ع جوابا من هذا الكتاب قالوا و كان جوابه أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة و لعمري أن حقي في بيت المال أكثر مما أخذت و السلام.قالوا فكتب إليه علي ع أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل واحد من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل و ادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم و يحل لك المحرم إنك لأنت المهتدي السعيد إذا و قد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا و ضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة و المدينة و الطائف تختارهن على عينك و تعطي فيهن مال غيرك فارجع هداك الله إلى رشدك و تب إلى الله ربك و أخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت و تترك ما جمعت و تغيب في صدع من الأرض غير موسد و لا ممهد قد فارقت الأحباب و سكنت التراب و واجهت الحساب غنيا عما خلفت فقيرا إلى ما قدمت و السلام.


قالوا فكتب إليه ابن عباس أما بعد فإنك قد أكثرت علي و و الله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها و ذهبها و عقيانها و لجينها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرئ مسلم و السلام.و قال آخرون و هم الأقلون هذا لم يكن و لا فارق عبد الله بن عباس عليا ع و لا باينه و لا خالفه و لم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل علي ع.قالوا و يدل على ذلك ما رواه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي ع و قد ذكرناه من قبل قالوا و كيف يكون ذلك و لم يخدعه معاوية و يجره إلى جهته فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمال أمير المؤمنين ع و استمالهم إليه بالأموال فمالوا و تركوا أمير المؤمنين ع فما باله و قد علم النبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس و لا اجتذبه إلى نفسه و كل من قرأ السير و عرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة علي ع و ما كان يلقاه به من قوارع الكلام و شديد الخصام و ما كان يثني به على أمير المؤمنين ع و يذكر خصائصه و فضائله و يصدع به من مناقبه و مآثره فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك بل كانت الحال تكون بالضد لما اشتهر من أمرهما.و هذا عندي هو الأمثل و الأصوب.و قد قال الراوندي المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العباس لا عبد الله


و ليس ذلك بصحيح فإن عبيد الله كان عامل علي ع على اليمن و قد ذكرت قصته مع بسر بن أرطاة فيما تقدم و لم ينقل عنه أنه أخذ مالا و لا فارق طاعة.و قد أشكل علي أمر هذا الكتاب فإن أنا كذبت النقل و قلت هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين ع خالفت الرواة فإنهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه و قد ذكر في أكثر كتب السير و إن صرفته إلى عبد الله بن عباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين ع في حياته و بعد وفاته و إن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين ع و الكلام يشعر بأن الرجل المخاطب من أهله و بني عمه فأنا في هذا الموضع من المتوقفين


42 و من كتاب له ع إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي

و كان عامله على البحرين فعزله و استعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ اَلنُّعْمَانَ بْنِ عَجْلاَنَ اَلزُّرَقِيَّ عَلَى اَلْبَحْرَيْنِ وَ نَزَعْتُ يَدَكَ بِلاَ ذَمٍّ لَكَ وَ لاَ تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ اَلْوِلاَيَةَ وَ أَدَّيْتَ اَلْأَمَانَةَ فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ وَ لاَ مَلُومٍ وَ لاَ مُتَّهَمٍ وَ لاَ مَأْثُومٍ فَقَدْ فَلَقَدْ أَرَدْتُ اَلْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ اَلشَّامِ وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ اَلْعَدُوِّ وَ إِقَامَةِ عَمُودِ اَلدِّينِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ

عمر بن أبي سلمة و نسبه و بعض أخباره

أما عمر بن أبي سلمة فهو ربيب رسول الله ص و أبوه أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة يكنى أبا حفص ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة و قيل إنه كان يوم قبض رسول الله ص ابن تسع سنين و توفي في المدينة في خلافة عبد الملك سنة ثلاث و ثمانين و قد حفظ عن رسول الله ص الحديث و روى عنه سعيد بن المسيب و غيره ذكر


ذلك كله ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب

النعمان بن عجلان و نسبه و بعض أخباره

و أما النعمان بن عجلان الزرقي فمن الأنصار ثم من بني زريق و هو الذي خلف على خولة زوجة حمزة بن عبد المطلبرحمه‌الله بعد قتله قال ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب كان النعمان هذا لسان الأنصار و شاعرهم و يقال إنه كان رجلا أحمر قصيرا تزدريه العين إلا أنه كان سيدا و هو القائل يوم السقيفة:

و قلتم حرام نصب سعد و نصبكم

عتيق بن عثمان حلال أبا بكر

و أهل أبو بكر لها خير قائم

و إن عليا كان أخلق بالأمر

و إن هوانا في علي و إنه

لأهل لها من حيث يدرى و لا يدرى

قوله و لا تثريب عليك فالتثريب الاستقصاء في اللوم و يقال ثربت عليه و عربت عليه إذا قبحت عليه فعله.و الظنين المتهم و الظنة التهمة و الجمع الظنن يقول قد أظن زيد عمرا و الألف ألف وصل و الظاء مشددة و النون مشددة أيضا و جاء بالطاء المهملة أيضا أي اتهمه و في حديث ابن سيرين لم يكن علي ع يظن في قتل عثمان الحرفان مشددان و هو يفتعل من يظنن و أدغم قال الشاعر:

و ما كل من يظنني أنا معتب

و ما كل ما يروى علي أقول


43 و من كتاب له ع إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني و كان عامله على أردشيرخرة

بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْ‏ءَ اَلْمُسْلِمِينَ اَلَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَ خُيُولُهُمْ وَ أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اِعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ فَوَالَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً وَ لَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ وَ لاَ تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ فَتَكُونَ مِنَ اَلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً أَلاَ وَ إِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَ قِبَلَنَا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا اَلْفَيْ‏ءِ سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ وَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ قد تقدم ذكر نسب مصقلة بن هبيرة و أردشيرخرة كورة من كور فارس.و اعتامك اختارك من بين الناس أصله من العيمة بالكسر و هي خيار المال اعتام المصدق إذا أخذ العيمة و قد روي فيمن اعتماك بالقلب و الصحيح


المشهور الأول و روي و لتجدن بك عندي هوانا بالباء و معناها اللام و لتجدن بسبب فعلك هوانك عندي و الباء ترد للسببية كقوله تعالى( فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) .و المحق الإهلاك.و المعنى أنه نهى مصقلة عن أن يقسم الفي‏ء على أعراب قومه الذين اتخذوه سيدا و رئيسا و يحرم المسلمين الذين حازوه بأنفسهم و سلاحهم و هذا هو الأمر الذي كان ينكره على عثمان و هو إيثار أهله و أقاربه بمال الفي‏ء و قد سبق شرح مثل ذلك مستوفى


44 و من كتاب له ع إلى زياد ابن أبيه و قد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه : وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ وَ يَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ اَلشَّيْطَانُ يَأْتِي اَلْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَ يَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ اَلنَّفْسِ وَ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ اَلشَّيْطَانِ لاَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَ لاَ يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ وَ اَلْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ اَلْمُدَفَّعِ وَ اَلنَّوْطِ اَلْمُذَبْذَبِ فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ اَلْكِتَابَ قَالَ شَهِدَ بِهَا وَ رَبِّ اَلْكَعْبَةِ وَ لَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِهِ حَتَّى اِدَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ قال الرضيرحمه‌الله تعالى قوله ع الواغل هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم و ليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا و النوط المذبذب هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره و استعجل سيره


يستزل لبك يطلب زلله و خطأه أي يحاول أن تزل و اللب العقل و يستفل غربك يحاول أن يفل حدك أي عزمك و هذا من باب المجاز ثم أمره أن يحذره و قال إنه يعني معاوية كالشيطان يأتي المرء من كذا و من كذا و هو مأخوذ من قول الله تعالى( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) قالوا في تفسيره من بين أيديهم يطمعهم في العفو و يغريهم بالعصيان و من خلفهم يذكرهم مخلفيهم و يحسن لهم جمع المال و تركه لهم و عن أيمانهم يحبب إليهم الرئاسة و الثناء و عن شمائلهم يحبب إليهم اللهو و اللذات.و قال شقيق البلخي ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي أما من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ( وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى) و أما من خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فأقرأ( وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُها ) و أما من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء فأقرأ( وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) و أما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ( وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) .فإن قلت لم لم يقل و من فوقهم و من تحتهم


قلت لأن جهة فوق جهة نزول الرحمة و مستقر الملائكة و مكان العرش و الأنوار الشريفة و لا سبيل له إليها و أما من جهة تحت فلأن الإتيان منها يوحش و ينفر عنه لأنها الجهة المعروفة بالشياطين فعدل عنها إلى ما هو أدعى إلى قبول وساوسه و أضاليله.و قد فسر قوم المعنى الأول فقالوا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من جهة الدنيا و مِنْ خَلْفِهِمْ من جهة الآخرة و عَنْ أَيْمانِهِمْ الحسنات و عَنْ شَمائِلِهِمْ أي يحثهم على طلب الدنيا و يؤيسهم من الآخرة و يثبطهم عن الحسنات و يغريهم بالسيئات.قوله ليقتحم غفلته أي ليلج و يهجم عليه و هو غافل جعل اقتحامه إياه اقتحاما للغرة نفسها لما كانت غالبة عليه.و يستلب غرته ليس المعنى باستلابه الغرة أن يرفعها و يأخذها لأنه لو كان كذلك لصار ذلك الغافل المغتر فاقدا للغفلة و الغرة و كان لبيبا فطنا فلا يبقى له سبيل عليه و إنما المعنى بقوله و يستلب غرته ما يعنيه الناس بقولهم أخذ فلان غفلتي و فعل كذا.و معنى أخذها هنا أخذ ما يستدل به على غفلتي.و فلتة أمر وقع من غير تثبت و لا روية.و نزغة كلمة فاسدة من نزغات الشيطان أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها مكلفين و لا يثبت بها نسب و لا يستحق بها إرث لأن المقر بالزناء لا يلحقه النسب و لا يرثه المولود لقوله ص الولد للفراش و للعاهر الحجر.

نسب زياد ابن أبيه و ذكر بعض أخباره و كتبه و خطبه

فأما زياد فهو زياد بن عبيد و من الناس من يقول عبيد بن فلان و ينسبه إلى


ثقيف و الأكثرون يقولون إن عبيدا كان عبدا و إنه بقي إلى أيام زياد فابتاعه و أعتقه و سنذكر ما ورد في ذلك و نسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه و الدعوة التي استلحق بها فقيل تارة زياد ابن سمية و هي أمه و كانت أمة للحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العرب و كانت تحت عبيد.و قيل تارة زياد ابن أبيه و قيل تارة زياد ابن أمه و لما استلحق قال له أكثر الناس زياد بن أبي سفيان لأن الناس مع الملوك الذين هم مظنة الرهبة و الرغبة و ليس أتباع الدين بالنسبة إلى أتباع الملوك إلا كالقطرة في البحر المحيط فأما ما كان يدعى به قبل الاستلحاق فزياد بن عبيد و لا يشك في ذلك أحد.و روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أن عمر بعث زيادا في إصلاح فساد واقع باليمن فلما رجع من وجهه خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها و أبو سفيان حاضر و علي ع و عمرو بن العاص فقال عمرو بن العاص لله أبو هذا الغلام لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان إنه لقرشي و إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال علي ع و من هو قال أنا فقال مهلا يا أبا سفيان فقال أبو سفيان:

أما و الله لو لا خوف شخص

يراني يا علي من الأعادي

لأظهر أمره صخر بن حرب

و لم يخف المقالة في زياد

و قد طالت مجاملتي ثقيفا

و تركي فيهم ثمر الفؤاد

عنى بقوله لو لا خوف شخص عمر بن الخطاب.


و روى أحمد بن يحيى البلاذري قال تكلم زياد و هو غلام حدث بحضرة عمر كلاما أعجب الحاضرين فقال عمرو بن العاص لله أبوه لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه فقال أبو سفيان أما و الله إنه لقرشي و لو عرفته لعرفت أنه خير من أهلك فقال و من أبوه قال أنا و الله وضعته في رحم أمه فقال فهلا تستلحقه قال أخاف هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي.و روى محمد بن عمر الواقدي قال قال أبو سفيان و هو جالس عند عمر و علي هناك و قد تكلم زياد فأحسن أبت المناقب إلا أن تظهر في شمائل زياد فقال علي ع من أي بني عبد مناف هو قال ابني قال كيف قال أتيت أمه في الجاهلية سفاحا فقال علي ع مه يا أبا سفيان فإن عمر إلى المساءة سريع قال فعرف زياد ما دار بينهما فكانت في نفسه.و روى علي بن محمد المدائني قال لما كان زمن علي ع ولى زيادا فارس أو بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا و جبى خراجها و حماها و عرف ذلك معاوية فكتب إليه أما بعد فإنه غرتك قلاع تأوي إليها ليلا كما تأوي الطير إلى وكرها و ايم الله لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان لك مني ما قاله العبد الصالح( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ ) و كتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته:

تنسى أباك و قد شالت نعامته

إذ يخطب الناس و الوالي لهم عمر

فلما ورد الكتاب على زياد قام فخطب الناس و قال العجب من ابن آكلة الأكباد و رأس النفاق يهددني و بيني و بينه ابن عم رسول الله ص و زوج سيدة نساء العالمين و أبو السبطين و صاحب الولاية و المنزلة و الإخاء في مائة ألف


من المهاجرين و الأنصار و التابعين لهم بإحسان أما و الله لو تخطى هؤلاء أجمعين إلي لوجدني أحمر مخشا ضرابا بالسيف ثم كتب إلى علي ع و بعث بكتاب معاوية في كتابه.

فكتب إليه علي ع و بعث بكتابه أما بعد فإني قد وليتك ما وليتك و أنا أراك لذلك أهلا و إنه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه و كذب النفس لم تستوجب بها ميراثا و لم تستحق بها نسبا و إن معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله فاحذره ثم احذره ثم احذره و السلام.و روى أبو جعفر محمد بن حبيب قال كان علي ع قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس و اصطنعه لنفسه فلما قتل علي ع بقي زياد في عمله و خاف معاوية جانبه و علم صعوبة ناحيته و أشفق من ممالأته الحسن بن علي ع فكتب إليه من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد أما بعد فإنك عبد قد كفرت النعمة و استدعيت النقمة و لقد كان الشكر أولى بك من الكفر و إن الشجرة لتضرب بعرقها و تتفرع من أصلها إنك لا أم لك بل لا أب لك قد هلكت و أهلكت و ظننت أنك تخرج من قبضتي و لا ينالك سلطاني هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه و لا كل ذي رأي ينصح في مشورته أمس عبد و اليوم أمير خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية و إذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة و البيعة و أسرع الإجابة فإنك أن تفعل فدمك حقنت و نفسك تداركت و إلا اختطفتك


بأضعف ريش و نلتك بأهون سعي و أقسم قسما مبرورا إلا أوتى بك إلا في زمارة تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق و أبيعك عبدا و أردك إلى حيث كنت فيه و خرجت منه و السلام.فلما ورد الكتاب على زياد غضب غضبا شديدا و جمع الناس و صعد المنبر فحمد الله ثم قال ابن آكلة الأكباد و قاتلة أسد الله و مظهر الخلاف و مسر النفاق و رئيس الأحزاب و من أنفق ماله في إطفاء نور الله كتب إلي يرعد و يبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها و عما قليل تصيرها الرياح قزعا و الذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة أ فمن إشفاق علي تنذر و تعذر كلا و لكن ذهب إلى غير مذهب و قعقع لمن ربي بين صواعق تهامة كيف أرهبه و بيني و بينه ابن بنت رسول الله ص و ابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين و الأنصار و الله لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأريته الكواكب نهارا و لأسعطته ماء الخردل دونه الكلام اليوم و الجمع غدا و المشورة بعد ذلك إن شاء الله ثم نزل.و كتب إلى معاوية أما بعد فقد وصل إلي كتابك يا معاوية و فهمت ما فيه فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب و يتعلق بأرجل الضفادع طمعا في الحياة إنما يكفر النعم و يستدعي النقم من حاد الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا فأما سبك لي فلو لا حلم ينهاني عنك و خوفي أن أدعى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء و أما تعييرك لي بسمية فإن كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة و أما زعمك أنك تختطفني بأضعف ريش و تتناولني بأهون سعي فهل رأيت بازيا يفزعه صغير


القنابر أم هل سمعت بذئب أكله خروف فامض الآن لطيتك و اجتهد جهدك فلست أنزل إلا بحيث تكره و لا أجتهد إلا فيما يسوؤك و ستعلم أينا الخاضع لصاحبه الطالع إليه و السلام.فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمه و أحزنه و بعث إلى المغيرة بن شعبة فخلا به و قال يا مغيرة إني أريد مشاورتك في أمر أهمني فانصحني فيه و أشر علي برأي المجتهد و كن لي أكن لك فقد خصصتك بسري و آثرتك على ولدي قال المغيرة فما ذاك و الله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء إلى الحدور و من ذي الرونق في كف البطل الشجاع قال يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي و هو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى و قد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا و أخشى ممالأته حسنا فكيف السبيل إليه و ما الحيلة في إصلاح رأيه قال المغيرة أنا له إن لم أمت إن زيادا رجل يحب الشرف و الذكر و صعود المنابر فلو لاطفته المسألة و ألنت له الكتاب لكان لك أميل و بك أوثق فاكتب إليه و أنا الرسول فكتب معاوية إليه من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان أما بعد فإن المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب و إنك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم و واصل العدو و حملك سوء ظنك بي و بغضك لي على أن عققت قرابتي و قطعت رحمي و بتت نسبي و حرمتي حتى كأنك لست أخي و ليس صخر بن حرب أباك و أبي و شتان ما بيني و بينك أطلب بدم ابن أبي العاص و أنت تقاتلني و لكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء فكنت


كتاركة بيضها بالعراء

و ملحفة بيض أخرى جناحا

و قد رأيت أن أعطف عليك و لا أؤاخذك بسوء سعيك و أن أصل رحمك و أبتغي الثواب في أمرك فاعلم أبا المغيرة إنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى انقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا فإن بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع و قد أوثق للذبح فارجع رحمك الله إلى أصلك و اتصل بقومك و لا تكن كالموصول بريش غيره فقد أصبحت ضال النسب و لعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج فدعه عنك فقد أصبحت على بينة من أمرك و وضوح من حجتك فإن أحببت جانبي و وثقت بي فأمره بأمره و إن كرهت جانبي و لم تثق بقولي ففعل جميل لا علي و لا لي و السلام.فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس فلما رآه زياد قربه و أدناه و لطف به فدفع إليه الكتاب فجعل يتأمله و يضحك فلما فرغ من قراءته وضعه تحت قدمه ثم قال حسبك يا مغيرة فإني أطلع على ما في ضميرك و قد قدمت من سفرة بعيدة فقم و أرح ركابك قال أجل فدع عنك اللجاج يرحمك الله و ارجع إلى قومك و صل أخاك و انظر لنفسك و لا تقطع رحمك قال زياد إني رجل صاحب أناة و لي في أمري روية فلا تعجل علي و لا تبدأني بشي‏ء حتى أبدأك ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم و ارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان و فكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كل عيد يذبحون و لقد أفنى هذان اليومان يوم الجمل و صفين ما ينيف على مائة ألف كلهم يزعم أنه طالب حق و تابع إمام و على بصيرة من أمره فإن كان الأمر هكذا فالقاتل و المقتول في الجنة كلا


ليس كذلك و لكن أشكل الأمر و التبس على القوم و إني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ فكيف لامرئ بسلامة دينه و قد نظرت في أمر الناس فوجدت أحد العاقبتين العافية و سأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته و مغبته فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله ثم نزل و كتب جواب الكتاب أما بعد فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة و فهمت ما فيه فالحمد لله الذي عرفك الحق و ردك إلى الصلة و لست ممن يجهل معروفا و لا يغفل حسبا و لو أردت أن أجيبك بما أوجبته الحجة و احتمله الجواب لطال الكتاب و كثر الخطاب و لكنك إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح و نية حسنة و أردت بذلك برا فستزرع في قلبي مودة و قبولا و إن كنت إنما أردت مكيدة و مكرا و فساد نية فإن النفس تأبى ما فيه العطب و لقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعبأ به الخطيب المدره فتركت من حضر لا أهل ورد و لا صدر كالمتحيرين بمهمة ضل بهم الدليل و أنا على أمثال ذلك قدير و كتب في أسفل الكتاب:

إذا معشري لم ينصفوني وجدتني

أدافع عني الضيم ما دمت باقيا

و كم معشر أعيت قناتي عليهم

فلاموا و ألفوني لدى العزم ماضيا

و هم به ضاقت صدور فرجته

و كنت بطبي للرجال مداويا

أدافع بالحلم الجهول مكيدة

و أخفى له تحت العضاه الدواهيا

فإن تدن مني أدن منك و إن تبن

تجدني إذا لم تدن مني نائيا

فأعطاه معاوية جميع ما سأله و كتب إليه بخط يده ما وثق به فدخل إليه الشام فقربه و أدناه و أقره على ولايته ثم استعمله على العراق.


و روى علي بن محمد المدائني قال لما أراد معاوية استلحاق زياد و قد قدم عليه الشام جمع الناس و صعد المنبر و أصعد زيادا معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته و حمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد فمن كان عنده شهادة فليقم بها فقام ناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان و أنهم سمعوا ما أقر به قبل موته فقام أبو مريم السلولي و كان خمارا في الجاهلية فقال أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف فأتاني فاشتريت له لحما و خمرا و طعاما فلما أكل قال يا أبا مريم أصب لي بغيا فخرجت فأتيت بسمية فقلت لها إن أبا سفيان ممن قد عرفت شرفه و جوده و قد أمرني أن أصيب له بغيا فهل لك فقالت نعم يجي‏ء الآن عبيد بغنمه و كان راعيا فإذا تعشى و وضع رأسه أتيته فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته فلم نلبث أن جاءت تجر ذيلها فدخلت معه فلم تزل عنده حتى أصبحت فقلت له لما انصرفت كيف رأيت صاحبتك قال خير صاحبة لو لا ذفر في إبطيها.فقال زياد من فوق المنبر يا أبا مريم لا تشتم أمهات الرجال فتشتم أمك.فلما انقضى كلام معاوية و مناشدته قام زياد و أنصت الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إن معاوية و الشهود قد قالوا ما سمعتم و لست أدري حق هذا من باطله و هو و الشهود أعلم بما قالوا و إنما عبيد أب مبرور و وال مشكور ثم نزل.و روى شيخنا أبو عثمان أن زيادا مر و هو والي البصرة بأبي العريان العدوي و كان شيخا مكفوفا ذا لسن و عارضة شديدة فقال أبو العريان ما هذه الجلبة قالوا زياد بن أبي سفيان قال و الله ما ترك أبو سفيان إلا يزيد و معاوية و عتبة و عنبسة و حنظلة و محمدا فمن أين جاء زياد فبلغ الكلام زيادا و قال له قائل لو سددت


عنك فم هذا الكلب فأرسل إليه بمائتي دينار فقال له رسول زياد إن ابن عمك زيادا الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها فقال وصلته رحم إي و الله ابن عمي حقا ثم مر به زياد من الغد في موكبه فوقف عليه فسلم و بكى أبو العريان فقيل له ما يبكيك قال عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد فبلغ ذلك معاوية فكتب إلى أبي العريان:

ما ألبثتك الدنانير التي بعثت

أن لونتك أبا العريان ألوانا

أمسى إليك زياد في أرومته

نكرا فأصبح ما أنكرت عرفانا

لله در زياد لو تعجلها

كانت له دون ما يخشاه قربانا

فلما قرئ كتاب معاوية على أبي العريان قال اكتب جوابه يا غلام:

أحدث لنا صلة تحيا النفوس بها

قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا

أما زياد فقد صحت مناسبه

عندي فلا أبتغي في الحق بهتانا

من يسد خيرا يصبه حين يفعله

أو يسد شرا يصبه حيثما كانا

و روى أبو عثمان أيضا قال كتب زياد إلى معاوية ليستأذنه في الحج فكتب إليه إني قد أذنت لك و استعملتك على الموسم و أجزتك بألف ألف درهم فبينا هو يتجهز إذ بلغ ذلك أبا بكرة أخاه و كان مصارما له منذ لجلج في الشهادة على المغيرة بن شعبة أيام عمر لا يكلمه قد لزمته أيمان عظيمة ألا يكلمه أبدا فأقبل أبو بكرة يدخل القصر يريد زيادا فبصر به الحاجب فأسرع إلى زياد قائلا أيها الأمير هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر قال ويحك أنت رأيته قال ها هو ذا قد طلع و في حجر زياد بني يلاعبه و جاء أبو بكرة حتى وقف عليه فقال للغلام كيف أنت يا غلام إن أباك ركب في الإسلام عظيما زنى أمه و انتفى من أبيه و لا و الله ما علمت سمية رأت


أبا سفيان قط ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك يوافي الموسم غدا و يوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان و هي من أمهات المؤمنين فإن جاء يستأذن عليها فأذنت له فأعظم بها فرية على رسول الله ص و مصيبة و إن هي منعته فأعظم بها على أبيك فضيحة ثم انصرف فقال جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيرا ساخطا كنت أو راضيا ثم كتب إلى معاوية إني قد اعتللت عن الموسم فليوجه إليه أمير المؤمنين من أحب فوجه عتبة بن أبي سفيان.فأما أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب فإنه قال لما ادعى معاوية زيادا في سنة أربع و أربعين و ألحقه به أخا زوج ابنته من ابنه محمد بن زياد ليؤكد بذلك صحة الاستلحاق و كان أبو بكرة أخا زياد لأمه أمهما جميعا سمية فحلف ألا يكلم زيادا أبدا و قال هذا زنى أمه و انتفى من أبيه و لا و الله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قبل ويله ما يصنع بأم حبيبة أ يريد أن يراها فإن حجبته فضحته و إن رآها فيا لها مصيبة يهتك من رسول الله ص حرمة عظيمة.و حج زياد مع معاوية و دخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك و قيل إن أم حبيبة حجبته و لم تأذن له في الدخول عليها و قيل إنه حج و لم يرد المدينة من أجل قول أبي بكرة و إنه قال جزى الله أبا بكرة خيرا فما يدع النصيحة في حال و روى أبو عمر بن عبد البر في هذا الكتاب قال دخل بنو أمية و فيهم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية أيام ما استلحق زيادا فقال له عبد الرحمن يا معاوية لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة و ذلة يعني على بني أبي العاص فأقبل معاوية


على مروان و قال أخرج عنا هذا الخليع فقال مروان إي و الله إنه لخليع ما يطاق فقال معاوية و الله لو لا حلمي و تجاوزي لعلمت أنه يطاق أ لم يبلغني شعره في و في زياد ثم قال مروان أسمعنيه فأنشد:

ألا أبلغ معاوية بن حرب

لقد ضاقت بما يأتي اليدان

أ تغضب أن يقال أبوك عف

و ترضى أن يقال أبوك زان

فأشهد أن رحمك من زياد

كرحم الفيل من ولد الأتان

و أشهد أنها حملت زيادا

و صخر من سمية غير دان

ثم قال و الله لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضاه و يعتذر إليه فجاء عبد الرحمن إلى زياد معتذرا يستأذن عليه فلم يأذن له فأقبلت قريش إلى زياد تكلمه في أمر عبد الرحمن فلما دخل سلم فتشاوس له زياد بعينه و كان يكسر عينه فقال له زياد أنت القائل ما قلت قال عبد الرحمن ما الذي قلت قال قلت ما لا يقال قال أصلح الله الأمير إنه لا ذنب لمن أعتب و إنما الصفح عمن أذنب فاسمع مني ما أقول قال هات فأنشده:

إليك أبا المغيرة تبت مما

جرى بالشام من خطل اللسان

و أغضبت الخليفة فيك حتى

دعاه فرط غيظ إن هجاني

و قلت لمن لحاني في اعتذاري

إليك اذهب فشأنك غير شأني


دعرفت الحق بعد ضلال رأيي

و بعد الغي من زيغ الجنان

زياد من أبي سفيان غصن

تهادى ناضرا بين الجنان

أراك أخا و عما و ابن عم

فما أدري بعيب ما تراني

و إن زيادة في آل حرب

أحب إلي من وسطي بناني

ألا أبلغ معاوية بن حرب

فقد ظفرت بما تأتي اليدان

فقال زياد أراك أحمق صرفا شاعرا ضيع اللسان يسوغ لك ريقك ساخطا و مسخوطا و لكنا قد سمعنا شعرك و قبلنا عذرك فهات حاجتك قال تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عني قال نعم ثم دعا كاتبه فكتب له بالرضا عنه فأخذ كتابه و مضى حتى دخل على معاوية فلما قرأه قال لحا الله زيادا لم يتنبه لقوله

و إن زيادة في آل حرب

ثم رضي عن عبد الرحمن و رده إلى حالته.و أما أشعار يزيد بن مفرغ الحميري و هجاؤه عبيد الله و عبادا ابني زياد بالدعوة فكثيرة مشهورة نحو قوله:

أ عباد ما للؤم عنك تحول

و لا لك أم من قريش و لا أب

و قل لعبيد الله ما لك والد

بحق و لا يدري امرؤ كيف تنسب

و نحو قوله:

شهدت بأن أمك لم تباشر

أبا سفيان واضعة القناع


و لكن كان أمر فيه لبس

على حذر شديد و ارتياع

إذا أودى معاوية بن حرب

فبشر شعب قعبك بانصداع

و نحو قوله:

إن زيادا و نافعا و أبا بكرة

عندي من أعجب العجب

هم رجال ثلاثة خلقوا

في رحم أنثى و كلهم لأب

ذا قرشي كما تقول و ذا

مولى و هذا بزعمه عربي

كان عبيد الله بن زياد يقول ما شجيت بشي‏ء أشد علي من قول ابن مفرغ:

فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر

هل نلت مكرمة إلا بتأمير

عاشت سمية ما عاشت و ما علمت

أن ابنها من قريش في الجماهير

و يقال إن الأبيات النونية المنسوبة إلى عبد الرحمن ابن أم الحكم ليزيد بن مفرغ و إن أولها:

أ لا أبلغ معاوية بن حرب

مغلغلة من الرجل اليماني

و نحو قوله و قد باع برد غلامه لما حبسه عباد بن زياد بسجستان:

يا برد ما مسنا دهر أضر بنا

من قبل هذا و لا بعنا له ولدا

لامتني النفس في برد فقلت لها

لا تهلكي إثر برد هكذا كمدا

لو لا الدعي و لو لا ما تعرض بي

من الحوادث ما فارقته أبدا

و نحو قوله:

أبلغ لديك بني قحطان مألكة

عضت بأير أبيها سادة اليمن

أضحى دعي زياد فقع قرقرة

يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن


و روى ابن الكلبي أن عبادا استلحقه زياد كما استلحق معاوية زيادا كلاهما لدعوة قال لما أذن لزياد في الحج تجهز فبينا هو يتجهز و أصحاب القرب يعرضون عليه قربهم إذ تقدم عباد و كان خرازا فصار يعرض عليه و يحاوره و يجيبه فقال زياد ويحك من أنت قال أنا ابنك قال ويحك و أي بني قال قد وقعت على أمي فلانة و كانت من بني كذا فولدتني و كنت في بني قيس بن ثعلبة و أنا مملوك لهم فقال صدقت و الله إني لأعرف ما تقول فبعث فاشتراه و ادعاه و ألحقه و كان يتعهد بني قيس بن ثعلبة بسببه و يصلهم و عظم أمر عباد حتى ولاه معاوية سجستان بعد موت زياد و ولى أخاه عبيد الله البصرة فتزوج عباد الستيرة ابنة أنيف بن زياد الكلبي فقال الشاعر يخاطب أنيفا و كان سيد كلب في زمانه:

أبلغ لديك أبا تركان مألكة

أ نائما كنت أم بالسمع من صمم

أنكحت عبد بني قيس مهذبة

آباؤها من عليم معدن الكرم

أ كنت تجهل عبادا و محتده

لا در درك أم أنكحت من عدم

أ بعد آل أبي سفيان تجعله

صهرا و بعد بني مروان و الحكم

أعظم عليك بذا عارا و منقصة

ما دمت حيا و بعد الموت في الرحم

و قال الحسن البصري ثلاث كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة منهن لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها و استلحاقه زيادا مراغمة لقول رسول الله الولد للفراش و للعاهر الحجر و قتله حجر بن عدي فيا ويله من حجر و أصحاب حجر.


و روى الشرقي بن القطامي قال كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب ع فلما قدم زياد الكوفة طلبه و أخافه فأتى الحسن بن علي ع مستجيرا به فوثب زياد على أخيه و ولده و امرأته فحبسهم و أخذ ماله و نقض داره

فكتب الحسن بن علي ع إلى زياد أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم فهدمت داره و أخذت ماله و حبست أهله و عياله فإن أتاك كتابي هذا فابن له داره و اردد عليه عياله و ماله و شفعني فيه فقد أجرته و السلام.فكتب إليه زياد من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي و أنت طالب حاجة و أنا سلطان و أنت سوقة و تأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته كتبت إلي في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي و رضا منك بذلك و ايم الله لا تسبقني به و لو كان بين جلدك و لحمك و إن نلت بعضك غير رفيق بك و لا مرع عليك فإن أحب لحم علي أن آكله للحم الذي أنت منه فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه و إن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق و السلام.فلما ورد الكتاب على الحسن ع قرأه و تبسم و كتب بذلك إلى معاوية و جعل كتاب زياد عطفه و بعث به إلى الشام و كتب جواب كتابه كلمتين لا ثالثة لهما

من الحسن بن فاطمة إلى زياد ابن سمية أما بعد فإن رسول الله ص قال الولد للفراش و للعاهر الحجر و السلام.فلما قرأ معاوية كتاب زياد إلى الحسن ضاقت به الشام و كتب إلى زياد أما بعد فإن الحسن بن علي بعث إلي بكتابك إليه جوابا عن كتاب كتبه


إليك في ابن سرح فأكثرت العجب منك و علمت أن لك رأيين أحدهما من أبي سفيان و الآخر من سمية فأما الذي من أبي سفيان فحلم و حزم و أما الذي من سمية فما يكون من رأي مثلها من ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه و تعرض له بالفسق و لعمري إنك الأولى بالفسق من أبيه فأما أن الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا عليك فإن ذلك لا يضعك لو عقلت و أما تسلطه عليك بالأمر فحق لمثل الحسن أن يتسلط و أما تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك فإذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن أبي سرح و ابن له داره و اردد عليه ماله و لا تعرض له فقد كتبت إلى الحسن أن يخيره إن شاء أقام عنده و إن شاء رجع إلى بلده و لا سلطان لك عليه لا بيد و لا لسان و أما كتابك إلى الحسن باسمه و اسم أمه و لا تنسبه إلى أبيه فإن الحسن ويحك من لا يرمى به الرجوان و إلى أي أم وكلته لا أم لك أ ما علمت أنها فاطمة بنت رسول الله ص فذاك أفخر له لو كنت تعلمه و تعقله و كتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته:

أما حسن فابن الذي كان قبله

إذا سار سار الموت حيث يسير

و هل يلد الرئبال إلا نظيره

و ذا حسن شبه له و نظير

و لكنه لو يوزن الحلم و الحجا

بأمر لقالوا يذبل و ثبير


و روى الزبير بن بكار في الموفقيات أن عبد الملك أجرى خيلا فسبقه عباد بن زياد فأنشد عبد الملك:

سبق عباد و صلت لحيته

و كان خرازا تجود قربته

فشكا عباد قول عبد الملك إلى خالد بن يزيد بن معاوية فقال له أما و الله لأنصفنك منه بحيث يكره فزوجه أخته فكتب الحجاج إلى عبد الملك يا أمير المؤمنين إن مناكح آل أبي سفيان قد ضاعت فأخبر عبد الملك خالدا بما كتب به الحجاج فقال خالد يا أمير المؤمنين ما أعلم امرأة منا ضاعت و نزلت إلا عاتكة بنت يزيد بن معاوية فإنها عندك و لم يعن الحجاج غيرك قال عبد الملك بل عنى الدعي ابن الدعي عبادا قال خالد يا أمير المؤمنين ما أنصفتني أدعي رجلا ثم لا أزوجه إنما كنت ملوما لو زوجت دعيك فأما دعيي فلم لا أزوجه.فأما أول ما ارتفع به زياد فهو استخلاف ابن عباس له على البصرة في خلافة علي ع و بلغت عليا عنه هنات فكتب إليه يلومه و يؤنبه فمنها الكتاب الذي ذكر الرضيرحمه‌الله بعضه و قد شرحنا فيما تقدم ما ذكر الرضي منه و كان علي ع أخرج إليه سعدا مولاه يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة و كان بين سعد و زياد ملاحاة و منازعة و عاد سعد و شكاه إلى علي ع و عابه

فكتب علي ع إليه أما بعد فإن سعدا ذكر أنك شتمته ظلما و هددته و جبهته تجبرا و تكبرا فما دعاك إلى التكبر و قد قال رسول الله ص الكبر رداء الله فمن نازع الله رداءه قصمه و قد أخبرني أنك تكثر من الألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد


و تدهن كل يوم فما عليك لو صمت لله أياما و تصدقت ببعض ما عندك محتسبا و أكلت طعامك مرارا قفارا فإن ذلك شعار الصالحين أ فتطمع و أنت متمرغ في النعيم تستأثر به على الجار و المسكين و الضعيف و الفقير و الأرملة و اليتيم أن يحسب لك أجر المتصدقين و أخبرني أنك تتكلم بكلام الأبرار و تعمل عمل الخاطئين فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت و عملك أحبطت فتب إلى ربك يصلح لك عملك و اقتصد في أمرك و قدم إلى ربك الفضل ليوم حاجتك و ادهن غبا فإني سمعت رسول الله ص يقول ادهنوا غبا و لا تدهنوا رفها.فكتب إليه زياد أما بعد يا أمير المؤمنين فإن سعدا قدم علي فأساء القول و العمل فانتهرته و زجرته و كان أهلا لأكثر من ذلك و أما ما ذكرت من الإسراف و اتخاذ الألوان من الطعام و النعم فإن كان صادقا فأثابه الله ثواب الصالحين و إن كان كاذبا فوقاه الله أشد عقوبة الكاذبين و أما قوله إني أصف العدل و أخالفه إلى غيره فإني إذن من الأخسرين فخذ يا أمير المؤمنين بمقال قلته في مقام قمته الدعوى بلا بينة كالسهم بلا نصل فإن أتاك بشاهدي عدل و إلا تبين لك كذبه و ظلمه.و من كلام زياد تأخير جزاء المحسن لؤم و تعجيل عقوبة المسي‏ء طيش.و كتب إليه معاوية أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن العمل فإني لا أذكر مقاماته بصفين إلا كانت حزازة في صدري فكتب إليه زياد أما بعد فخفض عليك يا أمير المؤمنين فإن حريثا قد سبق شرفا لا يرفعه معه عمل و لا يضعه معه عزل.


و قال لابنه عبيد الله عليك بالحجاب و إنما اجترأت الرعاة على السباع بكثرة نظرها إليها.و من كلامه أحسنوا إلى أهل الخراج فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا.قدم رجل خصما له إلى زياد في حق له عليه و قال أيها الأمير إن هذا يدل بخاصة ذكر أنها له منك قال زياد صدق و سأخبرك بما ينفعه عندي من خاصته و مودته إن يكن له الحق عليك آخذك به أخذا عنيفا و إن يكن الحق لك قضيت عليه ثم قضيت عنه.و قال ليس العاقل من يحتال للأمر إذا وقع فيه لكن العاقل من يحتال للأمر ألا يقع فيه.و قال في خطبة له إلا رب مسرور بقدومنا لا نسره و خائف ضرنا لا نضره.كان مكتوبا في الحيطان الأربعة في قصر زياد كتابة بالجص أربعة أسطر أولها الشدة في غير عنف و اللين في غير ضعف و الثاني المحسن مجازى بإحسانه و المسي‏ء يكافأ بإساءته و الثالث العطيات و الأرزاق في إبانها و أوقاتها و الرابع لا احتجاب عن صاحب ثغر و لا عن طارق ليل.و قال يوما على المنبر إن الرجل ليتكلم بالكلمة يشفي بها غيظه لا يقطع بها ذنب عنز فتضره لو بلغتنا عنه لسفكنا دمه.و قال ما قرأت كتاب رجل قط إلا عرفت عقله منه.و قال في خطبة استوصوا بثلاثة منكم خيرا الشريف و العالم و الشيخ فو الله لا يأتيني وضيع بشريف يستخف به إلا انتقمت منه أو شاب بشيخ يستخف به إلا أوجعته ضربا و لا جاهل بعالم يستخف به إلا نكلت به.


و قيل لزياد ما الحظ قال أن يطول عمرك و ترى في عدوك ما يسرك.قيل كان زياد يقول هما طريقان للعامة الطاعة و السيف.و كان المغيرة يقول لا و الله حتى يحملوا على سبعين طريقا غير السيف.و قال الحسن البصري لرجل أ لا تحدثني بخطبتي زياد و الحجاج حين دخلا العراق قال بلى أما زياد فلما قدم البصرة حمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإن معاوية غير مخوف على قومه و لم يكن ليلحق بنسبة من ليس منه و قد شهدت الشهود بما قد بلغكم و الحق أحق أن يتبع و الله حيث وضع البينات كان أعلم و قد رحلت عنكم و أنا أعرف صديقي من عدوي ثم قدمت عليكم و قد صار العدو صديقا مناصحا و الصديق عدوا مكاشحا فليشتمل كل امرئ على ما في صدره و لا يكونن لسانه شفرة تجري على أوداجه و ليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه أني قد حملت سيفي بيدي فإن أشهره لم أغمده و إن أغمده لم أشهره ثم نزل و أما الحجاج فإنه قال من أعياه داؤه فعلي دواؤه و من استبطأ أجله فعلي أن أعجله ألا إن الحزم و العزم استلبا مني سوطي و جعلا سوطي سيفي فنجاده في عنقي و قائمه بيدي و ذبابه قلادة لمن اغتر بي.فقال الحسن البؤس لهما ما أغرهما بربهما اللهم اجعلنا ممن يعتبر بهما.و قال بعضهم ما رأيت زيادا كاسرا إحدى عينيه واضعا إحدى رجليه على الأخرى يخاطب رجلا إلا رحمت المخاطب.و من كلامه نعم الشي‏ء الإمارة لو لا قعقعة لجام البريد و تسنم ذروة المنبر.قال لحاجبه يا عجلان إني قد وليتك هذا الباب و عزلتك عن أربعة المنادي إذا جاء يؤذن بالصلاة فإنها كانت كتابا موقوتا و رسول صاحب الثغر فإنه إن أبطأ


ساعة فسد تدبير سنة و طارق الليل فشر ما جاء به و الطباخ إذا فرغ من الطعام فإنه متى أعيد عليه التسخين فسد.و كان حارثة بن بدر الغداني قد غلب على زياد و كان حارثة مشتهرا بالشراب فقيل لزياد في ذلك فقال كيف بإطراح رجل هو يسايرني منذ قدمت العراق فلا يصل ركابه ركابي و لا تقدمني قط فنظرت إلى قفاه و لا تأخر عني فلويت عنقي إليه و لا أخذ علي الشمس في شتاء قط و لا الروح في صيف قط و لا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره.و من كلامه كفى بالبخل عارا أن اسمه لم يقع في حمد قط و كفى بالجود فخرا أن اسمه لم يقع في ذم قط.و قال ملاك السلطان الشدة على المريب و اللين للمحسن و صدق الحديث و الوفاء بالعهد.و قال ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو أخذته لكان لي و ترك ما لي أحب إلي من أخذ ما ليس لي.و قال ما قرأت مثل كتب الربيع بن زياد الحارثي ما كتب إلي كتابا قط إلا في اجترار منفعة أو دفع مضرة و لا شاورته يوما قط في أمر مبهم إلا و سبق إلى الرأي.و قال يعجبني من الرجل إذا أتى مجلسا أن يعلم أين مكانه منه فلا يتعداه إلى غيره و إذا سيم خطة خسف أن يقول لا بمل‏ء فيه.فأما خطبة زياد المعروفة بالبتراء و إنما سميت بذلك لأنه لم يحمد الله فيها و لا صلى على رسوله فقد ذكرها علي بن محمد المدائني قال قدم زياد البصرة أميرا عليها أيام معاوية و الفسق فيها فاش جدا و أموال الناس منتهبة و السياسة ضعيفة فصعد المنبر فقال


أما بعد فإن الجاهلية الجهلاء و الضلالة العمياء و الغي الموفد لأهله على النار ما فيه سفهاؤكم و يشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير و لا يتحاشى منها الكبير كأنكم لم تقرءوا كتاب الله و لم تستمعوا ما أعد من الثواب الكثير لأهل طاعته و العذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد الذي لا يزول.أ تكونون كمن طرفت عينه الدنيا و سدت مسامعه الشهوات و اختار الفانية على الباقية لا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا به من ترككم الضعيف يقهر و يؤخذ ماله و الضعيفة المسلوبة في النهار المبصر هذا و العدد غير قليل.أ لم يكن منكم نهاه تمنع الغواة عن دلج الليل و غارة النهار قربتم القرابة و باعدتم الذين يعتذرون بغير العذر و يعطون على المختلس كل امرئ منكم يذب عن سيفه صنيع من لا يخاف عاقبة و لا يرجو معادا ما أنتم بالحلماء و قد اتبعتم السفهاء فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرمة الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب حرم علي الطعام و الشراب حتى أسويها بالأرض هدما و إحراقا إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله لين في غير ضعف و شدة في غير عنف و أنا أقسم بالله لآخذن الولي بالولي و الظاعن بالظاعن و المقبل بالمدبر و الصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل أخاه


فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم.إن كذبة المنبر تلفى مشهورة فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي من نقب عليه منكم فأنا ضامن لما ذهب منه فإياكم و دلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه و قد أجلتكم بقدر ما يأتي الخبر الكوفة و يرجع إليكم.إياكم و دعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه و قد أحدثتم أحداثا و قد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق بيوت قوم غرقناه و من حرق على قوم حرقناه و من نقب على أحد بيتا نقبنا على قلبه و من نبش قبرا دفناه فيه حيا.كفوا عني أيديكم و ألسنتكم أكف عنكم يدي و لساني و لا يظهرن من أحدكم خلاف ما عليه عامتكم فأضرب عنقه و قد كانت بيني و بين أقوام إحن فقد جعلت ذلك وراء أذني و تحت قدمي فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا و من كان مسيئا فلينزع عن إساءته إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال من بغضي لم أكشف عنه قناعا و لم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل لم أناظره فاستأنفوا أموركم و أعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر و مسرور بقدومنا سيبأس أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة و عنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطاناه و نذود عنكم بفي‏ء الله الذي خولناه فلنا عليكم السمع و الطاعة فيما أحببنا و لكم علينا العدل و الإنصاف فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا و فيئنا بمناصحتكم لنا و اعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث لست محتجبا عن طالب حاجة منكم


و لا حابسا عطاء و لا مجمرا بعثا فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون و كهفكم الذي إليه تأوون و متى يصلحوا تصلحوا فلا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم و يطول لذلك حزنكم و لا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لأحد منكم لكان شرا لكم أسأل الله أن يعين كلا على كل و إذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فانفذوه على أذلاله و ايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي.فقام عبد الله بن الأهتم فقال أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة و فصل الخطاب.فقال كذبت ذاك نبي الله داود.فقام الأحنف فقال إنما الثناء بعد البلاء و الحمد بعد العطاء و إنا لا نثني حتى نبتلى و لا نحمد حتى نعطى فقال زياد صدقت فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس و يقول أنبأنا الله بغير ما قلت فقال( وَ إِبْراهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ) فسمعها زياد فقال يا أبا بلال إنا لا نبلغ ما نريد بأصحابك حتى نخوض إليهم الباطل خوضا.و روى الشعبي قال قدم زياد الكوفة لما جمعت له مع البصرة فدنوت من المنبر لأسمع كلامه فلم أر أحدا يتكلم فيحسن إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يسي‏ء إلا زيادا فإنه كان لا يزداد إكثارا إلا ازداد إحسانا فكنت أتمنى ألا يسكت.


و روى الشعبي أيضا قال لما خطب زياد خطبته البتراء بالبصرة و نزل سمع تلك الليلة أصوات الناس يتحارسون فقال ما هذا قالوا إن البلد مفتونة و إن المرأة من أهل المصر لتأخذها الفتيان الفساق فيقال لها نادي ثلاث أصوات فإن أجابك أحد و إلا فلا لوم علينا فيما نصنع فغضب فقال ففيم أنا و فيم قدمت فلما أصبح أمر فنودي في الناس فاجتمعوا فقال أيها الناس إني قد نبئت بما أنتم فيه و سمعت ذروا منه و قد أنذرتكم و أجلتكم شهرا مسير الرجل إلى الشام و مسيره إلى خراسان و مسيره إلى الحجاز فمن وجدناه بعد شهر خارجا من منزله بعد العشاء الآخرة فدمه هدر فانصرف الناس يقولون هذا القول كقول من تقدمه من الأمراء فلما كمل الشهر دعا صاحب شرطته عبد الله بن حصين اليريوعي و كانت رجال الشرطة معه أربعة آلاف فقال له هيئ خيلك و رجلك فإذا صليت العشاء الآخرة و قرأ القارئ مقدار سبع من القرآن و رفع الطن القصب من القصر فسر و لا تلقين أحدا عبيد الله بن زياد فمن دونه إلا جئتني برأسه و إن راجعتني في أحد ضربت عنقك.قال فصبح على باب القصر تلك الليلة سبعمائة رأس ثم خرج الليلة الثانية فجاء بخمسين رأسا ثم خرج الليلة الثالثة فجاء برأس واحد ثم لم يجي‏ء بعدها بشي‏ء و كان الناس إذا صلوا العشاء الآخرة أحضروا إلى منازلهم شدا حثيثا و قد يترك بعضهم نعاله.كتبت عائشة إلى زياد كتابا فلم تدر ما تكتب عنوانه إن كتبت زياد بن عبيد أو ابن أبيه أغضبته و إن كتبت زياد بن أبي سفيان أثمت فكتبت من أم المؤمنين إلى ابنها زياد فلما قرأه ضحك و قال لقد لقيت أم المؤمنين من هذا العنوان نصبا


45 وَ مِنْ كِتاب لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اِلى عُثْمانَ بْنِ حُنَيْف الاَنْصارِىِّ وَ هُوَ عامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ،وَ قَدْ بَلَغَهُ اَنَّهُ دُعِىَ اِلى وَليمَةِ قَوْم مِنْ اَهْلِها فَمَضى اِلَيْها قوله:

اَمّا بَعْدُ، يا بْنَ حُنَيْف، فَقَدْ بَلَغَنى اَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ اَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعاكَ اِلى مَأْدُبَة فَاَسْرَعْتَ اِلَيْها، تُسْتَطابُ لَكَ الاَْلْوانُ، وَ تُنْقَلُ اِلَيْكَ الْجِفانُ وَ ما ظَنَنْتُ اَنَّكَ تُجيبُ اِلى طَعامِ قَوْم عائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَ غَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فَانْظُرْ اِلى ما تَقْضَمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَ ما اَيْقَنْتَ بِطيبِ وَجْهِهِ فَـنَــلْ مِـنْــهُ.اَلا وَ اِنَّ لِكُلِّ مَأْمُوم اِماماً يَقْتَدى بِهِ، وَ يَسْتَضىءُ بِنُورِ عِلْمِهِ.اَلا وَ اِنَّ اِمامَكُمْ قَدِ اكْتَفى مِنْ دُنياهُ بِطِمْرَيْهِ، وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.اَلا وَ اِنَّكُمْ لاتَقْدِرُونَ عَلى ذلِكَ، وَلكِنْ اَعينُونى بِوَرَع وَ اجْتِهاد،وَ عِفَّة وَ سَداد. فَوَ اللّهِ ما كَنَزْتُ مِنْ دُنْياكُمْ تِبْراً، وَ لاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنائِمِها وَفْراً، وَ لا اَعْدَدْتُ لِبالى ثَوْبى طِمْراً،وَلَا حُزتُ مِن أَرْضِهَا شِبْرًا ،وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّاكَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ،وَلَهِىَ فِى عَيْنِى أَوْهَى مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ.

عثمان بن حنيف و نسبه

هو عثمان بن حنيف بضم الحاء بن واهب بن العكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري


ثم الأوسي أخو سهل بن حنيف يكنى أبا عمرو و قيل أبا عبد الله عمل لعمر ثم لعلي ع و ولاه عمر مساحة الأرض و جبايتها بالعراق و ضرب الخراج و الجزية على أهلها و ولاه علي ع على البصرة فأخرجه طلحة و الزبير منها حين قدماها و سكن عثمان الكوفة بعد وفاة علي ع و مات بها في زمن معاوية.قوله من فتية البصرة أي من فتيانها أي من شبابها أو من أسخيائها يقال للسخي هذا فتى و الجمع فتية و فتيان و فتو و يروى أن رجلا من قطان البصرة أي سكانها.و المأدبة بضم الدال الطعام يدعى إليه القوم و قد جاءت بفتح الدال أيضا و يقال أدب فلان القوم يأدبهم بالكسر أي دعاهم إلى طعامه و الآدب الداعي إليه قال طرفة:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى

لا ترى الآدب فينا ينتقر

و يقال أيضا آدبهم إلى طعامه يؤدبهم إيدابا و يروى و كثرت عليك الجفان فكرعت و أكلت أكل ذئب نهم أو ضبع قرم.و روي و ما حسبتك تأكل طعام قوم.ثم ذم أهل البصرة فقال عائلهم مجفو و غنيهم مدعو و العائل الفقير و هذا كقول الشاعر:

فإن تملق فأنت لنا عدو

فإن تثر فأنت لنا صديق


ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه و سمي ذلك قضما و مقضما و إن كان مما لا يقضم لاحتقاره له و ازدرائه إياه و أنه عنده ليس مما يستحق أن يسمى بأسماء المرغوب فيه المتنافس عليه و ذلك لأن القضم يطلق على معنيين أحدهما على أكل الشي‏ء اليابس و الثاني على ما يؤكل ببعض الفم و كلاهما يدلان على أن ذلك المقضم المرغوب عنه لا فيه.ثم ذكر ع حال نفسه فقال إن إمامكم قد قنع من الدنيا بطمريه و الطمر الثوب الخلق البالي و إنما جعلهما اثنين لأنهما إزار و رداء لا بد منهما أي للجسد و الرأس.قال و من طعمه بقرصيه أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما و روي قد اكتفى من الدنيا بطمريه و سد فورة جوعه بقرصيه لا يطعم الفلذة في حوليه إلا في يوم أضحية.ثم قال إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه و لكني أسألكم أن تعينوني بالورع و الاجتهاد.ثم أقسم أنه ما كنز ذهبا و لا ادخر مالا و لا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التي ينزعونها و لا حاز من أرضها شبرا و الضمير في أرضها يرجع إلى دنياكم و لا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة و هي التي عقر ظهرها فقل أكلها.ثم قال و لهي في عيني أهون من عفصة مقرة أي مرة مقر الشي‏ء بالكسر أي صار مرا و أمقره بالهمز أيضا قال لبيد:

ممقر مر على أعدائه

و على الأدنين حلو كالعسل


بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ اَلسَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ وَ نِعْمَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَ غَيْرِ فَدَكٍ وَ اَلنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا اَلْحَجَرُ وَ اَلْمَدَرُ وَ سَدَّ فُرَجَهَا اَلتُّرَابُ اَلْمُتَرَاكِمُ وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ اَلْخَوْفِ اَلْأَكْبَرِ وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ اَلْمَزْلَقِ الجدث القبر و أضغطها الحجر جعلها ضاغطة و الهمزة للتعدية و يروى و ضغطها.و قوله مظانها في غد جدث المظان جمع مظنة و هو موضع الشي‏ء و مألفه الذي يكون فيه قال:

فإن يك عامر قد قال جهلا

فإن مظنة الجهل الشباب

يقول لا مال لي و لا اقتنيت فيما مضى مالا و إنما كانت في أيدينا فدك فشحت عليها نفوس قوم أي بخلت و سخت عنها نفوس آخرين سامحت و أغضت و ليس يعني هاهنا بالسخاء إلا هذا لا السخاء الحقيقي لأنه ع و أهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا و قسرا و قد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدم و هو يعني الخلافة بعد وفاة رسول الله ص.


ثم قال و نعم الحكم الله الحكم الحاكم و هذا الكلام كلام شاك متظلم ثم ذكر مال الإنسان و أنه لا ينبغي أن يكترث بالقينات و الأموال فإنه يصير عن قريب إلى دار البلى و منازل الموتى.ثم ذكر أن الحفرة ضيقة و أنه لو وسعها الحافر لألجأها الحجر المتداعي و المدر المتهافت إلى أن تضغط الميت و تزحمه و هذا كلام محمول على ظاهره لأنه خطاب للعامة و إلا فأي فرق بين سعة الحفرة و ضيقها على الميت اللهم إلا أن يقول قائل إن الميت يحس في قبره فإذا قيل ذلك فالجاعل له حساسا بعد عدم الحس هو الذي يوسع الحفرة و إن كان الحافر قد جعلها ضيقة فإذن هذا الكلام جيد لخطاب العرب خاصة و من يحمل الأمور على ظواهرها.ثم قال و إنما هي نفسي أروضها بالتقوى يقول تقللي و اقتصاري من المطعم و الملبس على الجشب و الخشن رياضة لنفسي لأن ذلك إنما أعمله خوفا من الله أن أنغمس في الدنيا فالرياضة بذلك هي رياضة في الحقيقة بالتقوى لا بنفس التقلل و التقشف لتأتي نفسي آمنة يوم الفزع الأكبر و تثبت في مداحض الزلق.

ذكر ما ورد من السير و الأخبار في أمر فدك

و اعلم أنا نتكلم في شرح هذه الكلمات بثلاثة فصول الفصل الأول فيما ورد في الحديث و السير من أمر فدك و الفصل الثاني في هل النبي ص يورث أم لا و الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة من رسول الله ص لفاطمة أم لا.


الفصل الأول فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم

لأنا مشترطون على أنفسنا ألا نحفل بذلك جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك و ما وقع من الاختلاف و الاضطراب عقب وفاة النبي ص و أبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع أثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته.قال أبو بكر حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا حيان بن بشر قال حدثنا يحيى بن آدم قال أخبرنا ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله ص أن يحقن دماءهم و يسيرهم ففعل فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك و كانت للنبي ص خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.قال أبو بكر و روى محمد بن إسحاق أيضا أن رسول الله ص لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك فبعثوا إلى رسول الله ص فصالحوه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعد ما أقام بالمدينة فقبل ذلك منهم و كانت فدك لرسول الله ص خالصة له لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.قال و قد روى أنه صالحهم عليها كلها الله أعلم أي الأمرين كان.قال و كان مالك بن أنس يحدث عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه صالحهم على النصف فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب و أجلاهم بعد أن عوضهم عن النصف الذي كان لهم عوضا من إبل و غيرها.


و قال غير مالك بن أنس لما أجلاهم عمر بعث إليهم من يقوم الأموال بعث أبا الهيثم بن التيهان و فروة بن عمرو و حباب بن صخر و زيد بن ثابت فقوموا أرض فدك و نخلها فأخذها عمر و دفع إليهم قيمة النصف الذي لهم و كان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم أعطاهم إياها من مال أتاه من العراق و أجلاهم إلى الشام.

قال أبو بكر فحدثني محمد بن زكريا قال حدثني جعفر بن محمد بن عمارة الكندي قال حدثني أبي عن الحسين بن صالح بن حي قال حدثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علي بن أبي طالب ع قال و قال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال أبو بكر و حدثني عثمان بن عمران العجيفي عن نائل بن نجيح بن عمير بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي ع قال أبو بكر و حدثني أحمد بن محمد بن يزيد عن عبد الله بن محمد بن سليمان عن أبيه عن عبد الله بن حسن بن الحسن قالوا جميعا لما بلغ فاطمة ع إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها و أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها تطأ في ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ص حتى دخلت على أبي بكر و قد حشد الناس من المهاجرين و الأنصار فضرب بينها و بينهم ريطة بيضاء و قال بعضهم قبطية و قالوا قبطية بالكسر و الضم ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ثم قالت أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد الحمد لله على ما أنعم و له الشكر بما ألهم و ذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها فاتقوا الله حق تقاته و أطيعوه فيما أمركم به فإنما يخشى الله من عباده العلماء و احمدوا الله الذي لعظمته و نوره يبتغي من في السموات و الأرض إليه الوسيلة و نحن وسيلته في خلقه و نحن خاصته و محل قدسه و نحن حجته في غيبه و نحن ورثة


أنبيائه ثم قالت أنا فاطمة ابنة محمد أقول عودا على بدء و ما أقول ذلك سرفا و لا شططا فاسمعوا بأسماع واعية و قلوب راعية ثم قالت( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم ثم ذكرت كلاما طويلا سنذكره فيما بعد في الفصل الثاني تقول في آخره ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي( أَ فَحُكْمَ اَلْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) إيها معاشر المسلمين ابتز إرث أبي أبى الله أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله و الزعيم محمد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يحل عليه عذاب مقيم ثم التفتت إلى قبر أبيها فتمثلت بقول هند بنت أثاثة:

قد كان بعدك أنباء و هينمة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم

لما قضيت و حالت دونك الكتب

تجهمتنا رجال و استخف بنا

إذا غبت عنا فنحن اليوم نغتصب

قال و لم ير الناس أكثر باك و لا باكية منهم يومئذ ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت يا معشر البقية و أعضاد الملة و حضنة الإسلام ما هذه الفترة عن نصرتي و الونية عن معونتي و الغمزة في حقي و السنة عن ظلامتي أ ما كان رسول الله ص يقول المرء يحفظ في ولده سرعان ما أحدثتم و عجلان ما أتيتم أ لأن مات رسول الله ص أمتم دينه ها إن موته لعمري خطب جليل استوسع وهنه


و استبهم فتقه و فقد راتقه و أظلمت الأرض له و خشعت الجبال و أكدت الآمال أضيع بعده الحريم و هتكت الحرمة و أذيلت المصونة و تلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته و أنبأكم بها قبل وفاته فقال( وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللَّهُ اَلشَّاكِرِينَ ) إيها بني قيلة اهتضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع تبلغكم الدعوة و يشملكم الصوت و فيكم العدة و العدد و لكم الدار و الجنن و أنتم نخبة الله التي انتخب و خيرته التي اختار باديتم العرب و بادهتم الأمور و كافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام و در حلبه و خبت نيران الحرب و سكنت فورة الشرك و هدأت دعوة الهرج و استوثق نظام الدين أ فتأخرتم بعد الإقدام و نكصتم بعد الشدة و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض و ركنتم إلى الدعة فجحدتم الذي وعيتم و سغتم الذي سوغتم و إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ألا و قد قلت لكم ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم و خور القناة و ضعف اليقين فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ناقبة الخف باقية العار موسومة الشعار موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فبعين الله ما تعملون( وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) قال و حدثني محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن الضحاك قال حدثنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال لما كلمت فاطمة ع أبا بكر بما كلمته به حمد أبو بكر الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال يا خيرة النساء و ابنة خير الآباء و الله ما عدوت رأي رسول الله ص و ما عملت إلا بأمره و إن الرائد


لا يكذب أهله و قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت فغفر الله لنا و لك أما بعد فقد دفعت آلة رسول الله و دابته و حذاءه إلى علي ع و أما ما سوى ذلك فإني سمعت رسول الله ص يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا و لكنا نورث الإيمان و الحكمة و العلم و السنة فقد عملت بما أمرني و نصحت له و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.قال أبو بكر و روى هشام بن محمد عن أبيه قال قالت فاطمة لأبي بكر إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله ص أعطاني فدك فقال لها يا ابنة رسول الله و الله ما خلق الله خلقا أحب إلي من رسول الله ص أبيك و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك و الله لأن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري أ تراني أعطي الأحمر و الأبيض حقه و أظلمك حقك و أنت بنت رسول الله ص إن هذا المال لم يكن للنبي ص و إنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل الله فلما توفي رسول الله ص وليته كما كان يليه قالت و الله لا كلمتك أبدا قال و الله لا هجرتك أبدا قالت و الله لأدعون الله عليك قال و الله لأدعون الله لك فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلي عليها فدفنت ليلا و صلى عليها عباس بن عبد المطلب و كان بين وفاتها و وفاة أبيها اثنتان و سبعون ليلة.

قال أبو بكر و حدثني محمد بن زكريا قال حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول قال فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله ص


ألا من سمع فليقل و من شهد فليتكلم إنما هو ثعالة شهيده ذنبه مرب لكل فتنة هو الذي يقول كروها جذعة بعد ما هرمت يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحب أهلها إليها البغي ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت و لو قلت لبحت إني ساكت ما تركت ثم التفت إلى الأنصار فقال قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم و أحق من لزم عهد رسول الله ص أنتم فقد جاءكم فآويتم و نصرتم ألا إني لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منا.ثم نزل فانصرفت فاطمة ع إلى منزلها.قلت قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري و قلت له بمن يعرض فقال بل يصرح قلت لو صرح لم أسألك فضحك و قال بعلي بن أبي طالب ع قلت هذا الكلام كله لعلي يقوله قال نعم إنه الملك يا بني قلت فما مقالة الأنصار قال هتفوا بذكر علي فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم فسألته عن غريبه فقال أما الرعة بالتخفيف أي الاستماع و الإصغاء و القالة القول و ثعالة اسم الثعلب علم غير مصروف و مثل ذؤالة للذئب و شهيده ذنبه أي لا شاهد له على ما يدعي إلا بعضه و جزء منه و أصله مثل قالوا إن الثعلب أراد أن يغرى الأسد بالذئب فقال إنه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك و كنت حاضرا قال فمن يشهد لك بذلك فرفع ذنبه و عليه دم و كان الأسد قد افتقد الشاة فقبل شهادته و قتل الذئب و مرب ملازم أرب بالمكان و كروها جذعة أعيدوها إلى الحال الأولى يعني الفتنة و الهرج و أم طحال امرأة بغي في الجاهلية و يضرب بها المثل فيقال أزنى من أم طحال.


قال أبو بكر و حدثني محمد بن زكريا قال حدثني ابن عائشة قال حدثني أبي عن عمه قال لما كلمت فاطمة أبا بكر بكى ثم قال يا ابنة رسول الله و الله ما ورث أبوك دينارا و لا درهما و إنه قال إن الأنبياء لا يورثون فقالت إن فدك وهبها لي رسول الله ص قال فمن يشهد بذلك فجاء علي بن أبي طالب ع فشهد و جاءت أم أيمن فشهدت أيضا فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف فشهد أن رسول الله ص كان يقسمها قال أبو بكر صدقت يا ابنة رسول الله ص و صدق علي و صدقت أم أيمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن بن عوف و ذلك أن مالك لأبيك كان رسول الله ص يأخذ من فدك قوتكم و يقسم الباقي و يحمل منه في سبيل الله فما تصنعين بها قالت أصنع بها كما يصنع بها أبي قال فلك على الله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك قالت الله لتفعلن قال الله لأفعلن قالت اللهم اشهد و كان أبو بكر يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم و يقسم الباقي و كان عمر كذلك ثم كان عثمان كذلك ثم كان علي كذلك فلما ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها و أقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها و ذلك بعد موت الحسن بن علي ع فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز فلما ولي عمر بن العزيز الخلافة كانت أول ظلامة ردها دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع و قيل بل دعا علي بن الحسين ع فردها عليه و كانت بيد أولاد فاطمة ع مدة ولاية عمر بن عبد العزيز فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم فلما ولي أبو العباس السفاح ردها على عبد الله


بن الحسن بن الحسن ثم قبضها أبو جعفر لما حدث من بني حسن ما حدث ثم ردها المهدي ابنه على ولد فاطمة ع ثم قبضها موسى بن المهدي و هارون أخوه فلم تزل أيديهم حتى ولي المأمون فردها على الفاطميين قال أبو بكر حدثني محمد بن زكريا قال حدثني مهدي بن سابق قال جلس المأمون للمظالم فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى و قال للذي على رأسه ناد أين وكيل فاطمة فقام شيخ عليه دراعة و عمامة و خف تعزى فتقدم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتج عليه و هو يحتج على المأمون ثم أمر أن يسجل لهم بها فكتب السجل و قرئ عليه فأنفذه فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا

برد مأمون هاشم فدكا

فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار و كان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله ص بيده فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها فإذا قدم الحجاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل فصرم عبد الله بن عمر البازيار ذلك التمر و وجه رجلا يقال له بشران بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرمه ثم عاد إلى البصرة ففلج.قال أبو بكر أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا سويد بن سعيد و الحسن بن عثمان قالا حدثنا الوليد بن محمد عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة ع أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ص و هي حينئذ تطلب ما كان لرسول الله ص بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر


إن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال و إني و الله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله ص عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ص و لأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ص فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت من ذلك على أبي بكر و هجرته فلم تكلمه حتى توفيت و عاشت بعد أبيها ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ع ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا إسحاق بن إدريس قال حدثنا محمد بن أحمد عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ص و هما حينئذ يطلبان أرضه بفدك و سهمه بخيبر فقال لهما أبو بكر إني سمعت رسول الله ص يقول لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد ص من هذا المال و إني و الله لا أغير أمرا رأيت رسول الله ص يصنعه إلا صنعته قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا عمر بن عاصم و موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ أن فاطمة قالت لأبي بكر من يرثك إذا مت قال ولدي و أهلي قالت فما لك ترث رسول الله ص دوننا قال يا ابنة رسول الله ما ورث أبوك دارا و لا مالا و لا ذهبا و لا فضة قالت بلى سهم الله الذي جعله لنا و صار فيئنا الذي بيدك فقال لها سمعت رسول الله ص يقول إنما هي طعمة أطعمناها الله فإذا مت كانت بين المسلمين

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن الفضل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال أرسلت فاطمة إلى أبي بكر


أنت ورثت رسول الله ص أم أهله قال بل أهله قالت فما بال سهم رسول الله ص قال إني سمعت رسول الله ص يقول إن الله أطعم نبيه طعمة ثم قبضه و جعله للذي يقوم بعده فوليت أنا بعده على أن أرده على المسلمين قالت أنت و ما سمعت من رسول الله ص أعلم.قلت في هذا الحديث عجب لأنها قالت له أنت ورثت رسول الله ص أم أهله قال بل أهله و هذا تصريح بأنه ص موروث يرثه أهله و هو خلاف قوله لا نورث و أيضا فإنه يدل على أن أبا بكر استنبط من قول رسول الله ص أن الله أطعم نبيا طعمة أن يجري رسول الله ص عند وفاته مجرى ذلك النبي ص أو يكون قد فهم أنه عنى بذلك النبي المنكر لفظا نفسه كما فهم من قوله في خطبته إن عبدا خيره الله بين الدنيا و ما عند ربه فاختار ما عند ربه فقال أبو بكر بل نفديك بأنفسنا.

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال أخبرنا القعنبي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عمر عن أبي سلمة أن فاطمة طلبت فدك من أبي بكر فقال إني سمعت رسول الله ص يقول إن النبي لا يورث من كان النبي يعوله فأنا أعوله و من كان النبي ص ينفق عليه فأنا أنفق عليه فقالت يا أبا بكر أ يرثك بناتك و لا يرث رسول الله ص بناته فقال هو ذاك

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال حدثنا فضيل بن مرزوق قال حدثنا البحتري بن حسان قال قلت لزيد بن علي ع و أنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة ع فقال إن أبا بكر كان رجلا


رحيما و كان يكره أن يغير شيئا فعله رسول الله ص فأتته فاطمة فقالت إن رسول الله ص أعطاني فدك فقال لها هل لك على هذا بينة فجاءت بعلي ع فشهد لها ثم جاءت أم أيمن فقالت أ لستما تشهدان أني من أهل الجنة قالا بلى قال أبو زيد يعني أنها قالت لأبي بكر و عمر قالت فأنا أشهد أن رسول الله ص أعطاها فدك فقال أبو بكر فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية ثم قال أبو زيد و ايم الله لو رجع الأمر إلي لقضيت فيها بقضاء أبي بكر

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل عن كثير النوال قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي ع جعلني الله فداك أ رأيت أبا بكر و عمر هل ظلماكم من حقكم شيئا أو قال ذهبا من حقكم بشي‏ء فقال لا و الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمنا من حقنا مثقال حبة من خردل قلت جعلت فداك أ فأتولاهما قال نعم ويحك تولهما في الدنيا و الآخرة و ما أصابك ففي عنقي ثم قال فعل الله بالمغيرة و بنان فإنهما كذبا علينا أهل البيت

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا عبد الله بن نافع و القعنبي عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي ص أردن لما توفي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن أو قال ثمنهن قالت فقلت لهن أ ليس قد قال النبي ص لا نورث ما تركنا صدقة

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا عبد الله بن نافع و القعنبي و بشر بن عمر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ص قال لا يقسم ورثتي دينارا و لا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي و مئونة عيالي فهو صدقة


قلت هذا حديث غريب لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده.وقال أبو بكر و حدثنا أبو زيد عن الحزامي عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ص يقول و الذي نفسي بيده لا يقسم ورثتي شيئا ما تركت صدقة قال و كانت هذه الصدقة بيد علي ع غلب عليها العباس و كانت فيها خصومتهما فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها العباس و غلب عليها ع ثم كانت بيد حسن و حسين ابني علي ع ثم كانت بيد علي بن الحسين ع و الحسن بن الحسن كلاهما يتداولانها ثم بيد زيد بن علي ع قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا يونس عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب دعاه يوما بعد ما ارتفع النهار قال فدخلت عليه و هو جالس على سرير رمال ليس بينه و بين الرمال فراش على وسادة أدم فقال يا مالك إنه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة و قد أمرت لهم برضخ فاقسمه بينهم فقلت يا أمير المؤمنين مر بذلك غيري قال اقسم أيها المرء قال فبينا نحن على ذلك إذ دخل يرفأ فقال هل لك في عثمان و سعد و عبد الرحمن و الزبير يستأذنون عليك قال نعم فأذن لهم قال ثم لبث قليلا ثم جاء فقال هل لك في علي و العباس يستأذنان عليك قال ائذن لهما فلما دخلا قال عباس يا أمير المؤمنين اقض بيني و بين هذا يعني عليا و هما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله


من أموال بني النضير قال فاستب علي و العباس عند عمر فقال عبد الرحمن يا أمير المؤمنين اقض بينهما و أرح أحدهما من الآخر فقال عمر أنشدكم الله الذي تقوم بإذنه السماوات و الأرض هل تعلمون أن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة يعني نفسه قالوا قد قال ذلك فأقبل على العباس و علي فقال أنشدكما الله هل تعلمان ذلك قالا نعم قال عمر فإني أحدثكم عن هذا الأمر أن الله تبارك و تعالى خص رسوله ص في هذا الفي‏ء بشي‏ء لم يعطه غيره قال تعالى( وَ ما أَفاءَ اَللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اَللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ وَ اَللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) و كانت هذه خاصة لرسول الله ص فما اختارها دونكم و لا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها و ثبتها فيكم حتى بقي منها هذا المال و كان ينفق منه على أهله سنتهم ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله عز و جل فعل ذلك في حياته ثم توفي فقال أبو بكر أنا ولي رسول الله ص فقبضه الله و قد عمل فيها بما عمل به رسول الله ص و أنتما حينئذ و التفت إلى علي و العباس تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر و الله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفى الله أبا بكر فقلت أنا أولى الناس بأبي بكر و برسول الله ص فقبضتها سنتين أو قال سنين من إمارتي أعمل فيها مثل ما عمل به رسول الله ص و أبو بكر ثم قال و أنتما و أقبل على العباس و علي تزعمان أني فيها ظالم فاجر و الله يعلم أني فيها بار راشد تابع للحق ثم جئتماني و كلمتكما واحدة و أمركما جميع فجئتني يعني العباس تسألني نصيبك من ابن أخيك و جاءني هذا يعني عليا يسألني نصيب امرأته من أبيها فقلت لكما أن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة فلما بدا لي أن


أدفعها إليكما قلت أدفعها على أن عليكما عهد الله و ميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله ص و أبو بكر و بما عملت به فيها و إلا فلا تكلماني فقلتما ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما بذلك أ فتلتمسان مني قضاء غير ذلك و الله الذي تقوم بإذنه السماوات و الأرض لا أقضي بينكما بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فأنا أكفيكماها.قال أبو بكر و حدثنا أبو زيد قال حدثنا إسحاق بن إدريس قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثني يونس عن الزهري قال حدثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه قال فذكرت ذلك لعروة فقال صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة تقول أرسل أزواج النبي ص عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل لهن ميراثهن من رسول الله ص مما أفاء الله عليه حتى كنت أردهن عن ذلك فقلت أ لا تتقين الله أ لم تعلمن أن رسول الله ص كان يقول لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه إنما يأكل آل محمد من هذا المال فانتهى أزواج النبي ص إلى ما أمرتهن به قلت هذا مشكل لأن الحديث الأول يتضمن أن عمر أقسم على جماعة فيهم عثمان فقال نشدتكم الله أ لستم تعلمون أن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة يعني نفسه فقالوا نعم و من جملتهم عثمان فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلا لأزواج النبي ص يسأله أن يعطيهن الميراث اللهم إلا أن يكون عثمان و سعد و عبد الرحمن و الزبير صدقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه و حسن الظن و سموا ذلك علما لأنه قد يطلق على الظن اسم العلم.


فإن قال قائل فهلا حسن ظن عثمان برواية أبي بكر في مبدإ الأمر فلم يكن رسولا لزوجات النبي ص في طلب الميراث قيل له يجوز أن يكون في مبدإ الأمر شاكا ثم يغلب على ظنه صدقه لأمارات اقتضت تصديقه و كل الناس يقع لهم مثل ذلك.و هاهنا إشكال آخر و هو أن عمر ناشد عليا و العباس هل تعلمان ذلك فقالا نعم فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس و فاطمة إلى أبي بكر يطلبان الميراث على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر و قد أوردناه نحن و هل يجوز أن يقال كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه و هل يجوز أن يقال أن عليا كان يعلم ذلك و يمكن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه خرجت من دارها إلى المسجد و نازعت أبا بكر و كلمته بما كلمته إلا بقوله و إذنه و رأيه و أيضا فإنه إذا كان ص لا يورث فقد أشكل دفع آلته و دابته و حذائه إلى علي ع لأنه غير وارث في الأصل و إن كان أعطاه ذلك لأن زوجته بعرضه أن ترث لو لا الخبر فهو أيضا غير جائز لأن الخبر قد منع أن يرث منه شيئا قليلا كان أو كثيرا.فإن قال قائل نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا قيل هذا الكلام يفهم من مضمونه أنهم لا يورثون شيئا أصلا لأن عادة العرب جارية بمثل ذلك و ليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئا ما على الإطلاق.و أيضا فإنه جاء في خبر الدابة و الآلة و الحذاء أنه روي عن النبي ص لا نورث ما تركناه صدقة و لم يقل لا نورث كذا و لا كذا و ذلك يقتضي عموم انتفاء الإرث عن كل شي‏ء


و أما الخبر الثاني و هو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه ففيه إشكال أيضا لأنه قال إنها طلبت فدك و قالت إن أبي أعطانيها و إن أم أيمن تشهد لي بذلك فقال لها أبو بكر في الجواب إن هذا المال لم يكن لرسول الله ص و إنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل الله فلقائل أن يقول له أ يجوز للنبي ص أن يملك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين لوحي أوحى الله تعالى إليه أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد أو لا يجوز للنبي ص ذلك فإن قال لا يجوز قال ما لا يوافقه العقل و لا المسلمون عليه و إن قال يجوز ذلك قيل فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى بل قالت أم أيمن تشهد لي فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة و لم يتضمن هذا الخبر ذلك بل قال لها لما ادعت و ذكرت من يشهد لها هذا مال من مال الله لم يكن لرسول الله ص و هذا ليس بجواب صحيح.و أما الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر لأنه إذا شهد لها علي ع و أم أيمن أن رسول الله ص وهب لها فدك لم يصح اجتماع صدقها و صدق عبد الرحمن و عمر و لا ما تكلفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم لأن كونها هبة من رسول الله ص لها يمنع من قوله كان يأخذ منها قوتكم و يقسم الباقي و يحمل منه في سبيل الله لأن هذا ينافي كونها هبة لها لأن معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها و أن تتصرف فيها خاصة دون كل أحد من الناس و ما هذه صفته كيف يقسم و يحمل منه في سبيل الله.


فإن قال قائل هو ص أبوها و حكمه في مالها كحكمه في ماله و في بيت مال المسلمين فلعله كان بحكم الأبوة يفعل ذلك قيل فإذا كان يتصرف فيها تصرف الأب في مال ولده لا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرف في مال ذلك الولد لأنه ليس باب له فيتصرف في ماله تصرف الآباء في أموال أولادهم على أن الفقهاء أو معظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.و هاهنا إشكال آخر و هو قول عمر لعلي ع و العباس و أنتما حينئذ تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر ثم قال لما ذكر نفسه و أنتما تزعمان أني فيها ظالم فاجر فإذا كانا يزعمان ذلك فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أن رسول الله ص قال لا أورث إن هذا لمن أعجب العجائب و لو لا أن هذا الحديث أعني حديث خصومة العباس و علي عند عمر مذكور في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحته و إنما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا ابن أبي شيبة قال حدثنا ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن مالك بن أوس بن الحدثان قال جاء العباس و علي إلى عمر فقال العباس اقض بيني و بين هذا الكذا و كذا أي يشتمه فقال الناس افصل بينهما فقال لا أفصل بينهما قد علما أن رسول الله ص قال لا نورث ما تركناه صدقة.قلت و هذا أيضا مشكل لأنهما حضرا يتنازعان لا في الميراث بل في ولاية صدقة رسول الله ص أيهما يتولاها ولاية لا إرثا و على هذا كانت الخصومة


فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول الله ص قال لا نورث.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثني يحيى بن كثير أبو غسان قال حدثنا شعبة عن عمر بن مرة عن أبي البختري قال جاء العباس و علي إلى عمر و هما يختصمان فقال عمر لطلحة و الزبير و عبد الرحمن و سعد أنشدكم الله أ سمعتم رسول الله ص يقول كل مال نبي فهو صدقة إلا ما أطعمه أهله إنا لا نورث فقالوا نعم قال و كان رسول الله يتصدق به و يقسم فضله ثم توفي فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنع رسول الله ص و أنتما تقولان أنه كان بذلك خاطئا و كان بذلك ظالما و ما كان بذلك إلا راشدا ثم وليته بعد أبي بكر فقلت لكما إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله ص و عهده الذي عهد فيه فقلتما نعم و جئتماني الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي و يقول هذا أريد نصيبي من امرأتي و الله لا أقضي بينكما إلا بذلك.قلت و هذا أيضا مشكل لأن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى إن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد و قال شيخنا أبو علي لا تقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة فخالفه المتكلمون و الفقهاء كلهم و احتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده نحن معاشر الأنبياء لا نورث حتى إن بعض أصحاب أبي علي تكلف لذلك جوابا فقال قد روي أن أبا بكر يوم حاج فاطمة ع قال أنشد الله امرأ سمع من رسول الله ص في هذا شيئا فروى مالك بن أوس بن الحدثان أنه سمعه من رسول الله ص و هذا الحديث ينطق


بأنه استشهد عمر و طلحة و الزبير و عبد الرحمن و سعدا فقالوا سمعناه من رسول الله ص فأين كانت هذه الروايات أيام أبي بكر ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة ع و أبي بكر روى من هذا شيئا.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى عن إبراهيم بن أبي يحيى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي ص أرسلن عثمان إلى أبي بكر فذكر الحديث قال عروة و كانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبي بكر مما تركه النبي ص فقال لها بأبي أنت و أمي و بأبي أبوك و أمي و نفسي إن كنت سمعت من رسول الله ص شيئا أو أمرك بشي‏ء لم أتبع غير ما تقولين و أعطيتك ما تبتغين و إلا فإني أتبع ما أمرت به.

قال أبو بكر و حدثنا أبو زيد قال حدثنا عمرو بن مرزوق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال قال لها أبو بكر لما طلبت فدك بأبي أنت و أمي أنت عندي الصادقة الأمينة إن كان رسول الله ص عهد إليك في ذلك عهدا أو وعدك به وعدا صدقتك و سلمت إليك فقالت لم يعهد إلي في ذلك بشي‏ء و لكن الله تعالى يقول( يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) فقال أشهد لقد سمعت رسول الله ص يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث.قلت و في هذا من الإشكال ما هو ظاهر لأنها قد ادعت أنه عهد إليها رسول الله ص في ذلك أعظم العهد و هو النحلة فكيف سكتت عن ذكر هذا لما سألها أبو بكر و هذا أعجب من العجب.


قال أبو بكر و حدثنا أبو زيد قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر و هو يقول للعباس و علي و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و طلحة أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ص قال إنا لا نورث معاشر الأنبياء ما تركنا صدقة قالوا اللهم نعم قال أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ص يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته ثم يجعل ما بقي في بيت المال قالوا اللهم نعم فلما توفي رسول الله ص قبضها أبو بكر فجئت يا عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك و جئت يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها و زعمتما أن أبا بكر كان فيها خائنا فاجرا و الله لقد كان امرأ مطيعا تابعا للحق ثم توفي أبو بكر فقبضتها فجئتماني تطلبان ميراثكما أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك و أما علي فيطلب ميراث زوجته من أبيها و زعمتما أني فيها خائن و فاجر و الله يعلم أني فيها مطيع تابع للحق فأصلحا أمركما و إلا و الله لم ترجع إليكما فقاما و تركا الخصومة و أمضيت صدقة.قال أبو زيد قال أبو غسان فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني عن معمر بن شهاب عن مالك بنحوه و قال في آخره فغلب علي عباسا عليها فكانت بيد علي ثم كانت بيد الحسن ثم كانت بيد الحسين ثم علي بن الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن.قلت و هذا الحديث يدل صريحا على أنهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية و هذا من المشكلات لأن أبا بكر حسم المادة أولا و قرر عند العباس و علي و غيرهما أن النبي ص لا يورث و كان عمر من المساعدين له على ذلك فكيف يعود


العباس و علي بعد وفاة أبي بكر يحاولان امرأ قد كان فرغ منه و يئس من حصوله اللهم إلا أن يكونا ظنا أن عمر ينقض قضاء أبي بكر في هذه المسألة و هذا بعيد لأن عليا و العباس كانا في هذه المسألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك أ لا تراه يقول نسبتماني و نسبتما أبا بكر إلى الظلم و الخيانة فكيف يظنان أنه ينقض قضاء أبي بكر و يورثهما و اعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين في الميراث و النحلة و قد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث و منعها أبو بكر إياه أيضا و هو سهم ذوي القربى

قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري أخبرني أبو زيد عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عمير قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثني صدقة أبو معاوية عن محمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك أن فاطمة ع أتت أبا بكر فقالت لقد علمت الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات و ما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ثم قرأت عليه قوله تعالى( وَ اِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏... ) الآية فقال لها أبو بكر بأبي أنت و أمي و والد ولدك السمع و الطاعة لكتاب الله و لحق رسول الله ص و حق قرابته و أنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرءين منه و لم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلم إليكم كاملا قالت أ فلك هو و لأقربائك قال لا بل أنفق عليكم منه و أصرف الباقي في مصالح المسلمين قالت ليس هذا حكم الله تعالى قال هذا حكم الله فإن كان رسول الله عهد إليك


في هذا عهدا أو أوجبه لكم حقا صدقتك و سلمته كله إليك و إلى أهلك قالت إن رسول الله ص لم يعهد إلي في ذلك بشي‏ء إلا أني سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى قال أبو بكر لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كله كاملا و لكن لكم الغنى الذي يغنيكم و يفضل عنكم و هذا عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجراح فاسأليهم عن ذلك و انظري هل يوافقك على ما طلبت أحد منهم فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر فعجبت فاطمة ع من ذلك و تظنت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا هارون بن عمير قال حدثنا الوليد عن ابن أبي لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال أرادت فاطمة أبا بكر على فدك و سهم ذوي القربى فأبى عليها و جعلهما في مال الله تعالى.قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا أحمد بن معاوية عن هيثم عن جويبر عن أبي الضحاك عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ع أن أبا بكر منع فاطمة و بني هاشم سهم ذوي القربى و جعله في سبيل الله في السلاح و الكراع.

قال أبو بكر و أخبرنا أبو زيد قال حدثنا حيان بن هلال عن محمد بن يزيد بن ذريع عن محمد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر محمد بن علي ع قلت أ رأيت عليا حين ولي العراق و ما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى قال سلك بهم طريق أبي بكر و عمر قلت و كيف و لم و أنتم تقولون ما تقولون قال أما و الله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه فقلت فما منعه قال كان يكره


أن يدعى عليه مخالفة أبي بكر و عمر قال أبو بكر و حدثني المؤمل بن جعفر قال حدثني محمد بن ميمون عن داود بن المبارك قال أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن و نحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل و كنت أحد من سأله فسألته عن أبي بكر و عمر فقال سئل جدي عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال كانت أمي صديقة بنت نبي مرسل فماتت و هي غضبى على إنسان فنحن غضاب لغضبها و إذا رضيت رضينا.قال أبو بكر و حدثني أبو جعفر محمد بن القاسم قال حدثني علي بن الصباح قال أنشدنا أبو الحسن رواية المفضل للكميت:

أهوى عليا أمير المؤمنين و لا

أرضى بشتم أبي بكر و لا عمرا

و لا أقول و إن لم يعطيا فدكا

بنت النبي و لا ميراثها كفرا

الله يعلم ما ذا يحضران به

يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا

قال ابن الصباح فقال لي أبو الحسن أ تقول إنه قد أكفرهما في هذا الشعر قلت نعم قال كذاك هو.

قال أبو بكر حدثنا أبو زيد عن هارون بن عمير عن الوليد بن مسلم عن إسماعيل بن عباس عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن مولى أم هانئ قال دخلت فاطمة على أبي بكر بعد ما استخلف فسألته ميراثها من أبيها فمنعها فقالت له لئن مت اليوم من كان يرثك قال ولدي و أهلي قالت فلم ورثت أنت رسول الله ص دون ولده و أهله قال فما فعلت يا بنت رسول الله ص قالت بلى إنك عمدت إلى فدك و كانت صافية لرسول الله ص فأخذتها و عمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا فقال يا بنت رسول الله


ص لم أفعل حدثني رسول الله ص أن الله تعالى يطعم النبي ص الطعمة ما كان حيا فإذا قبضه الله إليه رفعت فقالت أنت و رسول الله أعلم ما أنا بسائلتك بعد مجلسي ثم انصرفت

قال أبو بكر و حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي عن عبد الله بن حماد بن سليمان عن أبيه عن عبد الله بن حسن بن حسن عن أمه فاطمة بنت الحسين ع قالت لما اشتد بفاطمة بنت رسول الله ص الوجع و ثقلت في علتها اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين و الأنصار فقلن لها كيف أصبحت يا ابنة رسول الله ص قالت و الله أصبحت عائفة لدنياكم قالية لرجالكم لفظتهم بعد أن عجمتهم و شنئتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد و خور القناة و خطل الرأي و بئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون لا جرم قد قلدتهم ربقتها و شنت عليهم غارتها فجدعا و عقرا و سحقا للقوم الظالمين ويحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة و قواعد النبوة و مهبط الروح الأمين و الطيبين بأمر الدنيا و الدين ألا ذلك هو الخسران المبين و ما الذي نقموا من أبي حسن نقموا و الله نكير سيفه و شدة وطأته و نكال وقعته و تنمره في ذات الله و تالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله ص لاعتلقه و لسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشته و لا يتعتع راكبه و لأوردهم منهلا نميرا فضفاضا يطفح ضفتاه و لأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل و ردعه سورة الساغب و لفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض و سيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ألا هلم فاستمع و ما عشت


أراك الدهر عجبه و إن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجإ استندوا و بأي عروة تمسكوا لبئس المولى و لبئس العشير و لبئس للظالمين بدلا استبدلوا و الله الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا( ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون ) ويحهم( أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا و ذعاقا ممقرا هنالك يخسر المبطلون و يعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا و اطمئنوا للفتنة جأشا و أبشروا بسيف صارم و هرج شامل و استبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا و جمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم و أنى لكم و قد عميت عليكم أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون و الحمد لله رب العالمين و صلاته على محمد خاتم النبيين و سيد المرسلين.قلت هذا الكلام و إن لم يكن فيه ذكر فدك و الميراث إلا أنه من تتمة ذلك و فيه إيضاح لما كان عندها و بيان لشدة غيظها و غضبها فإنه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضي القضاة و المرتضى في أنها هل كانت غضبى أم لا و نحن لا ننصر مذهبا بعينه و إنما نذكر ما قيل و إذا جرى بحث نظري قلنا ما يقوى في أنفسنا منه.و اعلم أنا إنما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث و ثقاتهم و ما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه و هو من الثقات الأمناء عند أصحاب الحديث و أما ما يرويه رجال الشيعة و الأخباريون منهم في كتبهم من قولهم إنهما أهاناها و أسمعاها كلاما غليظا و إن أبا بكر رق لها حيث لم يكن عمر حاضرا فكتب لها بفدك كتابا فلما خرجت به وجدها عمر فمد يده إليه ليأخذه مغالبة فمنعته فدفع بيده في صدرها


و أخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تفل فيها فمحاها و إنها دعت عليه فقالت بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي فشي‏ء لا يرويه أصحاب الحديث و لا ينقلونه و قدر الصحابة يجل عنه و كان عمر أتقى لله و أعرف لحقوق الله من ذلك و قد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة التي يذكرونها شعرا أوله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته التي أولها:

يا ابنة القوم تراك

بالغ قتلي رضاك

و قد ذيل عليها بعض الشيعة و أتمها و الأبيات:

يا ابنة الطاهر كم تقرع

بالظلم عصاك

غضب الله لخطب

ليلة الطف عراك

و رعى النار غدا قط

رعى أمس حماك

مر لم يعطفه شكوى

و لا استحيا بكاك

و اقتدى الناس به بعد

فأردى ولداك

يا ابنة الراقي إلى السدرة

في لوح السكاك

لهف نفسي و على مثلك

فلتبك البواكي

كيف لم تقطع يد مد

إليك ابن صحاك

فرحوا يوم أهانوك

بما ساء أباك

و لقد أخبرهم أن

رضاه في رضاك

دفعا النص على إرثك

لما دفعاك

و تعرضت لقدر

تافه و انتهراك


و ادعيت النحلة المشهود

فيها بالصكاك

فاستشاطا ثم ما إن

كذبا إن كذباك

فزوى الله عن الرحمة

زنديقا ذواك

و نفى عن بابه الواسع

شيطانا نفاك

فانظر إلى هذه البلية التي صبت من هؤلاء على سادات المسلمين و أعلام المهاجرين و ليس ذلك بقادح في علو شأنهم و جلالة مكانهم كما أن مبغضي الأنبياء و حسدتهم و مصنفي الكتب في إلحاق العيب و التهجين لشرائعهم لم تزدد لأنبيائهم إلا رفعة و لا زادت شرائعهم إلا انتشارا في الأرض و قبولا في النفس و بهجة و نورا عند ذوي الألباب و العقول.و قال لي علوي في الحلة يعرف بعلي بن مهنإ ذكي ذو فضائل ما تظن قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة فدك قلت ما قصدا قال أرادا ألا يظهرا لعلي و قد اغتصباه الخلافة رقة ولينا و خذلانا و لا يرى عندهما خورا فأتبعا القرح بالقرح.و قلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل و هل كانت فدك إلا نخلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير فقال لي ليس الأمر كذلك بل كانت جليلة جدا و كان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة عنها إلا ألا يتقوى علي بحاصلها و غلتها على المنازعة في الخلافة و لهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة و علي و سائر بني هاشم و بني المطلب حقهم في الخمس فإن


الفقير الذي لا مال له تضعف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء و هو داء لا دواء له و ما أكثر ما تزول الأخلاق و الشيم فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها

الفصل الثاني في النظر في أن النبي ص هل يورث أم لا

نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضىرحمه‌الله في الشافي عن قاضي القضاة في هذا المعنى و ما اعترضه به و إن استضعفنا شيئا من ذلك قلنا ما عندنا و إلا تركناه على حاله.قال المرتضى أول ما ابتدأ به قاضي القضاة حكايته عنا استدلالنا على أنه ص مورث بقوله تعالى( يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ) و هذا الخطاب عام يدخل فيه النبي و غيره.ثم أجاب يعني قاضي القضاة عن ذلك فقال إن الخبر الذي احتج به أبو بكر يعني قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعدا و عبد الرحمن فشهدوا به فكان لا يحل لأبي بكر و قد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثا و قد خبر رسول الله ص بأنها صدقة و ليست بميراث و أقل ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد


فلو أن شاهدين شهدا في التركة أن فيها حقا أ ليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الإرث فعلمه بما قال رسول الله ص مع شهادة غيره أقوى و لسنا نجعله مدعيا لأنه لم يدع ذلك لنفسه و إنما بين أنه ليس بميراث و أنه صدقة و لا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخص في العبد و القاتل و غيرهما و ليس ذلك بنقص في الأنبياء بل هو إجلال لهم يرفع الله به قدرهم عن أن يورثوا المال و صار ذلك من أوكد الدواعي ألا يتشاغلوا بجمعه لأن أحد الدواعي القوية إلى ذلك تركه على الأولاد و الأهلين و لما سمعت فاطمة ع ذلك من أبي بكر كفت عن الطلب فيما ثبت من الأخبار الصحيحة فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك فطلبت الإرث فلما روى لها ما روى كفت فأصابت أولا و أصابت ثانيا.و ليس لأحد أن يقول كيف يجوز أن يبين النبي ص ذلك للقوم و لا حق لهم في الإرث و يدع أن يبين ذلك لمن له حق في الإرث مع أن التكليف يتصل به و ذلك لأن التكليف في ذلك يتعلق بالإمام فإذا بين له جاز ألا يبين لغيره و يصير البيان له بيانا لغيره و إن لم يسمعه من الرسول لأن هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة.قال ثم حكى عن أبي علي أنه قال أ تعلمون كذب أبي بكر في هذه الرواية أم تجوزون أن يكون صادقا قال و قد علم أنه لا شي‏ء يقطع به على كذبه فلا بد من تجويز كونه صادقا و إذا صح ذلك قيل لهم فهل كان يحل له مخالفة الرسول فإن قالوا لو كان صدقا لظهر و اشتهر قيل لهم إن ذلك من باب العمل و لا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة بل الواحد و الاثنان مثل سائر الأحكام و مثل الشهادات فإن قالوا نعلم أنه لا يصح لقوله تعالى في كتابه( وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) قيل لهم


و من أين أنه ورثه الأموال مع تجويز أن يكون ورثه العلم و الحكمة فإن قالوا إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال قيل لهم إن كتاب الله يبطل قولكم لأنه قال( ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) و الكتاب ليس بمال و يقال في اللغة ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئا أفضل من أدب حسن و قالوا العلماء ورثة الأنبياء و إنما ورثوا منهم العلم دون المال على أن في آخر الآية ما يدل على ما قلناه و هو قوله تعالى حاكيا عنه( وَ قالَ يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ ) فنبه على أن الذي ورث هو هذا العلم و هذا الفضل و إلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول فإن قالوا فقد قال تعالى( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) و ذلك يبطل الخبر قيل لهم ليس في ذلك بيان المال أيضا و في الآية ما يدل على أن المراد النبوة و العلم لأن زكريا خاف على العلم أن يندرس و قوله( وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ) يدل على ذلك لأن الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصا يتعلق خوفها بها و إنما أراد خوفه على العلم أن يضيع فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه و قوله( وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يدل على أن المراد العلم و الحكمة لأنه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة و إنما يرث ذلك غيره قال فأما من يقول إن المراد أنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورثه فركيك من القول لأن إجماع الصحابة يخالفه لأن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه لأنه لا يكون في ذلك تخصيص الأنبياء و لا مزية لهم و لأن قوله ما تركناه صدقة جملة من الكلام مستقلة بنفسها كأنه


ع مع بيانه أنهم لا يورثون المال يبين أنه صدقة لأنه كان يجوز ألا يكون ميراثا و يصرف إلى وجه آخر غير الصدقة.قال فأما خبر السيف و البغلة و العمامة و غير ذلك فقد قال أبو علي إنه لم يثبت أن أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين ع على جهة الإرث كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه و كيف يجوز لو كان وارثا أن يخصه بذلك و لا إرث له مع العم لأنه عصبة فإن كان وصل إلى فاطمة ع فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك و أزواج رسول الله ص و لوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهورا ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله و لا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهة الإرث ألا يحصل ذلك في يده لأنه قد يجوز أن يكون النبي ص نحله ذلك و يجوز أيضا أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين و تصدق ببدله بعد التقويم لأن الإمام له أن يفعل ذلك.قال و حكى عن أبي علي في البرد و القضيب أنه لم يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله و تقوية على المشركين فتداولته الأئمة لما فيه من التقوية و رأى أن ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنه ع لم يكن قد نحله غيره في حياته ثم عارض نفسه بطلب أزواج النبي ص الميراث و تنازع أمير المؤمنين ع و العباس بعد موت فاطمة ع و أجاب عن ذلك بأن قال يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر و غيره للخبر.و قد روي أن عائشة لما عرفتهن الخبر أمسكن و قد بينا أنه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث و يعرفه من يتقلد الأمر كما يعرف العلماء و الحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث و قد بينا أن رواية أبي بكر مع الجماعة


أقوى من شاهدين لو شهد أن بعض تركته ع دين و هو أقوى من رواية سلمان و ابن مسعود لو رويا ذلك.قال و متى تعلقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر كما أن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء و قد ثبت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة.هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضي القضاة.ثم قال نحن نبين أولا ما يدل على أنه ص يورث المال و نرتب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح ثم نعطف على ما أورده و نتكلم عليه.قالرضي‌الله‌عنه و الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى مخبرا عن زكريا ع( وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) فخبر أنه خاف من بني عمه لأن الموالي هاهنا هم بنو العم بلا شبهة و إنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد لأنه كان يعرف ذلك من خلائقهم و طرائقهم فسأل ربه ولدا يكون أحق بميراثه منهم و الذي يدل على أن المراد بالميراث المذكور ميراث المال دون العلم و النبوة على ما يقولون إن لفظة الميراث في اللغة و الشريعة لا يفيد إطلاقها إلا على ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث كالأموال و ما في معناها و لا يستعمل في غير المال إلا تجوزا و اتساعا و لهذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلا فلان و فلان يرث مع فلان بالظاهر و الإطلاق إلا ميراث الأموال و الأعراض دون العلوم و غيرها و ليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام و حقيقته إلى مجازه بغير دلالة و أيضا فإنه تعالى خبر عن نبيه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا و متى لم يحمل الميراث في الآية على المال دون العلم


و النبوة لم يكن للاشتراط معنى و كان لغوا و عبثا لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه و يرث مكانه فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه و سؤاله فلا مقتضي لاشتراطه أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول اللهم ابعث إلينا نبيا و اجعله عاقلا و مكلفا فإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث ماله و صح أيضا لصحتها أن نبينا ص ممن يورث المال لأن الإجماع واقع على أن حال نبينا ع لا يخالف حال الأنبياء المتقدمين في ميراث المال فمن مثبت للأمرين و ناف للأمرين.قلت إن شيخنا أبا الحسين قال في كتاب الغرر صورة الخبر الوارد في هذا الباب و هو الذي رواه أبو بكر لا نورث و لم يقل نحن معاشر الأنبياء لا نورث فلا يلزم من كون زكريا يورث الطعن في الخبر و تصفحت أنا كتب الصحاح في الحديث فوجدت صيغة الخبر كما قاله أبو الحسين و إن كان رسول الله ص عنى نفسه خاصة بذلك فقد سقط احتجاج الشيعة بقصة زكريا و غيره من الأنبياء إلا أنه يبعد عندي أن يكون أراد نفسه خاصة لأنه لم تجر عادته أن يخبر عن نفسه في شي‏ء بالنون.فإن قلت أ يصح من المرتضى أن يوافق على أن صورة الخبر هكذا ثم يحتج بقصة زكريا بأن يقول إذا ثبت أن زكريا موروث ثبت أن رسول الله ص يجوز أن يكون موروثا لإجماع الأمة على أن لا فرق بين الأنبياء كلهم في هذا الحكم.قلت و إن ثبت له هذا الإجماع صح احتجاجه و لكن ثبوته يبعد لأن من نفى كون زكريا ع موروثا من الأمة إنما نفاه لاعتقاده أن رسول الله ص قال نحن معاشر الأنبياء فإذا كان لم يقل هكذا لم يقل إن زكريا ع غير موروث


قال المرتضى و مما يقوي ما قدمناه أن زكريا ع خاف بني عمه فطلب وارثا لأجل خوفه و لا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون العلم و النبوة لأنه ع كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا ليس بأهل للنبوة و أن يورث علمه و حكمه من ليس أهلا لهما و لأنه إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في البعثة فإن قيل هذا يرجع عليكم في الخوف عن إرث المال لأن ذلك غاية الضن و البخل قلنا معاذ الله أن يستوي الحال لأن المال قد يصح أن يرزقه الله تعالى المؤمن و الكافر و العدو و الولي و لا يصح ذلك في النبوة و علومها و ليس من الضن أن يأسى على بني عمه و هم من أهل الفساد أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي و يصرفوه في غير وجوهه المحبوبة بل ذلك غاية الحكمة و حسن التدبير في الدين لأن الدين يحظر تقوية الفساق و إمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة و ما يعد ذلك شحا و لا بخلا إلا من لا تأمل له.فإن قيل أ فلا جاز أن يكون خاف من بني عمه أن يرثوا علمه و هم من أهل الفساد على ما ادعيتم فيستفسدوا به الناس و يموهوا به عليهم قلنا لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه و صحف حكمته لأن ذلك قد يسمى علما على طريق المجاز أو يكون هو العلم الذي يحل القلب فإن كان الأول فهو يرجع إلى معنى المال و يصحح أن الأنبياء يورثون أموالهم و ما في معناها و إن كان الثاني لم يخل هذا من أن يكون هو العلم الذي بعث النبي لنشره و أدائه أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة و لا يجب إطلاع جميع الأمة عليه كعلم العواقب و ما يجري في مستقبل الأوقات و ما جرى مجرى ذلك و القسم الأول لا يجوز على النبي أن يخاف من وصوله إلى بني عمه و هم من جملة أمته الذين بعث لإطلاعهم على ذلك و تأديته إليهم و كأنه على هذا الوجه يخاف مما هو الغرض من بعثته و القسم الثاني فاسد أيضا لأن


هذا العلم المخصوص إنما يستفاد من جهته و يوقف عليه بإطلاعه و إعلامه و ليس هو مما يجب نشره في جميع الناس فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا ألا يلقيه إليه فإن ذلك في يده و لا يحتاج إلى أكثر من ذلك.قلت لعاكس أن يعكس هذا على المرتضىرحمه‌الله حينئذ و يقول له و قد كان يجب إذا خاف من أن يرث بنو عمه أمواله فينفقوها في الفساد أن يتصدق بها على الفقراء و المساكين فإن ذلك في يده فيحصل له ثواب الصدقة و يحصل له غرضه من حرمان أولئك المفسدين ميراثه.قال المرتضىرضي‌الله‌عنه و مما يدل على أن الأنبياء يورثون قوله تعالى( وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) و الظاهر من إطلاق لفظة الميراث يقتضي الأموال و ما في معناها على ما دللنا به من قبل.قال و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى( يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ... ) الآية و قد أجمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلا من أخرجه الدليل فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة و لا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع.قلت أما قوله تعالى( وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) فظاهرها يقتضي وراثة النبوة أو الملك أو العلم الذي قال في أول الآية( وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً... ) لأنه لا معنى لذكر ميراث سليمان المال فإن غيره من أولاد داود قد ورث أيضا أباه داود و في كتب اليهود و النصارى أن بني داود كانوا تسعة عشر و قد قال بعض المسلمين أيضا ذلك فأي معنى في تخصيص سليمان بالذكر إذا كان إرث المال و أما( يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) فالبحث في تخصيص ذلك بالخبر فرع من فروع مسألة خبر الواحد هل هو حجة في


الشرعيات أم لا فإن ثبت مذهب المرتضى في كونه ليس بحجة فكلامه هنا جيد و إن لم يثبت فلا مانع من تخصيص العموم بالخبر فإن الصحابة قد خصصت عمومات الكتاب بالأخبار في مواضع كثيرة.قال المرتضى و أما تعلق صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر و ادعاؤه أنه استشهد عمر و عثمان و فلانا و فلانا فأول ما فيه أن الذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف و الذي روي أن عمر استشهد هؤلاء النفر لما تنازع أمير المؤمنين ع و العباسرضي‌الله‌عنه في الميراث فشهدوا بالخبر المتضمن لنفي الميراث و إنما مقول مخالفينا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة ع بالإرث على إمساك الأمة عن النكير عليه و الرد لقضيته.قلت صدق المرتضىرحمه‌الله فيما قال أما عقيب وفاة النبي ص و مطالبة فاطمة ع بالإرث فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده و قيل إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان و أما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة فإنما شهدوا بالخبر في خلافة عمر و قد تقدم ذكر ذلك.قال المرتضى ثم لو سلمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجة لأن الخبر على كل حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم و هو في حكم أخبار الآحاد و ليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجرى هذا المجرى لأن المعلوم لا يخص إلا بمعلوم و إذا كانت دلالة الظاهر معلومة لم يجز أن يخرج عنها بأمر مظنون.قال و هذا الكلام مبني على أن التخصيص للكتاب و السنة المقطوع بها لا يقع


بأخبار الآحاد و هو المذهب الصحيح و قد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم و لا يرجع عن المعلوم بالمظنون قال و ليس لهم أن يقولوا إن التخصيص بأخبار الآحاد يستند أيضا إلى علم و إن كان الطريق مظنونا و يشيروا إلى ما يدعونه من الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة و أنه حجة لأن ذلك مبني من قولهم على ما لا نسلمه و قد دل الدليل على فساده أعني قولهم خبر الواحد حجة في الشرع على أنهم لو سلم لهم ذلك لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنه يقبل في تخصيص القرآن لأن ما دل على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع كما لا يتناول جواز النسخ به.قلت أما قول المرتضى لو سلمنا أن هؤلاء المهاجرين الستة رووه لما خرج عن كونه خبرا واحدا و لما جاز أن يرجع عن عموم الكتاب به لأنه معلوم و الخبر مظنون.و لقائل أن يقول ليته حصل في كل واحد من آيات القرآن رواية مثل هذه الستة حيث جمع القرآن على عهد عثمان و من قبله من الخلفاء فإنهم بدون هذا العدد كانوا يعملون في إثبات الآية في المصحف بل كانوا يحلفون من أتاهم بالآية و من نظر في كتب التواريخ عرف ذلك فإن كان هذا العدد إنما يفيد الظن فالقول في آيات الكتاب كذلك و إن كانت آيات الكتاب أثبتت عن علم مستفاد من رواية هذا العدد و نحوه فالخبر مثل ذلك.فأما مذهب المرتضى في خبر الواحد فإنه قول انفرد به عن سائر الشيعة لأن من قبله من فقهائهم ما عولوا في الفقه إلا على أخبار الآحاد كزرارة و يونس و أبي بصير و ابني بابويه و الحلبي و أبي جعفر القمي و غيرهم ثم من كان في عصر المرتضى منهم


كأبي جعفر الطوسي و غيره و قد تكلمت في اعتبار الذريعة على ما أعتمد عليه في هذه المسألة و أما تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالظاهر أنه إذا صح كون خبر الواحد حجة في الشرع جاز تخصيص الكتاب به و هذا من فن أصول الفقه فلا معنى لذكره هنا.قال المرتضىرضي‌الله‌عنه و هذا يسقط قول صاحب الكتاب إن الشاهدين لو شهدا أن في التركة حقا لكان يجب أن ينصرف عن الإرث و ذلك لأن الشهادة و إن كانت مظنونة فالعمل بها يستند إلى علم لأن الشريعة قد قررت العمل بالشهادة و لم تقرر العمل بخبر الواحد و ليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن لأنا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها أ لا ترى أنا قد نظن بصدق الفاسق و المرأة و الصبي و كثير ممن لا يجوز العمل بقوله فبان أن المعول في هذا على المصلحة التي نستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.قال و أبو بكر في حكم المدعي لنفسه و الجار إليها بخلاف ما ظنه صاحب الكتاب و كذلك من شهد له إن كانت هناك شهادة و ذلك أن أبا بكر و سائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول ص يحل لهم الصدقة و يجوز أن يصيبوا فيها و هذه تهمة في الحكم و الشهادة.قال و ليس له أن يقول فهذا يقتضي ألا يقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة لمثل ما ذكرتم.


قال و ذلك لأن الشاهدين إذا شهدا في الصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث بل سائر المسلمين و ليس كذلك حال تركة الرسول لأن كونها صدقة يحرمها على ورثته و يبيحها لسائر المسلمين.قلت هذا فرق غير مؤثر اللهم إلا أن يعني به تهمة أبي بكر و الشهود الستة في جر النفع إلى أنفسهم يكون أكثر من تهمتهم لو شهدوا على أبي هريرة مثلا أن ما تركه صدقة لأن أهل أبي هريرة يشاركون في القسمة و أهل النبي ص لا يشاركون الشهود فيما يصيبهم إذ هم لا تحل لهم الصدقة فتكون حصة أبي بكر و الشهود مما تركه رسول الله أكثر من حصتهم مما يتركه أبو هريرة فيكون تطرق التهمة إلى أبي بكر و الشهود أكثر حسب زيادة حصتهم و ما وقفت للمرتضى على شي‏ء أطرف من هذا لأن رسول الله ص مات و المسلمون أكثر من خمسين ألف إنسان لأنه قاد في غزاة تبوك عشرين ألفا ثم وفدت إليه الوفود كلها بعد ذلك فليت شعري كم مقدار ما يتوفر على أبي بكر و ستة نفر معه و هم من جملة خمسين ألفا بين ما إذا كان بنو هاشم و بنو المطلب و هم حينئذ عشرة نفر لا يأخذون حصة و بين ما إذا كانوا يأخذون أ ترى أ يكون المتوفر على أبي بكر و شهوده من التركة عشر عشر درهم ما أظن أنه يبلغ ذلك و كم مقدار ما يقلل حصص الشهود على أبي هريرة إذا شركهم أهله في التركة لتكون هذه القلة موجبة رفع التهمة و تلك الزيادة و الكثرة موجبة حصول التهمة و هذا الكلام لا أرتضيه للمرتضى.قال المرتضىرضي‌الله‌عنه و أما قوله يخص القرآن بالخبر كما خصصناه في العبد و القاتل فليس بشي‏ء لأنا إنما خصصنا من ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم و ليس هذا موجودا في الخبر الذي ادعاه فأما قوله و ليس ذلك ينقص الأنبياء بل هو إجلال لهم


فمن الذي قال له إن فيه نقصا و كما أنه لا نقص فيه فلا إجلال فيه و لا فضيلة لأن الداعي و إن كان قد يقوى على جمع المال ليخلف على الورثة فقد يقويه أيضا إرادة صرفه في وجوه الخير و البر و كلا الأمرين يكون داعيا إلى تحصيل المال بل الداعي الذي ذكرناه أقوى فيما يتعلق بالدين.قال و أما قوله إن فاطمة لما سمعت ذلك كفت عن الطلب فأصابت أولا و أصابت ثانيا فلعمري إنها كفت عن المنازعة و المشاحة لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة و الأمر في غضبها و سخطها أظهر من أن يخفى على منصف فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع و لا عصبية فيه من كلامها في تلك الحال و بعد انصرافها عن مقام المنازعة و المطالبة ما يدل على ما ذكرناه من سخطها و غضبها.

أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال حدثني الزيادي قال حدثنا الشرقي بن القطامي عن محمد بن إسحاق قال حدثنا صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمة من حفدتها...

قال المرتضى و أخبرنا المرزباني قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكي قال حدثنا أبو العيناء بن القاسم اليماني قال حدثنا ابن عائشة قال لما قبض رسول الله ص أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في لمة من حفدتها ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا...و نساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ص


حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتج المجلس ثم أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم افتتحت كلامها بالحمد لله عز و جل و الثناء عليه و الصلاة على رسول الله ص ثم قالت( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة مائلا عن سنن المشركين ضاربا ثبجهم يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة آخذا بأكظام المشركين يهشم الأصنام و يفلق الهام حتى انهزم الجمع و ولوا الدبر و حتى تفرى الليل عن صبحه و أسفر الحق عن محضه و نطق زعيم الدين و خرست شقائق الشياطين و تمت كلمة الإخلاص و كنتم على شفا حفرة من النار نهزة الطامع و مذقة الشارب و قبسة العجلان و موطإ الأقدام تشربون الطرق و تقتاتون القد أذلة خاسئين يختطفكم الناس من حولكم حتى أنقذكم الله برسوله ص بعد اللتيا و التي و بعد أن مني بهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب و( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها و لا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه و يطفئ عادية لهبها بسيفه أو قالت يخمد لهبها بحده مكدودا في ذات الله و أنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون


إلى هنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة و أما عروة عن عائشة فزاد بعد هذا حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق و شمل جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين و نبغ خامل الآفكين و هدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم و أطلع الشيطان رأسه صارخا بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين و لقربه متلاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافا و أحمشكم فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم و وردتم غير شربكم هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجرح لما يندمل إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة( ألا في الفتنة سقطوا و إن جهنم لمحيطة بالكافرين ) فهيهات و أنى بكم و أنى تؤفكون و كتاب الله بين أظهركم زواجره بينة و شواهده لائحة و أوامره واضحة أ رغبة عنه تريدون أم لغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا و من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء و نحن نصبر منكم على مثل حز المدى و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا( أ فحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) يا ابن أبي قحافة أ ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله و الزعيم محمد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون ثم انكفأت إلى قبر أبيها ع فقالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إذا فقدناك فقد الأرض وابلها

و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب

و روى حرمي بن أبي العلاء مع هذين البيتين بيتا ثالثا:

فليت بعدك كان الموت صادفنا

لما قضيت و حالت دونك الكتب


قال فحمد أبو بكر الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ص و قال يا خير النساء و ابنة خير الآباء و الله ما عدوت رأي رسول الله ص و لا عملت إلا بإذنه و إن الرائد لا يكذب أهله و إني أشهد الله و كفى بالله شهيدا

أني سمعت رسول الله يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا دارا و لا عقارا و إنما نورث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة

قال فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب ع كلم في رد فدك فقال إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر و أمضاه عمر

قال المرتضى و أخبرنا أبو عبد الله المرزباني قال حدثني علي بن هارون قال أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه قال ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع كلام فاطمة ع عند منع أبي بكر إياها فدك و قلت له إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع و أنه من كلام أبي العيناء لأن الكلام منسوق البلاغة فقال لي رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم و يعلمونه أولادهم و قد حدثني به أبي عن جدي يبلغ به فاطمة ع على هذه الحكاية و قد رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه قبل أن يوجد جد أبي العيناء و قد حدث الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.ثم قال أبو الحسن زيد و كيف تنكرون هذا من كلام فاطمة ع و هم


يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة ع و يحققونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه و زاد في الأبيات بعد البيتين الأولين:

ضاقت علي بلادي بعد ما رحبت

وسم سبطاك خسفا فيه لي نصب

فليت قبلك كان الموت صادفنا

قوم تمنوا فأعطوا كل ما طلبوا

تجهمتنا رجال و استخف بنا

مذ غبت عنا و كل الإرث قد غصبوا

قال فما رأينا يوما أكثر باكيا أو باكية من ذلك اليوم.قال المرتضى و قد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة و وجوه كثيرة فمن أرادها أخذها من مواضعها فكيف يدعي أنها ع كفت راضية و أمسكت قانعة لو لا البهت و قلة الحياء.قلت ليس في هذا الخبر ما يدل على فساد ما ادعاه قاضي القضاة لأنه ادعى أنها نازعت و خاصمت ثم كفت لما سمعت الرواية و انصرفت تاركة للنزاع راضية بموجب الخبر المروي و ما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدل إلا على سخطها حال حضورها و لا يدل على أنها بعد رواية الخبر و بعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنه ما روى عن رسول الله ص إلا ما سمعه منه انصرفت ساخطة و لا في الحديث المذكور و الكلام المروي ما يدل على ذلك و لست أعتقد أنها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة بل أعلم أنها انصرفت ساخطة و ماتت و هي على أبي بكر واجدة و لكن لا من هذا الخبر بل من أخبار أخر كان الأولى بالمرتضى أن يحتج بها على


ما يرويه في انصرافها ساخطة و موتها على ذلك السخط و أما هذا الخبر و هذا الكلام فلا يدل على هذا المطلوب.قال المرتضىرحمه‌الله فأما قوله إنه يجوز أن يبين ع أنه لا حق لميراثه في ورثته لغير الورثة و لا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد لأنه من باب العمل و كل هذا بناء منه على أصوله الفاسدة في أن خبر الواحد حجة في الشرع و أن العمل به واجب و دون صحة ذلك خرط القتاد و إنما يجوز أن يبين من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة و وقوع العمل فأما مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما و إذا كان ورثة النبي ص متعبدين بألا يرثوه فلا بد من إزاحة علتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم و يشافههم به و يلقيه إلى من يقيم الحجة عليهم بنقله و كل ذلك لم يكن.فأما قوله أ تجوزون صدقه في الرواية أم لا تجوزون ذلك فالجواب إنا لا نجوزه لأن كتاب الله أصدق منه و هو يدفع روايته و يبطلها فأما اعتراضه على قولنا إن إطلاق الميراث لا يكون إلا في الأموال بقوله تعالى ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا و قولهم ما ورثت الأبناء من الآباء شيئا أفضل من أدب حسن و قولهم العلماء ورثة الأنبياء فعجيب لأن كل ما ذكر مقيد غير مطلق و إنما قلنا إن مطلق لفظ الميراث من غير قرينة و لا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال فبعد ما ذكره و عارض به لا يخفى على متأمل.فأما استدلاله على أن سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله( يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ ) و أن المراد أنه


ورث العلم و الفضل و إلا لم يكن لهذا القول تعلق بالأول فليس بشي‏ء يعول عليه لأنه لا يمتنع أن يريد به أنه ورث المال بالظاهر و العلم بهذا المعنى من الاستدلال فليس يجب إذا دلت الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه بل يجب أن يحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع على أنه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول مع ذلك إنا( عُلِّمْنا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ ) و يشير اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ إلى العلم و المال جميعا فله بالأمرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما و قوله( وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنه.فأما قوله في قصة زكريا إنه خاف على العلم أن يندرس لأن الأنبياء و إن كانوا لا يحرصون على الأموال و إنما خاف أن يضيع العلم فسأل الله تعالى وليا يقوم بالدين مقامه فقد بينا أن الأنبياء و إن كانوا لا يحرصون على الأموال و لا يبخلون بها فإنهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد و لا يعد ذلك بخلا و لا حرصا بل فضلا و دينا و ليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس و الضياع لأنه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الذي هو الحجة على العباد و به تنزاح عللهم في مصالحهم فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله.فإن قيل فهبوا أن الأمر كما ذكرتم من أن زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس أ ليس لا بد أن يكون مجوزا أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله و أقاربه كما يجوز حفظه بغريب أجنبي فما أنكرتم أن يكون خوفه إنما كان من بني عمه ألا يتعلموا العلم و لا يقوموا فيه مقامه فسأل الله ولدا يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته و يتعدى إلى غير قومه فيلحقه بذلك وصمة.


قلنا أما إذا رتب السؤال هذا الترتيب فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب و هو أن الخوف الذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني و إنما هو من ضرر دنياوي و الأنبياء إنما بعثوا لتحمل المضار الدنياوية و منازلهم في الثواب إنما زادت على كل المنازل لهذا الوجه و من كانت حاله هذه الحال فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولا على مضار الدين لأنها هي جهة خوفهم و الغرض في بعثهم تحمل ما سواها من المضار فإذا قال النبي ص أنا خائف فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا لأن أحوالهم و بعثهم يقتضي ذلك فإذا كنا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا و أسبابها و التعفف عن منافعها و الرغبة في الآخرة و التفرد بالعمل لها لكنا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه و أليق بحاله و نضيفه إلى الآخرة دون الدنيا و إذا كان هذا واجبا فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء ع أوجب.قلت ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة فيجعل الخوف من هذه الوصمة بل يقول إنه خاف ألا يفلح بنو عمه و لا يتعلموا العلم لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك فالخوف على هذا الترتيب يتعلق بأمر ديني لا دنيوي فسأل الله تعالى أن يرزقه ولدا يرث عنه علمه أي يكون عالما بالدينيات كما أنا عالم بها و هذا السؤال متعلق بأمر ديني لا دنيوي و على هذا يندفع ما ذكره المرتضى على أنه لا يجوز إطلاق القول بأن الأنبياء بعثوا لتحمل المضار الدنياوية و لا القول الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار فإنهم ما بعثوا لذلك و لا الغرض في بعثتهم ذلك و إنما بعثوا لأمر آخر و قد تحصل المضار في أداء الشرع ضمنا و تبعا لا على أنها الغرض و لا داخلة


في الغرض و على أن قول المرتضى لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين و تغييره لأنه محفوظ من الله فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله غير مستمر على أصوله لأن المكلفين الآن قد حرموا بغيبة الإمام عنده ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود و صلاة الجمعة و الأعياد و هو و أصحابه يقولون في ذلك أن اللوم على المكلفين لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف فهلا جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين و تغييره و إفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلفين فإذا أفسدوا هم الأديان و بدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف.و اعلم أنه قد قرئ( وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ) و قيل إنها قراءة زين العابدين و ابنه محمد بن علي الباقر ع و عثمان بن عفان و فسروه على وجهين أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي و بعدي أي قلت الموالي و عجزوا عن إقامة الدين تقول قد خف بنو فلان أي قل عددهم فسأل زكريا ربه تقويتهم و مظاهرتهم بولي يرزقه.و ثانيهما أن يكون ورائي بمعنى قدامي أي خف الموالي و أنا حي و درجوا و انقرضوا و لم يبق منهم من به اعتضاد و على هذه القراءة لا يبقى متعلق بلفظة الخوف.و قد فسر قوم قوله( وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ ) أي خفت الذين يلون الأمر من بعدي لأن الموالي يستعمل في الوالي و جمعه موال أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء و رؤساء يفسدون شيئا من الدين فارزقني ولدا تنعم عليه بالنبوة و العلم كما أنعمت


علي و اجعل الدين محفوظا به و هذا التأويل غير منكر و فيه أيضا دفع لكلام المرتضى.قال المرتضى و أما تعلق صاحب الكتاب في أن الميراث محمول على العلم بقوله( وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) لأنه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة و إنما يرث ذلك غيره فبعيد من الصواب لأن ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم على أنه لم يقل يرث آل يعقوب بل قال( يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) تنبيها بذلك على أنه يرث من كان أحق بميراثه في القرابة.فأما طعنه على من تأول الخبر بأنه ع لا يورث ما تركه للصدقة بقوله إن أحدا من الصحابة لم يتأوله على هذا الوجه فهذا التأويل الذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه و إن أحدا لم يتأوله على هذا الوجه.فإن قال لو كان ذلك لظهر و اشتهر و لوقف أبو بكر عليه فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقة على هذا المعنى ما فيه كفاية.قلت لم يكن ذلك اليوم أعني يوم حضور فاطمة ع و قولها لأبي بكر ما قالت يوم تقية و خوف و كيف يكون يوم تقية و هي تقول له و هو الخليفة يا ابن أبي قحافة أ ترث أباك و لا أرث أبي و تقول له أيضا لقد جئت شيئا فريا فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنين ع أن يفسر لأبي بكر معنى الخبر أن يعلم فاطمة ع


تفسيره فتقول لأبي بكر أنت غالط فيما ظننت إنما قال أبي ما تركناه صدقة فإنه لا يورث.و اعلم أن هذا التأويل كاد يكون مدفوعا بالضرورة لأن من نظر في الأحاديث التي ذكرناها و ما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علما قطعيا.قال المرتضى و قوله إنه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء و لا مزية ليس بصحيح و قد قيل في الجواب عن هذا إن النبي ص يجوز أن يريد أن ما ننوي فيه الصدقة و نفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا و هذا تخصيص للأنبياء و مزية ظاهرة.قلت هذه مخالفة لظاهر الكلام و إحالة اللفظ عن وضعه و بين قوله ما ننوي فيه الصدقة و هو بعد في ملكنا ليس بموروث و قوله ما نخلفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم فلا يجوز أن يراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر لأنه إلباس و تعمية و أيضا فإن العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته و عددوها نحو حل الزيادة في النكاح على أربع و نحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقة من المسلمين و نحو تحريم أكل البصل و الثوم عليه و إباحة شرب دمه و غير ذلك و لم يذكروا في خصائصه أنه إذا كان قد نوى أن يتصدق بشي‏ء فإنه لا يناله ورثته لو قدرنا أنه يورث الأموال و لا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك و لا رأينا في كتاب من كتبهم و هو مسبوق بإجماع طائفته عليه و إجماعهم عندهم حجة.قال المرتضى فأما قوله إن قوله ع ما تركناه صدقة جملة من الكلام


مستقلة بنفسها فصحيح إذا كانت لفظة ما مرفوعة على الابتداء و لم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها و كانت لفظة صدقة أيضا مرفوعة غير منصوبة و في هذا وقع النزاع فكيف يدعى أنها جملة مستقلة بنفسها و أقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول الرواية جاءت بلفظ صدقة بالرفع و على ما تأولتموه لا تكون إلا منصوبة و الجواب عن ذلك إنا لا نسلم الرواية بالرفع و لم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب و الاشتباه يقع في مثله فمن حقق منهم و صرح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنها مرفوعة و هي منصوبة قلت و هذا أيضا خلاف الظاهر و فتح الباب فيه يؤدي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.قال و أما حكايته عن أبي علي أن أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين ع السيف و البغلة و العمامة على جهة الإرث و قوله كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه و كيف خصصه بذلك دون العم الذي هو العصبة فما نراه زاد على التعجب و مما عجب منه عجبنا و لم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.قلت لا يشك أحد في أن أبا بكر كان عاقلا و إن شك قوم في ذلك فالعاقل في يوم واحد لا يدفع فاطمة ع عن الإرث و يقول إن أباك قال لي إنني لا أورث ثم يورث في ذلك اليوم شخصا آخر من مال ذلك المتوفى الذي حكى عنه أنه لا يورث و ليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفا على العصمة بل على العقل.


قال المرتضى و قوله يجوز أن يكون النبي ص نحله إياه و تركه أبو بكر في يده لما في ذلك من تقوية الدين و تصدق ببدله و كل ما ذكره جائز إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة و الشهادة بها و الحجة عليها و لم يظهر من ذلك شي‏ء فنعرفه و من العجائب أن تدعي فاطمة فدك نحلة و تستشهد على قولها أمير المؤمنين ع و غيره فلا يصغى إلى قولها و يترك السيف و البغلة و العمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت و لا شهادة قامت.قلت لعل أبا بكر سمع الرسول ص و هو ينحل ذلك عليا ع فلذلك لم يحتج إلى البينة و الشهادة فقد روى أنه أعطاه خاتمه و سيفه في مرضه و أبو بكر حاضر و أما البغلة فقد كان نحله إياها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية و أما العمامة فسلب الميت و كذلك القميص و الحجزة و الحذاء فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميت و لا ينازع فيه لأنه خارج أو كالخارج عن التركة فلما غسل ع أخذت ابنته ثيابه التي مات فيها و هذه عادة الناس على أنا قد ذكرنا في الفصل الأول كيف دفع إليه آلة النبي ص و حذاءه و دابته و الظاهر أنه فعل ذلك اجتهادا لمصلحة رآها و للإمام أن يفعل ذلك.قال المرتضى على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبين ذلك و يذكر وجهه بعينه لما نازع العباس فيه فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.قلت لم ينازع العباس في أيام أبي بكر لا في البغلة و العمامة و نحوها و لا في غير


ذلك و إنما نازع عليا في أيام عمر و قد ذكرنا كيفية المنازعة و فيما ذا كانت.قال المرتضىرضي‌الله‌عنه في البردة و القضيب إن كان نحلة أو على الوجه الآخر يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور و الاستشهاد و لسنا نرى أصحابنا يعني المعتزلة يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوها و أسبابا و عللا مجوزة لأنهم لا يقنعون منا بما يجوز و يمكن بل يوجبون فيما ندعيه الظهور و الاستشهاد و إذا كان هذا عليهم نسوه أو تناسوه.قلت أما القضيب فهو السيف الذي نحله رسول الله ص عليا ع في مرضه و ليس بذي الفقار بل هو سيف آخر و أما البردة فإنه وهبها كعب بن زهير ثم صار هذا السيف و هذه البردة إلى الخلفاء بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ.قال المرتضى فأما قوله فإن أزواج النبي ص إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر و كذلك إنما نازع علي ع بعد موت فاطمة ع في الميراث لهذا الوجه فمن أقبح ما يقال في هذا الباب و أبعده عن الصواب و كيف لا يعرف أمير المؤمنين ع رواية أبي بكر و بها دفعت زوجته عن الميراث و هل مثل ذلك المقام الذي قامته و ما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد فضلا عمن هو في المدينة حاضر شاهد يراعي الأخبار و يعني بها إن هذا لخروج في المكابرة عن الحد و كيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى و يكون عثمان الرسول لهن و المطالب عنهن و عثمان على زعمهم أحد من شهد


أن النبي ص لا يورث و قد سمعن على كل حال أن بنت النبي ص لم تورث ماله و لا بد أن يكن قد سألن عن السبب في دفعها فذكر لهن الخبر فكيف يقال إنهن لم يعرفنه.قلت الصحيح أن أمير المؤمنين ع لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث و إنما نازع في الولاية لفدك و غيرها من صدقات رسول الله ص و جرى بينه و بين العباس في ذلك ما هو مشهور و أما أزواج النبي ص فما ثبت أنهن نازعن في ميراثه و لا أن عثمان كان المرسل لهن و المطالب عنهن إلا في رواية شاذة و الأزواج لما عرفن أن فاطمة ع قد دفعت عن الميراث أمسكن و لم يكن قد نازعن و إنما اكتفين بغيرهن و حديث فدك و حضور فاطمة عند أبي بكر كان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله ص و الصحيح أنه لم ينطق أحد بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة ع من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث.قال المرتضى فإن قيل فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطإ في دفع فاطمة ع عن الميراث و احتج بخبر لا حجة فيه فما بال الأمة أقرته على هذا الحكم و لم تنكر عليه و في رضاها و إمساكها دليل على صوابه.قلت قد مضى أن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في هذا الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا و ذكرنا في ذلك قولا شافيا و قد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب العباسية عن هذا السؤال جوابا حسن المعنى و اللفظ نحن


نذكره على وجهه ليقابل بينه و بين كلامه في العثمانية و غيرها.قلت ما كناه المرتضىرحمه‌الله في غير هذا الموضع أصلا بل كان ساخطا عليه و كناه في هذا الموضع و استجاد قوله لأنه موافق غرضه فسبحان الله ما أشد حب الناس لعقائدهم.قال قال أبو عثمان و قد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما يعني أبا بكر و عمر في منع الميراث و براءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله ص النكير عليهما ثم قال قد يقال لهم لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين و المحتجين عليهما و المطالبين لهما دليلا على صدق دعواهم أو استحسان مقالتهم و لا سيما و قد طالت المناجاة و كثرت المراجعة و الملاحاة و ظهرت الشكية و اشتدت الموجدة و قد بلغ ذلك من فاطمة ع حتى إنها أوصت ألا يصلي عليها أبو بكر و لقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها و محتجة لرهطها من يرثك يا أبا بكر إذا مت قال أهلي و ولدي قالت فما بالنا لا نرث النبي ص فلما منعها ميراثها و بخسها حقها و اعتل عليها و جلح في أمرها و عاينت التهضم و أيست من التورع و وجدت نشوة الضعف و قلة الناصر قالت و الله لأدعون الله عليك قال و الله لأدعون الله لك قالت و الله لا أكلمك أبدا قال و الله لا أهجرك أبدا فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها إن في ترك النكير على فاطمة ع دليلا على صواب طلبها و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت و تذكيرها ما نسيت و صرفها عن الخطإ و رفع قدرها عن البذاء و أن تقول هجرا أو تجور عادلا أو تقطع واصلا فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت


الأمور و استوت الأسباب و الرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا و بكم و أوجب علينا و عليكم.قال فإن قالوا كيف تظن به ظلمها و التعدي عليها و كلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا و رقة حيث تقول له و الله لا أكلمك أبدا فيقول و الله لا أهجرك أبدا ثم تقول و الله لأدعون الله عليك فيقول و الله لأدعون الله لك ثم يحتمل منها هذا الكلام الغليظ و القول الشديد في دار الخلافة و بحضرة قريش و الصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء و التنزيه و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها و الصائن لوجهها المتحنن عليها ما أحد أعز علي منك فقرا و لا أحب إلي منك غنى و لكني سمعت رسول الله ص يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة قيل لهم ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم و السلامة من الجور و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر إذا كان أريبا و للخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم و ذلة المنتصف و حدب الوامق و مقة المحق و كيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة و دلالة واضحة و قد زعمتم أن عمر قال على منبره متعتان كانتا على عهد رسول الله ص متعة النساء و متعة الحج أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما فما وجدتم أحدا أنكر قوله و لا استشنع مخرج نهيه و لا خطأه في معناه و لا تعجب منه و لا استفهمه و كيف تقضون بترك النكير و قد شهد عمر يوم السقيفة و بعد ذلك

أن النبي ص قال الأئمة من قريش ثم قال في شكاته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين


جعلهم شورى و سالم عبد لامرأة من الأنصار و هي أعتقته و حازت ميراثه ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر و لا قابل إنسان بين قوله و لا تعجب منه و إنما يكون ترك النكير على من لا رغبة و لا رهبة عنده دليلا على صدق قوله و صواب عمله فأما ترك النكير على من يملك الضعة و الرفعة و الأمر و النهي و القتل و الاستحياء و الحبس و الإطلاق فليس بحجة تشفي و لا دلالة تضي‏ء.قال و قال آخرون بل الدليل على صدق قولهما و صواب عملهما إمساك الصحابة عن خلعهما و الخروج عليهما و هم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل و رد النصوص و لو كان كما تقولون و ما تصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلهم فيه و عثمان كان أعز نفرا و أشرف رهطا و أكثر عددا و ثروة و أقوى عدة.قلنا إنهما لم يجحدا التنزيل و لم ينكرا النصوص و لكنهما بعد إقرارهما بحكم الميراث و ما عليه الظاهر من الشريعة ادعيا رواية و تحدثا بحديث لم يكن محالا كونه و لا ممتنعا في حجج العقول مجيئه و شهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه و لعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره و لم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة و لا جرت عليه غدرة فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن و تعديل الشاهد و لأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج و الذي يقطع بشهادته على الغيب و كان ذلك شبهة على أكثرهم فلذلك قل النكير و تواكل الناس فاشتبه الأمر فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم أو المؤيد المرشد و لأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام و قلوب السفلة و الطغام ما كان لهما من المحبة و الهيبة و لأنهما كانا أقل استئثارا بالفي‏ء و تفضلا بمال الله منه و من شأن الناس إهمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم و لم يستأثر بخراجهم و لم يعطل ثغورهم و لأن الذي صنع أبو بكر


من منع العترة حقها و العمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش و كبراء العرب و لأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفا بقدره لا يمنع ضيما و لا يقمع عدوا و لقد وثب ناس على عثمان بالشتم و القذف و التشنيع و النكير لأمور لو أتى أضعافها و بلغ أقصاها لما اجترءوا على اغتيابه فضلا على مبادأته و الإغراء به و مواجهته كما أغلظ عيينة بن حصن له فقال له أما إنه لو كان عمر لقمعك و منعك فقال عيينة إن عمر كان خيرا لي منك أرهبني فاتقاني.ثم قال و العجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه و القدر و الوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه و خصومه ما هو أقرب إسنادا و أصح رجالا و أحسن اتصالا حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي ص نسخوا الكتاب و خصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردوه و أكذبوا قائليه و ذلك أن كل إنسان منهم إنما يجري إلى هواه و يصدق ما وافق رضاه.هذا آخر كلام الجاحظ ثم قال المرتضىرضي‌الله‌عنه فإن قيل ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير و قوله كما لم ينكروا على أبي بكر فلم ينكروا أيضا على فاطمة ع و لا على غيرها من الطالبين بالإرث كالأزواج و غيرهن معارضة صحيحة و ذلك أن نكير أبي بكر لذلك و دفعها و الاحتجاج عليها و يكفيهم و يغنيهم عن تكلف نكير آخر و لم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.قلنا أول ما يبطل هذا السؤال أن أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد


احتجاجها من التظلم و التألم و التعنيف و التبكيت و قولها على ما روي و الله لأدعون الله عليك و لا أكلمك أبدا و ما جرى هذا المجرى فقد كان يجب أن ينكره غيره و من المنكر الغضب على المنصف و بعد فإن كان إنكار أبي بكر مقنعا و مغنيا عن إنكار غيره من المسلمين فإنكار فاطمة حكمه و مقامها على التظلم منه مغن عن نكير غيرها و هذا واضح

الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة رسول الله ص لفاطمة ع أم لا

نذكر في هذا الفصل ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في المغني و ما اعترض به عليه ثم نذكر ما عندنا في ذلك.قال المرتضى حاكيا عن قاضي القضاة و مما عظمت الشيعة القول في أمر فدك قالوا و قد روى أبو سعيد الخدري أنه لما أنزلت( وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ حَقَّهُ ) أعطى رسول الله ص فاطمة ع فدك ثم فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك فردها على ولدها قالوا و لا شك أن أبا بكر أغضبها إن لم يصح كل الذي روي في هذا الباب و قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها فضلا عن الدين ثم ذكروا أنها استشهدت أمير المؤمنين ع و أم أيمن فلم يقبل شهادتهما هذا مع تركه أزواج النبي ص في حجرهن و لم يجعلها صدقة و صدقهن في ذلك أن ذلك لهن و لم يصدقها.


قال و الجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك فأما أنها كانت في يدها فغير مسلم بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنها ميراث و إذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها لأنه لا خلاف في أن العمل على الدعوى لا يجوز و إنما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحته بمشاهدة أو ما جرى مجراها أو حصلت بينة أو إقرار ثم إن البينة لا بد منها و إن أمير المؤمنين ع لما خاصمه اليهودي حاكمه و أن أم سلمة التي يطبق على فضلها لو ادعت نحلا ما قبلت دعواها.ثم قال و لو كان أمير المؤمنين ع هو الوالي و لم يعلم صحة هذه الدعوى ما الذي كان يجب أن يعمل فإن قلتم يقبل الدعوى فالشرع بخلاف ذلك و إن قلتم يلتمس البينة فهو الذي فعله أبو بكر.ثم قال و أما قول أبي بكر رجل مع الرجل و امرأة مع المرأة فهو الذي يوجبه الدين و لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين ع بل الرواية المنقولة أنه شهد لها مولى لرسول الله ص مع أم أيمن.قال و ليس لأحد أن يقول فلما ذا ادعت و لا بينة معها لأنه لا يمتنع أن تجوز أن يحكم أبو بكر بالشاهد و اليمين أو تجوز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد لا و هذا هو الموجب على ملتمس الحق و لا عيب عليها في ذلك و لا على أبي بكر في التماس البينة و إن لم يحكم لها لما لم يتم و لم يكن لها خصم لأن التركة صدقة على ما ذكرنا و كان لا يمكن أن يعول في ذلك على يمين أو نكول و لم يكن في الأمر إلا ما فعله قال و قد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما ردت في دعوى النحلة ادعته إرثا و قال بل كان طلبت الإرث قبل ذلك فلما سمعت منه الخبر كفت و ادعت النحلة.


قال فأما فعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنه رده على سبيل النحلة بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقره في يد أمير المؤمنين ع ليصرف غلاتها في المواضع التي كان يجعلها رسول الله ص فيه فقام بذلك مدة ثم ردها إلى عمر في آخر سنته و كذلك فعل عمر بن عبد العزيز و لو ثبت أنه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم و قولهم و أحد ما يقوي ما ذكرناه أن الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنين ع ترك فدك على ما كان و لم يجعله ميراثا لولد فاطمة و هذا يبين أن الشاهد كان غيره لأنه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه على أن الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض فعند بعضهم تستحق بالعقد و عند بعضهم أنها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها فلا يمتنع من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنين ع من ردها و إن صح عنده عقد الهبة و هذا هو الظاهر لأن التسليم لو كان وقع لظهر أنه كان في يدها و لكان ذلك كافيا في الاستحقاق فأما حجر أزواج النبي ص فإنما تركت في أيديهن لأنها كانت لهن و نص الكتاب يشهد بذلك و قوله( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) و روي في الأخبار أن النبي ص قسم ما كان له من الحجر على نسائه و بناته و يبين صحة ذلك أنه لو كان ميراثا أو صدقة لكان أمير المؤمنين ع لما أفضى الأمر إليه يغيره.قال و ليس لأحد أن يقول إنما لم يغير ذلك لأن الملك قد صار له فتبرع به و ذلك أن الذي يحصل له ليس إلا ربع ميراث فاطمة ع و هو الثمن من ميراث رسول الله ص فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس و أولاد فاطمة منهن في باب الحجر و يأخذ هذا الحق منهن فتركه ذلك يدل على صحة ما قلناه و ليس يمكنهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية و قد سبق الكلام فيها.


قال و مما يذكرونه أن فاطمة ع لغضبها على أبي بكر و عمر أوصت ألا يصليا عليها و أن تدفن سرا منهما فدفنت ليلا و هذا كما ادعوا رواية رووها عن جعفر بن محمد ع و غيره أن عمر ضرب فاطمة ع بالسوط و ضرب الزبير بالسيف و أن عمر قصد منزلها و فيه علي ع و الزبير و المقداد و جماعة ممن تخلف عن أبي بكر و هم مجتمعون هناك فقال لها ما أحد بعد أبيك أحب إلينا منك و ايم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم فمنعت القوم من الاجتماع.قال و نحن لا نصدق هذه الروايات و لا نجوزها و أما أمر الصلاة فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة ع و كبر عليها أربعا و هذا أحد ما استدل به كثير من الفقهاء في التكبير على الميت و لا يصح أيضا أنها دفنت ليلا و إن صح ذلك فقد دفن رسول الله ص ليلا و دفن عمر ابنه ليلا و قد كان أصحاب رسول الله ص يدفنون بالنهار و يدفنون بالليل فما في هذا مما يطعن به بل الأقرب في النساء أن دفنهن ليلا أستر و أولى بالسنة.ثم حكى عن أبي علي تكذيب ما روي من الضرب بالسوط قال و المروي عن جعفر بن محمد ع أنه كان يتولاهما و يأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله ص روى ذلك عباد بن صهيب و شعبة بن الحجاج و مهدي بن هلال و الدراوردي و غيرهم و قد روى عن أبيه محمد بن علي ع و عن علي بن الحسين مثل ذلك فكيف يصح ما ادعوه و هل هذه الرواية إلا كروايتهم على أن علي بن أبي طالب ع هو إسرافيل و الحسن ميكائيل و الحسين جبرائيل و فاطمة ملك الموت و آمنة أم النبي ص ليلة القدر فإن صدقوا ذلك أيضا قيل لهم فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت و إن قالوا لا نصدق ذلك فقد جوزوا رد هذه الروايات و صح أنه لا يجوز التعويل على هذا الخبر


و إنما يتعلق بذلك من غرضه الإلحاد كالوراق و ابن الراوندي لأن غرضهم القدح في الإسلام.و حكى عن أبي علي أنه قال و لم صار غضبها إن ثبت كأنه غضب رسول الله ص من حيث

قال فمن أغضبها فقد أغضبني أولى من أن يقال فمن أغضب أبا بكر و عمر فقد نافق و فارق الدين لأنه روي عنه ع

قال حب أبي بكر و عمر إيمان و بغضهما نفاق و من يورد مثل هذا فقصده الطعن في الإسلام و أن يتوهم الناس أن أصحاب النبي ص نافقوا مع مشاهدة الأعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس.قال و أما حديث الإحراق فلو صح لم يكن طعنا على عمر لأن له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت انتهى كلام قاضي القضاة.قال المرتضى نحن نبتدئ فندل على أن فاطمة ع ما ادعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه و إن مانعها و مطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب لأنها لا تحتاج إلى شهادة و بينة ثم نعطف على ما ذكره على التفصيل فنتكلم عليه.أما الذي يدل على ما ذكرناه فهو أنها كانت معصومة من الغلط مأمونا منها فعل القبيح و من هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة و بينة فإن قيل دللوا على الأمرين قلنا بيان الأول قوله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) و الآية تتناول جماعة منهم فاطمة


ع بما تواترت الأخبار في ذلك و الإرادة هاهنا دلالة على وقوع الفعل للمراد و أيضا فيدل على ذلك

قوله ع فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله عز و جل و هذا يدل على عصمتها لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال بل كان متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد عليها إن كان الفعل يقتضيه سارا له و مطيعا على أنا لا نحتاج أن ننبه هذا الموضع على الدلالة على عصمتها بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته و هذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأن أحدا لا يشك أنها لم تدع ما ادعته كاذبة و ليس بعد ألا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة و إنما اختلفوا في هل يجب مع العلم بصدقها تسلم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك قال الذي يدل على الفصل الثاني أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي أ لا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثرة في غلبة الظن لما ذكرناه و لهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة لأن علمه أقوى من الشهادة و لهذا كان الإقرار أقوى من البينة من حيث كان أغلب في تأثير غلبة الظن و إذا قدم الإقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع و إذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي لا يحتاج أيضا مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات و الشهادات.و الذي يدل على صحة ما ذكرناه أيضا أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي ص في ناقة فقال ع هذه لي و قد خرجت إليك من ثمنها فقال الأعرابي من يشهد لك بذلك فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد بذلك فقال النبي ص من أين علمت و ما حضرت ذلك قال لا و لكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله فقال قد أجزت شهادتك و جعلتها شهادتين فسمي ذا الشهادتين.


و هذه القصة شبيهة لقصة فاطمة ع لأن خزيمة اكتفى في العلم بأن الناقة له ص و شهد بذلك من حيث علم لأنه رسول الله ص و لا يقول إلا حقا و أمضى النبي ص ذلك له من حيث لم يحضر الابتياع و تسليم الثمن فقد كان يجب على من علم أن فاطمة ع لا تقول إلا حقا ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة هذا و قد روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين ع كتب بتسليم فدك إليها فاعترض عمر قضيته و خرق ما كتبه.

روى إبراهيم بن السعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ع عن أبيه عن جده عن علي ع قال جاءت فاطمة ع إلى أبي بكر و قالت إن أبي أعطاني فدك و علي و أم أيمن يشهدان فقال ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها فخرجت فلقيت عمر فقال من أين جئت يا فاطمة قالت جئت من عند أبي بكر أخبرته أن رسول الله ص أعطاني فدك و أن عليا و أم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها و كتب لي بها فأخذ عمر منها الكتاب ثم رجع إلى أبي بكر فقال أعطيت فاطمة فدك و كتبت بها لها قال نعم فقال إن عليا يجر إلى نفسه و أم أيمن امرأة و بصق في الكتاب فمحاه و خرقه.و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة على وجوه مختلفة فمن أراد الوقوف عليها و استقصاءها أخذها من مواضعها.و ليس لهم أن يقولوا إنها أخبار آحاد لأنها و إن كانت كذلك فأقل أحوالها أن توجب الظن و تمنع من القطع على خلاف معناها و ليس لهم أن يقولوا كيف يسلم إليها


فدك و هو يروي عن الرسول أن ما خلفه صدقة و ذلك لأنه لا تنافي بين الأمرين لأنه إنما سلمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل فلما وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث فلا اختلاف بين الأمرين.فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها و الأمر على ما قال فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه و قد روي من طرق مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب أنه لما نزل قوله تعالى( وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ حَقَّهُ ) دعا النبي ص فاطمة ع فأعطاها فدك و إذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.و قوله لا خلاف أن العمل على الدعوى لا يجوز صحيح و قد بينا أن قولها كان معلوما صحته و إنما قوله إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بشهادة أو ما يجري مجراها أو حصلت بينة أو إقرار فيقال له إما علمت بمشاهدة فلم يكن هناك و إما بينة فقد كانت على الحقيقة لأن شهادة أمير المؤمنين ع من أكبر البينات و أعدلها و لكن على مذهبك أنه لم تكن هناك بينة فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم و إن لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام.فإن قال لأن قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم قيل له لم قلت ذلك أو ليس قد دللنا على أنها معصومة و أن الخطأ مأمون عليها ثم لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوما صحته على كل حال لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته إذ الشبهة لا تدخل في مثله و قد أجمعت الأمة على أنها لم يظهر منها بعد


رسول الله ص معصية بلا شك و ارتياب بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح و إن اختلفوا فمن قائل يقول مانعها مخطئ و آخر يقول هو أيضا مصيب لفقد البينة و إن علم صدقها.و أما قوله إنه لو حاكم غيره لطولب بالبينة فقد تقدم في هذا المعنى ما يكفي و قصة خزيمة بن ثابت و قبول شهادته تبطل هذا الكلام.و أما قوله إن أمير المؤمنين ع حاكم يهوديا على الوجه الواجب في سائر الناس فقد روي ذلك إلا أن أمير المؤمنين لم يفعل من ذلك ما كان يجب عليه أن يفعله و إنما تبرع به و استظهر بإقامة الحجة فيه و قد أخطأ من طالبه ببينة كائنا من كان فأما اعتراضه بأم سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمة ع فلذلك احتاجت في دعواها إلى بينة فأما إنكاره و ادعاؤه أنه لم يثبت أن الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين فلم يزد في ذلك إلا مجرد الدعوى و الإنكار و الأخبار مستفيضة بأنه ع شهد لها فدفع ذلك بالزيغ لا يغني شيئا و قوله إن الشاهد لها مولى لرسول الله ص هو المنكر الذي ليس بمعروف.و أما قوله إنها جوزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد و اليمين فطريف مع قوله فيما بعد إن التركة صدقة و لا خصم فيها فتدخل اليمين في مثلها أ فترى أن فاطمة لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الذي نبه صاحب الكتاب عليه و لو لم تعلمه ما كان أمير المؤمنين ع و هو أعلم الناس بالشريعة يوافقها عليه.و قوله إنها جوزت عند شهادة من شهد لها أن يتذكر غيرهم فيشهد باطل لأن مثلها لا يتعرض للظنة و التهمة و يعرض قوله للرد و قد كان يجب أن تعلم من يشهد لها


ممن لا يشهد حتى تكون دعواها على الوجه الذي يجب معه القبول و الإمضاء و من هو دونها في الرتبة و الجلالة و الصيانة من أفناء الناس لا يتعرض لمثل هذه الخطة و يتورطها للتجويز الذي لا أصل له و لا أمارة عليه.فأما إنكار أبي علي لأن يكون النحل قبل ادعاء الميراث و عكسه الأمر فيه فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهبا فلا يفسد على مخالفه مذهبا.ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا و الروايات كلها به واردة و كيف يجوز أن تبتدئ بطلب الميراث فيما تدعيه بعينه نحلا أ و ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار و كيف يجوز ذلك و الميراث يشركها فيه غيرها و النحل تنفرد به و لا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل لأنها في الابتداء طالبت بالنحل و هو الوجه الذي تستحق فدك منه فلما دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه و سبب و هذا بخلاف قول أبي علي لأنه أضاف إليها ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه و هي مختارة.و أما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز رد فدك على وجه النحل و ادعاؤه أنه فعل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنين ع ليصرف غلاتها في وجوهها فأول ما فيه أنا لا نحتج عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أي وجه وقع لأن فعله ليس بحجة و لو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون فإنه رد فدك بعد أن جلس مجلسا مشهورا حكم فيه بين خصمين نصبهما أحدهما لفاطمة و الآخر لأبي بكر و ردها بعد قيام الحجة و وضوح الأمر


و مع ذلك فإنه قد أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه و قد روى محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان قال لما ولي عمر بن عبد العزيز رد فدك على ولد فاطمة و كتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب إليه إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان و آل فلان و فلان فعلى من أرد منهم فكتب إليه أما بعد فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لكتبت إلي أ جماء أم قرناء أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة ع من علي ع و السلام.قال أبو المقدام فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز و عاتبوه فيه و قالوا له هجنت فعل الشيخين و خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال إنكم جهلتم و علمت و نسيتم و ذكرت إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده

أن رسول الله ص قال فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني و يرضيني ما أرضاها و إن فدك كان صافية على عهد أبي بكر و عمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا و إخوتي عنه فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها فمن بائع و واهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة قالوا فإن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل و اقسم الغلة ففعل.و أما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين ع فدك لما أفضى الأمر إليه و استدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها فالوجه في تركه ع رد فدك هو الوجه في إقراره


أحكام القوم و كفه عن نقضها و تغييرها و قد بينا ذلك فيما سبق و ذكرنا أنه كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي ص كانت لهن بقوله تعالى( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) فمن عجيب الاستدلال لأن هذه الإضافة لا تقتضي الملك بل العادة جارية فيها أن تستعمل من جهة السكنى و لهذا يقال هذا بيت فلان و مسكنه و لا يراد بذلك الملك و قد قال تعالى( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) و لا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الرجال التي يسكنون فيها زوجاتهم و لم يرد بهذه الإضافة الملك.فأما ما رواه من أن رسول الله ص قسم حجره على نسائه و بناته فمن أين له إذا كان الخبر صحيحا أن هذه القسمة على وجه التمليك دون الإسكان و الإنزال و لو كان قد ملكهن ذلك لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا.فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين لما صار الأمر إليه في يده منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدم و تكرر.و أما قوله إن أبا بكر هو الذي صلى على فاطمة و كبر أربعا و إن كثيرا من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت و هو شي‏ء ما سمع إلا منه و إن كان تلقاه عن غيره فممن يجري مجراه في العصبية و إلا فالروايات المشهورة و كتب الآثار و السير خالية من ذلك و لم يختلف أهل النقل في أن عليا ع هو الذي صلى على فاطمة إلا رواية نادرة شاذة وردت بأن العباسرحمه‌الله صلى عليها.و روى الواقدي بإسناده في تاريخه عن الزهري قال سألت ابن عباس


متى دفنتم فاطمة ع قال دفناها بليل بعد هدأة قال قلت فمن صلى عليها قال علي.و روى الطبري عن الحارث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني أن فاطمة ع عمل لها نعش قبل وفاتها فنظرت إليه فقالت سترتموني ستركما الله.قال أبو جعفر محمد بن جرير و الثبت في ذلك أنها زينب لأن فاطمة دفنت ليلا و لم يحضرها إلا علي و العباس و المقداد و الزبير.و روى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه عن الزهري قال حدثني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة عاشت بعد رسول الله ص ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ليلا و صلى عليها و ذكر في كتابه هذا أن عليا و الحسن و الحسين ع دفنوها ليلا و غيبوا قبرها.و روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن محمد بن الحنفية أن فاطمة دفنت ليلا.و روى عبد الله بن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن معمر عن الزهري مثل ذلك.و قال البلاذري في تاريخه إن فاطمة ع لم تر متبسمة بعد وفاة النبي ص و لم يعلم أبو بكر و عمر بموتها.و الأمر في هذا أوضح و أشهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه و نذكر الروايات فيه


فأما قوله و لا يصح أنها دفنت ليلا و إن صح فقد دفن فلان و فلان ليلا فقد بينا أن دفنها ليلا في الصحة أظهر من الشمس و أن منكر ذلك كالدافع للمشاهدات و لم يجعل دفنها ليلا بمجرده هو الحجة ليقال لقد دفن فلان و فلان ليلا بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة التي هي كالتواتر أنها أوصت بأن تدفن ليلا حتى لا يصلي الرجلان عليها و صرحت بذلك و عهدت فيه عهدا بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها فأبت أن تأذن لهما فلما طالت عليهما المدافعة رغبا إلى أمير المؤمنين ع في أن يستأذن لهما و جعلاها حاجة إليه و كلمها ع في ذلك و ألح عليها فأذنت لهما في الدخول ثم أعرضت عنهما عند دخولهما و لم تكلمهما فلما خرجا قالت لأمير المؤمنين ع هل صنعت ما أردت قال نعم قالت فهل أنت صانع ما آمرك به قال نعم قالت فإني أنشدك الله ألا يصليا على جنازتي و لا يقوما على قبري.و روى أنه عفى قبرها و علم عليه و رش أربعين قبرا في البقيع و لم يرش قبرها حتى لا يهتدى إليه و أنهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها و إحضارهما الصلاة عليها فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا و لو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه و ما تأخر عنه لم يكن فيه حجة.و أما حكايته عن أبي علي إنكار ضرب الرجل لها و قوله إن جعفر بن محمد و أباه و جده كانوا يتولونهما فكيف لا ينكر أبو علي ذلك و اعتقاده فيهما اعتقاده و قد كنا نظن أن مخالفينا يقتنعون أن ينسبوا إلى أئمتنا الكف عن القوم و الإمساك و ما ظننا أنهم يحملون أنفسهم على أن ينسبوا إليهم الثناء و الولاء


و قد علم كل أحد أن أصحاب هؤلاء السادة المختصين بهم قد رووا عنهم ضد ما روى شعبة بن الحجاج و فلان و فلان و قولهم هما أول من ظلمنا حقنا و حمل الناس على رقابنا و قولهم أنهما أصفيا بإنائنا و اضطجعا بسبلنا و جلسا مجلسا نحن أحق به منهما إلى غير ذلك من فنون التظلم و الشكاية و هو طويل متسع و من أراد استقصاء ذلك فلينظر في كتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي فإنه قد ذكر عن رجل من أهل البيت بالأسانيد النيرة ما لا زيادة عليه ثم لو صح ما ذكره شعبة لجاز أن يحمل على التقية.و أما ذكره إسرافيل و ميكائيل فما كنا نظن أن مثله يذكر ذلك و هذا من أقوال الغلاة الذين ضلوا في أمير المؤمنين ع و أهل البيت و ليسوا من الشيعة و لا من المسلمين فأي عيب علينا فيما يقولونه ثم إن جماعة من مخالفينا قد غلوا في أبي بكر و عمر و رووا روايات مختلفة فيهما تجري مجرى ما ذكره في الشناعة و لا يلزم العقلاء و ذوي الألباب من المخالفين عيب من ذلك.و أما معارضة ما روي في فاطمة ع بما روي في أن حبهما إيمان و بغضهما نفاق فالخبر الذي رويناه مجمع عليه و الخبر الآخر مطعون فيه فكيف يعارض ذلك بهذا.و أما قوله إنما قصد من يورد هذه الأخبار تضعيف دلالة الأعلام في النفوس من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها فتشنيع في غير موضعه و استناد إلى ما لا يجدي نفعا لأن من شاهد الأعلام لا يضعفها و لا يوهن دليلها و لا يقدح في كونها حجة لأن الأعلام ليست ملجئة إلى العلم و لا موجبة لحصوله على كل حال و إنما تثمر العلم لمن أمعن النظر فيها من الوجه الذي تدل منه فمن عدل عن ذلك لسوء اختياره لا يكون


عدوله مؤثرا في دلالتها فكم قد عدل من العقلاء و ذوي الأحلام الراجحة و الألباب الصحيحة عن تأمل هذه الأعلام و إصابة الحق منها و لم يكن ذلك عندنا و عند صاحب الكتاب قادحا في دلالة الأعلام على أن هذا القول يوجب أن ينفي الشك و النفاق عن كل من صحب النبي ص و عاصره و شاهد أعلامه كأبي سفيان و ابنه و عمرو بن العاص و فلان و فلان ممن قد اشتهر نفاقهم و ظهر شكهم في الدين و ارتيابهم باتفاق بيننا و بينه و إن كانت إضافة النفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالة الأعلام فكذلك القول في غيرهم.فأما قوله إن حديث الإحراق لم يصح و لو صح لساغ لعمر مثل ذلك فقد بينا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة.و قوله إنه يسوغ مثل ذلك فكيف يسوغ إحراق بيت علي و فاطمة ع و هل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع و إنما يكون علي و أصحابه خارقين للإجماع و مخالفين للمسلمين لو كان الإجماع قد تقرر و ثبت و ليس بمتقرر و لا ثابت مع خلاف علي وحده فضلا عن أن يوافقه على ذلك غيره و بعد فلا فرق بين أن يهدد بالإحراق لهذه العلة و بين أن يضرب فاطمة ع لمثلها فإن إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين فلا وجه لامتعاض المخالف من حديث الضرب إذا كان عنده مثل هذا الاعتذار قلت أما الكلام في عصمة فاطمة ع فهو بفن الكلام أشبه و للقول فيه موضع غير هذا.و أما قول المرتضى إذا كانت صادقة لم يبق حاجة إلى من يشهد لها فلقائل أن


يقول لم قلت ذلك و لم زعمت أن الحاجة إلى البينة إنما كانت لزيادة غلبة الظن و لم لا يجوز أن يكون الله تعالى يعبد بالبينة لمصلحة يعلمها و إن كان المدعي لا يكذب أ ليس قد تعبد الله تعالى بالعدة في العجوز التي قد أيست من الحمل و إن كان أصل وضعها لاستبراء الرحم.و أما قصة خزيمة بن ثابت فيجوز أن يكون الله تعالى قد علم أن مصلحة المكلفين في تلك الصورة أن يكتفى بدعوى النبي ص وحدها و يستغنى فيها عن الشهادة.و لا يمتنع أن يكون غير تلك الصورة مخالفا لها و إن كان المدعي لا يكذب و يبين ذلك أن مذهب المرتضى جواز ظهور خوارق العادات على أيدي الأئمة و الصالحين و لو قدرنا أن واحدا من أهل الصلاح و الخير ادعى دعوى و قال بحضرة جماعة من الناس من جملتهم القاضي اللهم إن كنت صادقا فأظهر علي معجزة خارقة للعادة فظهرت عليه لعلمنا أنه صادق و مع ذلك لا تقبل دعواه إلا ببينة.و سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له أ كانت فاطمة صادقة قال نعم قلت فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته قال لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشي‏ء لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة و لا شهود و هذا كلام صحيح و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.فأما قول قاضي القضاة لو كان في يدها لكان الظاهر أنها لها و اعتراض المرتضى عليه بقوله إنه لم يعتمد في إنكار ذلك على حجة بل قال لو كانت في يدها لكان الظاهر إنها لها و الأمر على ما قال فمن أين أنها لم تخرج عن يدها على وجه كما أن الظاهر


يقتضي خلافه فإنه لم يجب عما ذكره قاضي القضاة لأن معنى قوله إنها لو كانت في يدها أي متصرفة فيها لكانت اليد حجة في الملكية لأن اليد و التصرف حجة لا محالة فلو كانت في يدها تتصرف فيها و في ارتفاقها كما يتصرف الناس في ضياعهم و أملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بآية الميراث و لا بدعوى النحل لأن اليد حجة فهلا قالت لأبي بكر هذه الأرض في يدي و لا يجوز انتزاعها مني إلا بحجة و حينئذ كان يسقط احتجاج أبي بكر بقوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث لأنها ما تكون قد ادعتها ميراثا ليحتج عليها بالخبر و خبر أبي سعيد في قوله فأعطاها فدك يدل على الهبة لا على القبض و التصرف و لأنه يقال أعطاني فلان كذا فلم أقبضه و لو كان الإعطاء هو القبض و التصرف لكان هذا الكلام متناقضا.فأما تعجب المرتضى من قول أبي علي إن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوى النحل و قوله إنا لا نعرف له غرضا في ذلك فإنه لا يصح له بذلك مذهب و لا يبطل على مخالفيه مذهب فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي علي في ذلك و هذا شي‏ء يرجع إلى أصول الفقه فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى( يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ )

برواية أبي بكر عن النبي ص لا نورث ما تركناه صدقة قالوا و الصحيح في الخبر أن فاطمة ع طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث فلهذا قال الشيخ أبو علي إن دعوى الميراث تقدمت على دعوى النحل و ذلك لأنه ثبت أن فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية و لا موافقة لأبي بكر فلو كانت دعوى الإرث متأخرة و انصرفت عن سخط لم يثبت الإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمة فلما روى لها الخبر أمسكت و انتقلت إلى النزاع من جهة أخرى فإنه يصح حينئذ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.


فأما أنا فإن الأخبار عندي متعارضة يدل بعضها على أن دعوى الإرث متأخرة و يدل بعضها على أنها متقدمة و أنا في هذا الموضع متوقف.و ما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح و أما إخفاء القبر و كتمان الموت و عدم الصلاة و كل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذي يظهر و يقوى عندي لأن الروايات به أكثر و أصح من غيرها و كذلك القول في موجدتها و غضبها فأما المنقول عن رجال أهل البيت فإنه يختلف فتارة و تارة و على كل حال فميل أهل البيت إلى ما فيه نصرة أبيهم و بيتهم.و قد أخل قاضي القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلم عليها و هي لفظة جيدة قال قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها فضلا عن الدين و هذا الكلام لا جواب عنه و لقد كان التكرم و رعاية حق رسول الله ص و حفظ عهده يقتضي أن تعوض ابنته بشي‏ء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فدك و تسلم إليها تطييبا لقلبها و قد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه و قد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان و إلى الله نرجع الأمور : وَ لَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ اَلطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا اَلْعَسَلِ وَ لُبَابِ هَذَا اَلْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا اَلْقَزِّ وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ اَلْأَطْعِمَةِ وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي اَلْقُرْصِ وَ لاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَ أَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ اَلْقَائِلُ:

وَ حَسْبُكَ عَاراً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ

وَ حَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى اَلْقِدِّ


أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ اَلدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ اَلْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ اَلطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ اَلْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ اَلْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا وَ تَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ اَلضَّلاَلَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ اَلْمَتَاهَةِ قد روي و لو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفى و لباب هذا البر المنقى فضربت هذا بذاك حتى ينضج وقودا و يستحكم معقودا.وروي و لعل بالمدينة يتيما تربا يتضور سغبا أ أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى إذن يحضرني يوم القيامة و هم من ذكر و أنثى.و روي بطون غرثى بإضافة بطون إلى غرثى.و القمح الحنطة.و الجشع أشد الحرص.و المبطان الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل فأما المبطن فالضامر البطن و أما البطين فالعظيم البطن لا من الأكل و أما البطن فهو الذي لا يهمه إلا بطنه و أما المبطون فالعليل البطن و بطون غرثى جائعة و البطنة الكظة و ذلك أن يمتلئ الإنسان من الطعام امتلاء شديدا و كان يقال ينبغي للإنسان أن يجعل وعاء بطنه أثلاثا فثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس.


و التقمم أكل الشاة ما بين يديها بمقمتها أي بشفتها و كل ذي ظلف كالثور و غيره فهو ذو مقمة.و تكترش من أعلافها تملأ كرشها من العلف.قوله أو أجر حبل الضلالة منصوب بالعطف على يشغلني و كذلك أترك و يقال أجررته رسنه إذا أهملته.و الاعتساف السلوك في غير طريق واضح.و المتاهة الأرض يتاه فيها أي يتحير.و في قوله لو شئت لاهتديت شبه من قول عمر لو نشاء لملأنا هذا الرحاب من صلائق و صناب و قد ذكرناه فيما تقدم.و هذا البيت من أبيات منسوبة إلى حاتم بن عبد الله الطائي الجواد و أولها:

أيا ابنة عبد الله و ابنة مالك

و يا ابنة ذي الجدين و الفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له

أكيلا فإني لست آكله وحدي

قصيا بعيدا أو قريبا فإنني

أخاف مذمات الأحاديث من بعدي

كفى بك عارا أن تبيت ببطنة

و حولك أكباد تحن إلى القد

و إني لعبد الضيف ما دام نازلا

و ما من خلالي غيرها شيمة العبد


وَ كَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ إِذَا كَانَ هَذَا قُوتَ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ اَلْأَقْرَانِ وَ مُنَازَلَةِ اَلشُّجْعَانِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلشَّجَرَةَ اَلْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً وَ اَلرَّوَاتِعَ اَلْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً وَ اَلنَّابِتَاتِ اَلْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَ أَبْطَأُ خُمُوداً.وَ أَنَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ اَلضَّوْءِ وَ اَلذِّرَاعِ مِنَ اَلْعَضُدِ وَ اَللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ اَلْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا وَ لَوْ أَمْكَنَتِ اَلْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا وَ سَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ اَلْأَرْضَ مِنْ هَذَا اَلشَّخْصِ اَلْمَعْكُوسِ وَ اَلْجِسْمِ اَلْمَرْكُوسِ حَتَّى تَخْرُجَ اَلْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ اَلْحَصِيدِ الشجرة البرية التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه فهي أصلب عودا من الشجرة التي تنبت في الأرض الندية و إليه وقعت الإشارة بقوله و الرواتع الخضرة أرق جلودا.ثم قال و النابتات العذية التي تنبت عذيا و العذي بسكون الذال الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر و هو يكون أقل أخذا من الماء من النبت سقيا قال ع إنها تكون أقوى وقودا مما يشرب الماء السائح أو ماء الناضح و أبطأ خمودا و ذلك لصلابة جرمها.ثم قال و أنا من رسول الله ص كالضوء من الضوء و الذراع من العضد


و ذلك لأن الضوء الأول يكون علة في الضوء الثاني أ لا ترى أن الهواء المقابل للشمس يصير مضيئا من الشمس فهذا الضوء هو الضوء الأول ثم إنه يقابل وجه الأرض فيضي‏ء وجه الأرض منه فالضوء الذي على وجه الأرض هو الضوء الثاني و ما دام الضوء الأول ضعيفا فالضوء الثاني ضعيف فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة لأن المعلول يتبع العلة فشبه ع نفسه بالضوء الثاني و شبه رسول الله ص بالضوء الأول و شبه منبع الأضواء و الأنوار سبحانه و جلت أسماؤه بالشمس التي توجب الضوء الأول ثم الضوء الأول يوجب الضوء الثاني و هاهنا نكتة و هي أن الضوء الثاني يكون أيضا علة لضوء ثالث و ذلك أن الضوء الحاصل على وجه الأرض و هو الضوء الثاني إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريبا منه مكان مظلم فإن ذلك المكان يصير مضيئا بعد أن كان مظلما و إن كان لذلك المكان المظلم باب و كان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار كان ذلك الجدار أشد إضاءة من باقي البيت ثم ذلك الجدار إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر كان ما يحاذي ذلك البيت أشد إضاءة مما حواليه و هكذا لا تزال الأضواء يوجب بعضها بعضا على وجه الانعكاس بطريق العلية و بشرط المقابلة و لا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحل و يعود الأمر إلى الظلمة و هكذا عالم العلوم و الحكم المأخوذة من أمير المؤمنين ع لا تزال تضعف كما انتقلت من قوم إلى قوم إلى أن يعود الإسلام غريبا كما بدأ بموجب الخبر النبوي الوارد في الصحاح.و أما قوله و الذراع من العضد فلأن الذراع فرع على العضد و العضد أصل أ لا ترى أنه لا يمكن أن يكون ذراع إلا إذا كان عضد و يمكن أن يكون عضد لا ذراع له و لهذا قال الراجز لولده:

يا بكر بكرين و يا خلب الكبد

أصبحت مني كذراع من عضد


فشبه ع بالنسبة إلى رسول الله ص بالذراع الذي العضد أصله و أسه و المراد من هذا التشبيه الإبابة عن شدة الامتزاج و الاتحاد و القرب بينهما فإن الضوء الثاني شبيه بالضوء الأول و الذراع متصل بالعضد اتصالا بينا و هذه المنزلة قد أعطاه إياها رسول الله ص في مقامات كثيرة نحو قوله في قصة براءة قد أمرت أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني و قوله لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو قال عديل نفسي و قد سماه الكتاب العزيز نفسه فقال( وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ) وقد قال له لحمك مختلط بلحمي و دمك مسوط بدمي و شبرك و شبري واحد.فإن قلت أما قوله لو تظاهرت العرب علي لما وليت عنها فمعلوم فما الفائدة في قوله و لو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها و هل هذا مما يفخر به الرؤساء و يعدونه منقبة و إنما المنقبة أن لو أمكنته الفرصة تجاوز و عفا.قلت غرضه أن يقرر في نفوس أصحابه و غيرهم من العرب أنه يحارب على حق و أن حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول الله ص و أن من يجاهد الكفار يجب عليه أن يغلظ عليهم و يستأصل شأفتهم أ لا ترى أن رسول الله ص لما جاهد بني قريظة و ظفر لم يبق و لم يعف و حصد في يوم واحد رقاب ألف إنسان صبرا في مقام واحد لما علم في ذلك من إعزاز الدين و إذلال المشركين فالعفو له مقام و الانتقام له مقام.قوله و سأجهد في أن أطهر الأرض الإشارة في هذا إلى معاوية سماه شخصا معكوسا و جسما مركوسا و المراد انعكاس عقيدته و أنها ليست عقيدة هدى بل هي معاكسة للحق و الصواب و سماه مركوسا من قولهم ارتكس في الضلال و الركس


رد الشي‏ء مقلوبا قال تعالى( وَ اَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ) أي قلبهم و ردهم إلى كفرهم فلما كان تاركا للفطرة التي كل مولود يولد عليها كان مرتكسا في ضلالة و أصحاب التناسخ يفسرون هذا بتفسير آخر قالوا الحيوان على ضربين منتصب و منحن فالمنتصب الإنسان و المنحني ما كان رأسه منكوسا إلى جهة الأرض كالبهائم و السباع.قالوا و إلى ذلك وقعت الإشارة بقوله( أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ وَجْهِهِ أَهْدى‏ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

قالوا فأصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم عند الموت إلى الحيوان المكبوب و أصحاب السعادة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب و لما كان معاوية عنده ع من أهل الشقاوة سماه معكوسا و مركوسا رمزا إلى هذا المعنى.قوله حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد أي حتى يتطهر الدين و أهله منه و ذلك لأن الزراع يجتهدون في إخراج المدر و الحجر و الشوك و العوسج و نحو ذلك من بين الزرع كي تفسد منابته فيفسد الحب الذي يخرج منه فشبه معاوية بالمدر و نحوه من مفسدات الحب و شبه الدين بالحب الذي هو ثمرة الزرع : وَ مِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ وَ هُوَ آخِرُهُ إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ قَدِ اِنْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ وَ أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ وَ اِجْتَنَبْتُ اَلذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ


أَيْنَ اَلْقُرُونُ اَلَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ أَيْنَ اَلْأُمَمُ اَلَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ فَهَا هُمْ رَهَائِنُ اَلْقُبُورِ وَ مَضَامِينُ اَللُّحُودِ وَ اَللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً وَ قَالَباً حِسِّيّاً لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اَللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ أُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي اَلْمَهَاوِي وَ مُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى اَلتَّلَفِ وَ أَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ اَلْبَلاَءِ إِذْ لاَ وِرْدَ وَ لاَ صَدَرَ هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ وَ مَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ وَ مَنِ اِزْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ وَ اَلسَّالِمُ مِنْكِ لاَ يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ وَ اَلدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمَ حَانَ اِنْسِلاَخُهُ إليك عني أي ابعدي و حبلك على غاربك كناية من كنايات الطلاق أي اذهبي حيث شئت لأن الناقة إذا ألقي حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت و تذهب أين شاءت لأنه إنما يردها زمامها فإذا ألقي حبلها على غاربها فقد أهملت.و الغارب ما بين السنام و العنق و المداحض المزالق.و قيل إن في النسخة التي بخط الرضيرضي‌الله‌عنه غررتيهم بالياء و كذلك فتنتيهم و ألقيتيهم و أسلمتيهم و أوردتيهم و الأحسن حذف الياء و إذا كانت الرواية وردت بها فهي من إشباع الكسرة كقوله:

أ لم يأتيك و الأنباء تنمي

بما فعلت لبون بني زياد

و مضامين اللحود أي الذين تضمنتهم و في الحديث نهى عن بيع المضامين و الملاقيح و هي ما في أصلاب الفحول و بطون الإناث.


ثم قال لو كنت أيتها الدنيا إنسانا محسوسا كالواحد من البشر لأقمت عليك الحد كما فعلت بالناس.ثم شرح أفعالها فقال منهم من غررت و منهم من ألقيت في مهاوي الضلال و الكفر و منهم من أتلفت و أهلكت.ثم قال و من وطئ دحضك زلق مكان دحض أي مزلة.ثم قال لا يبالي من سلم منك إن ضاق مناخه لا يبالي بالفقر و لا بالمرض و لا بالحبوس و السجون و غير ذلك من أنواع المحن لأن هذا كله حقير لا اعتداد به في جنب السلامة من فتنة الدنيا.قال و الدنيا عند من قد سلم منها كيوم قرب انقضاؤه و فناؤه : اُعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي وَ لاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي وَ اَيْمُ اَللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اَللَّهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى اَلْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا أَ تَمْتَلِئُ اَلسَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ وَ تَشْبَعُ اَلرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ وَ يَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اِقْتَدَى بَعْدَ اَلسِّنِينَ اَلْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ اَلْهَامِلَةِ وَ اَلسَّائِمَةِ اَلْمَرْعِيَّةِ طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَ هَجَرَتْ فِي


اَللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا غَلَبَ اَلْكَرَى عَلَيْهَا اِفْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَ تَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ وَ هَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ وَ تَقَشَّعَتْ بِطُولِ اِسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ( أُولئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ) فَاتَّقِ اَللَّهَ يَا اِبْنَ حُنَيْفٍ وَ لْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ لِيَكُونَ مِنَ اَلنَّارِ خَلاَصُكَ اعزبي ابعدي يقال عزب الرجل بالفتح أي بعد و لا أسلس لك بفتح اللام أي لا أنقاد لك سلس الرجل بالكسر يسلس فهو بين السلس أي سهل قياده.ثم حلف و استثنى بالمشيئة أدبا كما أدب الله تعالى رسوله ص ليروضن نفسه أي يدربها بالجوع و الجوع هو أصل الرياضة عند الحكماء و أرباب الطريقة.قال حتى أهش إلى القرص أي إلى الرغيف و أقنع من الإدام بالملح.و نضب معينها فني ماؤها.ثم أنكر على نفسه فقال أ تشبع السائمة من رعيها بكسر الراء و هو الكلأ و الربيضة جماعة من الغنم أو البقر تربض في أماكنها و أنا أيضا مثلها أشبع و أنام.لقد قرت عيني إذا حيث أشابه البهائم بعد الجهاد و السبق و العبادة و العم و الجد في السنين المتطاولة.قوله و عركت بجنبها بؤسها أي صبرت على بؤسها و المشقة التي تنالها يقال قد عرك فلان بجنبه الأذى أي أغضى عنه و صبر عليه.


قوله افترشت أرضها أي لم يكن لها فراش إلا الأرض.و توسدت كفها لم يكن لها وسادة إلا الكف.و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم لفظ الكتاب العزيز( تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضاجِعِ ) .و همهمت تكلمت كلاما خفيا.و تقشعت ذنوبهم زالت و ذهبت كما يتقشع السحاب.قوله و لتكفف أقراصك إنما هو نهي لابن حنيف أن يكف عن الأقراص و إن كان اللفظ يقتضي أن تكف الأقراص عن ابن حنيف و قد رواها قوم بالنصب قالوا فاتق الله يا ابن حنيف و لتكفف أقراصك لترجو بها من النار خلاصك و التاء هاهنا للأمر عوض الياء و هي لغة لا بأس بها و قد قيل إن رسول الله ص قرأ( فبذلك فلتفرحوا ) بالتاء


الفهرس

کتاب شرح نهج البلاغة الجزء السادس عشر ابن ابي الحديد 1

ترجمة الحسن بن علي و ذكر بعض أخباره 9

بعض ما قيل من الشعر في الدهر و فعله بالإنسان 55

أقوال حكيمة في وصف الدنيا و فناء الخلق 91

بعض ما قيل في الغيرة من الشعر 127

اعتزاز الفرزدق بقومه 128

وفود الوليد بن جابر على معاوية 129

ذكر بعض ما دار بين علي و معاوية من الكتب 133

قثم بن عباس و بعض أخباره 140

محمد بن أبي بكر و بعض أخباره 142

اختلاف الرأي فيمن كتب له هذا الكتاب 169

عمر بن أبي سلمة و نسبه و بعض أخباره 173

النعمان بن عجلان و نسبه و بعض أخباره 174

نسب زياد ابن أبيه و ذكر بعض أخباره و كتبه و خطبه 179

عثمان بن حنيف و نسبه 205

ذكر ما ورد من السير و الأخبار في أمر فدك 209

الفصل الأول فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم 210

الفصل الثاني في النظر في أن النبي ص هل يورث أم لا 237

الفصل الثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة رسول الله ص لفاطمة ع أم لا 268

الفهرس 297


كتاب شرح نهج البلاغة الجزء ١٦

كتاب شرح نهج البلاغة

مؤلف: ابن أبي الحديد
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 297