مع الدكتور موسى الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الدكتور علاء الدين السيد امير محمد القزويني
مناظرات وردود






بسم الله الرحمن الرحيم

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿6﴾ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )

صدق الله العلي العظيم

لقمان: 6 - 7


المحتويات

تصدير: بقلم الاستاذ سليم الحسني 13

مقدمة المؤلف 25

إدّعاء الدكتور موسى الموسوي الاجتهاد باطل 27

عدم معرقة موسى الموسوي بقواعد النحو دليل على بطلان اجتهاده 30

ما جاء في مقدمة كتاب الشيعة والتصحيح من مخالفات 45

الإمامة والخلافة 55

ما جاء في كتب أهل السنة من النصوص على خلافة الإمام علي (ع) 59

النص الأول: آية الإنذار أو الدار 59

النص الثاني: آية الولاية 62

النص الثالث: آية المودة 68


النص الرابع: آية التطهير 73

النص الخامس: حديث المنزلة والوصية 82

النص السادس: حديث الغدير 93

حديث الغدير في كتب أهل السنّة 96

النص السابع: حديث الثقلين والسفينة 105

حديث وسنتي غير صحيح 113

أحاديث السفينة 117

كتاب الوصية وحديث الدواة والقرطاس 119

لا فصل بين الأوامر الإلهية ورغبات النبي الشخصية 135

مخالفة النصوص الإلهية 143

حديث الحوض دليل على وجود المخالفات للنصوص الشرعية من بعض الصحابة 151

روايات البخاري في الصحابة 153

روايات الإمام مسلم 156

روايات الإمام أحمد 157


موقف علماء الشيعة من نساء النبي (ص) 163

ما جاء في بعض نساء النبي (ص) من أحاديث 166

الكلام في التقية 171

الإمام المهدي المنتظر 183

الإمام المهدي المنتظر في كتب أهل السنّة 185

الخمس وولاية الفقيه 197

الخمس 199

ولاية الفقيه 208

الحكومة الإسلامية: أو ولاية الفقيه 216

الزواج المؤقت 225

الزواج المؤقت 226

مشروعية الزواج المؤقت من الكتاب والسنّة 231

إباحة الزواج المؤقت في القرآن الكريم والسنّة النبوية 234

1- التفسير الكبير للفخر الرازي وإباحة المتعة 235

2- روايات الطبري في تفسيره وإباحة المتعة 239

3- روايات النيسابوري في تفسيره في إباحة المتعة 241


4- الدر المنثور للسيوطي وروايات إباحة المتعة 243

5- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي وإباحة المتعة 247

6- تفسير البغوي وإباحة المتعة 250

7- تفسير الخازن 251

8- تفسير ابن كثير 251

9- الصحيحان البخاري ومسلم وروايات إباحة المتعة 253

10- مسند الإمام أحمد، ومآثر الأناقة للقلقشندي 256

ما يقوله آل كاشف الغطاء في نكاح المتعة 258

إنكار الدكتور الموسوي إباحة المتعة 261

شروط زواج المتعة 267

صلاة الجمعة 271

تحريف القرآن 279

مصحف الإمام علي في كتب أهل السنّة 283

الإمام علي وعلوم القرآن 289

نداء التصحيح من الدكتور الموسوي 291

أهل السنّة وتحريف القرآن 293

صحيح البخاري وروايات تحريف القرآن 295


صحيح مسلم وروايات تحريف القرآن 298

مسند الإمام أحمد وروايات تحريف القرآن 300

منتخب كنز العمال وروايات التحريف 303

الاتقان للسيوطي وروايات تحريف القرآن 307

تفسير الدر المنثور وروايات تحريف القرآن 312

المستدرك للحاكم وروايات التحريف 315

حلية الأولياء للأصبهاني وروايات التحريف 316

أبو داود وروايات التحريف 317

الشيعة لا تقول بتحريف القرآن 319

الجمع بين الصلاتين 325

أوقات الصلاة في القرآن ثلاثة 327

جواز الجمع بين الصلاتين في غير سفر ولا مطر 331

الرجعة 335

القرآن صريح في ثبوت الرجعة في الدنيا 338

البداء 345

الخاتمة 351



شخصي ة الموسوي وإشكالي ة ال طرح العقا ئدی

بقلم الاستاذ سليم الحسني(*)

رئيس تحرير مجلة الفكر الجدید

بين الكاتب ونتاجه الفكري ترابط وثيق لا يمكن تغافله في أجواء البحث العلمي ؛ فالفكر ليس حالة معزولة مجردة، إنما هو يرتبط بقوة بالتكوين النفسي والاجتماعي والثقافي للكاتب، بحيث تشكل مقومات الشخصية عناصر أساسية تحكم طبيعة الجهد العلمي الذی يقدمه، بدءاً من اختيار الموضوع واسلوب المعالجة وطريقة الطرح، وانتهاءً بالنتائج التي يروم الوصول إليها.

ومن هنا يمكن الكتشاف هوية الكاتب وتوجهاته السياسية والفكرية من خلال ما يقدمه من نتائج، بحيث أن ّ تقسيم الكتّاب إلى ولاءات ومدارس يعتمد أساساً علي تقييم عطاءاتهم في مجال الفكر والثقافة؛ إذ لايمكن للكاتب - والحديث عن الحالة السليمة - أن يقدم طرحه خلافاً لآرائه ومتبنياته التي يؤمن بها. فهو يكتب في ضوء القاعدة الفكرية التي يقف عليها، والتي انتمى إليها مسبقاً عبر المراجعة والمناقشة والتأمل، ثم حدد طوعاً وبإرادته الخاصة على أي أرض يقف.. وإلى أي اتجاه ينتمي.. وبالتالي إلى أي هدف يقصد.

هذه واحدة من الحقائق المعروفة في الأجواء العلمية. وعلي ضوئها أصبح

_____________________

* باحث وكاتب اسلامي عراقي.


الرجوع إلى النتاجات الفكرية بمثابة المؤشر القاطع على شخصية أصحابها، فيتم من خلالها الفرز والتقسيم وتحديد الهويات.

واذا أردنا أن نطبق هذه الحقيقة على الدكتور موسى الموسوي من خلال مراجعة نشاطه وآرائه، فاننا نواجه صعوبة في تحديد هويته الفكرية والسياسية كخط ثابت يتميز به. لكثرة تحولاته وتقلباته. فهو من طراز الشخصيات التي يصطلح عليها بمتعددي الانتماء. فلقد سبق له أن تبنى عرض أفكار الإمام الخميني (قدس‌سره )، عبر الإذاعة العراقية خلال حكم الشاه. ومن المعلوم أن أفكار الإمام خميني في ولاية الفقيه ليست طرحاً ثقافياً عادياً يخضع تفضيله لمزاج شخصي أو رغبة ذاتية، إنما هي من المسائل الفقهية الدقيقة التي دار حولها نقاش طويل وبحث علمي عميق بين الفقهاء وكبار العلماء، مما يعني أن تبنيها يمثل موقفاً فكرياً واضحاً.

غير أن الدكتور الموسوي سرعان ما انقلب على هذه الآراء فور سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية، حيث وقف في الاتجاه المضاد للدولة الإسلامية، وراح يهاجم مسألة ولاية الفقيه، بعد أن كان بالأمس يعرّف بها.

إن ّ هذا التحول يعكس من الناحية المفاهيمية اضطراباً في شخصية الرجل فيما هو الموقف الفكري. كما أنه يعكس الاضطراب في الموقف السياسي وسهولة التحول من الموقف إلى ضده، مما يؤكد عدم قدرة الرجل على البقاء في خط فكري أو سياسي واحد، ومن ثم عدم إمكانية تحديد هويته وانتمائه في خط فكري


مشخص. إنّه - مرة أُخرى - من ذوي الانتماءات المتعددة.

إلى جانب الحقيقة السابقة، ثمة واحدة أُخرى لاتقلّ عن الأُولى أهمية، وهي أيضاً لا يرقى إليها الشك، تلك هي أنّ الكتابات العقائدية لايمكن النظر إليها بصورة مجردة معزولة عن شخصية الكاتب. فعامل الشخصية هنا يمثل مرتكزاً هاماً يدخل في تحديد موضوعية البحث. فمن الممكن لأي كاتب مهما كانت شخصيته وعقيدته وأخلاقيته أن يكتب دراسة في الموضوعات السياسية أو العلوم الطبيعية أو المجالات الأدبية، لكن هذه المساحة الواسعة المتحركة تتقيد وتتحدد بضوابط خاصة إذا كانت الكتابة تتناول موضوعاً عقائدياً، بصرف النظر عن طبيعة هذه العقيده.

إنّ الكاتب هنا لابد أن يكون صحيح الانتماء إلى العقيدة موضوع البحث حتى يمكن اعتبار معالجاته وآرائه أو حتى نقده متّسماً بالعلمية. باعتبار أنّ العقيدة لايُعبِّر عنا إلّا أصحابها، وأنّ العقائد لاتحتاج إلى متحدثين من غير دائرتها لينطقوا عنها ويُعرِّفوا بمبادئها وأفكارها وأُصولها.

إنّ من الطبيعي جداً أن يتحدث رجل الكنيسة عن المسيحية، وعالم الدين الإسلامي عن العقيدة والتشريع والأخلاق في الإسلام. لكن الخلل عندما تضطرب الأدوار، فيتحدث المسيحي عن الإسلام، ويكتب الماركسي في العقيدة والأخلاق الدينية. ويتناول المنحرف موضوعات عقائدية وتشريعية.

وإنّ الخلل في مثل هذه النماذج واضح جداً، ولايمكن اعتبار هذه النتاجات


مراجع موثوقة من الناحية العلمية؛ ولذلك لاتمتلك مثل هذه الكتب - وكتاب الموسوي أحدها - قيمة علمية، ولاتشكل نصوصاً موضوعية في عملية النقد والمناقشة. فالموسوي لايمثل في الدائرة الشيعية والإسلامية بصورة عامة وجوداً علمياً، ولايمتلك مكانة تذكر في هذه الدائرة الواسعة. فهو مطارد بتهم كثيرة، ومعروف بانحرافات عديدة، إلى جانب كونه موضع تندر المثقفين. فلقد سبق له أن اعتقل في فرنسا عام 1964 بتهمة تزوير مالي، وتنقّل على اتجاهات إقليمية مختلفة، وعمل لصالح أكثر من جهاز مخابرات.. إنه ملك لمن يدفع. مستغلاً انتماءه العائلي للمرجع الراحل (السيد أبوالحسن الأصفهاني) كعنوان عريض له إغراؤه الخاص في مثل هذه المناسبات.

ويبدو أنّ مروقه عن الدين وعدم تورعه في ارتكاب المنكرات، وعداءه الشديد للتشيع يعود إلى عقدة نفسية عميقة الجذور في شخصيته. فلقد اغتيل والده في ظروف غامضة في النجف الأشرف مركز الحوزة العلمية والدراسات الشيعية. وكان هو الابن الوحيد لوالده، مما جعله يعيش آثار الحادثة لوحده. وقد أريد له أن يتجاوز الصدمة عن طريق توفير المستلزمات الحياتية المرفّهة له، فاُحيط بجماعة من المرفّهين تقف على طلباته واحتياجاته، لكن ذلك أعطى نتائج عكسية بتأثير العقدة التي يختزنها في داخله.

وقد استغلت الدوائر المعادية للإسلام نزعته المتحللة وانحرافه الأخلاقي، فوظفته في مشاريعها الممنهجة التي تستهدف الإسلام والمسلمين. وحاولت استغلال اسمه العائلي للانتقاص من التشيع وتمرير شبهاتها ومخططاتها الطائفية.


فاضطلع بهذا الدور ولا يزال.

على أنّ من الضروري هنا الإشارة إلى حقيقة ثالثة، ألا وهي أنّ مصادر المذهب والعقيدة هي من النصوص المعتبرة التي تمتلك قيمة عالية، مما يستدعي تميزها بالوثاقة التامة حتّى تصلح أن تكون مرجعاً للدراسة أو النقد أو الاستشهاد. فمن المتعارف عليه مثلاً أنّ أي محاولة لمناقشة رأي سُنّي لابد أن تستند إلى نصٍّ معتبر عند أهل السّنة، يتّفقون عليه ويسلّمون بصحته ووثاقته، وكونه يعبِّر عن رأيهم. ونفس المسألة تنسحب على مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام ).

فمناقشة الرأي الشيعي لا يمكن أن تستند إلى نصٍ مرفوض شيعياً، وإلّا فإن العملية في مثل هذه الحالة لا تعدو عن كونها رغبة في اختلاق تهمة، ومحاولة لبَثِّ شائعة. وهذا بالضبط ما يمارسه الدكتور موسى الموسوي، إنّه أداة في مشروع طويل، واسم في قائمة الذين يقبضون لقاء مهمة.

قراءة سريعة في ملف موسى الموسوي:

إنّ ملاحقة انحرافات هذه الشخصية لاتحتاج إلى جهد ارشيفي خاص، لأنه من نمط الرجال ذوي السيرة (المشهورة) بين الناس والذي ساهم في شهرته تلك كثرة النشاطات التي قام بها الرجل من أجل الحصول على مكاسب شخصية متتالية. وهذا ما جعل صفقاته ومشاريعه مكشوف أمام الرأي العالم،


فهو يتخذ الموقف الرافض يوماً، ثم لايلبث أن ينقلب إلى التأييد. وقد يجد أنّ الرفض أكثر منفعة فيعود إليه من غير حرج، ودون أن يأبه بما قد يقال عنه ولعله في ذلك يريد أن يقول لكل الذين يبحثون عن كاتب مأجور وسياسي مرتزق: (ادفعوا لأُنَفِّذ). وهو بهذا السلوك استطاع فعلاً أن يكون في متناول أيدي أصحاب الحاجة من أعداء الإسلام. وكان من نتيجة هذا الحماس والجهد الدؤوب أن خلعوا عليه الألقاب وأنعموا عليه بالعناوين: والأهم من هذا وذاك أن سدّوا له احتياجاته الجائعة.

اشتهر الموسوي ونتيجة جهود السنين والسفر، بأنه رجل أعمال من الطراز السياسي والثقافي الذي يبحث عنه رجال السياسة والقرار. وأمثال الموسوي رغم كثرتهم، إلّا أن الحاجة اليهم تظل ماسة متجددة، لكثرة الأغراض والطروحات. ولعل الموسوي يمتلك مؤهلات يفتقر إليها سواه من نظائره. فهو ينحدر من عائلة شيعية مرموقة، ويرتدي زي علماء الشيعة، ويتحدث عن التشيع. إنه إذاً مشروع جاهز يصلح لتلبية حاجات الكثير من الأطراف الإقليمية والدولية التي وجدت في التشيع مصدر الخطر لأنه مصدر الوعي الإسلامي.

والدكتور موسى في ضوء ذلك بإمكانه أن يفعل الكثير.. أن يستهدف منطقة العصب فيرمي الرمية القاتلة.. هكذا نظر إليه أعداء الإسلام.. وبهذا التقييم قيّموه. غير أنّ نقطه الضعف التي لاعلاج لها، تاريخه الحافل بالانحراف وسيرته (المشهورة) بين الناس. ولعل هذه الملاحظة الخطيرة ليست خافية


على دوائر القرار السياسي، لكنه في نظرها يظل مقبولاً حتى يتوفر البديل الأفضل، فليأخذوا منه ما يمكن أن يعطيه، طالما هو على استعداد كامل أن يعطي ما يريدون، حتى يظهر البديل، وحينذاك تنتهي مهمة الموسوي، وتصبح المشكلة مشكلته في البحث عن عمل.

ولكي تبدو صورة الموسوي أكثر وضوحاً لأبناء الأمة الذين لم يقدّر لهم أن يطّلعوا على تاريخه ومواقفه المتناقضة وانحرافاته المتواصلة، نقدّم لهم نماذج متفرقة من ارشيفه الشخصي:

النموذج الأول

وثيقة من جهاز الأمن الإيراني أيام الشاه (السافاك) مؤرخة في (30/3/1345) الموافق (21/6/1966) تتحدث عن نظرة مراجع الدين السلبية للموسوي، جاء فيها:

بعد إجراء التحريات الاعتيادية فان المذكور قد سافر إلى العراق وذهب إلى السيد الخميني، غير أن السيد الخميني لم يستقبله. وقد كتب (الموسوي) رسالة إلى شريعتمداري قال فيها: إنه سيعمل وينشط لصالحه إذا ما بعث له مرتباً شهرياً بحدود (10-20) ألف تومان شهرياً، ولكنه واجه جواباً سلبياً على طلبه هذا.


النموذج الثاني:

وثيقة مقدمة من القسم (315) إلى رئاسة القسم (316) من السافاك تتحدث عن نتائج التحريات حول الموقع العلمي لموسى الموسوي، جاء فيها:

طبقاً لما أفادته الممثلية في العراق:

1- لم يعط مثل هذا الوعد (إجازة علمية) من قبل مراجع التقليد المعروفين، بل الذي أثلج صدره بهذا الوعد هو الشيخ علي كاشف الغطاء، وهو من الروحانيين المعروفين بتأييدهم للدولة.

2- السيد محسن الحكيم لايحتفظ بذكرى جيدة عن السيد موسى. إضافة الى ذلك أن السيد الحكيم لايرى فيه الصلاحية لتدريس العلوم الإسلامية.

بناءً على رأي هذه الممثلية ومع القرائن والتحقيقات التي أُجريت، فإن مفاد الخبر صحيح.

النموذج الثالث:

وثيقة من السافاك مؤرخة في (21/7/1347) الموافق (13/10/1968)، ورد فيها:


كشفت ممثلية السافاك في العراق أن المذكور طلب اللقاء مع سفير الشاه في العراق لإظهار الندم والتماس العفو. وطلب إبلاغ ذلك إلى السلطات والمسؤولين في الدولة الشاهنشاهية.

وقد أعرب المشار إليه عن استعداده لإعطاء تعهد خطي لأي موظف إيراني وبأي طريقة يرغب بها المسؤولون.

النموذج الرابع:

الوثيقة السابقة تتحدث في فقرة أُخرى منها عن لقاء تم بين الموسوي والمشرف على مدرسة الطهرانية، أبدى الموسوي استعداده للقيام بتهيئة المعلومات وتقديمها إلى المسؤولين في الحكومة الشاهنشاهية.

النموذج الخامس:

بعد أن قدّم الموسوي تعهداته في التعاون مع نظام الشاه، كتب رئيس السافاك يقول:

(رجل عاطل يلهث وراء المال ولا يوثق به، يريد الاحتيال مرة أُخرى، يقول كذبا ولن يَصدق معنا بأي حال من الأحوال. وكان ينبغي أن يجاب أصلا


أنه لاقيمة لنشاطك لصالح إيران ولاأهمية لأعمالك ونشاطاتك).

النموذج السادس:

تتحدث بعض وثائق السافاك عن الموسوي بأنه لايلتزم بالتعهد، وأنه لبحثه عن المكاسب الشخصية مستعد للقيام بأي عمل. ويبدو أن هذا التقييم هو الذي جعل السافاك يتردد في التعاون معه، لاستعداده على التمرد إذا وجد من يدفع أكثر. جاء في إحدي الوثائق:

يُعتقد أنّ المذكور الذي يعيش وضعاً مالياً سيئاً ينوي الاقتراب من المسؤولين في الحكومة الشاهنشاهية والتزلف إليهم ليستغل ذلك في تحقيق مصالحه الشخصية. ولاقيمة لتعهده الخطي. إذ لا ضمان في الالتزام به كالصكوك والعقود المالية التي أعطاها سابقا لمدينيه في إيران ولم يحترم شيئاً منها.

النموذج السابع:

وثيقة مطولة من السافاك تتحدث عن حياة الموسوي كتقرير عام لنشاطاته وسلوكه نختار منها:

1- كان الدكتور شاباً نزقاً مترفاً أنفق كل مالديه من مال بذخاً وترفاً خلال برهة


من الزمن. وكان يحضر مجالس اللهو والشرب ويرتاد الفنادق والمقاهي بعمامته وعباءته غالباً.

2- أتاحت له علاقته بالوزير حسين علاء وعطفه عليه النفوذ إلى البلاط الشاهنشاهي، فتم انتخابه لعضوية مجلس الشورى الوطني، واتجه من ذلك الحين إلى الرشوة والسمسرة.

3- بعد حلّ مجلس الشورى الوطني، انسدّت أمام الموسوي الموارد السابقة، فلجاء إلى تحرير الصكوك المزيفة حتى وصلت المبالغ التي حصل عليها بهذا الطريق أكثر من مليون تومان.

4- كان الدكتور الموسوي يتقاضى مرتباً مجزياً من السافاك وكذلك من مؤسسة پهلوي.

5- يشاع أن الدكتور قام بأعمال غير مشروعة مع بعض الرجال أمثال... نظراً لما يتمتع به من حسن وجمال.

هذا هو الدكتور موسى الموسوي كما يظهر من خلال وقفة سريعة مع ملفه الشخصي. والقارئ الكريم لايحتاج بعد هذا أن يتأمل طويلاً في شخصية الموسوي ودوره المرسوم له في خدمة أعداء الإسلام.

«وحسبنا الله ونعم الوكيل»

سليم الحسني



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلي آله الطيبين والطاهرين، وأصحابه المخلصين، وبعد:

طلع علينا في الآونة الأخيرة، كتاب بعنوان «الشيعة والتصحيح»، «الصراع بين الشيعة والتشيع»، لمؤلفه «العلّامة» الدكتور موسى الموسوي، طبعة لوس أنجلوس، عام 1987، يدعو فيه إلى تصحيح بعض عقائد الشيعة، وقد تناول المسائل التي يعتقد أنها مخالفة لشريعة الإسلام، وما أجمع عليه المسلمون، متحاملاً على الشيعة وعلمائهم بلا دليل أو برهان، مّما يربأ عنه المتصفون بالإسلام فضلاً عن الإيمان، منكراً لما جاء عن أجداده وآبائه الكرام، وهو يدعي أنه من سلالة سيد الأنام (ص)، وحفيد الإمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي، فقد جاء في كتابه هذا، بقوارص ترتعد منها الفرائص، وادّعى الاجتهاد، وأنكر الضرورات من دين الإسلام، ونسب إلي علماء الطائفة الشيعية كل بدعة وضلال، وأساء التعبير في كل فقرة من كتابه، مدعياً التصحيح،


وهو إلي التخريب والتفريق أقرب منه إلى التصحيح والتأليف.

وها نحن نبينّ ما في الكتاب من همز ولمز وتفريق وتحريف وتغيير، مبتدئين - بعون الله- في بطلان ما يدّعيه من الاجتهاد، مثنّين القول في عدم معرفتة بقواعد النحو وأصوله، مما يحتاج إليه المجتهد في عملية الاستنباط، ناهيك عن معرفة البلاغة وكلام الفصحاء، ليتضح للعام والخاص، أن الرجل الذي يدّعي التصحيح، هو أولي بالتصحيح، ومن في لسانه عجمة الكلام فكيف يفهم ما في القرآن من أحكام.


إدّعاء الدكتور موسى الموسوي الاجتهاد باطل

ذكر المؤلف في آخر صفحة من كتابه «الشيعة والتصحيح» صورة من شهادة ينسبها إلى المرجع الديني الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، وقد جاء في آخر الشهادة:

«صورة من الشهادة العليا في الفقه الإسلامي «الاجتهاد» التي نالها المؤلف قبل ثلاثين عاماً من المرجع الديني الأعلى زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رحمة الله عليه».

ويقول في صفحة (108): «و من المؤسف حقاً أن بعض أعلام الشيعة انبرى للدفاع عن الزواج الؤقت... ولا أعتقد أنّني أحتاج إلى عناء كثير لتوضيح الصورة الحقيقية لهذه البدعة المخلّة بالذوق والكرامة...».

ويقول في صفحة (60): «ولكن علماء الشيعة ألصقوا بالإمام المهدي جناحين أثقلا كاهل الشيعة في كل زمان ومكان، وهذان الجناحان هما بدعة «الخمس» في أرباح المكاسب...»


ويقول في صفحة (67): «و كما قلنا قبل قليل، أنّ هذه البدعة ظهرت في المجتمع الشيعي في أواخر القرن الخامس... إلى قوله: لقد سنّت هذه السنّة السيئة... وبعد أن أسست هذه البدعة...».

أقول : هذا ما يقوله الدكتور الموسوي، في مسألة الزواج المؤقّت، ومسألة الخمس، حيث ذهب إلي القول، بأنّ كلاً منهما من مبتدعات علماء الشيعة، والبدعة كما نعلم، إدخال ما ليس من الدين في الدين بقصد الدين، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وعلى هذا يقال: إنّ كل مبتدع في الدين لاتقبل شهادته لابتداعه في الدين ما ليس فيه، والشيخ محمد الحسين، قال بمشروعية كل من الزواج المؤقت ووجوب دفع الخمس من ألرباح المكاسب، فهو من المبتدعة الذين لا تقبل شهادتهم - حسب رأي الدكتور الموسوي -، ومن هنا فالشهادة التي يتذرع بها الدكتور باطلة. يقول الشيخ آل كاشف الغطاء في أصل الشيعة وأصولها ص102، 103 ط 8-1955:

«إنّ من ضروريات مذهب الإسلام التي لاينكرها من له أدني إلمام بشرائع هذا الدين الحنيف - أن المتعة - بمعني العقد إلى أجل مسمى، قد شرّعها رسول الله (ص) وأباحها وعمل بها جماعة من الصحابة في حياته، بل وبعد وفاته، وقد اتفق المفسّرون أنّ جماعة من عظماء الصحابة كعبد الله بن عباس، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وأبّي بن كعب، وغيرهم كانوا يفتون بإباحتها ويقرأون الآية المتقدمة هكذا: «فما


استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» ومما ينبغي القطع به أن ليس مرادهم التحريف في كتابه جل شأنه والنقص منه، معاذ الله، بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الذي أخذوه من الصادع بالوحي...». «و على أي، فالإجماع بل الضرورة في الإسلام قائمة على ثبوت مشروعيتها وتحقق العمل بها، غاية ما هناك أن المانعين يدّعون أنها نسخت وحرّمت بعدما أبيحت...».

أقول: سوف يأتي مزيد من الكلام عن الزواج المؤقّت، ومشروعيته وإباحته بنص القرآن الكريم والسنة النبوية المجمع عليها، وهذا ما اتفق عليه المسلمون إلّا من شذّ منهم ممّن يحاول إنكار ما ثبت بالضرورة من دين المسلمين، أمثال الدكتور موسى الموسوي، وموسى جار الله التركستاني في كتابه الوشيعة الذي استقى منه الدكتور أفكاره ومفترياته، وغير هما ممن يريد تحريف الإسلام وتغيير أحكام الله بدافع من الحقد على الشيعة وعلمائهم.

وأما وجوب دفع الخمس ومشروعيته، يقول آل كاشف الغطاء: «الخمس: ويجب عندنا في سبعة أشياء: غنائم دار الحرب، الغوص... أرباح المكاسب... والأصل فيه قوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ) إلى أخرها. والخمس عندنا حقّ فرضه الله لآل محمد صلوات الله عليه وعليهم عوض الصدقة التي حرمها عليهم من زكاة الأموال والأبدان...»(1) .

_____________________

(1) محمد حسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة- ص96.


هذا ما يقوله الشيخ محمد الحسين من إباحة الزواج المؤقّت، ووجوب دفع الخمس، فماذا يقول الدكتور، هل يقول: بأنّ الشيخ قد ابتدع هذين الحكمين، أم أنهما من ضروريات دين المسلمين؟

فإن قال بالأول فقد حكم على الشيخ بالابتداع والخروج عن ملة المسلمين، فتبطل حينئذٍ شهادة الاجتهاد التي يدّعيها. وإن قال بالثاني، أي أنّ الزواج المؤقّت ووجوب دفع الخمس من ضروريات الدين، وقد حكم ببدعتهما وإنكارهما، فقد حكم على نفسه بالخروج عن الإسلام، لأنّه أنكر ما ثبت بالضرورة من دين محمد (ص) فبماذا يقول إذن الدكتور موسى الموسوي؟

عدم معرقة موسى الموسوي بقواعد النحو دليل على بطلان اجتهاده

يدّعي الدكتور موسى الموسوي، كما قلنا: الاجتهاد والتصحيح، ومن المعلوم لدى علماء الأصول أنّ الاجتهاد، هو بذل الجهد لمعرفة القواعد والأصول التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، وهذه القواعد والأصول يتفكل ببيانها علم الأصول، فهو العلة الأخيرة لعملية الاستنباط، كما وأن علم الأصول يتوقف أيضاً على مقدمات، تسمى بالمبادئ التصورية والتصديقية، كما وأنّ هناك مبادئ أحكامية، ومن جملة المقدمات، معرفة القواعد النحوية واللغوية والصرفية، لأنّ عملية الاستنباط تتوقف على فهم النصّ من حيث الرفع والنصب والجر الذي يلحق الكلمة وموقعها من النصّ من حيث الفاعلية والمفعولية والإضافة وغير ذلك من


الأحكام التي تلحق الكلمة، وهكذا من حيث الإعراب والبناء... فالذي لايعرف أبسط قواعد النحو فكيف يدعّي لنفسه الاجتهاد والتصحيح. ونحن نذكر نبذة من الأخطاء التي وقع فيها الدكتور موسى الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح. ليظهر أنّ هذا الكتاب ليس فيه من العلمية شيء.

فلو قيل أنّ هذه أخطاء مطبعية، وقعت أثناء طبع الكتاب فإنّه يقال: كيف يخرج لنا الدكتور الموسوي كتاباً من أوله إلى آخره مملوءاً بالأخطاء التي لاتقع حتى من المشتغلين بطبع الكتاب وهذه جملة منها على سبيل المثال:

1-6: «... يذود عن العقيدة التي يريد إرساؤها» والصحيح «إرساءها» لأنها مفعول به فالهمزة تكتب على السطر.

2-6: «أصبوا» والصحيح «أصبو» بلا ألف لأنّها ليست واو الجماعة.

3-11: «فألف ودون كّتاب السنة وعلمائها» والصحيح «علماؤها» لأنّها فاعل وليست مجرورة.

4-12: «أن الخليفة عمر ابن الخطاب». «و ترك سعد إبن عبادة...» والصحيح «بن» بلا ألف لأنها واقعة بين علمين.

5-12 «و تخلف الإمام عليا» والصحيح «علي» لأنّه بدل من كلمة إمام.

6-12: «عمر ابن الخطاب» مكررة في نفس الصفحة وما بعدها بالألف. والصحيح «بن».


7-13: «إذا كان الإمام علياً» والصحيح «علي» لأنها بدل عن الإمام.

8-13: «كان لها أنصارها المتحمسين» والصحيح «المتحمسون» لأنها صفة لأنصار. وأنصار اسم كان مرفوع، والصفة تتبع الموصوف.

9-15: «في خلافة معاوية ابن أبي سفيان» والصحيح «بن»بلا ألف.

10-15: «و عندما كان يأمر بسب الإمام علياً علي المنابر» والصحيح «علي»بالجر لأنّ كلمة علي بدل من كلمة الإمام، وكلمة الإمام مجرورة بالإضافة فكذلك كلمة علي.

11-16: «لكي يثبتوا آرائهم حسب أهوائهم» والصحيح «أراءهم» لأنّها مفعول به وليست مجرورة.

12-18: «وهذا هو الإمام عليا». والصحيح «علي». بالرفع وليس بالنصب لأنّه بدل من الإمام.

13-18: «فالإمام هو زوج الزهراء وأبا الحسنين»، والصحيح «و أبو الحسنين» لأنّه معطوف على مرفوع، فيكون مرفوعاً بالواو، لأنّه من الأسماء الخمسة.

14-27: «حتى لايعيد إلى أذهانهم دور الطاعة لسادة القوم وكبراءه». والصحيح «و كبرائه» لأنّها مجرورة.

15-28: «... عصبة جائت بالأفك» والصحيح «جاءت».


16-28: «أن يكون عليا خليفة...». والصحيح «علي» لأنّه اسم كان مرفوع.

17-20: «و مرة أخرى نقول أنّ هناك فوق كبير» والصحيح «إن هناك فرقاً كبيراً».

18-20: «بما فيهم منافقين». والصحيح«بما فيهم المنافقون» لأنّها مبتدأ مؤخّر.

19-32: «و لقد كنّا مع رسول الله (ص) نقتل آبائنا وأبنائنا...» والصحيح «آباءنا وأبناءنا» لأنّهما مفعول به، فالدكتور لايحسن حتى النقل عن أمير المؤمنين.

20-32: «.. هل أن مثل هذه الصحابة التي أثني عليهم الله... ومدحهم الإمام عليا...». والصحيح «علي» لأنّه بدل عن الإمام، وكلمة الإمام مرفوعة لأنّها فاعل. والبدل يأخذ حكمه، وهو الرفع لا النصب.

أقول : إذا كان هذا هو حال الدكتور الموسوي من الفهم بالنحو، فكيف يدعو إلى التصحيح، وهل باستطاعتة أن يصحّح عقائد أساطين العلماء من الشيعة، أمثال: الشيخ المفيد، والكليني والصدوق، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، والكراجكي، والخواجه نصير الدين الطوسي، والعلامة على الإطلاق، وغير هؤلاء من الذين لم يجد الزمن علينا بأمثالهم، يحاول الدكتور تصحيح عقائدهم، وهؤلاء الذين ذكرناهم وغيرهم، قد


اعترف بفضلهم وفضيلتهم المخالف والموافق من جميع الطوائف، فلتراجع لتعلم صدق ما نقول.

21-33: «يقول الإمام عليا» والصحيح «علي» هذا هو فهم الدكتور حيث جعل هذه الجملة عنواناً، ونصب علياً، مع أن الصحيح، هو الرفع لأنّها بدل من الإمام. فأي خطب أعظم على علماء المسلمين أن يدّعي هذا الرجل الاجتهاد، وهو لايحسن أبسط قواعد النحو. وهل تكون لآرائه العدوانية قيمة من الناحية العلمية، كلا وحاشا لله أن يكون ممّن ينتسب إلى الشيعة فضلاً عن علمائهم.

22-33: «و لم يذكر الإمام أنّ هناك نصّ من الله وتشريع إلهي» والصحيح «أنّ هناك نصّاً من الله وتشريعاً إلهيّاً».

23-36: «... على أنّ الإمام علي... وتصبح هباءاً...» والصحيح «أنّ الإمام عليا... وتصبح هباءً» فقد رفع كلمة علي، مع أنّها منصوبة لأنّها بدل، وكتب هباءً بألف على الهمزة، مع أنّ الهمزة إذا كانت مسبوقة بالألف وكانت منصوبة لايكون التنوين على الألف وإنّما التنوين على الهمزة «هباءً».

24-37: ومن فواحش أخطائه قوله: «و هنا يأتي دور أولئك الذين أرادوا تحطيم الإمام عليا». والصحيح «علي» لأنّها بدل من كلمة الإمام، والإمام مضاف إليه مجرور بالكسرة.


25-37: «... كان مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه طيلة خمسة وعشرون عاماً... لعمر ابن الخطاب». والصحيح «طيلة خمسة وعشرين عاماً». وكذلك «لعمر بن الخطاب».

26-39: «ويستشبر الخليفة عمر ابن الخطاب علياً ابن أبي طالب» والصحيح«عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب».

27-44: «ليثبت برائتها» والصحيح« براءتها».

28-44: «و في مواطن كثيرة يلقى الإمام عليا المسؤولية على الذين استغلوا حرم رسول الله (ص) وجروها ورائهم...». والصحيح «الإمام علي المسؤولية» «و جروها وراءهم».

29-45: «... بما فيهم الخليفة أبابكر» والصحيح «أبوبكر».

30-49: «أن تخرج الشيعة من الإنطواء على نفسها وتسلك طريق الإمام علياً». والصحيح «الإمام علي»لأنّها بدل عن المجرور.

31-54: «... و قد ترك الإمام السّجاد لنا أربعة وخمسون دعاء» والصحيح «أربعة وخمسين دعاء».

32-61-: «... أنّ الإمام الحسن العسكري... عندما توفي... كان له ولداً...» والصحيح«كان له ولد» بالرفع لأنّها


اسم كان. والدكتور نصبها على أنها خبر كان واسمها الجار والمجرور.

33-61: ومن أخطائه المتكررة: «عثمان ابن سعيد العمري وابنه محمد بن عثمان، وحسين ابن روح وآخرهم علي ابن محمد السيمري» والصحيح «بن» بلا ألف لأنّها واقعة بين علمين.

34-62: «واعطاء تفسير عقلي لبقاءه»، « ورفع الله عيسى ابن مريم» والصحيح «لبقائه» و«بن».

35-64: «و ليت شعري أن أعرف كيف يستند علمائنا» والصحيح «علماؤنا» لأنّها فاعل وليست مجرورة، فالذي لايعرف أبسط قواعد النحو، كيف أجاز لنفسه الدخول فيما لا يعنيه.

36-64: «و جائت» والصحيح «وجاءت» وهذه الكلمة مكررة في مواضع كثيرة، حيث كتب الهمزة على كرسي، مع أنّها تكتب على السطر.

37-65: «إنّ الشيعة تستخدم قواعداً» بالتنوين. والصحيح «قواعد» لأنّها ممنوعة من الصرف.

38-65: «إنّ فقهائنا» بالجر، والصحيح «فقهاءنا» بالنصب لأنّها اسم إن.

39-66: «فالآية صريحة وواضحة بأنّ الخمس شرعت» والصحيح «شرع» لأنّ الخمس مذكر، ونراه قد أنثه.

40-67: «توجد حتى اليوم أملاك وبنايات وأراضي»


والصحيح «وأراضٍ» بلا ياء، لأنّها معتلة الآخر بالياء ونكرة وغير مضافة فتحذف منها الياء. كقولنا، جاء قاضِ، ولايصح جاء قاضي بالياء.

41-72: «فإن للزعامة المذهبية الشيعية نفوذ واسع وكبير...» والصحيح «نفوذاً واسعاً وكبيراً» لأنّ كلمة نفوذ اسم إن مؤخر، فهو قد جعل الجار المجرور اسمها، بدلاً من اسمها الحقيقي.

42-72: «وتنازل الشاه عن سبعة عشر مدينة» والصحيح «سبع عشرة مدينة».

43-74: «.. كيف استدلّ المستدلون.. على ولاية الفقيه وإعطاءه..» والصحيح «واعطائه» بالجر لا بالنصب.

44-82: «ضياءاً» والصحيح «ضياءً».

45-83: «فأنعم الله على أنبياءه» والصحيح «أنبيائه».

46-86: «التي جائت فيها». والصحيح «جاءت».

47-88: «لقد صارحنا فقهائنا» بالجر. والصحيح «فقهاءنا» بالنصب.

48-88: «و تقدم حلولاً تصحيحية تضمن إنهائها» بالجر. والصحيح «إنهاءها» بالنصب.

49-92: «وَسَبُ الإمام علياً». والصحيح «علي» لأنّها بدل من المجرور.

50-93: «التي كانت عملية تثقيفية ورائها» والصحيح «وراءها».


51-94: «فجائت تلك الزيارات». والصحيح «فجاءت».

52-94: «إنّ هذه الزيارات التي ملئت كتب الزيارة» والصحيح «ملأت»

53-95: «التي جائت في تلك الزيارات» والصحيح «جاءت».

54-98: «و كانت تلقي أمامهم خطباً أو قصائداً في ذكري شهادة الحسين» بالتنوين.

والصحيح «خطب» بالتنوين، والرفع و«قصائد» بلا تنوين لأنّها ممنوعة من الصرف، وكل منهما مرفوع. فالدكتور رفع الظرف فجعله نائب الفاعل.

55-99: «و معاذ الله أنّ يصدر من الإمام كلاماً». والصحيح «كلام» بالرفع لانّه فاعل ليصدر فالدكتور جعل الجار والمجرور هو الفاعل، ونصب الفاعل.

56-99: «... وكان للبويهيين... دوراً بارزاً». بالنصب والتنوين، إذن فأين اسم كان يا دكتور، أهو الجار والمجرور وأنت تدعو إلى التصحيح، بل إلى التخريب والتخريف. والصحيح «دور بارز» بالرفع لأنّ دور اسم كان وبارز صفة لدور.

57-100: «و كان اليوم هو العاشر من محرم والساعة إثنتي عشرة ظهراً» والصحيح «الثانية عشرة ظهراً».


58-104: «أنّ فقهائنا» بالجر، والصحيح «فقهاءنا» بالنصب.

59-105: «ثم لو صحّ هذا الأمر لما أقرّه الإمام عليا». والصحيح «علي» لأنّه بدل عن الإمام.

60-106: «بما فيهم عليا» بالنصب. والصحيح «علي» لأنّه مبتدأ مؤخر.

61-108: «إنّ الجدل الفقهي العقيم الذي مرّت عليه قروناً». بنصب كلمة قرون، والصحيح «قرون» لأنّها فاعل.

62-108: «... وحسبما يجوزه فقهائنا» بالجر، والصحيح «فقهاؤنا» بالرفع لأنّها فاعل.

63-109: «و للمدة التي يشائها». والصحيح «يشاؤها».

64-109: «و لست أدري كيف يستطيع فقهائنا» كيف تدري يا دكتور وأنت تجر الفاعل. والصحيح «فقهاؤنا».

65-109: «و بني آدم في اللآية». و الصحيح «و بنو آدم» لأنّها مبتدا وهي واقعة في أول الكلام.

66-112: «أمّافقهائنا» والصحيح «أمّا فقهاؤنا».

67-113: «فكم من مباح ترك تنزّها وترفع» والصحيح «و ترفعاً».

68-115: «و إنّ السجود على التربة ليس سجود لها» حيث رفع سجود والصحيح «ليس سجوداً».


69-116: «و لست أدري كيف استطاع فقهائنا» والصحيح «فقهاؤنا».

70-116: «... التي تنسب إلى أئمة هداة مهديون» والصحيح «مهديين» لأنّها صفة لمجرور.

71-116: «فالأئمة لم يستحدثوا قوانينا» بالتنوين. و الصحيح «قوانين» بلا تنوين لأنّها ممنوعة من الصرف، فالدكتور الموسوي لا يفرق بين الممنوع من الصرف والمتصرف فكيف يدّعي الاجتهاد والتصحيح وهذا حاله من العلم والمعرفة.

72-117: «إذا كانت الشيعة تلتزم بالقاعدة التي تبناها فقهائنا.... وكان فقهائنا أيضاً».

والصحيح «تبنّاها فقهاؤنا» «و كان فقهاؤنا».

فإذا كان موسى الموسوي لم يضبط النحو في سطرين فكيف يمكن له أن يعرف القواعد الفقيهية.

73-120: «و كان ورائها مجتهدون» والصحيح «وراءها».

74-120: «كانوا ورائه» والصحيح «وراءه».

75-120: «فاغتالوا من علماء المذهب وفقهاءه» والصحيح (و فقهائه» بالجر.

76-122: «و يعلنوا برائتهم». والصحيح «براءتهم».

77-123: «مسلم ابن عقيل» «عبيدالله ابن زياد» «هاني ابن


عروة». والصحيح أن تكتب «بن» بلا ألف لأنّها واقعة بين علمين.

78-125: «وبعد اغتيال الخليفة عمر ابن الخطاب على يد أبو لؤلؤ». و الصحيح «عمر بن الخطاب» «و أبي لؤلؤ».

79-125: «على شاكلة أبو لؤلؤ» والصحيح «ابي لؤلؤ».

80-125: «إنّ الأعمال الإرهابية ورائها مخططون». والصحيح « وراءها».

81-126: «أعتقد جازماً أنّ فقهائنا اجتهدوا أمام النصّ». والصحيح «فقهاءنا». فاذا كان الدكتور لايعرف أبسط القواعد النحوية، فيكف يعرق أنّ الاجتهاد أمام النصّ.

82-127: «كيف استطاع فقهائنا» والصحيح «فقهاؤنا».

83-133: «إنّ فقهائنا وعلمائنا يستدلون...» والصحيح «فقحاءنا وعلماءنا».

84-134: «فقد جائني أحد المشايخ». والصحيح «جاءني».

85-148: «يسمى باءاً» والصحيح «بداءً».

86-153: «منذ سنين الصبا» والصحيح «منذ سني الصبا».

87-154: «و هي ترى أنّ زعمائها» والصحيح «زعماءها».

88-155: «وهناك فئات ساذجة عبر الإمام علياً عنهم» حيث نصب كلمة علي ونونها. والصحيح «علي» فهل هناك


سذاجة أعظم من سذاجة العلّامة الدكتور موسى الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح. و لا أدري من الذي دفعه إلى هذا حتى أوقعه في مزالق لا حدودلها.

هذه نبذة من الأخطاء النحوية التي وقع فيها الدكتور الموسوي، والتي تكشف عن مدى ادّعائه وتحامله على الشيعة وعلمائهم. وضعناها أمام القارئ ليعرف مستوى موسى الموسوي من العلم. فالذي يكون بهذا المستوى من النحو، فكيف يدّعي الجتهاد والتصحيح؟ وكيف أعطى لنفسه هذه الصلاحية حتى جرّه الغرور أو جر به إلى الهاوية وخرج عن دين أبائه وأجداده الكرام؟ حتى أدّى به القول إلى إنكار النصّ والوصاية لعلي، وإنكار كل ما ثبت بالضرورة من دين الإسلام. وإنّي لا أشك أنّ وراء هذا الكتاب أياد خبيثة تحاول تشويه معالم الدين، وتفريق كلمة المسلمين. إيغار الصدور خدمة للمستعمر الكافر. ولا أشك أيضاً أنّ فئة ضالة حركت كوامن الدكتور موسى الموسوى واستغلته لمآ ربها ليقف هذا الموقف من علماء المسلمين فقد تناسى كل القيم التي تربطه بهؤلاء العظام من علماء الشيعه، فأنساه حقده وكراهيته للشيعة والتشيع كل هذه القيم، حتى أدّى به إلى الانجراف في تيارات البغي والانحراف عن آل بيت النبي (ص).. وها نحن نتناول كتابه الشيعة والتصحيح بالتفنيد، معتمدين على ما ثبت عند المسلمين، وإن كان لا يحتاج إلى التفنيد، لما فيه من التحريف الواضح، وجهالة مؤلفه، لكن خوف الانطلاء على العوام من غير الشيعة، رأينا أن نبيّن ما في الكتاب من آراء وبالله المستعان.


هذه صورة توضح لك على أنّ الأخطاء التي ذكرناها في كتاب -الشيعة والتصحيح- لم تكن مطبعية، وهذه صورة للأخطاء التي استخرجوها على أنها أخطاء مطبعية، وهذا دليل على عدم معرفة الدكتور الموسوي بقواعد النحو.

وقعت أخطاء مطبعية في الكتاب استدركنا بعضها في هذا الجدول يرجى تصحيح الأخطاء قبل القراءة.

صفحة

1

12

13

25

39

46

63

75

سطر

6

13

5

16

14

21

14

18

الخطأ

1978

مقبلا

الخليفين

ولم يصدر

فقتلهقم من بشخصك

المحجرة

ولاية الفقية

لاقلمت

الصحيح

1987

مقبل

الخليفتين

لم يصدر

فتقلهم بشخصك

المتحجرة

الخمس

لاقتلعت


84

92

111

113

133

134

138

141

145

146

149

149

155

155

6

25

15

11

1

6

15

11

5

3

2

3

7

10

الكرامات والمعجزات

ذركرتها

شروط الطلاق

ترفع

لايختلف

أنا

في السفر

اثارة

بسبب تناقص

و ما تتلوا من

الشرعي فلا

الأكبر

عليا

تسير

الكرامات

ذكرتها

شروط الفسخ

ترفعاً

يختلف

وما

لضرورة

اثاره

لتناقضها

و ما تتلوا منه من

الشرعي الذي هو اسماعيل فلا

الأكبر من ظهر اسماعيل

علي

و هي تسير

الأخراج الفني وتنضيد الأحرف والطباعة

شركة لترا، لوس انجلس، كاليفورنيا


- ما جاء في مقدمة كتاب الشيعة والتصحيح من مخالفات-

يقول الدكتور الموسوي في تقديمه صفحة (5):«بسم الله والحمدالله والصلاة على رسول الله».

أقول: هذه أول مخالفة من الدكتور، فهو بهذا الدعاء المبتور قد خالف جميع الشيعة منذ القديم حتى وقتنا الحاضر، مع مخالفته للثابت من حديث رسول الله (ص) حيث جاء بالصلاة على النبي (ص) ولم يقرنها بالصلاة على الآل، فهو قد خالف جميع المسلمين، والثابت عند أهل السنة والجماعة، أنّ النبي (ص) قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. وقوله (ص):لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، قيل.. وما الصلاة البتراء، قال أن تقولوا: اللهم صل على محمد وتسكتوا....». فأي مخالفة أعظم من هذه المخالفة، وهو يدّعي أنّه ولد وقرعرع في بيت الزعامة الكبرى للطائفة الشيعية، ودرس وتأدّب على يد أكبر زعيم ديني عرفه تاريخ التشيع منذ الغيبة الكبرى وحتى هذا اليوم، وهو جدّه السيد أبوالحسن الموسوي تغمّده الله برحمته. فإذا كانت نشأة الدكتور الموسوي، صاحب كتاب الشيعة والتصحيح، في بيت من


بيوت أهل العلم، فقد أنكر ما لهذا البيت من فضل وفضيلة على تربيته وتعليمه - وإن كان فارغاً منهما - فأنكر الصلاة على آل بيت جدّه السيد أبوالحسن.

يقول في صفحة (6): «إنّ قلب المصلح لا تزلزله العواصف... وأنّه يبقى كالطود الشامخ يذود عن العقيدة التي يريد إرساؤها في المجتمع». هكذا مكتوبة.

أقول : لا يخفى على القارئ النبيه، وجه التناقض في قوله هذا، وهو يتكلم عن جدّه وأبيه.

رحمة الله عليهما، وأنّهما كانا يريدان الإصلاح وتصحيح عقائد الشيعة من الانحراف. والذي يتصفّح ما كتبه السيد أبوالحسن في رسالته «وسيلة النجاة» وينظر إلى إلمسائل التي تناولها حفيده موسى الموسوي، بالتصحيح، سوف يخرج بلا شك أنّ الدكتور قد حكم على جدّه السيد أبي الحسن بالانحراف، لا التصحيح، وذلك لأنّ السيد، يؤمن بكل ما يؤمن به الشيعة، خصوصاً القول بوجود النصّ على الإمام علي، والخمس والزواج المؤقّت، والتقية وغيرها من المسائل التي ذكرها حفيده، حكم عليها بأنّها من البدع. وهذا هو عين التناقض الذي وقع فيه الدكتور الموسوي من حيث يشعر أو لا يشعر، فهو إذن من سلالة قالوا بإباحة البدع، نعوذ بالله من شطحات العقول والأوهام.

يقول في صفحة (6) أيضاً: «و بعد كل هذا كان من


الطبيعي أن تتكوّن لدي فكرة الانطلاق نحو تصحيح الشيعة في بعض عقائدها...».

أقول : إنّ رجل الفلسفة، لا يحسن التعبير الصحيح، ولا يدرك حتى القضايا البديهية، فكيف يدّعي الأستاذية في الفلسفة من لا يعرف أصول الفلسفة وقضاياها. ومن القضايا البديهية، أنّ التغيير والتصحيح لا يقع على الذوات- إلّا إذا كان هو الخالق لها- وإنّما يقع على ما يعرض عليها من العوارض، بشرط أن لاتكون هذه العوارض الذاتية، بل لا بدّ وأن تكون غريبة، ولهذا لا يستطيع الدكتور أن يغيّر إنسانية الإنسان، أو حيوانية الحيوان، أو جسمية الحجر. نعم يستطيع أن يغيّر سلوك وعقائده، لأنّها خارجة عن ذات الإنسان، فلا علاقة ذاتية بين الإنسان واعتقاده بالمتعة، أو الخمس، وإنّما الاعتقاد عرض طارئ على الإنسان.

وأمّا قوله: «تصحيح الشيعة في بعض عقائدها». فهل يستطيع الدكتور أن يصحّح الشيعي ويغيّره عن الصورة التي هو عليها؟ نعم تصحيح عقائد الشيعة، فإن قيل هذا هو المقصود من كلام الدكتور، فيقال: «إنّ قوله: في بعض عقائد يبطل هذا القول. ومن هنا يظهر أنّ رجل الفلسفة لاعلم له أيضاً بأبسط القضايا الفلسفية، فكيف يدعّي التصحيح من هو في حاجة إلي التصحيح؟

وأمّا قوله: « كان من الطبيعي أن تتكوّن لدي فكرة الانطلاق». فقد انطلق بكل ما لديه لتغيير أحكام الإسلام. ولهذا


نجده قد أنكر الإمامة والخلافة، وانّه لا نص من النبي على خلافة الإمام علي (عليه‌السلام )،كما أنكر التقية، وأنكر وجود الإمام المهدي، وأنكر الزواج المؤقّت وجعله من البدع التي جاء بها علماء الشيعة، وكذلك الخمس، وآمن أيضاً بأنّ الإرهاب نشأ في أحضان علماء الشيعة، وأنّ الغلو ظهر في التشيّع، إلى غير ذلك من الأفكار التي تكوّنت لديه، وجعلها نقطة الانطلاق في تصحيحه، بل تخريبه وتلفيقه.

قوله في صفحة (6) أيضاً: «... وهي كما أعتقد كانت ولم تزل وبالاً على المذهب الشيعي، حيث أدّت إلى تشويه سمعته ومسخ معالمه في العالم الإسلامي بل وفي العالم كله».

أقول: ليت الدكتور الموسوي أنصف نفسه وأنصف المسلمين والإسلام، ولم يتعرّض لأمور لا علم له بها. فلماذا كل هذا التحامل والعداء على شيعة أميرالمؤمنين؟ ومتى كان الزواج المؤقّت وبالاً على الشيعة، وقد عمل به أعاظم الصحابة... كما سنشير إلى ذلك؟ ولماذا لا يكون وبالاً على الإسلام، لأنّه أباح الزواجٍ المؤقّت كما أباح الزواج الدائم وملك اليمين؟ بل لماذا لا يكون وبالاً على من شرّع الزواج المؤقّت بنصّ من القرآن الكريم؟ ومتى كانت التقّية وبالاً على الشيعة وأوّل من عمل بها سيد المسلمين عمّار بن ياسر، حتى نزلت في حقّه آيات مباركات؟

ومتى كان الإيمان بالإمام المهدي وبالاً على الشيعة، وقد بشّر النبي الكريم (ص) بظهوره ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما جاء بذلك الأثر عند جميع المسلمين؟ أم أنّ الجمع بين الصلاتين، شوّه عقيدة الشيعة وكان وبالاً عليهم،


وأوّل من جمع بين الصلاتين رسول ربّ العالمين، واقتدى به الشيعة لئلا يشق ذلك على أمّته كما في الصحيح. فعلى رأي الدكتور أنّ رسول الله دعا إلى مسخ معالم الإسلام وتشويه سمعته، في العالم كله، لأنّه هو الآمر بذلك. وهذا ما سنشير إليه إنشاءالله بنصوص متفق عليها عند جميع المسلمين. ولكن الدكتور لا يريد أن تظهر معالم الإسلام، بل يريد لها الخفاء بحجة التصحيح.

يقول في صفحة (6): «... فإذاً إنّ السبب الأساسي في الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرى ليس هو موضوع الخلافة، بل هو موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين وتجريحهم إيّاهم، الأمر الذي لا نجده عند الشيعة الزيدية وبعض الفرق الأخرى، ولو إكتفت الشيعة الإمامية بسلوك الزيدية لقلّت الخلافات ولضاقت مساحة الشقاق، ولكن الشيعة الإمامية وقعت في الخلفاء الراشدين تجريحاً وإنتقاصاً فكانت الفتنة».

أقول: أمّا قوله، «إنّ السبب الأساسي في الخلاف.... إلى قوله: بل هو موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين وتجريحهم...». فعلى فرض صحته، فإنّ موقف الشيعة من الخلفاء متفرّع على موضوع الخلافة وموقفهم منها، ولما كان من الثابت بنصوص لا تقبل التأويل على خلافة الإمام علي بن أبي طالب، فمن الطبيعي أن يدافعوا عن هذا الحقّ لئلا يكونوا مقصّرين ومخالفين للثابت من دين الإسلام، ومن الواضح أنّ كل مؤمن برسالة النبي (ص) يلزمه التصديق بما يقول، وعلى هذا، فإنّ الخلاف المزعوم إذا كان قائماً على الأدلّة لا يوجب فرقة بين


المتخالفين - إن أرادوا الحقّ - وإنّما يوجب الائتلاف، إذا رأي الطرف المخالف أنّ الدليل مع الآخر، وهذا ما قام به الشيعة منذ نشأتهم حتى كتابة هذه السطور، وذلك لإظهار المعالم العامة للخلافة الإسلامية بنصوص اعتمدوها من مصادر غير شيعية، وهذه النصوص متفق على صحتها، لذا يلزم الإيمان بها والتسليم بمداليلها. ومن أجل ذلك كان الوازع الداخلي يملي على الشيعة تبعاً لتعاليم الإسلام إظهار كل أمر جاء به القرآن ونطق به الرسول (ص).

وأمّا قوله: «هو موقف الشيعة من الخلفاء وتجريحهم...» فكان اللازم من الدكتور الموسوي أن يذكر ولو عالماً من علماء الشيعة طعن في الخلفاء، أو نال منهم بألفاظ خارجة عن الأخلاق الإسلامية، وكل ما هو موجود في كتب الشيعة التي طعن بها الدكتور، أنّ الخلافة ثابتة للإمام علي بنصوص شرعية لا حقّ لغيره بها، ولأجل ذلك كان تحامله على الشيعة.

يقول في صفحة (6): «و قد كنت أدعو الله في آناء الليل وأطراف النهار أن يلهمني العلم والبصيرة ويمنحني القوّة والتوفيق لأداء رسالة التصحيح التي كنت أصبوا «هكذا مكتوبة» إليها منذ سنين الشباب «هكذا مكتوبة» فكانت تلك الدعوات الصالحات هي كتابي هذا «الشيعة والتصحيح» الصراع بين الشيعة والتشيع الذي أقدمه اليوم إلى الشيعة في كل زمان ومكان».

أقول:أمّا قوله «و قد كنت أدعو الله...». فالظاهر


من رسالته التصحيحية، أنّه كان يلجأ إلى غير الله في دعوته التصحيحية المزعومة، بدافع من الحقد على الإسلام، ومحاولة تغيير ما هو الثابت من دين النبي (ص)، فأي تصحيح كان الدكتور يدعو الله لإنجازه في رسالته هذه، تحريمه للزواج المؤقّت الثابت عند جميع المسلمين، أم إنكاره للتقيّة، أم غير ذلك من الأحكام الثابتة بالضرورة من دين المسلمين؟ فهل ألهمه الله العلم والبصيرة لتغيير دينه وإنكار أحكامه، أم أنّ قرينه دفعه إلى ذلك؟ وهل يلهم الله الجاهلين بأبسط القواعد النحوية، البصيرة، للتنقص من شيعة أميرالمؤمنين، أم أنّ دعواته الصالحات كانت وبالاً على الإسلام والمسلمين، فأنتجت كتابه «الشيعة والتصحيح» وسيظل وبالاً عليه إلى قيام يوم الدين؟

يقول في صفحة (6)، (7): «إنّها صرخة لله ولاستيقاظ الشيعة من نوم عميق دام ألف ومائتي عام، إنّها قصة الصراع المرير بين المسلمين حتى يومنا هذا، إنّه نداء العقل والإيمان إلى الشيعة كي تنفض عن نفسها غبار السنين وتثور ثورة لا هوادة فيها ولا إنتظار على تلك الزعامات المذهبية التي سببت لها هذا التخلّف الكبير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية...».

أقول: إنّ نظرة فاحصة إلى هذه الفقرات، ترينا أنّ الدكتور الموسوي يحاول في كتابه هذا، فصل الشيعة عن قيادتها وزعامتها المتمثلة في علمائها الأعلام، وبالتالي يتمكن أعداء الإسلام من الانقضاض عليه وتهديم معالمه، وجعله طعمة سائغة للذئاب الكواسر من أعدائه، وهذا ما حصل مع جدّه الثائر ضد الاستعمار


الإنكليزي في ثورة العشرين. فقد رأى الإنكليز أنّه لا خلاص لهم من هذه الثورة العارمة التي قادها السيد أبوالحسن مع بقيّة إخوانه من المجتهدين، إلّا بفصل الشيعة عن قيادتها، وهذه الفكرة - فكرة فصل الشيعة عن قيادتها - تبنّاها الدكتور الموسوي، مخالفاً بذلك كل المعايير والقيم الإنسانية والدينية التي سار عليها أجداده من قبل.

بالإضافة إلى ذلك، فقد خفي على الدكتور الموسوي، أنّ الشيعة منذ أكثر من ألف عام، بل منذ نشأتهم، قد نفضوا عنهم غبار الهوان والطاعة للسلطان، إمتثالاً لما يمليه عليهم العقل والإيمان، حتى وجدوا بعد البرهان، أنّ الرشد بالتمسك بالذين أمرهم الرسول بالتمسك بهم، وامتثال أوامرهم، وأن لا يحيدوا عنهم، فهم حماة الدين، والحافظون له، وهكذا الزعامات المؤمنة المخلصة من علماء آل بيت الرسول وحافظي علومهم والمدافعين عن حقوقهم، لاتثنيهم صراخات الصارخين ولا عواء العاوين، فهذا تاريخ الشيعة وعلمائهم من القديم والحديث، لم يهادنوا ظالماً، ولن يدعوا إلى باطل حتى سملت منهم العيون، وقطعت الأيدي والأرجل وصلبوا على جذوع النخيل، وهدمت عليهم السجون، كل ذلك لأنّ الحقّ دينهم، والإسلام رائدهم، والقرآن منهجهم، والعلم غايتهم، وتحرير الناس من العبودية سبيلهم والدعوة إلى الحقّ والهدى هدفهم، فلاقوا من الذلّ والهوان ما لاقوا طيلة وجودهم على هذه البسيطة، ولا ذنب لهم سوى حبّهم وتمسكهم بآل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي، فلم ينثنوا في القديم عن حبّهم وولائهم مع ما لا قوه، فهل يستطيع الدكتور موسى الموسوي


بتصحيحه هذا أن يثني شيعة أمير المؤمنين عن التمسك بدين الإسلام، ومحاربة علمائه الأعلام، وهم أسرع الناس تلبية لأقوالهم وامتثالاً لأوامرهم طاعةً منهم لربّهم، إلّا من شذّ منهم وخرج عن تعاليمهم وسلك غير طريقهم. فأي صرخة إذن كانت لله، يعرفها المثقف الواعي من الشيعة وأهل السنّة. هذا ما جاء في مقدمة الكتاب بينّاه للقارئ ليكون على علم من أنّ الرجل يحاول الوقيعة بين المسلمين.



الإمامة والخلافة

إنّ فكرة الخلافة والإمامة هي نقطة الخلاف بين الشيعة وأهل السنة منذ القديم، وبقيت حتى يومنا هذا. ومن هنا نلقي الضوء على ما جاء في كتاب الشيعة والتصحيح حول الخلافة، معتمدين على ما ثبت صحته عند المسلمين جميعاً ليكون أقرب إلى الاستدلال بعيداً عن الأهواء الأحقاد التي ملأ الدكتور الموسوي كتابة بها.

يقول في صفحة (9) «ولكي نضع النقاط على الحروف في رسالتنا الإصلاحية لا بدّ من طرح الأفكار بصورتها الحقيقية ومن ثم إراءة الطريق لكي يكون القارئ على بيّنة من أمره».

أقول: إنّ وضع النقاط على الحروف للمصلح الداعي إلى التصحيح، شرطه، معرفة الوضع، فإذا كان لا يعرف كيف يضع النقاط على الحروف، فمن طريق أولى أنّه لا يعرف طرح الأفكار بصورتها الحقيقية، فكيف يستطيع معرفة الأفكار الصحيحة من غير الصحيحة، من لا يفرّق بين أبسط القضايا البديهية؟ وهل يستطيع أن يعطي الاراءة من في حاجة إلى الاراءة؟ ودليلنا على ذلك قوله في أول سطر من نفس الصفحة: «كلما تعمّقت في الشيعة


والتشيع وعقائد الإمامية....». فالتعمّق لا يكون في الشيعة، وإنّما يكون التعمّق في عقائد الشيعة، فلو قيل - كما مر - أنّ مقصوده عقائد الشيعة، فإنّه يقال: «يبطله قوله بعد ذلك: وعقائد الشيعة». و لهذا يظهر بطلان قوله: «و من ثم إراءة الطريق لكي يكون القارئ على بيّنة من أمره».

يقول في صفحة (9)، (10): «الإمامة هي الحجر الأساسي في المذهب الشيعي الإمامي... ومنها يتفرّع كل ما هو مثار للجدل والنقاش مع الفرق الإسلامية الأخرى. فالشيعة الإمامية تعتقد أنّ الخلافة في علي بعد رسول الله (ص). و من بعد علي في أولاده حتى الإمام الثاني عشر.... أما الفرق الإسلامية الأخرى، فترى أنّ الرسول الكريم (ص) ذهب إلى الرفيق الأعلى ولم يستخلف أحداً من بعده بل جعل الأمر شورى بين المسلمين....».

ويقول في صفحة (15)، (16): «إنّ المتتبع المنصف للروايات التي جاء بها رواة الشيعة في الكتب التي ألفوها بين القرن الرابع والخامس الهجري يصل إلى نتيجة محزنة جداً وهي أنّ الجهد الذي بذله بعض رواة الشيعة في الإساءة إلى الإسلام لهو جهد يعادل السموات والأرض من ثقله. ويخيل إليّ أنّ أولئك لم يقصدوا من رواياتهم ترسيخ عقائد الشيعة في القلوب بل قصدوا منها الإساءة إلى الإسلام وكل ما يتصل بالإسلام. وعندما نمعن النظر في الروايات التي رووها عن أئمة الشيعة وفي الأحاديث التي نشروها في الخلافة وفي تجريحهم لكل صحابة الرسول (ص)... لكي يثبتوا أحقّية علي وأهل بيته بالخلافة...».


أقول : أمّا قوله، «الإمامة هي الحجر الأساسي في المذهب الشيعي...» فهو سوء فهم وعدم معرفة بآراء الفرق الإسلامية الأخرى، مع ادّعائه الأستاذية في التشريع الإسلامي.

فالإمامة والخلافة هي الحجر الأساسي عند جميع الفرق الإسلامية، بل عند جميع العقلاء، إلّا الدكتور موسى الموسوي، أليس في الإمامة والخلافة تقام معالم الإسلام ويعرف الحلال والحرام، وتقام الحدود، وتدرأ المفاسد؟ إلّا إذا أراد الدكتور عدم إقامة معالم الإسلام، ولا يهمه معرفة الحلال والحرام، وإرادة نشر المفاسد في الأنام، فيكون الحقّ حينئذٍ مع الشيعة في قولهم: إنّ الإمامة والخلافة هي الحجر الأساسي في الإسلام.

وأمّا قوله: «فالشيعة تعتقد أنّ الخلافة في علي...» وذلك بمقتضى الأدلّة الثابتة عند الفريقين - كما سنشير إليها - فالدكتور نفى ما هو الثابت، إرضاء للمصلحة التي تعود عليه بالنفع، وإن كان على حساب دينه، فهو باع دينه بدنيا غيره، فخسر الدنيا واللآخرة، ذلك هو الخسران المبين. ولهذا نراه يقول بلا خجل أو حياء: «و يخيّل إليّ أنّ أولئك لم يقصدوا من رواياتهم ترسيخ عقائد الشيعة في القلوب، بل قصدوا منها الإساءة إلى الإسلام» فالإساءة إلى الإسلام هي بإنكار ما ورد عن الصادق الأمين، وتكذيب ما جاء في الصحاح من كتب الفريقين، بل بما أجمع عليه المسلمون. فادّعاء الدكتور أنّ الروايات التي رواها علماء الشيعة والتي تتعلّق بالخلافة، ما هي إلّا من الموضوعات التي وضعها رواة الشيعة وذلك في قوله كما في صفحة (16):


»و إنّني لا أشكّ أنّ بعضاً من رواة الشيعة ومحدثيها ومن ورائهم بعض فقهاء الشيعة قد أمعنوا في هذا التطاول على ائمة الشيعة وفي وضع روايات عنهم....». ويقول أيضاً: «ولكي أكون واضحاً أود أن أضع النقاط على الحروف وأبدأ بالخلافة لكي نرى أنّ ما رووه.....».

هذا ما يقوله الدكتور الموسوي في إنكاره للروايات الدالة على خلافة الإمام علي، وأنّ ما رواه رواة الشيعة في حقّ الأئمة من آل البيت ما هو إلّا من وضعهم وافترائهم. ونحن نتعرّض لما جاء في المصادر والكتب الدالّة على وجود النصّ من غير الشيعة ورواتهم، ليظهر للقارئ الكريم افتراء الدكتور الموسوي على علماء الشيعة ورواتهم. ذاكرين الروايات المجمع عليها عند الفريقين، معتمدين في ذلك على ما جاء في كتب أهل السنة، ونتناول النصوص التالية:

آية الإنذار أو الدار، آية الولاية، آية المودّة، آية التطهير، حديث المنزلة والوصية، حديث الغدير، حديث الثقلين والسفينة، حديث الدواة والقرطاس.


ما جاء في كتب أهل السنة من النصوص على خلافة الإمام علي (ع)

النص الأول: آية الإنذار أو الدار

قال تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) .

من الآيات التي يستند عليها الشيعة في إثبات الوصية والنصّ لعلي بن أبي طالب(عليه‌السلام ) آية الإنذار. فقد أخرج الطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل، في حديث طويل عن علي بن أبي طالب، وذلك عندما نزلت الآية:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) قول رسول الله (ص) «.... و قد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت:.... أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع»(1) .

__________________

(1) تاريخ الطبري: ح2ص320، 321 - 1962 القاهره. و ايضاً ابن اللأثير: الكامل =


إذا نظرنا إلى هذا الحديث، نجد أنّ النبي (ص) جعل الوصاية والخلافة للذي يؤازره على أمر الرسالة، ولم يؤازره على هذا الأمر غير الإمام علي، فتثبت بمقتضي ذلك وصايته وخلافته.

ولما كان أهل البيت أفضل من غيرهم بمقتضي قوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) فإذا ثبتت الخلافة والوصاية للإمام علي على هؤلاء الذين أمر الله سبحانه المسلمين بمودّتهم ومحبّتهم لفضيلتهم على غيرهم، فمن طريق أولى أن تثبت خلافة الإمام علي على المسلمين كافة. وهذا مصداق ما رواه الشهرستاني:

«... ثم قال: من الذي يبايعني على روحه وهو وصيي ووليي هذا الأمر من بعدي؟ فلم يبايعه أحد حتى مدّ أميرالمؤمنين علي (رض) يده إليه فبايعه على روحه ووفى بذلك، حتى كانت قريش تعيّر أبا طالب أنّه أمر عليك ابنك...»(1) . و هذا الحديث الذي يدل على الوصاية من النبي (ص) لعلي (ع) قد أخرجه أصحاب التفسير من علماء السنة ورواتهم منهم: أبوالحسن النيسابوري في أسباب النزول(2) ، والقندوزي في ينابيع المودة(3) ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة(4) ، والامام أحمد في المسند(5) ،

__________________

= في التاريخ - ح 2 - ص 41، 42، 1980 - ط 3 - بيروت.

(1) الشهرستاني: الملل والنحل - ح 1 ص 163.

(2) النيسابوري: أسباب النزول - ص 148.

(3) القندوزي: ينابيع المودة - ح 1 - ص 104.

(4) ابن حجر العسقلاني: الإصابة - ح 4 - ص 568.

(5) الإمام أحمد: المسند - ح 1 - ص 111.


والمحب الطبري في الرياض النضرة(1) ، وابن كثير في تفسيره(2) ، وغير هؤلاء من علماء السنة وحفاظهم(3) .

يقول الدكتور علي سامي النشّار: «رأى الشيعة في حديث الدار الذي ورد بصيغ مختلفة سنداً كبيراً لفكرتهم في النصّ الجلي على إمامة على بن أبي طالب وخلافته بعد رسول الله (ص). و قد اختلف أهل السنّة والجماعة في صحّة هذا الحديث، فبينما ذهب إلى صحّته البعض جرحه البعض الآخر، ولكن أهل السنّة والجماعة لم يروا فيه على الإطلاق مساساً بخلافة أبي بكر»(4) . وهذا اعتراف بصحّة الحديث، أمّا من جرحه فهو كمن ينكر وجود هذه النصوص المستفيضة الواردة في كتب علماء السنّة.

و يرى الدكتور حسن عباس أنّه لما ثبت استناداً إلى هذا الحديث أنّ الرسول (ص) عيّن الإمام عليّاً خليفته من بعده بقوله: هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي بعدي وذلك في أول البعثة، ولم يرد ما ينفي هذه الوصية أثناء حياة الرسول في أي مرجع من المراجع، لذلك ينبغي الأخذ به والحكم بخلافة الإمام بعد وفاته (ص)، حتى لو فرضنا جدلاً أنّ الرسول (ص) لم يترك حين وفاته

__________________

(1) المحب الطبري: الرياض النصرة-2ح-ص168.

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح2-ص350-351.

(3) أنظر مع محمد القزويني: أصول المعارف ص87، 88. وأيضاً عبد الحسين شرف الدين: المرجعات-ص131، 132.

(4) حسن عباس حسن: الصياغة المنطقية-ص337.


وفاته أيّة وصيّة عن خلافته كما ورد في بحوث البعض من أهل السنّة ومؤلفاتهم(1) .

النص الثاني: آية الولاية

قال تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2) .

من النصوص الصريحة على وجود النصّ على خلافة الإمام علي (عليه‌السلام ) قوله تعالى: «إنّما وليّكم... الآية». فهي تدل على أنّ الولاية المطلقة لله سبحانه، فهو المتصرف بشؤون عباده، ولما كان العطف في اللغة يفيد المشاركة في الحكم، فإنّ هذه الولاية بمقتضى هذا العطف تكون للنبي (ص). و ليس المراد من الولاية هنا كما توهمه البعض، الأولى، أو المحب، لعدم إستقامة ذلك بالنسبة لله سبحانه، وذلك بمقتضى العطف وإذا ثبت ذلك، فيكون معناها المتصرف في شؤون الغير، وهي الإمامة والخلافة المطلقة، فتكون ثابتة بمقتضى هذه الآية في الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. وهذه الآية نزلت في الإمام علي باتفاق أهل السنّة والشيعة، فهو المجمع عليه دون سواه.

فلو قيل: كيف يدّعى نزولها في الإمام علي وقد جاءت بصيغة

__________________

)1) نفس المصدر: ص337.

) 2) سورة المائدة: الآية 55.


الجمع؟ فإنّه يقال: أولاً: فمن المجمع عليه عند المسلمين أنّ الخلافة والإمامة لا تنعقد إلّا لشخص واحد، في وقت واحد، فلا يجوز أن يكون هناك إمامان في وقت واحد، لاستلزامه الفساد، ومجيء الآية بصيغة الجمع للتعظيم وهذا كثير في لغة العرب.

وثانياً: مما يدل على أنّ الآية نزلت في الإمام علي دون سواه، قوله تعالى:( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ومن الواضح أنّ المؤمنين إذا أرادوا إعطاء الزكاة، لا يعطونها أثناء الركوع، كما أنّه ليس كل المؤمنين يعطون الزكاة، وإنّما المعطي للزكاة من وجبت عليه الزكاة بالوجوب الفعلي، وعلى هذا فلآية لا تشير إلا لمن نزلت في حقّ من تصدّق وهو راكع أثناء الصلاة.

وثالثاً: إنّما أداة تفيد الحصر، فتكون الولاية محصورة أولاً بالله سبحانه، ثم رسوله (ص) ومن بعده الإمام علي. ومن هنا تثبت الإمامة والخلافة بهذا النصّ القرآني. ولهذا نقدم جملة من الشواهد الدالة على نزول الآية في الإمام علي من المصادر السنّية لتكون أقرب إلى الاستدلال والقبول.

يقول الزمخشري في كشافه: «و إنّها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح خاتمه كأنّه كان مرجاً في خنضره فلم يتكلّف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته»(1) .

__________________

(1) الزمخشري: الكشّاف-ح1 ص347.


وفي تفسير القرآن العظيم لابن كثير: «... إنّما وليّكم الله.... الآية» عن غالب بن عبدالله سمعت مجاهداً يقول في قوله: «إنّما وليّكم الله ورسوله... الآية» نزلت في علي بن أبي طالب؛ تصدق وهو راكع، وقال عبد الرزاق، حدثنا عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله: إنّما وليّكم الله ورسوله.... نزلت في علي بن أبي طالب.

وروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري عن أبي سنان عن الضحّاك عن ابن عباس قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي فمرّ سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه فنزلت «إنّما وليّكم الله ورسوله...»(1) .

وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: «إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا...» قال ابن عباس: نزلت في علي بن أبي طالب (رض)، وقاله مجاهد والسدي، وحملهم على ذلك قوله تعالى: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وهي:

المسألة الثانية، وذلك أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله (ص) فلم يعطه أحد شيئاً، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه...»(2) .

وفي شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: عن ابن

__________________

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح2 ص71.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح6 ص221.


عباس.... قال نزلت في علي بن أبي طالب....» وفي رواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: «إنّما وليّكم الله ورسوله... إلى قوله: وذلك أنّ رسول الله (ص) صلى يوماً بأصحابه صلاة الظهر وانصرف هو وأصحابه فلم يبق في المسجد غير علي قائماً يصلّي بين الظهر والعصر إذ دخل عليه فقير من فقراء المسلمين، فلم ير في المسجد أحداً خلا عليّاً... إلى قوله: فنزعه ودعا له، ومضى، وهبط جبرئيل فقال النبي (ص) لعلي: لقد باهى الله بك ملائكته اليوم، إقرأ «أنّما وليّكم الله ورسوله...»(1) .

وعن أنس: أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الوفي الملي؟ وعلي (ع) راكع....» إلى غير ذلك من الروايات التي أخرجها الحسكاني في شواهد التنزيل وبطرق مختلفة(2) .

هذا وقد أخرج نزول هذه الآية أكثر المفسّرين منهم: الحاكم النيسابوري في أسباب النزول(3) ، والسيوطي في الدر المنثور(4) ، والفخر الرازي في تفسيره الكبير(5) ، وغير هؤلاء من مفسّري أهل السنّة.

هذا وقد أخرج الآية المذكورة في الإمام علي حفّاظ أهل السنّة

__________________

(1) الحاكم الحسكاني: شواهد التنزيل-ح1-ص161 وما بعدها.

(2) نفس المصدر: ص165.

(3) أبوالحسن النيسابوري:أسباب النزول-ص132-133.

(4) السيوطي: الدر المنثور-ح2-ص293-294.

(5) الفخر الرازي: التفسير الكبير-ح3-ص417.


ورواتهم، نذكر نبذة منهم على سبيل المثال:

ففي المناقب لابن المغازلي عن ابن عباس في قوله تعالى: «إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا» قال: «نزلت في علي....». و في رواية عن علي (ع) في قوله عزّ وجل «إنّما وليّكم...» قال: الله ورسوله، والذين آمنوا: علي بن أبي طالب. وفي رواية عن أبي عيسى عن ابن عباس قال:مرّ سائل بالنبي (ص) وفي يده خاتم، فقال: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع؛ وكان علي يصلي، فقال النبي (ص): الحمدلله الذي جعلها فيّ وفي أهل بيتي «إنّما وليّكم الله ورسوله...»(1) .

وفي الرياض النضرة للمحب الطبري عن عبدالله بن سلام قال: أذّن بلال بصلاة الظهر، فقام الناس يصلّون، فمن بين راكع وساجد وسائل يسأل فأعطاه علي خاتمه وهو راكع فأخبر السائل رسول الله (ص) فقرأ علينا رسول الله (ص) «إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا...» الآية(2) .

وفي ذخائر العقبى في ذكر ما نزل فيه من الآي فوله تعالى: «إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا» نزلت فيه(3) .

وذكر الثعلبي القصة مسندة إلى أبي ذرّ الغفاري فقال: صلّيت يوماً صلاة الظهر في المسجد ورسول الله (ص) حاضر، فقام سائل

____________________

(1) ابن المغازلي: المناقب-ص193-194.

(2) المحب الطبري: الرياض النضرة-ح3-ص208.

(3) المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص88.


فسأل فلم يعطه أحد شيئاً قال: وكان علي (ع) قد ركع فأوحى إلى السائل بخنصره فأخذ الخاتم من خنصره، والنبي (ص) يعاين ذلك، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنّ أخي موسى سألك، فقال: ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري الآية إلى قوله.. وأشركه في أمري، فأنزل عليه قرآناً ناطقاً سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما. اللهم وأنا محمد صفيّك ونبيّك فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به أزري أو قال ظهري، قال أبوذر: فوالله ما استتم رسول الله (ص) الكلمة حتى نزل جبريل (ع) من عند الله تعالى، فقال: يا محمد إقرأ: إنّما وليّكم الله ورسوله والذين أمنوا إلى قوله.. وهم راكعون.... قال حسان بن ثابت:

أبا حسن تفديك روحي ومهجتي

وكل بطيء في الهوى ومسارع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً

فدتك نفوس الخلق يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيد

ويا خير شارٍ ثم ياخير بايع

فأنزل فيك الله خير ولاية

وبينها في محكمات الشرايع(1)

____________________

(1) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص16،15. وأيضاً القندوزي: ينابيع المودة -ح1-ص62. اط


النص الثالث: آية المودة

قال تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) .

من الآيات الدّالة على وجود النصّ آية المودة، يقول الدكتور محمد عمارة: «و آية أخرى يتعلق بها الشيعة في محاولة تمييز أهل البيت - كما يتصورونهم - وهي قول الله سبحانه: «قل لا أسألكم عليه أجراً....» فهم يرون أنّ «القربى» هم أقرباء النبي وأهل بيته: علي وفاطمة والحسن والحسين... و أنّ مودّتهم هي التسليم لهم بالإمامة دون غيرهم.. ثم يقول: أمّا غير الشيعة، معتزلة وأهل سنّة فيرون أنّ ذلك غير مراد بالآية.... وهي نزلت عندما أذى المشركون من قريش رسول الله، فذكرهم بما له من وشائج القربى في كل بطون قريش...»(2) .

أقول : ليت الدكتور عمارة رجع إلى تفاسير علماء أهل السنّة وحفّاظهم، ليرى معنى القربى، كما يرى فيمن نزلت هذه الآية، ونحن نربأ بالدكتور أن يذهب إلى القول: بأنّ الآية نزلت عندما آذى المشركون من قريش رسول الله (ص) فذكرهم بما له من وشائج القربى، وقد فات الدكتور عمارة، وغيره، أنّ كل صلة قد انقطعت بين رسول الله (ص) وبين المشركين، ولو كانوا من أقرب قرباه (ص)، ولهذا نفى الله سبحانه النبوّة عن ابن نوح (ع) عندما

____________________

(1) سورة الشوري: الآية 23.

(2) محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم- ص 351.


عصى أباه بقوله: «... إنه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح...» وعلى هذا لا يمكن حمل الآية على المعنى الذي ذهب إليه الدكتور محمد عمارة، لأنّه يوجب طلب المستحيل من المشركين، وهل يعقل أن يطلب النبي (ص) الأجر ممن يريدون القضاء عليه وعلى دعوته بعد أن سفّه أحلامهم وعاب آلهتهم، وكيف يصحّ من الدكتور أن يذهب هذا المذهب المخالف لصريح القرآن في قوله تعالى: «لا تجد قوماً يؤمنون بالله وباليوم الآخر يوادّون من حادّه الله ورسوله ولو كانوا آباءهم...» وأي علاقة بين المشركين وبين رسول الله (ص) من علائق القربى وقد حكم سبحانه على المشركين بالنجس في قوله:إنّما المشركون نجس. ولهذا يتعيّن المعنى الثاني من الآية الكريمة، وأنّ المراد من القربى هم أقرباء النبي وأهل بيته: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام ). و أنّ مودّتهم هي التسليم لهم بالإمامة دون غيرهم وذلك بمقتضى البرهان التالي:

إنّ مودّة أهل البيت واجبة بمقتضى الآية الكريمة، وكل من وجبت مودّته وجبت طاعته بمقتضى قوله تعالى: «إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني...». وعلى هذا نقول: إذا ثبت وجوب المودّة، ثبت وجوب الطاعة، ومن وجبت طاعته وجبت إمامته، فيتكوّن عندنا البرهان التالي، وهو قياس من الشكل الأول:

من وجبت مودّته وجبت طاعته

وكل من وجبت طاعته وجبت إمامته


فالنتيجة:

من وجبت مودّته وجبت إمامة

أمّا دليل الصغرى فقوله تعالى: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى».

وأمّا دليل الكبرى: فقوله تعالى: «إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني...».

وهذا القياس منتج، لأنّ شروط الشكل الأول متوفرة فيه، وهي إيجاب الصغرى وكلية الكبرى. وعلى هذا يثبت النص على خلافة الإمام علي (عليه‌السلام ) وإليك ما جاء عن مفسّري أهل السنّة وحفّاظهم من أنّ آية المودّة نزلت في علي وفاطمة وابنيهما على سبيل المثال:

أمّا قول الدكتور عمارة: «أمّا غير الشيعة، معتزلة وأهل سنّة فيرون أنّ ذلك غير مراد بالآية.... وهي نزلت عندما أذى المشركون من قريش رسول الله...» فقول باطل، وتفسير بالرأى، وهو مخالف لما جاء به الأثر عن المعتزلة وأهل السنّة.

أمّا المعتزلة، فهذا شيخهم الزمخشري في كشّافه قد فسّرها في علي وفاطمة والحسن والحسين حيث يقول: «إنّها لما نزلت، قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم، قال: علي وفاطمة وإبناهما»(1) .

____________________

(1) الزمخشري:الكشّاف-ح3-ص402.


وأما أهل السنّة، فقد خرجوها بطرق كثيرة منها ما نقله الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «لما نزلت: قل لا أسألكم عليه أجراً... الآية... قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداهما»(1) . و قد خرّجها بطرق مختلفة(2) . وفي ذلك يقول القرطبي في تفسيره: «و في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما أنزل الله عزّ وجل: «الآية»، قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين نودّهم؟ قال: «علي وفاطمة وأبناؤهما»(3) .

وفي أنوار التنزيل للبيضاوي: «روى أنّها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء، قال: علي وفاطمة وابناهما»(4) . و في تفسير غرايب القرآن للعلّامة القمي النيسابوري بهامش جامع البيان للطبري، عن سعيد بن جبير، لما نزلت هذه الآية: قل لا أسألكم عليه أجراً... ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم لقرابتك، فقال (ص):علي وفاطمة وابناهما»(5) .

وفي تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن، أنّه لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجراً... ، قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين

____________________

(1) (2) الحاكم النيسابوري: شواهد التنزيل-ح2-ص130 إلى 141.

(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح16-ص21-22.

(4) البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل-ص642.

(5) تفسير غرائب القرآن للقمي النيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري-ح25-ص35-ط2-1972.


وجبت علينا مودّتهم، قال: علي وفاطمة وابناهما»(1) . وقد خرّج هذه الآية أيضاً كل من الفخر الرازي في تفسيره(2) ، والطبري عن علي بن الحسين(3) ، وابن كثير(4) ، والسيوطي في الدر المنثور(5) ، وأبي العود(6) ، وغير هؤلاء من مفسّري أعلام أهل السنّة الذين نفى الدكتور عمارة، أن يكونوا قد فسّروا الآية بهؤلاء الذين ذكرناهم وهم: «علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام )».

وأمّا حفّاظ أهل السنّة فقد خرّجوها أيضاً بطرق كثيرة نكتفي بنبذة منهم ليرى الدكتور ومن ذهب مذهبه، أنّ الآية نزلت في أهل بيت النبوّة، فقد أخرج ابن المغازلي في المناقب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «لما نزلت: «قل لا أسألكم عليه أجراً...»، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودّتهم، قال: علي وفاطمة وولداهما»(7) .

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري عن ابن عباس قال: لما نزلت: قل لا أسألكم عليه أجراً... قالوا يا رسول الله من قرابتك

____________________

(1) تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن: ح4-ص101.

(2) الفخر الرازي: التفسير الكبير-ح27-ص165-166-167-طبعة مصر.

(3) الطبري: جامع البيان-ح25-ص25.

(4)ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح6-ص198-199.

(5)السيوطي: الدر المنثور-ح6-ص7.

(6)تفسير أبي العود ح8-ص30-طبعة بيروت-دار إحياء التراث العربي.

(7)ابن المغازلي: المناقب-ص191،192.


هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم، قال: علي وفاطمة وأبناهما...»(1) .. وقي الصواعق المحرقة مثله(2) .

يقول القندوزي: أخرج الحديث الطبراني في معجمه الكبير وأبن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المناقب والواحدي في الوسيط وأبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء والثعلبي في تفسيره والحمويني في فرائد السمطين.... إلى غير ذلك ممن خرج الحديث في هؤلاء الخمسة(3) .

هذه نبذة مما ورد في كتب أهل السنّة، من أنّ آية المودّة نزلت في خصوص علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام ). وعرفنا أنّ المودّة في الآية ليس معناها المحبة الصرفة، بل معناها الطاعة والانقياد والاتّباع، وإلّا فلا ميزة لهؤلاء على غيرهم إذا كانت المودّة بمعنى المحبة. وعلى هذا يثبت وجود النصّ.

النص الرابع: آية التطهير

قال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (4) .

ومن الآيات التي يستدل بها الشيعة على وجود النصّ، آية

____________________

(1) المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص25.

(2) ابن حجر الهيتمي:الصواعق المحرقة-ص227.

(3) القندوزي: ينابيع المودة-ح1-ص105.

(4) سورة الأحزاب: الآية 33.


التطهير، وذلك بناء على نظرية الجبر والاختيار لديهم، حيث يكون مفاد الآية، أنّ الله عزّ وجل لما كان عالماً بأنّ إرادة أهل البيت تجري دائماً على وفق ما شرّعه لهم من أحكام، فقد صحّ له سبحانه الإخبار عن ذاته المقدسة بأنّه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلّا إذهاب الرجس عنهم، ولما كانت إرادة الله سبحانه في تطهير أهل البيت من الرجس لم تكن بغير هدف، فالرسول (ص) من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وكان واجبه (ص) النبوّة، فمن البديهي أن تكون لبقية من نزلت في حقّهم آية التطهير واجبات مماثلة لواجبات الرسول (ص)(1) . وقد نزلت هذه الآية في رسول الله (ص) والإمام علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين (عليهم‌السلام ). بإجماع أهل السنّة والشيعة. و أمّا تفسير الآية بزوجات النبي (ص) فمما لا دليل عليه، بل الدليل خلافه، كما سوف يتّضح.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة، قالت: «خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرمّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً»(2) .

وروى ابن تيمية عن أم سلمة: «أنّ هذه الآية لما نزلت أدار

____________________

(1) محمد تقي الحكيم: الأصول العامة للفقه المقارن-ص151.

(2) صحيح مسلم:ح7-ص130.


النبي (ص) كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين (رض) فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»(1) .

يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «... و إن هذا شيء جرى في الأخبار أنّ النبي (عليه‌السلام ) لما نزلت عليه هذه الآية دعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين فعمد النبي (ص) إلى كساء، فلفّها عليهم، ثم ألوى بيده إلى السماء، فقال:اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا»(2) .

وفي ذلك يقول البيضاوي في تفسيره: «و تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله عنهم لما روي أنّه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرمل من شعر أسود...»(3) الحديث.

وفي تفسير القرآن العظيم لا بن كثير: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس... الآية.... عن أنس بن مالك (رض) قال: إنّ رسول الله (ص) كان يمرّ بباب فاطمة (رض) ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا». و قد أخرجها ابن كثير في تفسيره بطرق مختلفة(4) . و لهذا يقول ابن حجر في

____________________

(1) ابن تيمية: حقوق آل البيت-ص10-الجيزة-طبعة1981.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح14-ص184.

(3) البيضاوي: أنوار التنزيل-ص557.

(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح3-ص483-485.


صواعقه «انّ أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين»(1) .

وفي أسباب النزول للواحدي النيسابوري عن أبي سعيد، إنّما يريد الله... الآية... قال:نزلت في خمسة، في النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام(2) .

وعن أم سلمة قالت: إنّ النبي (ص) جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. فقالت أم سلمة وأنا معهم يا رسول الله، قال: إنّك إلى خير. أخرجه الترمذي، وقال:هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب...»(3) .

وفي الخصائص للنسائي في حديث صحيح عن سعد بن أبي وقّاص قال: «أمر معاوية سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ قال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله (ص) فلن أسبّه..... و لما نزلت: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي»(4) .

وفي الكشاف للزمخشري عن أم المؤمنين عايشة: «.... أنّ

____________________

(1) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص141.

(2) أبو الحسن النيسابوري: أسباب النزول-ص239.

(3) القندوزي: ينابيع المودة-ح1-ص54.

4) النسائي: الخصائص-ص9.


رسول الله (ص) خرج وعليه مرط مرمل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت....»(1) .

يقول ابن حجر الهيتمي في صواعقه: «و صحّ أنّه (ص) جعل على هؤلاء كساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي-أي خاصتي-أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة وأنا معهم، قال: إنّك على خير»(2) .

وعن أم المؤمنين عائشة، قالت لابن عمّ لها حينما سألها عن علي (رض): فقالت (رض): تسألني عن رجل كان من أحبّ الناس إلى رسول الله (ص) وكانت تحته ابنته وأحبّ الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله (ص) دعا عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (ض) فألقى عليهم ثوباً فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» قالت: فدنوت منهم، فقلت: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك؟ فقال (ص): تنحّي فإنّك على خير»(3) .

و في المسند للإمام أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك: «أنّ النبي (ص) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر،

____________________

(1) الزمخشري: الكشّاف-ح1-ص193.

(2) ابن حجر الهيتمي:الصواعق المحرقة-ص143.

(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح3-ص485-486.


فيقول: الصلاة يا أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا»(1) . و في رواية أخرى عن أنس أيضاً: «أنّ رسول الله (ص) كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة....»(2) الحديث. و قد أخرج هذا الحديث أيضاً البلاذري في أنساب الأشراف(3) . و البيهقي في كتابه الاعتقاد(4) .

وأخرج الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك في حديث صحيح عن ابن عباس قال: «... و أخذ رسول الله (ص) ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين وقال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الآية.... صحيح». يقول الحاكم في مستدركه هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه»(5) ومن هنا يعلم أنّ المراد من أهل البيت، هم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم‌السلام ).

وفي المناقب لا بن المغازلي عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة تقول: بينما رسول الله (ص) جالساً عندي، فأرسل إلى الحسن والحسين وفاطمة وعلي صلوات الله عليهم قال: فانتزع كساء تحتي فألقاه عليه وعليهم وقال: «اللهم إنّ هؤلاء أهل بيتي أذهب

____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح3-ص259. ط 1983.

(2) نفس المصدر: ص285.

(3) البلاذري: أنساب الأشراف-ص104.

(4) البيهقي:الاعتقاد على مذهب السلف-ص186.

(5) أنظر المستدرك للحاكم وبهامشه تلخيص الحافظ الذهبي-ح3-ص132-133.


عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا» مراراً، قالت: قلت: وأنا معهم؟ قال: إنّك على خير - أو إلى خير»(1) . وفي رواية أخرى عن أم سلمة، أنّ النبي (ص) كان في بيتها على منامة تحته كساء خيبري فجاءت فاطمة صلوات الله عليها ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله (ص) ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي (ص): «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا». فأخذ النبي (ص) بفضلة الكساء فغطّاهم ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا»(2) .

وعن أبي عمّار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم يذكرون عليّاً فقال لي واثلة: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله (ص)؟ قلت: بلى، قال، أتيت فاطمة (ع) فسألتها عن علي فقالت، توّجه إلى رسول الله (ص) فجلست أنتظره، فجاء رسول الله (ص) وعلي معه فدخل معهم البيت فأدنى عليّاً وفاطمة فأجلس واحداً عن يمينه والآخر عن يساره ودعا بالحسن والحسين، فأجلس كل واحد منهما على فخذه ثم قال: «إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا» اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ»(3) .

____________________

(1) ابن المغازلي:المناقب-ص189.

(2) نفس المصدر: ص189.

(3) نفس المصدر: ص190.


وأخرج المحب الطبري في ذخائر العقبى عن ام سلمة: «ان رسول الله (ص) قال لفاطمة إئتي بزوجك وابنيك، فجاءت بهم وأكفأ عليهم كساء فدكياً ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إنّ هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنّك حميد مجيد، قالت أم سلمة فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه رسول الله (ص) وقال إنّك على خير» وقد أخرج المحب الطبري نزول هذه الآية في هؤلاء من طرق كثيرة(1) . ولهذا روي عن أبي سعيد الخدري في بيان أهل البيت المشار إليهم في الآية: «إنّما يريد الله...» قال: نزلت في خمسة في رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين(2) وكان (ص) يمرّ بباب فاطمة ويتلو هذه الآية، عن أنس بن مالك (رض) أنّ رسول الله (ص) كان يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول الصلاة يا أهل البيت «إنّما يريد الله...» الآية(3) .

يقول ابن تيمية: «و لما بين سبحانه أنّه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطّهرهم تطهيرا، دعا النبي (ص) لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به وهم علي، وفاطمة، رضي الله عنهما، وسيدي شباب أهل الجنة، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى بكمال دعاء النبي (ص) فكان ذلك ما دلنا

____________________

(1) المحبّ الطبري: ذخائر العقبى-ص21.

(2) نفس المصدر: ص24.

(3) المصدر السابق:ص24.


على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله»(1) .

يقول الدكتور أحمد صبحي معلقاً على آية التطهير: «و هذا التفسير يفيد أنّ آل البيت بيت النبي هم المقصودون من لفظ القربى في الآية.... إذ أنّ ابن تيمية مع تطرفه في معارضة تفسيرات الشيعة، قد سلّم أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي (ص) قد خطب يوم غديرخم فقال: أذكركم في أهل بيتي قالها ثلاثاً»(2) .

أقول : هذا ما جاء عن حفّاظ أهل السنّة وثقاتهم من نزول الآية في رسول الله (ص) وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، (عليهم‌السلام )، فتخصيص النبي هؤلاء بالخصوص من دون جميع المسلمين وفيهم أقرباؤه، لدليل واضح على تهيئة الجوّ لهم لاستلام الخلافة من بعده، وتنبيه المسلمين على أنّ هؤلاء هم الصفوة التي ينبغي أن يسند إليهم قيادة المسلمين. ولهذا يقول العلّامة المناوي في فيض القدير في شرح الجامع الصغير للعلّامة السيوطي في حديث صحيح، «... أهل بيتي: تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا...»(3) . ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم، «و لما نزلت هذه الآية، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... دعا رسول الله (ص) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء

____________________

(1) ابن تيمية: حقوق آل البيت-ص12.

(2) أحمد صبحي: نظرية الإمامة-ص184.

(3) العلّامة المناوي: فيض القدير-ح3-ص14-15.


أهلي»(1) .

وفي المسند للإمام أحمد عن سعد بن أبي وقّاص قال: سمعت رسول الله (ص) يقول. ولما نزلت هذه الآية: قل تعالوا ندع أبناءنا... دعا رسول الله (ص) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضوان الله عليهم أجمعين، فقال اللهم هؤلاء أهلي»(2) . و قد أخرج هذه الآية في هؤلاء جمع من حفّاظ أهل السنّة ورواتهم(3) .

النص الخامس: حديث المنزلة والوصية

قال رسول الله (ص) لعلي: «أَمَا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي».

ومن النصوص الجليّة الدّالة على وجود النصّ، ما يرويه علماء أهل السنّة وحملة الآثار وهو حديث المنزلة وأحاديث الوصية

____________________

(1) صحيح مسلم:ح7-ص120، 121.

(2) الإمام أحمد: المسند-ح1-ص185-ط1983.

(3) أنظر ابن حجر العسقلاني: الإصابة-ح4-ص569. وأيضاً علي بن علي الحنفي: مختصر العقيدة الطحاوية-ص301. وأيضاً القندوزي: ينابيع المودّة -ح2-ص56. وأيضاً القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح4 ص104. والزمخشري: الكشاف-ح1-ص193. وابن كثير في تفسيره: ح1-ص371. و ابن حجر الهيتمي في صواعقه: ص121. والمحب الطبري في الرياض النضرة-ح2-ص188. وايضاً في ذخائر العقبى-ص25 وأخرج الآية أيضاً في هؤلاء القندوزي في ينابيع المودة-ح1-ص49. وغير هؤلاء.


التي تثبت الإمامة والخلافة لعلي بن أبي طالب (ع) ونحن نذكر جملة منها ليرى الدكتور الموسوى، أنّ وجود النصّ أمر قضت به الضرورة العقلية لاستمرار المسيرة الإسلامية، وأنّ المنكر لوجوده، كالمنكر لوجود الشمس في رابعة النهار.

يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في تعليقه على حديث المنزلة: «إنّ بعض علمائهم - أي الشيعة - كعبد الحسين شرف الدين، والموسوي القزويني، يذكرون إضافة إلى متن الحديث غير مذكورة في النصّ السنّي أو حتى النصّ الذي بيّنه كثير من علماء الشيعة أنفسهم، وهو قول رسول الله (ص): «إلا أنّه لا نبي بعدي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي»، ولا شك أنّ هذه العبارة تجعل من الحديث نصّاً جليّاً في إمامة علي يحسم كل اختلاف ويصنع حدّاً للتفسيرات المتباينة التي استخلصتها الفرق من دلالة الحديث، وينسب القزويني هذه الإضافة إلى الحاكم في المستدرك والذهبي في الجزء الثالث من تلخيصه صفحة 143...»(1) .

هذا ما يقول الدكتور أحمد صبحي، فهو ينفي أولّاً وجود مثل هذه الإضافة في كتب أهل السنّة، كما ينفي وجودها في النصوص الشيعية. مع أنّه كان يلزم الدكتور وهو في صدد بحث هذه المسألة الخطيرة، الرجوع إلى كتب أهل السنّة أولّاً ليرى ما فيها ثم يعطي حكمه ثانياً، خصوصاً وقد عرف بوجود هذه الإضافة، ففي هذه الحالة، وقع له الشك في وجودها، ودفع الشك واجب عقلاً، لهذا

____________________

(1) أحمد محمود صبحي: نظرية الإمامة-ص225.


يتعين على الدكتور بمقتضى المنطق العقلي البحث عن وجود هذه الإضافة. ولكن مقتضى الصياغة التي سار عليها أكثر الباحثين، هي عدم الاطّلاع على مثل هذه الحقائق لئلا تصطدم بالقاعدة الأساسية التي تبنى عليها العقيدة. والباحث هنا سوف يذكر العديد من الروايات التي ذكرها علماء أهل السنّة وحفّاظهم مع ذكر هذه الإضافة التي أنكرها الدكتور أحمد صبحي، تأكيداً لوجود النصّ الصريح والجلي على إمامة علي بن أبي طالب (ع) ناهيك لما تعرضت له النصوص الكثيرة التي أخفاها الأمويون والعباسيون، ومع هذا فقد نقل لنا أمنا الحديث من علماء أهل السنّة ما بقي منها، وإليك نبذة منها:

أخرج الإمام أحمد في مسنده أنّ رسول الله (ص) قال لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي. قال: وقال رسول الله: أنت وليي في كل مؤمن بعدي... قال: وقال: من كنت مولاه فإنّ مولاه علي...»(1) .

وفي المستدرك للحاكم عن ابن عباس قال: «خرج رسول الله (ص) في غزوة تبوك، وخرج بالناس معه، فقال له علي أخرج معك، قال: فقال النبي (ص) لا، فبكى علي، فقال له: أمّا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي، قال ابن عباس:

____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح1-ص331.


وقال له رسول الله (ص) أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة...» هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه(1) . أي البخاري ومسلم.

يقول الحافظ الذهبي في تلخيصه: «... قال - أي ابن عباس - وخرج رسول الله (ص) في غزوة تبوك فبكى علي، فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس بعدي نبي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي، وقال له أنت ولي كل مؤمن بعدي ومومنة... صحيح»(2) . وأنت ترى أنّ الحافظ الذهبي قد حكم بصحة هذا الحديث، ومن هنا يثبت النصّ الجلي على خلافة الإمام علي بن أبي طالب (ع).

وأخرج النسائي، وهو أحد أصحاب الصحاح الستة، قال: «و خرج - النبي - بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له علي: أخرج معك؟ فقال له نبي الله: لا، فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّك لست بنبي، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي»، قال: «و قال رسول الله (ص): أنت ولييّ في كل مؤمن بعدي»(3) .

وفي الإصابة للعسقلاني أنّ رسول الله (ص) قال لعلي في غزوة تبوك: «أنت مني بمنزلة هارون موسى، إلّا أنّك لست بنبي،

____________________

(1) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين-ح3-ص133-134. دار المعرفة-بيروت.

(2)تلخيص الحافظ الذهبي على المستدرك-ح3-ص133-134.

(3)النسائي: الخصائص-ص17،18.


أي لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي، وقال له: أنت ولي كل مؤمن من بعدي»(1) .

وأخرج القندوزي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) لعلي لما خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه دون علي، فبكي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي»(2) .

وأخرج المحب الطبري(3) ، وابن حجر الهيتمي(4) ، والخطيب البغدادي(5) ، والذهبي(6) ، عن الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين، أنّ رسول الله (ص) قال: «... ما تريدون من علي ثلاثاً، إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي... و في أخرى قال رسول الله (ص) لبريدة.. لا تقع في علي، فإنّه مني وأنا منه وهو وليّكم بعدي».

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل مسنداً عن أبي بردة قال: خرج علي مع النبي (ص)... إلى قوله (ص): «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة وأنت خليفتي....»(7) .

____________________

(1) بن حجر العسقلاني: الإصابة-ح4-ص568.

(2) القندوزي:ينابيع المودة-ح2-ص58.

(3) المحبّ الطبري: الرياض النضرة-ح2-ص171.

(4) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص124.

(5) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد-ح4-ص339.

(6) الذهبي: ميزان الاعتدال-ح1-ص104.

(7) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص19. و المسعودي: مروج الذهب-ح2-ص437.


وعن أنس بن مالك قال: قلنا لسلمان الفارسي، سل رسول الله (ص) من وصيّه؟ فسأل سلمان رسول الله (ص) فقال: من كان وصي موسى بن عمران؟ فقال: يوشع بن نون، قال: إنّ وصيي ووارثي ومنجز وعدي علي بن أبي طالب....»(1) . و عنه أيضاً رفعه، أنّ الله اصطفاني على الأنبياء، فاختارني واختار لي وصيّاً واخترت ابن عمي وصيي يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون وهو خليفتي ووزيري... وعن عمر بن الخطاب قال رسول الله (ص) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال: هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني.....»(2) .

وعن عمران بن حصين عن رسول الله (ص) قال: «... ما تريدون من علي ثلاثاً، إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي،... و في رواية قال رسول الله (ص) لبريدة: «... لا تقع في علي فإنّه مني وأنا منه وهو وليّكم بعدي»(3) .

وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية بعد ما استدعاه: «... أمّا بعد فإنّي قرأت كتابك وفهمته، فأمّا ما دعوتني إليه من

____________________

(1) سبط بن الجوزي: نفس المصدر-ص43. والمحبّ الطبري الرياض النضرة-ح2-ص178. و أيضاً ابن المغازلي: المناقب-ص141.

(2) القندوزي: ينابيع المودة-ح2-ص75.

(3) المحب الطبري: الرياض النضرة-ح2-ص171. وأيضاً ابن المغازلي؛ المناقب-ص152.

وانظر العسقلاني: الإصابة-ح4-ص569. والمتقي الهندي-منتخب الكنز-ح5-ص20.


خلع ربقة الإسلام من عنقي والتهوّن معك في الضلالة وإعانتي إيّاك على الباطل وإختراط السيف في وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو أخو رسول الله (ص) ووليّه ووصيّه ووارثه وقاضي دينه....»(1) .

وقد ذكر الوصيّة ابن عباس في كلامه مع معاوية عندما بلغه موت الإمام الحسن بن علي (عليهما‌السلام ) في قوله: «... و لئن أصبنا به فلقد أصبنا قبله بسيد المرسلين... ثم بعده بسيد الأوصياء...»(2) وقول محمد بن أبي بكر في كتاب كتبه لمعاوية ذكر فيها الوصيّة لعلي: «... فكيف-يا لك الويل-تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله (ص) ووصيّه وأبو ولده...»(3) . و قول الإمام الحسين بن علي: «.... ألست ابن بنت نبيّكم (ص) وابن وصيّه...»(4) . ولهذا جاء عن رسول الله (ص): «لكل نبي وصي ووارث وإنّ عليّاً وصيي ووارثي»(5) و من. ذلك ما رواه ثابت بن معاذ الأنصاري من قول رسول الله (ص) في عليّ: «إنه أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي وخير من أخلف بعدي»(6) .

____________________

(1) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص86.

(2) المسعودي: مروج الذهب-ح3-ص8.

(3) نفس المصدر:ص21.

(4) تاريخ الطبري: ح5-ص424.

(5) الذهبي: ميزان الاعتدال-ح3-ص273. و أيضاً القندوزي: ينابيع المودة-ح2-ص32. و المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص71.

(6) ابن حجر العسقلاني: الإصابة ح1-ص423. و أيضاً ح2-ص609.


يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في تعليقه على حديث المنزلة: «و لهذا الحديث علاقة برحيل النبي إلى تبوك... وقد استخلف عليّاً على المدينة... فقال له النبي: إرجع يا أخي إلى مكانك: فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بك، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي، يعني المدينة، وقومي... الحديث، ولو أرادعليه‌السلام أن يستخلف عليّاً، فإنّه لم يكن يرى من الصواب ذلك لمنافاته لروح العرب، والديمقراطية»(1) .

فالصياغة التي اتّبعها الدكتور حسن إبراهيم، تجعل من الروح العربية هي الأساس في تحديد سلوكيات المسيرة الإسلامية، حتى ولو كانت مخالفة لروح الإسلام. مع أنّ النبي (ص) جاء بالإسلام الذي يخالف ما كانت عليه الروح العربية من انحراف في القيم والسلوك وعبادة الأصنام ووأد البنات. فالروح الإسلامية جاءت لتقتلع الروح العربية وتغير من سلوكياتها. إذن فمتى كان للعرب الكلمة عند النبي (ص) ومتي وافقت مسيرة النبي الجهادية وكفاحة المستمر في تغيير الواقع لروح العرب، فالروح العربية التي يشير إليها الدكتور حسن إبراهيم هي التي حاربت الرسول (ص) وأخرجته من دياره وأذاقته ألوان العذاب، لأنّه سفّه أحلامها وأعاب آلهتها، ولم يلاحظ من كل ذلك هذه الروح التي لم تؤمن بالإسلام حتى فتح مكة. أيخضع النبي للروح العربية المجانبة لروح الإسلام ويترك الأوامر الآلهية، لأنّ العرب لا يرضون بذلك، كما لم يرضوا

____________________

(1) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية-ص4.


بالرسول ولا برسالته، لأنّ رسالته كانت مخالفة لروح العرب، وعلى ذلك فلابد وأن نقول: أنّه ليس من الصواب حينما بعث الله سبحانه رسله إلى الناس، لأنّهم يخالفون ما عليه الناس. مع أنّ الدكتور حسن إبراهيم، يعترف بأنّ خلافة المدينة لا تصلح إلّا لعلي بنصّ من الرسول (ص)، فإذا كانت الخلافة في حياة النبي لا تصلح إلّا لعلي، فهذه الصلاحية مستمرة حتى بعد وفاته، مع قطع النظر عن جميع النصوص الواردة في ذلك، ولكن الله أراد شيئاً والروح العربية والديمقراطية أرادت شيئاً آخر.

هذه نبذة مما رواه أهل الحديث وعلماء السير من أهل السنّة عن حديث المنزلة والوصية، اقتصرنا على ذكر الإضافة التي ذكرها الدكتور أحمد صبحي، ونفى وجودها في نصوص أهل السنّة، لتكون نصّاً صريحاً كما يقول على خلافة الإمام علي (ع).

وأمّا ما جاء من ذلك في شعر الصحابة فلا يمكن أن يحصى، وإنّما نذكر منه ما يتمّ به الغرض، وهو أنّ النص والوصيّة لعلي بن أبي طالب بذرها وأوجدها نفس صاحب الشريعة (ص) بأمر من الله. والغريب أنّ الدكتور محمد عمارة الذي يرى أنّ التشيع نشأ في زمن الإمام الصادق، (ع) لأنّ القول بالوصية ينتهي إليه وإلى أبيه الباقر (ع) يروي لنا هذا الشعر الذي قاله أحد الصحابة وهو الأشعث ابن قيس ويذكر فيه الوصيّة:(1)

أتانا الرسول رسول الوصي

علي المهذب من هاشم

____________________

(1) محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم-ص4.


وزير النبي وذو صهرة

و خير البرية والعالم

ويقول علي ابن أبي طالب في ذيل كتاب كتبه إلى معاوية:(1)

علي ولي الحميد المجيد

وصي النبي من العالمينا

ويقول أبو الأسود الدؤلي:(2)

أحب محمداً حبّاً شديدا

وعباساً وحمزة والوصيا

ويقول أبو الهيثم بن التيهان وكان بدرياً:(3)

إنّ الوصي إمامنا وولينا

برح الخفاء وباحت الأسرار

وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وهو بدرى:

يا وصي النبي قد أجلت الحر

ب الأعادي وسارت الأظعان

إلى كثير من الأشعار التي قيلت في ذكر الوصيّة والنصّ على خلافة علي، ومن هنا يظهر فساد ما ذهب إليه الدكتور حسن إبراهيم في قوله: «نشر ابن سبأ بعد ذلك مذهب الوصاية الذي أخذه عن اليهودية دينه القديم، بمعنى أنّ عليّاً وصي محمد...»(4) . وهذا بعينه قول الشيخ محمد أبو زهرة: «أخذ - ابن سبأ - ينشر أولاً بين الناس أنّه وجد في التوراة أنّ لكل نبي وصيّاً، وأنّ عليّاً وصي محمد وأنّه خير الأوصياء كما أنّ محمداً خير

_____________________

(1) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص85.

(2) ابن الأنباري: نزهة الأولياء-ص7. و أيضاً القفطي: أنباه الرواة-ح1-ص17.

(3) عبد الحسين شرف الدين: المراجعات-ص296 إلى 302.

(4) حسن إبراهيم حسن:تاريخ الدولة الفاطمية-ص2.


الأنبياء...»(1) .

وممّا قدمناه من النصوص الواردة في كتب أهل السنّة، يظهر فساد ما يقوله ابن خلدون وغيره في قوله: «... بل يجب عليه تعيين الإمام لهم.. وأنّ عليّاً (رض)، هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنّة ولا نقلة الشريعة....»(2) .

فابن خلدون هنا يحاول أن ينكر الوصيّة بإنكاره للروايات، وأنّ علماء السنّة ونقلة الشريعة لم ينقلوا مثل هذه الروايات، وإنّما هي من وضع الشيعة، فتقول لابن خلدون وغيره، أليس الإمام أحمد بن حنبل من نقلة الشريعة؟ والإمام مسلم من نقلة الشريعة؟ والنسائي أحد أصحاب الصحاح من نقلة الشريعة ومن جهابذة علماء أهل السنة؟ والحاكم النيسابوري والحافظ الذهبي والبيهقي والمتقي الهندي، وابن المغازلي، والمحب الطبري، وابن حجر العسقلاني وغير هؤلاء، أليسوا من جهابذة علماء أهل السنّة ونقلة الشريعة؟ فبماذا يجيب الحاكم العادل، وقد تقدمت مجموعة من الروايات الصحيحة التي رواها علماء أهل السنّة ونقلة الحديث منهم التي نفى ابن خلدون وجودها إمّا جهلاً منه أو تجاهلاً وعناداً للحق؟

إنّ التسليم والاعتراف بمثل هذه الروايات يهدم أساساً من

_____________________

(1) محمد أبو زهرة: أبو حنيفة-ص127.

(2) ابن خلدون: المقدمة-ص194.


أسس ابن خلدون العقائدي، ولهذا حاول أن ينكر مثل هذه الأحاديث في كتب أهل السنّة وسوف يأتي المزيد منها ممّا خرّجه جهابذة علماء أهل السنّة ونقلة الشريعة منهم.

النص السادس: حديث الغدير

قال رسول الله (ص) لعلي في حجة الوداع: «... من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق حيثما دار، اللهم هل بلّغت».

قبل أن نعرض العديد من أحاديث الغدير التي رواها جهابذة علماء أهل السنّة وحفّاظهم نشير إلى نبذة ممّا يقوله بعض الباحثين، بل بعض الجاهلين بأصول البحث العلمي، والأمانة العلمية، إنكاراً منهم لما ثبت عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه إمّا حقداً منهم، أو تعصّباً يعمي البصيرة، فلا يرون إلّا ما تملي عليهم العصبية البغيضة ظنّاً منهم أنّ ذلك يخفي الأثر الذي جاء عن سيد البشر في خلافة علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وكان من المفروض عدم الطعن في هذه الأحاديث وعدم تكذيبها، لأنّ الطعن فيها طعن بصاحب الشريعة (ص) وطعن بكل من رواها وصححها من علماء أهل السنّة، وإليك نبذة منها:

يقول ابن حزم الأندلسي في فصله: «و أمّا من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصحّ من طريق الثقات أصلاً» وأمّا سائر


الأحاديث التي تتعلق بها الرافضة فموضوعة يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها»(1) . ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: «و يستدلون-أي الشيعة- على تعيين علي رضي الله عنه بالذات ببعض آثار عن النبي (ص) يعتقدون صدقها، وصحة سندها، مثل: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»..... و مخالفوهم يشكّون في نسبة هذه الأخبار إلى الرسول (ص)(2) ولهذا يقول أحمد أمين في ضحى الإسلام. «و نظم - أي السيد الحميري - حادثة غدير خم وهي ما تزعمه الشيعة من أن النبي (ص) يوم غدير خم أخذ بيد علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه...»(3) .

وأمّا إحسان ظهير فيقول: «ترويج العقيدة اليهودية بين المسلمين، ألا وهي عقيدة الوصاية والولاية التي لم يأت بها القرآن ولا السنّة الصحيحة الثابتة، بل اختلقها اليهود من وصاية يوشع بن نون لموسى، ونشروها بين المسلمين باسم وصاية علي لرسول الله كذباً وزوراً، كي يتمكنوا من زرع بذور الفساد فيهم...»(4) .

أقول : ليت هؤلاء وغيرهم لم يتعرضوا لأحاديث رسول الله (ص) بالتكذيب والبهتان، وما الغاية من ذلك سوى بذر

_____________________

(1) ابن حزم: الفصل-ح4-ص148.

(2) محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية-ص49.

(3) أحمد أمين: ضحى الإسلام-ح3-ص309.

(4) إحسان ظهير: الشيعة والسنّة-ص27.


الحقد في نفوس المسلمين، وزرع الشقاق فيما بينهم، وتفريق كلمتهم-فالعقيدة اليهودية التي يدّعيها الأستاذ إحسان ظهير وغيره، والتي اختلقوها ونشروها بين المسلمين باسم وصاية علي لرسول الله (ص) كي يتمكّنوا من زرع بذور الفساد فيهم، فالباذر لها هو رسول الله (ص) - كما سوف يتّضح - وعلى هذا فرسول الله (ص) أول من زرع بذور الفساد في الإسلام، لأنّه قال (ص) بالوصاية لعلي. نعوذ بالله من شطحات الشياطين.

إنّ مجرّد الادّعاء من هؤلاء بوجود شكوك أو تأويلات أو تكذيب لهذا الحديث يؤدّي إلى إمكانية الصفح عنه والتخلّي من متابعة الحقائق على ضوئه. و من هنا فات علماء أهل السنّة ومفكّروهم، بأنّ الواجب يفرض عليهم مواصلة البحث عن أية حقيقة وعرضها بصورة سليمة، وهم مسؤولون عن مثل هذه المتابعة دون العامة من الناس(1) .

ومن الأمثلة على محاولة التأويل والتشكيك لحديث الغدير، وإن كان صحيحاً، ما يقوله ابن حجر الهيتمي في صواعقه المحرقة: «إن حديث الغدير صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد وطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبي (ص) ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته.... و كثير من أسانيدها صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته ولا لمن

_____________________

(1) حسن عباس حسن: الصياغة المنطقية-ص345.


ردّه»(1) . ولكن ابن حجر يسرع بالأمساك بمبدأ التأويل والاجماع ويقرر أنه: يتعيّن تأويله-حديث الغدير- على ولاية خاصة... على أنّه وإن لم يحتمل التأويل، فالإجماع على حقية ولاية أبي بكر وفرعيها قاض بالقطع بحقيتها لأبي بكر وبطلانها لعلي»(2) . و قد فات ابن حجر أنّ الإجماع لا مورد له مع وجود النصّ، خصوصاً إذا كان النصّ لا يحتمل التأويل وإلّا كان الإجماع مخالفاً له، وهو مشاقة لله ورسوله (ص).

وسوف نذكر العديد من النصوص والروايات التي وردت من طرق أهل السنّة وحفّاظهم، والتي نفى وجودها ابن حزم الأندلسي، وابن خلدون وغيرهما، وأنّ جهابذة علماء أهل السنّة ورواتهم لا يعرفون مثل هذه الأحاديث، ليرى المنصف الغيور على الإسلام، قيمة هؤلاء، ومدى أمانتهم العلمية في نقل الأخبار عن صاحب الرسالة (ص)، ومدى محاولاتهم في تغيير الحقائق،و تكذيب ما ورد عن النبي (ص) بأسانيد صحيحة، وروايات فصيحة، لا تقبل الشكّ والتأويل، وإليك نبذة منها.

- حديث الغدير في كتب أهل السنّة -

يقول سبط بن الجوزي: «اتّفق علماء أهل السير على أنّ قصّة الغدير كانت بعد رجوع النبي (ص) من حجة الوداع في الثامن عشر

_____________________

(1) و(2) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص42-44.


من ذي الحجة، جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفاً وقال من كنت مولاه فعلي مولاه الحديث. نصّ (ص) على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإشارة، وذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بأسناده، أنّ النبي (ص) لما قال ذلك طار في الأقطار وشاع في البلاد والأمصار فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري فأتاه على ناقة فأناخها على باب المسجد ثم عقلها وجاء فدخل المسجد فجثا بين يدي رسول الله (ص) فقال: يا محمد، إنّك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله فقبلنا منك ذلك... ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك وفضلته على الناس وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أو من الله، فقال رسول الله (ص) وقد احمرت عيناه، والله الذي لا إله إلّا هو إنّه من الله وليس مني قالها ثلاثاً....»(1) .

أقول : إذا كان هذا هو حال بعض صحابة رسول الله (ص) وموقفهم من الإمام علي (ع) في حياة النبي (ص) وأمام ناظريه، فما بالك بابن خلدون، وابن حزم، وإحسان ظهير، «و أبو زهرة» والدكتور أحمد شلبي، وغير هؤلاء من الذين أنكروا تلك النصوص، وأنّه لا يصح من طريق الثقات شيء منها أصلاً. فالإمام مسلم ليس من الثقات عند ابن حزم، لأنّه خرج حديث غدير خم في صحيحه، ومن الذين لا تقبل رواياتهم، والنسائي أحد أصحاب الصحاح، ليس من الثقات، وغير هؤلاء من جهابذة

_____________________

(1) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص30-31.


علماء أهل السنّة الذين أخرجوا حديث الغدير وغيره، ولكن ابن حزم، وابن خلدون وغيرهما، يحاولون إنكار الضرورات من دين رسول الله (ص).

يقول الإمام مسلم في صحيحه: «و عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعي «خما» بين مكة والمدينة فحمد الله ووعظ وذكر، ثم قال: أمّا بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله... ثم قال وأهل بيتي...»(1) ولهذا يقول ابن حجر كما تقدم-إنّ حديث الغدير صحيح لا مرية فيه،... ولا يلتفت لمن قدح في صحته ولا لمن ردّه».

وأخرج النسائي في الخصائص عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع النبي (ص) من حجة الوداع ونزل غدير «خم» أمر بدوحات فقممن ثم قال: كأنّي دعيت فأجبت وإنّي تارك فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض... ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن: ثم أخذ بيد علي (رض) فقال:.... من كنت وليّه، فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (ص)، قال: نعم، وإنّه ما كان في الدوحات أحد إلّا ورآه بعينه وسمعه بأذنيه....»(2) .

_____________________

(1) صحيح مسلم: ح7-ص122-123.

(2) النسائي: الخصائص-ص39-40-41.


وأخرج ابن المغازلي حديث الغدير بطرق كثيرة، فتارة عن زيد بن أرقم، وأخرى عن أبي هريرة، وثالثة عن أبي سعيد الخدري، وتارة عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وبريدة، وجابر بن عبد الله، وغير هؤلاء. فعن زيد بن أرقم: «أقبل نبي الله (ص) من مكة في حجة الوداع حتى نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك ثم نادى: الصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول الله (ص) في يوم شديد الحر، وإن منّا لمن يضع رداءه على رأسه وبعضه على قدميه من شدّة الرمضاء... الى قوله: «... ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) فرفعها ثم قال: من كنت مولاه فهذا مولاه ومن كنت وليّه فهذا وليّه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قالها ثلاثاً»(1) . «قال أبو القاسم الفضل بن محمد: هذا حديث صحيح عن رسول الله (ص) وقد روى حديث غدير خم عن رسول الله (ص) نحو من مائة نفس منهم العشرة، وهو حديث ثابت....»(2) .

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري، «عن البراء بن عازب رضي الله عنهما،قال: كنّا عند النبي (ص) في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا، الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (ص) تحت شجرة فصلى الظهر وأخذ بيد علي، وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر

_____________________

(1) ابن المغازلي: المناقب-ص29 إلى ص36.

(2) المصدر السابق: ص36.


بعد ذلك، فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة». أخرجه أحمد في مسنده، وأخرجه في المناقب من حديث عمر وزاد بعد قوله وعاد من عاداه وانصر من نصره وأحبّ من أحبّه. قال شعبة أو قال وابغض من بغضه». وعن زيد بن أرقم قال: استشهد علي بن أبي طالب الناس، فقال أنشد الله رجلاً سمع النبي (ص) يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا»(1) .

وفي كنز العمال للمتقي الهندي: «... إنّ الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...» وقد أخرج المتقي الهندي هذا الحديث تارة عن زيد بن أرقم، وأخرى عن أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد وابن عباس وغير هؤلاء(2) .

وفي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي عند تفسير قوله تعالى:( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) من سورة المعارج آية(1) . قيل أنّ السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك أنّه لما بلغه قول النبي (ص) في علي (رض): «من كنت مولاه فعلي مولاه» ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وإنّك رسول الله فقبلناه منك،... إلى

_____________________

(1)المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص67.

(2) المتقي الهندي: كنز العمال-ح1-ص167-168-166.


قوله: ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا، أفهذا شيء منك أم من الله؟ فقال النبي (ص): والله الذي لا إله إلّا هو ما هو إلّا من الله، فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله، فنزلت: «سأل سائل...»(1) .

وفي شواهد التنزيل للحاكم النيسابوري، والمناقب لابن المغازلي، عن أبي هريرة قال: «من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير «خم» كما أخذ النبي (ص) بيد علي فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن، وأنزل الله: اليوم أكملت لكم دينكم»(2) .

يقول الشهرستاني في الملل والنحل: «و مثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى: «يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته» فلما وصل غدير خم أمر بالدوحات فقممن، ونادوا: الصلاة جامعة، ثم قالعليه‌السلام وهو على الرحال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم

_____________________

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح18-ص287-289.

(2) الحاكم النيسابوري: شواهد التنزيل-ح1-ص158. و ابن المغازلي المناقب-ص31.


وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا هل بلّغت؟ ثلاثاً»(1) .

ويقول حجة الإسلام الغزالي: «أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته من غدير خم باتّفاق الجميع وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته ائتوا بدواة وبياض لأزيل لكم إشكال الأمر وأذكركم من المستحق لها بعدي، قال عمر دعوا الرجل فإنّه يهجر... فإذن بطل تعلّقكم بتأويل النصوص، فعدتم إلى الإجماع، وهذا منصوص أيضاً، فإنّ العباس وأولاده وعليّاً وزوجته وأولاده، وبعض الصحابة، لم يحضروا حلقة البيعة... وخالفكم أصحاب السقيفة في متابعة الخزرجي»(2) .

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن زيد بن أرقم قال: «لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير «خم» أمر بدوحات فقممن، فقال: كأنّي دعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إنّ الله عزّ وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد

_____________________

(1) الشهرستاني: الملل والنحل-ح1-ص163.

(2) أبو حامد الغزالي سر العالمين وكشف ما في الدارين-ص10.


علي (رض) فقال من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...». يقول الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أخرجه الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك(1) .

وحديث الغدير أخرجه علماء أهل السنّة وحفّاظهم بطرق كثيرة، منهم: ابن حجر العسقلاني في الإصابة(2) والقندوزي في ينابيع المودّة(3) ، والمقريزي في خططه(4) ، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده(5) ، والبيهقي في كتابه الاعتقاد على مذهب السلف وأهل الجماعة(6) ، والسيوطي في الجامع الصغير(7) ، وتاريخ الخلفاء(8) ، والمحب الطبري في الرياض النضرة(9) ، وابن خلكان في وفيات الأعيان(10) ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة(11) ، وابن تيمية في كتابيه، حقوق آل البيت(12) ،

_____________________

(1) الحاكم: المستدرك على الصحيحين-ح3-ص109. و أيضاً الحافظ الذهبي في تلخيصه.

(2) ابن حجر العسقلاني: الإصابة-ح2-ص15، وأيضاً ح4-ص568.

(3) المقريزي: الخطط-ح2-ص92.

(4) الإمام أحمد بن حنبل: المسند-ح1-ص331-ط1983.

(5) البيهقي: كتاب الاعتقاد-ص204. وأيضاً ص217. طبعة بيروت-1986.

(6) السيوطي: الجامع الصغير-ح2-ص642.

(7) السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص169.

(8) المحب الطبري: الرياض النضرة-ح2-ص172.

(9) ابن خلكان: وفيات الأعيان-ح4-ص318-319.

(10) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد-ح7-ص437.

(11) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة-ح1-ص109.

(12) ابن تيمية: حقوق آل البيت-ص13.


والعقيدة الواسطية(1) ، والمسعودي في مروج الذهب(2) ، والبلاذري في أنساب الأشراف(3) ، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم(4) ، وابن حجر الهيتمي في صواعقه المحرقة(5) ، وغير هؤلاء من حملة الآثار من علماء أهل السنّة، إقتصرنا على ذكر جملة منهم ليرى المنصف ما قاله ابن خلدون وابن حزم، وإحسان ظهير ومحمد أبو زهرة والدكتور شلبي وغيرهم، وأنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة عند جميع المسلمين، وقد أخرجه الثقات من علماء أهل السنّة ورواتهم، وأمّا قول ابن حزم «و أمّا من كنت مولاه فعلي مولاه، فلا يصح من طريق الثقات أصلاً...» فهو كحاطب ليل لا يرى بالبصر ولا بالبصيرة، وإلّا فما يقول في الذين ذكرناهم، أليسوا من الثقات والعدول عنده؟ وماذا يقول ابن خلدون عن هؤلاء؟ أليسوا من جهابذة علماء أهل السنّة ورواتهم، أم أنهم من عوامهم وجهالهم؟ فبماذا يجيب الحاكم العادل، وأين يضع ابن خلدون وابن حزم وغيرهما من كفتي الميزان؟ وماذا يقول الشيخ محمد أبو زهرة في قوله: «.... و مخالفوهم - أي مخالفو الشيعة - يشكّون في نسبة هذه الأخبار إلى الرسول (ص)»؟ فالشيخ أبو زهرة قد طعن في رواة أهل السنّة وحفّاظهم حيث ذهبوا إلى تصحيح هذه الروايات، والشيخ يطعن في صحتها، ولا شكّ أنّ رواة الحديث

_____________________

(1) ابن تيمية: العقيدة الواسطية-ص120-المدينة المنورة.

(2) المسعودي: مروج الذهب-ح2-ص437.

(3) البلاذري: أنساب الأشراف-ص106-108. و انظر ص112-156-157.

(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح4-ص113.

(5) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص122.


أعرف بصحة الحديث من الشيخ محمد أبو زهرة. يقول ابن كثير في تفسيره: «و قد ثبت في الصحيح أنّ رسول الله (ص) قال في خطبته بغدير «خم»...»(1) . ويقول ابن حجر: «إنّ حديث الغدير صحيح لا مرية فيه... ولا التفات لمن قدح في صحته ولا لمن ردّه»(2) . ويقول ابن تيمية، مع شدّة معارضته للشيعة: «و ثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنّه قال: خطبنا رسول الله (ص) بغدير يدعى «خم» بين مكة والمدينة»(3) . إلى غير ذلك من أقوال علماء أهل السنّة وحفّاظهم، والتي تدل على صحة أحاديث الغدير، الناصّة على خلافة علي بن أبي طالب.

النص السابع: حديث الثقلين والسفينة

قال رسول الله (ص): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله... وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

ومن الأحاديث التي يستند عليها الشيعة في إثبات النصّ للإمام علي بن أبي طالب (ع) حديث الثقلين الوارد في صحاح أهل السنّة، حيث أنّ النبي (ص) خلف في أمّته الكتاب الكريم، وأهل

_____________________

(1) ابن كثير: نفس المصدر-ح4-ص113.

(2) ابن حجر: نفس المصدر-ص42.

(3) ابن تيمية: حقوق آل البيت-ص13.


بيته، وأمر أمّته بالتمسك بهما وعدم مخالفتهما، لأنّ في ذلك الهلاك المبين، وأنّ التمسك بالكتاب، متابعته وعدم مخالفته في أمور الدين والدنيا، وكذلك أهل بيته بمقتضى اقترانهم بالقرآن، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه (ص) الحوض، ولهذا أمرنا الحديث بالتمسك بهم بمعني متابعتهم في أمور الدين والدنيا، وبهذا المعني يقول الآلوسي: «... وهذا الحديث ثابت عند الفريقين أهل السنّة والشيعة، وقد علم منه أنّ رسول الله (ص) أمرنا في المقدمات الدينية والأحكام الشرعية بالتمسك بهذين العظيمي القدر والرجوع إليهما في كل أمر، فمن كان مذهبه مخالفاً لهما في الأمور الشرعية اعتقاداً وعملاً فهو ضال...»(1) . و هذا دليل لا يقبل التشكيك على وجوب التمسك بهم، وكل من وجب التمسك بهم وجبت طاعتهم، ومن وجبت طاعتهم وجبت إمامتهم، فيثبت بهذا الحديث وجود النصّ الجلي على خلافة علي بن أبي طالب (ع).

هذا وسوف نعرض العديد من الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السنّة على ثبوت هذا الحديث ليكون نصّاً صريحاً على خلافة الإمام علي (ع).

روى الإمام مسلم في صحيحه أربع روايات في باب فضائل الإمام علي منها: «عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أمّا بعد، ألا أيها الناس إنّما أنا بشر

_____________________

(1) محمود شكري الآلوسي: مختصر التحفة الإثني عشرية-ص52.


يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا كتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فقال حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرّم الصدقة بعده....»(1) .

وفي رواية أخرى كما في الصحيح أيضاً عن زيد بن أرقم: «ألا وإنّي تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عزّ وجل.... إلى قوله: فقلنا: من أهل بيته نساؤه، قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرّموا الصدقة بعده»(2) .

أقول : إنّ تفسير أهل البيت زيادة من الراوي، ففي الرواية الثانية نفي مع القسم بأنّ نساء النبي لسن من أهل البيت، وفي الرواية الأولى اضطراب في معنى أهل البيت، وإدخال نساء النبي فيهم، تفسير بالرأي من دون دليل، بل الدليل خلافة، من أنّ المراد من أهل البيت - كما تقدم - هم أصحاب الكساء، لم يدخل معهم داخل ولا دخيلة، وذلك بمقتضى ما ورد في الصحاح. كما مر مفصلاً.

وفي المسند للإمام أحمد، سبع روايات لحديث الثقلين بلفظ

_____________________

(1) صحيح مسلم: ح7-ص122.

(2) نفس المصدر:ص123-124.


وعترتي، إحداها عن زيد بن أرقم، وأربع روايات عن أبي سعيد الخدري وروايتان عن زيد بن ثابت. ذكرها الدكتور السالوس في كتابه حديث الثقلين. فعن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوماً خطيباً فينا بماء يدعى خما.... ثم قال: أمّا بعد: ألا أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي عزّ وجل فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله عزّ وجل فيه الهدى والنور،... وقال: وأهل بيتي...»(1) .

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم.... إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ثم قال إنّ الله عزّ وجل مولاي وأنا مولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي (رض) فقال: من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه... وذكر الحديث بطوله، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». يقول الحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك «... إنّي تارك فيكم الثقلين... ثم أخذ بيد على فقال: من كنت مولاه فهذا وليّه الحديث»(2) . و أنت ترى أنّ الحافظ أقر هذا الحديث.

وفي فيض القدير في حديث صحيح، وهو حديث «2631:

_____________________

(1) أنظر المسند للإمام أحمد بن حنبل:ح3-ص14-ص17-ص26. و أيضاً السالوس: حديث الثقلين-ص14.

(2) الحاكم: المستدرك على الصحيحين-ح3-ص109. و انظر ص148-ص533.


«.... إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله... وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». (حم، طب) «عن زيد بن ثابت.. (صح)». يقول العلّامة المناوي: «قال الهيثمي رجاله موثوقون ورواه أيضاً أبو يعلي بسند لا بأس به، والحافظ عبد العزيز بن الأخضر، وزاد أنّه قال في حجة الوداع، وهم من زعم وضعه، كابن الجوزي، قال السمهودي: وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة، ويقول أيضاً: «أنّي تارك فيكم بعد وفاتي خليفتين، زاد في رواية أحد هما أكبر من الآخر، وفي رواية بدل خليفتين ثقلين سماهما به لعظم شأنها. وعترتي بمثناة فوقية، أهل بيتي،... و هم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا»(1) .

وأخرج النسائي فيما رواه الترمذي عن زيد بن أرقم أنّه قال عليه الصلاة والسلام: «إنّي تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحد هما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(2) .

وفي الدر المنثور لجلال الدين السيوطي عدّة روايات لحديث الثقلين بلفظ وعترتي أهل بيتي، نذكر منها، ما جاء في تفسير قوله تعالي: « واعتصموا...» «أخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال

_____________________

(1) العلّا مه المناوي: فيض القدير-ح13-ص14، 15.

(2) النسائي: الخصائص-ص41.


رسول الله (ص) إنّي تارك فيكم خليفتين كتاب الله عزّ وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». وفي أخرى «أخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص) إنّي لكم فرط وإنّكم واردون عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، قيل وما الثقلان يا رسول الله، قال الأكبر كتاب الله... والأصغر عترتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض وسألت لهما ذلك ربّي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تعلموهما فإنّهما أعلم منكم»(1) .

وفي الجامع الصحيح للترمذي-روايتان، احداهما عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (ص)... فسمعته يقول: يا أيها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وفي الباب عن أبي ذرّ وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد، يقول الترمذي: هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه، وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم»(2) .

وأخرج خاتمه حفّاظ أهل السنّة ابن حجر الهيتمي، حديث الثقلين بلفظ وعترتي أهل بيتي بطرق مختلفة، نشير إلى بعض منها: يقول الهيتمي: «... و في رواية أنّه (ص) قال في مرض موته، أيّها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً... ألا إنّي مخلف فيكم كتاب

_____________________

(1) السيوطي: الدر المنثور-ح2-ص60.

(2) الترمذي: الجامع الصحيح-حديث رقم 3874.


ربّي عزّ وجل وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض...». «و في رواية 0صحيحة إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن تبعتموهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي... ثم اعلم أن لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً....»(1) .

يقول ابن حجر: «... ولذا حثّ (ص) على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت، وقيل: سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما...»(2) .

وحديث الثقلين بلفظ وعترتي أهل بيتي أخرجه علماء أهل السنّة وحفّاظهم منهم: المحب الطبري في باب فضل أهل بيت والحثّ على التمسّك بهم وبكتاب الله(3) ، والمتقي الهندي في كنز العمال، حيث ذكر في جزئه الأول سبعة عشر حديثاً كلها تحمل لفظ وعترتي أهل بيتي(4) ، وابن المغازلي في المناقب، أربع روايات، روايتان عن زيد بن أرقم، وروايتان عن أبي سعيد الخدري(5) ،

_____________________

(1) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص126.

(2) نفس المصدر: ص150-151.

(3) المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص16.

(4) المتقي الهندي: كنز العمال-ح1-ص168-154-158-159.

(5) ابن المغازلي: المناقب-ص156-157.


وابن عبد ربّه في العقد الفريد(1) ، وابن الأثير الجزري في النهاية(2) ، والإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير(3) ، والأصبهاني في حلية الأولياء ذكر روايتين رواية عن حذيفة بن أسيد، ورواية عن الإمام علي رواها الإمام الشافعي(4) ، والبلاذري في أنساب الأشراف(5) ، والبلخي القندوزي في ينابيع المودّة حيث خرج الحديث بطرق كثيرة(6) ، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم، حيث يقول: «و قد ثبت في الصحيح أن رسول الله (ص) قال في خطبته بغدير خم، إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي...»(7) وابن منظور المصري في لسان العرب(8) ، والدارمي في سننه(9) ، وسبط بن الجوزي في تذكرة الخواص (10)، وغير هؤلاء (11) ممّن روى حديث الثقلين من علماء أهل السنّة اقتصرنا

_____________________

(1) ابن عبد ربه: العقد الفريد-ح2-ص346-ط1-1913.

(2) ابن الأثير الجزري: النهاية-ح1-ص155-156-ح3-ص72.

(3) فخر الدين الرازي: التفسير الكبير-ح8-ص173.

(4) الأصبهاني: حلية الأولياء-ح9-ص64.

(5) البلاذري: أنساب الأشراف-ص110-111.

(6) القندوزي: ينابيع المودة-ح1-ص20-33-34-35.

(7) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح4-ص113.

(8) ابن منظور: لسان العرب-ح4-ص538. و ح11-ص88.

(9) سنن الدارمي: ح2-ص431-432.

(10) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص322.

(11) ابن قتيبة: المعارف-ص176-177-ط2-1969. والخطيب البغدادي: تاريخ بغداد-ح8-ص442.

ومحمود شكري الآلوسي: مختصر التحفة الإثني عشرية-ص52-1976. وأيضاً البيهقي: الاعتقاد-ص185.

وابن تيمية: شرح العقيدة =


على نبذة منهم ليرى ابن خلدون وابن حزم، والدكتور شبلي، والشيخ محمد أبو زهرة، وإحسان ظهير، وموسى جار الله وغير هم ممّن أنكر وجود هذه الأحاديث في كتب أهل السنّة أنّ الشيعة لا تعتمد في إثبات الإمامة والخلافة لعلي بن أبي طالب، إلّا من طريق أهل السنّة، ليكون ذلك حجة عليهم، يلزمهم التسليم بها والإذعان لمداليلها.

- حديث وسنتي غير صحيح -

بعد أن عرضنا لحديث الثقلين بلفظ «عترتي أهل بيتي» من صحاح أهل السنّة ومسانيدهم، يحاول الدكتور الموسوي، وغيره، أن يضيف ذلك إلى الشيعة، وأنّ أهل السنّة لا يعرفون مثل هذه الأحاديث، كما مرّت الإشارة إلى ذلك عن ابن خلدون وابن حزم، والدكتور شبلي، والشيخ محمد أبو زهرة وغير هؤلاء ممّن يحاول الطعن في أحاديث الرسول بحجة عدم وجودها في كتب أهل السنّة، وأنّ رواتهم لا يعرفون مثل هذه الأحاديث، بل هي من وضع الشيعة، وإن كانت تروي في أصح الكتب عندهم بإجماع من يعتد به من علماء أهل السنّة. وسار على هذا النهج الدكتور الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح فهو يقول في صفحة «96»:

«و أختم هذا الفصل بحديث روته كتب الصحاح عن رسول الله (ص) الذي قال: «تركت فيكم الثقلين، كتاب الله

_____________________

= الواسطية-ص120. و السيوطي: الجامع الصغير-ح1-ص244-ص402.


وسنتي ما أن تمسّكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبداً».

أمّا الشيعة فتروي:

«تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبداً».

أقول : يحاول الدكتور الموسوي في تصحيحه تغيير احاديث رسول الله (ص) تبعاً لما يملي عليه هواه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فهو يحاول أن يوهم القارىء بأنّ حديث وسنتي رواه أهل الصحاح في صحاحهم، وذلك في قوله: «و أختم هذا الفصل بحديث روته كتب الصحاح» فأي كتاب من الصحاح الستة روت حديث وسنتي، فهذا صحيح البخاري ومسلم والترمذي وغيرها من الصحاح، فإنّها لم ترو إلّا الحديث الذي روته الشيعة ما عدا صحيح البخاري، فإنّه لم يرو الحديثين. أمّا الإمام مسلم فقد روى حديث وعترتي أهل بيتي بأربع روايات كما مرّ، دون أن يذكر وسنتي، لا تصريحاً ولا تلميحاً، ولكن الدكتور يريد بتصحيحه، أن يهدم ما جاء به الرسول، ويطعن في أحاديثه (ص) الناصّة على خلافة أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم.

ثم إنّ الدكتور لم يحسن أن ينقل الرواية بصورتها الصحيحة، كما جاءت عن الإمام مالك في الموطأ، والذي انفرد هو بذكرها من دون ذكر سندها، بل أنّ راوي هذه الرواية مجهول ولا يعرف حاله، ولهذا جاء في مرفوعة الإمام مالك، حيث يروى عن النبي (ص) أنّه قال:


«تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّة نبيّه».

يقول الدكتور السالوس: «و هذا الحديث الشريف غير متصل الأسناد، إلّا أن ابن عبد البر وصله من حديث كثير بن عبد بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه»(1) . و أنت ترى أنّ هذا الحديث مرسل، ولا يمكن أن يقف بوجه حديث الثقلين بلفظ «و عترتي أهل بيتي».

ويكفي في توهين رواية «وسنتي» أنّ الإمام البخاري ومسلماً لم يخرجا الحديث، وكذلك بقية الصحاح، والموجود في صحيح البخاري، كما يقول الدكتور السالوس: «و في صحيح البخاري نجد «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» وممّا جاء فيه: وكانت الأئمة بعد النبي (ص) يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنّة لم يتعدّوه إلى غيره اقتداء بالنبي (ص)(2) .

وهذا دليل على عدم صدور رواية وسنتي عن رسول الله (ص)، لأنّ مجرّد استشارة الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، لا يدل بإحدى الدلالات، لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام على أنّ المراد من ذلك هو حديث «و سنتي». ولهذا

_____________________

(1) السالوس:حديث الثقلين-ص9. راجع كتاب الثقلان، كتاب الله وأهل البيت في السّنة النبويّة للمؤلف-طبع مصر والكويت.

(2) السالوس: حديث الثقلين-ص10.


حاول الدكتور السالوس أن يجد دليلاً آخر لإثبات حديث وسنتي في قوله: «و نجد في بعض هذه المراجع العشرة الوصيّة بكتاب الله تعالى دون ذكر السنّة، من ذلك ما جاء في سنين الدارمي...»(1) .

فإذا كانت هذه المراجع العشرة توصي بكتاب الله وحده، وليس فيها ذكر لحديث «و سنّتي» فكيف جعلها دليلاً على الحديث مع أنّ الدارمي في سننه روى حديث: «و عترتي أهل بيتي» كما مرّ ذلك.

وأمّا ما جاء في سنن النسائي كما يقول الدكتور السالوس: «و في سنن النسائي رواية أخرى لهذا الحديث، وقال السيوطي في شرحه: «أوصي بكتاب الله أي بدينه أو به وبنحوه ليشمل السنّة»(2) . فهو دليل لا يقبل التشكيك على أنّ الرواية من وضع الوضّاعين، وأنّ الراوي لم يحسن الوضع، لأنّ معنى الحديث، أنّ النبي (ص) خلف في المسلمين كتاب الله وسنته (ص) مع أنّه لا قائل، بأنّ السنّة قد خلفها رسول الله (ص) كما خلف الكتاب العزيز، لأنّ السنّة لم تكن مدونة في عصره (ص) ولهذا وقع فيها الاختلاف والوضع، وكثر الكذابون عليه، فلو كانت السنّة قد خلفها الرسول (ص) وإنّها مقترنة بكتاب الله، وأنّها لن تفارقه، لما وقع فيها الاختلاف والوضع من الوضّاعين، ولهذا أراد النبي (ص)

_____________________

(1) نفس المصدر: ص10.

(2) السيوطي: الجامع الصغير-ح1-ص373.


أن يبيّن للناس، بأنّ أهل بيته هم الحافظون لسنته، لذلك قرنهم بالقرآن، وحيث أنّ القرآن لا يقع فيه التحريف والوضع، فكذلك السنّة التي يكون مصدرها أهل البيت، لا يقع فيها الوضع، ولهذا قرنهم بالكتاب وأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض (ص). ومن هنا يكون حديث وسنّتي ضعيفاً إن لم يكن موضوعاً. وهذا بخلاف حديث وعترتي أهل بيتي حيث روي في كتب الصحاح وغيرها من مسانيد أهل السنّة ورواتهم.

- أحاديث السفينة -

وأمّا أحاديث السفينة فنذكر نبذة منها: أخرج السيوطي في جامعه الصغير: «إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك»(1) . وفي حديث حسن: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(2) .

وعن أبي ذرّ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من دخلها نجا، ومن تخلّف عنها هلك»(3) . وفي كتاب المعارف لا بن قتيبة عن أبي ذرّ وهو يقول: «أنا أبو ذر الغفاري، من لم يعرفني فأنا جندب صاحب

_____________________

(1) السيوطي: الجامع الصغير-ح1-ص373.

(2) نفس المصدر: ح2-ص533.

(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح4-ص113.


رسول الله (ص) سمعت رسول الله (ص) يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا»(1) .

وأخرج السيوطي في تاريخ الخلفاء(2) ، وابن حجر في الصواعق المحرقة(3) ، وابن الجوزي(4) ، عن ابن عباس قال: النبي (ص) «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك».

يقول الآلوسي: «و في رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس، وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً: إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا...»(5) .

وأخرج الحمويني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) يا علي أنا مدينة الحكمة وأنت بابها ولن تؤتى المدينة إلّا من قبل الباب... وأنت إمام أمّتي ووصيي... ومثل الأئمة من ولدك مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك»(6) . وفي ذلك يقول ابن حجر الهيتمي: «و صحّ، النجوم

_____________________

(1) ابن قتيبة: المعارف-ص252.

(2) السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص27.

(3) ابن حجر: الصواعق المحرقة-ص152-186-187.

(4) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص323.

(5) محمود شكري الآلوسي: مختصر التحفة الإثني عشرية-ص152.

(6) القندوزي: ينابيع المودة-ح1-ص129-133.


أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمّتي من الاختلاف... وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً مثل أهل بيتي، وفي رواية إنّما مثل أهل بيتي، وفي أخرى....»(1) .

وفي المناقب لا بن المغازلي عن ابن الأكوع عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا» وفي أخرى عن أبي ذرّ قال: «قال رسول الله (ص) إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق».

وفي رواية عن ابن عباس: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق»(2) .

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري: عن ابن عباس: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تعلّق بها فاز ومن تخلّف عنها غرق» أخرجه الملّا في سيرته. وفي رواية عن علي (رض) قال: قال رسول الله (ص): «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا...»(3) .

- كتاب الوصية وحديث الدواة والقرطاس -

حديث الدواة والقرطاس من الأحاديث المتواترة بين المسلمين، ولا خلاف في أن النبي (ص) في أثناء مرضه أراد أن

_____________________

(1) ابن حجر: الصواعق المحرقة-ص235-236.

(2) ابن المغازلي: المناقب-ص100.

(3) المحب الطبري: ذخائر العقبى-ص20.


يكتب لأمّته كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً، تأكيداً للوصية بالخلافة والإمامة لعلي بن أبي طالب (ع) ولكن القوم منعوه من كتابة ذلك. فقد جاء في صحيح البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وابن الأثير والطبري وغير هؤلاء عن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، فقلت يا ابن عباس وما يوم الخميس، قال: اشتدّ برسول الله وجعه فقال، ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع، وقالوا ما شأنه أهجر استفهموه، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير...»(1) .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: «لما حضر رسول الله (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي (ص) هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده، فقال عمر إنّ رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم رسول الله (ص) كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله (ص) قال رسول الله (ص) قوموا، قال عبد الله، فكان ابن عباس يقول إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتب لهم

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح-3-ص61. وأيضاً صحيح مسلم -ح5-ص75. والإمام أحمد: المسند-ح1-ص355. وابن الأثير: الكامل-ح2-ص217. والطبري في تاريخه: ح3-ص192-193. وأيضاً البلاذري: أنساب الأشراف-ح1-ص562.


ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم»(1) «... و ما فتئ ابن عباس بعدها يرى أنّهم أضاعوا شيئاً كثيراً بأن لم يسارعوا إلى كتابة ما أراد النبي إملاءه، أمّا عمر فظل ورأيه، أن قال الله في كتابه الكريم: «ما فرّطنا في الكتاب من شيء»(2) .

إذن ماذا أراد النبي أن يكتب؟ ولماذا وقف عمر هذا الموقف في آخر لحظات من حياة الرسول؟ ولماذا قال حسبنا كتاب الله ما فرطنا في الكتاب من شيء؟ ولماذا امتنع القوم عن تلبية الطلب؟ هل أراد النبي (ص) أن يثبت النصّ الشفوي على الخلافة بالكتابة زيادة في التأكيد ودفعاً للالتباس؟(3) ولماذا أمر النبي بتنفيذ جيش أسامة وفيه أكثر الصحابة، منهم أبوبكر وعمر حتى قال (ص) نفذوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة؟ ألأن الأحاديث الواردة عن النبي (ص) في النصّ والوصيّة على علي من السنّة، فأراد عمر الاقتصار على القرآن لينفي الوصيّة؟ كل هذه اسئلة تطرح أمام الباحثين.

يقول أحمد أمين: «و قد أراد الرسول (ص) في مرضه الذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر من بعده...»(4) . ولهذا فالصياغة المنطقية للفكر السياسي عند عمر بن الخطاب تقتضي أن يقف هذا

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح3-ص61-62. وصحيح مسلم؛ح5-ص76. والإمام أحمد:المسند-ح1-ص324-325 وأيضاً ص346.

(2) محمد حسين هيكل: حياة محمد-ص502-503-ط6-دارالمعارف1981.

(3) نوري جعفر: علي ومناوئوه-ص26.

(4) أحمد أمين: يوم الإسلام-ص41-دارالمعارف بمصر-1952.


الموقف من الرسول لحرصه على الإسلام كما يظهر في كلامه أكثر من حرص النبي عليه، وهو أمر كان المفروض من عمر أن لا يهبط إليه.

والمحاورة التي دارت بين عمر وبين ابن عباس تكشف عمّا كان يريده رسول الله (ص) من كتابة الكتاب، كما وردت في تاريخ الطبري، وابن الأثير وغيرهما من علماء أهل السنّة: «قال عمر بن الخطاب لا بن عباس: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد (ص)؟ فكرهت أن اُجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجَحاً بجَحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فقلت: يا أمير المومنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت، قال: تكلم، قلت: أما قولك يا أمير المومنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأمّا قولك: إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجل وصف قوماً بالكراهة، فقال:( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) . فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرّك عليها، فتزيل منزلتك مني»(1) . ولهذا يقول الدكتور طه حسين: «ولكن المسلمين لم يختاروه، خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى

_____________________

(1) تاريخ الطبري: ح4-ص223. وابن الأثير: الكامل-ح3-ص34.


أحد منهم...»(1) . ولهذا يقول عمر بن الخطاب: «... لقد كان-أي النبي- يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام. لا وربّ هذه البينة لا تجتمع عليه قريش أبداً. ولو وليها، لانتفضت عليه العرب في أقطارها، فعلم رسول الله أنني علمت ما في نفسه فأمسك»(2) .

أمّا قول عمر بن الخطاب، أنّ قريشاً لا تجتمع على علي فقد يكون صحيحاً. ولكن ما الضرر في ذلك؟ إنّ قريشاً لم تجتمع على النبي (ص) نفسه، بل اجتمعت ضده وحاربته إحدى وعشرين سنة، ولم تدخل في الإسلام إلّا بعد أن هزمها. فهل كان من اللازم إلغاء النبوّة لأنّ قريشاً كانت تقف ضدها؟ واذا كان هذا موقف قريش من النبي نفسه فكيف يسوغ أن تعتبر موافقتها على أمر علامة على صلاحه ومعارضتها دليلاً على خطأه؟ إن من العجب أن قريشاً التي حاربت النبوّة والإسلام منذ ولادته واستمرت في حربها لهما حتى اثخنتها الجراح، أصبحت هي التي تقرر مصير الأمة الإسلامية وأصبح تأييدها يرجح كفة أي مرشح للقيادة حتى ولو كان ضد مرشح رسول الله (ص).

وصفوة القول في الوصيّة والخلافةـ، أنّ خطورة الموقف بعد

_____________________

(1) طه حسين: الفتنة الكبرى-عثمان-ص153-152-1967.

(2) محمد جواد شري: أمير المؤمنين-ص162-163. نقلاً عن نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وتاريخ الطبري.


وفاة النبي (ص) لم تكن شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مارس العمل العقائدي فضلاً عن خاتم الأنبياء. وإذا كان أبوبكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلاً إيجابياً في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط وخوف الفتنة؟ وإذا كان الناس قد هرعوا إلى عمر حين ضرب قائلين: يا أمير المؤمنين لو عهدت عهداً، خوفاً من الفراغ الذي يخلفه الخليفة؟ بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد بلغته، أن يترك الرسول الساحة بغير خليفة مع علمه بدنو أجله واختلاف أمّته من بعده(1) .

وقد جاء عن الإمام علي في قوله لأبي بكر: «... يا أبا بكر، ألم تر لنا حقّاً في هذا الأمر؟ قال بلى، ولكن خشيت الفتنة، وقد قلّدت أمراً عظيماً...»(2) . ومن خطبة لأبي بكر قال فيها: «.... ألا وإنّي قد ولّيتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك أنّي خشيت فتنة...»(3) ولهذا قيل لأبي بكر: «ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمّر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بدّاً، خشيت على أمة محمد عليه الصلاة والسلام الفرقة»(4) إذن ألم يتنبه النبي (ص) لما تنبه إليه أبو بكر من هذه الفتنة؟ سبحان الله فإنّ الأمر لعجيب، وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: «... ولو قد قال المسلمون بعد وفاة النبي: إنّ عليّاً كان

_____________________

(1) محمد باقر الصدر: بحث حول الخلافة-ص20.

(2) البلاذري: أنساب الأشراف-ح1-ص582.

(3) المصدر السابق: ص590.

(4) السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص71.


أقرب الناس إليه. وكان ربيبه، وكان خليفته على ودائعه، وكان أخاه بحكم تلك المؤاخاة، وكان ختنه وأبا عقبه، وكان صاحب لوائه، وكان خليفته في أهله، وكانت منزلته منه بمنزلة هارون من موسى بنصّ الحديث عن النبي نفسه، ولو قد قال المسلمون هذا كله واختاروا عليّاً بحكم هذا كله للخلافة لما أبعدوا ولا انحرفوا»(1) . ولكن قريشاً أبت ذلك وأرادت خلاف ما أراد الله ورسوله (ص).

هذه جملة من الأدلّة استقيناها من مصادر علماء أهل السنّة وجهابذة الحديث عندهم، ليرى الدكتور الموسوي ومن قال بمقالته أنّ وجود النصّ على خلافة علي بن أبي طالب ممّا لا يمكن إنكاره، والمنكر لذلك يجري عليه قوله سبحانه: «و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا».

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «14» «... و كانت أولى هذه الأمور في الانحراف الفكري ظهور الآراء القائلة بأنّ الخلافة بعد الرسول (ص) كانت في علي بالنصّ الإلهي...».

أقول : لما ثبت بالدليل القطعي على وجود النصّ الإلهي على خلافة علي بن أبي طالب كما تقدم ذلك عن علماء أهل السنّة ورواتهم، فالشيعة ملزمة، بحكم العقل والشرع، بتصديق ما ثبت عن صاحب الشريعة (ص)، لئلا يشاقوا الله ورسوله، وذلك في قوله تعالى:( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ

_____________________

(1) طه حسين: الفتنة الكبرى-عثمان-ص152.


غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (1) . فمخالفة تلك النصوص الصريحة على وجود النصّ، معناه، مخالفة لله ولرسوله (ص)، ولهذا آمنت الشيعة بهذه النصوص لكي لا تنحرف عن الإسلام وما جاء به الرسول (ص)، كما انحرف الدكتور الموسوي عن تلك النصوص وطعن فيها. ولهذا يقال للدكتور: مَنْ المنحرف في فكره، الذي يؤمن بما جاء عن النبي (ص) عن الله، أم المخالف له (ص)؟ فإن قال بالأول، فقد خرج عن الإسلام وإن قال بالثاني، فيصدق عليه الانحراف عن الإسلام أيضاً. ومن هنا يجب على الدكتور أن يؤمن بوجود النصّ الإلهي على خلافة علي بن أبي طالب امتثالاً لرسول الله (ص)، حتى لا ينحرف عن الإسلام ويتبع غير سبيل المؤمنين، فالذي يؤمن بنبوّة محمد (ص)، يلزمه الإيمان بكل ما يصدر عنه، وإلّا لم يكن مؤمناً به (ص) ولا مصدّقاً بنبوّته.

يقول في صفحة «16» «... إنّ هؤلاء الرواة - سامحهم الله - أساؤوا للإمام علي وأهل بيته بصورة هي أشد وأنكى ممّا قالوه ورووه في الخلفاء والصحابة. وهكذا تشويه كل شيء يتصل بالرسول الكريم (ص)... وهنا تأخذني القشعريرة وتمتلكني الحيرة، وأتساءل: أليس هؤلاء الرواة من الشيعة ومحدّثيها قد أخذوا على عاتقهم هدم الإسلام تحت غطاء حبّهم لأهل البيت».

أقول : يظهر من كلام الدكتور الموسوي هذا، أنّ الغاية

_____________________

(1) سورة النساء: الآية 115.


الوحيدة من تأليف الكتاب، هي الطعن في علماء الشيعة ليبعد العامة عنهم، وهيهات هيهات من ذلك فهم نوّاب الأئمة صلوات الله عليهم، وحافظوا الشريعة، وملاذ الأمة، فهؤلاء الذين اقشعر منهم الدكتور وتملكته الحيرة فيهم، هم الذين أجازوه «شهادة الاجتهاد المزعومة». إنّ من يقف على تلك الكلمات التي ملأ منها كتابه سوف يرى أنّ هناك أياد خبيثة وراء هذا الكتاب تريد تفريق كلمة المسلمين، وأنّ المستفيد من ذلك هم أعداء الإسلام، ولهذا كان الدكتور الموسوي هو الوسيلة لإشباع رغبات هؤلاء، حتى أصبح طعمة سائغة يسيرونه حسبما يريدون وأنّى يشاؤون، لنشر هذه الأفكار التي ليس فيها من العلمية ولا الموضوعية سوى المفتريات التي ينسبها إلى الشيعة وعلمائهم. وإلّا فمن هم الرواة الذين أساؤوا للإمام علي وأهل بيته؟ أهم الذين رووا حديث الغدير وقد علمت أنّ هذا الحديث ممّا أجمع المسلمون على روايته، أم الذين رووا حديث الثقلين، الذي رواه جهابذة علماء أهل السنّة وحفّاظهم في صحاحهم ومسانيدهم، أم الذين رووا حديث المنزلة، الثابت عند جميع المسلمين، حتى عند أعداء أمير المومنين، أم حديث سفينة، أم غير ذلك من الأحاديث الناصّة على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ والتي من أجلها حكم الدكتور عليهم بالإساءة إلى الإسلام، ولا ذنب لهم إلّا لأنّهم رووا أحاديث الرسول (ص) في أهل بيته (ص).

يقول في صفحة «19»:«و بعد كل ما ذكرناه ورويناه فقد يكون من الطبيعي أن يرى علي نفسه أولى بخلافة محمد (ص) من


غيره... كما أن من الطبيعي أيضاً أن نقرأ في قلب محمد (ص) ولسانه ما يدل على استخلاف علي بعد وفاته».

أقول : أي شيء ذكره الدكتور ورواه عن الثقات حتى يجعله دليلاً على ذلك، والذي يتصفح كتابه «الشيعة والتصحيح» يرى أنّه قد ملأه بالمفتريات على علماء الشيعة، وقد مرّ ذلك في قوله: وفي الصحاح عن رسول الله (ص) «تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وسنّتي...». مع أنّ هذا الحديث، لم يرو في الصحاح، ولم يعرف راوي هذا الحديث، ولم يكن بهذه الصياغة التي جاء بها الدكتور، بل أنّ الدكتور لم يرو رواية واحدة عن رسول الله (ص) تدل على فضل أو فضيلة لعلي بن أبي طالب. وعلى هذا يقال للدكتور الموسوي:

كيف يكون من الطبيعي أن يرى علي نفسه أولى بخلافة محمد (ص) من غيره؟ مع تأكيده لشرعية خلافة الخلفاء كما تقول في صفحة «19» تحت عنوان:

«الإمام علي يؤكّد شرعية بيعة الخلفاء»

فإذا كانت بيعة الخلفاء شرعية، فلماذا قال عنها الخليفة الأول أبو بكر أنّها فلتة؟ أي بلا مشورة، ومن أين علم الإمام علي أنّه أولى من غيره بالخلافة؟ وهو يؤكّد شرعية بيعة الخلفاء، وما المراد بالأولوية التي رآها الإمام علي لنفسه؟ وأنت يا دكتور رجل الفلسفة، هل المراد بالأولوية، الأولوية العقلية، أم الشرعية؟ فإذا


كان المراد من الأولوية، الأولوية العقلية يلزمه أن يكون الإمام علي هو خليفة رسول الله (ص) لأنّ العقل يحكم بأنّ وجود العلّة أولى من وجود المعلول، ووجودها متقدم على وجود معلولها، والوجود أولى من العدم، وهكذا، فالأولوية هنا متقدمة في الوجود أيضاً، فتثبت الخلافة لعلي عقلاً وخارجاً. هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: فإنّ الخلافة، أي خلافة النبي (ص) أولى من عدمها، لأنّ في الخلافة حفظ الشريعة من الاندثار، وذلك بإجماع المسلمين، على أنّ الإمامة والخلافة بعد النبي (ص) من أهمّ الواجبات التي تتوقف عليها مصالح العباد والبلاد. فكيف يترك رسول الله (ص) هذه الأولوية التي حكم بها العقل الفطري، وأوجبها الضمير الإنساني؟ إلّا إذا قلنا، بأنّ النبي لم يدرك هذه الأولوية، وأدركها الخليفة الأول في تعيينه لعمر بن الخطاب وذلك خوف الفتنة.

وأمّا إذا قلنا بأنّ الأولوية هنا، هي الأولوية الشرعية، بمعني أنّ الشارع نصّ على أن تكون الخلافة لعلي، لأنّه أولى من غيره، وذلك بمقتضي قوله (ص): «أولست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه».

فأعطى رسول الله (ص) الأولوية الشرعية لعلي بن أبي طالب، فتثبت كذلك خلافته. وهذا ما أشار إليه الدكتور الموسوي من حيث يشعر أو لا يشعر وذلك في قوله: «كما أنّ من الطبيعي أيضاً أن نقرأ في قلب محمد (ص) ولسانه ما يدل على استخلاف علي بعد وفاته».


وأمّا إذا لم تكن الأولوية التي رآها الإمام علي، لا عقلية ولا شرعية، فقد حكم الدكتور الموسوي، على الإمام علي، بأنّه يرى ما ليس له فيه حقّ، بل هو من حقّ غيره، لثبوت شرعية بيعة الخلفاء. ولكن خفي على رجل الفلسفة والشريعة، أن شرعية بيعة الخلفاء شيء لا بدّ وأن يستند على بيان الشارع المقدّس، إلّا فلا تكون شرعية. والذي يدل على عدم شرعية بيعة الخلفاء، ما ينقله الذكتور نفسه في صفحة «41».

«ففي يوم الشورى عرض عبد الرحمن بن عوف على الإمام علي الخلافة بقوله:

«أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين».

فقال الإمام:

«كتاب الله وسنّة رسوله واجتهاد رأي».

فكرر عبد الرحمن بن عوف المقالة نفسها وكرر الإمام الإجابة نفسها إلى ثلاث مرات ثم إنحاز عبد الرحمن إلى عثمان وعرض عليه الخلافة بالصورة التي عرضها على الإمام فقبلها عثمان وتّمت البيعة له».

أقول : هذا ما يقوله الدكتور موسى الموسوي. فتارة يرى بأنّ خلافة الخلفاء شرعية، وأنّ الإمام عليّاً أكّد مشروعيّتها، وبايع الخلفاء، وأنّ الخليفة عمر بن الخطاب قوم الآمد، وداوى العمد، وأقام السنّة، إلى آخر ما نسبه إلى الإمام(1) ، ترى الإمام هنا يرفض

_____________________

(1) موسى الموسوي: الشيعة والتصحيح- ص39،28.


سيرة الشيخين أبي بكر وعمر ويؤكّد رفضه لها.

نقول للدكتور الموسوي: هل كانت سيرة الشيخين مخالفة لسيرة رسول الله وسنته، فرفضها الإمام علي (ع)؟ أم أنّها موافقة لسيرة الرسول (ص)، فإن قال بالأول، بطل قوله بأنّ خلافة الخلفاء شرعية، وأنّ الإمام بايع الخلفاء، فكيف يبايع من كانت سيرته مخالفة لسيرة النبي (ص)؟ وإن قال بالثاني، فكيف جاز للإمام أن يرفض سيرة الشيخين مع أنّها موافقة لسيرة النبي (ص)؟ ومن هنا نستشرف بأنّ العلّامة الدكتور الموسوي يكتب بغير قلمه، ويفكّر بغير عقله، ولهذا أصبحت أفكاره التصحيحية أفكاراً تخريبية.

وأما تعليله على شرعية بيعة الخلفاء في قوله صفحة «41»: «فإن كان هذا هو موقف الإمام من الخلفاء الراشدين وهو يصرّح بذلك، فهل نستطيع أن نقول أنّ الإمام كان يظهر شيئاً ويضمر شيئاً آخر؟». فتعليل باطل، فموقف الإمام من الخلفاء كان صريحاً، ولهذا رفض العمل بسيرة الشيخين عندما عرضت عليه الخلافة، لأنّ العمل بها يعني مخالفته لسنّة رسول الله (ص). والخلافة إنّما هي وسيلة لإقامة سنّة رسول (ص) لا مخالفتها. ومن هنا يبطل قول الدكتور كما في صفحة «35»: «بيعة الإمام مع الخلفاء والتأكيد على شرعية الخلفاء الراشدين».

وأمّا استشهاده ببعض أقوال نسبها إلى الإمام علي على مشروعية بيعة الخلفاء، نكتفي بالردّ على بطلانها ما جاء في كتاب


الإمامة والسياسة لا بن قتيبة فهي خير دليل على موقف الإمام علي من الخلافة والخلفاء:

يقول الإمام علي في بعض خطبه: «... اللهم إنّي أستعين بك على قريش، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي وفضلي واجتمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: إصبر كمداً، وعش متأسفاً، فنظرت فإذا ليس معي رفاقة، ولا مساعد إلّا أهل بيتي، فضننت بهم على الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طمعاً، وآلم للقلب من حز الحديد...»(1) .

وفي خطبة أخرى كما في الإمامة والسياسة أيضاً، جاء فيها: «... فقال عمر-للإمام علي-إنّك لست متروكاً حتى تبايع، فقال له علي: إحلب حلباً لك شطره... ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه...»(2) .

والذي يدل على عدم شرعية بيعة الخلفاء، ما جاء عن حفّاظ أهل السنّة الدالة على عدم شرعية بيعة الخليفة أبي بكر، فإذا بطلت شرعيتها، بطلت شرعية بيعة الخليفة الثاني والثالث، لأنّها متفرعة على مشروعية بيعة الخليفة الأول، فإذا بطل الأصل بطل الفرع، وإليك نبذة ممّا جاء في ذلك:

_____________________

(1) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة-ح1-ص155-156.

(2) نفس المصدر: ح1ص 12،11.


أخرج البخاري في صحيحه في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، أنّ عمر بن الخطاب قال: «... ثم أنه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترنّ أمرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرّها...»(1) .

يقول ابن حجر الهيتمي: «روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحهما اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به أنّ عمر خطب الناس-بعد-مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أنّ فلاناً منكم يقول لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وإنّها كذلك إلّا أنّ الله وقى شرّها...»(2) .

وروى الشهرستاني في الملل والنحل عن عمر بن الخطاب قال: «كنت أزور في نفسي كلاماً في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم، فقال أبو بكر: مه يا عمر، فحمد الله وأثني عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنّه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة، إلّا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة «أي دون تدبّر وتمهّل»، وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيّما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فإنّهما

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح4-ص119. ط أولى-1332.

(2) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص8،7. ط 1375ه.


تغرة يجب أن يقتلا»(1) .

يقول الآمدي: «و الذي يدل على ذلك-أي عدم المشورة في بيعة أبي بكر-قول عمر: ألا إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» أي إنّ بيعة أبي بكر من غير مشورة، وقد وقى الله شرّها فلا تعود إلى مثلها»(2) . وفي الكامل لا بن الأثير مثله(3) .

وفي أنساب الأشراف للبلاذري: من خطبة خطبها أبو بكر قال فيها: «... ألا وإنّى قد وليتكم ولست بخيركم، ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك أنّي خشيت فتنة»(4) . وفي ذلك يقول الدكتور طه حسين: «فأنت تعلم كيف بويع أبو بكر، وكيف رأى عمر أنّ بيعته كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها، وأنت تعلم أنّ عمر إنّما بويع بعهد من أبي بكر إليه وإلى المسلمين»(5) .

أقول : فإذا كانت بيعة أبي بكر فلتة ومن غير مشورة، وأنّ الله وقى شرّها، فكيف يمكن أن نتصوّر إجتماع شرعية بيعة الخلفاء ومنهم الخليفة الأول، وكون بيعة أبي بكر كانت فلتة وشرّاً على

_____________________

(1) الشهرستاني: الملل والنحل-ح1-ص24. تغرة: غرر بنفسه تغريراً، عرضها للهلاك.

(2) سيف الدين الآمدي: غاية المرام-ص368.

(3) ابن الأثير: الكامل-ح2-ص221.

(4) البلاذري: أنساب الأشراف-ص590.

(5) طه حسين: الفتنة الكبرى-علي وبنوه-ص6.


المسلمين، فإن قلنا بشرعية بيعة الخلفاء، فهي إذن خير محض، وإن قلنا أنّها كانت فلتة فهي شرّ محض، وهل يمكن إجتماع الخير والشر. اللهم إلّا في مذهب فيلسوفنا الدكتور الموسوي. وعلى هذا تبطل مشروعية بيعة الخلفاء وإن ما نسبه الإمام علي ما هو إلّا من المفتريات التي يربأ عنها الباحثون والمتصفون بالعلم منهم.

- لا فصل بين الأوامر الإلهية ورغبات النبي الشخصية -

يقول الدكتر الموسوي في صفحة «20» تحت عنوان: «الفصل بين الأوامر الإلهية ورغبات النبي الشخصية» ما نصّه:

«إن فصل هذين الجانبين في الشخصية المحمدية (ص) يساهم مساهمة كبيرة في إعطاء صورة واضحة عن الجانب الإلهي والشخصي في رسول الله (ص)، وإذا علمنا أنّ النبي الكريم كان يحاول جاهداً للتفريق بين الجانب الإلهي في أقواله وما يصدر عنه من أقوال وأعمال لا صلة لها بالسماء لعرفنا عظمة النبي (ص) وعظمة نفسه الكريمة. فالقرآن عندما يتحدّث عن النبي (ص) بهذه الآيات:

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿4﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) (1) . لا شك أنّه يقصد بذلك أنّه (ص) عند ما يقرأ القرآن ويبلغ المسلمين بالآيات الإلهية وبالأحكام المنزّلة عليهم إنّما ينطق بالوحي وبكلام الله المنزّل على قلبه....

_____________________

(1) سورة النجم: الآيات3-5.


ولكن القرآن الكريم حتى يبيّن الفرق الأساسي بين ما هو رغبة من رغبات النبي الخاصة وما هو أمر إلهي قد حسم الموقف بصورة واضحة وصريحة في آيات العتاب وآيات النهي عن أمور كان النبي (ص) يرغب الإتيان بها ولنقرأ معاً هذه الآيات:

1-( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) .

2-( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) (2) .

3-( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴿6﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ) (3) .

إلى آخر الآيات التي استدلّ بها في التفرقة بين رغبات النبي (ص) الشخصية وبين ما هو أمر إلهي».

أقول : مع الاعتذار الشديد للدكتور الموسوي، إن من لم يعرف قواعد وأصول النحو، لا يعرف أيضاً قواعد وأصول البلاغة والبيان، فالذي لا يميّز بين الفاعل والمفعول، ولا يعرف أدوات الحصر والاستثناء المسبوق بالنفي، كيف أجاز لنفسه أن يفسّر آيات القرآن بالرأي والهوى؟ وكيف أجاز لنفسه أن يدّعي التصحيح؟ وهو لا يعرف مقام الرسول (ص)، ولا يفرّق بين الأوامر الإلهية

_____________________

(1) سورة المائدة: الآية 67.

(2) سورة الكهف: الآية 24.

(3) سورة الأعلى: الآيتان 7،6.


ورغبات النبي (ص). وهل يرغب النبي شيئاً هو خلاف ما يريده الله سبحانه؟ وهل رغبات النبي (ص) خارجة عن أحد الأحكام الخمسة؟ مع أنّ كلاً من أفعال المكلفين لا يخلو من أن يكون خاضعاً لأحد هذه الأحكام. وهل نسي الدكتور الموسوي أم أنّه من الجاهلين؟ أنّ السنّة قول النبي (ص) وفعله وتقريره، فرغبات النبي (ص) هل هي من السنّة أم من البدعة؟ ولا شكّ أنّ السنّة من أهم مصادر التشريع الإسلامي، فالمنكر للسنّة منكر لما جاء به الإسلام، فيكون خارجاً عنه كافراً به، أو أنّ رغبات النبي من البدعة، نعوذ بالله من شطحات العقول. وعلى هذا يقال للدكتور:

كيف نميّز بين رغبات النبي (ص) الشخصية والأحكام الإلهية؟ والقرآن الكريم يأمرنا بأن نأخذ بكل ما أمرنا به (ص) وذلك في قوله تعالى: «ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا». فالآية هنا مطلقة، بمعنى أنّه لا شيء ممّا يأتينا به الرسول (ص) إلّا وهو من الله، وكل شيء أتى به الرسول (ص) يجب العمل به على وفق الأحكام الخمسة من الوجوب، والندب، والحرمة والكراهة، والإباحة وعلى هذا لا يمكن أن نفصل بين رغبات الرسول (ص) والأحكام الإلهية. فكل ما أتى به الرسول (ص) فهو من الأحكام الإلهية.

والغريب من الدكتور الموسوي، بعد أن ذهب إلى هذه التفرقة، نجده يقول في صفحة «27»: «و هكذا تظهر عظمة رسول الله (ص) بكل قداستها وجلالها حيث لا يريد لأمّته ومجتمعه


إلا ما يريده الله لهم». فأي تناقض أعظم من ذلك فهو تارة يدّعي أنّ هناك فرقاً بين رغبات الرسول وما هو من الأوامر الإلهية، وتارة، أنّ النبي لا يريد إلّا ما يريده الله. ولهذا يقول كما في صفحة «28»: «و إذا كان الرسول (ص) يرغب رغبة شخصية أن يكون عليّاً-هكذا مكتوبة بالنصب والصحيح بالرفع-خليفة من بعده كما تدلّ على ذلك الأحاديث التي رواها الفريقان بأسانيدهما الصحيحة، لكنّه لم يرغم أمّته على قبول ذلك الخليفة».

أقول : إنّ رغبة الرسول (ص) الشخصية في أن يكون علي خليفة من بعده، لا تخلو، إمّا أن تكون هذه الرغبة، موافقة لما يريده الله سبحانه، أو لا، فإن قال بالأول، فقد ثبت النصّ الإلهي، وأنّه لا فرق بين رغبات الرسول والأوامر الإلهية، وذلك بمقتضي قول الدكتور أنّ النبي لا يريد لأمّته إلّا ما يريده الله لهم، فالله سبحانه أراد لهم أن يكون الإمام علي هو الخليفة الشرعي-و إن قال بالثاني، أي أنّ رغبة النبي (ص) الشخصية ليست من الأوامر الإلهية، بل قد لا يريدها الله، فقد ناقض قوله، وبطل استدلاله القائم على الهوى من دون دليل ولا برهان.

أمّا قوله: «لكنه لم يرغم أمّته على قبول ذلك الخليفة» فهو حقّ، فإنّ القرآن لم يرغم الناس على الإيمان برسالة محمد (ص) ولذا فرض الجزية على من لم يدخل في دين الإسلام، ولهذا جاء في قوله تعالى: «... لكم دينكم ولي دين». فدعوة الرسول ليس فيها إرغام، وإنّما هي قائمة على الإقناع العقلي بالنسبة لغير المسلمين، أمّا بالنسبة لمن آمن به، فيكفي في ذلك بيان ما يريده


النبي (ص) من أمّته، وعلى الأمّة الامتثال والإذعان له وعدم مخالفته، وهذا ما تدلّ عليه الأحاديث التي رواها الفريقان بأسانيد صحيحة كما يقول، وكما تقدمت جملة منها.

وأمّا استشهاد الدكتور بقوله تعالى: «و ما ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى». فهو دليل على أنّ كل ما ينطق به الرسول (ص) وما يقوله، فهو وحي من الله، وذلك بمقتضي النفي والإثبات، بالإضافة إلى قوله تعالى: «و لو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين». فلو كانت رغبة النبي (ص) مخالفة لما يريده الله سبحانه، فتكون تقوّلاً على الله، ومن هنا يثبت النصّ على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالبرهان التالي:

خلافة الإمام علي يرغبها رسول الله

وكلما يرغبه رسول الله يريده الله.

فالنتيجة

خلافة الإمام علي يريدها الله سبحانه.

أمّا دليل الصغرى، فهو قول الدكتور الموسوي: «الرسول يرغب رغبة شخصية أن يكون علي خليفته».

وأمّا دليل الكبرى، قوله: أن النبي (ص) «لا يريد لأمّته ومجتمعه إلّا ما يريده الله لهم».

فالنتيجة تكون صحيحة، لصحة المقدمات عند الدكتور، وهذا قياس من الشكل الأول، يلزم الدكتور الإيمان به وبنتيجته.


من العرض المتقدم، والروايات التي ذكرناها، والتي تنصّ على خلافة الإمام علي (ع) وأنّ الخلافة لا تكون إلّا بالنصّ الإلهي يظهر بطلان ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «32»: «و بعد كل هذا ونحن نؤدّي رسالة التصحيح في هذا الكتاب، بعيدة عن الأهواء والعصبيات وتقاليد الآباء والأمهات، إنّها رسالة موّجهة إلى الطبقة المثقفة وأصحاب الأفكار الحرّة من أبناء الشيعة الذين عليهم عقدت الآمال في السير وراء التصحيح. ولذلك أرى أن أعرج على البند الثاني وهو قول الإمام علي في الخلافة لنرى بوضوح كيف أنّ الإمام كان يقول بصراحة أنّه لا نصّ هناك من الله في الخلافة».

وقد استدلّ الدكتور الموسوي ببعض ما جاء عن الإمام علي من أقوال في الخلافة والتي لا تنهض دليلاً على مدّعاه استقاها من نهج البلاغة منها ما في صفحة «33»:

يقول الإمام عليّاً: «هكذا نصب كلمة علي مع أنّها مرفوعة لأنّها بدل عن كلمة الإمام». «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل... إلى آخر الخطبة.

أقول : من تدبّر هذه الخطبة لوجد أنّ الإمام عليّاً بعد أن أبعد عن الخلافة مدّة الخلفاء الثلاثة، أراد أن يلقي عليهم الحجة، لأنّهم أبعدوه عن حقّ كان له وهذا ما ينقله الدكتور نفسه في نفس الصفحة عن الإمام علي، والذي يعتبره دليلا على إنكار الإمام للنصّ، فهو يقول:


«ولنستمع إلى الإمام مرة أخرى وهو يخاطب أهل الشورى قبل بيعة عثمان: «و لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين...».

ويقول أيضاً: «و هذا هو الإمام يجيب بعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟».

«وقد استعلمت فاعلم، أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدون برسول الله (ص) نوطاً، فإنّها كانت إثرة شحت عليها نفوس وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم لله والمعود إليه القيامة».

ويقول أيضاً في نفسه الصفحة: «و لنقرأ معاً نصوصاً أخرى للإمام فيها وضوح وصراحة في رغبته عن الخلافة وإنّه كان يدفعها عن نفسه دفعاً، ولكنه كان يعتقد بأنّه أحقّ من غيره بها، ولم يذكر الإمام أنّ هناك نصّ من الله وتشريع إلهي «هكذا مكتوب» ورد في الخلافة.

أقول : هذا ما يدّعيه الدكتور الموسوي في البند الثاني من رسالته التصحيحية، من أنّ الإمام كان يقول بصراحة أنّه لا نصّ من الله في الخلافة، مع أنّه نقل عن الإمام قوله «و لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري».

أقول للدكتور الموسوي - رجل الفلسفة والشريعة -، كيف علم أهل الشورى بأنّ عليّاً كان أحقّ من غيره بالخلافة؟ لولا وجود النصّ من الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه، وكيف علم


أصحابهعليه‌السلام بأنّ هذا المقام، وهو الخلافة، هم أحقّ به من غيرهم، وأنّ قومهم دفعوهم عن هذا المقام؟ لولا وجود النصّ الصريح، وكيف يعتبر الإمام أنّ القوم استبدوا عليهم بهذا المقام، وهم الأعلون نسباً؟ وكيف كان هذا الاستبداد إثرة شحت عليها نفوس، وسخت عنها نفوس قوم آخرين؟ أكل هذا التألم من الإمام وادّعائه لهذا الحق، وأنه كان يعتقد بأنّه أحقّ من غيره بالخلافة، ولكنه في نفس الوقت كان يدفعها عن نفسه، لعدم رغبته فيها؟ أليس هذا هو التناقض من الإمام في اعتقاد الدكتور الموسوي؟ فالخلافة حقّ من حقوقه (ع) وأنّه أولى بهذا الحقّ، ولم يخطر ببال الإمام أنّ هذا الحقّ سيدفع عنه. وهذا ما نقله الدكتور في قوله ص «34»:

«ويتحدث الإمام مرّة أخرى في كتاب بعثه إلى مالك الأشتر جاء فيه:

«فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته ولا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلّا انثيال الناس على ابن أبي قحافة يبايعونه فأمسكت يدي».

وهذا قول صريح من الإمام لاعتقاده أنّه لا يخطر بباله أن أحداً من العرب يستطيع أن يخرج أمر الخلافة عن أهل البيت وعنه خاصّة، ولهذا راعه الأمر، بعد تلك النصوص الدالة على خلافته، أن يخالفوها، لاعتقاده بأنّ المسلمين، وهم قريبو عهد من


رسول الله (ص) أن يخالفوا وصيته في استخلافه من بعده (ص)، ولما رأى ذلك أمسك يده حفاظاً على وحدة الإسلام والمسلمين من التشتت والتفكك. ولهذا نرى الدكتور قد أهمل قول الإمام علي كما جاء في النهج من خطبته الشقشقية:

«والله لقد تقمصها مني.... و هو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى...». كما أهمل استشهاد الإمام بحديث الغدير على خلافته، وشهد له بذلك جماعة منهم أنس بن مالك. كما أهمل ما جاء في كتاب الإمامة والسياسة لا بن قتيبة من حقائق تنصّ على أنّ الإمام عليّاً كان يستشهد على وجود النصّ على خلافته بنصوص كثيرة، كل ذلك أهمله الدكتور بقصد تشويه تلك الحقائق بحجة التصحيح. فالطبقة المثقفة وأصحاب الأفكار الحرّة من أبناء المسلمين، والذين عقدت عليهم الآمال، لتحقيق خلافة الله في الأرض، أكثر معرفة للدوافع التي دفعت الدكتور إلى تأليف كتابه الشيعة والتصحيح، وأن القصد من ذلك زرع الفرقة بين المسلمين.

- مخالفة النصوص الإلهية -

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «36»: «... و إن شئت فقل الإمامة إذا كانت بنصّ إلهي وفيها أمر من السماء سواء أكان علي هو المراد بتولّيها أو غير علي لكانت كل المبررات والأقاويل التي ذكرتها رواة الشيعة وعلماء المذهب الإمامي تذهب أدراج الرياح وتصبح


هباء منبثاً، لأنّ الخلافة عندما تكون بنصّ إلهي وبأمر من الله لا يستطيع أحد مهما كان مقامه أو منزلته في الإسلام أن يقف ضدها أو يخالفها للمبررات التي يتصورها أو يعتقد بها، فلم يكن باستطاعة علي أو غير علي من الصحابة أن يوقف نصّاً إلهياً صدر بالوحي...».

ويقول في صفحة «37»: «و مع كل ما فصلناه في الخلافة وأنّها لو كانت بالنصّ الإلهي لم يستطع أحد مهما كان شأنه أن يعمل خلافها أو يتجاهلها أو ينكرها، إلّا أننا أمام فئة كبيرة من علماء المذهب الشيعي وقد أغفلوا هذا الأمر إغفالاً، ولذلك ذهبوا إلى تأويل بيعة الإمام بالتقية أو الخوف أو أنّه أرغم على أمر لا يعتقد به وخلاف إرادته».

أقوال : أما مخالفات المسلمين - خصوصاً الصحابة منهم - للنصوص الشرعية سواء أكانت من القرآن الكريم، أو من السنّة النبوية، فكثيرة جدّاً، والمنكر لها منكر لما ثبت بالضرورة عند المسلمين، ولكن الدكتور الموسوي، لما لم يكن من أهل المعرفة والاطّلاع على ما جاء في ذلك في كتب القوم، أنكر أن يكون هناك من يخالف النصوص الشرعية، أو أنّه يعتقد-كغيره-أنّ النصّ الشرعي هو ما ورد في القرآن فقط، أمّا السنّة فهي خارجة عن النصوص الشرعية، لأنّ الله سبحانه ما فرّط في الكتاب من شيء، مع العلم أن الدكتور الموسوي أحد الذين خالفوا النصّ القرآني، وذلك في مخالفته لشرعية الزواج المؤقت، ووجوب دفع الخمس، الثابتين بنصوص شرعية، نصّ عليهما القرآن، والدكتور خالف تلك


النصوص، وحكم ببدعة كل من الزواج المؤقت والخمس. وهذا ما أشرنا إليه، وسوف يأتي مزيد من الكلام في ذلك إن شاء الله.

أمّا أول مخالفة وقعت من المسلمين للنصوص الشرعية، فهي مخالفة الرسول (ص) عندما طلب من القوم، أن يقدموا له الدواة والقرطاس ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده، فقال قائلهم: إنّ النبي (ص) ليهجر حسبنا كتاب الله ما فرّطنا في الكتاب من شيء. وهذا ما أجمع عليه المسلمون إلّا الدكتور الموسوي.

والمخالفة الثانية للنصّ الشرعي، مخالفة الرسول عندما أمرهم بتنفيذ جيش أسامة، وفيهم جلّ الصحابة، حتى قال (ص)، نفذوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة. أليس الخطاب هنا متوجهاً إلى صحابة الرسول (ص)؟ وهل استجابوا لهذا الأمر أم أنّهم خالفوه، أم أنّ النبي (ص) في أمره هذا كان يهجر؟ فبماذا يجيب الدكتور الموسوي؟

وعلى هذا فهل يستغرب الدكتور من أن المسلمين خالفوا تلك النصوص القرآنية والأحاديث النبويّة الناصّة على خلافة الإمام علي، كآية الدار أو الإنذار، وآية الولاية الناصّة على ولاية علي (ع) وآية التطهير، والمودّة، وكأحاديث الغدير، والمنزلة والثقلين، والسفينة وغيرها من الأحاديث التي مرّ ذكرها، وكلّها نصوص صريحة على وجود النصّ، أم أنّ تلك الروايات والأحاديث خارجة عن النصوص الشرعية بعد ثبوتها لدى جميع المسلمين، أم أنّ النبي (ص) قالها رغبة ومحبة لا بن عمّة علي بن أبي طالب؟ وأنّ تلك


الآيات لا معنى لها، إلى غير ذلك من الأسئلة التي توّجه إلى الدكتور الموسوي، وإن كنت تريد المزيد فإليك جملة من المخالفات التي وقعت من بعض الصحابة للنصوص الشرعية:

النصّ الأول: قوله تعالى:( فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (1) . قال الإمام ابن عبد البر القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: «فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي» هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج...»(2) .

أقول : هذا فرض من كان خارج مكة، وهو منصوص عليه بصريح القرآن، وقد خالف بعض المسلمين هذا النص فحرموا متعة الحج. روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي النضر قال: قلت لجابر بن عبد الله إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، وابن عباس يأمر بها، قال: فقال لي على يدي جرى الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص) قال عفّان: ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وأنّ رسول الله (ص) هو الرسول وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء»(3) .

_____________________

(1) سورة البقرة: الآية 196.

(2) عبد الحسين شرف الدين: النصّ والاجتهاد-ص185.

(3) الإمام أحمد: المسند-ح1-ص52.


وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: «كنت عند جابر بن عبد الله، فاتاه آتٍ، فقال ابن عباس وابن الزبير إختلفا في المتعتين، فقال جابر فعلنا هما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عمر فلم نعد لهما»(1) .

وفي رواية أخرى كما في صحيح مسلم: «... كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال على يديّ دار الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص)، فلما قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله...»(2) . وفي رواية عن أبي موسى «أنّه كان يفتي بالمتعة فقال له رجل، رويدك ببعض فتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أنّ النبي (ص) قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم»(3) .

وفي رواية كما في صحيح مسلم أيضاً: «... فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة فقال علي ما تريد إلى أمر فعله رسول الله (ص) تنهي عنه، فقال عثمان دعنا منك»(4) . وفي رواية: «قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله

_____________________

(1) صحيح مسلم: ح4-ص131.

(2) نفس المصدر: ص38.

(3) نفس المصدر: ص46،45. والإمام أحمد: المسند-ح1-ص50.

(4) نفس المصدر: ص46.


فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر»(1) .

وفي باب متعة الحج من كتاب النكاح من صحيح مسلم عمن سأل ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال ابن عباس: هذه أم ابن الزبير تحدثك أنّ رسول الله (ص) رخّص فيها فأدخلوا عليها، قال: فدخلنا عليها فإذا هي إمرأة متحشمة عمياء، فقالت: قد رخّص رسول الله (ص).

وروى الترمذي في صحيحه أنّ عبد الله بن عمر سئل عن متعة الحج، قال: هي حلال، فقال له السائل: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أأمر أبي تتبع أم أمر رسول الله (ص)؟ فقال الرجل بل أمر رسول الله (ص). قال لقد صنعها رسول الله (ص)...»(2) . إلى غير ذلك من الروايات الصحاح التي تنهى عن متعة الحج وهذه مخالفة للنصّ الإلهي.

النصّ الثاني: قوله تعالى:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (3) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص131.

(2) الترمذي في صحيحه: ح1-ص157. وانظر عبد الحسين شرف الدين:النصّ والاجتهاد-ص190.

(3) سورة النساء: الآية 24.


وهذه الآية الكريمة تنصّ على إباحة الزواج المؤقّت-زواج المتعة-و قد حرّمها بعض المسلمين بعد أن شرّعها الله ورسوله، وعمل بها المسلمون على عهده (ص) حتى لحق بالرفيق الأعلى، وهكذا استمر العمل بها حتى نهى عنها الخليفة عمر بن الخطاب في قوله وهو على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء»(1) .

أمّا النصوص الدالة على ذلك، فقد أخرجها أصحاب الصحاح في صحاحهم وأصحاب المسانيد من علماء أهل السّنة وحفّاظهم نذكر نبذة منها:

روى الإمام مسلم في صحيحه قال: «... كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص) فلما قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتّموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وابتوا نكاح هذه النساء، فإن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة»(2) .

وعن جابر بن عبد الله قال: «كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه

_____________________

(1) الفخر الرازي: التفسير الكبير-ح10-ص50-سورة النساء( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) .

(2) صحيح مسلم: ح4-ص38.


عمر في شأن عمرو بن حريث»(1) . وفي رواية أبي نضرة قال: «كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عمر فلم نعد لهما»(2) .

وعن قيس قال: سمعت عبد الله يقول: كنّا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء، فقلنا ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله: يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»(3) . وفي رواية: «.... كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي لقد علمت أنّا قد تمتّعنا مع رسول الله (ص) فقال أجل ولكنّا كنا خائفين»(4) .

وفي المسند للإمام أحمد عن عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: «كنّا نتمتع على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر حتى نهانا عمر أخيراً يعني النساء»(5) . وفي رواية: «... فلما ولى عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن وإنّ رسول الله (ص) هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على

_____________________

(1) نفس المصدر: ص131.

(2) نفس المصدر: ص131.

(3) نفس المصدر: ص130.

(4) نفس المصدر: ص45.

(5) الإمام أحمد: المسند-ح3-ص34.


عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء»(1) .

يقول القلقشندي: «و هو - أي عمر - أول من حرّم المتعة بالنساء، وهي أن ننكح المرأة على شيء إلى أجل وكانت مباحة قبل ذلك»(2) . إلى غير ذلك من المخالفات لنصوص القرآن، ومن أراد المزيد منها فليراجع كتاب «النصّ والاجتهاد» للسيد عبد الحسين شرف الدين ففيه المزيد.

- حديث الحوض دليل على وجود المخالفات للنصوص الشرعية من بعض الصحابة -

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «37»: «و هكذا تحطيم كل ما يتعلق بعصر الرسالة وصحابة الرسول (ص)، لأنّ الطريق الوحيد في إظهار عصر الرسالة بما فيه كبار صحابة رسول الله (ص) بالمظهر القاتم، هو إعطاء صورة عن خروج ذلك المجتمع الإسلامي عن أوامر الله الصريحة. وهذا الأمر يتوقف على تصوير الخلافة في علي بنصّ إلهي ومخالفة الصحابة كلهم لهذا النص مع علمهم بذلك وإبلاغ الرسول (ص) إيّاهم...».

أقول : أمّا موقف الشيعة وعلمائهم من صحابة رسول الله (ص)، فهو لا يختلف عن موقف الإسلام، وما جاء به

_____________________

(1) نفس المصدر: ح1-ص52.

(2) القلقشندي: مآثر الأناقة-ح3-ص237. وانظر السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص137.


القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهّرة. ولكن الدكتور الموسوي وغيره، يريدون من الشيعة أن يخالفوا النصوص القرآنية، وما نطق به الوحي على لسانه (ص)، وأن يحكموا بعدالة الصحابة جميعاً، وإن أدّى ذلك إلى المخالفة الصريحة لنصوص القرآن. فالشيعة تعتقد أنّ مجموعة من صحابة رسول الله (ص) سواء في حياته، أو بعد أن انتقل (ص) إلى الرفيق الأعلى، قد مارسوا بعض المخالفات النصيّة، وحكم عليهم القرآن بالنفاق والارتداد. وهذا هو المظهر القاتم كما يقول الدكتور، لذلك المجتمع الإسلامي في مخالفته للأوامر الإلهية الصريحة. فلولا وجود تلك المخالفات من بعض الصحابة، لتلك النصوص، لما حكم عليهم بالنفاق والارتداد عن الإسلام، ولذا كان من المفروض على الدكتور أن ينسب ذلك إلى النصوص الشرعية في حكمه على صحابة رسول الله (ص)، لا إلى الشيعة. لأنّ مقتضي المنطق الشيعي هو الإيمان بكل ما نطق به القرآن وأثبتته السنّة النبويّة، ومن هنا كان الصحابة رضوان الله عليهم في المعتقد الشيعي يتّصفون بالصفات التي وصفهم بها القرآن، فمنهم المتّقون والمجاهدون في سبيل الله، ومنهم المنافقون، ومنهم من أرتد على أعقابه القهقرى، كل ذلك من نتائج مخالفات هؤلاء الصحابة للنصوص الإلهية الواردة في القرآن والسنّة الصحيحة.

أمّا القرآن الكريم، فآيات كثيرة منها، ما جاء في سورة التوبة: «إذا جاءك المنافقون» والأحزاب «و إذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنا لك ابتلى المؤمنون


وزلزلوا زلزالا وإذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلّا غرورا...». ولهذا روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: لما خرج النبي (ص) إلى أحد رجع ناس من أصحابه، فقالت فرقة نقتلهم، وقالت فرقة لا نقتلهم، فنزلت: «فما لكم في المنافقين فئتين»(1) .

ومن النصوص القرآنية الصريحة على وجود بعض المنافقين من صحابة رسول الله (ص) قوله تعالى: «و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم». وقوله تعالى: «و ما محمد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم...».

وأمّا السنّة المطهّرة الدّالة على عدم عدالة الصحابة أجمعين، وأنّ منهم المنافقين والمرتدين، ما جاء في أحاديث الحوض الثابتة في صحاح أهل السنّة منها:

- روايات البخاري في الصحابة -

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت:

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح3-ص22-23.


وما شأنهم، قال: إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا آراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم»(1) . و في رواية عن ابن المسيب: «... إنّه كان يحدّث عن أصحاب النبي (ص) أنّ النبي (ص) قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلأون عنه، فأقول يا ربّ أصحابي، فيقول إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم إرتدوا على أدبارهم القهقرى»(2) .

وعن عبد الله عن النبي (ص) قال: «أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول يا رب أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(3) .

وفي رواية عن أنس بن مالك عن النبي (ص) قال: «ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا». وفي أخرى عن سهل بن سعد قال: «قال النبي (ص):إنّي فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم». و في أخرى عن أبي هريرة: «أنّ رسول الله (ص) قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلأون عن الحوض فأقول يا ربّ أصحابي، فيقول إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»(4) .

_____________________

(1) نفس المصدر:ح8-ص121.

(2) نفس المصدر:ص120.

(3) نفس المصدر:ص119.

(4) نفس المصدر:ص120.


وفي باب قول الله سبحانه: واتّخذ الله إبراهيم خليلا، عن ابن عباس: «... و إن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح، وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم»(1) . وفي رواية: «... ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول: أصحابي فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»(2) .

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت طوبى لك صحبت النبي (ص) وبايعته تحت الشجرة، فقال يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده»(3) . وفي رواية ابن عباس: «... ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم....»(4) .

وفي باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر عن ابن أبي مليكة قوله: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي (ص) كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنّه على إيمان جبريل

_____________________

(1) نفس المصدر: ح4-ص139.

(2) نفس المصدر: ص168.

(3) نفس المصدر: ح5-ص125.

(4) نفس المصدر: ح6-ص55.


وميكائيل»(1) . ولهذا روى السيوطي في جامعه الصغير في حديث صحيح لأحمد في مسنده والبخاري ومسلم عن أنس وعن حذيفة: «ليردن عليّ أناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(2) .

- روايات الإمام مسلم -

روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس: «... ألا وإنّه سيجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح... قال: فيقال لي أنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»(3) .

وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله (ص) ترد عليّ أمّتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا يا نبي الله أتعرفنا، قال نعم، لكم سيماء ليست لأحد غيركم تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول يا ربّ هؤلاء من أصحابي فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك». وفي رواية: «... و أنا

_____________________

(1) نفس المصدر: ح1-ص14.

(2) السيوطي: الجامع الصغير-ح2-ص449.

(3) صحيح مسلم: ح8-ص157.


فرطهم على الحوض ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، فيقال إنّهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً»(1) .

- روايات الإمام أحمد -

عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله (ص) قال: «... ما بال رجال يقولون إنّ رحم رسول الله (ص) لا تنفع قومه، بلى والله، وإنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيها الناس فرط لكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل يا رسول الله أنا فلان ابن فلان وقال آخر أنا فلان ابن فلان، قال لهم أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى»(2) . وفي رواية: «... قال: فأقول أصحابي فقيل إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك قال: فأقول: بعداً بعداً أو قال: سحقاً سحقاً لمن يدل بعدي»(3) . ورواية أنس بن مالك: «... ليردن عليّ الحوض رجلان ممن قد صحبني، فإذا رأيتهما رفعا لي اختلجا دوني»(4) .

وعن أبي بكرة: «أنّ رسول الله (ص) قال: ليردن عليّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني حتى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا

_____________________

(1) نفس المصدر: ح1-ص150-151.

(2) الإمام أحمد: المسند-ح3-ص18.

(3) نفس المصدر: ص28.

(4) نفس المصدر: ص39، وانظر ص88.


دوني فلأقولن ربّ أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(1) . وفي رواية: «... إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم...»(2) . وفي رواية ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): «أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواماً ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك»(3) إلى آخر ما رواه الإمام أحمد.

يقول الشيخ محمود أبو ريه: ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس أنّه قال: لم يكن رسول الله يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة وكان قبلها يعرف بعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم ممّا جاء عنهم في عدّة سور نزلت قبل سورة براءة، منها سورة المنافقين، والأحزاب والنساء والأنفال، والقتال والحشر. أمّا سورة براءة فقد فضحتهم وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة ومن أجل ذلك سميت «الفاضحة» والمبعثرة والمشردة، والمثيرة، والحافرة،... و المدمرة، وسورة العذاب»(4) .

أقول: من هذه الروايات وغيرها، يعتقد الشيعة أن صحابة الرسول (ص) لم يكونوا جميعاً من العدول، بل لم يكونوا جميعاً من المؤمنين، ففيهم المرتد على أعقابه، كما هو صريح تلك النصوص،

_____________________

(1) نفس المصدر: ح5-ص48 وص50.

(2) نفس المصدر: ح1-ص235.

(3) نفس المصدر: ص384، وانظر ص204.

(4) أبو ريه: أضواء على السنّة المحمدية-ص329.


وفيهم المنافقون، وهذا نتيجة مخالفتهم للنصوص الشرعية، وفي مقدمتها النصّ على خلافة الإمام علي (ع). ولهذا فالشيعة تعتقد بالصحابة وفقاً لتلك النصوص حتى لا تدخل تحت قوله تعالى: «و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى»، وأي هدى أوضح من تلك النصوص الواردة على لسانه (ص) باتّفاق جميع المسلمين. ولكن الدكتور الموسوي رانت على عينه غشاوة فهو لم يبصر تلك النصوص الصحيحة والمتواترة شأنه شأن ابن حزم وابن خلدون وأحمد أمين، ومحمد أبو زهرة، والدكتور أحمد شلبي، وإحسان ظهير، وموسى جار الله التركستاني، وغير هؤلاء من الذين أنكروا تلك الأحاديث الواردة في كتب أهل السنّة. وهذه مخالفة صريحة كان من المفروض أن لا يقع فيها هؤلاء ليطعنوا في هذه الأحاديث النبويّة الصحيحة. و في ذلك يقول رسول الله (ص): «أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذّب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»(1) .

ومن هنا يظهر فساد ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «38»: «هذه خلاصة ما كتبه بعض علماء الشيعة ورواه بعض رواة أحاديث الشيعة-سامحهم الله-عن الإمام علي نصّاً وتلويحاً. ولست أدري ماذا يكون موقف هؤلاء يوم القيامة إذا احتكم الإمام ربّه فيهم، كما أنّي أعتقد جازماً أن بين هؤلاء الأكثرية توجد فئة غير

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح1-ص12.


قليلة ساهمت في تغيير مسار الفكر الإسلامي الموحّد إلى طريق الشقاق والنفاق ولضرب الإسلام والمسلمين بما فيهم علي وعمر، مع أنهم في ظاهر الأمر كانوا يظهرون بمظهر حماة المذهب الشيعي، إلّا أنّ الغرض كان هدم المذاهب كلها، وإن شئت فقل الطعن في الإسلام...» إلى آخر مفترياته على علماء الشيعة.

أقول : إنّ المتتبع لكتاب «الشيعة والتصحيح» لم يجد فيه سوى الطعن والسبّ في علماء الشيعة، وهذه هي الغاية من تأليف هذا الكتاب، أمّا عرضه لما كتبه بعض علماء الشيعة، كما يزعم، أو ما رواه رواة الشيعة، عن الإمام علي نصّاً وتلويحاً، فقد تقدمت النصوص الصريحة على ذلك من علماء أهل السنّة ورواتهم، وليست هي من روايات رواة الشيعة. والدكتور الموسوي لم يذكر في كتابه ولا رواية واحدة ممّا نسبه إلى علماء الشيعة وهذا من جملة مفترياته على الشيعة.

وأمّا قوله: «و لست أدري ماذا يكون موقف هؤلاء يوم القيامة...»، فهو موقف صريح نصّت عليه السنّة، بقوله (ص): «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار...». فهذا الحديث، هل يصدق على من والى عليّاً ونصره، أم على من خذله وعاداه؟ فإن قال الدكتور بالأول، فقد بطل قوله: «ولست أدري...» وإن كان لا يدري، فهو غير معذور، فماذا يكون موقفه إذن يوم القيامة، حينما يقول له الإمام علي: إنّك قطعت رحمي فإنّك لست مني؟ ومن هنا يكون علماء الشيعة ورواتهم، هم


وحدهم، تصدق عليهم نصرته وموالاته (ع)، امتثالاً لأمر الرسول (ص)، وهذا هو نصّ الحديث. أمّا الذين خذلوه وحاربوه، وكذبوا كل ما جاء عن النبي (ص) في حقّه (ع)، فيعرف بالرجوع إلى كتاب الشيعة والتصحيح، الذي طعن فيه مؤلّفه بكل الروايات التي وردت في السنّة النبويّة المطهّرة.

وأمّا قوله: «كما أنّي أعتقد جازماً أن بين هؤلاء الأكثرية.... إلى قوله: ساهمت في تغيير مسار الفكر الإسلامي...». فأي اعتقاد يعتقده الدكتور في تغيير مسار الفكر الإسلامي؟ ومن الذي ساهم في هذا التغيير؟ أهم علماء الشيعة ورواتهم، أم الذين طعنوا في تلك النصوص وغيّروها عن مواقعها، وأنكروا وجودها، وأنّ الثقات لم يرووا منها شيئاً، وأنّ جهابذة العلماء لا يعرفونها، وإنّما هي من وضع الشيعة، هؤلاء الذين غيّروا مسار الفكر الإسلامي الذي أراده الله سبحانه لعباده وعلى لسان نبيّه (ص)، أم الذين أنكروا النصّ الصريح على ولاية علي (ع) حتى قالوا: حسبنا كتاب الله ما فرّطنا في الكتاب من شيء؟ من هم إذن حماة الإسلام؟ الذين غيّروا وبدّلوا وارتدوا على أعقابهم القهقرى، أم الذين تمسّكوا بحبل الله، واعتصموا بكتاب الله سبحانه وأهل بيته (ص) بمقتضى ما ورد من روايات التمسّك بالثقلين كما مرّ؟ وماذا يريد الدكتور في قوله: «إلّا أن الغرض كان هدم المذاهب كلها...»؟ وأي مذاهب كانت في عصر الرسالة حتى أراد علماء الشيعة هدمها؟ وهذه المذاهب التي يدّعيها الدكتور، هل جاء بها الرسول (ص)، أم هي من مبتدعات الدكتور الموسوي؟ فإن قال، أن هذه المذاهب


ممّا شرّعها رسول الله (ص) فقد كذّب نفسه، وناقض فكره، لأنّها متأخرة عن عصر الرسالة بفترة غير قصيرة، وإن كانت من مبتدعات الدكتور، فإنّ الشيعة بمقتضى موقفهم من الإسلام، محاربوا كل بدعة، وإنّ مجرّد وجود هذه المذاهب، لدليل على وجود الشقاق بين المسلمين، ولهذا أراد حماة الإسلام أن يقفوا من هذا الشقاق، بهدم تلك المذاهب وإرجاع المسلمين إلى ما أمر الله به ورسوله (ص). وهو التمسك بالثقلين كتاب الله وأهل بيته (ص). لكي يرتفع الخلاف والشقاق بين المسلمين وتكون أمّة واحدة.


- موقف علماء الشيعة من نساء النبي (ص) -

قبل أن نعرض موقف علماء الشيعة من أمّهات المؤمنين، ننقل كلام الدكتور الموسوي كما في صفحة: «43، 44»: «و لا بدّ أن أذكر أيضاً موقف الإمام علي من السيدة عائشة بعد حرب الجمل، فقد كرّم الإمام السيدة أم المؤمنين وأكرمها إكراماً يليق بزوجة الرسول (ص) حينما أعادها من ساحة الحرب مصحوبة بعدد من النساء القرشيات.

أمّا الشيعة فلن تغفر للسيدة عائشة خروجها على الإمام في تلك الحرب... إلى قوله: «و لكني أريد إنهاء هذا الصراع الفكري بالمنطق الشيعي البحت، وهو أنّ الإمام برأ ساحة السيدة عائشة من الحرب التي قادتها، والإمام هو الخليفة الذي كان يقضي بين الناس بالحقّ ولا يحيد عنه قيد أنملة. فإذا كان الإمام قد ألقى اللوم على فئة استغلّوا سذاجة أم المؤمنين وأخرجوها من دارها لتقود حركة مناهضة للخليفة المنتخب والشرعي، فيعني هذا أنّ السيدة عائشة بريئة من كل ما يتعلّق بحرب الجمل وذيولها في نظر الإمام. ولذلك أمر بإكرامها وإرجاعها إلى المدينة بالصورة التي أجمعت عليها


كتب التاريخ ليثبت برائتها «هكذا مكتوبة» من تلك الحرب في نظر القاضي العادل الذي هو الإمام، فلا يحقّ لأحد أن يطعن أو يجرح السيدة عائشة متحديّاً عمل الإمام ورأيه الذي يؤكّده بصريح العبارة عندما يتحدث عن حرب الجمل وإخفاق أم المؤمنين في قيادتها فيقول:

«و لها «أي السيدة عائشة» بعد حرمتها الأولى والحساب على الله تعالى».

أقول : أولاً كان المفروض من الدكتور أن ينقل النصّ بأمانة، وبصريح العبارة لئلا يوهم القارئ، فالإمام علي أكّد رأيه في السيدة عائشة بقوله: «و أمّا فلانة فأدركها رأي النساء، وضِغْنٌ غلا في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما آنت إليّ لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأولى والحساب على الله تعالى».

يقول الشيخ محمد عبده في شرحه: «و القين-بالفتح-الحدّاد، أي أن ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان كقدر الحداد فإنّه يغلي مادام يصنع. ولو دعاها أحد لتصيب من غيري غرضاً من الإساءة والعدوان مثل ما آنت إليّ-أي فعلت بي-لم تفعل، لأنّ حقدها كان عليّ خاصّة»(1) .

وثانياً: إنّ حكم الدكتور بسذاجة أم المؤمنين عائشة حتى استغلها من استغلها للخروج من دارها لتقود معركة مناهضة

_____________________

(1) شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده: ح2-ص48.


للخليفة المنتخب والشرعي، فباطل بالضرورة، لأنّ الذين خرجوا معها، كانوا من كبار صحابة رسول الله (ص) عند الدكتور الموسوي، وعلى رأسهم الزبير بن العوام، وطلحة، فهؤلاء هم الذين استغلوا سذاجة السيدة عائشة في رأي الدكتور. و لكن الصحيح أنّ هذه المعركة التي دارت بين طائفتين من المسلمين كان سببها حقد أم المؤمنين وكراهيتها لعلي بن أبي طالب. ولهذا ورد في الصحيح قول رسول الله (ص) لأزواجه: «من منكنّ تنبحها كلاب الحوأب، ثم التفت إلى عائشة وقال: إياكِ أن تكوني أنت». وقد ورد في صحيح البخاري عن عبد الله قال: «قام النبي (ص) خطيباً، فأشار نحو مسكن عائشة فقال: هنا الفتنة-ثلاثاً-من حيث يطلع قرن الشيطان»(1) . فإذا كان هذا هو موقف أم المؤمنين، فهل يمكن أن يقال بأنّ الإمام عليّاً (ع) قد برأ ساحة السيدة عائشة من حرب قادتها بنفسها، حتى راح ضحيتها آلاف من المسلمين ومن صحابة رسول الله (ص) بدافع الحقد والكراهية.

وأمّا إكرام الإمام للسيدة عائشة وإرجاعها إلى المدينة بالصورة التي تليق بها، ليضرب بذلك الإمام علي أروع الأمثال على شهامته ومروءته وحبّه لرسول الله (ص) وهذا ليس فقط بالنسبة لها، بل شمل جميع أعدائه، حتى أنّه صلّى (ع) على قتلاهم وإن كانوا من الناكثين والقاسطين والباغين.

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح4-ص82.


- ما جاء في بعض نساء النبي (ص) من أحاديث -

إنّ موقف علماء الشيعة كما قلنا لا يختلف عن موقف القرآن من نساء النبي (ص). فهناك آيات وأحاديث كثيرة رواها الثقات من علماء الفريقين على صدور بعض المخالفات من أمّهات المؤمنين الدّالة على عصيانهن للنصوص الشرعية. سواء في حياة النبي (ص) أو بعد وفاته. وأول مخالفة صدرت من أم المؤمنين عائشة، هي خروجها لحرب الإمام علي (ع) مخالفة في ذلك النصّ القرآني في قوله تعالى: «و قرن في بيوتكن...». ولا شك أنّ مخالفة أم المؤمنين عائشة لهذا النصّ، تختلف عن مخالفة غيرها من نساء المؤمنين، لأنّ نساء النبي (ص) لسن كغيرهن من النساء، ولهذا فالمخالفة تكون أعظم من مخالفة غيرهن لقوله تعالى:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا ) (1) وقوله تعالى:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ... ) (2) .

وأمّا ما جاء في السنّة، فأحاديث كثيرة، تدل على صدور المخالفات من بعض أزواج النبي (ص) وإيذائه نذكر جملة منها: روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: «لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي (ص) اللتين قال الله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، حتى

_____________________

(1) سورة الأحزاب: الآية 30.

(2) سورة الأحزاب: الآية 32.


حجّ وحججت معه... إلى قوله: من المرأتان من أزواج النبي (ص) اللتان قال الله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، قال: واعجباً لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة... إلى قوله: فوالله إنّ أزواج النبي (ص) ليراجعنه وإنّ إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت قد خاب من فعل ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة، فقلت لها: أي حفصة أتغاضب إحداكنّ النبي (ص) اليوم حتى الليل، قالت نعم، فقلت، قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله (ص) فتهلكي...»(1) .

وفي رواية كما في صحيح البخاري: أنّ النبي (ص) هجر عائشة وحفصة شهراً كاملاً وذلك بسبب إفشاء حفصة الحديث الذي أسرّه لها إلى عائشة، فقالت عائشة للنبي (ص): إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً...»(2) . وفي رواية أنس قال: «... آلى رسول الله (ص) من نسائه شهراً، وكان انفكت قدمه فجلس في عليّة له، فجاء عمر فقال: أطلّقت نساءك، قال: لا، ولكن آليت منهن شهراً...»(3) .

ولنستمع للبخاري مرّة أخرى حيث يعطينا الصورة الواضحة عن موقف أمّهات المؤمنين من النبي (ص)، ومدى احترامهن له،

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح7-ص29،28. و انظر ص52. وأيضاً: ح3-ص133.

(2) نفس المصدر: ح3-ص34.

(3) نفس المصدر: ص135.


فقد أخرج في باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض، في حديث طويل عن عائشة جاء فيه: «... فأرسلن زينب بنت جحش فأتته-أي رسول الله-فأغلظت وقالت: إنّ نساءك ينشدنّك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبّتها حتى أنّ رسول الله (ص) ينظر إلى عائشة هل تكلم، قال: فتكلمت عائشة تردّ على زينب حتى أسكتتها...»(1) .

أقول : إذا كان هذا هو موقف أمّهات المؤمنين من رسول الله (ص)، يهجرنه اليوم واليومين والشهر، ويتخاصمن أمامه (ص)، بل يتراشقن بالشتائم والسباب، وينشدن منه العدل، ويغضبن عليه، كل ذلك قد صدر منهن وبعد هذا كله، يريد الدكتور من علماء الشيعة، أن يقولوا: بأنّ أمّهات المؤمنين جميعهن حافظات لعهد رسول الله (ص)، كما وأنّه يريد منهم، أن يكنّوا الإحترام والتوقير للّاتي آذين رسول الله (ص) وهجرنه، وصغت قلوبهن، حتى نزل بهن قرآن مبين. يريد الدكتور من علماء الشيعة أن يخالفوا الله ورسوله في هذا، وقد خفي على الدكتور الموسوي وغيره قوله تعالى في الذين يؤذون رسول الله (ص) في قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (2) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ح3-ص 157،156.

(2) سورة الأحزاب: الآية 57.


( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) .

ولهذا جاء عن أنس بن مالك أنّه قال قال عمر: «بلغني بعض ما أذين رسول الله (ص) نساؤه، فدخلت عليهن، فجعلت أستقريهن وأعظهن، فقلت فيما أقول: لتنتهين أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر ما كان في رسول الله (ص) ما بعظ نساءه حتى تعظنا أنت، فأنزل الله تعالى: عسى ربّه إن طلقكن...»(2) . وفي ذلك جاء في صحيح مسلم عن أم سلمة (رض): «... أنّ النبي (ص) حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهراً...»(3) بل أن منهن لم تكن حافظة لسرّه (ص)، فعن عمر قال: اعتزل رسول الله (ص) في مشربة شهراً حين أفشت حفصة إلى عائشة الذي أسرّ إليها رسول الله (ص)... إلى قوله: «... فقلت يا رسول الله استغفر لي، فاعتزل النبي (ص) نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعاً وعشرين ليلة وكان قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهراً من شدّة موجدته عليهن حين عاتبه الله...»(4) . ولهذا جاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب: «... فقلت: خابت وخسرت أفتأ من أن يغضب الله لغضب

_____________________

(1) سورة التوبة: الآية 61.

(2) أنظر منتخب كنز العمال على مسند أحمد: ح2-ص31.

(3) صحيح مسلم: ح3-ص125.

(4) صحيح البخاري: ح7-ص30. و انظر منتخب كنز العمال: ح2-ص30.


رسول الله (ص) فتهلكين...»(1) .

هذه جملة من روايات الصحاح، التي تدلّ على صدور المخالفات من أمّهات المؤمنين، كما تعطينا صورة عن موقفهن من رسول الله (ص)، وموقف الرسول (ص) منهن، وضعناها أمام الدكتور ليرى رأيه فيها، لعلّه يرعوي عن مفترياته على علماء الشيعة، ويرجع عن تصحيحه المزعوم، بل تخريبه وتلفيقه وتغييره للثابت بالضرورة من دين المسلمين.

ومجمل القول في الإمامة والخلافة، أنّ الشرع والعقل تطابقا على وجود النصّ الإلهي، وأنّ المسلمين جميعاً أجمعوا على تلك النصوص التي ذكرناها، وهي نصوص صريحة على استخلاف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنّها صادرة عن رسول الله (ص) بلا خلاف، ومقتضى صدورها عن النبي (ص) يلزمنا الإيمان بها والتسليم بمداليلها لئلا نشاقق الرسول (ص) من بعد ما تبيّن لنا الهدى من تلك النصوص، ونتبع غير سبيل المؤمنين الذين آمنوا بها وصدّقوها كما نطق بها الوحي امتثالاً لها، لكي نكون مع الصادقين.

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح3-ص133.


«الكلام في التقية»

قال تعالى:( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (1) .

وقال تعالى:( مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (2) .

هاتان الآيتان تدلان على أنّ التقيّة قد شرّعها الله سبحانه، وأنّها من دين رسول الله (ص)، والمراد من التقيّة شرعاً: إظهار خلاف الواقع في الأمور الدينية بقول أو فعل، خوفاً وحذراً على النفس أو المال أو العرض(3) . وبهذا المعني حكم العقل بحسن العمل بها، لأنّ ترك العمل بالتقيّة يكون موجباً لهلاك النفس، وعلى هذا فالعقل يحكم فيما لو دار الأمر بين أن يكذب المرء وبين

_____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 27.

(2) سورة النحل: الآية 106.

(3) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص181. و انظر الكاظمي القزويني: محاورة عقائدية-ص147.


أن يقتل، فالعقل هنا يحكم بضرورة الكذب، وإن كان في نفسه قبيحاً، خوفاً وحفاظاً على النفس، ويطلق على هذا بالحكم الثانوي في قبال الحكم الأولي وهو حرمة الكذب لغير المضطر. وأمّا الدفاع عن بيضة الإسلام فلا تقيّة فيه بإجماع علماء الشيعة. والدليل على ذلك ما قام به علماء الشيعة في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ومواقفهم في ذلك كثيرة سجلّها التاريخ وعرضها الدكتور الموسوي، ومع ذلك فإنّه يعتقد أنّ التقيّة من البدع التي جاء بها علماء الشيعة، مع أنّها من الأحكام الشرعية الثابتة بنصّ القرآن عند جميع المسلمين، وحكم بها العقل الفطري، وقال بحسنها جميع العقلاء ما عدا الدكتور الموسوي فهو يقول في صفحة «51»:

«إنّني أعتقد جازماً أنّه لا توجد أمّة في العالم أذلّت نفسها وأهانتها بقدر ما أذلّت الشيعة نفسها في قبولها لفكرة التقيّة والعمل بها. وها أنا أدعو الله مخلصاً وأتطلع إلى ذلك اليوم الذي تربأ الشيعة حتى عن التفكير بالتقيّة ناهيك عن العمل بها؟».

أقول : التقيّة-كما قلنا-من الأحكام الشرعية الثابتة عند جميع المسلمين، وقد دلّ على ثبوتها القرآن الكريم والسنّة النبويّة، وإجماع المسلمين، إلّا الدكتور الموسوي، فإنّه يعتقد جازماً أنّ العمل بالتقيّة إذلال للمسلمين وإهانة لهم، فعلى هذا، أنّ الله سبحانه حينما شرّع للمسلمين العمل بالتقيّة في قوله تعالى: «... إلّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان...»، وقوله: «... إلّا أن تتّقوا منهم تقاة»، قد أمرهم بإذلال أنفسهم وإهانتها، ولهذا صعب على الدكتور أن يرى المسلمين، خصوصاً


الشيعة منهم، قد أهانوا أنفسهم وأذلوها، ومن أجل ذلك دعا الله مخلصاً أن يرى اليوم الذي ينحرف فيه المسلمون عن دينهم بتركهم العمل بالتقيّة.

هذا ونقول للدكتور الموسوي: لو خيّرت بين أن تكذب وبين أن تقتل على يد ظالم، أو تضرب بالسياط حتى ينسلخ جلدك ويذهب عقلك، فأيّهما تختار، فإن اخترت الأول، فقد أهنت نفسك وأذللتها، وإن اخترت الثاني، عدّك العقلاء من المجانين. وعلى هذا يقال لك أيضاً: لو اضطررت إلى أكل الميتة مع أنّها محرّمة كالكذب، فهل تترك لنفسك الهلاك والدمار، أم أنّك تتناول الميتة لدفع الموت عن نفسك، فالعقل والشرع تطابقا على وجوب تناول الميتة دفعاً للضرر، فكذلك العمل بالتقيّة لدفع الضرر عن النفس أو المال أو العرض. ولهذا قال الفقهاء لا تقيّة في الدماء، بمعني أنّ الظالم لو أمر بقتل إنسان ظلماً، يحرم قتله ولو أدّى ذلك إلى الهلاك، لأنّه لا تقيّة في دماء الآخرين.

ومن الأدلّة على مشروعية العمل بالتقيّة قوله تعالى:( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (1) ، فكتمان إيمانه ليس إلّا تقيّة من فرعون وجبروته.

وأمّا السنّة، فقد ورد فيها روايات كثيرة على جواز العمل بالتقيّة، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه في باب كتابة الإمام الناس، عن حذيفة قال: قال رسول الله (ص) اكتبوا لي، من

_____________________

(1) سورة المؤمن: الآية 28.


تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل، فقلنا تخاف علينا ونحن ألف وخمسمائة، فقال: لعلّكم تبتلون، فقال حذيفة، فقد ابتلينا حتى أنّ الرجل منّا يصلي وحده وهو خائف»(1) .

وفي باب المدارة مع الناس عن عائشة قالت: «استأذن على النبي (ص) رجل، فقال ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما ذخل ألان له الكلام، فقلت يا رسول الله (ص) قلت ما قلت ثم ألنت له في القول، فقال: أي عائشه شرّ الناس منزلة عند الله من تركه أو ودّعه الناس اتّقاء فحشه»(2) .

وقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين البخاري ومسلم، والحافظ الذهبي في تلخيصه على المستدرك، عن أبي عبيدة عن محمد بن عمّار بن ياسر عن أبيه، قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبي (ص) وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله (ص) قال له: ما وراءك، قال: شرّ يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك، قال: مطمئن بالإيمان، قال، إن عادوا فعد»(3) .

هذا وقد تجاهل الدكتور الموسوي الأسباب التي جعلت الشيعة

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح2-ص120.

(2) نفس المصدر: ح4-ص47. وانظر القزويني: محاورة عقائدية -ص148.

(3) أنظر السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة -ص183.


يعملون بالتقيّة، فقد مرّت عليهم ظروف لم يسلموا فيها من أنواع التنكيل والتعذيب والاضطهاد، والقتل والتشريد وسمل العيون، والصلب على جذوع النخل، وقطع الأيدي والأرجل، حتى أنّه ليقال زنديق خير من أن يقال شيعة علي، فلو لم يعملوا بالتقيّة حفاظاً على أنفسهم من الهلاك والدمار، لما بقيت لهم باقية، ولما وجد على وجه الأرض شخص يدعى الدكتور موسى الموسوي، فالعمل بالتقيّة كان نتيجته خروج الدكتور إلى الوجود، ولأجل هذا يجب عليه أن يحمد الله مخلصاً، ويشكره على هذه النعمة، نعمة العمل بالتقيّة التي كانت سبباً لوجوده، وإلّا كان في عداد المعدومين، ولكن الدكتور كعادته يحاور أن يلبس الحقّ بالباطل، ويحرّم ما شرّعه الله سبحانه لعباده، في دعوته التصحيحية هذه.

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «52»: «من الصعب عليّ جداً أن أتصور معني التقيّة بالمفهوم الشيعي الخاص، وكما وردت في الكتب الشيعية وتبنّاها بعض علماء المذهب الإمامي وسار عليها منذ الغيبة الكبرى وحتى كتابة هذه السطور.

ولست أدري كيف تدّعي الشيعة بأنّها من أنصار الإمام الحسين سيد الشهداء وإمام الثائرين وهي تعمل بالتقيّة وتعتقد بها وترتضيها لنفسها، ثم لست أدري ما هذا التناقض الغريب في معتقدات الشيعة وحسب الصورة التي رسمتها لهم زعاماتهم عبر القرون».

أقول : وأمّا قوله: «من الصعب عليّ جداً أن أتصور معني


التقيّة...»، فهو حقّ، لأنّ من لا يستطيع معرفة الفاعل من المفعول، والمضاف من المضاف إليه، كيف يستطيع معرفة معاني الكلمات ومداليلها ومفاهيمها؟ فالذي لا يعرف أبسط القضايا البديهية، فكيف يعرف القضايا النظرية؟ ومن يصعب عليه معرفة معني التقيّة بالمفهوم الشيعي، كيف أجاز لنفسه الاجتهاد وهو لا يدرك ما في كتب الشيعة من معان وأفكار؟ مع أنّها سطرت في كتب الشيعة للعوام، فضلاً عن الأعلام. وإليك ما يقوله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الذي يدّعي الدكتور أنّه أجازه شهادة الاجتهاد، في معني التقيّة:

«الثاني: من الأمور التي يشنع بها بعض الناس على الشيعة ويزدري عليهم بها... قولهم (بالتقيّة) جهلاً منهم أيضاً بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها، ولو تثبّتوا في الأمر وتريثوا في الحكم وصبروا وتبصروا لعرفوا أنّ التقيّة التي تقول بها الشيعة لا تختص بهم ولم ينفردوا بها بل هو أمر-قضت به- ضرورة العقول، وعليه جبلت الطباع وغرائز البشر وشريعة الإسلام في أسس أحكامها وجوهريات مشروعياتها تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب... ومن ضرورة العقول وغرايز النفوس أنّ كل إنسان مجبور على الدفاع عن نفسه، والمحافظة على حياته وهي أعزّ الأشياء عليه وأحبّها إليه-و قصة عمّار وأبويه وتعذيب المشركين لهم ولجماعة من الصحابة وحملهم لهم على الشرّ وإظهارهم الكفر مشهورة، والعمل بالتقيّة له أحكامه الثلاثة، فتارة يجب كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة، وأخرى يكون رخصة كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية


له، فله أن يضحّي بنفسه، وله أن يحافظ عليها، وثالثة يحرّم العمل بها، كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل، وإضلال الخلق، وإحياء الظلم والجور، ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة... وتعرف أن اللوم والتعيير بالتقيّة... ليس على الشيعة، بل على من سلبهم موهبة الحرية، وألجأهم إلى العمل بالتقيّة»(1) .

هذا هو معنى التقيّة الذي صعب على الدكتور إدراكه بالمفهوم الشيعي، وهذا التقسيم يتمشى مع الفطرة السليمة. فيجب العمل بالتقيّة إذا كان في إظهار الحقّ تلف للنفس من غير فائدة تعود على الإسلام والمسلمين، كما يحرم العمل بها إذا كان موجباً لرواج الباطل وانتشار الفساد وإحياء الظلم والجور، وبهذا وردت النصوص الشرعية التي أنكرها الدكتور الموسوي.

وأمّا قوله: «و تبنّاها بعض علماء المذهب الإمامي وساروا عليها منذ الغيبة الكبرى» فهو من مفتريات الدكتور على الشيعة وتكذيب للثابت من سيرة علمائهم منذ نشأتهم حتى يومنا هذا، حتى لاقوا من التعذيب والتشريد ما لاقوا، وهذا ما سنشير إليه إن شاء الله.

ومن أغرب ما يدّعيه الدكتور في قوله: بأنّ التقيّة ظهرت عند الشيعة في القرن الرابع الهجري، فهو يقول بعد عرضه لما قام به الأئمة من آل البيت (عليهم‌السلام ) من تدريس وإملاء علنا، وأنّ بيوتاتهم كانت موئلاً للزوّار: «... إنّ فكرة التقيّة التي ظهرت

_____________________

(1) محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة-ص147.


بالمفهوم الشيعي الخاص إنّما ظهرت في أواسط القرن الرابع الهجري».

أقول : إنّ المتتبع لسيرة علماء الشيعة منذ الغيبة وما بعدها، سوف يرى أنّ الشيعة وعلماءهم ساروا على نهج الأئمة من آل البيت (عليهم‌السلام )، فهذا شيخ الطائفة الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هجرية أحد علماء القرن الرابع الهجري، كانت داره موئلاً لطلّاب العلم من جميع الفرق الإسلامية، وكان يناظر كل عقيدة مع الجلال والعظمة باعتراف جميع طوائف المسلمين، ولم يعمل بالتقيّة المزعومة التي زعمها الدكتور الموسوي، وهذا السيد المرتضى علم الهدى، كانت له مدرسة خاصّة، وقد أجرى لطلّابه الجرايات، وكان يقوم بنفسه بتدريس علوم آل محمد، وكذلك أخوه الشريف الرضي. وأمّا شيخ الطائفة الطوسي، فكان أستاذ المجتهدين من الفريقين، حتى قال فيه ابن حجر: له على كل إمام منّة، وليس أدلّ على بطلان مزاعم الدكتور، من هجرة الشيخ من بغداد إلى النجف، وتأسيسه أعظم جامعة إسلامية عرفها تاريخ الفكر الإنساني في القرن الخامس الهجري، فلو كان يعمل بالتقيّة، كما يقول، لكان آمناً بعيداً عن الفتن والاضطرابات التي أدّت إلى تركه بغداد حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت. وهذان الشهيدان الأول والثاني، فهما خير دليل على فساد مفتريات الدكتور، وهكذا نجد القتل والتشريد والاضطهاد قد صاحب الشيعة وعلماءهم منذ فجر تاريخهم، كل ذلك من أجل الدفاع عن العقيدة الإسلامية النقيّة التي أخذوها عن آل محمد (ص)، والتي رسمتها لهم زعاماتهم عبر


القرون، والتي طعن فيها الدكتور الموسوي.

يقول الدكتور في صفحة: «57،56»: «و إنّني لا أشك من أنّ التقيّة كانت من أهم الأسباب التي أدّت إلى التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي للمجتمعات الشيعية أينما وجدت...».

أقول : إنّ رجل الفلسفة والشريعة لا يدري ما يقول، وليته لا يدري، حتى لا يحشر نفسه في عداد العلماء، بل وفي عداد المجتهدين، ولكنه حشر نفسه في عدادهم فوقع في مزالق لا حدود لها، حتى أدّت به إلى القول، بأنّ التخلّف الفكري عند الشيعة نتيجة عملهم بالتقيّة. فإذا كان الشيعة من المتخلّفين فكريّاً؟ فكيف إذن حصلت على شهادتك الاجتهادية؟ أحصلت عليها من المتخلّفين فكريّاً؟ وهل يعقل أن يمنح المتخلّف فكريّاً شهادة الاجتهاد إلى الدكتور الموسوي؟ ورجل الفلسفة غابت عن ذهنه القاعدة المعروفة بين الفلاسفة «فاقد الشيء لا يعطيه». فعلماء الشيعة-حسب تصوّر الدكتور-متخلّفون فكريّاً، وكل متخلّف فكريّاً فشهادته العلمية باطلة، وعلى هذا يقال للدكتور: إمّا أن تكون شهادتك الاجتهادية باطلة، وإمّا أن تكون أنت من المتخلّفين فكريّاً، فإن قلت بالأول، فدخولك في عداد العلماء من الظلم الفاحش، وإن قلت بالثاني، فتكون متخلّفاً فكريّاً والحمد لله.

والذي يدل على تخلّف الدكتور الفكري، عرضه لسيرة أئمة الشيعة، وما قاموا به من درس وتدريس وأدعية، وجعل ذلك دليلاً على عدم عمل الأئمة بالتقيّة، فهو ينقل عن الإمام علي بن الحسين (عليه‌السلام ) كما في صفحة: «54»:


«إنّ من يقرأ هذه الأدعية يعلم علم اليقين كيف أنّ التقيّة كانت أبعد شيء إلى قلب السجّاد، فقد نسف الإمام في أدعيته تلك الخلافة الأموية الحاكمة نصّاً ومضموناً».

أقول : يحاول الدكتور أن يوهم القارئ بأنّ الأئمة من آل البيت أبعد الناس عن التقيّة، والمتتبع لسيرة الأئمة يجد أنّهم كانوا أول من عمل بها، حتى أدّى الأمر بهم إلى عدم التقائهم بالخلص من شيعتهم خوفاً عليهم من الهلاك، بل أنّ منهم من أغلق بابه ومنع شيعته من زيارته، حتى أدّى بالبعض من رواتهم أنّه لا يصرّح بأسمائهم، وإنّما يقول: قال العالم أو العبد الصالح، خوفاً وحذراً من عيون بني أميّة وبني العباس، حتى ورد عنهم (عليهم‌السلام ) قولهم لبعض شيعتهم: إذا نام الناس وهدأت الأعين فأقبل، وكان بعضهم إذا رأى الإمام في الطريق أشاح بوجهه عنه لئلا يعرف فيؤخذ فتضرب عنقه، كل ذلك وغيره سطره علماء التاريخ والسير في تواريخهم وسيرهم، فليراجع الدكتور ليعلم صحّة ما نقول.

وأمّا قوله: إنّ من يقرأ هذه الأدعية، فمردود عليه، لأنّ هذه الأدعية لم تعرف إلّا من طريق علماء الشيعة ورواتهم، فالشيعة منذ القديم وحتى يومنا هذا، كانوا يتناقلون هذه الأدعية جيلاً بعد جيل، وكان أكثر الشيعة يحفظونها ويعلمونها لأبنائهم في المساجد والمدارس حتى وصلت إلينا بالصورة التي رآها الدكتور الموسوي، فلولا أولئك العظام من علماء الشيعة لما وصلت إلى يد الدكتور تلك الأدعية المأثورة عن الإمام علي بن الحسين (عليه‌السلام )، بل إنّ كثيراً من علماء الشيعة شرحوا تلك الأدعية وبيّنوا معانيها وما تهدف


إليها. فأين هذا من التقيّة التي يقول بها الدكتور.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المذهب الشيعي بعقائده وأحكامه، لم يظهر بصورته الواضحة إلّا في القرن الرابع والخامس الهجري، الذي ظهرت فيه التقيّة، كما يزعمه، فقد ألف علماء المذهب آلافاً من الكتب التي تناولت شتى العلوم خصوصاً ما يتعلق بعلوم الإسلام وعلى الأخص ما يتعلق بالعقيدة، وكانوا يناظرون المخالفين وبقية الديانات في المساجد والمدارس ومنازل الأمراء والعلماء، لم يثنهم خوف ولا إزهاق نفس، كل ذلك للدفاع عن العقيدة الصحيحة، وما كتبه الشيخ المفيد والسيد المرتضى والكراجكي والشيخ الطوسي، والخواجه نصير الدين والعلّامة الحلّي والشهيدان وغير هؤلاء من زعامات الطائفة الشيعية لدليل واضح على فساد مفتريات الدكتور الموسوي.

ونختم هذا الفصل بما يقوله في صفحة «59»: «و ليعلموا أيضاً أنّ ما نسبوه إلى الإمام الصادق (ع) من أنّه قال: «التقيّة ديني ودين آبائي». إن هو إلّا كذب وزور وبهتان على ذلك الإمام العظيم».

أقول : وممّا يؤسف له أن يتهم الدكتور رواة الشيعة بالكذب والزور والبهتان من غير خجل ولا حياء، وهو يدّعي الانتساب إلى أولئك الرواة الذين حكم عليهم بالافتراء، مع أنّه اعتبر نفسه من العلماء العارفين بمضامين الروايات، وهو لا يعرف أبسط قواعد اللغة، فكيف يستطيع معرفة معاني الأحاديث ولهذا نراه يطعن في


الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع) في قوله: «التقيّة ديني ودين آبائي». أليست التقيّة بالمفهوم الشيعي المتقدم والذي نطق به القرآن من دين الإمام الصادق ودين آبائه، أم أنّ الدكتور أخرج الإمام الصادق عن الإسلام، حتى لا تكون التقيّة من دينهم (عليهم‌السلام )؟ مع أنّ التقيّة من الأحكام الشرعية عند جميع المسلمين ما عدا الدكتور الموسوي. وعلى هذا يثبت للقارئ الكريم أنّ الدكتور لا يريد إصلاحاً وتصحيحاً، وإنّما يريد إفساداً وتغييراً لحكم الله.


الإمام المهدي المنتظر

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «60»: «إنّ فكرة ظهور رجل من آل محمد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فكرة جميلة ومليئة بالآمال الخيرة، ولكن علماء الشيعة ألصقوا بالإمام المهدي جناحين أثقلا كاهل الشيعة في كل زمان ومكان. و هذان الجناحان هما بدعة الخمس في أرباح المكاسب وبدعة ولاية الفقيه، فالأولى تعني دفع ضريبة مالية ما أنزل الله بها من سلطان، والثانية تعني عبودية الإنسان للإنسان بلا قيد ولا شرط».

أقول: إنّ أي فكرة أو مبدأ في العقيدة الشيعية، لا بدّ وأن يخضع لميزان الشرع، سواء أكانت تلك الفكرة جميلة وحسنة، أم قبيحة، لئلا تدخل تحت عنوان البدعة، ومنها فكرة ظهور رجل من آل محمد (ص) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فإن دلّ الدليل الشرعي والعقلي على ثبوتها، وجب العمل به وعدم مخالفته، وهذا أصل من أصول الشيعة، فما ثبت بالدليل عن الرسول (ص) فهو كالقرآن الكريم من حيث الصدق ووجوب العمل. وقد ثبت عن الرسول (ص) بإجماع الأمّة الإخبار عن المهدي، ولذا فالشيعة


ملزمون كمؤمنين بالنبي (ص) أن يصدّقوا بالمهدي، وإلّا كانوا كمن أنكر النبوّة، لأنّ إنكار السنّة مع العلم بثبوتها عن النبي (ص) إنكار للنبي ولرسالته بالذات. وبمعني آخر، أنّ التصديق بنبوّة النبي (ص) يستدعي التصديق بالمهدي بعد العلم بأنّه (ص) أخبر عنه، ولا يمكن لنا الفصل بين الإيمان بالنبوّة والإيمان بالمهدي بعد ثبوت الإخبار عنه، ولهذا لا مجال للكلام في ذلك، وإنّما الكلام فيما ورد عن النبي (ص) من أحاديث وأخبار تثبت ذلك. وقد جاء في صحاح أهل السنّة من الأخبار عن المهدي ما لا يبلغه الإحصاء، حتى ألف أكابر مشايخ أهل السنّة كتباً خاصّة مليئة بأحاديث الرسول (ص) التي تبشر بظهور المهدي.

أمّا الدكتور الموسوي فقد أهمل تلك النصوص ولم يتعرّض لها لا من قريب ولا من بعيد، وأشاح بوجهه عنها، وغضّ الطرف عن وجودها وتواترها، مشيراً إلى الجناحين اللذين ألصقهما - كما يقول - علماء الشيعة بالمهدي المنتظر، وهما بدعة الخمس، وولاية الفقيه، وهاتان المسألتان هما السبب في تأليف كتاب «الشيعة والتصحيح»، لكي يطعن في علماء الشيعة من دون دليل ولا برهان، ولهذا أنكر وجود المهدي وظهوره وجعل ذلك فكرة جميلة مليئة بالآمال والتطلعات التي لم يأت بها الإسلام. ونحن نشير إلى نبذة ممّا رواه أمناء الحديث من علماء أهل السنّة وحفّاظهم على وجود المهدي وأنّه من ولد فاطمة (عليها‌السلام ) من أبناء الحسين بن علي بن أبي طالب (ع).


«الإمام المهدي المنتظر في كتب أهل السنّة»

يقول ابن خلدون: «إعلم أنّ في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنّ عيسى ينزل من بعده... إلى أن يقول: إنّ جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي، منهم: الترمذي وأبو داود والبزار وابن ماجة والحاكم والطبري وأبويعلي الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن أياس وعلي الهلالي... و لفظ الترمذي: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي. وفي لفظ آخر: حتى يلي رجل من أهل بيتي، وكلاهما حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً من طريق موقوفاً على أبي هريرة، وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال: وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما أصلته من الاحتجاج بأخبار عاصم إذ هو إمام من أئمة المسلمين...»(1) .

أقول : ومع ما ذكره ابن خلدون من صحّة الحديث، وأنّه رواه الثقات من علماء أهل السنّة، فإنّه يحاول تضعيف كل حديث

_____________________

(1) ابن خلدون: المقدمة-ص311-312.


جاء بهذا الصدد، وإن كانت هذه الأحاديث ذكرها جهابذة الرواة من أهل السنّة، وفي ذلك يقول أبو رية: «و قد طعن ابن خلدون في أكثر أحاديث المهدي التي جاءت في كتب السنّة عند الجمهور»(1) .

إنّ تكذيب مثل هذه الأحاديث معناه عدم التصديق بسنّة النبي (ص) مع ثبوتها، وهذا يستدعي إنكار النبوّة رأساً. مع أنّ ابن تيمية مع تشدّده على الشيعة فقد أذعن بصحة هذه الأحاديث، فهو يقول: «فأمّا المهدي الذي بشّر به النبي (ص) فقد رواه أهل العلم والعالمون بأخبار النبي (ص) الحافظون لها، الباحثون عنها وعن رواتها، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما، ورواه الإمام أحمد في مسنده. فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي»، وقال (ص): يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثواً»(2) . وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تواتر روايات المهدي المنتظر (ع).

وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله (ص) أبشّركم بالمهدي، يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسّم المال صحاحاً

_____________________

(1) محمود أبو رية: أضواء على السنّة المحمدية-ص206.

(2) ابن تيمية: حقوق آل البيت-ص37-38.


فقال له رجل: ما صحاحاً، قال: بالسويّة بين الناس،قال: ويملأ الله قلوب أمّة محمد (ص) غني ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة فما يقوم من الناس إلّا رجل فيقول: ائت السدان، يعني الخازن، فقل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له أحث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول: كنت أجشع أمّة محمد نفساً....»(1) .

وفي المسند أيضاً عن علي بن أبي طالب قال: «قال رسول الله (ص) المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة»(2) وفي رواية ابن مسعود قال: «قال رسول الله (ص) لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه يواطىء اسمي»(3) . و عن أبي سعيد الخدري: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي أجلى أقنى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً...»(4) . وفي رواية عنه أيضاً قال: «قال النبي (ص) يكون من أمّتي المهدي... يملأ الأرض قسطاً وعدلاً» وفي رواية «... ثم يخرج رجل من عترتي يملك سبعاً أو تسعاً فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً...»(5) .

وفي صحيح أبي داود، عن زر عن عبد الله عن النبي (ص)

_____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح3-ص37. و انظر ص52.

(2) نفس المصدر:ح1-ص84.

(3) نفس المصدر:ص376-377.

(4) نفس المصدر:ح3-ص17.

(5) نفس المصدر:ص27.


قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم، قال زائدة، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه أسمي... و قال في حديث سفيان: لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي، قال أبو داود، لفظ عمر وأبي بكر بمعني سفيان»(1) .

وفي رواية عن علي عن النبي (ص) قال: «لو لم يبق من الدهر إلّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً»(2) . وعن أم سلمة قالت: «سمعت رسول الله (ص) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة»(3) . وعن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله (ص) المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(4) . ولهذا جاء في صحيح البخاري، أنّ أبا هريرة قال: «قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»(5) .

وفي الجامع الصغير للعلّامة السيوطي في حديث صحيح عن النبي (ص) قال: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل

_____________________

(1) أبو داود: صحيح سنن المصطفى-ح2-ص207.

(2) نفس المصدر: ص207.

(3) نفس المصدر: ص207-208.

(4) نفس المصدر: ص208.

(5) صحيح البخاري: ح4-ص168. و أيضاً صحيح مسلم: ح1-ص94.


خراسان فأتوها، فإنّ فيها خليفة الله المهدي»(1) . و في رواية: «لتملأن الأرض ظلماً وعدواناً ثم ليخرجنّ رجل من أهل بيتي حتى يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً»(2) . وفي رواية: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّله الله حتى يملك رجل من أهل بيتي...»(3) وفي أخرى: «منّا الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه»(4) .

يقول ابن حجر في صواعقه: «و أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وآخرون خبر: المهدي من عترتي من ولد فاطمة، وفي أخرى لأحمد وغيره، المهدي من أهل البيت يصلحه الله في ليلة، وفي أخرى للطبراني: المهدي منّا يختم الدين بنا كما فتح... وصحّ عن ابن عباس (رض) أنّه قال: منّا أهل البيت أربعة... ومنّا المهدي... ثم قال: وأمّا المهدي فإنّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً...»(5) .

يقول الدكتور أحمد صبحي: «و قد شاع الاعتقاد في انتظار المهدي عند بعض علماء أهل السنّة.... بعد أن تحدّث فيه بعض علمائهم كالكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان، والسيوطي في كتابه العرف الوردي في أخبار المهدي، وابن

_____________________

(1) السيوطي: الجامع الصغير-ح1-ص100.

(2) نفس المصدر: ح2-ص402.

(3) نفس المصدر: ص438.

(4) نفس المصدر: ص546.

(5) إبن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص237.


حجر العسقلاني في كتابه القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر، كل ذلك ممّا يدل على أنّ عقيدة المهدي قد شغلت حيزاً هاماً من تفكير أهل السنّة جمهورهم وعلمائهم، فضلاً عمّا أسهم به الصوفية في نشر هذه العقيدة...

ولقد شارك في الاعتقاد بالمهدية فريق من أهل السنّة كان أحرى بحكم عدائه التقليدي للشيعة أن يستنكر عقيدة المهدي استنكاره لسائر عقائد الشيعة، أعني المذهب السلفي، ولكن ابن تيمية يعتقد بصحّة الحديث الذي رواه ابن عمر: «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي» وقول النبي: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، كما يرى ابن تيمية أن أحاديث المهدي صحيحة مستنداً إلى مسند أحمد وصحيح الترمذي وأبي داود»(1) .

أقول : يظهر من كلام الدكتور أحمد صبحي أنّ أهل السنّة يستنكرون سائر عقائد الشيعة، وذلك بحكم العداء التقليدي للشيعة، ولهذا يستغرب من عدم إنكار بعض أهل السنّة لعقيدة الشيعة في المهدي، كما استنكروا سائر عقائدهم، ومن هنا يظهر بوضوح أنّ سياسة الأمويين والعباسيين لها دور كبير في هذا العداء وإخفاء ما يتعلّق بأهل البيت من روايات وأحاديث، ومع ذلك، فقد سلمت الأحاديث الواردة في المهدي لتواترها، وبحكم هذا

_____________________

(1) أحمد صبحي: نظرية الإمامة-ص404-405.


التواتر لم يستطيعوا إنكارها كإنكار سائر الأحاديث التي تتعلّق بأهل البيت (عليهم‌السلام )، وعلى هذا كان حديث المهدي، وأنّه من ولد فاطمة صحيحاً عند جميع المسلمين.

إنّ إنكار هذه الأحاديث الواردة عن النبي (ص) في المهدي، لم يكن خاصّاً بابن خلدون وغيره من القدماء، بل تعدّى ذلك إلى بعض المحدّثين ممّن يدّعي البحث العلمي في تتبعه للأحداث التاريخية، منهم على سبيل المثال الدكتور أحمد الحوفي، والأستاذ أحمد أمين.

أمّا الدكتور الحوفي فيقول في المهدي وعقيدة الشيعة فيه: «أغلب الظنّ أنّ هذه العقيدة ليست في حاجة إلى مناقشة طويلة ممّن لا يدينون بها. وهل من المعقول أنّ شخصاً قد مات سيبعث قبل يوم البعث ليحارب ويحكم ويقتص ويعدل بين الناس؟ ولماذا انقضت الأزمان التي حددت لظهوره ولم يظهر في أحدها؟ ثم انقضت أحقاب بعد ذلك، ولا أثر لمهدي واحد من هؤلاء المهديين جميعاً، لكننا لا نكتفي بهذا ونرجّح أن بعض الذين يصدقون الدعوى لا يكتفون، فلنذكر ما يراه المخالفون من تدليل على بطلان الدعوى في رفق وأناة وحيدة لأنّا طلّاب حقيقة ولسنا من أهل التعصّب أو الكلف بالمخالفة. هذه العقيدة أصداء لعقائد قديمة، يتبيّن هذا من تعقّب الدعوى منذ مولدها، فلم ننس بعد أنّ الدعوى وليدة ابن سبأ اليهودي... إلى قوله: وهذه الأحاديث التي رويت في شأن المهدي لم يرد منها شيء في صحيح البخاري أو صحيح مسلم، وإنّما خرّجها جماعة، ومنهم الترامذي وأبو داود...


وقد أحصى ابن حجر الأحاديث المروية في المهدي فوجدها نحو الخمسين، وقال إنّها لم تثبت عنده»(1) .

هذا ما يقوله الدكتور أحمد الحوفي، والمتأمل في ذلك يرى التناقض في كلامه واضحاً، وأنّه لم يتحر الحقيقة، ولم يعرف شيئاً عن عقيدة الشيعة في المهدي، ولم يفحص عن جذور هذه العقيدة من أين صدرت، وهل كانت صادرة عن عبد الله بن سبأ اليهودي، أم أنّها من روح الإسلام وتعاليمه؟ ومن هنا اعتمد الدكتور الحوفي على ما يقوله ابن حجر، مع أنّ ابن حجر سلّم بصحة ما جاء عن النبي (ص) في المهدي من أحاديث، وذكر أن الإمام مسلماً والنسائي والترمذي، وكل هؤلاء من أصحاب الصحاح، قد خرّجوا حديث المهدي وأنّه من ولد فاطمة في قوله: «من ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة: لو لم يبق من الدهر إلّا يوم...»(2) . وقوله أيضاً: «... و صحّ عن ابن عباس أنّه قال: منّا أهل البيت أربعة... منّا المهدي... ثم قال: وأمّا المهدي فإنّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً...»(3) . ومن كل ذلك يظهر بطلان قول الدكتور الحوفي: «... من تدليل على بطلان الدعوى في رفق وأناة

_____________________

(1) أحمد الحوفي: أدب السياسة-ص77-78-79.

(2) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص163.

(3) نفس المصدر: ص237.


وحيدة، لأنّا طلّاب حقيقة، ولسنا من أهل التعصّب أو الكلف بالمخالفة».

فطالب الحقيقة ينبغي أولاً أن يرجع إلى عقيدة الشيعة ليرى رأيهم في المهدي، ثم يبحث عن جذور هذه العقيدة في كتب أهل السنّة، وهل أنّها صادرة عن يهودي يريد الكيد بالمسلمين، أمّ أنّها صادرة عن صاحب الرسالة (ص)؟ حتى لا يقع فيما وقع فيه الدكتور الحوفي من إسناد هذه العقيدة إلى يهودي، وهي صادرة عن خاتم النبيين (ص).

أمّا المخالفة الأولى التي وقع فيها الدكتور الحوفي، والتي تدلّ على عدم تتبعه للحقيقة، وذلك في قوله: «و هل من المعقول أنّ شخصاً قد مات سيبعث...». مع أنّ جميع الشيعة وبعض علماء السنّة، لم يقولوا بموته، وإنّما قالوا بأنّه حيّ يرزق مثله مثل عيسى بن مريم (عليه‌السلام )، والخضر والياس، كما جاء ذلك في صحيح البخاري ومسلم فيما رووه عن النبي (ص) في قوله: «كيف أنتم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم»(1) .

ثم إنّ الدكتور الحوفي نفى بعثة الأموات واعتبرها من الأمور غير المعقولة، وهذا نفي لقدرة الله سبحانه، فالله قادر على أن يحيي الموتى، ودليل ذلك أنّه سبحانه أمات أهل الكهف فلبثوا أمواتاً بضع سنين تزيد على ثلثمائة سنة، ثم أحياهم ليكونوا آية للناس، وهذا دليل على إيمان الشيعة بقدرة الله سبحانه التي نفاها الدكتور الحوفي.

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح4-ص168. وأيضاً صحيح مسلم: ح1-ص94.


وأمّا أحمد أمين فيقول: «و لم نعلم أحداً في التاريخ عمر أكثر من مائة سنة إلّا قليلاً، وعلى كل حال فلم يعمر أحد أبداً... إلى قوله: والمفكّر في هذا يعجب لأمرين، أحدهما: تولية الإمامة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره. مع أنّ الإمامة منصب عظيم يشرف على أمور المسلمين فلا بدّ له من رجل ناضج على تحمّل المسؤولية عارف بأمور الدين ومشاكل الدنيا، والطفل الصغير لا يستطيع ذلك مهما أُوتي من النبوغ...»(1) .

أقول : أمّا قول أحمد أمين: ولم نعلم أحداً في التاريخ عمّر أكثر من مائة سنة، مناقض لما جاء في القرآن الكريم وكتب التاريخ، فأحمد أمين، تجاهل الآية القرآنية القائلة بأنّ نبي الله نوحاً (عليه‌السلام )، عاش في قومه فقط أثناء النبوّة «950 عاماً»، في قوله تعالى:( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ) (2) . وبعد الطوفان عاش «500 عاماً»، وقبل النبوّة عاش «850 عاماً»، وبذلك يكون مجموع ما عاشه نوح ألفين وثلثمائه سنة.

وفي كتاب المعارف لا بن قتيبة، أنّ شيث بن آدم عاش تسعمائة سنة واثنتي عشرة سنة، وآدم عاش ألف سنة(3) . وقال الثعلبي: يقال أنّ الخضر (عليه‌السلام ) لا يموت إلّا في آخر

_____________________

(1) أحمد أمين: ظهر الإسلام-ح4-ص117-118-ط 1975 م.

(2) سورة العنكبوت الآية14.

(3) المعارف-ص1-20.


الزمان عند رفع القرآن، وقال النووي في تهذيبه: قال الأكثرون من العلماء: هو حيّ موجود بين أظهرنا(1) . مع أنّه ولد قبل موسى (عليه‌السلام )، ولهذا أورد العسقلاني أخباراً كثيرة وردت في الخضر وأنّه كان في زمن النبي (ص)(2) .

يقول ابن خلدون في مقدمته عن شداد: «فبني مدينته إرم في صحارى عدن في مدة ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة»(3) . «و لقمان صاحب النسور ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وسلمان الفارسي عمّر طويلاً، فقد ادّعى بعض المؤرّخين أنّه عاصر المسيح وأدرك الإسلام، وتوفى في أيام الخليفة عمر بن الخطاب. كما وأنّ يونس النبي بقي في بطن الحوت مدة طويلة من الزمن...»(4) . وأنّ عيسى (عليه‌السلام ) حيّ يرزق، كما ورد ذلك في القرآن، إلى غير ذلك ممّن عمّروا سنين طويلة.

وإيمان الشيعة بوجود الإمام المهدي الثاني عشر، وأنّه حيّ يرزق، إيمان بقدرة الله سبحانه على إبقاء هؤلاء، وهذا دليل على عظمته سبحانه وقدرته ليكون آية للناس.

وأمّا عجب أحمد أمين في تولية الإمامة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره، فيرتفع بما ورد في كتاب الله، بالنسبة لعيسى بن

_____________________

(1) ابن حجر العسقلاني: الإصابة-ح2-ص293-294.

(2) نفس المصدر: ص302.

(3) ابن خلدون: المقدمة-ص14.

(4) حسن عباس: الصياغة المنطقية-ص403.


مريم، حيث بعثه الله إلى قومه، وجعله نبيّاً، وهو في المهد صبيّاً، حيث يقول عزّ وجل:( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿29﴾ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (1) . فكيف آتاه الله الكتاب وهو في المهد؟ وكيف جعله نبيّاً في هذا السن وعلّمه الكتاب؟ وأوصاه بالصلاة والزكاة وإدارة شؤون العالم، لثبوت نبوّته، ومن هنا يرتفع العجب الذي حصل لأحمد أمين. هذا مع أنّ النبوّة والإمامة لا تحصل عند الشيعة باختيار الناس، وإنّما تحصل بالجعل والاختيار من قبل الله سبحانه، لمن يكون أهلاً لها، ولهذا لا يستبعد أن يقع الاختيار منه سبحانه على من كان في المهد صبيّاً، أو أن يكون في سنّ الرابعة أو الخامسة، ومصداق ذلك، أنّ الله سبحانه آتى يحيى الحكم وعلّمه العلوم وهو صبيّ في قوله تعالى:( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) (2) .

فإذا كان إتيان النبوّة وتعليم الكتاب لصبي في المهد، وإعطاء الحكم ليحيى وهو صبي، فلا يمتنع ذلك على الله أن يجعل الإمامة لمحمد بن الحسن العسكري وهو صبي، إكراماً لنبوّة خاتم الأنبياء والمرسلين (عليه‌السلام )، ليكون دليلاً على بقاء هذا الدين واستمراره، ولئلا يخلو الزمان من أهل البيت مصداقاً لحديث الثقلين، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه (ص) الحوض.

_____________________

(1) سورة مريم: الآيات 29-31.

(2) سورة مريم: الآية 12.


هذه هي فكرة الإمام المهدي المنتظر استخلصناها من مصادر أهل السنّة وحفّاظهم، ليرى الدكتور الموسوي وغيره، أنّ هذه الفكرة، أي فكرة ظهور رجل من آل محمد (ص) فكرة إسلامية، جاء بها النبي (ص) لاستمرار المسيرة الإسلامية حتى قيام الساعة، فإنكارها إنكار لما جاء عن النبي (ص) بأحاديث صحيحة عند جميع المسلمين وبالتالي إنكار لنبوّته ورسالته (ص).

الخمس وولاية الفقيه

وأمّا الجناحان اللذان ذكرهما الدكتور الموسوي، هما بدعة الخمس، وبدعة ولاية الفقيه، فكانا هما السبب الرئيسي لتأليف كتابه «الشيعة والتصحيح»، لينال من علماء المذهب، ويحط من كرامتهم - حسب تصوّره - و منهم جدّه الإمام الأكبر كما يقول ويدّعي - السيد أبو الحسن رحمة الله عليه - وها نحن نشير إلى نبذة من مفترياته في الخمس وولاية الفقيه، ليرى القارئ مدى حقد هذا الرجل على الشيعة وعلمائهم.

يقول في صفحة «63»: «و لكن مع الأسف الشديد أن فقهاء المذهب الجعفري ألصقوا إلى المهدي جناحين شوهوا بهما صورة المهدي الرفيعة الوضاءة، وهذان الجناحان بدعتان كبيرتان ألصقتا بالمذهب الشيعي في عهد ظهور الصراع بين الشيعة والتشيع، وهما تتناقضان مناقضة صريحة واضحة مع نصوص القرآن الكريم وسيرة الرسول (ص) وعمل الإمام علي والأئمة من بعده، البدعة الأولى


هي تفسير الخمس في أرباح المكاسب، والبدعة الثانية هي ولاية الفقيه في المجتهدين...».

أقول : ما علاقة الخمس بالإمام المهدي حتى يكون تشويهاً لصورة المهدي الرفيعة الوضاءة، فإذا كان الخمس سبباً لتشويه هذه الصورة، فهو كذلك سبباً لتشويه صورة النبي (ص) الرفيعة الوضاءة، لأنّه هو المشرّع لهذا الفرض، ثم ما ذنب الإمام المهدي في تشريع الخمس من قبل فقهاء الشيعة-كما يدّعي-والله سبحانه يقول: «و لا تزروا وازرة وزر أخرى». فكان من المفروض على الدكتور أن لا يجعل ذلك تشويهاً لمقام الإمام المهدي، وهو من فعل غيره، وكيف أجاز لنفسه أن يحكم على فريضة شرّعها الله في محكم كتابه، بأنّها بدعة، وذلك في قوله تعالى: «أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى...». فالاختلاف في تفسير الغنيمة، وأنّها في مغانم الحرب خاصّة، أم أنّها تشمل غيرها، يرجع فيه إلى معنى الغنيمة في اللغة، لا أنّه يحكم ببدعتها. والمعروف من مذاهب المسلمين، أنّ من حكم ببدعة شيء ورد فيه النصّ، وثبت بالضرورة من دين الإسلام يكون خارجاً عنه كافراً به، وهذا لا خلاف فيه، ولهذا ذهب جميع الفقهاء، أنّه من أحلّ ما حرّم الله، أو حرّم ما أحلّ الله، يحكم عليه بالخروج عن الإسلام. ولهذا نجد الدكتور الموسوي حكم على كون الخمس بدعة. وها نحن نشير أولاً إلى معنى الخمس ومشروعيته، ثم نعرج على جملة من مفترياته بالتفنيد.


الخمس:

يقول في صفحة «63»: «أمّا ولاية الفقيه فيكاد يكون من المتفق عليه عند علماء المذهب الشيعي إنّها تشمل أرباح المكاسب والغنائم معاً، إلّا أنّ تفسير الغنيمة بأرباح المكاسب ظهر بعد الغيبة الكبرى بقرن ونصف في الكتب الشيعية».

ويقول في صفحة «65»: «... و لكن مع الأسف الشديد أنّ فقهائنا «هكذا مكتوبة» عن عقيدة أو جهل أو ضرورة أضافوا بدعتين صريحتين إلى العمل الاجتهادي ومسخوا كل معالم الإخلاص والعمل لله وهما كما قلنا الجناحان الخفاقان على رؤوس الشيعة ما دامت السماوات والأرض، الخمس في أرباح المكاسب وولاية الفقيه».

أقول : ما علاقة ولاية الفقيه بأرباح المكاسب والغنائم حتى يجعلها مقسماً لهما؟ وكيف اعتبر ذلك من المتفق عليه عند علماء المذهب الشيعي؟ مع أنّ جميع فقهاء المذهب يذهبون إلى ذلك، ومنهم جدّه الإمام الأكبر، وأستاذه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، قالا بأنّ الخمس يشمل أرباح المكاسب، فإن كان قولهما عن عقيدة فقد حكم الدكتور عليهما بالابتداع في الدين والخروج عن ملّة المسلمين، نعوذ بالله من شطحات الشياطين. وإن كان عن جهل، فقد حكم بجهالة جدّه الإمام الأكبر، وجهالة من منحه شهادة الاجتهاد. وكل ذلك باطل. ونحن نشير أولاً إلى معنى الغنيمة، ثم نبيّن مشروعية الخمس وما قاله كل من السيد أبو


الحسن، والشيخ آل كاشف الغطاء رحمة الله عليهما في ذلك، ليتّضح لدى ذوي العقول مدى تحامل الدكتور من دون دليل يركن إليه أو برهان.

أمّا الغنيمة في اللغة، فقد جاء في المنجد أنّ «الغنيمة ما يؤخذ من المحاربين عنوة. المكسب عموماً»(1) . و على هذا فكل مكسب فهو غنيمة، ولهذا فالغنيمة تشمل أرباح المكاسب. وفي ذلك يقول ابن الأثير الجزري في النهاية في باب الغين مع النون في معاني الغنيمة ما جاء في الحديث: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، إنّما سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب، ومنه الحديث: «الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه، غنمه زيادته ونماؤء وما فاضل قيمته»(2) . حيث أنّ الغنيمة لغة هي كل زيادة وكل نماء وما يفضل من قيمة الشيء، وعلى هذا تشمل أرباح المكاسب، لأنّها زيادة ونماء وفاضل عن رأس المال. وفي ذلك يقول السيوطي في الدر النثير تلخيص نهاية ابن الأثير: «الغنم» بالضم الاسم، وبالفتح المصدر، والرهن له غنمه أي زيادته ونماؤه»(3) .

وقد اتّضح ممّا قدمناه أنّ الغنيمة هي مطلق الزيادة والنماء وفاضل القيمة، وتشمل عموم المكسب، ولهذا كان فقهاء الشيعة على حقّ عندما قالوا أنّ الغنيمة تشمل أرباح المكاسب.

_____________________

(1) لويس معلوف: المنجد-ص590.

(2) ابن الأثير الجزري: النهاية في غريب الحديث-ح3-ص186.

(3) نفس المصدر: ص186.


وأمّا مشروعية الخمس، فبالإضافة إلى قوله تعالى: «أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى...»، ما أخرجه البخاري في صحيحه في باب أداء الخمس من الإيمان عندما سئل النبي (ص) فقال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس...»(1) وهذا دليل على أنّ المغنم لم يكن خاصّاً بغنائم الحرب، لأنّ السؤال كان من وفد عبد القيس، لما أتوا النبي (ص) فقالوا: يا رسول الله، إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلّا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل... إلى آخر الحديث(2) .

وفي صحيح سنن الدارمي عن ابن عباس: «... قال: - أي النبي - أتدرون ما الإيمان بالله، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم»(3) .

يقول السيوطي: «و الصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ سهم رسول الله (ص) مردود في الخمس، والخمس مقسوم على

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح-1-ص13-ط1332ه.

(2) نفس المصدر: ص13.

(3) سنن الدارمي: ح2-ص269.


أربعة أسهم على ما روي عن ابن عباس،للقرابة سهم، ولليتامي سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، لأنّ الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين، وقد أجمعوا أنّ حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقّه غيرهم، فكذلك حقّ أهل الخمس»(1) . وعن مجاهد قال: قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة»(2) .

هذا ما أخرجه حفّاظ أهل السنّة في وجوب إخراج الخمس من المغانم التي تشمل أرباح المكاسب، وأنّ الخمس فريضة فرضها الله سبحانه بدل الصدقة، وهي من حقّ الله ورسوله وذوي قرباه. ومن هنا يبطل قول الدكتور كما في صفحة «66»: «إنّ تفسير الغنيمة بالأرباح من الأمور التي لا نجدها إلّا عند فقهاء الشيعة».

وممّا يدل على عدم معرفة الدكتور الموسوي بمشروعية الخمس في أرباح المكاسب، وأنّه يضرب أخماساً بأسداس، وأنّه يفتري على علماء الشيعة، قوله في صفحة «67» وهذا نصّه:

«و كما قلنا قبل قليل إنّ هذه البدعة ظهرت في المجتمع الشيعي في أواخر القرن الخامس الهجري، فمنذ الغيبة الكبرى إلى أواخر القرن الخامس لا نجد في الكتب الفقهية الشيعية باباً للخمس أو إشارة إلى شمول الخمس في الغنائم والأرباح معاً. وهذا هو

_____________________

(1) السيوطي: الدر المنثور-ح10-ص8. وانظر ح3-ص185.

(2) نفس المصدر: ح10-ص5.


محمد بن الحسن الطوسي من أكابر فقهاء الشيعة في أوائل القرن الخامس ويعتبر مؤسس الحوزة الدينية في النجف، لم يذكر في كتبه الفقهية المعروفة شيئاً عن هذا الموضوع مع أنّه لم يترك صغيرة أو كبيرة من المسائل الفقهية إلّا وذكرها في تآليفه».

أقول : إنّ من يقرأ هذه الكلمات يجد أنّ الدكتور الموسوي، إمّا أن يكون جاهلاً بمؤلفات فقهاء الشيعة التي تناولت فريضة الخمس بالبحث والتدقيق قبل وجود الشيخ الطوسي بفترة غير قصيرة، بل منذ عصر الأئمة صلوات الله عليهم، وإمّا أن يكون مفترياً عليهم باخساً حقّهم، وهذا هو شأنه في كتابه الشيعة والتصحيح، الذي ليس فيه من الأمانة العلمية ولا قلامة ظفر. ونحن نذكر ما جاء عن فقهاء الشيعة في القرن الرابع للهجرة عن فريضة الخمس، وأنّها تشمل أرباح المكاسب، ثم نعرج إلى ما جاء عن الشيخ الطوسي، الذي أنكر الدكتور الموسوي تعرّضه لهذه الفريضة الإسلامية، وأنّه لم يذكر في كتبه الفقهية المعروفة شيئاً عن هذا الموضوع، وهذا هو عين الافتراء على شيخ الطائفة، وليس بعيداً ولا غريباً من الدكتور ذلك، وهو لم يترك عالماً ولا فقيهاً من فقهاء الشيعة إلّا وطعن فيه واتّهمه بالابتداع في الدين والخروج عن ملّة المسلمين.

يقول الشيخ المفيد المتوفى سنة «413» وهو من مشايخ السيد المرتضى والشيخ الطوسي في باب الخمس والغنائم من كتاب المقنعة هذا نصّه:


«باب الخمس والغنائم»، والخمس واجب في كل مغنم، قال الله عزّ وجل: واعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى... الآية. والغنائم كلما استفيد بالحرب من الأموال والسلاح والثياب والرقيق وما استفيد من المعادن والغوص والكنوز والعنبر، وكلما فضل من أرباح التجارات والزراعات والصناعات عن المؤنة والكفاية في طول السنة على الاقتصار»(1) .

يقول الشيخ الطوسي في شرحه للمقنعة في باب الخمس والغنائم بعد أن ذكر الروايات الدالة على وجوب إخراج الخمس من الأصناف التي يتعلق بها: «و عنه-أي محمد بن علي-عن محمد بن الحسين بن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه‌السلام ): «على كل امرىء غنم أو اكتسب، الخمس... حتى الخياط ليخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منها دانق...»(2) .

وفي رواية أخرى كما في شرح المقنعة للشيخ الطوسي أيضاً: «أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه‌السلام ) عن الملاحة؟ فقال: وما الملاحة، فقال: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: والكبريت والنفط

_____________________

(1) الشيخ المفيد: المقنعة-ص45.

(2) الشيخ الطوسي: شرح المقنعة-ح4-ص122.


يخرج من الأرض؟ قال: فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس»(1) .

وفي رواية: «سعد بن عبد الله عن أبي جعفر عن علي بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه‌السلام )، أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه؟ الخمس بعد المؤنة»(2) .

وعن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد: قلت له أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك ذلك، فقال لي بعضهم:و أي شيء حقّه، فلم أدر ما أجيبه، فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شيء: فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قال: والتاجر عليه والصانع بيده، فقال: ذلك إذا أمكنهم بعد مؤنتهم»(3) .

وروى الشيخ الطوسي أيضاً عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه؟ فقال: أخرج الخمس من ذلك المال فإنّ الله تعالى قد رضي من المال بالخمس...»(4) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص122.

(2) نفس المصدر: ص123.

(3) نفس المصدر: ص123.

(4) نفس المصدر: ص124.


هذا ما أخرجه الشيخ الطوسي في باب الخمس والغنائم، والذي أنكر الدكتور الموسوي، أن يكون هناك من تعرّض لهذا الموضوع حتى شيخ الطائفة، وقد علمنا أنّ فقهاء الشيعة قد تناولوا هذا الموضوع بالبحث منذ عصر الأئمة (عليهم‌السلام ) حتى يومنا هذا، وإليك ما يقوله الإمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي:

«كتاب الخمس» الذي جعله الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وذرّيته عوضاً عن الزكاة... إكراماً لهم، ومن منع منه درهماً كان من الظالمين والغاصبين لحقّهم، فعن مولانا الصادق (ع): إنّ الله لا إله إلّا هو حيث حرّم علينا الصدقة أبدالنا بها الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال»(1) .

ويقول أيضاً: «الخامس: ما يفضل عن مؤمنة له ولعياله من الصناعات والزراعات وأرباح التجارات وسائر التكسبات...»(2) .

هذا ما يقوله السيد أبو الحسن الموسوي قدّس سره، والذي ينتسب إليه الدكتور، حيث حكم على جدّه بالابتداع في الدين، كما حكم على جميع فقهاء الشيعة بذلك، ومنهم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، الذي منح الدكتور الموسوي شهادة الاجتهاد، فقد جاء عن الشيخ رحمه الله في باب الخمس قوله:

_____________________

(1) أبو الحسن الموسوي: وسيلة النجاة-ح1-ص206-207.

(2) نفس المصدر: ص210.


«الخمس: ويجب عندنا في سبعة أشياء: غنائم دار الحرب، الغوص، الكنز، المعدن أرباح المكاسب، الحلال المختلط بالحرام... والأصل فيه قوله تعالى: «و اعلموا أنّما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى» والخمس عندنا حقّ فرضه الله لآل محمد صلوات الله عليه وعليهم... و يقسم ستة سهام، ثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى، وهذه السهام يجب دفعها إلى الإمام إن كان ظاهراً، وإلى نائبه و«هو المجتهد العادل» إن كان غائباً، يدفع إلى نائبه في حفظ الشريعة وسدانة الملّة، ويعرفه على مهمات الدين، ومساعدة الضعفاء والمساكين لا كما قال محمود الآلوسي في تفسيره مستهزئاً: «ينبغي أن توضع هذه السهام في مثل هذه الأيام في السرداب»(1) . وتبعه في ذلك الدكتور الموسوي.

«هذا وقد ذكر الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلّام المتوفي سنة 224 ه في كتابه «كتاب الأموال» الذي هو من جلائل الكتب ونفائس الآثار، ذكر كتاب الخمس مفصّلاً، والأصناف التي يجب الخمس فيها، ومصرفه وسائر أحكامه، وأكثر ما ذكره موافق لما هو المشهور عند الإمامية»(2) .

هذا هو الجناح الأول الذي كسره الدكتور الموسوي، وهو جناح الخمس، وأمّا اتهامه لبعض فقهاء الشيعة بأنّهم يأخذون هذه الأموال زوراً وبطلاناً من الناس، لأنّها غير شرعية لا يجوز التصرّف

_____________________

(1) محمد حسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة-ص76.

(2) نفس المصدر: ص97. نقلاً عن كتاب الأموال لابن سلام-ص303 إلى ص349.


فيها، فهو افتراء باطل، ففقهاء الشيعة أعلى كعبا من أن يمدّوا أيديهم لحطام الدنيا بعد أن ثبتت عدالتهم واجتهادهم اللهم إلّا أن يثبت عدم عدالة بعضهم، فيخرج ذلك البعض عن كونهم من فقهاء الشيعة، لأنّ من شروط المرجعية عند الشيعة والتي يدفع لها هذه الحقوق، الاجتهاد والعدالة، فإذا انتفت العدالة لا سمح الله، مع ثبوت الاجتهاد، فلا يجوز دفع أي حقّ له، سواء أكان خمساً، أو غيره. ولكن الدكتور يحاول أن يلبس الحقّ بالباطل لكي ينتقص من فقهاء الشيعة.

وأمّا الجناح الثاني، كما يقول، فهو بدعة ولاية الفقيه، أو الحكومة الإسلامية، وها نحن نشير إلى ذلك بشيء من الاختصار، ليرى الدكتور الموسوي ومن لفّ لفّه، أن الطريق المنجي في الدنيا والآخرة، هو القول بولاية الفقيه الجامع لشرطي العدالة والعلم بالقانون الإلهي ليطبقه على واقع الحياة العلمية والفكرية، ولا شكّ عند العقلاء، أنّ الحاكم الجامع لهذين الشرطين، العدالة والاجتهاد، أحقّ من غيره في سياسة الأمّة وإدارة شؤونها، وتطبيق أحكام الله سبحانه، اللهم إلّا عند من لم يرد تطبيق الشريعة الإسلامية، أمثال الدكتور الموسوي، وإعطاء حقّ الولاية وسياسة الناس لكل من هبّ ودبّ وإن كان مجرماً قاتلاً، أو جاهلاً ظالماً، لتعطيل حدود الله سبحانه.

ولاية الفقيه:

قبل أن نتناول ولاية الفقيه، أو الحكومة الإسلامية،


بالبحث، نشير إلى ما ورد على لسان الدكتور موسى الموسوي في كتابه «الشيعة والتصحيح» لنرى جهالة هذا الرجل، وعدم معرفته بأبسط القضايا الفقهية والكلامية، والقانونية، بالمصطلح الحديث، فهو يقول في صفحة «69» وما بعدها:

«ولاية الفقيه هي الجناح أو البدعة الثانية التي أضيفت إلى سلطة الذين يدّعون أنّهم نوّاب الإمام المهدي في عصر الغيبة الكبرى، وهذه الفكرة بالمعنى الدقيق فكرة حلولية دخلت الفكر الإسلامي من الفكر المسيحي القائل إنّ الله تجسّد في المسيح، والمسيح تجسّد في الحبر الأعظم...» إلى آخر مفترياته، بل خرافاته.

أقول : إنّ الدكتور الموسوي لا يدري ما يقول، فأي تلازم بين أن يقال: فلان نائب عن فلان في تصريف شؤونه، وبين حلوله فيه، حتى تكون هذه الفكرة بالمعنى الدقيق، كما يقول، فكرة حلولية. وعلى هذا فالدكتور حكم على جميع الفرق الإسلامية بالحلولية، لأنّها قالت بالنيابة والخلافة عن رسول الله (ص)، فهذا هو الخليفة الأول، يطلق عليه، خليفة رسول الله، فعلى رأي الدكتور أنّ رسول الله (ص) حلّ في أبي بكر، لأنّه خلفه في سياسة الأمّة ورعاية شؤونها، كما أنّ الخليفة الثاني أطلق عليه خليفة خليفة رسول الله، فاللازم أن يكون أبو بكر قد حلّ وتجسّد في الخليفة الثاني، وهكذا بالنسبة إلى الخلفاء الأمويين والعباسيين، حيث أنّ السابق تجسّد في اللاحق لأنّه خلفه، أو أناب عنه في سفره أو رحيله، فأي عاقل يقول بهذا سوى الدكتور الموسوي، فإذا كان


هذا هو معنى الحلول والتجسيد، فالأمة الإسلامية كلها حلولية ومجسّدة، لأنّها تؤمن بالنياية. يقول ابن خلدون: «... وإذا نظرت سرّ الله في الخلافة لم تعد هذا لأنّه سبحانه إنّما جعل الخليفة نائباً عنه في القيام بأمور عباده...»(1) . فعلى رأي الدكتور أنّ الله حلّ في الخليفة، بالإضافة إلى ذلك، فقد ينوب شخص عن شخص في تصريف شؤونه، أو أنّ يكون وصيّاً له بعد وفاته، أو وكيلاً عنه في حياته، ولا شكّ أنّ كل ذلك حكم به الشرع وجاء به الأثر عن النبي (ص) عند جميع المسلمين، ولكن الدكتور حكم عليهم بالحلولية التي دخلت في الفكر الإسلامي من المسيحية، نعوذ بالله من شطحات المنحرفين عن دين الله وسنّة نبيّه (ص).

ولا نريد أن نطيل الكلام في بيان جهالة الدكتور الموسوي، ولكن نشير إلى استدلاله على بطلان ولاية الفقيه، وما في هذا الاستدلال من تهافت، فمن لا يعرف أبسط قواعد النحو، فكيف أجاز لنفسه أن يفسّر الآيات القرآنية بالرأي والهوى، وقديماً قال رسول الله (ص) « من فسّر القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». فالدكتور يقول في صفحة «73»:

«و أعود الآن إلى البحث في ولاية الفقيه من الناحية النظرية والعملية معاً، فأساس النظرية لدى فقهاء الشيعة يرتكز على الآية الكريمة:

_____________________

(1) ابن خلدون: المقدمة-ص196.


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (1)

ويقول علماء الشيعة أن المقصود من أولي الأمر في الآية الكريمة إنما هو الخليفة أو الإمام الشرعي الذي هو الإمام علي ومن بعده أولاده حتى الإمام المهدي، وفي غيبة الإمام المهدي تكون الولاية للفقهاء المجتهدين الذين يحلّون محلّ الإمام وهم النوّاب العامّون.

وخطأ هذا التفسير أوضح من وضوح الشمس، فقبل كل شيء تصطدم نظرية ولاية الفقيه بنصّ صريح جاء في القرآن الكريم وضّح صلاحية الفقهاء وبعبارة واضحة وصريحة، ومن دواعي الأسف والحزن أن كل أولئك الذين أسهبوا في بطلان نظرية الفقيه لم يذكروا هذه النقطة الجوهرية التي تدحض فكرة ولاية الفقيه من أساسها وتنسفها نسفاً أبدياً حتى قيام الساعة. فالآية الكريمة التي تفند ولاية الفقيه وتنصّ على مقدار صلاحية هي:

( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (2) .

فالآية صريحة أنّ واجب الفقيه هو التبليغ والإرشاد في شؤون الدين وليست في الآية إشارة إلى وجوب إطاعة الفقيه أو ولايته. فليت شعري كيف خفيت هذه الآية الكريمة على العلماء والباحثين،

_____________________

(1) سورة الأنفال: الآية 59.

(2) سورة التوبة: الآية 122.


ونحن معاشر الشيعة كسائر المسلمين نجمع إجماعاً عامّاً على أنّه لا اجتهاد أمام النصّ.

إذن فكرة ولاية الفقيه تتعارض مع نصّ الكتاب ومن يعارض النصّ الإلهي يعتبر خارجاً عن الإسلام».

أقول : أمّا قوله: «و يقول علماء الشيعة أنّ المقصود من أولي الأمر في الآية الكريمة إنّما هو الخليفة أو الإمام الشرعي...». فهو قول من يجهل آراء الفرق الإسلامية في مفهوم الإمامة والخلافة. فالإمامة والخلافة لفظتان مترادفتان يراد بهما من يتولى أمور المسلمين. يقول ابن حزم الأندلسي: «فلا يطلق لأحدهم اسم الإمامة بلا خلاف من أحد من الأمة إلّا على المتولي لأمور أهل الإسلام»(1) . وعلى هذا، فإنّ المقصود من ولي الأمر في الآية الكريمة هو الخليفة أو الإمام بإجماع الفرق الإسلامية، كما وأجمعوا أيضاً على وجوب الانقياد له في أمور الدين والدنيا. يقول ابن حزم:

«اتّفق جميع أهل السنّة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وإن الأمّة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله (ص) حاشا النجدات من الخوارج فإنّهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة...»(2) .

_____________________

(1) ابن حزم: الفصل في الملل-ح4-ص90.

(2) نفس المصدر:ص87.


وهذا المعنى لا ينطبق على الحاكم أو الإمام إلّا بالمفهوم الشيعي، لأنّ من شروط الإمام أو الخليفة، العدالة وإقامة حكم الله، وسياسة الأمّة بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله (ص). وهذا لا ينطبق إلّا على الإمام المعصوم، أو الحاكم الجامع لشرطي العدالة والاجتهاد، لأنّ المجتهد وحده هو العارف بأحكام الشريعة، وبالتالي يكون هو النائب الفعلي والمباشر في إقامة أحكام الدين وسياسة المسلمين، ومن هنا تثبت ولاية الفقيه التي نفاها الدكتور الموسوي جهلاً منه بمفهوم الخلافة أو الإمامة. نعم وقع الخلاف بين الفرق الإسلامية، أنّ الخليفة الفعلي بعد الرسول (ص)، هل يكون بالنصّ والتعيين، أو بالاختيار، إلى الأول ذهبت الشيعة وبعض المعتزلة، وإلى الثاني ذهب أهل السنّة والجماعة. ولكن مبدأ الاختيار لا يصار إليه مع وجود شرطي العدالة ومعرفة أحكام الشريعة. وهذان الشرطان لا يمكن تحققهما إلّا بالمفهوم الشيعي، وهو ولاية الفقيه.

وأمّا قوله: «و من دواعي الأسف والحزن... الخ». فمن دواعي الأسف والحزن أن يزج الدكتور الموسوي نفسه فيما لا يعرف، فمن لا يعرف أبسط قواعد النحو واللغة كما قلنا، كيف أجاز لنفسه أن يفسّر كتاب الله لكي يدحض بها فكرة ولاية الفقيه وينسفها نسفاً أبديّاً؟ وكيف استنبط من الآية المتقدمة، أنّ واجبات الفقيه هي التبليغ والإرشاد في شؤون الدين، وأنّ الآية الكريمة ليس فيها إشارة إلى وجوب إطاعة الفقيه أو ولايته؟ وكيف حكم على علماء الشيعة والباحثين منهم خفاء هذه الآية، ولم تخف على


الدكتور؟ وكيف فهم من لا فهم له، أنّه لا اجتهاد أمام النصّ؟ فلو أنّ الآية الكريمة كانت نصّاً صريحاً كما يدّعي، لما اختلفوا في مفهومها، مع أنّ مفهوم آية النفر من الأدلة القويّة التي يستدل بها على وجوب إطاعة الفقيه. وإليك أيها القارئ الكريم معنى الآية الكريمة، لترى جهالة الدكتور الموسوي، ومدى تحامله على الإسلام والمسلمين:

أمّا الآية الكريمة فيراد منها: أن النفر لما كان واجباً بمقتضى كلمة «لولا» في قوله تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة....». وجب إذن الإنذار، بمقتضى قوله تعالى: «و لينذروا قومهم...». فوجوب الإنذار غاية للنفر الواجب، فإذا وجب الإنذار وجب القبول، وإلّا ألغي الإنذار، لأنّ القبول من الفقيه الذي أنذر قومه مترتّب على وجوب الإنذار، وإلّا فلا فائدة مرجوة من الإنذار إذا لم يترتّب عليه القبول، ولهذا فالإنذار لما كان واجباً لترتبه على وجوب النفر والتفقّه في الدين، كان الواجب على الأمّة معرفة المنذر لكي تأخذ دينها منه ليهتدوا إلى الحقّ الواقعي، وذلك بمقتضى تبليغه ووجوب الأخذ منه، وهذا هو معنى ولاية الفقيه أو الحاكم.

وبعبارة أخرى، أن الله سبحانه أوجب النفر على الأمة بالوجوب الكفائي، لأجل التفقه في الدين ومعرفة أحكامه، وذلك لأجل الإنذار، أي أن التفقّه لما كان واجباً، وجب على الفقيه أن ينذر قومه، ولما كان الإنذار واجباً، يلزمه وجوب القبول من المنذر


وهو الفقيه لكي يكون على بيّنة من أمره،و وجوب القبول من الفقيه، معناه وجوب الانقياد له في أمور الدين والدنيا، وهذا هو معنى ولاية الفقيه أو الحاكم الشرعي.

وممّا يدل وجوب الأخذ والانقياد للفقيه الجامع لشرطي العدالة والاجتهاد، قوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». بناء على أن وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب، وإلّا ألغي وجوب السؤال، وإذا وجب قبول الجواب، وجب قبول كلما يصح أن يسأل عنه ويقع جواباً له(1) .

ومن أغرب ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «75»: «أمّا إذا كانت ولاية الفقيه منصباً سياسياً فلماذا ربط بالدين وبالمذهب وظهر في مظهر الفقيه ووجوب الإطاعة لصاحبه؟...».

أقول : هذا هو مبلغ فهم رجل الفلسفة والشريعة، وإدراكه لحقيقة الإسلام وقد غاب عن ذهنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فإذا كان كل مسلم من حقّه رعاية شؤون الآخرين، فما بالك بمن يجمع بين العدالة والاجتهاد، أليس من حقّه سياسة شؤون الأمّة؟ ومن أجاز للدكتور أن يفصل بين أمور الدين والدنيا حتى يبعد السياسة عن دائرة الإسلام والمسلمين؟ إنّ فكرة فصل الدين عن السياسة فكرة جاء بها

_____________________

(1) انظر الشيخ الأنصاري: فرائد الأصول-ص80-81-ط1374ه.


أعداء الإسلام لتقويض معالمه والسيطرة على حرماته، وقد تبنى هذه الفكرة الدكتور الموسوي.

وأما بقية كلامه عن ولاية الفقيه، فلا جدوى من مناقشته، وذلك لعدم اعتماده على المنطق العقلي المستند إلى دليل، وإنّما هو مجرّد سفسطة لا يتّصف بالعلمية ولا الموضوعية، وها نحن نتناول الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه بشيء من الاختصار ففيه الكفاية لمن يريد معرفة حقيقة الدكتور الموسوي، وما يحمله من أفكار.

الحكومة الإسلامية: أو ولاية الفقيه:

لا شكّ أنّ الحكومة الإسلامية في عصر صاحب الرسالة صلوات الله عليه، منوطة به، بلا خلاف، فهو (ص) المتصرف في شؤون الأمة وقيادتها من الناحيتين الدينية والدنيوية، أي من الناحية العبادية التي تتعلق بأمور الآخرة، ومن الناحية السياسية التي تتعلق بأمور الدنيا. وهذه الصلاحية انتقلت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمقتضى النصوص الصريحة المتّفق عليها عند جميع المسلمين، كما مرّت الإشارة إليها، ومن بعده إلى الأئمة المنصوص عليهم بنصوص رواها الفريقان، وبعد حصول الغيبة الكبرى، فإنّ الحكومة الإسلامية عند الشيعة من اختصاص الفقهاء المجتهدين، لأنّهم هم الحافظون للشريعة من أن تتلاعب بها الأهواء، بشرط العدالة، وهذا ما نصّت عليه الأدلة من الفريقين أهل السنّة والشيعة.


يقول ابن خلدون: «... و إذا نظرت سرّ الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنّه سبحانه إنّما جعل الخليفة نائباً عنه في القيام بأمور عباده، ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلّا من له القدرة عليه...»(1) .

هذا ما يقوله ابن خلدون، حيث ذهب إلى أنّ الخلافة سرّ من أسرار الله سبحانه، فالخليفة نائب عن الله في القيام بأمور العباد، وحملهم على ما فيه صلاحهم، وردعهم عمّا فيه فسادهم ومضارهم، والقائم بذلك لا بدّ وأن يكون له الاستعداد والقدرة على تفهّم الأوامر التي يخاطب بها، وهذا لا يكون إلّا للفقيه الحائز على درجة الاجتهاد والعدالة لكي يكون أميناً على ما ائتمن عليه، وحينئذٍ تثبت ولاية الفقيه. ولهذا ورد عن النبي (ص) أنّه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب كان له أجران، فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر». رواه البيهقي عن أبي هريرة(2) .

فالحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي، ولهذا جعلت لأجل إجراء هذا القانون وبسط العدالة الإلهية بين الناس، ومن هنا كانت ولاية الفقيه هي امتداد لولاية النبي (ص) والإمام (عليه‌السلام ). ومبدأ الولاية عند المسلمين هو الله سبحانه خالق كل شيء، وهو المولى الحقيقي، والناس عباد له يجب عليهم

_____________________

(1) ابن خلدون: المقدمة-ص196.

(2) البيهقي: الاعتقاد على مذهب السلف-ص134.


الانقياد لأوامره والانتهاء عن نواهيه. وقد أعطى الله تبارك وتعالى في رأي المسلمين-ولاية الناس بيد النبي (ص)، فقال تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (1) . ثم انتقلت الولاية في رأي الشيعة بعد النبي (ص) إلى أوصيائه وخلفائه (عليهم‌السلام ) المنصوص عليهم تباعاً، بمقتضى الأدلة المتقدمة، وبما أنّ حكومة الإسلام هي حكومة القانون الإلهي، فالفقيه هو المتصدي لأمر الحكومة لا غير، فهو ينهض بكل ما نهض به الرسول (ص) لا يزيد ولا ينقص شيئاً سوى ما أخرجه الدليل، فعليه إقامة الحدود، كما كان يقيمها الرسول، ويحكم بما أنزل الله، ويجمع الحقوق المتعلقة بأموال الناس كما كان يمارس على عهد الرسول (ص)، وينظّم بيت المال، ويكون مؤتمناً عليه. فالمجتهد الجامع للشرائط ليس مرجعاً في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصّاته، لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلّا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلّا بأمره وحكمه(2) .

ونرى أنّه ينبغي التركيز على صفات الحاكم الشخصية، والأدلة التي استندوا إليها في إثبات ولاية الفقيه. فقد اشترط الشيعة في صفات الفقيه الذي يتولى السلطة، وجوب توفّر شرطي العلم بالقانون الإلهي استنباطاً، والعدالة فيه، وإلّا انتفت منه الولاية. ولهذا يرى علماء الشيعة أنّه لا بدّ «... في الوالي من صفتين هما

_____________________

(1) سورة الأحزاب: الآية 6.

(2) السيد كاظم الحائري: أساس الحكومة-ص139-140. و النظر السيد محمد باقر الصدر: فلسفتنا-ص27-و أيضاً محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية -ص15.


أساس الحكومة القانونية، ولا يعقل تحققها إلّا بهما: إحداهما العلم بالقانون، وثانيهما العدالة. ومسألة الكفاية داخلة في العلم بنطاقها الأوسع، ولا شبهة في لزومها في الحاكم أيضاً. وإن شئت قلت: هذا شرط ثالث من أسس الشروط... يرجع أمر الولاية إلى الفقيه العادل، وهو الذي يصلح لولاية المسلمين، إذا يجب أن يكون الوالي متّصفاً بالفقه والعدل. فالقيام بالحكومة وتشكيل أسس الدولة الإسلامية من قبيل الواجب الكفائي على الفقهاء العدول»(1) .

ولهذا يجب أن يتوفّر في الشخص الذي يتولى مهام الحكومة الشروط التالية:

أولاً : صفات المرجع الديني من الاجتهاد المطلق والعدالة.

ثانياً : أن يكون خطه الفكري من خلال مؤلفاته وأبحاثه.

ثالثاً : أن تكون مرجعيته بالفعل في الأمة بالطرق الطبيعية المتّبعة تاريخياً.

رابعاً : أن يرشحه أكثرية أعضاء مجلس المرجعية ويؤيّد الترشيح من قبل عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية، لأنّ الحكومة لا بدّ وأن تكون للأعلم... وفي حالة تعدد المرجعيات المتكافئة من ناحية العدالة والأعلمية والكفاءة، يعود إلى الأمة أمر التعيين من خلال استفتاء شعبي عام(2) .

_____________________

(1) روح الله الخميني: الحكومة الإسلامية-ص143.

(2) محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية-ص21-22.


وقد استدل الشيعة على وجوب ولاية الفقيه بروايات منها، عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال: «قال رسول الله (ص): الفقهاء أمناء الرسول ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1) .

«فالفقهاء أمناء الرسل في قيادة الجيوش وإدارة المجتمع والدفاع عن الأمّة والقضاء بين الناس. والحديث السابق الذي يؤتمن فيه الفقهاء من قبل الرسل يشترط على الفقهاء ألّا يدخلوا في الدنيا، لأنّ الفقيه إذا كان همّه أن يجمع الحطام لم يكن عادلاً، ولم يعد مؤتمناً للرسول، ومنفّذاً لأحكام الشريعة، فالفقهاء العدول هم وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام وإقرار نظمه وإقامة حدود الله، وحراسة ثغور المسلمين. وعلى كل فقد فوّض إليهم الأنبياء جميع ما فوّض إليهم وائتمنوهم على ما ائتمنوا هم عليه، فهم يجبون الضرائب لينفقوها في مصالح المسلمين، وهم يصلحون كل فاسد من أمور المسلمين. وقد كان الرسول (ص) مكلّفاً بتطبيق الأحكام وإقرار النظام، كذلك الفقهاء، فإليهم الحكم، وعليهم يقع عبء تنفيذ الأحكام، وإقامة حدود الله، ومحاربة أعدائه، والقضاء على كل منشأ للفساد(2) .

ومن الأحاديث التي يستند عليها الشيعة أيضاً، ما جاء عن

_____________________

(1) الخميني: الحكومة الإسلامية-ص67.

(2) نفس المصدر: ص69-70.


الإمام الثاني عشر عند الشيعة: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله». يدلّ على أنّهم المرجع في كل الحوادث الواقعية بالقدر الذي يتصل بضمان تطبيق الإسلام على الحياة، لأنّ الرجوع إليهم بما هم رواة أحاديثهم وحملة الشريعة، يعطيهم الولاية، بمعنى القيمومة على تطبيق الشريعة وحقّ الإشراف الكامل عليها(1) . كما وعليهم القيام ببيان المسائل والأحكام والأنظمة الإسلامية وتقريبها إلى الناس من أجل إيجاد تربة صالحة تعيش على سطحها النظم والقوانين الإسلامية(2) .

إنّ نظام نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم، يعني أن الولي الحقيقي هو الإمام، وهو الذي عيّن الفقيه نائباً عنه، وهذا هو الشكل المنسجم مع المنهج الشيعي. ولهذا يختلف نظام نيابة الفقيه وولايته عن الدكتاتورية في ثلاث نقاط:

الأولى : إن واضع القوانين الأساسية في دولة قائمة على أساس ولاية الفقيه هو الله تعالى لا الفقيه.

الثانية : إنّ الولاية ليست محصورة بفقيه معين، وإنّما هي لكل فقيه جامع للشروط، ويكون الكل أولياء يراقبون الولي المخول للحكم أو هيئة الفقهاء العاملة فعلاً في مجال القيادة، ويحدّون من أخطاء القيادة الحاكمة.

الثالثة : إنّ الولاية هنا لا تقوم على أساس القهر والغلبة،

_____________________

(1) محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية-ص24.

(2) الخميني: الحكومة الإسلامية-ص61.


وإنّما تتحقق بتحقق شروطها، وعمدتها: الاجتهاد، والعدالة، والكفاءة... وهي شروط تقود تصرفات ولي الأمر نحو الخط الصحيح، وتدع الأمّة مراقبة له، ولتوفر الشروط فيه، يكون مؤهّلاً للولاية. ومن هنا فإنّ دائرة الولاية محصورة ومحدودة بحدود مصلحة الأمّة. وهذا أيضاً يقود تصرفات الولي نحو الخط الصحيح، ويدع الأمّة المتربية على الالتفات إلى ذلك مراقبة له(1) . «و من هنا كان طرح المرجعية الرشيدة للحكومة الإسلامية شعاراً وهدفاً وحقيقة، تعبيراً عن ضمير الأمّة وتتويجاً لنضالها بالنتيجة الطبيعية وضماناً لاستمرار هذا الشعب في طريق النصر الذي شقّه له الإسلام»(2) .

وأمّا إذا خالف الفقيه ما جاء في الشريعة الإسلامية من أحكام، فإنّه ينعزل تلقائياً عن الولاية، لانعدام عنصر الأمانة والعدالة، فالحاكم الأعلى في الحقيقة هو القانون الإلهي، والجميع يستظلون بظلّه، والناس أحرار من يوم يولدون فيه في تصرفاتهم المشروعة، فليس لأحد على غيره أي حقّ، وليس لأحد بعد تنفيذ القانون الإلهي أن يجبر أحداً على اتّباع طريقة معينة في شؤون حياته، فحكومة الإسلام تطمئن الناس وتؤمنهم، ولا تسلبهم أمنهم واطمئنانهم، فالكل آمن على نفسه وماله وأهله وما يملك، لأنّه لا يحقّ للحاكم أن يخطو في الناس بما يتنافى والقانون الإلهي، ولهذا قد

_____________________

(1) السيد كاظم الحائري: أساس الحكومة-ص76-77.

(2) محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية-ص17-18.


ائتمن الرسل الفقهاء على أن يقولوا ويعملوا ويقيموا حدود الله وأحكامه، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسيروا إلى تهذيب الإنسان خلقياً وعقائدياً وعملياً. إنّ الفقهاء هم الذين ينبغي أن يقودوا مسيرة الناس - حسب اعتقاد الشيعة - لئلا يندرس الإسلام وتذهب معالمه، وتعطل حدوده(1) .

هذه صورة موجزة عن ولاية الفقيه أردنا بيانها للدكتور الموسوي، وأنّ الحكومة الإسلامية من اختصاصها، ولهذا ورد عن النبي (ص): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». وقوله (ص): «من مات ولم تكن في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». أي ميتة كفر.

_____________________

(1) الخميني: الحكومة الإسلامية-ص71-72.



«الزواج المؤقت»

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «107»:

«كيف تستطيع أمّة تحترم شرف الأمّهات اللواتي جعل الله الجنة تحت أقدامهن وهي تبيح المتعة أو تعمل بها».

أقول:

«كيف تستطيع أمّة تحترم شرف الأمهات اللواتي جعل الله الجنّة تحت أقدامهنّ وهي تبيح نكاح الإماء وتعمل به بلا عقد ولا رضاء من الأمّة».

لا شك أنّ الدكتور الموسوي لا يقول بتحريم نكاح الإماء، مع أنّ هذا النوع من النكاح ليس فيه رضاء ولا قبول من المرأة، فهي مسلوبة الإرادة في هذا النكاح، وهو ثابت بإجماع المسلمين في قوله تعالى:( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿5﴾ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ... ) (1) ، وهذا بخلاف الزواج المؤقت الذى لا يكون إلّا بمحضّ إرادة المرأة وموافقتها.

_____________________

(1) سورة المؤمنون: الآيتان6،5.


فأيّهما أقرب إلى شرف الأمهات اللواتي جعل الله الجنّة تحت أقدامهن، وأيّهما أقرب إلى العقل والمنطق؟ نكاح الإماء مع سلب الإرادة من قبل المرأة، أم نكاح المتعة مع كامل إرادتها ورضاها، فبماذا يجيب الدكتور الموسوي في تصحيحه؟ فإن قال في نكاح الإماء ما يقوله في الزواج المؤقّت، فقد خرج عن الإسلام، لنفيه ما ثبت بالضرورة من دين المسلمين، وإن قال بأنّ الزواج المؤقّت هو أقرب إلى شرف الأمهات من نكاح الأماء، فقد بطل قوله، وظهر فساد رأيه في تحريفه لدين الله وتحريمه لما أحلّه الله سبحانه سعياً وراء التخريب وتغيير أحكام الإسلام الثابتة بنصّ القرآن والسنّة الصحيحة.

ولهذا نقول للدكتور:

«فأي عاقل يرضى بأن تكون المرأة سلعة تباع وتشترى لأجل النكاح». فبماذا يجيب؟ وقد شرّعه الله سبحانه في قوله: «... أو ما ملكت أيمانهم...».

الزواج المؤقت:

قبل أن نشير إلى مشروعية الزواج المؤقت، أو نكاح المتعة الثابت بنصّ القرآن الكريم، والسنّة النبوية المتفق عليها، نشير إلى ما يقوله الدكتور في شروط الزواج الدائم والمؤقت، وشروط الطلاق لنرى جهالة هذا الرجل، فالذي لا يعرف شروط الزواج، ولا عدّة الطلاق، وهي من أبسط المسائل الفقهية، فكيف أجاز لنفسه


التصحيح؟ فهو يعتبر أنّ عدّة المطلقة ثلاثة أشهر وعشرة أيام(1) ، ولا أدري من أين جاء بهذا الحكم المخالف لصريح القرآن، في قوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) (2) . أليس هذا تغييراً لما هو ثابت بنصّ القرآن الكريم. والدكتور الموسوي يقول كما في صفحة «73»:

«إذن فكرة ولاية الفقيه تتعارض مع نصّ الكتاب، ومن يعارض النصّ الإلهي يعتبر خارجاً عن الإسلام». وبهذا حكم الدكتور على نفسه بالخروج عن الإسلام، وذلك لمخالفته لنصوص القرآن الكريم. ولنعد إلى ما يقوله في شروط الزواج والطلاق:

يقول «حفيد الإمام الأكبر السيد أبو الحسن الموسوي الأصبهاني»(3) . الدكتور موسى الموسوي في صفحة «110 - 111»:

«و هنا أضع أمام القارئ صورتين للزواج أحدهما متفق عليه عند المسلمين جميعاً بما فيهم الشيعة، وهو الزواج الدائم، والثاني هو الزواج المؤقت أو المتعة والذي يفتي بجوازه فقهاء الشيعة الإمامية فقط، وأطلب من الشيعة أن يقولوا كلمتهم فيه:

_____________________

(1) انظر ص111 من كتاب الشيعة والتصحيح.

(2) سورة البقرة: الآية 228.

(3) انظر ترجمة المؤلف على ظهر الجلاد من نفس الكتاب.


شروط الزواج المتفق عليه لدى المسلمين كافة

1-يتم الزواج بين الزوجين بتلفظ صيغة العقد أمام شاهدين

الزواج المؤقت المتفق عليه عند الشيعة الإمامية فقط

1- يتم الزواج بتلفظ صيغة العقد بدون شاهد

2- الرجل في حل من نفقة الزوجة

3- يجوز للرجل الجمع بين أعداد لا تحصى و بلا شرط

4- الزوجة لا ترث الزوج

5- موافقة الأب ليس شرطاً في كل الأحوال

6- مدة الزواج المؤقت قد تكون لربع ساعة...

شروط الطلاق

1- يقع الطلاق بحضور شاهدين عدلين وبتلفظ صيغة الطلاق

2-عدة الطلاق بالنسبة للمرأة ثلاثة شهور وعشرة أيام

شروط الطلاق

1- يقع الطلاق واسمه فسخ العقد بدون حضور الشاهدين وبكلمة فسخت أو وهبت المدة


أقول : وبالنظر إلى هذه الشروط التي ذكرها الدكتور الموسوي نرى:

أولاً : إنّ الزواج لا يتم إلّا أمام شاهدين، وهذا جهل من الدكتور بشروط الزواج عند الشيعة، حيث أجمع الشيعة على عدم اشتراط الشهود في الزواج مطلقاً، سواء أكان دائماً أو منقطعاً، وهذا بخلاف علماء أهل السنّة، حيث اعتبروا الشهادة شرطاً في صحّة العقد.

ثانياً : عدّة الطلاق للمرأة المدخول بها ثلاثة قروء لمن تحيض، وليس ثلاثة شهور وعشرة أيام كما يدّعي الدكتور، بإجماع المسلمين نصّاً وفتوى، وأمّا من كانت في سن من تحيض ولا تحيض، فثلاثة شهور. يقول السيد أبو الحسن الموسوي:

«إذا طلّقت الحائل أو انفسخ نكاحها، فإن كانت مستقيمة الحيض بأن كانت تحيض في كل شهر مرة كما هو المتعارف في الأغلب، كانت عدّتها ثلاثة قروء... وإن كانت لا تحيض وهي في سن من تحيض... كانت عدّتها ثلاثة أشهر...»(1) فالدكتور لم يطّلع في هذه المسألة حتى على رأي جدّه الإمام الأكبر، ولم يقرأ قوله تعالى: «و المطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء».

ثالثاً : وأمّا قوله في الزواج المؤقت، يجوز للرجل الجمع بين

_____________________

(1) السيد أبو الحسن الموسوي: وسيلة النجاة-ح2-ص375.


أعداد لا تحصى، فهو منقوض بملك اليمين، كما أنّ ملك اليمين لا يشترط فيه العدد، فكذلك الزواج المؤقت.

رابعاً : وأمّا قوله: فالزوجة لا ترث الزوج، فهو ممنوع أشدّ المنع، ففي الشرع مواضع كثيرة لا ترث فيها الزوجة، كالزوجة الكافرة، والقاتلة، والمعقود عليها في المرض إذا مات زوجها قبل الدخول، كما أنّها قد ترث حقّ الزوجة مع خروجها عن الزوجية، كما لو طلّق زوجته في المرض ومات فيه بعد خروجها عن العدّة قبل انقضاء الحول. إذن فالإرث ليس من لوازم الزوجية. أمّا عدم إرث المتمتّع بها فممنوع، فقيل بأنّها ترث مطلقاً، وقيل ترث مع الشرط وقيل ترث إلّا مع شرط عدم الإرث، والتحقيق في المسألة يرجع إلى قواعد صناعة الاستنباط، ومقتضى الجمع بين الآيات، فإنّ المتمتّع بها زوجة يترتّب عليها جميع آثار الزوجة إلّا ما خرج بالدليل القاطع(1) .

وأمّا قوله في شروط الطلاق، وأنّه لا يقع إلّا بحضور شاهدين، فهو مخالف لمذهب أهل السنّة، فإنّهم لا يشترطون الشهادة على الطلاق، وهذا بخلاف علماء الشيعة، حيث اعتبروا الشهادة على الطلاق أمام شاهدين عادلين شرطاً في وقوع الطلاق. وهذا جهل من الدكتور أيضاً بشروط الطلاق.

وأمّا قوله في الزواج المؤقت: شروط الطلاق، يقع الطلاق

_____________________

(1) محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها-ص104.


واسمه فسخ العقد، فهو جهل من الدكتور بمسائل الفقه،لأنّ الزواج المؤقت لا طلاق فيه، حتى يجعل له شروطاً، وإنّما يقع الفراق بين الزوجين، إمّا بانتهاء المدة، أو أن يهب الزوج المدّة الباقية لزوجته وعليها العدّة مع الدخول.

«مشروعية الزواج المؤقت من الكتاب والسنّة»

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «108»:

«يقول فقهاء الشيعة - سامحهم الله - إنّ المتعة كانت مباحة في عهد الرسول الكريم (ص) وفي عهد الخليفة أبي بكر وفي شطر من عهد الخليفة عمر بي الخطاب حتى حرّمها وأمر المسلمين بالكف عنها، وهم يستدلون على ذلك بروايات عديدة رويت في كتب الشيعة وبعض كتب السنّة.

أمّا الفرق الإسلامية الأخرى فتقول إنّها كانت عادة جاهلية عمل الناس بها في السنوات الأولى من عصر الرسالة حتى أن أمر النبي (ص) بتحريمها في يوم خيبر أو في حجة الوداع».

ويقول أيضاً: «و من المؤسف حقّاً أنّ بعض أعلام الشيعة - و منهم جدّه الإمام الأكبر(*) -انبرى للدفاع عن الزواج المؤقت

____________________

(*) يقول السيد أبو الحسن رحمة الله عليه في الجزء الثاني من وسيلة النجاة ص305: فصل في عقد النكاح وأحكامه، النكاح على قسمين: دائم ومنقطع، وكل منهما يحتاج إلى عقد مشتمل على إيجاب وقبول.. و يقول في ص337: القول في النكاح المنقطع، ويقال له المتعة والنكاح المؤجل - مسألة: النكاح المنقطع كالدائم في أنّه يحتاج إلى عقد =


وألفوا في ذلك الكتب وهم بذلك فخورون ورافعون الرؤوس. ولا أعتقد أنني أحتاج إلى عناء كثير لتوضيح الصورة الحقيقية لهذه البدعة المخلّة بالذوق والكرامة.. لكنني قبل ذلك أودّ أن أفند النظرية الفقهية التي تقول بالجواز، ثم أعرج على أكثر من ذلك لترى الشيعة فداحة الخطب وعظمة المصيبة. إنّ الزواج المؤقت أو المتعة حسب العرف الشيعي وحسبما يجوزه فقهائنا، «هكذا مكتوبة، والصحيح: فقهاؤنا»، هو ليس أكثر من إباحة الجنس بشرط واحد فقط، وهو أن لا تكون المرأة في عصمة رجل...».

أقول : أمّا قوله: «و لكنني قبل ذلك أودّ أن أفند النظرية التي تقول بالجواز...». فإنّه يقال للدكتور: إنّ من لم يعرف شروط الزواج الدائم، وعدّة المطلّقة، ورفع الفاعل، فهو أقل من أن يعرف كيف يفند الآراء الفقهية، فالدكتور يعتقد أنّ عدة المطلّقة ثلاثة أشهر وعشرة أيام، مخالفاً في ذلك النصّ القرآني القائل إنّ عدّة المطلّقة ثلاثة قروء. ومن لا يفرّق بين المسائل الفقهية وبين النظريات في قوله: «.... إنّ النظرية الفقهية...»، هل يستطيع معرفة القواعد والأصول التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، مع أنّه لا توجد في الشريعة الإسلامية نظريات فقهية، ولهذا عرفوا علم الأصول، بأنّه العلم بالقواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط، أو التي ينتهى إليها في مقام العمل. كما توجد بعض القواعد الفقهية، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة على

____________________

= مشتمل على إيجاب وقبول...». فالدكتور الموسوي قد حكم على جدّه ببدعة الزواج المؤقت المخلة بالذوق والكرامة


اليد ما أخذت حتى تؤدّي وغير ذلك من القواعد والأصول التي يرجع إليها في مقام التحليل والتحريم. أمّا وجود نظريات تقول بالتحليل والتحريم، فهو سوء فهم، وعدم معرفة بقضايا الفقه وأصوله. ولهذا كان من المفروض أن لا يحشر الدكتور نفسه في زمرة العلماء والفقهاء. لئلا يقع في مثل هذه المخالفات التي لا تخفى على طلبة العلم، فكيف بمن يدّعي الاجتهاد والتصحيح.

وأمّا قوله في صفحة «109»: «إنّ النظرية الفقهية القائلة بأنّ المتعة حرّمت بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، يفندها عمل الإمام علي الذي أقرّ التحريم في مدّة خلافته ولم يأمر بالجواز...». فهو افتراء على الإمام علي (ع)، بل افتراء على جميع المسلمين، كما سنشير إلى ذلك، فالمسلمون جميعاً قالوا بإباحتها ومشروعيتها، وإنّما الخلاف في تحريمها، فأقرّه قوم ونفاه آخرون.

ثم من أين علم الدكتور الموسوي، أنّ إقرار الإمام علي دليل على التحريم، والدكتور لا يعرف أبسط قواعد النحو؟ ولهذا ترك الجدل الفقهي في قوله صفحة «109»:

«و كما قلنا قبل قليل سأترك الجدل الفقهي جانباً لنلقي نظرة فاحصة على المتعة من زوايا أخرى...» إلى آخر مفترياته التي لا تنهض دليلاً حتى على العامة من الناس. كقوله في صفحة «110»:

«لقد أراد بعض فقهائنا - سامحهم الله - أن يصوروا المتعة وكأنّها فضل من الله حيث شرّع قانوناً شرعياً يمنع الرجل من الوقوع


في البغاء، ولكن غرب عن بالهم أنّ الإسلام ليس دين الرجال فحسب، بل أنزل للناس كافة بما فيها النساء، وإنّ القوانين الإلهية والشرائع السماوية لم تنزل لإرضاء شهوات الناس وإشباع غرائزهم تحت غطاء الشرعية والقانون».

أقول : أمّا قوله: لقد أراد بعض فقهائنا، فهو قول باطل، وكلام زور، لأنّ القول بإباحة المتعة وشرعيّتها ممّا أجمع عليه المسلمون، سواء أكانوا من فقهاء الشيعة، أم من فقهاء أهل السنّة.

وإليك ما ورد في مشروعيتها من مصادر أهل السنّة دون الشيعة، لتعلم أيّها القارئ مفتريات الدكتور الموسوي:

إباحة الزواج المؤقت في القرآن الكريم والسنّة النبوية

هذا وقد دلّت الأدلة القطعية التي لا يمكن لأحد ردّها ولا إنكارها ولا التشكيك فيها، من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين وأقول أئمتهم على أنّ المتعة كانت مشروعة في صدر الإسلام ومباحة بنصّ القرآن، وإنّ كثيراً من الصحابة الكرام فعلوها في حياة النبي (ص) بأمره وإذنه وترخيصه، كما فعلوها بعد وفاته، ولم ينزل قرآن يحرّمها، ولم ينه عنها (ص) حتى مات، وإن نسخها عند من يقول بنسخها، نسخ لحكم شرعي ثابت بنصّ القرآن، لاختلاف من يقول بالنسخ، فمنهم من يقول: إنّها نسخت بالسنّة، مع أنّ السنّة من أخبار الآحاد، لا ينسخ الحكم الثابت بنصّ من القرآن، فكيف ينسخ ما هو ظنّي الصدور، وهو الخبر الواحد، لما هو قطعي الصدور، وهو الكتاب الكريم. وتارة يقولون بأنّ آية المتعة نسخت


بآية أخرى. وهذا الاختلاف دليل على عدم نسخها، وأنّها ثابتة ومباحة إلى يوم القيامة، كإباحة الزواج الدائم وملك اليمين.

وحسبك في إباحتها القرآن الكريم حيث يقول:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (1) . والسنّة النبويّة والروايات التي رواها علماء أهل السنّة في صحاحهم وتفاسيرهم، كالبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، والنسائي، والدارمي، والفخر رازي، والسيوطي، والطبري، والقرطبي، والترمذي، وغير هؤلاء من أعلام أهل السنّة الدالة على إباحتها من النبي (ص) واستمرار هذه الإباحة إلى يوم الدين، وإليك ما جاء في إباحة زواج المتعة من مصادر أهل السنّة:

1- التفسير الكبير للفخر الرازي وإباحة المتعة:

روى الفخر الرازي في تفسير آية المتعة عن عمران بن الحصين أنّه قال: «نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله (ص) وتمتّعنا بها، ومات ولم ينهنا عنه، ثم قال رجل برأيه ما شاء»(2) . «و روى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب (رض) أنّه قال: لولا أنّ

_____________________

(1) سورة النساء: الآية24.

(2) الفخر الرازي: التفسير الكبير-ح10-ص49-50. ط1-المطبعة البهية المصرية-1938.


عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلّا شقي»(1) .

يقول الفخر الرازي: «و القول الثاني: أنّ المراد بهذه الآية، حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معيّن فيجامعها، واتّفقوا على أنّها كانت مباحة في ابتداء الإسلام، روى أنّ النبي (ص) لما قدم مكّة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول (ص) طول العزوبة، فقال: استمتعوا من هذه النساء، واختلفوا في أنّها هل نسخت أم لا؟...»(2) . وهذا الاختلاف دليل على عدم نسخها، خصوصاً-كما سوف يأتي- من رواية البخاري في صحيحه، أنّ آية المتعة نزلت في كتاب الله، ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها رسول الله (ص) حتى مات.

يقول الفخر الرازي: « روي عن عمر أنّه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة، وما أنكر عليه أحد»(3) .

وقد «روي أنّ أبيّ بن كعب كان يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن». وهذا أيضاً هو قراءة ابن عباس. والأمّة ما أنكرت عليهما في هذه القراءة، فكان ذلك إجماعاً

_____________________

(1) نفس المصدر: ص50.

(2) نفس المصدر: ص49.

(3) نفس المصدر: ص50.


من الأمّة على صحة هذه القراءة....»(1) .

ويقول الفخر الرازي أيضاً: «الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة»، أنّ الأمّة مجمعة على أنّ نكاح المتعة كان جائزاً في الإسلام، ولا خلاف بين أحد من الأمّة فيه، إنّما الخلاف في طريان الناسخ، فنقول: لو كان الناسخ موجوداً لكان ذلك الناسخ إمّا أن يكون معلوماً بالتواتر، أو بالآحاد، فإن كان معلوماً بالتواتر، كان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمران بن الحصين، منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد (ص)، وذلك يوجب تكفيرهم، وهو باطل قطعاً، وإن كان ثابتاً بالآحاد فهذا أيضاً باطل، لأنّه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوماً بالإجماع والتواتر، كان ثبوته معلوماً قطعاً، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعاً للمقطوع، وإنّه باطل. قالوا: وممّا يدل أيضاً على بطلان القول بهذا النسخ أنّ بعض الروايات تقول: إنّ النبي (ص) نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وأكثر الروايات أنّه عليه الصلاة والسلام أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، وذلك يدلّ على فساد ما روي أنّهعليه‌السلام فسخ المتعة يوم خيبر، لأنّ الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ، وقول من يقول: إنّه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف، لم يقل به أحد من المعتبرين، إلّا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات»(2) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص51.

(2) نفس المصدر: ص52-53.


«الحجة الثالثة: ما روي أنّ عمر قال على المنبر: متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله (ص)، وأنا أنهى عنهما: متعة الحج، ومتعة النكاح، وهذا منه تنصيص على أنّ متعة النكاح موجودة في عهد الرسول (ص) وقوله: وأنا أنهى عنهما، يدل على أنّ الرسول (ص) ما نسخه، وإنّما عمر هو الذي نسخه، وإذا ثبت هذا فنقول: هذا الكلام يدل على أنّ حلّ المتعة كان ثابتاً في عهد الرسول (ص)، وأنّهعليه‌السلام ما نسخه، وأنّه ليس ناسخ إلّا نسخ عمر، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخاً، لأنّ ما كان ثابتاً في زمن الرسول (ص) وما نسخه الرسول، يمتنع أن يصير منسوخاً بنسخ عمر، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: إنّ الله أنزل في المتعة آية، وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا رسول الله (ص) بالمتعة، وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء، يريد أنّ عمر نهى عنها»(1) .

أقول : وبعد كل هذا، يحاول الفخر الرازي، أن يثبت بأنّ المتعة، وإن كانت مباحة في عهد رسول الله (ص)، إلّا أنها نسخت بعد ذلك، وهذه المحاولة لا تنهض دليلاً أمام النصوص الصريحة التي رواها أصحاب الصحاح من أعلام أهل السنّة، كالبخاري ومسلم والإمام أحمد، وغير هؤلاء، كما سنشير إليهم، على أنّ الذي نهى عنها، هو الخليفة عمر بن الخطاب. والأدلة التي استدل بها الفخر الرازي أوهى من بيت العنكبوت. فراجع لتعلم

_____________________

(1) نفس المصدر: ص52-53.


صحة ذلك(1) .

2- روايات الطبري في تفسيره وإباحة المتعة:

روى الطبري في تفسيره عن «محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة... فهذه المتعة». «و عن مجاهد، فما استمتعتم به منهن، قال: يعني نكاح المتعة». يقول الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث قال: ثنا حبيب بن ثابت عن أبيه قال: أعطاني ابن عباس مصحفاً، فقال هذا على قراءة أبيّ، قال أبو بكر، قال يحيى: قرأت المصحف عند نصير فيه: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»(2) . وعن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء، قال: قلت بلى، قال: فما تقرأ فيها، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، قلت لا لو قرأتها هكذا ما سألتك، قال: فإنّها كذا»(3) .

وعن محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن الحكم، قال:سألته عن هذه الآية، والمحصنات من النساء إلّا ما ملكت أيمانهم، إلى هذا الموضع، فما استمتعتم به

_____________________

(1) نفس المصدر: ص53.

(2) ابن جرير الطبري: جامع البيان-ح5-ص9-ط2-1972-بولاق-مصر.

(3) نفس المصدر:ص9.


منهن، أمنسوخة هي، قال: لا، قال الحكم، وقال علي رضي الله عنه: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلّا شقي»(1) . وعن عمرو بن مرّة أنّه سمع سعيد بن جبير يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن»(2) .

وأمّا قول الطبري: «و أمّا ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى،فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئاً لم يأت به الخبر القاطع...»(3) . فهو قول باطل لأمرين:

الأول : إنّ وجود الزيادة في آية المتعة ليس من أجزاء الآية، بل هي من قبيل الشرح والبيان والتفسير لمعنى الآية، وهذا يدلّ على إباحة زواج المتعة، وإنّها غير منسوخة ولا محرّمة.

الثاني : أمّا قراءة أبيّ بن كعب وابن عباس، فهي المنظور لها دون غيرها من القراءات، وذلك بمقتضى ما ورد عن النبي (ص) من الأخذ عنهما، وأنّ النبي (ص) كان يخصّ أبيّ بن كعب بالقراءة، كما جاء في الصحاح، وسوف يأتي الكلام عنه في تحريف القرآن، وعلى هذا يقال: إمّا أن تكون هذه الزيادة من جملة الآية، أو أنها من قبيل الشرح والبيان، فإن قيل بالأول، يلزمه أن

_____________________

(1) نفس المصدر:ص9.

(2) نفس المصدر: ص10.

(3) نفس المصدر: ص10.


يكون أبيّ بن كعب، وابن عباس حبر الأمّة، قد حرّفا القرآن الموجب لخروجهما عن الإسلام، وهذا القول باطل بإجماع المسلمين، فيتعيّن القول الثاني، وهو أنّ هذه الزيادة من قبيل البيان والتفسير لمعنى الآية الكريمة، فتثبت إذن إباحة المتعة وأنّها غير منسوخة ولا محرّمة.

3- روايات النيسابوري في تفسيره في إباحة المتعة:

يقول النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن، بهامش جامع البيان:

«إتفقوا على أنّها - أي المتعة - كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمّة على أنّها صارت منسوخة، وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنّها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين، قال عمّارة: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح، قال: لا سفاح ولا نكاح، قلت فما هي، قال: هي متعة كما يقال....»(1) .

أقول : لا أدري، أيوجد في الشريعة، أو في العرف، وسط بين السفاح - أي زنا - وبين النكاح الصحيح. فالنكاح إمّا أن يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فيدخل في السفاح، ولا وسط بينهما، فزواج المتعة، لا يخلو، إمّا أن يكون نكاحاً صحيحاً،

_____________________

(1) النيسابوري: تفسير غرائب القرآن-بهامش جامع البيان للطبري-ح5-ص16017.


فتثبت مشروعيته وعدم نسخه، لصحة هذا النكاح، وإن كان زنا، فكيف يبيح الإسلام الزنا؟ نعوذ بالله من شطحات العقول.

ولا يجوز إدخاله في وطء الشبهة، لأنّ هذا النوع من الوطء لا يكون إلّا إذا اعتقد الزوج بأنّ هذه المرأة زوجته، ثم وطأها، فتبين أنّها أجنبية، وهذا بخلاف زواج المتعة، المتوقف على الإيجاب والقبول، ورضا الطرفين وجميع شروط الزواج الدائم.

ومن أغرب ما يروى عن ابن عباس: «إنّ الناس لما ذكروا الإشعار في فتيا ابن عباس في المتعة، قال: قاتلهم الله، إنّي ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكني قلت إنّها تحلّ للمضطر كما تحلّ الميتة والدم ولحم الخنزير له»(1) .

أقول : إنّ من ينظر إلى هذه الرواية، وإسنادها إلى ابن عباس، يأخذه العجب من هذه الفتيا،أيجوز لا بن عباس أن يفتي بجواز الزنا في حال الضرورة، كما يجوز أكل الميتة ولحم الخنزير للمضطر؟ أو أن فتوى ابن عباس بإباحتها، لأنّها مباحة في أصل الشريعة كالزواج الدائم وملك اليمين، فبماذا يجيب الحاكم العادل. أيباح الزنا للمضطر؟ مع أن الزاني لا يزني إلّا وهو مضطر إليه، فينتفي حينئذٍ الزنا من الشريعة الإسلامية.

وممّا يدلّ على إباحة المتعة وعدم نسخها ما روي عن «عمران بن الحصين فإنّه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله (ص) وتمّتعنا معه،

_____________________

(1) نفس المصدر:ص17.


ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء يريدان عمر نهى عنها»(1) . وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه كما سوف يتّضح. ولهذا كان أبيّ بن كعب يقرأ: «فما استمتعتم بع منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن، وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً... وممّا يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي (ص) نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وأكثر الروايات أنّه (ص) أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح، وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه...»(2) إلخ.

4- الدر المنثور للسيوطي وروايات إباحة المتعة:

وفي الدر المنثور في التفسير بالمأثور عن ابن عباس قال: «كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه...»(3) .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن

_____________________

(1) نفس المصدر:ص17.

(2) نفس المصدر: ص18.

(3) السيوطي: الدر المنثور: ح8-ص140.


عباس: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، قال ابن عباس: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فقلت ما نقرؤها كذلك، فقال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير، قال في قراءة أبّي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أنّه سمع ابن عباس يقرؤها فما استمتعتم به منهن إلى أجل فآتوهن أجورهن... وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد، فما استمتعتم به منهن، قال: يعني نكاح المتعة»(1) .

«و أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول الله (ص) وليس معنا نساءنا، فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخّص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم»(2) .

أقول : إذا كانت المتعة من الطيبات التي أحلّها الله سبحانه للمؤمنين بنصّ القرآن، ولا شيء من الطيبات بحرام، فتثبت استمرارية إباحة المتعة بالقياس المنطقي التالي:

زواج المتعة من الطيبات

ولا شيء من الطيبات بحرام

فالنتيجة: لا شيء من زواج المتعة بحرام

_____________________

(1) نفس المصدر: ص140.

(2) نفس المصدر: ص140.


فدليل الصغرى والكبرى قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم» والمتعة حلال بنصّ الآية: فما استمتعتم به منهن...»، فتثبت حلّية زواج المتعة وعدم تحريمها. وهذا القياس من الشكل الأول، الذي تكون الصغرى فيه موجبة، مع كليّة الكبرى، ولهذا تكون النتيجة صحيحة.

والغريب من السيوطي أن ينسب التحريم إلى النبي (ص) بعد إباحتها بآية الميراث تارة، وبآية الطلاق تارة أخرى، في تفسيره(1) . وهو ينسب التحريم في كتابه تاريخ الخلفاء إلى عمر بن الخطاب في أولياته حيث يقول: «... و أول من سن قيام شهر رمضان، وأول من عسّ باليل... وأول من حرّم المتعة...»(2) . ويؤيّد ذلك قوله في تفسيره: «و أخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: نهى عمر عن متعتين متعة النساء ومتعة الحج»(3) .

وممّا يدلّ على تناقض السيوطي قوله: «و أخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم، أنّه سئل عن هذه الآية أمنسوخة، قال: لا، وقال علي: لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي»(4) . ولهذا يحاول بعض الرواة أن يسند القول

_____________________

(1) نفس المصدر: ص140.

(2) السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص136-137-ط3-القاهرة-1946.

(3) السيوطي: الدر المنثور-ح8-ص141.

(4) نفس المصدر: ص141.


بالتحريم إلى الإمام على (ع)، مع أن المشهور من مذهب الإمام علي (ع) إباحتها إلى يوم القيامة.

والذي يدل على نهي عمر بن الخطاب عن المتعة ما أخرجه السيوطي أيضاً في تفسيره، عن نافع أنّ ابن عمر سئل عن المتعة، فقال: حرام، فقيل له، إن ابن عباس يفتي بها، قال: فهلا ترمرم بها في زمان عمر»(1) .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلّا رحمة من الله رحم بها أمّة محمد، ولو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلّا شقي، قال: وهي التي في سورة النساء، فما استمتعتم به منهن إلى كذا وكذا.... وأخبر أنّه سمع ابن عباس يراها الآن حلالاً»(2) .

أقول : يظهر من هذه الرواية وغيرها، أنّ المتعة كانت رحمة من الله لأمّة محمد (ص)، وليس من المعقول أن ينهى النبي (ص) عن هذه الرحمة، ورحمة الله وسعت كل شيء. كما وأنّ الروايات المتقدمة تسند التحريم إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وهذا ما رواه أيضاً البخاري ومسلم في صحيحيهما، وكذلك الإمام أحمد، كما سنشير إليه إن شاء الله.

_____________________

(1) نفس المصدر: ص141.

(2) نفس المصدر: ص141.


5- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي وإباحة المتعة:

يقول القرطبي في تفسيره: «و قال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن».

ثم نهى عنها النبي (ص) - و قال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث، إذا كانت المتعة لا ميراث فيها...»(1) . «و روى عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلّا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلّا شقي»(2) .

يقول القرطبي: «و اختلف العلماء كم مرّة أبيحت ونسخت، ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال: كنّا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. قال أبو حاتم البستي في صحيحه: قولهم للنبي (ص) «ألا نستخصي» دليل على أنّ المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معني، ثم رخّص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر، ثم أذن فيها عام الفتح، ثم حرّمها بعد ثلاث، فهي محرّمة إلى يوم القيامة. وقال ابن العربي: وأمّا متعة النساء فهي من غرائب الشريعة، لأنّها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرّمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة

_____________________

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القران-ح5-ص130.

(2) نفس المصدر:ص130.


أوطاس، ثم حرّمت بعد ذلك واستقرّ الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلّا مسألة القبلة، لأنّ النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرّت بعد ذلك. وقال غيره ممّن جمع طرق الأحاديث فيها: إنّها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات.... يقول القرطبي: وهذه الطرق كلّها في صحيح مسلم...»(1) .

أقول : يستفاد من هذا الكلام أمور:

الأول : إباحة زواج المتعة بنصوص لا تقبل التأويل، كتاباً وسنّة بإجماع المسلمين، وأنّ المتعة لم تكن معروفة قبل ذلك، وإنّما شرّعت في الإسلام. وأمّا قول أبي حاتم: «إنّ المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى»، فهو قول بلا دليل، فإنّ مجرّد السؤال في قولهم «ألا نستخصي»، ليس فيه دليل على أنّ المتعة كانت موجودة، ولكنّها محظورة، ولو سلّمنا وجودها قبل الإسلام، فهل هي من جملة الأنكحة المتعارفة عندهم؟ أم أنّها كانت سفاحاً، فعلى الأول، فهي نكاح صحيح أقرّه الإسلام وأباحه للمسلمين، ولهذا قال أبو عمر: «لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل...». وقال ابن عطية: «و كانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى»(2) . وعلى الثاني، أي كون المتعة سفاحاً، فكيف يرخّص النبي (ص) للمسلمين

_____________________

(1) نفس المصدر: ص130-131.

(2) نفس المصدر: ص132.


السفاح، مع أنها كانت رحمة رحم الله بها أمّة محمد.

الثاني : إباحة المتعة، ثم تحريمها، ثم إباحتها، ثم تحريمها، مرّات متعددة، فتارة أباحها لهم (ص) في الغزو، ثم نهى عنها عام خيبر، ثم أباحها عام الفتح، ثم حرّمت، كل هذا الاختلاف يدلّ على عدم تحريمها، لأنّ إباحتها لهم، لا تخلو، إمّا أن تكون المتعة من الطيبات، أم لا، فإن كانت من الطيبات التي أحلّها الله سبحانه ورحم بها عباده، فلا يصحّ النهي عنها. وإن كانت من الخبائث والفواحش، فكيف يبيح النبي (ص) للمؤمنين الفواحش، والله يقول في محكم كتابه:( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ ) (1) . ولهذا روي عن الإمام مالك فيما لو فعلها أحد: «لا يرجم، لأنّ نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء، وهو أنّ ما حرّم بالسنّة هل هو مثل ما حرّم بالقرآن أم لا؟»(2) . وهذا دليل على عدم تحريم المتعة.

الثالث : تكرار النبي (ص) في إباحة المتعة وتحريمها، يوجب العبث في الشريعة الإسلامية، وعدم استقرار الأحكام الشرعية، مع أنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فإذا كانت المتعة حلالاً، وقد أباحها النبي (ص) يلزمه استمرار هذه الإباحة، وذلك للشك في تحريمها، فيرجع إلى أصل إباحتها.

_____________________

(1) سورة الأعراف: الآية33.

(2) نفس المصدر: ص133.


الرابع : وأمّا دعوى الإجماع وانعقاده على تحريمها(1) ، فدعوى باطلة، لمخالفة جمع من الصحابة لهذا الإجماع، يقول أبو بكر الطرسوسي: «و لم يرخّص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت»... «و قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس»(2) . ولأجل ذلك بطل الإجماع، خصوصاً وأنّه لا إجماع في مقابل النص، وقد ورد النصّ في إباحتها.

6- تفسير البغوي وإباحة المتعة:

يقول البغوي في تفسير قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهن...»: «و قال آخرون: هو نكاح المتعة، وهو أن تنكح إمرأة إلى مدّة... وكان ذلك مباحاً في ابتداء الإسلام»(3) .

يقول البغوي: «و كان ابن عباس يذهب إلى أنّ الآية محكمة، وترخّص في نكاح المتعة. روي عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فقال: أما تقرأ في سورة النساء: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»؟ قلت: لا أقرأها هكذا، قال ابن عباس: هكذا أنزل الله، ثلاث

_____________________

(1)نفس المصدر: ص133.

(2) نفس المصدر: ص133.

(3) تفسير البغوي: ح1-ص414. ط2-1987-دار المعرفة-بيروت.


مرات...»... قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئاً أحلّ ثم حرّم ثم أحلّ ثم حرّم غير المتعة»(1) .

7- تفسير الخازن:

وأمّا الخازن فيقول في تفسيره: «و قال قوم المراد من حكم الآية هو نكاح المتعة، وهو أن ينكح امرأة إلى مدّة معلومة بشيء معلوم، فإذا انقضت المدّة بانت منه بغير طلاق... وكان هذا في ابتداء الإسلام ثم نهى رسول الله (ص) عن المتعة فحرّمها»(2) .

ثم ذكر الروايات الواردة عن ابن عباس في قوله: «و اختلفت الروايات عن ابن عباس في المتعة، فروي عنه أن الآية محكمة، وكان يرخّص في المتعة...»(3) . إلى آخر ما نقله الخازن في تفسيره، تركنا التعرّض لها للاختصار فراجع.

8- تفسير ابن كثير:

يقول ابن كثير في تفسير آية المتعة: «و قد استدلّ بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شكّ أنّه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من

_____________________

(1) نفس المصدر: ص414.

(2) تفسير الخازن: ح1-ص366-دار الكتب العربية-مصر.

(3) نفس المصدر: ص366.


العلماء إلى أنّه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ مرتين، وقال آخرون: أكثر من ذلك. و قال آخرون: إنّما أبيح مرة ثم نسخ... وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأبّي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرأون: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة»، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة...»(1) .

أقول : أمّا قوله: «و قد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة». يبطله استمرارية إباحتها بنصّ قراءة ابن عباس وأبّي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي، من ذكرهم للأجل في قولهم: «إلى أجل مسمى».

وأمّا قول ابن كثير: «و العمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله (ص) عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر»(2) . يبطله أيضاً ما ثبت في الصحيحين وغيرهما-كما سوف يتّضح-من أنّ آية المتعة نزلت في كتاب الله، وعمل بها الصحابة في زمن رسول الله (ص) وزمن أبي بكر، وشطر من خلافة عمر، ولم ينزل قرآن يحرّمها، ولم ينه عنها النبي (ص) حتى مات. فإن كانت هذه الرواية صحيحة، فقد بطل القول بتحريمها من قبل النبي (ص). وإن لم تكن

_____________________

(1) تفسير ابن كثير: ح2-ص244-ط1-بيروت-1966.

(2) نفس المصدر: ص245.


صحيحة يلزمه عدم صحّة ما في الصحيحين، وهذا ما لا يرتضيه ابن كثير. أمّا إذا قلنا بصحّة الروايتين، الرواية القائلة بإباحة المتعة وعدم تحريمها، وأنّ النبي (ص) لم ينه عنها، والرواية القائلة بتحريمها يوم خيبر، فمقتضى الجمع بين الروايتين المتعارضتين السقوط، والرجوع إلى الأصل، ولّما كان الأصل فيها هو الإباحة بإجماع المسلمين، فيتعيّن القول بالإباحة. إضافة إلى ذلك، فإن رواية التحريم لا تقف في وجه روايات الإباحة، لتضاربها وعدم استقرارها، ممّا يوهن تلك الروايات، ويقوي روايات الإباحة لوجود العاضد من القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهن...» وهذا هو المجمع عليه، ومن هنا تثبت استمرارية إباحة المتعة وعدم تحريمها.

9- الصحيحان البخاري ومسلم وروايات إباحة المتعة:

وحسبك على إباحة المتعة، ما أخرجه البخاري في صحيحه من كتاب التفسير: «قال عمران بن الحصين: نزلت المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله (ص) ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، قال محمد يعني البخاري يقال عمر»(1) .

أقول : هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه، وهو أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به من علماء أهل السنّة، فقد

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح3-ص71-ط1-المطبعة العامرة المليجية-1332ه.


نصّ بصريح العبارة التي لا تقبل التأويل على إباحة المتعة، واستمرار هذه الإباحة إلى يوم القيامة، كما أنّ هذا الحديث نصّ في عدم نزول قرآن يحرّمها، وأنّه نصّ في عدم نهي النبي (ص) عنها حتى التحق بالرفيق الأعلى، كما أنّه صريح أيضاً في أنّ المحرّم لها هو الخليفة عمر بن الخطاب.

وأخرج البخاري أيضاً في باب قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم»، من كتاب التفسير عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله-بن مسعود- قال: كنّا نغزو مع النبي (ص) وليس معنا نساء، فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك فرخّص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب، ثم قرأ عبد الله: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم»(1) .

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه في باب نكاح المتعة هذا الحديث عن قيس أيضاً قال: «سمعت عبد الله يقول: كنّا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء، فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله، يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»(2) .

أقول : وهذا الحديث الذي رواه كل من البخاري ومسلم في

_____________________

(1) نفس المصدر:ص84.

(2) صحيح مسلم: ح4-ص130.


صحيحيهما، نصّ في أنّ متعة النساء من الطيبات المباحة، وأنّها رحمة رحم الله بها أمّة محمد (ص).

وفي رواية أخرى كما في صحيح مسلم عن أبي نضرة قال: «كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عمر فلم نعد لهما»(1) .

وأخرج الإمام مسلم أيضاً في صحيحه: «... كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يديّ دار الحديث، تمتّعنا مع رسول الله (ص)، فلما قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمّوا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فإن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة»(2) .

وعن أبي موسى، أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنّك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أنّ النبي (ص) قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلّوا معرسين بهن في الآراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم»(3) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص131.

(2) نفس المصدر: ص38.

(3) نفس المصدر: ص46،45.


وعن عطاء أنّه قال: «قدم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر»(1) .

وفي رواية جابر بن عبد الله، كما في الصحيح أيضاً، قال: «كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث»(2) .

أقول : هذا ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من أن المتعة من الأمور التي وردت فيها النصوص الصريحة على إباحتها، وأنّ الصحابة فعلوها في عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر حتى نهاهم عنها عمر في شأن ابن حريث، وأنّها كانت من الطيبات، ولا يعقل أن يحرّم الله سبحانه على عباده ما أحلّه لهم من الطيبات، أو يمنع رحمته عنهم، ومن حيث أنّه قد ثبت أنّ نكاح المتعة من الطيبات، وأنّها رحمة من الله رحم بها عباده، علمنا أنّها حلال إلى يوم القيامة بمقتضى تلك النصوص الصريحة الدّالة على إباحتها وعدم تحريمها من النبي (ص).

10- مسند الإمام أحمد، ومآثر الأناقة للقلقشندي:

روى الإمام أحمد في مسنده عن عمران بن الحصين قال:

_____________________

(1) نفس المصدر: ص131.

(2) نفس المصدر: ص131.


«نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله (ص) فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي (ص) حتى مات»(1) .

وفي المسند أيضاً عن أبي النضر قال: «قلت لجابر بن عبد الله أنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وابن عباس يأمر بها، قال: فقال لي: على يدي جرى الحديث، تمّتعنا مع رسول الله (ص)، قال عفان: ومع أبي بكر، فلما وليّ عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وأن رسول الله (ص) هو الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج، والأخرى متعة النساء»(2) .

وعن عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: كنّا نتمتع على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر حتى نهانا عمر أخيراً يعني النساء»(3) .

يقول القلقشندي في مآثر الأناقة في معالم الخلافة في أوليات الخليفة عمر: «و هو أول من حرّم المتعة بالنساء، وهي أن تنكح المرأة على شيء إلى أجل، وكانت مباحة قبل ذلك»(4) . وقد جاء عن السيوطي مثل ذلك في تاريخ الخلفاء كما مرّ.

_____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح4-ص436. وانظر السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص290.

(2) الإمام أحمد: نفس المصدر: ح1-ص52-ط1983.

(3) نفس المصدر: ح3-ص304.

(4) القلقشندي: مآثر الأناقة في معالم الخلاقة-ح3-ص338.


ما يقوله آل كاشف الغطاء في نكاح المتعة:

يقول محمد الحسين آل كاشف الغطاء: «إنّ من ضروريات مذهب الإسلام التي لا ينكرها من له أدنى إلمام بشرائع هذا الدين الحنيف - إنّ المتعة - يعني العقد إلى أجل مسمى، قد شرّعها رسول الله (ص) وأباحها وعمل بها جماعة من الصحابة في حياته، بل وبعد وفاته، وقد اتّفق المفسّرون أنّ جماعة من عظماء الصحابة كعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب وغيرهم كانوا يفتون بإباحتها، ويقرأون الآية المتقدمة هكذا: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»، وممّا ينبغي القطع به أنّ ليس مرادهم التحريف في كتابه جلّ شأنه والنقص منه (معاذ الله)، بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الذي أخذوه من الصادع بالوحي ومن أنزل عليه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه»(1) .

ويقول أيضاً: «و على أي فالإجماع بل الضرورة في الإسلام قائمة على ثبوت مشروعيتها وتحقق العمل بها، غاية ما هناك أنّ المانعين يدّعون أنّها نسخت وحرّمت بعد ما أبيحت وحصل هنا الاضطراب في النقل والاختلاف الذي لا يفيد ظنّاً فضلاً عن القطع، ومعلوم حسب قواعد الفن أنّ الحكم القطعي لا ينسخه إلّا دليل قطعي.

فتارة يزعمون أنّها نسخت بالسنّة وأن النبي (ص) حرّمها بعد

_____________________

(1) آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة-ص102-طبعة1955.


ما أباحها، وأخرى يزعمون أنّها قد نسخت بالكتاب، وهنا وقع الخلاف والاختلاف أيضاً، فبين قائل أنّها نسخت بآية الطلاق... وآخر يقول: نسختها آية مواريث الأزواج... ، وأجدني في غنى عن بيان بطلان هذه الأوهام وسخافتها وأنّه لا تنافي ولا تدافع بين هذه الآيات وتلك الآية حتى يكون بعضها ناسخاً لبعض، وسيأتي له مزيد توضيح في بيان أنّها زوجة حقيقية ولها جميع أحكامها»(1) .

ويقول: «و أمّا ثالثاً: فنسخ آية المتعة بآية الأزواج مستحيل، لأنّ آية المتعة في سورة النساء وهي مدنية، وآية الأزواج في سورة المؤمنين والمعارج وكلاهما مكيتان، ويستحيل تقدم الناسخ على المنسوخ.

وأمّا رابعاً: فقد روى جماعة من أكابر علماء السنّة أنّ آية المتعة غير منسوخة، منهم الزمخشري في «الكشاف» حيث نقل عن ابن عباس أنّ آية المتعة من المحكمات، ونقل غيره أنّ الحكم بن عيينة سئل: أن آية المتعة هل هي منسوخة؟ فقال: لا»(2) . وكل ذلك مرّ الكلام عنه مفصلاً.

ويقول آل كاشف الغطاء أيضاً: «ولكن من توسّع في تصفّح أسفارهم - أي أهل السنّة - ومأثور أحاديثهم وأخبارهم، يجد القضية أوسع بكثير، ففي بعضها أنّ النسخ كان في حجة الوداع العاشرة من الهجرة، وأخرى، أنّه في غزوة تبوك التاسعة من

_____________________

(1) نفس المصدر: ص103.

(2) نفس المصدر: ص104.


الهجرة، وقيل في غزوة أوطاس، أو غزوة حنين وهما في الثامنة في شوال، وقيل يوم فتح مكة وهو في شهر رمضان من الثامنة أيضاً، وقالوا: إنّه أباحها في فتح مكة ثم حرّمها هناك بعد أيام، والشائع وعليه الأكثر أنّه نسخها في غزوة خيبر السابعة من الهجرة أو في «عمرة القضاء» وهي في ذي الحجة من تلك السنة، ومن كل هذه المزاعم يلزم أن تكون قد أبيحت ونسخت خمس أو ست مرّات لا مرتين أو ثلاث كما ذكره النووي وغيره في (شرح مسلم)، فما هذا التلاعب بالدين يا علماء المسلمين؟ وبعد هذا كله، فهل بيقى قدر جناح بعوضة من الثقة في وقوع النسخ بمثل هذه الأساطير المدحوضة باضطرابها أولاً، وبأنّ الكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد ثانياً، وبأنّها معارضة بأخبار كثيرة من طرقهم صريحة في عدم نسخها ثالثاً...»(1) .

«و أعجب من الجميع نسبة النهي عنها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، مع أن حلّية المتعة قد صارت شعاراً لأهل البيت وشارة لهم، وعلي (عليه‌السلام ) بالخصوص قد تظافر النقل عنه بإنكار حرمة المتعة، ومن كلماته المأثورة التي جرت مجرى الأمثال قوله: لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلّا شقا أو شقي»(2) . وكل ذلك مرّ في مصادر علماء أهل السنّة وحفّاظهم.

_____________________

(1) نفس المصدر: ص105.

(2) نفس المصدر: ص106-107.


إنكار الدكتور الموسوي إباحة المتعة:

يقول الدكتور في صفحة «109 - 110»:

«إنّ المرأة التي شرّفها الله أن تكون أمّا تنجب أعظم الرجال والنساء على السواء ومنحها مرتبة لم يمنحها لغيرها حيث جعل الجنّة تحت أقدامها كما قال الرسول الكريم (ص): «الجنّة تحت أقدام الأمهات». هل يليق بها أن تقضي أوقاتها بين أحضان الرجال واحداً بعد الآخر باسم شريعة محمد».

إنّ الإسلام جاء ليخرج الناس من إباحية الجاهلية، ويقيدهم بالفضيلة والأخلاق، لا أن يمنح الجاهلية ومظاهرها قداسة التشريع والقانون الإلهي».

ويقول في صفحة «107»: «كيف تستطيع أمّة تحترم شرف الأمهات اللواتي جعل الله الجنّة تحت أقدامهن وهي تبيح المتعة أو تعمل بها».

أقول : هذا ما يقوله الدكتور، حيث أنكر إباحة المتعة، وشدّد الإنكار على من أباحها وعمل بها، مع أنّ أمر المتعة وحلّيتها بعد نصّ القرآن وعمل النبي (ص) والصحابة طوال زمن النبي ومدة خلافة أبي بكر وشطر من خلافة عمر، أوضح من أن تحتاج إلى إنكار الدكتور الموسوي، لأنّها ثابتة بالضرورة من دين النبي (ص)، لما تقدم من النصوص الصريحة التي لا تقبل التشكيك على إباحتها وحلّيتها واستمرار هذه الحلّية إلى يوم القيامة. فعلى رأي الدكتور أنّ النبي (ص) لم يحترم شرف الأمهات، لأنّه أباح المتعة، وأنّ


الصحابة الكرام لم يحترموا شرف الأمهات، لأنّهم عملوا بها وقالوا بإباحتها، أمثال ابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعمران بن الحصين، وغير هؤلاء من صحابة رسول الله (ص)، وجميع أهل البيت والتابعين لهم، كسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، فهؤلاء جميعاً عند الدكتور الموسوي لم يحترموا شرف الأمهات، ولم يعرفوا أنّ الجنة تحت أقدامهن، وغاب عنهم قول رسول الله (ص)، الجنّة تحت أقدام الأمهات، ولم يخف ذلك عن الدكتور، بل إنّ غيرة الدكتور على شرف الأمهات فاقت غيرة رسول الله (ص) وصحابته الكرام، حتى أهدروا كرامة الأمهات ونالوا من شرفهنّ، لأنّ النبي (ص) وصحابته عملوا بها بعد إباحتها، حتى أنجبوا الذراري والأولاد، ولهذا أساء الدكتور التعبير ونال من أولئك العظام حيث وصفهم بأبشع الصفات، وحطّ من قدرهم، واتّهمهم بالإباحية الجاهلية، وأنّ أحضان الرجال كانت مأوى للنساء، حيث قضت النساء أوقاتها - كما يقول - بين أحضان الرجال واحداً بعد الآخر باسم شريعة محمد، وقد تمادى أكثر من ذلك في قوله: «هل يعقل أن يناقض قانونه هذا بوضع قانون آخر فيه من الإباحية المطلقة ما تزلزل السموات والأرض ويجعل للناس الخيار؟»(1) .

هكذا يحاول الدكتور تشويه معالم الشريعة الإسلامية، ومخالفة كل النصوص الواردة في حقيقة المتعة، لإشباع رغباته في النيل من

_____________________

(1) انظر ص110 من كتابه الشيعة والتصحيح.


علماء الشيعة والقضاء على ما هو الثابت من دين النبي (ص) بحجة التصحيح. ونكتفي في الردّ على هذه المفتريات التي شنّع بها ما جاء في كتاب أصل الشيعة وأصولها للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ليرى القارئ حقيقة هذا الرجل الذي ينسب نفسه إلى طائفة الشيعة ظلماً وبهتاناً.

يقول آل كاشف الغطاء: «أمّا النظر من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية:

فأقول : أليس دين الإسلام هو الصوت الإلهي والنغمة الربوبية الشجيّة التي هبّت على البشر بنسائم الرحمة... ؟ وجاءت لسعادة الإنسان لا لشقائه ولنعمته لا لبلائه، هو الدين الذي يتمشى مع الزمان في كل أطواره ويدور مع الدهر في جميع أدواره، ويسدّ حاجات البشر في نظم معاشهم ومعادهم وجلب صلاحهم ودرء فسادهم، ما جاء دين الإسلام ليشق على البشر ويلقيهم في حظيرة المشقة، وعصارة البلاء والمحنة... كلا بل جاء رحمة للعالمين، وبركة على الخلق أجمعين،ممهداً سبل الهناء والراحة، ووسائل الرخاء والنعمة، ولذا كان أكمل الأديان، وخاتمة الشرائع، إذ لم يدع نقصاً في نواميس سعادة البشر، يأتي دين بعد يكمله، أو ثلمة في ناحية من نواحي الحياة فتأتي شريعة أخرى فتفسدها»(1) .

«ثم أليس الصانع الحكيم بباهر حكمته، وقاهر قدرته، قد أودع في هذا الهيكل الإنساني غريزة الشهوة، وشدّة الشوق والشبق

_____________________

(1) آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة-ص112.


إلى الأزواج، لحكمة سامية، وغاية شريفة، وهي بقاء النسل وحفظ النوع ولو خلي من تلك الغريزة، وبطلت أو ضعفت فيه تلك الجبلة لم يبق للبشر على مرّ الأحقاب عين ولا أثر... فالمسافر - مثلاً - لا سيما من تطول أسفارهم في طلب علم أو تجارة أو جهاد، أو مرابطة ثغر، وهم في ميعة الشباب، وريعان العمر، وتأجج سعير الشهوة، لا يخلو حالهم من أمرين: إمّا الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة التي تجر إلى الوقوع في أمراض مزمنة، وعلل مهلكة مضافاً إلى ما فيه من قطع النسل، وتضييع ذراري الحياة المودعة فيهم، وفي هذا نقص للحكمة، وتفويت للغرض، وإلقاء في العسر والحرج، وعظيم المشقة التي تأباه شريعة الإسلام، الشريعة السمحة السهلة «يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر».

وإمّا الوقوع في الزنا والعهار، الذي ملأ الممالك والأقطار، بالمفاسد والمضار، ولعمر الله-و قسماً بشرف الحق-لو أنّ المسلمين أخذوا بقواعد الإسلام، ورجعوا إلى نواميس دينهم الحنيف وشرائعه الصحيحة «لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض» ولعاد إليهم عزّهم الداثر ومجدهم الغابر»(1) .

أقول : ليس أدل على ذلك، ما نجده في المستشفيات ودور الحضانات من كثرة أولاد السفاح، وأبناء الزنا، الذين لفظتهم الحياة، فباتوا لا يعرفون الليل من النهار، والنور من الظلام، والحب والحنان، من الكره والعصيان، ولا ذنب لهم سوى تلك

_____________________

(1) نفس المصدر: ص112-113.


النزوات العابرات التي جاء بها الآباء والأمهات، وشملتهم رعاية دور الحضانات لا يعرفون لهم أباً ولا أماً، ولا أخاً ولا أختاً، يشكون إليهم شجونهم، ويأخذون منهم عطفهم وحنانهم، حنانيك اللهم ورحمتك التي وسعت كل شيء، حيث شرعت شرعة الحياة لتلك الزهور اليانعة، عندما تخرج لهذه الدنيا فترى النور والضياء يملأ قلبها، وحنان الآباء والأمهات يكلكل عليها.

«و من تلك الشرائع مشروعية المتعة، فلو أن المسلمين عملوا بها على أصولها الصحيحة من العقد والعدة والضبط وحفظ النسل منها لا نسدت بيوت المواخير وأوصدت أبواب الزنا والعهار، ولا رتفعت أو قلّت ويلات هذا الشر على البشر، ولأصبح الكثير من تلك المومسات المتهتكات مصونات محصنات، ولتضاعف النسل وكثرت المواليد الطاهرة والستراح الناس من اللقيط والنبيذ، وانتشرت صيانة الأخلاق وطهارة الأعراق... ولله در عالم بني هاشم وحبر الأمّة عبد الله بن عباس في كلمته الخالدة الشهيرة التي رواها ابن الأثير في «النهاية» والزمخشري في «الفايق» وغيرهما حيث قال: ما كانت المتعة إلّا رحمة رحم الله بها أمّة محمد ولولا نهيه عنها ما زنى إلّا شقّي... وفي الحق أنّها رحمة واسعة وبركة عظيمة، ولكن المسلمين فوتوها على أنفسهم، وحرموا من ثمراتها وخيراتها، ووقع الكثير في حمأة الخنا والفساد والعار والنار والخزي والبوار: «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير». فلا حول ولا قوة إلّا بالله»(1) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص113-114.


وأمّا قول الدكتور الموسوي: «و هل يليق بها أن تقضي أوقاتها بين أحضان الرجال واحداً بعد الآخر». فقد أجاب الشيخ محمد الحسين عن هذه الشناعات في قوله:

«و أمّا قولك(1) ، فما قولكم في متعة الدورية التي يتناوبها ويتعاقبها الثلاثة والأربعة بل والعشرة بحسب الساعات فمن يتبع الولد وبمن يلحق؟ فاللازم (أولاً) أن تدلنا على كتاب جاهل من الشيعة ذكر فيه تحليل هذا النحو من المتعة فضلاً عن عالم من علمائهم، وإذا لم تدلنا على كتابة منهم أو كتاب، فاللازم أن تحد حد المفتري الكذاب، كيف وإجماع الإمامية على لزوم العدّة في المتعة، وهي على الأقل خمسة وأربعون يوماً، فأين التناوب والتعاقب عليها حسب الساعات؟ وإن كنت تريد أن بعض العوام والجهلاء الذين لا يبالون بمقارنة المعاصي وانتهاك الحرمات قد يقع منهم ذلك، فهذا مع أنّه لا يختص بعوام الشيعة، بل لعلّه في غيرهم أكثر ولكن لا يصح أن يسمى هذا تحليلاً إذ التحليل ما يستند إلى فتوى علماء المذهب لا ما يرتكبه عصاتهم وقساتهم، وهذا النحو من المتعة عند علماء الشيعة من الزنا المحض الذي يجب فيه الحد...»(2) .

أقول : أين هذا من كلام الدكتور الموسوي، أنّ المرأة تقضي أوقاتها بين أحضان الرجال واحداً بعد الآخر، والذي يبدو أنّ

_____________________

(1) ردّاً على ما جاء في مجلة الاعتدال.

(2) نفس المصدر: ص116.


- رجل الشريعة - لم يطلّع حتى على رسالة جدّه الإمام الأكبر السيد أبو الحسن ليرى شروط زواج المتعة عند علماء الشيعة، ولكنه أخذ دينه واعتقاده ممّن أراد التشويش على علماء الشيعة، وإليك ما جاء في وسيلة النجاة عن شروط المتعة وأنّها كازواج الدائم.

شروط زواج المتعة:

يقول السيد أبو الحسن - جد الدكتور الموسوي -:

«القول في النكاح المنقطع»: ويقال له المتعة والنكاح المؤجل:

1- مسألة: النكاح المنقطع كالدائم في أنّه يحتاج إلى عقد مشتمل على إيجاب وقبول لفظين، وأنّه لا يكفي مجرّد الرضا القلبي به من الطرفين...

2- مسألة: ألفاظ الإيجاب في هذا العقد ثلاثة: متّعت، وزوّجت، وأنكحت، أيها حصل وقع الإيجاب به، ولا ينعقد بغيرها... و القبول: كل لفظ دلّ على إنشاء الرضا بذلك الإيجاب، كقوله قبلت المتعة أو التزويج أو النكاح...

3- مسألة: لا يجوز تمتّع المسلمة بالكافر بجميع أصنافه، وكذا لا يجوز تمتّع المسلم بغير الكتابية من أصناف الكفّار، ولا بالمرتدّه.

4- مسألة: لا يتمتع بأمة-أي مملوكة- وعنده حرّة إلّا بإذنها...

5- يشترط في النكاح المنقطع ذكر المهر، فلو أخلّ به بطل...

6- تمتلك المتمتّعة المهر بالعقد فيلزم عليه دفعه إليها بعده لو


طالبته.... فلو وهبها المدة، فإن كان قبل الدخول لزمه نصف المهر - كالدائم - وإن كان بعده لزمه الجميع.

7- يشترط في النكاح المنقطع ذكر الأجل، فلو لم يذكره متعمداً أو نسياناً بطل متعة وانعقد دائماً على إشكال...

8- يجوز العزل للمتمتع من دون إذنها وإن قلنا بعدم جوازه في الدائم، ولكن يلحق به الولد لو حملت وإن عزل.

9- لا يثبت بهذا العقد توارث بين الزوجين، ولو شرطا التوارث أو توريث أحدهما فالظاهر التواريث على حسب شرطهما...

وعدتها على الأشهر الأظهر حيضتان، وإن كانت في سن من تحيض ولا تحيض فعدّتها خمسة وأربعون يوماً... هذا فيما إذا كانت حائلاً-أي غير حامل-و أمّا لو كانت حاملاً فعدّتها إلى أن تضع حملها كالمطلقة على إشكال، فالأحوط مراعاة أبعد الأجلين من وضع الحمل ومن انقضاء خمسة وأربعين يوماً أو حيضتين.

وأمّا عدّتها من الوفاة فهي أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت حائلاً، وأبعد الأجلين منها ومن وضع حملها إن كانت حاملاً كالدائمة»(1) .

أقول : هذه جملة من شروط زواج المتعة، وأنّها كالزواج الدائم بلا خلاف عند علماء الشيعة، إلّا ما أخرجه الدليل، وعلى هذا يظهر فساد ما يقوله الدكتور الموسوي في تصحيحه صفحة: «113»:

_____________________

(1) السيد أبو الحسن الموسوي: وسيلة النجاة-ح2-ص337-338-339.


«و هكذا نرى بوضوح أنّ المسؤولية الأولى والأخيرة في العمل بهذا الأمر المقيت تقع على عاتق الذين أباحوا أعراض المسلمات، ولكنهم أحصنوا أعراضهم وأهدروا شرف المؤمنات ولكنهم صانوا شرف بناتهم».

وخاتمة المطاف في الزواج المؤقت أو المتعة، أنّ هذا الزواج كان مشروعاً بنصّ القرآن الكريم، وقد أباحه الرسول (ص)، وأجمع المسلمون على إباحته والعمل به في عصر صاحب الرسالة (ص) وعهد الخليفة أبي بكر وشطر من خلافة عمر فهو ثابت بالضرورة من دين المسلمين أجماعاً وقولاً واحداً، بالكتاب والسنّة، وقد حكم الدكتور الموسوي ببدعة هذا الزواج، وأنّه عادة جاهلية عمل بها الناس. بل أنّها دعوة إلى الإباحية التي لا توجد حتى لدى المجتمعات الإباحية-كما يقول في صفحة «109»، في التاريخ القديم والحديث، وحتى لويس الرابع عشر في قصره بفرساي وسلاطين الأتراك وملوك الفرس في قصورهم لم يجسروا عليها». ولكن النبي (ص) وصحابته الكرام أوجدوا هذه الإباحية وعملوا بها، وذلك بمقتضى النصوص المتقدمة عند علماء أهل السنّة وحفّاظهم، وأنّ جدّه الإمام الأكبر أحد دعاة هذه الإباحية، نعوذ بالله من تخبيل إبليس.

هذا ويقال للدكتور الموسوي:

المتعة مباحة بنصّ القرآن عند جميع المسلمين، وكل من أنكر النصّ فهو خارج عن الإسلام بنصّ الدكتور حيث يقول في


صفحة «73»: «إنّ فكرة ولاية الفقيه تتعارض مع نصّ الكتاب، ومن يعارض النصّ الإلهي يعتبر خارجاً عن الإسلام».

أمّا النصّ الإلهي الذي خالفه الدكتور، فهو قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهن...». وأمّا النصوص المستفيضة من السنّة النبويّة على إباحتها، وأنكرها الدكتور، فكما تقدم، وأمّا مخالفة الدكتور للإجماع، فقد حكينا قيام الإجماع على إباحتها، وعلى هذا فقد خالف الدكتور الموسوي: النصّ الإلهي، والسنّة النبويّة، والإجماع.


صلاة الجمعة

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «126»: «أعتقد جازماً أنّ فقهائنا «هكذا مكتوبة، والصحيح، فقهاءنا»، إجتهدوا أمام النصّ الصريح بسبب واحد ألا وهو إيجاد الفرقة في الصف الإسلامي الكبير، وحمل الشيعة على عدم التلاحم مع الفرق الإسلامية الأخرى في صلاة يوم الجمعة».

ويقول في صفحة «127» بعد أن ذكر آية الجمعة في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة...»بهذا النصّ الصريح القاطع شرع الإسلام صلاة الجمعة وفرضها على كل من يؤمن بالله ورسوله وكتابه. غير أنّ الأكثرية من فقهاء الشيعة - سامحهم الله - إجتهدوا أمام النصّ الصريح وقالوا بالخيار بين صلاة الظهر والجمعة، وأضافوا أنّ شرط إقامة الجمعة إنّما هو حضور الإمام الذي هو الإمام المهدي...».

ويقول أيضاً: «و لا أريد أن أدخل أيضاً في جدول فقهي عقيم لم يحل منذ ألف عام عند فقهاء المسلمين، ولن يحل إذا ما أردنا أن نتحدث بلغة الروايات التي يستند عليها فقهاء الشيعة».


«إن كل ما قيل ويقال في إسقاط صلاة الجمعة في عهد غيبة الإمام يصطدم بنصّ صريح لا إجتهاد فيه وذلك إذا كنّا ملتزمين بدستور الإسلام، فنحن أمام دستور ثابت وصريح وواضح لم يكن مقيداً بقيود أو مشروطاً بشروط، ولست أدري كيف استطاع فقهائنا «هكذا مكتوبة، والصحيح، فقهاؤنا»، أن يحتهدوا في نصّ قرآني بليغ وواضح...» إلى آخر ما يقوله...

أقول : ويرد على ذلك كله أمور:

الأول : قوله «أعتقد جازماً أن «فقهائنا» إجتهدوا أمام النصّ الصريح...»، فالذي لا يعرف المنصوب من المجرور، والفاعل من المفعول، فمن طريق أولى أنّه لا يعرف موارد الاجتهاد، ومتى يكون في مقابل النصّ، فلو أنّ الآية نصّ صريح في وجوب صلاة الجمعة على الإطلاق من دون قيد ولا شرط، لما وقع فيها الخلاف، مع أنّ فقهاء الشيعة وأهل السنّة متفقون على وجوب صلاة الجمعة بأصل الشرع، إلّا أنّهم اختلفوا في شروطها، ألا ترى أن الحج واجب بأصل الشرع في قوله تعالى: «و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وكذلك الصلاة، فإنّها واجبة بأصل الشرع في قوله تعالى: «و أن أقيموا الصلاة»، مع العلم بأنّ كل آية من هذه الآيات نصّ صريح في الوجوب،إلّا أنّ هذا الوجوب موقوف على بعض الشروط ليخرجه من حيز القوة إلى حيز الفعل. فالحج واجب بحسب الأمر والواقع، ولكن وجوبه الفعلي مشروط بالاستطاعة، والصلاة واجبة، ولكنها مشروطة بالبلوغ والعقل ودخول الوقت وغيرها من الشروط المنجزة للصلاة، وهكذا


بقية الواجبات، وهذه الشروط لم يبينها الكتاب الكريم، وقد تكفلت السنّة النبويّة في بيانها، ومنها صلاة الجمعة.

الثاني : إنّ الآية المذكورة مطلقة لم يبيّن فيها وقت صلاة الجمعة، ولا عدد ركعاتها، وغاية ما في الأمر هو إطلاق وجوب صلاة الجمعة، وهذا لا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في تحقق شروط هذا الوجوب، فمنهم من أوجبها مطلقاً بلا قيد ولا شرط، ومنهم من قال بالتخيير بين صلاة الجمعة والظهر عند عدم توفّر الشروط، وأما مع توفّرها فيكون الوجوب عيناً، وكل ذلك خفي على رجل الشريعة.

الثالث : وأمّا استدلاله بآية الجمعة، فهو استدلال من لا يعرف قواعد وأصول الاستدلال، مع أنّ الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجمعة بالوجوب العيني، موقوف على معرفة جملة من مباحث علم الأصول، كمبحث الألفاظ المشتمل على عدّة مباحث، منها مثلاً، معرفة آراء العلماء في المعني الحرفي، والوضع، والمشتق، والصحيح والأعمّ، ومباحث الأوامر والنواهي، وأنّ الأمر هل هو ظاهر في الوجوب أم أعمّ من الوجوب والندب، وأنّ الأمر هل يفيد التكرار أم لا، وأنّه يدل على الفور أو التراخي، وأنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أم لا، كما يلزم معرفة الملازمات العقلية، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ومتى يجب العمل بالمطلق أو العام، إلى غير ذلك من مباحث الألفاظ. كما وأنّ الاستدلال بهذه الآية على وجوب صلاة الجمعة، موقوف أيضاً على القول بحجية الظهور، والمتكفل ببيان ذلك مباحث الحجج،


كمبحث القطع، ومباحث حجية الظن، والأصول العملية، وما يتعلق بهذه المباحث من قضايا النحو واللغة والمعاني والبيان والتفسير وعلم الرجال والجرح والتعديل، والفلسفة والكلام وعلوم المنطق، وأنّى للدكتور الموسوي كل ذلك حتى أجاز لنفسه أن يستدل بالآية على وجوب صلاة الجمعة، فالآية لم تأت إلّا بإطلاق الأمر المتعلق بالصلاة يوم الجمعة من دون ذكر الشروط والواجبات التي يجب أن تتوفر في صلاة الجمعة، مع عدم ذكر الموانع التي تمنع من وجوبها. وجل هذه الشروط والموانع مستفاد من السنّة، والذي يستفاد من الكتاب العزيز وجوب السعي إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء، مع أنّ جميع فقهاء المذاهب إشترطوا العدد والخطبتين والحضور، وعدد المقيمين لصلاة الجمعة، وكل ذلك لم يذكر في الآية. فلو كانت الآية صريحة كما يدّعي، وأنّ فقهاء الشيعة إجتهدوا أمام النصّ الصريح، لما وقع فيها كل ذلك، نعم، الآية تدلّ على أصل الوجوب كبقية الواجبات، وهذا لا خلاف فيه.

الرابع : وأمّا قوله: «و لا أريد أن أدخل أيضاً في جدل فقهي عقيم لم يحلّ منذ ألف عام عند فقهاء المسلمين، ولن يحل إذا ما أردنا أن نتحدث بلغة الروايات التي يستند عليها فقهاء الشيعة». فهو من أوضح الواضحات على ما يضمره الدكتور من محاولات لترك النصوص الشرعية، والرجوع إلى الهوى، مع أنّ السنّة النبويّة أحد المصادر التشريعية، بل أنّها أعظم مصدر تشريعي بعد القرآن، ولما كان الدكتور من غير ذوي الاختصاص بهذا الفن، من حيث معرفة مداليل الروايات وأسانيدها، حاول


التخلّص منها وعدم الرجوع إليها في حلّ مسألة صلاة الجمعة.

ثم إنّ المسألة إذا لم تكن قابلة للحل، وأنّ الدخول فيها دخول في جدل فقهي عقيم لم يحل منذ ألف عام عند فقهاء المسلمين، إلّا بترك الروايات الواردة عن النبي (ص)، والرجوع إلى الهوى، فلماذا إذن كل هذا التحامل والتشنيع على فقهاء الشيعة؟ وهم لم ينكروا وجوبها، وإذا كان فقهاء المسلمين منذ القديم لم يتمكنوا من حلّ المشكلة، فهل يستطيع الدكتور الموسوي حلّها؟ أو أنّه في تصحيحه يحاول إيجاد الفرقة والغلظة بين المذاهب الإسلامية بعد أن حاول الغيارى من علماء المسلمين القضاء على هذه الفرقة، وأنّ مثل هذه الأمور لا أثر لها على وحدة المسلمين. ولكن الدكتور يريد أن يشعل نارها من جديد بحجة التصحيح.

وأغرب من ذلك، أننا تصفحنا الرسالة العملية للإمام الأكبر السيد أبو الحسن «وسيلة النجاة» فلم نر ذكراً لصلاة الجمعة فيها، والذي يبدو من الإمام الأكبر-حسب تعبير الدكتور-أنّه يذهب إلى عدم وجوبها إلّا مع السلطان العادل، ومع عدم وجوده يحرم أقامتها، والدكتور يدّعى أنّ جدّه قدّس سره أحد المصلحين الذين يحاولون التصحيح والقضاء على الفرقة، فبماذا يجيب؟

الخامس : إنّ صلاة الجمعة عند فقهاء الشيعة واجبة بأصل الشرع بلا خلاف عندهم، ولكنهم اختلفوا في شروطها-كغيرهم من المذاهب الأخرى-فمن شروط الوجوب عند بعضهم، السلطان العادل، فتجب عينا بوجوده، ومع عدم وجود السلطان العادل،


فمنهم من يذهب إلى الوجوب التخييري بين صلاة الجمعة وبين الظهر، وهذا هو الأغلب عند فقهاء الشيعة، وقيل بعدم الوجوب.

واعتبار السلطان العادل في وجوب إقامة الجمعة، لم ينفرد به فقهاء الشيعة، فهو مذهب أبي حنيفة ومالك، حيث ذهبا إلى عدم انعقاد الجمعة إلّا بإذنه، ولا تصحّ إلّا في مصر جامع لهم سلطان، وهذا ما حكاه عنهما الشيخ عبد الرحمن الشافعي في ميزانه بهامش الجزء الأول ص71، والشعراني في ص204 من ميزانه من جزئه الأول في صلاة الجمعة(1) .

يقول القزويني: «و الغريب من الذين يقيمون صلاة الجمعة انّهم ينددون بمن يقيمون صلاة الظهر دونها، ويطعنون فيهم وينسبونهم إلى ترك فريضة ويستدلون عليهم بقوله تعالى في آخر سورة الجمعة: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله...». ولكن الذي فاتهم هو أنّ آية الجمعة واحدة نزلت في الصلاة من يومها، كما يدل عليه منطوقها، أعمّ من الصلاة التي يقيمونها، والعام لا دلالة فيه على إرادة الخاص، فالآية لا تفيد سوى مشروعية هذه الصلاة، أمّا من حيث الكيف والكلم والأين ومتى، فلا دلالة فيها على شيء منها إطلاقاً، وإذا تعدينا الآية إلى السنّة لرأينا أنّ وجوب هذه الصلاة مشروط

_____________________

(1) أنظر القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم-ص113. والسيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص20.


بأمور كثيرة، وأهمها السلطان العادل الذي يقيم الحدود بالشكل الذي أنزل الله في القرآن وجاء به النبي (ص) الأمين... ولكن لماذا يا ترى لا نراهم يستدلون بعشرات الآيات النازلة في القتال في سبيل الله على وجوب فريضة الجهاد التي هي من أشرف الفرائض على كل حال، والتي تقف دونها صلاتهم من يوم الجمعة، وما الفائدة العائدة على الإسلام والمسلمين في إقامتهم لهذه الصلاة دون صلاة الظهر، وما هو الضرر الحاصل في إقامة الظهر دونها، وما فائدة صلاتهم إذا كانت لا تقيم الإسلام كل الإسلام في واقع الحياة، ولا تستأصل شأفة الكافرين... وهل لذلك وجه غير فرارهم من الموت وخوفهم من أن يصابوا في الله معرة أو تنالهم في ذلك شوكة، ولو أضرت الجمعة التي يقيمونها بأموالهم وأنفسهم لتركوها كما تركوا أشرف الفرائض وهو الجهاد في إعلاء كلمة الدين وتطبيق نظامة تطبيقاً كاملاً في شتى المجالات، وإنكار ذلك مكابرة واضحة»(1) .

وخير دليل على وجوب صلاة الجمعة عند فقهاء الشيعة ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «128».

«و بعد أن استلم الفقهاء السلطة في إيران أصبحت صلاة الجمعة في ضمن سياسة الدولة الأساسية وعيّنت ولاية الفقيه لكل مدينة إماماً يسمى «إمام الجمعة...». ولكن الدكتور يسرع في تشويه الحقائق في قوله: «كما كان يفعل الشاه من قبل واستحدثوا

_____________________

(1) القزويني: المصدر السابق-ص114.


تسمية جديدة لها وهي «صلاة العبادي السياسي»،.... ولكن الذي يعنيني إنّ صلاة الجمعة لا زالت متروكة في كثير من المناطق... ومن هنا أودّ أن أطلب التصحيح والقضاء على هذه الظاهرة التي تتناقض مع روح الإسلام وأهدافه ونصّ القرآن الكريم». وجواب ذلك ما ذكرناه سابقاً فراجع.


تحريف القرآن

إنّ ظاهرة القول بتحريف القرآن، ونسبة ذلك إلى الشيعة، ظاهرة قديمة وليست من مبتدعات الدكتور موسى الموسوي، فقد سبقه في ذلك، أحمد أمين في كتابيه فجر الإسلام وضحاه، وموسى جار الله التركستاني في كتابه الوشيعة، وإحسان ظهير، وغير هؤلاء ممن أراد تشويه عقيدة الشيعة من غير دليل ولا برهان، سوى المفتريات، وتبعهم في ذلك الدكتور الموسوي فزاد على هؤلاء في مفترياته على الشيعة بحجة التصحيح، وقد ملأ كتابه منها من غير خجل ولا حياء من صاحب الشريعة (ص)، فهو يقول في صفحة «131»:

«لست أدري كيف يستطيع المرء أن يقول بتحريف القرآن وأمام نصّ صريح يدحض كل الأقوال حول التحريف، ولست أدري أيضاً كيف يستطيع أحد أن يكون مؤمناً بالقرآن وهو يدلي رأياً يناقض ما جاء في الآية الكريمة:

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) .

_____________________

(1) سورة الحجر: الآية 9.


ويقول أيضاً: «و القائلون بالتحريف يشكّلون عدداً من علماء الفرق الإسلامية كلها، إلّا أنّ علماء الشيعة ومحدّثيهم يشكّلون الأكثرية... ولكن ذهب آخرون إلى التحريف بإصرار وعناد منهم النوري الذي ألّف كتاباً أسماه «فصل الخطاب في تحريف الكتاب». وذكر الكتاب المذكور عبارات تزعم أنّها آيات قرآنية محرّفة...».

أقول : لا شك أنّ من قال بتحريف القرآن، فقد افترى على الله الكذب، ووجود بعض الروايات الدالة على التحريف، مع التسليم بها في كتب الشيعة، فإنّها لا تعبّر عن رأي الشيعة ولا علمائهم، لأنّها من أخبار الآحاد التي لا تفيد علماً ولا عملاً، خصوصاً وأنّ علماء الشيعة قد نفوا وقوع التحريف في القرآن، كما اعترف الدكتور الموسوي بذلك. بالإضافة إلى أنّ الشيعة لا تعتقد بصحة ما في كتب الأحاديث من روايات، ولأجل ذلك فتحوا باب الاجتهاد لتنقيح تلك الروايات وطرح ما يخالف الضرورة من دين المسلمين، ولما كان القول بتحريف القرآن مخالفاً للضرورة عند علماء الشيعة، فاتهامهم بالتحريف من الباطل في القول، ولهذا نجد الدكتور الموسوي ينفي القول بالتحريف عن أكثر علماء الشيعة، لأنّ الأكثرية منهم لا تقول به.

وأمّا استشهاد الدكتور بالنوري، فاستشهاد باطل، لأنّ الشيخ النوري لا يمثّل رأي الشيعة ولا علمائهم في هذه المسألة، وإنّما هو رأي شخصى انفراد به على فرض صحته، ولكن


الصحيح، أنّ النوري، لا يؤمن بالتحريف، شأنه شأن جميع علماء الشيعة، وإنّما هو مجرّد عرض للروايات ومناقشتها، ولهذا يقول الدكتور الموسوي كما في صفحة «132»:

«و كما قلنا فإنّ الرأي السائد لدى الأكثرية من فقهاء الشيعة هو عدم التحريف، ولكن هذا الرأي يعقبه رأي آخر هو من الغرابة بمكان ولا توجد له أدلة هذا إلّا في الروايات التي يرويها رواة الشيعة، ونحن في حركتنا التصحيحية لا نستطيع أن نغفل آراء شاذّة كتلك، وعلينا أن نشير إليها لكي يكون التصحيح جامعاً ومانعاً، وهنا نذكر رأياً لكبير علماء الشيعة وهو الإمام الخوئي الذي يقول في تفسيره «البيان» ص259. وذلك بعد أن استعرض آراء فقهاء المسلمين ومحدّثيهم بما فيهم الشيعة حول التحريف في القرآن أو عدم وقوعه ما هو نصّه:

«وممّا ذكرناه قد تبين للقارئ أنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة لا يقول به إلّا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حقّ التأمل أو من لجأ إليه... وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه». وأمّا الرأي الثاني الذي أشرنا إليه فهو في ص222 من الكتاب المذكور وجاء فيه:

«إنّ وجود مصحف لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور ممّا لا ينبغي الشك فيه، وتسالم العلماء الأعلام على وجوده، أغنانا عن التكلف لإثباته، كما أنّ اشتمال قرآنه (عليه‌السلام ) على الزيادات ليس في القرآن الموجود


وإن كان صحيحاً إلّا أنّه لا دلالة في ذلك على أنّ هذه الزيادات كانت من القرآن، وقد أسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أنّ تلك الزيادات كانت تفسيراً بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله تعالى شرحاً للمراد».

وبهذه العبارات يريد فقيهنا إثبات مصحف للإمام علي لا يختلف عن القرآن، ولكنه في الوقت نفسه يضيف جملة محيّرة وهي:

«أو بعنوان التنزيل من الله تعالى شرحاً للمراد».

ولست أدري ما هذا الإصرار على تسمية شرح للقرآن أو تفسير له بالمصحف. ثم ما هو هذا الإجماع الذي يدّعيه بقوله:

«تسالم العلماء الأعلام على وجوده أغنانا عن التكلّف لإثباته».

ومتى أجمعت العلماء على ذلك، اللهم إلّا نفر قليل استندوا على كلام ينسب إلى الإمام علي ذكره الطبرسي في الاحتجاج».

أقول : نقلنا كلام الدكتور هذا بطوله، ليرى المنصف ما في كلامه من تهافت وتناقض ومجانبة للحقّ والحقيقة، فتارة يدّعي أنّ الشيعة قالوا بالتحريف، وتارة يقول: إن الرأي السائد لدى الأكثرية من فقهاء الشيعة هو عدم التحريف، ثم نقل عن السيد الخوئي، أنّ القول بالتحريف، أو أنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة، ولا شكّ أنّ الخوئي لا يتكلم إلّا بلسان جميع الشيعة منذ القديم حتى وقتنا هذا، ولكن الدكتور الموسوي يحاول بأي شكل أن


ينسب التحريف إلى علماء الشيعة، وإن أدّى به إلى الجهل وعدم الاطّلاع على ما قاله القوم في تحريف القرآن.

وأمّا إنكار الدكتور لوجود مصحف للإمام علي (عليه‌السلام )، فهو إنكار للضرورات التي لا تحتاج إلى إقامة دليل عليها ولا برهان، وهذا ما تسالم عليه علماء الحكمة، من أن الضروري ما كان ظاهراً بنفسه، لظهوره ووضوحه. فالدكتور ينكر أن يكون هناك مصحف للإمام علي (ع)، كما ينكر أن يكون الإمام علي قد شرح وفسّر القرآن كما جاء عن النبي (ص)، ولا يخفى أنّ النبي (ص) قد بيّن ما في القرآن كما أمره الله سبحانه، والأدلة متظافرة على ذلك عند علماء المسلمين، فقول الدكتور الموسوي: «و متى أجمعت العلماء على ذلك». قول باطل، ونحن نذكر ما جاء في مصادر أهل السنّة وحفّاظهم على وجود مصحف للإمام علي جمعه وشرحه على حسب تنزيله وتأويله، ليرى شبابنا المثقف، أنّ الشيعة لا تؤمن بشيء إلّا إذا كان ممّا أجمع عليه المسلمون، وإليك نبذة ممّا رواه علماء أهل السنّة من وجود مصحف للإمام علي (ع):

مصحف الإمام علي في كتب أهل السنّة

وأمّا ما ورد في كتب أهل السنّة من وجود مصحف للإمام علي فروايات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:

يقول ابن حجر في صواعقه: «و أخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي رسول الله (ص) أبطأ علي عن بيعة


أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت لا أرتدي بردائي إلّا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن، فزعموا أنّه كتبه على تنزيله قال محمد بن سيرين: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم»(1) . وهذا دليل على أنّ الإمام عليّاً له مصحف كما يقول الإمام الخوئي، وأنّ هذا المصحف فيه زيادات، وأنّ تلك الزيادات من قبيل التفسير والتأويل، ولهذا قال ابن سيرين: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم. فهل يبقى شكّ عند الدكتور في وجود هذا المصحف.

ويقول السيوطي: «و علي - رضي الله عنه - أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة وأحد العلماء الربانييّن... وأحد من جمع القرآن وعرضه على النبي عليه الصلاة والسلام»(2) .

وعن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: «لما توفي النبي (ص) أبطأ علي عن بيعة أبي بكر فلقيه أبوبكر، فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن أن لا أرتدي بردائي إلّا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن، فزعموا أنّه كتبه على تنزيله...»(3) .

وفي الرياض النضرة للمحب الطبري: «عن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر أبطأ علي في بيعته وجلس في بيته، قال:

_____________________

(1) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص126-باب نبذ من كرامات الإمام علي.

(2) السيوطي: تاريخ الخلفاء-ص166.

(3) نفس المصدر:ص185.


فبعث إليه أبو بكر... إلى قوله: ولكن آليت أن لا أرتدي ردائي إلّا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن. قال ابن سيرين: فبلغني أنّه كتبه علي على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير»(1) .

وفي رواية أنّه لقيه عمر فقال: تخلّفت عن بيعة أبي بكر، فقال: وذكر الحديث، وزاد بعد قوله: حتى أجمع القرآن، فإنّي خشيت أن يفلت ثم خرج فبايعه، أخرجه أبو عمر وغيره»(2) .

وأخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء عن علي قال؛«لما قبض رسول الله (ص) أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن»(3) .

يقول ابن أبي الحديد: «و أمّا قراءته القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب، اتّفق الكل على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (ص) ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنّه تأخر عن بيعة أبي بكر... تشاغل بجمع القرآن،فهذا يدلّ على أنّه أول من جمع القرآن، لأنّه لو كان مجموعاً في حياة رسول الله (ص) لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه

_____________________

(1) المحبّ الطبري: الرياض النضرة-ح1-ص242-ط1-1984-بيروت.

(2) نفس المصدر: ص243.

(3) الحافظ الأصبهاني: حلية الأولياء-ح1-ص67-ط4-1985-دار الكتاب العربي.


بعد وفاته (ص).

وفي رواية ابن النديم: «... عن عليعليه‌السلام أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي (ص) فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه، وكان المصحف عند أهل جعفر، ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلي حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مرّ الزمان، وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف...»(2) . وقد ذكر اليعقوبي الأجزاء التي جمعها علي بن أبي طالب حسب السور(3) .

وقد أخرج حديث مصحف الإمام علي كل من: المتقي الهندي في كنز العمال(4) ، والقندوزي في ينابيع المودة(5) ، والبلاذري في أنساب الأشراف(6) ، وقد جاء عن الصاحب بن عباد كما ينقله سبط بن الجوزي:(7)

_____________________

(1) ابن أبي الحديد: شرح النهج-ح1-ص279-ط2-1965-دار إحياء الكتب العربية.

(2) ابن النديم: الفهرست -ص47-48.

(3) تاريخ اليعقوبي: ج2-ص124.

(4) المتقي الهندي: كنز العمال-ح2-ص373.

(5) القندوزي: ينابيع المودة-ح1-ص149.

(6) البلاذري: أنساب الأشراف-ح1-ص586-587-1959-دارالمعارف بمصر.

(7) سبط بن الجوزي: تذكرة الخواص-ص148.


هل مثل جمعك للقرآن تعرفه

لفظاً ومعنى وتأويلاً وتبيينا

يقول جرجي زيدان: «و مع تشديد الصحابة في التعويل على مصحف عثمان دون سواه، فقد ظلّ عند بعض المسلمين نسخ من مصاحف أخرى أشهرها مصحف علي»(1) .

ويقول دونلدسن: «و تؤكد بعض الروايات أنّه كان عند علي نسخة من القرآن جمعها ورتّبها بنفسه وعلّق عليها بعض الحواشي حسب ما كلّم الرسول (ص) به...»(2) .

أقول : بعد هذه الشواهد التي ذكرناها على سبيل المثال، هل يبقى عند الدكتور الموسوي وغيره، شك فيما يقوله الإمام الخوئي، وهذه الروايات لو انضمت إلى غيرها من روايات أهل السنّة والشيعة، لحصل القطع على وجود مصحف الإمام علي (ع)، لتواتر تلك الروايات، فقول الدكتور: «و متى أجمعت العلماء على ذلك، اللهم إلّا نفر قليل استندوا على كلام ينسب إلى الإمام علي ذكره الطبرسي في الاحتجاج»، باطل بالضرورة، حيث أنّ العلماء من أهل السنّة أجمعوا على وجود مصحف الإمام علي كما قدمنا ذلك عن ابن أبي الحديد، فاسناد الدكتور الموسوي ذلك إلى الطبرسي ما هو إلّا من الجهل المركب، ولهذا يظهر فساد ما يقوله في صفحة «134»:

_____________________

(1) جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي-ح3-ص66.

(2) دونلدسن: عقيدة الشيعة-ص63.


«إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام علي ليس أكثر من إضفاء حالة من الغلو على شخصية الإمام علي حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير وإثبات أن الإمام عليّاً إنّما هو تالي تلو وأحقّ بخلافة الرسول (ص) من غيره، ولذلك يحتفظ بمصحف خاص لا يحتفظ به غيره».

أقول : إذا كان ما ذكر في الكتب الشيعية عن مصحف للإمام علي، يضفي هالة من الغلو على شخصية الإمام علي (عليه‌السلام )، فبماذا يعلّل الدكتور الموسوي، ما ذكرته كتب أهل السنّة من وجود مصحف للإمام؟ وأنّه لو أصيب لكان فيه العلم، أيتهم علماء أهل السنّة بالغلو في شخصية الإمام علي؟ فإن قال بذلك، فقد حكم على علماء أهل السنّة بالغلو، وإن قال بأنّ ما ذكره الشيعة من وجود مصحف للإمام علي كان صحيحاً، فقد بطل قوله، وظهر فساد تصحيحه، وهذا هو شأنه في كتابه الشيعة والتصحيح، أو الصراع بين الشيعة والتشيع.

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «133»:

«إنّ فقهائنا-علمائنا-هكذا مكتوبة بالجر، والصحيح بالنصب، فقهاءنا وعلماءنا-يستدلون على وجود مصحف للإمام علي برواية يذكرها الطبرسي في كتاب الاحتجاج وهي أنّ الإمام قال: «يا طلحة إنّ كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (ص) عندي بإملاء رسول الله، وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (ص) وكل حلال وحرام...».


أقول : لما كان الدكتور الموسوي ليس من أهل التحقيق والتدقيق، حاول إلصاق ذلك بالطبرسي في كتابه الاحتجاج. إن من لا يعرف أبسط قواعد النحو، فكيف يعرف طرق الاستدلال، ولذا نجد الدكتور يقول: «إنّ فقهائنا وعلمائنا» حيث جر كلمة فقهاء وعلماء، والصحيح، علماءنا وفقهاءنا، فإذا كانت هذه حاله من المعرفة بالنحو، فما حاله إذن في معرفة طرق القوم في الاستدلال القائم على المقدمات العقلية والبراهين المنطقية، ومن هنا نذكر جملة من الروايات التي وردت في كتب أهل السنّة الدالة على أنّ كل آية في القرآن، فالإمام علي عنده علم الظاهر والباطن منها، كما عنده علم التفسير، وأنّه (ع) يعرف أين نزلت تلك الآيات وفيمن نزلت، وأنّ التأويل والتفسير في الإسلام يرجع إليه (عليه‌السلام ).

«الإمام علي وعلوم القرآن»

وإليك أيها القارئ الكريم ما جاء عن أهل السنّة في أنّ الإمام عليّاً عنده علوم القرآن وليس عند غيره ما عنده:

يقول ابن حجر الهيتمي: «أخرج ابن سعد عنه قال: والله ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً ناطقاً» وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال: قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم


جبل»(1) .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: «إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن، وإنّ علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن»(2) . وفي رواية عن علي: «قال: والله ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً(3) .

وفي الرياض النضرة للمحب الطبري عن أبي الطفيل قال: شهدت عليّاً يقول: سلوني والله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل»، قال سعيد بن المسيب: «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله (ص) يقول: سلوني إلّا عليّاً»(4) . وقد أخرج هذه الروايات جمع من علماء أهل السنّة وحفّاظهم(5) .

يقول طاش كبرى زاده: «و أمّا علي كرم الله وجهه فروي عنه الكثير، روي عنه أنّه قال وهو يخطب، سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أو بنهار، أم في سهل أم في جبل. وروي عنه

_____________________

(1) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص125-126.

(2) أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء-ح1-ص65.

(3) نفس المصدر: ص67-68.

(4) المحب الطبري: الرياض النضرة-ح3-ص166-167.

(5) انظر المتقي الهندي: كنز العمال-ح2-ص357. والسيوطي: تاريخ الخلفاء-ص185.


أيضاً أنّه قال: والله ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولا. وروي عن ابن مسعود أنّه قال: إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن وإنّ علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن...»(1) . ولهذا قال ابن مسعود: «قرأت سبعين سورة على رسول الله (ص) وقرأت البقية على أعلم هذه الأمّة بعد نبينا (ص) علي بن أبي طالب»(2) .

هذه نبذة ممّا رواه علماء أهل السنّة على سبيل المثال، من أنّ كل آية أنزلها الله سبحانه، فتأويلها عند الإمام علي (عليه‌السلام )، وعلى هذا، فهل يبقى عند الدكتور الموسوي شك أو ريب من ذلك، حتى يدّعي أنّ الشيعة يستدلون على ذلك برواية يذكرها الطبرسي في الاحتجاج، حاشا لعلماء الشيعة أن يستدلوا على شيء إلّا إذا كان مجمعاً عليه عند المسلمين.

«نداء التصحيح من الدكتور الموسوي»

يقول الدكتور في صفحة «131»: «و من هنا نوّجه نداء التصحيح إلى كل الناشرين في البلاد الشيعية كي يقلعوا عن نشر كتب كهذه، لأنّها كتب تخالف كتاب الله...».

أقول : إنّ نداء التصحيح من الدكتور الموسوي ينبغي أن

_____________________

(1) طاش كبرى زاده: مفتاح السعادة-ح1-ص400.

(2) القندوزي: ينابيع المودة-ح2-ص71.


يكون عامّاً بحيث يشمل جميع الكتب التي تدّعي وجود التحريف في كتاب الله سبحانه، لا فرق في ذلك بين كتب الشيعة وغيرها من كتب أهل السنّة مادام التصحيح متوجهاً إلى الناشرين لهذه الكتب. ومن هنا نوّجه إلى الدكتور السؤال التالي:

إذا كان بعض كتب الشيعة فيها روايات تدلّ على وجود التحريف في القرآن، وهذه الروايات لا تعد وكونها روايات آحاد غير معمول بها عند أكثر فقهاء الشيعة كما يدّعي ذلك الدكتور، وهي ساقطة بإجماع علماء الشيعة، فبماذا يقول الدكتور الموسوي في الصحيحين البخاري ومسلم اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به عند أهل السنّة والجماعة؟

يقول ابن حجر في صواعقه: «روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به»(1) . فلو ثبت فيهما القول بتحريف القرآن فهل تشمل دعوته التصحيحية إلى كل الناشرين في البلاد الإسلامية كي يقلعوا عن نشرهما؟ وماذا يقول لو وجد في الصحيحين القول بالتحريف وهما من الصحّة بمكان لا يمكن ردّهما أو تضعيف روايتهما؟ فبماذا يجيب الدكتور الموسوي؟

وأمّا كتب الشيعة التي تروى فيها بعض الروايات الدالة على وجود التحريف، فإنّها لا تخرج عن كونها من أخبار الآحاد، لا

_____________________

(1) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة-ص7.


تفيد علماً ولا عملاً، وقد طعن فيها جميع علماء الشيعة، ووجود الواحد أو الإثنين ممّن قال بوجود التحريف لا يؤثّر في إجماع علماء الشيعة وفقهائهم، كما لا يعبّر عن معتقداتهم في القرآن. وهذا بخلاف ما في الصحيحين البخاري ومسلم، حيث أجمع علماء أهل السنة على صحة رواياتهما، ولهذا كان المائز بين الصحيحين، وبين كتب الشيعة، هو، أنّ الصحيحين لا خلاف في صحة ما يروى فيهما، بخلاف ما يروى في كتب الشيعة، فهي تشمل على الغث والسمين، والصحيح وغير الصحيح، فليس عندهم من الكتب التي تتصف بالصحّة كما هو الحال في صحاح أهل السنّة، ولأجل ذلك دون علماء الشيعة علم الدراية لمعرفة الصحيح من غير الصحيح بعد أن فتحوا باب الاجتهاد لتنقيح هذه الروايات.

«أهل السنّة وتحريف القرآن»

يقول إحسان ظهير في كتابه الشيعة والسنّة: «من أهمّ الخلافات التي تقع بين السنّة والشيعة، هو اعتقاد أهل السنّة كجميع طوائف المسلمين بأنّ القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا محمد (ص) هو الكتاب الأخير المنزّل من عند الله إلى الناس كافة، وانّه لا يتغير ولم يتبدل وليس هذا فحسب بل أنّ لن يتغيّر ولن يتحرف إلى أن تقوم الساعة...».

ويقول أيضاً: «و أمّا القول بأنّ مثل هذه الروايات توجد عند

_____________________

(1) إحسان ظهير: الشيعة والسنة-ص77.


السنّة فليس إلّا تحكم وتجبر، والحق أنّه لا يوجد في كتب أهل السنّة المعتمد عليها عندهم رواية واحدة صحيحة تدلّ على أنّ القرآن الذي تركه رسول الله (ص) عند وفاته نقص منه أو زيد فيه، بل صرّح أكابر المسلمين بأنّ من يعتقد مثل هذا فقد خرج من الله الحنيفية البيضاء، كما أنّهم قضوا بأنّ الشيعة هم القائلون بهذا القول الخبيث»(1) .

أقول : ليت الأستاذ إحسان ظهير لم يتعرّض لذلك، ويتهم الشيعة بتحريف القرآن من دون دليل أو برهان، وهذا شأنه في كتابه الشيعة والسنّة، معتمداً على بعض الروايات الشاذّة التي لا يقول بها الشيعة، ولهذا فقد ألصق بهم كل وصمة ونفاها عن أهل السنّة وعلمائهم، وسار على منهاجه الدكتور موسى الموسوي.

فالأستاذ إحسان ظهير وغيره ممن تناول القول بتحريف القرآن اتهم الشيعة بهذا القول، ونفاه عن أهل السنّة وعلمائهم، وأنّه لا توجد روايات معتمدة صحيحة تدل على التحريف عند أهل السنّة، وهذا القول باطل، وإنّ قائله لا يريد إلّا الفساد في الأرض إمّا متعمداً وإمّا جهلاً منه بما في كتب أهل السنّة المعتمدة وفيه وفي غيره يقول الشاعر العربي:

لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

_____________________

(1) نفس المصدر: ص141.


نقول للأستاذ إحسان ظهير، هناك روايات كثيرة وردت في صحاح أهل السنّة ومسانيدهم تدل على وقوع التحريف في القرآن، وأنّه قد وقع فيه اللحن والنقصان فماذا تقول بها؟ وبماذا تجيب وقد وردت في أصحّ الكتب بعد القرآن عند أهل السنّة؟

يقول الشيخ محمود أبو رية أحد مشايخ أهل السنّة: «و لم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو أخطر من ذلك حتى زعمت أنّ في القرآن نقصاً ولحناً وغير ذلك مما أورد في كتب السنّة ولو شئنا أن نأتي به كلّه هنا لطال الكلام...»(1) . وإليك نبذة ممّا رواه أهل السنّة في صحاحهم ومسانيدهم على وجود التحريف في القرآن، ليظهر للقارئ المنصف ما قاله إحسان ظهير من مفتريات على الشيعة:

«صحيح البخاري وروايات تحريف القرآن»

روى البخاري في صحيحه وهو أصحّ الكتب بعد القرآن، عن عمر بن الخطاب أنّه قال وهو على المنبر:

«إنّ الله بعث محمداً بالحق نبيّاً وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة

_____________________

(1) محمود أبو رية: أضواء على السنّة المحمدية-ص229.


أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، ثم كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم»(1) .

وعن أنس أنه قال: «... أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه، ثم نسخ بعد، بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنّا فرضي عنّا ورضينا عنه»(2) .

وفي رواية أخرى كما في الصحيح: «... قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيّه (ص) في الذين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد، بلغوا قومنا فقد لقينا ربنّا فرضي عنّا ورضينا عنه»(3) .

وفي حديث طويل كما في الصحيح أيضاً عندما لقي علقمة أبا الدرداء، «قال علقمة لأبي الدرداء: «... كيف يقرأ عبد الله: «و الليل إذا يغشى»، فقرأت عليه، «و الليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى، والذكر والأنثى»، قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله (ص) من فيه إلى فيّ». وفي رواية، «قال: كيف كان عبد الله يقرأ، «و الليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى»، قلت: «و الذكر والأنثى»، قال: ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول الله (ص)»(4) .

_____________________

(1) صحيح البخاري: ح8-ص169.

(2) نفس المصدر:ح4-ص21.

(3) نفس المصدر: ح5-ص107.

(4) نفس المصدر: ص25.


وفي رواية: «كيف قرأ ابن أم عبد، والليل، فقرأت: والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلّى، والذكر والأنثى، قال: أقرأنيها النبي (ص) من فيه إلى فيّ، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردوني»(1) .

وفي تفسير قوله تعالى: والليل إذا يغشى، عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام فسمع بنا أبو الدرداء، فأتانا، فقال: أفيكم من يقرأ، فقلنا نعم، قال: فأيكم أقرأ، فأشاروا إليّ، فقال: إقرأ، فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى، قال: أنت سمعتها من صاحبك، قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من في النبي (ص)، وهؤلاء يأبون عليّ». و في رواية الأعمش عن إبراهيم قال: «قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم، فقال: أيّكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قال: كلنا، قال: فأيّكم يحفظ، وأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ والليل إذا يغشى، قال علقمة: والذكر والأنثى، قال: اشهد أنّي سمعت النبي (ص) يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون على أن أقرأ: وما خلق الذكر والأنثى، والله لا أتابعهم»(2) .

أقول : هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من وجود التحريف في كتاب الله سبحانه، وهو من أصحّ الكتب بعد

_____________________

(1) نفس المصدر:ص28.

(2) نفس المصدر: ح6-ص170.


القرآن، عند الأستاذ إحسان ظهير، فهل يبقى لقوله: «و الحق أنّه لا توجد في كتب أهل السنّة المعتمدة عليها عندهم رواية واحدة صحيحة...»، قيمة من الناحية العلمية؟، فالأستاذ إحسان ظهير بقوله هذا، نفى أن يكون صحيح البخاري من الكتب المعتمدة عليها، لأنّها روت روايات التحريف، اللهم إلّا أن يقول: ان صحيح البخاري ليس بصحيح، فيخرج بقوله هذا عن إجماع أهل السنّة في قولهم، بأنّ صحيح البخاري ومسلم من أصحّ الكتب بعد القرآن. بالإضافة إلى ذلك، فقد حكم الأستاذ إحسان ظهير على الإمام البخاري بالخروج عن ملّة الإسلام، وذلك في قوله: «... بل صرّح أكابر المسلمين بأنّ من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملّة الحنيفية البيضاء...».

«صحيح مسلم وروايات تحريف القرآن»

وفي صحيح الإمام مسلم عدّة روايات تدلّ على وجود التحريف في القرآن الكريم نذكر نبذة منها على سبيل المثال:

عن سعيد بن جبير قال: قلت لا بن عباس سورة التوبة، قال: التوبة، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنّوا أنّ لا يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها...»(1) .

أقول : إنّ سورة التوبة من السور التي وقع فيها التحريف

_____________________

(1) صحيح مسلم: ح8-ص245.


عند أكثر علماء أهل السنّة كما سوف نذكره، ويكفي في ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، أنّها كانت تسمى بالفاضحة، وأنّها كانت تعادل سورة البقرة، وهذا يدل على وجود النقص في القرآن عند أهل السنّة، فعلى قول الأستاذ إحسان ظهير خروج هؤلاء عن الملّة الحنيفية.

وفي رواية: «... قال أنس: أنزل الله عزّ وجل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنّا فرضي عنّا ورضينا عنه»(1) . وعن علقمة قال: «قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال: فيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله، فقلت نعم أنا، قال: كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: والليل إذا يغشى، قال: سمعته يقرأ: والليل إذا يغشى والذكر والأنثى، قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله (ص) يقرأها، ولكنّ هؤلاء يريدون أن أقرأ: وما خلق، فلا أتابعهم»(2) .

وفي رواية: «... قال: هل تقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، قال: قلت نعم، قال: فاقرأ: والليل إذا يغشى، قال: فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى، قال: فضحك ثم قال: هكذا سمعت رسول الله (ص) يقرأها»(3) .

وأخرج الإمام مسلم عن أبي الأسود عن أبيه قال: «بعث أبو

_____________________

(1) نفس المصدر: ح2-ص136.

(2) نفس المصدر: ص206.

(3) نفس المصدر: ص206.


موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنّا كنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، غير أنّي قد حفظت منها: «لو كان لا بن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب». وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنّي حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة»(1) .

يقول الشيخ أبو رية: «... و لا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تفصح بأنّ القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه: «إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون»(2) .

«مسند الإمام أحمد وروايات تحريف القرآن»

وفي المسند عن ابن عباس: «جاء رجل إلى عمر، فقال: أكلتنا الضبع-يعني السنة-فقال عمر: لو أنّ لامرئ وادياً أو واديين لا بتغى إليهما ثالثاً، فقال ابن عباس: ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ثم يتوب الله على من تاب، فقال عمر لابن عباس:

_____________________

(1) محمود أبو رية: أضواء على السنّة-ص230. و انظر صحيح مسلم بهامش صحيح البخاري-ح4-ص437. باب كراهة الحرص على الدنيا.

(2) نفس المصدر:ص230.


ممّن سمعت هذا؟ قال: من أبيّ، قال: فإذا كان بالغداة فاغد عليّ، فرجع إلى أم الفضل فذكر ذلك لها، فقالت: مالك وللكلام عند عمر...»(1) .

وفيه أيضاً عن أبيّ بن كعب قال: إنّ رسول الله (ص) قال: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال: فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، قال: فقرأ فيها: ولو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، فلو سأل فأعطيه لسأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب...»(2) .

وعن أنس بن مالك قال: «كنت أسمع رسول الله (ص) يقول: فلا أدري أشيء نزل عليه أم شيء يقوله، وهو يقول: لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى لهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب»(3) .

وفيه أيضاً عن أنس: «... ثم قتلوهم كلهم غير الأعرج كان في رأس جبل، قال أنس: فأنزل علينا وكان ممّا يقرأ فنسخ: أن بلغوا قومنا إنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا...»(4) . وفي رواية «... ونزل في ذلك قرآناً فقرأناه، بلغوا عنّا قومنا إنّا قد لقينا ربنّا فرضي عنّا وأرضانا...»(5) .

_____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح5-ص117. ط1983.

(2) نفس المصدر:ص131. وانظر ح2-ص42-43.

(3) نفس المصدر: ح3-ص122. وانظر ص176.

(4) نفس المصدر: ص210.

(5) نفس المصدر: ص215.


وعن علي بن أبي طالب قال: «... إنّ الرجم سنّة من رسول الله (ص) وقد كانت نزلت آية الرجم فهلك من كان يقرؤها وآياً من القرآن»(1) . ورواية أنس بن مالك في قصة بئر معونة عن قتادة قال: وحدثنا أنس إنّا قرأنا بهم قرآنا، بلغوا عنّا قومنا إنّا قد لقينا ربنّا عزّ وجل فرضي عنّا وأرضانا ثم نسخ أو رفع»(2) . وفي رواية: «... قال: وحدثنا أنس أنّ جبريلعليه‌السلام أتى النبي (ص) فأخبره أنهم قد لقوا ربّهم فرضي عنهم وأرضاهم، قال أنس: كانوا يقرؤون: ان بلغوا قومنا إنّا قد لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا، قال: ثم نسخ بعد ذلك...»(3) .

وعن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله (ص) إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك، فقرأ عليّ: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينّة رسول من الله يتلو صحفاً مطهّرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلّا من بعد ما جاءتهم البيّنة إنّ الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيراً فلن يكفره».

قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ: لو أنّ لابن آدم واديان من مال...»(4) .

وعن زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: كم تقرأون سورة

_____________________

(1) نفس المصدر: ح1-ص143.

(2) نفس المصدر: ح3-ص255.

(3) نفس المصدر: ص289.

(4) نفس المصدر: ح5-ص132.


الأحزاب، قال: بعضاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله (ص) مثل البقرة أو أكثر منها وإنّ فيها آية الرجم»(1) .

«منتخب كنز العمال وروايات التحريف»

نذكر نبذة ممّا جاء في منتخب كنزل العمال للمتقي الهندي بهامش مسند الإمام أحمد طبعة 1983، والتي تدل على وقوع التحريف في القرآن، ليرى الأستاذ إحسان ظهير، وموسى جار الله والدكتور الموسوي وغير هؤلاء، ما جاء عن أهل السنّة من روايات وأحاديث في ذلك، وأنّ إسناد التحريف في القرآن إلى الشيعة ما هو إلّا من الظلم الفاحش، من هذه الروايات:

عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، قال: من أملى عليك هذا، قلت أبيّ بن كعب، قال: إنّ أبيّاً أقرؤها للمنسوخ، إقرأها: فامضوا إلى ذكر الله...». وعن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن الزبير يقرأ، في جنّات يتساءلون عن المجرمين يا فلان ما سلككم في صقر، قال عمرو: وأخبرني لقيط، قال: سمعت ابن الزبير قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها كذلك». وعن عمرو بن ميمون قال: صليت خلف عمر بن الخطاب المغرب: فقرأ: والتين والزيتون وطور سيناء»... وعن عمر قال: كنّا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه

_____________________

(1) نفس المصدر: ص132.


كفر بكم، أو كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم»(1) .

وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ عليّ الواقعة في الفجر، فقرأ: «و تجعلون شكركم أنكم تكذبون» فلما انصرف قال: إنّي قد عرفت أنّه سيقول قائل لم قرأ كذا، إنّي سمعت رسول الله (ص) يقرؤها: كذلك كانوا إذا مطروا قالوا أمطرنا بنوء كذا، فأنزل الله: وتجعلون شكركم أنّكم إذا أمطرتم تكذبون». وعن عبد الرحمن قال: كان علي يقرأ: وتجعلون شكركم أنّكم تكذبون»(2) .

وفي رواية ابن عباس قال: كنت عند عمر فقرأت: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب» فقال عمر ما هذا قلت هكذا أقرأنيها أبيّ، فجاء إلى أبيّ وسأله عمّا قال ابن عباس، فقال: هكذا أقرأنيها رسول الله (ص)(3) .

وعن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف، ألم نجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة، فانا لم نجد، قال: أسقط فيما أسقط من القرآن»(4) . وأنت ترى أنّ هذه الرواية تدل على أنّ هناك آيات كثيرة أسقطت من القرآن الكريم.

_____________________

(1) منتخب كنز العمال من هامش مسند الإمام أحمد: ح2-ص60.

(2) نفس المصدر: ص20.

(3) نفس المصدر: ص43.

(4) نفس المصدر: ص42.


وعن أبيّ أنّ النبي (ص) قال: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه: «لم يكن، وقرأ عليه: إن ذات الدين عند الله الحنيفية لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفر. وقرأ عليه: لو كان لابن آدم وادٍ لابتغى إليه ثانياً ولو أعطي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب». (ط حم ت) حسن صحيح»(1) .

وعن زر قال: قال لي أبيّ بن كعب، يا زر كأين تقرأ سورة الأحزاب، قلت: ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنّا لنقرأ فيها آية الرجم، وفي لفظ، وإن في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم فرفع فيما رفع...»(2) .

وفي رواية: «قرأ أبيّ بن كعب: ولا تقربوا الزنا إنّه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا إلّا من تاب فإنّ الله كان غفوراً رحيماً» فذكر لعمر، فأتاه فسأله عنها، فقال: أخذتها من في رسول الله (ص) وليس لك عمل إلّا الصفق بالبقيع»(3) .

وعن زيد بن ثابت قال: «قد كنّا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فقال له مروان: يا زيد أفلا تكتبها، قال: لا، ذكرنا ذلك وفينا عمر، فقال: أنا أسعفكم قلنا: وكيف

_____________________

(1) نفس المصدر: ص42-43.

(2) نفس المصدر: ص43.

(3) نفس المصدر: ص43.


ذلك، قال: آتي النبي (ص) فأذكر ذلك، فذكر آية الرجم فقال: يا رسول الله أكتبني آية الرجم فأبى وقال: لا أستطيع الآن»(1) .

وعن أبي إدريس الخولاني، أنّ أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق ومعهم المصحف الذي جاء به أهل دمشق ليعرضوه على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وعلى أهل المدينة، فقرأ يوماً على عمر بن الخطاب، فلما قرأ هذه الآية: «إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام». فقال عمر من أقرأكم، قال: أبيّ بن كعب، فقال لرجل من أهل المدينة، ادع لي أبيّ بن كعب، وقال للرجل الدمشقي انطلق معه فذهبا فوجدا أبيّ بن كعب عند منزله... فلما أتى عمر قال لهم اقرأوا، فقرأوا: ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فقال أبيّ: أنا أقرأتهم»(2) .

وعن عثمان أنّه قرأ: «و لتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون»(3) .

هذه نبذة من روايات التحريف ذكرناها من منتخب كنز العمال للمتقي الهندي ليرى الأستاذ إحسان ظهير ما يروى عن أهل السنّة، الذي نفى أن تكون هناك رواية واحدة رواها علماء أهل السنّة

_____________________

(1) نفس المصدر: ص47-48.

(2) نفس المصدر: ص59-60.

(3) نفس المصدر: ص54.


وحفّاظهم. ومن هنا يصدق عليه المثل العربي: «رمتني بدائها وانسلت».

الاتقان للسيوطي وروايات تحريف القرآن:

وإليك ما جاء عن خاتمة حفّاظ أهل السنّة، شيخ الإسلام جلال الدين السيوطي في كتابه «الاتقان في علوم القرآن»، في تحريف القرآن، هذه نبذة منها:

قال السيوطي: «و أخرج الطبراني في الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدي عن يحيى بن يعلي الأسلمي عن ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: قال لي عبد الملك بن مروان، لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب إلّا أنّك اعرابي جاف، فقلت والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علمهما إيّاه رسول الله (ص) ما علمتهما أنت ولا أبوك: اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحن نرجو رحمتك ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفار ملحق»(1) .

وعن ابن عمير: «أنّ عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنّا نستعينك ونثني عليك

_____________________

(1) السيوطي: الاتقان-ح1-ص65.


ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إيّاك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى... قال ابن جريج: حكمة البسملة أنها سورتان في مصحف بعض الصحابة»(1) .

وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى: «بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك...». وعن أنس بن مالك في عدد سورة براءة: «و عن مالك أن أولها لما سقط سقط معه البسملة،، فقد ثبت أنّها كانت تعدل البقرة لطولها»(2) . و في عدد آيات السور أنّ «براءة» مائة وثلاثون وقيل إلّا آية»(3) .

يقول السيوطي: «السابعة النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب أحدها ما نسخ تلاوته وحكمه معاً، قالت عائشة: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله (ص) وهنّ ممّا يقرأ من القرآن. رواه الشيخان»(4) .

أقول : إن النسخ بهذا المعنى لا يمكن وقوعه في القرآن، فآيات القرآن الكريم، جاءت للإعجاز، فلا ينسخ لفظه وحكمه معاً، نعم يمكن أن ينسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا واقع في القرآن، بالإضافة إلى ذلك، أنّ الرواية لا تنسخ الآية، لأنّ الآية

_____________________

(1) نفس المصدر: ص65.

(2) نفس المصدر: ص65.

(3) نفس المصدر: ح1-ص68.

(4) نفس المصدر: ح2-ص22.


قطعية الصدور، فكيف تنسخ بما هو ظنّي الصدور. وأمّا قول أم المؤمنين عائشة: فتوفى رسول الله (ص) وهنّ ممّا يقرأ من القرآن»، دليل على وجود التحريف والنقصان في القرآن، وإلّا فأين ذهبت تلك الآيات الكريمات.

ويبدو لي بعد التحقيق أنّه لما كثر القول عند علماء أهل السنّة من وجود النقصان في كتاب الله، بروايات معتمدة وصحيحة عندهم، حاولوا أن يجدوا لها مخرجاً، لعدم إمكان إنكارها لورودها في أصحّ الكتب بعد القرآن عندهم. فالإذعان بها وتصديقها، يوجب القول بتحريف القرآن، لذلك قالوا: إنّ النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب: ما نسخ لفظه وحكمه معاً، وما نسخ لفظه وبقي حكمه، كآية الرجم مثلاً، وما نسخ حكمه وبقي لفظه، هروباً من إسقاط تلك الروايات.

والذي يدل على وجود النقصان في القرآن عند أهل السنّة، ما ينقله السيوطي عن عمر بن الخطاب.

«قال أبو عبيد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر»... وعن عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي (ص) مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن»(1) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص25.


وعن زر بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب، كاين تعد سورة الأحزاب قلت: اثنتين وسبعين آية أو ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنّا لنقرأ فيها آية الرجم، قلت: وما آية الرجم، قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم»... وعن أبي أمامة بن سهل، أنّ خالته قالت: أقرأنا رسول الله (ص) آية الرجم، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة»... وعن ابن أبي حميد عن حميدة بنت أبي يونس قالت: قرأ على أبيّ وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة، إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما وعلى الذين يصلّون الصفوف الأولى» قالت: قبل أن يغيّر عثمان المصاحف»(1) .

وعن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله (ص): «إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن بقيتها لو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال... وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره». و عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إنّ الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب»(2) .

_____________________

(1) نفس المصدر:ح2-ص25.

(2) نفس المصدر: ص25.


وعن أبي موسى الأشعري قال: كنّا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسيناها غير أنّي حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة»... وعن عدي بن عبد قال: قال عمر: كنّا نقرأ: ألا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم...». وقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة، فإنّا لا نجدها، قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن»(1) .

قال مسلمة بن مخلد الأنصاري ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون»(2) .

وعن حذيفة قال: «ما تقرأون ربعها، يعني براءة، قال الحسين بن المناري في كتابه الناسخ والمنسوخ وممّا رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي «الخلع والحفد»(3) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص25.

(2) نفس المصدر: ص25-26.

(3) نفس المصدر: ص26.


أقول : هاتان سورتان أسقطتا من القرآن الكريم، وهما سورة الخلع، وسورة الحفد، فهل يبقى لإحسان ظهير، وموسى جار الله التركستاني شك في وجود روايات عند أهل السنّة تذهب إلى القول بوجود التحريف في القرآن، وإذا كانت هذه الروايات تروى في أصحّ الكتب، ولم يكن معمولاً بها، عند الأستاذ إحسان ظهير ومن قال بمقالته، فلماذا يلصقون بالشيعة القول بالتحريف، مع أنّهم أجمعوا على بطلان ذلك؟ ولماذا إذن يبرؤون أنفسهم مع وجود تلك الروايات؟ فبماذا يجيب الحاكم العادل؟

تفسير الدر المنثور وروايات تحريف القرآن:

استكمالاً لبحثنا هذا نذكر ما جاء في الدر المنثور في التفسير بالمشهور للعلّامة السيوطي أيضاً من روايات التحريف:

أخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة قال: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلّا نالت منه، ولا تقرأون منها ممّا كمّا نقرأ إلّا ربعها». وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة في براءة يسمّونها سورة التوبة وهي سورة العذاب»(1) .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر... عن سعيد بن جبير

_____________________

(1) السيوطي: الدر المنثور-ح2-ص207.


قال: قلت لابن عباس (رض) سورة التوبة، قال: التوبة، بل هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم حتى ظننا أنّ لن يبقى منّا أحد إلّا ذكر فيها». وأخرج أبو عوانة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أنّ عمر قيل له سورة التوبة، قال: هي إلى العذاب أقرب، ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحداً». وعن عمر أيضاً: «... ما فرغ من تنزيل براءة حتى ظننّا أنّه لم يبق منّا أحد إلّا سينزل فيه وكانت تسمى الفاضحة»(1) .

وعن زر قال: قال لي أبيّ بن كعب، كيف تقرأ سورة الأحزاب، أو كم تعدّها، قلت ثلاثاً وسبعين آية، فقال أبيّ: قد رأيتها وأنّها لتعادل سورة البقرة وأكثر من سورة البقرة ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، فرفع منها ما رفع»(2) .

وعن الثوري قال: بلغنا أنّ ناساً من أصحاب النبي (ص) كانوا يقرأون القرآن، أصيبوا يوم مسيلمة فذهب حروف من القرآن»(3) .

وعن ابن عباس قال: «أمر عمر بن الخطاب منادياً فنادى إنّ الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا

_____________________

(1) نفس المصدر: ص207.

(2) نفس المصدر: ح5-ص179.

(3) نفس المصدر: ص179.


أيها الناس لا تجز عن من آية الرجم، فإنّها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ولكنّها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد وآية ذلك أنّ النبي (ص) قد رجم»(1) .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس، أنّ عمر قام فحمد الله إلى قوله... «.... و أنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم. فقرأناها ووعيناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، ورجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فضيله أنزلها الله»(2) . وفي رواية: «.... ولولا أن يقول قائلون ويتكلم متكلمون أنّ عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت»(3) .

وأخرج النسائي وأبو يعلى عن كثير بن الصلت قال: كنّا عند مروان وفينا زيد بن ثابت، فقال زيد، ما تقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، قال مروان، ألا كتبتها في المصحف، قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب». وفي رواية عن عمر بن الخطاب «كم تعدون سورة الأحزاب، قلت اثنتين أو ثلاثاً وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة وإن كان فيها آية الرجم»(4) .

_____________________

(1) نفس المصدر: ص179.

(2) نفس المصدر: ص180.

(3) نفس المصدر: ص180.

(4) نفس المصدر: ص180.


وأخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال: «قرأت سورة الأحزاب على النبي (ص) فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها».

وعن عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي (ص) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن»(1) .

المستدرك للحاكم وروايات التحريف:

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري عن زر عن أبيّ بن كعب قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة». هذا حديث صحيح ولم يخرجاه». أي البخاري ومسلم.

يقول الحافظ الذهبي في تلخيصه: «عن زر عن أبيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. صحيح»(2) .

وعن حذيفة قال: ما تقرأون ربعها، يعني براءة، وإنّكم تسمونها سورة التوبة، وهي سورة العذاب. هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه».

يقول الحافظ الذهبي: «... عن حذيفة قال: ما تقرأون

_____________________

(1) نفس المصدر: ص179-180.

(2) الحاكم: المستدرك-ح2-ص415-طبعة بيروت-دار المعرفة.


ربعها، يعني براءة، وإنّكم تسمّونها سورة العذاب. صحيح»(1) .

أقول : هذه الروايات التي رواها الحاكم في مستدركه، والحافظ الذهبي في تلخيصه، وحكما بصحتها، دليل على أنّ من علماء أهل السنّة من يذهب إلى وجود التحريف في القرآن.

حلية الأولياء للأصبهاني وروايات التحريف:

وفي حلية الأولياء عدّة روايات تدل على وقوع التحريف في القرآن منها:

«عن أبيّ بن كعب، أنّ النبي (ص) قال: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. قال: فقرأ عليه: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، وقرأ عليه: إن ذات الدين عند الله الحنيفية لا المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن تكفروه. وقرأ عليه: لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانياً ولو أعطي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب»(2) .

وعن أبي الأسود الديلمي عن أبيه قال: «جمع أبو موسى القرّاء، فقال: لا تدخلوا عليّ إلّا من جمع القرآن. قال: فدخلنا

_____________________

(1) نفس المصدر: ص331.

(2) الأصبهاني: حلية الأولياء-ح4-ص187.


عليه زهاء ثلاثمئة فوعظنا، وقال: أنتم قرّاء أهل البلد فلا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب، ثم قال: لقد أنزلت سورة كنّا نشبهها ببراءة طولاً وتشديداً حفظت منها آية: لو كان لابن أدم واديان من ذهب لالتمس إليهما وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب. وأنزلت سورة كنّا نسمّيها بالمسبحات أولها سبّح لله، حفظت آية كانت فيها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة»(1) .

أبو داود وروايات التحريف:

وفي صحيح سنن المصطفى لأبي داود عدّة روايات تدلّ على وجود النقص والتحريف في القرآن منها:

«عن ابن عباس، أنّ عمر-يعني ابن الخطاب-خطب فقال: إنّ الله بعث محمداً (ص) بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله (ص) ورجمنا من بعده، وإنّي خشيت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حقّ على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً إذا قامت البيّنة أو كان حمل أو اعتراف، وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عزّ وجل

_____________________

(1) نفس المصدر:ح1-ص257.


لكتبتها»(1) .

وعن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله (ص) أنّه قال: «ألا أنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه...»(2) .

هذه جملة من الروايات التي وردت في كتب أهل السنّة والتي تدلّ على وجود التحريف في القرآن الكريم، وهناك الكثير من الروايات تركنا ذكرها لأجل الاختصار، ونكتفي بما ذكره أحد شيوخ أهل السنّة الشيخ محمود أبو رية في قوله:

«و هناك حديث يروى في كتب أهل السنّة عن النبي، وهو قوله (ص): «ألا وإنّي أوتيت الكتاب ومثله معه». وفي رواية: «ألا أنّي أوتيت القرآن ومثله معه» يقول الشيخ أبو رية: «و هذا الحديث من أغرب ما قذفته الرواية في سيلها، لأنّ النبي إذا كان قد أوتي مثل «الكتاب» أو «مثل القرآن»، فمعنى ذلك أنّه قد أوتي ذلك ليكون تماماً على القرآن وإكمالاً له لبيان دينه وشريعته»(3) .

_____________________

(1) أبو داود: صحيح سنن المصطفى-ح2-ص229-230-دار الكتاب العربي-بيروت.

(2) نفس المصدر: ص260.

(3) محمود أبو رية: أضواء على السنّة المحمدية-ص24-25.


الشيعة لا تقول بتحريف القرآن:

وأمّا ما يزعمه الدكتور موسى الموسوي وغيره، كموسى جار الله التركستاني، وإحسان ظهير، من أنّ علماء الشيعة ادعوا التحريف في القرآن، فهو مخالف لما جاء عن علماء الشيعة ورواتهم، وأنّ مجّرد وجود روايات تدلّ على التحريف، ليس معناه أنّ الشيعة تؤمن بتحريف القرآن، وهذا ما أجمع عليه الشيعة منذ القديم وحتى يومنا هذا. كما وأنّ علماء السنّة أجمعوا على عدم وجود التحريف في القرآن، وإنّ تلك الروايات التي ذكرناها، ما هي إلّا روايات مدونة في كتب أهل السنّة، وأنّ الباحثين منهم لم يتقبلوها وإن كانت واردة في أصحّ الكتب بعد القرآن عندهم، وعلى هذا فالإجماع قائم على عدم وجود التحريف، وإليك ما جاء عن أعلام الشيعة في هذا الباب.

قال الشيخ الطوسي في التبيان: «أمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصه فممّا لا يليق به لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الروايات، غير أنّه رويت روايات من جهة الشيعة والعامة بنقصان أي من آي القرآن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها...»(1) .

_____________________

(1) السيد حسين البروجردي: تفسير الصراط المستقيم-ص366. وأيضاً العاملي: نقض الوشيعة-ص161.


وقال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي-رحمه الله-: «اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سورة عند الناس مائة وأربعة عشر سورة، وعندنا والضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنّا نقول: أنّه أكثر من ذلك فهو كاذب، وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن وثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في كل ركعة نافلة والنهي عن القرآن بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلنا في أمر القرآن، وأنّ مبلغه ما في أيدي الناس...»(1) .. ولهذا يقول الكليني في الكافي:

«فاعلم يا أخي أرشدك الله أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماءعليهم‌السلام برأية، إلّا على ما أطلقه العالم بقولهعليه‌السلام : أعرضوها على كتاب الله فما وافى كتاب الله عزّ وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه»(2) . ويقول أيضاً: «... فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتاً مستقراً، سبب له الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنّة نبيّه صلوات الله عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه

_____________________

(1) الكاشاني: المحجة البيضاء-ح2-ص264. وانظر الأمين العاملي: نقض الوشيعة-ص160.

(2) الكليني: الكافي-ح1-ص8.


من الجبال الرواسي...»(1) . وجاء فيه أيضاً: قال أبو جعفر (ع): «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله...»(2) .

أقول : هذا ما جاء عن ثقة الإسلام الكليني من أقوال وروايات تحث المسلمين على عرض الرواية على كتاب الله، ولا شك أنّ المخاطبين هم علماء الشيعة، فلو كان للشيعة قرآن غير هذا القرآن، كما يزعم البعض، أو كان القرآن قد وقع فيه التحريف، فكيف يصحّ عرض الرواية عليه، لاحتمال أن تكون الآية التي تعرض عليها الرواية، قد وقع فيها التحريف. ثم إنّ قول الإمام (ع): فاسألوني من كتاب الله، وكتاب الله في ذلك الوقت هو الكتاب الذي بأيدينا من غير زيادة ولا نقيصة، فوجوب السؤال من كتاب الله يلزمه عدم التحريف، وإلّا كان السؤال من غير كتاب الله، لاحتمال وقوع التحريف في الآي. وفي ذلك يقول الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء:

«ويرد على هذا كله إشكال: وهو أنّه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن، إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً ويكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً فتنتفي فائدته، وفائدة الأمر باتّباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك، وأيضاً قال الله عز وجل: «و إنّه لكتاب

_____________________

(1) نفس المصدر: ص7-8.

(2) نفس المصدر: ص60.


عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه». وقال: «إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون». فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير...»(1) .

يقول الطبرسي في تفسيره مجمع البيان: «أمّا الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان فروى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة «أهل السنّة» إنّ في القرآن نقصاً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى...»(2) .

يقول الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي: «الصحيح إنّ القرآن محفوظ عن ذلك - أي التحريف - زيادة كان أو نقصاناً. ويدل عليه قوله تعالى: وإنّا له لحافظون»(3) .

ويقول الشيخ جعفر النجفي في مقدمة كتابه كشف الغطاء: لا ريب أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان كما دلّ عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في كل زمان ولا عبرة بالنادر»(4) .

وجاء عن الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء: «... و أنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدّي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام وأنّه لا

_____________________

(1) الكاشاني: المحجة البيضاء-ح2-ص263.

(2) الطبرسي: مجمع البيان-ح1-ص15.

(3) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص162.

(4) نفس المصدر: ص163.


نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطئ، بنصّ الكتاب العظيم: « إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون»(1) .

وقد بيّن الشيخ محمد رضا المظفر عقيدة الشيعة في القرآن بقوله: « يعتقد الشيعة بأنّ «القرآن» هو الحي الإلهي المنزّل من الله تعالى على لسان نبيّه الأكرم فيه تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة... لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه وكلهم على غير هدى، فإنّه كلام الله الذي «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»(2) .

هذه صورة لما يعتقده الشيعة في كتاب الله، حيث أجمعوا على القول بعدم وقوع التحريف فيه، ومن هنا يظهر فساد ما ذهب إليه الدكتور الموسوي، وموسى جار الله في كتابه الوشيعة، وإحسان ظهير، وغير هؤلاء، من أن القول بتحريف القرآن من معتقدات الشيعة.

_____________________

(1) محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة- ص63-64.

(2) محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية- ص41-42.



الجمع بين الصلاتين

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «138»:

«تنفرد الشيعة الإمامية بالجمع بين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الحضر.

وموقفي من هذا الخلاف الفقهي يختلف تماماً عن غيره من المسائل الفقهية، إلّا أنّ هذه الظاهرة التي تنفرد بها الشيعة قد تضر بالوحدة الإسلامية الكبرى، ولا سيما أنّ الأكثرية من فقهاء الشيعة يفتون باستحباب إتيان الصلوات في أوقاتها المحددة، ولكن من الناحية العملية يذهبون إلى الجمع وقد جرت العادة في مساجد الشيعة على هذا النحو».

ويقول أيضاً: «و الصلوات الخمس فرضت لأوقات محددة وسميت بها، فوقت العصر يختلف عن الظهر والعشاء من الناحية الزمانية يختلف عن المغرب، ولا شك أنّ هناك حكمة بالغة إلهية في فرض الصلوات في هذه الأوقات الخمسة وجعلها عمود الدين ومن أهم الشعائر الإسلامية»... «و كان الرسول (ص)


يصلّي في مسجده بالمدينة في الأوقات الخمسة وهكذا الخلفاء بعده بما فيهم الإمام علي، وهكذا كانت سيرة أئمة الشيعة، وإذا جمع الرسول (ص) بين الصلاتين مرّة أو مرتين في غير سفر فقد كان في السفر أو للترخيص، أمّا عمله (ص) فكان هو الالتزام بالأوقات الخمسة».

أقول : كان المفروض من الدكتور أن لا يتناول هذه المسألة في تصحيحه، وأن يعتبرها من المسائل التي انفرد بها الشيعة دون سائر الفرق الإسلامية، مع أنّ المسألة خلافية، وهذا أمر قد قامت الأدلة عندهم من الكتاب والسنّة على أنّ أوقات الصلاة ثلاثة، وليست خمسة كما يدّعيه الدكتور، وذلك بنصّ القرآن الكريم، مع جواز التفريق، وأنّه أفضل، وهذا لا يعني أنّ أوقات الصلوات خمسة، إذن فلا مجال له للنقد على علماء الشيعة إلّا بعد إقامة البرهان على خطئهم حتى يكون نقده صحيحاً، وإلّا فليس له أن ينقد أحداً لمجرد مخالفته في الرأي من دون دليل، وهذه هي عادة الدكتور الموسوي. ولما كانت المسألة اجتهادية، فليس له ولا من حقّه أن يقول: إنّ اجتهادك مخالف لاجتهادي، وعلى هذا فاجتهادك خطأ واجتهادي هو الصحيح، وهذا ليس من دأب العلماء ولا من أخلاقهم، وبالأخص إذا كان الدليل القطعي خلاف ما يدّعيه، ومن ذلك ما يقوله: «و موقفي من هذا الخلاف الفقهي» فإذا كانت المسألة خلافية، فلماذا إذن كل هذا التشنيع على الشيعة في تصحيحك المزعوم، وهم لم يأتوا بما يخالف الكتاب والسنّة، فتوحيد الأمّة الإسلامية، التي تدعوا إليها، لا يكون على حساب


مخالفة الشريعة، وإنّما يكون باتّباع المتفق عليه دون سواه.

وأما قوله: «و لا شك أنّ هناك حكمة بالغة إلهية في فرض الصلوات في هذه الأوقات الخمسة...»، بالإضافة إلى افترائه على الله سبحانه، فهو قول يحتاج إلى سند أو دليل يعضده من الكتاب أو السنّة، لا أن يطلق القول من دون دليل، وهذا هو شأنه في كتابه «الشيعة والتصحيح»، مع أنّ الحكمة الإلهية في الجمع بين الصلاتين أوضح من أن تحتاج إلى مزيد بيان، لقوله (ص): لئلا أشق على أمّتي كما سوف يأتي.

«أوقات الصلاة في القرآن ثلاثة»

وحسبك دليلاً على أنّ أوقات الصلاة ثلاثة ما جاء في قوله تعالى:( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ... ) (1) . فقوله تعالى: لدلوك الشمس، أي زوالها، ويستمر هذا الوقت الخاص بصلاة الظهر والعصر إلى غسق الليل، أي ظلمة الليل، وبهذا يدخل وقت صلاة المغرب والعشاء، إلى قرآن الفجر، أي وقت صلاة الصبح. وهذه الآية نصّ على أنّ أوقات الصلاة ثلاثة وليس فيها ما يدلّ على أنّ أوقات الصلاة خمسة كما يدّعيه الدكتور الموسوي.

وأمّا الآية الثانية فهي قوله تعالى:( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ

_____________________

(1) سورة الإسراء: الآية 78.


النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) (1) . فقوله تعالى: طرفي النهار، يعني صلاة الصبح، وهي الطرف الأول، وأمّا الطرف الثاني، فهو مختص بالظهر والعصر من دون تفريق، وأمّا قوله تعالى: وزلفاً من الليل، يعني صلاة المغرب والعشاء من غير تفريق. وعلى هذا فالأوقات للصلاة اليومية المنصوص عليها في القرآن ثلاثة فقط، ولهذه النصوص جمع الشيعة بين الصلاتين.

ويؤيد ذلك ما جاء في تفسير الآيتين عن علماء أهل السنّة وحفّاظهم:

يقول الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس». «و اعلم أنّه يتفرع على هذين القولين بحث شريف، فإن فسّرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب، وعلى هذا يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات، وقت الزوال، وقت أول المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً»(2) .

ويقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: «و أقم الصلاة طرفي

_____________________

(1) سورة هود: الآية114.

(2) الفخر الرازي: التفسير الكبير-ح21-ص27.


النهار...». «لم يختلف أحد من أهل التأويل في أنّ الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة... قوله تعالى: «طرفي النهار»، قال مجاهد: «الطرف الأول صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، واختاره ابن عطية... والزلف المغرب والعشاء...»(1) .

وفي تفسير ابن كثير عن مجاهد في قوله تعالى: «و أقم الصلاة طرفي النهار...» قال: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر مرة أخرى... وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه: وزلفا من الليل، يعني المغرب والعشاء، قال رسول الله (ص): هما زلفا الليل، المغرب والعشاء، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحّاك إنّها صلاة المغرب والعشاء»(2) .

وفي المنتخب في تفسير قوله تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل...». «أقم الصلاة المفروضة من أول زوال الشمس من وسط السماء نحو الغرب، إلى ظلمة الليل، وهذه صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وأقم صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة»(3) .

_____________________

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن-ح9-ص109.

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم-ح2-ص461-462، دار المعرفة-بيروت-1969.

(3) المنتخب في تفسير القرآن: ص421-ط11-القاهرة-1985.


يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: «و أقم الصلاة طرفي النهار...»، «و الآية هنا تذكر طرفي النهار، وهما أوله وآخره، وزلفا من الليل أي قريباً من الليل، وهذه تشمل أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها»(1) .

ويقول في تفسير قوله تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس...». «و قد فسّر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء، والغسق بأول الليل، وفسّر قرآن الفجر بصلاة الفجر، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء-من دلوك الشمس إلى غسق-ثم الفجر». ويقول أيضاً: «أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل...» أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه»(2) .

ويميل سيد قطب إلى أنّ هذه الآية مختصّة بالرسول (ص)، وهذا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنّ الآية، وإن كان الأمر فيها متوجهاً إلى النبي (ص)، قد وردت في بيان أوقات الصلاة، ولم يختلف في ذلك أحد كما يقول القرطبي، وفي القرآن كثير من الآيات يكون الخطاب فيها متوجهاً إلى النبي (ص)، مع سريان الحكم إلى جميع المسلمين، مثل قوله تعالى: «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين...» وقوله تعالى: «يا أيها النبي قل

_____________________

(1) سيد قطب: في ظلال القرآن-ح4-ص1932-دار الشروق-بيروت-ط7-1978.

(2) نفس المصدر: ص2246.


لأزواجك...» إلى غيرها من الآيات الدّالة على أنّ الحكم يسري إلى غير المخاطب بالأمر. وإلّا كان اللازم على النبي (ص) أن يقاتل الكفّار بنفسه، وهو باطل بالضرورة، فيتعيّن أن الآية وردت في بيان أوقات الصلاة المفروضة، وهي ثلاثة.

«جواز الجمع بين الصلاتين في غير سفر ولا مطر»

وأمّا جواز الجمع بين الصلاتين في غير سفر ولا مطر، فهذا شيء قد أجمع عليه الفريقان من الشيعة وأهل السنّة، وأنّ النبي (ص) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غير سفر ولا مطر، وهذا ما روته الصحاح والمسانيد وعلى رأسهم صحيح البخاري ومسلم.

أمّا الإمام مسلم فقد أخرج في صحيحه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك، قال: أراد ألّا يحرج أمّته»(1) .

وفي الباب نفسه عن جابر عن زيد عن ابن عباس قال: «إنّ رسول الله (ص) صلى بالمدينة سبعاًو ثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء»(2) . و أخرج أيضاً أنّ رجلاً قال لابن عباس: «الصلاة

_____________________

(1) صحيح مسلم: ح2-ص151.

(2) نفس المصدر:ص152.


فسكت ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا الصلاة، كنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (ص)»(1) .

وأخرج البخاري في صحيحه في باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة عن ابن عباس، «أنّ النبي (ص) صلّى بالمدينة سبعا وثمانيا، الظهر والعصر والمغرب والعشاء»(2) . وفي باب وقت المغرب عن عمر بن دينار قال: «سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: «صلّى النبي (ص) سبعاً جميعاً وثمانيا جميعاً»(3) .

وفي آخر صلاة العصر عن أبي أمامة أنّه قال: «صلّينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلّي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صلّيت، قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله (ص) التي كنّا نصلّي معه(4) .

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن عكرمة عن ابن عباس قال: «صلّى رسول الله (ص) في المدينة مقيماً غير مسافر سبعا

_____________________

(1)أنظر السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص19. وأيضاً صحيح مسلم:ح2-ص152.

(2) صحيح البخاري:ح1-ص71.

(3) نفس المصدر:ص73. وانظر ص139.

(4) نفس المصدر:ص72.


وثمانيا»(1) . وفي رواية شعبة عن قتادة قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: «جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: وما أراد لغير ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمّته»(2) .

وفي رواية قيس قال: حدّثني صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا يا ابن عباس ما أراد بذلك، قال: التوسع على أمّته»(3) . وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: «صلّيت مع النبي (ص) ثمانيا جميعاً وسبعا جميعاً قلت لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته»(4) .

قال النووي في شرحه لهذه الأحاديث من صحيح مسلم ص246 من جزئه الأول ما لفظه: «و ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر». فالشيعة إنّما جمعت بين الصلاتين لأجل هذه الأحاديث المسجلة في أصحّ الكتب عند أهل السنّة بعد القرآن(5) . ولهذا يظهر فساد قول الدكتور في صفحة «138»:

«و نحن في العملية التصحيحية نهتم بجمع الشمل من الناحية النظرية والعملية على السواء... وهذا لا يتم إلّا بالعودة إلى عصر

_____________________

(1) الإمام أحمد: المسند-ح1-ص221.

(2) نفس المصدر:ص223.

(3) نفس المصدر:ص346.

(4) نفس المصدر: ص349.

(5) أنظر القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم-ص121-122.


الرسالة والتمسّك بسنّة رسول الله (ص) على الطريقة التي كان (ص) يؤدّيها...».

أقول : أمّا الناحية النظرية التي يهتم بها الدكتور في تصحيحه، فهي مخالفة لكتاب الله، فقد نصّ القرآن - كما مرّ - على أنّ أوقات الصلاة ثلاثة، الدكتور يريد أن يجعلها خمسة مخالفاً بذلك النصّ القرآني، بالإضافة إلى مخالفته الصريحة لما جاء عن علما أهل السنّة ومفسّريهم من تفسير الآيتين المتقدمتين في ذلك.

وأمّا الناحية العملية التي يدعو إليها في رسالته التصحيحية، فهي مخالفة أيضاً لسيرة رسول الله (ص) وعمله، وقد دلّت الروايات الصحيحة على أنّ النبي (ص) كان يجمع بين الصلاتين في مسجد المدينة، وهذه هي صلاته (ص) كما يقول أنس بن مالك، فالدكتور الموسوي يريد من الشيعة أن يخالفوا كتاب الله وسنّة نبيّه (ص) من الناحيتين النظرية والعملية، كما خالفهما هو.

هذا ونقول للدكتور: وأنت حفيد الإمام الأكبر، أليس جدّك الإمام الأكبر كان يجمع بين الصلاتين؟ وأنت تدّعي في تصحيحك، أنّه أحد المصلحين الذين يحاولون التصحيح، وجمع كلمة المسلمين، وقد تفرّد قدّس سرّه، بالمرجعية الشيعية طيلة ثلاثين سنة وهو يجمع بين الصلاتين. فإن قلت بذلك، فقد حكمت على جدّك الإمام الأكبر، بأنّه يدعو إلى الفرقة بين المسلمين، ويبطل قولك، أنّه من المصلحين، وإن قلت: إنّه لم يجمع بين الصلاتين، فهو افتراء عليه، فبماذا يجيب الحاكم العادل؟ وأين يضع الدكتور الموسوي من كفتي الميزان؟


الرجعة

ومن الأمور التي شنع بها الدكتور الموسوي على الشيعة، إيمانهم بالرجعة، بمعنى أنّ الله يحيي الموتى ويرجعهم في هذه الحياة الدنيا، والرجعة من الأمور النقلية، وإن دلّ العقل على إمكانها، فإن صحّ النقل بها لزم اعتقادها وإلّا فلا، ولا يستحق كل هذا التهويل والتشنيع والاستنكار ما دامت المسألة لا تضر بالتوحيد ولا بالنبوّة، بل الإيمان بها إيمان بقدرة الله سبحانه، ولكن الحقد أراه الباطل حقاً، والضلال إيماناً،( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿78﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (1) . فالشيعة تؤمن بأنّ الله سبحانه قادر على كل شيء، فكما أوجد الإنسان من العدم، فهو قادر على إعادته مرّة أخرى، بل وثالثة وهكذا، ولأجل هذا كثر التشنيع على الشيعة من خصومهم، ومنهم الدكتور الموسوي، وهو ظلم فاحش، فإن كان هذا التشنيع من حيث أنّ الرجعة محال أو مستبعدة، فهو كمنكري البعث في تشنيعهم على النبي (ص) في قولهم: «أإذا كنّا تراباً

_____________________

(1) سورة يس: الآية 79.


وعظاماً أإنّا لمخرجون...». فردّ الله عليهم: «أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد».

ولنرجع إلى ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «140» تحت العنوان التالي:

الرجعة

«وعند ما تمتزج الأسطورة بالعقيدة والأوهام بالحقائق تظهر البدع التي تضحك وتبكي في آن واحد».

أقول : ماذا يعني الدكتور بالأسطورة؟ فإن كان يعني بها الإيمان بقدرة الله على إرجاع بعض الموتى، فقد خالف النصوص الصريحة، والآيات القاطعة على إرجاع بعض الموتى إلى الحياة الدنيا. وإن كان يعني أنّ الله ليس بقادر على إحيائهم وإعادتهم إلى الحياة، فقد نفى قدرة الله سبحانه، فقوله: «و عند ما تمتزج الأسطورة بالعقيدة والأوهام بالحقائق»، فهو سوء في التعبير، وقلّة في الفهم، وخروج عن الحق، وإلّا فأي أوهام امتزجت بالحقائق، إحياء الله سبحانه الموتى، وقد نصّ القرآن على إحيائهم بعد إماتتهم وإعادتهم إلى الدنيا، وبهذا يكون قد خالف تلك النصوص القرآنية من حيث يشعر أو لا يشعر. فالإيمان بقدرة الله من الأوهام التي امتزجت بالحقائق عند الدكتور الموسوي فأظهرت البدع التي قال بها الشيعة. وهي بدعة الرجعة.

وأمّا قوله في صفحة «141»: «هناك موضوعان يحتلان موقعاً صغيراً في عقيدة الشيعة الإمامية ولا أثر لهما في الحياة الشيعية


الاجتماعية والفكرية، اللهم إلّا أنّهما يثيران الجدل والبحث حول المذهب... إنّهما الرجعة والبداء، وقد كنّا نود أن نغفل هذين البحثين في كتاب التصحيح...».

أقول : لما لم يكن بيد الدكتور دليل واحد يركن إليه في تشويه عقيدة الشيعة سوى المفتريات والأباطيل التي لا تستند إلى شرع أو عقل، عاد مرة أخرى ليبيّن الفجوات التي يمكن له الدخول منها وإن كانت مخالفة لكل القيم الإنسانية والأمانة العلمية. فإذا كانت الرجعة تحتل موقعاً صغيراً في عقيدة الشيعة، وليس لها أثر في الحياة الشيعية ولا الفكرية، فلماذا إذن كل هذا التحامل الذي لا يستند إلى دليل أو برهان، سوى الحقد والعدوان على الشيعة؟

وأمّا ادّعاؤه بأنّ الرجعة تعني في المذهب الشيعي أنّ أئمة الشيعة مبتدئاً بالإمام علي (ع) ومنتهياً بالحسن العسكري الذي هو الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإمامية سيرجعون إلى هذه الدنيا ليحكموا المجتمع الذي أرسى قواعده بالعدل والقسط الإمام المهدي...». فعلى فرض صحته، فإنّه خاضع للنصوص الشرعية، فالمسألة لا تعدو كونها خلافية بين علماء الشيعة، فإن دلّ الدليل القطعي على صحّتها أخذ بها، وإلّا فهي كغيرها من الأمور التي لم يقم الدليل القطعي على صحّتها، وهذا لا يوجب كل هذه المفتريات على علماء الشيعة، وبالأخصّ أنّها لا تؤثر في الحياة الفكرية ولا الاجتماعية كما يقول.


القرآن صريح في ثبوت الرجعة في الدنيا:

وأمّا النصوص الشرعية التي جاءت في كتاب الله على ثبوت الرجعة في الدنيا، وأنكرها الدكتور فكثيرة، آمن بها الشيعة، واعتبروها من النصوص الدّالة على قدرة الله سبحانه. كما أنّ بعض علماء أهل السنّة آمنوا بالرجعة نزولاً عند تلك النصوص.

هذا وقد ذكر ابن خزيمة أحد شيوخ أهل السنّة باباً في ذكر الدليل على أنّ قوله عزّ وجل: «و هو الذي يحييكم ثم يميتكم ثم يحييكم...». قال ابن خزيمة:

«قال الله عزّ وجل: «أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه». فقد أحيا الله هذا العبد مرتين قبل البعث ويوم القيامة، فهذه الآية تصرّح أنّ الله تعالى عزّ وجل قد أحيا هذا العبد مرتين، إذ قد أحياه المرة الثانية بعد مكثه ميتاً مائة سنة: وسيحييه يوم القيامة فيبعثه. وقال جلّ وعلا: «ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم».

يقول ابن خزيمة: «و قد كنت بيّنت في كتابي الأول معاني القرآن أنّ هذا الأمر أمر تكوين، أماتهم الله بقوله: «موتوا» لأنّ سياق الآية دال على أنّهم ماتوا، والإحياء إنّما كان بعد الإماتة، لأنّ قوله عز وجل: «ثم أحياهم»، دال على أنّهم قد كانوا ماتوا فأحياهم الله بعد الموت فهذه الجماعة قد أحياهم مرتين قبل البعث وسيبعثهم الله يوم القيامة أحياء. فالكتاب دال على أنّ الله يحيي


هذه الجماعة.... قبل وقت البعث فكيف وقد ثبت في كتاب الله وسنن نبيّه (ص) خلاف دعواهم...»(1) .

ومن الآيات الصريحة على ثبوت الرجعة قوله تعالى:( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ) (2) . يقول القزويني: «و مفهوم الآية واضح وهو يريد الحشر من كل أمّة فوجاً ولا يريد حشر القيامة، وإلّا كان اختصاص الحشر بفوج من كل أمة لغواً باطلاً، وهو محال على الله تعالى أن يريده، فلا يجوز حمل كلامه عليه، لذا تراه - سبحانه - لما أراد حشر القيامة عبر بما يفيده فقال تعالى في سورة الكهف آية 47: «و حشرناهم فلم نغادر منهم أحداً» فعلمنا من ذي وتلك أنّ الآية الأولى تريد الرجعة وتختص بها، والثانية تريد حشر القيامة»(3) .

ومن الأدلة على ثبوت الرجعة أيضاً قوله تعالى:( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) (4) فهذه الآية تفيد أنّ الله سبحانه أماتهم في هذه الدنيا ثم أحياهم وأرجعهم إلى الدنيا ثم أماتهم ثم أحياهم في القيامة كما يقتضيه اعترافهم ومحاولة خروجهم من النار، فالآية صريحة في أنّ لهم حياتين وموتتين، الأولى التي ذاقوها بعد حياتهم الأولى، والموتة

_____________________

(1) ابن خزيمة: كتاب التوحيد-ص374.

(2) سورة النمل: الآية83.

(3) السيد أمير محمد القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم-ص344-345.

(4) سورة غافر: الآية11.


الثانية التي ذاقوها بعد رجوعهم إلى الدنيا في الرجعة، والحياة الثانية التي عادوا إليها هي في القيامة لأنّ الموت لا يطلق حقيقة إلّا على ذي حياة، ولا يمتنع على قدرة الله تعالى أن يعيد جماعة ممّن محضوا الإيمان محضاً، وجماعة أخرى محضوا الكفر محضاً ويقتص من الأخير في هذه الدنيا بعد رحيلهم عنها(1) .

ومن الآيات قوله تعالى: «أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه». وقوله تعالى: «ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم».

و منها قوله تعالى:( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) (2) . وتعني هذه الآية أنّ الذين عذّبهم الله في هذه الدنيا على كفرهم لا يرجعون إليها لاستيفائهم العذاب فيها، وإنّما يرجعون في القيامة ليذوقوا العذاب في نارها، فيختص الرجوع إليها بغيرهم من الكافرين والظالمين المفسدين في الأرض الذين لم يذوقوا ألم القصاص فيها، ولا يصحّ أن تريد الآية أنهم لا يرجعون في القيامة لوضوح بطلانه(3) .

وقد أجاب السيد الحميري سواراً القاضي بحضرة الخليفة المنصور فيما رواه الشيخ المفيد حين قال سوار: يا أمير المؤمنين إنّه

_____________________

(1) نفس المصدر:ص345.

(2) سورة الأنبياء: الآية95.

(3) نفس المصدر: ص345.


يقول بالرجعة، فقال السيد: أقول بذلك على ما قال الله تعالى: ويوم نحشر من كل أمّة فوجاً ممّن كذّب بآياتنا فهم يوزعون، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً. فعلمنا أنّ هنا حشرين عامّاً وخاصّاً، وقال سبحانه: «ربنّا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم...»(1) .

يقول الشيخ محمد رضا المظفر: «و على كل حال فالرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنّما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيتعليهم‌السلام »(2) .

هذه هي عقيدة الرجعة عند الشيعة، ولنرى ما يقوله الدكتور الموسوي في صفحة «143،142»:

«و الفكرة شبيهة مع فارق كبير إلى الفكرة التناسخية التي جاء بها فيثاغورس... إلى قوله: ولست أدري أيضاً متى دخلت فكرة الرجعة على وجه التحديد إلى الأوهام وألّفت حولها الكتب... والبدعة هذه تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية حيث لم يترتب عليها تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي، اللهم إلّا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة وهو كما قلنا استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامي

_____________________

(1) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص376.

(2) محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية-ص84.


بمثل هذه الخزعبلات...». إلى آخر تشنيعاته ومفترياته.

أقول : يظهر من رجل الفلسفة، أنّه لم يفرّق بين معنى التناسخ الذي قال به فيثاغورس، وبين المعاد الجسماني، فالرجعة-يا دكتور-من نوع المعاد الجسماني، والتناسخ معناه، انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الأول، والمعاد الجسماني ليس كذلك، فإنّ معناه، رجوع نفس البدن الأول بكل مشخّصاته النفسية، فكذلك الرجعة، فإذا كانت الرجعة تناسخاً - كما يدّعي - فإن إحياء الموتى على يد عيسىعليه‌السلام كان تناسخاً، وكذا من أماته الله سبحانه مائة عام ثم بعثه وأعاده إلى الحياة الدنيا تناسخاً، وهكذا فيكون البعث والمعاد الجسماني أيضاً تناسخاً(1) . فأي جهل هذا بحقيقة التناسخ يا دكتور.

وأمّا قوله: «و لست أدري أيضاً متى دخلت فكرة الرجعة - إلخ» فالدكتور لا يدري متى دخلت هذه الفكرة إلى الأوهام الشيعية، كما يقول، لأنّه لم يقرأ تلك الآيات الصريحة على ثبوت الرجعة، وإن قرأها لم يدرك معناها، وهذا شيء بديهي، لأنّ من لم يفرّق بين التناسخ والمعاد الجسماني، ولم يعرف الفاعل من المفعول، فأنّى له أن يفهم كتاب الله، وفيه العام والخاص والمجمل والمبين والحقيقة والمجاز، والكنايات والاستعارات، إلى غير ذلك ممّا يحويه كتاب الله من البلاغة والفصاحة، وكما قلنا سابقاً، من كانت في لسانه عجمة الكلام فكيف يفهم ما في القرآن من معانٍ وأحكام،

_____________________

(1) انظر نفس المصدر:ص82.


ولهذا ترى الدكتور قد حكم على الرجعة بأنّها من البدع التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية، وهذه مخالفة أخرى للنصوص الشرعية أضافها الدكتور الموسوي لنفسه، فإذا كانت الرجعة بدعة، فالقرآن أول من ابتدعها وبيّنها. وهذه من أعظم المخالفات التي جاء بها الدكتور في تخريبه لا تصحيحه.

وإن أرتك الدنيا عجباً، فاعجب لما يقوله الدكتور في تصحيحه كما في صفحة «145» معترضاً على فقهاء الشيعة ومفكّريهم، أمثال الشيخ المفيد الذي كان يناظر كل فرقة من الفرق الإسلامية مع الجلالة والعظمة باعتراف علماء أهل السنّة، وشيخ الطائفة الطوسي الذي له على كل إمام منّة، والكراجكي، والخواجا نصير الدين الطوسي أستاذ البشر وأعلم أهل البدو والحضر، باعتراف علماء أهل السنّة أيضاً، والعلّامة على الإطلاق، وغير هؤلاء من فحول علماء الشيعة ومتكلميهم يحكم عليهم الدكتور الموسوي بالجهالة وعدم الفهم وذلك في قوله:

«و هكذا فإن بعض فقهائنا عندما يصعب عليهم فهم جملة أو دركها بسبب تناقض مع أصول الإسلام والعقل فبدلاً من أن يطرحوها أرضاً ويجيئون-هكذا مكتوبة، والصحيح، ويجيئوا-العوام من الناس من أمرها يضاعفون في شرحها وتفسيرها وبذلك يضيفون بدعة إلى بدعة وضلالاً فتزيد الطين بلّة ويعمّ الشرّ الجميع».

أقول : فأي خطب أعظم من اتّهام - هذا الرجل - لأولئك


العظام من علماء الشيعة، وهو لا يفرّق بين المرفوع بثبوت النون، والمنصوب بحذف النون، وأنه يتحامل عليهم ويصمهم بتلك الوصمات، ويحكم عليهم بنشر البدع والضلال، وأنّهم هم السبب في نشر الفساد، كل هذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدل على مدى حقده على الشيعة والتشيع، وأنّه لم يقصد من كتابه-الشيعة والتصحيح-إلّا بذر الفرقة بين المسلمين، وتغيير كتاب الله المبين، إرضاء لأسياده المستعمرين.

ومجمل القول: إنّ كل مؤمن بالبعث يوم القيامة يلزمه الإيمان بالرجعة، فالإيمان بها إيمان بقدرة الله سبحانه، وهذا ما دلّت عليه النصوص الصريحة من القرآن. مع أنّ الإيمان بالرجعة وعدم الإيمان بها لا يوجب فرقة بين المسلمين كما يتوهمه الدكتور الموسوي، لأنّها ليست من الأصول حتى تكون سبباً لهذا التحامل والافتراء على الشيعة.


البداء

يقول الدكتور الموسوي في صفحة «148»:

«إنّ الإمامة حسب التسلسل الموجود في عقيدة الشيعة الإمامية تنتقل من إلى الابن الأكبر مستثنياً من هذه القاعدة الحسن والحسين، فالإمامة بعد الإمام الحسن انتقلت إلى الإمام الحسين ولم تنتقل إلى الابن الأكبر للحسن وذلك لنصّ ورد عن رسول الله (ص) حيث قال:

«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»

فقد حدث أنّ إسماعيل وهو الابن الأكبر للإمام جعفر صادق الإمام السادس عند الشيعة قد توفي في عهد أبيه فانتقلت الإمامة إلى أخيه موسى بن جعفر الابن الأصغر للصادق وهذا التغيير في مسار الإمامة التي هي منصب إلهي يسمّي بداءاً، «هكذا مكتوبة، والصحيح، بداء». حصل لله تعالى فانتقلت الإمامة الإلهية بموجبه من إسماعيل إلى موسى بن جعفر.

ولكن السؤال المحّير هنا لماذا سمّي تغيير مسار الإمامة بداءاً


«هكذا مكتوبة» ونسبوا شيئاً كهذا إلى الله تعالى لإثبات أمر لم يكن إثباته بحاجة إلى إنقاص من سلطان الله...».

ويقول في صفحة: «149»: «لقد إلتجأ بعض أعلام الشيعة إلى البداء حتى يثبتوا تغيير مسار الإمامة من إسماعيل إلى موسى بن جعفر...».

أقول : أمّا قوله: «انّ الإمامة حسب التسلسل الموجود... تنتقل من الأب إلى الابن الأكبر...»، فهو افتراء على علماء الشيعة، وتكذيب لما جاء عن الصادق الأمين (ص) حيث ذكر أسماء الأئمة من آل البيت صلوات الله عليهم واحداً بعد الآخر، كما ذكر ذلك أعلام أهل السنّة وحفّاظهم ومنهم القندوزي في ينابيع المودة، والشبلنجي في أنوار الأبصار، وغيرهما من رواة أهل السنّة وعلمائهم، مع أنّ الإمامة انتقلت من الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الابن الأصغر للإمام الحسين، مع وجود الابن الأكبر للإمام الحسين، وهو علي الأكبر الذي قتل مع أبيه في واقعة كربلاء، يقول الشبلنجي في أنوار الأبصار:

«أولاد الحسين بن علي ستة، علي بن الحسين الأصغر كنيته أبو محمد زين العابدين وأمّه شاه زنان... وعلي بن الحسين الأكبر قتل مع أبيه بالطف وأمّه ليلي...»(1) .

_____________________

(1) الشبلنجي: أنوار الأبصار-ص152-الطبعة الأخيرة-بيروت-1978.


فلو أن انتقال الإمامة من الابن الأكبر إلى الابن الأصغر يكون بداء بالمعنى الذي يقصده الدكتور، ولا أظن يفهمه، لقالوا به قبل زمان الإمام الصادقعليه‌السلام . وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على مفتريات الدكتور الموسوي في تصحيحه.

وأمّا قوله: «و هذا التغيير في مسار الإمامة.... يسمّى بداء...»، فكان اللازم من الدكتور أن يذكر لنا ولو عالماً من علماء الشيعة قال بذلك، وهذه كتبهم قد ملأت الخافقين ليس فيها شيء ممّا يدّعيه الدكتور في قوله «لقد إلتجأ بعض أعلام الشيعة إلى البداء حتى يثبتوا تغيير مسار الإمامة».

وإليك أيّها القارئ الكريم ما يقوله أعلام الشيعة في البداء، لتكون على بيّنة من أمر هذا الرجل:

يقول الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: «ممّا يشنع به الناس على الشيعة ويزدري عليهم أيضاً «أمران» «الأول» قولهم (بالبداء) تخيلاً من المشنعين أنّ البداء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عز شأنه أمراً لم يكن عالماً به، وهل هذا إلّا الجهل الشنيع والكفر الفظيع، لاستلزامه الجهل على الله تعالى وأنّه محل للحوادث والتغيّرات فيخرج من حظيرة الوجوب إلى مكانة الإمكان وحاشا «الإمامية» بل وسائر فرق الإسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة بل الضلالة... أمّا البداء الذي تقول به الشيعة والذي هو من أسرار آل محمد (ص)... فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو الاثبات... وإلى


المقام الأول بقوله تعالى: «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب...»(1) .

يقول القزويني: «معنى البداء بفتح الباء الموحدة والدال المهملة هو إظهار الله تعالى للناس ما خفي عليهم ظاهراً وليس معناه ظهور ما خفي عليه تعالى وأنّه بدا له من الأمر ما لم يكن بادياً، فإن هذا ممّا لا تقول به الشيعة لاستلزامه نسبة الجهل لله تعالى وهو كفر صراح...

وبعبارة أوضح، أنّ معنى البداء هو أنّه سبق في علم الله تعالى الأزلي ولم يكن ظاهراً للناس فأراد الله تعالى إظهاره لهم»(2) .

ويقول البخاري في ص170 من جزئه الثاني من صحيحه في باب ما ذكر عن بني إسرائيل مرفوعاً في حديث طويل عن أبي هريرة جاء فيه: «ثلاثة من بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عزّ وجل أن يبتليهم». وحسبك حديث أبي هريرة دليلاً على صحّة ما تقول به الشيعة من البدا.... وفي القرآن يقول الله تعالى في سورة الرعد آية 39: «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب» وليس معنى المحو والاثبات في الآية إلّا معنى البداء»(3) .

ويقول السيد محسن الأمين: «البداء مصدر بدا يبدو وبداء أي ظهر ويستعمل في العرف بمعنى الظهور بعد الخفاء، فيقال فلان

_____________________

(1) محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة-ص145-146.

(2) القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم-ص358.

(3) نفس المصدر: ص1358.


كان عازماً على كذا ثم بدا له فعدل عنه. وقد أجمع علماء الشيعة في كل عصر وزمان على أنّه بهذا المعنى باطل ومحال على الله لأنّه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى وهو منزّه عن ذلك تنزيهه عن جميع القبائح وعلمه محيط بجميع الأشياء إحاطة تامة جزئياتها وكلياتها لا يمكن أن يخفى عليه شيء ثم يظهر له»(1) . «فالبداء نسخ في التكوين كما أنّ النسخ المعروف نسخ في التشريع، فكما أنّه تعالى يحكم حكماًمن الأحكام من وجوب أو تحريم أو غيرهما يكون ظاهره الاستمرار بحيث لو لم ينسخ لكان مستمراً ولا يصرح باستمراره وإلّا لكان نسخه مناقضاً لذلك ولا بتحديده بزمان وإلّا لكان توقيتاً لا نسخاً ثم ينسخه فيكون الناسخ قرينة على أنّ هذا الظهور غير مراد وأنّ الحكم كان في الواقع محدوداً لكنه لم يظهر تحديده لمصلحة اقتضت ذلك»(2) .

وأمّا ما ورد في بعض الأخبار في حقّ الإمام موسى بن جعفر،أنّه بدا لله في شأنه فعلى فرض صحّة مثل هذه الأخبار، فإنّ معناها، أنّ الإمامة في الواقع وعلم الله سبحانه هي للإمام موسى بن جعفر، ولكنّ الله أمر بإخفاء هذا الأمر، إمّا خوفاً عليه من بني أمية وبني العباس، وإمّا لأنّ البعض كان يعتقد بأن الإمامة لا تكون إلّا للابن الأكبر، فلما توفي إسماعيل في حياة أبيه ظهر أنّه ليس بإمام، فالله سبحانه أظهر بموته بطلان ما كان يظنّه أو يعتقده

_____________________

(1) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة-ص409.

(2) نفس المصدر:ص409-410.


بعض الناس من إمامته، وعبّروا عن ذلك بالبداء مجازاً، وهذا المعنى خفي على الدكتور الموسوي فشنّع عليهم بتلك المفتريات. وأنّى للدكتور أن يفهم ذلك. هذا هو معنى البداء عند الشيعة. فقوله في صفحة «153»: «إنّ الفكرة التصحيحة التي نادينا بها لأوّل مرة في تاريخ الشيعة والتشيع...» ما هو إلّا من الهراء وحبّ الظهور، وإن كان على حساب تغيير كل المعايير الإسلامية، وإلّا فمن هو حتى يكون الرائد الأول لفكرة التصحيح التي نادى بها لأول مرة في تاريخ الشيعة والتشيع، وأين ذهبت رجالات الفكر الشيعي ومنهم جدّه الإمام الأكبر قدّس سرّه.


الخاتمة

وفى الختام نشير إلى بعض الأمور التي تناولها الدكتور في تصحيحه، مدّعياً أنّها من منكرات الشيعة وبدعهم، مع العلم أنّ هذه الأمور التي شنّع بها على علماء الشيعة خارجة بإجماعهم عن أصول الاعتقاد، فالإيمان بها وعدم الإيمان سيّان، ولكن الدكتور يحاول بأي صورة أن يشوّه عقيدة الشيعة النقية، بالمفتريات والأكاذيب من دون سند يرجع إليه أو دليل يركن عليه، سوى ما يراه موافقاً لهواه، من هذه الأمور، الغلو، وزيارة مراقد الأئمة من آل البيت صلوات الله عليهم، وضرب القامات في يوم عاشوراء، وغير ذلك من الأمور التي شنّع بها على الشيعة في كتابه الشيعة والتصحيح.

أما ضرب القامات في يوم عاشوراء، فهو أمر لم يفعله عالم من علماء الشيعة، ولا خواصهم، بل ذهب البعض منهم إلى تحريمه، ولهذا أزيلت هذه الظاهرة من بعض المناطق الإسلامية، بل وفي أكثر مناطق الشيعة. وأمّا ما يقوم به بعض عوام الشيعة فهو ليس دليلاً على أنّه من معتقداتهم. ألا ترى ما يقوم به بعض


المسلمين في بعض بلاد العالم الإسلامي من أذكار هي إلى الرقص أقرب منها إلى العبادة، ومع ذلك فهي ليست من معتقدات بعض المسلمين. ولهذا تركنا الكلام فيه، لانّ قوله هذا ما هو إلّا محض افتراء على علماء الشيعة، فالقضية لا تحتاج إلى فتوى من أحد في تحريمها ما دامت المسألة خاضعة للقواعد الشرعية، كقاعدة الضرر، فإن كان ضرب القامات يضرّ بالنفس، حرّم فعله بلا خلاف، وإلّا فالمسألة لا تحتاج إلى كل هذا التهويل والتشنيع.

وأمّا زيارة المرقد التي تحوي أجساد الأئمة من آل البيت (ع) فليس الإيمان بها خاصّاً بالشيعة، بل المسلمون جميعاً في شتّى بقاع العالم يزورون مراقد الصلحاء والعارفين، ومن ينتسب إلى سلالة النبي (ص)، كما يزورون موتاهم، وهذا شيء قد درج عليه المسلمون منذ القديم حتى يومنا هذا، فتشنيع الدكتور على الشيعة في هذا الأمر تشنيع على جميع المسلمين، مخالفاً بذلك النصوص الصريحة الواردة عن النبي (ص) بجواز زيارة القبور، فقد ثبت أنّ رسول الله (ص) زارها، وقد أخرج عنه ذلك كل من مسلم في ص318و325 بهامش الجزء الرابع من إرشاد الساري، والسمهودي في ص413 من وفاء الوفاء من جزئه الثاني، وابن ماجة في سننه ص 245 من جزئه الأول، والنسائي في ص286 من جزئه الأول من صحيحه، وذكر هؤلاء انّه (ص) قال: زوروا القبور فإنّها تذكركم الآخرة، وأنّه (ص) زار قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله. وقال (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها


فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»(1) .

وأمّا زيارة قبر الرسول (ص)، وشد الرحال إليه للتبرّك بأعتابه، فلا ينكره إلّا مجافٍ له (ص)، ولما كان الشيعة أكثر حبّاً لرسول الله (ص) وأهل بيته، لذا نراهم يشدّون الرحال لزيارتهم، فالمسألة إذن مسألة حبّ ومجافاة، ولهذا ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قوله للصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء بعد وفاتها ومواراتها الثرى:

لولا الحياء لهاجني استعبار

و لزرت قبرك والحبيب يزار

إلى غير ذلك، ولهذا تركنا الكلام عن بعض الأمور التي تناولها الدكتور في تصحيحه المزعوم، وهي لا تحمل سوى المفتريات والأباطيل التي ما أنزل الله بها من سلطان، بقصد تشويه علماء الشيعة والطعن في كراماتهم.

هذا ما أردنا بيانه لشبابنا المثقف الواعي ما كتاب الشيعة والتصحيح، ليكونوا على بينّة من أمرهم، وأن لا يغتروا بالألقاب والأسماء، بل يمحصوا الأمور بعين البصيرة ليعرفوا الذين يريدون هدم الإسلام وتفريق كلمتهم، وتغيير أحكام الله سبحانه بحجة التصحيح، ومن ورائهم أعداء الإسلام، أسأله سبحانه أن يتقبّل منّا العمل الصالح خدمة للإسلام والمسلمين، إنه سميع الدعاء، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد

_____________________

(1) القزويني: الشيعة في عقائدهم وأحكامهم-ص348-349.


وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المخلصين.

الكويت، 25، ذو القعدة.

سنة 1408 ه، الموافق يوم الأحد 10/7/88


مع الدكتور موسى الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح

مع الدكتور موسى الموسوي في كتابه الشيعة والتصحيح

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الدكتور علاء الدين السيد امير محمد القزويني
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
تصنيف: مناظرات وردود
الصفحات: 354