من قضايا النهضة الحسينيّة
(أسئلة وحوارات)
الجزء الأول
تأليف: فوزي آل سيف
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين
مقدّمة
هذه الصفحات عطاء من بركات الموسم الحسيني في محرّم، وقد بدأت فكرتها عندما كنت اُخصّص الليلتين الأخيرتين (الثانية عشر والثالثة عشر) من ليالي المحرّم للإجابة عن الأسئلة التي تدور في أذهان المستمعين، وقد كان يتمّ الإعلان منذ بداية الموسم عن تخصيص الليلتين الأخيرتين لهذا الموضوع. فكان الإقبال على الفكرة والتفاعل معها جيداً، فلا يقترب موعدهما إلاّ وقد اجتمعت حصيلة كبيرة من الأسئلة المختلفة، وهي غالباً في محاور متعدّدة: فمنها ما يرتبط بمواضيع الموسم نفسه؛ من طلب إيضاح لنقطة معينة، أو الاعتراض على استفادة الخطيب منها، أو اقتراح في نفس الموضوع، أو غير ذلك.
ومنها ما يرتبط بالسيرة أو الثورة الحسينيّة، وهذه كانت تشكّل القسم الأكبر في الأسئلة؛ سواء تلك التي تطرح مواضيعها في نفس هذا المجلس، أو ما يسمعه المؤمنون في مجالس ومحاضرات أُخرى، فيقومون بالسؤال عنه؛ لكي يُجاب عنه في هاتين الليلتين. ومنها ما هو عام؛ سواء كان في الثقافة الإسلاميّة، أو في المسائل الشرعية.
والغالب أنّه كان يتمّ تصنيف الأسئلة المتشابهة ويُجاب عليها بما يناسب المقام من حيث الحضور والوقت و..
ثمّ إنّه قد اجتمعت أعداد من الأسئلة المختلفة، لاسيما في المسألة الحسينيّة؛ فراق لي أن أكتبها، وأن تكون الإجابة بنحو أكثر تفصيلاً، وإن بقيت في نفس المستوى العام الذي يستفيد منه الأكثر من الجمهور.
ولمّا كانت بعض المحاضرات في أكثر من موسم تتصل اتصالاً مباشراً بأمر السيرة الحسينيّة من حيث فوائدها وضرورتها، ومن حيث لزوم تصحيحها وتنقيحها بما يحفظ لأهل البيتعليهمالسلام صورتهم القدسية الواقعية؛ فقد أدرجت مختصراً عنها في البداية.
وذلك أنّه يلاحظ المتأمّل منهجين متطرّفين: فهناك مَنْ يحشو في السيرة ما ليس ثابتاً، بل ربما ما عدمه هو الثابت، بزعم ذكر المصائب العظيمة التي وقعت على أهل البيتعليهمالسلام ، وأنّ في ذلك ثواباً كبيراً؛ لأنّه يسهل عملية الإبكاء، وتشمله روايات «مَنْ بكى أو أبكى». وهذا غير صحيح؛ فإنّ إعطاء الثواب على البكاء والإبكاء أمر صحيح ولا ريب فيه، حيث أثبتته الروايات الصحيحة، إلاّ أنّه لا يتكفّل بتصحيح قول غير الحقّ، بل روايات البكاء مقيّدة أساساً بأنّه بكى (لما أصابنا)، وما يُقال من غير حجّة شرعية لا يشمله أنّه ما أصابهم، نعم لو اعتمد الخطيب على روايات ضعيفة، أو قول لبعض السابقين وذكره برجاء أن يكون الواقع فلا مانع منه؛ لقاعدة التسامح بناء على شمولها للمورد.
والمنهج الآخر: هو المسارع إلى النفي، والحذف... فما أسرعه في قول أنّ هذه الرواية غير ثابتة، وتلك غير معقولة، والثالثة لا يمكن قبولها... إلخ. ونحن مع إدراكنا لحقيقة أنّه ليس كلّ ما ورد في كتب السيرة صحيحاً، إلاّ أنّه كما أنّ الإثبات يحتاج إلى استدلال فإنّ النفي - مع وجود تلك الروايات في كتب السيرة والتاريخ في الجملة - أيضاً بدوره يحتاج إلى استدلال، ولا يمكن أن يُتمسّك هنا بالأصل كما يفعله بعضهم لنفي ما يشاء، وكلاهما غير صحيح.
ونحن نحتاج إلى نهضة من قبل العلماء الأفاضل أن يصرفوا جهداً في مجال تحقيق، وتنقيح السيرة الحسينيّة، بحيث يعتمد فيها على الروايات الصحيحة، أو محتملة الصحّة، مع الإشارة إلى كلّ قسم منها، وتُستبعد
منها تلك الروايات المعلوم عدم صحتها، أو المعلوم مخالفتها للأصول المسلّمة.
وهذه الصفحات - التي دوّنت أغلبها في مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله ، عند تشرّفي بزيارته في حجّ 1422 هـ، حيث كنت أقتنص بعض الوقت للكتابة فيها - محاولة أوّلية لتوجيه بعض ما يُقرأ في السيرة الحسينيّة، بحيث يكون قريب المأخذ من الذهن العام، المستمع لمجريات السيرة الحسينيّة في كلّ عام على الأقل مرّة واحدة في عشرة المحرّم الأولى؛ فإنّ قراءة روايات السيرة تثير من الإعجاب وتقديس البطولة، ومن محاولات الاقتداء والتأسي بمقدار ما تثير من الأسئلة عن العلل والكيفية. لماذا صنع الإمام كذا؟ وما هي كيفية الحادثة الفلانية؟ وهل تنسجم القضية الكذائية مع المفاهيم العامة الدينية؟ وهذا من بركات المنابر الحسينيّة وغيرها من وسائل التثقيف والتوعية والتي رفعت من المستوى الفكري العام للناس؛ فأصبح المستمع قادراً - بنسب متفاوتة - على التحليل والربط والتساؤل، وهذا يحمّل الخطباء والمحاضرين مسؤولية مضاعفة، نسأل الله أن يوفّقنا وإيّاهم لتحمّلها.
فوزي آل سيف
1
السيرة الحسينيّة وضرورة تنقيحها
أهمية سير الأبطال في المجتمعات
1 - من أهم ما تقوم به سير الحياة الشخصية للعظماء صناعة القدوة للأطفال والأحداث من أبناء المجتمع فإنّ هؤلاء إذا نظروا وهم في حداثة سنهم إلى تقدير المجتمع لأبطاله يتحوّل هؤلاء في أذهانهم إلى طموح أعلى، ومثل أسمى يظلّ يشرق في أنفسهم؛ ولذا فإنّهم في تلك السنّ المبكّرة يحاولون أن يحاكوا الطريقة التي عاش عليها اُولئك الأبطال، ولذا نفهم ما يقوم به الغرب من تقديم قدوات وأبطال على مقاييسه بالنسبة لأطفالنا وشبابنا اليوم، ونفهم خطورته أيضاً.. فهم لكي يبينوا التفوّق الأمريكي، ويحوّلوه إلى ثقافة يقدّمون لنا نماذج (البطولة والقوّة، والمثل العليا في صورة أفلام وكارتون).
2 - تعطي دراسة السير الشخصية لأبطال الأُمّة شعوراً للفرد والمجتمع بأنّه ينتمي لتاريخ ممتدّ ولجيل صالح. وهذا له كبير الأثر على سلوكه؛ فإنّ شعور الفرد مثلاً أنّه ينتمي إلى عائلة شريفة يصنع له دافعاً إضافياً للصلاح، ويحجزه في كثير من الأحيان عن تناول الصغائر، وكذا حين
يشعر بالانتماء إلى مجتمع وتاريخ زاهر، ومنه قول أمير المؤمنينعليهالسلام في كتابه لواليه مالك الأشتر النخعي: «... ثمّ ألصق بذوي الأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثمّ أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة؛ فإنّهم جماع من الكرم، وشعب من العرف...»(1) . بينما الأشخاص الذين لا تاريخ لهم ولا ينتمون إلى جيل صالح يكونون أقرب إلى المسيرة الخاطئة(2) . وهذا ما يذكره علماء الاجتماع حين يتعرّضون إلى بيان الأسباب التي تؤدّي لكثرة الجريمة في التجمعات البشرية الخليطة من أجناس مختلفة، ومستويات ثقافية متعدّدة، بالقياس إلى تلك المجتمعات التي تمتلك تاريخاً موحّداً وثقافة مشتركة.
من ذلك وجدنا القرآن يتحدّث عن قصص السابقين؛ سواء في أدوارهم الايجابية لصناعة القدوة( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) (3) ، أو في الجهات السلبية بالتنفير من نماذج الرذيلة والانحراف والعصيان.
وفي إطار صناعة القدوة الطيّبة، وربط الناس بها نجد أنّه قد حرصت الأحاديث على ربط الناس بتلك الصفوة من البشر محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، كما يفهم من التأكيد على ذكرهم والصلاة على النبي وآله في المصادر الإسلاميّة.
أهمية السيرة الحسينيّة
* ومع أنّه في حياة الأشخاص توجد جهات شخصية لا تتكرّر، مثل طوله وعرضه، ولون بشرته وصفاته الخَلقية والجسمية، ونسبه، إلاّ أنّ
____________________
1 - عبده، محمّد، نهج البلاغة، دار المعرفة - بيروت.
2 - بالطبع ليس ذلك على نحو الحتمية والجبر، ولكن الكلام في الظروف المساعدة على نمو الفضيلة وأضدادها.
3 - سورة الحشر آية 2.
هناك أموراً عامّة هي محلّ الإقتداء مثل: أخلاقه وسيرته، والنظام الحياتي الذي كان عليه، وجهاده ونصره للدين. وهذا ما يدعونا إلى دراسة سيرة النبي والمعصومينعليهمالسلام ، ومن هؤلاء الإمام الحسينعليهالسلام . ففيها إضافة إلى ما سبق:
* أنّها إطلالة على تاريخ الإسلام في القرن الأوّل؛ فإنّ معرفة ما جرى في ذلك القرن يجعل المسلم واعياً بالنتائج التي وصلت إليها الأُمّة فيما بعد، بينما يبقى اُولئك الذين لا رؤية واضحة لهم بالنسبة للأحداث التي حصلت فيه، غير قادرين على فهم الكثير من النتائج؛ حيث إنّها مربوطة بمقدّماتها.
* متابعة مسيرة مجتمع احتوى على مختلف النماذج؛ الانتهازي والمتفاني، عابد الدنيا والمشتاق إلى الآخرة، الشيخ الكبير الذي هو بهمّة الشباب، والحدث الذي هو برأي الشيوخ، الحرّ العبد والرّق المتحرّر... ويستطيع الإنسان أن يعتبر بما وصل إليه كلّ واحد من نتيجة في عاجل حياته، وما الذي ينتظره بحسب القواعد الكلامية، من جزاء في الآخرة.
تنقيح السيرة الحسينيّة
جرت العادة في المجتمعات الشيعية على قراءة السيرة الحسينيّة لاسيما أيّام العشرة الأولى من محرّم الحرام في كلّ عام، وحيث إنّها تُكرّر كذلك فإنّها تتحوّل إلى جزء من الموروث الثقافي لأبناء المجتمع، وتؤثّر في فكرهم وسلوكهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ ولذا كان أمر تصحيح السيرة وتنقيحها، وعدم ذكر المستهجن أو غير المقبول في العقول - إلاّ مع التوضيح - فضلاً عن غير الصحيح، أمراً مهمّاً.
وينبغي أن يُشار إلى قضية مهمّة وهي: أنّه لا ينبغي أن يُشكك في المسائل الثابتة بزعم أنّنا نقوم بتنقيح السيرة، أو أنّنا لا نحبّ هذه الجملة، أو تلك الواقعة، فنقوم بحذفها من السيرة؛ فهذا عمل خاطئ، بل هو خيانة للتاريخ لو كانت الجملة ثابتة، والنصّ صحيحاً. وكذلك الحال عندما يُستطرق من بعض الاُمور التاريخية غير الثابتة إلى التشكيك في جملة السيرة وأحداثها؛ فإنّ ذلك أمر خطر.
نعم، السيرة كسائر أخبار المصادر التاريخية فيها الصحيح وفيها غير ذلك، ولكن بحمد الله لم يتطرّق الخلل إلى أصل السيرة، ولا إلى أحداثها الأساسية التي تنفع في الاقتداء والتأسّي، ومع ذلك نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بها. وهذا الأمر لا لجهة أنّ الآخرين ينتقدوننا، وإنّما لجهة أنّ بقاء مثل هذه الشوائب يشوّه الصورة الحقيقية لصاحب السيرة العظيم.
وفي الواقع ينبغي الالتفات إلى توجّهين خاطئين: الإصرار على أنّ كلّ ما في السيرة المنقولة في الكتب من غير تحقيق هو شيء مقدّس لا تطاله يد المحققين والمناقشة. وهذا خطأ، لا سيما عندما نرى وجود قصص في بعض الكتب لا مصدر لها أصلاً، أو أنّ مصدرها غير معتمد ولكن يتمّ التركيز عليها مثلاً من باب أنّها أكثر شجاً وأجلب للدمعة والحزن.
والتوجّه الآخر معاكس لهذا بالتمام، فهو يفترض أنّ الشك هو الأساس، وأنّ كلّ ما لا يقبله عقله، أو لم يصل إلى علمه فهو غير صحيح يجب حذفه ولو كانت أسانيده تامّة، ولا يترتب عليه محذور سوى مخالفته للمألوف، أو للنهج الفكري الذي يعتمده ذلك الشخص.
ولقد بادر علماؤنا ومحدّثونا مشكورين إلى ذكر هذه المسائل والتحذير منها في نصائحهم للخطباء وقرّاء التعزية الحسينيّة، فاعتبروا
أنّ ممّا يعدّ كذباً ولا يجوز أخذ الأجرة عليه هو افتعال الروايات غير الصحيحة، أو نقلها على نحو الجزم، ولو كانت تؤدّي إلى غرض حسن، وهو إشعار الناس بعظم مظلومية أهل البيتعليهمالسلام . فقد كتب المحدّث النوريرحمهالله كتاباً في آداب خطباء المنبر باللغة الفارسية باسم (لؤلؤ ومرجان)، وضمّنه الكثير من النصائح في لزوم التثبت في النقل.
ويذكر المحدّث الشيخ عباس القمّي عن كتاب (الأربعين الحسينيّة) للميرزا محمّد بن محمّد تقي القمّي(1) نصيحة بالغة وموعظة جامعة، منها:
.. وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورّعون عن اختراع وقائع مبكية، وكثر اختراع الأقوال منهم، واعتبروا أنفسهم يشملهم الحديث «مَنْ أبكى فله الجنة»، وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتّى صار يظهر في مؤلّفات جديدة، وإذا حاول محدّث أمين مطلع منع هذه الأكاذيب نسبوها إلى كتاب مطبوع، أو كلام مسموع، أو تمسّكوا بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، وتوسّلوا منقولات ضعيفة توجب اللوم والتوبيخ من الملل الأخرى، كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين أنّه لا عين ولا أثر لهذا الوقائع عند أهل العلم والحديث، كعرس القاسم في كربلاء الذي نقله في كتاب (روضة
____________________
(1) الميرزا محمّد بن محمّد القمي: كان له من الفقاهة والاجتهاد مقام سامٍ، ورتبة عالية، وقد سافر في أوائل شبابه إلى العتبات الشريفة، وحضر عند الميرزا الشيرازي واستفاد منه، وكانت عمدة تلمذه في الفقه والأصول على يد الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي، والملاّ كاظم الخراساني، وبعدما أكمل دراسته للعلوم الدينية، وحصل على القوّة القدسية وأجيز بالاجتهاد... عاد إلى وطنه (قم)، وظهرت له الرئاسة العامة، والشهرة التامّة، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع، وقرعت كلّ الأسماع. عن منازل الآخرة - للمحدّث القمّي.
الشهداء) من تأليف الفاضل الكاشفي، وقام الشيخ الطريحي وهو من أجلّة العلماء والمعتمدين بنقله عنه، ولكن في كتاب (المنتخب) أمور كثيرة جرى التساهل والتسامح بها، وهي لا تخفى على أهل البصيرة والاطّلاع(1) .
وأشار غيره من الفقهاء والمحقّقين إلى لزوم التدقيق فيما يُذكر في واقعة كربلاء؛ فهذا السيد الأمينرحمهالله يقول مبيّناً خطورة ما يلجأ إليه بعض الخطباء: (... ولكنّ كثيراً من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يُذكر مؤرّخ ولا مؤلّف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها؛ لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها حتّى حُفظت على الألسن، وأودعت في المجامع، واشتهرت بين الناس، ولا من رادع، وهي من الأكاذيب التي تغضبهمعليهمالسلام ، وتفتح باب القدح للقادح؛ فإنّهم لا يرضون بالكذب الذي لا يُرضي الله ورسولهصلىاللهعليهوآله ، وقد قالوا لشيعتهم: «كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا». وقد اكتسبوا - هم ومَنْ قبلها منهم وأقرّهم عليها - الإثم المبين؛ فإنّ الله لا يُطاع من حيث يُعصى، ولا يتقبّل الله إلاّ من المتقين، والكذب من كبائر الذنوب الموبقة، لا سيما إن كان على النبيصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطاهرين...)(2) .
وهنا ينبغي التفريق بين عدم الثبوت، وعدم تعقله من قبل السامع، وقد يغفل عن هذا التفريق كثير من الناس، فقد يكون شيء غير ثابت من الناحية التأريخية، وهذا يختلف عن أنّه لا يتقبّله ذهن هذا الإنسان؛ فقد يكون المستوى الذهني لهذا الشخص غير مؤهّل لقبول بعض
____________________
(1) منتهى الآمال للمحدّث القمّي 1.
(2) الأمين، السيد محسن، المجالس السنية في مناقب ومصاب العترة النبوية.
الحقائق، ولكن لا يعني عدم تحقّقها وعدم وجودها تماماً، كما إنّنا نجد اليوم حقائق في حياتنا المعاصرة لو سمعها الأقدمون لم يقبلها عقلهم!!.
وربما يزعم البعض بأنّ التهويل والتضخيم للمصائب يقع في دائرة (حدّثوا شيعتنا بأعظم ما وقع علينا)؛ لبيان مظلوميتهم ومأساتهم. وهذا غير صحيح؛ فإنّ فيما وقع عليهم ممّا صحّ نقله شيئاً كثيراً يُستغنى بمثله عن افتعال بعض القصص، أو زيادة الأقوال، خصوصاً إنّ هذا الأثر(1) يقول: (بأعظم ما وقع علينا)، أي لا بدّ من إحراز (أو الاطمئنان بـ) كونه ممّا وقع عليهم، ثمّ ينتخب الأعظم منه، لا أعظم ما لم يقع عليه.
لقد كان آية الله الشيخ الشوشتري(2) رحمه الله يصعد المنبر ويصرّح بأنّه لا يحتاج المرء إلاّ إلى التأمّل في بعض الروايات التاريخية الثابتة ويستنطقها ليرى عظم المصيبة التي حلّت بأهل البيتعليهمالسلام ، فلماذا يأتي البعض بروايات غير صحيحة، أو يبالغون في قسم من القضايا، وهذا ما يظهر لكلّ قارئ لكتابه المواعظ أو الأيام الحسينيّة!
فليس معنى التحقيق في الروايات التاريخية تجريدها من الجانب المأساوي، أو حذف مواضع المصيبة، وإنّما يعني أن تُذكر المصائب الحقيقية، وهي كثيرة جدّاً.
____________________
(1) مع أنّ البعض ينقله باعتباره حديثاً عن الأئمّةعليهمالسلام ، إلاّ إنّني لم أجده - بهذا النصّ - في مصدر يعتمد عليه بالمقدار الذي وسعني البحث.
(2) فقيه من تلامذة الشيخ الأنصاري، رُجع إليه في التقليد في منطقته بجنوب إيران، وكان يصعد المنبر يعظ، ويقرأ السيرة الحسينيّة بنحو قلّ نظيره، له من الآثار المطبوعة في مجال المنبر (الخصائص الحسينيّة).
مصادر السيرة الحسينيّة
كيف انتقلت أحداث الواقعة؟ وكيف صوّرت؟
بعض الحوادث حدودها من الزمان مدّتها فقط، فلا تشغل أكثر من خمس دقائق، مثل طعامك قبل شهر استغرق عشر دقائق، ثمّ إنّك نسيته أنت فضلاً عن سائر الناس، ثمّ ينتهي. نعم، لو كان فيه جهة محرّمة، كأن يكون غصباً أو حراماً، فإنّ تبعته تبقى، وأثره الوضعي يستمر، وهكذا لو كان فيه جهة خيّرة.
وهناك بعض الحوادث طبيعتها أن تبقى وتؤرّخ؛ لما فيها من الجهة العامّة التي ترتبط بالآخرين، كما هو الحال في المعارك العقائدية والمناظرات الفكرية، بل الأحداث السّياسية.
وقضية الإمام الحسينعليهالسلام تحتوي على كلّ عناصر البقاء والاستمرار في التاريخ، بل في وعي الأُمّة الإسلاميّة؛ وذلك لارتباطها بكلّ التيّارات من جهات مختلفة، فإنّ أتباع الخطّ الأموي كان عليهم أن يُجيبوا على أصل موقف السّلطة التي اتّخذته من الإمامعليهالسلام ومن أهل بيته وأنصاره، ثمّ تفاصيل الممارسة، وفي المقابل كان أتباع أهل البيتعليهمالسلام ينشرونها، والمحايدون يحاولون التفتيش عن جواب مقنع لن يكون موجوداً إلاّ بمعرفة بني أُميّة على حقيقتهم.
لقد انتقلت الحادثة بتفاصيلها الكثيرة، بمواقف أبطالها، وكلمات شجعانها، ورجز مُقاتليها من جهة، وانتقلت بعمق مأساتها، بجروح الضرب والتنكيل، والسّلب والتشهير، وبغربة النساء، (تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل، ليس لهنّ من ولاتهنّ ولي، ولا من حماتهنّ حمي)، وبلوعة الأطفال واليتامى. انتقلت من
الأفئدة المكلومة والعيون الباكية إلى صدور الناقلين، ثمّ إلى كتب التاريخ.
ولقد حاول الكثيرون تزييف الحادثة، أو إسدال ستار النسيان على أحداثها، لكن خابوا؛ فما زالت أحداث الواقعة حيّة ساخنة، وكأنّها قد حدثت ليوم خلا.
ويتعجّب الناظر إلى تلك التفاصيل الدقيقة التي ترصد كلّ حركة وكلمة، فهذا نافع بن هلال في جوف الليل يحرس الحسينعليهالسلام من دون أن يشعر، وعندما يراهعليهالسلام يشجّعه على الفرار والنجاة بنفسه، فيقول ما هو أهله، وما يخلده.
وهذه زينب وهي تحدّث أخاها الحسينعليهالسلام في ليلة عاشوراء، وتسأله عن وضع المخيّم والأنصار و....
مَنْ الذي نقل كلّ هذه التفاصيل، وما هي مصادرها؟
يمكن أن نوجز في ما يلي مصادر الواقعة:
1 - التأريخ العام، مثل: تاريخ الطبري، وابن الأثير، والمسعودي وغيرهم، فقد اعتمد هؤلاء المتأخرون على المؤرّخ المعروف لوط بن مخنف الأزدي(1) ، بل قد يمكن القول: إنّ ما جاء في الطبري هو
____________________
1 - ذكره النجاشي في رجاله فقال: لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سالم الأزدي الغامدي، أبو مخنف، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه.
روى عن جعفر بن محمّدعليهالسلام . وقيل: إنّه روى عن أبي جعفر [عليهالسلام ] ولم يصحّ.
وصنف كتباً كثيرة، منها: كتاب المغازي، كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنينعليهالسلام ، كتاب مقتل الحسنعليهالسلام ، كتاب مقتل الحسينعليهالسلام ، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار، كتاب أخبار الحجّاج، كتاب أخبار محمّد بن أبي بكر، كتاب مقتل محمّد، كتاب أخبار ابن الحنفية، كتاب أخبار يوسف =
خلاصة لما كتبه أبو مخنف المذكور، وكان في ذلك أكثر من جهة فائدة، فقد فُقد كتاب مقتل الحسين للأزدي وتمّ استخراج ما نقله عنه الطبري باعتباره المقتل، بينما لم يكن كلّ المقتل وما جرى فيه، وهو يروي عن مَنْ شهد الواقعة كحميد بن مسلم بواسطة، والضحّاك المشرقي.
2 - وشهود عيان في المعسكر الأموي؛ فإنّ بعضهم كان بمثابة المؤرّخ والناقل للأخبار، مثل: حميد بن مسلم(1) ، أو غيرهم ممّن نقل (بطولاته!)، مثل: كعب بن جابر لمّا قتل برير بن خضير، عتبت عليه زوجته وقالت أنّها لن تكلّمه، فقال أبياتاً منها:
ولم ترَ عيني مثلهم في زمانهم |
ولا قبلهم في الناسِ إذ أنا يافعُ |
____________________
= ابن عمر، كتاب أخبار شبيب الخارجي، كتاب أخبار مطرف بن المغيرة بن شعبة، كتاب أخبار آل مخنف بن سليم، كتاب أخبار الخريت بن راشد الناجي وخروجه.
أخبرنا أحمد بن علي بن نوح قال: حدّثنا عبد الجبّار بن شيران الساكن بنهر جطى، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا بن دينار الغلابي، قال: حدّثنا عبد الله بن الضحّاك المرادي، قال: حدّثنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبي مخنف لوط بن يحيى.
1 - قد يقول بعض أنّ حميد بن مسلم وإن عدّه البعض من أصحاب السجّاد - بالمعنى العام، ِأي المعاصرة - وأنّه لا توثيق له، لا بالتوثيق الخاصّ ولا العام؛ ولذا لا يمكن الاعتماد على رواياته، لكنّ ذلك غير صحيح؛ فإنّ المدار في النقل التاريخي على الثقة بالرواية، وهذا حاصل في هذا المورد؛ فإنّ حميد بن مسلم - وهو بحسب الموقف - في الجيش الأموي لا يمكن أن ينقل ما هو في صفّ خصمه، ولذا لو نقل عن بطولات الأصحاب ومأساة النساء فإنّه في هذا غير متّهم، بل ربما كان أدعى للقبول - بهذا الاعتبار عند بعضهم - ممّن يكون في الصفّ الحسيني.
أشدّ قراعاً بالسيوف لدى الوغى |
ألا كلّ مَنْ يحمي الذمارَ مقارعُ |
وذلك الذي قال: ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة، أو الاستيلاء على الملك. فلو كففنا عنها رويداً لأتت على العسكر بكامله، فما كنّا فاعلين لا أُمَّ لك!(1) .
وهلال بن نافع: كنت واقفاً نحو الحسين وهو يجود بنفسه، فما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمه أحسن منه، وقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله، فاستسقى في هذه الحال ماء فأبوا أن يسقوه(2) .
(يُشار هنا إلى الفرق بين هلال (المخسوف) بن نافع الأموي، الذي كان عاقبة أمره خُسراً، وبين نافع بن هلال الحسيني الذي نفع نفسه بموقفه، والذي يقول:
أرمي بها معلمة أفواقها |
والنفسُ لا ينفعها إشفاقها |
وهو الذي تقدّم باللواء للمشرعة يوم السابع، وكان له موقف رائع في انفراده مع الحسينعليهالسلام ليلة العاشر، كما كان له في المعركة مواقف مشرّفة إلى أن استشهد).
ومثل هاني بن ثبيت الحضرمي: إنّي لواقف عاشر عشرة لما صُرع الحسين، إذ نظرت إلى غلام فأقبل عليه رجل يركض بفرسه حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله. مسروق بن وائل الحضرمي: كنت أوّل الخيل؛ لعلّي أُصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد،
____________________
1 - ذوب النضار في الأخذ بالثار - لابن نما الحلي / 9.
2 - مقتل الحسين - للمقرّم / 282.
فلمّا رأيت ما صُنع بابن حوزة (أو حويرثة في بعض الكتب) علمت أنّ لأهل هذا البيت حرمة؛ فتركت القتال(1) .
3 - وشهود عيان من معسكر الحسينعليهالسلام ، مثل: الضحّاك بن عبد الله المشرقي(2) ، وعقبة بن سمعان مولى الرباب الذي صحب الحسينعليهالسلام
____________________
1 - المصدر السابق / 231.
2 - روى أبو مخنف عن الضحّاك بن عبد الله المشرقي، قال: لما رأيت أصحاب الحسينعليهالسلام قد أُصيبوا، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبقَ معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني وبينك، قلت لك: أُقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أرَ فأنا في حلّ من الانصراف، فقلت لي: نعم.
قال: فقال: «صدقت، وكيف لك بالنجاء؟! قدرت على ذلك فأنت في حلّ».
قال: فأقبلت إلى فرسي، وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقر، أقبلت بها حتّى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أُقاتل معهم راجلاً، فقتلت يومئذ بين يدي الحسينعليهالسلام رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسينعليهالسلام يومئذ مراراً: «لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّكصلىاللهعليهوآله ». فلمّا أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثمّ استويت على متنها، ثمّ ضربتها حتّى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم فأفرجوا لي، واتّبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتّى انتهيت إلى شفية، قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلمّا لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي، وأيوب بن مشرح الخيواني، وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحّاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمّنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه.
فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله، لنجيبنّ إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم.
قال: فلمّا تابع التميميون أصحابي كفّ الآخرون.
قال: فنجّاني الله.
ومع أنّ الضحّاك لم يحظ بشرف الشهادة بين يدي الحسينعليهالسلام ، وفاته هذا التوفيق العظيم إلاّ أنّ بقاءه نفع في نقل تفاصيل الواقعة من عنصر كان
من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق، (ولم أفارقه حتّى قُتل، وسمعت جميع كلامه، فما سمعت منه ما يذكر الناس من أنّه يضع يده في يد يزيد، وأن يسيّره إلى ثغر من الثغور).
والمرقع بن ثمامة الأسدي الذي أُسر فاستأمنه قومه فنفاه ابن زياد إلى الزارة، والحسن بن الحسن (المثنّى) الذي قاتل إلى جانب عمّه الحسينعليهالسلام حتّى قتل سبعة عشر من الأعداء ثمّ قُطعت يده، وأخذه أسماء بن خارجة الفزاري؛ لأنّ أُمّه فزارية، وزيد بن الحسن، وعمرو بن الحسن، وهكذا نساء أهل البيتعليهمالسلام .
4 - أئمّة أهل البيتعليهمالسلام : فالإمام السجّاد استفاد من جميع الفرص بما هو غير خافٍ، والإمام الصادق في تشجيعه للراثين والرثاء، وعن طريق نقل الأخبار فقد صلّى ركعتين في الحنّانة، وقال: «هاهنا وضِع رأس الحسين عندما أُخذ للكوفة». وعندما شبّت النار في الأخبية نقل موضوع حرق الخيام، وتأتيه جارية بطفل في أثناء الرثاء فيذكّر بمصاب الطفل الرضيع.
5 - الزيارات: مثل الزيارة المنسوبة للناحية المقدّسة(1) ، والتي تعرضت
____________________
شاهداً، وتفاصيل أحداث ما جرى في المخيّم، ولعلّ الناظر إلى مقتل الحسين للأزدي وغيره يرى بوضوح أثر رواياته تلك.
1 - هناك رأيان بالنسبة إلى الزيارة هذه: فهناك مَنْ يرى بأنّ الزيارة صادرة عن صاحب الزمان (عجّل الله فرجه)؛ ولذا اشتهر اسمها بأنّها زيارة الناحية المقدّسة.
وقد ذكر محمّد بن المشهدي المتوفى في سنة (610هـ): وممّا خرج من الناحيةعليهالسلام إلى بعض الأبواب قال: تقف عليه (صلّى الله عليه) وتقول:....
وهناك رأي آخر يرى عدم ثبوت كونها كذلك، وإنّما هي من إنشاء بعض العلماء المتقدّمين، كالسيد المرتضى.
أمّا العلاّمة المجلسي في البحار 98 فقد قال: وقد ذكر الشيخ المفيد بعد الزيارة التي نقلناها من المصباح ما هذا لفظه: زيارة
في تفصيل جميل لمقدمات الثورة، ووضع المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، والدوافع التي حرّكت الإمام الحسينعليهالسلام للثورة، وكيف كان مسير المعركة، وأخيراً فيها تفصيل للمقتل ممّا صار على ألسنة الخطباء نصّاً ثابتاً: (... فلمّا رأوك ثابت الجأش، غير خائف ولا خاشٍ، نصبوا لك غوائل مكرهم، وقاتلوك بكيدهم وشرّهم، وأمر اللعين جنوده فمنعوك الماء ووروده، وناجزوك القتال، وعاجلوك النزال، ورشقوك بالسّهام والنبال، وبسطوا إليك أكفّ الاصطلام، ولم يرعوا لك ذماماً، ولا راقبوا فيك آثاماً في قتلهم أولياءك، ونهبهم رحالك، وأنت مقدم في الهبوات، ومحتمل للأذيات، وقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات.
وأحدقوا بك من كلّ الجهات، وأثخنوك بالجراح، وحالوا بينك وبين الرواح، ولم يبقَ لك ناصر، وأنت محتسب صابر، تذبّ عن نسوتك وأولادك حتّى نكسوك عن جوادك، فهويت إلى الأرض جريحاً تطؤوك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطّغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينُك، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك، تدير طرفاً خفيّاً إلى رحلك وبيتك، وقد شُغلت بنفسك عن ولدك وأهلك، وأسرع فرسك شارداً، وإلى خيامك قاصداً، محمحماً باكياً.
فلما رأينَ النساء جوادك مخزيّاً،
____________________
أُخرى في يوم عاشوراء برواية أُخرى.
وقال العلاّمة المجلسي، بعد أن ساق الزيارة إلى آخرها، مثل ناقلاً عن المزار الكبير للمشهدي: فظهر أنّ هذه الزيارة منقولة مرويّة، ويُحتمل أن لا تكون مختصّة بيوم عاشوراء، كما فعله السيد المرتضىرحمهالله .
وأمّا الاختلاف الواقع بين تلك الزيارة وبين ما نُسب إلى السيد المرتضى فلعلّه مبني على اختلاف الروايات. والأظهر أنّ السيد أخذ هذه الزيارة وأضاف إليها من قبل نفسه ما أضاف.
أقول: لا يمكن دعوى أنّها - فيما اتفق من لفظ الزيارتين - من إنشاء السيد المرتضى مع ذكرها من قبل أُستاذه الشيخ المفيد (رضوان الله عليهما).
ونظرنَ سرجك عليه ملويّاً، برزنَ من الخدور ناشرات الشعور(1) ، على الخدود لاطمات، وبالعويل داعيات، وبعد العزّ مذلّلات، وإلى مصرعك مبادرات، والشمر جالس على صدرك، مولغ سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورُفع على القنا رأسك، وسُبي أهلك كالعبيد، وصُفدوا في الحديد فوق أقتاب المطيّات، تلفح وجوههم حرّ الهاجرات، يُساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يُطاف بهم في الأسواق، فالويل للعصاة الفسّاق؛ لقد قتلوا بقتلك الإسلام، وعطّلوا الصلاة والصيام، ونقضوا السّنن والأحكام، وهدموا قواعد الإيمان، وحرّفوا آيات القرآن، وهملجوا في البغي والعدوان...)(2) .
وزيارة الإمام الحجّة للحسينعليهماالسلام ، والتي فيها أسماء الشهداء مع الحسينعليهالسلام مع أسماء قاتليهم، وستأتي في قسم الملحقات.
____________________
1 - سوف يأتي في الأسئلة بيان الوجه في هذا المقطع من الزيارة.
2 - المزار / 503.
2
أسئلة في السيرة والثورة الحسينيّة
لماذا لم يستلم مسلم بن عقيل الكوفة؟ ولِمَ لم يقتل ابن زياد عندما زار هذا [الأخير] عبد الله بن شريك الأعور؟
الجواب: أمّا إنّه لماذا لم يستلم مسلم الكوفة بأن يقوم مثلاً بعمل انقلاب عسكري ويسيطر عليها فلأمور:
1 - ما ذكره بعض العلماء من أنّ مهمّته التي كُلّف بها لم تكن إلى هذا الحدّ؛ وذلك أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد عيّن وظيفته في رسالته التي أرسلها معه إلى الكوفة وأهلها، فقال: إلى هذا الحدّ، وذلك أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد عيّن وظيفته في رسالته التي أرسلها معه إلى الكوفة وأهلها حيث كتب: «من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين. أمّا بعد، فإنّ (فلاناً وفلاناً) قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر رسلكم، وفهمت مقالة جلّكم: أنّه ليس علينا إمام فأقبل، لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ. وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم، وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم
وقرأته في كتبكم أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله»(1) .
وبهذا يتبيّن أنّ وظيفة مسلم بن عقيل لم تكن السيطرة على الكوفة عسكرياً عن طريق القيام بانقلاب مثلاً، أو البدء في حرب مع أنصار بني أُميّة، وإنّما كانت مهمّته أشبه بالاستطلاعية؛ لكي يرى هل الواقع يتطابق مع ما هو مذكور في رسائل القوم، أو أنّه يختلف، وأنّ عليه أن يكتب للإمامعليهالسلام ما يرى ويشاهد، حتّى يقرّر الإمامعليهالسلام ما هو لازم بحسب خبره.
وقد قام مسلم بما طُلب منه، وبالفعل فقد أرسل إلى الإمام الحسينعليهالسلام بما رأى من اجتماعهم على بيعته، وأرسلها إليه مع عابس بن أبي شيبب الشاكري:... أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي؛ فإنّ الناس كلّهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأى ولا هوى، والسّلام(2) .
2 - يُحتمل أيضاً أنّ الاُمور جرت بنحو فوجئ به مسلم؛ حيث إنّه بعدما بايعه ثمانية عشر ألفاً، وكان الناس في رأيه، وكما تشير إليه ظواهر الاُمور ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى؛ فإنّ ذلك كان يمثّل تطميناً بالنسبة له لكي لا يبدأ في عملية انقلابية، إضافة إلى ما ذكر سابقاً.
وكان قدوم عبيد الله بن زياد بتلك السّرعة متخفياً يمثّل عنصر المفاجأة التي لم تكن محسوبة بهذه السّرعة.
لقد كانت السّيطرة على الوضع بحسب الظاهر في الكوفة تامّة لمسلم ولأشياعه؛ فالنعمان بن بشير الأنصاري لم يشأ الاصطدام العنيف بمسلم، واكتفى بسيطرته على القصر، والناس كانوا يرغبون ولو على مستوى الرغبة الداخلية والنفسية في تغيير الوضع القائم،
____________________
1 - إعلام الورى بأعلام الهدى 1 / 436.
2 - الطبري 4 / 281.
لكنّ الذي غيّر الاُمور بشكل كامل هو مجيء ابن زياد غير المتوقّع أصلاً؛ وذلك أنّه كان على خلاف مع يزيد، ولم يكن يزيد في بداية أمره يميل إليه، لكنّ اقتراح سرجون بن منصور الرومي(1) ، المسيحي الذي كان مستشاراً لأبيه، ثمّ مستشاراً له، بأن يرسل إلى الكوفة ابن زياد خلط الاُمور وغيّر المعادلة.
وكان الأمر بهذا النحو، وبهذه السّرعة مفاجئاً حتّى بالنسبة للنعمان بن بشير، الذي قال لابن زياد لمّا طرق باب القصر: ما أنا بمؤدٍ إليك أمانتي يابن رسول الله.
وأمّا إنّه كيف تمّت السّيطرة على الاُمور بهذه السّرعة لصالح بني أُميّة؛ فذلك لأنّه في أوقات الأزمات الاجتماعيّة لا يمكن أن يبقى الانتظار سيد الموقف للأخير. وصاحب المبادرة هنا والاقتحام ولو كان من أهل الباطل هو الذي يأخذ بزمام الاُمور، فيفرض على المجتمع ولو لمدّة ما يريد.
والمتتبّع للتاريخ منذ ما بعد رسول الله وإلى أيّام الأمويين والعباسيين يرى هذا بوضوح، فضلاً عن التاريخ الإنساني العام. أمّا بالنسبة إلى قتل ابن زياد فقد ذُكرت أمور لامتناع مسلم عن القيام بذلك:
____________________
1 - تاريخ الطبري 4 / 258:... فدعا مولى له يُقال له سرجون، وكان يستشيره فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلاً من معاوية لو كان حيّاً؟ قال: نعم.
قال: فاقبل منّي فإنّه ليس للكوفة إلاّ عبيد الله بن زياد فولّها إيّاه، وكان يزيد عليه ساخطاً، وكان همَّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضائه وإنّه قد ولاّه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده.
قال: فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتّى قدم الكوفة متلثّماً، ولا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسلّم إلاّ قالوا: عليك السّلام يابن بنت رسول الله، وهم يظنّون أنّه الحسين بن علىعليهالسلام حتّى نزل القصر.
1 - الناحية الأخلاقية والشّرعية: فإنّه قد ذكر حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ «الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مسلم»(1).
وفي هذا تعليم هامّ لجميع المسلمين أن لا يتجاوزوا في صراعاتهم للقواعد الشّرعية، فلأن يكون هدفك شريفاً وسامياً يتطلّب منّك وسيلة وأسلوباً متناسباً مع ذلك الهدف، ولا تبرّر أهميّة الهدف استخدام الوسائل السّيئة.
وهذا ما عُرف اليوم بأنّ الغاية أي الهدف الجيد لا تبرّر الوسيلة (السّيئة).
وهذا ما عُرف به أهل البيتعليهمالسلام في طريقتهم في العمل، وفي طليعتهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، فهو لا يغدر ولا يفجر وإن انتهى حفاظه
____________________
1 - قد روي هذا الحديث في كثير من مصادر الفريقين بهذا اللفظ في مناسبات مختلفة:
ففي المصنف - لابن أبي شيبة الكوفي 8 / 644، قال: جاء رجل إلى الزبير أيّام الجمل، فقال: أقتل لك عليّاً؟ قال: وكيف؟ قال: آتيه فأخبره أنّي معه ثمّ أفتك به. فقال الزبير: لا، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن».
وفي مسند أحمد أنّ معاوية دخل على عائشة فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلاً يقتلك؟ فقال: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول. يعني: الإيمان قيد الفتك.
وفي مسند الشاميين - للطبراني 3 / 350: عن عمرو بن الحمق، عن النبيصلىاللهعليهوآله قال: «الإيمان قيد الفتك، مَنْ أمن رجلاً على دمه فقُتل فأنا من القاتل برئ وإن كان المقتول كافراً».
وفي مناقب آل أبي طالب - لابن شهر آشوب 3 / 364: عن أبي الصباح الكناني قلت لأبي عبد الله: إنّ لنا جاراً من همدان يُقال له الجعد بن عبد الله يسبّ أمير المؤمنين، أفتأذن لي أن أقتله؟ قال: «إنّ الإسلام قيد الفتك».
والعجيب أنّ معاوية الذي يروي الحديث المتقدّم، وأنّه سمع ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآله مارس سياسة الفتك والقتل غيلة، كما لم يمارسها أحد قبله، إلى أن كان يفتخر بقوله: (إنّ لله جنوداً من عسل)!
وعلى هذا النهج سار ابنه يزيد؛ فقد أرسل كما تقول بعض الروايات التاريخية ثلاثين رجلاً، وأمرهم بقتل الحسين غيلة في مكّة ولو كان في البيت الحرام.
على القيم إلى أن ينهزم في الظاهر، ويفوز عدوّه الذي لا يلتزم بأخلاق في صراع؛ فهو لا يطلب النصر بالجور والغدر: «والله، ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كلّ غدرة فجرة، وكلّ فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة»(1).
وربما يفوز هذا الثاني لفترة مؤقتة، ولكنّ النصر النهائي هو لصاحب المنهج الأخلاقي، وربما تقول: إذاً كيف أمر هاني (أو شريك) بذلك وهو أيضاً من شيعة أهل البيتعليهمالسلام ومن كبارهم؟
والجواب على ذلك: هو أنّ (هاني) قد نفى أن ينطبق ذلك الحديث عليه، فقال: إنّما الممنوع هو الفتك بالمسلم، بينما ابن زياد في نظره ليس بمسلم، بل كافر فاجر. وسيأتي بعد هذا ذكر ما نقله التاريخ عن الواقعة.
2 - كراهية هاني بن عروة أن يتمّ ذلك الأمر في بيته؛ فإنّه بحسب منطق صفات رؤساء القبائل، وهاني بن عروة واحد منهم، لم يكن يريد أن يُعرف عنه وعن قبيلته أنّهم يغدرون بمَنْ يأتيهم حتّى لو فُرض أنّ هناك استثناء في مسألة الفتك. ولقد لاحظ مسلم بن عقيل هذه الرغبة فلم يشأ أن يتمّ هذا العمل في بيته مع كراهيته.
فقد نقل أبو مخنف حادثتين أعرب فيهما هاني عن كراهية قتله في بيته، فقد قال أبو مخنف إنّه: مرض هاني بن عروة فجاء عبيد الله عائداً له، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: إنّما كيدنا قتل هذا الطاغية؛ فقد أمكنك الله منه فاقتله.
قال هاني: ما أحبّ أن يُقتل في داري.
فخرج فما مكث إلاّ جمعة حتّى مرض شريك بن الأعور، وكان كريماً على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، (وكان شديد التشيّع)، فأرسل إليه عبيد الله أنّي رائح إليك العشية.
____________________
1 - نهج البلاغة.
فقال لمسلم: إنّ هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله، ثمّ اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها.
فلمّا كان من العشي أقبل عبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، وقال له شريك: لا يفوتنّك إذا جلس.
فقام هاني بن عروة إليه فقال: إنّي لا أحبّ أن يُقتل في داري. كأنّه استقبح ذلك.
فجاء عبيد الله بن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكاً عن وجعه، وقال: ما الذي تجد، ومتى اشتكيت؟ فلمّا طال سؤاله إيّاه، ورأى أنّ الآخر لا يخرج خشي أن يفوته، فأخذ يقول: ما تنظرون بسلمى أن تُحيّوها؟ أسقنيها وإن كانت فيها نفسي!
فقال ذلك مرّتين أو ثلاثاً، فقال عبيد الله ولا يفطن: ما شأنه؟! أترونه يهجر؟
فقال له هاني: نعم أصلحك الله، ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتّى ساعته هذه.
ثمّ إنّه قام فانصرف، فخرج مسلم فقال له شريك: ما منعك من قتله؟
فقال: خصلتان؛ أمّا إحداهما فكراهة هاني أن يُقتل في داره؛ وأمّا الأُخرى فحديث حدّثه الناس عن النبيصلىاللهعليهوآله «أنّ الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن».
فقال هاني: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً، كافراً غادراً.
ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثاً ثمّ مات(1) .
____________________
(1) مقتل الحسين - للوط بن مخنف الأزدي / 32. (لا يخفى أنّ هذا الكتاب المطبوع مأخوذ من تأريخ الطبري، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، وقد طُبع كتاب باسم مقتل أبي مخنف يقول المحققون إنّه موضوع).
سؤال: مقالة الحسينعليهالسلام للحرّ الرياحي: ثكلتك أُمّك، هل تناسب مقام الإمامة؟
الجواب: أصل الحادثة كما نقلها المؤرّخون جرت لمّا التقى الحرّ بن يزيد الرياحي مع الإمام الحسينعليهالسلام في الطريق إلى كربلاء، فقد نقل الطبري في تأريخه أنّهما لمّا التقيا وأقيمت صلاة الظهر، قام الإمام الحسينعليهالسلام خطيباً فقال: «أمّا بعد، أيّها الناس، فإنّكم إن تتّقوا وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم».
فقال له الحرّ بن يزيد: إنّا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر!
فقال الحسين: «يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ».
فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنشرها بين أيديهم، فقال الحرّ: فإنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك ألاّ نفارقك حتّى نقدمك على عبيد الله بن زياد.
فقال له الحسين: «الموت أدنى إليك من ذلك».
ثمّ قال لأصحابه: «قوموا فاركبوا».
فركبوا وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: «انصرفوا بنا».
فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين للحرّ: «ثكلتك أُمّك! ما تريد؟».
قال: أما والله، لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أُمّه بالثكل أن أقوله كائناً مَنْ كان، ولكن والله، مالي إلى ذكر أُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما يُقدر عليه(1).
انتهى ما نقله الطبري.
____________________
1 - تاريخ الطبري 4 / 303.
والثكل: يعني فقد الولد.
ويبدو أنّ قسماً من الكلمات تتأثّر في معناها المتبادر إلى الذهن العام بالزمان، فقد يكون لفظ عندنا اليوم مستنكراً بينما هو في زمان آخر ليس بتلك الصورة من الاستنكار، ومن ذلك الكلمة المذكورة، أو قولهم: قاتله الله. فإنّها اليوم كلمات مستنكرة بينما لم تكن كذلك في الزمن السّابق.
وإلى ذلك أشار ابن الأثير في كتابه النهاية فقال: يجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يُراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله.
ونحن نلتقي في سيرة النبيصلىاللهعليهوآله مع أصحابه بهذه الكلمات، كما نُقل عنه في روايات الجمهور. ففي مسند أبي داود الطيالسي روي عن رسول في حديثه مع معاذ:... فقال: يا رسول الله، قولك أولا أدلّك على أملك ذلك كلّه؟
فأشار رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيده إلى لسانه، فقلت: يا رسول الله، وإنّا لنؤاخذ بما نتكلّم بألسنتنا؟
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «ثكلتك أُمّك يا معاذ! وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم؟».
بل نجد بعضهم يدعو على نفسه بذلك، كما نقل ابن قتيبة في غريب الحديث إنّ عمر بن الخطاب سار مع رسول الله ليلاً فسأله عن شيء فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أُمّك يا عمر! نزرت رسول اللهصلىاللهعليهوآله مراراً لا يجيبك (أي ألححت عليه).
ونقل الكوفي في مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام كلام حذيفة مع أحدهم عندما استعلم عن فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال حذيفة: يا ربيعة، إنّك لتسألني عن رجل، والذي نفسي بيده لو وضِعَ عمل جميع أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآله في كفّة الميزان من يوم بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا،
ووضِعَ عمل علي يوماً واحداً في الكفّة الأُخرى لرجح عمله على جميع أعمالهم!
فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد!
فقال حذيفة: وكيف لا يُحتمل هذا يا ملكعان (لكع)؟ أين كان أبو بكر وعمر وحذيفة ثكلتك أُمّك! وجميع أصحاب محمّد؟ يوم عمرو بن عبد ودٍ ينادي للمبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً فقتله الله على يديه، والذي نفسي بيده لعمله ذلك اليوم أعظم عند الله من جميع أعمال أُمّة محمّد إلى يوم القيامة.
بل نجد أمير المؤمنينعليهالسلام يتحدّث عن أخيه عقيل فيقول له ذلك، كما في نهج البلاغة: «... وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَاعَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟! أَتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظَى...».
هذه الشواهد، وهي غيض من فيض، تشير إلى أنّ هذه الكلمة في ذلك الوقت لم تكن تُعطي المعنى الذي يتبادر إلى الذهن اليوم، بل حتّى لو فرضنا أنّ هذه الكلمات كانت تعني الدعاء الجدّي والحقيقي على الطرف المقابل بأن تثكله أُمّه، وأن يموت، فلا مانع من الالتزام بها في مورد مخاطبة الإمام الحسينعليهالسلام مع الحرّ الرياحي؛ فإنّ الحرّ - إلى ذلك الوقت - كان باغياً على إمام زمانه، ومضيّقاً عليه مسيره، وهذا يعني إعلان الحرب عليه، ولو قُتل في تلك الحال لكان مصيره إلى النار دون ريب، وكان حينئذ على مَنْ يناصر الحسينعليهالسلام أن يشهر
سيفه في وجه الحرّ ويقاتله ويقتله لو استمر؛ فلا مانع من الالتزام بهذا المعنى.
سؤال: هل كان الحسينعليهالسلام يعلم بمقتله أم لا؟ والأمر نفسه بالنسبة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ فإن كان يعلم فهو إلقاء بالنفس في التهلكة، وإن كان لا يعلم فكيف يمكن تفسير ما يُذكر على المنابر من أقوال تفيد علمهماعليهماالسلام بمقتلهما؟
الجواب: بالرغم من أنّ هذا البحث طويل الذيل، وفيه بعض الجوانب التخصصية، إلاّ أنّنا سوف نسعى بمقدار ما يمكن لتبسيط الجواب، وذكر أهم أجوبة العلماء في المسألة، ثمّ نركّز على الجواب الأسلم بينها:
فقد سُئل الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) عن ذلك، وأجاب بما يلي:
1 - أنّ إجماع الشيعة قائم على علم الإمام بالحكم في كلّ ما يكون دون أن يكون علماً بأعيان ما يحدث تفصيلاً، (أي أنّ إجماع الشيعة منعقد على علمهم التفصيلي بالأحكام، ولا إجماع على ذلك في المواضيع)، ولا نمنع علمه بذلك بإعلام الله له.
2 - علم الإمام بقاتله، وعلمه بأنّه مقتول لا شك فيه، وأمّا علمه بوقت قتله فلم يثبت بأثر(أو خبر تام).
3 - لو أتى عليه أثر لم يكن مشكلاً؛ حيث لا نمنع أن يتعبّده الله بالصبر والاستسلام؛ ليبلغ من المرتبة ما لا يبلغه إلاّ به(1) .
وأمّا جواب الشيخ الطبرسي: أنّ فعله يحتمل وجهين؛ أحدهما: إنّه ظنّ أنّهم لا يقتلونه؛ لمكانه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله . والآخر: أنّه غلب على
____________________
1 - المسائل العكبرية / 71.
ظنّه أنّه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبراً كما فعل بابن عمّه مسلم، فكان القتل مع عزّ النفس والجهاد أهون عليه.
أمّا العلاّمة المجلسي فقد نقل جواب العلاّمة الحلّي (رضوان الله عليهما) من المسائل المهنائية، فقال في جواب عن مقتل أمير المؤمنينعليهالسلام ، (ويلاحظ أنّ كلا جوابيه ينتهيان إلى أجوبة الشيخ المفيد):
* بأنّه يحتمل أن يكونعليهالسلام أُخبر بوقوع القتل في تلك الليلة، ولم يعلم في أيّ وقت من تلك الليلة، أو أيّ مكان يُقتل. (وهذا الجواب هو نفس جواب الشيخ المفيد في أنّه لا يعلم على نحو التفصيل بلحظة المقتل).
* وأنّ تكليفهعليهالسلام مغاير لتكليفنا، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى كما يجب على المجاهد الثبات وإن كان ثباته يُفضي إلى القتل(1).
لكنّ الذي يظهر من السّيد المرتضىرحمهالله أنّ الحسينعليهالسلام ربما كان يُشاهد لوائح النصر، وعلامات النجاح في الثورة؛ وهذا الذي دفعه إلى التحرّك والإقدام، فقال: قد علمنا أنّ الإمام متى غلب في ظنّه يصل إلى حقّه والقيام بما فوّض إليه بضرب من الفعل وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقّة يُتحمل مثلها تحمّلها. وسيدنا أبو عبد اللهعليهالسلام لم يسرِ طالباً للكوفة إلاّ بعد توثّق من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوهعليهالسلام طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين(2).
____________________
1 - بحار الأنوار 42 / 259.
2 - تنزيه الأنبياء / 227.
ثمّ قال ما حاصله: إنّ الاُمور قد سارت فيما بعد على خلاف هذا الظنّ، وإنّ الاتفاق السيئ قد عكس هذا الأمر وقلبه حتّى تمّ فيه ما تمّ، ثمّ صار بين أن يكون آخر أمره إلى الذلّ، وربما صار مع ذلك إلى القتل من قبل عبيد الله بن زياد، وبين أن يلجأ إلى المحاربة والمدافعة؛ فاختار الشّهادة والسّعادة.
أقول: هذا الذي ذكره (رضوان الله عليه) يُشمّ منه عدم علم الإمامعليهالسلام بمصرعه، وهو خلاف ما يذكره التاريخ والروايات؛ ولذا فقد ردّ السيد محسن الأمينرحمهالله في كتابه (لواعج الأشجان) بنحو مفصّل ذاكراً الشواهد التاريخية على علم الإمام بمصرعه من كلمات الإمام وغيرها، فقال: وممّا يدلّ على أنّ الحسينعليهالسلام كان موطّناً نفسه على القتل، وظانّاً أو عالماً في بعض الحالات بأنّه يُقتل في سفره ذلك:
* خطبته التي خطبها حين عزم على الخروج إلى العراق التي يقول فيها: «خُطّ الموت على ولد آدم...» إلخ. فإنّ أكثر فقراتها تدلّ على ذلك.
* ونهي عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام له بمكة عن الخروج، وإقامته البرهان على أنّ ذلك ليس من الرأي، بقوله: إنّك تأتي بلداً فيه عمّاله وأمراؤه، وعدم أخذ الحسينعليهالسلام بقوله، مع اعتذاره إليه واعترافه بنصحه.
* ونهي ابن عباس له أيضاً محتجّاً بنحو ذلك، من أنّ الذين دعوه لم يقتلوا أميرهم، وينفوا عدوّهم، ويضبطوا بلادهم.
* وجوابه لمحمد بن الحنفية حين أشار عليه بعدم الخروج إلى العراق، فوعده النظر ثمّ ارتحل في السحر، فسأله ابن الحنفية، فقال له الحسينعليهالسلام : «أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين، اخرج فإنّ الله قد
شاء أن يراك قتيلاً».
قال: ما معنى حملك هذه النسوة معك؟
قال: «إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا»(1) .
* وقول ابن عمر له حين نهاه عن الخروج فأبى: إنّك مقتول في وجهك هذا؛ فإنّه دالّ على أنّ ظاهر الحال كان كذلك، وما ظهر لابن عمر ما كان ليخفى على الحسينعليهالسلام . وقول الفرزدق له: قلوب الناس معك وأسيافهم عليك.
* وقول بشر بن غالب له: إنّي خلّفت القلوب معك، والسيوف مع بني أُميّة، وتصديق الحسينعليهالسلام له.
* ونهي عبد الله بن جعفر له، وقوله: إنّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك. وقول الحسينعليهالسلام له: «إنّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المنام وأمرني بما أنا ماضٍ له».
وامتناعه من أن يحدّث بتلك الرؤيا، وما رآه في منامه بالثعلبية، وقوله لأبي هرّة: «وأيم الله، لتقتلني الفئة الباغية».
وقوله لأصحابه حين جاءه خبر مسلم وهاني وعبد الله بن يقطر: «إنّه قد خذلنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف».
وقول الحسينعليهالسلام له(2) : «ليس يخفى عليّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره».
وقولهعليهالسلام : «والله، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي».
وقولهعليهالسلام : «وأيم الله، لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقتلوني».
* وكتابه الذي كتبه إلى بني هاشم حين توجّه إلى العراق: «أمّا بعد، فإنّه مَنْ لحق بي استشهد، ومَنْ تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح...». إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع المتأمّل.
وهذه كلّها ما بين صريح أو ظاهر في المطلوب.
____________________
1 - سوف يأتي جواب عن هذه الكلمات فانتظر.
2 - هذا القول من قِبل الإمامعليهالسلام هو حينما نزل بطن العقبة ولقيه شيخ من بني عكرمة يُقال له: عمرو بن لوذان، فدار بينه وبين الإمامعليهالسلام حوار بالانصراف عن عزمه، فأجابه الإمامعليهالسلام بذلك. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
ثمّ إنّه نقل ما ذكره السيد ابن طاووس فقال: وإلى هذا الذي ذكرناه ذهب ابن طاووس (عليه الرحمة) أيضاً في اللهوف، حيث قال: الذي تحقّقناه أنّ الحسينعليهالسلام كان عالماً بما انتهت حاله إليه، وكان تكليفه ما اعتمد عليه.
ثمّ أورد بعض الأخبار الدالّة على ذلك، ثمّ قال: لعلّ بعض مَنْ لا يعرف حقائق شرف السّعادة بالشهادة يعتقد أنّ الله لا يتعبّد بمثل هذه الحالة، وردّه بأنّ الله تعالى تعبّد قوماً بقتل أنفسهم، فقال:( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) (1) . انتهى كلام السيد الأمين.
فتحصّل: أنّ التوجيه للمسألة بعدم علم الإمام بمصرعه لا ينسجم مع ما هو المختار والمشهور من علمهم (صلوات الله عليهم).
وتوجيهها بعدم وجود أخبار أو آثار أيضاً لا يتّفق مع المعروف تاريخيّاً، فيبقى توجيهه مع فرض العلم بالمصرع.
وفيه: إمّا أن يُنفى انطباق عنوان التهلكة عليه؛ فإنّ التهلكة بالمعنى الأُخروي تعني السير في طريق لا يرضى به الله، ومن المعلوم أنّ الطريق الذي سار عليه الحسين كان في رضا ربّه.
بل حتّى التهلكة بالمعنى الدنيوي، أي فقدان الحياة، فهي غير مرفوضة لو ترتّب عليها فوائد عظيمة، فلا تعدّ عند العقلاء ولا عند الشرع خسارة لو كان في مقابلها شيء عظيم.
ومن المعلوم عظمة الفوائد التي ترتّبت على شهادة الإمامعليهالسلام .
بل يُقال: إنّه لا مانع أن يتعبّد الله قوماً بامتحان أعظم؛ لينالوا من المراتب(2) ما لا يناله غيرهم، فيقدمون على الموت إذا كان ذلك في رضا الله
____________________
1 - سورة البقرة / 45.
2 - روى الشيخ الصدوق في الأمالي أنّ الحسين لمّا غفي على قبر جدّه ورآه في المنام، قال له النبيصلىاللهعليهوآله : «إنّ لك في الجنّة درجات لا تنالها إلاّ بالشهادة». ونقل =
مع علمهم بأنّ هذا الطريق ينتهي إلى موتهم.
وهذا في أمور الجهاد واضح؛ حيث تجتمع من القرائن لدى الذاهب إلى القتال ما يعلم - علماً عاديّاً متعارفاً - أنّه سيُقتل ومع ذلك يذهب، بل هناك حالات يكون غيره يعلم بموته أيضاً فضلاً عنه، كما نُقل أنّ الرسول لمّا وجّه المسلمين لمقاتلة الروم في مؤتة قال: «إن أُصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعلى الناس عبد الله بن رواحة». فعلم المسلمون أنّهما يُقتلان.
وإنّها لمنزلة عظيمة أن يعلم الإنسان أنّه مقتول في طريق الله، ومع ذلك يختار ما عند الله سبحانه.
* وألا يُعدّ ذلك إلقاءً بالنفس في التهلكة؟
الجواب: إنّه في البداية ينبغي أن يُعرف معنى التهلكة، ثمّ يتمّ على ضوء ذلك تحديد أنّ العمل الذي قام به الإمام الحسينعليهالسلام هل يدخل فيها أو لا يدخل؟
أوّلاً: هذه الكلمة وردت مرّة واحدة في القرآن الكريم فقط، وهي في سورة البقرة آية 195( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ، وقد ذكر الشيخ الطوسي في التبيان(1) المعاني المتصوّرة في الآية، فقال:
قيل في معنى الآية وجوه:
____________________
= الشيخ الطوسي في الأمالي: عن أبي عبد الله وأبي جعفر: «إنّ الله عوّض الحسين من قتله بأن جعل الإمامة في ذريته، والشّفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره». وهذا المعنى ورد كثيراً في زيارات الحسينعليهالسلام .
1 - التبيان في تفسير القرآن - لمحمد بن الحسن الطوسي 2 / 152.
أحدها: قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحّاك، وهو المروى عن حذيفة، وابن عباس: إنّ معناها( لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة ) بالامتناع من الإنفاق في سبيل الله.
الثاني: ما روي عن البرّاء بن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة.
الثالث: ما قال البلخي من أنّ معناها: لا تتقحّموا الحرب من غير نكاية في العدوّ، ولا قدرة على دفاعهم.
والرابع: ما قاله الجبائي: لا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس.
ثمّ قال الشيخ: والأولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك.
أقول: تارة يُراد تأويل الآية وتطبيقها على المصاديق المختلفة، فيصحّ ما ذُكر وغيره، كما إنّ الإمام الباقرعليهالسلام قد طبّقها على العدول عن ولاية أهل البيتعليهمالسلام ، وكلّ ذلك صحيح، فلا مانع من الجري والانطباق لآية على مصاديق كثيرة.
وتارة يُراد تفسيرها فيكون الصحيح هو ما ذُكر من أنّه أنفقوا، ولكن لا تُهلكوا أنفسكم بكثرة الإنفاق، وإنّما يجب أن يكون الإنفاق بنحو الإحسان، وهو حدّ وسط بين الإسراف والكثرة، وبين التقتير ومسك اليد، وشاهد ذلك أنّ طرفي الآية من الصدر والعجز ظاهران في الإنفاق؛ فلا بدّ أن يكون الوسط وهو( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) كذلك.
وعلى هذا فالمقصود هنا هو التهلكة الدنيوية، بمعنى أنّ نظام حياتكم ينبغي أن يكون قائماً على أساس الاعتدال.
وأمّا بناء على المعنى الآخر فالمقصود هو التهلكة الأخروية، أي أن لا يحصل منكم عمل ينتهي إلى الهلاك الأخروي وسوء العاقبة عند الله سبحانه؛ بأن تتركوا ولاية أهل البيتعليهمالسلام ، أو تقوموا بالمعاصي وما شابه.
والمعنى الأوّل لا يرتبط بقضية الإمام الحسينعليهالسلام ، كما إنّ المعنى الثاني غير معقول في حقّه؛ فإنّ معناه أن لا يعمل المرء عملاً يؤدّي به إلى الهلاك والدخول في نار جهنم، فلا بدّ أن يقوم بعمل ينتهي إلى النجاة، وليس سوى الطاعة، والحسينعليهالسلام لم يفعل إلاّ طاعة الله. وأيّ طاعة أفضل من أن يُقتل المرء في سبيل الله؟
ثمّ إنّنا لو تنزّلنا وقلنا بحرمة التهلكة فإنّما تصحّ لو كانت بلا عوض، وأمّا التهلكة التي يعوّض فيها الإنسان بأسمى أنواع العوض والأجر فليست سيئة كما هو الحال في نظر الناس؛ فالتضحية لأجل الدين، وهي هلكة بمعنى الموت، ليست قبيحة في نظر العقل.
ورابعاً: أنّه في الفقه الإسلامي ليست كلّ تهلكة حراماً، بل لو كانت الآية عامّة، أو مطلقة فهي مقيّدة بما دلّ على الجهاد بقسميه، و (سيد الشهداء، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله)، (ومثل تسليم المجرم نفسه للقضاء الشرعي ليقام عليه حدّ الرجم أو الجلد أو القطع)(1) .
ولو كان قيامه (صلوات الله عليه) وشهادته تهلكة لكانت حركات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التاريخ الإسلامي كلّها تهلكة، ولتمّ حذف كلّ أبواب الجهاد وأحاديثه من كتب المسلمين؛ فإنّ الجهاد ملازم للموت والهلكة الدنيوية، ولكن فيه الحياة الأخروية الباقية والخالدة.
سؤال: هناك مَنْ يقول: لماذا تبكون على الحسينعليهالسلام مع أنّ النبي قد نهى عن البكاء والنياحة؟ إنّنا نجد أنّ الشيعة يقومون في موسم محرّم بذلك مع أنّه غير مشروع؟
الجواب: بالنسبة إلى مسألة البكاء سوف ننقل - مع شيء من الترتيب -
____________________
1 - أضواء على ثورة الحسين - للسيد الشهيد محمّد صادق الصدر.
في البداية رأي أحد علماء العامّة، وهو ابن قدامة المقدسي - حنبلي المذهب - من كتابه المغني(1) ، فقد كتب:
(مسألة): قال: (والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة)، أمّا البكاء بمجرّده فلا يُكره في حال. وقال الشافعي: يُباح إلى أن تخرج الروح.
ولنا (في أنّ البكاء غير مكروه) ما روى أنس، قال: شهدنا بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان.
وقبّل النبيصلىاللهعليهوآله عثمان بن مظعون وهو ميت، ورفع رأسه وعيناه تهراقان.
وقال أنس: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «أخذ الراية زيد فأُصيب، ثمّ أخذها جعفر فأُصيب، ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأُصيب». وأنّ عيني رسول اللهصلىاللهعليهوآله لتذرفان.
وإنّه دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجُعلت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يابن عوف، إنّها رحمة». ثمّ أتبعها بأُخرى فقال: «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يُرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». متفق عليهما.
وأمّا الندب: فهو تعداد محاسن الميت، وما يلقون بفقده بلفظ النداء؛ لأنّه يكون بالواو مكان الياء، وربما زيدت فيه الألف والهاء، مثل قولهم: وا رجلاه، وا جبلاه، وا انقطاع ظهراه، وأشباه هذا.
والنياحة وخمش الوجوه، وشقّ الجيوب، وضرب الخدود، والدعاء بالويل والثبور، فقال بعض أصحابنا: هو مكروه. ونقل حرب عن أحمد كلاماً فيه احتمال إباحة النوح والندب، اختاره الخلاّل وصاحبه؛ لأنّ واثلة بن الأسقع، وأبا وائل
____________________
1 - المغني - لابن قدامة 2 / 410.
كانا يستمعان النوح ويبكيان.
وقال أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حُكي عن فاطمة في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح، يعني لا بأس به.
وروي عن فاطمة (رضي الله عنها) أنّها قالت: «يا أبتاه، من ربّه ما أدناه! يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه. يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه».
وروي عن علي (رضي الله عنه) أنّ فاطمة (رضي الله عنها) أخذت قبضة من تراب قبر النبيصلىاللهعليهوآله فوضعتها على عينها، ثمّ قالت:
ماذا على مشتمّ تربةَ أحمدٍ |
أن لا يشمّ مدى الزمانِ غواليا |
|
صُبّت عليَّ مصيبةٌ لو أنّها |
صُبّت على الأيامِ عدنَ لياليا |
وظاهر الأخبار تدلّ على تحريم النوح، وهذه الأشياء المذكورة لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله نهى عنها في حديث جابر؛ لقول الله تعالى:( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) . قال أحمد: هو النوح. ولعن النبيصلىاللهعليهوآله النائحة والمستمعة.
وقالت أُمّ عطية: أخذ علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند البيعة أن لا ننوح. متّفق عليه.
وعن أبي موسى أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: «ليس منّا مَنْ ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليّة». متّفق عليه.
ولأنّ ذلك يشبه الظلم والاستغاثة، والسخط بقضاء الله، وقد صحّ عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (إنّ الميّت يُعذّب في قبره بما يُناح عليه). وفي لفظ: (إنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه). وروي ذلك عن عمر وابنه والمغيرة، وهي أحاديث متّفق عليها.
واختلف أهل العلم في معناها، فحملها قوم على ظواهرها، وقالوا: يتصرّف في خلقه بما شاء، وأيّدوا ذلك بما روى أبو موسى: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: (ما من ميّت يموت فيقوم باكيهم فيقول وا جبلاه، وا سنداه، ونحو ذلك إلاّ وكّل الله به ملكين يلهزانه
أهكذا كنت؟!). قال الترمذي هذا حديث حسن.
وأنكرت عائشة (رضي الله عنها) حملها على ظاهرها، ووافقها ابن عباس.
قال ابن عباس: ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، ما حدّث رسول اللهصلىاللهعليهوآله (إنّ الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه)، ولكنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: (إنّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه). وقالت: حسبكم القرآن( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (1) .
قال ابن عباس: عند ذلك والله أضحك وأبكى، وذكر ذلك ابن عباس لابن عمر حين روى حديثه فما قال شيئاً، رواه مسلم.
فتحصّل: أنّ استدلالهم على عدم جواز الندب:
1 - بما رووه من أنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه، ويعضده ما روي (ما من ميّت يموت فيقوم باكيهم فيقول وا جبلاه، وا سنداه إلاّ وكّل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت؟).
2 - بما ذكروه من لعن النبي النائحة والمستمعة.
3 - وبأنّه يشبه التظلّم والاستغاثة والسخط بقضاء الله.
ولا يخفى على المتأمّل ما فيها؛ فأمّا ما ذُكر من أنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه، فقد كفانا مؤونة ردّه ما قالته عائشة. وأنّ معناه غير مقبول من الناحية الإسلاميّة ومخالف للقرآن، فإمّا أن يكون راويه واهماً في النقل، أو الاحتمال الآخر. كما أنّ مقتضاه أن يُعذّب - والعياذ بالله - مثل الشهيد جعفر بن أبي طالب الطيّار؛ لأجل بكاء النبيصلىاللهعليهوآله عليه! أو يُعذّب النبي - والعياذ بالله - وهو سيد الخلائق ببكاء الصديقة الزهراءعليهاالسلام عليه!
____________________
1 - سورة الأنعام / 146.
بل يستطيع - على هذا - شخص من الأحياء أن يزيد في عذاب ميّت من أقاربه كان يعاديه بأن ينوح عليه حتّى يكثر عذابه، ويزيد... وهو كما ترى!
وأمّا ما ذُكر من لعن النائحة، لو ثبت فهذا يفسّره ما رووه (ما من ميّت يموت فيقوم باكيهم فيقول...)، ومعناه: لو تمّ صدوره عن النبي أنّ النياحة بالكذب غير جائز، باعتبار أنّ الكذب غير جائز؛ سواء كان بنحو النياحة، أو الفرح، أو الحديث العادي، فهنا لا موضوعية للنياحة، وإنّما النهي منصبّ على موضوع الكذب فيها.
والشاهد فيه قول الملكين يلهزانه: أهكذا كنت؟ فإن كانت النياحة والندب بالصدق فلا معنى للهز الملائكة؛ لأنّه ليس بكذب! وما ذُكر في تفسير الآية (ولا يعصينك في معروف...) قال أحمد: هو النوح. ونقول: هو يُحمل على النوح بالباطل والكذب.
وأمّا أنّه يشبه التظلّم والاستغاثة والسخط بقضاء الله، فبين هذا وبين النياحة عموم من وجه، أي قد يكون تظلّم وسخط بقضاء الله من غير نياحة، وقد تكون نياحة من غير تسخّط بقضاء الله، وقد تكون نياحة مع التسخّط. وهنا لا يتمّ الاستدلال بالمنع إلاّ في مورد الاجتماع لا عموم النياحة كما هو واضح.
هذا عند جمهور المسلمين.
وأمّا عند أتباع أهل البيتعليهمالسلام فيجوز البكاء والنياحة على الميّت، ويستدلّ عليه:
- بأصل الإباحة؛ فإنّه مع الشك في أنّ البكاء أو النياحة حرام يأتي أصل الإباحة، فضلاً عمّا سيأتي من الأدلّة على الجواز، بل الاستحباب في بعض الحالات.
- وبسيرة المعصومينعليهمالسلام ؛ فإنّهم بكوا على أمواتهم - ولو بحسب
الظاهر عند الناس كيوسف - إذ بكى نبي الله يعقوب على يوسف، وواقعاً كبكاء باقي المعصومين.
فقد بكى النبيصلىاللهعليهوآله على إبراهيم ابنه، وعلى أُمّه عندما زار قبرها فبكى وأبكى، وأمر أن يُبكى على حمزة سيد الشهداء بعد واقعة أُحد، وأظهر تأسّفه على أنّ حمزة لا بواكي له(1) ، فلمّا رأت نساء الأنصار ذلك كنّ لا يبكينَ قتلاهنّ حتّى يبدأنَ بحمزة. تقول أُمّ سعد: إلى يومنا هذا.
وبكى علي(2) أمير المؤمنينعليهالسلام على أُمّه فاطمة بنت أسد، وبكت فاطمة الزهراء على أبيها، وبكى علي والحسنان على الزهراءعليهمالسلام ، وعلي بن الحسين على أبيه الحسينعليهماالسلام ، وباقي الأئمّة على الحسين ممّا يجده المتتبّع لحياتهم (صلوات الله عليهم).
- وبسيرة المتشرّعة المتّصلة والممضاة من قبل المعصومينعليهمالسلام ، فقد بكت الفاطميات وناحت على الحسينعليهالسلام بمسمع ومرأى من زين العابدينعليهالسلام ، وأنشدت الرباب الشعر في رثاء الحسينعليهالسلام وهو يسمع.
وإنشاد الشعر من قبل الشعراء أمام الأئمّة في حقّ الحسينعليهالسلام كثير، ويمكن مراجعته في باب 104 من أبواب المزار في الوسائل.
- وبالروايات وهي كثيرة كما في باب 87 من أبواب الدفن و 88
____________________
1 - قال في تاريخ الطبري 2 / 210: ومرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وبني ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فبكى، ثمّ قال: «لكن حمزة لا بواكي له». فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزّمنَ ثمّ يذهبنَ فيبكين على عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
2 - بالنسبة لأمير المؤمنين ولفاطمة والحسنينعليهمالسلام يتمّ الأمر سواء على القول بعصمتهم، وإنّ فعلهم حجّة شرعية كما هو رأي أتباع أهل البيتعليهمالسلام ، أو على قول غيرهم الذين يرون أنّ من الأدلّة قول الصحابي وفعله، فهؤلاء أيضاً كانوا صحابة.
من كتاب وسائل الشيعة كتاب الطهارة للحرّ العاملي.
بل ورد أنّه لا مانع من البكاء حتّى على غير المؤمن من الضُلاّل إذا كان على وجه الرقّة والحزن والأسف على مصيرهم، ممّا لا يعدّ تأييداً لطريقتهم كما في باب 89 من الوسائل.
وعليه يحمل ما فعله بعض أجلّة العلماء، مثل الشريف الرضي والمرتضى مع صاحبهما أبي إسحاق الصابي حيث رثاه كلّ منهما بقصيدة غرّاء.
نعم قد يعارضه أمور:
- منها ما في دعوى (المبسوط)(1) الإجماع على عدم جواز النياحة، ولكنّها كما ذكر الكثير دعوى غير مقبولة، وتعجّب بعضهم من دعوى الشيخ الإجماع(2) على المسألة. نعم، لو أراد النياحة المذكورة التي تنتهي إلى الكذب فلا مانع من ذلك، لكنّ المدّعى غيرها.
- ومنها ما في جملة من الأخبار الناهية عن النياحة والجزع. ففي رواية جابر: «... ومَنْ أقام النواحة فقد ترك الصبر، وأخذ في غير طريقه». وفي رواية أخرى: «النياحة من عمل الجاهليّة».
وما ورد من الإيصاء بأن (لا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تشقّي عليّ ثوباً)، وقد نقل هذا المضمون عن النبي والحسينعليهماالسلام .
والجواب عنها: أنّ الأولى ناظرة إلى النياحة الكاذبة، التي كانت على
____________________
1 - المبسوط في فقه الإمامية - لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (ت سنة 460 هـ)، يقع في 8 مجلّدات، وهو من أوائل الكتب التي فرّع فيها الشيخ الطوسيرحمهالله الفروع الكثيرة من غير حاجة إلى الرأي والقياس، وإنّما اعتمد على ما ورد من أخبار أهل البيت ورواياتهمعليهمالسلام .
2 - قد ذكروا أنّ دعوى الشيخ الإجماع في كتبه، لا سيما الخلاف، لا يقصد به الإجماع الاصطلاحي بالضرورة.
زمان الجاهليّة، والثانية بأنّ بين ما ذكر (خمش الوجوه وشقّ الثياب)، وبين النياحة عموماً من وجه، والكلام هو في النياحة التي لا يوجد فيها تلك الاُمور.
- ومنها حسنة معاوية بن وهب (لجهة أبي محمّد الأنصاري فإنّه لم يوثق بتوثيق خاص، لكنّ مدحه محمّد بن عبد الجبّار في رواية في الكافي): «كلّ الجزع والبكاء مكروه إلاّ الجزع والبكاء على الحسينعليهالسلام ».
فإنّها بعمومها تدلّ على منع الجزع والبكاء مطلقاً، ويُستثنى من ذلك الجزع والبكاء على الحسينعليهالسلام ، وأمّا ما عداه فيبقى تحت المنع. وقد وجّهت بتوجيهات مختلفة، مثل: أنّه (مكروه) هل هي بمعنى الكراهة الاصطلاحي، أو بما يشمل الممنوع؟ أو أنّ المكروه هو مجموع البكاء والجزع، أو غيرها؟ ومحلّها في الفقه حيث لا يتّسع المقام لبسط الكلام فيه.
أمّا النياحة والندبة على الإمام الحسينعليهالسلام فيمكن الاستدلال عليها:
أوّلاً: بما سبق من الأدلّة الدالّة على جواز البكاء والنياحة على المؤمن، فكيف برأس الإيمان، وإمام المؤمنين؟
وثانياً: بما ورد من الروايات في خصوص هذا الموضوع:
فمنها حسنة معاوية المتقدّمة.
ومنها: صحيحة الفضيل بن يسار: «مَنْ ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(1) .
____________________
1 - قد يستشكل على هذه الرواية وأمثالها من جهات، وسوف نجيب على ما تثيره من أسئلة فيما بعد.
وفي هذه الرواية إضافة إلى ذكر الثواب الكثير على البكاء، ممّا يفيد ما هو أكثر من مجرّد الجواز، بل الاستحباب، يُستفاد منها جواز واستحباب ذكر الذاكر للأئمّةعليهمالسلام عموماً، وليس الحسينعليهالسلام فقط.
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن الباقرعليهالسلام : «كان علي بن الحسينعليهالسلام يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتّى تسيل على خدّيه بوّأه الله بها غُرفاً يسكنها أحقاباً. وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه فيما مسّنا من الأذى من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله مبوّأ صدق».
وثالثاً: بأنّ البكاء والنياحة على الحسينعليهالسلام ممّا ينطبق عليه عنوان إحياء الدين، وأمر أهل البيتعليهمالسلام وهو في أدنى درجاته مستحبّ.
فمنها صحيحة الفضيل، وقد تقدّم شطر منها: «تجلسون وتتحدّثون؟». قلت: نعم. فقال: «إنّ تلك المجالس أحبّها؛ فأحيوا أمرنا».
هل يختصّ البكاء والندبة بوقت؟
إنّ عمومات جواز البكاء والنياحة على المؤمن، فضلاً عن الحسينعليهالسلام واستحبابه عليه، لا تختص بوقت دون آخر.
نعم، لو كانت مجدّدة للحزن على قريب الميّت، وداعية إلى تأثّره وتألّمه فلا ينبغي ذلك بالنسبة للمؤمن، وأمّا بالنسبة إلى الإمام الحسينعليهالسلام فلمّا كانت تجديداً للعهد، وداعية للتذكر، وباعثة على الاقتداء والتأسّي كان من المستحبّ الاستمرار عليها.
إنّ البكاء على الحسينعليهالسلام وسائر المعصومين له فوائد متعدّدة:
- فهو من جهة يمثّل إعلان موقفِ انسجامٍ وانتماءٍ للحسينعليهالسلام ولخطّه، ومواساة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل البيتعليهمالسلام .
ولعلّ فقرة الزيارة المشهورة: (لبيك داعي الله، إن كان لم يُجبك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري)(1) ، فيها إشارة إلى هذا المعنى واستمراره.
____________________
1 - إقبال الأعمال - زيارة الحسينعليهالسلام في نصف شعبان.
- وفي نفس الوقت هو صرخة رفضٍ للطغيان في التاريخ، وتحديد لمسؤولية المنحرفين فيه، وأنّ تقادم الأيام لا يمحو عبثهم بقيم الدين وبمصالح الإسلام، ولا يمحو جرائمهم، بل يبقى هذا السجلّ الأسود يلاحقهم بلعنة اللاعنين، وأسى المؤمنين على مصائب الطيّبين الطاهرين.
وفي هذا شيء من الردع للظالمين اللاحقين؛ لكيلا يظنّوا أنّ بإمكانهم أن يُفسدوا في الأرض، ويُهلكوا الحرث والنسل، ثمّ ينسلّون من صفحة الحياة بعد ما ملؤوها ظلماً وجوراً من دون أن يعكّر صفوَ حياتهم شيءٌ. كلاّ، إنّ لعنة المؤمنين، والذكر السيئ المقرون بالاشمئزاز والتنفّر ليلاحقانهم في البرزخ إلى يوم القيامة، إذا( جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) (1) .
كما إنّه موقف طبيعي للإنسان الطبيعي؛ فإنّ مَنْ يقرأ الحوادث التأريخية ويكون سويّاً، فلا بدّ أن يتفاعل معها بحسب ما يتطلبه الموقف، والحدث الذي يُقرأ عنه، وإلاّ كان عديم الإحساس، بل لم يعدّ من الناس.
فإنّ مَنْ يقرأ سيرة النبيصلىاللهعليهوآله ولا يتفاعل معها في المواقف المختلفة مستحسناً عمل النبي وسيرته تارة، ومتأسّفاً على جحود أعدائه لدعوته أُخرى، ومسترقّاً خاضعاً من مناجاته لربّه ثالثة، وحزيناً تغرورق عيناه بالدمع على رحيله مريضاً رابعة.. مَنْ لا يكون كذلك لا بدّ أن يُشك في كونه طبيعيّاً.
وهذا لا يرتبط بكون القارئ مسلماً، بل بكونه إنساناً؛ فإذا لم تؤثّر المواقف الإنسانية النبيلة في عواطفه، فقد خرج عن الحالة الإنسانية السويّة.
____________________
1 - سورة غافر / 78.
وإذا تطلّع إنسان إلى القضية الحسينيّة وما جرى في معركة عاشوراء على أبطالها؛ رجالاً ونساء وأطفالاً من القتل والذبح، والتمثيل والتنكيل، والسبي والإيذاء بكلّ صوره المتوقّعة فلا بدّ أن يتأثّر ويتفاعل معها، ولو لم يحصل له أدنى مقدار من التفاعل فلا بدّ أن نشكّك في إنسانيته، وفي كونه سويّاً على الفطرة البشريّة، والخلقة الإلهية.
ولعلّ هذا ما يُشير إليه حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في تأبين ابنه إبراهيم «إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن»، أي أنّ القلب السوي لا بدّ أن يتأثّر ويتحرّك، وأنّ العين الطبيعية لا بدّ أن ينعكس عليها تأثّر الداخل فتفيض بالدمع، وإلاّ لما كان هذا الإنسان سويّاً.
بل يجد الإنسان أنّه يتأثّر حتّى لحال الحيوان، فما ظنّك بسادة البشر الذين إنّما تحرّكوا في تلك الواقعة إلاّ بأنبل الدوافع وأطهر الأهداف، وضحّوا بأنفسهم وأموالهم وبنيهم وأصحابهم من أجل حياة الدين وكرامة الإنسان؟ قومٌ خيّرهم ربّهم - تشريعاً - بين البقاء، وفي مقابله انهدام الدين، واللقاء به باذلين مضحّين:
فرأيتَ أنّ لقاءَ ربّكَ باذلاً |
للنفسِ خيرٌ من بقاءِ ضنينِ |
سؤال: لماذا يُقام العزاء للحسينعليهالسلام كلّ سنة مع أنّه قُتل في سبيل الله؟ ولماذا لا يُقام العزاء لغيره ممّن هو أفضل منه كالرسولصلىاللهعليهوآله ؟
أمّا قتله (صلوات الله عليه) في سبيل الله فهذا ما لا يستطيع أن ينكره إلاّ مكابر، وهذا لا يبرّر عدم البكاء والحزن عليه، فقد تقدّم في جواب سابق استحباب البكاء عليه (سلام الله عليه).
وأمّا كونه في كلّ سنة، فما هو الإشكال فيه؟ لقد ذكرنا أنّ ما ورد في جواز، بل استحباب البكاء عليه ليست محدودة بزمان دون غيره، بل الفوائد المترتّبة على المأتم الحسيني، وذكر الإمام الحسينعليهالسلام من استثارة العزائم في وجه الظالمين، ومن تذكير المؤمنين بمسؤوليتهم تجاه الدين، وما إلى ذلك من فوائد المنبر والمأتم الحسيني، (وقد نتطرّق إليها في موضع آخر)، إنّ كلّ ذلك يستوجب أن يكون تجديد العزاء - لفوائده - بنحو دائم.
ولعلّ هذه الجهات هي التي تدعو أهل البيتعليهمالسلام إلى جعل المنبر والمأتم الحسيني ممّا ينطبق عليه إحياء الأمر.
وأمّا أنّه لماذا لا يُقام ذلك للرسولصلىاللهعليهوآله ويُقام للحسينعليهالسلام ، فلجهات، منها:
- أنّ الحديث عن الحسينعليهالسلام إنّما يتمّ باعتباره امتداداً للرسولصلىاللهعليهوآله ، وناصراً لشريعته، ومقتبساً من نوره؛ ولهذا فالحديث عن الحسينعليهالسلام حديث عن جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وعلى آله).
بل تشير بعض الروايات، ويساعدها الاعتبار، على أنّ الحسينعليهالسلام كان في وقته بمثابة مجمع خصال النبوّة والإمامة، وأنّ التجسيد الكامل للرسولصلىاللهعليهوآله ، وأمير المؤمنين، والزهراء والحسنعليهمالسلام كان قد تمحضّ في الحسينعليهالسلام ، كما تشير إليه رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي التي رواها الشيخ الصدوق في العلل.
قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يابن رسول الله، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمّ وحزن وبكاء دون اليوم الذي قُبض فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة، واليوم الذي قُتل فيه أمير المؤمنينعليهالسلام ، واليوم الذي قُتل فيه الحسن بالسّم؟
فقال: «إنّ يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام؛ وذلك أنّ أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله (عزّ وجلّ) كانوا خمسة، فلمّا مضى عنهم النبيصلىاللهعليهوآله بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين فيهم للناس عزاء وسلوة، فلمّا مضت فاطمة كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة، فلمّا مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة، فلمّا مضى الحسن كان للناس في الحسين عزاء وسلوة، فلمّا
قُتل الحسين لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة؛ فكان ذهابه كذهاب جميعهم، كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم؛ فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة»(1).
هذا مع العلم أنّ العزاء على سيد المرسلين، وخير الكائنات محمّدصلىاللهعليهوآله والبكاء عليه، وإقامة ذكره في كلّ عام في الوسط التابع لأهل البيتعليهمالسلام هو أمر قائم في مناسبة التحاقه بربّه في يوم الثامن والعشرين من شهر صفر، وإنّما ينبغي توجيه السؤال لمَنْ لا يُقيم ذلك لا بالنسبة للحسين ولا لجدّه المصطفى!
سؤال: كيف يمكن تصديق الروايات التي تعد بثواب عظيم لأجل عمل بسيط وهو البكاء، وترتّب عليه دخول الجنّة؟
الجواب: هذا الأمر لا يختصّ بالموضوع الحسيني؛ فإنّ هناك الكثير من الروايات لسانها ذلك اللسان.
فقد روي عن النبي أنّه قال: «مَنْ قال لا إله إلاّ الله دخل الجنّة»(2) .
وعنهصلىاللهعليهوآله أيضاً: «مَنْ قال سبحان الله وبحمده مئة مرّة حطّت خطاياه ولو كانت أكثر من زبد البحر»(3) . «ومَنْ قال سبحان الله وبحمده كتب له مئة ألف
____________________
1 - وسائل الشيعة 14 / 305.
2 - سنن الترمذي 4 / 133.
3 - المصدر 5 / 175.
وأربع وعشرون ألف حسنة»(1).
ومثلها أيضاً في المجاميع الروائية لأهل البيتعليهمالسلام ، ونظراً لكثرتها العظيمة في كتب الفريقين (السنّة والشيعة)؛ فلا ينبغي الخوض في أسانيدها على أنّ ما فيها من الأحاديث المعتبرة شيء ليس بالقليل، فينبغي أن يكون الجواب عامّاً هنا وفي سائر المواضع.
والجواب قد يمكن تمهيده عبر مقدّمات:
1 - أنّ الثواب عند الله سبحانه وتعالى لا حدود له، ومشكلة الإنسان أنّه يُقيس المعادلات الإلهية بمقاييسه هو، وهي مقاييس صغيرة وحقيرة للغاية.
وهناك مشكلة أُخرى وهي: أنّنا لا نعرف كيفية الارتباط بين الفعل الإنساني والجزاء الإلهي. نعم، نعرف أنّ هناك ارتباطاً بينهما، وأنّ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (2) ، لكن أيّ عمل هو الأفضل جزاءً عند الله، هل هو الأطول زماناً، أو الأكثر تكلفة، أو الأصدق نيّة، أو غير ذلك؟
فقد نرى في بعض المواقع أنّ عملاً لا يستغرق سوى وقت قصير ومع ذلك يترتّب عليه ذلك الثواب العظيم، وقد نرى عملاً من أعمال الجوانح والقلوب وهي لا تحتاج إلى بذل جهد ظاهري كبير، أفضل من حيث الثواب من عمل من أعمال الجوارح والأعضاء ممّا يُبذل لأجله جهد كبير، وهكذا.
فنحن لا نعرف ذلك إلاّ من خلال الإخبار الإلهي بواسطة الوحي.
ولذلك يتعجب الإنسان من مثل هذه الروايات؛ لأنّها تأتي في سياق خارج مقاييسه، فهو محدود وهي لا حدود لها، وهو بخيل وهي في نهاية الكرم.
ومن جهة أُخرى هو لا يستطيع إدراك قيمة هذه الاُمور عند الله.
____________________
1 - مجمع الزوائد 10 / 87.
2 - سورة الزلزلة.
2 - أنّ هذه الآثار المذكورة هي عادة على نحو الاقتضاء في التأثير وليست بنحو العلّية التامّة، وإنّما تقول أنّ هذه الآثار تترتّب على تلك المقدّمات ما لم يمنع مانع من تأثيرها، أو يلغي فاعليتها.
وهذا أمر يمكن ملاحظته في الحياة العامّة للإنسان، فهو يذهب إلى الطبيب ويصف له هذا دواء رافعاً للمرض المعين، ولكنّ ذلك ليس على نحو الحتم والعلّية التامّة، وإنّما ذلك الدواء يقتضي أن يرفع المرض وآثاره ما لم يكن هناك مانع عن تأثيره، كتناول أدوية مضادّة لتأثير الأولى، أو التعرّض لمسبّبات جديدة تزيد من آثار المرض وهكذا.
ولعلّه إلى هذا يشير ما ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «مَنْ قال: سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة، ومَنْ قال: الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة، ومَنْ قال: لا إله إلاّ الله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة، ومَنْ قال: الله أكبر، غرس الله له بها شجرة في الجنّة».
فقال رجل من قريش: إنّ شجرنا في الجنّة لكثير!
قال: «نعم، ولكن إيّاكم أن ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها؛ وذلك إنّ الله يقول:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ» (1) .
فهذه الآثار تترتّب ما لم يأت مانع فيمنعها، أو رافع يرفعها.
3 - أنّه لا يمكن التمسّك بإطلاق هذه الروايات، بل لا بدّ من حملها على المقيّدات، والنظر إلى سائر القرائن. فليس صحيحاً أن يُقال مثلاً: أنّ مَنْ قال كذا دخل الجنّة ولو كان في قوله مستهزئاً، أو أنّ مَنْ بكى على الحسين دخل الجنّة ولو كان غير مسلم... إلخ.
____________________
1 - وسائل الشيعة 7 / 187.
وإنّما ينبغي النظر إلى سائر الروايات والنصوص الإسلاميّة الأُخرى، التي تكون بمثابة القرينة على المقصود من هذه الروايات التي بين أيدينا، ويُستفاد من سائر الروايات مثلاً: أنّ القائل لهذا الذكر لا بدّ أن يكون معتقداً به ولو على نحو الإجمال؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول:( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) (1) ، فوصفهم بالكذب مع أنّ مقولتهم حقيقيّة، وربما يكون ذلك لأجل الاختلاف بين مقام التلفّظ ومقام الاعتقاد.
وهكذا بالنسبة إلى هذه الروايات، فإنّها ينبغي أن تُلاحظ مع سائر الروايات الأُخرى التي هي بمثابة القرينة بالنسبة لها؛ حتّى تنتج ما هو الصحيح.
4 - أنّه قد ينطبق عنوان ما على فعل من الأفعال، فيكون ذلك الفعل علامة الإيمان ومظهر الدين، وحينئذ فلا ينبغي التعامل مع الفعل باعتبار ذاته، وإنّما باعتبار ما يرمز إليه ويدلّ عليه، فإنّ (شقّ سنام الناقة في قران الحجّ، أو تعليق نعل في رقبتها) أمر لو نظر إليه في حدود نفس الفعل لم يكن شيئاً مهمّاً، ولكن حين يكون عنواناً لشعائر الله لا يجوز لأحد حينئذ إحلاله كما قال القرآن:( لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ... ) (2) .
وحين يكون فعل من الأفعال عنواناً لشخصية الإنسان، أو كاشفاً عن عمق الإيمان، فإنّه يُثاب بمقدار أهمية المنكشف لا بمقدار قلّة الكاشف.
إنّ دمعة ندم واستغفار من مذنب في جوف الليل قد تستوجب من الثواب أضعاف ما يستوجبه
____________________
1 - سورة المنافقون / 1.
2 - سورة المائدة / 2.
مقدار كبير من النوافل والصلوات المستحبّة التي تتجاوز تلك الدمعة من حيث وقتها وزمانها.
وإنّ قول: (لا إله إلاّ الله ومحمّد رسول الله) بما هو إعلان للإيمان وكفر بالطواغيت يمهّد الطريق للمرء للوصول إلى الجنان، ويحقن بواسطته دم القائل، ويصون ماله وعرضه، وينقله من الظلمات إلى النور، مع أنّه لا يستغرق من حيث الزمان إلاّ شيئاً يسيراً، ولكنّه يعني الانتقال من عبادة غير الله إلى عبادة الله؛ فيعطي للقائل جميع حقوق الإنسان المسلم، ويساويه بذلك الذي عبد الله منذ صغره وقام بالنوافل.
والبكاء على الإمام الحسينعليهالسلام بما يُمثل من إعلان موقف في الانتماء إلى خطّ الإمامعليهالسلام ، وإعلان صرخة الاستنكار والعداء لظالميه وقاتليه، وبما هو كاشف عن استيعاب خطّه المقدّس يجعل ترتّب ذلك الثواب عليه أمراً طبيعياً.
سؤال: هل إنّ الذي قتل الحسينَعليهالسلام هم شيعتُه؟ فنحن نقرأ في بعض الكتب أنّ شيعة الحسينعليهالسلام في الكوفة هم الذين دعوه ثمّ خانوه وقتلوه!
الجواب: إنّ تلك الكلمة تشبه الكلمة التي قالها معاوية خداعاً للناس عندما قُتل عمّار بن ياسر، وكانوا قد عرفوا حديث رسول الله (تقتله الفئة الباغية)، فقال معاوية: ما قتلناه، إنّما قتله مَنْ أخرجه(1) !
____________________
1 - تاريخ الطبري 4 / 29: (... فدفع عمرو صدر فرسه، ثمّ جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله (ابن عمرو بن العاص)؟
قال: وما يقول؟
فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنّك شيخ أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديث وأنت تدحض في بولك! أو نحن قتلنا عمّاراً؟ إنّما قتل عمّاراً مَنْ جاء به!
فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنّما قتل عماراً من جاء به. قال الطبري: فلا أدرى من كان أعجب هو أو هم؟
يعني علي بن أبي طالبعليهالسلام .
فإنّنا لو عرفنا مَنْ هم شيعة الحسينعليهالسلام ، ومَنْ هم شيعة أعدائه، ومَنْ هم قتلته؟ لعرفنا أنّ هؤلاء لم يكونوا إلاّ أعداءه.
إنّ أهل البيتعليهمالسلام يتحدّثون عن شيعتهم، فيحدّدون مواصفاتهم العامّة بحيث يُصبح فاقد هذه الصّفات غير معدود من شيعتهم باختلاف مستويات تخلّف هذه الصفات في درجاتها، فقد يسلب أصل الصّفة، وقد يسلب بعض درجاتها:
- شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيراً(1).
- شيعتي مَنْ لم يهرّ هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب(2) .
- شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة(3) .
- شيعتنا مَنْ قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل؛ رغبة إلى رحمة الجليل، فذاك منّا وإلينا، ومعنا حيثما كنّا.
- ما شيعتنا إلاّ مَنْ اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون إلاّ بالتواضع والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله.
- شيعتنا هم الشاحبون الذابلون الناحلون، الذين إذا جنّهم الليل استقبلوه بحزن.
- إنّما شيعة علي مَنْ عفّ بطنه وفرجه، واشتدّ جهاده،
____________________
1 - ميزان الحكمة 2 / 973.
2 - ميزان الحكمة 2 / 1222.
3 - نفس المصدر 2 / 1538.
وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت اُولئك فاُولئك شيعة جعفر.
- امتحنوا شيعتنا عند ثلاث؛ عند مواقيت الصّلاة كيف محافظتهم عليها، وعند أسرارهم كيف حفظهم لها عند عدوّنا، وإلى أموالهم كيف مواساتهم لإخوانهم فيها.
- إنّ شيعتنا مَنْ شيّعنا، واتّبع آثارنا، واقتدى بأعمالنا.
- إنّما شيعتنا يعرفون بخصال شتى؛ بالسخاء، والبذل للإخوان، وبأن يصلّوا الخمسين ليلاً ونهاراً.
- لا تذهب بكم المذاهب؛ فوالله ما شيعتنا إلاّ مَنْ أطاع الله عزّ وجلّ(1).
في المقابل نحن نجد أنّ الإمام الحسينعليهالسلام ، وهو العليم بمَنْ يُقاتله، وصف الجنود الذين كانوا في المعسكر المقابل بأنّهم شيعة آل أبي سفيان؛ فقد ورد أنّ الحسينعليهالسلام لمّا وقع صريعاً، وهجم القوم على مخيّمه، نادى: «ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون»(2) .
وفي خطابه فيهم في يوم عاشوراء يحدّد صفات قاتليه فيقول: «فسحقاً يا عبيد الاُمّة، وشُذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكلم، وعُصبة الآثام، ونفثة الشيطان، ومطفئي السُّنن. أهؤلاء تعضدون، وعنّا تتخاذلون؟! أجل والله، الغدر فيكم قديم، وشجت إليه أصولكم، وتأزّرت
____________________
1 - الأحاديث من نفس المصدر ونفس الجزء.
2 - اللهوف في قتلى الطفوف / 144.
عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجاً للناظر، وأكلة للغاصب»(1).
بل إنّ هذا الأمر كان واضحاً لكلّ الأطراف؛ فهذا عبيد الله بن زياد كان يرى أنّ النصر قد حصل لشيعة آل أُميّة، وأنّ القتل كان من نصيب شيعة الحسينعليهالسلام ، ممّا يعني أنّ القتلة كانوا من المعسكر الآخر؛ فإنّه (لمّا دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي وشيعته، فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتّى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، ثمّ الغامدي، ثمّ أحد بني والبة، وكان من شيعة على (كرّم الله وجهه)، وكانت عينه اليُسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلمّا كان يوم صفين ضُرب على رأسه ضربة، وأُخرى على حاجبه؛ فذهبت عينه الأُخرى، فكان لا يكاد يُفارق المسجد الأعظم يصلّى فيه إلى الليل، ثمّ ينصرف.
قال: فلمّا سمع مقالة ابن زياد قال: يابن مرجانة! إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولاّك وأبوه. يابن مرجانة! أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بكلام الصدّيقين؟!)(2).
وهكذا كانت الحوارات بين المجاهدين الحسينيّين والمرتزقة الأمويّين تشير إلى أنّ الطرف المقاتل والمعادي للحسينعليهالسلام لم يكن من شيعته، وإنّما من شيعة غيره؛ فقد تكلّم حبيب بن مظاهر وقال لهم: أما والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذريّة نبيّهعليهمالسلام وعترته وأهل بيتهصلىاللهعليهوآله ، وعباد أهل هذا المصر، المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً!
فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت!
فقال له زهير(ابن القين): يا
____________________
1 - اللهوف في قتلى الطفوف - للسيد رضي الدين بن طاووس.
2 - تاريخ الطبري 4 / 350.
عزرة، إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتقِ الله يا عزرة؛ فإنّي لك من الناصحين. أُنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يُعين الضلال على قتل النفوس الزكية!
فقال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانيّاً!
قال: أفلست تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم! أما والله ما كتبت إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلت إليه رسولاً قطّ، ولا وعدته نصرتي قطّ، ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرت به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه؛ حفظاً لما ضيّعتم من حقّ الله وحقّ رسوله(1).
ولنا أن نتساءل عن قتلة الحسينعليهالسلام وأصحابه، فهل كان عمر بن سعد بن أبي وقاص من شيعة الحسينعليهالسلام ؟ أو أنّ يزيد بن معاوية كان من شيعة الحسينعليهالسلام ؟ أو أنّ عبيد الله بن زياد كان من شيعته؟ وهل كان شمر بن ذي الجوشن من شيعة الحسينعليهالسلام ؟
إنّ مثل هذا الكلام عندما يصدر من كاتب أو مؤرّخ فإنّه يكون بمثابة اشتراك واضح في الجريمة؛ بحيث يتّهم فيها غير الجاني، ويبرّئ الجاني الحقيقي.
سؤال: هل كان مجبوراً على النهضة؟
الجواب: إنّ من أصول عقائد أهل البيتعليهمالسلام عقيدة الاختيار، وإنّ الإنسان مسؤول عن عمله بمقدار ما يكون مالكاً لقراره ولاختياره؛ ولهذا يكون محاسباً عليه، وهم يعتقدون بذلك خلافاً لما روّجته المدارس
____________________
1 - نفس المصدر السابق.
الفكريّة الأُخرى، التي تذهب إلى أنّ الإنسان مجبر على عمله، ومضطرّ إليه، ولا يعمل شيئاً إلاّ وهو مساق إليه.
وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه العقيدة الخاطئة التي تمسّك بها بعض الناس؛ لتبرير أخطائهم وانحرافاتهم، بل وشركهم كما قال تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آَبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (1).
وفي آية أُخرى يفضح القرآن الكريم مقاصد اُولئك القوم في دعواهم بجبرية عمل الإنسان، وأنّه مسيّر إليه؛ لأنّ الله يعلم ما سيفعله هؤلاء من عمل ولم يمنعهم؛ ولهذا يعتبر آمراً لهم، وهم لا يملكون مع أمره أمراً، فيقول - بعد أن ينسب الفعل إليهم ممّا يبيّن أنّه لا أحد صنع عنهم العمل، بل هم فعلوه، وهم المسؤولون عنه، ثمّ يقول أيضاً إنّ الله لا يأمر بالفحشاء:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) (2).
فعقيدة أهل البيتعليهمالسلام وهي القرآن، تنصّ على أنّ الإنسان مختار - ضمن دائرة علم الله به، وأنّ كلّ شيء بإذن الله، ولكنّ الله لا يمنع أو يقسر تكويناً، وإنّما يأمر وينهى تشريعاً - وبناء على اختياره ذاك يكون مُثاباً ومُحاسباً، و( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (3) .
____________________
1 - سورة النحل / 35.
2 - سورة الأعراف / 30.
3 - سورة الشمس / 9 - 10.
والإمام الحسينعليهالسلام كآبائه الطاهرين يتحرّك ضمن هذه الفلسفة، فهو يقول: «إنّما خرجت لطلب الإصلاح... أريد أن آمر بالمعروف...»، فهو ينسب هذه الأفعال في الحركة المباركة تلك إلى نفسه وإلى عمله واختياره هذا الطريق.
وهذا ما فهمه مَنْ رافقه، فعلي ابنه الأكبرعليهالسلام يقول: (لا نبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا).
وما يُنقل ممّا ظاهره خلاف ذلك ينبغي أن يُفهم في هذا الإطار؛ ذلك أنّ الإمام لا يقول هنا في هذه الحادثة شيئاً يخالف ما هو عليه من الأصول الثابتة، التي يُصرّح بها في سائر الأماكن، كقوله مثلاً: «وخِير لي مصرع أنا لاقيه»، ممّا يتصوّره البعض أنّه مجبور على ذلك، أو قوله: «شاء الله أن يراني قتيلاً»، أو الرواية القائلة بأنّ كلّ واحد من الأئمّة كان لديه كتاب ينظر فيه فيعمل بموجبه.
فالأوّلان من الأقوال معناهما أنّ مصرعي ليس مجهولاً عليّ، وإنّما يأتي عن اختيار وخطّة إلهية، فلست غافلاً عنه، كما إنّه ليس ناتجاً من أشر أو بطر أو شهوة للقتال، وإنّما هو ضمن التخطيط الإلهي الذي سأختاره؛ لأنّي أختار رضى الله وبرغبة منّي في الإصلاح، فسيكون نتيجة كلّ ذلك هو أن يراني الله قتيلاً.
وهناك تفصيل لهذا المعنى في سؤال خاصّ.
كما إنّ الرواية المذكورة لو تمّت من ناحية السند(1) تعني أنّ طريقة عمل كلّ إمام من الأئمّة كانت تختلف عن طريقة الإمام الآخر تبعاً لاختلاف الظروف؛ ولذا كان عليه أن يُطيع أمر الله التشريعي في خدمة الدين بهذا النحو المعين في الوصية.
____________________
1 - في أكثر طرقها المفضّل بن صالح (أبو جميلة)، وهو كما قالوا ضعيف كذّاب، يضع الحديث كما عن رجال ابن داوود، وعن النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد أيضاً تضعيفه، وفي بعضها الآخر مجهولون.
سؤال: لماذا اختلف دور الحسين عن دور الحسنعليهماالسلام مع قرب المدّة وتشابه الظروف؟ وما هو دور الإمام الحسينعليهالسلام بعد الصلح؟
الجواب: لم يختلف دور الإمام الحسين عن أخيه الإمام الحسنعليهماالسلام مع وحدة الظروف الزمانية والمكانية.
نعم، لمّا تغيّرت الظروف التي عاشها الحسينعليهالسلام كان ينبغي أن تتغيّر لذلك طريقة العمل، وهذا ما حصل.
وبيان ذلك: إنّ الظرف الذي عاش فيه الإمام الحسنعليهالسلام إلى أن استشهد، وعاش فيه الإمام الحسينعليهالسلام بعد أخيه مدّة عشرة سنوات تقريباً، فقد استشهد الإمام الحسنعليهالسلام في سنة 50 للهجرة، ومات معاوية بن أبي سفيان سنة 60 للهجرة، واستشهد الإمام الحسينعليهالسلام سنة 61 للهجرة أيام حكم يزيد بن معاوية.
وقد تميّز حكم معاوية، سواء أيّام الإمام الحسن أو الحسينعليهماالسلام بأنّه كان يبقي قدر إمكانه الظاهر الإسلامي على الخلافة والحكومة، فهو يصلّي بالناس جماعة، ويأمر بالحجّ، ولا يصدم جمهور المسلمين بما يخالف معتقداتهم بشكل صريح، بل إنّه قد استأجر جيشاً من المرتزقة والإعلاميّين الذين يضعون الأحاديث في فضله باعتباره كاتب الوحي، وخالاً للمؤمنين(1) ، وفي المقابل كان يسعى للقضاء على الخطّ الإسلامي
____________________
1 - قال العلاّمة الأميني (رضوان الله عليه) في الغدير 1 / 75 ما يلي: قال ابن تيمية في منهاجه 2 / 207: طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبيصلىاللهعليهوآله في ذلك كلّها كذب.
وقال الفيروز آبادي في خاتمة كتابه (سفر السعادة)، والعجلوني في كشف الخفاء / 420، باب فضائل معاوية ليس فيه حديث صحيح.
وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت: قد ورد في فضله - يعني معاوية - أحاديث كثيرة. قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من
الأصل من الداخل لو تمكّن، فها هو يعلن أنّه لا يحبّ نداء الشهادة بالرسالة للرسولصلىاللهعليهوآله (1) ، كما إنّه لو ترك الوصية بأمور فإنّه لا يترك الوصية بشتم علي بن أبي طالبعليهالسلام (2) .
____________________
طرق الإسناد نصّ عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما؛ فلذلك قال، يعني البخاري: (باب ذكر معاوية)، ولم يقل: فضيلة ولا منقبة.
وقال الشوكاني في (الفوائد المجموعة): اتّفق الحفّاظ على أنّه لم يصحّ في فضل معاوية حديث.
1 - ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 5 / 129: عن الزبير بن بكار في (الموفّقيات) - وهو غير متّهم على معاوية، ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليعليهالسلام ، والانحراف عنه -، قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً فانتظرته ساعة، وظننت أنّه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟
فقال: يا بُني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟
قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً؛ فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل؟! فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر، وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات: (أشهد أنّ محمّداً رسول الله)، فأيّ عملي يبقى، وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟! لا والله إلاّ دفناً دفناً.
وللتفصيل في هذا الأمر يراجع كتاب الصحيح من سيرة الرسول الأعظم للمحقّق العاملي.
2 - لمّا ولّى معاويةُ المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 هـ دعاه وقال له: أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني،
وكان الإمامانعليهماالسلام قد أرادا معالجة الموقف مع معاوية في البداية بالمقاومة العسكرية، إلاّ إنّ الظروف لم تساعدهما؛ نظراً لخذلان الجيش وخيانة بعض زعمائه، فاضطر الإمام الحسنعليهالسلام باعتباره الإمام الناطق حينئذ إلى المهادنة ضمن شروط كثيرة ذكرها مَنْ تعرّض للحديث عن صلح الإمام الحسنعليهالسلام .
وبدأت الحرب في غير الميدان العسكري، وفيها انتصر خطّ الإمامة والأئمّةعليهمالسلام ، فهم من جهة سعوا إلى بيان الخطّ الإسلامي الصحيح، المتمثّل في ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولزوم اتّباعه والسير عليه، وفي بيان الكارثة التي تترقّبها الأمّة لو سلّمت واستسلمت لبني اُميّة.
وقد فضح الإمام الحسنعليهالسلام بشروطه التي فرضها على معاوية، فضح الحكم الأموي وأماط الستار عن حقيقة عدائه للإسلام، وأيقظ النائمين آنئذ، والذين كانوا في وقت من الأوقات يقرنون بين عليعليهالسلام وبين معاوية.
وأيضاً كانا يقومان بتجميع شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، وصيانتهم في وقت كانت سياسة معاوية قاضية بإفقارهم وإبعادهم وإيذائهم، وإيجاد المبرّرات لقتلهم أيضاً.
واستشهد الإمام الحسنعليهالسلام قتيلاً بسمٍّ أُموي، بينما استمر الإمام الحسنعليهالسلام في نفس الخطّ السابق القائم على تدعيم تركيز خطّ أهل البيتعليهمالسلام من خلال حماية الأتباع ومساعدتهم بما يمكن في تلك
____________________
ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة لا تتحم (أي لا تتجنب) عن شتم علي وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان والإدناء لهم والاستماع منهم.
الظروف؛ سواء من الناحية المادية، أو غيرها، أو من خلال نشر الفكر الصحيح، والانتماء لخطّ أمير المؤمنينعليهالسلام ببيان موقعه ومنزلته من النبيصلىاللهعليهوآله ولزوم اتّباعه والاقتداء به.
فكم من المناظرات دارت بين معاوية وبين الإمام الحسنعليهالسلام ، وربما اشترك في بعضها شيعته كابن عباس.
ولم تكن المناظرات في ذلك الوقت عند الأئمّة ترفاً فكريّاً، أو إظهاراً للقدرة والغلبة، وكذلك كان الحسينعليهالسلام في ما بعد حيث إنّه كان يجمع الناس بمناسبة وبغيرها؛ لكي يذكرها بمناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ومنزلته عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ففي موسم الحجّ وفي عرفات يجمع بني هاشم ويقوم خطيباً في الناس ويستنشدهم الله أنّ أيّ أحد منهم يعرف منقبة، أو فضيلة لأمير المؤمنينعليهالسلام فليظهرها على الملأ حتّى يعرفوها، ثمّ يتحدّث لهم بما يعرف من فضائل عليعليهالسلام ، ودوره في خدمة الدين، واجتهاده مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتمثيله الامتداد لخطّ الرسالة؛ ولكي يرووا هذه المعاني عنه عندما يرتحلون إلى أوطانهم.
لكن تغيّرت الظروف بالكامل مع موت معاوية، وجاء يزيد ضمن عملية انقلاب فاضح حتّى على الظاهر الديني الذي كان ربما يتشبّث به معاوية أمام الناس.
وقد لخّص الإمام الحسينعليهالسلام الموقف في جملة واحدة بقوله: «وعلى الإسلام السّلام إذا بُليت الأمّة براعٍ مثل يزيد».
والعجيب أنّ مثل هذه المقالة لم تصدر عن الإمام الحسينعليهالسلام في زمن معاوية(1) ، الذي عاصره الإمام الحسين (عليه السلام) حوالي خمسة وعشرين سنة؛ (خمس
____________________
1 - وإن كان الإمام الحسينعليهالسلام قد تبادل مع معاوية رسائل عنيفة منها ما ورد في بعضها كما ذكره الشيخ الطبرسي في الاحتجاج 2 / 21: «وقلتَ فيما قلت: انظر نفسك ولدينك ولأمّة محمّدصلىاللهعليهوآله ، واتق شقّ عصا هذه الأمّة، وأن تردهم في الفتنة. فلا أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وولدي وأمّة جدّي أفضل من جهادك؛ فإن فعلته فهو قربة إلى الله (عزّ وجلّ)، وإن تركته فاستغفر
مع أبيه، وعشر مع أخيه، وعشر في زمان إمامته)، لكن أصدرها في حقّ يزيد بمجرّد ولايته تلك على الأمّة، فما أن وصل خبر موت معاوية وولاية يزيد، ودعوة الوليد للحسينعليهالسلام إلى البيعة ليزيد حتّى قال تلك المقولة التي اختصر بها كلّ المستقبل، وكان ينظر فيها بنور الله.
وهنا:
فما رأى السّبطُ للدينِ الحنيفِ شفا |
إلاّ إذا دمهُ في كربلا سُفكا |
سؤال: كيف نردّ على مَنْ قال: إنّ الحسينعليهالسلام اجتهد فأصاب وله أجران، ويزيد اجتهد وأخطأ فله أجر؟
الجواب: يُرَدّ على ذلك بقول الشاعر:
فيا موتُ زر إنّ الحياةَ ذميمةٌ |
ويا نفسُ جدّي إنّ دهركِ هازلُ |
ومن عجبٍ أن يُجعل الإمام الحسينعليهالسلام وهو سيد شباب أهل
____________________
الله لذنبي، وأسأله توفيقي لإرشاد أموري، وقلت فيما تقول: إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، وهل رأيك الأكيد الصالحين منذ خلقت؟! فكدني ما بدا لك إن شئت؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، على أنّك تكيد فتوقظ عدوّك، وتوبق نفسك، كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثّلت بهم بعد الصلح والأيمان، والعهد والميثاق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قتلوا إلاّ لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، بما به شرفت وعُرفت؛ مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.
أبشر يا معاوية بقصاص، واستعدّ للحساب، واعلم أنّ لله عزّ وجلّ كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله تبارك وتعالى بناس أخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه بالتهمة، ونفيك إيّاهم من دار الهجرة إلى دار الغربة والوحشة، وأخذك الناس ببيعة ابنك، غلام من الغلمان، يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب، لا أعلمك إلاّ قد خسرت نفسك، وشريت دينك، وغششت رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت التقي الورع الحليم».
الجنّة، وسبط الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله ، والإمام بنصّ الرسول في كفّة ميزان مع يزيد بن معاوية، كيف والمقايسة كما يقول الحسينعليهالسلام : «إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا بدأ الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق...»(1) .
وتفصيل الأمر أن يُقال:
1 - ما هو محلّ الاجتهاد؟
فهل يستطيع أحد مثلاً من المسلمين أن يجتهد في أمر وجود الله؟ أو في نبوّة النبي محمّدصلىاللهعليهوآله ؟ فلو توصّل مثلاً إلى أنّ الله غير موجود، أو أنّ محمداً ليس بنبي، فهل يُثاب على اجتهاده هذا الذي أخطأ فيه؟
إنّ ذلك ممّا لا يقول به عاقل؛ وذلك أنّ للاجتهاد محلاً محدوداً في الفروع، أما في الأصول فلا يمكن الاجتهاد(2) .
والحسينعليهالسلام بنصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مع أخيه الحسن إمامان قاما أو قعدا، وهما سيدا شباب أهل الجنّة، وهما من أهل البيت الذين طُهّروا
____________________
1 - اللهوف في قتلى الطفوف - للسيد ابن طاووس / 17.
2 - قال أحمد بن علي الجصّاص في كتابه الفصول في الأصول 4 / 11:
الاجتهاد: هو بذل المجهود فيما يقصده المجتهد (و) يتحرّاه، إلاّ إنّه قد اختصّ في العرف بأحكام الحوادث التي ليس لله تعالى عليها دليل قائم يوصل إلى العلم بالمطلوب منها؛ لأنّ ما كان لله عزّ وجل (عليه) دليل قائم، لا يُسمّى الاستدلال في طلبه اجتهاداً، ألا ترى أنّ أحداً لا يقول: إنّ علم التوحيد وتصديق الرسولصلىاللهعليهوآله من باب الاجتهاد، وكذلك ما كان لله تعالى عليه دليل قائم من أحكام الشرع لا يُقال إنّه من باب الاجتهاد؛ لأنّ الاجتهاد اسم قد اختصّ في العرف وفي عادة أهل العلم، بما كلّف الإنسان فيه غالب ظنّه، ومبلغ اجتهاده، دون إصابة المطلوب بعينه.
فإذا اجتهد المجتهد فقد أدّى ما كُلّف، وهو ما أدّاه إليه غالب ظنّه، وعلم التوحيد وما جرى مجراه، ممّا لله عليه دلائل قائمة كلّفنا بها إصابة الحقيقة؛ لظهور دلائله، ووضوح آياته.
عن الرجس والدنس، وفيهم ورد ما ورد حتّى عاد كونهم على الحقّ من الضروريات وشبهها عند الفريقين. وللحديث عن ما ورد في مناقبهم وفضائلهم مجال آخر.
فلا يمكن أن يدّعي أحد أنّ أحداً يستطيع أن يجتهد في أمر قتل النبيصلىاللهعليهوآله ، فيُقاتله ثمّ يُقال له إن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران. ومثل ذلك قتال أمير المؤمنين والحسينعليهماالسلام .
2 - مَنْ هو المجتهد؟
لو فرضنا أنّ هناك مجالاً للاجتهاد - وهو الفروع - فهل يستطيع كلّ مسلم أن يجتهد فيها؟
إنّ الاجتهاد يحتاج إلى طيّ مراحل مهمّة في العلوم الممهّدة له؛ حتّى يصل المرء إلى مرتبة المجتهد القادر على فهم أحكام الدين من خلال استنطاق النصوص، ومعرفة القواعد.
وأين يزيد بن معاوية من هذا؟
هل يحتمل أحد أن يكون يزيد من هذا القسم؟
لقد قال الحسينعليهالسلام مُبيّناً شخصية يزيد ومستواه واهتماماته، عندما خطب معاوية ذاكراً ليزيد أموراً كاذبة يؤهله فيها للخلافة، قام الحسينعليهالسلام فقال: «هيهات يا معاوية! فضح الصبح فحمة الدُّجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفت، ومنعت حتّى محلت، وجزت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه بنصيب حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأُمّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهنّ، والقيان ذوات المعازف، وضرب
الملاهي تجده باصراً، ودع عنك ما تُحاول...»(1) .
هذا هو يزيد فهل يتفرّغ والحال هذه للاجتهاد؟
إنّنا نعتقد أنّ مثل هذه الأفكار هي التي تمهّد الأرضية لأن يأتي بعض الجهلة من المسلمين؛ لكي يفسّقوا الآخرين ويبدّعوهم، وينسبونهم إلى الجاهليّة أو الكفر ثمّ يقومون بقتلهم، ولا يتّقون الله في دماء المسلمين ولا أعراضهم ولا أموالهم.
وقد شهد عالمنا الإسلامي في هذه الفترة الأخيرة ما يشيب لهوله ناصية الطفل من الجرائم القائمة على هذا الأساس، فقتل المسلمين وهو ممّا ثبت بالضرورة حرمته، يصبح ميداناً لاجتهاد أشخاص مثل يزيد، وانتهاك أعراضهم يصبح محلاً لفتوى مَنْ ليس له نصيب من العلم بمقدار ما له نصيب من الشّهوات والانحراف.
ثمّ إنّ نفس هذا الكلام غير صحيح حتّى على مسلك القوم؛ فإنّ مسلكهم هو التصويب، لا أقل في بعض الصور. بمعنى أنّ ما أدّى إليه نظر المجتهد فهو الحقّ، كما قال الغزالي: (فإذا صدر الاجتهاد التامّ من أهله، وصادف محلّه (أي ما يجوز فيه الاجتهاد)، كان ما أدّى إليه الاجتهاد حقّاً وصواباً)(2).
فإمّا أن يُقال: أنّ يزيد مجتهد واجتهاده صحيح؛ لأنّ ما أدّى إليه نظر المجتهد فهو صحيح، فكيف يكون خطأ؟
لكن الحقّ هو ما عرفت، من أنّ مجال الاجتهاد لا يشمل مثل قتل الحسينعليهالسلام ، كما أنّ المجتهد هو شخص خاصّ قد عرف من العلوم المرتبطة بمسائل الدين ما يؤهّله لاستنباط الحكم الشرعي في الواقعة.
وهو لا ينطبق على يزيد قطعاً.
____________________
1 - الإمامة والسياسة - لابن قتيبة الدينوري 1 / 208.
2 - المستصفى - للغزالي / 345.
سؤال: ما هي حقيقة رضّ جسم الحسينعليهالسلام بخيول الأمويّين؟ هل يصحّ أنّ الخيل قد تراجعت عن رضّ جسم الحسينعليهالسلام مع أنّها لا تمتلك إرادة؟ أو إنّ الخيول التي تجرّأت على رضّه هي خيول الأعوجيّة؟
الجواب: الثابت تأريخيّاً أنّ القوم بعدما قتلوا الحسينعليهالسلام ، وفصلوا رأسه الشّريف عن بدنه، قاموا بتنفيذ أمر عبيد الله بن زياد في رسالته الأخيرة لعمر بن سعد يوم التاسع من محرّم، والتي أمره فيها بنحو صارم أن: (... فازحف إليهم حتّى تقتلهم، وتمثّل بهم؛ فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قُتِلَ الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره؛ فإنّه عاقّ مشاقّ، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً، ولكن علي قول: لو قد قتلته فعلت به هذا...).
وقد وردت الروايات بأنّهم قاموا بذلك العمل، بل ذكرت المصادر التأريخية أسماء اُولئك المجرمين الذين قاموا بالعمل المذكور.
فقد ذكر العلاّمة المجلسي في بحاره بأنّه بعد مقتل الحسينعليهالسلام : (نادى عمر بن سعد في أصحابه: مَنْ ينتدب للحسين فيوطئ الخيل ظهره، فانتدب منهم عشرة، وهم:
إسحاق بن حوية الذي سلب الحسينعليهالسلام قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن الطفيل السنبسي، وعمرو بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خيثمة الجعفي، وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهانئ بن ثبيت الحضرمي، وأسيد بن مالك، فداسوا الحسينعليهالسلام بحوافر خيلهم حتّى رضّوا ظهره وصدره.
قال: وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد، فقال أسيد بن مالك أحد العشرة:
نحنُ رضضنا الصدرَ بعدَ الظهر |
بكلّ يعبوبٍ شديدٍ الأسرِ |
فقال ابن زياد: مَنْ أنتم؟
فقالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتّى طحنا جناجن صدره. فأمر لهم بجائزة يسيرة(1) .
ونفس الأمر نقله الطبري عن أبي مخنف.
نعم، قد يُستعظم ذلك من قبل المؤمن ولا يراه ممكناً لقداسة الحسينعليهالسلام ٍ، وعظمة شأنه عند الله سبحانه وتعالى، ولكنّ هذا لا يمنع وقوع أشدّ أنواع البلاء على أهل الإيمان؛ فإنّ من الأنبياء مَنْ نُشروا بالمناشير، ومنهم مَنْ مُشِطَ بأمشاط الحديد... وهكذا.
نعم، قد ذكر في البحار أنّ في الكافي رواية تدلّ على أنّ الخيول لم ترضّ صدر الحسينعليهالسلام ، ولم أعثر على تلك الرواية.
ويرى بعضهم أنّ الخيل العربية لا تدوس على جسد القتيل في الحالات العادية، بل تقفز فوقه، فإن صحّ ذلك وثبتت الرواية فيمكن أن يكون ذلك في أوّل الأمر، لكن فيما بعد كان من الثابت أنّهم قاموا بذلك العمل.
وأمّا كونها من الخيل الأعوجية، لو ثبت ذلك، فليس بصفة ذمّ كما يتبادر إلى الذهن بدواً؛ وإنّما الذمّ لِمَنْ ركب على ظهرها وأجراها في غير ميدان الطاعة؛ فإنّ الأعوجية تعتبر من الخيول القوية والسريعة، بل يعود أصل كثير من الخيول إلى فرس بهذا الاسم كان في الجاهليّة.
قال ابن منظور في لسان العرب: وأعوج: فرس سابق، رُكب صغيراً فاعوجّت قوائمه، والأعوجية منسوبة إليه.
قال الأزهري: والخيل الأعوجية منسوبة إلى فحل كان يُقال له: أعوج. يُقال: هذا الحصان من بنات أعوج.
وفي حديث أُمّ زرع: ركب أعوجيّاً، أي فرساً منسوباً إلى أعوج، وهو فحل كريم تنسب الخيل
____________________
1 - بحار الأنوار / 45.
الكرام إليه، وأعوج أيضاً: فرس عدي من أيوب.
قال الجوهري: أعوج: اسم فرس كان لبني هلال، تُنسب إليه الأعوجيات وبنات أعوج.
قال أبو عبيدة: كان أعوج لكندة، فأخذته بنو سليم في بعض أيّامهم فصار إلى بني هلال، وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلاً منه.
وقال الأصمعي في كتاب الفرس: أعوج: كان لبني آكل المرار، ثمّ صار لبني هلال بن عامر.
في السيرة: هل تصحّ قضية الحفيرة التي حُفرت لمسلم؟
الجواب: ما وجدت فيما لديّ من المصادر التأريخية والروائية شيئاً عن أنّهم احتفروا لمسلم حفرة في ميدان المعركة وغطوها بالسعف أو التبن والتراب، ثم انفرجوا عنه حتّى هاجمهم فسقط فيها، كما يذكر ذلك بعض.
والاعتبار أيضاً لا يساعد على وجود شيء من ذلك، مع عدم ذكرها في النصوص والمصادر؛ وذلك أنّ المعركة كانت سريعة بحيث أنّ جنود عبيد الله بن زياد كانوا قد أقبلوا يتصوّرون أنّهم سيقبضون عليه بسهولة، لكنّ قتال مسلم بن عقيل بذلك النحو العنيف ردّهم على أعقابهم حتّى لقد طلب محمّد بن الأشعث المدد من أميره ابن زياد.
فلا يُعتقد والحال هذه أنّهم أقدموا على حفر حفرة، خصوصاً وأنّ المعركة دارت بين الأزقّة والطرقات، وليست في منطقة مكشوفة حتّى تتقدّم فرقة للقتال، وأُخرى للحفر مثلاً؛ ولذا استعانوا بأن يرموه بالحجارة، بل بأطنان القصب المشتعل بالنار من فوق السطوح(1) ، والله العالم بحقائق الاُمور.
____________________
1 - الطبري 3 / في حوادث سنة 60.
سؤال عن وقوف جواد الحسينعليهالسلام وسؤاله القوم، هل أنّه لم يكن يعلم بالأرض؟
نقل الشيخ الشريفي في كتابه كلمات الإمام الحسينعليهالسلام ما يلي: وهناك رواية عن أبي مخنف في مقتله بإسناده عن الكلبي أنّه قال: وساروا جميعاً إلى أن أتوا إلى أرض كربلاء، وذلك في يوم الأربعاء فوقف فرس الحسينعليهالسلام من تحته، فنزل عنها وركب أُخرى فلم ينبعث من تحته خطوة واحدة، ولم يزل يركب فرساً بعد فرس حتّى ركب سبعه أفراس وهنّ على هذا الحال، فلمّا رأى الإمام ذلك الأمر الغريب، قال: «ما يُقال لهذا الأرض؟».
قالوا: أرض الغاضرية.
قال: «فهل لها اسم غير هذا؟».
قالوا: تُسمّى نينوى.
قال: «هل لها اسم غير هذا؟».
قالوا: تُسمّى بشاطئ الفرات.
قال: «هل لها اسم غير هذا؟».
قالوا: تُسمّى كربلاء.
فتنفّس الصعداء وقال: «أرض كرب وبلاء». ثمّ قال: «قفوا ولا ترحلوا منها؛ فهاهنا والله مناخ ركابنا، وهاهنا والله سفك دمائنا، وهاهنا والله هتك حريمنا، وهاهنا والله قتل رجالنا، وهاهنا والله ذبح أطفالنا، وهاهنا والله تُزال قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدّي رسول الله ولا خلف لقوله».
وقال القندوزي: فساروا جميعاً إلى أن انتهوا إلى أرض كربلاء، إذ وقف جواد الحسين، وكلّما حثّه على المسير لم ينبعث من تحته خطوة واحدة، فقال الإمام: «ما يُقال لهذه الأرض؟».
قالوا: تُسمّى كربلاء.
فقال: «هذه والله أرض كرب وبلاء. هاهنا تُقتل الرجال، وتُرمّل النساء، وهاهنا محلّ قبورنا ومحشرنا، وبهذا أخبرني جدّيصلىاللهعليهوآله ».
وفي رواية أُخرى قال الإمامعليهالسلام : «قفوا ولا تبرحوا، هاهنا والله مناخ ركابنا، وهاهنا والله محطّ رحالنا، وهاهنا والله تُسفك دمائنا، وهاهنا والله يُستباح حريمنا، وهاهنا والله محلّ قبورنا، وهاهنا والله محشرنا ومنشرنا».
وقد ذكر أصل الحادثة، وأنّ الحسينعليهالسلام قد سأل من أصحابه عن
اسم تلك الأرض كلّ مَنْ تعرض لنزوله إلى كربلاء من دون ذكر وقوف الفرس، أو تبديلهعليهالسلام لأفراسه، لكن ذكر وقوف الفرس المحقّق السيد المقرّمرحمهالله في كتابه (مقتل الحسين).
ووقوف الفرس لو ثبت كما ليس ببعيد، ليس غريباً؛ فإنّ مثاله في أكثر من موقع قد حصل، فإنّ الجميع ينقلون عن ناقة النبيصلىاللهعليهوآله أنّها كانت (مأمورة) عندما دخل النبي المدينة، واختلف المسلمون؛ حيث أنّ كلّ قبيلة تريد أن ينزل النبي عليها، فكانوا يأخذون بخطام الناقة، فقال لهم الرسول: «خلّوا سبيلها؛ فإنّها مأمورة». حتّى أناخت بمربد ليتيمين من الأنصار قرب بيت أبي أيوب الأنصاري حيث نزل النبي وبنى مسجده هناك.
وهكذا عندما جاء النبيصلىاللهعليهوآله إلى مكة، فلمّا وصل الحديبية وقفت ناقته ولم تتحرّك، وكان ما كان من صلح الحديبية.
وأمّا سؤال الحسينعليهالسلام لأصحابه، فهو من أجل التأكيد على معنى يريد أن يرتّبه على جوابهم، وهذا من وسائل إلفات السامع وجلب نظره، فهو يسأل في البداية؛ لكي ينبّه المسؤول على وجود موضوع، ثمّ يرتّب عليه الحكم والنتيجة.. ما اسمها؟
ربما كان بعض الموجودين خصوصاً من أهل الحجاز لا يعرفون تفاصيل تلك المناطق العراقية وأسماءها، فلا بدّ من تعريفهم من خلال إثارة السؤال؛ لكي يجيب عليه مَنْ يعرفها من حيث اسمها، ثمّ يكمل الإمام ذلك بأنّ هذه الأرض هي أرض الشهادة، وأنّهم على موعد معها.
سؤال: هل ما يحدث الآن للشعب العراقي من مشاكل ومآسٍ هو نتيجة دعوة الإمام الحسينعليهالسلام : «اللّهمّ فرّقهم تفريقاً... ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً...»، بل ما حدث على مرّ التاريخ؟
النصّ كما نقله في معالم المدرستين عن مقتل الخوارزمي:... فلمّا رآه الحسين رفع شيبته نحو السّماء، وقال: «اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم؛ فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمّدصلىاللهعليهوآله ، وكنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللّهمّ فامنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا تُرض الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا».
الجواب: أوّلاً من حيث ورود هذه الكلمات فقد ورد هذا الدعاء المنسوب للحسينعليهالسلام في أكثر من مصدر تاريخي، فقد ورد في الإرشاد للشيخ المفيد، ومثير الأحزان لابن نما الحلّي، وفي البحار للمجلسي، وعوالم العلوم للبحراني، ونقله في معالم المدرستين عن مقتل الخوارزمي، ونقله الطبري في تأريخه، وأبو مخنف في مقتل الحسين، والشيخ الطبرسي في إعلام الورى بأعلام الهدى، وابن عساكر في ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام وكثير غيرهم.
والبحث في كلمات الدعاء يتمّ من خلال ثلاثة محاور:
الأوّل: من خلال انسجامها مع الرؤى والثوابت الإسلاميّة العامّة؛ فإنّه من المعلوم أنّه( لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (1) ، ولا يتحمل اللاحقون مسؤولية ما اختاره السابقون بإرادتهم.
نعم، هناك بعض
____________________
1 - سورة الإسراء / 15.
الآثار الوضعية التي قد تترتّب على اللاحق بسوء اختيار السابق، ولكنّ هذا ليس منها قطعاً، وإلاّ كان قانون( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (1) متخلّفاً وغير كلّي، بل يصبح مَنْ يعمل مثقال ذرّة شرّاً يراه غيره من اللاحقين، ومَنْ يعمل مثقال ذرّة خيراً يضع منه ويخسره على أثر عمل السابقين من أجداد أجداد قبيلته، وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به، وإلاّ بطل الثواب والعقاب والمسؤولية الفردية عن العمل.
بل ذلك يخالف عدالة الله سبحانه واعتقادنا فيه، لا سيّما الشيعة الإمامية القائلة بأنّ عدل الله هو أصل من الأصول كما هو المعروف بينهم.
فهل يُعقل أن يدعو الإمام الحسينعليهالسلام على مجموعة من المؤمنين المخلصين في هذا الزمان بسوء الحال، وبأن يُمنعوا من بركات الأرض وقطر السماء؛ لأنّ شخصاً من سلسلتهم النسبية قبل ألف وثلاثمئة وثمانين قد قام بعمل سيئ، وقاتل الحسينعليهالسلام ؟ هذا لا يعقل.
ثمّ إنّ كون الإنسان مولوداً في منطقة جغرافية معيّنة أمر ليس باختياره هو حتّى يكتسب الذمّ والإثم، والمشاكل المستقبلية، والفقر والظلم، وإنّما يكتسب الإنسان تلك الاُمور بناءً على اختياراته.
ونحن كما نجد ما ظاهره الذمّ لأهل العراق، أو أهل الكوفة، وهو ليس خاصّاً بالإمام الحسينعليهالسلام ، بل نُقل عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام كلمات تنتهي إلى هذا المعنى، فإنّنا نجد أيضاً كلمات ظاهرها المدح والثناء على أهل تلك المناطق والإشادة بهم، ولا يُعقل أن يكون هناك تضادّ بين كلمات الأئمّةعليهمالسلام ، فيبقى أن يُقال أنّ الذمّ هو لجهة، والمدح
____________________
1 - سورة الزلزلة / 7 - 8.
لأُخرى. وتلك الجهة قد تكون بلحاظ الساكنين فيها في زمان فيُذمّون، فإذا تغيّروا وجاء جيل جديد يحتوي على صفات جيدة فإنّهم يُمدحون؛ فإنّه قد ألّف أصحابنا كتباً كثيرة في فضل الكوفة، ورووا فيها روايات كثيرة تصف أهلها بأنّهم شيعتهم وأنصارهم... إلخ.
الثاني: محور النصّ نفسه.
فقد فُرض في النصّ واقعة خارجية، وقوم معيّنون محصورون ضمن موقف اتّخذوه، وقد حكم عليهم بحكم هو مفاد الدعاء الذي طلب الحسينعليهالسلام فيه من الله سبحانه أن يجعلهم كذلك.
وقد ذكر العلماء فروقاً بين القضية الواقعية وبين القضية الخارجية، منها ما يرتبط بالمقام: أنّ القضية الحقيقية لا يتكفّل فيها المتكلّم بإحراز الواقع، وإنّما هي قضية فرضية أو شرطية، متى حصلت يترتّب عليها الحكم، فإذا قال مثلاً: الخمر حرام، فهو لا يتكفّل بإحراز الموضوع، وأنّ هذا السائل الخارجي خمر أو لا، وإنّما لو فُرض وجود سائل وصدق عليه الخمر في هذا الزمان أو غيره فإنّه يكون حراماً.
وهذا بخلاف القضية الخارجية؛ فإنّ المتكلّم يحرز الموضوع ويرتّب عليه الحكم، مثل: «علي مع الحقّ والحقّ مع علي»؛ فإنّ النبيصلىاللهعليهوآله عيّن وأحرز الموضوع، وهو شخص الإمامعليهالسلام ، ورتّب عليه كونه مع الحقّ وكون الحقّ معه.
ومقامنا هو من القسم الثاني؛ فإنّ الإمام الحسينعليهالسلام يشير إلى هؤلاء بقوله: «اللّهمّ اشهد عليهم... اللّهمّ فامنعهم قطر السماء، وبركات الأرض...». فهو يتحدّث عن قوم موجودين أمامه، ويدعو عليهم دون أن يتعرّض إلى مَنْ سيأتي بعدهم، ومَنْ هم في أصلابهم إلى يوم الدين.
بل يزيده وضوحاً أنّ الإمامعليهالسلام قد علّل دعاءه عليهم بصفات خاصّة بهم ولا تتعداهم إلى غيرهم؛ فقد قال معلّلاً: «... فإنّهم دعونا
لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا».
ومثل هاتين الصفتين لا تتحقّقان في غير القضية التاريخية المحدودة بزمانها.
نعم، يمكن أن يأتي في المستقبل ممّن هم أسوأ حالاً، أو أمثالهم، ولكن هذا بحث آخر.
الثالث: المحور التاريخي.
إنّ الكوفة والتي كانت تُعرف بكوفة الجند، كانت مجمعاً للقبائل العربية المختلفة، فكان منها القحطاني والعدناني، وعرب الجنوب والشمال، وسكن فيها أكثر أفراد القبائل العربية، وهناك تكاثروا واستوطنوها؛ فقد قُسّمت أسباعاً في كلّ سبع كانت قبيلة.
ولو نظرنا إلى ألقاب قتلة الحسينعليهالسلام وأصحابه لرأينا التنوّع بحيث لا يمكن القول بأنّ الذي قتلوه هم أهل العراق بالمصطلح السياسي الحديث، والذي يختلف عمّا كان يعنيه هذا المصطلح في تلك الفترات.
فنحن نجد أنّ الذي قتل علي الأكبر ابن الإمام الحسينعليهماالسلام هو مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي، من بني عبد القيس، وهذه قبيلة أصولها سكنت في البحرين (والقطيف حالياً)، وسكن قسم آخر منها في البصرة فيما بعد أيّام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وسكن قسم منها في الكوفة.
والذي قتل أبا الفضل العباس ابن أمير المؤمنينعليهماالسلام هو يزيد بن الرقاد (وقاد) الحيتي، وحكيم ابن الطفيل الطائي كما ورد في الزيارة المنسوبة للإمام الحجّة، والتي فيها أسماء الشهداء وقتلتهم.
والطائي من قبيلة طي عرب الجنوب، وسكنهم في غرب الجزيرة العربية حالياً، أي على البحر الأحمر.
والذي قتل عثمان ابن أمير المؤمنينعليهماالسلام هو خولي بن يزيد الأصبحي الأيادي، والأباني الدارمي، والأصبحي من عرب الجنوب (اليمن).
والذي قتل عبد الله بن الحسن بن علي الزكيعليهمالسلام هو حرملة بن كاهل
الأسدي، وبنو أسد مكانهم الحجاز، وهم من عرب الشمال.
والذي قتل القاسم بن الحسنعليهماالسلام هو عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي، والأزديون ليسوا من الكوفة، بل من البصرة، ودورهم في حرب الجمل معروف.
والذي قتل محمّد بن عبد الله بن جعفر قاتله عامر بن نهشل التميمي، والتميميون أصولهم من عرب الشمال (عدنانيون).
والذي شارك في قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، بنحو واضح، حرملة بن كاهل الأسدي، وخولي بن يزيد الأصبحي، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي، ومن ورائهم عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري.
وتتنوّع قبائل هؤلاء بين قحطانية وعدنانية، ومن حيث مساكنها بين مكة والبصرة والكوفة واليمن. وحرملة وشمر وعمر بن سعد من عرب الشمال، وأصولهم في مكة. في المقابل وجدنا أنّ عدداً كبيراً من أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام كانوا من العراق والكوفة بحسب هذا الاصطلاح، فلِمَ لا يحسب هذا ويُحسب ذاك؟
يقول أحد المحقّقين: إنّ أكثر أنصار الحسينعليهالسلام كانوا من الكوفة(1) .
سؤال: عن بعض الكتب النافعة في السيرة الحسينيّة.
الكتب التي كُتبت حول الإمام الحسينعليهالسلام وثورته كثيرة جدّاً، وتختلف فيما بينها بحسب طريقة التناول للقضية الحسينيّة، ولكن على نحو الإجمال يمكن الإشارة إلى بعض هذه الكتب، ولا يعني عدم ذكر غيرها أنّ غير المذكور ليس مفيداً:
____________________
1 - راجع أنصار الحسين / الرجال والدلالات.
- كتاب أضواء على ثورة الحسينعليهالسلام للشهيد السيد محمّد صادق الصدر (الثاني).
- ثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، ظروفها الاجتماعيّة وآثارها الإنسانية، للشيخ محمّد مهدي شمس الدين (قدّس سرّه).
- أنصار الحسينعليهالسلام ، الرجال والدلالات، للشيخ محمّد مهدي شمس الدين (قدّس سرّه).
- ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، للشيخ محمّد مهدي شمس الدين (قدّس سرّه).
- كتاب الشهيد والثورة، للسيد هادي المدرسي.
- حياة الإمام الحسينعليهالسلام ، للشيخ باقر القرشي.
سؤال: يقرأ الخطباء جملة (فخرجنَ من الخدور ناشرات الشعور)، فكيف يُمكن تفسير ذلك من الناحية الشرعية ولزوم الستر؟
ورد أنّ زينبعليهاالسلام كانت تُخاطب عمر بن سعد، والحسينعليهالسلام صريع على الأرض قبل أن يُحتز نحره: أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟!
قال الشيخ المفيد: وخرجت أُخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص: ويحك يا عمر! أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فلم يجبها عمر بشيء، فنادت: ويحكم! أما فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحد بشيء(1).
وأمّا عن اللفظ المذكور: فهو لم يرد بهذا النصّ إلاّ في الزيارة المنسوبة للناحية المقدّسة، وهي إن قيل بعدم ثبوتها عن المعصوم فلا حجّية فيه،
____________________
1 - الإرشاد 2 / 112.
وإن قيل بثبوتها من الناحية السندية فيمكن توجيه هذه العبارة بعدّة توجيهات:
الأوّل: أنّهنّ خرجنَ من خدورهنّ لا إلى المعركة على هذه الحالة، وإنّما بداية خروجهنّ من الخيمات الخاصّة بالنساء إلى فناء المخيّم أو الخيمات الأُخرى؛ إذ إنّ بعض المصادر التأريخية تذكر بأنّ الإمام الحسينعليهالسلام يوم التاسع أمر أن تُجعل خيام النساء متوسّطة في المخيّم بحيث تحيطها باقي الخيمات من الجهات المختلفة. وهذا هو الأمر الطبيعي الذي يقوم به المؤمنون حتّى في الأحوال العادية؛ حيث يؤمّنون لنسائهم أكبر ما يمكن من حال الستر والحفظ والحماية.
فلمّا جاء جواد الحسينعليهالسلام ، وعرفنَ بعظم المصيبة، قمنَ بما تقوم به كلّ امرأة ثاكل وفاقد من البكاء ونشر الشعر، أي حلّه وترك الزينة واللطم، وخرجنَ من خيماتهنَّ إلى خارجها، ولكنّهنّ ما زلنَ في داخل المخيّم، ولم يخرجنَ إلى المصرع بهذه الحالة.
والثاني: بأنّ خروجهنّ ربما لا يكون على نحو بحيث تظهر شعورهنّ للأجانب، خصوصاً مع ملاحظة بُعد المسافة بين مخيّم الإمام الحسينعليهالسلام وبين موقف الجيش الأموي. فمن المعروف أنّ المسافة كانت على الأقل بحيث تبتعد فيها المخيّمات عن المرمى المباشر للسهام والنبال، وإن كانت ربما يصل بعضها بحسب ما ورد في أحداث اليوم العاشر أنّ بعض سهام القوم ونبالهم قد وصلت إلى المخيّمات.
وهذه المسافة (وهي كما قيل: إنّ غلوة السهم قرابة مئتين وخمسين متراً) لا تسمح بالرؤية المباشرة.
والذي يلاحظ بقايا الأسماء للمواقع كما هي في مدينة كربلاء يجد هذه المواقع (التل الزينبي)، ومحلّ مقتل الحسينعليهالسلام ، و(المخيّم)، وفي
الجهة الأُخرى محلّ مصرع أبي الفضل العباسعليهالسلام قرب شريعة الفرات يجد أنّ المسافة بين المخيّم، حيث إنّ المفروض أنّه هو الموقع الحقيقي لخيام الحسينعليهالسلام ، وبين مصرع أبي الفضلعليهالسلام الذي كان في طريقه إلى المخيّم قادماً من الفرات بعدما ملأ القربة، يجدها مسافة بعيدة لا تسمح للأعداء بالنظر والاطّلاع على أحوال النساء حتّى لو فرضنا خروجهنّ على باب المخيّم.
هذا كلّه بالنظر إلى نفس العبارة.
وأمّا لو فرضنا ما نعرفه من التزام نساء أهل البيتعليهمالسلام بالحجاب والعفاف ومحافظتهنّ عليه فإنّه يشكّل قرينة قطعية على أنّ المقصود من العبارة على فرض صدورها من المعصوم لا يُراد منها معناها الظاهري جزماً.
وبالطبع هذا يختلف عمّا بعد السبي والسلب، فإنّهنّ في تلك الحال كنّ مسبيّات مسلوبات الإرادة، وليس معهنّ ما يستترنَ به بعد أن أُخذت منهنّ تلك الأشياء، وسُلبت منهنّ، وإنّما الكلام في ما قبل السبي حيث إنّ ظاهر العبارة أنّهنّ فعلن ذلك بإرادتهنّ، وتوجيهه هو ما عرفت.
سؤال: كيف يوفّق بين قول الحسينعليهالسلام : إنّ الله حاميكنّ وحافظكنّ، وبين أخذهنّ سبايا؟
الجواب: ذكر أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قال في وداعه للنساء: «استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ الله حافظكم وحاميكم، وسينجيكم من شرّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذّب أعاديكم بأنواع البلاء، ويعوّضكم الله عن هذه البلية أنواع النعم والكرامة، فلا تشكّوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم»(1) .
____________________
1 - كلمات الإمام الحسينعليهالسلام - الشيخ الشريفي.
مع معرفة الغاية من سبي النساء في الزمن السابق يتّضح لنا الوجه في كلمة الإمام الحسينعليهالسلام على فرض صدورها؛ فإنّ الملاحظ لحالات السبي في الزمان السابق لاسيّما بالنسبة للنساء، أنّ المرأة المسبيّة كانت تتّخذ لأحد أمرين في الغالب: إمّا الاستمتاع الجنسي، أو الخدمة المنزلية، وقد يجتمعان في بعض النساء(1) .
وهذا المعنى هو الذي جعل بعض القبائل العربية قبل الإسلام تقوم بوأد البنات؛ خوفاً من أن يسبَينَ ويتعرّضنَ للانتهاك بالمعنى المتقدّم، بل بقي في بعض القبائل آثاره إلى ما بعد الإسلام.
وبناءً على هذا فإنّ ما حصل طيلة فترة السبي التي امتدت لأربعين يوماً، سلكت فيها النساء مدناً وقرى، وصحاري وأماكن بعيدة، ودخلنَ المجالس، ولم يتعرّضنَ مع توفّر الدواعي لأيّ شيء ممّا سبق ذكره، بل حتّى لمّا أراد أحد أهل الشام أن يطلب واحدة من المسبيّات: هب لي هذه الجارية! قالت له زينب: ما ذلك لك ولا لأميرك.
ولم يقصد من كلام الإمامعليهالسلام أنّهنّ لن يتعرّضنَ للضرب أو الأسر، فهذا المقدار هو مقوّم الأسر، وإلاّ لم يكونوا قد أخذوهنّ لأجل أن يتفرجنَ ويتنزهنَ.
وبالفعل فقد حفظهنَّ خالقهنَّ كما سبق، وحماهنَّ وجعل عاقبة أمرهنَّ إلى خير، كما يلاحظ كلّ ناظر إلى النتائج التي ترتّبت على ذلك
____________________
1 - وإليه يشير ما في لسان العرب - لابن منظور 3 / 410: قول أبي صرد لعيينة بن حصن، وقد وقع في سهمه عجوز من سبي هوازن: أخذ عيينة بن حصن منهم عجوزاً، فلمّا ردّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله السبايا أبى عيينة أن يردّها، فقال له أبو صرد: خذها إليك فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا درّها بماكد، ولا بطنها بوالد، ولا شعرها بوارد، ولا الطالب لها بواجد.
السبي، من نصر الدين وإعلاء كلمة الله، وافتضاح أمر الظالمين، وانقلاب الأمر عليهم.
سؤال: أين قبر السيدة زينبعليهاالسلام ؟
الجواب: حيث إنّ أخانا العلاّمة الشيخ الصفّار قد تحدّث في هذا الموضوع في كتابه المطبوع والمسمّى بـ (المرأة العظيمة، قراءة في حياة السيدة زينب)، وجمع فيه أطراف الموضوع فأوعى؛ لذلك سوف ننقل ما ذكره هناك حيث نراه موافقاً للمختار، وننقله مع شيء من الاختصار فقد كتب تحت عنوان:
شيء من التحقيق
لقد بذل العديد من العلماء والباحثين جهودهم، وخاضوا غمار البحث والتحقيق؛ لمحاكمة الروايات والنقول التاريخية حول قبر السيدة زينب الكبرى. والآراء التي ناقشها العلماء والباحثون تنحصر في ثلاثة احتمالات:
1 - المدينة المنوّرة.
2 - مصر.
3 - دمشق.
أوّلاً: المدينة المنوّرة
دافع العلاّمة السيد محسن الأمين العاملي عن هذا الرأي باعتبار أنّ المدينة هي موطن السيدة زينب، وأنّ من الثابت عودتها إلى المدينة بعد واقعة كربلاء، فاستصحاباً نحكم بأنّ وفاتها وقبرها في المدينة المنوّرة، ما لم يثبت العكس، وقال نصّه:
يجب أن يكون قبرها في المدينة المنوّرة؛ فإنّه لم يثبت أنّها بعد رجوعها للمدينة خرجت منها، وإن كان تاريخ وفاتها ومحلّ قبرها بالمدينة
مجهولين، ويجب أن يكون قبرها بالبقيع، وكم من أهل البيت أمثالها من جُهل محلّ قبره وتاريخ وفاته، خصوصاً النساء.
وناقش هذا القول البحّاثة الشيخ محمّد حسنين السابقي بما يلي: نحن لا ننكر أن يكون مدفنها الطاهر في البقيع في المدينة المنورة؛ إذ هي وطنها الكريم، وبها قبور إخوتها، وشيوخ قومها، وجدّها وأُمّها، ولكن بشرط أن يقوم عليه دليل قاطع، أو نص تاريخي.
لأنّ قبور البقيع ذكرها المؤرّخون قديماً وحديثاً، يذكرها ابن النجّار في (تاريخه)، والسمهودي في تاريخه الحافل (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) في باب مخصوص لذكر مزارات أهل البيت والصحابة، ولا نجد فيها قبر العقيلة زينب، لا في القبور المعمورة ولا المطموسة.
ولكان لمرقدها ذكر ولو في القرون الأولى، كما بقي لِمَنْ دونها في الرتبة من بني هاشم، بل ولِمَنْ يمتّ إليهم بالولاء أيضاً.
على أنّ الذين ذهبوا إلى هذا القول إنّما مستندهم الاستصحاب الأصولي، وهو أنّه ثبت أنّ العقيلة زينب دخلت المدينة بعد محنة أخيها ورجوعها من الشام، وكانت بالمدينة في قيد الحياة، ثمّ شككنا هل ماتت في الشام أم لا؟
فالاستصحاب يقول: الأصل عدم موتها بالشام، بل بالمدينة حتّى يحصل لنا شيء يزيل هذا الشك، ويثبت لنا باليقين أنّها ماتت بالشام.
وهذا الدليل لا غبار عليه في نفسه، ولكن لا يُستدل بمثله في القضايا التاريخية ولو قلنا به، فثبت ما أزال هذا الشك بما رواه ابن طولون الدمشقي من ذهابها إلى الشام وموتها بها، وعليه أكثر الفقهاء المجتهدين الأصوليين.
ثانياً: بين القاهرة ودمشق
وإذا لم يكن هناك أثر نقلي يتحدّث عن قبرٍ للسيدة زينب كبرى في المدينة المنوّرة، ولا يوجد مقام ظاهر يُنسب لها هناك، فإنّ الأمر ليس كذلك فيما يرتبط بمصر والشام، حيث توجد روايات ونصوص تاريخية يستدلّ بها أنصار كلّ من الرأيين، كما يتعالى في سماء القاهرة ودمشق مقامان شامخان يُنسبان للسيدة زينب، وتؤمّهما جماهير المؤمنين ويقصدهما الزائرون.
لكنّ المطالعة الدقيقة، والبحث الموضوعي في أدلّة الطرفين يرجّح كفّة الاطمئنان إلى أنّ مشهد الراوية في دمشق هو الأقرب إلى الصحّة والواقع؛ وذلك لتظافر الأدّلة في كتب المؤرّخين، والرحّالة والسّائحين منذ القرون السابقة وإلى الآن.
ولضعف مستند القائلين بسفر السيّدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها فيها، وللاحتمال الكبير في أن يكون المقام في مصر لزينب أُخرى من أهل البيت.
وقد أفرد بعض العلماء كتباً ورسائل لتحقيق هذا الموضوع، ومن أبرزهم العلاّمة المرحوم الشيخ فرج العمران القطيفي (1321 هـ)، والذي ألّف رسالة تحت عنوان (المرقد الزينبي) سنة (1377 هـ) وطبعها في النجف الأشرف - العراق)، وكانت نتيجة البحث التي انتهى إليها في رسالته هو ترجيح المقام الزينبي في مشق، وأنّه للسيدة زينب الكبرى.
والبحث الآخر والأعمق هو للبحّاثة الباكستاني الشيخ محمّد حسنين السّابقي، ويقع في أكثر من (240 صفحة)، وقد طُبع في بيروت سنة (1399 هـ 1979 م).
ونقتبس منه الفقرات التالية بشيء من التصرّف والاختصار: إنّ
رحلة السيّدة العقلية إلى مصر وإقامتها هناك، وتلبيتها لداعي حماها، وحديث مدفنها بها، قضية من أهمّ القضايا التي لا يفوت ذكرها كلّ مؤرّخ يقظان.
ولا أقلّ من أن يذكره والمؤرّخين الذين نشأوا في مصر خان، ولكنّهم بأجمعهم لم يشيروا إليه أدنى إشارة.
وتتجلّى هذه الحقيقة بعد ما نرى اهتمام المصريين بإحاطة الأخبار، وضبط الحوادث المتعلّقة ببلادهم.
فأوّل مدوّن لتاريخ مصر في الإسلام هو عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري المتوفّى (257 هـ)، له في تاريخ مصر كتاب حافل سمّاه «منهج السالك في أخبار مصر والقرى والممالك»، ذكر فيه تراجم كثير من الصحابة ممّن دخل مصر.
وتبعه أبو عمرو محمّد بن يوسف الكندي المتوفّى (354 هـ) وله عدّة تأليفات في تاريخ مصر.
ثمّ برع في تدوين أخبار مصر والإحاطة بحوادثها أبو محمّد حسن بن إبراهيم بن ذولاق الليثي المصري المتوفّى (387 هـ).
ثمّ تلاه في هذا الموضوع عز الملك محمّد بن عبد الله بن أحمد الحراني المسبحي المتوفّى سنة (420 هـ).
ثمّ المؤرّخ المتتبّع القاضي أبو عبد الله محمّد بن سلامة القضاعي الشافعي المتوفّى (453 هـ)، ولم يقصر همّه على ضبط الحوادث التاريخية فقط، بل ألّف في المزارات المقصودة للزيارة والتبرّك، التي تُشدّ إليها الرحال، وله في هذا الموضوع كتاب (اُنس الزائرين)، ترجم فيه للسيدة نفيسة، وعيّن مدفنها، وليس فيه لقبر زينب الكبرى عين ولا أثر.
ثمّ اعطف إلى المقريزي والسيوطي والقلقشندي وغيرهم لم نجد أحداً من هؤلاء أنّه ذكر دخول السيّدة زينب الكبرى في مصر ومدفنها بها.
على أنّ هناك جماعة من مؤرّخي مصر ممّن أفرد تأليفه في تحقيق المزارات والقبور والمساجد، كابن يونس والهتناني، والقرشي صاحب (المزارات المصرية)، وابن سعد النسابة صاحب (مزارات الأشراف)، وابن عطايا والحموي الذي ذكر جملة من مزارات مصر، وموفّق الدين صاحب (مرشد الزوّار)، ترى هؤلاء الإعلام يترجمون أصحاب القبور، ويميّزون بين المزارات الصحيحة والمزورة من العلويين وغيرهم في مصر.
ولم يذكر أحد من هؤلاء أنّ العقيلة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين مدفونة في مصر.
إنّ كبار المؤرّخين المطّلعين على تاريخ مصر بدقّة وتحقيق لم يصح لديهم دخول أيّ ولد لأمير المؤمنين لصلبه في مصر.
قال الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمّد السلفي المتوفّى (576 هـ): لم يمت له - أي لعلي - ولد لصلبه في مصر.
قال الحافظ المؤرّخ أبو محمّد حسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري المتوفّى (387 هـ): أوّل مَنْ دخل مصر من ولد علي سكينة بنت علي بن الحسين.
وبه قال السخاوي. وفي لفظ آخر للسخاوي: إنّ المنقول عن السلف أنّه لم يمت أحد من أولاد علي لصلبه في مصر.
فكيف من المعقول أن تدخل العقيلة زينب مصر، وتقيم هناك زهاء السنة، ثمّ تُقبر على مرأى من المحاشد الجمّة ومسمع، ولا يعرف أمرها أحد من المؤرّخين الذين عهدهم قريب بتلك الحادثة المهمّة؟
والإمام الشافعي كان يتجاهر بالولاء لأهل البيتعليهمالسلام ، وقد ورد في سيرته
أنّه كان يزور السيّدة نفيسة، لكن لم يرد أنّه زار السيّدة زينب هناك.
كما دخل مصر جملة من الرحّالين، كابن جُبير، وابن بطوطة، وابن شاهين، وذكروا ما شاهدوا من القبور المعروفة المقصودة للزيارة في عهدهم، ولكن لا تجد أحداً منهم يذكر قبر السيّدة زينب الكبرى في مصر. اللّهمّ إلاّ الرحّالة الكوهيني الفاسي الأندلسي الذي دخل القاهرة في (14 محرم 369 هـ).
إنّ الاشتباه بوجود قبر العقيلة زينب نشأ لتعدّد المسمّيات بزينب من العلويات وغيرهم، المدفونات بمصر، والذهن أسرع تبادراً عند سماع الاسم إلى أشهر الأفراد وأكملها.
ومن المعلوم أنّ عادة العامّة والخاصّة جرت أنّهم ينسبون العلويين إلى رسول الله وأمير المؤمنين بلا واسطة.
والظاهر أنّ المشهد الزينبي المعروف في القاهرة هو للسيدة زينب بنت يحيى المتوّج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
والمصدر الأساس لدعوى هجرة السيّدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها ودفنها فيها رسالة (أخبار الزينبيات) للنسابة العبيدلي، وحول هذه الرسالة ومؤلّفها ورواتها، وبالخصوص الرواية المتعلّقة بهذا الموضوع حولها كلام عند أهل التحقيق سنداً ومتناً.
سؤال: عن صوم يوم عاشوراء ما هو الأصل فيه؟ ما هو الرأي الشرعي، ولماذا يصومه بعض المسلمين؟
يقول علماؤنا: إنّه يحرم صوم يوم عاشوراء إذا صامه الرجل بنيّة التبرّك والتيمّن؛ لما ورد في الرواية أنّ «مَنْ صامه كان حظّه من صيام
ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة وآل زياد».
قال: قلت: وما كان حظّهم من ذلك اليوم؟
قال: «النار».
وإذا صامه بقصد أنّه مستحبّ على العموم كسائر أيّام السّنة التي لا خصوصية فيها، صحّ صومه، ووقع مكروهاً، وإذا أمسك فيه عن المفطرات حزناً إلى ما بعد العصر ثمّ أفطر كان مستحبّاً من غير كراهة.
وأمّا تفصيل المطلب فإنّه يوجد في مصادر الجمهور روايات متعدّدة حول صوم يوم عاشوراء واستحباب ذلك، وأنّه كفّارة سنة أو غير ذلك، كما يُستفاد منها أيضاً أنّ صوم عاشوراء كان مألوفاً ومعروفاً في مكّة، فكأنّ أهل الجاهليّة كانوا يصومونه، وكان النبيصلىاللهعليهوآله يصومه أيضاً، فلمّا نزل شهر رمضان تركه، بينما في روايات أُخرى ما هو مخالف لهذا، بل تشير إلى أنّ أمر صوم عاشوراء كان مجهولاً، وغير معروف حتّى للنبيصلىاللهعليهوآله ، وإنّما كان موجوداً لدى اليهود فاستغرب لمّا سمع عن صومه، وسأل عن مناسبة ذلك فأخبروه أنّه لأجل انتصار موسى على فرعون.
فقال: أنتم أولى بموسى منهم.
والأمران لا ينسجمان؛ فإنّ معنى صوم أهل الجاهليّة له، بل وصوم النبي له، أن يكون معروفاً عند النبيصلىاللهعليهوآله ، بينما استغراب النبي وسؤاله بحسب الرواية الأُخرى عن هذا الصوم وما شأنه؟ يعني أنّه لم يكن معروفاً عندهصلىاللهعليهوآله .
فمن الروايات ما ورد في مسند أحمد عن ابن عمر قال: كان يوم عاشوراء يوماً يصومه أهل الجاهليّة، فلمّا نزل رمضان سُئل عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: هو يوم من أيّام الله تعالى مَنْ شاء صامه، ومَنْ شاء تركه.
وفيه أيضاً: عن ابن عباس قال: قدم رسول اللهصلىاللهعليهوآله المدينة فإذا اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله لأصحابه: أنتم أولى بموسى منهم
فصوموه.
ثمّ إنّه يوجد في روايات أهل البيتعليهمالسلام ثلاث طوائف من الروايات:
الأولى: ما يدلّ على النهي عنه، وأنّ الصائم في ذلك اليوم حظّه حظّ آل زياد وهو النار، كما ورد في رواية عن الصادقعليهالسلام . فعن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال: سألته عن صوم يوم عرفة، فقال: «عيد من أعياد المسلمين، ويوم دعاء ومسألة».
قلت: فصوم يوم عاشوراء؟
قال: «ذاك يوم قُتل فيه الحسينعليهالسلام ، فإن كنت شامتاً فصم». ثمّ قال: «إنّ آل أُميّة نذروا نذراً إن قُتل الحسينعليهالسلام أن يتّخذوا ذلك اليوم عيداً لهم يصومون فيه شكراً، ويفرحون أولادهم، فصارت في آل أبي سفيان سُنّة إلى اليوم؛ فلذلك يصومونه ويدخلون على أهاليهم وعيالاتهم الفرح ذلك اليوم». ثمّ قال: «إنّ الصوم لا يكون للمصيبة، ولا يكون شكراً للسلامة، وإنّ الحسينعليهالسلام أُصيب يوم عاشوراء إن كنت فيمَنْ أُصيب به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممّن سرّه سلامة بني أُميّة فصم شكراً لله تعالى».
وفي رواية أُخرى عن زيد النرسي قال: سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «مَنْ صامه كان حظّه من صيام ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة وآل زياد»، قال: قلت: وما كان حظّهم من ذلك اليوم؟ قال: «النار، أعاذنا الله من النار ومن عمل يقرّب من النار».
والثانية: يُستفاد منها أنّه لا مانع منه، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صامه، وأنّه كفّارة سنة منها: ما عن أبي همام، عن أبي الحسنعليهالسلام قال: صام رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم عاشوراء. ومنها: ما عن مسعدة بن صدقة، عن أبي
عبد اللهعليهالسلام عن أبيه أنّ علياًعليهالسلام قال: «صوموا العاشوراء التاسع والعاشر؛ فإنّه يكفّر ذنوب سنة».
والثالثة: فيها التفصيل بأن لا يصام كيوم كامل، وإنّما إلى ما بعد الظهر، وأن لا يبيّت الصيام فيه، وأنّه في هذه الصورة يكون مطلوباً.
فعن عبد الله بن سنان قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: مِمّ بكائك؟
فقال: «أفي غفلة أنت؟! أما علمت أنّ الحسينعليهالسلام أُصيب في مثل هذا اليوم؟».
فقلت: ما قولك في صومه؟
فقال لي: «صمه من غير تبييت، وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملاً، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء؛ فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)...».
واعتبر جمع من الفقهاء أنّ هذه الثالثة جامع بين روايات المنع وروايات الجواز.
هذا مع وجود قائلين بالحرمة مطلقاً، وقائلين باستحباب الصوم فيه مطلقاً، وقائلين بالاستحباب لو صامه على وجه الحزن.
وللحديث المفصّل مقام غير هذا المقام؛ سواء في جهته الأصولية أو في جهته الفقهية.
سؤال عن موضوع زواج أو عقد القاسم؟
الجواب: نقل السيد هاشم البحراني في كتابه مدينة المعاجز ما يلي:
الرابع والثمانون: العوذة التي ربطهاعليهالسلام في كتف ابنه القاسم وأمره أن يعمل بما فيها.
الفخري قال: روي أنّه لمّا آل أمر الحسينعليهالسلام إلى القتال بكربلاء، وقُتل جميع أصحابه، ووقعت النوبة على أولاد أخيه الحسنعليهالسلام جاء القاسم بن الحسنعليهماالسلام وقال: يا عمّ الإجازة؛ لأمضي إلى هؤلاء الكفّار.
فقال له الحسينعليهالسلام : «يابن أخي، أنت من
أخي علامة، وأريد أن تبقى (لي)؛ لأتسلى بك». ولم يعطه إجازة للبراز.
فجلس مهموماً مغموماً، باكي العين، حزين القلب، وأجاز الحسينعليهالسلام إخوته للبراز ولم يجزه، فجلس القاسم متألّماً، ووضع رأسه على رجليه، وذكر أنّ أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له: «إذا أصابك ألم وهمّ فعليك بحلّ العوذة وقراءتها، فافهم معناها، واعمل بكلّ ما تراه مكتوباً فيها».
فقال القاسم لنفسه: مضى سنون عليّ ولم يُصبني مثل هذا الألم، فحلّ العوذة وفضّها، ونظر إلى كتابتها، وإذا فيها: «يا ولدي (يا) قاسم، أوصيك أنّك إذا رأيت عمّك الحسينعليهالسلام في كربلاء، وقد أحاطت به الأعداء، فلا تترك البراز والجهاد لأعداء (الله وأعداء) رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلّما نهاك عن البراز عاوده؛ ليأذن لك في البراز؛ لتحظى في السعادة الأبدية».
فقام [ القاسم ] من ساعته وأتى إلى الحسينعليهالسلام وعرض ما كتب (أبوه) الحسنعليهالسلام على عمّه الحسينعليهماالسلام ، فلمّا قرأ الحسينعليهالسلام العوذة بكى بكاءً شديداً، ونادى بالويل والثبور، وتنفّس الصعداء، وقال: «يابن الأخ، هذه الوصية لك من أبيك، وعندي وصية أُخرى منه لك، ولا بدّ من إنفاذها».
فمسك الحسينعليهالسلام على يد القاسم وأدخله الخيمة، وطلب عوناً وعباساً، وقال لأُمّ القاسمعليهالسلام : «ليس للقاسم ثياب جدد؟».
قالت: لا.
فقال لأُخته زينب: «ائتيني بالصندوق».
فأتت به إليه، ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسنعليهالسلام وألبسه القاسم، ولفّ على رأسه عمامة الحسنعليهالسلام ، ومسك بيده ابنته التي كانت مسمّاة للقاسمعليهالسلام فعقد له عليها، وأفرد له خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.
فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمّه، ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟
فرمى بيد زوجته وأراد الخروج (من الخيمة فجذبت ذيل القاسم ومانعته من الخروج)، وهي تقول [ له ]: ما يخطر ببالك؟ وما الذي تريد [ أن ] تفعله؟
قال
لها: أريد ملاقاة الأعداء؛ فإنّهم يطلبون البراز، وإنّي (إلى الميدان عازم، وإلى دفع الأعداء جازم)، فلزمته الزوجة، فقال لها: خلّي ذيلي؛ فإنّ عرسنا أخّرناه إلى الآخرة.
فصاحت وناحت، وأنّت من قلب حزين، ودموعها جارية على خديها، وهي تقول: يا قاسم، أنت تقول عرسنا أخّرناه إلى الآخرة، وفي القيامة بأيّ شيء أعرفك؟ وفي أيّ مكان أراك؟
فمسك القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها وقال: يا بنت العمّ، اعرفيني بهذه الردن المقطوعة. فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم، وبكوا بكاءً شديداً، ونادوا بالويل والثبور.
قال مَنْ روى: فلمّا رأى الحسينعليهالسلام أنّ القاسم يريد البراز قال له: «يا ولدي، أتمشي برجلك إلى الموت؟».
قال: وكيف يا عمّ وأنت بين الأعداء وحيد فريد، لم تجد محامياً ولا صديقاً؟ روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء.
ثمّ إنّ الحسينعليهالسلام شقّ أزياق القاسم، وقطع عمامته نصفين، ثمّ أدلاها على وجه، ثمّ ألبسه ثيابه بصورة الكفن، وشدّ سيفه بوسط القاسم، وأرسله إلى المعركة. انتهى ما في مدينة المعاجز.
وقد صار موضوع عرس القاسم وزواجه محلاً للنقاش والجدال بين الكتّاب والخطباء بأكثر ممّا يستحقّه مع أنّه لا يترتّب عليه أثر شرعي عملي بحسب الظاهر إلاّ فيما لو نقله أحد جازماً، مع عدم ثبوت الكلام عن المعصوم؛ فإنّه قد يدخل في باب الكذب عليه.
ويظهر أنّ المعركة الأكبر كانت بغير اللغة العربية كما هو واضح من تتبّع أسماء الكتب المؤلّفة في تأييد وقوع العرس وفي نفيه، فالنصيب الأكبر هو باللغة الأُرديّة، تليها الفارسيّة، وأقلّها اللغة العربيّة.
وقد تعرّض للنفي المحقّق السيد المقرّم في المقتل فقال: كلّ ما يُذكر في عرس القاسم غير صحيح؛ لعدم بلوغه سن الزواج، ولم يرد به نصّ
صحيح من المؤرّخين، والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم، فلا يمكن لأحد أن يتصوّر في حقّه هذه الخرافة، فثبوتها في كتابه المنتخب (والمعروف بالفخري) مدسوسة في الكتاب، وسيحاكم الطريحي واضعها في كتابه.
كما إنّ الدكتور الشيخ الوائلي رأى الحادثة لا تخلو من إشكالات مختلفة، فقال: إنّ الرواية في موضوع الزواج غير معتبرة، يُضاف لذلك أنّ مسألة الزواج يمكن تصورّها على نحوين:
النحو الأوّل: هو الزواج بمعنى الدخول، فهذا أركانه غير متوفّرة؛ فالقاسم صغير لم يبلغ الحلم يومئذ، والمرأة المروي أنّه تزوّج بها كانت ذات بعل يومئذ يوم الطفّ، والجو الذي كان فيه أهل البيتعليهمالسلام ليس يوم زواج أو فرح.
وأمّا النحو الثاني: فهو بمعنى العقد، أي أنّ الحسينعليهالسلام قد عقد للقاسم على إحدى بناته، فيمكن أن يرد هنا سؤال وهو أنّه ما هي الغاية من ذلك والإمامعليهالسلام يعلم أنّ القاسم سيُقتل بعد ساعة؟ بالإضافة إلى إشكالات أخرى(1) .
أقول: جريان الحادثة بالنحو الذي مرّ ذكره في نصّ الفخري، والذي نقله عنه في مدينة المعاجز بعيد؛ فالمعروف أنّ عمر القاسم بن الحسن يوم كربلاء أنّه لم يبلغ الحلم، أي لم يصل إلى عمر الخامسة عشر، بينما استشهد الإمام الحسنعليهالسلام قبل حادثة كربلاء بأحد عشر سنة، فلا يُحتمل بحسب الأوضاع العادية أن يكون الإمامعليهالسلام قد أوصى إلى ولده القاسم وحدّثه بكلّ ذلك الحديث وهو في الثالثة من العمر، وأنّه قد استوعب ذلك، وطوال هذه المدّة كان ناسياً للموضوع وللعوذة حتّى إذا حصل أمر كربلاء تذكّر كلّ تلك الاُمور فانحلّت المشكلة!
أو أنّ الحسينعليهالسلام كان أيضاً غافلاً عن وصية الزواج حتّى إذا تذكّر القاسم
____________________
1 - تجاربي مع المنبر / 130.
أمر العوذة وذكّر الحسينعليهالسلام بها ذكر الحسين الوصية الأُخرى! خصوصاً إذا تمّ ما نُقل من أنّ الحسينعليهالسلام قد أخبر أصحابه بمصارعهم ليلة العاشر، ومن ضمن مَنْ أخبرهم كان القاسم أيضاً.
وكذا في قول الحسينعليهالسلام له بناءً على ما سبق أنّه يريده أن يبقى له ليتسلّى به، فهل كان الحسين باقياً حتّى يتسلّى به، أو أنّه سيستشهد بعد قليل؟
ثمّ الطريقة التي دار فيها الحوار بين القاسم وبين سكينة، فهي في البداية لا تريده أن يخرج وإنّما تريد العرس والزواج، بينما المعروف عنها (أنّ الغالب عليها الاستغراق مع الله).
وقد أضافت بعض المصادر كلمة (فلا تصلح لرجل)، لو ثبتت فهل تلك التي لا تصلح لرجل تمنع القاسم عن نصرة الإمامعليهالسلام في ذلك اليوم العصيب، بدعوى أنّها تريد الزواج؟
وكيفية المعرفة في يوم القيامة والآخرة هل طريقها الردن، وهو طرف الكم المقطوع؟
سؤال: ماذا لو لم يخرج الحسينعليهالسلام ضدّ يزيد؟
الجواب: حقّاً هو سؤال جميل، فالعادة أن يتمّ السؤال عن أنّه لماذا ثار الحسينعليهالسلام ضدّ يزيد، وهذا السؤال يتناول القضية من طرفها الآخر. ما هي الآثار التي يمكن أن تحصل لو لم يخرج الإمام الحسينعليهالسلام ، ولم يقم بثورته؟
ويمكن تصوّر الآثار في عدّة مستويات:
المستوى الأوّل: في حدود الفكر الإسلامي، في حدوده الزمنية، في
تلك الفترة وللمستقبل: فلو لم يقم الحسينعليهالسلام بثورته تلك لكان لدينا معضلة في كيفية التعامل مع الحاكم الجائر، الذي يصل به الأمر إلى حدود التصريح بمخالفة العقائد الدينية، كما صدر من يزيد بن معاوية.
فكيف يتعامل المسلمون مع مثل هذا الحاكم؟ هل يخضعون له ويتبعونه؟ أو أنّهم ينهضون ضدّه؟
لقد سعى الأمويون وأتباعهم إلى إشاعة الفكرة الأولى، ودعموها بروايات نسبوها للرسولصلىاللهعليهوآله ، حاصلها: أنّه عليهم السمع والطاعة مهما بلغ الأمر، وأنّ خروجهم عليه فيه من المفاسد ما هو أكثر من ولايته.
ولقد سُخّر لهذه الفكرة من الأموال والرجال؛ لتكون الفكرة العامّة السائدة بين المسلمين ما يفوق الوصف والعدّ.
وكان كلّ حاكم يأتي يحلم بأُمّة الإسلام وهي خائرة العزيمة، مقيّدة الحركة، لا تستطيع غير الصبر الذليل، والخنوع الدائم سبيلاً.
ولولا خروج الحسينعليهالسلام وتضحيته بالغالي والنفيس لما أمكن للمسلمين أن ينطلقوا من أسر ذلك الجبت الفكري.
بينما الفكرة الثانية تصطدم بسلوك الإمام الحسينعليهالسلام فيما لو لم يخرج، فلو كان الخروج والثورة مشروعة لما تركها الإمام الحسينعليهالسلام .
المستوى الثاني: في حدود الوضع التاريخي الذي كان يعيشه الإمام الحسينعليهالسلام ، فإنّ تشخيص الإمام للوضع الإسلامي آنئذ، هو ما قاله: «وعلى الإسلام السّلام إذا بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد».
إنّ وجود شخص مثل يزيد وهو «رجل فاجر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق» على رأس الحكم والقيادة، يشبه أن تعطي قيادة حافلة مليئة بالركاب في طريق جبلي إلى سائق ثمل، لا يعرف من السكر موضع قدميه، بل هو أعظم.
إنّ ما رآه المسلمون في السنوات العجاف الثلاث، التي تسلّط فيها
يزيد على الأُمّة، وما ارتكب من مخازٍ ومآثم؛ حيث قتل الحسينعليهالسلام وصحبه في الأولى، وأباح المدينة في الثانية، وهدم الكعبة في الثالثة، ولو مُدّ له في العمر لمدّ حبل الموبقات.
لنشير بالصراحة إلى أنّه لم يكن هناك مجال آخر أمام الحسينعليهالسلام من الناحية الدينية، حفاظاً منه على مسيرة الأُمّة إلاّ الخروج والثورة.
المستوى الثالث: انسجام العمل الثوري الذي قام به الحسينعليهالسلام مع الأصول الدينية التي يؤمن بها.
فهو من جهة روى عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعلٍ، ولا بقولٍ كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله».
وقد طبّق هذا على الوضع الموجود آنئذ: «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ مَنْ غيّر».
ولو لم يفعل ما فعله لكان متناقضاً (والعياذ بالله)، فكيف يقول من جهة أنّ يزيد هكذا، ثمّ يُسالمه ويبايعه، ويترك الأمر له؟!
إنّ مبايعة الحسينعليهالسلام ليزيد وسكوته عنه، يعني إمضاء الخطأ الذي ارتكبه معاوية بتولية ابنه يزيد شؤون الخلافة، وهو الخطأ الذي وقف أمامه الحسينعليهالسلام في أيّام معاوية عندما قال له: «لعلك تصف غائباً، أو تنعت محجوباً، فخلّ بين يزيد وبين الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، ودع عنه ما تحاول من الخلافة».
فهل يمضي اليوم ما رفضه بالأمس؟! وهل يمضي ببيعته ليزيد أعماله المخالفة للدين؟!
إنّه حينئذ يفقد صفات الإمامعليهالسلام .
قد يقول قائل: أنّ الحسينعليهالسلام لو ترك يزيد وشأنه، فلا هو يثور عليه،
ولا يبايعه. ألم يكن ذلك مخرجاً مناسباً؟
وجوابه: أنّنا لا نفتّش عن مخارج للحسينعليهالسلام ، ولم يكن يزيد بالذي يترك الحسينعليهالسلام ؛ فإنّ هؤلاء الظالمين لا يحتمّلون أحداً يكون إلى جانبهم وهو أضعف منهم شأناً، فكيف إذا كان أعلى منهم منزلة، وأرفع شأناً عند الخلائق؟
وقد بيّن الإمامعليهالسلام أنّ الأمر قد انتهى بقوله: «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة(1) والذلّة، وهيهات منّا الذلة!».
وفي ذلك إشارة إلى سياسة يزيد، وإلى رسالته لواليه على المدينة؛ فإنّ يزيد قد أرسل رسالة ليقرأها على الناس، وأرسل إليه في صحيفة كأنّها أذن فأرة: أمّا بعد، فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة، حتّى يبايعوا، والسّلام(2).
سؤال: هل يجوز تمثيل الواقعة الحسينيّة سينمائيّاً أو غير ذلك؟
يُستفاد من كلمات علمائنا (أعلى الله درجاتهم) أنّ تمثيل الواقعة سينمائيّاً لو لم يلزم منه محرّم آخر، كالهتك أو التوهين مثلاً، أو الكذب على المعصوم بنقل ما ليس صحيحاً عنه فلا يحرم.
بل قد يكون من المهم في بعض الحالات أن يُصار إلى استخدام وسائل التأثير الإعلامي الحديثة؛ لنقل القضية الحسينيّة بواسطتها، كالمسرح والقصّة، والتصوير السينمائي(3) .
____________________
1 - أي استلال السيوف.
2 - مقتل الحسين - للأزدي.
3 - تمّ إعداد فيلم سينمائي عن حياة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وظهور الإسلام وانتصاره، وهو (الرسالة: محمّد رسول الله)، وكان له من الأثر في تعرّف غير المسلمين على =
سؤال: عن وجود الإمام الباقرعليهالسلام في كربلاء وبعدها، وكيف يمكن تفسير قول الحسينعليهالسلام لزينب عن السجّادعليهماالسلام : «احبسيه لئلاّ ينقطع نسل آل محمّد». أفلا يعتبر الباقرعليهالسلام من نسل الرسول؟
الجواب: لم أجد هذه الكلمة في ما لدي من المصادر حتّى يتمّ التحقيق في صدورها من الناحية السنديّة والتاريخية، ولكن على فرض صدورها فإنّ توجيهها واضح، وهو أنّ المقصود ليس مطلق النسل النبويّ، وإلاّ فقد كان أحفاد الرسولصلىاللهعليهوآله من سبطه الحسنعليهالسلام موجودين؛ إذ إنّه بناءً على كون أبناء الإمام الحسنعليهالسلام خمسة عشر، فإنّ الذكور منهم كانوا ثمانية(1) ، ولم يشترك هؤلاء كلّهم في كربلاء، وإنّما المقصود منه النسل النبويّ الفاعل الذي يُمثّل امتداد النبوّة في العلم والتوجيه والإرشاد للأُمّة، فلو قُتل الإمام السجّادعليهالسلام حينئذ لما بقي ذلك النسل.
وهذا غير حاصل بالنسبة لأبناء وأحفاد الإمام الحسنعليهالسلام ؛ باعتبار أنّ الإمامة كانت في نسل الحسينعليهالسلام ، وأبناء الحسن وإن كان بعضهم علماء أو مجاهدين إلاّ أنّ مقاييس الإمامة الإلهية لا تنطبق عليهم، ولم تكن فيهم.
والإمام الباقرعليهالسلام كان حتّى ذلك الوقت صغير السنّ جدّاً، حيث إنّه لم يكن له على ما قيل في أكثر الروايات التاريخية غير ثلاث سنين، وهذه سنّ لم يكن ممكناً في الحالات الطبيعية أن يقوم صاحبها بالتصرّف الخارجي المباشر مع الناس، والإرشاد والتوجيه، والأخذ والعطاء، لا سيّما في تلك الظروف الصعبة التي أعقبت ثورة الإمام الحسينعليهالسلام .
____________________
= الإسلام الشيء الكثير، وأيضاً تمّ تصوير فيلم آخر بعنوان الإمام عليعليهالسلام في إيران، وكان موفّقاً في عرض تلك الفترة من التاريخ الإسلامي، وبعده حول حياة الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام .
1 - هذا على رواية، وعلى الأُخرى أنّ الذكور كانوا ثلاثة عشر.
سؤال: أحداث المعركة أخذت زمناً طويلاً، فهل هي أكثر من يوم؟
مع أنّه قد احتمل بعض العلماء كما نقل عنهم الفاضل الدربنديرحمهالله (1) في كتابه (أسرار الشهادة) ذلك الأمر، إلاّ أنّه لا يمكن قبوله؛ فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين قاطبة، والروايات الواردة من طريق أهل البيتعليهمالسلام على أنّ المعركة بدأت بصباح اليوم العاشر من شهر المحرّم لعام 61 هـ وانتهت قبل غروب ذلك اليوم بشهادة الإمام الحسينعليهالسلام ، وقبله أصحابه (رضي الله عنهم) وأهل بيتهعليهمالسلام .
نعم، ربما يتصوّر البعض ما ذُكر من خلال حجم التفاصيل المذكورة في السيرة والكتب التأريخية؛ فيتوهّم أنّها تحدث مترتّبة، بينما هي قد تحدث متزامنة وفي وقت واحد، لكنّ الناقل لا يستطيع إلاّ أن ينقل القضية من جهات مختلفة، ويفرد لكلّ خبر منها جهة مستقلة.
فمثلاً: قد يكون الحوار الذي يجري في داخل الخيمة بين الحسين
____________________
1 - المولى، آقا ابن عابدين بن رمضان بن زاهد الشيرواني الدربندي، المعروف بـ (الفاضل الدربندي)، الحائري. ت 1285، فقيه أصولي، متكلّم محقّق مدقّق، جامع للمعقول والمنقول.
كان من تلاميذ شريف العلماء المازندراني. له (خزائن الأصول)، و (خزائن الأحكام) شرح منظومة بحر العلوم، و (قواميس القواعد) مشتمل على دراية الحديث والرجال وطبقات الرواة، وغيرها.
توفى في طهران سنة 1285 أو 1286، ونُقل إلى كربلاء، ودُفن في الصحن الحسيني.
وهو مع تبحّره الكامل في الفقه والأصول والرجال إلاّ أنّ كتابه (أسرار الشهادة)، والذي خصّصه لما جرى في كربلاء يحتوي على غير قليل من الروايات غير الثابتة.
واحتمل بعضهم أنّه يرى تعميم قاعدة التسامح في أدلّة السنن إلى الروايات التاريخية، بأنّه حتّى لو جاء بها خبر غير مسند فإنّه لا مانع من نقلها.
وزينبعليهماالسلام مثلاً قد حدث في نفس الوقت الذي يكون فيه حبيب يخطب في أنصاره، ويشجّعهم على القتال غداً، وهو في نفس الوقت الذي يكون فيه بعض الهاشميين يتعبّدون أو يقرؤون القرآن، وهذه كلّها في وقت واحد، أو حينما يحمل عدد من الأنصار في الحملة الأولى ويُقاتل كلّ منهم في جهة، وينشد من شعر الحماسة ما هو أهله، فإنّ المؤرّخ أو الراوي لا يستطيع أن ينقل ذلك إلاّ بإفراد خبر لكلّ واحد منهم، بينما قد تكون حملتهم في وقت واحد.
ولتقريب الأمر نضرب مثال الفيلم التلفزيوني؛ فإنّه قد يستطيع المخرج أن يختصر فيه عدداً من المشاهد والأفكار من خلال الصورة، فيستطيع بذلك أن ينقل أكثر من معنى في مشهد واحد، بينما لو أراد أن يتحدّث متكلّم عن ذلك لاحتاج إلى صفحات متعدّدة.
سؤال: ما معنى كلمة الإمام الحسينعليهالسلام بالنسبة إلى نسائه: (شاء الله أن يراهنّ سبايا على أقتاب المطايا)؟ هل فيها دلالة على الجبر، وأنّ هذا الأمر كان مكتوباً عليهنّ؟
الجواب: في البداية نقول: إنّ النصّ الوارد في اللهوف ليس فيه (على أقتاب المطايا)، وإنّما بهذا المقدار «شاء الله أن يراهنّ سبايا» في حادثة ينقلها(1).
____________________
1 - اللهوف في قتلى الطفوف: قال السيد ابن طاووس الحسني / 39: ورويت من كتاب أصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الثقة، وعلى الأصل إن كان لمحمّد بن داود القمّي بالإسناد عن أبى عبد اللهعليهالسلام قال: سار محمّد بن الحنفية إلى الحسين في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكّة، فقال: يا أخي، إنّ أهل الكوفة مَنْ قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفتُ أن يكون حالك كحال مَنْ مضى، فإن رأيت أن تُقيم؛ فإنّك أعزّ مَنْ في الحرم =
وهناك تعبيرات في القرآن عن المشيئة والإرادة الإلهية تنتهي إلى أنّ لله إرادتين ومشيئتين:
تكوينية: وهي لا تتخلّف، فإن شاء شيئاً كان من غير معالجة، وإذا أراده تحقّق( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) .
ولتقريب المعنى، مع ملاحظة الفارق نقول: إنّ الإنسان لو أراد أن يصوّر شيئاً في ذهنه فلا يحتاج هذا التصوير إلاّ إلى لمحة التفاتة فيحضر المعنى المصوّر في ذهنه فوراً، فلو أراد أن يتصوّر بحراً أو شجرة أو غيرها فإنّه لا يحتاج إلى معالجات وإعدادات، وإنّما يكفي أن يتصوّرها ويوجّه ذهنه إليها.
فخلق الله للأشياء يكفي أن يريد ذلك؛ لكي يتحقّق الموجود ويصبح مخلوقاً خارجيّاً. وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه المشيئة والإرادة التكوينية فقال:( لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) (2) ،( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) (3) ،( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
____________________
= وأمنعه.
فقال: «يا أخي، قد خفتُ أن يغتالنى يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت».
فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ؛ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.
فقال: «أنظر فيما قلت».
فلمّا كان السحر ارتحل الحسينعليهالسلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟
قال: «بلى».
قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟
فقال: «أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين، أخرج؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً».
فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! فما معنى حملك هؤلاء النساء معك، وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟
فقال له: «قد قال لي (أي الرسول) إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا». وسلّم عليه ومضى.
1 - سورة يس / 82.
2 - سورة الأنعام / 112.
3 - سورة البقرة / 20.
الرِّجْسَ... ) (1) .
وتشريعية: وهي أن تتعلّق مشيئة الله بفعل العبد، فهو لا يجبر العبد عليها، وإنّما يحثّه عليها تارة، ويزجره عنها أُخرى بأوامره ونواهيه، ولا يقسره على فعلها ولا يجبره على تركها، وإنّما يبين له بالرسل، ويهديه بالعقول، ويزوّده بالإرادة والاختيار؛ لكي يختار، و( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (2) ، وهي التكاليف الشرعية، وقد تحدّث عنها القرآن الكريم أيضاً بلسان الإرادة الإلهية فقال:( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (3) ، و( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (4) ، و( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) (5) .
وهذه الثانية تبقي للإنسان مجال الاختيار، ولا يكون مسيّراً فيها إلى جهة برغم إرادته، وإنّما يكون في كلّ حالاته مختاراً يستطيع الاستمرار ويستطيع التراجع، ومثل هذه الإرادة قول الإمام الحسينعليهالسلام : «شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء الله أن يراهنّ سبايا».
كيف نعرف أنّ هذه إرادة تشريعية لا تكوينية (أن يراهنّ...)؟
- لمخالفة ذلك لعقيدة الاختيار التي يدين بها الإسلام، ويُعرف بها أهل البيتعليهمالسلام ، هذا مع أنّها كان يمكن أن تتخلّف بتغيير الحسينعليهالسلام رأيه، أو
____________________
1 - سورة الأحزاب / 33.
2 - سورة الشمس / 9 - 10.
3 - سورة البقرة / 185.
4 - سورة النساء / 26.
5 - سورة المائدة / 6.
مسيره، بينما التكوينية لا تتخلّف.
والشاهد عليه: أنّ محمّد بن الحنفية، والذي يُعرف عنه القول بالاختيار والإرادة تبعاً لما أخذه من أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام ، لم ينكر على الإمامعليهالسلام مقالته، هذا مع ملاحظة كلام أمير المؤمنينعليهالسلام لمّا سأله [ شيخ ]: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ [قال]: «... ويحك! لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاتماً؟ ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، وأنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً،ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» (1) .
ومعنى الكلمة: أي شاء الله أن أخرج على القوم فيحاربونني فأكون قتيلاً، وشاء أن أصحب النساء لتكميل المسيرة فيكنَّ سبايا بعد قتلي، ويقمنَّ بدورهنَّ في تكميل الثورة.
وبالفعل، فقد كان لذلك السبي أكبر الأثر في بقاء الثورة الحسينيّة، وتعريف الناس لحقيقة الحكم الأموي ومخالفته لأحكام الدين ممّا أنتج الثورات المضادّة له إلى أن سقط الحكم الجائر ذاك.
سؤال: ما هي الفوائد المترتّبة على زيارة الإمام الحسينعليهالسلام ؟
الجواب: نقل ثقة الإسلام الشيخ الكليني بسند صحيح عن الإمام الصادقعليهالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مَنْ أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة».
____________________
1 - سورة ص / 27.
ونقل أيضاً بسند صحيح عن الإمام الباقرعليهالسلام : «مروا شيعتنا بزيارة الحسين؛ فإنّ إتيانه فرض على كلّ مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة».
وروى شيخ الطائفة بسند معتبر عن عبد الله بن سنان، عن الصادقعليهالسلام : «بينا الحسين بن علي في حجر رسول الله إذ رفع رأسه فقال: يا أبه، ما لِمَنْ زارك بعد موتك؟ فقال: يا بُني، مَنْ أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة، ومَنْ أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومَنْ أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة»(1) .
في البداية لا بدّ من التنبيه على حقيقة هي: اختيار الله مجموعةً من الناس واصطفاؤه إيّاهم، وهذا وإن لم يقبله البعض حسداً أو جهلاً، إلاّ إنّه حقيقة واقعة، فقد قال الله سبحانه:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ، وعرّف النبي محمّدصلىاللهعليهوآله بالمصطفى والمختار لهذه الجهة.
تماماً مثلما أنّه يمكن أن يختار الله زماناً كرمضان فيشرّفه ذلك التشريف العظيم، بحيث تكون إحدى لياليه أفضل من ثمانين عاماً ليس فيها ذلك الشهر وتلك الليلة، أو يختار مكاناً كمكّة مع أنّه بحسب الظاهر( غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ، ولا ضرع، ولا ميزة ظاهرية، أو أشخاصاً كمَنْ ذكر، فيتعبّد الله الناس باحترام تلك الأماكن والأزمنة التي اختارها وتقديسها، ويتعبّدهم أيضاً بتقدير وتقديس واتّباع اُولئك الناس الذين اختارهم( عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ، ويجعل صلواته وصلوات ملائكته عليهم( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
____________________
1 - قد مر بيان الوجه في ترتب ثواب عظيم على عمل - بحسب الظاهر - قليل.
2 - سورة آل عمران / 33.
3 - سورة إبراهيم / 37.
4 - سورة الدخان / 32.
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (1) ، حتّى لقد أصبح أمر الصلاة على النبي وآله من واجبات الصلاة عند جميع المسلمين، ومن ذلك أمر زيارة قبورهم.
أمّا مشروعية زيارة القبور: فلا شك فيها عند المسلمين؛ وذلك لما ورد من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنّها تذكركم الآخرة»(2) .
وقد دعا (صلوات الله عليه) إلى زيارة قبره بعد وفاته، فقد نُقل عنه: «مَنْ زار قبري بعد موتي وجبت له شفاعتي»(3)، و «مَنْ زارني في مماتي فكأنّما زارني في حياتي»، بل حتّى غير قبر النبي، وقد ثبت أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قد زار قبر أُمّه فبكى وأبكى(4) .
وكان (صلوات الله عليه) يخرج فيزور قبور المسلمين في البقيع، كما كانت فاطمة الزهراءعليهاالسلام تخرج إلى المسجد فتزور أباها، ثمّ تخرج إلى أُحد فتزور عمّها حمزة بن عبد المطلب(5) .
____________________
1 - سورة الأحزاب / 56.
2 - مسند أحمد 1 / 145، ويحتمل أن يكون النهي عن زيارة القبور، لو فُرِض صحة الحديث في هذه الجهة، كان راجعاً إلى زيارة المسلمين لقبور آبائهم المشركين، وهو ممّا لا ينبغي منهم؛ فإنّه إذا كان بالنسبة للمنافقين(... وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) فهو بالنسبة للمشركين من باب أولى.
3 - ألّف الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي كتاباً كاملاً بخصوص رجحان واستحباب زيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآله ، ردّاً على ما زعمه بعض من خلاف ذلك، وسمّاه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام).
4 - ذخائر العقبى في مودّة أهل القربى - لأحمد بن عبد الله الطبري.
5 - وفي فعلها ذاك ردّ على مَنْ يدّعي وجود الكراهة، فضلاً عن الحرمة في زيارة النساء للقبور. وأمّا ما تمسّك به بعض من أنّ مجيئهنّ يكون سبباً لارتفاع =
وأمّا معنى الزيارة: ففي أصلها اللغوي هي: بمعنى المَيل والقصد كما ورد في القرآن الكريم في قصّة أهل الكهف:( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ... ) (1) ، وسمّيت شهادة الزور بذلك؛ لأنّها مائلة عن الحقّ.
أهداف الزيارة:
1 - تكريم المزور وأداء حقّه.
2 - ارتباط بين الناس وبين المعصومين.
3 - تسليط الضوء على جهاد الصالحين وعملهم؛ ولذلك كان المطلوب (عارفاً بحقّه...).
____________________
= أصواتهنّ بالنياحة، أو اختلاط الرجال بالنساء.
ففيه أنّه لو تمّ ذلك لكان ينبغي منع الحجّ لِما فيه من الاختلاط و....
والعجيب أنّه كيف تؤسس الفتاوى على مثل هذه المستندات؟!
1 - سورة االكهف / 17.
ملاحظات على قضايا تأريخية
* هل التقى الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري؟
بعد رحلة متعبة ومجهدة إلى الكوفة، ثمّ إلى الشام، استمرّت قرابة أربعين يوماً، عاد الركب الحسيني محمّلاً بأثقال الألم، إلى جانب أكاليل النصر وتحقيق هدف النهضة الحسينيّة (وهل كانت ولادة الأهداف السامية من غير ألم؟!)، واتّجه إلى كربلاء حيث موطن الذكريات، وهناك التقى عند المصرع بجابر بن عبد الله الأنصاري.
فقد روى الشيخ عماد الدين محمّد بن أبي القاسم محمّد بن علي الطبري في كتابه (بشارة المصطفى) قصّة الحادثة كما يلي: أخبرنا الشيخ الأمين أبو عبد الله محمّد بن شهريار الخازن، بقرائتي عليه في مشهد مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام في شوال سنة اثني عشرة وخمسمئة قال: أملى علينا أبو عبد الله محمّد بن محمّد البرسي قال: أخبرني أبو طاهر محمّد بن الحسين القرشي المعدّل قال: حدّثنا
أبو عبد الله أحمد بن أحمد بن حمران الأسدي قال: حدّثنا أبو أحمد إسحاق بن محمّد بن علي المقري قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن الأيادي قال: حدّثنا عمر بن مدرك قال: حدّثنا يحيى بن زياد الملكي قال: أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ اتزر بإزار، وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه.
ثمّ لم يخطُ خطوة إلاّ ذكر الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه، فألمسته فخرّ على القبر مغشيّاً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء.
فلمّا أفاق قال: يا حسين، ثلاثاً.ثمّ قال: حبيب لا يُجيب حبيبه، ثمّ قال: وأنّى لك بالجواب؛ وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفُرّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيّين، وابن سيّد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء، وما لك لا تكون هكذا؟! وقد غذّتك كفّ سيّد المرسلين، ورُبّيت في حجر المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فطبت حيّاً، وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك، ولا شاكّة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.
ثمّ جال بصره حول القبر، وقال: السّلام عليكم أيّتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين، وأناخت برحله، وأشهد أنّكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين. والذي بعث محمداً بالحق نبيّاً، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.
قال عطية: فقلت له: يا جابر، كيف ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فُرِقَ بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم، وأُرملت أزواجهم؟!
فقال: يا عطية، سمعت حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «مَنْ أحبّ قوماً حُشر معهم، ومَنْ أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم». والذي بعث محمداً بالحق نبيّاً، إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسينعليهالسلام وأصحابه.
خذني نحو إلى أبيات كوفان، فلمّا صرنا في بعض الطريق، قال: يا عطية، هل أوصيك؟ وما أظن أنّني بعد هذه السفرة ملاقيك، أحبب محبّ آل محمّدصلىاللهعليهوآله ما أحبّهم، وابغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم وإن كان صوّاماً قوّاماً، وأرفق بمحبّ محمّد وآل محمّد؛ فإنّه إن تزلّ له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أُخرى بمحبّتهم؛ فإنّ محبّهم يعود إلى الجنّة، ومبغضهم يعود إلى النار(1).
وقد شكك الشهيد الشيخ المطهريرحمهالله في الملحمة الحسينيّة بأمر لقاء الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري، وذكرها تحت عنوان التحريفات اللفظية: قصّة زيارة الأُسراء لقبر الحسين في كربلاء، وملاقاة السجّاد لجابر، وذلك بعد أن وصل الأسرى إلى مفترق طريق بين المدينة والعراق، والاستعانة بالنعمان بن بشير لمعرفة طريق كربلاء، في حين أنّ حقيقة الزيارة المعروفة هي زيارة جابر وعطية العوفي لقبر الحسين لا غير. (هذا على فرض كون كلّ ما جاء في الطبعة العربية المترجمة صحيح النسبة إلى الشهيد المطهري، وهو ما لم يقبله المحقّق السيد جعفر العاملي في كتابه الجديد كربلاء فوق الشبهات).
ولم يذكر الشهيد المطهريرحمهالله ، وهو المحقّق المتتبّع، ما يدلّ على كون الواقعة غير حقيقية، أو جهة كونها من التحريفات اللفظية!
ولعل
____________________
1 - بشارة المصطفى / 75.
حرصه على أن تكون الاُمور محقّقة، وحماسه ضدّ المبالغات غير المقبولة في السيرة الحسينيّة، كما يلحظ ذلك قارئ الملحمة، أدّى به لذلك.
فمع أنّنا لا نجد تأريخاً صريحاً للواقعة في المصادر التاريخية القديمة - في الباقي منها - كما هو الحال في الباقي من مقتل أبي مخنف الأزدي، والذي نقل منه الطبري كثيراً، ولم ينقله بكامله، وإنّما نقل ما يرتبط بالقضية التأريخية التي تنفعه في كتابه.
ولا يضرّ عدم ذكره الواقعة؛ فإنّه لم يذكر أصل زيارة جابر الأنصاري، كما لا يضرّ عدم ذكرها في المصادر التاريخية القديمة؛ فإنّ أوّل مَنْ ذكر الزيارة هو صاحب (بشارة المصطفى) المتوفى بعد سنة 553 هـ فإنه قد التزم الشيخ الطبري بأنّني (سمّيته بكتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى (صلوات الله عليهم) ولا أذكر فيه إلاّ المُسنَد من الأخبار عن المشايخ الكبار، والثقاة الأخيار).
والشيخ الطبري وهو من تلاميذ ابن شيخ الطائفة الطوسي (أعلى الله مقامهم) في تلك الطبقة، يمكن أن تُقبل شهادته في التوثيق، وأنّها عن حس لا عن حدس واجتهاد. ومع هذا يمكن الاطمئنان إلى وثاقة مَنْ هم في سند هذه الرواية التي نقلها في كتابه؛ فإنّهم يتحدّثون في علم الرجال في باب التوثيقات العامّة عن كتاب (بشارة المصطفى) كواحد من الكتب التي تفيد وثاقة مَنْ ورد في أسانيد رواياته؛ إمّا كلّ مَنْ ورد في سلسلة السند، كما لعلّه الأظهر؛ باعتبار أنّ صاحب الكتاب وهو الضليع في هذا الفنّ يريد أن يصحح رواياته، وهذا لا يتمّ إلاّ بالحكم بوثاقة مَنْ هم في السند جميعاً، وإمّا خصوص مشايخه على الخلاف المبحوث في بابه.
كما ذكر الشيخ الجليل نجم الدين جعفر بن محمّد بن جعفر أبي البقاء هبّة الله بن نما الحلّي، (وهو الشيخ الفقيه الذي كان من الفضلاء والأجلّة، وكبراء الدين والملّة، عظيم الشأن، جليل القدر، وأحد مشايخ
آية الله العلاّمة... كما ذكر المحدّث القمّي في الكنى والألقاب، وغيره في غيره)، والمتوفّى سنة 645 هـ في كتابه (مثير الأحزان ص 76، طبع المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، بنحو الاختصار موضوع اللقاء بين جابر وبين ركب السبايا، فقال: ولمّا مرّ عيال الحسين بكربلاء وجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمة الله عليه) وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد، فتلاقوا بالحزن والاكتياب، والنوح على هذا المصاب المقرح لأكباد الأحباب). وقد طبع هذا الكلام في حاشية مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي ص 220.
وقد ذكر الموضوع أيضاً السيد علي بن طاووس الحلّي، المتوفّى سنة 664 هـ في كتابه (اللهوف) في صفحة 196 فقال: ولمّا رجع نساء الحسين وعياله من الشام، وبلغوا العراق قالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء، ووصلوا إلى المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاريرحمهالله وجماعة من بني هاشم قد وردوا لزيارة قبر الحسين، فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم.
ونحن لا نرى وجود مانع يمنع من الالتزام بالرواية المذكورة؛ فمن الناحية التاريخية كان دخول السبايا إلى الشام في أوّل يوم من صفر، كما رواه الكفعمي والبهائي والمحدث الكاشاني، وكان بقاؤهم في الشام خمسة أو سبعة أيام، ثمّ عودتهم إلى كربلاء، مع ملاحظة أنّ ذهابهم كان أكثر من ذلك؛ لتوقّفهم في الكوفة، ولأنّهم كانوا يريدون التفرّج عليهم في رحلة الذهاب، بخلاف ذلك في رحلة العودة.
وعلى أيّ حال، فإنّ خمسة عشر يوماً، أو ثلاثة عشر يوماً كافية للوصول إلى كربلاء في رحلة العودة.
هذا، ولكنّي عثرت فيما بعد على كلام لشيخ الطائفة الطوسيرحمهالله يشير فيه إلى يوم الأربعين، باعتباره اليوم الذي عاد فيه
حرم الحسينعليهالسلام إلى كربلاء، وهو نفسه اليوم الذي زار فيه جابر بن عبد الله قبر الحسين، فأحببت إضافته إلى هذه الصفحات.
وربما يتوهّم أنّه اليوم (كتاريخ ومناسبة) لا اليوم الشخصي، لكنّه بعيد جدّاً من سياق الخبر كما ستلاحظ.
قال الشيخ في مصباح المتهجد: (وفي اليوم العشرين منه كان رجوع حرم سيّدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالبعليهماالسلام من الشام إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله ، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله (ورضي عنه) من المدينة إلى كربلاء؛ لزيارة قبر أبي عبد اللهعليهالسلام ، فكان أوّل مَنْ زاره من الناس، ويستحبّ زيارتهعليهالسلام فيه، وهي زيارة الأربعين)(1).
هل كانت أُمّ البنين موجودة بعد كربلاء؟
جرت عادة الخطباء على ذكر أُمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلابية، واستقبالها بشر بن حذلم، ثمّ استقبالها للركب الحسيني والنساء، وهكذا خروجها لندبة أبنائها، ولكن استبعد المحقّق المقرّم في كتابه القيّم (مقتل الحسين) بقاء أُمّ البنين، وأنّها كانت موجودة إلى يوم الطفّ.
ونحن لا نرى استبعاد العلاّمة المحقّق السيّد المقرّمرحمهالله في محلّه؛ فإنّه بعد أن قال: لم أعثر على نصّ يوثق به، يدلّ صراحة على حياة أُمّ البنين يوم الطفّ، ثمّ بدأ بمناقشة رواية أبي الفرج الأصفهاني عن محمّد بن علي بن حمزة عن النوفلي، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن عمّار، عن الصادقعليهالسلام أنّ أُمّ البنين كانت تخرج إلى البقيع تندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس إليها؛ ليسمعوا منها، وكان مروان يجيء فيمَنْ يجيء؛ لذلك فلا يزال يسمع ندبتها.
ثمّ شرع في مناقشة رواة
____________________
1 - نقله في الوسائل 14 / 479، وقال: إنّه قد روى المفيد ذلك أيضاً مرسلاً، في (مسارّ الشيعة).
قلت: ليس عندي هذا الكتاب حتّى أرى عبارته.
السند قائلاً: بأنّ رجال إسناده لا يعبأ بهم؛ فإنّ النوفلي وهو حكي عن أحمد أنّ عنده مناكير، وعند أبي زرعة ضعيف الحديث، وعامّة ما يرويه غير محفوظ، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدّاً، وقال النسائي: متروك الحديث.
ومعاوية بن عمّار بن أبي معاوية، قال أبو حاتم: لا يُحتجّ بحديثه، وإن أُريد غير هذا فمجهول.
ثمّ عرج على المتن، وانتهى إلى أنّ نسبة أبي الفرج خروج أُمّ البنين إلى البقيع هي فرية واضحة؛ إذ لا شاهد عليها، وغايته التعريف بأنّ مروان بن الحكم رقيق القلب.
ثمّ عطف المحقّق المقرّم على ذلك أنّ أبا الفرج ناقض نفسه بأن قال في موضع آخر: إنّ العباس كان آخر مَنْ قُتل من إخوته، فحاز مواريثهم، وورث العباسَ ابنُه عبيد الله، وهذا يفيدنا وثوقاً بوفاة أُمّ البنين يوم الطفّ؛ فإنّها لو كانت موجودة لكان ميراث العباس مختصّاً بها؛ لكونها أُمّهم ولا يرثهم العباس لأنّه أخوهم. ذكر ذلك في سفره القيّم (مقتل الحسين).
ولنا مع العلاّمة المحقّق المقرّم (رضوان الله عليه) وقفتان:
الأولى: نقاشه في رجال السند.
فأوّل ما هو مذكور في رواية أبي الفرج (علي بن محمّد بن حمزة)، وهذا الشخص لا ذكر له في كتب الرجال أصلاً، ويظهر أنّ في اسمه تقديماً وتأخيراً. والصحيح هو (محمّد بن علي بن حمزة المعروف بالعلوي)، وهو ابن الحسن بن عبيد الله بن العباس ابن أمير المؤمنينعليهالسلام ، والذي نقل عنه أبو الفرج كثراً واعتمد عليه؛ فقد ورد ذكره في أكثر من عشرين موضعاً من كتاب المقاتل، وروى عنه النوفلي علي بن محمّد أيضاً في المقاتل.
وهذا الرجل يظهر أنّه كان محيطاً بأخبار حركات أبناء الأئمّة، وتاريخ نهضاتهم ضدّ الحاكمين؛ فكان المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه أبو الفرج في كتابه، وهو كما يقول النجاشي: ثقة
عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له رواية عن أبي الحسن وأبي محمّدعليهماالسلام ، وله مكاتبة، وفي داره حصلت أُمّ صاحب الأمر بعد وفاة الحسنعليهالسلام . ويذكر آية الله الخوئي في معجمه أنّ له كتاب باسم مقاتل الطالبيين.
وأمّا النوفلي فإنّه لقب رجال كثيرين: منهم الحسن بن محمّد بن سهل، وعبد الله بن الفضل بن عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، وهو من أصحاب الصادق وثقة، والحسين بن يزيد بن محمّد بن عبد الملك النوفلي، وهو من أصحاب الرضا، وعلي بن محمّد بن سليمان النوفلي، وهو من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكري.
والمكثر للروايات في الفقه هو الحسين بن يزيد، الذي يروي عن السكوني عادة، وله في أبواب الفقه، لاسيما في المعاملات، روايات كثيرة.
ولكنّ الذي يروي عنه أبو الفرج في المقاتل ليس هذا، وليس كما ذكر السيّد المقرّم أنّه يزيد بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وإنّما هو علي بن محمّد بن سليمان النوفلي، ومع التتبّع لكتاب المقاتل يظهر أنّه يعتمد عليه اعتماداً كبيراً فيما ينقل من أمور ترتبط بأبناء عليعليهالسلام في أكثر من 23 موضعاً، وهذا بدوره ينقل عن أبيه كثيراً، فترى صاحب المقاتل ينقل عنه في قضية يحيى بن زيد، ويعتمد على روايته بشكل أساسي في نقل أحداث حركة عيسى بن زيد، وفي ثورة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن.
وهذا النوفلي قد يُذكر في الرجال تارة بعنوان علي بن محمّد، وأُخرى علي بن محمّد بن سليمان، ومع أنّ له رواية عن الإمام الجوادعليهالسلام ، ومكاتبة للإمام
العسكريعليهالسلام ، وقد ذكره الصدوق في مشيخته، وطريقه إليه صحيح، إلاّ أنّه لا توثيق له بخصوصه وإن كان إماميّاً، لكن يمكن استفادة ذلك من التوثيق العام بالنسبة لِمَنْ لم يستثنَ من كتاب نوادر الحكمة، بناءً على أنّ عدم الاستثناء لهم لا يختصّ بتصحيح الروايات في الكتاب المذكور، وإنّما هو إضافة إلى ذلك توثيق للرواة، كما هو مسلك كثيرين؛ فإنّه قد ذكر علي بن محمّد النوفلي في مَنْ لم يستثنَ من رواة كتاب النوادر.
والنوفلي روى في اُصول العقائد، كما هو في الكافي في أكثر من موضع، وفي الفروع أيضاً، لكن يبدو أنّه كان متخصّصاً أكثر في حقل التاريخ، وضبط أحداث معارضة أهل البيت وأبنائهم للحاكمين؛ ولذلك اعتمده أبو الفرج في مقاتله، وروى عنه الطبري أيضاً أحداث الثورات التي تقدّم ذكرها.
وأمّا حمّاد بن عيسى الجهني من أصحاب الصادق والكاظمعليهماالسلام كان ثقة في حديثه صدوقاً، وممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، وأقروا لهم بالفقه.
وأمّا معاوية بن عمّار بن أبي معاوية فهو العجلي الدهني، من أصحاب الإمام الصادقعليهالسلام ، وقد نصّ على توثيقه وجلالة شأنه مَنْ تعرّض لذكره في الرجال، فقد قال النجاشي: كان وجهاً من أصحابنا، متقدّماً كبير الشأن، عظيم المحلّ، ثقة، وكان أبوه عمّار ثقة في العامّة وجهاً. روى معاوية عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ، ومات في سنة خمس وسبعين ومئة. ومثله ذكر في الخلاصة.
ولذا فمن العجيب أن ينقل العلاّمة المقرّم قول أبي حاتم فيه: أنّ معاوية بن عمّار بن أبي معاوية لا يُحتجّ بحديثه، وإن أُريد غير هذا
فمجهول؛ إذ تضعيفه عندهم كما هو جارٍ في غيره إنّما هو على أساس مذهبه وتشيّعه؛ فإنّهم يسارعون إلى الطعن فيمَنْ عُرف عنه تشيّعه لعليعليهالسلام ، ويكفي عندهم لعدم الاحتجاج بحديثه كونه رافضيّاً - كما يقولون -، فكيف إذا كان وجهاً عندنا، وعظيم الشأن؟
ولم يكن منتظراً من المحقّق المقرّم الذي له الباع الطويل في هذا المجال، أن يعتمد على تضعيف الرجاليين المخالفين لرواة أهل البيتعليهمالسلام ، خصوصاً أنّه ذكر في المقتل بعض النماذج على التضعيف لأجل المذهب، وفي كتابه (العباس) قال في ذيل الحديث عن الأصبغ بن نباتة، عندما نقل صاحب اللئالي المصنوعة فيه أنّه متروك لا يساوي فلساً، قال المقرّم: ولقد طعنوا في أمثاله من خواص الشيعة بكلّ ما يتسنّى لهم، ويشهد لهذه الدعوى مراجعة ما كتبه السيّد العلاّمة محمّد بن أبي عقيل (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل)؛ فإنّه ذكر جملة من أتباع أهل البيتعليهمالسلام طعنوا فيهم بلا سبب إلاّ موالاة أمير المؤمنين وولدهعليهمالسلام .
وأمّا كلامه في المتن:
أمّا قوله: إنّ خروج أُمّ البنين فرية واضحة؛ غايتها التعريف بأنّ مروان بن الحكم رقيق القلب، فاستدرار الدمعة إنّما يتسبب من انفعال النفس... إلخ؛ فإنّه يمكن على فرض صحّة الخبر أن يكون ذلك من إظهار البكاء، واصطناع حالة البكاء الكاذب.
وليس هذا بعيداً من شخصية مروان المنافقة؛ حيث إنّه قد يعمل الشيء وضدّه، والأمر وخلافه إذا رأى في ذلك مصلحة دنيوية عاجلة. فهو على عدائه المعروف لأهل البيتعليهمالسلام لا يعدم وسيلة لكي يحوز بها على بغلة للحسن المجتبىعليهالسلام فيدفع أحدهم لمدح الإمام مدحاً عظيماً... إلى آخر ما ذكروه في أحواله.
فمثل هذا الأمر، حضوره في الجبّانة، وإظهار شخصه أمام
السذّج بمظهر المتعاطف ليس شيئاً مستنكراً؛ فكم وجدنا من السياسيين، والزعماء الدنيويين مَنْ يقتل القتيل ويمشي في جنازته باكياً؟!
ثمّ إنّه بمراجعة كتابه الآخر (العباسعليهالسلام ) يتبيّن أنّ السيّد المقرّمرحمهالله يخالف نظريته في كتاب مقتل الحسينعليهالسلام في أكثر من موضع، ويبني على أساس أنّ أُمّ البنين كانت موجودة إلى ما بعد زمان واقعة كربلاء.
فقد ذكر في صفحة (133) أنّ السيّدة زينب قد زارت أُمّ البنين بعد وصولهم إلى المدينة تعزّيها بأولادها كما كانت تزورها أيّام العيد. وتعزية زينبعليهاالسلام وزيارتها لأُمّ البنين بعد وصولهم إلى المدينة يُشير بوضوح إلى حياتها إلى ذلك الوقت، بل أنّ ما نفاه هناك أثبته هنا في مواضع متعدّدة:
منها في صفحة 398 حيث قال: وأوّل مَنْ رثاه (العباسعليهالسلام ) أُمّه أُمّ البنين كما في مقاتل الطالبيين؛ فإنّها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها أشجى ندبة وأحرقها؛ فيجتمع الناس لسماع ندبتها …، ويستدلّ على خطأ ما نقله أبو الفرج والطبري من أنّه (أبا الفضل) قدّم إخوته ليُقتلوا أمامه؛ لكي يرثهم.
يقول في صفحة 203: وما أدري كيف خفي عليهما - أي المؤرّخين المذكورين - (عدم إمكان) حيازة العباس ميراث إخوته مع وجود أُمّهم أُمّ البنين، وهي من الطبقة المتقدّمة على الأخ، ولم يجهل العباس شريعة تربى في خلالها.
كما يقول مثبتاً وجود أُمّ البنين حتّى يوم الطفّ، في صفحة 206: وهناك مانع آخر من ميراث العباس لهم وحده حتّى لو قلنا على بعد ومنع بوفاة أُمّ البنين يوم الطفّ؛ لوجود الأطرف وعبيد الله بن النهشلية، كما يشاركهم سيّد شباب أهل الجنّة، وزينب وأُمّ كلثوم وغيرهنّ من بنات أمير المؤمنينعليهمالسلام .
هذا إن قلنا بوفاة أُمّ البنين يوم الطفّ، ولكنّ
التاريخ يُثبت حياتها يومئذ، وأنّها بقيت بالمدينة، وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة.
ولا نعلم عن تأريخ الكتابين وأيّهما المتقدّم ليكون المتأخّر هو الناسخ، والرأي الأخير للمؤلّف، فإن كان العباس هو الكتاب الأخير، يكون ما ورد فيه عدولاً عن ما ورد في كتاب مقتل الحسين، وإن كان العكس فيلزم أن يشير إلى ما سبق أن شيّده وأكّده في كتاب العباس؟
وعلى كلّ حال، فإنّ ما بذله المحقّق المقرّم (رضوان الله عليه) من جهد في كتاب (مقتل الحسين) في نفي حياتها أخيراً، مع أنّه كان في بداية حديثه مقتصراً على عدم العثور على نصّ يوثّق حياتها لا يمكن المساعدة عليه أو قبوله.
ونفس الكلام الذي قاله بعدم وجود نصّ يوثّق حياتها يعود في عدم وجود نصّ يوثّق وفاتها، مع أنّ بقاءها إلى ما بعد مقتل الحسينعليهالسلام أمر طبيعي، وهو مقتضى الأصل.
كيف يمكن تقييم حركة المختار الثقفي وشخصيته؟ فإنّنا نلاحظ في الروايات مدحاً له وذمّاً.
تعرّض المختار بن أبي عبيدة الثقفيرحمهالله إلى حملة تشويه لحركته ولشخصيته على السواء من قبل فئتين في التاريخ الإسلامي:
الأمويين الذين حاربهم في البداية واستأصل شوكتهم، وانتقم لآل محمّد منهم، وسيأتي في الملحقات ذكر بعض مَنْ أقام عليهم جزاء جناياتهم من قادة الأمويين وأتباعهم الذين كان لهم دور سيئ في كربلاء.
ومن الزبيريين الذين حاربهم وهزمهم في البداية، ومع أنّهم قد انتصروا عليه في نهاية الأمر لفترة قصيرة لكي ينهزموا بعدها أمام الأمويين، إلاّ إنّ المختار كان قد عبّأ الجو الكوفي الذي كانوا يحاولون استمالته إلى جانبهم، عبّأه ضدّهم فلم ينتفعوا به إلى الأخير؛ فكان أن شنّوا عليه
الحرب الإعلامية أثناء المعركة وبعدها.
وإذا علمنا أنّ من الزبيريين مَنْ كان شغله التأريخ وذكر الأنساب؛ فغذّوا المصادر التاريخية بعدهم بالمعلومات المشوّهة لحركة المختار وشخصيته بما يصل في بعضها إلى التناقض أو التضاد، ولكنّ ذلك لا يهم إذا كان الغرض عندهم يتحقّق.
وربّما وصلت تأثيرات تلك الحرب الإعلامية إلى الوسط الذي كان يؤيّد حركة المختار؛ ممّا يشير إليه النهي الصادر عن الإمامعليهالسلام بأن لا يسبّوا المختار ولا يتكلّموا ضدّه.
فعن أبي جعفر الباقرعليهالسلام : «لا تسبّوا المختار؛ فإنّه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة».
وقد رواه الكشّي بسنده عن حمدويه، عن يعقوب، عن ابن أبي عُمير، وهم ثقات، عن هشام بن المثنى، وهو وإن لم يوثّق توثيقاً خاصّاً إلاّ إنّه ممّن روى عنه المشايخ الثقات، عن سدير والد حنان، وهو ممدوح وممّن روى عنه المشايخ الثقات، وقد استحسن هذا الطريق في الخلاصة، وكذا السيد ابن طاووس.
وعن الصادقعليهالسلام بسند حسن: «ما امتشطت فينا هاشمية، ولا اختضبت حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسينعليهالسلام ».
رواه الكشّي عن إبراهيم بن محمّد بن العبّاس الختلي (وهو ممدوح)، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن الحسن بن علي (بن عبد الله بن المغيرة)، عن العبّاس بن عامر، عن سيف بن عُميرة، عن جارود بن المنذر (هؤلاء تقات إماميون).
والغريب أنّ هذه الحملة المضادّة للمختار اشترك فيها (المتخاصمان) من الأمويين الذين انتقم منهم ومن أنصارهم، ومن الزبيريين الذين ثار على واليهم في الكوفة، وهم الذين تحالفوا فيما بعد مع مَنْ استطاع الهرب من قتلة الحسينعليهالسلام ، وعملوا على تلك الحملة بشكل دقيق
ومستمر؛ ممّا جعل أثرها يبقى إلى الآن في كتب التاريخ والأدب.
فتارة يصوّرونه بأنّه ادّعى النبوّة، وأنّ الوحي ينزل عليه، وأُخرى يتّهمونه بأنّه من الكيسانية أتباع محمّد بن الحنفية.
ولا أدري (ولا المنجم يدري) كيف يجتمع ادّعاء النبوّة مع اتّباع محمّد بن الحنفية؟
والمشكلة التي ساعدت على انتشار مثل هذه التهم، أنّ الظرف الذي كان يمرّ به الإمام زين العابدينعليهالسلام لم يكن ليسمح له بإظهار علاقة المختار به.
وربما يلاحظ أنّ في كتب الرجال روايات يُستفاد منها ذمّ المختار بن أبي عبيدة، وهذه إمّا أن تكون غير نقيّة السند، وإمّا أنّه يمكن توجيهها ببعض الجهات؛ فإنّ من أفضل أصحاب الإمامين الباقر والصادق وهو زرارة لو لم يكن أفضلهم، ومع ذلك قد وردت روايات، وبعضها تامّ السند، فيها ذمّ ظاهري له؛ وذلك للحفاظ عليه مثلما خرق الخضر السفينة؛ لكي تنجو من الملك الغاصب.
فمنها ما رواه جبرئيل بن أحمد، عن العنبري، عن محمّد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن أبي جعفرعليهالسلام : «كتب المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين، وبعث إليه بهدايا من العراق، فلمّا وقفوا على باب علي بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم، فخرج إليه رسوله فقال: أميطوا عن بابي؛ فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين، ولا أقرأ كتبهم».
وفيه أنّ جبرئيل بن أحمد وهو الفاريابي لم يوثّق، والعنبري لا ذكر له في الرجال. ويُحتمل أن يكون العبيدي محمّد بن عيسى وهو ثقة.
والمشكلة أيضاً في رواية يونس بن يعقوب، وهو من أصحاب الصادق والكاظم والرضاعليهمالسلام وتوفّي في زمن الإمام الرضاعليهالسلام ، ولم يروِ عن الباقرعليهالسلام أصلاً، وإنّما رواياته عن الباقر إمّا بالواسطة كما يلحظ المتتبّع في الكافي والتهذيب، أو مرفوعة عن الإمام الباقر كما في أصول الكافي، ولم
ترد ولا رواية واحدة عنه عن الإمام الباقر، وأن يكون (أبو جعفر) في الرواية مقصوداً به الجوادعليهالسلام غير محتمل؛ لوفاة يونس في زمن الرضاعليهالسلام ؛ فهذه الرواية مرفوعة للإمام الباقرعليهالسلام ولا يمكن الاعتماد عليها.
وهناك روايات أُخرى حتّى لو سلمت من المناقشة السندية، فإنّه يمكن توجيهها بالتقيّة؛ حيث إنّ سلطنة المختار لم تكن شاملة، وكان الإمام السجادعليهالسلام يعلم، حتّى بالمقاييس الطبيعية للحكم على الأشياء، فضلا عن علم الإمامة أنّ أمر المختار لا يتم؛ فلم يكن من الصالح إظهار التأييد العلني له، أو بيان علاقته به.
كما يمكن الجمع بين الروايات التي تشير إلى رفض الإمامعليهالسلام استقباله، وبين الروايات المادحة له بما ذكره ابن نما، من أنّ أنصار المختار جاؤوا لمحمد بن الحنفية طالبين منه النصر والتأييد، فجاء بهم إلى الإمام زين العابدينعليهالسلام وعرض عليه أمرهم، فقالعليهالسلام : «يا عمّ، لو أنّ عبداً أسود تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت».
وقد لا يحتمل وضع الكتاب هذا مزيداً من التحقيق في الروايات، فيمكن لِمَنْ أراد المزيد من التفصيل مراجعة تنقيح المقال للعلاّمة المامقاني، وتنزيه المختار للمحقّق السيد المقرّم، وهو مطبوع في آخر كتابه زيد الشهيد.
ملحقات
1
شهداء الفتح الحسيني
( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حتّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) (1) .
1 - الزيارة المنسوبة للإمام الحجّة (عجّل الله تعالى فرجه)، والتي تحتوي على أسماء شهداء كربلاء.
جاء في كتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس الحسني: فيما نذكره من زيارة الشهداء في يوم عاشوراء رويناها بإسنادنا إلى جدّي أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (رحمة الله عليه)، قال: حدّثنا الشيخ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عياش قال: حدّثني الشيخ الصالح أبو منصور بن عبد المنعم بن النعمان البغدادي (رحمة الله عليه)، قال: خرج من الناحية سنة اثنتين وخمسين ومئتين على يد الشيخ محمّد بن غالب الأصفهانيرحمهالله حين وفاة أبيرحمهالله ، وكنت حديث السنّ،
____________________
1 - سورة الزمر / 73.
وكتبت أستأذن في زيارة مولاي أبي عبد اللهعليهالسلام وزيارة الشهداء (رضوان الله عليهم) فخرج إليّ منه: «بسم الله الرحمن الرحيم. إذا أردت زيارة الشهداء (رضوان الله عليهم) فقف عند رجلي الحسينعليهالسلام ، وهو قبر علي بن الحسين (صلوات الله عليهما)، فاستقبل القبلة بوجهك؛ فإنّ هناك حومة الشهداء، وأومِ وأشر إلى علي بن الحسينعليهالسلام ، وقل: السّلام عليك يا أوّل قتيل من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل (صلّى الله عليك وعلى أبيك)، إذ قال فيك: (قتل الله قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الرحمان، وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفا)، كأنّي بك بين يديه ماثلاً، وللكافرين قائلاً:
أنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ علي |
نحنُ وبيتِ اللهِ أولى بالنبي |
|
أطعنُكُم بالرمحِ حتّى ينثني |
أضربُكُم بالسيفِ أحمي عن أبي |
|
ضربَ غلامٍ هاشمي عربي |
واللهِ لا يحكمُ فينا ابنُ الدّعي |
حتى قضيت نحبك، ولقيت ربّك، أشهد أنّك أولى بالله وبرسوله، وأنّك ابن رسوله (وحجّته ودينه) وابن حجّته وأمينه. حكم الله لك على قاتلك مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي، لعنه الله وأخزاه ومَنْ شركه في قتلك، وكانوا عليك ظهيراً، وأصلاهم الله جهنّم وساءت مصيراً، وجعلنا الله من مُلاقيك ومُرافقيك، ومُرافقي جدّك وأبيك، وعمّك وأخيك، وأُمّك المظلومة، وأبرأ إلى الله من قاتليك، وأسأل الله مُرافقتك في دار الخلود، وأبرأ إلى الله من أعدائك أولي الجحود. السّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
السّلام على عبد الله بن الحسين الطفل الرضيع، المرمي الصريع، المتشحّط دماً، المُصعد دمه في السماء، المذبوح بالسّهم في حجر أبيه، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه.
السّلام على عبد الله ابن أمير المؤمنين، مُبلي البلاء، والمُنادي بالولاء في عرصة كربلاء، المضروب مقبلاً ومدبراً، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي.
السّلام على العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له الواقي، السّاعي إليه بمائه، المقطوعة يداه. لعن الله قاتليه، يزيد بن الرقاد (وقاد) الحيتي، وحكيم بن الطفيل الطائي.
السّلام على جعفر ابن أمير المؤمنين، الصابر بنفسه محتسباً، والنائي عن الأوطان مغترباً، المستسلم للقتال، المستقدم للنزال، المكثور بالرجال، لعن الله قاتله هاني بن ثبيت الحضرمي.
السّلام على عثمان ابن أمير المؤمنين، سمي عثمان بن مظعون، لعن الله راميه بالسّهم خولي بن يزيد الأصبحي الأيادي، والأباني الدارمي.
السّلام على محمّد ابن أمير المؤمنين قتيل الأباني الدارمي لعنه الله، وضاعف عليه العذاب الأليم. وصلّى الله عليك يا محمّد، وعلى أهل بيتك الصابرين.
السّلام على أبي بكر بن الحسن الزكي الولي، المرمي بالسّهم الردي، لعن الله قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي. السّلام على عبد الله بن الحسن بن علي الزكي، لعن الله قاتله وراميه حرملة بن كاهل الأسدي.
السّلام على القاسم بن الحسن بن علي المضروب هامته، المسلوب لامته حين نادى الحسين عمّه، فجلى عليه عمّه كالصقر وهو يفحص برجله التراب، والحسين يقول: بُعداً لقوم قتلوك، ومَنْ خصمهم يوم القيامة جدّك وأبوك. ثمّ قال: عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك وأنت قتيل جديل فلا ينفعك. هذا والله يوم كثر واتره، وقلّ ناصره. جعلني الله معكما يوم جمعكما، وبوّأني مبوّأكما، ولعن الله قاتلك عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي، وأصلاه جحيما، وأعدّ له عذاباً أليماً.
السّلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنان، حليف الإيمان، ومنازل الأقران، الناصح للرحمن، التالي للمثاني والقرآن، لعن الله قاتله عبد الله بن قطبة النبهاني.
السّلام على محمّد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه، والتالي لأخيه، وواقيه ببدنه، لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي.
السّلام على جعفر بن عقيل، لعن الله قاتله (وراميه) بشر بن خوط الهمداني. السّلام على عبد الرحمن بن عقيل، لعن الله قاتله وراميه عمر بن خالد بن أسد الجُهني.
السّلام على القتيل بن القتيل، عبد الله بن مسلم بن عقيل، ولعن الله قاتله عامر بن صعصعة، وقيل: أسد بن مالك. السّلام على أبي عبد الله بن مسلم بن عقيل، ولعن الله قاتله وراميه عمرو بن صبيح الصيداوي.
السّلام على محمّد بن أبي سعيد بن عقيل، ولعن الله قاتله لقيط بن
ناشر الجُهني.
السّلام على سليمان مولى الحسين ابن أمير المؤمنين، ولعن الله قاتله سليمان بن عوف الحضرمي.
السّلام على قارب مولى الحسين بن علي. السّلام على منجح مولى الحسين بن علي.
السّلام على مسلم بن عوسجة الأسدي، القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف: أنحن نخلّي عنك؟ وبِمَ نعتذر إلى الله من أداء حقّك؟ ولا والله، حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أُفارقك، ولو لم يكمن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، ثمّ لم أُفارقك حتّى أموت معك، وكنت أوّل مَنْ شرى نفسه، وأوّل شهيد من شهداء الله قضى نحبه، ففزت وربّ الكعبة، شكر الله لك استقدامك ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (1) . لعن الله المشتركَين في قتلك، عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي.
السّلام على سعد بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين وقد أذن له في الانصراف: لا نُخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيك. والله، لو أعلم أنّي أُقتل ثمّ أُحيا، ثمّ أُحرق ثمّ أُذرّى، ويُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك. وكيف لا أفعل ذلك، وإنّما هي موتة أو قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟ فقد لقيت حمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار
____________________
1 - سورة الأحزاب / 23.
المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين.
السّلام على بشر بن عمر الحضرمي. شكر الله لك قولك للحسين وقد أذن لك في الانصراف: أكلتني إذن السباع حيّاً إذا فارقتك، وأسأل عنك الركبان، وأخذلك مع قلّة الأعوان، لا يكون هذا أبداً.
السّلام على يزيد بن حصين الهمداني المشرقي القاري المجدل. السّلام على عمران بن كعب الأنصاري. السّلام على نعيم بن عجلان الأنصاري.
السّلام على زهير بن القين البجلي، القائل للحسينعليهالسلام وقد أذن له في الانصراف: لا والله، لا يكون ذلك أبداً، أأترك ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أسيراً في يد الأعداء وأنجو أنا؟ لا أراني الله ذلك اليوم.
السّلام على عمرو بن قرظة الأنصاري. السّلام على حبيب بن مظاهر الأسدي. السّلام على الحرّ بن يزيد الرياحي. السّلام على عبد الله بن عمير الكلبي. السّلام على نافع بن هلال البجلي المرادي. السّلام على أنس بن كاهل الأسدي. السّلام على قيس بن مسهر الصيداوي. السّلام على عبد الله وعبد الرحمان ابني عروة بن حراق الغفاريين. السّلام على جون مولى أبي ذرّ الغفاري. السّلام على شبيب بن عبد الله النهشلي.
السّلام على الحجّاج بن يزيد السعدي. السّلام على قاسط وكرش ابني زهير التغلبيين، السّلام على كنانة بن عتيق.
السّلام على ضرغامة بن مالك. السّلام على جوين بن مالك الضبعي. السّلام على عمرو بن ضبيعة الضبعي.
السّلام على زيد بن ثبيت القيسي. السّلام على عبد الله وعبيد الله ابني يزيد بن ثبيت القيسي.
السّلام على عامر بن مسلم. السّلام على قعنب بن عمرو النمري. السّلام على سالم مولى عامر بن مسلم.
السّلام على سيف بن مالك. السّلام على زهير بن بشر الخثعمي. السّلام على بدر بن معقل الجعفي.
السّلام على الحجّاج بن مسروق الجعفي. السّلام على مسعود بن الحجّاج وابنه. السّلام على مجمع بن عبد الله العائذي.
السّلام على عمّار بن حسّان بن شريح الطائي. السّلام على حيان بن الحارث السلماني الأزدي. السّلام على جندب بن حجر الخولاني.
السّلام على عمرو بن خالد الصيداوي. السّلام على سعيد مولاه. السّلام على يزيد بن زياد بن المظاهر الكندي.
السّلام على زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي. السّلام على جبلة بن علي الشيباني. السّلام على سالم مولى بني المدنية الكلبي.
السّلام على أسلم بن كثير الأزدي. السّلام على قاسم بن حبيب الأزدي. السّلام على عمر بن الأحدوث الحضرمي.
السّلام على أبي ثمامة عمر بن عبد الله الصائدي. السّلام على حنظلة بن أسعد الشبامي. السّلام على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي.
السّلام على عمّار بن أبي سلامة الهمداني. السّلام على عابس بن شبيب الشاكري. السّلام على شوذب مولى شاكر.
السّلام على شبيب بن الحارث بن سريع. السّلام على مالك بن عبد الله بن سريع. السّلام على الجريح المأسور سوار بن أبي حمير الفهمي الهمداني. السّلام على المرتثّ معه عمرو بن عبد الله الجندعي.
السّلام عليكم يا خير أنصار. السّلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوّأكم الله مبوّأ الأبرار. أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء، ومهد
لكم الوطاء، وأجزل لكم العطاء، وكنتم عن الحقّ غير بطاء، وأنتم لنا فرط، ونحن لكم خلطاء في دار البقاء، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(1).
____________________
1 - ناقش المرحوم آية الله شمس الدين في كتابه أنصار الحسينعليهالسلام ، الزيارة من الناحية السندية، وتأمّل فيها من جهة أنّها إمّا أن يكون تأريخ صدورها المذكور في أوّلها غير دقيق، أو أنّها ليست منسوبة للإمام الحجّة، فقال:... والتاريخ المذكور للزيارة، وهو سنة اثنتين وخمسين ومئتين، لا يتّفق مع نسبتها إلى الناحية، والمعني بهذا المصطلح هو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت؛ فقد ولد الإمام المهديعليهالسلام سنة 256 هـ أو 255 هـ، وتوفّي والده الإمام الحسن العسكريعليهالسلام في اليوم الثامن من شهر ربيع الأوّل سنة 260 هـ.
وقد تنبّه الشيخ المجلسي إلى هذا الإشكال، فقال في البيان الذي عقّب به على الزيارة: واعلم أنّ في تاريخ الخبر إشكالاً؛ لتقدّمها على ولادة القائمعليهالسلام بأربع سنين. لعلّها كانت اثنتين وستين ومئتين، ويُحتمل أن يكون خروجه (الخبر) عن أبي محمّد العسكريعليهالسلام .
وإذن، فنحن بسبب هذا التعارض بين تاريخ صدور الزيارة ونسبتها أمام خيارين:
الأوّل: تأخير تاريخ صدورها عشر سنين فتكون قد صدرت سنة (262 هـ)، بدلاً من (252 هـ)، وعلى هذا فيمكن الحفاظ على نسبتها إلى الإمام الثاني عشر.
الثاني: التخلّي عن نسبتها، والمحافظة على تاريخها بافتراض أنّها صادرة عن الإمام الحادي عشر أبي محمّد العسكريعليهالسلام .
وقد جزم التستري بهذا الافتراض، فقال:... والمراد بالناحية فيه (الخبر) لا بدّ أن يكون العسكريعليهالسلام ؛ لأنّ الحجّة لم يكن ولد في تلك السنة.
أقول: يظهر أنّ ما ذهب إليه المحقّق التستريرحمهالله هو الأقرب، بالرغم من أنّ لفظ الناحية إذا أُطلق فإنّه يُقصد منه صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه الشريف)، إلاّ إنّنا وجدنا في كتب الحديث والمصادر الرجالية أيضاً التعبير عن غير الإمام الحجّة بلفظ الناحية؛ ممّا يسهل أمر حمل اللفظ على الاحتمال
____________________
الثاني، وهو أنّها صادرة عن الإمام العسكريعليهالسلام ، والذي كان أيضاً في فترات معيّنة يتعامل مع شيعته بنحو غير مباشر؛ تمهيداً للمرحلة القادمة، وتعويداً لهم على التعامل مع إمام مستور.
فنحن نرى أنّ هذا اللفظ قد استُعمل من قبل الإمام الجوادعليهالسلام للإشارة إلى أمر التشيّع، فقد نقل الشيخ الطوسي عن داوود أبي هشام الجعفري، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : ما تقول في هشام بن الحكم؟
فقال: «رحمه الله، ما كان أذبّه عن هذه الناحية». أي المذهب، أو الإمام.
ونقل الكليني (رضوان الله عليه) في الكافي عن علي بن عبد الغفار قال: دخل العباسيّون على صالح بن وصيف، ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حُبس أبا محمّدعليهالسلام ، فقال لهم صالح: وما أصنع؟ قد وكلّت به رجلين من أشرّ مَنْ قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم. فقلت: لهما ما فيه؟
فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كلّه؟
ويحتمل فيه أنّ المقصود هو انحرافه عن خطّ الإمامة، أو عن الإمام العسكريعليهالسلام .
وحين يتحدّث الشيخ الصدوق عن إبراهيم بن محمّد الهمداني يصفه بأنّه وكيل الناحية، مع أنّه لم يدرك الإمام الحجّة، بل ولا العسكري، وإنّما هو من أصحاب الرضا والجواد والهاديعليهمالسلام .
فقد قال في مَنْ لا يحضره الفقيه: إبراهيم بن محمّد الهمداني من أصحاب أبي الحسن الهاديعليهالسلام ، ووكيل الناحية، ثقة جليل، والطريق إليه حسن، كالصحيح بإبراهيم بن هاشم.
وأمّا العلاّمة في الخلاصة فقد استعمل لفظ الناحية للدلالة على الأئمّة الحجّة والعسكري والهاديعليهمالسلام فقال: محمّد بن علي بن إبراهيم بن محمّد الهمذاني - بالذال المعجمة - روى عن أبيه، عن جدّه، عن الرضاعليهالسلام ، وكان محمّد وكيل الناحية، وأبوه علي وكيل الناحية، وجدّه إبراهيم بن محمّد وكيل الناحية.
ويتحدّث السيد ابن طاووس عن داوود بن القاسم (أبي هاشم الجعفري) باعتباره وكيل الناحية الذي لا تختلف الشيعة فيه، وقد كان من أصحاب الجواد والهادي والعسكريعليهمالسلام ، وكان وكيلاً لهم، وتوفّي بعد شهادة الإمام العسكري بسنة تقريباً.
2
المصير الأسود لمجرمي كربلاء
( وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ) (1) .
يحرص القرآن الكريم في إيراده لقصص الأقوام على التركيز على عواقب الاُمور، فيؤكّد دائماً أنّ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2)؛ ولكي لا يعمي الواقع الراهن أبصار الناس بزخارف أصحاب المال، ومظاهر قوّة ذوي السلطان، فإنّه يأمر الناس بأن يسيروا في الأرض فينظروا لا إلى الآثار، وإنّما إلى العاقبة والنهايات( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) (3) .
ذلك أنّ المشكلة التي تعترض الكثير من الناس هو أنّهم يريدون أن
____________________
1 - سورة الطلاق / 9.
2 - سورة القصص / 83.
3 - سورة النمل / 69.
يروا النتائج عاجلة؛ فييأسوا مع تأخّرها من نصر الله، بينما ينصحهم القرآن بأن ينظروا إلى سنن الله في الذين خلوا من قبل، وهذه السُنّة لن تُخطئ مَنْ يعاصرونهم من الظالمين والمجرمين.
وفي قضية كربلاء شاهد صدقٍ على سُنّة الله في الظالمين، وبرهان حقٍّ على أنّ (العاقبة للتقوى).
انظر إلى تأريخ القتلة والمشاركين في الظلم، لم يمرّ عقد من الزمان إلاّ وقد تنشّبت بهم أنياب أعمالهم فأصبحوا في وهق خطاياهم السابقة، وهلكوا غير مأسوف عليهم من أحد.
وهذه النتائج لاُولئك الأشخاص الذين قاموا بالجرائم حرصاً على دنياهم، ورغبة في بقائهم، فلا مُتع الدنيا حصلوا عليها، ولا البقاء أُتيح لهم، فكما قلنا ما مرّ عقد من الزمان إلاّ وقد ابتلعت الأرض أجسادهم، وفرّقت عن الأجسام رؤوسهم، بل ربما لو لم يرتكبوا تلك الجرائم لحصلوا على مُتع من الدنيا كثيرة، ولعمروا أكثر ممّا صاروا إليه.
* يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: المسؤول الأوّل عن قتل الإمام الحسينعليهالسلام .
عجيب أنّ كُتب التأريخ قد أغفلت كيفية هلاكه، وكأنّ ذلك كان عقاب التأريخ لِمَنْ قام بما قام به من أجل أن يبقى، فإذا به في بدايات عمره من حيث السنّ (38 سنة) يهلك بنحو يختلف فيه حتّى عاد أمر هلاكه مجهولاً.
فقد نقل في ترجمة اللهوف (إلى اللغة الفارسية) ما حاصله: أنّه قد خرج للصيد فاعترضه غزال وظلّ يُطارده إلى أن انفرد عن عسكره وحرسه، ووصل إلى خباء واستسقى صاحبه ماءً فسقاه وعرّفه على اسمه، فلمّا عرفه قام إليه الأعرابي ليقتله انتقاماً للحسينعليهالسلام ، فهرب يزيد وتعلّق في هذه الأثناء بالركاب ولم يستطع الاستواء على فرسه، فظلّ هذا الفرس وهو مسرع يضرب به كلّ حجر ومدر حتّى
هلك إلى لعنة الله(1) .
ومرّ غيره على مصرعه لاعناً إيّاه؛ فأكثر مَنْ تعرّض لحديث رسول الله القائل بأنّ مَنْ أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله (البعض قال: إنّه في الدنيا. وقال آخرون: إنّه إذابته في النار. وجمع قسم ثالث بين الأمرين)، ذكره في هذا الموضع مع مسلم بن عقبة المرّي.
هل مجهولية مصرعه جزء من الإذابة؟ فقد ذكر في فيض القدير بعد أن تعرّض لشرح الحديث قال: قال القاضي عياض: وهذا حكمه في الآخرة، بدليل رواية مسلم أذابه الله في النار، أو يكون ذلك لِمَنْ أرادهم بسوء في الدنيا فلا يُمهله الله، ولا يمكّن له سلطاناً، بل يُذهبه عن قرب، كما انقضى شأن مَنْ حاربهم أيّام بني أُميّة، كعقبة بن مسلم؛ فإنّه هلك في منصرفه عنها، ثمّ هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك(2).
وقال الطبري: هلك يزيد بن معاوية، وكانت وفاته بقرية من قُرى حمص، يُقال لها: حوارين، من أرض الشام، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة 64، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم(3) . وبهلاكه انتهى الحكم من الفرع الأموي السفياني؛ حيث لم يبقَ ابنه معاوية في الحكم غير شهرين.
* عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق: والي المدينة الذي عيّنه يزيد بعد الوليد بن عتبة، والذي مال شدقه؛ لكثرة سبّه أمير المؤمنينعليهالسلام ، حتّى إذا جاءه خبر قتل الحسينعليهالسلام ونودي بقتله لم يُسمع بواعية كواعية بني هاشم، هنا استخفه الطرب، وأمالته الشماتة،
____________________
1 - اللهوف في قتلى الطفوف (فارسي) / 263، مع أنّ الكاتب قد نقل الرواية عن أبي مخنف إلاّ إنّنا لم نجد في الطبري الذي ينقل عن أبي مخنف أكثر روايات المقتل ما هو مذكور أعلاه.
2 - فيض القدير بشرح الجامع الصغير ج 6.
3 - تاريخ الطبري ج 4.
وتمثّل بقول القائل:
عجّت نساءُ بني زياد عجةً |
كعجيجِ نسوتنا غداةَ الأرنبِ |
لم يمرّ عليه إلاّ تسع سنوات حتّى كان رأسه معزولاً عن بدنه، وعاقبته هي ما يذكرها المؤرّخون؛ فإنّ عبد الملك لمّا أحكم أمر الشام، ووجّه روح بن زنباع الجذامي فلسطين شخص عن دمشق حتّى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زُفر بن الحارث، وأمر ابن الزبير على حاله، فلمّا صار إلى بطنان من أرض قنسرين أتاه الخبر بأنّ عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق، ودعا إلى نفسه وتسمّى بالخلافة، وأخرج عبد الرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبد الملك بدمشق، وحوى الخزائن وبيوت الأموال، فعلم عبد الملك أنّه قد أخطأ في خروجه عن دمشق، فانكفأ راجعاً إلى دمشق فتحصّن عمرو بن سعيد ونصب له الحرب، وجرت بينهم السفراء حتّى اصطلحا وتعاقدا، وكتبا بينهما كتاباً بالعهود والمواثيق والأيمان على أنّ لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبد الملك، ودخل عبد الملك دمشق وانحاز مع عمرو بن سعيد أصحابه، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبد الملك.
ثمّ دبّر عبد الملك على قتل عمرو، ورأى أنّ الملك لا يصلح له إلاّ بذلك، فدخل إليه عمرو عشيّة وقد أعدّ له جماعة من أهله ومواليه ومَنْ كان عنده ممّن سواهم، فلمّا استوى لعمرو مجلسه قال له: يا أبا أُميّة، إنّي كنت حلفت في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان، أنّي متى ظفرت بك وضعت في عنقك جامعة، وجمعت يديك إليها.
فقال: يا أمير المؤمنين! نشدتك بالله أن تذكر شيئاً قد مضى.
فتكلّم مَنْ بحضرته، فقالوا: وما عليك أن تبرّ قسم أمير المؤمنين؟
فأخرج عبد الملك جامعة من فضة فوضعها في عنقه، وجعل يقول:
أدنيتهُ منّي ليسكنَ روعه |
فأصولَ صولةَ حازمٍ مستمكنِ |
وجمع يديه إلى عنقه، فلمّا شدّ المسار جذبه إليه فسقط لوجهه، فانكسرت ثنيتاه، فقال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين، أن يدعوك عظم منّي كسرته إلى أن تركب منّي أكثر من ذلك، أو تخرجني إلى الناس فيروني على هذه الصورة!
وإنّما أراد أن يستفزّه فيخرجه، وكان على الباب من شيعة عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفاً، منهم عنبسة بن سعيد، فقال له: أمكراً أبا أُميّة، وأنت في الأنشوطة؟ وليس بأوّل مكر، إنّي والله لو علمت أنّ الأمر يستقيم ونحن جميعاً باقيان لافتديتك بدم النواظر، ولكنّي أعلم أنّه ما اجتمع فحلان في إبل إلاّ غلب أحدهما.
وقتله وفرّق جمعه، وطرح رأسه إلى أصحابه، ونفى أخاه عنبسة إلى العراق، وكان ذلك سنة 70 هـ.
* عبيد الله بن زياد: قال إبراهيم الأشتر، القائد العسكري لجيش المختار الثقفي، بعد انتهاء المعركة بينهم وبين جيش ابن زياد في سنة 67 هـ: قتلت رجلاً شرّقت يداه وغرّبت رجلاه تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازر فالتمسوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلاً، ضربه فقدّه نصفين.
قتلة الحسينعليهالسلام وأصحابه، وهم ممّن شارك في المعركة مباشرة(1) :
1 - عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي(2) : وقد قتل القاسم بن الحسنعليهماالسلام فلم يبرح الموقعة؛ إذ إنّ الحسينعليهالسلام جلى كالصقر لاستنقاذ القاسم ابن أخيه، بينما راحت خيل بني أُميّة لاستنقاذ عمرو هذا فاستقبلته بصدورها، ووقع تحت حوافرها وهلك في مكانه.
2 - عمرو بن الحجّاج الزبيدي: وهو الذي كان على شريعة الفرات في أربعة آلاف فارس؛ لمنع أصحاب الحسين من الوصول إليها والشرب منها.
هرب في أثناء القتال من جيش المختار الثقفي، فركب راحلته ثمّ ذهب عليها فأخذ في طريق شراف وواقصة فلم يرَ حتّى الساعة، كما يقول الطبري في حوادث سنة 66، فلا يُدرى أرض بخسته أم سماء حصبته.
3 - شمر بن ذي الجوشن: هرب من الكوفة حتّى إذا وصل قرية تُسمّى الكلتانية فوجد علجاً هناك فضربه وقال: النجاء بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير، فمضى العلج حتّى دخل قرية فيها أبو عمرة، ورأى علجاً آخر فأخذ يشكو إليه ما لقي من شمر، وسمعه رجل من أصحاب أبي عمرة ورأى كتابه، فسأل عن مكانه فدلّ عليه، وذهبوا إليه فقتلوه.
4 - عبد الله بن أسيد بن النزال الجهني.
5 - مالك بن النسير البدي.
6- حمل بن مالك المحاربي: هربوا إلى القادسية، فأرسل المختار خلفهم وجيء بهم إليه، فقال: يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله، أين الحسين بن علي؟ أدّوا إليّ الحسين، قتلتم مَنْ أُمرتم بالصلاة
____________________
1 - تمّ الاعتماد بشكل أساسي على تاريخ الطبري ج 3. ولسنا في صدد مناقشة كيفية الجزاءات التي تعرّض لها اُولئك القتلة، وإنّما في صدد بيان أنّه (بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين)، وأن لا يتصوّر المجرم بأنّه يستطيع أن يفلت من آثار عمله.
2 - الغريب أنّ أخاه عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي كان ممّن خرج مع التوّابين، بل هو من رؤسائهم، واستشهد بعد سليمان والمسيّب، كما استشهد معه أخوه الآخر خالد بن سعد بن نفيل. راجع الطبري.
عليه في الصلاة؟!
قالوا: بُعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا واستبقنا.
فقال: فهلاّ مننتم على الحسين واستبقيتموه وسقيتموه؟!
فسأل البدي: أنت صاحب برنسه؟ قيل له: نعم.
فقال: اقطعوا يدي هذا ورجليه، ودعوه فليضطرب حتّى يموت.
ففعل به ذلك وتُرك، وقدّم الآخران فقُتلا.
7- زياد بن مالك.
8- عمران بن خالد.
9- عبد الله بن قيس الخولاني.
10- عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي.
أُدخلوا على المختار فقال: يا قتلة الصالحين، لقد أقاد الله منكم، لقد جاءكم الورس(1) بيوم نحس؛ وكانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين، فقُدّموا في السوق فضُربت أعناقهم.
11 - عثمان بن خالد الدهماني.
12 - بشر بن سوط القابضي، وكانا قد اشتركا في دم عبد الرحمن بن
____________________
1 - الورس: نبت أصفر يكون باليمن يُتّخذ منه الغمرة للوحه. تقول: أورس المكان - عن الصحاح للجوهري.
ويظهر أنّه من بقايا ما أخذه الإمامعليهالسلام - وهو حقّه حيث هو الولي الشرعي دون يزيد - من القافلة التي أرسل بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وكانت محمّلة بالورس والحلل، فلقيها الحسينعليهالسلام في منطقة التنعيم، أوّل خروجه من مكة متّجهاً إلى العراق. وخيّر أصحاب الإبل قائلاً: «لا أُكرهكم، مَنْ أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه، وأحسنّا صحبته، ومَنْ أحبّ أن يُفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض». فمَنْ فارقه منهم حوسب فأوفى حقّه، ومَنْ مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه.
عقيل بن أبي طالب وفي سلبه، فقُدّما في موضع بئر الجعد فقُتلا وأُحرقا.
13 - خولي بن يزيد الأصبحي: بعث خلفه معاذ بن هانئ بن عدي (ابن أخي حجر) فجاؤوا بيته، وسألوا امرأته، فقالت: لا أدري - وأشارت بيدها إلى موضعه -، فوجدوه قد وضع قوصرة على رأسه، فجاؤوا به إلى المختار وأُحرق بالنار.
14 - عمر بن سعد: وكان قد أخذ الأمان من المختار، وأعطاه ذلك (إلاّ أن يُحدث حدثاً)، فكان أبو جعفر يقول: «أمّا أمان المختار لعمر بن سعد ألاّ يحدث حدثاً، فإنّه كان يريد به إذا دخل بيت الخلاء فأحدث». فأمر أبا عمرة فقتله، ثمّ قتل ابنه حفص.
15 - حكيم بن الطفيل السنبسي: وهو مَنْ قطع يد أبي الفضل العباس، وقيل: إنّه ضربه بعمود من حديد، ورمى الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان يقول: تعلّق سهمي بسرباله وما ضرّه شيء، فقُبض عليه وأراد أهله أن يوسطوا أحداً عند المختار، فقال: مَنْ قبض عليه لعبد الله بن كامل نخشى أن يشفع الأميرُ عدي بن حاتم في هذا الخبيث، فدعنا نقتله، فقال: شأنكم به، فنصبوه غرضاً، ورموه بالسهام إلى أن هلك.
16- مرّة بن منقذ العبدي: أحاطوا بداره، فضربه ابن كامل بالسيف، ولكن استطاع الهرب ولحق بمصعب، ثمّ شلّت يمينه فيما بعد.
17- زيد بن الرقاد (الجنبي): وكان قال: رميت منهم فتى بسهم وإنّه لواضع كفّه على جبهته يتّقي النبل، فأثبتّ كفّه فيها، وهو عبد الله بن مسلم بن عقيل، فأحاطوا بداره وخرج عليهم مصلتاً بسيفه، فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تطعنوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا به ذلك، وسقط على الأرض وبه رمق فأخرقوه بالنار.
18- عمرو بن صبيح الصدائي: وكان يقول: لقد جرحت فيهم، وطعنت بعضهم، وما قتلت منهم أحداً، فجيء ليلاً وهو على سطح داره فأُخذ أخذاً، وسُجن إلى الصباح، ثمّ قال ابن كامل للمختار: إنّه يقول أنّه قد جرح في آل محمّد وطعن، فمرنا بأمرك. فقال: عليّ بالرماح، فأمر أن يُطعن بها حتّى يموت.
19- الحصين بن نمير التميمي: الذي كان من طلائع القادة الذين قاتلوا مسلم بن عقيل في الكوفة، وقد أسر جنوده عبد الله بن يقطر وسلّموه لابن زياد حتّى قُتل، وكان له دور سيئ في كربلاء، وقد هلك في المعركة التي دارت بين جنود المختار وبين جيش بني أُميّة؛ فقد حمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير فقتله.
20- محمّد بن الأشعث: قُتل في حملة مصعب بن الزبير على جنود المختار في الكوفة.
21 - حرملة بن كاهل الأسدي: صاحب السهم المثلث، والذي رمى به كبد الحسينعليهالسلام ، والسّهم الآخر الذي رمى به عنق طفله الرضيع.
تقول الرواية: أنّه قد أخذه المختار فقطع يديه ورجليه، وأحرقه بالنار.
22 - سنان بن أنس النخعي: الذي احتز رأس الحسينعليهالسلام على بعض الروايات، أو حمله إلى ابن زياد.
تقول بعض الروايات التاريخية: أنّه كان من جملة مَنْ قُبض عليهم أيام انتصار المختار، وقد قطع جنود المختار أنامله، ثمّ قطع يديه ورجليه، وأُحرق بالنار، كما ذكر ذلك السيد ابن طاووس في اللهوف.
غير أنّ الطبري ذكر أنّه كان قد طُلب في الكوفة فهرب إلى البصرة، فهدم المختار داره.
ويظهر من المنتخب من ذيل المذيل للطبري، وكذا من ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر: أنّه كان موجوداً إلى أيام الحجّاج الثقفي، فقد قال الحجّاج: مَنْ كان
له بلاء فليقم.
فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل الحسين.
فقال: بلاء حسن.
ورجع إلى منزله فاعتقل لسانه وذهب عقله، فكان يأكل ويحدث مكانه.
المصادر
1 - ابن كثير - إسماعيل - السيرة النبوية - دار المعرفة - بيروت 1396 هـ.
2 - الأزدي - لوط بن مخنف - مقتل الحسينعليهالسلام - المكتبة العامّة للسيد شهاب الدين المرعشي - قم المقدّسة 1398 هـ (متّخذ من تاريخ الطبري).
3 - الأمين - السيد محسن - المجالس السنية في مناقب ومصاب العترة النبويّة - مؤسسة أهل البيتعليهمالسلام 1409 هـ - 1989م.
4 - الأميني - عبد الحسين - الغدير - دار الكتاب العربي.
5 - الترمذي - أبي عيسى محمّد - سنن الترمذي - دار الفكر - بيروت 1403 هـ.
6 - الحرّ العاملي - محمّد بن الحسن - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة - مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث - الطبعة الثانية 1414 هـ.
7 - الحلّي - ابن نما - ذوب النضار في الأخذ بالثار - مؤسسة النشر الإسلامي - التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة 1416 هـ.
8 - الدينوري - ابن قتيبة - الإمامة والسياسة (المعروف بتاريخ الخلفاء) - انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة.
9 - الري شهري - محمّد - ميزان الحكمة - الدار الإسلاميّة - بيروت.
10 - الشريف الرضي - علي بن الحسين - تنزيه الأنبياء - دار الأضواء - الطبعة الثانية 1409 هـ.
11 - الصدر - السيد محمّد صادق - أضواء على ثورة الحسين.
12 - الطبرسي - إعلام الورى بأعلام الهدى - مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لإحياء التراث - قم المقدّسة - الطبعة الأولى 1409 هـ.
13 - الطبري - ابن جرير - تاريخ الأمم والملوك - مؤسسة الأعلمي.
14 - الطبري - عماد الدين جعفر محمّد - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى - مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة.
15 - الطوسي - الشيخ محمّد بن الحسن - التبيان في تفسير القرآن - عن دار إحياء التراث العربي.
16 - العاملي - السيد جعفر مرتضى - الصحيح من سيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله - دار الهادي - بيروت 1415 هـ.
17 - العاملي - محمّد بن مكي - المزار - مؤسسة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - قم المقدّسة - الطبعة الأولى 1410 هـ.
18 - الغزالي - أبو حامد - المستصفى في علم الأصول - دار الكتب العلمية - بيروت 1417 هـ.
19 - المجلسي - محمّد باقر - بحار الأنوار الجامعة لدرر الأئمّة الأطهار - مؤسسة الوفاء - بيروت - الطبعة الثانية 1403 هـ.
20 - المفيد - محمّد بن النعمان - الإرشاد.
21 - المفيد - محمّد بن النعمان - المسائل العكبرية.
22 - المقرّم - عبد الرزاق - مقتل الحسين.
23 - المناوي - محمّد بن عبد الرؤوف - فيض القدير بشرح الجامع الصغير - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 1415 هـ.
24 - الهيثمي - نور الدين علي - مجمع الزوائد - دار الكتب العلمية - بيروت 1408 هـ.
25 - ابن حنبل - أحمد - مسند أحمد - دار صادر - بيروت.
26 - ابن طاووس - السيد رضي الدين علي بن موسى - اللهوف في قتلى الطفوف - عن الطبعة الفارسية (همراه فرجام قاتلان إمام حسين) - الطبعة الخامسة 1378 هـ ش - دفتر نشر تويد إسلام - قم المقدّسة.
27 - ابن طاووس - السيد رضي الدين علي بن موسى - إقبال الأعمال (زيارة الحسينعليهالسلام في نصف شعبان) - مكتب الإعلام الإسلامي - الطبعة الأولى 1414 هـ.
28 - ابن قدامة - عبد الله بن أحمد - المغني - دار الكتاب العربي - بيروت.
29 - شمس الدين - محمّد مهدي - أنصار الحسين (الرجال والدلالات) - الدار الإسلاميّة - بيروت 1401 هـ.
30 - عبده - محمّد - نهج البلاغة - دار المعرفة - بيروت.
31 - مؤسسة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام إعداد معهد تحقيقات باقر العلوم - منظمة الإعلام الإسلامي - دار المعروف - قم المقدّسة.
فهرس الأسئلة
سؤال: لماذا لم يستلم مسلم بن عقيل الكوفة ولِمَ لم يقتل ابن زياد عندما...؟.............. 29.
سؤال: مقالة الحسين للحرّ الرياحي: ثكلتك أُمّك، هل تناسب...؟.................... 35.
سؤال: هل كان الحسين يعلم بمقتله أم لا؟ والأمر نفسه بالنسبة إلى أمير المؤمنين؟ فإن كان يعلم فهو إلقاء بالنفس في التهلكة، وإن كان لا يعلم فكيف يمكن تنفسير ما يذكر على المنابر...؟...................................... 38.
سؤال: هناك مَنْ يقول: لماذا تبكون على الحسين مع أنّ النبي قد نهى عن البكاء والنياحة؟ إنّنا نجد أنّ الشيعة يقومون في...؟ 45
سؤال: لماذا يُقام العزاء للحسين كلّ سنة مع أنّه قُتل في سبيل الله، ولماذا لا يُقام العزاء لغيره ممّن هو أفضل منه كالرسول؟ 55.
سؤال: كيف يمكن تصديق الروايات التي تعدّ بثواب عظيم لأجل عمل بسيط وهو البكاء وترتّب عليه دخول الجنة؟ 57.
سؤال: هل أنّ الذي قتل الحسين هم شيعته؟ فنحن نقرأ في بعض الكتب أنّ شيعة الحسين في الكوفة هم الذين دعوه ثمّ خانوه وقتلوه 61.
سؤال: هل كان مجبوراً على النهضة؟............................................... 65.
سؤال: لماذا اختلف دور الحسين عن دور الحسن مع قرب المدّة وتشابه الظروف، وما هو دور الإمام الحسين بعد الصلح؟ 68.
سؤال: كيف نردّ على مَنْ قال: إنّ الحسين اجتهد فأصاب وله أجران، ويزيد اجتهد وأخطأ فله أجر؟ 72.
سؤال: ما هي حقيقة رضّ جسم الحسين بخيول الأمويين؟ هل يصح أنّ الخيل قد تراجعت عن رضّ جسم الحسين مع أنّها لا تمتلك إرادة، أو أنّ الخيول تجرّأت على رضه؟......................................................... 76.
سؤال: هل تصح قضية الحفيرة التي حفرت لمسلم؟................................... 78.
سؤال: عن وقوف جواد الحسين وسؤاله القوم، هل أنّه لم يكن يعلم بالأرض؟............ 79.
سؤال: هل ما يحدث الآن للشعب العراقي من مشاكل ومآس هو نتيجة دعوة الإمام الحسين: (اللّهمّ فرّقهم تفريقاً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً...)؟ بل ما حدث على مرّ التاريخ................................................ 81.
سؤال: عن بعض الكتب النافعة في السيرة الحسينيّة.................................. 85.
سؤال: يقرأ الخطباء جملة (فخرجنَ من الخدور ناشرات الشعور)، فكيف يمكن تفسير ذلك من الناحية الشرعية ولزوم الستر؟ 86.
سؤال: كيف يوفّق بين قول الحسين: (إنّ الله حاميكنّ وحافظكنّ)، وبين أخذهنّ سبايا؟.. 88.
سؤال: أين قبر السيدة زينب؟..................................................... 90.
سؤال: عن صوم يوم عاشوراء ما هو الأصل فيه؟ ما هو الرأي الشرعي، ولماذا يصومه بعض المسلمين؟ 95.
سؤال: عن موضوع زواج أو عقد القاسم............................................ 98.
سؤال: ماذا لو لم يخرج الحسين ضدّ يزيد؟......................................... 102.
سؤال: هل يجوز تمثيل الواقعة الحسينيّة سينمائياً أو غير ذلك؟........................ 105.
سؤال: عن وجود الإمام الباقر في كربلاء وبعدها، وكيف يمكن تفسير قول الحسين لزينب عن السجاد: (أحبسيه لئلاّ ينقطع نسل آل محمّد)، أفلا يعتبر الباقر من نسل الرسول؟........................................... 106.
سؤال: أحداث المعركة أخذت زمناً طويلاً......... فهل هي أكثر من يوم؟........... 107.
سؤال: ما معنى كلمة الإمام الحسين بالنسبة إلى نسائه: (شاء الله أن يراهنّ سبايا) على أقتاب المطايا؟ هل فيها دلالة على 108.
سؤال: ما هي الفوائد المترتّبة على زيارة الإمام الحسين؟.............................. 111.
سؤال: هل التقى الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري؟....................... 115.
سؤال: هل كانت أُمّ البنين موجودة بعد كربلاء؟................................... 120.
سؤال: كيف يمكن تقييم حركة المختار الثقفي وشخصيته؟........................... 126.
الفهرس الإجمالي
مقدّمة 5
1- السيرة الحسينيّة وضرورة تنقيحها 9
أهمية سير الأبطال في المجتمعات 11
أهمية السيرة الحسينيّة 12
تنقيح السيرة الحسينيّة 13
مصادر السيرة الحسينيّة 18
2- أسئلة في السيرة والثورة الحسينيّة 27
ملاحظات على قضايا تأريخية 115
3- ملحقات 131
1- شهداء الفتح الحسيني 133
2- المصير الأسود لمجرمي كربلاء 143
* المصادر 153
* فهرس الأسئلة 157
* الفهرس الإجمالي 159
للمؤلِّف :
1 - طلب العلم فريضة.
2 - الهجرة مستقبل أفضل.
3 - حجر بن عدي.. الثائر الشهيد.
4 - مفهوم التقية في الإسلام.
5 - عن الجهاد والثورة في حياة أهل البيتعليهمالسلام .
6 - بناء القادة في منهج أهل البيتعليهمالسلام .
7 - الحياة الشخصية عند أهل البيتعليهمالسلام .
8 - نظام الإدارة الدينية عند الشيعة الإمامية.
9 - التشكيك.. وكيف واجهه أهل البيتعليهمالسلام .
10 - رجال حول أهل البيتعليهمالسلام 1/2.
11 - نساء حول أهل البيتعليهمالسلام .
12 - من قضايا النهضة الحسينيّة.. أسئلة وحورات (بين يديك).